Advertisement

طريق الإصلاح مجدي الهلالي



طريق الإصلاح

أضواء على مفاهيم مختلطة


مجدي الهلالي


بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
ففي أثناء محنة الإمام أحمد والتي تعرض فيها للتعذيب والتنكيل بسبب موقفه الرافض لادعاء المعتزلة بأن القرآن مخلوق، وإصراره على القول بأن القرآن كلام الله تعالى، غير مخلوق.. جاءه تلميذه ( المَرُّوذِي ) يحاول إقناعه بأن يسلك مسلك العديد من العلماءفي عصره الذين وافقوا المعتزلة على رأيهم، وذلك بلسانهم فقط، خوفًا على أنفسهم من بطش خلفاء الدولة العباسية وقتذاك، والذين تبنوا رأي المعتزلة ( كالمأمون والمعتصم )، فقال المَرُّوذِي للإمام :
يا أستاذ: قال الله تعالى: ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ? [النساء: 29]، فقال أحمد: يا مَرُّوذِي، أخرج، انظر أي شيء ترى، قال: فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا من الناس لا يُحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المَرُّوذِي :
أي شيءء تعملون ؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، فقال المَرُّوذِي: مكانكم، فدخل إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهُنْبَازين، فقال: لقد رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبون .
فقال: يا مَرُّوذِي، أُضل هؤلاء كلهم ؟.. أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء(1).
لقد كان المَرُّوذِي ينظر للأمر نظرة جزئية تهدف إلى تحقيق مصلحة الإمام أحمد في النجاة بنفسه من التعذيب والهلاك، هذه النظرة كانت تنطلق من فهمه لبعض النصوص الشرعية .
لكن الإمام أحمد كان ينظر للأمر نظرة أشمل وأعمق من نظرة تلميذه، ويفهم النصوص فهمًا متكاملًا، ويربط بعضها ببعض، وكان يدرك خطورة إقراره لقول المعتزلة – باللسان فقط – على عقيدة الأمة، لذلك عزم على قول الحق مهما كلفه ذلك من ضُرٍّ وأذى، فأيده الله عز وجل وثبته حتى انجلت الفتنة، وظهر الحق.
.. لقد كان فهم الإمام أحمد الصحيح للأمر، ونظرته الشاملة البعيدة لِما قد يترتب على رضوخه وإقراره لادعاءاتهم، أثر كبير في ثباته – بإذن الله – على موقفه.
هذه القصة بها الكثير من العِبَر والدلالات، من أبرزها: أهمية الفهم ومدى تأثيره على مواقف الإنسان وسلوكه.
فعندما يفهم المرء أمرًا ما فهمًا محدودًا، فإن حُكمه عليه، ومواقفه نحوه ستنطلق من هذا الفهم، وهذا ما ظهر من موقف المَرُّوذِي في البداية، بخلاف موقف الإمام أحمد الذي انطلق من فهمه الصحيح الشامل – كما أسلفنا –.
فحكمنا على الأشياء ينبع من تصورنا عنها وفهمنا لها، والذي قد يكون فهمًا صحيحًا أو خاطئًا.. شاملًا أو ناقصًا.
معنى ذلك أنه عندما نطالب أنفسنا أو الآخرين بفعل شيء ما، فالخطوة الأولى التي ينبغي أن نخطوها هي تصحيح الأفكار المرتبطة بهذا الفعل، فعندما تطلب من ابنك أن يُعامل الفقراء والمساكين معاملة حسنة، وأن يتودد إليهم، ويتواضع معهم، فلابد أولا من تصحيح الأفكار المرتبطة بهذا الفعل وإقناعه بها، ومن ذلك: أن جميع البشر سواسية أمام الله عز وجل، فلا فضل لغني على فقير، ولا لفقير على غني إلا بالتقوى، وأننا في دار امتحان لا دار نعيم وجزاء..
وعندما تطلب من الآخرين تحكيم الإسلام في جميع شئون حياتهم، فلابد أولًا من تبيين مفهوم شمول الإسلام وأنه ينتظم جميع جوانب حياة الفرد والأمة.
وعندما تجد من حولك يهتم بظواهر العبادات دون جوهرها، كأن يُكثر من قراءة القرآن بلا فهم ولا تدبر، فعليك أولًا قبل أن تطالبه بالتركيز والتدبر أن تُبين له أهمية الإحسان في العمل ظاهرًا وباطنًا، وأنه مُقدَّم على الإكثار الشكلي منه فقط، وأن علو الدرجات عند الله مرتبط بهذا الإحسان .
وليس معنى هذا أن صحة الفكر وحدها تؤدي إلى صحة السلوك، بل هي الخطوة الأولى التي تحتاج معها إلى إيمان قوي يقهر الهوى ويستعلي على الرغائب والشهوات، ويحتاج كذلك إلى يقظة مع النفس حتى لا تأخذ حظَّها من هذا العمل فيضيع جهد العبد، ويصبح هباء منثورًا.
.. والمسلم يحتاج دومًا إلى تذكير بالثوابت والمفاهيم الصحيحة حتى يكون سلوكه منسجمًا معها، أو على الأقل، يكون مُدرِكًا لصوابها من خطئها، ومِن ثَمَّ يستطيع تقييم أعماله بناء على هذه المعرفة.
أما عندما يطول الزمن بلا تذكير، ومع تشابك الأحداث وازدياد المؤثرات السلبية، فإن المفاهيم الصحيحة قد تختلط بغيرها، وتختلف مقاييس تقييم الاهتمامات والسلوكيات، ومن ثَمَّ تضطرب الحركة.
لذلك كان من الضروري التذكير الدائم بالمفاهيم والثوابت التي قد يحدث فيها خلط وتداخل، ويقف على رأسها تلك المفاهيم المرتبطة بنهضة الأمة الإسلامية وطرق إصلاحها .
ومما يؤكد على أهمية وضوح الرؤية حول طريق النهضة والإصلاح، تلك الهزيمة النفسية التي تمر بها الأمة، والضغوط الشديدة التي يتعرض لها الدعاة إلى الله، والمؤثرات السلبية الضخمة التي تُحيط بالجميع، والانفتاح الإعلامي غير المسبوق وما قد يطرحه الإعلام من أفكار مضادة تدعو المسلمين إلى الرضا بالواقع.. ناهيك عن بعض النجاحات التي تمَّت في بعض الأقطار الإسلامية والتي أدت إلى تحسين معيشة أبنائها.. كل ذلك وغيره أدى إلى اختلاط المفاهيم عند البعض حول سُبل النهوض بالأمة، وطرق الإصلاح التي من خلالها يعود للمسلمين عزهم ومجدهم بإذن الله .
ولعلك أخي القارئ تجد في هذه الصفحات ما يُذكِّر ببعض « الثوابت والمفاهيم الأصلية » حول هذا الموضوع، واعلم – أخي – بأن كل خير تجده فيها فالفضل فيه لله عز وجل، وهو محض كرم وجود منه سبحانه ، وإن وجدت غير ذلك فمن نفسي وما أُبرئها ? قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ? [سبأ: 50].
أسأل الله عز وجل ألا يحرمني الأجر إن أصبت أو أخطأت، فهو وحده ولي ذلك والقادر عليه، وأن يأخذ بنواصينا جميعًا إلى ما يُحبه ويرضاه لنا.

علاقة الأمة الإسلامية بالبشرية
نقرأ في سورة إبراهيم قوله تعالى على لسان الرسل وهم يُخاطبون أقوامهم ويدعونهم إلى الله عز وجل ?قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ? [إبراهيم: 10].
في هذه الآية نجد نموذجًًا للخطاب الذي يقدمه الرسل إلى الناس، فالرسل يطلبون منهم أن يعودوا إلى الله لكي يغفر لهم ذنوبهم ويُمتِّعهم فيما بقي لهم من أعمارهم ? وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ? [هود: 3].
وكأنهم يقولون لهم: أنتم أخطأتم كثيرًا في حق الله عز وجل، ومع ذلك فهو يُريد لكم الخير والسعادة في الدارين ولا يريد لكم الشقاء، ومن أعظم الأدلة التي تؤكد لكم ذلك؛ أنه هو الذي يطلب منكم تلبية دعوته بأن تُقبلوا عليه نادمين طالبين الصفح والعفو عن هذه الأخطاء ليعفو ويصفح ويغفر.
وتُصور لنا سورة إبراهيم في نهايتها أحد مشاهد الحياة لأناس لم يُلبوا هذه الدعوة حتى فاجأهم عذاب الله، وكيف سيكون ندمهم، وحسرتهم، وإلحاحهم في طلب الإمهال حتى يلبوا دعوة ربهم ?وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ? [إبراهيم: 44].
ربنا أخرنا إلى أجل قريب نُجب دعوتك
فما هي تلك الدعوة التي يريدون الإمهال لإجابتها؟
أليست هي التي دلهم عليها الرسل، وطلبوا منهم ألا يُضيّعوها، لكنهم أبوا الانتفاع بها، فاشتد ندمهم بعدما تأكدوا أنها كانت دعوة حقيقية للمغفرة والرحمة ؟!
وقبل هؤلاء الرسل قام نوح عليه السلام بتبليغ هذه الدعوة لقومه ? وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ? [نوح: 7].
.. نعم – أخي – هذا هو ربك الودود الرحيم الذي يريد الخير للناس جميعًا ? وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ? [الزمر: 7].
يُريد منهم أن يعودوا إليه فيقبلهم، ويستغفروه فيغفر لهم، ويدخلهم الجنة.
جاء في الحديث: « ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يُغرق ابن آدم، والملائكة تستأذن أن تُعجله وتهلكه، والرب يقول: دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمني إلى عبدي، وعزتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت باعًا، وإن مشي إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليّ تُبت عليه. مَن أعظم مني جودًا وأنا الجواد الكريم ؟ عبادي يبيتون يُبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم (2) في مضاجعهم، وأحرسهم على فُرُشهم، من أقبَل تَلقَّيته من بعيد، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوتي ألَنْت له الحديد، ومن أراد مُرادي أردت ما يُريد. أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنطهم من رحمتي، فإن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من المعاصي»(3).
أمة البلاغ:
ومن أعظم مظاهر الود الإلهي لعباده إنزال الكتب، وإرسال الرسل التي تستحثهم على سرعة العودة إليه، وتُبين لهم المطلوب منهم لكي ينجحوا في مهمتهم على الأرض.
وكان آخر هذه الكتب هو القرآن الكريم، وآخر هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء: 107]، والهدف من إرساله هو الهدف من إرسال جميع الرسل ?رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ? [النساء: 165].
? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? [النحل: 36].
فإن قلت: فلماذا توقفت مسيرة إرسال الرسل عند محمد صلى الله عليه وسلم ؟ من الذي سيقوم بتبليغ الدعوة للبشرية جمعاء جيلًا بعد جيل ؟
الجواب عن هذا التساؤل يستدعي أولًا التذكير بأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه الأخير للبشرية من التحريف والضياع ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر: 9].
وجعله مشتملًا وجامعًا للرسالة والمعجزة في آن واحد.. الرسالة: وما تحتويه من دلائل الهداية إليه سبحانه ?شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ? [البقرة: 185].
والمعجزة: وما تفعله من تأثير عميق فيمن يتفكر فيها ويُحسن استقبالها(4) ? لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ? [الحشر: 21].
فالقرآن إذن سيستمر وجوده بين الأجيال المتتابعة وحتى قيام الساعة، لتظهر الحاجة وتشتد لوجود الذين يقومون بوظيفة الرسل، وينوبون عنهم في تبليغ الرسالة، وتوجيه معجزتها للناس في كل زمان ومكان.. من هنا تتبين المسئولية العظيمة لأمة الإسلام تجاه البشرية.
أيها المسلم: أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أمة الإسلام لها وضع خاص أمام الله عز وجل، فهي الأمة المكلفة منه سبحانه بتبليغ رسالته للعالمين، ليكون كل فرد فيها بمثابة « رسول رسول الله » حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وهذا يُفسر لنا الانطلاق الضخم والانتشار في الأرض للصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد انطلقوا بدافع الشعور بالمسئولية تجاه الناس جميعًا، ولعل في كلمات ربعي بن عامر وهو يُجيب على رستم قائد الفرس عن سبب مجيئهم ما يؤكد هذا المعنى، يقول ربعي :
الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام (5).
وظيفة ممتدة عبر الزمان والمكان:
إن وظيفة الأمة في تبليغ الرسالة، وإقامة الحجة والشهادة على الناس ليس خاصًا بجيل دون جيل، بل هي وظيفة ممتدة عبر الزمان والمكان، بمعنى أنه لو قام جيل من الأجيال بحُسن تبليغ الرسالة في الأماكن والبلدان المختلفة، فإن ذلك لا يعفي الجيل التالي من هذه المهمة، لأن الجيل التالي سيولد معه جيل جديد يحتاج أيضًا إلى بلاغ.
معنى ذلك أن وظيفة الأمة في البلاغ مستمرة جيلًا بعد جيل حتى قيام الساعة، وهذه هي خصوصية وضعنا ومقامنا أمام الله عز وجل ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ? [البقرة: 143]، فنحن بالنسبة للبشرية في مقام المعلم والموجه والمنقذ بإذن الله .
نحن وغيرنا من أبناء أمة الإسلام الذين سيتم استدعاؤهم يوم القيامة للاستماع إلى شهادتهم على الأقوام والأمم الأخرى، وسؤالهم بعد الرسل عليهم السلام: هل بلغتموهم الرسالة ؟ هل أقمتم عليهم الحجة؟.. وماذا كان جوابهم؟
وصدق الله العظيم: ? وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ? [الزخرف: 44].
منزلة الجهاد وشمول معناه:
من هنا ندرك كيف أن الجهاد قد ارتفع إلى منزلة المقاصد في الشريعة، فالجهاد هو الوسيلة لنشر الدعوة والشهادة على الناس ? لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ? [النساء: 95].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قيل: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: « لا تستطيعونه » فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: « لا تستطيعونه » ثم قال: « مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القائم بآيات الله، لا يفتُر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد»(6).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله عز وجل »(7).
إن أمة الإسلام أمة دعوة وبلاغ، وهذا يحتاج من أبنائها إلى بذل غاية الجهد في سبيل الله لإنقاذ الناس من النار، لذلك كان للجهاد مرتبة عظيمة في الإسلام، مع الأخذ في الاعتبار أن الجهاد يشمل كل جهد يُبذل في سبيل الله لإنقاذ عباده من طريق الشيطان.. قال تعالى: ? وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ? [آل عمران: 157]، فالآية قد جمعت بين من يُقتل في سبيل الله ومن يموت – دون قتال – في سبيل الله، وبشرتهم بالأجر والمغفرة والرحمة، وإن كان هذا لا ينفي علو منزلة القتل والشهادة في سبيل الله .
وليس من معاني الجهاد إكراه الناس على الإسلام، بل هو بذل غاية الوسع والطاقة لتبليغ الدعوة دون إكراه على الدين ? وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ? [الكهف: 29].
فإن لم تسمح الطائفة المتحكمة في شئون الناس من الأمم الأخرى للدعاة بعرض دعوتهم على أفراد شعوبهم، وأصروا على ذلك، وجبت إزاحتهم رحمة بالضعفاء والجهال من تلك الشعوب.
لذلك شُرع الجهاد، لا لإكراه الناس على الإسلام، بل لإزالة الحواجز التي تمنع الدعاة من عرض دعوتهم عليهم.. تأمل قوله تعالى: ? وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ? [البقرة: 193].
فإن انتهوا عن فتنة الناس وسمحوا بدخول الدعوة فلا عدوان عليهم، بل العدوان على من يتجاوز الحد وإن كان من المسلمين .
أمة جهاد:
إن الكثير من البشر فيهم خير مخبوء، وما يمنعهم من الدخول في الإسلام إلا جهلهم به، وكل ما يحتاجون إليه لكي يُسلموا - بإذن الله – حُسن إبلاغهم بالدعوة، والقليل من البشر هم المجرمون الذين يرفضون الإسلام بسبب كبرهم واستعلائهم، ورغبة في الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم التي يوفرها لهم الكفر .
لذلك؛ وحتى لا تكون فتنة في الأرض بانتشار الكفر فيها، كان على أمة الإسلام القيام دومًا بوظيفتها العظيمة في البلاغ، وإزالة كل حائل يحول بينها وبينه .
إن الأمة الإسلامية أمة مجاهدة تجاهد نفسها بالتطبيق والانقياد لله، ثم تسعى دومًا لتوصيل رحمة الله للعالمين.. هذه هي وظيفتها التي اختصها الله بها وطالبها بالقيام بها حتى قيام الساعة، وجعل الجهاد وسيلتها لأداء تلك الوظيفة، لذلك فإن الجهاد ماض إلى يوم القيامة .
إن الهدف الأول للأمة الذي ينبغي أن يدندن حوله الجميع ويتكاتف لتحقيقه هو توصيل رحمة الله للعالمين جيلًا بعد جيل، وليس الهدف أن تكون الأمة الإسلامية هي الأمة الأولى في الزراعة أو الصناعة أو التجارة، وإن كان من الضروري النجاح في هذه المجالات على أن يتم التعامل معها على أنها وسائل لخدمة الهدف الجامع العظيم للأمة، ولقد وعد الله عز وجل أبناء أي جيل في الأمة بالخير الوفير والسعادة في الدنيا والآخرة، شريطة أن يحققوا الإسلام الشامل في ذواتهم وأن يقوموا بوظيفتهم تجاه البشرية .
الأسوة الحسنة:
ولقد كانت حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم - منذ بِعثه حتى وفاته - تجسيدًا عمليًّا لهذا المعنى، فلقد كان شغله الشاغل القيام بطاعة الله، والدعوة إلى توحيده، ولم ينشغل بغير هذه المهمة، ولقد سار صحابته على نهجه واقتدوا به.. نعم، كان منهم من يعمل بالتجارة والزراعة، ولكن لم يلههم ذلك عن طاعة الله والجهاد في سبيله.. حتى إن الأنصار لما عزموا على ترك الجهاد والاشتغال بإصلاح أموالهم وأراضيهم نزل فيهم قول الله عز وجل: ? وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? [البقرة: 195].
فعن يزيد بن حبيب قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى فرَّقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا ? وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? [البقرة: 195].
فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد(8).
وغني عن البيان أن كل ما يستلزمه الجهاد يدخل في مفهومه ويأخذ حكمه بالتبعية، فكل ما تحتاجه الأمة من إعداد العدة، ورفع مستوى الأفراد علميًّا وإيمانيًّا ونفسيًّا وبدنيًّا يُعد بمثابة جهاد في سبيل الله على أن يكون ذلك من خلال منظومة متكاملة تصب في النهاية لمصلحة أهداف الأمة وخدمة لوظائفها.
رفع الحرج عن الأمة :
ولأن أمة الإسلام أمة بلاغ.. أمة جهاد، فإنه سبحانه قد رفع عنها الحرج في أمور كثيرة حتى يتيسر لها القيام بمهمتها ? وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? [الحج: 78]، ? وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? [الأعراف: 157] .
ويقول صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدًا من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»(9).
ولقد جمعت الآية الأخيرة من سورة الحج هذه المعاني: ? وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ? [الحج: 78].
فالمطلوب من أمة الإسلام ? وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ?.
أي ابذلوا غاية الوسع والجهد في سبيل الله .
? هُوَ اجْتَبَاكُمْ?: فقد اختاركم سبحانه – دون غيركم – للقيام بالمهمة العظيمة.. مهمة البلاغ.
? وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? ولقد رفع عنكم أمورًا كثيرة حتى يتيسر لكم حمل الرسالة والانطلاق بها .
? وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ?: فالغاية من الجهاد والحكمة من رفع الحرج هو القيام بمهمة الشهادة على الناس.
? فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ?: فأعظم زاد يُعينكم على القيام بمهمتكم هي إحسان العبادة، والاعتصام الدائم بالله عز وجل .
إنقاذ البشرية :
من هنا يتضح لنا كيف أن النظام الإسلامي يدفع المسلمين للقيام بوظيفتهم العظيمة في توصيل رحمة الله للعالمين، وتبليغ دعوته للبشر أجمعين، وإنقاذهم من الشقاء في الدنيا والنار في الآخرة فإن لم تقم أجيال الأمة بوظيفتها ضاعت البشرية وغرقت أكثر وأكثر في بحر الشهوات وعبادة الذات، وسارت نحو النهاية التعيسة المؤلمة.. ويا للحسرة، فهذا هو الواقع الأليم الذي تعيشه البشرية منذ عقود..
فما من يوم تشرق شمسه إلا ويموت فيه المئات بل الآلاف من البشر الذين لا يعبدون الله عز وجل، وفي ذوات الكثير منهم خير مخبوء، ولو أنهم قد بلغتهم الدعوة بطريقة صحيحة لأسلموا ولأنقذوا أنفسهم من النار، ولكن للأسف لم تبلغهم الرسالة بسبب تقاعس الأمة عن القيام بواجبها تجاه البشرية .
فإن قلت: ولماذا تُحمِّل الأمة إثم هؤلاء ؟ أليسوا هم الذين تركوا أنفسهم لشهواتهم ولغواية الشيطان لهم؟ لماذا لم يبحثوا عن الحق ؟
نعم، هم يتحملون جزءًا من المسؤولية، لكن الأمة الإسلامية تتحمل الجزء الأهم منها، وأسوق إليك – أخي – مثالًا يُقرب المعنى أكثر وأكثر :
من يستحق العقوبة أكثر؟
تصور أن ملكًا عظيمًا لبلد كبير قد بلغه أن مرضًا عضالًا قد أصاب بعض رعيته في جزيرة من الجُزر التابعة لمملكته، فسأل عن الدواء الذي يعالج هذا المرض وحَصل عليه، ثم كلَّف بعض خاصَّته وأطبائه بالسفر لتلك الجزيرة والقيام بتوصيل الدواء للمرضى، ووعدهم بالعديد من المكافآت إن هم نجحوا في مهمتهم. فذهبت البعثة إلى الجزيرة فوجدوا فيها ما أبهرهم من مناظر خلابة، وألوان من المُتع لم يعهدوها من قبل، فافتتنوا بها، وانشغلوا بتحصيلها، ونسوا مهمتهم التي كلفهم الملك العظيم بها .
وفي تلك الأثناء كانت الأخبار تتوالى على الملك بأن البعثة لم تقُم بما كُلِّفت به، وأن المرض يزداد تفاقمًا بين أهل الجزيرة، فماذا تظن أن يكون رد فعل الملك تجاه هذا الأمر ؟
وعلى أي الفريقين سيكون غضبه أشد ؟.. على أفراد بعثتهم الذين تركوا مهمتهم التي كُلِّفوا بها، أم على المرضى الذين لم يبحثوا عن أفراد البعثة ليطلبوا منهم الدواء ؟
لاشك أن غضبه الأشد سيكون على من خان أمانته وترك واجبه وأهمل في مهمته المُكلَّف بها.
ماذا ننتظر؟
لقد اختص الله عز وجل الأمة بأعظم رسالة ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ? [المائدة: 3].
وفضَّلها على العالمين، ووعد أبناءها خيري الدنيا الآخرة إن التزموا بالرسالة في أنفسهم، وقاموا بتوصيلها إلى غيرهم من الأمم ما وسعهم الجهد ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? [آل عمران: 110].
فإن لم نفعل، وتركنا مهمتنا، وخُنَّا أمانتنا فماذا علينا أن ننتظر ؟!
ماذا علينا أن ننتظر، بعد أن سمحنا للشيطان بأن يقود البشرية نحو الهاوية ؟!
إن الذي يقع في الذنب مرارًا وتكرارًا لا ينبغي عليه أن يستغرب العقوبة .
فكيف تكون العقوبة لمن لم يُخطئ في حق نفسه فحسب، بل في حق الآخرين وما يتعلق بمصائرهم؟!
إن الوضع الذي وصلت إليه البشرية الآن ما هو إلا نتيجة لتخلي المسلمين عن وظيفتهم في القيادة والهداية، لذلك فإن العقوبات المتوقعة عليهم ستكون مؤلمة .
.. هذه العقوبات لن تكون بسبب تخليهم عن مهمتهم فحسب، بل إنها – كذلك – ستكون بمثابة السياط التي توقظهم من سُباتهم، وتُنبههم إلى ضرورة العودة إلى دينهم فيتمثلوه في أنفسهم ويقوموا بحمله إلى غيرهم ? وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ? [الزخرف: 48]
يقول صلى الله عليه وسلم: « إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم »(10).
فأحوال الأمة السيئة، وتخبطها، وضياعها، وتسلط اليهود ومن عاونهم على مقدراتها.. كل ذلك وغيره ما هو إلا عقوبات يُعاقب الله بها الأمة لعلها تفيق من غفلتها وتعود إلى دينها .
مفتاح تقدم الأمة وسبيل نهضتها:
ومما يلحق بهذه المفاهيم التي تتناول خصوصية وضع الأمة الإسلامية، مفهوم: « مفتاح نهضة الأمة وخروجها من كبوتها »، وبخاصة أنه قد حدث اختلاط كبير في هذا المفهوم نتيجة لقتامة وضع الأمة وعلو الباطل، والانبهار بتجارب الأمم الأخرى، وكما يقول ابن خلدون في مقدمته: « بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب » .
فلقد غُلبت الأمة في شتى المجالات، وأصبحت تحت نعال أعدائها، وألحقوا بها ألوانًا من الهزائم العملية والنفسية فزاد انبهار أبنائها بنجاحاتهم، وتنادي الكثيرون بضرورة تقليدهم، مع أن الحقيقة والواقع لا يُخبران بذلك بدليل أن الدعوة إلى تقليد الغرب انطلقت منذ عقود وعقود ولم تؤت ثمارها حتى الآن، بل ازداد الأمر سوءًا..
فإن قلت: فلماذا تقدم هؤلاء مع كفرهم، ولم نتقدم نحن مع عدم كُفرنا بالله ؟!
الجواب عن هذا التساؤل ينطلق من التذكير بأن الله عز وجل قد جعل القانون الذي يحكم الأرض هو قانون السببية، وقد رتب – سبحانه – ظهور النتائج على اتخاذ أسبابها الظاهرة، فالذي يشعر بالعطش ويشرب الماء يرتوي، والذي يأكل يشعر بالشبع، والذي ينام يستيقظ مرتاحًا .
..نعم، الله عز وجل هو خالق الأسباب وخالق النتائج ? اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ? [الزمر: 62]، فهو سبحانه خالق الماء، وخالق الإرواء، فالماء سبب يتنزل عليه قدره بالإرواء، وكذلك فهو سبحانه خالق النوم وخالق الراحة، فالنوم سبب يتنزل عليه قدره بالشعور بالراحة.. وهكذا .
ولقد جعل سبحانه الأسباب من الناحية الظاهرة تؤدي إلى النتائج حتى تستقيم حياة الناس.
وعندما خلق – سبحانه – الأرض وجعل فيها أقواتها وما يصلحها؛ فإنه جعل الانتفاع بها متاحًا أمام الجميع – المؤمن والكافر – سواء للسائلين، فمن بحث فيها واجتهد وصل إلى مكنوناتها ? وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ? [فصلت: 10].
لذلك نجد أن الكثير من الأمم – غير المسلمة – عندما اجتهدت في الأخذ بالأسباب والانتفاع بمكنونات الأرض حققت نتائج مبهرة، وانعكس ذلك على شعورها بالرفاهية المادية، مما حدا بأصوات كثيرة في أمتنا بالمطالبة المستمرة بالسير في هذا الطريق لكي ننهض مرة أخرى ونصل إلى ما وصلوا إليه..
مما لا شك فيه أن الأخذ بأسباب التقدم المادي الذي أخذت به الأمم الأخرى له فائدة في الرقي المادي، لكنه لن يحل مشكلاتنا، ولن يجعلنا ننهض أو يعيد لنا عزنا ومجدنا من جديد لأن التشخيص الصحيح لحال الأمة – انطلاقًا من معرفة وظيفتها ومكانتها – يقود إلى اليقين بأن نهضتها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برفع العقوبات الإلهية عنها، ولن تُرفع تلك العقوبات حتى يعود أبناؤها إلى دينهم، ويقوموا بتبليغه إلى البشرية .
إن الأمة الإسلامية مكلفة بما لم تكلف به غيرها من الأمم. فنحن امة ملزمة بتطبيق الإسلام، ونحن كذلك أمة ملكفة بالبلاغ والشهادة على جميع الأمم..
نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلينا أن نؤدي أمانتنا أولًا ليتحقق لنا موعوده سبحانه بالعز والتمكين في الأرض .
لابد أولًا من البدء في إصلاح أنفسنا، وإقامة الدين في مجتمعاتنا ثم الانطلاق به إلى البشرية ودعوتها إليه بالحكمة والموعظة الحسنة لإقامة الحجة عليها، واستنقاذ كل من بداخله خير مخبوء – بإذن الله – من الشقاء في الدنيا، والجحيم في الآخرة .
.. نعم، ينبغي أن يُصاحب ذلك: الاجتهاد في الأخذ بالأسباب المتاحة قدر المستطاع، والتوغل في المجالات المختلفة النافعة، ولكن من خلال هذا الإطار الذي يجعل للأمة الإسلامية خصوصية ليست لغيرها من الأمم، فأهدافها العليا مختلفة عنهم، ووظيفتها الدائمة تُحتِّم عليها تسخير كل إمكاناتها لخدمة مشروعها الدائم بتوصيل رحمة الله للعالمين، والذي يستدعي تمتع أبنائها دائمًا بالصحة والعافية الدينية .


الدليل العملي:
إن الدليل العملي الدامغ لصحة هذا المفهوم هو ما حدث مع الأجيال الأولى للأمة، فعندما فهموا وظيفتهم الأساسية وانطلقوا في مشارق الأرض ومغاربها للقيام بها، وفَّى الله بوعده معهم، وأورثهم الأرض، وسلَّمهم قيادة البشرية التي كان الفرس والروم يتصارعون عليها، ويسيرون بها نحو الهاوية ..
لقد كانت الأجيال الأولى تأخذ بالأسباب المتاحة أمامها لخدمة مشروعها عملَا بقوله تعالى: ? وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ? [الأنفال: 60].
ولكنهم قبل ذلك – ومعه – اجتهدوا في القيام بواجبات الرسالة في ذواتهم ومجتمعهم، وانطلقوا لتبليغها في العالمين، ففتح الله لهم كنوز الأرض، واتسع الرزق، وتحررت العقول من أوهام الجاهلية، وانطلقت في ظلال الوحي لتقدم للبشرية رصيدًا ضخمًا من الانجازات غير المسبوقة في شتى مجالات الحياة ..
وعندما انشغلت الأجيال في القرون الأخيرة بالدنيا وجعلتها غايتها الأولى، وتركوا وظيفتهم هانوا على الله فتركهم فريسة لكل الأمم، وسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال ردًّا على من عاتبه في ملبسه الرَّث الذي ذهب به لاستلام القدس من النصارى: « نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ».

أمة واحدة ونسيج واحد
المتأمل للخطاب القرآني الموجه لأفراد الأمة يجده خطابًا جماعيًّا وليس فرديًّا بمثل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ?، ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ? [التوبة: 71]، ? الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ? [الحج: 41]، ? وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ? [الحج: 78].
ومن أهم دلالات هذا الخطاب الجماعي أننا أمام التكليف الإلهي جماعة واحدة، أو أمة واحدة ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ? [الأنبياء: 92].
فالأمة الإسلامية هي الأسرة الكبيرة لكل فرد مسلم فيها، وهي كالجسد الواحد المكون من أجزاء وأعضاء كثيرة لكنها مترابطة ومنسجمة ومتكاملة، ولا يمكن لهذا الجسد أن يتمتع بالحيوية والنشاط والصحة إلا إذا كانت جميع أعضائه كذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(11).
هل من المعقول أن تلمز نفسك؟
ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ? وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ? [الحجرات: 11]، فالآية تطالبنا ألا نلمز أنفسنا، أي لا نطعن أنفسنا.. ولكن هل من المعقول أن يلمز المرء نفسه ؟!
من المؤكد أن أي عاقل لا يلمز نفسه، ولكن لأن الله عز وجل يُعاملنا على أننا أمة واحدة وجسد واحد؛ كان التوجيه بعدم لمز الآخر، لأننا حين نلمزه فكأننا لمزنا أنفسنا، كاليد الصحيحة عندما تضرب رأس صاحبها فهي بذلك وكأنها تضرب نفسها، لأن أثر الضربة سيطولها .
وعندما حاول حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إرسال خطاب إلى أهل مكة يُخبرهم فيه بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إليهم فاتحًا، وتم منع وصول هذا الخطاب إليهم بعد أن أخبر الله عز وجل رسوله به.. نزل القرآن يُعاتب الصحابة جميعًا على هذا الفعل ولا يُعاتبه بمفرده..يُعاتبهم لأنهم جميعًا مشتركون في المسئولية: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ? [الممتحنة: 1 - 3].
التأكيد على جماعية الأمة:
معنى ذلك أنه ليس المطلوب من كل مسلم أن يكون صالحًا في نفسه فقط؛ بل لابد وأن يعمل على إصلاح غيره حتى تبقى الأمة في عافية مستمرة؛ ومن ثم تنجح في أداء مهمتها العظيمة ألا وهي تطبيق وتبليغ رسالة الله الأخيرة للبشرية جيلًا بعد جيل .
والناظر إلى تعاليم الإسلام يجدها تدفع المسلم دائما نحو الحركة الجماعية مع إخوانه المسلمين، وترغِّبه في إصلاح وتقويم نفسه وغيره لتستمر الحيوية للأمة، ومن المظاهر العملية التي تؤكد هذا الأمر: الحث الدائم على أداء الصلوات الخمس المكتوبة: جماعة وفي المسجد، أما صلاة الجمعة فهي اجتماع أسبوعي كبير وهي فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، ولمن شاء من النساء، وصلاة العيدين سنة مؤكدة للجميع: رجالًا ونساء، وموسم الحج موسم يضم آلافًا مؤلفة من المسلمين، وكأن اجتماعهم وهم يمثلون أجناسًا شتى وبلادًا شتى بمثابة اجتماع للأمة كلها .. هذا الاجتماع يتكرر كل عام بأفراد – في الغالب – جدد .
ونجد كذلك تفضيل الإسلام للأعمال ذات النفع المتعدي للآخرين على التطوع بالقربات الفردية: كالسعي على الأرملة والمسكين، وعيادة المريض، وقضاء حوائج الناس، ونجدة الملهوف والصلح بين المتخاصمين .
ومن مفاخر الإسلام ترغيبه الشديد في أداء واجب النصيحة بين المسلمين، ولك أن تتأكد من ذلك عندما تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة »(12)، وكأن مدار الدين على النصيحة .
ولا نغفل أيضًا مطالبة الدين لأبنائه بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار تركه نذير شؤم على الأمة، ويكفيك في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»(13) .
كل ذلك وغيره يُشكل منظومة جماعية من شأنها أن تجعل الأمة مترابطة متعافية، ومن ثَمَّ تستمر في أداء وظيفتها العظيمة وواجبها الخطير تجاه البشرية جمعاء بدلالتها على الله، وتبليغ رسالته لها لإنقاذها من الهلاك.

توزيع المهام داخل الأمة :
إن مشروع الأمة الدائم - بعد التطبيق - هو البلاغ والشهادة على الناس في كل زمان ومكان، وهذا يستدعي استمرار حيويتها وقوتها، ويستدعي كذلك توزيع الأدوار والمهام داخل الأمة، فطائفة تتحرك للجهاد والبلاغ، وطائفة تقوم بتجهيزها وإعدادها فكريًّا وإيمانيًّا، ونفسيًّا وجسديًّا.. يقول تعالى: ? وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ? [التوبة: 122].
عندما تمرض الأمة :
عندما تتخلى الأمة عن واجبها، ويترك أبناؤها القيام بحقوق الرسالة في ذواتهم ومع الآخرين، فإنها بذلك تنتقل من طور العافية إلى المرض، وتدخل في دائرة النذير الإلهي كما أسلفنا .
.. في هذه الحالة ينبغي على كل من يستشعر في نفسه عاطفة دينية، وحرصًا على القيام بالواجبات الدينية، أن ينشغل - بجوار واجبه الفردي - بالعمل على عودة الصحة للأمة مرة ثانية، ولا ينبغي عليه أن يبرر قعوده عن القيام بهذا الواجب بأي مبرر، مثل :
إن الباطل لن يتركنا نعمل أو نبذل الجهد في الإصلاح .
أو أن يقول: المهم هو صلاحي فقط فالحساب يوم القيامة سيكون حسابًا فرديًّا .
إن الواجبات المطلوبة من كل مسلم لا تنحصر في إطار نفسه فقط، بل هناك واجبات تجاه الآخرين، يقف على رأسها - في حالة مرض الأمة كما هو الحال الآن - السعي الحثيث للإصلاح وإلَّا أصابت الفتنة الجميع ? وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ? [الأنفال: 25].
إننا لو تخلينا عن واجباتنا تجاه الآخرين، واكتفينا بالعمل على إصلاح أنفسنا فقط فلن تجد أمواج الفساد مصدات وحواجز تقف أمامها وتقاومها، بل ستنطلق في طريقها تخرب وتفسد، ومن ثَمَّ سيزداد علو الباطل أكثر وأكثر، وستصل آثاره إلى بيوتنا وأبنائنا وحرماتنا كما هو الحادث الآن، وصدق الله: ? إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ? [الأنفال: 73].
بل إن عدم التحرك لإصلاح الأمة من داخلها سينعكس على المستوى الإيماني للفرد بالسلب، وسيضعه في دائرة الحرج الشرعي، لذلك نجد التوجيهات القرآنية والنبوية تحث المسلم على بذل الجهد في إصلاح نفسه، وإصلاح الآخرين، ومن ذلك قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ?[الأعراف: 170].
? يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? [لقمان: 17].
ومن أدعيته صلى الله عليه وسلم: « واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مُضلِّين »(14) .
يقول ابن القيم: إن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حَلَّ، ونُصحه لكل من اجتمع به، قال تعالى إخبارًا عن المسيح عليه السلام: ? وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ? [مريم: 31]، أي: مُُعلمًا للخير، داعيًا إلى الله، مُذكِّرًا به، مُرغِّبًا في طاعته، فهذا من بركة الرجل، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومُحِقت بركة لقائه والاجتماع به، كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح به باب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلمه هداه الله وعلَّمه، فيصير هاديًا مهديًّا كما في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق(15).
ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى إخبارًا عن فتية الكهف: ? وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ? [الكهف: 14].
أي أنهم عندما قاموا لله وبلَّغوا دعوته ربط الله على قلوبهم .
للبيت ربٌّ يحميه !!
من الأمور المختلطة في هذا المفهوم ظن البعض أن المطلوب من المسلم الاجتهاد في إصلاح نفسه فقط مستدلًا بقوله تعالى: ? يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ? [الشعراء: 88، 89]، أما بخصوص الدين فيقول هؤلاء: « بأنه سبحانه قد تكفل بحفظ دينه، فالإسلام له ربٌ يحميه، فانشغل بنفسك واترك أمر الأمة لربك، وعندما يرى – سبحانه – منا الصدق والإخلاص وحُسن العبادة – على المستوى الفردي – فإنه سينصرنا من حيث لا نحتسب، وسيؤيدنا بتأييد من عنده، وسينزل علينا جنده وملائكته فتَهزم أعدائنا، وتُمكننا في الأرض» !!.
.. لو كانت هذه النظرة صحيحة فلماذا بذل محمد صلى الله عليه وسلم غاية جهده هو وأصحابه من أجل إقامة الدين؟
لماذا تركه الله عز وجل يذهب إلى الطائف، وهو – سبحانه – يعلم أنه سيُقابَل بالتكذيب والسُخرية والإيذاء؟!
أليس محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة الحسنة التي ينبغي أن نتأسى بها في جميع أمورنا؟!
لقد قدَّم صلى الله عليه وسلم لنا جميعًا النموذج الصحيح للمسلم الداعية الذي عليه أن يبذل غاية جهده في تبليغ رسالة رب العالمين، وألا يصرفه عن ذلك إعراض المعرضين، أو استهزاء المستهزئين.
لقد ربط الله عز وجل أمر التمكين الصحيح لهذا الدين بجهد البشر المؤمنين، فيكون هذا الجهد – حين يُستفرغ في سبيل الله – بمثابة ستار يتنزل من خلاله قَدَرُه – سبحانه – بالنصر والتمكين.
.. نعم، لقد وعد الله عز وجل عباده المؤمنين بالتأييد والمدد الغيبي شريطة أن يبذلوا غاية جهدهم في سبيله سبحانه، كما قال تعالى بعد الأمر بالقتال في سبيله: ? ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.. ? [محمد: 4]
ليس علينا أن ننتظر الخوارق ونحن قاعدون :
كان الرسل وأتباعهم – قديمًا – ينتصرون بعد أن يبذلوا غاية الجهد في الدعوة والبلاغ والصبر.. ينصرهم الله بأسباب قدرية محضة مثل الطوفان والغرق والخسف .
فعلى سبيل المثال: أغرق الله عز وجل فرعون وجنده، وأنجى موسى - عليه السلام - ومن معه من بني إسرائيل بأسباب قدرية محضة ? وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ? [البقرة: 50] فقوله: ? وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ? تؤكد على أنهم لم يبذلوا جهدًا في هذا الأمر.
فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم، وقدَّر الله أن تكون دعوته ممتدة إلى يوم القيامة، فقد جعل أمر نصر أمته منوطًا بالجهد البشري، بمعنى أن التأييد والنصر الإلهي للمؤمنين بالخوارق يتنزَّل من خلال جهد يبذلونه، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: ? قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? [التوبة: 14، 15].
فلو تنزَّلت الخوارق الإلهية لنصرة جيل من أجيال الأمة على عدوها دون جهد يُبذل، لانتظرت الأجيال اللاحقة تلك الخوارق، ولقعدت عن العمل والجهاد .
إن التأييد الإلهي للفئة المؤمنة أمر قائم – بإذن الله – في كل زمان ومكان، شريطة أن تستوفي تلك الفئة شروط استجلابه ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ? [المائدة: 54 - 56].
واإسلاماه:
وفي مقابل هذا الاختلاط في الفهم بالتركيز على المهمة الفردية للمسلم وإهمال المهمة الجماعية، نجد اختلاطًا آخر عند البعض الذي ينشغل بالمهمة الجماعية ويُهمل الفردية، فيبذل أغلب جهده في الحركة وسط الناس دون أن ينتبه لنفسه ويعمل على إصلاحها، فهو يرى أن واجب الوقت هو إصلاح المجتمع، وعودة الأمة إلى صحتها، فالمسلمون مضطهدون في كل مكان، والأمة مريضة، ناسيًا أن العامل الأول لنجاحه في مهمته هو مدى قوة علاقتة بربه، وصلاحه في نفسه، وزاده المتجدد، وإيمانه المتوهج، وهذا يحتاج منه إلى استمرارية تعاهد لنفسه، والتزامه بأوراده .
ولو جاز لأحد أن يهتم بالآخرين دون نفسه لجاز لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا وهو أعلم الأمة، وأتقاها لله عز وجل، ومع ذلك نجد توجيه ربه إليه: ? فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ? [الشرح: 7]، أي: إذا فرغت من الجهاد والدعوة فانصب للعبادة(16).
وليس أدل على ضرورة الاهتمام بالنفس وما يُصلحها بصورة أشد وأوكد للدعاة من قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تُضيء للناس وتحرق نفسها»(17) .
فمع أهمية العمل للإسلام وضرورته إلا أن هذا لا يُبرر لأحد القعود والتكاسل عن إصلاح نفسه، يقول تعالى: ? َتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [البقرة: 44].
يُعلق الإمام ابن كثير على هذه الآية فيقول: كيف يليق بكم وانتم تأمرون الناس بالبر – وهو جماع الخير – أن تنسوا أنفسكم وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر الله ؟! أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم فتتنبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم؟!(18).
لابد من الأمرين معًا:
من هنا يتأكد لدينا أنه لابد من الأمرين معًا: أن نجتهد في إصلاح أنفسنا، وأن نجتهد كذلك في إصلاح الآخرين من أبناء أمتنا حتى تعود لها عافيتها، ومن ثَمَّ تقوم بمهمتها في الشهادة على الناس .
والمتأمل للتوجيه الإلهي للمؤمنين في أواخر سورة الحج يجد أنه يتضمن الأمرين معًا: المهمة الفردية والمهمة الجماعية (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ? [الحج: 78].
فقد أوضح الله فيها للناس ( الرابطة بين التكاليف الفردية من صلاة وصوم بالتكاليف الاجتماعية، وأن الأُولى وسيلة للثانية، وأن العقيدة الصحيحة أساسهما معًا، حتى لا يكون للناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحُجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون للآخرين مندوحة من القعود عن العمل للمجموع بحُجَّة أنهم مشغولون بعبادتهم مستغرقون في صلتهم بربهم )(19).

الإصلاح المنشود: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله
الغاية العُظمى من خلق الإنسان هو تحقيقه العبودية لله عز وجل ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? [الذاريات: 56] .
وجوهر العبودية هو التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بشيء سواه ..
وأصل التعلق بالشيء هو الاعتقاد في قدرته على النفع والضر، ومن ثم يكون الطمع في نفعه، والخوف من ضره، والخضوع له ...
ومن مظاهر التعلق بالشيء: حُبّه واللهفة عليه، والفرح بتحصيله والحزن على فواته، والسعي من أجل إرضائه، وكثرة التفكير فيه .
فالعبودية للمال تعني تعلق المرء به والاعتقاد في قدرته على جلب المنفعة، أو كشف المضرة عن صاحبه، ومن مظاهر تلك العبودية: اللهفة عليه، والحرص على تحصيله، والفرح الشديد بزيادته ونمائه، والحزن على فواته، والشعور بالأمان معه، والخوف والقلق من فقده، وكثرة التفكير فيه.. قال صلى الله عليه وسلم: « تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن لم يُعط سَخِط »(20).
والعبودية للأشخاص تعني التعلق بهم ورجاءهم لاستجلاب النفع كالوصول على منصب، أو الحصول على مال، وتعني كذلك الطمع بما في أيديهم، والاستقواء بهم، والشعور بالأمان معهم، أو الخوف من ضرهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ? [التوبة: 31].
والعبودية للنفس تعني الإيمان بالنفس وقدراتها ومواهبها، والاعتقاد بأن تلك المواهب والقدرات يمكنها – لذاتها – أن تجلب لصاحبها النفع وتدفع عنه الضر.
والعبودية لامرأة، أو ولد، أو منصب، أو عقار، أو شهوة، أو عصبية، أو قومية، أو حجر، أو كوكب، أو... تدخل في هذا المعنى: التعلق بالشيء، ورجاء نفعه، وخوف ضره ? أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ? [الفرقان: 43].
مع الأخذ في الاعتبار أن العبودية للشيء تختلف من شخص لآخر بحسب درجة تعلقه به .
وفي المقابل فإن العبودية لله عز وجل تعني التعلق التام به، والخضوع له، واليقين بانه سبحانه مالك النفع الضر، وأنه لا يوجد أحد سواه يملك مثقال ذرة، في الأرض ولا في السماء حتى الملائكة أو الرسل.. فليس لأحد – من دون الله – فاعلية ذاتية، ولا يملك أحد من دون الله نفع نفسه أو غيره ? وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [الأنعام: 17] .
جوهر التوحيد:
هذه العبودية لله عز وجل لن تتحقق بصورة كاملة إلا إذا تحرر المرء من العبودية لغيره، فلن يكون المرء عبدًا حقيقًّا لله إلا إذا تحرر مما سواه .
.. نعم، قد تكون في المرء عبودية وتعلق بالله، وعبودية وتعلق بغيره، ومن ثَمَّ تختلف درجة العبودية لله بحسب درجة تعلقه به سبحانه، وتحرره من التعلق بغيره .
لذلك فإن جوهر التوحيد هو توحيد التوجه والقِبلة إليه سبحانه، والتعلق التام به، ومن ثَمَّ طاعته وامتثال أوامره، والسعي الدائم نحو مرضاته، ودوام التوكل عليه، والشعور الدائم بالامتنان نحوه ? فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ? [هود: 123].
التوحيد الحقيقي هو توحيد التعلق والرجاء.. توحيد القصد والطلب.. توحيد العبادة والاستعانة بالله عز وجل.
هذا التوحيد هو المراد من الخلق، وهو ما بُعثت به الرسل، ونزلت به الكتب ? فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ...? [فصلت: 13، 14].
? الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ?[هود: 1 - 3].
وليست دعوة التوحيد هي فقط الاقرار بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد من التعلق به، والاعتقاد الجازم أنه هو النافع الضار ? وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ? [الزمر: 38].
من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات:
عندما بلغ الصحابة رضوان الله عليهم خبر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُصدِّقوا ذلك، وقال عمر بن الخطاب: « والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم » فقال أبو بكر: « أيها الحالف على رِسلك » فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، وقال: ? إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ? [الزمر: 30]، وقال: ? وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ? [آل عمران: 144].. فانتبه الصحابة سريعًا للأمر وخرجوا من المسجد يتلون ? وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ?(21) [آل عمران: 144].
لقد أفاق الصحابة سريعًا من هول الصدمة عندما خوَّفهم أبو بكر بقوله: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت .
فهذه الكلمات جَعَلَت كلًّا منهم يُراجع نفسه سريعًا، ويُراجع مدى تعلقه بالله، هل كان تعلقًا تامًّا أم لا ؟
وهل كان حُبُّهم للرسول صلى الله عليه وسلم منشؤه التعلق الشخصي به، أم كان حبُّهم له منطلقًا من كونه المبلغ عن الله والمُربِّي، والقدوة، والدال على طريق الهداية والفلاح..
انتبهوا سريعًا بعد أن ذكَّرهم أبو بكر بالحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم بشر تجري عليه أحكام البشر ? إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ? [الزمر: 30].
والذي أعانهم على سرعة الإفاقة أنه صلى الله عليه وسلم كان يُعمِّق في نفوسهم هذا المعنى ? مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ? [آل عمران: 79].
فالربانية هي التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بغيره مهما كان وضعه ومنزلته.
الرسول والعبودية:
لقد تمثلت العبودية الكاملة والتامة لله عز وجل وعدم التعلق بشيء سواه في الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت آثارها بوضوح في طريقة تعامله مع أصحابه، فلم يربطهم يومًا ما بشخصه، بل ربط الجميع بالله عز وجل .
فمن أقواله صلى الله عليه وسلم والتي تؤكد هذا المعنى: « ما أوتيكم من شيء ولا أمنعكموه، إن أنا إلا خازن، أضع حيث أُمِرت »(22).
وكان يقول لأصحابه: « بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة»(23).
ولقد كان يُبايع بعض الصحابة على ألَّا يسألوا الناس شيئًا .
فعن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: « ألا تبايعون رسول الله » ؟، وكنا حديثي عهد ببيعته فقلنا: قد بايعناك، فعلام نبايعك ؟، قال: « تعبدون الله ولا تشركون به شيئا، وتصلون الصلوات الخمس، وتسمعون، وتطيعون، وأسر كلمة خفية، ولا تسألوا الناس شيئا »، قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا يناوله إياه(24).
وعن ابن أبى مليكة قال: كان ربما سقط الخطام من يد أبى بكر فيضرب بذراع ناقته فينيخها، فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه ؟ قال: إن حبيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن لا أسأل الناس شيئًا(25).
وفي مكة عندما اشتد الإيذاء بأصحابه، جاءه خباب بن الأرت في يوم من الأيام يتحدث معه في هذا الأمر، فهل كان الحديث حول إيجاد وسيلة للتخلص من هذا الإيذاء الرهيب كأن يطلب مساعدة أهل الجوار، وأصحاب النفوذ، ومن لهم كلمة على أهل مكة ؟!.. لا لم يتحدث معه في ذلك، بل كان طلبه يعكس مدى تعلقه التام بالله عز وجل، فقد طلب منه أن يتوجه إلى ربه سبحانه ويسأله أن يرفع عنهم هذا العذاب ..
فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا ؟ قال: « كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه ..» (26).
( وبعد أن فتح الله مكة لرسوله وللمؤمنين، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة غداة الفتح المبين، وقد نُكسَت الأصنام، واندحرت الجاهلية، وفرَّ بقايا سدنتها هاربين هائمين .
ووقف أبو سفيان بن حرب زعيم الكفر السابق، الذي أسلم على عجَل، يرقُب المشهد، ويصرخ في أعماقه حديث نفسي صامت لا يجرؤ على إعلانه، يقول لنفسه: بم غلبني هذا الرجل ؟ وانطلقت خواطره أو هواجسه كالبرق الخاطف في المقارنات والموازنات المكتومة، وفجأة ترك النبي صلى الله عليه وسلم الطواف، وضرب على صدره وقال: « غلبتك بالله يا أبا سفيان »، وهذه خلاصة الخلاصات ..) (27).
ولقد كان الصحابة يعيشون بكيانهم مع هذه الحقيقة، وتشكلت عقولهم وتصوراتهم بناء عليها، ووصل إيمانهم بها إلى الدرجات العلا، وانعكس ذلك على أدائهم وحركتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلقد انطلقوا بعدها في الأرض ليكملوا مسيرته صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس والعمل على تحريرهم من العبودية لغير الله، ولقد مرَّ علينا قول أحدهم وهو ربعي بن عامر – لرستم قائد الفرس - عندنا سأله عن سبب مجيئهم :
« جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»(28).
الإصلاح الذي ننشده في أنفسنا والآخرين:
من هنا نقول بأن جوهر الإصلاح الذي ننشده في أنفسنا وفي الآخرين هو التحرر من العبودية لغير الله.. هو التعلق به وحده، والتحرر من أسر قيود التعلق بغيره .
فالحرية الحقيقية هي التحرر من كل سجن ومن كل قيد يقيد الإنسان، فالذي يتعلق بالمسيح عليه والسلام فهو مقيد به، مسجون فيه .
والذي يتعلق بالشمس أو بكوكب أو بميت أو بمذهب أرضي فهو سجنه، والذي يتعلق بشهوة فهو أسير لها، والذي يتعلق بنفسه فهو عبد لها، والذي يتعلق بمنصب فهو مسجون فيه، مقيد به.
والذي يتعلق بماله أو ولده فهو مقيد ومعذَّب بهم ? فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ? [التوبة: 55].
أما العبودية لله عز وجل فهي الحرية الحقيقية، لأن الإنسان إنما خُلق ليكون عبدًا لله فقط، وكل شيء حوله فهو خادم له، مُسخَّر من أجله ? وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ? [الجاثية: 13].
فإذا ما أدرك المرء هذه الحقيقة، وتجلبب بجلباب العبودية لله، فإن رؤيته للأشياء من حوله ستختلف عن ذي قبل.. سيراها على حقيقتها من حيث كونها مسخرة له، تعمل من أجله بلا أجرة، وأنها لا تملك له نفعًا ولا ضرًّا، فيزهد فيها، وتنصرف رغبته عنها، وطمعه فيها، فيتعامل معها بهدوء وسكينة، ويستخدمها كأدوات خادمة له، أتاحها له ربه كأسباب تتيسر من خلالها الحياة على الأرض، كما جاء في الأثر: يا ابن آدم، خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تنشغل بما خلقته لك عمَّا خلقتك له .
إن العبودية لله تحمل معها السعادة الحقيقية، والشعور بالحرية مما سواه، والعز في الاستغناء عن غيره .
أي لذلك فإن الدعوة التي ينبغي حملها للعالمين هي التحرر من كل عبودية سوى الله، أو بعبارة أخرى: فك قيود التعلق بغيره.
إن الدنيا مليئة بالسجون المعنوية التي تكتظ بالبشر، وتحُول بينهم وبين الحرية الحقيقية، أما خارج تلك السجون حيث الحرية والسعادة والسكينة فلا يوجد فيها إلا قليلون .
لذلك فإن الواجب يُحتم على كل من ذاق طعم الحرية، وتخلص من قيود التعلق بغير الله أن يجتهد في تحرير الآخرين، وهذا هو الواجب الأول على أمة الإسلام: أن تُنقذ البشرية المُعذبة الحائرة التائهة السجينة، التي تتخبط في الظلام .
وغني عن البيان أنه لا يمكن للأمة القيام به إلا إذا كان أبناؤها في عافية دائمة، وحرية حقيقية من كل قيد وتعلق بغير الله .
عندما تمرض الأمة:
أما في حالة مرض الأمة الإسلامية وتعلق أبنائها بالشهوات، ودخولهم سجون التعلق بغير الله، فإن الواجب الأول على الفئة المؤمنة التي تحررت من القيود، أن تبذل غاية جهدها في تحرير الأمة من الداخل، وإعادتها إلى صحتها مرة ثانية، فهذا هو الهدف الجماعي الأول الذي يسير جنبًا إلى جنب مع الهدف الفردي وهو إصلاح المرء الدائم لنفسه .
إن البشرية الآن تدفع ثمن غياب أمة الإسلام عن القيام بواجبها نحوها، فما نشاهده من ضياع وتخبط، واستعلاء الشهوات، وعبادة الذات، والانكفاء نحو الطين... كل ذلك وغيره نتيجة لغياب الدور المؤثر لأمة الإسلام والتي عليها أن تقود البشرية نحو منهج الله .
ولأن الأمة الآن مريضة، فإن الهدف الأول لكل المؤمنين – الأصحاء – أن ينتفضوا ويبذلوا غاية جهدهم في عودتها للصحة مرة ثانية لتقوم بعد ذلك بأداء واجبها الخطير نحو البشرية .

بين الهدف الأصلي والأهداف الفرعية
هدف الإصلاح الأساسي والأسمى هو تحقيق العبودية الحقَّة لله عز وجل في ذواتنا أولًا، وفي أمتنا ثانيًا، ثم حمل هذه الدعوة إلى البشرية لإنقاذها من درك الشقاء والظلام الذي تتخبط فيه .
وتحقيق هذا الهدف يجلب لصاحبه السعادة في الدنيا قبل الآخرة.
والسعادة في الدنيا تعني الحياة الطيبة وراحة البال والسكينة والسلام الداخلي ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [النحل: 97].
? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ? [محمد: 2].
وكما يقول ابن تيمية: « من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية ».
والسعادة في الدنيا لا تستلزم الغنى أو تتنافى مع الفقر، فلقد كان صلى الله عليه وسلم أسعد الناس، ومع ذلك كان لا يوقَد في بيته نار لأسابيع طويلة، وكان ينام على الحصير حتى أثر في جنبه الشريف، ومات ودرعه مرهون عند يهودي .
.. نعم، كانت تأتيه أموال كثيرة من الغنائم لكنه كان ينفقها في سبيل الله .
الرزق الوفير يأتي تبعًا لا قصدًا :
ومع أن السعادة الحقَّة في التحرر من العبودية لغير الله، إلا أن الله عز وجل قد وعد المؤمنين بالرزق الوفير إن هم عبدوه حق عبادته ? وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا ? [الأعراف: 96].
.. هذا الرزق الوفير، والحياة الرغيدة تأتي تبعًا لا قصدًا، فالأصل هو تحقيق العبودية لله عز وجل.. الهدف هو رجل العقيدة أولًا ليأتي بعد ذلك كل خير .
وعندما يسعى المؤمن في القيام بواجبه نحو إخوانه من المسلمين، فأول وأهم هدف عليه تحقيقه هو العمل على تحريرهم من القيود وإخراجهم من سجون الدنيا وضيقها، إلى سعة الدنيا والآخرة، وذلك من خلال العودة إلى الله عز وجل، والقيام بحقوق العبودية نحوه.. هذا هو الهدف، وعلى المؤمن أن يستفرغ - من أجل تحقيقه - جهده وطاقته .
وماذا عن مشكلات المجتمع؟
فإن قلت: ولكن مشكلات المجتمعات الإسلامية كثيرة كالظلم والاستبداد والفقر والمرض والجهل.. فهل يقف المسلم مكتوف اليدين أمام هذه الأمراض ويتوجه فقط نحو تحرير الناس من العبودية لغير الله؟!
.. نعم، على المسلم أن يوجه جهده نحو تحقيق هذا الهدف، فكل الخير سيأتي بعده، وليس معنى هذا ترك مشكلات المجتمع وعدم المساهمة في حلها، بل المقصد هو تركيز الجهد في اتجاه تحقيق الهدف الأسمى، مع المشاركة في تخفيف المعاناة عن الفقراء والأيتام، والمساهمة في حل مشكلات المسلمين إن تيسر ذلك، مع وضعها في مكانها الطبيعي في سلم الأولويات .
ولعلنا نتذكر من السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شارك في حلف الفضول في الجاهلية، وهو حلف تعاهد أعضاؤه على دفع الظلم عن المظلومين، يقول عنه صلى الله عليه وسلم: « لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى به حُمر النعم، ولو أُدعى به فى الإسلام لأجبت»(29).
ليبقى السؤال: ولماذا لم يقم صلى الله عليه وسلم بتكوين مثل هذا الحلف في الإسلام؟
الجواب:
لأن الهدف الذي كان يسعى لتحقيقه أسمى من ذلك بكثير، ولأن ذلك الهدف لو تحقق فسيختفي الظلم بالتبعية، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم يبدي رغبته في المشاركة في مثله، وفارق كبير بين المشاركة وبين تبني الفكرة، أو جعلها مشغلة الليالي والأيام!!
كذلك نجد أبا بكر الصديق يقوم بتحرير بلال من قيود العبودية لأمية بن خلف، فلماذا لم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة الأثرياء لتحرير العبيد، وتركيز الجهد على هذا الأمر، ومتابعته، ووضع الخطط لتنفيذه؟ أو بمعنى آخر إنشاء حلف لتحرير العبيد !!
لأن الهدف عنده أسمى من التفرغ لإنهاء مشكلة اجتماعية، مع أهميتها، وكان يسعى للمشاركة في تخفيف المعاناة عن العبيد إن تيسر ذلك ودون الانشغال عن الهدف الأصلي .
يقول محمد أمين المصري: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام لم يعمد إلى إصلاح اقتصادي أو أخلاقي أو صحي أو سياسي أو إداري أو علمي، ولكنه عمد إلى إصلاح الإيمان، ودعا بدعوة التوحيد فكان من بعد ذلك كل إصلاح وكل قوة وكل خير.
ولا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلُح عليه أولها .
فرجل العقيدة هو السبيل الوحيد لعلاج أنواع الانحرافات، ذلك أن رجل العقيدة يندفع في تحقيق أهدافه وهو إنسان ملأت نفسه عقيدته، فهو يعيش من أجلها، ويرضى بكل أذى في سبيلها .

فالوسيلة الفعالة القوية هي تكوين أمثال هؤلاء الرجال، والإصلاح الذي نرقبه لا يتم إلا في إيجاد أمثال هؤلاء(30).
التوحيد أولًا:
وللشهيد سيد قطب كلمات عظيمة في مقدمته لتفسير ( سورة الأنعام ) تقرر وتؤكد أن الهدف العظيم الذي ينبغي أن ينشغل به الدعاة هو تحقيق العبودية لله في ذواتهم وذوات الآخرين - بإذن الله – وإليك أخي القارئ بعض المقتطفات من هذه المقدمة، يقول رحمه الله :
لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين , وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب: إنما هي في يد غيرهم من الأجناس !
بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم , يحكمها أمراء من العرب من قبل الرومان. وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس.. وليس في أيدي العرب إلا الحجاز، ونجد وما إليهما من الصحارى القاحلة , التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك !
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب, التي أكلتها الثارات , ومزقتها النزاعات , وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة وإعلاء راية العربية والعروبة ; وإنشاء وحدة قوية في كل أرجاء الجزيرة..
ولو دعا يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة - على الأرجح - بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!
وربما قيل: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان خليقًا بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ; وبعد أن يولوه فيهم القيادة والسيادة أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه , وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه ! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله: وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء !
لماذا ؟ لأن الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق.. ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي.. إلى يد طاغوت عربي.. فالطاغوت كله طاعوت ! إن الناس عبيد لله وحده , ولا يكونون عبيدًا لله وحده إلا أن ترتفع راية: " لا إله إلا الله " .
وهذا هو الطريق..
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين , والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعًا للثروة والعدالة.. قلة قليلة تملك المال والتجارة ; وتتعامل بالربا فتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع.
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يرفعها راية اجتماعية ; وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء !
ولو دعا يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة , لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة , في وجه طغيان المال والشرف.
وربما قيل: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان خليقًا بعد أن تستجيب له الكثرة ; وتوليه قيادها ; فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها.. أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه , وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه !
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجهه هذا التوجيه..
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل ; يرد الأمر كله لله ; ويقبل عن رضًا وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع , ومن تكافل بين الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظامًا يرضاه الله ؛ ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع , ولا تمتلىء قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا ; وبالتخويف والإرهاب !
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية.
كان التظالم فاشيًا في المجتمع يعبر عنه القول المتعارف: " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ".
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخره كذلك !
وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا التجمع..
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلنها دعوة إصلاحية , تتناول تقويم الأخلاق , وتطهير المجتمع , وتزكية النفوس , وتعديل القيم والموازين..
وكان واجدًا وقتها نفوسًا طيبة , يؤذيها هذا الدنس ; وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير..
وربما قال قائل: إنه لو صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة ; تتطهر أخلاقها , وتزكو أرواحها , فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها.. بدلًا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا الله المعارضة القوية منذ أول الطريق !
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الطريق.
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة , تضع الموازين , وتقرر القيم وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم ; كما تقرر الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة ; وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك ; بلا ضابط , وبلا سلطان , وبلا جزاء!
فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد , ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب: " لا إله إلا الله ".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.
تطهرت الأرض من الرومان والفرس.. لا ليتقرر فيها سلطان العرب.. ولكن ليتقرر فيها سلطان الله.. لقد تطهرت من الطاغوت كله: رومانيًّا وفارسيًّا وعربيًّا على السواء.
وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده .
وتطهرت النفوس والأخلاق , وزكت القلوب والأرواح ; دون أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه , والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات..
وارتفعت البشرية في نظامها , وفي أخلاقها , وفي حياتها كلها , إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ; والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام..
ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ; كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم , في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك.
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع , إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء, وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا إله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها.. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.
وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله , لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، أو دعوة اجتماعية , أو دعوة أخلاقية.. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد: " لا إله إلا الله "(31)..
من صور الخلط في هذا المفهوم:
عندما تغيب هذه الرؤية عند الفرد فإن الأهداف الفرعية قد تُصبح أهدافًا أساسية، ويُصبح همُّ البعض من الذين يريدون خدمة الإسلام هو التخفيف من معاناة الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، فيصب جهده كله في هذا الاتجاه، ويقيس دومًا نجاحه بمدى مساعدته لهؤلاء، ناسيًا أن تخفيف المعاناة عنهم ليس هو السبيل لتحقيق السعادة لهم، فالسعادة الحقَّة ليس لها إلا طريق واحد، هو طريق العبودية لله .
وليس معنى هذا هو تركهم وإهمالهم، بل العمل معهم أولًا على تحقيق الهدف الأساسي، ألا وهو العمل على تحريرهم من العبودية لغير الله، وفي نفس الوقت التخفيف عنهم إن تيسر ذلك، ومن أجله شرع الله عز وجل فريضة الزكاة، وصدقة الفطر، والكفارات.. إلخ .
فالمقصود – إذن – هو إعادة ترتيب الأولويات والأهداف، وتطويع جميع الوسائل لخدمة الهدف العظيم ? أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? [هود: 2].
الانبهار بالنجاحات الجزئية :
ومن صور الخلط كذلك: الانبهار بالنجاحات الجزئية التي قامت بها بعض الحكومات من أصحاب التوجهات الإسلامية والتي حققت لشعوبها بعض الرفاهية على صعيد المستوى المادي والخدمات الاجتماعية.. هذا الانبهار جعل البعض يطرح هذه النماذج على أنها النماذج الصحيحة التي ينبغي أن نحذوا حذوها .
ولعل ما قيل في الصفحات السابقة يوضح الصورة، ويجعلنا نقيس نجاح أي نموذج على مدى تحقيقه للهدف الأساسي ألا وهو تعبيد الناس لله عز وجل، وتحريرهم من قيود العبودية لغيره .
نقطة البداية :
عندما تمرض الأمة ويصبح توجه أبنائها نحو الطين، ويزداد تعلقهم بغير الله عز وجل، عند ذلك ينبغي أن يتوجه جهد المصلحين نحو إعادتها إلى صحتها قبل التفكير في أي شيء آخر، فلا أمل في أي إصلاح إداري أو سياسي أو اقتصادي طالما ظلت الأمة مريضة، وكيف لا وهي بإعراضها ومعاصيها تكون قد دخلت في دائرة الغضب والعقوبة الإلهية ..
وعندما تمرض الأمة يُصبح لدى أبنائها القابلية للهزيمة والتقليد - شبه الأعمى - للغرب .
لذلك فإن أهم خطوة ينبغي أن نخطوها للإصلاح هي تحرير أنفسنا والآخرين من القيود الداخلية التي نتقيد بها وتمنعنا من العبودية الحقة لله عز وجل، وسوف يأتي بإذن الله بيان كيفية ذلك بشيء من التفصيل في الصفحات القادمة.
أما التوجه بالجهد لرفع الظلم والاستبداد عنها، فلن يُحقق الهدف طالما ظلَّت الأمة مريضة .
وليس معنى هذا ترك الظالمين يعيثون في الأرض فسادًا، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات، وحتى لا ينطبع في ذهن البعض أن الإسلام لا يهتم بالسياسة فلابد من التقرير والتذكير الدائم بمبدأ شمولية الإسلام مع المشاركة السياسية المحسوبة، والإنكار على الظالمين كلما سنحت الفرصة لذلك شريطة ألا يشغلنا هذا الأمر عن القيام بمهمتنا الأولى وهي العمل على إعادة الأمة لصحتها.
عالمية الإسلام :
من اول يوم بُعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه مبعوث للعالمين، وليس لمكة او الجزيرة فقط، ونزلت العديد من الآيات المكية التي تقرر مبدأ عالمية الإسلام، كقوله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ? [سبأ: 28].
وقوله: ? تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ? [الفرقان: 1].
وقوله: ? قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? [الأعراف: 158].
وقوله: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء: 107].
فمبدأ عالمية الإسلام تم إقراره في مكة، ولكن تطبيقه لم يبدأ إلا في المدينة لحاجة المسلمين إلى دولة يخاطبون العالم من خلالها .
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُرسِل رسله إلى الملوك في الأمم الأخرى إلا بعد صلح الحديبية، وفتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، أي بعد الاعتراف الرسمي بالدولة الإسلامية من قِبَل المشركين، وبعد استقرار وضع الدولة في المدينة .
فتقرير المبدأ لابد منه منذ البداية وإن تأجل تنفيذه حتى تنطبع الصورة المتكاملة للإسلام في ذهن الفرد ، وبذلك يكون مستعدًا لتطبيقه حين تتيسر الظروف .


التربية أداة الإصلاح والتغيير
أمة الإسلام تختلف عن بقية الأمم من حيث كونها الأمة المكلفة بتبليغ رسالة الله الأخيرة للناس جميعًا، ومن ثَمَّ الشهادة عليهم ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ? [البقرة: 143].
ولا يمكن للأمة أن تقوم بهذه المهمة إلا إذا كانت في عافية وقوة ووحدة، وهذا لا يتم إلا إذا تغيرت من الداخل، وتحرر أبناؤها من قيود العبودية لغير الله، وأصبحت معاني الإسلام هي السمة الغالبة عليهم .
إن أي جهد يُبذل في غير طريق تغيير الأمة من الداخل وعودتها إلى صحتها لن يكون له ثمرة حقيقية في تحسين أحوالها وعودة عزها ومجدها، ألم يقل سبحانه ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ? [الرعد: 11].
والتغيير المطلوب ليس تغييرًا وقتيًّا أو جزئيًّا، بل ينبغي أن يكون تغييرًا يترك أثرًا إيجابيًّا دائما في المكونات الرئيسية للإنسان .
الأثر الإيجابي الدائم:
من السهل أن يقرأ المرء أو يستمع إلى موعظة فيحدث له تأثرًا وقتيًّا بما سمعه أو قرأه فيقوم بتنفييذ ما دلت عليه، ولكن بعد مدة وجيزة يعود لسابق عهده.. لماذا ؟
لأن التأثر كان لحظيًّا فأثمر سلوكًا وقتيًّا غير دائم ..
فإذا أردنا تغييرًا دائما فلابد من إحداث أثر دائم في ذات الإنسان .
.. إن اكتساب أي مهارة من المهارات لايتم من خلال ممارستها مرة أومرتين، بل لابد من تكرار الممارسة والصبرعلى ذلك حتى يتم اكتسابها، كمن يريد تعلم أحكام تلاوة القرآن فلا يكفي أن يقرأ كتابًا أو يسمع دروسًا نظرية فقط في هذا الأمر، بل لابد مع المعرفة النظرية من التطبيق العملي المتكرر للأحكام التجويدية حتى يتعود المرء على النطق وهكذا حتى يُجيد الترتيل إجادة تامة .
.. نعم، يمكن أن يقرأ كتابًا يتضمن تعريفًا بكل الأحكام في ساعة من الزمن، لكنه لن يمكنه من النطق الصحيح، فلابد من الممارسة العملية إن أراد اكتساب تلك المهارة.. هذه الممارسة قد تأخذ منه بضع شهور وقد تكلفه بذل الجهد والاستمرار في متابعة التطبيق والتمرين.. ولكن ليس هناك طريق غيرها.
ونفس الأمر لو أراد المرء اكتساب مهارة قيادة السيارة، لابد أن يتعرف نظريًّا على أُسسها ثم يقوم بالتطبيق العملي المتدرج والمتواصل حتى يصير – بإذن الله – قادرًا على قيادة السيارة بمفرده ..
من هنا نقول بأن تغيير أي فرد لا يحتاج فقط إلى المعرفة النظرية بما ينبغي تغييره، بل لابد من الممارسة العملية الطويلة والمستمرة لها .
لذلك مهما تكلم الدعاة على المنابر والفضائيات، ومهما كتب الكتَّاب، ومهما وضع المصلحون من توجيهات إصلاحية، وخطط تفصيلية لتغيير الأفراد من الداخل، فإن هذا وحده لن يُحدث التغيير المطلوب، وأقصى ما سيفعله هو التغيير الوقتي غيرالدائم .
من هنا ندرك مغزى قول الإمام حسن البنا: « إن الخطب والأقوال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء.. كل ذلك وحده لا يُجدي نفعًا، ولا يُحقق غاية، ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف »
ويستطرد قائلًا: ولكن للدعوات وسائل لابد من الأخذ بها والعمل لها. والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة :
1- الإيمان العميق 2- التكوين الدقيق 3- العمل المتواصل (32).
من هنا نقول بأنه لابد من ممارسة طويلة للمعاني المراد اكتسابها وإتقانها .
التربية أداة التغيير :
لو تأملنا في طريقة وكيفية اكتساب مهارة ما، سنجد أنها تتم من خلال الممارسة المتتابعة، وأن هذا الاكتساب يتم بالتدريج، ويتنامى ببطء، وأنه من الضروري أن يكون تحت إشراف شخص ماهر ومتقن لتلك المهارة ..
.. هذه العملية يُطلق عليها: « التربية » باعتبار أن المهارة في البداية تكون منعدمة أو شبه منعدمة عند الفرد الذي يريد اكتسابها، ثم « تربو » وتنمو في داخله ببطء شيئًا فشيئًا – من خلال الممارسة – حتى تصل إلى حد الثبات والرسوخ الذي يمكنه من ممارستها بإتقان في أي وقت ودون معاناة أو تكلف .
فالتربية تقوم بإحداث أثر ثابت في الشيء، يؤدي إلى إحداث تغيير في طبيعته ومكوناته .
معنى ذلك أن: التربية هي أداة التغيير ...
فإن أردنا التغيير الحقيقي لأنفسنا والمسلمين فلابد من عمل تربوي عظيم ومتواصل يهدف إلى تحقيق العبودية الحقة لله عز وجل.. ومن ثَمَّ عودة الأمة إلى صحتها وعافيتها .
لا بديل عن التربية :
إن التغيير المنشود لللأمة يستلزم تربية أفرادها تربية صحيحة متكاملة، والتربية تحتاج إلى استمرارية ممارسة معانى الإسلام، من خلال وسط تربوي تتم فيه المعايشة والتعاهد وبث الروح وضبط الفهم وتوجيه الجهد واستنهاض الهمم.. هكذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم وهو يبنى الأمة الجديدة.. تأمل قوله تعالى وهو يخاطبه ? وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..? [الكهف:28].
لقد كان محمد ( يقوم على تربية أصحابه وتعاهدهم ودوام توجيههم بما يتنزل عليه من القرآن الكريم، وما يأتيه به جبريل - عليه السلام - من الوحي الإلهي، وذلك في المرحلتين المكية والمدنية..
ففي مكة كان يمارس ذلك من خلال تواجده المستمر بينهم، ولقائه الدائم بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا.
وفي المدينة استمر في التربية والتعليم من خلال المسجد، ومن خلال التواجد المستمر بين أصحابه في الأسفار والغزوات ومعايشتهم ومتابعة أحوالهم ?هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ? [الجمعة:2].
ضرورة المعية والصحبة:
.. لابد إذاً من أن يقوم الدعاة بالتواجد بين الناس وممارسة معاني الإسلام معهم حتى يتم التغيير المنشود، ولقد كان هذا هو دأب الرسل -عليهم الصلاة والسلام- تأمل قوله تعالى في قصة هود عليه السلام ?وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ? [هود:58].
وفي قصة شعيب عليه السلام: ?قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا? [الأعراف:88]
وفي قصة موسى- عليه السلام-: ?اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ? [غافر:25].
فالملاحظ في هذه الآيات قوله تعالى عن اتباع كل رسول ?الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ?وهى مهمة زائدة على «آمنوا به»، فلفظ (مع) يعطى دلالة على المعية والصحبة والمعايشة كمرحلة ضرورية بعد الإيمان (به)، وهذا يحمل في طياته أعظم الدلالات على أن كل رسول كان يقوم على تربية من يؤمن بالدعوة، ولا يكتفي بإبلاغهم فقط.
إن الرسل عليهم السلام - كما يقول د.عبد الستار فتح الله - لم يأتوا بدعوات مجردة، يلقونها في الناس ثم يمضون إلى بيوتهم مطمئنين، وكأنهم قد أدوا ما عليهم من أمر الرسالة، والدعوة، والبلاغ. وإنما الذى يقرره القرآن العظيم أن الرسل عليهم السلام كانوا يجمعون الناس على أمرين: الإيمان، والمعية، ويجعلون من المؤمنين أمة واحدة، وجماعة جديدة، مترابطة الوجهة والحركة»(33).
ويقول أيضًا: « يورد القرآن العظيم لفظ (مع) بياناً لعلاقة المؤمنين برسلهم في مختلف العصور، والتي تتطلب (أمة جديدة) من المؤمنين، يناط بها مسئولية الجهاد الدائب لإقامة حكم الله في الأرض، أو بعبارة أدق: لإعادة الناس إلى الإسلام، دينهم الأصلي الذى خُلقوا عليه، ثم طمرته الأهواء والشهوات والضلالات.
إن العلاقة بين المؤمنين ورسلهم لم تكن مجرد رابطة الإيمان بدين واحد فقط، وإنما هي تَجَمعٌ مترابط الأصول والفروع، والرأس والأعضاء، يشد بعضه إلى بعض برباط الإيمان أولاً، ثم المعية والصحبة المستقرة على وجه الانقياد والتبعية للدعوة ثانياً، مع مايحمله ذلك من توحيد في الوجهة والسلوك، والمواقف، والعمل لنصرة دين الله.. والاستمرار على ذلك حتى يأتي وعد الله الحق، أو يموت الرسول والمؤمنون وهم على محجة الطريق، ونوراليقين»(34).
مهمة طلائع الأمة في تربيتها:
لا بديل عن المعية والصحبة والتربية -إن أردنا تغييراً حقيقياً- ومن ثم فإن على جميع الدعاة والعاملين للإسلام أن يكون ذلك هو هدفهم الأساسي وهم يتعاملون مع الناس.
عليهم أن يوحدوا جهودهم ولا يبعثروها في غير هذا المجال حتى تبدأ الأمة في اليقظة الحقيقية.
لابد وأن يكون عمل كل من يريد خدمة الإسلام من خلال التواجد بين الناس.. يأكل مما يأكلون منه، ويشرب مما يشربون، وليس ذلك فحسب، بل عليه أن يكون هدفه من تواجده بينهم هو التربية وإحداث أثر إيجابى دائم في ذواتهم من خلال المحاور الأربعة للتربية والتي سيأتي ذكرها لاحقًا بإذن الله .
إن المطلوب من خلال التواجد بين الناس ليس فقط مساعدة الفقراء أو البحث عن عمل للعاطلين، أو مواساة المبتلين، أو عقد الندوات، أو...،فكل هذا مع أهميته إلا أنه لابد وأن يوضع في سياق المنظومة التربوية التي تهدف إلى تحقيق العبودية لله، ومٍن ثَمَّ التغيير الشامل والدائم في شخصية المسلم وألا يتم التعامل معها على أنها جُزُرٌ منعزلة.
من هنا نقول بيقين: إن معركة الإصلاح والتغيير الحقيقي للأمة روحها التربية، ولابد أن يتم تطويع جميع الوسائل لخدمة هذا الأمر، فإن تركنا هذه المعركة فسنظل في أماكننا نراوح بين أقدامنا، ونشتكي من كثرة المحن والإبتلاءات التي تمر بالأمة، وسيعلو صراخنا ونحيبنا، وترتفع أيادينا بالدعاء والتضرع إلى الله كلما أصاب المسلمين جرح جديد، وسيعلو صوت الدعاة في الفضائيات وعلى المنابربأهمية العودة إلى الله، وتغيير ما بالنفس، ثم تهدأ العاصفة ويستقر الجرح في جسد الأمة ويتعود على وجوده الجميع، ثم يتكرر الأمر بعد ذلك مع جرح جديد وهكذا.
فإن قلت: ولكن هل من الضروري تربية الأمة جميعاً؟
ليس المطلوب أن يكون جميع الأفراد على مستوى عال ورفيع من الصلاح، فسيظل هناك السابق بالخيرات، والمقتصد، والظالم لنفسه، ولكن يبقى من الضروري توافر الحد الأدنى للصلاح في الأمة.
فالمطلوب هو إصلاح المجتمع بأن تشيع فيه روح الإسلام ومعانيه، وأن يغلب عليه أنوار الإيمان ومظاهر العفة والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، ونكران الذات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، واستشعار المسئولية تجاه الأمة والبشرية، وفي المقابل تختفي منه مظاهر السلبية والأنانية والإعجاب بالنفس، والتفسخ الأخلاقي والإباحية..، وهذا لن يتم إلا بجهد تربوي يبذله الدعاة والعاملون للإسلام مع الناس.. كلٌ يعمل في محيطه.
هكذا فعل المصلحون :
عندما ننظر في أعمال المصلحين الناجحة على مر تاريخ الأمة نجد أنها كانت تمر من طريق التربية التي تهدف إلى تكوين أمة جديدة متحررة من أسر قيود العبودية لغير الله ..
ومن هذه النجاحات ظهور جيل صلاح الدين، والذي من خلاله تم تحرير بيت المقدس، وكسر شوكة الصليبيين – بإذن الله -.. ولقد سبق ظهور هذا الجيل الميمون عمل تربوي ضخم قام به نور الدين زنكي ومن قبله من العلماء المصلحين كأبي حامدالغزالي وعبد القادر الجيلاني.
وكذلك دولة المرابطين التي حكمت المغرب العربي عشرات السنين، وكان أساس قيامها جيل المرابطين الذي تم إعداده وتربيته على الإسلام .
سقوط الخلافة :
كانت الخلافة العثمانية مع ضعفها ترفع راية الإسلام، وكانت تُمثِّل رمزًا للوحدة والمرجعية الإسلامية، وكان الغرب يدرك هذه الحقيقة، لذلك وعلى الرغم من مرضها وضعفها الشديد إلا أن أعداء الإسلام لم يهدأوا حتى أعلنوا سقوطها رسميًّا سنة 1924 (ميلادية)، وقاموا بتفكيك العالم الإسلامي، وإغراء كل دولة بحدودها، ثم الهيمنة على تلك الدول بعد ذلك.
ولقد كان لخبر سقوط الخلافة الإسلامية دوي شديد في أنحاء العالم الإسلامي، وتنادى المصلحون في كل مكان عن سبيل إعادتها وقيامها مرة ثانية، وظهرت التوصيات التي تشخص الداء وتصف الدواء، لكنها كانت توصيات نظرية لا يمكن تنفيذها لأن الأمة كانت – ولا زالت – مريضة ..
ووسط هذه الأجواء ظهر الشاب حسن البنا ليقول كلمته بأنه لا سبيل لعودة الخلافة مرة ثانية وقيادة العالم إلا من خلال بناء الأمة من جديد عن طريق التربية والتكوين، حتى تتحول المعاني النظرية إلى واقع عملي .
يقول رحمه الله حاكيًا تطور تلك الفكرة في نفسه وذلك من خلال تقييمه لعمله في نشر الدعوة الإسلامية وتأكده بأن ذلك وحده لا يكفي لإحداث التغيير، بل لابد من سلوك طريق التربية والتكوين :
وقَفْتُ نفسي منذ نشأت على غاية واحدة، هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة وعملًا ..
.. ظلت هذه الخواطر حديثًا نفسانيًّا، ومناجاة روحية، أتحدث بها في نفسي لنفسي، وقد أُفْضِي بها إلى كثير ممن حولي، وقد تظهر في شكل دعوة فردية، أو خطابة وعظية، أو درس في المساجد إذا سنحت فرصة التدريس، أو حثّ لبعض الأصدقاء من العلماء على بذل الهمة ومضاعفة المجهود في إنقاذ الناس وإرشادهم إلى ما في الإسلام من خير .
ويستطرد قائلًا: ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس (35) .
من صور الخلط في هذا المفهوم :
ينبهر البعض بكثرة عدد المستمعين إلى درسه أو خطبته، ويزداد انبهاره كلما رأى منهم تفاعلًا مع ما يقوله، ويظن أنهم بذلك يتغيرون للأحسن.
.. بلا شك أن هذا العمل الجيد الذي يقوم به الدعاة من خلال الخطبة، والدرس، والحديث في الفضائيات، وإصدار الكتب والنشرات ... كل ذلك وغيره له أثره النافع في لفت الانتباه، وتصحيح بعض المفاهيم، وقد يُحدث – بإذن الله – تغييرًا في ذات المتلقي، لكنه – في الغالب – يكون تغييرًا محدودًا يتناول الأمور الشكلية البعيدة عن القيود التي تقيد النفس وتمنعها من العبودية الحقة لله عز وجل مثل قيود الشح المطاع والهوى المتبع والإعجاب بالنفس .
.. لذلك فإن التغيير الحقيقي في ذات الإنسان وتحريره من قيوده، وإعادة تشكيله على أساس العبودية لله عز وجل من الصعب أن يتم بهذه الطريقة وحدها .
بمعنى أن طرح أي مفهوم إيجابي وإقناع المستمعين به لا يكفي لتحويله إلى واقع عملي دائم بمجرد الكلام، بل لابد أن يتم العمل على تحويل هذا المفهوم إلى واقع من خلال الممارسة التربوية، وأكبر دليل يؤكد هذا المعنى هو حالنا، فمع انتشار الفضائيات الإسلامية، وما تبثه من برامج ودروس عظيمة، ومع العدد الهائل للخطباء في المساجد، ومع المحاضرات، والكتب، والمطويات، والملصقات التي تحث على الالتزام الديني الحقيقي والمتكامل إلا أن ذلك كله لم ينقل الأمة نقلة صحيحة، فالمراقب لأحوال المسلمين يراهم وإن تحسنوا في بعض الأمور الشكلية، إلا أن الجوهر لم يتغير تغييرًا جذريًّا، فلا زال الشح قائمًا، ولا زالت الأثرة، والحسد، وعبادة الذات، والغرق في الشهوات، وضحالة الاهتمامات، وتوجهها نحو الطين.. هو السمة الغالبة علينا .
وليس معنى هذا الكلام هو توقف الدعاة عن الكلام والكتابة، ولكن المطلوب أن يتم ذلك من خلال عمل تربوي يُكمل بعضه بعضه، يتم من خلاله تحويل الكلام النظري إلى واقع عملي.
ونختم الحديث في هذا الموضوع بذكر قصة واقعية تؤكد هذا المعنى:
كان (زيد) يواظب على حضور دروس المسجد، وحلقات القرآن، وفي إحدى المرات أُثيرت قضية تحريم فوائد البنوك المحددة سلفًا، وأقوال العلماء فيها.. فتغير ذلك الوجه الذي كان ينطق بالحكمة، وارتفع ذلك الصوت الذي كان يتلو آيات القرآن ويتباكى معها.. ارتفع بصراخ أجش ينافح ويجادل عن صحة أخذ تلك الفوائد، ثم انتهى الأمر منه بعبارة ( لنغير هذا الموضوع ).. ثم.. ثم انقطع زيد عن حضور الدروس ..
فهل حضور ( زيد ) لدروس المسجد لسنوات غيَّر فيه شيئًا ؟!
قد يكون تغير في بعض الأمور السطحية السهلة، أما أساسيات التغيير في البنية الأساسية لشخصيته فلم تحدث، بدليل عدم تحمله لسماع رأي جمهور العلماء في حرمة فوائد البنوك، بل وانصرافه عن حلقات العلم بمجرد تعارضها مع هوى نفسه في الاستفادة من تلك الفوائد .
هذا المثال يتكرر كثيرًا مع أناس يرتادون المساجد، ويواظبون على حضور الدروس والحلقات، فقد تجدهم يظهرون بمظهر طيب ، ووديع ، وباسم أمام بعضهم البعض، فإذا ما مُسَّ أحدهم في رزقه، أو وُجِّه إليه نقد يضعه في موضع المقصِّر أو المُخطئ أمام الآخرين، تجده وكأنه تحول إلى شخص آخر سيء الأخلاق ، شديد الانفعال ، بذيء اللسان .

جــوانب الإصــلاح
مما لا شك فيه أن طريق الإصلاح الصحيح يبدأ بالتغيير الداخلي الإيجابي لأبناء الأمة، ولا يمكن لهذا التغيير أن يتم إلا من خلال التربية – كما أسلفنا –، ولكن ما هو مجال عمل التربية ؟
ما المناطق التي تحتاج إلى تغيير داخل الإنسان لتظهر عليه ثمار العبودية لله عز وجل ؟
هذا ما تتناوله - بعون الله - الأسطر القادمة(36) .
الجوانب الأربعة :
خلق الله عز وجل الإنسان وجعل تكوينه يشمل أربعة مكونات رئيسية هي: العقل والقلب والنفس والجسد.
والإنسان يبدأ رحلته على الأرض -منذ خروجه من رحم أمه- بهذه المكونات الأربع وهي غير مكتملة النمو، بل جعلها الله سبحانه تبدأ صغيرة، محدودة الإمكانات، لتنمو بعد ذلك بما أودع فيها من خاصية النماء.
ونماء هذه المكونات يستلزم دوام إمدادها بالغذاء الذي يناسبها.
فالجسد يُخلق صغيرًا ضعيفًا، ولكي ينمو لابد له من غذاء متنوع يلبي احتياجاته ويترك فيه أثره الدائم، وينتج عنه دومًا طاقة تدفع صاحبه للنشاط والحركة.
ومع ضرورة إمداد الجسد بالغذاء المناسب لابد كذلك من دوام توجيه نشاطه وحركته بالطريقة التي تساهم في نجاح المرء في أداء وظيفته على الأرض.
وما ينطبق على الجسد ينطبق على العقل والقلب والنفس، فلابد لهذه المكونات الثلاثة من تربية وإنماء حتى تكتمل وتصلح ويساهم كل منها بأثره في تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي يقوم بوظيفته الأساسية؛ ألا وهي عبوديته الحقة لربه، وإقامة دينه في نفسه، ثم في نفوس المسلمين، وأن يجتهد في تبليغه للبشر أجمعين ما وسعه الجهد .
وكما أنه من الضروري استمرار تعاهد البدن وإمداده بما يصلحه حتى يستمر في النمو والتمتع بالصحة والحيوية؛ كذلك لابد من تعاهد العقل والقلب، والنفس بالإمداد بما يصلحها، ودفع ما يضرها حتى يستمر نموها المعنوي في الاتجاه الصحيح، وبخاصة أن كلاً منها يبدأ الحياة كما يبدأ الجسد.. محدود الإمكانات والقدرات، و لديه قابلية للنماء.
فالعقل يبدأ الحياة وهو فارغ من أي مخزون معرفي ?وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا? [النحل: 78].
والقلب يولد على الفطرة كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»(37).
والنفس تبدأ رحلتها في الحياة ولديها القابلية للفجور والانفلات، وكذلك القابلية للاستكانة والتطويع ?وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا?[الشمس: 7، 8]
ولئن كان أمر تعاهد البدن وتربيته لا يحتاج إلى توجيه دائم -فيما يخص الغذاء- باعتبار أنه أمر محسوس وظاهر؛ إلا أننا لا نتعامل مع عقولنا وقلوبنا وأنفسنا بنفس الدرجة من الاهتمام لأننا -من ناحية- لا نراهم بأعيننا، ولا نكاد نستشعر احتياجاتهم.
ومن ناحية أخرى فإن هذه المكونات الثلاثة يحدث لها نمو ولكنه -في الغالب- ليس بالشكل المطلوب، أو في الاتجاه الصحيح، فعلى سبيل المثال:
العقل -بعد الولادة- يبدأ في استقبال المعلومات من كل الاتجاهات دون تمييز بين صحيحها وسقيمها، ثم تبدأ هذه المعلومات شيئًا فشيئًا في تشكيل يقينه ومعتقداته ونظرته للحياة ومفرداتها.
ضرورة التربية الصحيحة:
من هنا تبرز أهمية التربية الصحيحة، فالمسلم لن ينصلح حاله، ولن يكتمل نموه، ولن يرى الثمار الصحيحة لعبوديته لربه عز وجل إلا إذا اهتم بالجوانب الأربعة التي تشكل كينونته.
فعندما يُترك العقل دون تربية وإنماء في الاتجاه الصحيح، فمن المتوقع أن يفشو الجهل، وتتغير الأولويات، وتضطرب المفاهيم، وتكثر الشبهات، وتظهر البدع والعقائد الفاسدة.
وعندما يُترك القلب بدون تعاهد وإمداد إيماني فإنه سيصبح أسيرًا للهوى تابعًا له.. كلما اشتهى فعل، وكلما رغب اندفع.. لا يبالي بحلال أو حرام.. تتبلد مشاعره وتقسو، فلا يكاد يتأثر بموعظة.
وعندما تُترك النفس بدون تزكية، فستجد أمامها المجال مفتوحًا للفجور والطغيان وسوق صاحبها لفعل الفواحش والموبقات.
وعندما تُترك حركة المرء وجهده البدني بدون توجيه فمن المتوقع أن يستهلكها في تحقيق شهواته ورغائبه دون ضوابط.
.. كل هذا سيؤدي إلى التخبط والضياع في الدنيا، والابتعاد عن الطريق المستقيم.. طريق العبودية لله عز وجل ، ومن ثمَّ يكون الخسران - والعياذ بالله - في الآخرة.. تأمل قوله - جل ثناؤه- وهو يصف حال أناس تركوا التزكية والتربية الصحيحة، فتعطلت عقولهم، ومرضت نفوسهم وقلوبهم، واتجهت حركاتهم ونشاطهم نحو الأرض والطين لتحصيل واستيفاء الشهوات: ? وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ? [الأعراف: 179].
فالذي لا يستخدم هذه المكونات فيما خلقت من أجله - بل ويمدها بما يضرها- كمن يتعلم ما يضره ?وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ? [البقرة: 102]، ومن ثم فإن مرتبته تنحط لتصبح دون الأنعام، وكيف لا، والأنعام لم تكلف بما كلفنا به، ولم تعط من الإمكانات مثل ما أعطينا ? أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ? [الفرقان: 44].
لذلك فإن من يهمل التربية الصحيحة فإنه ينحدر إلى أسفل، ويزداد هذا الانحدار كلما كانت تغذيته لعقله وقلبه ونفسه تغذية عكسية.. وهكذا حتى يصل إلى أسفل السافلين، ويصبح مثل الأنعام في الاهتمامات، ودونها في المرتبة ?إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ? [الأنفال: 55].
العقل والتربية المعرفية:
كلما ازدادت معرفة الإنسان بالشيء تغيرت معاملته له، « فالمعاملة على قدر المعرفة ».
ولأن واجبات العبودية من حب وخشية وطاعة وتوكل... ما هي إلا معاملات ينبغي أن يعامل بها العبد ربه؛ لذلك فإن نقطة البداية الصحيحة لتحقيق العبودية والتجلبب بها هي «معرفة الله» عز وجل، وكلما تعرف المرء على ربه أكثر كلما عامله بصورة أفضل، وكلما جهل المرء ربه كلما ابتعدت معاملته له عن الصورة المطلوبة ? وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ? [الزمر: 67].
أخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ? يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ? [الانفطار 6]. ثم قال: جهله(38).
فكلما ازدادت معرفة الإنسان بربه ازداد حبه له، وافتقاره الدائم إليه، واعتماده عليه، واستسلامه المطلق له.
ولكي يعرف الإنسان ربه لابد وأن يجمع المعلومات عنه -سبحانه- والتي تحملها الكائنات التي تحيط به في كل مكان وزمان، وتحملها كذلك أحداث الحياة التي تمر به، بل إن الإنسان نفسه يحتوي على معلومات عن الله عز وجل لا توجد مجتمعة في مخلوق آخر ? وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ?[الذاريات: 20، 21].
ولقد منح الله عز وجل الإنسان الوسيلة التي من خلالها يستطيع أن يجمع المعلومات عنه سبحانه من جميع مخلوقاته، هذه الوسيلة هي العقل.
إذن فالحكمة العظمى من خلق العقل هو استخدامه في التعرف على الله عز وجل من خلال التفكر في مخلوقاته والتعرف على ما تحمله من معلومات عنه -سبحانه- ? إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ? [البقرة: 164].
العلم الحقيقي:
إن كان العقل هو محل العلم والمعرفة، فإن العلم الحقيقي الذي ينبغي أن ينشغل العبد بتحصيله هو العلم بالله عز وجل، وكيف لا ومن خلاله تتحقق العبودية الحقة له سبحانه، لذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ? [الذاريات: 56] أي: إلا ليعرفون.
لماذا؟!
لأنهم إذا عرفوه: أحبوه، وعظموه، وهابوه، وأطاعوه، وتوكلوا عليه...
جاء في الأثر أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: يا رب، أي عبادك أخشى لك؟
قال: أعلمهم بي(39).
.. إذن فتحصيل العلم بالله هو أهم غاية لخلق العقل، وأي علم آخر فينبغي أن يكون تابعًا له، وفرعًا منه.. ألم يقل سبحانه ? فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ? [محمد: 19].
فلكي يدرك المرء حقيقة التوحيد، ويوقن بها فإنه يحتاج إلى التعرف على ربه من خلال آياته الدالة عليه ?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ? [فصلت: 53].
وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن رجب:
أخبر سبحانه أنه ما خلق السماوات والأرض ونزل الأمر إلا لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلاً على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: ?اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا? [الطلاق: 12].
وأخبر أنه إنما يخشاه من عباده العلماء، وهم العلماء «به».
قال ابن عباس في قوله: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? [فاطر: 28].
قال: أي إنما يخافني من عبادي من عرف جلالي وكبريائي وعظمتي.
فأفضل العلم العلم بالله، وهو العلم بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إليه، والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه.
ويتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة(40) .
العلم النافع:
من هنا يتأكد لدينا أن العلم النافع هو الذي يؤدي إلى تحقيق التوحيد قولا وعملا، أو بمعنى آخر: هو الذي يؤدي إلى تحسين المعاملة مع الله عز وجل فيزداد المرء له خشية وطاعة ومحبة وإنابة واستقامة على صراطه المستقيم، فإن لم يُؤدِّ العلم الذي يتعلمه المرء إلى ذلك صار علما غير نافع.
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع»(41).
غاية العلم:
لكي ندرك أكثر وأكثر غاية العلم علينا أن نتذكر غاية وجود الإنسان على الأرض والتي تتمثل في تحقيق العبودية الحقة لله عز وجل وما تشمله من معان مختلفة يقف على رأسها: طاعته سبحانه، وخشيته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والأنس به، ودوام الإنابة إليه، والاستسلام له، والاستعانة به، والتضحية من أجله، وإقرار شرعه.
ولأن هذه المعاني لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المرور من باب «المعرفة» بالله عز وجل -كما أسلفنا- كانت غاية العلم هي: «التعرف على الحقائق التي تصل بالمرء إلى تحقيق العبودية لله عز وجل بمعانيها المختلفة».
بهذا ندرك مفهوم العلم النافع ومدى ارتباطه بتحسين المعاملة مع الله عز وجل، وبهذا المفهوم -أيضًا- يمكننا التعرف على مدى قُرب أو بعد العلوم المختلفة من العلم النافع، مع الأخذ في الاعتبار أن معرفة الأحكام الشرعية، وما يرضي الله عز وجل وما يبغضه من الأهمية بمكان، وهي تحتل المرتبة التالية للعلم بالله عز وجل وآياته وأفعاله في خلقه، وذلك لضرورتها في تحقيق العبودية الحقة له سبحانه، فالذي امتلأ قلبه خشية لله عز وجل يحتاج أن يعرف ما الذي يُرضي ربه فيفعله، وما الذي يبغضه فيتجنبه.
الباب الأعظم:
من هنا نقول أن العلم الحقيقي الذي ينبغي أن ينشغل به العقل -أول ما ينشغل- هو العلم بالله عز وجل، وأن أي علم آخر ينبغي أن يكون تاليا له، منطلقًا منه.
إن علم التوحيد الحقيقي هو «الباب الأعظم» الذي ينبغي أن ندخل منه جميعًا، وبعد ذلك ندخل إلى العلوم المختلفة حتى نتمكن من الاستفادة الحقيقية منها في تحقيق العبودية لله عز وجل، فإن لم يحدث هذا، وبدأ المرء في تعلم العلوم المختلفة متجاوزًا العلم بالله عز وجل فإن مقصود هذه العلوم لن يتحقق بالصورة المطلوبة.
مستهدف التربية المعرفية:
بعد أن تعرفنا على الوظيفة الأساسية للعقل، والحكمة من خلقه يمكننا القول بأن هدف التربية المعرفية هو: إنماء العقل وتوسيع مداركه، وفتح نوافذه، وإكسابه التلقائية في التفكير في كل شيء يحدث حوله والاعتبار به، والتعرف من خلاله على الله عز وجل وعلى حتمية العودة إليه ?أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَّكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ? [الأعراف: 185].
أو بعبارة أخرى:
المطلوب من المسلم إنماء عقله من خلال تحصيل العلم الراسخ النافع بالله عز وجل والذي يؤدي إلى تحسين المعاملة معه -سبحانه-، وأي علم آخر يريد أن يتعلمه الإنسان ينبغي أن يتم الدخول إليه من هذا الباب.. «باب التوحيد» ?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ? [محمد: 19].
القلب والتربية الإيمانية:
لو كان العقل هو الذي يحرك الإنسان، لكانت المعرفة العقلية وحدها تكفي كدافع للسلوك إلا أن الأمر ليس كذلك، فمع أهمية المعرفة وضرورتها كبوابة أساسية لتحقيق العبودية ومن ثم الاستقامة؛ إلا أنها لا تكفي لتغيير السلوك.. لماذا؟!
لأن الذي يصدر الأوامر بالحركة الإرادية داخل الإنسان هو القلب وليس العقل.
فالقلب يعد بمثابة مركز الإرادة واتخاذ القرار، ومنه تنطلق الأوامر بالأفعال الإرادية وما على الجميع إلا التنفيذ.. قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب»(42) .
.. هذا القلب تتجاذبه قوتان: «قوة الهوى» وما تميل إليه النفس وتشتهي، وقوة «الإيمان» (أو التصديق والاطمئنان) بما في العقل من أفكار وقناعات، والأقوى منهما وقت اتخاذ القرار هو الذي يستولي على الإرادة، ويوجه القرار لصالحه.
فعندما يسمع المسلم أذان الفجر ويريد أن ينهض من نومه للصلاة فإن صراعًا ينشب داخله، بين إيمانه بأهمية ضرورة القيام لصلاة الفجر وبين هوى نفسه وحبها للراحة والنوم وعدم التعرض للمشقة، فإن استيقظ فإنما أيقظه إيمانه الذي كان أقوى من الهوى في هذه اللحظة، وإن نام فإنما أنامه هواه الذي كان أقوى من إيمانه في هذه اللحظة.
* * فالإيمان هو الدافع للسلوك الإيجابي ?وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ? [الحج: 32].
* * والهوى هو الدافع للسلوك السلبي ?فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ? [القصص: 50].
معنى ذلك أنه إن لم يحدث للمعارف والقناعات الموجودة بالعقل اطمئنان وتصديق قلبي بالقدر الذي يقاوم الهوى المضاد لهذه القناعات وينتصر عليه؛ فإن هذه القناعات لن تترجم إلى سلوك عملي، ومن ثم يصبح كلام المرء وقناعاته في جانب، وسلوكه في جانب آخر.
فلا يكفي المرء اقتناعه بالفكرة لكي يمارس مقتضاها في واقعه العملي، بل لابد من تحويل هذه الفكرة إلى إيمان عميق في القلب ينتصر على الهوى.
ولا يكفي كذلك وجود إيمان بالفكرة في القلب لكي يثمر السلوك المترِجم لها، بل لابد وأن يكون الإيمان أقوى من الهوى المضاد لهذه الفكرة حتى يستطيع الانتصار عليه وقت اتخاذ القرار.
مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التغذية الدائمة لهذا الإيمان حتى يتمكن المسلم من المقاومة المستمرة لهوى نفسه وشحها.
المعرفة وحدها لا تكفي:
المعرفة العقلية - إذن - لا تكفي لحدوث الاستقامة والقيام بواجبات العبودية لله عز وجل، بل لابد وأن تتحول هذه المعرفة إلى إيمان عميق يرسخ مدلوله في القلب وينتصر على الهوى لينعكس أثره على السلوك.
.. لابد من تعانق الفكر بالعاطفة لينشأ الإيمان بإذن الله، ويتجلى هذا الأمر في قوله تعالى: ?وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ? [الحج: 54].
أفلا تتقون؟
ولقد أخبرنا القرآن عن أناس يقرون بربوبيته -سبحانه- على جميع خلقه، وبقيامه على شئونهم، ومع هذا الإقرار فهم لا يخشونه، ولا يستسلمون له، وهذا يؤكد أن إقرارهم كان إقرارًا عقليًا محضًا ولم ينشأ به إيمان في القلب، ومن الآيات التي تخبرنا بذلك قوله تعالى: ?قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ? [المؤمنون: 84- 87].
.. من هنا تظهر أهمية التربية الإيمانية؛ فلئن كانت التربية المعرفية تهدف إلى إنماء العقل بالعلم النافع الراسخ ألا وهو العلم بالله عز وجل، فإن تربية القلب الصحيحة تهدف إلى: تمكين الإيمان بهذه المعرفة وترسيخها فيه حتى تهيمن عليه، وتقهر الهوى، فيسهل على المرء القيام بأعمال العبودية بصورها المختلفة.
.. معنى ذلك أن تغيير السلوك تغييرًا حقيقيًا إيجابيًا لابد أن ينطلق من إصلاح القلب بالإيمان، وعندما نشاهد تغييرًا سلبيًا في السلوك فإن ذلك يعكس تمكن الهوى من القلب وضعف الإيمان فيه.
عندما يضعف الإيمان:
لعل هذا الحديث عن الإيمان وعلاقته بالسلوك يفسر لنا ظاهرة ابتعاد الفعل عن القول، والعمل عن العلم.
فكلما ضعف الإيمان تمكن الهوى؛ لأن مساحة القلب واحدة؛ ليترتب على ذلك آثار سلبية خطيرة تزيد وتنقص بحسب درجة ضعف الإيمان.
.. فمن آثار ضعف الإيمان: أنك قد تجد شخصا كثير الحديث عن القيم، والمثل، والأخلاق، لكنه يمارس عكس ما يتحدث عنه، وفي بعض الأحيان تجده وقد اعتراه الضيق من حاله وواقعه لكنه لا يستطيع تغييره لأن هواه قد سيطر على إرادته واستولى عليها.
ومن آثار ضعف الإيمان أيضًا: الترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه، والتساهل والتباطؤ في تنفيذ أوامر الشرع، والبحث عن الرخص والأعذار، وتبني الآراء المرجوحة والضعيفة لإيجاد المبرر والمسوِّغ للتفلت من التطبيق الصحيح للدين.
ومن آثاره: شدة الاهتمام بالدنيا، والحرص على تحصيلها، وارتفاع سقف الطموحات فيها، وانشغال الفكر بها، مع كثرة أحلام اليقظة بالثراء والرفاهية.
ومن تلك الآثار: شدة الحرص على المال والحزن الشديد على نقصانه، ودوام إحصائه، وكثرة التفكير في سبل إنمائه، واستيفاء المرء لحقه المالي التام من الآخرين، وفي المقابل قد نجده يحاول التملص من أداء واجباته والتزاماته المالية كاملة تجاههم.
ومنها: ضعف الورع، والوقوع في دائرة الشبهات، والاقتراب من دائرة المحرمات كاستسهال الكذب وعدم قول الحقيقة كاملة، وعدم الوفاء بالعهود والمواعيد.
ومنها كذلك: عدم الحزن على فوات الطاعة، أو الوقوع في المعصية..
يقول عبد الله بن مسعود: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا(43) (أي: نحاه بيده أو دفعه) .
الإيمان يصنع المعجزات:
وفي المقابل.. كلما قوى الإيمان تحسن السلوك بشكل تلقائي، واقتربت المسافة بين القول والفعل، وكيف لا والإيمان الحي يولد دومًا طاقة، وقوة دافعة للقيام بأعمال البر المختلفة حسبما يقتضيه الوقت والظروف.
.. الإيمان هو الشجرة المباركة التي تثمر -دومًا- ثمارًا طيبة ? أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا? [إبراهيم: 24، 25].
.. الإيمان يدفع المرء لبذل أقصى ما يمكن بذله في سبيل رضى ربه، فتراه حريصًا على دعوة الناس، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر.
صاحب الإيمان الحي شخص إيجابي، شُعلة من النشاط، لا يهدأ، ولا يكل، ولا يمل من تبليغ دعوة ربه ودلالة خلقه عليه.. نجده دومًا مسارعًا لفعل الخيرات في كل الاتجاهات.. ينتظر أي باب يفتح أمامه للتقرب إلى الله ليلج فيه.
.. روى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلى، فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلى قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ?قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ? [البقرة: 144].
حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكون أول من صلى (في اتجاه الكعبة)، فتوارينا فصليناها، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلى بالناس الظهر يومئذ(44).
.. كلما ازداد الإيمان ودخل نوره القلب، انفتح القلب وانشرح ودبت الحياة فيه، وشعر صاحبه بالسكينة والطمأنينة، وزاد انتباهه ويقظته، وكلما استيقظ القلب من غفلته زاد تشميره للسعي نحو الآخرة، وقل اهتمامه بالدنيا ورغبته فيها، واشتدت رغبته فيما عند الله، وانعكس ذلك في تعامله مع المال، فيزداد إنفاقه له..
.. في يوم من الأيام، وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه إذ تلا عليهم قوله تعالى: ?مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ? [الحديد: 11]، فإذا بأحد الحاضرين وهو «أبو الدحداح» يقول لرسول الله (: أيستقرضنا الله؟
فيجيبه صلى الله عليه وسلم: «نعم».
فيقول له: لقد أقرضت ربي حائطي (بستاني)..
هذا البستان كان به من النخل ما يقارب الستمائة نخلة.
وانطلق الرجل إلى البستان، وما إن وصل إليه حتى نادى على زوجته: يا أم الدحداح هيا بنا نخرج من البستان فقد أقرضته ربي.
فقالت المرأة الصالحة لزوجها: ربح البيع أبا الدحداح.. ربح البيع أبا الدحداح(45).
مستهدف التربية الإيمانية
الهدف القريب الذي ينبغي أن تحققه التربية الإيمانية هو زيادة الإيمان في القلب حتى يعلو على الهوى، أو بمعنى آخر: زيادة الإيمان في القلب بالدرجة التي توقظه من غفلته وتجعله في حالة من اليقظة والانتباه، ومظاهر هذه الحال قد ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله الصحابة عن علامات دخول النور القلب فقال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله»(46).
.. هذا هو الهدف القريب الذي إن تحقق فعلينا ألا نقف عنده ونكتفي به، بل علينا أن نسعى لتحقيق الهدف البعيد وهو تمكين وهيمنة الإيمان على القلب حتى تتحرر إرادته ويصبح قلبًا سليمًا يستقبل الأحداث ويتعامل مع مستجدات الحياة بدوافع إيمانية ?وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ? [التغابن: 11]، فكل ما يصيبه حينئذ يجد له تفسيرًا «ومعاملة إيمانية» كما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(47).
.. التربية الإيمانية الصحيحة عليها أن تصل بالمرء إلى تنوير قلبه، حتى يصبح قلبًا أبيض، فتستنير بصيرته، وتعلو حساسيته تجاه كل ما يرضى الله عز وجل فيتسابق إلى فعله، وإلى كل ما يبغضه فيسارع إلى تركه.
.. التربية الإيمانية عليها أن تُخِضع مشاعر الإنسان لله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»(48).
غاية التربية الإيمانية الوصول لمرحلة الإحسان التي ذكرت في حديث جبريل المشهور: «أن تعبد الله كأنك تراه»(49).
النفس وضرورة تزكيتها:
من تعريفات النفس أنها مَجْمَع الشهوات داخل الإنسان، لذلك فمن طبيعتها أنها تطمح دومًا لتحقيق ما تهوى وترغب، وتريد أن يكون لها حظ ونصيب في كل عمل يقوم به الإنسان دون النظر إلى عواقب ذلك، كالطفل الذي يقوم بالضغط والإلحاح على أبويه للحصول على شيء قد يكون فيه ضرره، فالنفس كما وصفها القرآن ?إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ? [يوسف: 53].
وهي لا تأمر بالسوء لحب السوء في ذاته، ولكن ظنًا منها بإمكانية تحصيل الشهوة منه.
.. ومن صفاتها أنها شحيحة تحب الاستئثار بكل شيء فيه نفع لها ولو كان نفعًا محدودًا ?وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ? [النساء: 128].
.. لديها القابلية للفجور والطغيان إذا تركها صاحبها بدون ترويض وتربية ومتابعة.. ولديها كذلك القابلية للاستكانة والتطويع إذا ما رُوضت وزكيت ?وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا? [الشمس: 7، 8].
.. أشد ما يسعدها شعورها بالتميز عن الآخرين، وأشد ما يشقيها ويحزنها شعورها بالنقص عنهم.
وهي ميدان التكليف.. من يزكيها يفلح ويفوز، ومن يتركها دون ترويض يخيب ويخسر ?قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ( وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا? [الشمس: 9، 10].
أقسام هوى النفس:
النفس تهوى وتميل دومًا إلى تحصيل الشهوات.. هذه الشهوات تنقسم إلى قسمين: قسم جليٌّ، وقسم خفيٌّ.
فالشهوة الجلية: هي اللذة الناتجة عن الطعام والشراب و...
أما الشهوة الخفية: فهي تلك اللذة الناتجة عن مدح الناس وثنائهم، وكذلك الشعور بالعلو والتميز على الآخرين، وارتفاع المنزلة عندهم، والتقدم عليهم.
ولأن النفس محبوبة، وما تدعو إليه محبوب نجد الكثير من الناس لا ينتبه لخطورتها، بل ويسترسل مع هواها في تحصيل الشهوات -وبخاصة الخفية- دون أن يدرك أنه بذلك يخونها ويظلمها عندما يتبع هواها، ويساهم في طغيانها، ويقترف من أجلها الذنوب والمخالفات التي تستدعي وتستوجب العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة ?وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ? [النحل: 33].
.. البعض قد يستشعر أهمية المعرفة، فينمي عقله بالعلوم النافعة، وقد ينتبه لقلبه فيتعاهده بالأوراد التي تزيد الإيمان، ولكنه ينسى أن بداخله من يتربص بكل أعماله ليأخذ نصيبه وحظه ولذته منها، فيتعرض بذلك عمله لخطر عدم القبول.. إنها نفسه التي بين جنبيه.
الشهوة الخفية:
.. إذن فالنفس هي العقبة الكؤود بيننا وبين الله عز وجل، ولقد خلقها الله -عز وجل- بهذه الصفات ليختبر مدى صدق عبوديتنا له، فلولا وجودها لما وجد العبد أي مشقة في القيام بالطاعة، والإخلاص لله عز وجل.
وشهوات النفس الجلية قد ضبطها الشرع وحددها من حيث الحلال والحرام والمباح والمكروه، لذلك فمن السهل على صاحب الإيمان الحي أن يلتزم -بعون الله- بهذه الضوابط.
أما الشهوات الخفية فمع تحذير الشرع الشديد من الاسترسال معها إلا أن الكثيرين لا ينتبهون إلى هذا التحذير ولا يتعاملون معه مثل تعاملهم الحذر والمنضبط مع الشهوات الجلية، وذلك لأن الشهوة الخفية ألذ وأحب إلى النفس من الشهوة الجلية.
ومن أهم الشهوات الخفية التي تسكر النفوس، وتجعلها في حالة من السعادة والنشوة: الشعور بالرضا عن النفس، والتميز عن الآخرين، وعلو المنزلة عندهم، وإذا أردت تخيل هذه المشاعر فما عليك إلا أن تتذكر حالك عندما تتعرض للمدح من غيرك...
خطورة الرضا عن النفس والإعجاب بها:
الرضا عن النفس والإعجاب بها من أمراض القلوب، وهو يحبط العمل الملازم له، ويعرض صاحبه لمقت الله.. قال (: «النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت»(50).
وقال: «من تعظَّم في نفسه، واختال في مشيته، لقى الله وهو عليه غضبان»(51).
وهو من المهلكات التي تهلك المرء. قال صلى الله عليه وسلم: «فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»(52).
ماذا لو أهملت التربية النفسية؟!
عندما يهمل المرء تزكية نفسه فمن المتوقع أن تظهر عليه، وعلى الدائرة المحيطة به الكثير من الآثار السلبية.. هذه الآثار ستتفاوت من شخص لآخر بحسب درجة إهمال تزكية النفس.
فمن تلك الآثار المتوقعة: استحواذ المُعجَب بنفسه على الحديث في أي لقاء يجمعه مع غيره لأنه يرى أنه أحسن من يتكلم.
وستُسوِّل له نفسه أنه أحسن من يفكر، لذلك قد تجده مصرًّا على فرض رأيه على من حوله، مُعرضا عن الاستماع إلى آراء الآخرين، بل قد يسفه آراءهم، ولا يقيم لها اعتبارًا.
.. ومن تلك الآثار: إكثاره من نصح الآخرين وتوجيههم، ونقد آرائهم وأفعالهم، وفي نفس الوقت تجده لا يقبل النصح من أحد وخاصة من أقرانه أو من هم أقل منه سنا أو شأنا، ولا يسمح لأحد بنقد آرائه أو أفعاله.
.. يصعب عليه الاعتراف بخطئه، ويجتهد في تبرئة نفسه من أي اتهام بالتقصير ولو اضطره ذلك إلى الكذب أو اتهام الآخرين بالتجني عليه وظلمه.
... لا يحب الناجحين من أقرانه، ويتحاشى الحديث عنهم، فإن اضطر لذلك تجده يجتهد في إبراز سلبياتهم، والتقليل من حجم نجاحهم.
.. عندما يتحدث في أي محفل فإنك تجده دوما يصبغ كلامه بالحديث عن نفسه (أنا.. لي.. عندي)، ولا يمل من تكرار ذلك.
نماذج مضيئة:
أدركت الأجيال الأولى خطورة إهمال تزكية النفس، والسكون إليها، والرضا عنها وأدركوا أن أخطر آفة يمكن أن تصيب المرء هي أن يذوق طعم نفسه، فيطوع كل أعماله وأقواله وحركاته لإسعادها، وسقايتها ما تستلذ به فكانت أحوالهم وأقوالهم تدل على ذلك.
ولقد كان قدوتهم في هذا الأمر الرسول محمد ( سيد المتواضعين.. أخرج ابن المبارك في الزهد أن النبي ( قد أُتي له بطعام فقالت له عائشة: لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغي بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها وقال: «بل آكل كما يأكل العبد وأنا جالس كما يجلس العبد،فإنما أنا عبد»(53).
ومن صور استصغاره وتواضعه مع نفسه قوله (: «رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة حين قال: "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ"» [يوسف: 50](54).
وهذا صاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يصعد على المنبر في أول خطبة يخطبها بعد توليه الخلافة ويقول: «لقد وليت عليكم ولست بخيركم»، مع إنه بنص الأحاديث النبوية خير الأمة، ولكنه لم يعش مع هذه الحقيقة، ولم يتجاوب معها، بل كان دائم الحذر من نفسه، وكان يلبس خاتما نُقِش عليه: «عبد ذليل لرب جليل».
وقال عروة: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتتني الوفود بالسمع والطاعة دخلت في نفس نخوة، فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها(55).
مستهدف التربية النفسية:
لما كانت تزكية النفس أمر غاية في الأهمية، كان من الضروري تعاهد المرء لنفسه، وعدم الاطمئنان لها، أو الوثوق بها.
لابد من تزكية النفس، وتربيتها على العبودية لله عز وجل، والتي تصل بالمرء إلى اليقين بأنه بالله وبإمداداته لا بنفسه العاجزة الأمارة بالسوء، وأن يوقن كذلك بأن بينه وبين الكفر أن يتركه الله عز وجل: ?وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا? [النور: 21]، ألم يكن من دعاء إبراهيم عليه السلام: ?وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ? [إبراهيم: 35].
..ويوقن أيضا بأن أي طاعة يؤديها فالله عز وجل وحده هو الذي أعانه وحبب إليه القيام بها، وبعث فيه القوة اللازمة لأدائها، وأزاح عنه العوائق التي من شأنها أن تعطله عنها ?وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي? [سبأ: 50].
.. التربية النفسية تهدف إلى: تحقيق نكران الذات، وممارسة التواضع بصورة تلقائية غير متكلفة، وتهدف كذلك إلى أن يكون المرء عند نفسه صغيرًا، وأن يرى الناس جميعا أفضل منه، كما يقول الإمام النووي: «لا تستصغر أحدًا فإن العاقبة منطوية، والعبد لا يدري بم يختم له. فإذا رأيت عاصيا فلا تَـرَ نفسك عليه، فربما كان في علم الله أعلى منك مقاما، وأنت من الفاسقين، ويصير يشفع فيك يوم القيامة...».
بذل الجهد في سبيل الله :
من طبيعية الإنسان - أي إنسان - الحركة وبذل الجهد في سبيل تلبية احتياجاته، وتحقيق أهدافه، فالحركة دليل الحياة.
.. هذه الحركة لابد لها من توجيه صحيح حتى تكون مثمرة، تؤدي إلى النجاح في تحقيق هدف وجود الإنسان على الأرض.
فالله -عز وجل- لم يخلقنا ويسكننا الأرض لكي نأكل أو نشرب أو نتزوج، بل خلقنا لأداء اختبار العبودية له -سبحانه- بالغيب.
.. نعم، علينا ونحن نؤدي هذا الاختبار أن نقوم بالمحافظة على أجسادنا والعمل على نموها الصحيح بالغذاء النافع حتى نستطيع أن نؤدي تكاليف الاختبار، ولابد من التزاوج حتى تظهر الأجيال الجديدة التي قدر الله وجودها.. وهكذا ولابد من الحركة لتلبية الاحتياجات المعيشية.
وبالإضافة إلى حركة المرء لتلبية احتياجاته المعيشية؛ فإن على المسلم أن يكون له جهد وحركة في سبيل الله من خلال محورين أساسيين:
المحور الأول: العمل الصالح
على المسلم أن يعمل بالطاعات والأعمال الصالحة التي أمره الله بها، ويجتهد في القيام بالأعمال المندوبة والتي تسمي «فضائل الأعمال» قدر المستطاع.
فلكي يرسخ الإيمان في القلب لابد من إتباعه بالعمل الصالح: ?وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا? [طه: 75].
فعلى المسلم أن تكون دائرة بذل جهده الأولى هي نفسه وأن يجتهد في استكمال جوانب التربية الثلاثة المشار إليها آنفا (المعرفية والإيمانية والنفسية)، وأن يجتهد كذلك في العمل بكل ما يبلغه من أعمال صالحة موافقة للسنة حتى يكتب من أهلها.
يقول الإمام النووي: ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة واحدة ليكون من أهله،ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»(56).
المحور الثاني: دعوة الخلق إلى الله:
وعلى المسلم أن يكون له جهد معتبر يبذله في الدعوة إلى الله ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ? [يوسف: 108].
فلا يكفي أن يكون المسلم صالحا في نفسه ليحقق العبودية الحقة الكاملة لله عز وجل، بل لابد من قيامه بواجب تبليغ رسالة ربه، ودعوة خلقه إليه ?قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ( إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ? [الجن: 22، 23].
وليس هذا أمرًا اختياريا، بل هو تكليف إلهي لأمة الإسلام منذ أن اختارها الله عز وجل لتقود البشرية وتسعدها بالإسلام.
ولئن كان بذل الجهد في سبيل الله مطلوبًا من المسلم في كل وقت؛ إلا أن الحاجة تشتد إليه في هذا العصر أكثر من أي وقت مضى، كيف لا والمسلمون قد أصبحوا تحت أقدام أعدائهم، وتراجع دورهم الحضاري، وأصبحوا عالة على الأمم الأخرى، بالإضافة إلى تغلغل المشروع الصهيوني في ديار الإسلام، واستعلاء الباطل، وارتفاع رايات المادية والعلمانية، مع ابتعاد المسلمين عن تطبيق تعاليم دينهم بصورة صحيحة..
من هنا تبرز الحاجة لبذل غاية الجهد في اتجاه تغيير هذا الوضع، والمساهمة الفعالة في بناء المشروع الإسلامي الذي ينطلق من قوله تعالى: "إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد: 11].
مستهدف التربية الحركية:
التربية الحركية لابد وأن تشمل ضبط وتوجيه حركة المسلم في الحياة، وهدفها أن يكون له أثر طيب في كل مكان يحل فيها ?وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ? [مريم: 31]، وأن يساهم مساهمة بنَّاءه في إقامة المشروع الإسلامي الذي يهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية الصحيحة، ويهدف كذلك إلى إنقاذ البشرية من الضياع، وإسعادها بالإسلام ?وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ? [الأنفال: 39].
ماذا لو أُهملت التربية؟
.. عقل المسلم بحاجة إلى تغذيته بالمعرفة النافعة حتى يكتمل نموه، وتتفتح نوافذه، وتتسع مداركه.
.. وقلبه بحاجة إلى إيمان متجدد حتى يستضيء، وينفتح ويصبح قلبا سليما.
.. ونفسه بحاجة، إلى ترويض وتزكية حتى يسلس قيادها وارتداؤها رداء العبودية لله عز وجل.
.. أما حركة المسلم فهي بحاجة إلى توجيه مستمر حتى يكون له أثر نافع في الحياة، وحتى يحقق -من خلال ذلك الأثر- مراد ربه من وجوده كمسلم يحمل طوق النجاة للبشرية جمعاء.
.. هذه الأمور الأربعة لا يكفي لتحقيقها اهتمام لحظي، أو إمداد عابر، بل لا بد من دوام الإمداد والرعاية حتى يظهر الأثر المطلوب.
وفي الوقت ذاته علينا الاهتمام بها جميعًا، وعدم التركيز على محور دون الآخر، ولو حدث هذا لكان النتاج: تشوه في الشخصية، وعدم ظهور ثمرة التربية المتكاملة ألا وهي تحقيق العبودية لله عز وجل بمفهومها الصحيح.
فعندما يحدث اهتمام بتحصيل العلم دون الاهتمام بزيادة الإيمان، فستكون النتيجة المتوقعة: شخص كثير التنظير، حافظًا للنصوص، كثير الحديث عن القيم والمبادئ والمعاني العظيمة، لكنك تجد في المقابل واقعا يختلف عن الأقوال والتنظيرات، فهو يتحدث عن العدل والمساواة، بينما لا يتعامل هو مع الآخرين بهذه القيم وبخاصة مع من يرأسهم..يتحدث عن الزهد في الدنيا وأهمية العمل للآخرة في حين يحرص على جمع المال، وينفق منه بحساب شديد، ويدقق في كل شيء، وفي أتفه الأمور.
.. كل هذا وغيره بسبب عدم الاهتمام بالإيمان بنفس درجة الاهتمام بالعلم، فالذي يقرب المسافة بين القول والفعل، ويترجم العلم إلى سلوك هو الطاقة والقوة الروحية المتولدة من الإيمان كما أسلفنا.
أما عندما يتم الاهتمام بالإيمان دون العلم فستجد أمامك شخصا جاهلا مشوها يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، ويترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه.
ستجد شخصا ضيق الأفق لا يستطيع أن يتعامل مع فقه الواقع ومستجدات العصر، ولعل في قصة التائب -قاتل المائة- ما يؤكد ذلك، فهذا الرجل الذي كان قد قتل تسعًا وتسعين نفسا ثم تاقت نفسه للتوبة فسأل عن أعبد الناس فدلوه على راهب، فذهب إليه وأخبره بما فعله ثم سأله: هل لي من توبة؟!! فكانت إجابته بالنفي تعكس مدي جهله بالله عز وجل الغفور الرحيم، فما كان من الرجل إلا أن قتله بعد أن يأَّسه من التوبة، ليكمل به الضحية المائة.
وبعد ذلك تاقت نفسه مرة أخرى للتوبة، فسأل عن أعلم الناس، فدلوه على عالم بمفهوم العلم الصحيح ألا وهو العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأحكامه فذهب إليه وسأله: هل لي من توبة بعد كل ما فعلته؟!، فطمأنه هذه العالم، وأجابه بأن له توبة فالله -عز وجل- يغفر الذنوب جميعًا، ثم طلب منه أن يغادر بلدته إلى بلدة أخرى حتى تحسن توبته بوجوده في وسط طيب لا يُذَكِّره بماضيه.
فما أضر على الإنسان من الجهل!! وما أخطر على الإنسان من ضعف الإيمان!!
أعلم ولكن لا أستطيع:
.. وفي حالة الاهتمام بالتربية النفسية والتعرف على النفس ومدى خطورتها على الإنسان مع إهمال التربية الإيمانية الصحيحة، فمن المتوقع أن تجد أمامك شخصا كثير النقد لنفسه، حزينًا على حاله وكيف أنه يكثر من الحديث عن نفسه وإنجازاته، لكنه لا يستطيع ترك ما يتضايق منه لأنه لا يجد القوة الدافعة لجهاد نفسه ألا وهي قوة الإيمان.
عبادة الذات:
أما في حالة الاهتمام بالعلم والإيمان مع عدم الانتباه للنفس، وإهمال تزكيتها، فسيكون النتاج: شخص كثير العبادة، كثير المعلومات.. سبَّاق لفعل الخير وبذل الجهد، لكنه متورم في ذاته،لا يرى نفسه إلا بعدسة مكبرة، ويرى غيره بعكس ذلك، لأن عبادته وأوراده وبذله في الغالب سيغذى إيمانه بنفسه وبقدراته وأنه أفضل من غيره، فيتمكن منه -بمرور الأيام واستمرار الإنجازات والنجاحات - داء العجب، ومن ورائه الغرور والكبر والعياذ بالله، فيعرض نفسه لمقت ربه وحبوط عمله.. قال صلى الله عليه وسلم: « ثلاث مهلكات: شُحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه »(57).
جاء في الأثر: قال تعالى: يا داود إني قد آليت على نفسي أن لا أثيب عبدًا من عبادي إلا عبدًا قد علمت من طلبه وإرادته وإلقاء كنفه بين يدي أنه لا غنى له عني... وأنه لا يطمئن إلى نفسه بنظرها وفعالها إلا وكلته إليها(58)...
تفريغ الطاقة وبذل الجهد:
ومع ضرورة الاهتمام بالتربية المعرفية والإيمانية والنفسية تأتي كذلك أهمية التعود على بذل الجهد في سبيل الله وفي دعوة الناس إليه، فلو لم يتحرك المسلم، ويعلم الناس ما تعلمه، ويأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم بإذن الله فإنه سيصاب بالفتور والخمول والكسل، ولن يدرك أسرار الكثير من المعاني التي يتعلمها، وكيف لا، وهو لا يمارسها في الواقع العملي، كالبئر التي إذا ما تُركت ولم يستخدمها الناس أسِنت وغاض ماؤها وجفت.
خطورة الحركة بدون زاد:
وفي المقابل، فإن الحركة وبذل الجهد في سبيل الله، إن لم يكن وراءها زاد متجدد فإن عواقب وخيمة ستلحق بصاحبها، ويكفيك في بيان هذه الخطورة قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للناس، وتحرق نفسها»(59).
... فلابد من الأمرين معا: لابد من الزاد، ولابد من التحرك بهذا الزاد.
إن العلاقة بين الزاد والحركة، كالعلاقة بين خزان المياه، وضغط المياه المتدفق من الصنبور المتصل به، فعلى حسب كمية المياه في الخزان تكون قوة تدفقها من الصنبور، فإذا نقص منسوب المياه في الخزان بشكل كبير، فإن تيار الماء ينزل ضعيفًا من الصنبور، أما إذا ما أصبح الخزان فارغا، فإن الصنبور لن يخرج (ماء)، بل سيخرج (هواءً) وهذا هو حال الداعية الذي ينسى نفسه، ولا يتزود بما يحتاجه وينفعه، فهو قد ينجح في قيامه بأعمال دعوية بين الناس، لكنها أعمال غير مؤثرة أو منتجة.. يبذل جهدا، وينفق وقتا ومالا ولكن دون أثر إيجابي يُذكر على نفسه أو الآخرين.

التربية بين الأصالة والانحراف
التربية هي الوسيلة العملية للإصلاح والتغيير الحقيقي والدائم في ذات الفرد، ومن ثم الأمة، فهي إذن أداة التغيير المنشود .
وللتربية ثوابت لابد من مراعاتها ودوام الأخذ بها، فمن أهم ثوابتها أن هدفها هو تعبيد الناس لله عز وجل وتحريرهم من العبودية لسواه .
ومن ثوابتها: ضرورة التكامل بين عناصرها الأربعة ( المعرفية – الإيمانية – النفسية – الحركية)، وأي خلل في واحد منها يؤدي إلى عدم ظهور ثمرتها .
استمرارية التربية:
ومن ثوابت التربية: الاستمرارية، فالهدف الأسمى للتربية هو التغيير الحقيقي الإيجابي في ذات الإنسان، والذي ينتج عنه تحقيق العبودية لله عز وجل.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لو تحقق هذا الهدف في مرحلة زمنية ما، فإن هذا لا يعني استمرار وجوده حتى نهاية العمر، فهناك مؤثرات خارجية قد تُفسد النتاج التربوي وتقضي على أثره، وهناك ضغوط إعلامية تضغط على العقول والنفوس، وهناك فتن كقطع الليل المظلم، وهناك شياطين الإنس والجن، وما يهدفون إليه من إضلال البشر جميعًا، وهناك شواغل الحياة وتقلباتها التي قد تعوق المرء عن القيام بواجباته الدينية تجاه نفسه وأمته، وهناك نفس مُحبة للشهوات، كارهة للتكاليف، تدفع صاحبها دومًا لاستيفاء حظوظها وشهواتها ...
..هذه العوائق وغيرها يستمر وجودها في طريق المسلم حتى الموت، لذلك فإن من الضروري الاستمرار في التربية بجوانبها الأربعة حتى الموت.
ولكم حقق أناسٌ الكثير من أهداف التربية في الجوانب الأربعة وذلك في مرحلة زمنية من مراحل حياتهم، لكنهم لم يحافظوا على ذلك وركنوا إلى ماضيهم، ولم يعتنوا بأنفسهم، ولم يستمروا في تعاهدها كما كان في السابق، فزال توهجهم شيئًا فشيئًا، وتراجعوا عن مقام القدوة لغيرهم، بل وصار بعضهم فتنة لهم.
ويؤكد على ضرورة استمرار تعاهد المرء لنفسه والحرص على دوام التغذية المستمرة لمكوناته قوله تعالى: ? أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ? [الحديد: 16]
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان يخلق في القلوب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم»(60).
أين الأثر؟:
ومن ثوابت التربية: أن مقياس نجاحها هو التغير الحادث من ورائها وليس مجرد القيام بوسائلها .
فالبعض يظن أن مجرد القيام بوسائل التربية يؤدي إلى التغيير إن عاجلًا أو آجلًا، وبغض النظر عن الكيفية التي يتم بها تناول الوسائل .
ومما يثير الدهشة أننا لا نطبق هذا الأمر في أمورنا الحياتية، بل دائمًا ما نربط الوسائل بالأثر، ومثال ذلك:
عندما يذهب شخص إلى الطبيب شاكيًا علة ما، فالمتوقع أن يستمع الطبيب إلى شكواه ثم يقوم بالكشف السريري عليه، ثم يكتب له الدواء الذي يراه مناسبًا لحالته .
ولن يفوت الطبيب تذكير مريضه بطريقة أخذ الدواء، فهذا قبل الأكل، وهذا بعده، وذاك قبل النوم، ثم ينصحه بالانتظام في تناوله، وفي النهاية يطلب منه مراجعته بعد عدة أيام .
ومن المتوقع أن أول سؤال سيسأله الطبيب لمريضه عند المقابلة الثانية سيكون عن مدى تحسن حالته الصحية، فإن وجد تحسنًا ملحوظًا فسيطلب منه الاستمرار على أخذ الأدوية – كلها أو بعضها – مدة زمنية أخرى حتى يتم له الشفاء – بإذن الله – وإن لم يلحظ هذا التحسن فسيتوجه إلى مريضه بالسؤال عن مدى جديته في تناول الدواء بالطريقة الصحيحة، فإن علم أنه قد التزم بذلك، فسيتجه تفكيره نحو تغيير جرعات الدواء أو استبداله بآخر، وكيف لا يفعل ذلك وهو يعلم بأن هدف مجيء المريض إليه هو بحثه عن الشفاء – بإذن الله – ويعلم كذلك أن الأدوية ما هي إلا وسائل لتحقيق هذا الهدف.
إن العلاقة بين الأدوية والعافية تُمثل العلاقة بين الوسائل والأهداف، ومن العجيب أن هذا التصور لتلك العلاقة نمارسه بصورة تلقائية، وفي أمور كثيرة فيما يخص أمور دنيانا، أما أمور ديننا فالأمر يختلف، بمعنى أن الأهداف في كثير من الأحيان تُنسى، وذلك حين تتحول الوسائل إلى أهداف وغايات .

ضرورة النظر إلى الأثر:
ومما يؤكد ضرورة النظر إلى الأثر قوله صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع»(61).
ومعنى دعاء لا يُسمع أي لا يُستجاب، ولا يُُعتد به فكأنه غير مسموع .
قال الطيبي: اعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يُشعر بأن وجوده مبني على غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا، بل يكون وبالًا، ولذلك استعاذ منه .
وإن القلب إنما خُلق ليتخشع لبارئه وينشرح لذلك الصدر، ويقذف النور فيه، فإن لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يُستعاذ منه(62).
عندما تتحول الوسائل إلى غايات :
عندما تُمارس العملية التربوية من خلال القيام بالوسائل دون ربطها بالأثر فإن ذلك من شأنه أن يجعل الهم منصرفًا نحو تنفيذ الوسائل لذاتها وبأي شكل كان، وربط نسبة النجاح بعدد الوسائل التي تم تنفيذها، وكلما زاد العدد كانت النسبة أعلى – من وجهة نظره – مع أن النجاح الحقيقي للعملية التربوية إنما يُقاس بالأثر الإيجابي الناتج عنها .
إن مثال من يوجه همه نحو الوسائل دون ربطها بالأثر كمن يقفز في مكانه وهو يظن أنه يركض للأمام، وعند أي توقف يُفاجأ بأنه لم يبرح مكانه .
وفي المقابل، فعندما يكون هدف المُربِّي من كل وسيلة تربوية هو إحداث أثر إيجابي في ذات المتلقي، فإن همه سينصرف نحو كيفية تحقيق ذلك، ومِن ثَمَّ يقوم بتطويع كل شيء تتضمنه الوسيلة لخدمة الهدف .
فالصلاة وسيلة للقرب من الله وزيادة الإيمان، ومقياس نجاحها هو مدى الاستقامة بعدها ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ? [العنكبوت: 45].
فإذا ما غاب هذا المفهوم عن المرء وأصبح هدفه هو أداء الصلاة فقط، فإنه لن يُفكِّر في كيفية استجلاب الخشوع فيها، بل قد يدخلها وهو مشغول البال، ويخرج منها وهو مشغول البال، يؤديها بحركات سريعة.. يُسرع الخُطى نحو المسجد حتى يدركها مع الإمام فيفقد السكينة والهدوء.. ويترك ذهنه – وقت أدائها – يجول في أودية الدنيا لينتبه والإمام يُنهيها بالتسليم .
فلو قام المرء بأداء عشرات ومئات الركعات بهذه الكيفية فلن تزيده قربًا من الله عز وجل ولا استقامة على أمره، بعكس من يجتهد في إحضار قلبه معها، ويتفكر فيما يتلو من قرآن وأذكار وأدعية، ويذهب إلى أدائها بسكينة وهدوء.. فبلا شك أنه سينتفع بها وستزيده قربًا من الله واستقامة على أمره بقدر تواجد قلبه وخشوعه معها .فالصلاة النافعة هي التي تقرب إلى الله ? وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ? [العلق: 19].
أما الأخرى فهي التي لا تحقق ذلك الهدف.. قال صلى الله عليه وسلم: « وأعوذ بك من صلاة لا تنفع»(63).
لذلك وكما يقول بعض السلف: « إن الرجلين يكون مقامهما في الصف واحدًا وما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض ».
ممارسات سلبية تحت مُسمَّى التربية :
هناك العديد من الممارسات السلبية التي قد تحدث من البعض تحت مسمى التربية، وهي للأسف تستنفذ الكثير من الوقت والجهد دون تحقيق الأثر المطلوب، ومن تلك الممارسات:
تحويل العمل التربوي إلى نشاط اجتماعي .
فعلى سبيل المثال: لو أن هناك مجموعة من الأطباء قد تخرجوا في دفعة واحدة من الكلية ... تربطهم علاقة صداقة قوية، وقد اتفقوا على تخصيص يوم في الأسبوع للجلوس سويًّا في نادي من النوادي الاجتماعية، ثم تطور الأمر وأحضروا معهم زوجاتهم.. الرجال يجلسون سويًّا في مكان، والنساء يجلسن في مكان آخر، ثم تطور الأمر إلى التفكير في نشاط مصاحب يجعل لقاءاتهم أكثر نفعًا، فاقترحوا قراءة بضع آيات من القرآن، والتعرف على تفسيرها، والقراءة في كتاب من كتب الفقه أو السيرة أو الفكر الإسلامي، أما الزوجات فقد اتفقن على المساهمة في العمل المجتمعي ككفالة الأيتام، ومساعدة المحتاجين.. واستمر الأمر على ذلك.
فما هو تقييمك لهذا النشاط ؟
ألا توافقني أنه نشاط اجتماعي أقرب منه لأن يكون عملًا تربويًّا ؟
فليس مجرد الجلوس للقراءة أو الاتفاق على القيام بأعمال اجتماعية يؤدي إلى التغيير في ذات الإنسان، فالتربية هي ممارسة مؤثرة ومستمرة لمعنى من المعاني ينتج عنها تغيير في الاهتمامات والسلوك كما أسلفنا.
مفاهيم مختلطة حول العملية التربوية :
هناك بعض المفاهيم المختلطة عند البعض حول العملية التربوية، ومن ذلك: « التربية نشاط وعمل مستقل عن العمل الدعوي والخدمي ».
إن التغيير الداخلي للأمة، وعودتها إلى صحتها هو الطريق الصحيح للتغيير والإصلاح، وأداة ذلك هي التربية، ومِن ثَمَّ فلابد أن تصطبغ كل الأعمال بالصبغة التربوية، حتى تساعد جميعها - بإذن الله - في إحداث الأثر الإيجابي الدائم في ذات الإنسان وفي مكوناته الأربعة، ينتج عنه تغيير إيجابي دائم يدفعه في اتجاه العبودية لله عز وجل والتعلق التام به .
فالأعمال الدعوية العامة كخطبة الجمعة، والدروس، والوعظ، ينبغي أن تكون في هذا الاتجاه، ولا تصبح بمعزل عن التربية .
فعلى خطيب الجمعة مثلًا أن يركز على معنى من المعاني في عدة خطب، ويمزج خطابه بوسائل التأثير المختلفة كالترغيب والترهيب والقصة والمثل، ويجتهد في حثِّ المُصلين على القيام بعمل أو عملين يرسخان المعنى داخلهم، ثم يعمل على التواجد في المسجد طيلة الأسبوع لمعايشتهم وتفقد أحوالهم، والتعرف على مدى تفاعلهم مع المعنى، ويستمر في ذلك عدة أسابيع قبل أن ينتقل إلى معنى آخر .
وغني عن البيان أن أهم عامل لنجاحه في ذلك قيامه بتحقيق هذا المعنى في نفسه قبل طرحه على الآخرين، حتى يصير كلامه مؤثرًا ومُحمَّلًا بالحرقة والرغبة في نفعهم .
ونفس الأمر ينطبق على أي عمل آخر، كأعمال البر والتكافل مع الفقراء والمنكوبين .
* ومن المفاهيم المختلطة: اعتبار أن التربية لشريحة دون أخرى من المجتمع :
إن عودة الأمة إلى صحتها يحتاج إلى نهضة تربوية في كل أنحائها تقوم بدفع الناس إلى تغيير ما بأنفسهم حتى تغلب معاني الصلاح على الأمة، وتختفي المظاهر السلبية، وهذا يحتاج إلى تبسيط العملية التربوية، وربط الفرد بالمنهج أكثر من المربِّي - كما حدث مع الصحابة -، ويحتاج كذلك إلى تغيير الصورة الذهنية عن العملية التربوية والتي قد تكون في ذهن البعض مرتبطة بوسائل بعينها لا يراها تصلح - من وجهة نظره - للجميع(64)، ومن ثَمَّ ينصرف عن تربيتهم تحت دعوى عدم إمكانية ذلك، ليتركهم أسرى لقيود الشهوات والأهواء والشح والإعجاب بالنفس، فإذا ما احتاج يومًا إلى وجودهم بجواره في موقف من المواقف التي تتطلب التضحية من أجل ربهم ونُصرة دينه ففي الغالب لن يستجيبوا له، بل قد يكونون ضده، وكيف لا وقيود الدنيا تمنعهم من ذلك، فعليه حينئذ أن يلوم نفسه بسبب تقصيره في حقِّهم وانصرافه عنهم قبل أن يلومهم .
.. ولو تغيرت الصورة الذهنية عن التربية، وتم تبسيطها وربطها بأهدافها من ناحية، وبالمنهج المؤثر من ناحية ثانية، وبالقدوة العملية من ناحية ثالثة لكان من الممكن التغييرالحقيقي في نفوس المسلمين ..
إن الوسائل ليست غايات - كما أسلفنا - فوظيفتها الوصول بالمرء إلى تحقيق هدفه، فعلى المربِّي أن يستخدمها – كلها أو بعضها – في الوصول إليه، بحسب الواقع الذي يمارس فيه العملية التربوية .
وليس معنى هذا إهمال الوسائل او الزهد فيها، فهناك وسائل يجب القيام بها، وبالكيفية التي وردت في الشرع كالفرائض والواجبات، وهناك وسائل أثبتت الأيام ضرورة وجودها لتحقيق المعية والمعايشة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، يؤكدها قوله تعالى: ? وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? [الكهف: 28] .
أما كيفية تحقيقها فقد تختلف بحسب واقع الأفراد ومستواهم وظروفهم، فقد يكون للدعاة والطلائع شكل وللعامة شكل آخر، المهم هو تحقيق أهداف التربية وتعبيد الجميع لله عز وجل .
ولئن كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه في مكة من خلال المنهج المؤثر ألا وهو القرآن، ومن خلال المعايشة والمتابعة لتأثير المنهج فيهم وذلك من خلال لقائه المتكرر بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فإنه كان يفعل ذلك أيضًا في المدينة، ولكن كان المسجد هو مكان الملتقى والمتابعة والمعايشة وتفقد الأحوال وشحذ الهمم وتوجيه الطاقات، وضبط الفهم .
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الفهرس
المقدمة
علاقة الأمة الإسلامية بالبشرية
أمة البلاغ
أيها المسلم: أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم
وظيفة ممتدة عبر الزمان والمكان
منزلة الجهاد وشمول معناه
أمة جهاد
رفع الحرج عن الأمة
إنقاذ البشرية
من يستحق العقوبة أكثر؟
ماذا ننتظر؟
مفتاح تقدم الأمة وسبيل نهضتها
الدليل العملي
أمة واحدة ونسيج واحد
هل من المعقول أن تلمز نفسك؟
التأكيد على جماعية الأمة
توزيع المهام داخل الأمة
عندما تمرض الأمة
للبيت ربٌّ يحميه !!
ليس علينا أن ننتظر الخوارق ونحن قاعدون
وا إسلاماه
لابد من الأمرين معًا
الإصلاح المنشود: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله
جوهر التوحيد
من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات
الرسول والعبودية
الإصلاح الذي ننشده في أنفسنا والآخرين
عندما تمرض الأمة
بين الهدف الأصلي والأهداف الفرعية
الرزق الوفير يأتي تبعًا لا قصدًا
وماذا عن مشكلات المجتمع؟
التوحيد أولًا
من صور الخلط في هذا المفهوم
الانبهار بالنجاحات الجزئية
نقطة البداية
عالمية الإسلام
التربية أداة الإصلاح والتغيير
الأثر الإيجابي الدائم
التربية أداة التغيير
لا بديل عن التربية
ضرورة المعية والصحبة
مهمة طلائع الأمة في تربيتها
هكذا فعل المصلحون
سقوط الخلافة
من صور الخلط في هذا المفهوم
جــوانب الإصــلاح
الجوانب الأربعة
ضرورة التربية الصحيحة
العقل
العلم الحقيقي
العلم النافع
غاية العلم
الباب الأعظم
مستهدف التربية المعرفية
القلب والتربية الإيمانية
مركز الإرادة
المعرفة وحدها لا تكفي
أفلا تتقون؟
عندما يضعف الإيمان
الإيمان يصنع المعجزات
مستهدف التربية الإيمانية
النفس وضرورة تزكيتها
ما هي النفس؟
أقسام هوى النفس
خطورة الرضا عن النفس والإعجاب بها
نماذج مضيئة
مستهدف التربية النفسية
بذل الجهد في سبيل الله
المحور الأول: العمل الصالح
المحور الثاني: دعوة الخلق إلى الله
مستهدف التربية الحركية
ماذا لو أُهملت التربية؟
أعلم ولكن لا أستطيع
عبادة الذات
تفريغ الطاقة وبذل الجهد
خطورة الحركة بدون زاد
التربية بين الأصالة والانحراف
استمرارية التربية
أين الأثر؟
ضرورة النظر إلى الأثر
عندما تتحول الوسائل إلى غايات
ممارسات سلبية تحت مُسمَّى التربية
مفاهيم مختلطة حول العملية التربوية
من المفاهيم المختلطة: اعتبار أن التربية لشريحة دون أخرى من المجتمع
الفهرس

(1) محنة الإمام أحمد بن حنبل ص 135 للحافظ تقي الدين المقدسي .
( 2 ) أكلؤهم: أي أحفظهم .
( 3 ) أخرجه الإمام أحمد، وذكره ابن القيم أيضاً في "مدارج السالكين" (1/ 432-433) .
( 4 ) يشمل إعجاز القرآن كذلك الإعجاز البياني والتشريعي والغيبي، وإن كان الإعجاز التأثيري هو سِرّه الأعظم، وإعجازه الأشد.
(5) الكامل في التاريخ (1/413)، والبداية والنهاية ( 7/ 38)، وتاريخ ابن خلدون ( 2/95)، وتاريخ الطبري (2/401).
( 6 ) أخرجه مسلم: ( 6/35 برقم 4977 ).
( 7 ) حسن: أخرجه أبو داود (3/5، رقم 2486)، والحاكم (2/83، رقم 2398) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقى فى شعب الإيمان (4/14، رقم 4226). والبيهقى (9/161، رقم 18287)، والطبرانى فى الكبير (8/183، رقم 7760) وفى مسند الشاميين (2/372، رقم 1522). قال المناوى (2/453): قال النووى، والعراقى: إسناده جيد، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (2093).
( 8 ) حديث صحيح: رواه أبو داود (2/230 برقم 2514) والترمذي (5/212 برقم 2972)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي (6/298 برقم 11028، 11029)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2151).
( 9 ) متفق عليه: أخرجه البخاري (1/128 ،رقم 328)، ومسلم (1/370، رقم 521).
( 10 ) حديث صحيح: أخرجه أبو داود (3/274، رقم 3462)، والبيهقي (5/316، رقم 10484)، وأبو نعيم في الحلية (5/209)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (1 / 15) .
( 11) متفق عليه: أخرجه: البخاري( 8/11 برقم 6011 )، ومسلم (4/1999، رقم 2586).
( 12) أخرجه مسلم (1/53 رقم 205).
( 13)حديث حسن: أخرجه الترمذي برقم ( 2169) وحسَّنه، وحسَّنه أيضًا الشيخ الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (برقم 2169).
( 14) صحيح ابن خزيمة ( 1119 ) .
( 15) رسالة لابن القيم نُشِرت تحت عنوان: « رسالة إلى كل مسلم» - دار الفتح – القاهرة.
( 16 ) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/479) مكتبة العُبيكان.
( 17 ) حديث صحيح: أخرجه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5837) .
( 18 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/73، 74) مكتبة العُبيكان.
( 19 ) من رسالة: « إلى أي شيء ندعو الناس »، للإمام حسن البنا.
( 20 ) أخرجه البخاري (3/1057 برقم 2730).
( 21 ) جزء من حديث أخرجه البخاري (3/1341 برقم 3467).
( 22 ) حديث صحيح: أخرجه أحمد ( 13/494 برقم 8155).
( 23 ) حديث صحيح: أخرجه أبو داود (3/272، رقم 3450)، والبيهقى (6/29، رقم 10926). والطبرانى فى الأوسط (1/136، رقم 427)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (405).
( 24 ) أخرجه مسلم (2/721، رقم 1043)
( 25 ) أخرجه أحمد (1/11، رقم 65)، قال الهيثمى (3/92): رواه أحمد، وابن أبى مليكة لم يدرك أبا بكر، وعبد الله بن المؤمل فيه كلام وقد وُثِّق. وأورده ابن الجوزى فى صفوة الصفوة (1/253) .
( 26 ) أخرجه البخاري (3/1322 برقم 3416).
( 27 ) آن الأوان لتجديد الإيمان د. عبد الستار فتح الله سعيد ص (85).
(28) سبق تخريجه .
(29) سنن البيهقي ( 6/367 برقم 13461).
(30) المسؤلية لمحمد أمين المصري ص ( 39).
( 31 ) في ظلال القرآن (2/1005- 1009) مختصرًا.
( 32 ) رسالة بين الأمس واليوم، ص 108 .
( 33 ) المدخل إلى التفسير الموضوعي د. عبد الستار فتح الله سعيد ص (155)، دار التوزيع والنشر الإسلامية. مصر.
( 34 ) المصدر السابق ص (143).
( 35 ) رسالة المؤتمر الخامس، من مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ص 116، باختصار .
( 36 ) تم نقل هذه الأسطر كمقتطفات من كتاب « التوازن التربوي » للمؤلف .
(37) أخرجه البخارى (1/456، رقم 1292)، ومسلم (4/2047، رقم 2658).
(38) أورده السيوطي في الدر المنثور 6/ 534- دار الكتب العلمية- بيروت.
(39) أخرجه الدارمي (366)، قال حسين سليم أسد : إسناده صحيح إلى عطاء وهو منقطع.
(40) مجموع رسائل ابن رجب 1/ 40، 41 – الفاروق الحديثة للطباعة والنشر – القاهرة.
(41) مسلم (4/2088 ، رقم 2722).
(42) متفق عليه: البخارى (1/28 ، رقم 52) ، ومسلم (3/1219 ، رقم 1599).
(43) رواه البخاري (6308).
(44) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 168) مكتبة العبيكان.
(45) رواه أحمد ( 3/146 برقم 12504)، والطبراني في المعجم الكبير ( 22/300 برقم 18615) ، وابن حبان (7159) ، والحاكم (2/20). وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لمسند أحمد : صحيح الإسناد على شرط مسلم.
(46) رواه الحاكم (4/346 برقم 7863) والبيهقي (7/352 برقم 10552 ) ، وابن أبي شيبة ( 13/221 برقم 35456) ، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (965).
(47) رواه مسلم (4/2295 ، رقم 2999).
(48) صحيح: رواه أبو داود (4/354 برقم 4683)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5965).
(49)البخارى (1/27 ، رقم 50) ، ومسلم (1/39 ، رقم 9).
(50) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7254).
(51) صحيح، رواه الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وأورده الألباني في صحيح الجامع (6157).
(52) حسن: أخرجه الطبرانى فى الأوسط (6/47 ، رقم 5754)، والطيالسي عن ابن عمر، وأورده الألباني في صحيح الجامع (3045).
(53) الزهد لابن المبارك برقم (193) في زيادات نعيم بن حماد ص (53).
(54) صحيح: أخرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3491).
(55) صلاح الأمة في علو الهمة للعفاني 5/435.
(56) الأذكار للنووي ص 27، 28 - دار الهدى- الرياض.
(57) جزء من حديث حسن: أخرجه الطبرانى فى الأوسط (5/328، رقم 5452)، والبيهقى فى شعب الإيمان (1/471، رقم 745)، وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة برقم (1802).
(58) المحبة لله للجنيد.
(59) سبق تخريجه.
( 60 ) حديث حسن: أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (1/52) وقال الهيثمي: إسناده حسن. والحاكم (1/45، رقم 5) وقال: رواته مصريون ثقات. وقال المناوي (2/324): قال العراقي في أماليه: حديث حسن، وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم (1585). ويخلق بمعنى : يبلى.
( 61 ) حديث صحيح: أخرجه أبو داود (2/92، رقم 1548)، والنسائى (8/263، رقم 5467)، وابن ماجه (2/1261، رقم 3837)، وأحمد (2/340، رقم 8469)، وابن أبى شيبة (6/17، رقم 29126)، والحاكم (1/185، رقم 354) وقال: صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ( 1308).
( 62 ) عون المعبود شرح سنن أبي داود ( 2/285).

(63)أخرجه ابن حبان (3/293 ، رقم 1015) ، والضياء (6/156 ، رقم 2153)، وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم.
(64) كالقيام بالرحلات أو حضور الندوات الثقافية ... .
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------








1