Advertisement

المرأة الداعية












المرأة الداعية


د. محمد موسى الشريف





دار الأندلس الخضراء








الطبعة الأولى
1426هـ - 2005 م





دار الأندلس الخضراء





قال تعالى : ( و مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في فضل خديجة رضي الله عنها : " إنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه – بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام، فلها مثل اجر ما جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله تعالى ".














شكر وإهداء

إلى الزوج الغالية، المربية الفاضلة، الأستاذة أم علي: بسمة بنت كمال بدوي، اعترافا مني بجميل تضحيتها، وعظيم صنيعها لي طيلة أربع وعشرين سنة قضيناها معاً، قدمت فيها الكثير من جهدها ووقتها، ولا أستطيع مكافأتها بما صنعت، وحسبي أن أدعو لها بالتوفيق والثبات، وأسأل الله تعالى أن يكافئها ويجزل لها الثواب، فيارب إن كنت قد كتبت لي ثواباً من وراء هذا الكتاب فاجعلها لها فيه يارب العالمين .










(

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد :
فإن الكتب التي صنفت للدعوة إلى الله تعالى كثيرة جداً، وهي في أصل وضعها موجهة إلى الرجال والنساء، لكنها تخاطب الرجال أكثر، وتلائم أوضاعهم على وجه أنسب، بينما لا تستطيع المرأة تطبيق جزء – يقل أو يكثر – من هذا الخطاب العام، أو أنه لا يناسبها ابتداءً، وقد رأيت – وأسأل الله تعالى التوفيق – وأن أضع رسالة خاصة بها تلائم أحوالها، وتستطيع تطبيق ما فيها – كله أو أكثر – بحسب ما أوتيت من قدرات، وفطرات عليه من مواهب وملكات، ويحسب أحوال بيئتها ومجتمعها الذي تعيش فيه .

هذا وقد ترسخت فيّ القناعة أن الدعوة بحاجة ماسة إلى المرأة وجهودها الدعوية، وأنه بدون مشاركة فاعلة قوية من قلبها فإن الدعوة لن تتقدم التقدم المرجو، ولن تخطو الخطوات المطلوبة القوية، وستظل عرجاء متعثرة، لذلك على النساء الداعيات المشاركة بقوة في الساحة الإسلامية، لتقويم المسيرة النسائية خاصة والمسيرة الدعوية


عامة، ولهذا كله وضعت هذه الرسالة، وسطرت تلك المقالة، راجياً من الله تعالى أن تسد ثغرة في المؤلفات الدعوية، وتبني لبنة في صرح كتابات الدعوة النسائية، والله تعالى الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين(1).














ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أشكر الأخ الكريم الأستاذ عبد الرحمن بن حلي على إمدادي بعدد من الأفكار اللطيفة من مخزونه الفاخر، وكذلك أمدني بأفكار مهمة من شبكة المعلومات فجزاه الله خيراً




تمهيد

من فضل الله تعالى على الأمة الإسلامية أن بعث فيها الحياة بعد سُبات طويل، وأنشأ فيها روحاً سرت فيها سراية ضياء الفجر في ظلمات الليل؛ إذ أخلدت الأمة الإسلامية إلى الأرض منذ بدايات القرن الحادي عشر، ونست المعاني العلية، ورضيت بالدنايا، وتكالبت عليها الأمم، وانتقص الاستخراب (الاستعمار) أرضها من أطرافها وأوساطها، وإذا بالعالم الإسلامي قد دنس أرضه الكفار إلا بقعاً قليلة منه، واستطاع الكافرون تحطيم الدولة العثمانية واحتلال بيت المقدس ودمشق والقاهرة وبغداد والرباط وتونس وجاكرتا وسمرقند وبخارى وطشقند وحواضر إسلامية كثيرة كانت ملءَ السمع والبصر، وكانت عواصم الدنيا فيما مضى .
وليست هذه هي المصيبة – وإن كانت من الحوادث العظام المفجعة – لكن المصيبة كل المصيبة هي أن الكفار تمكنوا من عقول وقلوب كثير من المسلمين خاصة الذين هم في مواقع التأثير، وغزوا أفكارهم ومعتقداتهم إلى الدرجة التي أصبح معها كثير من المسلمين أذناباً للكفار يرددون أفكارهم ويعجبون بطرائق حياتهم، وهذه المصيبة قد حدثت




لأول مرة في بلاد المسلمين، فكم من مرة استطاع فيها الكافرون السيطرة على بلادهم لكن لم يتمكنوا من عقولهم وقلوبهم، وفي كرة الكافرين الأخيرة تمكنوا- وإنا لله وإنا إليه راجعون – من تغيير كثير من الأفكار والتصورات، وأنشأوا منابر لهم من صحف ومجلات وخطباء، ثم إذاعات مسموعة ومرئية، فكان العالم الإسلامي في أواخر القرن الثالث عشر ومعظم القرن الرابع عشر يعيش أهله في غرفة غريبة، وضيعة عجيبة، وتأثر أفرادهم بالغزو الفكري العسكري أعظم تأثير لم يكن يخطر ببال أعتى الكفرة والملحدين، أما النساء فحظهن من ذلك الغزو الفكري كان أكبر بكثير من حظ الرجال، وذلك أن النسوة قد عشن دهراً طويلاً بمعزل عن حركات الإصلاح والتجديد لعوامل اجتماعية وبيئية، ولغلبة بعض التقاليد التي حالت دون توعيتهن وقيامهن بالمهمة التي ألقاها الشارع الحكيم على عواتقهن، ولتولي كثير من المشبوهات قيادة المجتمع النسائي الغائب عن الإصلاح والمصلحين إلا قليلاً .

وزاد الطين بِلّةً ما وجه إلى حركات الإصلاح من ضربات على أيدي المشبوهين في طول العالم الإسلامي وعرضه، فساد الشارع الإسلامي السفور في المظهر الخارجيّ، والضمور في الدين والأخلاق، وخلت كثير من النساء عن الحياء والخلق القويم والدين، ولقد حدثني أحد العلماء الفضلاء أنه كان يدرس في الثمانينات




الهجرية في إحدى العواصم العربية الكبيرة، وكان يريد أن يُعف نفسه فلم يجد امرأة محجبة حتى أنه كان يطلب امرأة تقبل أن تضع غطاء الرأس (الإيثار) فلم يجد إلا بعد مشقة ومزيد بحث وتنقير.
هذه الفاجعة التي أصابت العالم الإسلامي كان لها أثر سيء في تربية الأجيال الإسلامية التي لا يربيها التربية الصحيحة إلا الأمهات المسلمات الملتزمات العاقلات .
وأنشئت – تحت رعاية الكافرين وأذنابهم – الجمعيات النسائية المشبوهة ذات الصلة بالماسونية واليهودية والصليبية، وأسفرت كثيرات من مدعيات الإسلام والعروبة عن وجههن القبيح، وخلعن ربقة الإسلام من أعناقهن بعد أن خلعن جلباب الحياء والخلق القويم، ولولا أن الله تعالى سخر للأمة الإسلامية نساء صالحات لكان الحال أصعب والخطب أظلم .
ثم إن الله تعالى أتى تعالى أتى الكافرين والمستغربين من حيث لم يحتسبوا، فبزغت شعلة من نار الحياء ونور الإيمان في صفوف المسلمين عموماً النساء خصوصاً، وعادت كثيرات إلى الله تبارك وتعالى ( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ((1)وفوجئ العالم كله


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف آية 21 .



بالعواصم العربية والإسلامية قد ارتدى النسوة فيها جلباب الطهر والعفاف والإيمان، ولم يقتصر الأمر على هذا بل إن جملة وافرة من نساء الطبقات المثقفة والغنية والحاكمة قد ثُبْنَ إلى رشدهن وأصبحن متمسكات بالحجاب والفضيلة والطهر والعفاف، وأنشئت مؤسسات وجمعيات لرعاية المرأة المسلمة والقيام على شؤونها، ووجدت كاتبات مسلمات يعرفن دينهن ويحسنّ الحديث عنه ووجدت نساء مسلمات ملتزمات بدينهن في شتى مجالات الحياة .
بل إن السحر قد انقلب على الساحر؛ إذ أصبحت كثيرات من المسلمات في أوروبا وأمريكا ملتزمات بدينهن وحجابهن، بل إن الله تعالى هدى كثيرا الأوربيات والأمريكيات إلى الإسلام والحجاب، فما أعجب هذا وما أحسنه ما أجمله، ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ((1).
هذا كله كان حديثاً عن النساء اللواتي التزمن هذا الدين في أنفسهن، لكن الإسلام العظيم عندما أراد من أتباعه أن يعمروا الأرض بمنهج الإسلام قد بين لهم أهمية أن يدعوا الآخرين من غير المسلمين إلى التزام هذا الدين العظيم الصحيح وإسعاد حياتهم به،


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النمل، آية 88 .




وأن يرشدوا المسلمين البعيدين عن هذا المنهج إلى الطريق الصحيح، وهذا كله يحتاج إلى جهود هائلة يبذلها كل من أراد المشاركة بعمل عظيم مثل هذا، وهو الذي نسميه "داعية"، فالرجل الداعية-والهاء هنا للمبالغة والكثرة- والمرأة الداعية يقع عليهما عبء ضخم في إيصال كل هذه المعاني السالفة الذكر إلى الناس، ولهما من الأجر – إن شاء الله تعالى – ما يكافئ ذلك الجهد المبذول .
وقد وضع الإسلام إرشادات عامة لهؤلاء الدعاة تعينهم على الإصلاح المنشود، وذكر لهم من الأمثلة، ونوع لهم من الخطاب ما يسعفهم ويساعدهم على السير في دروب الدعوة بحكمة وصبر وتأنٍ، لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح والتوفيق .
وقد حاول أعداء الإسلام إفساد هذا المنهج الإسلامي العظيم، أو التقليل من تأثيره في نفوس أتباعه، وحاولوا وضع العقبات الجسيمة أمام الدعاة إليه ومحاربتهم بوسائل شتى، وطرائق متنوعة، وقد أفلحوا حيناً، وأخفقوا أحياناً كثيرة، ولكن لابد من الإقرار بأنهم نجحوا مرات كثيرة في غزو المجتمعات النسائية، وإفساد كثير من التصورات الأنثوية، واستطاعوا الولوج إلى قلب المجتمعات الإسلامية عن طريق النساء، وذلك لعوامل كثيرة منها على سبيل المثال :

- ضعف الوعي النسائي في القرون الأخيرة .




- إهمال المرأة، والضعف الواضح في تربيتها التربية الإسلامية المناسبة .
- غلبة العادات والتقاليد على المنهج الإسلامي في بعض الأحيان أو الخلط بينهما على وجه غير صحيح .
- قلة عدد النساء الداعيات إلى حد مفزع، واعتماد النساء على الرجال في الدعوة حتى في مجالهن الخاص بهن .
- مناهج التعليم التي لم تراع – في أصل وضعها- تنشئة النساء على حب الدعوة إلى الله تعالى، ونصرة دينه، والقيام في وجه المغرضين وأهل الشهوات والشبهات .
- الخطاب الإعلامي الخطير الأثر المدمر الذي وجه إلى المجتمع الإسلامي عامة والنسائي خاصة منذ بداية القرن الفائت، كل ذلك وغيره أدي إلى نجاح أعداء الإسلام في الولوج إلى المجتمعات النسائية بقوة وتكوين قيادات نسائية معادية للمنهج الإسلامي أو أنها مهملة له لا تلتفت إليه لا على المستوى السلوكي الشخصي ولا على المستوى الفكري الثقافي، واستتبع ذلك جر كثيرات من النساء إلى حبائل أعداء الإسلام ليصبحن متكلمات باسمه، عاملات على تحقيق أهدافه من حيث يدرين أو لا يدرين، ولا فرق فالنتيجة واحدة في كلا الحالين .






لهذا كله كان لابد من إعداد داعيات في صفوف النساء يتمتعن بمزايا تؤهلهن لخوض هذه المعركة الصعبة، ولا بد من هذا ولا مناص عنه، وكل الخلل الذي نجده في المجتمع النسائي اليوم إنما يعود لأسباب على رأسها قلة عدد الداعيات الموفقات الجيدات اللواتي يستطعن الحركة الايجابية الجيدة الواسعة التأثير في مجتمعهن، أو ندرتهن في بعض المجتمعات، لذلك نرى – مثلا – أن أكثر المحاضرات الخاصة بالنساء يلقيها رجال، وفي هذا ما فيه من ضعف التأثير وقلة ملامسة النقاط المهمة التي تتطلع المرأة إلى مناقشتها .
وهذا لا يعني أني أغمط النساء حقهن، ولا أقلل من جهودهن، بل أنظر إلى ما يعلمه بعضهن بإكبار كبير، وما أحسن قول الدكتورة رقية المحارب –حفظها الله- في هذا الصدد :

"في صفوف النساء يبتهج القلب بجهود رائعة في الدعوة إلى الله تزخر بها الساحات، فمن أنشطة في المؤسسات التعليمية، إلى إطلالة متميزة في عالم القلم والصحافة، إلى جهود محتسبة في تعليم القرآن، ومحاضرات ودروس تشهد إقبالاً كبيراً، وملتقيات قوية تقوم بها مؤسسات دعوية رائدة"(1).
وهذا رأيي وما أذهب إليه، لكني إنما سطرت ما سطرت إكمالاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رؤية مستقبلية للدعوة النسائية : المقدمة .



للجهد وسداً للثغرة ، وتداركاً للنقص، وتسديداً لما قد يكون من عوج .
وتقارن الدكتورة – حفظها الله تعالى – بين الجهود الحثيثة للعلمانيات والمتحررات ومن لفّ لفهن وصنع صنيعهن وبين جهود الإسلاميات والعاملات فتقول :
" المتأمل للدعوة النسائية يجدها في بداياتها إلا أنها قفزت قفزات كبيرة، ففي الحين الذي سبقتها الحركات النسوية الليبرالية – أي المتحررة – المدعومة من قوى عظمى لا تخطو تلك الحركات خطوها المؤمل منها في كثير من البلاد الإسلامية ... بينما المتابع للمناشط الإسلامية الدعوية يجد الإقبال الكبير عليها رغم ضعفها من حيث التنظيم والتنظير مع ضعف الحصيلة العلمية والقدرة الخطابية ... "(1) .

ويستطيع المتابع رصد الظواهر التالية في صفوف النساء :
1- انتشار الحجاب بعد سفور طويل في أكثر الدول العربية والإسلامية .
2- وجود نسوة صالحات مثقفات تولين الرد على المفسدين، وألّفن كتباً وألقين محاضرات، وسعين إلى تقليص الفساد الفكري


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق .



النسوي ومحاصرته في أطر ضيقة، وقد كان هذا المجال محصوراً في الرجال فيما مضى، وقلما كانت امرأة تفهم دينها وتدفع عنه على هذا النحو الذي وجد بعد ذلك .
3- برزت نسوة داعيات إلى الله تعالى تولين قيادة المجتمع النسوي إلى الصلاح والرشد والهداية .
4- كونت مؤسسات وجمعيات نسائية تُعنى بشؤون النساء وترعى أحوالهن بمقتضى أوامر الشرع المطهر، وقد انتشرت تلك الجمعيات والمؤسسات في طول البلاد الإسلامية وعرضها، وذلك نحو مدارس تحفيظ القرآن الصباحية والمسائية، ولجان وجمعيات البر والإغاثة، ونحو ذلك .
5- استطاعت بعض النسوة دخول البرلمانات العلمانية، وتولين الدفاع عن الإسلام ورفع رايته ودحض النسوة المفسدات ومشاريعهن التي كُن ينشرنها في البرلمان بلا رادع ولا حياء، وأمر مشاركة النسوة في البرلمانات ومجالس الشعب قد اختلفت الأنظار فيه، وتُكلم فيه حِلاً وحرمة، وأنا – هنا – لا أتحدث عن الحكم الشرعي، وإن كان الذي أميل إليه هو بقاء المرأة خارج تلك المجالس المختلطة، لكني أقول إن وجودها قد يكون مهماً في بعض البلاد الإسلامية، وتلك ضرورة تقدر بقدرها




لا يتوسع فيها ولا يقاس عليها، وإنما قلت هذا حتى لا تنفرد النساء المفسدات بتمثيل النساء المسلمات في بعض البلاد العربية والإسلامية، والله أعلم .
6- ظهرت أنشطة نسائية جيدة تهتم بالمراهقات والفتيات والنساء لم تكن ظاهرة من قبل مثل المراكز الصيفية والدائمة، والمهرجانات، والأسواق الخيرية، والمعروضات الخيرية والإغاثية، والأسواق التي تعرض المنتجات التربوية، وغير ذلك من الأنشطة التي كان لها أثر واسع في نشر الخير والهدى والتقى والصلاح .
وهذا كله من المبشرات بانتصار الإسلام وبغلبة أهل الحق إن شاء الله تعالى .
وفي هذه الرسالة سأعمل على ذكر بعض المعالم المساعدة للمرأة الداعية لتدعو إلى الله، وسأعمل على اقتراح حلول بعض المشكلات التي تعترضها في مسيرتها، وأناقش جوانب تعمل على تسديد مسيرتها، وأحذر من بعض المزالق التي تنزلق إليها(1) بقدر الوسع والطاقة، وبما أعلم من حال النساء الداعيات على مدار العشرين سنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سأذكر كل ذلك بإيجاز؛ إذا تصلح كثير من الموضوعات التي طرقتها أن تناقش في رسالة مستقلة وليس من غرضي التطويل؛ إذ أريد من هذا الكتاب أن يصير – إن شاء الله تعالى – مرجعاً للداعيات ومرشداً لهن، والله الموفق .




الأخيرة بل أكثر، ولقد عملت من ذلك الكثير – الذي يمكنني من المناقشة والتسديد – وإنما ذكرت هذا لئلا يعترض علي معترض ويورد علي أنني أجهل حال النساء فكيف أؤلف في أمورهن، ولو أنني وجدت رسالة مناسبة تناقش ذلك كله على وجه مناسب لما أقدمت على الكتاب جريا مني على عادتي في عدم الكتابة في موضوع سبقت الكتابة فيه على وجه مُرْضٍ، لكني قدرت أن الموضوع لم ينل حقه من التمحيص، ولم يحظ بالمطلوب من التدقيق والتحرير، فأقدمت على الكتابة، وتأليف هذه الرسالة، والمجال مازال بعد مفتوحاً على مصراعية للكتابة لكن بشرط البعد عن التعميم، وملامسة القضايا ملامسة عملية مباشرة، لأن القواعد النظرية كثيرة، والعملية نادرة أو قليلة، ونحن بحاجة إلى الأمور العمليات أكثر من حاجتنا إلى النظريات والعموميات .
وهذه الرسالة موجهة لكل داعية من النساء أو من ترغب في أن تؤدي واجب الدعوة، وتتشرف بحمل رسالة الإسلام إلى الأخريات، يعني أن المرأة الداعية هي المخاطبة بهذه الرسالة، وهي المرجوة من هذه المقالة، وكذلك كل من تتمنى أن تنضم إلى هذا العقد الطاهر، وتسلك في هذا النظم الباهر، والله الموفق .


******



معالم تهتدي بها الداعيات

هناك معالم في طريق الدعوة قد تفيد معرفتها والأخذ بها أخوتنا الداعيات، وتعظم من أثر دعوتهن وهي كثيرة لكني أعرج على بعضها لما أرى لها من أهمية في هذا العصر الذي قد بلغت الأمور فيه درجة من التعقيد والتشابك مما يحتاج معه إلى نظر فاحص وروية في تناول الأمور، ومعرفة للمسالك المؤدية إلى الوصول إلى الغاية والهدف بأقصر وأحسن الطرق، فمن تلك المعالم الهاديات :

1- تنسيق العمل النسائي وترتيبه :
هنا بلاد إسلامية فيها عمل نسائي منظم قوي، له ضوابط وقواعد، وهيكل وعوايد، ومثل هذا العمل تكون المرأة الداعية فيه لبنة من بناء، وجزءاً من كل، فهذه تكمل عمل تلك، وواحدة تدفع عن الأخرى وتقوم مقامها إن قامت الحاجة لذلك في ظل تخطيط محكم وتنسيق منضبط، بعيد عن العشوائية والفوضى والعفوية والمزاجية التي تقتل العمل .

وأما البلاد التي ليس فيها مثل ذلك التنظيم والتنسيق فإنه قد يعسر على المرأة فيها الاستمرار في دعوتها على وجه قوي منضبط، وقد



تشعر أنها مثل جزيرة منقطعة في محيط ضخم، وهذه الداعية قد تبدأ في دعوتها وجهدها لا عند انتهاء جهد الأخريات بل تبدأ من حيث بدأن، ليس هذا من جهل بأصول الدعوة لكنها جهلت أعمال الأخريات وجهدهن، وذلك بسبب عدم وجود عمل دعوي مرتب منظم يأخذ بعضه بحجز بعض، ويوصل بعضه إلى بعض، ويظل في تصاعد تراكمي إلى أن يؤتي أكله وينضج ثماره، والحل في مثل هذه المشكلة أن تتداعى الداعيات إلى ترتيب العمل فيما بينهن وينسقنه وينظمنه حتى ينفع الله تعالى بجهدهن على وجه جيد متكامل، ويمكن للمؤسسات الخيرية أو الدعوية أو التربوية أن تبتدئ مثل هذا الترتيب والتنسيق، وتدعو الداعيات إلى الانتظام في هذا السلك المبارك .

ولا بأس أن يساعد الرجال النساء في وضع بذور العمل المؤسسي المنظم فإنهم أسبق إلى هذا وأعرف به، وأكثر ضبطاً وممارسة .

ولقد وجدنا من الآثار النافعة لترتيب العمل النسائي في البلاد العربية والإسلامية ما يشجع على سلوك هذا المسلك، ودخول هذا المعترك، فالهجمة على النساء المسلمات عظيمة، وجهود الأعداء لإفسادها هائلة، ومعظم تلك الجهود تنبعث من تنظيم قوي وتكتل متكامل يساعد بعضه بعضاً، فكيف نواجه ذلك بجبة مفككة – هذا إن صح أن يطلق على العمل النسائي غير المرتب جبهة – ونفسيات


محبطه ، ولا يوجد شيء قوي يشد من أزر النساء العاملات الداعيات ، فيبصرون به الضياء القادم والأمل المنتظر .

وترتيب العمل النسائي وتنسيقه ضامن لإيصال الدعوة إلى كل المجتمعات النسائية ولا يترك العمل معلقاً بالأفكار الفردية والمشروعات التي تبدو من هاهنا وهاهنا ، ومثال على ذلك أن العمل المؤسسي المنظم لا يغفل التجمعات الصغيرة ليراعي الكبيرة ، ولا يترك دعوة الجماهير ليهتم بالخاصة ، ولا يركز على الخاصة تركيز ينسيه العامة ، ويضبط العلاقة بين الكم والكيف ، ويوازن بين متطلبات العقل والروح ، وهذا قد يفوت العاملات بدون تخطيط ولا تنسيق ، وهكذا ...

وترتيب العمل النسائي وتنسيقه وتنظيمه ضامن لتأسيس عبادة الشورى ، وتحقيق الطاعة والانضباط , والمشاهد أن العمل النسائي اليوم يفتقد لذلك كلاً أو جزءاً ، وهذا يرجع إلى عدم وجود عمل نسائي منسق منظم , ولقلة الرموز النسائية الواضحة المتميزة اللواتي يهرع النساء إليهن ويلتففن حولهن ، ويأخذن بإرشاداتهن وتوجيهاتهن فيكثر الخلاف تبعاً لهذا ، وتقل بركة العمل أو تنمحق, والعياذ بالله .





وترتيب العمل النسائي وتنسيقه وتنظيمه يتجاوز عقبة مهمة تعاني منها بعض الداعيات , وهي عدم تجاوب بعض الداعيات معها في همها الدعوي , وانشغالهن بأمور مرجوحة مفضولة , وهذه عقبة يمكن أن تقضي على جهد الداعية وحماسها وانطلاقها , فإن اندرجت في عمل مؤسسي منظم تجاوزت هذه العقبة ، وشعرت بتعاون أخواتها معها ومساعدتهن لها ومؤازرتهن .

وقد تقع بعض الداعيات في فخ إنكار العمل المنظم المؤسسي بدعوى أنه بدعة أو غير مشروع – كما يريد ذلك بعض من قل علمه وفقهه – فلا تلتفت إلى هذا، ولتحذر من ترداد هذا فليس شيء مقعد ومحبط للهمم مثل هذا القول، وليس المجال هنا مجال إثبات مشروعية العمل الجماعي فقد تكفلت بذلك كتب عديدة وأبحاث مفيدة، لكني إنما أنبه أخواتي من الانزلاق إلى هذه الهوة السحيقة، والطريقة العميقة، وليعتبرن بحال من قال بهذا القول السقيم وكيف صار حاله وعمله، فقد اكتفى من العمل بالكلام، واعتذر عن قعوده وضعفه بترداد مثل تلك الأقوال، والله المستعان .

2- استغلال زمان الحرية والأمن :
هناك بلدان عربية وإسلامية وعالمية تتمتع بقدر لا بأس





به من حرية الدعوة إلى الله تعالى، وهناك بلدان ابتليت بتضييقات لا حد لها، والله تعالى يبتلي من شاء بما شاء سبحانه، لكل أفعاله حكمة جل جلاله، فمن كانت من النسوة الداعيات في بلاد تتمتع بحرية العمل والانطلاق فإنه ينبغي لها أن تنتهز هذه الفرصة للعمل على التمكين لدين الله تعالى ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وبكل الوسائل المتاحة، وذلك للأسباب التالية :
أ- شكر النعمة :
إن دعوة الداعية وانطلاقتها تعد من جملة شكر نعمة الله تعالى عليها أن أمكنها، ومهد لها قلوب العباد؛ إذ كم من امرأة مسلمة صالحة عاملة تشكو إلى الله تعالى من تسلط الطغاة والظلمة في بلادها، والذي وصل بهم الحال – كما في تونس – إلى منع الحجاب في المدارس والجامعات وأماكن العمل، فلا تكاد تشاهد في تلك البلاد المبتلاة امرأة محجبة، فالداعية التي تعيش في أماكن كهذه يعسر عليها أمر الدعوة جداً، بل قد تكون تفكر في كيفية تدبير أمر نفسها ومن يلوذ بها من بناتها وأقاربها وحسب، وإنا لله وإنا إليه راجعون، كيف حدث هذا في بلاد الإسلام؟! فالداعية في بلاد آمنة عليها أن تشكر نعمة الله عليها وتقوم على الدعوة خير قيام .
ب- مسابقة تغير الزمان :
فإن الزمان دائم التحول، والأحوال سريعة التقلب، والعرب




تقول : الدهر حُوَّلٌ قُلِّبٌ، أي يتحول ويتقلب بأهله، ولا يدري أحد أتطول مدة الأمن والأمان والحريات المفسوحة في بلد ما أم تقصر، فلهذا كان لزاماً على الأخوات الداعيات فهم هذه المسألة، والمسارعة إلى الدعوة والعمل قبل أن يدهمهن ما لم يكن في حسبانهن .
والتأخر والنكوص في زمن يمكن فيه الإقدام قد يورث غصة وأية غصة حين تذكر ذلك في زمن المحن والتضييق، وأخشى أن تقع بسببه مساءلة للعاملين بين يدي رب العالمين، وأمريكا أقرب مثال على ما أريد بيانه، فقد كانت هي البلاد المثالية في حرية الدعوة والعمل والتحرك، فلما ابتلى الله المسلمين في تلك البلاد بما ابتلاهم به صاروا يتحسرون على الأيام الخوالي التي لا أتوقع – والله تعالى أعلم – أن تعود أبداً لما كانت عليه .
فالعاقلة إذاً هي من تسارع للدعوة ولتمكين دين الله في الأرض قبل تغير الزمان وفساد الأحوال .
ج- تأسيس الهيئات والجمعيات الإسلامية العالمية والمشاركة الجيدة في القائم منها :
إن من تعمل في بلاد يتمتع أهلها بالحرية والأمن تستطيع هي وأخواتها أن تنشئ المؤسسات والهيئات والجمعيات النسائية القوية الفعالة التي يكون لها أثرها القوي ليس فقط في بلادها بل قد يتعدى



إلى بلاد إسلامية كثيرة، وقد رأينا هذا في البلاد الأوربية وأمريكا يجري على نحو مما أريد وأتطلع إليه على تقصير في ذلك وتفريط ورأينا هذا في الكويت حيث أنشئت فيها مؤسسات إسلامية نسائية دعوية واعدة، ورأينا هذا في السعودية في القسم النسائي في ( الندوة العالمية للشباب الإسلامي ) التي نفع الله كثيراً ولله الحمد، ولها فروع في أنحا العالم، وهناك هيئة جديدة واعدة وهي ( الهيئة العالمية للمرأة والطفل ) وهي إحدى هيئات رابطة العالم الإسلامي، نعم هي نبته جديدة لكن يُرجى أن يكون لها أثر قريباً إن شاء الله.

فيا حبذا أن تسارع الأخوات المستطيعات اللواتي يساعدهن الزمان وتسعفهن الأحوال إلى إنشاء مثل هذه الهيئات والجمعيات ذوات الأثر البالغ النافع .

أما القائم من تلك المؤسسات الإسلامية فينبغي الاستفادة منه وضبط توجهه الإسلامي، والتنسيق بين تلك المؤسسات وأن يكمل بعضها بعضاً أمر مطلوب بقوة في هذا العصر الصعب، وذلك من خلال إقامة مؤتمرات مشتركة ولقاءات لتنسيق المواقف والاستفادة من الخبرات المتنوعة .

ومن أحسن أوجه الاستفادة من هذه المؤسسات هو توجيه النساء والفتيات إلى المشاركة في أنشطتها، والعمل من خلالها، والأمر الذي


يعاني منه الدعاة هو قلة وجود المحاضن المناسبة الملائمة، فلو أُحسن ضبط الأقسام النسائية لتلك المؤسسات القائمة لأتت بأحسن الثمار في هذا الأمر المهم، ولوجد المحضن الجيد الذي يرعى العمل النسائي الدعوي ويحميه ويسدده .
د- إعداد الداعيات :

إن البلاد الآمنة المطمئنة يمكن فيها إعداد مجموعات كبيرة من الداعيات يتعدى أثرهن إلى العالم كله، وقد كنت في محاضرة نسائية في السودان فقلت لأخواتي : إن عليكن عبئاً كبيراً في إيصال الدعوة الإسلامية ليس إلى أنحاء السودان الشاسعة فقط بل إلى كثير من بلاد إفريقيا السوداء فهذه فرصة عظيمة للتحرك والانتشار، والأمور مواتية إلى حد كبير، فالدعوة حرة آمنة، والفرص لا تكاد تحد ولا تنقطع فماذا تردن أكثر من هذا؟!.

وإعداد داعية جيدة موفقة خير من دعوة الجم الغفير من العاميات – وفي كل خير – وهذه الداعية سيكون لها أثر كبير في بنات جنسها، وسيهدي بها الله تعالى ويفتح بها قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، ولا يضايقني شيء مثل خلو البرامج الدعوية النسوية من إعداد الداعيات، وحبذا لو كان هناك معهد متخصص في كل بلد لإعداد الداعيات فسيكون له أثر عظيم .




هـ- انتهاز الفرص :
والمجتمع الآمن الحر مليء بالفرص الرائعة، وحري بالداعية أن تنتهزها وتستغلها لصالح دعوتها، فمن تلك الفرص – وهي كثيرة:
1- طرق أبواب الجمعيات والمنتديات النسائية؛ فهي مفتوحة
على مصراعيها للعاملات المجتهدات المبتكرات .
2- إيصال الدعوة إلى المشاغل النسائية – وهي كثيرة – والأندية الرياضية، والأسواق التجارية، والمنتزهات العامة، عن طريق توزيع الأشرطة والكتيبات، أو الوعظ المباشر، أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر .
3- العناية بالعمل في القرى والأرياف، فأهلها مازال كثير منهم على فطرة حسنة .
4- المشاركة في حملات الحج والعمرة الكثيرة واستغلال هذه الرحلة الإيمانية استغلالاً موفقاً جيداً فكم هدى الله تعالى فيها من أناس .
5- إقامة فروع نسائية لمكاتب دعوة الجاليات تتولى العناية بالنساء الكافرات ومحاولة هدايتهن .
6- المشاركة في مراكز الأحياء في أقسامها النسائية .
7- إنشاء المتاحف الإسلامية، والمعارض التاريخية التي تركز على إظهار حضارة الإسلام ورد الشبهات التي يثيرها عليه خصومه .


8- فتح مكاتب استشارية للأسرة وإصلاح ذات البين .

وهناك فرص كثيرة قريبة من الأخوات الداعيات، وما ذكرته مثال، وفي ثنايا الكتاب أمثلة أخرى، والفرصة إن لم تنتهز فهي غُصّة، وتورث الندامة والحسرة، وأورد هاهنا ثلاثة مواقف توضح ما أريد – على وجازتهما – في مسألة انتهاز الفرص .

الموقف الأول :
" امرأة فاضلة وداعية موفقة أدخلت المستشفى، ورغم ما لها من وجاهة ونسب إلا أنها رفضت أن تكون في غرفة مستقلة وقالت : أبقى مع المريضات في غرفة مشتركة حتى أدعوهن، وكان لها ذلك، فتوطدت علاقتها بالمريضات، ودعتهن إلى الأخذ بالأسباب والتوكل على الله – عز وجل – وأوضحت لهن في أيام ما لا يستطيع غيرها في شهور لقرب المكان وكثرة الفراغ "(1) .

الموقف الثاني :
" امرأة إذا ذهبت إلى الحرم المكي أو المسجد النبوي بذلت نفسها لتعليم المسلمات أمور دينهنَّ، وحثهنَّ على الحجاب الشرعي، إحداهن رأت مجموعة من الفتيات من دولة عربية كاشفات الرأس وعندما سألت عن الشابات بهذه الصورة، قلن لها : " نحن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " كيف أخدم الإسلام " : 23 .



عضوات فريق الطائرة في بلد ... وأتينا للعمرة " عندها بدأت الموفقة في الدعوة إلى الله – عز وجل – فما خرجت حتى تحجب بعضهن وقد رأيت رسالة من إحدى للاعبات التمسك بالحجاب والستر والعفاف !

فانظر – أخي القارئ – إلى الأثر الكبير، والتحول السريع من لاعبات كرة طائرة سافرات كاشفات، إلى متحجبات متسترات "(1).

الموقف الثالث :
وهذه امرأة فرنسية انتهزت فرصة مناسبة لتدعوا امرأة مصرية مسلمة إلى الله عندما وجدتها تتهاون بحجابها، وهذه قصتها كما ينقلها الأستاذ محمد المسند حفظه الله، حيث قال :
" سوزي مظهر، لها أكثر من عشرين عاماً في مجال الدعوة إلى الله، ارتبط اسمها بالفنانات التائبات، وكان لها دور دعوي بينهن روت قصة توبتها فقالت :
" تخرجت من مدارس ( الماردي دييه ) ثم في قسم الصحافة بكلية الآداب . عشت مع جدتي والدة الفنان ( أحمد مظهر ) فهو عمي .. كنت أجوب طرقات حي الزمالك، وأرتاد النوادي وكأنني أستعرض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق .




جمالي أمام العيون الحيوانية لجائعة، بلا رحمة تحت مسميات التحرر والتمدن، وكانت جدتي العجوز لا تقوى عليَّ، بل حتى أبي وأمي، فأولاد الذوات هكذا يعيشون كالأنعام، بل أضل سبيلاً، إلا من رحم الله عز وجل ".

وتضيف :
" حقيقة كنت في غيبوبة عن الإسلام سوى حروفه وكلماته، لكنني برغم المال والجاه كنت أخاف من شيء ما .. أخاف من مصادر الغاز والكهرباء؟! وأخشى أن يحرقني الله جزاء ما أنا فيه من معصية، وكنت أقول في نفسي؛ إذا كانت جدتي مريضة وهي تصلي، فكيف أنجو أنا من عذاب الله غدا؟، فأهرب بسرعة من تأنيب ضميري بالاستغراق في النوم أو الذهاب إلى النادي ".

وتقول :
" وعندما تزوجت، ذهبت مع زوجي إلى فرنسا لقضاء ما يسمى بشهر العسل، وكان مما لفت نظري هناك، أنني عندما ذهبت للفاتيكان في روما، وأردت دخول المتحف البابوي فأجبروني على ارتداء البالطو أو الجلد الأسود على الباب، هكذا يحترمون ديانتهم المحرفة، وهنا تساءلت بصوت خافت : فما بالنا نحن لا نحترم ديننا؟!.




وفي أوج سعادتي الدنيوية المزيفة، قلت لزوجي أريد أن أصلي شكراً لله على نعمته، فأجابني : افعلي ما تريدين، فهذه حرية شخصية!. وأحضرت معي ذات مرة ملابس طويلة وغطاء للرأس ودخلت المسجد الكبير بباريس فأديت الصلاة، وعلى باب المسجد أزحت غطاء الرأس، وخلعت الملابس الطويلة، وهممت أن أضعها في الحقيبة وهنا كانت المفاجأة! ".

تقول :
" اقتربت مني فرنسية ذات عيون زرقاء لن أنساها طوال عمري، كانت ترتدي الحجاب .. أمسكت يدي برفق وربتت على كتفي، وقالت بصوت منخفض : لماذا تخلعين الحجاب؟ ألا تعلمين أنه أمر الله؟!؛ كنت أستمع لها في ذهول، والتمست مني أن أدخل معها المسجد بضع دقائق، حاولت أن أفلت منها لكن أدبها الجم وحوارها اللطيف أجبرني على الدخول ...

سألتني : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ أتفهمين معناها؟ إنها ليست كلمات تقال باللسان، بل لابد من التصديق والعمل بها .

لقد علمتني هذه الفتاة أقسى درس في الحياة، اهتز قلبي وخضعت مشاعري لكلماتها، ثم صافحتني قائلة : انصري يا أختي هذا الدين ".


تضيف :
" خرجت من المسجد وأنا غارقة في التفكير لا أحس بمن حولي، ثم صادف في هذا اليوم أن صحبني زوجي في سهرة إلى ( كباريه )، وهو مكان إباحي يتراقص فيه الرجال مع النساء شبه عرايا، ويفعلون كالحيوانات، بل أن الحيوانات لتترفع من أن تفعل مثلهم؛ يخلعون ملابسهم قطعة قطعة على أنغام الموسيقى .. كرهتهم، وكرهت نفسي الغارقة في الضلال؛ لم أنظر إليهم، ولم أحس بمن حولي، وطلبت من زوجي أن نخرج حتى أستطيع أن أتنفس".

عدت إلى القاهرة، وبدأت أولى خطواتي للتعرف على أحكام الإسلام، وعلى الرغم مما كنت فيه من زخرف الحياة الدنيا إلا أنني لم أعرف الطمأنينة والسكينة، ولكني أقترب إليها كلما صليت وقرأت القرآن، واعتزلت الحياة الجاهلية من حولي، وعكفت على قراءة القرآن ليلاً نهاراً، وأحضرت كتب ابن كثير وسيد قطب وغيرهما ".

وتقول :
" كنت أنفق الساعات الطويلة في حجرتي للقراءة بشوق وشغف، قرأت كثيرا، وهجرت حياة النوادي وسهرات الضلال، وبدأت أتعرف على أخوات مسلمات، ورفض زوجي في بداية الأمر بشدة حجابي واعتزالي لحياتهم الجاهلية، لم أعد أختلط بالرجال، من الأقارب



وغيرهم، ولم أعد أصافح الرجال الأجانب، وكان امتحاناً من الله، لكن أولى خطوات الإيمان هي الاستسلام لله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلي مما سواهما، وحدثت مشاكل كادت تفرق بيني وبيت زوجي، ولكن الحمد لله، فرض الإسلام وجوده على بيتنا الصغير، وهدى الله زوجي، وأصبح الآن خيرا مني، داعية مخلصا لدينه، أحسبه كذلك ولا أزكي على أحدا ".
لقد عرفنا طريق الهدى من الظلال(1).


3- كيفية طرق الموضوعات الحساسة :
إن الداعية الحصيفة العاقلة هي التي تعرف كيف ومتى تتحدث عن الموضوعات الحساسة المهمة في مجتمع ما، ذلك أن خطابها مع الناس قد يخفق ويتعثر ما لم تراع هذه القضية، وإنما قلت هذا لأن عدداً من الداعيات يطرقن الموضوعات ذوات الحساسية طرقهن للموضوعات الأخرى، وبعضهن يجهزن برأيهن في مجتمع قد لا يوافقهن على هذا الرأي، وبهذا يخسرن جملة من النساء كان يمكن مدارتهن بأحسن من هذا الصنيع، مثال هذا كثير، أجتزئ منه التالي :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب "العائدات إلى الله" .




أ- بعض الداعيات يرين رأياً فقهياً معيناً يستقينه من مدرسة فقهية معينة، فيظللن يصدعن بهذا الرأي على وجه لا يراعين فيه ما تراه المخاطبات من آراء أخرى تسود في مجتمعهن، فمثل هذا لا ينبغي، وقد يحدث فتنة، ومثال على هذا بعض الداعيات اللواتي يرين كشف الوجه وأنه جائز فيذكرن رأيهن هذا في مجتمع لا يرضى عن غطاء الوجه بديلاً، ولا يلتفت إلى من يقول بغيره، فصدع الداعية برأيها ذلك المجتمع مما لا يعد من الحصافة بحال، ولا من اللباقة بوجه، بل تحتفظ به لنفسها ولمن يساعدنها على هذا ويرينه.

وليس هذا من التذبذب بحال، ولا من كتمان الرأي والاتجاه، بل هو من مراعاة الحال، والحكمة التي أمر الله تعالى بها في قوله : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ((1) والحق ظاهر، ومذاهب العلماء معلومة، وليس في الأمر كتمان مذموم .

ب- وبعض الداعيات لها توجه دعوي أو فكري معين لا يقبل به مجتمع ما، نعم إن توجهها هذا موافق للشرع غير مخالف له لكنه قد يكون غريباً على المجتمع في بعض جوانبه، فينبغي والحالة هذه – ألاّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل آية 125 .


تجاهر به وألا تطرق منه إلا ما كان موافقاً للمجتمع، غير غريب فيه، ولتصدع به بين قريناتها الموافقات لها فهو أحكم وأجدر، وأوفق لدعوتها، وأدعى لجلب القلوب إليها، ودوران النساء حولها، وهذا من جملة الحكمة المأمورة بها :

( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (
والتي من تزينت بها تزينت بشيء عظيم :
( يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ((1).

ج- هناك موضوعات ذات طابع سياسي لا يحسن أن تطرق في كل وقت، وقد لا يحسن أن يُتبنى فيها رأي من الآراء في بعض الأحيان فتترك ولا تطرق، وإن سئلت عنها الأخت الداعية فعليها أن تتخلص بلباقة وذكاء، وهذا لأن إجابتها والإدلاء برأيها في هذه الموضوعات أمر قد لا يحمد عقباه، فلا ينبغي للأخت الداعية أن تسارع للحديث عن قضية تشغل بال الكثير في الساحة حديثاً سطحياً غير موثق ولا مدلل عليه، فهذا ينقص من قدرها، ويطعن في مصداقتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 269 .




4- تحصيل الشهادات العليا :
هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر التخصص في كل شيء، وهو عصر الشهادات العلمية الموثقة، وقد كان بعض مشايخنا يقولون لنا : اعتنوا بطلب الشهادة لأنها هي التي تعبد الطريق لكم إلى عقول الناس وربما قلوبهم، وقد حصل عدد كبير من الرجال على شهادات عليا في مجالات متعددة، منها المجال الشرعي والدعوي، لكن نصيب المرأة من كل ذلك مازال محدوداً مقارنة بالرجال، وعلى أنهن قد بدأن يسلكن الطريق الصعب الشاق مؤخراً على وجه لا بأس به، وإنما أريد من حديثي عدة أمور هي :
أ‌- الشهادة العليا هي الشهادة الجامعية التي قد حازتها نسوة كثيرات، ثم شهادة الماجستير والدكتوراة التي قد حازتها قليل من النساء الداعيات .
ب‌- يفضل للمرأة الداعية أن تسلك سبيل التخصصات الشرعية أو الدعوية، على أن المجتمع بحاجة إلى كل التخصصات، لكن أثر التخصصات الشرعية والدعوية أقوى وأوقع في النفوس، لكن لا يعني هذا أن المرأة التي تخصصت في العلوم الطبيعية لا أثر دعوياً لها، كلا فكم رأينا من داعيات طبيبات أو ذوات تخصص علمي محض كان لهن أثر كبير في مجتمعاتهن لكني أقول إن التخصص الشرعي أو الدعوي قد يفيد المرأة في كثير من المجتمعات أكثر من غيره .




ج- على المرأة الداعية أن تدرك أن سلوكها طريق الشهادة العليا له ثمن باهظ وضريبة موجعة خاصة إن كانت ذات زوج وأولاد، وإن كانت موظفة فقد تضاعف عليها الحمل الثقيل، وإنما قلت ذلك لأنني أريد من التي تسلك هذا الطريق أن تكون ذات همة عالية وجهد كبير لئلا تقف وتعجز في أثناء الطريق، ولئلا تترك دعوتها في سبيل هذه الشهادة فإن فعلت فكأنها لم تصنع شيئاً، وبعض الأخوات الداعيات قد يسلكن هذا الطريق من أجل الحصول على شهادة فقط، ويتركن الجد والاجتهاد في تحصيل المواد على وجه جيد مناسب بحجة الدعوة وبحجة البيت والأولاد، وينتج هذا المسلك قصوراً وضعفاً في التحصيل الشرعي أو الدعوي أو العلمي، فكيف تستطيع الداعية بعد ذلك أن تتصدر المجالس وتزعم أنها متخصصة في الشريعة أو الدعوة بينما هي لم تحصَّل إلا الحد الأدنى الذي حصلت به على الشهادة؟!.

وقد سمعنا عن نساء حصّلن أعلى الشهادات لكنهن لم يكن على مستوى جيد من الفهم والقدرة على الاستفادة من هذه الشهادة، وبعضهن يُسألن عن مسائل في الشريعة التي تخصصن فيها وقد تكون هذه المسائل من بدهيات العلم – فلا يستطيع الإجابة، وكل ذلك مرده إلى ضعف التحصيل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة : آية 269 .



د‌- حيازة الشهادة لا تعني الانقطاع عن التحصيل :
إذا الشهادة العليا تمكن من مفاتح العلوم، ويبقي بعد ذلك المراجعة والقراءة المستمرة، والاطلاع الجيد لتحافظ المرأة على ما نالته من علوم وحازته من قواعد الفنون. وكم يمعنا عن متميزات فقدن تميزهن بسبب انقطاعهن عن الدرس والتحصيل بعد الشهادة الجامعية، فاجتمع عليهن ضياع الزمان الطويل الذي بذلنه في سبيل تحصيل الشهادة مع ضعف الحصيلة العلمية، فكأنهن لم يصنعن شيئاً .

5- المبادرة إلى التأليف :
من المناسب أن تبادر الداعيات صاحبات القدرة على الكتابة بلغة رصينة سليمة وأسلوب سلس أن يبادرن إلى التأليف في الموضوعات التي تهم عامة النسوة وخاصتهن، وذلك لأن مساهمة المرأة الداعية أقدر على تلمس مواطن الحاجة لو أحسنت التأليف فيها .

وهناك جملة من الرسائل العلمية الشرعية والدعوية لعدد من النسوة الداعيات في عدد من الجامعات لكنها لا تزال حبيسة الأرفف تنتظر من يمد إليها يداً حانية حتى ترى النور .





والمرأة الداعية يجدر بها أن تتدرب على الكتابة عن طريق تأليف المطويات والنشرات أولاً التي تحتاجها المرأة في الموسم كالحج ورمضان، وكذلك بعض المطويات والنشرات التي تعالج عدداً من المشكلات النسائية المتنوعة .

وما أحسن أن تكتب المرأة الداعية ذكرياتها وتجارتها الدعوية في مصنفات تتركها معلماً وضياء لبنات جنسها تساعدهن على تحمل مشاق الدعوة والصبر عليها .

ولا أرى أن تكتب الداعية إلا إن بلغت حداً مناسباً من التجربة والعلم والسن المناسبة بالثلاثين فما فوق، والله الموفق .

6- امتلاك القدرة الخطابية :
هناك داعيات كثر يحسن الحديث مع الأخريات، ويستطعن المناقشة على وجه لا بأس به لكن إن كان الجمع قليلاً محدداً، لكن المشكلة أن القادرات منهن على الحديث في الجموع الكبيرة عدد قليل، واللواتي يستطعن التصدر في المجالس الخاصة بالنساء عدد قليل أيضاً، فما العمل؟!.

ينبغي للأخت الداعية التي ترغب في سعة التأثير وإحسان الخطاب أن تصنع ما يلي :



أ‌- أن تحوز قدراً جيداً من الثقافة الإسلامية والعلمية، وقد ذكرت هذا بشيء من التفصيل في هذه الرسالة، وسيأتي إن شاء الله .
ب‌- أن تحوز قدراً معقولاً من العلم الشرعي تستطيع به ضبط حديثها والإجابة على أسئلة الحاضرات، وقد ذكرت هذا أيضاً في هذه الرسالة وسيأتي الحديث ‘ن شاء الله تعالى عن الجانب الشرعي العلمي في حياة النساء لكني أطمئنها بأن أكثر أسئلة الجمهور مكررة معادة سهلة، وأن لم تعرف فعصمتها : لا أدري .
ج- أن تتدرب على الإلقاء الجيد، وهناك كتب كثيرة تكلف بهذا، ولترجع إلى كتب تعليم الخطابة فهي متوافرة في الأسواق، أو تلحق بدورة من دورات الإلقاء في أحد المعاهد المتخصصة لكن ليس هناك شيء أنفع من الممارسة العملية؛ إذ يمكن لها أن تبدأ الحديث مع قريناتها وصاحباتها تدرباً في مجموعة صغيرة حتى لا ينحبس لسانها بسبب الخجل، ويمكن بعد ذلك أن تتحدث في المدرسة أمام التجمع الصباحيّ : " الطابور "، وهكذا ....

ويحسن بها أن تبتدئ التدرب على الكلام والإلقاء بعناصر مدونة في ورقة تسعين بها ثم تعتاد – تدريجياً – على التخلص من الورقة، ومواجهة النساء بأفكار سلسة مرتبة تلقيها فتؤثر بها التأثير الحسن المرجو .



د- عليها أن تحضر دروس ومواعظ النساء المتميزات بحن الخطابة والقدرة على الكلام المؤثر، وكذلك دروس الرجال ومواعظهم لكن حضورها مجالس النساء أنفع لها، لقربها وسهولة الاحتكاك بالواعظة أو المحاضرة .
هـ- أن تحسن اللغة العربية الفصحى ما يكفل لها انطلاق لسانها، إذ أن ضبط القواعد العربية، ومعرفة أهم المسائل في الإعراب(1) يعين على التأثير الجيد في المستمعات .
و- ثم عليها أن تستعين بالله طالبة منه تعالى أن يجعل لها أثراً في القلوب، أليست القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، أليس الله تعالى هو الذي يقبل بقلوب العباد على الشخص أو يصرفها عنه، بلى الله، فأن كان الأمر كذلك فلتحسن الداعية ما بينها وبين الناس، والله المستعان .
وقد قال أحد الغربيين موضحاً أثر حسن الإلقاء وجودة الحديث :
"ليس هناك من إنجاز يستطيع أي إنسان أن يحقق من خلاله ذاته ويضمن لنفسه مقاماً رفيعاً مثل القدرة على الحديث بشكل مقبول"(2)، وهذا كلام صحيح لكنا لا نريده لأنفسنا إنما نريده لدعوتنا ولصلاح أمتنا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينبغي على الأقل أن تضبط الداعية الإعراب الظاهر من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول، ومضاف إليه وأمثال هذا .
(2) "المرأة المسلمة المعاصرة" : 259 .



7- القدرة على التأثير والتوجيه :
وهذا الأمر هو هبة من الله تعالى لكن يمكن اكتساب شيء منه وتنميته عن طريق العناية بالآتي(1) :
1- سلوك طريق الوسطية والاعتدال، وهو في لبه طريقة الإسلام ومنهجه .
2- التوازن بين العقل والقلب والجسد .
3- الحوار مع الأخريات لا التلقين والتعالي .
4- المصاحبة طوراً والأستاذية طوراً آخر .
5- أن تكون قدوة في هديها الظاهر، وتصرفاتها من كلام وأفعال .
6- أن يكون الداعية متميزة – في جانب واحد على الأقل – بحيث تنجذب إليها القلوب والعقول، فبعض الداعيات يتميزن بالثقافة الجيدة، وبعضهن يتميزن بالعاطفة الإيمانية القوية، وثالثة متميزة في فكرها المنضبط المنظم، وخامسة امتازت بمهارتها في تجمع النساء حولها وانقيادهن إليها بسبب خفة ظلها وظرفها، وقد تجمع طرفاً من ذلك كله فتصبح قائدة متميزة، قادرة على التأثير والتوجيه .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سأسرد فقط بضع عوامل مؤثرة بدون تفصيل؛ إذ لتفصيله محل آخر وليس مجاله هاهنا، إنما حسبي الإشارة لجملة من العوامل المؤثرة والصفات المميزة .



8- المشاركات الخارجية :
وأعني بالمشاركات الخارجية أن يكون للداعية مشاركة خارج البلاد في عدد من المؤتمرات العالمية الإسلامية، وغير الإسلامية التي تكيد للمرأة المسلمة وتريد بمقرراتها أن تنال من عفتها وعزتها واستمساكها بدينها، و المشاركة في مثل هذه المؤتمرات أمر مهم جداً للنساء الداعيات، فالهجمة الإباحية الغربية تكاد تجتاح كل شيء، والعولمة هي البضاعة الرابحة في السوق الدولية اليوم، والمصيبة كل المصيبة أن هذه المؤتمرات تطبخ فيها الدراسات الغربية الفاسدة لتصير وصيات، ومن ثم ترفع إلى الأمم المتحدة لتكون مقررات !! ثم تفرض على الدول الفقيرة والغنية على حد سواء بوسائل لضغط الكثيرة، فكان حتماً إذن على ثلة من النساء الواعيات القادرات المشاركة في هذه المؤتمرات حتى يوصلن صوت الإسلام، ويقللن من فساد التوصيات، ويناقشن الآخرين والأخريات، هذا أمر لا مفر منه، وهو من نكد الدنيا على الحر، والعزلة من مثل هذه المؤتمرات توهن وتضعف المسيرة الدعوية الراشدة .

لكن قبل أن تقدم الداعية على هذا عليها أن تنتبه للتالي :
أ- لا ينبغي للداعية أن تفكر في المشاركة في هذه المؤتمرات إلا إن كان لديها حصيلة متميزة قوية من العلم الشرعي، أو الثقافة




الإسلامية المناسبة؛ حتى لا تكون ضعيفة أمام الأخريات فلا تستطيع بيان الصورة المشرقة لإسلامها، ولا تستطيع رد الشبهات
عنه .
ب- على المرأة الداعية ألا تعجل بالخروج حتى تتمرس في الدعوة بالداخل، وإلى أن تصل إلى سن النضج الفكري والثقافي وأقدره بأربعين سنة، أما قبل ذلك فلا إلا في حالات محددة لحاجات ملحة .
ج- عليها أن تعلم أن مجتمعها بحاجة لها فلا تخرج للمشاركة في خارج بلادها إلا لحاجة ملحة؛ كأن تكون ذات نظرات صائبة تفتقر إلى مثلها هذه المؤتمرات الخارجية، أو تكون البلاد التي تسافر إليها ليس فيها داعيات جيدات، وهذا يكون في المؤتمرات الإسلامية في بلاد الغرب خاصة البعيدة منها كالدول الاسكندنافية، فإن المرأة الداعية المحسنة للخطاب القوي المؤثر عزيزة هناك أو نادرة .

وهذا يقود إلى وجوب تقييد عدد مرات الخروج للمشاركة فلا ينبغي أن تكون أكثر من مرة في السنة إلا لحاجة ملحة .
د- ينبغي على المرأة ألا تشارك في تلك المؤتمرات منفردة بل تحرص أن تستصحب معها عدداً من النساء اللواتي يكمل بعضهن بعضاً في تخصصاتهن، وذلك حتى لا تشعر بالنقص فيقل قدر عطائها، وقد يكون المؤتمر معادياً للإسلام وتشريعه ثقافته فتشعر



بالوحشة والغربة، وقد تهجم عليها نسوة معاديات هجوماً فكرياً وثقافياً كبيراً دفعة واحدة فتضعف وتتراجع، إلى آخر ما يمكن أن يصيبها من عوامل نفسية إذا شاركت منفردة لكن إن كان معها نساء أخريات فإنها سترجع إليهن، وتتدرع بهن، وتتقوى معهن بما قد لا يحصل لها حال انفرادها .

هـ- وعلى المرأة الداعية الواعية أن تكون مشاركتها حلقة من حلقات سلسلة متصلة من الخطط المحكمة والدراسات الواعية في هذا الباب، بمعنى أنه لا بد من جزء مكمل لهذه المشاركة من قبل ومن بعد وإلا صارت مشاركتها صرخة في واد ونفخة في رماد .

9- المشاركة في وسائل الإعلام :
هنا حاجة ماسة لمشاركة الداعيات الجيدات في وسائل الإعلام المختلفة، فإن الجرايد والمجلات – على سبيل المثال – تفتقد للمشاركة النسائية الإسلامية خصوصاً، وإن توجهت إلى توجهت إلى القنوات الفضائية فستجد العجز مضاعفاً إلا أنه لا يمكن إغفال أن هناك بدايات مشجعة، وأعمالاً ناجحة في الساحة الإسلامية الإعلامية النسائية، وقد قالت الدكتورة رقية المحارب حفظها الله مبينة هذه الأعمال ومقترحة غيرها :





" تجدر الإشارة إلى وجود انتعاش في الحركة الدعوية النسائية حيث برزت مجلات ناجحة أسهمت في بناء الكوادر الدعوية كالأسرة والمتميزة وأسرتنا وحياة، وغيرها، ولكن ما تزال بحاجة ماسة لدخول المرأة الداعية الصحفية في الصحافة اليومية التي تدخل كل بيت وعمل، للصدع بالآراء النيرة التي تمثل لسان الغالب من النساء مجتمعنا المحافظ، ونحتاج في المستقبل إلى تكثيف المشاركة الإعلامية في مختلف الوسائل الإعلامية، ولا بد من أجل الوصول لذلك إلى وجود مراكز تدريب صحفية تشرف عليها الأخوات الإعلاميات المتميزات في طرحهن الفكري، وإمدادهن بالأدوات اللازمة في مجال التواصل الإعلامي .
ويمكن التفكير في إنشاء قنوات فضائية موجهة للمرأة، تقوم النساء على إعداد برامجها بتقديمها . كما أن من الأفكار : إنشاء مكتب صحفي يرعى إنتاج المربيات ويتولى تنسيق وصوله إلى معظم وسائل الإعلام"(1).

وهذه بعض الخطوات التي تساعد في ضبط المشاركة :
1- أن تشارك الداعية بمقالة في الشهر في جريدة سيادة ذائعة أو مجلة مهمة، فتضع في هذه المقالة رأيها فيما يجري حولها من أحداث،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "رؤية مستقبلية" : بحث في شبكة المعلومات " الانترنت" .



أو تضع خلاصة تجربتها في الدعوة بين يدي بنات جنسها، أو تشارك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تشارك في دفع المفسدين والمفسدات الذين يريدون إفساد المجتمع بالأفكار الشاذة والشيطانية، إذ هناك أقلية في البلاد العربية مفسدة تزعم لنفسها الحق في الحديث نيابة عن الأغلبية المتمسكة بدينها وإسلامها حديثاً شاذاً منكراً، فمثل هؤلاء ينبغي أن يوفقوا بكتابة واعية جيدة منظمة .

2- قضية المشاركة في القنوات الفضائية ينبغي أن ينظر إليها ضمن الضوابط التالية :
أ- إذن الزوج أو ولي الأمر .
ب- أن تتمسك المرأة بحجابها – وهذا في حالة الأخوات الداعيات أمر مفروغ منه – ومن كانت منهن منقبة فإن هناك عدداً من القنوات تسمح بخروج المرأة منقبة أو من وراء حجاب فينبغي ألا تغيب المرأة الداعية الواعية عن المشاركة إذاً .
ج- أن تلتزم بالضوابط الشرعية فلا خلوة، ولا خضوع بالقول، ولا تفريط في الاستمساك بأوامر الإسلام فالغاية عندنا لا تبرر الوسيلة .
د- ألا تشارك المرأة في القنوات الفضائية إلا إذا نضجت ثقافتها، وكان عندها قدر لا بأس به من العلم الشرعي، والوعي بما يجري؛ فإن




المقام صعب، وإن كان البث مباشراً فللمرأة أن تقدر المشاركة حق قدرها فلا تقدم إلا بعد الاستخارة والاستشارة وحصولها على قدر مناسب من العلم والثقافة، وإنما قلت ذلك لأن بعض هذه القنوات قد تريد أن تجر المرأة إلى العثرات بسبب الإثارة الإعلامية أو لأغراض مريضة، وبعضها – إذا كان البث مباشراً – تواجه فيها المرأة بسيل من الأسئلة التي لابد أن تكون قادرة على إجابة معظمها على وجه مناسب وإلا سقطت في الامتحان الإعلامي الصعب .
هـ - أن تحرص على المشاركة الإيجابية البعيدة عن الإثارة والصخب حتى تحصل بها الفائدة المرجوة .
و- ألا تشارك إلا إذا دعت الحاجة لذلك، كأن تكون هناك قضية ملحة تحسن هي مناقشتها وعرضها، أو أن تثور مشكلة خاصة ببنات جنسها فتعرض الرأي الإسلامي السديد فيها، وهكذا ... وإنما قلت ذلك حتى لا تصبح المشاركة شهوة نفسية كان يمكن تركها؛ إذ الأًصل ألا تخرج المرأة في القنوات إلا لحاجة ملحة .

10- دعوة التوجيهات المؤثرة :
الداعية المسلمة تخاطب الناس جميعاً، وتتمنى هدايتهن
جميعاً، فلا تتناول فئة وتترك أخرى، بل يصل خيرها إلى جميع الفئات النسائية، على أنه ينبغي ألا تغفل الداعي أن تحسن صلتها




بفئة مهمة في المجتمع النسائي وهي فئة الوجيهات وسيدات الأعمال، وذوات الوظائف المؤثرة الموجِّهة، وهؤلاء قد لا يحضرن المجامع النسائية، ولا يغشين الدروس والمحاضرات، ولا يلتقين بسائر النساء، إذن لابد من طرق بابهن وإيصال الرسالة إليهن، ومحاولة التأثير عليهن حتى يصبحن صالحات عاملات، أو على الأقل أن يكفى المجتمع أثرهن السيئ، وكم سمعنا عن نساء من تلك الفئات قد تأثرن تأثراً بالغاً بعد حسن الاحتكاك بسبب أنهن كن معزولات عن الداعيات الحصيفات الحكيمات فلما اتصلن بهن حسن حالهن، وانضبطت كثير من تصرفاتهن بضوابط الشريعة، ولله الحمد، بل إن بعضهن نفع الله تعالى بهن، وصرن في مقدمة الصفوف النسوية في الدعوة والتربية، وانتصرت بهن الدعوة في بعض الأحيان .


والطريقة الجيدة التي تفيد في هذا الأمر هي عمل صالونات أو ديوانيات أو ندوات في بيت إحدى الوجيهات، ودعوة إحدى المؤثرات لتتحدث على وجه متتابع كل أسبوع، فهذا له أثر كبير مجرب، ولا ننسى صالون الأميرة نازلي في زمن الملكية في مصر وما كان له من أثر كبير في توجيه السياسة المصرية والتأثير على طبقات المجتمع النافذ أمرها آنذاك .




وهناك مثال مهم في قضية دعوة المؤثرات ألا وهو دعوة من يسمين بالفنانات والممثلات اللواتي يمتلكن من التأثير في قلوب الفتيات الشيء الكثير للأسف الشديد، وقد جرب بعض الدعاة دعوتهن فاستجاب لهم عدد منهن، وحسنت توبتهن، وأقبلن على الله، وبعضهن صرن داعيات جيدات، فيا حبذا لو وجهت بعض الجهود لدعوة أمثال هؤلاء لما لتوبتهن من أثر كبير على النساء على مختلف طبقاتهن .

11- العناية بصغيرات السن :
إن الكنز الأكبر الذي لا يعوض فقده هو الشابات صغيرات السن اللواتي يرتجى منهن إن كبرن نصرة الإسلام والمسلمين، وهذه الفئة عمرها ما بين العاشرة والسابعة عشرة تقريباً، وهن اللواتي يمكن التأثير عليهن بإحسان تربيتهن، وتعهدهن بأحكام الشرع، وأن يذكر لهن قصص العظيمات، والمؤثرات في تاريخنا الإسلامي، وأن الأمة تنتظرهن للمشاركة في بنائها واستعادة مجدها، وأن يُعظّمَ الله تعالى في صدورهن، وبتفقيههن بكتاب ربهن وسنة نبيهن صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني العناية بطالبات المدارس علة وجه الخصوص، فهن ثروة الأمة وكنزها الدفين الذي إ أحسن استخراجه والعناية به أثمر أعظم النتائج، مع مراعاة التوازن وعدم إضفا صفات الكمال



على أولئك الصغيرات، وإنزالهن المنزلة اللائقة بهن من غير تضخيم ولا نفش، إذ في بعض الأحيان تسمى مبتدئات الداعيات أو المتوسطات بالداعية الكبيرة ويبالغ في وصفهن، وهذا مفسد لهن، ومفوت على المشرفات عليهن فرصة توجيههن وتقويمهن، فلينتبه لهذا .

فإن عرفت الداعية هذا فعليها أن تضاعف من جهدها مع تلك الفتيات المراهقات منهن والبالغات، فذلك هو سن التجاوب العاطفي والتأثير الإيماني قبل قسوة القلوب، وتغير القناعات، وتلوث الفطرة .
وليس شيء في باب العناية بالصغيرات أحسن من العناية بهن في المدارس؛ إذ أن كل الفتيات – تقريباً – يتعلمن في المدارس، ويمكثن فيها أحسن أوقات يومهن وأنشطها، فعلى الداعيات محاولة الوصول إلى قلوبهن وعقولهن بكل وسيلة ممكنة، فمن ذلك أن تحرص الداعية على أن تكون مدرسة أو موجهة أو وكيلة أو مديرة، وفي هذا خير كبير، إذ وجود الداعية الحصيفة العاقلة المؤثرة في مدرسة من المدارس كفيل بتغيير الوجهة وضبط المسيرة الإسلامية الدعوية في المدرسة .
وإن لم يمكنها هذا فلتحرص الداعية على زيارة المدارس وإلقاء الكلمات والمحاضرات فيها فذلك له أثر كبير .
ويمكن للداعيات بالتنسيق مع المؤسسات الخيرية الثقافية وبالتنسيق مع مديرات المدارس أن يُقمن ما يسمى باليوم المفتوح، ومعارض


الكتب، وأن يستغللن المناسبات الإسلامية العامة والأحداث الصعبة التي تقع في العالم الإسلامي، كل ذلك له أثر كبير في نفوس الطالبات، وتغدوا المدارس بهذا محاضن قادرة على تخريج عدد كبير من البنات الصالحات العاملات، وهذا بمقدور الداعيات عمله بشرط إحسان الخطاب، وضبط العمل والتنسيق مع الجهات المختلفة ذوات العلاقة وابتكار الوسائل الجاذبة والهادفة، ولا يفوتني أن أنبه أخواتي إلى العناية التامة بالموهوبات والمتميزات، فهن عليهن المعول في النهوض بالدعوة وارتقائها في مستقبل الأيام إن شاء الله تعالى .
فعلى أرباب الأموال الصالحين إذاً أن يحرصوا على بناء المدارس والكليات النموذجية التي يمكن الجمع فيها بين العلم النافع والعمل الصالح والدعوة المؤثرة بلا قيود ولا مضايقة .
ومن أكبر الأمور تأثيراً في صغيرات السن من المراهقات والبالغات وممن يراوحن ما بين السابعة عشرة والعشرين الدعوة المصحوبة بالترفيه والترويح، وهذا ما سأتحدث عنه في الفقرة القادمة إن شاء الله تعالى .

12- العناية بالترفيه والترويح :
وهذا الأمر من أكبر المؤثرات في المدعوات، إذ أصبحت الفتيات والنساء في هذا العصر متعلقات بالترفيه على وجه عجيب، وذلك نتيجة التأثيرات المتتالية عليهن من وسائل الإعلام المختلفة، وبسبب


الاحتكاكات بين الشعوب والأمم، وانتقال الثقافات، والترفيه صار سمة هذا العصر الغريب بل صار هدفاً وغاية في ذاته عند كثير من الناس!!!
وما هذا إلا بسبب تضييع كثير من الناس منهج الإسلام المتوازن .
والمرأة الداعية إن أرادت أن تحسن التعامل مع بنات جنسها، وأن توجد اللبنات القوية فعليها ألا تغفل هذا الأمر، وذلك لأنه لابد مما ليس منه بد، وهذه خطوات قد تساعدها :

أ – عمل حفلات موسمية ودورية، فهذا من أكثر وسائل الترفيه جذباً وتأثيراً خاصة إن أُحسن اعدد الحفل وضبطت فقراته، وهناك بعض الكتب التي تكفلت ببيان هذه الوسائل والطرق، ولا زلت أذكر أثر الحفلات المنضبطة المعدة إعداداً جيداً في نفوس كثير من الناس، وقد كان هذا قبل أكثر من عشرين سنة من الآن فما ظنكم باليوم ؟

ب – الرحلات إلى الاستراحات التي فيها المسابح والملاعب، وهي من أهم وسائل جذب الطبقات الفقيرة والمتوسطة .

ج – إنشاء مراكز ترفيهية رياضية ذات صبغة إسلامية لقطع الطريق على المفسدات، وهذا يمكن التنسيق له مع بعض التجار الدعاة الذين يرغبون المشاركة في عمل الخير، وقد أصبح إنشاء مثل هذه المراكز من الحاجات المهمة للدعوة النسائية .



13- توريث الدعوة (1):
ما أجمل أن تدعو المرأة إلى ربها سبحانه وتعالى، فهذا هو أحسن أعمال الخلق بنص قوله تعالى :
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ((2).

ويحسن بها مع هذا إن بلغت درجة كافية من النضج الدعوي وسناً مناسبة أن تحرص على رابط مجموعة من الداعيات بها يستقين من تجربتها، ويرتقين بتوجيهاتها، ويستفدن من قدراتها، فلا تفارق هذه الحياة إلا وقد صار يخلفها مجموعة من الداعيات اللواتي صنعتهن على عينها، وكن يذهبن معها ويجئن، ويحطنها إحاطة السوار بالمعصم، حتى تعلمن منها تجربتها وطريقتها .

وهذه طريقة ناجحة في تربية الداعيات؛ إذ لا يكفي العلم النظري والشهادة في هذا الباب، بل لا بد من الممارسة، والانغماس مع الإشراف الجيد المناسب وتقويم المسيرة مرة بعد مرة، فهذا هو الذي يصقل الشخصية الدعوية، ويصحح المسيرة الإسلامية النسائية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد كتبت رسالة موجزة عن توريث الدعوة، فراجعيها أختي إن شئت .
(2) سورة فصلت آية 33 .


وإن استطاعت الداعية أن تشرف على طالباتها عملياً ونظرياً
فقد بلغت ما تريد وتتمنى، وأعني بالإشراف النظري أ، تعقد لهن جلسات عملية وثقافية وفكرية ودعوية يقرأن فيها معاً منهاجاً معيناً على سلوك دروب الدعوة العلمية الشاقة والصعبة .

وإليكن هذا المثال المهم من حال امرأة ضلت الطريق ولم تستنر بنور الإسلام فتلقفتها الأيدي الآثمة وصنعتها على عينها، وهذه المرأة هي هدى محمد سلطان التي اشتهرت بلقب زوجها شعراوي جرياً على عادة المستغربين فصارت : هدى شعراوي، فقد تلقفتها امرأة ضالة وهي زوج حسين رشدي باشا الفرنسية التي كانت أكبر منها، وكانت ترى فيها ما لم تره في غيرها من نساء مصريات وغيرهن، فهذه الفرنسية كانت مشغولة بالفكر والثقافة والاجتماع، وقد وصفت هدى مبررات بهذه السيدة واتخاذها مثلها الأعلى وعنايتها بها فقالت :

" لم تكن تُعنى بظروفي وحالتي وأسمي فقط وإنما كانت أيضاً تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية، وكانت ترشدني إلى أثمن الكتب وأنفعها، وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب فهمه، وكانت تغذي عقلي وروحي بكل أنواع الجمال والكمال، وتحتم عليّ حضور صالونها كل يوم سبت، وتقول لي أنت زهرة صالوني " .



وكانت هذه المرأة الفرنسية الأصل – التي أعدت هدى شعراوي إعداد جيداً لمهمتها – قد ألفت كتابين : الأول بعنوان " حريم ومسلمات مصر " وكتاب " المطلقات " تعبر فيهما – على حد قولها – عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من أجل تعاسة المصرية وظلم الرجل لها !!

وكانت هذه المرأة الفرنسية على صلة وثيقة بحركة تحرير المرأة المصرية، كما كانت موضوع عناية النابهين في مصر من رواد هذه الحركة من أمثال سعد زغلول وقاسم أمين، الذي كانت تعجب كثيراً به، وتأسف لعد تقدير المصريين له التقدير اللائق برسالته " وكانت كثيراً ما تقص على صفيتها هدى شعراوي ما كان يدور بينها وبين هؤلاء الكبار من حديث، تشعل به كيانها، وتدفعها إلى التطلع إلى تحسين أحوال المرأة المصرية والسير بحركتها إلى الأمام !!! "(1).

أرأيتن إلى العناية الكبيرة التي أولتها الفرنسية لهدى حتى أصبحت قائدة لحركة تحرير نسائية مشبوهة في مصر، وفعلت الأفاعيل بنسائها بعد ذلك .

******






عقبات أمام المرأة الداعية
هناك عقبات كثيرة – للأسف – أمام المرأة الداعية، وهي بحاجة إلى التعامل معها بصبر وحكمة من أجل تذليلها وتخطيها، وهذا يعظم لها الأجر لأنها تعاني مالا يعاني منه الرجل في هذه المسألة، والثواب – إن شاء الله تعالى – على قدر المشقة، وتنقسم تلك العقبات إلى عقبات اجتماعية وعقبات تعليمية وفكرية وثقافية، وهي على الوجه لتالي :


أولاً : العقبات الاجتماعية :
أكثر البيئات العربية – وربما الإسلامية – لم تستسغ بعد أن تسمح للمرأة الداعية الواعية بكمال حرية التنقل، والخروج المتكرر قد يكون سمة للمرأة الداعية، وحركة لا بد منها، وأيضاً كثير من الأزواج لا يساعدونها على إتمام مهمتها، وإن كانت ذات أولاد تضاعفت عليها الهموم، وكيف إذا كانت موظفة أيضاً؟! فماذا تصنع، وكيف تستطيع أن تجمع بين كل ذلك على وجه مناسب مرضٍ؟! وهناك عقبات أخرى وتفصيل كل ذلك على الوجه التالي :





1- عقبة البيئة الفاسدة :

من الداعيات من تعيش في بيئة يغلب خيرها وشرها، وفسادها مستور محتقر، ومن الداعيات من تعيش في بيئة يغلب شرها وخيرها، وفيها فساد ظاهر ملحوظ، وهنا يعظم البلاء ويشتد الخطب على أولئك النسوة العاملات، وقد يعاديهن من في تلك البيئة ويرميهن عن قوس واحد، وفي هذا من الفتنة والابتلاء ما فيه، لكن ليس أمام الأخت الداعية إلا الصبر والاعتصام بالله تعالى، ولتتذكر الداعيات الأوائل اللواتي كن يعشن في البلاد العربية في النصف الأول من القرن الفائت، وكيف كن يعانين من أمور كثيرة تعد اليوم من أحاديث التاريخ وذكريات الماضي، وبعضهن تعرضن لسجن طويل واضطهاد عظيم، فإن تذكرت كل ذلك، وتذكرت ما أعد الله تعالى للصابرات العاملات من أجر عظيم هان عليها ما تجد من إعراض، وثلج صدرها، واضمحلّ همها، وأقبلت على دعوتها وهي ممتلئة حماساً وتفاؤلاً، وهل يستوي عمل هذه وتلك؟ لا والله لا تستوي العاملة في حال الإقبال مع العاملة في زمان الإدبار، فهذه أجرها أعظم، والله أعلم .

وهنا مسألة مهمة يكثر دورانها في البيئات الفاسدة أو التي يغلب




خيرها شرها ألا وهي قلة التجاوب وضعف التأثير من قبل المدعوات، وهذا أمر طبيعي في مثل تلك البيئات، وليس أمام الداعية الحصيفة إلا أن تصبر وتحتسب، وتحاول أن تجدد العهد ببعض أساليب الدعوة المبتكرة الجديدة، ولتحاول أن تصلح ما قد يكون فيها من عيوب تصد الأخريات عنها، ولتضع في ذهنها دوماً أن الله تعالى سائلها عن عملها وليس عن النتائج، فهي موكولة إليه، مأمولة منه جلا جلاله، وهو أعلم بالزمان الذي تظهر فيه نتائج الأعمال وتثمر جهود العمال .

2- عقبة الزواج :
الزواج للمرأة أمر مهم، دعت إليه الشريعة، وقررته الفطرة النبوية، والزواج للمرأة الداعية قد يكون أكثر أهية للأسباب التالية :
أ- وجود الزوج الملتزم الفاهم الذي تستشيره في خاصة أمرها، وفي شؤونها الدعوية، ويخفف عنها ويخفف عنها شيئاً من عنائها في الخارج، وتجد لديه السكن والرحمة، وتعفه ويعفها .

ب- بناء الأسرة المسلمة التي طالما نادت بها المرأة الداعية، وحثت على إيجادها، فبالزواج تحصل هذه الأسرة المسلمة، وتستطيع الداعية تطبيق ما تقوله في بناء هذه الأسرة على دعائم الإسلام وأسسه .



ج- المرأة الداعية ما لم تتزوج يظل كلامها أقرب إلى التنظير منه إلى الواقع، أما إن زوجت فستتعرف عن قرب على مشكلات الزواج، وتعاني من الزوج والأولاد ما ينضج تجربتها، ويحسن رؤيتها، ويقرب القول من العمل، ويلصق التجربة بالمقال .

د- المرأة الداعية إن تزوجت تصبح أكثر قدرة على الحركة، وأقدر على التخلص من قرابة الأهل اللصيقة، ويستفيد منها المجتمع أكثر ولا شك .

هذا كله يحكم بأهمية الزواج للمرأة الداعية، وفاقرة الظهر أن تترك هذه المرأة بدون تزويج – خاصة في المجتمعات المغلقة المحافظة – فيكبر سنها، ومن ثم يضغط عليها أهلها لأجل الزواج بأول طارق، وقد يكون غير ملتزم أو غير واع فيكدر عليها حياتها، ويفسد عليها صفو دعوتها، ويعطل سيرها، وقد وقد تكون من الداعيات البارزات فيفقدها المجتمع والعياذ بالله .

وإليكن هذه الحوادث الصعبة :
- أخت داعية عاملة تقدم بها العمر ولم يأتها كفؤها من الدعاة، وتقدم إليها أحد الملتزمين فقبلته، فلما زفت إليه حملت معها مكتبتها، فلما رأى بعض ما فيها من كتب ألزمها أن تخرج عدداً منها فلا تحتفظ بها لأن رأيه يخالف آراء هؤلاء، ثم ألزمها



بمجموعة من الإلزامات الفكرية والثقافية كان من جرائها أن تركت الداعية قناعاتها الدعوية والفكرية المعتدلة وتبعت ما عليه زوجها من هَوَج فكري وهوس دعويّ .

- وأخت داعية أخرى اضطرت للزواج برجل عاميّ، وكانت من الداعيات العاملات فألزمها بالبقاء في بيتها والانقطاع عن دعوتها، فكان من جراء ذلك أن أنقلبت الداعية امرأة كسائر النساء، وهذه الحادثة مثال فقط وإلا فهناك حالات كثيرة مثل حال هذه المرأة المسكينة التي لم تجد معيناً ولا ناصراً بسبب تقاعس الأخوة الصالحين عن الاقتران بمثلها .

- وأخت ثالثة خطبها أحد الذين لا يعذرون المخلف، ولا يطيقون اختلاف الرأي، فاشترط عليها ألا تدخل مقر الجماعة التي تأمن بأفكارها الدعوية والتي يخالفها في الرأي وأن تقطع صلتها بها، فرفضته ولم ترضه، وحق لها ذلك .

- وهناك حالات لنساء داعيات عاملات لكنهن لم يرزقن قدراً مناسباً من الجمال، فتترك بدون تزويج، وهذا خطأ وقصور في التكافل، فنبغي أن يسعى لتزويج أولئك النسوة بكل وسيلة ممكنة تحفظ كرامتها وتحقق غرضها في الزواج وتكوين البيت الإسلامي المنشود .




لذلك على العقلاء من الدعاة أن يسارعوا بالاقتران
بالداعيات وألا يتركوهن نهباً للوساوس وعذاب الانتظار، وأن يتواصوا فيما بينهم بهذا ولو أن يتزوجوهن زوجاً ثانية أو ثالثة(1) ، فأحق ما يكافؤ بالزواج مثل هذه الداعية التي جردت نفسها لربها ودينها، فكيف تترك هكذا؟!!، أنا أعد هذا من نقص مروءات الدعاة وقلة اكتراثهم بنفسية الداعية ومشكلاتهن، والمجتمع الإسلامي لا يكون هكذا أبداً، ولم تكن هذه المشكلة ظاهرة أيام السلف الصالح الذين كانوا يسارعون لإعفاف النساء فلا يتركونهن، فماذا نقول اليوم وهناك آلاف من الداعيات في كل بلد ينتظرن من يسعدهن، ويربط على قلوبهن، ويساعدهن في مسيرتهن وسائر شؤون حياتهن .

3- عقبة الزوج غير الملتزم، أو الملتزم التزاما أعوج :
المرأة الداعية تعاني كثيراً من زوجها إذا لم يفهم رسالتها في الحياة وهدفها السامي، فقد يمنعها من الخروج لتفقد المدعوات، أو يمنعها من استقبالهن في بيتها، وقد يمنعها من قضاء جزء من وقتها منفردة لتخطط لدعوتها أو لتفكر في أحوالها وتراجع أمرها، وهذا د يكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أما أعلم أن كثيراً من الداعيات سيغضبن من الكلام وسيتحمسن لمحاربته، لكن الحق أحق أن يقال فيتبع،ولو كانت هي التي تذوق عذاب انتظار الزوج لفهمت هذا الكلام ولقدرته حق قدره، ولن يكمل إيمانها حتى تتمنى لأختها ما تتمناه لنفسها، والغيرة حاصلة وكائنة ولكن القفز فوق نوازع النفوس هو سمة العظماء، والله الموفق .

منه نوعاً من التعسف يضايقها إلى الغاية، أو يحبطها، أو قد يتعب نفسيتها تعباً قد تتوقف معه عن الدعوة، وهذه مشكلة حقيقية بل هي أكبر مشكلة تهدد المرأة الداعية، وهذه بعض الحلول العملية :
أ- ابتداءً ينبغي على المرأة أن تحسن اختيار الزوج الذي يساعدها على المضي قُدماً في دعوتها، وهذا حق لها كفله الإسلام فلا ترغم على من لا تراه كفؤاً لها في هذا الأمر .
ب- فإن لم تستطيع التحكم في اختيارها، أو أنها ألتزمت بعد الزواج من زوج غير ملتزم فعليها أن تداري زوجها بكل أنواع المدارة، وتوضح له ما ترغب فيه، فإن لم يستجب :
ج- تخاطب العقلاء من أهله، فإن لم يكن من أهله عاقل يتفهم فالعقلاء من أصحابه حتى يثنوه عن صنيعة، فإن لم يحصل هذا كله له فهم يقبل به المسألة، فعلى المرأة أن :
هـ- تبتهل إلى الله بالدعاء، والدعاء سلاح ماض، والله تعالى المسؤول أن يقشع عنها هذه الغمة، ويرفع عنها هذا الكرب .

وعلى المرأة أن ترضى بعد ذلك بما قسم الله تعالى لها حتى لا تتحطم حياتها وتتدمر أسرتها، ويضيع أطفالها .

وقد تستطيع أن تمارس الدعوة من بيتها عن طريق شبكة




المعلومات ( الانترنت )، أو أن تشارك في برنامج عبر الهاتف للنصائح الدعوية والاجتماعية أو وسيلة غير ذلك، وإليكن أخواتي قصة هذه المرأة الداعية التي حيل بينها وبين الدعوة لكنها لم تستسلم وفعلت كل ما في وسعها، فهذه قصتها على لسان أحد الدعاة(1) :

" هي قصة لامرأة أعرفها تمام المعرفة، خريجة قم أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود – رحمه الله تعالى – وهي متزوجة تدير شؤون مملكتها بنفسها، ترعى حق الله وحق زوجها أهلها ..... تقوم على خدمتهم، وترعى شؤونهم، صابرة محتسبة، تقوم بأعباء المنزل ولا خادمة معها، وهي تقوم بخدمة أم زوجها المسنة، لكن يهنأ لها بال وهي ترقب السالكين والسالكات في طريق الدعوة إلى الله، نعم كانت ترقبهم بطرف حزين، لم يكن ليهنأ لها بال وهي لم تدل بدلوها بين دلاء الداعيات إلى الله لتأخذ إثر ذلك نصيبها من الخير، كانت تحاول أن تجد لها موضعاً، فما كانت ترضى العيش في السافل دون الأعالي، يتراوح لها قول الشاعر :
وما للمرء خير في حياة إذا ما عُدَّ من سقط المتاع

ولكن هذه الرغبة اصطدمت برفض زوجها بخروجها إلى ميادين الدعوة إلى الله على اختلافها، ولكن ما زال الهم في قلبها يكبر ويكبر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقلت هذه القصة بتصرف يسير من شريط " صانعات المآثر " للشيخ خالد بن إبراهيم الصقعبي .

مع مرور الأيام فعزمت على المضي في شق الطريق مهما توغل في الوعورة لكن مع رضي زوجها، وفكرة بعد فكرة، وخاطرة بعد خاطرة ... ومع الدعاء والتضرع، هداها الله إلى فكرة وضاءة تجمع فيها بين رضا خالقها ورضا زوجها: إنها الدعوة بالمراسلة، هي وسيلة لا تحتاج إلى كبير جهد، ومع ذلك فهي عظيمة النفع والأثر، ولكن تصدت لفكرتها عقبة كادت تتهاوى عليها قوارب الأحلام: إنها المادة عصب الأحياء، فمن أين لها توفير مستلزمات هذه الرسائل مع قيمة إرسالها؟ لكن العبد إذا صدفت نيته صدقه الله .

ثم عادت إلى التفكير والدعاء مرة أخرى، فطريق الأنبياء تريده بأي ثمن، حينها تذكرت قصة أم المساكين(1) التي قالت عنها عائشة رضي الله تعالى عنها: كانت رضي الله عنها تعمل بيديها وتتصدق، فاتخذت من صنع يديها عملاً يدر عليها ربحاً وإن قل، فالشأن كل الشأن في البركة، حينها توصلت إلى ما تحتاجه: فهي تحتاج إلى جهاز حاسب آلي مع طابعته وآلة تصوير وجهاز للفاكس، ولكن من أين ذلك؟!. فتأملت الذهب عندها ووجدت أن قيمته يكفي بعض ما تحتاجه، فكلمت زوجها في ذلك فكمل لها المبلغ مع قلة ذات اليد، حينها بدأت بطباعة بعض الرسائل مقابل مبلغ مادي تتقاضاه، ثم


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هي أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها .


تستثمر ثمن ذلك في الدعوة إلى الله تعالى، وكان من نتائج ذلك مئة رسالة دعوية تحصلت على عناوينها من خلال إذاعة القرآن الكريم، تتراوح هذه الرسائل ما بين مطويات وكتب صغيرة ومتوسطة تتعلق بموضوعات العقيدة الصحيحة وهي ما كانت تحرص عليه، ثم مع ذلك تقوم بشراء بعض الكتيبات من مكتب توعية الجاليات وتقوم بنشرها على الطيبات والممرضات في المستوصفات والمستشفيات، حتى أخذت رسائل المسترشدين تتوافد على غرفتها الصغيرة، فهذا يطلب مصحفاً، وآخر كتاباً، وآخر مطوية، كان جهد المقل مع ذلك فكم أحيا الله بهذا العمل اليسير قلوباً، وأنار بصائر مستغلقة، كانت رسائل خير ونور رائعة، وأروع منهما اليدان اللتان قدمتهما وصاغتهما أحرف من نور تضيء للسالكين الريق " اهـ .

- وهناك حالة فريدة – لا أعلم غيرها(1) – ينبغي فيها على المرأة أن تقف بحزم أمام زوجها ولا تقبل طلبه كائناً ما كانت النتيجة، وهي أن يقصرها على تبني أفكار دعوية شاذة فيها تسفيه للناس، أو انتقاص لهم، أو وضع من أقدارهم، أو غضٌ من شأنهم، أي أنه يريد أن يقسرها على اتجاه لا يرضيها ويخالف عدداً من أصول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا عدا عن قسرها على معصية سلوكية أو خلقية؛ إذ ليس هذا من موضوع الكتاب، وأمره واضح، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .



الأخلاق الإسلامية والسلوك القويم، فالمرأة في هذه الحالة عليها أن ترضي ربها وتعصي زوجها، فإن أصر ففراق مثل هذا الرجل أولى بها أرضى لربها، وأثبت لمبدئها، وأحوط لها في عرصات القيامة، والله تعالى يعوضها عنه بزوج أفضل منه .

4- عقبة الزوج الداعية!! :
قد يستغرب من إيراد الزوج الداعية عقبةً لكن أقول – وقد خبرت الأمر – إن الزوج الداعية قد يكون عقبة كبيرة أمام امرأته الداعية، على الوجه التالي :
أ- قد يمنعها من الدعوة بحجة العناية بالأولاد والبيت، والعناية به إجابة مطالبه .
ب- قد يضيق عليها في خروجها ودخولها حتى يصير هذا التضييق كأخي المنع .

أخبرني أحد أخواني قائلاً :
إن بعض الدعاة لا يريد لزوجه أن تدرس في مدارس التحفيظ القرآن المسائية، ويشترط عليها أن تبحث عن مدرسة صباحية، والسبب أنه يريد إذا عاد من عمله في العصر أن يجدها بجواره فلا يريد أن يتنغص بترك زوجه للبيت آنذاك ولو لدراسة القرآن أو تدريسه، وهذا من حقه ولا شك لكن ينبغي له أن يتنازل قليلاً حتى يرتقي بزوجه وبعلمها وعملها، وليتخلص من أثرته وأنانيته .



وقد رأينا من هذا كثيراً، حتى أنه اشتهر أن الداعية المتزوجة رجلاً داعية أيضاً قلما تشارك في الأنشطة العامة أو تذهب بأولادها إليها، وهذا بسبب أنانية زوجها وتسلطه، أو عدم كمال فهمه لوظيفة زوجه الداعية .

وليس أمام الزوج التي ابتليت بمثل هذا إلا أن تصارح زوجها، وتنبهه إلى أهمية العمل الذي تقوم به أنه لا يقل أهمية عن عمله، وتحاول بكل السبل أن تذكره بمثل الدعوة العليا، فإن لم يستجب بعد ذلك فعليها أن تسلك معه المسالك التي ذكرتها آنفاً في العقبة السابقة، والله أعلم .

5- عقبة الأولاد :
هناك شد وجذب كبيران في مسألة الأولاد، لكن الأمر المتفق عليه أن الأولاد تتعلق مسئوليتهم بالوالدين كليهما وليس الوالدة فقط، والأمر المتفق عليه أيضاً أن تعلق المسؤولية بالوالدة أكبر وأعظم، فكما أن البر مصروف ثلاثة أرباعه إلى الوالدة، " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك " فكذلك ينبغي أن تكون مسؤولية الوالدة أكبر وأعظم لأن الغنم بالغرم، ولأن الوالدة أقدر بحكم عاطفتها وتوهج مشاعرها أن تتولى رعاية أولادها والنظر في شؤونهم وحياطتهم بحنانها، هذه المسؤولية لا تستطيع المرأة حتى لو كانت داعية أن



تتملص منها أو تتهاون في شأنها، ولكن هناك نقاط تستضئ بها المرأة الوالدة الداعية :

أ- المعونة على قدر المؤونة
وهذه المقولة صالحة رائعة، ومعناها – هنا – أن الله تعالى سيعين هذه الوالدة على قدر مشقتها وما يتعلق بها من أعمال ومسؤوليات، ولا تنسى قول الله تعالى :
(َالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ((1) .
فالمرأة التي تستعين بالله تعالى وتبذل جهدها مع أولادها ودعوتها سيوفقها الله تعالى ويعينها على الاستمرار في دروب هذه الحياة الشائكة بهداية أولادها أو على الأقل يعينها بأن تُكفى مشكلاتهم وشرورهم، فإن لم يوفّق أولادها للعمل الصالح فعليها أن تصبر، وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة .

ب- الموازنة بين حاجة الأولاد وحاجة الدعوة :
فبعض الداعيات ترى أنها ينبغي أن تعطي القدر الأكبر لأولادها والأقل لدعوتها خارج المنزل، وبعضهن يريد العكس، ولا بأس بهذا أو ذاك لكن المهم هو أن توجد هذه الموازنة عند الأخت الداعية، بمعنى أنها تنطلق من تصور معين منضبط في ذهنها يضبط قضية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة العنكبوت آية 69 .

العلاقة بين البيت والدعوة خارجه، حتى لا تتهم بالتقصير في هذا أو ذاك، وهي الأقدر على ضبط هذه المسألة، والأعرف بحاجة أولادها ومستواهم الإيماني والفكري والثقافي، وهي الأدرى بقدرة الزوج على مساعدتها على تربية أولادها، فإن استطاعت أن توفق بين كل ذلك فقد فتح لها أبواب من السعادة عظيمة .

ج- التسليم لقضاء الله تعالى في الأولاد :
وأمور الله في كونه لا تجري على مراد العبيد ورغباتهم وإنما تُقضى وفق حكمة عظيمة قد يعلمها البشر وقد يجهلونها، فقد يرزق الله تعالى امرأة صالحة ذرية صالحة، وقد يهب الصالح طالحين، وهذه أربه صور للهبات الإلهية موجودة متداولة بين الناس، وهي صور من الأقدار التي هي خير للعبد في دينه ودنياه وإن جهل الحكمة منها .

لكن من الحالات السالفة الذكر حالة صعبة مؤلمة، وقعها على النفوس شديد وأثرها عظيم، ألا وهي الحالة التي ترزق فيها المرأة الصالحة الداعية ذرية طالحة كلها أو بعضها طالح، فعلى المرأة حينئذ أن ترضى وتسلم تسليماً، ولا يبدر منها علائم الاعتراض على الأقدار التي تغيب عنها الحكمة من ورائها، وتتعلل بقوله تعالى :




( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ((1) .
وقوله تعالى :
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ((2) .
وقوله تعالى :
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ((3) .
وقوله تعالى : ( َبل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً( .

وبعد أن تبذل الوالدة الداعية جهدها في بيتها وأولادها وتقوم بما يجب عليها من العناية بهم، وتربيتهم وتعليمهم شؤون دينهم، وتنشئهم على حب الإسلام والالتزام، وبعد أن تقوم بكل ذلك، فلتتوكل على الله تعالى في إنجاز ما تتطلع إليه، ولترض بقضاء الله تعالى فيهم بعد ذلك، وإنما قلت هذا لأن عدداً من الأخوات الداعيات إذا لم توفق للتربية المناسبة – لسبق قضاء الله تعالى في أولادها كلهم أو بعضهم – فإنهن يصبن باليأس والإحباط، ويشعرن بالإخفاق في الوصول إلى أهدافهن، وهذه مشكلة قد تقضي على جهود الأخت الداعية وتحطم نفسيتها، لكن عليها أن تنظر إلى حكمة الله تعالى في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى آية 49 .
(2) سورة القصص آية 68 .
(3) سورة يس آية 82 .



قضائه وقدره، ولتنظر إلى الحوادث التاريخية لتعلم أنها ليست هي وحدها التي ابتليت بهذا فقد ابتلي به عظام في التاريخ البعيد والقريب .

فهذا نبي الله تعالى نوح – عليه الصلاة والسلام – وهو من أعظم الدعاة يحاول مع ابنه في اللحظات الأخيرة من عمر الأرض قبل غرقها في الطوفان العظيم لكنه لم يستجب له أصر على كفره وضلاله، وهاهي الآيات التي تنزل شفاء للصدور، وتسكيناً للنفوس :
(وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)((1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود الآيات42-47.



هكذا نرى حرص النبي العظيم – الذي هو أحد أولي العزم من الرسل – على ابنه حتى آخر اللحظات لكن قدر الله سابق وقضاؤه نافذ، ولا يمكن أن يتهم أحد هذا النبي العظيم بالتقصير في التربية أو الضعف في أساليب الدعوة، هو في الوقت نفسه كان حريصاً على قومه مكثراً من دعوتهم إلى الحق والرشاد يعني أنه كان حريصاً على متوازناً كما ينبغي للرسول أن يكون، لكن في النهاية سلم الأمر لله ورضي بقضائه، وهذا الذي ينبغي أن تفعله الوالدة الداعية إذا ابتليت بابن أو ابنه ليسا على المستوى الذي تريد أو تتمنى .

ولتتذكر من ابتليت بولد طالح أو أكثر قوله تعالى :
(وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ((1).

ويمكن أيضاً أن تتفكر المرأة فيما يمكن أن تكون الحكمة من وراء هذا القدر الحكيم العظيم، فلعلها ابتليت بهذا الولد الطالح أو الأولاد الطالحين ليعظم بذلك أجرها إن صبرت ورضيت، ألم يقل الله تعالى :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحقاف : آية 17 .


( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ((1).
ولعله إنما رُزقت به لرفعة مكانتها وعظيم منزلتها عند ربها، ولا بد لهذه الرفعة والمنزلة من ابتلاء فكان هذا جزءاً من الابتلاء الواقع والبلاء الحاصل، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كل يبتلى على قدر دينه"(2).

وقد قال تعالى : ( أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ((3).
ولعل من ابتليت بهم لذنوب اقترفتها وهي لا تدري بعاقبتها فلتتب إلى الله تعالى .

والوالدة – عادة – ينالها من الأذى بسبب ضلال الأولاد أضعاف ما ينال الوالد، فالوالد مشغول بأعماله والوالدة هي التي تواجه مشكلات هؤلاء الأولاد في البيت وتعاني منها أكثر مما يعانيه الوالد، فلتتق الله تعالى كل والدة، ولتحرص على ضبط شؤونها


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزمر : آية 10 .
(2) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب "أشد الناس بلاءً الأنبياء" معلقاً، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء رقم (2398).
(3) سورة العنكبوت: آية 2.






حتى تتفق مع أوامر الله تعالى ونواهيه، ولتعلم هي وزوجها أن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب ولا نسب، وأنه تعالى يعاقب العصاة من الصالحين كما أنه تعالى يعاقب العصاة من غير الصالحين، وأنه ليس أحد بكريم على الله تعالى إلا بقدر تقواه واستقامته على الجادة وبعده عن الإصرار على الذنوب وفزعه إلى الاستغفار والتوبة والعمل الصالح .
لكن الزوجين إن رزقا بأولاد ضالين – نسأل الله تعالى السلامة والعافية – عليهما فعل التالي :

أولاً: الدعاء، فهو سلاح ماض، والإلحاح فيه والاستكانة والتضرع والانكسار قد يعجل من الفرج، ويأتي بما يشتهي الوالدان ويحبان .

ثانياً: النصح الدائم لهؤلاء الأولاد، وتعهدهم به مرة بعد مرة، وإظهار الشفقة عليهم، وبيان الخطر الأكيد الذي هم مقبلون عليه إن ظلوا في ظلالهم وغيهم، وضرب الأمثلة لهم، وتقليب وجوه الخطاب معهم .

ثالثاً: الحرص على توفير صحبة لهم ومنعهم من الاختلاط بأصحاب السوء بكل وجه ممكن من الترغيب والترهيب .



رابعاً: إن أصر الأولاد بعد هذا على الاستمرار على ما هم عليه فينبغي على الوالدين أن يميزا بين الصالحين من أولادهم والطالحين، فلا يصح أن يورد مريض على صحيح، فليجعل لمن ضل الطريق منهم غرف خاصة إن تيسّر أو إن لم يمكن هذا يمنع الوالدان خلطة الفاسد بالصالح ما أمكن .

خامساً: عدم السماح مطلقاً لهؤلاء الأولاد بممارسة معاصيهم في البيت كائناً ما كان الأمر، وينبغي إفهامهم بل إجبارهم بشتى الوسائل على مراعاة حرمة البيت .

سادساً: إظهار الامتعاض الشديد من تصرفات هؤلاء الأولاد والحرص على إنكارها وعدم التهاون في ذلك أبداً .

سابعاً: الهجر الجزئي أو الكلي لهؤلاء الأولاد حتى يشعروا بفداحة ما صنعوه، فإنه ليس أثقل على كل من فيه بقايا فطره سوية أن يهجره والداه، وهذا الأمر – أي الهجر – لابد منه بعد النصح المتوالي وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تضع، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده"(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الإمام الترمذي، كتاب التفسير، باب 6، حديث رقم (3047) وأخرجه ابن =



لكن ينبغي على الجهلة أن يكفوا عن لومها بقولهم : "لو كانت هذه داعية جيدة لما كان أولادها كذلك" وهذا منهم جهل وتعدٍ؛ إذ لا أحد يعلم ما بذلته الأخت الداعية من أجل أولادها فلا يجوز أن تتهم على هذا الوجه المجحف المتسرع .

نعم هناك داعيات يقصرن مع أولادهن لكن حديثي مع من بذلت وأعطت ما عندها وما تستطيعه، فلا تحزن ولا تنكسر بعد ذلك إذا كان القضاء المقدور جرى على غير ما تحبه وتشتهيه لأولادها، خاصة ونحن نرى أن عدداً من الوالدات غير الملتزمات يكون أولادهن آية في الخلق والدين والسلوك :
كم حسرة لي في الحشا من ولـــدي وقـــد نشــا
كنــــــا نشـــــــاء رشـــــده فمــــا نشــــا كمـا نشا

وقال أحد الشعراء :
وسميته صالحاً فاعتدى بضد اسمه في الورى سائراً

وهذا الإمام ابن الجوزي صاحب الوعظ الرائق، والتأثير الفائق، وممن اهتدى على يديه عشرات الآلاف من الناس، واليوم هناك دراسات علمية في تحول حول النظريات التربوية التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= ماجه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخرجه الإمام أبو داؤد، كتاب الملاحم، باب الأمر بالمعروف والنهي .



سطرها في كتبه، هذا الإمام الذي قَلّ نظيره في الوعظ والتذكير والتسليك كان له ولد عاق اسمه عليّ، سرق مصنفات والده وباعها لما ابتلي ابن الجوزي وأصابته محنة من قبل الحاكم وأخرج من بغداد لمدة خمس سنوات، فانتهز الفرصة وباع الكتب، وصار في وصف المعادين لوالده الذي كان قد هجره قبل المحنة بسنوات(1).

د- الحذر من التقليد المتعمد لمرات الإنجاب بعذر التفرغ للدعوة :
هناك داعيات يرين أنه من المناسب تنظيم الحمل – لا تحديده – من أجل التفرغ لدعوتها ولتجتهد أكثر، وهذا الاختيار - وإن لم يكن حراماً – يصادم نصوصاً أخرى تُرغِّب في الإنجاب، منها :
" تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة"(2) . والولود هي كثيرة الولادة، صيغة مبالغة، وأعرف داعيات عندهن عشرة من الولد وبعضهن عندهن أكثر من ذلك، ولم يمنعهن كثرة الولد من التحرك النشط الإيجابي والدعوة إلى الله تعالى نعم إنه لا بأس من تنظيم الحمل شيئاً لكن ليس إلى الحد الذي صرنا فيه نقلد الغرب بإنجاب طفلين أو ثلاثة نكتفي بهم!!.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر "نزهة الفضلاء" : 3/1507 .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وحسن الحافظ الهيثمي إسناده، وانظر "الفتح الرباني": 16/145 .



فينبغي أن يراعي هذا الأمر، ولتحرص المرأة على إنجاب عدد معقول جيد من الأولاد تعز بهم أمة الإسلام وتنصر بهم هذا الدين ولا تنسى المرأة القاعدة الأولى التي ذكرتها لها آنفاً "المعونة على قدر المؤونة".

وفي الجمع بين الإنجاب المتكرر، والدعوة إلى الله تعالى، وأداء حق الزوج والأولاد، وربما العمل الوظيفي، في الجمع بين ذلك كله جهاد وأي جهاد، وتضحية عظيمة تقدمها الداعية إلى الله تعالى، لكن من للتضحيات الجسيمات سوى الداعيات المجيدات، ومن لضرب المثل العليا إلا أخواتنا العاملات، فهذا قدرهن، وتلك طريقتهن .

6- عقبة الجمع بين متطلبات الدعوة ووظيفة البيت :
وهذا من أعسر الأمور على المرأة الداعية العاملة، وهو أن تجمع بين عملها في الدعوة وعملها في البيت، وبعض النسوة وفقن في هذا إلى حد كبير، لكن أكثرهن استسلمن لعمل البيت وتركن الدعوة كلاً أو بعضاً، فكم سمعنا عن نساء داعيات كن مشاركات بقوة في العمل الدعوي، فتزوجن وأتى الله لهن بأولاد فشغلن بهم أيما شغل، خاصة إن لم ترزق بزوج متفهم، فهاهنا الطامة، والمجتمع الإسلامي في أمس الحاجة إلى هذه المرأة الداعية؛ إذ أن عدد الداعيات من النساء قليل ونسبتهن إلى دعاة الرجال ضئيلة، والهجمة على المرأة شرسة، لذلك كله عظمت الحاجة إلى كل امرأة داعية، وهاهي بعض الخطوات العملية في هذه المسألة :

أ- الأصل أن ترعى المرأة بيتها وأولادها، فإن فضل وقت فيمكن إنفاقه في الدعوة، وان عَسُر عليها توفير وقت للدعوة فلا تضيع أولادها وزوجها لتخرج إلى دعوتها، وعليها أن تلجأ إلى بدائل أخرى موضحة في مكان آخر من هذه الرسالة، هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم .
" .... والمرأة داعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم ...."(1).

ب- يجب على المرأة الداعية ابتداءً نفي المقولة القائلة إنه عليها الاقتصار على أولادها وزوجها وترك دعوتها، فهذا لا يصلح لمثلها، فإن الآمال – بعد الله تعالى – معلقه بمثلها، وتركها الدعوة هو تخلٍّ عن ثغرة مهمة .

ج- عليها أن تتفق مع عدد من مثيلاتها من الداعيات أن يتوزعن العمل بينهن بحيث يخف عليها العبء شيئاً ما، وعليها الاقتصار في خروجها من بيتها على الحاجة التي لابد منها.

هـ- لا بأس بجلب خادمة تعمل في البيت على أن تُختار امرأة صالحة ترعى لها أولادها في غيابها، وهناك من الخادمات من هن ملتزمات صالحات فيا حبذا أن تُختار واحدة منهن، إذ الأصل رعاية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري: كتاب الأحكام: باب قوله سبحانه: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ( .




الأولاد، وهذا الأصل لا يفرط فيه لأجل غرض آخر، ولو اختيرت كبيرة من القواعد – ما بين الخمسين إلى الستين – فهو أولى لتجمع بين بقايا نشاط مساعد على العمل وبين كونها غير مرغوب فيها فلا تفتن الزوج أو من بلغ من الذكور .

والأمر الأمثل هو الاستغناء عن الخادمة، وأن تتولى المرأة وبناتها العناية بالبيت قدر الإمكان، حتى تعتاد البنات على تحمل مسؤوليات البيت، فلتروض الداعية نفسها على هذا، ولتقم بنفسها بشؤون بيتها، لكن تبقى الخادمة حلاً مناسباً في بعض الأحيان .
سألت إحدى الصحفيات السيدة هناء مصطفى مشهور عن وظيفة المرأة زوجاً وأماً وداعية، وأولويات الوظيفة فقالت :

"الأولويات المطلوبة من الأخت إذا كانت زوجة : عليها أولاً أن تؤمن في قرارة نفسها بدورها الكبير وأثرها الفعال في بناء الأسرة والذي يبدأ من فهمها للزواج على أنه عبادة تتقرب بها إلى الله، وأنها بحسن سلوكها وحكمتها ومراقبتها الله تستطيع أن تجعل بيتها جنة يستريح فيها زوجها من متاعب الحياة خارج البيت .

كذلك عليها أن تهتم بزادها الروحي حتى إذا كثرت عليها المسئوليات والأعباء لا تنشغل عن صلتها بالله تعالى وتجتهد أن تحول



كل عادة إلى عبادة وتستفيد من كل دقيقة من وقتها وتذكر فيها الله ليبارك لها في الوقت .

كذلك على الأخت أن تعد نفسها الإعداد الجيد لأن تكون زوجة مسلمة بحيث تتعرف على دورها في البيت سواء واجبات وحقوق الزوج والأولاد أو الاطلاع على فقه النساء ليساعدها على أداء ما عليها من طاعات .

وأن تتقن الإدارة المنزلية وتتعلم بعض المهارات التي تحتاجها في بيتها وأن تحرص على ضبط مناخ البيت وتنظم الوقت وترتيب أولويات الأعمال المطلوبة منها .

قلت: من الملاحظ على بعض الأخوات أن ممارستهن للدعوة أحياناً تكون على حساب واجبات البيت والزوج والأولاد؟ كذلك يرجع تقصير بعضهن تجاه الدعوة إلى اهتمامهن البالغ بواجبات البيت والزوج، فكيف يمكن للأخت المسلمة لابد أن تتربى على جوانب ثلاثة: الثقافي والسلوكي والحركي وأن الكل مطلوب إذن فسلوك الزوجة يظهر في معاملتها لزوجها وأولادها، وثقافتها تظهر عند القيام بواجباتها وطاعتها، أما حركتها فهي إعداد البيت المسلم




ومعاونة الزوج على أداء واجبه الدعوي بجانب مساهمتها في توصيل دعوة الله لبنات جنسها، إذن فدورها تجاه الدعوة والبيت مطلوب دون إهمال لأي منها، ولا يجوز للأخت أن تفرق بين دورها هنا وهناك، وحتى لا يكون هناك تقصير، فإنه ينبغي للأخت أن تراعي:
* الحرص على كسب خبرات الأخريات في الإدارة المنزلية وأمور الطهي وسرعة الأداء .
* الحرص على أداء واجبات ورغبات الزوج بحيث لا يؤثر عملها في الدعوة على أداء هذه الواجبات... ولا بد أن تعرف الأخت الزوجة أنه كلما زادت المودة والصلة بين الزوجين كلما تيسر لها أداء واجبات الدعوة دون استياء الزوج .
* التركيز على تربية الأولاد خاصة في الفترة الأولى من عمرهم وتعويدهم الاعتماد على النفس في بعض التصرفات البسيطة(1).

7- عقبة الجمع بين الوظيفة والدعوة :
المرأة الداعية إن احتاجت أن تعمل خارج بيتها في وظيفة ما فإن العبء يكون ضخماً عليها، فإذا اجتمع إلى ذلك كونها ذات زوج وأولاد فقد تضاعف عليها العبء أضعافاً مضاعفة فماذا تصنع حينئذٍ؟ إليكِ أختي بعض الخطوات التي قد تحل شيئاً من هذا الإشكال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح "الأخوات المسلمات" 233-235 . هناك بعض الأخطاء اللغوية تركتها دون تصرف .


أ- إذا كانت الوظيفة ذات طبيعة دعوية، مثل أن تكون المرأة مدرسة أو وكيلة مدرسة أو مديرتها، أو أن تكون موظفة في هيئة خيرية أو دعوية أو إغاثية أو ما شابه هذا من الأعمال فإنها قد تعد كافية في مزاولة المرأة دعوتها، وعليها بعد ذلك أن تتفرغ لبيتها وأولادها، ولا تخرج إلا لغرض دعوي مُلّحٍ لا يقوم بدونها .

ب- وإن لم تكن الوظيفة ذات طبيعة دعوية فإن على المرأة الداعية العاقلة أن تنظر في أمر الاستمرار فيها إلى أن تجد وظيفة أخرى أنسب وألصق بدعوتها، وإن لم يمكن إيجاد وظيفة أخرى فإنه يمكن النظر من قبل بعض أصحاب الأموال من أجل تفريغها وتعويضها بمال مناسب وراتب كريم يحقق لها حاجتها، وفي الوقت نفسه يحفظ للمجتمع جهدها في الدعوة، وكفالة الداعية من الرجال أمر معروف متداول فلم لا يكون الأمر نفسه متحققاً للمرأة .

ج- وهناك من الوظائف ما يمكن أن يكون في البيت، بمعنى أن المرأة تعمل ولا تغادر بيتها، وفي ذلك أفكار متعددة، كأن تعمل في شبكة المعلومات (الإنترنت) موظفة في موقع معين، أو تعمل في مجال خدمة الاجتماعية بالهاتف، أو أن تعمل منسقة لبعض الهيئات، أو صافة كتب على الحاسب لبعض دور النشر إلى آخر ما يمكن أن يتفتق الذهن عنه من أعمال منزلية لها صبغة دعوية وتدر مالاً مناسباً يقضي حاجة المرأة .



تلك كانت بعض العقبات الاجتماعية التي قد تقف حائلاً بين المرأة ودعوتها وجدها واجتهادها فيها، وقد اقترحت بعض الحلول لكن المشكلة تظل قائمة تفتقر إلى توفيق إلهي ومعونة ربانية، بحيث تستطيع المرأة تجاوز العقبات والتحرك الجيد الإيجابي النافع، والله الموفق .



**********
















ثانياً : العقبات العلمية والفكرية والثقافية

هناك بعض العقبات أمام المرأة الداعية ناشئة من ضعف العلم الشرعي أو ضعف الجوانب الثقافية .
1- عقبة ضعف العلم الشرعي :
العلم الشرعي حصن حصين للمرأة الداعية، يقيها شر الانتكاس وحمأة الارتكاس، ويقوي دينها، ويعظم يقينها، ويطلعها على أساسيات لابد من فهمها إن أرادت ضبط دعوتها إحسان عملها .
وكثيرات هن الداعيات اللواتي يعانين من ضعف في العلم الشرعي وقلة في تحصيله، وهن يستطعن أن يحصلن طرفاً صالحاً منه إن حضرن الدروس الشرعية وحافظن عليها، وبسماع الدروس المسجلة للمشايخ المعتبرين، وبسؤال أهل العلم عما يشكل عليهن، كل هذا يساعد في تحصيل القدر المطلوب، ولست أعني بهذا أن تصبح المرأة عالمة لا والدعوة لا تشترط هذا لكن أن يكون لديها قدر معقول من العلم الشرعي تستطيع به السير الصالح في دروب الحياة، وتمتلك به السلاح الذي يعينها على دعوتها والنجاح فيها، فإن أكثر النساء ينجذبن نحو من تملك العلم الشرعي أو طرفاً جيداً منه، وقد تكون الداعية متميزة في طرحها الدعوي ذات شخصية قوية مؤثرة لكن بسبب ضعفها في مسائل من العلم الشرعي مهمة وحيوية فإنها تفقد جزءاً من تأثيرها وبريقها




لدى الأخريات، وقد تستولي على قلوبهن امرأة أخرى أقل شأناً منها وأضعف تأثيراً ومكانة، وقد تكون مشوشة ثقافياً وفكرياً ودعوياً لكن هذا بسبب تقصير تلك المرأة في تحصيل ما تحتاجه من العلم الشرعي وتكاسلها وتخاذلها في هذه المسألة المهمة فحلّت هذه مكانها .
وبعض النساء لسن متكاسلات ولا مقصرات لكنهن ينظرن إلى العلم الشرعي وتحصيله نظرة فيها الكثير من التقليل لأهمية تحصيله، وأنه ليس في سلم أولوياتهن أبداً بسبب أنهن منشغلات منغمسات في العمل الدعوي، ولهن في ذلك بعض العذر لكن لابد من التوازن في هذه المسألة المهمة، والحرص على تحصيل ما يعد الحد الأدنى منه(1) ولو عن طريق حضور الدورات الصيفية الشرعية التي انتشرت اليوم، واستفاد منها عدد جم غفير من الناس .

ملاحظ مهمة :
1- من المناسب التنبيه على أن عدداً من الداعيات اليوم يقبلن على دراسة تجويد القرآن العظيم، ويستغرقهن دقائق هذا العلم استغراقاً، ثم إن من هؤلاء لا يكدن يفقهن معاني الكتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليس هناك قدر محدد لهذا الحد الأدنى لكن أستطيع القول بأنه لابد من معرفة فرائض الأعيان وفرائض الكفايات، والتفريق بينهما، ومعرفة الحكم فيما يتردد في المجتمع ويكثر دورانه على الألسنة، أما الأحكام النادرة والأبواب المتخصصة كالبيوع والفرائض فلا حاجة للمرأة الداعية بمعرفتها .



الكريم، ولا يتدبرنه حق تدبره، ولا يرعين أوامره ونواهيه المراعاة اللائقة بحقهن وحالهن، فمثل هذا الطلب مرجوح في حقهن، والأولى الجمع كما ذكرت .

2- بعض الداعيات يصيبهن شيء من الزهو والاعتداد بأنفسهن بسبب تحصيلهن طرفاً من العلم الشرعي، وتغدو ملطخة بقدر غير قليل من التعالم والتعالي، وهذه المسكينة لم تفهم أن المراد من العلم هو العمل، وأنها بدون عمل يصبح العلم الشرعي حجة عليها لا لها، فنعوذ بالله من الخذلان وتلاعب الشيطان .

3- عدد من النسوة الداعيات ممن تعلمن العلم الشرعي لم يفهمنه حق الفهم، لم يهذبهن العلم الشرعي حق التهذيب، فانقلبن يؤثمن المخالف، وصرن يبدعن ويفسقن بدون وجه حق، ونسين أن أسس الدعوة وأصلها هو مراعاة أدب الخلاف، والحرص على جمع الصف واجتماع الكلمة، وكان يمكن لهن أن يستفدن من علمهن الشرعي في شد الأواصر الاجتماعية، وتعميق الأخوة الإيمانية، تأصيل المسائل الدعوية لكنهن اخترن سبيل المخالفة، وطريق الشقاق فنبذتهن القلوب، ومجّتهن الأنفس، وانفضت عنهن جملة من النساء كن بأمس الحاجة إليهن وإلى علمهن وفقههن، والله المستعان.





2- عقبة ضعف الثقافة :
تحصيل قدر جيد من الثقافة شرط مهم لنجاح الأخت الداعية في دعوتها، والحديث عن الثقافة طويل متشعب ليس هذا مكانه، لكن لابد من معرفة أن الثقافة قسمان : ثقافة الإسلامية وثقافة عالمية، فالثقافة الإسلامية تحصن الأخت من الشبهات، وتفهمها دينها على وجه تعتز به وتدفع عنه، تحسن به رعاية زوجها وأولادها، وتجيد به التعامل مع الأخريات، وكذلك ثقافتها الإسلامية تسمح لها بالإطلاع على أمّهات الكتب المؤثرة والتي تستطيع أن تملأ بأحاديثها المجالس والمنتديات .

أما الثقافة العالمية فهي مهمة لتنجح في دعوتها على وجه مقبول خاصة إذا أرادت أن تدعو مثقفات متميزات أو متعلمات تعليماً عالياً، والثقافة العالمية تعمق فهم المرأة فيما يدور حولها من أحداث، وما يقوم من دول، وأنظمة، ومؤسسات، بحيث تستطيع الحصول على المعلومات المهمة التي تستطيع بها المقارنة بين شريعتها وكمالها وبين شرائع الآخرين ونقصها على وجه من المقارنة مقبول، وكذلك القول في معرفتها للمذاهب الفكرية الهدامة كالحداثة مثلاً، ومعرفتها للفرق الضالة والغزو الفكري، والمكر اليهودي، والتخطيط الصليبي، والتنصير المسمى زوراً بالتبشير، وهكذا ...



فمن لم تفقه هذا كله فماذا فهمت وماذا عرفت؟ وماذا ستقول لبنات جنسها إن لقيتهم .

والناظر لحال النساء الداعيات يرى أن كثيراً منهن يفتقدن الحد الأدنى لهذه الثقافة، ولا يكدن يعرفن ماذا يدور حولهن معرفة مناسبة، ولا يفهمن مسائل في الإسلام هن بأمس الحاجة إلى فهمها خاصة ما يتعلق بالنساء، والشبهات الدائرة حول الأحكام المتعلقة بهن لا سيما في هذا العصر، أي نستطيع أن نقول إن وعيهن ضعيف أو أقرب إلى الضعف .

وتبعاً لذلك ترى كثيراً ممن يسمين داعيات لا يستطعن ابتداء الحديث اللبق في المجالس ولا المشاركة الجيدة عندما يثار نقاش ما، وإذا أردت معرفة الأسباب فسيكون على رأس ذلك ضعف الحصيلة الثقافية إلى حد مفزع، والاعتماد على مكنون سابق قد قلّت جدواه منذ زمن طويل .

نعم إن النساء يستهويهن الحديث العاطفي الوعظي القصصي أكثر من الحديث الثقافي الفكري لابد من الاستزادة من الثقافة والمزج بينها وبين أحاديث العاطفة حتى تستطيع المرأة بناء شخصية متوازنة(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك كتب ترجع لها المرأة في هذا: منها كتب الثقافة الإسلامية المقررة في الجامعات، ومنها كتاب "نحو ثقافة إسلامية أصيلة" للدكتور عمر الأشقر، و"لمحات في الثقافة =


ملاحظ على الجانبين السابقين؛ ضعف العلم الشرعي وضعف الثقافة(1):

* من المناسب علاجاً لهذين الأمرين أن تنشر رسائل وكتب خاصة موجهة للمرأة لتعميق علمها وثقافتها وفهمها لدينها .
* وأن تنشر الرسائل الجامعية وغيرها التي تؤلفها النساء – بعد أن يتخير النافع منها – على نطاق واسع، فهي أدرى بكيفية مخاطبة بنات جنسها .
* وأن تكون هناك رابطة للنساء المثقفات اللواتي يجمعن بين العلم والفهم والوعي والدين .
* إقامة ندوات وديوانيات في البيوت والمؤسسات الثقافية والخيرية والتربوية لنشر الثقافة الإسلامية والعلم الشرعي المناسب للنساء .

3- عقبة ضعف المهارات وقلة التدريب :
على الداعية الواعية أن ترتقي بنفسها دوماً، وأن تعمل على استكمال جوانب القوة في قدرتها وشخصيتها وتجنب أسباب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= الإسلامية" و "معالم من الثقافة الإسلامية" كلاهما للدكتور عمر عودة الخطيب، وكتاب "تاريخ التشريع" للشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى، وبعض المحاضرات التي تقام في المساجد تفيد المرأة في هذا الباب .
(1) استفدت في هذا من بحث الدكتورة رقية الحارب حفظها الله : رؤية مستقبلية .




الضعف، وذلك يتحقق في ضوء تدريب متواصل، والتحاق بدورات متنوعة تساعدها وتأخذ بيدها، ولأضرب مثالاً واقعياً على هذا ألا وهو التعامل مع وسائل التقنية الحديثة؛ إذ هي من أبواب إحسان الدعوة وضبطها وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من الناس، فمن ذلك أن عليها أن تتقن التعامل مع الحاسب الآلي – الكمبيوتر – الإتقان المناسب الذي يهيئ لها الاستفادة منه في دعوتها، وكذلك يجدر بها إتقان التعامل مع شبكة المعلومات – الانترنت – وفي ذلك خيرٌ كبير، وتواصل مع معلومات مهمة لا غنى لها عنها ولا تتيحها وسائل الإعلام المعتادة غالباً، وأيضاً يمكن التنسيق مع عدد من المؤسسات الخيرية والثقافية عبر شبكة المعلومات هذه .

والمشاهد أن الكثرة الكاثرة من الداعيات لم يستطعن إتقان التعامل مع هذه الوسائل ومثيلاتها إلى الآن، ولعل ذلك بسبب قلة ذات اليد، أو الانشغال التام لكن لابد مما ليس منه بُد، وعليها أن تبذل جهدها حتى تصل إلى إحسان استخدام هذه الوسائل التي يستخدمها أعداء الإسلام في بث كيد كبير ومكر ضخم فلا بد من مواجهتهم وتقليم أظافرهم .

وقد رأينا بعض النساء قد أحسنّ استخدام الوسائل التقنية في دعوتهن فعادت عليهن وعلى الدعوة بخير كبير .




واليوم قد انتشرت معاهد التدريب على المهارات المتنوعة، وسهل الالتحاق بها، ولم يعد للداعية عذر في الجهل بهذه المهارات ولا بعدم الأخذ بوسائل الارتقاء بالقدرات، فلتمض قدماً في تعلم كل ما تحتاجه من فنون الدعوة وآلاتها ولوازمها حتى تلج دعوتها القلوب بيسر وسهولة، وتحولها المحبات والمعجبات بسمتها وهديها وطريقتها .


**********














ثالثا: العقبات النفسية

وهي متنوعة عديدة، منها:
1- عقبة الشعور بالتقصير :
وهذا مرض صعب، والداعية إن غلب عليها هذا الشعور أحبطها، وأيأسها، وقنطها من نجاح دعوتها، لكن ليكن هذا الشعور مثل ملح الطعام الذي يكسبه مذاقاً سائغاً ولا تتضرر الطعام به، وليكن هذا الشعور مثل اللذعات التي يستيقظ بها النائم ويتنبه بها الغافل، فهذا هو المطلوب؛ إذ رضاها عن نفسها بالكامل مرض والمبالغة في الشعور بالتقصير وجلد الذات هو مرض أيضاً، والأمر العدل الوسط الخيار هو أن تكون بين هذين الأمرين ووسطاً بين نقيضين .

2- عقبة الشعور بالقصور :
وهذا مرض منتشر، وأسميه التواضع الكاذب والخجل الخادع، وهو مشكلة كبيرة في حياة الرجال والنساء على السواء، لكنه في النساء أكثر؛ إذ يقلّ فيهن من تشعر بالقوة والجدارة للتصدر والإفادة، ويكتر فيهن المنسحبات من الصف والاعتذار بشتى الأعذار، والدليل هو النقص الكبير المشاهد في صفوف النسوة الداعيات مع وفرة أعداد المتخرجات منهن في كليات الشريعة والدعوة وأصول الدين .


والعجيب أنه بسبب أن أكثر المتخرجات في تلك الكليات قد تخلين عن مهمتهن برزت نسوة داعيات من كليات الطب والعلوم والإدارة والاقتصاد وغيرها ليتسلمن الراية ويتصدرن الصفوف، وهذا ليس بعيب لكنه قصور من أولئك اللواتي كن الأجدر – بحكم تخصصاتهن – بقيادة المجتمع النسوي ونشر الدعوة فيه .

ولا خيار أمام المرأة الداعية إلا أن تنفي عنها هذا الشعور المميت، وتقبل على الدعوة والعمل؛ ولتقدم ما عندها ولا تلتفت إلى مثل هذه العوائق، ولتعزم ولتتوكل على الله تعالى ولتقبل فإن الحال لا يحتمل التأخير والنكوص .

3- عقبة الأمراض القلبية (النفسية) :
مثل الكبر والغرور والتعالي، والحسد، والغل، والحقد، وسوء الظن، والتشاؤم إلى آخر تلك القائمة السوداء التي قد تصاب الداعية بشيء منها مما يؤدي إلى إخفاقها وربما إنهاء حياتها الدعوية، فلتعتصم الأخت بالله، ولتحرص على نفي كل تلك الأمراض عنها حتى تثمر دعوتها ويفلح عملها(1).

**********

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك كتب كثيرة تكفلت بعلاج هذا الأمر فلتحرصي أختي على اقتنائها، لكن المهم هو التخلق العلمي وليس فقط القراءة والاطلاع، ويفيد في هذا الباب مصاحبة التقيات المتعبدات المتميزات في هذا الباب .


رابعاً: العقبة المالية

وهي عقبة كؤود تتحطم لديها الجهود، وتتبخر معها الآمال، فكم من داعية يمتلئ رأسها بأفكار كثيرة، ومشروعات نافعة، ولديها من الهمة والحماس والرشد ما يكفل نقل تلك الأفكار والمشروعات من عالم المثاليات إلى عالم الواقع ماثلة للأنظار لكن المشكلة هي قلة المال – أو ندرته – اللازم لتحقيق ذلك، وهذا أمر واقع تعاني منه النساء خاصة في الدول الفقيرة، حيث يكابد الدعاة ويجاهدون من أجل توفير الحد الأدنى من المال اللازم لتحقيق ما لا بد من تحقيقه من أمور الدعوة، أما في الدول الغنية فإن مشكلة الكثرة الكاثرة من المتبرعين أنهم يريدون بناء المساجد – ولو في بلد فيها من المساجد ما يفيض عن حاجتها الآنية والمستقبلية – ويريدون كفالة الأيتام وبناء المدارس، وكل ذلك حسن، لكن المتبرع لنقل أفكار الدعاة إلى مشاريع مهمة عدد قليل جداً، وليس أمام الداعية الحصيفة إلا أن تتصل بعدد من الوجيهات والمؤثرات اللواتي يملكن المال ومن ثم تحسن عرض بضاعتها عليهن، وتعمل كل ما في وسعها لإقناعهن بأهمية عملها، ولتتوصل إلى ذلك بكل من يمت إليهن بصلة حتى تتمكن من الوصول إلى عقولهن وقلوبهن، وليس من بأس أن تحاول





الداعية أن توصل كل ما عندها من مشاريع وأفكار مبتكرة إلى ذوي الأموال من الرجال عسى أن يلتفت إليها واحد منهم ويجود عليها بشيء يمكنها من تحقيق ما تصبو إليه .

- وهناك بعض المؤسسات الخيرية والثقافية والتربوية يمكن أن تتبنى بعض المشروعات الجيدة كلاً أو جزءاً فلتحرص الأخت الداعية على إيصال فكرتها إلى القائمين على تلك المؤسسات .

- وهناك بعض المشروعات يصح إعطاء الزكاة لتحقيقها كلها أو شيء منها – على اختلاف في الفتوى في هذه المسألة – فلتحرص أيضاً الأخت الداعية على الاستفادة من أموال الزكاة حينئذ فإن النفوس بها أسخى!!

***********









محاذير موجهة للداعيات

هناك جملة من الأمور على الأخوات الداعيات أن يجتنبنها فلا يقعن فيها، حتى يضمنَّ لدعوتهن نقاءها، وحسن سيرها، وتميزها، وهذه المحاذير جملتها من باب : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (خاصة أن هناك طبقة من الداعيات يعشن أوضاعاً قد تفرض عليهن أنماطاً من العمل والسلوك قد لا يكون بعضها مقبولاً بميزان الشرع أو بميزان الدعوة والتضحيات المطلوبة لها، فعليهن عدم الرضوخ والاستجابة، ومقاومة ذلك بكل ما يستطعن من قوة، وإلا تفعل يحصل لها ولدعوتها خلل، يؤخر النتائج، ولا ينضج الثمار المرجوه، فمن تلك المحاذير :

1- تميع الموقف :
ينبغي للمرأة أن تظل مستمسكة بدينها، محافظة على تعاليم الشرع المطهر أن تلقى ربها : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ((1).
وقد يعتريها في مسيرتها الدعوية الطويلة شيء من التراخي والتميع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجر آية 99 .





لكن عليها أن تعود سريعاً إلى مبادئ التربية الأولى، وأن تستمسك بها وتعتصم حتى لا تتمادى في هذا التراخي فتضل، والعياذ بالله .

والمواقف نوعان : سلوكية وفكرية .
وأمثل هنا على التميع في المواقف السلوكية بقضية الحجاب ومخالطة الرجال، ولست هنا في مقام تقرير أي الفريقين أسعد بالدليل وأصح في التدليل – وإن كنت أرى أن الواجب غطاء الوجه وأعذر المخالف – لكني أذكر أن عدداً من النساء الداعيات ممن يرين كشف الوجه قد استسهلن الحديث مع الرجال بل الضحك معهم ومجاذبتهم أطراف الحديث!! وهذا لم يقل به فقيه معتبر وقد ذهبت إلى عدد من المؤتمرات في أوروبا فوجدت أن عدداً من الداعيات قد نسين قول الله تعالى :
( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ((1).
أوْلم يربين عليها ربما، وصارت النسوة تتحدث مع الرجال على وجه عجيب، وأذكر لكم موقفاً جرى مع أحد الإخوة المشايخ في إحدى الدول الأوروبية، حيث قال: كنت حاضراً أحد المؤتمرات فجاء رجل مع زوجه التي وصفها بأنها داعية وكان لديها استفسار، فكلمتها وأنا أغض الطرف عنها، وطال الكلام وتخلله شيء من نظر الفجأة، وكنت أراها مبتسمة بل ضاحكة وكأنها تكلم رفيقتها، ومن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النور آية 31 .

ثم أعود لغض الطرف، ثم إن زوجها تركنا واقفين ومشى!! هذا مع أن طول لحيته أضعاف طول لحيتي، وهيئته تدل على أنه ملتزم، فأوجزت الحديث مع المرأة وانصرفت متحسراً . ا. هـ كلامه .

وهذا الذي جرى أصابني بالحسرة أيضاً، إذ قد صار وضع قطعة قماش على رأس بعض الداعيات ونحرهن مسوغاً للكلام وتجاذب أطراف الحديث بل الابتسامة والضحك والخلطة المعيبة مع الرجال، وقد شاهدت من هذا الشيء الكثير ولا أقوله جزافاً، وشاهدته أيضاً – لكن بدرجة أقل – ممن يغطين وجوههن .

هنا ينبغي أن تحافظ المرأة على حيائها وخَفْرها، وأن تبتعد عن التميع والتهاون خاصة إن كانت من الداعيات القدوات اللواتي يُنظر إليهن، ويُعتد برأيهن وعملهن، ولقد أذكرني الموقف الذي تعرض له الأخ بما ذكره الأمير الشاعر أسامة بن منقذ(1)، رحمه الله تعالى، حيث كان يصف كيف كان يعيش الصليبيون في بلاد الشام، ووصف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أسامة بن مرشد بن علي بم مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري، أبو المظفر، مؤيد الدولة. أمير، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر بقرب حماة، ومن العلماء الشجعان. له تصانيف في الأدب والتاريخ. ولد في شيزر سنة488، وسكن دمشق، وانتقل إلى مصر سنة540، وقاد عدة حملات على الصليبيين في فلسطين، وعاد إلى دمشق، كان نقرباً من الملوك والسلاطين خاصة صلاح الدين الأيوبي . توفي في دمشق سنة584، رحمه الله تعالى، وقد عُمِّر . انظر "الأعلام" : 1/291.




حياتهم الاجتماعية وطرائقهم السلوكية، ثم ذكر أمراً يشبه ما تعرض له الأخ الكريم، فقال :
"وليس عندهم – أي الإفرنج – شيء من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومضى"(1).

ولكلام المرأة مع الرجل آداب يجب أن تراعى وتضبط حتى يسير المجتمع المسلم منضبطاً بأوامر الشرع المطهر، فالكلام "يجب أن يكون كلاماً جاداً، وله مبررات وأسباب، والمقصود بجدية الكلام ألا يكون مزاحاً، أو تظرفاً، أو أقاصيص ومسليات، وأن يكون لهذا الكلام أسباب موجبة(2).

وقد طولبت المرأة المسلمة وهي تحدث رجلاً أو يسمعها رجل ألا تخضع في القول استجابة لقول الله تبارك وتعالى : ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً((3).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الاعتبار : 124 .
(2) المرأة المسلمة : 411 .
(3) سورة الآحزاب آية 32 .


ومعنى الخضوع في القول : تليينه أو ترخيمه، قال العلماء : " أمرهن الله أن يكون كلامهن جزلاً، وقولهن فصْلاً، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين، كما تكون حال المريبات من النساء وهن يحدثن الرجال، كما يجب أن يكون كلامها مع الرجل له مبررات وأسباب تقتضيه، بمعنى أن تكون هناك مصلحة وضرورة لهذا الكلام، وأن تفوت مصلحة لترك هذا الكلام، أو أن يكون سؤالاً في الدين ... فإن هذه وأمثالها أسباب ومقتضيات لكلام المرأة مع الرجل ... "(1).

فأين هذا مما تتسامح به عدد من الأخوات الملتزمات – وربما الداعيات – اليوم من ضحك مع الرجال، أو مزاح معهم، أو الحديث المطوّل المسلي!!.

وهذا الذي ذكرته مثال على تميع المواقف السلوكية، والأمثلة كثيرة، فمن ذلك الترخص في مصافحة الرجال الأجانب، ولبس الملابس المزركشة الملونة الجاذبة للأنظار أمام الناس، ولبس السراويل "البنطلونات" التي ربما أظهرت شيئاً من العورة إذا خرجت إلى الشارع!! أو اجتمعن بالنساء!!، والاختلاط المعيب بالرجال، وكل ذلك من التميع المؤدي إلى الحرمان من ثمرات العمل والدعوة؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "المرأة المسلمة" 411 – 412 .


إذ كيف ترجو الداعية توفيقاً وحالها هكذا، وأين هي مما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة في حجابها وشخصيتها وتعاملها، وهل هي بذلك ترجو أن التأثر بها النساء ويتبعنها؟!

وكل ذلك قد يبرر بتغير الزمان، ومسايرة المجتمع، وأنه ليس بالإمكان خير مما كان، وأن هذا هو حال الناس فماذا ترجو أكثر من هذا، ولعمر الحق إن هذا لبلاء وأي بلاء، وإن هذا الضعف والتميع والتراخي في صفوف الداعيات لهو نذير شر إن لم يستدرك ويعدل مساره، والله الموفق(1).

وأما مظاهر التميع في المواقف الفكرية فهي كثيرة؛ فمن ذلك:
1- الالتفات إلى زلاّت العلماء والدعاة وتضخيمها وإحياؤها .
2- تأثيم المخالف أو تبديعه بغير وجه حق .
3- النظر بشيء من الإعجاب لحياة الكافرين والعصاة وسلوكهم وطرائق عيشهم والتأثر بها بصورة من صور التأثير، وهذا مشاهد عند من خالط أولئك واقترب منهم .
4- الخلط في الحكم على ما يخالف دين الإسلام مخالفة كلية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الكتاب ليس موجهاً لبلد دون آخر ولا لفئة دون أخرى، لذلك فإني أورد ما رأيته أو خبرته في صفوف الداعيات في كثير من بلدان العالم الإسلامي وغيره، فلا يتعجب إذن مما أورد أو يستغرب ويستبعد .



أو جزئية من أفكار وعقائد وتصورات وتراث إلخ ... وعدم وجود تصور واضح إزاء كل ذلك، وهذه وجدناها عند عدد من الداعيات اللواتي – على سبيل المثال – أيدن صداماً ونظامه وتحمسن معه سنة 1411 عندما غزا الكويت، ضاربات بعرض الحائط مخالفة ذلك النظام للإسلام، وأفعاله الشنيعة التي فعلها بالمسلمين .

2- ضعف الهمة وقلة الصبر :
مشكلة كثير من النساء أنهن ينقصهن الدأب والهمة العالية، فسرعان ما ييئسن وينقطعن، وهذا مشاهد معلوم، وربما يكون ذلك لغلبة العاطفة عليهن، لكن لابد للمرأة التي تريد النفع الحقيقي لأمتها أن تصحب هذه الصفة وتتميز بها – أي الهمة العالية – وذلك أن غيرها من النسوة اللواتي يسلكن طرق الضلال ويقدن المسيرة الزائغة كن يتميزن بدأب عجيب وهمة عالية للوصول إلى ما يردنه، أفلا تكون المرأة المسلمة أحق بهذه الصفة من غيرها، خاصة أنها تواجه مخططات ضخمة تريد بها سوءاً وبدينها نزوحاً عن موقع السيادة والريادة .

وإليكِ أختي الكريمة كلام الأستاذة زينب الغزالي وفقها الله تعالى تصف صبر الداعيات ودأبهن :

" لمسنا نماذج رائعة، الواحدن من الأخوات تعدل عشرات من



الرجال، لن أنسى تلك الأخت الفاضلة التي كانت والدة لأحد الإخوة المسجونين معنا في سجن الواحات الخارجة هناك في أعماق الصحراء الغربية، وكيف كانت تقوم بتوصيل الإعانات المادية إلى أسر الأخوة المسجونين، وكم كانت تتعرض بسبب ذلك إلى مضايقات كثيرة وعنت شديد من رجال الأمن، وكيف كانت تتحمل أعباء السفر الشاق الطويل لتحضر إلينا في سجن الواحات لزيارة ولدها، ولكنها كانت تحضر معها ما يقرب من عشرين عبوة من الملابس والمأكولات، حملها إياها أهل إخوة مسجونين معنا، ورغم أن السفر من القاهرة إلى الواحات تضطر فيه إلى تغيير القطارات أكثر من مرة، ولكنها مع أنها كانت مسنة كانت تحافظ على الأمانات التي حملتها حتى توصلها سليمة، أنا شخصياً أقر أني لو كنت مكانها لعجزت عن القيام بما كانت تقوم به، ولكنه تيسير الله لها وعونه إياها، فجزاها الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وكم تحملت زوجات كثير من الإخوة مشاق الحياة ورعاية الأولاد أثناء غياب أزواجهن وراء الأسوار، وكم تعرضت الكثيرات منهن لضغط مباشر وغير مباشر من رجال السلطة كي يطلبن من القاضي الطلاق من أزواجهن، ولكنهن رفضن وصبرن السنوات الطوال حتى خرج لهن أزواجهن وقد قضى بعضهم عشرين سمة كاملة في السجن، خرجوا




ليجدوا أولادهم قد كبروا وقد أحسنت أمهاتهم تربيتهم، وربما وجدوا بعض أولادهم صاروا آباءً وأمهات"(1).

وإليكن أخواتي قصصاً لنساء مسلمات جاهدن وتعبن وأحاطت بهن الأخطار فما لِنَّ ولا تنازلن عن دعوتهن وجهادهن، وكان فيهن الأسوة الحسنة إن شاء الله تعالى، فهذه امرأة الشهيد – بإذن الله – يحيى عياش تتحدث عن المصاعب التي واجهتها مع زوجها فتقول حفظها الله تعالى نفع بها :

"مكثت في بيت عمي في بداية فترة مطاردة يحيى متخفية عن أنظار الجيران حتى إذا ذهبت لزيارته لا يشك بذلك أحد، وقبل ذهابي إلى غزة أرسل إليّ يحيى رسالة مكتوبة بخط يده الذي أميزه بين الآلاف الخطوط يستشيرني في إمكانية مغادرتي الضفة الغربية، وتشاورت في الأمر مع والد زوجي، وقررت الذهاب إلى زوجي، ثم اصطحبني أحد الإخوة المجاهدين عن طريق كلمة سر قالها لي لا يعرفها أحد سواي أنا ويحيى، فاصطحبني الشاب ووالدة يحيى وابني البراء، وكان الشاب يحمل معه العديد من البطاقات الشخصية المزيفة ليسّهل علينا دخول الحواجز".



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " يا نساء الدعاة لستن ككل النساء " 88-89 .



لقد كانوا يجتازون كل حاجز إسرائيلي بإسم مستعار مختلف وبسيارة أخرى غير السيارة الأولى، حتى يتخفوا على جنود الاحتلال، كما أن الشاب كان يمتلك قدرة فائقة على التنكر حسب شكل الصورة التي كانت تحملها البطاقة الشخصية المزيفة .

أما بالنسبة لأم البراء ووالدة المهندس فقد كان الأمر سهلاً، لأن قوات الاحتلال لم تكن آنذاك تدقق كثيراً في صور النساء .

وتذكر أم البراء :
" لم يكن يمكث عندنا في الأسبوع سوى ساعات معدودة، ثم يخرج دون أم أعلم إلى أين نقصده، فحياة المطارد وإن كانت مليئة بالأخطار فهي تمتاز بحلاوة الجهاد التي لا يمكن لأحد أن يتذوقها غير المجاهد ".

وحول أهم المغامرات التي عاشتها في تلك الأيام قالت :
"قضيت معظم أيام مكثي في غزة مطاردة أتنقل من بيت لآخر. ولا أمكث في أحدها أكثر من أسبوع لا أشاهد أحداً حتى لا يشك في وجودي، وأنام والقنابل اليدوية فةق رأسي، وسلاحي بجواري، وخاصة أنني كنت أتقن استخدامه وأتقن كيفية تحديد الهدف، فحياتنا معرضة للخطر في كل لحظة، والمنزل معرَّض للمداهمات من قبل جيش الاحتلال حتى يستخدمني الصهاينة وسيلة للضغط على زوجي".


وضماناً للسرية كان الاعتماد الأساسي على الرسائل الخطية بينها وبين زوجها، لقدرة كل منهما على تمييز خط الآخر، ومازالت تحتفظ برسائله حتى يومنا هذا، ومنها رسالة خطية حصلت عليها "إسلام أون لاين.نت".

وتذكر أم البراء لصوت متألم :
"ذات مرة لاحظ أهل البيت الذي كنا نختبئ به وجود مراقبة حول البيت، فاضطررت أن أختفي أنا وولدي براء، وأحكم إغلاق الغرفة علينا لمدة أسبوع تقريباً، لا أرى أحداً من البشر غير زوجة المجاهد التي كانت تحضر لي الطعام، كانت لا تمكث معي أكثر من ربع ساعة".

وتبتسم أم البراء حين تتذكر لحظات عصيبة أخرى :
"ذات مرة دُوهم البيت، كانت ساعة عسيرة، فاضطررت أن أختبئ وولدي داخل الخزانة، وأن أحكم إغلاقها علينا".
ثم تقول حفظها الله تعالى :
" لاشك أم كل امرأة تتلقى خبر جهاد زوجها بشيء من الخوف والفزع في البداية، وتبدأ الهواجس تصوِّر لها زوجها وقد تحول إلى أشلاء متناثرة ... تتذكر أم البراء كيف عرفت بجهاد زوجها، قائلة :
"منذ الأيام الأولى لحياتي الزوجية كان يأتي يحيى إلى المنزل وملابسه


متسخة بالوحل والتراب، وعندما أسأله عن سبب ذلك كان لا يرد عليّ، بل كان يرجوني برفق ألا أسأله عن شيء، وفعلاً استجبت لرأيه، لأني على ثقة بأخلاقه والتزامه بمبادئ دينه .

حتى جاء اليوم الذي حاصر جيش الاحتلال المنزل ليعتقل يحيى، لكنه لم يكن بالمنزل، وعندما شعر أني خائفة كثيراً صرّح لي بطبيعة عمله وخيَّرني بين مواصلة طريق الجهاد معه أو الانفصال عنه"(1).

وهذه أم نضال المرأة الفلسطينية الصابرة المجاهدة لمنازلة أعداء الله تعالى، هذا والمرأة الفلسطينية مشهورة بالعاطفة القوية تجاه أولادها لكنها ضحت به ابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وقد قالت حفظها الله تعالى ونفع بها تصف استشهاد ابنها محمد :
"قبل العملية بشهر تقريباً شغل بها محمد شغلاً كبيراً فقد عاش فيها لحظة بلحظة وترك أمور الدنيا حتى ذهابه للعمل كان ثقيلاً جداً عليه، أما في الأسبوع الأخير من حياته فقد عشنا أنا وإياه هذه الأيام بكل المشاعر الإنسانية من ألم الفراق الرهيب الذي كان يخيم على مشاعري في كل مرة أراه فيها، فكلما دخل عليّ أحسست بانقباض في صدري وحزن عميق في قلبي، وكثيراً ما أضعف وتغلبني دموعي فيهددني ويقول :




"خلاص بلاش عملية"، وذلك حتى يخوفني بعدم القيام بهذا العمل، فهو يعرف أني حريصة جداً على تنفيذها وأرد عليه قائلة :
"بالله عليك يا أبني لا تهتم بدموعي دعني أفرغ شحنة من الحنان الذي في قلبي، ألست أماً؟ أم أنت رخيص عليّ إلى هذا الحد؟ امض على ما أنت ماضٍ عليه ولا تعير دموعي أي اهتمام!"، فيضحك ويقول : " طيب ابكي قد ما بدك ".

وهنا أوجه كلمة لمن يستغرب هذا العمل أن أضحي بابني وهو غالٍ عليّ كل هذا الغلاء، أقول لهم : هل نحن نعيش في هذه الدنيا تحكمنا العواطف والمشاعر الإنسانية والشهوات أو يحكمنا شرع الله؟! فكم من أمور شرعية لا توافق عواطفنا نقوم بتنفيذها والعمل بها ليل نهار، وأضرب مثلاً بسيطاً بالصيام ألسنا نجوع ونعطش ونتعب؟ كل واحد فينا مر عليه هذا الموقف، لقد رأينا أبناءنا يتعبون ويجوعون ويعطشون ونشفق عليهم جداً ولكن هذا فرض من فروض ديننا الحنيف لا يمكن تركه أبداً، كذلك في كل الفروض من صلاة وحج وأوجه كثيرة جداً من أوجه العبادات كلها تريد منا مشقة وجهداً وحرماناً من بعض شهواتنا، والجهاد اليوم فرض عين في بلادنا إذا تركناه نأثم، أفنتخذ إلهنا هوانا؟ ونعيش تحكمنا العواطف والأهواء، إن الإيمان يتطلب منا تضحية في كل شيء فلنضغط على عواطفنا



ومشاعرنا التي لا تتفق مع شرع الله، ولنفز بمرضاة الله عز وجل بالعمل بما فرض علينا من أمور مهما كانت صعبة، فهذا والله أقل الواجب نحو الله حتى وإن كان صعباً على نفوسنا ثم أقول : ألا يستحق ربنا منا أن نجود بأي شيء نملكه؟ فمن نحن ومن أبناؤنا بجانب الله سبحانه وتعالى وهو أحق بهم منا، هو الذي خلقنا وإليه مرجعنا هو مالكنا من أحق بنا منه؟ لا أحد لا أحد!، ثم إن هذا جهاد واستشهاد وله من الكرامات مالا يوصف، فإذا كنا نحب أبناءنا هذا الحب لماذا لا نبحث لهم عن الخير، خير الدنيا والآخرة، وأي خير – مهما بلغ – أعظم من الشهادة في سبيل الله، يكفي أنه يجار من النار، تكفي هذه والله، بعد هذا ألا يجدر بنا أن نسعى لنيل الشهادة لنا ولأبنائنا؟ فهي مرضاة الله عز وجل لنا ولأبنائنا وخير ديننا وخير أنفسنا إن شاء الله تعالى .

في اليوم الأخير الذي مكثه عندنا كان مشغولاً جداً ولم أره كثيراً فقد خرج ليسجل شريط قراءة الوصية وأخذ بعض الصور، كان إغلاق الطريق يقلقه أشد القلق وكانت قد بقيت واحدة من أخواته لم يرها، فقد رآهن جميعاً دون أن يخبرهن بالعملية، جهزت له طعام الغداء وانتظرته حتى أتى، تناول الطعام على عجل ليلحق قبل أن تغلق الطريق في الجنوب، وكان وداعه على عجل حتى إني كنت




أتمنى أ أقرأ له بعض السور على يديه، قرأت له بعض آيات النصر والتثبيت، وعانقته بكل الحنان الموجود على هذه الأرض ولا أتذكر ما قلته له من شدة رهبة الموقف إلا أنني شجعته ببعض كلمات التشجيع، وانطلق والسرور يملأ قلبه ووجدانه لا خوف، لا قلق، لاشيء يزعجه، يسيطر عليه الشعور بالفرحة الكبيرة، إنه اليوم سيقدم روحه ودمه لله عز وجل طائعاً مختاراً، وبعد مغادرته البيت أخذ بقلبي الألم كل مأخذ، لم أبك كثيراً، ولكني أحسست بجبال من الحزن تجثم على قلبي، وصبرت نفسي بشغلة هنا وشغلة هناك، ولكن والله شدة فرحتي بأني أقدم اليوم ابني فداءً لله عز وجل، غطت على هذا الألم الشديد، وبقيت أنتظر اتصاله بي، فما زال يتصل بي بين الحين والآخر وفي كل مرة كنت أحس بأن السعادة تغمره من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، أقول له :

"كيف أنت يمه؟ كيف معنوياتك؟" يقول لي : "مكيف" يقولها من كل قلبه، وفي آخر اتصال بيننا لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء على الجوال، وبكى هو الآخر عليّ فقط ليس على أي شيء آخر، ولما سمع صوت عماد – ابن أخيه نضال – وهو في السنة الثالثة من عمره قال : "أعطني يمه عماد" لقد كان يحبه حباً شديداً ثم قال :
" سأقفل الجوال وها أنا ذاهب إلى المستوطنة الآن ".




وبعدها لم يكن أمامي إلا الصلاة والدعاء، كنت قلقة جداً ألا ينجح في عمليته فما كان يهدئ من نفسي إلا الصلاة والدعاء لقد أسلمت أمري كله لله، وأخذت أجأر بالدعاء كأشد ما يكون . وتأخر النبأ وأخذت تمضي الساعات بطيئة متثاقلة تقترب من الثانية عشرة ليلاً فإذا بالفرج يأتي من عند صاحب الفرج، فتح الشباب على إذاعة إسرائيل فإذا بالمذيع يذيع الخبر والعملية لا زالت دائرة يقول المذيع: "هناك قتيل واحد ولا نعرف كم عدد المهاجمين، ولكننا كنا نعرف أن هذه عملية محمد فانتظرنا قليلاً وأعصابنا مشدودة وعيوننا تنظر إلى التلفاز ونحبس أنفاسنا مع كل جديد، فأتى شباب آخرون يستمعون وتنحيت قليلاً وإذا بنضال ابني (أبو عماد) يحتضنني ويقول لي :
"مباركة يمه شهادة محمد فقد أذاعوا بأن المسلح قد قتل" . امتلأ قلبي بالحزن والفرح في آن واحد لقد تألمت على فقدان ابني الحبيب ولكن هذا ما كنت أتمناه وأنتظره بفارغ الصبر، ذهبت بعيداً عنهم وسجدت سجدة شكر لله عز وجل وخجلت والله أن أقول: "اللهم أجرني في مصيبتي"، لأنها نعمة والله ليست مصيبة، ودعوت الله أن يتقبل منه ومني وأن يجمعني به في الفردوس الأعلى إن شاء الله تعالى . رحمك الله يا حبيب قلبي وثمرة فؤادي كم كنت ابناً باراً، كم نفعتنا بعمرك القصير الذي كان كعمر الزهور، وسننتفع بك إن شاء الله تعالى في اليوم العصيب الذي ينتظرنا في الآخرة .



رحم الله كل شهداء فلسطين وكل شهيد جاهد لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا والحمد لله رب العالمين"(1).

وإليكن قصة أخرى لعملاقة من نساء فلسطين الصابرات :
"الحاجة أم نبيل هي الخنساء الثانية في فلسطين بهد الحاجة أم نضال فرحات التي ودعت ابنها بحرارة قبل أن يتوجه إلى مستوطنة عتصمونا ليدك حصون الأعداء، قبل أن ينطلق الشهيد محمد حلس إلى مهاجمة الأعداء سجل شريطاً مع والدته الحاجة أم نبيل وهمس لها بكلمات وأوصته هي ودعت له، وذكرت الحاجة أم نبيل أنه كان شاباً مؤدباً ومتديناً ويصوم بشكل مستمر أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع ويحرص على الصلاة داخل مسجد الإصلاح بالحي، وكان دائم الابتسامة عطوفاً حنوناً .

وقالت :
"إنها لمست لدى ابنها رغبة شديدة في نيل الشهادة"، مشيرة إلى الاحتلال وأساليبه ضد أبناء شعبنا، بالإضافة إلى قيام الاحتلال بسجن عدد كبير من أفراد العائلة وفي مقدمتهم والد الشهيد، وقالت : إنه كان عندما يشاهد عبر شاشات التلفزيون ويشارك في تشييع الشهداء يزداد إصراراً على مقاومة الاحتلال ورغبة شديدة أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " أبطال فوق الخيال " 277-282.



ينال الشهادة مثلهم، وتضيف أن ابنها قام بمصارحتها عن نيته تنفيذ عملية فدائية ضد الاحتلال، مؤكدة أنها لم تمنعه وأنها دعت له بالتوفيق، وأن ينفذ عمليته بنجاح وينال الشهادة التي تمناها، وقالت : "قلت له: اذهب على بركة الله وعد إليّ شهيداً كما تمنيت، واطلب من الله ألا تصاب بجروح وتقع أسيراً في يد الاحتلال، بل عد شهيداً... وها هو عاد إلينا شهيداً كما تمنينا له".

وبالنسبة لموعد تنفيذ العملية ذكرت الحاجة أم نبيل أنها كانت تعلم بموعد تنفيذها بالضبط وتقول إنه قبل توجهه إلى مستوطنة نتساريم وخروجه من المنزل عصراً قالت له وهي تحتضنه وتقبله: " ها هو الموعد أزف وأنا أنتظر أن تعود إليّ شهيداً".

وتضيف :
"قبّلته بحرارة، ودعوت له بالتوفيق، وقلت له : كن صامداً وصبوراً وصابراً، ووجّه سلاحك بدقة في وجه الأعداء".

وتضيف :
"بعد خروجه من المنزل وتوجهه إلى المستوطنة بقيت أصلي طيلة الوقت وانتظرت الخبر السعيد خبر استشهاده".
وتعود وتول :
" خذ أمتعتك ولا تترك للأعداء الفرصة لتقتلك قبل أن تثأر منهم


لأبناء شعبك وأهلك"، وعن الفترة التي قضتها منذ توجهه إلى المستوطنة حتى تلقيها نبأ استشهاده تقول الحاجة أم نبيل :
"كانت فترة عصيبة جداً، كنت فيها على أعصابي، أدعو وأصلي لله وصليت الاستخارة أن يعود إليّ ابني محمد شهيداً وقد نفذ عمليته بنجاح... صليت حوالي أربع مرات طيلة الليل ولم أذق طعماً للنوم، والحمد لله نلنا ما تمنيناه".

وبعد تلقيها نبأ استشهاده تؤكد الحاجة أم نبيل أن الفرحة كانت لا توصف شكرت الله تعالى على أنه شرفها باستشهاد ابنها وتمنت أن تلتقي به في مستقر رحمته يوم القيامة، وتبتسم الحاجة أم نبيل وتقول بصراحة شديدة :

"كنت اشتريت الحلوى وأعددتها قبل خروجه من المنزل ولم يعلم أحد، وما إن تلقينا نبأ استشهاده حتى قمت بتوزيعها على الجيران وأطلقت زغرودة"، الشهيد محمد فرحات الذي قتل 7 جنود صهاينة وأصاب أكثر من 30 آخرين لدى اقتحامه مستوطنة عتصمونا ولكن في آخر لحظة تم استبداله، وحول واقعة استبداله تقول والدته :
"لم أرَ محمداً حزيناً بهذا الشكل طيلة حياتي"، وتقول :
"جاءني وقبله مملوء بالحزن والحسرة"، مشيراً إلى أنه كان يتمنى أن يكون هو



المنفذ وقلت سيأتي عليه يوم قريب وتنفذ عملية أخرى في قلب الأعداء، وهاهي جاءته الفرصة وقام بتنفيذ العملية في مستوطنة نتساريم ونال الشهادة التي أحبها وتمناها"(1).
وهذه قصة أخرى لامرأة مجاهدة صابرة وهي :
"خنساء رفح أم الشهداء القساميين الثلاثة، أخذت اللقب بجدارة، فهي من أنجبت وربت (بسام وياسر ويوسف) أبناء عائلة رزق، العائلة القسامية، التي شردت من ديارها عام 1948م من قرية الفالوجا ليستقر بها الحال في مخيم الشابورة في مدينة رفح، وعانت كباقي الأسر الفلسطنية لحظة اللجوء والتشرد لحظة بلحظة، وتوالت عليها الابتلاءات والمحن، وهي صابرة محسبة، فقدت ثلاثة من أبناءها القساميين المجاهدين في لحظة واحدة .

جبل ن شموخ :
وقفت الحاجة أديبة رزق أم الشهداء الثلاثة كجبل من شموخ صابرة صامدة يعلو هامتها شموخ وكبرياء ينم عن فضيلة، وأم مجاهدة أنجبت الأبطال المجاهدين، وفقدت ثلاثة من أعز أبنائها على قلبها في وقت واحد...، تقول أم القساميين الثلاثة وهيبة وقوة في صوتها : "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأسأل الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق : 284-285.




أن يجمعني معهم في الجنة، وأحتسبهم عند الله شهداء خالصين لوجهه الكريم".

خنساء رفح :
واستقبلت الحاجة أديبة رزق – 60 عاماً – خنساء رفح "أم الشهداء" – كباقي خنساوات فلسطين – نبأ استشهاد أولادها الثلاثة بالزغاريد، ووقفت شامخة توزّع الحلوى على من جاء يواسيها في مصابها، وأخذت تهدئ من روع من حولها وتطلب منهم الدعاء والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن شكراً لله، وتأمرهم بالكف عن البكاء"(1).

ذلك كان حال بعض نسائنا العظيمات، فما هو حال من دخل الإسلام من النسوة اللواتي من في كفر وضلال ؟
إليكن أخواتي لمحات من حياة بعض النسوة اللاتي أسلمن بعد كفر وظلال، وكان لهن باع في الدعوة إليه، فهذه الأخت البلجيكية هدى التي كان اسمها بوليت غيو، التي أسلمت بعد اقتناع تام بدين الإسلام وقصتها رائعة، اسمعن إليها وهي تقول في ختام قصتها :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " أبطال فوق الخيال " 288-289.




"لقد عرضت عليّ أختي بنت سفير السنغال أن أترك الشركة إلى سفارتهم، لأجد الجو الإسلامي الذي يريحني من مضايقات المخالفين، فترددت أولاً، ثم رأيت أن أقبل هذا العرض وإن كان دخله دون مرتبي الأول، إلا إنه سيوفر لي من الراحة النفسية ما أنا في مسيس الحاجة إليه، وفي هذه المناسبة أقول إنني قررت الاكتفاء بالضروري من دخلي لأجعل ما يزيد عن حاجتي في خدمة الدعوة، ولمساعدة الفقراء من لاجئي الألبان المسلمين، وسوف أفتح منزلي لاستقبال أطفال هؤلاء الذين تضطر أمهاتهم إلى تركهم للعمل أثناء النهار، وعندي اقتراح آخر هو أن نتخذ من هذا المنزل مركزاً خاصاً لاجتماعات نسائية أسبوعية، تضم المسلمات وغير المسلمات، من المثقفات الأوروبيات اللواتي نأنس فيهن رغبة في الحق، وقدة على فهمه"(1).

وهذه البريطانية مريم هاو، وكان اسمها روزماري قبل إسلامها تسأل هذا السؤال :

"ثم كان السؤال التالي للأخت مريم هاو : وماذا عن رد الفعل لدى والديك وأقربائك والأصدقاء تجاه دخولك في دين الإسلام؟ فقالت :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " رجال ونساء أسلموا " 42.


بالنسبة لصديقات المقربات وزميلاتي في الجامعة فقد قابلن الوضع بصورة عادية واحترمن رغبتي، خاصة وأنّهن كانت لديهن فكرة عن الإسلام. أما والدي وأقربائي فقد صدرت منهم معارضة شديدة، وخاصة من جانب والدتي التي انفعلت وواجهت الموقف بصورة عاطفية حادة فرفضت كل شيء. أما والدي وبالرغم من عدم موافقته على ما فعلت إلا أنه احترم حريتي في الاختيار، بل لقد وقف ضد أقاربي الذين عزموا على مقاطعتي وعدم التعامل معي لأني اعتنقت الإسلام.

بعد ذلك تضيف الأخت مريم قائلة :
أما الآن فالحمد لله أصبحت علاقتي طيبة معهم، وأتمنى في زيارتي القادمة لإنجلترا أن أعرفهم بالدين الإسلامي على حقيقته، فهم متأثرون بالدعاية الصهيونية عن الإسلام. كما أريد أن أكون لهم قدوة حسنة، ومثالاً للمرأة المسلمة الحقة لعلهم يقتنعون بالدين ويدخلون فيه. فمن واجبي كمسلمة أن أدعو الناس إلى الإسلام، ولكن المهم أن أفعل ذلك بطريقة مقنعة محببةٍ إلى القلوب"(1).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " رجال ونساء أسلموا " 634.






الله أكبر، هذه المرأة البريطانية التي تعرفت على الإسلام حديثاً تقول إن من واجبها الدعوة إلى الله فماذا تقول نساؤنا؟

وهذه الأخت ياسمين أجيو – جوزفين سابقاً – من اسكتلندا تقول :

"قررت إعلان إسلامي لاقتناعي بأن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلات الإنسان في العصر الحاضر، وهكذا أصبحت مسلمة منذ عام 1976م، وأنا الآن عضو في جمعية الدعوة الإسلامية في جنوب أفريقيا وهي جمعية تقوم بالنشاط الإسلامي فيها مجموعة من المسلمين الأوروبيين في جنوب أفريقيا ...
ثم قالت عن مشروع لها في الدعوة إلى الإسلام :
بدأت بزيارة الكويت، وأعتزم زيارة السعودية بعد فترة لأداء فريضة الحج. والهدف من الزيارة هو الحصول على الدعم المالي لإنشاء مركز إسلامي ثقافيّ رياضيّ بالقرب من جوهانسبرج حيث تبرع أحد المسلمين هناك ويدعى السيد ميا، بقطعة أرض مساحتها خمسون فداناً لإقامة هذا المشروع عليها، والهدف من المشروع دعوة الأفارقة إلى الإسلام؛ إذ أن عدد الأفارقة المسلمين قليل جداً. ونريد أن نستقطبهم ونقدم لهم الخدمة ونتيح لهم الفرصة للتعرف على الإسلام أملاً في أن يصبح دينهم في المستقبل، لأن فيه الحل الوحيد لمشكلاتهم.


وتضيف الأخت ياسمين قائلة:
ليست هذه هي زيارتي الأولى للكويت فقد زرتها من قبل للتباحث مع جامعة الكويت لإنشاء كرسي للدراسات الإسلامية في إحدى الجامعات الهامة في جنوب أفريقيا. وقد أبدت جامعة الكويت اهتماماً مشكوراً بالموضوع"(1).

فهذه امرأة أسلمت فلم ترض أن تسكن وتهدأ حتى تقوم بواجبها في الدعوة إلى الله تعالى وتثبيت دعائم الإسلام في جنوب إفريقيا، وسافرت من أجل هذا واشتركت في جمعية إسلامية، فهل تعي نساؤنا عامة والداعيات خاصة هذا الدرس من هذه المرأة الأوربية – الجنوب افرقية؟

وهذه قصة خديجة – ميري واتسون – التي كانت منصرة ثم اهتدى، وهذا حوار جرى معها يوضح جوانب من قصتها المضيئة :

بين الشك واليقين مسافات، وبين الشر والخير خطوات، اجتازتها "ميري واتسون" معلمة اللاهوت سابقاً بإحدى جامعات الفلبين، والمنصّرة والقسيسة التي تحولت بقضل الله إلى داعية إسلامية تنطلق بدعوتها من بريدة بالمملكة العربية السعودية بمركز توعية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " رجال ونساء أسلموا " 736-737.



الجاليات بالقصيم، لتروي لنا كيف وصلت إلى شاطئ الإسلام وتسمت بإسم خديجة.

بياناتك الشخصية قبل وبعد الإسلام؟
أحمد الله على نعمة الإسلام، كان اسمي قبل الإسلام "ميري" ولديّ سبعة أبناء بين البنين والبنات من زوج فلبيني، فأنا أمريكية المولد في ولاية أوهايو، وعشت معظم شبابي بين لوس أنجلوس والفلبين، والآن بعد الإسلام ولله الحمد اسمي خديجة، وقد اخترته لأن السيدة خديجة – رضي الله عنها – كانت أرملة وكذلك أنا كنت أرملة، وكان لديها أولاد، وأنا كذلك، وكانت تبلغ من العمر 40 عاماً عندما تزوجت من النبي صلى الله عليه وسلم، وآمنت بما أنزل عليه، وكذلك أنا كنت في الأربعينات، عندما اعتنقت الإسلام، كما أنني معجبة جداً بشخصيتها، لأنها عندما نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم آزرته وشجعته دون تردد، لذلك فأنا أحب شخصيتها.

حدثينا عن رحلتك مع النصرانية .
كان لديّ ثلاث درجات علمية: درجة من كلية ثلاث سنوات في أمريكا، وبكالوريوس في علم اللاهوت بالفلبين، ومعلمة الاهوت




في كليتين فقد كنت لاهوتية، وأستاذاً محاضراً وقسيسة ومنصّرة، كذلك عملت في الإذاعة بمحطة الدين النصراني لإذاعة الوعظ النصراني، وكذلك ضيفة على برامج أخرى في التلفاز، وكتبت مقالات ضد الإسلام قبل توبتي، فأسأل الله أن يغفر لي، فلقد كنت متعصبة جداً للنصرانية .

ما نقطة تحولك إذن من منصّرة إلى داعية إسلامية؟
كنت في إحدى الحملات التنصيرية إلى الفلبين لإلقاء بعض المحاضرات، فإذا بأستاذ محاضر فلبيني جاء من إحدى الدول العربية، لاحظت عليه أموراً غريبة، فأخذت أسأله وألحّ عليه حتى عرفت أنه أسلم هناك، ولا أحد يعرف بإسلامه وقتئذ .

وكيف تخطيت هذه الحواجز وصولاً إلى الإسلام؟
بعدما سمعت عن الإسلام من هذا الدكتور الفلبيني راودتني أسئلة كثيرة: لماذا أسلم؟ ولماذا بدل دينه؟ لابد من أن هناك شيئاً في هذا الدين وفيما تقوله النصرانية عنه؟! ففكرت في صديقة قديمة فلبينية أسلمت وكانت تعمل بالجزيرة، فذهبت إليها، وبدأت أسألها عن الإسلام، وأول شيء سألتها عنه معاملة النساء، لأن النصرانية تعتقد أن النساء المسلمات وحقوقهن في المستوى الأدنى في دينهن،




وهذا غير صحيح طيعاً، كما كنت أعتقد أن الإسلام يسمح للأزواج بضرب زوجاتهم، لذلك هن مختبئات وكائنات في منازلهن دائماً!

ارتحت كثيراً لكلامها فاستطردت أسألها عن الله عز وجل، وعن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعندما عرضت عليّ أن أذهب إلى المركز الإسلام ترددت فشجعتني فدعوت "الرب" وابتهلت إليه حتى يهديني، وذهبت فاندهشوا جداً من معلوماتي الغزيرة عن النصرانية ومعتقداتي الخاطئة عن الإسلام. وصححوا ذلك لي، وأعطوني كتيبات أخذت أقرأ فيها كل يوم وأتحدث إليهم ثلاث ساعات يومياً لمدة أسبوع، كنت قد قرأت بنهايته 12 كتاباً، وكانت تلك المرأة الأولى التي أقرأ فيها كتباً لمؤلفين مسلمين والنتيجة أنني اكتشفت أن الكتب التي قد كنت قرأتها من قبل لمؤلفين نصارى ممتلئة بسوء الفهم والمغالطات عن الإسلام والمسلمين، لذلك عاودت السؤال مرة أخرى عن حقيقة القرآن الكريم، وهذه الكلمات التي تُقال في الصلاة .

وفي نهاية الأسبوع عرفت أنه دين الحق، وأن الله وحده لا شريك له، وأنه هو الذي يغفر الذنوب والخطايا، وينقذنا من عذاب الآخرة، لكن لم يكن الإسلام قد استقر في قلبي بعد، لأن الشيطان دائماً يشغل فتيل الخوف والقلق في النفس، فكثف لي مركز التوعية الإسلامي المحاضرات، وابتهلت إلى الله أن يهديني، وفي خلال الشهر


الثاني شعرت في ليلة – وأنا مستلقية على فراشي وكاد النوم يقارب جفوني – بشيء غريب استقر في قلبي، فاعتدلت من فوري وقلت يارب أنا مؤمنة لك وحدك، ونطقت بالشهادة وشعرت بعدها باطمئنان وراحة تعم كل بدني والحمد لله على الإسلام، ولم أندم أبداً على هذا اليوم الذي يعتبر يوم ميلادي .

وكيف تسير رحلتك مع الإسلام الآن ؟
بعد إسلامي تركت عملي كأستاذة في كليتي وبعد شهور عدة طلب مني أن أنظم جلسات أو ندوات نسوية للدراسات الإسلامية في مركز إسلامي بالفلبين حيث موطن إقامتي، وظللت أعمل به تقريباً لمدة سنة ونصف، ثم عملت بمركز توعية الجاليات بالقسيم – القسم النسائي – كداعية إسلامية خاصة متحدثة باللغة الفلبينية بجانب لغتي الأصلية .

وماذا عن أولادك؟
عندما كنت أعمل بالمركز الإسلامي بالفلبين كنت أحضر للبيت بعض الكتيبات والمجلات وأتركها بالمنزل على الطاولة "معتمدة" عسى أن يهدي الله ابني "كريستوفر" إلى الإسلام، إذ إنه الوحيد الذي يعيش معي، وبالفعل بدأ هو وصديقه يقرآنها ويتركانها كما هي تماماً، كذلك كان لدي "منبه أذان" فأخذ يستمع إليه مراراً وتكراراً وأنا بالخارج ثن أخبرني بعد ذلك برغبته في الإسلام، ففرحت جداً


وشجعته ثم جاء إخوة عدة من المركز الإسلامي لمناقشته في الإسلام وعلى أثرها أعلن الشهادة وهو ابني الوحيد الذي اعتنق الإسلام في الوقت الحالي، وسمى نفسه عمر، وأدعو الله أن يمنّ على باقي أولادي بنعمة الإسلام .

ما الذي أعجبك في دين الإسلام ؟
الإسلام هو الطريق الأكمل والأمثل للحياة، بمعنى آخر هو البوصلة التي توجه كل مظاهر الحياة في الاقتصاد والاجتماع وغيرها حتى الأسرة وكيفية التعامل بين أفرادها .

ما أكثر الآيات التي آثارت قلبك ؟
قوله تعالى :
(هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ( . فهي تعني لي الكثير وقد ساعدتني وقت الشدة .

ما نوعية الكتب التي قرأتها ؟
أحب القراءة جداً فقد قرأت في البخاري ومسلم والسيرة النبوية، وعن بعض الصحابة والصحابيات بجانب تفسير القرآن طبعاً وكتب غيرها كثيرة .

الخوض في أجواء جديدة اه متاعب، فما الصعوبة التي واجهتها ؟


كنت أعيش بين أمريكا والفلبين كما أن بناتي جميعهن متزوجات هناك وعندما أسلمت كان رد ثلاث من بناتي عنيفاً إزاء اعتناقي الإسلام والباقيات اعتبرنه حرية شخصية، كما أن بيتي وتليفوني روقبا، فقررت الاستقرار في الفلبين، لكن تنكر لي أهل زوجي لأني من قبل كنت مرتبطة بهم لكون أبي وأمي ميتين، لذلك بكيت ثلاثة أيام، وعندما كنت أظهر في الشارع بهذا الزي كان الأطفال ينادون عليّ بالشيخة أو الخيمة، فكنت أعتبر هذا بمثابة دعوة إلى الإسلام، كما تجنبني كل من يعرفني تماماً .

هل حضرت ندوات أو مؤتمرات بعد اعتناق الإسلام ؟
لم أحضر، ولكن ألقيت العديد من المحاضرات عنه في الجامعات والكليات بالفلبين، وقد دعيت من قبل رؤساء بعض الدول لإجراء محاورات بين مسلمة ونصرانية لكن لا أحب هذه المحاورات لأن أسلوبها عنيف في النقاش، وأنا لا أحب هذه الطريقة في الدعوة بل أفضل الأسلوب الهادئ لا سيما اهتمامنا بالشخص نفسه أولاً ثم دعوته ثانياً .

ما رأيك فيما يُقال عن خطة عمرها ربع القرن المقبل لتنصير المسلمين .
بعد قراءتي عن الإسلام وفي الإسلام علمت لماذا الإسلام




مضطهد من جميع الديانات لأنه أكثر الديانات انتشاراً على مستوى العالم، وأن المسلمين أقوى ناس لأنهم لا يبدلون دينهم ولا يرضون غيره بديلاً، ذلك أن دين الإسلام هو دين الحق وأي دين آخر لن يعطيهم ما يعطيه لهم الإسلام .

ماذا تأملين لنفسك وللإسلام ؟
لنفسي – إن شاء الله – سأذهب إلى إفريقيا، لأدرس بها وأعمل بالدعوة، كما آمل أم أزور مصر لأرى فرعونها الذي ذُكر في القرآن، وجعله الله آية للناس، أما بالنسبة للإسلام، فنحن نحتاج إلى إظهار صحته وقوته وحسنه، وسط البيئات التي يحدث فيها تعتيم أو تشويه إعلامي . كما نحتاج إلى مسلمين أقوياء الإيمان، إيمانهم لا يفتر، يقومون بالدعوة إلى الله(1).

وإليكن في نهاية المطاف هذا الكلام الذي أحسبه قريباً من واقع أكثر النساء الملتزمات اليوم :

"إن علينا أن تعترف بأن واقعنا الاجتماعي والدعوي أدى إلى إهمال جلي واضح للدعوة في أوساط النساء، فغلب على صالحاتنا – فضلا عن عامة نسائنا – العجز والقعود، وأصبحن يتعذرن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستلة من الانترنت .



بمعاذير واهية يسوغن بها قصورهن وتفريطهن، نعم أُدرك أن العوائق الدعوية التي تواجه المرأة أضخم من تلك التي تواجه أخاها الرجل، ولكن أيصح أن يكون ذلك التي تواجه أخاها والنهوض؟! أيصح أن تغفل المرأة الداعية وتصاب بالوهن والفتور؟!... كم يحز في النفس أن يرى المرء ذلك التمرد الأخلاقي الذي يعصف بنا من كل صوب ثم يجد من صالحاتنا عزوفاً أو انشغالاً عن تلك المسؤولية العظيمة، فيا سبحان الله لمن تتركن الميدان... ألا يكتوي قلبك حين ترين تلك الوحوش الكاسرة التي كشرت عن أنيابها الفضائية ومخالبها الصحفية وراحت تعبث في أخواتك... ألا يتفطر فؤادك وأنت ترين التفسخ والانحلال يستشري في نسائنا وينتشر في بيوتنا انتشار النار في الهشيم؟... بالله كيف تقوى نفسك على القعود وأنت تملكين – بفضل الله – القدرة على تحصين أخواتك من حبائل المفسدين وكائد العابثين؟! أيرقأ لك دمع؟ أم هل يسكن لك قلب؟ آلله تعالى يرضى لك بذلك"(1).

وأخيراً: هل تكونين أختي الداعية أقل من الداعيات السيئات الواتي استعملهن الاستخراب العالمي لتدمير المسلمة، وقد بذلن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة البيان: 43سنة 1420 مقال للأستاذ أحمد الصويان بعنوان: "أخيتي: كفى عجزاً" ص66-67 .



الكثير جداً للباطل الذي اقتنعن به وارتضينه(1)، فهلا صنعت لدينك وأمتك شيئاً مما صنع أولئك لباطلهم ورجسهم .

ومن المهم في هذا الصدد – أختي الداعية – أن تبحثي في كيفية عمل داعيات الضلال في العصر الحديث، وكيف عملن جاهدات لنصرة ضلالهن وباطلهن، فهذه امرأة يهودية – تصلح أن تكون مثالاً لما أقول – عملت طويلاً من أجل إقامة الدولة المسخ، واستطاعت أن تبذل جهوداً مضاعفة كبيرة من أجل جمع التبرعات وإقناع اليهود بالعمل الجاد من أجل إقامة دولتهم الكافرة على أرض الأنبياء الطاهرة، وقد كافأها اليهود بعد ذلك بأن جعلوها رئيسة وزراء!! يقول الأستاذ أحمد الصويان – حفظه الله تعالى – موضحاً شيئاً من عمل هذه المرأة وجهدها العجيب ودفاعها عن باطلها، وذلك من خلال قراءته مذاكرتها:

"الدارس لتاريخ الحركة الصهيونية الحديثة يجد عجائب وغرائب كثيرة جداً، فمن شعب مهين مستضعف مشتت في كلّ أنحاء العالم، يتحول اليهود خلال سنوات قلائل إلى أمّة قوية مهيبة، يتساقط تحت أقدامها قادة المشرق والمغرب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومنهن الأميرة نازلي، وهدى شعراوي، وأمينة السعيد، وسهير قلماوي، وسيزا نبراوي، ودرية شفيق، وصفية زغلول، وانظري شيئاً من سيرتهن السيئة في "عودة الحجاب": 1/47-88 .



جولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل 1969-1973م) إحدى النساء اللواتي ساهمن مساهمة قوية في قيام دولة إسرائيل، قال عنها ين جوريون أول رئيس للوزراء – عندما عادت من أمريكا محملة بخمسين مليون دولار بعد حملة تبرعات واسعة:

"سيُقال عند كتابة التاريخ: إن امرأة يهودية أحضرت المال، وهي التي صنعت الدولة" (ص171 من مذكراتها)، بل قال عنها ثانية: "إنها الرجل الوحيد في الدولة!" (ص97)، عندما قرأت مذكراتها وجدت دروساً عملية جديرة بالتأمل والنظر، منها:

الأول: ضرورة الإيمان الراسخ بالهدف الذي يدفع للبذل والعطاء، وتحويله من حلم إلى حقيقة واقعة.

الثاني: أم آمال الإنسان لا تتحقق إلا بالإصرار والصبر وطول النفس، واستسهال الصعاب.! ودعونا الآن نقرأ بعض هذه المقاطع التي لا يحتاج إلى تعليق: "لقد شعرت أن الرد الوحيد على قتل اليهود في أوكارانيا هو أرض فلسطين، يجب أن يكون لليهود أرض خاصة الحياة والعمل هناك معهم في أرض فلسطين" (ص54).

"لقد كانت مسألة العمل في حركة العمل الصهيوني تجبرني



للإخلاص لها ونسيان همومي كلها، وأعتقد أن هذا الوضع لم يتغير طيلة مجرى حياتي في الستة عقود التالية" (ص56).

"لقد كانت (فلسطين) هي السبب، ولأجلها حضرنا جميعاً، ولأجلها تحملنا المشاق!.. لقد كنت شغوفة في شرح طبيعة الحياة في إسرائيل لليهود القادمين، وأوضح لهم كيف استطعت التغلب على الصعاب التي واجهتني عندما دخلت (فلسطين) لأول مرة، ولكن حسب خبراتي المريرة التي مارستها كنت أعتبر أن الكلام عن الأوضاع وكيفية مجابهتها نوع من الوعظ والدعاية، وتبقى الحقيقة المجردة هي وجوب إقامة المهاجرين وممارستهم للحياة عملياً. لم تكن الدولة الإسرائيلية قد أُنشئت بعد، ولم تكن هناك وزارة تعني بشؤون المهاجرين الجدد، ولا حتى من يقوم على مساعدتنا لتعلم اللغة العبرية، أو إيجاد مكان للسكن، لقد كان علينا الاعتماد على أنفسنا، ومجابهة أي طارئ بروح بطولية مسؤولية!"(ص71).
"كان الروّاد الأوائل من حركة العمل الصهيوني هم المؤمنون الوحيدون الذين يستطيعون تحويل تلك المستنقعات أو السبخات(!!) إلى أرض مروية صالحة للزراعة، فقد كانوا على استعداد دائم للتضحية والعمل مهما كان الثمن مادياً ومعنوياً..!"(ص74).
"عندما أتذكر وضع (السوليل بونيه)(منظمة يهودية) منذ زمن


- أي منذ 1927م – في مكتبها الصغير في القدس يوم كانت لا تستطيع دفع أجور العمال، ثم أفكر في وضعها الحالي، والخمسين ألف موظف وموظفة، وبمدخولها الذي وصل إلى 5.2 مليون ليرة إسرائيلية، عندها أحتقر أي شخص يقول أو ينكر على الصهيونية تفاؤلها"(ص95).

"إننا في اجتماعنا هذا لن نُعيد المسيح إلى الحياة (في زعمهم)، ولكن لا بد لنا من القيام بمجهود لنقنع العالم بما نريده وبما نحن عليه!!"(ص99).

"أعتقد أن هناك سببين فقط يمثلان المحنة القومية التي مررنا بها، أحدهما: الانهيار والاستسلام، والقول: لا أستطيع أن أتابع. والثاني: أن تكشر عن أنيابك وتحارب بكل ما وأتيت من قوة على كل الجبهات التي تواجهك مهما كانت المدة صعبة وطويلة، وهذا بالضبط ما قمنا به في السابق، ونحن قائمون به الآن!"(ص120).

"أدركت أنه لا يكفي لشعب ضعيف أن يثور لكي ينال عدلاً مطالبة، أما مبدأ (نكون أو لا نكون) فعلى كل أمة أن تعمل به وبالتالي تقرر مصيرها بطرقها الخاصة، وعلى اليهود ألا يعتمدوا على أحد من أجل تقرير مصيرهم"(ص130).
"لم يُقدم لنا الاستقلال على طبق من فضة، بل حصينا عليه بعد


سنين من النزاع والمعارك، ويجب أن ندرك بأنفسنا ومن أخطائنا الثمن الغالي للتصميم والعزيمة"(238).

"أخبرت اليهود في جميع أنحاء أمريكا أن الدولة الإسرائيلية لن تدوم بالتصفيق ولا بالدموع ولا بالخطابات أو التصريحات!، إنما يجب توفر عنصر الوقت لبنائها، قلت في عشرات المقابلات: لن نستطيع الاستمرار دون مساعدتكم؛ فيجب أن تشاكونا بمسؤولياتكم في تحمل الصعاب والمشاكل والمشقات والأفراح، صمموا على المساعدة وأعطوني قراركم، لقد أجابوا بقلوبهم وأرواحهم بأنهم سيضحون بكل شيء في سبيل إنقاذ الوطن!!"(ص185). انتهى نقله حفظه الله(1).

وهنا أقول لأخواتي الكريمات:
هذه امرأة ساهمت بقوة في إنشاء دولة، وثبتت اليهود، وهم أضعف خلق الله ثباتاً، وعملت طول حياتها لأجل هذا الهدف، فماذا قدمتن أنتن لدينكن، وهل تستطعن أن تعملن عملاً يداني عملها أو يقاربه، بل أقول: هل تستطعن عمل عشر ما عملته تلك المرأة الضالة، وهل تستطعن أن تبذلن عشر ما بذلته من جهد، أنا أجزم أنه لو اجتمعت جهودكن وأخلصتن لله فيها، وبذلتن كل ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة "البيان" العدد88 الصفحة107 وما بعدها .



تستطعن بدون تردد ولا ملل لتغير الحال في مجتمعاتكن، ولأقبل النسوة على الله زرافات ووحداناً، لكن إلى الله المشتكى من جلد الفاجرات وعجز المؤمنات .

3- التعلق بسفساف الأمور ودناياها، والتعلق بالدنيا :
بعض الداعيات تورطن في التعلق بالدنيا من حرصٍ عليها، وتكالب لتحصيل لذائذها، وشابهن سائر النساء في هذه الآفة، وهذا خطر على دعوتهن، تنازل منهن عن مبادئهن، ومن مظاهر ذلك:

أ- الأخذ بآخر صيحات "الموضة" والحرص عليها، وهذا مما ين
ينبغي أن تزهد فيه المرأة وتعلو عليه، نعم إنه ينبغي عليها التزين لزوجها وتجميل صورتها، لكن ليس إلى الحد الذي تحرص على الظهور فيه كأنها عروس في كل مناسبة، فخير الأمور أوساطها.

ب – الحرص على حضور المناسبات بملابس جديدة دوماً، وهذا إن كان من شأن عامة النساء فينبغي أن تترفع عمه الداعية وتحرص على الملابس الجميلة النظيفة وأن تكرر حضورها بها عدداً من المناسبات فلا بأس بهذا – إن شاء الله تعالى- نعم بعض النساء يعددن هذا من الأمور العظام لكني أتحدث عن فئة منهن، وصفوة تترفع عن مثل حال هؤلاء .


ج- المطالبة بتجديد أثاث المنزل كل سنة أو سنتين، وهذا مرهق لزوجها منافٍ لمبادئ دعوتها، وكيف تصنع هذا وصيحات المسلمين تتعالى في كثير من أصقاع الأرض يريدون كساءً لعوراتهم وطعاماً لأبدانهم، وبيوتاً تكنّهم وتقيهم؟!.

هـ- المطالبة الدائمة بالسفر إلى الخارج في الصيف، والعناية بالترويح والترفيه الزائد عن الحد، والخوض في المباحات إلى الحد المعيب والطاعن في الشخصية .

هذه كانت بعض المظاهر على التعلق بالدنيا، وهي وإن لن تصل إلى درجة الحرام – خاصة للمقتدرات الغنيات – لكنها قد تقدح في تمسك الداعية بنا تدعوا إليه، ومدى تطبيقها للمثل التي تنادي بها، وتجعلها تخلد إلى الأرض، وتؤثر الراحة والدعة، وتبتعد شيئاً فشيئاً عما كانت تدعو إليه وتنادي به .

قالت أم محمد زوج الأستاذ الدكتور عبد الله عزام رحمه الله :
" هناك فرق بين أن أجلس أمام المرآة ساعتين أتزين وبين أم أسرح شعري في دقيقتين... لابد أن تعرف المرأة المسلمة قيمة الوقت... ولبس الزينة كانت للأزواج ولكنها كثيراً ما تكون للضيوف والحفلات، بينما تأتي للزوج منكوشة الشعر"(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "يا نساء الدعاة": 115.



وقالت أم محمد أيضاً :
"على النساء أن يعودن أنفسهن أولاً على الحياة الجهادية، وذلك بأن يتخلين تدريجياً عن بعض الكماليات، ويعودن أنفسهن على الصبر"(1).

وقالت أيضاً :
" أتمنى لو تخفف أختي وابنتي من الانشغال بالدنيا ومباهجها والتعلق بالمظاهر والملابس والأثاث، والحرص على الكماليات"(2).

وقالت الأستاذة ثناء حسن البنا:
"يذكر لوالدتي – رحمها الله تعالى – أنه عندما قام والدي بتأسيس المركز العام للإخوان المسلمين طلبت منه أن يأخذ كثيراً من أثاث البيت عن طيب نفس ليعمر بها المركز العام، فنقل السجاجيد والستائر والمكتبات وكثيراً من الأدوات، وكانت سعيدة بذلك كل السعادة"(3).

قال الأستاذ عبد الرحمن السميط(4) – حفظه الله تعالى – موضحاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق .
(2) المصدر السابق .
(3) المصدر السابق :52.
(4) أنشأ لجنة مسلمي أفريقيا، وهي لجنة نشطة عاملة لها فروع في 34 دولة أفريقية، وهو طبيب كويتي نشيط في مجال الدعوة .


حال بعض النساء الغربيات الداعيات إلى دينهن المنحرف، مقارناً بينهن وبين بعض نسائنا :

"من الأمور التي تأثرت بها عند زيارتي لمركز إغاثة من المراكز الأوروبية أني رأيت فتاة فرنسية تدير هذا المركز في ريعان شبابها لم يتجاوز عمرها الرابعة والعشرون، وعندما سألتها عن سبب وجودها هنا ذكرت أنها تقوم بأعمال الإغاثة والإشراف على المركز، سألتها أين كانت من قبل؟!، فذكرت أنها كانت في جنوب السودان وفي منطقة أكثر صعوبة بكثير من منطقة عملها الآن بدون كهرباء ولا ماء، فيها الكثير من البعوض والحيوانات المفترسة وخشونة طباع الناس هناك .

سألتها: لماذا هي لا تتلقى إلا راتباً بسيطاً جداً كمصروف جيب .

تذكرت تلك المرأة الكاثوليكية الراهبة في موزمبيق في مقاطعة انهامبان والتي زرتها في عام 1983 أثناء المجاعة، وعندما حددت قرية معينة لزيارتها رفض حاكم المقاطعة رفضاً مطلقاً، وكأنما لدغته أفعى، فطلبت منه وأصررت على أن أذهب إلى هذه القرية بالذات وقال إن الوضع الأمني يستدعي أن لا تزور هذه القرية.



فقلت له : إذن أنتم تعاملون المسلمين هناك معاملة سيئة ولا تريدني أن أطلع على ذلك .

فقال وهو ينتفض: لا لا .
قلت له : هذا ما سأنقله إلى إخواني العرب والمسلمين .
فقال: إذا كان هذا رأيك فأعطني مهلة لمدة نصف ساعة، ولم أدري ماذا يقصد بهذه المهلة، بعد نصف ساعة جاءني رسول منه أن الحاكم ينتظرك، ووجدت عدداً من السيارات ومعها أربعمائة جندي مسلح لحراستي للوصول إلى تلك القرية ولم أصدق عيني، كل هذه القوات من أجلي، ولماذا؟.

في الطريق رأيت آثار المتمردين الذين ثاروا على الحكومة في موزمبيق ورأيت السيارات المحروقة، ويقوم هؤلاء المتمردون بمهاجمة أي شيء يتحرك حتى واو كانت هذه السيارات تحمل إغاثة لهم هم بالذات، وقد سبق أن هاجموا قافلة فيها شاحنة محملة بإسمنت لمشاريع اللجنة وطعام للتوزيع على المحتاجين في شهر رمضان، وقتلوا أربعة أشخاص واستطاع داعيتنا وهو شيخ من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الهرب والسير في وسط الغابة حوالي 80 كيلو متراً بملابسه الداخلية حتى وصل إلى المدينة بعد أن فقد كل




أمتعته الشخصية، وبعد أن وصلت إلى القرية طلب مني أن أبقى في السيارة، وترجل الجنود وأحاطوا بالقرية من كل جانب، ثم سمح لي بالنزول في وسط هذه الحراسة المشددة إلى أقصى الحدود، وعندما نزلت وسرت إلى مركز الإغاثة وجدت راهبة كاثوليكية ألمانية تعمل وتنام هناك بصورة دائمة وبدون حراسة شخصية لها، وشعرت بالألم الشديد إننا إذا لم نبلغ مبلغ الرجال الغربيين في تضحايتهم من أجل دينهم فلا أقل من أن نكون كنسائهم....!.

أمرة أخرى :
تذكرت كذلك تلك المرأة التي استقبلتنا في منطقو نائية في وسط الصحراء في تشاد وأنا أدخل إلى مركز للخدمة الاجتماعية غي قرية أم بشه، وهي تقول أهلاً وسهلاً بلهجة لبنانية واضحة، ولما سألتها:

هل أنت لبنانية؟ قالت نعم، قلت لها : ماذا تعملين هنا؟
قالت : أخدم في مركز الخدمة الاجتماعية .
قلت لها : ومن أرسلك؟ قالت : الكنيسة .
قلت لها ومنذ متى ؟، قالت منذ 25 سنة .

في قرية ليس فيها أدنى متطلبات الحياة حتى الماء لا يجدونه إلا قطرات دون أن تشتكي، دون أن تطلب راتباً، دون أن تسأل عن



حياة النعومة والراحة في لبنان، بينما نحن ندعى أنهم على باطل وأننا على حق فهل صدقنا القول بالعمل؟ لماذا لا نرى تضحيات المسلمين في الدعوة في هذا الزمن؟.

والله لا أدري سبباً إلا هبوط الهمم التي جعلت من النسور رزازيراً ومن الأسود قططاً، وإلا فإن المسلمين أولى بهذه التضحيات وإنكار الذات فنحن أبناء دين يدعونا فيه رب العزة :

( َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ( (1)
ويقول :
( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ((2)

أين نحن من هذه الآيات الكريمة؟، أين المسلمون الذين يرضون بعقد مع الله يشتري منهم أنفسهم وأموالهم ويعطيهم جنة عرضها السماوات والأرض؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الصف آية 10-11 .
(2) سورة التوبة آية 111.




قد هزتني تلك المرأة الفرنسية في صحراء لاهبة وغبار كثير وقاذورات في كل مكان وصياح الأطفال والموتى هنا وهناك، ومن قبلها كانت في السودان وهي في مقتبل حياتها، لقد دعوت الله كثيراً لهذه الفتاة بأن يرزقها الله سبحانه وتعالى الهداية والتوفيق، وتذكرت نساءنا في بلادنا العربية والإسلامية وكل ما يهمهن هو السؤال عن آخر الموضات وأجمل التسريحات، وأحدث العطورات، وكيف يمكنهن أن ينفقن ما تبقى من أموالهن على التوافه من الأمور، إن قيمة ثوب واحد أو شنطة واحدة من مستلزمات الأفراح يكفي لعائلة مسلمة منكوبة لتقف على قدميها وتعيش بكرامة مدى حياتها، وغيرهن من أمهات المؤمنين والصحابيات؟ أين حفيدات أم سليم الأنصارية التي مات ولدها ولم تشأ أن تخبر زوجها حينما أتى من الغزو وتطيبت له وتزينت فلما أتاها عزته في ولده، فذهب واشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرزقه ذرية صالحة وهذا ما حدث فعلاً؟

أقارن بعض نسائنا بتلك الفتاة الأمريكية التي تلبس مثل الصوماليات وتسمت بإسم عائشة وتجيد اللغة الصومالية كأحد أبنائها وبناتها، ولها عدة سنوات كانت تعمل في وسط الظروف الصعبة في




الصومال ، فلما حدثت الحرب الأهلية عادت إلى الصومالين في شمال كينيا، وسألتها من أين هي؟ فقالت: إنها أمريكية الجنسية بعثتها الكنيسة الأفريقية الداخلية ومركزها في الولايات المتحدة، وأنها تقوم بخدمة المحتاجين بإسم الكنيسة .

من المؤلم أن لا يرى الإنسان أي رجل عربي خاصة من دول الخليج وغيرها قد وصل إنكار ذاته إلى أن يحذو حذو هؤلاء النسوة من أتباع المسيحية وعاش وسط إخوانه المسلمين في المناطق المختلفة في أفريقيا وغيرها"(1).

4- عدم مساعدة زوجها الداعية العامل:
الأصل في المرأة الداعية المحافظة على الزوج والأولاد ورعاية شؤونهم والحفاظ على بيتها – كما سبق تفصيل ذلك في مبحث العقبات – لكن بعض النساء الداعيات لا يحسن التعامل مع أزواجهن الدعاة بحجة أنها وزوجها سواء في مجال الدعوة، فتقصر في أداء حقه تقصيراً، وهذه بعض أوجه التقصير :

أ- عدم الالتفات – كما ينبغي – إلى حقه في الاستمتاع بها :
فتهتم في لباسها ومظهرها، أو أن تغيب عنه أثناء وجوده في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "رحلة خير في أفريقيا" 80-84.



البيت، أو أن يظل بيتها مكتظاً بالنساء حال وجوده، وكل هذا يفوت عليه مراده، وينغص عليه حياته.

ب- إثارة المشكلات في وجهه :
مثل مشكلات الأولاد، والمشكلات المادية، فتثيرها في وقت غير مناسب، خاصة إذا كان محتاجاً إلى شيء من الراحة فتفاجئه بما ينغص عليه، ولو كانت لبقة لعرفت متى تحدثه ومتى تبثه همومها، ولكان ذلك أدعى لحسن استجابته.

ج- مطالبتها إياه بالجلوس في البيت مدة أطول :
والتفرغ لها وللأولاد وهذا منها عجيب؛ إذ الأصل فيها أن تتفهم مهمة الزوج، وتقدر عمله الدعوي، وتعرف أن الدعوة تتطلب العطاء وطول الغياب عن المنزل.
وقد يسأل سائل: والأولاد والزوج ماذا عنهم؟، أقول كلامي لا يعني عدم الاهتمام بالزوج والأولاد، لكني أريد من المرأة أن تتحرى الوقت المناسب للحديث، وألا تحرج زوجها بكثرة الإلحاح عليه بشأنها أو شأن الأولاد؛ لأن ذلك يكدر عليه ما قد يحتاجه من صفو لإنجاح نسيرة دعوته.

هـ- إفساد حياتها وحياة زوجها بالغيرة الشديدة :
والغيرة ملازمة للنساء، لكن إن زادت عن الحد المعقول انقلبت


إلى معول هدم للحياة الزوجية، وهذا يتجلى إذا كان الزوج محتاجاً للصلة على وجه ما بنساء أجنبيات، كأن يكون مفتياً يرد على أسئلتهن، أو مستشاراً اجتماعياً، أو دعوياً، أو تلجأ إليه النساء باعتباره أخاً أكبر وموجهاً لأزواجهن فيطلب منه التدخل لحل المشكلات العائلية، أو غير ذلك من الأسباب التي قد تحمل المرأة على الغيرة الشديدة فتدمر حياتها بسببها، فعلى الداعية العاقلة أن تفهم أن للغيرة حدوداً، وأنها كماح الطعام فإن زادت أفسدت، نعم إن رأت أن الأمر جاوز حده فأصبح مخالفاً للشرع أو قارب المخالفة فإن لها أن تتدخل ناصحة زوجها ومرشدة، أما دون ذلك فلا أرى لها التدخل خاصة إن كان زوجها عاقلاً حريصاً على تحكيم الشرع المطهر ولم تبد من مخالفة، أما أن كانت تخاف على زوجها التعدد فليست هذه الغيرة هي الطريقة المثلى لمنعه من التعدد، وهناك طرق ألطف وأولى، ويا حبذا لو عرفت أن كل مقدر كائن فهذا يريحها ويسعدها، قال عبد الله بم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما لابنته :

"إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العبث فإنه يورث البغضاء"(1).

ولقد أخبرني أحد إخواني بأنه طلب من أحد الدعاة أن يلقي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "دعوة الحجاب" 2/225، نقلاً عن إحياء علوم الدين: 4/712.



محاضرة في إحدى المدارس النسوية القرآنية فاعتذر بأن زوجه لا ترضى بمثل هذا وتغضب منه!! والسبب هو الغيرة التي ليست في مكانها حتى أن المرأة تفضل أن تترك بنات المدارس بدون توجيه على أن يوجههن زوجها، وهذا من تسويل الشيطان ولعبه بالنساء، والعياذ بالله والرجل العاقل ينبغي له أن يزجر زوجه عن مثل هذا، ولا يرضى لها أن تتمادى إلى هذا الحد لأنه مفسد لها ومضيع لجهوده ودعوته، والله المستعان .

وإليك أختي هذه المقالة لامرأة – والتي أحسبها من الداعيات – مناسبة للمقام، حيث قالت:
" الداعية هو أكثر الناس حاجة إلى وجود امرأة متميزة تسير خلفه وتقر في بيته، وتساعده على أداء رسالته، لأسباب من أهما :
1- تميز الرجل الداعية عن غيره؛ إذ أنه ليس كغيره من الناس، فلا وقته كوقتهم، وليست همومه مثل همومهم، وبذلك تختلف أعماله وجهوده عن أعماهم وجهودهم، فإذا كان الرجل – أي رجل – لا يحمل عادة إلا همومه الشخصية من مأكل ومشرب وبيت وأولاد فإن الداعية لا تقف همومه عند حد البيت والولد، لكنها ترقى إلى درجة حمل هم إصلاح الأمة بكاملها وإخراجها من الواقع المنكوب الذي تعيشه... وعلى هذا فإن لم تكن المرأة التي تقف خلف هذا الداعية تحفل بشيء من التميز في نظرتها للأمور وفي همها وهمتها


فلا شك أن سفينة الداعية سوف يصعب عليها مواصلة الإبحار، وربما كان الأمر إيذاناً بدق المسمار الأول في نعشها.

تصوروا رجلاً داعية كلما عاد إلى بيته وبعد جهد مضن وعمل قدمه للأمة يريد به وجه الله وجد امرأة تعلن تبرمها وضيقها من الوقت الطويل الذي أمصته وحدها، أو تعيد على مسامعه قائمة الطلبات الملقاة على ظهره ولم يعبأ بها ....

2- كثرة الصعوبات والمخاطر التي تعرض درب الرجل الداعية مما يجعل حاجته ماسة إلى وجود امرأة تتفهم متطلبات المرحلة التي يعيشها زوجها أو يمر بها فتصبر وتصابر، وتوقن أن زوجها لم يكن الوحيد الذي سار على هذا الدرب... أما إذا لم يكن في بيت الرجل الداعية امرأة واعية تؤمن بكل هذا فإن بيته لاشك سيفقد استقراره العائلي مما يؤثر على سلوكيات من فيه من أبناء وبنات.

3- حاجة أبناء الرجل الداعية إلى أم مؤمنة متميزة تتحمل تبعات إصلاحهم وتربيتهم في ظل غياب أبيهم المتكرر..."(1).
ولقد ضربت نسوة كثيرات أمثلة رائعة على حسن تعاملهن مع أزواجهن، وجميل رعايتهن لبيوتهن، فمن ذلك :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة البيان: العدد 129 سنة 1419 مقالة للأخت فاطمة البطاح : يا نساء الدعاة احتسبن. ص36-39.


تقول الأستاذة ثناء حسن البناء واصفة تعامل أمها مع أبيها رحمهما الله تعالى :

"والدتي رحمها الله كانت تقدم دائماً مصلحة الدعوة على مصلحة نفسها وبيتها، فقد كانت تقوم على رعايتنا حق الرعاية، وتهيئ جو البيت لاستقبال الوالد المرهق من كثرة الأعباء والأعمال، فيجد راحته في بيته لندة سويعات قليلة ينطلق بعدها ثانية إلى الدعوة"(1).

وتقول أم محمد زوج الأستاذ عبد الله عزام رحمه الله تعالى:
"كنت مع داعية ومجاهد لو جمعت الوقت الذي كان يعطينا إياه لما زاد عن شهر واحد في سنة أو سنتين!!!، الهم كبير، والأمة ممزقة، ودم المسلمين مستباح، ولا يجوز لَكْنّ أن تبقين بعيداً عن هذه التضحيات"(2).

فيا أختي الداعية :
" احرصي على رضا زوجك، وكوني عوناً له في دعوته لا مثبطة لهمته، واعلمي أن كل وقت يبذله في سبيل الله على حساب بيته لك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "يا نساء الدعاة" :52.
(2) المصدر السابق :114,


فيه أجر، وكل مال ينفقه في سبيل الله على حساب لوازمك لك أجر فيه فشدي أزره، وارفقي به"(1).

وإليكن ثلاث قصص رائعات لزوجات مجاهدات وفيات، وقفن مع أزواجهن وقفة رائعة :

1- موقف زوجة :
"حينما أودع زوجها المؤمن جدران السجون كتب إليها كما كتب إخوانه إلى زوجاتهم يخيرها بين أن تبقى زوجة – على الورق – وبين أن تطلب الخلع فهذا حقها، سيما وقد حكم عليه بالمؤبد، فما كان منها إلا أن أرسلت إليه عاتبة :

أهكذا هانت عليك تلك العشرة الطيبة، والتي وثقتها أخوة في الله خالصة جمعت بيني وبينك، أتضن عليّ أن أشاركك بعض أجرك حين يثقل الله ميزان حسناتك؟ أم آثرت أن تمضي به وحدك؟ ضاناً به على شريكة حياتك؟ قد أقسمت ألا يفرق بيننا إلا الموت. وظلت تلك المؤمنة على عهد الله وميثاقه. وخرج إليها زوجها بعد عشرين عاماً ليجد البيت الآمن، والأبناء وقد تخرجوا، والابنة وقد أوشكت على الزواج، ووجد كل شيء في مكانه، ليعاودا معا – على الطريق – حياتهما في طاعة الله".




2- موقف عروس :
" كانا قد حددا موعد للزواج في سبتمبر عام 1965، وكان كل شيء قد أُعد ورُتب في عناية بالغة وحسابات دقيقة، حتى كانت ليلة طرق فيها زوار الفجر باب البيت بأيد محطمة لكل شيء، وبدا لهما أن كل شيء قد ضاع، حالت بينهما أسوار وجدران. حتى إذا أذن الله لهما أن يريا بعضهما البعض بعد سنوات ثلاث، جددت معه العهد والميثاق بأنها ستظل له زوجة مهما طالت السنون وباعدت بينهما الأيام... وعبثا حاول أن يحلها من الارتباط به. بل إن دموعها المنهمرة حالت بينه وبين أن يتم كلماته إليها. ثم علمناها زائرة له مع بداية كل شهر تحمل إليه أطيب الآمال، وجميل الكلمات المشجعة الحانية الرقيقة، ثم تكتب إليه تستحلفه بالله ألا يلين أو يضعف، وأن يكون كما عهدته وكما اختار ته صلب القناة، قوي العزيمة، صادق الإيمان، وخرج إليها بعد سنوات ست عجاف كي يعمر البيت بالصلاة والصيام وبتقوى الله ورضوان، ويرزقان بعد هذا عدداً من البنين والبنات".

3- أمنية قطب وملحمة الحب العظيم :
" إن قصة الأخت أمنية قطب مع المجاهد العظيم كمال الدين السنانيري تكتب بماء الذهب لتكون نبراسا وضوءاً لامعاً على الطريق



للأجيال من الأخوات المسلمات، سجن المجاهد الشهيد كمال الدين السنانيري في عام 1954م، وقدمه الطاغية جمال عبد الناصر إلى محاكمة صورية مع إخوانه من الإخوان المسلمين، وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة (25 سنة) وكتب الطاعية على (كارت) السجن "أشغال شاقة مؤيدة ثم يعاد إلى المعتقل" أي بعد أن يقضي مدة العقوبة يعاد بعدها إلى المعتقل! وبعد أن قضى خمس سنوات من المدة، وأثناء ذهابه إلى مستشفى سجن ليمان للعلاج، التقى هناك بأخيه الشهيد سيد قطب، طلب منه يد أخته (أمنيه)، وعاد إلى سجنه. وعرض الأستاذ سيد الأمر على أخته، أمر ذلك العريس الذي يقضي عقوبة المؤبد وباقٍ منها عشرون سنة، فما كان من الأخت المسلمة إلا أن وافقت بلا تردد، وأخذت عنوان ذلك الأخ وزارته في السجن وتمت الرؤية ثم عقد الزواج الذي كان مثار سخرية الناس، وقويت الرابطة بينهما من وراء الأسوار، وكانت زياراتها ورسائلها إليه بما تحمل من روح دافعة تتحدى الظلم والظالمين والسجن والسجانين تقوي من أوره وأزر إخوانه. وعندما زارته مرة في السجن قنا وكان برفقتها شقيقته زهرة، لم تسكت زهرة بل حكت لشقيقها عن وعثاء الطريق وما تكبدتاه من مشقات حتى وصلتا إليه منذ أن ركبتا القطار من القاهرة إلى قنا إلى السجن... فتوجه الشهيد إلى زوجه من وراء القضبان وقال لها :



"لقد طال الأمد وأنا مشفق من هذا العناء/ ومثل ما قلت لك في بدء ارتباطنا : قد أخرج وأنا هنا، فلك الآن مطلق الحرية في أن تتخذي ما ترينه صالحاً في أمر نستقبلك، ولا أريد ولا أرتضي لنفسي أن أكون عقبة في طريق سعادتك، إنهم يفاوضوننا في تأييد الطاغية ثمناً للإفراج عنا، ولن ينالوا مني بإذن الله ما يريدون حتى لو مزقوني إرباً، فلك الخيار من الآن، واكتبي لي ما يستقر عليه رأيك، والله يوفقك لما فيه الخير"!. وأرادت الأخت المجاهدة أن تجيب زوجها المجاهد إلا أن السجان أمرها بالانصراف حيث انتهت الزيارة، وعادت إلى البيت لتكتب له رسالة ضمن قصيدة نظمتها له لتعلن فيها أنها اختارت طريق الجهاد... طريق الجنة المليء با الأشواك، المزين بالآلام والدماء، وقالت له :

دعني يا زوجي الحبيب أشاركك هذا الطريق! وفعلت هذه القصيدة فعلها في نفس الأخ المجاهد. وأفرج عن المجاهد، وخرج من السجن بعد أن قضى اثنين وعشرين سنة وراء أسواره ليسلم نفسه كما يفعل الجندي الأمين إلى القائد ليتلقى منه أوامره الجديدة، فلم تطر نفسه فرحاً بالإفراج فيهرول إلى بيته لينعم بالحرية!! إذ ليس هذا شأن المجاهد وجندي العقيدة... ويأمره المرشد بالعودة إلى بيته حتى يتلقى أوامر جديدة. وتم الزواج، وعاشت الأخت معه أحلى سنوات





العمر، وفي الرابع من سبتمبر سنة 1981م اختطف منها مرة أخرى ليودع السجن، ويبقى فيه إلى أن يلقى الله شهيداً في السادس من نوفمبر من نفس العام. ونظمت الأخت المجاهدة الشاعرة مجموعة من القصائد في صورة رسائل وجهتها إليه عيرت فيها عن أروع ملحمة للحب لزوج عظيم والوفاء لحياة رفرفت عليها ملائكة الرحمن وزواج باركه الله، وقدمت هذه الرسائل بهذه المقدمة :

"هذه الرسائل كلها إليك كتبتها بعد تلك الليلة، بعد أن غادرت بيتنا ولم تعد... إنها أول رسائل لن تراها ولن تقرأها ولن تبعث بعدها برد، ولكني كتبتها إليك رغم هذا اليقين، فما كنت أملك حبس الدموع وأنت ترحل عني بلا عودة، إنها إليك في الدار التي سعيت لها وأدركتها في نهاية المطاف، إنها تهنئة، أبعث إليك حتى ألقاك، بعد المسير العاني ووعورة الطريق، إنها لمسة وفاء وعهد على السير، مع القافلة التي ما انقطع سيرها على مر الزمان إلى ذلك المرتقى البعيد، إنها إليك وإلى السائرين على الدرب، رغم أشواك الطريق، فإذا كانت الدموع تملأها فمعذرة، فقد تركتني أكمل السير، إنها دموع الفراق، حتى ألقاك عند ذلك المرتقى بإذن الله مع قوافل الواصلين".

يضم ديوانها (رسائل إلى شهيد) – وهو أول ديوان لها - أكثر




من عشرين قصيدة بكت فيها زوجها المجاهد الحبيب بدموعها التي خطت بها رسائلها إليه(1).

وإليك أختي هذه الكلمات الموجزات التي توضح علاقة المرأة الداعية بزوجها :

"كل زوجة يجب أن تعلم أن وقوفها بجانب زوجها تعينه وتشد من ـزره في سبيل الله هو مشاركة كاملة معه في الثواب، وأن رسالتها معه هي رسالة أساسية وليست فرعية، إنما هي له نصيرة ومعينة على الحق الذي التقيا عليه وتعاهدا على الجهاد في سبيله، وهو تحقيق عبودية الله في الأرض"(2).

5- التمرد على الزوج :
أكثر الزوجات أصبحن – بسبب طبيعة التربية وحال المجتمع – متمردات على أزواجهن، لا يحسنّ أن يخضعن ولا أن يَلِنّ بين أيدي أزواجهن، والنساء الداعيات قد يتأثرن بهذا – إذ هن من جملة النساء ما لم يرتفعن بتربية جادة حقيقية – بل أجزم أن عدداً كبيراً منهن لا يحسنّ التعامل مع الزوج التعامل اللائق، وتنظر إليه نظرة الند والمثيل، وبعضهن يصرخن عليه ويؤذينه حتى أمام الناس!!،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "الأخوات المسلمات": 273 – 282، والقصص الثلاث السابقة من هذا المصدر.
(2) المصدر السابق : 231.



وبعضهن إذا غضبت من زوجها نسيت كل المعاني العلية الواردة في الأحاديث النبوية، وضربن بها عرض الحائط، ونسيت كل المثاليات التي تدعو إليها، وهذا غريب وعجيب، وبعضهن يهجرن الزوج أياماً وليالي!! وبعضهن تعبس في وجهه وتبتسم في وجوه صويحباتها!!. وحدّث ما شئت عن ضروب التعامل العجيب من عدد ممن يسمون في المجتمع داعيات صالحات!!.

وأنا الآن لست في صدد تفصيلات علاج هذا الأمر؛ إذ علاجه تربية جادة منذ الصغر للبنات حتى يعرفن حق الزوج، وعلاجه القدوة الحسنة التي ينبغي أن تكون عليها الأمهات في البيوت، وعلاجه الالتزام الجاد الحقيقي بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذ ليس الأمر لبس الحجاب وترك المنكرات الظاهرة وأداء الفرائض الرئيسة فقط بل إن الإسلام وشريعته كل لا يتجزأ فينبغي الأخذ به جميعه، والاعتناء به حق العناية، وحتى لا أذهب بعيداً في التفصيل وأخرج عن موضوع الكتاب فإني سأورد طائفة من الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة وأطلب من أختي الداعية أن تقرأها وتتأملها طويلاً وتقارن حالها مع زوجها بما ورد في تلك الآيات والأحاديث :

قال الله تعالى :





( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ((1).

وأسأل بالله: هل أنت حقاً سكن له، وهل بينكما من المودة والرحمة ما يحقق الغاية من الزواج؟!.

وقال صلى الله عليه وسلم :
"أُريت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟، قال بكفرهن، قيل: يكفرن بالله، قال: يكفر العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط"(2).

فهل إذا خاصمك زوجك أو غضبت منه لسبب ما قلت له كما يقول سائر النسوة ممن لم يدركن علمك ودعوتك وفقهك: ما رأيت منك خيراً قط؟!!.

وقال صلى الله عليه وسلم :


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)سورة الروم آية: 21.
(2) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الصلاة: أبواب الكسوف: باب صلاة الكسوف جماعة.



"لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق"(1).

فهل بعد هذا الأمر بالخضوع خضوع؟! وهل تخضع النسوة الداعيات لأزواجهن بمثل ما أُمرن أن يخضعن به في هذا الحديث؟!. وإذا لم تعمل المرأة الداعية بهذا الحديث ومثله فبأي حديث تعمل؟ ومع من؟ وما أخطر هذا الحديث لو تدبرته الأخت الداعية حق التدبر .

وعن حصين بن محصن أن عمة له أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "أذات زوج أنت؟ قالت: نعم.
قال: فأين أنت منه؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه(2).
قال: فكيف أنت له فإنه جنتك ونارك"(3).

فهل أنت كذلك يا أختاه؟! وهل أنت مطيعة له فسبيلك الجنة أو عاصية له متمردة عليه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب النكاح : باب في حق الزوج على المرأة، والحديث صحيح .
(2) أي لا أقصر في حقه .
(3) قال الإمام الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا حصين، وهو ثقة، انظر "مجمع الزوائد":4/309.


"ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصدّيق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله عز وجل، ونساؤكم من أهل الجنة : الودود الولود، العؤود على زوجها، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى"(1).

فهل تفعل الأخت الداعية هذا حين يغضب منها زوجها فتضع يدها في يده وتقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى؟! أم أن أكثر الداعيات ينصرفن عنه وينتظرنه حتى يرضى أو حتى يُرضيه كَرُّ الأيام والليالي؟!

وهناك حديث رائع جليل، يُثلج صدور نسائنا العاملات الداعيات اللواتي قد يعيقهن عمل البيت ورعاية الزوج والأولاد عن انطلاقتهن في الدعوة :

أسماء بنت السكن الأنصارية الأشهلية رضي الله عنها، الملقبة بخطيبة النساء، أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:
يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنا وافدة النساء إليك، واعلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الأستاذ محمد أحمد إسماعيل حفظه الله في كتاب "دعوة الحجاب":2/228: أخرجه تمام الرازي في الفوائد وعنه ابن عساكر، وأبو بكر الشافعي في الفوائد، وأبو نعيم في الحلية نصفه الأول، والنسائي في عشرة النساء النصف الآخر، وللحديث شواهد يتقوى بها: انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 287 .

- نفسي لك الفداء – أما أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أولم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك للرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات مخدورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمع والجماعات، وفضلتم علينا بشهود الجنائز، وعيادة المرضى، وفضلتم علينا بالحج بعد الحج، وأعظم من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنَّ الرجل منكم إذا خرج لحج أو عمرة أو جهاد، جلسنا في بيوتكم نحفظ أموالكم، ونربي أولادكم، ونغزل ثيابكم، فهل نشارككم فيما أعطاكم الله من الخير والأجر؟

فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال:
"هل تعلمون امرأة أحسن سؤالاً عن أمور دينها من هذه المرأة؟ قالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تسأل سؤالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" يا أسماء، افهمي عني، أخبري من وراءك من النساء أنَّ حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لرغباته، يعدل ذلك كله".
فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر وتردد: يعدل ذلك كله، يعد ذلك كله"(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أخرجه ابن عبد البر في: الاستيعاب (4-1788)، والبيهقي في: شعب الإيمان (8743)، الدر المنثور للسيوطي 2/518، والحديث وإن كان فيه ضعف يشهد به جملة من الأحاديث، وتشهد له عدة قواعد من قواعد الإسلام .
.

وهذه القصة أهديها إلى أخواتي الداعيات ذوات الأزواج، وهي قصة امرأة فريدة عاشت مع زوجها عشرين سنة فلم تغضبه إلا مرة واحدة وكان لها ظالماً في تلك المرة، فاقرأنها أخواتي وقارنّ بينكن وبينها :

قال شريح القاضي لعامر الشعبيّ :
"من عشرين عاماً لم أر ما يغضبني من أهلي. قال له: وكيف ذلك؟ قال شريح: من أول ليلة دخلت على امرأتي، رأيت حسناً فاتناً، وجمالاً نادراً، فقلت في نفسي، فلأتطهر وأصلي ركعتين شكراً لله. فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي. فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء قمت إليها فمددت يدي نحوها، فقالت: على رِسْلك يا أبا أمية، كما أنت. ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيِّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه. وقالت: إنه كان لك في قومك من تتزوجه من نسائكم، وفي قومي من الرجال من هو كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك.

قال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع.
فقلت: أحمد الله وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد:


فإنك قلت كلاما إن ثبتّ عليه يكن ذلك حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك. أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها.

فقالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له، ومن تكره فأكره؟

قلت: بنو فلان قوم صالحون، بنو فلان قوم سوء.
قال شريح: فبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها حولاً لا أرى إلا ما أحب. فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بفلانة في البيت. قلت: من هي؟ قالت: خَتَنك – أي أم زوجك – فالتفتت إلي وسألتني: كيف رأيت زوجتك؟ قلت: خير زوجة. قالت: يا أبا أمية، إن المرأة لا تكون أسوء حالاً منها في حالين إذا ولدت غلاماً، أو حظيت عند زوجها، فو الله ما حاز الرجال في بيوتهم شراً من المرأة المدللة، فأدب ما شئت أن تؤدب!! وهذب ما شئت أن تهذب!! فمكثت معي عشرين عاماً أعتب عليها إلا مرة، وكنت لها ظالماً"(1).

وهذا الإمام أحمد أبن حنبل رجمه الله تعالى ذكر أهله التي توفيت فترحم عليها، وقال: مكثنا عشرين سنة ما اختلفنا في كلمة(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "دعوة الحجاب": 2/338-339.
(2) "نزهة الفضلاء": 2 /836.



وإليكن أخواتي هذا المثال الرائع لزوج عاشت مع زوجها أكثر من أربعين سنة فما اختلفا إلا ثواني معدودات!! ويحكي الأستاذ حسن الهيضيبي – رحمهما الله تعالى – فيقول :

"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله تعالى خيراً من زوجة صالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا أقسم عليها أبرته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله" حديث شريف.

هذا ما وصف به نبي الرحمة الزوجة الصالحة وهذا ما جعله لها – عليه السلام – من أثر بالغ في سعادة الزوج، وما أحسبني والله رأيت أنموذج هذه الزوجة النبوية قبل أن أعرف سيدتي الوالدة أم أسامة، زوج المرشد الراحل الأستاذ حسن الهضيبي – رحمه الله – بارك الله في عمرها(1)، وأحسن جزاءها، وألبسها التوفيق والعافية، وألزمها كلمة التقوى ما أحياها.

وسأجتزئ في هذه الحلقة سبع ومضات من سيرتها الحافلة بالنضارة والإشراق، إثباتاً لمواطن الكمال، التي أوردها الحديث النبوي في شمائلها(2):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انتقلت إلى جوار الله في 9/3/1976.
(2) اقتصرت منها على واحدة مناسبة للمقام .




أ- التفنن في إدخال السرور على الزوج :

وأول من لفت نظري إلى مثاليتها الزوجية شقيقتي القروية البريئة، آمنة عليها رحمة الله، فقد وافتني للعلاج، ورحلي في الركاب إلى الإسكندرية، للاجتماع بالمرشد، في مسعى أشار إليه شهيد الإسلام الألمعي التقي الشيخ محمد فرغلي – طيب الله ثراه – لإزالة الجفوة بين الأخوان والثورة، فلم يسعني إلا حمل الشقيقة معي لعلاجها هناك، وما بلغت الإسكندرية بسيارة الأخ الحاج توفيق الفشني – وفيها كذلك أختنا خالدة الهضيبي وأولادها الثلاثة – حتى وضع آل الهضيبي يدهم على شقيقتي المتواضعة، ولنا في الإسكندرية أهل ودار، ولم يسمحوا لها قط بمغادرة دارهم إلا إلى عيادة الطبيب في حراسة نشء الإيمان يومذاك (علية الهضيبي) التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها المبارك المديد إن شاء الله تعالى. قضت شقيقتي ثلاثة أيام في بيت الهضيبي وهو حاضر، وأربعة أيام مع زوجته وابنتيه، أثناء غيابه في الرحلة التي وفقني الله لإقناعه بالقيام بها في بعض مناطق الدعوة بدلتا مصر، قبل وصوله إلى القاهرة تمهيداً لاجتماع إصلاحي مع قيادة الثورة، وكان عليّ أن أتخلف بالإسكندرية هذه الأيام الأربعة، لأنوب عن فضيلة المرشد في تنظيم الاتصال بالأطباء القائمين على علاج زوجته الجليلة، إذا كانوا جميعاً من خاصة




الأصدقاء، ولأعود بشقيقتي إلى القاهرة، بعد أن يكتب الله لها الشفاء، ولبثت الأستار قائمة بيني وبين الشقيقة رحمها الله، لا أراها إلا مع علية (العلية) لحظات الانتقال بها إلى الطبيب في سيارة الصديق الكريم النبيل الأستاذ عبد العزيز القيسي، الذي سبق إلى جوار الله ورحمته إن شاء الله .

ولما انقضت مآربنا من الإسكندرية وعدت بشقيقتي لا ثالث لنا إلا الله أقبلت عليّ رحمها الله تسائلني بلغتها العامية ونحن في القطار، ما ترجمته بالفصحى:-

يا أخي يا ابن أمي وأبي : من أي طينة امرأة الهضيبي هذه؟ أهي من طينة الملائكة ليس فيها من طبائع البشر والنساء قط؟!

- ولم يا آمنة؟ وما وجه هذا السؤال؟
- يا عبده يا أخي أخذني العجب من سلوكها نحو زوجها :
ففي الأيام الثلاثة التي قضيتها بحضوره، تبالغ في التحبب إليه، وإدخال السرور على قلبه، فلا تلقاه في الضحى بثياب الصبح، ولا في العصر بثياب الصبح، ولا في العصر بثياب الظهر، وإذا ودعته حين يخرج ساعة الأصيل تجهزت بثياب أجمل حين يستقبله في المساء، ولا تخلو في كل ذلك من التزين له بما يناسب أهل الكمال والوقار! أضف إلى ذلك – تقول الشقيقة – أنها تنشط لتوديعه حين يخرج، تتأهب لاستقباله حين يرجع،


بأعذب ما يصنع عروسان متوافقان، في الأيام الأولى من الزواج :
والأعجب من ذلك – تقول شقيقتي الساذجة عليها رحمة الله – أنه منذ سافر عنها الهضيبي لم تبدل الثوب الذي ودعته به طوال هذه الأيام، ولم تقرب الماء إلا للوضوء والصلاة!!.

رحمك الله يا أختاه قلتها وهي معي في القطار وقد خنقتني العبرات، لاختفاء هذا المثل الرفيع إلا في آل الهضيبي...

وقد أثار هذا الأسلوب المثالي في معاملة الزوج – من سيدة في حدود الخمسين – فضولي إلى الإحاطة بشيء من أسلوبها في معاملة أستاذنا الجليل أيام الشباب حيث كثرة الأعباء، والاستغراق في تربية الأولاد، وكانت لي معه رحمه الله دعابة ومباسطات يسعها بكل تلطف وانشراح، كما كنت أعلم – من لصوقي به، وإعجابي بأثر دعوته في محيطه – بالغ إعزازه وإيثاره لأهله، وطربه للحديث عن مناقبها الجليلة الرفيعة . هكذا أقبلت عليه أسأله بعد أن رويت له افتتان شقيقتي الريفية بأم ولده :

يا فضيلة المرشد: هذا مبلغ حفاوة أهلك بك وأنتما على أبواب الشيخوخة فقل لي – بأبي أنت وأمي – كيف كانت لك في مطالع الشباب، فقد أكلت قلوبنا الغيرة من هذا التدليل؟ وانبسطت أسارير الزوج العظيم، المؤمن العظيم، الداعية العظيم، وابتدرني مازحاً


بهذه العبارة: عين الحسود فيها عود، ثم راح يسألني: أيكفيك الإيجاز أم تريد الإطناب؟، وأجيبه: ما شئت هات، وهنا قال المرشد عليه رضوان الله: من طبعي الإيجاز، فاعلم أننا شارفنا الأربعين عاما من حياتنا الزوجية لم يتكدر صفو الفراق بيننا أربعين ثانية والحمد لله!!!. قلت: ولكن في طبعك إصرار وحنبلية لا تصبر عليها النساء، فأجاب قد صبرت راضية قريرة العين، والفضل لها بعد الله..."(1).

وهذا أمر عجيب، والناقل له ثقة؛ إذ كيف يعيش زوجان أربعين عاماً معاً ثم لا تتكدر حياتهما إلا أقل من دقيقة؟ إن هذا لشيء عجيب، لكنه الإسلام الذي ربي هذه النفوس الكبيرة.

وهناك مثال عجيب آخر لكنه موجز العبارة كافٍ في الإشارة، حيث ذكر الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري ثم المدني المتوفى 902 بالمدينة رحمه الله تعالى ذكر في ترجمة ابن مظفر أحمد بن محمد التركماني الأصل القاهري الشافعي، ذكر أن أم أحمد هذا كانت تونسية، وأقامت في صحبة أبيه خمسين سنة فلم يختلفا!!(2) وهذه إحدى العجائب .

فقارني أختي الداعية بين حالك وحالهن .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "الأخوات المسلمات": 296-298.
(2) "المختار المصون" 1/360 .


6- ضعف الصلة بالله :
الداعية همها في دعوتها هو جلب القلوب إليها، ومرادها تليين هذه القلوب وجعلها تصغي للحق، وسبيلها في هذا هو أحسان صلتها بالله تعالى، وإعظام حقه، والإكثار من طلب وضاه، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث يشاء"(1). فإن هي أحسنت فيما بينها وبين ربها أنجح الله تعالى مقاصدها وأقبل بقلوب الناس عليها، والعكس – والعياذ بالله – صحيح .

فلتسأل الداعية نفسها :

1- متى كانت آخر ختمة ختمتها؟

2- متى كان آخر يوم تطوع صامته ؟

3- متى كانت آخر نفقة أنفقتها في سبيل الله ؟

4- هل هي على شيء من الكبائر والعياذ بالله ؟

5- هل هي مصرة على الصغائر ؟

6- هل استجابت لأوامر الله تعالى وامتنعت عن نواهيه ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء.


7- هل قدمت التضحيات التي ترضي ربها سبحانه ؟

8- هل تحلن بالأخلاق الحسنة التي يحبها الله تعالى وأوصى بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ؟

9- هل هذبت نفسها، وخرجت من أهوائها وأخلاقها السيئة ؟

10- هل وهل وهل ؟

فبمقدار إجابتها على هذه الأسئلة إجابة جيدة كان تلك أعون لها على دعوتها، وأقرب لتحقيق مطالبها.

وصلتها الحسنة بالله تنفي عنها جملة من أمراض القلوب المعيقة لنجاح دعوتها مثل الحسد والغرور، والكبر والتعالي، وتقربها هذه الصلة إلى عبادات مهمة مثل التفكر وطول التأمل، وتنفي عنها كثرة الكلام – وهو المرض المزمن لدى كثير من النساء – والفضول، وهو السمة الغالبة في أكثر النساء، وأيضاً حسن الصلة بالله يحليها بالاهتمام بالأذكار، والصلاة على النبي الخاتم التهامي المختار صلى الله عليه وسلم ويتحفها بعبادة الاستغفار القربة لها من الغفار، والقاضية لحوائجها.
ومتانة صلة الأخت الداعية بالله تعالى ترشحها لأن تصير موجهة ومرشدة لغيرها من النساء، وهذا أمر مهم، والنساء خاصة بحاجة له لندرة الموجهات والمرشدات في صفوفهن، والمرأة الداعية المعتدلة في


أفكارها، والملتزمة دينها والفاهمة لشرعها عليها أن تصبو لهذه المنزلة العظيمة حتى تقطع الطريق على داعيات الضلال اللواتي يؤثرن بخشوعهن وكثرة ذكرهن على الناس.

ولقد سمعنا عن نساء كان يُرجى منهن الفائدة لمجتمعهن والمشاركة في الدعوة لما وهبهن الله تعالى من صفات ومواهب وملكات هؤلاء النسوة تأثرن ببعض دعاة الضلال من الرجال، وحدن عن طريق أهل السنة والجماعة إلى طريق الغلاة في العقيدة والفكر والسلوك، وخسرت الدعوة بذلك طاقات كان من المؤمل أن تساعد في دفع مسيرة الدعوة، وإذا سأل سائل عن سبب هذا فالجواب – والله أعلم – هو أن هؤلاء النسوة فد عثرن على شيء كن يفتقدنه بسبب ضعف إيمانهن، وقلة ذكرهن، وانغماسهن في الحياة المادية المترفة، فجاء بعض دعاة الضلال المتلفعين بلباس الذكر والزهد ليتلقفوا أولئك المسكينات وينعطفوا بهن نحو الضلال البعيد، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ومن ثم صارت أولئك النسوة تشارك في هذا الضلال وتدعو غيرهن إليه عن طريق وسائل متعددة.

فوجود نساء صالحات مؤثرات ذاكرات تقيات يحمى النسوة من الانزلاق، وتدور حولهن قطاعات النساء المختلفة فتكسب الدعوة طاقات جديدة متحمسة، والله أعلم.




7- قلة العناية بالتربية :

التربية هي طريق الأنبياء العظام، وهي ذات الأثر الناجح الفعال، والداعية الحصيفة هي التي تحرص على العناية بتربية المدعوات على منهاج الإسلام، ولا تنسى هذا في خضم حرصها على دعوة الأخريات؛ إذ بعض الداعيات يؤثرن المزاح الكثير، والكلام الذي يضعف مضمونه وأثره، والأساليب التي يغلب فيها الترفيه على الجد، وهذا كله إن كان صالحاً في وقت ولغرض محدد فلا يصلح في كل وقت، ولا يحسن بالداعية أن تُعرف حتى إن جلب لها بعض المدعوات فهو قد يصرف عنها مدعوات أحسن حالاً، وأجدر بالعناية والتربية الجادة فلتنتبه لهذا، ولا تنسى المعالم الأساسية لشخصية المرأة المسلمة الواردة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه الأعظم صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابيات – رضي الله تعالى عنهن – ومن سلك طريقهن .

وهناك بعض الداعيات يعشن في بيئات يغلب عليها التعلق الكبير بالسياسة وأساليبها ووسائلها، فلا بأس حينئذ من العناية بطرف من هذا لكن على ألا يُتجاوز به الحد الملائم، وألا يصبح الحديث عن هذا غاية وهدفاً يغلب العناية بالتربية ويتجاوزها، وقد تفعل هذا الأخت الداعية بتأول منها لكن ينبغي دوماً الحذر من أن تُنحّى التربية



الإسلامية القوية الجادة ويستبدل بها أغراض أخرى مهما رؤي أهميتها وأولويتها، ولقلة العناية بالتربية الجادة القويمة صرنا نرى عدداً ممن يسمون بالداعيات هن بأمس الحاجة إلى من يدعوهن!!، فمن تعلق بغيبة ونميمة، وتفاهة الأفكار والأهداف، وضحالة الثقافة والعلم، وتضييع الأوقات وغلبة أمراض القلب عليهن وضعف العمل الدعوي المؤثر، والتعلل والأمراض الناجمة عن قلة التربية، وسوء الإعداد الأولي، وضعف البذور المغروسة .

وإحسان التربية كفيل بالقضاء على أمراض النساء أو التقليل منها إلى درجة مُرضْية، وأعني بأمراض النساء: كثرة الكلام، وقِصَر النَفَس، وضعف التصرف في أحايين كثيرة، والغلو في الاتكاء على العاطفة وربط الأمور بها، إلخ...


وهناك أمر آخير أشير إليه، وهو ناتج عن ضعف التربية، ألا وهو ضعف أو تلاشي عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف الرجال والنساء على السواء وإن كان الضعف أكبر في صفوف النساء، وهذا مشاهد معلوم، فيا حبذا لو عُنيت النساء بهذه العبادة وربين عليها أنفسهن ومن يقمن بتربيتهن، ففي هذا خير كثير إن شاء الله تعالى.




وفي النهاية أقول:

يكفي حسرة أن يمر المرء بحي كبير فيه مئات النسوة فلا يكاد يجد فيه داعية جيدة، أو امرأة حصيفة واعية!!. إنا لله وإنا إليه راجعون، فلعل هذا يوقظ من يقرأ هذا الكتاب، والله المستعان.



((((















خاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

هذه الرسالة قد وجهتها للداعية خاصة، أو التي تريد أن تُسلك في سلك الداعيات، تبين من خلال طرق موضوعاتها عظم التبعة الواقعة على أخواتنا الداعيات، وأنهن الأمل بعد الله تعالى في الحفاظ على بنية المجتمع المسلم من خلال العناية بأزواجهن وأولادهن ومن خلال العناية بدعوة المجتمع أيضاً .

وتبين أن الداعيات ثروة غالية وكنز عظيم، ينبغي أن نحرص عليهن – على قلة عددهن – ونعينهن في مهمتهن الصعبة، ولا نقف – نحن الرجال –عقبة في طريقهن، ونتفهم أوضاعهن وأحوالهن، ونقدم لهن المعونة اللازمة: المادية والمعنوية .

وأيضاً ظهر أن هناك عقبات حقيقية متنوعة تواجه الأخت الداعية عليها أن تواجهها بقوة وشجاعة، وأن تتخطاها إن أرادت فلاحاً ونجاحاً .

وأظن والله أعلم أن المرأة الداعية المتميزة تبذل في سبيل تميزها


وحسن عطائها من جهدها وقوتها أعظم مما يبذل الرجل، وذلك لسهولة انطلاق الرجل في المجتمع وقلة العقبات – نسبياً – التي تعترضه مقابل العقبات التي تواجه المرأة .

وأوصى في الختام بوصية مهمة وهي أن يقوم أرباب الأعمال وأصحاب الأموال بتعهد الفتيات الصالحات حتى يكملن دراستهن العالية، ويمكنوهن من الالتحاق بالدورات المناسبة لهن كالحاسب الآلي/ وإدارة البيوت، وإدارة الذات، والصحافة والإعلام إلى آخر تلك القائمة من التخصصات المهمة التي نحن بأمس الحاجة إلى نساء يجدنها ويتميزن بها .

هذا والله أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .


((((








فهرست المراجع

* القرآن الكريم

* "أبطال فوق الخيال: قصص شهداء الانتفاضة":أ.آمال صالح نشر دار ابن حزم. بيروت. الطبعة الأولى سنة 1424هـ

* "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية"أ.محمود محمد الجوهري، أ.محمد عبد الحكيم خيال. دار التوزيع والنشر الإسلامية. مصر. الطبعة الثالثة1420هـ

* "الاعتبار" الأمير أسامة بن منقذ. نشر دار الفكر الحديث. بيروت. سنة1408هـ

* "الأعلام"أ.خير الدين الزركلي. نشر دار العلم للملايين. بيروت. الطبعة الخامسة1980.

* "رحلة خير في أفريقيا" الدكتور عبد الرحمن السميط.

* "رؤية مستقبلية للدعوة النسائية"د.رقية المحارب. رسالة مستلة من شبكة المعلومات (الانترنت).

* "سنن أبي داود".




* "صحيح البخاري".
* "دعوة الحجاب" الأستاذ محمد أحمد المقدم. نشر دار طيبة. الرياض.
* "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" الأستاذ أحمد عبد الرحمن البنا. نشر دار الشهاب القاهرة.
* "كيف أخدم الإسلام": عبد الملك القاسم. نشر دار القاسم. الرياض. الطبعة الأولى سنة1421.
* "مجلة البيان".
* "المختار المصون من أعلام القرون" لواضع هذه الرسالة. نشر دار الأندلس الخضراء. جدة الطبعة الأولى سنة1415.
* "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" الإمام نور الدين الهيثمي.
* "المرأة المسلمة المعاصرة: إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة".د.أحمد بن محمد أبابطين. نشر دار عالم الكتب. الرياض. الطبعة الثالثة سنة1413هـ
* "المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله" د.علي عبدالحليم محمود. نشر دار الوفاء. المنصورة. الطبعة الخامسة سنة1424هـ
* "نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء" السير للحافظ الذهبي والتهذيب لواضع هذه الرسالة. نشر دار الأندلس الخضراء. جدة.




* "يا نساء الدعاة لستن ككل النساء" الأستاذ الزبير فضل مضوي. نشر مكتبة الخدمات الحديثة. جدة.



((((





















(



لا تنسوا من قام بنسخ هذا الكتاب من دعائكم الصالح










فهرست المواضيع

الموضوع
الصفحة
مقدمة
7
تمهيد
9
معالم تهتدي بها الداعيات:
20
1- تنسيق العمل النسائي وترتيبه.
20
2- استغلال زمن الحرية والأمن، وذلك للآتي:
23
أ- شكر النعمة.
24
ب- مسابقة تغير الزمن.
24
ج- تأسيس الهيئات والجمعيات الإسلامية العالمية.
25
د- ‘عداد الداعيات.
27-28
هـ- انتهاز الفرص.
28
3- كيفية طرق الموضوعات الحساسة:
34
أ- الموضوعات الفقهية.
35
ب- التوجهات الفكرية والدعوية.
35






الموضوع
الصفحة
ج- الموضوعات السياسية.
36
4- تحصيل الشهادات العليا.
37
5- المبادرة إلى التأليف.
39
6- امتلاك القدرة الخطابية.
40
7- القدرة على التأثير والتوجيه.
43
8- المشاركات الخارجية.
44
9- المشاركة في وسائل الإعلام.
46
10- دعوة الوجيهات والمؤثرات.
49
11- العناية بصغيرات السن.
51
12- العناية بالترفيه والترويح.
53
13- توريث الدعوة.
55
عقبات أمام المرأة الداعية:
58
أولا: العقبات الاجتماعية:
58
1- عقبة البيئة الفاسدة.
59
2- عقبة الزواج.
60
3- عقبة الزوج غير الملتزم أو الملتزم التزاماً أعوج.
63





الموضوع
الصفحة
4- عقبة الزوج الداعية.
68
5- عقبة الأولاد، وفيها نقاط:
69
أ- المعونة على قدر المؤونة.
70
ب- الموازنة بين حاجة الأولاد وحاجة الدعوة.
70
ج- التسليم لقضاء الله تعالى في الأولاد.
71
د- الحذر من التقليل المتعمد لمرات الإنجاب بعذر التفرغ للدعوة.
79
6- عقبة الجمع بين متطلبات الدعوة ووظيفة البيت.
80
7- عقبة الجمع بين الوظيفة والدعوة.
84
ثانياً: العقبات العلمية والفكرية والثقافية:
87
1- عقبة ضعف العلم الشرعي.
87
2- عقبة ضعف الثقافة.
90
3- عقبة ضعف المهارات وقلة التدريب.
92
ثالثاً: عقبات نفسية:
95
1- الشعور بالتقصير.
95
2- الشعور بالقصور.
95






الموضوع
الصفحة
3- الأمراض النفسية.
96
رابعاً: العقبة المالية.
97
محاذير موجهة للداعيات :
99
1- تميع المواقف.
99
2- ضعف الهمة وقصر النَفَس.
105
3- التعليق بسفساف الأمور ودناياها والتعلق بالدنيا.
137
4- عدم مساعدة زوجها العامل.
145
5- التمرد على الزوج.
156
6- ضعف الصلة بالله.
169
7- قلة العناية بالتربية.
172
خاتمة.
175
فهرست المراجع.
177
فهرست الموضوعات
181


المرأة الداعية - معالم وعقبات ومحاذير