Advertisement

الإيمان والحياة يوسف القرضاوي

الإيمان والحياة
د. يوسف القرضاوي



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه (وبعد) ..
فإن قضية "الإيمان" ليست أمراً على هامش الوجود، يجوز لنا أن نغفله أو نستخف به، أو ندعه في زوايا النسيان، كيف وهي أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره؟ بل أجد قضية الإيمان هي أعظم "قضية مصيرية" بالنظر إلى الإنسان.
إنها سعادة الأبد أو شقوته، إنها لجنة أبداً أو لنار أبداً، فكان لزاماً على كل ذي عقل أن يفكر فيها ويطمئن إلى حقيقتها.
وقد فكر الكثيرون من أولي الألباب، وانتهى كل منهم إلى إثبات العقيدة في الله بطريقه الخاص.
فمنهم من استند إلى صوت الفطرة في أعماقه (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) (إبراهيم:10). (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (الروم:30).
ومنهم من استند على مبدأ "السببية" الذي يقرر أن كل صنعة لابد لها من صانع، وكل حادث لابد له من محدث، وكل حركة لابد لها من محرك، وكل نظام لابد وإن يكون وراءه منظّ?م، وهذا المبدأ ثابت ثبوت الأوليات البديهية في العقول.
ومنهم من ناقش المسألة مناقشة حسابية، رياضية، فانتهى إلى أن الأضمن لحياته، وما بعد حياته: أن يؤمن بالله وبالآخرة والبعث والجزاء. وفي مثل هذا يقول الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري:
قال المنجم والطبيب كلاهمِا
لا تبعث الأموات ، قلت : إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكِِما
وقال الفيلسوف الرياضي "باسكال":
"إما أن تعتقد أن الله موجود أو لا تعتقد ذلك، فماذا تختار؟ إن عقلك لعاجز كل العجز أن يختار، وإنها للعبة جارية بينك وبين الطبيعة، رمى فيها كل منكما بسهمه، ولابد أن يربح أحد السهمين .. فوازن بين كل ما يمكن أن تربح، وما يمكن أن تخسر. إذا راهنت بكل ما تملك على ظهور السهم الأول -أي على وجود الله- فإذا كسبت الرهان، فقد حصلت على سعادة أبدية. فإذا أخفقت فسوف لا تفقد شيئاً مهماً … فلست تخاطر إلا بشيء فإن، وكل غرم فإن، -ولو كان محقق الوقوع- متحمل ومعقول".
ونحن نزيد على هذا فنقول: إن الذي يؤمن بالله والدار الآخرة لا يخاطر بدنياه الفإنية ليربح اخوته الباقية … كلا، إنه بإيمانه يربح الحياتين معاً، ويفوز بالحسنيين في الدنيا والآخرة جميعا. وصدق الله العظيم: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) (النساء:134) (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، ولدار الآخرة خير) (النحل: 30).
إن العبادات التي فرضها الدين إنما هي وسائل لتزكية نفس المؤمن وترقية روحه، وما أقل ما يبذل فيها من جهد، إلى جنب ما يكسب وراءها من خير.
وإن المحرمات التي حظرها عليه الدين، إنما صان بتحريمها عقله وخلقه ونفسه وماله وعرضه ونسله، فهو إنما (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف: 157).
والدين إذا حرم على الناس شيئاً عوَّضهم ما هو خير منه، مما لا يشتمل على مفسدة الشيء المحرم.
إن المؤمن لم يخسر شيئاً بعبادة الله سبحانه، واتقائه ما حرم الله عليه، وإنما ربح الهدى والاستقامة على الحق، والثبات على الخير، والاستعلاء على الشهوات، وربح بعد ذلك هدوء النفس وطمأنينة الحياة.
وفي عصرنا هذا أصبح الناس يجرون وراء المنفعة لاهثين، حتى أن كثيراً منهم ليرون الحق فيما ينفعهم لا فيما يطابق الواقع أو ما تقوم البراهين على صحته.
وقد قام مذهب برأسه ينادي بأن "المنفعة مقياس الحقيقة" ويصر على أن المهم من كل شيء هو نتائجه وما يترتب عليه من آثار في حياتنا العملية.. وعلى أن الصدق ليس هو مطابقة الخبر للواقع، بل انسجامه مع ما يقع، وهكذا، فكل شيء يحكم عليه بما يتبعه من نتائج، فإن كانت هذه النتائج متناسبة مع أغراضنا، ومع ما نريد من مقدماتها، كانت خيراً وصدقاً وحقاً. وإن كانت غير ذلك كانت شراً وكذباً وباطلاً، ولا يوصف الفعل بحسن ولا قبح، ولا يوصف القول بالصدق والكذب حتى تعرف ثمرته (مقتبس من خاتمة الدكتور محمود حب الله لكتابي "إرادة الاعتقاد" و "العقل والدين" لوليم جيمس.) هذا هو مذهب "البراجماتزم".
ونحن لا نخشى هذا المذهب على عقيدتنا -وإن كنا لا نوافق عليه في الجملة- فإننا نوقن أن أنفع شيء للناس هو الحق، وإن أضر شيء بالناس هو الباطل، وقد ضرب القرآن مثلاً للحق بالماء السائل والمعدن النافع، وللباطل بالزبد الرابي على وجه الماء حين يسيل به الوادي، أو الرغوة المنتفخة على وجه المعدن حين يوقد عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع.
ثم قال تعالى معقباً على هذا التمثيل: (كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال) (الرعد : 17).
والذي يمكث في الأرض هو الحق، وهو الذي عبر عنه القران بِ (ما ينفع الناس) إنه ينفعهم مادياً ومعنوياً، ينفعهم أجساماً وعقولاً وقلوباً، وينفعهم أفراداً وجماعات، وينفعهم دنيا وآخرة.
إننا إذا وافقنا على اعتبار المنفعة في الجملة فإننا نختلف مع الماديين في قياس المنفعة، وتحديد نوعها ومداها. نحن لا نقيس المنفعة بالكم وبالمادة فحسب، ولا نعتبر المنفعة الفردية وحدها، بل ندخل في اعتبارنا الكم والكيف والمادة والروح، والفرد والمجتمع جميعاً.
بل نحن لا نقصر المنفعة على الحياة العاجلة هنا، بل نضع في حسابنا دائماً الحياة الآخرة حياة الخلود التي أعدت للإنسان وأعد لها الإنسان.
هذه السطور تمهيد لابد منه، لبيان غرضنا من تأليف هذا الكتاب: "الإيمان والحياة" (هذا الكتاب هو الذي سبق أن أعلنت عنه بعنوان "العقيدة والحياة" ولكني آثرت أن أستعمل الكلمة التي استعملها القرآن الكريم في التعبير عن العقيدة وهي كلمة "الإيمان" ولا شك أن إيحاءها أعمق وأقوى).
إننا نريد أن نلقي بعض الضوء على الآثار المباركة للدين في حياة الإنسان. مقتصرين على الدين في جانبه العقدي. الدين باعتباره إيماناً بالله وبرسالاته، وبالدار الآخرة وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب.
وفي هذا الكتاب سنتبين بوضوح تلك الفرية الظالمة، التي زعمت أن الدين مخدر للشعوب. أو معوق للحياة، كما يزعم الماركسيون.
أجل، لو أننا احتكمنا إلى مقياس المنفعة وحدها، ورضينا منطق الذين لا يعتنقون فكرة إلا لمصلحة، ولمصلحة دنيوية فحسب، لوجدنا الدين -مع هذا- ثقيل الميزان مبين السلطان، فقد أثبت التاريخ والاستقراء لحياة البشر أن الدين ضرورة لا غنى عنها: ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتزكو نفسه. وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك ويرتفع ويرقى.
والفرد بغير دين ولا إيمان ريشة في مهب الريح لا نستقر على حال، ولا تعرف لها وجهة، ولا تسكن إلى قرار مكين. الفرد بغير دين ولا إيمان إنسان ليس له قيمة ولا جذور، إنسان قلق متبرم حائر، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدرى من ألبسه ثوب الحياة. ولماذا ألبسه إياه، ولماذا ينِزعه عنه بعد حين؟! وهو بغير دين ولا إيمان: حيوان شره أو سبع فاتك، لا تستطيع الثقافة ولا القانون -وحدهما- أن يحدا من شراهته، أو يقلما أظفاره.
والمجتمع بغير دين ولا إيمان مجتمع غابة. وإن لمعت فيه بوارق الحضارة. الحياة والبقاء فيه للأشد والأقوى، لا للأفضل ولا للأتقى مجتمع تعاسة وشقاء وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم.. مجتمع تافه رخيص، لأن غايات أهله لا تتجاوز شهوات البطون والفروج. فهم: (يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) (محمد : 12).
و (العلم) المادي وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس، لأن العلم يرقي الجانب المادي للحياة، فيختصر الشقة البعيدة، والزمن الطويل، إلى مدة أقصر، ولهذا سموا عصرنا هذا"عصر السرعة" أو عصر "التغلب على المسافات".
ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه عصر "الفضيلة" أو عصر " الطمأنينة" أو عصر "السعادة للبشر"؟
إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة، ولكنه لم يهده إلى غاياتها، إنه زين له ظاهرها. ولكنه لم يصله بأعماقها، وما أتعس الإنسان إذا أغرقته الوسائل فذهل عن الغايات. وإذا شغل بالسطح عن القاع، وبالقشر عن اللباب!.
العلم المادي أعطى الإنسان أدوات كثيرة، ولكنه لم يعطه "قيمة" كبيرة أو "هدفا" رفيعاً يحيا له ويموت عليه.
ذلك أن هذه ليست وظيفة العلم وليست من اختصاصه. وإنما ذلك من اختصاص الدين.
ولقد رأينا من المفكرين والفلاسفة من لا يؤمنون بالله ولكنهم يؤمنون بالإيمان بالله! أي يعتقدون بنفع هذا الإيمان باعتباره قوة هادية موجهة، وقوة مؤثرة دافعة، وقوة منشئة خلاقة.
لم يستطع هؤلاء أن يجحدوا ما للإيمان بالله من طيب الأثر في نفس الفرد وفي حياة المجتمع، فقال بعضهم: لو لم يكن الله موجوداً لوجب علينا أن نخلقه!! أي نخترع للناس إلهاً يؤمنون به! ويلتمسون رضاه، ويخافون حسابه، حتى ترتدع الأنفس الشريرة، وتستقيم أخلاق الجماهير.
وقال آخر: لم تشككون في الله. ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي؟!
ونحن لا نوافق على منطق هؤلاء في عمومه، فإن الحق أحق أن يتبع مهما تكن نتيجته، والأباطيل يجب أن تطارد كيفما كانت العاقبة. ولكن الذي يعنينا من قول هؤلاء -وهم خصوم الدين وأعداء الإيمان- أن أثر الدين والإيمان في النفس والحياة لا يمكن أن يكابر فيه إنسان منصف، ولو كان من خصوم الإيمان.
إن الحقيقة يجب أن تحترم لذاتها، وإن لم تجلب نفعاً، أو تدفع ضرراً، فكيف إذا كان من ورائها أعظم المنافع، وأطيب الثمرات؟!
ووجود الله تعالى وتفرده بالسلطان والتدبير واستحقاق العبادة، وبعثة النبيين وصدق ما أخبروا به عن الحياة الآخرة - كل هذا حق قامت الأدلة على صدق ثبوته، والإيمان به واجب، لأنه حق. ومع أنه حق، فقد نيط به صلاح الظاهر والباطن، ورقي الفرد والمجتمع، وسعادة الدنيا والآخرة.
ونحن حين نتحدث .عن ثمرات الإيمان وآثاره في النفس والحياة إنما نعني الإيمان القوي الدافق. الإيمان حين يبلغ مداه، ويشرق على القلوب سناه، ويخط في أعماق النفوس مجراه، لا نتحدث عن الإيمان الضعيف المزعزع، الإيمان المخدر النائم، إنما نتحدث عن الإيمان الحي اليقظ. ولا يضيرنا أن أصحاب هذا الإيمان قليلون، فإننا نناقش هنا الماديين الذين يشككون في قيمة الإيمان. ليتعلموا أن الإيمان الذي يحاربونه كلما زاد عمقه في القلوب، وسلطانه على النفوس، ازداد أثره المبارك في حياة الأفراد والجماعات.
وإذا كان هذا أثر الإيمان عموماً، فإن الإيمان الإسلامي خصوصاً أكثر نفعاً وأطيب ثمراً، فإن الإيمان في الأديان الأخرى قد علق به ما شابه وكدر صفاءه، وربما أمكن أن يؤخذ من تعاليم بعض الأديان، أو من سلوك رجالها، بأنها عدو للحياة أو أفيون للشعوب. كما زعم "كارل ماركس" اليهودي، وتلقفها الببغاوات هنا، فرددوها ترديد الحاكي، دون بصر ولا تمييز، فإن الدين هنا غير الدين هناك، والمجتمع هنا غير المجتمع هناك.
إن عقيدة الإسلام عقيدة تتسع للروح والمادة، والحق والقوة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة، إنها عقيدة التوحيد التي تغرس في النفس الكرامة والحرية، وتجعل الخضوع لغير الله كفراً وفسقاً وظلماً، وتأبى على الناس أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.
وإذا كان للدين وللإيمان هذا الأثر في كل بلاد الدنيا، فإن أثره عميق، وضرورته أعظم في بلادنا الإسلامية والعربية خاصة.
إن لكل قفل محكم أصيل مفتاحاً معيناً، مهما تحاول فتحه بغيره كانت محاولاتك عبثاً لا فائدة منه، ولا طائل تحته. إلا إضاعة الوقت والجهد في تجارب فاشلة.
ومفتاح الشخصية الإسلامية والعربية على وجه خاص هو الدين، هو الإيمان، هو عقيدة الإسلام.
ومهما نحاول أن نذكي هذه الشخصية، وأن نفجر طاقاتها المكنونة بغير مفتاحها الأصيل -وهو الدين والإيمان- فإننا نحاول عبثاً، كمن يبنى على الماء أو يكتب في الهواء.
بعقيدة الإسلام انطلق العرب من جزيرتهم، يخرجون العالم من الظلمات إلى النور، ويؤدبون بسيوفهم الأكاسرة والقياصرة، وكل من صعَّر خده من الجبابرة، وينقلون الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الخالق، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان والظلام إلى عدل الإسلام.
وبعقيدة الإسلام انتصرت أمتنا العربية على أوروبا، وقد جاءت بقضها وقضيضها في تسع حملات صليبية، تريد أن تلتهم الأخضر واليابس في هذا الشرق المسلم.
وبعقيدة الإسلام انتصرت على غزو التتار الذين زحفوا على هذا الشرق كالريح العقيم (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) (الذاريات: 42) وكادوا يدمرون الحضارة الإنسانية كلها، لولا أن قيَّض الله لهم من مسلمي مصر والشام من ردهم على أعقابهم وهزموهم بإذن الله في "عين جالوت". وكانوا مفتاح النصر صيحة أطلقها القائد المملوكي "قطز" فهزت المشاعر، واستثارت العزائم: وأيقظت الهمم، وهبت بها على المقاتلين نسمات الجنة. تلك هي الصيحة التاريخية "واإسلاماه".
وأمتنا العربية اليوم تحارب عدواً شريراً يجثم على صدمها، ويحتل قلب ديارها، ويهدد وجودها وكيانها بالتفتيت والتمزيق، ذلك هو "إسرائيل" التي تمدها وتعاونها كل قوى الكفر في العالم شرقية وغربية.
ولن نجد -في حربنا مع هذا العدو- سلاحاً أمضى ولا أبقى من الإيمان. إنه لابد من العتاد الحربي والقوة المادية التي أمرنا الله بإعدادها، لنرعب بها عدو الله وعدونا، لكن السلاح لا يعمل إلا يدي بطل، والبطل لا يصنعه إلا الإيمان.
ولقد فتن أقوام منا بالمذاهب المادية الحديثة التي قذفنا بها الغرب، والتي لا تجعل لله ولا للآخرة مكاناً في الحياة، ولا تعترف بالدين إلا باعتباره خادماً وأداة يمكن استخدامها -عند الضرورة- لاسترضاء الجماهير المتدينة أو إلهائها أو استثارتها لغرض موقوت.
ومن أجل ذلك نُحّ?ي الدين والإيمان عن مكانه في قيادة الأمة وتربيتها. وعُزل عن التعليم والثقافة والتوجيه والإعلام، وعن سائر ميادين حياتنا الفكرية والعملية الاجتماعية والسياسية، إلا بعض رسوم ومظاهر وقشور أبقيت للدين لا تسمن من شبع ولا تغني من جوع.
فلما قامت المعركة القريبة في "5/6/1967" بيننا وبين عدونا كان معنا سلاح كثير وإيمان قليل، فلم يغن عنا السلاح شيئاً، لم تغن الدبابات والطائرات والأساطيل وقواعد الصواريخ، لأن هذه الأسلحة -على حداثتها وضخامتها- لم يقم عليها رجال مؤمنون. ورحم الله المتنبي حين قال:
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا
إذا لم يكن فوق الكرام كرام
وهذه حقيقة -على مرارتها وقسوتها- يجب أن تكون لدينا الشجاعة لنعترف بها، ونتخذ من هذه التجربة درساً وعبرة، ونبني حياتنا على أساس من الإيمان ومقتضياته ونغير ما به نفسنا، ليغير الله ما بنا، وإلا فسنظل كالثور في الساقية.
إن عدونا يجند أبناءه على أساس ديني، ويقذف بهم في قلب المعارك بأحلام دينية تدور حول مجد إسرائيل، وملك سليمان: ونبوءات التوراة فكيف ننكر نحن دور الإيمان، وننحّ?ي المؤمنين ، بل نضطهدهم ونعذبهم! ونلقى بشعارات "النصر للثوار" و "الغلبة للجماهير" وأمتنا لا تعرف إلا أن "النصر للمؤمنين، والعاقبة للمتقين" (انظر في هذا، كتاب "درس النكبة الثانية: لماذا انهزمنا وكيف ننتصر؟" للمؤلف).
ألا إن كل عمل يوجه ضد الدين والإيمان في بلادنا إنما هو عمل عدائي موجه إلى صميم كياننا ومقومات حياتنا، وجذور نهضتنا.
"نحن قوم مؤمنون" وهذا الإيمان هو أساس شخصيتنا، وسر قوتنا، ورافع رايتنا، هو سر مجدنا في الماضي، وباعث انتفاضتنا في الحاضر، ومناط آمالنا في المستقبل.
"نحن قوم مؤمنون" وهذه قضية بديهية ، يجب أن يلتقي على حمايتها وتثبيتها وإشاعتها قلم الكاتب، ولسان الخطيب، وفكر الفيلسوف، ووجدان الشاعر، وريشة المصور، وتقنين المشرّ?ع، وسلطان الحاكم، وقوة الجيش، ورقابة الشعب.
يجب أن يرعاها الأب في البيت، والمعلم في المدرسة، والأستاذ في المحاضرة، والأديب في القصة، والصحفي في الخبر، والمؤلف في الكتاب، وكل ذي فن في فنه.
إن كل ثغرة تفتح في أي جانب من جوانب حياتنا الثقافية والفنية والعملية لتصوب منها سهام الشك أو الجحود إلى صدر الإيمان، تعد خيانة عظمى لأمتنا وخروجاً سافراً على مبادئها، ومروقاً من صفوفها، وانضماماً إلى ألد أعدائها، وتعويقاً لما تقوم به الجوانب الأخرى من جهاد إيجابي بناء.
وإني لعلى يقين أن كلمة الإيمان ستعلو وتنتصر، وإن كلمة الكفر والشك ستكون هي السفلى، وصدق الله العظيم: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) (إبراهيم: 24 - 26).
المؤلف


الباب الأول : الإيمان الذي نعنيه
الفصل الأول- حقيقة الإيمان
مفهوم الإيمان الذي نعنيه
ما الإيمان الذي نعنيه في هذه الدراسة، ونحاول تجلية أثره في النفس والحياة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتضح إلا إذا عرفنا مفهوم الإيمان، ومتعلق الإيمان، أما مفهوم الإيمان ومعناه، فإنه ليس مجرد إعلان المرء بلسانه أنه مؤمن، فما أكثر المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (البقرة: 8، 9).
وليس هو مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر اعتيد أن يقوم بها المؤمنون، فما أكثر الدجالين الذين يتظاهرون بالصالحات، وأعمال الخير، وشعائر التعبد، وقلوبهم خراب من الخير والصلاح والإخلاص لله: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلاً) (النساء:142).
وليس هو مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان، فكم من قوم عرفوا حقائق الإيمان، ولم يؤمنوا: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) (النمل: 14) وحال الكبر أو الحسد أو حب الدنيا بينهم وبين الإيمان بما علموه من بعد ما تبين لهم الحق: (وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (البقرة:146).
إن الإيمان في حقيقته ليس مجرد عمل لساني ولا عمل بدني، ولا عمل ذهني.
إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها، كلها من إدراك وإرادة ووجدان.
فلا بد من إدراك ذهني تنكشف به حقائق الوجود على ما هي عليه في الواقع، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم.
ولابد أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حد الجزم الموقن، واليقين الجازم، الذي لا يزلزله شك ولا شبهة: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (الحجرات: 15).
ولابد أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي، وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لحكم من آمن به مع الرضا والتسليم: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (النساء: 65) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون) (النور:51) (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب: 36).
ولابد أن يتبع تلك المعرفة، وهذا الإذعان حرارة وجدانية قلبية، تبعث على العمل بمقتضيات العقيدة، والالتزام بمبادئها الخلقية والسلوكية والجهاد في سبيلها بالمال والنفس، ولهذا نجد القرآن الكريم يصف المؤمنين فيقول: (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً) (الأنفال: 2 - 4).
والقرآن الكريم يعرض دائماً الإيمان في أخلاق حية، وأعمال ناصعة، يتميز بها المؤمنون، من الكفرة والمنافقين (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون...) الآيات (المؤمنون: 1 - 5).
وقال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون) (الحجرات: 15).
يقول شهيد الإسلام الأستاذ "سيد قطب" رحمه الله في تفسير هذه الآية من "ظلال القرآن":
"فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه، لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب، في واقع الحياة، في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس? فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن، يريد به أن يحقق الصورة المضيئة التي في قلبه، ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس، والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني وواقعه العملي، وكذلك عدم استطاعته التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف فلابد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله. حتى تنتهي هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية" (في ظلال القرآن ص 26).
هذه العناصر والمقومات التي ذكرتها هي التي تكون "الإيمان الحق" وإن شئت قلت "العقيدة الحقة" وإذا فقد بعض هذه العناصر فإن ما بقى منها لا يستحق أن يسمى "إيماناً" أو "عقيدة".
يمكن أن تسمى "فكرة" أو "نظرية" أو "رأياً" أو أي عنوان من هذه العناوين، أما الإيمان الحق فهو الذي تشرق شمسه على جوانب النفس كلها، فتنفذ إليها أشعتها حاملة الضوء والحرارة والحياة. أجل تنفذ هذه العقيدة إلى العقل فتقنعه وتطمئنه، وإلى القلب فتهزه وتحركه، وإلى الإرادة فتدفعها وتوجهها، وإذا اقتنع العقل، وتحرك القلب، واتجهت الإرادة، استجابت الجوارح، واندفعت للعمل، استجابت الرعية للراعي المطاع.
ويعجبني ما كتبه في هذا المقام الأستاذ أحمد أمين رحمه الله مفرقاً بين الرأي والعقيدة (في كتاب فيض الخاطر ج 1) قال: "فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده، إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل في أعماق قلبك.
ذو الرأي فيلسوف، يقول: "إني أري صواباً ما قد يكون في الواقع باطلاً، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غداً، وقد أكون مخطئاً فيه وقد أكون مصيباً".
أما ذو العقيدة فجازم بات، لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق، لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غداً، خرجت عن أن تكون مجالاً للدليل (هذا بعد الاقتناع والتصديق. أما قبل ذلك فالإسلام لا يرضى من المسلم إلا أن يكون اعتقاده قائماً على أساس الدليل والبرهان، ولا يعبأ بإيمان المقلد، وسنبين بعد في مزايا العقيدة الإسلامية أنها "عقيدة مبرهنة") وسمت عن معترك الشكوك والظنون.
ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامة هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأى غيره خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس، لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته.
ذو الرأي سهل أن يتحول ويتحرر، هو عند الدليل، أو عند المصلحة تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله: "لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته".
الرأي جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقي عليه العقيدة من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض، والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة أن تتوالد على سطحه. والرأي سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق.
الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد. والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ، وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح".
محتوى الإيمان الذي نعنيه
ولا يكفي أن نعرف حد الإيمان ومفهومه حتى نعرف محتواه ومتعلقه. فلابد أن نعرف أي إيمان نعني في دراستنا هذه؟
إن الناس قد ابتذلوا كلمة "الإيمان" فوضعوها في غير موضعها، فأصبحنا نقرأ عن إيمان "بالشيوعية"، وإيمان "بالوجودية"، وإيمان "بالقومية" وإيمان "بالوطن"، وإيمان "بالثورة"، وإيمان بغير ذلك مما ابتدع البشر لأنفسهم مما لم يأذن به الله.
وليقل الناس ما شاءوا، فلن يضيرنا ذلك إذا عرفنا نحن الإيمان الذي نريد. إنه الإيمان الذي لا تدل هذه الكلمة على غيره عند إطلاقها، الإيمان "الديني" الذي صحب البشرية منذ طفولتها، ولم يفارقها في صباها وشبابها وكهولتها، ولم يزل سلطانه مهيمناً على الكثير من تصرفاتها وأعمالها.
إنه الإيمان الذي يتجسد في خاتمة العقائد السماوية، عقيدة الإسلام، كما بينها القرآن الكريم، وهدي الرسول العظيم، متمثلة في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
هذه العقيدة هي التي تحل لغز الموجود، وتفسر للإنسان سر الحياة والموت وتجيب عن أسئلته الخالدة : من أين؟ وإلى أين؟ ولم؟ هذه العقيدة ليست من مستحدثات الإسلام، ولا مما ابتكره محمد عليه الصلاة والسلام، إنها العقيدة المصفاة، التي بُعث بها أنبياء الله جميعاً، ونزلت بها كتب السماء قاطبة، قبل أن ينال منها التحريف والتبديل، إنها الحقائق الخالدة التي لا تتطور ولا تتغير، عن الله وعن صلته بهذا العالم .. ما يبصره منه وما لا يبصره، وعن حقيقة هذه الحياة ودور الإنسان فيها وعاقبته بعدها. إنها الحقائق التي علمها آدم لبنيه، وأعلنها نوح في قومه، ودعا إليها هود وصالح، عاد وثمود، ونادى بها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وغيرهم من رسل الله، وأكدها موسى في توراته، وداود في زبوره، وعيسى في إنجيله.
كل ما فعله الإسلام، هو أنه نقى هذه العقيدة من الشوائب الدخيلة، وصفاها من الأجسام الغريبة، التي أدخلتها العصور عليها، فكدرت صفاءها وأفسدت توحيدها بالتثليث والشفاعات، واتخاذ الأرباب من دون الله، وأفسدت تنِزيهها بالتشبيه والتجسيم، ونسبة ما في البشر من قصور ونقص إلى الله تعالى علواً كبيراً، وشوهت نظرتها إلى الكون والحياة والإنسان، وعلاقته بالله ووحيه وما جاء به من تعاليم? كما عوض الإسلام هذه العقيدة عرضاً جديداً، يليق بالرسالة التي اقتضت حكمة الله أن تكون خاتمة الرسالات الإلهية? وأن تكون غاية لكل البشر? إلى قيام الساعة.
جاءت عقيدة الإسلام فنقت فكرة التوحيد وكمال الألوهية مما شابها على مر العصور? ونقت فكرة النبوة والرسالة مما عراها من سوء التصور.
ونقت فكرة الجزاء الأخروي مما دخل عليها من أوهام الجاهلين? وتحريف المغالين وانتحال المبطلين? ودجل المشعوذين.
والعناصر الأساسية لهذه العقيدة هي الإيمان بالله? والإيمان بالنبوات? والإيمان بالآخرة.
ويمكن أن نجمل في الإيمان: الإيمان بالله واليوم الآخر? والإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده? والإيمان بوحدانيته? والإيمان بكماله.
وجود الله تعالى
لقد قامت الأدلة على أن وراء هذا الكون قوة عليا تحكمه وتديره وتشرف عليه، سماها أحدهم «العلة الأولى» وسماها غيره «العقل الأول» وسماها ثالث «المحرك الأول» وسماها القرآن العربي المبين، وكتب السماء بهذا الاسم الجامع لصفات الجمال والجلال «الله».
هذه القوة العليا، وبعبارة أخرى: هذا الإله العظيم، ليس في استطاعة العقل البشرى إدراك كنهه، ولا معرفة حقيقته، كيف وقد عجز عن معرفة كنه ذاته وعن كنه النفس وحقيقة الحياة وكثير من حقائق الكون المادية من كهربية ومغناطيسية وغيرها؟ وما عرف إلا آثارها، فكيف يطمع في معرفة ذات الله العلي الكبير؟ (ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (الأنعام: 102، 103).
هذا الإله ليس إله فصيلة محدودة، ولا إله شعب خاص، ولا إله إقليم معين. وإنما هو (رب العالمين) (الفاتحة: 2 وكثير من السور) (رب السموات والأرض) (الكهف: 14) (رب المشرق والمغرب) (الشعراء: 28) (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) (الأنعام: 164).
ولنستمع إلى ما قصه القرآن علينا من حوار موسى وفرعون ليتبين لنا شمول ربوبيته سبحانه وتعالى:
(قال فرعون: وما رب العالمين * قال: رب السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين * قال لمن حوله: ألا تستمعون؟ * قال: ربكم ورب آبائكم الأولين * قال: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون) (الشعراء: 23 -28).
وقد دلل القرآن على وجود الله بطرق عديدة:
1.      فيلفت العقول والأذهان إلى ما في الكون من آيات تنطق بأن وراءها صانعاً حكيماً. وهو قانون بديهي عند العقل الذي يؤمن بمبدأ «السببية» إيماناً طبيعياً لا يحتاج إلى اكتساب أو تدليل: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (البقرة: 164).
2.      هذا الخلق لابد له من خالق، وهذا النظام لابد له من منظم: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض؟) (الطور: 35، 36) (قال: فمن ربكما يا موسى؟ * قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 49، 50).
ويستثير الفطرة الإنسانية السليمة التي بها يدرك المرء إدراكاً مباشراً أن له رباً وإلهاً قوياً عظيماً يكلؤه ويرعاه. (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 30).
وإذا اختفت هذه الفطرة في ساعات الرخاء واللهو فإنها تعود إلى الظهور عند الشدة والبأساء، وسرعان ما يذوب الطلاء الكاذب، وينكشف المعدن الأصيل في النفس البشرية، فتعود إلى ربها داعية متضرعة: (هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيِبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) (يونس: 22).
وتبدو هذه الفطرة حين يفاجأ الإنسان بالسؤال عن مصدر هذا الكون ومدبره فلا يملك بفطرته إلا أن ينطق معلنا «الله»: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (العنكبوت: 61) (قل من يرزقكم من السماء والأرض؟ أمن يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله، فقل: أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون) (يونس: 31، 32).
ويستشهد القرآن بالتاريخ الإنساني على أن الإيمان بالله وبرسله كان سفينة النجاة لأصحابه، وأن التكذيب به وبرسله كان نذير الهلاك والبوار، ففي نوح يقول: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين) (الأعراف: 64). وفي هود يقول: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) (الأعراف: 72). وفي صالح وقومه ثمود يقول: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) (النمل:52، 53).
وفي رسل الله جميعاً يقول تعالى مخاطبا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (الروم:47).
إنما الله إله واحد
وهو تعالى إله واحد ليس له شريك، ولا له مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد) (سورة الإخلاص). (وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (البقرة: 163).
وكل ما في الكون من إبداع ونظام يدل على أن مبدعه ومدبره واحد، ولو كان وراء هذا الكون أكثر من عقل يدبر، وأكثر من يد تنظم، لأختل نظامه: واضطربت سننه، وصدق الله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون) (الأنبياء: 22)، (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون) (المؤمنون: 91).
هو تعالى واحد في ربوبيته، فهو رب السموات والأرض ومن فيهن وما فيهن، خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يدعي أنه الخالق أو الرازق أو المدبر لذرة في السماء أو في الأرض (وما ينبغي لهم وما يستطيعون) (الشعراء: 211).
وهو تعالى واحد في ألوهيته، فلا يستحق العبادة إلا هو، ولا يجوز التوجه بخوف أو رجاء إلا إليه. فلا خشية إلا منه، ولا ذل إلا إليه، ولا طمع إلا في رحمته، ولا اعتماد إلا عليه ولا انقياد إلا لحكمه. والبشر جميعاً -سواء أكانوا أنبياء وصديقين أم ملوكاً وسلاطين- عباد الله، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فمن ألَّه واحداً منهم، أو خشع له وحنى رأسه، فت جاوز به قدره? ونزل بقدر نفسه.
ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى الناس كافة وإلى أهل الكتاب خاصة: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) (آل عمران:64).
ومحمد نبي الإسلام لم يقل القرآن عنه إلا أنه: (رسول قد خلت من قبله الرسل) (آل عمران: 144). ولم يقل هو عن نفسه إلا أنه "عبد الله ورسوله" (في الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله").
والأنبياء جميعاً ليسوا -في نظر القرآن- إلا بشراً مثلنا، اصطفاهم الله لحمل رسالته إلى خلقه، ودعوتهم إلى عبادته وتوحيده، ولهذا كان النداء الأول في رسالة كل واحد منهم: (يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) (انظر الأعراف: 59، 65، 73، 85، وانظر هود: 50، 61، 84 وغيرها) وفي هذا يقول القرآن: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: 36)، (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء: 25).
ومن الضلال المبين أن يزعم زاعم، أو يفتري مفتر على هؤلاء الأنبياء: أن أحداً منهم دعا الناس إلى تأليهه أو تقديس شخصه ... (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون؟) (آل عمران: 79، 80).
ومن هنا كان عنوان العقيدة الإسلامية يتمثل في هذه الكلمة العظيمة التي عرفت لدى المسلمين بكلمة «التوحيد» وكلمة «الإخلاص» وكلمة «التقوى» وهي: «لا إله إلا الله».
كانت "لا إله إلا الله" إعلان ثورة على جبابرة الأرض وطواغيت الجاهلية، ثورة على كل الأصنام والآلهة المزعومة من دون الله: سواء أكانت شجراً أم حجراً أم بشراً.
وكانت «لا إله إلا الله» نداءً عالمياً لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان والطبيعة وكل من خلق الله وما خلق الله.
وكانت «لا إله إلا الله» عنوان منهج جديد، ليس من صنع حاكم ولا فيلسوف، إنه منهج الله الذي لا تعنو الوجوه إلا له، ولا تنقاد القلوب إلا لحكمه ولا تخضع إلا لسلطانه.
وكانت «لا إله إلا الله» إيذاناً بمولد مجتمع جديد، يغاير مجتمعات الجاهلية، مجتمع متميز بعقيدته، متميز بنظامه، لا عنصرية فيه ولا إقليمية ولا طبقية، لأنه ينتمي إلى الله وحده، ولا يعرف الولاء إلا له سبحانه.
ولقد أدرك زعماء الجاهلية وجبابرتها ما تنطوي عليه دعوة «لا إله إلا الله» من تقويض عروشهم والقضاء على جبروتهم وطغيانهم وإعانة المستضعفين عليهم، فلم يألوا جهداً في حربها، وقعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجاً.
لقد كانت مصيبة البشرية الكبرى أن أناساً منهم جعلوا من أنفسهم أو جعل منهم قوم آخرون آلهة في الأرض أو أنصاف آلهة، لهم يخضع الناس ويخشعون، ولهم يركعون ويسجدون، ولهم ينقادون ويسلمون.
لكن عقيدة التوحيد سمت بأنفس المؤمنين فلم يعد عندهم بشر إلهاً، ولا نصف إله، أو ثلث إله، أو ابن إله، أو محلا حل فيه الإله!
ولم يعد بشر يسجد لبشر أو ينحني لبشر أو يقبل الأرض بين يدي بشر، وهذا أصل الأخوة الإنسانية الحقة. وأصل الحرية الحقة، وأصل الكرامة الحقة، إذ لا أخوة بين عابد ومعبود، ولا حرية لإنسان أمام إله أو مدعي ألوهية، ولا كرامة لمن يركع أو يسجد لمخلوق مثله أو يتخذه حكماً من دون الله.
قال أبو موسى الأشعري : انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين وقد قال له عمرو وعمارة -وهما مندوبا مشركي قريش بمكة إلى النجاشي- إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك، فقال جعفر بن أبي طالب: لا نسجد إلا لله!
فرغم أنهم مضطهدون ومهاجرون، وغرباء لاجئون، وهم في أرض هذا الملك وفي حوزته، أبوا أن يفرطوا في توحيدهم لحظة واحدة فيسجدوا لغير الله، وأعلنها جعفر كلمة أصبحت شعاراً لكل مسلم "لا نسجد إلا لله".
كمال الله تعالى
ولابد مع الإيمان بوجود الله ووحدانيته من الإيمان بأنه تعالى متصف بكل كمال يليق بذاته الكريمة، منِزه عن كل نقص: (لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد) (الإخلاص: 3، 4) (ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير) (الشورى: 11).
دل على ذلك: هذا الكون البديع وما فيه من إحكام عجيب، وهدت إلى ذلك الفطرة البشرة النيرة، وفصلت ذلك رسالات الله تعالى إلى أنبيائه.
فهو سبحانه العليم الذي لا يخفى عليه شيء: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا ورطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (الأنعام: 59).
وهو العزيز الفعال لما يريد، الذي لا يغلبه شيء، ولا يقهر إرادته شيء (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنِزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير) (آل عمران: 26).
وهو القدير الذي لا يعجزه شيء. يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويحيي العظام وهي رميم، ويعيد الخلق كما بدأهم أول مرة وهو أهون عليه: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) (الملك: 1).
وهو الحكيم الذي لا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يترك شيئاً سدىً، ولا يفعل فعلاً، أو يشرع شرعاً إلا لحكم، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. وهذا ما شهد به الملائكة هذا الملأ الأعلى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم) (البقرة: 32).
وما شهد به أنبياء الله وأولياؤه، وأولوا الألباب من عباده: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك) (آل عمران: 191).
وهو الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كل شيء، كما وسع علمه كل شيء، وقد حكى القرآن دعاء الملائكة (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) (غافر: 7) وقال: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء) (الأعراف : 156) وقد بدأ سور القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم» للدلالة على سعة رحمته وتقوية الرجاء في قلوب عباده، وإن تورطوا في الذنوب والآثام: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53).
الإله في الإسلام ليس بمعزل عن هذا الكون وما فيه ومن فيه كإله أرسطو الذي سماه «المحرك الأول» أو «العلة الأولى» ووصفه بصفات كلها «سلوب» لا فاعلية لها ولا تأثير، ولا تصريف ولا تدبير، فإن هذا الإله -كما صورته الفلسفة الأرسطية- لا يعلم إلا ذاته، ولا يدرى شيئاً عما يدور في هذا الكون العريض.
إله أرسطو والفلسفة اليونانية لم يخلق هذا الكون من عدم، بل العالم عندهم أزلي غير محدث ولا مخلوق.
وإله أرسطو لا صلة له بهذا العالم، ولا عناية له به، ولا يدبر أمراً فيه، لأنه لا يعلم ما يجري فيه مما يلج في الأرض أو يخرج منها، وما ينِزل من السماء أو يعرج فيها. كل ما يقوله أرسطو ومن تبعه عن الإله أنه ليس بجوهر ولا عرض وليس له بداية ولا نهاية، وليس مركباً ولا جزءاً من مركب وليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وهذه السلبيات لا تجعل الإله كائناً يرجى ويخشى، ولا تربط الناس بربهم رباطاً محكماً يقوم على المراقبة والتقوى والثقة والتوكل والخشية والمحبة.
هذا الإله المعزول عن الكون -الذي عرفه الفكر اليوناني، وعنه انتقل إلى الفكر الغربي الحديث- لا يعرفه الإسلام، وإنما يعرف إلهاً (خلق الأرض والسموات العلا * الرحمن على العرش استوى * له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى) (طه: 4 - 8) (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم) (البقرة: 255).
الإله في الإسلام هو خالق كل شيء، ورازق كل حي، ومدبر كل أمر، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمة، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، يسمع ويرى، ويعلم السر والنجوى (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) (المجادلة: 7).
له الخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويرزق من يشاء بغير حساب.
له ما في السموات وما في الأرض م?لكاً ومُلكاً (الأولى بكسر الميم والثانية بضمها). لا يملك أحد مثقال ذرة في السموات والأرض، وما لأحد فيهما من شرك، الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، والأرض وما عليها ممهدة بقدرته، مسيرة بمشيئته، وفق حكمته.
هو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ثم يجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله، وهو الذي سخر الفلك لتجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وهو الذي جعل الأرض ذلولاً ليمشى الناس في مناكبها ويأكلوا من رزقه.
كل من في السموات والأرض خلقه وعباده، الملائكة في السموات، والجن والإنس في الأرض، كلهم في قبضة قدرته، وطوع مشيئته: الملائكة جنده المطيعون بفطرتهم، (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (الأنبياء: 27). (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (التحريم: 6).
والجن والأنس -وإن أعطاهم الحرية والاختيار- لا يخرجون عن مشيئته وسلطانه، لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ومن تمرد منهم على العبودية له اليوم فسوف يعترف بها غداً (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدَّهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) (مريم: 93 - 95).
هو -تعالى شأنه- مع عباده جميعاً بعلمه وإحاطته: (وهو معكم أين ما كنتم) (الحديد:4) وهو مع المؤمنين خاصة بتأييده ومعونته: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (النحل: 128) (وأن الله مع المؤمنين) (الأنفال:19).
الكون كله عاليه ودانيه، صامته وناطقه، أحياؤه وجماداته كله خاضع لأمر الله، منقاد لقانون الله، شاهد بوحدانيته وعظمته، ناطق بآيات علمه وحكمته، دائم التسبيح بحمده، (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً) (الإسراء: 44).
إن تسبيح الكون لله، وسجوده لله، حقيقة كبيرة، عميت عنها أعين، وصمت عنها آذان، ولكنها تجلت للذين ينظرون بأعين بصائرهم، ويسمعون بآذان قلوبهم، فإذا هم يرون الوجود كله محراباً، والعوالم كلها ساجدة خاشعة، ترتل آيات التسبيح والثناء على العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال) (الرعد:15) (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) (الحج: 18) (سبح لله ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم * له ملك السموات والأرض، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير * هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم) (الحديد: 1 - 3).
الإيمان بالنبوات
والإيمان بالنبوة ليس بالأمر العجيب بعد الإيمان بكمال الله وحكمته ورحمته ورعايته للكون وتدبيره للعالم، وتكريمه للإنسان، بل هذا الإيمان فرع عن ذلك ولابد، فما كان الله ليخلق الإنسان، ويسخر له ما في الكون جميعاً، ثم يتركه يتخبط على غير هدى، بل كان من تمام الحكمة أن يهديه سبيل الآخرة كما هداه سبيل الحياة الدنيا، وأن يهيئ له زاده الروحي، كما هيأ له زاده المادي، وأن ينِزل الوحي من السماء ليحيي به القلوب والعقول، كما أنزل من السماء ماء لتحيا به الأرض بعد موتها.
ما كان من الحكمة أن يترك الإنسان لنفسه تتنازع الفرد قواه وملكاته المختلفة، وتتنازع الجماعة أهواؤها ومصالحها المتضاربة، وإنما كانت الحكمة في عكس هذا. كانت الحكمة في إرسال رسله بالبينات، ليهدوا الناس إلى الله، ويقيموا الموازين بالقسط بين العباد.
ولهذا استنكر رسل الله من قومهم أن يعجبوا لإرسال الله رسولاً عنه يبلغهم بأمره ونهيه، فيقول نوح: (يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون) (الأعراف: 61 - 63).
ويقول هود لقومه ما يقرب من هذه المقالة.
ويقول القرآن رداً على المشركين الجاحدين برسالة محمد: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، قال الكافرون: إن هذا لساحر مبين) (يونس: 2).
والهداية بالوحي هي أعلى مراتب الهداية التي منحها الله للإنسان.
فهناك الهداية الفطرية الكونية، وهي التي عبر عنها أحد العلماء حين قيل له: متى عقلت؟ قال: منذ نزلت من بطن أمي، جعت فالتقمت الثدي وتألمت فبكيت!!.
وهذه الهداية ليست خاصة بالإنسان، بل تشمل الحيوان والطير والحشرات وهي التي عبر عنها بالوحي في شأن النحل (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون) (النحل: 68)، بل هي منبثة في أجزاء الكون كله: في النبات الذي يمتص غذاءه من عناصر الأرض بنسب محدودة وقدر معلوم، وفي الكواكب التي يسير كل منها في مداره الذي لا يتعداه، وفق قانون لا يتخطاه (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) (يس: 40) فهي هداية عامة للمخلوقات علويها وسفليها، ولهذا ذكر لنا القرآن جواب موسى لفرعون قال: (فمن ربكما يا موسى * قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 49، 50). وقال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدَّر فهدى) (الأعلى: 1 - 3).
والمرتبة الثانية للهداية مرتبة الحواس الظاهرة كالسمع والبصر والشم والذوق، والباطنة كالمجوع والعطش والفرح والحزن، وهذه المرتبة أرقى من الأولى، ففيها نوع من الانتباه، وقدر من الإدراك، وإن كانت لا تسلم من الخطأ، كما نرى في السراب الذي يحسبه الرائي ماء، وفي الظل الذي يظنه ساكناً وهو متحرك.
والمرتبة الثالثة: هداية العقل بملكاته وقواه المختلفة، وهو أرقى رتبة من الحواس وإن كان كثيراً ما يعتمد على الحس في الحكم والاستنباط. وبذلك يتعرض للخطأ. كما يتعرض له في ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج. والعقل في عملياته العليا من خصائص الإنسان، التي تفرد بها عن الحيوان.
والمرتبة الرابعة: هي هداية الوحي، وهي التي تصحح خطأ العقل، وتنفى وهم الحواس، وترسم الطريق إلى ما لا سبيل للعقل أن يصل إليه وحده، وترفع الخلاف فيما لا يمكن أن تتفق عليه العقول.
(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة: 213).
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25) (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (النساء: 165).
والإيمان بالنبوة والرسالة يتضمن في حناياه معاني عديدة:
1.           فمعناه الإيمان بحكمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، فحكمة الحكيم ورحمة الرحيم هما اللتان اقتضتا ألا يترك الناس سدى، وألا يعذبوا قبل البلاغ والتبشير والإنذار، وألا يتركوا للخطف يأكلهم دون حكم يرجعون إليه: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) (القيامة: 26) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء: 15) (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (البقرة: 213).
2.           ومعناه الإيمان بوحدة الدين عند الله، وأن دين الله في جميع الأماكن والأزمان واحد لا يتغير، وإن تغيرت المناهج والشرائع باختلاف الأعمار. (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة: 136) (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (الشورى: 13).
ويصور رسول الإسلام موقفه من الأنبياء قبله، أنه ليس إلا اللبنة الأخيرة، في هذا الصرح الكبير، فيقول: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين".
3.           ومعناه الإيمان بمثل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق، وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس حقائق واقعة، وشخوصاً مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس، أو أماني في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس. وجمهور الناس ليسوا فلاسفة يؤمنون بالمجردات، وإنما يؤمنون ويتأثرون وينفعلون بما يشاهدون وما يحسون، ولهذا جعل الله الرسل إلى الناس بشراً مثلهم، لا ملائكة من غير جنسهم، لأن الإنسان لا يأنس إلا لمثله، ولا يقتدي إلا بمثله، ولا تقوم عليه الحجة إلا به. وقد استبعد المشركون أن يكون الرسول بشراً، وقالوا: منذ عهد نوح : (لو شاء الله لأنزل ملائكة) (المؤمنون: 24) وقالوا في عهد محمد: (أبعث الله بشراً رسولاً) (الإسراء: 94) فرد الله عليهم بقوله: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنِزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) (الإسراء: 95).
فالأنبياء ليسوا في نظر القرآن آلهة، ولا أنصاف آلهة، ولا أبناء آلهة، إنهم بشر مثلنا، من الله عليهم بنعمة الوحي، ليبلغوا رسالة الله للناس: (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (إبراهيم: 11).
الإيمان بالآخرة
أهذا ملخص قصة الحياة والإنسان؟ أرحام تدفع وأرض تبلع ولا شيء بعد هذا؟ أو كما عبر القرآن عن قوم: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) (المؤمنون: 37).
إذن فما سر هذا الشعور الخفي، والوجدان الكامن الذي يغمر فطرة الإنسان من قديم الزمن بأنه لم يخلق لمجرد هذه الحياة، ولتلك المدة القصيرة؟ ما سر هذا الشعور بأن الإنسان في هذه الدنيا غريب أو عابر سبيل وأنه ضيف يوشك أن يرتحل إلى دار إقامة؟
هذا الشعور الذي رأيناه عند قدماء المصريين فحنطوا -استجابة له- جثث الموتى، وبنوا الأهرام، والذي ظهرت آثاره في أمم شتى بأساليب مختلفة.
يقول الشيخ محمد عبده: "اتفقت كلمة البشر موحدين ووثنيين، نبيين وفلاسفة -إلا قليلا لا يقام لهم وزن- على أن لنفس الإنسان بقاء تحيا به بعد مفارقة البدن، وأنها لا تموت موت فناء -أي زوال مطلق- وإنما الموت المحتوم هو ضرب من البطون والخفاء، وإن اختلفت منازعهم في تصوير ذلك البقاء، وفيما تكون فيه، وتباينت مشاربهم في طرق الاستدلال عليه، فمن قائل بالتناسخ في أحياء البشر أو الحيوان على الدوام، ومن ذاهب إلى أن التناسخ ينتهي عندما تبلغ النفس أعلى مراتب الكمال، ومنهم من قال: أنها إذا فارقت الجسد عادت إلى تجردها عن المادة حافظة لما فيه لذتها أو ما به شقوتها. ومنهم من رأى أنها تتعلق بأجسام أثيرية ألطف من هذه الأجسام المرئية.
هذا الشعور العام بحياة بعد هذه الحياة والمنبعث في جميع الأنفس عالمها وجاهلها، وحشيها ومستأنسها، باديها وحاضرها، قديمها وحديثها، لا يمكن أن يعد ضلة عقلية، أو نزعة وهمية، وإنما هو من الإلهامات التي اختص بها هذا النوع. فكما ألهم الإنسان أن عقله وفكره هما عماد بقائه في هذه الحياة الدنيا -وإن شذ أناس منه أنكروا ذلك أو شكوا فيه- كذلك قد ألهمت العقول، وشعرت النفوس، أن هذا العمر القصير ليس هو منتهى ما للإنسان في الوجود، بل الإنسان ينِزع هذا الجسد، كما ينِزع الثوب عن البدن ثم يكون حياً باقياً في طور آخر، وإن لم يدرك كنهه.
ذلك الهام يكاد يزاحم البديهة في الجلاء، يشعر كل نفس أنها خلقت مستعدة لقبول معلومات غير متناسية من طريق غير محصورة، شيقة إلى لذات غير محدودة، ولا واقفة عند غاية، مهيأة لدرجات من الكمال لا تحدها أطراف المراتب والغايات".
ثم كيف يسيغ العقل أن ينفض سوق هذه الحياة وقد نهب فيها من نهب وسرق فيها من سرق، وقتل فيها من قتل. وبغى فيها من بغى، وتجبر من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى فأفلت ونجا .. أو تمكن من إخضاع الناس له بسيف القهر والجبروت؟
وفي الجانب الآخر: كم أحسن قوم، وضحوا وجاهدوا ولم ينالوا جزاء ما قدموا، إما لأنهم كانوا جنوداً مجهولين، أو لأن الحسد والحقد جعل الناس يتنكرون لهم بدل أن يعرفوا فضلهم، أو لأن الموت عاجلهم قبل أن ينعموا بثمرة ما عملوا من خير. وكم من قوم دعوا إلى الحق، واستمسكوا به، ودافعوا عنه، فوقف الظالمون في طريقهم، وأوذوا وعذبوا واضطهدوا وشردوا، وسقطوا صرعى في سبيله. وأعداؤهم الطغاة في أمن وعافية بل في ترف ونعيم.
ألا يسيغ العقل -الذي يؤمن بعدالة الإله الواحد- بل يطلب، أن توجد دار أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؟ هذا ما تنطق به الحكمة السارية في كل ذرة في السموات والأرض: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) (الدخان: 38 - 40) (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) (سورة ص: 27، 28).
(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون * وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) (الجاثية: 21، 22).
(ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) (النجم: 31).
أما بعث الأحياء بعد الموت فليس بعزيز على من خلقهم أول مرة : (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم) (الروم: 27).
بهذا الخلق الأول يستدل القرآن على إمكان البعث، كما يستدل عليه بمظاهر قدرة الله في عالم النبات: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) (الحج: 5 - 7) ويستدل القرآن على إمكان البعث بخلق الأجرام العظيمة في هذا الكون من السموات والأرض، وهي -لمن تأمل- أكبر من خلق الناس وأعظم: (أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم) (يس: 81) (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى، بلى إنه على كل شيء قدير) (الأحقاف: 33).
وبعد بعث الناس من قبورهم يكون الحساب الدقيق، والميزان العادل: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب) (غافر: 17) (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء: 47) وهناك ينقسم العباد إلى شقي وسعيد، (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعَّال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، عطاء غير مجذوذ) (هود: 106 - 108).
والجنة دار هيأها الله لمثوبة الصالحين من عباده، وأعد فيها من النعيم الروحي والمادي ما عبر الله عنه في الحديث القدسي "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" وأقرأوا إن شئتم قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) (السجدة: 17).
إن الحياة في هذه الدار هي الحياة الحقة، وإن نعيمها هو النعيم الذي يقصر الخيال البشري عن وصفه. إنه ليس نعيماً روحياً خالصاً، ولا نعيماً مادياً صرفاً، وإنما هو مزيج من الأمرين، ذلك أن الإنسان نفسه ليس روحاً مجردة، ولا مادة بحتاً، إنما هو مركب منهما، والإنسان في الآخرة امتداد لإنسان الدنيا، وإن اختلف الكيف والتفصيل، فلا عجب أن يكون في الجنة فاكهة ولحم وطيور وحور عين (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72).
والنار دار أعدها الله لعقوبة الفجار من الخلق. وهي تجمع العقوبتين المادية والروحية معاً .. فهناك العذاب الحسي (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب) (النساء: 56) وهناك العذاب النفسي الذي يتمثل في الهوان والخزي كقوله تعالى لهم: (اخسأوا فيها ولا تكلمون) (المؤمنون: 108).


الفصل الثاني - مزايا العقيدة الإسلامية
عقيدة واضحة
للعقيدة الإسلامية مزايا لا تتوافر لغيرها من العقائد:
فهي عقيدة واضحة بسيطة لا تعقيد فيها ولا غموض، تتلخص في أن وراء هذا العالم البديع انسق المحكم رباً واحداً خلقه ونظمه. وقدر كل شيء فيه تقديراً، وهذا الإله أو الرب ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد (بل له ما في السموات والأرض، كل له قانتون) (البقرة: 116).
وهذه عقيدة واضحة مقبولة، فالعقل دائماً يطلب الترابط والوحدة وراء التنوع والكثرة، ويريد أن يرجع الأشياء دوماً إلى سبب واحد.
فليس في عقيدة التوحيد ما في عقائد التثليث أو المثنوية ونحوها من الغموض والتعقيد الذي يعتمد دائماً على الكلمة المأثورة عند غير المسلمين "اعتقد وأنت أعمى".
عقيدة الفطرة
وهي عقيدة ليست غريبة عن الفطرة ولا مناقضة لها، بل هي منطبقة عليها انطباق المفتاح المحدد على قفله المحكم، وهذا هو صريح القرآن: (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّ?م ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 30). وصريح الحديث النبوي: "كل مولود يولد على الفطرة -أي على الإسلام- وإنما أبواه يهوّ?دانه أو ينصّ?رانه أو يمجّ?سانه" (متفق عليه). فدل على أن الإسلام هو فطرة الله، فلا يحتاج إلى تأثير من الأبوين.
أما الأديان الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية فهي من تلقين الآباء.
عقيدة ثابتة
وهي عقيدة ثابتة محددة لا تقبل الزيادة والنقصان، ولا التحريف والتبديل فليس لحاكم من الحكام، أو مجمع من المجامع العلمية، أو مؤتمر من المؤتمرات الدينية، أن يضيف إليها أو يحوّ?ر فيها، وكل إضافة أو تحوير مردودة على صاحبها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (متفق عليه) أي مردود عليه.
والقرآن يقول مستنكراً : (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (الشورى: 21). وعلى هذا فكل البدع والأساطير والخرافات التي دُست في بعض كتب المسلمين أو أشيعت بين عامتهم باطلة مردودة لا يقرها الإسلام ولا تؤخذ حجة عليه.


عقيدة مبرهنة
وهي عقيدة "مبرهنة" لا تكتفي من تقرير قضاياها بالإلزام المجرد والتكليف الصارم، ولا تقول كما تقول بعض العقائد الأخرى "اعتقد وأنت أعمى" أو "آمن ثم اعلم" أو "أغمض عينيك ثم اتبعني" أو "الجهالة أم التقوى" بل يقول كتابها بصراحة: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (البقرة: 111 والنمل: 64) ولا يقول أحد علمائها ما قاله القديس الفيلسوف المسيحي ( أوغسطين ): "أومن بهذا لأنه محال"! بل يقول علماؤها: إن إيمان المقلد لا يقبل.
وكذلك لا تكتفي بمخاطبة القلب والوجدان والاعتماد عليهما أساساً للاعتقاد بل تتبع قضاياها بالحجة الدامغة، والبرهان الناصع، والتعليل الواضح، الذي يملك أزمة العقول، ويأخذ الطريق إلى القلوب، ويقول علماؤها: إن العقل أساس النقل .. والنقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح.
فنرى القرآن في قضية الألوهية يقيم الأدلة من الكون ومن النفس ومن التاريخ على وجود الله وعلى وحدانيته وكماله.
وفي قضية البعث يدلل على إمكانه بخلق الإنسان أول مرة، وخلق السموات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ويدلل على حكمته بالعدالة الإلهية في إثابة المحسن، وعقوبة المسيء: (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) (النجم: 31).
عقيدة وسط
وهي عقيدة وسط لا تجد فيها إفراطاً ولا تفريطاً:
هي وسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم، وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله، بل يحلون روح الإله في الملوك والحكام بل في بعض الحيوانات والنبات مثل الأبقار والأشجار، فقد رفضت الإنكار الملحد، كما رفضت التعديد الجاهل، والإشراك الغافل، وأثبتت للعالم إلهاً واحداً، لا إله إلا هو: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله، قل أفلا تذكرون * قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله، قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله، قل فأنى تسحرون) (المؤمنون: 84 - 89).
وهي عقيدة وسط في صفات الإله:
فليس فيها الغلو في التجريد الذي يجعل صفات الإله مجرد أسلوب لا تعطي معنى، ولا توحي بخوف أو رجاء، -كما فعلت الفلسفة اليونانية- فكل ما وصفت به الإله أنه ليس بكذا وليس بكذا .. من غير أن تقول ما صفات هذا الإله الإيجابية؟ وما أثرها في هذا العالم؟
ويقابل هذا أنها خلت من التشبيه والتجسيم الذي وقعت فيه عقائد أخرى كاليهودية .. جعلت الخالق كأحد المخلوقين من الناس، ووصفته بالنوم والتعب والراحة، والتحيز والمحاباة والقسوة .. و .. وجعلته يلتقي ببعض الأنبياء فيصارعه فلم يتمكن الرب من الإفلات منه حتى أنعم عليه بلقب جديد! .
ولكن عقيدة الإسلام تقرر تنِزيه الله -إجمالاً- عن مشابهة مخلوقاته (ليس كمثله شيء، وهو السمع البصير) (الشورى: 11) (ولم يكن له كفواً أحد) (الإخلاص: 4) ومع هذا تصفه -تفصيلا- بصفات إيجابية فعالة (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم) (البقرة: 255).
(إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال? لما يريد) (البروج: 12 - 16).
وهي وسط بين التسليم الأبله الذي يأخذ عقائد الآباء بالوراثة، كما يرث عنهم العقارات والأملاك: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون) (الزخرف: 23)، وبين الذين يريدون أن يعرفوا كنه كل شيء حتى الألوهية وهم بعد لم يعرفوا كنه أنفسهم التي بين جنوبهم، ولا ماهية حياتهم وموتهم، ولا كنه شيء من القوى الكونية المحيطة بهم، فكيف يطمع العقل بعد ذلك في معرفة كنه الألوهية؟ وهل يعرف النسبي كنه المطلق؟ ويعرف المحدود حقيقة غير المحدود؟!
وهي مع هذا تفتح الباب للنظر في الكون والتفكر فيه، يقول الرسول: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا" (الحديث روي بألفاظ متعددة، من طرق مختلفة، بأسانيد كلها ضعيفة، ولكن تعددها واجتماعها يكسبها قوة، والمعنى صحيح كما قال السخاوي في المقاصد الحسنة) ويقول القرآن: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) (يونس: 101) (أولم يتفكروا في أنفسهم) (الروم: 8) (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) (الأعراف: 185) (وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (الذاريات: 20، 21).
وهي وسط في علاقتها بالعقائد الأخرى، فلا تقبل الذوبان في غيرها، بل تدعو في قوة إلى الثبات عليها والاستمساك بها: (فتوكل على الله، إنك على الحق المبين) (النمل: 79)، (فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم) (الزخرف:43) ولكنها لا تتعصب ضد غيرها من العقائد السماوية: (الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) (الشورى: 15) بل يتسع صدرها لما يخالفها: (لكم دينكم ولي دين) (الكافرون: 6) (لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) (يونس: 41).
تهيب بأصحابها أن يدعوا إليها: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله) (فصلت: 33) ولكنها لا ترض بإكراه أحد على اعتناقها: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256).
لا تقبل التهاون في موادة من يحاربونها ويضعون العراقيل في سبيلها وإن كانوا من ذوى القرابة القريبة: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (المجادلة: 22) ولكنها لا تقبض يد البر والمعونة عمن يخالفها ولا يعتدي على أهلها: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: 8).
وهي وسط بين الذين يتساهلون في إثبات العقائد فيقبلون الظنون والشكوك والأوهام، وهذا معين لا ينضب لقبول الخرافات والأساطير، وبين الذين لا يقبلون في العقيدة أي خطرة تمر بالذهن ثم تختفي، أو هاجس يهجس في النفس ثم يزول، لقد رفضت عقيدة الإسلام الظن في أصول العقيدة -فضلاً عن الشك أو الوهم- قال تعالى: (وما يتبع أكثرهم إلا ظناً، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) (يونس: 36) (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) (النجم: 23) (وما لهم به من علم، إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) (النجم: 28).
ومع هذا تسامحت في الخواطر التي لا يسلم منها العقل البشري، بل اعتبرتها أحياناً دليل يقظة العقل، ومظنة للطمأنينة وعلم اليقين. قال بعض الصحابة: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما لو أن نصير حمماً -فحماً محترقاً- أهون من أن نتكلم به -يعنون خطرات ترد عليهم في قضايا الألوهية- فقال النبي في صراحة وقوة: أو قد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان (رواه البخاري وغيره.).
ويروي الحاكم أن ابن عباس وابن عمر التقيا، فقال ابن عباس: أي آية في كتاب الله أرجي؟ فقال ابن عمر: قول الله: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى؟ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) (البقرة: 260). فرضي منه بقوله (بلى)، فهذا لما يعترض في الصدر مما يوسوس به الشيطان.
إنها وسوسة الشيطان سرعان ما يطردها إلهام الملك في قلب المؤمن، إنها طيف يلوح ثم يختفي، وهاجس يهجس ثم يزول بإسلام الوجه لله. والاعتصام بهداه، وتلاوة آياته: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (آل عمران: 101) (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى، وإلى الله عاقبة الأمور) (لقمان: 22).
وهي وسط في أمر النبوة، فلم ترفع الأنبياء إلى مقام الألوهية، فيتجه الناس إليهم بالعبادة أو الاستعانة مع الله، كما اعتقد أهل الملل في أنبيائهم، ولم تنِزل بهم إلى مستوى السفلة من الناس، فتنسب إليهم ارتكاب الموبقات، وفعل المنكرات من شرب للمسكرات: واتباع للشهوات، بل قتل للنفوس في سبيلها -كما رأينا في وصف أسفار العهد القديم للأنبياء.
وإنما الأنبياء في عقيدة الإسلام بشر أصفياء، علم الله طيب معادنهم، وحسن استعدادهم، فأنزل وحيه عليهم: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (الأنعام: 124) وجعلهم أسوة لأتباعهم وعصمهم من قبائح الذنوب ودنيء الأعمال، حتى لا يتوجه إليهم وعيد الله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون) (البقرة: 44) وحتى يكونوا أهلاً لعهد الله (قال لا ينال عهدي الظالمين) (البقرة: 124).
وهي عقيدة وسط في قضية الإرادة الإنسانية، قضية الجبر والاختيار، تلك القضية التي حار العقل البشري في الوصول إلى رأي فيها، وتنازع فيها الفلاسفة وعلماء الأخلاق والنفس والتربية وغيرهم منذ تفلسف الإنسان إلى اليوم.
عقيدة الإسلام في هذا هي العقيدة الوسط المطابقة للفطرة السليمة والواقع المشاهد، فالإنسان -في دائرة أعماله الاختيارية- حر مسئول عن نفسه وعمله، له أن يفعل وأن يترك، أن يقدم وأن يحجم كما تشهد بذلك بديهته وإحساسه، وكما تشهد نصوص القرآن (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29) (إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) (المزمل: 19) (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) (المدثر: 37) (من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها) (الجاثية: 15) (لا تكلَّف نفس إلا وسعها) (البقرة: 233) إلى غير ذلك من آيات تبلغ المئات، كلها تقرر حرية الإنسان ومسئوليته عن عمله.
ولم يكتف القرآن بهذا التقرير الإيجابي، ولكنه حمل بقوة على الجبريين الذين يلقون بشركهم وأوزارهم على كاهل القدر، محتجين بمشيئة الله فقال: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) (الأنعام: 148).
(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (النحل: 35).
(وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إن أنتم إلا في ضلال مبين) (يس: 47).
ولكن الإنسان -كما هو الواقع- ليس مطلق الإرادة، كامل الاختيار، بحيث يفعل كل ما يشاء، وينفذ كل ما يريد، ولو فعل لكان إلها.
ولن يستطيع أحد -مهما بلغ من الانتصار للحرية الإنسانية- أن ينكر هذه المحدودية لإرادة البشر، فقد حكموا فيه الوراثة، أو البيئة أو كليهما وقال بعضهم: "الإنسان حر في ميدان من القيود"، حتى أولئك الماديون الجدليون قيدوه بوسائل الإنتاج، وظواهر الاقتصاد، فنزلوا بالإنسان إلى أحط مستوى من "الجبرية" حين جعلوه عبداً خاضعاً لمظاهر المادة. لا سيداً مهيمناً عليها كما يقرر الإسلام.
هذه الحقيقة المتفق عليها قررها الإسلام في صورة أشرف وأكرم للإنسان، فهو حر مختار في دائرة ما رسم الله للوجود من سنن، يجريها بعلمه وحكمته ومشيئته على أجزاء الكون كله، ومنها هذا الإنسان، فهو حر لأن الله أراد له الحرية. أو هو يشاء، لأن الله هو الذي قدر له أن يشاء: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (الإنسان: 30).
فالقرآن -بجانب ما يقرره من حرية الإرادة الإنسانية- يذكر الجانب الآخر، جانب الإرادة الإلهية النافذة، والقدرة الإلهية القاهرة: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) (يونس: 99) (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) (الكهف: 23، 24) (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (الإسراء: 30) (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (فاطر: 8) (قل كل من عند الله) (النساء: 78).
والقرآن قد أدى للحقيقة حقها من كل جوانبها، فلم يغمط الألوهية حقها، كما لم يعد بالإنسان قدره. وكان بشموله واتساع نظرته كتاب العالم كله وكتاب الزمن كله.
يقول الأستاذ الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة :
"إن القرآن كتاب موجه للإنسانية كلها، وهو ينطبق على جميع طوائف هذه الإنسانية ويعبر عن ذلك تماماً، فالمتدين الورع، الذي قد نفذ في كيانه الشعور العميق أنه مخلوق فيريد أن يخرج عن حوله وقوته وينسب الخير لله والشر لنفسه، أو يرى أن ينسب كل شيء لله نسبة ميتافيزيقية لا مادية يجد في القرآن ما يناسبه ذلك. من مثل: (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (النساء: 79) (قل كل من عند الله) (النساء: 78).
والمتدين المعتز بفعل الخير، المعترف بمسئوليته في فعله للشر، يجد ما يرضي شعوره بذاته، ويتفق مع العدالة التي يتصورها. من مثل: (من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها) (فصلت: 46، الجاثية: 15) (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8).
والمذنب المسرف على نفسه يجد إذا تاب وأناب ما يبدد يأسه ويطمئنه على مصيره. من مثل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53).
والناظر نظرة فلسفية ميتافيزيقية عميقة يجد ما يلائم نظرته..
والخاسر الذي يزعم أنه هالك قد قضى عليه بالشر والشقاء يجد ما يقرر وصف حاله.
فالقرآن ليس موجها للسذج ولا للمصرين على النظر إلى شيء واحد وعلى النظر من جانب واحد، بل هو موجه إلى الإنسانية المتطورة، السائرة في تطورها نحو الكمال والفكر ونحو النظرة الموحدة" (من تعقيبات الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة على كتاب "تاريخ الفلسفة في الإسلام" لديبور ص 69).


الباب الثاني : أثر الإيمان في حياة الفرد
تمهيد
هل نستطيع أن نحدد أهم ما يريده الفرد لنفسه، وما ينشده في حياته؟ وما الذي تتطلع إليه نفسه، ويسعى جاهداً لتحقيقه من الأهداف الكبيرة والغايات البعيدة؟
نعم نستطيع، أن نحدد ذلك إذا نظرنا إلى أنفسنا ونظرنا إلى البشر من حولنا، واستقرأنا أحوال البشر في تاريخهم القريب والبعيد..
نستطيع أن نحدد ذلك إذا عرفنا أن مقصودنا من الفرد هو الإنسان السوي لا الشاذ، الإنسان السليم لا المختل المشوه المشوش.
إن الفرد يريد أن يشعر بإنسانيته، ويحيا بخصائصها. يريد أن يحس بكرامته وذاتيته، وأن له وزناً وقيمة في هذا الوجود، يريد أن يشعر أن لوجوده غاية. ولحياته رسالة، وأنه شيء مذكور بين،أشياء هذا الكون العديدة. وأنه مخلوق متميز عن القرود والدواب والحشرات، وأنه لم يخلق في هذه الأرض عبثاً، ولا أُعطي العقل وعُلم البيان اعتباطاً.
الفرد ينشد الكرامة، وينشد معها القوة .. القوة تجاه الطبيعة، وتجاه الأحداث، القوة أمام طغيان الغير، وأمام شهوات النفس، على حد سواء. القوة على تحقيق الغايات وأداء الواجبات، القوة التي تعوض الفرد عن ضعفه الجسدي، وعجزه الخلقي وقصوره الذاتي، إزاء الأقدار، وإزاء الموت، وإزاء المجتمع بقواه الكبيرة المتنوعة.
وهو -مع هذا- ينشد شيئا آخر. يلهث الناس جميعاً في البحث عنه: إنه ينشد السعادة، ينشدها في هذه الحياة لا في الحياة الأخرى فحسب .. لا يريد أن يقضي أيامه المقدرة له في هذه الدنيا شقياً تعيساً. يريد أن يعيش حياته ناعماً بسكينة النفس، وطمأنينة القلب. يريد أن يتمتع بالأمن الداخلي يغمر جوانحه، وبالرضا الذاتي يملأ عليه أقطار روحه، وبالأمل المشرق يضيء له آفاق حياته، وبالحب الكبير يغمر بالنور والضياء كل حناياه، وكل جوانب دنياه.
هذه هي أهم وأعظم ما ينشده "الإنسان" السوي لنفسه ولكل من يحب من أهله ومن الناس.
أما الشواذ الذين يريدون أن يعيشوا ليأكلوا ويتمتعوا كما تتمتع الأنعام، ثم ينفقوا (نفقت الدابة: هلكت) أخيراً كما تنفق الأنعام أيضاً.
وأما الذين يريدون أن يعيشوا كالذئاب والسباع، تعدو وتسطو وتتسلط على غيرها بمنطق الناب والمخلب وتجد لذة في هذا السطو والعدوان.
أما هؤلاء وأولئك وأمثالهم، فليسوا مقياساً لكل البشر .. ومع هذا لا يبعد أن يفيق أحدهم أو يصحو .. ليفتش عن نفسه: أين هي؟ وعن ذاته: ما هو؟ ويبحث -مع البشر الأسوياء- عن الكرامة والقوة، عن السعادة والسكينة، عن المعاني الإنسانية الرفيعة، التي بدونها لا يجد الإنسان ذاته، ولا يتذوق لحياته طعماً، ولا يشعر لوجوده بمعنى أو قيمة.
فهل للإيمان أثر في تحقيق هذه المعاني الكبيرة، والأهداف العميقة، في حياة الفرد؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفصول التالية من هذا الكتاب إن شاء الله.


الفصل الأول- الإيمان وكرامة الإنسان
(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء:70)
الإنسان في نظر الماديين
ما الإنسان؟
إنه في نظر الماديين قبضة من تراب هذه الأرض. من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل والى الأرض يعود!!
هو كتلة من اللحم والدم والعظام والأعصاب والأجهزة والغدد والخلايا وما العقل والتفكير إلا مادة يفرزها المخ، كما تفرز الكبد الصفراء، أو كما تفرز الكلية البول! هو كائن ليس له أهمية ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة على هذه الأرض، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره إنه «تطور» بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان!!.
والأرض التي يحيا عليها الإنسان، إن هي إلا كوكب صغير ضمن المجموعة الشمسية، التي هي مجموعة من مجاميع ضخمة كبيرة كثيرة يضمها عالم الأفلاك، تعد بمئات الملايين.
هكذا أنبأنا الفلك الحديث، وعرفنا من "كوبرنيكس" أن الإنسان شيء ضئيل في الكون الكبير ..هذا من حيث المكان.
أما من حيث الزمان، فقد جاء «دارون» وجاء الجيولوجيون فأثبتوا لنا أن الإنسان شيء تافه أيضاً من حيث الزمان، فإن عمر الأرض يمتد إلى مئات الملايين من السنين، فما قيمة أي مائة أو حتى مئات من الأعوام يعيشها الإنسان؟
تلك هي قيمة الإنسان بالنسبة إلى المكان وإلى الزمان في نظر الماديين.
إنهم لا يميزونه بما يسميه غيرهم «الروح اًلإلهي» أو «النفس الناطقة» إنه ليس إلا هذا الهيكل المادي وهذا الجسم الحيواني.
وما قيمة هذا الجسم، وهذا الهيكل الذي هو الإنسان؟.
"إن أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان زنته مائة وأربعون رطلاً (140) وغلغلنا النظر في تكوينه وجدنا بدنه يحتوى على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع (7) قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع (7) أقلام رصاص.
قدر من الفوسفور يكفي لصنع رؤوس (120) عود ثقاب.
قدر من ملح المغنيسيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات!
وهذه المواد تشترى من الأسواق بمبلغ من المال يساوي خمسين أو ستين قرشاً مصرياً!!.
وتلك هي قيمة الإنسان المادية (من كتاب "نظرات في القرآن" للأستاذ محمد الغزالي).
لا روح هنالك ولا نفحة من السماء يختص بها هذا الكائن الفذ!!
يقول أحد ملاحدة العرب المعاصرين:
"هل نحن فكرة أكثر من كون الحشرات فكرة؟! نحن لا نساوي أكثر من أنفسنا، وكذلك الحشرات. ونحن لا نريد إلا أن نحقق أنفسنا، وكذلك أيضاً الحشرات؟!.
والفرق بيننا وبين الحشرات هو فرق التفوق فقط. وفرق التفوق بيننا وبين أرقى حيوان. لا يفوق كثيراً فرق التفوق بين أدنى حشرة وأرقى حيوان!
ماذا نفقد أو يفقد الكون أو تفقد الشمس والقمر بفقدنا أنفسنا؟!
وليس ما ذهب إليه دارون وفرويد وأمثالهما من الماديين بأفضل من هذه النظرة إلى الإنسان. إنه عندهم أخو الحشرات، وصنو القرود! إنهم لا يبصرون فيه إلا القشرة والغلاف، ولا يعرفون فيه إلا الطين والحمأ المسنون! فهو مخلوق من طبيعته الانجذاب إلى أسفل، وليس الرقي إلى أعلى. من طبيعته الهبوط إلى الأرض، وليس الارتفاع إلى السماء. هو -بعبارة موجزة- "حيوان متطور" ترقى من طور إلى طور حتى بلغ ما هو عليه. فالحيوانية في الإنسان قشرته ولبه، ولحمته وسداه!
فأي إيحاء للنفس الإنسانية أسوأ من هذا الإيحاء أثراً؟ أن يرى الإنسان نفسه مخلوقاً هابطاً .. حيواناً .. طيناً وحمأ! إنه لا يستغرب من نفسه الانحدار والتلوث والإسفاف ولا يستنكف من القذارة والأوحال أن يتمرغ فيها، ويتلطخ بها، بل المستغرب منه أن يتعفف ويتطهر، وأن يحيا نظيفاً مستعلياً على الشهوات، والمطامع المادية باذلاً النفس والمال في سبيل الحق، ابتغاء رضوان الله.
الإنسان في نظر المؤمنين
أما الإنسان في نظر المؤمنين فهو مخلوق كريم على الله، خلقه ربه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكل ما في الكون له ولخدمته. أما هو فجعله تعالى لنفسه.
يقول الله تعالى في بعض الآثار الإلهية: "ابن آدم، خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له،ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب. ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتني فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
حقاً إن الإنسان شيء ضئيل بالنسبة لسعة الكون من حيث حجمه وحياة جسمه، ولكنه من حيث روحه وكيانه المعنوي شيء كبير، وهل الإنسان في الحقيقة إلا ذلك الروح وذلك الكيان المعنوي؟
ولله در القائل:
دواؤك فيك وما تبصر
وداؤك منك وما تشعِر!!
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر!
وحقاً أن الإنسان من حيث عمره القصير على الأرض ذرة في صحراء الأزمنة الجيولوجية البعيدة الضاربة في أغوار القدم -إن صح ما قالوا- ولكن المؤمنين: يوقنون أن الموت ليس نهاية الإنسان، إنه محطة انتقال إلى الأبد الذي لا نهاية له، إلى دار الخلود .. إلى حيث يقال للمؤمنين: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (الزمر: 73).
وإذا كانت هذه كرامة الإنسان هذا نظر الدين عامة، فله في الإسلام خاصة مكان أي مكان. تحدث القرآن عن الإنسان في عشرات بل مئات من آياته، وحسبنا أن أول فوج من آيات الوحي الإلهي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وكانت خمس آيات لم تغفل شأن الإنسان وعلاقته بربه - علاقة الخلق والتكريم. وعلاقة الهداية والتعليم، واختارت الآيات لفظ "الرب" لما يشعر به من التربية والرعاية والترقية في مدارج الكمال، هذه الآيات الأولى هذا القرآن هي قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 1 - 5)
مكانة الإنسان من الله
وفي آيات كثيرة من سور شتى، بين القرآن قرب الإنسان من الله، وقرب الله من الإنسان، ذلك القرب القريب الذي حطم أسطورة الوسطاء والسماسرة المرتزقين بالأديان، الذين جعلوا من أنفسهم «حجاباً» على "أبواب" رحمة الله الواسعة، والله يعلم إنهم كاذبون. قال الله في القرآن: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقرة: 186) (ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: 115) (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (سورة ق: 16) (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) (المجادلة: 7).
ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديثه عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني: إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وان تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وان أتاني يمشي أتيته هرولة" (رواه البخاري).
هذه مكانة الإنسان عند الله.
مكانة الإنسان في الملأ الأعلى
أما مكانته هناك في الملأ الأعلى -عند العوالم الروحية العلوية- فهي مكانة اشرأبت إليها أعناق الملائكة المقربين، وتطاولت إليها نفوسهم فما أوتوها. فإن الذي اختار الله له هذه المكانة -خلافة الله في الأرض- هو الإنسان: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون * وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم * قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) (البقرة: 30 - 33).
وقد أراد الله أن يكرم هذا النوع ويحتفي به، ويظهر مكانه في تلك العوالم الروحية، فأمر الملائكة أن تؤدي التحية لهذا الكائن الجديد، وتستقبله بانحناءة إجلال وإكبار: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس..) (سورة ص: 71 - 74).
لقد تمرد إبليس على أمر ربه بالتحية لهذا الإنسان، ودفعه الحسد والغرور أن أبى واستكبر وكان من الكافرين، واتخذ من الإنسان موقف التحدي والعداء، فماذا كانت عاقبة هذا العدو المبين؟ كانت كما ذكر القرآن قال: (فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (سورة ص: 77، 78).
وتلك هي مكانة الإنسان في العوالم الروحية.
مكانة الإنسان في هذا العالم المادي
أما مركز الإنسان في هذا الكون المادي العريض فهو مركز السيد المتصرف الذي سخر كل ما في هذا العالم لنفعه ولإصلاح أمره، وكأن كل شيء في هذا الكون قد "نُس?ج" من أجله و"فُصّ?ل" على "قَدّ?ه" تفصيلاً، (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 32 - 34) (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء:70) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12، 13).
(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20).
وتلك هي مكانة الإنسان في هذا الكون وصلته بما فيه.
وما الذي بوأ الإنسان هذه المكانة السامقة وفي الكون أجرام أضخم منه وأكبر؟
إنه سر القبس الذي هو فيه من نور الله، والنفخة التي فيه من روح الله.
تلك النفخة التي جعلته مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى. أمانة التكليف والمسئولية، تلك التي صورها القرآن تصويراً أدبياً رائعاً حين قال: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) (الأحزاب: 72).
هذا الاستعداد في الإنسان هو الذي جعل مصيره بيده - بعد أن يسر الله له سبل الهداية وأزاح عنه كل الأعذار: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (القيامة: 4) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29) (قد أفلح من زكَّاها * وقد خاب من دسَّاها) (الشمس: 9، 10) (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها) (الإسراء: 7).
لقد سما الإسلام بالإنسان فاعترف به كله، روحه وجسده، عقله وقلبه، إرادته ووجدانه، غرائزه الهابطة وأشواقه الصاعدة .. لم يضع في عنقه غلاً، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباً، ولم يغلق في وجهه باب خير، من لم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به، بل خاطبه خطاباً مباشراً (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) (الانفطار: 6 - 8). (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (الانشقاق: 6).
علماء الإسلام يشيدون بمكانة الإنسان
هذه صورة سريعة، ولكنها واضحة التقاسيم لمكانة الإنسان كما رسمها القرآن، وقد أشاد بهذه المكانة الإنسانية كل أئمة الإسلام وعلمائه في مختلف البيئات والاختصاصات.
يقول الفقيه أبو بكر بن العربي: "ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً، قادراً، متكلماً، سميعاً بصيراً، مدبراً، حكيماً".
وهذه هي صفات الرب جل وعلا..
ويشرح الإمام الغزالي في «إحيائه» أسباب محبة العبد لله تعالي، فيذكر منها المناسبة والمشابهة بين ذات الإنسان وذات الله عز وجل، وهي مناسبة باطنة "لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال، بل إلى معان باطنة، يجوز أن يذكر بعضها في الكتب، وبعضها لا يجوز أن يسطر". قال: "فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية، حتى قيل "تخلقوا بأخلاق الله" وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الألوهية من العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق، والنصيحة لهم، وإرشادهم إلى الحق، ومنعهم من الباطل، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة. فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى".
"وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي أختص بها الآدمي، فهي التي يومئ إليها قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي) (الإسراء:85) إذ بين إنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق. وأوضح من ذلك قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) (سورة ص: 72) ولذلك أسجد له ملائكته. ويشير إليه قوله تعالى: "إنا جعلناك خليفة في الأرض" (ص 26 والظاهر إنه يقصد آية البقرة: 30 (إني جاعل في الأرض خليفة) لما يبدو من تعقيبه على الآية) إذ لم يستحق آدم خلافة الله إلا بتلك المناسبة .. وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته" (رواه مسلم) حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس، فشبهوا، وجسموا، وصوروا، تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علواً كبيراً - وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى: "مرضت فلم تعدني! فقال: يا رب وكيف ذلك؟ قال: مرض عبدي فلان، فلم تعده، ولو عدته لوجدتني عنده".
وهذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى في الحديث القدس: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به.." (من كتاب "إحياء علوم الدين" ربع المنجيات هي 263) رواه البخاري.
ويقول الإمام ابن القيم: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه، وخلقه لنفسه وخلق له كل شيء، وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته -الذين هم أقل قربة- استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته، وظعنه وإقامته .. وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه واليه.. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات" (مدارج السالكين ج1 هي 210 مطبعة السنة المحمدية).
عزة الإيمان بعد عزة الإنسانية
هذه هي معاني الكرامة والعزة التي تغرسها العقيدة في قلب المؤمن باعتباره "إنساناً" ولكنه بوصفه "مؤمناً" يشعر بمعان أعمق، وعزة أشمخ، ويسمو به إيمانه إلى سماء عالية لا يسعى إليها على قدم ولا يطار على جناح؟
وهو بوصفه عضواً في أمة الإيمان - يشعر بكرامة أكبر وعزة أخرى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران: 110) (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) (البقرة: 143) (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78).
يشعر المؤمن بالعزة التي سجلها الله في كتابه للمؤمنين مقرونة بالعزة لنفسه ولرسوله، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (المنافقون: 8).
ويشعر بأنه كتب له الكرامة والحرية التي بها يعلو ولا يعلى، ويسود ولا يساد: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) (النساء:141).
ويشعر أن في ولاية الله البر الكريم، ولاية المعونة والنصرة، والرعاية والهداية. (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) (محمد: 11).
(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (البقرة: 257).
ويشعر المؤمن إنه في معية الله الذي يكلؤه دوماً بعينه التي لا تنام، ويحرسه في كنفه الذي لا يرام، ويمده بنصره الذي لا يقهر: (وأن الله مع المؤمنين) (الأنفال: 19) (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (الروم: 47) (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقاً علينا ننجي المؤمنين) (يونس: 103).
ويشعر المؤمن إنه في حماية الله القوي القدير، يذود عنه، ويرد عن صدره سهام الكائدين والمعتدين: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور) (الحج: 38).
والقرآن يجعل المؤمنين مقياساً لصلاح الأعمال أو فسادها، فحكمهم عند الله معتبر، ورؤيتهم للأعمال مقرونة برؤية الله ورسوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة: 105).
وإذا كانت هذه الآية توحي بأن رضا المؤمنين من رضا الله، فإن مقتهم أيضاً من مقت الله سبحانه: (كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا) (غافر: 35).
إن هذه المعاني الكبيرة، والمشاعر الرفيعة، إذا سرت في كيان فرد، جعلت منه إنساناً عزيزاً كريماً، كبير النفس، كبير الآمال، إنساناً لا يحني رأسه لمخلوق، ولا يطأطىء رقبته لجبروت، أو طغيان أو مال أو جاه. إن شعاره هذه الكلمة: "سيد في الكون، عبد الله وحده".
لا عجب بعد هذا، إذا رأينا عبداً أسود كبلال بن رباح، حين يشرب قلبه الإيمان، يتيه على "السادة" المتكبرين فخراً، ويرفع رأسه عالياً، فقد صار بالإيمان أرفع عند الله ذكراً، وأسمى مقاماً، ينظر إلى أمية بن خلف وأبي جهل ابن هشام وغيرهما من زعماء قريش وصناديد مكة، نظرة البصير للأعمى، نظرة السائر في النور إلى المتخبط في الدجى: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)؟ (الأنعام: 122) (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) (الملك: 22).
ولا غرو بعد ذلك إذا رأينا أعرابياً أمياً من البداة الجفاة، مثل ربعي ابن عامر حين باشرت قلبه عقيدة الإسلام، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم قائد قواد الفرس، وهو في هيله وهيلمانه، وأبهته وسلطانه، غير مكترث له: ولا عابِئ به، وبما حوله من خدم وحشم، وما يتوهج بجواره من فضة وذهب، حتى إذا سأله رستم: من أنتم؟ أجابه هذا الأعرابي في عزة مؤمنة، وإيمان عزيز، إجابة خلدها التاريخ، وقال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ولا عجب أن نقرأ لشاعر مؤمن يناجي ربه في عبودية عزيزة بالله، متذللة إليه، غنية بالله، فقيرة إليه، قائلاً
وممِِا زادني شرفِاً وعِزاً
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك «يا عبادي»
وإن أرسلت أحمد لي نبياً!
بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية للإنسان
إن اعتقاد الإنسان بكرامته على الله، ومكانه في الملأ الأعلى، ومركزه القيادي في هذا الكون، يشعر بذاته، ويغالي بقيمة نفسه لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود، فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبياً للضيم، عصياً على الذل والهوان، بعيداً عن الشعور بالتفاهة والضياع والعدم والفراغ. وهذا الإحساس الذي يعيش به المؤمن ليس شيئاً هيناً ولا بضاعة مزجاة، إنه كسب كبير ومغنم ضخم للإنسان، كسب له في عالم الشعور والتصور وفي عالم الواقع والسلوك..
وما أعظم الفرق بين رجلين: يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه إنه مجرد (حيوان) من فصيلة راقية ليس له قبل حياته جذور، وليس له بعد موته امتداد، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير أكثر من صلة القرود به. ويعيش الآخر يعتقد أنه خليفة الله في الأرض ونائبه في إقامة الحق وإفاضة الحب وإشاعة الجمال في هذا الكون! ويشعر بأن الكون كله في خدمته، والملائكة الكرام في حراسته، وأن رب الوجود في معيته، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن وجوده لا ينتهي بالموت وداره لا تنتهي بالقبر، فإنما خلق للخلود وللابد الذي لا ينقطع ولا يزول.
إن هذا الشعور الأصيل الذي بلغ حد الاعتقاد واليقين بمنزلة الإنسان في الكون هو أحد النقاط الرئيسية التي تخالف فيها عقيدة الإسلام التفكير المادي الذي يسود حضارة الغرب اليوم في النظرة إلى الإنسان.
إن المغايرة بين النظرتين تتمثل في أمور جوهرية ثلاثة:
1.      في منزلة الإنسان في هذا الكون.
2.      وفي طبيعته التي فطر عليها.
3.      وفي غايته ووظيفته في هذه الحياة.
منزلة الإنسان
فالعقيدة الإسلامية قد حددت منزلة الإنسان في هذا الكون منذ قال الله تعالى للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 30) كما ذكرنا من قبل، فهو نوع منفرد من مخلوقات الله ليس بجماد ولا نبات ولا بحيوان، ولا بملاك ولا بشيطان، إنه مخلوق مكرم فريد مسؤول، لا يقوم وحده في هذا العالم كما زعم بعض الملحدين، بل يقوم بإرادة رب أوجده وقدره. إله خلقه في أحسن تقويم، وعلمه البيان ووهب له السمع والبصر والفؤاد، ليس الإنسان عبداً ولا مقهوراً لشيء في هذا الكون، إلا إنه عبد الله وحده.
هذا في عقيدة الإسلام، أما النظرة المادية فلم تنظر للإنسان على أنه مخلوق كريم أوجده خالق عظيم. كلا، بل هو نبات (شيطاني) برز من العدم إلى الوجود وحده، ويعيش وحده، ويموت وحده، وبموته تختم روايته كلها.
إنه باختصار حيوان قد يقال عنه "حيوان راق" أو "حيوان اجتماعي" أو "حيوان متطور" ولكنه على كل حال "حيوان" .. بيد أنه بواسطة العلم التجريبي استطاع أن «يقهر» الطبيعة ويسيطر على المادة، وبذلك العلم أصبح هذا الحيوان المتطور، ينظر إلى نفسه وكأنه إله يتصرف في الأرض كما يشاء. ويظن أنه قادر عليها.
إن هذه النظرة المادية للإنسان، أنتجت شعورين مختلفين:
أولهما: شعور الإنسان بالتفاهة والضياع ونظرته إلى نفسه نظرة حيوانية بحتة.
والثاني : شعور الغرور والكبر، ذلك الشعور الذي ينتهي بالإنسان إلى حد تأليه نفسه حين يسقط وجود الإله الحق من اعتباره. ويتصرف وكأنه إله لا يسئل عما يفعل، كما زعم جوليان هكسلي (في كتابه "الإنسان في العالم الحديث" ترجمة حسن خطاب هي 224) حين قال: "إن الإنسان في العالم الحديث أصبح هو الله المنشئ المريد"!!.
ولما بدأ الإنسان في هذا القرن يفيق من سكرة غروره بالتقدم العلمي والانقلاب الصناعي والازدهار المادي بدأ يحس بأزمة نفسه باعتباره إنساناً متميزاً، كما رأينا ذلك في كتابات النقاد منهم. مثل "أليكس كاريل" في كتابه "الإنسان.. ذلك المجهول"، وشبنجلر في كتابه: "تدهور الحضارة الغربية" و"توينبي" و"رينيه جينو" و"كولن ولسون" وغيرهم.
طبيعة الإنسان
أما طبيعة الإنسان فهي من أخطر المزالق التي تزل فيها الأقدام، وتضل فيها الأفهام، عند النظرة إلى الإنسان، نظراً للازدواج والتعقيد في طبيعته التي ركب عليها، فليس هو شهوة خالصة، ولا عقلاً خالصاً، وليس هو جسماً محضاً، ولا روحاً محضاً، إن تكوينه يشمل الجانبين معاً.
يقول البروفيسور "سيشوت" العالم الأمريكي والأستاذ بجامعة "ييل" في كتابه «حياة الروح»:
"مسألة حيرت ألباب العلماء منذ عصور موغلة في القدم، وهي طبيعة الإنسان المزدوجة الغريبة، فالجانب المادي منه -وهو جسده- يحيا وينمو ثم يموت، ولكن شيئاً لا تدركه الحواس يبدو إنه يحكم هذا الجسد، وفي مقدور هذا الشيء أن يشعر وأن يفكر. إنه ذلك الجانب الذي تتركز فيه خلاصة كيانه.
فالإنسان يبدو وكأنه كائنان: كائن مادي وكائن آخر يقابله غير مادي، ترى هل كل منهما حقيقي؟ أم أن أحدهما لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام"!
والضلال والانحراف في فهم الإنسان، وتصور حقيقته، إنما جاء نتيجة لإهمال أحد هذين العنصرين في كيانه، أو نتيجة للفصل بينهما، واعتبار كل منهما منفصلاً عن الآخر".
والإسلام قد عرف طبيعة الإنسان حق معرفتها، وقدرها حق قدرها، لأن الإسلام كلمة الله، والإنسان خلق الله، وخالق الشيء وصانعه لا يجهل طبيعته وكنهه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟ (الملك: 14).
وقد خلق الله هذا الإنسان جسماً كثيفاً، وروحاً شفافاً. جسماً يشده إلى الأرض، وروحاً يتطلع إلى السماء. جسماً له دوافعه وشهواته، وروحاً له آفاقه وتطلعاته. جسماً له مطالب أشبه بمطالب الحيوان، وروحاً له أشواق كأشواق الملائكة.
هذه الطبيعة المزدوجة ليست أمراً طارئاً على الإنسان، ولا ثانوياً فيه، بل هي فطرته التي فطره الله عليها، وأهله بها للخلافة في الأرض، منذ خلق آدم خلقاً جمع بين قبضة الطين ونفخة الروح: (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفح فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون) (السجدة: 6 - 9).
وجاءت عقيدة الإسلام، فلم تغفل الروح من أجل الطين، ولم تغفل الطين من أجل الروح. بل زاوجت بينهما في وحدة متسقة ملتئمة، وأعطت الروح حقه، والجسد حقه، في غير إفراط ولا تفريط.
وعرف التاريخ أدياناً ونحلاً تقوم فلسفتها على إغفال الجانب المادي الجسدي في الإنسان، والعمل على تعذيبه وإضعافه، لينمو الجانب الروحي فيه، ويصفو ويقوى كالبرهمية الهندية، في الرهبانية المسيحية.
وفي مقابل هذا الاتجاه جاء الاتجاه المادي الذي يجحد أن في الإنسان روحاً أو أن في الكون إلهاً، إذ لا يؤمن إلا بما هو مادي تدركه الحواس، وتحكمه التجربة.
وبهذا عاش الإنسان عند هؤلاء نصف إنسان، بل أدنى، عاش للجزء الحيواني فيه فحسب.
غاية الإنسان
وأما غاية الإنسان ومهمته في الحياة فقد بينتها عقيدة الإسلام أوضح البنيان، فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى، وإنما خلق لغاية وحكمة. لم يخلق لنفسه، ولم يخلق ليكون عبداً لعنصر من عناصر الكون، ولم يخلق ليتمتع كما تتمتع الأنعام، ولم يخلق ليعيش هذه السنين التي تقصر أو تطول، ثم يبلعه التراب ويأكله الدود ويطويه العدم.
إنه خلق ليعرف الله ويعبده، ويكون خليفة في أرضه، خلق ليحمل الأمانة الكبرى في هذه الحياة القصيرة: أمانة التكليف والمسئولية، فيصهره الابتلاء وتصقله التكاليف، وبذلك ينضج ويعد لحياة أخرى هي حياة الخلود والبقاء والأبد الذي لا ينقطع.
إنه لنبا عظيم حقاً أن يكون هذا الإنسان لم يخلق لنفسه، وإنما خلق لعبادة الله، ولم يخلق لهذه الدنيا الصغيرة الفانية، وإنما خلق للحياة الخالدة الباقية، خلق للابد!
يقولون : إن الأحمق يعيش ليأكل والعاقل يأكل ليعيش.
وهذا القول لا يحل العقدة، فإن العيش نفسه ليس غاية، فالسؤال لا يزال قائماً: ولماذا يعيش الإنسان؟
أما الماديون فقالوا: إنه يعيش لنفسه ومتاع دنياه.
وأما المؤمنون فقالوا: إنما يعيش لربه الأعلى، ولحياته الباقية الأخرى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق) (المؤمنون: 115، 116).
وما أعظم الفرق بين الذي يعيش لنفسه والذي يعيش لربه، بين من يعيش لدنياه المحدودة، ومن يعيش لوجود غير محدود بزمان ولا مكان!
إن النظرة المادية الملحدة لم تعرف للإنسان غاية، لأن الغاية تقتض قصداً والقصد يقتض قاصداً، وهي تنكر أن يكون الإنسان قد خلق قصداً، ولهذا فليس للإنسان في نظرها رسالة غير رسالة الكدح وراء العيش وابتغاء تحسينه.
وبعبارة أخرى: وراء زينة الحياة الدنيا ومتاعها. لأكثر من ذلك، فإذا فنى العمر القصير للإنسان، فقد انتهى كل شيء في وجوده، وما أصدق قول القرآن (قل متاع الدنيا قليل) (النساء: 77).
وهو ليس متاعاً قليلا فحسب؟ بل هو أيضاً متاع رخيص، متاع حقير،لأنه متاع حيواني محض، سخر بعض الأدباء من طلابه وعشاقه فقال: "من كانت غايته بطنه وفرجه فقيمته ما يخرج منهما".
وحسبنا قول القرآن الكريم: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) (محمد: 12).
إن النظرة المادية للإنسان تجعله يدور حول نفسه فقط، أي حول هواه وشهواته، حول جسده ومتطلباته. حول الجزء الحيواني فيه. وبذلك ينمو ويتضخم الجانب الحيواني المادي في الإنسان على حساب الجوانب الأخرى التي تضمر وتنكس، أو تذبل وتموت.
ونمو الجانب المادي والحيواني في الإنسان بهذه السرعة والضخامة هو نمو خبيث، «نمو سرطاني» يفضي في النهاية إلى هلاك الإنسان كله.
إنه لابد للإنسان من هدف يتطلع إليه غير نفسه وهواها، وإلا فإنه سيظل يدور حولها كالحمار في الرحا، أو الثور في الساقية، يدور ويدور والمكان الذي انتهى إليه هو الذي بدأ منه.
أو كما قال أحد الكتاب الغربيين في وصف «الوجوديين» الذين تدور فلسفتهم حول تحقيق الإنسان وجوده وذاته فحسب "إن الوجودي مثله كمثل الكلب الذي يجري دائماً حول نفسه ليمسك بذنبه، فلا هو يدرك ذنبه، ولا هو يقف عن الجري، وهي لعبة يلعبها الكلاب، حينما يجدون الفراغ، فيلهون بما لا نتيجة له".
وهذا التشبيه يذكرنا بالمثل الذي ضربه القرآن لكل من انسلخ من آيات الله، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فأنسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض وأتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) (الأعراف: 175 - 177).


الفصل الثاني - الإيمان والسعادة
السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل بشر، من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته. ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير. ولا نحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه، أو يرضى بتعاستها.
أين السعادة؟
ولكن السؤال الذي حير الناس من قديم هو: أين السعادة؟
لقد طلبها الأكثرون في غير موضعها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء، صفر اليدين، مجهود البدن، كسير النفس، خائب الرجاء!
أجل .. جرب الناس في شتى العصور ألوان المتع المادية، وصنوف الشهوات الحسية، فما وجدوها -وحدها- تحقق السعادة أبداً، وربما زادتهم -مع كل جديد منها- هماً جديداً.
هل السعادة في النعيم المادي؟
لقد ظن ذلك قوم، فحسبوا السعادة في الغنى، وفي رخاء العيش، ووفرة النعيم، ورفاهية الحياة، لكن البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة، وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية، من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن ومركب، مع كماليات كثيرة، لا تزال تشكو من تعاسة الحياة، وتحس بالضيق والانقباض، وتبحث عن طريق آخر للسعادة.
نشر رئيس تحرير مجلة ( روز اليوسف ) _وهي مجلة لا تتهم بالتحيز للمعنويات والقيم الروحية- تحقيقاً صحفياً في مقالين منذ سنوات جعل عنوانه: «أهل الجنة ليسوا سعداء» وأهل الجنة الذين يعنيهم هم سكان السويد الذين يعيشون في مستوى اقتصادي يشبه الأحلام، ولا يكاد يوجد في حياتهم خوف من فقر أو شيخوخة أو بطالة أو أي كارثة من كوارث الحياة، فإن الدولة تضمن لكل فرد يصيبه شيء من ذلك إعانات دورية ضخمة، بحيث لا يجد مواطن مجالاً للشكوى من العوز أو الحاجة الاقتصادية بحال من الأحوال.
إن ما يخص الفرد الواحد في السويد من الدخل القومي يساوى 521 جنيهاً مصرياً في العام أي حوالي 43جنيهاً في الشهر الواحد.
ووصل نظام الحكم الاشتراكي في السويد إلى ما يقارب محو الفروق تماماً بين الطبقات، بفرض الضرائب التصاعدية، وإيجاد مختلف أنواع التأمينات الصحية والاجتماعية، التي لا تجدها دول أخرى.
"كل مواطن سويدي يستحق معاشاً، وإعانة مرض، ومعاش عدم صلاحية وإعانة غلاء معيشة، وإعانة للسكن، وإعانة للعمى، تصرف نقداً، والعلاج المجاني في المستشفيات".
"تدفع إعانة أمومة لكل النساء، تشمل هذه الإعانة مصاريف الولادة والرعاية الطبية في المستشفى. وإعانة إضافية لكل مولود".
"التأمين ضد إصابات العمل إجباري".
"شروط الإعانات في حالة البطالة هي أسمى شروط معروفة دولياً".
"تقدم الدولة مساعدات اجتماعية للطفولة هي أقرب إلى الخيال. منها إعانة مالية قدرها 40جنيها في العام للطفل حتى يبلغ 16سنة. رعاية صحية مجانية. مصاريف انتقال مجانية للإجازات يتمتع بها الطفل حتى سن 14 سنة، مدارس برسوم تافهة لرعاية الأطفال دون سن المدرسة طول اليوم".
"التعليم في جميع مراحله بالمجان مع تقديم إعانات ملابس، وإعانات معيشة لغير القادرين، وتقدم للطلبة قروض دراسية تصل إلى 250جنيهاً للطلبة المجتهدين".
"تقدم الدولة قروضاً لتأثيث منازل العرسان تصل إلى 300 جنيه بفائدة بسيطة تسدد على خمس سنوات".
"إن ثلث الضرائب التي يدفعها الشعب السويدي تنفقها الدولة في التأمينات الاجتماعية وتدفع الدولة 80% منها في مساعدات نقدية، إن أضخم ميزانية هي ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية. ثم تليها ميزانية وزارة التربية".
ومع هذه الضمانات التي لم تدع ثغرة إلا سدتها - فقد ذكر الصحفي أن الناس يحيون حياة قلقة مضطربة، كلها ضيق وتوتر، وشكوى وسخط، وتبرم ويأس. ونتيجة هذا أن يهرب الناس من هذه الحياة الشقية النكدة. عن طريق «الانتحار» الذي يلجا إليه الألوف من الناس، تخلصاً مما يعانونه من عذاب نفسي أليم.
وانتهى كاتب التحقيق إلى أن السر وراء هذا الشقاء يرجع إلى أمر واحد هو فقدان «الإيمان» أي إيمان.
وأمريكا أغنى بلد في العالم، لم يحقق الغنى لأبنائه السعادة على الرغم من ناطحات السحاب، ومراكب الفضاء، وتدفق الذهب من فوقم ومن تحت أرجلهم .. ورأينا من مفكريهم من يقول: "إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء!".
وقد لاحظ هذه التعاسة وهذا الشقاء كل من له عين تبصر من أهل الشرق والغرب.
فمن أهل الشرق الشهيد العظيم "سيد قطب" الذي سجل ذلك في كتابه -الذي لم ينشر بعد- "أمريكا التي رأيت".
ومن أهل الغرب الأديبة الفرنسية فرانسواز ساجان التي زارت نيويورك مرتين ثم كتبت بعد ذلك كتاباً جاء فيه "إن نيويورك ثقيلة الوطأة على الإنسان" مدينة ينبض قلبها بسرعة أكبر من سرعة سكانها، والواقع أن الأزمة التي يعانيها سكان نيويورك أزمة عاطفية. إن الدم الفوار يجري في عضلات أولئك الأمريكيين المتعبين المنهوكي القوى العجلين. إنهم يريدون أن يقتصدوا في الوقت دون أن يعرفوا كيف ينفقون ذلك الوقت..".
وكذلك الأستاذ كولن ولسون الذي وصف عمران نيويورك وازدهارها المادي، بأنه "غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء".
فكثرة المال ليست هي السعادة، ولا العنصر الأول في تحقيقها، بل ربما كانت كثرة المال أحياناً وبالاً على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، لذا قال الله في شأن قوم من المنافقين (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) (التوبة: 55) والعذاب هنا هو المشقة والنصب والألم والهم والسقم، فهو عذاب دنيوي حاضر، على نحو ما ورد في الحديث "السفر قطعة من العذاب" وهذا ما نشاهده بأعيننا في كل من جعل المال والدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، ومنتهى أمله، فهو دائماً معذب النفس، متعب القلب، مثقل الروح، لا يغنيه قليل، ولا يشبعه كثير.
وفي الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، تصوير لهذه النفسية المعذبة قال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" (رواه الترمذي من حديث أنس، وروى ابن ماجه وغيره قريباً منه من حديث زيد بن ثابت).
ومن أبلغ العذاب في الدنيا -كما قال ابن القيم- (في كتابه "إغاثة اللهفان") تشتيت الشمل وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عينيه لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب .. على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه. ومن أنواع العذاب: عذاب القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف: "من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب" ومحب الدنيا لا ينفك عن ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالث". وقد مَثَّل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً.
هل السعادة في الأولاد؟
حقيقة إن الأولاد زهرة الحياة، وزينة الدنيا، ولكن كم من أولاد جروا على آبائهم الويل وجزوهم بالعقوق والكفران بدل البر والإحسان، بل كم من آباء ذاقوا حتفهم على يد أولادهم طمعاً في ثرواتهم، أو لوقوفهم في سبيل شهواتهم.
لقد وجدنا من الآباء من يقول لولده آسفاً آسياً:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً
تعل بما أسدى إليك وتنهِل
إذا ليلة تابتك بالشجو لم أبت
لبلواك إلا ساهراً أتملمِِل
فلما بلغت السن والغاية التي
إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة
كأنك أنت المنعم المتفضِِل
وكم رأينا في الحياة صور غريبة، وسمعنا أحاديث أغرب، عن عقوق الأبناء وتعاسة الآباء، وهذا ما جعل الآباء ما برحوا على مر العصور، يشدون شعرهم حنقاً من جحود أبنائهم، حتى أن الملك "لير" صرخ -على لسان شكسبير- قائلاً: "ليس أشد إيلاماً من ناب حية رقطاء، غير ابن جحود".
وما جعل شاعراً في الشوق يصرخ ويقول:
أرى ولد الفتى ضرراً عليه
لقد سعد الذي أمسى عقيماً
فإمِِِا أن يربيه عدواً
وإمِا أن يخلفه يتيمِِِاً
وإمِِِا أن يوافيه حمام
فيترك حزنه أبداً مقيمِِِاً
ثم ما حيلة الذين حرموا من الأولاد؟ أحكم عليهم بالشقاء المؤبد والتعاسة الدائمة.
هل السعادة في العلم التجريبي؟
ترى هل يستطيع العلم المادي التجريبي، الذي قرب للإنسان البعيد، وذلل له الصعب، أن يحقق له السعادة؟
والحقيقة كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل (في كتابه "الإيمان والمعرفة والفلسفة") أن العلم قد كشف لنا عن كثير مما في الحياة، وأتاح لنا الاستمتاع بنعيمها إلى حد لم يكن يخطر بخيال أحد من قبل.
والحقيقة كذلك أن الظمأ للمعرفة بعض طبائع الإنسان، فهو ما يكاد يقف على شيء ويكتنه بواطنه حتى تدفعه الطلعة لكي يقلب في هذه البواطن أو يبحث عن جديد لما يخضع لعلمه. لكن الحقيقة كذلك أن المعرفة لا تلقى سبباً للسعادة. بل إنها كثيراً ما تكون داعية قلق النفس، واضطراب الخاطر. والسعادة هذا الحلم الجميل الطائر أمام أعيننا بأجنحة من نور، هذا الأثير المحس نتنسم في الجو ذراته، ونريد أن نستنشقها ملء صدورنا فلا نجد منها أبداً ما يكفينا. السعادة هي ما يجري بنو الإنسان وراءه من عهد آدم إلى اليوم، يجرون وما يكاد أحدهم يحسب نفسه أدركها حتى يجذبه من خلفه شيطان الشقاء فيصده عنها، هذه السعادة ليست في العلم، لأن العلم شهوة، وليس من وراء شهوة سعادة، وكثيراً ما أكب علماء على العلم فأفنوا فيه حياتهم حتى إذا كانوا عند خاتمة المطاف منها لذعتهم الحسرة، أن زادوا أنفسهم بعلمهم هما، فأوصوا أن ينشأ أبناؤهم في الإيمان وأن يرسلوا في الحياة على سجيتهم، وألا يطلبوا إلى العلم حل طلاسم الغيب.
فعلمنا وإن اتسع المدى ضيق إذا قيس إلى مدى الوجود الذي لا نهاية له، بذلك أوصى نيتشه وغير نيتشه من أكابر العلماء الذين أفنوا صدر شبابهم بأن العلم هاتك حجب الغيب لا محالة، حتى إذا رأوا حجب الغيب لا تنتهي ضعفوا، وخيل إليهم أنهم كانوا يسعون وراء سراب لا حقيقة له، وان كانت غاية هذا السراب كل الحقيقة".
والفيلسوف البريطاني المعاصر "براتراند راسل" -رغم نظرته المادية- يقرر أن الإنسان في صراعه مع الطبيعة قد انتصر، بواسطة العلم. أما في صراعه مع نفسه، فلم يحرز نصراً،ولم يجده سلاح العلم، ويعترف بأن الدين لم يزل هو صاحب هذا الميدان.
ويقول الدكتور "هنري لنك" طبيب النفس الأمريكي الشهير، معارضاً للذين ينكرون الإيمان بالغيب، باسم العلم واحترام الفكر، مبيناً أن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق للإنسان أسباب السعادة الحقة:
"والواقع أنه يوجد الآن في كل ميدان من ميادين العلم من الظواهر ما يؤجج شعلة ذلك الضلال، وأعني به تعظيم شأن الفكر، رفع ذلك كان علماء النفس هم الذين توصلوا إلى أن الاعتماد المطلق على التفكير فحسب، كفيل بهدم سعادة الإنسان، وان لم يقوض دعائم نجاحه. ثم إن إماطة اللثام عن هذا الاكتشاف لم تتم إلا عن طريق تجارب هؤلاء العلماء مع الناس، واختباراتهم العلمية التي أجروها على الآلاف. وبقي أن أقول: إن الوصول إلى هذه المكتشفات قد تم بالنسبة لعلاقتها بطرق التعليم والدين، والشخصية وفلسفة الحياة عموماً.
فلن نهتدي إلى حل شاف لمشكلات الحياة العويصة، ولن ننهل من مورد السعادة عن طريق تقدم المعلومات والمعرفة العلمية وحدها. فارتقاء العلم معناه ازدياد الارتباك واضطراد التخبط، وما لم يتم توحيد هذه العلوم كلها تحت راية حقائق الحياة اليومية الواضحة وإخضاعها، فلن تؤدي هذه العلوم إلى تحرير العقول التي ابتدعتها وابتكرتها، بل ستقود حتماً إلى انهيار هذه العقول وتعفنها. كما أن هذا التوحيد لابد أن يأتي عن طريق آخر غير طريق العلم، وأعني به طريق الإيمان (العودة إلى الإيمان ص: 81، 82).
السعادة في داخل الإنسان
السعادة إذن ليست في وفرة المال، ولا سطوة الجاه، ولا كثرة الولد، ولا نيل المنفعة، ولا في العلو المادي.
السعادة شيء معنوي لا يرى بالعين، ولا يقاس بالكم، ولا تحتويه الخزائن، ولا يشترى بالدينار، أو بالجنيه أو الروبل أو الدولار.
السعادة شيء يشعر به الإنسان بين جوانحه .. صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير.
السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه.
حدثوا أن زوجاً غاضب زوجته فقال لها متوعداً: لأشقينك. فقالت الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تشقيني، كما لا تملك أن تسعدني.
فقال الزوج في حنق: وكيف لا أستطيع؟
فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني، أو زينة من الحلي والحلل لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون!
فقال الزوج في دهشة: وما هو؟
فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادة في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي!
هذه هي السعادة الحقة، السعادة التي لا يملك بشر أن يعطيها، ولا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها، السعادة التي شعر بنشوتها أحد المؤمنين الصالحين فقال: إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف!
وقال آخر وهو ثمل بتلك اللذة الروحية التي تغمر جو انبه: إنه لتمر علي ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذن في عيش طيب!
والذين رزقوا هذه النعمة يسخرون من الأحداث وان برقت ورعدت، ويبتسمون للحياة وان هي كشرت عن نابها، ويفلسفون الألم، فإذا هو يستحيل عندهم إلى نعمة تستحق الشكر، على حين هو عند غيرهم مصيبة تستوجب الصراخ والشكوى. كأنما عندهم غدد روحية خاصة، مهمتها أن تفرز مادة معينة تتحول بها كوارث الحياة إلى نعم.
القدر المادي اللازم لتحقيق السعادة
ولا نجحد أن للجانب المادي مكاناً في تحقيق السعادة، كيف؟ وقد قال رسول الإسلام: "من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح" (رواه أحمد بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص).
بيد أنه ليس المكان الأول ولا الأفسح، والمدار فيه على الكيف لا على الكم، فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر، من مثل: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء، وأن يمنح الأمن والعافية، ويتيسر له القوت في غير حرج ولا إعنات. وما أصدق وأروع الحديث النبوي "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجه).
وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، والقلب الإنساني، فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها، وهواؤها وضياؤها.
لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع للسعادة، لا يمكن أن تغيض، ولا أن تتحقق السعادة بغيرها. تلك هي ينابيع السكينة، والأمن، والأمل، والرضا، والحب، وسنخص كلا منها بالحديث فيما يلي من الصفحات.


الفصل الثالث - سكينة النفس
(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم). (الفتح: 4)
لا سعادة بلا سكينة
منذ أعوام قرأت في مجلة «المختار» كلمة ناضرة لأحد الأطباء اللامعين في أمريكا، قال فيها:
"وضعت مرة وأنا شاب جدولاً لطيبات الحياة المعترف بها، فكتبت هذا البيان بالرغائب الدنيوية: الصحة، والحب، والموهبة، والقوة، والثراء، والشهرة، ثم تقدمت بها في زهو إلى شيخ حكيم.
فقال صديقي الشيخ: جدول بديع، وهو موضوع على ترتيب لا بأس به، ولكن يبدو لي أنك أغفلت العنصر المهم الذي يعود جدولك بدونه عبثاً لا يطاق، وضرب بالقلم على الجدول كله، وكتب كلمتي : "سكينة النفس" وقال: هذه هي الهبة التي يدخرها الله لأصفيائه، وإنه ليعطي الكثيرين الذكاء والصحة، والمال مبتذل، وليست الشهرة بنادرة، أما سكينة القلب، فإنه يمنحها بقدر.
وقال على سبيل الإيضاح: ليس هذا برأي خاص لي، فما أنا إلا ناقل من المزامير، ومن أوريليوس، ومن لادنس، هؤلاء الحكماء يقولون: خل يا رب نعم الحياة الدنيا تحت أقدام الحمقى، وأعطني قلباً غير مضطرب!
وقد وجدت يومئذ أن من الصعب أن أتقبل هذا، ولكن الآن بعد نصف قرن من التجربة الخاصة، والملاحظة الدقيقة، أصبحت أدرك أن سكينة النفس هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة، وأنا أعرف الآن أن جملة المزايا الأخرى ليس من الضروري أن تفيد المرء السكينة، وقد رأيت هذه السكينة تزهو بغير عون من المال. بل بغير مدد من الصحة، وفي طاقة السكينة أن تحول الكوخ إلى قصر رحب، أما الحرمان منها فإنه يحيل قصر الملك قفصاً وسجناً" أ . هِ
هذا كلام رجل يعيش في أمريكا بلد الرفاهية والغنى، بلد الذهب والعلم، بلد الحرية والانطلاق. قاله الرجل بعد ممارسة وتجربة وخبرة بالحياة، فلم يجد في الحياة نعمه أغلى ولا أفضل ولا أيمن من سكينة النفس، وطمأنينة القلب. وهو كلام حكيم نسجله وننتفع به. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
لا سكينة بلا إيمان
سكينة النفس -بلا ريب- هي الينبوع الأول للسعادة، ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئا لا يثمره الذكاء ولا العلم ولا الصحة والقوة، ولا المال والغنى، ولا الشهرة والجاه، ولا غير ذلك من نعم الحياة المادية؟
إننا نجيب مطمئنين: أن للسكينة مصدراً واحداً لا شريك له، هو الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق، الذي لا يكدره شك، ولا يفسده نفاق.
هذا ما يشهد به الواقع الماثل، وما أيده التاريخ الحافل، وما يلمسه كل إنسان بصير منصف، في نفسه وفيمن حوله.
لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً وضيقاً واضطراباً، وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان، وبرد اليقين.
إن حياتهم لا طعم لها ولا مذاق، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات، لأنهم لا يدركون لها معنى، ولا يعرفون لها هدفاً، ولا يفقهون لها سراً، فكيف يظفرون مع هذا بسكينة نفس، أو انشراح صدر؟
إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة، التي تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.
فهي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض، ليثبتوا إذا اضطرب الناس، ويرضوا إذا سخط الناس، ويوقنوا إذا شك الناس، ويصبروا إذا جزع الناس، ويحلموا إذا طاش الناس.
هذه السكينة هي التي عمرت قلب رسول الله يوم الهجرة، فلم يعره هم ولا حزن، ولم يستبد به خوف ولا وجل، ولم يخالج صدره شك ولا قلق (فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفورا ثاني اثنين، إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا) (التوبة : 40).
لقد غلبت على صاحبه الصديق مشاعر الحزن والإشفاق، لا على نفسه وحياته، بل على الرسول، وعلى مصير الرسالة، حتى قال والأعداء محدقون بالغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيقول الرسول مثبتاً فؤاده: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟!
هذه السكينة روح من الله، ونور، يسكن إليه الخائف، ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين، ويستروح به المتعب، ويقوى به الضعيف، ويهتدي به الحيران.
هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده: منها تهب عليهم نسماتها، وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها، ليذيقهم بعض ما قدموا من خير، ويريهم نموذجاً صغيراً لما ينتظرهم من نعيم، فينعموا من هذه النسمات بالروح والريحان، والسلام والأمان.
أسباب السكينة لدى المؤمن
قد يسأل سائل: لماذا كان المؤمن أولى الناس بسكينة النفس، وطمأنينة القلب؟ ولماذا لا يجد الإنسان السكينة في العلم والثقافة والفلسفة، وفيما أنتجه التقدم العلمي من وسائل وأدوات يسرت العيش وجملت الحياة؟
والجواب عن ذلك: يحوجنا إلى شيء من البسط والتفصيل، لبيان الأسباب والسنن النفسية التي جعلت المؤمن -دون غيره- أحق الناس بالسكينة والاطمئنان.
واليك البيان:
استجابة المؤمن لنداء الفطرة
إن أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه قد هدى إلى فطرته التي فطره الله عليها، وهي فطرة متسقة كل الاتساق مع فطرة الوجود الكبير كله. فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام، لا في حرب وخصام.
إن في فطرة الإنسان فراغا لا يملؤه علم ولا ثقافة ولا فلسفة، وإنما يملؤه الإيمان بالله جل وعلا.
وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ، حتى تجد الله، وتؤمن به، وتتوجه إليه.
هناك تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف. هناك تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة، والضرب في أرض التيه.
فألقت عصاها وأستقر بها النوى
كما قر عيناً بالإياب المسافر
فإذا لم يجد الإنسان ربه -وهو أقرب إليه من حبل الوريد- فما أشقى حياته، وما أتعس حظه، وما أخيب سعيه!
إنه لن يجد السعادة، ولن يجد السكينة، ولن يجد الحقيقة ... لن يجد نفسه ذاتها. (كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).
فتصور إنساناً يعيش دون أن يجد نفسه، وهو في رأي نفسه، وفي نظر الناس بشر عاقل، سميع بصير، بل لعله جامعي مثقف، ولعله -فوق ذلك- "دكتور" كبير في العلوم والآداب!
وكيف يجد نفسه من لم يعرفها؟ وكيف يعرفها من حجب عنها بالغرور والكبر؟ أو شغل عنها باتباع الشهوات، والإخلاد إلى الأرض، والغرق في لذائذ الحس، ومطالب الجسد والطين؟
إن الإنسان خلق عجيب، جمع بين قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله. فمن عرف جانب الطين، ونسي نفخة الروح، لم يعرف حقيقة الإنسان.
ومن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءه وريه مما أنبتت الأرض. ولم يعط الجانب الروحي غذاءه من الإيمان ومعرفة الله، فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها، وجهل قدرها، وحرمها ما به حياتها وقوامها.
قال ابن القيم (في كتابه «مدارج السالكين») - رحمه الله:
"في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.
وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله.
وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.
وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه.
وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.
وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً".
وهذا ليس كلام عالم فحسب، بل كلام ذائق مجرب، يقول ما خبره وأحس به في نفسه، وما رآه ولاحظه في الناس من حوله.
إنها الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به، والالتجاء إليه.
إنها الفطرة التي لم يملك مشركو العرب في جاهليتهم أن ينكروها مكابرةً وعناداً (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) (العنكبوت: 61. وقد تكرر هذا المعنى في عدة سور).
وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات أو غبار الشهوات. وقد تنحرف وتتدنس باتباع الظن أو اتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء. وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب فيظن نفسه شيئاً يقوم وحده، ويستغني عن الله!!
بيد أن هذه الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت، وتكمن ولا تزول. فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قبل له به، ولا يد له ولا للناس في دفعه، ولا رفعه، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس، داعياً ربه، منيباً إليه، كما قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) (الإسراء: 67).
هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين: "لقد وجدت في التاريخ مدن بلا قصور ولا مصانع ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد".
والانحراف الكبير الذي أصاب البشرية في تاريخها الطويل، لم يكن بإنكار وجود الله والعبودية له، إنما كان بتوجيه العبادة لغيره، أو إشراك آلهة أخرى معه من مخلوقات الأرض أو السماء.
ولهذا كانت مهمة رسل الله كافة في جميع الأعمار، هي تحويل الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة الخالق، وكان نداؤهم الأول إلى قومهم: (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: 36) (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (ذكر القرآن هذا القول على لسان نوح وهود وصالح وشعيب في سورة الأعراف الآيات: 59، 65، 73، 85، وقد تكرر معناه في عدة سور).
ومن هنا عنى كتاب الله الخالد - القرآن الكريم -في الدرجة الأولى- بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، والاستعانة والتوكل والإنابة. لا بإثبات وجوده سبحانه، فإن هذا الوجود -على وجه عام- مسلَّم به ومفروغ منه، ولا يجادل فيه إلا قلة مغمورة في كل عصر، لا يقام لها وزن. ولا تسمع لها دعوى.
ولقد قرأت لبعض الملاحدة الذين اشتهروا بالشك في الدين والتشكيك فيه، كلمات عجيبة، يطالب فيها قراءه ألا يصدقوه إذا كتب هو نفسه وبقلمه ما ينفي عنه الإيمان، أو يخلع عليه الإلحاد.
يقول: "لو أردت من نفسي وعقلي أن يشكا لما استطاعا، ولو أرادا مني أن أشك لما استطعت. ولو أني نفيت إيماني بالقول لما صدقت أقوالي، فشعوري أقوى من كل أقوالي! ماذا لو أن إنساناً قال: إنه لا يحب نفسه أو لا يحب الحياة، فهل تصدقه? أو هل يصدق هو كلامه؟ هل يمكن أن ننفي أنفسنا أو إحساسنا بها بالكلام؟ إن الحقائق الكبيرة لا تسقطها الألفاظ. كذلك الإيمان بالله والأنبياء والأديان من الحقائق القوية التي لا يمكن أن تضعفها أو تشكك فيها الكلمات التي قد تجيء غامضة أو عاجزة لأن فورة من الحماس قد أطلقتها.
إن إيماني يساوي: أنا موجود إذن أنا مؤمن -أنا أفكر إذن أنا مؤمن- أنا إنسان إذن أنا مؤمن!".
والذي قال هذه الكلمات سود بعدها صفحات كثيرة كلها كفر وشك وضلال بعيد. ولكن هذا الاعتراف الذي سجله بهذه الصراحة وبهذه القوة، يدل على أن الإيمان -كما قلنا- فطرة أصيلة لا تقاوم ولا تهزم.
والذي يعنينا هنا أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من غير إيمان، ولا أن يحيا من غير إله يعظمه ويقدسه، ويخافه ويرجوه، ويعبده ويتوكل عليه. وإن لم يسم معبوده إلها، ولم يسم الخضوع له عبادة.
وإني آسي أشد الأسى لأولئك المساكين الذين صادروا فطرتهم وغلظ حجابهم، وأظلمت قلوبهم فلم تنفذ إليها أشعة الإيمان.
أولئك الأشقياء المطموسين الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
إني آسي لهؤلاء مرتين:
آسي لهم لأنهم دخلوا الحياة ثم خرجوا منها، ولم ينعموا بأطيب ما فيها وأعظم ما فيها وهو الإيمان.
إنهم بؤساء محرومون حقاً. إن الناس يقولون عن الإنسان إذا فاته شيء مهم من مسرات الدنيا: ضاع نصف عمره. فكيف بمن فاته روح الحياة، وحياة الروح؟ كيف بمن حرم قلبه بشاشة الإيمان؟
لقد خسر المساكين أنفسهم، خسروا وجودهم، خسروا الحياة وما بعد الحياة، خسروا الخلود، خسروا كل شيء، لأنهم خسروا الإيمان، وما أصدق ما ورد في بعض الآثار الإلهية عن الله تعالى أنه يقول لعبده: "عبدي اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء".
ورحم الله العبد الصالح الذي قال: "إلهي ماذا وجد من فقدك؟! وماذا فقد من وجدك؟! لقد خاب من رضي دونك بدلاً، وخسر من بغى عنك حولاً".
ثم آسي لهؤلاء الملاحدة المحرومين مرة أخرى، حين أراهم خلعوا رداء العبودية لله، فوقعوا في العبودية لغير الله.
لقد ظن هؤلاء في أنفسهم، وزعموا لغيرهم، أنهم "تحرروا" من كل عبودية، وأنهم نبذوا الخضوع للإله نبذ النواة، وأطرحوا الإيمان بالرب وراء الظهور.
وكذبوا. فالواقع أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدلوا بالعبودية للخالق، العبودية للمخلوق، واستبدلوا بالإله الواحد آلهة شتى، واتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.
فلا واحد منهم إلا وهو عبد لأكثر من سيد، وخاضع لأكثر من إله، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع.
أين هذا من المؤمن الذي رفض كل الآلهة الزائفة من حياته، وحطم كل الأصنام من قلبه، ورضي بالله وحده رباً، عليه يتوكل، وإليه ينيب، وبه يعتصم، وإليه يحتكم، فلا يبغي غير الله رباً، ولا يتخذ غير الله ولياً، ولا يبتغي غير الله حكماً؟
فليت شعري أي الفريقين خير مقاماً، وأهدى سبيلاً، من عرف الله فلم ينحن لأحد سواه، أم من جحد الله فصار عبداً لأكثر من إله؟ (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) (يوسف: 39) (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون، ورجلاً سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً؟ الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون) (الزمر: 29).
تمثل الآية المشرك بعبد يملكه أكثر من سيد، وهم شركاء متشاكسون، كل يريد منه غير ما يريده الآخر، ويوجهه إلى غير وجهته، فهو حائر معذب بين إرضاء هذا وذاك.
أما المؤمن فمثله مثل عبد خالص لرجل واحد، لا شركة فيه ولا مشاكسة، فهو يعرف سيده، ويعرف ما يرضيه، وكيف يرضيه.
وإذا كانت الآية في شأن المشرك والموحد، فقد أثبت الواقع أن كل ملحد مشرك، وإن كان الفرق أن المشركين يعبدون مع الله آلهة أخرى والملحدون يعبدون من دون الله آلهة شتى.
اهتداء المؤمن إلى سر وجوده
إن في أعماق كل إنسان أصواتا خفية تناديه، وأسئلة تلح عليه منتظرة الجواب الذي يذهب به القلق، وتطمئن به النفس. ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟
هذه الأسئلة التي ألحت على الإنسان من يوم خلق، وستظل تلح عليه إلى أن تطوى صفحة الحياة، لم تجد -ولن تجد- لها أجوبة شافية إلا في الدين.
الدين وحده هو الذي يحل عقدة الوجود الكبرى، وهو المرجع الوحيد الذي يستطيع أن يجيبنا عن تلك الأسئلة بما يرضي الفطرة، ويشفي الصدور.
والإسلام -خاصة- خير دين أجاب عن هذه الأسئلة إجابة شافية، ترضي الفطرة النيرة، والعقل السليم، بل إجابة تنبع من أعماقهما، بل أعلن القرآن أن هذا الدين هو الفطرة الأصيلة نفسها: (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها) (الروم: 30) فلو تركت الفطرة الإنسانية ونفسها بلا مؤثر خارجي، لانتهت إلى الإسلام نفسه. في هذا جاء الحديث الصحيح عن رسول الإسلام "كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
تقول الفطرة والعقل: إن الناس لم يخلقوا من غير شيء، ولم يخلقوا هم أنفسهم، ولم يخلقوا مما حولهم: ذرة في الأرض أو السماء، ويقول القرآن: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض) (الطور: 35، 36).
وتقول الفطرة والعقل: لابد -إذن- من خالق لهذا الإنسان العجيب ولهذا الكون العريض، ولابد أن يكون هذا الخالق واسع العلم، بالغ الحكمة، نافذ المشيئة، عظيم القدرة. ويقول القرآن: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون * كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون * الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فاحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، ذلكم الله ربكم، فتبارك الله رب العالمين) (غافر: 62 - 64).
وتقول الفطرة والعقل: إن هذا الخالق الحكيم لابد أن يكون وراء تنظيمه لهذا الكون، ووضع الإنسان فيه غاية وحكمة، وتعالت حكمته أن يكون خلق هذا كله عبثاً. ويقول القرآن: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الدخان: 38، 39).
وهذا الحق الذي به خلقت السموات والأرض هو ما يستشفه العقل، وتحس به الفطرة -وإن يكن إحساساً غامضاً- أن لهذا الإنسان في الوجود رسالة، وأن وراء هذه الحياة -حياة الابتلاء والفناء- حياة أخرى، هي الغاية وإليها المنتهى، يجزى فيها المحسن بإحسانه? والمسيء بإساءته، حتى لا يستوي الخبيث والطيب? والبر والفاجر، وهذا ما تقتضيه الحكمة. ويقول القرآن: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار؟) (سورة ص: 27، 28). (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) (المؤمنون: 115).
وتشعر الفطرة والعقل أن لهذا الخالق العظيم -بحكم خلقه لعباده، وإمدادهم بنعم لا تحصى- حقاً عليهم: أن يعرف فلا يجحد، ويشكر فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويفرد بالعبادة فلا يشرك به. وينادى القرآن الناس جميعاً: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (البقرة: 21، 22).
ويبين القرآن الغاية من خلق السموات والأرض عامة، ومن خلق الجن والأنس خاصة، فيقول: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنِزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) (الطلاق: 12). (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) (الذاريات: 56، 57).
بهذه الأجوبة القرآنية اهتدى المؤمن إلى سر وجوده، ووجود العالم كله. لقد عرف الله فعرف به كل شيء، وحل به كل لغز، واهتدى به إلى كل خير. فالعالم مملكة الله، وكل ما فيه من آثار رحمة الله، والإنسان خليفة الله، خلق لعبادة الله، وتحمل أمانة الله، والحياة هبة من الله، والموت قدر من الله، والدنيا مزرعة لطاعة الله، والآخرة موعد الحصاد والجزاء من الله. والسعيد من اهتدى بهدى الله، والشقي من أعرض عن ذكر الله.
والإنسان مبتلى ومسئول في هذه الدار الفانية، ليصقل ويعد للخلود في تلك الدار الباقية، والموت هو القنطرة التي تصل ما بين الدارين.
إن الذي أفنى الفلاسفة فيه أعمارهم، وأذابوا فيه شموع حياتهم، دون إن يجنوا ثمرة تشبع جوعهم الفكري، قد حصله المؤمن في دعة وهدوء. فعرف: من أين جاء؟ ولم جاء؟ والى أين يذهب؟ ولم يحيا؟ ولم يموت؟ وماذا ينتظره هناك؟ عرف ذلك من مصدره الذي لا يضل ولا ينسى، من وحي الله عز وجل. ومن عرف حقيقة الوجود من رب الوجود، فقد هدي إلى صراط مستقيم.
حضرت الوفاة بعض الملاحدة من الفلاسفة المتشككين، فهاله الموت وما بعده. فأنشد يقول:
لعمرك ما أدري -وقد أذن البلى
بعِاجل ترحالي- إلى أين ترحالي؟
وأين محل الروح بعد خروجِه
عن الهيكل المنحل، والجسد البالي؟
وبلغ ذلك بعض الصالحين، فقال:
وما علينا من جهله؟ إذا كان لا يدري إلى أين ترحاله؟ فنحن ندري إلى أين ترحالنا وترحاله، قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم) (الانفطار: 13، 14).
لقد جاء الدين بما يكمل الفطرة، ويأخذ بيد العقل، ولم يجيء بما يصادم الفطرة أو يناقض العقل.
ما أحست به الفطرة في غموض، جاء الدين فبينه أحسن بيان وأتمه، وما اهتدى إليه من العقل في إجمال واشتباه جاء الدين ففصله أحسن التفصيل، ومحا عنه الاشتباه، ونفي أوهام العقل، وأغاليط الحس، ووضح الغاية ورسم الطريق.
والفطرة ليست تفكيراً خالصاً، ولا شعوراً محضاً، إنها مزيج من التفكير والشعور، والدين قد جاء يخاطب الفطرة كلها. يخاطب التفكير والشعور معاً. يخاطب العقل والقلب جميعاً. والذين يعتمدون على سلطان العقل وحده في الوصول إلى عقيدة سليمة راسخة، وفكرة كلية واضحة تفسر هذا الوجود، وتحل ألغازه، قد جاوزوا بالعقل حدوده واختصاصه، وأهملوا جانباً هاماً في الفطرة الإنسانية هو جانب الشعور والوجدان، جانب القلب كما أغلقوا على أنفسهم باباً واسعاً ما كان أحوجهم إليه، وما أضل سعيهم بغيره. هو باب الوحي.
إن العقل -مهما أوتى من الذكاء والقدرة على التجربة والقياس والاستنتاج- محدود بحدود الطاقة البشرية، مقيد بقيود المكان والزمان والوراثة والبيئة، فلا غنى له أبداً عن سند ومعين، يسدده إذا أخطأ، ويهديه إذا ضل، ويرده إلى الصواب إذا شرد، وهذا السند هو الوحي، الذي هو أساس الدين.
إن الوحي قد أراح الإنسان من عناء البحث فيما يبدد طاقته دون الظفر بما يشبع ويغني، وأعفاه من تجشم رحلات طويلة وشاقة، والسير في دروب معتمة وملتوية، لا يدرى إلام تنتهي به؟ وقدم له ما ينبغي أن يعلمه -وما يستطيعه- عن مبدأ الوجود ومنتهاه، وعلته وأسراره، قدمها إليه خالصة سائغة، سالمة من جدل المجادلين، وتعمقات المتفلسفين، وتخرصات المتكلفين.
وليت شعري ما الذي يستطيع أن يعلمه الإنسان عن وجوده هو، وعن وجود العالم الكبير من حوله، وعن صاحب هذا الملك الكبير -سبحانه- لو مشى في الطريق وحده، دون دليل من وحي الله؟
إنه سيضرب في بيداء لا يعرف فيها طريقاً، ولا يجد فيها غير السراب يحسبه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ويسبح في بحار من الظلمات لا يهتدي فيها إلى بر ولا قرار، كالتي حدثنا الله عنها في كتابه: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) (النور: 40).أجل حاول كثير من المفكرين في القديم والحديث أن يحلوا ألغاز الوجود، ويظفروا بطمأنينة النفس عن طريق الفلسفة البشرية بعيداً عن هدى الله، ووحي السماء، فأفلسوا وعجزوا.
قال الفخر الرازي (في كتابه "أقسام اللذات") بعد أن حصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وطاف بدائرة المعارف الفلسفية والكلامية لعصره: "لقد تأملت الكتب الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلاً. ولا تشفي عليلاً. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي".
وعبر بعضهم عن صرعى الفلسفة والتفلسف فقال:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها
وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر واضعاً كف حائِِِر
على ذقن أو قارعاً سن نِادم
وتمنى أحدهم في آخر عمره: لو رزق إيماناً كإيمان العجائز! حتى إيمان العجائز لم يظفر به المتفلسفون.
وهكذا أفلست الفلسفات البشرية أن تمنح القلب الإنساني طمأنينته التي هي أول عنصر لسعادته، ومحال أن يسعد إنسان يؤرق الشك ليله، ويكدر القلق نهاره.
وعرف المنصفون أن أهدى السبل وأقربها وآمنها للظفر بالطمأنينة إنما هو سبل الوحي الإلهي المعصوم. إنه «المصل الواقي» من الشك المحطم، والقلق المفزع (فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم) (الزخرف: 43). (فتوكل على الله، إنك على الحق المبين) (النمل: 79).
والحق المبين هو الذي اتضحت أعلامه واستبان طريقه، وزال عنه الغموض واللبس والاختلاف والريب.
وشعور الإنسان واعتقاده أنه (على الحق المبين) وأنه (على صراط مستقيم) شعور لا يظفر به غير المؤمن بوحي الله وهداه.
أما الذي شرد من هدى الله ورسالاته، فهو (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا، قل: إن هدى الله هو الهدى) (الأنعام: 71).
إن الوحي وحده هو السبيل الفذة للوصول إلى اليقين في قضايا الوجود الكبرى. وبغير الوحي لن يكون يقين، وبغير اليقين لن تكون سكينة، وبغير السكينة لن تكون سعادة.
بالوحي يبلغ المؤمن درجة علم اليقين، وقد يرتقى روحه ويشف ويرف حتى يشارف عين اليقين أو حق اليقين.
وفي هذا قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً! ذلك لأنه آمن بما أخبر به الوحي إيماناً تجلت به حقائق الوجود لعين قلبه، كأنه يراها بعيني رأسه، ويشهدها حاضرة ظاهرة، كالشمس في الضحى، ليس دونها سحاب ولا ضباب.
قال بعض السلف: "رأيت الجنة والنار حقيقة".
قيل له: وكيف رأيتهما وأنت في الدنيا؟
قال: "رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهما بعينيه، ورؤيتي لهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر عندي من رؤيتهما بعيني، فإن بصري قد يزيغ عند رؤيتهما أو يطغى، أما بصر الرسول فما زاغ وما طغى".
نجاة المؤمن من عذاب الحيرة والشك
وبهذا الإيمان البسيط العميق الذي جاء به الوحي، وأيده العقل، واقتضته الفطرة، وشهد له كل سطر، بل كل كلمة في كتاب الوجود المفتوح - سلم المؤمن من الشك والاضطراب، واستراح من البلبلة والحيرة، الذهنية والنفسية، التي يتجرع غصصها الجاحدون المرتابون.
بهذا الإيمان الواضح المريح، حل المؤمن ألغاز الوجود الكبرى، حين عرف مبدأه ومصيره، وغايته ومهمته، بل عرف مبدأ الوجود كله ومنتهاه وغايته وهدفه. فانحلت عقد الشك من نفسه، وزالت علامات الاستفهام الكبيرة من حياته.
لقد عرف أن له ربا -هو رب كل شيء- هو الذي خلقه فسواه، وكرمه وفضله، وجعله في الأرض خليفة، وكفل له رزقه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فاطمأن إلى ربه، ولاذ بجواره واعتصم بحبله، فأوى بهذا الإيمان إلى ركن شديد، ولاذ بقرار مكين، واستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
وعرف أن هذه الحياة القصيرة التي يعيشها الناس ممزوجة الخير بالشر، والعدل بالظلم، والحق بالباطل، واللذة بالألم، ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنما هي مزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى. تجزى فيها كل نفس بما كسبت، وتخلد فيما عملت، فاستراح المؤمن بذلك من التساؤل العريض عن الحياة والموت، وما سرهما؟ وماذا بعدهما؟ استراح المؤمن من ذلك، حين علم وأيقن أنه خلق للخلود الأبدي، وإنما ينقله الموت من طور إلى طور، أو من دار إلى دار.
وعرف المؤمن أنه لم يخلق في هذه الحياة عبثاً، ولم يترك سدى، فبعث الله إليه رسله بالبينات، هداة ومعلمين، مبشرين ومنذرين، ليهتدي الناس إلى الحق، ويستبينوا معالم الطريق، ويعرفوا ما يرضي الله فيتبعوه، وما يسخطه فيتقوه، وليقيموا بين الناس موازين القسط، ويحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وليكونوا أمثلة رفيعة -تحس وترى- يتخذها الناس أسوة حسنة لصوالح الأعمال، ومكارم الأخلاق.
وعرف المؤمن أنه ليس غريباً على الكون الكبير من حوله، ولا معزولاً. عنه، إنه بإيمانه لم يعد وحده. إن الكون كله معه، ففطرة هذا الكون هي الإيمان. هي التسبيح والسجود للرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً) (الإسراء : 44).
إن هذه المكاسب الهائلة التي غنمها المؤمن، واجتنى ثمارها، وقطوفها الدانية، لا يقدرها حق قدرها إلا من حرمها، أو تأمل بعين بصيرته حال من حرمها.
فالجاحدون بالله، أو المرتابون فيه، وفي لقائه يوم الحساب، يحيون حياة لا طعم لها ولا معنى. حياة كلها قلق وحيرة، كلها علامات استفهام. كلها أسئلة لا تجد لها عندهم جواباً.
إنهم لا يوقنون بشيء يطمئنون إليه. ويستريحون له في قضية وجودهم أنفسهم، ووجود الكون كله من حولهم. من أين جاءوا؟ ومن جاء بهم؟ ولماذا جاء بهم؟ وإلى أين يذهبون بعد هذه المرحلة القصيرة، التي لم يفهموا لها سراً، ولم يعرفوا لها غاية؟ وما هذا الكون؟ وما مبدؤه؟ وما غايته؟ وما علاقتهم به؟
إن عقولهم المحدودة لا تستطيع أن تجيبهم إجابة تسفي الصدور، وتنقع الغلة، وتمحو بنورها الشك والحيرة والاضطراب.
ربما يهتدون في يوم إلى جواب عن هذه الأسئلة الحائرة المحيرة، ثم يعودون في اليوم الثاني فينقضون ما أبرموا، ويحلون ما عقدوا، ويتبرأون مما قالوا.
ولا يثبتون على قرار، ولا يستقرون على فكرة، ولا يدومون على وجو أو طريق:
كريشة في مهب الريح طائرة
لا تستقر على حال من القلق
نرى ذلك قديماً في مثل قول ابن الشيل البغدادي في قصيدته الرائية:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار؟
إلى أن يقول متسائلاً عن علة هذا الوجود:
فماذا الامتنان على وجود
لغير الموجدين به الخيار؟
وكانت أنعماً لو أن كوناً
نخير قبله أو نستشِار؟
وما دام وجوده قد تم بغير استشارة له، ولا اختيار منه، فليعلن سخطه على هذا الوجود الذي ليس -في نظره- إلا بلاء جرته عليه شهوة عارضة أمه وأبيه، وفي هذا يقول:
قبِح الله لذة، لأذانِِا
نالِها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألف
الفقد فإيجادنا علينا بلاء
وفي مثل ذلك يقول عمر الخيام:
لبست ثوب العمر لم أستشِر
وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم
أدر لماذا جئت؟ أين المفر؟
فقد لبس ثوب الحياة دون أن يستشار، ويؤخذ رأيه، كأنه لو استشير لكان رأيه وتدبيره لنفسه أفضل من تدبير ربه له. ثم هو يخلع هذا الثوب بالموت، ولا يدرى شيئاً عن سر وجوده، ولا ما بعد وجوده.
ويقول أبو العلاء المعري في فترات شكه وحيرته:
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة
أي المعاني بأهل الأرض مقصِود؟
لم يعطنا العلم أخباراً يجيء بها
نقل ولا كوكب في الأرض مرصود
ويقول:
أصبحت في يومي أسائل عن غدي
متحيراً عن حالِه متندسِِا
أمِِا اليقين فلا يقين وإنمِِا
أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا
ويقول:
سألتموني فأعيتني أجابتكم
من ادعى أنه دار فقد كذبا
وهذا الشك الذي حرم معه اليقين والاستقرار على رأي، قد كدر عليه الحياة، وجعله ينظر إليها نظرة متشائمة سوداء. فتسمعه يقول:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة
وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنِِا الأيام حتى كأننِِا
زجاج، ولكن لا يعاد له سبك
بل يمتنع عن الزواج حتى لا يجني على ذريته، كما جنى عليه أبوه وأمه:
وأرحت أولادي فهم في نعمة الِ
عدم التي فضلت نعيم العاجل
وتغلب عليه النظرة الجبرية للإنسان فيقول:
ما باختياري ميلادي ولا هرمي
ولا حياتي، فهل لي بعد تخيير؟
ويقول:
جئنا على كره ونرحل رغما
ولعلنِِا ما بين ذلك نجبر
وحديثاً قال إيليا أبو ماضي في قصيدته التي سماها "الطلاسم" :
جئت لا أعلم من أين، ولكني أتِيت
ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشِيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجِود؟
هل أنا حر طليق، أم أسير في قيود؟
هل أنا قائد نفس في حياتي أم مقود؟
أتمنى أنني أدري، ولكن .....
لست أدري؟
وطريقي ما طريقي، أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد، أم أهبط فيه وأغِور؟
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقف، والدهر يجري؟
لست أدري؟
أتراني قبلما أصبحت إنساناً سِِوياً
كنت محواً ومحالاً أم تراني كنت شيا؟
ألهذا اللغز حل، أم سيبقى أبِِديا؟
لست أدري … ولماذا لست أدري؟؟
لست أدري؟
إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلب على جمره الحائرون المرتابون في وجود الله وحكمته، وعدله ورحمته، وجزائه في الآخرة ووحيه إلى رسله -هذا الشك ليس شيئاً هيناً، إنه عذاب أليم، وكوة من الجحيم فتحت على أهله، تلفحهم بنارها، وتشوي قلوبهم بحميمها، وكلما خف لهيبها هبت عليهم عواصف الشك من جديد، فاشتعلت النار، ليذوقوا العذاب.
إن هذا القلق أمر لا مناص لهم منه، إنه سيحرمهم سكون النفس، وهدوء الضمير. سيقض عليهم مضاجعهم، وينغص عليهم حياتهم، ويؤرق عليهم ليلهم، ويكدر عليهم نهارهم، إنهم يعيشون كما قال الله (معيشة ضنكاً) (طه: 124).
وضوح الغاية والطريق عند المؤمن
غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي. غريزة البقاء، أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم ... أم ... الخ.
وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه، وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع، أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لا تدرك.
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غضباناً علي لئامها
والعكس بالعكس طبعاً، إذا رضي اللئام غضب الكرام.
وهنا يذكرون الحكاية المشهورة، حكاية الشيخ وولده وحماره: ركب الشيخ ومشى الولد وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ، فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معاً والحمار أمامهما، فتعرضا لنكت أولاد البلد، واقترح الولد ا.ن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين، فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لأتعبنا أنفسنا، ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً. يا بني لا سبيل إلى إرضاء الناس.
ومن في الناس يرضي كل نفس
وبين هوى النفوس مدى بعيد؟
وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معه برضى الناس أو سخطهم، شعاره ما قال الشاعر:
فليتك تحلو والحياة مريِِرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خِِراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فرق التراب تراب
كما جعل المؤمن همومه هماً واحداً، هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه، ويوفقه لسلوكه، (اهدنا الصراط المستقيم ) (الفاتحة: 6)، وهو طريق واحد لا عوج فيه ولا التواء (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام: 153).
وما أعظم الفرق بين رجلين، أحدهما عرف الغاية، وعرف الطريق إليها، فاطمأن واستراح، وآخر ضال، يخبط في عماية، ويمشي إلى غير غاية، لا يدرى إلام المسير؟ ولا أين المصير؟ (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) (الملك: 22).
واستهان المؤمن في سبيل هذه الغاية بكل صعب، واستعذب كل عذاب، واسترخص كل تضحية، بل قدمها راضياً مستبشراً، ألا ترى إلى خبيب بن زيد وقد صلبه المشركون؟ وأحاطوا به يظهرون الشماتة فيه، يحسبون أنه ستنهار أعصابه، أو تضطرب نفسه، ولكنه نظر إليهم في يقين ساخر، وأنشد يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممِِزع
ألا ترى إلى الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان كيف كان يخوض عباب المعركة، والموت يبرق ويرعد، وهو يقول: (وعجلت إليك رب لترضى) (طه: 84).
ألا تسمع لأحدهم وقد نفذ الرمح في صدره حتى وصل إلى ظهره، فما كان منه إلا أن قال: فزت ورب الكعبة.
وفي غزوة الأحزاب، وقد ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً إذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وكشف المنافقون النقاب، فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً.
في هذا الجو الرهيب كان موقف المؤمنين هو موقف السكينة والطمأنينة الذي عهد منهم، والذي سجله الله لهم في كتابه: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) (الأحزاب: 22).
ما الذي وهب هؤلاء المجاهدين السكينة، والقتال مستعر الأوار؟ ومنحهم الطمأنينة والموت فاغر فاه؟ إنه الإيمان وحده، وصدق الله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ولله جنود السموات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً) (الفتح: 4) (قل إن الله يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد: 27، 28).
لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها، وعرف الطريق فاطمأن به، إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه (الصراط المستقيم) الذي يهدي إليه محمد، صلى الله عليه وسلم، (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) (الشورى: 52، 53).
وبهذا الصراط المستقيم، كان المؤمن في أخلاقه وسلوكه مطمئناً غير قلق، ثابتاً غير متقلب، واضحاً غير متردد، مستقيماً غير متعوج، بسيطاً غير معقد، لا يحيره تناقض الاتجاهات، ولا يعذبه تنازع الرغبات، ولا يحطم شخصيته الصراع الداخلي في نفسه. أيفعل أم يترك؟ أيفعل هذا أم ذاك؟
إن له مبادئ واضحة، ومعايير ثابتة، يرجع إليها في كل عمل وكل تصرف، فتعطيه الإشارة، وتفتح له الطريق فيقدم، أو تضيء له النور الأحمر، فيعرف الخطر ويحجم، وحسبه كتاب ربه هادياً، ورسوله معلماً: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة: 15، 16).
وإن له -مع ذلك- لضميراً يقظاً، وقلباً نيراً، يستفتيه في المتشابهات فيفتيه، ويرجع إليه في الملمات فيهديه، فهو كالإبرة "الممغنطة" تعرف اتجاهها دائماً وتشير إليه: "واستفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".
المقياس الخلقي عند المؤمن واضح ثابت ينحصر في رضى ربه وطاعة أمره، واجتناب نهيه، معتقداً أن في ذلك سعادة أولاه وأخراه، وخيره وخير البشرية جميعاً. فهو عند حدود الله وقاف. وهو لأمر ربه مسارع مطواع، مهما يكن في ذلك من خسران منفعة عاجلة، أو قهر لشهوة طاغية، أو مقاومة لعاطفة قوية أو غريزة قاهرة أو عادة غالبة.
هذا هو شأن الإيمان القوي الصادق، وهذه بعض ثمراته.
وفي القصة التالية العجيبة -لأب وابن مؤمنين- مثل رائع لليقين الذي لا يعرف الشك، والمسارعة التي لا تعرف التردد أو الحيرة أو التخاذل في أمر الله.
شيخ كبير، اشتاق إلى الولد، ودعا ربه، فأوتيه على الكبر، وبشرته به السماء، (بغلام حليم) فتعلق به قلبه، وأفرغ فيه كل ما لديه من حنان وحب، وظل ينمو فينمو معه حب أبيه، ويشب فيشب معه الأمل والرجاء فيه، وإذا الحكمة الإلهية تأبى إلا أن تصهرهما في امتحان قاس عسير. أن يقرب :لأب إلى الله قرباناً، فيذبح ولده، ويذبح معه حبه ورجاءه وأمله. فهل توقف الوالد عن الأمر؟ أو حتى تردد بين نداء العاطفة ونداء الإيمان؟ بين صوت الوحي من فوقه، وصوت الأبوة ينبثق من حناياه؟ وهل تمرد الابن على أمر يتعلق برقبته؟ أو حتى اصطرعت في نفسه العوامل المتضادة من حب الحياة، والامتثال لأمر الله؟.
كلا. لقد كان يقينهما أكبر من نوازع النفس، وعوامل التردد، فأسلم الوالد ولده. وأسلم الولد عنقه.
تلك هي قصة إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل عليهما السلام.
وليس هناك أصدق ولا أروع من تصوير القرآن لهاتين النفسيتين المؤمنتين، ومدى طمأنينتهما في أحلك ساعات الشدة، ومبلغ الثبات الخلقي الراسخ الذي بدا في تضحية الأب العظيم، وصبر الابن الكريم.
قال تعالى في شأن إبراهيم وولده إسماعيل: (فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: 101، 111).
وفي هذا الختام سر القصة كلها، ومفتاح ما سجلته من بطولة وفدائية، (إنه من عبادنا المؤمنين).
العبودية لله وحده، والإيمان به وحده (إنه من عبادنا المؤمنين) (الصافات: 111) العبودية لله تعني: التحرر من التبعية لكل من سواه وما سواه، فلا خضوع لمخلوق في الأرض أو في السماء. حتى الشيطان الوسواس الخناس ليس له سبيل على عباد الله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (الإسراء: 65).
والعبودية لله تعني: الانقياد لحكمه سبحانه، مع رضا النفس، وتسليم القلب، دون أدنى حرج أو ارتياب، لثقته بأن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه وأنه تعالى أرحم به من أمه وأبيه، وأنه سبحانه أعلم بما يصلحه ويزكيه.
والمؤمن الصادق هو الذي عرف لهذه العبودية حقها، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وحطم الأصنام كلها من قلبه، ورفض الطواغيت كلها من حياته، ولم يرض غير الله رباً، ولم يتخذ غير الله ولياً? ولم يبتغ غير الله حكما? اتضحت لعين بصيرته الوجهة? واستقام أمامها الطريق? لا لبس ولا غموض? ولا عوج ولا أمت: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) (الأنعام: 161 - 164).
وبهذا الاتجاه الواضح انحلت العقد في نفس المؤمن وفي حياته. فقد عرف الطريق فسلكها على بصيرة، غير هياب ولا متردد، ولا قلق ولا مرتاب. طريق الرجوع إلى أمر الله، والاستسلام الكامل لحكم الله، واليقين بأن خيري الدنيا والآخرة في اتباعه والرضا به (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب: 36) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون) (النور: 51).
أجل هم المفلحون: مفلحون في الآخرة بدخول الجنات ورضوان من الله أكبر. ومفلحون في الدنيا بما أنعم الله عليهم من سكينة الأنفس. وطمأنينة القلوب، وانشراح الصدور.
أنس المؤمن بالوجود كله
والمؤمن يعيش موصولاً بالوجود كله، ويحيا في أنس به، وشعور عميق بالتناسق معه، والارتباط به، فليس هذا الكون عدواً له، ولا غريباً عنه، إنه مجال تفكره واعتباره، ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نعم الله وآثار رحمته.
هذا الكون الكبير كله يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن، ويسبح بحمد الله كما يسبح المؤمن.
والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في وحشته..
وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه.
فليس هناك أوسع من صدر المؤمن وقلبه الذي وسع العالمين، المنظور وغير المنظور، عالم الشهادة وعالم الغيب، ووسع الحياتين: الدنيا والآخرة، حياة الفناء، وحياة الخلود، ووسع الوجودين: الوجود المحدث الفاني، والوجود الواجب الباقي، الوجود الأزلي الأبدي، وجود الله جل جلاله.
وليس هناك أضيق من صدر الملحد والشاك في الله والآخرة، إن حياته أضيق من سجن، بل من "زنزانة" في سجن، إنه يعيش معزولاً عن الأزل والأبد، عن الأمس والغد. لا يعرف إلا يومه، ولا يعرف من يومه إلا لذاته المحسة، وهو يعيش معزولاً عن الوجود العريض، لا يرى منه إلا شخصه وشخوصاً محدودة أخرى، ولا يرى من شخصه إلا جسمه المادي، ودوافعه الحيوانية.
هذه حقيقة ثابتة، وسنة ماضية، منذ أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض ثم قال لهما (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) (طه: 123، 124).
فإذا رأيت بعض هؤلاء المعرضين عن هدى الله في بحبوحة من العيش المادي، والنعيم الحسي، فلا يخدعنك ذلك عن حقيقة حالهم، فإن الضنك الحقيقي في أنفسهم. وإذا ضاقت النفس، وضاق الصدر، ضاقت المعيشة وضاقت الحياة كلها. وإذا اتسعت النفس، اتسعت الحياة. وقديماً قال الشاعر:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق!
إن دائرة الوجود بالنسبة للحيوان دائرة ضيقة محدودة بحدود معدته وكرشه، وما يملؤها من كلأ ومرعى. ولا التفات إلى ما وراء ذاك.
وقريب من ذلك الطفل، فوجوده ينحصر في أمه وثدييها، فإذا كبر قليلاً اتسع فشمل أباه وأخوته ومسرح لعبه، فإذا نما شيئاً فشيئاً، بدأت تتسع دائرة حسه، ثم انتقل -كلما قارب الرشد- من المحسوس إلى غير المحسوس. فبدأ يدرك المعاني الكلية والمعقولات المجردة.
فالإيمان بالله وبالغيب هو الذي يرتفع بالإنسان من الحيوانية إلى الإنسانية ومن الطفولة إلى الرشد، لأنه يرتفع بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، ومن المنظور إلى غير المنظور، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب.
إن المؤمن يعيش في سعة من نفسه وقلبه، ولو لم يكن في سعة من عيشه، فطبيعة الإيمان توسع النفس والقلب والحياة لأنه يصل صاحبه بالوجود كله، ظاهره وباطنه، علوية وسفليه. وما يبصر منه وما لا يبصر. ماضيه وحاضره ومستقبله. يصله بالسموات والأرض ومن فيهن. يصله بالملائكة وحملة العرش والقوى الروحية من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو. يصله بحملة النور الإلهي، وأصحاب الرسالات السماوية من لدن آدم أبي البشر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يصله بالصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة، ومن كل عصر، يصله بالآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، وباختصار: يصله بالوجود ورب الوجود، الأول والآخر، والظاهر والباطن .
النفس المؤمنة نفس رحبة واسعة، وكيف لا وهي تعيش في وجود سعته السموات والأرض، والعرش والكرسي، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد؟.
والنفس المؤمنة رحبة واسعة، لأنها تعيش في نور يهديها سبيلها، ويكشف لها من حولها، ومن شأن النور أن يوسع الدائرة التي يحيا فيها الإنسان على عكس الظلام، فإن الذي تكتنفه الظلمة لا يرى ما حوله ولا من حوله. بل لا يرى الشيء وهو بجواره تكاد تلمسه يداه، بل لا يرى نفسه، ولا شيء أقرب إليه من نفسه، فإذا لاح له شعاع خافت بدأ يرى نفسه، أو شيئاً مما حوله. فإذا قوي هذا النور وانتشرت أشعته العريضة، أضاء له دائرة أوسع، وعلى قدر قوة هذا النور وقوة البصر عند الإنسان تكون سعة الدائرة التي يدركها البصير.
سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) (الزمر: 22) فقال: "إن النور إذا دخل في القلب اتسع وانفسح".
فالقلب يتسع وينفسح وينشرح بنور الإيمان واليقين، كما يضيق وينكمش بظلمة الإلحاد والشك والنفاق: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) (الأنعام: 125).
المؤمن يعيش في معية الله
والمؤمن لا يعتريه ذلك المرض النفسي الوبيل، الذي يفتك بالمحرومين من الإيمان، ذلك هو مرض الشعور بالوحدة المقلقة، فيحس صاحبه أن الدنيا مقفلة عليه، وأنه يعيش فريداً منعزلاً? كأنه بقية غرقى سفينة ابتلعها اليم، ورمت به الأمواج في جزيرة صغيرة موحشة يسكنها وحده، لا يرى إلا زرقة البحر وزرقة السماء، ولا يسمع إلا صفير الرياح، وهدير الأمواج.
وأي عالم أشد على النفس من هذا العالم، وأي إحساس أمر من هذا الإحساس؟ إن أقص ما يصنعه السجان بالسجين أن يحبسه في سجن انفرادي (زنزانة) ليحرمه من لذة الاجتماع، وأنس المشاركة والاختلاط، فما بالنا بمن وضع نفسه دائماً في تلك الزنزانة، وعاش فيها بمشاعره وتصوره وحده، وإن كانت الدنيا تضج من حوله بخلق الله من بني الإنسان؟! .
والمختصون متفقون على أن هذا المرض من أخطر أمراض النفس، لما يجلبه على صاحبه من عزلة وفقدان للثقة بمن يتعاملون معه، إذ يعتقد أن كل من حوله دونه، وأنهم يخالفونه في كل مقومات الحياة، وأينما التفت لا يجد غير نفسه، وقد مثل بعضهم حالة هذا المريض بإنسان قد سجن في غرفة جميع جدرانها مراء (مرايا) فأينما ينظر لا يجد إلا نفسه، وأن هذه الغرفة التي سجن فيها لا أبواب لها، ولا منافذ بها، فأين السبيل إلى الهرب منها؟.
فهل يستطيع مثل هذا الإنسان أن يعمل أو ينتج، أو أن يظل محتفظاً بوعيه وقدرته على الفهم والتركيز؟ وهل يمكن لمثله أن يظفر بالسكينة والاطمئنان؟ الجواب طبعاً: لا.
بل قال المختصون في علاج هذه الأمراض: إن لهذا المرض النفسي آثاراً عضوية تظهر على جسم صاحبه، كما تظهر في حركاته وتصرفاته. فقد يصيبه الدوار ويتصبب عرقه، وتسرع نبضات قلبه، كأنه خائف من عدو قاهر، أو مقدم على موقف عصيب وقد يتخبط في حركاته ومشيه كأنه يريد الهرب.
ويقول الدكتور «موريس جوبتهيل» مدير إدارة الصحة العقلية بنيويورك: "إن مرض إحساس الإنسان بوحدته لمن أهم العوامل الأساسية للاضطرابات العقلية".
ولم يدخر الأطباء وعلماء النفس وسعاً في البحث عن علاج ناجع لهذا المرض، وبذلوا في ذلك جهوداً جمة، وأجروا تجارب كثيرة، وحاولوا محاولات مخلصة حتى انتهى رأي المنصفين منهم أخيراً إلى أن العلاج الأمثل لهذا المرض هو اللجوء إلى الدين، والاعتصام بعروة الإيمان الوثقى، وإشعار المريض بمعية الله والأنس به.
فهذا الإيمان القوي هو خير دواء لعلاج هذا المرض الخطير، كما أنه خير وقاية من شره.
قال الدكتور «فرانك لوباخ» العالم النفسي الألماني: مهما بلغ شعورك بوحدة نفسك فاعلم أنك لست بمفردك أبداً. فإذا كنت على جانب من الطريق فسر وأنت على يقين من أن الله يسير على الجانب الآخر (من مقال للأستاذ عبد الرزاق نوفل).
واعتقاد المسلم أكبر من هذا وأعمق. إنه يؤمن أن الله معه حيثما كان، وليس على الجانب الآخر من الطريق، إن الله سبحانه يقول في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" ويقول في كتابه العزيز: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم وإن يتركم أعمالكم) (محمد: 35).
ويقول أديب غربي من كلمة يستقبل بها عاماً جديداً: قلت للرجل الواقف على باب العام: أعطني نوراً أستضيء به في ظلمات الطريق، قال: ضع يدك في يد الله فإنه يهديك سواء السبيل.
إن شعور المؤمن بأن يد الله في يده، وأن عنايته تسير بجانبه، وأنه ملحوظ بعينه التي لا تنام، وأنه معه حيث كان، يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويزيح عن نفسه كابوسها المزعج.
كيف يشعر بالوحدة من يقرأ في كتاب ربه (ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم) (البقرة: 115) (وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير) (الحديد: 4)؟ إنه لا يشعر إلا بما شعر به موسى حين قال لبني إسرائيل (إن معي ربي سيدين) (الشعراء: 62) وما شعر به محمد في الغار حين قال لصاحبه: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).
إن شعور المؤمن بمعية الله وصحبته دائماً يجعله في أنس دائم بربه، ونعيم موصول بقربه، يحس أبداً بالنور يغمر قلبه، ولو أنه في ظلمة الليل البهيم. ويشعر بالأنس يملأ عليه حياته وإن كان في وحشة من الخلطاء والمعاشرين، ينشد ما قاله العبد الصالح يناجي ربه:
إن قلبا أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا
يوم يأتي الناس بالحجج
المؤمن يعيش في صحبة النبيين والصديقين
والمؤمن لا يشعر أنه في عزلة عن إخوانه المؤمنين. إنهم، إن لم يكونوا معه في عمله أو مسجده أو داره - يعيشون دائماً في ضميره، ويحيون في فكره ووجدانه، فهو إذا صلى -ولو منفرداً- تحدث باسمهم (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 5) وإذا دعا دعا باسمهم (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة: 6) وإذا ذكر نفسه ذكرهم "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (هذا في التشهد الذي يتكرر في الصلوات المفروضة وحدها تسع مرات يومياً عدا السنة والنوافل) وإنه لأوسع مدى من أن يعيش مع مؤمني عصره وحدهم، بل انه ليتخطى الأجيال، ويخترق العصور والمسافات، ويحيا مع المؤمنين وإن باعدت بينه وبينهم السنون والأعوام، ويقول ما قال الصالحون: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (الحشر: 10).
المؤمن يشعر أنه يعيش بإيمانه وعمله الصالح مع أنبياء الله ورسله المقربين. ومع كل صدّ?يق وشهيد وصالح من كل أمة وفي كل عصر: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً) (النساء: 69).
وأي إنسان أسعد ممن يرافق هؤلاء ويرافقونه؟ إنها ليست مرافقة جسد وصورة، ولكنها مرافقة روح ووجدان، وفكر وقلب، وكفى أنه «معهم» وليس خلفهم، ولا قريبا منهم .. ولا يحسبن امرؤ من الناس أن مرافقة هؤلاء للمؤمن شيء هين ضئيل، أو أمر خيالي موهوم، فإنه لفرق كبير دين إنسان تاريخه هو تاريخ شخصه أو أسرته، أو حزبه مثلاً، فهو قريب القاع، سطحي الجذور، وإنسان تاريخه هو تاريخ الإيمان والهدى من عهد آدم، تاريخه هو تاريخ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد من أولي العزم من الرسل، ومن غيرهم من أصحاب النبوات والرسالات منذ بعث الله رسولاً، وأنزل كتاباً، فهو يستلهم هذا التاريخ المؤمن الحافل في كل ما ينِزل به من أحداث، وما يعرض له من مشكلات، وما يقف في سبيله من عوائق، ويجد فيه الأسوة والهداية كما يجد فيه السلوى والعزاء، كما يجد فيه الأنس والود، ومن كل ذلك يأخذ الزاد لفكره، والنور لقلبه، والمدد لإرادته.
الصلاة والدعاء من بواعث السكينة
ومن أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون، ونعم بها المؤمنون، ما يناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء.
فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه، ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه: داعياً راغباً ضارعاً.
وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس، ومدد للهزيمة، وطمأنينة للروح.
لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين) (البقرة: 153) وكان محمد رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولم تكن صلاته مجرد شكل أو رسم يؤدى، وإنما كانت استغراقاً في مناجاة الله، حتى أنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذنه بلال في لهفة المتشوق واشتياق الملهوف: "أرحنا بها يا بلال" ... وكان يقول "جعلت قرة عيني في الصلاة".
وقد أعجبني ما كتبه «ديل كارنيجي» (في كتاب: "دع القلق وابدأ الحياة" ص 301 و 302) عن الأثر المبارك للصلاة في النفس البشرية، وهو يريد الصلاة بمعناها العام المشترك بين الأديان جميعاً، وهو الدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، قال: "ولا يقعد بك عن الصلاة والضراعة والابتهال أنك لست متديناً بطبعك، أو بحكم نشأتك، وثق أن الصلاة سوف تسدي إليك عوناً أكبر مما تقدر، لأنها شيء عملي فعال، تسألني: ماذا أعني بشيء عملي فعال، أعني بذلك أن الصلاة يسعها أن تحقق لك أموراً ثلاثة لا يستغني عنها إنسان سرواء أكان مؤمناً أو ملحداً:
1.      فالصلاة تعينك على التعبير بأمانة ودقة عما يشغل نفسك، ويثقل عليها، وقد بينا فيما سلف أن من المحال مواجهة مشكلة مادامت غامضة غير واضحة المعالم، والصلاة أشبه بالكتابة التي يعبر بها الأديب عن همومه، فإذا كنا نريد حلاً لمشكلاتنا وجب أن نجريها على ألسنتنا واضحة المعالم، وهذا ما نفعله حيث نبث شكوانا إلى الله.
2.      والصلاة تشعرك بأنك لست منفرداً بحل مشكلاتك وهمومك. فما أقل من يسعهم احتمال أثقل الأحمال وأعسر المشكلات منفردين، وكثيراً ما تكون مشكلاتنا ماسة أشد المساس بذواتنا فنأبى أن نذكرها لأقرب الناس إلينا، ولكننا يسعنا أن نذكرها للخالق عز وجل في الصلاة.
والأطباء النفسيون يجمعون على أن علاج التوتر العصبي، والتأزم الروحي يتوقف -إلى حد كبير- على الإفضاء بمبعث التوتر ومنشأ الأزمة إلى صديق قريب، أو ولي حميم. فإذا لم نجد من نفضي إليه كفانا بالله ولياً.
3.      والصلاة بعد هذا تحفزنا إلى العمل والإقدام، بل الصلاة هي الخطوة الأولى نحو العمل، وأشك في أن يوالي امرؤ الصلاة يوماً بعد يوم، دون أن يلمس فائدة أو جدوى، أو بمعنى آخر، دون أن يتخذ خطوات مثمرة نحو تحسين حالته، وتفريج أزمته، وقد قال « الكسيس كاريل» (مؤلف كتاب "الإنسان .. ذلك المجهول" والحائز على جائزة نوبل) "الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت حتى الآن، فلماذا لا ننتفع بها؟" أ. هِ.
وإذا كان هذا شأن الصلاة بعامة، فإن الصلاة الإسلامية أزكى وأعمق أثراً، بما فيها من طهارة بدنية منشطة، وما فيها من قرآن يتلى، وهو كتاب الخلود، وما فيها من إيحاء الجماعة التي رغب الإسلام فيها، وحث عليها.
أي سكينة يشعر بها المؤمن حين يلجأ إلى ربه في ساعة العسرة ويوم الشدة، فيدعوه بما دعا به محمد من قبل: "اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منِزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنى الدين، وأغنني من الفقر" (رواه مسلم).
وأي طمأنينة ألقيت في قلب محمد رسول الإسلام يوم عاد من الطائف دامي القدمين، مجروح الفؤاد من سوء ما لقي من القوم - فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى السماء يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحية النابضة التي دعا بها محمد ربه، فكانت على قلبه برداً وسلاماً: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ...".
المؤمن لا يعيش بين (لو) و (ليت)
وان من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.
إن بعض الناس تنِزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل فيها شهوراً وأعواماً، يجتر آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسراً تارة، متمنياً أخرى. شعاره: ليتني فعلت، وليتني تركت، لو أنى فعلت كذا لكان كذا، وقديماً قال الشاعر:
ليت شعري، وأين مني "ليت"؟
إن "ليتا" وان "لوا" .. عناء
ولذا ينصح الأطباء النفسيون، والمرشدون الاجتماعيون، ورجال التربية، ورجال العمل، أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولى لا يعود.
ما مضى فات، والمؤمل غيب
ولك الساعة التي أنت فيها
وقد صور هذا أحد المحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تصويراً بديعاً لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة أصابعهم، فعاد يسألهم: وكم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه، وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة فعلاً .. وكذاك الحال مع الماضي: فعندما ينتابكم القلق لأمور حدثت في الماضي، فاعلموا أنكم تمارسون نشر النشارة!!.
وقد نقل هذا التصوير «ديل كارنيجي» كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاً تماماً كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو تصيبك بقرحة في المعدة (دع القلق ص: 173).
ولكن الضعف الإنساني يغلب على الكثيرين، فيجعلهم يطحنون المطحون ويبكون على أمس الذاهب، ويعضون على أيديهم أسفاً على ما فات، ويقلبون أكفهم حسرة على ما مضى.
وأبعد الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة، والأفكار الداجية هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه، وآمن بقضائه وقدره، فلا يسلم نفسه فريسة للماضي وأحداثه، بل يعتقد أنه أمر قضاه الله كان لابد أن ينفذ، وما أصابه من قضاء الله لا يقابل بغير الرضى والتسليم، ثم يقول ما قال الشاعر:
سبقت مقادير الإله وحكمه
فأرح فؤادك من "لعل" ومن "لو"
وقول الآخر:
ولست براجع ما فات مني
بلهف ولا بليت ولا لو أني
إنه لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان (رواه مسلم) كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم.
إنه يوقن أن قدر الله نافذ لا محالة، فلم السخط؟ ولم الضيق والتبرم؟ والله تعالى يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور) (الحديد: 22، 23).
وفي غزوة أحد التي قتل فيها سبعون من المسلمين، نعى القرآن على طائفة من المنافقين ومرضى القلوب، وضعاف الإيمان، عاشوا بين "لو" المتندمة و"ليت" المتحسرة، فيقول: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ قل إن الأمر كله لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) (آل عمران: 154).
ويرد على أولئك الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: (لو أطاعونا ما قتلوا، قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) (آل عمران: 168).
المؤمن لا يقف موقف هؤلاء المنافقين، ولا موقف إخوانهم من الكفار الذين نهى القرآن عن التشبه بهم في تحسراتهم الأسيفة، وتمنياتهم الحزينة (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة، خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) (آل عمران: 156 - 158).
إن شعار المؤمن دائماً: "قدر الله وما شاء فعل .. الحمد لله على كل حال" وبهذا لا يأسى على ما فات، ولا يحيا في خضم أليم من الذكريات، وحسبه أن يتلوا قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم) (التغابن: 11) وهذا يسبغ عليه أيضاً نعمة الرضا الذي سنتحدث عنه فيما يلي.


الفصل الرابع – الرضا
الفرح والروح في الرضا واليقين
"إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك" (حديث شريف).
في هذا الحديث الشريف كشف عن حقيقة نفسية باهرة، فكما أن سنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب في عالم المادة، فإن سنته تعالى في عالم النفس والروح قد ربطت الفرح والروح -وبعبارة أخرى السرور وراحة النفس- بالرضا واليقين، فبرضا الإنسان عن نفسه وربه يطمئن إلى يومه وحاضره، وبيقينه بالله والآخرة والجزاء، يطمئن إلى غده ومستقبله. ومن غير المؤمن في رضاه عن يومه، ويقينه بغده؟ كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك.
فالساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعماً. إن حياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك لا يعقبه نهار ولا يرتقب له فجر صادق. وقد ربط الحديث النبوي الكريم بين السخط والشك وهما متلازمان، فلا سخط من غير شك، ولا شك من غير سخط. قال ابن القيم: قل إن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه، وإن كان لا يشعر به، فلو فتش نفسه غاية التفتيش، لوجد يقينه معلوماً مدخولاً. فإن الرضا واليقين أخوان مصطحبان، والشك والسخط قرينان.
الساخط إنسان دائم الحزن، دائم الكآبة. ضيق الصدر، ضيق الحياة، ضيق بالناس، ضيق بنفسه، ضيق بكل شيء، كأن الدنيا -على سعتها- في عينيه سم الخياط.
إن المؤمن قد تصيبه الكآبة، وقد يعتريه الحزن، ولهذا قال الله لرسوله (ولا تحزن عليهم) (النمل: 70) (ولا يحزنك قولهم) (يونس: 65) ولكن حزن المؤمن لغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزن لنفسه فلآخرته قبل دنياه. وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض موقوت كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع إذا هبت عليه ريح الإيمان. حتى النفوس المنقبضة والطبائع المتشائمة، ينشر الإيمان عليها من ضيائه وإشراقه، فيبدد كثيراً من ظلامها ويخفف كثيراً من انقباضها ويطارد أسباب السخط والتشاؤم من وجودها.
أما المرتاب في الله والآخرة، فهو يعيش في مأتم مستمر، ومناحة دائمة. لأنه يعيش في سخط دائم، وغضب مستمر. ساخط على الناس، ساخط على نفسه، ساخط على الدنيا، ساخط على كل شيء. وقديما قالوا: من غضب على الدهر طال غضبه. ولهذا هو في مأتم مستمر، يبكي دائماً حظه وينعي نفسه، وينوح على دنياه، ويولول على وجوده. كما وصف بعض المرتابين نفسه فقال: أنه حزين بعاطفته وتفكيره وسلوكه .. حزين بأعصابه وأعصاب الكون والآلهة والناس والأشياء! .. لا يعرف لماذا هو، لهذا هو حزين، لا يعرف لماذا هو حزين، كما لا يعرف لماذا هو!!.
إن شعور الإنسان بالرضا من أول أسباب السكينة النفسية التي هي سر السعادة.
وفي الحديث: "من سعادة المرء استخارته ربه، ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء تركه الاستخارة وعدم رضاه بعد القضاء" (رواه البزار ومعناه عند أحمد والترمذي).
فكل أمر مقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه، والسعيد من جمع بينهما، وذلك هو المؤمن، والشقي من حرمهما. المؤمن يسأل الله قبل إقدامه على أمر من الأمور أن يهديه إلى أرشد الأعمال وأهدى السبل، ومن الأدعية التي علمها لنا الرسول: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فيسره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" (رواه البخاري وغيره).
والمؤمن وحده هو الذي يغمره الإحساس بالرضا بعد كل قدر من أقدار الله.
المؤمن هو الذي يحس تلك الحالة النفسية التي تجعله مستريح الفؤاد، منشرح الصدر، غير متبرم ولا ضجر، ولا ساخط على نفسه، وعلى الكون والحياة والأحياء. ومنشأ ذلك رضاه عن وجوده الخاص في نفسه، وعن الوجود العام من حوله، ومبعث هذا وذاك رضاه عن مصدر الوجود كله، وينبوع هذا الرضا هو الإيمان بالله رب العالمين.
الرضا نعمة روحية جزيلة، هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أو شاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله وحسن اتصاله به. وقد خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (طه: 130) وامتن عليه بقوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (الضحى: 5).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً" (رواه أحمد ومسلم والترمذي).
وأثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) (البينة: 8)
المؤمن راض عن نفسه وعن ربه
المؤمن راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه ذي الكون، لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملاً، ولا شيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة في أرض الله.
وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط سبحانه بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمة، لم يخلق شيئاً لهواً، ولم يترك شيئاً سدى، له الملك، وله الحمد، نعمه عليه لا تعد، وفضله عليه لا يحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يردد دائماً هذا الثناء الذي ردده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن: (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) (الشعراء: 78 - 82).
المؤمن موقن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار بره تعالى ورحمته، فيناجي ربه: (بيدك الخير، أنك على كل شيء قدير) (آل عمران: 26) فالخير بيديه، والشر ليس إليه، وما يظنه الناس شراً في الوجود، ليس هو شراً في الحقيقة. وإذا كان لابد من تسميته شراً، فإنما هو شر جزئي خاص مغمور في جانب الخير الكلي العام، وهذا الشر الجزئي، أو الشر الموهوم اقتضاه التكافل بين أجزاء الوجود هذا التكافل الذي يقول فيه الأستاذ العقاد: "إن المعتقدين به -أي بهذا التكافل- يرون أن الشر لا يناقض الخير في جوهره، ولكنه جزء متمم له، أو شرط لازم لتحقيقه، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها، وقد يطرد هذا القول في لذاتنا المحسوسة كما يطرد في فضائلنا النفسية، ومطالبنا العقلية: إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع، ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح" (حقائق الإسلام ص: 8).
المؤمن راض عن الكون والحياة
والمؤمن -نتيجة لهذا- راض عن الحياة والكون من حوله، لأنه يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله الذي أتقن كل شيء: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50)، وكل ذرة في الأرض أو السماء تدل على حكمة حكيم، وتقدير عزيز عليم، وتدبير ملك عظيم، ورعاية رب كريم رحيم.
المؤمن -كما قال الإمام الغزالي- ( "الأحياء" ربع المنجيات - كتاب التوكل ص : 222 ط الحلبي) يصدق تصديقاً يقينياً لا ضعف فيه ولا ريب؟ أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم، وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علماً وحكمة وعقلاً، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور. وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات، حتى اطلعوا به على الخير والشر، والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت، بما أعطوا من العلوم والحكم، لما اقتضى تدبير جميعهم من التعاون والتظاهر عليه، أن يزاد فيما دبر الله سبحانه، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر، عمن بلى به، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع، عمن أنعم الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض -إن رجعوا فيها البصر، وطولوا فيها النظر- ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور، وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل، وسرور وحزن، وعجز وقدرة، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، فكله عدل محض لا جور فيه، وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه، ولا أتم، ولا أكمل، ولو كان ادخره -مع القدرة- ولم يتفضل به لكان بخلاً يناقض الجود، وظلماً يناقض العدل، ولو لم يكن قادراً لكان عجزاً يناقض الإلهية" أ. هِ.
فما عرفه المؤمن من حكمة الله في خلقه، وأسراره في كونه، فبها ونعمت. وما خفي عليه وكله إلى عالمه، وقال في تواضع أولي الألباب: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك) (آل عمران: 191).
لهذا نرى المؤمن راضياً عما قدر الله له. وما قضى الله فيه، ينشد دائماً:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً
رأيت جمع الكائنات ملاحا
المؤمن عميق الإحساس بنعم الله عليه
إن مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم، ويحرمهم لذة الرضا، أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من نعم غامرة، ربما فقدت قيمتها بالفها، أو بسهولة الحصول عليها، وهم يقولون دائماً: ينقصنا كذا وكذا، ونريد كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا.
ولكن المؤمن عميق الإحساس بما لله عليه من فضل عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته. إنه يشعر بنعمة الله عليه منذ كان في المهد صبياً، بل منذ كان في بطن أمه جنيناً، كان صبياً وليداً لا سن له تقطع، ولا يد له تبطش، ولا قدم له تسعى، فأجرى الله له عرقين رقيقين في صدر أمه يجريان لبناً خالصاً، كامل الغذاء، دافئاً في الشتاء، بارداً في الصيف، وألقى الله محبته في قلب أبويه، فلا يطيب لهما طعام ولا شراب، ولا يهنأ لهما نوم ولا عيش، حتى يكفياه ما أهمه ويدفعا عنه كل سوء.
وكان في بطن أمه جنيناً، فجعل الله له قراراً مكيناً، هيأ له فيه أسباب الغذاء والدفء والتنفس، وجعل له متكأ عن يمينه،،متكأ عن شماله: (ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم *فقدرنا فنعم القادرون) (المرسلات: 20 - 23).
المؤمن يشعر بنعمة الله عليه في كل شيء حوله، ويرى في كل ذرة في الأرض أو في السماء منحة من الله له، تيسر له معيشته، وتعينه على القيام برسالته في الحياة. إنه يرى نعمة الله في هبة الريح، وسير السحاب، وتفجر الأنهار، وبزوغ الشمس، وطلوع الفجر، وضياء النهار، وظلام الليل، وتسخير الدواب، وإنبات النبات.
ولنقرأ في مثل هذا قول الله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12،13) (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس: 33 - 36) (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب، أفلا يشكرون) (يس: 71 - 73) (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً * وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً * لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) (الفرقان: 47 - 49) (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) (القصص: 71 - 73)، (والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون * وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين * هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون * وعلامات، وبالنجم هم يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم) (النحل: 5 - 18).
وهكذا يرى المؤمن -بتوجيه كتاب الله له- آثار رحمة الله ونعمته في كل شيء حوله، أما نعمة الله عليه في شخصه هو فما أعظمها وما أغزرها!.
فأولها: نعمة الخلق، ولولا مشيئته وفضله لبقي في ظلمة العدم، ولم يكن شيئاً مذكوراً: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) (الإنسان: 1، 2).
وثانيها: نعمة الإنسانية: فقد شاء الله أن يخلقه بشراً سوياً، ويستخلفه في الأرض، ويفضله على كثير من خلقه: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء: 70) ويتبع ذلك حسن الصورة الحسية المعنوية: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (التين: 4) (وصوركم فأحسن صوركم) (التغابن: 3).
وثالثها: نعمة الإدراك والعلم. (اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 3 - 5). (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (النحل: 78). وهذه الثلاثة هي أدوات العلم ومداركه.
ورابعها: نعمة البيان المنطقي والخطي: (الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان) (الرحمن: 1 - 4) (الذي علم بالقلم) (العلق: 4) (ن، والقلم وما يسطرون) (القلم: 1).
وخامسها: نعمة الرزق: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) (فاطر: 3) (قل من يرزقكم من السموات والأرض، قل الله) (سبأ: 24).
وسادسها: -وهذا خاص بالمؤمن- هو نعمة الإيمان والهداية إلى صراط الله المستقيم. ( ... ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة) (الحجرات: 7، 8) (يمنون عليك إن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات: 17).
وسابعها: نعمة الأخوة والمحبة: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران: 103)، (وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63).
ولقد كان محمد رسول الله أشد الناس إحساساً بنعمة الله وفضله في كل شئونه، ولذا تراه إذا تناول طعامه -وإن كان من خشن الخبز وجاف الشعير- يتناوله تناول الراضي الشاكر، ويقول في ختام الطعام: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وإذا شرب الماء القراح قال: "الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا".
وإذا اكتسى ثوبا أو عمامة أو نحو ذلك قال: "الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له".
وإذا ركب دابة قال ما علمه الله إياه: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون) (الزخرف: 13، 14).
وإذا استيقظ من نومه قال "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
وإذا قضى ضرورته البشرية وخرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني".
وإذا رأى مبتلى في جسمه أو حواسه قال: "الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه".
وإذا تم له أمر على ما كان يبغي ويريد قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
وإذا خاب له رجاء أو حدث له ما يكره بطبيعته البشرية قال: "الحمد لله على كل حال".
وإذا استقبل وجه الصباح قال: "اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك .. فلك الحمد ولك الشكر".
وإذا أظله المساء قال مثل ما قال في الصباح.
فهذا هو شعور المؤمن دائماً، شعور الذاكر لنعمة الله، الشاكر لفضل الله (وما بكم من نعمة فمن الله) (النحل: 53) (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 34).
ولا عجب أن كانت أول آية في كتاب الله الخالد -بعد البسملة- آية تشعر المؤمنين أبداً بنعمة الله وإحسانه وتوجههم إلى حمده وشكره، تلك هي آية فاتحة الكتاب (الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة: 1)، ولا غرو أن جعل الإسلام تلاوتها فريضة يومية يكررها المسلم كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة في صلواته الخمس.
المؤمن راض بما قدر الله عليه
والمؤمن كما يغمره الشعور بنعمة الله عليه في كل حين وفي كل حال، لا يفقد هذا الشعور وإن أصابته البأساء والضراء، وهزته زلازل الحياة.
إنه راض بما قضى الله له، وما قدر عليه، إيماناً بأن الله تعالى لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقضي أمراً يريد به عسراً لعباده، وأنه -سبحانه- أرحم بهم من الوالدة بولدها، وأن الخير المطوي في جوف ما نظنه كارثة وشراً، وما نكرهه بطبيعتنا البشرية (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) (النساء: 19).
ولقد لمس كثير ممن خالط المسلمين من الغربيين أثر هذا الجانب الاعتقادي -جانب الرضا بالقضاء- في نفس المسلم، واستقباله لكوارث الحياة وآلامها، بنفس لا تتضعضع، وقلب لا يتحطم.
من ذلك ما كتبه «ف. س. بودلي» تحت عنوان "عشت في جنة الله" قال: "في عام 1918أوليت ظهري للعالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر إفريقية الشمالية الغربية، حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام حتى أنني، ألفت كتاباً عن محمد صلى الله عليه وسلم عنوانه "الرسول" وقد كانت تلك الأعوام التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضى بالحياة.
وقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق، فهم -بوصفهم مسلمين- يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذا سهلاً هيناً.
فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر، إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا، ودعني أضرب مثلاً لما أعنيه:
هبة ذات يوم عاصفة عاتية، حملت رمال الصحراء، وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأس ينتزع من منابته، لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب). ولكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل إن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون إن تبدو من أحدهم شكوى ... قال رئيس القبيلة: "لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء بأن نفقد كلشيء، ولكن حمداً لله وشكراً، فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا إن نبدأ بها عملنا من جديد".
المؤمن راض بما قسم الله له من رزق
والمؤمن راض بما قسم الله له من رزق، وما قدر له من مواهب، وما وهب له من حظ، لأنه مؤمن بعدل الله فيما قسم من أرزاق، وبحكمته فيما وزع من مواهب، وبفضله ورحمته فيما وهب لعباده من حظوظ، وهذا هو معنى "القناعة" الذي حث عليه الدين، وأشاد به الحكماء والصالحون.
ولقد ظلم الناس -فيما ظلموا- كلمة "القناعة" فحسبوها الرضا بالدون، والحياة الهون، وضعف الهمة عن طلب معالي الأمور، وإماتة رغبة الطموح إلى الرقي المادي والمعنوي، وتمجيد الجوع والفقر والحرمان.
وهذا كله، -كما بينت في كتابي "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"- خطأ واضح، وضلال بعيد. فالحق أن القناعة لا تعني شيئاً من أوهام الكثيرين عنها. وإنما تعني أول ما تعني أمرين:
أولهما: أن الإنسان بطبيعته شديد الطمع والحرص على الدنيا لا يكاد يشبع منها أو يرتوي، وقد صور ذلك الحديث النبوي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى ثالثاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب" (رواه البخاري).
وكان لابد للدين إن يهديه إلى الاعتدال في السعي للغنى، والإجمال في طلب الرزق، وبذلك يضمن التوازن في نفسه وفي حياته، ويمنحه السكينة التي هي سر السعادة، ويجنبه الإفراط والغلو الذي يرهق النفس والبدن معاً، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم" (رواه ابن ماجه).
ولو ترك الإنسان يستسلم لنِزعات حرصه وطمعه، لأصبح خطراً على نفسه وجماعته، فكان لابد من توجيه طموحه إلى قيم أرفع، ومعان أخلد، ورزق أبقى، وذلك هو وظيفة الدين معه: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى) (طه: 131) (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله) (آل عمران: 14، 15).
وظيفة الإيمان هنا إن يحد من سورة الحرص والطمع، وطغيان الشراهة والجشع على النفس البشرية فلا تستبد بها وتجعلها تحيا في قلق دائم، لا تكتفي بقليل، ولا تشبع من كثير، لا يطفئ غلة ظمئها ما عندها فتمتد عينها إلى ما عند غيرها، ولا يشبعها الحلال فيسيل لعابها إلى الحرام، مثل هذه النفس لا ترضى ولا تستريح، إنها كجهنم -أعاذنا الله منها- تلتهم الملايين في جوفها ثم يقال لها: (هل امتلأت؟!) (سورة ق: 30) (وتقول هل من مزيد؟!) (سورة ق: 30).
وظيفة الإيمان أن يوجه النفوس إلى القيم المعنوية الخالدة، وإلى الدار الآخرة الباقية، وإلى الله الحي الذي لا يموت، ويعلم المؤمن إن الغنى -إن كان ينشد الغنى- ليس في وفرة المال وكثرة المتاع الأدنى، وإنما هو في داخل النفس أولاً، وبذلك ورد الحديث: "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" (متفق عليه).
معنى الرضا بما قسم الله
وثاني ما تعنيه القناعة. أن يرضى الإنسان بما وهب الله له مما لا يستطيع تغييره، وفي حدود ما قدر له يجب أن يكون نشاطه وطموحه، فلا يعيش متمنياً ما لا يتيسر له، متطلعاً إلى ما وهب لغيره ولم يوهب له، وذلك كتمني الشيخ إن يكون له قوة الشباب، وتطلع المرأة الدميمة إلى الحسناء في غيرة وحسد. ونظرة الشاب القصير إلى الرجل الطويل في حسرة وتلهف، وطموح البدوي الذي يعيش في أرض قفراً، بطبيعتها إلى رفاهية الحياة وأسباب النعيم، وكما حدث في عهد الرسول حين تمنى النساء إن يكن لهن ما للرجال، فأنزل الله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، واسألوا الله من فضله) (النساء: 32).
وفي حال العسر وضيق الرزق التي تحل بالأفراد، ولا تخلو منها حياة الناس، وفي الأزمات الطارئة التي تحل بالأمم نتيجة حرب أو مجاعة أو نحوها.
وفي البلاد والدول التي تقل مواردها الطبيعية عن توفير الرفاهية لأهلها، ولا يهتدي كثير منهم سبيلاً لتنمية رزقه أو للهجرة من بلده - تكون القناعة بما رزق الله هي الدواء الناجع، والبلسم الشافي، وتطلع مثل هؤلاء الذين ذكرنا ليس طموحاً، ولا علو همة، إنه طمع في غير مطمع، وتمن لما لا يكون، وحرص لا ثمرة له إلا الهم والحزن.
وهؤلاء في حاجة أن يعلموا ويوقنوا أن السعادة ليست في وفرة أعراض الحياة، ولكنها في داخل النفس، وأولى ما يقال لهم (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) (قد أفلح من هدى للإسلام وكان رزقه كفافا وقنع به) (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى).
إن الغني هو الغني بنفسِِه
ولو أنه عاري المناكب حاف
ما كل ما فوق البسيطة كافياً
وإذا قنعت فبعض شيء كاف
إذن ... من القناعة ألا تكون جشعاً شرهاً، ولا متطلعاً إلى ما ليس لك، ولا في طاقة مثلك، وبذلك تستروح نسمات الحياة الطيبة التي جعلها الله جزاء للمؤمنين العاملين في الدنيا (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) (النحل: 97) وقد فسر علي بن أبى طالب الحياة الطيبة بالقناعة.
قصة وعبرة
ولنقرأ هذه القصة من السيرة (ذكرها ابن القيم في "زاد المعاد" عند ذكر الوفود) نجدها ناطقة بما يصنعه الإيمان بقلوب المؤمنين، وكيف حول طموحهم من الدنيا ومتعها ومادتها إلى الله والدار الآخرة.
قدم وفد نجيب -وهم من السكون باليمن- ثلاثة عشر رجلاً مسلماً، فسر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم منِزلتهم، وأمر بلالاً إن يحسن ضيافتهم، وجعلوا يسألون النبي ويتعلمون منه، وأقاموا أياماً ولم يطيلوا المكث. رغبة في رجوعهم إلى قومهم، ليعلموهم مما علوهم رسول الله، ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه: فأرسل إليهم بلالاً فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، ثم قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: نعم - غلام خلفناه على رحلنا هو أحدثنا سناً … قال: أرسلوه إلينا … فلما رجعوا إلى رحالهم … قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه.
فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله .. إني امرؤ من بني أبذى -يقول- من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله.
قال: وما حاجتك؟
قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي -وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام- وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم. وإني -والله- ما أقدمني من بلادي إلا إن تسأل الله عز وجل إن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأقبل الغلام- "اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه". ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. فانطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى سنة عشر من الهجرة فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟
قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثله قط، وما حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها!
فقال الرسول: الحمد لله. أني لأرجو إن يموت جميعاً.
فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعاً يا رسول الله؟
فقال الرسول -مبينا لهم إن من الناس من يموت شتتاً موزعاً- تتشعب أهواؤه وسمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك!
قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق الله، فلما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه، فذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهو أحد. وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه، حتى بلغة حاله، وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيراً.
هذه قصة شاب عمر الإيمان قلبه، فلم يجعل همه ما يشغل كثيراً من الناس من زهرة الحياة الدنيا، بل تعلقت همته بما عند الله، مما هو خير وأبقى.
حين طلب حاجته من رسول الله كانت حاجته غير حوائج رفاقه -بل غير حوائج أكثر الناس ... كانت حاجة دينه قبل دنياه، حاجة روحه قبل جسده، حاجة معنى الإنسان، لا صورة الإنسان فيه.
حاجته من الرسول: أن يسأل الله له المغفرة والرحمة وأن يجعل غناه في قلبه!
حاجة -ولا ريب- قرت بها عين رسول الله. وقد ودعه وعاد إلى أهله ووطنه، ولكن الرسول الخبير بنفوس الرجال، لم ينس هذا الشاب، على بعد المكان، ومرور الزمان.
وفي موسم الحج سأل عنه قومه سؤال المربي العارف عن التلميذ النجيب، وأجابوه بما سر قلبه وحمد الله عليه، وقال فيه كلمته الناصعة الفريدة "إني لأرجو أن يموت جميعاً".
والناس يموتون على ما عاشوا عليه -فمن عاش جميعاً مات جميعاً، ومن عاش أوزاعاً شتى وأجزاء متناثرة مات كما عاش.
وقليل من الناس، بل أقل من القليل? ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في هم واحد. يحيا له، ويموت عليه، ذلك هو المؤمن البصير الذي جعل غايته القرار إلى الله، وسبيله اتباع ما رسم الله، وكل شيء فيه لله، وبالله، ونشيده: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء؟) (الأنعام: 162، 163) هذا -ولا نجد غيره- هو الذي يعيش جميعاً ويموت جميعاً! .
الرضا مصدر قوة لصاحبه
وقبل أن ندع الحديث عن الرضا والقناعة لابد إن نقول كلمتين:
الأولى: أن القناعة بالقليل من الرزق ليست مصدر ضعف. كما يتوهم قصار النظر من الناس، كلا إنها مصدر قوة لأصحاب المبادئ، وحملة الرسالات المكافحين، الذين يتعرضون للاضطهاد والمصادرة والحرمان، فترى أحدهم يخوض المعركة ضد الباطل والظلم، صلب العود، متين البنيان، ثابت القدم، لأنه يعلم من نفسه أن القليل يكفيه مما جشب من الطعام، وما خشن من اللباس. وشظف من العيش.
إنه ينظر إلى قصور الأمراء، وخزائن الملوك، ورياش المترفين، كما ينظر راكب الطائرة المحلقة في أعالي الفضاء إلى القرى والمدن والناس، إنه يرى القصور الشاهقة كالعلب الصغيرة، ويرى البشر كالنمل في جحوره.
وقد قال حكيم شرقي لأحد تلاميذه: عش على أرز وماء، متخذاً من ذراعك المطوية وسادة تكن نشوة النفس نصيبك، وأما الثراء الذي ساءت وسائله، والأمجاد التي جاءتك عن طرائق السوء فكالسحائب العائرة، لا خصب فيها ولا نماء.
ومما حكي عن المسيح عليه السلام أنه كان يقول: لباسي الصوف، وطعامي الشعير، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، ووسادتي ذراعي... أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أغنى منى!!
وصاحب المبدأ والرسالة إذا تمكنت هذه القناعة من نفسه لم يعد يبالي أو يخاف، إنه يتغنى بما تغنى به الإمام الشافعي:
أنا إن عشت لست أعدم قوتا
وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسِِي
نفس حر ترى المذلة كفرا
وإذا ما قنعت بالقوت عمري
فلماذا أخاف زيدا وعمرا؟
ويحكي الإمام الغزالي في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من أحيائه. أن شيخاً كان يمشي في الطريق يلتقط النوى من الأرض فكسر «عوداً» مع خادم يحمله إلى جارية من جواري هارون الرشيد، تغنى عليه، وبلغ الخبر الرشيد، فاستشاط غضباً واحمرت عيناه، وأرسل ليأتوا إليه بالشيخ، فجاء الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال الشيخ: نعم. قال: اركب فقال: لا.
فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر، فغير الرشيد مجلسه، ثم أمر بالشيخ فأدخل. وفي كمه الكيس الذي فيه النوى. فقال له الخادم: أخرج هذا من كمك وادخل على أمير المؤمنين، فقال: من هذا عشائي الليلة.
قال: نحن نعشيك.
قال: لا حاجة لي في عشائك.
فقال الرشيد للخادم: أي شيء تريد منه؟
قال: في كمه نوى قلت له اطرحه وادخل على أمير المؤمنين.
فقال الرشيد: دعه لا يطرحه.
فدخل وسلم وجلس، فقال له هارون: يا شيخ ما حملك على ما صنعت؟
قال: وأي شيء صنعت؟
وجعل هارون يستحي أن يقول: كسرت عودي!
فلما أكثر عليه قال: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرأون هذه الآية على المنبر: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) (النحل: 90) وأنا رأيت منكراً فغيرته. فقال له هارون: فغيره.
قال راوي القصة: فو الله ما قال إلا هذا. فلما خرج أعطى الخليفة رجلاً بدرة (عشرة آلاف درهم).
وقال: اتبع الشيخ، فإن رأيته يقول: قلت لأمير المؤمنين وقال لي، فلا تعطه شيئاً، وان رأيته لا يكلم أحداً فأعطه البدرة.
فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت فجعل يعالجها ولم يكلم أحداً. فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: خذ هذه البدرة. فقال: قل لأمير المؤمنين يردها من حيث أخذها.
ويروى أنه أقبل، بعد فراغه من كلامه - على النواة التي يعالج قلعها من الأرض وهو يقول:
أرى الدنيا لمن هي في يديه
هموماً كلما كثرت لديِه
تهين المكرمين لها بصغِر
وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه
وخذ ما أنت محتاج إليِه
بمثل هذه النفس التي تقنع بالتقاط النوى من الأرض وترفض قبول الآلاف من الخلفاء والملوك، تعلو كلمة الحق، وتنتصر المبادئ، والرسالات.
الرضا لا يقتضي السكوت على الباطل
والكلمة الثانية: أن رضا الإنسان عن الله، وعن السير العام للكون والحياة. لا يستلزم الرضا عن كل ما يراه على مسرح الحياة من شذوذ وانحراف جزئي مصدره هذا الإنسان المكلف المختار.
إن رضا الإنسان عن السيارات وركوبها، ليس معناه الرضا عما تسببه من حوادث، وما يرتكبه سائقوها من مخالفات لقواعد المرور وآداب الطريق.
لقد رضي المؤمن عن نظام الله في الكون. ومن هذا النظام ما منح الله من عقل واختيار للإنسان على أساسهما يتحمل المسئولية، ويكون أهلاً للزجر والثورة عليه، وتأديبه وتقويمه.
فالمؤمن راض عن نظام الوجود، ساخط على انحراف الإنسان الذي لم يقم بشكر الله على نعمة العقل والإرادة التي منحها. بل سخر نعمة الله في غير ما خلقت له.
وهذا السخط على الشذوذ والانحراف البشري سخط يرضاه الله، بل يأمر به، ويتوعد المهدرين له، والساكتين عنه، بالعذاب الشديد (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم) (هود: 116) (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل علي لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون) (المائدة: 78، 79).


الفصل الخامس - الأمن النفسي
أهمية الأمن النفسي لتحقيق السعادة والسكينة
(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (الأنعام : 82).
كما لا يتحسر المؤمن على الماضي باكياً حزيناً، ولا يلقى الحاضر جزوعاً ساخطاً، لا يواجه المستقبل خائفاً وجلاً، ولا يعيش في فزع منه، ورهبة من غموضه، وتوجس من جبروته، كأنه عدو شرير متربص، بل يعيش آمن النفس كأنه في الجنة ... إن إيمانه كان مصدر أمنه، والأمن من ثمرات الطمأنينة والسكينة بل هو نوع منها، إنه طمأنينة تتعلق بالمستقبل، بكل ما يتوقعه الإنسان ويخاف منه، أو يخاف عليه، ولا سعادة بدون هذا الأمن النفسي ... وقد قيل لحكيم: ما السرور؟ فقال: الأمن … فإني وجدت الخائف لا عيش له.
ولا عجب أن جعل الله الجنة دار أمن وسلام كاملين، فأهلها في الغرفات آمنون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وتتلقاهم الملائكة منذ اللحظة الأولى (ادخلوها بسلام آمنين) (الحجر: 46).
ولكي تعلم مدى ما يضفيه الإيمان من أمن وسلام على نفس صاحبه، ولكي تكون الموازنة بينة ظاهرة بين المؤمن وغيره، أحب أن تقرأ بتأمل هذه السطور التالية (مقتبسة بتصرف من يوميات للأستاذ محمد زكي عبد القادر على لسان صديق أودعه مذكراته):
نموذج للخوف والاضطراب
"إنني أعيش في خوف دائم، في رعب من الناس والأشياء، ورعب من نفسي، لا الثروة أعطتني الطمأنينة، ولا المركز الممتاز أعطانيها ولا الصحة، ولا الرجولة، ولا المرأة، ولا الحب، ولا السهرات الحمراء ... ضقت بكل شيء، بعد أن جربت كل شيء.
إنني أكره نفسي، أخاف من نفس، ألا ترى الأشباح من حولي؟ ألا تحس بالخوف يفتح فمه لكي يلتهمني؟
مم هذا؟ الهموم؟ ليست لي هموم. إن همي الأكبر هو هذه الدنيا، المال عندي، المركز والجاه، والصحة، والمرأة والجمال، و … كل شيء بين يدي، كل شيء ملكي، لماذا أنا خائف إذن؟ مم أخاف؟؟
من الله؟ كلا، إن الله لا وجود له في حياتي، مم إذن أخاف؟ من المجتمع؟ إني أكرهه وأحتقره وأهزأ به، من أين يأتيني الخوف إذن، من الموت؟ ربما، ولكني لا أبالي به، لا أشعر أنني أخافه، إنه عندي مجرد ظاهرة، من أين يأتي الخوف إذن؟
ربما كنت خائفاً لأنه لا يوجد شيء أخاف منه، ربما كنت خائفاً لأن كل شيء بين يدي، محضر لدي، إن الامتلاء كالجوع كلاهما يخيف! لو كان المال ليس حاضراً لدي لنميته وسعيت من أجله، وأنفقت يومي وليلي أسعى من أجله ... لو كان المركز المحترم بعيداً عني لبذلت جهدي لكي أبلغه، ولكن كل شيء موجود: المال، المرأة، الأصدقاء، الاحترام. كل ما يسعى الناس إليه ويفكرون فيه ميسر لي، ليس لي ما يشغلني أو يتعبني الحصول عليه ... حياتي فضاء ... همومي؟ لا هموم لي ... إذن لابد أن أخاف، لأنني لا أجد ما أخاف منه، لابد أن أخاف من المجهول الذي لا أعرفه ...
إنني تائه في الحياة لأنني بلغت قمة الحياة ... إن الحياة الآن هي عدوي ... ليس ما في الحياة، فكله ملكته ... إنني أشعر أنها تسخر مني، وتقف في وجهي كالغول ... عرفت الآن مم أخاف ... إني أخاف من الحياة ذاتها".
نموذج للأمن والاستقرار
هذا نموذج واضح الظلال لنفسية أولئك المحرومين من حلاوة الإيمان، وبرد اليقين، وهو يصور لنا ما يعانيه هؤلاء من رعب وخوف وقلق وتعب نفس لم يخفف وطأته عليهم وفرة المال والجاه ونعيم الدنيا كله.
وتقرأ في مقابل هذا نموذجا رسمه القرآن لأم مؤمنة أوحى الله إليها أن تلقى بولدها وفلذة كبدها في عرض البحر، ووعدها برده إليها، فاستجابت لإيمانها، وصدقت بكلمات ربها ووعده، وقذفته في التابوت، ثم في اليم، ليلقيه اليم بالساحل، ليأخذه عدوه المتربص، كل هذا وقلبها مطمئن بالإيمان. تقرأ في هذا قول الله سبحانه وتعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) (القصص: 7، 8) واستجابت الأم وصدقها الله وعده: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) (القصص: 12).
الإيمان مصدر الأمان
إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها. فلم يعد يخاف إلا الله وحده، يخافه أن يكون فرط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم، لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
دعا أبو الأنبياء إبراهيم إلى توحيد الله، وتحطيم الأصنام، فخوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، فقال إبراهيم متعجبا: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينِزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن، إن كنتم تعلمون؟) (الأنعام: 81) وقد عقب الله على ذلك حاكماً بين الفريقين فقال: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (الأنعام: 82).
وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم في هذه الآية بالشرك: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: 13).
فبين لنا أن الإيمان والتوحيد هما أعظم أسباب الأمن والطمأنينة، وبالتالي يكون الجحود بالله أو الشك فيه، أو الشرك به، أعظم أسباب الخوف والاضطراب والرعب. وصدق الله إذ قال: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينِزل به سلطاناً) (آل عمران: 151).
مخاوف الملحدين والشاكين
والملحدون الجاحدون أكثر الناس مخاوف -وإن كتموها عن الناس- إنهم يخافون الزمن والكوارث، والفقر والمرض والناس، وأشد ما يخيفهم الموت، فهم ينظرون إليه نظرتهم إلى سبع فاتك، وعدو متربص، ونهاية مجهولة، ومصير مخوف.
قال الفيلسوف الأخلاقي ابن مسكويه: "إن الخوف من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدرى الموت على الحقيقة، ولا يعلم إلى أين تصير نفسه. أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه، فقد انحلت ذاته، وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور. وإن العالم سيبقى موجوداً. وليس هو بموجود فيه كما يظنه من يجهل بقاء النفس وكيفية المعاد. أو لأنه يظن أن للموت ألماً عظيماً، غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته وأدت إليه. وكانت سبب حلوله. أو لأنه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت، أو لأنه متحير لا يدرى على أي شيء يقدم بعد الموت. أو لأنه يأسف على ما يخلفه من المال والمقتنيات. وهذه كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها".
ظنون باطلة. ولكن المنكرين والشاكين يعيشون في هذه الظنون. ويموتون على هذه الأباطيل. وهم بين الموت والحياة في قلق وخوف واضطراب. على حين نجد المؤمن أقل الناس خوفاً وأشدهم أمناً.
المؤمن آمن على رزقه
هو آمن على رزقه أن يفوت فان الأرزاق في ضمان الله الذي لا يخلف وعده. ولا يضيع عبده. وقد خلق الأرض مهاداً وفراشاً وبساطاً. وبارك فيها وقدر فيها أقواتها. وجعل فيها معايش. ووعد عباده فيها بكفالة الأرزاق وعداً كرره وأكده وأقسم عليه. وعد كريم لا يبخل. قدير لا يعجز. حكيم لا يعبث: (وكان وعد ربي حقاً) (الكهف: 98)، (وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 6)، (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات: 58)، (وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (الذاريات: 22، 23)، (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: 6)، (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) (العنكبوت: 60).
بهذه الضمانات يعيش المؤمن حياته آمناً على رزقه. مطمئناً إلى أن الله لن يهلكه جوعاً. وهو الذي يطعم الطير في الوكنات - والسباع في الفلوات والأسماك في البحار. والديدان في الصخور.
ولقد كان المؤمن يذهب إلى ميدان الجهاد حاملاً رأسه على كفه متمنياً الموت في سبيل عقيدته، ومن خلفه ذرية ضعاف، وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، ولكنه كان يوقن أنه يتركهم في رعاية رب كريم، هو أبر بهم وأحنى عليهم منه.
وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إنني عرفته أكَّالاً وما عرفته رزاقاً، ولئن ذهب ألأكَّال لقد بقي الرزاق!
المؤمن آمن على أجله
وهو آمن على أجله، فإن الله قدر له ميقاتاً مسمى، أياماً معدودة وأنفاساً محدودة. لا تملك قوه أن تنقص من هذا الميقات أو تزيد فيه (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) (الأعراف: 34)، (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) (المنافقون: 11)، (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون) (نوح: 4)، (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) (فاطر: 11).
أيقن المؤمن أن الله قد فرغ من الآجال والأعمار، وكتب على كل نفس متى تموت وأين تموت.
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها
وبهذا ألقى عن كاهله هم التفكير في الموت والخوف على الحياة.
هذا الأمن على الرزق والأجل منح المؤمن السكينة والطمأنينة، كما منحه القوة في مواجهة الحياة وما فيها من طغيان وجبروت.
هدد الحجاج سعيد بن جبير بالقتل فقال له: لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلها غيرك!
المؤمن لا يخاف الموت
وهو كذلك لا يعيش في خوف من الموت، وجزع من مرارة كأسه، إنه زائر لابد من لقائه، وقادم لا ريب فيه، والخوف لا يرده، والجزع لا يثنيه، (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) (الجمعة: 8)، (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) (النساء: 78)، (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) (آل عمران: 154).
ويهون الموت على المؤمن أنه سبيل الناس قبله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فلا عليه إذا اقتفى أثرهم، وسار في دربهم ... إن الموت خطب قد عظم حتى هان وخشن حتى لان، إنه بلية عمت، والبلايا إذا عمت طابت، (أنك ميت وانهم ميتون) (الزمر: 30).
ومتاع الدنيا أهون عند المؤمن من أن يأسى على فراقه بالموت، كيف والموت قنطرته إلى المتاع الباقي، والنعيم السرمدي؟ (كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجروكم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا ألا متاع الغرور) (آل عمران: 185) (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقى ولا تظلمون فتيلاً) (النساء: 77).
فالموت ليس عدماً محضاً، ولا فناءً صرفاً، إنه انتقال من حياة إلى حياة، ومن طور إلى طور، وفي الأثر "إنكم خلقتم للأبد. وإنما تنقلون من دار إلى دار".
وما الموت إلا رحمة غير أنها
من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
الموت انطلاق من قفص الجسد وغلافه -في الحياة البرزخية- ثم عودة إليه في نشأة أخرى يوم البعث والنشور، ولقد روي أن أحد الصالحين حين أحس بدنو أجله قام فاغتسل وتطيب وصلى ركعتين، وما هي إلا برهة حتى دخلوا عليه فوجدوه قد مات مستقبل القبلة، وعند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات:
قل لاخوان رأوني ميتِِاً
فبكوني ورثوني حزِِنا
أتظنون بأني ميتكِِم؟
ليس هذا الميت والله، أنا
أنا في الصور وهذا جسدي
كان ثوبي وقميصي زمنا
أنا عصفور وهذا قفصِي
طرت عنه وبقى مرتهِنا
أحمد الله الذي خلصنِي
وبنى لي في المعالي مسكنا
لا تظنوا الموت موتاً، إنه
ليس إلا نقلة من هاهنا!
وقال جلال الدين الرومي في بيان سر الموت، وحكمة فناء الأجساد قبل حياة الخلود والبقاء: "إن العمران لا يكون إلا بعد الخراب، وان الكنز الثمين لا يعثر عليه إلا بعد حفر الأرض وإثارتها، فإذا رأيت بيتا يهدم ويخرب فاعلم أن هناك تصميماً جديداً وبناءً جديداً، إنما خرب البيت ليستخرج منه الكنز الدفين، وتعمره عمارة جديدة" "إن الشجرة لا تعطي الأثمار حتى تتفتح وتسقط الأزهار، كذلك الروح لا تقوى ولا تجد، ولا تلبس كسوة جديدة قشيبة حتى يتهدم الجسم الفاني، ويخلع العمر البالي" (من كتاب "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" ص 279 نقلا عن المثنوي).
"إن الله -وهو الجواد المطلق- لا يسلب نعمة أنعم بها إلا وهو يعطي نعمة أكبر منها، فلا يسلب هذه الحياة الضعيفة القيمة التي لا تستحق أن تسمى الحياة الباقية إلا ويعطي حياة أوسع وأبقى وأجمل وأفضل".
وقال يحيى بن معاذ "لا يكره لقاء الموت إلا مريب، فهو الذي يقرب الحبيب من الحبيب".
ولم تكن هذه نظرة الخاصة أو المتفلسفة أو المتصوفة فقط للموت، ولكنها كانت نظرة جمهور المؤمنين.
قيل لأعرابي اشتد مرضه: إنك ستموت، فقال: وإلى أين يذهب بي بعد الموت؟ قالوا: إلى الله، فقال: ويحكم، وكيف أخاف الذهاب إلى من لا أرى الخير إلا من عنده؟
وصدق الله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنِزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون * نُزُلاً من غفور رحيم) (فصلت: 30 - 32).


الفصل السادس – الأمل
أهمية الأمل في تحقيق السكينة والسعادة
ومن مصادر الأمن والسكينة لدى المؤمن: ما يغمر جوانحه من أمل ذلك الشعاع الذي يلوح للإنسان في دياجير الحياة فيضيء له الظلمات، وينير له المعالم ويهديه السبيل، ذلك هو الأمل، الذي به تنمو شجرة الحياة، ويرتفع صرح العمران، ويذوق المرء طعم السعادة، ويحس ببهجة الحياة.
الأمل قوة دافعة تشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاط في الروح والبدن، وتدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة على جده، والزيادة فيه تدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح، وتحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه. إن الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق أمله في الحصاد، والذي يغري التاجر، بالأسفار والمخاطر، أمله في الربح، والذي يبعث الطالب إلى الجد والمثابرة أمله في النجاح، والذي يحفز الجندي إلى الاستبسال أمله في النصر، والذي يهون على الشعب المستعبد تكاليف الجهاد أمله في التحرر، والذي يحبب إلى المريض الدواء المر أمله في العافية، والذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه أمله في رضوانه وجنته.
الأمل إذن هو إكسير الحياة، ودافع نشاطها، ومخفف ويلاتها، وباعث البهجة والسرور فيها.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
والأمل -قبل ذلك كله- شيء حلو المذاق، جميل المحيا في ذاته، تحقق أو لم يتحقق. واستمع إلى الشاعر العاشق يقول:
أمِاني من ليلى عذاب كأنمِِا
سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
مني إن تكن حقاً تكن أحسن المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغِدا
وضد الأمل اليأس .. وهو انطفاء جذوة الأمل في الصدر، وانقطاع خيط الرجاء في القلب، فهو العقبة الكئود والمعوق القاهر الذي يحطم في النفس بواعث العمل. ويوهي في الجسد دواعي القوة، ورحم الله من قال:
واليأس يحدث في أعضاء صاحبه
ضعفاً ويورث أهل العزم توهينا
وقال ابن مسعود: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب" ... والقنوط هو اليأس، والعجب هو الإعجاب بالنفس والغرور بما قدمته. قال الإمام الغزالي: (إنما جمع بينهما: لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب، والجد والتشمر، والقانط لا يسعى ولا يطلب، "لأن ما يطلبه مستحيل في نظره". والمعجب يعتقد أنه قد سعى وأنه قد ظفر بمراده، فلا يسعى، فالموجود لا يطلب، والمحال لا يطلب، والسعادة موجودة في أعتقاد المعجب حاصلة، ومستحيلة في اعتقاد القانط ... فمن ههنا جمع بينهما).
ومصداق هذا الكلام في الحياة جلي واضح: إذا يئس التلميذ من النجاح .. نفر من الكتاب والقلم، وضاق بالمدرسة والبيت، ولم يعد ينفعه درس خاص يتلقاه، أو نصح يسدى إليه، أو تهيئة المكان والجو المناسب لاستذكاره، أو ... أو ... إلا أن يعود الأمل إليه.
وإذا يئس المريض من الشفاء كره الدواء والطبيب، والعيادة والصيدلية، وضاق بالحياة والأحياء. ولم يعد يجديه علاج، إلا أن يعود الأمل إليه.
وهكذا إذا تغلب اليأس على إنسان -أي إنسان- اسودت الدنيا في وجهه وأظلمت في عينيه، وأغلقت أمامه الأبواب، وتقطعت دونه الأسباب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت:
وأصبح لا يدري وإن كان دارياً
أقدامه خير له أم وراءه؟
ذلك هو اليأس: سم بطيء لروح الإنسان، وإعصار مدمر لنشاط الإنسان، وتلك حال اليائسين أبد الدهر: لا إنتاج للحياة، ولا إحساس بمعنى الحياة.
تلازم اليأس والكفر
وليس بعجيب أن تجد هذا الصنف من الناس بوفرة وغزارة بين الجاحدين بالله أو ضعاف الإيمان به: لأنهم عاشوا بأنفسهم فحسب -زعموا- وقطعوا الصلة بالكون ورب الكون، فلا غرو أن نجد هؤلاء الكافرين أيأس الناس. كما نجد اليائسين أكفر الناس، فهناك ارتباط بين اليأس والكفر، كلاهما سبب للآخر وثمرة له: اليأس يلد الكفر والكفر يلد اليأس: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87) (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (الحجر: 56).
وأظهر ما يتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر، وقد كرر القرآن ذمه لهذا النوع من الناس فقال: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور) (هود: 9)، ثم استثنى من ذلك بعد: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) (هود: 11)، وقال: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤساً) (الإسراء: 83)، (وإن مسه الشر فيؤس قنوط) (فصلت: 49).
وليس اليأس من لوازم الكفر فحسب، بل من لوازم الشك أيضاً. فكل من فقد اليقين الجازم بالله ولقائه، وحكمته وعدله، فقد حرم الأمل والنظرة المتفائلة للناس والكون والحياة، وعاش ينظر إلى الدنيا بمنظار أسود قاتم، ويرى الأرض غابة والناس وحوشاً والعيش عبئاً لا يطاق ... على نحو ما قال أبو العلاء:
هِِِِذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحِِِد
وقال:
لا تبك ميتاً ولا تفرح بمولود
فالميت للدود والمولود للدود!
الإيمان يلد الأمل
وفي الجانب الآخر نجد الإيمان والأمل متلازمين، فالمؤمن أوسع الناس أملاً، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر، إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء، الاعتقاد بقوة غير محصورة، ورحمة غير متناهية، وكرم غير محدود، الاعتقاد بإله قدير رحيم، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، يمنح الجزيل، ويغفر الذنوب، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، إله هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم.
إله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
إله يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الضال إذا وجد، والغائب إذا وفد، والظمآن إذا ورد.
إله يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو يزيد، ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو.
إله يدعو المعرض عنه من قريب، ويتلقى المقبل عليه من بعيد، ويقول: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وأن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وأن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (حديث قدسي رواه البخاري وغيره).
إله يداول الأيام بين الناس. فيبدل من بعد الخوف أمنا، ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً، ومن كل هم مخرجاً، ومع كل عسر يسراً.
المؤمن الذي يعتصم بهذا الإله البر الرحيم، العزيز الكريم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد - يعيش على أمل لا حد له، ورجاء لا تنفصم عراه. إنه دائماً متفائل، ينظر إلى الحياة بوجه ضاحك، ويستقبل أحداثها بثغر باسم، لا بوجه عبوس قمطرير.
فهو إذا حارب كان واثقا بالنصر، لأنه مع الله فالله معه، ولأنه لله فالله له (إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات: 172، 173).
وإذا مرض لم ينقطع أمله في العافية (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين) (الشعراء: 78 - 80).
وإذا اقترف ذنباً لم ييأس من المغفرة، ومهما يكن ذنبه عظيماً فإن عفو الله أعظم (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53).
وهو إذا أعسر لم يزل يؤمل في اليسر (فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً) (الشرح: 5، 6). ولن يغلب عسر يسرين أبداً. قال ابن مسعود: لو دخل العسر جحراً لتبعه اليسر.
وهو إذا انتابته كارثة من كوارث الزمن كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته ويخلفه خيراً منها (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (البقرة: 156، 157).
وهو إذا عادى أو كره، كان قريباً إلى الصلة والسلام، راجياً في الصفاء والوئام، مؤمناً بأن الله يحول القلوب (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، والله قدير، والله غفور رحيم) (الممتحنة: 7).
وهو إذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (الأنبياء: 18)، (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد: 17).
وهو إذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيباً. لم ينفك يرجو حياة أخرى فيها شباب بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب، إنه كان وعده مأتياً * لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) (مريم: 61، 62).
إن الماديين يقفون عند السنن المعتادة، والأسباب الظاهرة، لا يطمعون في شيء وراءها، أما المؤمنون فيعلون على ظواهر الأسباب، وينفذون إلى سر الوجود، إلى الله خالق الأسباب والمسببات، الذي عنده من الأسباب الباطنة ما يخفى على إدراك عباده، فلماذا لا تتجه قلوبهم إليه حين تدلهم الأزمات، وتستحكم الحلقات، ويضيق على أعناقهم الخناق؟.
إنهم يجدون فيه الملاذ في الشدة. والأنيس في الوحدة، والنصير في القلة. يتجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء، ويدعوه آملاً الشفاء.
ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، والخلف من كل فائت، والعوض من كل مفقود.
ويتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه على ظالمه، فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب.
ويتجه إليه المحروم من الأولاد سائلاً أن يرزقه ذرية طيبة.
وكل واحد من هؤلاء آمل في أن يجاب إلى ما طلب، ويحقق له ما ارتجى، فما ذلك على قدرة الله ببعيد، وما ذلك على الله بعزيز.
طلب إبراهيم الولد وهو شيخ كبير (رب هب لي من الصالحين) (الصافات: 100) فاستجاب الله له وبعث إليه الملائكة، في صورة ضيوف من البشر فقالوا له (إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (الحجر: 53 - 56).
وقد أثنى على ربه فقال: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء) (إبراهيم: 39).
ويعقوب بعد أن طالت غيبة ولده يوسف عنه، وبعدت مسافة الزمن بينه وبينه، وكان جديراً أن يفقد الأمل في لقائه، ثم فجع بحجز شقيقه من بعده في حادثة صواع الملك، لكنه مع هذا لم يتسرب إلى فؤاده اليأس، بل قال: (فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، إنه هو العليم الحكيم) (يوسف: 83).
وحين أبدى أسفه على ابنه يوسف قال له أبناؤه: (تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) (يوسف: 85، 86). ثم ألقى إلى أبنائه بحقيقة ما في نفسه من أمل حلو تعززه الثقة بالله أن يجمع شمله بأبنائه فقال: (يا بني أذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87).
(ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربه نداءً خفياً * قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً) (مريم: 2 - 6) فاستجابت له السماء: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً) (مريم: 7).
(وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) (الأنبياء: 83، 84).
ويونس قد ابتلعه الحوت (فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 87، 88).
وموسى حين يسري بقومه لينجو بهم من فرعون وجنوده، فيعلمون بسراه ويحشدون الحشود ليدركوه (فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا لمدركون) (الشعراء: 60، 61) وأي إدراك أكثر من هذا؟ البحر من أمامهم والعدو من ورائهم!! بيد أن موسى لم يفزع ولم ييأس، بل قال (كلا، إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 62) ولم يضيع أمله سدى … (فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية) (الشعراء: 63 - 67).
ومحمد يلجأ إلى غار ثور في هجرته مع صاحبه الصديق، ويقتفي المشركون آثار قدميه، ويقول قائفهم: لم يعد محمد هذا الموضع .. فإما صعد إلى السماء من هنا، وإما هبط إلى الأرض من هنا … ويشتد خوف الصديق على صاحب الدعوة وخاتم النبيين ويبكي ويقول: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول له النبي: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وكانت العاقبة ما ذكره القرآن (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم) (التوبة: 40).
وهذه وقائع عرفها التاريخ الذي لا شك فيه، وربما أنكر الماديون بعضها أو كلها، لأنها تخرج على الأسباب المعتادة للناس، غير أن المؤمنين يوقنون أن الأسباب المعتادة لا تحد قدرة الله المطلقة، وليس ثباتها واجباً عقلياً لا يقبل الانفكاك، ولو جمد العلماء والمخترعون على ما اعتاده الناس، وما تعارفوا عليه في عصرهم، ما تقدم العلم شبراً ولا فتراً، وما وصلنا إلى عصر الذرة والفضاء
ضرورة الأمل في الحياة
الأمل لابد منه لتقدم العلوم، فلو وقف عباقرة العلم والاختراع عند مقررات زمنهم ولم ينظروا إلا إلى مواضع أقدامهم، ولم يمدهم الأمل بروحه في كشف المجهول، واكتساب الجديد من الحقائق والمعارف، ما خطا العلم خطواته الرائعة إلى الأمام ووصل بالإنسان إلى القمر.
والأمل لابد منه لنجاح الرسالات والنهضات، وإذا فقد المصلح أمله فقد دخل المعركة بلا سلاح يقاتل به، بل بلا يد تمسك بالسلاح، فأنى يرتقب له انتصار وفلاح؟
وإذا استصحب الأمل فإن الصعب سيهون، والبعيد سيدنو، والأيام تقرب البعيد، والزمن جزء من العلاج.
والمثل الأعلى للمصلحين سيدنا رسول الله صلوات الله عليه:
ظل في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو قومه إلى الإسلام، فيلقون دعوته بالاستهزاء، وقرآنه باللغو فيه، وحججه بالأكاذيب، وآياته بالتعنت والعناد، وأصحابه بالأذى والعذاب، فما لانت له قناة، ولا انطفأ في صدره أمل.
اشتد أذى المشركين لأصحابه، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم في ثقة ويقين: "تفرقوا في الأرض وإن الله سيجمعكم".
وجاءه أحد أصحابه "خباب بن الأرت" وكانت مولاته تكوي ظهره بالحديد المحمي فضاق بهذا العذاب المتكرر ذرعاً، وقال للرسول في ألم: ألا تدعو لنا؟ كأنه يستبطئ سير الزمن ويستحث خطاه ويريد حسم الموقف بين الإيمان والشرك بدعوة محمدية تهتز لها قوائم العرش، فينزل الله بأسه بالقوم المجرمين كما أنزله بعاد وثمود والذين من بعدهم.
وغضب النبي صلى الله عليه وسلم لهذه العجلة من صاحبه. وألقى عليه درساً في الصبر على بأساء اليوم، والأمل في نصر الغد، فقال: "إن الرجل قبلكم كان يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، وينشر بالمنشار فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه. والذي نفسي بيده ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه … ولكنكم تستعجلون!!".
وفي الهجرة من مكة، والنبي خارج من بلده خروج المطارد المضطهد الذي يغير الطريق، ويأوي إلى الغار، ويسير بالليل، ويختفي بالنهار … وفي الطريق يلحقه الفارس المغامر سراقة بن مالك وفي رأسه أحلام سعيدة بمائة ناقة من حمر النعم -جائزة قريش لمن يأتي برأس محمد حياً أو ميتاً- ولكن قوائم جواده تسوخ في الأرض ويدركه الوهن، وينظر إليه الرسول، ويكشف الله له عن الغيب المستور لدينه فيقول له: "يا سراقة كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى؟" فيعجب الرجل ويبهت ويقول: كسرى بن هرمز؟ فيقول: "نعم".
ويذهب الرسول إلى المدينة، ويبدأ في كفاح دام مرير مع طواغيت الشرك، وأعوان الضلال، وتسير الحرب -كما هي سنة الله- سجالاً. حتى تأتي غزوة الأحزاب فيتألب الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه: قريش وغطفان ومن يحطب في حبلهما من خارج المدينة، واليهود والمنافقون من الداخل. موقف عصيب صوَّره القرآن بقوله: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) (الأحزاب: 10، 11) في هذه الساعات الرهيبة التي يذوي فيها عود الأمل، ويخبو شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة ... في هذه اللحظات والنبي يسهم مع أصحابه في حفر الخندق حول المدينة يصدون بحفره الغزاة، ويعوقون الطامعين العتاة - يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول، والمستقبل المرجو حين يفتح الله عليهم بلاد كسرى بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة، حديث الواثق المطمئن الذي أثار أرباب النفاق فقالوا في ضيق وحنق: إن محمداً يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده! أو كما قال القرآن: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) (الأحزاب: 12).
ماذا تسمي هذا الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة، فينير الطريق ويبدد الظلام؟ إنه الأمل، وإن شئت فهو الإيمان بنصر الله: (ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم * وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 5، 6).


الفصل السابع - الإيمان والحب
قيمة الحب وأهميته في تحقيق السعادة
"والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا" (حديث شريف رواه مسلم).
الحب معنى أخص من الرضا، وأعمق أثراً، فقد يرضى الإنسان بالشيء أو يرضى عن الشخص، ولا يفضي ذلك إلى حبه وتعلق القلب به. فإن ذلك شأن الحب لا شأن الرضا.
الحب هو روح الوجود، وإكسير القلوب، وصمام الأمان لبني الإنسان.
إذا كان قانون الجاذبية يمسك الأرض والكواكب والأفلاك أن تصطدم فتتساقط أو تحترق وتزول، فقانون الحب هو الذي يمسك العلاقات الإنسانية أن تتصادم فتحترق، وتستحيل إلى دماء.
هذا هو الحب الذي عرف الناس قيمته في القديم والحديث. وقالوا: لو ساد الحب ما احتاج الناس إلى العدل ولا إلى القانون.
وقديماً قال صوفي شاعر كبير (هو الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، وهذه الفقرات من شعره الصوفي الوجداني، وقد نقل هذه الفقرات السيد أبو الحسن الندوي في كتابه «رجال الفكر والدعوة في الإسلام» ص 288وما بعدها):
"إن الحب يحول المر حلواً، والتراب تبراً، والكدر صفاءً، والألم شفاءً، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة، وهو الذي يلين الحديد، ويذيب الحجر، ويبعث الميت، وينفخ فيه الحياة ...".
"إن هذا الحب هو الجناح الذي يطير به الإنسان المادي الثقيل في الأجواء، ويصل من السمك إلى السماك، ومن الثرى إلى الثريا ... ".
"بارك الله لعبيد المادة وعباد الجسم في ملكهم وأموالهم!! لا ننازعهم في شيء. أما نحن فأسارى دولة الحب التي لا تزول ولا تحول .. !".
"حياك الله أيها الحب المضني! يا طبيب علتي وسقمي! يا دواء تخوفي وكبري! يا طبيبي النطاسي! يا مداوي الآسي!.
وحديثاً كتب صحفي أديب يعني بالجوانب النفسية (هو الأستاذ محمد زكي عبد القادر في إحدى يومياته بجريدة «الأخبار» القاهرية) يقول:
"ولمحت عن بعد أضواء تلمع وسط البحر كالنجم الهادي، وتمنيت لو كان لي في المستقبل مثل هذا النجم .. ومن منا لا يتمنى أن يكون له في مستقبله نجم هاد؟ .. نجم هاد فيما بقي من أيام .. ماذا يكون؟
الحكمة .. وماذا تعطينا غير المنطق الجاف؟
الحذر ... وماذا يعطينا غير الخوف الدائم!
العمل ... وماذا يعطينا غير العرق المتصبب والحقد المتأجج؟
المال … وماذا يعطينا غير الخوف والحذر والعرق والعقد؟
الحب … إنه الجوهر الوحيد الذي يعطينا الأمان والاستقرار والسلام.
نحب كل شيء … كل إنسان … نحب حتى الكارثة كما نحب النعمة … الأولى لتوقظ القوة على المقاومة فتتوهج النفس كأنها تتحفز ...
الثانية نسيم يلطف حر المعركة، نحب الوجود كله بدايته ونهايته، الموت فيه والحياة!
هل يستطيع أحد أن يحب هذا الحب؟ لو فعل لكان ملاكاً … ".
ونحن نجيب على هذا السؤال فنقول: إن الذي يستطيع أن يحب هذا الحب الكبير صنف واحد من بني الإنسان، إنه الصنف الذي خالطت قلبه بشاشة الإيمان.
الإيمان وحده هو ينبوع الحب المصفى الخالد، والمؤمن وحده هو الذي يستطيع أن يحب كل شيء حتى الكارثة، يحب الوجود كله بدايته ونهايته، الموت فيه والحياة (وقد أشاع المبشرون والمستشرقون أن المسيحية وحدها دين المحبة ولا مجال فيها لبغض أو عنف، وأن الإسلام دين الجهاد والسيف. ولا مجال فيه لتسامح أو حب. وهذا جهل مركب. أو تضليل مفضوح، ففي نصوص المسيحية نجد المسيح يقول في الإنجيل "ما جئت لألقي على الأرض سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة (زوجة الابن) ضد حماتها، وأعداء الإنسانية أهل بنيه" (متى: 34 - 36).
وفي تاريخ المسيحية في العصور الوسطى نجدها أكثر الديانات شناً للحروب وإراقة للدماء، وإحداثاً للمجازر البشرية الرهيبة. ليس بينها وبين مخالفيها فحسب بل بين طوائفها بعضها وبعض.
والمسيح عليه السلام بريء من هذه المذابح الوحشية، والمسئول عنها إنما هي الكنيسة التي حرفت كلمات الله عن مواضعها، وأدخلت الوثنية في دين المسيح وأعطت نفسها حق التحليل والتحريم. والتشريع في الدين بما لم يأذن به الله. وبيع صكوك الغفران وأرض الجنة بالدرهم والدينار. إن خرافات الكنيسة ومصالحها وأهواء رجالها الذين ساندوا الظلم والاستغلال والفساد هي المسئولة عن هذه الحروب والدماء.
ومهما يكن الأمر فإن الإسلام المظلوم هو أعظم العقائد دعوة إلى الحب، وتوكيداً لمعانيه. وتفجيراً لينابيعه. وأقواها حرباً للعداوة والبغضاء والحسد والحقد وتضييقاً لمسالكها. وإغلاقاً للنوافذ التي تهب منها رياحها السموم.
ولقد قال أحد وجهاء النصارى المنصفين في طرابلس الشام للسيد رشيد رضا رحمه الله: إن في الإسلام فضائل كالجبال أو أشمخ وأرسخ ولكنكم دفنتموها. حتى لا تكاد تعرف أو ترى، ونحن عندنا شيء قليل ضئيل، ككلمة "حب الله والقريب" فما زلنا نمطه ونمده، ونقول: "الفضائل المسيحية" حتى ملأ الدنيا كلها؟
وهي شهادة من مسيحي معتدل لا تحتاج إلى تعليق)
حب الله
المؤمن بعقيدة الإسلام نفذ إلى سر الوجود فأحب الله واهب الحياة، ومصدر الخلق والأمر، والإيجاد والإمداد.
أحبه حب الإنسان للجمال، فقد رأى في كونه أثر الإبداع والإحكام (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (الملك: 3)، (صنع الله الذي أتقن كل شيء) (النمل: 88)، (الذي أحسن كل شيء خلقه) (السجدة: 7).
وأحبه حب الإنسان للكمال، وهل هناك -في الحقيقة- إلا كماله سبحانه؟ وكل ما نرى من مظاهر الكمال النسبي إن هي إلا ذرات مستمدة منه، ومفتقرة إليه.
وأحبه حب الإنسان للإحسان، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. وأي إحسان كإحسان من خلقه من عدم، وجعله بشراً سوياً، واستخلفه في الأرض، وسخر له الكون جميعاً منه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) (البقرة: 29)، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20).
أحبه لهذا كله ولأكثر منه، حباً يفوق حب الإنسان لأبويه، بل لولده بل لنفسه، وأحب كل ما يجيء من قبله وكل ما يحبه سبحانه، أحب الكتاب الذي أنزله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأحب النبي الذي أرسله رحمة للعالمين، وأحب كل إنسان من أهل الخير والصلاح الذين يحبهم ويحبونه، وجعل دعاءه ما كان يدعو به محمد رسول الله: "اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك واجعل حبك أحب إلى من الماء البارد".
حب الطبيعة
والمؤمن في ظل الإسلام كما أحب الله أحب الطبيعة والوجود كله، إنها أثر من آثار ربه (الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) (الأعلى: 2، 3)، كل شيء فيها بحساب ولغاية وحكمة: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر: 49)، (الشمس والقمر بحسبان) (الرحمن: 5)، (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننِزله إلا بقدر معلوم) (الحجر: 21).
الطبيعة ليست عدواً للإنسان ولكنها مخلوق سخر لخدمته، ليساعده على القيام بمهمة الخلافة في الأرض، وكل ما في الكون ألسنة صدق تمجد الله وتسبحه بلغة قد لا تفهمها العقول البشرية المحدودة: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء: 44).
فالعالم ليس شراً يجب التعجيل بفنائه كما صورته الفلسفة المانوية وشبهها، وإنما هو كتاب الله المفتوح للقارئين والأميين جميعاً، تتلى فيه آيات قدرته ورحمته، وعظمته ونعمته.
هذا العالم علويه وسفليه ليس ألا صنع الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، الذي أفرغ على هذا الكون وحدة جعلته في أرضه وسمائه وحيوانه ونباته كأجزاء الجسد الواحد تعاوناً واتساقاً وائتلافاً: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) (يس: 40).
ليس في الكون شيء خلق جزافاً أو عبثاً. كل شيء فيه قد هيئ ليؤدي دوره فيما أراد الله من عمارة الأرض، واستمرار الحياة إلى أجلها، وخدمة هذا النوع المكرم من الخليقة (الإنسان).
كان بعض البشر ينظرون إلى الظلام نظرة الخوف والكراهية، ويتمثل الظلام مظهراً لإله الشر الذي يحارب إله النور والخير، فماذا يكون شعور هؤلاء إذا لفهم الليل بردائه الأسود، ونصف الزمن ليل كما نعلم؟
لقد أزاحت عقيدة الإسلام هذا الكابوس العقلي والنفسي وقررت أن توزع الزمن بين ليل ونهار، وظلمة ونور، آية من آيات الله في تنظيمه لملكه، ونعمة من نعم الله على خلقه، يجب أن يشكروه عليها لا أن يخافوا منها، (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) (القصص: 71 - 73).
حب الطبيعة الحق يتمثل في المؤمنين الذين يرون وجه الله في هذه الطبيعة، ويرون فيها قرآنه الصامت الدال على ألوهيته: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك) (آل عمران: 190، 191).
ويتمثل هذا الحب بأجلى صوره في رسول الإسلام الذي أعلن هذا الحب حتى للجبال، بل لجبل كان يمكن أن يتطير به، ويتشاءم من رؤيته، لما أصابه من هزيمة بجواره، ذلك هو «جبل أحد».
روى البخاري عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أخدمه، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً وبدا له أحد قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه"
حب الحياة
وكما أحب المسلم الطبيعة أحب الحياة، ولم يعتبرها ذنباً جنى به عليه أبواه، ولا عبئاً يجب أن يلقى، ولا سجناً يجب أن يهرب منه، إنما هي رسالة تؤدى ونعمة تشكر.
وفي الحديث النبوي "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" (رواه أحمد والترمذي وحسنه)، "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، وأنه إذا مات انقطع عمله، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً" (رواه مسلم) "لا يتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب" (رواه أحمد والبخاري).
فالحياة خير على كل حال، فإن قعدت به العزيمة فليقل: "اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" (رواه النسائي والحاكم).
حب الموت
والمؤمن لا يحب الحياة حب الحريص على متاعها الأدنى، المتهافت على لذائذها، حباً يخيفه من الموت، ويلصقه بتراب الأرض، بل أحب المؤمن الحياة لأنه يقوم فيها بحق الله في الأرض، وأحب الموت لأنه يعجل به إلى لقاء ربه. وفي الحديث: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (متفق عليه).
حينما خير الرسول بين لقاء ربه والبقاء نبي الدنيا قال: "أختار الرفيق الأعلى"! وحينما أصاب علي بن أبى طالب رضي الله عنه ضربة عبد الرحمن ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة! وحينما حضرت بلالاً الوفاة صرخت امرأته: واكرباه! فقال لها: بل واطرباه!! غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه!
وحينما أخذ المشركون في مكة خبيب بن زيد ليصلبوه كان نشيده الذي يترنم به على خشبة الصلب:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممِِزع
وكان سيف الله خالد بن الوليد حينما يرسل إلى قائد من قواد الفرس أو الروم يختم رسالته بعد الدعوة إلى السلام والإسلام بقوله: وإلا ... رميتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة..!!!
حب الناس
وأحب المؤمن الناس جميعاً، لأنهم اخوته في الآدمية، وشركاؤه في العبودية لله، جمع بينه وبينهم رحم ونسب، كما جمع بينهم هدف مشترك وعدو مشترك ...
أما الرحم العامة الواشجة فقد قال فيها الله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (النساء: 1) وما أحق كلمة «الأرحام» هنا أن يراد بها الأرحام الإنسانية التي تصل بين الناس جميعاً، بدليل فاتحة الآية.
وأما الهدف المشترك والعدو المشترك ... فقال فيهما: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) (فاطر: 5، 6) فالحياة الآخرة الباقية والخلود في نعيمها هو الهدف الإنساني المشترك، والشيطان المعوق عنها هو العدو المشترك.
وعقيدة المسلم لا تسمح بنِزعات عنصرية، ونعرات جنسية، فالمسلم يعتقد أن الناس جميعاً لآدم وآدم من تراب، وأن اختلاف اللغات والألوان ليس إلا دليلاً على قدرة الله، وعلى عظمة الصانع وآية من آياته في خلقه: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين) (الروم: 22).
فشعور المسلم بأخوته لبني الإنسان جميعاً ليس أمراً ثانوياً عنده، ولا نافلة في دينه، إنما هو عقيدة يدين الله بها ويلقاه يوم القيامة ويرطب بها لسانه ذكراً لله يرجو به عند الله القربة. روى الإمام أحمد وأبو داوود عن زيد ابن أرقم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم اخوة".
أرأيت كيف تسمو الأخوة البشرية في ضمير المسلم؟ إنها في المرتبة التالية لتوحيد الله، والإقرار برسالة محمد عليه السلام.
وكيف يتصور أن يحتقر المسلم جنساً من أجناس البشرية. إن صح أن في البشر أجناساً .. وقرآنه الكريم يعلمه أن يحترم أجناس المخلوقات كلها ويعرف لها كيانها من الدواب والحشرات والطيور: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يحشرون) (الأنعام: 38).
ويقول النبي: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها".
هذا هو شعور المؤمن بالإسلام نحو الناس، ليس شعور الاستعلاء العنصري ولا التعصب الإقليمي، ولا الحقد الطبقي، ولا الحسد الشخصي، وإنما هو شعور الحب والإخاء للناس كافة.
المؤمن سليم الصدر لا يحسد ولا يحقد
وأن أدنى ثمرات المحبة التي يغرسها الإيمان في قلب المؤمن هي سلامته من الغل والحسد، فإن أنوار الإيمان كفيلة أن تبدد دياجير الحسد من قلبه، وبذلك يمسي ويصبح سليم الصدر، نقي الفؤاد، يدعو بما دعا به الصالحون (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (الحشر: 10).
المؤمن لا يحسد، لأن الحسد -كما سماه رسول الله- "داء" من أدواء الأمم، داء نفسي يصنع بالروح ما تصنع الأوبئة بالأجسام، فهو غم على صاحبه، ونكد دائم له، وغيظ لقلبه لا ينتهي أمده، بل هو داء جسدي أيضاً: ينهك القوى، ويؤذى البدن، ويغير الوجه، وقد قال حكيم:
لله در الحسد ما أعدله
بدأ بصاحبه فقتله!!
وقال شاعر:
اصبر على كيد الحسو
د فإن صبرك قاتله
النار تأكل نفسهِِا
إن لم تجد ما تأكله
والمؤمن لا يحسد، لأنه يحب الخير لعباد الله جميعاً، وهو لا يعارض ربه في رعاية خلقه أو تقسيم رزقه (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) (الإسراء: 30).
إنه مؤمن بعدل ربه فيما قسم من حظوظ، وما وزع من مواهب، ويعتقد أن قضاءه تعالى في خلقه صادر عن حكمة بالغة يعرف منها ويجهل، وقد قيل: "الحاسد جاحد? لأنه لم يرض بقضاء الواحد". (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله) (النساء: 54).
ومن هنا نرى المؤمن لا يفرح بالمصيبة تنِزل بغيره، ولا يحزن للنعمة يسوقها الله إلى عبد من عباده، بل يقول ما علمه النبي الكريم "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر".
والمؤمن لا يحسد، لأن همته منوطة بما هو أرفع وأبقى من الدنيا التي يتنافس عليها الناس، ويتحاسدون، وإنما يوجه همته إلى معالي الأمور، إلى المعاني الباقية: إلى الآخرة والجنة.
روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها". (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (المطففين: 26) (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة) (الحديد: 21).
قال الحسن البصري: يا ابن أدم: لم تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلماذا تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار؟، وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا … إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في جنب الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على الدنيا وهو يصير إلى النار؟".
والمؤمن لا يحقد، لأنه عفو كريم، يكظم غيظه وهو يستطيع أن يمضيه، ويعفو وهو قادر على الانتقام، ويتسامح وهو صاحب الحق، لا يشغل نفسه بالخصام والعداوات، فالعمر لا يتسع لمثل هذا العداء، والدنيا لا تستحق عنده هذا العناء. فكيف يسلم قلبه لله للعداوة والأحقاد فتنهشها أفاعيها السامة؟ وكيف يبيت وفي قلبه لأخيه شحناء العداء فيبيت بعيداً عن رحمة الله؟ في الحديث: "تعرض الأعمال كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً، إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم.
والمؤمن لا يحسد ولا يبغض، لأن الحسد والبغضاء من بذور الشيطان، والمحبة والصفاء من غرس الرحمن (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) (المائدة: 91) (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) (الممتحنة: 7) (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) (مريم: 96).
هذا -وسلامة القلب من الضغن والحسد أول ما يتصف به المؤمن، بل أدنى ما يتصف به. ولا يكمل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
فأين من هذه المعاني الرفيعة ما تنادي به اليوم دعوات هدامة. كل همها زرع الأحقاد وبث البغضاء والكراهية والعداوة بين الطوائف والطبقات، حتى يعيش الناس في تنازع وصراع دائم، يتسللون من ورائه إلى الحكم والسلطان؟!!
الإيثار من خصائص المؤمنين
وأعلى درجات الحب أن يؤثر الإنسان أخاه على نفسه فيجود له بالشيء وهو محتاج إليه، يجوع ليشبع أخوه، ويكد ليرتاح، ويسهر لينام.
وهذا المعنى مقطوع من جذوره في بيئات الملحدين والماديين، فإن المؤمنين يؤثرون ابتغاء وجه الله ومرضاته ومثوبته، وأما أولئك فلوجه من يؤثرون؟ وعلام يؤثرون؟
ولم تر الدنيا حباً كريماً أصيلاً يعلو على الشهوة والمنفعة كالحب الذي أرسى الإسلام ركائزه بين المسلمين في مجتمع المدينة.
ها هم المهاجرون يخرجون من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله، فيستقبلهم إخوانهم الأنصار من أهل المدينة بصدور رحبة ويتهافتون عليهم تهافت الظمآن على الشراب البارد العذب، ويتنافسون عليهم، كل منهم يريد أن يحظى بواحد منهم في داره، فلا يرضيهم إلا القرعة، ثم يؤاخي الرسول بينهم مؤاخاة قامت مقام أخوة النسب والدم، وذابت الفروق الإقليمية والنسبية، فلا قحطانيون وعدنانيون، ولا شماليون وجنوبيون، ولا يمنيون وحجازيون، ولا أوسيون وخزرجيون، كما انمحت الفوارق الطبقية والمهنية، فلا أغنياء وفقراء، ولا تجار وزراع، إنما هي الأخوة الصادقة، إنما هو الحب والإخلاص والإيثار (وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63).
قال عبد الرحمن بن عوف المهاجري القرشي: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله بيني وبين سعد بن الربيع -الأنصاري الخزرجي- فقال سعد لي: "إني من أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها"، وقابل عبد الرحمن هذا الإيثار الكريم من سعد بعفاف كريم منه فقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك ... دلوني على السوق".
وقد سجل الله في كتابه الثناء الخالد لموقف الأنصار فقال: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر: 9).
يقول أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "الدين": "إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة لا تقف عند تهذيب السلوك، وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل، ومقاومة الفوضى والفساد فحسب، بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثراً في كيان الجماعة. ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم، لا يعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أو الجوار أو المصالح المشتركة. بل إن هذه العلائق مجتمعة مهما يكن أثرها الظاهري من كف الأذى، وبذل المعروف المتبادل، تظل روابط سطحية تضم الأفراد، كما تضم الأعواد في ضغث، ولا تزال تتخللها الفجوات والثغرات والحواجز النفسية، حتى تشدها رابطة الأخوة في العقيدة والمشاركة في المثل العليا، فهناك تعود الكثرة وحدة، وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة، تنعكس صور بعضها في بعض، بل كثيراً ما تستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى، فتنعقد بها أقوى الوشائج وأدومها، بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتباينت لهجاتهم، وتباعدت ديارهم وتفاوتت مصالحهم، وكثيراً ما نرى في الدول التي تقوم على قاعدة المصالح المشتركة في الوطن بين م?لل مختلفة تضطر إلى الاستنجاد بما في هذه الأديان كلها من مبدأ التعاون على الخير والتناصر على دفع عدوان المغيرين - ولذلك قيل بحق: "إن الوطنية التي لا تعتمد على باعثة من الخلق والدين إنما هي حصن متداع يوشك أن ينهار. وقد ثبت بهذا كله أن الأديان تحل من الجماعات محل القلب من الجسد" أ. هِ.
عاطفة الكره وإلى أين وجهها الإسلام؟
ولكن مما لا ريب فيه أن في كل إنسان عاطفة أخرى غير الحب. عاطفة البغض والخوف والمقت، وهي التي تفيض بالحقد والشر والخرب والدم! فكيف ردم للدين هذا المستنقع الكريه أو إلى أي مصب وجهه؟
قال الأستاذ "جود" الإنجليزي رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في إحدى كليات لندن: "إن العواطف التي هي مشتركة والتي يمكن إثارتها بسهولة هي عواطف المقت والخوف التي تحرك جماعات كبيرة من الدهماء، بدل الرحمة والجود والكرم والحب، فالذين يريدون أن يحكموا على الشعب لغاية ما لا ينجحون حتى يلتمسوا له ما يكرهه، ويوجدوا له ما يخافه، وإذا أردت أن أوحد الشعوب ينبغي لي أن أخترع لهم عدواً على كوكب آخر -على القمر مثلاً- تخافه هذه الشعوب، فلم يعد من دواعي العجب أن الحكومات القومية في هذا العصر في معاملتها لجيرانها إنما تقاد بعواطف المقت والخوف فعلى تلك العواطف يعيش من يحكمونها، وعلى تلك العواطف يقوى الإنماء القومي".
وقد عقب الداعية الإسلامي الكبير السيد أبو الحسن الندوي على ذلك فقال (صفحة 167 من كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"): "إن هذا الحل الذي قدمه الأستاذ جود لمشكلة الأمم، ومعضلة الحروب، والمنافسات الشعوبية، حل عادل، وتوجيه معقول، فلا تنصرف عداوة الشعوب والأمم بعضها لبعض حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في عداوته وكرهه، والمخافة منه، وتتعاون في الحرب ضده، ولكن هذا لا يحتاج إلى اختراع وإبداع، ولا يلزم أن يوجد لها عدو على كوكب آخر كالقمر والمريخ، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد، فالدين ينبه إلى أن هذا العدو للنوع الإنساني ولذرية آدم يوجد على الأرض نفسها وعلى كل إنسان أن يعادية ويحترس منه، ويتعاون مع بني نوعه في معاداته ومحاربته. يقول القران: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) (فاطر: 6) ويقول: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين) (البقرة: 208).
وقد قسم الإسلام العالم البشرى إلى قسمين فقط، أولياء الله وأولياء الشيطان، أنصار الحق وأنصار الباطل، ولم يشرع حرباً ولا جهاداً إلا ضد أنصار الباطل وأولياء الشيطان أينما كانوا ومن كانوا فقال: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) (النساء: 76) أ هِ .
وهكذا ضاقت دائرة البغض، وانكمشت عاطفة الكره عند المؤمن، فلم يعد يبغض لمنفعة شخصية، ولم يعد يبغض لعصبية قبلية أو قومية أو إقليمية أو طبقية، ولم يعد يبغض لحقد أو حسد، وإنما أنحصر بغضه في مجال واحد هو البغض في الله، أي من أجل الحق وحده، وفي ذلك يقول الحديث النبوي: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان".
التسامح جزء من العقيدة
ومع انحسار دائرة الكره في أهل الباطل والإثم والعدوان، فإن كراهية المؤمن لهم ممزوجة بالألم من أجلهم، والإشفاق عليهم، وتمني الخير لهم، والدعاء لهم بالتوفيق والهداية "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" (لعلك باخع نفسك (أي قاتلها) ألا يكونوا مؤمنين) (الشعراء: 3).
وهناك أمران في عقيدة المسلم يجعلانه مع استمساكه بدينه، وثباته على إيمانه أشد الناس تسامحاً مع المخالفين له، والكافرين بدعوته:
أولهما: أن المسلم يعتقد جازماً أن من مقتضيات الإرادة الإلهية التي لا تخلو من الحكمة اختلاف الناس في الدين والإيمان (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين) (هود: 118) (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟!) (يونس: 99).
وإذا كانت مشيئة الله نافذة -ومشيئته تعالى مرتبطة بحكمته- فكيف يقاوم المؤمن مشيئة الله، أو ينكر حكمة الله؟
وثانيهما: أن الله قد أمر نبيه المصطفى أن يتجنب اللجاجة في الجدل مع المخالفين، وأن يكل أمرهم إلى الله، ويعلنهم أن يوم الفصل بين المختلفين إنما هو يوم القيامة، فلا داعي للجدال الذي يثير الفتن، والمراء الذي يوغر الصدور. قال تعالى لرسوله: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) (الحج: 68، 69) ويقول: (فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير) (الشورى: 15) (قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون) (الزمر: 46).
ذلك هو المؤمن بعقيدة الإسلام: أحب الوجود كله، أحب الله والطبيعة، أحب الحياة والموت، أحب القدر حلوه ومره، أحب الناس جميعاً وإذا كره ولابد فإنما يكره الشيطان، ويكره حزب الشيطان، كرهاً مقروناً بالرحمة والإشفاق وحب الخير، للناس جميعاً.
إن هذا الحب هو دليل إيمانه بربه، وقائده إلى جنته، وصدق رسول الله "والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا".


الفصل الثامن- الثبات في الشدائد
الحياة لا تخلو من الشدائد
"عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير -وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (حديث شريف رواه مسلم).
الأمل والأمن، والرضا والحب، والسكينة النفسية، ثمار شهية لغراس العقيدة في نفس المؤمن، وذخائر لا تنفد لإمداده في معركة الحياة، وأنها لمعركة طويلة الأمد، كثيرة التكاليف، محفوفة بالأخطار والمشقات.
ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا، وطبيعة البشر فيها، تجعلان من المستحيل أن يخلو المرء فيها من كوارث تصيبه، وشدائد تحل بساحته، فكم يخفق له عمل أو يخيب له أمل. أو يموت له حبيب. أو يمرض له بدن، أو يفقد منه مال، أو .. أو .. إلى آخر ما يفيض به نهر الحياة ... حتى قال الشاعر يصف الدنيا:
جبلت على كدر وأنت تريدها
صفوا من الآلام والأكدار!
ومكلف الأيام ضد طباعهِا
متطلب في الماء جذوة نِار
وإذا كان هذا سنة الله في الحياة عامة، وفى الناس كافة، فإن أصحاب الرسالات خاصة أشد تعرضاً لنكبات الدنيا وويلاتها، إنهم يدعون إلى الله فيحاربهم دعاة الطاغوت، وينادون بالحق فيقاومهم أنصار الباطل ويهدون إلى الخير فيعاديهم أنصار الشر، ويأمرون بالمعروف فيخاصمهم أهل المنكر ... وبهذا يحيون في دوامة من المحن، وسلسلة من المؤامرات والفتن، سنة الله الذي خلق آدم وإبليس، وإبراهيم ونمرود، وموسى وفرعون، ومحمداً وأبا جهل (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) (الأنعام: 112) (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) (الفرقان: 31).
هذا شأن الأنبياء. وشأن ورثتهم. والسائرين على دربهم. والداعين بدعوتهم. مع الطغاة الصادين عن سبيل الله (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) (البروج: 8).
سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
الملحدون أشد الناس جزعاً
وقد أثبت الاستقراء والمشاهدة أن أشد الناس جزعاً، وأسرعهم انهياراً أمام شدائد الحياة هم الملحدون والمرتابون وضعاف الإيمان، وقد وصف القرآن هذا النموذج من الناس فقال: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور) (هود: 9)، (وإن مسه الشر فيؤس قنوط) (فصلت: 49)، (وإذا مسه الشر كان يؤساً) (الإسراء: 83)، (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين) (الحج: 11).
إنهم لا يؤمنون بقدر فيرضوا به، ولا بإله فيطمئنوا إلى حكمته في خلقه، ولا بأنبياء فيجدوا في حياتهم القاسية قدوة وعبرة، ولا بحياة أخرى فتهب عليهم نسماتها منعشة للنفس، وطاردة للكآبة، باعثة للأمل.
إنهم كسفينة فقدت الدفة والشراع وكل عوامل الثبات أمام الأمواج والعواصف، فهي لأدنى حركة من الريح يشتد اهتزازها وتمايلها، ويحيط بها الموج من كل مكان، وسرعان ما تغوص إلى الأعماق!
ولا غرو أن نجد الانتحار أكثر ما يكون في البيئات التي ضعف دينها أو فقدته، فإن لم يكن الانتحار فهو الألم القاتل، والجزع الهالع، والكآبة الحزينة، والحزن الكئيب، والحياة التي خلت من معنى الحياة.
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء!
إنما الميت من يعيش كئيبِاً
كاسفاً باله قليل الرجاء!
ثبات المؤمن ومصدره
أما المؤمنون فهم أصبر الناس على البلاء، وأثبتهم في الشدائد، وأرضاهم نفساً في الملمات.
عرفوا قصر عمر الدنيا بالنسبة لعمر الخلود فلم يطمعوا أن تكون دنياهم جنة قبل الجنة (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) (النساء: 77). (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (آل عمران: 185).
وعرفوا سنة الله في هذا النوع من الخليقة (الإنسان) الذي ابتلي بنعمة حرية الإرادة، والاستخلاف في الأرض، فلم يطمعوا أن يكونوا ملائكة أولي أجنحة (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) (الإنسان: 2)، (لقد خلقنا الإنسان في كبد) (البلد: 4).
وعرفوا من سنن أنبيائهم ورسلهم أنهم أشد الناس بلاء في الحياة الدنيا، وأقل الناس استمتاعاً بزخرفها، فلم يطمعوا أن يكونوا خيراً منهم، ولهم فيهم أسوة حسنة (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن في نصر الله قريب) (البقرة: 214).
قال ابن القيم: يا مخنث العزم ... الطريق تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، وتعرض للذبح إسماعيل، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى ...
الإيمان بالقدر يهون على المؤمنين البلاء
وعرفوا أن ما ينزل بهم من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، وكتابة إلهية، فآمنوا بأنه ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ... (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) (الحديد: 22).
وعرفوا أن من صفته تعالى إن يقدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره (إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم) (يوسف: 100).
وعرفوا من لطف ربهم أن هذه الشدائد دروس قيمة لهم، وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم، تنضح نفوسهم، وتصقل إيمانهم، وتذهب صدأ قلوبهم "مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها" وما أبلغ ما قال الرافعي: "ما أشبه النكبة بالبيضة، تحسب سجناً لما فيها وهي تحوطه، وتربيه وتعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضى إلى غاية، ثم تنقف البيضة، فيخرج خلق آخر.
وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته: عمله أن يتكون فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل".
شعور المؤمن بنعمة الله في السراء والضراء
وعرفوا من مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية ما عرفه أحد السلف حين قال: "وما أصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها".
وتلك نعم تلابس كل مصيبة في دنيا الناس، جديرة أن تشعر المؤمن بشعور الشكر لله فضلاً عن الرضا بقضائه، والصبر على بلائه.
مصائب الدنيا تهون
فكل مصيبة في دنيا الإنسان قد تعوض بخير منها، أما مصيبة الدين فخسارة لا تعوض، ولذلك حين خير يوسف عليه السلام بين أن يصاب في دنياه فيسجن ويكون من الصاغرين، وأن يصاب في دينه فيصبو إلى النسوة ويكون من الجاهلين، كما قالت امرأة العزيز للنسوة: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) (يوسف: 32).
حين خير يوسف بين الأمرين كان لابد أن يختار مصيبة الدنيا، فقال (رب السجن احب إليّ مما يدعونني إليه) (يوسف: 33).
وكان مما علمه نبي الإسلام لأمته أن يقولوا: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" (رواه الترمذي والحاكم).
بعض الشر أهون من بعض
وإن كل مصيبة لا شك أن هناك أكبر منها، وقديماً قال الناس: "بعض الشر أهون من بعض" "وبلاء أخف من بلاء" "ومن نظر لبلوى غيره هانت عليه بلواه".
والمؤمن ينظر بعين بصيرته فيحمد الله على أمرين: أولهما: دفع ما كان يمكن أن يحدث من بلاء أكبر، وثانيهما: بقاء ما كان يمكن أن يزول من نعمة غامرة وفضل جزيل. فهو ينظر إلى النعمة الموجودة قبل أن ينظر إلى النعمة المفقودة، وينظر إلى البلاء المتوقع بجانب نظره إلى البلاء الواقع.
وهذا بلا شك يحدث كثيراً من الارتياح والرضا، فالبلاء المتوقع كثير وقد دفع عنه، والنعم الموجودة كثيرة وقد بقيت له.
وهذا عروة بن الزبير أحد فقهاء التابعين في الإسلام مثل صالح للمؤمن الصابر الراضي، المقدر لنعم الله، فقد رووا أن رجله وقعت فيها الأكلة فقرر الأطباء قطعها حتى لا تسري إلى ساقه كلها ثم إلى فخذه، وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها. فعرضوا عليه أن يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها فقال: ما ظننت أن أحداً يؤمن بالله يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا فاقطعوها، فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنّ (اشتكى)!!.
وشاء القدر أن يبتلى الرجل على قدر إيمانه، ففي هذه الليلة التي قطعت فيها رجله سقط ابن له -كان أحب أولاده إليه- من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال: اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فإن كنت أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت لقد عافيت!!
حلاوة الثواب ومرارة الألم
ورجاء مثوبة الله تعالى على ما يبتلى به الإنسان في دنياه نعمة روحية أخرى تهون على الإنسان البلاء، وهذه المثوبة تتمثل في تكفير السيئات، وما أكثرها!! وزيادة الحسنات، وما أحوج الإنسان إليها!! وفي الحديث الصحيح: "ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".
أصاب أحد الصالحين شيء في قدمه فلم يتوجع ولم يتأوه، بل ابتسم واسترجع، فقيل له: يصيبك هذا ولا تتوجع؟ فقال: إن حلاوة ثوابه أنستني مرارة وجعه! .
الملحدون يعترفون بأثر الإيمان في الأزمات
بقي أن نقول: أن الملحدين أنفسهم شعروا بأن أنظمتهم وفلسفتهم المادية الجامدة لا تستطيع أن تهب للناس الروح المعنوية التي تهون عليهم الشدائد، وتمدهم بالصبر والثبات في الأزمات، ولم يملك الشيوعيون -على تعصبهم- في الحرب العالمية الثانية إلا أن يطلقوا سراح الدين وقتاً ما ليؤدي دوره في تثبيت النفوس وإمساكها أن تنخلع وتنهار، وأرغمتهم الظروف أن يتركوا الشعوب ترجع إلى فطرتها فتملأ فراغها بما لا يمكن أن تملأ إلا به، بالإيمان.


الباب الثالث : الإيمان في حياة المجتمع
تمهيد
الحدود بين الفرد والمجتمع متداخلة متشابكة، وليس من المستطاع بسهولة أن يقال: هذا أمر يؤثر في الفرد، وهذا أمر يؤثر في المجتمع، فما المجتمع في واقع أمره إلا أفراد ربطت بينهم روابط مشتركة ... وكل جهد يبذل لتكوين الفرد الصالح، هو عمل أصيل لتكوين المجتمع الصالح.
ومثل المجتمع البشري كمثل البنيان المرصوص، ومثل الأفراد فيه كمثل اللبنات للبنيان، فإذا كانت اللبنات قوية متينة، وكانت المادة التي تربط بينهما قوية الربط وإحكام الالتحام والتماسك بينها. قام منها بناء قوي مكين. فالعمل الأول في البناء يجب أن يتجه إلى اللبنات وإعدادها.
وإذا نظرنا إلى ما تقدم -من أثر الإيمان في حياة الفرد- نجد أن الفرد الذي يتمتع بسكينة النفس، وأمن الروح، ويتذوق نعمة الرضا ويستروح نسمات الأمل، ويحيا في ظلال الحب الفسيح، ويحس بالقوة، ويشعر بالكرامة، إنما هو إنسان اجتماعي راق، ولبنة صالحة لأن يقوم عليها بناء اجتماعي سليم.
والمجتمع الذي تشيع بين أفراده السكينة والأمن، والرضا والأمل، والحب والشعور بالكرامة، مجتمع يشق طريقه إلى السعادة والرقي والاستقرار.
ألا وأن أخص ما يميز المجتمع الراقي، المجتمع الفاضل، المجتمع السعيد هو التماسك والترابط. المجتمع الفاضل هو الذي يتعارف أبناؤه فلا يتناكرون. ويتحابون فلا يتباغضون، ويتعاونون فلا يتخاذلون. ويتعاملون فيما بينهم بالعدل والرحمة، فلا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقسو بعضهم على بعض، فلا ينسى الواجد المحروم، ولا يهمل القادر العاجز، ولا يأكل الكبير الصغير كالسمك، ولا يعدو القوي على الضعيف كسكان الغابة.
وشر ما يعيب المجتمع هو التفكك وضعف الروابط بين أبنائه، وذلك بغلبة الأنانية على أنفسهم، فيذكر المرء نفسه وينسى أخاه، ويقول كل واحد: نفسي نفسي، ولا يبالي أن يجعل من الناس قرابين تقدم لإله أطماعه وشهواته.
شر ما يصيب المجتمع: أن يقول كل فرد فيه: لي، ولا يقول: على ... أن تتضخم "أنا"، في نفسه على حساب غيره. فينظر إلى نفسه نظرة استعلاء واستكبار، وإلى الناس نظرة الازدراء والاحتقار.
ومثل ذلك في الشر أن يفقد الإنسان إحساسه بذاته، وشعوره بكرامته، وبما وهبه الله من قوة، وما آتاه من نعمة، وحينئذ تموت في نفسه الحوافز الكريمة، والبواعث الطيبة، ولا ينمو في جوانحه إلا الشعور بالضعف والهوان والضياع والفراغ، وهي مشاعر قتالة للفرد، وبالتالي هدامة لصرح المجتمع.
وإذن فلابد من حد وسط يقف عنده الفرد، يحس بذاته وكرامته إحساساً لا ينال من ذات غيره وكرامته وحقه باعتباره إنساناً ... وبذلك يعمل أبناء المجتمع معاً، ويسيرون إلى الهدف المشترك جنباً إلى جنب، متعاونين على البر والتقوى، متواصين بالحق والصبر.
والمجتمع في حاجة إلى ضوابط تحكم علاقاته ومعاملاته بعضه لبعض، فلا تطغى الغريزة على العقل، ولا القوة على الحق، ولا الهوى على الواجب، ولا المنفعة الخاصة على المصلحة العامة، وهذه الضوابط لا تؤدي مهمتها، إن لم تكن ضوابط أخلاقية، مبعثها النفس، ومصدرها الضمير.
ولهذا كان كل بناء أو إصلاح أو تغيير اجتماعي لا يقوم على إصلاح الأنفس وإيقاظ الضمائر، وتربية الأخلاق، أشبه ببناء على كثبان من الرمال (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11).
وسنرى فيما يلي أثر الإيمان الحي في المجتمع المؤمن، وكيف يسمو به إلى مستوى من الرقي الإنساني، تندق دونه أعناق الماديين.


الفصل الأول - الإيمان والأخلاق
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (حديث شريف رواه الترمذي).
الحيوان تكفيه غريزته
إذا تأملنا في عالم الحيوان وجدنا غريزته تكفيه في هدايته إلى تنظيم حياته وتدبير أمره، منفرداً ومجتمعاً، كما نشاهد ذلك في جماعة النمل، وكيف تعمل في تعاون واتساق لجمع أقواتها، وادخارها في جحورها إلى فصل الشتاء، حيث لا تستطيع الغدو في طلب الرزق، وأوضح من ذلك ما نراه في مملكة النحل التي تقوم دولتها على ملكة وعاملات وذكور - يقوم كل منها بدوره في الجماعة في دقة وتعاون واتساق. وذلك آية من آيات الله للمتفكرين في هذا النظام الدقيق الذي هداها الله إليه أو أوحى إليها به -وفق تعبير القران- (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (النحل: 68، 69).
ذلك شأن الغريزة في الحيوان.
غرائز الإنسان متضاربة
أما الإنسان فغرائزه متعددة متنوعة، معقدة غير سهلة، مركبة غير بسيطة، فمنها الفردي الذي يدفع إلى الأنانية والأثرة، ومنها الاجتماعي الذي يغري بالتعاون والإيثار، ومنها ما يهبط به إلى حضيض المادة، ومنها ما يسمو به إلى أفق الروح، ذلك أن الإنسان نفسه مخلوق مركب، في كيانه جزء أرضي وجزء سماوي، هو جسد وروح، شهوة وعقل، وإنسان وحيوان، وملاك وشيطان، ولذا عرفه بعض الفلاسفة -نظراً لاتصاله بعالم الروح وعالم المادة- فقال: "الإنسان مواطن في عالمين".
ويقول الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند رسل: "الإنسان أكثر تعقيداً في نزعاته ورغباته من أي حيوان آخر، وتنشأ الصعوبات التي يواجهها من هذا التعقيد، فهو ليس اجتماعياً تماماً مثل النمل والنحل، ولا هو انفرادي تماماً مثل الأسود والنمور، إنه حيوان شبه اجتماعي، وبعض نزعاته ورغباته اجتماعي، وبعضها انفرادي ويبدو الجانب الاجتماعي في طبيعته من أن الحبس الانفرادي يعتبر عقوبة بالغة الشدة، ويبدو الجانب الآخر في حبه للاستقلال بأموره الخاصة، وعدم استعداده للتحدث فيها إلى الغرباء. ولأننا لسنا اجتماعيين تماماً فنحن في حاجة إلى أخلاق، لتوحي لنا بالأهداف، وإلى قواعد أخلاقية لتفرض علينا قواعد التصرفات، والنحل -كما يبدو- ليس في حاجة إلى شيء من هذا، فهو يتصرف بما تمليه عليه مصلحة الجماعة" (من كتاب "المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة" لبرتراندرسل ص 10).
ترى ما الذي يضع للإنسان القواعد الأخلاقية السليمة الصحيحة؟
وما الذي يحدد للإنسان سلوكه المستقيم؟ ويرسم له طريقاً موصلاً إلى غاية لا عوج فيه؟ ويدفعه إلى السير في هذا الطريق القويم؟
هل هو القانون؟
أم هي الفلسفة الأخلاقية؟
أم هو الدين؟
سنحاول أن نلقي بعض الأشعة الكاشفة على كل من هذه الثلاثة:
القانون وحده لا يكفي لضبط السلوك الإنساني
أما القانون فهو أمر لابد منه لتنظيم شؤون الجماعة وتحديد علاقاتها، ولكنه لا يصلح وحده ضابطاً لسلوك البشر، لأن سلطانه على الظاهر لا على الباطن، ودائرته في العلاقات العامة لا في الشئون الخاصة. ومهمته أن يعاقب المسيء دون أن يستطيع مكافأة المحسن، على أن التحايل على القوانين ميسور، وتطويع نصوصها للأهواء مستطاع، والهرب من عقوبتها ليس بالشيء العسير، وإذا كان القانون عاجزاً عن أن يكون زاجراً عن الشر ورادعاً عن الجريمة والفساد، فإنه لأعجز وأعجز عن أن يكون دافعاً إلى خير أو باعثاً على حق أو حافزاً على عمل صالح.
ومهما افترضنا في القانون الإنساني من مطابقة العدل والحق، فإنه على كل حال ليس له قوة ذاتية وإنما قوته في "الحكومة" القائمة على رعايته وتنفيذه.
ويقول السيد جمال الدين الأفغاني في هذه الحكومة، وأنها لا تكفي في إلزام النفس حدود العدل (رسالة الرد على الدهريين، ص 72): "ليس بخاف أن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر، ورفع الظلم البين، أما الاختلاس والزور المموه والباطل المزين والفساد الملون بصبغ من الصلاح، ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه؟ وأنى يكون لها الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس ومطويات الخيانة ومستورات الغدر حتى تقوم بدفع ضرره؟
على أن الحاكم وأعوانه قد يكونون، بل كثيراً ما كانوا ويكونون ممن تملكهم الشهوات، فأي وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم من شره أولئك المتسلطين وحرصهم؟".
ويقول أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه «الدين»: "لا قيام للحياة في الجماعة إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته. وهذا القانون لا غنى له عن سلطان نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته.
ونقرر أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين، أو تدانيها في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.
"والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا في عنقه. ولا يجري في دمه ولا في عضلاته ولا في أعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكرة والعقيدة، ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية بل يتأثران بها. ( يقصد الماركسيين ).
"أجل إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية. لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.
"ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضماناً للسلام والرخاء وعوضاً عن التربية والتهذيب الديني والخلقي، ذلك لأن العلم سلاح ذو حدين يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولابد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض لا إلى الشر والفساد ذلكم الرقيب هو (العقيدة والإيمان) (من كتاب «الدين» للمرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز).
الفلسفة الأخلاقية لا تغني
وأما الفلسفة الأخلاقية فلا يمكنها توجيه الجماهير الغفيرة من الناس، إنها لا تستطيع إلا توجيه أفراد معدودين، وبتأثير محدود لا ينفذ إلى الأعماق كما ينفذ الدين.
ثم أي فلسفة أخلاقية تلك التي يتبعها الناس، وكل فيلسوف له مذهب، وكل مذهب له مقياس؟ أهي فلسفة المنفعة التي نادى بها «وليم جيمس» وغيره؟ أم فلسفة اللذة التي نادى بها «أريستيب» و «أبيقور»؟ أم فلسفة القوة التي نادى بها «نيتشة» أم فلسفة الواجب التي دعا إليها «كانت»؟
وما الجزاء الذي يناله المرء على استمساكه بفضائل أخلاقية معينة؟ أهو جزاء يقنع العقل ويرضي النفس، أم هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؟
ما جزاء الجندي المجهول الذي يعمل لخدمة المجموع دون أن يراه أحد أو يشعر به أو يكافئه؟
ما هو جزاء المضحي في سبيل أمته وأسرته، يقاتل دفاعاً فيقتل ظلماً فيموت؟ إن راحة الضمير هنا -التي يتغنى بها الأخلاقيون- ليس لها وجود.
ومن جانب آخر، ما جزاه من عاش طول عمره يظلم ويطغى، ويعب من الشهوات الحرام دون أن يشعر بتأنيب الضمير، لأن ضميره قد مات؟ إنه لا يحل هذه العقدة إلا الإيمان، إلا الدين ... الذي يقول (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8) (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (محمد: 4 - 6) (يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: 35 - 41)
الأخلاق لا الفلسفة الأخلاقية
ورفضنا للفلسفة الأخلاقية ليس رفضاً للأخلاق نفسها، فالأخلاق ملاك الفرد الفاضل، وقوام المجتمع الراقي، يبقى ويستقر ما بقيت، ويذهب ويتلاشى إن ذهبت، بل لا حياة له بغيرها:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتماً وعويلاً
وللأخلاق في نظر الدين عامة، والإسلام خاصة محل رفيع، ومكان فسيح، والقران لم يثن على خير الرسل محمد عليه السلام بأكثر من أن قال: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4) والنبي يلخص رسالته فلا يزيد أن يقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي بعلامة الصحة).
ولا عجب أن رأينا من محققي علماء الإسلام رجلاً مثل ابن القيم يقول: "الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين" (مدارج السالكين، جِ 2ص 307 ط السنة المحمدية).
وهذا مصداق ما جاء في الحديث النبوي "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح - من حديث أبي هريرة). وقال صلى الله عليه وسلم: "البر حسن الخلق" (رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان)، "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح - من حديث أبي الدرداء).
ذلك هو شأن الأخلاق في الدين وفي المجتمع … هي في الدين ركن ركين، وهي في المجتمع أساس مكين.
لا أخلاق من غير دين
غير أن الدين لا يقف عند حد الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها. إنه هو الذي يرسي قواعدها، ويحدد معالمها، ويضبط مقاييسها الكلية، ويضع الأمثلة للكثير من جزئيات السلوك، ثم يغري بالاستقامة، ويحذر من الانحراف، ويضع الأجزية مثوبة وعقوبة على كلي السلوكين نصب العين.
وقد قال الفيلسوف الألماني «فيختة»: "الأخلاق من غير دين عبث" وقال الزعيم الهندي غاندي: "إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلان الانفصال، ولا يفترقان بعضهما عن بعض، فهما وحدة لا تتجزأ، إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجو للروح، وبعبارة أخرى إن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذى الزرع وينميه".
ومنذ سنوات اطلع العالم كله على تقرير القاضي البريطاني «ديننج» عن فضائح الوزير السابق البريطاني جون بروفيمو وعشيقته كريستين كلير، وقد عكف ديننج على دواسة هذه القضية في شقته المتواضعة بلندن ثلاثة شهور لم يكن يتمتع أثناءها إلا بعطلته الأسبوعية، يقضيها في منزله بالريف البريطاني حيث تقيم زوجته. وقد قابل خلال التحقيق 180 رجلاً وامرأة واجتمع بالصحفيين، وأعضاء البرلمان وغيرهم، وقد كتب تقريره في 850 ألف كلمة، وأخيراً تكلم هذا القاضي بنزاهة، وصراحة، معقباً على هذه القضية الخطيرة فقال: بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون!
الدين هو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الأخلاق من قبيحها، والدين هو الذي يربط الإنسان بمثل أعلى يرنو إليه، ويعمل له، والدين هو الذي يحد من أنانية الفرد، ويكفكف من طغيان غرائزه، وسيطرة عاداته، ويخضعها لأهدافه ومثله، ويربي فيه الضمير الحي الذي على أساسه يرتفع صرح الأخلاق.
الإيمان والمثل الأعلى
ما هم الإنسان الذي لا دين له ولا عقيدة؟ وما غايته من وجوده؟ وما رسالته في الحياة؟
أغايته رضوان الله؟ إنه لا يؤمن به ولا يرجو له وقاراً.
أغايته الخلود والنعيم في الحياة الأبدية؟ إنه لا يؤمن بها، ولا يفكر فيها.
إنه لا هم له ولا غاية ولا رسالة إلا أن يدور في فلك نفسه، يتبع هواها ويحقق رغائبها العاجلة، ويسير خلف دوافعها أياً كانت، وفقاً لمزاجه وتكوينه الخاص.
فإن كان مزاجه من النوع الهادئ، المسالم عاش في الدنيا غافلاً عن نفسه وعما حوله، حياً كميت، وموجوداً كمفقود، لا يحس أحد بحياته ولا يترك فراغاً بعد موته.
فذاك الذي إن عاش لم يُنتفع به
وإن مات لا تبكي عليه أقاربه
وإن كان يغلب على نفسه الجانب "البهيمي" جرى وراء الشهوات واللذات، يقتحم إلى بلوغها كل حرمة، ويسلك من أجلها كل طريق، لا حياء يردعه، ولا ضمير يقمعه، ولا عقل يمنعه، يقول ما قاله أبو نواس:
إنما الدنيا طعام
وشراب ونِِدام
فإذا فاتك، هذا
فعلى الدنيا السلام
(الندام: المنادمة والمجالسة على شرب الخمر)
وإن كان مزاجه من النوع "العصبي" جعل همه العلو في الأرض، والاستكبار على الناس، وإظهار السلطة والتحكم في الرقاب، والفخر بلسانه، والاختيال بفعاله، ولم يهمه في سبيل ذلك أن يبني قصراً من جماجم البشر، وأن يزخرفه بدماء الأبرياء، شعاره ما قاله الشاعر الجاهلي:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظُلمنِِا
ولكنا سنبدأ ظالمِِِينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً
تخر له الجبابر ساجِِدينا
وإن كان يغلب عليه الجانب "الشيطاني" دبر المكايد. وفرق بين الأحبة، ووضع الألغام ليدمر، وسمم الآبار ليقتل، وعكر المياه ليصطاد، وزين الإثم، وأغرى بالفاحشة، وأوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وقال مع الشاعر:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
يرجى الفتى كيما يضر وينفعا
وكان ممن حق عليهم قول الله: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (الرعد: 25).
وهكذا يدور كل واحد من هؤلاء حيث تدور نفسه، وينقاد لأمر هواه، والهوى يعمى ويصم، والهوى إله معبود: (ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله) (القصص: 50).
أما المؤمن فإنه يعيش لرسالة كبيرة، ويعمل لهدف رفيع، ويحيا في ظل مثل عليا، يعيش لها ويموت عليها هي: القربى إلى الله، والتخلق بأخلاقه، والسعي في مرضاته. وفي سبيل مثله يكبح جماح نفسه، ويقمع طغيان هواه، ويضغط على غرائزه وشهواته، احتساباً لله وإيثاراً لما عنده، وابتغاء مرضاته، وإيماناً بحسن الثواب لديه، قد وضع نصب عينيه قول ربه جل شأنه: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله، والله بصير بالعباد * الذين يقولون: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) (آل عمران: 14 - 17).
فهذه هي الثمرات الأخلاقية للإيمان، وهذه هي صفات المؤمن التقي الذي آثر ما عند الله على شهوات الحياة: خشية من الله وحرص على رضاه ومغفرته، وصبر وصدق وقنوت وإنفاق، بلا ادعاء ولا غرور، بل شعور بالتقصير، يجعله يستغفر الله على كل حال.
إن المثل الأعلى للمؤمن أن يقترب من الله في علاه، ويحصل على مثوبته ورضاه، وهذا يجعل حياته كلها موصولة الأسباب بالله، و،جعله يحيا دائماً وهو يرجو الله والدار الآخرة، ويجعل أكبر همه أن يتخلق بأخلاق الله، وينأى بنفسه عن مشابهة الأنعام والسباع والشياطين.
ولقد زعم بعض الكاتبين أن الدين كلف الناس شططاً، بل محالاً، حين طلب إليهم أن يتخلقوا بأخلاق الله. كأنه تصور أن هذه الدعوة تعني أن يتحول الإنسان إلى إله!
وهذا وهم بعيد عن الصواب، فإن مطالبة الإنسان أن يتخلق بأخلاق الله، معناها: المحاولة الدائبة للصعود والترقي. والسعي المتواصل من قبل الإنسان ليقبس من كمال الألوهية بقدر طاقته واستعداده البشري.
إن الله عليم حكيم فليحاول الإنسان أن يتصف بالعلم والحكمة بقدر طاقته البشرية، والله رؤوف رحيم فليحاول الإنسان أن يتصف بالرأفة والرحمة بقدر طاقته البشرية، والله غنى كريم فليحاول الإنسان أن يتصف بالغنى والكرم بقدر طاقته البشرية. والله صبور حليم فليحاول الإنسان أن يتصف بالصبر والحلم بقدر طاقته البشرية. والله جبار متكبر فليحاول الإنسان أن يكون جباراً على المبطلين والطغاة متكبراً عن دنايا الأخلاق وسفاسف الأعمال.
والله عزيز ذو انتقام فليحاول الإنسان أن يكبرن عزيزاً على الكافرين وذا نقمة على المفسدين الظالمين. والله شكور غفور فليحاول الإنسان أن يكون شكورا لمن أحسن إليه، غفورا لمن اعتذر إليه، والله على صراط مستقيم فليحاول الإنسان أن يكون على صراط مستقيم حتى لا تضل به المسالك الملتوية. ولا تتفرق به السبل العوج.
والله تعالى متصف بكل كمال، متنِزه عن كل نقص، فليضع الإنسان نصب عينه أن يبرأ من النقص وأن يتصف بالكمال حسب جهده.
فأي إيحاء أكرم وأعظم تأثيراً في النفس الإنسانية من هذا الإيحاء: التخلق بأخلاق الله والاقتباس من كمال الألوهية؟ وأي مثل أعلى يداني هذا المثل الذي اتخذه المؤمن نصب عينيه: أن يقترب من الله ويوثق صلته به، عن طريق العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه؟
متاع الحياة وخطره على الأخلاق
ثم إن أخطر شيء على أخلاق الناس هو هذه الدنيا بمتاعها ومغرياتها، الدنيا بزخارفها وشهواتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة (تمثلها الآن السيارات الفارهة بمختلف أصنافها وألوانها) والأنعام والحرث.
إن الغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية. من أجل متاع الدنيا يبيع الأخ أخاه. ومن أجل متاع الدنيا يقتل الابن أباه، ومن أجلها يخون الناس الأمانات وينكثون العهود، ومن أجلها يجحد الناس الحقوق، وينسون الواجبات، ومن أجلها يبغي الناس بعضهم على بعض ويعيشون كسباع الغابة أو أسماك البحار، يفترس القوي الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير، من أجل شهوات الدنيا ومفاتنها يغش التجار ويطففون، ويتجبر الرؤساء ويستكبرون، ويجور القضاة ويرتشون، ويطغى الأغنياء ويترفون، وينافق ضعفاء النفوس ويتزلفون.
من أجل الدنيا يكتم العالم ما يعلم أنه الحق، ويفتى بما يعتقد أنه الباطل.
من أجل الدنيا يروّ?ج الصحفي الكذب والزور، ويخفي الحقائق وهي أوضح من فلق الصبح.
من أجل الدنيا يهجو الشاعر كل حليم رشيد، ويزف عرائس المديح إلى كل سكير وعربيد.
من أجل الدنيا تسفك الدماء، وتستباح الحومات، وتداس القيم، ويباع الدين والشرف والوطن والعرض وكل معنى أنساني كريم.
كل هذا من أجل الدنيا ومتاع الدنيا وشهوات الدنيا: من أجل امرأة أو كأس أو عمارة أو قطعة أرض أو منصب يصغر أو يكبر، أو دنانير تقل أو تكثر، أو حظوة لدى رئيس، أو شهرة بين الناس، أو غير ذلك من هم البطن، وشهوة الفرج، وحب الجاه والمال، وشهوة السيطرة والاستعلاء.
أجل إن حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة، فلم يكن مما ينافي الحكمة أن يزين للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ومنتهى آمالهم، شأن أولئك الذين لا يرجون لقاء الله ولا يؤمنون بيوم الحساب. وأولئك الذين يؤمنون بالآخرة ولكنهم عنها مشغولون ولها ناسون، ولهذا علمنا رسول الإسلام أن ندعو الله فنقول: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا".
إنه لابد من حب آخر وأمل آخر، أقوى من حب الحياة الدنيا ومن الأمل فيها، وليس ذلك إلا حب الآخرة والأمل في لقاء الله، والطمع في مثوبته ورضوانه، والخوف من حسابه وعذابه. إن هذه المعاني من الحب والأمل والطمع والخوف هي العواصم المنجية من أخطار المحبة للدنيا والحرص عليها والركون إليها. إنها "صمام الأمن" من خطر الإغراق والإسراف في الإقبال على شهوات الحياة.
وذلك هو دور الإيمان الذي يغمر قلب صاحبه يقينا بالآخرة ورجاء فيما عند الله. ومن هنا تكرر وصف المحسنين والمتقين في القرآن بقوله: (وهم بالآخرة هم يوقنون) (البقرة: 4 بلفظ (وبالآخرة هم يوقنون) والنمل: 3، ولقمان: 4) وفي مقابل ذلك قال في شأن الطغاة والمجرمين: (إنهم كانوا لا يرجون حساباً * وكذبوا بآياتنا كذاباً) (النبأ: 27، 28)، وفي مشهد من مشاهد الآخرة يقص علينا القرآن تساؤل المؤمنين في الجنة عن الجرمين في النار: (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين) (المدثر: 42 - 46) وقال في شأن فرعون وملئه: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (القصص: 39). ولو ظنوا أنهم إلى ربهم راجعون، وعليه معروضون ما أقدموا على ما فعلوا، من الجرائم البشعة، والمذابح الرهيبة، والمظالم القاسية.
إن المؤمن بالله والآخرة هو الذي يستطيع أن يعلو على شهوات الدنيا، وأن يطرح مغرياتها وراء ظهره، وأن يركل متاعها بقدمه ويقول لها ما قال على بن أبي طالب، رضي الله عنه: "إليك عني. يا صفراء يا بيضاء، غري غيري .. إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها"! بل يقول ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حين دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال له: يا رسول الله: لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال: "مالي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف؟ فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها" (رواه أحمد وابن حبان في صحيحة والبيهقي).
الإيمان وحده هو الذي يعطي المؤمن هدفاً أكبر من الدنيا، ويشده إلى قيم أرفع وأبقى من شهواتها.
الإيمان وحده هو الذي يعطي صاحبه القدرة على مقاومة إغراء الدنيا وفتنتها. إنه قد يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، وقد تمتلئ بها يداه، ولكن لا يمتلئ بها قلبه، ذلك أنه يعيش في الدنيا بروح المرتحل: كأنه غريب أو عابر سبيل، ومن عاش في الدنيا بهذه الروح فلا خوف عليه من امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إنه يحيا في الدنيا بقلب أهل الآخرة، ويمشي وقدمه في الأرض، وقلبه موصول بالسماء.
المؤمن وحده هو الذي امتلأ يقيناً بأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضه، وأنها قنطرة عبور إلى الحياة الباقية، وأن ركعتين خاشعتين لله عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وأن موضع قدم الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها. وحسب المؤمن أن يعلم أن أنبياء الله ورسله وأولياءه عاشوا في الدنيا معذبين مضطهدين وأن أعداءه وأعداء رسله من الكفرة والمكذبين والملحدين كثيراً ما عاشوا منعمين مترفين.
(ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبواباً وسرراً عيها يتكئون * وزخرفاً، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين) (الزخرف: 33 - 35).
ليس معنى هذا أن يقعد المؤمن عن السعي في الحياة، أو يحرم على نفسه طيباتها، أو يدع عجلتها لقيادة الكفار والفجار.
كلا، إنه مأمور أن يعمر الدنيا، وأن ينميها ويرقيها، مأمور أن يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله فيها، وينعم بطيباتها، ويسخرها لخدمة رسالته وعقيدته. وأن يكون فيها سيداً لا عبداً.
إن الاستعلاء على متاع الدنيا والاستكبار على شهواتها ومغرياتها، ليس معناه أبداً تحريم طيباتها، أو تعطيل مصالحها، أو تعويق سيرها، إنما المقصود أن تكون الآخرة مراد المؤمن وغاية سعيه، فلا يكون ممن يريد حرث الدنيا، ممن يريد العاجلة ... ممن وصفه القرآن بأنه (طغى * وآثر الحياة الدنيا) (النازعات: 37، 38)، وخاطب الرسول في شأنه بقوله: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: 29، 30).
بل يجب أن يكون المؤمن ممن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، واتخذ الدنيا وسيلة لا غاية، وممراً لا مقراً.
إن الذي لا يوقن بالآخرة يقيناً جازماً، يصعب فطامه عن شهواته، وصرفه عن مجونه ولذاته، لأنه لا يرضى أن يبيع لذة حاضرة يقينية، من أجل لذة آجلة مشكوك في وقوعها عنده.
فلا نعجب إذا سمعنا مثل عمر الخيام يقول ما ترجمته بالعربية:
قالوا: امتنع عن شرب بنت الكروم
فإنها تورث نار الجحيِِم!
ولذتي في شِربهِِا سِاعِِة
تعدل في عيني جنان النعيم!
ويقول:
أين النديم السمح؟ أين الصبوح؟
فقد أمض الهم قلبي الجريح!
ثِلاثِِِة هِن أحب المنى
كأس وأنغام ووجه صبيح!
وإنما قال هذا الرجل ما قال، لغلبة شكه على يقينه، ولو أيقن بالآخرة حقاً، لهانت الكأس والأنغام والوجه الصبيح وهانت الدنيا كلها، في جنب ثواب الله تعالى ورضوانه.
إن الإيمان قوة قاهرة غلابة، أقوى من الغرائز والشهوات، وأقوى من سلطان العادات، وأقوى من كل المؤثرات.
سلطان الغريزة وسلطان الإيمان
لا ريب أن للغرائز في دفع الإنسان سلطاناً لا ينكر، ولكن المثل العليا التي يعيش لها المؤمن تعلو به على الغرائز وسلطانها (أصبح علماء النفس اليوم لا يستحسنون كلمة «الغرائز» ويستعملون بدلها «الدوافع النفسية» ولكنا آثرنا كلمة الغرائز لشيوعها وظهور معناها لدى جمهور الناس ولا مشاحة في الاصطلاح).
والغريزة الجنسية بخاصة لعلها أعتى الغرائز وأقواها، حتى أن في علماء النفس من فسر بها السلوك البشرى كله، مثل «فرويد»: وهو تفسير حيواني يتجاهل غرائز الإنسان الأخرى، وسائر ملكاته الروحية ودوافعه النفسية - وليس هنا موضع مناقشته (راجع كتاب «الإنسان بين المادية والإسلام» لمحمد قطب).
وفي الشباب تتجلى هذه الغريزة على أشدها، فالشباب شعلة متوهجة لعظم طاقته الحيوية، وقوة دوافعه النفسية، وقلة علمه وتجاربه في الحياة، بجانب أحلامه وخيالاته الكثيرة، فماذا يمنع الشاب الناضر الفتوة، القوى الغريزة أن يقضي شهوة جنسية مع امرأة لا تحل له إذا تيسرت له أسبابها، وتهيأت وسائلها دون خشية من عقاب أو قانون أو أعين الناس؟
لا شيء يمنعه إلا الإيمان .. هذا ما حدث ليوسف عليه السلام: شاب في ريعان الشباب، مكتمل الرجولة، رائع الفتوة، تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب وجمال، ليست من عامة الناس ولكنها امرأة العزيز الذي هو في بيتها وهو عبدها وخادمها، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة، كما حكى القرآن: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك) (يوسف: 23).
فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء، وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار!
ألانت قناته فاستسلم وخان عرضاً اؤتمن عليه؟ كلا .. إنما قال: (معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي! إنه لا يفلح الظالمون) (يوسف: 23).
ولقد حاولت المرأة بكيدها ومكرها وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابته وتضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك لنسوتها في ضيق وغيظ: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) (يوسف: 32).
ولكن الشاب يوسف اتجه إلى الله يسأله المعونة والعصمة: (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) (يوسف: 33).
كانت فتنة بين ضمير المؤمن، ومغريات الإثم، ففشلت المغريات وانتصر الإيمان.
والغريزة من شأنها أن تطلب متنفساً، فإن طال حبسها خيف عليها الانفجار ما لم يحجزها سد الإيمان.
وهذه امرأة يغيب عنها زوجها فترة طويلة من الزمن، فتخيم عليها كآبة الوحشة، وتهجم عليها هواجس الوحدة، ويثور في عرقها دم الأنوثة، وينطق فيها صوت الغريزة فلا يصده إلا حاجز الإيمان، وفي جذع الليل باتت تنشد:
لقد طال هذا الليل واسود جانبه
وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوا الله لولا الله تخشى عواقبِه
لحرك من هذا السرير جوانبه
وغريزة المقاتلة التي عبر عنها الأقدمون، بالقوة الغضبية، أو القوة السبعية، والتي تثير الإنسان أن يرد الصاع صاعين، وتدفعه إلى التدمير والانتقام، وبها يبدو كالوحش الهائج، أو الإعصار المدمر. جمرة من النار يلقيها شيطان الغضب في جوفه فتنتفخ أوداجه، وتحمر عيناه، ويبدو كأن له مخالب وأنياباً؟
ما الذي يقلم أظافر هذه الغريزة، ويلقي على هذه الجمرة المتقدة ماء الهدوء السلام؟
إنه الإيمان الذي يحمل المؤمن أن يكظم الغيظ، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من جهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويجعله يحس في مرارة جرعة الغيظ، حلاوة يجدها في صدره.
وقد قص علينا القرآن قصة ابني آدم بالحق: (إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) (المائدة: 27) فما كان من ابن آدم الشرير إلا أن قال لأخيه: (لأقتلنك) (المائدة: 27) قال المؤمن الصالح: (إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين) (المائدة: 27، 28).
خوف الله إذن هو الذي يكف الأيدي أن تمتد بالأذى، وإن التهبت الغريزة، ودفعت إلى العدوان. وقد قال عمر: "من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون".
وكلم رجل يوماً عمر بن عبد العزيز، فأساء إليه حتى أغضبه -وهو أمير المؤمنين- فهمّ به عمر، ثم أمسك نفسه وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله مني غداً؟ -أي في الآخرة- قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك.
الإيمان ينتصر على الأنانية
وغريزة الأنانية أو حب الذات غريزة عاتية جبارة، لا يكاد يخلو بشر من سلطانها عليه، وقوة دفعها له، وتوجيهها لسلوكه. وأنك لترى الناس تدفعهم الأنانية إلى التنافس على الدنيا ومتاعها، ويدفعهم التنافس إلى التنازع والاختصام، ويدفعهم ذلك إلى ادعاء ما ليس لهم، وجحود ما عليهم من حق، وأكل أموال الناس بالباطل، وعندما يطل شيطان الخصومة برأسه لا يكون إلا حب الغلب بأي ثمن، وأية وسيلة.
ولكن عنصر الإيمان إذا دخل المعركة أطفأ لهب الخصومة، فصارت نارها برداً وسلاماً، وحطم طغيان الأنانية فاستحالت تسامحاً وإيثاراً، وحلق بالمؤمن من المتاع الأدنى إلى المثل الأعلى.
وفي القصة التي روتها أم سلمة زوج الرسول مثل واضح على مبلغ أثر الإيمان: رجلان يختصمان في مواريث وليس لهما بينة إلا دعواها، كلاهما يقول: هذا حقي، وينكر على صاحبه أن يكون له حق .. ويحتكم الرجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صدر كل منهما فرديته وأنانيته، فيصدع الرسول آذانهما وقلبيهما بهذه الكلمات الحية: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار".
سمع الرجلان المختصمان هذه الكلمات الهادرة، فلمست أوتار الإيمان من صدريهما، وأيقظت فيهما خشية الله والدار الآخرة، فبكى الرجلان، وقال كل منهما لصاحبه: حقي لك!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إذ فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما. ثم تحالا" (القصة في كتاب «الأقضية» من سنن أبي داوود) (أي ليحل كل منكما صاحبه وليسامحه فيما عسى أن يكون حقه).
هنا كانت كلمة الإيمان، وكلمة الضمير الذي أيقظه الإيمان، هي القول الفصل، والقضاء العدل في قضية يعجز القانون المجرد، والقضاء الظاهر، عن معرفة الحق فيها مادام الطرفان متنازعين، ولا بينة لأحدهما.
وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه قصة رجلين مؤمنين، ضربهما مثلاً لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من العفاف والزهد والإيثار قال: "اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشتري العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال للذي اشترى العقار منه: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب.
فقال الآخر: إنما بعتك الأرض وما فيها!
قال صلى الله عليه وسلم: فتحاكما إلى رجل .. فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟
فقال أحدهما: لي غلام.
وقال الآخر: لي جارية.
فقال الحكم : أنكحوا الغلام الجارية: وأنفقوا على أنفسكم منه وتصدقا" (القصة رواها مسلم في صحيحه).
وهكذا يرى الناس لوناً ممتازاً من النفوس: رجلان وأمامهما جرة فيها ذهب لا يتقاتلان عليها. ولكن يتدافعانها، يقول كل منهما لصاحبه: هي لك .. على حين نرى الإنسان دائماً يقول: هذا لي!
سلطان العادة وسلطان الإيمان
هكذا يقف الإيمان القوي أمام طغيان الغرائز الإنسانية فيكفكف من غلوائها، ويحد من شرها، ويقوّ?م من انحرافها، ويوجهها وجهة الخير والسداد والصلاح، ولكن الإنسان لا يخضع لسلطان الغريزة وحدها. وإنما يؤثر فيه -وراء الغرائز- شيء آخر، له سلطانه القاهر، وكلمته النافذة، ذلك الشيء هو العادة.
والعادة تتكون من ميل الإنسان إلى شيء ما، ثم استجابته لهذا الميل، وفعله لهذا الشيء، ثم تكراره لهذا الفعل مرة بعد مرة، ويوما بعد يوم: حتى ترتبط بأعصابه، وتخط فيها مجرى يختلف في سعته وعمقه تبعاً لقوة العادة وضعفها، ويؤدي هذا الفعل بعد ذلك بيسر وسهولة، أداء يكاد يكون آلياً، ليس فيه إلا قليل من الانتباه والتفكير، ويصبح الامتناع عن هذا الأمر -بعد أن صار عادة- من الصعوبة بمكان.
سلطان العادة وقوتها
ولقد قال بعض الباحثين: "إن الإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض" وقال روسو: "يولد الإنسان ويموت مسترقاً مستعبداً، يشد عليه القماط يوم يولد، والكفن يوم يموت" يريد أنه -فيما بين المهد واللحد- أسير للعادات، مستعبد للتقاليد.
وقال القدماء: "العادة طبيعة ثانية" يعنون بذلك أن لها من القوة ما يقرب من "الطبيعة الأولى" والطبيعة الأولى هي ما ولد عليه الإنسان وفطر عليه. فكل إنسان خرج من هذا العالم كآلة مجهزة بكثير من العدد: عين تبصر، وأذن تسمع، ومعدة تهضم، وغرائز فطرية .. وهكذا. فهذا الذي ولدنا عليه وورثناه من آبائنا وأجدادنا هو: طبيعتنا الأولى، ولها سلطان كبير على الإنسان، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع، فهو لابد خاضع لسلطانها.
وما يدخله الإنسان على الطبيعة الأولى من التحسين والتقبيح هو ما يسمى "الطبيعة الثانية" أو "العادة" ولها كذلك سلطان كبير. فالطريق الذي نختطه لأنفسنا في الحياة، ونعتاد السير فيه، له من السلطان علينا ما يقرب من سلطان الطبيعة، فنحن أحرار في السنين الأولى من حياتنا، لا سلطان للعادة علينا، حتى إذا نمونا كان نحو التسعين في المائة من أعمالنا -من لبس وخلع وطريقة أكل وشرب ونمط في الكلام والسلام والمشي والمعاملة- معتاداً، نعمله بقليل من الفكر والانتباه ويصعب علينا العدول عنه، وتصبح حياتنا مجرد تكرير لأفكار وأعمال كسبناها في مقتبل الحياة".
ذلك هو مبلغ سلطان العادة على الإنسان -فرداً كان أو جماعة- فإذا كانت عاداته صالحة فما أسعده بها، وإن كانت عاداته قبيحة ضارة فما أتعسه وما أشقاه بها! إنه يأكل الشيء الذي يضر جسمه، ويشرب الشيء الذي يغيب عقله، ويلبس الشيء الذي يضايقه ويخنقه، ويرتكب الشيء الذي يستقبحه ويستهجنه. وما ذلك إلا لسلطان العادة عليه، وغلبتها على عقله وإرادته: وحسبنا دليلاً على هذا ما نراه بأعيننا في المدمنين لشرب المسكرات، وتناول الكيوف والمخدرات، ولعب الميسر والقمار.
سلطان الإيمان أقوى
وللتخلص من عادة متمكنة لابد من إعلان حرب عليها: حرب ساخنة ملتهبة، لا ينتصر فيها إلا من تسلح بإرادة قوية، وعزم فولاذي لا يتزعزع ولا يلين، وتصميم على الانتصار لا يشوبه يأس أو تردد أو تراخ.
هذا هو سبيل الانتصار على العادات الضارة المنتشرة في مجتمع من المجتمعات، لا العقوبات القاسية، أو القوانين الرادعة وحدها. وكم رأينا في القديم والحديث من قوانين وعقوبات ارتدت مدحورة أمام جبروت العادات.
ومن لنا بالعزم والتصميم الذي يقهر العادة ويدحرها؟ إنه الإيمان الذي يشحذ العزائم، ويسمو بالنفوس ويمدها بقوى المقاومة والجلاد الباسل، فتخر أمامها أسوار العادات والتقاليد.
تحريم الخمر بين الولايات المتحدة وأمة العرب
ولكي يتضح لنا أثر الإيمان في تغيير العادات المتمكنة، وتربية النفوس على عمل الخير وإن كان شاقاً، وترك الشر وان كان مألوفاً ومعتادا - نقيم موازنة بين موقفين في مشكلة واحدة: موقف من التاريخ الحديث، وموقف من التاريخ القديم، يصوران لنا كيف يصنع وازع الإيمان ما يعجز عنه وازع السلطان.
الموقف الأول في الولايات المتحدة الأمريكية ... وقد انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشاراً أقنع الحكومة بضرر ذلك على الفرد والأسرة والمجتمع، فأصدرت الحكومة قانوناً يمنع الخمر، ثم تبين لوا بعد مدة يسيرة أنها عاجزة تمام العجز عن تنفيذ قانونها، وأن أفراداً وجماعات أخذوا يعيثون في الأرض فساداً بتعاطي الخمور وتدريبها والاتجار بها، والتفنن في صناعتها على استخفاء، واستحضار أخبث أنواعها أكثر من ذي قبل.
ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن هذا الحظر لم يكن (أمراً ملكياً) أو منشوراً من إمبراطور مستبد أراد أن يرغم شعبه بسلطان القوة، وقوة السلطان.
كلا ... إنه تشريع جاء عن طريق برلمان في بلد ديمقراطي دستوري حر، من شأنه أن يشرع لنفسه ما يجلب له النفع، ويدرأ عنه الفساد والضرر وقد شرع هذا القانون بعد أن اقتنع به الرأي العام وتحقق له من الوجهة العلمية والعملية أن الخمر ضارة بالصحة، مفسدة للعقل، محطمة للحضارة.
فحوالي عام 1918ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي. وفي عام 1919أدخل في الدستور الأمريكي تحت عنوان "التعديل الثامن عشر" وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد).
وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الدولة وإمكاناتها الضخمة:
1.      جند الأسطول كله لمراقبة الشواطئ، منعاً للتهريب.
2.      جند الطيران لمراقبة الجو.
3.      شغلت أجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر، وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها.
ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً 60,000,000 من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة 10,000,000,000، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة أربعة عشر عاماً_ لا يقل عن 250,000,000 مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد أعدم في هذه المدة 300 ثلاثمائة نفس، وسجن 532,335 نفس، وبلغت الغرامات 16,000,000 ستة عشر مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما بلغ 404,000,000 أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراماً بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933الى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة (ذكر هذه الإحصاءات الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه «تنقيحات» وعنه نقلها الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» ص 177هامش).
هذه هي نهاية المطاف، وهذا هو ختام القصة:
فشل كامل لأمر الحظر ... وسقوط قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونجرس عام 1932.
وذلك هو الموجز التاريخي للمأساة التشريعية بأكملها ... تلك التي سميت في تاريخ الأمة الأمريكية (عهد التحريم).
لقد فشل القانون، وعجزت السلطات، وأفلست أجهزة الدولة، في منع الخمر ومحاربة السكيرين، برغم الاقتناع العقلي الذي كان سائداً في الأمة بضرر الخمر، ولكن الاقتناع العقلي شيء وعمل الإرادة شيء آخر.
ولقد قال أحد الكتاب الغربيين بحق: "إن طلب شيء في تصميم وقوة يتطلب روحاً من التعبد والتقشف، أي تكريس الحياة لبلوغ مثل أعلى واحد، اختاره الإنسان بعناية وتفطن ... إن الإرادة تغلب دائماً الثقافة، حينما تكون الثقافة لا المبادئ الدينية هي التي يرتكز عليها تصميم المرء ونشاطه ومدده الروحاني"
فشلت الأساطيل ونجح الإيمان
هذا موقف، والموقف الآخر من تاريخنا العربي الإسلامي القديم:
فقد بعث محمد رسول الله وللخمر في المجتمع العربي سريان وانتشار. تجري من نفوس أبنائه مجرى الدم، يتمدحون بشربها، ويفتنون في وصفها ووصف مجالسها وندمائها وأقداحها، ويصور شاعرهم مدى تعلقه بها فيقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولم يستطع امرؤ القيس الشاعر المعروف -وقد بلغه قتل أبيه- أن يدع الكأس من يده، ويفارق مجلس ندمائه بل قال كلمته المشهورة: "اليوم خمر وغداً أمر".
ولم يعرف المجتمع الجاهلي إلا أفراداً معدودين على الأصابع عافوا شرب الخمر مروءة وسجل لهم ذلك التاريخ كمأثرة نادرة، كزيد بن عمرو بن نفيل.
ومما يدل على اهتمامهم بالخمر أنهم وضعوا للتعبير عنها أسماء كثيرة، وكنايات مختلفة، وألقاباً متعددة - المدامة، السلافة، الراح، الصهباء، ابنة العنقود، ابنة الكرم، بنت الحان، بنت الدنان ... إلى آخر الأسماء التي بلغت أكثر من مائة ("حلية الكميت" للنواجي ص 6وما بعدها).
كما أن تجارتها عندهم كانت في نماء وازدهار.
ومن أدلة شغفهم بها، وتمكنها من نفوسهم، أن كثيراً من الصحابة بعد أن نزلت الآيتان الأوليان في شأن الخمر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) (البقرة: 219)، و (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) (النساء: 43) ولم يكن التحريم فيهما صريحاً حاسماً، لم يزالوا يشربون الخمر مادام في النص متسع لهم.
ذلك أن الإسلام تدرج معهم في تحريم الخمر -رفقاً بهم وتيسيراً عليهم- حتى نزلت آية المائدة الصريحة القاطعة: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (المائدة: 90، 91).
وهنا رأينا العجب ... رأينا الرجل يحطم كأسه، ويسفك ما عنده من خمر في الطريق حتى تفيض طرقات المدينة بما كان عند الناس منها.
عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به" (وذلك قبل التحريم النهائي) قال أبو سعيد: فما لبثنا إلا يسيراً، حتى قال: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية -يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع"، قال أبو سعيد: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها -أي صبوها وأسالوها- (رواه مسلم).
وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت ... فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها ... فأهرقها. (متفق عليه).
وعن أبي موسى الأشعري قال:
بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة -أي حلالاً- إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) (المائدة: 90) - إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) (المائدة: 91) فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم ... قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء ... فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا ... انتهينا ربنا، (رواه الطبري في تفسير آية المائدة).
فهل رأت البشرية مثل هذا انتصاراً على النفس، وسرعة في الاستجابة، وقوة في الانقياد للأمر مهما يكن مخالفاً للعادات، مصادماً للشهوات؟
الضمير ومكانة الأخلاق
في أعماق النفس الإنسانية قوة خفية لا تشاهد بالعين، ولا ترى بالمجهر، ولا يعرفها التشريح والفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)، إنها قوة معنوية يحسها الإنسان في حناياه تهديه إلى الواجب كأنها كشاف ينير له الطريق، وتنجذب به إلى الخير كأنها الإبرة الممغنطة تجذب دائماً نحو الشمال، وتدفعه عن الشر كأنها صوت الأب يحذر ولده، أو الأستاذ ينصح تلميذه، فإذا خالف ما تأمر به أو اقترف ما تحذر كانت هذه القوة محكمة تقضي له أو عليه. تقضي له بالراحة والسرور والطمأنينة، أو تحكم عليه بالألم والقلق والعذاب.
هذه القوة الكاشفة الهادية، الآمرة الناهية، المحذرة المحرضة، الحاكمة المنفذة. هي التي سماها علماء الأخلاق "الضمير" وسماها بعضهم "الوجدان" وسماها الإسلام "القلب" وقال الرسول لمن جاء يسأله عن البر والإثم: "البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون" وفي حديث آخر: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".
إنها قوة تسبق العمل وتقارنه وتلحقه، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب والتحذير من المعصية، وتقارنه بالتشجيع على إتمام العمل الصالح، والكف عن العمل السيء وتلحقه بالارتياح والسرور عند الطاعة والإحساس بالألم والوخز عند العصيان.
هذا الضمير أو "الوجدان" أو "القلب" هو عماد الأخلاق، وركيزتها الأولى، فهو -كما رأينا- يهدي إلى ما تشابه منها، ويرغب في خيرها، ويزع عن شرها - ويقف ديدبانا يقظاً على حراستها.
والمجتمع -أي مجتمع- لا يرقى وينتظم ويسعد بسن القوانين، وإصدار القرارات وتنظيم اللوائح، ويقظة رجال السلطة. وإن كان لا يستغني عن ذلك كله - وإنما يرقى وينتظم ويسعد، بوجود القلوب الحية، وتوافر الضمائر اليقظة بين أبنائه. ومن الحكم المشهورة: "العدل ليس في نص القانون، وإنما هو في ضمير القاضي".
هذه أهمية الضمير بالنسبة لمن يقضي ويحكم، أما المحكومون بالقانون فقد قال قائلهم:
لن يصلح القانون فينا رادعاً
حتى نكون ذوى ضمائر تردع
أثر الإيمان في تكوين الضمير
والإيمان -بلا ريب- هو أعظم مدد للضمير، وأقوى «مولّ?د» يغذيه ويمده «بالتيار» الذي يمنحه الضوء والحرارة والقوة المحركة.
فعقيدة المؤمن في الله أولاً. وعقيدته في الحساب والجزاء ثانياً. تجعل ضميره في حياة دائماً وفي صحو أبداً.
إنه يعتقد أن الله معه حيث كان، في السفر أو في الحضر، في الجلوة أو في الخلوة، لا يخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر ولا علانية: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم) (المجادلة: 7)، (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (يونس: 61). وقد كان المشركون يأتمرون برسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل الوحي من الله يفضح سترهم، ويكشف أمرهم فقال بعضهم لبعض: غضوا أصواتكم حتى لا يسمعنا إله محمد! فنزل قول الله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك: 13، 14).
ويعتقد المؤمن لذلك أنه محاسب يوم القيامة على عمله، مجزى به إن خيراً أو شراً فما تقدم من عمل لم يذهب بذهاب أيامه، بل كتبه «قلم التسجيل» الإلهي، الذي يحصي له وعليه الصغيرة والكبيرة: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (سورة ق: 17، 18)، (وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون) (الانفطار: 10 - 12)، (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، بلى ورسلنا لديهم يكتبون) (الزخرف: 80).
وهذه السجلات الوافية لن يضيعها الإهمال، أو يمحوها مرور الزمان إنها ستحفظ عند الله حتى يتلقاها صاحبها يوم الجزاء: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) (الإسراء: 13، 14).
وحينذاك يجد ما كان يحسبه هيناً وهو عند الله عظيم، ويذكر من الأعمال ما كان ناسياً: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف: 49) (يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد) (المجادلة: 6).
هناك توزن الأعمال من خير أو شر، من حسنات وسيئات، بميزان إلهي دقيق لا يعرف كنهه ولا كيفيته، ثم الحساب الإلهي العادل: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء: 47)، (والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) (الأعراف: 8، 9).
وبعد ذلك. فريق في الجنة وفريق في السعير: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً) (النساء: 173).
بهذه العقيدة في الله، وفي الجزاء في الآخرة يصبح المؤمن ويمسي مراقباً لربه محاسباً لنفسه، متيقظاً لأمره متدبراً في عاقبته، لا يظلم ولا يخون، لا يتطاول ولا يستكبر، لا يجحد ما عليه. ولا يدعى ما ليس له، لا يفعل اليوم ما يخاف من حسابه غداً، ولا يعمل في السر ما يستحي منه في العلانية، يقول ما قال الصوفي الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل
خلوت، ولكن قل: علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعِِة
ولا أن ما تخفيه، عنه يغيِِب
وسئل بعضهم عن قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه) (البينة: 8) فقال: معناه: لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده.
وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.
وسئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ قال: بخمس .. استقامة ليس فيما روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة لله في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تُحاسب.
إن الضمير الذي يربيه الإيمان برقابة الله وبحساب الآخرة ضمير حي يقظ مرهف الحساسية. يحاسب المؤمن قبل أن يقوم على العمل: ماذا تعمل، ولماذا تعمل، ولمن تعمل، ويحاسبه بعد العمل: ماذا عملت؟ ولماذا عملت؟ وكيف عملت؟ هو قاض مستعجل يصدر حكمه سريعاً بالمثوبة أو العقوبة، وليست عقوبته مقصورة على الوخز النفسي واللذع المعنوي، إنه أحياناً يقرر عقوبات مادية أيضاً.
قال الحسن البصري في قوله تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) (القيامة: 2) قال: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه.
وقال أيضاً: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة -ثم فسر المحاسبة فقال-: المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول: والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات. حيل بيني وبينك -وهذا حساب قبل العمل- ثم قال: ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه فيقول: ماذا أردت بهذا، والله لا أعذر بهذا، والله لا أعود إلى هذا أبداً إن شاء الله -وهذا حساب بعد العمل.
قال مالك بن دينار: رحم الله امرءاً قال لنفسه: الست صاحبة كذا؟ الست صاحبة كذا؟. ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان له قائداً.
وقال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمراتها، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها .. ثم مثلت في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها .. ثم قلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ قالت : أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحاً، قال: فأنت في الأمنية فاعملي!!
وهذه طريقة اتخذها الرجل في إيقاظ نفسه، وإن شئت فقل: في إحياء ضميره. لقد تخيل المتوقع واقعاً والغائب حاضراً، ثم قال لنفسه بعد أن عرض عليها الصورتين: تخيري واعملي!!
وهناك طريقة أخرى كان الأحنف بن قيس يصطنعها ليذكر نفسه بنار الآخرة وعذابها. كان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا.
ومن أساليب محاسبة النفس ما روي عن توبة الصمة وكان محاسباً لنفسه أنه حاسبها يوماً، فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي؟ ألقى الله بأحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب!
ومن الأمثلة لأحكام العقوبة التي يصدرها ضمير المؤمن، فيتقبلها ويسرع إلى تنفيذها، ما روي عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه أنه أشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه (بستانه) فتصدق بالحائط كفارة لذلك.
أثر الضمير الديني في مجالات الحياة
هذا هو أثر الإيمان في تكوين ضمير المؤمن وتغذيته وتعهده، وهذا الضمير الديني هو الركيزة الأولى للأخلاق وهو الأساس الأصيل لحياة اجتماعية فاضلة، حلم بها الفلاسفة صوراً في الخيال ترسم، أو نماذج على الورق تكتب، وجعلها الإيمان واقعاً يمشي على الأرض بين الناس.
وأمامنا أمثلة لذلك في مجالات شتى:
في أداء الحقوق المالية
تفرض القوانين التي وضعها البشر لأنفسهم، أو يضعها لهم جماعة منهم ضرائب على أهل المال منهم لقاء ما تقدم لهم الدولة من خدمات، وأداء لما يجب عليهم من مشاركة في أعباء الأمة وواجباتها، ولكنا نجدهم يتهربون من أدائها بكل وسيلة، ويتحايلون على التخلص من التزامها بكل سبيل!!
وازن هذا بالزكاة في الإسلام، تلك الضريبة التي فرضها الإيمان عبادة على المسلم، يتقرب بها إلى مولاه، ويقدمها طيب النفس، راضي القلب، داعياً ربه "اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً" محاولاً أن تكون من أطيب ما عنده وأفضله، يحاسب نفسه قبل حساب جباتها -العاملين عليها- وقد يبذل أكثر مما يطلب منه موقناً أن ما عنده ينفد وما عند الله باق.
عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً -أي جابيا للزكاة- فمررت برجل، فلما جمع لي ماله -من الأنعام- لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض.
فقلت له: أد ابنة مخاض، فإنها صدقتك..
فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر (أي لا يقدر أن يركب ويحمل عليه) ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها.
فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل .. فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته.
قال: فإني فاعل.
فخرج معي، وخرج بالناقة التي عرض على حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله: أتاني رسول ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض، وذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى علي. وها هي ذي .. قد جئتك بها يا رسول الله. خذها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير أجرك الله فيه وقبلناه منك.
قال: فها هي ذي يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك بها فخذها.
قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها .. ودعا في ماله بالبركة. (رواه أبو داوود).
في الاعتراف بالجريمة وتحمل العقوبة
ويفرض القانون عقوبات مادية رادعة على من يرتكبون الجرائم، ولكن المخالفين للقانون يحاولون الفرار من قبضتيه، والتفلت من دائرة سلطانه، وفي غفلة من القانون والرقباء عليه، يقدمون على أعمالهم، مستخفين عن الأعين، أو ظاهرين وقد ألبسوا عملهم الآثم ثوب القانون أو مستندين إلى ذي سلطان يشفع لهم، أو يحمي ظهرهم، إلى آخر ما نعرف عن صور التفلت من يد القانون.
فإذا نظرنا إلى ما يفرضه قانون الإيمان على صاحبه وجدنا صورة أخرى، ومنطقاً آخر، وجدنا المؤمن إذا زلت قدمه فاقترف جرماً -وهو بطبيعته بشر يخطئ ويصيب- سرعان ما يستيقظ ضميره، ويدفعه دفعاً حتى يذهب إلى يد العدالة، فيعترف بالجريمة ويطلب العقوبة لنفسه تطهيراً من آثام الإثم، وأوزار العصيان، ورجاء في أن تكون كفارة له عن ذنبه، وشفيعاً له إلى ربه، لا يمنعه من الاعتراف أن فيه جلد ظهره أو قطع يده أو إزهاق روحه.
فهذا رجل عربي -هو ماعز بن مالك- يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله، ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فيقول له : لعلك لامست؟ لعلك قبلت! لعلك فاخذت! ويرد الرجل مرة ومرة ومرة، والرجل مصر على الاعتراف بخطيئته، مصر على التطهر منها بإقامة حد الله عليه، ولو كان الرجم بالحجر، ويأمر الرسول أخيراً إقامة الحد عليه، فيتقبله صابراً محتسباً، راغباً في عفو الله ومغفرته.
وهذه امرأة أعرابية تعرف بالغامدية، تزني ويضطرب في أحشائها جنين من الزنا، فيأتي عليها ضميرها المؤمن -وقد ارتكبت الفاحشة سراً- إلا أن تتطهر منها جهاراً.
وجاءت رسول الله تقول له: إني قد زنيت فطهرني؟ فيردها الرسول فتأتي في الغد فتقول: يا رسول الله .. لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً .. فو الله إني لحبلى!!
فيقول لها: أما لا .. فاذهبي حتى تلدي.
وتذهب المرأة تنتظر الوضع، وتمضي عليها الأيام والأشهر دون أن تخبو جذوة ضميرها. فما أن ولدت حتى أتت بالصبي في خرقة، وقالت للرسول: ها قد ولدته.
قال لها: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه.
وتعود المرأة إلى دارها ترضع ولدها، وتمضي مدة الرضاع -وهي في العادة حولان كاملان- أربعة وعشرون شهراً لم يستطع اختلاف الليل والنهار فيها أن ينسي المرأة ما ارتكبت من خطيئة.
وبغير إعلان من محكمة، ولا تنبيه من حاكم، ولا حراسة من شرطي ترجع المرأة إلى رسول القوانين طائعة مختارة، لتلقى مصيرها الذي رضيته لنفسها فتقدم إليه الصبي وفي يده كسرة من الخبز، وتقول: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام.
ولم يجد النبي بداً بعد هذا أن أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد، فسبها .. فسمع نبي الله سبه إياها .. فقال: "مهلا يا خالد، فو الذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى!" (القصة رواها مسلم).
في رعاية القوانين والأمانات
أصدر عمر بن الخطاب قانوناً يمنع غش اللبن يخلط بالماء .. ولكن هل تستطيع عين القانون أن ترى كل مخالف؟ وهل تستطيع يده أن تقبض على كل غاش!
القانون أعجز من هذا..
الإيمان هو الذي يعمل عمله في هذا المجال.
وهنا تحكى القصة المشهورة حكاية الأم وابنتها: الأم تريد أن تخلط اللبن طمعاً في زيادة الربح، والبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين.
الأم تقول: أين نحن من أمير المؤمنين؟! إنه لا يرانا..
وترد الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا!!
وروى الطبري: لما هبط المسلمون (المدائن) وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه. فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه!!
فقالوا له: أخذت شيئاً؟
فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به..
فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟
فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه .. فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه .. فسأل عنه فإذا هو (عامر بن عبد قيس).
وقد نقل إلى عمر كثير من الغنائم التي يخف حملها ويغلو ثمنها، أداها بأنفسهم جنود مخلصون لوجه الله لا يريدون جزاءاً ولا شكوراً، فقال في إعجاب وتقدير: إن قوماً أدوا هذا لأمناء!
وقال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرسنا في بعض الطريق فانحدر بنا راع من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم.
فقال: إني مملوك.
فقال -اختباراً له-: قل لسيدك أكلها الذئب.
فقال الراعي: فأين الله؟
فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
في السياسة والحكم
أما في مجال السياسة والحكم -وهو المجال الذي يغري بالحيف والغرور والطغيان- فقد قص علينا التاريخ أمثلة شامخة لخلفائنا المهديين، في العدالة الكاملة التي لا تتحيز لقريب أو تتحيف على عدو، وفي المساواة القانونية التي لا تعرف الفوارق، وفي الزهد الذي يعرض عن الدنيا وفي يده البيضاء والصفراء، والقوة والسلطان. لقد كان "الضمير" المؤمن هو الذي يحكم ويسود، فسادت الفضيلة وسادت العدالة والمساواة، ذلك الضمير الذي جعل خليفة كعمر يدخل حائطاً لقضاه حاجة فيسمعه أنس يقول -وبينهما جدار الحائط-: عمر بن الخطاب أمير لمؤمنين!! بخ بخ!! والله لتتقين الله بني الخطاب، أو ليعذبنك!!
هذا الضمير هو الذي جعله في عام المجاعة المعروف «بعام الرمادة» لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى أسود جلده، فيكلمه بعض الصحابة في ذلك، فيقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع!
ورأى يوماً فتاة صغيرة تتمايل من الجوع. فقال: من هذه؟ فقال ابنه عبد الله: هذه ابنتي. قال: فما بالها؟. قال: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد الله، بيني وبينكم كتاب الله، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم. أتريدون مني أن أعطيكم ما ليس لكم فأعود خائنا؟!
قال ابن كثير (في كتاب "البداية والنهاية") بعد أن ذكر أعمال عمر الجليلة وفتوحاته العظيمة: "وكان متواضعاً في الله، خشن العيش خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم -أي الجلد- ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عرياً، والبعير مخطوماً بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحداً، وكان نقش في خاتمة، "كفى بالموت واعظاً يا عمر".
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول له جعد بن هبيرة، يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان، أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك فتقضي لهذا على هذا!
قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شيء لو كان لي لفعلت، ولكن إنما ذاك شيء لله.
ويحدثنا الشعبي أن علياً رضي الله عنه ضاعت منه درع فوجدها عند نصراني. فأقبل به إلى القاضي «شريح» يخاصمه، وقال علي: هذه الدرع درعي ولم أبع ولم أهب.
فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين.
فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! فالتفت شريح إلى على وقال: يا أمير المؤمنين، ألك بينة؟
فابتسم علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة.
فقضى بالدرع للنصراني، فأخذها ومس خطوات ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقتضي فيقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، سقطت منك وأنت منطلق إلى صفين.
قال: أما إذ أسلمت فهي لك.
كان الضمير المؤمن هو الذي يحكم الخليفة والقاضي، فلم يحاول الخليفة المؤمن أن يتخذ القوة لأخذ حقه أو يؤثر على القاضي ليحكم في صالحه، ولم يحاول القاضي المؤمن أن يطوع النصوص إرضاء لأميره -رغم ما يعتقد من صدقه- فالشرع سيد على الجميع: الأمير والسوقة. والمسلم والنصراني سواء.
وكان علي رضي الله عنه يلبس القميص -وقد اشتراه بثلاثة دراهم- ويقول: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري عورتي!!
ومفتاح هذا الزهد وتلك العدالة ما قاله بعضهم: كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال، فيفتح عليه القرآن، ويقرأ، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين) (القصص: 83) ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من الناس.
الرغبة في الدار الآخرة، وحسن العاقبة عند الله، هي السر الكامن وراء هذه المثل الرفيعة، والأعمال الكبار.
وهذا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الراشد الذي يقول فيه مالك ابن دينار: يقولون: مالك زاهد! .. أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة!
أجل، فلم يكن له في خلافته سوى قميص واحد يلبسه، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس. وهو الذي نشأ وشب في أحضان النعيم.
ودخل على امرأته يوماً فسألها أن تقرضه درهماً يشتري به عنبا، فلم يجد عندها شيئاً .. فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزائنك ما تشتري به عنبا؟!
فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غداً في نار جهنم. وقد اجتهد في مدة ولايته -مع قصرها- حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه ينادى في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الراغبون في الزواج؟ أين اليتامى؟ أين المساكين؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء.
ومع عدله وزهده، ورده للمظالم، وشدته على نفسه وأقاربه كان يناجي ربه ليقول: اللهم إن عمر ليس أهلاً أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر.
وأثنى عليه رجل فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيراً يا أمير المؤمنين. فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً (هذه الأخبار عن عمر بن عبد العزيز ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" ج 9 ص 192 وما بعدها).
لقد رد الحق إلى نصابه، فما هو إلا خريج مدرسة الإسلام، وصياغة مصنع الإيمان.
لقد أطلنا في سرد هذه الأمثلة، لأن الحكم الذي لا يقوم عليه رجال مؤمنون، والسياسة التي لا يرعاها ضمير مؤمن إنما هي كما قال الشاعر:
كمثل الطبل يسمع من بعيد
وباطنه من الخيرات خال
في التجارة والمعاملة
يروي الإمام الغزالي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة دراهم، وبعضها بعشرة فباع غلامه في غيبته لأعرابي شقة من الخمسيات بعشرة فلما عاد ابن المنكدر وعرف، لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوى خمسة بعشرة.
فقال الأعرابي: يا هذا قد رضيت.
فقال: وإن رضيت. فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك.
فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي (الإحياء: ربع العادات كتاب الكسب ص 72، 73).
ويروي الغزالي أيضاً أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان، منها ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة درهم، وضرب كل حلة مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين، فاستحسنها ورضيها، فاشتراها -أي بأربعمائة- فمشى بها وهي على يديه فاستقبله يونس. فعرف حلته. فقال للأعرابي بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوى أكثر من مائتين فارجع حتى تردها. فقال: هذه تساوى في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها. فقال له يونس: انصرف معي فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم. وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله. وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله أتربح مثل الثمن، وتترك النصح للمسلمين؟! فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها. قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك!! (الإحياء: ربع العادات كتاب الكسب ص 72، 73).
إن التجار عادة يغلب عليهم حب الكسب إلى حد الجشع حيناً، والخيانة والظلم أحياناً. فاذا غلب الإيمان هان المال في سبيل المثل الأعلى ومكارم الأخلاق.
وليست هذه النماذج خاصة بالقرون الأولى وعهد السلف الصالح من المسلمين. فلا زال للإيمان أثره إلى اليوم في كل بلد من ديار الإسلام، وإن اختلف الكم والدرجة عما كانا عليه من قبل.
يذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي بعض ذلك في مقال له (نشرت في مجلة "البعث الإسلامي") يقول: "حدثني بعض الثقات المعمرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار وقد باع ما يكفيه لقوت يومه وما حدده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: "دونك هذا الدكان الذي هو بجواري! تجد عنده ما تجده عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق بأن تشتري منه".
ويتحدث الأستاذ محمد أسد (هو "ليوبولدفايس" الذي أسلم بعد أن أقام في بلاد المسلمين مدة طويلة، ودرس الإسلام بلغته وألف كتباً منها "الإسلام على مفترق الطرق" و "الطريق إلى مكة") النمساوي عن مدينة إسلامية عربية كبيرة هي "دمشق" فيذكر انطباعاته كما يلي: "وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعامل بها بعضهم بعضاً، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، أولئك الذين لا ينون ينادون على المارة، أولئك كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف والحسد، حتى أن صاحب دكان منهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمه، كلما دعته حاجة إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبوناً يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع، أو ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائماً -للتاجر المزاحم- ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو بل بضاعة جاره الغائب- ويترك له الثمن على مقعده. أين في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة؟" (الطريق إلى مكة ص 167باختصار).
في المواساة والإيثار
ويتجلى أثر هذا الضمير الذي صنعه الإيمان بالله واليوم الآخر في مجال المواساة والإيثار بالمال والنفس. فكان الرجل يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ويبذل له من ذات يده، ومن جهده ووقته ما يبذله لأعز بنيه عليه، وأحب أهليه إليه. وقد يرتقي الإيمان بأحدهم، فيؤثر أخاه على نفسه. فيجود له بالشيء، وهو أحوج ما يكون إليه، كل ذلك ولا قانون يلزمه، ولا حكومة تطالبه، ولا أجهزة تراقبه، ولا عقوبة تسلط عليه، وإنما هو دافع الإيمان بين جنبيه، يحفزه على عمل الخير، والتطوع بالبر، ابتغاء ما عند الله وما عنده خير وأبقى.
روى مالك في موطئه أنه بلغه عن عائشة رضي الله عنها أن مسكيناً سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فأمرت جارية لها أن تعطيه الرغيف فقالت الجارية: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: "أعطية إياه" ففعلت، وربما يظن بعض الناس أنها إنما آثرت بالرغيف لهوانه عليها، فليسمعوا هذه القصة التي رواها المؤرخون والمحدثون:
بعث معاوية بن أبي سفيان بثمانين ألف درهم إلى عائشة، وكانت صائمة، وعليها ثوب خلق، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين ولم تبق منه شيئاً. فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم تفطرين عليه؟ فقالت: يا بنية لو ذكرتيني لفعلت (رواه الحاكم في المستدرك)!.
إن الصائمة التي آثرت المسكين بالرغيف وليس في بيتها ما تفطر عليه غيره، آثرت بمئات الألوف من الدراهم دون أن تذكر بطنها الجائع، ولا ثوبها الخلق.
ومثل عائشة زينب بنت جحش أم المؤمنين، التي كانوا يلقبونها بِ «أم المساكين» حدثت برزة بنت باتع أنه لما خرج العطاء أرسل إليها عمر نصيبها منه، فلما دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقالوا: هذا كله لك. قالت: سبحان الله. واستترت منه بثوب ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً.
قالت راوية القصة: ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان، من أهل رحمها وأيتامها فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب. فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أم المؤمنين. والله لقد كان لنا في هذا حق، فقالت: فلكم ما تحت الثوب .. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهماً (طبقات ابن سعد ج 3ص 201).
وأخذ عمر بن الخطاب أربعمائة دينار، فجعلها في صرة، ثم قال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تله (تشاغل) في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها الغلام إليه .. فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتله (تشاغل) في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: رحمه الله ووصله. تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة هي امرأة معاذ وقالت: نحن والله مساكين، فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره: فسر بذلك فقال: انهم اخوة بعضهم من بعض (رواه الطبراني في الكبير)!!
وروى ابن سعد أن عبد الرحمن بن عوف باع لعثمان بن عفان أرضاً له بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك في الفقراء من أقاربه، وفي ذي الحاجة من الناس، وفي أمهات المؤمنين (طبقات ابن سعد ج 2 ص 12، 13).
وروى أن عيراً (قافلة تجارية) قدمت لعبد الرحمن، فكان لأهل المدينة يومئذ رجة، فقالت عائشة: ما هذا؟ قيل لها: هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدمت، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط، يميل به مرة ويستقيم أخرى، حتى يفلت ولم يكده" .. فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: هي وما عليها صدقة، قال راوي القصة: وكان عليها أفضل منها، قال وهي يومئذ خمسمائة راحلة " بهذه السهولة جاد الرجل بكل هذا المال وكل هذه التجارة التي ارتجت لها المدينة وقال كلمته: هي وما عليها صدقة!
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأمصار بالمدينة مالاً من نخل. وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (اسم حديقة له) وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (آل عمران: 92) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة. أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخ بخ .. ذاك مال رابح! ذاك مال رابح".
وذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر قال: أهدى إلي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه. فبعث به هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول، بعد أن تداوله سبعة!
ولا يحسبن القارئ أن هذه كانت حوادث فردية، لا تصور حقيقة المجتمع كله، فإن أمثال هذه المواقف كثيرة جداً، هي تصور بحق روح المجتمع واتجاهه وفلسفته ونظرته إلى المال والحياة.
روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر قال: "لقد أتى علينا زمان -أو قال حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".
وحسبنا أن القران الكريم سجل للأنصار في المدينة -وهم جمهور المجتمع الإسلامي بها- هذه الصورة الراقية من صور الإخاء والمواساة والإيثار فقال: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر: 9)
اعتراضات وشبهات
لقد تبين لنا -فيما سبق- أثر الدين والإيمان في تكوين الأخلاق الفاضلة وتربية الضمائر اليقظة. وضربنا لذلك أمثلة من نماذج بشرية صنعها الإيمان. فإذا هي فضائل متجسدة، تمشي على الأرض.
والأمر لا يحتاج إلى أمثلة، فأثر الدين في هداية الإنسان وصنع الحضارة أثر لا ينكر، وبحق ما قاله أحد المؤرخين: لا ريب أن الدين كان أعظم قوة في التاريخ هذبت توحش الإنسان.
وذهب بنيامين كيد Kad إلى أن جميع الحضارات قامت على أساس الجزاءات الأخروية التي قدمها الدين للأخلاق.
وربما أعترض بعض الناس على صلة الدين بالأخلاق بأن هناك بعض الملحدين يتقيدون بالفضيلة والخلق وهم لا يؤمنون بالدين، ويرد على ذلك "تارد" أنه يعتقد أن الحياة الشريفة عند بعض الملحدين ترجع إلى الأثر المستمر لتربيتهم الدينية، وهو ما سماه كارليل «النور اللاحق» للمسيحية -إذ هو يتحدث عن ملحدي الغرب من المسيحيين- وهذا هو الذي أشار إليه «رينان» حين كتب عبارته المشهورة: "إننا نعيش على ظل لظل -يقصد ظل الدين- فعلى أي شيء سيعيش الناس بعدنا؟" - كيف يتحكمون في شهواتهم ودوافعهم إلى الكذب والسرقة والقتل حين يختفي حتى هذا «النور اللاحق» للعقيدة على فراش الموت؟.
وقد كتب دستويفسكي أعظم قصصي في العالم، ليبين كيف أصبح الإنسان «متلبساً» بالشياطين حين هجر الله (من كتاب "مباهج الفلسفة" لول ديوارنت ج 2 ص 276).
وليس هذا ما يقرره المؤمنون بالدين فحسب، بل هذا ما يعترف به المنصفون من المتدينين والمنكرين على السواء.
فمن الملحدين من يرى الدين خرافة، ولكن الحياة لا تستقيم بدونه، ويرى الأخلاق لا غنى لها عن هذا الوهم في رأيه، ويقول آخر: "لو لم يكن الله موجوداً لوجب علينا أن نخترعه"، وذلك لما يرى من أثر الإيمان بهذا الإله في النفس وفي الحياة. ويقول الأديب الفرنسي الشهير «فولتير» ساخراً لم تشككون في الله ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي؟
ويقول ثالث: إني لا اعتقد في وجود جهنم، ولكن أعتقد أن الفكرة عنها قد باعدت بين كثير من الناس وبين ارتكاب الشر. والذي أراه أن الشاب حين يكتشف أن جهنم لا وجود لها فإنه لا يحفل بشيء، ووظيفة الأخلاق أن تمثل الكل في مقابل الجزء، والمستقبل في مقابل الحاضر، وهذا بالضبط ما يسعى الدين إلى عمله، الدين -كما يقول هوفدنج- "هو الاحتفاظ بالقيم، وبغير الجزاءات الدينية تصبح الأخلاق مجرد تقدير، فيختفي الإحساس بالواجب، ويقف كل شاب جميع ذكائه وعلمه على التحايل على الوصايا".
الخوف من الله واليوم الآخر وأثره في التربية
هذه بعض شهادات الملحدين في أثر الدين في الخلق والسلوك. ولكن قوماً مع هذا يشيعون أن طريقة الدين في التخويف من الله ومن الحساب في الآخرة تنافي تربية الشخصية الحرة النامية المستقلة!
ونقول لهؤلاء -فضلاً عما تقدم- إن تجريد التربية من عنصر الخوف تجريداً تاماً مطلقاً، إنما هو ادعاء مزعوم، وخيال موهوم، وإنكار لواقع الإنسان الذي خلقه الله يرجو ويخاف، ويأمل ويخشى، وإذا كان الخوف أمراً لابد منه فليكن من مالك الملك وخالق الخلق وصاحب الأمر كله، ولنغلق منافذ الخوف جميعها بحد ذاك، فلا خوف من مخلوق صغر أو كبر، إلا ما اقتضته الجبلة. وذلك في الحق هو منبع الشجاعة، ومصدر القوة، وهو شأن المؤمنين (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) (الأحزاب: 39) (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (المائدة:54) (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 175) (فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) (المائدة: 44).
وفي الآثار: "من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء".
على أن خوف المؤمن من ربه إنما هو خوف من قاض عادل أن ينزل به العقوبة على جرمه، لا خوف من ملك غشوم يأخذ البريء بذنب المسيء. إنه أشبه بخوف الابن من غضبة أبيه عليه إذا انحرف عن سواء الطريق، وهو مع هذا خوف مشوب بالرجاء في عفو الله، والأمل في سعة رحمته. على سنة أولئك الذين وصفهم القرآن بقوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (الإسراء: 57) (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) (الزمر: 9).
والقران يرشد دائماً إلى الحد الوسط بين الخوف والرجاء، فلا ينبغي أن ينتهي الخوف إلى اليأس من روح الله، كما لا ينبغي أن يصل به الرجاء إلى الأمن من مكر الله (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف: 99)، كما (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87).
وصفات الله تعالى في القرآن من شأنها أن تؤدى إلى هذا التوازن في نفس المؤمن (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) (غافر: 3). (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم) (المائدة: 98) (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم) (الحجر: 49، 50).
فكيف يعد مثل هذا الخوف منافياً للتربية المثالية، ومعوقاً لنمو الشخصية؟
الدكتور (هنري لنك) يرد على خصوم التربية الدينية
إننا نكل تفصيل الرد على هؤلاء المشنعين على الدين وطريقته في التربية، إلى الدكتور «هنري لنك» الطبيب النفسي الأمريكي، صاحب كتاب «العودة إلى الإيمان». إنه يخطئ النظريات التي أشاعتها بعض المدارس النفسية الحديثة، فيقول:
"إن تربية الأطفال لمن أشق الواجبات وأخطرها وأدقها، ومشاكلها شديدة التعقيد والعسر، وهي بعد ذلك ذات أوجه متناقضة عند حلها يكون معها الآباء في مسيس الحاجة إلى أية معونة خارجية، مهما بلغت درجة تواضعها وبساطتها.
وقد كان طبيعياً: بعد أن استغنى الآباء المستنيرون عن المعتقدات الدينية، وضربوا بها عرض الحائط، أن يولوا وجوههم شطر مصدر جديد من مصادر المعونة. فلم يجدوا أمامهم سوى علم النفس الخاص بالأطفال، ولكن علم نفس الأطفال لم يكن بعد، على استعداد لتقديم المعونة لهم، لآن الثقة بهذا العلم لم تكن قد تعدت الثقة النظرية حتى ذلك الوقت. وكان البرهان العلمي حينذاك في مهده صغيراً برغم تعدد نظرياته.
ومن هنا بدأ الآباء يعتنقون هذه النظريات التي كان أبرزها أن العقوبة البدنية ضارة من الوجهة النفسية. وأنه من الأفضل إقناع الطفل بعمل شيء ما، لا إرغامه بالقوة والعنف عليه، وأنه لا يجوز كبت الطفل بل على العكس يجب منحه الفرصة كي يعبر عن ذاته .. وأنه يجب منح الأطفال علاوة منتظمة حتى يمكنهم إدراك قيمة المال، وأن بعض الأطفال يولدون بطبيعتهم عصبيين أو ذوى حساسية مرهفة، وعليه فلا يجوز إرغامهم على أن يفعلوا، ويعملوا ما يفعله ويعمله غيرهم.
وللأسف، لم يظهر أي برهان علمي أو نفسي يؤيد هذه النظريات، بل بالعكس ثبت أن كل هذه النظريات خاطئة" («العودة إلى الإيمان» ص 113).
وهو إذ يهدم هذه الأفكار التي راجت باسم العلم يوماً ما، يرى ضرورة العودة إلى الدين، وأتباع منهجه في تربية الأطفال وتهذيب سلوكهم، وتقويم أخلاقهم فليس أصلح للطفل من أن تقول له: هذا حسن، لأن الله أمر به، وأنه يحبه ويرضاه ويثيب عليه بالجنة، وبأن هذا قبيح، لأن الله نهى عنه وأنه يبغضه ويسخطه، ويعاقب عليه بالنار.
ولهذا ينكر على الآباء الذين يتخلون عن هذه الطريقة المقنعة المقبولة إلى طرائق لم يثبت صحتها ولا نفعها فيقول (المرجع نفسه، ص 110):
"فقد سمعنا الكثيرين من الآباء يرددون: انهم لا يبعثون بأولادهم إلى الدروس الدينية أو إلى محلات العبادة، حتى يصلوا إلى السن التي يدركون عندها ما يجري. غير أن ما يضايقهم، ويقض مضجعهم هو هذا السؤال:
ترى هل يكتسب هؤلاء الأولاد ذلك الشعور القوي الذي يمكنهم به أن يميزوا بين الخطأ والصواب؟ هل يؤمنون بتلك المثل الخلقية الواضحة التي آمنا بها منذ طفولتنا؟
لقد قلنا فيما مضى أن بعض الأعمال خطأ والبعض الآخر صواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، أو لأن كتابه قد أورد ذلك بمعنى آخر. وقد تكون هذه الطريقة فطرية بدائية، غير أنه مما لا شك فيه أن تأثيرها كان طيباً فقد عرفنا على الأقل الكثير عن طيب الأفعال وخبيثها. أما الآن فإننا لا نقول لأولادنا إلا أن هذا التصرف خطأ، وأن ذاك صواب، لأننا نرى ذلك، أو لأن المجتمع قد اتفق على ذلك. فهل لهذا الود من القوة والبيان ما لسابقه؟ وهل له مثل أثره وهل يكتسب أطفالنا القيم الخلقية الأساسية للحياة دون الحاجة إلى ضغط العقائد الدينية، تلك القيم التي نتقبلها ونسلم بها حتى بعد أن أصبحنا لا نسلم بمصدرها الإلهي؟" («العودة إلى الإيمان» ص 110).
ويعود إلى ذلك حين يتحدث عن مقدار ما يسديه الدين من عون للآباء في تربية أبنائهم وتهذيبهم، وتكوين شخصياتهم الفاضلة فيقول (المرجع نفسه، ص 119):
"وبديهي أن الأطفال يختلفون، سواء بطبيعتهم أم بحسب وراثتهم، ولكن مهما كانت هذه الطبيعة أو الوراثة طيبة جيدة، فإنه لا يمكن غرس العادات الأساسية بغير «النظام» ولما كان استياء الطفل من النظام واتجاهه عكسياً، كلما حاولت إنماء العادات الطيبة فيه، أمراً لا مفر منه، كان من الواجب استخدام كل وسيلة ذات تأثير أو ذات صفة إرغامية، تساعد على الإسراع في اكتساب هذه العادات. والواقع أن معظم الآباء يكونون في أشد الحاجة إلى الاستعانة بنصائح غيرهم، في أثناء عملية غرس العادات المرغوبة في أطفالهم.
وإذا بحثنا من الناحيتين: العقلية والنفسية، وجدنا أن أعظم مصادر هذا العون هو الدين .. فالايمان بوجود الله ورسله وكتبه يهيئ للأبوين ملجأ أميناً موثوقاً به يلجئون إليه، ويضع بين أيديهم سلطة كبرى على أطفالهم كانوا يفتقرون إليها حتى لو لم يؤمنوا بها.
فإن هؤلاء الآباء الذين كانوا يتساءلون كيف ينمون عادات أولادهم الخلقية ويشكلونها، في حين تنقصهم هم أنفسهم تلك التأثيرات الدينية التي كانت قد شكلت أخلاقهم من قبل، كانوا في الحقيقة يجابهون مشكلة لا حل لها، فلم يوجد بعد ذلك البديل الكامل الذي يحل محل تلك القوة الهائلة التي يخلقها الإيمان بالخالق وبناموسه الخلقي الإلهي في قلوب الناس.
فتجد الآباء الذين تحرروا من الإيمان عن طريق ثقافتهم وأعمال فكرهم حيارى متسائلين على الدوام.
إذن كيف يتسنى لأولئك الحيارى أن يكونوا أنفسهم ملجأ لأولادهم؟
ففي حالة عدم وجود مثل هذا الملجأ الديني الموثوق به، لا يسع كل أب إلا أن يفكر ويمعن في التفكير: ويبحث ويطيل البحث قبل أن يبين لطفله مدى الخطأ والصواب، والخير والشر، في كل حالة من الحالات العديدة التي تصادفه يومياً، وفي كل عادة من العادات المختلفة مما يود غرسها في طفله.
وكلما كبر الطفل ونما، وكلما أصبح واقعاً تحت تأثير سلطات المجتمع المتضاربة المقاصد، المختلفة الميول والاتجاهات -كالمدرسة والجيران وزملائه وبلدته- زاد الأمر صعوبة، وأصبح أشد تعقداً، فالتربية واجب شاق. كما أن هذا الارتباك الكائن في عقول معظم الآباء هذه الأيام خير شاهد على صدق هذه الحقيقة.
فالدين هو القوة الوحيدة! التي يمكنها أن تعين الإنسان على حل تلك المشكلات الخلقية والعقلية التي لا مفر منها، والتي لا تفتأ تقض مضاجع الآباء والأبناء والمجتمع كله. ولن تجد في هذا العالم المضطرب، الذي لا تمضي فيه فترة حتى يثور الناس عنى السلطة القائمة محاولين تغييرها، غير الله وحده هو الحي الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل.
فذلك الطفل الذي اعتنق منذ طفولته المبكرة فكرة وجود الله بصفته المشرع الأعلى للخير والشر? يكون قد اكتسب الحافز الجوهري الذي سيدفعه حثيثاً نحو العادات الطيبة. فبدلاً من أن يقوم صرح أعماله على ما يحبه وما لا يحبه نراه يقوم على الصواب والخطأ. فهو قد يرى عدم إطاعة أمه يوماً ما، ولكنه يدرك جيداً أنه قد أخطأ، وهو قد لا يحب أن يعيد لأمه ما تبقى معه من نقود بعد أن اشترى لها مطالبها، ولكنه يعلم تماماً أن ذلك ليس بصواب، وهو قد لا يحب أيضاً أن يتنازل عن أنانيته مع زملائه في اللعب، لكنه يرغم نفسه على أن يفعل ذلك.
وطبيعي أن مثل هذه الطريقة ليست من السهولة أو البساطة بمكان، ولكنها سرعان ما تنمي فيهم عادة التمييز بين الدوافع الأنانية والشخصية، وبين العادات الطيبة، أو الاختصار بين اللذة وبين الشعور بالواجب.
فمما لا شك فيه أن تغلب المرء على كسله وبلادته، وقهره لدوافعه الطبيعية الكامنة فيه، هو الطريقة الصحيحة لاكتسابه العادات اللازمة للشخصية الناجحة فبقدر ما يفرضه الدين على الطفل من هذه الصفات الطيبة التي ينبغي له تعلمها يمضي الطفل حثيثاً إلى اكتساب صفات الشخصية الفاضلة" (المرجع السابق ص 119 وما بعدها).
ويؤكد الدكتور «لنك» أن الدروس الدينية، والتردد على بيوت العبادة لها في نفس الصبي أعمق الأثر، وأطيب الثمرات، كما أثبتت ذلك التجارب والمقارنة بين الأطفال بعضهم وبعض. وفي ذلك يقول («العودة إلى الإيمان» ص 122):
"ومهما بلغت المساوئ، التي نلمسها في أماكن العبادة، والاستماع إلى العظات الدينية، فإن هذه البيوت تساعدنا على غرس الأسس السليمة للخطأ والصواب، والأعمال الأنانية وغير الأنانية في نفوس الأطفال. كما أنها تساعد على غرس الإيمان بالله والاعتقاد في ناموسه الخلقي الإلهي كمصدر لتلك الأسس. ولذا فهي ذات فائدة عظمى للآباء والمجتمع، كي يبثوا الأسس الضرورية لتكوين الخلق القويم والشخصية الناجحة. وبناء على ذلك، ليس من المستغرب أن يدلنا الاختبار السابق الذكر على أن الطفل الذي يستمع إلى الدروس الدينية يتمتع بصفات شخصية أفضل ممن لا يحضرها، وأن الطفل الذي يذهب والداه إلى المعبد ذو شخصية أحسن من الطفل الذي لا يذهب والداه إليه.
وقد اتضح لي بعد دراسة كاملة لعشرة آلاف شخص، أن أولئك الذين يواظبون على الذهاب إلى دور العبادة، كانوا ذوى صفات شخصية أفضل ممن لا يذهبون".
ولا يقتصر على ذلك، بل يلح على التبكير بإعطاء هذه الدروس للأطفال وأعوادهم غضة، ولو لم يفهموا كل ما يقال لهم، ويرى من الخطأ والخطر تأخير هذه الدروس الدينية إلى السن التي يفهمون فيها.
يقول: "إن الوقت الأمثل لتعليم الطفل كيف يخضع دوافعه لقيم عليا، هو السن التي يستطيع فيها أن يتقبل ما يقال له دون أن يفهمه.
فإذا استقر رأي الآباء على عدم إرسال أولادهم إلى الدروس الدينية، حتى يبلغوا السن التي يفهمون عندها ما يستمعون إليه، فهم في الحقيقة يتبعون مبدأ هاماً، لأن الوقت يكون قد فات لإصلاح ما فسد إذا بلغ الطفل السن التي يفهم بها كل ما حوله، فانه حينئذ يكون قد أضاع من عمره سنين ثمينة" (المرجع نفسه ص 130).
ويختتم حديثه عن التربية والتعليم بهذه الأسطر الناصعة:
"إن ميدان التعليم لفي مسيس الحاجة إلى جمع القيم والحقائق الأساسية التي تبحث في الطبيعة البشرية وتصنيفها، حتى يمكن المحافظة على تلك التقاليد النبيلة التي اكتسبها الجنس البشرى، ووضعها في المكان اللائق بها، وحتى يمكن إخضاع الغطرسة الفكرية لنظام الحياة غير الأنانية. ولن تجد ما يجمع بين تلك القيم الماضية القديمة والمثل الحاضرة الحديثة غير الدين" (المرجع السابق، ص 181).
خرافة "الضمير بلا إيمان"
ويزعم بعض الناس أنه يمكن الاستغناء عن الدين والإيمان بِ "الضمير" واتخاذه أساساً ومقياساً للأخلاق بدل الدين.
وهذا ما حاوله الغربيون حينما أرادوا أن يتحرروا من سلطان الكنيسة ورجال كهنوتها وتدخلهم فيما ليس من شأنهم من أمور العلم المتغير والحياة المتجددة، ووقوفهم مع الأباطرة والأمراء الظلمة الجائرين. لقد ثاروا على كل ما يتصل بالكنيسة. حتى عقائدها وأخلاقها.
ورأى القائمون على الثورة العلمانية الجديدة أن يستعيضوا عن الدين بوحي "الضمير" وأن يتخذوا وحي الضمير الأساس الذي لا يخطئ، والمقياس الذي لا ريب فيه، بالنسبة للأخلاق.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد بدأ القوم يتراجعون عن تطرفهم شيئا فشيئاً.
يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه «الإسلام والعقل»:
"وحينما هدأت الأمور في الغرب، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي، بعد الصراع العنيف، بين الكنيسة والثوار، الذي دام فترة طويلة من الزمن أخذ العلماء يراجعون أنفسهم. ويدرسون في هدوء ودعة المبادئ، التي قامت عليها الثورة المنتصرة، والأهداف التي حددت، والغايات التي رسمت، والقواعد التي خططت. ثم هذبوا في كل ذلك وغيروا وبدلوا. وكان مما راجعوا أنفسهم فيه: مسألة "الضمير".
ولما استعرضوا التاريخ والوقائع والمشاهدات، يستنيرون بها في أمر الضمير، رأوا كما قال الأستاذ أندريه كريسون: "أن الناس في كل العصور، وفي جميع الأقطار، يستشيرون ضمائرهم، ولكنها لا تسمعهم جميعاً لحناً واحداً إذ أن ما يظهر عدلاً وخيراً لبعض النفوس المخلصة في عصر خاص، لا يظهر عدلاً ولا خيراً لنفوس أخرى، هي أيضا مخلصة، ولكنها عاشت في عصر آخر أو مكان آخر" («المشكلة الأخلاقية والفلاسفة» للكاتب الفرنسي أندريه كريسون، ص 22 - 25، ط ثانية) أما إذا أردنا، أمثلة على ذلك، فإننا سنجدها كثيرة، عندما نوازن بين أحوال الضمير خلال مختلف العصور.
ويضرب لنا الأستاذ -أندريه كريسون- الأمثلة الكثيرة:
"ففي العصور القديمة اليونانية، اللاتينية كان نظام الرق مشروعاً: إن أشرف القلوب، إذ ذاك كانت تجد من الطبيعي أن يباع الرجال والنساء والأطفال، وأن يعاملوا معاملة السوائم.
وكانت القوانين الرومانية القديمة، تجعل من المرأة والأطفال ملكاً للزوج، كما لو كانوا أمتعة وأنعاماً: لهذا كان للأب، من بين الحقوق الأخرى، الحق في أن يعرض ابنته المولودة حديثاً، في السوق العام، إذا كانت له بنت أخرى. ولسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيداً. فهاهم أولاء أسلافنا. كانوا يرون شرعية تطبيق العقوبة على مجرد ظن الجريمة، وكانوا بلا أدنى قلق يشاهدون الفرد مشنوقاً من أجل اختلاس تافه".
ولكننا عندما نوازن بين أحوال الضمير في العصر الواحد في أقطار مختلفة، فإننا نجد أيضاً فروقاً لا تكاد تحصى ولا تعد.
على أن الدلالة العميقة، إنما هي مظاهر اختلاف الضمير في البيئة الواحدة وفي الجماعة الواحدة، المتحضرة المتمدنة.
وبعد أن أورد الدكتور أمثلة شتى مما ساقه العالم الفرنسي الكبير «أندريه كريسون» قال:
هذه الأمثلة، إنما هي قطرة من بحر، مما يمكن أن يبرهن به على اختلاف الضمير، بحسب اختلاف الزمن أو اختلاف الثقافات في البيئة الواحدة. وهناك أمثلة لا تحصى إذا قارنا ضمائر العرب في العصر الجاهلي بضمائرهم في العصر الإسلامي، أو ضمائر الوثنيين في مكة بضمائر المسلمين فيها عند نشأة الإسلام ... الخ. والنتيجة لكل هذه المقارنات هي: أن اتخاذ الضمير كأساس للأخلاق أو كمقياس لها، إنما هو مجرد حماقة وعبث.
ومن الشبه التي جعلت الناس يؤمنون، بمنزلة كبرى للضمير، ويرفعونه! أنه قد شاع بين بعض الطوائف، أن الضمير قوة فطرية معصومة بطبيعتها، ولكن هذه الدراسة السابقة تؤدي بنا لا محالة إلى أن الضمير قوة فطرية حقاً، ولكنها قوة غير معصومة، لأنها تربى وتكتسب فيما يتعلق باللون الذي تتخذه.
وهي وإن كانت قوة فطرية إلا أنها تتلون بحسب ما تتغذى به من ثقافة ومن وراثة، وهي تختلف في الفرد الواحد بحسب اختلاف سنه، وبحسب تنقله من بيئة إلى بيئة، وبحسب الكتب التي تمده بالثقافة العقلية، أو التهذيب الروحي، وبحسب اختلاف الأصدقاء، الذين يلازمهم الإنسان في حياته الواحد تلو الآخر.
والضمير إذن متأرجح متقلب، لا يستقر له قرار، لأنه حتى لو مكث على حالة واحدة تجاه مسألة معينة فإنه في هذه الحالة النادرة يتأرجح أيضاً قوة وضعفاً، واتزاناً وإسرافاً.
والوضع الصحيح إذن -بالنسبة لأساس الأخلاق-: أن نلجأ إلى الدين، نستمد منه الهداية والإرشاد، فإنه وحده المعصوم.
والدين الإسلامي أتى في الجانب الأخلاقي بكل ما تتطلبه النفوس المرهفة، والأفئدة المتعطشة للاستقامة. لقد أقر بذلك كبار الفلاسفة الإسلاميين "كابن سينا" وغيره.
لقد رأى ابن سينا، أن الدين الإسلامي، أتى بأكمل نظام أخلاقي تشريعي بالنسبة للمجتمع، وبالنسبة للأسرة، وبالنسبة للفرد، وتحدث ابن سينا عن ذلك غير مرة في مختلف كتبه.
أما صلة الدين بالضمير، فإنها صلة هيمنة وتوجيه وإرشاد وسيطرة. إنها صلة هيمنة. تستمر مدى الحياة وإذا مازالت هذه الهيمنة في أي فترة من فترات الحياة، فإن الضمير يختل اتزانه وتوازنه، ويتأرجح ويتذبذب، لأنه يحتاج باستمرار إلى القائد المربي، وليس القائد المربي إلا الدين." أ هِ.


الفصل الثاني - البذل والتضحية
الأنانية جزء من الكيان الفطري الإنساني
مهما يكن الخلاف بين المثاليين والواقعيين من فلاسفة الأخلاق فإن «الفردية»، وبعبارة أوضح «الأنانية» جزء من الكيان الفطري للإنسان، فهو -بما ركب فيه من دوافع نفسية- «أناني» يحب الخير لنفسه، والمنفعة لذاته، قبل كل شيء، وهذا أمر اقتضته الحكمة الإلهية لعمارة الأرض واستمرار الحياة وازدهارها، ثم هو من مقتضيات الابتلاء الذي بني عليه تكليف الإنسان واستخلافه في هذه الأرض.
وفي الإنسان بلا شك نزعة اجتماعية غيرية، فطرية كذلك، ولكنها، لا تقاوم نزعته الذاتية لو خليت وشأنها. ومن هنا ترى الإنسان -كل إنسان- حريصاً على أن يجمع لنفسه من أسباب النعمة ما استطاع، حريصاً على الاستئثار به دون غيره، حتى أنه ليشيب ويهرم، ويشب معه الحرص والشح، ولذا وصفه خالقه بقوله (وكان الإنسان قتوراً) (الإسراء: 100) (وأحضرت الأنفس الشح) (النساء: 128) وصور رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ حرص الإنسان على الدنيا وطمعه في متاعها فقال: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً".
وإذا تُرك الإنسان لهذه الأنانية تسيطر على نفسه، وتحكم سلوكه وتوجه علاقاته بالناس، فلن نجد فيه إلا إنساناً جشعاً شحيحاً، كل همه أن ينتفع ولا ينفع، وأن يأخذ ولا يعطى، يريد أن يربح، ولا يريد أن يعمل، يقول دائماً: لي .. ولا يقول يوماً: علي، ضنين بكل ما عنده، شره إلى ما عند غيره.
والبلية كل البلية أن تشيع هذه الروح الخبيثة في مجتمع، فيقول كل امرئ فيه: نفسي .. نفسي، ولا يقول: أمتي .. أمتي.
والإنسان إذا تُرك ونزعته الفردية، فإنه يؤثر -غالباً- السلامة، ولا يرضى بتعريض نفسه لخطر أو أذى، من أجل فكرة أو رسالة أو مصلحة كبرى، ولو سرت هذه الروح، روح طلب السلامة، لوقفة عجلة الرقي، وأفلت شمس الحضارة، وانطمست معالم الحق، وغاضت ينابيع الخير فإن رسالات النبيين، وأفكار المصلحين، لم تعل كلمتها إلا ببذل النفس والمال، والتضحية بكل غال وعزيز، من وطن وأهل وعشيرة. ليس هذا في عالم المعاني والأفكار فحسب، بل نجد الأعمال العظيمة، والمشروعات الضخمة، والانقلابات الكبيرة في عالم الإنتاج والعمران والاقتصاد والصناعة والتجارة إنما جاءت نتيجة مخاطرات ومغامرات وتضحيات في مبدأ الأمر. إن الذي يجعل كل همه في طلب السلامة لا يصنع شيئاً ذا بال، ومن قبل قال الطغرائي في لاميَّته:
حب السلامة يثني هم صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكسِِل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقِاً
في الأرض أو سلماً في الجو فاعتزل
وكال أبو الطيب:
ذريني أنل ما لا ينِِال من العِِِِلى
فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعِِالي رخيصِِِِة
ولابد دون الشِِهد من ابر النحِِِل
والمجتمع الذي يريد أن يبني مجداً، ويشيد حضارة، وينهض برسالة، في حاجة إلى جهود مضاعفة للبناء والرقي والنهوض، في حاجة إلى عقول لا تسأم التفكير، وإلى سواعد لا تشكو التعب، وإلى عزائم لا تشكو الملل والفتور، في حاجة إلى الإنسان الذي يعطي قبل أن يأخذ، ويؤدي الواجب قبل أن يطلب الحق، والإنسان الذي تقر عينه بفراق الأهل من أجل الأمة، بالغربة عن البيت من أجل الوطن، ويطيب نفساً ببذل المال عند الحاجة، وبذل الروح عند الضرورة، ويضحي بمصلحته الخاصة في سبيل المصلحة العامة، ويرضى بالتقشف والشظف والحرمان، إذا كان فيه انتصار لحق أو خير، بل يستمرئ المر ويستعذب العذاب، ويرحب بالموت الزؤام في سبيل ما يؤمن به من الهدى والحق.
فليت شعري أين يوجد هذا الإنسان؟ ومن أي مدرسة يتخرج؟
لعمري إن المدرسة الفذة التي تخرج هذا الصنف من الناس هي مدرسة الإيمان.
الإيمان يهون على الإنسان كل صعب في سبيل الحق
الإيمان هو الذي يهون على الإنسان شهواته ومطالب دنياه، فإذا هو يكتفي بما يسد الجوعة من الطعام. وما يستر العورة من اللباس. وإذا هو يرضى بالقليل من المال، والمتواضع من المسكن، بل يهون على الإنسان ماله فينفقه، ومسكنه فيهجره، وأهله فيرحل عنهم، بل يهون عليه حياته نفسها، فإذا هو يضع رأسه على كفه، يخوض المعامع، رابط الجأش راضي النفس، مطمئن الضمير. فإذا أدركه الموت في ميدان الجهاد، استقبله بارتياح وسرور، لأنه يوقن أن وراءه الجنة: (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72).
ذلك أن الإنسان يكاد لا يعطي شيئاً إلا ليأخذ في مقابله شيئاً، نقداً أو نسيئة، فنفسه تتطلع دائماً إلى الجزاء العادل على ما قدم، وقد حاول الفلاسفة الماديون أن يشبعوا هذا الجانب بالأجزية الأخلاقية المجردة عن الدين، وعن طريق ما أسموه «الضمير» الذي يجزي فاعل الخير، ومؤدي الواجب، بالسرور والرضا والارتياح الذي يحسه الإنسان بين جنبيه.
ولكنهم حاروا كيف يجزى من يضحي بنفسه ويبذل روحه ويموت شهيداً في سبيل الحق؟ إنه لا مجال لرضا النفس وراحتها بعد الموت عند هؤلاء الماديين، والموت عندهم فناء محض. إن الإيمان بالله وبجزاء الآخرة هو الذي يحل هذه العقدة. وفي البذل والتضحية باسم الدين إرضاء لهذا الجانب في نفس الإنسان، فإن ما أعطاه المؤمن يعود عليه أضعافاً مضاعفة، وما أنفقه من مال فالله يخلفه، وما أصابه من أذى في نفسه أو بدنه فالله معوضه عنه، وإذا قدم روحه في سبيل الله فمات أو قتل فلم يمت في الحقيقة، وإنما هو حي عند ربه يرزق … وفي هذا كله يقول القران: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) (البقرة: 272) و (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين) (سبأ: 39)، (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) (آل عمران: 157)، (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (محمد: 4 - 6).
إن كل جهد -مادي أو أدبي، نفسي أو بدني- يبذله المؤمن في سبيل الله -مهما يبلغ من ضالة حجمه- فهو محسوب له في «رصيد» حسناته عند الله، لا يضيع منه مثقال ذرة، حتى الخطوة التي تمشيها قدمه، وحتى الفلس ينفقه، وحتى الإحساس بالجوع أو العطش أو التعب: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً، إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (التوبة: 120، 121).
فلا عجب أن نرى ديناً كالإسلام يقدم لنا -في مرحلة قوته وازدهاره- نماذج رائعة للتضحية والبذل والكفاح والجهاد، وبأعداد هائلة، تقدم ما تملك من نفس ومال في سبيل الله وهي قريرة العين.
نماذج مؤمنة للبذل والتضحية
وحسب المرء منهم أن يسمع أو يقرأ آية من كتاب الله تدعوه إلى الأنفاق والجهاد، فإذا هو يسارع إلى تنفيذها ولا يحجم ولا يتردد مقدماً النفس والنفيس ابتغاه رضوان الله.
قرأ أبو طلحة الأنصاري سورة «براءة» حتى بلغ هذه الآية: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) (التوبة: 41) فقال: خفافاً وثقالاً: شباناً وكهولاً، ما سمع الله عذر أحد، وقال لبنيه: أي بني جهزوني .. جهزوني .. جهزوني (يعني للجهاد) فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات. فنحن نغزو عنك! قال: لا .. جهزوني .. فجهزوه بجهاز الحرب، فغزا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها رضي الله عنه.
وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: انك عليل! فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
ورأى بعضهم في غزوات الشام رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر فقال له: يا عم! إن الله قد عذرك، فقال: يا ابن أخي قد أمرنا بالنفير خفافاً وثقالاً (ذكر هذه الوقائع الإمام القرطبي في تفسير: "خفافاً وثقالاً").
ولقد روي في بعض الغزوات أن الابن وأباه كانا يتسابقان إلى الجهاد، فيقرعان بينهما فتخرج القرعة للابن، فيقول الأب: آثرني يا بني، أنا أبوك! فيقول الابن: إنها الجنة يا أبت! ولو كان شيء غيرها لآثرتك والله.
وعمرو بن الجموح الأنصاري أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم أحد، طلب إلى بنيه أن يعدوا له عدة الجهاد، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك! وقد وضع الله عنك الجهاد؟ فأتى عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد. وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة. فخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم أحد شهيداً - وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح!
وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية: نموذج التضحية بالراحة والثروة، والاستمتاع بالحياة الرضية الناعمة، وارتضاء الحرمان والمشقة والبلاء والأذى في سبيل الله.
فتى كمصعب بن عمير، نشا في الحلية، وربي في الرفاهية والنعمة، بين أبوين يحبانه أشد الحب، ويحنوان عليه أعظم الحنو، يغذوانه بأطيب الطعام، ويكسوانه بأحسن اللباس، وينشران عليه أجنحة العطف والإيثار والرعاية والتدليل، فتى منعم مدلل كهذا، ما الذي يجعله يدع هذه الحياة اللذيذة الهادئة الهانئة، إلى حياة خشونة وبأساء، وزلزلة وجهاد، وغربة وهجرة؟. ما الذي جعله يرضى بمفارقة الأهل والوطن، ويرغب عن الثروة والجاه ويفر بدينه مهاجراً إلى الحبشة ثم إلى المدينة، حتى يموت في دار الهجرة شهيداً في غزوة أحد، فلا يجد المسلمون له ثوباً يكفي لغطاء جسده، كل الذي وجدوه ثوب قصير، إذا غطى به رأسه بانت رجلاه، وإذا غطيت به رجلاه، بانت رأسه؟؟ لا شيء إلا الإيمان.
يروي «ابن سعد» عن محمد بن شرحبيل العبدري، أحد أقرباء مصعب هذه الكلمات في وصفه. يقول: كان مصعب بن عمير فتى مكة شباباً وجمالاً وسبيباً، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال، تكسوه احسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم فدخل عليه فأسلم وصدق به وخرج فكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه فأخذوه فحبسوه، فلم يزل محبوساً حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغير الحال قد حرج -يعني غلظ.
ويقول خباب بن الأرت:
هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبتغي وجه الله فوجب أمرنا على الله، فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفيه يكفن فيه إلا نمرة، قال: فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر.
ولقد وقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا الفتى، وهو مقتول مسجي في بردة، فقال والدموع تزدحم في عينيه: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة، ولا أحسن لمة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة.
وعن عبيد بن عمير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على مصعب وهو منجعف على وجهه، فقرأ هذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) (الأحزاب: 23).
وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية: هي التضحية بالمال، يرويه لنا زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: لما نزل (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) (البقرة: 245، الحديد: 11) قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله! وإن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟ قال "نعم يريد أن يدخلكم الجنة به" قال : فإني قد أقرضت ربي قرضاً يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة؟ قال "نعم" قال: ناولني يدك، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك" قال: فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: "إذن يجزيك الله به الجنة" فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:
هداك ربي سبل الرشِاد
إلى سبيل الخير والسداد
بيني من الحائط بالِوداد
فقد مضى قرضاً إلى التناد
أقرضته الله على اعتمادي
بالطوع لا من ولا ارتداد
إلا رجاء الضعف في المعاد
فارتحلي بالنفس والأولاد
والبِر لا شك فخير زاد
قدمه المرء إلى المعِِِاد
فقالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت! وأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
بشرك الله بخير وفِِِرح
مثلك أدى ما لديه ونصِِح
قد متع الله عيالي ومنِِح
بالعجوة السوداء والزهو البلح
والعبد يسعى وله ما قد كدح
طول الليالي وعليه ما اجتِرح
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح". أي في الجنة.
إن تاريخ الإسلام وتاريخ الأنبياء وأتباعهم في كل عصر. حافل بالصور الحية، والنماذج الرائعة للبذل والتضحية في سبيل الحق، وهي صور ونماذج لم يصنعها غير الإيمان، ولن يصنع أمثالها -إذا أردنا لها أمثالاً- إلا الإيمان!.


الفصل الثالث – القوة
حاجة الفرد والمجتمع إلى القوة النفسية
للإنسان في الحياة آمال عريضة، وأهداف قريبة وبعيدة، ولكن الطريق إليها شائك وطويل، والعقبات متنوعة، والمعوقات كثيرة، بعضها من الطبيعة وسنن الله فيها، وبعضها من البشر أنفسهم، فلا غرو أن يظل الإنسان في جهاد دائب، وعمل متواصل، ليتغلب على الآلام والمعوقات ويحقق الأهداف والآمال.
وما أشد حاجة الإنسان إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره، وتأخذ بيده، وتذلل له العقبات، وتقهر أمامه الصعاب، وتنير له الطريق..
وليست هذه القوة المنشودة إلا في ظلال العقيدة، ورحاب الإيمان بالله.
الإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، وقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله. إنه قوي وإن لم يكن في يديه سلاح، غني وإن لم تمج خزائنه بالفضة والذهب، عزيز وإن لم يكن وراءه عشيرة وأتباع، راسخ وإن اضطربت سفينة الحياة، وأحاط بها الموج من كل مكان.
فهو بإيمانه أقوى من البحر والموج والرياح، وفي الحديث "لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال".
وهذه القوة في الفرد مصدر لقوة المجتمع كله، وما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعفاء المهازيل، الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدواً، ولا تقوم بهم نهضة، أو ترتفع بهم راية.
مصادر القوة عند المؤمن
الإيمان بالله
المؤمن قوي، لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير، الذي يؤمن به، ويتوكل عليه، ويعتقد أنه معه حيث كان، وأنه ناصر المؤمنين، وخاذل المبطلين، (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49) عزيز لا يذل من توكل عليه، حكيم لا يضيع من اعتصم بحكمته وتدبيره.
(إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (آل عمران: 160).
والتوكل على الله -وهو من ثمار الإيمان- ليس استسلام متبطل، أو استرخاء كسول. إنه معنى حافز، وشحنة نفسية، تغمر المؤمن بقوة المقاومة، وتملؤه بروح التحدي والإصرار، وتشحذ فيه العزم الصارم، والإرادة الشماء، والقرآن يقص علينا كثيراً آثار هذا التوكل في أنفس رسل الله، إزاء أعداء الله.
فهذا نبي الله هود في صراعه مع قومه «عاد» يجد من هذا التوكل حصناً حصيناً يلجأ إليه (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم) (هود: 53 - 56).
وهذا شعيب وقومه يساومون ويهددون (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا) (الأعراف: 88، 89).
وهذا موسى بعد أن تميز بقومه عن معسكر الفراعنة يقول لهم: (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) (يونس: 84 - 86).
وها هم الرسل جميعاً يعتصمون بالتوكل على الله أمام عناد أقوامهم وإيذائهم (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون) (إبراهيم: 12)
الإيمان بالحق
يستمد المؤمن قوته من الحق الذي يعتنقه، فهو لا يعمل لشهوة عارضة، ولا لنزوة طارئة ولا لمنفعة شخصية، ولا لعصبية جاهلية، ولا للبغي على أحد من البشر، ولكنه يعمل للحق الذي قامت عليه السموات والأرض، والحق أحق أن ينتصر، والباطل أولى أن يندثر (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (الأنبياء: 18) (وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً) (الإسراء: 81).
دخل ربعي بن عامر- مبعوث سعد بن أبي وقاص في حرب القادسية- على رستم قائد جيوش الفرس، وحوله الأتباع والجنود، والفضة والذهب. فلم يبال بشيء منها، ودخل عليهم بفرسه القصيرة، وترسه الغليظة، وثيابه الخشنة، فقال له رستم: من أنت ... وما أنتم؟
فقال له: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
المؤمن بإيمانه بالله وبالحق على أرض صلبة غير خائر ولا مضطرب، لأنه يعتصم بالعروة الوثقى ويأوي إلي ركن شديد: (فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (البقرة: 256).
فليس هو مخلوقاً ضائعاً، ولا كماً مهملاً، إنه خليفة الله في الأرض، إن تظاهر عليه أهل الباطل، فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير. فكيف يضعف المؤمن أمام البشر ومن ورائه الملائكة؟ بل كيف ينحني للخلق ومعه الخالق؟ (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) (آل عمران: 173، 174).
هذا الإيمان هو الذي جعل بضعة شبان كأهل الكهف، يواجهون بعقيدتهم ملكاً جباراً، وقوماً شديدي التعصب، غلاظ القلوب، مع قلة العدد، وانعدام الحول والطول المادي (نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً، لقد قلنا إذن شططاً * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّ?ن، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) (الكهف: 13 - 15).
الإيمان بالخلود
ويستمد المؤمن قوته من الخلود الذي يوقن به، فحياته ليست هذه الأيام المعدودة في الأماكن المحدودة، إنها حياة الأبد، وإنما ينتقل من دار إلى دار.
وما الموت إلا رحلة غير أنها
من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
هذا عمير بن الحمام الأنصاري في غزوة بدر يسمع النبي يقول لأصحابه "والذي نفسي بيده ما من رجل يقاتلهم اليوم -المشركين- فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" فيقول عمير: بخ بخ -كلمة تعجب- فيقول: مم تبخبخ يا ابن الحمام؟ فيقول: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أتقدم فأقاتل هؤلاء فأقتل؟ فيقول الرسول: بلى، وكان في يد عمير تمرات يأكل منها فقال: أأعيش حتى أكل هذه التمرات؟ إنها لحياة طويلة! وألقى التمرات من يده وأقبل يقاتل ويقول:
ركِِضاً إلى الله بغير زاد
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضة للنفاد

غير التقى والصبر والرشاد
وهذا أنس بن النضر يقاتل قتال الأبطال في أحد، ويلقاه سعد بن معاذ فيقول له: يا سعد، الجنة ورب النضر: أجد ريحها من وراء أحد!!
الإيمان بالقدر
ويستمد المؤمن قوته من القدر الذي يؤمن به، فهو يعلم أن ما أصابه من مصيبة فبإذن الله، وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (التوبة: 51).
المؤمن يعتقد أن رزقه مقسوم، وأجله محدود، لا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما قسم الله له من رزق، ولا أن ينتقص ما كتب الله له من أجل، وهذه العقيدة تعطيه ثقة لا حدود لها، وقوة لا تقهرها قوة بشر. وقد كان الرجل يذهب إلى الميدان مجاهداً في سبيل الله فيعترض سبيله المثبطون، ويخوفونه من ترك أولاده. فيقول: علينا أن نطيعه تعالى كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا.
وكان المعوقون والمخذلون يذهبون إلى المرأة فيثيرون مخاوفها على رزقها ورزق عيالها إذا ذهب زوجها إلى الجهاد، فتجيبهم في ثقة واطمئنان: زوجي عرفته أكَّالاً ولم أعرفه رزَّاقاً، فإن ذهب الأكَّال فقد بقي الرزَّاق!!
وكان علي بن أبي طالب يخوض المعامع وهو يقول:
أي يومي من الموت أفر؟
يوم لا يقدر أو يوم قدر؟
يوم لا يقدر لا أحذره
ومن المقدور لا ينجي الحذر
قال السيد جمال الدين الأفغاني: "الاعتقاد بالقضاء والقدر -إذا تجرد عن شناعة الجبر- يتبعه صفة الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة يبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود، وتنشق منها مرائر النمور، هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات، واحتمال المكاره، ومقارعة الأهوال، ويحليها بحلل الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج عن كل ما يعز عليها، بل يحملها على بذل الأرواح، والتخلي عن نضرة الحياة .. كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة.
الذي يعتقد بأن الأجل محدود: والرزق مكفول، والأشياء بيد الله، يصرفها كيف يشاء، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمته أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك؟
اندفع المسلمون في أول نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلطون عليها، فأدهشوا العقول، وحيروا الألباب بما دوخوا الأمم، وقهروا الدول، وامتدت سلطتهم من جبال بيرينية -الفاصلة بين أسبانيا وفرنسا- إلى جدار الصين، مع قلة عدتهم وعددهم، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة، وطبائع الأقطار المتنوعة. أرغموا الملوك، وأذلوا القياصرة والأكاسرة، في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، إن هذا ليعد من خوارق العادات وعظائم المعجزات.
دمروا بلاداً ودكوا أطواداً، ورفعوا فوق الأرض أرضاً ثانية من القسط، وطبقة أخرى من النفع، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم، وأقاموا بدلها جبالاً وتلالاً من رؤوس النابذين لسلطانهم، وأرجفوا كل قلب، وأرعدوا كل فريصة، وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع هذا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر.
هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغص بها الفضاء ويضيق بها بسيط الغبراء، فكشفوهم عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم" (العروة الوثقى - نشر دار العرب للبستاني ص 53).
الإيمان بالأخوة
ويستمد المؤمن قوته من إخوانه المؤمنين، فهو يشعر بأنهم له وهو لهم. يعينونه إذا شهد، ويحفظونه إذا غاب، ويواسونه عند الشدة، ويؤنسونه عند الوحشة، ويأخذون بيده إذا عثر، ويسندونه إذا خارت قواه، فهو حين يعمل يحس بمشاركتهم، وحين يجاهد يضرب بقوتهم، إذا حارب جيشاً من ألف مؤمن شعر كل فرد منهم أنه يقاتل بقوة ألف لا بشخصه وحده، وشعر أن هؤلاء الألف يعيشون في نفسه -كما يعيش هو في أنفسهم- حباً لهم، وحرصاً عليهم، وضناً بهم، فإذا ضربت الألف في الألف كان المجموع المعنوي ألف ألف رجل في الحقيقة وان كانوا ألفاً واحدة في لغة الإحصاء والتعداد (وقد شبَّه النبي قوة المؤمن بإخوانه المؤمنين باللبنة في البناء المتين، فقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" اللبنة وحدها ضعيفة مقدور عليها، ولكنها داخل البنيان أصبحت مرتبطة به ارتباطاً لا ينفصل، أصبحت جزءاً من (الكل) الكبير، لا يسهل كسرها، أو زحزحتها عن موضعها فإن قوتها هي قوة البنيان كله الذي يشدها إليه).
حدثوا أن جيشاً من المسلمين كان بينه وبين عدوه نهر فأمرهم القائد أن يخوضوه، ولبوا الأمر، وخاضوا النهر، والعدو يشهدهم من بعيد دهشاً مرتاعاً .. وفي وسط النهر شهدهم العدو يغوصون في جوف الماء مرة واحدة كأنما غرقوا، ثم ظهروا فجأة .. فسأل العدو ما شأنهم؟ فعرفوا أن رجلاً منهم سقط منه قعبه -إناؤه- فصاح: قعبي .. قعبي .. فغاصوا جميعاً يبحثون عن قعب أخيهم .. فقال الأعداء في ذهول: إذا كانوا يصنعون مثل هذا في قعب سقط من أحدهم. فماذا يصنعون إذا قتلنا بعضاً منهم؟؟ وفت ذلك في عضدهم، وكانت العاقبة التسليم للمؤمنين.
على قدر الإيمان تكون القوة
إن إيمان المسلم بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، وبالخلود الذي لا ينقطع، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالأخوة الصادقة التي لا تهن - مصادر فياضة بالقوة المعنوية التي لا يقاس إليها قوة المادة أو السلاح.
وعلى قدر نصيب المرء من الإيمان يكون نصيبه من تلك القوة، نرى ذلك بارزاً في أرجح المؤمنين ميزاناً بعد رسول الله، فقد تمثلت قوته في مواقف جعلت عمر الجبار الشديد يقول: "والله لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح ... ".
موقفه يوم توفي الرسول فذهل المسلمون، وأخرجتهم الفجيعة عن وعيهم، حتى روي أن عمر قال: من قال أن محمداً مات ضربت عنقه بسيفي هذا! هنالك وقف أبو بكر يؤذن في الناس بصوت جهير: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ..."، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً) (آل عمران: 144) وموقفه بعد ذلك يوم تردد المسلمون في إنفاذ جيش أسامة الذي جهزه النبي إلى الشام قبل مرض موته، فقد طلبوا من أبي بكر أن يوقف مسير هذا الجيش، فإن الغد مليء بالطوارئ والاحتمالات، ولا يدرى أحد ماذا يفعل العرب في القبائل والقرى إذا علموا أن النبي قد مات .. ولكن أبا بكر أجابهم في حزم عازم وقال: "والذي نفس أبي بكر بيده ... لو ظننت أن السباع تختطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته".
وموقفه في حرب المرتدين ومانعي الزكاة في الوقت الذي برزت فيه قرون العصبية الجاهلية كأنها قرون الشياطين، وكان المسلمون -بعد موت رسولهم- كالغنم في الليلة المطيرة، كما وصفتهم عائشة- وحتى قال بعض المسلمين لأبى بكر: يا خليفة رسول الله، لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً .. الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .. ولكن هذا الرجل الخاشع البكاء، الرقيق كالنسيم، اللين كالحرير، الرحيم كقلب الأم، ينقلب في لحظات إلى رجل ثائر كالبحر، زائر كالليث، يصيح في وجه عمر: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا ابن الخطاب؟ لقد تم الوحي واكتمل .. أفينقص وأنا حي؟ والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، ما استمسك السيف بيدي!! .
من ثمار هذه القوة في نفس المؤمن وأخلاقه
(أ?)      التزام الحق مع القريب والبعيد
ومن ثمار هذه القوة النفسية ومظاهرها في المؤمن، الصدق في كل حال، والعدل في كل حين، فهو معترف بالخطأ إذا زلت به قدمه غير جاحد ولا مكابر. ولا مبرر لخطئه بخطأ آخر، أو بإلقاء التهمة على غيره، وهو يقول الحق ولو كان مراً، ويقوم لله شهيداً بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، ويعدل مع العدو عدله مع الصديق، لا يعرف التحيز، ولا يعرف المحاباة.
أقام عمر بن الخطاب الحد على أحد أبنائه حتى قالوا: إنه مات في يديه. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، ليقوم بتقدير ثمر النخل فيها، إذ كان لهم نصفها، وللمسلمين نصفها، وقام عبد الله بالمهمة فقال: في هذه كذا، وفي هذه كذا، فجمع اليهود له حلياً من حلى نسائهم وقالوا له: هذا لك، وخفف عنا في القسمة وتجاوز فقال: يا معشر اليهود .. والله والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي. وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم. أما الذي عرضتم له من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها. فلم يملك اليهود إلا أن قالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابناً له اشترى خاتماً فصه بألف درهم، فبعث إليه يقول: أما بعد .. فقد بلغني أنك اشتريت خاتماً فصه بألف درهم، فإذا بلغك كتابي هذا فبعه وأطعم بثمنه ألف جائع! واشتر خاتماً فصه من حديد .. واكتب عليه: رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه..
(ب?)  الاستهانة بالقوى المادية
ومن مظاهر هذه القوة شجاعته في مواطن البأس وثباته في موضع الشدة، لا تتزلزل له قدم، ولا يتزعزع له ركن، لا يخشى الناس قلوا أو كثروا، ولا يبالي بالأعداء وإن أرغوا وأزبدوا، انسدت أبواب الخوف كلها في نفسه، فلم يعد يخاف إلا من ذنبه، ومن سخط ربه.
إذا قيل له: إن أعداءك أكثر عدداً تلا قول الله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: 249).
وإذا قيل: إنهم أكثر مالاً .. قرأ عليهم (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلَبون) (الأنفال: 36).
وإذا حذروه من مكرهم وكيدهم أجابهم بما قال الله (ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين) (آل عمران: 54).
وإذا قيل إنهم أمنع حصوناً .. قرأ عليهم (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) (الحشر: 2).
إنه يسير بمعونة الله، وينظر بنور الله، ويقاتل بسيف الله، ويرمي بقوة الله، (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال: 17).
إن المؤمن لا يستعبده منطق المادة، ولا لغة الأرقام، ولذا يقدم من ألوان التضحيات وضروب البذل والفداء ما يعتبره بعض الناس تهوراً بل جنوناً.
روى ابن الأثير في تاريخه أن المسلمين في أثناء فتحهم لديار فارس حال نهر دجلة بينهم وبين «المدائن» وكانت السنة كثيرة المدود، ودجلة تقذف بالزبد، فجمع سعد بن أبي وقاص الناس، فحمد اله وأثنى عليه وقال: "ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم" فقالوا جميعاً: "عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل".
فهب الناس إلى العبور، وأذن لهم في الاقتحام وقال: قولوا نستعين. بالله، ونتوكل عليه. حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، ليظهرن دينه، وليهزمن عدوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتلاحق الناس في دجلة، وهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء.
ولقد كان الكافرون والمنافقون ينظرون إلى هذه الروح العالية التي يبديها المسلمون، فينازلون العدد الكثير وهم قليل، ويتحدون السلاح والاستعداد، والقوى غير متكافئة، بل غير متقاربة، فيظنون هذا غروراً، وما هو بالغرور، وإنما هي قوة الإيمان بالله والتوكل عليه (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غَرَّ هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49).
(ج) الإخلاص في القول والعمل
ومن مظاهر هذه القوة .. إخلاصه القول والعمل والنية لوجه ربه، فتراه يعمل الخير، ويحارب الشر، وإن لم يكن له فيه نفع مادي، ولا هوى شخصي، لا يهمه الشهرة ولا المحمدة ولا رضا الناس، بل يؤثر الخفاء على الشهرة، وعمل السر على عمل العلانية، تجنباً للرياء، وبعداً بالنفس عن مزالق الشرك الخفي، متمنياً أن يكون ممن يحبهم الله، من الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا، محاولاً أن يكون كالجذع من الشجرة يمدها بالغذاء وهو في باطن الأرض لا تراه العيون، وكالأساس من البنيان، يختفي في الأعماق وهو الذي يمسك البناء أن يزول.
وفي بعض الآثار تصوير لطيف للقوة الروحية للإنسان حين يتجرد للحق، ويخلص له، تصوير يجعله أثقل في ميزان الحق من الأرض والجبال، والحديد النار والماء ... يقول الأثر:
(لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت فتعجب الملائكة من شدة الجبال فقالت: يا ربنا، هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: نعم … الحديد … قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار … قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من النار؟ قال: نعم، الماء ... قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم ... إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها من شماله).
الإنسان إذا أخلص لربه أشد قوة من الجبال المرساة في الأرض كالأوتاد، ومن الحديد القوي الذي يقطع الجبال، وتنحت به الصخور، ومن النار المتأججة التي تذيب الحديد، ومن الماء المتدفق الذي يطفئ النار، ومن الريح العاصف الذي يسوق المياه.
ومن مظاهر هذه القوة عند المؤمن وضوح خطته، واستقامة طريقته، وثباته عليها، لا يفريه وعد، ولا يثنيه وعيد، ولا ينحرف به طمع متسلط، أو هوى جائر، أو شهوة طاغية، فهو دائماً داع إلى الخير، ثائر على الشر? آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، هاد إلى الحق والعدل، مقاوم للباطل والظلم، يغير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
(د) التحرر من الخوف والحرص
ومن ثمار هذه القوة التحرر من الخوف والحرص.
فلقد رأينا الناس لا يضعف نفوسهم شيء كالحرص على الحياة وإن تكن ذليلة، والهرب من الموت وإن كان كريماً، ولا يغرس فيهم القوة شيء كالاستهانة بالحياة، والإقبال على الموت في سبيل الحق الذي يعتقدونه ولا شيء كالإيمان بالله وبالخلود يهون على الإنسان لقاء الموت، وفراق الحياة.
والمرء إذا هانت عليه الدنيا، ولم يبال بالموت ... هان عليه جبابرة الأرض، وملوك الناس، ونظر إلى الذهب كما ينظر إلى الحجر، وإلى السيف كما ينظر إلى العصا أو هو أدنى.
الحرص والخوف هما اللذان يضعفان النفوس، ويحنيان الرؤوس، ويذلان الأعناق. وإذا لم يكن حرص ولا خوف فلا سبيل إلى الضعف بحال.
وقد رأينا سحرة فرعون حين آمنوا بالله والآخرة استهانوا بالدنيا ولم يجزعوا من الموت، يقولون لفرعون وهم في ثبات الجبال (فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) (طه: 72) إنهم لا يحرصون على شيء عنده، ولا يخافونه على شيء عندهم، فلماذا يهنون أو يضعفون؟ كلا … لقد انقلبوا من أتباع له إلى دعاة له يبشرون وينذرون (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى) (طه: 73).
(هِ) الاستخفاف بالجبابرة والطغاة
ولقد برزت هذه القوة في مقاومة المؤمنين للطغاة في الداخل، أو الغزاة من الخارج، ورأينا ذلك بارزاً للعيان في أمثلة شتى … في القديم والحديث …
طلب الخليفة الأموي الشهير (هشام بن عبد الملك) طاووس اليماني يوماً إلى مجلسه، فلما دخل عليه، لم يسلم عليه بامرة المؤمنين، ولكن قال: "السلام عليك يا هشام" وجلس بازائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله، وقال له: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبّ?ل يدي، ولم تسلم على بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بازائي بغير إذني، وقلت كيف أنت يا هشام، قال: أما ما فعلت من وضع نعلي بحاشية بساطك فإني أضعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، وأما قولك لم تقبّ?ل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول "لا يحل لرجل أن يقبّ?ل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة" وأما قولك لم تسلم على بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك جلست بازائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام، فقال هشام: عظني … فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته - ثم قام.
وفي تاريخنا الحديث رأينا أبطالاً في صور شتى، وفي بلاد عديدة، كلهم تحرروا من الخوف والطمع واستهانوا بالدنيا وما فيها ومن فيها، رغبة فيما عند الله (وما عند الله خير للأبرار) (آل عمران: 198).
رأينا البطل الليبي المسلم (عمر المختار) الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده: وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف. واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان "لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي".
وكان مريضاً بالحمى، تهز رعدتها جسده، وترتعد بها فرائصه، ورغم هذا قال لجنوده: "اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم".
وحين ظفر به جيش المستعمر - وحكموا عليه بالإعدام، تقبل الحكم برحابة صدر، وابتسامة سخرية، وقال له بعضهم -قبل تنفيذ الحكم-: اطلب العفو ونحن نطلق سراحك، فأجابهم بكل إباء وشمم: "لو أطلقتم سراحي لعدت لمحاربتكم من جديد".
ورأينا في الهند عالماً جليلاً كمولانا أبي الكلام آزاد يقف أمام المحكمة الإنجليزية التي عقدت لمحاكمته على ما قام به من إثارة وتحريض للشعب ضد الحكم البريطاني، فيلقي على هيئة المحكمة خطاباً رائعاً في نحو ست وثلاثين صفحة (نشرته مجلة "ثقافة الهند" في عدد مارس (يونيو 1958) ص 88 - 124)، يعتبر آية من آيات العزة الإيمانية، وكان مما قاله في هذا الخطاب التاريخي العظيم:
"نعم إني قلت أن الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقل هذا فماذا أقول يا ترى؟ وأيم الله إني لأعجب كيف يطلب مني أن أسمي شيئاً بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض؟…
إني مسلم، ولأني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد وأقبحه، وأشهر مساويه…
إن الإسلام أعلن "حقوق الإنسان" قبل انقلاب فرنسا بأحد عشر قرناً، وليس مجرد إعلان، بل وضع نظاماً عملياً لجمهورية الحق بالغاً في الكمال منتهاه.
ولعمري إن مطالبة مسلم بأن يسكت عن الحق، ولا يسمي الظلم ظلماً، مثل مطالبته بأن يتنازل عن حياته الإسلامية، فإن كنتم لا ترون لأنفسكم أن تطالبوا أحداً بأن يرتد عن دينه، فليس لكم أن تطالبوا مسلماً بأن يمتنع عن قوله للظلم، أنه ظلم، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد.
إن التصديق بالحق وإعلانه عنصر ضروري للحياة الإسلامية، فإن فصل عنها فقدت أكبر ما تمتاز به لأن الإسلام أسس قومية المسلم عليه، وجعلهم شهداء الحق على العالم كله، فكما يجب على الشاهد ألا يتوانى في إبداء شهادته كذلك يتحتم على المسلم ألا يقصر في إعلاء الحق، ولا يبالي في أداء فرضه بمصيبة أو بلاء، بل يصدع به حيثما كان، ولو لاقى دونه الحمام.
ولهذا نجد "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من أكبر الفرائض الإسلامية.
التوحيد أساس الإسلام وقطب رحاه، وضده الشوك الذي أشرب المسلمون بغضه في قلوبهم.
والتوحيد يعلم المسلمين أن الخوف والخشوع لا يكون إلا لله الواحد العظيم، أما غيره فلا يخاف منه ولا يخشع له، وإن من يخشى غير الله فهو مشرك به، وجاعل غيره أهلاً للخوف والطاعة، وهذا ما لا يجتمع مع التوحيد أبداً.
الإسلام من أوله إلى آخره دعوة عامة، إلى البسالة والجرأة والتضحية، والاستهانة بالموت في سبيل الحق.
والقرآن يكرر مرة أخرى (ولا يخشون أحداً إلا الله، وكفى بالله حسيباً) (الأحزاب: 39)، (وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) (التوبة: 18)، (ولا يخافون لومة لائم) (المائدة: 54)، (أليس الله بكاف عبده، ويُخوّ?فونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر: 36).
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" رواه الحاكم على شرط الصحيحين، "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" - أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقد كان صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد من أصحابه أن يقولوا الحق أينما كانوا -متفق عليه-
وقد ابيضت عين الدهر، ولم تر مثل هذه الضحايا الكثيرة العظيمة في إعلاء كلمة الحق، التي تقدمها الأمة الإسلامية في كل دور من حياتها. فتراجم علمائها ومشايخها وسادتها عبارة عن هذه الضحايا.
ألا فلتعلم الحكومة الإنجليزية أن المسلم الذي أمره ربه أن يرحب بالموت الأحمر، ويتغلغل في لجج الدواهي والكوارث، ولا يقبل السكوت عن الحق، لا يخيفه قانون 124 من العقوبات الهندية (الذي كان يحاكم على أساسه) ولا يرده عن دينه وأداء فريضته".
وظل أبو الكلام يهدر كالبحر، ويرسل حججه وكلماته شواظاً من نار، يمده بالقوة إيمانه بالله وبالحق. وبالقدر وبالخلود .. ثم التفت إلى القاضي وقال:
وأنت أيها القاضي، ماذا عسى أن أقول لك إلا ما قاله المؤمنون قبلي في مثل موقفي هذا: (فأقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) (طه: 72).
شهادة التاريخ
ذلك هو شأن الإيمان إذا عمقت جذوره، وقوي سلطانه على النفس، إنه يمد صاحبه بيقين لا يهن، وهمة لا تنى، وأمل لا يخبو، ودافع لا يتوقف، وعزم لا يخور. هو يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، ويجمع المال ولكنه لا يستعبده، وتحيط به النعمة ولكنها لا تبطره، وينزل به البلاء ولكنه لا يقهره، لا تزيده الشدائد إلا عزيمة مع عزيمته، وقوة إلى قوته، كالذهب الأصيل، لا تزيده النار إلا نقاء وصفاء.
من كان يصدق أن مجموعة قليلة العدد، ضئيلة العدة، من جزيرة العرب، لم يكن لهم فلسفة اليونان، ولا مدنية الرومان، ولا حكمة الهند، ولا صنعة الصين، تملك الدنيا بزمام، وترث ملك الأكاسرة، وتحطم إمبراطورية القياصرة، وتنشر ديناً جديداً، وحضارة جديدة في الآفاق، وفي أقل من ربع قرن من الزمان؟
أليس سر هذا هو الإيمان؟ الإيمان الذي جعل من بلال الحبشي قوة يتحدى "سيده" أمية بن خلف ويحارب أبا جهل بن هشام .. الإيمان الذي جعل القلة تنتصر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضرين، ودفع العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في يد، وسيوفهم في أخرى، ومساكنهم على ظهور خيولهم يقولون لملوك الفرس وأباطرة الروم: نحن قوم بعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده...
سر الوهن
وإذا كان الزمن قد تغير على المسلمين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا بعد قوة، فلأن الإيمان لم يعد المسيطر على أنفسهم، والموجه لأخلاقهم وسلوكهم. لقد بات إيمانهم إيماناً «جغرافياً» بحكم ولادتهم في أرض المسلمين، أو إيماناً «وراثياً» يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الدور والعقارات، بات إيماناً مخدراً نائماً لا تأثير له، ولا حيوية فيه، فكيف يورث القوة، ويهب للنفس العزيمة والمضاء؟
لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن الأسباب العميقة لضعفها حين تضعف، وهوانها حين تهون على أعدائها، فقال -وصدّق الزمن ما قال- عليه السلام: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتنا. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ -أي ما سببه وما سره فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حب الدنيا وكراهية الموت".
هذا هو مبعث الوهن الحقيقي، وسر الضعف الأصيل، أن يخلد المرء إلى دنياه الخاصة، فيعيش عبداً لها مطواعاً لأوضاعها الرتيبة، أسيراً لقيودها الثقيلة، تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع، وتسيره الرغائب المادية كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف معصوب العينين.
حب الدنيا هو الذي يجعل الملك في صولجانه عبداً ضعيفاً، رخو العود، أمام امرأة يعشقها، أوشهوة يطمع في نيلها، أو نديم يخشى أن يفضحه، أو حاشية تعينه على سرقاته ونزواته…
وكراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات، على موت يحيون بعده حياة الخلود.
ومن لا يمت تحت السيوف مكرماً
يعش ويقاسي الذل غير مكرم
التماوت والضعف ينافي الإيمان
وقد يرى المرء أناساً -ممن يتمسحون بالدين، ويدَّعون الانتساب إليه، بل إلى لبه وحقيقته- يبدو عليهم الضعف والتماوت، والتخشع والتذلل والذبول، فيظن مخطئاً ومعذوراً أن هؤلاء صورة صحيحة للمؤمنين.
والواقع أن الإيمان الحق بريء من هذه الصور الزائفة، وتلك المظاهر الكاذبة. الإيمان قوة في الباطن والظاهر، في الخلق والسلوك، في المخبر والمظهر معاً.
رأى عمر رجلاً متماوتاً في صلاته، مطأطئاً رقبته، مبدياً التذلل والتخشع، فما كان منه إلا أن علاه بدرته وقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله. ارفع رأسك. فإن الخشوع في القلوب ليس الخشوع في الرقاب.
وكان من كلماته المأثورة: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى البدن خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
ورأت الشفاء بنت عبد الله بعض الفتيان يمشون متماوتين، فقالت في دهش: ما هؤلاء؟
فقيل لها: هؤلاء نُسَّاك -عُبَّاد-
فقالت: لقد كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان هو الناسك حقاً.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع وقاره وسمو هيبته- إذا مشى أسرع في مشيته، كأنما ينحدر من ضبب.
ويقول أبو هريرة: "ما رأيت أحداً أحسن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن الشمس تجرى في وجهه - ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته منه، كأنما الأرض تطوى له، وإنما لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث".


الفصل الرابع - الرحمة
قيمة الرحمة والإنسان
الإنسان من غير قلب أشبه بالآلة الصماء، والحجر الصلد، فإن حقيقة الإنسان ليست في هذا الغلاف الطيني من لحم ودم وعظم، وإنما هي تلك اللطيفة الربانية، والجوهرة الروحية، التي بها يحس ويشعر وينفعل ويتأثر، ويتألم ويرحم، هي القلب الحي.
ومن أخص أوصاف المؤمن أنه يتميز بقلب حي مرهف ليّ?ن رحيم، يتجاوب به والأحداث والأشخاص، فيرق للضعيف، ويألم للحزين، ويحنو على المسكين، ويمد يده إلى الملهوف، وبهذا القلب الحي الرحيم ينفر من الإيذاء، وينبو عن الجريمة، ويصبح مصدر خير وبر وسلام لما حوله ومن حوله.
رحمة المؤمن من رحمة الله تعالى
المؤمن إنسان ذو قلب رحيم، لأن مثله الأعلى أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، وأن يكون له حظ من أسمائه الحسنى.
ومن أوضح الأخلاق الإلهية «الرحمة» التي وسعت كل شيء، وشملت المؤمن والكافر، والبر والفاجر، واستوعبت الدنيا والآخرة. وقد قرَّب الرسول لأصحابه هذا المعنى -على طريقته في انتهاز الأحداث والمناسبات فرصاً لغرس المبادئ، والمعاني التي يريدها- حين قدموا عليه مرة بسبي، وإذا امرأة تسعى، قد تحلب ثديها، إذ وجدت صبياً في السبي، فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا -وهي تقدر على ألا تطرحه- قال: فالله أرحم بعباده من هذه بولدها" رواه البخاري.
من أبرز أسماء الله الحسنى اسما «الرحمن الرحيم» وهما أشهر الأسماء بعد لفظ الجلالة «الله» والمؤمن بالقرآن كلما تلا كتاب الله أو بدأ سورة منه، افتتحها بِ «بسم الله الرحمن الرحيم» في مائة وثلاث عشرة سورة منه.
وحسبنا أن يردد هذين الاسمين في صلاته المكتوبة ما لا يقل عن أربع وثلاثين مرة في اليوم فهو كلما أدى ركعة قرأ فاتحة الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم) (الفاتحة: 1 - 3) وهي سبع عشرة ركعة في الصلوات الخمس المفروضة على المسلم في يومه، فإذا أدى السنن زاد ضعف ذلك، فإذا رغب في النافلة، زاد ما شاء الله أن يزيد.
ولهذين الاسمين الكريمين «الرحمن الرحيم» إيحاء قوي في نفس المؤمن، فضلاً عما توجبه عليه عبوديته لله أن يكون له حظ من أسمائه تعالى.
وللإمام الغزالي كتاب سماه «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، يشرح فيه الاسم الإلهي ثم يعقب بما يمكن أن يكون حظ الإنسان من هذا الاسم، وبعد أن شرح معنى الاسمين «الرحمن الرحيم» قال: وحظ العبد من اسم «الرحمن» أن يرحم عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة، لا بعين الإيذاء، وأن يرى كل معصية تجري في العالم كمعصية له في نفسه، فلا يألو جهداً في إزالتها بقدر وسعه، رحمة لذلك العاصي من أن يتعرض لسخط الله تعالى، أو يستحق البعد عن جواره.
"وحظ العبد من اسم «الرحيم»: ألا يدع فاقة لمحتاج إلا ويسدها بقدر طاقته، ولا يترك فقيراً في جواره أو في بلده، إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره، إما بماله أو جاهه، أو الشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن جميع ذلك، فيعينه بالدعاء، وإظهار الحزن، رقة عليه وعطفاً، حتى كأنه مساهم له في ضره وحاجته".
من لا يَرحم لا يُرحم
والمؤمن يعتقد أنه دائماً فقير إلى رحمة الله تعالى، فبهذه الرحمة الإلهية يعيش في الدنيا ويفوز في الآخرة. ولكنه يوقن أن رحمة الله لا تنال إلا برحمة الناس "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، "ومن لا يَرحم لا يُرحم"، "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
ورحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين -وإن كان دافع الإيمان المشترك يجعلهم أولى الناس بها- وإنما هو ينبوع يفيض بالرحمة على الناس جميعاً. وقد قال رسول الإسلام لأصحابه: "لن تؤمنوا حتى ترحموا. قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة". (رواه الطبراني). ومن صفات المؤمنين في القرآن (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) (البلد: 17).
بل هي رحمة تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فالمؤمن يرحمه ويتقي الله فيه، ويعلم أنه مسئول أمام ربه عن هذه العجماوات. وقد أعلن النبي لأصحابه أن الجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلباً فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فإذا كان هذا عقاب من حبس هرة بغير ذنب، فماذا يكون عقاب الذين يحبسون عشرات الألوف من بنى الإنسان بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله؟!
وقال رجل: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها. فقال: "إن رحمتها رحمك الله" (رواه الحاكم) ورأى عمر رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: "ويلك .. قدها إلى الموت قوداً جميلاً".
ويروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه -خيمته- فاتخذت من أعلاه عُشَّاً، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة "الفسطاط".
ويروي ابن الحكم في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلا لحاجة. وأنه كتب إلى صاحب السكك: أن لا يحملوا أحداً بلجام ثقيل، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة. وكتب إلى واليه بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل.
هذه الرحمة الدافقة الشاملة أثر من آثار الإيمان بالله والآخرة، ذلك الإيمان الذي يرقق بنفحاته القلوب الغليظة، ويلين الأفئدة القاسية.
أرأيت إلى عمر -وقد كان معروفاً بالشدة والقسوة في جاهليته- كيف صنع الإيمان به، ففجَّر ينابيع الرحمة والرقة في قلبه. لقد قالوا: إنه وأد بنتاً له في الجاهلية، فلما ولي إمارة المؤمنين كان يرى نفسه مسئولاً أمام الله عن بغلة تعثر بأقصى البلدان.
ولقد غلبت هذه العقيدة وهذا الخلق على أعمال المسلمين الأولين، ووضحت آثارها في سلوكهم حتى مع الأعداء المحاربين، فنجد رسول الإسلام يغضب حين مر في إحدى غزواته، فوجد امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل، وينهى عن قتل النساء والشيوخ والصبيان، ومن لا مشاركة له في القتال.
ويسير أصحابه على نفس النهج أبراراً رحماء لا فجاراً قساة: فهذا أبو بكر يودع جيش أسامة بن زيد ويوصيهم قائلاً: "لا تقتلوا امرأةً ولا شيخاً ولا طفلاً، ولا تعقروا نخلاً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالاً فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له". ويقول عمر: "اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب".
ويُحمل إلى أبي بكر رأس مقتول من كبراء الأعداء المحاربين. فيستنكر هذا العمل، ويعلن سخطه عليه ويقول لمن جاءه بالرأس: لا يُحمل إلي رأس بعد اليوم. فقيل له: إنهم يفعلون بنا ذلك. فقال: فاستنان (أي اقتداء) بفارس والروم؟ إنما يكفي الكتاب والخبر.
وهكذا كانت الحرب الإسلامية حرباً رحيمة رفيقة، لا يُراق فيها الدم إلا ما تدعو الضرورة القاهرة إليه، وقد لاحظ ذلك الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون فقال: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب!
من آثار الرحمة في المجتمع الإسلامي
كما برز أثر ذلك الخلق العظيم في العلاقات الاجتماعية الداخلية - فرأينا المجتمع المسلم تسوده عواطف كريمة، ومشاعر نبيلة، كلها تفيض بالرفق والمرحمة، وتتدفق بالبر والخير، وتجلت هذه المشاعر والعواطف فيما عُرف بنظام "الوقف الخيري" عند المسلمين.
فقد مضى المواسون من المؤمنين -بدافع الرحمة التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وألا ينقطع عملهم بعد موتهم- يقفون أموالهم كلها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإيواء الغريب، وعلاج المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإعانة المحروم، وعلى كل غرض إنساني شريف، بل لقد أشركوا في برّ?هم الحيوان مع الإنسان.
ولقد تأخذ أحدنا الدهشة وهو يستعرض حجج الواقفين ليرى القوم في نبل نفوسهم، ويقظة ضمائرهم، وعلو إنسانيتهم، بل سلطان دينهم عليهم، وهم يتخيرون الأغراض الشريفة التي يقفون لها أموالهم، ويرجون أن تنفق في سبيل تحقيقها هذه الأموال.
وربما استشرفت النفوس إلى أمثلة من هذا البر يعين ذكرها على تفصيل هذا الإجمال. فإلى هذه النفوس المستشرفة أسوق هذه الأمثلة:
وقف الزبادى
وقف تشترى منه صحاف الخزف الصيني، فكل خادم كُسرت آنيته، وتعرض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحاً بدلاً منه، وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه.
وقف الكلاب الضالة
وقف في عدة جهات ينفق من ريعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب استنقاذاً لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.وقف الأعراس
وقف لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه وبهذا يتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلة لائقة ولعروسه أن تجلى في حلة رائقة، حتى يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.وقف الغاضبات
وقف يؤسس من ريعه بيت. ويعد فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من الجفاء وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.
وقف مؤنس المرضى والغرباء
وقف ينفق منه على عدة مؤذنين، من كل رخيم الصوت حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتل كل منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعياً وراء التخفيف عن المريض الذي ليس له من يخفف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له من يؤنسه .
وقف خداع المريض
وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرضين أن يقفا قريباً من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيرد عليه الآخر: إن الطبيب يقول: أنه لا بأس فهو مرجو البرء، ولا يوجد في علته ما يشغل البال وربما نهض من فراش مرضه بعديومين أو ثلاثة أيام.
وهكذا سلك الواقفون كل مسالك الخير، فلم يدعوا جانباً من جوانب الحياة دون أن يكون للخير نصيب فيه.
وبهذا إنما يصدرون عن احساسات إنسانية عميقة، تنفذ إلى موطن الحاجة التي تعرض للناس في كل زمان ومكان.
ولا شك أن العقيدة هي صاحبة الفضل في خلق هذه الأحاسيس الرقيقة، وإيقاظ تلك المشاعر السامية التي تنبهت لتلك الدقائق، في كل زاوية من زوايا المجتمع وكل منحى من مناحي الحياة، ولم يكفهم أن يكون برّهم مقصوراً على حياتهم القصيرة، فأرادوا صدقة جارية، وحسنة دائمة، يكتب لهم أجرها ما بقيت الحياة وبقي الإنسان.
الجرائم البشعة وليدة الكفر والقسوة
إن القلوب المؤمنة لا تخلو من رحمة، والكفر بالله والآخرة يتبعه قلب غليظ قاس، والقلوب القاسية هي التي ترتكب عادة أبشع الجرائم التي تقشعر لهولها الأبدان.
ولو قلبنا صفحات التاريخ لوجدنا الجرائم المروعة فيه إنما اقترفها أناس لا يرجون لله وقاراً، ولا يحسبون للآخرة حساباً. فرعون الطاغية المتكبر الجبار الذي ذبح الأبناء، واستحيا النساء، لم يكن يؤمن بالرجوع إلى الله في الآخرة، فصنع ما صنع (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (القصص: 39).
(وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) (غافر: 27).
و «نيرون» الذي أحرق روما، و «لينين» الذي قال في بعض رسائله إلى مكسيم جوركي: إن قتل ثلاثة أرباع العالم يهون في سبيل أن يصبح الربع الباقي شيوعياً.
والمذابح التي صنعها الماديون الشيوعيون في الموصل وكركوك والعراق من دفن الناس أحياء، وجر الجثث في الشوارع (السحل) أوضح شاهد على جمود القلوب عند الماديين.
وثورة المجر وما أريق فيها من دماء دليل أخر (وما يريقه الشيوعيون في أفغانستان المسلمة الآن -1980- من دماء المسلمين أقوى دليل على ذلك - "الناشر").
بل ما يحدث من الشيوعيين أنفسهم بعضهم لبعض دليل واضح على أن قلوبهم كالحجارة، أو أشد قسوة، كتب الصحفي المعروف «علي أمين» (كتاب «أفكار للبيع» ص 141 تحت عنوان: «أنصار الطغاة» لعلي أمين) يقول: في كتاب «ماذا يحدث للشيوعيين» الذي ألَّفه الكاتب الروسي «ميشيل باديف» إحصاء غريب عن عدد الذين أعدمهم ستالين من أنصاره بعد وفاة لينين.
فقد أعدم ستالين جميع أعضاء أول مجلس إدارة الحزب اجتمع بعد وفاة لينين، وأجمع على انتخاب ستالين.
وأعدم كل وزراء لينين واتهمهم بالخيانة.
وأعدم 80 بالمائة من سكرتيري اتحادات العمال الذين اجتمعوا وباركوا انتخابه.
وأعدم 15 عضواً من الِ 27عضواً الذين تألفت منهم اللجنة التي وضعت دستور 1936.
وأعدم 43 سكرتيراً من 53سكرتيراً، الذين يشرفون على تنظيمات الحزب الشيوعي.
وأعدم 70 من 80 عضواً من أعضاء مجلس الدفاع السوفييتي.
وأعدم ثلاثة مارشالات من خمسة مارشالات في الجيش الأحمر.
وأعدم 9 وزراء من الِ 11وزيراً الذين كان يتألف منهم مجلس وزرائه عام 1936.
وأعدم 60 بالمائة من قواد الجيش الأحمر وثلاثين ألف موظف من موظفي الحكومة.
وهكذا كان النظام الشيوعي يأكل نفسه بنفسه بسرعة منقطعة النظير.
والسر في كل هذا هو أن لا حرية في روسيا، وأن الحاكم يستطيع أن يحكم على كل من يخالفه، وأن يقضي عليه دون أن يقاضيه، ودون أن يسمح لأي صوت حر أن يعترض، ويقول له: "قف تعال نحتكم معاً إلى العدالة".
ويقول: إن فقدان الحرية ليس وحده سر هذه الجرائم البشعة والمجازر الرهيبة، فقد حكم شعوباً كثيرة مستبدون كثيرون ولكنهم لم يصنعوا بأعدائهم ما صنع هؤلاء بأنصارهم، وذوي حزبيتهم، ولكنها قلوب أقفرت من الإيمان، فأقفرت من الرحمة ورعاية الإنسان لأخيه الإنسان.
مثلان من أمثلة الرحمة المؤمنة
أين هذه القسوة الرجيمة، والقلوب الصخرية من تلك القلوب الرقيقة اللينة التي تخشى الله وترجو الآخرة، وتؤمن أنها إن سلمت من حساب الدنيا فلن تسلم من حساب يوم القيامة. وإن أفلتت من يد الانتقام هنا، فلن تفلت من يد العدل هناك؟ وأنها لا تكتفي أن تقف في مرتبة العدل، والقصاص بالمثل، ولكنها تتطلع إلى درجة الفضل والعفو. (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (النحل: 126)، (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين)؟! (الشورى: 40).
وإذا كان لنا أن نضرب أمثلة من تاريخ العقيدة الزاهرة، وعملها في الأنفس والقلوب فإنا نكتفي في هذا المقام بمثلين اثنين من خلفاء المسلمين.
المثل الأول
ما صنعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وقد حاصر داره الثائرون، الذين عملت فيهم الدعاية اليهودية السبئية عملها، ودفعتهم إلى الثورة المسلحة على الخليفة الشيخ، ولكن الخليفة أبى أن يقابل القوة بالقوة، والسلاح بالسلاح، وإن أدى ذلك إلى إراقة دمه. ذكروا أن عبد الله بن عمر لبس درعه وتقلَّد سيفه «يوم الدار» -وهو الاسم الذي أطلق على يوم محاصرة عثمان في داره لقتله- فعزم عثمان عليه أن يخرج، ويضع سلاحه، ويكف يده، ففعل.
ودخل عليه زيد بن ثابت فقال: إن هذه الأنصار بالباب، ونقول: إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال: لا حاجة لي، كفوا.
وعن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: اعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعاً وطاعة أن يكف يده، ويلقي سلاحه … فألقى القوم أسلحتهم.
وقال بعض أنصاره: نهانا عثمان عنهم (الثوار) ولو أذن لنا عثمان فيهم لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا.
وهكذا رفض الخليفة إراقة الدماء، ولو كان ذلك في نصرته، والدفاع عنه، وحاول أن يردهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
أشرف عليهم يوماً وقال لهم: إنه لا يحل سفك دم امرئ، مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. فهل أنا في واحدة منهن؟ فما وجد القوم له جواباً.
وقال لهم مرة: أيها الناس إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القيد فضعوها، فما وجد القوم له جواباً. ثم قال: أستغفر الله إن كنت ظَلمت، وقد غفرت إن كنت ظُلمت (ظلمت: الأولى بفتح الظاء والثانية بضمها)!!
واعتصم الخليفة بالصبر، وأبى أن تسل السيوف تأييداً له حتى ضرج الثوار الأرض بدمه، كراهة أن يلقى الله بدم أحد في عنقه.
قال معبد الخزاعي لعلي بن أبي طالب: أخبرني أي منزلة وسعتك إذ قُتل عثمان ولم تنصره. قال: إن عثمان كان إماما، وأنه نهى عن القتال، وقال: من سل سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصينا.
قال: فأي منزلة وسعت عثمان، إذ استسلم حتى قتل؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم، إذ قال لأخيه: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين) (المائدة: 28).
المثل الثاني
وأما المثل الثاني فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إذ يتربص به اثنان من طائفة الخوارج (شبيب الأشجعي، وعبد الرحمن بن ملجم) وقد خرج قبيل الفجر يوقظ الناس للصلاة، فترقباه بباب المسجد حتى دخل فضربه شبيب فأخطأه، وضربه ابن ملجم على صلعته، فقال علي كرم الله وجهه: "فزت ورب الكعبة" أي بالشهادة: وتجمع الناس بسرعة على الرجلين، فأما شبيب فاستطاع أن ينسل من بين الناس. وأما ابن ملجم فلم يكتف بجريمته الشنعاء حتى حمل بسيفه على الناس فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل -أخو الهاشميين- بقطيفة فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وكان قوياً أيدا، فقعد على صدره. ثم أقبل الناس على علي رضي الله عنه، يسألونه ما يصنعونه به. فماذا قال علي في شأن قاتله البغيض وهو الخليفة الآمر المطاع؟
قال: "إن أعش فالأمر إلي، وإن أصبت فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربة، وأن تعفوا أقرب للتقوى".
هذا هو منطق الإيمان: ضربة بضربة، وأن تعفوا أقرب للتقوى، ألا ما أروع وما أعظم؟؟
ترى كم كان يذهب ضحية من قوم هذا القاتل وحزبه لو كان الأمر بيد الماديين الذين لا يخشون الخالق ولا يرحمون المخلوق؟!! .


الفصل الخامس - الإيمان والإنتاج
ونعني بالإنتاج هنا: الإنتاج الاقتصادي بخاصة، والإنتاج المادي والمعنوي بعامة، ذلك أن بعض الناس يخيل إليه أن الإيمان بالدين وعقائده قد يؤخر عجلة الإنتاج أو يعوقها في سيرها وحركتها، بما يميت في النفوس من حب الحياة والرغبة في العمل المادي، وبما يلقيه في قلوب الناس أن الإنسان مسير لا مخير، وأن الحياة الدنيا لا تستحق العمل والاهتمام، لكم يخسر المجتمع، وتتأخر الحياة، إذا شاع فيها هذا اللون من الإيمان.وهذه أوهام أشاعها الجهل عن الدين والإيمان، والحقيقة أن الإيمان أعظم دافع للإنتاج لو تأمل الناس وأنصفوا، فالإنتاج لا ينمى ويزداد إلا بما يبذل الناس من جهد وعمل، وما يصحب هذا العمل من إحكام وإتقان. ولا يتحقق هذا وذاك إلا في جو من الأصالة والإخلاص للعمل، وذلك لا يكون إلا بباعث قوي، وحافز غلاب، فهل هناك باعث أقوى تأثيراً من الإيمان؟
الإيمان والعمل
إن الإيمان الصادق ليس مجرد إدراك ذهني أو تصديق قلبي غير متبوع بأثر عملي في الحياة .. كلا، إنه اعتقاد وعمل وإخلاص.
ومهما اختلف علماء الكلام والجدل في العقائد حول مفهوم الإيمان وصلة العمل به: أهو جزء من مفهومه أو شرط له أم ثمرة من ثمراته، فإنهم متفقون على أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان الكامل.
وقد روي في الأثر ما يصور لنا حقيقة الإيمان: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل" (رواه ابن النجار والديلمي في "سند الفردوس" من حديث أنس ورمز له السيوطي في "الجامع" بعلامة الضعف).
وقد ذكر القرآن الكريم الإيمان مقروناً بالعمل في أكثر من سبعين آية من آياته، ولم يكتف بمجرد العمل ولكنه يطلب عمل "الصالحات" وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما تصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع، وما تصلح به الحياة الروحية والمادية معاً.
دافع المؤمن إلى العمل دافع ذاتي
والمؤمن بالدين عامة وبعقيدة الإسلام خاصة، لا يساق إلى العمل الدنيوي سوق القطعان. لا يدفعه إليه قهر حكومي أو ضغط خارجي، أو رقابة من سلطة تنفيذية تشهر عليه سيف التهديد بالجوع والحرمان أو عذاب الهون. كما يعرف في الأنظمة الاشتراكية.
وإنما يندفع المؤمن إلى العمل بحافز من نفسه، وباعث من ذاته، بإيحاء ينبعث من داخله لا سوطاً يسوقه من الخارج. ذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله وبرسالة السماء، وبمهمته في عمارة الأرض والسيادة على الكون.
إن المؤمن يوقن أن السعادة في الآخرة والنجاح في الأولى موقوف على العمل. الجنة في الآخرة ليست جزاء لأهل البطالة والكسل والفراغ، بل لأهل الجد والعمل والإتقان: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) (الزخرف: 72)، (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) (السجدة: 17)
الفوز في الآخرة بالعمل لا بالأماني
وقد هدمت عقيدة الإسلام ذلك الطمع الأشعبي، والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم، أو عقاراً سيتوارثونه عن الآباء والأجداد، يستحقونها بمجرد الانتساب إلى دين معين أو الدخول تحت عنوان خاص.
أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة، ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة: 111، 112) وبهذا رسم الطريق إلى الجنة: إسلام الوجه إلى الله وإحسان العمل.
ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب، في قد وقف نفس الموقف من الأشعبيين، من المسلمين أنفسهم، أولئك الحمقى الذين يتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني، ويظنون أن النطق بكلمة الإسلام، أو التسمي بأسماء المسلمين يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة، فيدخلوها بسلام آمنين، ولكن القرآن بين لهم بوضوح أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة، لا محاباة عنده، ولا فرق بين طائفة وطائفة.
روى المفسرون للقرآن أن مجلساً ضم جماعة من اليهود والنصارى والمسلمين فزعمت كل طائفة منهم أنهم أولى الناس بدخول الجنة، اليهود قالوا: نحن أتباع موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه. والنصارى، قالوا: نحن أتباع عيسى روح الله وكلمته.
والمسلمون قالوا: نحن أتباع محمد خاتم النبيين وخير أمة أخرجت للناس. ولم يدع القرآن هؤلاء وهؤلاء، لدعاواهم وتنازعهم. فنِزلت آياته حاكمة فاصلة، قاضية عادلة، تخاطب المسلمين في صراحة وجلاء: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) (النساء: 123، 124).
النجاح في الدنيا بالعمل
ولا يذهب الظن أو الوهم بأحد، فيحسب أن ارتباط السعادة والفوز بالعمل مقصور على الآخرة وحدها، فإن قوانين الله في الجزاء واحدة، ورب الدنيا والآخرة واحد، فالله تعالى يقول: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) (الكهف: 30)، (فنعم أجر العاملين) (الزمر: 74)، (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8).
وسنة الله -التي أخبرنا القرآن أنها لا تتبدل ولا تتحول- لا تسمح لفارغ أو قاعد أو كسول أن يظفر بما يريد، أو يحقق ما يأمل، بل إن سنن الله في الدنيا لا تفرق في الجزاء على العمل بين مؤمن وكافر ... فمن عمل أُجر، ومن قعد حُرم، مهما كان دينه أو اعتقاده.
وبهذا يندفع المؤمن إلى العمل دائماً، حتى لا يصادم سنن الله في الكون فتصدمه? فيكون من الهالكين.
المؤمن يخشى الله في عمله فيتقنه
والمؤمن لا يكتفي بالاندفاع الذاتي إلى العمل، بل يهمه أن يجوده، ويتقنه ويبذل جهده لإحسانه وإحكامه، لشعوره العميق، واعتقاده الجازم أن الله يرقبه في عمله، ويراه في مصنعه أو في مزرعته أو في أي حال من أحواله، وأنه تعالى "كتب الإحسان على كل شيء" (حديث صحيح رواه مسلم) وقد فسر نبي الإسلام هذا الإحسان في جانب العبادة، فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه? فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (جزء من حديث جبريل المشهور).
وهذا هو شعور المؤمن في كل عمل من الأعمال -لا في العبادة وحدها- أن يؤدي العمل كأنه يرى الله، فإن لم يبلغ هذه المرتبة فأقل ما عليه أن يشعر أن الله يراه، وشعار المؤمن دائماً في أدائه لعمله: إني أرضي ربي.
وربه لا يرضيه منه إلا أن يقوم بعمله في صورة كاملة متقنة، وهذا ما علمه نبي الإسلام للمؤمنين "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي في «شعب الإيمان») عملاً - أي عمل من أعمال الدنيا أو أعمال الآخرة.
وهناك خلقان أصيلان يتوقف عليهما جودة العمل، وحسن الإنتاج، وهما: الأمانة، والإخلاص، وهما في المؤمن على أكمل صورة وأروع مثال. فالصانع المؤمن مثلاً ليس همه مجرد الكسب المادي من صنعته، أو إرضاء صاحب المصنع إن كان يعمل عنده بأجر. ولكنه أمين على صنعته يخلص فيها جهده، ويرقب فيها ربه، ويرعى حق اخوته المؤمنين وهم له أولياء، وعليه رقباء، ومرجو بعد ذلك جزاء الله في الآخرة، (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (التوبة: 105).
إننا كثيرا ما نقرأ في الصحف، وما نسمع من الناس، كما نشاهد نحن بأعيننا، ما تعانيه المؤسسات العامة من أجهزة تتوقف -على جدتها- وأدوات تخرب على متانتها، ومصالح تعطل، مع حاجة الجمهور إليها، وأعمال يكفيها يوم تستغرق أياماً. ونتيجة ذلك أن مشروعات نافعة تفشل، وجهوداً مخلصة تبعثر، وأموالاً طائلة تضيع، وأن الإنتاج العام بعد ذلك كله يتدهور أيما تدهور، وما ذلك إلا لفقدان الأمانة والإخلاص وخراب الضمائر عند أولئك الذين لا يرجون لله وقاراً، ولا يحسبون للآخرة حساباً.
أثر السكينة النفسية في الإنتاج
والمؤمن -كما عرفنا- يتمتع في حياته بسكينة النفس، وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، وبسمة الأمل، ونعمة الرضا والأمن، وروح الحب والصفاء، ولا ريب أن لهذه الحالة النفسية أثرها في الإنتاج، فإن الإنسان الشارد أو المضطرب أو القلق أو اليائس أو الحاقد على الناس والحياة، قلما يحسن عملاً يوكل إليه، أو ينتج إنتاجاً يقنع ويرضي.
هذا أمر يعرف بأدنى ملاحظة، لا يحتاج إلى إحصاء العالم، ولا برهنة الفيلسوف.
أثر الاستقامة في الإنتاج
والمؤمن الصادق الإيمان يقف عند حدود الله، وينتهي عما نهاه، وينأى بنفسه عن ارتكاب الموبقات، والانغماس في أوحال المحرمات، وإرسال العنان للشهوات. إن إيمانه يأبى عليه أن يفرغ طاقته في سهر عابث، ولهو حرام، يأبى عليه أن يجري وراء قدح يفور بالخمر، أو مائدة تدور بالقمار، أو جسد يمور بالفتنة.
وبذلك يظل محتفظاً بحيويته وطاقته الجسدية والعصبية والعقلية والنفسية، فلا يصرفها إلا في العمل الصالح أو ما يعين عليه من لهو بريء.
وهذا كسب كبير للفرد نفسه، ولأسرته وأولاده، وللمجتمع الذي يعيش فيه. وللحياة الإنسانية عامة.
إننا لو أحصينا ما تستهلكه الشهوات المحرمة، والموبقات المحظورة، والملاهي الآثمة -التي يجتنبها المؤمنون الصادقون من الطاقات الإنسانية والمادية- لبلغت حداً هائلاً يفوق ما تبتلعه الحروب المدمرة، والأوبئة الفتاكة، والكوارث المخربة، ولكن الإلف والعادة هما اللذان هونا على الناس هذه الخسائر الفادحة، التي تصاب بها الإنسانية كل يوم، بل كل ساعة. وقد نشرت الصحف أن في أمريكا 72 مليوناً يتعاطون الخمور، منهم 20 مليوناً يكلفون الدولة بليوني دولار كل سنة، بسبب تخلفهم عن العمل فإذا كانت هذه مغارم الخمر وحدها فكم تبلغ مغارم سائر الموبقات وسوء أثرها على الإنتاج؟!.
إحساس المؤمن بقيمة الوقت
والمؤمن أعمق الناس إحساساً بقيمة الوقت. إن الله سائله يوم الجزاء عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ فهو لهذا يضن بوقته أن يضيع في عبث، أو يبعثر في صوب الرياح الهوج. إنه رأس ماله الوحيد، فكيف يضيعه ويبقى صفر اليدين؟ إن الوقت نعمة يجب أن تشكر بالانتفاع بها، ولا تكفر بالتفريط فيها. وقد قال عمر بن عبد العزيز: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
المؤمن يشعر كأن كل يوم تبزغ شمسه أو ينشق فجره، يناديه بصوت جهير: أيها الإنسان أنا خلق جديد، وعلي عملك شهيد، فتزود مني واغتنمني بعمل الصالحات فإني إذا مضيت لا أعود أبداً.
وهو الذي يخشى أن تنفلت الأيام من يديه خاوية من العمل، والإنتاج، فلا يؤخر عمل اليوم إلى غد، لأن للغد عمله الذي يزحمه، فلا يتسع لعمل غيره من الأيام.
وهو كذلك حريص على أن يكون يومه خيراً من أمسه، وغده خيراً من يومه، وأن يطيل حياته -بعد موته- بطول أعماله، ويمد عمره بامتداد الجميل من آثاره، إنه يحرص أن يخلف وراءه علماً نافعاً، أو عملاً طيباً، أو مشروعاً مثمراً، أو صدقة جارية أو ذرية صالحة، وعلى قدر ما يمتد ويبقى الأثر الذي يخلفه وعلى قدر ما ينتفع الناس به تكون مثوبته عند الله. هذه الروح هي التي جعلت رجلا كأبي الدرداء -صاحب رسول الله- يغرس شجرة الجوز وهو في الشوط الأخير من رحلة الحياة فيقول له بعض الناس: أتغرس هذه الجوزة وأنت شيخ كبير، وهى لا تثمر إلا بعد كذا وكذا من السنين؟ فيقول له أبو الدرداء: وماذا علي أن يكون لي ثوابها ولغيري ثمرتها؟
وهي التي جعلت أخر يغرس شجرة الزيتون ويقول: غرس لنا من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا.
العبادات والإنتاج
ولقد يقول بعض الناس: إن كل عقيدة دينية تفرض على المؤمنين بها ألواناً من العبادات وضروباً من القربات والمراسم، تأخذ من أوقات الناس شيئاً يضيق ويتسع باختلاف الأديان وصنوف عبادتها. وخذ مثلاً الصلاة الإسلامية التي تؤدى كل يوم خمس مرات: أليس في ذلك تعطيل للعمل، وتعويق للعامل. في عصر الآلة والسرعة والمنافسة الجبارة؟
والحق أن العبادات في الأديان عامة لا تأخذ من وقت الناس إلا القليل، ما لم يشرع الناس لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيشقوا على أنفسهم ويرهقوها عسراً.
على أن القليل الذي ينفق في العبادة، ليس وقتاً ضائعاً على الحياة والإنتاج. كلا. إنه شحن للطاقة وشحذ للهمة، وتوليد للقوة، وصقل لمعدن النفس لتعود إلى معركة الحياة أقوى وأمضى.
وإنه لمن الظلم للواقع أن يقاس الشيء بأثره المادي المباشر المنظور، ويغفل عن أثره الفعال الخفي الهادئ، في النفس وفي المادة أيضاً.
ما أصدق ما قال الدكتور الكسيس كارليل مؤلف كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وأحد الحائزين على جائزة "نوبل":
"لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت -بوصفي طبيباً- كثيراً من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزاً وتسليماً تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم".
"إن الصلاة كمعدن «الراديوم» مصدر للإشعاع. ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها".
"إننا نربط أنفسنا -حين نصلي- بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبساً منها، نستعين به على معاناة الحياة. بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن تجد أحداً ضرع إلى الله مرة إلا عادت عليه هذه الضراعة بأحسن النتائج".
وإذا كان هذا أثر الصلاة بعامة فإن الصلاة الإسلامية بخاصة أبعد أغواراً وأعمق آثاراً، إنها ليست تعبداً محضاً، ولا ضراعة خالية من معاني الحياة، إنها -مع الضراعة والتعبد- نظافة، وثقافة، ورياضة، وتربية خلقية وهي -بما سنه الإسلام من نظام الجماعة- مدرسة لتعليم المبادئ الاجتماعية المثلى، ومعهد للتربية العلمية على المحبة والإخاء، والمساواة بين الناس.
وليت شعري هل يخسر الإنتاج أم يربح من رجل يستيقظ قبل أن تبرز الشمس من خدرها، فيقوم فيتوضأ ويتطهر. ويصلى لربه، ويستقبل نهاره مبكراً طيب النفس، نشيط البدن، منشرح الصدر، قوى اليقين؟
وبحق ما قاله أحد الباحثين في أثر صلاة الجماعة الإسلامية في حياة المسلم:
"وإنه -وأيم الحق- لنعمة كبرى أن يكون في مكنة الإنسان التمتع خمس مرات يومياً بجو من السلام التام وسط عالم يسوده الصراع والنضال، وبجو من المساواة على حين يكون التباين هو النظام السائد، وبجو من المحبة في معمعة الأحقاد الوضيعة، والتنابذات والخصومات المفعمة بها الحياة اليومية، إنها حقاً لأجزل النعم لأنها العبرة الجلى من الحياة، فليس للإنسان بد من أن يعمل وسط التباين والنضال والصراع، ووسط مشاهد البغضاء والتشاحن، ومع ذلك ينتزع نفسه من كل هذا خمس مرات ليكتنه حقيقة المساواة والإخاء والمحبة من حيث أنها هي المصادر الحقة للسعادة الإنسانية.
ومن أجل ذلك كان الوقت الذي تستغرقه الصلاة غير مضيع عبثاً من ناحية الخيرية الفاعلية، والنفع العملي للبشرية، إذ أنه على العكس من ذلك قد استغل أحسن استغلال، بتعلم تلك الدروس الجليلة التي تجعل الحياة حقاً جديرة بالعيش فيها.
وتلك الدروس في الإخاء والمساواة والمحبة تصبح بممارستها عملياً في الحياة اليومية دعامات لتوحيد الجنس البشري، وتخليد الحضارة الأبدية لبني الإنسان".
المؤمن يعمر أرض الله بالعمل
ولقد يغرق بعض الناس في الخيال، فيتصورون المؤمن درويشاً في «تكيته» أو راهباً في «ديره» متبتلاً للعبادة منقطعاً عن الحياة، وهذه كارثة على العمل والإنتاج.
ولكن هذه الصورة -إن عرفتها بعض الأديان في بيئات معينة- لا تعرفها عقيدة الإسلام، فالإسلام لا يعرف المؤمن إلا كادحاً عاملاً مؤدياً دوره في الحياة، آخذاً منها معطياً لها، مستجيباً لما أراده الله من بني آدم حين جعلهم خلفاء الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).
عقيدة الإسلام لا تعرف يوماً من أيام الأسبوع يخلص للعبادة، وينقطع الناس فيه عن أعمال الحياة -كما تعرف اليهودية مثلاً- ولكن الأيام جميعها في الإسلام أيام عمل، والعمل الدنيوي في الإسلام يمكن أن يكون عبادة بصدق النية.
هذا يوم الجمعة عيد الإسلام الأسبوعي، يقول الله تعالى فيه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) (الجمعة: 9، 10).
فهذه حياة المسلم في يوم الجمعة، عمل وبيع وتجارة قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله والصلاة، ثم انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله بعد انقضاء الصلاة.
وقد حدثوا أن عمر بن الخطاب رأى قوماً قابعين في ركن من المسجد بعد صلاة الجمعة فسألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فعلاهم عمر بدرته ونهرهم وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وإن الله يقول: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).
الإيمان بالآخرة لا يعطل الدنيا
ويزعم بعض الناس أو يظنون أن الإيمان بالآخرة، والإقبال عليها يعطل العمل للدنيا، والكفاح من أجل ترقيتها، فإن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تحمل الأخرى، وكالمشرق والمغرب إذا اقتربت من أحدهما ابتعدت من الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى!! وهكذا فكل إقبال على الآخرة يقابله إعراض عن الدنيا.
وهذا الكلام صحيح إذا نظرنا إلى القلوب والأهداف والنيات .. فمن جعل الدنيا غايته ونيته وهمه ابتعد عن الآخرة بقدر ما تعلق قلبه بالدنيا والعكس بالعكس. أي أن المطلوب من المؤمن في الدنيا، أن يعمل ويجتهد ويكافح، ويبني ويعمر ويشيد، على أن تكون الآخرة نيته، وغايته، وأمله.
المؤمن يتخذ الدنيا مزرعة للآخرة والمزرعة تحتاج إلى عمل وسعي، ولكن الثمرة إنما تقطف كاملة في الآخرة، وإن أدرك بعضها في الدنيا: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) (الأعراف: 32) ذلكم هو المؤمن: يسخّ?ر الدنيا لنفسه، ولا يسخّ?ر نفسه للدنيا، المؤمن لا يتخذ الدنيا رباً فتتخذه الدنيا عبداً.
ولكنه بعد ذلك عضو عامل في جسم الأمة، ودم يجرى في عروقها، يمدها بالقوة والحركة والنماء، فهو إذا زرع أحسن، وإذا صنع أتقن، وإذا تاجر برع، وهو في كل جانب من جوانب الحياة حاذق مجيد.
قد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زراعاً وتجاراً وصناعاً متقنين، ولم يقعد بهم إيمانهم بالآخرة عن العمل للدنيا، كيف وقد قال رسولهم (رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن أنس، وكذا البزار والطيالسي، ورجاله ثقات وأثبات، كما قال الهيثمي): "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها" ولماذا يغرسها والساعة ستقوم، ولا أمل في انتفاع أحد من الخلق بها؟ إنه تكريم العمل لذات العمل، ولو لم يكن من ورائه نفع وانتفاع.
التوكل ليس معناه التواكل
"إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".
بهذا الجواب العمري تندفع تلك الشبهة التي تحوك في بعض الصدور ذلك أن من صفات المؤمن التوكل على الله، والتسليم له في شأنه كله، والقرآن الكريم يقول: (وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً) (النساء: 81)، (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: 23)، (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3).
ولكن ما معنى التوكل؟
إن التوكل ليس معناه إطراح الإنسان للأسباب التي وضعها الله، والاتكال عليه أن يخرق له العوائد، ويجعل السماء من فوق رأسه تمطر الذهب والفضة، والأرض من تحت قدسيه تخرج له الخبز والإدام والسمن والعسل، بلا جهد ولا سعي ولا تفكير ولا عمل.
إن معنى التوكل أن يرتب الإنسان المقدمات. ويدع النتائج لله.
أن يبذر الحب ويرجو الثمار من الرب.
أن يقوم بالجانب البشري الذي يخصه، ويترك الباقي لربه، يهيئ له الأسباب ويزيل من طريقه الموانع، وما أكثر الأسباب التي يجهلها الإنسان، وما أكثر الموانع التي لا يعلمها فضلاً عن أن يستطيع تذليلها.
ولقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك ناقته بباب المسجد سائبة بلا عقال، وزعم بذلك أنه يتوكل على الله في حراستها. فقال له النبي الكريم كلمته التي سرت في المسلمين مسرى الأمثال السائرة: "اعقلها وتوكل".
والحديث الذي يتعلق بأذياله المتبطلون: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"، هو في الواقع حجة عليهم لا لهم، فإنه لم يضمن لها الرواح ملأى البطن، إلا بعد غدوها وسعيها، لا مع بقائها في أوكارها.


الفصل السادس - الإيمان والإصلاح
ضرورة التغير النفسي لكل حركة ونهضة ناجحة وصعوبته
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11).
إن إصلاح الجماعات والشعوب لا يجيء جزافاً ولا يتحقق عفواً.
إن الأمم لا تنهض من كبوة، ولا تقوى من ضعف، ولا ترتقي من هبوط، إلا بعد تربية أصيلة حقة، وإن شئت فقل: بعد تغيير نفسي عميق الجذور، يحول الهمود فيها إلى حركة، والغفوة إلى صحوة، والركود إلى يقظة، والفتور إلى عزيمة، والعقم إلى إنتاج، والموت إلى حياة. تغيير في عالم الناس أشبه ما يكون «بثورة أو انقلاب» في عالم المادة، تغيير يحول الوجهة والأخلاق، والميول والعادات. تغيير نفسي لابد أن يصاحب كل حركة أو نهضة أو ثورة سياسية أو اجتماعية - ومن غيره تكون النهضة أو الثورة حبراً على ورق، أو كلاماً أجوف يتبدد في الهواء.
سنة قائمة من سنن الله تعالى في الكون، قررها القرآن الكريم في عبارة وجيزة بليغة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ولكن هذا التغيير أمر ليس بالهين اليسير، إنه عبء ثقيل تنوء به الكواهل، فإن الإنسان مخلوق مركب معقد، ومن أصعب الصعب تغيير نفسه أو قلبه، أو فكره.
إن التحكم في مياه نهر كبير، أو تحويل مجراه، أو حفر الأرض، أو نسف الصخور، أو أي تغيير في معالم الكون المادي أسهل بكثير من تغيير النفوس، وتقليب القلوب والأفكار.
إن بناء المصانع والمدارس والسدود والمنشآت سهل ومقدور عليه، ولكن الأمر الشاق حقاً هو بناء الإنسان .. والإنسان القادر على نفسه، المتحكم في شهواته، الذي يعطي الحياة كما يأخذ منها، ويؤدي واجبه كما يطلب حقه، الإنسان الذي يعرف الحق ويؤمن به ويدافع عنه، ويعرف الخير ويحبه للناس كما يحبه لنفسه، ويتحمل تبعته في إصلاح الفساد. والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتضحية النفس والمال في سبيل الحق.
إن صنع هذا الإنسان أمر عسير غير يسير.
ولكن الإيمان وحده هو صانع العجائب، الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات، وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييراً تاماً، وينشئها خلقاً آخر. ويصبها في قالب جديد، فيغير أهدافها وطرائقها، ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها، ولو عرفت شخصاً واحداً في عهدين -عهد الكفر وعهد الإيمان- لرأيت الثاني شخصاً غير الأول تماماً، لا يصل بينهما إلا الاسم، أو النسب أو الشكل.
والإيمان كذلك لا يعترف بالمراحل والأعمار التي وضعها علماء النفس والتربية، واشترطوها لنجاح المجهود التربوي.
إنهم يقررون أن هناك سناً معينة هي سن القبول لتكوين العادات، واكتساب الصفات، وتهذيب الطباع والأخلاق، تلك هي سن الطفولة، فإذا كبر المرء أو المرأة على صفات خاصة فهيهات أن يحدث فيها تغيير يذكر، فمن شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه.
وينفع الأدب الأحداث في صغر
وليس ينفع عند الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولن تلين إذا قومتها الخشِب
ولكن هناك شيئاً واحداً تخطى قواعد التربويين والنفسيين. ذلك هو الإيمان، هو الدين، فالإيمان إذا سكن في قلب، وتغلغل في أعماقه، حول اتجاهه، وغير نظرته للكون والحياة، وأحكامه على الأشياء والأعمال، وعدل سلوكه مع الله والناس، ولم يقف في سبيل ذلك فتوة الشباب، ولا كهولة الكهول، ولا هرم الشيوخ.
سحرة فرعون حين آمنوا
هل أتاك حديث سحرة فرعون، الذي قص القرآن علينا قصتهم؟ .. اقرأ هذه الآيات من سورة الشعراء: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأبعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين * فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذن لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم * أنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير، إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) (الشعراء: 32 - 51).
وفي سورة طه يحكي الله تهديد فرعون لهم: (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى) (طه: 71 - 73).
كيف تغيرت شخصياتهم؟ كيف انقلبت موازينهم؟
كانت هممهم مشدودة إلى المال (أئن لنا لأجراً) وكانت آمالهم منوطة بفرعون (بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون).
هذا منطقهم قبل أن يؤمنوا … فلما ذاقوا حلاوة الإيمان كان جوابهم على التهديد والوعيد في بساطة ويقين: (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات).
بعد أن كان همهم الدنيا صار همهم الآخرة (ليغفر لنا خطايانا) وبعد أن كانوا يحلفون بعزه فرعون صاروا يقولون (والذي فطرنا).
تغير الاتجاه … تغير المنطق … تغير السلوك … تغيرت الألفاظ … أصبح القوم غير القوم … وما ذلك إلا من صنع الإيمان.
تأثير الإسلام في نفسية العرب
وفي القصة القصيرة التي رواها الإمام مسلم في صحيحة برهان مبين على مبلغ أثر الإيمان، ذلك أن رجلاً كان ضيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر له بثانية فشرب حلابها ثم بثالثة فرابعة ... حتى شرب حلاب سبع شياه، وبات الرجل، وتفتح قلبه للإسلام، فأصبح مسلماً، معلناً إيمانه بالله ورسوله، وأمر الرسول له في الصباح بشاة فشرب حلابها ثم أخرى لم يستتمه، وهنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم كلمته المأثورة: "إن المؤمن ليشرب في معي واحد والكافر ليشرب في سبعة أمعاء".
فيما بين يوم وليلة استحال الرجل من شره ممعن في الشبع، حريص على ملء بطنه، إلى رجل قاصد عفيف قنوع، ماذا تغير فيه؟.. تغير فيه قلبه، كان كافراً فأصبح مؤمناً، وهل هناك أسرع أثراً من الإيمان؟
إن الإيمان الجديد أشعر الرجل بغاية ورسالة، وفروض وواجبات، ونفذ ذلك إلى أعماقه نفوذاً جعله ينسى هم أمعائه، ويعرض عن الإمعان في الطعام والشراب، وليست هذه حادثة فردية، أو واقعة شاذة، فهل يمكن أن ننكر أو ننسى ما فعله الإيمان بأمة العرب جميعاً؟
لقد حار المؤرخون من الغربيين والمستغربين، في فهم السر العجيب الذي حول هذا الأمة من رعاة غنم إلى رعاة أمم، ومن قبائل بداوة إلى أمة حضارة، وهيأ لها سبيل النصر على كسرى وقيصر، وفتح لها باب السيادة على معظم الدنيا القديمة في عشرات من السنين لا عشرات من القرون.
ولكن العارفين لا يدهشون ولا يحارون، فالسر معروف، والسبب معلوم. إن مرده هو «إكسير» الإيمان الذي صبه محمد عليه السلام في نفوس أصحابه، فنقلهم من حال إلى حال، من وثنية إلى توحيد، ومن جاهلية إلى إسلام.
عمر والخنساء بين الجاهلية والإسلام
وحسبنا مثلاً على هذا التحول الخطير رجل وامرأة عرف أمرهما في الجاهلية وعرف أمرهما في الإسلام.
الرجل هو "عمر بن الخطاب" الذي رووا أنه بلغ في جاهليته من انحراف العقل، أن عبد إلهاً من الحلوى ثم جاع يوماً فأكله، ومن انحراف العاطفة، أن وأد بنتاً له صغيرة كانت تمسح الغبار عن لحيته وهو يحفر لها مكانها في التراب.
عمر هذا ينتقل من الجاهلية إلى الإسلام، فيتحرر عقله حتى يقطع شجرة الرضوان التي بايع النبي أصحابه يوم الحديبية تحتها خشية أن يطول الزمن بالناس فيقدسوها، ويقف أمام الحجر الأسود بالكعبة فيقول: أيها الحجر، إني أقبلك وأنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
وعمر هذا ... يبلغ من سمو عاطفته، ورقة قلبه، وخشيته لله، ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم وغير المسلم، بل للإنسان والحيوان، حتى قال: لو عثرت بغلة بشط الفرات لرأيتني مسئولاً عنها أمام الله ... ل?مَ لَمْ أسوّ? لها الطريق؟
هذا هو الرجل.
أما المرأة فهي الخنساء .. المرأة التي فقدت في جاهليتها أخاها لأبيها «صخراً» فملأت الآفاق عليه بكاءً وعويلاً، وش?عراً حزيناً، ترك الزمن لنا منه ديواناً كان الأول من نوعه في شعر المراثي والدموع:
يذكرني طلوع الشمس صخراً
وأذكره بكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حِولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكننا بعد إسلامها نراها امرأة أخرى ... نراها أماً تقدم فلذات أكبادها إلى الميدان، أي إلى الموت، راضية مطمئنة، بل محرضة دافعة...
روى المؤرخون أنها شهدت حرب القادسية بين المسلمين والفرس تحت راية القائد «سعد بن أبي وقاص»، وكان معها بنوها الأربعة، فجلست إليهم في ليلة من الليالي الحاسمة، تعظهم وتحثهم على القتال والثبات، وكان من قولها لهم: "أي بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200)، فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمن فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم في دار الخلد...".
فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، إذا فتر أحدهم ذكَّره اخوته وصية الأم العجوز، فزأر كالليث، وانطلق كالسهم، وانقض كالصاعقة، ونزل كقضاء الله على أعداء الله، وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحداً بعد واحد.
وبلغ الأم نعي الأربعة الأبطال في يوم واحد، لم تلطم خداً، ولم تشق جيباً، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين، وصبر المؤمنين، وقالت: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".
ما الذي غير عمر القديم وصنع عمر الجديد؟
وما الذي غير خنساء النواح والبكاء إلى خنساء التضحية والفداء؟
إنه صانع المعجزات ... إنه الإيمان!!
المفتاح الفذ لأقفال الحياة
إن الرجوع إلى الإيمان بالله والآخرة هو الأمل الوحيد في خلاص الإنسان مما يعانيه اليوم من مشكلات تهدد الإنسان بالدمار، دمار خصائصه الذاتية، ومقوماته المعنوية، التي كان بها إنساناً، واستحق بها السيادة في الكون والخلافة في الأرض.
إن الإيمان الحق -كما جاء به الإسلام- هو الحل الفذ لعقد الحياة المعاصرة التي استعصت على العلم وعلى الفلسفة، وحار فيها المفكرون والمشرعون وطلاب الإصلاح.
ويطيب لي أن أنقل هنا كلمة مضيئة للداعية الإسلامي الكبير أبي الحسن الندوي، بين فيها كيف طلعت شمس الرسالة المحمدية على العالم فأفاضت عليه نوراً جديداً، وحياة جديدة.
وكيف فتح النبي محمد صلى الله عليه وسلم أقفال الحياة الكثيرة المتعددة بمفتاح الإيمان العجيب، قال الأستاذ في حديث شاعري بينه وبين نفسه عند غار حراء في مكة المكرمة:
"لقد كانت الحياة كلها أقفالاً معقدة، وأبواباً مقفلة، كان العقل مقفلاً أعيا فتحه الحكماء والفلاسفة، كان الضمير مقفلاً أعيا فتحه الوعاظ والمرشدين، كانت القلوب مقفلة أعيا فتحها الحوادث والآيات، كانت المواهب مقفلة أعيا فتحها التعليم والتربية والمجتمع والبينة، كانت المدرسة مقفلة أعيا فتحها العلماء والمعلمين، كانت المحكمة مقفلة أعيا فتحها المتظلمين والمتحاكمين، كانت الأسرة مقفلة أعيا فتحها المصلحين والمفكرين، كان قصر الإمارة مقفلاً أعيا فتحه الشعب المظلوم والفلاح المجهود والعامل المنهوك، وكانت كنوز الأغنياء والأمراء مقفلة أعيا فتحها جوع الفقراء وعري النساء وعويل الرضعاء، لقد حاول المصلحون الكبار والمتشرعون العظام فتح قفل من هذه الأقفال ففشلوا وأخفقوا، فإن القفل لا يفتح بغير مفتاحه وقد ضيعوا المفتاح من قرون كثيرة وجربوا مفاتيح من صناعتهم ومعادنهم فإذا هي لا توافق الأقفال وإذا هي لا تغني عنهم شيئاً، وحاول بعضهم كسر هذه الأقفال فجرحوا أيديهم وكسروا آلتهم.
ففي هذا المكان المتواضع، المنقطع عن العالم المتمدن، على جبل ليس بمخصب ولا بشامخ تم ما لم يتم في عواصم العالم الكبيرة ومدارسه الفخمة ومكتباته الضخمة. وهنا مَنَّ الله على العالم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي رسالته عاد هذا المفتاح المفقود إلى الإنسانية، ذلك المفتاح هو (الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر) ففتح به هذه الأقفال المعقدة قفلاً قفلاً، وفتح به هذه الأبواب المقفلة باباً باباً، وضع هذا المفتاح النبوي على العقل الملتوي فتفتح ونشط واستطاع أن ينتفع بآيات الله في الآفاق والأنفس، ويتوصل مع العالم إلى فاطره، ومن الكثرة إلى الوحدة، ويعرف شناعة الشرك والوثنية والخرافات والأوهام. وكان قبل ذلك محامياً مأجوراً يدافع عن كل قضية حقاً وباطلاً. وضع هذا المفتاح على الضمير الإنساني النائم فانتبه، وعلى الشعور الميت فانتعش، وعاش، وتحولت النفس الأمارة بالسوء مطمئنة لا تسيغ الباطل ولا تتحمل الإثم حتى يعترف الجاني أمام الرسول بجريمته ويلح على العقاب الأليم الشديد، وترجع المرأة المذبة إلى البادية حيث لا رقابة عليها ثم تحضر المدينة وتعرض نفسها للعقوبة التي هي أشد من القتل. ويحمل الجندي الفقير تاج كسرى ويخفيه في لباسه ليستر صلاحه وأمانته عن أعين الناس ويدفعه إلى الأمير لأنه مال الله الذي لا يجوز الخيانة فيه.
كانت القلوب مقفلة لا تعتبر ولا تزدجر ولا ترق ولا تلين فأصبحت خاشعة واعية تعتبر بالحوادث وتنتفع بالآيات، وترق للمظلوم وتحنو على الضعيف.
وضع هذا المفتاح على القوى المخنوقة والمواهب الضائعة فاشتعلت كاللهيب وتدفقت كالسيل، واتجهت الاتجاه الصحيح، فكان راعي الإبل راعي الأمم وخليفة يحكم العالم وأصبح فارس قبيلة وبلد، قاهر الدول وفاتح الشعوب العريقة في القوة والمجد. وضع المفتاح على المدرسة المقفلة وقد هجرها المعلمون وزهد فيها المتعلمون وسقطت قيمة العلم وهان المعلم، فذكر من شرف العلم وفضل العالم والمتعلم والمربي والمعلم، وقرن الدين بالعلم حتى كانت له دولة ونفاق، وأصبح كل مسجد وكل بيت من بيوت المسلمين مدرسة، وأصبح كل مسلم متعلماً لنفسه، معلماً لغيره، ووجد أكبر دافع إلى طلب العلم وهو الدين.
وضعه على المحكمة المقفلة فأصبح كل عالم قاضياً عادلاً وكل حاكم مسلم حكماً مقسطاً، وأصبح المسلمون قوامين لله شهداء بالقسط، ووجد الإيمان بالله وبيوم الدين فكثر العدل وقل الجدل، وفقدت شهادة الزور والحكم بالجور.
وضعه على الأسرة المقفلة وقد فشا فيها التطفيف بين الوالد وولده، والأخ واخوته، والرجل وزوجته، وتعدى من الأسرة إلى المجتمع فظهر بين السيد وخادمه والرئيس والمرؤوس والكبير والصغير، كل يريد أن يأخذ ما له ولا يدفع ما عليه، وأصبحوا مطففين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، فغرس في الأسرة الإيمان وحذرها من عقاب الله، وقرأ عليها قول الله (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً) (النساء: 1)، وقسم المسئولية على الأسرة والمجتمع كله فقال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وهكذا أوجد أسرة عادلة متحابة مستقيمة ومجتمعاً عادلاً، وأوجد في أعضاءه شعوراً عميقاً بالأمانة وخوفاً شديداً من الآخرة حتى تورع الأمراء وولاة الأمور، وتقشفوا، وأصبح سيد القوم خادمهم، ووالي الأمة كولي اليتيم: إن استغنى استعف وإن افتقر أكل بالمعروف، وأقبل إلى الأغنياء والتجار فزهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة وأضاف الأموال إلى الله فقرأ عليهم (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) (الحديد: 7)، (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33) وحذرهم من اكتناز وادخار الأموال وعدم الأنفاق في سبيل الله، فقرأ عليهم (والذين يكنِزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنِزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون) (التوبة: 34، 35).
أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالته ودعوته الفرد الصالح المؤمن بالله، الخائف من عقاب الله، الخاشع الأمين، المؤثر للآخرة على الدنيا، المستهين بالمادة المتغلب عليها بإيمانه وقوته الروحية، يؤمن بأن الدنيا خُلقت له وأنه خُلق للآخرة، فإذا كان هذا الفرد تاجراً فهو التاجر الصدوق الأمين، وإذا كان فقيراً فهو الرجل الشريف الكادح، وإذا كان عاملاً فهو العامل المجتهد الناصح، وإذا كان غنياً فهو الغني السخي المواسي، وإذا كان قاضياً فهو القاضي العادل الفهم، وإذا كان والياً فهو الوالي المخلص الأمين، وإذا كان سيداً رئيساً فهو الرئيس المتواضع الرحيم، وإذا كان خادماً أو أجيراً فهو الرجل القوى الأمين، وإذا كان أميناً للأموال العامة فهو الخازن الحفيظ العليم. وعلى هذه اللبنات قام المجتمع الإسلامي وتأسست الحكومة الإسلامية في بدورها، ولم يكن المجتمع والحكومة بطبيعة الحال إلا صورة مكبرة لأخلاق الأفراد ونفسيتهم، فكان المجتمع مجتمعاً صالحاً أميناً مؤثراً للآخرة على الدنيا متغلباً على المادة غير محكوم لها، انتقل إليه صدق التاجر وأمانته، وتعفف الفقير وكدحه، واجتهاد العامل ونصحه، وسخاوة الغني ومواساته، وعدل القاضي وحكمته، وإخلاص الوالي وأمانته، وتواضع الرئيس ورحمته، وقوة الخادم، وحراسة الخازن، وكانت هذه الحكومة حكومة راشدة ومؤثرة للمبادئ، على المنافع، والهداية على الجباية، وبتأثير هذا المجتمع وبنفوذ هذه الحكومة وجدت حياة عامة، كلها إيمان وعمل صالح، وصدق وإخلاص، وجد واجتهاد، وعدل في الأخذ والعطاء، وإنصاف النفس مع الغير.
وقد ذهلت في حديثي لنفسي، وتمثلت إلى الجماعات الإسلامية الأولى بحملها وتفاصيلها كأني أشاهدها وأتنفس في جوها وانقطعت الصلة بيني وبين العالم المعاصر.
وحانت مني التفاتة إلى هذا العصر الذي نعيش فيه فقلت: إني لأرى أقفالاً جديدة على أبواب الحياة الإنسانية وقد قطعت الحياة مراحل طويلة وخطت خطوات واسعة وتعقدت الحياة والتوت وتطورت المسائل وتنوعت، وتساءلت: هل يمكن فتح هذه الأقفال الجديدة بذلك المفتاح العتيق؟ وأبيت أن أحكم بشيء، هل أختبر هذه الأقفال وأضع عليها المفتاح، ولمست هذه الأقفال بالبنان فإذا هي الأقفال القديمة بتلوين جديد، وإذا المشاكل نفس مشاكل العصر القديم، وإذا المشكلة الكبرى وأساس الأزمة هو الفرد الذي لا يزال لبنة المجتمع وأساس الحكومة، ووجدت أن هذا الفرد قد أصبح اليوم لا يؤمن إلا بالمادة والقوة، ولا يعنى إلا بذاته وشهواته وأنه يبالغ في تقدير هذه الحياة ويسرف في عبادة الذات وإرضاء الشهوات، وقد انقطعت الصلة بينه وبين ربه ورسالة الأنبياء وعقيدة الآخرة، فكان هذا الفرد هو مصدر شقاء هذه المدينة، فإذا كان تاجراً فهو التاجر المحتكر النهم الذي يحجب السلع أيام رخصها ويبرزها عند غلائها ويسبب المجاعات والأزمات، وإذا كان فقيراً فهو الفقير الثائر الذي يريد أن يتغلب على جهود الآخرين بغير تعب، وإذا كان عاملاً فهو العامل المطفف الذي يريد أن يأخذ ما له ولا يدفع ما عليه، وإذا كان غنياً فهو الغني الشحيح القاسي الذي لا رحمة فيه ولا عطف، وإذا كان والياً فهو الوالي الغاش الناهب للأموال، وإذا كان سيداً فهو الرجل المستبد المستأثر الذي لا ينظر إلا إلى فائدته وراحته، وإذا كان خادماً فهو الضعيف الخائن، وإذا كان خازناً فهو السارق المختلس للأموال، وإذا كان وزير دولة أو رئيس وزارة أو رئيس جمهورية فهو المادي المستأثر الذي لا يخدم إلا نفسه وحزبه ولا يعرف غيره. وإذا كان زعيماً أو قائداً فهو الوطني أو الجنسي الذييقدس وطنه ويعبد عنصره ويدوس كرامة البلاد الأخرى والشعوب الأخرى، وإذا كان مشرعاً فهو الذي يسن القوانين الجائرة والضرائب الفادحة، وإذا كان مخترعاً اخترع المدمرات والناسفات، وإذا كان مكتشفاً اكتشف الغازات المبيدة للشعوب، المخربة للبلاد، والقنبلة الذرية التي تهلك الحرث والنسل، وإذا كان فيه قوة التطبيق والتنفيذ لم ير بأساً بإلقاء القنابل على الأمم والبلاد.
وبهؤلاء الأفراد تكوَّن المجتمع وتأسست الحكومة، فكان فيه مجتمعاً مادياً، اجتمع فيه احتكار التاجر وثورة الفقير وتطفيف العامل وشح الغني وغش الوالي، واستبداد السيد وخيانة الخادم وسرقة الخازن ونفعية الوزراء ووطنية (يقصد الكاتب بالوطنية النِزعة الإقليمية التي تجعل كل ولائها لأرضها فحسب) الزعماء وإجحاف المشرع وإسراف المخترع والمكتشف وقسوة المنفذ، وبهذه النفسيات المادية تولدت أزمات عنيفة ومشاكل معقدة، تشكو منها الإنسانية بثها وحزنها، كالسوق السوداء وفشو الرشوة والغلاء الفاحش واختفاء الأشياء والتضخم النقدي، وأصبح المفكرون والمشرعون لا يجدون حلاً لهذه المشاكل، وأصبحوا إذا خرجوا من أزمة واجهوا أزمة أخرى، بل إن حلولهم القاهرة ومعالجتهم المؤقتة هي التي تسبب أزمات جديدة، وتنقلوا من حكومة شخصية إلى ديمقراطية إلى دكتاتورية ثم إلى ديمقراطية، ومن نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي إلى شيوعي، وإذا الوضع لا يتغير لأن الفرد الذي هو الأساس لا يتغير، ويجهلون، أو يتجاهلون، في كل ذلك، أن الفرد هو الفاسد المعوج، ولو عرفوا أن الفرد هو الأساس وأنه فاسد معوج لما استطاعوا إصلاحه وتقويمه لأنهم على كثرة مؤسساتهم العلمية ودور التعليم والتربية والنشر، لا يملكون ما يصلحون به النفوذ، ويقومون اعوجاجه، ويحولون اتجاهه من الشر إلى الخير، ومن الهدم إلى البناء، لأنهم أفلسوا في الروح، وتخلوا عن الإيمان، وفقدوا كل ما يغذي القلب ويغرس الإيمان، ويعيد الصلة بين العبد وربه، وبين هذه الحياة والحياة الأخرى، وبين المادة والروح، وبين العلم والأخلاق، وفي الأخير أدى بهم إفلاسهم الروحي وماديتهم العمياء واستكبارهم إلى استعمال آخر ما عندهم من آلات التدمير التي تبيد شعباً بأسره وتخرب قطراً بطوله، حتى استهدفت الحضارة والحياة البشرية -إذا تبادلت الدول المتحاربة استعمال هذه الآلات- للنهاية الأليمة." ا هِ
إننا لا ننكر أهمية المجتمع الصالح، بل ضرورته لتنشئة الفرد الصالح، ولكن المجتمع إن هو -في الواقع- إلا بناء لبناته الأفراد، فإذا لم تصلح اللبنات في نفسها لم يتصور أن يقوم عليها بنيان سليم.
لبنات المجتمع هي أنا وأنت وهو وهي، فإذا صلحت أنفسنا صلح المجتمع كله، ومفتاح هذا الصلاح النفسي والخلقي شيء واحد هو الإيمان.
دعوى الاستغناء بالعلم المادي
خيل لبعض الناس في وقت من الأوقات - ولا يزال يخيل لبعضهم إلى اليوم _ أن الإنسان يمكنه أن يستغني عن الدين، وأن يعيش «متحرراً» من تكاليف الإيمان، وخاصة في هذا العصر، عصر العلم، الذي استطاع به الإنسان أن «يقهر» الطبيعة وينتصر عليها، ويسخّ?رها لمنافعه، فيفجر الصخر، ويحول مسير النهر، ويغوص في أعماق البحر، ويحلق في أعالي الجو، حتى راو يزاحم الكواكب في فضائها، والأقمار في مداراتها، وبعد أن زاحم الحيتان والأسماك في قاع المحيطات ... وحتى قال بعضهم في غرور وصلف: إن الإنسان غداً سيصنع نفسه! .
المكاسب المزعومة من وراء الاكتفاء بالعلم
قالوا: فهو بواسطة هذا العلم يستطيع أن يكيّ?ف حياته، وينظم شئونه بعيداً عن الإيمان بالله، وبمعزل عن رسالاته، وهو يظن أنه بهذا يكسب عدة أشياء:
أولها: الصحة العقلية والنفسية. فإن عقائد الدين والإيمان بالغيب، تسبب للمثقف العصري قلقاً ذهنياً، ناتجاً عن إيمانه بشيء لا تقوم عليه الأدلة العلمية، ولا تشهد له التجارب الحسية.
ثانيها: الحرية الشخصية: فإن للإيمان بالله ورسالاته قيوداً والتزامات تحد من انطلاق الإنسان، وتقيد من حريته، وتضعه في قفص حديدي محكم، وفقاً لنظرية "الحلال والحرام" التي لا يخلو منها دين. وبهذه الحرية يستمتع الإنسان بطيبات الحياة كلها دون حجر ولا تدخل من سلطة كهنوتية.
ثالثها: العمل للحياة الدنيا وترقيتها: فإن الدين بما فيه من زهد وإقبال على الآخرة، يدير ظهره للدنيا، ويحقر من شأنها، ويتهم العاملين لها بأنهم معرضون عن الله وعن الحياة الباقية. فالدنيا والآخرة عنده ضرتان إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.
نقض هذه الدعوى
وهذا الزعم الذي نفقت سوقه في الغرب زمنا، ثم صدَّره إلينا عملاؤه -الهواة والمحترفون- من بعد، ليس له أساس من منطق سليم، ولا من علم صحيح، ولا من واقع مجرب. وسنتناول في الصفحات التالية نقض هذه الدعوى، وإبطال هذا الزعم، مستندين إلى المنطق والعلم والواقع، كفى بها أدلة لقوم يعقلون.
مجال العلم غير مجال الإيمان
أولاً: إن للعلم اختصاصاً لا يتعداه، ومجالاً لا يتجاوزه، ذلك هو مجال الماديات والمحسوسات التي تدخلها الملاحظة والتجربة، وهي وحدها التي يمكن التحكم فيها، وإجراء التجارب عليها، واستخلاص النتائج منها، ففي هذه الحدود وما ماثلها يعمل العلم، أما ما عدا ذلك مما وراء الحس، وما وراء المادة، فليس من وظيفة العلم، ولا من اختصاصه، إنما هو وظيفة الفلسفة أو الوحي، فإذا وجد من رجال العلم من يقول: إنني لم أجد دليلاً علمياً على وجود الله أو صدق الرسل أو وجود الملائكة مثلاً، قلنا له: لقد عدوت قدرك، وخنت علمك، حيث ورطته فيما ليس من شأنه، وهل وجدت في مختبرك أن الله غير موجود!
إن العلم منهج صحيح لمعرفة المادة، ولكنه ليس منهجاً صحيحاً لمعرفة ما وراء المادة. إنه يستطيع أن يعرف كيف تسير الأشياء، ولكنه لا يعرف شيئاً عن مسيرها، ولا لماذا سيرها؟
إن العلماء -كما قال صاحب فيض الخاطر- قد اتجهوا بمنهجهم العلمي اتجاهاً صحيحاً نحو «عجلة» العالم يفحصونها ويجربونها ويمتحنونها، ولكنهم لم يتجهوا نحو «محرك» العجلة، وليس في مقدور علمهم وحده -وهو مبني على الحس والتربة- أن يضع أيديهم على محرك العجلة، لأنه لا يرى ولا يدرك بالحس، ولا يدخل المعمل، ولا يجرى في أنابيب الاختبار.
لقد تقدم العلم وتقدم، واعتز بنفسه وملأه الغرور، ومع هذا كله لم يستطع أن يفسر إلا السطح وإلا المظاهر، ما العلة الأولى للخلق؟ من الذي بعث الحياة في الخلية الأولى للعالم؟ كيف تفسر ملايين الحقائق في عجائب الطبيعة؟ وفي عجائب أنفسنا؟
إن أقصى ما يصبو إليه العلم أن يعرف نصف الحقائق، وهو الظاهر والإجابة عن «كيف». أما النصف الآخر، وهو أقوم النصفين، وهو باطن الحقائق والإجابة عن «ما هي» لا كيف هي، فعاجز كل العجز عنه لا يستطيع أن ينبس فيه بحرف.
إن من يؤمن بالعلم وحده، وينكر ما وراءه، ومن يؤمن بالقوانين العلمية، وينكر ما عداها، لا يؤبه بقوله حتى يقول: إني أستطيع أن أفسر العالم من ألفه إلى يائه، فإما أن يفسر الآلة، ولا يفسر محركها، ويفسر تطور الحياة وتدرجها، ولا يفسر كيف وجدت لأول عهدها بالوجود فضرب من السخف، أو هو -على أحسن تفسير- كقول الطفل: لا اعلم، لأنه يريد أن يتعلم.
إن إنكار العلة الأولى للعالم، وعقل العالم الذي يدبره. يلقي على عاتقنا عبئاً لا نستطيع حمله.
"إن العالم في حقيقة أمره يزيد عجائبنا ولا يحلها، هذا الفلكي بعلمه ودقته وحسابه ورصده وآلته، ماذا صنع؟ أبان بأن ملايين النجوم في السماء بالقوة المركزية بقيت في أماكنها أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية في العالم حفظت توازنها، ومنعت تصادمها، ثم استطاعوا أن يزنوا الشمس والنجوم ويبينوا حجمها وسرعتها وبعدها عن الأرض، فزادونا عجباً، ولكن ما الجاذبية؟ وكيف وجدت؟ وما القوة المركزية وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها. وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور، كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت؟ وكم آلاف من السنين مرت عليها في عصرها الجليدي، وكيف غمرت بالماء؟ وكيف ظهر السطح؟ وأسباب البراكين والزلازل. وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان، ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجباً؟ سلهم كلهم بعد السؤال العميق الذي يتطلبه العقل دائماً وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها وعجزتم عن أكثرها؟ أتأليف ولا مؤلف، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم الحياة وجعلها تدب فيه؟ من أوجد عقله الذي يدبره؟
"إن النشوء والارتقاء لا يصلح تفسيراً للمبدع، وإنما يصلح تفسيراً لوحدة العالم ووحدة المصدر، وكلما تكشفت أسرار العالم، وتكشفت وحدته ووحدة تدرجه ووحدة نظامه وتدبيره، كان الإنسان أشد عجباً وأشد إمعاناً في السؤال وليس يقنعه بعد كشف العلم عن أسرار العالم وعجزه عن شرحها وتعليلها إلا أن يهتف من أعماق نفسه "إنه الله رب العالمين" (فيض الخاطر ج 4 ص 160، 161).
نتائج العلم تقريبية لا يقينية
ثانياً: إن نتائج العلم ليست -كما يظن بعض الناس- قطعية يقينية، مائة في المائة (100 %) وبصورة دائمة، فإن قابلية الشك والاحتمال قائمة في كثير من نتائج العلم، ذلك أن أساس العلم هو التجربة، والتجربة أساسها الحس، والحواس كثيراً ما تخدع? وهذا ما أقر به المحققون من العلماء.
يقول عال?م أمريكي معاصر هو الأستاذ «ماريت استانلي كونجدن» في مقال له "إن العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه، ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته .. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود، فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ .. وهي تبدأ بالاحتمالات، وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين .. ونتائج العلوم بذلك تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات .. ونتائجها اجتهادية وقابلة للتعديل والإضافة والحذف وليست نهائية" (من كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" مقال: "درس من شجيرة الورد").
وتاريخ العلم يبين لنا أن كثيراً من الآراء التي كانت في بعض العصور حقائق علمية، لا تقبل الجدل، ولا تحتمل الشك، دار عليها الفلك دورته، فإذا هي في عصور تالية أغاليظ وأباطيل لا يقوم عليها برهان ولا شبه برهان.
بل إن بعض العلوم الأساسية قد تغيرت أسسها، وتبدلت موازينها كما رأينا ذلك في قرننا العشرين.
يقول الكاتب التركي الأستاذ «بيامي صفا» في بحث له عن «المفهوم الجديد للإنسان» (عن مجلة "المسلمون" 820 - المجلد الثامن العدد الثامن ذو الحجة 1383 هِ - أيار (مايو) 1964م. ترجمة الأستاذ أورهان محمد علي):
"إن إنسان القرن العشرين يعيش في أزمة منذ أن بدأ يدرك خطأ هذا المعنى الذي أضفاه على نفسه، منذ نهاية القرون الوسطى، أي بدأ يدرك خطأ «تأليه» نفسه. وما حركات التجديد في العصر الحديث إلا بداية للنفور الموجه إلى هذا المعنى.
فقد عرف الإنسان عدم كفاية العلم الذي أراد أن يضعه مكان الدين، ومكان موازين القيم المعنوية، فلقد شهد العلم نفسه انهيار أساسين وقاعدتين من قواعده، هذين الأساسين اللذين كانا بمثابة البداهة حتى نهاية القرن الماضي. فكما قال «أورتاكاي كست» في اجتماع جنيف: بأن الفيزياء والمنطق اللذين هما أساسا العلم -العلم الذي قام عليه بناء المدنية الغربية- قد هدما نفسيهما، بنفسيهما: "إن فجاعة الدراما ربما لا تكون ظاهرة لكل عين، لأن عين غير الخبير لا تكشف في قطرة دم تحت الميكروسكوب علامات مرض قاتل. ولكن كل خبير يستطيع أن يقدر بأن الوضع الذي سقط فيه المنطق والفيزياء اليوم لهو أبلغ في الإشارة إلى الأزمة التي تعانيها مدينتنا من جميع فجائع السياسة والحرب، لأن هذين العلمين كانا بمثابة الصندوق الذي يخبئ فيه الغربيون فائضهم من الذهب، استعداداً لاستقبال الأيام المقبلة بأمن وطمأنينة".
وبعد أن شرح العال?م الشهير كيف غير الفيزياء أساسه، وكيف أن المنطق في ظرف خمسين سنة بواسطة أبحاث ودراسة «رسل» و «وايتهيد» و «هليبرت»، قد غير أساسه أيضاً، تابع كلامه: "إن مدنيتنا أصبحت تعلم الآن أن أسسها في حالة إفلاس، ولذلك نراها تشك في نفسها، ولكن ليس من الممكن أن تموت حالاً أية مدنية لمجرد هزة شك، وإنما على العكس فإنني أرى أن المدنيات لا تموت إلا من تصلب المعتقدات وتحجرها. وكل هذه تشير إلى أن شكل مدنيتنا أو بالأصح شكل المدنية التي يبجلها الغرب قد جف وانتهى".
الرسوخ في العلم يهدي إلى الإيمان
ثالثاً - إن العلم ليس خصماً للإيمان، ولا ضداً له، بل هو ميل يهدي إليه، وقد رأينا كثيراً من العلماء الراسخين المنصفين، هداهم علمهم إلى أن وراء هذا الكون قوة عليا تدبره وتنظمه، وترعى كل شيء فيه بميزان وحسب ومقدار، ذلك أن العال?م أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وإحكام، يتجلى في كل خلية من خلايا أحيائه، وفي كل ذرة من ذرات جماداته في خلق السموات والأرض، في اختلاف الليل والنهار، في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، فيما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، فيما بث الله في الأرض من الدواب والأحياء، في تصريف الرياح، في السحاب المسخّ?ر بين السماء والأرض.
ولا عجب أن قرأنا لكثير منن علماء الكون -في الطبيعة والفلك، والرياضيات، والأحياء وغيرها- شهادات ناصعة اعترفوا فيها بوجود الله، وصحة الدين، وهي شهادات تقطع ألسنة الذين يريدون أن يتخذوا من العلم سلاحاً يحاربون به الدين.
إن بعض الذين ينتسبون إلى «العلم» يعيشون بعقلية قرن مضى أو قرنين، ولا يتابعون التطور الهائل الذي حدث في ميدان العلم والفكر في هذا القرن، فهم أول من يستحق اسم «الرجعيين» لأنهم سجناء نظريات انقضى عصرها، وذهبت ريحها، وطرحت في زوايا النسيان. فليسمعوا ما يقول علماء هذا العصر.
يقول الأستاذ «هوشل»:
"كلما اتسع نطاق العلم زادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي، لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم وهو صرح عظمة الله وحده".
وأفاض «هربرت سبنسر» في هذا المعنى في رسالته في «التربية» إذ يقول:
"العلم يناقض الخرافات، ولكنه لا يناقض الدين نفسه، يوجد في كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الصحيح الذي فات المعلومات السطحية، ورسب في أعماق الحقائق، براء من هذه الروح، العلم الطبيعي لا ينافي الدين، والتوجه إلى العلم الطبيعي عبادة صامتة، واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي نعانيها وندرسها، ثم بقدرة خالقها، فليس ذلك التوجه تسبيحاً شفهياً، بل هو تسبيح عملي، وليس باحترام مدعى، وإنما هو احترام أثمرته تضحية الوقت والتفكير والعمل، وهذا العلم لا يسلك طريق الاستبداد في تفهيم الإنسان استحالة إدراكه كنه السبب الأول وهو «الله»، ولكنه .. ينهج بنا النهج الأوضح في تفهيمنا الاستحالة بإبلاغنا جميع الحدود التي لا يستطاع اجتيازها، ثم يقف بنا في رفق وهوادة عند هذه النهاية، وهو بعد ذلك يرينا .. بكيفية لا تعادل .. صغر العقل الإنساني إزاء ذلك الذي يفوت العقل..".
ثم أخذ يضرب الأمثلة على ما ذهب إليه فقال:
"إن العالم الذي يرى قطرة الماء، فيعلم أنها تتركب من الأوكسجين والأيدروجين بنسبة خاصة بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئاً آخر غير الماء، يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته، وعلمه الواسع بأشد وأعظم وأقوى من غير العالم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها قطرة ماء فحسب، وكذلك العالم الذي يرى قطعة البَرَد (قطعة الثلج الصغيرة النازلة مطراً) وما فيها من جمال الهندسة، ودقة التصميم، لا شك أنه يشعر بجمال الخالق ودقيق حكمته أكثر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمد من شدة البرد.
وهذا هو الدكتور «دي نوي» الطبيب العالم الذي اشتغل بمباحث التشريح والعلم الطبيعي، يقول:
"كثير من الأذكياء وذوي النية الحسنة يتخيلون أنهم لا يستطيعون الإيمان بالله، لأنهم لا يستطيعون أن يدركوه، على أن الإنسان الأمين الذي تنطوي نفسه على الشوق العلمي لا يلزمه أن يتصور "الله" إلا كما يلزم العالم الطبيعي أن يتصور «الكهرب»، فإن التصور في كلتا الحالتين ناقص وباطل، وليس الكهرب قابلاً للتصور في كيانه المادي وأنه -مع هذا- لأثبت في آثاره من قطعة الخشب" ("عقائد المفكرين في القرن العشرين" للأستاذ العقاد).
وهذا العالم الطبيعي «سر آرثر طومسون» المؤلف الإسكتلندي الشهير يقول:
"إننا في زمن شقت فيه الأرض الصلبة، وفقد فيه الأثير كيانه المادي، فهو أقل الأزمنة صلاحاً للغو في التأويلات المادية" (المرجع السابق).
ويقول في مجموعة «العلم والدين»:
"ليس للعقل المتدين أن يأسف اليوم لأن العالم الطبيعي لا يخلص من الطبيعة إلى رب الطبيعة، إذ ليست هذه وجهته، وقد تكون النتيجة أكبر جداً من المقدمة إذا خرج العلماء بالاستنتاج من الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة، إلا أننا خلقاء أن نغتبط لأن العلماء الطبيعيين قد يسروا للنِزعة الدينية أن تتنفس في جو العلم حيث لم يكن ذلك يسيراً في أيام آبائنا وأجدادنا. فإذا لم يكن على الطبيعيين أن يبحثوا عن الله -كما زعم مستر «لانجدون دافيز» خطأ في كتابه البديع عن الإنسان وعالمه- فنحن نقرر عن روية أن أعظم خدمة قام بها العلم، أنه قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى، ولا نجاوز المعنى الحرفي حين نقول: إن العلم أنشأ للإنسان سماءً جديدة وأرضاً جديدة وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلي، فإذا به في كثير من الأحيان لا يجد السلام إلا حيث يتخطى مدى الفهم، وذلك في اليقين والاطمئنان إلى الله" ("عقائد المفكرين في القرن العشرين" للأستاذ العقاد).
وقد حفلت مكتبات العالم -بمختلف اللغات الحية- بكتب قيّ?مة، ألَّفها "علماء" راسخون متبحرون، كلها تهدي إلى الله وتدعو إلى الإيمان به.
وحسبنا -مما كتب بالإنجليزية ونقل إلى العربية- كتابان حازا شهرة عالمية واسعة.
أحدهما: ألَّفه «أ. كريسي موريسون» رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمركز البحوث القومي في الولايات المتحدة وأحد أقطاب العلوم الكونية في عصرنا، وعنوان كتابه في الأصل «الإنسان لا يقوم وحده »، وقد كتبه رداً على «جوليان هكسلي» في كتابه الإلحادي «الإنسان يقوم وحده» يعني: من غير إله!
وقد ترجم الأستاذ محمود صالح الفلكي كتاب «أ. كريسي موريسون» إلى العربية بعنوان يدل على وجهة العلم في هذا القرن وهو «العلم يدعو للإيمان».
والثاني: كتاب اشترك في تأليفه ثلاثون عالماً من أشهر العلماء المتخصصين في أمريكا. كل واحد منهم كتب فيه مقالاً، بيَّن كيف اهتدى إلى وجود الله والإيمان به، عن طريق علمه واختصاصه، وذلك هو كتاب «الله يتجلى في عصر العلم»، وقد ترجمه إلى العربية الدكتور الدمرداش سرحان (أما اللغة العربية فقد كتبت فيها بحوث ومقالات وكتب شتى منها: (سنن الله في الكائنات) للدكتور محمد أحمد الغمراوي. و (مع الله في السماء) للدكتور أحمد زكي و (قصة الإيمان) للشيخ نديم الجسر. وما كتبه أخيراً الدكتور محمد جمال الدين الفندي والأستاذ عبد الرزاق نوفل، بالإضافة إلى كتابات المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره (الجواهر) والمرحوم الدكتور عبد العزيز (باشا) إسماعيل وغيرهما).
هل وراء الإلحاد مكاسب حقيقية؟
أما المكاسب التي يزعم بعض الناس أو يتوهمون أن الإنسان قد حصل عليها -أو على الأقل يستطيع أن يحصل عليها- عن طريق الاكتفاء بالعلم، والانسلاخ من الإيمان، فالواقع أن هذه المكاسب إما وهم عريض وزعم مفترى، وإما خسائر حقيقية في صورة مكاسب عند بعض الناس. ولنناقش هذه المكاسب واحداً بعد الآخر.
دعوى الصحة النفسية والعقلية
أما ما يقال من أن الانخلاع من الدين أيؤدى إلى صحة النفس والعقل، فهو أمر يكذبه الواقع، وينفيه ما نشاهده في دنيا الحضارة الغربية الآلية المادية، التي أخذت زخرفها وازَّينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، بما أوتوا من العلم التجريبي، والتقدم التكنيكي.
فهذا العالم الغربي «العلمي» الحديث، يعاني من أمراض النفس والعقل ما يسهد عليه ليله، ويكدر عليه نهاره.
وهذا أمر لاحظه وحذر منه الفلاسفة المفكرون، وشاهده وشهد به العلماء المجربون، وأحس به وعبر عنه الأدباء والفنانون، وانتبه إليه وسجله الكُتَّاب الصحفيون.
فمن الفلاسفة والمفكرين تقرأ شهادة الفيلسوف المؤرخ البريطاني المعاصر "توينبي" إذ يقول (نقل ذلك عنه المفكر المعاصر «كولن ولسون» في كتابه «سقوط الحضارة»):
لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ببيعها «المصابيح الجديدة» لهم مقابل «المصابيح القديمة»، لقد أغرتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلاً منها «السينما» و «الراديو»، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك «الصفقة الجديدة» إقفاراً روحياً، وصفه أفلاطون بأنه «مجتمع الخنازير»، ووصفه ألدوس هكسلي بأنه «عالم زاه جديد»!
ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين، ولكنه لا يخبرنا كيف سيتم هذا الانتقال، وإنما يؤكد قائلاً: "إن الغربي يستطيع بواسطة الدين أن يتصرف تصرفاً روحياً يضمن سلامته بالقوة المادية التي ألقتها بين يديه ميكانيكية الصناعة الغربية".
فكأن توينبي يجيب بذا على سؤال «ايفان ستراود» كيف تستطيع روحية الإنسان أن تسيطر على ازدهاره المادي؟
ويقول الفيلسوف الشاعر المسلم الدكتور محمد إقبال:
"الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية، وتخصص علمي، يجد نفسه في ورطة، فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطاناً على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو.
الإنسان العصري، وقد أعشاه نشاطه العقلي، كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحانية الكاملة، أي إلى حياة روحية تتغلغل في أعماق النفس، وهو في حلبة الفكر في صراع صريح مع نفسه، وهو في مضمار الحياة الاقتصادية والسياسية في كفاح صريح مع غيره، وهو يجد نفسه غير قادر على كبح أثرته الجارفة وحبه للمال حباً طاغياً، يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئاً فشيئاً، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة، وقد استغرق في «الواقع» أي في مصدر الحس الظاهر للعيان، فأصبح مقطوع الصلات بأعماق وجوده، تلك الأعماق التي لم يسبق غورها بعد، وأخف الأضرار التي أعقبت فلسفته المادية، هي ذلك الشلل الذي اعترى نشاطه، والذي أدركه هكسلي (Hyxley) وأعلن سخطه عليه" ("تجديد الفكر الديني في الإسلام" للدكتور محمد إقبال ص 214).
ومن العلماء التجريبيين الذين قضوا جل أعمارهم في المعامل والاختبارات، الدكتور «الكسيس كاريل» أحد أقطاب العلم الحديث الذي يقول في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» (ص 187، 188 من الترجمة العربية):
"من العجيب أن الأمراض العقلية أكثر عدداً من جميع الأمراض الأخرى مجتمعة: ولهذا فإن مستشفيات المجاذيب تعج بنِزلائها وتعجز عن استقبال جميع الذين يجب حجزهم" ويقول س. و. بيرس "إن شخصاً من كل 22 شخصاً من سكان نيويورك يجب إدخاله أحد مستشفيات الأمراض العقلية بين آن وآخر"!!
"وفي الولايات المتحدة تبدي المستشفيات عنايتها لعدد من ضعاف العقول يعادل أكثر من ثمانية أمثال المصدورين. ففي كل عام يدخل مصحات الأمراض العقلية وما يماثلها من المؤسسات، حوالي ستة وثمانين ألف حالة جديدة. فإذا استمر عدد المجانين في السير على هذا المعدل، فإن حوالي مليون من الأطفال والشبان الذين يذهبون الآن إلى المدارس والكليات سوف يدخلون إلى المصحات عاجلا أو آجلا!
"ففي عام 1922كان عدد المجانين المودعين بالمستشفيات الحكومية: 340,000 مجنون، كما كان عدد ضعاف العقول والمصروعين المحجوزين في المصحات الخاصة 81,580، وكان عدد مطلقي السراح بشرف كلمة الشرف من ضعاف العقول 10,930. ولا تشمل هذه الإحصاءات الحالات العقلية التي تعالج في المستشفيات الخاصة. وعلاوة على المجانين يوجد في البلاد كلها 500,000 من ضعاف العقول، ولقد كشف الفحص الذي تولته اللجنة الوطنية للصحة العقلية بعناية، عن أن 400,000 طفل على الأقل على مستوى منخفض من الذكاء، إلى درجة أنهم لا يستطيعون الاستمرار في المدارس العامة، والإفادة مما يتلقون من علم ... وحقيقة الأمر أن عدد الأفراد الذين انحطوا عقلياً أكثر من ذلك بكثير. ويقدر أن عدة مئات من الآلاف لم تشملهم الإحصاءات الرسمية مصابون باضطرابات نفسية (هذه الإحصاءات قد مضت عليها سنوات غير قليلة، وقد تضاعفت اكثر من مرة في هذه الفترة الأخيرة). وتدل هذه الأرقام على مدى استعداد الرجل المتحضر للعطب، وكيف أن مشكلة الصحة العقلية تعتبر من أهم المشاكل التي يواجهها المجتمع العصري. فإن أمراض العقل خطر داهم: إنها أكثر خطورة من السل والسرطان وأمراض القلب والكلى، بل والتيفوس والطاعون والكوليرا. فيجب أن يحسب للأمراض العقلية حسابها لا لأنها تزيد عدد المجرمين فحسب، بل لأنها ستضعف حتماً التفوق الذي تتمتع به الأجناس البيضاء (كذا). على أنه يجب أن يكون مفهوماً أنه لا يوجد ضعاف عقول ومجانين بين المجرمين بالكثرة التي يوجدون بها بين أفراد الشعب!!
صحيح أن عدداً كبيراً ممن يعانون من النقائص العقلية موجود في السجون. بيد أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن أكثر المجانين واسعي الثقافة، مازالوا مطلقي السراح!
"ولا شك أن كثرة عدد مرضى الأعصاب والنفوس دليل حاسم على النقص الخطر الذي تعاني منه المدنية العصرية وعلى أن عادات الحياة الجديدة لم تؤد مطلقاً إلى تحسين صحتنا العقلية".
وفي مجال الأدب والصحافة نكاد نقرأ كل يوم جديداً عن السخط والقلق والتوتر الذي يسود الحياة في الغرب، نتيجة للانحراف عن الإيمان بالله والآخرة والاستغراق في المطالب المادية وحدها.
وأكتفي هنا بنموذج مما نشرته صحيفة «الأخبار» القاهرية في يوم واحد:
في يوم 12/2/1960 في «أخبار الأدب» نشرت الصحيفة تحت هذا العنوان «الأفيون والقرف» الخبر التالي:
"البوليس في أمريكا اعتقل عشرات الأدباء والشعراء من «جمعية الأدباء الساخطين» ولم يكن السبب هو الاعتراض على آثارهم الفنية، بل على سلوكهم الاجتماعي، على تعاطيهم للأفيون، ودفاعهم عن هذه المخدرات بصورة عدائية، وعلى أثر اعتقالهم أصدر «ويليام روراك» من الأدباء الساخطين ما يلي: "إن الحياة طعمها مر، وإن الناس في تعب دائم، وإنه لا وسيلة للهرب من «القرف» إلا الاستسلام للأحلام السعيدة، وكسل لذيذ!".
هذا الجيل بلا حدود ولا قيود ولا أمل
وفي اليوم نفسه كتب أنيس منصور تحت هذا العنوان «هذا الجيل بلا حدود ولا قيود ولا أمل» يقول:
"هذه عبارة الكاتب الفرنسي «شارل موليه» في الجزء الثالث من كتابه عن «أدب القرن العشرين والمسيحية» في 500 صفحة، وهو في هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يدافع عن المسيحية ولا يهاجمها، ولكن يجعلها حائطاً كبيراً ترجع إليه الحضارة الغربية في محنتها الروحية، وهذا الكتاب هو أحسن الكتب وأشملها عن أدب القرن العشرين، فلم يظهر كتاب شامل عن أدب القرن العشرين إطلاقاً. وإنما كل الكتب التي صدرت هي دراسات خاصة مطولة عن كثير من هؤلاء الأدباء .. ولكن هذه الدراسات الموضوعية قد انفرد بها صابراً مجتهداً شارل موليه.
والمؤلف يعتمد على النصوص الأدبية ولا يطلق حكماً دون أن يكون في يديه وفي جيوبه حيثيات هذا الحكم. وهو لا يخلو للمداولة ويصدر أحكامه، وإنما يصدرها علنا في محكمة النقد الأدبي.
والجزء الثالث هذا قد تناول فيه الآثار العميقة لكل من مالرو، وكافكا، وفركور، وشولوخوف، ومولنيه، وبومبار، وفرانسواز ساجان، ولاديستاس ريمون. ومن رأي المؤلف أن الفيلسوف السياسي الموسيقار الطيار أندريه مالرو هو الذي وضع أصابعه على الخطر الذي ينتظر الإنسانية، فهو وحده الذي أدرك منذ أكثر من ربع قرن محنة الروح الأوروبية. ومالرو هو الذي نفث روح القلق والأسى في الأدب الفرنسي والأوروبي بعد ذلك.
والغريب في هذا الجزء الثالث ما قاله المؤلف عن الأديبة الفرنسية فرانسواز ساجان التي صدرت لها قصتان هما: «مرحبا أيها الحزن» .. و «ابتسامة ما» فهو يرى أن ساجان قد سجلت روح اليأس والمرارة واللامبالاة والتواكل، تلك الروح التي عبر عنها سارتر في أعقاب الحرب الأخيرة. والذي يتذكر ما قال سارتر في الأعداد الأولى من مجلة «العصور الحديثة» يجده يصرخ ويقول: "لقد انتهت الحرب في فرنسا الجائعة، لكن السلام لم يبدأ. إننا نعيش في محنة ما بين الحربين. لقد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن السلام من طبيعة الأشياء وان الحرب مسألة عارضة .. فما هذا الذي نحن فيه؟ إنه الحرب والسلام معاً. إنها المحنة دائماً!!".
وهذا الذي قاله سارتر في قصصه وكتبة إنما هو تعميق للإحساس بالمأساة واليأس والمرارة، وقد عبر عنه الشاعر الألماني بروشرت الذي توفي سنة 1947، فقال في قصته «أمام الباب»: نحن جيل بلا رابط ولا عمق. عمقنا هو الهاوية، نحن جيل بلا دين ولا راحة، شمسنا ضيقة، حبنا وحشية، وشبابنا بلا شباب!!
إننا جيل بلا قيود ولا حدود ولا حماية من أحد.
وكان لابد أن تظهر هذه الصورة الشابة المعذبة في طلب الجامعات والمدارس وأعماق الأديرة. ومن هذه الأديرة، ومن الرهبانية القائمة، خرجت فرانسواز ساجان لتعلن في قصتيها: إنني لا أفكر، ولا أستطيع، ولا أطيق أن أبقى وحدي، ولا أريد لأحد أن يكون كذلك، وأريد أن أعيش مثل شيء جديد، ولو كان فيه عذاب، المهم أن يكون جديداً.
وكذلك فعلت سسيل بطلة قصة «مرحبا أيها الحزن». ولم تتردد «دومنيك» طالبة الحقوق وبطلة قصة «ابتسامة ما».
سسيل ودومنيك صورتان لأبناء هذا الجيل الذي يتحرك ويتألم ويروح ويجيء، ويحارب ويصرخ في الظلام، بلا حدود ولا قيود يؤمن بها، ولا أمل في أن يكون لديه أمل". وكفى بهذه الوثائق مستنداً.
الحرية الشخصية وآثارها
أما الحرية الشخصية التي يدعى أنصار الفكر المادي الملحد أنهم ربحوها من وراء «التحرر»من الدين، والإيمان بعقائده الغيبية، وأخلاقه القسرية، فالذي نريد أن نقوله: إن الحرية إذا كان معناها العب من الشهوات بلا حساب، والانطلاق وراء المتع الحسية بلا حياء، والتحلل من عرى الفضائل والأذواق والقيم العليا التي هي أغلى ما ورثته الإنسانية من تاريخها الطويل، فهذه الحرية ليست حينئذ كسباً يسعى إليه، ولا غنماً يحرص عليه، بل هي خسارة جسيمة على البشرية، وهزيمة منكرة للمعاني الإنسانية التي بها صار الإنسان إنساناً.
إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر الجزء السماوي في الإنسان على الجزء الأرضي، ينتصر الروح الشفاف على الجسد الكثيف، ينتصر العقل والإرادة على الشهوة البهيمية أو السبعية.
إن هذا الانتصار على النفس -فضلا عما له من قيمة ذاتية وخلقية- ليمنح النفس لذة أعمق وأبقى من لذة الانطلاق وراء المتع الجسدية التي لا يدوم التلذذ بها أكثر من لحظات قصار، ثم ينطفئ أوارها فإذا هي رماد.
على أن للقيود التي يفرضها الدين على المرء معنى آخر لا تصلح الحياة الاجتماعية إلا به، ذلك أن الحياة لا تخلو من قيود توجبها ضرورة التشابك والزحام، وليس في الإمكان أن يعيش إنسان حراً طليقاً من كل قيد، إلا إذا تصورنا -جدلاً- أنه يعيش وحده في إقليم فسيح كبطل قصة «حي ابن يقظان».
إننا نجد السيارات مقيدة بالسير على الجانب الأيمن من الطريق، والتوقف عند كل إشارة حمراء، والدوران في مناطق معينة وفق تعليمات المرور، وليس هذا انتقاماً من السيارات وأصحابها، وإنما هي تنظيم اقتضاه منع الصدام بين السيارات بعضها البعض، وبين الركبان والمشاة، ولو تصورنا طريقاً خالياً من الناس دائماً، لأمكن أن يسير السائق فيه بسيارته أنى شاء وكيف شاء.
فتدخل الدين هنا في حرية الفرد، ووضع الإشارات الحمراء أمامه في بعض المواقف إنما هو تنظيم «لمرور» الإنسان، وسيره في طريق الحياة. إنما هو عمل على منع «الصدام» بينه وبين غيره من الناس، حماية له من الخطر أن يصيبه هو، أو يصيب غيره من جراء انطلاقه بلا قيود ولا حدود.
وكل مجتمع يخرج على هذه القيود، أو يهون من شأنها، فإنه يعرض نفسه للخطر، ويقرب نفسه من حافة الهاوية، وإن كان لا يدرك هذا إلا بعد تجربة وزمن، تتجلى فيه آثار التحلل وأخطاره بارزة للعيان.
ويكفينا أن نقرأ في الصحف هذه الأخبار:
(أ) أصدرت الجمعية البريطانية لمعالجة الشذوذ الجنسي تقريراً اليوم قالت فيه: إن مليون رجل في بريطانيا -وربما أكثر- مصابون بالشذوذ الجنسي.
(الأهرام القاهرية في 7/5/1965)
(ب) 72 مليون أمريكي يتناولون الخمور، منهم 20 مليوناً يكلفون الدولة بليوني دولار كل سنة، السبب تغيبهم عن العمل.
(الأهرام القاهرية في 3/5/1965)
(جِ) خرجت النساء السويديات في مظاهرة عامة، تشمل أنحاء السويد، احتجاجاً على إطلاق الحريات الجنسية في السويد، اشتركت في المظاهرات حوالي 100,000 (مائة ألف) امرأة
(أخبار اليوم القاهرية في 24/4/1965)
(د) الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية هي وصمة وسبة في الجبين. فسجلات الشرطة تزخر بحوادث النشل من المحلات التجارية أثناء التسوق، وخطف حقائب السيدات، وقاعات المحاكم «موحلة»، بجرائم الاغتصاب، والقتل والسفك.
والخلاصة أنه بأي مقياس ومن خلال أي زاوية، فالإحصاءات مرعبة وأثرها باد في الحياة الأمريكية على مختلف مستوياتها الاجتماعية. فكل ولد من بين ستة يساق إلى محاكم الأحداث لاقترافه جريمة أو جرائم!! سوى جرائم السير، وذلك قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره!!
وفي كثير من المناطق السكنية المأهولة العامرة يلزم أكثر من نصف السكان منازلهم بعد غروب الشمس خوفاً من تعرضهم لأي اعتداء أثناء تجوالهم أو مرورهم بسياراتهم..
والثلث ينخلع رعباً عندما يشاهد وجهاً غير مألوف في الحي!!
والخمس ملئ خوفاً واضطراباً حتى أنهم يفضلون النِزوح والهروب، ولكن لا يدرون أين يجدون الأمن.
وترتفع كل سنة وبشكل غير عادي، نسبة الحاملين لرخص نقل وحيازة الأسلحة النارية والبنادق في منازلهم وسياراتهم، وكلاب الحراسة الضخمة الشرسة أصبح وجودها في المنازل أمراً طبيعياً كوجود القطط والجراء المدللة!!
وفوق هذا كله يزداد الشعور بأن الحكومة، على جميع مستوياتها الولائية والفيدرالية، لا تقدر أو لا تريد أو لن تحمي المواطن العادي!! والحالة في أنصع صورها تبدو مستحيلة، ولكن الحقيقة مرعبة تماماً!!
هذا ما توصلت إليه لجنة الرئيس جونسون المشكلة لمحاربة الجريمة بعد 18شهراً من الدراسات المتتابعة والمقابلات المتعددة، وبعد زيارات لا نهاية لها للمحاكم والسجون ومراكز الشرطة. وببساطة ذكرت أن قصة الجريمة كاملة في الولايات المتحدة لا تقدر على وصفها أو أخبارها!! فالإحصاءات التي وضعتها إنما تعكس الجرائم الظاهرة، لأن الجرائم الناجحة بالتعريف هي غير ظاهرة ومغلفه بستار كثيف من السرية لا يقدر على حل رموزها وكشفها أحد!!.
ولكن الملاحظات الجانبية لتقرير اللجنة التي جاء في 300 صفحة، مخيفة للغاية، فالحالة سوداء قاتمة، حتى أنها تكاد تطيح ببناء المجتمع «الجونسوني» العظيم الذي يحلم الرئيس جونسون برؤيته!!
نسبة الجرائم تشطح رأسياً سنة بعد أخرى، ففي عام 1966سجلت اكثر من 3 ملايين سرقة كبيرة، أي أن واحداً من بين 70 مواطناً أمريكياً هو لص كبير!
ويبدو للمواطن العادي أن بداية الحل الوحيد يتطلب:
1.      محو جميع المدن الكبيرة لأنها تفقس سدس القتلة في الولايات المتحدة وثلث اللصوص والنشالين.
2.      حجز ومنع اختلاط المراهقين من الجنسين لأنهم هم أكبر مجموعة سائبة في المجتمع خلقياً وتصرفياً.
3.      تدمير جميع السيارات لأن معدل سرقة السيارات يتجاوز أكثر من نصف مليون سيارة سنوياً.
4.      إزالة الأعمال التجارية والمالية الكبيرة لأنه بعلم هذه المؤسسات أو بدون علمها تشجع الأعمال المالية الاحتيالية، وتقدم فرصاً مغرية للاستثمارات المالية العائدة لملوك الاختلاس والسرقة!!
(الشهاب اللبنانية (العدد 16 من السنة الأولى في 15/9/1967) من مجلة "تايم" الأمريكية في 24 آذار سنة 1967).
العمل والإنتاج للحياة
أما العمل والإنتاج للحياة، وترقية الجانب المادي منها، والسعي لتحقيق حياة طيبة للبشر في الأرض، والزعم بأن الإيمان بالله والآخرة يعوق ذلك أو يؤخره - فنحيل الرد عليه، إلى ما ذكرنا؟ من قبل عن «الإيمان والإنتاج».
علم النفس لا يغنى عن الإيمان
ولابد أن نعرض هنا لشبهة تحيك في بعض الصدور:
إن بعض الناس قد يخيل إليه أن علم النفس الحديث، بمكتشفاته وإمكاناته وعياداته النفسية، وكشفه عن دخائل النفس ومخبآتها بواسطة ما يسمى: «التحليل النفسي» يستطيع أن يعالج الأنفس المريضة وكل العقد المستعصية، ويقوم بالدور الذي كان يقوم به الدين في الماضي، بطريقة علمية مأمونة، مستمدة من واقع الأرض لا من غيبيات السماء! ولن أرد على هذه الدعوى بنفسي، ولن أدع ردها لأحد من علماء الدين ودعاته المتحمسين له، فربما يقال: أنها بضاعتهم، ومن شأن التاجر أن يروج لبضاعته.
ولكن أدع الرد لأقلام كتاب «مدنيين» ليسوا «مشايخ» ولا أحباراً ولا رهباناً، إنما هم قوم يستندون إلى الواقع، ويحكمون بمنطق التجربة، فلا عذر بعد ذلك للواقعين، ولا حجة للتجريبيين.
فلنستمع أولاً إلى الصحفي المصري المعروف محمد زكي عبد القادر، يناقش هذا الموضوع في إحدى «يومياته» بجريدة «الأخبار» القاهرية، فيقول:
"تلقيت هذا الخطاب: استمعت إلى محاضرتكم في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية عن « مشكلات الشباب الجامعي»، وقد ذكرتم أننا حتى الآن لا نعرف شيئاً محدداً عن النفس الإنسانية وأسرارها، وأن علم النفس ومدارسه والعيادات النفسية لم تزد روادها إلا تعقيداً، وأشرتم إلى أن العيادات النفسية كثرت في أمريكا كثرة غير عادية، وأنها مع ذلك لم تؤد إلى النتائج التي كان يرجوها من يلجأون إليها، بل إن الكثيرين خرجوا منها وقد ازدادت أمراضهم النفسية سوءاً.
إني أرى أنكم بذلك حطمتم علماً حيوياً ناجحاً إلى حد ما، فبفضله وفضل التحليل النفسي والعالم فرويد والتنويم المغناطيسي استطاع العلماء أن يصلوا إلى باطن الإنسان ومعرفة أمراضه وعقده وشفى الكثيرون".
هذا هو الخطاب الذي بعث به طالب بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية.
ويجيب الأستاذ عن هذا الخطاب فيقول:
"عرضت لهذا الموضوع، وأنا أتحدث عن نطاق الإيمان المستند إلى وجود قوة عليا مسيطرة، وقلت: إن الإيمان بالله ضرورة يدعو إليها العلم وليست الأديان وحدها. وقلت: إن العلم لم يستطع -ولن يستطيع- أن يحل المشكلات التي يعانيها الإنسان في هذه الدنيا، فهناك حوادث مفاجئة ومآس تقع دون أن تكون لها أسباب مفهومه، ونحن نسندها عادة إلى القدر وإرادة الله ... فلو لم نكن على درجة من الإيمان، ما استطعنا أن نتعزى عنها أو نحتملها .. الأم التي تفقد أولادها .. كارثة الطيران التي تودي بعائلة بأسرها أو تقتل الأب والأم وتترك الأطفال، أو تقتل الأطفال وتترك الأم والأب .. حوادث الغرق والانهيار والأعاصير والزلازل والبراكين .. غضب الطبيعة على أية صورة وقع هذا الغضب .. الأمراض التي لا شفاء لها .. المتاعب النفسية والعقلية والقلبية والجسدية التي يعجز الإنسان عن إيجاد وسيلة للبرء منها .. وعشرات المصابين في المستشفيات والبيوت ومئات المشوهين بالخلقة هنا وهناك .. وكل ما نراه حولنا من مآس يعجز العلم عن إيجاد حل لها، ويعجز الإنسان -بكل ما أوتى من براعة وقوة وسلطان- عن التخلص منها .. كل هذه المتاعب والآلام كيف يتحملها المصابون بها؟ وكيف يتحملها المحيطون بهم إن لم يستشعروا الإيمان بالله، ويتوجهوا له أن ينقذهم مما عجز الإنسان عن إنقاذهم منه؟ كيف يتحملونها إن لم يؤمنوا أن هناك قوى نجهل حكمتها؟ وأن هناك في الدنيا أشياء وتصرفات لا يمكن أن نعيها بما أوتينا من علوم ومقاييس؟ فلا وسيلة لنا أمامها إلا أن نسلّ?م بوجودها، ونسلّ?م في الوقت نفسه بقصورنا عن أدراك كنهها؟
وليس معنى ذاك أن ننكر العلم ومجاله، بل معناه أن نؤمن بالعلم في أوسع مجالاته، وأن نترك له الحرية يطرق ما يشاء، ويبحث عما يشاء، فإذا وفق فنحن مؤمنون بما بلغه، وإذا لم يوفق فنحن مؤمنون بالقوة العليا، إلى أن يتاح للعلم أن يحل ألغاز المشكلات التي تحيرنا.
إن العلم حتى الآن، بكل ماله من تاريخ ناصع، وانتصارات عظيمة رائعة مجيدة، لم يستطع أن يعرف: كيف تعمل أعضاء الإنسان كلها، وكيف تتصرف وتنشأ وتمرض وتموت؟؟ لقد وفق في علاج كثير من الأمراض، ولكن لم يوفق في علاج كثير آخر منها ... وفق في معرفة بعض وظائف الأعضاء، ولكنه لم يوفق في معرفة سائر الوظائف ... وفق في تشخيص بعض الأمراض، ولكنه عجز عن اقتحام اللغز الأكبر: هل عرف كيف وجد الإنسان؟ .. ولماذا وجد؟ وكيف يموت؟ … ولماذا يموت؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الحياة؟!
كل هذه ميادين لا تزال بكراً، وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت، وعلى الرغم من كل الادعاءات المستندة إلى فهم والمستندة إلى تدجيل وسوء فهم … كل هذه الميادين لا تزال -وستظل إلى ما شاء الله- مجال الإيمان الذي لا يستطيع العلم أن يقتحم منطقته..
ولنأخذ نفس الإنسان، ذلك الجوهر الذي يسعده ويشقيه، يمرضه ويشفيه، يجعله مرحاً كأن الدنيا بين يديه، وفجأة تضيق وكأنها ثقب إبرة .. هذه النفس التي تنحرف وتعتدل، تزكو وتضمر … تكون عبقرية، كأنما يوحى إليها من السماء، وتكون شريرة كأنها لهب من الجحيم … هذه النفس هل عرفناها؟ .. هل حددناها؟ هل صورنا أمراضها واهتدينا إلى علاجها؟ إن علم النفس بكل الجهود المضنية التي بذلها لا يزال يقف عند الشاطئ، ولا تزال نظرياته مجالاً للاختلاف والشك، ولا تزال تتطور جيلاً بعد جيل، وطرائق بعد طرائق…
كان «فرويد» أستاذ هذه المدرسة، وتبعه كثيرون، منوم من سار على منهجه، ومنهم من عارضه، ومنهم من اختلف وإياه في الطريق والنهج .. ترى هل وفق علم النفس حتى اليوم، إلى معرفة النفس؟ .. قد يكون وفق إلى معرفة بعض مظاهرها وانفعالاتها .. قد يكون وفق إلى ردها إلى أسباب تصدق أو تكذب، ولكنه لا يزال جاهلاً هذه النفس.
وقد تعلق الناس بعلم النفس، لأنه علم الحياة، وابتهجوا به وانصرفوا إليه، ظانين أنه سينقذهم من الانحرافات والاندفاعات، من الأمراض العصبية والعقلية، ولكن هل حقق كل ما علقوه عليه من آمال؟ .. هل حقق بعض ما علقوه عليه من آمال! … الجواب -كما قلت في المحاضرة- عند العيادات النفسية الكثيرة المنبثة في أمريكا بعدد أوفر مما في غيرها!! في هذه العيادات مآس لجأ أصحابها إلى المحللين النفسيين يلتمسون عندهم الشفاء … فهل نجحوا؟ … هل شفى اليائسون من الحياة، لأن نفوسهم مضطربة قلقة معقدة؟ .. إن الإحصائيات لا تستطيع أن تؤكد -وحتى في الحالات التي شفى فيها المريض- أن التحليل النفسي -والتحليل النفسي وحده- كان السبب في الشفاء!!
وفي أمريكا بالذات تكثر الأمراض النفسية والعقلية بصورة لا مثيل لها (راجع الإحصائيات التي ذكرها "الكسيس كاريل"، ونقلناها عنه في الصفحات الفائتة). وفي أمريكا هذه توجد عيادات نفسية لا حصر لها، وكل ما يقوله المحللون النفسيون. أو أكثر ما يقولونه لرواد هذه العيادات إذا كانوا شباناً أو فتيات: أن اذهبوا وتصرفوا كما تشاؤون!! إن أمراضكم النفسية سببها الكبت والخوف من التقاليد والأمراض والعار!! فماذا كانت النتيجة؟ .. كانت هذه الانحرافات التي لا حصر لها، وهذا التحليل الذي دمر -أو كاد- الحياة العائلية، ثم لم يمنح أصحابه السعادة التي كانوا ينشدونها!
هذا هو ما قلته … وهو لا يتضمن إنكاراً لفضل علم النفس، ولكنه يتضمن أن علم النفس لم يوفق، حتى الآن، إلى كشف تلك المنطقة الهائلة الرائعة، الصغيرة الكبيرة، منطقة النفس. وأن كل ما بلغه تحليل لبعض الظواهر، وتعليل لبعض التصرفات، فقد يكون صادقاً وقد لا يكون.
إن ما نعلمه عن الحياة وأسرارها، بفضل كشوف العلوم وتفكير المفكرين لا يزال ضئيلاً جداً إذا قيس إلى ما لا نعلمه ولا نستطيع تعريفه ولا تعليله.
هذا النطاق الواسع مما لا نعلم هو مجال الإيمان بالله .. وهذا النطاق الضيق الذي علمناه هو مجال الإيمان بالعلم، ولا تعارض بين الاثنين، بل بينهما التقارب والتكامل.
أمرنا الله أن نسعى ونعرف ونبحث، وبسط أمامنا آفاق الدنيا لنذهب بها كيف نشاء وأطلق فينا شرارة من لدن ذاته العليا، هي العقل .. هذا العقل يجب أن يرود كل المجاهل، ويحاول كشف الألغاز وتيسير الحياة وتوجيهها وجعلها ممكنة ومحتملة، وإيماننا به إيمان بذات الله العليا .. ولكن هذا العقل قاصر، وكل ما ينتجه مهما يكن لن يبلغ حدود الشمول فالشمول من اختصاص الذات العليا.
إيمان بالعلم هو إيمان بالعقل الذي هو شرارة إلهية يجب أن تنطلق من غير حدود، وإيمان بالله هو إيمان بالمصدر والوحي والكل والشمول والأزل والأبد .. وكل من يقول بغير هذا يدعي، ولا يعطي دليلاً على ما يدعي.
علم النفس كغيره من العلوم مجال للاحترام والتشجيع، ولكن أن أعتمد عليه لكي يكشف لي كل غامض هو اعتماد من غير سند، لا من حقيقة ولا مما وصل إليه، ولا مما ننتظر أن يصل إليه." أ. هِ.
الطب النفسي في موكب الإيمان
على أن كثيراً من الأطباء النفسيين قد ثبت لديهم بالتجارب المتكررة أن الإيمان بالله والآخرة من أعظم الأدوية الفعالة في القضاء على الأمراض النفسية، وكثير منهم استعان بالدين في علاج مرضاهم فنجحوا أعظم نجاح، وسجلوا ذلك في بحوث ومقالات وكتب نشروها على الناس.
ولعل أبرز مثل يحضرني الآن هو الطبيب النفسي الأمريكي الشهير الدكتور «هنري لنك» الذي كفر يوماً بالدين الذي ورثه، وخلع معتقداته القديمة كما يخلع المرء نعله، وعاش عدة سنوات ملحداً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فعل ذلك باسم العلم الذي رآه في ذلك الوقت يتعارض مع الدين، أو على الأقل، لا يثبته ولا يؤيده. فالعلم -حسب قوله- لا يستطيع أن يثبت وجود الله، كما لا يستطيع أن يثبت عدم وجوده، وبناء على ذلك لا يسع اللبيب إلا أن يقول: "أنا لا أعرف" أي يكون شاكاً أو ملحداً. هذا الرجل الذي جرفه العلم بعيداً عن الدين، عاد عن طريق العلم مرة أخرى إلى الدين، وسجل ذلك في كتاب نشره على الناس وطبع إلى ما قبل سنوات في أمريكا 47 مرة، وقد سمى كتابه «العودة إلى الإيمان».
ولنستمع إليه نفسه يحدثنا عن أسباب عودته وظروفها وكيفيتها فيقول:
"وهاأنذا أسجل أن عودتي إلى حظيرة الإيمان لم تكن وليدة الضائقة المالية التي اكتسحت العالم وقتاً ما، ولو أني أعترف مع ذلك بأن تلك الفترة قد ساعدت على نضوج بعض الحقائق النافعة لي. وما كان تقدم سني أو اقترابي من الشيخوخة -هذان الشبحان اللذان غالباً ما يؤثران على تفكير المرء- هما السبب في عودتي إلى حظيرة الإيمان، فإني مازلت في مستهل الخامسة والأربعين وهي سن تعتبر مبكرة نوعاً ما، ومازلت بحمد الله موفور الصحة، قوي البنية، قادراً على الانحناء عشر مرات متواليات، وسباحة ميل كامل، والتهام كل ما أشتهي من طعام دون خشية أية عواقب.
فعودتي إلى الإيمان لا ترجع إلى تدهور صحتي، ولا إلى ما عساه أن أكون قاسيته من الآلام التي تؤثر على عقلية المريض، فتجرفه في تيار التمني للتخلص من هذه الحياة والإخلاد لحياة أخرى، كلها راحة واطمئنان. كما أنى أقرر أنها لم تأت في أعقاب مصيبة أو كارثة من كوارث الحياة ومشاكلها، بل بالعكس، جاءت بعد أن قضيت ستة عشر عاما في حياة زوجية هانئة، فأنا رجل محظوظ لي ثلاثة أطفال هم مصدر سعادتي وغبطتي، وأحرزت من النجاح أكثر مما كنت أصبو إليه. أما إيرادي فيربو على حاجتي ومطالب أسرتي.
ومن هذا ترى أن هداي لم تصطحبه أية حبكة روائية أو إثارة ما لعواطفي. فلم أمر بتجربة قاسية، ولم تحرك إحساسي كارثة، كما لم يبهر بصري اكتشاف جديد قد يحدث هذا التبدل الذي أسجله الآن.
لقد أتاني الهدى وئيداً حتى أنني لم أتبينه في نفسي خلال مراحله الأولى وما كان مرجع هذا التبدل إلا تلك التجارب المتواصلة التي صادفتني في أثناء ممارستي لمهنتي كطبيب نفساني" (العودة إلى الإيمان ص 14، 15).
فهذا الرجل الطبيب العالم يعلن في ثقة ووضوح أنه لم يعد إلى حظيرة المؤمنين نتيجة لتأثر وقتي، أو انفعال عارض، ولم يعد إلى الإيمان، بناء على نظريات نفسية اعتنقها، أو آراء فلسفية تبناها، فإن النظريات والآراء قابلة للصدق والكذب، ومحتملة للصواب والخطأ، إنما عاد الرجل إلى الإيمان، بناه على تجارب مارسها بنفسه، وعلى ملاحظات متكررة شاهدها بعين رأسه، وهذه التجارب والملاحظات هي أساس علم النفس التجريبي الذي يدرس الظواهر النفسية دراسة تقوم على القياس والاختبار والإحصاء والأرقام، والتي بها أصبحت الدراسات النفسية «علماً» ولم تعد «فلسفة»
وها هو يوضح هذا المعنى ويؤكده، فيقول:
"إن علم النفس الحديث القائم على أساس الرياضيات والأرقام، والذي يطبق على البشر لا على الورق، هو الذي قلب آرائي ومبادئي رأساً على عقب دون أن أشعر بالتطور الذي حل بي من مدة طويلة.
وهنا لا يجوز الخلط بين هذا العلم، وبين التحليل النفسي، الذي أدى إلى ظهور نظريات تأملية لا يمكن تماماً الجزم بصحتها كلها، كالتعبير عن الذات والقمع والأحلام والعقل الباطن واللبيدو («اللبيدو» هي الطاقة الحيوية في الإنسان قصد بها «فرويد» الحرمان الجنسي أو الجانب العقلي للغريزة الجنسية، ولكن « يونج » توسع في معنى التعبير، وأطلقه بصفة عامة على الحيوية بأسرها (المترجم)) وعقدة النقص والتربية التقدمية الخ. وما أقل ما يعرفه الناس عن علم النفس العلمي الذي بلغت دقته الدرجة التي وصلت إليها الكيمياء والطبيعة منذ قرن من الزمان. وبرغم أنهم سمعوا عن اختبار الذكاء أو مقياس الذكاء، إلا أن القليلين منهم هم الذين يدركون أن هناك أكثر من 10,000 اختبار نفسي أجراها رجال علم النفس، وأن معظم هذه الاختبارات تستخدم الآن في الحياة العامة. والقليلون أيضاً يعلمون أن مؤسسة روكفلر قد وهبت جماعة من علماء النفس نصف مليون دولار لاكتشاف اختبارات التعاون المستخدمة الآن بمعظم المدارس. وقد أمضى أساتذة علم النفس في جامعة «مينيسوتا» خمس سنوات في بحث متواصل، حتى اهتدوا إلى استنباط ثلاثة اختبارات لقياس مدى كفاية المرء الآلية، واستعداده الطبيعي لاستخدام الأجهزة الآلية، أنفقت فيها مائة ألف دولار، تبرع بها مجمع الأبحاث الوطني وغيره من المؤسسات.
ويكاد الجمهور الذي ينفق ملايين الدولارات على دراسة الموسيقى لا يعرف شيئاً كذلك عن دقة اختبار «سيشور» لاكتشاف المواهب الموسيقية الفطرية في الإنسان، وقد وضعه بعد بحث مجهد دام خمسة وعشرين عاماً، بمعاونة عدد من رجال علم النفس المساعدين. وقليلون أيضاً هم الذين سمعوا عن الجهاد العنيف الذي بذله أمثال: رودرث وثيرستون، وألبروت وولز وروث وبرنرويتر، وغيرهم في مجال الشخصية وحدها.
وهكذا ظهر تحسن ملحوظ في القدرة على تفهم الشخصية، وترقيتها والتقدم بها، بواسطة الاختبارات المتقدمة الذكر واستخدامها في علاج المرضى بالعيادات الطبية. فقد أجرى اختبار قياس الشخصية وحده على حوالي نصف مليون نفس عام 1935 في عيادات الولايات المتحدة ومدارسها.
هذا الفرع من علم النفس هو الذي أدت مكتشفاته إلى تبديل معتقداتي الدينية، وهي -كما سبق أن أوضحت- تختلف عن تلك النظريات الجذابة الشائعة بين الناس، كما أني قد قدمت إلى هذا النوع من علم النفس العلمي الكثير من المعونة فحازت القبول. وأما مكتشفاتي التي سيرد ذكرها فيما بعد، فلم تكن ممكنة التحقيق بدون تلك التجارب العلمية التي قام بها غيري من العلماء النفسيين، وأما كون النتائج المستخلصة من هذه الدراسات تؤيد بل تطابق بعض المعتقدات الدينية الأساسية، فهذا ما سيلمسه الجميع حتماً بمرور الزمن.
وقد طبقت مكتشفات علم النفس تطبيقاً واسع النطاق على معظم المشكلات الإنسانية، فقد أجرت مصلحة تشغيل المتعطلين بمدينة نيويورك اختباراً نفسياً على 15,321 نفساً من الرجال والنساء المتعطلين في فترة لا تتجاوز ستة عشر شهراً. وفي ضوء هذه الاختبارات أمكن توجيه كل منهم إلى المهنة المناسبة والتدريب المطلوب له حتى يصير لائقاً لهذه المهنة.
وفي كثير من الأحيان كانت النصيحة تقدم استناداً على المشكلات والعقد المكتشفة في شخصية كل منهم، والتي تكون عادة السبب الأساسي في تعطلهم. وقد تكلفت هذه العملية أكثر من مائتي ألف دولار، تبرعت بمعظمها مؤسسة كارنيجي، وجمعية مساعدة العمال العاطلين بمدينة نيويورك، ولما كنت قد عينت مستشاراً خاصاً في هذه العملية، ونيط بي وضع الخطط ومراقبة الدراسات الإحصائية المستخلصة لعشرة آلاف نفس ممن جرى عليهم الاختبار، وقد أجريت عليهم ما قدره 73,226 اختباراً نفسياً، وسجلت تقريراً شخصياً شاملاً لكل فرد منهم. وفي هذا الوقت بالذات بدأت إدراكي لأهمية العقيدة الدينية بالنسبة لحياة الإنسان، ووجدت من نفسي استعداداً لمضاهاة تجاربي السابقة على مرضاي، بالنتائج الباهرة التي أتت بها تلك الاختبارات العظيمة التي توليت الإشراف عليها، وقد استخلصنا من هذه الاختبارات نتيجة هامة، ولو أنها لم تنشر في التقرير النهائي. وهذه النتيجة هي: "إن كل من يعتنق ديناً أو يتردد على دار العبادة يتمتع بشخصية أقوى وأفضل مما لا دين له أو لا يزاول أية عبادة".
وعلى ذلك لم تكن رجعتي إلى الدين رجعة الضال الذي اهتدى إلى دين صائب، أعني أن هذه الرجعة لم تصاحب شعوراً متوقداً أو نعرة عاطفية، لكنها كانت رجعة عن طريق العقل فحسب لسوء الحظ! ولا أظن أن كافة المتدينين يقرون هذه الحقيقة، حتى أنا نفسي لا أعتقد أنها الطريقة المثلى، ففكرتي عن الدين تتضمن بضع معتقدات لا تؤيدها مذاهب دينية معينة، وتنبذ بعض الآراء التي تراها مذاهب معينة جوهرية. إذن ... فما هو الدين؟
الدين هو الإيمان بوجود قوة ما كمصدر للحياة: هذه القوة هي قوة الله، مدبر الكون، خالق السموات، وهو الاقتناع بالدستور الخلقي الإلهي الذي سنه الله في كتبه المتعاقبة، واعتبار التعاليم السماوية أثمن كنِز تغترف منه الحقائق الدينية، وهي أسمى في مرماها من العلوم كلها مجتمعة" (المرجع نفسه ص 23، 26).
والحق أن هذا الرجل -ككثيرين غيره- حين كفر وألحد، لم يكفر بدين الله الحق، وإنما كفر بالتحريفات التي شوهت الدين ومسخته، إنما كفر بدين الكنيسة بما أضيف إليه، وما ابتدع فيه .. وحين آمن وعاد إلى الدين، لم يعد إلى الدين الذي أنكره من قبل، بل عاد إلى دين ترضى عنه فطرته وعقله، وإن لم ترض عنه مذاهب كنسية معينة، وهو ينبذ معتقدات تراها بعض المذاهب جوهرية، ولو أتيح للرجل أن يعرف الإسلام على بصيرة لأيقن أن الدين الذي اهتدى إليه وأعلن عودته إلى حظيرته، إنما هو في الواقع دين الإسلام، دين الفطرة والعقل، دين الحياة والقوة فهذا الدين هو سلاح الأقوياء وليس ملجأ الضعفاء، كما يقول الدكتور في فقرة من كتابه:
"لقد أدت دراستي العميقة للأفراد إلى مشاهدتي ذلك القبس المضيء من نور الهداية. وسواء أكان أمل الإنسان هو الحصول على الوظيفة اللائقة أو الأمن الاقتصادي أو الاطمئنان الاجتماعي أو السعادة الزوجية، فلن يعم الرخاء إلا إذا حارب الناس أسلوب الحياة الراهنة والمجتمع الحالي حرباً لا هوادة فيها توقد جذوتها عدة من المثل العليا العملية الصادقة.
فالدين الذي أتكلم عنه ليس ملجأ الضعفاء، ولكنه سلاح الأقوياء، فهو وسيلة الحياة الباسلة التي تنهض بالإنسان ليصير سيد بيئته المسيطر عليها، لا فريستها وعبدها الخانع" (المرجع نفسه ص 28، 29).
وليس الدكتور هنري لنك وحده الذي عاد إلى الإيمان عن طريق التجربة، والعلم، فهناك غيره كثيرون.
لقد حدثنا الكاتب الأمريكي المشهور «ديل كارنيجي» -مؤلف «دع القلق وابدأ الحياة» وغيره من الكتب- أن موجة الشك والقلق انتابت إيمانه فترة من حياته، وأوشك أن يكون جاحداً ملحداً، يرى أن الحياة تسير بلا غاية، وإلى غير مقصد، ويحسب أن البشر مجردون من الأهداف السامية مثل: حيوانات «الديناصور» العملاقة التي كانت تجوب الأرض منذ مائتي مليون سنة، وأن النوع الإنساني مصيره إلى انقراض يشبه انقراض حيوان الديناصور.
ثم هبت على الرجل نفحة إيمان جعلته يشعر أن الحياة متاهة مضلة، وصحراء قاحلة مهلكة بغير واحة الإيمان.
ومما قاله في هذا الصدد: إنني يهمني الآن ما يسديه إلى الدين من النعم، تماماً كما تهمني النعم التي تسديها إلينا الكهرباء والغذاء الجيد، والماء النقي، فهذه تعيننا على أن نحيا حياة رغدة، ولكن الدين يسدي إلي أكثر من هذا، إنه يمدني بالمتعة الروحية، أو هو يمدني -على حد قول «وليم جيمس»- بدافع قوي لمواصلة الحياة .. الحياة الحافلة، الرحبة، السعيدة، الراضية. إنه يمدني بالإيمان والأمل والشجاعة، ويقصي عنا المخاوف والاكتئاب والقلق ويزودني بأهداف وغايات في الحياة، ويفسح أمامي آفاق السعادة، ويعينني على خلق واحة خصبة وسط صحراء حياتنا.
لقد كان الفيلسوف «فرانسيس بيكون» على حق حين قال:
"إن قليلاً من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد، ولكن التعمق في الفلسفة خليق أن يعود بالمرء إلى الدين".
إن السطحيين وأنصاف المتفلسفين، والمغرورين بقشور العلم والفلسفة هم الذين يتهورون فيتورطون في اقتراف الخطيئة الكبرى: خطيئة الثورة على الدين، والتمرد على الله، بل الجحود لوجوده سبحانه. ومنهم من يفعل ذلك تظاهراً بالتحرر وطلباً للشهرة. ومنهم من يفعله تبريراً لغرقه في الشهوات، وجريه وراء المتع والملذات، فهو يريد أن يهدم الدين من أساسه، ليسوغ لنفسه السقوط والانحلال، بلا تحرج ولا حياء من الناس، ولا حساب من ضمير.
أما الراسخون في العلم، المتعمقون في الفكر، فهم أعقل من أن يقطعوا أنفسهم عن هذا النور الذي لا يخبو، والزاد الذي لا ينفد، نور الإيمان، وزاد اليقين.
ولا غرو أن رأينا أعلام المشتغلين بالحياة النفسية، فلسفة ونظراً، أو علاجاً وطباً، يعلنون اعتصامهم بالعروة الوثقى، عروة الدين، ويدعون الناس إلى ذلك بصوت جهير.
قال «وليم جيمس» العالم النفسي الشهير بمذهبه في المنفعة العملية:
"إن بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه -سبحانه وتعالى- تحققت كل أمنياتنا وآمالنا".
وقال: "الإيمان من القوى التي لابد من توافرها، لمعاونة المرء على العيش، وفقدها نذير بالعجز عن معاناة الحياة".
وقال حين كان أستاذاً للفلسفة بجامعة هارفارد:
إن أعظم علاج للقلق -ولا شك- هو الإيمان".
ويعقب على ذلك «كارنيجي» بقوله: "ولا يتحتم أن تتعلم في هارفارد لتدرك هذه الحقيقة، فقد أدركها والداي في بيتهما الريفي المتواضع، فما استطاعت الفيضانات ولا الديون، ولا النوازل أن تنال من روحهما القوية، المستبشرة الظافرة، ويسعني الآن أن أتسمع فيتردد في أذني صوت أمي تترنم بالأغنية التالية، بينما هي تدير شئون المنِزل:
الأمان، الأمان .. يالروعة الأمِان
إذ يسكبه في نفوسنا الرحيم الرحمن
إليك اللهم أدعو أن تحيطني بالأمان
فياضاً غامراً يملأ القلب والجنان .."
يقول «ديل كارنيجي» أيضاً:
"إني لأذكر تلك الأيام التي لم يكن للناس فيها حديث سوى التنافر بين العلم والدين، ولكن هذا الجدال انتهى إلى غير وجعة، فإن أحدث العلوم -وهو الطب النفسي- يبشر بمبادئ الدين. لماذا؟
"لأن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي، والاستمساك بالدين، والصلاة، كفيلة بأن تقهر القلق والمخاوف والتوتر العصبي، وأن تشفي أكثر من نصف الأمراض التي نشكوها .. نعم إن أطباء النفس يدركون ذلك، وقد قال قائلهم الدكتور «أ. أ. بريل»: "إن المرء المتدين حقاً لا يعاني مرضاً نفسياً قط".
"وعندي أن أطباء النفس ليسوا إلا وعاظاً من نوع جديد. فهم لا يحضوننا على الاستمساك بالدين توقياً لعذاب الجحيم في الدار الآخرة، وإنما يوصوننا بالدين توقياً للجحيم المنصوب في هذه الحياة الدنيا .. جحيم قرحات المعدة، والانهيار العصبي، والجنون … الخ.
يقول الدكتور «كارل يونج» -أعظم الأطباء النفسيين في هذا الجيل بأمريكا- في كتابه «الرجل العصري يبحث عن روح»:
"استشارني في خلال الأعوام الثلاثين الماضية أشخاص من مختلف شعوب العالم المتحضرة، وعالجت مئات من المرضى، فلم أجد مشكلة واحدة من مشكلات أولئك الذين بلغوا منتصف العمر -أي الخامسة والثلاثين أو نحوها- لا ترجع في أساسها إلى افتقادهم الإيمان، وخروجهم على تعاليم الدين .. ويصح القول بأن كل واحد من هؤلاء المرضى وقع فريسة المرض، لأنه حرم سكينة النفس التي يجلبها الدين -أي دين- ولم يبرأ واحد من هؤلاء المرضى إلا حين استعاد إيمانه، واستعان بأوامر الدين ونواهيه على مواجهة الحياة".
لماذا يجلب الإيمان بالله، والاعتماد عليه -سبحانه وتعالى- الأمان والسلام والاطمئنان؟.
سأدع «وليم جيمس» يجيب على هذا السؤال:
"إن أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، ولا تقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله خليق بألا تعكر طمأنينته التقلبات السطحية المؤقتة، فالرجل المتدين حقاً عصى على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتى به الأيام من صروف" (عن كتاب "دع القلق وابدأ الحياة").
ونشرت جريدة الجمهورية يوم السبت 29/11/1962، تحت عنوان «العلماء يلجأون إلى الدين لعلاج مرضى الأمراض العقلية»:
"عزاء وسلوان لأولئك الذين تشبثوا بدينهم، ولم يتزعزع إيمانهم في أحلك لحظات المدنية وأنصعها، أقصد تلك اللحظات التي يتشدق فيها دعاة النظريات العتيدة، وفي مقدمتها نظرية النشوء والارتقاء «لداروين» ويتشدقون فيها بأن الدين بدعة، وبأن الإنسان يقف وحده في هذا الكون، كما زعم «جوليان هاكسلي».
إن علماء الأمراض العقلية، لا يجدون اليوم سلاحاً أمضى، وأبعد فاعلية لعلاج مرضاهم من الدين والإيمان بالله .. والتطلع إلى رحمة السماء .. والتشبث بالرعاية الإلهية، والالتجاء إلى قوة الخالق الهائلة عندما يتضح عجز كل قوة سواه!!
لقد بدأت التجربة في مستشفى بولاية نيويورك، وهو مستشفى خاص بمرتكبي الجرائم من المصابين بالأمراض العقلية.
بدأ التجربة بإدخال الدين كوسيلة جديدة للعلاج بجانب الصدمات الكهربائية لخلايا المخ، والعقاقير المسكنة والمهدئة للأعصاب.
وكانت النتيجة رائعة .. إن أولئك الذين تعذر شفاؤهم .. بل فقدوا الأمل فيه، انتقلوا من عالم المجانين إلى عالم العقلاء .. أولئك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم وهم مسلوبو الإرادة، باتوا يسيطرون على إرادتهم وتفكيرهم وتصرفاتهم، ويذرفون الدمع ندماً، وكلهم أمل في رحمة السماء ومغفرة الله.
واستسلم العلماء، ورفعوا أيديهم إلى السماء، يعترفون بضعفهم ويعلنون للدنيا أن العلم يدعو إلى الإيمان. وليس أبداً إلى الإلحاد".
ولم يقف الأمر عند الأطباء النفسيين، بل تجاوزه إلى أطباء الأجسام أنفسهم، يرون أن الإيمان بالله ضرورة لنجاح علاج كثير من الأمراض الجسمية والعصبية، وخاصة إذا اجتمع إيمان الطبيب وإيمان المريض، فذلك أجدر أن يقصر مدة العلاج ويقرب حلول العافية.
يقول الدكتور «بول أرنست أدولف» -أستاذ مساعد التشريح بجامعة سانت جونس وعضو جمعية الجراحين الأمريكيين-: "لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لابد أن يشمل الروح والجسم معاً في وقت واحد، وأدركت أن من واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية، إلى جانب إيماني بالله وعلمي به، ولقد أقمت كلتا الحالتين على أساس قويم، بهذه الطريقة وحدها، استطعت أن أقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحتاجون أليه .. ولقد وجدت بعد تدبر عميق، أن معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة (من كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" ص 138، 139).
وقد وجدت أثناء ممارستي للطب، أن تسلحي بالنواحي الروحية، إلى جانب إلمامي بالمادة الطبية يمكناني من معالجة جميع الأمراض علاجاً يتسم بالبركة الحقيقية، أما إذا أبعد الإنسان ربه من هذا المحيط، فإن محاولاته لا تكون إلا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.
فما هي الأسباب الرئيسية لما نسميه الأمراض العصبية؟
إن من الأسباب الرئيسية هذه الأمراض: الشعور بالإثم والخشية والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والأثرة والسأم. ومما يؤسف له أن كثيراً من المشتغلين بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات، لأنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الإيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى".
بالتحريفات كان بعض المثقفين في أوطاننا لا يصغون إلا لصوت يجيئهم من الغرب، فإن عليهم أن يستمعوا وينصتوا لتلك الصيحات المخلصة، التي أطلقها أناس ليسوا بالأدعياء المتطفلين على العلم، ولا بالسطحيين المحكومين بالعاطفة، ولا بالخياليين المتعلقين بالأحلام، الذين يسبحون في غير ماء، إنما هم «علماء» متعمقون يحكمون منطق العلم العصري وحده، القائم على الملاحظة والتجربة والاستقراء.
والعجب أن تصدر هذه الصيحات من بلد بلغ القمة في الارتقاء العلمي والغنى المادي، والرخاء الاقتصادي، واستطاع أن يضع أقدام أبنائه على سطح القمر! بلد يؤمن بالمنافع العملية، والحياة الواقعية، لا بالمدن الفاضلة والمثل الأفلاطونية. ولكن أعلامه -كما رأينا- ينادون بضرورة التشبث بالإيمان، وقاية وعلاجاً، وزاداً وسلاحاً، وهداية ونوراً، وصاحباً ودليلاً.
فلنركل بقوة وإلى الأبد تلك الأكذوبة الكبرى، التي يرددها هنا أناس لا يمتازون إلا بصفاقة الوجوه وعمى القلوب: إن العلم يناقض الإيمان، أو يستغني عن الإيمان! هيهات هيهات لما يدعون.


الخاتمة
أحسب - بعد ما عرضناه في هذا الكتاب - أن الطريق، قد اتضحت وجهته واستبانت معالمه.
إنه طريق واحد يتعين على أمتنا أن تسلكه، ولا خيار لها في ذلك. إنه طريق الإيمان. إنه الطريق الفذ لتحقيق كل ما نريد من أهداف، وما نصبو إليه من آمال..
إن كنا نريد الآخرة .. فطريقها هو الإيمان.
وإن كنا نريد الدنيا .. فطريقها هو الإيمان.
وإن كنا نريدهما معاً .. فطريقهما هو الإيمان.
أما الآخرة فلها حديث في غير هذا الموضع.
وأما الدنيا وآمالنا فيها، وغاياتنا منها، وسعادتنا بها، فقد تبين لنا -من خلال هذه الدراسة- أن الإيمان الحق هو سبيلها، لا سبيل غيره.
إن كنا نريد السعادة الشخصية، فلا سعادة بغير سكينة النفس، ولا سكينة بغير إيمان.
وإن كنا نريد الحياة النظيفة، فلا نظافة بغير استقامة، ولا استقامة بغير إيمان.
وإن كنا نريد التماسك الاجتماعي، فلا تماسك بغير إخاء، ولا إخاء بغير إيمان.
وإن كنا نريد النصر العسكري على عدونا الجاثم على صدورنا، فلا نصر بغير أبطال، ولا بطولة بغير تضحية، ولا تضحية بغير إيمان.
وإن كنا نريد الرخاء الاقتصادي، فلا رخاء بغير إنتاج، ولا إنتاج بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير إيمان.
وإن كنا نريد التقدم «التكنولوجي» فلا تقدم بغير إخلاص، ولا إخلاص بغير هدف، ولا هدف للحياة بغير إيمان.
وإن كنا نريد الإصلاح الجذري لحياتنا، فلا إصلاح إلا بتغيير نفسي، ولا تغيير إلا بتصميم، ولا تصميم إلا بالإيمان.
وإن كنا نريد الحكم العادل، فلا عدل بغير قانون، ولا فائدة في قانون بغير ضمائر، ولا أمل في ضمائر بغير إيمان.
الإيمان هو قوة الخلق، وخلق القوة، وروح الحياة وحياة الروح، وسر العالم وعالم الأسرار، وجمال الدنيا ودنيا الجمال، ونور الطريق طريق النور.
الإيمان هو واحة المسافر، ونجم الملاح، ودليل الحيران، وعدة المحارب، ورفيق الغريب، وأنيس المستوحش، ولجام القوي، وقوة الضعيف.
الإيمان هو مصنع البطولات، ومحقق المعجزات، ومفتاح المغاليق، ومنارة الهدى في كل طريق.
الإيمان في كلمة واحدة- ضرورة للحياة الإنسانية: ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد ويرقى، وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك ويبقى.
والإيمان الذي عنيته هو إيمان الإسلام، في شموله وتوازنه وعمقه وإيجابيته، إيمان القرآن والسنة، إيمان الصحابة والتابعين لهم بإحسان: معرفة ونية واعتقاداً وعملاً. لا الإيمان العقلي الخالص الذي أراده المتكلمون، ولا الروحي المحض الذي أراده المتصوفون، ولا الشكلي الجاف الذي عنى به المتفقهون الجامدون.
هذا الإيمان ليس مجرد شعار يرفع، أو دعوة تدعى. إنه أسلوب حياة متكامل للفرد والأمة، إنه ضياء ثاقب، ينفذ إلى الفكر والعاطفة والإرادة في دنيا الفرد، فيجري في كيانه عصارة الحياة، وينشئه من جديد ويحوله من مخلوق تافه إلى إنسان ذي رسالة وهدف، ومن حيوان أو سبع إلى كائن أشبه بالملاك.
ويمتد إلى المجتمع بأشعته الوهاجة المشرقة، فإذا دم الحياة قد جرى في عروقه، والعافية قد سرت في أوصاله، فيشفيه وهو سقيم، بل يحييه، وهو رميم، أليس فيه نفحة من سر الألوهية التي تقول للشيء: 'كن' فيكون؟.
الإيمان الحق هو الذي يخط آثاره في الحياة كلها، ويصبغها بصبغته الربانية في الأفكار والمفاهيم، والعواطف والمشاعر، والأخلاق والعادات، والنظم والقوانين، (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) (البقرة: 138).
والأمة التي تريد أن تحيا بالإيمان لابد أن «تكيف» حياتها ومناهج تفكيرها وسلوكها وفقاً لما يوجبه عليها منطق الإيمان. وأن تحرر وجودها من كل ما يعوق هذا الإيمان أو يحجب نوره وسناه. وإلا كان إيمانها حبراً على ورق، ودعوى بلا برهان.
فاللهم اهد أمتنا إلى صراط الإيمان (صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (الفاتحة: 7) آمين.