Advertisement

العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم الشيخ محمد أبو زهرة

العقيدة الإسلامية
كما جاء بها القرآن الكريم
فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة
عضو المجمع
الكتاب الثاني
( صفحة 3 )
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
وبعد :
فإن السلف الصالح قد تذرع لفهم القرآن الكريم والعلوم التي أنبثقت عنه بالذوق العربي الفصيح , وبالسنة النبوية الصحيحة , وساروا في فهمه على أنه كل لا يتجزأ , ويفسر بعضه بعضا .
فعرفوا الإيمان من صفات المؤمن التي ذكرها القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون".
ومثل قوله تعالى : " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " .
ووجدوا الإيمان يذكر متضمنا العمل أو مقرونا به فعملوا , فكمل إيمانهم , وعلى هذا النحو فهموا شعائر الإسلام , وتوحيدا لله وكمالاته المطلقة , والرسل الكرام , ووظائفهم والملائكة الأطهار وصفاتهم .
( صفحة 4 )
وجاء المتأخرون الذين فقدوا الذوق العربي الفصيح والأسترشاد الواعي من القرآن الكريم, والسنة النبوية الشريفة , فصبوا قوالب التوحيد في قواعد جافة , ومن ثم ضعف الإيمان وضعفت الإرادة تبعا لذلك , وضعفت الأخلاق بالتالي .
ومن توفيق الله أن أخذ المصلحون يتجهون بتيار الإصلاح إلى الوضع السليم, فأرتفعت أصوات الغيورين بضرورة إصلاح المجتمعات الإسلامية وذلك بالرجوع في فهم التوحيد - بالذات - إلى الكتاب الكريم, والسنة النبوية الشريفة, والأسترشاد بهما, على نحو ما فعل السلف الصالح حتى نسعد كما سعدوا.
ويسر الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن تقدم للمسلمين كتابها الشهري الثاني :
" العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم "
لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة عضو المجمع , وهو عالم فاضل معروف في العالم الإسلامي بأبحاثه القيمة وتأليفه العديدة, في مختلف القضايا الإسلامية والعربية, والتي لها قيمتها وأصالتها .
( صفحة 5 )
والأمانة العامة تقدم له خالص شكرها وعميق تقديرها على هذا البحث القيم في الناحية العقائدية .
والله تعالى نسأل أن ينفع به , وأن يوفقنا جميعا لما فيه خير الإسلام والمسلمين .
والله الموفق والمستعان . وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه ومن أهتدى بهديهم إلى يوم الدين .
ربيع الثاني سنة 1389 هـ .
يونية سنة 1969م .
الدكتور عبد الحليم محمود الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية .
( صفحة 6 )
تعريف موجز بالمؤلف
* ولد سنة 1898 بمدينة المحلة الكبرى .
* أستحفظ القرآن , ودخل المكاتب الراقية , وكان منهاجها كمنهاج المدارس الأبتدائية القديمة , لولا أنها ينقصها اللغة الإنجليزية وأستعيض عنها بدراسات دينية وعربية .
* بعد أن حفظ القرآن الكريم دخل الجامع الأحمدي في سنة 1913 حتى سنة 1916 حيث دخل مدرسة القضاء الشرعي , ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ سنة 1925 .
* حصل على شهادة دار العلوم العليا من الخارج سنة 1927 . ثم درس بتجهيزية دار العلوم , والقضاء الشرعي والمدارس الثانوية , حتى نقل إلى كلية أصول الدين مدرسا .
* ونقل إلى كلية الحقوق مدرسا حتى أصبح أستاذا ورئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بها وأحيل إلى التقاعد أخيرا - أمد الله في عمره وبارك فيه .
* وعين عضوا بمجمع البحوث الإسلامية منذ إنشائه .
* وله تآليف قيمة في التاريخ , والملل والنحل , والشريعة الإسلامية وتفسير القرآن الكريم , وما زال يواصل نشاطه العلمي بهمة ونشاط .
( صفحة 7 )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الكلمة الجامعة للعقيدة الإسلامية هي : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وهي التي نرددها في كل صلاة , وهي التي كان يدعو بها النبي صلى الله تعالى وسلم عليه بدعايته , وهي التي كان يدعو بها النبي صلى الله تعالى وسلم عليه بدعايته , وهي التي يدعو إليها كل داع إلى الإسلام , وهي فيصل التفرقة بين الكفر والإيمان , وهي الأساس للبناء التكليفي في الإسلام .
ولمقام كلمة : " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " في دلالتهما على أركان العقيدة الإسلامية , نشير إلى بعض ما تضمنته من معان , غير مفصلين في هذه المعاني , بل نوجز القول ونعرج من بعد ذلك بالتفصيل على ما يقتضيه المقام من بيان معاني العقيدة كما جاءت في القرآن .
أقول ما تضمنته كلمة الشهادة, أو الشهادتين - كما يعبر كثير من العلماء - بيان أن المعبود بحق في الإسلام واحد لا يشاركه أحد , فهو واحد في الخلق فلا يشاركه في إنشاء هذا الكون وما فيه ومن فيه أحد, وهو في ذاته وصفاته لا يماثله أحد, وفي العبودية لا يستحق العبادة سواه, وهذا صريح الشهادة الأولى :
( صفحة 8 )
" أشهد أن لا إله إلا الله " .
ذلك ؛ لأنها تضمنت : نفيا وإثباتا , أو تضمنت : قصرا وتخصيصا .
تضمنت نفي الألوهية عن غيره .
وتضمنت بالأستثناء بعد النفي إثبات الألوهية له .
والألوهية هي أستحقاقه العبادة وحده , ولكن أستحقاق العبودية لا يكون إلا إذا كان هو المتفضل بالنعم وحده , فهو الذي أنعم بالوجود , وشكر النعم واجب يحكم العقل , والمنطق , ويحكم كل نظام يستمد من الحق قوته , ولا يتفرد بالعبادة إلا إذا كان منفردا بذات وصفات لا يشاركه فيها أحد , وبذلك الفهم المستمد من النفي والإثبات والقصر والأختصاص بالألوهية , تثبت كل هذه المعاني التي تتعلق بالوحدانية , ولذلك فضل من البيان نذكره في موضعه من بحثنا إن شاء الله تعالى , وهو المستعان الموفق .
وتتضمن ثانية : الإيمان برسالة محمد صلى الله تعالى عليه , وأنه رسول من عند الله تعالى رب العالمين , أرسله لهداية البشر أجمعين .
( صفحة 9 )
وأن الإيمان بالرسالة المحمدية يتضمن الإذيان للمعجزة التي أثبت بها رسالته , والتي تحدى بها الذين خاطبهم أن يأتوا بمثلها, وأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بمثلها , كما قال سبحانه :
" قل لئن أجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " ( هامش في نهاية الصفحة : الإسراء 88 ) .
كما يتضمن الإيمان بأن محمدا رسول الله صلى الله تعالى عليه الإيمان برسالات الله تعالى للأنبياء , وبأن ثمة رسالة إلهية يرسلها الله تعالى لهداية الخلق ولإرشادهم إليه , وليكونوا مسئولين عن المخالفة , ومستحقين للثواب على الطاعة , وأن الله تعالى أعلم حيث يجعل وسالته , فهو يختار النبيين : وهو الذي يصطفيهم من عباده وعلى مقتضى حكمته .
ويتضمن الإيمان برسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الإيمان بأن الله تعالى يكلم عباده , إما بالوحي يوحيه , وإما بخطابه من وراء حجاب , وإما برسول من الملائكة يرسل إليه , كما قال تعالى :
" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا , فيوحى بإذنه ما يشاء , إنه على حكيم " .
" وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا, وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " ( هامش في نهاية الصفحة : الشورى 51 , 52 ) .
( صفحة 10 )
وتتضمن الشهادة بأن محمدا رسول الله تصديقه في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه , سواء أكان ذلك بيانا للقرآن أم كيان بيانا لما أوحى الله تعالى به :
" وما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى " (هامش في نهاية الصفحة : النجم 3 , 5 ) .
فكل ما قرره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يجب الإذعان له على أنه حكم الله تعالى .
" من يطع الرسول فقد أطاع الله " ( هامش في نهاية الصفحة : النساء 80 ) .
وقال تعالى :
" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " ( هامش في نهاية الصفحة : الأحزاب 36 ) .
فالشهادة بالرسالة تقتضي لا محالة الإيمان بصدق كل ما جاء على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه , فيجب الإيمان بفرضية الصلاة والزكاة والحج , والصوم , وعدد الصلوات ومعاني الحج ومناسكه , وكونه إلى البيت الحرام , وكون ركنه الأكبر الوقوف بعرفة , وكذلك تحريم الربا , وتحريم الخمر والميسر والزنى , والإقرار بأن عقوباتها هي ما جاءت في القرآن الكريم .
( صفحة 11 )
ويعد كافرا من أنكر الأحكام الثابتة في القرآن , القطيعة من حيث دلالة الآيات عليها , وكذلك يعد كافرا من ينكر أمرا ما علم من الحقائق الدينية بالضرورة . وتواتر العلم به جيلا بعد جيل من عصر النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا له موضع من النظر يجب الإشارة إليه, فلنشر موجزين تاركين الإضافة فيه إلى موضع الإفاضة من علم أصول الفقه , وعلم أصول الدين , فإن فيهما البيان الكافي , وفيهما صفو العقل الإسلامي في هذا المقام :
العلم بالأحكام الإسلامية :
الأحكام الشرعية التي جاء بهما محمد صلى الله عليه وسلم يجب الإذعان لها بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , سواء أكانت هذه الأحكام ثابتة بنصوص القرآن , أم كانت ثابتة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم , قد قررها ودعا إلى العمل بها .
بيد أن هذه الأحكام منها ما يجب الإيمان به ويضاف ذلك الإيمان إلى أقسام العقيدة , بحيث يكفر منكرها , ككون الصلوات خمسا , وكون الحج إلى بيت الله الحرام الموجود بمكة , وكون الصيان مفروضا في شهر رمضان , إلى غير ذلك من الأمور المقررة الثابتة بطريق قطعي في سنده , وفي دلالته أو العقد عليه الإجماع المتواتر الذي يعد العلم به من الضروري الذي يكفر جاحده .
( صفحة 12 )
ومن الأحكام ما لم يكن بهذه القوة , كالمسائل الخلافية في الأحكام التكليفية أو فيما حول العقيدة . ككون الصفات مغايرة للذات العلية, أو هي والذات العلية شيء واحد, أو هي أسماء الله الحسنى .
وإن ذلك التقسيم أول من تعرض له الإمام الشافعي في : " الرسالة " .
فلقد قسم الشافعي العلم بالأحكام التكليفية العملية والأعتقادية إلى قسمين :
القسم الأول : سماه علم العامة , وقال : إنه العلم الذي لا يسع مسلما أن يجهله , بل يجب عليه أن يعرفه , فلا يسع مسلما غير مغلوب على عقله أن يكون به جاهلا , مثل فرض الصوات الخمس , ووجوب الزكاة في الأموال , وتحريم الزنى والسرقة والقتل وشرب الخمر , وهذا القسم موجود في القرآن الكريم نصا , ودلالته فيه قطغية ولا يجرى التأويل الصحيح فيه , وقد ورد في السنة المتواترة , وأنعقد عليه إجماع العلماء في كل العصور , حتى صار العلم به ضروريا وهو ما يعبر عنه أصطلاح علماء المسلمين بأنه المعلوم بالضرورة , وهو إطار الإسلام الذي يعد الشخص خارجا عن الإسلام إذا خرج عنه وهو حدود الشرع الإسلامي , ويخرج عن هذا الشرع من يتعدى حدوده .
( صفحة 13 )
والقسم الثاني : علم الخاصة : كما يسميه الشافعي رضي الله تعالى عنه. وقال فيه ذلك الإمام الجليل : ما يعرض للناس من فروع الشريعة التي ليس فيها نص كتاب لا يحتمل التأويل , ولم يكن فيها نص متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم , أو وجد نص , ولكن بخبر الآحاد, لا بالخبر المتواتر , أو كانت النصوص فيه قابلة للتأويل .
هذه خلاصة ما قرره الإمام , ولتترك الكلمة له في بيان النوعين, فهو يقول : " العلم علمان , علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله... مثل الصلوات الخمس , وأن لله على الناس صوم شهر رمضان , وحج البيت إذا أستطاعوه , وزكاة أموالهم, وأنه حرم عليهم الزنى والقتل والسرقة والخمر, وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه مما حرم عليهم , وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله , وموجود عاما عند أهل الإسلام , ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم , يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا في وجوبه عليهم , وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر , ولا التأويل , ولا يجوز التنازع فيه " .

( صفحة 14 )
ويبين القسم الثاني : وهو علم الخاصة, فيقول :
" ما ينوب العباد من فروع الفرائض , وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب , ولا في أكثره نص سنة " وإن كان في شيء منه سنة, فإنما هي من أخبار الخاصة ( أي أخبار الآحاد ) لا أخبار العامة ( أي الأخبار المتواترة ) , وما كان سنة يحتمل التأويل " .
وينتهي الشافعي من هذا التقسيم إلى أمرين جوهريين :
أولهما : أن علم العامة يكلفه كل مسلم , بلا فرق بين خاصة الأمة من المجتهدين , وعامتها , فإنه لب الإسلام " وإطاره الذي يخرج من الإسلام من لا يعلمه ويدركه , ويذعن لما أشتمل عليه , وعلم الخاصة لا يقوم به إلا العلماء الذين ينصرفون إلى الدراسات العلمية وأوتوا فهما سليما وعلما بكتاب الله تعالى , وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وعلما باللغة العربية لغة القرآن . ووفاء علم الإسلام , وهذا النوع من العلم فرض كفاية , لا يطالب به كل واحد من الأمة , ولكن تطالب الأمة بتهيئة الفرص لهؤلاء المجتهدين .
( صفحة 15 )
ثانيهما : أن علم العامة علم بالظاهر والباطن , أي علم بالعمل والأعتقاد , وأما علم الخاصة الذي يسع بعض المسلمين أن يجهلوه , فهو علم الظاهر فقط . أي أنه يجب أن يعمل به , ولا يجب أعتقاده بحيث لا يكفر من لا يعتقده .
وننتهي من هذا إلى أن الشافعي وغيره من العلماء أيرون أن العقائد لا تثبت بأحاديث الآحاد ثبوتا موجبا لتكفير المنكر وإن كانت هذه الأحاديث توجب العمل وقد صرح بذلك فقال :
" ومن أمتنع من قبول ما جاء به الكتاب أو السنة المجمع عليها أستتيب , أما خبر الخاصة ( أي حديث الآحاد ) فهو ملزم للعالمين في العمل. وليس لهم رده, كما أنه ليس لهم رد شهادة العدول, ولكن الخبر جاء عن طريق الأنفراد, لو شك شاك في هذا لم نقل له: تب, بل نقول له: ليس لك أن تشك, كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول وإن أمكن الغلط, ولكن نقضي بذلك على الظاهر من صدقهم" (هامش في نهاية الصفحة : "جماع العلم").
ونرى بهذا أنه يقرر أن من لا يأخذ بحديث الآحاد في العقيدة لا يكفر ولكن ينبغي له أن يأخذ, وهذا الذي نراه. أننا نرى أن أحاديث الآحاد التي رواها الثقات العدول والتي ليس
( صفحة 16 )
في متنها شذوذ, يجب ألا ترد في العمل, ويجب أيضا ألا ترد في العقائد , ولكن من لا يأخذ بها لا يعد مرتدا عن الإسلام , ولا خارجا عنه .
وإن هذا رأي العلماء الذين قصدوا لهذا الباب , ولا ينبغي لأحد أن يرفضه , لأن للأحاديث المروية بطريق الآحاد مكانتها في الأعتبار , فالأحتياط لتكفير المسلم يجعل أحتمال الغلط الذي يكفون في الأنفراد برواية حديث الآحاد مانعا من أعتباره قد أرتد , لأن الردة لا تكون إلا بدليل قطعى لا يوجد أحتمال الإيمان قط .
وعلى هذا المنهاج نسير , فسنرى أن الأصل في إثبات العقائد لا يكون إلا بالكتاب الذي لا يقبل التأويل والسنة المتواترة التي تثبت العلم الضروري , وأما خبر الآحاد فإننا نرى أنه مع وجوب منع رده ووجوب قبوله لا يثبت العقائد إثباتا قطعيا فإذا كان قد ذكر بالسنة غير المتواترة أمورا أعتقادية كبعض الأخبار :
عما يكون يوم القيامة.
وعما يكون في الجنات من نعيم مقيم.
وعما يكون في آخر الزمان من أخبار الدجال ونزول المسيح عليه السلام, وغير ذلك مما يذكر في أخبار الآحاد التي يرويها ثقات عدول يطمأن إلى روايتهم وزكاهم أهل الخبرة والعلم فإننا نقبله ولا نرده .

( صفحة 17 )
كما أننا يجب علينا القضاء في الدماء والأموال بشهادة أمثال هؤلاء , ولكن لأن التكفير أمر خطير, وأعتبار المسلم مرتدا مع أحتمال الغلط في خبر الآحاد يمنع من أعتباره قطعيا في السند. وكذلك ما يكون متواترا يحتمل التأويل غير المتكلف , فإنه يقبل النص , ولكن لا يعتبر مؤوله مرتدا .
وإن كثيرين من العلماء يستشهدون على كثير من الأمور الأعتقادية بأحاديث آحاد, ولا نرد أستشهادهم , ولكن إن تجاوزوا ذلك إلى درجة التكفير لمنكر ما يجيء في أخبار الآحاد فإنا لا نعاضدهم والله ولي التوفيق, والهادي إلى سواء السبيل .
وإنا في دراستنا في هذا البحث, لنعتمد عل ما ثبت بالقرآن الذي لا يقبل التأويل.
وما يقبل التأويل مما يتصل بالعقائد تعرضنا لأقرب تأويل , أو ما يكون تأويله قائما على دليل من كتاب أو سنة , ومثل القرآن في الأستدلال والأعتماد , السنة المتواترة, وما ثبت من تواتر في السنة يعاضد ما جاء في القرآن ولا يزيد عليه .
وفي الجملة إننا نبين من العقائد ما لا يسع مسلما أن يجهله , أو ما يسميه الشافعي رضي الله عنه علم العامة , ونذكر ما يتعلق بالعقائد ولا يزيد .
( صفحة 18 )
والآن نبتدي في الدراسة بالركن الأول من أركان الشهادتين, وهو شهادة أن لا إله إلا الله ؛ وهو أصل الأعتقاد في الأديان السماوية كلها ؛ ولا يختلف فيه دين سماوي عن دين؛ وهي مقياس الحق والباطل؛ والميزان الذي يعتمد عليه في بيان زيف العقائد التي زيدت على الأديان السماوية ؛ أو حرفت فيها معانيها عن مواضعها .
التوحيد
الإسلام دين الوحدانية ؛ وهو لهذا الدين الجامع بين الديانات السماوية كلها فهو الذي سجل في مصدره الأول وهو القرآن أن التوحيد هو الأساس في الديانات السماوية كلها : فإبراهيم أبو الأنبياء قامت رسالته على التوحيد ؛ وقبله نوح وهود وشعيب ولوط ويعقوب وإسحاق والأسباط ويوسف.. , وكل هؤلاء دعوا إلى التوحيد وكان قوام رسالتهم .
وموسى وعيسى رسالتهما قامت على التوحيد, وقد سجل ذلك القرآن الكريم في القصص الذي قصه من أخبار هؤلاء الرسل الكرام, وقال تعالى في بيان وحدة الرسالة الإلهية :
"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين , ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه, الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب , وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم, ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم , وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب " (هامش في نهاية الصفحة : الشورى 13, 14) .

( صفحة 19 )
وإن الدين الذي طلب الله تعالى إلى أنبيائه أن يقيموه, ولا يتفرقوا فيه , وهو ما كبر على المشركين أن يدعوهم إليه , هو التوحيد لله سبحانه وتعالى , وهو الذي تفرق فيه الذين أورثوا الكتاب الذي جاءت به أنبياؤهم, وأثاروا الشك حوله بأوهام سيطرت عليهم, وأفكار أبتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان .
التوحيد إذت دين الأنبياء جميعا , وهو أقوى وحدة جامعة بين رسالات الله سبحانه وتعالى إلى خلقه , وعلى الذين يناقشون ويجادلون في توحيد الله من الذين يحملون أسم ديانة أصلها سماوي أن يبحثوا بعقل متحرر من الأوهام أصل أعتقادهم متقصين التاريخ الصادق , فسينبئهم بالحق الذي لا ريب فيه, ويتركون من بعد ذلك كل شك مريب .
( صفحة 20 )
أركان الوحدانية :
الوحدانية التي قررها القرآن الكريم لها أركان ثلاثة أو نواح ثلاث , كل ناحية تشير إلى حقيقة ثبتت من القرآن الكريم , فقد أثبت القرآن الكريم أن الله تعالى خالق كل شيء , وأنه وحده المنشئ, وجاءت بذلك الآيات الكثيرة الدالة على أن الله تعالى خالق كل شيء , وأنه وحده بديع السماوات والأرض, وهذه هي وحدانية التكوين والإنشاء .
وأثبتت نصوص القرآن الكريم أيضا أن الله تعالى منفرد بذاته وصفاته , وأنه تعالى لا يماثله أحد من خلقه وليس شيء من خلقه يشابهه , كما قال تعالى:
"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " (هامش في نهاية الصفحة : الشورى 11 ) .
وكانت آيات القرآن صريحة في أنه لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى :
" وأعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " (هامش في نهاية الصفحة : النساء 36 ) .
وقال تعالى :
" يأيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " (هامش في نهاية الصفحة : البقرة 21 )
( صفحة 21 )
وكانت وحدانية العبادة والألوهية ثمرة وحدانية الذات العلمية التي ليست من جنس ما خلقت وهي لا تماثل الحوادث , ومفترقة عنها " هو الأول والآخر والظاهر والباطن , وهو بكل شيء عليم " (هامش في نهاية الصفحة : الحديد 3 )
وكانت العبادة أيضا شكرا للخالق :
" ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها " (هامش في نهاية الصفحة : الرعد 15 ) .
وكان سجود الكائنات غير العاقلة بمقتضى الخلق والتكوين .
وكانت عبادة العاقلين بمقتضى الإرادة والأختيار .
هذه هي نواحي الوحدانية , وكلها جاء في القرآن بالنص الذي لا تأويل فيه وبالعبارة لا بالإشارة , ولنبتدئ ببيان وحدانية الذات ومعها وحدانية الصفات .
الوحدانية في الذات :
والوحدانية في الذات يقر بها المسلمون أجمعون, فالله سبحانه وتعالى غير خلقه, وهذا أصل المعنى يتفقون عليه من غير نكير, فلا ينكر أحد على أحد أصل هذا المعنى, فلا اختلاف فيه عند أهل القبلة, وهو في مرتبة البدهيات المعلومة من الدين بالضرورة, لا يمترى فيها عالم من العلماء, ولا فرقة من الفرق, ولا مذهب من المذاهب الإسلامية, سواء أكان متصلا بالفلسفة أم كان مجانبا لها . فهي من العلم الذي لا يسمع مسلما أن يجهله . كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه , وأصله من القرآن قوله تعالى :
( صفحة 22 )
" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " (هامش في نهاية الصفحة : الشورى 11 ) .
ولا نريد أن نتصدى إلى أقوال الفرق الإسلامية وأختلافها في جزئيات حولها , فهذا المعنى الكلي هو الذي يجب أن نقف عنده, ولا يصح أن نخوض في خلاف في مسائل جزئية ليست من لب الوحدانية . ولكنها حولها . والدخول في دائرتها والخوض فيها لا يجدى ولا يعطي علما جديدا بالله تعالى القوى شديد المحال . وقد وصف الله سبحانه ذاته العلية , فقال تعالى :
" هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر , سبحان الله عما يشركون , هو الله الخالق البارئ المصور , له الأسماء الحسنى, يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم " ( هامش في نهاية الصفحة : الحشر 22, 24 ).
وجاء في آيات أخرى مثل قوله :
" الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 255)
( صفحة 23 )
وقوله تعالى : " قل هو الله أحد الله الصمد, لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفوا أحد " ( هامش في نهاية الصفحة : الإخلاص ) .
وقوله تعالى : " وهو العليم الحكيم " .
وقوله : " وهو السميع البصير " .
وقوله تعالى : " إنه عليم قدير " .
وقوله تعالى : " وهو الغفور الودود, ذو العرش المجيد فعال لما يريد " ( هامش في نهاية الصفحة : البروج 14 , 15 , 16 ) .
وقوله تعالت كلماته وصفاته :
" هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم " ( هامش في نهاية الصفحة : الحديد 3 ) .
وهكذا نجد القرآن الكريم يعرف من أنزله بلسان عربي بصفاته وبأفعاله : والعلماء الذين يتمسكون بالنصوص يقفون عند تعريف الذات العلية بما ورد من القرآن الكريم من تعريفها بأسمائه الحسنى : ولكن هؤلاء إذ يتمسكون بالنصوص وبالأسماء الحسنى التي جاءت في القرآن الكريم يقررون :
أن هذه الأسماء وإن تشابهت في الأسم مع صفات الناس كالقدرة والإرادة والحياة : فإن حقيقة هذه المعاني التي تنسب إلى الله تعالى غير ما هو معروف عند العباد : فما يضاف إليه سبحانه وتعالى هو غير ما يضاف إلى الناس ؛ وما يضاف إلى الناس يليق بذواتهم المخلوقة ؛ وما يضاف إلى الله تعالى يليق بالخالق , الذي ليس مثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته وأسمائه سبحانه وتعالى , وهو ما يليق بالتنزيه الكامل لرب العالمين .

( صفحة 24 )
هذا هو معنى وحدانية الذات في نظر الذين يقفون عند النصوص القرآنية , ويستأنسون لفهمهم بالأحاديث النبوية التي رويت عن طريق الثقات , ولقد فسر الوحدانية في الذات الذين يتجهون إلى التنزيه على مقتضى العقل بما لا يخرج على النقل , وقد قال الأشعري في كتابه : " مقالات الإسلاميين" تفسير الوحدانية الذات بما لا يخرج عن معاني النصوص في صورته الواضحة, فقد قال :
" إن الله واحد أحد , ليس كمثله شيء وهو السميع البصير , وليس بجسم ولا شبح , ولا جثة ولا صورة , ولا لحم ولا دم ولا شخص, ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم , ولا رائحة ولا محسة , ولا بذي حرارة ولا برودة , ولا رطوبة ولا يبوسة , ولا طول ولا عرض ولا عمق, ولا أجتماع ولا أفتراق ولا بذى أبعاض أو أجزاء, ولا جوارح ولا أعضاء , وليس بذي جهات, ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف, ولا يحيط به مكان ولا يجرى عليه زمان, ولا تجوز عليه الممارسة ولا العزلة , ولا الحلول في الأماكن, ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم؛ ولا يوصف بأنه متناه , ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدد ، ولا والد ولا مولود ، لا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق يوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات ، وكل ما خطر بالبال ، وقصور بالوهم فغير شبيه له ، ولم يزل أولا سابقا متقدما للحادثات موجودا قبل المخلوقات ، ولم يزل حيا قادرا ، لا تحيط به الأوهام ، شيء لا كالأشياء ، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء ، وأنه القديم وحده ، ولا إله سواه ولا شريك له في ملكه ، ولا وزير له في سلطانه ، ولا معين على إنشاء ما أنشأ ، وخلق ما خلق ، لم يخلق الخلق على مثال سبق ، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلع شيء آخر ، ولا بأصعب عليه منه ، لا يجوز عليه احتراز المنافع ، ولا تلحقه المضار ، ولا يناله السرور واللذات ، ولا يصل إليه الأذي والآلام ، ليس بذي غاية فيتناهي ولا يجوز عليه الفناء ، ولا يلحقه العجز والنقص ، تقدس عن ملامسة النساء وعن إتخاذ الصاحبة والأبناء " ( هامش في نهاية الصفحة : مقالات الإسلاميين للأشعرى ) .
( صفحة رقم 26 )
هذا كلام الأشعرى نقلناه عن كتابه : " مقالات الإسلاميين " ، وقد ذكر انه كلام المعتزلة ، ولكنا وجدناه يتفق مع معنى القرآن الظاهر إلا في عبارات قد تكون مخالفة للظاهر فحذفناها ليكون العقل متفقا مع النصوص الظاهرة للقرآن ، وهي تتفق مع آراء العلماء جميعا في معنى وحدانية الذات بعد حذف العبارات التي كانت مثار الاختلاف بين العلماء ، مثل عبارة " لا تدركه الأبصار ولا يسمع بالأسماع " إذ أن الأولي فيها ما يشير إلى نفس الرؤية يوم القيامة وذلك موضع خلاف .
والثانية فيها ما يشير إلى نفي صفة الكلام عن الله تعالى : وذلك موضع كلام بين علماء الكلام ، والاختلاف فيه وفي سابقه نفيا وإثباتا لا يمس وحدانية الذات ، بل هو اختلاف جزئي ، وليس اختلافا في أصل الفكرة .
وإن العلماء الذين أثبتوا لله تعالى كل ما أثبته القرآن والحخديث ولو حديث آحاد من أفعال وأحوال وصفات ، يرون أنها لا تنفي وحدانية الذات العلية ، وعدم مشابهتها للحديث .
فإبن تيمية الذي حمل لواء إثبات كل الأحوال والأفعال التي تقترن باسم الله تعالى ذي الجلال والإكرام ما دامت قد وردت في القرآن أو الحديث المتواتر أو غير المتواتر يقرر : أن هذه الأحوال - وإن تشابهت في الاسم مع ما يقوم به الآدميون وما يكون لهم من أحوال - ليست من نوعها ، وليست مثلها ، فيقول في العقيدة المحمدية ومذهب السلف في اعتقاده ، وهو بين التعليل والتمثيل : فلا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه ، كا لا يمثلون ذاته بذوات خلقه ، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، فيعطلوا أسماءه الحسنى ، وصفاته العليا ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويلحدون في أسماء الله تعالى وآياته " ( هامش في نهاية الصفحة : المحمدية الكبري : 249 ) .
( صفحة رقم 27 )
وإن أبا الحسن الأشعرى يروى عنه أنه يقرر ذلك ، فيقرر أن الصواب هو : أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير مشابهة لمخلوقاته لا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع في ذلك سبيل اللسلف الماضين ، أهل العلم والإيمان ، المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات ، فيكون من باب تحريف الكلم عن موضعه ، ولا يعرض عنها ، ليكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ، ولا يترك تدبر القرآن ، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ( هامش في نهاية الصفحة : كذب المفترى " فيما نسب لأبي موسى الأشعري ص 148 ، 149 ) مع ملاحظة عدم التشابه بين هذه الصفات وصفات الحوادث .
( صفحة رقم 28 )
وبهذا يتبين أن الذين أخذوا بظواهر القرآن وظواهر الأحاديث لم يختلفوا عن الذين يأخذون بتأويل الظاهر وعدم الأخذ بأحاديث الآحاد ، فإن الجميع قد اتفقوا على تنزيه الذات العلية عن أن يكون لها ما يشبه الحوادث من صفات أو أفعال أو أحوال ، فقد أثبتوا أن الله تعالى يرضي ويسخط ، ويحب ويبغض ، ويريد ولا يريد ، وكل هذه صفات وأحوال لله تعالى ليست كما يكون للناس ، فكل شيء يوصف به الله تعالى وإن تشابه في الاسم مع ما يوصف به الخلق ، يكون ما لله تعالى مخالفا لما هو لخلقه ، تحقيقا لقوله تعالى : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " ( هامش في نهاية الصفحة : الشوري 11 ) .
هذه نظرة الذين يثبتون لله كل ما جاء في القرآن والحديث ولو حديث آحاد ، ولا ننسى أن نكرر هنا ما قلناه من قبل : من أن أحاديث الآحاد تقبل في العقائد ولا ترد ، ولكن لا تكفر من ينكرها ، وقد نقلنا لك ما قرره الإمام الشافعي ، ولا نعلم له مخالفا ولم نعلم أنه ورد نقل عن ابن تيمية وغيره من المشددين في الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد يكفر صراحة الذين لا يأخذون بأحاديث الآحاد في العقائد ، أو يعتبرونه مرتدا مع أن الإنفراد يجعل ثمة احتمالا للغلط ، كما قال الشافعي رضي الله عنه وخصوصا أن أحاديث الآحاد ، لا يعلمها كل الناس ، بل يعلمها خاصة من الناس ، ولذلك سماها الشافعي بحق حديث الخاصة ، ولا يعلمن كلها كل واحد من الخاصة وإن كان كلهم يعلمون كلها ، ولكن قد يعمل بعضهمن بعضا ويجهل الآخر ، وهكذا هي معلومة للمجموع ، وقد كان ذلك في عصر الصحابة وعصر التابعين . ومن جاء بعدهم من المجتهدين ، فهي بين جميعهم ، حتى جمعت في المدونات ، فإنه يمكن أن يعلم الواحد ما في الموضوع الواحد من الأحاديث ، بالقراءة للمكتوب المدون .
التأويل والظاهر والمشتبهات
( صفحة رقم 29 )
انتهينا إلى أن أهل القبلة جميعا متفقون على وحدانية الذات الإلهية ، وأنها لا تشبه الحوادث ، سواء في ذلك الذين يؤولون ظواهر القرآن ، أولا يأخذون بظواهر الألفاظ من غير تخريجها على مجاز مشهور ، ولو كان يبدو بادي الرأي ، والذين يأخذون بظاهر اللفظ من غير التفات للمجاز ولو كان مشهورا ، وعبارات القويم تومئ إيه ، إذ الجميع يتجهون إلى التنزيه المطلق ، وإن اختلفت العبارات وتباينت الإشارات ، ولكن لابد من الخوض في موضوع العبارات وتباينت الذي جاء في القرآن ، وأهل التأويل وأهل التفويض ، لا لأن أحد الفريقين ينفي التنزيه ، للذات العلية عن مشابهة الحوادث بل لأن فيه توضيحا لآية من كتاب الله تعالى .
( صفحة رقم 30 )
قرر الأكثرون من العلماء أنها في باب العقيدة الإسلامية ، وأنها تتعلق بتنزيه الذات العلية ، وكان حقا علينا أن نتعرض لها لتنزيل الريب ، أو على الأقل نحاول إزالته ، ولن نشذ في قول ، ولا نبتدع فيه لأن الزلل حيث يكون الإبتداع ، وإذا كان الإبتداع في غير العقيدة مأمون الخطر ، فهو في العقيدة غير مأمون ، ورحم الله أما حنيفة إذ قال - وقد سئل لماذا تركت علم الكلام إلى الفقه - " إن الخطأ في العقيدة يرمي صاحبه بالكفر أما الخطأ في الفقه ، فإن صاحبه يرمى بالمخالفة " .
يقول الله تعالى :
( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ، وما يذكر إلا أولو الألباب ، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 7 ، 8 ) .
( صفحة رقم 31 )
هذه هي الآية الكريمة التي تدور حولها معركة كلامية بين علماء الكلام من المتقدمين والمتأخرين من عهد المعتزلين ، إلى عهد ابن تيمية ومن اتبعه ، ولسنا نريد أن نخوض فيما قاله المفسرون في معنى المحكم ، ومعنى المتشابه ، ولا أن نخوض في ذلك المعترك المضطرب ، ولكن نسجل قولا واحدا من أقوال المختلفين ، وهو قول ابن حزم الظاهري : أن القرآن كله ، وليس فيه متشابه إلا الحروف التي تكون في أوائل السور ، وما جاء من قسم الله تعالى بالأشياء وغيرها كقسمه بالشمس ووضحاها ، والقمر إذا تلاها ، والنهار إذا جلاها ، ونفيه القسم بالبلد ، والقسم بالقيامة والنفس اللوامة ، وغير ذلك من أنواع القسم الذي يجئ على أنه قسم من الله تعالى ببعض خلقه ، وليس هناك متشابه في نظر ابن حزم الظاهري غير هذه الأمور التي ذكرها ، فما عداها محكم لا ريب فيه .
وغير الظاهرية من العلماء يرون أن في القرآن متشابها ، ويخوضون في بيانه خوضا كبيرا ، ولا يهمنا مما خاضوا فيه إلا كلامهم في التنزيه ، وما تتصف به الذات العلية ، فقد ورد في القرآن الكريم ذكر الوجه مضافا إلى الله جل جلاله ، في مثل قوله تعالى :
" كل شيء هالك إلا وجهه " ( هامش في نهاية الصفحة : القصص 88 ) .
وقوله تعالى : " ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام " ( هامش في نهاية الصفحة : الرحمن 27 ) .
( صفحة رقم 32 )
وذكرت اليد مضافة إلى ذات الله تعالى ، في مثل قوله تعالى : " يد الله فوق أيديهم " ( هامش في نهاية الصفحة : الفتح 10 ) .
وذكرت العين مضافة إلى الذات العلية في مثل قوله تعالى : " ولتصنع على عينى " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 39 ) .
وذكر في نصوص القرآن الكريم أنه فوق العرش مثل قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوي " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 5 ) .
وذكر أنه سبحانه وتعالى في السماء ، فقال تعالى : " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض " ، وقوله : " أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا " ( هامش في نهاية الصفحة : الملك 16 - 17 ) .
وقال تعالى في شأن عيسى عليه السلام : " وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه " ( هامش في نهاية الصفحة : النساء 157 ، 158 ) .
إلى غير ذلك من العبارات التي توهم أن الله تعالى يكون منه ما يكون للحوادث وأن له وجها ويدا وعينا ، وأنه فوق ، وفي مكان إلى آخر ذلك من الجوارح التي تكون للحوادث ، والتي توهم أن الذات العلية مركبة مما تركب منه أجزاء الإنسان . وهذا مناف للتنزيه .
هذا هو المتشابه الذي قاله كثيرون من العلماء ، وسواء أكان هو المتشابه أم كان المتشابه أعم من ذلك ، وهنا نجد من العلماء من يقول إن ما ذكره الله سبحانه وتعالي في القرآن ، وما ذكره عنه النبي صلي الله تعالى عليه يؤخذ كما هو من غير تأويل ولا تفسير بل يؤخذ اللظ ، ومن هؤلاء طائفة من الحنابلة ، وقد تشدد في الأخذ بنظرهم ابن تيمية ، وادعي أن ذلك هو قول السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، ويقول في ذلك :
( صفحة رقم 33 )
" ليس في كتاب الله تعالى ، ولا في سنة رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم ، ولا عن أحد من سلف الأمة ، ولا من الصحابة والتابعين ، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصا ، ولا ظاهرا ، ولم يقل أحد منهم أنه تعالى ليس في السماء ، ولا أنه ليس على العرش ولا أنه في كل مكان ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصل ولا منفصل ، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه ونحوها " ( هامش في نهاية الصفحة : " المحمدية الكبرى " ص 419 ، 420 ، 421 من مجموعة الرسائل ) .
هذا راي الذين يأخذون بظواهر الألفاظ ، ولكنهم يقررون أن ذلك يكون من غير كيف ولا تشبيه ، ولا يشبه ما عليه الحوادث فعلوا الله تعالي وفوقيته ليست كفوقيتنا ، ويقول في ذلك :
( صفحة رقم 34 )

مذهب السلف بين العطيل والتمثيل ، فلا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه ، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، أو صفه به رسوله ، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويلحدون في أسماء الله وآياته " ( هامش في نهاية الصفحة : العقيدة المحمدية الكبرى ، ص 249 ) .
يقول ابن تيمية هذا مع بعض الحنابلة من ينكر أن يكون ذلك مذهب السلف ، ويستنكر قول الذين يزعمون ذلك ، ومن هؤلاء ابن الحوزي فقد أخذ عليهم أنهم سموا الإضافات صفات ، فاعتبروا الإستواء صفة وأنهم حملوا العبارات على ظاهرها ، وأنهم أثبتوا العقائد بأدلة غير قطعية ، وأخذ عليهم أنهم اعتبروا ذلك هو علم السلف ، فتبين أن علم السلف غير ذلك ، وإليك قوله - رضي الله عنه - ، وقد حصر أغلاطهم في سبعة مواضع :
الأول : أنهم سموا الأخبار صفات ، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة ، فإنه قال تعالى : " ونفخت فيه من روحي " وليس لله صفة تسمى الروح ، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة .
( صفحة رقم 35 )
والثاني - أنهم قالوا هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ، ثم قالوا تحملها على ظواهرها .
فوا عجبا ، لا يعمله إلا الله تعالى أي ظاهر له ، وهل ظاهر الاستواء إلا القعود ؟ وظاهر النزول إلا الانتقال ؟
والثالث - أنهم أثبتوا لله سبحانه وتعالى صفات بأخبار آحاد وصفات الحق جل جلاله لا تثبت إلا بما تثبت به الذات من أدلة قطعية .
والرابع - أنهم لم يفرقوا في الإثبات .
بين خير مشهور كقوله صلي الله عليه وسلم .
" ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا " .
وبين خبر لا يصح كقوله :
" رايت ربي في أحسن صورة " .
والخامسة - أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلي الله عليه وسلم وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعى ، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا .
والسادس - أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع كقوله .
" من أتاني يمشى أتيته هرولة " ، قالوا ضرب مثلا للأنعام .
والسابع - أنهم حملوا الأحاديث على مقتضي الحس ، فقالوا : ينزل بذاته ، وينتقل ويتحول بذاته .
( صفحة رقم 36 )
ثم قالوا : لا كما نعقل ، فغالطوا من يسمع ، وكابروا الحس والعقل ( هامش في نهاية الصفحة : دفع شبه التشبيه ، ص 8 مجموعة الرسائل ) .
ويسترسل ابن الجوزي فيرد هذه الأقوال ، ويرد نسبتها إلى السلف ، ونسبتها إلى الإمام أحمد خاصة ويقول في ذلك :
رايت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح .. رايتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضي الحس ، سمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجها زائدا على اللذات ، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ، وأضواء الوجهه ويدين وأصابع ، وكفا وخنصرا وإبهاما ، وصدرا وفخذا وساقين ، وقالوا : ما سمعنا يذكر الرأس .
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث ، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل ، حتى قالوا : إنها صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل يد على نعمة وقدرة ، ومجئ وإتيان على معنى بر ولطف ولا ساق على شدة ، بل قالوا : نحمله على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من فعوت الآدميين ، والشئ إنما يحمل على حقيقته إن أمكن ، فإن صرف صارف حمل على المجاز ، ثم يتحرجون من التشبيه ، ويأنفون من إضافته إليهم ، ويقولون : نحن أهل السنة وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام وقد نصحت التابع والمتبوع .
( صفحة رقم 37 )
وقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإتباع ، وإمامكم الأكبر وهو أحمد بن حنبل - رحمه الله - تعالى يقول وهو تحت السياط : كيف أقول لما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها ، فظاهر القدم الجارحة ، ومن ثم قال : استوي بذاته المقدسة ، فقد أجراه سبحانه مجري الحسيات ، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل ، وهو العقل ، فإنابه عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم ، فلو أنكم قلتم نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم ، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح ، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل السلفي الصالح ما ليس فيه .
هذا كلام ابن الجوزي وهو حنبلي ، ونلاحظ أنه لم يوافق على ما يأتي :
( 1 ) لم يوافق على أن مذهب السلف هو تفسير الألفاظ الواردة في القرآن والحديث ، الدالة بظاهرها على الجوارح كاليد والوجه والقدم على معانيها الظاهرة ، بل صرفها إلى معان مجازية ، فاليد تطلق على النعمة والقدرة ، والوجه على الذات العلية ، ويعتبر ذلك مجازا مشهورا ، وقد صرف إيه صارف من العقل ، واستحالة ذلك على الذات العلية .
( صفحة رقم 38 )
( ب ) لم يوافق على أن تفسير هذه الألفاظ بظواهرها هو مذهب الإمام أحمد الذي يتبعوه ويدعون عليه في نظره ما لم يقل .
( ج ) إنه بالبداهة يرى أن صرف الألفاظ إلى ظواهرها يؤدي إلى الحكم بأنه محسوس وأنه جسم كالأجسام .
( د ) ولا يري أن ذلك التفسير هو التفويض ، إنما التفويض هو الوقوف عند- النص لا يحاول أن يتعرف المراد منه لأن الذي يفسره تفسيرا حسيا لا يفوض ، بل إنه يفسر ، وإن كان لا يؤول .
( ه ) ويري أنهم بادعائهم أن لله يدا ليست كأيدينا ، ووجها ليس كوجهنا ، وعينا ليست كعيوننا ، إنما يخرج اللفظ عن ظاهره لأن ظواهر الألفاظ في دلالتها على الأدي المحسوسة ، والعين المحسوسة ، فصرفها من المحسوس إلى غيره تأويل وتفسير .
وننتهي من هذه إلى أن ابن الجوزي يري أنه إذا أطلقت هذه الألفاظ على غير المعاني المحسوسة سواء أكانت المعاني معلومة أم كانت مجهولة ، فإنها قد استعملت في غير ظاهرها ولا تكون مستعملة في ظواهرها .
( صفحة رقم 39 )
وإن ابن الجوزي بهذا ينفي أن يكون مذهب السلف هو الأخذ بظواهر الألفاظ ، ولكن ابن تيمية ومن نهج مناهجه يرون أن ذلك هو مذهب السلف ، وذلك لأنه يري أن العبارات المروية عن الأئمة الأعلام هي إلى التفويض أقرب منها إلى التفير ، فالإمام مالك يروي عنه أنه قال في قوله تعالى :
" الرحمن على العرش استوي " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 5 )
" الإستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " .
وهذهالكلمة تدل على التوقف ، وأنه يري الأخذ يكون الاستواء معلوما ولكن الكيف هو المجهول .
وقد روى عن الإمام أحمد أنه لما سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم ، قال :
" نؤمن بها ولا كيف " .
ولقد روى الحلال في سنده عن الإمام أحمد أنهم سألوه عن الاستواء فقال :
" استوي على العرش كيف شاء ، وكما شاء وبلا حد ولا صفة يبلغها واصف " .
وهذا بلا شك تفويض وتنزيه ، ولكن ليس فيه تخريج للفظ على الظاهر ، ولا غير الظاهر .
( صفحة رقم 40 )
وروى أن الإمام أحمد : فسر بالمجاز ، فقد روي حنبل ابن أخ الإمام أحمد أنه سمعه يقول ك
" احتجوا على يوم المناظرة ، فقالوا : تجئ سورة البقرة ، وتجئ سورة تبارك ! ! قال فقلت لهم : " إنما هو التواب قال الله جل ذكره : " وجاء ربك والملك صفا صفا " وإنما تأتي قدرته " .
وهذا بلا ريب تفسير يجئ بمجاز الحذف وهو ظاهر .
ولقد ذكر ابن حزم الظاهري في الفصل أن أحمد بن حنبل قال في قوله تعالى : " وجاء ربك ، إنما معناه ، وجاء أمر ربك " .
وفي الحق أن بعض السلف توقفوا ولم يفسروا لا بالظاهر ولا بالمؤول ، وهذا ينطبق على قراءة الوقف في قوله تعالى :
" وما يعلم تأويله إلا الله " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 2 ) .
ويكون قوله تعالى : من بعد ذلك .
" والراسخون في العلم يقولون آمنا به .. " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 7 ) .
يطلقون الإيمان إطلاقا ، ويفوضون الأمر تفويضا .
وبعض السلف كانا يفسرون بالمجاز المشهور الواضع ، وهو إحطلاق اليد بمعنى القدرة أو النعمة ونحو ذلك ، ولا يعد ذلك تأويلا ، بل هو تفسير ، لأن التأويل لا يكون باستعمال المجاز المشهور ، إذ الاستعمال في المجاز المشهور أخذ بالفظ بظاهره ، لا بما وراء الظاهر .
( صفحة رقم 41 )
ولقد قرر سعد الدين التفتازاني أنه إذا كان النص لا يحتمل إلا مجازا واحدا وجب الأخذ به ، لأتن ذلك يكاد يكون هو المتبادر ، إذ تعين المعني المجازي .
ويظهر أنه يرجع مسلك التفسير ، فقد قال في " شرح المقاصد " " ومنها ما ورد به ظاهر الشرع وامتنع حمله على معانيه الحقيقية مثل الاستواء - في قوله تعالى :
" الرحمن على العرش استوى " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 5 ) .
واليد في قوله تعالى : " يد الله فوق أيديهم " ( هامش في نهاية الصفحة : الفتح 15 ) .
والعين في قوله تعالى : " ولتصنع على عينى " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 39 ) .
وقوله تعالى : " تجري بأعيننا " ( هامش في نهاية الصفحة : القمر 14 ) .
عند الجمهور إنها مجازات :
فالاستواء مجاز عن الاستيلاء ، وتصوير لعظمة الله تعالى .
واليد مجاز عن القدرة .
والوجه عن الوجود .
والعين عن البصر .
( صفحة رقم 42 )
ومعنى تجري بأعيننا أنها تجري بالمكان المحوط بالكلاءة والعناية والحفظ والرعاية ، يقال فلان بمرأي من الملك ومسمع ، إذا كان بحيث تحوطه عنايته ، وتكتنفه رعايته .
" وفي كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا : الاستواء مجاز عن الاستيلاء ، واليد واليمين عن القدرة ، والعين عن البصر ، ونحو ذلك ، إنما هو لنفي وهم التشبيه والتجسيم ، فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية " .
هذا موقف العلماء من رأي السلف ، وبيان رأي الخلف .
والغزالي يتجه إلى أن رأي السلف هوالتفسير بالمجاز ولا يعتبر ذلك إخراجا للفظ عن معناه الظاهر ، بل إنه رضي الله عن يميل إلى أن الظاهر هو هذا المجاز الواضح ، وقد قال رضي الله تعالى عنه في كتابه " إلحام العوام عن علم الكلام " :
" حقيقة مذهب السلف وهو الحق عندنا أنكل ما بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه سبعة أمور : التقديس ، ثم التصديق ، ثم الاعتراف بالعجز ، ثم السكوت ، ثم الإمساك ، ثم الكف ، ثم التسليم :
أما التقديس : فأعني به تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها وأما التصديق : فهو الإيمان : با قاله ، وأن ما ذكره حق ، وهو فيما قاله صادق ، وأنه حق على الوجه الذي قاله واراده .
( صفحة رقم 43 )
وأما الإعتراف بالعجز ، فهو يقر بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته .
وأما السكوت : فألا يسأل عن معناه ولايخوض فيه ، ويعمل أن سؤاله عنه بدعة ، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه .
وأما الإمساك : فألا يتصرف في الألفاظ بالتصريف والتبديل وبلغة أخري والزيادة فيه والنقص منه ، والمع والتفريق ، بل لا ينطبق إلا بذلك اللفظ ، وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة .
وأما الكف فإن يكف باطنه عن البحث والتفكير فيه .
وأما التسليم لأهله : فألا يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه فقد خفي على رسول الله صلي الله عليه وسلم ، أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء .
فهذه سبع وظائف اعتقد السلف وجوبها على كل العوام ، لا ينبغي أن يظن بالسلف الخلاف في شئ منها " .
ثم يفصل القول في التقديس عند السلف رضي الله عنهم ، فيقول : " التقديس معناه أنه إذا سمع ( اليد ) و ( الأصبع ) وقوله صلي الله عليه وسلم ، أن الله غمز آدم بيده ، وأن قلب المؤمن بين أصبعين ، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق على معنيين :
( صفحة رقم 44 )
( أحدهما ) هو الوضع الأصلي ، وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب ، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص ، وصفات مخصوصة ، وأعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره /، أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحي عن ذك المكان .
( وثانيهما ) قد يسعار هذا اللفظ أعني اليد لمعني آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا ، كما يقال : البلدة في يد الأمير ، فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا .
فعلى العامي ، وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول لم يرد بذك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم ، وإن ذلك في حق الله تعالى محال ، وهو عنه مقدس ، فإن خطر بباله أن الله تعالى جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم ، فإن كل جسم مخلوق ، وعبادة المخلوق كفر ، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق ، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأئمة : السلف متهم والخلف ... ومن نقي الجسمية عنه وعن يده وإصبته فقجد نقي العضوية واللحم والعصب ، وقدس الرب جل جلاله عما يوجب الحدوث ، فيعتقد بعده أنه معني من المعاني ، ليس بجسم ، ولا عرض في جسم ، يليق ذلك المعنى بالله تعالى ، فإن كان لا يدري لك ، ولا يفهم كنه حقيقته ، فيس عليه في لك تكليف أصلا لمعرفة تأويله ، ومعناه ليس بواجب عليه ، بل واجب عليه ألا يخوض ، كما سيأتي :
( صفحة رقم 45 )
ومثال آخر إذا سمع الصورة في قوله عليه السلام :
" إن الله خلق آدم على صورته " .
وقوله :
" إني رأيت ربي في أحسن صورة " .
فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق وياد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفة مرتبة ترتيبا مخصوصا ، مثل الأنف والعين والفم والخد ، وهي أجسام ، وهي لحوم وعظام ، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئة في اجسم ، ولا هو ترتيب في أجسام ، كقولك عرفت صورته ، وما يجري مجراه فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعني الأول الذي هو جسمى لحمي وعظمي من أنف وفم وخد ، فإن جميع ذلك أجسام ، وخالق الأجسام والهيئات كلها منزه عن مشابهتها أو صفاتها ، وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن ، فإن خطر له أنه إن لم يرد هذا المعني فما الذي أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به ، بل أمر بألا يخوض فيه ، فإنه ليس على قدر طاقته ، لكنه ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلالته وعظمته مما ليس بجسم ولا عرض في جسم .
ومثال آخر إذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وسلم :
( صفحة رقم 46 )
" ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا " .
فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق إطلاقا يفتقر إلى ثلاثة أجسام : جسم عال هو مكان لساكنه ، وجسم سافل ، وجسم لتنقل من العالي إلى السافل ، فإن كان من أسفل إلى علو سمي صعودا ، وعروجا ورقيا ، وإن كان من علو إلى أسفل سمي نزولا وهبوطا ، وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر إلى تقدير انتقال وحركة في جسم ، كما قال تعالى :
" وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج " .
وما رؤي البعير والبقر نازلة من السماء بالانتقال ، بل هي مخلوقة في الأرحام ، ولإنزالها معنى لا محالة كما قال الشافعي رضي الله عنه : " دخلت مصر فلم يفهموا كلامي ، فنزلت ، ثم نزلت ، ثم نزلت " فلم يرد انتقال جسده إلى أسفل ، فتحقق المؤمن قطعا أن النزول في حق الله تعالى ليس بالمعني الأول ، وهو انتقال شخصي وجسدى من علو إلى أسفل ، فإن الشخص والجسد أجسام ، والرب جل جلاله ليس بجسم ، فإن خطر له أنه إن لم يرد هذا فما الذي أراده ؟ فيقال له : فأنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فأنت عن فهم نزول الله تعالى أعجز ، فليس هذا بعسك فادرجي ، اشتغل بعبادتك أو حرفتك وأسكت ، وأعلم أنه أريد به معنى من المعاني التى يجو أن يراد بالنزول في لغة العرب ، ويليق ذلك المعني بجلال الله تعالى وعظمته .
( صفحة رقم 47 )
ومثال آخر إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى :
" وهو القاهر فوق عباده " .
وفي قوله تعالى :
" يخافون ربهم من فوقهم " .
فليعلم أن الفوق اسم مشترك بمعنيين :
إحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلي ، والآخر أسفل ، يعنى أن الأعلي من جانب رأس الأسفل ، وقد يطلق لفوقية الرتبة ، وبهذا المعني يقال : الخليفة فوق السلطان ، والسلطان فوق الوزير ، وكما يقال : العلم فوق العلم ، والأول يستدعي جسما ينسب إلى جسم ، والثاني لا يستدعيه .
فليعتقد المؤمن قطعا أن الأول غير مراد ، وأنه على الله تعالى محال ، فليعرف لماذا أطلق ، وماذا يريد ؟ فقس على ما ذكرناه ما لم تذكره ( هامش في نهاية الصفحة : " الجام العوام عن علم الكلام ص 4 ، 5 ، س6 ، 7 ) .
وترى أن الغزالي لا يري أن السلف فوضوا تفويضا مطلقا إبتداء ، ولا فسروا الألفاظ بظوارها ، بل إنه بين المعاني المستحيلة على الله تعالى التي تتنافي مع التقديس وتنزيه الذات العلية عن مشابهة الحوادث ، ويمنع العامي الذي تخفي عليه المعاني المجازية من أن يخوض ، ولكن يفتح الباب لذوي الأفهام ، ويقرر أن هذه المعاني إذا خفيت على العامي ، أو دقت عن مداركه ، فإنها لا تخفي على الرسول ولا سائر الأنبياء ولا الصديقين أي أهل المعرفة والإدراك الصحيح ، ويقرب المعاني التي تتفق مع التقديس تقريبا يدركه طلاب الحقيقة .
( صفحة رقم 48 )
وإذا كان ابن الجوزي قد نفي أن يكون مذهب السلف هو التفسير بظواهر الألفاظ ، تفسيرا لا يتفق مع التشبيه فالغزالي قد قرر أن السلف فهموا المعاني المجازية ، وقرر أن الذين لا يفهمون هذه المعاني التنزيهية عليهم أن يفوضوا ولا يخوضوا ، وقال لهم : " ليس هذا بعشك فادرجي " .
وبهذا يكون قد قسم الناس قسمين :
قسم يدرك ويفهم .
وقسم يسر عليه أن يدرك ويفهم الأمور على حقيقتها .
وهذا يكتفي الغزالي منه ينقي المعاني المشبهة غير المنزهة ، ثم يمنعه من بعد ذلك من الخوض ، وكأنه يعتبر ذلك من علم الخاصة ، ولس من علم العامة الذي لا يسع مسلما أن يجهله ، كما قرر الشافعي .
وإن ذلك النظر بلا ريب نظر سليم ، لا مجال لرفضه ، ولكن قد يقول قائل : إن مؤدي كلامك أن الراسخين في العلم هم الذين يفسرون ، ويؤولون هذه المعاني تأويلا يتفق مع التنزيه ، وهذا يتفق مع قراءة الوصل في قوله تعالى :
( صفحة رقم 49 )
" وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 7 ) .
من غير وقوف عند لفظ الجلالة ، ولكن على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة لا يستقيم المعني ، ن المعني أن يكون العالم بهذا التشابه هو الله وحده ، وهذا التفسير يجعل للراسخين علما .
ونقول في الجواب عن ذلك : إن المتشابه ليس مقصورا على الألفاظ التي توهم التشبيه أو ليس المراد من التأويل هو التفسر ، بل المراد به على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة معرفة المال ، ولا يعرب المآل يوم القيامة إلا الله تعالى ، فهو وحده علام الغيوب ، وقد قال تعالى :
" هل ينظرون إلا تأويله ، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ، أو ترد فنعمل غير الذي كنا نعمل ، قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " ( هامش في نهاية الصفحة : الأعراف 53 ) .
هذا نظر العلماء في العبارات التي وردت في القرآن والسنة توهم التشبيه والذي ينتهي إلهي النظر هو ما يأتي :
( صفحة رقم 50 )
أولا : اتفاق العلماء على أن الله تعالى منزه عن أن يكون متصفا بما تتصف الحوادث به ، فليس لديه يد كأيدى الناس ولا عين كعيونهم ولا وجه كوجوههم .
ثانيا : اتفاق العلماء على أن العامة لا يصح أن يخوضوا في تأويل هذه الآيات ولا تفسيرها ، ولكن عليهم أن يؤمنوا بأن الله تعالى منزه عن أن يكون له ما يشبه الآدميين وسائر الحوادث ، ولكن المعنى المجازى ليس عيهم أن يطلبوه لأنه ليس إلا من علم الخاصة الذي لا يطالب به العامة ، ولا يطالب به إلا من يطيق إدراكه ، ويكفي من العامي التنزيه الإجمالي .
ثالثا : أننا نري أن السلف لم يفسروا بظواهر الألفاظ ، فلم يقولوا إن لله يدا لا نعلمها ، ولا إن لله عينا نعلمها ، ونظرنا في ذلك مستمد من كلام ابن الجوزي والغزالي ، وأن بعضهم كان يفسر هذه الألفاظ بما يتفق مع التنزيه ، ونستبعد أن يكون مثل علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وابن عباس ، وغيرهم من علية العلماء يفهمون من قوله تعالى : " يد الله فوق أيديهم " أن لله يدا .
وخلاصة القول : أن وحدانية الذات الإلهية وعدم مشابهتها للحوادث ركن من أركان الوحدانية لا يسع مسلما أن يجهله ، ولا يعتبر موحدا من لا يؤمن به .
( صفحة رقم 51 )
الوحدانية في الخلق والتكوين
الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء فهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما ولقد جاءت الآيات القرآنية الكثيرة مبينى أنه سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل شيء وأحسن خلقه ، وأنه بديع السموات والأرض ، أبدعها على غير مثال سبق ، وأنه سبحانه وتعالى المنفرد بالخلق والتكوين والإنشاء ، وأنه بمقتضي ذلك يستحق وحده العبادة من غير شريك له ، واقرأ قوله تعالى :
" أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله ، بل هم قوم يعدلون ، أمن جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا ، وجعل لها رواسي ، وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء ، ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون ، أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله ، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ، وما يشعرون أيان يبعثون " ( هامش في نهاية الصفحة : النمل 60 - 65 ) .
( صفحة رقم 52 )
ونرى من هذا النص الكريم أن الله سبحانه وتعالى هو وحده المنشئ للكون وما فيه ، وأنه المدبر له ، وأنه وحده الذي يعلم غيبه وظاهره ، وأنه سبحانه جعل هذا الكون مسخرا لنعم بنى الإنسان بإرادته سبحانه وتعالى ، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي ينجى بعض خلقه من بعض ما خلق ، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، سبحانه وتعالى ، هو على كل شيء قدير ، ولا قادر في هذا الوجود قدرة مطلقة على الكون وما فيه سواه ، تعالى الله علوا كبيرا .
ولقد ذكر سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن الخالق غير المخلوق ، كما ذكرنا من قبل في وحدة الذات والصفات ، وذكر أن نظام الكون وسيره على هذا التكوين البديع البعيد عن الفساد لا يمكن أن يكون إلا عن واحد أحد فرد صمد ، ولو تعدد المنشئ لكان الفساد ، أو احتمال الفساد ، ولذا قال سبحانه وتعالى :
" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنبياء 22 ) .
( صفحة رقم 53 )
وإذا كان العالم يسير على ذلك النظام المحكم الذي كان فيه كل شيء بقدر ، فإنه لا يعتريه الفساد إلا بإرادة منشئه ، ولا يمكن إلا أن يكون المنشئ واحدا ، ذاته غير ذات خلقه ، ولا يشابهه أحد من خلقه لأن الفساد غير محتمل إلا بإرادة من كون وأنشأ ، والله تعالى لا يريد الفساد .
وأنه قد ترتب على وحدة المنشئ وهو الله تعالى ، وأنه الخالق له ، ألا يكون أحد من خلقه له صلة به غير صلة المخلوق بالخالق في وجوده وحياته ، ولذا قال تعالى :
" بديع السموات والأرض أني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ، قد جاءكم بصائر من ربكم ، فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمى فعليها ، وما أنا عليكم بحفيظ " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنعام 101 - 104 ) .
وأن الله سبحانه وتعالى خلق الأشياء ، وقدر لها كل ما يقع ، وكل ما يكون ، وما لا يكون ، فكل شيء بتقديره سبحانه ، فإنه هو المريد إرادة مطلقة ولا إرادة مطلقة لغيره في هذا الكون ، ولا يمكن أن يقع في ملكه ما لا يريد ، فكل شيء بقضاء منه سبحانه وبتقديره ، فالإنسان وما ملكت يداه ، وما يستطيع أن يفعل ، كل ذلك تحت سلطان الله تعالى ، وفي تقديره .
" ألا يعلم من خلق ، وهو اللطيف الخبير " ( هامش في نهاية الصفحة : الملك 14 ) .
( صفحة رقم 54 )
" إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 98 ) .
وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يكلف العباد ، ويرسل الرسل ، وهو الذي يعاقب ويحاسب ويثيب يوم القيامة .
وهنا يثور أمر قد أثاره المشركون من قبل ، وأثاره أهل الديانات القديمة ، وأثاره الفلاسفة ، ودخلوا بسببه في جدل طويل وانتاجه ضئيل ، وهو : كيف يكون الله تعالى خالق كل شيء ومنها ما يفعله الإنسان ، ثم يحاسبه على ما يفعل إن خيرا فخير ، ثم إذا كان كل ما في الوجود بقضاء وقدر ، فلماذا كانت المؤاخذة ؟
لقد اندفع العلماء في هذه الحومة من الجدل ، وتباينت أقوالهم واختلفوا ، وكان اختلافهم في أمر فيه متسع للخلاف ، ولم يكن في أمر معروف من الدين بالضرورة ، إنما كان خلافا فلسفيا على هامش الاعتقاد وليس في لبه ، وهو على أي حال اختلاف يضل الساري فيه ، ولا يجد علما من أعلام الهداية ينتهي عنده .
( صفحة رقم 55 )
ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالقدر خيره وشره ، وقال عليه السلام فيما رواه البخاري : " كل شيء بقضاء وقدر ، حتى العجز والكيس " .
وكان الصحابة يؤمنون بقدرة الله تعالى ، وبأنه خالق كل شيء ، ويؤمنون بالقدر ، ولا يخوضون فيه ، بل إذا جاء القدر أمسكوا ولكن الذين يريدون أن يثيروا الحيرة الفكرية بين السملمين كانوا يثيرونه ، ولا يزالون يثيرون الكلام في القضاء والقدر ، وصلته بالتكليفات والثواب والعقاب ، ولقد سأل بعض الناس الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه : عن القضاء والقدر ، وصلته بالجزاء فأجابه على بما يزيل الشبهة من غير خوض ، ثم ختم كلامه بقوله :
" إن الله أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وكلف تيسيرا ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا ، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " .
ولقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله تبارك وتعالى عنه في القدر :
" هذه مسألة قد استعصت على الناس ، فأني يطيقونها ، هذه مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها ، فإن وجد مفتاحها علم ما فيها ،ولم يفتح إلا عخبر من الله تعالى يأتي بما عنده ويأتيه ببينة وبرهان وقد قال القوم من أهل الجدل في هذه المسألة : " أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة " .
( صفحة رقم 56 )
وإن الذي يستخلص من كلام إمام الهدي علي بن أبي طالب الذي نقلناه آنفا أن علينا أن نطيع الله تعالى فيما أمرنا به وأن نجتنب ما نهانا عنه ، وحسبنا في ذلك أننا نعلم ونحس ونشعر بأننا مختارون فيما نفعل ، وأننا في استطاعتنا أن نفعل ، وألا نفعل ، وأنه يكفي ذلك لنشعر بما يجب علينا ، ومالا يصح لنا ، إن الاشتغال عن ذلك بتعرف أمر مغلق ، وقد شاع مفتاحه لا يجدي فتيلا .
ولقد قال في ذلك الإمام الصادق رضي الله عنه :
" إن الله تعالى أراد بنا شيئا ، وأراد منا شيئا ، فما أراده بنا طواه عنا ، وما أراده منا أظهره لنا ، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا " .
فهو رضي الله عنه يندد بالذين ينصرفون عن التكليف إلى الكلام فيما كتبه الله علينا من خير أو شر ، وإن العصاة هم الذين يبررون عصيانهم بما كتبه الله تعالى ، ومنهم الذين يثيرون هذه القضية ، ليضعفوا العزائم عن العمل .
ولقد ذكر القرن الكريم أن المشركين قد احتجوا على عبادتهم الأوثان بأن الله تعالى ، لو شاء ألا يعبدوها ما عبدوها ، ورد الله تعالي عليهم قولهم بأنهم ما علموا مشيئة الله فيهم ، وأشركوا لأجلها وإليك كلام الله تعالى :
( صفحة رقم 57 )
" سيقول الذين أشركوا ، لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ، قل هل عندم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ، وإن أنتم إلا تخرصون ، قل فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجميعن " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنعام 148 ، 149 ) .
ونرى من هذا أن المشركين والمكذبين جميعا يسندون ما يفعلونه إلى الله تعالى على أساس أن الله تعالى لو شاء ألا يفعلوه ما فعلوه وأن الحجة القائمة عليهم أنه لا حجة عندهم على أن الله تعالى أراد لهم ذلك ، ويؤكد سبحانه أن مشيئة الله تعالى هي الغالبة القاهرة ، " ولو شاء لهداكم أجمعين " ولكن ذلك لا يلقي عنكم التبعة .
وبذلك يتبين أن العقيدة الإسلامية في هذه القضية تقوم على أساس : أن الله تعالى خالق كل شيء ، وأن الله تعالى فعال لما يريد ، وأنه لا يمكن أن يقع في ملكه إلا ما يشاؤه ، ولا مشيئة في تسيير هذا الوجود لسواه ، ولكن ذلك لا يمنع أن العبد مسئول عما يفعل ، ومجزي بما يفعل إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وأنه الحكم العدل اللطيف الخبير ، وأنه سبحانه كلف كل التكليفات والعبد مختار بالقدر الذي يتحمل به تبعة ما يفعل ، وهو يحس بأنه يفعل ما يفعل مريدا مختارا .
( صفحة رقم 58 )
هذا ما تقرره النصوص القرآنية ، وما وضحته الأحاديث النبوية ، وهو ما لا يص لمسلم أن يجهله ، وعلى ذلك تكون الفلسفة التي تثار حول الجبر والاختيار ، واختلاف علماء الكلام حولها من قبل التفسيرات التي على هامش العقيدة ، وليست من لها وهذا الاختلاف في التفسير أو في التعليل لا يؤثر في الاعتقاد ، وما يخالف الأصول القرآنية منه يكون باطلا لا شك فيه ، ويكون كاحتجاج العصاة في معاصيهم بالقضاء والقدر .
فإذا كان الجهمية يقولون بالجبر ، والمعتزلة يقولون بقدرة العبد التي يتحمل بها المسئوليةة والأشاعرة يقولون إن الخلق لله تعالى ، والكسب للعبد ، والماتريدية يريدون مرتبة وسطا بين القدرة والجبر ، وهي الاستطاعة ، فكل هذه تفسيرات وتعليلات والاختلاف فيها لا يمس أصل الاعتقاد .
ونلخص في هذا المقام ما جاء به القرآن ، وهو يتبين فيما يأتي :
1 - إنه يجب الاعتقاد بأن الله تعالى خالق كل شيء وأن لا يشاركه في خلق الأشياء وتدبير الكون أحد من خلقه ،وأنه لا ينازع إرادته المكونة أحد ، وأنه لا يقع في الكون ما لا يريد ، فإنه سبحانه وتعالى فعال لما يريد ، وأن العبد وقدرته واستطاعته واختياره كله مخلوق لله سبحان وتعالى ، كما قال سبحانه : " والله خلقكم وما تعملون " ( هامش في نهاية الصفحة : الصافات 96 ) .
( صفحة رقم 59 )
2 - إن الله تعالى عدل حكيم لا يؤاخذ العباد إلا ولهم اختيار في الخير والشر فليسوا فيما يفعلون كالآلة في يد محركها ، أو كالريشة في مهب الريح ، بل إنه مختار فيما يفعل ، وبذلك كان الجزاء والحساب وكان العقاب والثواب وإن تفسير لك ليس لنا ، وقد أخبرنا سبحانه وأحسنا في أنفسنا بأننا عندما نقدم على أمر نقدم عليه بإرادتنا ، فلنا أن نفعله ، ولنا أن نتركه ، وبهذا القدر كانت تبعات ما نعمل واقعة علينا ، وإن العصاة هم الذين يحملون القدر أوزارهم وإن أصابوا خيرا نسبوه لأنفسهم .
3 - إنه من الحقائق المقررة في القرآن أن الله تعالي ييسر الخير لمن اراده له وقد جاء النص بذلك في آيات كثيرة ومن ذلك قوله تعالى :
" يضل من يشائ ويهدى من يشاء " ( هامش في نهاية الصفحة : النحل 93 ) .
وقوله : " إنك لا تهدي من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء " ( هامش في نهاية الصفحة : القصص 56 ) .
( صفحة رقم 60 )
وقوله تعالى : " يضل به كثيرا ، ويهدى به كثيرا ، وما يل به إلا الفاسقين " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 26 ) .
4 - إن الله سبحانه وتعالى يحب الخير ، ويكره الشر ويرضي عن أهل الخير ، ويغضب على أهل الشر ، ويطالب عباده أن يعملوا على ما يرضيه ويبتعدوا عما يغضبه .
وقد وصف المؤمنين بأنهم أهل الرضوان ، ووصف الكافرين بأنهم أهل السخط والغضب ، ونهي عن تولي الكافرين ، والاعتماد على نصرتهم ، لأنهم قوم قد غضب الله عليهم ، كما قال تعالى : " ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ، ما هم منكم ولا منهم ، ويحلفون على الكذب وهم يعلمون " .
ويجب أن نفهسم أن الرضاي غير الإرادة ، وكذلك المحبة ، غير الإرادة ، بل أن الرضاي أعلي درجات من الإرادة المجردة ، والمبحة أعلي من الإثنين وكل هذه الأحوال أثبتتها النصوص القرآنية وقررتها الأحاديث النبوية ، فيجب التسليم فالله سبحانه وتعالى لا يرضي لعباده الكفر والمؤمنون أهل الرضوان وأهل محبته جل جلاله .
( صفحة رقم 61 )
تعليل أفعال الله تعالى
انتهينا من الكلام السابق غلى أنه يجب على المؤمن أن يعتقد أن الله تعالى خالق كل شيء ، وأن كل شيء بقضاء وقدر ، وأن الإنسان له اختيار في أفعاله يحمله تبعاتها ومآلاتها ، ويكافأ بالخير على ما يفعل من خير ، وبالعقاب على ما يفعل من شر ، وأن له نية وقصدا بمقتضاها يكون جزاؤه .
وقلنا : إن خوض العلماء في مسألة الجبر والاختيار هو من قبيل التفسيرات التي تدور حول العقيدة ، وليست من لها .
وللعلماء كلام في مجال آخر هو تعليل أفعال الله ، أخلق ما خلق وأمر بما أمر ، ونهى عما عنه نهى لعلل وغايات وبواعث ؟ وقد جر الكلام في ذلك إلى الكلام في حسن الأشياء وقبحها ، إلى آخر ما خاض فيه العلماء خوضا غرق فيه بعضهم ، ونجا بعضهم .
ونحن نقول : إن خلق الأشياء فوق تقدير العبيد لها بالحسن والقبح ، وأن الغايات التي يدركها العبيد ويفهمونها هي بعد إنشاء الكون وما بث فيها ، وما يحكم به من أسرار وقواميس ، فتقديرات الفلاسفة وعلماء الكلام وغيرهم ممن خاضوا في ذلك كلام فيما وقع بعد الوقوع ، وما وقع لا يصح أن يكون حاكما على من أنشأه وأبدعه ، وهو فعال لما يريد ، ليس فوقه شيء وهو فوق كل شيء ، وهو القادر على كل شيء ، وهو العليم الحكيم .
( صفحة رقم 62 )
نعم : إن كل شيء أبدعه هو حسن في ذاته ، قد استمد حسنه من إبداع المبدع ، إذ أنه سبحانه خلق كل شيء فأحسن خلقه ، ولكن هل كانت صورة من الصور علة باعثة بعثته على الفعل ودفعته إليه ؟ إنه سبحانه فوق المسببات ، وفوق المقدمات والغايات .
والحق في القضية أن الله تعالىخلق الخلق بإرادته سبحانه وتعالى وحده ، من غير قيد يقيدها ، وقد قال سبحانه وتعالى :
" لا يسأل عما يفع ، وهم يسألون " .
فلا نبحث لماذا خلق الله تعالى الأشياء ، أو لماذاخلق الحياة والموت ولا لماذا خلق الإنسان ، وخلق معه الشيطان أو لماذا خلق الحيوان الضار الذي لا نري منه إلا الضرر وخلق الحيوان الذي نراه نافعا ، إن ذلك كله من أسرار الوجود ، وهو بإرادة خالق هذا الوجود ، وإن العقل إذا خاض في ذلك يخوض في بحر لجي لا ساحل له ، وإذا سار في متاهات يضل فيها الساري فلا يهتدي ، وأولي أن يقال له : ليس هذا بعشك فادرجى " وأن الذي يجب علينا أن نعتقده هو ما يأتي :
1 - إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لحكمة يعلمها ، وليست هذه الحكمة علة مقيدة للإرادة الإلهية ، بل إن الله تعالى لا يقيد إرادته شيء من الأشياء وهو سبحانه وتعالى منزه عن العبث ، فكانت أفعاله لحكم يعلمها هو يقينا ، وقد نعلم بعضها بإعلامه ، وأكثرها لا نعلمه ، سبحانه العليم الحكيم اللطيف الخبير .
( صفحة رقم 63 )
2 - إنه ليس للأشياء قبل وجودها صورة للحسن ، إنما صورة الحسن أو القبح جاءت بعد وجودها ومن النظر فيما أبدع وكون ،لأن الحسن وغيره من الصور التي جاءت من إبداعه وإنشائه سبحانه وتعالى .
3 - إن كل الوجود نافع للمخلوقات في مجموعها ، وإن الله سبحانه وتعالى سخر جزءا كبيرا من الكون لعمل الإنسان ولنشاطه ، وإن بعض الأحياء ، إن كان فيها ضرر ، فلابد أن يكون فيها في ناحية من نواحيها نفع ، والجهل بالنفع ليس دليلاعلى أنه لا يوجد ، فإن ما يجهله الإنسان من أسرار الكون أكثر مما يعلمه .
4 - إن التفويض في أل الخلق وسببه وعلة أشكاله أمر ضروري ، لأن أفعال الله تعالى فوق تقديرنا ، ولأننا لا ندرك الأسباب والمسببات إلا فيما وقع من أمور ، فمن تناسق بما بينها تعرف الارتباط السببي ، وأما قبل الوقوع فالأمور كلها عنا في خفاء وأن عقل الإنسان مجاله في تجاربه ، وفي الصور المستمدة من التجارب ، ولس فيما وراء ذلك مجال ، إلا أن يعرف أن هذا الكون لابد له من منشئ ليس منه ، وأن الأشياء لا توجد اعتباطا ، من غير موجد ، ولا تسير في نظام محكم من غير ضابط والله من ورائهم محيط .
( صفحة رقم 64 )
الوحدانية في العبادة
الوحدانية في العبادة ألا يعبد سواه ، وهذه نتيجة لازمة لكونه وحده خالق الكون وخالق كل شيء وخالق الإنسان ، وكل شيءفي هذا الوجود يسبح بحمده ، ولقد كان المشركون يقرون بأن الله خالق السموات والأرض ، ولكنهم يعبدون الأوثان زاعمين أنها تقربهم إلى الله ، أو أنها الواسطة إليه ، ثم نسيت الواسطة وبقيت العبادة ، وقد قال تعالى :
" ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ، قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ، إن أرادني الله بضر ، هل هن كاشفات ضره ، أو أرادني برحمى هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " ( هامش في نهاية الصفحة : الرحمن 38 ) .
ويقول سبحانه " إلا لله الدين الخالص ، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي ، إن الله يحكم بينهم في ما هم في يختلفون " ( هامش في نهاية الصفحة : الزمر 3 ) .
( صفحة رقم 65 )
فهؤلاء المشركون فصلوا اللازم عن الملزوم ، فإن إنفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والتكوين يقتضي ألا يعبد سواه ، ووحدانية ذاته وصفاته ، وأنه ليس كمثله شيء يقتضي إلا يعبد سواه ، لأنه لا يعبد إلا من إنفرد بالوجود الكامل وعلا عن التشبيه والنظير ، والعبادة تكون بالطريق التي بينها سبحانه وتعالى .
والوحدانية في العبادة تقتضي على ذلك أمرين :
أحدهما : ألا نعترف بالألوهية إلا لله سبحانه وتعالى وحده ، وألا نشرك به أحدا ، والقرآن قرر هذه الحقيقة ، ولا إسلام مع الإشراك في الألوهية ، لأن الإسلام يقتضي الاستسلام لله تعالى وحده , والإستسلام لله وحده يقتضي ألا نشرك به أحدا ، ومن أشرك مع الله في العبادة شيئا ، أو شخصا فقد أشرك بالله سبحانه وتعالي ، ولقد قال تعالى : " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 79 ) .
ومن يسوى بين الخالق جلت قدرته ، وبين أحد من خلقه شيء من العبادة ، قد جعل مع الله إلها آخر ، وإن كان يعتقد بوحدانية الخالق في الذات والصفات والخلق ...
( صفحة رقم 66 )
ثانيهما : الذي تقتضيه وحدانية العبادة لله تعالى ، هو ألا نعبده سبحانه إلا بما بينه لنا من تكليفات ، فلا نعبده بأهوائنا ، بل نعبده بما أوحي به إلى رسوله الأمين ، ولا نتخذ أحدا من البشر طريقا لمعرف ما يأمرنا به من تكليف إلا أن يكون رسولا مرسلا ومحمد صلي الله عليه وسلم خاتم الرسل وأنه بعد أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلي صار كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما وحدهما الطريق لمعرفة العبادة لله تعالى كا قال رسوله :
( تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا من بعدي أبدا ، كتاب الله تعالى وسنتى ) .
وقد نعى الله تعالى على اليهود والنصاري أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وقال تعالى فيهم :
" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، والمسيح ابن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحخدا ، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " ( هامش في نهاية الصفحة : التوبة 31 ) .
( صفحة رقم 67 )
وقد كانوا يأخذون دينهم من الأحبار والرهبان من غير رجوع إلى أصل الكتاب ، ويعتبرون كلامهم حجة من غير أن يبيتوا سنده وأصله ، وبذلك كانوا أربابا من دون الله ، وبذلك اشركوا غير الله في طريق عبادة ، وقد انفتح بذلك ما كان مما يعرفه التاريخ وطواه فيه طي السجل للكتب ، وصح ما قاله الله تعالى فيهم :
" إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله " ( هامش في نهاية الصفحة : التوبة 34 ) .
وليس شأن الفقهاء المجتهدين في الإسلام كشأن هؤلاء ، لأن أقوال هؤلاء الفقهاء ليست حجة بذاتها ، كالشأن في الأحبار والرهبان ، إنما الحجة فيما يعتمدون عليه من دليل في القرآن والسنة ، فهم مفسرون ستنبطون يخطئون في الفهم ويصيبون ، فإن أصابو في الفهم فبتوفيق الله تعالى ، وإن أخطأوا فمن أنفسهم وليسوا محتكرين للفهم ، بل كل من استوفي شروط الاجتهاد له أن يتعرف الأحكام من الكتاب والسنة .
لا وساطة بين العبد وربه
لا وساطة بين الله تعالى وعباده ، فليس بينهم وبين الله تعالى حجاب ، فلا يدعي سواه ، ولا يستعان في أمر الآخرة سواه ، فليس ثمة قديس يتقرب به إلى الله تعالى ، إنما يتقرب العبد إلى الله تعالى بالضراعة إليه وبالطاعة له سبحانه ، وبالعمل الصالح :
" إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه "
فلا وساطة بقديس ولا رجل صالح ، وإنما العمل هوالذي يقرب إلى الله تعالى زلفي .
وإن الدعاء باب من أبواب العبادة ، بل إنه مخ العبادة إذا كان الدعاء مصحوبا بإخلاص القلب وحسن الضراعة ولقد قال تعالى : " ادعوني أستجب لكم " ( هامش في نهاية الصفحة : غافر 60 ) .
( صفحة رقم 68 )
وقال تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإنني قريب " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 186 ) .
فهو قريب منكل من يدعوه مستجيب للمخلصين الذين يدعونه تضرعا وخيفة كما قال تعالى :
" ادعو ربكم تضرعا وخفية ، إنه لا يحب المعتدين " ( هامش في نهاية الصفحة : الأعراف 55 ) .
ولقد قال تعالى في إجابة من يسأل عنه :
" إني قريب " .
ولم يقل : " قل لهم إني قريب " ، كما في كثير من الآيات مثل قوله تعالى :
( صفحة رقم 69 )
" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 309 ) .
وقولهتعالى :
" ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " ( هامش في نهاية الصفحة : الإسراء 85 )
فكان هنا وسيط هو النبي صلى الله عليه وسلم في الإجابة ، أما في الدعاء والسؤال عن الذات العلية ، فإنه لا يتوسط أحد حتى المسئول وهو الرسول ، بل يقوم الله تعالى لهم :
" فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " .
وهذا يومئ بإشارته بأنه لا وساطة بين العبد وربه .
ولكن هل للأشخاص أثر في الدعاء " .
لاشك أن دعاء الرجل لغيره يجوز ، وأن دعوات الصالحين مستجابة لأنفسهم ولغيرهم ، وأنه تلتمس دعوات الصالحين ، ولقد ورد أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : لعمر وقد ذهب إلى الحج : لا تحرمنا من دعائكم يا أخي ، وورد أن النبي صلي الله عليه وسلم قال :
" إذا مات أبن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : علم نافع ، وصدقة جارية ، وولد صالح يدعو له ط .
وعلى ذلك لا ينافي الوحدانية أن يدعو شخص صالح لغيره ، فقد دعا إبراهيم عليه السلام لذريته ، إذ أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم .
( صفحة رقم 70 )
وإن الدعاء بالمغفرة للغير جائز بنص القرآن الكريم :
" والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " ( هامش في نهاية الصفحة : الحشر 10 ) .
هذه أمور جاء بها القرآن ، وفسرها الحديث الشريف ، والمسألة التي اختلفت فيها الأنظار هي توسيط بعض الصالحين في الدعاء ، بأن يقول الداعي : بحق فلان أو بمقام فلان أتجه إليخك ، وإن ظاهر النصوص : أن هذا التوسط لا يجوز ، لأن الله تعالى يقول : " ادعوني أستجب لكم " .
ولأن الله تعالى يقول :
" فإني قريب " .
وإن الله تعالى أولي بعبده ولو عاصيا من غيره ، ولأن الدعاء مخ العبادة ، والعبادة لا يتوسط فيها أحد .
ولكن أبعد الداعي بجاه أحد من العباد مشركا ، قد أتي بما يخالف الوحدانية ؟
( صفحة رقم 71 )
ونقول في الجواب عن ذلك مع لا أرضي بأمثال هذه الصيغ من الدعاء : إن القائل إن قصد مجرد التكريم للصالحين من غير أن يشركهم في عبادته سبحانه ، لا يمكن أن يكون قد أشرك ، ومن يرميه بالشرك فهو الذي لا يحتاط لدينه ونقول : إن الأولي الإتجاه إلى الله تعالى فهو أقرب إليه من حبل الوريد ، وذكر الله وحده في الدعاء زلفي إليه ، لا يتركها ، ولأن الدعاء ذاته عبادة لا يوسط فيها أ-حدا بينه وبين ربه .
ولقد كان منذ القدم يعتقد بعض الناس في بعض الصالحين أمورا خارقة للعادة ، ويعتقدون أن لهم عند الله تعالى مقاما ، وسموهم الأولياء ، وأخذوا ذلك من قوله تعالى :
" ألا إن أولياء الله لا خوف عيهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم " ( هامش في نهاية الصفحة : يونس 62 - 64 ) .
الخوارق للعادات على أيدي غير الأنبياء
لاشك أن خوارق العادات تجئ على أيدى الأنبياء لإثبات نبوتهم ، وأن ذلك هو المعجزة التي يتحدي بها الأنبياء أقوامهم ، كما تحي موسى بالعص ، وسائر المعجزات التي أجريت علي يديه ، وكما تحدي عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذك من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يديه ، وكما تحدي النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، وقد جري على يدي محمد صلى الله عليه وسلم خوارق للعادات أخري كالإسراء والمعراج ، ولكنه تحدي بالقرآن وحده ، لأنه المعجزة الكبري الخالدة إلى يوم الدين والتي تثبت الرسالة المحمدية إلى يوم القيامة .
( صفحة رقم 72 )
وهل تجري خوارق العادات على أيدي غير الأنبياء ؟
لا نجد من الأدلة القطعية ما يوجب اعتقاد ذلك ، وإن كان بعض العلماء يري وجوب اعتقادها ، ولكنا لا نتبع في الاعتقاد إلا ما يثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه .
ولكن أتوجد تلك الخوارق ؟
لا يوجد دليل عقلي أو نقلي يمنع وجودها على أيدي بعض الناس ، ومن بر شيئا من هذا في بعض الأشخاص فليصدقه من غير أن يعطي ذلك تقديسا خاصا لصاحب هذا الأمر الخارق ، وإن ذلك الاعتقاد يكثر عند أهل التصوف والمخلصون منهم يرون أن الاستقامة يجب أن تطلب . ويقول في ذلك أبو على الجرجاني :
" كن طالبا للاستقامة ، لا طالبا للكرامة ، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة " .
( صفحة رقم 73 )
وذلك حق لأن الكرامة نعمة تستوجب الشكر ، والاستقامة عمل صالح يجزى الله تعالى عليه بالثواب والنعيم المقيم ورضوانه سبحانه وتعالى ولأن النفس طالبة بطبعها لما يكون فيه الكرامة ، والاستقامة فطم للنفس عن أهوائها ، وفرق ما بين المقامين عظيم ، ولذلك كان المتصوف الصادق يطب الاستقامة التي فيها طاعة الله تعالى .
ومهما يكن من أمر صاحب الكرامة ، فإنه لم يثبت في النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية أن جريان خوارق العادات على أيدي بعض الناس يرفعهم إلى مراتب التقديس لا في حياتهم ، ولا بعد مماتهم.
ويفرض علماء الكلام أن خوارق العادات كما تجري على أيدي الصالحين تجري على أيدي غيرهم ، ويسمونها كرامة إن جرت على أيدي الصالحين ، واستدارجا إن جرت على أيدي غيرهم .
زيارة قبور الصالحين
والآن تزار قبور بعض الصالحين الذين يقال : إن خوارق جرت على أيديهم في حياتهم ، فهل هذا مطلوب في الشرع ؟
لا نري أنه مطلوب في الشرع ، ولكن أهو عبادة لهؤلاء تدخل الفاعلين في زمرة المشركين ، وتخرجهم من جماعن الموحدين ؟
( صفحة رقم 74 )
لا شك أنه إذا لم يكن هناك نية العبادة ولا التقديس ، ولا اتخاذهم شفعاء عند الله تعالى لا يعد ذلك إشراكا إنما الإشراك بالعبادة والتقديس ، وإنا نري أن زيارة القبور بإطلاق للاتعاظ والاعتبار أمر مطلوب ، ولا يصح أن تكون الزيارة لغير ذلك ،والله على كل شيء وكيل .
شهادة أن محمدا رسول الله
هذا هو الجزء الثاني من كلمة الإسلام التي تعتبر مفتاحه ودعامته ، والكلمة الجامعة لحقائقه ، ومن أذعن لها فقد آمن ، ودخل في زمرة المؤمنين ، ومن قالها معتقدا مصدقا ، غير عامل بما تضمنته من معان كان مسلما ، كما قال تعالى :
" قالت الأعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ، ولكن قولوا أسلمنا ، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " .
وهذا الجزء من الشهادتين يتضمن معنيين جليلين :
أولهما : أن الإسلام الذي تعد هذه الشهادة مفتاح بابه ليس من عمل محمد صلى الله عليه وسلم بل إن محمدا فيه رسول مبين ، وليس منشئا ، وإذا نسب إليه ، فإنما ذلك لأنه رسول مبلغ ، كما قال تعالى :
( صفحة رقم 75 )
" إن عليك إلا البلاغ " ( هامش في نهاية الصفحة : الشوري 48 ) .
وقوله تعالى : " إنما أنت منذر ، ولكل قوم هاد " ( هامش في نهاية الصفحة : الرعد 7 ) .
وهو مأهور بتبليغ الرسالة كما قال تعالى :
" يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس " ( هامش في نهاية الصفحة : المائدة 7 ) .
ولقد حرف بعض الكتاب الكلم عن مواضعه فأشاعوا أن المسلمين يعبدون محمدا ، كما يعبد النصاري للمسيح :
" كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " .
إن عبارات القرآن كلها تقرر أن محمدا من البشر ، ويقول مخاطبا قومه من العرب :
" إنا أنا بشر مثلكم " ( هامش في نهاية الصفحة : الكهف 110 ) .
وهو بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ، ويجاهد في سبيل الله ويموت كما يموت البشر ، كما قال تعالى :
" وما محمد رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 144 ) .
ثانيهما : أن الإيمان بأن محمدا رسول الله يوجب الأخذ بكل ما جاء به من أوامر ونواه ، نه يتكلم عن الله تعالى فيما يتعلق بالتكليفات والأحكام فإطاعته إطاعة لله سبحانه وتعالى ، كما قال تعالى : " من يطع الرسول فقد أطاع الله " ( هامش في نهاية الصفحة : النساء 8 ) .
( صفحة رقم 76 )
وقوله تعالى :
" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " ( هامش في نهاية الصفحة : الأحزاب 36 ) .
وكقوله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا " ( هامش في نهاية الصفحة : الحشر 7 ) .
وإذا كان محمد رسول قد قام الدليل على رسالته ، وأن ما جاء به فهو من عند الله العلي القدير ، فإن جزءا من العقيدة أن تؤمن بأن كل ما جاء به مبلغا عن ربه ، ومن ينكره ، فقد كذب رسالة الرسول ، ومن يكذب رسالة الرسول لا يكون مسلما ، بل إنه كافر جاحد ، وعلى ذلك يجب الاعتقاد الجازم :
أولا - بأن الشرائع والأحكام التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبتت نسبتها إليه بطريق قطعي لا شبهة فيه هي من عند الله تعالى ، وليست من عمل محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما هي من الله تعالت شريعته ، وجلت حكمته فليس بمسلم من يقول : إن الأحكام التكليفية من عبقرية محمد ، أو من عقله ، إنما المسلم من يقرر أن الأحكام التكليفية كلها من الله تعالى :
( صفحة رقم 77 )
ثانيا - يجب الاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم قد أنزله الله تعالى ، وأنه بعبارته ومعانيه وأحكامه من عند الله تعالى ، وأنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وأنه محفوظ إلى يوم القيامة لا يعتريه تغيير ولا تعديل ، لأن الله تعالى يقول في محكم التنزيل :
" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ( هامش في نهاية الصفحة : الحجر 9 ) .
فمن يزعم أنه قد اعتراه تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقص فقد ضل وغوى ، وخرج عن جادة الإسلام إلى منازع الشيطان .
ثالثا - يجب الاعتقاد بأن كل ما في القرآن من أحكام تكليفية هي من عند الله تعالى وأن من يعتقد تحريم ما أحل الله تعالي بالنص لا يؤمن بالقرآن ، ومن يستحل ما حرم الله تعالى بالنص في القرآن لا يؤمن بالقرآن ، فمن يستحل الخمر أو يستحل الربا أو يستحل الزني ، أو يستحل السرقة أو يستحل أكل مال الناس بالباطل لا يكون من أهل الإسلام في شيء ،
( صفحة رقم ومعنى الاستحلال أن يعتقد أن هذه المحرمات بالنص حلال ، ومن يرتكب المحرم ، لضعف إرادته أو نحو ذلك ، وهو يعتقد أنه حرام لا يعد مستحلا له ، فالارتكاب دون الاستحلال ، إذ الأول يجعل المرتكب فاسقا ، والإنكار يخرجه عن حظيرة الإسلام .
ومن ينكر أحكام المواريث ، كما جاءت في القرآن الكريم لا يكون مسلما ، فمن يتنمر على حكم الله بأن للذكر مثل احظ الأنثيين ، أو ينكر أن ميراث الإخوة والأخوات غير لازم ، فإنما ينكر أحكام القرآن .
ويشبه الذين ينكرون أحكام القرآن من يغلب عليهم الهوى فيزعمون أن الأحكام التكليفية ليست في مصلحة الناس ، فمن يحسب أن تحريم الخمر ليس في مصلحة الناس ، أو تحريم الربا ليس في مصلحة الاقتصاد يكون متبعا هواه ، ويكاد يخرج عن الإسلام إن اعتقد ما يقول اعتقادا جازما ، ومن هؤلاء من يذهب بهم فرط مغالتهم للاتباع والتقليد أن يزعموا أن القوانين التي تكون من أوضاع الناس أعدل من القوانين التي يأتي بها أحكم الحاكمين في محكم التنزيل ، فإن الله تعالى هوة العدل اللطيف الخبير .
وإن كل شرائعه رحمة بالناس ، وهي الرحمة الحقيقية بالمجموع ولذلك قال تعالى :78 )
( صفحة رقم 79 )
" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنبياء 107 ) .
وقد وصف الله تعالى ما جاء في القرآن بأنه الرحمة والشفاء ، كما قال تعالى :
" يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ، وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنين " ( هامش في نهاية الصفحة : يونس 57 ) .
ومن ينكر شرعية الزكاة ، أو يعتبرها نظاما قد انتهي لا يعد من أهل الإسلام ، لأن الله تعالى أمر بها في محكم التنزيل ، والآيات القرآنية الواردة فيها كثيرة ، وكثيرا ما يقترن الأمر بالصلاة بالأمر بالزكاة مما يدل على أنهما متلازمان لا ينفصلان من حيث الحكم بالمطالبة والإلزام ، ومن يعتقد وجوب الصلاة ، ولا يعتقد وجوب الزكاة ، فإنه يفصل المتلازمين بعضهما عن الآخر ، ولذلك قاتل الصديق من امتنع عن أداء الزكاة ، كما قاتل من امتنع عن إقامة الصلاة .
وهكذا كل ما جاء فيه الأمر بالقرآن صريحا يعد منكره غير مؤمن بالرسالة المحمدية ، ومن لا يؤمن بالرسالة المحمدية لا يكون مسلما .
( صفحة رقم 80 )
ومن حاول أن يخرج القرآن عن ظاهره بغير سند من القرآن أو من السنة يكون محرفا للقرآن عن مواضعه ، إن كل تأويل لنص من نصوص القرآن أو الحديث يجب أن يكون مشتقا من القرآن والحديث أو من قضايا العقل المبتوتة التي لا يختلف في شأنها العقلاء ، ولا يصح أن تقيد النصوص الدينية بحكم الزمان ، فإنها حاكمة على الزمان ، وليست محكومة به ، وأولئك الذين يدعون أن حكما من أحكام القرآن أو السنة الثابتة السند كان مناسبا لزمان الرسالة وغير مناسب لزمان ما إنما يقلبون الأوضاع الدينية ويحكمون بأهوائهم وشهواتهم ، وهم قوم قد اتخذوا القرآن عضين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ويجب على من يؤمن بالرسالة المحمدية أن يذعن ويؤمن لكل ما علم من الدين بالضرورة ، كمناسك الحج ، اولصوات الخمس وعدد ركعاتها ، وصوم نهار رمضان ، وكون القبلة إلى البيت الحرام الذي هو بمكة مباركا ، وكون الوقوف بعرفة ، فإن كل هذا قد وردت به الأخبار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وانعقد عليها الإجماع من بعده ، وتواتر الإجماع عليها ، مما لا يدع مجالا لأي احتمال أو ظن ، وصارت من العلم الضروري الذي لا يسع مسلما أن يجهله ، أو كما عبر الإمام الشافعي عنه بأنه علم العامة ، لا يختص به العلماء دون الجهلاء ، ولا ينفرد بالعلم به قوم ، دون قوم ، بل إذن العلم به سواء ، لأنه إطار الإسلام الذي يعد الخارج عنه خارجا عن الإسلام .
( صفحة رقم 81 )
ولذلك لا يعد من أهل الإسلام الذين يدعون أن الصلاة ركعتان في اليوم واليلة ، وأنها ليست من المفروضات التي انعقد عليها إجماع أهل القبلة ، وتواتر سندها عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الإيمان بالغيب واليوم الآخر والرسل السابقين :
يقوم الإيمان بالرسالة المحمدية على الإيمان بكل ما جاء به عليه السلام ، واللب في كل دين سماوي أنزله رب العالمين بقوم على الإيمان بالغيب ، والإيمان باليوم الآخر ، وقد قال تعالى في ذلك في أول سورة البقرة :
" ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبالآخرة هم يوقنون " ( هامش في نهاية الصفحة : أو سورة البقرة ) .
وهذا النص الكريم أثبت وجوب الإيمان بأمور ثلاثة هي : الغيب ، والآخرة ، فالتصديق بكل ما جاء به الرسل السابقة على الرسالة المحمدية باعتبار أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم متممة الرسائل السابقة كلها .
( صفحة رقم 82 )
الإيمان بالغيب هو فرق ما بين الدين والزندقة :
فالزندقة المارقة لا تخضع إلا للمادة وحدها إذ يحسبون كل ما في الوجود هو المحسوس ، ولا يعدون موجودا سواه ، والدين يوجب الإيمان بأن حياة المادة معها حياة روحية ، وأن هناك عوالم من الأرواح ، فيجب الإيمان بأن هناك ملائكة ، وهي أرواح طاهرة مطهرة لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون وأن هناك عالما من الجن فيهم الأخيار وفيهم الأشرار وقد جاء ذكر ذلك في القرآن كثيرا ، وفي القرآن سورة من السور تسمى سورة ( الجن ) ، وقد جاء في هذه السورة على ألسنة الجن ما يدل على ما نقول ، فقد جاء فيها :
" وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ، وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ، وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ، وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ، وأنا منا الصالحون ، ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا " ( هامش في نهاية الصفحة : الجن 4 - 11 ) .
( صفحة رقم 83 )
فهذا النص الكريم صريح في أن في الوجود عالما هو عالم الجن ، وأن هذا الظاهر لا يصح أن يؤول إلا بسند من الكتاب والسنة ، إذ أن كل تأويل إخراج للظاهر عن معناه المفهوم إلى معني آخر يخالفه ، ولا يكون ذلك إلا للتوفيق بين نصين يتعارض ظاهراهما ، أما العقل وحده ، فإنه لا يكفي وحده للتأويل والتخريج ذلك لأن التفكير له منطقتان مختلفتان :
إحداهما للمادة نفكر فيها ، وتستخرج قوانينها ونواميسها وأسرارها ، وكلما ازدادت إيغالا فيها استغرفتها إلا أن يكون ممن هداه الله تعالى ، وأشرق في قلبه نور الحكمة .
المنطقة الثانية للغيب ، وهي منطقة الإيمان والإذعان والتدين ، وكلما اتسع أفق العقل اتسعت تلك امنطقة ، وازدادت قوة التدين وقوة الإذعان ، ومعها قوة الإيمان ، وليس للعقل مجال في التأويل إلا إذا كان الأمر مستحيلا عقلا .
وإن الإيمان تعالى من الإيمان بالغيب ، وإن قامت الأدلة والبراهين المنطقية ، والأقيسة العقلية تثبت وجوده وهو وحده كامل الوجود ، هو الأول والآخر ، والظاهر ، والباطن ، وهو على كل شيء قدير ، وهو الذي أنشأ الوجود ، ويمد كل من في الوجود بوجوده النسبي المحدود بالابتداء والانتهاء في هذه الدنيا ، ومن بعدها يستأنف حياة أخري أعلي وأكمل .
وإن منطق المادة في الفكر ينبعث من الغرائز ويتبدئ في الحيوان ، وكلما علت مرتبة الحيوان كان ثمة علو في فهم المادة ، حتى إذا كان الإنسان كان مع الفكر المادي الفكر الغيبى ، وكلما علا العقل اتسعت فيه منطقة الفكر الغيبي .
ومن الناء من يعلو تفكيرهم المادي ، ويضمر تفكيرهم في الغيب ، كهذا الذي ركب في الفضاء ، وقطع أجوازه ، ثم قال : إني لم أر إلها وراء الآفاق ، إن هذا من الاستغراق في المادة حتى ظن أن الله مادة تري .
( صفحة رقم 84 )
ومن الناس من يعلو تفكيرهم في المادة ويتعرف نواميسها وأسرارها ، ويتعرف الأسباب والمسببات ، فتلتقي فيهم منطقة المادة بمنطقة الغيب ، فيقررون صادقين أن وراء هذه الأسباب منشئا مريدا مختارا ، ليس من المادة ، ولكه ميسرها ومنشئها ، وهو عالم الغيب والشهادة ، وقد نطق بذلك كثيرون من العلماء .
ومن الناس من يصدقون بالغيب ، ولكنهم مأسورون بالمادة ، ويحاولون التضييق في أخبار الغيب التي جاء بها القرآن ، بتأويل لا نجد له سندا من القرآن ، ولا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي هي بيان للقرآن الكريم ، ولا مرر لها إلا من عقولهم التي أسرت بالمادة ، ولكن لم يحرموا حرمانا كليا من نعمة الإيمان بالغيب ، ومن هؤلاء مخلصون لدينهم يحسبون أن ذلك التأويل يقرب الإسلام من الذين لا يخضعون إلا للمادة ، ولا نري ذلك الطريق سبيلا ، إنما السبيل أن نقربهم هم بإقناعهم بأن وراء المادة قوي الغيب ووراء المادة مسيرها ، ومنظمها ومدبرها ، وراء المادة العليم الخبير ، فإن لم يقربوا ويؤمنوا بالغيب ، فإنه لا يمكن أن يدخل الإيمان في قلوبهم ، وخير لنا أن نبقي الحقائق الإسلامية كما هي من غير تغيير ولا تبديل ، ولا تأويل .
( صفحة رقم 85 )
الإيمان بالرسل السابقين
والرسالة المحمدية وهي آخر الرسالات الإلهية جاءت مكتملة ، وهي آخر لبنة في صرح الرسالات الإلهية ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تجئ مناقضة للرسالات السابقة ، بل جاءت مكملة وناسخة لما كان من الأحكام مؤقتا بزمانه ، فإنه لا ينسخ رسالة من الله إلا رسالة منه سبحانه وتعالى ، ولذلك تضمن الإيمان برسالة محمد الإيمان بما جاء به الأنبياء السابقون على أنه أنزل من عند الله تعالى ، كما قال تعالى : " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون ، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ، وإن تولوا فإنما هم في شقاق ، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 136 ، 137 ) .
( صفحة رقم 86 )
وكما قال تعالى :
" قل آمنا بالله ، وما أنزل علينا ، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 84 ) .
وكما قال تعالى :
" والمؤمنون ، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 285 ) .
ومن البدهيات أن الإيمان بالرسل السابقين ، وما أنزل عليهم من كتب وما أوتوه من شرائع ليس معناه تصديق الكتب القائمة في هذه الأيام التي يغيرون فيها ويبدلون كل عام ، أو اعتبار ما هم عليه من أوهام مثل عبادة المسيح ، واعتباره ابن الله ، لأن ذلك لم يؤته عيسى ، ولم يكن مما جاء به ، بل هو الوثنية دخلت في تعاليم المسيح عليه السلام ، وهو منها براء ، فسيقول يوم القيامة :
" ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدو الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد " ( هامش في نهاية الصفحة : المائدة 117 ) .
( صفحة رقم 87 )
فليست رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منقطعة عن النبوات السابقة ، بل هي آخر حلقة في سلسلة الرسالات الإلهية وهي المكملة لها ، ولا يعد مؤمنا بمحمد من لا يؤمن بموسى وعيسى وإسماعيل وإبراهيم ، وإسحق ويعقوب وداود وسليمان وسائر النبيين من نعلم من قصص القرآن ومن لا نعلم ، كما قال تعالى : .
" منهم من قصصنا عليك ، ومنهم من لم نقصص عليك " ( هامش في نهاية الصفحة : غافر 78 ) .
فإسلام هو الدين الجامع للحق الخالص من كل الديانات السابقة وفيه أصلها كما قال تعالى :
" شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ، ويهدي إليه من ينيب " ( هامش في نهاية الصفحة : الشوري 13 ) .
فالمؤمنون الصادقون في إيمانهم شهداء على الناس بالحق ، إن كانوا قد اتبعوا أنبياءهم أو لم يتبعوا ، وإن أمارة اتباعهم للأنبياء هي عبادة الله تعالى وحده لا يشركون به شيئا ، ويتبع ذلك بلا ريب التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لو كان أنبياؤهم أحياء عند بعثه ما وسعهم إلا أن يتبعون صلي الله تعالى عليه وسلم ، وقد ورد عن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أنه قال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعنى " .
( صفحة رقم 88 )
أو كما قال عليه السلام :
" وإن أمة محمد الذين يتبعون حقا وصدقا هم الذين أحيوا شريعة أبي الأنبياء إبراهيم ، ومن جاء بعده من النبيين من ناحية الأصول المقررة الثابتة التي لا تختلف فيها الأقوام ، ولذا قال تعالى :
" وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ، وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم السملمين من قبل وفي هذه ، ليكون الرسول شهيدا عليكم ، وتكونوا شهداء على الناس ، فأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واعتصموا بالله هو مولاكم ، فنعم المولى ونعم النصير " ( هامش في نهاية الصفحة : الحج 78 ) .
وأن الله سبحانه وتعالى بمقتضي حكمته في رسالاته كان يجعل كل نبي يبشر بمن يجئ بعده ، فالتوراة بشرت بالمسيح وممد عليهما الصلاة وأتم التسليم ، والمسيح عليه السلام بشر بمحمد صلي الله تعالى عليه وسلم ، وقد جاء ذلك في القرىن الكريم فقد قال تعالى :
( صفحة رقم 89 )
" وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين " ( هامش في نهاية الصفحة : الصف 6 ) .
وأحمد من أسماء النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
فالمؤمن بمحمد مؤمن بعيسى عليه السلام ، والمسيحى الذي يدخل في الإسلام لا يخرج من المسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام ولكنه يدخل فيها كاملة غير منقوصة ، لأن كمالها الأخذ بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، ولقد سئل قس دخل في الإسلام : " لم خرجت من المسيحية ؟ . فقال : ما خرجت منها ، ولكني أدركتها صحيحة ، وسرت فيها إلى كمالها ، وكمالها بالإيمان بمحمد عليه السلام ، كما أن كمال الإسلام في الإيمان بكل السابقين بل إن ذلك من أصول الإسلام " .
الإيمان بالبعث والقيامة
الإيمان بالبعث والحياة الآخرة قرين الإيمان بالغيب ، لأن البعث ليس أمرا مشهودا بين أيدينا ، بل هو والحياة الآخرة أمران مغيبان والذين يؤمنون بالمادة ولا يدركون سواها ينكرون بعث الأموات أحياء ، وينكرون أن تكون هناك حياة أخري غير الحياة التي يعيشونها ، وقالوا كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم :
( صفحة رقم 90 )
" إن هي إلا حياتنا الدني نموت ونحيا ومن نحن بمبعوثين " ( هامش في نهاية الصفحة : المؤمنون 37 ) .
ولكن الله تعالى يقرر الحق الذي لا يصح أن يرتاب فيه مؤمن وهو أن الدار الآخرة هي الباقية .
" وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنعام 32 ) .
ويذكر القرآن الكريم أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية فيقول سبحانه :
" وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " ( هامش في نهاية الصفحة : العنكبوت 64 ) .
أي أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية ، لأنها الباقية الخالدة وفيها الجزاء والثواب والعقاب .
ولقد كان الماديون يقيسون قياسا ماديا ، والقرآن الكريم يرد قولهم بقياس هو المحكم وحده ، فهم يمنعون البعث بأن ما يفني لا يمكن أن يعود ، وقد ذكر هذا القياس ورده في قوله تعالى :
" وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ، وهو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ، فإذا أنتم منه توقدون ، أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلي ، وهو الخلاق العليم ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " ( هامش في نهاية الصفحة : يس : 78 - 82 ) .
( صفحة رقم 91 )
ونرى من هذا القياس المادي مبناه النظر المحسوس ، والقياس القرآني ما يقع على ما وقع ، فهو قياس المنطق المستقيم ، والآخر لا استقامة فيه ، لأنه لا يرجع إلى أصل التكوين وبديهى أن البعث يكون للأجسام ، ولا يكون للأرواح وحدها ، وإلا ما كان ذلك التعجب منهم ولكان الرد عليهم هو التسليم بامتناع أن تعود الحياة إلى الرميم من الأجسام ، بل يكون الجواب السهل اليسير : أن البعث يكون للأرواح لا لكل الأجسام التي صارت رميما .
وقد قال تعالى حكاية عن منكري البعث :
" أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد " ( هامش في نهاية الصفحة : ق : 4 ) .
ويرد الله تعالى قولهم بخلقه السموات والأرض وما فيهما ، وإنزاله الماء ثم يقول سبحانه :
( صفحة رقم 92 )
" يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ، ثم نخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفي ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ( هامش في نهاية الصفحة : الحج 5 ) .
فالبعث على حسب نصوص القرآن مادي ، وليس بروحي فقط كما توهم بعض الفلاسفة وأن الإيمان القرآن ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم يوجب ذلك .
الحياة الآخرة
الحياة الآخرة : هي دار النعيم المقيم ، أو العذاب الأليم .
والأولي : للمحسنين الذين أخلصوا .
والثانية : للكافرين الجاحدين الذين كفروا بالله تعالى ورسله . وبينهما عصاة المؤمنين يحاسبون ، ويجزون بالسيئة مثلها ، وبالحسنة مثلها ، وهم تحت رحمته وغفرانه ، وهو يغفر لمن يشاء من عباده ، وإن عوقبوا فبمثل ما ارتكبوا أو أقل ولا يزيد العقاب عما ارتكبوا .
( صفحة رقم 93 )
وهنا يثار بحث في أمور ثلاثة هي :
نسيم الآخرة وعقابها بها أهو مادي أو معنوى ؟ أهو خالد دائم إلى ما شاء الله تعالى ؟
وهل هناك شفاعة لأحد في أحد من العباد ؟
ولنتكم في كل واحدة من هذه الأمور بكلمة موجزة .
المادية والمعنوية في الثواب والعقاب
تقرر أن النعيم مادي في الآخرة ، لأن ظاهر القرآن كذلك ، وقدفسر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره بما يدل على أن ذلك مادي ، وليس بمعنوي ولا يصح أن يخرج لفظ القرآن عن ظاهره إلا بسند من القرآن أو السنة أو استحالة عقلية ، ولا مستحيل بالنسبة لقدرة الله تعالى بل هو القادر على كل شيء ولا قادر سواه سبحانه وتعالى .
ومع أنه من المقطوع به أنه مادي ، فإنه يجب أن نفهم أن ما ذكر من فواكه ومواد هو أعلى من المواد التي يذكر مسماها في الدنيا ، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " وقد علق ابن تيمية على ذلك بقوله : " إن الله أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة ، ونحن نعلم قطعا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة ، بل بينهما تباين عظمي مع التشابه كما في قوله تعالى :
( صفحة رقم 94 )
" وأتوا به متشابها ، ولهم فيها ، أزواج مطهرة ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 25 ) .
أي يشبه ما في الدنيا ، وليس مثله ، فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق ، كما أشبهت الحقائق ، من بعض الوجوه ، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ، ولكن لتلك الحقائق خاصة لا ندركها في الدنيا ، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم وجود عينها ، أو نظيرها من كل وجه ( هامش في نهاية الصفحة : التذمرية في المتشابه والتأويل ص 12 ) " .
ولقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في نعيم الجنة :
" فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .
ولقد وصف القرآن خمر الجنة مثلا بأوصاف ليست في خمر الدنيا ، فحقيقتها تخالفها .
( صفحة رقم 95 )
وقد يقول قائل : إنك قررت أن نعيم الجنة مادي استمساكا بظاهر الألفاظ ، وتركت الظاهر عندما قلت إنه ليس مماثلا لما في الدنيا ، وما يسمى باسمه !!
ونقول في الجواب عن ذلك : إننا نقينا المماثلة بينه وبين ما سمى من نعيم الدنيا معتمدين على النص ، وبذلك ما أخرجنا اللفظ عن ظاهره ، بل فسرناه بتفسير القرآن الكريم ، فقد قال تعالى في وصف خمر الجنة :
" يطوف عليهم ولدان مخلدون ، بأكواب وأباريق وكأس من معين ،لا يصدعون عنها ولا ينزفون ( هامش في نهاية الصفحة : الواقعة 17 - 19 ) .
أي أنها لا تستر عقولهم ، ولا تنزفها ، فمعها يكون الإدراك الكامل ، وإذن فليس لها من خمر الدنيا إلا الإسم ، وصرح القرآن الكريم بأن نعيم الجنة مشابه لنعيم الدنيا وليس هو ، إذ المشابهة تقتضي التغاير فهو غيره ، وفوق ذلك قد روينا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو " فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " وذلك يفيد أنه ليس مما رأوا في الدنيا ، فليس منه ، وإن حمل اسمه ، فالخروج عن الظاهر إنما هو بدليل من النصوص .
( صفحة رقم 96 )
والثانية : خلود نعيم الجنة وعقاب النار :
وصف القرآن الكريم نعيم الجنة بالخلود والبقاء ، ووصف عذاب جهنم بالبقاء والخلود ، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى :
" للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " ( هامش في نهاية الصفحة : آل عمران 15 ) .
وقوله في عذاب جهنم بالنسبة للكافرين :
" خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 162 ) .
ومثل قوله تعالى وقد جمع بين العذاب والثواب :
" فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " ( هامش في نهاية الصفحة : هود 106 - 108 )
وقد ذكر سبحانه وتعالى وصف الخلود مقرونا بالثواب والعقاب في القرآن أكثر من ثمانين مرة .
( صفحة رقم 97 )
والخلود معناه البقاء الدائم وقد وصف النعيم بالدوام صراحة في مثل قوله تعالى :
" أكلها دائم " ( هامش في نهاية الصفحة : الرعد 35 ) .
والدوام والخلود : البقاء إلى غير زمن محدود ، وهو الذي لا نعرف له نهاية ، وما دمنا نسير على مبدأ الأخذ بظاهر القرآن من غير محاولة لتأويله بأي نوع من التأويل ، فإنه لابد من الأخذ بظاهر القرآن في الخلود ، وعلى ذلك تضافرت أقوال كل المفسرين ، وبذلك فهم الصحابة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد ما يعارض هذه الظاهر مطلقا .
وقد يقول قائل : " إن الله تعالى قال فيالنص الذي تلوناه أخيرا : ( إلا ما شاء ربك ) وهذا قد يومئ إلي احتمال انتهاء زمن الشقاء ، ونقول : إن كل شيء يتعلق بمشيئة الله تعالى ، وهذا لا يمنع الخلود ، ومشيئة الله تعالى قد تتعلق بالبعض دون الكل ، وإن الله تعالى بعد ذرك المشيئة الإلهية أكد البقاء الدائم فقال سبحانه وتعالى : ( عطاء غير مجذوذ ) ، أي غير مقطوع .
وذكر المشيئة في هذا المقام للإشارة إلى أن ذلك بإرادته هو ومشيئته ، ولهذا قال بعد المشيئة في عذاب الكفار : ( إن ربك فعال لما يريد ) .
( صفحة رقم 98 )
وإذا كان في هذا النص احتمال بعيد ، فالنصوص الأخري قاطعة بالدوام .
وقد ثبتت فكرة عند بعض العلماء في الماضي ، ورددها الذين يرددون شواذ الأفكار ليشتهروا بالعلم والتعمق والتجديد ، وهو أن الخلود في أوصاف الجنة والنار ليس معناه البقاء الدائم ، بل معناه البقاء الطويل ، وقد ذكر ذلك الرأي في كتاب : ( حادي الأرواح ) المنسوب لابن القيم ، ومهما يكن سند هذا الرأي من العقل ، فإنا لا نقبله لأنه يخالف ظاهر القرآن ، وحتى الآية التي ذكرت فيها المشيئة كان فيها ما يؤكد الخلود بمعنى الدوام الذي لا حد له ، إذ قال سبحانه وتعالى :
" ما دامت السموات والأرض " .
وذكر المشيئة في أمور اليوم الآخر في موضعه ، لأن اليوم الآخر لا نعلم ما فيه إلا بإعلام الله تعالى ، ونحن في ظل إرادته ومشيئته ، وستبدو لنا المشيئة عيانا لا خفاء معه ، فهو يوم التجلي الذي لا يخفي فيه شيء ، وأمورنا إليه .
ولكن نحن في هذه الدنيا يجب أن نعتقد بما يخبر به في كتابه الكريم الذي هو نوره الذي نهتدي به .
( صفحة رقم 99 )
وقبل أن نختم ذلك الكلام الموجز من بحثنا نري من الإنصاف أن نقول : إن ابن القيم ليس أول من قال بفناء نعيم الجنة وعذاب النار ، بل سبقه إلى ذلك الكلام ( الجهم بن صفوان ) في العصر الأخموي ، فقد نقل عنه الأشعري في كتابه : ( مقالات الإسلاميين ) أنه أول من قال هذه المقالة ، واعتمد في قوله هذا على قوله تعالى : " هو الأول والآخر " يمكن أن يكون آخرا إلا إذا كان ، وحده المنفرد بالوجود ، ولا موجود معه من أي شيء من الأشياء ، أو أي نوع من الأحياء .
الشفاعة يوم القيامة :
قد ثبتت الشفاعة بالقرآن الكريم ، فقد قال تعالى :
" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " ( هامش في نهاية الصفحة : البقرة 255 ) .
وقال تعالى :
" ولا يشفعون إلا لمن ارتضي ، وهم من خشيته مشفقون " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنبياء 28 ) .
وقال تعالى :
" يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا " ( هامش في نهاية الصفحة : طه 109 ) .
وقال تعالى :
" لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " ( هامش في نهاية الصفحة : مريم 87 ) .
( صفحة رقم 100 )
وقال تعالى :
" ولا ينفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " ( هامش في نهاية الصفحة : سبأ 23 ) .
وهكذا جاءت النصوص القرآنية تثبت الشفاعة ، ولكن هي مقيدة دائما بأنها لا تكون إلا لمن أذن له الرحمن ، وعلى ذلك لا يمكننا أن ننكر أن الشفاعة ثابتة يوم القيامة ، ويوم يقوم الحساب والميزان ، ومن أنكرها فإنه ينكر أمرا ثابتا بالقرآن الكريم ،وقد تكرر ذكره فيه .
ولكن هذه الشفاعة لا تفيد أنها تستنزل الله تعالى عن حكمه ، وعما قرره في شأن عباده لأنها لا تكون إلا بإذنه ، ولا تكون إلا لمن يعهد الله تعالى إليه بالشفاعة ، فهي من جهة فتح لباب العفو والغفران ، لمن كان يستأهل العفو والغفران ، ومن جهة أخري هي تكريم لمن يشفع ، ورفع لمنزلته ، وقد وردت السنة مبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في بعض من أذنبوا بعد أن يحاسبوا بأمر من الله تعالى ، فهي رفع لمنزلته عليه السلام ، وإنزال له عليه السلام في المقام المحمود الذي ينزله الله تعالى فيه يوم القيامة .
( صفحة رقم 101 )
رؤية الله تعالى يوم القيامة
وردت نصوص قرآنية تثبت رؤية المؤمنين لربهم بظاهرها ، مثل قوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة " ( هامش في نهاية الصفحة : القيامة 22 ، 23 ) .
وهي صريحة في إثبات الرؤية للمؤمنين ونفي الرؤية عن المشركين والكافرين بقوله تعالى :
" كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " ( هامش في نهاية الصفحة : المطففين 15 ) .
وهذان نصان صريحان في أن الله تعالى كرم المؤمنين برؤيته ، وأبعد الكافرين ، فجعلهم عنه محجوبين ، ولكن قرر بعض العلماء أن رؤية الله تعالي غير ممكنة ، لأن الرؤية تقتضي مكانا ، تقتضي جسما يتجه إليه البصر ، وزكوا ذلك بقوله تعالى : " لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير " ( هامش في نهاية الصفحة : الأنعام 103 ) .
ولكن العلماء الذين أخذوا بصريح القرآن ردوا ذلك بأن الرؤية التي أثبتها النص في الآخرة ، والتي نفاها في الدنيا ، وفوق ذلك فإن قوله تعالى : " لا تدركه الأبصار " نفي لإدراك الأبصار ، وليس نفيا للرؤية ، والإدراك إحاطة ، وهي لا تحيط بذات الله العلية ، والحق أن الجواب الأول أسلم .
( صفحة رقم 102 )
وأما اقتضاء الرؤية للقول بأن الله تعالى جسم ، فذلك إنما هو في الدنيا ، ورؤية يوم القيامة تكون مجال لا تكون كحال الناس فهي نوع من الكشف ، والتجلي ، والرؤية من غير كيف ولا حد ولا جسمية ، ولقد قال تعالى في حال الإنسان يوم القيامة " فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ( هامش في نهاية الصفحة : ق 22 ) .
وإنا نري إثبات الرؤية من غير كيف ، وإن كنا لا نكفر من يؤول النص .
وبعد : فهذه هذ أصول العقيدة ذكرناها معتمدين على النصوص الصريحة القطعية من كتاب الله مفسرة من السنة فيما يحتاج منها إلى تفسير .
وتركنا ما لم يثبت إلا بأخبار الآحاد كنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ، وكأخبار المسيخ الدجال فإننا وإن كنا نقلبها ولا نردها كما قررنا في صدر كلامنا - لا نضيفها إلى أصل العقيدة الذي يعتبر منكره كافرا .
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
( صفحة رقم 103 )
الفهرس
تقديم صفحة رقم 3 .
الكلمة الجامعة للعقيدة الإسلامية صفحة رقم 7 .
العلم بالأحكم الإسلامية صفحة رقم 11 .
التوحيد صفحة رقم 18 .
التأويل والظاهر والمشتبهات صفحة رقم 29 .
الوحدانية في الخلق والتكوين صفحة رقم 51 .
تعليل أفعال الله تعالى صفحة رقم 61 .
الوحدانية في العبادة صفحة رقم 64 .
لا وساطة بني العبد وربه صفحة رقم 67 .
الخوارق للعادات على أيدي غير الأنبياء صفحة رقم 71 .
زيارة قبور الصالحين صفحة رقم 73 .
شهادة أن محمدا رسول الله صفحة رقم 74 .
الإيمان بالغيب واليوم الآخر والرسل السابقين صفحة رقم 81 .
الإيمان بالغيب هو فرق ما بين الدين والزندقة صفحة رقم 82 .
الإيمان بالرسل السابقين صفحة رقم 85 .
الإيمان بالبعث والقيامة صفحة رقم 89 .
الحياة الآخرة صفحة رقم 92 .
المادية والمعنوية في الثواب والعقاب صفحة رقم 93 .
الشفاعة يوم القيامة صفحة رقم 99 .
رؤية الله تعالى يوم القيامة صفحة رقم 101 .