Advertisement

كيف نحبُّ الله ونشتاقُ إليه مجدي الهلالي





كيف نحب الله
ونشتاق إليه؟






المقدمة
بالله أستعين
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد..
الحب – كما نعلم – جزء أصيل من مشاعر الإنسان، وهو معاملة قلبية يشعر من خلالها المرء بميله وانجذابه إلى الآخر.
والواقع المشاهد يخبرنا بأنه عندما يتمكن الحب في القلب بين شخصين فإننا نجد آثار هذا الحب بادية في تعامل أحدهما مع الآخر، فتجد كلاً منهما يكثر من ذكر محبوبه، ويشتاق دومًا إلى رؤيته، ويرغب في الخلوة به، ويأنس بقربه، ويغضب من أجله، ويغار عليه.. يُقرَّب من يحبه محبوبه، ويُبعد من يبعده, يطيع أوامره بسعادة وحبور، ويضحي من أجله، ويفرح بهداياه مهما صغرت.
فهذه وغيرها بعض آثار الحب عندما يتمكن من قلوب البشر تجاه بعضهم البعض.
فكيف ينبغي أن تكون هذه الآثار عندما يصبح المحبوب هو المحبوب الأعظم؟!
كيف يكون حال من يتمكن حب الله من قلبه؟!
بلا شك أن آثارًا عظيمة ستظهر على هذا المحب الصادق لمولاه سبحانه وتعالى, ستراه دومًا يكثر من ذكره ويأنس بقربه، ويستوحش مما سواه، ويحب الخلوة به ومناجاته, يسارع في طاعته ويعمل دومًا على رضاه, يغار على محارمه، ويغضب من أجله, يفرح بعطاياه ويشكره دومًا عليها, يضحي بالغالي والرخيص من أجله، يرضى بكل ما يقضيه له، ويبذل غاية جهده في خدمته، ويشتاق دومًا إلى رؤيته.
ولكننا نحب الله !
فإن قال قائل: ولكننا نحب الله ومع ذلك لا نشعر بكل هذه العلامات.
نعم، في القلوب حب لله عز وجل، ولكنه في الغالب لم يصل للدرجة التي تهمين وتسيطر على المشاعر وتحتل الجزء الأكبر منها، فمع وجود قدر من حب الله في القلب إلا أن هناك محاب أخرى تشوش عليه، وتنازعه المكان مثل حب المال والزوجة والأولاد والنفس و...
وليس معنى هذا أن المطلوب هو تجريد مشاعر الحب من هذه الأمور، بل المطلوب أن يكون حب الله أكبر منها جميعًا كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ( [البقرة: 165] فإن لم يحدث هذا فلن تظهر تلك العلامات، وهذا ما أكده صلى الله عليه وسلم بقوله: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»(1).. الحديث.
فلكي يجد المؤمن حلاوة الإيمان لا بد أن تكون مساحة حب الله في قلبه أكبر من مساحة حبه لما سواه من المحاب الأخرى مجتمعة.
المعرفة طريق المحبة
المحبة ما هي إلا صورة من صور المعاملة التي ينبغي أن يعامل بها العبد ربه، وأكبر عامل يؤثر ويحدد درجة المعاملة هو المعرفة.
فكلما ازدادت المعرفة بالله تحسنت درجة معاملة العبد له، وازداد له حبًا وإجلالا وهيبة وخشية، وفي المقابل عندما يجهل الإنسان ربه، ولا يعرف قدره فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى أن يعامله معاملة لا تليق بجلاله وكماله، فيخشى الناس أكثر مما يخشاه، ويحب نفسه وماله وعقاراته أكثر مما يحب ربه، ويجتهد في التزيُّن للآخرين دون أن يبالي بربه.
فالسبب الأول لإعراض الناس عن الله، واستهانتهم بأوامره هو جهلهم بقدره سبحانه.. (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ( [فصلت: 22،23].
ويؤكد الحافظ ابن رجب على أن المعاملة على قدر المعرفة بقوله:
لا قوت للقلب والروح، ولا غذاء لهما سوى معرفة الله تعالى، ومعرفة عظمته وجلاله وكبريائه. فيترتب على هذه المعرفة: خشيته، وتعظيمه، وإجلاله، والأنس به، والمحبة له، والشوق إلى لقائه، والرضا بقضائه(2).
المعرفة النافعة
المعرفة المؤثرة النافعة ليست تلك التي تخاطب العقل فقط، فالكثير من الناس يتحدث عن الله حديثًا جميلا ومبهرًا، فإذا ما نظرت لواقعه وجدت فعله بعيدًا عن قوله فلا خشية ولا تقوى ولا مهابة ولا إجلال لله (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ( [يونس: 31].
فإن أردنا معرفة تؤثر في المعاملة فلا بد أن يتم مخاطبة العقل والقلب معًا، وأن تستمر تلك المخاطبة حتى يستقر مدلولها في قلب ومشاعر الإنسان فتُشكل مقامًا إيمانيًا مستقرًا في القلب يظهر أثره في سلوك العبد وأعماله (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ( [الحج: 54].
.. معنى ذلك أن الطريق الأساسي لرحلة المحبة يبدأ من بوابة المعرفة الحقة بالله عز وجل، على أن تخاطب تلك المعرفة: الفكر والوجدان.
يقول ابن تيمية: وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى(3).
ومع هذه المعرفة، لا بد من القيام بأعمال تؤكد وترسخ مدلول الحب في قلوبنا فيزداد استقرارًا وهيمنةً على مشاعرنا: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا( [النساء: 66].
وفي الصفحات القادمة سيكون الحديث بمشيئة الله عن أهمية المحبة وثمارها ونقطة البداية لرحلة المحبة مع ذكر بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تسير بنا قُدمًا في طريق حب الله عز وجل، لعلنا نستنشق نسيم الأنس به في الدنيا، فتزداد قلوبنا شوقًا إليه سبحانه، لتكون أسعد لحظاتنا تلك اللحظات التي تقُبض فيها أرواحنا ونبشر من الملائكة بلقاء الحبيب جل وعلا وهو راض عنا.
* * *



تمهيد لابد منه



حول علاقة المحبة بالعبودية
والتحذير من التركيز عليها
دون غيرها من ألوان العبودية


تكامل العبودية
العبودية الحقة لله عز وجل تعني في حقيقتها اتجاه الجزء الأكبر من مشاعر العبد نحوه سبحانه، حتى ينعكس ذلك على معاملته له بمقتضى الحال التي يعيشها والأحداث التي يمر بها، ليتمثل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(4).
هذه هي العبودية الحقة من المؤمن لله عز وجل, أن يعبده سبحانه، وتتجه مشاعره نحوه حسب الحالة التي يمر بها، فتجده يتقلب بين الخوف والرجاء والرضا والفرح والانكسار و ...
أما العبودية الناقصة فهي تتمثل في التركيز على جانب أو جوانب بعينها وترك أخرى، فهذا الأمر له أضرار كثيرة، ومنزلقات خطيرة.
يقول ابن رجب: وقد عُلم أن العبادة إنما تنبني على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرَين.
فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء.
وبدع المرجئة نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف. وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول – ممن ينسب إلى التعبد – نشأت من إفراد المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء(5).
سياج المحبة
معنى ذلك أن عبادة الله بالمحبة فقط لها مخاطرها ومنزلقاتها.
يقول ابن تيمية: الحب المجرد تتبسط النفوس به حتى تتسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله، حتى قالت اليهود والنصاري (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ( [المائدة: 18] (6).
لذلك كان مقياس المحبة الصادقة لله عز وجل هو ظهور علاماتها التي بينها الله في كتابه، وبينها رسوله في سنته والتي سيأتي بيانها بشيء من التفصيل في الصفحات القادمة.
يقول ابن تيمية:
فاتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته هي موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه هو حقيقتها، كما في الحديث «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»(7).
وكثير ممن يدَّعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة، وعن الأمر بالمعروف، وعن النهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويدَّعي مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره، لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة، ولا غضب لله، وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة، ولهذا في الحديث المأثور: «يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»(8).
فقوله: أين المتحابون بجلال الله، تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه والتحاب فيه، وبذلك يكونون حافظين لحدود الله، دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم(9).
ضرورة التوازن
لا بد إذن من التوازن بين ألوان العبودية، وأن نقرأ الأحاديث والأخبار الواردة في كل باب من أبواب العبودية لله فنضعه في حجمه المناسب، وألا نجعل جانبًا يطغى على الآخر.
قال صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم وما عملتم من عمل، ولو علمتم قدر غضبه ما نفعكم شيء»(10).
فكما أنه ينبغي للمسلم أن يفتح لقلبه بابًا لحب الله والرجاء فيه، فعليه كذلك أن يفتح بابًا للخوف منه سبحانه وخشيته.
لا بد من فتح هذين البابين لكي نحقق مراد الله في قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ( [الذاريات:50].
فمن رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه, فعلينا أن نطلب رضا الله ومحبته والقرب منه، ونفر من كل ما يغضبه فنحقق بذلك حقيقة الفرار إلى الله.
أما إذا فتحنا باب الخوف فقط فسيكون الفرار من الله لا إليه، وفي المقابل فإن العكس يخدع النفس ويدفعها للغرور.
قال أبو سليمان: من حَسُن ظنه بالله عز وجل ثم لا يخاف الله فهو مخدوع(11).
وهذا أحد السلف وهو عبد الواحد بن زيد يسأل زياد النميري: ما منتهى الخوف؟‍
قال: إجلال الله عن مقام السيئات.
فقال: ما منتهى الرجاء؟
قال: تأمل الله على كل الحالات(12).
رحلة المحبة
ولأننا في هذه الصفحات نتناول عبودية المحبة، وكيف ننميَّها في قلوبنا، فإن الحديث سيكون بمشيئة الله وعونه منصبًا على كل ما يستثير مشاعر الحب لله عز وجل والرجاء فيه، لذلك أطلب منك ومن نفسي – أخي القارئ – ألا تنسى هذه الكلمات التي تم ذكرها في هذا التمهيد وأنت تقرأ الصفحات القادمة، ونفس الأمر سنطلبه منك بمشيئة الله عندما نتحدث عن عبودية الخوف والخشية لله عز وجل في موضع آخر.
كيف نفتح باب المحبة؟!
يقول ابن عطاء في حكمه:
إذا أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن ينفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه.
ونحن هنا في هذه الصفحات نريد – بعون الله وكرمه – أن ينفتح لنا باب الحب والرجاء في الله، لذلك سيكون غالب الحديث في التعرف على الله الودود، ومظاهر معاملته الحانية لنا.
* * *




الفصل الأول

أهمية المحبة الصادقة
من العبد لربه

الثمار الحلوة
كلما تعرف العبد على مظاهر حب ربه له، وسيطرت هذه المعرفة على مشاعره انعكس ذلك على علاقته به سبحانه فيزداد له حبًا وشوقًا.
وعندما يملأ هذا الحب القلب ستكون له بلا شك ثمار عظيمة تظهر في سلوك العبد وأعماله، هذه الثمار من الصعب الحصول عليها من أي شجرة أخرى غير شجرة الحب، فالحب يُخرج من القلب معانٍ للعبودية لا يخرجها غيره.
يقول ابن تيمية: فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه، إذ التقرب إليه وسيلة، ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود(13).
وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من المخوف لينال المحبة (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ( [الإسراء: 57] (14).
ولهذا اتفقت الأُمتان من قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى أن أعظم الوصايا: أن تحب الله بقلبك وعقلك وقصدك، وهذه هي حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التي هي أصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن(15).
لذلك أدعو نفسي، وأدعوك أخي القارئ إلى الاهتمام بغرس بذور محبة الله في القلب، وتعهدها بالأعمال الصالحة حتى يصير الله عز وجل أحب إلينا من كل شيء (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ( [البقرة: 165]. عند ذلك سنجد الثمار الحلوة أمامنا دون عناء أو مشقة.
ومن هذه الثمار المتوقعة:
أولاً: الرضا بالقضاء
عندما يتعرف الواحد منا على مدى حب ربه له وحرصه عليه فإن هذا من شأنه أن يدفعه دومًا للرضى بقضائه، وكيف لا وقد أيقن أن ربه لا يريد له إلاّ الخير, وأنه ما خلقه ليعذبه، بل خلقه بيده، وكرمه على سائر خلقه ليدخله الجنة، دار النعيم الأبدي، ومن ثمَّ فإن كل قضاء يقضيه له ما هو إلا خطوة يمهد له من خلالها طريقه إلى تلك الدار، فالأقدار المؤلمة والبلايا ما هي إلا أدوات تذكير يُذكِّر الله بها عباده بحقيقة وجودهم في الدنيا وأنها ليست دار مقام بل دار امتحان، وأن عليهم الرجوع إليه قبل فوات الأوان (وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( [الزخرف: 48]، (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( [السجدة: 21].
وهي كذلك أدوات تطهير من أثر الذنوب والغفلات التي يقع فيها العبد «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه»(16).
فجميع الأقدار التي يُقدَّرها الله عز وجل لعباده تحمل في طياتها الخير الحقيقي لهم وإن بدت غير ذلك.
فعلى سبيل المثال: الرزق، فالله عز وجل يبسط الرزق للبعض ويضيقه على البعض لعلمه سبحانه بما يصلح عباده, ألم يقل سبحانه (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ( [الشورى: 27].
فمنعه الرزق الوفير عن بعض الناس ما هو إلا صورة من صور رحمته، وشفقته بهم. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه» (17).
هذه المعاني العظيمة لا يمكن تذكرها واستحضارها بصورة دائمة، وممارسة مقتضاها في الحياة العملية إلا إذا تمكن حب الله من القلب وهيمن عليه، فمفتاح: (رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ( هو: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( [المائدة: 54].
جاء في الأثر أن الله تعالى يقول: «معشر المتوجهين إليَّ بحبي، ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظًا، وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلمًا»(18).
وكان عامر بن عبد قيس يقول: أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت(19).
نعم، أخي فإننا إن أحببنا الله حبًا صادقًا أحببنا كل ما يرد علينا منه سبحانه.
لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كُفَّ بصره، جاءه الناس يهرعون إليه, كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة، فأتاه عبدالله بن أبي السائب فقال له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك؟‍ فتبسم وقال: يا بنيَّ، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.
وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته، فدخل عليه مطّرف وأخوه العلاء، فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال: لا تبك، فإن أحَبَّه إلى الله أحبه إليّ(20).
ثانيًا: التلذذ بالعبادة وسرعة المبادرة إليها
كلما ازداد حب العبد لربه ازدادت مبادرته لطاعته واستمتاعه بذكره، وكان هذا الحب سببًا في استخراج معاني الأنس والشوق إلى محبوبه الأعظم، والتعبير عنها من خلال ذكره ومناجاته.
هذه المعاني ما كانت لتخرج إلا إذا فُتح لها باب الحب، فالمحب يقبل على محبوبه بسعادة، ويطيع أوامره برضى، لا تحركه لتلك الطاعة سياط الخوف من عقوبة عدم أدائه للعمل، بل يحركه ما حرك موسى عليه السلام عندما قال لربه (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى( [طه: 84] وكذلك ما جعل رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: «أرحنا بها يا بلال».
إن هناك بالفعل سعادة حقيقية ومتعة وشعور باللذة والنعيم يجدها المحب في مناجاته وذكره وخلوته بربه، وهذا ما يُطلق عليه: «جنة الدنيا», هذه الجنة من الصعب علينا أن ندخلها من غير باب المحبة.
قال أحد الصالحين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره.
وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب(21).
ثالثًا: الشوق إلى الله
عندما يتمكن حب الله من قلب العبد، فإن هذا من شانه أن يجعله دومًا حريصًا على اغتنام أية فرصة تتاح له فيها الخلوة به سبحانه وبذكره ومناجاته، وجمع قلبه معه، وشيئًا فشيئًا تستثار كوامن الشوق إليه سبحانه، وتستبد بالقلب، وتلح عليه في طلب رؤيته، ليأتي العِلم فيخبره بأنه لا رؤية ولا لقاء لله في الحياة الدنيا، بل بعد الموت، فيزداد الشوق إلى هذا اللقاء، وأي لقاء:
لقاء المحبوب الأعظم الذي ناجاه لسنوات طويلة، وسكب الدمع في محرابه.
لقاء من دعاه في أوقات عصيبة فوجده منه قريبًا، ولدعائه مجيبًا.
لقاء من كفاه وحماه وأعانه على نفسه وعدوه.
لقاء من أعطاه وأكرمه وحفظه ورعاه وبكل بلاء حسن أبلاه.
يقول الحسن البصري: إن أحباء الله هم الذين ورثوا الحياة الطيبة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من حلاوة في قلوبهم، لاسيما إذا خطر على بالهم ذكر مشافهته وكشف ستور الحجب عنه في المقام الأمين والسرور، وأراهم جلاله وأسمعهم لذة كلامه ورد عليهم جواب ما ناجوه به أيام حياتهم(22).
فالشوق إلى الله – إذن – ثمرة من ثمار تمكن حبه في قلب العبد، ويؤكد ابن رجب على ذلك بقوله:
الشوق إلى الله درجة عالية رفيعة تنشأ من قوة محبة الله عز وجل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل الله هذه الدرجة(23).
ففي دعائه صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أسألك الرضى بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة» (24) فهو صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الشوق إلى لقائه دون وجود أسباب ضاغطة عليه تدعوه لذلك مثل: ضراء الدنيا وأقدارها المؤلمة، أو الفتن في الدين المضلة، أو بمعنى آخر أن يكون الشوق إلى الله ناشئًا عن محض المحبة.
جاء في الأثر أن الله تبارك وتعالى يقول:
ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقًا، وما شوق المشتاقين إليَّ إلا بفضل شوقي إليهم. ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، من ذا الذي أقبل عليَّ فلم أقبل عليه؟ ومن ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ ومن ذا الذي سألني فلم أعطه(25).
رابعًا: التضحية من أجله والجهاد في سبيله
المحبة الصادقة لله عز وجل تدفع صاحبها لبذل كل ما يملكه من أجل نيل رضا محبوبه، وليس ذلك فحسب بل إنه يفعل ذلك بسعادة، وكل ما يتمناه أن تحوز هذه التضحية على رضاه.
تأمل معي ما حدث من عبد الله بن جحش ليلة غزوة أحد عندما قال لسعد بن أبي وقاص: ألا تأتي ندعو الله تعالى، فَخَلَوا في ناحية، فدعا سعد، فقال: يا رب إذا لقينا العدو غدًا فَلَقِّني رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله فآخذ سلبه فأمَّن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدًا رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت لي: يا عبد الله فيم جُدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
قال سعد: كانت دعوته خيرًا من دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط(26).
وفي يوم من الأيام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير يمشي وعليه إهاب كبش قد تمنطق به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه، ولقد رأيته بين أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون»(27).
فالتضحية والجهاد من أعظم دلائل المحبة.
خامسًا: الرجاء والطمع فيما عند الله
فكلما اشتد الحب اشتد الرجاء في الله وحسن الظن فيه ألا يلقي حبيبه في النار، فالمحب لا يعذب حبيبه كما جاء الرد الإلهي على اليهود عندما قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم( [المائدة: 18].
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والله، لا يلقي الله حبيبه في النار» (28).
مرض أعرابي فقيل له: إنك تموت. قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى الله. قال: فما كراهتى أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه(29).
وكان سفيان الثوري يقول: ما أُحب أن حسابي جعل إلى والديَّ، ربي خير لي من والدي(30).
وقال ابن المبارك: أتيت سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبته وعيناه تهملان فبكيت، فالتفت إلى فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له(31).
سادسًا: الحياء من الله
فالمحب الصادق في حبه لله عز وجل يستحي أن يراه حبيبه في وضع مشين، أو مكان لا يحب أن يراه فيه، فإذا ما وقع في معصية أو تقصير سارع بالاعتذار إليه واسترضائه بشتى الطرق.
بل إن أي بلاء يتعرض إليه يجعله قلقًا بأن يكون هذا البلاء مظهر من مظاهر لوم الله له وغضبه عليه، لذلك تجده حينئذٍ يهرع إلى مولاه يسترضيه ويتذلل إليه ويستغفره، ويطلب منه العفو والصفح.
ويتجلى هذا الأمر جيدًا في دعاء رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد أحداث الطائف وما تعرض فيها من استهزاء وتضيق وإيذاء، فكان مما قاله لربه «...إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة: أن ينزل بي غضبك أو يحل علىّ سخطك، لك العتبي(32) حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
وفي هذا المعنى يقول ابن رجب: إن محبة الله إذا صدقت أوجبت محبة طاعته وامتثالها، وبغض معصيته واجتنابها، وقد يقع المحب أحيانًا في تفريط في بعض المأمورات، وارتكاب بعض المحظورات، ثم يرجع إلى نفسه بالملامة، وينزع عن ذلك، ويتداركه بالتوبة(33).
سابعًا: الشفقة على الخلق
من الثمار العظيمة للحب الصادق تلك الشفقة التي يجدها المحب في قلبه تجاه الناس جميعًا بخاصة العصاة منهم، وكيف لا وقد علم أنه ما من أحد من البشر إلا وفيه نفخة علوية كرَّمه الله بها على سائر خلقه، وأن الذي يرضيه – سبحانه – هو عودة الجميع إليه ودخولهم الجنة، لذلك تجد هذا المحب شفيقًا على الخلق، حريصًا على دعوتهم لسان حاله يقول: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( [الأعراف: 59].
.. يستخدم في ذلك كل الطرق والوسائل الممكنة، ولا يرتاح له بال حتى يُعيد الشاردين إلى حظيرة العبودية لربهم.
ومن الأمثلة العظيمة التي تبين تلك الشفقة على العصاة ما فعله مؤمن آل فرعون مع قومه, تأمل أقواله الذي جاء ذكرها في سورة غافر (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ( [غافر:38]. (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ( [غافر:30], (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ( [غافر:41]. (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ( [غافر:42].
هذه الثمرة العظيمة من ثمار المحبة من شأنها أن تجعلنا نقوم بتعديل خطابنا الدعوي، فنستوعب الجميع ونبشرهم ونطمئنهم تجاه ربهم قبل تخويفهم وترهيبهم.
ثامنًا: الغيرة لله
عندما يستبد حب الله في قلب العبد فإن هذا من شأنه أن يجعله يغار لمولاه، وعلى محارمه أن تنتهك، وحدوده أن تُتجاوز، وأوامره أن تخالف.
فمع شفقته على العصاة، إلاّ أن هذا لا يمنعه من بغضه لتصرفاتهم التي تغضب ربه، ولو كانت من أقرب الناس إليه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ( [الممتحنة: 4].
لقد علم المحب الصادق أن محبوبه الأعظم يحب عباده، ويحب من يحببهم فيه، ويعيدهم إليه، وفي نفس الوقت فإنه سبحانه لا يحب تصرفاتهم المخالفة لأوامره، المنافية لصفة العبودية التي ينبغي أن يتصفوا بها (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ( [الزمر: 7] فهو لا يحب الكفر، ولا يحب الظلم، ولا الطغيان، ولا الكبر، ولا الفسق، لذلك ترى المحب لله يجمع بين الأمرين: الشفقة على الخلق، وحب الخير لهم من جانب، وبغضه لتصرفاتهم التي لا ترضى مولاه، ونهيهم عنها، بل ومحاربتهم عليها إن تطلب الأمر من جانب آخر.
ومن لوازم هذه الغيرة: الغيرة على رسوله، وكيف لا وهو أحب الخلق إلى الله, فلو كانت المحبة لله صادقة لتبعتها ولازمتها محبة رسوله والغيرة عليه، ولقد تمثل هذا الأمر في الصحابة جيدًا، ولعل ما حدث لخبيب بن عدي ما يؤكد ذلك، فقد تم أسره في يوم الرجيع، وصُلب لكي يُقتل، وقبل قتله قال المشركون له: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: لا والله العظيم. ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه(34).
تاسعًا: الغنى بالله
ومع كل الثمار السابقة تأتي أهم ثمرة للمحبة ألا وهي الاستغناء بالله سبحانه وتعالى، والاكتفاء به (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى( [طه: 73].
فينعكس ذلك على تعاملات العبد مع الأحداث التي تمر به، فإن ادلهمت الخطوب استشعر معية الله له (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا([التوبة: 40]، وإن تشابكت أمامه الأمور تذكر فردد فى نفسه (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ( [الشعراء: 62].
.. شعاره الدائم (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً( [النساء: 132].
يتغنى بمثل قول الشاعر:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبين وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
قال الجنيد: قد أوجب الله لأهل محبته الصنع والتوفيق في جميع أحوالهم، فأورثهم الغنى، وسدّ عنهم طلب الحاجات إلى الخلق، تأتيهم ألطاف من الله من حيث لا يحتسبون، وقام لهم بما يكتفون، ونزَّه أنفسهم عما سوى ذلك، إكرامًا لهم عن فضول الدنيا، وطهارة لقلوبهم من كل دنس، وأمشاهم في طرقات الدنيا طيبين، وقد رفع أبصار قلوبهم إليه، فهم ينظرون إليه بتلك القلوب غير محجوبة عنه(35).
* * *






الفصل الثاني

لماذا يحب الله عباده؟










النفخة العلوية
العلاقة بين الله عز وجل وبين عباده من بنى آدم تختلف عن علاقته سبحانه بجميع خلقه، وكيف لا وما من مخلوق من البشر إلاَّ وفيه نفخة علوية من روح الله (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( [ص: 71، 72].
نعم، هذه النفخة ليست جزءًا من ذات الله – كما ادعت النصارى – بل هي من ملكه(36) وأمره، اختص بها سبحانه الإنسان وميزه عن سائر مخلوقاته، وجعلها مرحلة هامة وأساسية ومميزة في خلقه (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي( [الحجر:29] بينما لم يُذكر ذلك في حق أي مخلوق آخر.
ومما يؤكد هذا الأمر قوله تعالى لإبليس (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ( [ص: 75].
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب: ولأن الله عز وجل خالق كل شيء، فلا بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه، هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن، وإيداعه نفخة من روح الله دلالة على هذه العناية(37).
ويقول رحمه الله: وما كان هذا الكائن الصغير الحجم، المحدود القوة، القصير الأجل، المحدود المعرفة، ما كان له أن ينال شيئًا من هذه الكرامة لولا تلك اللطيفة الربانية الكريمة, وإلا فماذا يبلغ هذا الإنسان لتسجد له ملائكة الرحمن، إلا بهذا السر اللطيف العظيم؟! (38).
تكريم الإنسان
وليس أدل على خصوصية العناية الربانية بالإنسان من هذا التكريم الذي شمله منذ بدء خلق أبيه آدم وسجود الملائكة له (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ( [البقرة: 34]. مرورًا بالصورة الحسنة التي خُلق عليها (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( [التين: 4].
وتميزه بنعمة العقل الذي يُعد بمثابة وعاء للعلم والإدراك والتمييز بين الخير والشر والنافع والضار.
قال الحسن البصري: لما خلق الله عز وجل العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، وقال: ما خلقت خلقًا هو أحب إلىَّ منك، إني بك أُعبد، وبك أُعرف، وبك آخذ، وبك أُعطي(39).
ومن مظاهر هذا التكريم كذلك: تسخير الكون كله لخدمته (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ( [الجاثية: 13].
هذا التكريم يشمل جميع بني آدم دون تفرقة بين لون أو جنس أو عرق (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( [الإسراء: 70].
أليست نفسًا؟!
إن النفخة العلوية التي يحملها الإنسان تجعله دومًا موضعًا للتكريم ولو كان من الكافرين.
وإليك – أخي القارئ- هذا الخبر الصحيح الذي يؤكد لنا جميعًا هذا المعنى:
كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد رضي الله عنهما قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: «إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسًا؟» (40).
وليس هذا فحسب بل إننا نجد الشريعة الإسلامية توجه المسلمين إلى حُسن التعامل مع جميع الناس في السلم والحرب، ومن ذلك النهي عن التمثيل بالقتلى في الحرب، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية يوصيه، فكان مما يقول له: «لا تمثلون»(41) وفي الحديث القدسي: «لا تمثلوا بعبادي»(42).
وكذلك حصر القتل فيمن يقاتل دون غيره (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( [البقرة: 190]. فلا قتل لامرأة أو صبي أو أجير أو راهب في صومعته، فإن انتهت الحرب وكان هناك أسرى فلا إهانة ولا إذلال بل احترام لإنسانيتهم (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا( [الإنسان: 8].
وعندما أسر المسلمون من المشركين يوم بدر، كانت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بهم كبيرة، فقال لأصحابه: «استوصوا بهم خيرًا»(43).
تقرب الملائكة إلى الله بالدعاء للبشر
لقد اختص الله عز وجل الإنسان لنفسه من بين سائر مخلوقات كما جاء في الأثر: يا ابن آدم خلقت كل شيء لك وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له.
اختصه ليقوم بمهمة عظيمة ألا وهي عبادته سبحانه بالغيب في ظل تمتعه بخاصية حرية الاختيار، ووجود نفس أمارة بالسوء، وشيطان يوسوس، ودنيا تتزين.
وإن كانت العلاقة بين الأب وأبنائه تتسم بالحب والحنان والرحمة والحرص الدائم على مصلحتهم، فإن علاقته سبحانه بالبشر أسمى وأسمى, إنها علاقة الرب بعباده الذين أوجدهم من العدم ونفخ فيهم من روحه.
علاقة الخالق بالمخلوق الذي اختصه لنفسه فهو يحبه ويريد له الخير، والنجاح في مهمته العظيمة.
ومن عجب أن الملائكة الأطهار الكرام لما علمت بمنزلة البشر عند الله جعلت جزءًا من عبادتها دعاءها لهم وهي بذلك تريد التقرب إليه سبحانه وتطمع في نيل رضاه (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ( [الشورى: 5].
ويزداد تقربهم وتوددهم إليه سبحانه بكثرة الدعاء لمن لهم حب خاص وولاية خاصة عنده (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( [غافر: 7- 9].
ويزداد ويزداد لأحب الخلق إليه (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ( [الأحزاب: 56].
مباهاته بعباده
ومما يؤكد علاقته – سبحانه – الخاصة بعباده البشر الموحدين له: مباهاته بهم الملائكة عند قيامهم بطاعته.
خرج صلى الله عليه وسلم يومًا على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا. قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة»(44).
وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه عن صورة أخرى من صور هذه المباهاة فيقول: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا»(45).
مع أنه سبحانه -يقينًا- لا تنفعه طاعة الطائعين مهما بلغت، ولا تضره معصية العاصين مهما عظمت، وما مباهاته وفرحه بطاعات عباده إلا لأنه يحبهم ويريد لهم الخير.
وما إخبارهم بتلك المباهاة في أكثر من موضع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رسالة حب منه لهم لعلها تزيدهم إقبالا عليه وحبًا له وشوقًا إلى لقائه.
ضحكه سبحانه
ومن مظاهر العلاقة المميَّزة بين الله تعالى وعباده وبخاصة الطائعين منهم: ضحكه سبحانه عندما يرى عباده يخلصون أعمالهم له، ويضحون من أجله.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يُقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟, والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي كان في سفر، وكان معه ركب، فسهروا، ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء»(46).
ومما يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شظية بجبل، يؤذن للصلاة، ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة»(47).
قدر المؤمن عند الله
إن الجسد الذي خلقه الله عز وجل ونفخ فيه نفخة علوية له حرمة عظيمة عنده سبحانه ويكفيك في ذلك قوله تعالى: (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا( [المائدة: 32].
وهذا يؤكد مكانة الإنسان الخاصة عند الله عز وجل، وتزداد هذه المكانة كلما كان الإنسان أطوع لله عز وجل, قال صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق»(48).
يكره سبحانه مساءة عبده المؤمن
تأمل معي أخي القارئ قول الله عز وجل في الحديث القدسي:
«وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه»(49).
يعلق ابن تيمية على ذلك فيقول: فبيَّن سبحانه أنه يتردد (عن قبض نفس عبده المؤمن) لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحبه عبده، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال (وأنا أكره مساءته) وهو سبحانه قد قضى بالموت، فهو يريد له أن يموت، فسمى ذلك ترددًا، ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك(50).
فرحه – سبحانه – بتوبة العاصين
أرأيت لو أن ابنًا قد شرد بعيدًا عن أبيه، وسار في طريق الفساد، ثم عاد إلى رشده وارتمى في حضن أبيه, أي فرحة يكون عليها الأب في هذا الوقت؟!
هذه الفرحة لا تساوي شيئًا بجوار فرحته سبحانه بتوبة عبد من عباده مهما أسرف في ذنبه ولجَّ في طغيانه.
تأمل معي الحديث الذي يؤكد فيه صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله:
«والله، لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل كان في سفر، في فلاة من الأرض فأوى إلى ظل شجرة فنام تحتها، واستيقظ فلم يجد راحلته، فأتى شرفًا فصعد عليه، فلم ير شيئًا، ثم أتى آخر، فأشرف فلم ير شيئًا، فقال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأكون فيه حتى أموت، فذهب، فإذا براحلته تجر خطامها، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته»(51).
مراده أن تدخل الجنة
عندما يقرأ المرء الأخبار السابقة، وبخاصة ما يتعلق بفرح الله عز وجل العظيم بتوبة عبد من عباده فمن المتوقع أن تقفز إلى الذهن بعض التساؤلات عن أسباب هذا الفرح فالله عز وجل لا تنفعه هذه التوبة بشيء، فهو الغنى الحميد, فلماذا هذه الفرحة إذن؟
من السهل علينا أن ندرك سر هذا الفرح عندما نتذكر أن الله عز وجل اختص الإنسان لنفسه دون خلقه جميعًا، وأنه يريد منه أن ينجح في امتحان العبودية ليُدخله الجنة, فمراده سبحانه من جميع البشر دخول جنته (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ( [البقرة: 221].
مراده أن يعود الجميع إليه ليكرمهم وينعمهم في دار أعدها خصيصًا لهم، وجعل لكل منهم فيها جزءًا مقسومًا، وهو سبحانه يريد لكل منهم أن ينال نصيبه في تلك الدار، ويتبوأ منزله فيها (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ( [يونس: 25] وفي نفس الوقت فهو لا يريد أن يُدخل أحدًا من عباده النار (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الْكُفْرَ( [الزمر: 7].
هذا الأمر ينطبق على جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل العصور والأزمان.. عباد الصليب.. عباد البقر.. الملحدين والوثنيين.. كل هؤلاء يريد الله منهم أن يدخلوا الجنة، ويكفيك في هذا أنه سبحانه وتعالى يمهل هؤلاء وغيرهم من الكافرين، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة, مع قدرته المطلقة عليهم وإحاطته التامة بهم، فلو شاء أن يهلكم لأي ذنب يفعلونه لأهلكهم، لكنه لا يفعل، بل يحلم ويصبر ويمهل لعلهم ينتبهون من غفلتهم.
معنى ذلك أنه ما من واحد يدخل النار إلا لأنه يأبى ويصر على ألا يدخل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إلاَّ مَنْ أَبَى»(52).
نعم، هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها البشر «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله»(53).
ومثال ذلك ما حدث لأصحاب القرية التي كذبت الرسل فأصابهم العذاب بعد طول إمهال ليأتي التعقيب القرآني ليؤكد أنهم هم الذين أبوا إلا العذاب (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ([يس:30].
أحب العباد إلى الله
وأهم صور الإباء والإصرار على عدم دخول الجنة عدم الاعتراف بالله، ربًا وخالقُا ورازقًا، وإلهًا معبودًا، أو إشراك أحد معه في ذلك.
فالشرك أو الكفر ظلم عظيم يظلم فيه العبد الحقيقة العظيمة، حقيقة التوحيد التي قامت عليها السماوات والأرض، ومن ثَّم يهون على الله هوانًا عظيمًا، فيرتد إلى أسفل السافلين، ومع ذلك يظل الباب مفتوحًا للجميع للتوبة والعودة إليه سبحانه قبل فوات الأوان، بل إنه سبحانه وتعالى جعل أحب خلقه إليه من يُحبب الناس فيه، ويدعوهم للعودة إليه وإلى طاعته كي يدخلهم الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف ناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم عند الله سبحانه يوم القيامة، الذين يحبون الله ويحببونه إلى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله فإذا أطاعوا الله أحبهم الله» (54).
فالله عز وجل يبغض الشرك والكفر الذي تلبَّس بالمشركين الكفار، ولكنه سبحانه يريد أن يتوب عليهم، ويدخلهم الجنة بينما هم يأبون، لذلك فإنه سبحانه رغَّب عباده المؤمنين بدعوة هؤلاء وتحبيبهم فيه علَّهم يفيقون من غفلتهم، ويعودون إلى ربهم.
تأمل قوله تعالى الذي يتفجر إشفاقًا ورحمة: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ( [الأنفال: 38]. وتأمل كذلك قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ( [التوبة: 6].

أشد ما يغضبه:
ومع فرحه سبحانه بتوبة عبد من عباده الضالين، ومع حبه الخاص لمن يحبب الناس فيه، فإنه سبحانه يغضب أشد الغضب لمن يُيئس الناس من بلوغ رحمته ويُنذرهم بانقطاع الأمل، وبأنه لا مآل لهم إلا النار.
وما إمهال الله لعباده المقصرين والمسرفين على أنفسهم، بل والكفار والمشركين – كما أسلفنا- إلا لأنه سبحانه يهيئ لهم من الأمور، ويرسل لهم من الرسائل ما قد يوقظهم من سباتهم، ويذكرهم بربهم.
فإذا ما جاء شخص ما وأشعر هؤلاء بأن الله لن يغفر لهم، وأنهم مغضوب عليهم، ولا أمل أمامهم، فسيؤدي ذلك إلى قنوطهم ويأسهم من رحمة الله، ومن ثمّ زيادة تماديهم في الطغيان، وانحرافهم، وابتعادهم عن طريق الهدى، لتكون نهايتهم النار.
فإن كنت- أخي القارئ- في شك من هذا فاقرأ هذا الحديث:
عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى للملائكة: ألا أخبركم عن عبدين من بني إسرائيل أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق، والآخر يَرى أنه مسرف، فذُكر عند صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال: ألم يعلم بأني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ وإني قد أوجبت لهذا الرحمة وأوجبت لهذا العذاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تألوا على الله عز وجل»(55).
وعن ضمضم بن جَوْس قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب صاحب لي فإذا رجل أدعج العين، براق الثنايا، فقال لي: يا تهامي لا تقولن لأحد لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة، قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو هريرة. قلت: قد نهيتني عن شيء كنت أقوله إذا غضبت على أهل بيتي وحشمي، قال: فلا تفعل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان من بني إسرائيل فكان أحدهما به رهق، والآخر عابدًا، فكان لا يزال يقول له: ألا تكف، ألا تقصر، فيقول: ما لي ولك دعني وربي. قال: فهجم عليه يومًا فإذا هو على كبيرة، فقال: والله لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فلما قدما بهما على الله عز وجل قال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للعابد: حظرت على عبدي رحمتي، أكنت قادرًا على ما تحت يدي؟ انطلقوا به إلى النار».
قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم كلمة أوبقت دنياه وآخرته(56).
المرحلة الأخيرة
ولأنه سبحانه يريد من عباده دخول الجنة، فقد أتاح لهم فرصًا عظيمة للتوبة والرجوع إليه وذلك طيلة حياتهم في الدنيا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل وعند مماتهم كذلك طالما أنهم لم يهتكوا الستر بالكفر أو الشرك، فقد أعطى عباده الموحدين أشياء تساعدهم على محو السيئات وزيادة الحسنات.
ومن ذلك أنه تصدق عليهم بثلث أموالهم التي يتركونها كوصية يتصرفون فيها كيفما شاءوا، فإن كان المال الذي بحوزتهم سيئول إلى ورثتهم، إلا أن لهم أن يوصوا بثلثه فيما يريدونه من أبواب الخير.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثُلث أموالكم، وجعل ذلك زيادة لكم في أعمالكم»(57).
وحث سبحانه عباده المسلمين – على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - الصلاة على الميت ليكون دعاؤهم سببًا من أسباب تكفير سيئاته، ورفع درجاته وإنزال الرحمة عليه.
قال صلى الله عليه وسلم: «من تبع الجنازة وصلى عليها، فله قيراط، ومن تبعها حتى يُفرغ منها فله قيراطان, أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد»(58).
وحثهم على الدعاء له بالتثبيت عند دفنه «ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل»(59).
وليس هذا فحسب، بل جعل هناك أعمالا يجري على المسلم ثوابها بعد موته كدعاء الولد الصالح، وكالعلم النافع، وكالصدقة الجارية.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته»(60).
أهل المظالم:
وإن أردت أن تتأكد – أخي القارئ – أكثر وأكثر بأن مراد الله عز وجل هو دخول جميع عباده الموحدين الجنة فاقرأ هذا الحديث:
عن أنس بن مالك قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا إذ رأيناه ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله: أعط أخاك مظلمته، فيقول: يا رب لم يبق من حسناتي، قال: يا رب فليحمل عني من أوزاري، ففاضت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال: إن ذلك اليوم عظيم يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فيقول الله عز وجل للمطالب: ارفع رأسك فانظر إلى الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورًا من ذهب مكلل باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صدِّيق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال الله عز وجل: هذا لمن أعطاني الثمن. قال: يا رب فمن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا يا رب؟ قال بعفوك عن أخيك. قال: يا رب قد عفوت عنه. قال: خذ أخاك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة(61).
فهذا يا أخي هو ربنا الذي يحبنا ويفرح بتوبتنا ويريد أن يدخلنا الجنة.
هذا هو ربنا الذي عرَّفنا بنفسه فقال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ( [البقرة: 163].
* * *




الفصل الثالث

مظاهر حب الله تعالى لعباده


تمهيــــــد:
كأني بك أخي القارئ تتساءل عن الدليل العملي لهذه العلاقة المميزة بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده البشر، بل وبينك أنت على وجه الخصوص.
لا أريدك أخي الحبيب أن تطلب دليلا واحدًا، بل اطلب ما شئت من الأدلة فهي – بفضل الله – أكثر من أن تحصى، فمظاهر حب الله لعباده كثيرة كثيرة، تنتظر منا أن ننتبه إليها لنستدل من خلالها على الرب الودود سبحانه وتعالى.
كل ما هو مطلوب أن نـُعطي عقولنا الفرصة لكي تقوم بالمهمة التي خُلقت من أجلها.. مهمة التعرف على الله.
فبالتفكير في مظاهر حب الله لعباده، مع الاجتهاد في تجاوب المشاعر مع هذا التفكر ستزداد المعرفة بالله الودود، وستستولي هذه المعرفة – بإذن الله – على الجزء الأكبر من مشاعر الحب في القلب، لتظهر الثمار الطيبة لهذا الحب بصورة تلقائية ودون تكلف.
جوانب المعرفة
وفي الصفحات القادمة سيتم الحديث بعون الله عن بعض مظاهر حب الله لعباده، والمطلوب منا أن نتفكر فيها جيدًا، ونعيش معها بعقولنا ومشاعرنا، لعلها تساهم في إشعال جذوة حب المولى سبحانه وتعالى في قلوبنا.
وستلحظ أخي القارئ أننا في أغلبها نتوجه إليك بالخطاب ليكون ذلك أدعى لاستشعار معانيها بصورة أقرب إلى الحقيقة والواقع.
* * *

أولًا: من مظاهر حبه:
سَبْق فضله عليك قبـــــــل وجودك

والمقصد من سبق الفضل: أن فضل الله عز وجل علينا، وحبه لنا سبق وجودنا على الأرض.
هذا الجانب من أهم الجوانب التي من شأنها أن تؤجج مشاعر الحب داخل القلب، وكيف لا ومن خلاله يكتشف الواحد منا مدى حب ربه له دون أي سبب منه.
فهيا بنا أخي القارئ نعيش في أجواء هذ المظهر:
سبق الفضل في التكريم
شاء الله عز وجل أن يخلق مخلوقات من العدم, كنت أنت من مخلوقاته.
واختار من هذه المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى مخلوقًا ليختصه بنعمة العقل، وينفخ فيه من روحه, نلت أنت هذا الشرف, شرف التكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( [الإسراء: 70].
كان من الممكن أن تكون مخلوقًا آخر غير الإنسان كأن تكون حجرًا، أو عصفورًا، أو شجرة، أو حبة رمل، أو ...
ولكنه الفضل العظيم من الله عز وجل الذي اجتباك على كثير من مخلوقاته، وكرَّمك عليهم.
المشهد العظيم
قدَّر الله عز وجل لأبينا آدم – عليه السلام – عددًا محددًا من الذرية تهبط إلى الأرض لتؤدي اختبار العبودية, كنت أنت واحدًا منهم، وشهدت المشهد العظيم الذي أخذ الله فيه العهد من جميع ذرية آدم على عبادته (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا([الأعراف: 172].
هذا العدد الكبير الذي قدَّره الله لذرية آدم – عليه السلام – لم يشأ سبحانه أن يُهبطه إلى الأرض دفعة واحدة، بل مجموعة تلو الأخرى, كل مجموعة تؤدي الامتحان ثم تترك الأرض بعد نزع أرواحها، وتبقى في القبور انتظارًا لنهاية امتحان الجميع، ليتم بعدها الحساب والجزاء.
لم يختر أحد من البشر المكان، أو الزمان، أو البيئة، أو الأبوين، أو الشكل الذي ستحل روحه فيه، ويؤدي من خلاله الامتحان، مع الأخذ في الاعتبار بأن الله عز وجل لم يظلم أحدًا من الناس، فبالعقل والفطرة يستطيع المرء في أي زمان ومكان الاستدلال على وحدانية الله، وكذلك فإن الرسل والكتب السماوية التي أنزلها الله عز وجل تبين للناس المطلوب منهم، ولكن بلا شك أن نزولك إلى الأرض في هذا الزمان وهذا المكان الذي نحيا فيه له مميزات ضخمة تدل على سبق فضلٍ واجتباء عظيم من الله لك.
سبق فضل الزمان
هيا بنا نُطلق لخيالنا العنان، وليتخيل كل منا أنه قد ولد في زمان آخر غير الزمان الذي وُلد فيه.
تخيل أنك قد وُلدت في زمان قوم لوط، لتجد نفسك – عافاك الله – من أبناء أسرة تقترف أسوأ أنواع الفاحشة والعياذ بالله .. ماذا كنت ستفعل؟!
ألا توافقني أنه اختبار قاسٍ كان عليك اجتيازه، وأن نسبة نجاحك فيه لا شك ضعيفة؟!
تخيل لو أنك وجدت نفسك ابنًا من أبناء قوم فرعون أو عاد أو ثمود، أو من أبناء القرامطة أو أحد الفرق الضالة التي ظهرت في فترة من فترات التاريخ الإسلامي.
تخيل أنك قد ولدت في زمن التتار، أو محاكم التفتيش ماذا كنت ستفعل؟!
ألا ترى في تجنيبك كل ذلك عظيم حب ربك لك، وسبق فضله عليك أن أوجدك في هذا الزمان.
تيسر الحياة
ومما يلحق بنعم سبق الفضل في الزمان: تيسُّر الحياة، فلو كنت قد وُلدت منذ بضع قرون في نفس المكان الذي تحيا فيه الآن.. تخيل مدى صعوبة الحياة في ذلك الوقت .. لا كهرباء .. لا دورات مياه .. لا سيارات .. أو طائرات.. لا وسائل اتصال .. لا عمليات جراحية .
تخيل أنك في هذا الزمان أصبت بضعف في النظر ماذا كنت ستفعل؟ أتدري حجم الصعوبات التي كنت ستواجهها بنظرك الضعيف؟
تخيل أماكن قضاء الحاجة التي كانت تبعد عن مساكن الناس .. وتخيل حجم الجهد والوقت والمخاطر التي تواجه من يريد قضاء حاجته بخاصة في ليالي الشتاء الباردة والأجواء المتقلبة.
تخيل نفسك تريد السفر إلى مكة أو المدينة .. كم من الأيام كنت ستقضيها على ظهر بعيرك لتصل إلى مقصودك؟! تخيل .. تخيل.
سبق فضل المكان
هذا بالنسبة لنعم سبق الفضل في الزمان، ولكن هب أنك قد ولدت في هذا الزمان بالفعل، ولكن في مكان آخر غيرالذي تحيا فيه الآن، تخيل أنك وُلدت في أدغال أفريقيا، أو في الإسكيمو، أو في أماكن الفيضانات أو الزلازل، أو الأعاصير، أو البراكين.
تخيل أنك قد ولدت في أماكن الفتن والاضطهاد للمسلمين كتركستان وكشمير والفلبين وبورما.. ماذا عساك أن تفعل؟!
إن هؤلاء المضطهدين شاء الله عز وجل لهم أن يكونوا في هذه الأماكن ليؤدوا امتحان عبوديتهم لله بخاصة في مادة الصبر، وجزاؤهم عظيم إذا اجتازوا هذا الامتحان (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ( [الزمر: 10] ولكنه بلا شك امتحان قاسٍ عصمك الله منه.
الوالدان
تخيل أنك ولدت في هذا الزمان، ولكن لأبوين نصرانيين أو يهوديين أو بوذيين أو ملحدين أو شيوعيين أو هندوسيين.. ماذا كنت ستفعل؟!
ماذا كنت ستفعل عندما ترى أبويك يسجدان للبقرة، أو للصليب؟! أكنت ستُعمل عقلك وتستنفر سليم فطرتك كما أمرك الله، وكما حدث من القليل منهم، أم كنت ستسير على خطى الأغلبية؟!
امتحان رهيب عصمك الله منه، بأن خلقك لأبوين مسلمين .. أليس كذلك؟!
ثم تخيل أنك كما أنت وُلدت في هذا الزمان والمكان والديانة ولكنك وجدت أباك يعمل في مهنة مخلة بالشرف.. أو وجدته جبارًا من الجبابرة؟!
تخيل أنك وُلدت في بيئة فجور أو أسرة مترفة .. ماذا كنت ستفعل؟!
إنها امتحانات صعبة عصمك الله منها دون سبب منك أو اجتهاد.
اللسان العربي
ولكن هب أنك قد خُلقت من أبوين مسلمين لكنهما يتحدثان غير العربية كاللغة الفارسية أو الأردية أو الهندية أو الصينية أو الإنجليزية .. ماذا كنت ستفعل لكي تفهم القرآن وتتأثر بآياته وهو أمر واجب عليك وليس اختياريًا؟!
نعم، هؤلاء عليهم تعلم العربية ليفهموا القرآن ويتأثروا به، ولكن ألا ترى في ذلك عظيم فضل الله عليك أن أوجدك في بيئة تتحدث العربية، فلا تحتاج إلى جهد عظيم لكي تفهم كتابه وسنة نبيه؟! (62).
سبق الفضل في العافية:
تفكر ثم تفكر في مدى حب ربك لك، وسبق فضله عليك قبل أن تولد وذلك فيما سبق من جوانب، ثم تفكر في جانب عظيم من جوانب سبق الفضل الإلهي لك, ألا وهو سبق الفضل في العافية.
فلقد قدَّر الله عز وجل أن يولد عدد من الناس وبهم عيوب خلقية في القلب، أو قصور في المخ، أو خلل في الأطراف كامتحان لهم من ناحية، ولإظهار نعمته على المعافين من ناحية أخرى، ومع ذلك, لم تكن أنت – بفضل الله – منهم.
بلا شك أن هذا النقص الذي ابتُلى به هؤلاء يحتاج منهم إلى صبر واحتساب لينجحوا في اختبارهم، ولكن ألا ترى عظيم فضل ربك عليك أن اختارك فألبسك ثوب العافية ترفل فيه؟!
كلمة لا بد منها:
ليس معنى وجود نقص عند إنسان في أحد الأمور التي ذكرت أو غيرها دليل على عدم حب الله عز وجل له، بل هو عين الحب ولكن من جانب آخر، ولنعلم جميعًا أن الدنيا ليست دارًا للجزاء والنعيم كي يظن البعض هذا الظن، ولو يدري أهل العافية ما أعده الله لأهل البلاء الصابرين في الآخرة لتمنوا أنهم كانوا مثلهم.
إن النقص والبلاء الذي يصيب المرء ليس إهانة بل امتحان على صاحبه أن يجتازه، وكذلك فإن العطاء والفضل ليس كرامة بل امتحان أيضًا، فإن ظن المرء أن العطاء تفضيل ذاتي لشخصه دون مقابل فإن هذا العطاء يصبح وبالا عليه كما حدث مع فرعون وقارون وصاحب الجنتين.
والحقيقة التي لا مرية فيها أن الله عز وجل يحب عباده جميعًا ويريد لهم الخير، فإن اختص أحدًا منهم بشيء فهو سبحانه يريد من وراء ذلك أن يشكره عليها، وأن ينفع عباده به كما جاء في الحديث: «إن لله تعالى أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم»(63).
* * *

ثانيًا: من مظاهر حب الله لك:
هدايته وعصمته ودوام عافيتـــــه
خلصنا مما سبق أنه قبل أن تولد وتخرج إلى الدنيا اختارك الله عز وجل لتكون من مخلوقاته، وأكرمك أكثر وأكثر فجعلك واحدًا من بني آدم، واختارك لهذا الزمان ابنًا لأبوين مسلمين ناطقين بالعربية.
أحلَّ روحك في شكل مناسب، وعافاك من كثير من الأمراض الخِلقية قبل أن تبدأ رحلتك على الأرض.
واستمر فضله عليك حتى يومك هذا...
استمر فضله في نعمة العافية، فقد حفظك طيلة سنوات عمرك الماضية من الإصابة بأمراض كثيرة، وإذا ما أردت أن تعرف حجم هذا الحفظ، فتأمل كل صاحب مرض قد عافاك الله منه.
مئات بل آلاف الأمراض التي تصيب أجهزة الجسم وأعضاءه المختلفة قد عافاك الله منها.
لو علمت عدد الفيروسات والكائنات الدقيقة ومسببات الأمراض التي تحيط بنا، وتسبب أمراضًا خطيرة، والتي لا يمنعها من مهاجمتنا إلا الله عز وجل، لهرعت إلى السجود الطويل شاكرًا لله عز وجل على حفظه لك طيلة هذه السنين، ولسألته دوام وتمام العافية.
هدايته لك
أخي القارئ, يا من أكرمك الله عز وجل بالإيمان.
أتدري ما الذي حدث معك لتكون من أهل المساجد، بل من أهل الصلاة أصلا، ومن أهل الصيام والذكر والصدقة وفعل الخير؟!
لقد حبب الله إلى قلبك الإيمان، وشرح له صدرك، وكره إليك طريق الضلال والغي، ولو أردت أن تدرك حجم هذه النعمة العظيمة فتأمل أقرانك وجيرانك، وزملاء دراستك.
كم واحد منهم مثلك في تدينك والتزامك؟!
أتظن أن لك يدًا في ذلك؟! لا والله، بل هو محض الفضل الإلهي الذي منَّ الله به عليك (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ( [النور: 21].
إن كل صلاة صليتها كان الله سبحانه سببًا في أدائك إياها.
فقد كان من الممكن ألا تجد في نفسك همة ولا عزيمة للقيام بها، بل فتور وتكاسل.
كان من الممكن أن يصيبك شيء يقعدك، ويعيقك عن أدائها.
كان من الممكن أن يأتيك من يشغلك عنها, يأتيك اتصال هاتفي طويل، أو تحدث مشكلة تتدخل لحلها أو ...
كان من الممكن أن تذهب إلى أدائها فلا يطاوعك لسانك على الذكر، ولا أعضاؤك على الحركة.
هذه هي الحقيقة، فالذي مكنك من هذا كله وأزال عنك العوائق وشرح صدرك لأدائها هو ربك الودود، فليس بينك وبين ترك الصلاة إلا أن يتركك الله عز وجل لنفسك وحبها الدائم للراحة وكرهها المعهود للتكليف.
وكن على يقين بأن الفضل الإلهي يحدث مع كل صلاة تصليها، وكل صوم تصومه، وكل صدقة تتصدق بها، وكل تسبيحة تسبحها (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي( [سبأ: 50].
العصمة
أما عن مظاهر حب ربك لك في جانب العصمة من الفجور والكفر فمن الصعب إدراك أبعادها، ويكفيك في ذلك أن كل معصية تحدث على وجه الأرض من كفر واستهزاء بالدين، وإلحاد، وسرقة، وزنا، و تعامل بالربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وغش، وخداع، ورشوة، وعقوق للوالدين، و....
كل هذه المعاصي وغيرها لا يمنعك من القيام بها سوى ربك الذي كرَّهك فيها، وصرف ذهنك عنها، وأبعدك عن طريقها، وأبعدها عن طريقك.
فإن قلت: وهل من الممكن أن أفعل ذلك وأنا لم أقترف شيئًا منها طيلة حياتي، ولم أفكر فيها؟
نعم أخي، من الممكن أن يفعلها أي واحد منَّا لو تركه الله عز وجل ولم يعصمه منها، فلا يوجد في البشر من يستعصي على فعل المعصية – صغيرة أو كبيرة – وذلك لطبيعة النفس البشرية الأمارة بالسوء ووجود الشيطان الذي يوسوس ويزين للنفس فعل المعاصي.
فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي دعاء إبراهيم عليه السلام لربه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ( [إبراهيم: 35]. وكذلك يوسف الصديق عليه السلام عندما استجار بربه ليصرف عنه فعل السوء (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ( [يوسف: 33].
فماذا تقول لربك بعد ذلك؟!
ماذا تقول لمن عصمك من الكفر والفسوق والعصيان؟!
ماذا تقول لمن اجتباك وهداك إلى صراطه المستقيم؟!
ألا ينبغي لنا أن نردد – بيقين – ما كان يقوله رسولنا صلى الله عليه وسلم لربه في صباح كل يوم: وإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف، وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك(64). ونقول: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ( [الأعراف: 43].
* * *
ثالثًا: من مظاهر حب الله لك:
قيامه على شئونك
تخيل معي لو أن شخصًا ما يقوم برعايتك باستمرار، ويدير كل شئونك.. يأتيك بالطعام والشراب وسائر ما تحتاج.
تريد الماء فتجده يسارع بإحضاره، وسقايته لك.
تريد الطعام فيشتريه ويطهيه ويناولك إياه، بل يطعمك بنفسه.
يحمل عنك أغراضك، ويقضي لك حوائجك.
تنام فيظل ساهرًا بجوارك، يحرسك ويحميك، ويطمئن عليك.
تخيل لو أن شخصًا يفعل معك ذلك كل يوم وبدون مقابل.. ماذا ستكون مشاعرك نحوه؟!
أليست مشاعر الامتنان والحب هي التي ستغمرك تجاهه؟!
فإن كان من الطبيعي أن تتملكك هذه المشاعر تجاه من يتولى رعايتك في بعض جوانب حياتك، فماذا ينبغي أن تكون مشاعرك تجاه من يتولى القيام على جميع شئونك منذ أن ولدت وحتى يومنا هذا.. وحتى لحظتك هذه؟!
لا حول ولا قوة إلا بالله
لقد خلقنا الله عز وجل من العدم وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة والأطراف والأجهزة المختلفة كأسباب تتيسر لنا من خلالها الحياة بلا منغصات.
هذه الأسباب لا تملك في نفسها القدرة الذاتية على القيام بوظائفها المختلفة، فالعضلات- مثلا- خلقها الله عز وجل ولديها القابلية للانقباض والانبساط، لكن الذي يمدها بالفاعلية والقدرة على ذلك هو الله سبحانه وتعالى. في كل لحظة وطرفة عين يمدها سبحانه بما يكفل لها القيام بوظيفتها ولو تخلى عنها طرفة عين لما انقبضت، ولا انبسطت، فإذا أردت الضحك لا تطاوعك عضلات فمك فيما تريد لأنها بدون المدد الإلهي تبقي عاجزة (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى( [النجم: 43].
هذه هي الحقيقة فهو سبحانه الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أقام وأقعد، وهو الذي حرَّك وسكَّن.
نعم- أخي القارئ- لا قيمة لأحد منا بدون الله، وكيف لا وكل خلية تعمل في جسمك فإن ربك هو القائم عليها، وعلى تدبير شئونها.
القلب يتعاهده ويحفظه ويتولى ضبط سرعة ضخه للدم.
اللقمة التي تأكلها في فمك يتولى سبحانه وتعالى عملية تسييرها وهضمها وامتصاص النافع منها، وإخراج ما ينبغي إخراجه.
النَفَس الذي تتنفسه يتولى سبحانه عملية دخوله إلى الرئتين وأخذ مادة الأكسجين منه وإخراجه محملا بثاني أكسيد الكربون.
الكُلية يعمل بها حوالي مليون جهاز ترشيح يقوم عليهم جميعًا ويتولى أمر حفظهم وإمدادهم بالقدرة على تنقية الدم والسوائل مرات ومرات في اليوم الواحد.
يقوم سبحانه على الجهاز العصبي والإحساس, وعلى الجهاز المناعي، وعلى الغدد وما تفرزه من هرمونات تحتاج دومًا إلى ضبط نسبها الدقيقة في الدم.
قائم على الدم، وضبط درجة سيولته في كل لحظة، فلو زادت لحدث النزيف ولو نقصت لكانت الجلطات والعياذ بالله.
يتولى سبحانه أمر إبصارك بالعين، وسماعك بالأذن، ونطقك باللسان.
يمدك بالماء ويمكنك من شربه، ويمده بالقدرة على إروائك (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ( [الحجر: 22].
يتولى أمر إثمار الطعام بأنواعه لتجده أمامك في أي وقت تشاء (فَلْيَنظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ( ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ( وَعِنَبًا وَقَضْبًا ( وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً ( وَحَدَائِقَ غُلْبًا ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ( مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ( [عبس: 24- 32].
يوحي إليك فعل الخيرات ويحببها إليك، ويصرف عنك فعل المنكرات ويكرهك فيها.
يجعلك تنام لترتاح، ويتولى حفظك وأنت نائم، ثم هو الذي يوقظك ويرد إليك روحك.
قريب منك.. أقرب مما تتخيل، يجيب دعاءك إذا ناديته بصدق وطلبت منه حاجتك.
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ( [البقرة: 186].
يحميك من نفسك ومن عدوك (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( [فصلت: 36].
يحفظ لك أولادك وأهلك «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
فماذا تقول لمن يفعل معك كل هذه الأمور وغيرها كل يوم ومنذ أن ولدت؟!
ماذا تقول لمن يطعمك ويسقيك وإذا مرضت فهو الذي يشفيك؟!
فلتردد معي قوله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي يطُعمِ ولا يُطعمَ، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودّع ربي، ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبَصَّر من العَمي، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين»(65).
* * *
رابعًا: من مظاهر حبه لك:
تسخيـــر الكون لك
الله عز وجل خلق الإنسان ليكون عبدًا له، وسيدا لما سواه، فلقد جعل الكون المحيط به مسخرًا لخدمته، يعمل من أجل راحته ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا( [البقرة: 29] (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ([الرحمن : 10].
انظر- مثلا- إلى السماء فستجد الشمس تتحرك حركة دائبة كل يوم من المشرق إلى المغرب، لم تخلد يومًا إلى الراحة، وكيف تفعل ذلك وتغيب عنا وهي مأمورة بإمدادنا بالضياء والطاقة؟
والقمر كذلك يتحرك حركة دائبة من أول يوم في الشهر العربي يكون فيه هلالاً يكبر يوما بعد يوم فيكون بدرًا يضيء السماء ثم يعود كما كان في نهاية الشهر فيساعدنا بذلك على معرفة الأيام والشهور (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ( [إبراهيم: 32- 33].
أنت القائد
أنت قائد هذا الكون أيها الإنسان، فكل ما فيه مسخر لخدمتك..
انظر إلى جسمك وتأمل ما فيه من جوانب التسخير والخدمة لك أيها المكرم.. فعينك مُسخَّرة لترى بها ما حولك، ولسانك ما هو إلا خادم لك لتعبِّر من خلاله عما تريده، ويدك للبطش والكتابة، والتسبيح، ورجلك للحركة والذهاب إلى
حيث تشاء.
كل هذا يتم دون اعتراض أو تمنُّع، بل استسلام تام وانقياد تام لأوامرك.
هل فكرت يومًا في الطعام الذي تأكله كيف تتم رحلته داخل جسمك فيحدث من خلالها الهضم والامتصاص وإخراج الفضلات.
إن الأجهزة الداخلية تعمل داخلك ليل نهار لتقوم على راحتك، فلا تجهد ذهنك في التفكير عن كيفية عملها وماذا يحدث في داخل الرئتين أو القلب أو الكبد أو....
لا تفكر في كيفية التئام جرح من الجروح فهناك من يقوم بذلك.
أرح نفسك من هذا كله فهناك خدم كثيرون لا يحصى عددهم يقومون على خدمتك.
أيها المدلل
انظر إلى طعامك وتخيل أن هذه الخضروات والفواكه لن تكون موجودة بهذه السهولة، وأن المطلوب منك هو أن تقوم بنفسك على عملية استخراجها من مكوناتها الأصلية.
كم من الوقت والجهد ستبذله للحصول على بعض ثمار الخيار مثلا، بل على ثمرة واحدة؟!
أيها المدلل...
أتدري أن هناك مصانع لا تعد ولا تحصى موجودة تحت الأرض وفوقها تعمل ليل نهار- بإذن ربها- من أجل أن توفر لك شتى أنواع الأطعمة وما عليك إلا أن تجمع إنتاجها، وتختار منه ما يروق لك؟!
تخيل ثم تخيل
تخيل- أخي القارئ- أن الدابة التي تستخدمها في تنقلاتك من مكان لآخر، قد أنطقها الله عز وجل، فإذا هي تسألك قبل تحركها بك عن وجهتك، ولماذا تذهب إلى هذا المكان، وكم من الوقت ستستغرقه فيه و.....
تخيل أن الماء الذي تريد شربه لا يتحرك في فمك، بل يسألك لماذا تشرب الآن؟ ألم تشرب منذ قليل؟!
تخيل أنك تريد الكتابة فلا تتحرك معك يدك بل توبخك على كثرة استخدامها وعدم إعطائها راحتها.
تخيل ذلك وتخيل أن كل من حولك من المخلوقات يتكلم، ويناقش قبل قيامه بتنفيذ الأوامر.. ثم اسأل نفسك كيف ستكون الحياة بهذا الشكل؟!
لا تستغرب – أخي- هذا الكلام، فبالفعل قد أنطق الله بقرة في عصر من العصور السابقة لتكون آية للناس تشعرهم بحجم نعمة التسخير، ونعمة صمت الكائنات من حولنا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنَّا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر...». (66)
سل نفسك
وبعد أن تخيلت ما تخيلت، سل نفسك:
هل يرفض الماء إرواءك، والطعام إشباعك؟!
هل ترفض الدواب حملك إلى المكان الذي تريد ولو كان لا يرضي الله عز وجل؟!
هل امتنعت النار عن الإحراق والماء عن الغليان؟!
هل امتنعت الشمس يومًا عن الإشراق، والليل عن الإظلام؟!
تأمل ثم تأمل هذا اللون العجيب من نعم التسخير والتكريم لك أيها الإنسان واسأل نفسك- مرة أخرى- لماذا ميزك الله عن سائر مخلوقاته؟!
ولماذا هيأ الكون كله لخدمتك، وجعلك قائده وسيده؟!
هل هناك جواب آخر غير أنه يحبك ويريد لك النجاح في المهمة التي خُلقت لأجلها، ومن ثَّم دخول الجنة والتمتع بنعيمها الأبدي؟!
جاء في الأثر: «يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له».
***

خامسًا: من مظاهر حبه لك
كرمه البالغ وهداياه المتنوعة إليك
إن ميزان العدل يقول إن من عمل حسنة كان جزاؤه حسنة، ومن عمل سيئة كانت عليه سيئة، ولكن ميزان الكرم والفضل الإلهي له رأي آخر (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا( [الشورى: 23].
فميزان الحسنات يختلف عن ميزان السيئات, كرمًا منه سبحانه وتعالى، وحبًا لعباده، ورغبة في دخولهم الجنة (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ( [الأنعام: 160].
تأمل أخي القارئ قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة».(67)
فإن كنت في شك من جوده وكرمه فماذا تقول في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر».(68)
وماذا تقول في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشرًا، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل».(69)
وغير ذلك من الأعمال المتاحة للجميع في أي وقت، والتي رتب الله على أدائها عظيم الثواب.
من الأمير؟
جعل الله عز وجل لكل عبد من عباده ملكان يحصيان عليه أعماله, مَلَك على اليمين يكتب الحسنات، وملك على الشمال يكتب السيئات، فمن هو الأمير الذي له الكلمة على الآخر؟!
يقول صلى الله عليه وسلم: «صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل عبد حسنة كتبها بعشر أمثالها، فإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك ست ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيئًا، وإن لم يستغفر كُتبت عليه سيئة واحدة».(70)
أأدركت أخي قدر المعاملة الكريمة التي يعاملنا الله بها؟!
كريم في عطاياه
هذا من ناحية الكرم في الجزاء، أما الكرم في العطاء والرزق فحِّدث ولا حرج.. انظر معي إلى أصناف الفواكه مثلا، ألم يكن يكفينا صنف أو صنفان يدُخلان السرور علينا، ونتمتع بلذيذ طعمها؟! ولكنه الكرم الإلهي الغير محدود الذي أتاح لنا هذه الأنواع الكثيرة كي نتمتع بها، بل إن الصنف الواحد له عدة صور، وقل مثل هذا على الخضروات والطيور والأسماك.. هذا مع العلم بأننا لم نعرف بعد كل أنواع هذه المأكولات.
بل العجيب أن هناك مخلوقات خلقها الله عز وجل لإشاعة البهجة في نفوسنا عند رؤيتها (وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ( [النمل: 60].
الهدايا المتنوعة
لقد وصانا نبينا صلى الله عليه وسلم بالتهادي فيما بيننا ليزداد الحب، فالهدية لها تأثير عجيب في استمالة القلوب تجاه مُعطيها؛ قال صلى الله عليه وسلم «تهادوا تحابوا».(71)
هذه الوسيلة العظيمة ذات الأثر المجرب في تنمية الحب يفعلها معنا ربنا باستمرار، فهداياه لا تنقطع عنا رغم إعراضنا الشديد عنه, يتحبب بها إلينا حتى نزداد له حبًا، وهو من هو.. هو الإله العظيم الذي خضعت له السماوات والأرض والجبال والبحار وكل شيء في هذا الكون.. هو الله الذي له ملكوت كل شيء.
هو الرب الغني الذي لا ينتظر من عباده طاعة تنفعه، ولا يخشى منهم معصية تضره- حاشاه- هذا الإله بجلاله وكماله وملكه العظيم يتودد ويتحبب إلينا بإرسال تحفه وهداياه كل حين, قال صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدًا».(72)
ومن هذه النفحات والهدايا: يوم عرفة.. فإن صمته أخي القارئ غُفر لك ذنوب عامين, عام سابق وعام لاحق، وإن استطعت أن تكون في أرض عرفة في هذا اليوم تستغفر ربك غُفرت كل ذنوبك، وأصبحت كيوم ولدتك أمك.. بلا ذنوب ولا خطايا.
وكذلك يوم عاشوراء فمن صامه غُفرت له ذنوب عام كامل.
والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت الكبائر.
وفي شهر رمضان: الفريضة فيه بسبعين فريضة، والعبادة في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.
فماذا تقول لمن يهديك كل هذه الهدايا بلا مقابل ينتظره؟!
«يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا».
قال بعضهم: ليس العَجَب من فقير يتودد، وإنما العجب من غني يتحبب.
يرضى بالحمد شكرًا
إن الحقيقة التي لا مرية فيها أن لله عز وجل هو الذي يطعمنا ويسقينا ويتولى جميع شئوننا بالإمداد والرعاية ولولاه ما كانت حياة.
والمفترض أن يكون المقابل الذي نؤديه لله عز وجل كشكر له على نعمه وإمداده المتواصل لنا: هو السجود المتواصل، والتسبيح المطلق كحال الكون كله وما فيه من مخلوقات (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ( [الأنبياء: 20].
ولكنه- سبحانه وتعالى- لم يطلب منا ذلك، بل طلب أعمالا يسيرة لا تستغرق منا وقتًا معتبرًا، ويكفيك في هذا قولهصلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها».(73)
بل إنه سبحانه وتعالى يعلي من شأن هذا الحمد كما قال صلى الله عليه وسلم «ما أنعم الله على عبد نعمة، فحمد الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة».(74)
رب شكور
بلا شك أن الله عز وجل هو الذي يحبب إلينا فعل الخير، ويعيننا على القيام به، ويصرف عنا الشواغل، ويزيل العوائق، فلولاه سبحانه ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ( [الأعراف: 43].
ومع ذلك فإننا نجده سبحانه يُعظِّم أعمالنا ويكبرها، ويشعرنا بأننا قد فعلنا شيئًا عظيمًا.. تأمل قوله لأهل الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( [النحل: 32].
أهذه الأعمال القليلة تستحق هذا الجزاء العظيم لو افترضنا أن أصحابها بالفعل قد قاموا بها دون إعانة من أحد؟ فما بالك والأمر غير ذلك، فالله عز وجل هو الذي وفقهم وأعانهم للقيام بها, ثم يقول لهم بعد ذلك وهم يتقلبون في صور النعيم في جنات الخلود: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا( [الإنسان: 22].
تخيل لو أن رجلا غنيًا- واسع الثراء- له صديق فقير يحبه كثيرًا ويريد أن يساعده دون أن يجرح مشاعره، فهداه تفكيره إلى أن يطلب منه القيام ببعض الأعمال البسيطة الخاصة به، فلما قام بها أعطاه مقابل ذلك عطاء كبيرًا، ولم يكتف بذلك بل أشعره بأن ما قام به من أعمال قد عادت عليه بنفع كبير، وأنه مهما أعطاه فلن يستطيع أن يوفيه حقه، و...
كل هذا ليقبل صديقه الفقير أعطيته بنفس راضية، على الرغم من أن هذا الفقير يعلم في قرارة نفسه أن هذا المقابل لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع ما قام به من أعمال.
هذا تشبيه- مع الفارق- لما يستشعره أهل الجنة عندما يفاجئون بنعيم لا يمكن تخيله (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ( [فاطر: 33].
فماذا يقولون بعد ذلك؟!
(وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ( [الأعراف: 43] فإذا بهم يفاجئون بنداء يقول لهم: بل هذا حقكم وجزاء أعمالكم (وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( [الأعراف: 43].
كرم عجيب
تأمل معي أخي القارئ هذا الحديث الشريف الذي يخبرنا عن حوار دار بين آخر رجل يدخل الجنة، وبين الله عز وجل، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى! فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو أن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي، أو تضحك بي وأنت الملك» قال: فلقد رأيت رسول الله × ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: «ذلك أدنى أهل الجنة منزلة».(75)
وفي نهاية الحديث عن مظاهر الكرم الإلهي أتركك- أخي- تتأمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رحيم، حيٌّ، كريم، يستحي من عبده أن يرفع يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا»(76).
* * *


سادسًا: من مظاهر حب الله لك:
رحمته ورأفته بك وشفقته وحنانه عليك
في يوم من الأيام وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صحابته إذ جاءه سَبْي،
وفي هذا السَبْي امرأة تسعى ملهوفة مضطربة- فقد ضاع منها صبيها- واستمرت على ذلك الحال الشديد حتى وجدته، فأخذته وضمته إلى صدرها بشدة، ثم أرضعته.
منظر مؤثر دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يعلق عليه ويقول لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار»؟! قالوا: لا والله. قال «الله أرحم بعباده من هذه على ولدها».(77)
وفي بعض مغازيه صلى الله عليه وسلم وبينما كان يسير مع أصحابه، إذ أخذ بعضهم فرخ طير، فأقبل أحد أبويه حتى سقط في أيدي الذي أخذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تعجبون لهذا الطير أُخذ فرخه فأقبل حتى سقط في أيديهم، والله لله أرحم بخلقه من هذا الطير بفرخه».(78)
نعم، أخي القارئ، الله عز وجل أرحم بنا من أمهاتنا، ومن آبائنا، وأبنائنا وأزواجنا. يقول عبد الله بن مسعود: لله أرحم بعبده يوم يأتيه، أو يوم يلقاه، من أم واحد فرشت له بأرض قرّ، ثم قالت (نامت) فلمست فراشه بيدها، فإن كان به شوكة كانت قبله، وإن كانت لدغة كانت بها قبله.(79)
لا وجه للمقارنة
فإن قلت إن والديَّ لا يفتآن يدعوان لي بالصلاح والفلاح حرصًا منهما عليَّ وعلى استقامتي، ذكرناك بقوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا( [الأحزاب: 43].
وإن قلت فإن والدي يعتصرهما الألم والشفقة إذا ما أصابني مكروه من مرض ونحوه، بشرناك بأن الله عز وجل يشملك وقت مرضك- عافاك الله من كل مكروه- برعاية ومعية لا يمكن تصورها، ويكفيك في ذلك هذا الحديث القدسي الذي يخبرنا بأن الله عز وجل يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده»... الحديث(80).
وليس هذا فحسب بل إنه سبحانه وتعالى قد رغَّب عباده في عيادة المريض، ووعدهم على ذلك بعظيم الجزاء لتكون الزيارة سببًا في رفع معنويات المريض، وتخفيفًا عنه، وتسرية له.
قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يعود مسلمًا غُدْوَة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشيّة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة».(81)
وليس ذلك للمريض فحسب، بل لكل أصحاب الحالات الخاصة والضعفاء كأهل البلاء والأرامل والأيتام.
فهؤلاء تزداد الرحمة والشفقة الإلهية عليهم، وتزداد تبعًا لذلك وصاياه لنا برعايتهم مع وعده – سبحانه- بعظيم الجزاء الذي يفوق ويفوق ثواب الكثير من العبادات.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يَفتُر، وكالصائم الذي لا يُفطر»(82).
ويخبرنا عليه الصلاة والسلام مبلغًا عن ربه بأن «من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه (83).
أما عن اليتيم فلا تسل عن فضل كفالته.. يكفي أن كافله سيكون جار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.
وليس هذا فحسب، بل كان الترهيب الشديد من تضييع أمواله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا( [النساء: 10].
ولماذا الابتلاء؟!
قد يقول قائل: ولماذا هذه الأقدار المؤلمة، والابتلاءات الشديدة التي تتنافى
-ظاهرًا- مع مظاهر الرحمة الإلهية بالناس؟‍!
نعم، قد يكون لهذا السؤال وجاهته إن كانت الدنيا هي دار النعيم الأبدي والمستقر النهائي، ولكن الدنيا ليست كذلك، فهي دار اختبار، يؤدي كل من عليها امتحانًا في مدى عبوديته لربه (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً( [الكهف: 7].
هذا الامتحان مكون من تكاليف يقوم بها الفرد، وأدوات عليه أن يُحسن التعامل معها، فالتكاليف هي الأوامر والنواهي، والأدوات هي العطاء والمنع.
أما العطاء فهو كل ما يرد على العبد من النعم، والمطلوب منه أن يشكر الله عليها.
والمنع هو كل ما يمنع الله منه العبد من صحة أو مال أو....، والمطلوب أن يصبر على ذلك ابتغاء وجه الله.
فالعطاء ليس دليل كرامة من الله للعبد، والمنع ليس دليل إهانة، بل كلاهما مواد اختبار (فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ( كَلاَّ( [الفجر: 15- 17].
فإن قلت: ولماذا لا يمتحن الناس جميعًا في مادة العطاء؟
لو كان الجميع في صحة وعافية ورزق وفير ما استشعر الناس قيمة هذه النعم، ولما انكشف المتواضع من المتكبر، ولا الشاكر من الجاحد، ولا الصابر من الشاكي ربه.. ألم يقل سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ( [محمد: 31].
وقال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( [الأنعام: 165].
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الله عز وجل يبسط الرزق أو يمنعه عن عباده حسب ما يصلحهم، وبحسب حالتهم التي لا يعلمها سواه (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَّشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا( [الإسراء: 30].
لذلك جاء في الحديث القدسي يقول الله عز وجل: «إن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح حاله إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك...». (84)
وما يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب، تخافون عليه».(85)
من فوائد الابتلاء
الله عز وجل يبتلي عباده ليذكِّرهم به، وبضرورة العودة إليه قبل فوات الأوان (وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( [الزخرف: 48] فهو إذن مظهر عظيم من مظاهر رحمة الله بالعصاة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ( [الأنعام: 42].
ويبتلي سبحانه عباده كذلك ليطهرهم من ذنوبهم في الدنيا قبل أن لا يصبح أمامهم طريقة للتخلص منها إلا بالنار.
أيهما أهون علينا- أخي القارئ- التطهير في الدنيا أم التطهير في الآخرة بالنار والعياذ بالله.
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «ما يُصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه».(86)
وقال: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة»(87).
وهناك طائفة أخرى من العباد الطائعين لربهم، يريد سبحانه أن يكافئهم برفع درجاتهم في الجنة، ولكن أعمالهم لا يمكنها أن ترقى بهم إلى هذه الدرجات فكان الابتلاء وسيلة يستخرج الله عز وجل من قلوب هؤلاء ألوانًا من العبودية من ذل وانكسار وفقر واضطرار ما كانت لتخرج من قلوبهم إلا من خلال هذا الابتلاء.
ويؤكد على هذا المعنى القاضي عياض في كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم»، فيقول: فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدّتها عليه صلى الله عليه وسلموعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتحُنوا به، كأيوب، ويعقوب، ودانيال، ويحيي، وزكريا، وإبراهيم، ويوسف، وغيرهم، صلوات الله عليهم، وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه؟
فاعلم- وفقنا الله وإياك- أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، لا مبدل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم (لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ( [يونس: 14]. فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا، والشكر والتسليم، والتوكل، والتفويض، والدعاء، والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم، وموعظة لسواهم ليتأسَّوا في البلاء بهم، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحوٌ لهَنَّاتٍ فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا الله طيبين مُهذّبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأَجْزل. (88)
جاء في الأثر: إن الله تعالى ليصيب العبد بالأمر، وإنه ليحبه، لينظر كيف كان تضرُّعه إليه. (89)
? أخي ..
إن بعض الناس لا يرغب في نزول المطر لأنه يراه عائقًا أمام حركة السير، وسببًا لبعض الحوادث.
ولكن المطر- في حقيقته- من أجَلّ صور الرحمة الإلهية بالناس، فيه ينبت الزرع وتحيا الحياة، وترتوي المخلوقات، وليس معنى عدم استشعار البعض لهذه الحقيقة أن يتوقف نزول المطر- رحمة بهم على حد زعمهم- بل إن الرب الرحيم يرى المصلحة العامة لعباده فُيقدِّر الأقدار، ويحرك الأحداث من أجل تحقيقها.
فالابتلاء وإن كان في ظاهره الضيق والعنت إلا أنه يحمل في طياته رحمات كثيرة (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا( [النساء: 19].

الشفقة الإلهية
ثم تأمل معي هذا الحديث لتدرك بعضًا من أبعاد الشفقة والرأفة الإلهية بعباده والتي تزداد وتزداد عند ابتلائهم.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد قال تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول، قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد».(90)
أما يوم القيامة فالتكريم الخاص ينتظر أهل البلاء الذين نجحوا في مادة الصبر. يقول صلى الله عليه وسلم: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِّضت في الدنيا بالمقاريض».(91)
الابتلاء بالذنب والحرمان من الطاعة
ومن المظاهر العجيبة للرحمة الإلهية ابتلاؤه لعباده بالذنب، والحرمان من الطاعة، بتركهم لأنفسهم وعدم إعانتهم وتوفيقهم للقيام بالطاعة والإقلاع عن الذنب، فيستشعروا وقتها مدة فضل ربهم عليهم، وأنهم به لا بأنفسهم، وأنه لو تخلى عنهم طرفة عين لهلكوا، ولضلوا، ولوقعوا في أشد المعاصي.
وفي المقابل لو استمر إمدادهم بالتوفيق والإعانة اللازمة للقيام بالطاعة، وترك المعصية، فمن المتوقع أن يتسرب إلى نفوسهم داء العُجب، فيعجبوا بأعمالهم، وبصلاحهم، ويغترون بذلك، ويظنون أن لهم مكانة خاصة عند الله بهذا الصلاح وهذه الأعمال، ويحتقرون غيرهم من المقصرين، فتكون هذه الطاعات سببًا لارتدائهم رداء الكبر، ومن ثمَّ استدعائهم لغضب الله وعقابه المُستحق للمتكبرين.
لذلك كان الابتلاء بالذنب، والحرمان من الطاعة من لطف الله الخفي بعبده، بل من دلائل حبه له أحيانًا.
جاء في الحديث: «يقول الله عز وجل: وإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأكفه عنه كيلا يدخله العجب، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير»(92).
ولعلنا بذلك ندرك مغزى قوله صلى الله عليه وسلم: «لو لم تكونوا تذنبون، لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العُجب العُجْب».(93)
ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله صلى الله عليه وسلم للصحابة «لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم».(94)
الرحمة الواسعة
إن رحمة الله بعباده ولطفه الخفي بهم ليس له حدود ولا يمكن للعقل البشري أن يدرك أبعاده، ويكفي أنه سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة، ففي الحديث «إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي».(95)
وجاء في الأثر أن بني إسرائيل قالت لموسى (: «هل يصلي ربك؟ قال موسى: اتقوا الله يا بني إسرائيل. فقال الله يا موسى: ماذا قالت لك قومك؟ قال: يا رب قد علمت، قالوا: هل يصلي ربك؟ قال: فأخبرهم أن صلاتي على عبادي أن تسبق رحمتي غضبي, لولا ذلك لأهلكتهم».(96)
ومن أعظم الأدلة التي تؤكد هذا المعنى: رحمته سبحانه بالعصاة له والكافرين به، فهو سبحانه لم يمنع عنهم رزقه رغم عصيانهم وابتعادهم عن طريقه، ولم يُعجل نهايتهم فلعلهم يعودون إليه في لحظة من اللحظات (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( [البقرة: 143].
ويكفينا في ذلك ما حدث من فرعون من طغيان فاق الحدود، ومع ذلك أمهله الله عز وجل وأرسل إليه موسى وهارون عليهما السلام (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى( [طه: 43، 44] فظلا يحاورانه ويثُبتان له بالأدلة الدامغة ألوهية الله وربوبيته على خلقه، ولكنه أبى واستكبر.. وكان ما كان من تتبعه لموسى في البحر إلى أن أغرقه الله عز وجل.. في هذه اللحظات- لحظات النهاية، وبعد أن أصبح الغيب عنده كالشهادة قال (آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [يونس: 90].
شهادة لا تنفع في هذا الوقت، وقت الغرغرة ونزع الروح، ورؤية الملائكة، ومع ذلك فإن جبريل ( كان له موقف عجيب انطلق من إدراكه لمدى سعة الرحمة الإلهية، وانطلق كذلك من بغضه الشديد لفرعون وأفعاله الطاغية، وكبره وإصراره على الكفر رغم ما رأى من آيات مبصرة.
يقول صلى الله عليه وسلم: «لما أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من ماء البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة».(97)
رب رءوف:
? أخي القارئ, لعلك قد لمست مدى شفقة أمك عليك وهي ترغِّبك في تناول وجبة الإفطار قبل ذهابك لمدرستك أو عملك خوفًا عليك من أن يداهمك التعب والإرهاق.
وأين هي رحمة أمك وعطفها-مهما بلغا- من رحمة ورأفة الرءوف الرحيم، الذي يعاملك ويعاملنا جميعًا بشفقة تفوق وتفوق شفقة أمك بك.
فمع أنه- عز وجل- يكلفنا بأداء العبادات ليجزينا عليها الجنة، إلا أنه لا يريد لنا أن نقع في مشقة أو حرج من أدائها (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( [الحج: 78].
يطالبنا بالصوم، ثم يرغبنا في التعجيل بالفطر، فيكفي الصيام حتى المغرب، ولا داعي للتأخير أكثر من ذلك حتى لا يزداد الإرهاق، ففي الحديث القدسي: قال الله عز وجل: «أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا».(98)
ويحثنا كذلك على السحور، وعلى تأخيره قدر المستطاع لينشط به الصائم ويقوى، ويهون عليه صيام يومه.
قال صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة».(99)
ربك- أخي- علمنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كلمات نقولها حتى لا يصيبنا مكروه، ففي الحديث: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم- ثلاث مرات- فيضره شيء».(100)
وعند الخروج من المنزل ومواجهة أحداث الحياة أوصاك أن تقول: «بسم الله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيقال لك: كُفيت ووقيت وهُديت، وتنحى عنك الشيطان».؟(101)
وتأمل معي هذه الوصية النبوية التي تقطر شفقة ورحمة إلهية:
«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب».(102)
ربك أوصاك على لسان نبيه بأن تميط الأذى عن الطريق كيلا يتسبب وجوده في إيذاء الناس؛ شفقة عليهم ورحمة بهم.
ولكي يشجعنا على تنفيذ هذا الأمر أعد مكافأة خاصة لمن يقوم بذلك, قال صلى الله عليه وسلم «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأُدخل الجنة»(103)
فأي شفقة ورحمة تلك التي يغمرنا الله بها؟!
رفع الحـــــــرج
ومن مظاهر رحمة الله وشفقته بعباده رفع الحرج عنهم من خلال تخفيف العبادات عند مظنة وقوعهم في مشقة.
فالصلوات الخمس التي لا يستغرق أداؤها وقتا طويلا، والتي نستفيد نحن منها لتسكب داخلنا الطمأنينة، والسلام الداخلي، ومع ذلك، ففي وقت السفر، ومظنة التعب، فإنه سبحانه يخفف عن المسافرين عدد ركعات الصلوات الرباعية ليجعلها ركعتين، ويسمح لهم كذلك بالجمع بين الصلوات تخفيفًا عليهم، ورفعًا للحرج عنهم، مع العلم بأنه ليست كل الأسفار تسبب تعبًا ومشقة ولكنها الرحمة الإلهية التي تغمر الجميع (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( [البقرة: 185].
ولعلمه سبحانه بأن البعض قد يتحامل على نفسه ولا يأخذ بهذه الرخص فلقد أخبرنا على لسان نبيه بأنه- سبحانه- يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. (104)
ومن مظاهر رفع الحرج قوله صلى الله عليه وسلم: «وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».(105)
ومنها كذلك: عدم محاسبتنا عما نحدث به أنفسنا من مخالفات- وما أكثرها- يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به».(106)
ومن مظاهر رفع الحرج أيضًا مراعاته سبحانه للحاجات الفطرية للناس وحالات الضعف البشري التي تعتريهم ومن ذلك قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ( [البقرة: 187].
ومنها السماح للناس وهم في رحلة الحج أن يبيعوا ويشتروا ويتزودوا بما يريدونه (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ( [البقرة: 198].
لا تنس أنك عبد
إن العبد- أي عبد- من المفترض عليه أن يقوم بالتكاليف التي يطلبها منه سيده لمجرد أنه عبد، وأن هذا سيده، وليس له أيضًا أن يسأل عن سبب تكليف سيده له بذلك، ولا أن ينتظر أجرًا عليه، لأنه يخدمه بموجب أنه عبد عنده.
أي أننا وإن افترض الله علينا ما شاء من عبادات فهذا ما تقتضيه عبوديتنا له سبحانه، ويقتضيه كونه مستحقًا للعبادة، وعندما نراه- جل شأنه- يخفف عنا بعض التكاليف، ويرفع بعضها في أوقات معينة، مراعاة لظروف البعض، فهذا منتهى الرحمة والرأفة من الرب بعبيده المكلفين في الأصل بطاعته وعبادته.
شريعته كلها رحمة
ومما يؤكد هذا المعنى أن أحكام الشريعة التي أمرنا الله أن نتحاكم إليها ونتعامل بها ما هي إلا مظهر عظيم من مظاهر رحمته بعباده، ألم يقل سبحانه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( [الأنبياء:107] فالحدود على سبيل المثال لو تأملناها جيدًا لوجدناها بمثابة السور الشائك الذي يحمي بناء المجتمع المسلم، والذي لا بد من وجوده وإلا ضاع الأمن والأمان والثقة والاستقرار (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 179].
والجهاد في سبيل الله ما هو إلا مظهر عظيم من مظاهر الرحمة بعموم الناس.
فإن قلت: كيف يكون القتل والدماء رحمة بالناس؟!
يكون رحمة بالناس لأن من خلاله يزيل المسلمون العوائق التي تحول بينهم وبين دعوة الناس الذين لا يعلمون شيئًا عن الإسلام، فطغاتهم يشكلون حائلا يحول بينهم وبين وصول الدعوة إليهم (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ( [البقرة: 193].
تقليل الأعمال في أعيننا
ومن مظاهر رحمة الله بعباده أنه سبحانه يريد منهم أن يؤدوا ما أمرهم به كي يدخلهم الجنة، ولأنه يعلم كراهية نفوسنا للتكليف وحبها للراحة، فإنك تجده يقلل الأعمال المطلوبة في أعيننا ليسهل علينا أداءها، فيقول لنا عن الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ( [البقرة: 183، 184] تأمل عبارة: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ( وما فيها من معان الاستدراج وتيسير العبادة.
ونفس الأمر بالنسبة للحج: (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ( [البقرة: 203].
أما بالنسبة للمحرمات فهو سبحانه يخبرنا بأن كل الأطعمة والأشربة مباحة لنا إلا بعض الأصناف اليسيرة، ولو اضطررنا لتناولها فلا إثم علينا (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( [النحل: 115].
الرحمة المدَّخرة
إن الحديث عن مظاهر الرحمة الإلهية لا ينتهي، وكيف له أن ينتهي وقد أخبرنا سبحانه بأنه (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ( [الأنعام: 12] فرحمته سبحانه قد شملت كل شيء (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ( [الأعراف: 156].
ولعل أفضل ما نختم به الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله تعالى هذه البشرى التي حملها إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبرنا بأن الله عز وجل قد خلق مائة رحمة جعل جزءًا واحدًا منها للدنيا يتراحم بها الناس فيما بينهم، أما بقية المئة (التسعة وتسعون جزءًا) فقد ادخرها- سبحانه- ليوم أحوج ما نكون فيه إلى الرحمة, ليوم القيامة.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة
طباق بين السماء والأرض، فجعل منها في الدنيا رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخَّر تسعًا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها
بهذه الرحمة» (107).
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب بشر، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه»؟(108) .
* * *



سابعًا: من مظاهر حب الله لك:
تيسير طريقك إلى التوبة
والرجــــــــــوع إليـــــــه
كان رجل في بني إسرائيل اسمه «الكفل»، وكان معروفًا بين الناس بفحشه وإجرامه، وذات ليلة وبينما هو في منزله إذ سمع طرقًا على بابه، فقام ليفتحه فإذا بامرأة يقطر منها الحياء وقد جاءته لتطلب منه أن يقرضها مبلغًا من المال لحاجتها الضرورية إليه، فيوافق على إقراضها بشرط أن تمكنه من نفسها، فتضطر المرأة للموافقة، وعندما يقترب منها إذ بها ترتعد، فيسألها عن السبب، فتجيبه بأنها لم تفعل هذا من قبل، وإنها تخاف من غضب الله عليها.
هنا توقف الكفل عما كان ينوي فعله، وقال لها: من الذي ينبغي له أن يخاف من غضب الله: أنا أم أنت؟ ثم أعطاها ما تريد من مال، وتركها تنصرف، والندم يعتصر قلبه على آثامه التي اقترفها، وعلى استخفافه بأوامر ربه، ثم توجه إلى الله بهذا القلب المنكسر يسأله العفو والصفح والتوبة.
هل انتهت القصة على هذا الوضع؟!
لا، فقد حدث أن جاءه الموت وهو في هذه الحالة، فلما أشرقت الشمس وجاء الصباح، فوجئ الناس, جيرانه ومعارفه الذين تركوه بالليل, وهم يعلمون عنه ما يعلمون, فوجئوا جميعًا بأن باب داره مكتوب عليه «إن الله قد غفر للكفل».
لم يصدقوا ما قرءوه، فهرعوا إلى نبيهم، فأوحى الله إليه بما حدث، فأخبرهم خبره، فتلقوه فاغرين أفواههم، غير مصدقين ما حدث.
بلا شك- أخي القارئ- أن هناك دروسًا كثيرة تحملها هذه القصة، لعل من أهمها أن الله عز وجل عندما وجد من الكفل هذه التوبة الصادقة، وهذا الندم، أمر ملك الموت بأن يأخذه على هذا الحال لُينهي حياته نهاية سعيدة، فربما- كما في علم الله- أنه إذا ما استمرت حياته لعاد مرة أخرى لغيه وعصيانه.
ومن هذه الدروس كذلك معرفة مدى حب الله العظيم لعباده فكتابة العبارة على الباب ما هي إلا رسالة للناس جميعًا بأن رحمة الله واسعة.. تسع الجميع، فلا ينبغي لمذنب مهما كان جُرمه أن ييأس أو يقنط من بلوغها، والدليل أن الكفل قد غُفرَ له.. إنها رسالة تقول لكل فرد: أقبل ولا تخف، فربك ينتظرك.
وكيف لا يكون الأمر كذلك، والله عز وجل يحب عباده جميعًا، ويريد لهم الخير، ودخول الجنة، وينتظر من أي منهم التفاتة صادقة إليه ليقبل عليه، ويعفو عما مضى منه.
ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لقاتل المئة نفس:
قال صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مئَة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قَتل مئة نفس فهل له من توبة؟
فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أُناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يفعل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة»(109).
وفي رواية: «فأوحي الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له».
لا يحوجنا إلى المشي الكثير
نعم، أخي القارئ، إن ربك ينتظر منك أي بادرة صادقة في العودة إليه، ليقترب منك ويقترب، ولا يحوجك إلى المشي الكثير، كما في الحديث القدسي: «.. ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ...»(110).

يعلق الإمام النووي على هذا الحديث فيقول:
أي من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي، وإن زاد عبدي زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود (111).
فهل توافقنى -أخى- أن هذا الحديث وغيره مما سبق ذكره يدل على شدة شوقه سبحانه لعودة عبادة إليه، وأنه أشد شوقا لهذه العودة من العبادة أنفسهم؟!
ولو كُشفت الحُجُب، وتأكد الشاردون عن الله من هذه الحقيقة لماتوا خجلا منه سبحانه.
بابه مفتوح للجميع:
? أخي .. ما تعليقك على قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»(112)؟
ألا يكفيك دليلا على حب ربك لك أن جعل بابه مفتوحًا أمامك ليل نهار، وبدون وجود حاجب ولا واسطة، فمتى شئت، ومتى رغبت في الدخول عليه دخلت؟!
ألم يكن من الممكن أن يكون الدخول على الله ودعاؤه في وقت محدد بالليل أو بالنهار، وعلى من يريد أن يجاب طلبه أن يجتهد في تحري هذا الوقت كما يحدث مع كل صاحب سلطان.
ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ أن يفعل ذلك، فلم يغلق بابه أبدًا في وجه أحد مهما كان جُرمه.
نعم، مهما كان جُرمه.
وليس ذلك للمسلمين فحسب بل لجميع عباده من يهود ونصاري وملحدين وبوذيين, ومن منافقين، وفاجرين، وقطاع طرق، ومجرمين.
أليس كل واحد من هؤلاء له مكان في الجنة يريد الله له أن يشغله، ولا يتركه؟!
فإن كنت تشك في هذه الحقيقة فتأمل معي توجيهه لرسوله الكريم: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ( [الأنفال: 38] هكذا بكل بساطة.
وتأمل خطابه للمنافقين، فبعد أن حذرهم وخوفهم من مآل أفعالهم عاد فلم ييئسهم من رحمته بل جعل الطريق أمامهم ممهدًا للتوبة والعودة إليه ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا( [النساء: 145، 146].
وبعد ذلك يأتي التأكيد على أن الله عز وجل لا يريد أن يعذب أحدًا من خلقه (مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا( [النساء: 147].
وتأمل كذلك – أخي القارئ – خطابه للذين يعذبون الناس, الطواغيت الظلمة, هؤلاء لو تابوا لتاب عليهم (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ( [البروج: 10].
والذين يروعون الآمنين ويقطعون الطريق حدد الشرع جزاءهم (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ( [المائدة: 33]. ولكن لو تاب هؤلاء اللصوص القتلة لتاب الله عليهم كما جاء في الآية التي تليها:
(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( [المائدة: 34].
وكذلك الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( [البقرة: 159، 160].
أقبل ولا تخف
? أخي, إن ربك ينتظرك – وينتظرنا جميعًا – يناديك: أقبل ولا تخف.. متى جئتني قبلتك، وعلى أي حال تكون فيها «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة»(113).
نعم يا أخي إن مغفرته سبحانه تسع كل ذنوبك، وكل ذنوبنا، كل ما هو مطلوب منك أن تُقبل عليه بصدق, أن تعتذر له عما مضى من ذنوب وتقصير.
فإن قلت ولكن ذنبي كبير .. أكبر مما يتخيله أحد.
لا يا أخي، لا تقل هذا، فماذا فعلت؟!
هل سرقت، هل زنيت، هل أشركت، هل...
مهما فعلت فبابه مفتوح لك .. أتدري لماذا؟
لأنه يريد أن يتوب عليك (وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ( [النساء: 27].
ولماذا يريد أن يتوب عليك؟
ليدخلك الجنة، دار أبيك، والتي فيها جزء مخصص لك (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ( [البقرة: 221].
وليس أدل على ذلك من فرحته سبحانه الشديدة عندما يتوب عبد من عباده ولو كان من أشد المعاندين له.
تأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح»(114).
وإليك كذلك هذا الحديث العجيب, قال صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد»(115).
يعلمنا ما نقوله لنتوب
لما عصا آدم – عليه السلام – ربه، ندم ندمًا شديدًا، ولكنه لم يعرف كيف يعبر عن ندمه واعتذاره لربه, فرأى منه الله هذه الحال فدلَّه – الرحيم – على ما يقوله له، ليختصر عليه الطريق (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( [البقرة: 37].
وكذلك ما حدث مع بني إسرائيل، فبعد أن ارتكبوا كبائر الذنوب، وعبدوا العجل، وقالوا لنبيهم: أرنا الله جهرة و.. أراد الله أن يتوب عليهم فدلهم على وسيلة ذلك والألفاظ التي يقولونها (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ( [البقرة: 58].
فأي رب غفور رحيم هو ربنا!
يعلمنا كلمات نقولها، وأدعية ندعوه بها تحمل معان عظيمة، ثم يخبرنا بأننا لو قلناها بصدق غفر لنا ذنوبنا وأعطانا مرادنا.
ومن ذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ( [البقرة: 286].
هذه الكلمات النورانية لو أردنا نُعبَّر عما تحمله من معان بكلمات من عندنا فكم عبارة سنقولها؟ وهل سترقى تلك العبارات فتليق ببلاغة الآيات؟!
ثم إن هذه الآيات وغيرها من الأدعية مما ورد على لسان المؤمنين, من الذي أنزلها؟!
أليس هو الله عز وجل؟!
ومن هم هؤلاء المؤمنين الذي يقولونها؟!
إنهم ليسوا أشخاصًا بعينهم، ولكنها نموذج يقدمه الله لنا لكي يختصر علينا طريق اختيار الكلمات والعبارات التي تنال رضاه، وتستفتح باب فضله وكرمه، فيجيب علينا – حين نرددها – بفتح خزائن عفوه وفضله ورزقه.
وقد ورد أن العبد حين يقرأ: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا( يجيب سبحانه: «قد فعلت»، فإذا قال: (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا( يجيب الله: «قد فعلت» وهكذا(116).
فانظر إلى مدى حب الله لنا, يعلمنا ما نقول، ليجيبنا بعد القول: قد فعلت!.
عدم الاستقصاء
أرأيت لو أن زميلا لك قد أساء إليك إساءات بالغة، وارتكب في حقك مخالفات جسيمة، ثم جاءك بعد أن أفسد وأفسد ليعتذر لك عما فعله, أليس أدنى ما يتوقع منك ساعتها أن تجلس معه وتعاتبه، وتطلب منه إصلاح ما أفسده قبل قبول اعتذاره، وأن تأخذ منه المواثيق على ذلك؟!
ولكن الله عز وجل لا يفعل معنا ذلك، فهو يقبل منا الاعتذار – مهما كان حجم جرائمنا في حقه – دون استقصاء، كما حدث مع موسى – عليه السلام – فبعد أن قتل القبطي، وقبيل هروبه من مصر قال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي( فبماذا أجاب الله؟ (فَغَفَرَ لَهُ( لماذا المغفرة بكل هذه السهولة (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( [القصص: 16].
لا يطالب أحدًا بإصلاح ما أفسده إلا إذا كان في حقوق الناس – رحمة بهم – أما ما كان في حقه سبحانه، فهو يتجاوز عنه .. لماذا؟!
لأنه لا يريد أن يضع أي عقبات أمام طريق التوبة.
يريد أن يجعل الطريق سهلا ميسرًا للجميع دون استثناء.
يكفي أن يندم المرء على ما فعل، ويستغفر الله بصدق ويتوب إليه.
يكفي ذلك، فليس المطلوب منه تقديم كشف بالمخالفات التي ارتكبها، وكيف سيصلحها ..تأمل معي قوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ( ما الذي سيحدث إن فعل ذلك؟ (يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا( [النساء: 110]. لا يجده منتقمًا ولا يجده جبارًا. بل يجده فرحًا بتوبته، لأنه يحبه، وينتظر منه هذه التوبة (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ( [البقرة: 222].
يسهل علينا طريق التوبة
ولأنه سبحانه يحبنا ويريد لنا الجنة، لذلك فهو يسهل علينا طريق التوبة من كل جانب.
يطمئننا بأنه سيغفر لنا جميع ذنوبنا – مهما بلغت – وذلك بمجرد توبتنا (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( [الزمر: 53].
ويؤكد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى فيقول: «إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت، فاغفره، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا، فقال: ربَّ أذنبت آخر، فاغفر لي. قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم أصاب ذنبًا، فقال: ربَّ أذنبت آخر، فاغفر لي، قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء»(117).
يعني- كما يقول ابن رجب – ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر(118).
أتدري ما الذي يغضب ربك غضبًا شديدًا؟
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن سعة رحمة الله، فقال:
«جئت تسألني عن سعة رحمة الله؟ وأخبرك أن الله تعالى يقول: ما غضبت على أحد غضبي على عبد أتى معصية فتعاظمها في جنب عفوي، فلو كنت معُجَّلا أو كانت العجلة من شأني لعجلت للقانطين من رحمتي»(119).
لم تعلموا قدري لذلك أخطأتم في حقي
تخيل أن ابنًا من الأبناء قد أخطأ في حق أبيه، ويريد أبوه منه أن يعتذر ليسامحه على خطئه، فتراه يسهل عليه طريق الاعتذار، فيقول له لعلك لم تدرك أن ما فعلته كان خطأ، ولعلك قد أخذتك الغفلة حينها ولعلك ....، فيجد الابن نفسه مندفعًا إلى الاعتذار بعد أن شعر بالأمان من جانب والده.
أكثر من هذا يفعله الله معنا, تأمل قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( [النحل: 119].
وقوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( [الأنعام: 54].
إنها رسالة تطمين وترغيب تقول لنا: لقد أخطأتم واقترفتم السيئات لأنكم كنتم غافلين عني، جاهلين بقدري، فما عليكم إلا أن تستغفروني لأغفر لكم وأتوب عليكم.
لننتهز الفرصة
? أخي القارئ:
وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب ربك لك، ولسائر عباده، تبق كلمة لا بد أن تُذكر في هذا المقام وهي أن كل ما قيل في الصفحات السابقة عن ترغيب الله لعباده في التوبة وتيسيره لطريقها، ما هو إلا استدراج منه سبحانه لهم لكي يسارعوا بالفرار والعودة إليه، ومن ثمَّ يرزقهم الحياة الطيبة في الدنيا، والجنة في الآخرة (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ( [سبأ: 15].
ولكن هب أن البعض لم يستفد من هذه الفرصة العظيمة التي أتاحها الله له، ولم يتب إليه أو يقبل عليه، وظل في غفلته يمنَّي نفسه أنه سيفعل ذلك بعد حين .. بعد أن يحج، أو يزوج الأولاد، أو يخرج على المعاش... بلا شك أن هؤلاء سيندمون أشد الندم عندما تتسرب أعمارهم يومًا بعد يوم دون أن يشعروا، ثم يفاجئوا بملك الموت أمامهم قد جاءهم ليقبض أرواحهم، ومن ثمَّ ينغلق باب التوبة أمامهم.
ومن عجب أن الرب الرحيم حذرنا كثيرًا من ذلك الموقف كي لا نقع فيه (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ( [الزمر: 54، 55].
فلننتهز الفرصة، ولنستجب لنصائح ربنا، ولنبادر بالاستغفار والتوبة، والاستفادة من ثمارها في الدنيا قبل الآخرة (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ( [هود: 3].
ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لعباده بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن للتوبة بابًا عرضُ ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها»(120).

ثامنًا: من مظاهر حب الله لك:
حلمه وصبره وستره لك
? أخي.
نعلم جميعًا أن الله عز وجل حي قيوم لا يغفل ولا ينام, أحاط بالناس جميعًا لا تختلط عليه اللغات، ولا يتوارى عليه شيء ولو كان في قعر الجبال أو قاع البحار.
قريب منا جميعًا، يرى مكاننا، ويسمع كلامنا، ويعلم ما توسوس به أنفسنا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ( [ق: 16].
لا يحدث شيء في أي مكان من الأرض إلا ويعرفه سبحانه، ويحيط به علمًا (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ( [يونس: 61].
لا يغيب عنه – سبحانه – سقوط ورقة يابسة من شجرة وارفة في ليلة مظلمة داخل غابة من الغابات الكثيفة (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ( [الأنعام: 59].
ومع هذا العلم وهذه الإحاطة فإنه سبحانه قادر مقتدر، لا يعجزه شيء أن يفعله إذا اراد أن يفعله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ( [النحل: 40].
كان معنا
يقينًا- أخي – أن الله عز وجل لم يغب عنا ولو للحظة من لحظات حياتنا (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ( [يونس: 61].
معنى ذلك أنه كان معي ومعك حين عصيناه.
كان معك حين أطلت النظر إلى غير محارمك من النساء.
كان معك وقت أن سمعت مؤذن الفجر ينادي للصلاة، فلم تجب النداء بل تكاسلت وتجاهلت، وأخلدت إلى النوم.
كان معك وأنت تجتهد في إقناع الآخرين بشيء تعلم في قرارة نفسك أنه غير حقيقي، وأنك تكذب عليهم.
كان معي ومعك وقت كل معصية عصيناها، وكل تقصير قصرناه، وكان يقدر – سبحانه – على أن يأخذ الواحد منا على الحال التي كان عليها.
كان يقدر أن يأخذه وهو يكذب.. وهو يطلق بصره.. وهو يحسد غيره.. يأخذه في لحظات شهادة الزور أو لحظات تطاوله على والديه أو ....
كان من السهل واليسير عليه سبحانه أن يأخذنا في هذه الأوضاع المشينة (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ( [يس: 67].
ولكنه لم يفعل، بل تركنا نعصاه، ونقصر في حقه أكثر وأكثر.
ولكن لماذا لم يفعل ذلك وهو القادر المقتدر؟!
الإجابة واضحة؛ لأنه يحب عباده ويريد لهم أن يُنهوا حياتهم نهاية سعيدة لذلك فهو يحلم ويصبر عليهم لعل لحظة تأتي عليهم يفيقون فيها من غفلتهم، ويتوبون إليه فيتوب عليهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ( [الرعد: 6].
تأمل معي قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ( [النحل: 45- 47].
لكنه لم يفعل، لأنه كما جاء في ختام الآية الأخيرة "فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [النحل: 47].
نعم أخي القارئ، فربنا رب حليم، صبور، لا يؤاخذ عباده بأفعالهم السيئة ولو فعل لما تنعم متنعم بيومه أو ليله ولتذوَّق الجميع العذاب الأليم (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ( [الكهف: 58].
جاء في الأثر: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: مَن أعظم مني جودًا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء.
من ذا الذي دعاني فلم أُلبَّه، أم من ذا الذي سألني فلم أعطه، من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته(121).
وكان ابن السماك يقول في مناجاته:
تباركت يا عظيم .. لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أطعت فيها ما زاد على النعماء التي تبتليها.
وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان.
فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الإساءة نقلع.
أبيت إلا إحسانًا وأبينا إلا إساءة واجتراء.
فمن ذا الذي يحصي نعمك ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك إلا بتوفيقك ونعمك؟! (122)
غضبة الكون
? أخي القارئ.
والله ثم والله لو قُدَّر لأحدنا أن يرى ما يحدث في الأرض كما يراه الملأ الأعلى لاستشاط غضبًا، ولألح على الله بتعجيل عقوبته لأهل الأرض جميعًا.
تخيل أنك ترى أناسًا يعيشون في ملك الله.
ويأكلون من رزقه.
وينامون آمنين في حفظه.
والخدم تحيط بهم من كل جانب .. مسخَّرة لديهم ومأتمرة بأوامرهم.
ثم بعد ذلك كله لا يذكرون من أكرمهم بهذا كله, لا يشكرونه، ولا يعبدونه، بل يعصون أوامره، ويجحدون نعمه، ويبارزونه بالمعاصي، ويدَّعون عليه الادعاءات, فمن قائل إن له ولدًا، ومن قائل إن له شريكًا، ومن قائل إن هناك إلهًا غيره.
تخيل أن هذا يحدث كل يوم، بل في كل وقت، وتخيل أنك ترى هذا كله، فماذا سيكون رد فعلك؟!
سيكون بلا شك رد الفعل الطبيعي الذي تعيشه كل المخلوقات التي تشاهد ما يفعله الإنسان من جحود وعصيان، وتجرؤ على ربه.
سيكون مثل رد فعل السماوات والأرض والجبال حينما يردد بعض الضالين أن لله ولدًا (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ( أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا( [مريم: 88، 91].
سيكون رد فعلك كالبحر الذي يستأذن كل يوم أن يغرق ابن آدم لكثرة معاصيه، وجرأته على ربه.
ولكن الحليم لا يسمح بذلك (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا( [فاطر: 41].
الخليل يرى الملكوت
لقد حدث – أخي القارئ – لإبراهيم عليه السلام ما كنا نتخيله منذ قليل "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" [الأنعام: 75] فلقد رُفع إلى ملكوت السماوات، ونظر إلى أهل الأرض، ورأى منهم ما رأى من معاص وفجور فماذا كان رد فعله وهو كما وصفه الله عز وجل (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ( [هود: 75].
فعن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض رأى رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلا فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أُخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه»(123).
الستير
ومع حلمه العظيم وصبره سبحانه على عباده، فإنه كذلك ستير، يسترهم ولا يفضحهم رغم إساءاتهم البالغة.
تخيل – أخي القارئ- أن صديقك الذي يحبك وتحبه، قد علم أنك قد حسدته على الخير الذي أتاه.. ماذا ستكون مشاعره تجاهك؟!
ولو علم من اغتبته بما ذكرته عنه.. بأي وجه سيلقاك بعد ذلك؟!
ولو علم الناس حقيقة أمري وأمرك ومدى تقصيرنا في جنب الله، وجرأتنا على معاصيه أتراهم يُقبلون علينا ويبتسمون في وجوهنا؟ وهل سيلقون علينا السلام أصلا؟!
إن من أَجَلّ رحمات الله بعباده ستره لهم، وعدم انكشاف هذا الستر أمام بعضهم البعض، وإلا لما استطاعوا أن يتعايشوا فيما بينهم، أو يتوادوا، أو يتراحموا، ولما أقدم بعضهم على مساعدة البعض، ومن ثمَّ يصبح الجميع فريسة سهلة للشيطان.
بل إنه سبحانه يستحثنا على ستر بعضنا البعض، ووعد بعظيم الجزاء لمن ستر أخاه.
يقول صلى الله عليه وسلم «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة»(124).
هذه في الدنيا, أما في الآخرة فيستمر الستر لعباده المؤمنين.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، وستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه»(125).
وإليك هذه القصة:
ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لعباده بهذه القصة التي وقعت أحداثها في زمن موسى – عليه السلام – إذ أصاب قومه القحط، فاجتمع الناس إليه، فقالوا: يا كليم الله, ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون. فقال موسى عليه السلام: إلهي, اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُضَّع، والبهائم الرُتع، والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشُّعًا، والشمس إلا حرارة وأوحى الله إليه إنَّ فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فبه منعتكم.
فقام مناديًا وقال: أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة, أخرج من بين أظهرنا، فبك مُنعنا المطر.
فقام العبد العاصي، فنظر ذات اليمين وذات الشمال، فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افُتضحت على رءوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منُعوا لأجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي, عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال موسى: إلهي وسيدي, بماذا سُقينا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى, سقيتكم بالذي به منعتكم.
فقال موسى: إلهيّ أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى إنّي لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟! (126).

تاسعًا: خطابـــــــه الودود
الذي يخاطبـــك به
الله عز وجل يملك كل شيء في هذه الأرض التي نسكنها، والسماء التي تراها أعيننا (للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [المائدة: 120].
وكل المخلوقات التي نراها من جبال وأنهار وبحار وأشجار ورمال وأحجار ودواب و...
كل هذا خاضع لله عز وجل (وَللهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ( [الرعد: 15].
وخضوع الكون كله لله عز وجل خضوع سرمدي يغلّفه الحمد لإتاحته سبحانه الفرصة للوجود من العدم، واستمرار بقائه وحفظه، ويغلِّفه كذلك الإجلال لعظمته، والرهبة من جبروته وسلطانه (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ( [الرعد: 13].
ومن مظاهر الإجلال والرهبة والخضوع لله عز وجل عبودية الملائكة له سبحانه، فهناك بعضهم في حالة من الركوع منذ أن خلقه الله عز وجل، ومنهم من هو في حالة السجود له سبحانه منذ أن خلقهم (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ( [الأنبياء: 19، 20].
يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة في السماء قيامًا إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك تقطر من عينيه دمعة إلا وقعت على ملك يسبح، ولله ملائكة سجدوا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفًا لم يتفرقوا عن مقامهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم عز وجل، فينظرون إليه تبارك وتعالى، فقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك»(127).
من أنت؟
هذا الإله العظيم بعظمته وجبروته, بجلاله وكماله, بعزه وسلطانه كيف يخاطبك أنت؟! ومن أنت؟! أنت ذرة يسيرة في ملكه لا تساوي شيئًا بجوار جبل من الجبال أو بحر من البحار، بل إن الأرض كلها بمن عليها بالنسبة لمملكته لا تساوي مقدار حبة رمل من صحراء شاسعة لا حدود لها.
وبالإضافة إلى ذلك فلا تنس أن ربك هو الذي أوجدك من العدم، فقبل شهور من ولادتك لم تكن شيئًا مذكورًا.
وتذكر أن حياتك كلها متوقفة على إمداداته، ولو توقفت تلك الإمدادات لانتهت حياتك.
ما المتوقع أن يكون خطاب العزيز للذليل، والغني للفقير، والقوي للضعيف، والعظيم للحقير، والكبير للصغير، والمعطي للآخذ، والقادر للعاجز.
أليس من المتوقع أن يكون الخطاب الموجه إلينا يتناسب مع صفاته سبحانه وصفاتنا؟
أليس من المتوقع من إله عظيم له هذا الملك والجلال والكمال أن يكون خطابه عبارة عن تعريف بمهمتنا مع بيان بالأوامر المطلوبة منا وكفى؟!
ولكنه ليس كذلك.
إنه خطاب عجيب يقطر ودا وحبًا.
خطاب عنوانه (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ( [البقرة: 163].
خطاب يطمئن مستمعه
لو تفكرنا فقط في خطاب الله لعباده – مؤمنهم وكافرهم – لتأكدنا من حبه سبحانه لهم، وحرصه عليهم.
إنه خطاب يطمئن من يسمعه ويدفعه ويستدرجه للفرار في اتجاه قائله.. الفرار إلى الله، لا الفرار منه.
ولنبدأ بصيغة النداء:
تأمل نداءه سبحانه للعصاة والمجرمين الذي يحادونه، ويجاهرون بارتكاب كل ما يغضبه، ويصرون على ذلك، بل ويستهزئون بالمؤمنين.. بماذا يناديهم: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( [الزمر: 53].
إنه يناديهم بـ: يا عبادي، بكل ما يحمله هذا النداء من ود، وتلطف، وحنان. ثم انظر إلى ندائه للبشر جميعًا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ( [فاطر: 5].
وتأمل نداءه للنصارى الذين ادعوا عليه زورًا وبهتانًا أن له ولدًا وزوجة – حاشاه- يناديهم بقوله: يا أهل الكتاب، فيشعرهم بأن هناك صلة قوية بينهم وبينه، وأنهم ليسوا ببعيدين عنه.
ثم تأمل وتأمل نداءه لليهود الذين ارتكبوا من الآثام، ومظاهر العلو والاستكبار ما ارتكبوا .. قتلوا الأنبياء، وعبدوا العجل، وحاربوا المسيح – عليه السلام – وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم و ... ومع ذلك يناديهم فيقول لهم «يا بني إسرائيل» ..يا أبناء النبي إسرائيل .. نداء لطيف رقيق من المفترض أن يستثير مشاعرهم، ويستدرجهم لإصغاء سمعهم لما يتضمنه الخطاب الإلهي.
خطاب يقول لك: أقبل ولا تخف
نعم، أخي القارئ، إن خطاب الله عز وجل للبشر جميعًا خطاب مطمئن، يؤكد لهم فيه أن بابه مفتوح للجميع «يا ابن آدم إنك إن دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
«يا عبادي إنك تخطئون باليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم» إنه خطاب عجيب يناشدنا فيه الله عز وجل أن نستغفره ليغفر لنا... أن نستفيد بالفرصة المتاحة أمامنا قبل أن يحل بنا الأجل.
ففي كل ليلة وبالأخص ثلثها الأخير يوجِّه الله عز وجل نداءه لعباده ويقول لهم: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟! (128).
فماذا تقول بعد ذلك؟!
ماذا تقول لمن يناديك وينادي عباده جميعًا فيقول: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم» (129).
ماذا تقول لمن يطلب منك دومًا أن تحسن به الظن فهو لن يضيعك، ولن يتركك، فمراده دخولك الجنة. قال صلى الله عليه وسلم «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى»(130).
خطاب يستثير الهمم
ومن سمات خطابه سبحانه لعباده أنه يستثير همتهم لفعل الخير، وذلك من خلال قوة طرقه على مشاعر الرغبة، واستجاشته للعاطفة، والتركيز على الجزاء العظيم المترتب على الفعل الذي يريد منهم فعله.
فعلى سبيل المثال: الإنفاق في سبيل الله عمل عظيم يطهر نفس صاحبه من الشح، ويسمو بها إلى السماء، ويخلصها من جواذب الأرض، ومن ثم يصبح من اليسير عليها العمل للآخرة والزهد في الدنيا بمفهومه الصحيح.
هذا العلاج الناجع للنفس البشرية يريد الله عز وجل أن يجعلنا نتناوله بكثرة حتى ننتفع به، لذلك فهو يحببه لنا، ويرغبنا في القيام به بأساليب شتى، من أهمها رصد الجوائز الكبيرة والمغرية لمن ينفق من ماله في سبيل مرضاته كما قال عز من قائل: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ( [الحديد: 11].
ويتكرر هذا النوع من الخطاب الذي يستثير الهمم كثيرًا في القرآن: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ( من هم؟!
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ( [آل عمران: 133، 136].
النصائح الغالية
أتَذْكر كم من المرات سمعت فيها نصائح غالية من أبويك وهما يوجهانك من خلالها نحو المعالي، ويحذرانك من العقبات التي قد تعترض طريقك؟
هذه النصائح ما انطلقت من ألسنتهما إلا بدافع الحب والشفقة والحرص على أن تكون في أحسن حال.
وكذلك يفعل الله مع عباده مع الفارق الكبير بين نصائحه ونصائحهم، وبين حبه وحبهم، وبين علمه وإحاطته بما يصلحك وبين علمهم.
فإن كنت تريد دليلا على ذلك فتأمل معي هذا الخطاب الناصح منه سبحانه للناس جميعًا والذي يقول فيه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ( [فاطر: 5، 6].
وكذلك قوله لهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ( [النساء: 170].
وانظر إلى الخطاب الموجه لأهل الكتاب وما يحمل في طياته من نصائح غالية لهم على الرغم مما فعلوه من كفر وعصيان: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ( [النساء: 171].
وتأمل كذلك خطابه الناصح لليهود: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ( [البقرة: 40، 41].
أما المؤمنين فوصاياه لهم كثيرة منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ( [المنافقون: 9، 10].
وأحيانًا نجد الخطاب جامعًا بين لهجة النصح ولهجة الإشفاق والحنو، التي يُشعر الله فيها عباده المؤمنين بمدى حبه لهم، وخوفه عليهم من الحساب في الآخرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ( [لقمان: 33].
(اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ( [الشورى: 47].
التوجيه غير المباشر
ولعلمه سبحانه بطبيعة نفوسنا، وصعوبة قبولها النقد والتوجيه المباشر، كانت توجيهاته سبحانه غاية في التلطف والتوجيه الغير مباشر، وإن أردت أن تتأكد من ذلك بنفسك – أخي القارئ- فما عليك إلا أن تقوم بإحصاء أوامره المباشرة في القرآن فستفاجأ أنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وفي المقابل تجد أن الله عز وجل كثيرًا ما يعرض لك أمرين ويبين سمات كل واحد منهما ثم يترك لك حرية الاختيار مثل قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً( [الكهف: 46] وقوله: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ( [الشورى: 20].
وقوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ( [الجمعة: 11].
مراعاة النفسية البشرية
ومن أبرز صور مراعاة الخطاب الإلهي لطبيعة النفس البشرية عدم الإكثار من قوله «أنا» عند سرده لنعمه على عباده، وفضله الذي لا حدود له.
فالنفس لا تحب سماع هذه الكلمة بكثرة من الطرف الذي يخاطبها، ومع أن الله عز وجل هو الذي خلقنا من العدم، وأعطانا من النعم ما لا يُعد ولا يُحصى، وأن من حقه أن يحدثنا بضمير المتكلم «أنا» وهو يعرفنا بنفسه وبنعمه وبقيوميته وقدرته و...
إلا أنه سبحانه لا يفعل ذلك، بل يتحدث عن نفسه – في غالب القرآن – بضمير الغائب «هو» (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ( [يونس: 22].
(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ( [غافر: 13].
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ( [يونس: 5].
فأي رب رءوف ودود حي كريم هو ربنا.
ما بال أقوام؟!
ومن صور مراعاته سبحانه لطبيعة النفس البشرية توجيهه الغير مباشر لعباده في خطابه لهم، فحين يريد تحذير المؤمنين من القيام بفعل ما، فإنه لا يتوجه مباشرة بذلك – في غالب الأحيان – بل يحدثهم عن أناس آخرين – بصيغة النكرة – ويشهَّدهم عليهم، ويجعلهم يستنكرون أفعالهم، مع أنهم قد يكونون هم المعنيين بهذا التحذير، ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا" [إبراهيم: 34] الخطاب هنا موجه لنا بأن علينا أن نجتهد في إحصاء نعم الله كصورة من صور الشكر، ومن المفترض أن يكون التحذير الذي تتضمنه الآية بعد ذلك من مغبة عدم ذكر النعم حتى لا نقع في دائرة الظلم والكفر موجه لنا كذلك، فهل جاء الخطاب يحمل هذا المعنى المباشر.
لا، لم يحدث ذلك، بل جاء وكأنه يخاطب شخصًا آخر: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ( [إبراهيم: 34].
الخطاب موجه للإنسان, وكأنه شخص آخر بعيد لا نعرفه، مع أن الخطاب في بدايته موجه لنا، ومما لا شك فيه أن هذا التلطف العجيب في التوجيه والنصح له دور كبير في استقبال النصيحة بنفس هادئة.
لماذا العقاب؟
ومن مظاهر خطابه المطمئن لعباده أنه يذكر لهم دومًا السبب الذي من أجله عاقب فردًا أو قومًا في الماضي، مع أنه الإله العظيم ملك الملوك الذي لا ينبغي أن يُسأل عما يفعل، لكنه في نفس الوقت الرب الودود الذي يحب عباده ويريد منهم أن يفروا إليه، لا أن يفروا منه، لذلك تراه سبحانه يُفصَّلِ في الأسباب التي أدت إلى عقوبة العصاة، وأنه قد صبر عليهم وأمهلهم وأعطاهم الفرصة تلو الفرصة، ولكنهم هم الذين أبوا العودة إليه، وأصروا على طغيانهم، واستكبروا عليه سبحانه، وحاربوا عباده، فاستدعوا بأفعالهم الكثيرة الظالمة غضب الحليم عليهم (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ( [القصص: 59].
ومع العقاب المستحق للظالمين، والذي يقع بعد طول إمهال، نجد التعقيب القرآني: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ( [يس: 30]. فالله عز وجل لا يرضى لعباده هذا المصير، وأنهم هم الذين أبوا أو استكبروا إلا أن يسيروا إليه، ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن هذا الأمر واضح فيه تمام الوضوح، وأن الله عز وجل لا يظلم أحدا، لذلك نجده سبحانه يذكر لنا دومًا أسباب العقوبة التي يعاقب بها الناس.
تأمل معي قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ(.
فماذا فعل أهل سبأ؟ هل شكروا هذه النعم العظيمة؟ لم يفعلوا ذلك، بل أكلوا من رزق ربهم ولم يشكروا له؟ وتبطروا على نعمه، فاستدعوا العقاب من الله عز وجل لهم (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ( ثم تأتي حيثيات هذه العقوبة (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا( ويتلوها الخطاب المطمئن (وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ( [سبأ: 15- 17].
وتأمل قوله تعالى وهو يحدثنا عن اليهود ولماذا عاقبهم بما عاقبهم، وكيف أنه صبر عليهم طويلا، ولكنهم هم الذين أصروا على طغيانهم (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا( تأمل قوله: (فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ(.
وتمضي الآيات تعدد مظاهر حلم الله عليهم وتعدد كذلك مظاهر طغيانهم (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا( [النساء: 154- 156].
وكأنه يطلب منك الشهادة على الناس:
وفي بعض الأحيان نستشعر بأن الخطاب المتوجه إلينا يطلب منا الشهادة على فعل من الأفعال المشينة، كل ذلك لتزداد اطمئنانًا بأن الله عز وجل (لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( [يونس: 44] ومن ذلك قوله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ( [المائدة: 75]. وقوله: (وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ( [الأعراف: 102].
مواساته للمبتلين
ومن عجيب خطابه سبحانه وتعالى لعباده مواساته لهم عندما يحدث لهم مكروه بسبب ذنوبهم أو تقصيرهم.
فعلى سبيل المثال: عندما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثت الهزيمة نجد أن الخطاب القرآني يخفف عن الصحابة آثار ما حدث لهم، ويبين الأسباب، وأن ربهم نصرهم في البداية نصرًا مؤزرًا ولكنهم هم الذين اختلفوا وخالفوا أمر رسولهم فكان ما كان: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ( [آل عمران: 152].
ومع بيانه سبحانه لأسباب هزيمة المؤمنين وأنهم هم الذين تسببوا في ذلك إلا أنه يواسيهم، ويضمد جراحهم بكلام يقطر حنانًا وشفقة: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ( [آل عمران: 139، 10].
ويطمئنهم على إخوانهم الشهداء بأنهم في أحسن حال: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ( [آل عمران: 169- 171].
وفي النهاية:
وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لنا ولعباده أجمعين أتركك أخي القارئ مع هذا الحديث القدسي لكي تقرأه وتعيش معه بعقلك ومشاعرك:
«إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلقُ ويُعبد غيري، وأُرزقُ ويُشكر سواي, خيري إلى العباد نازل وشرهم إليَّ صاعد. أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليَّ.
من أقبل إليَّ تلقيته من بعيد. ومن أعرض عني ناديته من قريب. ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد. ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنَّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إليَّ فأنا طبيبهم. أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب...».
* * *
عاشرًا: من مظاهر حب الله لك:
ترغيبــك وترهيبك
ليس بخافٍ على أحد أن النفس البشرية إذا ما رُغَّبت في فعل شيء ما، وعلمت بما ينتظرها من جزاء حسن نظير قيامها بهذا الفعل فإنها تتشجع، وتقدم عليه بقدر ما تستثار فيها مشاعر الرغبة.
وفي المقابل فإنها إذا ما خُوَّفت، ورُهَّبت من القيام بفعل ما، وأن مكروهًا سيصيبها إذا ما فعلته، فإنها تُحجم عن القيام به بقدر ما ينسكب داخلها من خوف ورهبة.
هذه خاصية أصيلة من خصائص النفس البشرية, هذه الخاصية لها دور كبير في إقدام المرء على أداء العمل أو إحجامه عنه، ففي الحديث «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة»(131).
ويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول:
فكل من خاف الردى أو فَوْت ما يتمنى لا يركن إلى الراحة ولا ينتظر الصباح، بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو كان بالليل(132).
التربية الربانية
ولأنه سبحانه هو الذي خلق فينا هذه الخاصية، فإنه يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في تربيتنا وتوجيهنا نحو المبادرة لفعل الخير واجتناب فعل الشر.
تأمل معي قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا( [الإسراء: 59].
فالآية تدل دلالة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى يخوفنا لنخاف ونترك طريق الضلال ونتجه نحو صراطه المستقيم فندخل الجنة.
انظر مثلا إلى قوله تعالى: (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ( [الزمر: 16].
أرأيت صيغة الخطاب: ذلك الذي يخوف الله به عباده .. يا عباد فاتقون.
فمع أن الآية تتحدث عن النار وما فيها من عذاب، إلا أنها تحمل في طياتها دلالات عظيمة عن حب الله لعباده، وكيف لا ونحن نلمح فيها مناشدة من الله عز وجل لعباده بأن يخافوا، ويحذروا عقابه لأنه لا يريد لهم أن يدخلوا هذه النار.
هل قامت القيامة؟!
ثم إن ثمة أسئلة قد تقفز إلى أذهان البعض وهي:
هل قامت القيامة أم لم تقم؟
هل بالفعل دخل بعض الناس الجنة والبعض الآخر النار؟!
الإجابة معروفة للجميع, بأنه إلى الآن لم تقم القيامة ولم يتوزع الناس بين الجنة والنار.
إذن فلماذا يقص القرآن هذه الصور التفصيلية عن القيامة، والجنة والنار، وكأن الأمر قد انقضى، والأمور قد حُسمت مثل ما جاء في قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ( [الأعراف: 50، 51].
هذا الحوار بين أهل النار وأهل الجنة لم يتم حتى الآن، فلماذا يعرضه الله لنا ويسرده بهذا التفصيل؟!
لماذا يحتل الحديث عن القيامة والجنة والنار هذه المساحة الواسعة من القرآن؟!
ألا توافقني -أخي القارئ- أن هذا التفصيل في عرض الجنة وكأننا نراها رأي العين، وكأن أهلها قد سكنوها وبدءوا في التمتع بما فيها من نعيم, ألا توافقني أن الغرض من ذلك هو استثارة رغبتنا لدخولها ومن ثمَّ الوفاء بحقها والسباق نحوها؟!
وكذلك عرض النار بهذه الصورة البشعة الكريهة، المنفرة لنخاف منها ونجتهد في الابتعاد عنها؟!.
وتأكيدًا على هذا المعنى أتركك مع هذه الآيات لتقرأها وتتدبر معانيها.
(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ( أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ( فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ( بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ( لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ( وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ( يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ( قَالَ هَلْ أَنْتُم مُّطَّلِعُونَ ( فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ( قَالَ تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ( وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ( فَإِنَّهُمْ لآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ( [الصافات: 40، 68].
معنى ذلك أن التوسع في الحديث عن أحداث اليوم الآخر وما فيها من ترغيب وترهيب ما هو إلا مظهر عظيم من مظاهر حب الله لعباده.
وإليك هذا الدليل:
يقول تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ( [آل عمران: 30].
أرأيت ما تحمله الآية من تحذير وتخويف؟ ورأيت بماذا انتهت؟!.
فالآية تدل دلالة قاطعة على أن الله عز وجل يخوَّفنا ويحذَّرنا رحمةً ورأفةً بنا لكي نرتدع ونبتعد عما نهانا عنه.
فإن قلت وما الداعي لوجود النار من الأصل في ظل وجود هذه الرأفة والرحمة الإلهية؟!
هذا السؤال أجاب عنه القرآن في عدة مواضع منها قوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ( [القلم: 35، 36].
وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ( [الجاثية: 21].
لا يمكن أن يستوي – بأي حال من الأحوال – المجد المجتهد الذي ألزم نفسه الاستقامة على أمر الله مع من أسرف على نفسه، ولم يبال بأوامر ربه واستهان بها، وعاث في الأرض فسادًا.
إن من دواعي العدل والرحمة الإلهية ألا يستوي هذا مع ذاك (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ( [السجدة: 18].
اللص والسجن
هب أن لصًا قد اقتحم قرية من القرى، واختبأ في بعض نواحيها،وظل يُغير كل ليلة على منزل من منازلها فيهدد أهله، ويسرق ما فيه.
تُرى على أي حال سيكون أهل هذه القرية التي كانت قبل مجيء هذا اللص آمنة مطمئنة؟!
بلا شك سيتبدل أمنهم فزعًا، وطمأنينتهم رعبًا وهلعًا، وكيف لا وكل واحد منهم يتوقع كل ليلة هجوم اللص على داره... لايعرف النوم إلى عينه طريقًا، بل ينخلع قلبه من الفزع إذا ما سمع صوتًا غريبًا حول داره.
هل من المناسب في ظل هذا الوضع المأساوي أن يُترك اللص هكذا دون العمل علىالقبض عليه والقصاص منه تحت مسمى الرحمة.
إن الرحمة تقتضي سرعة الإمساك به وحبسه لتعود السكينة للناس، ويعود إليهم أمنهم.
نعم، أخي القارئ، لا بد من عقاب المخطئ الذي أساء الأدب مع ربه وخالف أوامره، واستخدم ما سخره له من النعم الكثيرة في معصيته.
استخدم يده ورجله وعقله وعينيه ولسانه وشفتيه في محادَّة الله وعصيانه واستحلال محارمه، استخدم كل هذه الأشياء وغيرها -رغمًا عنها- (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [النور: 24].
ومع هذا كله فالله عز وجل الرءوف الرحيم يحذر العصاة والكافرين, يستحثهم على التوبة ويرغبهم في الجنة ويخوفهم من النار لعلهم يعودون إليه قبل فوات الأوان .
تأمل معي هذه الآيات التي تؤكد هذا المعنى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( [النحل: 45-47].
هل رأيت أخي القارئ بماذا اختتمت هذه الآيات التي تحمل تحذيرًا شديدًا للعصاة (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( .
نعم, إن ربنا لرءوف رحيم، وما عاقب إنسانًا إلا لأنه هو الذي استدعى واستحق العقوبة بأفعاله الكثيرة المخالفة لأوامر ربه والمستهينة به.
ولو كان الله عز وجل يريد بالفعل أن يعاقب كل مخطئ على خطئه، وأن يقيم ميزان العدل على الجميع ما خوفنا كل هذا التخويف, يكفي أن يقول لنا بأن هناك حساب للمخطئ على خطئه، وأن النار في انتظاره، ولكنه-سبحانه – لم يفعل ذلك، بل حذرنا وحذرنا بأساليب شتى، وقص علينا ما سيحدث في يوم القيامة حتى صرنا وكأننا نراه رأي العين (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ( [الحج: 1، 2].
كل ذلك مبعثه الشفقة والرحمة بالناس جميعًا (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( [البقرة: 143].
شمول الترغيب والترهيب
ولا يكفي أسلوب الترغيب والترهيب بذكر اليوم الآخر والجنة والنار، بل يتسع ويمتد ليشمل أمورًا كثيرة في حياة الفرد والجماعة، وليتناول الماضي والحاضر والمستقبل، كل ذلك ليحقق المقصود من استخدامه ألا وهو الاستقامة على أمر الله.
وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل في هذا الأمر:
الناس جميعًا
لأن الله عز وجل يحب عباده ويريد لهم الخير فإنه سبحانه قد شملهم جميعًا بتوجيهاته ما بين الترغيب والترهيب، فتراه – على سبيل المثال- يرغب اليهود فيقول لهم: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ( ثم تراه يخوفهم فيقول لهم: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ( [البقرة: 122، 123].
وأهل الكتاب يخوفهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً( [النساء: 47].
ويرغبهم بقوله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ( [المائدة: 65].
والمشركين يقول لهم: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا( [النساء: 48].
بل وحتى المؤمنين: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ( [آل عمران: 28].
الترهيب والترغيب في قصص السابقين
ومع شمول أسلوب الترهيب والترغيب لجميع الناس فإنه يمتد ليشمل الزمن كله ماضيه وحاضره ومستقبله.
فالله عز وجل يدعونا في كتابه للاستفادة مما حدث مع السابقين في الأزمنة الماضية، فيرغبنا في الاحتذاء بالنماذج الصالحة، ويخوفنا من النماذج الطالحة.
فنجد أن الله سبحانه قد قدم إبراهيم – عليه السلام – في القرآن، وفي أكثر من موضع كنموذج صحيح لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، لذلك فقد عرضه القرآن بطريقة ترغب القارئ وتحفزه على الاقتداء به (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( [النحل: 120- 123].
أما قارون، فكان نموذجًا فاسدًا لعبد آبق اغتر بماله وتوهم أن له مكانة أعلى من سائر البشر، وكذلك فرعون الذي طغى وتكبر، وقوم عاد وثمود وغيرهم من نماذج الظالمين المتكبرين, هذه النماذج أفاض القرآن في ذكرها، والمآل الذي صار إليه أصحابها ترهيبًا وتخويفًا لنا كي نجتنب ما فعلوه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ( [يوسف: 111].
الرسائل الإلهية
هذا في الماضي، أما في الحاضر فيظهر أسلوب الترغيب والترهيب من خلال الرسائل الإلهية التي يُرسلها الله لعباده متشابكة مع أحداث حياتهم، فالبرق رسالة ترغيب وطمع في رحمة الله لما يبشر به من نزول المطر، وهو كذلك ترهيب لمن يراه حين يضيء السماء، ويشق السحب (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا( [الروم: 24].
والزلازل والبراكين والأعاصير، وكسوف الشمس، وخسوف القمر .. كل هذه رسائل تخويف، يخوف الله بها عباده، لعلهم يقدروه حق قدره فيعبدوه حق عبادته فيدخلوا الجنة: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا( [الإسراء: 59].
المستقبل والترغيب والترهيب
وأما ما يخص المستقبل فنرى القرآن والسنة قد امتلآ بالآيات والأحاديث التي تحدثنا عن اليوم الآخر والجنة والنار – كما أسلفنا – بأسلوب مثير، يستجيش عواطف الرغبة والرهبة, تأمل معي – على سبيل المثال – هذه الآية وما تحمله من خطاب يستثير العاطفة: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ( [محمد: 15].
الترغيب والترهيب في أفعال العباد:
ومع شمول أسلوب الترغيب لجميع الناس وامتداده عبر الزمان كله، فإنه كذلك يتناول الكثير من أفعال العباد, فيرغب في الإتيان بالأعمال الصالحة، ويُرهَّب من الإتيان بأعمال الفسق والفجور والعصيان.
فعلى سبيل المثال:
الترغيب في الإنفاق في سبيل الله :
الله عز وجل أعطى للإنسان حرية الاختيار واتخاذ القرار ، فهو لا يجبره على فعل شيء لا يريده، ومع ذلك فهو سبحانه يريد للبشر جميعًا دخول جنته، لذلك نجده سبحانه في خطابه إلينا يرغبنا في كل ما يقربنا من جنته، ويبعدنا من ناره ... يستثير رغبتنا لاتخاذ القرار بفعل الخيرات وترك المنكرات.
ولأنه سبحانه قد أسكننا الأرض ويعلم أن من أشد ما يحول بيننا وبين دخول الجنة: التعلق بزينة الحياة الدنيا، وأن أهم رمز للدنيا هو المال، لذلك فقد أخبرنا بأن من أهم العقبات التي تقف في طريق الجنة هي التعلق بالمال: (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( فَكُّ رَقَبَةٍ( [البلد: 11- 13].
والتغلب على هذه العقبة إنما يكون بدوام الإنفاق.
فالإنفاق إذًا طريق سهل لدخول الجنة, ولكن النفس لا تحب الإنفاق (وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ( [النساء: 128].
من هنا نجد تنوع أساليب الحث عليه، وإنشاء الرغبة فيه, كل ذلك ليتغلب المرء على شح نفسه وخوفها من الفقر، ومن ثم اجتيازها للعقبة, ومن هذه الأساليب: التذكير بأهميتها وأنها من أبواب الجهاد في سبيل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُّلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ( [الصف: 10، 11].
ومنها: التذكير بأن الإنفاق يرضي الله عز وجل ويقرب صاحبه منه سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( [الروم: 38].
ومنها: التذكير بفضل العمل وثماره المتوقعة: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَّشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( [البقرة: 261].
وأن من هذه الثمار ما يجدها صاحبها في الدنيا: (وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ( [سبأ: 39].
والتذكير بأن المستفيد الأول من الإنفاق هو المنفق: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( [التوبة: 103].
والترهيب من تركها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ( [البقرة: 254].
ويطمئننا بأن الذي يأخذها هو الله، ومن ثمَّ فلن تضيع على صاحبها: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( [التوبة: 104].
هذه المعاني العظيمة وغيرها كثيرًا ما نجدها تتكرر في القرآن بأساليب مختلفة.
وهكذا يصبح استخدام أسلوب الترغيب والترهيب من أعظم مظاهر حب الله لعباده.

كلمة أخيرة عن مظاهر حب الله لنا
عشنا سويًا في ظلال شجرة المحبة، ورأينا بعضًا من مظاهر الحب الإلهي لنا جميعًا ليبقى سؤال أوجهه إلى نفسي وإليك أخي القارئ وهو:
أما آن لي ولك أن نبدأ مع الله عز وجل صفحة جديدة من الحب الصادق الذي يثمر طاعة له، وأنسًا به وشوقًا إلى لقائه؟!
ألا يستحق هذه الإله الودود الكريم أن نعامله معاملة تليق بجلاله وتتناسب مع ما يعاملنا به؟!
فلنبدأ إذن من الآن، وقبل أن تذهب تلك الحالة الشعورية التي صاحبتنا ونحن نتعرف على مظاهر حب الله لنا.
لنبدأ بدعائه سبحانه دعاء فيه إلحاح وتضرع ونسأله فيه أن يرزقنا حبه، وأن يهيمن هذا الحب على مشاعرنا حتى يصير حبه سبحانه الأحب إلينا من كل شيء، وندعو كذلك بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسالك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك, الله ما رزقتني ما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغًا فيما تحب، اللهم اجعل حبك أحب إلى من أهلي ومالي، ومن الماء البارد على الظمأ، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم أحيي قلبي بحبك واجعلني لك كما تحب، اللهم اجعلني أحبك بقلبي كله، وأرضيك بجسدي كله، اللهم اجعل حبي كله لك، وسعيي كل في مرضاتك»(133).

ولننتقل الآن إلى الوسائل العملية التي تمكن لحب الله في قلوبنا





الفصل الرابع

الوسائل العملية لتمكين حب الله
في القلب

أمران لابد منهما:
إن كانت المعرفة هي طريق المحبة الصادقة لله عز وجل – كما أسلفنا في المقدمة- فإن هذه المعرفة، التي عشنا في أجوائها، تحتاج دومًا إلى تذكير يتجاوب معه الفكر والعاطفة, هذا التذكير الدائم من شأنه أن يبذر بذور المحبة في القلب، ويشكل قاعدته في المشاعر والوجدان.
ومع أهمية التذكير الدائم تأتي الأعمال الصالحة ذات الصلة بموضوع المحبة لتكون بمثابة الماء الذي يسقي بذور المعرفة بالله الودود، فتنمو شجرتها ويرتفع بنيانها، لتكون النتيجة هي استحواذ حب الله على أكبر قدر من مشاعر الحب داخل القلب (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا( [النساء: 66].
وسائل التذكير بمعارف المحبة
ووسائل التذكير بمعارف المحبة، ومظاهرها تتركز في أمرين عظيمين: كتاب الله المقروء، وكتاب الله المنظور.
أولاً: القرآن ودوره في إنشاء الإيمان والتذكير بمعارف المحبة:
القرآن هو أفضل وسيلة للتعريف بالله عز وجل والتذكير الدائم بمظاهر حبه لنا، وأفضل وسيلة كذلك لتحويل هذه المعرفة إلى إيمان يستحوذ على مشاعر الحب داخل القلب ويوجهها للمولى سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يحب الله ورسوله، فليقرأ في المصحف»(134).
نعم، هناك وسائل أخرى تقوم بالتذكير بهذه المظاهر، تقف على رأسها السُنة والتي تعتبر شارحة للقرآن مؤكدة لما فيه، ومع ذلك يبقى القرآن الوسيلة العظيمة لدوام التذكير، وتقرير الحقائق، وإنشاء الإيمان، فهو دائم التعريف بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته ومظاهر حبه لعباده.
ومع هذا التعريف نجد التكرار للمعنى الواحد بأساليب مختلفة ليرسخ مدلوله في العقل الباطن للإنسان فيشكل جزءًا من يقينه(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا( [الإسراء: 41].
وفي عرضه للمعاني نجد أن العرض يخاطب العقل فيقنعه والمشاعر فيستثيرها، مما يحوَّل الحقائق والقناعات الفكرية إلى إيمان راسخ في القلب.
ومما يساعد القارئ على انتفاعه بالقرآن هو التزامه بما أمره الله به من تدبر وتفهم لما يقرؤه من آيات، وكذلك ترتيله لها, فالفهم والتدبر يخاطبان العقل فيقتنع، والترتيل يهز المشاعر، فيمتزج بذلك الفكر مع العاطفة ليثمر يقينًا في العقل، وإيمانًا في القلب، وهذا لا يتوافر في أي كتاب آخر على وجه الأرض (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ( [العنكبوت: 51].
يقول ابن رجب: سماع القرآن ينبت القرآن في القلب كما ينبت الماء البقل.
تعرف على ربك
القرآن- أخي القارئ- هو أفضل وسيلة لغرس محبة الله في القلب، ولقد تم الحديث بشيء من التفصيل حول هذا الموضوع في أكثر من موضع سابق(135)، ولا داعي لتكرار ما قيل، ولكن نُذَكر بأمر هام وهو:أن إنشاء الإيمان في القلب من خلال القرآن لن يتم إلا إذا كان هدفنا حين نقرؤه أن نفهم ما نقرؤه – ولو بصورة إجمالية – وأن نجتهد في التأثر به من خلال الترتيل والتباكي مع القراءة. مع عدم إغفال أمر مهم أيضًا وهو كثرة قراءته، وإعطاؤه الأولوية الأولى في حياتنا.
قال حذيفة بن اليمان: اقرأوا القرآن بحُزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه ورتلوه ترتيلا(136).
وبالإضافة إلىذلك علينا ونحن نعيش في أجواء محبة الله عز وجل، وبعد أن تعرفنا على كثير من مظاهرها أن نتتبع هذه المظاهر ونحن نقرأ القرآن، فإن هذا من شأنه – إذا ما داومنا عليه- أن يؤكد ويرسخ مدلولها في اليقين، ويزيد الإيمان في القلب ويحوله إلى مقام ثابت.
نعم، علينا ألا نقف عند كل آية لنستخرج منها ما يدل على حب الله لعباده حتى لا تتحول القراءة إلى عملية عقلية فكرية فقط، فالمطلوب- كما قيل سالفًا – هو مزج الفكر بالعاطفة، وتجاوب العقل مع القلب، وهذا يستدعى استمرارية وانسيابية القراءة ليتسرب تأثيرها شيئًا فشيئًا إلى المشاعر حتى تصل فى النهاية لمرحلة الانفعال والتأثر.
معنى ذلك أنه من المناسب أن نبحث عن مظاهر المحبة في القرآن بصورة إجمالية، لا تؤثر بالسلب على تدبرنا العام للآيات، ولاتجعلنا نقف عند كل كلمة، ولعل ما قيل في الصفحات السابقة من شأنه أن يستثير مشاعرنا، وينشئ داخلنا حالة شعورية لمحبة الله عز وجل، فإذا ما استثمرنا وجود هذه الحالة، ودخلنا بها إلى القرآن فسنجد ما يؤكدها من آيات، وسنفاجأ وكأن محور القرآن الرئيس يدور حول هذا الموضوع.
? أخي القارئ:
إن القرآن هو أفضل وسيلة لتنمية حب الله في القلب والوصول لمرحلة الأنس به والشوق إليه سبحانه، لذلك أنصح نفسي وإياك أن نكثر من تلاوته بفهم وترتيل وتباك، وأن نتعرف على الله الودود من خلال هذا الكتاب وحبذا لو خصصنا ختمة أو أكثر لهذا البحث العظيم.
يقول ابن رجب: ومما يستجلب المحبة: تلاوة القرآن بالتدبر والتفكر لا سيما الآيات المتضمنة للأسماء والصفات والأفعال الباهرات، ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله، ومحبة الله له(137)فتتحقق (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ(.
ومما يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا من اشتاق إلى الله فليستمع كلام الله فإن مثل القرآن كمثل جراب مسك أي وقت فتحه فاح ريحه»(138).
وقوله: «ما من كلام أعظم عند الله من كلامه، وما ردَّ العباد إلى الله كلامًا أحب إليه من كلامه»(139).
فالأمر واضح، والطريق معبد لتنمية حب الله في القلب، وكيف لا والقرآن بين أيدينا ولا يوجد أي شيء يحول بيننا وبينه، فكلما اهتاجت لدينا مشاعر الشوق إلى الله، وأردنا أن نسكنها, وكلما أردنا أن نأنس بالله، ونزداد حبًا له، وتعلقًا به فلنهرع إلى المصحف, نناجيه ونتحدث إليه – سبحانه- من خلال قراءتنا وتجاوبنا مع خطابه لنا, قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ في المصحف»(140).
فإن قلت: ولكن مشاعر الشوق إلى الله لا تهتاج علىَّ كثيرًا !
الحل أيضًا في مداومة قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، لتزداد مساحة حب الله في قلوبنا شيئًا فشيئًا، فيثمر ذلك شوقًا مستمرًا إليه يجعل صاحبه في عجلة دائمة للاتصال بالله من خلال قراءة القرآن في الصلاة وخارج الصلاة وكذلك في الدعاء والذكر والمناجاة (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى( [طه: 84].

وخلاصة القول:
إن أفضل شيء وأحب شيء نتقرب به إلى الله: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم والترتيل والصوت الحزين (التباكي) قال صلى الله عليه وسلم: «ما تقرب العباد إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه»(141).
وكلما ازداد حب المرء لربه، ازداد حبًا لكتابه ولكثرة قراءته.
قال أبو سعيد الخراز: من أحب الله أحب كلام الله، ولم يشبع من تلاوته(142).
ثانيًا: التفكر في الكون وأحداث الحياة
الإيمان بالحقائق والمعارف التي تم ذكرها يحتاج إلى تذكرة دائمة تستثير المشاعر، وتُنشئ الإيمان وترسخه في القلب، والقرآن – كما أسلفنا – هو المدخل الأساسي لذلك بما فيه من آيات ودلائل تدل على الله عز وجل وتعرفنا بمظاهر حبه لعباده ومدى رأفته وشفقته وبره بهم.
ومع الآيات المقروءة في القرآن تأتي الآيات المرئية والمنظورة في الكون وأحداث الحياة.
فكل ما في الكون يدل على الله ويُذكِّر به (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( [فصلت: 53].
ولقد حثنا – سبحانه – على أن نتفكر في آياته المبثوثة في كونه، وفيما يمر بنا من أحداث في حياتنا لتكون وسيلة للتذكرة الدائمة به، ومن ثمَّ الوصول إلى معرفته، وحبه، والتعلق التام به.
تأمل قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ( [ق: 6- 8].
ومما يلفت الانتباه أن الله عز وجل يُصرف الآيات الكونية ويكررها بأشكال مختلفة، كما يكرر الآيات بأساليب مختلفة في القرآن ليتم من خلالها التذكرة والتبصرة، ومن ثم يزداد الإيمان رسوخًا في القلب (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ( [الأنعام: 65].
ومثال ذلك: الحر الشديد أو البرد الشديد، أو العواصف، أو ... كل ذلك آيات تذكر بالله عز وجل.
وكما أن الله عز وجل قد ذم من يعرض عن تدبر القرآن وفهم المراد من آياته، فإنه كذلك قد ذم من يعرض عن التدبر والتفكر في آياته المبثوثة في كونه (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا( [الأنعام: 157]. (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ( [يوسف: 105].
لا بديل عن التفكر
لا بد إذا من التفكر في آيات الله المبثوثة في كونه المنظور والذي يشمل المخلوقات التي تراها أعيننا كالسماء والجبال والأشجار، ويشمل كذلك أحداث الحياة المختلفة التي تمر بكل إنسان.
(أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَّكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ( [الأعراف: 185].
فيستدل المرء من خلالها على الله عز وجل فيزداد به معرفة، فإذا ما تجاوب القلب مع هذه المعرفة ازدادت مساحة الإيمان فيه، وانجلت بصيرته، وشيئًا فشيئًا يتنور القلب فيرى بهذا النور صفات ربه تتجلي من وراء كل شيء تراه عيناه، فيوحده التوحيد الحقيقي، ويربط حياته كلها به.
لذلك كان التفكر من أفضل العبادات سواء كان هذا التفكر في آيات القرآن، أو آيات الكون.
وصدق من قال:
إذا المرء كانت له فكرة *** ففي كل شيء له عبرة
يقول ابن رجب: كان السلف يفضلون التفكر عن نوافل العبادة، وكان أكثر عمل أبي الدرداء الاعتبار والتفكر(143).
تفكر يقود إلى المحبة
ولأننا في هذه الصفحات نتحدث عن محبة الله وكيفية غرس شجرتها في قلوبنا، لذلك فنحن نريد أن نتجه بعقولنا ومشاعرنا نحو التفكر في مظاهر حب الله لعباده التي تحدثنا سلفًا عن عشرة جوانب منها.
ومحيط التفكر في هذه المجالات يشمل أحداث الحياة التي تمر بنا، والمشاهدات التي نشاهدها، والأخبار التي تصل إلى مسامعنا، فنربط ما يمكن ربطه منها بالله الودود.
فعلى سبيل المثال:
سبق فضله وحبه سبحانه لعباده قبل أن يولدوا، فهذا الجانب العظيم من جوانب المحبة الإلهية لنا، يمكننا إدراكه من خلال ما نسمع وما نشاهد وما نقرأ عن الكفار والملحدين والوثنيين والمشركين وكل من ابتعد عن الإسلام، فنتذكر من خلال هذه المشاهد والقراءات مدى سبق فضل الله علينا أن لم يجعلنا منهم.
ومما يلحق بهذا الجانب أيضًا: رؤية المخلوقات الأخرى التي نشاهدها طيلة ساعات يومنا من جمادات أو حيوانات أو نباتات فنستشعر نعمة التكريم الإلهي لنا والتي سبقت وجودنا في هذه الأرض.
أما بالنسبة لجانب العافية وما فيه من عظيم فضل الله علينا فيمكن استشعاره من خلال رؤية أهل البلاء والنقص في العافية، فما من مرض يصيب إنسانًا وعوفيت أنت منه إلا ويُذكرك بمدى فضل الله عليك.
ونفس الأمر بالنسبة لجانب العصمة: فما من معصية تحدث أمامك أو تصل إلى مسامعك ولم تفعل مثلها إلا دليل على حب الله بأن عصمك من ارتكابها وصرف رغبتك عنها، وكرَّهك فيها، سواء صغرت تلك المعصية أو كبرت.
وكل طاعة نؤديها علينا أن نرى من خلالها حب الله لنا أن وفقنا وأعاننا على القيام بها.
أما جانب القيومية فما أسهل رؤيته من خلال ما قد يحدث لنا من منع وقتي لإمدادات ربانية اعتدنا أن تتوالى علينا ليل نهار مثل: اختلال توازن الجسم، خفقان القلب، ألم مفاجئ في الرأس ...
كل ذلك وغيره علينا أن نرى من خلاله قيومية الله لنا في حفظه لأجسادنا ليل نهار.
وبالنسبة لجانب التسخير: علينا أن ننظر بعين الاعتبار إلى كل الأشياء التي نتعامل معها، ونتفكر في مظاهر تسخيرها لنا، وكيف ستكون الحياة بدون ذلك التسخير.
وهكذا فى بقية الجوانب العشرة يمكننا أن نتعرف عليها ونربطها بالله الودود من خلال إعمال عقولنا في شريط أحداث الحياة الذي يمر أمام أعيننا دون توقف.
والذي يساعد الواحد منا على حُسن التفكر فيما يسمع ويشاهد: المداومة على قراءة القرآن والتفكر في آياته التي تتحدث باستفاضة عن الله الودود، فإذا ما أغلق مصحفه وانطلق إلى الحياة شاهد بعينه ما قد تعرف عليه في القرآن (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ( [فصلت: 53].
وبهذا يحدث الانسجام بين ما يقرؤه وما يشاهده، مما يكون له أكبر الأثر على علاقته بربه فتزداد معرفته به، ومن ثم حبه وأنسه وشوقه إليه.
قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا أعينكم حظها من العبادة» فقالوا يا رسول الله: وما حظها من العبادة؟ قال: «النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه»(144).
* * *

الأعمال الصالحة المقترح القيام بها
ومع أهمية وضرورة التفكر في القرآن والكون والتعرف من خلالهما على الله الودود لإنشاء وترسيخ قاعدة المحبة، إلا أن هذا وحده لا يكفي لتمكين هذه المحبة من القلب، فلا بد – كما أسلفنا – من القيام بأعمال تثبَّت القواعد وترفع وتدعم البنيان.
تأمل معي قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا(
[النساء: 66].
فالقيام بالأعمال الصالحة أمر لازم لتنمية الإيمان بالله الودود وتثبيته في القلب مع الأخذ في الاعتبار أنه كلما كان العمل الصالح له علاقة بهذا الموضوع كان تأثيره أشد وأشد من غيره.
وهناك أعمال صالحة لها ارتباط وثيق بموضوع المحبة علينا أن نكثر من القيام بها حتى تنمو شجرتها وتأتي بثمارها الطيبة.
ومن هذه الأعمال:
1- ذكر النعم.
2- رحلات الاعتبار.
3- كثرة حمد الله باللسان.
4- مناجاة الله بالنعم (خاصة في جوف الليل)
5- تحبيب الناس في الله عز وجل.
6- الإلحاح على الله بأن يرزقنا محبته.
وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل حول هذه الأعمال:
? أولا: ذكر النعم
من طبيعة الإنسان أن مشاعر الحب داخله تتوجه لمن يُعطيه ويُحسن إليه، وكلما ازداد العطاء ازداد الحب خاصة إذا ما كان العطاء بلا مقابل، وصدق من قال: الإنسان عبد الإحسان.
وتحكي لنا كتب السيرة عن أحد المشركين وهو صفوان بن أمية، وكيف كانت مشاعره تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم.
هذه المشاعر التي كان يسيطر عليها البغض والكره، تبدلت تمامًا حتى صار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليه بسبب عطائه المتواصل له من غنائم حنين والطائف.
فإن قلت: ولكننا لا نستشعر ذلك بشكل كافٍ تجاه الله عز وجل مع ما أسبغ علنيا من نعم لا تُعد ولا تُحصى.
نعم، نحن نعيش في هذه الحالة – حالة الجحود للرب المنعم الودود – لأننا غرقى في نعمه، وفي الوقت نفسه لا نسمح لعقولنا بتذكرها، ولا لأعيننا برؤيتها، لأننا قد ألفنا تواصلها علينا حتى نسيناها.
لقد انشغلنا بجمع النعم، ولم نلتفت إلى من أنعم بها علينا فخفتت مشاعر الحب تجاهه سبحانه.
من هنا نقول: إن أهم عمل صالح يورث المحبة وينميها هو ذكر النعم وربطها بالمنعم (فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( [الأعراف: 69].
قال صلى الله عليه وسلم: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة ..... الحديث(145).
العبادة المهجورة
الأمر اللافت للانتباه أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تحثنا على القيام بهذا العمل العظيم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ( [فاطر: 3] (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ([البقرة: 198].
إن التفكر في النعم التي تحيط بنا من كل جانب وربطها بالمنعم له دور كبير في استثارة العقل، وتأجيج مشاعر الامتنان لله عز وجل ومن ثم الخروج من حالة الغفلة إلى اليقظة والانتباه، لذلك كان ذكر النعم من أفضل العبادات.
وفي هذا المعنى يقول أبو سليمان الواسطي: ذكر النعم يُورث الحب لله عز وجل.
ويقول الجنيد: إن الرضا يُنال بالتفويض، والتفويض يُنال بالمحبة، والمحبة تنال باشتغال القلب بالذكر في نعم الله عز وجل(146).
ويؤكد عمر بن عبد العزيز على أهمية هذه العبادة فيقول: التفكر في نعم الله أفضل العبادة(147).
ويكفينا في بيان أهميتها وفضلها ما جاء في حديث الملائكة السيارة التي تلتمس مواضع الذكر فإذا وجدت واحدًا منها بعثت برائدهم إلى الله تبارك وتعالى فيقولون: «ربنا أتينا على عباد من عبادك، يُعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويُصلُّون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول تبارك وتعالى: غشُّوهم رحمتي»(148).
كيفية ذكر النعم
وذكر النعم يكون بالعمل على إحصائها- قدر المستطاع – من خلال الجوانب المختلفة التي تم الحديث عنها:
(نعم سبق الفضل – نعم الهداية والعصمة- نعم العافية – نعم التسخير – نعم القيومية والحفظ – نعم الإمهال والستر- نعم اللطف والرحمة-...).
فمن خلال توجيه الفكر إلى جانب من هذه الجوانب يمكن للواحد منا أن يُعمل عقله في تذكر ما أنعم الله به عليه في هذا الجانب، حبذا لو قام بتسجيل هذه النعم كتابة حتى يسهل عليه الرجوع إليها في أي وقت شاءه وقراءتها وهذا من شأنه أن يستثير مشاعر الحب لله عز وجل داخله.
ومع قيام المرء بالتفكر في نعم الله عليه والاجتهاد في إحصائها مع نفسه، فعليه كذلك أن تكون له مجالس مع أهله وأصدقائه يتذاكرون فيها نعم الله عليهم.
ولقد كان الصحابة والسلف يجلسون مثل تلك المجالس التي تُذكرهم بفضل الله عليهم وتزيدهم حبًا له.
فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم»؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة»(149).
وجلس الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينه ليلة إلى الصباح يتذاكرون النعم، فجعل سفيان يقول: أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا(150).
فلنجلس مثل هذه المجالس المباركة وبخاصة مع الأهل والأولاد لنزداد حبًا لله عز وجل، وحبذا لو كانت هذه المجالس بعد النعم الكبيرة التي تمر بالأسرة كنجاح وتفوق الأولاد، وصيام رمضان وقيامه، و...
القرآن يعلمنا
ونحن بهذه الطريقة نتعلم ونقتدي بالقرآن حيث كان يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النعم الإلهية الكبيرة ليذكّره وأصحابه بها، وبما أنعم الله عليهم من خلالها فيزدادوا له حبًا وشكرًا، فبعد بدر وما كان فيها من نصر مبين نزلت سورة الأنفال تُذكّر بنعم الله العظيمة التي صاحبت هذا النصر: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ( [الأنفال: 9- 12].
وبعد غزوة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا( [الأحزاب: 9، 10].
? ثانيًا: رحلات الاعتبار
والمقصد من رحلات الاعتبار هو الذهاب إلى الأماكن التي يتواجد فيها أهل البلاء كالمستشفيات والملاجئ، ودور الأيتام وأصحاب الاحتياجات الخاصة، فهذه الرحلات لها دور كبير في إدراك حجم النعم العظيمة التي أمدنا الله بها وأغرقنا فيها.
وحبذا لو اصطحبنا في هذه الرحلات أهلنا وأولادنا ليدركوا معنا عظيم فضل الله.
? أخي , زر السجن يومًا لتعرف قيمة نعمة الحرية.
زر أقسام الحروق والكسور وأصحاب الحالات الحرجة لتدرك قيمة نعمة العافية.
أغمض عينيك وتفكر في صعوبة الحياة بدون أبصار.
تخيل نفسك، وأنت تشاهد الأخبار، مكان أصحاب المجاعات والزلازل والحروب والنكبات ثم ردد: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
ولا تنس أن تقول عند رؤية أهل البلاء: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا.
? ثالثًا: كثرة الحمد
حمد الله باللسان عمل صالح يحبه الله عز وجل، فعلينا أن نكثر منه.
ولكي يؤتي هذا الذكر ثماره المرجوة في تنمية المحبة لله في القلب، علينا أن نجتهد في مواطأة القلب اللسان وقت الذكر، أو بعبارة أخرى تجاوب المشاعر مع اللسان، والطريقة الميسرة لذلك أن نستفيد من الأوقات التي تستثار فيها مشاعر الحب لله عز وجل كوقت تذكر نعمه المختلفة، وجوانب رحمته ولطفه وشفقته بعباده، و عند رؤية أهل البلاء والنقص.
فعندما نجد انفعالا وجدانيًا وتأثرًا لمظهر من مظاهر حب الله لعباده، علينا أن نسارع بحمده سبحانه، فيواطئ اللسان القلب، فيزداد التأثير والانفعال، ومن ثم تزداد المحبة أكثر وأكثر.
وصيغ الحمد كثيرة علينا أن نختار منها ما يناسب حالتنا الشعورية.
والطريقة الثانية التي من شأنها أن تجعل الذكر نافعًا هي أن نجتهد قبل الذكر في استثارة مشاعر الحب من خلال التفكر في جوانب حب الله لعباده، فإذا ما تجاوب القلب، وانفعلت المشاعر بدأنا الذكر.
يقول الحسن البصري:
إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا القلوب فنطقت بالحكمة(151).
? رابعًا: مناجاة الله بالنعم
من الأعمال الصالحة التي تورث المحبة والقرب من الله: مناجاته سبحانه بذكر نعمه التي أنعم بها علينا كما فعل إبراهيم – عليه السلام – في مناجاته لربه: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" [إبراهيم: 39].
فبعد إحصاء النعم، وبعد رحلات الاعتبار، وفي أوقات الخلوة به سبحانه علينا أن نناجيه ونتحدث إليه ونحمده على ما أنعم به علينا، وحبذا لو تضمنت هذه المناجاة النعم بصورة تفصيلية، وقد أحسن من قال في مناجاته:
أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني بغير كسب يدٍ ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة والعطف منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محاسنا وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت ذكري في البرية شائعًا حتى جعلت جميعهم إخواني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولذقت بعد كرامة بهواني
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت عليّ ربَّ بأنعم ما لي بشكر أقلهن يدان


من صور المناجاة:
عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما طَعِم وغسل يده – أو قال يديه – قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، من َّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودّع ربي، ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبَصَّر من العَمى، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين»(152).
فلتكن – أخي – مناجاتنا لله بالثناء عليه ومدحه، والاعتراف بنعمه، ولنداوم على ذلك حتى نذوق حلاوة حبه فنصل من خلال المناجاة إلى استشعار قربه منا وكأننا نراه فنكلمه على الحضور.
أفضل أوقات المناجاة:
ومن أفضل أوقات المناجاة على الإطلاق ذلك الوقت الذي يجد فيه المرء قلبه حاضرًا معه، ومشاعره متأججة ومتجهة نحو ربه.
أما أفضل الأوقات بالنسبة لساعات الليل والنهار، فمما لا شك فيه أن المناجاة بالليل خاصة في جوفه ونصفه الأخير لها تأثير عجيب على القلب، وكيف لا وقد وصفها الله بذلك: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً( [المزمل: 6].
فأفضل الأوقات التي يمكن أن يحدث فيها مواطأة بين القلب واللسان هي ساعات الليل، قال صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر»(153).
وفي هذا المعنى يقول الإمام حسن البنا – رحمه الله -: يا أخي لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام، والخَليُّون هجع، قد سكن الليل كله، وأرخى سدوله، وغابت النجوم، فتستحضر قلبك، وتتذكر ربك، وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك فتأنس بحضرته، ويطمئن قلبك بذكره، وتفرح بفضله ورحمته(154).
وروى أبو نعيم بإسناده عن حسين بن زياد قال: أخذ فضيل بن عياض بيدي فقال: يا حسين ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه، ها أنذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل مثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على الحضور، غدًا أقر أعين أحبابي في جناتي»(155).
وعن عنبسة بن الأزهر قال: كان محارب بن دِثار، قاضي أهل الكوفة، قريب الجوار مني، فربما سمعته في بعض الليل يقول وهو يرفع صوته:
«أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الغريب الذي وصلته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مَوَّلته فكل الحمد، وأنا العَزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا السَّاغبُ الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي أدَّيته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، فلك الحمد ربنا حمدًا كثيرًا على حمدٍ لك»(156).
سجود الشكر
ومن أفضل أوقات المناجاة والثناء على الله بنعمه: أثناء سجود الشكر .. ففي هذا السجود يكون الإنسان في حالة من التأثر، والتأجج المشاعري لما يرى من إحسان ربه عليه، لذلك علينا أن نستثمر هذا الوقت بمناجاة الله وذكر نعمه، ليزداد الحب، والشعور بالامتنان تجاهه سبحانه.
? خامسًا: تحبيب الناس في الله عز وجل
ومن الأعمال الصالحة التي تسقي شجرة المحبة: تحبيب الناس في الله عز وجل وذلك بالحديث معهم عن نعمه سبحانه ومدى حبه لهم ورأفته وشفقته ولطفه بهم.
فهذه الوسيلة لها أكثر من فائدة: منها أنها تذكر المتحدث بما قد يكون غفل عنه، فتجعله في حالة دائمة من التذكر والانتباه.
ومن فوائدها كذلك أنها تدفعه إلى العمل بما يقول حتى لا يدخل في دائرة من يقول ولا يفعل.
ومنها كذلك أنها من أفضل الأعمال التي يحبها الله عز وجل، ومن ثمَّ فإنها تعرض صاحبها لنفحات المحبة الإلهية.
عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يقول: حببوا الله إلى الناس يحببكم الله(157).
وجاء في الأثر أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام:
يا داود أحبني، وأحب من يحبني، وحببني إلى خلقي. قال: يا رب، هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي فإنهم لا يذكرون مني إلا خيرا(158).
وعن كعب قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: أتحب أن تحبك جنتي وملائكتي، وما ذرأت من الجن والإنس؟ قال: نعم يا رب، قال: حببني إلى خلقي، قال: كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي، فإنهم لا يذكرون مني إلا كل حسنة»(159).
وكان أبو الدرداء يقول: إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل الذين يحبون الله ويحببون الله إلى الناس، والذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله عز وجل(160).
نموذج عملي:
وإذا أردت أخي القارئ تطبيقًا عمليًا لهذه الوسيلة فانظر إلى قوله تعالى وهو يخاطب فيه نبيه، ويعلمه طريقة الدعوة وما ينبغي أن يتضمنه خطابها من تحبيب الناس في ربهم: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( [الأنعام: 54].
وهذا كثير في القرآن تأمل قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ( [هود: 3].
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا كاملا للداعية الذي يحبب الناس في الله عز وجل، ويدفعهم للفرار إليه مهما ارتكبوا من آثام.
أتاه يومًا من الأيام شيخ كبير وهو يستند على عصاه، فقال: يا نبي الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر الله لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فإن الله قد غفر لك غدراتك وفجراتك. فانطلق وهو يقول: الله أكبر الله أكبر(161).
وكذلك كان صحابته: فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يلقى الفرزدق وقد كان شاعرًا يقذف النساء، وكانت الناس تكره فيه ذلك، فماذا قال له أبو هريرة عندما لقيه؟
يقول الفرزدق: قال لي أبو هريرة: أنت الفرزدق؟ قلت: نعم. فقال: أنت الشاعر؟ قلت: نعم. فقال: أما إنك إن بقيت لقيت قومًا يقولون لا توبة لك، فإياك أن تقطع رجاءك من رحمة الله(162).
ومات لرجل ابن مسرف على نفسه، فلقيه عليّ بن الحسين فقال له: إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها فشهادة أن لا إله إلا الله، وأما الثانية فشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الثالثة فرحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء(163).
? سادسًا: الإلحاح على الله بأن يرزقنا حبه
علينا أن نسأل الله عز وجل ونلح عليه بأن يرزقنا حبه، مثل ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دعائه قوله: «اللهم إني اسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك. اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي ومالي وأهلي ومن الماء البارد على الظمأ».
وقوله: «اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليَّ، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني في عبادتك».
واعلم أخي أن الله عز وجل لا يرد سائلا عن بابه، فلو رأى منا صدقًا في طلب محبته لرزقنا إياها، وفتح لنا باب الأنس به والشوق إليه.
ونختم الحديث بأثر رواه الجنيد بإسناده عن صالح بن مسمار قال: بلغنا أن الله عز وجل أرسل إلى سليمان بن داود عليه السلام بعد موت أبيه داود ملكًا من الملائكة فقال له الملك: إن ربي عز وجل أرسلني إليك لتسأله حاجة.
قال سليمان: فإني أسال ربي أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأسال الله أن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه.
فقال الرب تبارك وتعالى: «أرسلت إلى عبدي ليسألني حاجة فكانت حاجته إليَّ أن أجعل قلبه يحبني، وأجعل قلبه يخشاني، وعزتي لأكرمنه. فوهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده(164)».
* * *
كلمة أخيرة
حول الطريق إلى محبة الله
وخلاصة القول أن الطريق إلى محبة الله عز وجل – محبة صادقة مثمرة – يبدأ بكثرة قراءة القرآن بفهم وتأثر، وكذلك بالتفكر اليومي في أحداث الحياة التي تمر بنا وتحمل في طياتها مظاهر الحب الإلهي لنا من لطف ورحمة وقيومية وتذكير وتسخير.
ومع هاتين الوسيلتين العظيمتين اللتين من شأنهما إنشاء المحبة في القلب وغرس بذرتها وتأسيس قاعدتها، تأتي الأعمال الصالحة بعد ذلك لترفع البنيان وتسقي البذرة فلا تتركها إلا بعد أن تصبح شجرة وارفة مثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وهذه الأعمال هي ذكر النعم، ورحلات الاعتبار، وكثرة الحمد باللسان، ومناجاة الله بالنعم، وتحبيب الناس في الله عز وجل وأخيرًا الإلحاح على الله عز وجل بأن يرزقنا محبته.
نسأل الله عز وجل أن يجعل حبه يهيمن على قلوبنا وأن يفتح لنا باب الأنس به والشوق إليه وأن يجعلنا ممن قال في شأنهم (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( [المائدة:54] و(رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ( [المائدة:119].
وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله




وللتواصل:
www. Alemanawalan.Com.
* * *
الفهــــــــرس

الموضوع المقدمة ولكننا نحب الله ! المعرفة طريق المحبة المعرفة النافعة تمهيد لابد منه تكامل العبودية سياج المحبة ضرورة التوازن رحلة المحبة كيف نفتح باب المحبة؟! الفصل الأول
أهمية المحبة الصادقة من العبد لربه الثمار الحلوة أولاً: الرضا بالقضاء ثانيًا: التلذذ بالعبادة وسرعة المبادرة إليها ثالثًا: الشوق إلى الله رابعًا: التضحية من أجله والجهاد في سبيله خامسًا: الرجاء والطمع فيما عند الله سادسًا: الحياء من الله سابعًا: الشفقة على الخلق ثامنًا: الغيرة لله تاسعًا: الغنى بالله الفصل الثاني
لماذا يحب الله عباده؟ النفخة العلوية تكريم الإنسان أليست نفسًا؟! تقرب الملائكة إلى الله بالدعاء للبشر مباهاته بعباده ضحكه سبحانه قدر المؤمن عند الله يكره سبحانه مساءة عبده المؤمن فرحه – سبحانه – بتوبة العاصين مراده أن تدخل الجنة أحب العباد إلى الله أشد ما يغضبه المرحلة الأخيرة أهل المظالم الفصل الثالث
مظاهر حب الله تعالى لعباده تمهيد. جوانب المعرفة. أولا: سبق فضله عليك قبل أن توجد. سبق الفضل في التكريم المشهد العظيم سبق فضل الزمان تيسر الحياة سبق فضل المكان الوالدان اللسان العربي سبق الفضل في العافية كلمة لا بد منها ثانيًا: هدايته وعصمته ودوام عافيته. هدايته لك العصمة ثالثًا: قيامه على شئونك. لا حول ولا قوة إلا بالله. رابعًا: تسخير الكون لك. أنت القائد أيها المدلل تخيل ثم تخيل سل نفسك خامسًا: كرمه البالغ، وهداياه المتنوعة إليك. من الأمير؟ كريم في عطاياه الهدايا المتنوعة يرضى بالحمد شكرًا رب شكور كرم عجيب سادسًا: رحمته ورأفته بك، وشفقته وحنانه عليك. لا وجه للمقارنة ولماذا الابتلاء؟! من فوائد الابتلاء الشفقة الإلهية الابتلاء بالذنب والحرمان من الطاعة الرحمة الواسعة رب رءوف رفع الحرج لا تنس أنك عبد شريعته كلها رحمة تقليل الأعمال في أعيننا الرحمة المدَّخرة سابعًا: تيسير طريقك إلى التوبة والرجوع إليه. لا يحوجنا إلى المشي الكثير بابه مفتوح للجميع أقبل ولا تخف يعلمنا ما نقوله لنتوب عدم الاستقصاء يسهل علينا طريق التوبة لننتهز الفرصة ثامنًا: حلمه وصبره وستره لك. كان معنا غضبة الكون الخليل يرى الملكوت الستير تاسعًا: خطابه الودود الذي يخاطبك به. من أنت؟ خطاب يطمئن مستمعه ولنبدأ بصيغة النداء خطاب يقول لك: أقبل ولا تخف خطاب يستثير الهمم النصائح الغالية التوجيه غير المباشر مراعاة النفسية البشرية ما بال أقوام؟! لماذا العقاب؟ مواساته للمبتلين وفي النهاية عاشرًا: ترغيبك وترهيبك التربية الربانية هل قامت القيامة؟! اللص والسجن شمول الترغيب والترهيب الناس جميعًا الترهيب والترغيب في قصص السابقين الرسائل الإلهية المستقبل والترغيب والترهيب الترغيب والترهيب في أفعال العباد الفصل الرابع
الوسائل العملية لتمكين حب الله في القلب أمران لابد منهما وسائل التذكير بمعارف المحبة أولا: القرآن ودوره في إنشاء الإيمان والتذكير بمعارف المحبة ثانيًا: التفكر في الكون وأحداث الحياة لا بديل عن التفكر تفكر يقود إلى المحبة الأعمال الصالحة المقترح القيام بها أولا: ذكر النعم العبادة المهجورة كيفية ذكر النعم القرآن يعلمنا ثانيًا: رحلات الاعتبار ثالثًا: كثرة الحمد رابعًا: مناجاة الله بالنعم من صور المناجاة أفضل أوقات المناجاة سجود الشكر خامسًا: تحبيب الناس في الله عز وجل سادسًا: الإلحاح على الله بأن يرزقنا حبه كلمة أخيرة حول الطريق إلى محبة الله الفهرس * * *
(1) متفق عليه.
(2) مجموعة رسائل ابن رجب 2/467.
(3) التحفة العراقية في الأعمال القلبية لابن تيمية /61.
(4) رواه مسلم.
(5) استنشاق نسيم الأنس لابن رجب/ 18- 21.
(6) التحفة العراقية في الأعمال القلبية لابن تيمية 59.
(7) حسن، حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (998).
(8) رواه مسلم (2566).
(9) النحفة العراقية /60.
(10) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/384.
(11) حسن الظن بالله لابن أبى الدنيا /27.
(12) المصدر السابق/ 77.
(13) التحفة العراقية /51.
(14) المصدر السابق.
(15) المصدر السابق/54.
(16) متفق عليه.
(17) صحيح، أخرجه الإمام في المسند، والحاكم عن أبي سعيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1814).
(18) المحبة لله سبحانه للإمام الجنيد/60- دار المكتبي.
(19) استنشاق نسيم الأنس لابن رجب/ 36.
(20) صلاح الأمة في علو الهمة 4/516.
(21) الوابل الصيب ص97.
(22) شرح حديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب ص 89 – دار عالم الفوائد.
(23) استنشاق نسيم الأنس /93.
(24) أخرجه الطبراني.
(25) المحبة لله سبحانه للجنيد /111.
(26) سير أعلام النبلاء للذهبي 1/112.
(27) رواه أبو نعيم في الحلية.
(28) صحيح الجامع (7095).
(29) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا برقم (40).
(30) المصدر السابق برقم (27).
(31) المصدر السابق برقم (77).
(32) لك أن تعاتبني حتى ترضى.
(33) استنشاق نسيم الأنس لابن رجب / 37.
(34) حياة الصحابة للكاندهلوي 1/400.
(35) المحبة لله سبحانه /84.
(36) يقول عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني: والإضافة في (روحي) ليست على معنى أنها جزء من روح ذات الله سبحانه وتعالى، بل هي على معنى الملك،كما أن كل شيء في السماوات والأرض، وما بينهما ملك لله، فلله ما في السماوات والأرض، وهذا التعبير نظير التعبير في (سمائي، وأرضي، وجنتي، وناري) أو على معنى الاختصاص بأمر من أموري، مثل «وطهر بيتي للطائفين» وبسبب الفهم الخطأ في هذه الإضافة سقط النصاري في توهم أن عيسى عليه السلام جزء من ذات الله، سبحانه وتعالى عما يصفون، انظر تفسير معارج التفكر ودقائق التدبر الجزء الثالث ص (267).
(37) في ظلال القرآن 5/3028.
(38) في ظلال القرآن 5/3129.
(39) شعب الإيمان للبيهقي (4/154) برقم (4632).
(40) رواه البخاري (1250).
(41) رواه مسلم (3261).
(42) رواه أحمد (16899).
(43) انظر مجلة الوعي الإسلامي عدد 494 مقالا بعنوان (حفظ الإسلام للكرامة الإنسانية) د. إبراهيم أحمد مهنا.
(44) رواه مسلم (2701) .
(45) صحيح، رواه ابن حبان والحاكم وصححه الألباني في ص. ج (1867).
(46) حسن، رواه الطبراني في الكبير وقال إسناده حسن وقال عنه الهيثمي: رجاله ثقات، وحسنه، الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (624).
(47) صحيح الجامع الصغير (8102).
(48) صحيح الجامع (5077).
(49) رواه البخاري (6502).
(50) التحفة العراقية/ 43.
(51) رواه مسلم.
(52) صحيح البخاري ج (6737).
(53) صحيح الجامع (4570).
(54) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/126.
(55) رواه مسلم.
(56) رواه أبو داود (4901).
(57) حسن صحيح الجامع (1733).
(58) سنن أبو داود ح (2755).
(59) سنن أبو داود ح (2804).
(60) صحيح الجامع (2231).
(61) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/353، 354.
(62) اعلم أخي الحبيب أنه كلما زادت النعم على العبد زاد المطلوب من الشكر، وجوهر الشكر هو الشعور بالامتنان تجاه الله عز وجل بالقلب، والاعتراف بفضله وكثرة حمده باللسان، واستخدام هذه النعمة في طاعته والتواضع بها لخلقه بالجوارح، فالذي يجد نفسه محاطا بما سبق ذكره من نعم ثم لا يشكر ربه عليها انقلبت النعمة في حقه نقمة.
(63) صحيح الجامع الصغير
(64) حسن، رواه أحمد والطبراني والحاكم، وقال صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (657).
(65) أخرجه النسائي وابن السني والحاكم وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(66) رواه البخاري (3471).
(67) رواه البخاري ح (6010).
(68) متفق عليه.
(69) متفق عليه.
(70) ضعيف، أورده الألباني، في السلسلة الضعيفة ح (2237).
(71) حسن، رواه أبو يعلي في مسنده، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3004).
(72) رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأورده الهيثمي في مجمع الفوائد 10/ 230.
(73) رواه مسلم.
(74) صحيح الجامع الصغير (5562).
(75) متفق عليه.
(76) صحيح الجامع الصغير (1768).
(77) رواه مسلم (2754) والبخاري (5999).
(78) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 383، وقال: رواه البزار من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(79) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا برقم (21).
(80) رواه مسلم (2569).
(81) رواه الترمذي (969) وأبو داود (3098) وابن ماجه (1442) وهو حديث صحيح، والخريف: أي الثمر المجتني.
(82) متفق عليه البخاري 10/ 366، ومسلم (2982).
(83) رواه مسلم.
(84) رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس مرفوعًا.
(85) صحيح الجامع الصغير ح (1418).
(86) متفق عليه.
(87) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5815).
(88) الشفا للقاضي عياض 2/ 178.
(89) المحبة للجنيد/ 73.
(90) رواه الترمذي (1021).
(91) حسن، أخرجه الترمذي وأورده الألباني في صحيح الجامع ح (8177).
(92) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس مرفوعًا.
(93) صحيح الجامع الصغير (5303).
(94) صحيح، رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (5253).
(95) صحيح، رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (1755).
(96) كنز العمال رقم 10399.
(97) صحيح، أورده الإمام أحمد، والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5206).
(98) رواه الترمذي (700) وقال حديث حسن.
(99) متفق عليه.
(100) صحيح، رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (5621).
(101) انظر صحيح الجامع ح (6295).
(102) رواه أبو داود (1518).
(103) رواه ابن ماجة (3682) وصححه الألباني.
(104) صحيح الجامع ح (1885).
(105) صحيح الجامع ح (711).
(106) صحيح الجامع ح (1730).
(107) رواه مسلم.
(108) رواه الطبراني.. انظر كنز العمال (10359 ).
(109) متفق عليه.
(110) رواه مسلم من حديث أبي ذر.
(111) صحيح مسلم بشرح النووي.
(112) رواه مسلم.
(113) رواه الترمذي (3534) وقال حديث حسن.
(114) رواه البخاري ومسلم.
(115) رواه ابن عساكر في أماليه عن أبى هريرة ... وأورده الهندي في كنز العمال (10165).
(116) انظر صحيح مسلم (126).
(117) متفق عليه.
(118) شرح الحديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب /136.
(119) كنز العمال (5901).
(120) حسن، رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ح (2177).
(121) شرح حديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب ص 138.
(122) حسن الظن بالله لابن أبى الدنيا ص 63.
(123) أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر المنثور للسيوطي 3/45.
(124) رواه مسلم.
(125) صحيح الجامع الصغير ح (1894).
(126) كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي 69، 70.
(127) رواه البيهقي في السنن والخطيب وابن عساكر، انظر كنز العمال (29836).
(128) رواه البخاري.
(129) رواه مسلم.
(130) رواه مسلم.
(131) صيح، صحيح الألباني في صحيح الجامع ح (6232).
(132) فيض القدير 6/159.
(133) رواه الترمذي.
(134) حسن، رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6289).
(135) مثل ما تضمنته كتب: العودة إلى القرآن –بناء الإيمان من خلال القرآن -كيف نغير ما بأنفسنا- حقيقة العبودية.
(136) لمحات الأنوار للغافقي(566).
(137) استنشاق نسيم الأنس لابن رجب /55.
(138) رواه الديلمي عن أبى هريرة، كذا في كنز العمال (2472).
(139) رواه الدارمي (3354).
(140) كنز العمال 2366.
(141) كنز العمال 2257.
(142) مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب 2/47.
(143) استنشاق نسيم الأنس /49.
(144) أخرجه ابن أبى الدنيا بإسناد ضعيف.
(145) رواه الترمذي (3878) وقال حديث حسن غريب.
(146) المحبة لله سبحانه للجنيد/ 75 – دار المكتبي – سوريا.
(147) استنشاق نسيم الأنس /49.
(148) رواه البزار بإسناد حسن.
(149) رواه مسلم (2701) كتاب الذكر والدعاء.
(150) الشكر لابن أبى الدنيا/50.
(151) إحياء علوم الدين 5/6.
(152) أخرجه النسائي، وابن السني، والحاكم، وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(153) صحيح، أخرجه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن عبسة، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (1173).
(154) رسالة المناجاة لحسن البنا.
(155) استنشاق نسيم الأنس /87.
(156) الشكر لابن أبى الدنيا /75.
(157) المحبة لله سبحانه للجنيد/ 57.
(158) المصدر السابق/ 63.
(159) استنشاق نسيم الأنس/ 45، 46.
(160) المصدر السابق/ 75.
(161) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/83، ونسبه لأبي يعلى والبزار والطبراني في الصغير ورجالهم ثقات.
(162) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا ص 69.
(163) المصدر السابق.
(164) المحبة لله سبحانه للجنيد خبر رقم (79).
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

المحــتـويــــــــات

4


3


المقدمـــــــــــــة

تمهيــــــــــــد




الفهــــــــــرس