Advertisement

لأنك الله رحلة إلى السماء السابعة

لأنك الله
رحلة إلى السماء السابعة
?
علي بن جابر القيقي
(ح) دار الحضارة للنشر والتوزيع، 1438هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الفيفي، علي جابر
أنك الله رحلة إلى السماء السابعة، / علي جابر الفيفي – ط12 –
الرياض 1438هـ
ص؛ 00 - 00 سم
ردمك: 4 – 451- 506 -603 -978
1- الله جل جلاله
2- الأسماء والصفات
أ- العنوان
ديوي 241 7220/1430
رقم الإيداع: 7220/1438
ردمك: 4 – 451- 506 -603 -978
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثانية عشر
1438هـ - 2017م
دار الحضارة للنشر والتوزيع
ص. ب. 102823 الرياض 11685
هاتف: 23161339- 2422528 فاكس: 2702719
فاكس 2422528 تحويلة103
الرقم الموحد: 920000908
الإهداء
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى التي قالت لي ذات ليلة،
وأنا في السابعة من عمري:
هل صليت العِشاء؟
فقلت لها – كاذبًا – نعم!
فنظرت إليّ نظرة شكّ، وقالت: قل ما شئت ولكنه قد رآك!
فأفزعتني "قد رآك"!
وجعلتني أنهض لأصلي.. رغم ادعائي الكاذب
إلى أمي
لأنك الله.. لا خوف ولا قلقُ
ولا غروب.. ولا ليل.. ولا شفق
لأنك الله.. قلبي كله أمل
لأنك الله روحي ملؤها الألق
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه.. وبعد
فـهذه كلمـات عـن بعـض أسـماء اللـه، كتبتـها بضـعفي عـن القـويّ سـبحانه، وبعـجزي عـن القـدير سـبحانه، وبجـهلي عـن العلـيم
سبحانه..
حرصــت أن أجعلــها ممــا يفـهمه متوسـط الثقافـة، ويسـتطيع قراءتـه المـريض علـى سـريره، والحزيـن بـين دموعـه، والمحتـاج وسـط
كروبه.
لدي يقين أن تعلّق القلب بالله، وعلمه به، ومراقبته له، وحبّه وخوفه ورجاءه، كما أنه سرّ سعادة الأخرة، فإنّه سر سعادة
الــدنيا كــذلك، وأنّ مرحلــة الأحزان والوســاوس والحــروب ســتنتهي تمــاما إن وجـه العبـد بوصـلة اهتمامـه إلـى الـذي لـم يخلقـه إلا
لعبادته..
وباب أسماء الله الحسنى باب إيمانّي عظيم، يدلف العبد من خلاله إلى عالم قدسي خاص، يجعل النفس تسجد تعظيمًا،
والروح تتبتّل خشوعًا وحبًّا.
أردت مــــن هــــذا الكتــاب الــدلالة علــى اللــه ســبحانه. والإشــارة إليــه بــالقليل ممــا لــديهِ، وتــذكير نفســي وإخوانــي بأنــه علــى كــل شــيء
قدير، وأن فضله كبير، وأنه سبحانه السميع البصير..
وأردت أن أربــت بــهذه الكلمــات علــى أكتــاف أتعبتــها الآوجــاع، وأمســح بــها علــى رؤوس صــدعتها الآلام، أردت أن أواري بــأحرفي
الدموع، وأن أطفىء لهيب الضلوع..
إننا بدون معرفة أسماء الله في صحراء تائهون، تتبدد أيامنا في لهيب تلك الصحراء، ودوّامة كثبان القلق النفسي.
اختر الله: معرفة، وإيمانًا، ويقينًا، وعبادة، وخضوعًا، ثم أنسًا، وسعادة، وهناء.
أو اختر التيه، والضياع، والاختناق، والشعور بالكآبة، والتمزق النفسي..
لا أدعي في هذا الكتاب إحاطةً ولا علمًا ولا سبقًا، الذي أدعيه هو العجز والتقصير والافتقار إلى عفوه سبحانه وتجاوزه.
فــــإن كــــان فــي هــذا الكتــاب مــن خــير فأســأل اللــه أن يشــيعه بــين النــاس، وإن كــان غــير ذلــك فقــد علــم ســبحانه كــل التقصــير الــذي
عندي، وقد علمتُ بعض العفو الذي عنده.
أسأل الله صلاح النية، وأن يغفر ما قد يندّ به القلم، أو يخطىء به الفؤاد.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
علي جابر الفيفي
27/7/1437
الصَّمد
لا يستطيع العالم كله أن يمسّك بسوء لم يرده الله..
ولا يستطيع العالم كله أن يدفع عنك سوءًا قدّره الله..
الصمد
إذا كان الضعف قد بنى حولك سجنًا ضيقًا لا تستطيع الخروج منه!
إذا حاصرتك الحاجات. وداهمتك الخطوب، والتفت من حولك الهموم، وأخذت روحك في الهرب إلى المجهول! فأنت ساعتها
بحاجة إلى أن تصمد إليه..
اسم الله «الصمد» سيمدك بكل ما تحتاجه لتكون قويا في هذه الحياة. وتجابه واقعك بشموخ، وتتجاوز عقدك بعزيمة!
ابدأ مع الصمد عهدا جديدا، ثم ثق أن الغد سيكون أفضل من اليوم.. وبكثير!!
في ظلال الصمديّة
الصمد اسم كما ترى بالغ الهيبة، قوي الحروف، شامخ المعنى، قليل الورود والذكر، ذو جلالة خاصة.
وكأن الصمود له سبحانه أهم تجليات الإخلاص في العبادة، فمن أكثر من استحضار معنى الإخلاص في عباداته، أكسب قلبه
صفة الرضوخ إلى مولاه والصمود له وعدم الالتجاء إلا إليه.
وها نحن ندلف إلى عالم الصمديّة لنستلهم شيئًا من معاني الصمد:
الصمد هو من تصمد إليه الخلائق، أي تلجأ إليه، هذا من أجل معاني هذا الاسم، لذا فسوف نطوف بها المعنى.
الصمد هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، والمفزوع إليه وقت النوائب.
جاء ذكره في سورة من أعظم سور المصحف، ومن أقصرها، وهي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن الكريم:
? قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { 1 } اللَّهُ الصَّمَدُ ? .
يحتاج المخلوق إلى نصر فيقول: يا الله.
يحتاج إلى إعانة فيقول: يا الله.
يحتاج إلى حفظ فيقول: يا الله.
يحتاج إلى هداية فيقول: يا الله.
يحتاج إلى لطف فيقول: يا الله.
أمواج
أحاطك بالاحتياجات لتحيط نفسك بأسمائه وصفاته، وهذا معنى الصمديّة.
في كل لحظات حياتك أنت بحاجة إليه، فإن لم ترجع إليه اختيارًا رجعت إليه اضطرارًا.
المزارع إذا تأخر وقت الحصاد، وقد تعاظمت حاجته للثمر، وصار الماء شحيحًا، نظر إلى السماء وقال: يا الله!
ركاب السفينة إذا تلاطمت بهم الأمواج، وزعزعت فكرة الموت طمأنينة الحياة في نفوسهم قالوا: يا الله!
إذا أعلن قائد الطائرة أن عجلاتها رفضت التحرك ولذلك فسيأخذ جولة على المطار إلى أن تحل المشكلة، ينسى ركاب الطائرة كل
الشخصيات المهمة، ولا يتذكرون إلا الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.
وعيناك على رسام القلب، تنظر إلى تلك الخطوط المتعرجة ومريضك تخفت أنفاسه، وتتضاءل نبضاته، وتلك الخطوط تأخذ
قليلًا قليلًا في الهبوط، لحظتها تنسى اسم الممرضة، ويتبخر من رأسك وجه الطبيب وتقول في رجاءك يا الله كن معه!
أفكار الزيف
جاء شيخ أعرابي اسمه الحصين إلى رسول الله صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فسأله النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: كم تعبد يا حصين؟
فقال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، فسأله النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: من لرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال
من لرغبك؟ قال الذي في السماء، فقال له النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: فاترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء، فأسلم
الحصين11!
لقد اقتنع بسبب معنى الصمديّة، لأن من تصمد إليه وقت الرهبة والرغبة هو وحده من يستحق أن تسجد له!
إن الإيمــان أســهل فكــرة فــي الــوجود، لا تحتــاج إلــى كتــب، ولا إلــى فلســفة، ولا إلــى ســبر وتقســيم، هــي كلمــة قلــها بــإخلاص، ثــم
اتركها لتشتت أفكار الزيف.
يختصر القرآن ذلك فيقول: ? قُلِ اللَّهُ ? ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ? .
كلمة "الله" وحدها.. كفيلة بإسكات أكبر أكاذييب الحياة.
في عمق كل إنسان وداخل كل خلية، وحول كل شريان أشياء تعرف الله جيدًا، وتجسد له، وتسبحه.
إن الكافر وهو كافر إذا سمع القرآن يخضع.
ومن قصص السيرة الشهيرة أن رسول الله صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قرأ سورة النجم على مشركي مكة في المسجد الحرام، وما إن
انتهى حتى سجدوا.. كلهم سجدوا.. حتى أولك الذين طردوه وآذه وخططوا لاغتياله سجدوا!
تلك الأشياء التي في خلاياهم وشرايينهم تفجرت فيها طاقة إيمانية رهيبة فجعلتهم يخرون للأذقان سجدًا.
الكواكب
خلق في نفوس عباده حاجة إلى حبه سبحانه!
هناك نوع من الحب المقدّس في قلوب العباد لا يشبعه إلا الانحناء له.. والطواف ببيته.. والوقوف بين يديه.. والقيام من النوم
لأجله.. وبذل المهج في سبيله.
الحياة بكل تجلياتها همس يقول لك: الذي تبحث عنه على عرشه يسمعك (الرحمن على العرش استوى).
امرأة يخلو بها فاجر في إحدى الخلوات فيراودها عن نفسها، لكنها تأبى! فيقول حاثًا لها: لا يرانا إلا الكواكب، فترد بشموخ:
فأين مكوكبها؟
أين الله؟
إنّه قلب صامد إلى الله، يراقبه، متيقن أنه عليم خبير سميع بصير محيط!
وصمودك إليه بقلبك تماما كصمود المصلّي إلى الكعبة ليصلي إليها!
هكذا يجب أن يكون القلب، يوزّع رغباته في كل الاتجاهات لكن الاتجاه الأمامي يجب أن يكون لله فقط..
ضع يمين قلبك ما شئت ويساره ما شئت، ولكن أمامه لا تضع إلا مرضاة الله، إلا مراقبة الله، إلا حب الله.
وتنساه..
إذا بحثت عن شيء فلم تجده فدعه، وانشغل بالله.
هــــو الــــذي جعــــل ذلــــك الشــــيء يضــــيع لتصــــمد إليــــه وتلتجــــئ، لتقــــول: اللــهم ردّ علــيّ ضــالّتي، فيردّهــا! يريــدك أن تنشــغل بــه عــن
حاجتك، ولكنّك تنشغل بها، وتنساه!!
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام بالغ النفاسة في هذا المعنى، فتأمّله بقلبك، ثم اجعله بالقرب من أوجاعك، وكربك،
وحاجاتك، يقول:
«العبــد قـد تـنزل بـه النازلـة فـيكون مقصـوده طلـب حاجتـه، وتفـريج كرباتـه، فيسـعى فـي ذلـك بالسـؤال والتضـرع، وإن كـان ذلـك
مــــــن العبـــادة والطاعـــة، ثـــم يكـــون فـــي أول الأمـــر قصـــده حصـــول ذلـــك المطلـــوب: مـــن الـــرزق والنصـــر والعافيـــة مطلقـــا، ثـــم الـــدعاء
والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله عز وجل ومعرفته ومحبته، والتنعم بذكره ودعائه، ما يكون هو أحب إليه وأعظم
قدرًا عنده من تلك الحاجة التي همته، وهذا من رحمة الله بعباده، يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية»
تنقطع الأمطار، وتصبح الدنيا قاحلة على عهد موسى عَلَيهِ السَّلام فيخرج هو وقومه وهم آلاف من الرجال والنساء والولدان،
فــــيرى موســــى نملــــة خــــرجت رافعــة يــديها إلــى الســماء صــامدة إلــى ربّ الســحاب، فعلــم موســى أن هــذا الصــمود، وهــذا الــذل لــن
يعقبه إلا هطول السماء بماء منهمر، فقال لقومه: ارجعوا فقد كُفيتم، فعادوا على صوت الرعود، ورذاذ المطر!
فــي طفولتـي كنـت أسـمع دعـاء لأحـد القـرّاء فيـهزني: «اللـهم أوقفنـا مطـايانا ببـابك.. فـلا تطردنـا عـن جنـابك» هـذا الإيقـاف للمطـايا
بباب الكريم هو معنى الصمد.
اصمد إليه
يجب أن تعلم أنه لو لم يأذن للدواء أن يؤدي مفعوله في جسدك لما ارتفع عنك ذلك المرض، فاصمد إليه أن يشفيك..
يجب أن توقن أنّه لو لم يصرف تلك السيارة المتهوّرة عنك لكنت الآن في عداد الموتى، فاصمد إليه أن يحفظك..
يجب أن تتأكد أنّه لو لم يحطك برعايته عندما ركبت البحر.. لكنت الآن طعمًا لأسماك المحيط، فاصمد إليه أن يكون معك..
ولهذا تصمد إليه لترتاح.. ليهدأ لُهاثك.... لأنّك بدونه تركض وتلهث وتتوتّر..
أنصــــت إلــــى أولئــك الــذين تعبــث بــهم ســفينة، أو يــرون المــوت وهــو مقبــل عليــهم، وتعصــف بــهم ريــاح التقلّبــات ســوف تســمعهم
بجميع أديانهم يلهجون باسمه: يا الله..
? هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ
الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ?
جعل في داخلك حاجة لأن تقول اسمه.. هناك أمن يعمّ كيانك إن قلت يا الله.. فإذا لم تقلها اختيارًا.. قلتها اضطرارًا.. وإن لم
تذكرها إيمانًا ذكرتها قهرًا، وإن لم تكن كلمتك في الرخاء، كانت صرختك في الشدة!
البوصلة
لماذا ننتظر جائحة تردنا إليه؟ ومصيبة تذكرنا باسمه؟ وكارثة نعود بها إلى المسجد؟
ألا يستحق أن نخضع ونلتجئ إليه دون جوائح وكوارث ومصائب؟
هل كل ما أعطانا إياه من حياة وصحة وإيمان وأمان وسعادة قليل حتى لا ننكس رؤوسنا إليه إلا ببلية تنسينا كل أوهامنا، ولا
يبقى في عقولنا معها إلا الله!
عدّل بوصلة قلبك باتّجاهه ثم سر إليه ولو حبوًا على ركبتيك ستصل "فأينما تولّوا فثمّ وجه الله"
إذا التجأت لفلان من الناس صباحًا قد يغلق بابه دونك في المساء.
إذا نصرك على زيد قد لا ينصرك على عمرو..
إذا أعطاك اليوم فسوف يمنعك بالغد..
أما الله.. فلا
? هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ ? ..."
يعطــي بــالليل والنــهار.. ينصـرك علـى الجمـيع إن كنـت مظلـومًا.. لا يغلـق بابـه.. يـده سـحاء الليـل والنـهار.. أكـرم الأكـرمين.. لـذلك
تصمد إليه الخلائق.. فإذا جرّبت أن تصمد إلى غيره في حاجة رجعت خائبًا.. ولا بد!
إذا طلبت غيره قد لا يجيبك، أو قد يجيبك، ولكن يتأخر في تلبية طلبك، أو يلبيه ولكن ناقصًا، أو يلبيه كاملًا لكن مع ملعقة
إهانة، وقد لا يهينك ولكن نفسك تنكسر إليه.
فرغ قلبك من غيره
دخلت قديمًا مكتب وكيل إحدى الجامعات وقد كتبت له معروضًا في شأن من شؤون دراستي، ثم شرحت له بعض التفاصيل
فقال ليك لا تكثر (هرْج)!
الناس لا يريدونك أن تكثر من الهرج! ولكن الله يحبك إن كثرت من الهرج بين يديه! فهو يحب العبد اللحوح في الدعاء فلماذا
تشكو لغيره وتتركه؟
يقول النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لابن عباس: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ"22 ما دام أن هناك حاجة تستحق السؤال؛ فليكن الله
هو من تسأله!
أعجبتني مقولة نقلها أبو حامد الغزالي عن أحد العارفين يقول فيها عن اسم الله الأعظم: "فرّغ قلبك من غيره ثم ادعه بأي
اسم يُجِبْك"..
وهذا فحوى معنى الصمد.. اجعل في قلبك الله.. ثم قل أي شيء سيكون إلهيّ المسحة.. وربّانيّ الصبغة..
كل عارض يعرض إنّما هو رسالة تقول لك: لديك رب فالتجئ إليه..
المرض رسالة لتذلّ له
والفقر برقيّة لتسجد له
والضعف مكالمة تقول لك استجلب القوّة من القويّ..
الحياة كلّها تصرخ في وجهك: لديك رب.. اصمد إليه..
وفي حديث ابن عباس سالف الذكر يقول المصطفى صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ".. 33
أمامك..
احفظه في نفسك وجوارحك وخطراتك.. سيكون أمامك بحفظه ومعيّته ونصرته..
الصمد لا تهدأ قلوب خلقه حتى تضع زوّاداتها عند عتبة مُلكه..
خطوات
انظر في أي اتجاه شئت.. ولكن اجعل في قلبك عينين لا تنظران إلاّ إلى عظمته..
تحدّث بكل ما تريد.. ولكن اجعل في قلبك لسانًا لا ينطق إلا بذكره..
استمع إلى الجميع.. ولكن اصنع في قلبك سمعًا لا يدرك إلا كلامه..
امش إلى حيث شئت.. ولكن احفر في قلبك خطوات نهايتها عرش الملك..
اصمد إليه بقلبك وروحك وتفكيرك وجسدك وإراداتك وأحلامك وأوهامك
إذا أمسكت قلمًا فتساءل: هل يرضى سبحانه عن توقيعي على هذه الورقة؟
إذا هممت بكلمة تقولها فتساءل: هل سأقول شيئًا يرضيه؟
إذا وقفت موقفًا تساءل: هل موقفي هذا محبوب عنده أم لا؟
اصنع منبهّا وعلّقه في أعلى قلبك دقاته تقول:
ماذا يريد الله؟ ماذا يريد الله؟ ماذا يريد الله؟
اصمد إليه في كل حين.. وإذا ما استيقظت في نصف الليل تذكره.. خيالاتك سوداء بدون أن تتذكره.. عقلك خراب دون أن يمرّ
اسمه على خطراتك.. أحلامك مستنقعات فإذا جاء ذكر الحي الذي لا يموت عليها صارت أنهارا وأشجارا وعصافير شادية..
شموخ
إذا عــلّمت روحــك الصــمود إليــه.. فــإنّها مــع الزمـن تسـتحي أن الطلبـات الـدنيويّة لأنّهـا ليسـت الحـيّز الـذي خلقـك لـه.. كـل آمـالك
أخروية..
قــال الخليفــة لابــن عمــر وهــو يطــوف حــول الكعبــة ســلني يــا ابــن عمـر.. فنظـر إليـك بشـموخ الصـامد للـه وقـال.. مـن أمـر الـدنيا أم
الآخرة؟ فقال أما الآخرة فلله ولكن من شؤون الدنيا.. فقال: لم أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها؟!
الصمود لله يحوّلك إلى عظيم.. مستهتر بملوك التراب..
الدنيا تخصص لا يقبل عليه الصامدون لله..
قال أمير لابن تيمية.. سمعنا أنّك تريد ملكنا يا ابن تيمية!
فرفع ابن تيمية رأسه بشموخ وقال: والله إن ملكك لا يساوي عندي فلسين!
رجل يعرّض وجهه لله آناء الليل.. كيف يذل لقطعة خزف أطراف النهار؟
حقيقة
اللحظة التي تصمد فيها إليه لأجل حاجتك.. هي نفسها اللحظة التي تصبح حاجتك ملك يمينك..
لا عبور لأي رغبة إلا من طريق الله.. لا وجود لأي حاجة إلا في ساحة الله.. لا إمكانيّة لحدوث شيء إلا بالله، فإنّه وحده الذي
لا حول في الوجود ولا قوّة إلا به..
لا يمكن لخليّة أن تتحرّك ولا لذرة أن تكون ولا لقطرة أن تتبخر ولا لورقة شجر أن تسقط إلا بحوله وقوّته..
لا يستطيع العالم كلّه أن يمسّك بسوء لم يرده الله.. ولا يستطيع العالم كله أن يدفع عنك سوءًا قدّره الله..
إذن فاجعل وجهك إليه.. وألجئ ظهرك إليه.. وفوّض أمرك إليه.
فهو الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد..
اللهم اصمد قلوبنا إليك، واجعلنا لا نطلب غيرك ولا نسأل سواك ولا نستغيث بأحد من خلقك يا الله.
* * *
الحفيظ
نتذكر فائدة مانع الانزلاق
وفائدة كابح السرعة
وفائدة البالون الواقي
وفائدة حزام الأمان
وننسى الله
الحفيظ
إذا شــعرت أن حيــاتك فــي خطــر، أو أن المــرض يــهدد صــحتك، أو كــان ابنــك بعيــدًا عنــك وقــد خشــيت عليــه مــن الضــياع أو رفقــاء
السوء، أو أن مالك الذي جمعته قد بات قاب قوسين أو أدنى من التبدد والتلف فاعلم أنك بحاجة إلى أن تعلم أن من أسماء
ربــــك ســــبحانه "الحفــــيظ" وأنــــه ينبغــــي عليــــك أن تجــــدد إيمــــانك بــــهذا الاســم العظــيم، وأنــه قــد جــاء الــوقت المناســب لتتفكــر فيــه
وتتأمل..
فهو وحده من يحفظ حياتك، ويحفظ صحتك، ويحفظ أبناءك، ويحفظ مالك، ويحفظ كل شيء في هذه الحياة!
أيها القلب اطمئن..
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: "الحفيظ الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم
في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات".
منتهى الحفظ عنده، وغاية الرعاية لديه، وأقصى الطمأنينة ستكون وأنت بمعيته.
يحفظ عبده، لذلك نقول دائمًا: اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك
أن أغتال من تحتي.
إنك تستحفظ الله جهاتك الست، إنك تطلب منه هالة حفظ تحوطك من جميع الجهات، ولا يقدر على ذلك إلا هو!
يحفظ سمعك وبصرك، لذلك ندعوه في الصباح والمساء أن: اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري..
ســــتفقد الجــــهاز الــــذي تســــتطيع فيـــه فــهم اهــذا لعــالم إن فقــدك ســمعك وبصــرك، ســتعيش فــي عزلــة ســوداء، ســتخنقك الــدنيا
بصمتها!
? قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى? قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَ?هٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ? .
الحفيظ هو من يحفظ سمعك، الذي تسمع به الحرام، ولو شاء لأذهبه في لحظة.
ويحفظ بصرك الذي تنظر به للحرام، ولو شاء لأذهبه في لحظة.
يحفظ دينك، لذلك تناجيه في السجود أن: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك.
طرقات الزيغ!
لو لم يثبت قلبك على دينه لتناوشتك الشبهات، وتخطفتك الأهواء!
علماء أفنوا أعمارهم بين الكتب والمحابر لم يرد الله أن يحفظ عقائدهم: فكفروا به سبحانه، وبعضهم صار مبتدعًا في الدين،
وأنت بعلمك القليل ما زلت تسجد له؟لقد حفظ الحفيظ دينك!
عالم اسمه "عبد الله القصيمي" يؤلف كتابًا يدافع فيه عن دين الله اسمه "الصراع بين الإسلام والوثنية" قيل عنه -مبالغة-إنه
دفع به مهر الجنة! وأثني عليه من منبر الحرم، ثم بعد ذلك بسنوات تطرق أصابع الزيغ قلبه -والعياذ بالله -وتبدأ الشبهات
تنســج حــول أفكــاره بــيوت الشــك! ثــم تغــدو المســلمات ممكنــات، والحقــائق آراء، وتحــت تلــك الشــبهات ومـن بـين أكـوام الضـلال
يمسك قلمه ويؤلف كتابًا يهاجم فيه الإسلام اسمه: "هذي هي الأغلال"، يقول: إن دين الله آصار وأغلال وقيود! نعوذ بالله
من الخذلان!
إن الحفــــــــيظ هــــــــو مــــــــن يحفــــــــظ دينــــــــك، لا مجموعــــــــة المعلومـــــات التــــي فــــي رأســــك! لا تغتــــر بعلمــــك، ولا بحفظــــك لكتــــاب اللــــه، ولا
باستظهارك لشيء من سنة النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، والله ستزيغ إن لم يحفظ الله دينك!!
هــذا "بلعــام بــن عــوراء" يؤتيــه اللـه اسـمه الأعظـم، ليـدعوه فـي أي وقـت فيسـتجيب لـه، فـلا يحـول هـذا الاسـم العظـيم بينـه وبـين
الزيغ فيهلك في الهالكين.
وننسى الله!
يحفــــظ حيــــاتك، لــــذلك نســــتودعه ســـبحانه أحبتنــا عنــدما نفارقــهم ونقــول: أســتودعك اللــه الــذي لا تضــيع ودائعــه! يســتحيل أن
تضيع الودائع التي أسبغ عليها الله حفظه وأحاطها برعايته.
كل حادث ينجو منه صاحبه وراءه حفيظ أنجاه منه، نتذكر فائدة مانع الانزلاق، وفائدة كابح السرعة، وفائدة البالون الواقي،
وفائدة حزام الأمان، وننسى الله!
إذا صفعت الأمواج بعتوها السفينة، وبلغت القلوب الحناجر، من الذي يحفظ السفينة من أن يبتلعها المحيط؟
رأيــت تســجيلًا لســفينة تلعــب بــها الأمــواج، كــان منظــر مــن فــي الســفينة وهــم ينــدفعون بعنـف مـن أقصـاها إلـى أقصـاها مؤثـرًا، لا
يملكــون شــيئًا، حتــى التفكــير لا يســتطيعونه، الشــيء الوحيــد الممكــن بالنسـبة لـهم هـو محاولـة التشـبث بـأي شـيء.. ثـم لمـا اتقلـت
الكاميرات للخارج.. رأيت السفينة قشة صغيرة في وسط الأمواج العاتية!
يعلــــن قائـــد الطــائرة عــن وجــود عطــل فــي الطــائرة فــيتحول أولئــك الــذين كــان كــل واحــد منــهم فــي فلــك يســبح إلــى مخبتــين، الكــل
يلتجئ إلى الله ويعلن توبته، نسوا آمالهم وأحلامهم وهمومهم وغمومهم وصار الموت هو كل ما يمكن لعقولهم أن تتصوره!!
من هو الذي أصلح العطل بقدرته كي تنزل الطائرة بسلام ويخرج منها أولئك الذين حولهم الخوف إلى أشباح؟
تعرضت طائرة كنت أحد ركابها إلى مطبات هوائية شديدة، لحظتها فقط استشعرت وبدقة كبر جرم الطائرة، وكيف أنها الآن
في الجو تسبح فوق صحراء ممتدة، شعرت بشيء فوق الخوف، كيف كنت غافلًا طوال الرحلات التي ركبت فيها الطائرة عن
هذه الصورة المفزعة لهذا الجرم الذي يتحرك في الجو بقدرة الله!
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا
فإن وصلنا إلى الشاطئ عصيناهُ
ونركب الجو في أمن وفي دعة
فما سقطنا لأن الحافظ الله
المعقبات
يقول تعالى: ? لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ? .
لأجلك أنت يأمر الحفيظ سبحانه أربعة ملائكة أن يحيطوا بك حتى يحفظوك بأمره من كل ما لم يقدره عليك.
كــيف لا يكــون حفــيظًا وقــد أوكـل بـك كـل هـذا العـدد مـن ملائكتـه الكـرام حتـى يصـدوا عنـك أي طلقـة لـم يشـأ سـبحانه أن تختـرق
جسدك، وأي صخرة لم يرد سبحانه أن تنهي حياتك، بل وأي بعوضة لم يشأ سبحانه أن تؤذي بشرتك!
شاهدت وبذهول المقطع الذي تظهر فيه حادثة محاولة اغتيال الشيخ عائض القرني في الفلبين، وكيف أن المجرم وجه إلى صدر
الشــــيخ عــــائض ســـت رصــاصات مــن مســافة متــر تقــريبًا، ولا حــائل بــين الطلقــات والشــيخ، والقــاتل يبــدو أنــه محتــرف، ولا توجــد
مقاومة من الشيخ أو من مرافقيه.. ثم يخرج الشيخ من تلك المحاولة الآثمة سليمًا معافى!! وأتذكر كيف أن طلقة واحدة ومن
مسافة بعيدة، أودت بحياة الرئيس الأمريكي جون كندي مع أن سيارته كانت تتحرك، وحوله الحرس والجنود!
ثم يعلن الشيخ أنه كان قد ذكر الله، وحصن نفسه بالأدعية! هذه الحادثة درس متكامل بل كتاب من عدة أجزاء في معنى
اسم "الحفيظ"!!.
ما بين القوسين..
أتعلم أنه يحفظك في كل لحظة؟
بل في كل لحظة يحفظك مئات المرات!!
كيف؟
فــــي هــــذه اللحظــــة التــــي تقــــرأ فيـــها (مــا بــين القوســين) حفــظ قلبــك مــن التــوقف، وشــرايينك مــن الانســداد، وعقلــك مــن الجنــون،
وكليتـــــك مــــن الفشــــل، وأعصــــابك مــــن التلــــف، ورأســــك مــــن الصــــداع، ومعــــدتك مــــن القرحــــة، وأمعــــاءك مــــن التــــهاب القــــولون،
وأعضــــــاءك مــــــن الشــــــلل، وعينيــــــك مـــــن العمـــى، وســـمعك مـــن الصـــمم، ولســـانك مـــن الخـــرس، كـــل هـــذا وأكثـــر حفظـــه فـــي هـــذه
اللحظة، ثم يستمر هذا الحفظ في اللحظة التي تليها، وهكذا..
فكم الحمد لله ينبغي أن نقولها في اللحظة الواحدة؟
قارورة
إذا أوقفــــت ســــيّارتك فــــي مكــــان مظلــــم وخشــــيت عليــها أيــدي الســرّاق فاســتحفظها الحفــيظ.. فلــن يضــيّع ســبحانه مــا اســتحفظته
عليه..
إذا خرجت من بيتك في وسط الليل وخشيت على أطفالك فقل: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.. والله ستعود وهم كما
تركتهم.. لأنّه الحفيظ!
إذا ألجأتك الظروف أن تترك شيئًا ثمينًا في مكان عام أو مكان غير آمن فانزح بقلبك إليه وقل: اللهم احفظه.. وثق أنّ عين الله
ستكلؤه إلى أن تعود..
أربعة من الأصدقاء ذهبوا إلى مكان يبعد عن تبوك ستين كيلًا اسمه "نعمة ريط" ثم هبطوا الساعة التاسعة صباحًا سائرين
على أقدامهم إلى مكان يُسمّى الشق! والشق هذا شرخ عظيم في قشرة الأرض، الهبوط إليه مغامرة، بل مجازفة بالحياة!
حبّهم للمغامرة جعلهم ينزلون.. وصلوا إلى القاع في نصف ساعة تقريبًا، ثم مكثوا إلى قريب من المغرب في محاولة الصعود إلى
الســطح! تعــلّقوا بالصــخور.. تزحلقــت بــهم الانحنــاءات الملســاء، تــهشّمت الطبقــات الصــخريّة تحــت أقــدامهم.. عبــروا مـن أمـاكن
ضيّقة لا تتسع لأصابع الأقدام!!
تعبوا.. تشققت أرجلهم، أنهكوا تمامًا، بلغ بهم العطش مبلغًا عظيمًا، باختصار: رأوا الموت..
كانت قلوبهم معلّقة بالله.. كانوا متيقنين ألا حافظ إلا الله.. يقول أحدهم (وبشهادة البقيّة) إنّه دعا الله بإلحاح وقد بلغ به
العطــش حــدّ تمــنّي المــوت.. فــإذا بــه، وفــي مكــان لا يمكــن أن يكــون قــد وطئتــه قــدم إنســان فــي القــريب علــى الأقــل يــرى قــارورة مــاء
صحّة! نظيفة، فلم يفرح بالماء الذي تقاسمه مع رفاقه، بل فرح بالله الذي كان معه في تلك اللحظة.. علم أن الله الذي أوجد
الماء في تلك اللحظة سينقذهم من تلك الرحلة المميتة..
لم تعد القارورة في ذهنه ترمز للنجاة من الموت، بل ترمز لحفظ الحفيظ سبحانه.
وقبيل المغرب وصلوا للسطح وأوجههم سوداء، وثيابهم مشققة، والدماء تثعب من أرجلهم.. وإيمانهم بالله بحجم ذلك تلك
الجبال التي أحاطت بهم!
سهرت أعين ونامت عيون
في شؤون تكون أو لا تكون
إن ربا كفاك ما كان بالأمس
سيكفيك في غد ما يكون
* * *
أعظم وأكثر وأكبر
ولاسم الحفيظ مع كل مخلوق قصّة، فهو لا يخلق خلقه ثم يتركهم، بل يمدهم بالسلاح الذي يواجهون به مفاجآت الحياة،
يعطي كل مخلوق سيفه الخاص ليخوض حرب الحياة:
فهو يحفظ بعض الحيوانات بقدرتها على الجري السريع كالغزال والأرنب.
ويحفظ بعضها بقرون تبقر بها بطن من يقترب منها بسوء مثل وحيد القرن والجاموس.
ويحفظ بعضها بضخامة الجثة، فتدكدك أعداءها بثقلها مثل الفيل والدب.
وبعضها يجعل سلاحها الذي يحفظها به صعقة كهربائية تصيب من يلمسها مثل فانوس البحر!
وبعض الكائنات حفظها بسموم تكمن في أجسادها كالثعابين والعقارب.
ويحفظ الحرباء بأن جعلها تستطيع أن تغير لونها عند الحاجة.
ويحفظ بعضها بالطيران، وبعضها بالقدرة على المراوغة، والبعض بالتسلق..
هذا شيء من حفظه، وما لا تعلمه البشرية من حفظه سبحانه أعظم وأكثر وأكبر!
يدافع عنك
ومن صور حفظ الله أنه سبحانه يدافع عن المؤمنين: ? إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ?
تــأمل: إنـه لا يـدفع عنـهم الـشّر، بـل يـدافعه عنـهم! وفـي هـذه إلماحـة إلـى ضـراوة مـا سـيلاقونه وتعـدد أشـكاله وتنـوع صـوره، ولكـن
الله أعلم بما يوعي أعداؤه، فيدافعهم ويصدهم عن أحبابه.
وفي الحديث القدسي: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ"44! تخيل: حربًا بين عدو للدعوة وللحق وللدين، وبين الله!
من المنتصر؟ من المهزوم؟ بل من المخذول؟
إنه لعباده المؤمنين حفيظ، يحفظهم حفظًا خاصًا، معه الحب، والرعاية، والرحمة.
يتجمع مشركو قريش حول غار فيه رجلان: محمد صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وأبو بكر الصديق رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والإغراءات المالية
تدفعهم لقتلهما، معها الأحقاد الدفينة، والرغبة في حوزة وسام الظفر بأهم شخصية في تلك المدة..
فيتسلل الخوف إلى فؤاد أبي بكر، فينظر إليه صاحبه العظيم ويقول: ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟
يا أبا بكر، هل تعتقد أننا اثنان؟ كلا، بل نحن ثلاثة!!
هنا تتشتت المخاوف، تزول الرعدة، يذوب التوجس:
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نم فالمخاوف كلهن أمان
ها هم فتية الكهف يلتجئون إليه ويسألونه الهداية فيُلجئهم إلى كهف بلا باب، كهف مفتوح للبشر والهوام والسباع، ولكنه
يريد حفظهم فيلقي عليهم أحد جنوده، إنه جندي الرعب!! فلا يقترب من الكهف أحد إلا وانتزع الرعب رغبته في التقدم فتراه
يُهرع خائفًا: ? لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ? .
أنا وأنت إذا أردنا أن نلقي شيئًا ألقينا قلمًا، أو كتابًا، أو صخرة، أما الله فيلقي فيما يلقي أشياء أهم وأغرب وأكبر..
يقول سبحانه: ? سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ? .
لأجل عباده وأولياءه يلقي بالرعب في قلوب الذين كفروا فتنتفض أطرافهم فرقا من أولياء الله!
وديان السباع
ويحفظــك ســبحانه بالملائكــة، فمــن قــرأ آيــة الكرســي قبــل أن ينــام أوكــل اللــه بـه ملكـا يقـوم علـى رأسـه يحفظـه ممـا لـم يقـدره اللـه
عليه.
تخشى من ماذا إذا كان الله معك؟
يجعلــــك هــــذا الاســـم تــرغب فــي أن تــرفع صــدرك إلــى الأعلــى ثقــة بــالحي الــذي لا يمــوت، تمشــي فــي الظــلام، تجــوز وديــان السّبــاع،
تخوض مستنقعات التماسيح، فالحفيظ يحيطك بهالة حفظ تجعل كل هذه الأشياء لعب أطفال تافهة.
نعــم هــذا لا ينــاقض أن تعمــل بالأســباب، فقــد أُمرنــا بــذلك، وعمـل بـها قـدوتنا عليـه الـصّلاة والـسّلام فـي هجرتـه ومغازيـه وأيامـه
كلّها، ولكن يبقى السبب سببًا له قدره من الأهمية، ويبقى الله في قلبك هو العليم، القدير، الحفيظ..
مــن يقــرأ قصــة الشــيخ عبــدالرحمن الســميط رحمــه اللـه فـي سـفره إلـى أفريقيـا للـدعوة ونشـر الـدين وكـيف أنـه خـاض المسـتنقعات
والوديــان الموحشــة فــي مجــاهل القــارة الســوداء، وجــاع وعطــش ومــرض، ومـع ذلـك لـم يمسـسه سـوء، بـل ظـل خمـسًا وعشـرين
سنة في طريقه اللاحب الذي اختاره لنفسه، ثم مات في الكويت على السرير! من يقرأ قصة السميط يعرف معنى الحفيظ..
ذكر البعض مما يستأنس به في هذا السياق مما لا نتحقق دقته ولكنه ليس غريبًا على عباد الله الصالحين: أن سعيد بن جبير
أمســك بــه جنــديان مــن جنــد الحجــاج، وبينمــا هــم فــي الطــريق إذ نزلــت الأمطــار وألجأتــهم إلـى صـومعة راهـب، فـرفض سـعيد أن
يــدخلها رفــضًا قــاطعًا تــنزهًا أن يلــج مكــانًا يعبــد فيــه اللــه علــى ضــلالة، فتركـاه فـي الأسـفل وصـعدا، فـإذا بأسـد يقتـرب مـن سـعيد
فيصرخون به من الأعلى أن اهرب، فلا يحرك سعيد ساكنًا بل يظل في عالم من الذكر دافئ، فيقترب الأسد أكثر، ثم يصل إلى
سعيد وكأنه يهمس له همسا ثم ينصرف، والجنديان ينظران بخوف والراهب ينظر بعين أخرى ويقول: هذا وليّ من أولياء الله!
خذوا كل دنياكم واتركوا
فؤادي حرا طليقا غريبا
فإني أعظمكم ثروة
وإن خلتموني وحيدا سليبا
من الذي جعل الأسد يتوقف في اللحظة الأخيرة، إنه الحفيظ!
أنا الفقير
شاهدت في مقطع مروع عبر اليوتيوب أحدهم يمر من على سكة الحديد مشيًا، والمشكلة أن القطار كان بكل قوته قادمًا، ولكن
الرجل قدر أنه سيكون في الجهة الأخرى في الوقت المناسب، هذا هو تقديره..
فجأة تعلق رجله بين حديد السكة، يحاول أن ينزعها فلا يستطيع والقطار مقبل بسرعة جبارة، وصوته يملأ ذلك المكان برعب
المــوت، والرجــل يحــاول بــهلع، يكــاد أن يمــوت قبــل أن يصــله المــوت! ولمــا تكــون المســافة بينــه وبــين القطــار أمتــارًا بــإذن اللــه لحــديد
السكة أن يفسح لرجله المجال فتخرج وينتقل إلى الجهة الأخرى في ومضة كان جزء منها سينهي حياته نهاية مأساوية!
ثق بضعفك، ثق بهزال رأيك، ثق بفقرك، ثم اجعل قلبك معلقا بالله، وردد:
أنا الفقير إلى رب البريات
أنا المسيكين في مجموع حالاتي
نبي الله لوط عليه السَّلام يهجم قومه على بيته يريدون أن يخلعوا باب البيت وأن يظفروا بضيوفه، وهم ملائكة، يا له من عار
أبدي أن يظفر فسقة قومك بضيوفك، فقال بكل ضعف: ? قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ? .
قال نبينا عليه الصلاة والسلام " يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "55.
الزم يديك بحبل الله معتصمًا
فإنه الركن إن خانتك أركان!
يا غلام
وقد يحفظك الله أيضًا بأعدائك! كيف يكون ذلك؟
يقال إن لصًا دخل إلى بيت، وأراد أن يسرق مالًا في إحدى الغرف وقد كان فيها طفل وأبواه، فتسلل اللص إلى الغرفة وحمل
الطفل ونقله إلى غرفة أخرى فصرخ الطفل فاستيقظ الوالدان مبهوتين، وتساءلا ما الذي أخرج طفلهما فخرجا يبحثان عنه في
المنزل، استغل اللص تلك اللحظة ودخل غرفة الأبوين لسرقتها، فجأة انهار سقف الغرفة ودفن اللص!
مــــا الــــذي جــــاء بــــاللص لينقــــذ تلــــك الأســــرة مــــن المــــوت تحــــت الأنقـــاض بحيلــة كــانت عليــه لا لــه! إنــه الحفــيظ الــذي يحفــظ عبــاده،
يحفظهم حتى بأعدائهم!
ومن أعظم الأسباب التي تستجلب بها حفظ الحفيظ سبحانه أن تحفظه!
أعد وتأمل قراءة حديث: "يا غُلامُ، إني أعلمكَ كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء
يعرفك في الشدة"66.
احفظ الله، يحفظك الله..
احفظه في أوامره فقم بها كما أمرك
واحفظه في نواهيه فانته عنها كما نهاك
اختناق
هذا كل ما في الباب، وبعد ذلك اشمخ على مخاوفك وأحزانك، سينجيك الله منها كما أنجى ذا النون بن متى.
لا هــمّ ولا غــم ولا كــرب يقــارب هــم وغــم وكــرب ذي النــون يــونس عليــه الــسّلام، فــي ظلمــات ثــلاث: ظلمــة البحــر، وظلمـة الليـل،
وظلمة بطن الحوت، يا لها من حياة بئيسة تلك التي ستقضيها إلى أبد الآبدين في بطن الحوت على تلك الهيئة الكئيبة..
ظلام، ضيق، اختناق..
ثم يواجه ذلك السيل من الكروب بكلمة واحدة: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".
فتصــــعد تلــــك الأحــــرف الضــــعيفة، تختــــرق ظلمــــة الحــــوت، وظلمـــة البحــر، وظلمــة الليــل، تصــعد إلــى الســماء، يُروى أن الملائكــة
سمعتها فقالت: يا رب، صوت معروف من مكان غير معروف!
فيجيء الفرج، ويجيء الحفظ، ويجيء العفو، فيلقيه الحوت بالساحل، وينبت عليه الحفيظ شجرة من يقطين.
كلنــا فــي هــذه الحيــاة ذو النــون، والحيــاة قــد التــأمت عليــها بكروبــها، ولــن ينجينــا منــها إلا: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ"..
اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، واجعل من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا
حفظا منك تنجينا به مما نخشى ونحاذر..
* * *
اللّطيف
إذا أراد اللّطيف أن يصرف عنك السوء
جعلك لا ترى السوء، أو جعل السوء لا يعرف لك طريقًا،
أو جعلكما تلتقيان وتنصرفان عن بعضكما وما مسك منه شيء!
اللّطيف
هل لديك أمانٍ بعيدة المنال، بينك وبينها أهوال؟
هل أخبرك الأطباء أن لا أمل في شفاء قريبك؟
هل تشعر باليأس لأن ما يمكنك أن تفعله لن يأتي إليك بما تتمنى حصوله؟
إذن تعــال معــي لنتعــرف إلــى اســم اللـه "الـلّطيف" والـذي سـتكتشف إذا مـا تأملتـه أن لا مسـتحيل فـي هـذه الحيـاة، وأن اللـه قـادر
على كل شيء، وأن أحلامك المستحيلة ستغدو ممكنة التحقق إذا ما طرقت باب اللّطيف!
خفي الألطاف
فــي اللغــة: "الــلّطيف: الــبَر بعبــاده، المحســن إلــى خلقــه بإيصــال المنــافع إليــهم بــرفق ولطـف"، وتقـول "لَطَفَ اللـه لـك: أوصـل إليـك
مرادك بلطف".
واللّطيف أصله خفاء المسلك ودقة المذهب...
فلن يوصل إليك إحسانه برفق إلا من يصل علمه إلى دقائق الأمور وخفايا النفوس..
فاللــــــه ســــــبحانه "هــــــو المحســــــن إلــــــى عبــــــاده فـــي خفـــاء وســـتر مـــن حـــيث لا يعلمـــون، ويســـبب لـــهم أســـباب معيشـــتهم مـــن حـــيث لا
يحتسبون".
فهو ذو لطف وخفاء ودقة في إكرامه وإحسانه، وفي عصمته وهدايته، وفي تقاديره وتصاريفه.
فمــــع بــــالغ قــــدرته، وعظمــــة علمــــه، وبصــــره بمخلوقاتــه، إلا إنــه ذو لطــف فيمــا يحــوط بــه العبــد مــن هــداية وإكــرام وإحســان، لا
تفجــــؤك أفضــاله بــل يســبقها بريــاح البشــرى، ويــهيئ قلبــك لاســتقبالها، ثــم إذا نزلــت بــك الأفضــال جعــل لــها مــن الأســباب التــي
تسبقها ما تكون بها ممهدة الوقوع، وكأنها من محض كسب العبد وهي على الحقيقة إكرام بحت من عظيم المن والعطاء.
وتــــأتي بلطفــــه عظــــائم المقــــادير والتــــي تســــتبعد أكثــــر العقــول خيــالًا وقوعــها؛ فيجعلــها كائنــة حاضــرة، كــل خــيط مــن ذلــك المقــدر
يمسك به قدر من لطفه، فلا تنتبه إلا – وبقريب من المعجزات – قد بات بساحتك! لا تعلم كيف أمكنه أن يحدث، وتتيقن أن
حولك وقوتك أقل من أن تحدثه، فتنظر إلى السماء وتقول: ? اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ? .
نسيم اللّطيف
إذا أراد اللّطيف أن ينصرك أمر ما لا يكون سببًا في العادة فكان أعظم الأسباب!
وإذا أراد اللّطيف أن يكرمك جعل من لا ترجو الخير منه هو سبب أعظم العطايا التي تنالك!
وإذا أراد الــــــلّطيف أن يصــــــرف عنــــــك الســــــوء جعلــــــك لا تــــــرى الســــــوء، أو جعـــــل الســـوء لا يعـــرف لـــك طريقـــا، أو جعلكمـــا تلتقيـــان
وتنصرفان عن بعضكما وما مسك منه شيء!
وإذا أراد الــلّطيف أن يعصــمك مــن معصــية جعلــك تبغضــها، أو جعلــها صــعبة المنــال منــك، أو أوحشــك منــها، أو جعلـك تقـدم
عليها فيعرض لك عارض يصرفك به عنها!
وعباد الله يرقبون تلك الألطاف من اللّطيف، ويبصرونها ببصائرهم وكأن كل قضاء ينالهم به بصمة لطف يدركونها وحدهم.
عنــدما أراد الــلّطيف أن يخــرج يوســف عليــه الســلام مــن الســجن، لــم يــدكك جــدران الســجن، لــم يــأمر ملكــا أن يــنزع الحيــاة مــن
أجساد الظلمة، لم يأذن لصاعقة من السماء أن تقتلع القفل الحديدي، فقط جعل الملك يرى رؤيا في المنام تكون سببًا خفيًّا
لطيفًا يستنقذ به يوسف الصديق من أصفاد الظلم!
ولما شاء اللّطيف أن يعيد موسى عليه السلام إلى أمه لم يجعل حربًا تقوم يتزعمها ثوار بني إسرائيل ضد طغيان فرعون يعود
بعدها المظلومون إلى سابق عهدهم، لا.. بل جعل فم موسى لا يستسيغ حليب المرضعات! بهذا الأمر الخفي يعود موسى إلى
أمه بعد أن صار فؤادها فارغًا!
ولما شاء اللّطيف أن يخرج رسولنا عليه الصلاة والسلام ومن معه من عذابات شعب بني هاشم لم يرسل صيحة تزلزل ظلم
قــريش، فقــط أرســل الأرَضــة تــأكل أطـراف وثيقـة الظلـم وعبـارات التحـالف الخبـيث! فيصـبحون وقـد تكسـرت مـن الظلـم الـعُرى،
بحشرة لا تكاد ترى!!
لغيرك ما مددت يدا
وغيرك لا يفيض ندى
وليس يضيق بابك بي
فكيف ترد من قصدا
وركنك لم يزل صمدا
فكيف تذود من وردا
ولطفك يا خفي اللطف
إن عادى (الشرور) عدا
إنه اللّطيف سبحانه، بأيسر الأمور يقدر أعظم المقادير، وتتم إرادته على ما شاء، وعبده غير مدرك بأن شيئًا يحدث.
الصخرة
تنــــام فــــيجب أن تقــــوم تصــــلي بــــين يــــديه، فيرســــل ريحــــا هادئــة تحــرك نافــذتك، أو طفــلا مــن أســرتك يمــر ويحــدث ضــوضاء بجــوار
غرفتك، أو حاجة شديدة في شرب شيء من الماء؛ فتستيقظ وتنظر إلى الساعة، وبعد دقائق تكون واقفا على السجادة تناجيه
ولا تعلم أنه هو من أيقظك!
تقــود ســيارتك فــي مرتفعـات الجبـال ثـم فجـأة تـرى مـن الضـرورة أن تـوقف سـيارتك جـانبًا لتتأكـد مـن وجـود شـيء فـي درج السـيارة
(هويتــــك أو محفظــة نقــودك) وبعــد ثــوان تــرى أمــامك صــخرة عظيمــة هابطــة مــن أعلــى الجبــل لــو لــم تقــف لــدكدكتك وســيارتك!
فتكمل رحلتك سالمًا، ولا تعلم أنه هو من أنقذك!
تخطــط لمعصــيته، تخــرج ليــلًا، تفاصــيل الخطــة محكمــة، فجـأة تمـر سـيارة مـن بعيـد، فتشـك أنـت أن أحـدهم يراقبـك، فتنغـص
تلك السيارة المارة فكرة الذنب لديك؛ فتبرد إرادتك وتعود إلى بيتك، ولا تعلم أنه هو من صرفك بلطفه عن معصيته!
وكم لله من لطف خفي
يدق خفاء عن فهم الذكي
وكم أمر تساء به صباحا
فتأتيك المسرة في العشي
إذا ضاقت بك الأحوال يوما
فثق بالواحد الفرد العلي
الخفايا والخبايا
ولابد للطيف أن يكون عليما؛ فكيف يكرمك ويمن عليك ويهديك بلطف من لا يعلم مكامن هذا اللطف؟
ولا بد أيضًا أن يكون خالقًا؛ إذ أن كمال اللّطيف يقتضي في بعض الأمور إيجاد ما ليس موجودًا وخلقه، وها هي أسماء الله
وصفاته يشير بعضها إلى بعض، ويقتضي ويستلزم بعضها البعض، يقول تعالى: ? أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطيف الْخَبِيرُ
? كيف لا يعلم وقد بلغ من علمه أن أخفى عطاءاته فكانت دقيقة الحضور، هادئة النور، باهرة الشعور، كيف لهذا الرب
الذي يكرم بخفاء، ويهدي بخفاء، ويصرف بخفاء، ألا يعلم كل هذا اللطف الذي يحدثه سبحانه؟
يقول الشيخ السعدي: «وهو اللّطيف الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك البواطن والخبايا».
وها هي رؤيا أعظم رؤى البشرية يراها يوسف عليه السَّلام وهو في حالة تقول كل مؤشراتها الطبيعية باستحالة تحققها! يحكي
رؤياه فيقول: ? إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ? ، وتأويل الرؤيا أن أباه وأمه وإخوته
الأحد عشر سيسجدون له إكراما وتوقيرًا!!
جميع المؤشرات لا تدل على تحقق مثل هذه الرؤيا!
فأبوه نبي كريم، كبير في السن، جليل في القدر، ولا تفضي معهودات الأمور أن يكرم الكبير الصغير، والنبي غير النبي، والأب
الابن!
وإخوتــه يكرهونــه فكــيف ســيسجدون لــه، بــل بلــغ مـن كرهـهم أن خططـوا لقتلـه، بـل إن كرهـهم دفعـهم لإلقائـه فـي البـئر، فـهذه
المؤشرات تقول باستحالة أن يحدث سجودهم له في يوم ما!
ثــم إن الأحــوال تقلبــت بــه فصــار مرميــا فــي بــئر، ثــم ســلعة تبــاع وتشــترى، ثــم صـار عبـدا فـي بـيت عزيز مصـر! وحـال العبوديـة تلـك
تقضي أيضًا بتأكيد معنى الاستحالة هذه!
ثم انتقل من كونه عبدا خادما في قصر إلى عبد حبيس في سجن! فبعدت المسافة أكثر بينه وبين تحقيق تلك الرؤيا!!
ولكــن الــلّطيف ســبحانه يقــدر الأقــدار، ويصــرف الأمــور، ويخرجــه مــن الســجن، ويجعلــه فــي منصــب رفـيع، ثـم يقـدر القحـط علـى
البــلاد، ثــم يــأتي بإخوتــه فــي ثيــاب الحاجــة، ومــا تزال أقــدار الــلّطيف تلتــف لتحقـق تلـك الرؤيـا القـديمة؛ فـيعجب يوسـف لسـجود
والديه وإخوته ويقول: ? وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ? .
وإلا فلولا إرادة ربه لما تحققت..
? وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ?
هذا اختصار للطف الذي سيطر على المشهد ثم يضع التوقيع النهائي فيقول: ? إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ? .. نعم إنه اللّطيف
إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه بكامل اللطف وتام الخفاء، حتى أنه ليقع ما يستحيل في العادة أن يقع! لأنه الله اللّطيف الخبير.
الأحلام البعيدة
إذا رأيت الأرض صفراء بلقعًا، ثم تكوّم السحاب فوقها ثم تصافعت الرعود ونزل المطر فاهتزت تلك الأرض واخضرت فلا تقل
إن مثل هذا أمر طبيعي، وتدبر: ? أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ? .
مهما تباعدت أحلامك وصار بينك وبينها مفاوز شاسعة فاللّطيف يأتي بها: ? يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ
فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ? ، فلا تيأس وربك لطيف لما يشاء.
تأمل حبة الخردل! إنك لا تكاد تراها إن لم تكن محدقا فيها: انظر إلى حجمها بالنسبة لكفك، ثم بالنسبة لحجم غرفة مثلا،
ثم بيت، ثم قارن حجمها بحيك، ثم بمدينتك، ثم بدولتك، وبعد ذلك بقارتك، ثم بالأرض، ثم بالسماوات الفسيحة، ثم ثق:
إن أرادها الله فسيأتي بها ? إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ? !
فمــــن بلــــغ بلطفــــه أن يــأتي بحبــة الخــردل مــن متــاهات هــذا الكــون العظــيم، ألا يمكــن للطفــه أن يقــود قــدرا إليــك – كــل المقــدمات
المنظورة لا توصله إليك، ولا تدله عليك – بلى والله.
يصل صاحبي في رحلة شاقة من تبوك إلى حدود الأردن، عنده في صباح الغد محاضرات في جامعة مؤتة يجب عليه حضورها،
وفي الحدود وبعد قطعه لمسافة مئة كيلومتر يتذكر أن جواز سفره في بيته! يتكدر ويقرر العودة وعدم السفر ذلك الأسبوع..
في الغد يقرأ في الصحف عن أن بعض طلبة الجامعة وطلاب الجامعة خليط من جنسيات عديدة – قاموا بأعمال شغب في
جامعة مؤتة مما أسفر عن جرحى!
اللّطيف أنساه الجواز، حتى لا يرى الدم، أو حتى لا يصبح الصباح وهو في المستشفى! أو حتى لا يتسلل الخوف إلى قلبه فيترك
الدراسة التي كان قد قطع فيها شوطا كبيرًا!!
ارقب ألطاف اللّطيف، هي ولا شك تترى، في كل قدر لطف ما، وفي كل لحظة ألطاف تحوطك من قبل اللّطيف الخبير.
لطف اللحظة الحاسمة
انظر لنفسك حينما تدخل الغرفة في اللحظة التي كاد طفلك أن يسقط فيها من على السرير وتساءل: لماذا الآن بالذات دخلت
الغرفة؟
تــأمل ذاتــك يــوم أن تــدخل المطبــخ لتشــرب المــاء فــإذا بــك تســمع أزيــر الكــهرباء مــن فــيش الثلاجــة مثــلا، فتفصـله وأدخنـة الحـريق
كانت في بدايتها وتساءل: ما الذي أدخلك في هذه اللحظة بالذات؟ لماذا لم تتأخر خمس دقائق فقط؟
وحتــى لــو لــم تحــدث لــك مثــل هــذه التفاصــيل، فمــن المؤكــد أن مــا هــو قــريب منــها قــد حــدث لــك، فقــط أطلــق لــذاكرتك العنــان،
وسوف تتذكر ظلال اللطف وهي تغمر حياتك..
وبعد هذا الإبحار الهادئ مع هذا الاسم العظيم، والذي لم نأت إلا على شيء يسير من معناه، وبقي من خبايا معناه ما تركه
لفهمك وتأملك ورجوعك لكتب أهل العلم فيه.
وبعد هذا الإبحار، ألا يستحق هذا اللّطيف أن تحبه؟ أن تتأمل عطاياه؟ أن تزيد في قلبك من ذكره ومراقبته ورجائه وخوفه؟
أن تعيش مع هذا الاسم أياما.. تدعوه به، وترقب ألطافه، وتفيض عيناك لرؤية خفي هداياته وهداياه؟
قل في خشوع:
يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف..
اللهم يا لطيف الطف بنا، والطف لنا، وقدر لنا من ألطافك الرحيمة ما تقوم به عوج نفوسنا، وتهدي به ضال قلوبنا، وتجمل
به شعث حياتنا.
* * *
الشَّافي
يشفيك بسبب
ويشفيك بأضعف سبب
ويشفيك بأغرب سبب
ويشفيك بما ترى أنه ليس بسبب
ويشفيك بلا سبب
الشَّافي
هل رضتك الأوجاع؟ وأتعبتك الآلام؟ وأشعرك المرض أن الحياة رمادية اللون؟
هــــــــل كــــــــرهت مراجعــــــــة الأطبـــــاء، وتعبــــت مــــن الســــير فــــي ممــــرات المســــتشفيات، واختلطــــت فــــي عقلــــك أســــماء العيــــادات، بتــــواريخ
المراجعات، بأوجه المرضى؟
إذن ما رأيك أن أطلعك على شيء يغسل روحك من أوصابها وأتعابها؟
إنه اسم الله "الشَّافي"..
اســمح لنفســك المنــهمكة أن تلتقــط أنفاســها قلــيلا، لتقــرأ عــن هــذا الاسـم الـرحيم، هـذا الاسـم الـذي سـتعلم بعـد أن تتفيـأ ظلالـه
مقدار حاجتك إليه، ومقدار بعدك عنه أيضًا..
لا مرض بعد اليوم
الشَّافي من أسمائه سبحانه التي نحمده عليها، نحمده أن تسمى بهذا الاسم، وأن اتصف بصفة الشفاء، وأن كان هو وحده
من يشفي ويعافي أجساد عباده، وهو اسم يفضح عن معناه، ويعكس ظاهره خبايا باطنه.
والشفاء متعلق بالمرض..
ولأن المــرض فــي حيــاة الإنســان عــرض متكــرر الحــدوث، متنــوع الآلام، متعـدد الأشـكال، لا تكـاد تخلـو منـه نفـس، فمـن شُفـي مـن
مــرض عينــه شـعر بصـداع رأسـه، ثـم إن سـكن صـداع رأسـه آذتـه خشـونة مفاصـله، فـإن هـدأت تلـك الأوجـاع أخـذته الحمـى، فـإن
بردت الحمى ارتفعت التهابات القولون لديه، فإن خفت هجم عليه عصب الضرس.. وهكذا، لا يكاد يخلو يوم من ألم!
فإن عمّت العافية جسده، نظر فإذا بأخيه يتأوه، أو أمه تبكي، أو ابنه يأن، أو حبيبه يتألم..
الحيــــاة حقــــل أمــــراض، وأوجـــاع، وتنــهدات، لــذلك فقــد ســمى اللــه نفســه بــالشَّافي، لتســجد آلامــك فــي محــراب رحمتــه، وتنكــس
أوجاعك رأسها عند عتبة قدرته..
المرض فضيحة كبرى تبتلى بها غطرسة البشر! ذبول مفاجئ يفقد فيه الإنسان ازدهاره! نكسة لحيوية ذلك الهلوع المنوع..
قدر الله سبحانه وتعالى على هذا الجسد أن تنطفئ نضارته مؤقتًا، حتى يقتنع الإنسان بضعفه، وبأنه لا حول له ولا قوة..
قدر الله المرض على الإنسان حتى يتذكر شيئًا أشبه ما يكون بهذا المرض، إنه الموت!! فكما أن المرض نهاية الحيوية فكذلك الموت
نهاية الحياة.
أيها الإنسان، إن حقيقتك الموت، وإن كل شيء فيك يشبه الموت، نومك موت، مرضك موت، انتقالك إلى مرحلة عمرية موت
للمرحلـــــة الســـابقة، فالشـــباب مـــوت الطفولـــة، والكـــهولة مـــوت الشـــباب، إنـــك أشـــبه بـــالموت مـــن الحيـــاة، ومـــع ذلـــك فـــإن الـــوهم
يجعلنا نعتقد أننا مخلدون ولهذا يصرخ المرض بأجسادنا، أنها إلى زوال!
وبينما يستلقي ذلك الجسد المنهك على سرير المرض، ينظر إلى الداخلين إليه والخارجين من عنده، وهم يحملون على رؤوسهم
تيجــان الصــحة والعافيــة، بينمــا يحــدث ذلــك، تسـتيقظ فـي داخلـه ذكريـات التـراب، فتعـم كيانـه نكـهة المقبـرة، شـعر بـذلك أم لـم
يشعر!
روحك وأنت مريض تكون في اجتماعات مغلقة مع الموتى، وبدايات الانهيار الداخلي تنضح بها عيناك وشفتاك وارتجاف أطرافك
الباردة.
ها هي الحياة التي في داخلك تلوح بكفيها مودعة أولئك الزائرين.
ولمــا يأخــذ المــرض مــداه، وتنغســل أنــت مــن الــدنيا جيــدًا، يــأذن الشَّافــي ســبحانه للــداء بالانصــراف عــن جســدك، ويـأمر الصـحة أن
تعاود سيرتها الأولى، فإذا باللون الوردي يتصعد على وجنتيك، وتعود ابتسامة أذبلتها أيام الرُحضاء..
يشفيك بلا سبب!
لأنه الشَّافي: يشفيك بسبب..
ويشفيك بأضعف سبب..
ويشفيك بأغرب سبب..
ويشفيك بما يُرى أنه ليس بسبب..
ويشفيك بلا سبب!
يشفي بالأعشاب، ويشفي بالأدوية المفردة والمركبة، ويشفي بالغذاء، ويشفي بالماء..
ومــن أغــرب مــا قــرأت أن طفــلا مصــابا بالســل وأمــراض أخــرى زعــم الأطبــاء أن موتــه قــد شــارف، وأذنــوا لوالــده أن ينقلـه معـه إلـى
الريف ليستمتع في آخر أيامه بهواء الريف العليل ومناظر الحقول الطبيعية، وبينما هو يمشي وبيده قطعة كعك باردة إذ لقيه
رجل طاعن ونظر إلى عينيه الذابلتين وسأله: هل تريد الحياة يا بني؟
فهز رأسه أن نعم، فقال: كيف تحصل على الحياة وأنت تأكل طعاما ميتا؟
عليك بالطعام الحي، اللحوم والخضروات وكل ما خلقه الله في الطبيعة ومازالت حرارة التراب فيه وأثر الحياة عليه!
يقــول الطفــل فنزلــت نصــيحة ذلــك الرجـل مـن قلبـي مـنزل التّصـديق والانصـياع، فصـرت لا آكـل إلا الطعـام الحـي، الطعـام الـذي
يحمــــل فــــي داخلــــه حيويــــة الحيــــاة النابضــــة، اللحــوم بأنواعــها، والخضــروات بأشــكالها، والخــبز الحــار قــريب العــهد مــن الحقــل،
والفاكهة الناضرة، يقول: فتحسنت صحتي وتورد جسمي، مما حدا بأبي أن يذهب بي إلى المستشفى وبعد كشوفات وتحاليل
فغرت أفواه الأطباء.. المرض لم يعد له وجود!! يحكي هذه القصة نفس الطفل بعد أن كبر وأصبح من أشهر المعالجين بالغذاء
في العالم إنه "جايلورد هاوزر" في كتابه "الغذاء يصنع المعجزات".
نعم حكم عليه الأطباء بالموت، ولكن ملك الملوك لم يحكم عليه بذلك!
نعم أراد الأطباء أن تنتهي حياته في الريف، ولكن الله لم يرد ذلك!
نعم عجز الأطباء عن علاجه، ولكن الله لم يعجز ولن يعجز ولا يعجز!
لا تدري!
من الذي أودع أسرار الشفاء في الخضروات واللحوم وغيرها من النباتات والأشياء التي في متناول أفقر رجال الدنيا؟ إنه الله
الشَّافي سبحانه.
فلعلك مصاب بمرض، وأنت لا تدري، وتأكل الطعام الذي فيه شفاؤك وأنت لا تدري، تمرض ويشفيك وأنت لم تعلم أصلا
بمرضك ولا بشفائك!!
وقد يضع سبحانه شفاءه في الماء، وكلنا يحفظ "ماء زمزم لما شُرب له"77 وهو "طعام طُعم وشفاء سقم"88، وكم من مريض
أضناه المرض فأدمن شرب هذا الماء المبارك فبرئ بإذن الله.
ومن استعرض أحاديث الشفاء وجد كمًا كبيرًا من الأدوية النبوية، جمع بعضها ابن القيم في كتابه "الطب النبوي"..
فمن الأدوية على سبيل المثال لا الحصر: القسط البحري والهندي، وألبان البقر، وسمنها، والسنا والسنوت، والحبة السوداء،
والتلبينة، وقيام الليل.. وفي كل ذلك أحاديث صحيحة.
وهــــــو ســــبحانه يشـــفي بالصـــبر، ويشـــفي بالـــدعاء، ويشـــفي بالصـــدقة، ويشـــفي بالاســـتغفار، ويشـــفي بالتوبـــة، ويشـــفي بالرضـــا،
ويشفي بلا شيء!
وعاد النور
دخــــل علينــــا فــــي مكتبــــة الشــؤون الــدينية فــي مســتشفى الملــك عبــد الــعزيز بتبــوك والــهلع ينســج علــى وجــهه ســحابة قاتمــة اللــون،
افتقدنا في تلك اللحظة ابتسامته المشرقة، سألناه؛ فإذا به يقول لنا إن ابنه منوّم في الدور العلوي، قد وقع عليه حادث وفقد
بسببه بصره!!
يا لهول فجيعتنا، فكيف بفجيعة قلب هذا الأب؟
قال برجاء: أريد من أحدكم أن يقوم معي ويرقي ابني، عل الله أن يشفيه..
نهض صاحبي على الفور وذهب معه، وبعد ساعة عاد صاحبي وأخبرني أنه رقاه ثم أمسك بالأب وصبّره وأخبره بحديث "داووا
مرضاكم بالصدقة"99.. قال فأخرج الأب من جبيه خمسمائة ريال وقال له تصدق بها بنية الشفاء عن ابني.. بعد يومين دخل
الأب بوجه آخر وطلب من صاحبي مرافقته، عاد صاحبي بعد نصف ساعة تقريبا متهللا وقال: أبشرك، صار يرى شيئًا من نور
الغرفة! ثم أخبرني أن الأب أعطاه ألف ريال ليتصدق بها، كان ذلك اليوم نهاية الأسبوع. يوم السبت أخبرني صاحبي أن الأب
جــاءه وأخــذه إلــى غرفــة ابنــه، ولــم أصــدق حــين قــال لـي إن ذلـك الطفـل قـد صـار يـرى كسـابق عـهده!! لقـد عـاد بصـره، وصـار يـرى
الحياة من جديد..
من الذي شفاه؟ من الذي كتب لعينيه الحياة؟ من الذي أعاد ذلك الضياء إلى مقلتيه؟
? إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ?
سبحانه قال لبصره عد، فعاد البصر!
عد إليه
لا يريد منك سوى العودة إليه، أن تلمس الطريق المؤدي إليه..
عد إليه بالرضا، عد إليه بالسجود، عد إليه بالتوبة، عد إليه بالاستغفار، عد إليه بالصدقة، عد إليه بالاعتراف..
اطرق بابه، ثم ارتقب الشفاء..
ليس هناك مستشفى في الدنيا تداويك إذا لم يشأ الله لها ذلك.
ليس هناك طبيب في العالم يستطيع أن يشخص مرضك، إلا إذا أراد الله ذلك.
أحد الأثرياء مصاب بالفشل الكلوي يسافر به أبناؤه إلى مصر لزراعة كلية..
فــــــاتفق الأبنــــاء مـــع أهـــل فتـــاة صـــغيرة فـــي الســـن علـــى مبلـــغ مئـــة ألـــف ريـــال ســـعودي ثمنـــا لكليتـــها، وفـــي الصـــباح كـــان الجمـــيع فـــي
المستشفى، فطلب الرجل قُبيل العملية اللقاء بالفتاة التي قررت بيع كليتها له، دخلت إليه في خفر وحياء، فسألها: ما الذي
دعاك إلى أن تبيعي كليتك لشيخ كبير مثلي؟
فقالت: الحاجة! أسرتي فقيرة، وإخوتي في الجامعة، يجب علي أن أفعل شيئًا لأساعدهم!!
كأنها صفعته! أيقظته من سبات، نسي مع احتقان الدم الفاسد في جسده، تساءل في نفسه: أيعقل أن يستغني إنسان عن
جزء من جسمه، عن قدر من حياته لأجل أن يأكل، أن يعيش؟
طلب على الفور أبناءه؛ فلما دخلوا عليه أمرهم أن يعودوا به إلى السعودية فقد ألغى فكرة الزراعة!!
وأخبرهم أن مبلغ المائة ألف صدقة منه للفتاة، لا يأخذوا منه ريالا!
وبعد مقاومة من أبناءه، وغضب من بعضهم، رضخوا لرغبة أبيهم، وبعد عودته إلى السعودية يذهب إلى المستشفى كالعادة
للغسيل، وفي فحص دوري يكتشف الأطباء وبذهول أن كليته عادت للعمل!
قدرة ملك الملوك على الشفاء لا تحتاج إلى مبضع جراح، إنه الملك الذي ينظر من علياء ملكه: فيشفي مريضا، ويسعد مكروبا،
ويعيد مسافرا، ويبرئ جريحا..
موعد مسبق
يُمرضك لتعود إليه فإذا عدت رفع المرض إذ أنه لم يعد للمرض فائدة!
يمرضك لتتواضع فإذا تواضعت وذللت رفع عنك المرض لأنه لم يعد للمرض فائدة!
يمرضك لتشعر بالآخرين فإذا شعرت بهم رفع عنك المرض لأنه لم يعد للمرض فائدة!
يمرضك ليختبر صبرك ورضاك فإذا صبرت ورضيت ورفع المرض لأنه لم يعد للمرض فائدة!
الشَّافي الذي لن تحتاج إذا أردت الدخول عليه إلى موعد مسبق، وبطاقة تؤهلك للعلاج، وأن تأتي قبل الموعد بربع ساعة على
الأقل هو الله!
فقط قل: يا الله، فإذا بأعظم مستشفى إلهي تفتح أبوابها، إنها مستشفى الرحمة والقدرة واللطف والشفاء..
يقــول صــديقي إنــه ســمع تهشــم عظــام ذلــك الطفــل تحــت إطــارات ســيارته، أوقــف الســيارة، وحمــل الطفـل إلـى المسـتشفى وقلبـه
يرتجف، جاء أبو الطفل وجده، كأن صديقي فاقد الصواب، لم يدر بخلده أنه سيقتل طفلا في حياته!!
كان صوت العظام المتكسر يتردد في أذنيه!
أقبل إليه جد الطفل وهدّأ من روعه وأخبره أن ما يكتبه الله سيكون، وسيرضون به..
صلى بهم ذلك الجد صلاة العشاء في مسجد المستشفى وقرأ "وبشر الصابرين"، بكى صديقي بحرقة!
بعد الصلاة خرج الأطباء وأخبروا الأب والجد أن الأمل في حياة الطفل ضئيل، فهو يعاني من تهشم فظيع في الجمجمة!!
صُعق صديقي، عاد خائر القوى إلى بيته، غاب عن العمل أسبوعا كاملا، فقد كان في صدمة مذهلة.
لم يكن هناك دواء لذلك الطفل البئيس أعظم من إيمان جده ودعوات أمه ويقين أبيه وتعلق الجميع بالله..
بعــــــد أقــــــل مـــن أســـبوع زرت بنفســـي ذلـــك الطفـــل الجميـــل، فـــإذا بـــه يضـــحك ويلعـــب ويقـــوم ويتحـــدث معنـــا، صـــدق اللـــه وأخطـــأ
الأطباء، صدق جابر العظام المنكسرة ? مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ? .
من الذي يقدر على أن يلأم تلك العظام المتنافرة؟ ويعيد البسمة إلى ذلك الثغر؟ وينفخ الروح من جديد في جسد انفتحت له
أبواب المقبرة؟
الله وحده من يقدر على ذلك!.
ضع نقطة
هذا هو أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي جاء ربه بقلب سليم، سليم من أي ذرة شرك قد تعتري قلبًا ضعيفًا، يقولها
عليه السلام فيفهم المؤمن الدرس ولا يلتجئ إلا للحي الذي لا يموت: ? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ? ، هو وحده، لا أحد
سواه يشفيني.
ضع نقطة هنا، لن نحتاج إلى غيره إذا أراد شفاءك، ولن يفيدك غيره إذا لم يرد!
يــرضّ الجــدريّ جسـد أيـوب عليـه السـلام، تتشـتت أسـرته، تتبعثـر أملاكـه، أكثـر النـاس تفـاؤلا يفقـد الأمـل فـي شـفائه، وهـو صـابر
محتسب! تشتعل الأسقام في جسده وهو منكس الرأس لمولاه، وبعد سنوات البلاء، يندّ من شفتيه دعاء حيي، دعاء منكس
رأسه بذلة، دعاء ممتلئ باليقين:
? أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ?
فإذا بأبواب السماء تنفتح بالرحمة..
وإذا بالأوامر العليا تنزل من فوق السماء السابعة لأجل ذلك المهموم المكروب..
تنتهي في ساعة سنوات العذاب، ليأتي عهد الشفاء!
لماذا تذهب إلى غيره؟
لماذا تلتجئ إلى سواه؟
لماذا تثق بكل هؤلاء الموتى الذين يتحركون حولك وتنسى الحي الذي لا يموت؟
من الذي خدعك وأقنعك أن الشفاء قد يأتي من طريق آخر؟
كيف ضحكت عليك الحياة بهذه السرعة، ونسيت الذي أخرجك من بطن أمك دون طبيب، وخلق لك في صدرها رزقا حسنا،
وعلمك وأنت أجهل ما تكون كيف تزم شفتيك على صدرها لترضع؟ أنسيت الذي خلق الرحمة في قلب تلك الإنسانة لتضمك؟
وتعتني بك؟
أبهذه السرعة نسيته؟
أهكذا ظننت أنه يمكنك الاستغناء عنه؟؟
هــــا هــــو ســــبحانه بـــالمرض يــذكرك بــأيامك الأولــى، بــالمرض يقــول لــك: عــد إلــيّ، فكمــا خلقتــك مــن عــدم فــأنا وحــدي الــذي أرفــع عــن
جسدك السقم!
الرضا
قد يكون الدواء أقرب إليك مما تظن!!
فها هو أيوب عليه السلام يُؤمر أن يضرب برجله الأرض ? هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ? !
لقــــد كــــان الــــدواء بــالقرب منــه، لــم يكــن ينقصــه إلا مشــيئة اللــه حتــى تكتمــل أســباب الشــفاء، فلمــا شــاء اللــه، علــم أيــوب مكــان
الدواء فنجع الدواء بإذنه سبحانه.
أنت لا تحتاج أن تحجز إلى واشنطن أو باريس أو بكين، فدواؤك إن شاء الله قريب، فقط احجز لقلبك رحلة إلى مدينة الرضا:
دواؤك فيك وما تشعر
وداؤك منك وما تبصر
إذا رضيت عن الله أرضاك الله..
المرض من أقسى اختبارات الرضا، فإذا كانت إجاباتك في هذا الاختبار راضية، كانت النتيجة مرضية بإذن الله.
قد يسأل البعض: كيف أرضى بالمرض وفيه الألم المكروه فطرة؟ كيف أرضى بالشيء الذي أكرهه؟
يجيب الإمام ابن القيم عن هذا التساؤل قائلا: "لا تنافي في ذلك، فإن يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يجب، ويكرهه من جهة
تألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاء، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له".
قل من بين آهاتك ما أمر به نبيك أمته أن تقول: "رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم نبيا"1010، قلها
بقلبــــك، بــــل روض قلبــــك علــــى الرضــــوخ لمعنــــاها، بــــل اغســــله بــــها غســلًا، فالرضــا عــن اللــه فــرع عــن الرضــا باللــه.. وإذا رضــيت بــه
أرضاك!
اجعل قلبك يتنفس الرضا، اجعله يتلذذ بالرضا، ثم تأمل جسدك، وسترى أمارات الشفاء تدب في نواحيه بإذن الله..
اجمع يديك واتل اسمه في دعائك ثم امسح على جسدك، يرجع سبحانه بتلك النفثة أشياء كانت على وشك المغادرة!
اجعل المرض بداية عهد جديد تتعرف فيه إلى ربك من خلال اسم الشَّافي..
أنهار الذنوب
لقــد مرضــت كثــيرًا فــي حيــاتك.. ألــيس كـذلك؟ مـن شـفاك؟ ألـيس اللـه؟ لمـاذا تظـن أن هـذا المـرض بالـذات يعـجزه؟ هـذا الظـن وهـذا
الإحساس يستحق العقوبة منه، وقد يكون مرضك عقوبة لاعتقادك المريض، انفض المرض عن قلبك أولا، ثم التجئ بالشَّافي
إلى الشَّافي يشفيك.
كل هؤلاء المرضى في المستشفيات ينتظرون الإذن لهم بالشفاء من الشَّافي سبحانه..
ليس هناك آهة إلا ويسمعها، ولا ألم إلا ويعلم موضعه، ولا زفرة إلا ويرى نيرانها في الفؤاد.
ثم إذا ما تم مراده، ونزفت عبر آهاتك أنهار الذنوب، أمر سبحانه العافية أن تعود فإذا بك تمشي في أرض الله وقد اغتسلت
من الذنوب!
- لأنه الرحيم يشفيك..
- لأنه العليم يشفيك..
- لأنه الحليم يشفيك..
- لأنه القدير يشفيك..
- لأنه الله يشفيك..
معه ستمسح أرقام وأسماء الأطباء!
معه ستنسى مواقع المستشفيات!
معه ستلغي مواعيد العيادة!
ابن في غرفتك مستشفى جديدة اسمها السجادة..
واعقد موعدا مع السجود..
وسجل في قلبك اسما واحدا: الشَّافي!
اللهم يا شافي، اكتب شفاءك ورحمتك لكل روح ضعيفة، ولكل جسد منهك، ولكل قلب متعب إنك سميع الدعاء.
* * *
الوكيل
أمانيك مع الله حقائق..
تطلعاتك واقع معاش..
رغباتك ستهدى إليك..
أشواقك ستهب عليك..
الوكيل
هل تشعر بضعفك؟ وبأن الدنيا بتفاصيلها أكبر منك، وبأنك ريشة في مهب ريح الحياة الصاخبة؟
هل تشعر أنك طائر قُص جناحاه فهو خائر القوى، بحاجة إلى مساعدة؟
هل لديك أشياء تخشى عليها، وتريد أن تجعلها في عهدة من لا تضيع لديه الأشياء؟ سواء كانت هذه الأشياء: أبناء أو مالا أو
صحة أو حياة؟
إذن: فأدلف إلى أنوار اسم الله "الوكيل"..
ابــدأ بــالتعرف مــن جــديد علــى هــذا الاســم الجليــل، غُص فــي أغــوار معانيــه، أرح نفسـك مـن ضـعفها، وقلقـها، واسـتيحاشها بـأن
تجعلها تتفيأ ظلال "الوكيل"..
فاتخذه وكيلا
الوكيل هو الذي لا ينبغي أن تتوكل إلا عليه، ولا أن تُلجئ ظهرك إلا إليه، ولا أن تضع ثقتك إلا فيه، ولا أن تعلق آمالك إلا به.
أي عمــل تتوكــل علــى اللــه فيــه انســه تمــاما، لأنــك إن تــوكلت علــى اللــه فــهذا يعنــي أنــك وضــعت ثقتـك فـي إتمـام هـذا العمـل بمـن
يملك الأمور كلها، ومن السماوات والأرض من بعض مربوباته، ومن يجير ولا يجار عليه.
يقول الحق سبحانه عن نفسه العلية: ? رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا ? يأمرك رب المشرق والمغرب أن
تتخذه وكيلا، فماذا بعد هذا من راحة وعز وشموخ وضمان للتوفيق؟
فقط يريدك أن تقول بقلبك: أنت وكيلي يا الله!
هــل هنــاك غنــيّ علــى وجــه الأرض يــأمرك ألا تســتعين إلا بــه؟ وألا تتوكــل إلا عليــه؟ وألا تلتجــئ إلا لــه؟ لا وجــود لــهذا الغنــيّ علــى
الإطلاق، لأنه ليس من طاقة البشر أن يحموك من كل شيء ويكفوا عنك كل شيء ويعينوك على كل شيء.
الله وحده من يقول ذلك، ويفعل ذلك، ويقدر على ذلك!
التوكل يقين قلبي، يحيلك إلى سائر تحت مظلة عظيمة تقيك من حر الهموم، ومطر المكائد، ورياح الدنيا المقلقة..
المحروم وحده هو من لا يقدر هذه المظلة ومن لا يحاول السير تحتها.
أعظم الملوك وأجل الأرباب سبحانه يأمرك أمرا أن تتخذه وكيلا؟ أن تضع حاجاتك في فنائه ليقضيها لك هو، أن تلجئ ظهرك
إليه حتى يمنع عنك سهام الغدر، أن تفوض أمرك إليه حتى يتم على أكمل حال وأصح مثال، والسؤال هو: ما الذي تنتظره؟
ما هو الشيء الآخر الذي يجعلك لا تقبل هذا الفضل؟ من الذي أعطاك أكثر من هذه المزايا؟
متعلقون نحن بالتراب لدرجة مخيفة!
اقرأ:
? وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ?
مــا هــو الأمــر الكبــير والكــرب الشــديد والــهم العظــيم الــذي ســيستعصي علـى رب الـعزة؟ الـعزة نفسـها هـو ربـها، كـل عزة رأيتـها أو
سمعت بها أو علمتها هو ربها، فكيف يمكن لكروبك أن تصمد أمام إرادة رب العزة والكبرياء والعظمة؟
خطة سنوية
وأعظم ما تتوكل على الله فيه هو عبادته، أن تتخلى وتتبرأ من حولك وقوتك وتقول بقلبك قبل لسانك: ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ ? ، فتستعين وتتوكل وتطلب القوة منه على أن تعبده.
لا يُتصور أن يأمرك الله أن تعبده، ويأمرك أن تتوكل عليه، فتتوكل عليه في أمر العبادة فيخذلك، هذا مما لا يُتصور وقوعه،
كيف تطلبه أن تعبده مع كمال حبّه لهذه العبادة ثم لا يعينك؟ فقط أكثر من الكلمات النبوية الكريمة:
"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"1111.
هل قلت أكثر منها؟
إذن أنا أعتذر، لا تكثر منها فحسب، بل اجعلها ضمن جدولك اليومي، وخطتك السنوية، وأهداف حياتك!
لأنه إذا لم يعنك على ذلك، فليس هناك قوة ستعينك..
لأنه إذا لم يعنك على ذلك، فلن تفعل شيئًا من ذلك!
لأنه إذا لم يعنك على ذلك فقد خسرت الدنيا والآخرة!
يقول ابن القيم:
"قــال شــيخ الإسـلام ابـن تيميـة قـدس اللـه روحـه تـأملت أنفـع الـدعاء فـإذا هـو سـؤال العـون علـى مرضـاته ثـم رأيتـه فـي الفاتحـة فـي
إياك نعبد وإياك نستعين"..
ويقول أيضًا:
"القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء بإياك نعبد
ودواء الكبير بإياك نستعين..
وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء! وإياك نستعين تدفع الكبرياء".
أرأيت الصلاة التي فرغت للتو من أدائها، والله لو لم يعنك عليها لما أديتها.
انكسر له
وهو رحيم، فقط أنزل حوائجك ببابه، فقد اجعل قلبك منكسرا وكأنه مُخبت تحت العرش، ولو لم تدعه، الرحيم سبحانه
يريد هذه الحالة الخاشعة منك، وبعدها ثق بأنه سيقضي حوائجك، ويرفع مرضك، ويخلق الابتسامة على ثغرك.
أمانيك مع الله حقائق..
تطلعاتك واقع معاش..
رغباتك ستُهدى إليك..
أشواقك ستهب عليك..
? وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ?
الذي قمت للصلاة له، والذي مرّغت جبهتك له، والذي نكست رأسك له، هو الأحق أن تعلق حاجاتك به، أن توكل إليه أمر
شفائك، أن يكون ملجأك من مخاوفك، أن تجعله سبحانه المعين على تحقيق أحلامك:
فالزم يديك بحبل الله معتصما
فإنه الركن إن خانتك أركانُ
امرأة صالحة قرر ابنها أن يكمل دراسته في الخارج، وكانت تسمع عن الضياع والانحلال الذي ينغمس فيه (بعض) من يذهب
للدراســة فــي تلــك الــديار، ولكنــها كــانت مغلوبــة علــى أمرهــا، أمــور كثــيرة أجبرتــها علــى الرضــوخ، فعلمــت أن اللــه هــو القــادر علـى
حفــظ ولــدها، فجعلــت جزءا مــن صــلاتها دعــاء لولــدها بــالحفظ، عــاد الولـد مـن دراسـته وقـد صـار مـن أهـل المسـجد وقيـام الليـل
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! عاد وقد اكتسب قيما لم تكن لديه من قبل! كيف نتخيل أن الوكيل سبحانه سيترك الابن
للضياع؟ وأمه تتضرع إليه أن احفظه يارب، أن توكلت عليك فلا تخذلني في ابني!
الدموع المبتسمة
لو قال لك أحد ملوك الدنيا، وكلني في أن أنتزع حقك من فلان الظالم، فقط وكلني، هل سيراودك شك في أن حقك لن يصل
إليــــك؟ أنــــت تحتــــاج إلــــى توقــــيع مــن أحــد معــاوني الملــك حتــى يجعــل ذلــك الظــالم يعيــد إليــك حقــك وهــو يــرتجف، فكــيف إن كــان
التوقيع من الملك، فكيف إن لم يكن توقيعا بل قياما بالمهمة من جهته؟
الآن دع ذلك الملك ومعاونه، وتأمل:
? وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ?
لقد طاشت الآن كل صور الحاجات في نفسك، أليس كذلك؟
لم يعد للخوف وجود، ولا للتردد مكان، ولا للاحتمالات سبب!!
الله سيحول جميع مشاكلك إلى حلول، وكل آلامك إلى عافية، وكل أحلامك إلى واقع، وكل دموعك إلى ابتسامات..
حتى لو مت، فالحي الذي لا يموت، سيعيد حقك لأبنائك من بعدك، لا تنشغل في لحظة وجعك وغمرة آهاتك بأبنائك من
بعدك، فالحي الذي تموت أنت ولا يموت هو سيكون لهم، سيكون معهم، سيرأف بحالهم، سيسعدهم، سيجعل حياتهم
أفضل منها وأنت معهم، لأنه الحي الذي لا يموت..
أكسجين الحياة
حتى لو لم يظلمك أحد، توكل عليه!
ليس التوكل منجاة من ظلم الظالمين! وإعانة على عمل معين فحسب!
التوكل هو أكسجين حياتك، هل تستطيع العيش بلا أكسجين؟
توكل على الله في صحتك.. أوكل أمر نبضات قلبك وحركة أعضائك وتدفق دمائك في شرايينك وانتقال الطعام داخل جسدك
إلى الله.
لو لم يأذن الله لجفنك أن يغمض لاحترقت عينك جفافا!
لو لم يأذن الله للسانك أن يذوق لبهتت الحياة في نظرك!
لو لم يأذن الله لجلدك أن يحس لتقطعت دون أن تشعر!
توكل عليه سبحانه في صلاح أبنائك..
كم قد رأيت ورأيت أبناء تربوا في المساجد ثم ألحدوا، والعياذ بالله؟
وأبناء صرف عليهم الآباء المال والرعاية ثم ضاعوا!
وأبناء أحاطهم اهتمام إخوانهم الكبار ثم انحرفوا!
الله وحده الذي يعلم مكان الهداية في قلب ابنك، ادعه أن يملأه إيمانا، توكل عليه، قل له بخضوع: يا رب، هذا ابني، وأنت
ربي وربه فاهده إليك ودله عليك وأعني على تربيته..
يا رب أنا لن أحسن أن آمره بالصلة ما لم تعني..
وهو لن يحسن أن يصلي ما لم تعنه..
فأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
الحياة جحيم بدونه
توكل عليه في سعادة حياتك، فالحياة جحيم بلا الله!!
يقولون: امدح زوجتك، حدثها عن التفاصيل حتى تخلب لبها، ابتسم لها، عاملها بلطف بهذا كله ستسكب قلبها، وحبها!
نعم كل هذا صحيح، ولكن قبل ذلك وبعده وأثناءه قل: يارب أصلح لي زوجي..
استعن به، توكل عليه، ادعه قائلا: كل ابتساماتي لزوجتي لا فائدة منها إن لم تشأ أنت ذلك.
تتضرع إليه قائلا: قلبُها بيدك لا بيدي فأودم بيننا وأصلحنا يا رب لبعضنا.
الله يريدك أن تعترف أنك ضعيف محدود القوة متواضع الإمكانيات، وأنه وحده القوي العزيز العظيم، إذا فعلت ذلك فقد
أنهيت ثلاثة أرباع التوكل، إذا فعلت ذلك كل الأشياء من حولك تتحول، صدقني: تتحول!
دعك من حاجاتك وأحلامك وهمومك، دعنا نتخيل أنك إنسان بلا حاجات وبلا أحلام وبلا هموم وبلا أمراض، أنت تحتاج أن
تتوكل عليه ليحبك؟ ألست تريده أن يحبك؟ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? ، إن معنى أن يحب الله العبد معنى لا يمكن لمن
لديه أدنى رهافة أن يمر عليه دون أن يخفق له فؤاده حنينا ورغبة وشوقا، الله الذي لا إله إلا هو يحبك، هذا سبب كاف جدا
أن تسعى إلى التعلق بالوكيل سبحانه وأن تتوكل عليه وأن تحب هذا الاسم الدال على هذه الصفة العظمى.
حسبي الله
يــأتي بعــض النــاس لــيثبطوك، لــينقلوا لــك شــيئًا مــن الــواقع البشــع، ليــهزوا يقينــك الــداخلي، لــيلعبوا بأحاســيسك، ليــأمروك أن
تخشى أن تخاف أن تتضعضع أن تغير موقفك أو تحرف وجهة مبادئك، في تلك اللحظة اغسل قلبك بالإيمان وقل: حسبي الله
ونعم الوكيل، - لحظتها ستنقلب بنعمة من الله وفضل ولن يمسك سوء! اقرأ بتدبر:
? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ? ..
أمــا إصــابة الســوء لــك فــلا شــك أنــها لــن تصــيبك، ولكــن حتــى المــس الــذي كنــت تظــن أنــك لــن تنجــو مــن بعضــه، لــن يمســك، لــن
يلمس جلدك قرح، لن ينغز قلبك ندم بإذنه سبحانه!!
اقرأ بقلب: ? وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ? ..
إذا تــوكلت علــى اللــه فــلا تعتقـد أن المسـألة تتعلـق بـأنك لـم تجـد غـيره لتتوكـل عليـه، لا أبـدا، أنـت تتوكـل علـى أعظـم مـا يمكـن أن
يتوكل عليه مخلوق.
البعض يقول: ليس لنا إلا الدعاء!
عجيب! وهل هناك قوة أعظم من الشيء الذي ليس معك غيره؟
الدعاء هو من مظاهر التوكل، الدعاء هو تيقن قلبي قبل أن يكون كلمات صوتية بأنه المستطيع سبحانه كل شيء، وهذا هو
التوكل في أوضح صوره!
الذي يقول: فلان ليس له إلا الله، قل له: وكفى بالله وكيلا، ونعم بالله، وماذا ينقصه إذا كان معه ملك الملوك ورب المشرق
والمغرب؟
خذوا كل دنياكم واتركوا
فؤادي حرا طليقا غريبا
فإني أعظمكم ثروةٌ
وإن خلتموني وحيدًا سليبا
سبب مقنع
أتدري لماذا يكفي أن تتوكل على الله؟ هناك سبب مقنع جدا، هو كونه سبحانه يملك السماوات والأرض: ? وَلِلَّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ?
هذا الذي تخشاه أليس من سكان هذه الأرض؟ إذن هو لله، والله سبحانه هو المتحكم فيه؟
هــــذا المــــرض الــــذي هــــدك ولــــم تجــــد علاجــــه، ألــــيس فــــي الأرض؟ إذن هــــو ملــــك للــــه، وهــــو ســــبحانه القـــادر علــى أن يــأمره أن يغــادر
جسدك!
هذه الكروب والهموم والغموم والأتعاب والانشغالات أليست في الأرض؟ إذن توكل على من له هذه الأرض، ومن فيها، حتى
يزيل بكلمة واحدة منه كل كروبك وهمومك وأتعابك.
ولأنه سبحانه خالق كل شيء فهو القادر على عمل أي شيء، لذلك نتوكل عليه: ? اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
وَكِيلٌ ?
تأمل: حسبنا الله ونعم الوكيل..
أي ليس لنا إلا الله، ثم هو نعم الوكيل، فليس هناك وكيل أعظم منه أو أجل منه أو أرجى منه
احذر
احــــذر أن تتخــــذ وكـــيلا غــيره، احــذر أن تلتجــئ إلــى ســواه، ســوف يصــيبك الــوهن، ســوف تــغزوك الوســاوس، ســوف يتعلــق قلبــك
بشُعب الدنيا، قال سبحانه: ? أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا ? ، يحرم عليك أن تبحث عن غيره وهو الموجود، أن تتكل على
غيره وهو الحي، أن تلتجئ إلى غيره وهو المقيت.
ولأنه سميع عليم تتوكل عليه، فسوف يسمع كل شيء يدور في الخفاء، ويعلم كل أمر يحاك في الظلام، فكيف تتوكل على
غيره، وغيره لا يمكنه أن يسمع ذلك أو يعلم ذلك؟ ? وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ? !
هذا الظالم الذي يؤذيك، إنما هو مخلوق لهذا الرب الذي يحميك! فتوكل عليه يرد سبحانه أذاه، وقل بكل عزة: ? إِنِّي
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ? .
إذا كان الشيطان وهو ذو الجنود والعساكر، والقوة التي أعطاه الله إياها على الوسوسة والتخويف بل والتلبس وغير ذلك، لا
يستطيع التوصل إلى المتوكّل ? إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? فكيف بمدير في العمل أو جار
سوء أو أمير أو وزير؟
تذكر:
? وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ? لن تحتاج أحدا أبدا إذا وثقت به وتوكلت عليه وجعلته هو المعين لك في شؤونك.
هو حسبك وكافيك وراد السوء عنك..
أنت إن لم تحطك رعاية الله من كل جانب هلكت!
الحياة مزرعة مليئة بالأمراض والأتعاب والأشباح والخطط والمؤامرات، وبدون رعاية الله ستبتلعك هذه الأفاعي!!
لا أخوفك، هذه الحقيقة!
قل: يا الله توكلت عليك..
هل قلتها بقلبك؟ الآن ابتسم، كل تلك الأفاعي انتهت!
أشياء تهددك
إذا خرجت من البيت ينتظرك في الخارج:
حــــادث ألــــيم يقــــع لــــك، أو هــــبّة هــــواء تمرضــــك، أو حفــــرة تقــــع فيــــها، أو شـــخص بــذيء يشــتمك، أو إنســان حقــود يحســدك، أو
مــوظف مقعــد يتعبــك، أو بــائع غشــاش يخســرك، ولكــن قــل عنــدما تخــرج مــا أوصــاك بــه نبيــك الكــريم: "بسـم اللـه تـوكلت علـى
الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجهل عليّ"1212 الآن اخرج مستنشقا التوفيق
والتيسير بإذن الله، كل تلك المخاوف لا وجود لها..
وإذا نمت ألجئ ظهرك إليك وفوض أمرك إليه رغبة ورهبة إليه..
فــي كــل حــين وفــي كــل لحظــة تــذكر، هنــاك رب أمــرك أن تتوكــل عليــه، وأنــت تحتاجــه، لا تفــرط فــي هــذه الفرصــة، وهــذه الـهدية،
وهذه الميزة أبدًا.
اللهم اجعلنا متوكلين عليك، ملتجئين إليك، اغمرنا بالإيمان بك، واجعل هذا الإيمان يغسلنا من التعلق بكل ما هو دونك
يارب..
* * *
الشَّكور
مع كرم الله تتغير المسائل الحسابية!!
لأنه كرم لا يخضع للمعاملات الحسابية، بل للفضل الإلهي!!
الشكور
من المؤكد أنه قد سبق وأسديت لأحدهم معروفا ثم تنكر لك؟ نسيت مباشرة! لم ينعكس ذلك المعروف على صفحات وجهه!
بقي مقطبا كما كان!
تجربة مؤلمة ولا شك..
الحياة مليئة بهؤلاء الذين لا يعرفون كلمة: شكرًا..
ولا يتقنون النطق بعبارة: أحسن الله إليك، وتعتبر الابتسامة لديهم من علم الغيب!
دعهم، فعمرك أقصر من أن تضيعه في لومهم، أو التفكر في مملكة النكران التي قرروا العيش فيها! وانصرف إلى "الشكور"
سبحانه، لتُحيي أزاهير قلبك التي حطمها هؤلاء..
عش مع الشكور، تأمل ظلال هذا الاسم العظيم، امسح تجعدات الحياة المتعبة بمعاني هذا الاسم الجليل..
إذا أعطاك أدهشك
ســبحانه يشــكر عبــده علــى مــا قــدم مــن عمــل صــالح.. وكلمــة "عمــل صــالح" لا حــدود لــها، تكـاد لعظمتـها واتسـاعها تمـلأ مـا بـين
السماوات والأرض!
فــهو ســبحانه يــأمرك بــهذا العمــل الصــالح الــذي فيــه صــلاح دنيــاك وآخرتــك فــإذا عملتــه، سـيكون سـبحانه هـو المسـتحق لشـكرك
لدلالتك عليه، وتيسيره لك، وإصلاح حالك به، أليس كذلك؟ ولكنه بكرمه هو من يشكرك عليه!
فهل في الكرم مثل هذا؟ وهل في الجود قريب من هذا؟
كيف يشكرك؟
هذا سؤال تفنى الأعمار دون الإجابة عنه..
فكما أن ذاته سبحانه لا تدركها الأبصار، فإن أسماؤه وصفاته لا تدرك كيفيتها ومنتهى عملها العقول.
ومع ذلك فإن من باب التفكر والتدبر أن نسيح مع هذا الاسم العظيم نستجلي ظلاله في حياتنا..
فمن شكره سبحانه:
يغفر الذنوب ويستر العيوب..
يوفي الحسنات ويعظم الأجور..
يعطي الصحة والعافية، والأبناء، والمال، والحياة الهانئة..
يرزقك الذِكر الحسن والسمعة الطيبة..
يستجيب دعواتك، ويشعرك بقربه، ويؤنسك به..
يشفيك من أسقام مات غيرك بمثلها..
ويرفع عنك بلايا تضعضعت نفوس غيرك بأقل منها..
يهديك إلى الحق، وقد ضل الكثير عنه..
ويثبتك على الهداية، وقد زاغت عنها أفئدة من هم أذكى منك وأعلم منك وأقدم في الإسلام منك!
مسألة حسابية
اقرأ وتخيل:
? مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ? هل انتهيت؟ لا: ?
وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? سبحانك!
حبة في العمل تتحول بفضله وبكرمه وبشكره لك إلى سبعمائة حبة في الأجر والثواب.
كيف: واحد يساوي سبعمائة!
تعمل صالحا يستحق أجرا مثله، فيأجرك الله مثله سبعمائة مرة، ويضاعف لمن يشاء!
مع كرم الله تتغير المسائل الحسابية!! لأنه كرم لا يخضع للمعادلات الحسابية، بل للفضل الإلهي!!
ســبحانه! إذا أعطــاك أدهشــك، وإذا أكرمــك أذهلــك.. ومــن ذا الــذي لــم يعطــه العظــيم ويكرمــه الكــريم؟ نحــن فـي كـل لحظـة مـن
حياتنا بل في كل جزء من اللحظة نستقبل مالا يمكن إحصاؤه من العطايا والهبات!
واذكر في الكتاب
هـــــؤلاء أنبيــــاؤه عملــــوا الصــــالحات وجاهــــدوا لتبلــــيغ كلماتــــه، فشــــكرهم بــــأن أعلــــى ذكــــرهم وجعلــــهم قــــدوات يُقتــــدى بــــهم وخلــــد
قصصهم وعبرهم في أعظم كتبه، وحمى أعراضهم فلم يبح لأحد أن يستنقص من قدرهم. أو أن يسيء الظن بهم، وغير ذلك
من شكره لهم سبحانه وتعالى.
ولذكرهم في كتابه مزية أستشعرها دائمًا!
عبد من العبيد، خلقه الله بقدرته، لم يكن شيئًا مذكورا، ثم يقول عنه:
? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ?
? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ?
? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ?
? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ?
? إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ? توقف قليلًا، أكمل الآن: ? نِعْمَ الْعَبْدُ ? الملك العظيم يقول عن عبد من عبيده: نعم العبد!!
يا الله، ما أعظم كرمه إذا أراد أن يكرم!
وإذا نظرت إلى شكره سبحانه لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وكيف أنه قسم له رحمته ? أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ?
واختصه برسالته ? اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ? وكان معه في جميع أدوار حياته ? وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ?
وجمله بأجمل الأخلاق ? وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? .
بل انظر كيف أنه قرن اسمه باسمه في الآذان وفي الشهادة، قال حسّان:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ
وهــؤلاء الصــحابة الــذين بــذل أرواحــهم وأعمــارهم وأموالــهم نصــرة للــدين شـكرهم بـأن جعـل الكـلام فيـهم مـن علامـات النفـاق،
ورضي عنهم، وضاعف أجر أعمالهم وعدلهم جميعًا بلا استثناء، وجعلهم خير القرون، وقال فيهم: ? لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ? وقال: ? وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? ، والأحاديث في فضل عمومهم وأعيانهم أشهر
وأظهر من أن تذكر، وكل هذا شيء من شكر الله لما قاموا به من تصديق وجهاد وبذل.
مثقال الذرة
فكمــــا يشــــكر الكــــريم مــــن عمــــل معروفـــا، فكــذلك ســبحانه ولــه المثــل الأعلــى يشــكر شــكرا يلــيق بكرمــه وبعزّتــه وعظمتــه، شــكرًا لا
كالشّكر، فهو شكور لأن الشكر الواحد منه أعظم من كل شكر، وهو شكور لأن العمل الواحد منك يشكره المرة تلو الأخرى،
وهو الشكور لأنه يشكر العمل الكبير والعمل الصغير بشرط أن يكون خالصًا صوابًا، فهو لا يشكر الأعمال العظيمة فقط بل
حتى مثقال الذرة منك يشكره وينميه ? فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ? فقد أدخل امرأة الجنة بشق تمرة، وبغيا بأن
سقت كلبًا، وثالثًا كل حياته ذنوب فأمر أبناءه أن يحرقوه ويذروه بعد موته خوفًا من أن يعذبه الله، فأدخله الجنة بأن خاف
منه، ورابعًا ليس له إلا حسنة واحدة لأنه تصدق بها على صاحبه، وخامسًا قتل مائة نفس! لأنه هاجر إليه..
ومــن شُكــره ســبحانه أن يعــجّل بثــواب المتصــدق، فيرزقــه البركــة ويغــدق عليــه مــن نعمــه، يخبرنـا عليـه الصـلاة والسـلام "إن اللـه
يقبل صدقة عبده بيمينه ويربيها كما يُربي أحدكم فَلُوَّهُ"1313، وهذا من شكره وفرحه سبحانه بطاعة عبده!
يخبــــرني أحــد ســكان المنطقــة الشــرقية قبــل عشــر ســنوات عنــدما كــنّا واقفــين عنــد متجــر شــهير عــن قصــة ذاك المتجــر، يقــول: كــان
صاحبه موظفًا عاديًا يجمع من مرتباته، وتجمع زوجته من مرتباتها كي يبنوا بيت العمر كما يقال، ولما شارف المبلغ أن يُجمع
صلى الزوج في مسجد وسمع كلمة من أحد الدعاء حث فيها على بناء المساجد وأنه "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة
بنى الله له بيتًا في الجنة"1414 وقعت تلك الكلمة من الرجل موقعها، فانصرف من ليلة إلى زوجته وأخبرها بنيته أن يجعل كامل
المبلغ في مسجد يبنيه، فإذا بزوجته تدفع له مالها عن طيب خاطر وتطلب أن تشاركه في مشروع المسجد!
لــك أن تتخيــل كــيف تغــير خطتــك التــي بــذلك لأجلــها عـرق سـنين فـي ليلـة! ويكـون ذلـك التغـيير للـه عز وجـل ونـابعا مـن قلـب حـي
يريد الله والدار الآخرة!
يقــــول صــــاحبي: بعــــد بنــــاء المســــجد أخــــذوا فــــي الجمــــع مــــن جــــديد ولعــل فكــرة التجــارة قــد طــرأت علــى عقــل الزوج فــافتتح متجــرًا
صــغيرًا، فــإذا بــالزبائن يــأتون مــن كــل مكــان وإذا بــالأموال تمطــر عليــه فوســع الرجـل متجـره ثـم بعـد مـدة فتـح لـه فرعـا ثـم الثـاني
والثالث، يقول صاحبي: والآن له في المنطقة الشرقية فقط ثلاثة عشر فرعًا، وهذا الكلام قبل عشر سنوات، سبحان الشكور،
سبحان من لا يخسر أبدًا من يتاجر معه.
لقــيت رجــلًا قــال لــي إن اســمه فــلان بــن فــلان الــرحيلي، فقلــت لــه ممــازحًا: هــل أنــت صـاحب محطـات الـرحيلي الشـهيرة فـي مـدينة
جدة؟
فقال لي: لا، ولكنه قريبي!
ثــم قــال ســأخبرك بقصــة الــرحيلي هــذا، كــان فـي بـداية حياتـه كثـير الصـدقة علـى الفقـراء، وكـان يعـول الأيتـام، وكـان محسـنا علـى
بعــــض أهلــــه إحســــانًا زائــــدًا، ثــــم فتــــح اللــــه عليــــه فكـــانت لــه هــذه المحطــة وغيرهــا مــن الأعمــال التجاريــة الناجحــة، هــذا مــا يعملــه
الشكور الحميد سبحانه.
أنفق.. أُنفق عليك
يقول عليه الصلاة والسلام: "ما نقص مال من صدقة"1515، يجب علينا أن نؤمن بهذا الكلام إيمانًا عميقًا، وهذا ربنا يقول في
الحديث القدسي: "يا عبدي أنفق أُنفق عليك"1616 فإذا وضعت ريالا في كف فقير فثق أن الله سيضع لك من فضله ما يوازي بل
ويفوق ذلك الريال صحة ورضًا وعطاء وفضلًا.
طالب جامعي فقير سمع وهو يسير لصلاة الجمعة رجلا يهتف بقرب صندوق التبرعات ويحث الناس قائلا: عبدي أنفق أُنفق
عليك، فتش جيبه فإذا بثروته كلها خمسة ريالات، فأخرجها وأودعها صندوق التبرعات، كان في قلبه صوت اليقين يقول: لقد
أنفقت يا ربي بفقري، فأنفق علي بغناك! في المساء زار أخاه فأخبر هذا الأخ (دون أن يعلم بحاله) أن جمعية مالية قد حلت في
حسابه وهو لا يحتاجها كلها، وبعد ممانعة استقطع منها ألفين وأعطاها صاحبنا.. لقد أنفق الله عليه!
قرأت قديمًا في إحدى المجلات قصة كتبتها صاحبتها: أن سائلًا طرق بابهم في صباح يوم فأخرجت من محفظتها آخر مئة ريال
وأعطتها ذلك السائل..
وكانت روحها تهمس: ياالله العشرة أضعاف، العشرة أضعاف..
دخلــت المطبــخ وصــنعت فطــورا لــها ولزوجــها، اسـتيقظ الزوج وجلـس علـى المائـدة وبينمـا هـو يتنـاول الإفطـار إذ بـه يتـذكر ويقـول:
هناك على تلك الطاولة ظرف لك استلمته البارحة من البريد، قامت الزوجة لترى ما في الظرف، فإذا به شيك بنكي أجرة مقالة
كتبتها في إحدى الصحف ومن العجيب أنها كانت: ألف ريال عدًا ونقدًا!! !
وافعلوا الخير
وإني أعيذك أن تكون تعلّقاتك وإراداتك كلها دنيوية، فكثير من الجزاء يدّخره الله لك أحوج ما تكون إليه في الآخرة..
ومن أوضح صور الشكر الرباني هو ما اقترن ببر الوالدين من تيسير في العيش وتوفيق في جميع الشئون، حتى كأن النجاح في
الحياة حصر على أصحاب البر، يمكنك أن تستعرض من تعرفهم من الناجحين، ستجد بر الوالدين جامعا مشتركا بينهم، ولا
بد!
يقول سبحانه: ? وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ? .
ومهما كان هذا الخير صغيرا، فإن الشكور يشكره ? فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ? لابد أن يرى جزاءه!
ومــع أن الــذرة لا تكــاد تُرى إلا أنــك إن فعلــت خــيرا بقــدرها فــإنك ســتراه يــوم القيامــة ينتظــرك، ليبــهجك بــه ســبحانه ويــربط علــى
قلبك في يوم يجعل الولدان شيبا..
عندما تحرص أن تطفئ نور سيارتك عند إشارة المرور حتى لا تزعج من هم في الشارع لا مقابل، قد لا يعلمون بمقصدك، بل
حتى لا ينتبهون لفعلك، لكن احذر أن تظن أن الشكور لن يكافئك، كيف؟ لا يهم، من الممكن أن مرضا كان سيخطف بصرك،
أو حادثا كان سيتلف سيارتك، أو مشكلة كنت ستقع فيها وقاك الله منها شكرا لك على صنيعك النبيل.
حرصك على فتح الباب ليلا بلطف حتى لا تزعج النائمين..
انتظارك وأنت ممسك بباب المسجد لكبير في السن حتى يدخل
تفاديك أن تدهس قطة عابرة..
ابتسامتك لطفل..
ترتيبك لغرفة في منزلكم..
دعاؤك لمسلم مات، بسبب أنك متيقن أن لا قريب له يدعو له..
إغلاق صنبور ماء كان غير محكم الإغلاق..
رفعك غصنًا ملقى على الطّريق
كل هذا من الخير (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)..
اسكت..
ومن أجلّ وأحسن الخير أن تمسك المصحف لتلاوة وردك، ثم تقع عينك، بل يقع قلبك على خير يحثك الله على فعله فتضمر
فــي نفســك ألا ينقضــي يومــك ذلــك إلا وقــد أتـيت منـه مـا اسـتطعت، إنـك بـذلك تفعـل أعظـم مـا يمكنـك فعلـه، إنـك تفعـل الشـيء
الذي لم ينزل الله القرآن إلا لتفعله!
أمّا إن ســألت عــن أعظــم خــير يمكنــك فعلــه، فــهو أن تســلم وجــهك للــه! أن تحيــا مســلمًا، وتعبــد اللــه مســلمًا، وتعــامل النــاس
مسلما، وتنظر وتتكلم وتشعر مسلمًا، ثم تموت مسلمًا!
سئل الإمام أحمد: من مات على الإسلام والسنة، مات على خير؟ فقال لسائله: اسكت، بل مات على الخير كله!
يقول سبحانه: ? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ? ..
أي خير تقدمه لنفسك، ستجد أن الشكور الحفيظ حفظه ونماه فتأتي يوم القيامة تجده عنده موفورا قد عظُم وبات أكبر من
يوم أن فعلته!
? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ?
? وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ? .
وفي الأثر الضعيف المتن الحسن المعنى: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"1717 وهذا من شكره، فلم يضيع صنيعك الحسن بل
سيجعله وقاء لك عن أن تموت ميتة سيئة!
لذلك فشعور أنه سبحانه الشكور وأن الخير كله منه يجعل العبد على ثقة بربه محسنا الظن به سبحانه.
إلى أين؟
قيل لأعرابي: إنك تموت! فقال: ثم إلى أين؟ قيل: إلى الله! فقال: كيف أكره أن أقدم على الذي لم أر الخير إلا منه؟
شعور عظيم ورجاء بالله كبير ذلك الذي يملأ فؤاد هذا الأعرابي، يُقِره عليه القرآن الكريم حين يقول الحق سبحانه: ? وَمَا
بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ?
كل شيء؟ نعم كل شيء يحوطك من الصحة والمال والراحة والتيسير والرضا هو منه ? وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ? ..
تعبده ستين أو سبعين سنة، أكثرها دون التكليف أو نوم أو في عمل المباحات، ومع ذلك يكافئك عنها بجنة عرضها السماوات
والأرض، تسكنها الأبد كله!
فإن كان سبحانه يعطي لا على شيء، فكيف إذا كان هناك شيء؟ كيف إذا فرقت بينك وبين بقية عباده الذين يرزقهم ويتحبب
إليــــهم بــــالنعم بــــأن عملــــت صــــالحا يرضــــاه، عنــــد ذلـــك لا يجــوز لــك أن تعتقــد أن لــن يكرمــك الكــريم ويشــكرك الشــكور ويحمــدك
الحميد سبحانه.
انتشال
ثلاثـة يلجئـهم المطـر إلـى غـار فيصـبحون وقـد أطبقـت صـخرة عظيمـة بابـه فـلا يسـتطيعون الخـروج، فيبتـهلون ويتوسـلون إلـى اللـه
بصالح أعمالهم، فيكون شكره لهم سبحانه بأن يجعل مكافأة العمل أو جزءًا من مكافأة العمل جزءًا من تفريج ذلك الكرب
وزحزحة تلك الصخرة العظيمة، وما إن انتهى ثالثهم حتى انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون في الشمس!
يبــذل عيســى عليــه الــسَّلام عمـره لـه سـبحانه، منـذ أن نطـق كلمتـه الأولـى فـي المـهد وهـو عبـد للـه، فيتـآمر ضـده شـرار بنـي إسـرائيل
ليقتلوه، فيكون شكره له سبحانه من أغرب الشكر، رفعه إليه!
هكذا انتشله من بؤرة الهم والمكائد والقلق، وجعله في سماواته يعيش مع ملائكته وخيار خلقه..
إنك مع الله في ربح دائم..
والله هو القادر على انتشالك مما أنت فيه، أعلم جيدًا أن لديك من الهموم والكروب ما لا يتناسب مع النجاة منها إلا لفظة
(انتشال)، أعمل الخير، لينتشلك الله به، كما كان تسبيح يونس سبب انتشاله من بطن الحوت.
إنك تتاجر مع ذي الكرم المتناهي وذي الشكر المتناهي وذي الفضل المتناهي.
ليســت هنــاك احتماليــة خســارة فــي ســوق اللــه مـن يسـير أمرهـا، فكـن معـه ثـم ارقـب أفضـاله وشـكره.. لـن يتركـك، ثـق بـذلك، لـن
تسجد لله سجدة إلا ويشكرك عليها شكرا يليق به وبكرمه، فقط كن معه.
اللهم أوزعنا أن نشكر نعمك.. واجعلنا لك ذاكرين، ولنعمك شاكرين.. واهدنا لأعمال تجزل لنا عليها الشكر يا شكور يا حميد.
الجبَّار
كلما انطفأ حلم خلق الله لك حُلما أجمل..
وكلما بهتت في قلبك ذكرى صنع الله لك ذكرى أروع!
الجبَّار
هل هشّمتك الظروف؟ وتواطأت ضدك الكروب؟ وتكالبت عليك الأزمات؟
هل غير الفقر ملامحك؟ وأجدبت الأمراض حقولك؟ وجعلك اليتم تبدو ضئيلا؟ وأحاطت بك النظرات المهينة؟
روحك المنكسرة، قلبك المهشم، أنفاسك الضعيفة تحتاج إلى من يجبر التهشم والضعف والانكسار؟ لماذا لا تتعرف على اسم
"الجبَّار" لتجبر بمعانيه الرحيمة كسورك؟ وتضمد بظلاله جروحك؟ وتهدئ بنسائمه عواصف روحك الهوجاء؟
قلبك المهشم.. كيف تهشم؟
من معاني اسم الجبَّار: الذي يجبر أجساد وقلوب عباده.
فالعيش في كنف الإله يمدنا بمراهم الصحة، وضمادات السعادة، ومسكنات الأوجاع، ومضادات الهموم.
فــهو ســبحانه علــم أن كســورا ســتعتري عبــاده فــي أبــدانهم وقلوبــهم وحياتــهم، كســورًا تتــرك نــدوبها علــى جباهــهم، وآثـارها علـى
أرواحهم لذلك تولى جبرها برحمته، وسمى نفسه بالجبَّار، ليعلم عباده أنه هو القادر على جبرها فيلتجئون إليه.
انكسارات الحياة عديدة:
حــــــادث تتكســــر فيـــه العظـــام، إهانـــة تتحطـــم منـــها النفـــس، فقـــر تنحنـــي معـــه الـــروح، مـــرض تنـــهار عنـــده القـــوى، عقـــدة تحاصـــر
الطموح، رُهاب يخنق عفويتك، كره تتمرد معه أحاسيسك، ظروف تجعلك تنكس رأسك!
وبقدر هذه الانكسارات تفتح أبواب السماء بضمادات الرحمة ومجبرات الودّ!
كم من يتيم تكسر نفسه نظرة صاحبه المتغطرس، ولولا الجبَّار لتحطمت نفسه للأبد.
وكم من ضعيف صفعته الحياة بيد أحد الأقوياء، لولا الجبَّار لظل منحني الرأس طول الحياة.
وكم من فقير أذلته كلمة قالها له أحد الأثرياء، لولا الجبَّار لبقيت تلك الكلمة وصمة يعير بها طيلة عمره.
يجبر الكسير، ويساعد الضعيف، ويرفع من شأن الصغير، ويقدم المتأخر، تضمد رحماته جراح النفوس.
نحن نعرف أشخاصًا عانوا من شدة آبائهم ومع ذلك خرجوا غاية الرحمة!
عانوا من سخرية أقرانهم، ومع ذلك صاروا متميزين ناجحين!
عانوا من الأنيميا، والسل، وحساسية الصدر، وكبروا فصاروا أصحاء أقوياء!
أين تلك العقد، وأين آثار تلك الأمراض؟ لقد جبرت، لقد أذهبتها ضمادات الرحمة، لقد قدّر الجبَّار أن تختفي..
واجبرني
شرع لنا أن نقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واجبرني"1818.
(واجبرني)! وكأننا نتكسر في اليوم كثيرًا فنحتاج أن يجبرنا الله كثيرًا!
قبل حوالي ثماني عشرة سنة ماتت ابنة أختي الوحيدة بين يديها، صرخت صرخة اختناق سمعتها من الغرفة المجاورة، كانت
الصــرخة الأخــيرة! فــدخلت علــى أمــها قبيــل الفجــر وفــي قلبــها مــن الــحزن والانكســار مــا نمــت عينــاها وتنــهداتها بــه، فأرشــدتها إلـى
الــــــدعاء الــــــوارد "اللــــــهم أجــــــرني فـــي مصـــيبتي، وأخلـــف لـــي خـــيرًا منـــها"1919 فقـــالت ذلـــك الـــدعاء وصـــوتها يتـــهدج مـــن وقـــع المصـــيبة،
فــــارتفعت كلماتــــها المنكســـرة إلــى مــن يجبــر قلــوب عبــاده فعوضــها عــن ابنتــها الــيوم ببنــين وبنــات رزقــها اللــه بــرهم وأفضــل عليــها
وعلينا من عطاءاته.
إذا التهبت نفسك، إذا احترقت أحلامك، إذا تصدع بنيان روحك فقل: يا لله..
واحلل عقدة من لساني
فــــي العــــام الفــــائت التقــــيت طــــالبًا لــــديه عقــدة فــي لســانه، لا يكــاد ينطــق بكلمــة دون أن يعيــدها عــدة مــرات! أمســكته ونصــحته ألا
يسجد سجدة لله إلا ويدعو: واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي..
التقيته هذه السنة فإذا به كأفصح ما يكون، سألته –وقد نسيت نصيحتي- عن السبب، فقال: دعاء واحلل عقدة من لساني!
لقد حل الجبَّار تلك العقدة..
إنه الجبَّار، ما من أسى إلا وهو رافعه، وما من مرض إلا وهو شافيه، وما من بلاء إلا وهو كاشفه..
تتزاحــم الآلام فــي قلــب العبــد حتــى مــا يظــن أن لــها كاشــفة، فــإذا بــالجبَّار يجبــر ذلــك القلــب، وبعــد أشــهر ينسـى العبـد كـل آلامـه
وأوجاعه لأن الله لم يذهبها فحسب، بل جبر المكان الذي حطمته، فعاد كأن لم يتهشم بالأمس!
يجبر القلوب والعظام والنفوس ويقدر أن تتداوى الجراح، وتكفكف الدموع سبحانه.
إذا رضــــتك الــــهموم، وغشــــيتك الكــــروب... فــــلا تطــــل البكــــاء، ســــجادة توجــهها إلــى القبلــة، تقضــي علــى تلــك الــهموم والكــروب فــي
لحظات بإذن الله!
يحبك مبتسمًا
جلس بانكسار بعد صلاة المغرب يستغفر الله، جيبه خاوٍ إلا من ريالات لا تصنع أمام احتياجات الحياة شيئًا، يكاد الناظر إليه
من بعيد يدرك مدى الفاقة، وكمية الخدوش المتناثرة في نفسه، ولكن الجبَّار كان ينظر إليه من أعلى سماواته، فما كتب عليه
تلك الليلة أن ينام إلا وقد سد فاقته بما لم يكن يتوقعه أو يتخيله!
يحبــــك ســــبحانه مبتســـمًا، فيصــنع مــن جميــل أقــداره مــا يعــين ثغــرك علــى الافتــرار، ويجعــل الابتســامة تطــرد ملامــح الكــرب عــن
وجهك.
إذا رأيت منكسرًا فاجبر كسره، كن أنت الذي يستخدمك الله لجبر الكسور، لا تنم وجارك جائع، لا تضحك وأخوك يبكي، لا
تنعم بدفء بيتك وهناك من هدهدت رياح الشتاء أبدانهم الضعيفة.
العربة..
يقول صاحبي: رأيت عجوزًا تدفع عربة بقرب الحرم مليئة بالحاجيات، كانت السنوات قد شقّقت جلدها بما فيه الكفاية، رأى
فيها أمه، فبكى كل شيء فيه، وكان آخر ما بكى عيناه، أخرج كل ما في جيبه ودسه في يدها ونفسه تكاد تسقط من الحزن على
تلك المسكينة.
يقــول: لــم يــدر فـي خلـدي أنـي أتكـرم عليـها، أو أن الشـكور الحميـد سـيشكرني، كنـت فقـط أرتـق شـرخًا جلبتـه صـورتها المنكسـرة فـي
نفسي، ولم أفلح!
لم يمض ذلك الشهر إلا وأضخم مبلغ يحصل عليه في حياته مودع في حسابه البنكي!
لن يدعك الله تجبر كسور الضعفاء ثم لا يشكرك، فهو الشكور الحميد.
كن بلسمًا إن كان (حالك) أرقما
وحلاوة إن صار غيرك علقما
كــن النافــذة التــي يتســلل منــها الـهواء الشـفيف علـى النفـوس التـي خنقتـها أدخنـة الحيـاة الصـعبة، تخلـق بخلـق الجبـر، كـن اليـد
العليا.
يزور النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم اليهودي المريض!
يكنس أبو بكر رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بيت العمياء ويطبخ لها طعامها!
يموت عبد الله بن المبارك فيفقد الفقراء تلك الأرزاق التي كانت توضع عند أبوابهم قبيل الفجر، فيعلمون بعد موته أنها منه!
يموت أحد خصوم ابن تيمية فيبشرونه بذلك، فيغضب ويذهب مباشرة إلى أهله وأبنائه فيعزيهم ويقول لهم: أنا كوالدكم،
لا تحتاجون شيئًا إلا وأخبرتموني!
كانوا منشغلين بالمهمة العظيمة، مهمة جبر القلوب المنكسرة، كان الله يستخدمهم لذلك الشرف العظيم..
83
أخبرني صاحبي وقد كان طالبًا في جامعة أم القرى أنه وفي طريقه إلى الجامعة لقي معتمرًا يسأله عن مركز الشرطة، أخبره
صــاحبي أنــه مســتعجل فموعـد مـادة النقـد قـد شـارف علـى البـدء والتـي كـان الأسـبوع القـادم هـو موعـد الاختبـار (الصـعب) فيـها،
ومــع ذلــك فقــد أركبـه ليقربـه مـن وجـهته، وفـي السـيارة أخبـره أنـه وقبـل ثلاثـة أيـام فقـد فـي الحـرم محفظتـه وجوالـه وجـواز سـفره
وكل ما يثبت شخصيته، أصبح مجهول الهوية، لا يستطيع الأكل ولا المبيت ولا التواصل مع أحد! قال ذلك المعتمر لصاحبي:
لقــــد تعبـــت –وعنــد هــذه الكلمــة بالــذات أجــهش بــالبكاء- ثلاثــة أيــام وأنــا أتكفــف النــاس وأنــام فــي الشــوارع.. كــان منكســرًا بــدرجة
كبيرة!
يقــول صــاحبي إنــه واســاه، وذكــره باللــه، وقــال لــه: إن اللــه لـم يفقـدك هـذه الأشـياء فـي الحـرم حتـى تـذل لغـيره، فقـط اسـجد لـه
واطلبه وسوف يحبوك، ثم أعطاه ثلاثة وثمانين ريالًا، هي كل ما وجده في جيبه، وأنزله وقد رأى ملامح الابتسامة على ثغره.
بعد أسبوعين ظهرت درجة اختبار مادة النقد والذي لم يحل فيه أي فقرة لصعوبته، وقد وطّن نفسه على الرسوب فيها لأنه
يستحق فيها الصفر! فإذا بها ثلاثة وثمانين درجة من مئة! عدد الريالات التي أعطاها ذلك المعتمر باتت عدد الدرجات التي نالها
في الاختبار! بلا زيادة ولا نقصان!!
نعم، أشياء كلما حاولت أن تنكر وجودها، ظهرت بشكل أوضح وأصرح، كلما قررت ألا تسمعها صرخت بصوت أكثر إذهالًا
وإدهاشًا، إنه الله يا صاحبي إنه الله..
لمّا استعمله الله في جبر كسر ذلك المعتمر شكره..
* * *
حجرة الخادم
إذا طرقوا أبواب الملوك، فاطرق أنت باب الملك الأعظم..
إذا وقفوا بذل بساحة أمير، فقف أنت بساحة الإله الأكرم..
إذا سافروا من مستشفى إلى مستشفى، فقم بالليل وقل: يا الله..
بيده مفاتيح الفرج، الشفاء له خزينة عظيمة القدر والحجم، أتعلم أين هي تلك الخزينة؟ إنها عند الله!
? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ ?
الســــعادة كــــذلك لــــها خزينــــة، الأمــــان أيـــضًا، والراحــة، والرضــا، أتتــرك مــن بيــده ملكــوت كــل شــيء، وتنصــرف علــى عبــد لا يملــك
لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟
كم هو مضحك أن يترك زائر ملك من ملوك الدنيا، الانشغال بالحديث مع الملك ليدخل إلى حجرة الخادم ويتحدث إليه!
نحن نفعل ما هو أكثر إضحاكًا من هذا حين نترك مناجاة ملك الدنيا والآخرة سبحانه وطلبه ما نريد ونذهب في رحلة علاجية
إلى واشنطن أو إنجلترا ونعود بعد أشهر معنا الخيبة والخسارة!
والكلام ليس عن طلب العلاج، فهو مشروع، بل عن التعلق بالمخلوق، ونسيان الخالق..
الحلم.. والذكرى
عش أيامًا مع الجبَّار، أمِرّر معانيه الجليلة على جروحك، اجعلها البلسم لعذابات روحك، أيقظ بها أزاهير الفرح في نفسك،
اصنع بتأملاتك فيها شمس حياة تقضي على الخواء الذي كنت تعيشه.
يــنزل رســولنا صَلَّى الــلّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مــن الطــائف محمــلا بقــدر عظــيم مــن الــحزن والحرقــة، والانكســار، بعــد أن أدمــى الســفهاء
عقبيــــه الشـــريفتين بــالحجارة، يــراه ملــك الملــوك، ملــك الــدنيا والآخــرة، يــراه حبيبــه ســبحانه، يــرى قلبــه المكتــظ بــالآهات، فيرســل
جبريل ومعه ملك الجبال، لينهي تلك الحرق، يرسله في مهمة خاصة، مهمة تتعلق بدكدكة الجبال الراسية!
فينظر ملك الجبال إلى النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو في أحزانه التي جعلته يمشي من الطائف فلا يفيق إلا بقرن الثعالب،
فيقول: أمرني الله أن أمتثل لأمرك يا محمد، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت2020.
إذا أراد أن يجبر كسرك، أهلك مدينة بأكملها لأجلك!
ولكن محمدًا عليه الصلاة والسلام يستأني بهم ويعفو عنهم..
عندما لذعت السخرية بسياطها الحارقة قلب نوح، نظر إلى السماء ودعا ربّه: ? أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ? ، ففتح الملك
سبحانه أبواب السماء بماء منهمر، أغرق الكرة الأرضية لأجل نوح عليه السلام!!
هل يستطيع غير الله أن يجبر كسور الروح بمثل هذا؟
بعض الأشخاص يظنون أن من مهماتهم تدميرك، السخرية بك، إظهارك بحجم صغير جدًا أمام رفاقك! ولولا الجبَّار لطحنتك
مكائدهم..
يــدخلون إلــى عينيــك ليســرقوا أجمــل أحلامــك.. ويتســللون إلــى قلبــك ليمســحوا أروع ذكريــاتك! وكلمــا انطفــأ حلــم خلـق اللـه لـك
حلمًا أجمل، وكلما بهتت في قلبك ذكرى صنع الله لك ذكرى أروع!
فنجان قهوة!
وقــــد زوّد الجــــبَّار حيــــاتنا بمجبــــرات ومضــــمدات وأدويــــة، نعلــــم بعضــها، ونجــهل أكثرهــا خلقــها وأودعــها فــي كونــه لأجلــك، حتــى
تبتسم، وتعيش حياة كريمة، حتى تتفرغ لعبادته.
تلتئم جروحنا عندما نتناول الدواء الناجع لها، وعندما نأكل الطعام الصحي، وعندما نشرب الماء النقي.
تصح أرواحنا لما نرى الابتسامة على أوجه الآخرين، وحين نشعر بأكفهم تربت على أكتافنا، وعندما نسمع الكلمة الطيبة.
نتجاوز عقدنا عندما نصادف قلبًا ينبض بحبنا، ويدًا تمتد لمساعدتنا، وفنجان قهوة ترشفه بمعيّة من نحب.
هناك أشياء تلتئم داخلنا عندما ننظر للطبيعة الجميلة، ونسمع خرير الماء، ونحدق في العصفور وهو يطعم فراخه.
الصلاة تردم هوة اليأس في أرواحنا، وسبحان ربي العظيم تخلق فرحًا نجد طعمه في ألسنتنا، وسبحان ربي الأعلى تحلق بنا
حول العرش.
دعوات الوالدة دفء في شتاء الحياة، وزيادة الصديق متعة في صخب العيش، وسؤال الجار عنك يلون لوحة نفسك الرمادية.
عصير البرتقال يجبرك على الابتسامة، وقطعة الحلوى التذاذ خاص، والحمّام الدافئ شعور بانحسار الأتعاب.
الحياة مليئة بالمجبرات، وربنا يرِيدنا أن نسعد، أن نبتسم، أن نحيا حياة جميلة.
كن ساجدًا
ما الذي يبطئك عن الله؟
ما الذي يجعلك تتأخر عن الانضمام لركب الأواهين الأوابين، الذين يرتلون كلامه في جوف الليل؟
شكل الجنين في بطن أمه قريب جدًا من شكل الساجد لله! فكن في حياتك ساجدًا كما كنت في بطن أمك، يكفيك الله رزقك
ويجعل أضيق الأماكن أهنأها، ويحيطك برحمته.
كن ساجدًا بقلبك، وإن رفعت رأسك.
قل بنبضاتك: سبحان ربي الأعلى، وإن كنت ضاحك الثغر.
اهمس بشرايينك: يا جابر المنكسرين اجبر كسري، ثم تأمل في المعجزة وهي تشكل روحك من جديد!
اللهم اجبر كسر قلوبنا، وكسر أرواحنا، وكسر أجسادنا، إنك على كل شيء قدير.
* * *
الهادي
لا يهديك لأنك فلان ابن فلان، بل لأنه شاء أن يهديك!
? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ?
الهادي
هل أكلتك الحيرة؟ هل تشعر أن عقلك أعجز من أن يحدد لك الصواب من الخطأ، هل عُرضت عليك وظيفتان لا تدري أيهما
أنسب لك؟ هل تزاحمت في عقلك مميزات فتاتين لا تدري أيهما تتزوج؟ بل هل تعبت من درب الضياع وتريد أن يمن الله عليك
بأن يدلك إلى طريق النور والهداية؟ أنت إذن مهيأ لبداية عهد جديد مع اسم الله «الهادي»..
أنــــت تحتــــاج أن تتعــــرف إلــــى هــــذا الاســم العظــيم، أن تســترشد الــهادي ســبحانه لــيوقف فــي نفســك جــيوش الحــيرة، ويــهديك إلــى
الصراط المستقيم!
دفء
الهداية أصلها اللغوي يدل على الميل، وكأن الهداية ميل عن الخطأ إلى الصواب وعن الضلالة إلى الرشد، وعن التيه إلى الجادّة.
فهو سبحانه يهديك، فيحرف مسارك عن الضلالة إلى الرشد، وعن الغواية إلى الطريق الأقوم.
وكما أنه يهديك، فكذلك يهدي إليك!
فيوصــل الأشــياء التــي بــها قــوام حيــاتك إليــك: يوصــل المـاء إلـى الأرض التـي تقطنـها، ويوصـل الغـذاء إلـى المكـان الـذي تعـيش فيـه،
ويوصل الهواء إلى رئتيك..
وهو يهدي جميع خلقه هدايات متعددة بحسبهم وبحسب أحوالهم:
فالأعمى هدايته أن يسير على الطريق، وهداية الأصم أن يفهم ما يقال، وهداية العاجز أن يصل إلى مبتغاه..
هداية الطفل أن يبعده عما يضره
وهــــداية العجمــــاوات أن يغــــرز فــــي نفوســــها مــــا فيــــه قــوام حياتــها، فتعلــم مصــالحها فتأتيــها، وتعلــم مضــارّها فتجتنبــها، وتعلــم
المخاطر فتقاومها.
يهدي التائهين في الصحاري..
ويهدي القارئ إلى موضع المعلومة..
ويهدي المكتشف إلى الاختراع..
ويهدي المجتهد إلى ذليل المسألة..
ويهدي الداعية إلى الأسلوب الأسلم..
ويهدي الأب إلى الطريقة المثلى في نصح ابنه..
ليست صدفة!
يــهديك بمــا تظنــه صُدفــة، يــهديك بآيــة تســمعها فــي صــلاة، ويــهديك برؤيــا تراهــا، ويــهديك بنصـيحة عـابرة، ويـهديك بكلمـة تقـع
عينك عليها في كتاب، ويهديك بتأمل، ويهديك بومضة غير مسبوقة بتفكير، ويهديك بظروف تدفعك إلى الصواب، ويهديك
بالخوف، ويهديك بالحب، ويهديك بالموت!
أما سماع القرآن فأصل الهدايات، ومن أعظم ما جعله الله سببًا لهداية عباده، فقد ضمن فيه كل أسباب الهداية والرشد،
قال تعالى: ? إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ? فيستحيل على عالم عامل بما في القرآن أن يصاب بزيغ أو انحراف أو
نكوص! وقصة إسلام عمر بن الخطاب معروفة، فقد دخل على أخته والشر يتطاير من عينيه فلما قرأ في صحيفة معها أول
سورة طه، سجد قلبه في محراب الإيمان ولم يرفع حتى مات رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُ..
تــرى مــا هــو الشــعور الــذي شــعر بــه؟ ومــا هــو الــيقين الــذي نزل قلبــه فــي تلــك السـاعة؟ وكـم فـي القـرآن مـن هـدايات غضـضنا عنـها
طرف التدبر، وكم فيه من إرشادات انقفلت عنها قلوبنا؟
لا.. ولا
ومن أشكال الهداية أن ترى رؤيا فيها شفاؤك أو تحذير لك أو إرشاد، يقال إن أحدهم كان مريضًا فرأى في منامه أن علاجه في
«لا» و«لا»، فــذهب إلــى شــيخ يســأله فقـال لا أدري ولكنـي أختـم القـرآن كـل يومـين، فأمـهلني لعلـي أجـد شـيئًا فـي القـرآن أعبـر بـه
رؤياك، وبعد يومين جاءه وقال له شفاؤك في زيت الزيتون، قال تعالى في سورة النور: ? يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا
شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ? فهذه هداية برؤيا.
ومن أنواع الهداية التي تشبه الهداية بالرؤى لما فيها من معنى الاستنباط والاستدلال بالشبيه على شبيهه.. الاستشفاء بعمل
طاعات لها صفة قريبة من حال المرض!!
جاء رجل إلى أحد العلماء يشتكي الاستسقاء وهو مرض تتجمع بسببه السوائل في جسم الإنسان وقد يودي بحياته، فأوصاه
أن يحفر بئرًا ويوقفها، فحفر البئر فبرى بإذن الله!
رأى هذا العالم تشابهًا بين انحباس السوائل في الجسد وانحباس الماء في الأرض، فظن أن هذه الطاعة (حفر بئر) مشابهة لحال
المرض، وأن الشفاء قد يكون فيها..
أحد الزملاء يخبرني أنه دهس ابنة أخيه ذات العامين بسيارته (الجيب) وهو ذاهب إلى الصلاة دون أن يدري، فهرع بها والدها
إلى المستشفى والموت يلوح بين عينيها، والأطباء يخبرونه بأن نسبة موتها ثمانون في المئة!
فاتصل ابن عم لهم بزميلي مستخبرًا وناصحًا، وأوصاه بسرعة ذبح شاة والتصدق بلحمها بنية الشفاء! ففعل ما أوصاه به ابن
عمه فلم يأت الفجر إلا وقد أخرجت تلك الطفلة من العناية الفائقة!!
هــدى اللــه ســبحانه ابــن العــم إلــى تناســب مــا بــين اللحــم المتصــدق بــه، ولحــم الطفلــة المتــهتك، فكـان الشـفاء مـن اللـه أصـدق مـن
توقعات الأطباء!!
أما الهداية بنصيحة عابرة: فيقال إن مغنيًا كان حسن الصوت مر به أحد الصالحين فقال له: ما أجمل صوتك، يا ليته تغنى
بالقرآن، فتاب ذلك الرجل من حينه!
والهداية بالنصيحة أوسع وأوضح من أن نمثل لها..
وقــــد يــــهديك بــــالتأمّل، ومــــن أوضــــح شــــواهد هــذه الــهداية قصــة ســيدنا إبــراهيم عَلَيْه الــسَّلام والــذي عنــدما جــن عليــه الليــل رأى
كوكبًا، والقصة معروفة فهنا تأملات في آيات الكون سببت هداية ويقينًا له عليه الصّلاة والسّلام.
قبس من نور
يبصر من عليائِه التائهين، يرى هضاب الضياع وقد التفت من حول أرواحهم، فيشعل لهم في الليل قبسًا من نوره، فيرون به
الطريق! ويصلون إلى الجادة.
لا يهديك لأنك فلان ابن فلان، بل لأنه شاء أن يهديك! ? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ? فتعرض بإصلاحك قلبك
إلى تلك المشيئة الغالية.
قد يهديك ثم لا تقوم بواجب تلك الهداية من شكر وعمل بمقتضاها فيسلبها منك، مثل ذلك الرجل الذي آتاه الله آياته ?
فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ? .
وقــد يــهديك فتشــكره وتعمــل بمتقضــى الـهداية فـيمن عليـك، بـهداية أخـرى فتشـكره وتعمـل بمقتضـاها ثـم يفضـل عليـك بـهداية
ثالثة ورابعة، ويجعل حياتك هدايات يمسك بعضها ببعض..
فهؤلاء فتية الكهف هداهم بأن جعلهم مؤمنين، ثم هداهم أيضًا بأن جعلهم صابرين على إيمانهم، ثم هداهم بأن دلهم على
طريق النجاة، ثم هداهم بأن هيأ لهم حالًا أنجاهم بها، بأن ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا، قال عنهم سبحانه: ?
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ? .
بوصلة ضائعة
في وسط الصحراء المظلمة، لا تعلم أين تتوجه، وعدم معرفتك هذه تعني الموت المحتم، لأنك بلا زاد ولا راحلة، وفجأة تجد
شــعورًا ملــحًا بــأمرك أن تتجــه إلــى اتجــاه معــين، لـيس لـديك معرفـة بـالنجوم، وبوصـلتك ضـائعة، ورفـاقك سـبقوك! فتتجـه إلـى
ذلك الاتجاه، وبعد تلاعب كثبان الصحراء بك، وإذ بعينيك تلمحان بصيص نور، إنهم رفاقك هناك، في آخر نقطة من الحياة
ينتظرونك بلهفة!
الآن حدثني عن ذلك الشعور؟ ما هي المعادلة التي جعلته يبزغ في تلك اللحظة؟ ولماذا جاء؟ وكيف كان دقيقًا إلى هذه الدرجة؟
لقد كان الله في تلك اللحظة يبصر اضطراب الرعب في قلبك، لقد كان يسمع وجيف فؤادك، لقد علم تمثل الموت عطشًا في
نفسك، فأذن لوميض داخلي أن يشتعل لتحس بالطريق، وتصل بسلام.
لا تتعلــــق بحرفيــــة التجربــــة، فقــــد لا تكــــون عشــــتها، ولكنــــك ولا شــــك عشــــت أنــــت أو مــن تعرفــه أجــواء قريبــة مــن تلــك الأجــواء،
والسؤال الأهم من جميع التفاصيل: من الذي قذف الهداية في روح قلقة، محتاجة إلى بصيص؟
إنه الهادي سبحانه..
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نم فالحوادث كلهن أمان
وفي وسط تلاعب الموج بسفينتك، يأمر الريح فتكون شمالية في تلك الساعة لأن جزيرة النجاة في الجنوب منك ستتمزق أشرعة
سفينتك لولا تلك الرياح التي قدرها الهادي سبحانه.
يخرج ابن تيمية من بين البيوت وقد ازدحمت الأقوال في رأسه حول تفسير آية، يقرأ عنها عشرات التفاسير، فلا تخلصه تلك
التفاسير من ضوضاء الحيرة، فيمرغ وجهه بالتراب ويبكي ويقول: "يا معلم داوود علمني ويا مفهم سليمان فهمني، فيعود
وقد تحددت الأقوال الراجحة في عقله بنور الهداية الربانية!
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يقضي عليه اجتهاده
* * *
ثم هدى
وهدايته سبحانه لا تختص بالبشر بل هو يهدي جميع خلقه، قال جل من قائل: ? قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى? كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى? ? ..
يصـف الشـيخ محمـد راتـب النابلسـي شـيئًا مـن هـذه الـهدايات فـيقول: «يتجـه سـمك السـلمون مـن سـواحل الأطلسـي إلـى مصـبات
الأنهار في أمريكا، ويضع بيوضه ويعود، بعد أشهر تخرج الأسماك الصغيرة وتتجه مباشرة إلى حيث أمهاتها؟ على بعد مئات
الكيلوات! لا تضيع طريقها، من الذي هداها إلى الطريق؟ إنه الهادي سبحانه!
أحدهم رأى قنفذًا يأكل أفعى ميتة ثم يتوجه إلى نبتة فيأكل منها ورقة، ثم يعود للأفعى فيقضم ثم للنبتة فيأكل، أراد ذلك
الشخص أن يعلم سر تلك النبتة فاقتلعها، عاد القنفذ ليأكل ورقة من النبتة فلم يجدها فلبث يسيرا ثم مات!
من الذي هدى هذا القنفذ إلى أن تلك النبتة تحمل خاصية مضادة للسم الموجود في جسم الأفعى؟ إنه الله جل جلاله».
يهجم الذئب على الغزال فتحني الغزال رأسها لينغرز قرنها في رقبة الذئب، من الذي أعلمها أن فوق رأسها سكينًا حادة، ومن
الذي جعلها تعلم أنها بذلك الفعل ستنجو؟ إنه الهادي سبحانه..
رأيــت فــي طفولتــي قطتنــا وأبنــاءها حــديثي الــولادة يزحفــون إليــها عمــيًا، ثــم يغرســون رؤوســهم فـي بطنـها ويتحسـسون بأفواهـهم
حتى يجدون ثديها ويبدؤون بشرب الحليب، من الذي أخبر تلك الكائنات عديمة الخبرة والمعرفة أنها بذلك ستعيش وبدونه
ستموت؟ إنه الهادي سبحانه..
المستنقع
ومن أعظم هداياته إعادة خلقه إليه، ودلالة التائهين عليه، وفتح أبواب التوبة لمن أذبل أرواحهم خريف الحوبة.
يخــــــرج فــــــي ظــــلام الليـــل، ليعصـــي ملـــك الملـــوك، كـــل جوارحـــه منـــدفعة للوصـــول إلـــى وحـــل المعصـــية، ولكـــن اللـــه فـــي تلـــك اللحظـــة
الحاسمة يأمر الهداية أن تصل إلى قلبه قبل أن يصل هو إلى المستنقع، فإذا بكل ما بناه من أحلام سوداء ينهار فجأة، وتيار
فظـــــيع يـــرجف بـــه، كـــل شـــيء يتطـــاير مـــن حولـــه، هنـــاك شـــعور بكـــر وطـــيء للتـــو شـــاحته، يلتفـــت إلـــى جـــهة أخـــرى، ليســـت جـــهة
المستنقع إنها جهة تطل من بين منحنياتها منارة المسجد، فيبدأ عهدًا مضيئًا مع الهادي سبحانه.
ورقة!
إذا أراد هــــدايتك، جعــــل ورقــــة ملقــــاة علــــى الأرض تعيــــدك إليــــه! ممـــا يــذكر أن رجــلا كــان يتــرنح فــي ســكك مــدينته مخمــورًا، فــرأى
بعــــينين أذبلتــــهما الخمــــرة ورقــــة ملقــــاة، كتـــب عليــها اســم اللــه، فاعتصــر فــؤاده حــبًا وحزنًا، وقــال بــاكيًا: اســم اللــه علــى الأرض!
فحمــــل تلــــك الورقــــة وذهــــب إلــــى بيتــــه فنظفــــها وعطرهــــا وقبلــها ورفعــها، ثــم نــام ليســمع هــاتفًا يقــول لــه: رفعــت اســمي؟ وعزتــي
لأرفعن اسمك، فإذا به يستيقظ على الهداية تملأ قلبه، ويتحول من رجل لا هدف له من هذه الحياة إلى رجل من الصالحين
المعروفين في التاريخ!!
وإذا أراد هدايتك أسمعك صوتًا يقول لك: اتق الله، فيستيقظ فؤادك!
فــــهذا أحـــد الثلاثــة الــذين أطبــق عليــهم الغــار فــي القصــة النبويــة الشــهيرة، يــحَضِّر مــن وقــت بعيــد للفجــور بابنــة عمــه، وتســوقها
الأقدار إليه في حاجة فيبتزها، وقبل لحظات من بدئه لمراده البشع، إذ بها تقول: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فينهض
فزعًا، لم تدع «اتق الله» في قلبه شهوة إلا وسحقتها!
حبل النجاة
تكون في غمرة النسيان فيذكرك به، تكون في حومة المعصية فيوقظك، تكون في وسط المستنقع فيطهرك، تكون في داخل الجب
فيدلي إليك حبلًا..
يهديك بحب يغمر فؤادك، أو بخوف يزعزع استقرارك، أو بمرض يذل كبرياءك، أو بحاجة ترغم أنفك، أو بفقر ينقض ظهرك،
أو بخواء يعذب روحك.
يعيدك إليه، إلى طريق الأنوار، يجعلك من رواد المسجد بعد أن كنت تنظر إليه من بعيد ولا تنالك هداياته من قريب، يعلّم
يديك كيف تمسكان بالمصحف بعد سنين طويلة من الهجر والصدود، يرطب لسانك بذكره بعد أن كنت تترنم بأغانٍ تافهة!
تخرج من بيتك قاصدًا مسجدًا وفجأة تغير الطريق إلى مسجد آخر، بعد الصلاة تسمع كلمة يلقيها أحد الدعاة تغير شيئًا كان
مستقرًا في قرارة نفسك! يغير طريقتك أو حتى طريقك..
والعبد صاحب الروح المرهفة يستنبط هدايات الله سبحانه، ويعلم أن الكون مربوب له سبحانه، وأن الله سبحانه قد يهديه
بأي شيء في كونه، وقد يضله والعياذ بالله بأي شيء في كونه!
ولن يضل سبحانه إلا من أغلق قلبه عن الهدى ودين الحق.
إذن: ضياع هذه الحياة إن لم تأتك الهداية من عنده..
أتذكر مثال صحراء التيه آنفة الذكر، إن ضياعنا عن طريقه سبحانه، عن المسجد، عن الله أكبر، عن اللهم أنت السلام ومنك
الســلام، أعظــم فظاعــة مــن تيــه الصــحراء، وســتكون بــذلك فــي غربــة أقســى مــن غربــة الطــائر الــذي فقــد ســربه فــي فصــل الشــتاء،
فقررت الثلوج أن تبتلع أحلامه المحلقة!
اللهم ارزقنا هداية من عندك تنتشلنا من صحراء التيه، وتوصلنا إليك، وتدخلنا بها جنة عرضها السماوات والأرض.
* * *
الغفور
الذنوب ستفسد عليك حياتك،
ستقهر روحك، ستجعل الماء ذا نكهة غير مستساغة،
والطعام غير هنيء، والليل وحشة، والنهار ملل..
الغفور
إذا كنت قد تعبت من ذنوبك وخطاياك، وشعرت أن شؤمها قد نغص عليك حياتك، وأن ظلامًا وقتامة قد أطفأت في عينيك
بــهجة أيــامك وليــاليك، وأنــك مــا عــدت تسـتلذ بصـلاتك، ودعـائك، وعبـادتك، فـاعلم أن الـوقت قـد حـان لتـدلف إلـى عـالم الأنـس
والمغفرة، متلمسًا معاني الغفران والتجاوز في اسم الله «الغفور»
أنت الآن بحاجة إلى أن تفهم معنى المغفرة، وكيف أن ربك غفور وغفار، ومدى حاجتك لهذه المغفرة في جميع أدوار حياتك..
السجن
بلاء الروح بالذنب أعظم بكثير من بلاء الجسد بالمرض، روحك تأن تحت وطأة العصيان، نعم قد يكون جسدك استلذ لحظة
المعصية، ولكن روحك تجأر إلى الله!
تخيل أنك في سجن ضيق عرض كل جدار فيه متر واحد فقط، ما مقدار الاختناق الذي ستشعر به؟
الذنوب تجعل روحك في سجن شبيه بهذا السجن! إنها تحيط بك ? وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ? وتجعل روحك تختنق.
لو لم يكن هناك جنة ولا نار، الذنوب وحدها جحيم، وحميم، وعذاب أليم!
فإذا علمنا أن من أسمائه سبحانه الغفور والغفار والعفو، وأن من صفاته أنه يغفر الذنوب، تبدأ جدران ذلك السجن الضيق
تتصدع.
هل تعلم
بالله قل: أستغفر الله..
لا تقلها، بل تأمل فيها: أستغفر الله..
هل هناك ما هو أجمل من هذه الكلمة التي إن قلتها من قلبك تتناثر جميع الوساوس والهواجس والمخاوف؟
هل تعلم أن كل مصيبة من مرض أو هم أو حزن أو ألم هي بسبب معاصيك؟
اقرأ: ? وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ? .
لقــــد أصــــابتنا الغيبــــة والكــــذب والغــــش والحســــد والاحتقــــار والعقــــوق والنظــــر إلــى الحــرام وتــأخير الواجبــات بقــدر كبــير مــن الآلام
والهموم والأوجاع.
نــــذهب لنســــكب مــــاء وجوهنــــا بحثــــا عمــــن يقرضـــنا شــيئًا مــن المــال، ولعــل تلــك الحاجــة إلــى المــال ســببها ذنــب اقترفنــاه، ولــو قلنــا:
أستغفر الله بانكسار، لما احتجنا أن ننكسر لدى خلق الله!
نبحث عن راق لنخبره عن الضيقة التي نشعر بها، والخوف الذي نغص حياتنا، والتغيرات النفسية التي نشعر بها، ولعل ما
أصابنا كان بسبب معصية ارتكبناها، ولو قلنا: أستغفر الله بقلب حيّ، بقلب تائب منيب ما احتجنا إلى كل ذلك!
وغَدَراتي؟
لم تظهر لي صفة المغفرة مائلة وبارزة كما ظهرت لي وأنا أقلب أوراق السيرة النبوية:
عمــــر بــــن الخطــــاب يفتــــن المســــلمين عــــن دينــــهم، يمســــك الســـوط بيــده القويــة ويلــهب بــه ظــهر جاريتــه ثــم لمــا يتعــب يــنزل الســوط
ويقول: ما تركتك إلا ملالة!
كان المسلمون يعتقدون أن إسلام حمار الخطاب أقرب إلى المعقول من إسلام عمر! لشدة عداوته للإسلام، وكرهه لهذا الدين،
ثم يفتح له الغفور أبواب التوبة ليصبح: عمر الفاروق!
والسياط التي كان يحرق بها ظهور عبيده وإمائه؟ أين ذهبت؟ لقد غفرها الله!
خالد بن الوليد يصعد على جبل الرماة في غزوة أحد ويقتل بسببه عبد الله بن جبير وصحبه الذين كانوا على جبل الرماة رَّضِيَ
اللَّهُ عَنْهُم، بل يكون السبب في أعظم هزيمة يمنى بها الجيش الإسلامي بقيادة النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ويكون السبب في
أن يجرح نبي الله ويشج رأسه وتكسر رباعيته وتدخل حلق المغفر في وجهه الشريف.
يكون السبب في أن يدمى وجه النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله"2121 ولكن الله ينزل: ? لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ? ! ويكون خالد ممن تاب عليهم وغفر لهم!!
يسلم، فيغفر له الغفور، يمسح سبحانه كل تلك الطوام..
ويتحول من السبب الأهم في هزيمة المسلمين في غزوة أحد إلى: سيف الله المسلول!
وتلك الدماء الزكية التي سفكها؟ وحلق المغفر؟ والدماء النبوية الطاهرة؟ كل ذلك غفره الله!
رجل يأتي إلى رسول الله صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن قلبه مما اقترفه من آثام، فيقول: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ
مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ رسول الرحمة: قَالَ: «فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟» قَالَ:
أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللــــــهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيــــــكَ لَهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللــــــهِ، قَالَ: «نَعَمْ، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ الــــــسَّيِّئَاتِ،
فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ»! قال: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قال: َغَدَرَاتِك وَفَجَرَاتِك!!2222.
هل نسيت؟
لماذا نعتقد أن ذنبك أعظم شيء في الوجود؟ هل نسيت أنه الغفور الودود؟
هل نسيت أنه يفرح بتوبتك؟
رأي الصحابة امرأة مذعورة في السبي تبحث عن ولدها، فلما رأته ضمته وقبلته حبًا وشوقًا وخوفًا، فتعجب الصحابة من هذا
الحب وهذا الفرح، فقال النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "الله أَشَدّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"2323!
ما الذي تنتظره؟
قل أستغفر الله الآن..
قلها بقلبك وروحك ولسانك، حتى ذنوبك التي تريد أن تقنعك أن المغفرة مستحيلة عليها اجعلها تقول: أستغفر الله، رغمًا
عنها، اصرخ بأستغفر الله في وجدانك، وأقسم من خلال صرختك تلك أن الغفور سيغفر لك، ليس لأنك صرخت، بل لأنه
الغفور الودود.
أبــــو ســـفيان بــن حــرب، صــفوان بــن أميــة، عكرمــة بــن أبــي جــهل، عمــرو بــن العــاص وغــيرهم كثــير، كــانت ذنوبــهم: شــركًا باللــه،
ومحاربــــة للــــدين، وقتــلا للصــحابة، ثــم يغمــرهم الغفــور الــرحيم بمغفرتــه لــيكونوا صــحابة! أتــدري مــاذا تعنــي كلمــة (صــحابة)؟
الصحابة تعني أفضل البشر بعد الأنبياء!
انظر ماذا فعلت المغفرة بعكرمة أو بصفوان أو بغيرهما؟
لقد حولته من: قاتل للصحابة؟ إلى: صحابي جليل!
الإحساس بالذنوب وهي تحيط بك بجعل روحك تأن، وأفكارك تميل إلى اللون الأسود، وكلماتك متوترة جدًا، فإذا ما اقتربت
منها: أستغفر الله احترق الأنين والسواد والتوتر.
طوبى
يغفر سبحانه بـ: أستغفر الله..
ويغفر سبحانه بالتوبة: ? إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَ?لِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ?
ويغفر سبحانه بالحسنات: ? إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ?
ويغفر بالبلاء: "ما يَزَالُ الْبَلاَءِ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"2424.
أتعلم ما الذي ينبغي أن تكثر منه في هذه الحياة؟ ألا تمل من ترداده؟ إنه الاستغفار!! قال نبيك عليه الصلاة والسلام:
"طوبى لمن وجد في كتابه استغفارًا كثيرًا"2525.
ستفرح فرحًا خالدًا بالأعداد الكبيرة لأستغفر الله في صحيفتك..
ستصرخ بأعلى صوت ? هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ? ..
ســــــــتجد فــــــي عرصــــات يــــوم القيامــــة أصــــدقاءك فتفتــــح لــــهم كتــــابك الملــــيء بالاســــتغفار وتقــــول: انظــــروا، لقــــد اســــتجاب اللــــه لــــهذه
الاستغفارات الكثيرة فغفر لي!
لذلك فقد شرع الاستغفار ليس بعد الذنب فقط! بل وبعد الطاعة!!
ألست تقول بعد الصلاة: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله؟ حتى طاعاتك مليئة بالنقص الذي لا يرتقه إلا الاستغفار.
لا تقنطوا..
الغفور سمى نفسه بالغفور لأنك بلا مغفرة ستحترق، ستلتهمك الغصص، ستشعر الاختناق الحقيقي، ستدمن البكاء.
إذا ظننت أن ذنبك أعظم، وأن الشيخ الذي استفتيته في ذنبك لم يتصور بعد التفاصيل السوداء لتلك الخطيئة العظيمة، وأنه
أجــابك علــى غــير ســؤالك، اســمع لربــك الـذي يعلـم كـل ذنـب سـيقترفه عبـاده مـن لـدن آدم وحتـى قيـام السـاعة، يعلـم بتفاصـيل
تلك الذنوب وخطواتها وشناعة أمرها: ? قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى? أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ? .
هل انتهت الوساوس الآن؟ الذي قال هذا الكلام يعلم عندما أنزل القرآن أنك في يوم كذا ستذنب ذنب كذا ومع ذلك قال لك:
? يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ? وذنبك لا شك من هذه الذنوب التي ليست أكبر من غفران الله ولا أعظم من رحمته سبحانه.
المهم أن تسبق (أستغفر الله) بالإقلاع عن الذنب، أن تتوقف: ? فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ? .
كيف تقول: اغفر لي خطئي، وأنت عاكف على الخطأ؟
كيف تمسح معصيتك ثم تعود لكتابتها من جديد؟ توقف..
لتصبح (أستغفر الله) صادقة، تستحق أن تفتح لها أبواب السماء.
أعظم مشيئة!
الله سبحانه وتعالى شاء لك أشياء كثيرة:
شاء وجودك فوجدت، وشاء صحتك فصرت صحيحًا معافى، وشاءك عاقلًا وها أنت تعقل ما تقرأ وتسمع، ولكن أتعلم ما
هي أعظم مشيئة قد يمن الله بها عليك؟
أن يغفر لك!!
? وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? .
ما أعظمها من مشيئة هذه التي تجعلك مؤهلًا لدخول الجنة برحمة الرحيم سبحانه!
المغفور لهم تنزل بهم الأمراض كغيرهم، ولكنها لا تسلب ابتساماتهم..
المغفور لهم تصيبهم الضوائق المالية كغيرهم، ولكنها لا تنكس رؤوسهم..
المغفور لهم تدمع عيونهم، ولكنهم لا ييأسون من روح الله أبدًا..
ثم دع الهموم والأوجاع والأمراض جانبًا:
المغفور لهم ينامون بالليل في طمأنينة، لأن أغرب توقع هو أن يموتوا؟ وماذا لو ماتوا؟ إنهم بلا ذنوب تجعل الموت شبحًا مرعبًا!
بالله اقرأ، بل استشعر:
? وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ?
ألست مشتاقًا لأن تجد الله غفورًا رحيمًا؟ استغفره إذن!!
الأجمل..
الغفــور علــم أن الــذنوب ســتفسد عليــك حيــاتك، ســتقهر روحــك، ســتجعل المــاء ذا نكــهة غــير مســتساغة، والطعــام غــير هنــيء،
والليل وحشة، والنهار ملل، والأقارب جحيم، والأصدقاء شكوك، وتفاصيل الحياة هم، والنوم اختناق، والوحدة بكاء، فقال
لك: ? أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ? أليس هذا أجمل بحالهم؟ ألم يملوا الكربات التي بعضها فوق بعض؟ ألم
يشتاقوا للابتسام الذي يخرج من القلب؟ إذن لماذا لا يستغفرونه؟
لا تندهش!
والغفور يغفر دائمًا، ويغفر بكرم، ويغفر ما لا يغفره البشر، ويغفر بإدهاش!
يغفر دائمًا:
فيغفر ما بين الصلاة والصلاة ما بين العمرة والعمرة، وما بين رمضان ورمضان، وما بين الحج والحج إذا ما اجتنبت الكبائر!
فصارت بذلك حياة العبد كلها ما بين مغفرة، وعفو وعفو، وتجاوز وتجاوز!
تخيل: تصلي الفجر، ثم تذهب إلى عملك فتند منك تجاوزات وذنوب –دون الكبائر- ثم تحسن الوضوء لصلاة الظهر وتصلي
صلاة تامة فما تقول: السلام عليكم ورحمة الله إلا وقد انغسلت من ذنوبك كلها، وهكذا صلاة بعد صلاة! ماذا كنا سنفعل
لو لم يكن ربنا غفورًا؟
ويغفر بكرم:
فيغفر كل الذنوب بصيام يوم واحد في السنة!
ويغفر كل الذنوب بأن تقول: سبحان الله وبحمده.. مئة مرة!
أي في دقيقتين تتساقط عنك ذنوب سبعين سنة! أفي الكرم مثل هذا؟
ويغفر ما لا يغفره البشر:
فيغفر ذنوب بغي كل حياتها ذنوب ومعاصٍ بأن سقت كلبًا ماء!
ويغفر بإدهاش:
فمن ذلك ما حصل لمن حضر غزوة بدر فقد اطلع عليهم ربهم وقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم!
كل الذنوب التي عملوها أو سيعملونها: مغفورة!
وكــان ممــن اطلــع اللــه عليــه فــي غزوة بــدر حارثــة بــن ســراقة، غــلام خــرج معــهم مسـاعدًا لا مقـاتلًا، فكـان فـي المعركـة مـن النظـارة
الذين يشاهدون المعركة من بعيد، فقام إلى حوض الماء ليشرب فأتاه سهم غرب (طائش) أصاب نحره فقضى عليه، فلما عاد
النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى المدينة استقبلته أم حارثة فقالت له: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت،
وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال النبي صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ
الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى»26.
قال ابن كثير: وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا الذي لم يكن في بحيحة القتال، ولا في حومة الوغى، بل كان
من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب، وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس الأعلى.. فما
ظنك بمن كان واقفًا في نحر العدو".
ابدأ..
ابـدأ عـهدًا جـديدًا مـع اسـم الغفـور، افـرح لأنـه يغفـر الـذنوب، وسـارع فـي الاسـتغفار، وطلـب هـذه المغفـرة بـاتباع أوامـره واجتنـاب
نواهيه ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? .
اللهم اغفر ذنوبنا كلها، دقها وجلها، أولها وآخرها، واجعلنا ممن يجدون في صحائفهم استغفارًا كثيرًا.
* * *
القريب
قال لي صديقي مرّة قبل أن يخرج من زيارتي في غرفتي بإسكان الجامعة، اكتب لي في هذه الورقة كلمة لأقرأها
وأنا عائد إلى غرفتي، فكتبت له: إنه يراك الآن..
أخبرني فيما بعد أنه فجع بها!!
القريب
أتشعر بالوحشة؟ هل خذلك صديقك الحميم؟ هل تحس أن بينك وبين أعز الناس حجابًا مستورًا، فلم يعد يفهمك كما كان
من ذي قبل؟ هل روحك تأن شوقًا إلى حبيب تبث إليه لواعجها؟
ما رأيك أن تدع هذا الحبيب، وذلك الصديق، وتنصرف إلى الذي لا يجفو من أتاه مقتربًا؟
الله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد، والذي ستغدو حياتك أنسًا وسعادة معه، له اسم عظيم، موغل في الجمال، مكلل
بالبهاء، اسم "القريب". فلنتعرف على معاني هذا الاسم لنستشعر قربه منا، ولتتذوق طعم مناجاته في ليالي الوحشة..
يا الله!
في الوقت الذي يريدك أن تعلم أنه على العرش استوى يريدك أن تتيقن أنه أقرب إليك من حبل الوريد!
يسمع كلماتك، ويرى أفعالك، ولا تخفى عليك منك خافية.
دخــل الرســول صَلَّى الــلّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم المســجد فــإذا بصــحابته الكــرام يــدعون ربــهم بأصــوات جــهيرة مرتفعــة، فقــال: «ارْبَعُوا عَلَى
أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا»27.
بمجرد أن ينتهي العبد من الدعاء إذ بالإجابة تلوح، لأنه قريب بدرجة لا يتصورها العقل!
تضــيع دابــة أحــدهم فيمشــي مبــهوتًا فــيراه إبــراهيم بــن أدهـم فيسـأله فـيقول: ضـاعت دابتـي، فـيقف إبـراهيم ويقـول: يـا اللـه، لـن
أمشي خطوة حتى تعيد لهذا دابته، فإذا بها تظهر من منحنى الطريق!
من أجلك..
يخبــــرني صــــاحبي أنــــه دخــــل المســجد ومــا زال أثــر مــاء الوضــوء فــي أذنيــه فاتجــه إلــى الصــف الأول مقــابل جــهاز التكــييف ممــا جعــل
الهواء البارد يدخل إلى أذنيه على أثر الماء، بعد ساعة شعر ببداية ألم في أذنه، لم يفتح شفتيه وإنما قال بقلبه: يا الله، كان
ذلك من أجلك، فإذا بالألم يرتفع هكذا بدون مقدمات وبلا تدرج!
أي قرب هذا الذي يعلم معه ما تحدث به نفسك دون أن تحرك به شفتيك؟
وأقرب ما تكون إليه وأنت ساجد، تتمتم بـ(سبحان ربي الأعلى)، فإذا بالسماوات تنفتح لتمتمتك، وإذا بالجبَّار يسمعك!
لا تتوهم أنه بعيد، أو أنه تخفى عليه منك خافية..
يخــــرج رســــول اللــــه صَلَّى الــــلّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فــــي جــــوف الليـــل، ويــذهب لــيطرق بــاب أبــيّ بــن كعــب، فــيخرج أبــيّ، فــإذا برســول اللــه
يخبره: أمرني الله أن أقرأ عليك الفاتحة، يقول أبي بذهول: وسماني؟ فيقول نعم؟ فيبكي أبيّ!28
دبيب النملة..
قريب من جميع خلقه، يراهم ويحميهم..
كيف يكون قيوما على خلقه لو لم يكن قريبًا منهم؟
كيف يكون ربًا، إلا وهو قريب؟
وقربه جل جلاله قرب علم وقرب سمع وقرب بصر وقرب إحاطة، لا قرب ذات لأن ذاته العلية منزهة عن مثل هذا القرب.
من قربه أنه ينزل كما صح عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فيقول: «هَلْ مِنْ
دَاعٍ فَأُجِيبَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ»29.
ومن قربه أنه: يسمع دبيب النملة السوداء على الصفاة الصماء، في الليلة الظلماء.
يقول تعالى: ? وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ? .
تخيل عدد الأشجار، ثم عدد أوراقها، تخيلها وهي تتناثر في فصل الخريف، يعلمها كلها: يعلم عددها وأشكالها وأنواعها كل
شيء يخصّها!
تــــأتي امــــرأة تجــادل فــي زوجــها، وعائشــة رَّضِيَ الــلَّهُ عَنْهُا فــي طــرف البــيت تقــول إنــها تســمع كلمــة وتغــيب عنــها كلمــة، وبعــد ذلــك
الجدل ينزل جبريل على محمد صَلَّى اللّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أن ? قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ
يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ? .
يا له من قرب عجيب، وعلم عظيم، وسمع محيط، وبصر نافذ..
يراك الآن!
مد يدك الآن، أمددتها؟ لقد رآها! يجب أن تؤمن بذلك!
قال لي صديقي مرة قبل أن يخرج من زيارتي في غرفتي بإسكان الجامعة: اكتب لي في هذه الورقة كلمة لأقرأها وأنا عائد إلى
غرفتي، فكتبت له: إنه يراك الآن، أخبرني فيما بعد أنه فجع بها!!
قربه يخيفك، يجب أن يخيفك..
وقربه يؤنسك، يجب أن يؤنسك..
وقربه يدفئك، يجب أن يدفئك..
وقربه يجعلك شجاعًا شامخًا بطلًا..
استمع إليه وهو يهدئ من روع موسى عليه السّلام عندما أعلن خوفه من الذهاب إلى فرعون فقال له: ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى? ? هذا يكفي، كونه معهما أكبر حماية لهما..
لأنه معهما يجب أن لا يخافا من فرعون، يجب أن يكونا شجاعين بطلين شامخين.
ومما قرر في كتب العقيدة أن لله معيتين: معية خاصة بأهل ولايته، وهي معية محبة ونصرة وتوفيق، ومعية عامة لجميع
خلقه، وهي معية علم وسمع وبصر وإحاطة.
فكانت معيته لموسى وهارون معية خاصة تقتضي النصرة والتوفيق، فيكف يخافان وقد وعدهما الله بنصرته وتوفيقه لهما؟
وكــل مــن قـام بمـا قـام بـه موسـى وهـارون مـن الأمـر بـالمعروف والنـهي عـن المنكـر علـى علـم وهـدى سـتكون لـه معيـة مـن اللـه تعـالى
بحسب الإيمان الذي في قلبه وبحسب امتثاله لأمر ربه، لذلك فإن كل آمر بالحق ناهٍ عن الباطل تجد فيه من القوة والشجاعة
والثبات والتوفيق ما يجعلك تكاد تجزم أن المعية الخاصة تحوطه وتؤيده.
ابتسم
ومن أجلّ الآيات وأكثرها أنسًا في هذا الباب قول الحق:
? الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ? فما هو مقدار الأنس الذي ستشعر به وأنت تقول: الله أكبر مصليًا لله..
إذا أخبرك سبحانه أن رؤية خاصة ستستحقها بهذا العمل، لأنه سبحانه يرى كل الخلق، الذي يقوم والذي لا يقوم، فدل هذا
على أن رؤية القائم لله في صلاته رؤية خاصة لا عامة: رؤية فيها الحب والقبول والإجابة والمغفرة..
قــل مثــل ذلــك عــن الحــديث الــذي فــي البخــاري، قــال رســول اللــه صَلَّى الــلّ?هُ عَلَيْهِ وَسَلَّم "مــا أذن اللــه لشــيء مــا أذن لنبــي حســن
الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به"30 والأذن الاستماع..
يقــول ابــن كثــير: "ومعنـاه أن اللـه تعـالى مـا اسـتمع لشـيء كاسـتماعه لقـراءة نبـي يجـهر بقراءتـه وبحسـنها، وذلـك أنـه يجتمـع فـي
قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه يسمع أصوات العباد كلهم
بــــرهم وفــــاجرهم، كمــــا قــــالت عائشــــة –رَّضِيَ الــــلَّهُ عَنْهُا-: "ســــبحان الــــذي وســــع ســـمعه الأصــوات" ولكــن اســتماعه لقــراءة عبــاده
المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ? وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
تُفِيضُونَ فِيهِ ? ، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ.
إذا صفعتك المخاوف فابتسم، وتذكر قربه منك سبحانه.. فكل الأشياء التي تخاف منها، ليست أقرب إليك منه!
وإذا التأمت حولك الخطوب فتفاءل وشتتها بفكرة أنه أقرب إليك من حبل الوريد!
ممــا يــذكره بعـض الوعـاظ قـديمًا: أن أحـدهم كـان مسـافرًا فـي الصـحراء فـإذا بقـاطع طـريق حـاملا سـيفه يريـد قتلـه، قـال لـه: خـذ
مالي، فقال: لا، أريد أن أقتلك ثم آخذ مالك، فاستأذنه في ركعتين فأذن له: قال نسيت كل القرآن ولم أذكر إلا: ? أَمَّن
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ? رددتها وما أنهيت الصلاة إلا وفارس لا أدري من أين يضرب ذلك الرجل ضربة
بسيفه يطير منها رأسه!
سبحانك!
إنه القريب، فقط حرك شفتيك بذكره، تتفتح أبواب السماوات لصوتك.
كان يونس عليه السلام في بطن الحوت ينادي ? لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ? فكان الصوت الضعيف
المنطلق من الظلمات الثلاث يخترق أجواز الفضاء لتسمعه ملائكة السماوات فتقول للرب سبحانه: "صوت معروف، من مكان
غير معروف"!
يقول الله في الحديث القدسي: "من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم"31) لأنه
قريب.. فقط قل يا الله، يكون الرد بأن يذكر اسمك!
ما أجلّ أن تتخيل أن ملك الملوك هذه اللحظة يقول اسمك! يقول: عبدي فلان بن فلان ذكرني!
الدنيا كلها تافهة، لا تساوي مثل هذا التخيّل..
وقربه هذا يزيد، فبالتوبة والإنابة والطاعات تزيد قربًا منه يقول في الحديث القدسي: "إذا تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا،
وإذا تقــرب منــي ذراعًا تقــربت منــه بــاعًا"32 فكــل محاولــة اقتــراب منــك إليـه بالطاعـة يعقبـها اقتـراب منـه إليـك بـالقبول والأفضـال
والنعم والعطايا والهبات.
وصلت إليه..
ومن معاني قربه أنه يريك في كل شيء من حولك معنى يذكرك به:
فترى حكمته في دقة تركيب مخلوقاته..
وترى قدرته في رفع سماواته بلا عمد..
وترى رحمته في إنزال المطر وإنبات الشجر..
وترى عظمته في شموخ الجبال..
وترى عذابه في البراكين والزلازل والكوارث..
يقول تعالى: ? سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ? .
إذا أبصرت شيئًا بعينيك فبصرك يذكرك بالبصير سبحانه..
وإذا سمعت همسًا في دجى الليالي فسمعك يذكرك بالسميع سبحانه..
وإذا علمت شيئًا من خفي العلم فعلمك يذكرك بالعليم سبحانه..
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
ذات مــــرة كنــــت جــــالسًا مــــع مجموعــــة مــــن الأبنـــاء أحــدثهم عــن التفكــير فــي خلــق اللــه، فقــال أحــدهم: "إذا تفكــرت فــي مخلوقاتــه
وصــــلت إليــــه"!! تــــوقفت منــدهشًا، شــعرت أن هــذا الطفــل يفــهم هــذه المعــاني أكثــر مــنًا، وأنــه ينبغــي أن أســتمع إليــه أكثــر مــن أن
يستمع إليّ!
قريب لا تحتاج حتى تصل إليه إلا أن يخطر ببالك، أن تشعر بقربه، أن تحس بأنه يراك، ثم تقول: يا الله.
إذا سألوك..
? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ? .
أي شــخص يســألك عــن اللــه فــأول شــيء تصــف ربــك بــه هــو أنــه قــريب منــه! النفــوس مفطــورة علــى عــدم اســتعدادها لعبــادة رب
بعيــــد، لا يســــمع دعــــاءها، ولا يــــرى حاجاتــــها، فمــــن أهــــم الصـــفات التــي تبتــدر بــها الــذي يريــد التعــرف إلــى اللــه أن تخبــره أن ربــه
"قريب" هكذا علمك سبحانه أن تخبر عنه!
وهــذا القــرب عــلاوة علــى أنــه يجعلــك تحبــه، وتــأنس بــه، وتخشــاه إلا أنــه فـوق ذلـك يجعلـك تـدمن علـى اسـتغفاره والتوبـة إليـه،
فالقريب من جهة يستحق أن يستغفر ويتاب إليه لأنه بقربه اطلع على كل غدراتك وفجراتك، ومن جهة أخرى فهو قريب قربًا
يجعل استغفارك ولن يتوب عليك إلا من علم توبتك، فهو القريب المجيب، وبعد هذا تأمل قوله سبحانه:
? فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ? .
ومن نوادر التعابير التي تصيبك بالحياء من القريب سبحانه قول أحدهم: "ألا يستحق أن تحبه؟ في اللحظة التي تغلق الباب
على نفسك حتى تعصيه، يدخل لك الأكسجين من تحت الباب حتى لا تموت"!
وهذا القرب يقابله محاولة تقرب من العبد إليه سبحانه: ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى? رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ?
إنه مضمار المسارعة، والمسابقة، والتي لا يكون قصارى رغبة العبد فيه أن يكون قريبًا بل أن يكون الأقرب!
من بين الأدخنة..
وفي أجواء المحن التي تعيشها الأمة، ومن بين أدخنة الحروب المهلكة التي تمس أفئدة المؤمنين باللأواء، يحتاج المؤمن هناك إلى
ثلاثة مستويات معرفية متعلقة باسم القريب:
الأول: معرفة قربه سبحانه إيمانًا ويقينًا، ليريح نفسه من عناء الصراخ والاستنجاد بالبشر، فرب البشر قريب شهيد مطلع،
فيجد في القرآن آية تقول له بكل وضوح: ? إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ? ، فيلقي عند أعتابها حرقات روحه المكلومة، وكل ما سبق
يصب في خانة هذا المستوى المهم.
الثاني: ومن بين لهيب القهر، ورؤية تفاصيل الشتات، وتهدم البيوت وموت الأنفس، وهلاك الثمرات، يريد رحمة، يبحث عن
رحمة، يتمنى رحمة تنهي عذابات خذلان الإخوة، وطعنات الغدر المتوالية، فيقف عند قول الحق سبحانه: ? إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ? يا الله! إذن ليس بين ذلك المجاهد المغوار الذي نذر روحه للجبار إلا ستار شفيف تلوح من خلفه مخايل
الإحسان، فقط يحتاج أن يجاهد في الأرض بطريقة ملائكية يشعر فيها أنه يرى الله! فإن لم يكن يرى الله فإن الله يراه، فلا
يطلــق رصــاصة إلا ولــديه جــواب عــن لمــاذا وكــيف ومتــى أطلقــها! ولا يزال العبــد ينتقـل مـن إحسـان إلـى إحسـان، وتكـون فـي المقـابل
رحمة الله أقرب إليه من غيره، حتى تغشاه الرحمة من كل مكان، تنتزعه من أدخنه الموت إلى سحائب الرضا.
الثالث: وتطول الأيام، وتتوالى الزفرات، وتشتد البلاءات ويحكم الحصار من كل مكان، وعند ذلك تطل روح المجاهد على آية
ثالثة يقول فيها الحق: ? أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ? فكما أنه قريب سبحانه من عباده، وكما أن رحمته أيضًا قريبة من
المحسنين منهم، يأتي النصر القريب من جند الله ? وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ? فيربط الله بذلك على قلوب أضناها
الانتظار، وأرهقها الاصطبار، فينتظرون هذا النصر القريب من ليل أو نهار.
الله..
الله.. وأضربت دموعي خشية
ارحم أنين الحب في دمعاتي
الله.. والتهب الفؤاد حرائقا
ارحم لهيب الحب في نبضاتي
الله.. واندفعت حروفي لهفة
ارحم شعور الحب في أبياتي
وبعــد هــذه الســياحة التفكيريــة فــي اســم اللــه القــريب، أســأل اللــه أن يجعلنــا ممــن يســتحضر قربــه، ويعمــل وفــق مــا يمليــه هــذا
الاسم الأعظم من معاني الذل والإخبات والمراقبة والخشية، وطلب الرحمة والنصرة منه وحده..
اللــــهم يـــا قريبـــا ممـــن دعـــاك ورجـــاك، اكتـــب لنـــا قـــربًا مـــن رحمتـــك وهـــدايتك، قلـــوبًا تؤنســـنا بـــه، وتـــذهب عـــن أرواحنـــا وعنـــاءها،
وتدخلنا به الجنة.
الخاتمة
وبعد..
فقد عرفت شيئًا عن بعض أسمائه..
فعليك أن تتزود بمعرفة المزيد عنها وعن غيرها..
وأن تجعلها نبراس حياتك، وهداية قلبك، ونور أيامك..
لتحوز على سعادة الدنيا والآخرة..
ولي رجاء: إن خفف هذا الكتاب عنك ألمًا، أو رسم على ثغرك ابتسامة، أو غير حالك إلى الأحسن فلا تنس كاتبه، ومن أفاده،
ومن أعانه، ووالديهم وجميع المسلمين من دعوة بظهر الغيب..
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد..
علي جابر الفيفي
الهوامش
1 أخرجه الترمذي في سننه (3820 – 12/452).
2 أخرجه الترمذي في سننه (2516 – 4/667).
3 أخرجه الترمذي في سننه (2516 – 4/667).
4 أخرجه البخاري في صحيحه (6502 – 8 / 105).
5 أخرجه البخاري في صحيحه (3372 – 4 / 47)، ومسلم ي صحيحه (151 – 1/133).
6 أخرجــــه الترمــــذي فــــي كتــــاب صــــفة القيامــــة والرقـــائق والــورع (2516)، وقــال: "حســن صــحيح"، وأحمــد فــي "مســنده" (2664)،
وصححه الشيخ الألباني في كتاب "التوسل" (35).
7 أخرجه ابن ماجه في سننه (3178 – 9 / 311).
8 أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (295 1 /186).
9 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10196 – 10 / 128).
10 أخرجه مسلم في صحيحه (386 – 1/ 290).
11 أخرجه أبو داود في سننه (1524 – 1/561)، والنسائي في سننه (1303 – 3/53).
12 أخرجه أبو داود في سننه (5096 – 4/486).
13 أخرجه البخاري في صحيحه (1410 – 2/08)، ومسلم في صحيحه (1041 – 2/ 702).
14 أخرجه ابن ماجه في سننه (787 – 2/498).
15 أخرجه الترمذي في سننه (2945 – 9/111).
16 أخرجه البخاري في صحيحه (4684 – 6/73)، ومسلم في صحيحه (933 – 2/690).
17 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8014 – 8/261)
18 أخرجه الترمذي في سننه (284 – 2/76)، وابن ماجه في سننه (898 – 1/290).
19 أخرجه مسلم في صحيحه (918 -2/631).
20 أخرج أصل القصة البخاري في صحيحه (3231 – 4/115)، ومسلم في صحيحه (1795 – 3/1420).
21 أخرجه أحمد في مسنده (2609 – 4/369).
22 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7235 – 7/314).
23 أخرجه مسلم في صحيحه (2744 – 4/2103).
24 أخرجه الترمذي في سننه (2399 – 4/602).
25 أخرجه ابن ماجه في سننه (2818- 2/1254).
26 أخرجه البخاري في صحيحه (2809 – 4/20).
27 أخرجه البخاري في صحيحه (4205 – 5/133)، ومسلم في صحيحه (2704 – 4/ 2076).
28 أخرجه القصة البخاري في صحيحه (4960 – 6/175)، ومسلم في صحيحه (799-1/550).
29 أخرجه مسلم في صحيحه (758 – 1/522).
30 أخرجه البخاري في صحيحه (7482 – 9/141)، ومسلم في صحيحه (792-1/545).
31 أخرجه البخاري في صحيحه (7405-9/121)، ومسلم في صحيحه (2675-4/2061).
32 أخرجه البخاري في صحيحه (7405 – 9/121)، ومسلم في صحيحه (2675 – 4/2061).



الموقع الرسمي مكتبة الكندل العربية
https://arabic-kindle.com

مكتبة الكندل العربية تليقرام
https://t.me/ArabicKindle

المكتبة السحابية
https://www.goo.gl/g2nusx

نقلها من أ الى ي للكندل:
https://twitter.com/2q8

https://t.me/Twitter_2q8

شكر موصول لمن تبرع بحساب قارئ جرير

Table of Contents
لأنك الله 1
الإهداء 1
المقدمة 1
الصَّمد 2
في ظلال الصمديّة 2
أمواج 2
أفكار الزيف 3
الكواكب 3
وتنساه.. 3
اصمد إليه 4
البوصلة 4
فرغ قلبك من غيره 4
خطوات 5
شموخ 5
حقيقة 5
الحفيظ 5
أيها القلب اطمئن.. 6
طرقات الزيغ! 6
وننسى الله! 6
المعقبات 7
ما بين القوسين.. 7
قارورة 7
أعظم وأكثر وأكبر 8
يدافع عنك 8
وديان السباع 8
أنا الفقير 9
يا غلام 9
اختناق 10
اللّطيف 10
خفي الألطاف 10
نسيم اللّطيف 11
الصخرة 11
الخفايا والخبايا 12
الأحلام البعيدة 12
لطف اللحظة الحاسمة 12
الشَّافي 13
لا مرض بعد اليوم 13
يشفيك بلا سبب! 14
لا تدري! 14
وعاد النور 15
عد إليه 15
موعد مسبق 15
ضع نقطة 16
الرضا 16
أنهار الذنوب 17
الوكيل 17
فاتخذه وكيلا 17
خطة سنوية 18
انكسر له 18
الدموع المبتسمة 19
أكسجين الحياة 19
الحياة جحيم بدونه 19
حسبي الله 20
سبب مقنع 20
احذر 20
أشياء تهددك 21
الشَّكور 21
إذا أعطاك أدهشك 21
مسألة حسابية 22
واذكر في الكتاب 22
مثقال الذرة 22
أنفق.. أُنفق عليك 23
وافعلوا الخير 23
اسكت.. 24
إلى أين؟ 24
انتشال 25
الجبَّار 25
واجبرني 25
واحلل عقدة من لساني 26
يحبك مبتسمًا 26
العربة.. 26
83 27
حجرة الخادم 27
الحلم.. والذكرى 27
فنجان قهوة! 28
كن ساجدًا 28
الهادي 28
دفء 28
ليست صدفة! 29
لا.. ولا 29
قبس من نور 29
بوصلة ضائعة 30
ثم هدى 30
المستنقع 30
ورقة! 31
حبل النجاة 31
الغفور 31
السجن 32
هل تعلم 32
وغَدَراتي؟ 32
هل نسيت؟ 32
طوبى 33
لا تقنطوا.. 33
أعظم مشيئة! 33
الأجمل.. 34
لا تندهش! 34
ابدأ.. 34
القريب 35
يا الله! 35
من أجلك.. 35
دبيب النملة.. 35
يراك الآن! 36
ابتسم 36
سبحانك! 36
وصلت إليه.. 37
إذا سألوك.. 37
من بين الأدخنة.. 37
الله.. 38
الخاتمة 38
الهوامش 38
الموقع الرسمي مكتبة الكندل العربية 39
مكتبة الكندل العربية تليقرام 39
المكتبة السحابية 39
نقلها من أ الى ي للكندل: 39
شكر موصول لمن تبرع بحساب قارئ جرير 39


1 1 أخرجه الترمذي في سننه (3820 – 12/452).
2 2 أخرجه الترمذي في سننه (2516 – 4/667).
3 3 أخرجه الترمذي في سننه (2516 – 4/667).
4 4 أخرجه البخاري في صحيحه (6502 – 8 / 105).
5 5 أخرجه البخاري في صحيحه (3372 – 4 / 47)، ومسلم ي صحيحه (151 – 1/133).
6 6 أخرجــــه الترمــــذي فــــي كتــــاب صــــفة القيامــــة والرقـــائق والــورع (2516)، وقــال: "حســن صــحيح"، وأحمــد فــي "مســنده" (2664)،
7 وصححه الشيخ الألباني في كتاب "التوسل" (35).
8 7 أخرجه ابن ماجه في سننه (3178 – 9 / 311).
9 8 أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (295 1 /186).
10 9 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10196 – 10 / 128).
11 10 أخرجه مسلم في صحيحه (386 – 1/ 290).
12 11 أخرجه أبو داود في سننه (1524 – 1/561)، والنسائي في سننه (1303 – 3/53).
13 12 أخرجه أبو داود في سننه (5096 – 4/486).
14 13 أخرجه البخاري في صحيحه (1410 – 2/08)، ومسلم في صحيحه (1041 – 2/ 702).
15 14 أخرجه ابن ماجه في سننه (787 – 2/498).
16 15 أخرجه الترمذي في سننه (2945 – 9/111).
17 16 أخرجه البخاري في صحيحه (4684 – 6/73)، ومسلم في صحيحه (933 – 2/690).
18 17 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8014 – 8/261)
19 18 أخرجه الترمذي في سننه (284 – 2/76)، وابن ماجه في سننه (898 – 1/290).
20 19 أخرجه مسلم في صحيحه (918 -2/631).
21 20 أخرج أصل القصة البخاري في صحيحه (3231 – 4/115)، ومسلم في صحيحه (1795 – 3/1420).
22 21 أخرجه أحمد في مسنده (2609 – 4/369).
23 22 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7235 – 7/314).
24 23 أخرجه مسلم في صحيحه (2744 – 4/2103).
25 24 أخرجه الترمذي في سننه (2399 – 4/602).
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------