Advertisement

فقه الأسماء الحسنى عبد الرزاق البدر

فقه الأسماء الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم
تقريظ
الحمد لله وحده، وبعد: فقد اطلعتُ على كتاب "فقه الأسماء الحسنى" تأليف فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، كما استمعت إلى حلقات منه ألقيت عبر إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية، وقد استفدتُ منه كثيراً، كما استفاد منه غيري ممن يستمعون إلى هذا البرنامج الناجح بإذن الله.
الحقيقة أن فضيلة الدكتور عبد الرزاق قد وُفّق في اختيار هذا الموضوع والقيام بتتبع ما ورد فيه من النصوص الشرعية من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام علماء السَّلف مما ينمي العقيدة السَّلفية ويرسخ الإيمان في قلب الإنسان، وقد مهّد لذلك بمقدمة هامة في فضل هذا النوع من العلم النافع، وهو العلم بأسماء الله الحسنى والتفقه فيها على ضوء عقيدة السلف الصالح، كما وُفق قبل ذلك بإخراج صنوه وتوأمه، وهو كتاب "فقه الأدعية والأذكار" المطبوع 1419 هـ بمطبعة دار ابن عفان، والذي استوعب فيه طائفة كثيرة من الأذكار والأدعية الشرعية الثابتة في السنَّة الصحيحة مما لا يستغني عنه الإنسان في صباحه ومسائه وليله ونهاره ونومه ويقظته مما يعينه على أمور دينه ودنياه، ويطرد عنه وساوس الشيطان، وقرظه شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز وأثنى عليها ثناء عاطراً.
فهذان الكتابان التوأمان قد اشتملا على كنوز من علوم أسماء الله الحسنى والأدعية والأذكار الشرعية الواردة في القرآن والسنة، وهي تنمي الإيمان في القلوب وترسخ العقيدة السلفية وترد على المخالفين على اختلاف مشاربهم، وهذا في الحقيقة من أهم ما ينبغي للمسلم الاهتمام به؛ فحاجة الإنسان إليه أهم من حاجته إلى الطعام والشراب، وحسبك أن القرآن العظيم اهتم بذكر هذه الأصول أكثر مما اهتم بذكر الأكل والشرب والنكاح وغيرها من ضروريات الحياة.
(1/3)

وإني أنصح إخواني وأبنائي الطلبة وأوصيهم بالاهتمام بذلك، فهو خير ما يستفيده الإنسان في حياته من العلوم النافعة، وبالله التوفيق.
وكتبه الفقير إلى الله عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقاً- حامداً لله مصلِّياً مسلِّماً على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.
6/ 6/1429 هـ
(1/4)

المقدِّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كلّ حال، الموصوف بصفات العظمة والجلال، الأحد الصمد الحيّ القيُّوم الكبير المتعال، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا والمجد والكمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تنزَّه عن الشريك والنَّديد والمثال، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله قدوة العباد في النِّيات والأقوال والأفعال، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى الصحب والآل.
وبعد: فهذا مجموعٌ نافعٌ مفيدٌ- بإذن الله عز وجل- في أشرف الفقه وأنفعه "فقه أسماء الله الحسنى"، شرحتُ فيه أكثر من مائة اسم من أسماء الله الحسنى، مسبوقةً بمقدِّماتٍ تأصيليَّةٍ في فقه هذا الباب العظيم، وقد حرصتُ في إعداده على أن يكون بألفاظٍ واضحةٍ وأسلوب ميسَّر، مع عنايةٍ بعرض الشواهد وذكر الدلائل من كتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنَّة النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم موضِّحاً ما تيسَّر من الجوانب التعبديّة والآثار الإيمانيّة التي هي مقتضى الإيمان بأسماء الله، وقد استفدتُ فيه كثيراً من تقريرات أهل العلم الراسخين، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلاَّمة ابن القيّم والشيخ عبد الرحمن السعدي رحم الله الجميع، وهو في الأصل حلقات قدَّمتها عبر إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية حرسها الله، في حلقات أسبوعيَّة بلغت عدّتها اثنتين وثمانين حلقة.
هذا ولست في هذا الباب بفارس ولا راجل، وإنما حالي فيه كما قال القائل:
أسير خلف ركاب النُّجب ذا عرج ... مُؤَمِّلاً غير ما يقضي به عَرجي
فإنْ لحقتُ بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لربِّ السّما في النّاس من فرج
وإنْ ظَلَلتُ بقَفْر الأرض منقطعاً ... فما على أعرج في ذاك من حرج
وأسأل الله الكريم المنّان الحيَّ القيّوم الأحدَ الصمد بديعَ السموات والأرض ذا الجلال والإكرام الذي يسَّر النَّفعَ به مسموعاً في الإذاعة أن يُيسِّر النفع به مكتوباً في
(1/5)

هذا المجموع، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، مُدنياً لجامعه وقارئه من جنَّات النعيم، راجياً من الله أن يجعل لنا جميعاً النصيب الوافر من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً، مائةً إلاَّ واحداً، من أحصاها دخل الجنَّة" وأن يغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وأن يهديني سواء السّبيل؛ إنَّه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وإني لأشكر الله سبحانه وأحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على ما منَّ به وتفضَّل بأن يسَّر لي إعداد هذا الكتاب ونشره، وأسأله تبارك وتعالى أن يتقبَّله منِّي بقبول حسن، إنه هو السميع العليم.
ولا يفوتني هنا- بعد شكر الله- أن أشكر كلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب بالرّأي والمشورة، أو المراجعة والتدقيق، أو الطباعة والنشر، أو نقله إلى اللّغات الأخرى. وأخصُّ بالذِّكر والشُّكر والدي الكريم الشيخ عبد المحسن البدر جزاه الله خيراً ورفع درجته في عليين حيث سمعه كاملاً بقراءتي ع ليه، وأفادني بملحوظات قيمة وتوجيهات مفيدة وتصويبات نافعة جعل الله ذلك في موازين حسناته. وأسأل الله أن يبارك في حياته وذريّته وأن يمدّ في عمره على طاعة لله وحسن عمل.
كما أشكر شيخي الجليل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل الذي تكرّم بالاطّلاع على هذا الكتاب والتقريظ له، وأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه.
وكتبه
عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
عفا الله عنه وغفر له ورحمه ووالديه وجميع المسلمين
في غرة جمادى الآخرة من عام تسع وعشرين وأربعمائة وألف
(1/6)

(1)
منزلة العلم بأسماء الله تعالى وصفاته
إنَّ الفقه في أسماء الله الحسنى باب شريف من العلم، بل هو الفقه الأكبر، وهو يدخل دخولاً أوَّلياً ومقدماً في قوله صلى الله عليه وسلم: "من يُرد الله به خيراً يُفقِّهه في الدين" متفق عليه (1)، وهو أشرف ما صرفت فيه الأنفاس، وخير ما سعى في تحصيله ونيله أولو النُّهَى والرشاد، بل هو الغاية التي تسابق إليها المتسابقون، والنهاية التي تنافس فيها المتنافسون، وهو عماد السير إلى الله، والمدخل القويم لنيل محابِّه ورضاه، والصراط المستقيم لكلِّ من أحبَّه الله واجتباه.
وكما أنَّ لكلِّ بناء أساساً فإنَّ أساس بناء الدِّين الإيمانُ بالله سبحانه وبأسمائه وصفاته، وكلَّما كان هذا الأساس راسخاً حمل البنيان بقوة وثبات، وسَلِم مِنَ التداعي والسقوط.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "من أراد علوَّ بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدَّة الاعتناء به، فإنَّ علوَّ البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه؛ فالأعمال والدرجات بنيانٌ وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدَّم شيءٌ من البنيان سهل تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت، وإذا تهدَّم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد.
فالعارف همَّته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس، فلا يلبث بنيانه أن يسقط، قال تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة: 109].
فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان، فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت كثيراً من الآفات، وغذا كانت القوَّة ضعيفة ضعف حملها للبدن وكانت
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 71)، و"صحيح مسلم" (رقم: 1037).
(1/7)

الآفات إليه أسرع شيء.
فاحمل بنيانك على قوَّة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس.
وهذا الأساس أمران: صحَّة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته، والثاني: تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه.
فهذا أوثق أساس أسَّس العبدُ عليه بنيانه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء" (1).
ولذا كثرت الدلائل في القرآن الكريم المرسِّخةُ لهذا الأساس المثبِّتةُ لهذا الأصل، بل لا تكاد تخلو آية من آياته من ذكرٍ لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا؛ مما يدل دلالة واضحة على أهميةِ العلم بها والضرورة الماسَّة لمعرفتها، وكيف لا يتبوَّء هذه المكانة المنيفة وهو الغاية التي خُلِق الناسُ لأجلها وأُوجدوا لتحقيقها، فالتوحيد الذي خلق الله الخلق لأجله نوعان:
توحيد المعرفة والإثبات، وهو يشمل الإيمان برُبوبية الله والأسماء والصفات.
وتوحيد الإرادة والطلب، وهو توحيد العبادة.
دلَّ على الأوَّل قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12].
ودلَّ على الثاني قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].
في الأولى خَلَق لتعلموا، وفي الثانية خلق لتعبدوا، فالتوحيد علم وعمل.
وجاء في القرآن آيات كثيرة فيها الأمر بتعلم هذا العلم الشريف والعناية بهذا الأصل العظيم.
قال الله تعالى: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 209]، وقال: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 231]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:
__________
(1) "الفوائد" (ص/175).
(1/8)

233]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 235]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 244]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة: 267]، وقال: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: 98]، وقال: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال: 40]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 194]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235]، وقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: 19]. والآيات في هذا المعنى تقارب الثلاثين آية.
وأمَّا ذكر الله لأسمائه وصفاته في القرآن فهو كثير جداً ولا يقارن به ذكره سبحانه لأيِّ أمر آخر، إذ هو أعظم شيء ذُكِر في القرآن وأفضُله وأرفعُه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ قدراً من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأبيّ بن كعب: "أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (1)، فضرب بيده في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر".
وأفضل سورةٍ سورةُ أمّ القرآن، كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في القرآن مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه" (2)، وفيها من ذكر
__________
(1) البقرة: 255.
(2) الذي في "صحيح البخاري" (4474) من حديث أبي سعيد بن المعلى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلتُ له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه".
وأما اللفظ المذكور أعلاه فهو في "مسند الإمام أحمد" (2/ 357) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قرأ عليه أبيِّ أم القرآن، فقال: "والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُعطيت" وإسناده صحيح.
(1/9)

أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد.
وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن (1)، وثبت في الصحيح أنه بَشَّر الذي كان يقرأها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه (2)، فبيَّن أن الله يحب من يحب ذكر صفاته سبحانه وتعالى، وهذا بابٌ واسع" (3).
وكل هذا واضح الدلالة على أهمية هذا العلم الشريف وعظم شأنه وكثرة خيراته وعوائده، وأنه أصل من أصول الإيمان، وركن من أركان الدين، وأساس من أُسُس ملة الإسلام عليه تبنى مقامات الدين الرفيعة ومنازله العالية، وكيف يستقيم أمر البشرية وتصلح حال الناس بدون معرفتهم بفاطرهم وبارئهم و خالقهم ورازقهم، ودون معرفتهم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ونعوته الكاملة الدالة على كماله وجلاله وعظمته، وأنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، ولكن أكثر الناس شغلهم ما خُلِق لهم عما خُلِقوا له، وقد حذر الله عباده من ذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون: 9]، والله المستعان والموفِّق لكلِّ خير.
* * * *
__________
(1) البخاري (5013) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (811) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، و (812) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) "صحيح البخاري" (7375)، و"صحيح مسلم" (813).
(3) "درء التعارض" (5/ 310 - 312).
(1/10)

(2)
1 - فضل العلم بأسماء الله تعالى وصفاته
لا ريب أن العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم الشرعية، وأزكى المقاصد العلية وأعظم الغايات السَّنية؛ لتعلُّقه بأشرف معلوم وهو الله عز وجل، فمعرفته سبحانه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعم، والثناءُ عليه بأسمائه وصفاته ومدحُهُ وتمجيدُه أشرفُ الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملَّة إبراهيم عليه السلام، وهو الدين الذي اجتمع عليه جميع النبيِّين، وعليه اتفقت كلمتهم وتواطأت مقالتهم وتوارد نصحهم وبيانهم، بل إنه أحد المحاور العظيمة التي عليها ترتكز دعوتهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أُرسِلوا بالدعوة على الله عزَّ وجل، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم غليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول.
وفي هذا يقول العلاَّمة ابن القيِّم رحمه الله: "إن دعوة الرسول تدور على ثلاثة أمور: تعريف الربِّ المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، الأصل الثاني: معرفة الطريقة الموصلة إليه، وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبّه وكمال الذلّ له، الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجلّيه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم" (1).
وقال في شأن بيان خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم لهذا المطلب العظيم: "فعرَّف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدى وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده
__________
(1) "الصواعق المرسلة" (4/ 1489).
(1/11)

المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يَدَع لأمَّته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت: 51] " (1).
كيف لا وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك" رواه أحمد وابن ماجه (2)، والقائل صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" رواه مسلم (3)، وقال أبو ذر رضي الله عنه: "تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يُقلِّب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر منه علماً. قال: فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما بقي شيءٌ يقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم" رواه الطبراني في المعجم الكبير (4).
فمن المحال أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علَّم الأمَّة آداب قضاء الحاجة وآداب الطعام والشراب والدخول والخروج وبتفصيل وافٍ وتركهم دون أن يعلِّمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف، والوصول إليه أجل المطالب وأفضل المواهب، وكيف لا يكون بيَّنه والحاجة إليه فوق الحاجات كلها، فإنه لا سعادة للناس ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم ولا راحة إلاَّ بأن يعرفوا ربَّهم ومعبودهم ويعبدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم، وذكرُه والتقرُّب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالاً من الأنعام بكثير، كما قال الله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 44].
__________
(1) "جلاء الأفهام" (ص/285 - 286).
(2) "المسند" (4/ 126)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 43) وغيرهما من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وإسناده صحيح، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (937).
(3) في "صحيحه" (رقم: 1844).
(4) (2/ 155) بإسناد صحيح، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (1803).
(1/12)

وبهذا يدرك المسلم شرف هذا العلم وفضلَه وأنَّه من الأسس العظام التي قامت عليها دعوات المرسلين، وأنه السبيل الوحيد لعزِّ العبد ورفعته وصلاحه في الدنيا والآخرة، وعليه فإن "من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنَّة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه" (1).
وهذه المعرفة هي التي عليها مدار السعادة وبلوغ الكمال والترقي في درج الرفعة، ونيل نعيم الدنيا والآخرة، والظفر بأجلِّ المطالب وأنجح الرغائب وأشرف المواهب، والناس في هذا بين مستكثر ومقل ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ومتى كان العبد عارفاً بربِّه محبّاً له قائماً بعبوديته ممتثلاً أمره مبتعداً عن نواهيه؛ تحقق له بهذه المعرفة والعبودية اللتين هما غاية الخلق والأمر كمال الإنسان المرجو وسموه المنشود، بل "ليست حاجة الأرواح قطّ إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبَّتِه وذكرِه والابتهاج به، وطلبِ الوسيلة إليه والزُّلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلاَّ بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه" (2).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]: "أي: إنما يخشاه حقّ خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر" (3).
__________
(1) "الصواعق المرسلة" (1/ 161).
(2) "الكافية الشافية" (ص/ 3 - 4).
(3) "تفسير ابن كثير" (3/ 553).
(1/13)

فمعرفة الله تقوِّي جانب الخوف والمراقبة وتعظم الرجاء في القلب، وتزيد في إيمان العبد، وتثمر أنواع العبادة، وبها يكون سير القلب إلى ربه وسعيُه في نيل رضاه أسرعَ من سير الرياح في مَهابِّها، لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، والتوفيق بيد الله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.
* * * *
(1/14)

(3)
2 - فضل العلم بأسماء الله تعالى وصفاته
إن معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسماها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وجرى إليها المتسابقون، وغلى نحوها تمتد الأعناق، وإليها تتجه القلوب الصحيحة بالأشواق، وبها يتحقق للعبد طيب الحياة "فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده والإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأُنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كلَّه، ولو تعوَّض عنها بما تعوض من الدنيا، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضاً عن هذه الحياة، فمِن كلِّ شيءٍ يفوت عوضٌ، وإذا فاته الله لم يُعوِّض عنه شيءٌ البتة" (1).
والعجب من حال أكثر الناس "كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر، والقلب محجوبٌ ما شمَّ لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياتُه عجزاً، وموتُه كمداً، ومعادُه حسرةً وأسفاً" (2)، فيخرج من الحياة وما ذاق أطيب ما فيها، ويغادر الدنيا وهو محروم من أحسن ملاذها؛ فإن اللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده، والأنس به والشوق إلى لقائه، وأنكدُ العيش عيشُ قلبٍ مشتت، وفؤاد ممزق ليس له قصدٌ صحيح يبغيه ولا مسار واضح يتَّجه فيه، تشعبت به الطرق، وتكاثرت أمامه السبل، وفي كل طريق كبوة، وفي كل سبيل عثرة، حيرانَ يهيم في الأرض لا يهتدي سبيلاً، ولو تنقل في هذه الدروب ما تنقل لن يحصل لقلبه قرار، ولا يسكن ولا يطمئن ولا تقر عينُه حتى يطمئنَّ إلى إلهه وربِّه وسيِّده ومولاه، الذي ليس له من دونه وليٌّ ولا شفيع، ولا غنى له عنه طرفة عين، والأمر كما قيل:
__________
(1) "الجواب الكافي" لابن القيِّم (ص/132 - 133).
(2) "طريق الهجرتين" لابن القيِّم (ص/385).
(1/15)

نقِّل فؤادك حيثُ شئتَ مِن الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى ... وحنينُهُ أبداً لأولِ منزِلِ
فمَن حرص على أن يكون همُّه واحداً وهو الله، وطريقه واحداً وهو بلوغ رضاه؛ نال غاية المنى، وحاز مجامع السعادة، إلا أن حال أكثر الخلق في نأي عن هذا المرام، كما قال بعض السلف: "مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه" (1).
فهذه المعرفة والمحبَّة والأنس هي السبيل الآمنة للسائرين والطريق الرابحة للمستثمرين، "فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجب وفتحه عجب، صاحبه قد سيقت له السعادة وه مستلق على فراشه غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه" (2)، فلا يزال مترقياً في هذه المعالي، ماضياً في هذه الطريق إلى أن يبلغ عالي الرتب ورفيع المنازل.
وسبيل هذه المعرفة يكون "باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها، وتمتلئ بأجل المعارف، فمثلاً أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلب تعظيماً لله وإجلالاً له، وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقاً له وحمداً له وشكراً، وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعاً لله وخشوعاً وانكساراً بين يديه، وأسماء العلم والخبرة والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات، وحراسة للخواطر عن الأفكار الردَّية والإرادات الفاسدة، وأسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقاراً واضطراراً إليه والتفاتاً إليه كل وقت في كل حال.
__________
(1) ذكره ابن القيم في "الجواب الكافي" (ص/123).
(2) "طرق الهجرتين" (ص/393 - 394).
(1/16)

فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعبده بها لله لا يحصِّل العبد في الدنيا أجلّ ولا أفضل ولا أكمل منها، وهي أفضل العطايا من الله لعبده، وهي رُوح التوحيد ورَوْحُه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخالص والإيمان الكامل" (1).
وها هنا ينبغي أن يعلم أن معرفة الله سبحانه نوعان: الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه (2).
وهذه المعرفة هي المصدر لكل خير، والمنبع لكل فضيلة، ولهذا فإنَّ طريقة القرآن في الدعوة إلى الحق والهدى والتحذير من مواطن الهلاك والردى قائمة على فتح أبواب هذه المعرفة، ففي القرآن يذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلُّمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما يدعو العباد إلى لزوم الإخلاص وتحقيق التوحيد والبراءة من اتخاذ الأنداد والشركاء.
ويذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجلب قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته والمسارعة إلى طاعته والتنافس في القرب منه ولزوم ذكره وشكره وحسن عبادته، ويذكر صفاته أيضاً عند ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه ليُعرِّف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب منه.
ويذكر صفاته أيضاً عند أحكامه وأوامره ونواهيه ليعظِّم العبادُ أمره ويلزموا شرعه، فقلَّ أن تجد آيةً فيها حكم من أحكام المكلَّفين إلا وهي مختتمةٌ بصفة من صفاته أو صفتين، وقد يذكر الصفة في أوَّل الآية ووسطها وآخرها، كقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].
__________
(1) "القول السديد" لابن سعدي ضمن "المجموعة الكاملة لمؤلفاته" (3/ 45 - 46).
(2) انظر: "الفوائد" لابن القيم (ص/190).
(1/17)

ويذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه، ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه، وأحكامه كلها قائمة لذكر أسماء الرب وصفاته حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته، فذكر أسمائه وصفاته رُوحها وسرُّها، يصحبها من أولها إلى آخرها، وإنما أمر بإقامتها ليُذكر بأسمائه وصفاته (1)، وهكذا الشأن في جميع الطاعات وأنواع القُرَب، فمعرفة الأسماء والصفات أساس السعادة والمدخل لكلِّ خير، والتوفيق بيد الله وحده.
* * * *
__________
(1) انظر: "الصواعق المرسلة" لابن القيِّم (3/ 910 - 911).
(1/18)

(4)
3 - فضلُ العلم بأسماء الله تعالى وصفاته
إن العلم بأسماء الله وصفاته علم مبارك، كثير العوائد، غزير الفوائد، ومتنوع الثمار والآثار، ويتجلى لنا فضل هذا العلم وعظيم نفعه من خلال أمور عديدة، أهمها ما يلي:
أولاً: أنَّ هذا العلم أشرف العلوم وأفضلها وأعلاها مكانة وأرفعها منزلة، وشرف العلم من شرف معلومه، ولا أشرف وأفضل من العلم بالله وأسمائه وصفاته الواردة في كتابه العزيز وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولذا فإن الاشتغال به والعناية بفهمه اشتغالٌ بأشرف مطلوب وأجلِّ مقصود.
ثانياً: أن معرفة الله والعلم به تدعو إلى محبّته وتعظيمه وإجلاله وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاصه العمل له، وكلما قويت هذه المعرفة في العبد عظم إقباله على الله واستسلامه لشرعه ولزومُه لأمره وبُعدُه عن نواهيه.
ثالثاً: أن الله سبحانه يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها في خلقه، وهذا من لوازم كماله، فهو وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، جواد يحب الأجواد، قويٌّ والمؤمن القويُّ أحب إليه من المؤمن الضعيف، حَيٌّ يحب أهل الحياء، توَّابٌ يحب التوابين، شكور يحب الشاكرين، صادق يحبُّ الصادقين، محسن يحب المحسنين، رحيم يحب الرحماء، وإنما يرحم من عباده الرحماء، ستِّيرٌ يحبُّ من يَستر على عباده، عفوٌّ يحبُّ من يعفو عنهم، بَرٌّ يحب البِرَّ وأهله، عدلٌ يحب العدل، ويجازي عباده بحسب وجود هذه الصفات وُجوداً وعدماً، وهذا باب واسع يدل على شرف هذا العلم وفضله.
رابعاً: أن الله خَلَق الخلْق وأوجدهم من العدم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ليعرفوه ويعبدوه كما قال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12]، وقال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الذاريات: 56 - 58]،
(1/19)

فاشتغال العبد بمعرفة أسماء الله وصفاته اشتغالٌ بما خُلِق له العبد، وتركُه وتضييعُه إهمالٌ لما خلق له، ولا ينبغي لعبدٍ فضلُ الله عليه عظيمٌ ونعمه عليه متوالية أن يكون جاهلاً بربِّه مُعرَضاً عن معرفته سبحانه.
خامساً: أن أحد أركان الإيمان الستة، بل أفضلها وأجلها وأصلها الإيمان بالله، وليس الإيمان مجرَّد قول العبد: آمنتُ بالله من غير معرفته بربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف ربَّه الذي يؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفةً بأسمائه وصفاته ازداد معرفة بربه، وازداد إيمانه، وكلما نقص نقص، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل به فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 19]، فمن نسي الله أنساه ذاته ونفسه ومصالحه وأسبابَ فلاحه في معاشه ومعاده.
سادساً: أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدلُّ بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنه سبحانه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته والحكمة، ولذلك لا يشرع من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه كلها عدل وحكمة، ولهذا فإن العبد إذا تدبر كتاب الله وما تعرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه، وتدبَّر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصَّها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أن إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له ويستدلُّوا بها على أنه على كلِّ شيء قدير، وأنه بكلِّ شيء عليم، وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم، وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لما يريد، وأنه الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأن أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك، فإذا تدبر العبد ذلك أورثه ولا ريب زيادة في اليقين وقوة في الإيمان وتماماً في التوكل وحسن الإقبال على الله (1).
__________
(1) انظر: "تفسير ابن سعدي" (1/ 10)، و"خلاصته" (ص/15).
(1/20)

سابعاً: أن معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته تجارة رابحة، ومن أرباحها سكونُ النفس وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، وسكنى الفردوس يوم القيامة، والنظر إلى وجه الله الكريم والفوز برضاه والنجاة من سخطه وعذابه، والقلبُ إذا اطمأنَّ بأنَّ الله وحده ربُّه وإلهه ومعبوده ومليكُه وأن مرجعه إليه حَسُنَ إقباله عليه وجَدَّ واجتهد في نيل محابِّه والرَّغباءِ إليه والعمل بما يرضيه.
ثامناً: أن العلم بأسماء الله وصفاته هو الواقي من الزلل والمقِيل من العثرات والفاتح لباب الأمل، والمعين على الصبر، والمبعد عن الخمول والكسل، والمرغِّب في الطاعات والقُرَب، والمرهب من المعاصي والذنوب، والسلوان في المصائب والآلام، والحرز الحامي من الشيطان، والجالب للمحبة والتوادّ، والدافع للسخاء والبذل والإحسان، إلى غير ذلك من الثمار والآثار.
فهذه جملة من الأسباب العظيمة الدالة على فضل العلم بأسمائه وصفاته وشدة حاجة العباد إليه، بل ليس هناك حاجة أعظم من حاجة العباد إلى معرفة ربهم وخالقهم ومليكهم ومدبِّر شؤونهم، ومقدر أرزاقهم، الذي لا غنى لهم عنه طرفة عين، ولا صلاح لهم ولا زكاءَ إلا بمعرفته وعبادته والإيمان به وحده سبحانه، ولهذا فإن حظ العبد من الصلاح واستحقاقه من المدح والثناء إنما يكون بحسب معرفته بربّه سبحانه وعمله بما يرضيه ويقرِّب إليه من سديد الأقوال وصالح الأعمال.
* * * *
(1/21)

(5)
اقتضاء أسماء الله لآثارها من الخلق والتكوين
إن من أجلّ المقامات وأنفع الأمور التي توجب للعبد الرفعة وتعينه على حسن المعرفة بالله وتحقيق محبته ولزوم الثناء عليه النظر والتأمُّل في اقتضاء الأسماء الحسنى والصفات العليا لآثارها من الخلق والتكوين، وأن العالم كله بما فيه من سماوات وأرض وشمس وقمر وليل ونهار، وجبال وبحار، وحركات وسكنات، كل ذلك من بعض آثارها ومقتضياتها، "فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، تنادي عليها وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال، كما قيل:
تأمَّل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خطَّ فيها لو تأمَّلت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل
فلست ترى شيئاً أدلَّ على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه" (1)، وهذا من أجلّ المعارف وأشرفها، وكل اسم من أسماء الله سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصافُ مدحٍ وكمال، وكلّ صفة لها مُقتضٍ وفعلٌ- إمَّا لازم وإما متعدٍّ- ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتُها، ويستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وأسمائه وصفاته عن ذاته، ولهذا جاء في القرآن الكريم الإنكارُ على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأن قائل ذلك نسب الله إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء ممن حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حقَّ قدره، ولا عظَّمه حق تعظيمه كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب:
__________
(1) "مدارج السالكين" لابن القيم (3/ 372).
(1/22)

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 91]، وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الزمر: 67]، وقال في حق من جوَّز عليه التسوية بين المختلفين؛ كالأبرار والفجار والمؤمنين والكفار: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الجاثية: 21]، فأخبر أن هذا حكم سيِّء لا يليق به، تأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115 - 116] أي: عن هذا الظن والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته.
ونظائر هذا في القرآن كثيرة؛ ينفي فيها عن نفسه خلاف موجَبِ أسمائه وصفاته إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.
وعليه فإن من أنفع ما يكون للعبد في هذا الباب مطالعةَ مقتضيات الأسماء الحسنى، والتأمل في موجباتها، وحُسنِ دلالتها على كمال مبدعها وعظمة خالقها، وأنه سبحانه أتقنها وأحكمها غاية الإتقان والإحكام (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) [الملك: 3]، وكل اسم من أسماء الله الحسنى يقتضي آثاره من الخلق والتكوين.
فاسمه "الحميد المجيد" يمنع ترك الإنسان سدى مهملاً معطلاً لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه "الحكيم" يأبى ذلك، وكذلك اسمه "الملك"، واسمه "الحي" يمنع أن يكون معطلاً من الفعل، بل حقيقة الحياة الفعل، فكل حيٍّ فعَّال، وكونه سبحانه خالقاً قيوماً من موجبات حياته ومقتضياتها، واسمه "السميع البصير" يوجب مسموعاً ومرئياً، واسمه "الخالق" يقتضي مخلوقاً، وكذلك "الرزاق"، واسمه "الملك" يقتضي مملكة وتصرُّفاً وتدبيراً وإعطاءً ومنعاً، وإحساناً وعدلاً، وثواباً وعقاباً، واسم "البرّ المحسن المعطي المنان" ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها، واسم "الغفار التواب العفو" يقتضي وجود جناية من الأمم تغفر، وتوبة تقبل، وجرائم يعفى عنها، وهكذا الشأن في جميع أسمائه الحسنى.
(1/23)

ومن تأمل في سريان آثار الأسماء والصفات في الأمر والعالم هداه إلى الإيمان بكمال الرب سبحانه في أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة، وأنه سبحانه له في كل ما قضاه وقدَّره الحكمة البالغة والآياتُ الباهرة والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاءُ محبتهم له وذكرهم له وشكرِهم له وتعبدهم له بأسمائه الحسنى.
فكلُّ اسمٍ له تعبد مختص به- علماً ومعرفة وحالاً- ولا يتحقق شيء من هذا إلا بمثل هذا النظر والتدبر النافع في كل اسم وما يقتضيه، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبوديةُ اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، أو يحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع، أو التعبُّد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك.
وهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقَّة من القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها ويأخذوا بحظهم من عبوديتها (1)، وهو جل وعلا يحبّ أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه، فإن ذلك من لوازم كماله، وفتح سبحانه لعباده أبواب معرفته والتبصر بأسمائه وصفاته، فدعا عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما: النظر في مفعولاته؛ فإنها أدلُّ شيء على أسمائه وصفاته.
والثاني: التفكر في آياته وتدبرها.
الأول تفكرٌ في آياته المشهودة، والثاني تدبُّر لآياته المتلوَّة، وكلٌّ منهما بابٌ واسعٌ في معرفة الربِّ المجيد والإله الحميد، فسبحان من تعرَّف إلى خلقه بجميع أنواع
__________
(1) انظر: "مدارج السالكين" لابن القيم (1/ 449 - 453).
(1/24)

التعرُّفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرَّفهم به ودلهم عليه (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 42].
* * * *
(1/25)

(6)
اقتضاءُ أسماءِ الله لآثارها مِنَ العُبُوديَّة
إن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مقتضيةٌ لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، وقد مضى الحديث عن اقتضائها لآثارها من الخلق والتكوين، والحديث هنا في اقتضائها لآثارها من العبودية كالخضوع والذل والخشوع والإنابة والخشية والرهبة والمحبة والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، فإنَّ كلَّ اسم من أسماء الله وكلَّ صفة من صفاته له عبودية خاصة هي من مقتضياتها ومن موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، وبيان ذلك أنَّ العبد إذا علم بتفرُّد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة؛ فإن ذلك يثمر له عبوديَّةَ التوكل على الله باطناً ولوازم التوكُّل وثمراته ظاهراً.
قال الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 58]، وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) [الشعراء: 217]، وقال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [المزمل: 9]، وقال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [النساء: 81].
وإذا علم العبد بأن الله سميع بصير عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّة في السموات والأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وأنه تبارك وتعالى أحاط بكلِّ شيءٍ علماً، وأحصى كلَّ شيء عدداً، فمن علم باطِّلاع الله عليه ورؤيته له وإحاطته به؛ فإن ذلك يثمر له حفظ اللسان والجوارح وخطرات القلب عن كلِّ ما لا يُرضي الله وجَعْلَ تعلُّقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه.
قال الله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]، وقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الحجرات: 1]، وقال تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [فصلت: 40]،
(1/26)

وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235]، فلا ريب أنَّ هذا العلم يورث في العبد خشية الله ومراقبته والإقبال على طاعته والبعد عن مناهيه.
قال ابن رجب: "راوَدَ رجلٌ امرأةً في فلاةٍ ليلاً فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: فأين مُكوكِبُها؟! " (1) أي: أين الله، ألا يرانا؟ فمنعها هذا العلم اقتراف هذا الذنب والوقوع في هذه الخطيئة.
وإذا علم العبد بأنَّ الله غنيٌّ كريمٌ، بَرٌ رحيمٌ، واسع الإحسان، وأنه تبارك وتعالى مع غناه عن عباده فهو محسنٌ إليهم رحيمٌ، بهم، يريد بهم الخير، ويكشف عنهم الضرَّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرَّة، بل رحمةً منه وإحساناً، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثَّر بهم من قلَّة، ولا ليعتزَّ بهم من ذلَّة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه، ولا يدفعوا عنه كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 - 58]، وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111]، وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي إنكم لن تبلغُوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني" رواه مسلم (2).
فإذا علم العبد ذلك أثمر فيه قوَّة الرجاء- قوة رجائه بالله- وطمعه فيما عنده، وإنزالَ جميع حوائجه به، وإظهارَ افتقاره إليه واحتياجه له (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15]، والرجاء يثمر أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفة العبد وعلمه.
وإذا علم العبدُ بعدل الله وانتقامه وغضبه وسخطه وعقوبته فإن هذا يثمر له الخشية والخوف والحذر والبعد عن مساخط الرّبَ، قال الله تعالى:
__________
(1) "شرح كلمة الإخلاص" (ص/49)، والقصة رواها ابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص/272).
(2) (رقم: 2577) وهو طرق من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(1/27)

(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [البقرة: 196]، وقال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة: 203]، وقال تعالى: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 209].
وإذا علم العبد بجلال الله وعظمته وعُلُوِّه على خلقه ذاتاً وقهراً وقدراً فإنَّ هذا يثمرُ له الخضوع والاستكانة والمحبة وجميع أنواع العبادة، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62]، وقال تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، وقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: 67].
وإذا علم العبد بكمال الله وجماله؛ أوجبَ له هذا محبَّةٌ خاصَّةً وشوقاً عظيماً إلى لقاء الله، "ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه" متفق عليه (1)، ولا ريب أن هذا يثمر فيا لعبد أنواعاً كثيرةً من العبادات، ولهذا قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110].
وبهذا يُعلَم أن العبوديَّة بجميع أنواعها راجعة إلى مقتضيات الأسماء والصفات، ولهذا فإنه يتأكَّد على كل عبد مسلم أن يعرف بَّه ويعرف أسماءه وصفاته معرفة صحيحة سليمة، وأن يعلم ما تضمنته وآثارها، وموجبات العلم بها، فبهذا يعظم حظُّ العبد، ويكمل نصيبه من الخير.
إن المؤمن الموحِّد يجد بإيمانه ويقينه بأسماء ربه الحسنى وصفاته العليا الدالة على عظمة الله وكبريائه وتفرده بالجلال والجمال ما يجذبه إلى اجتماع همه على الله حباً وتذلُّلاً، خشوعاً وانكساراً، رغباً ورهباً، رجاءً وطمعاً، وتوافر همته في طلب رضاه باستفراغ الوسع في التقرب إليه بالنوافل بعد تكميل الفرائض، والتوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا حول ولا قوَّة إلا به عز وجلَّ.
__________
(1) رواه البخاري (رقم: 6508)، ومسلم (رقم: 2686) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(1/28)

(7)
أسماءُ الله تعالى كلُّهاحُسنى
لقد امتدح الله في القرآن الكريم أسماءه العظيمة بوصفها كلها أنها حسنى، وتكرر وصفها بذلك في القرآن في أربعة مواضع: قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110]، وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: 24].
ففي هذه الآيات وصفٌ لأسمائه سبحانه جميعها بأنها حسنى، أي: بالغة في الحسن كماله ومنتهاه، وهي جمع (الأحسن) لا جمع (الحسن)؛ فهي (أفعل) تفضيل معرفة باللام، أي: لا أحسن منها بوجه من الوجوه، بل لها الحسن الكامل التام المطلق؛ لكونها أحسن الأسماء، وهو المثل الأعلى في قوله سبحانه: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الروم: 27]، أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذا كانت أحسنَ الأسماء، بل ليس في الأسماء أحسن منها، ولا يَسدُّ غيرُها مسدَّها ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيراً بمرادفٍ محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم؛ لكمالها في مبناها ومعناها، ولحسنها في ألفاظها ومدلولاتها، فهي أحسن الأسماء، كما أن صفاته سبحانه أكمل الصفات، والوصف بالحسنى وصف لها كلها، فهي كلها حسنى ليس فيها اسم غيرُ ذلك لأنها كلها أسماءُ مدحٍ وحمد وثناء وتمجيد، والله تبارك وتعالى لكماله وجلاله وجماله وعظمته لا يُسمَّى إلا بأحسن الأسماء كما أنه لا يوصف إلا بأحسن الصفات، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء وأحسنه وأطيبه.
(1/29)

وأسماء الله إنما كانت حسنى لكونها قد دلّت على صفاتِ كمالٍ عظيمةٍ لله، فما كان من الأسماء علماً محضاً لا يدل على صفة لم يكن من أسماء الله، وما كان منها ليس دالاً على صفات كمال بل إما دالاً على صفات نقص أو صفات منقسمة إلى المدح والقدح لم يكن من أسماء الله، فأسماء الله جميعها توقيفية دالَّةٌ على صفات كمال ونعوت جلال للرَّبِّ تبارك وتعالى، فهي حسنى باعتبار معانيها وحقائقها لا بمجرد ألفاظها؛ إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح وكمال، ولَسَاغ وقوعُ الأسماء الدالة على البطش والانتقام والغضب في مقام الأسماء الدالة على الرحمة والإحسان، وبالعكس، فيقال: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك شديد العقاب، أو اللهم أعَطِنِي فإنَّك أنت القابض المانع، ونحو ذلك من الكلام المتنافر غيرِ المستقيم.
ولهذا؛ فإنَّ كلَّ اسم من أسماء الله دالٌّ على معنى من صفات الكمال ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر، فالرحمن - مثلاً- يدلُّ على صفة الرحمة، والعزيز يدلُّ على صفة العزَّة، والخالق يدلُّ على صفة الخلق، والكريم يدلُّ على صفة الكرم، والمحسن يدلُّ على صفة الإحسان، وهكذا، وإن كانت جميعُها متفقةً في الدلالة على الربِّ تبارك وتعالى، ولذا فهي من حيث دلالتها على الذات مترادفة، ومن حيث دلالتها على الصفات متباينة، لدلالة كل اسم منها على معنى خاص مستفاد منه.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "أسماء الرب تبارك وتعالى كلُّها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظاً مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها فقال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، فهي لم تكن حسنى لمجرَّد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئاً يقرأ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) [المائدة: 38] "والله غفور رحيم" قال: ليس هذا بكلام الله تعالى، فقال القارئ: أتكذِّب بكلام الله تعالى؟! فقال: لا، ولكن ليس هذا
(1/30)

بكلام الله، فعاد إلى حفظه وقرأ: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقال الأعرابي: صدقت؛ عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه" (1).
وعلى هذا فإن دعاء الله بأسمائه المأمور به في قوله: (فَادْعُوهُ بِهَا) لا يتأتى إلا مع العلم بمعانيها؛ فإنه إن لم يكن عالماً بمعانيها ربما جعل في دعائه الاسم في غير موطنه، كأن يختم طلب الرحمة باسم العذاب أو العكس، فيظهر التنافر في الكلام وعدم الاتساق، ومن يتدبَّر الأدعية الواردة في القرآن الكريم أو في سنة النبيِّ صلى الله عليه وسلم يجد أنه ما من دعاء منها يختم بشيء من أسماء الله الحسنى إلا ويكون في ذلك الاسم ارتباط وتناسب مع الدُّعاء المطلوب، كقوله تعالى: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 127]، وقوله: (رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) [المؤمنون: 109]، وقوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف: 89]، وهكذا الشأن في عامة الدعوات المأثورة.
إن معرفة المسلم بهذا الوصف العظيم لأسماء الله تعالى -وهو كونها حسنى- يزيد فيه التعظيمَ لها والإجلالَ والحرص على فهم معانيها الجليلة ومدلولاتها العظيمة، ويبعده عن منزلقات المحرِّفين وتأويلات المبطلين وتخرُّصات الجاهلين.
هذا؛ ويمكن أن نلخِّص المعاني المستفادة والثمار المجنية من هذا الوصف لأسماء الله في الأمور التالية:
الأول: أنها أسماءٌ دالَّةٌ على أحسن مسمَّى وأجلِّ موصوف، وهو الله تبارك وتعالى ذو الجلال والكمال والجمال.
الثاني: أنَّ فيها إجلالاً لله وتعظيماً وإكباراً وإظهاراً لعظمته ومجده وكماله وجلاله وكبريائه سبحانه.
__________
(1) "جلاء الأفهام" (ص/108).
(1/31)

الثالث: أن كل اسم منها دال على ثبوت صفة كمال لله عز وجل، ولذا كانت حسنى، وصفاته تبارك وتعالى كلها صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل.
الرابع: أنها ليس فيها اسم يحتوي على الشر أو يدل على نقص، فالشر ليس إليه، فلا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته ولا يكون في شيء من أفعاله، فلا يضاف إليه فعلاً ولا وصفاً.
الخامس: أن الله أمر عباده بدعائه بها بقوله: (فَادْعُوهُ بِهَا)، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، وهذا من أجل الطاعات وأعظم القرب.
السادس: أن الله وعد من أحصى تسعةً وتسعين اسماً منها حفظاً وفهماً وعملاً بما تقتضيه بأن يدخله الجنَّة، وهذا من بركات هذه الأسماء، وبالله وحده التوفيق.
* * * *
(1/32)

(8)
جادّة أهل السُّنَّة في باب الأسماء والصِّفات
إن جادَّة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات وفي الدين عموماً جادةٌ مستقيمة وصراطهم صراط مستقيم؛ لأنه قام على تعظيم نصوص الشريعة ولزوم ما جاء في الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان، فيؤمنون بما ورد فيهما من أسماء الرَّبِّ وصفاته ويُمرُّونه كما جاء، ويثبتونه كما ورد، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يُكيِّفون صفاته، ولا يمثلون شيئاً منها بشيء من صفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا ندَّ، ولا يقاس بخلقه، ويؤمنون بأن رسله الذي أخبروا عنه بتلك الصفات صادقون مصدَّقون، فكلامهم وحيٌ من الله، ومهمتهم تبليغ رسالة الله، بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون بما تمليه عليهم عقولهم القاصرة وأفهامهم الضعيفة، وربما أيضاً بواطنُهم السيئة.
ولهذا قال الله سبحانه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 - 182]، فسبَّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامه ما قالوه من النقص والعيب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.
وهكذا الشأن في أتباعهم المقتفين آثارهم؛ يثبتون ما أثبته رسل الله لربهم من صفات الكمال ونعوت الجلال، كتكليمه لعباده، ومحبته لهم، ورحمته بهم، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه، وغضبه على أعدائه وسخطه عليهم، إلى غير ذلك مما ورد من نعوت الرَّبِّ الكريمة وصفاته الجليلة، فآمنوا بذلك كله، وأَمَرُّوه كما جاء من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد مشابهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى تعطيل صفات ربِّ البريَّة، بل وسعتهم السنَّة المحمديَّة والطريقة المرضية، ولم يتجاوزوها
(1/33)

إلى ضلالات بدعيةٍ أو أهواء رديَّة، فحازوا بسبب ذلك الرتب السَّنيَّة والمنازل العَليَّة في الدنيا والآخرة، فسننُهم أبين، وطريقُهم أقوم، وهديهم أرشد، بل هو الحقُّ الذي لا حقَّ سواه والهدى الذي ليس بعده إلا الضلال.
ومنهجهم في هذا الباب قائمٌ على أصلين عظيمين وأساسيين متينين هما: الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل، فلا يمثِّلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثِّلون ذاته سبحانه بذواتهم، ولا ينفون عنه صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة في كتابه وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا الإيمانُ يعدُّ أصلاً من أصول الإيمان الراسخة وأساساً من أُسُسه العظيمة التي لا إيمان لمن لم يؤمن بها، فمن جَحَد شيئاً من أسماء الله وصفاته ونفاها وأنكرها فليس بمؤمن، وكذلك من كيَّفها أو شبّهها بصفات المخلوقين، سبحانه الله عما يصفون وتعالى الله عما يقول الظالمون.
قال نعيم بن حماد رحمه الله: "من شبَّه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تشبيه" (1).
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث" (2).
وقال ابن عبد البر رحمه الله: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يُسلَّم له ولا يناظر فيه" (3).
__________
(1) رواه اللاَّلكائي في "شرح الاعتقاد" (رقم: 936).
(2) "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (5/ 26).
(3) "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 943).
(1/34)

ومن عظيم نعمة الله على العبد أن يوفِّقه لسلوك هذا النهج القويم القائم على لزوم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن انحرافات أهل الباطل وتخرُّصات أهل الضلال، بل مَضَوْا بحمد الله على جادة واحدة ولم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلُّهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنَّة كلمةً واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلاً، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها أمراً واحداً، وأجروها على سَنَنٍ واحد، ولسان حال قائلهم يقول: "من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم" (1)، وهذا الاتفاق الذي مضى عليه أهل السنة عبر التاريخ المديد يُعدُّ من أبين الدلائل على صحَّة منهجهم واستقامة مسلكهم.
ولهذا يقول أبو المظفر السمعاني رحمه الله: "ومما يدل على أن أهل الحديث على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولها إلى آخرها، قديمها وحديثها؛ وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قلَّ، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد جرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا، قال الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103]، وأما إذا نظرت إلى أهل البدع رأيتهم متفرقين شيعاً وأحزاباً لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في
__________
(1) هذا الكلام أورده البخاري في "صحيحه" عن الزهري رحمه الله؛ وفي ذلك قصَّة ذكرها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/ 504).
(1/35)

الاعتقاد، يبدِّع بعضهم بعضاً، بل يرتقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه والأخ أخاه والجار جاره، وتراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتُهم".
قال: "وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من عقولهم فأورثهم التفرق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما تختلف، وإن اختلفت في لفظة أو كلمة فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه، وأما المعقولات والخواطر والآراء فقلَّما تتفق، بل عقل كل واحد ورأيه وخاطره يُرِي صاحبه غير ما يرى الآخر" (1).
هذا؛ وغن الخطأ في أسماء الرب سبحانه وصفاته ليس كالخطأ في أيِّ أمر آخر، والواجب على كل مسلم أن يلزم نهج أهل السنة والجماعة ويسلك سبيلهم فإنهم على الحق المستبين، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من كان منكم مستناً فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تُؤمَن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا -والله- أفضل هذه الأمة وأبرَّها قلوباً وأعمقها علماً وأقلَّها تكلفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم" (2)، فهؤلاء سادات هذا الشأن، ثم يليهم تابعوهم بإحسان.
رزَقَنا الله حُسن الاتِّباع وحُسن العمل؛ إنَّه سميع مجيب.
* * * *
__________
(1) "مختصر الصواعق" لابن القيم (518).
(2) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم: 1810) بسنده عن قتادة، قال: قال ابن مسعود: ... فذكره، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (2/ 77): "رواه غير واحد منهم ابن بطة عن قتادة".
(1/36)

(9)
أقسام أسماء الله من حيث المعاني
إن مِن المفيد جداً في باب فقه الأسماء الحسنى معرفةَ أقسامها من حيث معانيها ودلالاتُها، وهي تنقسم بهذا الاعتبار إلى عدَّة أقسام:
القسم الأوَّل: ما كان منها دالاً على صفة ذاتيةٍ، والصفة الذاتية هي الصفة التي لم يزل الربُّ ولا يزال متصفاً بها، فهي لا تنفكُّ عن الذات، ولا تعلُّق لها بالمشيئة.
فمن أسمائه سبحانه:
"الحيّ" وهو دالٌّ على ثبوت صفة "الحياة".
"العليم"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "العِلم".
و"السميع"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "السَّمع".
و"البصير"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "البَصَر".
و"القويُّ" وهو دالٌّ على ثبوت صفة "القوَّة".
و"العليُّ" وهو دالٌّ على ثبوت صفة "العُلُوِّ".
و"العزيز" وهو دالٌّ على ثبوت صفة "العزَّة".
و"القدير" وهو دالٌّ على ثبوت صفة "القدرة".
وجميع هذه الصفات صفات ذاتيةٌ؛ لأنها ملازمةٌ للذات لا تنفكُّ عنها، وليس لها تعلُّقٌ بالمشيئة.
القسم الثاني: ما كان منها دالاً على صفةٍ فعليةٍ، والصفة الفعليةُ هي التي تتعلقُ بالمشيئة، إن شاء فَعَلَها وإن شاء لم يَفعَلْها.
ومن هذا القسم اسمه تبارك وتعالى: "الخالق"، وهو دالٌ على ثُبوتِ صفة "الخلق".
(1/37)

و"الرَّزَّاق"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "الرَّزق".
و"التواب"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "التوبة".
و"الغفور"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "المغفرة".
و"الرحيم"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "الرحمة".
و"المحسن"، وهو دالٌ على ثبوت صفة "الإحسان".
و"العفوّ"، وهو دالٌّ على ثبوت صفة "العفو".
وجميع هذه الصفات صفات فعليَّةٌ لكونها متعلِّقةً بالمشيئة.
قال تعالى: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [البقرة: 45]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة: 212]، وقال تعالى: (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) [التوبة: 15]، وقال تعالى: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفتح: 14]، وقال تعالى: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) [العنكبوت: 21]، وقال تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [آل عمران: 55].
القسم الثالث: أسماءٌ دالةٌ على التنزيه والتقديس وتبرئة الرب سبحانه وتعالى عن النقائص والعيوب وعمَّا لا يليقُ بجلاله وكمالِه وعظمته، كأسمائه: "القُدُّوس" و"السلام" و"السُّبُّوح"؛ فإنها ترجِعُ إلى التنزيه والتقديس وتبرئة الربِّ عمَّا لا يليقُ به، وإلى السلامة من النقائص والعيوب، أو أن يكون له نِدٌّ من خلقه أو نظيرٌ أو مثيلٌ، فهو المنزَّهُ سبحانه عن كلِّ ما ينافي صفات الكمال والجلال والعظمة، وهو المنزَّه عن الضِّدِّ والنِّدِّ والكفؤ والمثال، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً.
وهذا التنزيه هو من دلائل هذه الأسماء.
فالقُدَّوس يدلُّ على التقديس وهو التنزيه.
و"السلام" يدلُّ على السلامة من النقائص والعيوب.
(1/38)

و"السُّبُّوح" يدل على التسبيح، وهو التنزيه، كما قال تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 - 182].
القسم الرابع: الأسماء الدالة على جملةِ أوصاف عديدة لا على معنىً مفرد؛ فإنَّ من أسمائه سبحانه ما يكون دالاًّ على عدَّة صفات، ويكون ذلك الاسم متناولاً لجميعها تناولَ الاسم الدَّال على الصفة الواحدة لها، ومن ذلكم أسماؤه تبارك وتعالى: المجيد، والحميد، والعظيم، والصمد، والسيِّد.
فإنَّ "المجيد" من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدلُّ على هذا؛ فإنه موضوع للسَّعةِ والكثرة والزيادة، ومنه قولهم: "في كلِّ الشجر نار واستمجد المرْخُ والعفار"، أي: زادا وكَثُرا، فالمجيد يرجع إلى عظمةِ أوصافه وكثرتها وسعتها، وإلى عظمة ملكه وسلطانه، وغلى تفرده بالكمال المطلق والجلال المطلق والجمال المطلق، فهو ليس دالاً على معنى واحد، وإنما هو دالٌّ على صفات عديدة.
و"الحميد" أي: الذي له جميع المحامد، وهي جميع صفات الكمال، فكل صفة من صفاته يحمد عليها.
و"العظيم" من له كمال العظمة في أسمائه وصفاته وأفعاله، المتَّصفُ بصفاتٍ كثيرة من صفات الكمال والجلال والجمال.
و"الصَّمد" هو واسع الصفات عظيمة، الذي كمل في علمه وحكمته وحلمه وقدرته وعزته وعظمته وجميع صفاته.
فهذه أقسام أربعة من المهم معرفتها ومعرفة ما يندرج تحت كل قسم منها من أسماء الله الحسنى، ففي ذلك نفعٌ عظيم وفائدةٌ جليلةٌ في بابِ فقه الأسماء الحسنى ومعرفة مدلولاتها.
ولما تقدَّم فيه أيضاً دلالةٌ على أن أسماء الله كلها نعوتٌ، ليست أعلاماً محضةً لمجرد التعريف، بل هي أسماء مشتقةٌ دالةٌ على معانٍ هي صفاتُ كمالٍ قائمةٍ به سبحانه تُوجبُ له المدح والثناء.
(1/39)

فمن أسمائه ما يدلُّ على صفاتٍ ذاتيةٍ، ومنها ما يدلُّ على صفاتٍ فعليةٍ، ومنها ما يدلُّ على صفاتِ تقديسٍ وتنزيهٍ، ومنها ما يدلُّ على جملةِ أوصافٍ عديدة، وليس فيها مطلقاً اسمٌ لا يدلُّ على صفةٍ، والله جل وعلا أثنى على نفسه بأسمائه وتمدَّح بها، قال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الأعراف: 180]، وما كان من الأسماء جامداً غير دالٍّ على صفةٍ لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء، لا يدخل في أسماء الله؛ لأن أسماء الله كلها حسنى، أي: بالغةً في الحسن نهايته وكمالَه، وذلك لدلالَتِها على صفاتِ الكمال ونعوت الجلال لله سبحانه وتعالى.
وبهذا يتبيَّن خطأُ قولِ من عدَّ الدَّهر اسماً من أسماء الله الحسنى مُستدلاًّ على ذلك بالحديث القُدسي: "يؤذيني ابنُ آدم يَسبُّ الدهر وأنا الدهرُ بيدي الأمرُ، أُقلِّبُ الليل والنهار" متفق عليه (1)؛ إذ ليس فيه دلالةٌ على أن الدهر من أسماء الله؛ لأن الدهر هو الزمان، والله تعالى هو الذي يُقلِّبُ الليل والنهار، فمن سبَّ الدهر وهو مُسخَّرٌ مقلَّبٌ رجعتْ مسبَّته إلى مُسخِّره، ومُقلِّبه وهو الله تعالى، وقد بيَّن الله ذلك بقوله: "بيدي الأمر أقلِّبُ الليل والنهار"، والدهر اسمٌ جامدٌ لا يتضمن معنىً يُلحقُه بالأسماء الحسنى؛ لأنه اسمٌ للوقت والزمن، وأسماءُ الله كلُّها حسنى ليس فيها اسمٌ جامدٌ.
* * * *
__________
(1) رواه البخاري (رقم: 4826)، ومسلم (رقم: 2246) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/40)

(10)
اقتران أسماء الله تعالى بعضها ببعض
إنَّ مِنَ الأمور المفيد ملاحظتها في فقه الأسماء الحسنى اقترانَ أسماء الله في مواضع عديدةٍ من القرآن والسُّنَّة بعضها ببعض، نحو: "السميع البصير"، و"الغفور الرحيم"، و"الغني الحميد"، و"الخبير البصير"، و"الرؤوف الرحيم"، و"الحكيم العليم"، و"الحميد المجيد"، و"العزيز الحكيم"، و"العلي العظيم"، و"الفتَّاح العليم"، و"اللطيف الخبير"، و"الشكور الحليم"، و"العفوّ الغفور"، و"الغني الكريم"، والأمثلة كثيرة جداً لهذه الأسماء المقترنة.
ولا ريب أنَّ هذا الاقتران فيه من الحكم العظيمة والفوائد الجليلة والمنافع الكبيرة ما يدلُّ على كمال الربِّ سبحانه وتعالى مع حسن الثناء وكمال التمجيد؛ إذ كلُّ اسمٍ من أسمائه متضمِّنٌ صفة كمالٍ لله عز وجل، فإذا اقترن باسمٍ آخر كان له سبحانه ثناءٌ من كلِّ اسمٍ منهما باعتباره انفرادِه وثناءٌ من اجتماعهما، وذلك قدر زائدٌ على مُفرديهما.
وفيما يلي أمثلةٌ عديدةٌ يتَّضح بها المقصود:
1 - كثيراً ما يَردُ في القرآن مجيء "العزيز الحكيم" مقترنين، فيكون كل منهما دالاً على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزَّة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دالٌ على كمال آخر، وهو أنَّ عزَّته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزَّتُه لا تقتضي ظُلماً وجوراً وسوءَ فعلٍ كما قد يكون من أعزَّاءِ المخلوقين؛ فإن العزيز منهم قد تأخُذُه العزَّةُ بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حُكمُه تعالى وحِكمتُه مقرونان بالعزِّ الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.
(1/41)

2 - وتكرر في القرآن اقتران "الغني الحميد"، قال تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [لقمان: 26]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15]، وقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان: 12]، والغنى صفةُ كمالٍ، والحمد صفة كمال كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمالٌ آخر، فله ثناءٌ من غناه، وثناءٌ من حمده، وثناء من اجتماعهما، فمثلاً: من شكر الله على نعمائه وحمده سبحانه على فضله وعطائه فإنه سبحانه أهل الحمد والثناء، له الحمد كلُّه في الأولى والآخرة، وحمد الحامدين وشكر الشاكرين لا يزيد مُلكه شيئاً؛ لأنه سبحانه الغنيُّ فلا تنفعه طاعةُ من أطاع، ولا تضره معصيةُ من عصى (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [الأنعام: 96].
3 - وتكرَّر في سورة الشعراء ختمُ قصصِ الأنبياء مع أممهم بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الشعراء: 9]، وفيه دلالةٌ أنَّ ما قدَّره الله لأنبيائه من النصر والتأييد والرفعة ه من آثار رحمته التي اختصهم بها، فكان لهم حافظاً ومؤيداً وناصراً ومعيناً، وما قدَّره لأعدائهم من الخذلان والحرمان والعقوبة والنكال من آثار عزَّتِه، فنَصَر رُسلَه برحمته، وانتقم من أعدائهم وخذَلهم بعزَّته، فكان ذكرُ الاسمين مقرونين في هذا السياق في غاية الحكمة والمناسبة.
4 - وتكرَّر في القرآن الجمع بين "العزيز العليم"، وذلك في سياق ذكره سبحانه للأجرام العُلويَّة وما تضمنته من فلق الإصباح وجعل الليل سكناً وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يَعدوانه، وتزيين السماء الدنيا بالنجوم وحراستها، كقوله تعالى: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام: 96]، وقوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38]، وقوله تعالى: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت: 12]، فأفاد هذا الختم المشتمل على الجمع بين هذين الاسمين أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عِزَّةِ الله وعلمه، ليس أمراً اتِّفاقياً لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتِّفاقيَّة.
(1/42)

5 - وختم سبحانه أمره بالاستعاذة من الشيطان بالجمع بين "السميع العليم" في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 200]، وقوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 36]، بينما جاء الأمر بالاستعاذة من شرِّ الإنس مختوماً بـ"السميع البصير" في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [غافر: 56]، فختم الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بـ"السميع العليم"، وختم الاستعاذة من شرِّ الإنس الذين يُرونَ بـ"السميع البصير"؛ لأن أفعال هؤلاء مُعاينةً تُرى بالأبصار، وأما نزغُ الشيطان فوساوسُ وخطراتٌ يُلقيها في القلب يتعلق بها العلم.
6 - وجاء في بعض الآيات الختم بقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، ومن ذلكم قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261]، وهو مطابقٌ للسِّياق، ومن الفوائد أنه على العبد ألا يستعبد هذه المضاعفة، فإن المضاعفَ واسعُ العطاء واسع الغنى واسع الفضل، ومع ذلك فلا يُظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكلِّ أحدٍ فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها من غيره ممن ليس هو أهلاً لذلك، ومثله قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247]، وقوله: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261].
7 - وخُتِمتْ آياتٌ كثيرة في القرآن باسميه سبحانه "التوَّاب الرحيم"، كقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 37]، وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 118]، وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 12]، وذلك في سياق ذكر رحمته ومغفرته وتوفيقه وحلمه، وأنه لما كان هو التوَّاب الرَّحيم أقبل بقلوب التائبين إليه ووفَّقهم لفعل الأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم غفر لهم ورحمهم، فتاب عليهم أولاً بتوفيقهم للتوبة والأسباب، وتاب عليهم ثانياً حين قَبِل متابهم وأجاب سؤالهم لطفاً منه بهم ورحمة.
(1/43)

8 - وجاء في القرآن ختم بعض الآيات المشتملة على أسباب الرحمة وأسباب العقوبة بالجمع بين اسميه "الغفور الرحيم"، وفي هذا دلالة على عظيم مَنِّه سبحانه وأن رحمته سبقت غضبه وصار لها الظهور وإليها ينتهي كل من وجد فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة.
وهذا بابٌ واسعٌ للمتدبِّر والمتأمِّل، وبالله وحده التوفيق.
* * * *
(1/44)

(11)
قاعدة: أسماء الله تعالى أعلامٌ وأوصاف
إنَّ مِن القواعد المفيدة في باب فقه الأسماء الحسنى أن أسماءه الحسنى سبحانه وتعالى أعلامٌ وأوصافٌ، والوصف بها لا ينافي العلمية، فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمّىً واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالحيُّ العليمُ القديرُ السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم كلُّها أسماءٌ لمسمى واحد وهو الله عز وجل، لكن للحيِّ معنى خاص، وللسميع معنى خاص، وللبصير معنى خاص، فالحيُّ يدلُّ على صفة الحياة، والسميع يدلُّ على صفة السمع، والبصير يدلُّ على صفة البصر، وهكذا، فهي بهذا الاعتبار متباينة لدلالة كل اسم منها على معناه الخاص.
وقد تنوعت الدلائل في الكتاب والسنة على اشتمال أسماء الله الحسنى على المعاني والأوصاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معانٍ متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل الأعلى وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى" (1).
وأبرز هذه الأدلة ما يلي:
أولاً: أن الله وصف أسماءه بأنها كلها حسنى أي: بالغة في الحسن تمامه وكماله، لاشتمالها على أوصاف الكمال ونعوت الجلال، ولو كانت أعلاماً جامدةً غير دالةٍ على معانٍ لم تكن حسنى.
__________
(1) "مجموع الفتاوى" (6/ 71 - 72).
(1/45)

ثانياً: إخبارُ الله عن نفسه بتفرُّده بالمثل الأعلى في قوله: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [النحل: 60]، وقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [الروم: 27]، قال ابن كثير رحمه الله: " (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) أي: الكمال المطلق من كلِّ وجهٍ، وهو منسوبٌ إليه" (1).
وذكر ابنُ القيِّم رحمه الله من جملة المعاني التي يُفسَّر بها المثل الأعلى ثبوت الصفات العليا لله سبحانه.
ثالثاً: ما ورد في القرآن من إثبات الحمد له سبحانه وتفصيل محامده.
فمن أسمائه سبحانه "الوهَّاب"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39].
ومن أسمائه سبحانه "الخالق"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [الأنعام: 1].
من أسمائه سبحانه "القُدُّوس السلام"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111].
ومن أسمائه "الملك والعليم"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) [سبأ: 1 - 2].
رابعاً: أن في القرآن إثباتاً لأسماء الله وإثباتاً للصفات التي دلت عليها تلك الأسماء.
فسمَّى نفسه "العزيز"، ووصف نفسه بالعزة في قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: 10].
__________
(1) "تفسير ابن كثير" (4/ 496 - ط. الشعب).
(1/46)

وسَمَّى نفسه "العليم" ووصف نفسه بالعلم في قوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: 255]، وقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) [هود: 14].
وسمَّى نفسه "القويَّ" ووصف نفسه بالقُوَّة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58].
وسمَّى نفسه "الرحمن الرحيم"، ووصف نفسه بالرحمة في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) [الكهف: 58].
وسمى نفسه "الحكيم"، ووصف نفسه بالحكم في قوله تعالى: (لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88]، وقوله: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62].
وسمَّى نفسه "القدير" ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو القدرة، كما في دعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرُك بقُدرتك" رواه البخاري (1)، وفي قوله: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما (2).
وسمَّى نفسه "البصير" ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو بصر بقوله: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حِجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحاتُ وجهِهِ ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقه" رواه مسلم (3).
فسمَّى نفسه "السميع" وأخبر عن نفسه بالفعل الذي يقتضيه هذا الاسم في قوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1]، وقوله: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46].
__________
(1) (رقم: 1166) من حديث جابر رضي الله عنه في صلاة الاستخارة.
(2) "مسند الإمام أحمد" (4/ 264)، و"سنن النسائي" (رقم: 1305)، ورواه ابن حبان (رقمن: 1971)، والحاكم (1/ 705) وصححه من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه.
(3) في "صحيحه" (رقم: 179) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(1/47)

وسمَّى نفسه "العليم" وأخبر عن نفسه بالفعل من ذلك في قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: 110]، وقوله: (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس: 76]، وقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].
وسمَّى نفسه "الغفور" وأخبر عن نفسه بالفعل من ذلك: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [النور: 22]، وقوله: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [القصص: 16]، وقوله: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [هود:47].
وسمَّى نفسه "الرحيم" وأخبر عن نفسه بالفعل من ذلك بقوله: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [هود: 118 - 119]، وقوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) [العنكبوت: 21].
سادساً: أنه تبارك وتعالى سمى نفسه في القرآن بأسماء، ثم نزَّه نفسه عما يضادُ ما دلَّت عليه من الصفات.
فسمَّى نفسه "الحي القيوم"، ونزَّه نفسه عن السِّنَةِ والنوم المنافية لكمال حياته وقيوميته بقوله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ).
وسمَّى نفسه "القوي"، ونزَّه نفسه عن اللغُوب وهو التَّعب وعن أن يؤُوده أي: يُثقِلَه حفظُ السموات والأرض لمنافاة ذلك لكمال قوته بقوله: (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) [ق: 38]، وقوله: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا).
وسمَّى نفسه "العليم"، ونزَّه نفسه عن الغفلة والنسيان لمنافاة ذلك لكمال علمه بقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 74]، وقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64].
وسمَّى نفسه "الغنيّ"، ونزه نفسه عما ينافي كمال غناه بقوله: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) [الأنعام: 14]، وقوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 57 - 58].
(1/48)

والأمثلة على هذا كثيرة، والقاعدة على هذا الباب مطَّرِدةٌ؛ أنَّ كلَّ ما نفاه الله عن نفسه ونزَّه نفسه عنه فهو متضمن لثبوت كمال ضدِّ المنفيِّ له تبارك وتعالى.
سابعاً: ورد في السُّنَّة أحاديث مشتملةٌ على إثبات المعاني والصفات لأسماء الله الحسنى، كقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء النوم: "اللهم أنت الأولُ فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيء" رواه مسلم (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً" رواه أبو داود وغيره (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم وإليه الحُكم" رواه أبو داود وغيره (3)، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر عندما سأله أن يعلمه دعاء يقوله في صلاته وبيته قال: قل: "اللهم إني ظلمتُ نفسي ظُلماً كثيراً ولا يغفرُ الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عِندِكَ وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" متفق عليه (4).
إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على أنَّ أسماء الله أعلامٌ وأوصاف، وأنها ليست أعلاماً محضة وأسماءً صرفةً دالةً على معانٍ، بل كلُّها أسماء حسنى متضمنة ثبوت أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال للرَّبِّ عز وجلَّ على الوجه اللائق به، عزَّ شأنه وتعالى جدُّه.
* * * *
__________
(1) في "صحيحه" (رقم: 2713) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) "سنن أبي داود" (رقم: 1488)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3556)، و"سنن ابن ماجه" (3865)، و"صحيح ابن حبان" (رقم: 876) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه.
(3) "سنن أبي داود" (رقم: 4955)، و"سنن النسائي" (رقم: 5387)، و"مستدرك الحاكم" (1/ 24) من حديث هانئ بن يزيد رضي الله عنه.
(4) "صحيح البخاري" (رقم: 834)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2705).
(1/49)

(12)
تقسيم أسماء الله من حيث الدلالة
إن من القواعد المفيدة في باب فهم الأسماء الحسنى أنها من حيث دلالتها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما دلَّ على صفة متعدِّية، والفعل المتعدِّي: هو ما يتعدَّى أثرُه فاعله ويتجاوزه إلى المفعول به، ولذا يقال له: "الفعل المجاوز"، وما كان من الأسماء كذلك فإنه يتضمَّن ثلاثة أمور:
الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
مثال ذلك: "السميع" يتضمن إثبات السميع اسماً لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].
وكذلك اسمه: "الرحيم" يتضمَّن إثبات الرحيم اسماً لله تعالى، والرحمة صفةً له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يرحم من يشاء.
وهكذا يقال في جميع الأسماء التي من هذا النوع: كالغفور، والرَّزَّاق، والكريم، والبصير، والبارئ، والخالق، والمصوِّر، والحفيظ، والرب، والقيوم، والرؤوف، والفتَّاح، والعفو، واللطيف.
القسم الثاني: ما دل على صفة لازمة، وهو ما لا يتعدَّى أثرُه فاعله ولا يتجاوزه إلى المفعول به، ولذا يقال له: "الفعل غير المجاوز"، وما كان من الأسماء كذلك فإنه يتضمن أمرين:
(1/50)

الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمَّنها لله عز وجل.
مثال ذلك: "الحي" يتضمن إثبات الحي اسماً لله عز وجل، وإثبات الحياة صفةً له، وكذلك "العظيم" يتضمن إثبات العظيم اسماً لله عز وجل، وإثبات العظمة صفة له.
وهكذا يقال في جميع الأسماء التي من هذا النوع، كالعلي، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والأحد، والقوي والمتين.
قال ابن القيم رحمه الله في سياق تقريره لهذه القاعدة: "الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر به عنه فعلاً ومصدراً، نحو السميع البصير القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدر'، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك؛ نحو: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ)، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: 23]، هذا إن كان الفعل متعدِّياً، فإن كان لازماً لم يخبر عنه به؛ نحو: الحي، بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال: حَيِيَ" (1).
ومن القواعد المفيدة في فقه الأسماء الحسنى أن الاسم من أسمائه سبحانه له ثلاث دلالات.
- دلالة على الذات والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم؛ كاسم الحي -مثلاً- فإنه دالٍّ على الذات وعلى صفة الحياة بالمطابقة، ودال على الذات وحدها وعلى صفة الحياة وحدها بالتضمن، ودال على القدرة والسمع والبصر والعلم من الصفات باللزوم (2).
ودلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على كامل معناه، ودلالة التضمُّن هي دلالة اللفظ على بعض معناه، ودلالة اللزوم هي دلالة اللفظ على أمر خارج معناه.
__________
(1) "بدائع الفوائد" (1/ 170).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (7/ 185)، و"مدارج السالكين" (1/ 30).
(1/51)

ومن القواعد المفيدة أيضاً في هذا الباب أن أسماء الله الحسنى كلها مختصة بالله عز وجل، فإضافتها إليه تعني اختصاصه بها، فله سبحانه الكمال المطلق لا شريك له ولا سميَّ له ولا مثيل تعالى الله عن ذلك.
يدل لذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الأعراف: 180]، وقوله: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر، أي: قصر كمال الحسن الثابت لأسمائه سبحانه عليه، أما حكم تسمية البشر بأسماء الله فالأمر في هذا يكون على وجهين:
الأول: ما كان من أسماء الله علماً مختصاً به سبحانه وتعالى، كلفظ الجلالة "الله" و"الرحمن" و"الخالق" و"الباري" و"القيُّوم" فلا يجز تسمية غيره به؛ لأن مسماه معين لا يقبل الشركة، فالله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والرحمن يدل على كمال رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهو بكثرة استعماله صار علماً بالغلبة عليه سبحانه مختصّاً به، والخالق من يُوجِد الشيء على غير مثال سابق، والبارئ من يوجد الشيء بريئاً من العيب، وذلك لا يكون إلا من الله وحده، فلا يسمى به إلا الله تعالى، والقيوم هو المستغني عن غيره المفتقر إليه كل من سواه، وذلك مختص بالله.
فهذا النوع من الأسماء يمتنع تسمية غيره بشيء منها.
الثاني: ما كان من الأسماء له معنى كلي تتفاوت فيه أفراده، كالملك والعزيز والجبار والمتكبر، فيجوز تسمية غيره بها، فقد سمى الله نفسه بهذه الأسماء وسمى بعض عباده بها، كقوله تعالى: (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) [يوسف: 51]، وقوله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35]، ولا يلزم من ذلك التماثل؛ لأن الإضافة تقتضي التخصيص، فما يضاف إلى الله منها يخصه ويليق به سبحانه وبجلاله وكماله، وما يضاف منها إلى المخلوق فعلى معنى خاص يليق بالمخلوق وينقصه وضعفه.
فهذا صواب القول في هذه المسألة، قال ابن كثير رحمه الله: "والحاصل: أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك" (1).
__________
(1) "تفسير ابن كثير" (1/ 36).
(1/52)

ومما يلتحق بهذا أن الواجب تجاه أسماء الله احترامها ومراعاة الأدب نحوها، ومن هذا الاحترام ألا يسمى أحدٌ باسم فيه نوع مشاركة لله في أسمائه، كقاضي القضاة، وملك الملوك، وحاكم الحكام، ونحوها حفظاً للتوحيد وصيانةً لجناب أسماء الله وصفاته، ودفعاً لوسائل الشرك وسدّاً لمنافذه.
ففي "الصحيحين" (1) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمّى ملك الأملاك"، زاد مسلمٌ في روايته: "لا مالك إلا الله عز وجل".
وفي "سنن أبي داود" وغيره عن أبي شريح رضي الله عنه: "أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم، وغليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟ قال: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح" (2)، فأرشده صلى الله عليه وسلم إلى تغيير كنيته مراعاة للأدب في حق أسماء الله ولو لم تُقصد المشاركة.
* * * *
__________
(1) "صحيح البخاري" (5853)، و"صحيح مسلم" (2143).
(2) أخرجه أبو داود (4955)، والنسائي (5387)، وصحَّحه الألباني في "صحيح أبي داود" و"صحيح النسائي".
(1/53)

(13)
قاعدة
أسماء الله الحسنى مختصّة به لائقة بجلاله
إن من القواعد المهمة والأصول المفيدة في باب فقه أسماء الله الحسنى أن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مختصة به سبحانه لائقة بجلاله وكماله وعظمته، كما قال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، وإضافتها إليه سبحانه تدل على اختصاصه بها، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصةٌ به لا يشركه فيها غيره، ولا ندَّ له فيها ولا نظير ولا سميَّ ولا مثيل، وقد سمى الله تبارك وتعالى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، وإضافتها إليهم تدل على اختصاصهم بها وأنها تليق بحالهم ونقصهم وضعفهم، وقد جاءت هذه الأسماء موافقة لتلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولا يلزم من اتفاق تلك الأسماء اتفاق الحقائق والمسميات.
وبيان هذا يتَّضح بإيراد أمثلة عديدة يستبين بها المراد ويظهر المقصود.
فقد سمَّى الله نفسه حياً فقال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وسمى بعض عباده حياً فقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) [يونس: 31]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به، وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اسم للحي المخلوق مختص به، وهذان الاسمان يتَّفقان إذا جُرِّدا من الإضافة والتخصيص في معنى الحياة المعلوم وهو ضد الموت، أما في حال الإضافة والتقييد فلكل من المسميين بهذا الاسم ما يليق به.
فالحياة المضافة إلى الله حياة مختصة به سبحانه تليق بجلاله وكماله، إذ هي حياة كاملة غير مسبوقة بعدم ولا يلحقها فناء أو زوال ولا يعتريها نقصٌ أو ضعف ولا يتخللها سِنَةٌ أو نوم، متضمنةٌ لكمال صفاته وعظمة نعوته.
(1/54)

والحياة المضافة إلى المخلوق حياةٌ مختصةٌ به تليق بضعفه ونقصه وكونه مخلوقاً، فهي حياةٌ مسبوقةٌ بعدم، كما قال سبحانه: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) [الإنسان: 1]، آيلةٌ إلى موت وهلاك، كما قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: 88]، مصحوبة بضعف، كما قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28].
وسمَّى سبحانه نفسه عليماً كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنفال: 61]، وسمى بعض عباده عليماً فقال: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الذاريات: 28] يعني إسحاق عليه السلام، وعلم الله مختص به، فهو علم كامل غير مسبوق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا يعتريه نقص، بخلاف علم الإنسان فإنه علم ناقص (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]، مسبوق بجهل (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل: 78]، وآيلٌ إلى قصور وضعف (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [النحل: 70].
وسمَّى سبحانه نفسه حليماً كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء: 44]، وسمى بعض عباده حليماً كما في قوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101] يعني إسماعيل عليه السلام، وليس الحليم كالحليم.
وسمَّى نفسه سميعاً بصيراً فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58]، وسمى بعض خلقه سميعاً بصيراً فقال: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2]، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير.
وسمَّى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 143]، وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 128]، وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم.
(1/55)

وسمَّى نفسه بالملك فقال: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) [الحشر: 23]، وسمى بعض عباده بالملك فقال: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) [الكهف: 79]، وكل ملك لدى العباد فهو ملك زائل، وهو بيد الله المعطي المانع الخافض الرافع القابض الباسط (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26].
وسمَّى نفسه بالعزيز فقال: (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) [الحشر: 23]، وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) [يوسف: 51]، وليس العزيز كالعزيز.
وسمَّى نفسه بالجبار المتكبِّر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبِّر فقال: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 53]، وليس الجبار كالجبار ولا المتكبِّر كالمتكبِّر.
وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: 255]، وقال: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: 166]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]، وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) [فصلت: 15]، وسمى صفة المخلوق علماً وقوة فقال: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]، وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76]، وقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم: 54]، وقال: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [هود: 52]، وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة.
وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 28 - 29]، وقال: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الإنسان: 29 - 30].
وكذلك وصف نفسه بالإرادة ووصف عبده بالإرادة فقال: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 67].
(1/56)

وكذلك وصف نفسه بالمحبّة ووصف عبده بالمحبّة فقال: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54].
ووصف نفسه بالرِّضا ووصف عبده بالرِّضا فقال: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [البينة: 8].
إلى غير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة جداً في القرآن الكريم، والواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا يحب ولا يرضى كان معطلاً جاحداً، ومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضىً كرِضاي فهو مشبه ممثل، والحق قوام بين ذلك بالإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، ولا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في الحقائق والمسميات كما هو واضح بما سبق.
* * * *
(1/57)

(14)
أسماء الله تعالى غير محصورة
إن من القواعد المهمة في باب الأسماء والصفات أن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحدُّ بعدد معين، وقد ورد في السنة النبوية دلائل واضحات تُقرِّر هذا الأمر وتجلِّيه، ومن ذلك ما رواه مسلمٌ في "صحيحه" (1) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفراش، فالتمستُه فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يحصي ثناء عليه ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى الثناء عليه.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي" متفق عليه (2).
فدلَّ الحديث على أن هناك محامد من أسماء الله وصفاته يفتح الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، وهي بلا شكٍّ غير المحامد المأثورة في الكتاب و السنَّة.
وأيضاً فقد ثبت في "المسند" (3) وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً".
__________
(1) (رقم: 486).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 4712)، و"صحيح مسلم" (رقم: 194) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) (1/ 391).
(1/58)

قال ابن القيِّم رحمه الله: "فجعل أسماء الله ثلاثة أقسام:
قسم سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.
وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده.
وقسمٌ استأثر به في علم غيبه، فلم يُطلِع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به" أي: تفرَّدتَ بعلمه" (1).
وبهذه الدلائل الواضحة يتبيَّن أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وأما الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ... " فلا يفيد حصر أسماء الله في هذا العدد المعين المذكور في الحديث، بل قصارى أمره الدلالة على فضيلة إحصاء هذا العدد من أسماء الله.
والكلامُ في هذا الحديث جملةٌ واحدةٌ، فقوله: "من أحصاها" صفةٌ وليس خيراً مستقلاً، والمعنى: أن لله تسعة وتسعين اسماً من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينافي أن يكون له أسماءٌ غيرها، ولهذا نظائر كثيرة في كلام العرب، كما تقول: إن عندي تسعة وتسعين درهماً أعددتها للصدقة، فإن هذا لا ينافي أن يكون عندك غيرها معدة لغير ذلك، وهذا أمرٌ معروفٌ لا خلافَ بين العلماء فيه.
قال النووي رحمه الله: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها داخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم" (3).
__________
(1) "بدائع الفوائد" (1/ 175 - 176).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 2736)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2677).
(3) "شرح صحيح مسلم" (17/ 5).
(1/59)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة؛ معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسماً؛ فإنه في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في "صحيحه": "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي"، وثبت في "الصحيح" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (1).
وبهذا يعلم أنَّ أسماء الله الحسنى ليست محصورة في عدد معين، بل إن أسماء الله الحسنى المذكورة في القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ليست محصورة في هذا العدد المذكور في الحديث، وإنما قصارى أمره -كما تقدم- الدلالةُ على أن الله تسعة وتسعين اسماً من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة؛ ولذا قرر أهل العلم رحمهم الله أن الأسماء الواردة في القرآن والسنة تزيد على هذا العدد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين" (2).
وعلى هذا؛ فإنَّ مَن جمع من أهل العلم تسعةً وتسعين اسماً من أسماء الله، وجمع غيره أسماء أخرى، فتوافَقَا في بعضها واختلفا في بعض، لا يعني ذلك أن ما اختلفا فيه بعضه ليس من أسماء الله لتجاوز ذلك التسعة والتسعين، بل قد يكون ما جمعاه كله من أسماء الله وإن تجاوز التسعة والتسعين، وعلى كل فالعبرة في صحَّة ذلك الاسم وثبوته قيام الدليل عليه من الكتاب والسنَّة.
__________
(1) "درء التعارض" (3/ 332 - 333).
(2) "مجموع الفتاوى" (22/ 482).
(1/60)

وإذا تبين خطأُ قول مَن حصر أسماء الله في تسعةٍ وتسعين اسماً بناءً على فهم خاطئ للحديث، فإن قول من قال: إنها ثلاثمائة أو ألف أو أربعة آلاف أو غير ذلك من الأرقام فخطؤه ظاهر؛ لأنه قولٌ عارٍ عن البيِّنة وكلامٌ مجردٌ لا دليل عليه ولا برهان، والله تعالى يقول: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33]، ويقول: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: 36]. والله تعالى أعلم.
* * * *
(1/61)

(15)
لم يثبت في سرد الأسماء الحسنى حديث
وبيان معنى إحصائها
تقدم بيان أن أسماء الله حسنى غير محصورة في عدد معين، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق-: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً؛ من أحصاها دخل الجنة" لا يفيد حصرها بهذا العدد، وإنما يدل على عظم شأن وكبر ثواب من أحصى هذا العدد من أسماء الله عز وجل.
والكلام هنا سيكون في مسألتين:
الأولى: بيان أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في سرد الأسماء الحسنى شيء، وكل ما ورد في ذلك فهو ضعيف لا يحتج به، كما بين ذلك أثمة هذا الشأن وأهل المعرفة بحديثه صلى الله عليه وسلم.
وقد رُويَ هذا الحديثُ بسرد الأسماء من ثلاث روايات، وجميعها لا يثبت:
1 - الرواية الأولى: عن عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ... وذكر الحديث بسرد الأسماء. رواه الحاكم وغيره (1). وعبد العزيز هذا ضعيف لا يحتج به، قال البخاري عنه: ليس بالقوي عندهم، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حجر: متفق على ضعفه (2).
2 - الرواية الثانية: عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير ابن محمد التميمي، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: ... وذكر الحديث بسرد الأسماء. رواه ابن ماجه (3). وعبد الملك ضعيف لا
__________
(1) "المستدرك" (1/ 17). ورواه العقيلي في "الضعفاء" (3/ 15) من طريق أيوب- وحده- به.
(2) ينظر: "لسان الميزان" (4/ 28).
(3) في "السنن" (3861).
(1/62)

يحتج به. قال ابن حبان عنه: "كان يجيب فيما يسأل عنه، وينفرد بالموضوعات، ولا يجوز احتجاج بروايته، وهو لين الحديث" (1)، وقال الذهبي: "ليس بحجة" (2).
وشيخه زهير بن محمد، قال فيه ابن حجر: "رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضُعِّف بسببها"، وهذه الرواية منها؛ لأن عبد الملك شاميّ من صنعاء دمشق.
3 - الرواية الثالثة: عن الوليد بن مسلم قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: .... وذكر الحديث بسرد الأسماء رواه الترمذي وغيره (3). لكنه ضعيف لا يصلح أن يحتج به لعلل عديدة تقدح في صحته، بينّها الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: "وليست العلَّة عند الشيخين تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج" (4).
وقال الترمذيّ عقب هذه الرواية: "ورُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.
وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح" أهـ.
ولذا قرَّر أئمة هذا الشأن ضعفَ الحديث وعدم صلاحيته للاحتجاج، وأنَّ هذا السرد للأسماء ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض السَّلف، جمعه تسهيلاً للناس، فأدرجه بعضهم في الحديث حتى ظُنَّ أنه منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين [أي: رواية الترمذي من طريق الوليد، ورواية ابن ماجه من طريق
__________
(1) "المجروحين" (2/ 136).
(2) "الكاشف" (2/ 188).
(3) "جامع الترمذي" (3507)، ورواه ابن حبان (808)، والحاكم (1/ 16).
(4) "فتح الباري" (11/ 219).
(1/63)

عبد الملك] ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسراً في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانها عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى، وهذا مما يبيِّن لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق وليست من كلامه، ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع، واستخرجوها من القرآن، منهم سفيان بن عيينة، والإمام أحمد وغيرهم" (1).
المسألة الثانية: بيان معنى الإحصاء الوارد في الحديث المرتب على تحقيقه دخول الجنة، ولا ريب أن هذا فضل عظيم يحرك في النفس الجدَّ في نيل هذا المطلب العظيم، والسعي في تكميله، والحرص الشديد على تحقيقه.
ولقد ظن بعض الناس خطأً أنَّ المراد بإحصاء أسماء الله المرغب فيه في هذا الحديث هو عد ألفاظ تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله، واستظهارها في القلب، والتلفظ بها في أوقات معينة مخصوصة، وربما جعلها بعضهم في جملة ذكره لله في صباحه ومسائه دون فقه من هؤلاء بمعاني هذه الأسماء الجليلة العظيمة، أوت دبر لمدلولاتها، أو تحقيق لموجباتها ومستلزماتها، أو عمل بمقتضياتها ومتطلباتها.
ولقد نبَّه العلماء رحمهم الله أنه ليس المرادُ بإحصاء أسماء الله عدَّ حروفها فقط بلا فقه لها أو عمل بما تقتضيه، بل لابد في ذلك من فهم معناها والمراد بها فهماً صحيحاً سليماً، ثم العمل بما تقتضيه.
قال أبو عمر الطلمنكي رحمه الله: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفةُ بالأسماء والصفات، وما تتضمَّن مِنَ الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني" (2).
__________
(1) "مجموع الفتاوى" (6/ 379 - 380) باختصار. وانظر "مجموع الفتاوى" (22/ 483).
(2) "فتح الباري" لابن حجر (11/ 226).
(1/64)

فنبَّه رحمه الله إلى أن تمام المعرفة بالأسماء الحسنى التي ينال الداعي لله بها هذا الثواب العظيم الوارد في الحديث إنما يكون بالمعرفة بالأسماء والصفات وبما تتضمنه من فوائد وتدل عليه من حقائق، لا عدُّها فقط دون فهم لها أو علم بما تدل عليه وتقتضيه.
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "بدائع الفوائد" أن لإحصاء أسماء الله الحسنى ثلاث مراتب بتكميلها وتحقيقها ينال العبد ثواب الله العظيم المذكور في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها.
المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة (1).
فبتحقيق هذه المراتب الثلاثة العظيمة يتحقق للعبد الإحصاء لهذا القدر من أسماء الله الحسنى.
ولهذا الغرض أفرد عدد من أهل العلم مصنفات خاصة في عدِّ تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله الحسنى مع ذكر دلائلها وبراهينها وتوضيح معانيها ودلالاتها، وتبيين موجباتها ومقتضياتها، وإبراز آثارها وثمرات العمل بها ومعرفتها، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة المتعلقة بهذا العلم الشريف الذي هو أجلّ العلوم وأرفعها شأناً.
* * * *
__________
(1) "بدائع الفوائد" (1/ 164).
(1/65)

(16)
التّحذير من بعض المسالك المنحرفة
في باب الأسماء والصفات
إن مما يتأكد ملاحظته ورعايته والعناية به فيما يتعلق بأسماء الله الحسنى أن يعلم أن الخطأ فيها ليس كالخطأ في أيِّ اسم آخر، فهي أسماءٌ للرب المجيد والخالق العظيم، الخطأ فيها انحراف وضلال، والغلط فيها زيغ وإلحاد، وهذا يستوجبُ من كل عاقل ألا يتكلَّم فيها إلا بعلم، ولا يقرِّر شيئاً يختص بها إلا بدليل من القرآن والسنَّة، ومن خاض فيها بغير هذا ضلَّ السَّبيل؛ إذ كيف يرام الوصول إلى تحقيق الأصول بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولما خاض أقوامٌ أسماء الله مقرِّرين أموراً تختصُّ بأسماء الله دون أن يكون لهم عليها مستندٌ مِنَ الكتاب والسُّنة أتوا بالغرائب والعجائب في هذا الباب، وكأنهم لم يشعروا بحرمة هذه الأسماء وعظيم شأنها وخطورة الخوض فيها بلا بيِّنةٍ ولا مستند، والله المستعان.
ولا بأس من الإشارة هنا إلى شيء من هذه المخالفات ليكون المسلم منها على حذر وفي حيطة لدينه وتعظيمٍ لأسماءِ ربِّه ومراعاة لحرمتها واحترامها.
فمن ذلكم نشرةٌ توزّع في الآونة الأخيرة درجت بين العوام والجهال، يزعم كاتبها أن أسماء الله الحسنى لكل اسم منها خاصية شِفائيةٌ لمرض معين، فلأمراض العين اسمٌ، ولأمراض الأذن اسمٌ، ولأمراض العظام اسمٌ، ولأمراض الرأس اسمٌ، وهكذا، وحدد لتلك الأمراض أعداداً معينة من تلك الأسماء.
وهذا من الباطل الذي ما أنزل الله به من سلطان، ولا قامت عليه حجةٌ ولا برهان، بل ليس في الأذكار المشروعة والرقى المأثورة إلا ما هو جملة تامة، وليس فيها تكرار لاسم بهذه الطريقة المزعومة في تلك النشرة.
وقد ارتكب بهذا العمل جنايتين:
(1/66)

الأولى: إدخالُ الناس في هذا العمل المحدث غير المشروع.
والثانية: شغلُ الناس عن الأذكار المأثورة والرُّقى المشروعة في الكتاب والسنة.
ومن الأخطاء في هذا الباب جعل بعضهم أسماء الله الحسنى تعاليقَ وحُرُوزاً تعلقُ على السيارات أو في البيوت لغرض الحفظ والوقاية من العين أو الحسد أو نحو ذلك، وهذا عمل لا يشرع إذ ليس في أدلة الكتاب والسنة ما يدل على مشروعيته، بل دلَّت النصوص على المنع من مثل هذه الأعمال في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له" رواه أحمد وغيره (1)، ونحوه من الأحاديث.
ومن الأخطاء في هذا الباب جعلُ الأسماء الحسنى في لوحات جمالية، ومناظر حائطية تزينُ بها الجدران، وتجمَّلُ بها المجالس بأشكال مزخرفة وخطوطٍ منمقةٍ، بحيث يكون أثرها على من يراها مدح اللوحة من حيث جمالُ خطها وحسنُ زخرفتها وأناقةُ منظرها، أما تأثيرها على القلوب قوةٌ في الإيمان وصلاحاً في الأعمالفهو أمر آخر لا يتحققُ بمثل هذا العمل غير المشروع.
ومِنَ الأخطاء في هذا الباب ظنُّ بعضِهم أن إحصاء أسماء الله الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً مائةً إلا واحداً مَن أحصاها دخل الجنة" يكونُ بجعلها ورداً يوميَّاً يقرؤه مرة إذا أصبح ومرة إذا أمسى، أو يقرؤه أدبار الصلوات المكتوبة، وربما كرر بعضهم الاسم الواحد عشرات المرات أو مئات المرات.
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (4/ 154)، ورواه ابن حبان (6086)، والحاكم (4/ 216، 417) كلهم من طريق حيوة بن شريح، عن خالد بن عبيد المعافري، قال: سمعت مِشرح بن هاعان يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (فذكره).
وفي إسناده خالد بن عبيد تفرد عنه حيوة بن شريح، ولم يوثقه غير ابن حبان بذكره إياه في "الثقات" (6/ 261)، لكنه توبع.
تابعه عبد الله بن لهيعة فيما أخرجه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص/320 - 321) عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، عن عبد الله بن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، به.
والحديث بهذين الطريقين يكون حسناً لغيره.
(1/67)

وكلُّ هذا عملٌ محدثٌ لا دليل على مشروعيته، وقد سبق بيان أن الإحصاء لها يكون بحفظها وفهم معانيها ودعاء الله بها دعاء العبادة ودعاء المسألة.
وقد يغلُو بعضُ الناس في هذا الباب فيزعمون أن لكلِّ اسمٍ من أسماء الله الحسنى خواصَّ وأسراراً تتعلَّق به، وأن لكلِّ اسم خادماً روحانياً يخدم من يواظبُ على الذِّكر به، ويزعم بعض مَن سارُوا في هذا الطريق أنهم يكشفون بأسماء الله أسرار المغيَّبات والخافي مِنَ المكنونات، ويزعم بعضهم أن عنده اسم الله الأعظم يفتح به المغلقات ويخرق به العادات ويكون له به من الخواصِّ ما ليس لغيره.
وهذا فتحٌ لباب الخرافة على مصراعيه، بل إن كثيراً من السحرة والمشعوذين دَخلُوا من هذا الباب كيداً للناس وتحصيلاً للمطامع ونشراً للشرِّ، زاعمين أنهم يُسَخِّرُون غيرهم ويؤثِّرون فيهم، ويعلمون المستور مِنَ الأخبار بما اطلعوا عليه وعرفوه من أسماء الله الحسنى، وكل ذلك مِن الكذب البيِّن والافتراء الواضح، ومِنَ الاستخفاف بالعوام والجهال، ومِن القول على الله وفي دين الله بلا حُجَّة ولا بُرهان بل بالإفك الواضح والبهتان.
ومن الأخطاء في هذا الباب أن يتوجه العبد في ندائه أو عبادته إلى الاسم نفسه، فهذا من الخطأ؛ إذ لا يجوز لأحد أن يقول: عبدت اسم ربي، أو سجدت لاسم ربي، ولا أن يقول: يا اسم ربي ارحمني، ولهذا لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: 1]، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 74] امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله في سجوده: سبحان ربي الأعلى، وبقوله في ركوعه: سبحان ربي العظيم.
كما أن من الخطأ أيضاً أن يتوجَّه في الدعاء إلى الصفة نفسها كأن يقول: يا رحمة الله أو يا مغفرة الله أو يا عزَّة الله أو يا وجه الله أو يا يد الله أو نحو ذلك، فكل ذلك من الخطأ؛ لأن الدعاء إنما يصرف لمن اتصف بها وهو الله سبحانه وتعالى.
ومن الأخطاء في هذا الباب التعبيد بالاسم لغير الله، كعبد النبي أو عبد الكعبة وعبد عمر ونحو ذلك، وقد اتفق العلماء رحمهم الله على تحريم ذلك؛ لأنه شركٌ في الرُّبوبيَّة والألوهية؛ فإنَّ الخلق كلَّهم ملكٌ لله وعبيدٌ له، تفرَّد سبحانه بخلقهم وإيجادهم، وخَلَقَهُم ليُفرِدُوه وحده بالعبادة.
(1/68)

ومن الأخطاء كذلك إعطاءُ بعض المخلوقين كالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره شيئاً من أسماء الله الحسنى المختصة به، كقول أحدهم: هو الأول والآخر محمد، هو الظاهر والباطن محمد.
ومن الأخطاء في هذا البحث فعل ما ليس فيه مراعاة لحرمة أسماء الله وتحقيقٌ لاحترامها، وقد دلَّت النصوص على المنع مِنَ التسمِّي بأسماء الله تعالى المختصَّة به، والمنع من كل ما يوهم عدم الاحترام لها، وهذا باب واسعٌ، والله تعالى يقوم: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) أي: تعظيماً، وأسماءُ الله لله، وتعظيمها من تعظيمه سبحانه.
ومِنَ الأخطاء التي شاعت في هذا الزمان- وهي تتنافى مع ما ينبغي مِنَ التعظيم لأسماء الله- إلقاءُ الأوراق والكتب والصحف المشتملة على أسماء الله في الأرض أو الزبالات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يردَّ السلام حال كونه في الخلاء احتراماً لاسم الله وذكره فكيف يليق بأتباعه إلقاء أسماء الله الحسنى ورميها في الأرض دون مبالاة أو اهتمام، هذا وإنَّ مِنَ الطاعات العظيمة تخصيصَ حاويات تُجمع فيها الأوراقُ المحترمة، احتراماً لأسماء الله وكلامه ورعايةً لحرمتها، والله المستعان.
* * * *
(1/69)

(17)
تفاضل أسماء الله وصفاته
لقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة على تفاضل أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، بل ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن لله اسماً أعظم، إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، ومن قال بعدم تفاضل الأسماء الحسنى فقولُه مجانبٌ للصواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه ... ، وكما أنَّ أسماءه وصفاته متنوِّعةٌ فهي أيضاً متفاضلة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع مع العقل" (1) أهـ.
والدلائل على ثبوت التفاضل في أسماء الله جل وعلا كثيرةٌ، ومن هذه الدلائل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار الصحيحة أن لله اسماً أعظم إذا سئل به أعطى، وإذا دعيَ به أجاب، ولا ريب أن هذه فضيلةٌ عظيمة اختص بها هذا الاسم الذي وصف بأنه اسم الله الأعظم، ولعلنا نقف على طرف من الأحاديث الواردة في ذلك، ثم نقف بعد ذلك على كلام بعض أهل العلم في تعيينه.
روى الإمام أحمد في "المسند" وأبو داود، والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى" (2)، وزاد أبو داود والنسائي في آخره: "يا حي يا قيوم".
__________
(1) "جواب أهل العلم والإيمان" (ص/197 - 200). وراجع "شفاء العليل" لابن القيم (2/ 744).
(2) "مسند أحمد" (3/ 158)، و"سنن أبي داود" (رقم: 1495)، و"سنن النسائي" (رقم: 1300).
ورواه أيضاً ابن حبان (893)، والحاكم (1/ 503) كلهم من طريق خلف بن خليفة، عن حفص ابن أخي أنس، عن أنس. وإسناده جيد. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(1/70)

وروى ابن ماجه والحاكم وغيرهما عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن: في البقرة وآل عمران وطه" (1).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، وفاتحة آل عمران: (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) " (2).
وروى أحمد وأصحاب السنن وابن حبان في "صحيحه" عن بريدة رضي الله عنه قال: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعِيَ به أجاب" (3).
فهذه بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ولأجل ذا كان لهذه الاسم ومعرفته والبحث عنه شأن عظيم عند أهل العلم، ولهم في هذا أبحاث عديدة مختصرة ومطوَّلة.
__________
(1) "سنن ابن ماجة" (رقم: 3856)، و"المستدرك" (1/ 506) وغيرهما. انظر: "السلسلة الصحيحة" (746).
(2) "مسند الإمام أحمد" (6/ 461)، و"سنن أبي داود" (رقم: 1496)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3478)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 3855) وغيرهم من طريق ع بيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فذكره). وفي إسناده ضعف عبيد الله ليس بالقوي، وشهر تكلّم فيه غير واحد.
ولكن لآية آل عمران شاهد من حديث أبي أمامة، وهو مخرَّج في "السلسلة الصحيحة" (رقم: 746).
(3) "مسند الإمام أحمد" (5/ 349)، و"سنن أبي داود" (رقم: 1493، 1494)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3475)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 3857)، و"سنن النسائي الكبرى" (رقم: 7619)، وابن حبان (رقم: 892)، والحاكم (1/ 504) وغيرهم مطولاً ومختصراً. وإسناده صحيح.
(1/71)

قال الشوكاني رحمه الله في كتابه "تحفة الذاكرين": "وقد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولاً، قد أفردها السيوطي بالتصنيف" (1). أهـ.
ولم يذكر السيوطي في كتابه الذي أفرده في ذلك والذي أسماه: "الدر المنظم في الاسم الأعظم" سوى عشرين قولاً، وكثير منها ضعفه ظاهر لعدم قيام دليل عليه من الكتاب والسنة، بل في بعضها تكلف ظاهر وشطط بيِّن، وبعض المتصوفة لهم في هذا الباب أباطيل كثيرة لا يلتفت إلى شيء منها، ويوردون في ذلك أحاديث موضوعة، وآثاراً مخترعة، وقصصاً منكرةً، يخدعون بها عوام المسلمين، ويغرون بها جهَّالهم، والواجب على كل مسلم أن يكون على حيطة وحذر من الوقوع في إفك هؤلاء وباطلهم.
إن من أشهر الأقوال في تعيين الاسم الأعظم وأولاها بالصواب وأقربها للأدلة هو أن الاسم الأعظم هو "الله"، وإلى هذا القول ذهب جمع من أهل العلم.
قال الإمام أبو عبد الله ابن منده في كتابه "التوحيد" - وقد اختار فيه أن اسم الله الأعظم هو "الله"- قال: "فاسمه الله معرفة ذاته، منع الله عز وجل خلقه أن يتسمى به أحد من خلقه أو يدعى باسمه إله من دونه، جعله أول الإيمان، وعمود الإسلام، وكلمة الحق والإخلاص، ومخالفة الأضداد والإشراك فيه، يحتجز القائل من القتل، وبه تفتح الفرائض، وتنعقد الأيمان، ويستعاذ من الشيطان، وباسمه يفتتح ويختم الأشياء، تبارك اسمه ولا إله غيره" (2). أهـ.
ولهذا الاسم الكريم من الخصائص ما ليس لغيره من الأسماء، ومن خصائصه أن الله يضيف سائر الأسماء إليه كقوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، ويقال: العزيز والرحمن والكريم والقدوس من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، بل إن هذا الاسم الكريم متضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى دالٌّ عليها إجمالاً، والأسماء الحسنى تبيينٌ وتفصيلٌ لصفات الإلهية، فلهذه المعاني العظيمة وغيرها مما اختصَّ به
__________
(1) "تحفة الذاكرين" (ص 67).
(2) "التوحيد" (2/ 21).
(1/72)

هذا الاسم ذهب غير واحد من أهل العلم إلى اختيار أنه الاسم الأعظم، ومما يقوي هذا أن هذا الاسم الكريم قد ورد في جميع الأحاديث التي فيها الإشارة إلى الاسم الأعظم.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو "الحيُّ القيُّوم".
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد" (1): "فإن صفة الحياة متضمِّنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيُّوميَّة متضمِّنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحيُّ القيُّوم" أهـ.
وقد ورد هذان الاسمان في أكثر الأحاديث التي فيها إشارة إلى الاسم الأعظم.
ومن أهل العلم من قال: "إن الاسم الأعظم جنس لا يراد به اسمٌ معيَّن؛ فإن أسماء الله نوعان: أحدهما: ما دل على صفة واحدة أو صفتين أو تضمين أوصافاً معدودة، والثاني: ما دل على جميع ما لله من صفات الكمال، وتضمن ما له من نعوت العظمة والجلال والجمال، فهذا النوع هو الاسم الأعظم؛ لما دل عليه من المعاني التي هي أعظم المعاني وأوسعها، فالله اسم أعظم، وكذا الصمد، وكذلك الحي القيوم، وكذلك الحميد المجيد، وكذلك الكبير العظيم، وكذلك المحيط" (2).
فهذه الأقوال الثلاثة هي أولى ما قيل في الاسم الأعظم، وعلى كلٍّ فهذه مسألة اجتهاد لعدم ورود دليل قطعي الدلالة على التعيين يجب أن يصار إليه؛ إلا أن ما دعا الله بالأدعية المتقدمة فقد دعاه باسمه الأعظم؛ لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عمن دعا الله بذلك بأنه دعاه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، والله وحده ولي التوفيق.
__________
(1) (4/ 204).
(2) "فتح الملك العلام" لابن سعدي (ص/26 - 27).
(1/73)

(18)
الله، الإله
لقد تقدّم معنا شيء من المقدِّمات التأصيلية والقواعد العامة في فقه أسماء الله الحسنى، وهذا أوان الشروع في شرح ما تيسر من أسماء الله، ومن الله وحده يستمد العون ويستمنح التوفيق.
إن أصول الأسماء الحسنى التي تجمع في دلالاتها معاني سائر أسماء الله ثلاثة أسماء وهي: "الله، والرب، والرحمن"، فهذه الأسماء الثلاثة تنتظم في دلالاتها جميع أسماء الله، وأسماء الله تدور عليها وترجع إليها، فاسم "الله" متضمنٌ لصفات الألوهية، واسم الرب متضمن لصفات الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسماء الله تدور على هذا، وقد اجتمعت هذه الأسماء الثلاثة في سورة الفاتحة أم القرآن.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها، وهي: "الله والرب والرحمن"، وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة فـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مبني على الإلهية، و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد يتضمَّن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته وربوبيته ورحمته" (1) أهـ كلامه رحمه الله.
وأول ما نبدأ به من أسماء الله الحسنى اسمه تبارك وتعالى "الله"، وهو اسم ذكر جماعة من أهل العلم أنه اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولهذا الاسم خصائص وميزات اختصّ بها.
__________
(1) "مدارج السالكين" (1/ 7).
(1/74)

فمن خصائص هذا الاسم أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، وسائر الأسماء مضافة إليه ويوصف بها، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180]، وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: 22 - 24]، ويقال: الرحمن الرحيم الخالق الرزاق العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن الرحيم أو من أسماء العزيز، ونحو ذلك.
ومن خصائص هذا الاسم أنه مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها بالإجمال والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي هي صفات الجلال والكمال والعظمة، فهو الاسم الذي مرجع سائر أسماء الله الحسنى إليه، ومدار معانيها عليه.
ومن خصائصه أنه لا يسقط عنه الألفُ واللام في حال النداء، فيقال: يا الله، فصار الألف واللام فيه كالجزء الأساسي في الاسم، وأما سائر الأسماء الحسنى إذا دخل عليها النداء أسقط عنها الألف واللام فلا يقال: يا الرحمن، يا الرحيم، يا الخالق، وإنما يقال: يا رحمن، يا رحيم، يا خالق.
ومن خصائصه أنه الاسم الذي اقترنت به عامة الأذكار المأثورة، فالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والحوقلة والحسبلة والاسترجاع والبسملة وغيرها من الأذكار مقترنة بهذا الاسم غير منفكة عنه، فإذا كبَّر المسلم ذكر هذا الاسم، وإذا حمد ذكره، وإذا هلل ذكره، وهكذا في عامَّة الأذكار.
ومن خصائصه أنه أكثر أسماء الله الحسنى وروداً في القرآن الكريم، فقد ورد هذا الاسم في القرآن أكثر من ألفين ومائتي مرَّة، وهذا ما لم يقع لاسم آخر، وقد افتتح الله جلَّ وعلا به ثلاثاً وثلاثين آية.
(1/75)

وقد عدَّد العلامة ابن القيِّم عشر خصائص لفظية لهذا الاسم، ثم قال: "وأما خصائصه المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم: "لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وكيف تحصى خصائص اسم مسماه كل كمال على الإطلاق وكل مدح وكل حمد وكل ثناء وكل مجد وكل كرم وكل عزٍّ وكل جمال وكل خير وإحسان وُجود وبرٍّ وفضل فله ومنه، فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا كثَّره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند همٍّ وغمٍّ إلا فرَّجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلَّق به ضعيفٌ إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العزة، ولا فقيرٍ إلا أصاره غنيّاً، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيَّده ونصره، ولا مضطرٍّ إلا كشف ضرَّه، ولا شريد إلا آواه، فهو الاسم الذي تُكشفُ به الكربات، وتُستنزلُ به البركات والدعوات، وتُقالُ به العثرات، وتُستدفعُ به السيئات، وتُستجلبُ به الحسنات، ... " (1) إلى آخر كلامه رحمه الله.
وأما معنى هذا الاسم فأصله "الإله"، وهو بمعنى المعبود، و"الإله" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء: 108].
هذا وإنّ أجمع وأحسن ما قيل في معنى "الله" ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين"، رواه ابن جرير في "تفسيره" (2).
فقد جمع رضي الله عنه في هذا التفسير بين أمرين:
__________
(1) نقله في "تيسير العزيز الحميد" (ص/30).
(2) (1/ 121 - ط. التركي).
(1/76)

الأول: الوصف المتعلق بالله من هذا الاسم الكريم، وهو الألوهية التي هي وصفه الدالُّ عليها لفظ "الله"، كما دلَّ على العلم- الذي هو وصفه- لفظ "العليم"، وكما دل على العزَّة- التي هي وصفه- لفظ "العزيز"، وكما دل على الحكمة - التي هي وصفه- لفظ "الحكيم"، وكما دلَّ على الرحمة- التي هي وصفه لفظ "الرحيم"، وغيرها من الأسماء الدالة على ما قام بالذات من مدلول صفاتها.
فكذلك الله هو ذو الألوهيّة، والألوهية التي هي وصفه هي الوصف العظيم الذي استحقَّ أن يكون به إلهاً، بل استحقَّ أن لا يشاركه في هذا الوصف العظيم مشاركٌ بوجه من الوجوه، وأوصاف الألوهية هي جميع أوصاف الكمال وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والامتنان.
فإن هذه الصفات هي التي يستحق أن يُؤله ويُعبد لأجلها، فيؤله لأن له أوصاف العظمة والكبرياء، ويؤله لأنه المتفرِّد بالقيُّومية والربوبية والملك والسلطان، ويؤله لأنه المتفرد بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، ويؤلَهُ لأنه المحيط بكلِّ شيء علماً وحكماً وحكمةً وإحساناً ورحمةً وقدرةً وعزَّةً وقهراً، ويؤلَهُ لأنه المتفرد بالغنى المطلق التام من جميع الوجوه، كما أنَّ ما سواه مفتقرٌ إليه على الدوام من جميع الوجوه، مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، مفتقر إليه في حاجاته كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات وأشد الضرورات، وهي افتقاره إلى عبادته وحده والتألُّهِ له وحده، فالألوهية تتضمن جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا.
الثاني: الوصف المتعلِّق بالعبد من هذا الاسم، وهو العبوديَّة، فالعباد يعبُدونه ويألهونه، قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) [الزخرف: 84]، أي: يألهه أهل السماء وأهل الأرض طوعاً وكرهاً، الكل خاضعون لعظمته، منقادون لإرادته ومشيئته، عانون لعزته وقيُّوميَّته، وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه، ويبذلون له مقدورهم من التأله القلبي والروحي والقولي والفعلي بحسب مقاماتهم
(1/77)

ومراتبهم، وقد جمع الله هذين المعنيين في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]، وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: 65].
* * * *
(1/78)

(19)
الرّبَ
وهو اسمٌ عظيم لله جلّ وعلا، تكرّر وروده في القرآن الكريم في مقامات عديدة وسياقات متنوعة تزيد على خمسمائة مرَّة، قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 162]، وقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: 164]، وقال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29]، وقال تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: 54].
ومعنى الربِّ أي: ذو الرُّبوبية على خلقه أجمعين خلقاً ومُلكاً وتصرُّفاً وتدبيراً، وهو من الأسماء الدالة على جملةِ معانٍ لا على معنى واحد.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: "الرب في كلام العرب متصرف على معان، فالسيد المطاع فيهم يدعى ربّاً، والرجل المصلح الشيء يدعى ربّاً، والمالك للشيء يدعى ربه، وقد يتصرف أيضاً في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود على بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربنا جل ثناؤه السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (1).
وقال ابن الأثير رحمه الله: "الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبِّر والمربِّي والقيِّم والمنعم، ولا يطلق غير مضافٍ إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أُضيف، فيقال: رب كذا" (2).
بل إنَّ هذا الاسم إذا أُفرد تناول في دلالاته سائرَ أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وفي هذا يقول العلاّمة ابن القيم رحمه الله: "إن الرب هو القادر الخالق البارئ
__________
(1) "تفسيره" (1/ 142 - 143) باختصار.
(2) "النهاية في غريب الحديث" (1/ 179).
(1/79)

المصوِّر الحيُّ القيُّوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد، المعطي المانع، الضار النافع، المقدِّم المؤخِّر، الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقُّه من الأسماء الحسنى" (1). أهـ.
وذلك أن من يُمعن النظر في هذا الاسم ويتأمّل في دلالته يشهد "قيوماً قام بنفسه، وقام به كل شيء، فهو قائم على كلِّ نفس بخيرها وشرِّها، قد استوى على عرشه، وتفرّد بتدبير ملكه، فالتدبير كلّه بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرّفع، والإحياء والإماتة، والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرين (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29]. لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادّ لأمره، ولا مبدّل لكلماته، تعرج الملائكة والرّوح إليه، وتعرض الأعمال أوّل النهار وآخره عليه، فيقدّر المقادير، ويوقت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائماً بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه" (2).
وربوبية الله للعالمين تشمل العالم كله، فهو الذي رَبَّى جميع المخلوقات بنعمه وأوجدها بمشيئته وقدرته، وأمدها بما تحتاج إليه، أعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما خلق له، وأغدق على عباده النعم، ونماهم وغذَّاهم وربَّاهم أكمل تربية.
وتربيته سبحانه وربوبيته تعالى نوعان:
ربوبية عامة تشمل كل مخلوق بَرّاً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً، سعيداً أو شقيّاً، مهتدياً أو ضالاً، وهي تربيته لهم أجمعين بالخلق والرزق، والتدبير والإنعام،
__________
(1) "بدائع الفوائد" (2/ 212).
(2) "كتاب الصلاة" (ص/173).
(1/80)

والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].
وتربية خاصة لأوليائه حيث رباهم فوفَّقهم للإيمان به والقيام بعبوديته، وغذَّاهم بمعرفته والإنابة إليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ويسَّرهم لكلِّ خير، وحفظهم من كلِّ شرٍّ.
ولهذا كانت أدعية أولي الألباب والأصفياء الواردة في القرآن باسم الربِّ استحضاراً لهذا المطلب، وطلباً منهم لهذه التربية الخاصة، فتجد مطالبهم كلها من هذا النوع، واستحضار هذا المعنى عند السؤال نافع جداً للعبد.
ثم إنَّ إيمان العبد بالله ربّاً يستلزم إخلاص العبادة له وكمال الذل بين يديه، قال تعالى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة: 21]، فكونه سبحانه رب العالمين يقتضي ألاَّ يتركهم سُدىً وهملاً لا يؤمرون ولا ينهون، بل خلقهم لطاعته وأوجدهم لعبادته، فالسعيد منهم من أطاعه وعبده، والشقيُّ منهم من عصاه واتبع هواه، ومن آمن بربوبية الله ورضي بالله رباً رضي بما يأمُرُه به وينهاه عنه ويقسمُه له ويقدره عليه ويعطيه إياه ويمنعه منه، ومتى لم يرضَ بذلك لم يكن محقِّقاً الرِّضى بالله رباً من كل الوجوه، وفي الحديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً" رواه مسلم (1).
هذا وإن شهود العبد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تتحرّك ذرّة إلاَّ بإذنه، وأن الخلق مقهورون تحت قبضته، وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه فيه تحقيق لمقام (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) علماً وحالاً فيثبت قدم
__________
(1) في "صحيحه" (رقم: 34) من حديث العباس رضي الله عنه.
(1/81)

العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعداً إلى توحيد الإلهية، فإنه إذا تيقن ذلك لم يتخذ سواه سبحانه إلهاً ومعبوداً، فأوّل ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر ويحتجُّ عليهم به ويقرّرهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية.
قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [الزخرف: 87]: أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه، وقال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [المؤمنون: 84 - 85]، فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا إله لهم سواه، وفي هذا احتجاج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده، فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلهاً آخر (1).
وهذا من أبين ما يكون دلالةً على فساد الشرك وما عليه أهله من السفه والضلال، تعالى الله عما يشركون.
* * * *
__________
(1) انظر: "مدارج السالكين" لابن القيم (1/ 410 - 412).
(1/82)

(20)
الرّحمن، الرّحيم
وهما اسمان جليلان كثر ورودهما في القرآن الكريم، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]، وقال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ) [الفرقان: 59]، وقال: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) [مريم: 45]، وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ) [النبأ: 37]، وقال: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ) [الرحمن: 1 - 2].
وغالب مجيء اسمه "الرحيم" إما مقيداً كقوله: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43]، أو مقروناً باسم "الرحمن" كما في سورة الفاتحة والبسملة، أو باسم آخر نحو: (الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) و (الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) و (الْبَرُّ الرَّحِيمُ) و (التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
ولهذين الاسمين شأنٌ كبير ومكانة عظيمة؛ فهما الاسمان اللذان افتتح الله بهما أمَّ القرآن، وجعلهما عنوان ما أنزله من الهدى والبيان، وضمنهما الكلمة التي لا يثبت لها شيطان، وافتتح بها كتابه نبيُّ الله سليمان عليه السلام، وكان جبريل ينزلُ بها على النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح كلِّ سورةٍ من القرآن.
وقد ورد هذان الاسمان مقترنين في عدّة مواضع من القرآن، وكلٌّ منهما دالٌّ على ثبوت الرحمة صفةً لله عز وجل، إلا أن اقتران هذين الاسمين فيه دلالةٌ على ثبوت هذا الوصف وحصول أثره وتعلُّقه بمتعلقاته؛ فالرحمن أي: الذي الرحمة وصفُه، والرحيم أي: الراحم لعباده، ولهذا يقول تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)، (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117]، ولم يجيء (رحمن بعباده) ولا (رحمن بالمؤمنين).
والرحمن جاء على وزن (فعلان) الدال على الصفة الثابتة اللازمة الكاملة، أي: من صفته الرحمة، والرحيم دالٌّ على تعديها للمرحوم، أي: من يرحم بالفعل.
(1/83)

إن في هذين الاسمين دلالة على كمال الرحمة التي هي صفة الله وسعتها، فجميع ما في العالم العلوي والسفي من حصول المنافع والمحابِّ والمسارِّ والخيرات من آثار حرمته، كما أنَّ ما صرف عنهم من المكاره والنِّقم والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته؛ فإنه لا يأتي بالحسنات إلاَّ هو، ولا يدفع السيئات إلاَّ هو، وهو أرحم الراحمين.
ورحمته تعالى سبقت غضبه وغلبته، وظهرت في خلقه ظهوراً لا ينكر، حتى ملأت أقطار السماوات والأرض، وامتلأت منها القلوب حتى حنت المخلوقات بعضها على بعض بهذه الرحمة التي نشرها عليهم وأودعها في قلوبهم، وحتى حنّت البهائم التي لا ترجو نفعاً ولا عاقبة ولا جزاءً على أولادها، وشوهد من رأفتها بهم وشفقتها العظيمة ما يشهد بعناية باريها ورحمته الواسعة، وكذلك ظهرت رحمته في أمره وشرعه ظهوراً تشهده البصائر والأبصار، ويعترف به أولو الألباب، فشرعه نورٌ ورحمة وهداية، وقد شرعه محتوياً على الرحمة، وموصلاً إلى أجلّ رحمة وكرامة وسعادة وفلاح. شرَع فيه من التسهيلات والتيسيرات ونفي الحرج والمشقَّات ما يدلُّ أكبر دلالة على سعة رحمته وجوده وكرمه، ومناهيه كلُّها رحمة؛ لأنها لحفظ أديان العباد، وحفظ عقولهم وأعراضهم وأبدانهم وأخلاقهم وأموالهم من الشرور والأضرار (1).
ويوم القيامة يختص سبحانه بالرحمة والفضل والإحسان المؤمنين به وبرسله، ويكرمهم بالصفح والعفو والغفران ما لا تعبر عنه الألسنة ولا تتصوره الأفكار، ففي الحديث "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها. وأخَّر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" متفق عليه (2).
فهي رحمة لا يعبر عنها لسان، يمنُّ بها أرحم الراحمين، ويتفضل بها من وسعت رحمته كل شيء على عباده المؤمنين (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156].
__________
(1) انظر: "فتح الرحيم الملك العلام" لابن السعدي (ص/29 - 30).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 6104)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2752) - واللفظ له- عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/84)

والعبد كلما عظمت طاعته وزاد قربه وتقربه لربه عظم نصيبه من استحقاق هذه الرحمة، قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: 155]، وقال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور: 56]، وقال تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) [الأعراف: 56]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والله عز وجل أرحم بعباده منهم بعضهم ببعض مهما علا قدر الرحمة والتراحم بينهم، ففي "الصحيحين" (1) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأةٌ مِن السبي تبتغي (2) إذا وجدت صبياً في السبي أخذتهُ فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها".
فأرحم ما يكون من الخلق بالخلق رحمة الأم بولدها، فهي رحمةٌ لا يساويها شيء من رحمة الناس، والله جل وعلا أرحم بعباده منها بولدها، بل لو جمعت رحماتِ الراحمين كلِّهم فليست بشيءٍ عند رحمة أرحم الراحمين.
وينبغي أن يعلم هنا الرحمة المضافة إلى الله نوعان: رحمة عامة، وهي التي قرنها بالعلم في قوله: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر: 7]، فكل شيء وصله علمُه وهو واصل لكل شيء فإن رحمته وصلت إليه؛ لأن الله قرن هذه الرحمة به، وهي الرحمة التي تشمل جميع المخلوقات حتى الكفَّار، وهي رحمة جسدية بدنية
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 5999)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2754) - واللفظ له-.
(2) قال النووي: "هكذا هو في جميع نسخ "صحيح مسلم": "تبتغي" من الابتغاء وهو الطلب". "شرح صحيح مسلم" (17/ 70).
وفي "صحيح البخاري": "تسقي" وفي بعض رواياته "تسعى" أي: من السّعي. قال القرطبي: "لا خفاء بحسن رواية "تسعى" ووضوحها، ولكن لرواية "تبتغي" وجهاً، وهو تطلب ولدها، وحذف المفعول للعلم به، فلا يغلَّط الراوي مع هذا التوجيه". انظر: "فتح الباري" (10/ 430).
(1/85)

دنيوية بالطعام والشراب واللباس والمسكن ونحو ذلك، ورحمة خاصة، وهي التي خص بها عباده المؤمنين، وهي رحمةٌ إيمانيةٌ دينيَّة دنيوية أخرويَّة بالتوفيق للطاعة، والتيسير للخير، والتثبيت على الإيمان والهداية على الصراط، والإكرام بدخول الجنة والنجاة من النار.
والله المسؤول أن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين، وأن يمنَّ علينا برحمته التي كتبها لأوليائه المؤمنين، إنه سبحانه جواد كريم، وهو أرحم الراحمين.
* * * *
(1/86)

(21)
الحيُّ، القيُّوم
وهما اسمان وردا في القرآن مقترنين في ثلاثة مواضع، أولها في آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: 255]، والثاني في أول سورة آل عمران: (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 1 - 2]، والثالث في سورة طه: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه: 111].
واسمه تبارك وتعالى: "الحيّ" فيه إثبات الحياة صفةً لله، وهي حياةٌ كاملة ليست مسبوقةً بعدم، ولا يلحقها زوالٌ وفناء، ولا يعتريها نقصٌ وعيب جلَّ ربُّنا وتقدّس عن ذلك، حياة تستلزم كمال صفاته سبحانه من علمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وإرادته، ورحمته، وفعله ما يشاء، إلى غير ذلك من صفات كماله، ومَن هذا شأنه هو الذي يستحق أن يُعبد ويركع له ويسجد، كما قال الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان: 58]، أمَّا الحي الذي يموت، أو الميت الذي هو ليس بحي، أو الجماد الذي ليس به حياة أصلاً، فكلّ هؤلاء لا يستحقون من العبادة شيئاً، إذ المستحق لها هو الله الحيُّ الذي لا يموت.
قال الله تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 65].
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، الله إني أعوذ بعزَّتك، لا إله إلا أنت أن تُضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجنُّ والإنس يموتون" متفق عليه (1).
واسمه تبارك وتعالى "القيُّوم" فيه إثبات القَيُّمية صفةً لله، وهي كونه سبحانه قائماً بنفسه مقيماً لخلقه، فهو اسم دالٌّ على أمرين:
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6948)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2717) - واللفظ له- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(1/87)

الأول: كمالُ غنى الربِّ سبحانه، فهو القائم بنفسه، الغنيُّ عن خلقه، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15].
وفي الحديث القدسيّ: "إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلُغُوا نفعي فتنفعوني" رواه مسلم (1).
وغناه سبحانه عن خلقه غنىً ذاتيٌّ لا يحتاج إليهم في شيء، غنيٌّ عنهم من كلِّ وجه.
الثاني: كمال قدرته وتدبيره لهذه المخلوقات، فهو المقيم لها بقدرته سبحانه، وجميع المخلوقات فقيرة إليه، لا غنى لها عنه طرفة عين، فالعرش والكرسي والسموات والأرض، والجبال والأشجار، والناس والحيوان؛ كلها فقيرة إلى الله عز وجل، قال الله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) [الرعد: 33]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر: 41]، وقال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) [الروم: 25]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فهو سبحانه المتصرِّف في جميع المخلوقات، المدبِّر لكل الكائنات.
ومما تقدَّم يُعلم أن هذين الاسمين "الحيّ القيوم" هما الجامعان لمعاني الأسماء الحسنى، وعليهما مدار الأسماء الحسنى، وغليهما ترجع معانيها جميعها؛ إذ جميع صفات البارئ سبحانه راجعة إلى هذين الاسمين.
فالحيُّ: الجامع لصفات الذّات، والقيوم: الجامع لصفات الأفعال، فالصفات الذاتية كالسمع والبصر واليد والعلم ونحوها راجعة إلى اسمه "الحي"، وصفات الله الفعلية كالخلق والرزق والإنعام والإحياء والإماتة ونحوها راجعة إلى اسمه القيُّوم؛ لأن من دلالته أنه المقيم لخلقه خلقاً ورزقاً وإحياءً وإماتةً وتدبيراً، فرجعت الأسماء الحسنى كلُّها إلى هذين الاسمين، ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنها اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
__________
(1) في "صحيحه" (رقم: 2577) وهو طرف من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.
(1/88)

وقد ورد هذان الاسمان في أكثر الأحاديث التي فيها إشارة إلى الاسم الأعظم.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "فإن صفة الحياة متضمِّنةٌ لجميع صفات الكمال مستلزمةٌ لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم" (1).
وقال رحمه الله: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: آية الكرسي، وفاتحة آل عمران؛ لاشتمالهما على صفة الحياة المتضمنة (2) لجميع الصفات، وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال" (3).
وقد سبق فيما مضى إيراد النصوص الواردة في ذكر الاسم الأعظم، وكلام أهل العلم في دلالتها.
وقد تحدث ابن القيِّم رحمه الله عن عظيم أثر الدعاء بهذين الاسمين، ولا سيما في دفع ما ينتاب الإنسان من كرب أو همٍّ أو شدَّة.
قال رحمه الله: "وفي تأثير قوله: "يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث" في دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال.
ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم "الحي القيوم"، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همٌّ ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحيّ المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذَّر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال ... والمقصود أن لاسم "الحي القيوم" تأثيراً خاصاً في إجابة الدعوات وكشف الكُربات.
__________
(1) "زاد المعاد" (4/ 204).
(2) في الأصل: "المصححة" ويدل على ما أثبته السياق، وكلامه السابق واللاحق.
(3) "الصواعق المرسلة" (3/ 911 - 912).
(1/89)

وفي "السنن" و"صحيح أبي حاتم" (1) مرفوعاً: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، وفاتحة آل عمران: (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 1 - 2] "، قال الترمذي: حديث صحيح.
وفي "السنن" و"صحيح ابن حبان" أيضاً من حديث أنس: أن رجلاً دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيُّوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (2) " (3).
ويؤكد ما قرّره رحمه الله ما رواه الترمذي في "جامعه" (4) من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كرَبه أمرٌ قال: "يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك أستغيث".
وكلُّ ذلك يدلُّ على عظم شأن هذين الاسمين وجلالة قدرهما وما يقتضيانه من الذل والخضوع (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: 111].
__________
(1) لم أجده في "صحيح ابن حبان"، والحديث سبق تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) "زاد المعاد" (4/ 204 - 206).
(4) (رقم: 3524) وضعّفه بقوله: "حديث غريب"؛ لأن في إسناده يزيد الرَّقاشيّ فهو مع صلاحه وعبادته ضعيف في الحديث.
ولكن له شاهد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل به همٌّ أو غمٌّ قال: (فذكره). رواه الحاكم في "المستدرك" (1/ 509) من طريق النضر بن إسماعيل البجلي، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، ثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه. وقال: "صحيح الإسناد" فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وعبد الرحمن (يعني ابن إسحاق) ومن بعده ليسوا بحجة".
فالحديث حسن بالشواهد؛ ولذلك أورده الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" (3182).
(1/90)

(22)
الخالق، الخلاّق
وقد ورد اسم الله "الخالق" في القرآن الكريم في عدة مواضع.
منها: قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر: 24]، وقوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الزمر: 62]، وورد بصيغة المبالغة (الخلاّق) في موضعين من القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [الحجر: 86]، وقوله: (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: 81].
والخلقُ يُطلق ويُرادُ به أمران:
أحدهما: إيجاد الشيء وإبداعه على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) [يس: 71]، وقوله: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49]، وقوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 2 - 3]، وقوله: () [الفرقان: 2]، وقوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء: 104].
والثاني: بمعنى التقدير، ومنه قولهم: خَلَقَ الأديم، أي: قدره، وقول الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري
أي: أنت إذا قدَّرت أمراً أمضيته، وغيرك يقدر ثم لا يُمضي الشيء الذي قدَّره، وقوله: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) [العنكبوت: 17] أي: تقدرونه وتهيئونه.
ومن هذا قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14]، فالخلق في نعوت الآدميين معناه التقدير، أما الخلق الذي هو إبداع الشيء وإيجاده على غير مثال سابق فمتفرِّدٌ به ربُّ العالمين، كما قال تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: 3]، وقال تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [لقمان: 11]، وفي الآية تحدٍّ لجميع الخلق، بل أثبت سبحانه عجز الناس أجمعين
(1/91)

ولو اجتمعوا عن آخرهم عن خلق ذباب واحد وهو من أضعف الحيوان وأحقره، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 73 - 74].
ثم إن خلق الله لهذه المخلوقات لم يكن لهواً أو عبثاً أو لعباً، تنزَّه الرب وتقدَّس عن ذلك، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 16 - 18]، وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115 - 116]، بل خلق سبحانه الخلق ليعرفوه ويعبدوه.
ودليل الأول قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12].
ودليل الثاني قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].
وقد ضل أكثر الخلق في هذا الباب، فعرفوا أن الذي خلقهم هو الله وحده لا شريك له، وأنه وحده سبحانه تفرد بخلقهم وخلق السماء والأرض والجبال والأشجار وغيرها من المخلوقات، ومع هذا الإقرار صرفوا العبادة لغيره، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: 106].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من إيمانهم: إذا قيل لهم: من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؛ قالوا: الله، وهم مشركون".
وقال عكرمة: "تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون: الله، فذاك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره" (1).
__________
(1) انظر: "جامع البيان" لابن جرير (8/ 77 - 79).
(1/92)

وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: 1]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يريد: عدلوا بي مِن خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي" (1).
ويكثر في القرآن الكريم الاستدلال على الكفار باعترافهم بأن الله وحده هو الخالق الرازق المنعم المتصرف؛ على وجوب إفراده وحده بالعبادة وإخلاص الدين له، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، فلما ذكر إقرارهم بهذا وبَّخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت: 61].
وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، فلما ذكر اعترافهم بهذا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 63].
وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ)، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا، أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئاً من ذلك من الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، فلما تعيَّن ذا الاعتراف وبخهم الله سبحانه بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم: 40].
وقال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون: 84 - 89].
__________
(1) لهفان" (2/ 226).
() "شفاء العليل" (1/ 366).
() "
(1/93)

وقال تعالى: (آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) [النمل: 59 - 60]، وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: 1].
وهنا يعجب العاقل أشدّ العجب من عقول المشركين كيف عدلوا مَن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض بالذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) [الأعراف: 191 - 192]، وكيف سوَّوا التراب بربِّ الأرباب، وكيف سوّوا العبيد بمالك الرقاب، وكيف سوَّوا عباداً أمثالهم بالرب العظيم والخالق الجليل سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الأعراب: 94]، تعالى الرب عما يصفه هؤلاء وسبحانه عمّا يشركون.
* * * *
(1/94)

(23)
الخالق، البارئ، المصوّر
وقد جمع الله هذه الأسماء الثلاثة في قوله سبحانه: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الحشر: 24]، أي: هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات، وبرأ بحكمته جميع البريّات، وصوّر بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات، فخَلَقها وأبدعها وفطرها في الوقت المناسب لها، وقدر خلقها أحسن تقدير، وصنعها أتقن صنع، وهداها لمصالحها، وأعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما هيئ وخلق له.
فالخالق هو المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، والبارئ الموجد لها بعد العدم، والمصور أي المخلوقات والكائنات كيف شاء. فالباري المصور فيهما كما قال ابن القيم تفصيل لمعنى اسم الخالق (1)، فالله عز وجل إذا أراد خلق شيء قدره بعلمه وحكمته ثم برأه أي: أوجده وفق ما قدر في الصورة التي شاءها وأرادها سبحانه.
قال ابن كثير رحمه الله: "الخلق التقدير والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاد سوى الله عزَّ وجلَّ ... وقوله تعالى: (الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) أي: الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار، كقوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: 8]؛ ولهذا قال المصور، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها" (2).
فتفسير الخلق هنا بالتقدير ينتظم به ذكر هذه الأسماء الثلاثة بهذا الترتيب الوارد في الآية؛ فالخلق أولاً وهو تقدير وجود المخلوق ثم بريه وهو إيجاده من العدم ثم جعله بالصورة التي شاءها سبحانه.
__________
(1) "شفاء العليل" (1/ 366).
(2) "تفسير ابن كثير" (8/ 106).
(1/95)

قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: 11]، فالخلق أولاً ثم التصوير، كما أن الخلق أولاً ثم البري، قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: 22].
والبرية هم الخليقة، وقد خلقهم الله فجعل منهم الكافر ومنهم المؤمن كما قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن: 2]، فمن كان منهم مؤمناً مطيعاً فأولئك خير البرية، ومن كان منهم كافراً مشركاً فأولئك شرُّ البرية، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 6 - 8].
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن شرك هؤلاء باتخاذ الأنداد والشركاء مع الله في العبادة مع أن الذي برأهم هو الله وحده أمرٌ في غاية السفه ونهاية الضلال، بل إنه أعظم الظلم وأكبر الجرم، ولهذا ذمَّ بني إسرائيل في عبادتهم العجل وجعله شريكاً مع الله، والعجل حيوان بهيم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن أن يملك شيئاً من ذلك لغيره، وأن عملهم هذا ظلم وأي ظلم، فقال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 54]، وقال قبل هذا بآيتين: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 51]، فالشرك أشنع الظلم وأفظعه إذ كيف يسوى المخلوق الناقص بمن أوجد الخليقة وبرأ النّسم سبحان الله عما يشركون.
قال ابن كثير رحمه الله: "وفي قوله تعالى هنا (إِلَى بَارِئِكُمْ) تنبيه إلى عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره" (1).
__________
(1) "تفسير ابن كثير" (1/ 130).
(1/96)

فكونه سبحانه البارئ وحده برهان جلي على وجوب توحيده وإفراده بالعبادة، وكذلك كونه سبحانه المصور وحده برهان على وجوب توحيده وإخلاص الدين له.
قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 64 - 65]. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 6].
ولهذا حرَّم سبحانه على عباده تصوير ذوات الأرواح لما فيه من مضاهاة لخلق الله، ولما فيه من فتح لأبواب الشرك والضلال.
ففي "الصحيحين" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أشدَّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصوِّرون" (1).
وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (2).
وفيهما من حديث أبي هريرة: "يقول الرب سبحانه: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (3).
وفيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم" (4).
وفي هذا الحديث الأخير بيان لصفة تعذيب المصور يوم القيامة بأنه يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها وهو لا يقدر على ذلك فيستمر تعذيبه.
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 5606)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2109).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 5610)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2107).
(3) " صحيح البخاري" (رقم: 5609)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2111).
(4) "صحيح البخاري" (رقم: 5607)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2108).
(1/97)

ثم إن هذه الأسماء الثلاثة تنقسم إلى قسمين: فالبارئ اسم مختص بالله عز وجل فلا يجوز أن يطلق على غيره بأي حال لأن البرْأَ- وهو الإيجاد من العدم- أمرٌ مختصٌ به سبحانه فهو الذي برأ الخليقة وأوجدها من العدم، وأمَّا الخالق المصوِّر فإن استعملا مطلقين غير مقيَّدين لم يطلقا إلا على الرب كقوله تعالى: (الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)، وإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدَّر شيئاً: إنه خلقه، قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبـ ... ـعض القوم يخلق ثم لا يفري
أي لك قدرة تمضي وتنفد بها ما قدرته، وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها، وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14] أي: أحسن المصورين والمقدرين، ومن لم يدرك هذا التفصيل أخطأ في هذا الباب؛ إما بنفي إطلاق خالق ومصور بهذا الاعتبار على المخلوق، أو أن يثبت للمخلوق ما يختص بالله من ذلك وهو تفرده سبحانه بخلق وإيجاد جميع هذه المخلوقات دقيقها وجليلها، والله تعالى يقول: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) [الأعراف: 191 - 192].
* * * *
(1/98)

(24)
الملك، المليك
وقد ورد اسم الملك في القرآن الكريم في خمسة مواضع منها قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) [الحشر: 23]، وقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون: 116].
وورد اسم المليك في موضع واحد في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 54 - 55].
وهذان الاسمان دالاَّن على أن الله سبحانه ذو الملك، أي المالك لجميع الأشياء المتصف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، والملك يرجع إلى أمور ثلاثة:
الأول: ثبوت صفات الملك له التي هي صفاته العظيمة من كمال القوّة، والعزّة، والقدرة، والعلم المحيط، والحكمة الواسعة، ونفوذ المشيئة، وكمال التصرف، وكمال الرأفة والرحمة، والحكم العام للعالم العلوي والسفلي، والحكم العام في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 189]، وقال تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) [الفرقان: 26]، وقال تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16].
الثاني: أن جميع الخلق مماليكُهُ وعبيدُهُ، ومفتقرون إليه، ومضطّرون إليه في جميع شؤونهم، ليس لأحد خروج عن ملكه، ولا لمخلوق غنىً عن إيجاده وإمداده، ونفعه ودفعه، ومنِّه وعطائه. قال تعالى: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الزخرف: 85]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 15 - 17]، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 60].
الثالث: أن له التدبيرات النافذة، يقضي في ملكه بما يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، له الحكم فيه تقديراً وشرعاً وجزاء.
(1/99)

1 - فله الأحكام القدرية حيث جرت الأقدار كلها والإيجاد والإعداد، والإحياء والإماتة، وغير ذلك على مقتضى قضائه وقدره.
2 - وله الأحكام الشرعية حيث أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، وخلق الخلق لهذا الحكم، وأمرهم أن يمشوا على حكمه في عقائدهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم وظاهرهم وباطنهم، ونهاهم عن مجاوزة هذا الحكم الشرعي.
3 - وله الأحكام الجزائية وهي الجزاء على الأعمال خيرها وشرها في الدنيا والآخرة وإثابة الطائعين، وعقوبة العاصين، وكل هذه الأحكام تابعة لعدله وحكمته وكلها من معاني ملكه.
ومن معاني ملكه: إنزال كتبه، وإرسال رسله، وهداية العالمين، وإرشاد الضالين، وإقامة الحجة والمعذرة على المعاندين المكابرين، ووضع الثواب والعقاب مواضعها، وتنزل الأمور منازلها إلى غير ذلك من التدبير والتصرف في مملكته بما شاء سبحانه.
قال ابن القيم رحمه الله: "إن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة، والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 26 - 27]، وقال تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29]، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويكشف غمّاً، وينصر مظلوماً، ويأخذ ظالماً، ويفك عانياً، ويغني فقيراً، ويجبر كسيراً، ويشفي مريضاً، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويعطي سائلاً، ويذهب بدولة، ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها ولا يتأخر، بل كلٌّ منها قد أحصاه كما
(1/100)

أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده، تصرّف ملك قادر قاهر عادل رحيم، تامّ الملك، لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك" (1).
هذا وقد تكرّر في القرآن الكريم بيان أن تفرد الله بالملك لا شريك له دليل ظاهر على وجوب إفراده وحده بالعبادة، قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [الزمر: 6]، وقال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116].
وأنَّ عبادة من سواه ممن لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا حياةً ولا موتاً ولا نشوراً أضل الضلال وأبطل الباطل، وقد ورد في القرآن آيات عديدة تقرر هذه الحقيقة وتجلي هذا الأمر.
قال الله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) [الفرقان: 3].
وقال تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 13 - 14].
وقال تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة: 76].
وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) [الإسراء: 56].
__________
(1) "طريق الهجرتين" (ص 115 - 116).
(1/101)

وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) [سبأ: 22]، أي: لا يملك مثقال ذرة استقلالاً، ولا يملكه على وجه المشاركة، ولا يملك الإنسان في هذه الحياة شيئاً إلا بتمليك الله له، قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26]، ومن لا يملك في هذا الكون ولا مثقال ذرّة لا يجوز أن يُصرف له شيء من العبادة، إذ العبادة حق للملك العظيم والخالق الجليل والرب المدبّر لهذا الكون لا شريك له عزَّ شأنه وعظم سلطانه وتعالى جدُّه ولا إله غيره.
* * * *
(1/102)

(25)
الرزَّاق، الرّازِق
وقد ورد اسم الله "الرزّاق" في موضع من القرآن الكريم، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة: 11]، وقال تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الحج: 58]، وقال تعالى: (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) [المائدة: 114].
وورد اسم "الرّازق" في السنة النبوية، ففي "السنن" و"مسند الإمام أحمد" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "غلا السِّعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! لو سعَّرتَ، فقال: إنَّ الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعَّر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إيَّاه في دمٍ ولا مال" (1).
فالله سبحانه هو الرزَّاق أي: المتكفِّل بأرزاق العباد، القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6]، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) [العنكبوت: 60]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة: 212]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) [الإسراء: 30].
هذا؛ وقد ذكَّر سبحانه وتعالى عباده في مواضع عديدة من القرآن الكريم أنه هو وحده رازقهم المتكفل بأقواتهم وأرزاقهم، وقد جاء التذكير بهذا في القرآن في مقامين: مقام التفضل والامتنان، ومقام الدعوة إلى الطاعة والخير والإحسان.
فمن أمثلة الأول قوله سبحانه: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) [النحل: 72].
__________
(1) "سنن أبي داود" (رقم: 3451)، والترمذي (رقم: 1314)، وابن ماجه (رقم: 2200)، و"مسند أحمد" (3/ 156) وغيرهم بإسناد صحيح.
(1/103)

وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70]، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 64].
وأما الأمثلة على الثاني فإنَّ القرآن الكريم يكثر فيه تذكير الله عباده بذلك في مقام أمره بالعبادة وأنواع الطاعة، ومن ذلك قوله تعالى في أمره لهم بالتوحيد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21 - 22].
وقوله تعالى في إبطال الشرك: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم: 40].
وقوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3].
وقوله تعالى في الأمر بالإنفاق في سبيله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254].
وقوله تعالى في الأمر بالشكر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172].
وقوله تعالى في النهي عن قتل الأولاد خوف الفقر: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) [الإسراء: 31].
وقوله تعالى في بيان أثر لزوم تقواه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2 - 3].
(1/104)

وقوله تعالى في ثواب الإيمان والعمل الصالح: (فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الحج: 50].
وقوله تعالى في ذمّ من قال عليه بلا علم في باب الحلال والحرام: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: 32]. وقوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) [يونس: 59].
وقوله تعالى في الحث على السعي في طلب الرزق الحلال: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15]. والآيات في هذا المعنى كثير جدّاً.
ورزق الله لعباده نوعان:
الأول: رزق عامٌّ يشمل البرَّ والفاجر، والمؤمن والكافر، والأولين والآخرين، وهو رزقُ الأبدان (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6].
ولا يعني رزقه سبحانه للكافر وتوسعته عليه بالأموال والأولاد ونحو ذلك رضاه عنه فإنَّه سبحانه يعطي الدنيا مَنْ يُحب ومن لا يُحبّ، قال تعالى: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ) [سبأ: 35 - 37].
وقال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون: 55 - 56]، وقال تعالى: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء: 20 - 21].
(1/105)

وليس كثرة العطاء في الدنيا دليلاً على كرامة العبد عند الله، كما أن قلَّته ليس دليلاً على هوانه عنده، قال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا) [الفجر: 15 - 17]، أي: ليس كلُّ من نعّمتُه في الدنيا فهو كريم عليّ، ولا كل من قدَرتُ عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان، ليعلم الشاكر من الكافر والصابر من الجازع.
النوع الثاني: رزق خاص، وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته، ويتم سبحانه كرامته لهم، ومنّه عليهم بإدخالهم يوم القيامة جنات النعيم، قال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق: 11]، وقال تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) [ص: 53 - 54].
وقد حذَّر سبحانه عباده من الانشغال برزق الدنيا الفاني عن رزق الآخرة الباقي فقال سبحانه: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل: 96]، وقال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [الأعلى: 16 - 17]، والعاقل لا يشغله رزق الدنيا وإن كثر عن الغاية التي خُلِق لأجلها وأوجد لتحقيقها وهي عبادة الله وإخلاص الدين له، كما قال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 - 58]، بل يجعل ذلك سبيلاً لنيل رضا الله وبلوغ جناتِ النعيم (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم: 61 - 63].
جعلنا الله من عباده المتقين، وأورثنا بمنّه وكرمه جنّات النّعيم إنه تبارك وتعالى سميع مجيب.
(1/106)

(26)
الأحد، الواحد
أما اسمه تبارك "الأحد" فقد ورد في موضع واحد من القرآن في سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص]، وهي السورة العظيمة التي ورد في السنَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن لكونها أخلصت لبيان أسماء الرب الحسنى وصفاته العظيمة العليا، وأما اسمه الواحد فقد تكرر مجيئه في مواضع من القرآن منه قوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، وقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف: 39]، وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [ص: 65]، وقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد: 16].
وهما اسمان دالاَّن على أحديه الله ووحدانيته، أي أنه سبحانه هو المتفرد بصفات المجد والجلال، المتوحد بنعوت العظمة والكبرياء والجمال، فهو واحد في ذاته لا شبيه له، وواحد في صفاته لا مثيل له، وواحد في أفعاله لا شريك له ولا ظهير، وواحد في ألوهيته فليس له ند في المحبة والتعظيم والذل والخضوع، وهو الواحد الذي عظمت صفاته حتى تفرد بكل كمال، وتعذر على جميع الخلق أن يحيطوا بشيء من صفاته أو يدركوا شيئاً من نعوته، فضلاً عن أن يماثله أحد في شيء منها.
وقد كان تكرّر ورود اسم الله الواحد في القرآن الكريم في مقامات متعددة في سياق تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد.
فقال سبحانه في تقرير الوحدانية ووجوب إخلاص الدين له: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقال تعالى: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) [الصافات: 4 - 5]، وقال سبحانه في بيان أن هذه الوحدانية هي خلاصة دعوة
(1/107)

الرسل وزبدة رسالتهم: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء: 108]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) [فصلت: 6].
وقال تعالى في سياق الدعوة إلى الإسلام لله والاستسلام لعظمته والخضوع لجنابه: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج: 34]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء: 108]، وقال تعالى: (وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46]، وقال تعالى في تنزيه نفسه عما أدُعِيَ في حقِّه مِن اتخاذ الولد وأنه ثالث ثلاثة تنزَّه وتقدَّس عن ذلك فقال: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الزمر: 4]، وقال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [النساء: 171]، وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) [المائدة: 73]، وقال تعالى في إبطال عقائد المشركين: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام: 19]، وقال تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [النحل: 51]، وقال تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف: 39]، وقال تعالى في مقام بيان عظمته وكمال ملكه وخضوع الخلائق له يوم القيامة: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16]، وقال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: 48].
هذا وقد أفاد هذان الاسمان: "الواحد" "الأحد" توحُّدَ الربِّ سبحانه بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، وأنذ الواجب على العباد توحيده عقداً وقولاً وعملاً، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية ويفردوه بأنواع العبادة، ويمكن تلخيص دلالات هذين الاسمين في النقاط التالية:
(1/108)

1 - نفي المثل والند والكفؤ من جميع الوجوه، فهو تبارك وتعالى الأحد الذي لا مثيل له ولا نظير، قال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: 65]، وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص]، وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].
2 - بطلان التكييف، وهو خوض الإنسان بعقله القاصر محاولاً معرفة كيفية صفات الرَّب سبحانه وهذا محال، لأنَّ الربَّ سبحانه متوحّد بصفات الكمال متفرد بنعوت العظمة والجلال فلا يشركه فيها مشارك وليس له فيها شبيه أو مثيل، فأنى للعقول أن تعرف كنه صفاته سبحانه، بل كل ما يخطر بالبال من الكمال فالله أعظم من ذلك وأجلّ.
3 - إثبات جميع صفات الكمال بحيث لا يفوته منها صفة ولا نعت دال على الجلال والجمال لتفرده جل وعز بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
4 - أنَّ له من كلِّ صفة من تلك الصفات أعظمها وغايتها ومنتهاها (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [النجم: 42]، فله من السمع أكمله ومن البصر أكمله ومن كل صفة أكمل وصف وأتمه كما قال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [النحل: 60].
5 - تنزيهه سبحانه عن النقائص والعيوب إذ هي تلحق أوصاف المخلوقين، أما الأحد سبحانه فقد تفرد بالكمال والعظمة والجلال بلا شبيه ولا مثال، ولهذا قال تعالى في تنزيه نفسه عن الولد: (سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الزمر: 4].
6 - وجوب الإقرار بتفرده سبحانه بالكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله واعتقاد ذلك في القلب، وهذا هو التوحيد العلمي.
7 - وجوب إفراده سبحانه وحده بالعبادة وإخلاص الدين له، وأنَّ تفرده سبحانه وحده بالخلق والرزق والعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة يوجب أن يفرد وحده بالعبادة، وهذا هو التوحيد العملي.
(1/109)

8 - الردّ على المشركين وجميع صنوف المبطلين ممن لم يقدروا الله حق قدره، ولم يقروا له بتفرده وكماله فاتخذوا معه الشركاء وضربوا له الأمثال وظنوا به ظن السوء وانتقصوا جناب الربوبية وناقصوا مقصود الخلق وهو التوحيدُ وإفرادُ الله بالذل والخضوع وسائر أنواع العبودية فاشمأزت قلوبهم من التوحيد، ونفرت نفوسهم من الحق والهدى، قال تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الزمر: 45]، وقال تعالى: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) [الإسراء: 46]، وقال تعالى: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [غافر: 12].
رَزَقنا الله تحقيق توحيده، وحسن الإيمان بتفرده ووحدانيته؛ إنه سميعٌ مجيب.
* * * *
(1/110)

(27)
الصَّمَد
وقد ورد هذا الاسم في سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص]، وهي السورة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن، ففي "صحيح البخاري" (1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟! فشق ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يُطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: الله الواحد الصَّمد ثلث القرآن".
و"الصَّمد" معناها لسّيد العظيم الذي قد كمل في علمه وحكمته وحلمه وقدرته وعزته وعظمته وجميع صفاته، فهو واسع الصفات عظيمُها، الذي صمدت إليه جميع المخلوقات، وقصدته كل الكائنات بأسرها في جميع شؤونها، فليس لها ربٌّ سواه، ولا مقصود غيره تقصده وتلجأ إليه في إصلاح أمورها الدينية، وفي إصلاح أمورها الدنيوية، تقصده عند النوائب والمزعجات، وتضرَع إليه إذا أصابتها الشّدائد والكُربات، وتستغيث به إذا مسّتها المصاعب والمشقّات، لأنها تعلم أن عنده حاجاتها، ولديه تفريج كرباتها، لكمال علمه، وسعة رحمته ورأفته وحنانه، وعظيم قدرته وعزته وسلطانه.
روى ابن جرير الطبري في "تفسيره" (2) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "الصَّمَد" السيِّد الذي قد كمُل في سُؤْدده، والشريف الذي قد كَمُل في شَرفِه، والعظيم الذي قد كمُل في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حلمه، والغني الذي قد كمُل في غناه، والجبار الذي قد كمُل في جبروته، والعالم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حكمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشّرف والسّؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له".
__________
(1) (رقم: 4727).
(2) (24/ 736 - ط. التركي). وعزاء السيوطي في "الدر المنثور" (15/ 780) له ولابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في "العظمة"، والبيهقي في "الأسماء والصفات".
(1/111)

وهو يفيد أن هذا الاسم العظيم من جملة أسماء الله الحسنى الدالة على عدة صفات لا على معنى مفرد، ففيه الدلالة على كثرة صفات الله وعظمتها وكمالها.
قال ابن القيم رحمه الله: "الصَّمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم، لكثرة الصفات المحمودة في المسمى به، قال شاعرهم:
ألا بكَّر الناعي بِخيريْ بَنِي أسدْ ... بعمرو بن مسعودٍ وبالسَّيِّد الصَّمدْ
فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له، ولهذا قال جمهور السلف، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الصمد: الذي قد كمل سؤدده، فهو العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته، الحكيم الذي كمل حكمه، الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده" (1).
وبيَّن رحمه الله أنَّ اشتقاقه يدل على هذا؛ فإنه من الجمع والقصد، فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد، وهذا أصله في اللغة، والعرب تسمي أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع السيادة فيه (2).
ولأجل ذا تنوَّعت عبارات السلف في تفسير هذا الاسم، فمنهم من قال: الصمد: هو الذي ليس بأجوف ولا يأكل ولا يشرب، ومنهم من قال: هو الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم، ومنهم من قال: هو الذي لا يخرج منه شيء، أي: لا يخرج منه عين من الأعيان فلا يلد، ومنهم من قال: هو السيد الذي انتهى سؤدده، ومنهم من قال: هو الذي لا أحد فوقه.
__________
(1) "الصواعق المرسلة" (3/ 1025).
(2) "فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى" (ص/21 - 22).
(1/112)

وقد أورد جميع هذه الأقوال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (1)، وذكر من قال بها من أئمة السلف رحمهم الله، وأوردها كذلك الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (2) وغيرهما من المفسرين، وكل ذلك حق؛ لأن هذا الاسم دال على جملة أوصاف عديدة لا على معنى مفرد، كما سبق بيان ذلك.
ولهذا نقل الحافظ ابن كثير، عن أبي القاسم الطبراني في كتاب "السنَّة" له بعد إيراده كثيراً من هذه الأقوال في تفسير الصمد أنه قال: "وكلّ هذه صحيحة، وهي من صفات ربِّنا عزَّ وجل، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه" (3).
وقال البغويّ رحمه الله: "والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه؛ لأنه محتمل له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى، العظيم القادر على كل شيء، وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به، له الأسماء الحسنى والصفات العليا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11] " (4).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "من المعروف في كلام العرب إطلاق الصمد على السيِّد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له ... ، فالله تعالى هو السيد الذي وحده الملجأ عند الشدائد والحاجات، وهو الذي تنزَّه وتقدس عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً" (5).
وإذا علم العبد اتصاف ربه بهذا الكمال والجلال، وأنه سبحانه لا شيء فوقه، ولا شيء يعجزه، وأنه سبحانه مَفْزَعُ الخلائق ومَلْجَؤُها، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه،
__________
(1) (25/ 731 - 737).
(2) (8/ 548).
(3) نفسه.
(4) "معالم التنزيل" (7/ 321).
(5) "أضواء البيان" (2/ 187).
(1/113)

وإليه وحده المفرّ، وهو وحده الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها ومسائلها ورغباتها؛ وجب عليه أن لا يلجأ إلاَّ إليه، ولا يطلب حاجته إلاَّ منه، ولا يصرف عبادته إلاَّ له، ولا تكون استعانته إلاَّ به، ولا يكون توكله إلا عليه (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [النمل: 62].
* * * *
(1/114)

(28)
الهادي
وقد ذكر الله هذا الاسم في موضعين من القرآن، وهما: قوله سبحانه: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الحج: 54]، وقوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) [الفرقان: 31].
و"الهادي": هو الذي يهدي عباده ويرشدهم ويدلهم إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، وهو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته إلى طاعته ورضاه، وهو الذي بهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتقى ما يضرّه.
فالله هو الذي خلق المخلوقات وهداها (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 2 - 3]، فهداها الهداية العامة لمصالحها، وجعلها مهيَّئةً لما خُلقت له، وهدى هداية البيان، فأنزل الكتب وأرسل الرسل، وشرع الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبين أصول الدين وفروعه، وهدى وبيَّن الصراط المستقيم الموصل إلى رضوانه وثوابه، ووضَّح الطرق الأخرى ليحذرها العباد، وهدى عباده المؤمنين هداية التوفيق للإيمان والطاعة، وهداهم إلى منازلهم في الجنَّة كما هداهم في الدنيا إلى سلوك أسبابها وطرقها، فقوله: (الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) يتناول جميع هذه الأنواع من الهداية.
قال ابن عطية في "تفسيره" (1): "وقله: (فَهَدَى) عام لجميع الهدايات في الإنسان والحيوان، وقد خصّص بعضُ المفسرين أشياء من الهدايات فقال الفراء: معناه: هدى وأضلَّ، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى، قال: وقال مقاتل والكلبي: هدى الحيوان إلى وطْءِ الذكور الإناث، وقيل: هدى المولود عند وضعه إلى مصِّ الثدي، وقال مجاهد: هدى الناس إلى الخير والشر، والبهائم للمراتع، قال: وهذه الأقوال مثالات، والعمومُ في الآية أصوب في كلِّ تقدير وفي كلِّ هداية ... ".
__________
(1) "المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (8/ 590 - 591).
(1/115)

وقد قوَّى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تقرير ابن عطية وأيَّده فقال: "والأقوال الصحيحة هي من باب المِثالات، كما قال ابن عطية، وهكذا كثير من تفسير السلم، يذكرون من النوع مثالاً لينبهوا به على غيره أو لحاجة المستمع إلى معرفته، أو لكونه هو الذي يعرفه" (1).
وها هنا وقفة لبيان أنواع الهداية المضافة إلى الرب سبحانه ويتناولها اسمه جل وعلا "الهادي".
أولاً: الهداية العامَّة: وهي هداية كلِّ نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهي هداية شاملةٌ للحيوان كله ناطقه وبهيمه، وطيره ودوابه، فصيحه وأعجمه، ومن ذلكم هدايته سبحانه الحيوان البهيم إلى الْتِقام الثدي عند خروجه من بطن أمِّه، وإلى معرفته بأمِّه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت، وإلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه، ومن ذلكم هداية الطير والوحوش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان، كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها، ثم عودها من مسافة بعيدة إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يعرش بنو آدم، وكهداية النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قُوتَها وإن بعدت عليها الطريق، فإذا ظفرت به حملته وساقته في طريق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط ووعورة حتى تصل إلى بيتها، فتخزن فيه أقواتها، وهذا باب واسع، ويكفي فيه قوله سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 38 - 39].
ثانياً: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين، وهي حجة الله على خلقه التي لا يُعذِب أحداً منهم إلا بعد إقامتها عليه (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [الزمر: 56 - 57]، وقال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: 17]،
__________
(1) الدليل على بطلان التحل
(1/116)

وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) [التوبة: 115]، أي: أنه هداهم هداية البيان والدلالة فلم يهتدوا، فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء.
ثالثاً: هداية التوفيق والإلهام وشرح الصدر لقبول الحق والرِّضى به، قال تعالى: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) [الكهف: 17]، وقال تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: 8]، وقال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 272]، وقال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) [السجدة: 13]، وقال تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة: 16].
ولذا أمر سبحانه عباده كلَّهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كلَّ يوم وليلة في الصلوات الخمس، وصحَّ في السنَّة النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم دعوات كثيرة فيها سؤال الله الهداية والثبات والصلاح والسداد والتوفيق، وسؤالُهُ الوقاية من الضلال وزيغ القلوب، وهو أمرٌ بيده سبحانه وحده، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39].
رابعاً: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة، أما الهداية إلى الجنة فقد أخبر الله عز وجل عن أهلها أنهم يقولون حين تتمّ عليهم النعمة بدخولها (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: 43]، وأما الهداية إلى النار فيقول سبحانه: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 22 - 23].
إنَّ تفكُّر العبد في هذا الاسم العظيم وتأمله في دلالاته يكشف للعبد عن شدَّة افتقاره واضطراره إلى ربِّه في كلِّ أحواله وجميع شؤونه الدينية والدنيوية بأن يهديه إلى صالح أمره، وأن يقيه من الانحراف والضلال.
(1/117)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولما كان العبد في كلِّ حال مفتقراً إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره؛ من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاجٌ إلى التوبة منها، وأمور هُدي إلى أصلها دون تفاصيلها، أو هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدىً، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو محتاجٌ إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الحاجات إلى أنواع الهدايات؛ فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله، وهي الصلاة مرات متعدّدة في اليوم والليلة، وقد بيَّن أن أهل هذه النعمة مغايرون للمغضوب عليهم اليهود والنصارى الضالين" (1). أهـ كلامه.
اللهم اهدنا إليك صراطاً مستقيماً، صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
* * * *
__________
(1) "بيان الدليل على بطلان التحليل" (ص/5).
(1/118)

(29)
الوهَّاب
وهو اسمٌ تكرَّر في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، قال الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8]، وقال تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) [ص: 9]، وقال تعالى في ذكر دعاء نبي الله سليمان عليه السلام: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [ص: 35].
والوهَّاب: هو كثير الهبة والمنَّة والعطية، و"فعَّال" في كلام العرب للمبالغة، فالله جل وعلا وهَّابٌ، يهبُ لعباده من فضله العظيم، ويوالي عليهم النِّعم، ويوسَّع لهم في العطاء، ويجزل لهم في النَّوال، فجاءت الصفة على "فعَّال" لكثرة ذلك وتواليه وتنوعه وسعتِه، وهو سبحانه بيده خزائن كلِّ شيءٍ وملكوت السماء والأرض ومقاليد الأمور، يتصرَّف في ملكه كيف شاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فهو سبحانه يهبُ لمن يشاء ما يشاء، ولا تزال هباته على عبده متوالية، وعطاياه له متتالية، في عطاء دائم، وسخاء مستمرّ، يجود بالنوال قبل السؤال، من حين وُضِعت النُّطفة في الرَّحم، فنعمه وهباته للجنين في بطن أمِّه دارَّة، يربيه أحسن تربية، فإذا وضعته أمُّه عطف عليه والديه، ورباه بنعمه حتى يبلغ أشدّه، يتقلَّب في نعم الله ومواهبه مدَّة حياته، وإذا كانت حياتُه على الإيمان والتقوى فهذه أشرف هبة، وإذا توفاه الله على ذلك نال من المواهب أضعاف أضعاف ما كان عليه في الدنيا مما أعدَّه الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين، مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر.
وقد ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أنواعاً من هباته، وذكر توجه أنبيائه والصالحين من عباده إليه في طلبها ونيلها.
(1/119)

فذكر سبحانه من هباته الرحمة التي من نالها نال سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) [مريم: 50]، وقال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) [مريم: 53]، وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8]، وقال تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) [ص: 9].
وذكر سبحانه من هباته الحكم والملك، قال تعالى: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 21]، وقال تعالى: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83]، وقال تعالى: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [ص: 35].
وذكر سبحانه من هباته المنَّة على العبد بالزوجة الصالحة، والذرية الطيبة ما يكون به قرَّة عين الإنسان، قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا) [ص: 43]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74]، وقال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [الأنبياء: 72]، وقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) [الأنبياء: 90]، وقال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 30].
وهذه الهبات المتنوعة بيده سبحانه، فهو المالك لهذا الكون، المتصرف فيه سبحانه كما شاء، قال تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [الشورى: 49 - 50]، وفي هذا دلالة على أنَّ وجود الولد وصلاحه هبة ربانية، ومنةٌ من الله تعالى، المتفرد بالتصرف والتدبير في هذا الكون لا شريك له، فالأمر له سبحانه مِن قبلُ ومن بعد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهو جلّ وعلا يعطي من يشاء من خلقه الأولاد، ويمنع من يشاء، وهو العليم القدير.
(1/120)

وقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) أي: يرزقه بناتٍ فقط ليس معهن ذكور، وقوله: (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) أي: يرزقه البنين فقط ليس معهم إناث، وقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي: يجمع لمن شاء الذكور والإناث في العطاء، وقوله: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) أي: لا يولدُ له أصلاً.
فقسَّم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام: منهم مَن يُعطيه البنات، ومنهم مَن يُعطيه البنين، ومنهم مَن يعطيه من النوعين ذكوراً وإناثاً، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيماً لا نسلَ له ولا يولد له.
ومَن منَّ الله عليه بالولد وأكرمه بصلاحه عليه أن يحمد الوهاب سبحانه على إفضاله وإنعامه كما ذكر الله تعالى ذلك عن نبيِّه إبراهيم عليه السلام في قوله سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39].
والحمد نفسه هبة تحتاجُ إلى حمد، روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" (1) عن بكر بن عبد الله المزني قال: "ما قال عبدٌ قط: الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله: الحمد لله، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: الحمد لله، فجاءت أخرى، ولا تنفد نعم الله عز وجل".
ولذا قال الشافعي رحمه الله: "الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلاَّ بنعمة حادثة توجب شكره عليها".
فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، حمداً لا ينقطع ولا يبيد ولا يفنى عدد ما حمده الحامدون، له الحمد شكراً، وله المنّ فضلاً، بيده الأمر في الآخرة والأولى.
__________
(1) (رقم: 7، 99).
(1/121)

(30)
الفتَّاح
قال الله تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبأ: 26]، وقال تعالى: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف: 89].
ومعنى هذا الاسم: أي: الذي يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، ويمنّ على من يشاء منهم بما يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، قال الله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2].
قال ابن القيم رحمه الله في "نونيته" في بيان هذا الاسم وإيضاح مدلوله ومعناه:
وكذلك الفتَّاح من أسمائه ... والفتح في أوصافه أمران
فتح بحكمٍ وهو شرع إلهنا ... والفتح بالأقدار فتح ثان
والربُّ فتاح بذين كليهما ... عدلاً وإحساناً من الرحمن
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في شرحه لهذه الأبيات: "فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، وفتحه تعالى قسمان: أحدهما: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري، ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائهم، بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفي كل عامل ما عمله.
(1/122)

وأما فتحه القدري فهو ما يقدره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2]، فالرب تعالى هو الفتاح العليم، الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله" (1).
وقال رحمه الله: "للفتاح معنيان: الأول: يرجع إلى معنى الحكم الذي يفتح بين عباده، ويحكم بينهم بشرعه ويحكم بينهم بإثابة الطائعين وعقوبة العاصين في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبأ: 26]، وقوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف: 89].
فالآية الأولى: فتحه بين العباد يوم القيامة، وهذا في الدّنيا بأن ينصر الحقَّ وأهله، ويذل الباطل وأهله، ويوقع بهم العقوبات.
المعنى الثاني: فتحه لعباده جميع أبواب الخيرات، قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) الآية، يفتح لعباده منافع الدنيا والدِّين، فيفتح لمن اختصَّهم بلطفه وعنايته أقفال القلوب، ويدر عليها من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية ما يصلح أحوالها وتستقيم به على الصراط المستقيم، وأخص من ذلك أنه يفتح لأرباب محبته والإقبال عليه علوماً ربانية وأحوالاً روحانية وأنواراً ساطعة وفهوماً وأذواقاً صادقة، ويفتح أيضاً لعباده أبواب الأرزاق وطرق الأسباب، ويهيِّئ للمتقين من الأرزاق وأسبابها ما لا يحتسبون، ويعطي المتوكلين فوق ما يطلبون ويؤمّلون، وييسّر لهم الأمور العسيرة، ويفتح لهم الأبواب المغلقة" (2).
__________
(1) "الحق الواضح المبين" (ص/44 - 45).
(2) "فتح الرحيم الملك العلام" (ص/48). وتسمية الشيخ رحمه الله كتابه بهذا الاسم فيه مراعاة لهذا المعنى، واستشعار لهذه المنّة، وقد سبق إلى التسمية بفتح الله عز وجل في العلم بعض العلماء مثل: "فتح الباري" لابن رجب، و"فتح الباري" لابن حجر، و"فتح القدير" للشوكاني، و"فتح المجيد" لعبد الرحمن بن حسن رحم الله الجميع.
(1/123)

ولهذا كان رسل الله يتوجهون إليه بطلب الفتح بينهم وبين أقوامهم فيما حصل بينهم من الخصومة.
قال تعالى عن نوح عليه السلام: (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 117 - 118]، وذكر سبحانه من دعاء شعيب عليه السلام: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف: 89]، وقال تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [إبراهيم: 15]، أي: استنصرت الرُّسل ربها على قومها، وقيل: استفتحت الأمم على أنفسها، أي: استعجلوا فتح الله وفرقانه وبين أوليائه وأعدائه.
قال ابن كثير رحمه الله: "ويحتمل أن يكون هذا مراداً وهذا مراداً" (1).
وقد استجاب الله دعوات رسله عليهم صلوات الله وسلامه بالفتح بينهم وبين أقوامهم بالحق، فجاء أمره سبحانه بنصر الرسل عليهم السلام والمؤمنين، وإهلاك أعدائهم من الكفار الظالمين المعتدين.
ومن فتحه سبحانه حكمه بين العباد يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، كما قال سبحانه: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)، أي: أنه سبحانه يحكم بينهم حكماً يتبين به الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، والمستحق للثواب من المستحق للعقاب، ولهذا سمى تبارك وتعالى يوم القيامة بيوم الفتح في قوله: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) [السجدة: 29]، أي: يوم القيامة الذي يحصل به عقابكم إذا جاء انقضى الأمر ولم يحصل لكم فيه إمهال ولم يكن فيه للتدارك أيّ مجال.
هذا؛ وإنَّ إيمان العبد بأن ربَّه سبحانه هو الفتاح يستوجب من العبد حسن توجهٍ إلى الله وحده بأن يفتح له أبواب الهداية وأبواب الرزق وأبواب الرحمة، وأن يفتح على قلبه بشرح صدره للخير، قال سبحانه: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر: 22].
__________
(1) "تفسير ابن كثير" (/403).
(1/124)

قال القرطبي: "وهذا الفتح والشرح ليس له حدّ، وقد أخذ كلُّ مؤمن منه بحظ، ففاز منه الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين، ولم يخيِّب الله منه سوى الكافرين" (1).
وفي "صحيح مسلم" (2) عن أبي حميد أو عن أبي أسيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللَّهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
فالرحمة والفضل والخير كلُّه بيد الله يفتح به على من يشاء وييسره لمن يشاء، فكل هذا من آثار هذا الاسم ومقتضياته.
وإنا لنسأل الله ونتوسل إليه بهذا الاسم العظيم وندعوه بأنه الفتاح وبأنه خير الفاتحين أن يفتح على قلوبنا بالإيمان الصحيح والاهتداء الكامل واليقين الراسخ، وأن يفتح لنا خزائن رحمته وأبواب كرمه وموائد بره وواسع فضله ونعمه، إنه سميع مجيب.
* * * *
__________
(1) "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (1/ 225).
(2) (رقم: 713).
(1/125)

(31)
السَّميع
وهو اسم تكرَّر وروده في القرآن فيما يقرب من خمسين موضعاً، منها قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1]، وقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، وقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 127].
و"السميع": هو الذي يسمع جميع الأصوات على اختلاف اللغات وتفنن الحاجات، قد استوى في سمعه سرُّ القول وجهره (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد: 10]، وسع سمعه الأصوات كلها، فلا تختلف عليه الأصوات ولا تشتبه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا يغلطه تنوع المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين.
روى الإمام أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت المجادِلة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلّمه، وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) " (1)، وفي رواية قالت: "تبارك الذي وسع سمعُه كلَّ شيء" (2).
بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعاً في لحظة واحدة، وكلٌّ عرض حاجته، وكلٌّ تحدَّث بلهجته ولغته لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة، ومن الدلائل على هذا قوله سبحانه في الحديث القدسي:
__________
(1) رواه الإمام أحمد (6/ 168)، والنسائي (رقم: 3460)، وابن ماجه (رقم: 188، 2063) بإسناد صحيح.
(2) كما في الرّواية الثانية لابن ماجه.
(1/126)

"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني، وأعطيتُ كلَّ واحد مسألته ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً إلاَّ كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر" (1).
وفي "الصحيحين" (2) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبَّرنا، فقال: اِرْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً قريباً".
وقوله: "ارْبَعُوا على أنفسكم" أي: ارفقوا بأنفسكم فلا تكلفوها برفع أصواتكم، فإنه لا حاجة على ذلك، فإن مَن تُكبِّرونه سميع بصيرٌ يسمع الأصوات الخفية كما يسمع الجهرية.
وقد أنكر الله سبحانه ظنّ من ظن من المشركين أن الله لا يسمع السِّر والنجوى، قال الله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80]، وفي "الصحيحين" (3) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدُهم: أترون أنَّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) [فصلت: 22] ".
وفي هذا السِّياق المبارك دلالة على أن فساد الاعتقاد فيما يتعلق بصفات الرب وأسمائه يترتب عليه فساد الأعمال وانحلال الدين والوقوع في الهلاك والردى والخسران، ولذا قال سبحانه: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت: 23 - 24].
__________
(1) طرف من حديث رواه مسلم (رقم: 2577) عن أبي ذر رضي الله عنه.
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 6384)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2704).
(3) "صحيح البخاري" (رقم: 4817)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2775).
(1/127)

ثم إن السمَّع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين:
الأول: سمع يتعلق بالمسموعات، فيكون معناه إدراك الصوت.
والثاني: سمع بمعنى الاستجابة، أي: أنه سبحانه يجيب من دعاه، ومنه قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39]، وقول المصلي: "سمع الله لمن حمده"، أي: أجاب، وليس المراد سمعه مجرد سماع فقط.
والسمع الذي بمعنى إدراك الصوت ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يقصد به التهديد، كقوله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) [الزخرف: 80]، وقوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [آل عمران: 181].
الثاني: ما يقصد به التأييد، كقوله تعالى لموسى وهارون: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46]، أراد سبحانه أن يؤيد موسى وهارون بذكر كونه معهما ويسمع ويرى.
الثالث: ما يقصد به بيان الإحاطة، كقوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].
وقد أبطل الله في القرآن شرك المشركين بتوجههم إلى أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً، وبيَّن سبحانه أن المستحق للعبادة هو الله السميع البصير الذي له كمال السمع وكمال البصر، وقد ورد هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [غافر: 20]، وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) [مريم: 41 - 42]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) [الأعراف: 194 - 195].
(1/128)

وإيمان العبد بأن ربه سميع يورثه حفظاً للسانه وصيانة لكلامه ومواظبة على ذكر ربه وشكره، والإكثار من مناجاته وسؤاله، ويتوسل إليه بهذا الاسم العظيم أن يحقق رجاءه ويعطيه سؤله، وقد كثر في القرآن توسل الأنبياء إلى الله في دعائهم بهذا الاسم، ومن ذلك قول إبراهيم عليه السلام: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)، وقوله هو وإسماعيل عليهما السلام: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وفي دعاء زكريا أن يرزقه الذرية الصالحة قال: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران: 38]، وفي دعاء امرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها محرّراً قالت: (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35].
فأجابهم سبحانه أجمعين، وقد قال تعالى في سياق ذكر دعاء نبيه يوسف عليه السلام أن يصرف عنه كيد النِّسوة: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [يوسف: 34]، وأمر سبحانه بالاستعاذة به من نزع الشيطان مذكراً عباده بأنه جل وعلا سميع عليم فقال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 36].
* * * *
(1/129)

(32)
البَصير
وهو اسم تكرَّر وروده في القرآن الكريم في مواضع تزيد على الأربعين، منها قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 265]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 15]، وقال تعالى: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) [الملك: 19]، وقال تعالى: (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى: 27]، وقال تعالى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء: 17].
و"البصير" أي: الذي يرى جميع المبصرات، ويبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى مجاري القوت في أعضائها، ويرى جريان الدم في عروقها، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع، ويرى تبارك وتعالى تقلبات الأجفان، وخيانات العيون.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "البصير: الذي لكمال بصره يرى تفاصيلَ خلق الذرة الصغيرة وأعضاءها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء" (1).
ولقد أحسن من قال:
يا من يرى صفَّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ من تلك العظام النُحَّل
أمنُن عليّ بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول (2)
__________
(1) "طريق الهجرتين" (ص/234).
(2) أوردها القرطبي في "التذكرة" (1/ 464 - ط. دار المنهاج).
(1/130)

ومما يجب الإيمان به أنه تبارك وتعالى يبصر بعينين تليقان بجلاله وكماله سبحانه، قال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور: 48]، وقال تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) [القمر: 13 - 14]، وقال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: 39].
وقد دل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله عينين حين وصف الدجَّال الأكبر، وقال: "إنه أعور، وإن ربَّكم ليس بأعور" متَّفق عليه (1). وتنزيهه سبحانه عن العور دليل على ثبوت العينين له سبحانه على الوجه اللاَّئق به.
قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: "نحن نقول: لربَّنا عينان يبصر بهما ما تحت الثّرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السموات وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى عليه خافية، فهو تعالى يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى عرشه الذي هو مستوٍ عليه" (2).
ثم إن لهذا الاسم العظيم مقتضياته من الذّل والخضوع ودوام المراقبة والإحسان في العبادة والبعد عن المعاصي والذنوب، ومن يتأمل الآيات التي وردت في القرآن الكريم مختومة بهذا الاسم- وهي تزيد على الأربعين- يتبيّن له ذلك، ولنقف من ذلك على بعض الأمثلة:
ختم جل وعلا بهذا الاسم قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 61]، وهذا يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات.
وختم به قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى: 27]، منبِّهاً بذلك أنه سبحانه بصير بأحوال
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 7131)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2933) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) "كتاب التوحيد" (ص/50).
(1/131)

عباده، خبير بها، بصير بمن يستحقُّ الهداية ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك، ومثله قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء: 30].
وختم به قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن: 2]، أي: بصير بالصالح والطالح والمؤمن والكافر، ويجزي كلاًّ بما يستحق.
وختم به قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [فصلت: 40]، مهدداً ومتوعداً من يلحدون في آياته بأنه بصير بهم مطلع عليهم، وسيجازيهم يوم القيامة على ما اقترفوه من إلحاد في آيات الله.
وختم به قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [غافر: 56]، أي: السميع لجميع الأصوات على اختلافها، البصير بجميع المرئيات بأي محلّ وموضع وزمان كانت، ومن ذلكم رؤيته واطلاعه على من يجادل في آياته ليبطلها، وهو أمر لا يتم لهم وليسوا ببالغيه.
وختم به قوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [غافر: 20]، وفي هذا دلالة على أن العبادة حق للسميع البصير، الذي له كمال السمع وكمال البصر، وأما الأصنام فإن من دلائل بطلان عبادتها أنها لا تسمع ولا تبصر، ولهذا قال إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) [مريم: 42].
وختم به قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58]، وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية ويعلم من مصالح العباد ما لا يعلمون.
(1/132)

وفي ذلك أيضاً ترغيبٌ في الوفاء بذلك، وترهيب من عدم الوفاء.
وختم به قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 110]، وهذا فيه وعد منه سبحانه أن لا يضيع عنده شيء من أعمال الخير التي قدموها لأنفسهم، وأنه بصير بهم وسيثيبهم على ذلك عظيم الثواب.
وبهذه الأمثلة يعلم أنَّ استحضار العبد لكون الله سبحانه بصيراً به مطَّلعاً عليه يفيده فائدة عظيمة في جانبي الترغيب والترهيب، كما هو واضح في الأمثلة المتقدمة، فإذا أ؛ سن العبد في عبادته لربه ومجانبته لمعاصيه مستحضراً رؤية الله له واطلاعه عليه، فهذا مقام الإحسان، وهو أعلى مقامات الدين كما قال عليه الصلاة والسلام في بيان حقيقة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وكم من شخص كف عن مقارفة المعاصي وغشيان الذنوب لاستحضاره رؤية الله له.
قال ابن رجب رحمه الله: "راود رجل امرأة في فلاة ليلاً، فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبُها؟! " (1). أي: ألا يرانا، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]، وكفى بها زاجراً ورادعاً.
* * * *
__________
(1) "شرح كلمة الإخلاص" (ص/49).
(1/133)

(33)
العليم
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من مائة وخمسين موضعاً، قال تعالى: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم: 54]، وقال تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء: 70]، وقال تعالى: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 181].
أي: الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان، وبالعالم العلوي والسفلي، بالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
وقد جاء في القرآن الكريم بيان واسع عن علم الله عز وجل، وأنه وسع كل شيء، وأنه سبحانه أحاط بكل شيء علماً.
فذكر سبحانه سعة علمه في آيات، قال تعالى: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 80]، وقال تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر: 7]، وقال تعالى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه: 98].
وذكر سبحانه إحاطة علمه بكل شيء، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [هود: 92]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: 108]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) [النساء: 126].
وذكر تبارك وتعالى إحاطة علمه بالسرائر والمعلنات والغيب والشهادة، قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 38]، وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].
(1/134)

وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16]، وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235]، وقال تعالى: (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [البقرة: 77]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) [النحل: 19]، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 78]، وقال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: 110]، وقال تعالى: (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105].
وذكر سبحانه علمه بما في السموات والأرض، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحجرات: 18]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحجرات: 16].
وذكر سبحانه اختصاصه بمفاتح الغيب فلا يعلمها إلا هو، قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [الأنعام: 59]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34]، وقال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد: 8 - 9].
وللإيمان بهذا الاسم العظيم آثار مباركة على العبد، بل هو أكبر زاجر وأعظم واعظ.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "أجمع العلماء على أنه أكبر واعظ وأعظم زاجر نزل من السماء إلى الأرض، وضربوا لذلك مثلاً- ولله المثل الأعلى- قالوا: لو فرض أن هذا البراح من الأرض فيه مِلك قتال للرجال إن انتهكت حرماته، ذو قوة وعزة ومنعة، وحوله جيوشه، وحول هذا الملك بناته
(1/135)

يقوم بريبة، ولو قيل لأهل بلد: إنَّ أمير ذلك البلد يبيت عالماً بكل ما يفعلونه في الليل من الخسائس لباتوا متأدبين.
وهذا خالق السموات والأرض، الملك الجبار، يخبرهم في آيات كتابه، لا تكاد تقلب ورقة واحدة من أوراق المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، (يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ) [النحل: 19]، (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) [الأنعام: 59]، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) [ق: 16]، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة:235]، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: 61].
فينبغي علينا جميعاً أن نعتبر بهذا الزّاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، وأن لا ننساه لئلا نهلك أنفسنا" (1).
قال ابن رجب رحمه الله: "أكره رجل امرأة على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، فقال لها: هل بقي باب لم يُغلق؟ قالت: نعم؛ الباب الذي بيننا وبين الله، فلم يتعرَّض له، ورأى بعضُهم رجلاً يكلِّم امرأةً فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما" (2).
قال الله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19]، فمن تأمَّل هذا وتدبره كان له فيه أعظم زاجر وأكبر رادع.
قال ابن كثير رحمه الله في معنى الآية: "يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتَّقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصّدور من الضمائر والسرائر" (3).
__________
(1) "العذب النمير" (1/ 333 - 334) بتصرف.
(2) "شرح كلمة الإخلاص" (ص/49).
(3) "تفسير ابن كثير" (7/ 127).
(1/136)

وكثيراً ما يأتي اسم الله "العليم" في سياق الأعمال وجزائها، ليوقظ القلوب وينبه العباد على أهمية إكمالها وإصلاحها، وليرغبهم ويرهبهم، والله وحده الموفق لا رب سواه، ولا إله غيره.
* * * *
(1/137)

(34)
اللّطيف، الخبير
وهما اسمان تكرَّر ورودهما مجتمعين في عدة آيات من القرآن الكريم، قال الله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 103]، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [الحج: 63]، وقال تعالى في ذكر وصية لقمان الحكيم لابنه: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 16]، وقال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14]، وقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [الأحزاب: 34].
أما الخبير: فمعناه: الذي أدرك علمُه السرائر، واطّلع على مكنون الضمائر، وعلم خفيات البذور، ولطائف الأمور، ودقائق الذّرات، فهو اسم يرجع في مدلوله إلى العلم بالأمور الخفية التي هي في غاية اللطف والصغر، وفي غاية الخفاء، ومن باب أولى وأحرى علمه بالظواهر والجليات.
وقد مضى الكلام عن صفة العلم وإحاطة علمه سبحانه بكلِّ شيء، وأنه عزّ وجلّ أحاط بكلِّ شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
وأما اللطيف فله معنيان:
أحدهما: بمعنى الخبير، وهو أن علمه دقَّ ولطُف حتى أدرك السرائر والضمائر والخفيات.
والمعنى الثاني: الذي يوصل إلى عباده وأوليائه مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها.
(1/138)

قال ابن القيّم رحمه الله في "نونيته" (1):
وهو اللطيفُ بعبده ولعبده ... واللطفُ في أوصافه نوعان
إدراك أسرارِ الأمور بخبرةٍ ... واللطفُ عند مواقع الإحسان
فيرُيك عزَّته ويُبدي لطفه ... والعبد في الغفلات عن ذا الشان
فلطف الله بعبده هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة، فالرحمة التي تصل إلى العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف.
يقال: لَطَف الله بعبده، ولَطَف له: أي تولاَّه ولايةً خاصّة، بها تصلح أحواله الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عنه جميع المكروهات من الأمور الداخلية، والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطفٌ بالعبد، والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسّر الله أمور عبده وسهّل له طرق الخير وأعانه عليها فقد لطف به، وإذا قيّض له أسباباً خارجيةً غير داخلةٍ تحت قدرة العبد فيها صلاحه فقد لطف له؛ ولهذا في قصّة يوسف عليه السلام حيث قدر الله أموراً كثيرة خارجية عادت عاقبتُه الحميدة إلى يوسف وأبيه، وكانت في مبادئها مكروهة للنفوس، ولكن صارتْ عواقبها أحمد العواقب، وفوائدها أجلّ الفوائد؛ ولذا قال عليه السلام: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) [يوسف: 100]، أي: إن هذه الأشياء التي حصلت، لطفٌ لطفه الله له، فاعترف بهذه النعمة.
ولُطف الله بعبده وله بابٌ واسع، ويتفضّل الله بما شاء منه على من يشاء من عباده ممن يعلمه محلاً لذلك وأهلاً له، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ومن لطفه بعباده المؤمنين أنه يتولاهم بلطفه فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والكفر والبدع والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.
__________
(1) (ص/ 244 - ط. دار ابن خزيمة).
(1/139)

ومن لطفه بهم أنه يقيهم طاعة أنفسهم الأمارة بالسوء التي هذا طبعها فيوفقهم لنهي النفس عن الهوى، ويصرف عنهم السوء والفحشاء مع توافر أسباب الفتنة وجواذب المعاصي والشهوات، فيمنُّ عليهم ببرهان لطفه ونور إيمانهم الذي منَّ عليهم به، فيدعونها مطمئنةً لتركها نفوسُهم، منشرحة للبعد عنها صدورُهم.
ومن لطفه بعباده أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم، لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئاً وغيره أصلح، فيقدّر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفاً بهم، (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [الشورى: 19].
ومن لطفه بهم أنه يقدر عليهم أنواعاً من المصائب وضروباً من البلايا والمحن سوقاً لهم إلى كمالهم وكمال نعيمهم.
ومن لطفه بعبده أن يقدِّر له أن يتربى في ولاية أهل الصلاح والعلم والإيمان، وبين أهل الخير، ليكتسب من أدبهم وتأديبهم، وأن ينشأ كذلك بين أبوين صالحين، وأقارب أنقياء وفي مجتمع صالح، فهذا من أعظم اللطف بالعبد؛ فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة من أعظمها نفعاً هذه الحالة.
ومن لطف الله بعبده أن يجعل رزقه حلالاً في راحة وقناعة يحصل به المقصود، ولا يشغله عما خلق له من العبادة والعلم والعمل به، بل يعينه على ذلك.
ومن لطف الله بعبده أن يقيّض له إخواناً صالحين ورفقاء متقين يعينونه على الخير، ويشدون من أزره في سلوك سبيل الاستقامة، والبعد عن سبل الهلاك والانحراف.
ومن لطف الله بعبده أن يبتليه ببعض المصائب فيوفقه للقيام بوظيفة الصبر فيها، فيُنيِلُه رفيع الدرجات وعالي الرتب، وأن يكرمه بأن يوجد في قلبه حلاوة روح الرجاء وتأميل الرحمة وانتظار الفرج وكشف الضر، فيخف ألمه وتنشط نفسه.
(1/140)

قال ابن القيِّم رحمه الله: "فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع بالفرج فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف وما هو فرج معجّل، وبه وبغيره يفهم معنى اسمه اللطيف" (1) أهـ.
وكم هو نافع للعبد أن يعرف معنى هذا الاسم العظيم ودلالته، وأن يجاهد نفسه على تحقيق الإيمان به والقيام بما يقتضيه من عبودية لله عز وجل، فيمتلئ قلبه رجاء وطمعاً في نيل فضل الله والظفر بنعمه وعطاياه، متحرياً في كل أحواله الفوز بالعواقب الحميدة والمآلات الرشيدة، واثقاً بربِّه اللطيف، ومولاه الكريم، ذ النعم السوابغ والعطاء والنوال، ومن يتحرَّ الخير يُعطه، ومن يتوقَّ الشرَّ يوقه، والفضل بيد الله وحده يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
* * * *
__________
(1) "مدارج السالكين" (2/ 167).
(1/141)

(35)
العفوّ، الغفور، الغفّار، التّواب
قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج: 60]، وقال تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 99]، وقال تعالى: (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 73]، وقال تعالى: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفتح: 14]، وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 82]، وقال تعالى: (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 160].
والعفوّ: هو الذي يمحو السِّيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبئ عن السِّتر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من السِّتر، وهذا حال الاقتران، أما حال انفرادهما فإن كل واحد منهما يتناول معنى الآخر.
والتواب: هو الذي يتوب على من يشاء من عباده بالتوفيق للتوبة، كما قال سبحانه: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 118]، وبالقبول لها، كما قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى: 25].
والعفو والمغفرة من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك، ولا تزال آثار ذلك ومتعلقاتُه تشمل الخليقة آناء الليل والنهار، فعفوه ومغفرته وسعت المخلوقات والذنوب والجرائم، فهو سبحانه لم يزل ولا يزال بالعفو والتجاوز معروفاً، وبالصفح والغفران موصوفاً، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 43]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 99].
(1/142)

والتقصير الواقع من الخلق يقتضي العقوبات المتنوعة، ولكن عفو الله ومغفرته تدفع هذه الموجبات والعقوبات (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) [فاطر: 45]، وهذا من كمال عفوه، فلولا كمال عفوه وحلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة، ومثلها قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: 61].
ومن هذا الباب ما ورد في "الصحيحين" (1) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس أحدٌ- أو ليس شيء- أصبرَ على أذى سَمِعَه من الله، إنهم ليدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم".
وعفوه تعالى نوعان:
النوع الأول: عفوه العام عن جميع المجرمين من الكفار وغيرهم، بدفع العقوبات المنعقدة أسبابها، والمقتضية لقطع النّعم عنهم، فهم يؤذونه بالسَّبِّ والشِّرك وغيرها من أصناف المخالفات، وهو يعافيهم ويرزقهم ويدرُّ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، ويبسط لهم الدنيا، ويعطيهم من نعيمها ومنافعها ويمهلهم ولا يهملهم بعفوه وحلمه سبحانه.
والنوع الثاني: عفوه الخاص، ومغفرته الخاصة للتائبين والمستغفرين والداعين والعابدين، والمصابين بالمصائب المحتسبين، فكلّ من تاب إليه توبة نصوحاً- وهي الخالصة لوجه الله العامة الشاملة التي لا يصحبها تردُّد ولا إصرار- فإن الله يغفر له من أي ذنب كان، من كفر وفسوق وعصيان، وكلّها داخلة في قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6099)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2804).
(1/143)

وقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في قبول الله التوبة من عباده من أيِّ ذنب كان، وكذلك الاستغفار المجرد يحصل به من مغفرة الذنوب والسيئات بحسبه، وفي الحديث القدسي، قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتُك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي (1).
وكذلك من عفوه سبحانه أن الحسنات والأعمال الصالحة تكفّر السيئات والخطايا، قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114]، وفي الحديث: "وأتبع السّيئةَ الحسنة تمحُها" رواه أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم (2).
وكذلك من عفوه أن المصائب التي تصيبُ العبد في نفسه أو ولده أو ماله تكفِّر سيِّئاته، خصوصاً إذا احتسب ثوابها وقام بوظيفة الصبر أو الرّضى.
ومن عظيم عفوه سبحانه أن العبد يبارز ربَّه بالعظائم والجرائم فيلطف به ربُّه، ويحل عليه عفوه، فيشرح صدره للتوبة، ويتقبّل منه متابه، بل إنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب مع أنه غني حميد، لا تنفعه طاعةُ مَن أطاع، ولا تضرّه معصيةُ مَنْ عصى.
روى مسلم في "صحيحه" (3) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلِّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال- من شدة الفرح-: اللهمّ أنت عبدي وأنا ربّك، أخطأ من شدة الفرح".
__________
(1) في "جامعه" (رقم: 3540) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال: "غريب" وفي بعض النسخ: "حسن غريب" وفي إسناده جهالة، ولكن له شاهد من حديث أبي ذر رضي الله عنه؛ ولذلك حسّنه الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" (رقم: 127).
(2) "المسند" (5/ 153)، و"جامع الترمذي" (رقم: 1987)، و"مستدرك الحاكم" (1/ 54) وهو طرف من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وصحّحه الترمذي والحاكم.
(3) (رقم: 2747).
(1/144)

وينبغي هنا أن يعلم أنَّ علم العبد بهذه الأسماء العظيمة بابٌ عظيم لنيل عالي المقامات، ولا سيما مع مجاهدة النفس على تحقيق مقتضياتها، من لزوم الاستغفار، وطلب العفو، ودوام التوبة، ورجاء المغفرة، والبعد عن القنوط وتعاظم غفران الذنوب، فهو سبحانه عفو غفور لا يتعاظمه ذنب أن يغفره مهما بلغ الذنب وعظم الجرم، والعبد على خير عظيم ما دام طالباً عفو ربِّه، راجياً غفرانه.
وتأمّل في هذا المقام ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربِّه عزّ وجل قال: "أذنب عبدٌ ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أنّ له رباً يغفر الذنب، ويأخذُ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك" أي ما دُمتَ تائباً أوّاهاً منيباً.
وأبواب عفوه وغفرانه مفتوحة، ولم يزل ولا يزال عفوّاً غفوراً، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، كما قال سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 82].
اللهمَّ مُنَّ علينا بعفوك وأكرمنا بغفرانك، وتبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم.
* * * *
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 7507)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2758) واللفظ له.
(1/145)

(36)
العليّ، الأعلى، المتعال
قال تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، وقال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62]، وقال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: 1]، وقال تعالى: (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) [الليل: 20]، وقال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد: 9] (1).
وهذه الأسماء تدلُّ على علوه المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات:
فهو العليّ علو ذات، قد استوى على العرش، وعلا على جميع الكائنات، وباينها، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]، وقال تعالى في ست آيات من القرآن: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: 54]، أي: علا وارتفع عليه علوّاً يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه.
وهو العلي علو قدر، وهو علو صفاته وعظمتها، فإنّ صفاته عظيمةٌ لا يماثلها ولا يقاربها صفة أحد، بل لا يطيق العباد أن يحيطوا بصفة واحدة من صفاته.
وهو العلي علو قهر، حيث قهر كلّ شيء، ودانت له الكائنات بأسرها، فجميع الخلق نواصيهم بيده، فلا يتحرّك منهم متحرِّك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
هذا وقد تنوعت الدلائل، وتكاثرت البراهين، وتعددت الشواهد على علو الله تبارك وتعالى على خلقه، حتى إن القرآن الكريم فيه أزيد من ألف دليل على علوِّ الله سبحانه، وهي مندرجة تحت أنواع عديدة، بيانها فيما يلي:
__________
(1) قرأ ابن كثير: "المتعالي" بباء في الوصل والوقف، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين. انظر: "المفتاح في اختلاف القراء السبع" لأبي القاسم القرطبي (2/ 639).
(1/146)

الأول: التصريح بالفوقية، قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام: 18]، وقال تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) [النحل: 50].
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أن سعداً حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كلّ من جرتْ عليه الموسى، وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لقد حكمتَ فيهم بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سموات" رواه النسائي في "الكبرى" والبزار والحاكم وغيرهم (1).
الثاني: التصريح بالعروج إليه سبحانه، قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) [السجدة: 5]، وقال تعالى: (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) [المعارج: 3 - 4].
الثالث: التصريح بالصعود إليه، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10].
وفي "الصحيحين" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب؛ فإن الله يتقبّلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربّي أحدُكم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل".
الرابع: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، قال تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء: 158]، وقال تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: 55].
الخامس: التصريح بتنزيل الكتاب منه، قال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [الزمر: 1]، وقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [السجدة: 2].
__________
(1) "السنن الكبرى" (رقم: 5906) - واللفظ له-، و"مسند البزّار" (رقم: 1091)، و"مستدرك الحاكم" (2/ 124). وحسّنه الحافظ ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" (2/ 439)، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم: 2745).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 7430) - واللفظ له-، و"صحيح مسلم" (رقم: 1014).
(1/147)

السادس: التصريح بأنه تعالى في السماء، قال تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) [الملك: 16 - 17].
وفي "صحيح مسلم" (1) من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة".
وفي الترمذي (2)، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحمُوا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
السابع: التصريح برفع الأيدي إليه، روى الترمذيّ (3) عن سلمان الفارسي رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله حييٌّ كريم يستحيي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أن يردّهما صفراً خائبتين".
الثامن: الإشارة إليه حسّاً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به، لما كان صلوات الله وسلامه عليه بالمجمع الأعظم في اليوم الأعظم، قال للناس: "وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد- ثلاث مرات" رواه مسلم (4).
__________
(1) (رقم: 537).
(2) في "جامعه" (رقم: 1924) وصححه، ورواه أيضاً: أبو داود (رقم: 4941)، وأحمد (2/ 160)، والحاكم (4/ 159) وغيرهم.
(3) في "جامعه" (رقم: 3556) وصحّحه، ورواه أيضاً: أبو داود (رقم: 1488)، وابن ماجه (رقم: 3865)، وأحمد (5/ 138)، وابن حبان (رقم:876، 880)، والحاكم (1/ 497) وصحّحه.
(4) (رقم: 1218) وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجّة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/148)

التاسع: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربِّه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربِّه، ثم يعود إلى موسى عدّة مرار، وحديث المعراج مخرَّج في "الصحيحين" (1) وغيرهما.
العاشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر: 36 - 37]، أي: إني لأظن موسى كاذباً فيما أخبر به من أن الله في السماء، فمن نفى علوَّ الله ففيه شبه من فرعون، ومن أثبت علو الله فهو على نهج موسى عليه السلام، ونهج جميع النبيِّين عليهم صلوات الله وسلامه.
فهذه الأدلَّة ونظائرها كثير في الكتاب والسنة؛ تضمنت إثبات علو الله تبارك وتعالى، وأنه عالٍ على كلِّ شيء، وفوق كلِّ شيء، ولا شيء فوقه، بل هو فوق العرش المجيد كما أخبر بذلك عن نفسه، وكما أخبر بذلك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أمرٌ متقررٌ مجمعٌ عليه بين سلف الأمة وأئمة المسلمين.
قال أبو نصر السجزي رحمه الله في كتابه "الإبانة": "وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ متفقون على أنّ الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأنّ علمه بكلّ مكان" (2).
والإيمان بعلو الله على خلقه يورث العبد تعظيماً لله وذلاً بين يديه، وانكساراً له، وتنزيهاً له عن النقائص والعيوب، وإخلاصاً في عبادته، وبعداً عن اتخاذ الأنداد والشركاء، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62].
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 342)، و"صحيح مسلم" (رقم: 163) من حديث أنس بن مالك، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
(2) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع" (3/ 262).
(1/149)

وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [سبأ: 22 - 23].
* * * *
(1/150)

(37)
الكبير، العظيم
قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [لقمان: 30]، وقال تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [غافر: 12]، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الحاقة: 52].
والكبير العظيم أي: الذي له الكبرياء نعتاً والعظمة وصفاً، قال تعالى في الحديث القدسيّ: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار"، رواه أحمد وأبو داود (1).
ومعاني الكبرياء والعظمة نوعان:
أحدهما: يرجع إلى صفاته سبحانه، وأن له جميع معاني العظمة والجلال، كالقوة، والعزة، وكمال القدرة، وسعة العلم، وكمال المجد، وغيرها من أوصاف العظمة والكبرياء، ومن عظمته أن السموات السبع والأرضين السبع في يد الله كخردلة في يد أحدنا، كما قال ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.
قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: 67]، فله سبحانه وتعالى الكبرياء والعظمة الوصفان لا يقادر قدرهما، ولا يبلغ العباد كنههما، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة"، رواه أحمد وأبو داود والنسائي (2).
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (2/ 248)، و"سنن أبي داود" (رقم: 4090) وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده حسن.
(2) "مسند الإمام أحمد" (2/ 223)، و"سنن أبي داود" (رقم: 873)، و"سنن النسائي" (رقم: 1049)، وغيرهم من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(1/151)

النوع الثاني: أنه لا يستحق أحدٌ التعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فيستحق على العباد أن يعظّموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبّته والذل له والخوف منه، ومن تعظيمه سبحانه أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه، وأن لا يُعترض على شيء من خلقه أو على شيء من شرعه، ومن تعظيمه تعظيم ما عظمه واحترمه من زمان ومكان وأشخاص وأعمال، والعبادة روحها تعظيم الباري وتكبيره؛ ولهذا شرعت التكبيرات في الصلاة في افتتاحها وتنقلاتها ليستحضر العبد معنى تعظيمه في هذه العبادة التي هي أجلّ العبادات.
بل إن التكبير مصاحب للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة، فالمسلم يكبِّر الله عندما يكمل عدّة الصيام، كما قال تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]، ويكبّر الله في الحج، قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37].
وبهذا تتبيّن مكانة التكبير وجلالة قدره، وعظم شأنه من الدّين، والتكبير يراد به أن يكون الله عند العبد أكبر من كلّ شيء، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: "ما يُفِرُّكَ أن تقول لا إله إلا الله، فهل تعلمُ مِن إلهٍ سوى الله؟ قال: قلتُ: لا. قال: ثم تكلم ساعةً، ثم قال: إنما تَفِرُّ أن تقول الله أكبر، وتعلمُ شيئاً أكبرَ من اللهِ؟ قال: قلت: لا" الحديث. رواه أحمد والترمذي وابن حبان (1).
وبه يتبين معنى (الله أكبر) أي من كلِّ شيء، فلا شيء أكبر ولا أعظم منه، ولهذا يقال: إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي صِفهُ بأنه أكبرُ من كلِّ شيء، وأعتقدُ أنه أكبر من كل شيء.
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (4/ 378)، و"جامع الترمذي" (رقم: 2953) - واللفظ له-، و"صحيح ابن حبان" (رقم: 7206) وغيرهم. وحسّنه الترمذي.
(1/152)

وكما تقدّم؛ التكبير معناه: التعظيم، لكنه ليس مرادفاً له، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنه يتضمنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وفي قوله "الله أكبر" إثبات عظمته، فإن الكبرياء تتضمن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل. ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: "الله أكبر"، فإن ذلك أكمل من قول: "الله أعظم"، كما ثبت في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذّبته"، فجعل العظمة كالإزار، والكبرياء كالرداء، ومعلوم أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمن ذلك التعظيم" (1) أهـ.
وهاهنا أمر ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأن الله سبحانه وتعالى أكبر من كلّ شيء، وأن كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علم من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياء الرب وعظمته وجلاله وجماله وسائر أوصافه ونعوته أمر لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوره الأفهام، أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأكبر من ذلك (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111].
وأمر آخر، ألا وهو أنّ من علم مدلول هذين الاسمين ذلَّ لربِّه وانكسر بين يديه، وصرف له أنواع العبادة، واعتقد أنه المستحق لها دون سواه، وعرف أن كل مُشرك لم يقدر ربَّه العظيم حق قدره، كما قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: 67]، وقال تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) [نوح: 13 - 20].
__________
(1) "مجموع الفتاوى" (10/ 253).
(1/153)

وسبحان الله! أين ذهبتْ عقولُ هؤلاء المشركين حين صرفوا ذلّهم وخضوعهم وانكسارهم ورجاءهم وخوفهم ورغبهم ورهبهم وحبَّهم وطمعَهم إلى مخلوقات ضئيلة، وكائنات ذليلة، لا تملك لنفسها شيئاً من النفع والضر، فضلاً عن أن تملكه لغيرها، وتركوا الخضوع والذل للربِّ العظيم والكبير المتعال، والخالق الجليل تعالى الله عما يصفون، وسبحان الله عما يشركون، وهو وحده المستحق للتعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه، فمن أقبحِ الظُّلمِ أن يُعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبين غيره فيه، ومن اتخذ الشركاء والأنداد له ما قدر الله حقَّ قدره، ولا عظّمه حقَّ تعظيمه، سبحانه وتعالى الذي عنت له الوجوه، وخشعت له الأصوات، ووجلت القلوب من خشيته، وذلّت له الرِّقاب، تبارك الله رب العالمين.
* * * *
(1/154)

(38)
القويّ، المتين
وقد جاء اسم الله "القوي" في عدّة مواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [الشورى: 19]، وقوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 21]، وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [هود: 66].
واسم الله "المتين" لم يرد إلاَّ في موضع واحد مقروناً بوصف الله بأنه ذو القوّة، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58].
ومعنى "المتين" أي: شديد القوة، ومعنى "القوي" أي: الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، فالقوة لله جميعاً، لا منصور إلا من نصره، ولا عزيز إلاَّ من أعزه، وكذلك المخذول من خذله الله، والذليل من أذله، قال الله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 160]، وقال تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة: 165]، وهي حقيقة سوف يدركها المشركون يوم القيامة، يوم يرون عذاب الله بأبصارهم، فيعلمون حينئذٍ علماً جازماً أن القوة لله جميعاً. وقد عميت أبصارهم في الدنيا عن رؤية شواهد قوته ودلائل قدرته فاتخذوا الأنداد وعبدوا الأوثان وتعلقت قلوبهم بما لا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع ولا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً فضلاً عن أن يملك شيئاً من ذلك لغيره.
(1/155)

هذا ومن شواهد قوته نصره لأنبيائه وتأييده لأوليائه وفي قصص الأنبياء في القرآن خير شاهد على هذا، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [هود: 66]، وقال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40]، وقال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 21]، وقال تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) [الأحزاب: 25].
ومن شواهد قوَّته إهلاكه للظالمين وانتقامه من المجرمين وإحلاله بهم أنواع العقوبات وصنوف المُلات، قال تعالى: (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 52]، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [غافر: 21 - 22].
ومن شواهد قوته قيام السماء والأرض بأمره وحفظه لهما ولما فيهما بقدرته فلا يعجزه شيء قال تعالى: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 44].
ومن شواهد قوته أن الرزق بيده يؤتيه من يشاء، قال تعالى: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [الشورى: 19]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]، ولا حول للعبد في جلب نفع أو دفع ضر ولا قوة إلا بالله، قال تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) [الكهف: 39].
(1/156)

ومن شواهد قوته أنه لا مفرَّ إلا إليه ولا ملجأ للعبد ولا منجا منه إلاَّ إليه، قال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) [الأنفال: 59]، وقال تعالى عن الجن: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) [الجن: 12]، وقال تعالى: (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الأحقاف: 32]، وقال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الذاريات: 50].
ومن شواهد قوته أنه الفعال لما يريد، لا يقع شيءٌ في هذا العالم من حركة أو سكون، أو خفض أو رفع، أو عز أو ذل، أو عطاء أو منع إلا بإذنه، يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، بل قهر كل شيء، ودان له كل شيء، كما قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54]، وقال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2]، وقال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) [يونس: 3].
هذا وإن إيمان العبد بهذا الاسم يثمر فيه انكساراً بين يدي الله وخضوعاً لجانبه وخوفاً منه سبحانه ولُجوءاً إليه وحده، وحسن توكل عليه، واستسلاماً لعظمته، وتفويضَ الأمور كلِّها إليه، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به.
ولهذا كانت كلمةُ "لا حول ولا قوة إلا بالله" جليلةَ الشأن، كبيرة القدر، عظيمة الأثر، قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "يا عبد الله بن قيس، قلْ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها من كنوز الجنة"، متَّفق عليه (1).
وروى الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه، قال: "أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع، فذكرها، قال: "وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن من كنزٍ تحت العرش" (2).
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6384)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2704).
(2) رواه الإمام أحمد (5/ 159) وغيره بإسناد حسن. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (2166).
(1/157)

وهي كلمةُ إسلام واستسلام، وتفويضٍ والتجاء، وتبرؤٍ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة في جلب خير إلا بإذن الله، ولا تحول للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد على القيام بأيّ شأنٍ من شؤونه إلا بالله.
ومن قال هذه الكلمة محقِّقاً ما دلَّت عليه من التوكُّل والتفويض وحسن الالتجاء هُدي ووُقي وكُفي، وكان من أقوى الناس قلباً وأحسنهم حالاً ومآلاً، وفي الأثر: "من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله، ومن سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" (1).
* * * *
__________
(1) ذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (13/ 322). ويروى حديثاً مرفوعاً ولا يصح. انظر: "السلسلة الضعيفة" (رقم: 5421).
(1/158)

(39)
الشَهيد، الرّقيب
أما "الشهيد" فقد تكرر في مواضع عديدة من القرآن، قال تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [البروج: 9]، وقال تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء: 79]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج: 17].
وأمَّا "الرقيب" فقد ورد في ثلاثة مواطن، قرن معه في أحدها اسم الشهيد، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) [الأحزاب: 52]، وقال تعالى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117].
ومعنى الشهيد أي: المطلع على كلِّ شيءٍ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه.
ومعنى الرقيب أي: المطَّلع على ما أكنَّتهُ الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير، رقيب للمبصرات ببصره الذي لا يغيب عنه شيء، ورقيب للمسموعات بسمعه الذي وسع كل شيء، ورقيب على جميع المخلوقات بعلمه المحيط بكلّ شيء.
ومن يتأمَّل مدلول هذين الاسمين يجد بينهما شيئاً من الترادف؛ ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "الرقيب والشهيد مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1]، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [البروج: 9]؛ ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال
(1/159)

والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله أوجب له ذلك حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه" (1). أهـ.
قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 235]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) [الأحزاب: 52]، وقال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد: 4]، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]، وقال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور: 48]، وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وفي حديث جبريل عليه السلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له: "أنْ تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك"، رواه مسلم (2).
فتأمّلُ هذه النصوص وما في معناها يحرِّك في العبد مراقبة الله عز وجل في كل أعماله وجميع أحواله، إذ المراقبة ثمرة من ثمار علم العبد بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، مطَّلع على عمله في كلّ وقت، وكل لحظة، وكل نَفَس، وكلّ طرفة عين.
والمراقبة منزلة عليّة من منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، وحقيقتها دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي مراقبة لله عند أمره ليفعله العبد على أحسن حال، ومراقبة له عند نهيه ليجتنبه العبد وليحذر من الوقوع فيه. كما قال الشاعر:
إذا ما خلوت الدَّهْرَ يوماً فلا تَقُلْ ... خلوتُ ولكنْ قُل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً ... ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
__________
(1) "الحق الواضح المبين" (ص/31 - 32).
(2) (رقم: 8) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مطولاً.
(1/160)

وهذه المراقبة تحتاج من العبد إلى حضور القلب واجتناب الغفلة ودوام الذِّكر، وهذا يثمر سرور القلب وانشراح الصدر وقرّة العين بالقرب من الله، وهو نعيم معجَّل يناله العبد في دنياه قبل أخراه.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "فإنَّ سرور القلب بالله، وفرحه به، وقرّة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البته، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: "إنه لتمر بي أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب". ولا ريب أنَّ هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه فليتهم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس نوراً يجد به حلاوة الإيمان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووَجْد حلاوته فذكر الذوق والوجد وعلقه بالإيمان فقال: "ذاقَ طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً" (1)، وقال: "ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبُّ المرءَ لا يحبُّه إلاَّ لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (2).
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: إذا لم تجدْ للعمل حلاوةً في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإنَّ الربَّ تعالى شكور، يعني أنه لا بد أن يثيبَ العامِلَ على عمله في الدُّنيا من حلاوةٍ يجدها في قلبه وقوّةٍ وانشراحٍ وقرةِ عين؛ فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول" اهـ (3).
* * * *
__________
(1) رواه مسلم (رقم: 34) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري (رقم: 16)، ومسلم (رقم: 43) من حديث أنس رضي الله عنه.
(3) "مدارج السالكين" (3/ 67 - 68).
(1/161)

(40)
المُهيْمِن، المُحيط، المُقِيت، الواسع
أمَّا "المهيمن" فقد ورد في موضع واحد وهو قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23].
ومعنى "المهيمن" أي: المطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً، الشاهد على الخلق بأعمالهم، الرقيب عليهم فيما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وأما "المحيط" فقد ورد في عدّة مواضع، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) [النساء: 126]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [البقرة: 19].
وهو اسم دال على إحاطة الله بكلِّ شيء علماً وقدرةً وقهراً، كما قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) [الإسراء: 60]، وقال تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12]، وقال تعالى: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: 28].
وإحاطته سبحانه بالمخلوقات إحاطة علم، فلا يعزب عنه من خلقه مثقال ذرة، وإحاطة قدرة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإحاطة قهر فلا يقدرون على فوته أو الفرار منه، قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) [الرحمن: 33]، أي: لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره لأنه محيط بكل شيء علماً وقدرةً وقهراً.
(1/162)

وأمَّا "المقيت" فقد ورد في موضع واحد، وهو قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) [النساء: 85]، قيل في معناه: الذي أوصل إلى كل الموجودات ما به تقتات، وأوصل إليها أرزاقها، وصرّفها كيف يشاء بحكمته وحمده، أي: أنه سبحانه هو الذي ينزل الأقوات للخلق ويقسم أرزاقهم صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6]، وكل هذه الأرزاق والأقوات قدرها سبحانه عند خلقه للأرض، قال تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) [فصلت: 10]، أي: قدر فيها ما يحتاجه أهلها من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس وما يصلح لمعاشهم من التجارات والأشجار والمنافع.
وذكر في معنى "المقيت" معانٍ أخرى، قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) [النساء: 85]، قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوراق: (مُقِيتًا) أي: حفيظاً، وقال مجاهد: شهيداً، وفي رواية عنه: حسيباً، وقال سعيد بن جبير والسدِّي وابن زيد: قديراً، وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب، وقال الضحاك: المقيت: الرزاق" (1).
ولا يمنع أن يكون هذا الاسم متناولاً لجميع هذه المعاني، بأن يكون معناه: الذي أحاط علماً بالعباد وأحوالهم، وما يحتاجون إليه، وأحاط بهم قدرة، فهو على كل شيء قدير، وتولى حفظهم ورزقهم وإمدادهم، الذي بقيت الأبدان بالأطعمة والأرزاق، وبقيت قلوب من شاء من عباده بالعلم والإيمان، كما قيل:
فقوت الروح أرواح المعاني ... وليس بأن طعمت وأن شربتا
وأما "الواسع" فقد تكرّر في عدة مواضع من القرآن، قال تعالى: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247]، وقال تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 115].
__________
(1) "تفسير ابن كثير" (2/ 324). وينظر: "تفسري الطبري" (7/ 272).
(1/163)

ومعناه: الواسع الصّفات والنعوت، ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
قال تعالى في بيان سعة علمه: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 180]، وقال تعالى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه: 98].
وقال تعالى في بيان سعة رحمته: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156]، وقال تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر: 7]، وقال تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) [الأنعام: 147]، وقال تعالى في بيان سعة رزقه: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) [النساء: 130]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [آل عمران: 73]، وقال تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور: 32].
وقال تعالى في بيان سعة مغفرته: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 268]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم: 32]، وقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]، وقال تعالى في بيان سعة ثوابه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261].
ومن شواهد اسمه "الواسع" أنه سبحانه وسَّع على عباده في دينهم فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28].
فلله الحمد على ما منّ ويسَّر حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربُّنا ويرضى.
(1/164)

(41)
الحفيظ، الحافظ
قال الله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود: 57]، وقال تعالى: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [سبأ: 21]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الشورى: 6]، وقال تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64]، وقال تعالى: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) [الأنبياء: 82]، وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].
وهذان الاسمان العظيمان دالان على أن الله سبحانه موصوف بالحفظ، وهذا الوصف يتناول أمرين:
الأول: الحفظ بعلمه جميع المعلومات؛ فلا يغيب عنه شيء منها، وفي مقابل ذلك النسيان، وقد نزَّه عنه لكمال علمه وحفظه، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64]، وقال تعالى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) [طه: 52]، وقال تعالى: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) [المجادلة: 6].
فهو تبارك وتعالى يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نياتهم وما تكن صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، قال تعالى: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 52 - 53].
ووكل سبحانه ملائكة كراماً كاتبين يحفظون على العباد أعمالهم، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) [الطارق: 4]، وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10 - 12].
وهذا المعنى من حفظه سبحانه يقتضي إحاطة علمه بأحوال العباد كلها؛ ظاهرها وباطنها، سرّها وعلنها، وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، وعلمه بمقاديرها وكمالها ونقصها ومقاديرها جزائها في الثواب والعقاب، ثم مجازاتهم عليها بفضله وعدله.
(1/165)

الثاني: أنه تعالى الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض وما فيهما، لتبقى مدة بقائها، فلا تزول ولا تَدْثُر ولا تميد ولا يسقط شيء على شيء، ولا يثقله ولا يعجزه شيء من ذلك، كما قال تعالى: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) [البقرة: 255]، يحفظ سبحانه السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [الحج: 65]، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: 32]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) [فاطر: 41].
وتكفَّل سبحانه بحفظ كتابه العزيز، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، فلا يطوله تحريف، ولا يلحقه تبديل، ولا يغيّر فيه حرف، ومع تطاول الأيام وامتداد الزمان بقي القرآن كما هو، وبقيت آياته كما أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيظلّ محفوظاً بحفظ الله عز وجل.
ومن معاني هذا الاسم أنه سبحانه الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون وحفظه لهم نوعان عام وخاص.
فالعام: حفظه لهم بتيسيره لهم الطعام والشراب والهواء، وهدايتهم إلى مصالحهم، وإلى ما قدر لهم وقضى لهم من ضرورات وحاجات وهي الهداية العامة التي قال عنها سبحانه: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50]، وحفظهم بدفع أصناف المكاره والمضارّ والشرور عنهم، وهذا الحفظ يشترك فيه البر والفاجر، بل الحيوانات وغيرها، وقد وكل ببني آدم ملائكة يحفظونهم بأمر الله، كما قال سبحانه: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد: 11]، أي: يدفعون عنه بأمر الله كل ما يضره مما هو بصدده أن يضره لولا حفظ الله.
والخاص: حفظه لأوليائه- إضافةً إلى ما تقدم- بحفظ إيمانهم من الشبه المضلة والفتن الجارفة والشهوات المهلكة، فيعافيهم منها، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيد الأعداء ومكرهم، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا) [الحج: 38]، وعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه.
(1/166)

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: "احفظ الله يحفظك". رواه أحمد والترمذي (1)؛ أي: احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعديها، يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك وفي جميع ما آتاك الله من فضله.
وقد مدح الله عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده فقال: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 112]، وقال: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) [ق: 32 - 33]، ويدخل في هذا حفظ التوحيد من نواقضه ونواقصه؛ إذ هو أعظم ما ينبغي أن يحفظ ويصان، وحفظ شعائر الإسلام ولا سيما الصلاة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238]، وحفظ السمع والبصر والفؤاد (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36]، وحفظ الفروج (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون: 5 - 7]، إلى غير ذلك مما أمر الله عباده بحفظه، وجعل ثوابهم على ذلك حفظه لهم ودفاعه عنهم ووقايتهم من كل ضر وبلاء.
ولا حافظ للعبد في دينه ودنياه وفي أي أمر من أموره إلا الله (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].
وكم هو جميل بالعبد مع حفظه لما أمره الله بحفظه أن يتوجَّه إلى الله بالدعاء أن يعافيه في دينه ودنياه وأن يحفظه من كل شر وبلاء، وفي "المسند" (2) وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي".
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (1/ 293)، و"جامع الترمذي" (رقم: 2516) وغيرهما. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(2) (2/ 25) وإسناده صحيح.
(1/167)

(42)
الولِيّ، المَولَى
وهما اسمان تكرَّر ورودهما في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الشورى: 9]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: 28]، وقال تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: 45]، وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج: 78]، وقال تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: 150]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [التحريم: 2].
وولاية الله تعالى وتولّيه لعباده نوعان:
ولاية عامة: وهي تصريفه سبحانه وتدبيره لجميع الكائنات، وتقديره على العباد ما يريد من خير وشر، ونفع وضر، وإثباتُ معاني الملك كله لله تعالى، وأن العباد كلهم طوع تدبيره لا خروج لأحد منهم عن نفوذ مشيئته وشمول قدرته، وهذا أمر يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، يدل لهذا قول الله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62]، وقوله تعالى: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [يونس: 30].
ومعنى كونه سبحانه مولى الكافرين أي: أنه مالكهم، المتصرف فيهم بما شاء، ولا يعارض هذا قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 11]؛ إذ الولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، وليس للكافرين منها نصيب، بل حفظهم الخسران، ونصيبهم الحرمان، ووليهم الشيطان، ومولاهم النار، وبئس المصير، قال تعالى: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 63]، وقال تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الحديد: 15].
(1/168)

النوع الثاني: الولاية الخاصة والتولي الخاص؛ وهذا أكثر ما يرد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وهي ولاية عظيمة وتولٍّ كريم، اختصّ الله به عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين.
وهذا التولِّي الخاص يقتضي عنايته ولطفه بعباده المؤمنين، وتوفيقهم بالتربية على الإيمان والبعد عن سبل الضلال والخسران، قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 257].
وتقتضي غفران ذنوبهم ورحمتهم، قال تعالى: (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) [الأعراف: 155].
وتقتضي التأييد والنصر على الأعداء، قال تعالى: (أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286]، وقال تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: 150]، ولما قال أبو سفيان يوم غزوة أحد: لنا العزّى ولا عزّى لكم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للصحابة: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم"، رواه البخاريُّ في "صحيحه" (1).
وتقتضي كذلك منَّهُ عليهم يوم القيامة بدخول الجنان والنجاة من النيران، قال تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 127]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت: 30 - 32].
__________
(1) (رقم: 4043).
(1/169)

وقد بيَّن الله سبحانه في القرآن الكريم الأسباب التي نال بها هؤلاء ولاية الله لهم، وتولّيه إياهم بتوفيقه وتسديده وعونه وتأييده، قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62 - 64]، فلا تنال ولاية الله إلا بالإيمان الصادق وتقوى الله في السر والعلانية، والاجتهاد في التقرب إليه بفرائض الإسلام ورغائب الدين.
روى البخاري في "صحيحه" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزالُ عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه".
وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولو العزم، وأفضل أولي العزم نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتمُ النبيين، وإمامُ المرسلين، وسيدُ ولد آدم أجمعين، وقد جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون ولياً لله إلا مَنْ آمن به وبما جاء به، واتبعه ظاهراً وباطناً، ومن ادّعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31]، فبيَّن فيها أنَّ من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنَّ الله يحبه، ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فليس من أولياء الله.
وكثيرٌ في الناس مَنْ يظنُّ في نفسه أو في غيره أنه من أولياء الله، وهو في حقيقة الأمر ليس من أوليائه، فاليهود والنصارى يدّعون أنهم أولياء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهم، ومشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) [الأنفال: 34].
__________
(1) (رقم: 6502).
(1/170)

وكذلك الملاحظة من القائلين بوحدة الوجود أو إن الله حالٌّ في خلقه أو متحد بهم وأنه لا فرق بين الرّبِّ والعبد، وعندهم أن هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد والتعطيل والعداوة لله، فليس كلُّ من ادعى الولاية وتظاهر بها يعدّ ولياً لله، فأولياؤه هم المؤمنون المتقون المحافظون على الفرائض والواجبات، والمجانبون للكبائر والمحرمات، ومن تظاهر بالولاية وادعاها وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم، بل قد يأتي بما يناقض ذلك أو يزعم سقوط التكاليف عنه أو نحو ذلك من مسالك أهل الانحلال وطرائق أهل الزّيغ والضلال فهو في الحقيقة وليٌّ للشيطان، وليس من أهل ولاية الله في شيء، فأهل ولاية الله هم من صلحت أعمالهم بطاعته، وازدانت أوقاتُهم بعبادته (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف: 196].
* * * *
(1/171)

(43)
الأول والآخر، والظاهر والباطن
وقد وردت هذه الأسماء الأربعة مجتمعة في موضع واحد من القرآن الكريم، قال الله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد: 3]، وخير ما تفسر به هذه الأسماء الحسنى ويبيّن به معناها ما ورد في السنة النبوية في مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه بهذه الأسماء مناجاةً تتضمن بيان معاني هذه الأسماء وتوضيح مدلولاتها.
روى مسلم في "صحيحه" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا وربَّ كلِّ شيء، فالِقَ الحبَّ والنَّوى، ومُنزِلَ التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شرِّ كل شيء أنت آخذٌ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنّا الدين وأغننا من الفقر".
فبيَّن عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء الجامع معنى كل اسم ونفى ما يناقضه، وهذا أعلى درجات البيان، ومدار هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الرب تبارك وتعالى بخلقه، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية.
فإحاطةُ أوليته وآخريته بالقَبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأوليةُ الله عز وجل سابقة على أولية كل شيء، وآخريته سبحانه بقاؤه بعد كل شيء، فأحاطت أوليتُه وآخريته بالأوائل والأواخر، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فهو جل وعلا الأول فليس شيء قبله، والآخر فليس شيء بعده، وهذه إحاطة زمانية.
__________
(1) (رقم: 2713).
(1/172)

وأما الإحاطة المكانية فقد أحاطت ظاهريته وباطنيَّته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، كما قال عليه الصلاة والسلام: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"، فعلا على كل شيء بظهوره، فهو العلي الأعلى الذي ليس شيء فوقه، استوى على عرشه المجيد، والعرش سقف المخلوقات وأعلاها، والله فوق العرش، فظاهريته سبحانه هي فوقيته وعلوه على كل شيء، ودنا من كل شيء ببطونه، فبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، فهو يدل على كمال اطلاعه على السرائر والخفايا، ودقائق الأشياء وخبايا الأمور، كما يدل على كمال قربه ودنوه، فمع علوه على عرشه فهو قريب من خلقه محيط بهم، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
وإذا عرف المسلم هذه الأسماء العظيمة، وعرف ما تدل عليه من الكمال والعظمة والإحاطة وجب عليه أن يعامل كل اسم بما يقتضيه من ذل وعبودية.
فمعرفة أولية الله لكل شيء وسبقِه بالفضل والإحسان الأسبابَ كلَّها تقتضي إفراده وحده بالذل والالتجاء، وعدم الالتفات إلى غيره أو التوكل على سواه، وتقتضي التجرد من التعلق بالأسباب والالتفات إليها إلى التعلق بمن منه الإمداد ومنه الإعداد، وفضله سابق على الوسائل والأسباب.
ومعرفة آخريَّة الله تقتضي أن يُجعل وحده غاية العبد التي لا غاية له غيره، ولا مطلوب له وراءه، إليه وحده المنتهى، وليس وراءه مرمى ولا بعده مقصد، وتقتضي عدم الركون إلى الأسباب؛ فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت، وبالباقي الذي لا يزول.
(1/173)

ومعرفة ظاهريته وأنه فوق عباده يدبر أمورهم، وتصعد إليه أعمالهم؛ تقتضي حسن توجه القلب إليه، وتمام الذل بين يديه والخضوع لجنابه وعظمته والضراعة إليه وحده دون سواه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62]، وأمَّا من لا يؤمن بظاهريَّة الله وعلوّه فإنه ضائع مشتَّت القلب، ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجّه إليه قصده.
ومعرفة باطنيّته سبحانه وشهود إحاطته بالعوالم وقربه من العبيد وعلمه بالبواطن والسرائر والخفيات تقتضي تزكية النفس وإصلاح السريرة وتطهير الباطن وتنقية القلب وعمارته بالإيمان والتقى.
ففي هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له، كما أن فيها قمعاً للوساوس المهلكة، والشكوك المردية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان بُغية إهلاكه وصرفه عن الإيمان.
روى أبو داود في "سننه" (1) بإسناد جيِّد عن أبي زُميل سماك بن الوليد قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من الشك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحدٌ، قال: حتى أنزل الله عز وجل: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: 94]، قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد: 3].
فأرشد رضي الله عنه إلى هذا الذِّكر الحكيم لطرد الوساوس وقطع الشكوك.
* * * *
__________
(1) (رقم: 5110).
(1/174)

(44)
الحكيم، الحكم
وقد ورد اسم الله (الحكيم) في القرآن الكريم ما يقرب من مائة مرة، قال تعالى: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 18]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 228]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النساء: 26]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) [النساء: 130].
وهذا الاسم العظيم دال على ثبوت كمال الحكم لله وكمال الحكمة.
* أمَّا كمال الحكم فبثبوت أنَّ الحكم لله وحده يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين: 8]، وقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) [الأنعام: 114]، وقال تعالى: (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87]، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام: 57]، وقال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: 26]، وليس لأحد أن يراجع الله في حكمه كما يراجع الناس بعضهم بعضاً في أحكامهم، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [الرعد: 41]، فحكمه في خلقه نافذ لا رادّ له.
وثبوت الحكم له سبحانه يتضمَّن ثبوت جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا؛ لأنه لا يكون حكماً إلا سميعاً بصيراً عليماً خبيراً متكلِّماً مدبراً، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات.
وفي هذا إبطال لجعل الحكم لغير الله؛ لأنَّ الحكم لا يكون إلا لكامل الصفات، الذي له الأمر، وبيده التصرف، وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [غافر: 12]، وقوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 70]، وقوله تعالى:
(1/175)

(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [الشورى: 10]، ثم قال مبيِّناً صفات من له الحكم: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الشورى: 10 - 12]، أي: أن الذي له هذه الصفات هو الذي يستحقّ أن يشرع ويحلل ويحرم، وجعلُ ذلك لغيره أظلم الظلم وأعظم الجور (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50].
كما أنَّ في ذلك دلالة على أنَّ من هذا شأنه هو المستحق وحده أن يفرد بالذل والخضوع، قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 40]، وقال تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].
ومن أسماء الله: "الحَكَم"؛ ففي الحديث عن هانئ بن يزيد الحارثي: أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله تعالى هو الحكم وإليه الحكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟ " فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن هذا فما لك من الولد؟ "، قال: لي شريح ومسلم وعبد الله، قال: "فمن أكبرهم؟ "، قلت: شريح، قال: "فأنت أبو شريح"، رواه أبو داود والنسائي والبخاري في "الأدب المفرد" (1).
أمّا كمال الحكمة فبثبوت الحكمة له سبحانه في خلقه وفي أمره وشرعه، حيث يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ولا يتوجه إليه سؤال ولا يقدح في حكمته مقال.
__________
(1) "سنن أبي داود" (رقم: 4955)، و"سنن النسائي" (رقم: 5387)، و"الأدب المفرد" (رقم: 811). وصحّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (رقم: 623).
(1/176)

أمَّا الحكمة في الخلق فإنه سبحانه خلق الخلق بالحق، ومشتملاً على الحق، وكان نهايته وغايته الحق، أوجده بأحسن نظام، ورتبه بأكمل إتقان، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزءٍ من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته اللائقة به، بحيث لا يُرى فيه شيء من التفاوت والخلل (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك: 3 - 4]، ولو اجتمعت عقول الخلق على أن يقترحوا مثلاً أو أحسن من هذه الموجودات لم يقدروا على ذلك (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: 88].
وإذا كان من المتقرِّر أنَّ الله سبحانه له الكمال الذي لا يحيط به العباد، وأنه ما من كمال تفرضه الأذهان ويقدره المقدِّرون إلا والله أعظم من ذلك وأجلّ؛ فإن أفعاله وجميع ما أوصله إلى الخلق أكملُ الأمور وأحسنها وأنظمها وأتقنها، فالفعل يتبع في كمالِهِ وحسنِهِ فاعلَهُ، والتدبير منسوب إلى مدبره، والله تعالى كما لا يشبهه أحد في صفاته في العظمة والحسن والجمال، فكذلك لا يشبهه أحد في أفعاله.
وأمَّا الحكمة في أمره وشرعه فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليَعرِفَه العباد ويعبدوه، فلم يخلقهم هملا، ولم يوجدهم سُدىً، بل خلقهم لأكمل مقصد، وأوجدهم لأجلِّ غاية.
ومعرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له التي هي مقصود الخلق هي أفضل العطايا منه تعالى لعباده على الإطلاق، وأجلُّ الهبات وأشرف المنن لمن يمنّ الله عليه بها ويكرمه ببلوغها وتحقيقها، وهي أكمل السعادة والفلاح والسرور للقلوب والأرواح، بل هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي.
(1/177)

إضافةً إلى هذا فإن شرعه قد اشتمل على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علماً وعقائد صحيحة، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها، ويحصل لها أفضل المعارف وأجلّ العلوم، وأوامره كلّها منافع ومصالح، وتثمر الأخلاق الجميلة والخصال الكريمة والأعمال الصالحة والطاعات الزاكية، والهدي الكامل، ونواهيه كلها موافقة للعقول الصحيحة والفطر السلمية، فلم ينهَ إلا عما يضر الناس في عقولهم وأخلاقهم وأعراضهم وأبدانهم وأموالهم.
ومن حكمه وحكمته سبحانه مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيئ بإساءته، قال تعالى في شأن المحسن: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]، وقال في شأن المسيئ: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) [الروم: 10]، فلا يسوّي سبحانه بين محسن ومسيئ، لا في الدنيا ولا في الآخرة (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، وهذا من كمال عدله، وهو مناسب غاية المناسبة لحكمة أحكم الحاكمين سبحانه.
* * * *
(1/178)

(45)
المؤمن، الصادق
وقد ورد اسم الله "المؤمن" في آية واحدة، هي قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23].
والإيمان يرجع معناه إلى التّصديق والإقرار، وما يقتضيه ذلك من الإرشاد وتصديق الصادقين، وإقامة البراهين على صدقهم، فهو تعالى المؤمن الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، ولهذا قال مجاهد رحمه الله: "المؤمن: الذي وحد نفسه بقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 18] ".
وهي شهادة عظيمة كريمة من أعظم شاهد، وهو الله رب العالمين؛ لأعظم مشهود به، وهو توحيد الله، وإخلاص الدين له.
ومن هذا المعنى ما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر، قال: يقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي" (1).
__________
(1) "جامع الترمذي" (رقم: 3430)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 3794). وحسنه الترمذي. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم: 1391).
(1/179)

قال أبو إسحاق: ثم قال الأغر شيئاً لم أفهمه، قلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: "من رزقهنَّ عند موته لم تمسّه النار".
فهذه شهادة عظيمة من الله لنفسه بوحدانيته، وتصديق للشاهدين بذلك من عباده، وهذا التصديق من الله لعباده الشاهدين له بالتوحيد، وكذلك تأييده لهم بالحجة والبرهان، كله من دلائل اسمه "المؤمن".
قال ابن القيِّم رحمه الله: "من أسمائه المؤمن، وهو في أحد التفسيرين: المصدِّق، الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد له بأنهم صادقون بالدلائل التي دلَّ بها على صدقهم قضاء وخلقاً، فإنه سبحانه أخبر- وخبره الصدق، وقولهالحق- أنه لا بد أن يري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغت رسله حق، فقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53]، أي: القرآن؛ فإنه هو المتقدم في قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ) [فصلت: 52]، ثم قال: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53]، فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ووعده أن يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء قدير" (1).
وهذا معنى قول قتادة رحمه الله: "المؤمن آمن لقوله أنه حقٌّ" (2).
كما أن من دلائل اسمه "المؤمن" تأمين الخائف، وذلك بإعطائه الأمان وهو ضد الإخافة، قال الله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 4]، وقال تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) [النور: 55].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "المؤمن: أي: أمَّن خلقه من أن يظلمهم" (3).
__________
(1) "مدارج السالكين" (3/ 485).
(2) رواه ابن جرير الطبري في "تفسير" (22/ 552).
(3) ذكره ابن كثير في "تفسيره" (8/ 105).
(1/180)

فكل خائف يصدق في لجوئه إلى الله يجده سبحانه مؤمِّناً له من الخوف، فأمنُ العباد وأمنُ البلاد بيده سبحانه.
وبما تقدم يعلم أن اسم الله "المؤمن" يدل على معانٍ عظيمة وأمور جليلة، يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية:
فمن دلائل اسمه "المؤمن" شهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد، وهي أعظم شهادة، من أعظم شاهد، لأعظم مشهود به.
ومنها تصديقه سبحانه للشاهدين له بالتوحيد، والشهادة لهم بأن ما قالوه حق وصدق.
ومنها تصديقه لأنبيائه بالحجج والبيِّنات بأن ما قالوه وبلغوه عن الله حق لا ريب فيه، وصدق لا امتراء فيه.
ومنها أنه يصدق عباده ما وعدهم من النصر والتمكين، قال تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ) [الأنبياء: 9]، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55].
ومنها: أنه يؤمن عباده المؤمنين وأولياءه المتقين من عذابه وعقابه، قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82]، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [فصلت: 40]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأحقاف: 13].
ومنها أنه ينجزهم ما وعدهم من الفوز العظيم ودخول جنّات النّعيم، قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [الزمر: 74].
(1/181)

ومنها تأمينه سبحانه الخائفين بإعطائهم الأمان وهو ضدّ الإخافة، كما قال سبحانه: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 4].
وأما اسم الله "الصادق" فقد ورد في آية واحدة من كتاب الله عز وجل، وهي قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [الأنعام: 146].
أي الصادق فيوعده ووعيده، وفي كلّ ما يخبر به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء: 122] " (1).
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم أنّ المحسن لا يخاف لديه سبحانه ظلماً ولا هضماً، ولا يخاف بخساً ولا رهقاً، أو أن يضيع له مثقال ذرّة؛ لأن الله عز وجل وعد- وهو الصادق- بتوفيته العاملين أجورهم، وإن كان مثقال ذرة جازاه بها ولا يضيعها عليه بل يضاعف لمن يشاء ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً، وأما المسيء فيجازيه بسيئة مثلها، ويحطّها عنه بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب. قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: 16].
* * * *
(1/182)

(46)
الغنيّ
وقد ورد هذا الاسم في ثمانية عشر موضعاً من القرآن، قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) [الأنعام: 133]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15]، وقال تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [لقمان: 26].
فهو تبارك وتعالى الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن إلا أن يكون غنيّاً؛ لأن غناه من لوازم ذاته، فكما لا يكون إلا خالقاً رازقاً رحيماً محسناً؛ فلا يكون إلا غنياً عن جميع الخلق، لا يحتاج إليهم بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكونوا كلهم إلا مفتقرين إليه من كل وجه، لا يستغنون عن إحسانه وكرمه وتدبيره وتربيته العامة والخاصة طرفة عين، وكلّ من في السموات والأرض عبيد له، مقهورون بقهره، مصرفون بمشيئته، لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرّة.
فمن كمال غناه أنه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فلو آمن أهل الأرض كلهم جميعاً ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولو كفروا جميعاً لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً، قال تعالى: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 40]، وقال تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 6]، وقال تعالى: (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [التغابن: 6]، وقال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) [إبراهيم: 8].
(1/183)

وفي الحديث القدسيّ يقول الله تعالى: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً"، وقال: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني" رواه مسلم (1).
ومن كمال غناه أن إنفاق المنفقين وبذل الباذلين في سبيله وابتغاء مرضاته لا ينفعه بشيء، وكذلك شحُّ الشحيحين وبخل البخلاء لا يضره شيئاً، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة: 267].
ومن كمال غناه تنزهه تبارك وتعالى عن النقائص والعيوب، فمن نسب إليه تعالى نقصاً فقد نسب إليه ما ينافي غناه، قال تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [يونس: 68].
ومن كمال غناه تنزّهه تبارك وتعالى عن الشركاء والأنداد؛ إذ كيف يسوَّى التراب برب الأرباب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، الذي جميع رقاب العبيد تحت قبضته وطوع تدبيره، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة: 17].
__________
(1) (رقم: 2577) وهو طرف من حديث طويل عن أبي ذر رضي الله عنه.
(1/184)

ومن كمال غناه أن خزائن السموات والأرض بيده، وأن جوده على خلقه متواصل آناء الليل والنهار، وأن يديه سحاء في كل وقت (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [لقمان: 26]
ومن كمال غناه أنه يدعو عباده إلى سؤاله كلّ وقت، ويعدهم عند ذلك بالإجابة مهما عظم السؤال، وبأمرهم بعبادته ويعدهم القبول والإثابة، وهو تبارك وتعالى واسع الفضل، جزيل النوال، وقد آتاهم من كل ما سألوه، وأعطاهم كل ما أرادوه وتمنوه.
ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أهل السموات والأرض وأول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه كل ما تعلقت به مطالبهم فأعطاهم سؤلهم لم ينقص ذلك مما عنده، ففي الحديث القدسي يقول تعالى: "يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر" رواه مسلم (1).
ومن كمال غناه العظيم الذي لا يقادر قدره ولا يمكن وصفه ما يبسطه تبارك وتعالى على أهل الإيمان في جنات النعيم من صنوف اللذات وأنواع النعم وأطايب المنن مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17].
فمن عرف ربَّه بهذا الوصف العظيم عرف نفسه، من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربّه بالعزِّ التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربَّه بالعلما لتام والحكمة عرف نفسه بالجهل، وعِلمُ العبد بافتقاره إلى الله الذي هو ثمرة هذه المعرفة هو عنوان سعادة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة.
__________
(1) طرف من حديث أبي ذر رضي الله عنه المتقدم.
(1/185)

(47)
الكريم، الأكرم
أمّا "الكريم" فقد ورد في ثلاثة مواضع، قال تعالى: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 40]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: 6]، وقال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116]، على قراءة من قرأ برفع "الكريم" على أنه صفة للربّ.
وأما "الأكرم" فقد ورد في موضع واحد، وهو قوله تعالى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) [العلق: 3].
و"الكريم": هو الكثير الخير العظيم النفع، وهو مِن كلِّ شيء أحسنُه وأفضلُه، والله سبحانه وصف نفسه بالكرم كما في الآيات المتقدمة.
ووصف كلامه بالكرم كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: 77]، أي: كثير الخير غزير العلم، فكلّ خير وعلم إنما يستفاد من القرآن.
ووصف عرشه بذلك كما في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116]، على قراءة مَن قرأ بالكسر على أنه صفة للعرش، أي: حسن المنظر بهيّ الشكل.
ووصف بذلك ثوابَه العظيم ونعيمه المقيم الذي أعده لعباده المؤمنين، قال تعالى: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 4]، وقال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء: 31]، والمدخل الكريم هو الطيب الحسن السالم من الآفات والعاهات ومن الهموم والأحزان ومن المنغصات والمكدرات.
ووصف بذلك ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره كما في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [الشعراء: 7].
(1/186)

ولفظ "الكرم" لفظ جامع للمحاسن والمحامد، لا يراد به مجرد الإعطاء، بل الإعطاء من تمام معناه، ولذا ورد عن أهل العلم في معنى هذا الاسم أقوال عديدةٌ، فقيل: معناه: أي: كثير الخير والعطاء، وقيل: الدائم بالخير، وقيل: الذي له قدر عظيم وشأن كبير، وقيل: أي: المنزَّه عن النقائص والآفات، وقيل: معناه: المكرم المنعم المتفضل، وقيل: الذي يعطي لا لعوض، وقيل: الذي يعطي لغير سبب، وقيل: الذي يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج، وقيل: الذي إذا وعد وفّى، وقيل: الذي ترفع إليه كل حاجة صغيرة أو كبيرة، وقيل: الذي لا يضيع من التجأ إليه، وقيل في معناه: الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات، إلى غير ذلك مما قيل في معنى هذا الاسم العظيم، وكل ذلك حقّ، لأن هذا الاسم من الأسماء الحسنى الدالة على معانٍ عديدة لا على معنى مفرد، وإذا اعتبرت جميع ما قيل في معنى هذا الاسم علمت أن الذي وجب لله تعالى من ذلك لا يحصى من جلائل المعاني وكرائم الأوصاف.
فإذا قلنا: الكريم: هو الكثير الخير والعطاء؛ فمن أكثر خيراً من الله؛ لعموم قدرته وسعة عطائه، بل الخير كله في يديه.
وإذا قلنا: إنه الدائم بالخير؛ فذلك بالحقيقة لله وحده، فإن كل شيء ينقطع إلا الله وإحسانه، فإنه دائم متَّصل في الدنيا والآخرة.
وإذا قلنا: إن الكريم هو الذي له قدر عظيم وشأن كبير؛ فالله جل وعلا لا يقدر قدره ولا يدرك العباد كنه صفاته وكمال نعوته.
وإذا قلنا: إن الكريم هو المنزّه عن النقائص والآفات فهو الله وحده بالحقيقة القدوس السلام، الذي لا يلحق النقصُ شيئاً من صفاته، المنزه عن النقائص والعيوب.
وإذا قلنا: إن الكريم معناه المكرم المنعم المتفضل؛ فمن المكرم المنعم المتفضل إلا الله وحده، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وخزائن كل شيء، والفضل كله بيده، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يكرمه الله فمن الذي يكرمه (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج: 18].
(1/187)

وإذا قلنا: معناه: الذي يعطي لا لعوض؛ فليس كذلك إلا الله وحده، فالخلق خلقه، والملك ملكه، والعطاء عطاؤه، ولا يبلغ العباد نفعه بشيء، فهو الغني الحميد.
وإذا قلنا: معناه: الذي يعطي لغير سبب فهو الله وحده المتفضل بالنوال من غير سؤال، بدأ الخلق بالنعم، وأوسع عليهم العطاء تفضُّلاً منه وكرماً.
وإذا قلنا: معناه الذي يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج؛ فهو الله وحده يعطي المحتاج حاجته ويزيد إنعاماً منه وتفضلاً.
وإذا قلنا: معناه الذي إذا وعد وفى؛ فإن كل من يعد يمكن أن يفي ويمكن أن يقطعه عذر، ويحول بينه وبين الوفاء أمر، والباري صادق الوعد لعموم قدرته وعظيم ملكه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
وإذا قلنا: معناه الذي ترفع إليه كل حاجة صغيرة وكبيرة فهو الله وحده (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].
وإذا قلنا: معناه أي: الذي لا يضيع من التجأ إليه؛ فهو الله وحده القائل عن نفسه: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف: 30]، والقائل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: 60].
وإذا قلنا: معناه الذي
وإذا قلنا: معناه الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات؛ فهو الله وحده، وهو من كرمه سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، فمن كرمه أنه هو الذي جاد وتفضل بالتوبة على التائب، ومن كرمه تفضله سبحانه بقبولها مهما عظم الذنب وكبر الجرم، ومن كرمه أن يبدل سيئات التائبين حسنات، ومن كرمه سبحانه أنه يفرح بتوبة التائبين وإنابة المنيبين، ومن كرمه سبحانه أنه يستحيي من عبده إذا مد يديه إليه سائلاً متذللاً أن يردهما صفراً خائبتين (1).
__________
(1) انظر: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (1/ 33 - 39).
(1/188)

وأعظم أسباب نيل كرامة الكريم سبحانه تقواه جل وعلا في السر والعلن، فالأكرم عنده سبحانه الأتقى له من عباده، كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].
جعلنا الله من عباده المتقين، ومن أوليائه المكرمين، إنه سميع مجيب.
* * * *
(1/189)

(48)
السّلام
وهو اسم ورد في القرآن الكريم مرة واحدة في قول الله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23].
ومعنى هذا الاسم الكريم أي: السلام من جميع العيوب والنقائص، لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، فهو جل وعلا السلام الحق بكل اعتبار، سلامٌ في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيَّله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، وهو سبحانه السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسميّ والمماثل، والسلام من الند والشريك.
وهو اسم يتناول جميع صفات الله تعالى، فكل صفةٍ من صفاته جل وعلا سلام من كل عيب ونقص، وفي تفصيل هذا وتقريره يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفةٍ سلاماً مما يضاد كمالها، فحياته سلام من الموت ومن السِّنَة والنوم، وكذلك قيوميَّته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر، وإرادته سلامٌ من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غنيّ عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاونٍ مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه، وإلهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو.
وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلٌ أو مصانعةٍ كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه،
(1/190)

وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلماً أو تشفيّاً أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه وثوابه ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضاً لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من حمده وحكمته وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته.
وقضاؤه وقدره سلامٌ من العَبث والجَوْر والظلم ومِنْ تَوَهُّمِ وُقوعِه على خلاف الحكمة البالغة، وشرعه ودينُه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل.
وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.
واستواؤه وعلوُه على عرشه سلام من أن يكون محتاجاً إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواءٌ وعلوٌّ لا يشوبه حصرٌ ولا حاجةٌ إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى، بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما.
ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلامٌ مما يضادُّ علوَّه، وسلام مما يضاد غناه وكماله، وسلام من كل ما يتوهم معطل ومشبه، وسلام من أن يصير تحت شيءٍ أو محصوراً في شيء تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه.
(1/191)

وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوَّله معطل، وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوقُ المخلوقَ، بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر، كما قال: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) [الإسراء: 111]، فلم ينفِ أن يكون له وليٌّ مطلقاً، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذل.
وكذلك محبته لمحبِّيه وأوليائه سلامٌ من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبةَ حاجةٍ إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوَّله المعطلون فيها، وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيَّله مشبِّه أو يتقوَّله معطّل".
ثم ختم رحمه الله تعالى هذا التقرير الوافي بقوله: "فتأمَّل كيف تضمن اسمه "السَّلام" كل ما نُزِّه عنه تبارك وتعالى، وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذا الأسرار والمعاني" (1).
ومن دلائل هذا الاسم أنه تبارك وتعالى ذو السلام، أي: المسلِّم على عباده، فهو المسلِّم على رسله وأنبيائه عليهم صلاة الله وسلامه؛ لإيمانهم وكمال عبوديتهم وقيامهم بالبلاغ المبين، قال تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: 59]، وقال تعالى: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) [الصافات: 79]، وقال تعالى: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الصافات: 109]، وقال تعالى: (سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) [الصافات: 120]، وقال تعالى: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) [الصافات: 130]، والمسلم على عباده وأوليائه في جنات النعيم، قال تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [الأحزاب: 144]، وقال تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) [إبراهيم 23]، وقال تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: 58].
__________
(1) "بدائع الفوائد" (2/ 135 - 137).
(1/192)

وجعل تبارك وتعالى جنته دار السلام لعباده من الموت والأسقام والأحزان والآلام والهموم وغير ذلك من الآفات، قال تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [الأنعام: 127]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) [يونس: 25].
وجعل تبارك وتعالى إفشاء هذا الاسم في الدّنيا سبباً لدخول دار السلام في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم "لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَلاَ أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (1).
* * * *
__________
(1) رواه مسلم (رقم: 54) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/193)

(49)
القدُّوس، السبُّوح
أما اسمه تبارك وتعالى "القدوس" فقد ورد في القرآن مرتين: قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23]، وقال تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [الجمعة: 1].
وأما "السبوح" فقد ورد في السَّنة، وذلك فيما رواه مسلم في "صحيحه" (1) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح".
وقد جمع عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بين التسبيح والتقديس كما جُمع بينهما في قوله تعالى في ذكر تسبيح الملائكة وتقديسهم لله: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة: 30].
و"السُّبُّوح القُدُّوس" اسمان عظيمان دالاَّن على تنزيه الله عن النقائص والعيوب، وتبرئته عن كل ما يضاد كماله وينافي عظمته، كالسِّنَة والنوم واللغوب والوالد والولد وغيرها، وعن أن يشبهه أحد من خلقه أو أن يشبهه هو أحداً من خلقه، تعالى وتقدس وتنزه عن الشبيه والنظير والمثال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].
ومجموع ما ينزَّه عنه تبارك وتعالى شيئان:
أحدهما: أنه منزَّهٌ عن كلِّ ما ينافي صفات كماله، فإن له المنتهى في كل صفة كمال، فهو الموصوف بكمال العلم وكمال القدرة، منزه عما ينافي ذلك من النّسيان والغفلة،
__________
(1) (رقم: 487).
(1/194)

وأن يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومنزَّه عن العجز والتعب والإعياء واللّغوب، وموصوف بكمال الحياة والقيوميَّة، منزه عن ضدها من الموت والسِّنَة والنوم، موصوف بالعدل والغنى التام، منزه عن الظلم والحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وموصوف بكمال الحكمة والرحمة، منزه عما يضادّ ذلك من العبث والسَّفَه، وأن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة والرحمة، وهكذا جميع صفاته منزه عن كل ما ينافيها ويضادُّها.
الثاني: أنه منزَّهٌ عن مماثلة أحد من خلقه، أو أن يكون له ند بوجه من الوجوه، فالمخلوقات كلها وإن عظمت وشرفت وبلغت المنتهى الذي يليق بها من العظمة والكمال اللائق بها؛ فليس شيء منها يقارب أو يشابه الباري، بل جميع أوصافها تضمحل إذا نسبت إلى صفات باريها وخالقها، بل جميع ما فيها من المعاني والنعوت والكمال هو الذي أعطاها إياه، فهو الذي خلق فيها العقول والسمع والأبصار والقوى الظاهرة والباطنة، وهو الذي علمها وألهمها، وهو الذي نماها ظاهراً وباطناً وكملها.
فهو المنزه عن كل ما ينافي صفات المجد والعظمة والكمال، وهو المنزه عن الضد والند والكفؤ والأمثال.
وينبغي أن يعلم هنا أن تسبيح الله وتقديسه إنما يكون بتبرئة الله وتنزيهه عن كل سوء وعيب، مع إثبات المحامد، وصفات الكمال له سبحانه على الوجه اللائق به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده" (1).
__________
(1) "دقائق التفسير" لابن تيمية (5/ 95).
(1/195)

وبه يعلم أنَّ ما يفعله المعطِّلة من أهل البدع من تعطيلٍ للصفات وعدم إثبات لها وجحد لحقائقها ومعانيها بحجة أنهم يسبحون الله وينزهونه فهو في الحقيقة ليس من التسبيح والتقديس في شيء، بل هو إنكار وجحود، وضلال وبهتان.
قال ابن رجب رحمه الله في معنى قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [الحجر: 98]: "أي: سبحه بما حمد به نفسه، إذ ليس كل تسبيح بمحمود، كما أن تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصِّفات" (1).
فقوله رحمه الله: "إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود" كلامٌ في غاية الأهمية، إذ إن تسبيح الله بإنكار صفاته وجحدها وعدم إثباتها أمر لا يحمد عليه فاعله، بل يذم غاية الذم، ولا يكون بذلك من المسبحين بحمد الله، بل يكون من المعطلين المنكرين الجاحدين، من الذين نزه الله نفسه عن قولهم وتعطيلهم بقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 - 182]، فسبح الله نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه في حق الله من النّقص والعيب.
إن تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وتعظيمه يجب أن يكون وفق دلائل الكتاب والسنَّة وفي ضوء فهم سلف الأمة، ولا يجوز بحال أن يبنى على الأهواء المجردة أو الظنون الفاسدة أو الأقيسة العقلية الكاسدة كما هو الشأن عند أرباب البدع المعطلين لصفات الرب سبحانه زعماً منهم أن هذا من باب التسبيح والتقديس، ومن كان يعتمد في باب التسبيح والتعظيم على هواه بغير هدى من الله فإنه يزلّ في هذا الباب ويقع في أنواع من الباطل وصنوف من الضلال، ومن عافاه الله من هذا السبيل في تسبيحه فقد هدي إلى صراط مستقيم.
__________
(1) "تفسير سورة النصر" (ص/73).
(1/196)

إذ التسبيح طاعة عظيمة وعبادة جليلة حبيبة إلى الرحمن، ثقيلة في الميزان، كما قال صلى الله عليه وسلم:"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". متفق عليه (1).
وهو صلاة جميع المخلوقات كما قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء: 44]، وبه ترزق، كما صحّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته: "آمرك بـ"لا إله إلا الله"؛ فإنّ السموات السبع، والأرضين السَّبْع لو وُضعت في كفّة، ووضعت "لا إله إلا الله" في كِفّة رجحتْ بهن "لا إله إلا الله". ولو أن السموات السبع، والأرضين السبع كنَّ حَلْقةً مُبهمةً قصمتهنَّ "لا إله إلا الله"، و"سبحان الله وبحمده"؛ فإنها صلاةُ كلِّ شيء، وبها يُرزق الخلق" رواه الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" (2).
جعلنا الله من المسبِّحين بحمده، المؤمنين بأسمائه وصفاته، المحققين لتوحيده وتعظيمه، إنه سميع مجيب.
* * * *
__________
(1) البخاري (رقم: 6043)، ومسلم (رقم: 2694).
(2) "مسند الإمام أحمد" (2/ 170)، و"الأدب المفرد" (548) وغيرهما وإسناده صحيح. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم: 134).
(1/197)

(50)
الحَميد
وقد تكرَّر ورود هذا الاسم في القرآن الكريم سبع عشرة مرَّة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15]، وقال تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: 24]، وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة: 267]، وقال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان: 12]، أي: الذي له الحمد كله، المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح، وأعظم الثناء؛ لأن جميع أسماء الله تبارك وتعالى حمدٌ، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله وإحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده، وكان الغاية منه هي حمده، فحمده سبحانه سبب ذلك وغايته ومظهره، فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره أمر مشهود بالبصائر والأبصار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأيضاً فإنَّ الله سبحانه أخبر أنّه له الحمد، وأنّه حميد مجيد، وأنّ له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم، ونحو ذلك من أنواع المحامد.
والحمد نوعان: حمد على إحسانه على عباده، وهو من الشّكر.
وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلاَّ لمن هو متَّصف بصفات الكمال" (1).
__________
(1) "مجموع الفتاوى" (6/ 83 - 84).
(1/198)

أما حمده سبحانه على إحسانه إلى عباده فلأن النعمة موجبة لحمد المنعِم، والنِّعم كلُّها من الله، وهذا النّوع من الحمد مشهود للخليقة برِّها وفاجرها، مؤمنها وكافرها من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن إكرامه لعباده، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنّعم قبل السؤال، ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرَّد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم من الوقوع في الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، إلى غير ذلك من نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا تستقصى، ومن أراد مطالعة أصول النعم وما توجبه من حمد الله وذكره وشكره وحسن عبادته فلْيُدِمْ سرحَ الذِّكر في رياض القرآن الكريم، وليتأملْ ما عدَّد الله فيه من نعمه وتعرَّف بها إلى عباده من أوّل القرآن إلى آخره.
فلله الحمد شكراً، وله الحمد فضلاً، له الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالقرآن، وله الحمد بالأهل والمال والمعافاة، له الحمد بكل نعمة أنعم بها في قديم أو حديث، أو سرٌ أو علانية، أو خاصّة أو عامة، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
وأمّا حمده سبحانه لما له من الأسماء والصفات ولما يستحقه من كمال النُّعوتِ فأمرٌ متواترٌ؛ فإنه سبحانه قد حمد نفسه في كتابه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرده بالإلهية، وحمد نفسه على كمال أسمائه وعظمة صفاته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، كما قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111].
(1/199)

وحمد نفسه على عظمته وكبريائه، كما قال سبحانه: (لِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الجاثية: 36 - 37]، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان الحمد في العالم العلوي والسفلي ونبَّه على ذلك كله في كتابه في آيات عديدة تدلّ على تنوع حمده سبحانه وتعدد أسباب حمده، وقد جمعها الله في مواطن من كتابه وفرقها في مواطن أخرى ليتعرف إليه عباده، وليعرفوا كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك، ويحبهم إذا عرفوه وأحبُّوه وحمدوه.
وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في أكثر من أربعين موضعاً، جمع في بعضها أسباب الحمد، وفي بعضها ذكرت أسبابه مفصلة.
فمن الآيات التي جُمع فيها أسباب الحمد قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: 2]، وقوله: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ) [القصص: 70]، وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [سبأ: 1].
ومن الآيات التي ذكر فيها أسباب الحمد مفصلة قوله تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: 43]، ففيها حمده على نعمة دخول الجنة، وقوله تعالى: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون: 28]، ففيها حمده على النصر على الأعداء والسلامة من شرهم، وقوله تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 65]، ففيها حمده على نعمة التوحيد وإخلاص العبادة له وحده، وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39]، ففيها حمده سبحانه على هبة الولد، وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) [الكهف: 1]، ففيها حمده سبحانه على نعمة إنزال القرآن الكريم قيماً لا عوج فيه، وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111]، ففيها حمده سبحانه لكماله وجلاله وتنزهه عن النقائص والعيوب.
(1/200)

والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله تعالى قد افتتح كتابه بالحمد، وافتتح بعض سور القرآن بالحمد، وافتتح خلقه بالحمد، واختتمه بالحمد، فله الحمد أولاً وآخراً، وله الشكر ظاهراً وباطناً، وهو الحميد المجيد.
* * * *
(1/201)

(51)
المَجيد
وهو اسم عظيم ورد في كتاب الله في موضعين: قوله تعالى: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [هود: 73]، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) [البروج: 14 - 15]؛ يرفع "المجيد"، وقد قرئ "المجيد" بالرفع نعتاً لله عزَّ وجل، وبالجرِّ نعتاً للعرش.
وهو من الأسماء الحسنى الدالة على أوصاف عديدة لا على معنى مفردٍ.
ومعناه: واسع الصفات عظيمها، كثير النّعوت كريمها، فالمجيد يرجع إلى عظمة أوصافه وكثرتها وسَعَتِها، وإلى عظمة ملكه وسلطانه، وإلى تفرده بالكمال المطلق والجلال المطلق والجمال المطلق، الذي لا يمكن العباد أن يحيطوا بشيء من ذلك، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجلّ وأعلى، وله التعظيم والإجلال في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه وإجلاله والخضوع له والتذلل لكبريائه، لا مجدَ إلاَّ مجدُه، ولا عظمة إلا عظمته، ولا جلال ولا جمال ولا كبرياء إلا جلاله وجماله وكبرياؤه، أسماؤه كلها مجدٌ، وصفاته مجدٌ، وأفعاله وأقواله مجدٌ، الممجَّد في ذاته وصفاته.
والله عز وجل مَجَّد نفسه في كتابه في آيات عديدة، بل إنَّ القرآن الكريم كلَّه كتابُ تمجيد وتعظيم لله عز وجل، لا تخلو آيةٌ من القرآن من ذكر شيء من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحكيمة، وأعظم آي القرآن هي التي اشتملت على ذلك، فآية الكريم التي هي أعظم آية في القرآن الكريم فيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة، وسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن أخلصت لبيان أسماء الله الحسنى وصفاته العظيمة، وسورة الفاتحة التي هي أعظم سورة في القرآن الكريم نصفها ثناء على الله وتمجيد.
(1/202)

روى مسلم في "صحيحه" (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين؛ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين؛ قال الله تعالى: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين؛ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
والصلاة كلها قائمة على الثناء والتعظيم والتمجيد للحميد المجيد سبحانه أهل الثناء كله والمجد، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربَّنا لك الحمد، ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" رواه مسلم (2)، وفي ركوه وسجوده يعظِّم الله ويمجِّده، وإذا قعد للتّشهد يثني على الله ويمجّده ويختم ذلك بقوله: "إنك حميدٌ مجيد"، فأوّل الصلاة حمد وتمجيد، وآخرها حمد وتمجيد، بل كلها قائمة على الحمد والتمجيد.
قال ابن القيِّم رحمه الله: "وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد، كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [هود: 73]، كما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى أنه حميد مجيد، وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول: "ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد"، فالحمد والمجد على الإطلاق لله الحميد المجيد، فالحميد: الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال، والمجيد: العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام" (3).
__________
(1) (رقم: 395).
(2) (رقم: 477) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) "التبيان في أقسام القرآن" (ص/125).
(1/203)

وفي ختم التشهد باسم الله المجيد معنى لطيف نبَّه عليه ابن القيم رحمه الله قال: "وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترناً بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وسلم، لأنه في مقام طلب المزيد، والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه" (1).
لأن المجد يدل على كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال البر والخير وتعدد العطاء والنوال.
وأشرف أحوال العبد وأرفع مقاماته أن يكون مُثنياً على ربِّه معظماً لجنابه ممجِّداً له، ومن أعظم ذلك تلاوة كلامه المجيد، وقد وصفه تبارك وتعالى بذلك في موضعين من القرآن، قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) [البروج: 21 - 22]، وقال تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) [ق: 1].
فالقرآن مجيد أي: عليٌّ قدرُه، رفيعٌ شأنُه، عظيمةٌ مكانته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ومما يمجَّد به الربُّ سبحانه حسنُ الثناء عليه تحميداً وتكبيراً وتسبيحاً وتهليلاً، ومن لازم ذلك سِعِد سعادةً لا شقاء معها، وفاز بخيري الدُّنيا والآخرة.
روى البخاري في "صحيحه" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذِّكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربُّهم عز وجل - وهو أعلم منهم -: ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك
__________
(1) "بدائع الفوائد" (1/ 144).
(2) (رقم: 6045).
(1/204)

كانوا أشدَّ لك عبادة وأشدَّ لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوَّذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشدّ منها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسُهم".
وإذا كان جليسُهم لا يشقى فكيف الشأن بهم، نسأل الله الكريم من فضله.
(1/205)

الشكور، الشّاكر
وقد ورد اسم "الشكور" في أربعة مواضع من القرآن:
قال الله تعالى: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: 30]، وقال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: 34]، وقال تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) [الشورى: 23]، وقال تعالى: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) [التغابن: 17].
وورد "الشّاكر" في موضعين:
قال تعالى: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 158]، وقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) [النساء: 147].
وجميع هذه المواضع الستّة التي ورد فيها هذان الاسمان مواضع امتنان من الله عز وجل بإثابة المطيعين، وتوفية الأجور، والزيادة من الفضل، والمضاعفة للثواب، وهذا مما يبين لنا معنى هذين الاسمين، وأن الشكور الشاكر: هو الذي لا يضيع عنده عمل عامل، بل يضاعف الأجر بلا حسبان، الذي يقبل اليسير من العمل، ويثيب عليه الثواب الكثير والعطاء الجزيل، والنوال الواسع، الذي يضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر الشاكرين، ويذكر الذاكرين، ومن تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرَّب إليه ذراعاً تقرَّب إليه باعاً، ومن جاءه بالحسنة زاد له فيها حُسنا، وآتاه من لدنه أجراً عظيماً.
قال ابن القيم رحمه الله في بسط القول في معنى هذا الاسم وذكر معانيه العظيمة ودلائله الجليلة: "وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر، فهو أولى بصفة الشكر من
(1/206)

كلِّ شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل منا لعمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكر بفعله، فإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً رده عليه أضعافاً مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، وشكره على هذا وذاك، ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم، ولما احتمل يوسف الصديق عليه السلام ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقتها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيراً خضراً أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجله وأبهاه، ولما بذل رسلُهُ أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبُّوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سمواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار.
ومن شُكره سبحانه: أنه يجازي عدوَّه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان، وهو من أبغض خلقه إليه.
ومن شُكره: أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلباً قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين.
فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق إنما [يشكر] من أحسن إليه، وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه، وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها، فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر، فمن أحق باسم "الشكور" منه سبحانه؟!.
وتأمل قوله سبحانه: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) [النساء: 147]؛ كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلاً، فالشكور لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء.
(1/207)

ومن شكره سبحانه: أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر.
ومن شكره سبحانه: أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه، فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك، فإنه سبحانه غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر القليل من العمل.
ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخير والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، جواد يحب أهل الجود، ستار يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها" اهـ (1).
وفي الآيات المتقدمة جمع بين الغفور والشكور، فهو سبحانه غفور للذنوب كلها مهما عظمت فلا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره، الشكور لكل عمل وإن قل ولو كان مثقال ذرة، ولهذا لا يجوز للمسلم أن يقنط من غفران الله للذنوب مهما عظمت، كما لا يجوز له أن يحقر من أعمال البر شيئاً مهما قلَّت؛ فإن الرب سبحانه غفور شكور.
وإنا لنسأله سبحانه متوسِّلين إليه بهذين الاسمين العظيمين أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا، إنه غفور شكور.
__________
(1) "عدة الصابرين" (ص/335 - 337) باختصار.
(1/208)

(53)
الحَليم
وهو اسم تكرَّر وروده في القرآن الكريم في عدة مواضع، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: 41]، وقال الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 235]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً) [الأحزاب: 51].
ومعناه: أي: الذي لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم ومعاصيهم، يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم عليهم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويوالي النعم عليهم مع معاصيهم وكثرة ذنوبهم وزلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويمهلهم كي يتوبوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة كي يُنيبوا ويرجعوا.
وحلمه سبحانه عمن كفر به وعصاه عن علم وقوة وقدرة لا عن عجز، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) [فاطر: 44].
وقد أخبر سبحانه عن حلمه بأهل المعاصي والذنوب وأنواع الظلم بأنه لو كان يؤاخذهم بذنوبهم أولاً بأول لما أبقى على ظهر الأرض من دابة، كما قال سبحانه: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: 61]، وقال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) [الكهف: 58].
(1/209)

فمع ما يكون منهم من شرك به سبحانه، ووقوع في مساخطه واجتهاد في مخالفته ومحاربة دينه، ومعاداة لأوليائه يحلم عليهم، ويسوق إليهم أنواع الطيبات، ويرزقهم ويعافيهم، كما في "الصحيح" (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني، وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولداً، وأما تكذيبه فقوله:" ليس يعيدني كما بدأني".
وفي "الصحيحين" (2) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس أحدٌ أو ليس شيءٌ أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم".
قال ابن القيِّم رحمه الله: "وهو مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب، ويعافيه، ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به" (3).
ومن ذلكم حلمه بفرعون مع شدة طغيانه وعلوه في الأرض وإفساده للخلق، قال تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 43 - 44].
وحلمُه سبحانه بالذين نسبوا له الولد حيث دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبوابها، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: 73 - 74].
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 3193).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 4748)، ومسلم (رقم: 2804).
(3) "شفاء العليل" (2/ 653).
(1/210)

وحلمُه سبحانه بأصحاب الأخدود وهم قوم من الكفار، كان عندهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول في دينهم، فامتنعوا، فشق الكفار أخدُوداً في الأرض أجَّجوا فيه ناراً، ثم فتنوا المؤمنين وعرضوهم على النار، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن امتنع قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولأوليائه المؤمنين، ومع هذا كله دعاهم سبحانه للتوبة.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) [البروج: 10].
قال الحسن البصري رحمه الله: "انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة" (1).
ومن حلمه سبحانه إمساكه للسماء أن تقع على الأرض، وإمساكه لهما أن تزولا مع كثرة ذنوب بني آدم ومعاصيهم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: 41].
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام رحمته، وسعة حلمه ومغفرته، وأنه تعالى يمسك السموات والأرض عن الزوال، فإنهما لو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق، ولعجزت قدرتهم وقواهم عنهما، ولكنه تعالى قضى أن يكونا كما وجدا، ليحصل للخلق القرار والنفع والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه، وقوة قدرته ما به تمتلئ قلوبهم له إجلالاً وتعظيماً، ومحبة وتكريماً، وليعلموا كمال حلمه ومغفرته بإمهال المذنبين، وعدم معاجلته للعاصين، مع أنه لو أمر السماء لحصبتهم، ولو أذن للأرض لابتلعتهم، ولكن وسعتهم مغفرته وحلمه وكرمه (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: 41] " (2).
__________
(1) انظر: "تفسير ابن كثير" (8/ 393).
(2) "تيسير الكريم الرحمن" (ص/812).
(1/211)

وقد اقترن اسمه تبارك "الحليم" بالعليم في قوله تعالى: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) [الحج: 59]، واقترن بالغني في قوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) [البقرة: 263]، واقترن بالشكور في قوله: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) [التغابن: 17]، واقترن بالغفور في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 235].
وفي هذا دلالة على أن حلمه عن إحاطة بالعباد وأعمالهم، وعن غنى عنهم، فلا تنفعه طاعة من أطاع ولا تضره معصية من عصى، وعن شكر؛ فيشكر القليل من العمل ويثيب عليه الثواب العظيم، وعن مغفرة فيتجاوز عن التائب المنيب مهما عظم إثمه وكبر جرمه، فما أعظم حلمه، وما أوسع فضله، وما أجزل عطاءه ومَنَّه، فلله الحمد شكراً، وله المنّ فضلاً، حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
(1/212)

(54)
الحقُّ، المبين
أما اسمه تبارك وتعالى "الحقّ" فقد ورد في القرآن الكريم في عشرة مواضع، قال تعالى: (فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ) [يونس: 32]، وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62]، وقال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116].
وأما اسمه: "المبين" فقد ورد في موضع واحد مقروناً بالحق، قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) [النور: 25].
ومعنى "الحق" أي: الذي لا شك فيه ولا ريب، لا في ذاته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في ألوهيته، فهو المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، فهو تبارك وتعالى حق، وأسماؤه وصفاته حق، وأفعاله وأقواله حق، ودينه وشرعه حق، وأخباره كلها حق، ووعده حق، ولقاؤه حق.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته من الليل بالإقرار بهذه المعاني، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجَّد قال: اللهم لك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد أنت نور اسموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حقٌّ، وقولك حقٌّ، والجنة حق، والنار حق، والنبيُّون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" متفق عليه (1).
__________
(1) البخاري (رقم: 1069)، ومسلم (رقم: 769).
(1/213)

ومعنى "المبين" أي: المبين لعباده سبيل الرشاد، الموضح لهم الأعمال الصالحة التي ينالون بها الثواب، والأعمال السيئة التي ينالون عليها العقاب، قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ).
ومن معاني "المبين" أي: البين أمره في الوحدانية، فهو الإله الحق المبين لا شريك له.
هذا؛ وقد نوَّع تبارك وتعالى في كتابه الدلائل والبراهين والحجج والبينات على أنه الإله الحق لا شريك له، وأن ألوهيَّة من سواه باطل وضلال، وزيغ وانحلال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 62].
وقوله: (ذَلِكَ) أي: الذي بين لكم من عظمته وصفاته ما بين (هُوَ الْحَقُّ) هو المعبود بحق، ولا معبود بحق سواه، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته، ودينه حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، ولقاؤه وعبادته حق.
وقوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) أي: الذي هو باطل في نفسه، وعبادته باطلة من الأصنام والأنداد، ومن الحيوانات والجمادات؛ لأنها كلها مضمحلة زائلة، لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا، فضلاً عن أن تملك شيئاً من ذلك لغيرها، ولولا إيجاد الله لها وإمداده لها لما بقيت، فعبادة من هذا شأنه أبطل الباطل، وأضل الضلال.
ومن أنواع الدلائل والحجج التي ذكر الله في القرآن لبيان أنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه ما يلي:
1 - تفرُّدُه تبارك وتعالى بالربوبية لا شريك له، فهو الخالق وحده، الرازق وحده، المنعم وحده، المتصرِّف في هذا الكون وحده لا شريك له في شيء من ذلك، فهو الرب الحق لا شريك له.
(1/214)

ومن لوازم معرفته بذلك والإقرار له به أن يُفرَد بالعبادة، وأن يخص وحده بالخضوع والطاعة، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ) [الحج: 61 - 66]، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].
2 - ذكرُه سبحانه لأسمائه الحسنى، وصفاته العلى الدالة على كماله وجلاله وعظمته، وأنه المستحق للعبادة وحده دون سواه، ومن الأمثلة على ذلك آية الكرسي التي أخلصت لبيان التوحيد وتقريره، حيث ذُكر فيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وذكر من صفاته العظيمة ما يزيد على العشرين صفة.
3 - ذكره تبارك وتعالى لتعدد نعمه على العباد وتوالي مننه، وفي سورة النحل - التي يسميها بعض أهل العلم "سورة النعم" لكثرة ما عد فيها سبحانه من النعم على العباد - أكبر شاهد على أن المعبود بحق، ولذا ختم هذه النعم بقوله: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ) [النحل: 81 - 83].
4 - ذكره سبحانه لإجابته المضطرين وكشفه كربات المكروبين، ولا يقدر على ذلك أحدٌ سواه، قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) [النمل: 62].
(1/215)

5 - إخباره عن نفسه بأنه النافع الضار، المعطي المانع، وأن من سواه لا يملك شيئاً من ذلك لنفسه ولا لغيره، قال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) [الزمر: 38].
6 - إخباره سبحانه عن دقة صنعه للمخلوقات، وبديع إيجاده للكائنات، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 64].
7 - إخباره عن حقارة الأوثان وعجزها، وأنها لا تملك شيئاً، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 73 - 74].
إلى غير ذلك من الدلائل البيِّنات، والحجج الواضحات، التي سيقت في القرآن الكريم مبينة أن الله عز وجل هو الإله الحق المبين، وأن ألوهية من سواه كفر وطغيان، وضلال وبهتان.
(1/216)

(55)
القدير، القادر، المقتدر
وجميع هذه الأسماء وردت في القرآن، وأكثرها وروداً "القدير"، ثم "القادر"، ثم "المقتدر"، قال تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 284]، وقال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) [فاطر: 44]، وقال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام: 65]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) [الكهف: 45].
وجميعها تدل على ثبوت القدرة صفة لله، وأنه سبحانه كامل القدرة، فبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيى ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن؛ فيكون، وبقدرته يقلب القلوب ويصرِّفها على ما يشاء ويريد، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، والبرَّ برًّا، والفاجر فاجراً.
ولكمال قدرته لا يحيط أحدٌ بشيء من علمه إلا بما شاء أن يُعلِّمه إياه، ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحدٌ من خلقه ولا يفوته، بل هو في قبضته أين كان، الذي سلمت قدرته من اللُّغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، ولكمال قدرته كلُّ شيء طوع أمره وتحت تدبيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ومن أصول الإيمان العظيمة الإيمان بالقدر، قال الله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [ق: 49]، وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) [الفرقان: 2].
(1/217)

روى مسلم في "صحيحه" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [ق: 47 - 48] ".
ومن لا يؤمن بالقدر لا يؤمن بالله عز وجل، قال الإمام أحمد رحمه الله: "القدر قدرة الله" (2)، فإنكار القدر إنكار لقدرة الله عز وجل، وجحد صفاته سبحانه أو شيء منها يتنافى مع الإيمان به سبحانه؛ إذ من أصول الإيمان به الإيمان بأقداره.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله عز وجل وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد الله تعالى وكذب القدر نقض التوحيد" (3).
وقال عوفٌ سمعت الحسن يقول: "من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، إن الله تبارك وتعالى قدر أقداراً، وخلق الخلْق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر" (4).
والإيمان بالقدر من أجل أوصاف أهل العلم به، روى ابن جرير في "تفسيره" (5)، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]، قال: الذين يقولون: "إن الله على كل شيء قدير".
(1/218)

قال ابن القيِّم رحمه الله: "وهذا من فقه ابن عباس رضي الله عنهما وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقَّها، وإن كانوا يقرُّون بها، فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الرب تعالى القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرِّحون أنه لا يقدر على فعل ما يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقرُّ بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ... إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأن الله على كل شيء قدير، فيا لها كلمة من حبر الأمة، وترجمان القرآن رضي الله عنه" اهـ (1).
هذا؛ وإن للإيمان بقدرة الله عز وجل التي دل عليها أسماؤه "القدير، القادر، المقتدر" آثاراً عظيمة، وثماراً مباركة، تعود على العبد في دنياه وأخراه، كيف لا والإيمان به قطب رحا التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، وأصل الدين وقوامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان.
فمن ثماره المباركة أنه يقوي في العبد الاستعانة بالله وحسن التوكل عليه، وتمام الالتجاء إليه، روى الترمذي في "جامعه" (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كنت خلف النبي يوماً فقال لي: يا غلام؛ إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".
__________
(1) "شفاء العليل" (1/ 130 - 131).
(2) (رقم: 2516) وقال: حسن صحيح.
(1/219)

ومن آثاره تكميل الصبر وتتميمه وحسن الرضا عن الله، قال ابن القيم رحمه الله: "من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمناً وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه" (1).
ومن آثاره سلامة الإنسان من أمراض القلوب، كالحقد والحسد ونحوهما؛ لإيمانه أن الأمور كلها بتقدير الله عز وجل، وأنه سبحانه هو الذي أعطى العباد وقدر لهم أرزاقهم، فأعطى من شاء، ومنع من شاء، فالفضل فضله سبحانه والعطاء عطاؤه، ولهذا يقال عن الحاسد: إنه عدو نعمة الله على عباده.
ومن آثاره تقوية عزيمة العبد وإرادته في الحرص على الخير وطلبه، والبعد عن الشر والهرب منه، وفي "صحيح مسلم" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احْرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان".
ومن آثاره حسن رجاء الله ودوام سؤاله، والإكثار من دعائه؛ لأن الأمور كلها بيده، روى الإمام أحمد في كتاب "الزهد" (3) عن مطرِّف بن عبد الله ابن الشخير اقل: "تذكرت ما جماع الخير؛ فإذا الخير كثير: الصوم، والصلاة، وإذا هو في يد الله عز وجل، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله عز وجل إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء".
__________
(1) "مدارج السالكين" (2/ 202).
(2) (رقم: 2664).
(3) (رقم: 1346).
(1/220)

وكان من أكثر دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: "اللهم يا مقلب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك".
روى الترمذي وابن ماجه، عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك، فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبُها كيف يشاء" (1).
__________
(1) "جامع الترمذي" (رقم: 2140) - واللفظ له-، وسنن ابن ماجه (رقم: 3834)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"،و"صحيح ابن ماجه".
(1/221)

(56)
الوَدُود
وقد ورد في القرآن مرتين:
الأولى: في قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود: 90].
والثانية: في قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) [البروج: 13 - 14].
ومعناه: أي: الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلأت قلوبهم محبة له.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في تقرير عظيم له في بيان معنى هذا الاسم ودلالته: "الودود، أي: المتودد إلى خلق بنعوته الجميلة، وآلائه الواسعة، وألطافه الخفية، ونعمه الخفية والجلية، فهو الودود بمعنى الوادّ، وبمعنى المودود، يحب أولياءه، وأصفياءه ويحبونه، فهو الذي أحبهم وجعل في قلوبهم المحبة، فلما أحبوه أحبهم حباً آخر جزاء لهم على حبهم.
فالفضل كلُّه راجع إليه، فهو الذي وضع كل سبب يتوددهم به، ويجلب ويجذب قلوبهم إلى ودّه، تودَّدَ إليهم بذكر ما له من النعوت الواسعة العظيمة الجميلة الجاذبة للقلوب السليمة والأفئدة المستقيمة، فإن القلوب والأرواح الصحيحة مجبولة على محبة الكمال.
والله تعالى له الكمال التام المطلق، فكل وصف من صفاته له خاصية في العبودية وانجذاب القلوب إلى مولاها، ثم تودد لهم بآلائه ونعمه العظيمة التي بها أوجدهم، وبها أبقاهم وأحياهم، وبها أصلحهم، وبها أتم لهم الأمور، وبها كمل لهم الضروريات
(1/222)

الإحسان، وبها يسر لهم الأمور، وبها فرَّج عنهم الكربات، وأزال المشقات، وبها شرع لهم الشرائع ويسرها ونفى عنهم الحرج، وبها بين لهم الصراط المستقيم وأعماله وأقواله، وبها يسر لهم سلوكه، وأعانهم على ذلك شرعاً وقدراً، وبها دفع عنهم المكاره والمضار كما جلب لهم المنافع والمسار، وبها لطف بهم ألطافاً شاهدوا بعضها، وما خفي عليهم منها أعظم.
فجميع ما فيه الخليقة من محبوبات القلوب والأرواح والأبدان الداخلية والخارجية، الظاهرة والباطنة فإنها من كرمه وجوده، يتودد بها إليهم؛ فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، فأي إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه، فضلاً عن أنواعه، فضلاً عن أفراده، وكل نعمة منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه.
ومن تودُّده: ان العبد يشرد عنه فيتجرأ على المحرمات، ويقصُر في الواجبات، والله يستره ويحلم عنه ويمده بالنعم، ولا يقطع عنه منها شيئاً، ثم يُقيض له من الأسباب والتذكيرات والمواعظ والإرشادات ما يجلبه إليه، فيتوب إليه وينيب، فيغفر له تلك الجرائم، ويمحو عنه ما أسلفه من الذنوب العظائم، ويعيد عليه وده وحبه، ولعل هذا - والله أعلم -سرُّ اقتران الودود بالغفور في قوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) [البروج: 14].
ومن كمال مودته للتائبين أنه يفرح بتوبتهم أعظم فرح يقدَّر، وأنه أرحم بهم من والديهم وأولادهم والناس أجمعين، وأن من أحبه من أوليائه كان معه وسدده في حركاته وسكناته، وجعله مجاب الدعوة وجيهاً عنده، كما في الحديث القدسي: "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءتَه" رواه البخاري (1).
__________
(1) (رقم: 6137) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/223)

وآثار حبّه لأوليائه وأصفيائه عليهم لا تخطر ببال، ولا تحصيها الأقلام، وأما مودة أوليائه له فهي رُوحهم ورَوحهم وحياتهم وسرورهم، وبها فلاحهم وسعادتهم، بها قاموا بعبوديته، وبها حمدوه وشكروه، وبها لهجت ألسنتهم بذكره، وسعت جوارحهم لخدمته، وبها قاموا بما عليهم من الحقوق المتنوعة، وبها كفوا قلوبهم عن التعلق بغيره وخوفه ورجائه، وجوارحهم عن مخالفته، وبها صارت جميع محابهم الدينية والطبيعية تبعا لهذه المحبة.
أما الدينية؛ فإنهم لما أحبوا ربهم أحبوا أنبياءه ورسوله وأولياءه، وأحبوا كل عمل يقرب إليه، وأحبوا ما أحبه من زمان ومكان وعمل وعامل.
وأما المحبَّة الطبيعية؛ فإنهم تناولوا شهواتهم التي جبلت النفوس على محبتها من مأكل ومشرب وملبس وراحة على وجه الاستعانة بها على ما يحبه مولاهم، وأيضاً فكما قصدوا بها هذه الغاية الجليلة فإنهم تناولوها بحكم امتثال الأوامر المطلقة في مثل قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) ونحوها من الأوامر والترغيبات المتعلقة بالمباحات والراحات، فصار السبب الحامل لها امتثال الأمر، والغاية التي قصدت لها الاستعانة بها على محبوبات الرب، فصارت عاداتهم عبادات، وصارت أوقاتهم كلها مشغولة بالتقرب إلى محبوبهم.
وكلُّ هذه الآثار الجميلة الجليلة من آثار المحبة التي تفضَّل بها عليهم محبوبهم، وتقوى هذه الأمور بحسب ما في القلب من الحب الذي هو روح الإيمان، وحقيقة التوحيد، وعين التعبد، وأساس التقرب.
فكما أن الله ليس له مثيل في ذاته وأوصافه، فمحبته في قلوب أوليائه ليس لها مثيل ولا نظير في أسبابها وغاياتها، ولا في قدرها وآثارها، ولا في لذتها وسرورها، وفي بقائها ودوامها، ولا في سلامتها من المنكدات والمكدرات من كل وجه" اهـ (1).
__________
(1) "فتح الرحيم الملك العلام" (ص/55 - 57).
(1/224)

وإذا عَرفَ العبدُ بأن ربه سبحانه ودودٌ يحبُّ أولياءه ويحب من أطاعه، يحب المؤمنين المتقين، ويحب الصابرين المتوكلين، ويحب التوابين المتطهرين، ويحب الصادقين المحسنين، ويحب جميع الطائعين، ولا يحب الظالمين الكافرين، ولا يحب الخائنين المسرفين، ولا يحب المختالين المستكبرين؛ فإنه يجب عليه أن يطيع أمره، ويفعل ما يحبه ويرضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال، وأن يتقرب إليه سبحانه بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وحب ما يحبه من الأقوال والأعمال، وحب كلامه سبحانه، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته، والاجتهاد في متابعته، فبذلك تُنال محبة الله، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: 31]، وفي الدُّعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبُّك، وحُبَّ عملٍ يقربني إلى حبِّك" رواه الإمام أحمد، والترمذي (1).
__________
(1) "مسند أحمد" (5/ 242)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3235) من حديث طويل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وصححه الترمذي ونقل تصحيحه أيضاً عن الإمام البخاري.
وانظر شرحاً مفيداً لهذا الدعاء في كتاب اختيار الأولى في "شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" لابن رجب (ص/125) وما بعدها.
(1/225)

(57)
البَرّ
وقد ورد في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: 28]، ومعناه: أي: الذي شمل الكائنات بأسرها ببره ومنِّه وعطائه، فهو مولى النعم، واسع العطاء، دائم الإحسان، لم يزل ولا يزال بالبر والعطاء موصوفاً، وبالمنِّ والإحسان معروفاً، تفضل على العباد بالنعم السابغة، والعطايا المتتابعة، والآلاء المتنوعة، ليس لجوده وبره وكرمه مقدار، فهو سبحانه ذو الكرم الواسع والنوال المتتابع، والعطاء المدرار.
وبرُّه سبحانه بعباده نوعان: عام وخاص.
فالعام: وسِعَ الخلق كلهم، فما من شخص إلا وسعه منٌّ الله تعالى وفاض عليه إحسانه، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70]، وهذا التكريم يدخل فيه خلق الإنسان على هذه الهيئة الحسنة والصورة الجميلة، والقامة الطيبة، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً، وجعله يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيده، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وخصه بأنواع من المطاعم والمشارب والملابس، إلى غير ذلك مما خص به بني آدم وكرمهم به.
والخاص: هو هدايته من شاء منهم لهذا الدين القويم، وتوفقيهم لطاعة رب العالمين، ونيل ما يترتب على ذلك من السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [الانفطار: 13]، أي: في دورهم الثلاثة: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وتفاصيل بره بعباده وأصفيائه أمر لا يمكن حصره، ولا سبيل إلى استقصائه.
فمِن برِّه بهم أنه تبارك وتعالى يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، يتقبل منهم القليل من العمل، ويثيب عليه الثواب الكثير، ويعفو عن كثير من سيئاتهم، ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ويضاعف لمن يشاء،
(1/226)

ولا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويكتب لهم الهم بالحسنة، ولا يكتب عليهم الهم بالسيئة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كُتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتبت"، رواه مسلم (1).
ومن برِّه بعباده فتحه أبواب الإنابة والتوبة والأوبة إليه مهما كثرت الذنوب وتعددت الآثام، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].
وفي الحديث القدسي يقول تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" (2).
ومن برِّهِ بهم معاملتهم بالصفح والعفو وستر الذنوب والتجاوز عنها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال الله: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18] " متفق عليه (3).
ومطالعة العبد لهذا البر العظيم من سيده ومولاه نافع له غاية النفع؛ إذ به يعرف عزة الله في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهاله، وكرمه في تيسيره لعبده التوبة والإنابة، وفضله في مغفرته، وهذا يسوق العبد إلى حُسن الإقبال على مولاه خضوعاً وتذللاً، رغباً ورهباً، رجاء وطمعاً.
__________
(1) (رقم: 130).
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه البخاري (رقم: 2309) - واللفظ له - ومسلم (رقم: 2768).
(1/227)

قال ابن القيِّم رحمه الله: " ... يعرف برّه سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحَذِرُوه، وهذا من كمال برِّه، ومن أسمائه: "البرّ"، وهذا البر من سيِّده عن كمال غناه نه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى" (1).
وما نبَّه عليه رحمه الله أمر يغفل عنه كثير من التائبين، فينشغلون بعظم الذنوب التي ارتكبوها وكثرتها ويغفلون عن ذكر سعة برِّ الله وعظم منِّه وجزيل كرمه.
ومن عظيم برِّه بعباده أنه سبحانه - مع كمال غناه - يفرح بتوبة التائبين وإنابة المنيبين، ففي "صحيح مسلم" (2) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيِسَ منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلِّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدة الفرح".
ولهذا الفرح شأنٌ لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه؛ إذ إن مطالعته من أعظم ما يُكسب القلب طمأنينة وشوقاً إلى الله ولهجا بذكره وشهوداً لبره ولطفه وكرمه وإحسانه، وأنه سبحانه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
__________
(1) "مدارج السالكين" (1/ 206).
(2) (رقم: 2747).
(1/228)

ومما ينبغي أن يعلم هنا أن البَرَّ سبحانه يحب أهل البِرِّ، فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر، ويحب أعمال البر، فيجازي عليها بالهدى والفلاح والرفعة في الدنيا والآخرة، والبر أصله التوسع في فعل الخيرات، وأجمع الآيات لخصاله قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].
وقال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران: 192]، قال قتادة رحمه الله: "لن تنالوا بر ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم وما تَهوَوْنَ من أموالكم" (1).
ألهمنا الله جميعاً رشد أنفسنا، ورزقنا من فضله وبره وجوده ما لا نحتسب، إنه سميع مجيب.
__________
(1) انظر: "تفسير ابن جرير الطبري" (3/ 666).
(1/229)

(58)
الرَّءوف
وقد ورد هذا الاسم في عشر آيات من القرآن الكريم يأتي ذكرها.
و"الرَّأفة" - كما قال ابن جرير رحمه الله-: "أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدُّنيا، ولبعضهم في الآخرة" (1). وهم أولياؤه المؤمنون، وعباده المتقون.
هذا؛ وإن من القواعد المفيدة التي قرَّرها أهلُ العلم في باب فقه أسماء الله الحسنى أن ختم الآيات القرآنية بأسماء الله الحسنى يدلُّ على أن الحكم المذكور فيها له تعلُّق بذلك الاسم الكريم الذي ختمت به الآية، وتأمُّل ذلك من أعظم ما يعين العبد على فقه أسماء الله الحسنى.
وفيما يلي عرضٌ لمواضع ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم، وتنبيه على دلالاته من خلال سياق الآيات التي ختمت به.
قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 143]، أي: لا ينبغي له ولا يليق به أن يضيع إيمانكم، وهذا من كمال رأفته ورحمته بهم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن من الله عليهم بالإسلام والإيمان بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه بل يحفظه من الضياع والبطلان، ويتممه لهم، ويوفقهم لما يزدادُ به إيمانهم ويتمُّ به إيقانهم، فكما ابتدأهم بالهداية للإيمان فسيحفظه لهم ويتمه عليهم رأفة منه بهم ورحمة، ومنَاً منه عليهم وتفضُّلاً.
وقال الله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 207]، وهؤلاء هم الموفقون من عباده الذين باعوا
__________
(1) "تفسير الطبري" (2/ 654).
(1/230)

أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلباً لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للملي الوفي الرؤوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته بهم أن وفقهم لذلك، ووعدهم عليه عظيم الثواب، وحسن المآب، ولا تسأل عما يحصل لهم من التكريم وما ينالونه من الفوز العظيم، فقدومُهم يوم القيامة على ربٍّ رؤوفٍ رحيم.
وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30].
وهذا يفيد أن الله سبحانه مع شدة عقابه وعِظم نكاله فإنه رؤوفٌ بالعباد، ومن رأفته بهم أن خوَّف العباد وزجرهم عن الغيِّ والفساد، ليسلموا من مغبتها، ولينجوا من عواقبها، فهو جل وعلا رأفةً منه ورحمة سهل لعباده الطرق التي ينالون بها الخيرات ورفيع الدرجات، ورأفةً منه ورحمةً حذر عباده من الطرق التي تفضي بهم إلى المكروهات.
وقال تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117].
وفي هذا السياق أن من رأفة الله بهم أن منَّ عليهم بالتوبة ووفقهم لها، وقبلها منهم، وثبتهم عليها، ولولا أنه رأف بهم ورحمهم لما حصل لهم شيء من ذلك.
وقال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [النحل: 4 - 7].
وفي هذا أن من رأفة الله بالإنسان أن سخر له الأنعام لأجل مصالحه ومنافعه، وجعل له فيها دفئاً بما يتخذه من أصوافها وأشعارها وأوبارها من لباس ومنافع أخرى عديدة، ومنها يأكل، وجعل له فيها جمالاً في وقت رواحها وحركتها ووقت
(1/231)

هجوعها وسكونها، وسخرها له تحمل متاعه إلى البلدان الشاسعة، والأقطار البعيدة وكلُّ ذلك من رأفته ورحمته سبحانه، وليتنا نذكر رأفة الله بنا ورحمته وفضله ومنَّه بما سخر لنا في هذا الزمان من وسائل النقل الحديثة الحسنة في مركبها المريحة في تحركها وتنقلها، الجميلة في شكلها ومنظرها، والسريعة في سيرها، ويسر مع ذلك طرقها وذلل سبلها، وهيأ كل الوسائل المحققة للراحة فيها، ينتقل الناس عليها من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد بلا مشقة أو تعب، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وسعة جوده وبرِّه.
وقال تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [النحل: 45 - 47].
وفي هذا أن من رأفته سبحانه أنه لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم، وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى الإقلاع عن السيئات، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما كان منهم من ذنوب وخطيئات، أفلا يستحي المجرم من ربه الرؤوف الرحيم أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات، متوالية عليه في كل الأوقات؛ وهو مكبٌّ على إجرامه، متمادٍ في غيِّه وعصيانه.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحج: 65].
فتسخير الله الأرض وما فيها من حيوانات ونباتات وجمادات، والفلك تجري في البحر بأمره تحمل الناس وتجاراتهم وأمتعتهم من محل إلى محل، وإمساكه سبحانه السماء أن تسقط على الأرض فتتلف ما عليها، وتهلك من فيها، كل ذلكم من رحمته ورأفته سبحانه بالعباد.
وقال تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [النور: 20]، قال ذلك سبحانه بعد بيانه لأحكامه العظيمة ومواعظه البليغة، ما يفيد أن هذا البيان النافع والشرع الحكيم هو من رأفة الله بالعباد ورحمته بهم.
(1/232)

وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحديد: 9].
وهذه أعظم النعم وأجل العطايا والمنن؛ أن نزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم آياته البيِّنات، وحججه الظاهرات؛ تدل أهل العقول على صحة جميع ما جاء به، وأنه الحق اليقين، ليخرج سبحانه من شاء من عباده بإرسال الرسول وما أنزل عليه من الآيات والحكمة من الظلمات إلى النور، وهذا من رأفته بعباده، ورحمته بأوليائه وأصفيائه.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 10]، وهذا من رحمة الله ورأفته بعباده المؤمنين أن أوثق بينهم عقد الإيمان ورابطة الدِّين ووشاج التقوى، وجعل اللاحق منهم محباً للسابق، داعياً له بكل خير، فما أسناها من عطية، وما أجلها من منةٍ تفضل بها مولانا الرؤوف الرحيم.
(1/233)

(59)
الحسيب، الكافي
قال الله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) [النساء: 6]، وقال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: 36].
و"الحسيب": هو الكافي الذي كفى عباده جميع ما أهمَّهم من أمور دينهم ودنياهم، الميسِّر لهم كل ما يحتاجونه، الدافع عنهم كل ما يكرهونه.
ومن معاني الحسيب أنه الحفيظ على عباده كل ما عملوه، أحصاه الله ونسوه، وعلم تعالى ذلك، وميَّز الله صالح العمل من فاسده، وحسنه من قبيحه، وعلم ما يستحقون من الجزاء ومقدار ما لهم من الثواب والعقاب.
و"الكافي": الذي كفاية الخلق كل ما أهمهم بيده سبحانه، وكفايته لهم عامة وخاصة:
أما العامة: فقد كفى تعالى جميع المخلوقات وقام بإيجادها وإمدادها وإعدادها لكل ما خُلقت له، وهيأ للعباد من جميع الأسباب ما يغنيهم ويُقنيهم ويُطعمهم ويسقيهم.
وأما كفايته الخاصة: فكفايته للمتوكلين، وقيامه بإصلاح أحوال عباده المتقين (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3]، أي: كافيه كل أموره الدينية والدنيوية، وإذا توكل العبد على ربه حق التوكل بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتماداً قوياً كاملاً في تحصيل مصالحه ودفع مضاره، وقويتْ ثقته وحسُنَ ظنُّه بربه؛ حصلت له الكفاية التامة، وأتم الله له أحواله وسدده في أقواله وأفعاله، وكفاه همه وكشف غمه.
وهذه منةٌ عظيمةٌ وفضل كبير ينبغي للمسلم أن يكون على ذكر له ليكون حامداً لربه على كفايته، شاكراً له على فضله ونعمته.
(1/234)

وقد ثبت في "صحيح مسلم" (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مُؤوي".
والعبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، بأن يكون له حافظاً وكافياً ومسدداً وهادياً، ولذا شرع للمسلم في كل مرة يخرج فيها من بيته أن يقول: "بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، ليكفي همه وحاجته، وليوقي من الشرور والآفات، وليحفظ من عدوان معتدٍ أو ظلم ظالمٍ.
روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذ: هُديت وكفيت ووقيت، فيتنحى عنه الشيطان، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي" (2).
أي: هُديت إلى طريق الحق والصواب، وكُفيت من كل هم دنيوي أو أخروي، ووُقيت من شر أعدائك من الشياطين وغيرهم.
وقد دل القرآن أن تحقيق العبودية لله وحسن التوكل عليه أمرٌ لابد منه لنيل كفاية الله الخاصة بأوليائه المؤمنين وعباده المتقين، قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
قال ابن القيم رحمه الله: "والتوكُّلُ من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛
__________
(1) (رقم: 2715).
(2) رواه أبو داود (رقم: 5095)، والترمذي (رقم: 3426) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (رقم: وقد صححه الألباني في "صحيح الجامع" (513).
(1/235)

فإن الله حسبه: أي: كافيه، ومن كان الله كافيهُ وواقِيَهُ فلا مطمع فيه لعدوِّه، ولا يضرُّه إلا أذى لابد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً، وفرقٌ بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاءٌ له - وهو في الحقيقة إحسانٌ إليه وإضرار بنفسه - وبين الضرر الذي يُتشفَّى به منه.
قال بعض السلف: جعلَ الله تعالى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكُّله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره" (1).
وربط الكفاية بالتوكل من ربط الأسباب بمسبباتها، فالله عز وجل كافي من يثق به ويحسن التوكل عليه ويحقق الالتجاء إليه في نوائبه ومهماته، وكلما كان العبد حسن الظن بالله عظيم الرجاء فيما عنده صادق التوكل عليه فإن الله لا يخيب أمله فيه البتة.
ولا يستطبئ العبد كفاية الله له إذا بذل أسبابها، فإن الله بالغ أمره في الوقت الذي قدره له، ولذا قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق: 3].
قال ابن القيم رحمه الله: "فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكُّل، فعقبه بقوله: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق: 3]، أي: وقتاً لا يتعداه فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له، فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلتُ ودعوتُ فلم أر شيئاً ولم تحصل لي الكفاية، فالله بالغُ أمره في وقته الذي قدره له" (2).
__________
(1) "بدائع الفوائد" (2/ 766 - 767).
(2) "أعلام الموقعين" (4/ 161).
(1/236)

وفي مثل هذا المقام كثيراً ما يتنازل بعض الناس عن مثل هذه المعاني الجليلة إلى استخذاء للمخلوقين وتذلل لهم وانكسار بين أيديهم لينال بعض مآربه ويحصل بعض مطامعه، غير مبال بكون ذلك على حساب دينه ونيل رضا ربه عز وجل، فيخسر كفاية الله لأوليائه.
"ومن اشتغل بالله عن نفسه كفاه الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم" (1).
روى الترمذي في "جامعه" (2) أن معاوية رضي الله عنه كتب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن اكتبي إليّ كتاباً توصينني فيه ولا تكثري عليّ، فكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: "سلامٌ عليك أما بعد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضاء الناس بسخط الله وكلَهُ الله إلى الناس، والسلام عليك".
ومما يحقق للعبد السلامة في هذا الباب ان لا يجعل الدنيا مبلغ علمه وأكبر همه، وفي الحديث: "من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك". رواه ابن ماجه (3).
وروى ابن أبي شيبة (4) عن أبي عون (5) قال: "كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضاً بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض بثلاث: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح ما بينه وبني الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته".
__________
(1) "الفوائد" لابن القيم (ص/197).
(2) (رقم: 2414) ورواه عقبة موقوفاً بإسناد أصح. وله شواهد ولذلك صححه الألباني في "صحيح الترمذي".
(3) (رقم: 4106) وغيره، وحسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه" (207).
(4) في "مصنفه" (7/ 217).
(5) هو محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي أحد التابعين الثقات، له ترجمة في "تهذيب الكمال" (26/ 38).
(1/237)

(60)
الكَفِيل، الوَكيل
قال الله تعالى: (وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) [النحل: 91]، وقال تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173].
و"الكفيل" معناه: القائم بأمور الخلائق المتكفِّل بأقواتهم وأرزاقهم.
وقول الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) [النحل: 91]، قيل: أي: شهيداً، وقيل: حافظاً، وقيل: ضامناً.
هذا؛ ومن صدق مع الله بذلك ورضي به سبحانه كفيلاً أعانه على الوفاء، ويسَّر له الأمر من حيث لا يحتسب.
روى البخاري في "صحيحه" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلِفَه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يركبُها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجدْ مركباً،
__________
(1) (رقم: 2291).
(1/238)

فأخذ خشبةً فنقرها، فأدخل فهيا ألأف دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلمُ أني كنتُ تسلفْتُ فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيداً، فقلتُ: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهدتُ أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعُكها، فرمى بها في البحر حتى ولجتْ فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمسُ مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أٍلفَهُ ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركباً قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنت بعثت إليِّ بشيء؟ قال: أخبرُك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئتُ فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشداً".
و"الوكيل" معناه: الكافي الكفيل، وهو عامٌّ وخاص:
أما العام: فيدل عليه قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الأنعام: 102]، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [هود: 12]، أي: المتكفِّل بأرزاق جميع المخلوقات وأقواتها، القائم بتدبير شؤون الكائنات وتصريف أمورها.
والخاص: يدلُّ عليه قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) [النساء: 81]، وقوله: (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173]، أي: نِعْمَ الكافي لمن التجأ إليه والحافظ لمن اعتصم به، وهو خاص بعباده المؤمنين به المتوكلين عليه.
وقد دعا سبحانه عباده إلى التوكل عليه وحده، وجعل ذلك دليل الإيمان، قال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) [المزمل: 9]، وقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الملك: 23]، ووعد على ذلك عظيم الثواب، وحسن المآب، قال تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الشورى: 36]، وحذر سبحانه من التوكُّل على سواه، قال تعالى: (أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً) [الإسراء: 2].
(1/239)

والتوكل على الله وحده، وتفويض الأمور كلها إليه والاعتماد عليه في جلب النعماء ودفع الضر والبلاء مقام عظيم من مقامات الدّين الجليلة، وفريضة عظيمة من فرائض الله على عباده يجب إخلاصها لله وحده، وهو من أجمع أنواع العبادة وأهمها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة والطاعات الكثيرة، فإنه إذا اعتمد القلب على الله في الأمور الدينية والدنيوية ثقة به سبحانه بأنه الكفيل الوكيل لا شريك له صح إخلاصه وقويت معاملته مع الله وحسن إسلامه وزاد يقينه وصلحت أحواله كلها.
فالتوكل الأصل لجميع مقامات الدين، ومنزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
وحقيقة التوكل هو عمل القلب وعبوديته اعتماداً على الله وثقة به والتجاء إليه، ورضا بما يقضيه له، لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه أموره مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها، ففي التوكل جمعٌ بين أصلين: اعتماد القلب على الله وحده لا شريك له، مع فعل الأسباب المأمور بها والقيام بها، دون تعدٍّ إلى فعل سبب غير مأمور به، أو سلوك طريق غير مشروع، وقد جمع بين هذين الأصلين في نصوص كثيرة كقوله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود: 23]، وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله"، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
والتوكل مصاحب للمؤمن الصادق في أموره كلها الدينية والدنيوية؛ فهو مصاحب له في صلاته وصيامه وحجه وبره وغير ذلك من أمور دينه، ومصاحب له في جلبه للرزق وطلبه للمباح وغير ذلك من أمور دنياه، فهو نوعان: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه، وتوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والصلاة والصيام والحج والجهاد والدعوة وغير ذلك.
(1/240)

ولذا روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يقال حينئذ: هُديت وكُفيت ووُقيت، فيتنحى عنه الشيطان، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟! " (1).
وفي هذا دليل بيّن على عظم افتقار العبد إلى كفاية الله وهدايته ووقايته، وأنه لا غنى له عن ربِّه طرفة عين بأن يكون له حافظاً ومؤيداً ومُسدداً ومُهدياً.
والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به، والمرجو منه وحده أن يوفقنا أجمعين لحسن التوكل عليه.
__________
(1) "سنن أبي داود" (رقم: 5095)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3426) وحسّنه. وانظر "صحيح الترغيب والترهيب" للألباني (رقم: 1605).
(1/241)

(61)
الغالب، النّصير
وقد ورد اسم الله "الغالب" في موضع واحد من القرآن، وهو قول الله تعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].
وورد اسمه "النصير" في أربعة مواضع وهي: قوله تعالى:" (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال: 40]، وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً) [النساء: 45]، وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج: 78]، وقوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) [الفرقان: 31].
و"الغالب" معناه: الذي يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء، ولا يردُّ حكمه رادٌّ، ولا يملك أحدٌ رد ما قضاه، أو منع ما أمضاه.
قال القرطبي رحمه الله: "فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الغالب على الإطلاق، فمن تمسك به فهو الغالب، ولو أن جميع من في الأرض طالب، قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21]، ومن أعرض عن الله تعالى وتمسك بغيره كان مغلوباً، وفي حبائل الشيطان مقلوباً" (1).
و"النصير" معناه: الذي تولى نصر عباده، وتكفَّلَ بتأييد أوليائه والدفاع عنهم، والنصرُ لا يكون إلا منه، ولا يتحقق إلا بمنِّه، فالمنصور من نصره الله؛ إذ لا ناصر للعباد سواه، ولا حافظ لهم إلا هو، قال تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 126]، وقال تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) [آل عمران: 160]، وقال تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) [الملك: 20]، وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: 107]، وقال تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47].
__________
(1) "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (1/ 219).
(1/242)

وقد ذكر الله سبحانه في مواضع عديدة من القرآن الكريم منته على أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) [غافر: 51]، وقال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) [التوبة: 25]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ) [الصافات: 114 - 116].
وأخبر أنهم لا يطلبون نصرهم إلا منه، ولا يلجؤون لنيله إلا إليه، ففي دعاء نوح عليه السلام: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) [المؤمنون: 26]، وفي دعاء لوط عليه السلام: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت: 30]، وفي دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: (أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286].
وفي "سنن أبي داود، والترمذي" وغيرهما (1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول وبك أصول وبك أقاتل".
وأخبر سبحانه أن الكفار لا ناصر لهم، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [آل عمران: 56]، وقال تعالى: (بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [الروم: 29]، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد: 13]، وقال تعالى للمؤمنين: (وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الفتح: 22 - 23].
__________
(1) رواه أبو داود (رقم: 6232)، والترمذي (رقم: 3584) وحسنه. وانظر "صحيح أبي داود" للألباني (2291).
(1/243)

وهو خطابٌ للمؤمنين الذين قاموا بحقائق الإيمان الظاهرة والباطنة بأنهم هم المنصورون، وأن العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة.
ولهذا فإن المؤمنين ما لم يجاهدوا أنفسهم على تحقيق الإيمان والإتيان بمقومات النصر على الأعداء لا يتحقق لهم نصر، بل يتسلط عليهم أعداؤهم بسبب ذنوبهم وتقصيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وحيث ظهر الكفار فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]، وقال: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران: 165] " (1).
فيحتاج العباد للانتصار على العدو الظاهر أن يجاهدوا العدو الباطن من النفس الأمارة بالسوء والشيطان، فما لم ينتصروا على هذا العدو فلا نصر لهم.
قال ابن القيم رحمه الله في بيانه لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]: "علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد ... ولا يتمكن من جهاد عدوه الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه نصر عليه عدوُُّه" (2).
__________
(1) "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (6/ 450).
(2) "الفوائد" (ص/109).
(1/244)

وقال رحمه الله: "فإذا ضعف الإيمان صار لعدوِّهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوه من طاعة الله تعالى، فالمؤمن عزيز عالٍ مؤيدٌ منصورٌ مكفيٌّ مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهراً وباطناً، وقد قال تعالى للمؤمنين: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 35]، فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم فيبطلها عليهم كما يترُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره" (1).
هذا ونسأل الله الكريم أن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يقيهم شرَّ أعدائهم، وأن يحفظ على المسلمين أمنهم وإيمانهم، وأن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً، وأن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن ينصرنا على القوم الكافرين، والله عز وجل حافظ لمن لجأ إليه، وكاف من اعتصم به، فنعم المولى ونعم النصير.
__________
(1) "إغاثة اللهفان" (2/ 913 - 914).
(1/245)

(62)
العزيز، الجبّار
وقد ذُكر هذان الاسمان معاً في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23]، ولم يرد اسم الجبار في القرآن إلا في هذه الآية، وأما العزيز فقد ورد في القرآن ما يقرب من مائة مرة.
و"العزيز" أي: الذي له جميع معاني العزة، كما قال سبحانه: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) [يونس: 65]، أي: الذي له العزة بجميع معانيها، وهي ترجع إلى ثلاثة معانٍ كلها ثابتة لله عز وجل على التمام والكمال.
المعنى الأول: عزّة القوة، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) [فصلت: 15]، وقال تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة: 165]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 52]، وقال تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 74].
المعنى الثاني: عِزّة الامتناع فإنه الغني بذاته فلا يحتاج إلى أحد، لا يبلغ العبادُ ضرَّه فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضارُّ النافع، المعطي المانع، منزه سبحانه عن مغالبة أحد، وعن أن يقدر عليه، وعن جميع ما لا يليق بعظمته وجلاله من العيوب والنقائص، وعن كل ما ينافي كماله، وعن اتخاذ الأنداد والشركاء، قال الله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون) [الصافات: 180 - 182]، وقال تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الروم: 27]، وقال تعالى: (قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سبأ: 27].
(1/246)

المعنى الثالث: عِزّة القهر والغلبة لجميع الكائنات، فهي كلها مقهورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، ونواصي جميع المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك، ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 26 - 27].
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم أن يكون ذُلُّ العبد لله وحده، لا يلتجئ إلا إليه، ولا يحتمي إلا بحماه، ولا يلوذ إلا بجنابه، ولا يطلب عزه إلا منه (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر: 10]، وكلما كان العبد أعظم تحقيقاً لذلك كان نيله للعزة أمكن (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: 8].
والعِزةُ بمعنى القهر هي أحد معاني الجبار، فإن من معاني الجبار أي: أنه القاهر لكل شيء، الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء، فالعالم العلوي والسفلي بما فيهما من المخلوقات العظيمة كلها قد خضعت في حركتها وسكناتها، وما تأتي وما تذر لمليكها ومدبرها، فليس لها من الأمر شيء، ولا من الحكم شيء، بل الأمر كله لله، والحكم الشرعي والقدري والجزائي كله له، لا حاكم إلا هو، ولا رب غيره، ولا إله سواه.
وليس معنى هذا أن العبد مجبور على فعل نفسه، بل الأمر كما قال الله تعالى: (بلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]، وقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 7 - 10].
(1/247)

والجبار له ثلاثة معانٍ:
الأول: بمعنى القهار، كما تقدم.
الثاني: يرجع إلى لطف الرحمة والرأفة، فهو الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، وييسر العسير، ويجبر المريض والمصاب بتوفيقه للصبر وتيسير المعافاة له، مع تعويضه على مصابه أعظم الأجر، ويجبر جبراً خاصاً قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين له الخاضعين لكماله، الراجين لفضله ونواله، بما يفيضه على قلوبهم من المحبة وأنواع المعارف والتوفيق الإلهي، والهداية والرشاد، وقول الداعي: "اللهم اجبرني" يراد به هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره والشرور عنه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" رواه الترمذي، وابن ماجه (1).
الثالث من معاني الجبار: أي: العلي على كل شيء، الذي له جميع معاني العلو: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعظم ربه في ركوعه وسجوده بذكر جبروت الله عز وجل الدال عليه اسمه الجبار، ففي "المسند"، و"السنن" عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: "قمتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة" (2).
__________
(1) "جامع الترمذي" (رقم: 284)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 898) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني.
(2) رواه الإمام أحمد (6/ 24)، وأبو داود (رقم: 873)، والنسائي (رقم: 1132) وغيرهم. وصححه الألباني.
(1/248)

والجبروت لله وحده، ومن تجبر من الخلق باء بسخط الله، واستحق وعيده، وقد توعد جل وعلا من كان كذلك بالنكال الشديد والطبع على القلوب ودخول النار يوم القيامة، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35]، وقال تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: 15 - 17].
وروى أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع بهما، ولسان ينطق به، فيقول: إني وكِّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من ادعى مع الله إلهاً آخر، والمصورين" (1).
نعوذ بالله من النار، ومن سخط الجبار، ونعوذ به سبحانه من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء.
__________
(1) رواه الإمام أحمد (2/ 336)، والترمذي (رقم: 2574)، وغيرهما بإسناد صحيح، وصححه الترمذي، والألباني في السلسلة الصحيحة (رقم: 512).
(1/249)

(63)
القريب، المجيب
وقد جمع الله بين هذين الاسمين في قوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) [هود: 61].
ولم يرد "المجيب" في غير هذا الموضع، وأما "القريب" فقد ورد في موضعين آخرين هما: قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186]، وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ * وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) [سبأ: 50].
وقرب الله الذي تدلُّ عليه هذه الآيات هو قربٌ خاصٌّ من العابدين المحبين والداعين المستجيبين، قربٌ لا يدرك له حقيقة، وإنما تُعلم آثاره من لطفه بهم، وتوفيقه لهم، وعنايته بهم، ومن آثاره إجابته للداعين، وإثابته للعابدين، كما قال سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60].
وقد ثبت في السنة أحاديث عديدة تدل على قرب الله عز وجل من عباده المؤمنين وأوليائه المتقين، يسمع دعاءهم، ويجيب نداءهم، ويعطيهم سُؤلهم، ففي "الصحيحين" (1) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناسُ يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اربعُوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعُون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم".
__________
(1) البخاري (رقم: 7386)، ومسلم (رقم: 2704) - واللفظ له-.
(1/250)

وفي "الصحيحين" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "من تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، ومن تقرب إليَّ ذراعاً، تقربتُ إليه باعاً، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلتُ إليه أهرول".
واسمه تعالى "المجيب" يدل على أنه سبحانه يسمع دعاء الداعين، ويجيب سؤال السائلين، ولا يخيب مؤمناً دعاه، ولا يرد مسلماً ناجاه، ويحبُّ سبحانه أن يسأله العباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية، من الطعام والشراب والكسوة والمسكن، كما يسألونه الهداية والمغفرة والتوفيق والصلاح والإعانة على الطاعة، ونحو ذلك، ووعدهم على ذلك كله بالإجابة مهما عظمت المسألة، وكثر المطلوب، وتنوعتْ الرغباتُ، وفي هذا دلالة على كمال قدرة الله سبحانه وكمال ملكه، وأن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس وأجابهم في جميع ما سألوه، كما في الحديث القدسي: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر رواه مسلم (2).
وفي "الصحيحين" (3) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعا أحدُكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليُعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه".
وقد ورد في السنة النبوية أحاديث عديدة في الترغيب بالدعاء، وبيان أن الله تبارك وتعالى يجيبُ الداعين ويعطي السائلين، وأنه جل وعلا حيي كريم، أكرم من أن يرد من دعاه أو يخيب من ناجاه أو يمنع من سأله.
__________
(1) البخاري (رقم: 7537)، ومسلم (2675) واللفظ له.
(2) (رقم: 2577) وهو طرف من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(3) البخاري (رقم: 6339)، ومسلم (رقم: 2679) واللفظ له.
(1/251)

روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حييٌّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً" (1).
وفي حديث النزول الإلهي يقول صلى الله عليه وسلم: "ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه (2).
وهو حديث متواتر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من الصحابة بلغ عددهم ثمانية وعشرين صحابياً.
وجاء في الحديث القدسي في بيان منزلة أولياء الله المتقين أن الله تبارك وتعالى يقول: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسم به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه"، رواه البخاري في "صحيحه" (3).
فهذه النصوص وما في معناها تدل دلالة بينة أن الله تبارك وتعالى لا يرد من سأله من عباده المؤمنين، ولا يخيب من رجاه، لكن قد يستشكل في هذا أن جماعة من العباد والصلحاء قد دعوا وبالغوا ولم يجابوا، والجواب: أن الإجابة تتنوَّع: فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمة، وتارة تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها، وقد تدخر له أجراً ومثوبة يوم القيامة.
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه البخاري (رقم: 1145)، ومسلم (رقم: 758) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) (رقم: 6502).
(1/252)

روى الإمام أحمد والبخاري في "الأدب المفرد" والحاكم وغيرهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر" (1).
وبهذا يتبين أن إجابة السائل في سؤاله أعم من إعطائه عين المسؤول.
وإن من أثر الإيمان باسم الله "المجيب" أن يقوى يقينُ العبد بالله، ويعظم رجاؤه ويزيد إقباله عليه وطمعه فيما عنده، ويذهب عنه داءُ القنوط من رحمته أو اليأس من روحه.
وكيف لا يكون المسلم واثقاً بربه الجواد الكريم المحسن، وهو سبحانه بيده ملكوت كل شيء، فما شاء كان في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وحكمه سبحانه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذرَّاته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل، وله الثناء الحسن (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29]، تبارك الله رب العالمين.
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (3/ 18)، و"الأدب المفرد" (رقم: 710)، و"المستدرك" (1/ 493) وصحح الحاكم إسناده، وجوده الحافظ المنذري، كما في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم: 1633).
(1/253)

(64)
القاهر، القهّار
وقد ورد القهار في ستة مواضع من القرآن، يأتي ذكرها. وورد القاهر في موضعين من القرآن هما قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 18]، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) [الأنعام: 61].
والقهار صيغة مبالغة من القاهر، ومعناهما: الذي قهر جميع الكائنات وذلتْ له جميع المخلوقات، ودانت لقدرت ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادثٌ ولا يسكن ساكنٌ إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا خيراً ولا شراً. وكونه تبارك وتعالى قهاراً مستلزماً لكمال حياته وكمال عزته وكمال قدرته.
وثبوت هذا الوصف لله عز وجل يعد شاهداً من شواهد وحدانيته، ودليلاً من دلائل تفرده بالألوهية، وبطلان الشرك واتخاذ الأنداد.
وقد ورد اسم الله "القهار" في ستة مواضع من القرآن الكريم، مضموماً في جميعها إلى اسمي "الله" و"الواحد".
الموضع الأول: ورد في سياق إبطال يوسف عليه السلام للشرك وبيان فساده وضلال أهله، مخاطباً صاحبي السجن (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 39 - 40].
(1/254)

فبيَّن لهما عليه السلام بطلان الشرك بقوله: (أَأَرْبَابٌ) أي: عاجزة ضعيفة لا تضرُّ ولا تنفع ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك، (خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ) الذي له صفات الكمال ونعوت الجلال (الْوَاحِدُ) في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له (الْقَهَّارُ) الذي انقادت جميع الأشياء لقهره وسلطانه.
الموضع الثاني: في سياق بيان بطلان ما عليه المشركون من اتخاذ الأوثان والأنداد مع أنها لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، ويتركون عبادة الله الواحد القهار وإخلاص الدين له.
قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد: 16].
قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية مبيناً وجه دلالة اسم الله القاهر على بطلان الشرك: "فإنه لا توجد الوحدة والقهر إلا لله وحده، فالمخلوقات كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان متعيِّنان لله وحده، فتبين بالدليل العقلي القاهر، أن ما يُدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات، وبذلك كانت عبادته باطلة" (1).
الموضع الثالث: في سياق التهديد والوعيد للكفار المشركين بالهلاك وحلول النقمة بهم يوم يبرزون لله الواحد القهار مسلسلين بالأصفاد من النار وعليهم ثياب من قطران وتغشى وجوههم النار.
__________
(1) "تيسير الكريم الرحمن" (ص/415).
(1/255)

قال الله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [إبراهيم: 48 - 51].
الموضع الرابع: في سياق تقرير تفرد الله بالألوهية، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) [ص: 65 - 66].
قال ابن سعدي رحمه الله في تفسيرها: "هذا تقرير لألوهيَّته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهاران متساويين في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهراً وحده" (1).
الموضع الخامس: ورد فيه هذا الاسم في سياق بيان تنزه الله عن الشرك. قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الزمر: 3 - 4].
الموضع السادس: في سياق التهديد والوعيد للمشركين يوم بروزهم لله الواحد القهار لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالهم أو ذواتهم.
قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 16 - 17].
__________
(1) "تيسير الكريم الرحمن" (ص/716).
(1/256)

وقوله في هذا السياق (الْقَهَّارِ) أي: لجميع المخلوقات، الذي دانت له المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصاً في ذلك اليوم الذي عنت فيه الوجوه للحي القيوم.
فجميع هذه المواضع السِّت تدل دلالة ظاهرة على التلازم بين اسميه الواحد القهار، فالواحد لا يكون إلا قهاراً، والقهار لا يكون إلا واحداً، وذلك ولا ريب ينفي اشركة ويبطل اتخاذ الأنداد.
وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: "لا يكون القهار إلا واحداً؛ إذ لو كان معه كفؤٌ له فإن لم يقهره لم يكن قاهراً على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤاً، وكان القهار واحداً" (1).
وبهذا التقرير والعرض يتبين التلازم بين التوحيد والإيمان باسم الله القهار، وأن من لازم الإقرار بتفرده بالقهر أن يُفرد وحده بالعبادة، وبه يعلم فساد الشرك؛ إذ كيف يسوى المصنوع من التراب برب الأرباب؟! وكيف تسوى المخلوقات المقهورة بالله الواحد القهار؟! تعالى الله عما يشركون وسبحان الله عما يصفون.
__________
(1) "الصواعق المرسلة" (3/ 1032).
(1/257)

(65)
الوارث
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع كلها بصيغة الجمع، وهي قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) [الحجر: 23]، وقوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) [الأنبياء: 89]، وقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58].
ومعنى "الوارث"، أي: الباقي بعد فناء الخلق، فكلُّ من سواه زائل، وكلُّ من عداه فان، وهو جل وعلا الحيُّ الذي لا يموت، الباقي الذي لا يزول، إليه المرجع والمنتهى، وإليه المآل والمصير، يفني الملاك وأملاكهم، ويرث تبارك الخلق أجمعين؛ لأنه باقٍ وهم فانون، ودائمٌ وهم زائلون.
فقوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) أي: نرث الأرض ومن عليها، بأن نُميت جميعهم فلا يبقى حيٌّ سوانا إذا جاء ذلك الأجل، إذ الجميع يفنى وكلٌّ يموت، ويبقى الله وحده الحي الذي لا يموت.
وقال عز وجل: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم: 40]، وفي هذا تنبيه لمن ألهته الدنيا وشغلته عما خُلق لأجله وأُوجد لتحقيقه؛ أن الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها ستذهب عن أهلها، ويذهبون عنها، وسيرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، ويُرجعهم إليه فيُجازيهم بما عملوا فيها.
وفي موضع آخر من القرآن توعد سبحانه كفار قريش الذين من الله عليهم بأن مكن لهم حرماً آمناً يحبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه سبحانه، وأبوا قبول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بما جاء به، توعدهم بما فعله بالأمم الماضية حيث قال: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58]، أي: أنه سبحانه الوارث للعباد حيث يُميتهم سبحانه ويرجع إليه جميع ما متعهم به من النعم، ثم يعيدهم إليه ليجازي كلا منهم بعمله.
(1/258)

وفي ذلك اليوم ينكشف للناس الغطاء، وتذهبُ أوهام من تعلَّقت قلوبهم بالدنيا، وظنوا أنهم باقون فيها، وأن ملكهم فيها سيبقى، وأنهم إلى الله لا يرجعون، فيوقنون حينئذ بأن الملك لله الواحد القهار، وأنه سبحانه الوارث لديارهم وأموالهم، ولا ينفعهم حينئذ تقطُّع قلوبهم حسرات وامتلاؤُها بالندم والأسف.
وكان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولن تُتركوا سُدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تُردون إلى خير الوارثين؟!.
ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا مُوسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم.
فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله" (1).
وقد حثَّ الله عباده المؤمنين على النفقة في سبيله من المال الذي من عليهم به، وجعلهم مستخلفين فيه، مُذكراً لهم بأنه الوارث سبحانه، قال تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [الحديد: 7]، إلى أن قال: (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الحديد: 10].
__________
(1) رواه ابن أبي حاتم، كما في "تفسير ابن كثير" (5/ 494).
(1/259)

روى مسلم في "صحيحه" (1) عن مُطرِّف، عن أبيه عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: "أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ)، قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت".
ثم إن الله عز وجل هو المالك للسموات والأرض، والمالك لكل شيء، والأرض له سبحانه يورثها من يشاء من عباده.
قال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128]، وقال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف: 137]، وقال تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) [الأحزاب: 27].
والجنة دار كرامته يورثها من يشاء من عباده (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً) [مريم: 61 - 63]، وقال تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 43]، وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: 72].
وكتابه عز وجل هو كتاب الهداية والعز والفلاح، يورثه سبحانه من اصطفاهم لنَّته واجتباهم لكرامته، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32]، فكلهم قد اصطفاهم الله لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتمايزت أحوالهم، فكلل منهم قسط ونصيب من وراثته.
__________
(1) (رقم: 2958).
(1/260)

ثم إن التوسُّل إلى الله بهذا الاسم داخلٌ في عموم قوله: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180]، ولا سيما بمراعاة المناسبة بين المطلوب والاسم المذكور كما في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام، قال تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 89 - 90]، وفي الآية الأخرى قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً) [مريم: 5 - 6].
والإرث المذكور هنا إنما هو إرثُ علم ونبوةٍ ودعوةٍ إلى الله عز وجل لا إرث مالٍ، وقد توسل عليه السلام في هذا السياق باسم الله الوارث مراعاة لمناسبة المسألة والمطلوب.
وقد استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه زكريا عليه السلام، فجعل امرأته ولوداً بعد أن كانت عقيماً، ورزقه ولداً ذكراً صالحاً سماه يحيى، وجعله نبياً من الأنبياء، ورث النبوة من بعد أبيه.
ومثل هذا الإرث المبارك ما ورد في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل: 16]، أي: ورث سليمان أباه داود النبوة، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو المانُّ وحده، وإليه المرجع والمآب، وهو تبارك وتعالى خير الوارثين.
(1/261)

(66)
المُتكبِّر
وقد ورد هذا الاسم في موضع واحدٍ من القرآن، وهو قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23]
و"المتكبِّر" اسمٌ يدل على وصفه سبحانه بالتكبر والكبرياء، والتاء في "المتكبر" ليست تاء التعاطي والتكلُّف، وإنما هي تاء التفرُّد والاختصاص، فالكبرياء وصفه سبحانه الذي لا يليق إلا به، ولذا سيأتي ذكر الوعيد الشديد المتكبرون، وعقوبات الله لهم العجلة والمؤجلة.
قال قتادة: "هو الذي تكبَّر عن كل سوء"، وقال أيضاً: "الذي تكبر عن السيئات"، وقال أيضاً: "الذي تكبر عن كل شر"، وقال مقاتل: "المتعظِّم عن كل سوء"، وقال أبو إسحاق السبيعي: "الذي يكبُر عن ظلم عباده"، وقال ميمون بن مهران: "تكبر عن السوء والسيئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات".
وجماع ذلك أن هذا الاسم يدلُّ على تعالي الله عن صفات الخلق، وتعظُّمِه سبحانه عن مماثلتهم أو أن يماثلوه، ورفعته سبحانه عن كل نقص وعيب، فهو المتكبر عن الشر، وعن السوء وعن الظُّلم وعن كل نقص، وهذا متضمِّنٌ ثبوت الكمال له سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله.
والتكبر لا يليق إلا به سبحانه؛ لأنه وحده الملك وما سواه مملوك، وهو وحده الربُّ وما سواه مربوب، وهو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو وحده المتفردُ بصفات الكمال والجمال والعظمة والجلال، كما كان يجمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسبيحه لربِّه سبحانه في ركوعه وسجوده حيث كان يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" (1).
__________
(1) تقدم تخريجه.
(1/262)

فالمنزَّه عن النقائص الذي له الملك والتصرُّف والتدبير والعظمة في أسمائه وصفاته وأفعاله هو وحده المتكبِّر لا شريك له.
وأما العبد المخلوق فمقامه العبودية والخضوع والذلُّ والانكسار والركوع والسجود للكبير المتعال العظيم ذي الجلال، ولعل في هذا سراً من أسرار ذكر الله بالتكبير عند الخفض للركوع والخفض للسجود، وذكر كبريائه سبحانه وعظمته حال الركوع والسجود.
وأما - والعياذ بالله - إذا استكبر العبد ولا سيما عن الغاية التي أُوجد لأجلها وخلق لتحقيقها، وهي عبادة الله وإفراده وحده بالذل والخضوع والانكسار؛ فإن الله يعاقبه بأعظم العقاب، ويخزيه في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر سبحانه في مواضع عديدة من كتابه العزيز أنواع العقوبات التي يُحلها بالمستكبرين، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]، أي: صاغرين ذليلين، وقال تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) [الزمر: 60]، وقال تعالى: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: 72]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الأعراف: 36]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف: 40].
وذكر سبحانه في كتابه العزيز نماذج من المستكبرين من الأشخاص والأمم، وبيَّن ما أحلَّ بهم في الدنيا من العقاب، وما أعد لهم في الآخرة من النكال، وذلك لتستبين سبيل المجرمين، وليكون في ذكر حالهم عظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين.
فذكر سبحانه إمام المستكبرين إبليس عدو الله وعدو دينه وعدو عباده المؤمنين، قال تعالى: (إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [ص: 74]، وذكر فرعون وتكبُّرَه على الحق هو وجنوده، قال تعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [القصص: 39].
(1/263)

وذكر سبحانه من المتكبرين الوليد بن المغيرة معاند الحقِّ والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقَّة، فذمَّه الله ذماً لم يذمه غيره، وهذا جزاء المعاندين المستكبرين، قال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) [المدثر: 11 - 26].
وذكر أيضاً تكبُّر الأمم الماضية على الحق، فقال عن قوم نوح عليه السلام: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً) [نوح: 6 - 7]، وقال عن قوم هود عليه السلام: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [فصلت: 15]، وقال عن قوم شعيب عليه السلام: (قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) [الأعراف: 88]، وقال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: (قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [الأعراف: 75 - 76].
وعجباً ثم عجباً من هؤلاء الطغام سفهاء العقول والأحلام كيف رضوا لأنفسهم الاستكبار عن عبادة الواحد القهار، والاستنكاف عن الإخلاص للعزيز الغفَّار، ثم صرفوا عبادتهم وذلهم وخضوعهم لحجر من الأحجار، أو شجرة من الأشجار، أو لأي مخلوق ليس له إلا الذل والافتقار، فلا إله إلا الله كيف ذهبت عقولهم عن الحق والهدى، وعميت أبصارهم عن النور والضياء، وسبحان الله ما أشنعها من حال.
(1/264)

يقول الله تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الزمر: 45]، وقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [الصافات: 35 - 36]، وقال تعالى: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) [الإسراء: 46].
ألا ما أسفهها من عقول، نعوذ بالله من الضلال، ونسأله سبحانه أن يرزقنا الذل لجنابه، وأن يُعيذنا من سبيل المستكبرين، فهو وحده تبارك وتعالى المانُّ والمعين.
(1/265)

(67)
النُّور
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النور: 35].
وقد أفادا هذا النص وغيره من النصوص الواردة في هذا الباب تسمية الرب سبحانه نوراً، وبأن له نوراً مضافاً إليه، وبأنه نور السموات والأرض، وبأن حجابه نور، فهذه أربعة أنواع:
الأول: إطلاقه عليه سبحانه اسماً.
الثاني: إضافته إليه وصفاً، كما يضاف إليه حياته وسمعه وبصره وسائر صفاته، وتارة يضاف إلى وجهه كقوله في الحديث: "أعوذ بنور وجهك"، وتارة يضاف إلى ذاته كقوله تعالى: (وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) [الزمر: 69].
الثالث: إضافة نوره إلى السموات والأرض، كقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ).
الرابع: ذكرُ أن حجابه النور، كما في الحديث الصحيح: "حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سُبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في كلام جامع له في بيان معنى هذا الاسم، وتوضيح مدلوله:
"النُّور من أوصافه تعالى على نوعين:
(1/266)

نور حسِّيّ، وهو ما اتصف به من النور العظيم، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبحاتُ وجهه ونور جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض - وسعتُها لا يعلمها إلا الله - من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلاً عن نور الشمس والقمر والكواكب.
والنوع الثاني: نوره المعنوي، وهو النور الذي نوَّر قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته، من أنوار معرفته وأنوار محبته، فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنواراً بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله، فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم، فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهاذ العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
فكيف إذا انضم إلى هذا نور محبته والإنابة إليه، فهنالك تمتلئ أقطار القلب وجهاته من الأنوار المتنوعة وفنون اللذات المتشابهة في الحسن والنعيم.
فمعاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد تملأ قلوبهم من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير.
ومعاني الجمال والبر والإكرام: تملأها من أنوار المحبة والود والشوق.
ومعاني الرحمة والرأفة والجود واللطف: تملأ قلوبهم من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء.
ومعاني الألوهية: تملأها من أنوار التعبد، وضياء التقرُّب، وسناء التحبب، وأسرار التودُّد، وحرية التعلق التام بالله رغبة ورهبة، وطلبا وإنابة، وانصراف القلب عن تعلقه بالأغيار كلها.
(1/267)

ومعاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص: تملأ قلوبهم من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره، فكيف إذا تنوعت وتواردت على القلوب الطاهرة الزكية الذكية، وهنا يصدق على هذه القلوب القدسية انطباق هذا المثل عليها، وهو قوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) الآية [النور: 35].
وهذا النور المضروب هو نور الإيمان بالله، وبصفاته وآياته مثله في قلوب المؤمنين مثل هذا النور الذي جمع جميع الأوصاف التي فيها زيادة النور، وهو أعظم مثل يعرفه العباد، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لحصول هذا النور فقال: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم اجعلني نوراً" متفق عليه (1).
ومتى امتلأ القلب من هذا النور فاض على الوجه، فاستنار الوجه، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي يكون في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" متفق عليه (2).
فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره" (3) اهـ
__________
(1) رواه البخاري (6316)، ومسلم _763) عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث قيام الليل.
(2) رواه البخاري (6810)، ومسلم (57) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) "فتح الرحيم الملك العلام" (ص/62 - 65).
(1/268)

وبهذا التقرير الوافي، والبيان البين يظهر معنى هذا الاسم العظيم، ويتضح مدلوله.
هذا؛ ولما كان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نوراً، ورسوله نوراً، وكلامه نوراً، ودار كرامته لعباده نوراً يتلألأ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين، ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، ويتم تبارك وتعالى عليهم هذا النور يوم القيامة، كما قال سبحانه: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].
(1/269)

(68)
المُحسِن
ولم يرد هذا الاسم في القرآن اسماً وإنما ورد فعلاً كما في قوله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]، وقوله: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ) [يوسف: 100]، وقوله تعالى: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) [الطلاق: 11]، وقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة: 7]، وقوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].
وجاءت السنة بإثبات هذا الاسم لله عز وجل في ثالثة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب المحسنين" رواه الطبراني، وأبو نعيم (1).
الثاني: حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين: قال: "إن الله مُحسن يُحب الإحسان إلى كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". رواه عبد الرزاق وغيره (2).
__________
(1) "الأوسط" (5735)، و"أخبار أصبهان" (2/ 113) من طرق عن محمد بن بلال، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقال العلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1/ 761): "إسناده جيد".
(2) "مصنف عبد الرزاق" (4/ 492) - ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (7/ 275) -، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال (فذكره).
(1/270)

الثالث: حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليُحسن مقتوله، وإذا ذبح فليحد شفرته وليُرح ذبيحته" رواه ابن عدي (1).
وهذه الروايات تدل بمجموعها على ثبوت هذا الاسم لله عز وجل.
وقد جاء ذكر هذا الاسم في ثنايا كلام أهل العلم، وكثر التعبيد لله به (2).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله: كعبد الله وعبد الرحمن، وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن ... " (3)، وذكر بعض أسماء الله الحسنى.
__________
(1) = ورجال إسناده ثقات رجال مسلم. أبو الأِعث اسمه شراحيل بن آدة، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي.
ورواه إسماعيل القاضي في "حديث أيوب السختياني" (36) عن يحيى الحماني، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، به مثله.
والحماني مختلف فيه، وقد اتهم بسرقة الحديث.
والحديث رواه مسلم (رقم: 1955) من طريق خالد الحذاء، عن أ [ي قلابة، بإسناده، بلفظ: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم ... " الحديث.
() في "الكامل" (6/ 2419) من طريق عبد الله بن رشيد، ثنا مجاعة بن الزبير أبو عبيدة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره.
وإسناده ضعيف مسلسل بالعلل، عبد الله بن رشيد ليس بالقوي وفيه جهالة، ومجاعة ابن الزبير مختلف فيه وضعفه الدارقطني وغيره، والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
وقال المناوي في التيسير (1/ 90): "إسناده ضعيف".
لكن الحديث صحيح يشهد له الحديثان قبله.
(2) وقد جمعت في رسالة لي مفردة حول إثبات هذا الاسم لله عز وجل من سمى معبداً للمحسن من أهل العلم وغيرهم إلى نهاية القرن التاسع، فبلغ عددهم أكثر من خمسين شخصاً.
(3) "مجموع الفتاوى" (1/ 379).
(1/271)

وقال ابن القيم رحمه الله: "وإقرار قلوبنا بأن الله الذي لا إله إلا هو ... وأنه حكيم كريم محسن ... ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين" (1).
ومعنى اسم الله "المحسن" يرجع إلى الفضل والإنعام والجود والإكرام والمن والعطاء، والإحسانُ وصفٌ لازم له سبحانه، لا يخلو موجود عن إحسانه طرفة عين بالإيجاد والإنعام والإمداد، قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة: 7]، وقال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن: 3].
وأعظم الإحسان التوفيق لهاذ الدين وشرح الصدر للزوم طاعة رب العالمين، والتثبيت على الحق والهدى إلى الممات، إلى أن يتوج ذلك بأعظم الكرامة وأجل الإحسان بدخول الجنان يوم القيامة، ورؤية الكريم الرحمن المحسن المنان، نسأله سبحانه من فضله العظيم وإحسانه الجزيل.
ثم إن الله سبحانه يحب من عباده أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، محسن يحب المحسنين، قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]، وقال تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]، وقال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128].
والإحسان من العبد هو أعلى مقامات الدين وأرفعها كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور عليه السلام، وفسر الإحسان في الحديث بأن يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله جل وعلا يراه لا يخفى عليه منه شيء، وهذا إحسان في عبادة الله،
__________
(1) "طريق الهجرتين" (ص/120).
(1/272)

وهو أشرف الدين وأرفع مقاماته كما تقدم، ومن الإحسان أيضاً الإحسان إلى عباد الله براً بالوالدين، وصلة للأرحام، ووفاء بالحقوق، وإعانة لذوي الحاجات، وكف الأذى عن الناس، والاجتهاد في إيصال الخير لهم، إلى غير ذلك من الإحسان لعباد الله.
وقد وعد الله على ذلك بالثواب العظيم، قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وقال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: 120].
ومن ثمار الإحسان العظيمة في الدنيا انشراح صدر المحسن وطيب نفسه وطمأنينة قلبه، ولذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كلام عظيم له عن أسباب شرح الصدر، قال: "ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم هماً وغماً.
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في "الصحيح" (1) مثلاً للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُنتان من حديد، كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه ويُعفي أثره، وكلما هم البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها، ولم تتسع عليه، فهذا مثلُ انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه، ومثلُ ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه (2).
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 1443)، و"صحيح مسلم" (رقم: 1021) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) "زاد المعاد" (2/ 25 - 26).
(1/273)

وأما ثواب الإحسان في الآخرة فكل ما تشتهيه الأنفس وتلذُّه الأعين يناله المحسنون، قال تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: 34].
وقد جمع الله لهم بين الثوابين المعجل والمؤجل في قوله: (فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 148].
جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
(1/274)

(69)
الدَّيَّان
وهو اسم ثابت لله عز وجل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد في "المسند" والبخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي عاصم في "السنة" والحاكم في "المستدرك" وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريتُ بعيراً، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه فقال للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال: العباد - عراة غرلا بهما، قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُد ما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حقٌّ حتى أُقِصّه منه، ولا ينبغي لحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات"، زاد الحاكم: "وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) " (1).
__________
(1) رواه أحمد (3/ 495)، والبخاري في "الأدب المفرد" (970)، وابن أبي عاصم في "السنة" (514)، والحاكم (2/ 437) وغيرهم من طريق القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكره).
وإسناده حسن؛ عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه لكنه حسن الحديث، والقاسم بن عبد الواحد المكي روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (7/ 337) ولم يجرح.
وعزاه الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" إلى أحمد وحسن إسناده، وكذا حسنه الألباني في ... =
(1/275)

والديَّان: معناه المجازي المحاسب، والله جل وعلا يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة عُراة ليس عليهم ثياب، حفاة بلا نعال، غرلا أي: غير مختتنين، بُهْما ليس معهم شيء من متاع الدنيا، ثم يجازيهم ويحاسبهم على ما قدموا في حياتهم الدنيا من أعمال، إن خيارً فخير، وإن شراً فشر.
قال الله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 17].
وقال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47].
وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) [الزلزلة: 7 - 8].
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: 40].
وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30].
ويوم القيامة يسمى يوم الدِّين؛ لأنه يوم الجزاء والحساب، قال الله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، أي: مالك يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها، يدل على ذلك قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ) [النور: 25]، أي: حسابهم، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [غافر: 17]، وقوله تعالى (1): (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
__________
(1). = "صحيح الترغيب والترهيب" (3608)، وفي "ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم". وله إسناد آخر أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (156) من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر، به مطولاً.
قال الحافظ في "الفتح" (1/ 174): "وإسناده صالح".
(1/276)

[الجاثية: 28]، وقوله: (أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) [الصافات: 53]، أي: مجزيون محاسبون.
وإذا عرف العاقل أن الرب سبحانه ديَّان، وأن يوم القيامة يومُ جزاءٍ وحساب، وأنه سيلقى الله ذلك اليوم لا محالة، وأنه في ذلك اليوم سيجد أعماله كلها محضرة خيرها وشرها، حسنها وسيئها؛ فإنه سيحسب لذلك اليوم حسابه ويعدُّ له عدته.
روى الإمام أحمد في "الزهد" (1) عن أبي قلابة، قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنه قال: "البِرُّ لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا ينام، فكن كما شئت، كما تدين تدان".
فالكيِّس من دان نفسه وحاسبها ما دام في دار المهلة والعمل، والعاجز من أهملها سادرة في غيِّها وأتبعها هواها إلى أن يفجأه الندم.
روى ابن أبي الدنيا في كتابه "محاسبة النفس" (2) عن الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".
أولا يذكرُ الظالم الغشوم هول المطلع وشدة الحساب وقول الديان سبحانه في ذلك اليوم: "لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حقٌ حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حقٌ حتى أُقِصِّه منه حتى اللطمة".
ولما سأل الصحابة رضي الله عنهم كيف يكون الحساب حينئذ والناس إنما يقدمون إلى الله يوم القيامة عراة غرلا بهما قال: "بالحسنات والسيئات"، أي: أنه سبحانه يأخذ للمظلوم من حسنات ظالمه، فإن لم يكن عنده حسنات أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه ثم طرح في النار، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
__________
(1) (رقم: 764) ورجاله ثقات، وفيه انقطاع.
(2) (رقم: 2).
(1/277)

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما المُفلسُ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرح في النار" رواه مسلم (1).
وروى أيضاً من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتؤذنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (2).
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
أما والله إن الظلم لؤمٌ ... وما زال المسيءُ هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين يمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ومن كمال مجازاة الرب سبحانه في ذلك اليوم أنه يجيء بنفسه في ذلك اليوم للفصل بين العباد، قال الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر: 22 - 24].
فتفكر أيها العبد في هذا اليوم العظيم، وتذكر أن الرب سبحانه ديان، وأن الحقوق ستؤدي في ذلك اليوم إلى أهلها، وأن ما ثم في ذلك اليوم إلا الحسنات والسيئات.
تذكر يوم تأتي الله فرداً ... وقد نُصبت موازين القضاء
وهتكت السُّتور عن المعاصي ... وجاء الذنب منكشف الغطاء
اللهم أجرنا من خزي يوم الندامة، ومن الفضيحة يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
__________
(1) (برقم: 2581).
(2) "صحيح مسلم" (رقم: 2582).
(1/278)

(70)
المقدِّم، المؤخِّر
وقد ورد هذان الاسمان في بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها:
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير" متفق عليه (1).
وحديث علي رضي الله عنه في وصفه لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يقول: "ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" رواه مسلم (2).
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتُ، وبك خاصمت، إليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، ما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" متفق عليه (3).
__________
(1) البخاري (رقم: 6035)، ومسلم (رقم: 2719).
(2) (رقم: 771).
(3) البخاري (رقم: 1120) - واللفظ له-، ومسلم (رقم: 769)، وليس عنده: "أنت المقدم وأنت المؤخر".
(1/279)

وهذان الاسمان من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقروناً بالآخر، فإن الكمال من اجتماعهما، والتقديم والتأخير وصفان لله عز وجل دالان على كمال قدرته ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته، وهما من الصفات الذاتية لكونهما قائمين بالله والله متصف بهما، ومن صفات الأفعال؛ لأن التقديم والتأخير متعلق بالمخلوقات ذواتها وأفعالها وأوصافها.
وهذا التقديم والتأخير يكون كونياً كتقديم بعض المخلوقات على بعض وتأخير بعضها عن بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها، إلى غير ذلك من أنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير، ويكون شرعياً كما فضل الأنبياء على الخلق وفضل بعضهم على بعض، وفضل بعض عباده على بعض، وقدمهم في العلم والإيمان والعمل والأخلاق وسائر الأوصاف، وأخر من أخر منهم بشيء من ذلك، وكل هذا تبع لحكمته سبحانه، يقدم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه وفضله، ويؤخر من يشاء عن ذلك بعدله.
وقد ورد هذان الاسمان في الثلاثة أحاديث المتقدمة في سياق طلب الغفران للذنوب جميعها المتقدم والمتأخر، والسر والعلانية، والخطأ والعمد، وفي هذا أن الذنوب توبق العبد وتؤخره، وصفح الله عن عبده وغفرانه له يقدمه ويرفعه، والأمر كله لله وبيده يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع، من كتب الله له عزاً ورفعة وتقدماً لم يستطع أحد حرمانه من ذلك، ومن كتب الله له ذلاً وخفضاً وتأخراً لم يستطع أحد عونه للخلاص من ذلك، وفي الحديث: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه. وكان يقول: يا مقلب القلوب ثبِّتْ قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن عز وجل يخفضه ويرفعه" رواه أحمد (1).
__________
(1) (4/ 182) من حديث النواس بن سمعان، وإسناده صحيح.
(1/280)

وفي هذا بيان أن العبد ليس إليه شيءٌ من أمر سعادته أو شقاوته أو خفضه أو رفعه، أو تقدمه أو تأخره، إن اهتدى فبهداية الله إياه، وإن ثبت على الإيمان فبتثبيته، وإن ضل فبصرفه عن الهدى، وأن الذي يتولى قلوب العباد هو الله يتصرف فيها بما شاء، لا يمتنع عليه شيء منها، يقلبها كيف يشاء.
والعبد مع هذا محتاج إلى بذل المساعي النافعة، وسلوك المسالك الصالحة التي يكون بها تقدمه ونيله رضا الله، والبعد عن المسالك السيئة التي يكون بها تأخره ووقوعه في سخط الله، كما قال تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) [المدثر: 37]، أي: يتقدم بفعل ما يقربه من ربه ويدنيه من رضاه ودار كرامته، أو يتأخر بفعل المعاصي واقتراف الآثام التي تباعده عن رضى الله وتدنيه من سخطه ومن النار، ولا غنى للعبد في فعل ما فيه تقدمه والبعد عما فيه تأخره عن الرب المقدِّم والمؤخر سبحانه، فهو محتاج إليه في كل شؤونه، مفتقر إليه في جميع حاجاته، لا يستغني عن ربه ومولاه طرفة عين.
وقد فتح سبحانه أبوابه للراغبين السائلين، وهو سبحانه لا يرد من دعاه، ولا يخيب من ناداه، القائل في الحديث القدسي: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم" رواه مسلم (1).
إن إيمان العبد بأن الله وحده المقدم والمؤخر لا شريك له يثمر كمال الذل بين يديه، وقوة الطمع فبما عنده، والخوف منه سبحانه، وعدم اليأس من روحه، وعدم الأمن من مكره، وحسن الالتجاء إليه رغباً ورهباً وخوفاً وطمعاً، وحرصاً ومسابقة إلى الخيرات والأعمال الصالحات (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21].
__________
(1) (رقم: 2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(1/281)

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" رواه مسلم (1).
ومن ثمار الإيمان بهذا الاسم الحرصُ على تقديم ما قدم الله وتأخير ما أخَّر "والنبي صلى الله عليه وسلم كان شديد التحري لتقديم ما قدمه الله والبداءة بما بدأ به، فلهذا بدأ بالصفا في السعي، وقال: نبدأ بما بدأ الله به، وبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس في الوضوء، ولم يخل بذلك مرة واحدة" (2).
وهكذا في جميع أمور الدِّين، والواجب كذلك تقديم من قدمه الله وتأخير من أخره، ومحبة من أحبه الله وبغض من أبغض، فإن هذا أوثق عرى الإيمان.
__________
(1) (رقم: 438).
(2) "بدائع الفوائد" (2/ 189).
(1/282)

(71)
الطَّيِّب
ورد هذا الاسم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [المؤمنون: 51]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فانى يُستجاب لذلك" رواه مسلم (1).
والمعنى: أنه تعالى مقدَّس ومنزه عن النقائص والعيوب كلها؛ لأن أصل الطيب الطهارة والسلامة من الخبث، والله جل وعلا لم يزل ولا يزال كاملاً بذاته وصفاته، وأفعالُه وأقواله صادرةٌ عن كماله، كمل سبحانه ففعل الفعل اللائق بكماله، ومن هنا فأسماء الله الحسنى وصفاته العلا دالة على ما يفعله ويقوله، وما لا يفعله ولا يقوله، فإنه سبحانه يفعل ويقول ما هو موجب كماله وعظمته ولا يفعل ولا يقول ما يناقض ذلك.
وينتظم تقرير هذا المعنى والدلالة عليه من اسمه الطيب قولُ المصلِّي في التشهد "والطيبات" أي: لله عز وجل.
قال ابن القيم رحمه الله: "وكذلك قوله: "الطيبات" فهي صفة الموصوف المحذوف، أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء؛ لله وحده، فهو طيب، وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب، لا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، فكلمه طيب،
__________
(1) (رقم: 1015).
(1/283)

وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له، ومضافة إليه، صادرة عنه، ومنتهية إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا".
وفي حديث رقية المريض الذي رواه أبو داود وغيره: "أنت ربُّ الطيبين" (1)، ولا يجاوره من عباده إلا الطيبون، كما يقال لأهل الجنة: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73]، وقد حكم سبحانه [في] شرعه وقدره أن الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات والصفات الطيبات والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيبُ كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له" اهـ (2).
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" يدل على أن الله سبحانه لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان موصوفاً بالطيب، وهو عامٌّ في جميع الأعمال والأقوال، فلا يعمل المرء المؤمن إلا صالحاً، ولا يقول إلا طيباً، ولا يكتسب إلا طيباً، ولا ينفق إلا من الطيب، فإن الطيب توصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات، فكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث، كما قال تعالى: (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [المائدة: 100]، والدِّين الحنيف كله دين طيب في عقائده وأحكامه وآدابه، فعقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتطيب بها النفوس، وتوصل معتقدها والمتمسك بها إلى أجل غاية
__________
(1) رواه أبو داود (رقم: 3892)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (رقم: 1046)، والحاكم (1/ 344) وغيرهم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وإسناده ضعيف جداً من أجل زيادة بن محمد الأنصاري، قال فيه البخاري والنسائي وأبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال ابن عدي: "لا أعلم له إلا حديثين أو ثلاثة ومقدار ما له لا يتابع عليه". انظر "تهذيب الكمال" (9/ 534). وانظر: "ضعيف الترغيب" للألباني (رقم: 2013).
(2) "كتاب الصلاة وحكم تاركها" لابن القيم (ص/182 - 183).
(1/284)

وأفضل مطلوب، وأحكامه وآدابه أطيب الأحكام وأطيب الآداب، بها صلاح الدِّين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله.
وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) [إبراهيم: 24]، (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) [إبراهيم: 26]، وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: 10]، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ووصف المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ) [النحل: 32]، وإن الملائكة تقول عند الموت "اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب" رواه أحمد وابن ماجه (1)، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخول الجنة ويقولون لهم: (طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73].
وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاً له في الله تقول له الملائكة: "طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم (2). فالمؤمن كله طيب، قلبه ولسانه وجسده، بما سكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذِّكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه.
ولما طاب المؤمن في هذه الدار في عقائده وأعماله وأقواله أكرمه الله في دار القرار بدخول دار الطيبين التي لا يدخلها إلا طيب، قال سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 32]، وقال تعالى:
__________
(1) "المسند" (2/ 364)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 4262) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده صحيح.
(2) "المسند" (2/ 344)، و"جامع الترمذي" (رقم: 2008)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 1443)، و"صحيح ابن حبان" (رقم: 2961) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد يتقوى بها؛ ولذلك حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (3474).
(1/285)

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73]، فعقَّب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سببٌ للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها.
ومن جاء من أهل الإيمان يوم القيامة يحمل ذنوباً وخطايا وأوزاراً لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار فإنه - إذا لم يعف الله عنه - يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، فإن لم يطهِّره الموقف وأهواله وشدائده فلابد من دخول النار ليخرج خبثه فيها، ويتطهر من درنه ووسخه، ثم يخرج منها فيدخل الجنة.
وأما الكفَّار فإنهم ليس لهم يوم القيامة إلا النار خالدين فيها أبد الآباد، فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمأكل والمشارب، ودار الخبيثين، قال الله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال: 37].
فالدُّور يوم القيامة ثلاثة: دار الطيب المحض، وهي لمن جاء بطيب لا يشينه خبثٌ، وهم المؤمنون الكمَّل، ودار الخبث المحض، وهي لمن يأتي بخبث لا طيب فيه، وهم الكفار، ودار لمن معه خبث وطيب، وهم عصاة الموحدين، فهؤلاء إذا دخلوا النار فإنهم لا يخلدون فيها بل يعذبون فيها بقدر أعمالهم، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة، فلا يبقى بعد ذلك إلا داران: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض.
اللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الأعراف: 49].
(1/286)

(72)
الشّافي
وهو من الأسماء الثابتة في السنة النبوية، فقد ثبت في "الصحيحين" (1) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً".
وفي رواية عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسانٌ مسحه بيمينه ثم قال (وذكرت الدُّعاء).
وفي رواية قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى بهذه الرُّقية ... وذكرته.
وثبت في "صحيح البخاري" (2) عن عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيتُ، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: "اللهم ربَّ الناس، مُذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما".
ومعنى الشافي: الذي منه الشفاء، شفاء الصدور من الشبه والشكوك والحسد والحقد وغير ذلك من أمراض القلوب، وشفاء الأبدان من الأسقام والآفات، ولا يقدر على ذلك غيره، فلا شفاء إلا شفاؤه، ولا شافي إلا هو، كما قال إبراهيم الخليل عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 180]، أي: هو وحده المتفرِّد بالشفاء لا شريك له، ولذ أوجب على كل مكلف أن يعتقد عقيدة جازمة أنه لا شافي إلا الله، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا شافي إلا أنت".
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 5351)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2191).
(2) (رقم: 5410).
(1/287)

ولهذا فإنَّ من أحسن الوسائل إلى الله جل وعلا في طلب الشفاء من الأسقام والأمراض التوسل إليه بتفرُّده وحده بالربوبية وأن الشفاء بيده وحده، وأنه لا شفاء لأحد إلا بإذنه، فالأمر أمره، والخلق خلقه، وكل شيء بتصريفه وتدبيره، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الدعاء المتقدم- "اللهم رب الناس" فيه التوسل إلى الله بربوبيته للناس أجمعين، بخلقهم وتدبير شؤونهم وتصريف أمورهم، فبيده سبحانه الحياة والموت، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والقوة والضعف.
وقوله: "أذهب الباس" أي: أزِل السقم والشدة والمرض، ولفظه في حديث أنس: "اللهم رب الناس مذهب الباس"، وفي هذا توسُّل إليه سبحانه بأنه وحده المذهب للبأس، فلا ذهاب للبأس عن العبد إلا بإذنه ومشيئته سبحانه.
وقوله: "واشفه أنت الشافي" فيه سؤال الله الشفاء، وهو العافية والسلامة من المرض؛ متوسلاً إلى الله عز وجل بهذا الاسم العظيم الدال على تفرده وحده بالشفاء، وأن الشفاء بيده.
وقوله: "لا شفاء إلا شفاؤك" فيه تأكيدٌ لهذا الاعتقاد وترسيخ لهذا الإيمان، وإقرار بأن الشفاء لا يكون إلا من الله عز وجل، وأن العلاج والتداوي إن لم يوافق إذناً من الله بالعافية والشفاء فإنه لا ينفع ولا يجدي.
وقوله: "شفاء لا يغادر سقما" أي: لا يُبقي مرضاً ولا يخلف عِلَّة.
ومثلُه ما رواه مسلم في "صحيحه" (1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك باسم الله أرقيك".
__________
(1) (رقم: 2186).
(1/288)

هذا؛ واعتقاد العبد وإيمانه بأن الشافي هو الله وحده، وأن الشفاء بيده ليس مانعاً من بذل الأسباب النافعة بالتداوي وطلب العلاج وتناول الأدوية المفيدة، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدةٌ في الأمر بالتداوي وذكر أنواع من الأدوية النافعة المفيدة، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله واعتقاد أن الشفاء بيده.
فقد روى مسلم في "صحيحه" (1) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أُصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل".
وفي "صحيح البخاري" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".
وفي "المسند" وغيره عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: "نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد"، قالوا: ما هو؟ قال: "الهرم"، وفي لفظ: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" (3).
فتضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل على الله عز وجل؛ لأن حقيقة التوكل على الله اعتمادُ القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب النافعة، فكما أن دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب لا ينافي الإيمان بقوله: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء: 79]، فكذلك دفع المرض بالعلاج النافع والدواء المفيد لا ينافي الإيمان بقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، بل لا تتم حقيقة التوكل إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، والتي تعطيها قدحٌ في التوكل نفسه.
__________
(1) (رقم: 2204).
(2) (رقم: 5354).
(3) رواه أحمد (4/ 278)، وأبو داود (رقم: 3855)، وابن حبان (رقم: 486)، والحاكم (1/ 121)، وغيرهم بإسناد صحيح.
(1/289)

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحثٌّ على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه والبحث عنه، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، وينظر هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك مبسوطاً في فصل بعنوان "الطب النبوي" من كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" للعلامة ابن القيم رحمه الله.
ثم إن الواجب على العبد أن يعرف فيما يتعلق بالأسباب أموراً ثلاثة:
أحدها: أن لا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سببٌ شرعاً أو قدراً.
ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.
ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد العباد عليها، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده، كما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك".
وأسأل الله العظيم رب الناس مُذهب الباس، الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين.
(1/290)

(73)
الجَميل
وهو اسم ثابتٌ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، روى مسلم في "صحيحه" (1) عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجلٌ: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال: إن الله جميل يحبُّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".
وهذا الاسم الكريم يدل على ثبوت الجمال لله سبحانه في أسمائه وصفاته وفي ذاته وأفعاله قال ابن القيم رحمه الله: "وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلُّها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة، وأما جمال الذات وما هو عليه فأمرٌ لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من عباده، فإن ذلك المال مصونٌ عن الأغيار محجوبٌ بستر الرداء والإزار، كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عنه: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري ... " (2) فما ظنك بجمالٍ حُجب بأوصاف الكمال، وسُتر بنعوت العظمة والجلال.
ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته؛ فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد
__________
(1) (رقم: 91).
(2) رواه أحمد (2/ 376) من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن عطاء بن السائب، عن الأغر (هو أبو مسلم) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ليه وسلم - يعني قال الله (فذكره). وإسناده حسن من أجل عطاء بن السائب.
ورواه مسلم من طريق أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعز إزاره، والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته".
(1/291)

شيئاً من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات، ومن هنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله، وأن أحداً من خلقه لا يحصى ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وأنه يستحق أن يعبد لذاته ويحبُّ لذاته ويشكر لذاته، وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ويحمد نفسه، وأن محبته لنفسه وحمد لنفسه وثناءه على نفسه وتوحيده لنفسه؛ هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد، فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، وهو سبحانه كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله، فكل أفعاله حسن محبوب وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فليس في أفعاله ما هو مكروه مسخوط، وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يحب سواه فإن كانت محبته تابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحة وإلا فهي محبة باطلة، وهذا هو حقيقة الإلهية، فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه، وبره ورحمته، فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعاً، وكما أنه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته محبة، والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، لا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملاً" اهـ (1).
وقال رحمه الله: "والمحبة لها داعيان: الجمال والإجلال، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجلال كله منه فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه" (2).
إن معرفة الله عز وجل بالجمال من أعز أنواع المعرفة وأعظمها شأناً؛ فإن أتمَّ
__________
(1) "الفوائد" (ص/322).
(2) "الجواب الكافي" (ص/276).
(1/292)

الناس "معرفة من عرفه سبحانه بكماله، وجلاله وجماله ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضت الخلق كملهم على أجملهم صورة، وكلهم على تلك الصورة، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبحاتُه ما انتهى إلى بصره من خلقه، ويكفي في جماله سبحانه أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، ويكفي في جماله أنه له العزة جميعاً والقوة جميعاً والجود كله والإحسان كله والعلم كله والفضل كله، ولنور وجهه أشرقت الظلمات، فهو سبحانه نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره" (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحبُّ الجمال" يشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة وآخره سلوك؛ فيعرف الله أولا بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبده بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فإنه سبحانه يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظافر إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فالحديث يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في الحديث نفسه، ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء، وفي "السنن" (2): "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وفيها (3) عن أبي الأحوص الجشمي، عن أبيه قال: "كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآني رث الثياب، فقال: ألك مال؟ قلت: نعم يا رسول الله؛ من كل المال، قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك".
__________
(1) "الفوائد" (ص/319).
(2) "جامع الترمذي" (رقم:2819)، و"مسند الإمام أحمد" (2/ 181) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، مرفوعاً، وحسنه الترمذي.
(3) "سنن أبي داود" (4063)، و"سنن النسائي" (رقم: 5223) - واللفظ له -، و"مسند أحمد" (4/ 137) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، به وإسناده صحيح.
(1/293)

فهو سبحانه يحبُّ ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمته، والشكر جمال باطن، فيحب سبحانه أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباساً وزينة تجمِّل ظواهرهم، وأمرهم بالتقوى لتجمل بواطنهم، فقال: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26]، وقال في أهل الجنة: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) [الإنسان: 11 - 12]، فجمَّل وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير.
هذا؛ وتمام المنة على أهل الجنة، وأعظم النعم رؤيتهم إلههم وربهم ومولاهم الجميل الجليل سبحانه، فإنها أعظم ما يعطون وأجل ما ينالون، وهي قرة العيون، وبهجة النفوس، وسرور القلوب، ونضرة الوجوه، وأعظم الإكرام، وفي "صحيح مسلم" (1) عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مُضرة ولا فتنة مُضلَّة.
__________
(1) (رقم: 181).
(1/294)

(74)
القابض، الباسط
وقد ورد هذا الاسم في السنة النبوية، ففي "السنن" و"مسند الإمام أحمد" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "غلا السِّعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! لو سعَّرتَ، فقال: إن الله هو الخالق القابض لباسط الرازق المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال" (1).
و"الباسط" أي: الذي يبسط رزقه لمن شاء من عباده، و"القابض" أي: الذي يضيق أو يحرم من شاء منهم من رزقه، لما يرى سبحانه في ذلك من المصلحة لهم، قال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) [الشورى:27].
فالقبض: التضييق في الرزق، والبسط: التوسعة فيه والإكثار منه، وكل ذلكم بيد الله عز وجل، فهو القابض الباسط، الخافض الرافع، المعطي المانع، المعز المذل، لا شريك له.
قال تعالى: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245]، قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيرها: "يعني - تعالى ذكره - بذلك أنه الذي بيده قبضُ أرزاق العباد وبسطُها دون غيره ممن ادعى أهلُ الشرك به أنهم آلهةٌ واتخذوه رباً دونه يعبدونه، وذلك نظير الخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله ليه وسلم ... عن أنس قال: "غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسْعِر لنا، فقال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: "إن الله الباسط القابض الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلُبني بمظلمة في نفس ومال" (2).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) تقدم.
(1/295)

يعني بذلك صلى الله عليه وسلم أن الغلاء والرُّخص والسَّعة والضيق بيد الله دون غيره، فكذلك قوله تعالى ذكره: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ)، يعني بقوله: (يَقْبِضُ) يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه، ويعني بقوله: (وَيَبْسُطُ) يوسع ببسطه الرزق على من يشاء منهم، وقوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي: وإلى الله معادُكم أيها الناس، فاتقوا الله في أنفسكم أن تُضيعوا فرائضه وتتعدوا حدوده، وأن يعمل من بسط عليه منكم في رزقه بغير ما أذِنَ له بالعمل فيه ربُّه، وأن يحمل المقتر منكم - فقُبض عنه رزقه - إقتارُه على معصيته، والتقدم على ما نهاه، فيستوجب بذلك منه بمصيره إلى خالقه ما لا قِبَل له به من أليم عقابه" (1).
ففي هذا السياق تنبيه لمن بسط الله له في ماله أو علمه أو مكانته أن ينفق مما آتاه الله، وأن يحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليه، ومن ضيق عليه في ذلك فليلجأ إلى الله وحده طالباً مده وعونه وفضله، معتقداً أنه لا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حين انكفأ المشركون قال: "استووا حتى أثني على ربي" فصاروا خلفه صفوفاً فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم القيامة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشرِّ ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك،
__________
(1) "جامع البيان" (4/ 432 - 435) باختصار.
(1/296)

واجعل عليهم رجزَك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق"، رواه أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" (1).
وقد ورد ذكر البسط والقبض مضافاً إلى الله عز وجل في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، قال تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ) [الرعد: 26]، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) [الإسراء: 30]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [سبأ: 36]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39]، وقال تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [المائدة: 14].
فدلت هذه النصوص ونظائرها أن القبض ولبسط كله بيد الله تبارك وتعالى، وبتصريفه وتدبيره سبحانه يبسط لمن يشاء في ماله أو عافيته أو عمره أو علمه أو حياته، ويقبض وهو الحكيم الخبير.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في التعليق على قول ابن القيم رحمه الله في "نونيته":
هو قابض هو باسط هو خافض ... هو رافع بالعدل والميزان
"يعني أنه القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، الباسط للأرزاق والرحمة والنفوس، وهو الخافض لأقوام، الرافع لآخرين، وذلك كله عدل من الله وحكمة، يحمد عليه أتم الحمد وأكمله، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245]، وقال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ) [الشورى: 27]،
__________
(1) "المسند" (3/ 424)، و"الأدب المفرد" (699) من حديث رفاعة الزُّرقي. وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (538).
(1/297)

فقبضه نعمةٌ في حق عباده المؤمنين؛ لأنه يمنعهم به من البغي والظلم والعدوان، وقال تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) [الرعد: 26]، وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10]، وقال تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [النساء: 158]، وإن كان الله تعالى هو القابض الباسط الخافض الرافع قدراً وقضاءً؛ فلا يمتنع أن تكون هذه الأمور بأسباب من العباد متى قاموا بها حصلت لهم، وهذا هو الواقع، فإن الأسباب محل حكمته وسنته الجارية التي لا تتبدل ولا تغير" (1).
وقد جمع بين هذين الأمرين في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في عمره؛ فيصل رحمه" متفق عليه (2).
فبسطُ الرزق بيد الله، وصلةُ الرحم سبب يبذله العبد، وكذلك كون المسعر هو الله عز وجل لا يمنع أن يكون هناك أسباب يبذلها العبد يزول بها الغلاء ويحصل بها الرخص، كما قيل لأحد الأفاضل: لقد غلت الأسعار! فقال: أرخصوها بالتقوى.
اللهم ادفع عنا الغلاء، وابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
__________
(1) "التوضيح المبين لتوحيد الأنبياء والمرسلين" (ص/135 - 136).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 1961)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2557).
(1/298)

(75)
المنَّان
وقد ثبت هذا الاسم في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى" (1).
والمنان: هو كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، الذي يدر العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم تفضلاً منه وإكراماً، ولا منان على الإطلاق إلا الله وحده، الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، له المنة على عباده، ولا منَّة لأحد منهم عليه، تعالى الله علواً كبيراً، وهو أمر مشهود للخليقة كلها برِّها وفاجرها من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وسعة رحمته، وبره ولطفه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال.
ومن عظيم منِّه - سبحانه - هدايته خاصته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم من الوقوع في الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين من قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، تعرَّف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحساناً، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم
__________
(1) سبق تخريجه.
(1/299)

لا بُخلاً منه عليهم، وخاطبهم بألطف خطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتُبعدهم عن غضبه، إلى غير ذلك من أنواع نعمه وصنوف مننه، القائل سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) [النحل: 18]، والقائل جل شأنه: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: 53].
ومن أراد مطالعة أصول المنن فليدم سرح النظر في رياض القرآن الكريم، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه العظيمة وعطاياه الكريمة، ومنه الجزيلة.
فقد ذكر سبحانه عباده بمنة الهداية لهذا الدين، والإخراج من ظلمات الشرك والكفر برب العالمين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [النساء: 94]، وقال تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات: 17]، وقال تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) [النور: 21]، وقال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 7 - 8].
وذكر سبحانه بمنّة بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإكرامه هذه الأمة ببعث صفوة رسله وخير أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]، وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 34]، وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 124].
(1/300)

وذكر سبحانه بمنة التمكين لأنبيائه عليهم السلام ولعباده المؤمنين، قال تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الصافات: 114 - 118]، وقال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: 5 - 6].
وذكر بمنته على عباده المؤمنين بدخول الجنة والنجاة من النار، واستشعارهم لهذه المنة العظيمة والفضل الكبير (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: 26 - 28]، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 43].
ومن عرف ربَّه سبحانه بهذا الاسم العظيم وأنه وحده ولي المنِّ والعطاء، صاحب الهبة والنعماء؛ أوجب له ذلك أن يحمد ربه على نعمائه، وأن يشكره على فضله وعطائه (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) [الأحقاف: 15].
وقد أمر الله عباده بالشكر ونهاهم عن ضده، وأثنى على عباده الشاكرين، ووعدهم بأحسن الجزاء، وجعل الشكر سبباً لمزيد الفضل والعطاء، وحارساً وحافظاً للهبة والنعماء (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7]، وأوجب له كذلك ألا يستعمل نعمة الله ومنته سبحانه في معصيته، وألا يضيف النعمة إلا إلى المنعم وحده، وهو الله لا شريك له، خلاف من قال الله عنهم: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ) [النحل: 83]، أي: بإضافتهم النعمة إلى غير المنعم.
فاللهم لك الحمد شكراً، ولك المنُّ فضلاً، لك الحمدُ بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، لك الحمد على ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد ربنا إذا رضيت.
(1/301)

(76)
الحَيِيّ
وقد ورد هذا الاسم في حديثين:
الأول: حديث يعلي بن أمية رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل حييٌّ ستير يحبُّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر"، رواه أبو داود والنسائي" (1).
الثاني حديث سليمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً"، رواه أبو داود وابن ماجه (2).
وفي هذا الاسم الكريم دلالة على ثبوت الحياء صفة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله، وهو سبحانه في صفاته كلها لا يماثل أحداً من خلقه، ولا يماثله أحدٌ من خلقه، كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: 65]، فحياؤه سبحانه وصفٌ يليق به، ليس كحياء المخلوقين.
وقد ورد ذكر الحياء في القرآن والسنة بصيغة الفعل مضافاً إلى الله عز وجل، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: 26].
__________
(1) "سنن أبي داود" (رقم: 4012)، و"سنن النسائي" (رقم: 406) من طريق زهير (هو ابن معاوية أبو خيثمة)، عن بعد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، فذكره، ورجاله ثقات، وصحح إسناده الألباني في "إرواء الغليل" (7/ 267).
(2) "سنن أبي داود" (رقم: 1488)، و"جامع الترمذي" (رقم: 3556)، و"سنن ابن ماجه" (رقم: 3865)، وغيرهم من طريق جعفر بن ميمون - صاحب الأنماط-، عن أبي عثمان النهدي، عن سليمان الفارسي، مرفوعاً. وقال الترمذي: حسن غريب. وينظر: "صحيح الجامع" (2638).
(1/302)

وفي "الصحيحين" (1) عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفرٍ، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله ليه وسلم، وذهب واحد، قال: فوقفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه إليه، وأما الآخر فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه".
والقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سبحانه، فكما أنا نثبت لله سبحانه علماً لا كعلمنا، وبصراً لا كبصرنا، وسمعاً لا كسمعنا، وإرادة لا كإرادتنا فكذلك نثبت له حياء لا كحيائنا؛ إذ كلُّ ما أثبته سبحانه لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه.
قال ابن القيم رحمه الله: "وقد وصف نفسه بالحياء، ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الحيي الكريم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا"، وقالت أمُّ سليم: "يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق" (2)، وأقرها على ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن" (3) (4).
وقال رحمه الله: "وأما حياء الرب تعالى من عبده فذاك نوع آخر لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول؛ فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال، فإنه تبارك وتعالى
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 66)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2176).
(2) متفق عليه: البخاري (رقم: 130)، ومسلم (رقم: 313).
(3) رواه الإمام أحمد (5/ 213)، وابن ماجه (رقم: 1924) من حديث خزيمة بن ثابت العبسي. وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (رقم: 2005).
(4) "الصواعق المرسلة" (4/ 1499).
(1/303)

حيٌّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا، ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام، وكان يحيي بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبدُه ويستحيي هو، وفي أثر: من استحى من الله استحى الله منه" (1).
والله سبحانه وتعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها في خلقه؛ فإن ذلك من لوازم كماله، فهو سبحانه حيي يحب أهل الحياء، كريم يحب الكرماء، شكور يحب الشاكرين، محسن يحب المحسنين، عفو يحب العفو وأهله، حليم يحب أهل الحلم، ولمحبته سبحانه لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالحياء والإحسان والرحمة والكرم والعفو، وأحبُّ عباده إليه من اتصف بالصفات التي يحبُّها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها، ويستثني من ذلك من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأن اتصاف العبد بها ظلم إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه لمنافاتها لصفات العبد، ولتعدي من اتصف بها طوره وحدَّه، ولمفارقته مقامه ورتبته، رتبة العبودية والذل.
وقد تكاثرت النصوص في الأمر بالحياء والحث عليه والترغيب فيه، وعدِّه من شعب الإيمان، وبيان ثماره العظيمة وآثاره المباركة، وأنه خير كلُّه.
ففي "الصحيحين" (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان".
وفيهما (3) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإنَّ الحياء من الإيمان".
__________
(1) "مدارج السالكين" (2/ 261).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 9)، و"صحيح مسلم" (رقم: 35).
(3) البخاري (رقم: 24)، ومسلم (رقم: 36).
(1/304)

وفيهما (1) عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي لفظ: "الحياء كله خير".
وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياءً، ففي "الصحيحين" (2) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها".
والحياء في العبد خُلق جميل يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" رواه البخاري (3)، أي: من لم يستحي صنع ما شاء من الفواحش والمنكرات؛ لأن الحياء هو المانع من فعلها.
وأعظم الحياء وأوجبه الحياء من الله عز وجل، ففي الترمذي وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" رواه أحمد والترمذي (4).
__________
(1) البخاري (رقم: 5766)، ومسلم (رقم: 37).
(2) البخاري (رقم: 3369)، ومسلم (رقم: 2320).
(3) (رقم: 3296).
(4) "المسند" (1/ 387)، و"جامع الترمذي" (2458) وغيرهما.
وقال الترمذي: "حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد".
قال الحافظ المنذري: "أبن والصباح مختلف فيهما، وقد قيل: إن الصباح إنما رفع هذا الحديث وهماً منه، وضُعف برفعه، وصوابه موقوف". وحسنه لغيره الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (3337).
(1/305)

وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم، وحفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، وحفظ الفرج عن الفواحش، قال بعضهم: استحيي من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك" (1).
رزقنا الله الحياء منه، ووفقنا لتحقيق خشيته في الغيب والشهادة والسر والعلانية.
__________
(1) انظر: "جامع العلوم والحكم" (ص/36).
(1/306)

(77)
الستِّير
ورد هذا الاسم في حديث يعلي بن أمية رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل حيي سِتِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر" (1).
وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره"، والبيهقي في "السنن الكبرى" عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: "إن الله ستير يحبُّ الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجْره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سَمَّى الله، ثم جاء الله بعدُ بالسُّتور، فبسط الله عليهم الرزق فاتخذوا السُّتور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أُمروا به". صحح إسناده ابن كثير في "تفسيره"، والسيوطي في "الدر المنثور" (2).
و"الستِّير" أي: الساتر الذي يستر على عباده كثيراً، ولا يفضحهم في المشاهد، الذي يحب من عباده الستر على أنفسهم ما يفضحهم ويخزيهم ويشينهم، وهذا فضل من الله ورحمة، وحلم منه سبحانه وكرم، فالعبد قد يُقارف شيئاً من المعاصي والآثام، مع فقره الشديد إلى ربه سبحانه، حتى إنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوَّى عليها بنعم الله عليه بالسمع والبصر واليد والقدم والصحة والمال ونحو ذلك.
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (8/ 2632)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (7/ 97)، و"تفسير ابن كثير" (_6/ 89 - 90 - ط. الشعب)، و"الدر المنثور" (11/ 104).
والحديث في "سنن أبي داود" أيضاً (5192) بلفظ: "إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ... ".
(1/307)

والرب سبحانه - مع كمال غناه عن الخلق كلهم وعن طاعتهم وعبادتهم - يكرم عبد ويستر ويستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، ويقيض له من أسباب الستر، ويوفقه للندم والتوبة، ويعفو عنه ويغفر له، وهذا من لطفه سبحانه بخلقه ورحمته بعبيده، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة: 104]، وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: 110]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى: 25].
ولهذا فإنه سبحانه يكره من عبده إذا وقع في معصية أن يذيعها ويشهرها، بل يدعوه إلى أن يتوب إلى الله منها بينه وبينه، وستر الله مسبول عليه، لا أن يظهرها لأحد من الناس، ومن أبغض الناس إليه من بات عاصياً والله يستره، ثم يصبح يكشف ستر الله عليه.
وقد جاءت السنة بالنهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، ففي "الصحيحين" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه".
قال ابن بطال رحمه الله: "في الجهر بالمعصية استخفافٌ بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تُذل أهلها، ومن إقامة الحدِّ عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حدا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفُوته جميع ذلك" (2) اهـ.
__________
(1) البخاري (رقم: 6069)، ومسلم (رقم: 2990).
(2) انظر: "فتح الباري" (10/ 487).
(1/308)

ولذا جاء في "صحيح مسلم" (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يستر الله على عبد في الدُّنيا، إلا ستره الله يوم القيامة".
وروى البخاري ومسلم (2) عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رجلاً سأله كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترتُ عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم".
وفي هذا أن الواجب على العبد أن يجاهد نفسه على البعد عن الذنوب ومقارفتها، وإذا ألمَّ بشيء فعليه أن يستر نفسه ويبادر إلى التوبة إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وليكثر من الأعمال الصالحات، كما في "صحيح مسلم" (3) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيِّ ما شئت، فقال ل عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً وتلا عليه هذه الآية: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114]، فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة".
ومن هذا المعنى الستر على عباد الله وتجنب هتك أستارهم وتتبع عوراتهم، ففي "المسند" و"سنن أبي داود" عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا الملمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" (4).
__________
(1) (رقم: 2590).
(2) "صحيح البخاري" (رقم: 6070)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2768).
(3) (رقم: 2763).
(4) رواه الإمام أحمد (4/ 420)، وأبو داود (رقم: 4880) وغيرهما من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جريج، عن أبي برزة، به وإسناده حسن. وانظر: "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم: 2340).
(1/309)

وفي "الصحيحين" (1) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم اقل: "من ستر مُسلماً ستره الله يوم القيامة".
هذا؛ وإن الواجب على كل مسلم أن يستتر بستر الله عز وجل، وأن يتجنب الذنوب ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ عورته، وأن يصون عرضه، وأن يتجنب أبواب الرذائل ودروب الفساد، وأن يُقبل على ربه تائباً منيباً، وأن يرجوه سبحانه أن يحفظه بما يحفظ به عباده الصالحين، وأن يستر عيوبه وعورته، وأن يمنُّ عليه بالعفو والعافية، يدعو بذلك لنفسه ولمن أحب.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله صلى الله لعيه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" (2).
وقوله في هذا الدعاء: "اللهم استر عوراتي" فيه طلب الستر من الله عز وجل، والعورات المراد بها: عيوب الإنسان وتقصيره وكل ما يسوؤه انكشافُه، ويدخل في ذلك الحفظ من انكشاف العورة، وهي في الرجل ما بين السرة إلى الرُّكبة، وفي المرأة جميع بدنها، وحريٌّ بالمرأة المسلمة أن تواظب على هذا الدعاء، وأن تصون نفسها بالستر، وأن تضفي على نفسها جلباب الحشمة، ولا سيما في هذا الزمن الذي كثر فيه التهتُّك، وضعُف فيه الستر والحياء.
اللهم استر عيوبنا وعوراتنا، واغفر ذنوبنا وزلاتنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا.
__________
(1) البخاري (رقم: 2442)، ومسلم (رقم: 2580).
(2) رواه الإمام أحمد (2/ 25)، وأبو داود (رقم: 5074)، وابن ماجه (رقم: 3871)، وغيرهم بإسناد صحيح.
(1/310)

(78)
السيِّد
وهو اسم مأثور في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى أبو داود بسند جيِّد، عن عبد الله بن الشخِّير رضي الله عنه قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السِّيد الله تبارك وتعالى، قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينَكُم الشيطان" (1).
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى قول الله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً) [الأنعام: 164]، "إلهاً سيداً"، وقال في قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ): "إنه السيِّد الذي قد كمُل في سؤدده" (2).
ومراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "السيد الله" أي: أن السُّؤدد حقيقة لله عز وجل، فهو المالك المولى الرب، والخلق كلهم عبيد له، مملوكون مقهورون ليس بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود، إذ لو لم يوجدهم لم يوجدوا، ولا في البقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، محتاجون إليه في كل شؤونهم، مفتقرون إليه في جميع حاجاتهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، والأمر كله إليه وحده، والخلق كلهم طوع تدبيره وتحت تصرفه، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويحيي ويميت، ويأمر وينهى، ويقبض ويبسط، ويكرم ويهين، ويهدي ويضل، ويضحك ويبكي، ويغني ويفقر، الأمر أمره، والملك ملكه، والعبيد عبيده، فهو وحده تبارك وتعالى الذي تحق له السيادة ملكاً وخلقاً وتدبيراً، وذلاً وخضوعاً وانكساراً.
__________
(1) رواه أبو داود (4806)، والبخاري في "الأدب المفرد" (211) وغيرهما.
(2) انظر: "تفسير الطبري" (24/ 736).
(1/311)

فهو سبحانه السيِّد الذي له التصرف والتدبير في هذا الكون لا ند له، وهو سبحانه السيد الذي ينبغي أن تصرف له وحده الطاعة والذل والخضوع لا شريك له، فكما أنه سبحانه السيد المتصرف في الخلق لا ند له، فكذلك يجب أن يكون السيد المعبود لا شريك له، كما قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: 164]، وقد تقدم قول ابن عباس رضي الله عنهما: "إلهاً سيداً".
قال ابن جرير الطبري في تفسير (1) هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قُلْ) يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، الداعين إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان: (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً)، يقول: أسوى الله أطلب سيداً يسُودُني (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) يقول: وهو سيدُ كل شيء دونه ومدبره ومصلحه".
وقال ابن كثير في تفسيرها: "يقول تعالى: (قُلْ) يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه: (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً) أي: اطلب رباً سواه، (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) يربني ويحفظني ويكلؤني، ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر" (2).
وهذا أدل الدليل وأبين البرهان على بطلان الشرك واتخاذ الأنداد، إذ كيف يُتخذ المخلوق الضعيف نداً للسيد العظيم والخالق الجليل والرب القدير، تعالى الله عما يشركون.
(أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ
__________
(1) (10/ 48 - ط. التركي).
(2) "تفسير ابن كثير" (3/ 378).
(1/312)

صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) [الأعراف: 191 - 197].
وبهذه الآيات ونظائرها يعلم أن اتخاذ الناس سيداً غير الله سواء من المقبورين أو الأحياء، يعتقدون فيه جلب النفع أو دفع الضر، أو يعلقون به حاجاتهم، أو ينزلون به طلباتهم ورغباتهم، أو يصرفون له لجوءهم ودعواتهم، أو يطلبون منه كشف غمومهم وكرباتهم؛ يعد شركا بالله العظيم، واتباعاً للسبيل المفضية إلى الجحيم، وهذا غاية الجهل والظلم، إذ كيف يسوى التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى من لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا يملك نصراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً بالسيد العظيم الذي له مقاليد السموات والأرض، وبيده أزمة الأمور لا شريك له.
ولما بُلي أقوامٌ بمثل هذا التعلُّق بالمقبورين أضفوا عليهم هذا اللقب، معتقدين فيهم، ملتجئين إليهم، خاضعين ذليلين، ناكثين بذلك توحيدهم، متلوثين بما يناقضه ويضادُّه.
وتأمل في الحديث المتقدم حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وصيانته لجنابه، وسدَّه طرق الشرك، فلما قالوا له: "أنت سيدُنا" قال: "السيد الله تبارك وتعالى"، ثم اقل لهم: "لا يستجرينكم الشيطان"، مع أنهم لم يقولوا إلا حقاً.
ونظيره ما روى الإمام أحمد، والنسائي في "الكبرى" (1) بسند جيِّد عن أنس رضي الله عنه: "أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيدنا وابن سيدنا. فقال رسول الله صلى الله لعيه وسلم: يا أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان؛ إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تعالى، أنا محمد بن عبد الله عبده ورسوله".
__________
(1) "مسند الإمام أحمد" (3/ 249)، و"السنن الكبرى" (10078).
(1/313)

فهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم وأفضل عباد الله وإمام المتقين، إلا أنه كره لهم ذلك لئلا يكون وسيلة إلى الغلوِّ فيه والإطراء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تُطروني كما أطْرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه البخاري (1).
ونهى عن المدح وشدد القول فيه، كما في "الصحيحين" (2) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: "أن رجلاً أثنى على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ويحك قطعت عنق صاحبك، يقوله مراراً"، وفي "صحيح مسلم" (3) عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم المداحين فاحثُوا في وجوههم التراب".
فمواجهة الممدوح بمدحه ولو بما فيه لا ينبغي، لما قد تفضي إليه محبة المدح من تعاظم الممدوح في نفسه، وذلك ينافي كمال التوحيد، ويوقعه في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يُقابل بالمدح صيانة لهذا المقام، وإرشاداً للأمة إلى ترك ذلك نصحاً لهم، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله، بانصراف القلب إلى نوع من التعلق بالمخلوقين والذل لهم والانكسار الذي لا يحل ولا يجوز صرفه إلا لله الواحد القهار.
__________
(1) رواه البخاري (رقم: 3445) من حديث عمر رضي الله عنه.
(2) البخاري (رقم: 6061)، ومسلم (رقم: 3000).
(3) (رقم: 3002).
(1/314)

(79)
الرَّفيق
وهو من الأسماء الحسنى الثابتة في السنة، روى البخاري في "صحيحه" (1) عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذن رهطٌ من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة إن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق في الأمر كلِّه، قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم".
وروى مسلم في "صحيحه" (2) عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه".
ففي الحديث التصريح بتسمية الله بالرفيق ووصفه بالرفق، وأن له من هذا الوصف أعلاه وأكمله وما يليق بجلاله وكماله سبحانه.
والرِّفق: اللين والسهولة والتأني في الأمور والتمهل فيها، وضده العنف والتشديد، فهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، والله سبحانه رفيق في قدره وقضائه وأفعاله، رفيق في أوامره وأحكامه ودينه وشرعه.
ومن رفقه سبحانه في أفعاله أنه سبحانه خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئاً فشيئاً، بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة، وهو دليل على حلم الله وحكمته وعلمه ولطفه، وقد ورد عن الصحابة رضي الله عنهم حمدهم لله عز وجل على رفقه في الخلق وتصريفه الدائم للمخلوقات، وأنه لم يجعل الخلق ثابتاً على هيئة واحدة.
__________
(1) (رقم: 6927).
(2) (رقم: 2593).
(1/315)

روى ابن أبي الدنيا بسندٍ جيد عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: "كانوا يقولون - يعني أصحاب النبي صلى الله ليه وسلم-: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقاً دائماً لا يتصرف لقال الشاكُّ في الله: لو كان لهذا الخلق رباً يحادثه، وإن الله عز وجل قد حادث بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشاً، وسراجاً وهاجاً، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكناً ونجوماً وقمراً منيراً، وإذا شاء بني بناء جعل فيه من المطر والبرق والرعد والصواعق ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بحرٍّ يأخذ بأنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً هو يحادثه بما يرون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة" (1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ذلك وبينوه للناس، وعرفوا أن حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق، وأن له رباً خلقه ويحدث فيه الحوادث" (2).
ثم أورد أثر الحسن المتقدم وعلق عليه تعليقاً مختصراً.
ومن رفق الله بعباده رفقه سبحانه بهم في أحكامه وأمره ونهيه، فلا يكلف عباده ما لا يطيقون، وجعل فعل الأوامر قدر الاستطاعة، وأسقط عنهم كثيراً من الأعمال بمجرد المشقة رخصة لهم ورفقاً بهم ورحمة، ولم يأخذ عباده بالتكاليف دفعة واحدة، بل تدرج بهم من حال إلى حال حتى تألف النفوس وتلين الطباع ويتم الانقياد.
ومن رفقه سبحانه إمهالُه راكب الخطيئة ومقترف الذنب وعدمُ معاجلته بالعقوبة لينيب إلى ربه وليتوب من ذنبه وليعود إلى رشده.
__________
(1) "كتاب المطر والرعد والبرق والريح" لابن أبي الدنيا (ص/80 - 81).
(2) "جامع الرسائل" (1/ 139).
(1/316)

قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) [الكهف: 58]، وقال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: 61].
فبيّن سبحانه أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجل لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم رفيق لا يعجل بالعقوبة بل يمهل ولا يهمل.
ومن رفقه سبحانه أن دينه كله رفق ويسر ورحمة، وأمر عباده بالرفق، ويعطيهم على الرفق ما لا يعطي على الشدة، ولا يكون في شيء من الأمور إلا زانه، ومن حرمه حرم الخير، ولذا ينبغي على كل مسلم أن يكون رفيقاً في أموره كلها، وأحواله جميعها، بعيداً عن العجلة والتسرع والتهور والاندفاع، فإن العجلة من الشيطان، ولا يبوء صاحبها إلا بالخيبة والخسران، وكفى بالرفق نبلاً وفضلاً أنه حبيب للرحمن، فهو سبحانه رفيق يحب الرفق.
وقد جاءت السنة النبوية بالحث على الرفق في الأمور كلها، ففي "صحيح مسلم" (1) عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
وفيه (2) عن جرير رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يُحرم الرفق يُحرم الخير"، وفي "المسند" (3) عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار".
__________
(1) (رقم: 2594).
(2) (رقم: 2592).
(3) (6/ 159) بإسناد صحيح. انظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم: 519).
(1/317)

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أرفق الناس، وشواهد رفقه في سنته ظاهرة، ودلائل حلمه وأناته في سيرته واضحة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الرفق والأناة في تعامله مع الناس ودعوته إلى دين الله، ومعالجته لما قد يقع من أخطاء أو مخالفات، ومن ذلكم ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فاقل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُزرمُوه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن" (1)، ورواه البخاري (2) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: دعوه وهريقُوا على بوله سَجْلاً من ماء - أو ذنوباً من ماء -، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسِّرين".
فربنا سبحانه رفيقٌ يحبُّ الرفق، وديننا رفق ويسر كله، ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام أهل الرفق وقدوتهم، وواجبنا أن نتحلى بالرفق في شأنه كله، والله وحده الموفق لا شريك له.
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 221)، "صحيح مسلم" (رقم: 285) واللفظ له.
(2) (رقم: 220).
(1/318)

(80)
الوتر
وهو اسم ثابتٌ في السنة، ففي "الصحيحين" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وترٌ يحبُّ الوتر".
و"الوتر": هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، فهو اسمٌ دالٌ على وحدانية الله سبحانه، وتفرده بصفات الكمال، ونعوت الجلال، وأنه ليس له شريك ولا مثيل في شيء منها، والنصوص الكثيرة في القرآن الكريم في نفي الندِّ، والمثل والكفؤ والسمي عن الله تدل على ذلك وتقرره أوضح تقرير.
قال الله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22]، وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص]، وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: 65].
في الإيمان بأن الله وترٌ نفيٌ للشريك من كل وجه؛ في الذات والصفات والأفعال، وإقرارٌ بتفرُّده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والكبرياء والجلال، وكذلك فيه إقرارٌ بتفرد الله بخلق الكائنات وإبداع البريات وإيجاد المخلوقات، والتصرف فيها بما يشاء، فلا ند له، ولا شبيه، ولا نظير، ولا مثيل.
وهذا الإقرار موجبٌ أن يُفرد وحده بالذُّلِّ والخضوع والحبِّ والرجاء والتوكل والإنابة وسائر أنواع العبادة، وفي القرآن آيٌّ كثيرة يقرِّر فيها سبحانه المشركين بما لا يسعهم إنكاره ولا مناص لهم من إثباته ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده
__________
(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6410)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2677).
(1/319)

بالرِّزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبدء والإعادة والإرشاد والهداية، وغير ذلك، ليقيم به عليهم الحجَّة في وجوب توحيده وإفراده بالعبادة، وإبطال ما هم عليه من الشرك الفاضح، والكفر المبين، بالعكوف على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: "والوتر يُراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله في ذاته وكماله وأفعاله واحدٌ، ويحبُّ التوحيد، أي: يُوحد ويُعتقد انفراده دون خلقه، فليتئمُ أول الحديث وآخره، وظاهره وباطنه" (1).
فأول الحديث إخبارٌ بوحدانية الله وتفرُّده بالجلال والكمال، والخلق والتصرف والتدبير، وآخره ترغيب في التوحيد وحضٌّ عليه ببيان حبه سبحانه لأهله القائمين به المحافظين عليه.
وكم في القرآن من الآي في تقرير هذا التوحيد وإبطال الشرك والتنديد، قال الله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف: 39]، وقال تعالى: (قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [النمل: 59]، وكم فيه من ذكر الحجج الواضحات، والبراهين البينات، والدلائل الساطعات وإرشاد العباد في الاستدلال على وحدانيته بآياته وسننه الكونية، وتفرده سبحانه بتصريف المخلوقات وتدبير الكائنات بما هو أبين دليل على تفرده بالإلهية واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له.
قال ابن القيم رحمه الله: "كلُّ سورة في القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولاً كلياً: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا،
__________
(1) "المفهم" (7/ 18).
(1/320)

ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب؛ فهو خبرٌ عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (1).
وقد بين الله في القرآن الكريم أن المتخذين شفعاء مشركون به، وأنهم لا يملكون لعابديهم شيئاً من الخير والنفع، قال الله تعالى: (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) [الزمر: 43]، وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [يونس: 18].
فمتخذ الشفيع مشركٌ لا تنفع شفاعته ولا يشفع له، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد عن سخطه سبحانه مؤمنٌ موحِّد، له العاقبة الحميدة والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
فالوتر في أسماء الله فيه الدلالة على وحدانية الله ووجوب توحيده وإفراده وحده بالعبادة، وحبه سبحانه للوتر إنما هو في حق من يعبد الله بالوحدانية والإخلاص ونبذ الشريك والند.
إضافة إلى أنه ينتظم في معناه حبه سبحانه لكل وتر شرعه، حيث أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات، كما في الصلوات الخمس، ووتر الليل، وأعداد الطهارة، وتكفين الميِّت، ونحو ذلك، لما رواه الإمام أحمد، وأهل "السنن" وصححه
__________
(1) "مدارج السالكين" (3/ 450).
(1/321)

ابن خزيمة واللفظ له عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "إن الوتر ليس بحتم كالمكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر ثم قال: أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحبُّ الوتر" (1).
وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يراعي الوتر في سائر شؤونه، فجاء عنه الاصطباح بسبع تمرات، وشرب الماء في أنفاس ثلاثة، والاستغفار ثلاثاً أدبار الصلوات المكتوبة، وفي كثير من الأذكار والدعوات يأتي بها وتراً إما مرةً أو ثلاثاً أو سبعاً إلى غير ذلك مما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في سنته القويمة، وهديه المبارك.
ومن حُبِّ الله سبحانه للوتر خص تسعةً وتسعين اسماً من أسمائه الحسنى الواردة في القرآن والسنة بأن من أحصاها حفظاً لها وفهماً لمدلولها، وقياماً بالعبوديات التي تقتضيها دخل الجنة.
وفقنا الله لتحقيق ذلك، وجعلنا بمنِّه وكرمه من أهل جنات النعيم.
__________
(1) رواه الإمام أحمد (1/ 143)، وأبو داود (1416)، والترمذي (رقم: 453)، والنسائي (رقم: 1675)، وابن ماجه (رقم: 1169)، وابن خزيمة (1067)، والحاكم (1/ 300) وغيرهم من طرق عن أبي إأسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، به وحسنه الترمذي.
(1/322)

(81)
المُعطي، الجَواد
فاسمه تبارك وتعالى "المعطي" ثابت في "صحيح البخاري" (1) من حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون".
واسمه تبارك وتعالى "الجواد" جاء ذكره في الحديث القدسي حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته ... " الحديث، وفي آخره عند الترمذي وابن ماجه: "ذلك يأتي جوادٌ ماجد أفعل ما أريد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون" (2).
وكذلك ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل جوادٌ كريم، يستحي من العبد المسلم أن يمد يديه إليه ثم يقبضهما من قبل أن يجعل فيهما ما سأله"، رواه أبو القاسم بن بشران في "الأمالي" (3).
__________
(1) (رقم: 3116).
(2) رواه الترمذي (رقم: 2495)، وابن ماجه (رقم: 4257)، وأحمد (5/ 154) وغيرهم من طريق شهر ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، به.
وقال الترمذي: "حديث حسن". وضعف إسناده الألباني لسوء حفظ شهر، كما في "السلسلة الضعيفة" (5375).
(3) (رقم: 154) وفي إسناده ابن لهيعة وفيه كلام معروف وبقية رجاله ثقات.
(1/323)

وفي حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جوادٌ يحب الجود، ويحب معاني الأخلاق، ويكرهُ سفسَافَها" رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن"، والبيهقي في "شعب الإيمان" وغيرهما (1).
والمعطي: المتفرِّد بالعطاء على الحقيقة، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، عطاؤه سبحانه كلام، ومنعه كلام، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وكل ما بالعباد من نعمة فهي من منِّه وعطائه سبحانه، وسع عطاؤه العباد كلهم، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، هذا في الدنيا، أما يوم القيامة فخص به أولياءه المؤمنين، قال تعالى: (كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) [الإسراء: 20 - 21]، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 32].
والجواد معناه: كثير العطاء، الذي عم بجوده جميع الكائنات، وملأها من فضله وكرمه ونعمه المتنوعة، فلا يخلو مخلوق من إحسانه طرفة عين.
قال ابن القيم رحمه الله: "وأخبره (2) في عهده أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمتُه غضبه، وحلمُه عقوبته، وعفوه مؤاخذته، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب
__________
(1) "فضائل القرآن" (رقم: 52)، و"شعب الإيمان" (7/ 426)، ورواه الهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده" (رقم: 20) كلهم من طريق حجاج بن أرطاة، عن سليمان بن سُحيم، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، به. وفيه حجاج وهو مدلس وقد عنعن.
والحاصل أن هذه الأحاديث - وإأن لم تخلو من مقال - يشهد بعضها لبعض وتدل بمجموعها على ثبوت اسم الجواد لله عز وجل. وانظر إثبات شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا الاسم في كتابه "بيان تلبيس الجهمية" (1/ 533 - 539).
(2) يعني الإنسان.
(1/324)

الإحسان والجود والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويُوسعهم فضلاً، ويغمرهم إحساناً وجواداً، ويتم عليهم نعمته، ويضاعف لديهم منته، ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه.
فهو الجواد لذاته، وجُودُ كل جوادٍ خلقه الله ويخلقُه أبداً أقلُّ من ذرةٍ بالقياس إلى جُوده، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وجودُ كل جوادٍ فمنْ جوده، ومحبتُه للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم ... وهو الجواد لذاته، كما أنه الحيُّ لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته، فجُوده العالي من لوازم ذاته، والعفوُ أحبُّ إليه من الانتقام، والرحمة أحبُّ إليه من العقوبة، والفضل أحبُّ إليه من العدل، والعطاء أحبُّ إليه من المنع" (1).
وقال رحمه الله: "وأنه سبحانه يحب من عباده أن يُؤمِّلوه ويرجوه ويسألوه من فضله؛ لأنه الملك الحق الجواد، أجودُ من سُئل، وأوسع من أعطى، وأحبُّ ما إلى الجواد أن يُرجى ويؤمل ويُسأل، وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (2) " (3).
وقال رحمه الله: "ولو لم يكن من تحبُّبه إلى عباده وإحسانه إليهم وبِرِّه بهم إلا أنه خلق لهم ما في السموات والأرض وما في الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رُسله، وأنزل عليهم كُتبه، وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنةٍ يعملونها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ، وكتب لهم بالسيئة واحدةً، فإن تابوا منها محاها،
__________
(1) "مدارج السالكين" (1/ 211 - 212).
(2) رواه الإمام أحمد (2/ 442)، والترمذي (رقم: 3373)، والبخاري في "الأدب المفرد" (رقم: 658) وغيرهم بإسناد لا بأس به. انظر: "السلسلة الصحيحة" (رقم: 2654).
(3) "مدارج السالكين" (2/ 50).
(1/325)