Advertisement

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
ألفه: أبو حامد الغزالي
حققه: محمود بيجو
الناشر: دار البيروتي
الطبعة الأولى 1413 للهجرة – 1993 للميلاد
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الخير بإذنه وسراجاً منيراً، ومنقذاً للبشرية من ظلمات الجهل والغي والضلال إلى نور الهدى والخير والرشاد.
وبعد: فإن الغزالي شخصية فذة في تاريخ الفكر الإنساني لا شك في ذلك ولا ريب، طرح مشكلات الثقافة والمعرفة التي سادت عصره، وشق لنفسه طريقاً عبر هذه الخصوب الجسام، واستقر أخيراً بأن وفق بين منطق العقل وتصوف القلب، وقد قال عنه الشيخ المراغي: (إنه دائرة معارف عصره، رجل متعطش إلى معرفة كل شيء). وركب في سبيل ذلك كل صعب وخطر، وخاض غمار المشكلات الفكرية خوض الجسور، لا خوض
صفحة 4
الجبان الحذور كما وصف نفسه في كتابه الخالد (المنقذ من الضلال).
وهو من الشخصيات العلمية التي اختلف الناس في أمرها، ما بين معظم لها إلى حد التقديس، وبين قادح مسرف إلى حد بعيد.
على أن الغزالي مهما قيل فيه، فإنهم متفقون جميعاً على علو مكانته، ورسوخ قدمه في شؤون المعرفة كلها.
وهو في كتابه هذا (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) يمثل استقلاليته الفكرية، ورفضه للتقليد، فهو لم يحفل بآراء غيره، بل يغوص إلى أعماق القضايا حتى يقف على حقيقتها، بجرأة العالم الواثق من علمه، المستقل بتفكيره، فلذلك لا يرى أن مخالفة الأشعري أو غيره من أصحاب المذاهب كفر، وإنما وضع حداً للكفر وعرَّفه بأنه (تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به) وهو من ألد خصوم التقليد والمقلدين، وهذه الخصومة تبدو واضحة جليَّة في قوله في معرض رده على السائل بقوله: (واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر والضلال لا يعرف).
فهذه صفات تطلق على كل مستقل الفكر، رافض للتقليد،
صفحة 5
ويظهر رفضه للتقليد في قوله: (فخاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحد الكفر، فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم، فاعلم أنه غر بليد، قد قيَّده التقليد) ثم يتابع مبيناً حد الإيمان والكفر (وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلاً إذ معناه إباحة الدم، والحكم بالخلود بالنار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص).
بمثل هذه السماحة الفكرية أقبل الغزالي على مناهل المعرفة فهاجم ما اعتقد أنه يستحق الهجوم، ووقف بجانب ما اعتقد أنه الحق، غير مبال برضا الراضين ولا بسخط الساخطين، مما أوغر عليه صدر بعض العلماء، واختلفوا فيه، وأصبح محور دراسات كثيرة ممتعة بين الأقدمين والمحدثين، مما كان لها أعظم الفائدة في كشف جوانب شخصيته الفذة، وهذا الاختلاف والتدافع بين تلك الفئات حول دراسة فكر الغزالي أعطاه الخلود والبقاء.
ومن يستعرض الساحة الفكرية في واقعنا المعاصر، ويتتبع الحركة الفكرية، وما يجري فيها من تيارات متصارعة متناقضة لا يجد كبير فرق بين الساحة التي عمل فيها الغزالي وبين واقعنا
صفحة 6
المعاصر، ومن هنا ندرك عظمة فكر الغزالي واستمراريته إلى يومنا هذا.
فالتعصب هو من العوامل الرئيسة التي أدت إلى تأخر المسلمين، هذه حقيقة يدركها كثير من الناس، وكتابنا هذا هو في فقه الاختلاف الذي فرق شمل المسلمين سابقاً، وكما يمزقه اليوم وهؤلاء الذين يعملون في مساحات ضيقة، ولا يقدرون الأمر حق قدره، وإنما يبذرون بذور الفرقة، ويوقدون نيران الخلاف، وتكفير الناس هم بأمس الحاجة إلى مثل هذه الأبحاث.
ولما رأيت وقوع هؤلاء الناس في المأزق الضيق، ووجدت حاجة الناس إلى هذا الكتاب ليتخذه العاملون في حقل الدعوة إلى الله منهج عمل في هذه الفترة ليكونوا على بيِّنة من أمرهم.
والكتاب ثمرة طيبة من ثمار ذلك الدفاع القديم الذي أبلى فيه الغزالي بلاءً حسناً، فقد هاله ما رأى من كثرة الخلاف والاختلاف بين الفئات المتصارعة على الساحة الفكرية من فلاسفة، ومتكلمين، وباطنية، ومتصوفة. ووصل الأمر بهؤلاء المختلفين بتكفير بعضهم بعضاً، فخشي أن تكون عاقبة أمر ذلك خسراً للشباب، والأغمار، والأحداث، فانبرى لدرئها وتبيين عوجها، والرد على هذا الغلو والتطرف، وضيق الأفق، بما أوتي
صفحة 7
من بيان مشرق رصين، وقدرة على النقد العلمي الدقيق المتين، وإحاطة شاملة بالمعارف، وقوة في الحجة، وسعة في التفكير الذي يمثل شمول ثقافته الإسلامية بجميع فروعها، فهو موسوعة عصره الذي ساده الاضطراب والتصارع بين مختلف الآراء والأفكار.
ويحدثنا الغزالي عن بواعث تأليف الكتاب فيقول في مقدمته: (فإني رأيتك أيها الأخ المشفق، والصديق المتعصب، موغر الصدر، منقسم الفكر، لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين، وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر، ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر).
ولأجل بيان هذا الأمر أحب الغزالي أن يدفع عن المسلمين هذا الغلو في التقليد، والتعصب للمذاهب بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، أدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، وقدحت بالشكوك في النفوس، فأحب أن يكشف للناس ما يلبِّس عليهم هؤلاء، فألف هذا الكتاب الخالد، وهو على صغر حجمه يدفع عن المسلمين ما هم فيه من البلاء والتمزق
صفحة 8
والاختلاف. وقد ذكر الغزالي (أن حقائق الأشياء لا تظهر للقلوب المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما، بل إنما ينكشف دون ذلك لقلوب طهرت عن وسخ أوضار الدنيا أولاً، ثم صقلت بالرياضة ثانياً، ثم نوِّرت بالذكر الصافي ثالثاً، ثم غذِّيت بالفكر الصائب رابعاً، ثم زينت بملازمة الشرع خامساً، حتى فاض عليها من مشكاة النبوة، وصارت كأنها مرآة مجلوة، وصار الإيمان في زجاجة قلبه مشرق الأنوار).
ثم ذكر هؤلاء الناس، وما هم فيه من اختلاف وتمزق وتمزيق لكيان الأمة الواحدة.
ثم ذكر المجازات في الكلام، ومعناها، وبيَّن أن للوجود خمس مراتب، ومن أجل غفلة هؤلاء الناس، وجهلهم وعدم معرفتهم لها نسبت كُلُّ فرقة مخالِفتَها إلى الكفر.
ثم بدأ كتابه بالحكاية عن الطاعنين والحساد، وعقد أبواباً بالرد عليهم، وبيَّن أن أكثر أغاليط هؤلاء إنما ترجع إلى جهلهم بذلك، وضيق أفقهم عن التأويل، ومعرفة مراتب الوجود.
وبيَّن أن هؤلاء من أشد الناس غلواً وإسرافاً، وأنهم كفَّروا عوام المسلمين، وزعموا أن منهم من لا يعرفون الكلام معرفتهم،
صفحة 9
ولا العقائد الشرعية بأدلتهم، فهؤلاء ضيَّقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام، والأدلة المحررة، والتقسيمات المرتبة فقد بعد عن الإنصاف، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطيَّة وهديَّة من عنده.
ثم بيَّن أن مآخذ التكفير من الشرع، وليست من العقل حتى يبادر كل إلى تكفير صاحبه حسب هواه، فالمخالفة في الرأي في مسألة شرعية لا توجب التكفير، وإنما كان وما يزال أمراً علمياً نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤية، واختلاف في قوة العقول وضعفها، وهي دليل مرونة الإسلام وصلاحيته لك زمان ومكان.
ولن يستطيع أي باحث أن يكتب في هذا الحقل دون أن يذكر الغزالي، وكتابه هذا الذي يجب أن يتخذه المسلمون على تفاوت أعصرهم، وتباين مشاربهم وآرائهم مثالاً يحتذى، ومنهجاً يقتدى، ليتجنبوا المزالق المردية، والمهالك القاصمة.
وكان الغزالي فارس هذا الميدان الذي أنار للمسلمين الطريق الواضح المبين، وأبعدهم عن مهاوي الردى، وسد أمامهم طرق
صفحة 10
التفرق والاختلاف، وقرَّب الشقة بين الفئات المتناحرة والمتباغضة.
فقد اتخذ الغزالي طريقاً وسطاً بين أصحاب أهل الكلام، والمتصوفة والفقه المذهبي، واجتهد أن يحكم بينهم بالقسط، وأن يأخذ منها ما ينفع، ويدع منها ما يضر ويفرق، ويقبل منها ما يفيد الأمة المسلمة، ويرفض ما يسبب الفرقة والتباغض والتباعد. حرصاً منه على جمع الصف، وتوحيد الكلمة، والارتفاع فوق المسائل التي تختلف فيها وجهات النظر بين أهل العلم والفكر، شأن المسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص شرعي قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.
هذا ما أردت أن أنبه إليه، ليعيد القراء النظر في كتاب الإمام الغزالي، وفي قضية الكفر والإيمان وحدِّهما وغيرها من القضايا الخلافية التي اختلط الأمر فيها اختلاطاً شديداً أدى إلى فساد كبير في زماننا هذا.
عملي في الكتاب:
اعتمدت في قراءة كتاب (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) وفي التعليق عليه، وتخريج أحاديثه:
صفحة 11
1- النسخة المخطوطة الأولى (م) وهي من المكتبة الظاهرية بدمشق رقم (6469)، وعدد أوراقها: 15 ورقة، ليس فيها اسم ناسخها.
2- النسخة المخطوطة الثانية (غ) وهي أيضاً من المكتبة الظاهرية بدمشق وهي ضمن مجموع برقم (6595) ويرجع تاريخ نسخها إلى سنة (748هـ) في عاشر ربيع الآخر بمدينة غزة بخط عبد الحميد.
وهي كسابقتها خالية من كل حاشية ولكن قد أتت عليها الرطوبة فأزالت الكثير منها.
هاتان هما النسختان اللتان جعلتهما أصلاً لقراءتي وتعليقي.
أما النسخ المطبوعة:
3- مطبوعة مصطفى القباني رحمه الله تعالى سنة 1328هـ. هذه المطبوعة جعلتها أصلاً ثالثاً، لأنها مطبوعة معتمدة على مخطوطات لا أعرف عنها شيئاً، ولكن لما لها من منزلة التقدم اعتمدتها أصلاً ثالثاً.
وقد اطلعت على طبعة الشيخ بدر الدين النعساني رحمه الله تعالى، وهي خالية من كل حاشية فكأنها نسخة من طبعة القباني
صفحة 12
رحمه الله تعالى.
ثم مطبوعة الدكتور سليمان دنيا الذي لم يأت بجديد ولكنه قدَّم للكتاب بمقدمة مستفيضة تعادل ضعفي الكتاب.
بقي علي أن أقول: إني رددت الآيات إلى مواضعها من السورة، وخرَّجت الأحاديث تخريجاً كاملاً وضبطتها بالشكل الكامل.
والحمد لله أولاً وآخراً على عظيم فضله وإنعامه علي، بأن أتولى قراءة هذا الكتاب القيم والتعليق عليه، مبتهلاً إليه عز وجل أن يغفر لي ما أسأت.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى سائر أنبيائه ورسله وسلم تسليماً كثيراً.
دمشق: الاثنين 25 صفر سنة 1413
24 آب سنة 1992
محمود بيجو
صفحة 13
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الإمام العالم العامل أبو حامد محمد بن محمد الغزالي رحمة الله عليه: أحمد الله تعالى استسلاماً لعزته، واستتماماً لنعمته، واستغناماً لتوفيقه ومعونته وطاعته، واستعصاماً من خذلانه ومعصيته، واستدراراً لسوابغ نعمته،[1] وأصلِّي على محمد عبده ورسوله وخير خليقته، انقياداً لنبوته، واستجلاباً لشفاعته، وقضاءً لحق رسالته، واعتصاماً[2] بيمن سريرته ونقيبته،[3] وعلى آله وأصحابه وعترته.
أما بعد: فإني رأيتك أيها الأخُ المشفقُ والصديقُ المتعصبُ موغرَ الصدر، منقسم الفكر؛ لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنَّفة في أسرار معاملات[4] الدين،
صفحة 14
وزعمهم[5] أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين، وأنّ العُدولَ عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر، ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر. فهوِّن أيها الأخ المشفق المتعصب على نفسك، ولا تضيِّق به صدرك، وفُلَّ من غَرْبِك[6] قليلاً، {وَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10].
واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو
صفحة 15
الضلال لا يعرف،[7] فأي داعٍ أكمل وأعقل من سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم؟ وقد قالوا: إنه مجنون من المجانين، وأي كلام أجل وأصدق من كلام رب العالمين؟ وقد قالوا: إنه أساطير الأولين، وإياك أن تشتغل بخصامهم، وتطمع في إفحامهم، فتطمع في غير مطمع، وتصوِّت في مسمع.
أما سمعت ما قيل:
كل العداوة قد ترجى سلامتها … إلا عداوة من عاداك عن حسد[8]
صفحة 16
ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس، لما تلي على أجلّهم رتبة آيات اليأس، أوما سمعت قوله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى? ? فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] وقوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 14] وقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7] وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى? وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111].
واعلم أن حقيقة الكفر والإيمان وحدَّهما، والحق والضلال وسرَّهما، لا ينجلي للقلوب المدنَّسة بطلب الجاه والمال وحبِّهما، بل إنما ينكشف دون ذلك لقلوب طهرت عن وسخ أوضار[9] الدنيا أولاً، ثم صقلت بالرياضة الكاملة[10] ثانياً، ثم نوِّرت
صفحة 17
بالذكر الصافي ثالثاً، ثم غُذِّيت بالفكر الصائب رابعاً، ثم زُيِّنت بملازمة حدود الشرع خامساً، حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة، وصارت كأنها مرآة مجلوة، وصار مصباح الإيمان في زجاجة قلبه مشرقَ الأنوار، يكاد زيته يضيء ولم لم تمسسه نار، وأنَّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وشريعتهم رعوناتهم،[11] وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم، وذكرهم وساوسهم، وكنزهم سواسهم،[12] وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم، فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من ضياء الإيمان، أبإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب من كدورات الدنيا، أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران وأمثالها،[13] هيهات هيهات، هذا
صفحة 18
المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى، أو ينال بالهوينا، فاشتغل أنت بشأنك، ولا تضيِّع فيهم[14] بقية زمانك، {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى? عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى?} [النجم: 29-30].
?[1] في م زيادة ورحمته.
?[2] في م واستعصاماً.
?[3] في م ومنقبته.
?[4] يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي حول كتاب (أسرار معاملات الدين) في كتابه (مؤلفات الغزالي) ص226 ما يلي: ذكره السبكي ج4 ص116 في (الطبقات العلية في المناقب الشافعية) للفقيه محمد بن الحسن ومفتاح السعادة الثاني برقم 30 والمرتضى برقم 7. وذكره الغزالي في كتاب (منهاج العابدين) (ص32 س21، القاهرة سنة 1337) مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
أما ما ورد في أول كتاب (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) فإن قوله: (كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين) لا يمكن أن يقصد به كتاب واحد بهذا العنوان، ولهذا لا محل لما ذهب إليه بويج من الربط بين هذا الموضع وبين اسم كتاب (أسرار معاملات الدين) الذي هو (كتاب مستقل بنفسه) كما قال الغزالي في (المنهاج) اهـ.
في م معاملة.
?[5] في م وزعموا.
?[6] الفل: الكسر، والغرب: الحد. اللسان (11/ 530).
?[7] يبين الإمام أن حماة الإسلام ممن لم يكن لهم بصر بالعلوم العقلية، فإنهم كانوا واقعين في خطأ فاحش. وذلك أنهم ظنوا الحجة العقلية لبعض العقائد الدينية موقوفة على بعض المفروضات التي لا أصل لها فجعلوها كعقائد الدين الأصلية وغدوا يُكفِّرون كل من لا يصدق بها، كما يكفر من لا يصدق بما دعا إليه الله ورسوله، فأصلح هذا الغلط، وأرشد المسلمين إلى أن إثبات عقائدهم الدينية لا يتوقف على التزام تلك الأمور التي لا يستسيغها العقل، بل وراء تلك العقائد حججاً وبراهين يسوغها العقل ويؤيدها المنطق، فمن العبث أن يلح المرء على تلك الترهات.
?[8] ينسب البيت للشافعي، انظر مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 73 ومناقب الشافعي للرازي ص115.
?[9] في م أوضار.
?[10] في م المبالغة.
?[11] في ط رعونتهم.
?[12] كنزهم سواسهم سقطت من م.
?[13] في م إزالة النجاسة بماء الزعفران وأمثالها: وهذا دليل انشغال الفقهاء بالتفاهات، والبعد عن الواقع المعاش حيث كان الغزالي رحمه الله يصول ويجول في المعركة الدائرة، والتي كان أوارها يحرق الأخضر واليابس، والفقهاء مشغولون بمسألة النجاسة وماء الزعفران، والأمة تتمزق وتتفكك وتتحلل من ربقة الدين.
?[14] في م بذكرهم.
صفحة 19
الفصل الأول: الحق يدور في كل مذهب
فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة[1] من صدرك، وصدر من هو في حالك، ممن لا تحرِّكه غوايةُ الحسود، ولا تقيِّده عماية التقليد، بل تعطشه إلى الاستبصار لحزازة[2] إشكال أثارها فكر، وهيَّجها نظر، فخاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحدِّ الكفر، فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري،[3] أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم، فاعلم أنه غِر بليد، قد قيَّده التقليد، فهو أعمى من العميان، فلا تضيَّع
صفحة 20
بإصلاحه الزمان، وناهيك حجة في إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى غيره من خصومه، إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً، ولعل صاحبك يميل من بين سائر المذاهب إلى الأشعري، ويزعم أن مخالفته في كل وِرْدٍ وصدر كفر من الكفر الجلي، فاسأله من أين ثبت له أن كون الحق وقفاً عليه؟ حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء لله تعالى، وزعم أنه ليس وصفاً لله تعالى زائداً على الذات؟ ولِمَ صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني؟ ولِمَ صار الحق وقفاً على أحدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان؟ فقد سبق الأشعريَّ غيرُهُ من المعتزلة، فليكن الحق للسابق عليه! أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم؟ فبأي ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلَّده؟ فإن رخّص للباقلاني في مخالفته فلِمَ حجر على غيره؟ وما الفرق بين الباقلاني[4] والكرابيسي[5]
صفحة 21
والقَلانْسي[6] وغيرهم؟ وما مُدرِكُ التخصيص بهذه الرخصة؟ فإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظٍ لا تحقيق وراءه، كما تعسًّف بتكلّفِه بعضُ المتعصبين، زاعماً أنهما جميعاً متوافقان على دوام الوجود، والخلافُ في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصفٍ زائد عليه خلافٌ قريبٌ لا يوجب التشديد، فما باله يشدد القول على المعتزلي في تفيه الصفات، وهو معترف بأن الله تعالى عالِم محيطٌ بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات، أو بصفة زائدة، فما الفرق بين الخلافين؟ وأي مطلب أجلُّ وأخطرُ من صفات الحق سبحانه وتعالى في النظر في نفيها وإثباتها؟ فإن قال: إنما أكفِّرُ المعتزلي وأشدِّد القول عليه لأنه يزعم أن الذات
صفحة 22
الواحدة تصدر منها فائدة العلم، والقدرة، والحياة، وهذه صفاتٌ مختلفة بالحد والحقيقة، والحقائقُ المختلفةُ يستحيل أن توصف بالإيجاد أو تقومَ مقامَها الذاتُ الواحدةُ، فما بالُهُ لا يستبعد من الأشعري قولَه: (إن الكلام صفة واحدة قائمة بذات الله تعالى، ومع كونه واحداً هو توراةٌ وإنجيلٌ وزبور وقرآن، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذه حقائق مختلفة وكيف لا، وحَدُّ الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب، ولا يتطرق ذلك للأمر والنهي، فكيف تكون حقيقة واحدة يتطرق إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق؟ فيجتمع النفي والإثبات على شيء واحد، فإن تخبط في جواب هذا، أو عجز عن كشف الغطاء فيه، فاعلم أنه ليس من أهل النظر، وإنما هو مقلّد، وشرطُ المقلد أن يَسكُت ويُسكَتَ عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج، ولو كان أهلاً له كان مستتبَعاً لا تابعاً، وإماماً لا مأموماً، فإن خاض المقلد في المَحاجَّة فذلك منه فضولٌ، والمشتغلُ به صار كضاربٍ في حديدٍ باردٍ، وطالبٍ لصلاح الفاسدِ، وهل يصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ؟ ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب، أما الكفر: فلأنه نزَّله منزلة
صفحة 23
النبي المعصوم من الزلل الذي لا يثبت الإيمانُ إلا بموافقته، ولا يلزم الكفرُ إلا بمخالفته، وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر ويحرِّم التقليد، فكيف يقول: يجب عليك تقليدي، أو يجب عليك أن تنظر وألا ترى في نظرك إلا ما رأيت، وكل ما رأيته حجة فعليك أن تعتقده حجة، وما رأيته شبهة فعليك أن تعتقده شبهة، وأيُّ فرق بين من يقول: قلَّدني في مجرد مذهبي وبين من يقول: قلَّدني في مذهبي ودليلي جميعاً؟ وهل هذا إلا التناقض؟

?[1] في م الحسيكة. والحسك: محركة: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم وعند ورقه شوك، والحسك أيضاً: الحقد والعداوة. (القاموس).
?[2] في م من حزازة.
الحزازة: واحدته وجع في القلب من غيظ ونحوه.
?[3] الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، إليه تنسب الأشعرية، ولد بالبصرة سنة 270هـ وتوفي ببغداد سنة 330هـ رحمه الله تعالى.
?[4] الباقلاني: هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد المعروف بالباقلاني البصري المتكلم. ولد بالبصرة سنة 338هـ، توفي لسبع بقين من ذي الحجة سنة 403هـ ببغداد. (انظر وفيات الأعيان لابن خلكان).
?[5] الكرابيسي: هو أبو علي الحسين بن يزيد الكرابيسي البغدادي صاحب الإمام الشافعي توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، والكرابيسي نسبة إلى الكرابيس وهي الثياب الغليظة. (انظر وفيات الأعيان).
?[6] القلانسي: هو أبو العباس القلانسي، قال عنه السجستاني في (الملل والنحل): وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل فمنهم مالك بن أنس وأحمد بن حنبل ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية (انظر الملل والنحل للسجستاني).
صفحة 25
الفصل الثاني: بحث في حد الكفر
لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تناقض[1] عليك حدود أصناف المقلدين، فاعلم أن شرح ذلك طويل، ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صحيحة مطردة ومنعكسة[2] لتتخذها مطمح نظرك، وترعوي بسببها عن تكفير الفِرَق، وتطويل اللسان في أهل الإسلام، وإن اختلفت طرقهم، ماداموا متمسكين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، صادقين بها غير مناقضين لها،
فأقول: الكفر: هو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به.
والإيمان: تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم، والبرهمي[3] كافر بالطريق
صفحة 26
الأولى، لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين، والدهري[4] كافر بالطريق الأولى، لأنه أنكر مع رسولنا المرسل سائر الرسل، وهذا لأن الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم، والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص، وإما بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى، والتحق بهم بالطريق الأولى: البراهمة، والثنوية،[5] والزنادقة، والدهرية، وكلهم مشتركون في أنهم مكذِّبون للرسول صلى الله عليه وسلم، فكل مكذب للرسول فهو كافر، وكل كافر فهو مكذب للرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه هي العلامة المطَّردة المنعكسة.

?[1] في ط تتناقض.
?[2] في ط فتطردها وتعكسها.
?[3] البراهمة: انظر الملل والنحل للشهرستاني (4/ 95).
?[4] الدهري: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه، وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الزنادقة. (المنقذ من الضلال ص43).
?[5] الثنوية: وهم طائفة يؤمنون بإلهين اثنين أزليين، ويزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس، فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه. (انظر الملل والنحل 2/ 49).
صفحة 27
الفصل الثالث: مراتب الوجود وأمثلته
اعلم أن الذي ذكرناه مع ظهوره، تحته غور بل تحته كل الغور، لأن كل فرقة تكفر مخالفها وتنسبها[1] إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحنبلي يكفر الأشعري زاعماً أنه كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفره زاعماً أنه مشبه، وكذب الرسول في أنه (ليس كمثله شيء)، والأشعري يكفر المعتزلي زاعماً أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله تعالى. وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له تعالى، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعماً أن إثبات الصفات تكثير للقدماء، وتكذيب للرسول في التوحيد، ولا ينجيك من هذه الورطة إلا أن تعرف حد التكذيب والتصديق، وحقيقتهما فيه، فينكشف لك غلو هذه الفرق وإسرافها في تكفير بعضها بعضاً.
فأقول: التصديق إنما يتطرق إلى الخبر، بل إلى المخبر،
صفحة 28
وحقيقته: الاعتراف بوجود ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده، إلا أن للوجود خمس مراتب، ولأجل الغفلة عنها نسبت كل فرقة مخالفتها[2] إلى التكذيب، فإن الوجود ذاتي، وحسي، وخيالي، وعقلي، وشبهي. فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذِّب على الإطلاق، فلنشرح هذه الأصناف الخمسة، ولنذكر مثالها في التأويلات.
أما الوجود الذاتي: فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل، ولكن يأخذ الحس والعقل عنه صورة، فيسمى أخذه إدراكاً، وهذا كوجود السموات والأرض، والحيوان، والنبات، وهو ظاهر، بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود معنى سواه.
وأما الوجود الحسي: فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين، فيكون موجوداً في الحس، ويختص به الحاس ولا يشاركه غيره، وذلك كما يشاهده النائم، بل كما يشاهده المريض المتيقظ، إذ قد تتمثل له صورة ولا وجود لها
صفحة 29
خارج حسِّه، حتى يشاهدها كما يشاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسه، بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها، فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم، وذلك لشدة صفاء باطنهم، كما قال الله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] وكما أنه عليه السلام رأى جبريل عليه السلام كثيراً، ولكن ما رآه في صورته إلا مرتين،[3] وكان يراه في صور مختلفة يتمثل بها،[4] وكما يُرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد قال: (مَنْ رآني في النَّوْمِ فقد رآني حقّاً، فإنَ الشَّيطانَ لا يَتَمَثَّلُ بي).[5] ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه من روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجود صورته في حس النائم فقط، وسبب ذلك وسرُّه طويل، وقد شرحناه في بعض الكتب، فإن كنت لا تصدق به فصدق
صفحة 30
عينك، فإنك تأخذ بيدك قبساً من نار كأنه نقطة، ثم تحرِّكه بسرعة حركةً مستقيمة فتراه خطاً من نار، وتحرِّكه حركة مستديرة فتراه دائرة من نار، والدائرة والخط مشاهدان وهما موجودان في حسك لا في الخارج عن حسك لأن الموجود في الخارج هي نقطة في كل حال، وإنما تصير خطاً ودائرة في حركات متعاقبة، فلا يكون الخط موجوداً في حالة واحدة وهو ثابت في مشاهدتك في حالة واحدة.
وأما الوجود الخيالي: فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك فإنك تقدر على أن تخترع في خيالك صورة فيل وفرس، وإن كنت مغمضاً عينيك، حتى كأنك تشاهده وهو موجود بكمال صورته في دماغك، لا في الخارج.
وأما الوجود العقلي: فهو أن يكون للشيء روح، وحقيقة، ومعنى، فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال، أو حس، أو خارج، كاليد مثلاً، فإن لها صورة محسوسة ومتخيلة، ولها معنى هو حقيقتها، وهي القدرة على البطش، والقدرة على البطش هي اليد العقلية. وللقلم صورة، ولكن حقيقته ما تنقش به العلوم، وهذا يتلقاه العقل من غير أن يكون
صفحة 31
مقروناً بصورة قصب وخشب، وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية.
وأما الوجود الشبهي: فهو أن لا يكون نفس الشيء موجوداً، لا بصورته ولا بحقيقته، لا في الخارج، ولا في الحس، ولا في الخيال، ولا في العقل، ولكن يكون الموجود شيئاً آخر يشبهه في خاصة من خواصه، وصفة من صفاته، وستفهم هذا إذا ذكرت لك مثاله في التأويلات، فهذه مراتب وجود الأشياء.

?[1] في ط مخالفها وتنسبه.
?[2] في ط مخالفها.
?[3] رواه البخاري رقم (3756) في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم رقم (2477) في فضائل الصحابة.
?[4] رواه البخاري رقم (4612 و3234 و3235) ومسلم رقم (177).
?[5] رواه البخاري رقم (6984 و6494) ومسلم رقم (2264).
صفحة 33
الفصل الرابع: مراتب الوجود وأمثلته
اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات في التأويلات:
أما الوجود الذاتي: فلا يحتاج إلى مثال، وهو الذي يجري على الظاهر، ولا يتأوَّل، وهو الوجود المطلق الحقيقي، وذلك كإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن العرش، والكرسي، والسموات السبع، فإنه يجري على ظاهره، ولا يتأوَّل، إذ هذه أجسام موجودة في أنفسها،[1] أُدركت بالحس والخيال أم لم تدرك.
وأما الوجود الحسي: فأمثلته في التأويلات كثيرة، واقنع منها بمثالين: أحدهما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بالموتِ يومَ القيامةِ في صورةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فيُذبحُ بينَ الجَنَّةِ والنَّار)[2] فإن
صفحة 34
من قام عنده البرهان على أن الموت عرض، أو عدم عَرَض، وأن قلب العرض جسماً مستحيلٌ غير مقدور،[3] يُنزَّل الخبرُ على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك، ويعتقدون أنه الموت، ويكون ذلك موجوداً في حسهم لا في الخارج، ويكون سبباً لحصول اليقين باليأس عن الموت بعد ذلك، إذ المذبوح ميؤوس منه ومن [لم][4] يقم عنده هذا البرهان فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشاً في ذاته ويذبح.
المثال الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عُرِضَتْ عليَّ الجنةُ في عَرْضِ هذا الحائطِ)[5] فمن قام عنده البرهان على أن الأجسام لا تتداخل، وأن الصغير لا يسع الكبير، حمل ذلك على أن نفس الجنة لم تنتقل إلى الحائط، لكن تمثل للحس صورتها في الحائط، حتى كأنه يشاهدها، ولا يمتنع أن يشاهد مثال شيء كبير في جرم صغير، كما تشاهد السماء في مرآة صغيرة، ويكون ذلك إبصاراً مفارقاً لمجرد تخيل صورة الجنة، إذ تدرك التفرقة بين
صفحة 35
أن ترى صورة السماء في المرآة، وبين أن تغمض عينيك فتدرك صورة السماء في المرآة على سبيل التخيل.
وأما الوجود الخيالي: فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم: (كأنِّي أنظرُ إلى يُوْنُسَ بنِ مَتَّى عليه السلامُ عليه عَباءتان قَطْوَانِيَّتَانِ، يُلَبِّيْ، وَتُجِيْبُهُ الجِبَالُ، واللهُ تعالى يقولُ له: لَبَّيْكَ يَا يُوْنُسُ)[6] والظاهر أن هذا إنباء عن تمثيل الصورة في خياله صلى الله عليه وسلم، إذ كان وجود هذه الحالة سابقاً على وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انعدم ذلك، فلم يكن موجوداً في الحال، ولا يبعد أن يقال أيضاً: تمثل هذا في حسه حتى صار يشاهده كما يشاهد النائم الصور، ولكن قوله: (كأني أنظر) يشعر بأنه لم يكن حقيقة النظر، بل كالنظر، والغرض التفهيم بالمثال، لا عين هذه الصورة، وعلى الجملة: فكل ما يتمثل في محل الخيال فيُتصوَّرُ أن يتمثل في محل الإبصار، فيكون ذلك مشاهدة، أو قل: ما يتميز بالبرهان استحالة المشاهدة فيما يتصور فيه التخيل.
صفحة 36
وأما الوجود العقلي: فأمثلته كثيرة، فأقنع منها بمثالين:
أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللهَ تعالى خَمَّرَ طينةَ آدمَ بيده أربعينَ صباحاً)[7] فقد أثبت لله تعالى يداً، ومن قام عنده البرهان على استحالة يد لله تعالى هي جارحة محسوسة أو متخيلة، فإنه يثبت لله سبحانه يداً روحانيةً عقليةً، أعني أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها، دون صورتها، إن روح اليد ومعناها ما به يبطش ويفعل، ويعطي ويمنع، والله تعالى يعطي ويمنع بواسطة ملائكته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ العقلَ، فقال: بك أُعطي، وبك أمنعُ).[8]
صفحة 37
ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضاً، كما يعتقده المتكلمون، إذ لا يمكن أن يكون العرض أول مخلوق، بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة يسمى عقلاً، من حيث أنه يعقل الأشياء بجوهره وذاته من غير حاجة إلى العلم، وربما يسمى قلماً باعتبار أنه تُنقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء والأولياء، وسائر الملائكة، وحياً وإلهاماً، فإنه قد ورد في حديث آخر: (إنّ أَوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ تعالى القَلَمُ)[9] فإن لم
صفحة 38
يرجع ذلك إلى العقل، تناقض الحديثان، ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة، فيسمى عقلاً باعتبار ذاته، وملكاً باعتبار نسبته إلى الله تعالى في كونه واسطة بينه وبين الخلق، وقلماً باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم بالإلهام والوحي، كما يسمى جبريل (روحاً) باعتبار ذاته، و(أميناً) باعتبار ما أودع من الأسرار، و(ذا مرَّة) باعتبار قدرته، و(شديد القوى) باعتبار كمال قوته.
و(مكيناً عند ذي العرش) باعتبار قرب منزلته، و(مطاعاً) باعتبار كونه متبوعاً في حق بعض الملائكة، وهذا القائل يكون قد أثبت قلماً ويداً عقلياً لا حسياً وخيالياً، وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة لله تعالى: إما القدرة أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون.
وأما الوجود الشبهي: فمثاله الغضب، والشوق، والفرح،
صفحة 39
والصبر، وغير ذلك، مما ورد في حق الله تعالى،
فإن الغضب مثلاً حقيقته أنه غليان دم القلب لإرادة التشفي، وهذا لا ينفك عن نقصان وألم، فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب لله تعالى ثبوتاً ذاتياً، وحسياً، وخيالياً، وعقلياً، نزَّله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب، والإرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذاته، ولكن في صفة من الصفات تقارنها، وأثر من الآثار يصدر عنها، وهو الإيلام، فهذه درجات التأويلات.

?[1] في م نفسها.
?[2] رواه البخاري رقم (4730) في تفسير سورة مريم: باب قوله عز وجل {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}، ومسلم رقم (2849) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء.
?[3] في م وأن من المستحيل أن ينقلب العرض جسماً فيذبح.
?[4] + م.
?[5] رواه البخاري رقم (4621) ومسلم رقم (2359).
?[6] كأني أنظر: رواه الديلمي رقم (4881) وقال: قال في (المسند): رواه ابن منيع على اختلاف ألفاظه عن هشيم عن داود عن أبي العالية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رفعه، ورواه الدارقطني في الأفراد بهذا اللفظ. والقطوانية: هي البيضاء القصيرة الخمل.
?[7] إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً.
رواه ابن مردويه بلفظ (إن الله خلق آدم من طينة الجابية وعجنه بماء من ماء الجنة) وهو حديث ضعيف.
وأخرجه العراقي في (تخريج الإحياء) (4/ 277) وقال: رواه أبو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) من حديث ابن مسعود وسلمان الفارسي بإسناد ضعيف جداً وهو باطل. ولم أجده بهذا اللفظ في (مسند الفردوس).
?[8] قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) أما حديث (أول ما خلق الله العقل) فليس له طريق يثبت وقد أورده السيوطي في (الجامع الكبير) (2/ 126) ونسبه للحكيم الترمذي عن الحسن قال: حدثني عدة من الصحابة، وللحكيم عن الأوزاعي مفصلاً، ورواه عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) عن الحسن يرفعه ثم قال: هذا مرسل جيد الإسناد.
?[9] رواه الترمذي رقم (2156) وأبو داود (4700) وأحمد في (المسند) (5/ 317) من حديث عبادة بن الصامت وإسناده جيد وهو حديث صحيح بطرقه.
هنا يفرق الغزالي بين النفس والعقل، فهو يرى أن هذا اللفظ الأخير يستخدم في الدلالة على أحد معانٍ ثلاثة:
فقد يطلق ويراد به العقل الأول، وهو أول المخلوقات تبعاً لما جاءت به نظرية الفيض لدى فلاسفة الإسلام، وهو الذي يطلقون عليه أيضاً اسم المعلول الأول أو اسم المبدع الأول. وهو المقصود في القول الذي ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (أول ما خلق الله العقل…) وفسَّره الغزالي بقوله: أي (أقبل حتى تستكمل بي، وأدبر حتى يستكمل بك جميع العالم دونك) وهو الذي يعبر عنه بالقلم كما قال عليه السلام: (أول ما خلق الله القلم…) الحديث. والمعنى الثاني فملخصه أن العقل يطلق ويراد به النفس الإنسانية، بمعنى أن جوهر النفس عقل وتفكير، وأنها من عالم العقل، وهناك معنى ثالث دارج، إذ يستخدم لفظ العقل للدلالة على إحدى صفات النفس، وهي الإدراك الذي يقابل الإحساس.
(انظر في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام) للدكتور محمود قاسم ص102.
صفحة 41
الفصل الخامس: القول في معنى تكذيب الشارع
اعلم أن كل من نزَّل قولاً من أقوال صاحب الشرع[1] على درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقين، وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني، ويزعم أن ما قاله لا معنى له وإنما هو مكذب محض، وغرضه فيما قاله التلبيس، أو مصلحة الدنيا، وذلك هو الكفر المحض والزندقة، ولا يلزم الكفر للمؤولين[2] ماداموا يلازمون قانون التأويل، كما سنشير إليه، وكيف يلزم الكفر بالتأويل؟ وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه، فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازاً أو استعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي، والحنبلي مضطر إليه، وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد
صفحة 42
يقولون: إن أحمد بن حنبل رحمه الله صرَّح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط.[3]
أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم: (الحَجَرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ).[4]
والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (قلبُ المؤمنِ بينَ أُصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ).[5]
صفحة 43
والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرحمنِ مِنْ قَبْلِ اليَمَنِ)[6] فانظر إلى أنه كيف أوَّل هذه الأحاديث حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهرها، فيقول: اليمين تقبل في العادة تقرباً إلى صاحبها، والحجر الأسود يقبل أيضاً تقرباً إلى الله تعالى، فهو مثل اليمين لا في ذاته، ولا في صفات ذاته، ولكن في عارض من عوارضه فسمي لذلك يميناً، وهذا الوجود هو الذي سميناه
صفحة 44
الوجود الشبهي، وهو أبعد جوه التأويل، فانظر كيف اضطر إليه أبعد الناس عن التأويل، وكذلك لما استحال عنده وجود الأصبعين لله تعالى حساً، إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين فأوَّله[7] على روح الإصبعين، وهي الأصابع العقلية الروحانية، أعني أن روح الأصبع ما به يتيسر تقليب الأشياء، وقلب الإنسان بين لمَّة الملك، ولمَّة الشيطان،[8] وبهما يقلب الله تعالى القلوب، فكنى بالأصبعين عنهما، وإنما اقتصر أحمد بن حنبل رضي الله عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة، لأنه لم تظهر عند الاستحالة إلا في هذا القدر، لأنه لم يكن ممعناً في النظر العقلي، ولو أمعن لظهر له وجوه كثيرة من التأويلات،
صفحة 45
ولم يذهب إلى ما رآه كالاختصاص[9] بجهة (فوق) وغيره مما لم يتأوَّله، والأشعري والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا ذلك إلى تأويل ظواهر كثيرة، وأقرب الناس إلى الحنابلة في أمور الآخرة، الأشعرية وفقهم الله،[10] فإنهم قرروا فيها أكثر الظواهر إلا يسيراً،[11] والمعتزلة أشد منهم توغلاً في التأويلات، وهم مع هذا ـ أعني الأشعرية ـ يضطرون أيضاً إلى تأويل أمور كما ذكرناه من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح)، وكما ورد من وزن الأعمال بالميزان، فإن الأشعري أول وزن الأعمال فقال: توزن صحائف الأعمال، وهذا رد إلى الوجود الشبهي البعيد، فإن الصحائف أجسام كتبت فيها رقوم تدل بالاصطلاح على أعمال هي أعراض، فليس الموزون إذاً العمل،[12] بل محل نقش يدل على الأعمال بالاصطلاح،[13] والمعتزلي تأوَّل نفس
صفحة 46
الميزان، وجعله كناية عن سبب به ينكشف لكل واحد مقدار عمله، وهو أبعد عن التعسف في التأويل بوزن[14] الصحائف، وليس الغرض تصحيح أحد التأويلين، بل أن تعلم أن كل فريق وإن بالغ في ملازمة الظواهر فهو مضطر إلى التأويل، إلا أن يجاوز الحد في الغباوة والتجاهل، فيقول: الحجر الأسود يمين تحقيقاً،[15] والموت وإن كان عرضاً فيستحيل كبشاً بطريق الانقلاب، والأعمال وإن كانت أعراضاً وقد عدمت فتنتقل إلى الميزان، ويكون فيها أعراض هي الثقل، ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل، فقد انخلع من ربقة العقل.
?[1] في م الشارع.
?[2] في ط كفر المؤولين.
?[3] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنابلة، أن الإمام أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أحاديث (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) و(قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) و(إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن). فهذه الحكاية لم تصح عن أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (5/ 398).
?[4] رواه الديلمي في (مسند الفردوس) رقم (2630 و2631) والهيثمي في (المجمع) (3/ 242) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط وزاد (يشهد لمن استلمه الحق وهو يمين الله عز وجل يصافح بها خلقه) وفيه عبد الله بن المؤمل وثقة ابن حبان، وقال: يخطئ وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح.
?[5] رواه مسلم رقم (2654) و(2141) وأحمد في (المسند) (2/ 162) وإسناده حسن، والترمذي رقم (2240) وقال: هذا حديث حسن صحيح قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في حديث (إن قلوب بني آدم بين أصبعين).
المذهب أن التفويض أو التأويل على المجاز التمثيلي كما يقال: فلان في قبضتي لا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي فالمعنى أنه سبحانه يتصرف في قلوب عباده وغيرها كيف يشاء لا يمتنع عليه فيها شيء، ولا يفوته ما أراده كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين أصبعيه فخاطب العرب بما يفهمونه ومثَّله بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم.
?[6] أخرجه الإمام أحمد في (المسند) (2/ 541) ولفظه: (ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن. (وقال المغيرة من قبل المغرب) وأورده الهيثمي في (المجمع) (10/ 56) من رواية أحمد إلى قوله: (من قبل اليمن) ثم قال: (ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة) ومثله رواه الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (1/ 103) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
?[7] في ط فتأوله.
?[8] رواه الترمذي رقم (2991) في التفسير: باب ومن سورة آل عمران ولفظه: (إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق). وابن حبان رقم (40) وأخرجه الطبري (3/ 88) من قول ابن مسعود رضي الله عنه وإسناده صحيح وقال الترمذي: هو حسن غريب. وقال الزبيدي: والتمييز بين اللمتين لا يهتدي إليه أكثر الناس إنما يتشوَّف إلى معرفتهما وتمييز الخواطر طالب مريد، وأما من هو في مقام عامة المسلمين والمؤمنين لا يتطلع إلى معرفة اللمتين ولا يهتم بتمييز الخواطر.
?[9] سقط من ط لظهر له وجوه كثيرة من التأويلات ولم يذهب إلى ما رآه كالاختصاص لله تعالى.
?[10] سقط من م.
?[11] في م اليسير.
?[12] في م الأعمال.
?[13] يدل بالاصطلاح على العمل.
?[14] في م بأن توزن.
?[15] وهذا ما ذهب إليه ابن رجب الحنبلي في (ذيل الطبقات) (7/ 174-175) وتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول: (الحجر الأسود يمين الله حقيقة) بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وهذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازاً، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلاً. (انظر الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/ 223) للألباني).
أقول: فإن كان الحجر كما قال ابن رجب الحنبلي يمين الله حقيقة، فكيف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استلمه: (إني أعمل أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك لما قبَّلتك).
صفحة 47
الفصل السادس: بحث في قانون التأويل
فاسمع الآن قانون التأويل، فقد عرفت[1] اتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس في التأويل، وأن شيئاً من ذلك ليس من حيِّز التكذيب، واتفقوا أيضاً على أن جواز ذلك موقوف على قيام البرهان على استحالة الظاهر، والظاهر الأول هو[2] الوجود الذاتي، فإنه إذا ثبت تضمن الجميع، فإن تعذر فالوجود الحسي، فإنه إن ثبت تضمَّن ما بعده، فإن تعذر فالوجود الخيالي أو العقلي، وإن تعذر فالوجود الشبهي المجازي، ولا رخصة للعدول عن درجة إلى ما دونها إلا بضرورة البرهان، فيرجع الاختلاف على التحقيق إلى البراهين، إذ يقول الحنبلي: لا برهان على استحالة اختصاص الباري بجهة (فوق)، ويقول الأشعري: لا برهان على استحالة الرؤية، وكأن كل واحد لا
صفحة 48
يرتضي[3] بما يذكره[4] الخصم، ولا يراه دليلاً قاطعاً، وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطاً في البرهان، نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً،
أما ضالاً: فمن حيث أنه ضل عن الطريق عنده، وأما مبتدعاً: فمن حيث أنه ابتدع قولاً لم يعهد من السلف الصالح التصريح به، إذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالى يُرى، فقول القائل: (لا يرى) بدعة، وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة، بل إن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها مشاهدة القلب، فينبغي أن لا يظهره ولا يذكره، لأن السلف لم يذكروه، لكن عند هذا يقول الحنبلي: إثبات (الفوق) لله تعالى مشهور عند السلف، ولم يذكر أحد منهم أن خالق العالم ليس متصلاً بالعالم ولا منفصلاً ولا داخلاً ولا خارجاً، وأن الجهات الست خالية عنه، وأن نسبة جهة (فوق) إليه كنسبة جهة (تحت)، فهذا قول مبتدع، إذ البدعة عبارة عن أحداث مقالة غير مأثورة عن السلف، وعند هذا يتضح لك أن ههنا مقامين:
أحدهما: مقام عوام الخلق، والحق فيه الاتباع لمذهب
صفحة 49
السلف، والكف عن تغيير الظواهر رأساً، والحذر عن إبداع التصريح بتأويل لم تصرِّح به الصحابة، وحسم باب السؤال، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث واتباع ما تشابه من الكتاب والسنة، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأله سائل عن آيتين متعارضتين فعلاه بالدرة، وكما روى عن مالك رحمه الله أنه سئل عن الاستواء فقال: (الاستواء معلوم، والإيمان به واجب، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة).
المقام الثاني: بين النظَّار الذي اضطربت عقائدهم المأثورة[5] المرويَّة،[6] فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع، ولا ينبغي أن يكفِّر بعضهم بعضاً، بأن يراه غالطاً فيما يعتقده برهاناً، فإن ذلك ليس أمراً هيِّناً سهل المدرك، وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه يعترف كلهم به، فإنهم إذا لم يتفقوا على صحة الميزان[7] لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا الموازين الخمسة في كتاب (القسطاس المستقيم) وهي التي لا يتصور الخلاف فيها بعد
صفحة 50
فهمها أصلاً، بل يعترف كل من فهمها بأنها مدارك اليقين قطعاً، والمحصلون لها يسهل عليهم عند[8] الإنصاف والانتصاف، وكشف الغطاء ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل بينهم[9] الاختلاف أيضاً، إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه، وإما لرجوعهم[10] في النظر إلى محض القريحة والطبع، دون الوزن بالميزان، كالذي يرجع بعد تمام تعلم العَروض في الشعر إلى الذوق، لاستثقاله عرض كل بيت[11] على العروض، فلا يبعد أن يغلط، وإما لاختلافهم في العلوم التي هي مقدمات البراهين، فإن من العلوم التي هي أصول البراهين، تجريبية وتواترية وغيرهما،[12] والناس يختلفون[13] في التجربة والتواتر، فقد يتواتر عند واحد منهم[14] ما لم يتواتر عند غيره، وقد يتولى تجربة ما لا يتولاها غيره، وإما لالتباس قضايا الوهم
صفحة 51
بقضايا العقل، وإما لالتباس الكلمات المشهورة المحمودة[15] بالضروريات والأوليات كما فصلنا ذلك في كتاب (محك النظر)،
وبالجملة إذا حصلوا تلك الموازين وحققوها أمكنهم الوقوف عند ترك العناد على مواقع الغلط على يسر.[16]

?[1] في د علمت.
?[2] سقط من م.
?[3] في ط يرضى.
?[4] في ط ذكره.
?[5] في غ المشهورة.
?[6] في م الموروثة.
?[7] في ط في الميزان.
?[8] في ط عقد.
?[9] في ط منهم.
?[10] في ط في رجوعهم.
?[11] في ط شعر.
?[12] في ط وغيرها.
?[13] في م مختلفون.
?[14] سقط من ط.
?[15] في م المجرَّدة.
?[16] سقط من غ.
صفحة 53
الفصل السابع: عدم التسرع في التكفير
من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبة الظنون من غير برهان قاطع، ولا ينبغي أن يبادَر أيضاً إلى تكفيره[1] في كل مقام، بل ينظر فيه، فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهمات الدين، فلا يكفَّر،[2] وذلك كقول بعض الصوفية: إن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس، وقوله: (هذا ربي) غير ظاهرها،[3] بل هي جواهر نورانية ملكية، ونورانيتها عقلية لا حسية، ولها درجات متفاوتة[4] في الكمال، نسبة ما بينها في التفاوت كنسبة الكوكب والقمر والشمس، ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام أجلُّ من أن يعتقد في جسم أنه آله حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله،
صفحة 54
أفترى[5] أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها، لو لم يعرف استحالة إلهيته من حيث كونه جسماً ذا مقدار،[6] واستدل أيضاً بأنه: كيف يمكن أن يكون أول ما رآه الكوكب والشمس هي الأظهر، وهي أول ما يرى؟ واستدل بأن الله تعالى قال أولاً: {وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ثم حكى هذا القول، فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له؟ وهذه دلالات ظنية وليست براهين.
أما قوله: (هو أجل من ذلك) فقد قيل: (إنه كان صبياً لما جرى له ذلك، ولا يبعد أن يكون دلالة الأفول تخطر قبل دلالة الجسمية، ولا يستحيل في حق من سيكون نبياً مثل هذا الخاطر، وأما رؤية الكوكب أولاً فقد روي أنه كان محبوساً في صباه في غار وإنما خرج بالليل.
وأما قوله تعالى أولاً: {وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]
صفحة 55
يجوز أن يكون الله تعالى قد ذكر حال نهايته، ثم رجع إلى ذكر بدايته، فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشروطه،[7] فهذا جنس تأويلهم، وقد تأولوا (العصا) و(النعلين) في قوله تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} وقوله: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ}، ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد تجري عندهم[8] مجرى البرهان في أصول الاعتقاد، فلا يكفَّرون فيه، ولا يبدَّعون، نعم إن كان فتحُ هذا الباب والتصريح به[9] يؤدي إلى تشويش قلوب العوام، فيبدع صاحبه[10] في كل ما لم يؤثر عن السلف ذكره، ويقرب من هذا[11] قول بعض[12] الباطنية: إن عجل السامري مؤول، إذ كيف يخلو خلق كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلهاً؟ وهذا أيضاً ظن، إذ لا يستحيل أن ينتهي جهل طائفة
صفحة 56
من الناس إلى هذا الحد، كعبدة الأصنام، وكونه نادراً لا يورث يقيناً.
وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغيِّر الظاهر[13] بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة، بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعاً، إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد، وذكر ذلك عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل من نطق به، وهو مذهب أكثر الفلاسفة، وكذلك يجب تكفير من قال منهم: إن الله تعالى لا يعلم إلا نفسه، وأنه[14] لا يعلم إلا الكليات، فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها، لأن ذلك تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم[15] قطعاً، وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها في التأويل، إذ[16] أدلة القرآن والأخبار على تفهيم[17] حشر
صفحة 57
الأجساد، وتفهيم[18] تعلق علم الله تعالى بتفصيل كل ما يجري على الأشخاص، مجاوز حداً لا يقبل التأويل، وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل، ولكن قالوا: لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي، وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم، ورقيب عليهم، ليورث ذلك رغبة ورهبة في قلوبهم، جاز للرسول عليه الصلاة والسلام أن يفهمهم، وليس بكاذب من أصلح غيره، فقال ما فيه صلاحه، وإن لم يكن كما قاله، وهذا القول باطل قطعاً؛ لأنه تصريح بالتكذيب، ثم طلب عذراً في أنه لم يكذب، ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرذيلة، ففي الصدق وإصلاح[19] الخلق به مندوحة عن الكذب، وهذه أول درجات الزندقة، وهي رتبة بين الاعتزال وبين[20] الزندقة المطلقة، فإن المعتزلة يقرب منهاجهم من مناهج[21] الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد، وهو أن المعتزلي لا يجوِّز
صفحة 58
الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العذر، بل يؤول الظاهر مهما ظهر به بالبرهان خلافه،[22] والفلسفي لا يقتصر على مجاوزته للظاهر[23] على ما[24] يقبل التأويل على قرب أو على بعد.
وأما الزندقة المطلقة: فهو أن تنكر أصل المعاد عقلياً وحسياً، وتنكر الصانع للعالم أصلاً ورأساً.
وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور[25] فهي زندقة مقيَّدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء عليهم السلام، وظاهر ظني – والعلم عند الله – أن هؤلاء هم المرادون بقوله صلى الله عليه وسلم: (ستَفترقُ أمتي بضعاً وسبعين فرقةً كلُّهم في الجنةِ إلا الزَّنادقة)[26] وهي فرقة. هذا لفظ الحديث في بعض الروايات،
صفحة 59
وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته، إذ قال: (ستفرق أمتي) ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته. والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع، فليسوا معترفين بنبوته، إذ
صفحة 60
يزعمون أن الموت عدم محض، وأن العالم لم يزل كذلك موجوداً بنفسه من غير صانع، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وينسبون الأنبياء إلى التلبيس، فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة، فإذاً لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه.

?[1] في ط كفره.
?[2] في ط نكفره.
?[3] في م ظواهرها.
?[4] سقط من ط.
?[5] في م أترى.
?[6] في ط مقدَّراً.
?[7] في غ البراهين وشروطها.
?[8] سقط من ط.
?[9] سقط من ط.
?[10] في ط فيبدع به خاصة صاحبه.
?[11] في ط منه.
?[12] سقط من م و غ.
?[13] في غ الظواهر.
?[14] في ط أو.
?[15] في م لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
?[16] في م و.
?[17] سقط من م.
?[18] سقط من م.
?[19] في غ لصلاح.
?[20] سقط من غ.
?[21] في غ منهاج.
?[22] في م البرهان بخلافه.
?[23] في م و غ للظواهر.
?[24] في غ فيما.
?[25] في ط العلوم.
?[26] قال الحافظ السيوطي في (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) (1/ 248) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا فرقة واحدة وهي الزنادقة).
قال العقيلي: هذا حديث لا يرجع منه إلى صحة، ولعل ياسين أخذه عن أبيه وعن أبرد وليس له أصل عن يحيى ولأسعد ابني سعيد وقال الحافظ في (اللسان) (2/ 405) هذا موضوع وهو كما ترى متناقض.
وقال العقيلي: خلف بن ياسين وشيخه أبرد بن أشرس مجهولان بالنقل والحديث غير محفوظ.
ورويناه في جزء الحسن بن عرفة عن ياسين بن معاذ الزيات عن يحيى بن سعيد، وله طريق أخرى عن ياسين فقال: تارة عن يحيى وسعيد وتارى سعد بن سعيد وهذا اضطراب شديد سنداً ومتناً والمحفوظ في المتن (تفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي). وهذا من مثله مقلوب المتن والله أعلم. اهـ مختصراً عن اللسان.
انظر اللسان ترجمة أبرد بن أشرس ومعاذ بن ياسين وخلف بن ياسين أخرجه العقيلي وابن عدي وابن عرفة من حديث أنس رضي الله عنه وفي سنده اضطراب شديد سنداً ومتناً وفيه أيضاً أبرد بن أشرس ومعاذ بن ياسين الزيات وخلف بن ياسين وحديثهم غير محفوظ بل هم مجاهيل بالنقل. فالحديث منكر وضعيف جداً.
صفحة 61
الفصل الثامن: تفصيل ما يكفَّر وما لا يكفَّر به
اعلم أن شرح ما يكفَّر به، وما لا يكفَّر به، يستدعي تفصيلاً طويلاً يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب، وذكر شبهة كل واحد ودليله، ووجه بُعده عن الظاهر،[1] ووجه تأويله، وذلك لا تحويه مجلدات، ولا يتسع[2] لشرح ذلك أوقاتي، فاقنع الآن بوصيَّة وقانون.
أما الوصيَّة: فان تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ماداموا قائلين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، غير مناقضين لها، والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر أو غير عذر، فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه.
أما القانون: فهو أن تعلم أن النظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول العقائد، وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة:
صفحة 62
الإيمان بالله وبالرسل،[3] وباليوم الآخر، وما عداه فروع، واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلاً، إلا في مسألة واحدة، وهي أن ينكر أصلاً دينياً علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر،[4] لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات، وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة.
واعلم أن الخطأ في الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجِب شيءٌ منه تكفيراً، فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة، ولا يلزم تكفيره، ولا يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة، ويجعلون الإيمان بالإمام مقروناً بالإيمان بالله وبرسوله، ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة، فكل ذلك إسراف، إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً،[5] ومهما وجد التكذيب وجب التكفير، وإن كان في الفروع، فلو[6] قال قائل مثلاً: البيت
صفحة 63
الذي بمكة ليس الكعبة التي أمر الله بحجها، فهذا كفر، إذ قد ثبت تواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه، فلو[7] أنكر منكر[8] شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك البيت بأنه[9] الكعبة لم ينفعه إنكاره، بل يعلم قطعاً أنه معاند في إنكاره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يتواتر عنده ذلك، وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة، وقد أنزل الله براءتها في القرآن[10] فهو كافر؛ لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول، أو إنكار التواتر، والتواتر ينكره الإنسان بلسانه، ولا يمكنه أن يجهله بقلبه، نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد، فلا يلزمه به[11] الكفر، ولو أنكر ما ثبت بالإجماع، فهذا فيه نظر؛ لأن معرفة كون الإجماع حجة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم أصول الفقه، وأنكر النظَّام[12] كون الإجماع حجة أصلاً، فصار كون
صفحة 64
الإجماع حجة مختلفاً فيه، فهذا حكم الفروع.
وأما حكم[13] الأصول الثلاثة: فكل[14] ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتر نقله، ولم[15] يتصور أن يقوم برهان على خلافه، فمخالفته تكذيب محض، ومثاله: ما ذكرناه من حشر الأجساد، وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور، وما يتطرق إليه احتمال التأويل ولو بالمجاز البعيد، فننظر فيه إلى البرهان، فإن كان قاطعاً، وجب القول به، ولكن إن كان في إظهاره للعوام ضرر لقصور فهمهم، فإظهاره بدعة، وإن لم يكن البرهان قطعياً،[16] لكن يفيد ظناً غالباً، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره في الدين، كنفي المعتزلة الرؤية عن الله تعالى، فهذه بدعة، وليست[17] بكفر.
فأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر، فيتحمل أن يكفَّر، ويحتمل أن لا يكفَّر، ومن جنس ذلك ما يدَّعيه بعض
صفحة 65
من يدَّعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين الله تعالى إلى حيث[18] أسقطت عنه الصلاة، وحلَّ له شرب الخمر والمعاصي وأكل مال السلطان، فهذا مما[19] لا شك في وجوب قتله، وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر، وقتلُ مثلِ هذا أفضل من قتل مائة كافر، إذ ضرره في الدين أعظم من ضرر الكفر، وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد، وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقاً، فإنه يمنع عن الإصغاء إليه ظهورُ كفره.
وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع، ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم، إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين، وربما يزعم أنه يلابس الدنيا[20] ويقارف المعاصي بظاهره، وهو بباطنه بريء عنها، ويتداعى هذا إلى أن يدَّعي كل فاسق مثل حاله، وينحل به عصام الدين.[21]
صفحة 66
ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعاً في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي[22] يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدم، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة بظن غالب، وتارة يُتَرَدَّدُ فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف[23] فيه عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طبائع من يغلب عليهم الجهل، ولا بد من التنبه لقاعدة أخرى،[24] وهي أن المخالف قد يخالف نصاً متواتراً، ويزعم أنه مؤوَّل، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلاً في اللسان، لا على بعده ولا على قرب، فذلك كفر، وصاحبه مكذِّب، وإن كان يزعم أنه مؤوِّل.
ومثاله ما رأيته في كلام بعض الباطنية: إن الله تعالى واحد، بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحداً في نفسه، وموجوداً وعالماً على معنى اتصافه به[25] فلا، وهذا كفر
صفحة 67
صراح؛ لأن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلاً، ولو كان خالقٌ يسمى واحداً لخلقه الوحدة لسمي ثلاثاً وأربعاً؛ لأنه خلق الأعداد أيضاً، فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عُبِّر عنها بالتأويلات.
?[1] في م الظواهر.
?[2] في م وليس يتسع.
?[3] في ط وبرسوله.
?[4] سقط من م و غ.
?[5] سقط من م.
?[6] في م فإن.
?[7] في ط ولو.
?[8] سقط من ط.
?[9] في م أنه.
?[10] في ط نزل القرآن ببراءتها.
?[11] سقط من غ.
?[12] سقط من غ من قوله كون الإجماع… إلى قوله وأنكر النظَّام.
?[13] سقط من م ط.
?[14] في ط وكل، و غ فكلها.
?[15] في م ولا.
?[16] في م قاطعاً.
?[17] في ط وليس.
?[18] سقط من ط.
?[19] في ط ممن.
?[20] سقط من ط، ويلابس: يخالط (القاموس)، يقارف: يرتكب المعاصي.
?[21] في م الشرع.
?[22] في م الشرع.
?[23] في ط فالوقف.
?[24] في ط التنبه على قاعدة أخرى.
?[25] سقط من ط.
صفحة 69
الفصل التاسع: ما يتعلق به التكفير
قد فهمت من هذه التقسيمات[1] أن النظر في التكفير يتعلق بأمور:
أحدها: أن النص الشرعي الذي عدل [به][2] عن ظاهره، هل يحتمل التأويل أم لا؟ فإن احتمل،[3] فهل هو قريب أم بعيد؟ ومعرفة ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل ليس بالهيِّن، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة، العارف بأصول[4] اللغة، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها، وتجوزاتها، ومنهاجها[5] في ضرب الأمثال.
الثاني: في النص المتروك أنه ثبت تواتراً أو آحاداً أو ثبت بالإجماع
صفحة 70
المجرد، فإن ثبت تواتراً فهل[6] هو على شرط التواتر أم لا؟ إذ ربما يظن المستفيض متواتراً،[7] وحد التواتر ما لا يمكن الشك فيه، كالعلم بوجود الأنبياء، ووجود البلاد[8] المشهورة وغيرهما،[9] وأنه متواتر في الأعصار كلها عصراً بعد عصر إلى زمان النبوة، فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار، وشرط التواتر ألا يحتمل ذلك، كما في القرآن، أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جيداً، ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ، وأحوال القرون الماضية، وكتب الأحاديث، وأحوال الرجال، وأغراضهم في نقل المقالات،[10] إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر، ولا يحصل به العلم إذا كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق، لاسيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب، ولذلك ترى الروافض يدّعون النصَّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في الإمامة لتواتره عندهم، وتواتَرَ عند خصومهم في أشياء كثيرةٍ
صفحة 71
خلافُ ما تواترَ عندهم لشدّةِ توافُق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها.
وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء، إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد فيتفقوا على أمر واحد اتفاقاً بلفظ صريح، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم، وإلى تمام انقراض العصر عند قوم، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض، فيأخذ فتاويهم في زمن واحد، بحيث تتفق أقوالهم اتفاقاً صريحاً، حتى يمتنع الرجوع عنه، والخلاف بعده، ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر؟ لأن من الناس من قال: إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا، فيحمل توافقهم على اتفاق، ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك، وهذا غامض أيضاً.
الثالث: النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر؟ أو هل بلغه الإجماع؟ إذ كل من وُلد[11] بعدهم[12] لا تكون الأمور عنده متواترة، ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف، وإنما يدرك ذلك شيئاً فشيئاً، وإنما يعرف ذلك من
صفحة 72
مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف وإجماع السلف،[13] ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين، إذ لا يحصل الإجماع به، وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتاباً في مسائل الإجماع، وأُنكر عليه كثير منه، وخولف في بعض تلك المسائل، فإذاً من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد [التواتر][14] فهو جاهل مخطئ، وليس بمكذِّب، فلا يمكن تكفيره، والاشتغال[15] بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير.
الرابع: النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر: أهو على شروط البرهان أم لا؟ ومعرفة شروط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلَّدات، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) وكتاب (محك النظر) أنموذج منه، وتكلُّ قريحة أكثر فقهاء الزمان عن فهم[16] شروط البرهان على الاستيفاء، ولابد من معرفة ذلك، فإن البرهان إذا كان قاطعاً، رخص في التأويل وإن
صفحة 73
كان بعيداً، فإذا[17] لم يكن قاطعاً لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم.
الخامس: النظر[18] في أن ذكر تلك المقالة: هل يعظم ضررها في الدين أم لا؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين[19] فالأمر فيه أسهل، وإن كان القول شنيعاً وظاهر البطلان، كقول [الإمامية][20] المنتظرة: إن الإمام مختفٍ في سرداب، وإنه ينتظر خروجه، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جداً، ولكن لا ضرر فيه على الدين، إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك، إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل فيرجع إلى بيته خاسئاً، وهذا مثال، والمقصود [منه][21] أنه لا ينبغي أن يكفَّر بكل هذيان، وإن كان ظاهرَ البطلان، فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقالات[22] التي لا
صفحة 74
يستقل بآحادها [إلا][23] المبرزون، علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره، جاهل مجازف، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم؟ وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم؟ فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع، لا يصبر عنها[24] الجهال، ولأجله كثر الخلاف بين الناس، ولو سكت[25] من لا يدري لقلّ الخلاف بين الخلق.
?[1] في ط التكفيرات وفي غ التسميات.
?[2] سقط من م و غ.
?[3] في غ: احتمل التأويل.
?[4] في غ: بأصل.
?[5] في غ: مناهجها.
?[6] [هل] زيادة من المحقق ليستقيم الكلام.
?[7] في ط تواتراً.
?[8] في غ البلدان.
?[9] في ط و غ وغيرها.
?[10] في م المنقولات.
?[11] في ط يولد.
?[12] سقط من ط.
?[13] في م و ط الإجماع للسلف.
?[14] زيادة في م.
?[15] في ط: الاستقلال.
?[16] في ط قص.
?[17] سقط من م و غ.
?[18] سقط من ط.
?[19] سقط من م و غ.
?[20] سقط من م و غ.
?[21] زيادة في غ.
?[22] في ط المقامات.
?[23] سقط من ط.
?[24] في ط عنه.
?[25] في ط ينكث من الأيدي.
صفحة 75
الفصل العاشر: رد من كفر بالتقليد
من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفةٌ من المتكلمين كفَّروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررناها، فهو كافر، فهؤلاء ضيَّقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانياً، إذ ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصر الصحابة رضي الله عنهم، حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بعلم الدليل،[1] ولو اشتغلوا به لم يفهموه، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام، والأدلة المجردة، والتقسيمات المرتبة، فقد بعد عن الإنصاف، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده، عطيَّةً وهديةً من عنده، تارة ببيِّنة من الباطل لا يمكنه التعبير عنها، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين، وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة
صفحة 76
بقرينة حال، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحداً به منكراً، فلما وقع بصره على طلعته البهيَّة – زادها الله شرفاً وكرامة – فرآها تتلألأ منها أنوار النبوة قال: والله ما هذا بوجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام، فأسلم. وجاء آخر إليه عليه السلام وقال: أنشدك الله آلله بعثك نبياً؟ فقال عليه السلام: (إي والله، اللهُ بعثني نبياً)[2] فصدقه بيمينه وأسلم. فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى،[3] ولم يشتغل أحد[4] منهم بالكلام وتعلم الأدلة، بل كان يبدو نور الإيمان أولاً بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء، ثم لا تزال تزداد إشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة، وتلاوة القرآن، وبصحبة أرباب القلوب،[5] فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و عن الصحابة رضي الله عنهم، إحضار أعرابي أسلم وقوله له: الدليل على أن العالم حادث: أنه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث، وأن الله تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة زائدة على الذات، لا هي هو، ولا هي
صفحة 77
غيره، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين، ولست أقول: لم تجر هذه الألفاظ ولم يجر أيضاً ما معناه معنى هذه الألفاظ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف، وجماعة من الأسارى يسلمون واحداً واحداً بعد طول الزمان، أو على القرب، وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة عُلِّموا الصلاة والزكاة ورُدّوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم وغيرها. نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحدَ أسباب الإيمان في حق بعض الناس، ولكن ليس ذلك بمقصورٍ عليه، وهو أيضاً نادرٌ، بل الأنفع[6] الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن، فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأنه فيه صنعة جدلٍ لِيَعجزَ عنه العامّيّ، لا لكونه حقا في نفسه، وربما يكون ذلك سبباً لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من اعتزال[7] أو بدعة إلى غيره، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس، وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر حتى في القتال بالسيف،
صفحة 78
ولذلك لم تجرِ عادةُ السلف بالدعوة بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث والسؤال، وإذا تركنا المداهنة[8] ومراقبة الجوانب[9] صرَّحنا بأن الخوض في الكلام حرامٌ لكثرة الآفة فيه إلا لأحد شخصين:
رجل وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام قريب وعظيّ،[10] ولا بخبر نقليّ عن رسول فيجوز أن يكون القول المرتب الكلاميّ رافعاً لشبهته، ودواءً له في مرضه، فيُستعمَل معه ذلك ويُحرَس عنه سمعُ الصحيح الذي ليس به ذلك المرض، فإنه يوشك أن يحرّك في نفسه إشكالاً ويثير له شبهة تمرِّضُهُ، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح.
والثاني: شخص كامل العقل، راسخ القدم في الدين، ثابت الإيمان بأنوار اليقين، يريد أن يحصِّل هذه الصنعة ليداوي بها مريضاً، إذا وقعت له شبهة، وليُفحم بها مبتدعاً إذا نبغ، وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدعٌ إغواءه. فتعلُّمُ ذلك بهذا
صفحة 79
العزم كان من فروض الكفايات، وتعلُّمُ قدر ما يزيلُ [به][11] الشك ويدرأ[12] الشبهة في حق المشكل فرضُ عينٍ،[13] إذا لم لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه، والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واشتمل عليه القرآن اعتقاداً جزماً فهو مؤمنٌ وإن لم يعرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على التزلزل بكل شبهة، بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم من[14] الصبا بتواتر السماع، أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوالٍ[15] لا يمكن التعبير عنها، وتمام تأكده بملازمة العبادة والذكر، فإنّ مَنْ تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا وملازمة ذكر الله تعالى دائماً، تجلَّت له أنوار المعرفة، وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليداً عنده كالمعاينة والمشاهدة، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال
صفحة 80
عقدة الاعتقادات، وانشراح الصدر بنور الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى? نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22] ولمَّا سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر، فقال: (نورٌ يُقذف في قلب المؤمن) فقيل: وما علامته؟ قال: (التجافي عن دارِ الغُرور، والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ)[16] فبهذا يُعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا، المتهالك عليها، غير مدرك حقيقة المعرفة، ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.
?[1] في م بتعلم الدلائل.
?[2] رواه البخاري رقم (63) في العلم: باب القراءة والعرض عن المحدث، ومسلم برقم (12) في الإيمان: باب السؤال عن أركان الإسلام.
?[3] في م و غ مما لا يحصى.
?[4] في ط واحد.
?[5] في ط تصفية القلوب.
?[6] في م إنما ينفع.
?[7] في ط الاعتزال.
?[8] في غ: المذاهب، والمداهنة: النفاق، وهو إظهار خلاف ما يضمر (القاموس).
?[9] في ط: الجانب.
?[10] في غ عقلي.
?[11] زيادة في المطبوع.
?[12] زيادة في المطبوع ويدرأ: يدفع.
?[13] سقط من غ.
?[14] في ط في.
?[15] سقط من غ.
?[16] ذكر الحديث ابن كثير في تفسيره (2/ 174) من رواية عبد الرزاق وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن أبي جعفر المدائني الهاشمي مرسلاً، وأبو جعفر المدائني واسمه عبد الله بن مسوَّر بن عون بن جعفر بن أبي طالب ليس بثقة وذكره ابن كثير أيضاً من رواية ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن مسعود منقطعاً ومتصلاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: فهذه طرق للحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً والله أعلم. وانظر (الدر المنثور) (3/ 44 و45).
صفحة 81
الفصل الحادي عشر: بيان حقيقة ما به الكفر
لعلك تقول: أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية، والشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيَّق الرحمة على الخلق دون المتكلم،[1] إذ قال عليه السلام: (يقولُ اللهُ تعالى لآدمَ عليهِ السلامُ يومَ القيامةِ: يا آدمُ ابعثْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بُعَثَ النارِ).فيقول: (يا ربِّ مِنْ كَمْ؟) فيقول: (مِنْ كُلِّ ألفٍ تسعُمائةٍ وتسعةٍ وتسعين).[2] وقال عليه الصلاة والسلام: (ستفترق أمتي على نَيِّفٍ وسبعين فرقةً، الناجيةُ منها واحدةٌ).
صفحة 82
الجواب: إن الحديث الأول صحيح، ولكن ليس المعنى به أنهم كفار يخلدون[3] في النار، بل إنهم يدخلون النار، ويعرضون عليها ويتركون[4] فيها بقدر[5] معاصيهم، والمعصوم من[6] المعاصي لا يكون في الألف إلا واحداً، وكذلك قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}. ثم (بعث النار) عبارة عمن استوجب النار بذنوبه، ويجوز أن يُصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة، كما وردت به الأخبار، وتشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى،[7] وهي أكثر من أن تحصى، فمنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فابتغيته[8] فإذا هو في مشربة يصلي، فرأيت على رأسه أنواراً ثلاثة، فلما قضى صلاته قال: (مَهِيْم مَنْ هَذِهِ؟ قلتُ: أنا عائشة يا رسول الله! قال: أرأيتِ الأنوارَ الثلاثةَ؟ قلتُ:
صفحة 83
نعم يا رسول الله، قال: إنّ آتٍ أتاني من ربّي فبشَّرني أنّ اللهَ تعالى يُدْخِلُ الجنةَ مِنْ أمَّتي سبعينَ ألفاً بغيرِ حِسابٍ ولا عذابٍ، ثم أتاني في النور الثاني آتٍ من ربي فبشَّرني أنّ اللهَ تعالى يُدخلُ الجنةَ من أمتي مكانَ كُلِّ واحدٍ من السبعينَ ألفاً سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب، ثم اتاني في النور الثالث آتٍ من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل من أمتي مكانَ كل واحدٍ من السبعين ألفاً المُضَاعَفَةِ سبعينَ ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فقلتُ: يا رسولَ الله لا تُبَلِّغْ أمَّتك هذا، قال: يُكْمَلُوْنَ[9] لكم من الأعرابِ مِمَّنْ لا يصوم ولا يُصلي).[10]
صفحة 84
فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة رحمة الله تعالى[11] كثيرٌ، فهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأنا أقول: [إن][12] الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة، وإن كان أكثرُهم يُعرَضون على النار، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو في ساعة، وإما في مدة، حتى يطلق عليهم بعث النار، بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون، وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون،[13] وصنف ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا (أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادَّعى النبوة)، كما سمع صبيانُنا أن كذاباً يقال له المقفَّع تحدى بالنبوة كاذباً. فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب.
صفحة 85
وأما الحديث الآخر، وهو قوله: (الناجية منها واحدة) فالرواية مختلفة فيه، فقد روي: (الهالكة منها واحدة) ولكن الأشهر تلك الرواية، ومعنى (الناجية) هي التي لا تعرض على النار، ولا تحتاج إلى الشفاعة، بل الذي تتعلق به الزبانية لتجرَّه إلى النار، فليس بناجٍ على الإطلاق، وإن انتزع بالشفاعة عن مخاليبهم، وفي رواية: (كلها في الجنة إلا الزنادقة)، وهي فرقة، ويمكن أن تكون الروايات كلها صحيحة، فتكون الهالكة واحدة، وهي التي تخلد في النار، ويكون الهالك عبارة عمن وقع اليأس عن خلاصه،[14] لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير، وتكون الناجية واحدة، وهي التي تدخل الجنة بغير حساب ولا شفاعة، لأن (مَنْ نُوْقِشَ الحسابَ فقد عُذَِّب)،[15] فليس بناجٍ إذاً، ومن عُرِّض للشفاعة
صفحة 86
فقد عُرِّضَ للمذلة فليس بناجٍ [أيضاً][16] على الإطلاق، وهذان طريقان[17] وهما عبارة عن شر الخلق وخيره، وباقي الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين، فمنهم من يعذب بالحساب فقط، ومنهم من يقرب من النار ثم يصرف بالشفاعة، ومنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر خطاياهم في عقائدهم وبدعتهم، وعلى حسب[18] كثرة معاصيهم وقلتها، فأما الهالكة المخلدة في النار من هذه الأمة فهي فرقة واحدة، وهي التي كذبت وجوَّزت الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلحة.
وأما من سائر الأمم: فمن كذَّبه بعدما قَرَعَ سمعَه على التواتر خروجُه وصفتُه ومعجزاتُه الخارقةُ للعادة، كشق القمر، وتسبيح الحصا، ونبع الماء من بين أصابعه، والقرآن المعجز الذي تحدَّى به أهل الفصاحة فعجزوا عنه، فإذا قرع ذلك سمعه فأعرض عنه وتولى ولم ينظر فيه ولم يتأمل، ولم يبادر إلى التصديق، فهذا هو الجاحد الكاذب، وهو الكافر، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد
صفحة 87
الإسلام،[19] بل أقول: من قرع سمعَه هذا فلا بد أن تنبعث منه[20] داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإن لم تنبعث هذه الداعية، فذلك لركونه إلى الدنيا، وخلوِّه عن الخوف وخطر أمر الدين، وذلك كفر، وإن انبعثت الداعية فقصَّر في الطلب فهو أيضاً كفر، بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر من أهل كل ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب[21] الخارقة للعادة، فإن اشتغل بالنظر والطلب، ولم يقصِّر، فأدركه الموت قبل تمام التحقيق، فهو[22] أيضاً مغفور له، ثم له الرحمة الواسعة. فاستوسِعْ رحمةَ الله تعالى، ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية.
واعلم أن الآخرة قريب من الدنيا: فـ {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]، فكما[23] أن أكثر أهل
صفحة 88
الدنيا في نعمة وسلامة، أو في[24] حالة يغبطها، إذ لو خيِّر بينها وبين الإماتة والإعدام مثلاً لاختارها، وإنما المعذَّب الذي يتمنى الموت نادر، فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين، والمخرجين منها في الآخرة نادر، فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالنا، وإنما الدنيا والآخرة عبارتان[25] عن اختلاف أحوالك، ولولا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام معنى حيث قال: (أوّلُ ما خطَّ اللهُ تعالى في الكتابِ الأوّلِ: أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، سَبَقَتْ رحمتي غضبي، فمنْ شهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فله الجنة).[26]
واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة وشمولها بأسباب ومكاشفات سوى ما سمعوه[27] من الأخبار والآثار، ولكن ذكر ذلك يطول. فأبشر برحمة الله وبالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان والعمل الصالح، وبالهلاك المطلق إن خلوت
صفحة 89
عنهما جميعاً، وإن كنتَ صاحبَ يقينٍ في أصل التصديق، وصاحب خطأ في بعض التأويلات،[28] أو صاحب شك فيهما، أو صاحب خلط في الأعمال، فلا تطمع في النجاة المطلقة.
واعلم أنك بين أن تعذب مدَّة ثم تُخَلَّى، وبين أن يُشَفَّعَ فيك من تيقنْتَ صدقه في جميع ما جاء به أو غيرِهِ، فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء، فإن الأمر في ذلك خطِرٌ.[29]
?[1] في م المتكلمين.
?[2] قطعة من حديث رواه البخاري رقم (4741) تفسير سورة الحج: باب قوله تعالى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} وفي الأنبياء: باب قصة يأجوج ومأجوج. وفي الرقاق: باب قول الله عز وجل: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} ومسلم رقم (222) في الإيمان: باب قوله تعالى: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين.
?[3] في ط مخلدون.
?[4] في م وهم يكونون.
?[5] في م بقدر ما تقتضيه ذنوبهم ومعاصيهم.
?[6] في م عن.
?[7] في م الرحمة.
?[8] في م فاتبعته، ابتغيته: طلبته.
?[9] في م يكمل.
?[10] لم أجده في المصادر التي بين يديَّ بهذا اللفظ ويغني عنه الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (3410) و(5705) و(5752) و(6472) ومسلم رقم (222) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب…).
?[11] في م و غ الرحمة.
?[12] زيادة في ط.
?[13] في م المخلدون.
?[14] في ط صلاحه.
?[15] رواه الترمذي رقم (3337) من حديث عائشة رضي الله عنها و(3338) عن قتادة عن أنس رضي الله عنهما وروايتهما: (من حوسب عذِّب).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وعن الثاني قال: وهذا حديث غريب لا نعرفه من حديث قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه.
?[16] زيادة في ط.
?[17] في م طرفان.
?[18] سقط من ط.
?[19] في ط المسلمين.
?[20] في ط به.
?[21] في غ والأسباب.
?[22] في غ فهذا.
?[23] في غ وكما.
?[24] سقط من غ.
?[25] في غ عبارة.
?[26] رواه البخاري رقم (7454 و7422 و7453) ومسلم رقم (2751) ولفظه: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش).
?[27] في ط عندهم.
?[28] في ط التأويل.
?[29] في ط مخطر.
صفحة 91
الفصل الثاني عشر: في أن مآخذ التكفير من الشرع
قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع، وأن الجاهل بالله كافر، والعارف به مؤمن، فيقال له: الحكم بإباحة الدم والخلود في النار حكم شرعي، لا معنى له قبل ورود الشرع، وإن أراد به أن المفهوم من الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر، فهذا لا يمكن حصره فيه، لأن الجاهل بالرسول وبالآخرة أيضاً كافر، ثم إن خصص ذلك بالجهل بذات الله تعالى أو بجحد[1] وجوده أو وحدانيته، ولم يطَّرده في الصفات، فربما سوعد عليه، وإن جعل المخطئ في الصفات أيضاً جاهلاً أو[2] كافراً، لزمه تكفير من نفى صفة البقاء وصفة القِدَم، ومن نفى الكلام وصفاً زائداً على العلم، ومن نفى السمع والبصر زائداً على العلم، ومن نفى جواز الرؤية، ومن أثبت الجهة، وأثبت
صفحة 92
إرادة حادثة [لا][3] في ذاته ولا في محل، وتكفير المخالفين فيه. وبالجملة يلزم التكفير في كل مسألة تتعلق بصفات الله تعالى، وذلك حكم لا مستند له وإن خصص ببعض الصفات دون بعض لم[4] يجد لذلك فصلاً ومرداً[5] ولا وجه له إلا الضبط بالتكذيب، ليعم المكذب بالرسول وبالمعاد، ويخرج منه المؤول، ثم لا يبعد أن يقع الشك والنظر في بعض المسائل[6] من جملة التأويل أو التكذيب حتى يكون التأويل بعيداً، ويُقضي فيه بالظن، وموجب الاجتهاد، فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهادية.

?[1] زيادة في المطبوع والجحد: الإنكار.
?[2] في غ و.
?[3] زيادة في ط.
?[4] في غ و.
?[5] في غ مورداً.
?[6] في م بأنها.
صفحة 93
الفصل الثالث عشر: في أن من الناس من يكفِّر من يكفِّر
من الناس من قال: إنما أكفِّر من يكفِّرني من الفرق، ومن لا يكفّرني فلا، وهذا لا مأخذ له، فإن قال[1] قائل: عليٌّ رضي الله عنه أولى بالإمامة، إذا لم يكن كفراً فبأن يخطئ صاحبُهُ ويَظُنَّ أن المخالف له فيه كافر، لا يصير كافراً، وإنما هو خطأ في مسألة شرعية، وكذلك الحنبليُّ إذا لم يكفَّر بإثبات الجهة، فلم يكفر بأن يغلط أو يظن أن نافي الجهة مكذِّبٌ وليس بمتأوِّل. وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قَذَفَ أحدُ المسلمينَ صاحبَهُ بالكفرِ فقد باءَ به أحدُهما)[2] معناه أن يكفّره مع معرفته بحاله، فمن عرف من غيره أنه مصدِّق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكفِّره، فيكون المكفِّرُ كافراً.
صفحة 94
فأمَّا إن كفَّره لظنه أنه مكذِّبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم[3] فهذا غلَطٌ منه في حال شخص واحد، إذ [قد][4] يظن به أنه كافر مكذِّب، وليس كذلك، وهذا لا يكون كفراً. فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيهَ على أعظم[5] الفورِ في هذه القاعدة، وعلى القانون الذي ينبغي أن يُتَّبَعَ فيه، فاقنع به، والسلام.
?[1] في م قول.
?[2] رواه البخاري رقم (6104) ومسلم رقم (60) ولفظه: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما).
?[3] في ط كذَّب الرسول.
?[4] زيادة في ط.
?[5] في م معظم.