Advertisement

مجموع رسائل الإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم
جمعية البراق للخدمات الإجتماعية
مشروع النبراس
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أذانكم , إن الله عز و جل و ملائكته و أهل السموات و الأرض حتى النملة في جحرها و حتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير ) حديث صحيح
نتمنى من إخوتنا في الله أن يوصلوا هذا العلم و هذا الخير إلى غيرهم ممن يحتاجون إليه عملا بحديث النبي صلى الله عليه و سلم : ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) رواه مسلم
ص1
مجموعة رسائل
الإمام الغزالى
لحجة الإسلام أبى حامد الغزالى
المتوفى سنة 505هـ
1. الحكمة فى مخلوقات الله عز وجل 2. معراج السالكين.
3. روضة الطالبين وعمدة السالكين 4. قواعد العقائد فى التوحيد.
5. خلاصة التصانيف فى التصوف 6. القسطاس المستقيم.
7. منهاج العارفين 8. الرسالة اللدنية.
9. فصل المتفرقة 10. أيها الولد.
11. مشكاة الأنوار 12. رسالة الطير.
13. الرسالة الوعظية 14. إلجام العوام عن علم الكلام.
15. المضنون به على غير أهله 16. الأجوبة الغزالية فى المسائل الآخروية
17. بداية الهداية 18. الأدب فى الدين.
19. كيمياء السعادة 20. القواعد العشرة
21. الكشف والتبين 22. سر العالمين وكشف ما فى الدارين.
23. الدرة الفاخرة فى كشف علوم الآخرة 24. المنقذ من الضلال.
25. المواعظ فى الأحاديث القدسية 26. قانون التأويل.
ص 2
مجموعة الرسائل
الإمام الغزالى
راجعها وحققها
إبراهيم أمين محمد
المكتبة التوفيقية
أمام الباب الأخضر – سيدنا الحسين
5904175 - 5922410
ص 3
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لمكتبة التوفيقية (القاهرة-مصر)ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
Copyright
All Rights Reserved
Exclusive rights by Al Tawfikia Bookshop (Cairo-Egypt) No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
المكتبة التوفيقية
القاهرة – مصر
العنوان : أمام الباب الأخضر – سيدنا الحسين.
تليفون: 5904175 – 5922410 (00202)
فاكس : 6847957
Al Tawfikia Bookshop
Cairo-Egypt
Add.: in Front of the Green Door Of El Hussen
Tel.; (00202) 5904175 – 5922410
Fax: 6847957
إشراف
توفيق شعلان
ص4
مجموعة رسائل
الإمام الغزالى
لحجة الإسلام الإمام أبى حامد الغزالى المتوفى 505هـ
1. الحكمة فى مخلوقات الله عز وجل 2. معراج السالكين.
3. روضة الطالبين وعمدة السالكين 4. قواعد العقائد فى التوحيد.
5. خلاصة التصانيف فى التصوف 6. القسطاس المستقيم.
7. منهاج العارفين 8. الرسالة اللدنية.
9. فصل المتفرقة 10. أيها الولد.
11. مشكاة الأنوار 12. رسالة الطير.
13. الرسالة الوعظية 14. إلجام العوام عن علم الكلام.
15. المضنون به على غير أهله 16. الأجوبة الغزالية فى المسائل الآخروية
17. بداية الهداية 18. الأدب فى الدين.
19. كيمياء السعادة 20. القواعد العشرة
21. الكشف والتبين 22. سر العالمين وكشف ما فى الدارين.
23. الدرة الفاخرة فى كشف علوم الآخرة 24. المنقذ من الضلال.
25. المواعظ فى الأحاديث القدسية 26. قانون التأويل.
ص 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكمة فى مخلوقات الله عز وجل
وصلى الله على سيدنا محمدوآله وصحبه وسلم
خطبة الكتاب
الحمد لله الذى جعل نعمته فى رياض جنان المقربين، وخص بهذه الفضيلة من عباده المتفكرين ، وجعل التفكر فى مصنوعاته وسيلة لرسوخ اليقين فى قلوب عباده المستبصرين ، استدلوا عليه سبحانه بصنعته فعلموه وتحققوا أن لا إله إلا هو فوحدوه ، وشاهدوا عظمته وجلاله فنزهوه ، فهو القيم بالقسط فى جميع الأحوال ، وهم الشهداء على ذلك بالنظر والاستدلال فعلموا أنه الحليم القادر العليم ، كما قال تعالى فى كتابه الكريم : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:18] . والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين ، وشفيع المذنبين محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه وشرف وكرم إلى يوم الدين.
أما بعد :
يا أخى وفقك الله توفيق العارفين ، وجمع لك خير الدنيا والدين ، إنه لما كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه والتعظيم له فى مخلوقاته والتفكير فى عجائب مصنوعاته ، وفهم الحكمة فى أنواع مبتدعاته ، وكان ذلك هو السبب لرسوخ اليقين، وفيه تقارب درجات المتقين ، وضعت هذا الكتاب منبهًا لعقول أرباب الألباب بتعريف وجوه من الحكم والنعم التى يشير إليها معظم آى الكتاب. فإن الله تعالى خلق العقول وكمل هداها بالوحى وأمر أربابها بالنظر فى مخلوقاته والتفكر والاعتبار مما أودعه من العجائب فى مصنوعاته ، لقوله سبحانه : (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [يونس :101]. وقوله (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]. إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التى يفهمها متدبرها ، والمترقى فى اختلاف معانيها يعظم المعرفة بالله سبحانه التى هى سبب السعادة ، والفوز بما وعد به عباده من الحسنى وزيادة. وقد بوبته أبوابا يشتمل كل باب على ذكر وجه الحكمة من النوع المذكور فيه من الخلق ، وذلك حسب ماتنبهت له عقولنا فيما أشرنا إليه، مع أنه لو اجتمع جميع الخلائق على أن يذكروا جميع ما خلق الله سبحانه
ص 7
وتعالى ، وما وضع من الحكم فى مخلوق واحد من مخلوقاته لعجزوا عن ذلك وما أدركته الخلائق من ذلك ما وهب الله سبحانه لكل منهم وما سبق له من ربه سبحانه. والله المسئول أن ينفعنا به برحمته وجوده.
باب التفكر فى خلق السماء وفى هذا العالم
قال الله تعالى : (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) [ق:6] . وقال سبحانه وتعالى : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [الطلاق:12]. اعلم رحمك الله إذا تأملت هذا العالم بفكرك وجدته كالبيت المبنى المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبسط ، والنجوم منصوبة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكل شئ من ذلك معد مهيأ لشأنه ، والإنسان كالمالك للبيت المخول لما فيه ، فضروب النبات لمآربه ، وأصناف الحيوانات مصروفة فى صالحه ، فخلق سبحانه السماء وجعل سبحانه لونها أشد الألوان موافقة للأبصار وتقوية لها ولو كانت لسعة أو أنوارًا لأضرت الناظر إليها. فإن النظر إلى الخضرة والزرقة موافق للأبصار، وتجد النفوس عند رؤية السماء فى سعتها نعيمًا وراحة لاسيما إذا انفطرت نجومها وظهر نور قمرها ، والملوك تجعل فى سقوف مجالسها من النقش والزينة ما يجد الناظر إليه به راحة وانشراحًا ،لكن إذا داوم الناظر إليه نظره وكرره مله وزال عنه ما كان يجده برؤيته من البهجة والانشراح، بخلاف النظر إلى السماء وزينتها فإن الناظر إليها من الملوك فمن دونهم إذا ضجروا من الأسباب المضجرة لهم يلجؤون إلى ما يشرحهم من النظر إلى السماء وسعة الفضاء ، وقد قالت الحكماء: يحذوك عندك من الراحة والنعيم فى دارك بمقدار ما عندك فيها من السماء ، وفيها أنها حاملة لنجومها المرصعة ولقمرها وبحركتها تسير الكواكب فتهتدى بها أهل الآفاق وفيها طرق لاتزال توجد آثارها من المغرب والمشرق ولا توجد مجردة ولا مقبلة صورة نور. وقيل : إنها أنجم صغار متكاثفة مجتمعة يهتدى بها على السير من ضل ويحثر فى أى جهة كانت فيقصدها ، وقيل : إنها المشار إليها فى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) [الذاريات:7] . قيل : الحبك الطرق ،وقيل ذات الزينة فهى دلائل واضحة تدل على فاعلها وصنعته محكمة صمدية تدل على سعة علم بارئها وأمور ترتبيها كما تدل على إرادة منشئها فسبحان القادر العالم المريد، وقيل : فى النظر إلى السماء عشر فوائد : تنقص الهم ، وتقلل الوسواس ، وتزيل وهم الخوف ، وتذكر بالله ، وتنشر فى القلب التعظيم لله، وتزيل الفكر الردئية ، وتنفع لمرض السوداء ، وتسلى المشتاق وتؤنس المحبين ، وهى قبلة دعاء الداعين.
ص8
باب فى حكمة الشمس
قال الله سبحانه : (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح:16].
اعلم أن الله سبحانه خلق الشمس لأمور لا يستكمل علمها إلا الله وحده ، فالذى ظهر من حكمته فيها أن جعل حركتها لإقامة الليل والنهار فى جميع أقاليم الأرض. ولولا ذلك لبطل أمر الدين، أو لولاه كيف كان يكون الناس يسعون فى معايشهم ويتصرفون فى أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقدهم لذة النور ومنفعته ولولا ضياء نورها ما انتفع بالأبصار ولم تظهر الألوان ، وتأمل غروبها وغيبتها عمن طلعت عليهم وما فى ذلك من الحكمة، ولولاه لم يكن للخلق هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء وراحة أبدانهم وخمود حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضم طعامهم وتفنيد الغذاء ، ثم كان الحرص لحملهم على مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم مكانته فى أبدانهم ، فإن أكثر الحيوانات لولا دخول الليل ما هدءوا ولا قروا من حرصهم على نيل ما ينتفعون به، ثم كانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصاله حتى يحترق كل ما عليها من الحيوانات والنباتات ، فهى بطلوعها فى وقت غروبها فى وقت النور بمنزلة سراج لأهل بيت يستضاء به وقتًا ويغيب وقتًا ليهتدوا ويقروا، وهى فى حرها بمنزلة نار يطبخ بها أهل الدار حتى إذا كمل طبيخهم واستغنوا عنها أخذها من جاورهم ، وهو يحتاج إليها فينتفع حتى إذا قضى حاجته سلمها لآخرين ، فهى أبدًا منصرفة فى منافع أهل الأرض بتضاد النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظافرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ، وإلى هذه القضية الإشارة بقوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القصص:71]. ثم بتقدمها وتأخرها تستقيم الفصول فيستقيم أمر النبات والحيوان ثم انظر إلى مسيرها فى فلكها فى مدة وهى تطلع كل يوم وتغرب بسير آخر سخر لها بتقدير خالقها فلولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولما عرفت المواقيت. ولو انطبق الظلام على الدوام لكان فيه الهلاك لجميع الخلق ، فانظر كيف جعل الله الليل سكنًا ولباسًا والنهار معاشًا وانظر إلى إيلاجه الليل فى النهار والنهار فى الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على الترتيب المخصوص، وانظر إلى إمالة سير الشمس حتى اختلف بسبب ذلك الصيف والشتاء ، فإذا انخفضت من وسط السماء برد الهواء وظهر الشتاء. وإذا استوت وسط السماء اشتد القيظ ، وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزمان فيستقيم بذلك أمر النبات والحيوان بإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وأما ما فى ذلك من المصلحة ،ففى الشتاء تعود الحرارة فى الشجر والنبات فيتولد فيه مواد الثمار ويستكشف الهواء ، فينشأ منه
ص 9
السحاب والمطر ، وتشتد أبدان الحيوان وتقوى أفعال الطبيعة ، وفى الربيع تتحرك الطبائع فى المواد المتولدة فى الشتاء فيطلع النبات بإذن الله وينور الشجر ، وتهيج أكثر الحيوانات للتناسل ، وفى الصيف يخمد الهواء فينضج الثمار وتنحل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض فتتهيأ لما يصلح لذلك من الأعمال ، وفى الخريف يصفو الهواء فترتفع الأمراض ويمتد الليل فيعمل فيه بعض الأعمال وتحسن فيه الزراعة ، وكل ذلك يأتى على تدريج ، وبقدر حتى لا يكون الانتقال دفعة واحدة إلى غير ذلك مما يطول لو ذكر.
فهذا مما يدلك على تدبير الحكيم العليم وسعة علمه ، ثم تفكر فى تنقل الشمس فى هذه البروج لإقامة دور السنة ،وهذا الدور الذى يجمع الأزمنة الأربعة : الشتاء والصيف والربيع والخريف وتسير فيهاعلى التمام وفى القدر من دوران الشمس يدرك الغلات والثمار وتنتهى غاياتها ، ثم تعود فتستأنف وقت السير وبمسيرها تكمل السنة ويقوم حساب السنة على الصحة على التاريخ بتقدير الحكيم العليم.
تأمل إشراق الشمس على العالم كيف دبره تبارك وتعالى ، فإنها لو بزغت فى موضع واحد لها لا تعدوه لما وصل شعاعها إلا إلى جهة واحدة وخلت عنها جميع الجهات فكانت الجبال والجدران تحجبها عنها ، فجعلها سبحانه تشرق بطلوعها أول النهار من المشرق فيعم شروقها ما يقابلها من جهة المغرب ، ثم لاتزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهى إلى الغرب على ما استتر عنها أول النهار، فلا يبقى موضع حتى يأخذ بقسطه منها ، ثم انظر إلى مقدار الليل والنهار كيف وقتهما سبحانه على ما فيه صلاح العالم فصارا بمقدار لو تجاوزاه لأضرا بكل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات ، أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر ما دام يجد ضوء النهار وكانت البهائم لا تمسك عن الرعى فيؤول أمرها إلى تلفها ، وأما النبات فتدوم عليه حرارة الشمس وتوهجها فيجف ويحترق ، وكذلك الليل لو امتد مقداره أيضا لكان معوقًا لأصناف الحيوان عن الحركة والتصرف فى طلب المعاش ، وتجمد الحرارة الطبيعية من النبات فيعفن ويفسد كالذى يحدث على النبات إذا كان الموضع لاتقع الشمس عليه.
باب فى حكمة خلق القمر والكواكب
قال الله سبحانه وتعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) [الفرقان : 61].
اعلم وفقك الله أن الله سبحانه وتعالى لما جعل الليل لبرد الهواء وهدوء الحيوان وسكونه ، فلم يجعله سبحانه ظلمة داجية لا ضياء فيها البتة فكان لا يمكن أن يعمل عملا فيه . وربما احتاج الناس إلى بعض أعمالهم فى الليل إما لضرورة أو لضيق وقت عليهم من
ص 10
النهار، وقد يقع ذلك لشدة حرارة أو لغيره من الأسباب ، فكان ضوء القمر فى الليل من جملة ما نحتاج إليه فى المعونة على ذلك فجعل طلوعه فى بعض الليالى ، وينقص نوره عن نور الشمس وحرها لئلا ينشط الناس فى العمل نشاطهم فى النهار فينعدم ما به يتمتعون من الهدوء والقرار فيضر ذلك بهم ، وجعل فى الكواكب جزء من النور يستعان به إذا لم يكن ضوء القمر، وجعل فى الكواكب زينة السماء وأنسًا وانشراحًا لأهل الأرض شئيًا ما ألطف هذا التدبير ، وجعل الظلمة دولة ومدة للحاجة إليها. وجعل خلالها شيئًا من النور ليكمل به ما أحتيج إليه ، ثم فى القمر علم الشهور والسنين وهو صلاح ونعمة من الله ، ثم فى النجوم مآرب أخرى فإن فيها دلائل وعلامات على أوقات كثيرة لعمل من الأعمال كالزراعة والغراسة والاهتداء بها فى السفر فى البر والبحر وأشياء مما يحدث من الأنواء والحر والبرد ، وبها يهتدى السارون فى ظلمة الليل وقطع القفار الموحشة واللجج المائلة كما قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [الأنعام : 97] . مع ما فى ترددها فى السماء مقبلة ومدبرة ومشرقة ومغربة من البهجة والنضارة ، فى تصريف القمر خاصة فى استهلاله ومحاقه وزيادته ونقصانه واستنارته وكسوفه . كل ذلك دلالات على قدرة خالقها المصرف لها هذا التصرف لإصلاح العالم ، ثم انظردوران الفلك بهذه الكواكب فى كل يوم وليلة دورانًا سريعًا وسيرها معلوم مشاهد فإنا نشاهدها طالعة وغاربة ، ولولا سرعة سيرها لما قطعت هذه المسافة البعيدة فى أربعة وعشرون ساعة ، فلولا تدبير البارى سبحانه بارتفاعها حتى خفى عنا شدة مسيرها فى فلكها لكانت تختطف بتوهجها لسرعة حركتها كالذى يحدث أحيانا من البروق إذا توالت فى الجو ، فانظر لطف البارى سبحانه فى تقدير سيرها فى البعد البعيد لكيلا يحدث من سيرها حادث لا يحتمل فهى مقدرة فى جميع الأحوال على قدر الحاجة ، وانظر فى هذه التى تظهر فى بعض السنة وتحتجب فى بعضها مثل الثريا والجوزاء والشعرى ، فإنها لو كانت كلها تظهر فى وقت واحد لم يكن لشى منها دلالة على جهالة تعرفها الناس ويهتدون بها ، فكان فى طلوع بعضها فى وقت دون الآخر ما يدل على ما ينتفع به الناس عند طلوعه مما يصلحهم ، ولذلك جعلت بنات نعش ظاهرة لا تغيب لضرب من المصلحة فإنها بمنزلة الأعلام التى يهتدى بها الناس للطرق المجهولة فى البر والبحر فإنها لا تغيب ولاتتوارى . ثم انظر لو كانت واقفة لبطلت الدلالات التى تكون من تنقلات المتنقلة منها ومصيرها فى كل واحد من البروج كما يستدل على أشياء تحدث فى العالم بتنقل الشمس والقمر فى منازلهما ولو كانت متنقلة كلها لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه لأنه إنما يعرف مسير المتنقلة منها بتنقلها فى البروج الدانية ، كما يعرف سير سائر على الأرض بالمنازل التى يجتاز عليها، فقد صار
ص10
هذا الفلك شمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على هذا العالم دورانًا دائمًا في الفصول الأربعة من السنة لصلاح ما فيه من حيوان ونبات وغير ذلك بتقدير العزيز العليم، ومن عظيم الحكمة خلق الأفلاك التي بها هذا العالم على نهاية من الإتقان لطول البقاء وعدم التغير، فقد كفى الناس التغير في هذا الأمر الجليل الذي ليس قدرة ولا حيلة في إصلاحه لو نزل به تغير يوجب ذلك التغير أمرًا في الأرض. إذ قوام الأرض مرتبط بالسماء، فالأمر في جميع ذلك ماض على قدرة الباري سبحانه لا يختل ولا يعتل ولا يتخلف منه شئ عن ميقاته لصلاح العالم، فسبحان العليم القدير.
باب في حكمة خلق الأرض
قال تعالى {وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48]. ثم انظر كيف جعل الله الأرض مهادا أيستقر عليها الحيوان، فإن لابد له من مستق ولا غنى له عن قوت فجميع الأرض محل للنبات لقوته، ومسكن يسكنه من الحر والبرد، ومدفن يدفن فيه ما تؤذي رائحته، والجيف والأقذار من أجسام بني آدم وغيرها، كما قال سبحانه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 25-26]. قيل في تفسير هذة الآية ذلك القول وغيره، ثم ذلل طرقها لتنتقل فيها الخلق لطلب مآربهم فهي موضوعة لبقاء النسل من جميع أصناف الحيوان والحرث والنبات، وجعل فيها الاستقرار والثبات كما نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 31-33]. فأمكن الخلائق بهذا السفر فيها في مآربهم والجلوس لراحتهم والنوم لهدوئهم والانتقال لأعمالهم، فإنها لو كانت رجراجة متحركة لم يستطيعوا أن يتقنوا شيئا من النبات وجميع الصناعات وكانوا لا يتهنون بالعيش والأرض ترتج بهم من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس في الزلازل وكانوا لا يتهنون بالعيش والأرض ترتج بهم من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس في الزلازل ترهيبا للخلق وتخويفا لهم لعلهم يتقون الله وينزعون عن الظلم والعصيان، فهذا أيضا من الحكمة ثم إن الأرض طبعها الله باردة يابسة بقدر مخصوص. أرأيت لو أفرط اليبس عليها حتى تكون بجملتها حجرًا صلدًا لما كانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوانات، ولا كان يمكن فيها حرث ولا بناء فجعل لينها لتتهيأ لهذة الأعمال، ومن الحكمة في خلقها ووضعها أن جعل مهب الشمال أرفع من الجنوب لينحدر الماء على وجه الأرض فيسقيها ويرويها ثم يصير إلى البحر في آخر الأمر، فأشبه ذلك ما إذا رفع أحد جانبي السطح وخفض الآخر لينحدر الماء عنه، ولولا ذلك لبقي الماء مستبحرا على وجه الأرض فيمتنع الناس من أعمالهم وتنقطع الطرق والمسالك بسبب ذلك. انظر إلى ما خلق الله فيها من المعادن وما يخرج منها من أنواع الجواهر المختلفة في منافعها
ص11
وألوانها مثل الذهب والفضة الياقوت والزمرد والبسنفش وأشياء كثيرة من هذة الأحجار الشفافة المختلفة في ألوانها وأنواع أخر مما يصلح للأعمال والجمال كالحديد والنحاس والقصدير والرصاص والكبريت والزرنيخ والتوتيا والرخام والجبس والنفط وأنواع لو عددت لطال ذكرها وهو ممالا ينتفع به الناس وينصرف فيما يصلحهم. فهذة نعم يسرها سبحانه لهم لعمارة هذة الدار، ثم انظر إلى إرادة إجادته من عمارتها وانتفاع العباد بها يجعلها هشة سهلة بخلاف ما لو كانت على نحو خلق الجبال فلو يبست كذلك لتعذرت، فإن الحرث لا يستقيم إلا مع رخو الأرض لزراعة الأقوات والثمر، وإلا فلا يتعدى _إذا صلبت_ الماء إلى الحب مع أن الحب لا يمكن دفنه إلا بعد أن تلين الأرض بالنداوة ويأخذ الورق وهي ضعيفة في ابتدائها في الأرض التربة. ويمكن إذ ذلك عملها حتى تشرب ما ينزل عليها من الماء فيخلق الله سبحانه عند ذلك العروق ملتبسة بالثرى حتى يقف الشجر والنبات على ساقه وجعل ما يخلق من العروق يوازن ما يخلق من الفروع، ومن رحمته في لينها أن يسر للناس حفر الآبار في المواضع المحتاجة إلى ذلك إذ لو حفرت الأرض في الجبال لصعب الأمر وشق، ومن الحكمة في لينها تيسير السير للسعادة فيها إذ لو صلبت لعسر السير ولم تظهر الطرق، وقد نبه الله تبارك وتعالى على ذلك بقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك : 15]. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونْ} [الأنبياء : 31]. ومن ذلك ما يستعين به العباد من ترابها ولبنها في البناء وعمل اللبن وأواني الفخار وغير ذلك، والمواضع التي ينبت فيها الملح والشب والبورق والكبريت أكثر تربة رخوة. وأيضا أجناس من النبات لا يوجد إلا في التراب والرمل دون الأرض المحيلة ويخلق فيها كثير من الحيوان لسهولة حفرها فيتخذون فيها مسارب وبيوتا يؤوى إليها، ومن الحكمة فيها خلق المعادن كما ذكرنا، فقد امتن سبحانه على سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [سبأ: 12]. أي سهلنا له الانتفاع بالنحاس وأطلعناه على معدنه وقال امتنانا على عباده: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25]. والنزول بمعنى الخلق كما قال سبحانه: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ} [الزمر: 6]. أى الخلق، والهمهم استخراج ما فيها من ذهب وفضة وغير ذلك لمنافعهم وما يحتاجون إليه في معاشهم وفي اتخاذ أوانيهم، وفي ضبط ما يحتاجون إلى ضبطه وتقويته واتخاذ أنواع من الحجارة النفيسة لتبقى فيها سليمة لوقت الاحتياج إليها إذ لا غنى لهم عنها، وكذلك يستخرج من المعادن الأكحال مثل: (الدهبخ والمرفنعنا) والسادن والتوتيا وغير ذلك من أصناف ينتفعون بها فسبحان المنعم الكريم. ومن الحكمة االبالغة فيها خلق الجبال. قال الله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}
ص12
[النازعات: 32]. وقال تعالى: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } [النحل: 15]. وقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:18]. فقد خلق سبحانه فيها الجبال لمنافع متعددة لا يحيط بجميعها إلا الله، فمن ذلك أن الله تعالى أنزل من السماء المياه ليحيى بها العباد والبلاد، فلو كانت الأرض عارية من الجبال لحكم عليها الهواء وحر الشمس مع رخو الأرض، فكانوا لا يجدون المياه إلا بعد حفر وتعب ومشقة، فجعل سبحانه الجبال لتستقر في بطونها المياه ويخرج أولًا فأولًا فتكون منها عيون وانهار وبحار يرتوي بها العباد في أيام القيظ إلى أوان نزول غيث السماء، ومن الجبال ما ليس في باطنها محل للمياه، فجعل الثلج محفوظًا على ظاهرها إلى أن يحله حر الشمس فيكون منه أنهار وأسواق ينتفع بها إلى أوان الغيث أيضا.
ومنها ما يكون فيه برك يستقر فيها الماء فيؤخذ منها وينتفع به، ومن منافع الجبال ما يثبت فيها من أنواع الأشجار والعقاقير التي لا توجد إلا فيها، وما يثبت من أنواع الأخشاب العظيمة فيعمل منها السفن وتعمر منها المساكن، وفيها الشعاري التي لا يوجد ما يعظم من الأخشاب إلا فيها، وكذلك العقاقير أكثرها لا يوجد إلا بها، وفيها وهاد تنبت مزارع للأنعام ومزارع لبني آدم ومساكن للوحوش ومواضع لأجناح النحل، ومن منافع الجبال ما يتخذه العباد من المساكن تقيهم الحر والبرد ويتخذون مدافن لحفظ جثث الموتى، وقد ذكر الله ذلك فقال:{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82]. ومن فوائدها أن جعلت أعلاما يستدل بها المسافرون على الطرقات في نواحي الأرض. ويستدل بها المسافرون في البحار على المين والسواحل، ومن فوائدها أن الفئة القليلة الضعيفة الخائفة من عدوان من لا تطيقه تتخذ عليها ما يحصنهم ويؤمنهم ويمنعها ممن تخافه فتطمئن لذلك، وانظر كيف خلق الله فيها الذهب والفضة وقدرهما بتقدير منصوص ولم يجعل ذلك ميسرا في الوجود والقدر مع سعة قدرته وشمول نعمته كما جعل هذة السعة في المياه وما ذلك إلا لما سبق في علمه لخلائقه مما هو الأصلح كما أشار إلى ذلك بقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21]. فسبحان العليم الحكيم.
باب في حكمة البحر
قال الله تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14]. اعلم رحمك الله: أن الله سبحانه وتعالى خلق البحار وأوسع فيها لعظم نفعها. فجعلها مكتنفة لاقطار الأرض التي هي قطعة من الأرض المستورة بالبحر الأعظم المحيط بجميع الأرض، حتى أن جميع المكشوف من البراري والجبال عن الماء بالإضافة إلى الماء
ص13
كربوة صغيرة في بحر عظيم. فاعلم أن ما خلق في الأرض من الحيوان بالإضافة إلى ما خلق في البحر كإضافة الأرض إلى البحر، وقد شاهدت عجائب فيها ما هو مكشوف منها، فتأمل عجائب البحر فإن فيه من الحيوان والجواهر والطيب أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض، كما أن سعته أضعاف سعة الأرض، ولعظم سعته كان فيه من الحيوانات والدواب العظيمة، ما إذا أبدت ظهورها على وجه البحر. ظن من يراها أنها حشاف وجبال أو جزائر، وما من صنف من أصناف حيوان البر من إنسان وطائر وفرس وبقر وغير ذلك إلا وفي البحر أمثالها وأضعافها، وفيه أجناس من الحيوانات لم تعهد أمثالها في البر، وكل منها قد دبره الباري سبحانه وخلق فيه ما يحتاجه ويصلحه، ولو استقصى ذكر ما يحتويه بعضه لاحتاج إلى وضع مجلدات، ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ مدورا في صدف تحت الماء وأثبت المرجان في جنح صخور في البحر. فقال سبحانه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:22]. وذلك في معرض الامتنان، وقيل: المرجان المذكور في القرآن هو الرقيق من اللؤلؤ، ثم قال: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:23]. وآلاؤه تفضله ونعمه، ثم انظر ما يقذف من العنبر وغيره من المنفوع، ثم انظر إلى عجائب السفن وكيف مسكنها على وجه الماء تسير فيها العباد لطلب الأموال وتحصيل ما لهم من الأعراض وجعلها من آياته ونعمته. فقال: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164]. فجعلها بتسخيره تحملهم وتحمل أثقالهم وينتقلون بها من إقليم إلى أقاليم لا يمكن وصولهم إليها إلا بالسفن، ولو راموا التوصيل بغيرها لأدى إلى أعظم المشقات وعجزوا عن نقل ما ينقل من المنقولات إلى ما بعد البلاد والجهات فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يلطف بعباده ويهون ذلك عليهم خلق الأخشاب متخلخلة الأجزاء بالهواء ليحملها الماء ويبقى فيها من الفضاء عن نفسها ما يحمل به الأثقال وألهم العباد اتخذاها سفنا. ثم أرسل الرياح بمقادير في أوقات تسوق السفن وتسيرها من موضع إلى موضع آخر. ثم ألهم أربابها معرفة أوقات هبوبها وفترتها حتى يسيروا بالرياح التي تحملها شراعها، وانظر إلى ما يسره سبحانه في خلق الماء، إذ هو جسم لطيف رقيق سيال متصل الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطع حتى كأنه منفصل مسخرر للتصرف قابل للاتصال والانفصال حتى يمكن سير السفن فيه، فالعجب ممن يغفل عن نعمة الله في هذا كله، وفي بعضه متسع للفكر. وكل ذلك شواهد متضافرة وآيات ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارتها، معربة عن كمال قدرته وعجائب حكمته، قائلة: أما ترى تصويري وتركيبي وصفاتي زمنا ةاختلاف حالي وكثرة فوائدي؟ أيظن ذو لب سليم وعقل رصين أني تلونت بنفسي أو أبدعني أحد من جنسي؟ بل ذلك صنع القادر القهار العزيز الجبار.
ص14
باب في حكمة خلق الماء
قال الله تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]
وقال سبحانه: {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60].
أنظر وفقك الله إلى ما من به سبحانه وتعالى على عباده بوجود الماء العذب الذي به حياة كل من على وجه الأرض من حيوان ونبات، فلو اضطر الإنسان إلى شربة منه ومنع منها لهان عليه ان يبذل فيها جميع ما يمكنه من خزائن الدنيا، والعجب من غفلة العباد فيها، ولو جعلها بقدر لضاق الأمر فيها وعظم الحرج على كل من سكن الدنيا، ثم انظر طلافة الماء ورقته حتى ينزل من الأرض ويخلخل أجزاءها فتتغذى عروق الشجر ويصعد بلطافته بواسطة حرارة الشمس إلى أعالي الشجر والنبات وهو من طبعه الهبوط، ولما كانت الضرورة تدعو غلى شربة لإماعة الاغذية في أجواف الحيوان ليتصرف الغذاء إلى موضعه جعله لشاربه في شربه لذة عند حاجته إليه وقبول له ويجد شاربه فيه نعيما وراحة، وجعل مزيلا للأدران عن الأبدان والأوساخ عن الثياب وغيرها، وبالماء يبل التراب فيصلح للبناء والأعمال، وبه يرطب كل يابس مما لا يمكن استعماله يابسا، وبه ترق الأشربة فيوغ شربها، وبه تطفأ عاذبة النار غذا وقعت فيها فلا تلتهب فيه وأشرف الناس منها على ما يكرهون وبه تزول الغصة إذا أشرف صاحبها على الموت، وبه يغتسل التعب الكل فيجد الراحة لوقته، وبه تستقيم المطبوخات وجميع الأشياء التي لا تستعمل ولا تصلح إلا رطبة إلى غير ذلك من مآرب العباد التي لا غنى لهم عنها، فانظر في اعموم هذة النعمة وسهولة تناولها مع الغفلة عن قدرتها مع شدة الحاجة إليها. فلو ضاقت لكدرت الحياة في الدنيا، فعلم بهذا أن الله تبارك وتعالى أراد بإنزاله وتيسيره عمارة الدنيا بما فيها كم حيوان ونبات ومعدن إلى غير ذلك من المنافع التي يقصر عنها الوصف لمن يروم حصرها، فسبحان المتفضل العظيم.
باب الحكمة في خلق الهواء
قال الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22].
اعلم رحمك الله أن الهواء في حلقه تتخلخله الرياح ولولا ذلك لهلك الجميع
ص15
حيوان البر، وباستنشاقه تعتدل الحرارة في أجسام جميع الحيوانات لأنه لهم مثل الماء لحيوان البحر. فلو انقطع عن الحيوان استنشاقه انصرفت الحرارة التي فيها إلى قلبها فكان هلاكها بسبب ذلك، ثم انظر إلى الحكمة في سوق السحاب به فيقع المطر بانتقال السحاب في موضع يحتاج إلى المطر فيها إلى للزراعة، فلولا لطف الباري بخلق الرياح لثقلت السحاب وبقيت راكدة في أماكنها وامتنع انتفاع الأرض بها، ثم انظر كيف تسير بها السفن بها وتنتقلبحدوثها وهبوبها فتحمل فيها من أقاليم إلى أقاليم مما لا يخلق تلك الأشياء فيها فينتفع أهلها، فلولا تنقلها بالهواء لم تكن تلك الأشياء إلا بمواضعها التي خلقت فيها خاصة، ولعسر نقلها بالدواب إلى غيرها من الاقاليم، وللعباد ضرورات تدعو إلى ما ينقل إليهم مما ليس يخلق عندهم، ومنافع يكثر تعدادها من طلب أرباح لمن يجلها ويعلم فوائدها. ثم انظر إلى ما في الهواء من اللطافة والحركة التي تتخلل أجزاء العالم فينقي بحركته عفن الأرض، فلولاه لعفنت المساكن بالوباء والعلل، ثم انظر إلى ما يحصل منه من النفع في نقل السوافي والرمال إلى البساتين وتقوية أشجارها بما ينتقل إليها من التراب بسبب حركة الهواء وتستر وجوه جبال بالسافي فيمكن الزراعة فيه وما فصل إلى السواحل مما ينتفع الناس بسببه، وكل ذلك بحركة البحر بالهواء فيقذف البحر العنبر وغيره مما ينتفع به العباد في أمورهم. ثم انظر كيف يتفرق المطر بسبب حركة الهواء فيقع على الأرض قطرات، فلولا حركة الهواء لكان الماء عند نزوله ينزل انصبابة واحدة فيهلك ما يقع عليه، ثم يجتمع بلل القطرات فيجتمع أنهارًا وبحارًا على وجه الأرض من غير تضرر ويحصل بذلك مقصودهم على أحسن وجه، فانظر إلى أثر رحمة الله، فسبحان اللطيف بخقله المدبر لملكه، ثم انظر عموم هذة الرحمة وعظيم نفعها وشمول هذة النعمة وجليل قدرها كما نبه العقول عليها بقوله تعالى: {وَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10 ، 11]. ثم من تمام النعمة وعظيم الحكمة أن جعل سبحانه الصحو يتخلل نزول الغيث فصارا يتعاقبان لما فيه صلاح هذا العالم، فلو دام واحد منهما عليه لكان فسادا. ألا ترى إلى الأمطار إذا توالت وكثرت عفنت البقول والخضروات وهدمت المساكن والبيوت وقطعت السبل ومنعت من الأسفار وكثير من الحرف والصناعات ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات، وعفن الماء الذي في عيون والاودية، فأضر ذلك بالعباد. وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضررا آخر من الأمراض، وفلبت بسببه الاسعار من الأقوات، وبطل المرعى وتعذر على النحل ما يجده من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار،وإذا تعاقبا على العالم اعتدل الهاء ودفع كل واحد منهما ضرر الآخر فصلحت الأشياء واستقامت، وهذا هو الغالب من مشيئة الله.
ص16
فإن قيل: قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات. قلنا: قد يكون ذلك لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة الله تعالى وفضله ورحمته أنه هو الغالب فيحصل لهم بتلك لنزجار عن الظلم والعصيان، ألا ترى من سقم جسمه احتاج إلى ما يلائمه من الأدوية البشعة الكريهة ليصلح جسمه ويصح ما فسد منه. قال الله تعالى: {وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى:27].
باب في حكمة خلق النار
قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 71-74]
اعلم وفقنا الله وإياك: أن الله خلق النار، وهي من أعظم النعم على عباده، وملا علم سبحانه وتعالى أن كثرتها وبثها في العالم مفسدة جعلها الله بحكمته محصورة حتى إذا احتيج إليها وجدت واستعملت في كل أمر يحتاج إليها فيه، فهي مخزونة في الأجسام، ومنافعها كثيرة لا تحصى. فمنها ما تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا اختلاط، ولا صحة هضم لمن يستعملها في أكل وشرب. فانظر لطف الباري سبحانه في هذا الأمر ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير وغير ذلك، فلولا لم يكن شيء من الانتفاع من هذة الأشياء، فبها يذاب النحاس فتعمل منه الأواني وغيرها. وقد نبه الله تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر. فقال تعالى {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]. وبه يلين الحديد فيعملون به أنواعا من المنافع والآلات للحروب مثل الدروع والسيوف إلى غير ذلك مما يطول تعداده، وقد نبه الله تعالى على مثل هذا، فقال {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25]. ومنه يعمل آلات للحرث والحصاد وآلات تتأثر بها النار، وآلات يطرق بها، وآلات لقطع الجبال الصمة، وآلات لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها. فلولا لطف الله سبحانه بخلق النار لم يحصل من ذلك شيء من المنافع، ولولا لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة نقود ولا زينة ولا منفعة، وكانت هذة الجواهر معدودة من جملة الأتربة، ثم انظر إلى ما جعل الله تعالى في النار من الفرح والترح عندما تغشى الناس ظلمة الليل كيف يستضيئون بها ويهتدون بنورها في جميع أحوالهم من أكل وشرب وتمهيد مراقد، ورؤية ما يؤذيهم ومؤانسة مرضاهم وقصدها والعمل عليها برًا وبحرًا فيجدون
ص17
بوجودها أنسًا حتى كأن الشمس لم نغب عن أفقهم، ويدفعون بها ضرر الثلوج والرياح الباردة ويستعينون بها في الحروب ومقاومة حصون لا تملك إلا بها، فانظر ما أعظم قدر هذة النعمة التي جعل سبحانه حكمها بأيديهم إن شاءوا خزنوها وإن شاءوا أبرزوها.
باب في حكمة خلق الإنسان
قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12]. إلى آخر ما وصفه سبحانه.
اعلم وفقك الله تعالى أن الله عز وجل لما سبق في علمه خلق الخلق وبثهم في هذة الدرا، وتكليفهم فيها للبلوى والاختبار. خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم من بعض، فخلق سبحانه الذكر والأنثى وألقى في قلوبهم المحبة والدواعي حتى عجزوا عن الصبر وعدموا الحيلة في اجتناب الشهوة. فساقتهم الشهوة المفظورة في خلقهم إلى الاجتماع وحعل الفكرة تحرك عضوًا مخصوصًا به إيداع الماء في القرار المكين الذي يخلق فيه الجنين، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن وخرجت ماء دافقًا مندفعًا من بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة، فانتقلت بسبب الإفلاج من باطن إلى باطن. فكانت مع انتقالها على أصلها، لأنها ماء مهين أدنى شيء يباشرها يفسدها ويغير مزاجها، فهي ماء يختلط جميعه مستوية أجزاؤه لا تفاوت فيها بحال، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد نقلها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام، ثم كساها اللحم وشدها بالأعصاب والأوتار ونسجها بالعروق، وخلق الأعضاء وركبها فدور سبحانه الرأس وشق فيها السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ. فجعل العين للبصر، ومن العجائب سر كونها مبصرة للأشياء، وهو أمر يعجز عن شرح سره، وركبها من سبع طبقات لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن الإبصار، وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يؤذيها من غبار وغيره، فكانت الأشفار بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقت، ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا تنقص نقصًا يضر بها، وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها، وجعل طرفيها منخفضين عن وسطهما قليلًا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين، وجعل الحاجبين جمالًا للوجه وسترًا للعينين وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة، وجعل شعر الرأس واللحية قابلًا للزيادة والنقص، فيفعل فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه، ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ذلك من الحكم، فجعل الشفتين سترًا للفم كأنها باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى
ص18
فتحه، وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال، فلولاهما لتشوهت الخلق، وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان وتقليب الطعام وغلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه، ويسهل ابتلاعه، ثم جعل الأسنان أعدادًا متفرقة ولم تكن عظمًا واحدًا، فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي، وجمع فيها بين النفع والجمال، وجعل ما كان منها معكوسًا زائد الشعب حتى تطول مدته مع الصف الذي تحته، وجعلها صلبة ليست كعظام البدن لدعاء الحاجة إليها على الدوام، وفي الأضراس كبر وتسريف لأجل الحاجة إلى درس الغذاء، فإن المضغ هو الهضم الأول، وجعلت الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام وجمالًا للفم فأحكم اصولها، وحدد ضروسها، وبيض لونها مع حمرة ما حولها، متساوية الرءوس متناسبة التركيب، كأنها الدر المنظوم، ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة وحبوسة لا تظهر إلا في وقت الحاجة إليها، فلو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويهًا للإنسان، فجعلت ليبل بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويغه من غير عنت ولا ألم. فإذا فقد الأكل عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت للترطيب، وبقى منها ما يبل اللهوات والحلق لتصوير الكلام ولئلا يجف، فإن جفافه مهلك للإنسان، ثم انظر إلى رحمة الله ولطفه، إذ جعل للآكل لذة الأكل فجعل الذوق في اللسان وغيره من أجزاء الفم ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ فيجد في ذلك راحة في الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله وليتجنب الشيء الذي لا يوافقه، ويعرف بذلك حد ما تصل الأضياء إليه في الحرارة والبرودة، ثم إن الله تعالى شق السمع وأودعه رطوبة مرة يحفظ بها السمع من ضرر الدود ويقتل الهوام الذين يلجون السمع، وحفظ الأذن بصدفة لتجمع الصوت فترده إلى صماخها. وجعل فيها زيادة حس لتحس بما يصل إليها مما يؤذياه يؤذيها من هوام وغيرها، وجعل فيها تعويجات ليتطرد فيها الصوت، ولتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فينتبه فيتأثر وينتبه صاحبها من النوم، ثم انظر إلى إدراكه المشمومات بواسطة ولوج الهواء، وذلط، سر لا يعلم حقيقته إلا الباري سبحانه إلى غير ذلك، ثم انظر طيف رفع الأنف في وسط الوجه، فأحسن شكله، وفنح منخريه، وجعل فيها حاسة الشم ليستدل باستنشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه، وليتنعم بالروائح العطرة ويجتنب القذرة، وليستنشق أيضًا روح الحياة غذاءً لقلبه وترويحًا لحرارة باطنه، ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات، ودور اللسان في الحركات والتقطيعات، فينقطع الصوت في مجاري مختلفة تختلف بها الحروف ليشع طرق النطق، وجعل الحنجرة مختلف الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر، حتى اختلف بسبب ذلك الأصوات. فلم يتشابه صوتان، كما خلق بين كل صورتين اختلافًا فلم تشتبه
ص19
صورتان، بل يظهر بين كل صورتين فرقان، حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت، وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان، وذلك لسر التعارف فإن الله تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما، فخلق منهما خلقًا جعله مخالفًا لخلق أبيه وأمه، ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف ثم انظر لخلق اليدين تهديان إلى جلب المقاصد ودفع المضار وكيف عرض الكف وقسم الأصابع الخمس، وقسم الأصابع بالأنامل، وجعل الأربعة في جانب والإبهام في جانب آخر فيدور الإبهام على الجميع، فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستطيعوا بدقة الفكر وجهًا آخر عن وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربعة، وتفاوت الأربعة في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك، وبهذا الوضع صلح بها القبض والإعطاء. فإن بسطها كانت طبقًا يضع عليه ما يريد، وغن جمعها كانت آلة يضرب بها، وإن ضمها ضمًا غير تام كانت مغرقة له، وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة، ثم خلق الأظافر على رءوسها زينة للأنامل وعمادٍا لها من ورائها حتى لا تضعف بها ويلتقط الأشياء الدقيقة التي تتناولها الأنامل لولاها، وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك، فانظر أقل الأشياء في جسمه لو عدمها وظهرت به حكة لكان أضعف الخلق وأعجزهم عن دفع ما يؤلمه، وجلب ما ينتفع به في ذلك ولم يقم له غير الظفر مقامه في حك جسده، لأنه مخلوق لذلك ولغيره فهو لا صلب كصلابة العظام ولا رخو كرخاوة الجلد يطول ويخلق ويقص ويقصر لمثل ذلك، ثم جعله يهتدي به إلى الحك في حالة نومه ويقظته ويقصد المواضع إلى جهتها من جسده، ولو احتاج إلى غيره واستعان به في حكمها لم يعثر الغير على مواضع الحاجة إلا بعد طول وتعب، ثم انظر كيف مد منه الفخذين والساقين وبسط القدمين ليتمكن بذلك من السعي، وزين القدمين بالأصابع، وجعلها زينة وقوة على السعي، وزين الأصابع أيضًا بالأظافر وقوااها بها، ثم انظر كيف خلق هذا كله من نطفة مهينة، ثم خلق منها عظام جسده فجعلها أجسامًا قوية صلبة لتكون قوامٍا للبدن وعمادٍا له، وقدرها تبارك وتعالى بمقادير مختلفة وأشكال متناسبة، فمنها صغير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت عريض ودقيق، ثم أودع في أنابيب هذه العظام المخ الرقيق مصونًا لمصلحتها وتقويتها ولما كان الإنسان محتاجًا إلى جملة جسمه، وبعض أعضائه لتردده في حاجاته لم يجعل الله سبحانه عظامه عظمًا واحدٍا بل عظامًا كثيرة، وبينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة فقدر شكل كل واحد منها على قدر وفق الحركة المطلوبة بها.
ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتاد أثبتها بأحد طرفي العظم وألصق الطرف الآخر كالرباط، ثم خلق أحد طرفي العظم زوائد خارجية منها، ومن الآخرة
(ص20)
نقراً غائضة فيها توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق ، فصار الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئاً من جسده دون غيره لم يمتنع عليه ، فلولا حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك ، ثم انظر كيف جعل خلق الرأس مركباً من خمسة وخمسين عظماً مختلفة الأشكال والصور ، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت كرة الرأس كما ترى ، فمنها ستة تختص بالقحف ، وأربعة وعشرون للحى الأعلى ، واثنان للحى الأسفل ، والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن ، وبعضها حاد يصلح للقطع ، ثم جعل الرقبة مركز الرأس ، فركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات وزيادات ونقصان لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر الحكمة فيها ، ثم ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين خرزة وعظم العجز ثلاثة أخرى مختلفة ووصل به من أسفله عظم العصعص وهو مؤلف من ثلاثة أخرى ، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين ، فجملة عدد العظام فى بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظماً سوى العظام الصغيرة التى حشى بها خلل المفاصل ، فانظر كيف خلق البارى سبحانه وتعالى ذلك كله من نطفة رقيقة سخيفة ، والمقصود من ذكر أعدادها تعظيم مدبرها وخالقها وكيف خلقها وخالف بين أشكالها وخصها بهذا القدر المخصوص بحيث لو ازداد فيها واحد كان وبالاً ، واحتاج الإنسان إلى قلعه ولو نقص منها واحد لاحتاج الإنسان إلى جبره فجعل سبحانه وتعالى فى هذا الخلق عبرة لأولى الأبصار وآيات بينات على عظمته وجلاله بتقديرها وتصويرها .
ثم انظر كيف خلق سبحانه آلات لتحريك العظام وهى العضلات . فخلق فى بدن الإنسان خمسمائة وتسعة وعشرين عضلة ، والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية وهى مختلفة المقادير والأشكال بحسب أختلاف مواضعها وحاجتها . فأربعة وعشرون منها لحركة العين وأجفانها بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين ، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصه وقدر يوافقه ، وأما أمر الأعصاب والعروق والآوردة والشرايين ومنابتها وسعتها ، فأعجب من هذا وشرحه يطول ، ثم عجائب ما فيه من المعانى والصفات التى لا تدرك بالحواس أعظم ، ثم انظر إلى ما شرف به وخص فى خلقه بأنه خلق بتنصب قائماً ويستوى جالساً ويستقبل الأمور بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل ولم يخلق مكبوباً على وجهه كعدة من الحيوانات ، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال ، ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر الإنسان وباطنه فتجده مصنوعاً صنعة بحكمة تقضى منها العجب، وقد جعل سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء ، والعذاء منوال عليها لكنه تبارك وتعالى قدرها بمقاديرلا يتعداها ن بل يقف عندها ولا يزيد عليها ، فإنها لو تزايدت بتوالى الغذاء
(ص21)
عليها لعظمت أبدان بنى آدم وثقلت عن الحركة ، وعطلت عن الصناعات اللطيفة ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها ، ومن اللباس كذلك ، ومن المساكن مثل ذلك ، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المقدر رحمة من الله ورفقاً بخلقه ، فإذا وجدت هذا كله صنعه الله تعالى من قطرة ماء ، فما ظنك بصنعته فى ملكوت السموات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها وما حكمته فى أقدارها وأشكالها وأعدادها وأوضاعها واجتماع بعضها ، وافتراق بعضها ، واختلاف صورها ، وتفاوت مشارقها ومغاربها . فلا تظن أن ذرة فى السموات والأرض وسائر علم الله ينفك عن حكم ، بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحط بجميعها إلا الله سبحانه وتعالى . ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ) [ النازعات :27 ] . إلى أخر ما نبه به ، وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعاً وبصراً وحياة لم يقدروا على ذلك ، فانظر كيف خلقها سبحانه فى الأرحام ، وشكلها فأحسن تشكيلها ، وقدرها فأحسن تقديرها ، وصورها فأحسن تصويرها ، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام فى أرجائها وحسن أشكال أعضائها ، ورتب عروقها وأعصابها ودبر ظاهرها وباطنها ، وجعل فيها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب لبقائها مدة حياتها .
ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة من القلب والكبد والمعدة والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل عضو بشكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ، فجعل المعدة لنضج الغذاء عصباً معيناً شديداً لحاجتها وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه ، وجعل طحن الأضراس اولاً معيناً للمعدة على جودة طحنه وهضمه وجعل الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم فيجتذب منه كل عضو من الغذاء ما يناسبه ، فغذاء العظم خلاف غذاء اللحم وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب ، وغذاء الشعر خلاف غذاء غيره ، وجعل الطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد فالطحال لجذب السوداء ، والمرارة لجذب الصفراء ، والكلية المائية عنه والمثانة لقبول الماء عن الكلية ، ثم يخرجه فى مجرى الإحليل والعروق والكبد فى اتصال الدم منه إلى سائر أطراف البدن ، وجعل جوهرها أتقن من جوهر اللحم ليصونه ويحرصه فهى بمنزلة الظروف والأوعية ، ثم انظر كيف دبره فى الرحم ولطف به ألطافاً يطول شرحها ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها ويعجز الواصف عن وصف ما وصل إليه نظره من ذلك ، فمن ذلك جعله فيهما لا يحتاج إلى استدعاء ، ولا يحتاج المولود إلى ما يبين ذلك لا بوعظ ولا تنبيه ، بل ذلك فى الطباع إلى وقت حاجة المولود إلى الإغاثة فى غذائه ، ولولا ذلك لنفرت الأمهات عنه من شدة التعب وكلفة التربية حتى اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم الغذاء ، فحينئذ أنبيت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده .
(ص22)
ثم انظر كيف خلق الله فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حيت كماله وبلوغه ، وانظر وفكر فى سر كونه يولد جاهلاً غير ذى عقل وفهم ، فإنه لو كان ولداً عاقلاً فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه حتى يبقه حيران تائه العقل . إذ رأى ما لا يعرف ، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله ، ثم كان يجد غضاضة أن يرى نفسه محمولاً و موضوعاً معصباً بالخرق ومسجى فى المهد مع كونه لا يستغنى عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الرقة له والحلاوة والمحبة فى القلوب مايوجد للصغير لكثرة اعتراضه بعقله واختياره لنفسه ، فتبين أن أزدياد العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به .
أفلا يرى كيف أقام كل شئ من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب وأعلمه تقلب الخطأ فى دقيقه وجليله ، ثم انظر فيما إذا اشتد خلق فيه طريقاً وسبباً للتناسل وخلق فى وجهه شعراً ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان ويجمله ويستر به غضون وجهه عند شيخوخته ، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقياً من الشعر لتبقى لها بهجة ونضارة تحرك الرجال لما فى ذلك من بقاء النسل.
فكر الان فيما ذكرناه ودبره سبحانه فى هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى مثل هذا يمكن أن يكون مهلاً ، أرأيت لو لم يجر له الدم غذاء وهو فى الرحم ألم يكن يذوى ويهلك ويجف كما يجف النبات إذا انقطع عنه الماء . ولو لم يزعجه المخاض عند استكماله ، ألم يكن يهلك ببقائه فى الرحم هو وأمه ؟ ولو لم يوافه اللبن عند ولادته ، ألم يكن يموت جوعاً وعطشاً أو يغذى بما لا يوافق ولا يصلح عليه بدنه ؟ ولو لم يخلق له الأسنان فى وقتها ، ألم يكن يمتنع عليه مضغ الطعام وازدراده ويقيم على الرضاع لاويشتد جسمه ؟ ولو لم يخرج شعر الوجه لبقى فى هيئة النساء والصبيان فلا ترى له هيبة لا جلالة ولا وقاراً ، ومن ذا الذى يرصده حتى يوفيه بكل هذه المأرب فى وقتها إلا الذى أنشأه بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً وتفضل عليه ومنَّ عليه بكل هذه النعم.
فكر فى شهوة الجماع الداعية لإحيائه ، والآلة الموصلة إلى الرحم النطفة والحركة الموجبة لاستخراج النطفة وما فى ذلك من التدبير المحكم ، ثم فكر فى جملة أعضاء البدن وتهيئة كل عضو منها للأرب الذى أريد منها فالعينان للاهنداء بالنظر ، واليدان للعلاج والحذف والدفع والرجلان للسعى ، والمعدة لهضم الطعام ، والكبد للتخليص والتمييز ، والفم للكلام ودخول الغذاء ، والمنافذ لدفع الفضلات ، وإذا تأملت كذلك مع سائر ما فى الإنسان وجدته قد وضع على غاية الحكمة والصواب فكر فى وصول الغذاء إلى المعدة حتى ينضجه ويبعث صفوه إلى الكبد فى عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء ، لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ غليظ خشن فينكؤها فإنها خلقت دقيقة لا تحمل الغث
(ص23)
فتقلبه بإذن الله دوماً وتنفذ إلى سائر البدن فى مجار مهيأة لذلك فيصل إلى كل شئ من ذلك ما يناسبه من يابس ورخو وغير ذلك : (فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر:64].
ثم ينفذ ما يكون من خبث وفضول إلى معابض وأعضاء أعدت لذلك كما ذكرنا من قبل هذا ، فكونها كالأوعية تحمل هذه الفضلات لكيلا تنتشر فى البدن فتقسمه .
ثم انظر هل تجد فى خلق البدن شيئاً لا معنى له . هل خلق البصر إلا ليدرك الأشياء والألوان ، فول كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها ، هل كان فى الألوان منفعة ؟ وهل خلق السمع إلا ليدرك الأصوات ؟ فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم تكن فى الأصوات منفعة ، وكذلك سائر الحواس ، فكر فى أشياء جعلت بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحس إلا بها : منها الضياء والهواء ، فول لم يكن ضياء تظهر فيه المبصرات لم يدركها البصر ،ولو لم يكن هواء يؤدى الصوت إلى السمع لم يكن السمع يردك الصوت.
فكَّر فيمن عدم البصر والسمع وما يناله من الخلل فإنه لا ينظر أن يضع قدمه ولا يدرى ما بين يديه ولا يفرق بين الألوان ولا يدرى بهجوم آفة أو عدو ولا سبيل له أن يتعلم أكثر الصناعات ، وأما من عدم السمع فإنه من يفقد روح المخاطبة والمحاضرة ويعدم لذة الأصوات المستحسنة والألحان المطربة وتعظم المؤونة على من يخاطبه حتى ينصرم منه ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يصير كالغائب وهو شاهد ، وكالميت وهو حى ، وأما من عدم العقل فهو أشر من البهائم ، فانظر كيف صارت هذه الجوارح وهذه الأوصاف التى بها صلاح الإنسان محصلة ومبلغة لجميع مآربه ومتممه لجميع مقاصده ، وإذا فقد شيئاً اختل أمره وعظم مصابه ، ومن بلى بفقد شئ منها فهو تأديب وموعظة وتعريف بقدر نعمة الله فى حقه وحق أمثاله ولينال بصبره على ذلك حظً فى الآخرة ، فانظر إلى رحمة الله كيف توجد فى العطاء والمنع.
ثم فكر فى الأعضاء التى خلقت أفراداً وأزواجاً ، وما فى ذلك من الحكمة والصواب ، فالرأس مما خلق فرداً، وإن كثيراً من الحواس قد حواها رأس واحد ولو زاد عليه شئ كان ثقيلاً لا يحتاج إليه، فإن كان قسمين فإن تكلم واحدهما بقى الآخر معطلاً لا حاجة إليه، وإن تلكم منهماً جميعاً بكلام واحد كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليها، وإن تكلم من أحدهما بخلاف ما يتكلم به من الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك ، وأما الذى يأخذ به السامع هو ما كان واضحاً ، واليدان خلقتا أزواجاً ولم يكن للإنسان خير فى أن يكون يلم بيد واحدة لاختلال ما يعالجه من الأمور، فإنك ترى من شلت إحدى يديه ما يكون عنده من نقص، وأن يكلف بشئ لم يحكمه ولا يبلغ ما يبلغ صاحب اليدين وحكمة الرجلين ظاهرة.
(ص24)
فكر فى تهيئة ألات الصوت ، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت واللسان والشفتان والأسنان لإصاغة الحروف والفم . ألا ترى أن من سقطت أسنانه أو أكثرها كيف يحصل الخلل فى كلامه ، ثم انظر إلى ما فى االحنجرة من المنفعة لملوك النسيم منها إلى الرئة فتروح على الفؤاد بهذا النفس المتتابع ، وما فى اللسان من تقليب الطعام وإعانته على تسويغ الطعام والشراب ، وما فى الأسنان من المعونة أيضاً ثم هى كالمسند للشفتين تمسكهما وتدعهما من داخل الفم ، وبالشفتين يرتشف الشراب حتى يكون ما يدخله إلى الجوف بقصدر وبقدر ما يختاره الإنسان ، ثم هما على الفم كالباب.
فقد تبين أن كل عضو من هذه الأعضاء ينصرف إلى وجوه ومأرب وضروب من المصالح إن زاد أفسد وإن نقص أفسد ، فذلك تقدير العزيز العليم. فكر فى الدماغ إذا كشف عنه فإنك تجده قد لف بعضه فوق بعض ليصونه من الأعراض وأطبقت عليه الجمجمة والشعر ستر لها وجمال ولتبعد عنها ما يؤذيها من حر وبرد وغير ذلك فحصن سبحانه وتعالى الدماغ هذا التحصين لعلمه بأنه معهم وأنه مستحق لذلك لكونه ينبوع الحس، ثم انظر كيف غيب الفؤاد فى جوف الصدر وكساه المدرعة التى هى غشاؤه وأتقنها وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لشرفه وأن ذلك الائق به ، ثم انظر كيف جعل فى الحلق منفذين : أحدهما الصوت وهو الحلقوم الواصل إلى الرئة والآخر إلى الغذاء وهو المرئ الواصل إلى المعدة ، وجعل على الحلقوم طبقاً يمنع الطعام أن يصل إليه ، ثم جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل تأخد وترد بغير كلفة لئلا تنحصر الحرارة فى القلب فتؤدى إلى التلف ، ثم ملآ الجو هواءاً لهذه المصلحة ولغيرها ، ثم انظر كيف جعل منافذ البول والغائط أسراحا يضبطها لكى لا يجرى جرياناً دائماً فيفسد على الإنسان عيشته ، ثم انظر كيف جعل لحم الفخذين كثيراً كثيفاً ليقى الإنسان من ألم الجلوس على الأرض كما يألم من الجلوس من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل.
انظر لو كان ذكر الرجل مسترخياً ابداً كيف يصل الماء إلى موضع الخلق ولو كان منعطفاً أبداً كيف يكون حاله فى تصرفاته وهو كذلك ؟ بل جعله مستوراً كأنه لم تخلق له شهوة ، ثم انظر أليس أنه من حسن التدبير فى البناء أن يكون الخلاء فى أستر موضع فى الدار ، فلهذا اتخذ المنفذ المهيأ لقضاء حاجة الإنسان فى أستر موضع فى جسده مغيب فيه تلتقى عليه فخداه بما عليها من اللحم فتواريه به ويخفى ذكره ، وذلك مخصوص بالإنسان لشرفه ، ثم انظر فى خلق الشعر والظفار لما كانا يطولان ، وفى تقصيرهما مصلحة جعلا عديمى الحس حتى لا ينال الإنسان ألم عند التزيين بقصهما، ولولا هذه الحكمة لكان بين امرين : إما أن يدعهما على حالهما فيتشوه خلقه ، أو يزيل ذلك فيتألم بإزالته ، ثم تفكر فى
(ص25)
الشعور لو نبتت فى العين لأعمت البصر، أو فى الفم لنغصت الأكل والشرب، أو فى راحة الكف لنفدت لذة اللمس وبعض الأعمال ، أو فى الفرج لكدرت لذة الجماع مع قبول هذه المواضع لنباتها فيها . فسبحان المدبر المنعم بهذه النعم .
فانظر كيف تصد بهذا الخلق طريق الصواب وتجنب الخطأ والضرر ثم فيما جبل عليهالإنسان من الاحتياج إلى المطعم والنوم والجماع وما فى ذلك من التدبير المحكم . فقد جعل فى طبعه محركاً يقتضيه ويستحثه، فالجوع والعطش يقتضى طلب الطعام الذى به حياته ، وكذلك الشراب الذى به قوامه والنوم فيه راحة البدن وعموم القوى ، والشبق يقتضى الجماع الذى به دوام النسل وبقاؤه ، فلو كان الإنسان إنما يتناول الطعام والشراب لمعرفته بالحاجة إليه ولم يجد فى طباعه ما يلجئه إليه لاشتغل بأسباب ضرورته فينحل قواه ويهلك كما أنه قد يحتاج إلى دواء يكرهه ،وفيه صلاحه وليس فى جبلته داعية له فيدافع عن تناوله فيمرض أو يموت فكذلك لو كان يفعل النوم ويدخله على جسمه فاختياره لتشاغل عنه ببعض مهماته فيهلك جسمه بالتعب والنصب . وكذلك لو كان إقدامه على الجماع إنما هو لرغبة حصول الولد لانقطع النسل لما يعارضه من الأسباب المشغلة . فانظر كيف جعل فيه بالطبع ما يضطره إلى حصول هذه الفوائد . انظر كيف رتبت هذه القوى بهذا الترتيب المحكم العجيب. فصار البدن بما فيه بمنزلة دار لملك فيها حشم وقوم موكلون بالدار فواحد لإمضاء حوائج الحشم وإيراد ماء لهم ، وأخر لقبض ما يرد خزنه إلى أن يعالج ويهيأ ، وأخر لإصلاح ذلك وتهيئته وإصلاحه أخص مما قبل ، وأخر لكسح ما فى الدار من الأقذار وإخراجه ، فالملك فى هذا المثل هو الخالق العليم سبحانه ، والدار هى البدن ، والحشم هى الأعضاء ، والقوم فى هذه القوى الأربع التى هى النفس وموقعها من الإنسان بمعنى الفكر ولاوهم والعقل والحفظ والغضب وغير ذلك ، أرأيت لو نقص من الأنسان من هذه الصفات الحفظ وحده كيف يكون حاله، وكان لا يحفظ ما له وما عليه وما أصدر وما أورد وما أعطى وما أخذ وما رأى وما سمع وما قال وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ولا من أساء له ولا من نفعه ممن ضره . وكان لا يهتدى لطريق ولو سلكه ، ولا لعلم ولو درسه ، ولا ينتفع بتحريره ، ولا يستطيع أن يعتبر بمن مضى ، فانظر إلى هذه النعم كيف موقع الواحدة منها، فكيف جميعها وأعجب من نعمة الحفظ نعمة النسيان. فلولا النسيان ما سلا الإنسان عن مصيبة فكان لا ينقص له حسرة ولا يذهب عنه حقد ولا يستمتع بشئ من لذات الشهوات الدنيوية مع تذكر الآفات والفجائع المغضبات ، وكان لا يمكن أن يتوقع غفلة من ظالم ولا فترة ولا ذهولاً من حاسد أو قاصد مضرة فانظر كيف جعل الله فيه سبحانه الحفظ والنسيان وهما متضادان ، وجعل للإنسان فى كل منهما ضروباً من المصالح .
(ص26)
ثم انظر إلى ما خصه دون غيره من الحيوان من الحياء ، فلولاه لم تقل العثرات ولم تقض الحاجات ولم يُقْر الضيف ولم يثمر الجميل فيفعل ولا يتجافى عن القبيح فيترك حتى أن كثيراً من الأمور الواجبة، إنما تفعل لسبب الحياء من الناس ، فترد الأمانات وتراعى حقوق الوالدين وغيرهما ، ويعف عن فعل الفواحش إلى غير ذلك من أجل الحياء ، فانظر ما أعظم موقع هذه النعمة فى هذه الصفة ، وانظر ما أنعم الله به من النطق الذى يميز به عنه البهائم فيعبر بما فى ضميره ويفهم من غيره ما فى نفسه ، وكذلك نعمة الكتابة التى تفيد أخبار الماضين للباقين ، وأخبار الباقين للأتين ، وبها تخلد فى الكتب والعلوم والآدب ، ويعلم الناس ذكر ما يجرى بينهم فى الحساب والمعاملات ، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض ، ودرست العلوم وضاعت الفضائل والأداب وعظم الخلل الداخل على الناس فى أمورهم بسبب عدمها.
فإن قلت : إن الكلام والكتابة مكتسبة للإنسان وليست بأمر طبيعى ، ولذلك تختلف الخطوط بين عربى وهندى ورومى إلى غير ذلك وكذلك الكلام هو شئ يصطلح عليه ، فلذلك اختلف .
قلنا : ما به تحصل الكتابة من اليد والأصابع والكف المهيأ للكتابة والذهن والفكر الذى يهتدى به ليس بعفل الإنسان ، ولولا ذلك لم يكن ليتب أبداً ، فسبحان المنعم عليه بذلك ، وكذلك لولا اللسان والنطق الطبيعى فيه والذهن المركب فيه لم يكن ليتكلم أبداً ، فسبحان المنعم عليه بذلك .
ثم انظر إلى حكمة الغضب المخلوق فيه يدفع عن نفسه به ما يؤذيها، وما خلق فيه من الحسد فبه يسعى فى جلب ما ينتفع به غير أنه مأمور بالأعتدال فى هذين الأمرين ، فإن جاوز الحد فيهما التحق برتبة الشياطين ، بل يجب أن يقتصر فى حالة الغضب على دفع الضرر ، وفى الحسد على البغضة وهى إرادة ما ينفعه من غير مضرة تلحق غيره ، ثم انظر ما أعطى وما منع مما فيه أيضاً صلاحه ، فمن ذلك الأمل فسببه تعمر الدنيا ويدوم النسل ليرث الضعفاء عن الأقوياء منافع العمارة ، فإن الخلق أول ما يخلق ضعيف فلولا أه يجد أثار قوم أحلوا وعمروا لم يكن له محل يأوى إليه ولا أله ينتفع بها ، فكان الأمل سبباً لعمل الحاضرين ما يقع به انتفاع الأتين، وهكذا يتوارث إلى يوم الدين ، ومنع الإنسان من علم أجله ومبلغ عمره لمصلحة ، فإنه لو علم مدتة حياته وكانت قصيرة لم تهن الحياة ولم ينشرح لوجود نسل ولا لعمارة أرض ولا لغير ذلك ، ولوعلمها وكانت طويلة لانهملك فى الشهوات وتعدى الحدود واقتحم المهلكات ، ولعجز الواعظ عن إيقافه وزجره عما يؤديه إلى إتلافه فكان فى جهله بمدة عمره مصلحة حصول الخوف بتوقع هجوم الموت ، ومبادرة صالح الأعمال قبل الفوات.
(ص27)
ثم انظر إلى ما ينتفع به مما فيه مصالحه وملاذه من أصناف الأطعمة على اختلاف طعومها ، وأصناف الفواكه مع اختلاف ألوانها وبهجتها ، وأصناف المراكب ليركبها ويحصل منافعها وطيور يتلذذ بسماعها ، ونقود وجواهر يقتنيها ويصل بها إلى أغراضه ويجدها فى مهماته ، وعقاقير يستعملها لحفظ صحته ، وبهائم لمأكله ولغير ذلك من ُأموره من حرث وحمل وغير ذلك وأزهار وغيرها من العطريات يتنعم بروائحها وينتفع بها ، وأصناف من الملابس على اختلاف أجناسها وكل ذلك ثمرة ما خلق فيه من العقل والفهم ، فانظر ماذا ركب الله فيه من العجائب . ومن الحكمة البالغة اختلاف العباد فى تملك ما ينتفع به بنو أدم ليتميز منهم الفقير من الغنى ، فيكون ذلك سبباً لعمارة هذه الدار ويشتغل الناس بسبب ذلك عما يضرهم فى غالب الأحوال. فمثالهم فيما اشتغلوا به مثال الصبى فإنه يشتغل لنقص عقله فيما يضر به نفسه ولا يتفرغ فيكون فراغه وبالاً عليه ، وكم عسى أن يعد العاد من الحكم واللطائف التى يقصد بها قوام العالم وعبادته إلى الأجل المعلوم وهى مما لا تدخل تحت حد ولا يحصرها عد ، ولا يعلم منتهى حقائقها وإحصاء جملتها إلا الحكيم العليم الذى وسعت رحمته وعلمه كل شئ وأحصى كل شئ عدداً .
خاتمة لهذا الباب
اعلم أن البارى سبحانه وتعالى شرف هذا الآدمى وكرمه ، فقال سبحانه : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء : 70] .
فكان أعظم ما شرف به وكرمه العقل الذى تنبه به على البهجة وألحقه بسببه بعالم الملائكة ، حتى تأهل به لمعرفة بارئه ومبدعه بالنظر فى مخلوقاته واستدلالاً له على معرفة صفاته بما أودعه فى نفسه من حكمة وأمانة ، قال الله العظيم : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [ الذاريات : 21 ].
فكان نظره فى نفسه ، وفيما أودع البارى سبحانه في من العقل الذى يقطع بوجوده فيه ويعجز عن وصفه من أعظم الدلالات عنده على وجود بارئه ومدبره وخالقه ومصوره ، فإنه ينظر فى العقل كيف فى التدبير وفنون العلم ومستمر المعرفة وبصائر الحكمة والتمييز بين النفع والضرر ،وهو مع القطع بوجوده لا يرى له شخصاً ولا يسمع له حساً ولا يحس له مجلساً ولا يشم له ريحاً ولا يدرك له صورة ولا طعماً ، وهو مع ذلك آمر ومطاع زيادة وراج ومفكر ومشاهد الغيوب ومتوهم للأمور اتسع له ماضاق عن الأبصار ووسع له ما ضاقت عنه الأوعية يؤمن بما غيبته حجب الله سبحانه مما بين سمواته وما فوقها وأرضه وما
(ص28)
تحتها، حتى كأنه شاهد أبين من رأى العين فهو موضع الحكمة ومعدن العلم كما ازداد علماً ازداد سعة وقوة يأمر الجوارح بالتحرك فلا يكاد أن يميز بين الهمة بالحركة ، وبين التحرك بسرعة الطاعة أيهما أسبق. وإن كانت الهمة قبل وهو مع تدبيره وعلمه وحكمته عاجز عن معرفة نفسه إذ لا يمكنه أن يصف نفسه بنفسه بصفة وهيئه أكثر من الإقرار بأنه مسلم للذى وصفه للعلم به ، ومقر بالجهل بنفسه وهو مع جهله بنفسه عالم حكيم يميز بين لطائف التدبير ، ويفرق بين دقائق الصنع ، وتجرى الأمور على اختلافها، فدل جهله بنفسه وعلمه بما يدبرويميز أنه مركب مصنوع مصور مدبر مقهور، لأنه مع حكمته واتقاد بصيرته عاجز مهين يريد أن يذكر الشئ فينساه ويريد أن ينساه ليذكره ، ويريد أن يسر ليحزن ، ويريد أن يغفل فيذكر، ويريد أن يتنبه ويتيقظ فيسهو ويغفل دلالة على أنه مغلوب مقهور وهو مع ما علم جاهل بحقائق ما علم ، ومع ما دبر لا يدرى كم مدى مبلغ صوته ولا كيف خروجه ولا كيف اتساق حروف كلامه ، ولا كم مدى مبلغ نظره ، ولا كيف ركب نوره ولا كيف أدرك الأشخاص ، ولا كم قدر قوته ولا كيف تركبت قدرته وهمته ؟ فاستدل بعلمه وجسده عن حقيقة ما علم أنه مصنوع بصنعة متقنة وحكمة بالغة تدل على الصانع الخالق المريد العليم عز وجل ، ثم إنه خلق فى الإنسان الهوى موافقاً لطباعه فإنه استعمل نور العقل فيما أمر به ورد مورد السلامة وفاز غداً بدار الكرامة ، وإن استعمله فى أغراض نفسه وهواها حجب عن معرفة أمور لا يدركها غيره مع ما هو متوقع له فى الدار الأخرة من الثواب والحجاب والعقاب ،وهو الأله له فى عمل الصنائع وتقديرها على نحو ماقدرها ودبرها فى ذهنه وتخيله واستنباط ما يستنبط بدقيق الفكر ومعرفة مكارم الأخلاق الموجودة فى كل أمة زمان ، واستحسان ما يحسن عن عوائد العقلاء والفضلاء وتقبيح ما يقبح عندهم بحكم الاعتياد، فانظر ما شرف هذا الإنسان أن خلق فيه ما يفيده هذه المعارف ، فإن الأوانى تشرف بشرف ما يوضع فيها، ولما كانت قلوب العباد فى محل للمعرفة بالله سبحانه وتعالى شرفت بذلك ، ولما سبق فى علم البارى سبحانه وإرادته وحكمته بمصير الخلق إلى دار غير هذه الدار ولم يجعل فى قوة عقولهم ما يطلعون به على أحكام تلك الدار ، بل كمل لهم سبحانه هذا النور الذى وهبهم إياه بنور الرسالة إليهم ، فأرسل الأنبياء صلوات الله عليهم مبشرين لأهل طاعته ومنذرين لأهل معصيته ، فمدهم بالوحى وهيأهم لقبوله وتلقيه ، فكانت أنورا ما جاء الوحى من عند الله بالنسبة إلى نور العقل كالشمس بالإضافة إلى نور النجم ، فدلوا العباد على مصالح دنياهم فيما لا تستقل بإدراكه عقولهم وأرشدوهم إلى مصالح أخراهم التى لا سبيل للعباد أن يعرفوها إلا بواسطتهم ، وأظهر لهم سبحانه من الدلائل على صدق ما جاءوا به ما أوجب الإذعان والانقياد لصدق أخبارهم ، فتمت بذلك
(ص29)
نعمة الله على عباده ، وظهرت كرامته وثبت حجته عليهم ، فانظر ما أشرف الآدمى ونسله والذين ظهرت منهم هؤلاء الفضلاء الذين هم قابلون لهذه الزيادات الفاضلة ، ثم تضافرت أنواع الشرائع التى هى كالشمس، وأنوار العقول التى هى كالنجم ، فتمت سعادة من سبق له من الله الحسنى وشقاوة من كذب ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ثم إن الله تبارك وتعالى منَّ على الإنسان بأن خصه برؤيا يراها فى منامه أو فى عينه كشبه المنام يمثل له فيها بأمثلة معهودة من جنس ما يعرفه وهى مبشرة أو منذرة له لما يتوقعه بين يديه ، كل ذلك مواهب وكرامات من وجود الله سبحانه ، وجعل الله استقامته على الطاعة فى قلبه وجوارحه سبباً لصدقها فى غالب الآمرليتعظ أو يقدم على الأمور أو يحجم عنها، وهى الأمور التى انفرد الله بعلم العاقبة فيها وأطلع على بعض الأمور منها من شاء.
باب فى حكمة الطير
قال الله سبحانه وتعالى : (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ) [النحل : 79 ] . اعلم رحمك الله : أن الله تعالى خلق الطير وأحكمه حكمة تقتضى الخفة للطيران ولم يخلق فيه ما يثقله ، وخلق فيه ما يحتاج إليه وما فيه قوامه وصرف غذائه ، فقسم لكل عضو من غذائه ما هو لائق به ، فخلق للطيران الرجلين دون اليدين لضرورة مشيه وتنقله وإعانة له فى ارتفاعه عن الأرض وقت طيرانه واسعة الأسفل ليثبت فى موطن على الأرض وهى خف فيه أو بعض أصابع مخلوقة فى جلد رقيق صلب من نسبة جلد ساقيه ، وجعل جلد ساقيه غليظاً متقناً جداً ليستغنى به عن الريش فى الحر والبرد، وكان من الحكمة خلقه على هذه الصفة لأنه فى رعيه ، وطلب قوته لا يستغنى عن مواضع فيها الطين والماء فول كسيت ساقاه بريش لتضرر بباله وتلويثه فأغناه سبحانه عن الريش فى موضع لا يليق به حتى يكون مخلصاً للطيران ، وما خلق من الطير ذا أرجل طوال جعلت رقبته طويلة لينال غذاءه من غير حرج بها إذ لو طالت رجلاه وقصر عنقه لم يمكنه الرعى لا فى البرارى ولا فى البحار حتى ينكب على صدره ودائره ملفوفاً مريباً على عظم كهيئة نصف دائرة حتى يخرق فى الهواء بغير كلفة وكذلك رءوس اجنحته مدورة إعانة على الطيران وجعل لكل جنس من الطير منقاراً يناسب رعيه ويصلح لما يتغذى به من تقطيع ولقط وحفر وغير ذلك ، فمنه مخلب للتقطيع خص به الكواسر ، وما قوته اللحم ، ومنه عرض مشرشر جوانبه تنطبق على ما يلتقطه انطباقاً
ص (30)
محكمًا، و منه معتدل اللقط و آكل الخضر، و منه طويل المنقار للحصر و جعله صلبًا شديدا شبه العظم و فيه ليونة ما هي في العظم لكثرة الحاجة إلى استعماله و هو مقام الأسنان في غير الطير من الحيوان، و قوى سبحانه أصل الريش، و جعله قصبًا منسوبًا فيما يناسبه من الجلد الصلب في الأجنحة لأجل كثرة الطيران، و لأن حركة الطيران قوية فهو محتاج إلى الإتقان لأجل الريش، و جعل ريشه وقاية مما يضره من حر أو برد و معونة متخللة الهواء للطيران و خص الأجنحة بأقوى الريش و انبته و اتقنه لكثرة دعاء الحاجة إليه، و جعل في سائر بدنه ريشًا غيره كسوة ووقاية و جمالًا له و ثبت أصل جميعه لأنه جبيرته و جمله، و جعل في ريشه من الحكمة أن البلل لا يفسده و الأدران لا توسخه. فإن أصابه ماء كان أيسر انتفاض يطرد عنه بلله فيعود إلى خفته ، و جعل له منفذًا واحدًا للولادة و خروج فضلاته لأجل خفته، و خلق ريش ذنبه معونة له على استقامته في طيرانه، فلولاه لما مالت به الأجنحة في حال الطيران يمينًا و شمالًا. فكان له بمنزلة رجل السفينة الذي يعدل بها سيرها و خلق في طباعه الحذر وقاية لسلامته.
و لما كان طعامه يبتلعه بلعًا بلا مضغ جعل لبعضه منقارًا صلبًا يقطع به اللحم و يقوم له مفام ما يقطع بالمدية، و صار يزدرد ما يأكله صحيحًا و أعين بفضل حرارة في جوفه تطحن الطعام طحنًا يستغنى به عن المضغ و ثقل الأسنان، و اعتبر ذلك بحب العنب و غيره فإنه يخرج من بطون الحيوان صحيحًا و ينسحق في أجواف الطير، ثم إنه خلقه يبيض و لا يلد لئلا يثقل عن الطيران، فإنه لو خلقت في جوفه حتى يكمل خلقها لثقل بها. و تعوق عن انهوض للطيران، أفلا ترى كيف دبر كل شئ من خلقه بما يليق به من الحكمة. أنظر إلى من أنزله و ألهمه الرقاد على بيضه فيحضنه مدة الحضانة، من ألهمه أن يلتقط الحب، فإذا ماع في بطنه غذى به أفراخه و هذا نوع من الطير، ثم أنظر مع هذا كيف احتمل هذه المشقة ، و ليست له رؤية و لا فكر في عاقبه، ولا له أمل يأمله في أفراخه كما يأمل الإنسان في ولده من العز و الرغد و بقاء الذكر. فهل هذا قطعًا إلا إلهام إلهي من فعل الله سبحانه.
أنظر كيف ألهم معرفة حمل الأنثى منه بالبيض، فألهموا حينئذ حمل الحشيش و توطئته في موضع التحضين و الولادة لتكون الرطوبة و التوطئة تحفظ البيض و يكون البيض محفوظًا في المهاد الذي يمهدونه و يستحسنونه في حال تحضينه.
انظر إلى الحمام كيف ألهم معرفة كمال الفرخ و انتهاء تحضينه للبيض حتى يكتشف عن الفرخ و يخرجه، و إن اتفق في البيض فساد بسبب عرق قام و تركه ، ثم انظر إلهامه بما يزق به فرخه فإنه أولا يزقه بالريح لتستعد حوصته لقبول ما يوضع فيها. ثم بعد ذلك يزقه من أول هضم، ثم إذا ماع الغذاء في حوصلته يزقه به حتى يدرجه يفعل مرارا حتى يولى
ص (31)
حوصلته فإنه لو أرسله إليه حبًا صحيحًا لعجز عن هضمه لضعف جسده ، فانظر إن كان هذا من فعل الطير و حكمته، ثم أنظر عند خروج الفرخ من البيضة كيف يسنده إلى جنبه لئلا يفقد الحرارة دفعة واحدة فيضر ذلك به ، و من الطير مما يخلق على هيئة أخرى لحكمة أخرى و لتعلم أن قدرة الله لا تنحصر في نوع واحد، بل كل حال له حكم يقوم بمصلحة ذلك الشئ، و ذلك أن الدجاج ما فيهم أهلية الزق ، بل جعلت أفراخهم يلتقطون غذاءهم عند خروجهم من البيضة، ثم انظر في الحمام الذكر و الأنثى كيف يتداولان على التسخين خوف أن يفسد بيضهم فيعقب هذا صاحبه كأن لهم علمًا بأن عدم هذا التدبير يفسد به بيضهم، ثم أنظر إلى خلق البيضة و ما فيها من الحكم لله ففيها المح الأصفر الحابر و الماء الأبيض الرقيق فبعضه لينشأمنه جسده. و بعضه يغتذى به إلى أن تنشق عنه، و ما في ذلك من التدبير المحكم العجيب، و كيف جعل معه غذاءه في بيضة مغلقة تتنقى به إلى حين كماله فيها و خروجه منها ، ثم انظر في حوصلة الطائر وما في حلقها من التدبير فإن مسلك طعامه إلى القانص ضيق لا ينفذ إليه إلا قليلا قليلا، فلو كان لا يلتقط حبه حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال الأمر عليه مع ما فيه من شدة الحذر و تنبه ما يؤذيه، فصار ما يحتكره احتراسًا لشدة حذره، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليؤدي فيها ما أدرك من الطعام بسرعة ثم ينفذ إلى القانصة على مهل، و فيها حكمة أخرى، فإن الطير الذي يزق أفراخه يكون رده الطعام من قرب أسهل عليه، ثم تأمل ريش الطائر فإنك تجده منسوجًا نسج الثوب من سلوك رقاق، و فيها من اليبس ما يمسك ما حولها، و من اللبن ما لا ينكسر معه و هي حاوية، قد ألف بعضها إلى بعض، كتأليف الخيط إلى الخيط و الشعر إلى الشعر، ثم تجده إذا فتحته أعني النسيج ينفتح قليلا، و لا ينشق ليدخله الريح فتثقله عن طيرانه، و تجد في وسط الريشة عمودًا غليظًا يابسًا مثبتًا قد نسج عليه كهيئة الشعر ليمسكه بصلابته، فلو عدم ذلك و عرضت الريشة دونه لفسخها ما يقابلها من الهواء و هي مع صلابته مجوفة ليخف عليه طيرانه.
انظر إلى الطائر الطويل الساقين و الحكمة في طولهما أنه يرعى أكثر رعية في صحصاح كأنه فوقه مراقب يتأمل ما يدب في الماء، فإذا رأى شيئًا من حاجة خطا خطوًا رفيقًا حتى يتناوله، فلو كان قصير الساقين لكان حين يخطو إلى الصيد يصل بطنه إلى الماء فيهزه فيذعر منه الصيد فيبعد عنه.
انظر إلى العصافير و غيرها فإنها تطلب رزقها في طول نهارها فلا هي تفقده و لا هي تجده مجموعًا محله، و هو أمر جار على سنة الله في خلقه، فإن صلاحهم في السعي في طلب الرزق، فإن الطير لو وجده مسيرًا أكب عليه و لا يقلع عنه حتى يمتلئ فيثقل عن
ص (32)
الطيران و لا يستطيع رده أعني قذفه من بطنه مثل طير الماء الكبير فإنه يأكل السمك، فإذا امتلأ منه و أزعجه مزعج تقايأه حتى يخف للطيران. و كذلك الناس أيضًا لو وجدوه بلا سعي لتفرغوا إفراغًا يوقعهم في غاية الفساد.
انظر إلى هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا ليلًا مثل البوم و الهام و الخفاش فإن عيشها يتيسر في الجو، و كالبعوض و الفراش و شبهه فإنها منبثة في هذا الجو، فجعل عيشه في موضع أقرب إليه من الأرض، و لعل نوره لا يعينه أن يلتقط من الأرض بدليل أنه لا يظهر في نور الشمس إلا مختفيا، فألهم أن يعيش في الجو من الفراش و غيره، انظر إلى الخفاش لما خلق بغير ريش كيف خلق له ما يقوم مقامه و جعل له فم و أسنان و كل ما في البهائم الأرضية من الولادة و غيرها و أقدر على الطيران. فأظهر سبحانه فيه أن قدرته على الطيران لا تقصر على ما خلق له الريش و لا تنحصر في نوع واحد، لأنه خلق هذا النوع، و خلق من السمك جنسًا يطير على وجه البحر مسافات طويلة، ثم ينزل الماء فسبحان القاضي العليم.
انظر إلى الذكر و الأنثى في الحمام كيف يتعاونان على الحضانة، فإذا احتاج أحدهما إلى قوته ناب الآخر إلى آخر وقت الحضانة، ثم ألهمهما الحرص على الحضانة فلا يطيلان الغيبة على البيض إذا خرجا لنيل القوت حتى أنهما يجتمع في أجوافهما البراز للحرص على الرقاد، فإذا اضطر إلى خروج البراز أخرجه دفعة واحدة. ثم انظر إلى حرص الذكر حين تحمل الأنثى بالبيض و يقرب أوان وضعها كيف يطردها و ينقرها، و لا يدعها تستقر خارجًا عن الوكر خشية أن تضع البيض في غير الوضع المهيأ لوضعه. انظر كيف يزق أفراخه و يعطف عليها ما دامت محتاجة إلى الزق حتى إذا كبرت و اشتدت و لقطت و استغنت عن أبويها صارت إذا تعرضت له لنيل ما اعتادت ضربها و صرفها عن نفسه و اشتغل بغيرها، ثم انظر ما خلق الله تعالى في الكواسر من شدة الطيران حتى لا يسبق له من يطلبه و من قوة المخلب وجدته في المنقار و الأظفار، فكان مخلبها مدية للقطع ، و كان مخلب أرجلها خطاطيف يعلق فيها اللحم حتى يصل ما يحتاجه من قوتها.
انظر إلى طير الماء لما جعل فيه قوة السباحة و الغطس ليأخذ من جوف الماء رزقه، فجعل سبحانه و تعالى لكل صنف من الطيور ما يليق به في تحصيل قوته.
باب في حكمة خلق البهائم
قال الله سبحانه و تعالى :{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل:8].
اعلم وفقك الله و إيانا : أن الله خلق البهائم لمنافع العباد امتنانا عليهم كما نبهت على
ص (33)
ذلك هذه الآية، فخلقها الله بلحم مثبت على عظام صلبة تمسكه و عصب شديد و عروق شداد، و ضم بعضها إلى بعض و لم يجعلها لينة رخوة و لا صلبة كصلابة الحجارة، و جعل ذلك تجلدًا اشتمل على أبدانها كلها لتضبطها و تتقنها لأنها أريد منها القوة للعمل و الحمل ثم خلقها سبحانه سميعة بصيرة ليبلغ الإنسان حاجته، لأنها لو كانت عمياء صماء لم ينتفع بها الإنسان و لا وصل بها إلى شئ من مآربه، ثم منعت العقل و الذهن حكمة من الله لتذل للإنسان فلا تمتنع عليه إذا أكدها عند حاجته إلى إكدادها في الطحن و حمل الأثقال عليها إلى غير ذلك.
و قد علم الله أن بالناس حاجة إلى أعمالهم و هم لا يطيقون أعمالهم و لا يقدرون عليها، و لو كلف العباد القيام بأعمالها لأجهدهم ذلك و استفرغ قواهم فلا يبقى فيهم فضيلة لعمل شئ من الصناعات و المهن التي يخصون بعملها و خلقتهم قابلة لها و لا غنى لهم عنها و تحصيل الفضائل من العلوم و الآداب، و لكان ذلك مع إتعابه لأبدانهم يضيق عليهم معائشهم. فكان قضاؤه على هذا و تسخيرها لهم من النعم العظيمة، انظر في خلق أصناف من الحيوان و تهييئها لما فيه صلاح كل صنف منها، فبنو آدم لما قدروا أن يكونوا ذوي علاج للصناعات و اكتساب العلوم و سائر الفضائل و لا غنى لهم عن البناء و الحياكة و النجارة و غير ذلك خلقت لهم العقول و الأذهان و الفكر، و خلقت لهم الأكف ذوات الأصابع ليتمكنوا من القبض على الأشياء و محاولات الصناعات. و آكلات اللحم لما قدر أن يكون عيشها من الصيد و لا تصلح لغيره خلقت لها مخالب و سرعة نهضة و أنياب. و آكلات النبات لما قدر أن تكون غير ذات صنعة و لا صيد، خلقت لبعضها أظلاف كفتها خشونة الأرض إذا جالت في طلب المرعى و لبعضها حوافر مستديرة ذات قعر كأخمص القدمين لتنطبق على الأرض و تتهيأ للحمل و الركوب.
تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان كيف خلقت ذوات أسنان حداد و أضراس شداد و أفواه واسعة و أعينت بسلاح و أدوات بذلك ما تطلبه ، فإن ذلك كله صالح للصيد، فلو كانت البهائم التي عيشها النبات ذوات مخالب و أنياب كانت قد أعطيت مالا تحتاج إليه، لأنها لا تصطاده و لا تأكل اللحوم، و لو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه من السلاح الذي به يصطاد. فانظر كيف أعطى سبحانه كل واحد من أصناف الحيوان ما يشاكله و ما فيه صلاحه و حياته انظر إلى أولاد ذوات الأربع كيف تجدها تتبع الأمهات مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى تربية و حمل كما يحتاج الآدميون، إذ لم يجعل في أمهاتها ما جعل في أمهات البشر من العقل و العلم و الرفق في أحوال التربية و القوة عليها بالفكر و الأكف و الأصابع المهيأة لذلك و لغيره، فلذلك أعطيت النهوض و الاستقلال
ص (34)
بأنفسها. و لذلك ترى فراخ بعض الطير مثل الدجاج و الدراج يدرج و يلقط عقيب خروجها من البيضة، و ما كان منها ضعيفًا لا نهوض له مثل فراخ الحمام و اليمام جعل في الأمهات عطفًا عليها، فصارت تعين الطعام في حواصلها، ثم تمجه في أفواه فراخها ولا يزال كذلك حتى ينهض و تستقل، فكل أعطى من اللطف و الحكمة بقسط. فسبحان المدبرالحكيم.
انظر إلى قوائم الحيوان كيف ينتقل أزواجًا لتتهيأ للمشي، فلو كانت أفرادًا لم تصلح لذلك، لأن المائي منها ينقل منها بعضه و يعينه على مشيه اعتماده على ما لم ينقله منها، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الأخرى وذو الأربع بينقل اثنين ويعتمد على اثنتين، وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل قائمتين من احد جانبيه، و يعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على الأرض كالسرير ولو كان يرفع يديه ويتبعها برجليه لفسد مشيه، فجعل ينقل اليمنى من مقدمه على اليسرى من مؤخره، و يعتمد الآخرين من خلاف أيضًا فتثبت على الأرض و لا تسقط إذا مشى لسرعة إلتحاقهما فيما بين المشي و الاعتماد.
أما ترى الحمار يذل للحمولة و الطحن، و الفرس مردعًا منها، و البعير لا تطيقه عدة رجال لو استعصى، و ينقاد لصبي صغير، و الثور الشديد يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ليستحرثه، و الفرس تركب و يحمل عليها السيوف و الأسنة في الحروب وقاية لراكبها، و القطيع من الغنم يرعاها صبي واحد فلو تفرقت فأخذت كل شاة منها جهة لنفورها لتعذرت رعايتها، و ربما أعجزت طالبها، و كذلك جميع الحيوان المسخر للإنسان، و ما ذلك إلا لأنها عدمت العقل و التروي. فكان ذلك سببًا لتذليلها فلم تلتو على أحد من الناس، و إن أكدها في كثير من الأحوال. و كذك السباع لو كانت ذوات عقل و روية لتواردت على الناس و أنكتهم نكاية شديدة عظيمة و لعسر زجرها و دفعها، ولا سيما إذا اشتدت حاجتها في طلب قوتها و يشتد خللها، ألا يرى إذا إحجمت عن الخلق و صارت في أماكنها خائفة تهاب مساكن الناس و تحجم عنها حتى صارت لا تظهر و لا تنبعث في طلب قوتها في غالب أحوالها إلا ليلا، فجعلها مع شدة قوتها و عظم غذائها كالخائفة من الإنس ، بل هي ممنوعة منه ، و لولا ذلك لساورتهم في منازلهم و ضيقت عليهم في مساكنهم.
ألا ترى الكلب و هو من بعض السباع كيف سخر في حراسة منزل صاحبه حتى صار يبذل نفسه و يترك نومه حتى لا يصل إلى صاحبه ما يؤذيه، ثم إنه أعان صاحبه بقوة صوته حتى يتنبه من نومه فيدفع عن نفسه و يألفه حتى يصير معه على الجوع و العطش و الهوان و الجفاء ، فطبع على هذه الخلال لمنفعة الإنسان في الحراسة و الاصطياد. و لما جعله الباري سبحانه حارسا أمده بسلاح، و هي الأنياب و الأظافر و اللهث القوي ليذعر به السارق و المريب، و ليجتنب المواضع التي يحميها.
ص (35)
ثم انظر كيف جعل ظهر الدابة سطحًا مثبتًا على قوائم أربع لتهيد الركوب و الحمولة و جعل فرجها بارزًا من ورائها ليتمكن الفحل من ضرابها، إذ لو كان أسفل باطنها كالآدمي لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه لا يستطيع أن يأتها كفاحًا كما يأتي الرجل المرأة فتأمل هذه الحكمة و التدبير ، و لما كان فرج الفيلة تحت بطنها ، فإذا كان وقت الضراب ارتفع و برز للفحل حتى يتمكن من إتيانها فلما لم يخلق في الموضع المخلةق في الأنعام و البهائم خلقت فيه هذه الصفة ليقوم الأمر الذي به دوام التناسل، و ذلك من عظيم العبر، ثم انظر كيف كسيت أجساد البهائم الشعر و الوبر ليقيها ذلك الحر و الرد و غيره من الآفات، و حملت قوائمها على الأظلاف و الحوافر ليقيها ذلك من الحفاء، و ما كان منها بغير ذلك جعت له أخفاف تقوم مقام الحافر في غيره، و لما كانت البهائم لا أذهان لها و لا أكف و لا أصابع تتهيأ للأعمال ، كفيت مؤنة ما يضر بها بأن جعلت كسوتها في خلقتها باقية عليها ما بقيت فلا تحتاج إلى استبدال بها و لا تجديد بغيرها بخلاف الآدمي ، فإنه ذو فهم و تدبير و أعضاء مهيأة لأعمال ما يقترحه و له في إشغاله بذلك صلاح و فيه حكمة، فإنه خلق على قابا؛ لفعل الخير و الشر و هو إلى فعل الشر أميل إلى فعل الخير ، فجعلت الأسباب التي يحصل بها ما هو محتاج إليه ليشتغل بها عما فيه فساده و هلاك دينه فإنه لو أعطي الكفاية في كل أحواله أهلكه الأشر و البطر، و كان من أعظم الحيوانات فسادًا في الأرض و لتصرف بعقله الذي هو مخلوق لينال به السعادة إلى ما فيه شقاوته، ثم إن الآدمي مكرم ليتخير من ضروب الملابس ما شاء ، فيلبس منها ما شاء، و يخلع منها ما شاء و يتزين بها و يتجمل و يتلذذ منها بما يشاء و يكمل بها زينته و جماله و بهائه في عين من يصحبه و يحب قربه و يطيب بذلك رائحته و ينعش نفسه، و هذا من باب النعمة عليه و الكرامة له بخلاف البهائم فإنها غنية عن هذا كله، انظر فيما ألهم الله البهائم و الوحوش في البراري، فإنها تواري أنفسها كما يواري الناس موتاهم فما أحس منها بالموت توارى بنفسه إلى موضع يحتجب فيه حتى يموت و إلا فأين جثث السباع و الوحوش و غيرها، فإنك لو طلبت منها شيئًا لم تجده و ليست قليلة فيخفى أمرها لقلتها بل لو قال قائل أنها أكثر من الإنس لم يبعد لأن الصحاري قد إمتلأت من سباع و ضباع وبقر و حمير ووعل و إبل و خنازير و ذئاب و ضروب من الهوام و الحشرات و أصناف من الطير و غير ذلك مما لا يحصى عدده، و هذه الأصناف في كل يوم يخلق منها و يموت منها ولا يرى لها رمم موجودة، و الذي أجرى الله بها عادتها أن تكون في أماكنها، فإذا أحست بالموت أتت إلى موضعها خفية فتموت فيها، فانظر هذا الأمر الذي ألهمت له هذه الأصناف في دفن جثثها بما فطرت عليه و شخص لبني آدم بالفكر و التروي.
ص (36)
تأمل الدواب كيف خلق أعينها شاخصة أمامها لتنظر ما بين يديها فلا تصدم حائطًا و لا تتردى في حفرة، و إذا قربت من ذلك نفرت منه و ابعدت نفسها عنه و هي جاهلة بعاقبة ما يلحقها منه، أليس الذي جبلها على ذلك أراد صلاحها و سلامتها لينتفع بها؟ ثم أنظر إلى فمها مشوقًا إلى أسفل الخطم لتتمكن من نيل العلف و الرعي. و لو جعل كفم الإنسان لم تستطع أن تتناول شيئا من الأرض و أعينت بالحجفلة لتقصم بها ما قرب منها، فألهمت قصم ما فيه صلاحها و ترك مالا غذاء لها فيه و لا صلاح، انظر ما كان من البهائم كيف يمز الماء في شربه مزًا، و كيف خلقت فيه شعرات حول فمه يدفع بها ما في شربها ما كان على وجه الماء من القذى و الحشيش و يحركها تحريكًا يدفع بها الكدر عن الماء حتى يشرب صفوه، فتقوم لها هذه الشعرات مقام فم الإنسان، ثم انظر إلى ذنب البهيمة و حكمته، و كيف خلق كأنه غطاء في طرفه شعر، فمن منافعه أنه بمنزلة الغطاء على فرجها و دبرها ليسترها و منها أن ما بين دبرها و طرق بطنها أبدً يكون فيه وضر يجتمع بسببه الذباب و البعوض و يجتمع أيضًا، على مؤخرها، فأعينت على دفع ذلك بتحريك ذنبها، فصار كأنه مدية في يدها تذب بها و تطرد عنها ما يضر بها، ثم إنها تعطف برأسها فتطرد به ما في مقدمها من الذباب أيضًا ثم إن الدابة أيضًا أعينت بحركة مختصة، و ذلك أن الذباب إذا وقع عيها في مواضع بعيدة من رأسها و ذنبها حركت ذلك الموضع من جلدها تحريكًا تطرد به الذباب و غيره عنها. و ذلك من عجيب الحكمة فيما لا ينتفع بيدين.
و من الحكمة فيه أيضًا أن الدابة تستريح بتحريكه يمنة و يسرة لأنها لما كان قيامها على أربع اشتغلت يداها أيضًا بالحمل لبدنها و التصرف، فجعل لها في تحريك ذنبها منفعة و راحة، و أعينت بسرعة حركته حتى لا يطول ألمها بما يعرض لها، و من الحكمة فيه أن البهيمة إذا وقعت في بركة أو مهواة أو رحلت في طين أو غيره. فلا تجد شيئًا أهون على نهوضها و خلاصها منه من الرفع بذنبها، و من ذلك إذا خيف على حملها أن ينقلب على رقبتها عند هبوطها من مكان مصبوب أو ليسبقها رأسها فتنكب على وجهها، فيكون مسكها بذنبها في هذه المواضع يعد لها و يعينها على اعتدال سيرها و سلامتها مما خيف منه عليها إلى غير ذلك من مصالح لا يعلمها إلا الحكيم العليم.
انظر إلى مشفر الفيل، و ما فيه الحكمة و التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف و إيصاله إلى فمه، فلولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا في الأرض إذ لم يجعل له عنق يمده كسائر الأنعام، فلما عدم العنق في هذا الخلق جعل له هذا الخرطوم يمده فيتناول به ما يحتاجه فسبحان اللطيف الخبير، انظر كيف جعل هذا الخرطوم وعاء يحمل فيه الماء إلى فمه و منخرًا يتنفس منه و آله يحمل بها ما أراد على ظهره أو يناول من هو راكب عليه، انظر إلى
ص (37)
خلق الزرافة لما كان منشؤها في رياض شاهقة خلق لها عنقًا طويلًا لتدرك قوتها من تلك الأشجار.
تأمل في خلق الثعلب فإنه إذا حفر له بيتًا في الأرض جعل له فوهتين إحداهما: ينصرف منها، و الأخرى: يهرب منها إن طلب و يرفق مواضع في الأرض في بيته، فإن طلب من المواضع المفتوحة ضرب برأسه في المواضع التي رفقها، فخرج من خير المنافذ و هي المواضع التي تحتها، انظر ما خلق الله تبارك و تعالى في جبلته لصيانة نفسه، و جملة القول في الحيوان: أن الله تبارك و تعالى خلقه مختلف الطباع و الخلق، فما كان منه ينتفع الناس بأكله خلق فيه الانقياد و التذليل و جعل قوته النبات، و ما جعل منه للحمل جعله هادئ الطبع قليل الغضب منقادًا منفعلًا على صور يتهيأ منه الحمل، و ما كان منه ذا غضب و شر إلا أنه قابل للتنظيم إذا نظم خلق فيه القبول للتعليم ليستعين العباد بصيده و حراسته و أعين بآلات قد تقدم ذكرها، و من جملة ذلك الفيل فإنه ذو فهم مخصوص به و هو قابل للتأنس و التعلم فيستعان به في الحمل و الحروب، و منها ما له غضب و شر إلا أنه متأنس بالإنسان لمنفعته كالهرة، و من الطير ما للناس به انتفاع لما فيه من الألفة و التأنس، فمن ذلك الحمام يألف موضعه فشغل بسببه في الإخبار بسرعة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، و جعله الله سبحانه و تعالى كثير النسل فيكون منه طعام ينتفع به، و من ذلك البازى، فإن طباعه تنتقل إلى التأنس، و إن كان في طبعه مباينًا إلا أنه لما علم الله أنه ينتفع بصيده جعل في القبول للتنظيم حتى خرج عن عادته و بقى يعمل ما يوافق أصحابه وقت الصيد. و ما خفي من الحكم في خلق الله تعالى أكثر مما علم.
باب في حكمة خلق النحل و النمل و العنكبوت و دود القز و الذباب و غير ذلك:
قال الله سبحانه و تعالى: { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].
انظر إلى النمل و ما ألهمت له في احتشادها في جمع قوتها و تعاونهم على ذلك و إعداده لوقت عجزها عن الخروج و التصرف بسبب حر أو برد، و ألهمت في تقلب ذلك من الحزم ما لم يكن عند من يعرف العواقب حتى تراها في ذلك إذا عجز بعضها عن حمل ما حمله أو جهد به أعانه آخر فيه، فصارت متعاونة على النقل كما يتعاون الناس على العمل الذي لا يتم إلا بالتعاون، ثم إنها ألهمت حفر بيوت في الأرض تبتدئ في ذلك بإخراج ترابها و تقصد إلى الحب الذي منه قوتها فتقسمه خشية أن ينبت بنداوة الأرض فمن
ص (38)
خلق هذا في جبلتها إلا الرحمن الرحيم، ثم أصاب الحب بلل أخرجته فنشرتهه حتى يجف، ثم إنها لا تتخذ البيوت إلا فيما علا من الأرض خوفًا من السيل أن يغرقها.
ثم انظر إلى النحل و ما ألهمت إليه من العجائب و الحكم، فإن الباري سبحانه جعل لها رئيسًا تتبعه و تهتدي به فيما تناوله من أقواتها، فإن ظهر مع الرئيس الذى تتبعه رئيس آخر من جنسه قتل أحدهما الآخر. و ذلك لمصلحة ظاهرة و هو خوف الافتراق، لأنهما إذا كانا أميرين و سلك كل واحد منهما فجًا افترق النحل خلفهما، ثم إنها ألهمت أن ترعى رطوبات من على الأزهار فيستحيل في أجوافها عسلا، فعلم من هذا التسخير ما فيه من مصالح العباد من شراب فيه شفاء للناس كما أخبر سبحانه و تعالى، و فيه غذاء و ملاذ للعباد و فيه من أقوات فضلات عظيمة جعلت لمنافع بني آدم. فهي مثل ما يفضل من اللبن الذي خلق لمصالح أولاد البهائم و أقواتها و ما فضل من ذلك، ففيه من البركة و الكثرة ما ينتفع به الناس، ثم انظر ما تحمله النحل من الشمع في أرجلها لتوعي فيه العسل و تحفظه، فلا تكاد تجد وعاء أحفظ للعسل من الشمع في الأجناح فانظر في هذه الذبابة: هل في عملها و قدرتها جمع الشمع مع العسل أو عندها من المعرفة بحيث رتبت حفظ العسل مدة طويلة باستقراره في الشمع و صيانته في الجبال و الشجر في المواضع التي تحفظه ولا يفسد فيها، ثم انظر لخروجها نهارًا لرعيها و رجوعها عشية إلى أماكنها، و قد حملت ما يقوم بقوتها و يفضل عنها، و لها في ترتيب بيوتها من الحكمة في بنائها حافظ لما تلقيه من أجوافها من العسل، و لها جهة أخرى تجعل فيها برازها مباعدًا عن مواضع العسل، و فيها غير هذا مما انفرد الله بعلمه.
انظر إلى العنكبوت و ما خلق فيها من الحكمة، فإن الله خلق في حدها رطوبة تنسج منها بيتًا لتسكنه و شركًا لصدها فهو مخلوق من جسدها، و جعل الله غذاءها من أقواتها ينصرف إلى تقويم جسدها، و إلى خلق تلك الرطوبة المذكورة فتنصبه أبدا مثل الشرك و قي ركن الشرك بيتها و تكون سعة بيتها بحيث يغيب شخصها، و للشرك من خيوط رقاق تلتف على أرجل الذباب و الناموس و ما أشبه ذلك، فإذا أحست أن شيئًا من ذلك وقع في شركها خرجت إليه بسرعة و أخذته محتاطة عليه و رجعت إلى بيتها فتقتات بما يتيسر لها من رطوبة تلك الحيوانات، و إن كانت مستغنية في ذلك الوقت شكلته و تركته إلى وقت حاجتها. فانظر ما جعل الله فيها من الأسباب لحصول قوتها، فبلغت في ذلك ما يبلغه الإنسان بالفكرة و الحيلة، كل ذلك لإصلاحها و لنيل قوتها و لتعلم أن الله هو المدبر لهذا.
ثم انظر من العجائب دود القز، و ما خلق فيها من الأشياء التي يتحير منها و تذكر الله عند رؤيتها، فإن هذا الدود خلق لمجرد مصلحة الإنسان و منافعه، فإن هذا الحيوان الذي
ص (39)
يخلق من جسمه الحرير و ذلك أن صورة البزر تحضن حتى إذا حمى عاد دودًا كالذر فيوضع هذا الدود على ورق التوت فيتغذى منه، فلا يزال يرعى منه حتى يحفر جسمه فينبعث إلى غزل نفسه جوزة الحرير، فلا يزال كذلك حتى يفنى جسمه و تعود جودة الحرير و يصير هو جسما ميتا لا حياة فيه، ثم انظر فإن الباري سبحانه لما أراد حفظ هذا الجنس ببقاء نسله فعندما ينتهي من غزل الحرير و يعفى ذلك الجسم يقلبه الله إلى صورة طائر صغير قريب من صورة النحل فيجمع على بساط أو غيره و هو في رأي العين جنس واحد لا يتميز منه الذكر من الأنثى، فيعلو الذكر منه على ظهر الأنثى و يقيم لحظة على ظهرها فتحبل لوقتها مثل ذلك البزر الذي حضن أولا، ثم يطير فيذهب فلا يبقى منها انتفاع إذ قد حصل منها المقصود و هو ذلك البزر. فانظر من ألهمها الرعي من ذلك الورق حتى يرتب منه و من ألهمها إلى غزل أجسادها حريرا حتى تفنى فيما غزلته، و من ربى لها أجنحة و قلب صورتها حتى صارت على هيئة تمكن فيها اجتماع الذكر و الأنثى لتناسلها و لو بقيت على صورتها الأولى لم يأت منها تناسل ولا هذا الإجتماع، ثم انظر ما يسره الباري سبحانه من عمل ما غزلته هذه الدودة على من يعمله من بني آدم حتى يكون منه أموال كثيرة و ملابس عظيمة و زينة. و انظر هذا التسخير العجيب في هذا الحيوان اللطيف و ما اظهر فيه سبحانه من بديع الصنع و عجيب الفعل و عظيم الاعتبار، و ما جعل فيه من البرهان و الآيات على بعث الأموات و إعادة العظام الرفات سبحانه لا اله الا هو العلي العظيم.
ثم انظر الذبابة و ما أعينت به في نيل قوتها، فإنها خلقت بأجنحة تسرع بها إلى موضع تنال فيه قوتها و تهرب بها عما يهلكها و يضر بها و خق لها ستة أرجل تعتمد على أربع و تفضل اثنتين، فإن أصابها عثار مسحته بالرجلين اللذين تليهما، و ذلك لرقة أجنحتها، و لأن عينيها م يخلق لهما الهداب، لأنهما بارزتان عن رأسها، و جعل هذا الحيوان و ما جرى مجراه مما يتعلق ببني آدم وقع عليهم دائمًا و ينغص عليهم عيشهم ليعرفهم الباري سبحانه هوان الدنيا حتى تصغر عندهم و يهون أمر فراقها و هو وجه من وجوه الحكمة عليهم.
تأمل كثيرا من الحيوان الصغير عندما تلمسه يعود كأنه جماد لا حراك به، و يبقى على ذلك ساعة، ثم يتحرك و يمشي، و هل ذلك إلا لأن ما يصطاده إذا دلت هيئته على عدم حياته، فإذا كان شبيها بالجماد ترك كما تترك سائر الحجارة. تأمل العقاب عندما يصطاد السلحفاة يجدها كأنها حجر، و لا يجد فيها موضعا لأكله، فيصعد بها في مخالبه حتى إذا أبعد من الأرض اعتدل بها على جبل أو حجارة و أرسلها فتهشمها الوقعه فيسقط عليها فيأكلها. فانظر كيف ألهم الطريق في نيل قوته من غير عقل و لا روية.

ص 40
انظر إلى الغراب لما كان مكروهاً خلق في في طبعه الحذر لصيانة نفسه حتى كأنه يعلم الغيب فيما يتقصده، وألهم الاحتيال في إخفاء عشه لصون فراخه وقل احتفاله بالأنثى خشية أن تشغله عن شدة حذره، ولذلك قل أن يرى مجتمعاً مع أنثى، فهذا أبداً دأبه وحاله مع من له عقل وفطنة وتراه مع البهائم على خلاف ذلك فيقف على ظهورها ويأكل من دم البعير، ومن أرواث الدواب وقت تبرزها، وإذا وجد شيئاً من قوته وأكل منه وشبع دفن باقيه حتى يعاوده وقتاً آخر، فما خلق هذا في طبعه ودبره بهذا التدبير العجيب إلا الله، لأنه لا عقل له ولا روية.
انظر إلى الحدأة لما كانت مكروهة حفظت نفسها بقوة طيرانها وتعاليها وحفظت في أمر قوتها بقوة بصرها، فإنها ترى ما تقتات به في الأرض مع علوها في الجو فتنحط نحوه بسرعة، وألهمت معرفة من هو مقبل، ومن هو مدبر فتخطف ما تخطفه من الناس من ورائهم. ولا تخطف مما يستقبلها لئلا يمنعها المستقبل بيديه، وأعينت لما كان غذاؤها من هذه الوجوه بأن جعلت لها مخالب كأنها السنانير لا يكاد يسقط منها ما ترفعه، فسبحان المدبر الحكيم.
انظر إلى الحيوان المسمى حرباء وما فيه من التدبير، فإنه خلق بطيئاً في نهضته، وكان لا بد له من قوته، فخلق في صورة عجيبة، فخلقت عيناه تدور لكل جهة من غير حركة في جسده ولا قصد إليه ويبقى جامداً كأنه ليس من الحيوان، ثم أعطي مع السكون وهو أنه يتشكل في لون الشجر التي يكون عليها حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب أو غيره أخرج لسانه فيخطف ذلك بسعة خفوق البرق، ثم يعود على حالته كأنه جزء من الشجرة، وجعل الله لسانه بخلاف المعتاد ليلحق به ما بعد عنه بثلاثة أشبار أو نحوه، فقد سخر له ما يصطاد به على هذه المسافة، وإذا رأى ما يريعه ويخيفه شكل على هيئة وشكل ينفرد منه من من يصطاد من الحيوان ويكرهه. فانظر هذه الأشياء التي خلقت فيه لأجل قلة نهضته فأعين بها.
انظر إلى الحيوان الذي يسمى سبع الذباب وما أعطي من الحيلة والرفق فيما يقتات به، فإنك تجده يحس بالذباب قد وقع قريباً منه فيركد ملياً حتى كأنه ميت أو جماد لا حراك به، فإذا أحس أن الذباب قد اطمأن دب منه دبيباً دقيقاً حتى لا ينفره حتى إذا صار قريباً منه بحيث يناله بوثبه وثب عليه فأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسده كله خشية أن يتخلص منه الذباب فلا يزال قابضاً عليه حتى يحس ببطلان حركته فيقبل عليه فتغذى منه بما يلائمه فانظر إلى هذه الحيلة من فعله أو هي مخلوقة من أجل رزقه فسبحانه البارئ الحكيم.
ص 41
انظر إلى الذر والبعوض الذي اوهن الله قوتها وأصغر قدرتها وضرب بها المثل في كتابه، هل تجد فيه نقصاً عما فيه صلاحها من جناح تطير به ورجل تعتمد عليها وبصر تقصد به موضعاً تنال فيه قوتها وآلة لهضم غذائها وإخراج فضلته. وانظر هل يمكن أن يعيش من غير قوت وهل يمكن أن يكون القوت في غير محل واحد، وإخراج فضلته من غير منفذ، ثم انظر كيف دبرها العزيز الحكيم، فسواها وقدر أعضاءها واستودعها العلم والمعرفة بمنافعها ومضارها، وكله دليل على علمه وقدرته وحكمته البالغة، فهي بعوضة صغرت في النظر، ومع هذا فلو أن أهل السموات والأرض من الملائكة، فمن دونهم من العالمين وسائر الخلق أجمعين أرادوا أن يعرفوا كيف قسم الخالق سبحانه أجزاءها وحسن اعتدال صورتها في أعضائها لما قدروا على ذلك إلا تظاهراً لمنظر العجز منهم على عدم علم حقيقة الخبر، ولو اجتمعوا ثم تفكروا كيف ركبت معرفتها حتى عرفت أن ما بين الجلد واللحم دماً وهو الذي منه غذاؤها، ولولا معرفتها به لم تدم على مصه تطعمه وكيف همتها التي قصدت بها أن تطير إلى الموضع الذي ألهمها ربها أن فيه غذاءها، وكيف خرق سمعها، وكيف سمعت حس من يقصدها وكيف عرفت أن نجاتها في الفرار إذا ولت هاربة ممن قصدها فلن يدرك ذلك منها الخلائق أجمعون، ولو جزءوها، ما ازدادوا في أمرها إلا عمى وبعداً عن المعرفة، فهذه الحكمة والقدرة في بعوضة فما ظنك بجميع مخلوقاته سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
باب في حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحكم
قال الله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ) ( النحل : 14 ).
انظر واعتبر بما خلق الله تعالى في البحار والأنهار من الحيوان المختلف الصور والأشكال، وما فيه من الآيات البينات، فإنه تعالى لما جعل مسكنه في الماء لم يخلق له قوائم ولم يخلق فيه رئة، لأنه لا يتمشى وهو منغمس في لجة الماء، وخلقت له مكان القوائم أجنحة شداد يحركها من جانبه فيسير بها حيث شاء، وكسا جلده كسوة متداخلة صلبة تخالف لحمه متراصة كأنها درع لتتقيه ما يعتدي عليه وما يؤذيه، وما لم يخلق له من السمك تلك الكسوة وهي القشر المتداخل المخلوق على ظاهره، خلق له جلداً غليظاً متقناً له مقام تلك الكسوة لغيره، وخلق له بصراً وسمعاً وشماً ليستعين بذلك على نيل قوته والهرب مما يؤذيه.
وانظر كيف أعطي في قعر البحر ما يناسبه في نيل القوت والهرب مما يضره، ولما علم الله سبحانه أن بعضه غذاء لبعض كثره وجعل أكثر أصنافه يحمل ولم يجعل الحمل منه
ص 42
مخصوصاً بالأنثى دون الذكر كحيوان البر، بل جعل الذكر والأنثى جنساً واحداً يخلق في بطونها مرة واحدة في وقت معلوم ذريعة مجتمعة مشتملة على عدد لا ينحصر، فيخلق من جوف واحد عدداً لا يحصى، وذلك من كل برزة حوتاً من الجنس ومن جنس آخر يخلق في الأنهار وغيرها بغير توالد فيخلق منها أعداداً لا تنحصر دفعة واحدة، ومنه صنف يتوالد بالذكر والأنثى، وهذا الجنس يخلق له يدان ورجلان مثل السلحفاة والتمساح وماشاكلهما فيتولد منها بيض، فإذا فقس البيض بحرارة الشمس خرج من كل بيضة واحد من الجنس، ولما علم الله سبحانه وتعالى أن السمك في البحر لا يمكن أن يحضن ما يخرج من بزره ألقى الروح في بزر جميعه عندما يولد فيجد فيه جميع ما يحتاج من الأعضاء عند إلقاء الروح فيه فيستقل ولا يفتقر إلى أحد في كمال خلقه، فانظر إلى هذه الحكمة واللطف حيث لك يمكن حضانته في البحر ولا تربيته ولا معونته البتة جعله مستقلاً بنفسه مستغنياً عن ذلك كله، ثم إن الله سبحانه كثره، لأن منه قوت جنسه وقوتاً لبني آدم والطير فلذلك كان كثيراً، ثم انظر إلى سرعة حركته وإن لم تكن له آلة كغيره من الحيوان وانظر إلى حركة ذنبه وانقسامه، وكيف يعتدل بذلك في سيره كما تعتدل السفينة برجلها في سيرها، وخلقت أرياشه ألواحاً من جانبيه ليعتدل بهما أيضاً في سيره فهو بمنزلة المركب، وانظر إلى عظامه كيف خلقت مثل العمد يبنى عليها، ففي كل موضع منه ما يليق به من صوة العظم المشاكل لذلك العضو، فهو كإنشاء المركب يمتد العظم الجافي الذي هو قوته ويخرج من أضلاع إلى مراقي البطن والظهر وعظام الرأس يحتاج إليه من الأمر وبه قوامه. وانظر إلى ما كان منه كاسراً كيف أعين على نيل قوته لصلابة اللحم وقوة النهضة وكثرة الأسنان حتى أنه لكثر أسنانه تكون العضة الواحدة تجزيه عن المضغ.
انظر إلى ما خلق الله في البحر ضعيفاً قليل الحركة مثل أصناف الصدف والحلزون كيف حفظ بأن خلق عليه ذلك الحصن الذي هو صلب كالرخام ليصونه ويحفظه، وجعل له بيتاً وسكناً، وجعل ما يولى جسده ناعماً أنعم ما يكون، وربما ضر ببيت بعض أصناف الحلزون حتى لا يكون فيه مطمع البتة، وأصناف منه خلقت في محائز مفتوحة لا يمكن صيانتها لنفسها لتغلقها ولا يضيق مسلكها، فجعل الله لها من الجبال والحجارة مغطى، وجعل لها أسباباً تلتصق بها في الجبل فلا يستطاع إخراجها إلا بغاية الجهد وجعل لها قوتاً من رطوبة الجبل تتأتى حياتها بذلك.
وأما الحلزون الذي بيته كأنه كوكب فإنه يخرج رأسه يرعى، فإذا أحس بما يؤذيه أدخل رأسه في بيته وختم عليه بطابع صلب يقرب من صلابة بيته فيغيب أثره بالجملة فانظر هذا اللطف وأن الله لم يهمل شيئاً. واعلم أن الله حافظ لما في البحار وما في الآكام والجبال. فتبارك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
ص 43
وانظر إلى أنواع من السمك يرعى قرب البر الصغير منها والجاً في الأعماق، وخلق الله في جوفه صبغاً كأنه حبر وهو يخلق له فيه من فضلة غذائه كما يخلق اللبن في الضرع، فإذا أحس ما يؤذيه أخرج من جوفه ما يعكر موضعه، ثم يذهب في الماء الذي تغير فلا يعرف كيف ذهب ولا كيف طريقه من تغيير الماء فعل الله ذلك له وقاية لنفسه وفعل فيه مصالح أخرى لا يعلمها إلا خالقها. انظر إلى نوع آخر من السمك أعين بأجنحة مثل أجنحة الخفاش ينتقل بها من موضع إلى موضع في الهواء من وجه الماء يظهر لمن لا يعرف ذلك أنه من طيور البر. انظر إلى نوع آخر من أنواع الأسماك ضعيف وكثيراً ما يكون في الأنهار، وجعل الله فيه خاصية تصونه إذا اقتربت منه يد من يأخذه وفيه الروح تخدر البدن واليد فيعجز قاصده عن أخذه بذلك السبب، فلو ملئت الكتب بعجائب حكم الله في خلق واحد لامتلأت الكتب وعجز البشر عن استكمالها وما هو المذكور في كل نوع تنبيه يشير إلى أمر عظيم.
باب في حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة الله تعالى
قال الله تعالى : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْـزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) ( النمل : 60 ).

انظر وفقك الله وسددك إلى ما على وجه الأرض من النبات وما في نظره من النعم من حسن منظره وبهجته ونضارته التي لا يعد لها شيء من مناظر الأرض، ثم انظر إلى جعل البارئ فيه من ضروب المنافع والمطاعم والروائح والمآرب التي لا تحصى، وخلق فيه الحب والنوى مخلوقاً لحفظ أنواع النبات، وجعل الثمار للغذاء والتفكه والإتيان منها للعلف والرعي، والحطب للوقود، والأخشاب للعمارة وإنشاء السفن ولغير ذلك من الأعمال التي يطول تعدادها، والورق والأزهار والأصول والعروق والفروع والصموغ لضروب من المصالح لا تحصى. أرأيت لو وجدت الثمار مجموعة من الأرض ولم يكن تنبت على هذا السوق الحاملة لها ما كان يحصل من الخلل في عدم الأخشاب والحطب و الإتيان بالعلف وسائر المنافع، وإن وجد الغذاء بالثمرات والتفكه بها. ثم انظر ما جعل الله فيها من البركات حتى صارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبة وأكثر من ذلك وأقل، والحكمة في زيادتها وبركاتها حصول الاقتيات وما فضل ادخر للأمور المهمة والزراعات، وذلك في المثال كملك أراد عمارة بلدة فأعطى أهله من البذر ما يبذرونه وفضلة يتقوتون بها إلى إدراك زرعهم، فهذه من الحكمة التي أعم الله بها البلاد وأصلح بها العباد، وكذلك الشجر
ص 44
والنخل يزكو وتتضاعف ثمراتها حتى تكون الحبة الواحدة الشيء العظيم ليكون فيه ما يأكله العباد ويصرفونه في مآربهم ويفضل ما يدخر ويغرس فيدوم جنسه ويؤمن انقطاعه، لولا نموه وبقاء ما يخلفه لكان ما أصابته جائحة ينقطع فلا يوجد ما يخلف.
تأمل في هذه الحبوب فإنها تخرج في أوعية تشبه الخرائط لتصونها إلى أن تشتد وتستحكم كنا تغلق البشيمة على الجنين، فأما البزر وما أشبه من الحبوب، فإنه يخرج من قشور صلبة على رءوسها أمثال الأسنة ليمنع الطير. فانظر كيف حصنت الحبوب بهذه الحصون وحجبت لئلا يتمكن الطير منها فيصيب بها، وإن كان يناله منها قوته إلا أن حاجة الآدمي أشد واولى. تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوانات ولم يخلق فيها حركات تتبعث بعها ولا آلات توصل إليها غذاءها جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتجذب الماء من الأرض، فتتغذى بها أصولها وما علا منها من الأغصان و الأوراق والثمار، فصارت الأرض كالأم المربية لها، وصارت أصولها وعروقها كالأفواه الملتقمة لها، وكأنها ترضع لتبلغ منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان أمهاتها. ألم ترى إلى عمد الخيم والفسطاط كيف يمتد بالأطناب من كل جانب ليثبت منصته فلا يسقط ولا يميل، فهكذا أمر النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل جانب وتمسكه وتقيمه، ولولا ذلك لم تثبت الأشجار العالية، لا سيما في الرياح العاصفة. فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة واقتدى الناس في اعمالهم بحكمة الله في مصنوعاته، وتأمل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها، منها دقائق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجاً دقيقاً عجيباً، لو كان مما يصنع بأيدي البشر لما فرغ من ورقة شجرة واحدة إلا في مدة طويلة، وكان يحتاج إلى آلات وطول علاج. فانظر كيف يخرج منه في المدة القليلة ما يملأ السهل والجبال وبقاع الأرض بغير الآلة ولا حركة إلا قدرة البارئ وإرادته وحكمه، ثم انظر تلك العروق كيف تتخلل الورق بأسره لتسقيه وتوصل إليه المادة وهي بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الإنسان لتوصيل الغذاء إلى كل عضو منه، وأما ما غلظ من العروق فإنها تمسك الورق بصلابتها وقوتها لئلا ينتهك ويتمزق.
ثم انظر إلى العجم والنوى والعلة فيه، فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقامه إذا عدم ما يغرس أو عاقه سبب، فصار ذلك كالشيء النفيس الذي يخزن في مواضع شتى لعظم الحاجة إليه، فإن حدث على الذي في بعض المواضع من حادث وجد منه في موضع آخر، ثم في صلابته يمسك رخاوة الثمار ورقتها، ولولاه لسرحت وسرح الفساد إليها قبل إدراكها، وفي بعضها حب يؤكل وينتفع بدهنه ويستعمل في مصالح. ثم انظر إلى خلق الله
ص 45
تعالى فوق النواة من الرطب وفوق العجم من العنبة والهيئة التي تخرج عليها، وما في ذلك من الطعم واللذة والاستمتاع للعباد، ثم تأمل خلق الحب والنوى وما أودع فيه من قوة وعجائب، كالمودع في الماء الذي يخلق منه الحيوان وهو سر لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وما علم من ذلك يطول شرحه.
ثم انظر كيف حفظ الحب والنوى بصلابة وخلقت في ظاهره قشرة حتى أنه بسبب ذلك إن سقط في تراب أو غيره لا يفسد سريعاً ، وإذا ادخر لوقت الزراعة بقى محفوظاً، فصار قشره الخارج حافظاً لما في باطنه بمنزلة شيء نفيس عمل له صندوق يحفظه، عندما يوضع في الأرض ويسقى يخرج منه عرق في النوى وغصن في الهواء، وكما ازداد غصناً ازداد عرقاً تتقوى به أصل الشجرة وينصرف الغذاء منه إلى الغصن فهي كذلك إذ يتم غصنها قوتها فتكون الفروع محفوظة عن السقوط بالهواء والانكسار بالنقل أو بغيره ويصعد الماء في جذورها إلى أعالي الشجرة فيقسمه الله سبحانه بالقسط وميزان الحق، فينصرف للورق غذاء صالح له وللعروق المشتبكة في الأوراق لاتصال الغذاء إلى جوانب الورق ما يليق لغذائها، وللثمار غذاء صالح لها، وللأقماع واللحا والأزهار غذاء صالح لكل من ذلك ما يليق به ويصلحه، فهو كذلك حتى يكمل في الثمار نموها وطعمها ورائحتها وألوانها المختلفة وحلاوتها وطيبها، ثم انظر كيف جعل الله سبحانه خروج الأوراق سابقاً لخروج الثمار لأن الثمرة ضعيفة عند خروجها تتضرر بحر الشمس وبرد الهواء، فكانت الأوراق ساترة لها، وصار ما بينها من الفرج لدخول أجزاء من الشمس والهواء لا غنى للثمرة عنها فيحفظها ذلك من المن والعفن وغير ذلك من الفساد.
ثم انظر كيف رتب البارئ سبحانه الأشجار والثمار والأزهار، وجعلها مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح. فأشكالها ما بين طويل وقصير وجليل وحقير. وألوانها ما بين أحمر وأبيض وأصفر وأخضر، ثم كل لون منها مختلف إلى شديد وصاف ومتوسط، وطعومها ما بين حلو وحامض ومز وتفه ومر، وروائحها إلى عطرات لذيذات مختلفات، وقد أوضح الكتاب العزيز من ذلك ما ذكرناه بما يشرح الصدور برؤيتها وتنتعش النفوس لرونق بهجتها، وأودع الله سبحانه فيها منافع لا تحصى مختلفة التأثير. فمنها ما تقوى به القلوب، ومنها أغذية تحفظ الحياة، وجعلها مطعومة لذيذة عند تناولها، وخلق فيها بروزاً لحفظ نوعها تزرع عند جفافها وانفصال وقت نضارتها. انظر وتأمل ما في قوله عز وجل : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ) ( المؤمنون : 20 ). فأخرج سبحانه فيما
ص 46
بين الحجرو الماء زيتاً صافياً لذيذاً نافعاً كما اخرج اللبن من بين رفث ودم، ومن أخرج من النخل شراباً عسلاً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس، ولو جمعت هذه الأشياء في مستقر لكانت مثل الأنهار وكل ذلك لمنافع العباد. فانظر ما فيه من العبرة لذوي الأفكار، ثم انظر إلى الماء الصاعد من العروق الراسخة الحافظة للأعلى من الشجرة، وكيف قسم البارئ في غذاء النخلة، فقسم للجذر ما يصلح لها وللجريد، وما فيه من السل ما يصلح لها ويناسب جريدها ويرسل للثمرة ما يليق بها، وكذلك الليف الحافظ للأصول مع الثمرة وجعل الثمرة لما كانت ضعيفة في أول أمرها متراصة متراكمة بعضها فوق بعض مجموعة من غلاف متقن يحفظها مما يفسدها ويغيرها حتى إذا قويت صلحت أن تبرز للشمس والهواء، فشق عنها غلافها بالتدريج، وهو الذي كان حافظاً لها، فيصير يفترق شيئاً بعد شيء على قدر ما تحتمله الثمرة من الهواء والشمس حتى تكتمل قوتها، فتظهر جميعها حتى ما يضر بها ما يلقاها من حر وبرد، ثم تراها في النضج والطيب إلى بلوغ الغاية المقصودة منها فيلتذ حينئذٍ بأكلها ويمكن الانتفاع بادخارها وتصف في المآرب التي هيئت لها، واعتبر ذلك في جميع الأشجار، فإنك ترى من أسباب الحفظ ولطائف الصنع ما يتعبر به كل ذي فهم ولب، فمن ذلك خلق الرمانة وما فيها من غرائب التدبير، فإنك ترى فيها شحماً مركوماً في نواصيها غليظ الأسفل رقيق الأعلى كأمثال التلال في تلوينه أو البناء الذي وسع أسفله للاستقرار ورقق أعلاه حتى صار مرصوفاً رصفاً كأنه منضد بالأيدي، بل تعجز الأيدي عن ذلك التداخل الذي نظم حبها في الشحم المذكور، وتراه مقسوماً أقساماً، وكل قسم منه مقسوم مقسوم بلفائف رقيقة منسوجة أعجب نسج وألطفه لتحجب حبها حتى لا يلتقي بعضه ببعض فيفسد ولا يلحق البلوغ والنهاية، وعليها قشر غليظ يجمع ذلك كله، ومن حكمة هذه الصنعة أن حبها لو كان حشوها منه صرفاً بغير حواجز لم يمد بعضه بعضاً في الغذاء، فجعل ذلك الشحم خلاله ليمده بالغذاء، ألا ترى أصول الحب كيف هي مركوزة في ذلك الشحم ممدودة منه بعروق رقاق توصل إلى الحب غذاءها، وإلى حبة حبة غذاءها ومن رقها وضعفها لا تكدر على الأقل ولا تعرف بها، ثم انظر ما يصير من الحلاوة في الحب من أصول مرة شديدة المرارة قابضة، ثم تلك اللفائف على الحب تمسكه على الاضطراب وتحفظه، ثم حفظ الجميع وغشاه بقشر صلب شديد القبض والمرارة وقاية له من الآفات، فإن هذا النوع من النبات للعباد به انتفاعات وهو ما بين غذاء ودواء وتدعو الحاجة إليه في غير زمانه الذي يجني فيه من شجرة فحفظ على هذه الصفة لذلك.
انظر إلى عود الرمانة الذي ي متعلقة به كيف خلق مثبتاً متقناً حتى تستكمل خلقها فلا تسقط قبل بلوغها الغاية المحتاج إليها وهي من الثمرة المختصة بالإنسان دون غيره من
ص 47
الحيوان. انظر إلى النبات الممتد على وجه الأرض مثل البطيخ واليقطين وما أشبه ذلك وما فيه من التدبير، فإنه لما كان عود هذا النبات رقيقاً رياناً ذا احتياج إلى الماء لا ينبت إلا به جعل ما ينبت به منبسطاً على وجه الأرض، فلو كان منتصباً قائماً كغيره من الشجر لما استطاع حمل هذه الثمار مع طراوة عودها ولينها، فكانت تسقط قبل بلوغها بلوغ غاياتها، فهي تمتد على وجه الأرض لبلوغ الغاية وتحمل الأرض عودها وأصل الشجرة والسقي بمدها. وانظر هذه الأصناف كيف لا تخلق إلا في الزمن الصالح لها ولمن تناولها، فهي له معونة عند الحاجة إليها ولو أتت في زمان البرد لنفرت النفوس عنها ولأضرت بأكثر من يأكلها.
ثم انظر إلى النخل لما كانت الانثى منه تحتاج إلى التلقيح خلق فيها الذكر الذي تحتاج إليه لذلك حتى صار الذكر في النخل كأنه الذكر في الحيوان، وذلك ليتم خلق بزراعته تحفظ أصول هذا النوع. ثم انظر ما في النبات من العقاقير النافعة البديعة، فواحد يفور في البدن فيستخرج الفضلات الغليظة، وأخر لشد البطن في الطبيعة، وآخر للإسهال، وآخر للقئ، وآخر لروائحه، وآخر للمرضى والضعفاء، وكل ذلك من الماء، فسبحان من دبر ملكه بأحسن التدبير.
باب ما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب
قال الله العظيم : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ( الإسراء : 44 )
وقال تعالى : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ) ( الشورى : 5 )
وقال تعالى : ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) ( الرعد : 13 ).
اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب من بدائع الخلق وعجائب الصنع وما ظهر في مخلوقاته من الحكم آيات بينات، وبراهين واضحة، ودلائل دالات على جلال بارئها وقدرته ونفوذ مشيئته وظهور عظمته، فإنك إذا نظرت إلى ما هو أدنى إليك وهي نفسك رأيت فيها من العجائب والآيات ما سبق التنبيه عليه وأعظم منع، ثم إنك إذا نظرت إلى مستقرك وهي الأرض وأجلت فكرك فيها وأطلت النظر في استرسال ذهنك فيما جعل فيها وعليها من جبال شامخات، وما أحيط بها من بحار زاخرات، وما جرى فيها من الأنهار، وما انبث فيها من أصناف النباتات والأشجار، وما بث فيها من
ص 48
الدواب إلى غير ذلك مما يعتبر به أولو الألباب، ثم إذا نظرت إلى سعتها وبعد أكنافها، وعلمت عجز الخلائق عن الإحاطة بجميع جهاتها وأطرافها، ثم إذا نظرت فيما ذكرته العلماء عن نسبة هذا الحق العظيم إلى السماء وأن الأرض وما فيها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في أرض فلاة وما ذكره النظار من أن الشمس في قدرها تزيد على قدر الأرض مائة ونيفاً وستين جزءاً، وأن من الكواكب ما يزيد عن الأرض مائة مرة، ثم إنك ترى هذه النيرات كلها من شمس وقمر ونجوم قد حوتها السموات وهي مركوزة فيها، ففكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم كيف يكون قدرها، ثم انظر كيف ترى الشمس والقمر والنجوم والسماء الجامعة لذلك في حدقة عينك مع صغرها، وبهذا تعرف بعد هذا كله منك وعظم ارتقائه، ولأجل البعد ترى هذه النيرات صغيرة في رأي العين، ثم انظر إلى عظم حركتها وأنت لا تحس بها ولا تدركها لبعدها، ثم إنك لا تشك أن الفلك يسير في لحظة قدر الأرض مائة مرة وأكثر من ذلك وأنت غافل عن ذلك، ثم فكر في عظم قدر هذه الأشياء، واسمع قسم الرب سبحانه بها في مواضع من الكتاب العزيز فقال عز وجل : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) ( البروج : 1 ) ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) ( الطارق 1 - 3 )
وقال : ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) ( الواقعة : 75 ، 76 )
إلى غير ذلك من الآي، ثم ترق بنظرك إلى ما حواه العالم العلوي من الملائكة وما فيها من الخلق العظيم، وما اخبر به جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن إسرافيل عليه السلام، يقول جبريل : فكيف لو رأي إسرافيل، وإن العرش لعلى كاهله، وإن رجليه لفي تخوم الأرض السفلى، وأعظم من هذا كله قوله عز وجل : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) ( البقرة : 255 ). فما ظنك بمخلوق وسع هذا الأمر العظيم، فارفع نظرك إلى البارئ العظيم واستدل بهذا الخلق العظيم على قدر هذا الخالق العظيم، وعلى جلاله وقدرته وعلمه، ونفوذ مشيئته وإتقان حكمته في بريته، وانظر كيف جميع هذا الصنع العظيم ممسوك بغير عمد تقله، ولا علائق من فوقعه ترفعه وتثبته، فمن نظر في ملكوت السموات والأرض ونظر ذلك بعقله ولبه، استفاد بذلك المعرفة بربه والتعظيم لأمره، وليس للمتفكرين إلى غير ذلك سبيل، وكلما ردد العقل الموفق النظر والتفكر في عجائب الصنع وبدائع الخلق ازداد معرفة ويقيناً وإذعاناً لبارئه وتعظيماً، ثم الخلق في ذلك متفاوتون، فكل مثال من ذلك على حسب ما وهبه له من نور العقل ونور الهداية. وأعظم شيء موصل إلى هذه الفوائد المشار إليها تلاوة الكتاب العزيز، وتفهم ما ورد فيه وتدبر آياته مع ملازمة تقوى الله سبحانه.
ص 49
فهذا هو باب المرعفة بالله واليقين بما عند الله، ثم انظر وتأمل ما نشير إليه، فإنك علمت على الجملة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى به إلى أن بلغ المنتهى ورأى من آيات ربه الكبرى. واطلع على ملكوت ربه وتحقق أمر الآخرة والأولي. ودنا من ربه حتى كان كقاب قوسين أو أدنى. فما ظنك بعلم من شرف بهذا المعنى ثم أمر بأن يقول : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ( طه : 114 ). علمك بمعرفته ومن عليك بنور هدايته واستعملنا وإياك بطاعته. وجعلنا بكرمه أجمعين من أهل ولايته بمنه وكرمه وجوده إنه ولي ذلك.
صفحة 50
بسم الله الرحمن الرحيم
معراج السالكين
فاتحة معراج السالكين
اللهم إنا نحمدك و نشرك معتقدين فيك أنك لا ترتاح إلى الشكر ارتياح ذوي الحاجات لكن النفوس المؤيدة تأبى إلا الشكر لمنعمها. سبحانك أيها الرب الرحيم علمت مع نفوذ علمك و أمهلت مع شدة بطشك و لم تمنع الرزق من جاهر بعصيانك. تعاليت أنت القريب الظاهر الأول الآخر لا تستفزك سطوة العبيد و أنت أقرب إليهم من حبل الوريد.
و نسألك اللهم صلاة زاكية مباركة على نبي الرحمة و منقذ هذه الأمة محمد عبدك الدال عليك و الهادي إليك.
إخواني نصحت لكم فهل تحبون الناصحين و تحريت رشدكم فهل علي إلا البلاغ المبين و ما تغني النصيحة. و قد عم الداء و مرض الأطباء و استشفي بغير الشفاء و اعتيض من البصر بالعمى. و خبثت القلوب و رين عليها. و عطلت البصائر و نسب التقصير إليها. و اتخذت آيات الله هزوًا و لعبًا. و صيرت أغراض الآخرة إلى العاجلة سببًا فلا موقظ من غفلة و لا زاجر عن زلة:
مَرضى عن الخيرات في بحر الردى غرقى فلا داع لنهج أقوام
شغفوا بكل رذيلة مذمومة صرفت وجوههم لوجه الدرهم
ناموا عن المقصود لم يستيقظوا ستكون يقظتهم لخطب أعظم
فنعوذ بالله أن نكون ممن رغب عن طريق هو لها سالك، و قال هلك الناس و هو في جملتهم هالك.
اعلم أيها الأخ أن الباعث على إسعافك في مطلوبك غرضان مهمان. و لما اقتصرت في طلبك على موافقتهما و دارت رغبتك على تحصيل حقيقة مقصودهما. و اقتصرت همتك من بين العلوم على العلوم الإلهية و زعمت أن مقصودك طلب الخلاص من شر الاعتقادات الفاسدة، و الهرب من الآراء المجانية للحق المعاندة. رأيت تقديم التنبيه على الغرضين المذكورين لنيتوجب العذر فيما انتدبنا إليه، و ليكون ذلك المهم الأكبر الذي نبهنا عليه.
الغرض الأول: ما شاهدناه من فساد الزمان و أخذه في الازدياد و كثرة الآراء
صفحة 51
و فساد الاعتقاد، و عدم ذاب يبذل في الاجتهاد، و يمرها على كف الانتقاد، و لولا سياسة الملوك لعمت الخافقين ظلمها، و رسخ في كل الأقطار قدمها ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً. و يبقى ءسمًا كان إبقاؤه عليه وعدًا مسئولاً. و لكن تعاقب الزمان و طرو الحوادث و كثرة الصوارف و فتور الهمم داعية إلى الفسا، و الداء يزداد كل يوم أغذية السوء كالذنوب فرأيت إبراز هذه النبذ لتكون مغنية للسائلين و معينة للسالكين و منفعة باقية في الآخرين.
و الأهم من هذا الغرض التنبيه على غوائل الآراء البشعة التي استهوت عقول أكثر الناس و هم في ازدياد من هذا الفن، و هو سبب فتور الشرائع و هو عند الأنبياء على مر الأيام و النفوس مولعة بكل غريب لم تألفه و غامض لم تعهده فلا يسلم الغمز الجاهل من الوقوع فيه و الفطن المتباطيء عن الاغترار بما يظهر من مبادئه.
و قد كثرت ترهات هذه الطائفة لعلتين:
إحداهما: الزهد في الرد عليهم.
و الثانية: بدار الجهال بمجادلة الرد على ما قرر لديهم كمقابلتهم بإنكار علوم التعاليم الأربعة من الهندسة و الحساب و المنطق و معرفة المواكب و ثبوتها. و هي مقدمات علومهم و عنوان كلامهم و عنصر براهينهم و لم يحكموا فيما حاولوا شيئًا كإحكامهم لها. و المنطق على مر الأيام و كر الدهور ينقحونه و يهذبونه إلى زمان أفلاطون فزاد ترتيبًا و ميز فيه السفسطة من الجدل. و حذا حذوه تلميذه أرسطو فرتب صناعة البرهان. و هذب الكتب الثمانية. و كذلك علم الهيئة و الهندسة استخرجوهما من السندهند كتاب أيضًا تعاقبته الأيام و هو الذي يحصل منه الهندسة و الهيئة فلا معنى لمناكرتهم في كليات هذه التعاليم، فليطالبوا بتصحيح مسائلها الجزئية و استعمالها و تصحيح الأشكال و المقدمات في العلم الإلهي فإنهم تساهلوا فيها و لم يستعملوها البتة فهناك موضع المضايقة، و أما إنكار كون الأرض كرية و أخذها المكان الأوسط من الفلك و ارتفاع الأقاليم و انخفاضها و تحقيق الجهات و الآفاق و الكسوفات فلا معنى لإنكار ذلك و مناظرتهم في إبطاله، فهذا أحد الغرضين و تحت تنبيه على المواضع التي نتكلم على اختلافهم فيها و نورد ذلك متفرقًا في الكتاب إن شاء الله تعالى.
الغرض الثاني: أن الحق لا يعرف قدره وحده ما لم يعرف نقيضه و ضده فبضدها تتميز الأشياء و بمقصدها التنبيه على الطريق الأسلم، و الصراط الأقوم. و لابد من ذكر الطريق المنحطة عنه ليصنف في ذلك الناظر في هذا الكتاب فيعلم أنا لم ننتدب لضئيل و لا أضربنا عن سيرة الأوائل في سكوتهم إلا لخطب جليل. و لنضيف ذلك إلى الغرض الثاني فيتضح لديه العذر و ليعرف مقدار النعمة فيطلبها بالشكر فنقول الناطقون بكلمة الشهادة سبع فرق.
صفحة 52
الفرقة الأولى: طائفة نطقوا بالشهادة من غير التفات إلى ما تنطوي عليه من المعنىو لا احتفاء بالوظائف كأجلاف الأعراب و الأعاجم و لكنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. فلهم حكم المشيئة و هم المرادون بقوله تعالى: ( قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ) " الحجرات 14 " و السيف عند هؤلاء أصدق أنباء من الكتب، و هو أحد ما يساسون به.
الفرقة الثانية: طائفة نطقت بكلمة الشهادة تقليدًا مأخوذًا من الآباء و الأمهات و المعلمين لكنهم مقبلين على وظائف الشرع، فهؤلاء هم المسلمون على الحقيقة، و لهم تقدمة على الفرقة الأولى و هم المرادون بقوله تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ) " الأحزاب: 35 " و بقوله سبحانه (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ) " لقمان:22 "
الفرقة الثالثة: قوم اعتقدوا الشريعة وضدقوا بها و لم يقتصروا على درجة المسلمين، بل استعملوا النظر و الاستدلال و ذبوا عن حرم الدين، و هؤلاء أكثر المتكلمين من أهل السنة و هم أصحاب الحديث و هم المؤمنون المسلمون، فهم أخص إذا الإسلام أعم. و قد فصل صلى الله عليه و سلم بين الإسلام و الإيمان في حديث السائلو قال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) " الأحزاب: 35 "
و قال تعالى (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) " الأنفال : 4 "
الفرقة الرابعة: فرقة ترقوا عن هذه الطريقة إلى درجة اليقين و الثلج، فإن التصديق منقسم إلى التام و الناقص فمن صدق الشيء و استعمال ضربًا من الإقناع سمى مصدقًا، و لكن التام هو الذي يصدق بالشيء عن برهان و مع قيام البرهان على أن ذلك البرهان لا يجوز أن يكون بخلاف ما تقرر عليه و لا في حين ما بالذات و لا بالعرض. و لا يجوز أن يبعث نبي صادق بضده أصلاً و لو بعث بنقيضه لاعتقد تكذيبه، فإن قيل: فهذا تصريح يتفاضل المؤمنين في إيمانهم. قلت فهو الصحيح و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم: " الإسلام بضع و سبعون شعبة " و قال صلى الله عليه و سلم: " يخرج من النار من في قلبه مثقال حية من خردل من إيمان"، و الإيمان في اللفظ اللغوي هو التصديق و قد قدمنا أن التصديق ينقسم إلى التام و الناقص. فإن قيل: بل التصديق لا يتفاضل و الإيمان يكون بمعنى العمل، أما الإيمان التصديق فهو الشهور في اللغة و هو الأصل و هو في الأعمال منقول و الاستمساك بحقيقة اللغة أولى حتى يدل الدليل، و قد دليل الشرع على تفاضل الإيمان بما ذكرناز فإن قيل: هب انا سلمنا أن الإيمان هو التصديق فما الدليل على لنقسام التصديق في نفسه؟ قانا: التصديق عبارة عن الاعتقاد، و الاعتقاد لفظ عام و حقيقته ركون النفس إلى متخيل إما في نفسه أو إثباته، ثم المعتقدات إن كانت في النفس كما هي عليه من خارج فهو اعتقاد للشيء و تصور
صفحة 53
له و علم به على ما هو عليه، و متى كان من خارج على خلاف ما هو في النفس فهو تصديق و تصور ناقص إذ من اعتقد زيدًا أبيض فوجده أسود نقص اعتقاده.
الفرقة الخامسة: أقوام اعتقدوا الإسلام و صحته، و لكن اعتقدوا في الإله تعالى و صفاته ما نسبوا به إلى البدعة و الفسق.
الفرقة السادسة: أقوام أضافوا إلى ذلك ما نسبوا به إلى الكفر كمن صدق بالنبوة من الفلاسفة، و اعتقد أن ذلك يرجع إلى ملك قائم ثم اقتضى له مولده أن يكون حسن السياية فاضلاً متنوعًا فهؤلاء كفرة و هذا تصور لا ينفع.
الفرقة السابعة: أقوام مظهرون للإسلام مبطنون للتعطيل المحض فهؤلاء شرار الفرق خالدون في الدرك الأسفل من النار. و الأمم كلها على خلاف هذه الطائفة و هي يسمع بها و قل ما ترى إلا آحادًا يحملهم الاستخفاف على ذلك، و الأمم مطبقة على وجود الصانع و إن استعمل بعضهم معه الشركاء، على اختلاف القول بالشرك من المعبودات من الأحجار و الأحياء و الكواكب. و قد سميت هذا الكتاب: " بمعراج السالكين " و الله سبحانه يحملنا على الرأي الحق بعزته.
المعراج الأول
ليعلم أولاً أن ابتداءنا بهذا المعراج و تقديمنا له على أمثاله له ثلاثة أغراض:
أحدها: استعمال الطوائف المذكورة له و اقتصارهم عليه فنرقيهم إلى سواه.
الثاني: أنه مقدمة لما نذكره من معرفة النفس و قواها و بيان العوالم و أنها على مضاهاتها.
الثالث: أن نبين فيه ألفاظ و مصطلحات تغني عن تكرار بيانها و تمييز عالم الغيب عن عالم الشهادة. و الحد المميز لهما، و ما العالم الذي وقع الخلاف في حدوثه و قدمه. و كمية هذه المعارج سبعة.
اعلم أن حقيقة العروج الصعود علوًا تقول: عرجت في السلم أعرج. و الألفاظ لها وجهان من الدلالة، فوجه في الدلالة على الأشياء الجسمانية كمفهوم السلم و العروج. و الوجه الثاني: الدلالة على معاني الجسمانيات و أرواحهاإما بطريق وضع اللغة و إما بالمجاز و الاستعارة.
و لما كان السالك الباحث إلى معرفة بارئه تعالى طلبًا للترقي عن ظلمات الجهل و أسفل السافلين من حضيض البهائم و الجهلة، و كانت البراهين و الأدلة الموصلة إلى درجة العلوم شبه السلم الجسماني الموصل إلى العلو الجسماني، و كانت مفردات البراهين و مقدمات القياس و أجزاؤه مادة له منها يتألف حاكت أضلاع السلم فإذا التسمية لا مشاحة
صفحة 54
فيها إذ هي مفيدة قال الله تعالى (لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ 2 مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ 3 تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) المعارج: 2-4 و من قام عند البرهان عند استحالة وجهه للباريء تعالى يعرج إليه فيها طلب معنى عقليًا ليحمل اللفظ عليه، و قد ذم الله تعالى فرعون اعتقاد كون الأسباب و المعارج جسمانية في قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ) " غافر 36 " و قال تعالى ( وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) " غافر 37 " فالأدلة سلاليم الخلق إلى ربهم و الذهول عنها هو المعبر عنها بالحجب و قد ذكر الله تعالى ذلك في نعت الكافر، فقال عز من قائل: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ) " النور 40 ". فعبر عن الاعتقادات السائدة بالظلمات و عن ترادف الشكوك بترادف الموج، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن لله سبعين حجابًا من نور و ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) و ليس المراد بالحجب إلا الطرق الموصلة إليه. فلو كانت براهين فهي حجب نور، و لو كانت شبهًا فهي حجب ظلمة.
و الدليل على ذلك قوله: أحرقت سبحات وجهه فإنها لو كانت جسمانية لاحترق وجهه بأولاها أو بآحادها و لم يشترط في الإحراق إلا مجموعها. و البرهان الحق على أن الباريء سبحانه لا يصلح أن يكون محجوبًا لعلتين:
إحداها: أن الحجاب ليس إلا للأجسام و الباريء تعالى ليس بجسم.
و الثانية: أن المحجوب يجب أن يكون في جهة و الباريء سبحانه لا جهة له بوجه. و إنما اراد صلى الله عليه و سلم أن هذا السالك الباحث لو انكشف إليه هذه الموانع المانعة من تحقيق معرفة معبوده لأحرقت الأشياء التي استدل بها ما انتهى إليه بصره، فعبر بالاحتراق عن الاضمحلال فهذا تحقيق هذه العبارات. و مضمون هذه الإشارات، و العالم هو السلم إلى معرفة الباريء سبحانه، فهو الخط الإلهي المكتوب المودع المعاني الإلهية، و العقلاء على مختلف طبقاتهم يقرءونه و معنى قراءتهم له فهمهم للحكمة التي وضع دالاً عليها. قال تعالى (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) " يونس 101 ". و قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ) " فصلت: 53 ". و قال تعالى (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) " إبراهيم 10 ". و لما كان الإنسان محجوبًا مركبًا من مواد مختلفة متضادة و كان محجوبًل عن عالم الغيب، و نعني بعالم الغيب كل غائب عن إدراك الحس و لم يتوصل إلى معرفته إلا بجد و تيقظ و قوة مفكرة خصته الحكمة الإلهية بأن جعلته دفترًا جامعًا مدبجًا فيكون في ذلك فائدتان:
إحداهما: الإنعام عليه بإلزام أمور عجيبة تكون له مفاتيح لما غاب عنه كما قال تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) " الذاريات 21 ". فهو يستدل بما شاهد في نفسه على ما لم يشاهد.
صفحة 55
ولما كانت الأدلة و الحجج منقسمة إلى الأتم و الأنقص و كان طريق البرهان و تأليفهعلى الشرائط الصحيحة و كانت الأدلة متعذرة على العوام، و كان الإقناع و قياس التمثيل و الاستقراء أقرب إلى أكثر الأذهان خصت الحكمة الإلهية الصور الإنسانية بضروب من عجائب العوالم و غرائبها المستدل بها فيكون ضربًا من التمثيل و الاستقراء الذي يقاس به الشاهد على الغائب و أكثر ما عاملت به الأنبياء عليهم السلام الخلق بهذا النوع من لأن مقابلتهم بغير هذا الطريق صعب قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) " النحل 125 " و لهذا جعلنا هذا المعراج أولاً و أحلنا العوام على الاقتصار على تعلمه، و ذكرنا انقسامهم إلى طبقتين فيما تقدم فهذه إحدى فوائده و حكمه.
الحكمة الثانية: و ها فائدتان. إحداهما: يستحق به العقوبة، و بالثانية : المثوبة.
فالأولى: استعماله لما يثق به و هو محسوس عنده مشاهد فشرطه أن لا يتعداه و أن لا يتحمل بأكثر مما يحتمل، فمن البر ما يكون عقوقًا و الشيء متى جاوز حده انقلب إلى ضده.
و الثانية: أن لا يتعمل الاستدلال به في ما لا يصح و قضى على الغائت بما لا يقطع به على الشاهد و يزعم القطع به.
و الفرق بينه و بين ما أمرنا استعماله أنه أمر باستعماله على جهة الحكمة و هو أن يكون له ذاكرًا أو مزجرًا من غير قاطع ، و هذا المستدل يزعم أنه يقطع بما اخذ عنه من القياس كمن يزعم أن للباريء سبحانه صورة كصورة الإنسان و أن علمه كعلمنا أو قدرته كاقتدارنا. و ينتهي إلى ضرب من ضروب التجسم. قال الله تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ) " الكهف 51 ". و إنما نستعمل من ذلك ما أحسنا أو شهدت التجربة به مما يزعمه المتعنتون بالتشريح على طول الدهر فهذا مما لا يمتنع.
و إذا فهمت هذا القدر و ساعدت عليه و أنست لقوله صلى الله عليه و سلم ( إن الله خلق آدم على صورته ) و فهمت أن معنى ذلك خلقه خلقة على شبه العالم، فاعلم أن الإنسان عبارة عن حيوان ناطق مائت منتصب القامة ضحاك، فهذا حد يتناول نفسه و جسمه لضرورة الفصل بينه و بين الأشخاص الحية و إلا فقولنا حيولن ناطق يتناول نفسه فقط. ثم هذا الحيوان الناطق أعني الإنسان تنقسم جملته في التقسيم الكلي إلى ثلاثة أشياء: نفس و روح و جسم.
فالجسم: هو المؤتلف من المواد و العناصر الحاملة لروحه و نفسه و هو الشكل المنتصب ذو الوجه و اليدين و الرجلين الضاحك.
و أما الروح: فهو الجاري في العروق و الضوارب و الشرايين.
و اما النفس: فهو الجوهر القائم بنفسه الذي ليس هو في موضع و لا يحل شيئًا، و سنشبع الكلام عليه مقدار ما يحتمله الموضع فنتكلم على الجسم بمقدار ما يرشد إلى
صفحة 56
الغرض. و يكون معينًا لما عسى أن نذكره من أمر النفس، فنقول قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ) " المؤمنون 12 ". و قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) " الحجر 29 ". فأخبر تبارك و تعالى عن ثلاثة أمور جسمه و روحه و نفسه، و حقيقة الروح الحرارة الغريزية المنبعثة في الأعصاب و العضلات و هي موجودة للبهيمة و بها حياتها، و الفصل بين الآدمي و البهيمة هي النفس التي أضافها الله تعالى إليه و في قوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) " الحجر 29 ". فلو كان للإنسان هذه النفس دون الروح المخلوقة للبهيمة لقصر عن أفعال البهيمة في الأكل و الجماع و التصرف، و لو أن البهيمة أعطت النفس التي اعطيها الإنسان لكانت عاقلة مكلفة فخرج من الجملة أن للإنسان روحًا و نفسًا و جسمًا، و للبهيمة جسمًا و روحًا لا غير، فأما آدم عليه السلام فمخلوق من التراب و الماء و الهواء و النار و قد قال تعالى ذلك في قوله سبحانه ( مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ) " المؤمنون 12 ". و في قوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ )" الأنبياء 30 " و أما النار فقوله تعالى: (مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)" الرحمن 14 ". فأول الدرجات التراب، قيل له طين فإذا مرت عليه دهور بكرور الشمس و اكتسب منها يبسًا و جفافًا قيل له صلصال كالفخار لنشوفته، و معلوم ببرهان العقل أن مؤدى حر الشمس إليه هو الهواء، فصح بالرهان الشرعي و العقلي كون آدم عليه السلام على الصورة التي تقدمت ليجعل الله تعالى تدريج بنيه من نطفة خرجت يتلقفها الإناث إلى انقطاعها و تمام القوى،و ذلك حين الساعة و تمام الخلقز فأول الإنسان نطفة ثم علقة، ثم مضغةن ثم تنبت فيه العظام، و تكسى لحمًا، فالنطفة الخارجة من الإنسان مسلولة كقشر الحبة من الحبة لكنها مياعة و كالنواة فإن النخلة السحوق فيها و لكن مدمجة، و لكن من شاهد عقد الثمار تيقن هذا، فإن الرمانة مثلاً تخرج من أصغر ما يمكن غير أنك ترى الشكل مصغرًا ثم تقويها الطبائع من خارج بما يجانسها فتصرف تلك الأشكال الكاملة إلى انتهائها و ما فيها.
و من أرسل النطفة و أبصر السقط تحقق ذلك فإنك ترى أشكاله كخطوط مكتوبة، و حدقتاه كحبات شونيز و وضوح ذلك لا يحوج إلى مزيد تأمل، فالنقطة مسلولة مائعة بالطبع لما انسلت عنه بذوبان فطري لا جبلي لا حيلة فيه، و لذلك يشبه الولد أباه في خلقه و خلقه.
فإن قيل الأغذية تستحيل دمًا في الكبد، ثم تستحيل منيًا و كانت قبل ذلك نباتات انفعلت عن الطبائع الأربع، فلزم أن يكون غير الأب إذا انفعلت عن غيره.
قلنا: الأمر كذلك و لكن الاعتبار بحين انفصالها عن الأب، فحين انفصالها تنبعث من عروقه. و عصبه و كبده بحركة ما، فتكسب حينئذ طبعه. و هذا الأمر متسلسل إلى آدم
صفحة 57
عليه السلام و عنده يقف الأمر فإن جسمه و نفسه ليسا مأخوذين عن آدم آخر فإن ذلك محال. و فيه إثبات أشخلص لا أول لها و هو محال : فإن الشخص بالضرورة ذو أولية و هو تحت النوع و إذا ثبت هذا فاعلم أن الصور الإنسانية تنقسم إلى أربع أرباع.
الأول: الرأس. و الثاني: اليدان. و الثالث: البدن. و الرابع: الرجلان.
ثم عظامه منقسمة إلى مائتي و ثمانية أربعين عظمًا. و في الثالث: أربعون عظمًا. و في الرابع: أربع و ثمانون عظمًا، ثم خلق الله سبحانه لهذه العظام رباطات تمسكها، فعدة عروق شكل الإنسان ثلثمائة و ستون عرقًا. و بهذه العروق تكون الحركة و القبض و البسط.
فرأس هذه العروق في الفؤاد، و هو العرق المسمى بالنياط الأبهر و منزلته مع القلب بمنزلة الحاجب للملك يتبقف أمره ثم يخرجه إلى الخدمة، ثم هذه العروق متصلة بالمعدة تمتص منها قوة الطعام و الشراب الذي يدخلها ثم تقسمه بين الكبد، و المرارة، و الطحال، و الرئة، و خلق الأبهر مستبطن الصلب، و هو آخذ من مجمع الكاهل، إلى مجمع الوركين، إلى مجمع الحالبين، إلى مجمع الصدر بين الترقوتين و هو نهر الجسد الأعظم و هو مقسوم لأربعة عروق لأقسام الجسد الأربعة، لكل جزء منها عرق يتفرق إلى ستين عرقًا و لليدين و الرجلين عرق يتفرق إلى مائتي عرق.
و الجزء من الأول من النهر الأول: و هي أربعة أنهار يتفرق منه عرقان من مجمع الكاهل يسقيان العنق، و يتفرق من مجمع الصدر بين الترقوتين عرقان يصعدان إلى العنق و هما الوريدان، ثم يتفرق من كل واحد عرقان، ثم جميع هذه العروق ينبعث فيها الغذاء إلى كل عضو من الرأس، و من الشفتين و غيرهما.
و أما العروق من البدن من الربع الثاني: و هو أحد الأنهار الأربعة من الأنهر الأعظم يتفرق منه عرقان لكل يد عرق من مجمع الصدر من الترقوتين إلى ما بين المنكبين و هما الأكحلان، ثم يتشعب من كل واحد منها أربعة عروق سواهما فتسقي العضدين و أجزاءهما، فذلك عشرة عروق لكل يد خمسة عروقثم يتفرق من كل واحد من العشرة أربعة تسقي الساعدين، فذلك خمسون عرقًا لكل ساعد منها خمسة و عشرون، ثم يتفرق من كل واحد من الخمسين عرقًا عروق أخرى فتسقي الكفين و الأصابع.
و أما الجزء الثالث: فالبطن يفترق منع عرقان من مجمع الحالبين إلى اليدين. يفترق من كل واحد منهما تسعة و عشرون عرقًا سواهما يدفع إلى كل جزء حصته من الغذاء: للأضلاع الأربعة و ثلاثون، و لسائر أجزاء البطن ستة و عشرون: للعصعص عرقان، و أربعة للمذاكير، و اثنان للكليتين، و اثنان للمثانة، و اثنان يسقيان المعدة، و اثنان للكبد، واثنان
صفحة 58
للطحال، و اثنان للفؤاد، و اثنان للمرارة، و اثنان للرئة، و اثنان للثديين، و ثلاثون للأضلاع لكل ضلع عرقان.
و أما الجزء الرابع: و هما الرجلان. ففيهما الوتين عرق يفترق منه عرقان، و هما النسيان.و هماللفخذين لكل فخذ عرق من مجمع الوركين يسقيان الفخذينو أجزاءهما و يفترق من كل واحد منهما أربع عروق، ثم يفترق من الأربعة خمسون عرقًا تنتكس في الساقين لكل ساق خمسة و عشرون عرقًا، فقد صار جملة الإنسان جملة مناسبة للعوالمو جزئياتها، فهو مشبه للعالم الأعلى بنفسه و مشبه للعناصر بما فيه من ماء و هواء و نار و تراب. و يضاهي الجواهر الأرضية. أما الحيواني، فبروحه الحيواني. و أما النباتية، النامية فبما ذكرناه من عروقه و نموه و تغذي. و أما الجمادية قبعظامه فهذه المشابهة الكلية.
ثم تعرض أجزاءه على كل جزء من العالم فتجده يضاهيه، و شرح ذلك مما يطول و لو استوفينا فيه الأعمار الطويلة و آباد السنين لما نفد. و عليك أن تمتحن ذلك بكل ما تشاهده، و تبحث فتجد في عالم جسمك مثل ذلك بل فيه ما يضاهي قوى الحيوان كجرأة الأسد، و خبث الثعلب، و طيش القرد، و صلابة الخنزير و هكذا
ثم الغذاء إذا استقر في المعدة طبخته الكبد، و هي حارة رطبة لاصقة في المعدة من الجانب الأيمن، يمتص منها صفو الغذاء و كل حار رطب لمشاكلتها له فتصفيه بجوهرها، و فيها أنابيب كالمصفى فتجذبه صفو العروق و تنقله و يسير فيها حسب ما قدمناه. و أما المرارة فهي معدة الخلق الذي يقال له المرارة الصفراء و هي حارة يابسة لاصقة في المعدة من الجانب الأيمن مما يلي الكبد، يمتص منها من صفو الغذاء كل حار يابس للمشاكلة فتصفيه بجوهرها. ثم تحتلبه العروق كما ذكرناه. و الخلط الثالث المرة السوداء و معدته الطحال. و هو بارد يابس لاصق بالمعدة من الجانب الأيسر فيمص من الغذاء كل مشاكل له. و الرابع البلغم هو بارد رطب و له الرئة تمتص من الغذاء ما يشاكلها. و الحلقوم رأس الرئة على طبيعة الطحال و هو معد للنفس و هو الحنجرة. و رأس الحلقوم مغطاة بطبق و اللهاة مدلاة عليه، و القلب في الجانب الأيسر تحت الجانب الأيسر. والرحم في الجانب الأيمن لاصق بعروق الفؤاد. و هو معدن الشهوة. و المعدة معتدلة المزاج و هي كالقدر و تلك الأوعية كلها كالأثافي. و لها فمان: مدخل و هو مسلك المريء إلى الفم. و الفم الثاني يخرج منه الأثقال و تخدم المعدة. و للصرة أربع قوى: إحداهما جاذبة، و الثانية ممسكة ، و الثالثة هاضمة، و الرابعة دافعة.
فالجاذبة: حارة رطبة تقوي الدم و تجر الطعام و الشراب من الفم إلى المعدة. و كل ما شاكلها تصيره دمًا و هي منحدرة أسفل المعدة إلى أسفل البطن فتخرج غير متغيرة الشم تشاكل ريح الجنوب.
و أما الممسكة: فباردة يابسة تقوي المرة السوداء و تمسك الطعام و الشراب في المعدة، و لا سبيل للمعدة أن تمسك شيئًا دونها و تخرج متغيرة الشم تضاهي ريح الشمال و هما على مضادة الجاذبة فبذلك يعتدلان.
و أما الهاضمة: فتقوي المرة الصفرا، و تهضم الطعام بالحر، و يعينها الكبد فيصعد من افم غير متغير الشم و هي حارة يابسة كريح الدبور.
و أما الدافعة: فباردة رطبة تقوي البلغم. و قد توقع الطعام و الشراب من المعدة إلى الأمعاء إلى الاعفاج إلى الأرض بذلك وكلت، و هي باردة رطبة معادلة للرياح الهاضمة. و صلاح الأمزجة و فسادها تابع لهذه الأمور. و العلم الطبيعي معد لإصلاحها هو فائدته و غرضه، و النفس تكتسب بالمجاورة من هذه الطبائع ملكة عند غلبتها كالطيش و الحدة عند غلبة الصفراء، و الغم و الهم و قلة النشاط عند غلبة السوداء إلى غير ذلك كما يكتسبه الرفيق من رفيقه. و متى كانت هذه الطبائع جارية على اعتدال كانت النفس أجرى إلى السلامة، و جميع هذا كله بتقدير الله تعالى و تدبيره لا إله إلا هو. فمتى تأمل هذا النضد المحكم و الترتيب المنظم و معادلة بعض القوى لبعض و كيف خلقت اليد للبطش، و اللسان للكلام، و الحدقة للرؤية، و كيف خلقت على شكل ملائم للنور فجعلت جامدًا في أغشية لطيفة مكفنة بالأشفار و جعل للأشفار أهداب تقيها الغبرات و النور الكثيف أن يغشيها علم أن ذلك دال على أن لهذا لبصنع العجيب و الأمر الغريب مدبرًا دبره و عليمًا أتقنه.
و هذا لا يخفى على ذي بصيرة فإنا قد وجدنا هذا الشكل الإنسانيعلى أتم الحكمة التي تقتضيها العقول فلا تخلو هذه الصنيعة العجيبة، إما أن يكون صنعت نفسها أو صنعها جماد أو صنعها مخلوق حي أو صنعها بارئها و هو الله تعالى. و بطل أن تصنع نفسها لأن وجود الفاعل يجب أن يتقدم على المغعول. و بطل أن يكون الشيء مفعولاً من حيث هو فاعل أو فاعلاً من حيث هو مفعول. و بطل أن يصدر عن مخلوق حي طبيعة أو غيرها، فإنا نقول : الطبيعة ما معناها فلا تخلو أن تكون جمادًا أو حيًا. فإن كان جمادًا كان القول فيه ما تقدم، و إن كان حيًا قلنا هذا الحي لا يخلو أن يكون له فاعل أو لا فاعل له.
فإن قيل له فاعل آخر فالطبيعة كآدم في افتقارها إلى محدث. و إن كانت الطبيعة حية لا فاعل لها و لا علة فهي الإله فأسقطوا لفظ الطبيعة و قولوا إله. فهو الذي نريد بيانه، فإن حوادث لا أولية لها محال إلا إذا قلنا فعلت الطبيعة طبيعة فذلك منتف فلابد من استناد الحوادث إلى مبدأ لا علة له و ليس بمفعول أصلاً. و هذا يبطل اعتقاد من يقول آدم من آدم آخر.
ص 60
قلنا : نتبعه فيلزمه التسلسل وهو محال فصح أن الشكل الإنسانى تنتهض منه الدلالة على بارئه ومصوره مع ما فيه منالعجائب الدالة على العالم فليس فى العالم أمر غريب مشكل إلا وفيه مفتاح علمه. فالله تبارك وتعالى خلقه على مضاهاة العالم، فهو نسخة مختصرة منه. ومن تأمل أحوال الأنبياء ومعجزاتهم وكرامات الأولياء وما جعل الله سبحانه فى قوى النفس بل يشاهده كل أحد من نفسه فى المنامات التى تعلم بمغيبات الأمور وعاقبتها، وما يبصره الإنسان فى النوم من السماء والأرض والبحار وسعتها. وهو لا يتسع بمقدار ما يبصره كما أنه يبصر السماء على سعتها بعين وهى فى دور الدرهم. وهذا من الأمر العجيب علم أن لهذه العجائب مدبرا دبرها وصانعا أتقنها، وعجائب الإنسان لا تحصى بل فيه من الخواص عجائب مما يستعمله الأطباء منه. فسبحان الفاطر العليم.
المعراج الثانى
ولما فرغنا فى المعراج الأول من معامله أصحابه بالسهل من الحكمة والقريب الظاهر من الدلالة التى لا يخفى نورها ولا يتلعثم فيها إلا من جعل له الرأى المعكوس والمثل المنكوس : (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الرعد : 33] . فلنرتق إلى المعراج الثانى : وهذا المعراج لطبقتين : للمحققين الأذكياء والمتحذقين الأتقياء . وهو لتقرير النفس وهل هى باقية أم لا؟ وهذا المعراج كالقطب لسائر العلوم وله يجتهد المجتهدون ويعمل العاملون ولا فائدة أعظم منه ، فإن نبوة الأنبياء والثواب والعقاب والجنة والنار وسائر أنباء الدنيا والآخرة المأخوذة عن الرسل لا تثبت متى أبطلت هذه المسألة ، فإن النفس إذا لم يكن لها بقاء فجميع ما أخبرنا به وأطعمنا فيه فباطل وبحسب ما نثق به من هذه المسألة نجتهد. وبحسب ما يغيب عنا ننظر ، وبهذه المسألة كفرت الزنادقة فإنهم اعتقدوا أن حقيقة الإنسان مزاج معتدل كالنبات متى اعتدلت قواه بقى ، ومتى غلب عليه حر أو برد فسد ودثر. ثم لا ترتجى بعد ذلك موتا ولا حياة ولا نشورا ، فاستخفوا لذلك بالخلق واستهانوا بالأنبياء كقول أمية بن خلف لأحد الصحابة : لأوتين مالاً وولداً. وذلك لأنه استخف وقال أنتم تزعمون أنكم أصحاب أموال فى الآخرة وسيكون لى هناك مال وسأقضيك منه.
وعلى هذا المعراج يدور الناس فهو أس العلوم وإذا اضمحل فلا ثابت ، ولذلك لم تبينه الرسل والله أعلم، لأن كلام غيرهم بين أن يقبل أو يرد أو يصدق أو يكذب ، وكلام الرسل عليهم السلام ليس كذلك، فإن المسألة فى نهاية الغموض والأذهان أكثرها ضعيفة فربما لم تفهم مقاصدهم فتعترض من قولهم على قولهم فلم يوردوا فيها إلا إشارات ورموزاً. وفى القرآن العزيز: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]
ص 61
وقال تعالى فى عيسى عليه السلام (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) [النساء : 171]. وقال النبى صلى الله عليه وسلم "أرواح الشهداء فى حواصل طيور خضر" . وهذه كلها ظاهرة عند العلماء مكشوفة وعند غيرهم معقولة ، وقد اختلف الناس فيها على مر السنين والأيام، فزعم أفلاطون أن النفس والروح واحدة وهى النفس الكلية وأنه مع الأبدان كالشمس مع الأرض تنثر شعاعها على المواضع فيأخذ كل موضع نصيبه على قدره ، وزعم أنها تألف الجسم بضرب من المناسبة بالطبع فإذا حصلت فيه ألفته وشغفت به ولاتزال فيه وليس هى عنده حالة فى الأجسام، وإنما هى كالمغناطيس مع الحديد فى الملازمة والانفعال ومناسبة الطبيعة. وليس أحدهما حالا فى الثانى لكن ينفعل له بضرب من واسطة خفيه هى الطبع ولا تزال فيه إلى أن يفسد البدن، كما أن الحديد يخلق مع طول المدة فلا يقبل تجاذب المغناطيس . وزعم آخرون أن النفس عرض وأن حقيقة الحياة معنى يكون عند اعتدال المزاج، فإذا مات الإنسان فنيت روحه وهؤلاء ذاهبون إلى أن النفس محدثة ، وزعم أفلاطون أنها قديمة ، وذهبت فرقة ثالثة إلى أنها محدثة عند حدوث البدن وهى مع ذلك لا تفنى. ومن حقق من الفلاسفة على هذا المذهب والأكثر على مذهب أفلاطون. وسنكشف إن شاء الله تعالى غائلة مذهبهم فى المعراج الثالث: حدوث العالم الأعلى . فلنرسم ههنا ثلاثة فصول:
الفصل الأول : فى قوى النفس وعلة تحرك البدن بها.
الفصل الثانى : فى كون النفس جوهراً غير متحيز قائماً بنفسه مستغنياً عن المحل.
الفصل الثالث: فى أن النفس لا تعدم وأنها باقية.
الفصل الأول فى قوى النفس وعله تحرك البدن بها
ربما اعتقد من لا تحقيق لديه أن الشرع يزجر عن التعرض لهذا القدر فى تصحيح أو إبطال وليس فى الشرع دليل على ذلك وقوله سبحانه : (قل الروح من أمر ربى). جواب مقنع إذا فهم الأمر بما هو عليه ولو أراد تعالى الزجر لذكر الحكم عليه وقد كشفنا عن القوى الجسمانية وهذا الجسم يجرى من النفس مجرى الثوب من الجسم ، فإن الجسم يحرك الثوب بواسطه أعضائه، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى خفية ومناسبة. وقوى النفس تظهر فى مواضع من البدن، وربما بلغت عشراً نذكرها والنفس فى ذاتها واحدة وإنما ترجع التسمية إلى الآله كقولنا سمع وبصر وشم وذوق ولمس. والنفس هى الذائقة الشامة المدركة، فهذه خمس قوى ظاهرة، والدليل على أن النفس هى المدركة دون هذه الأعضاء أن العروق متى حدث بها سدد تمنع اتصال النفس بها بطلت كالحذر والموت وهذا مشاهد لا يفتقر إلى
ص 62
دليل. والقوى تنقسم إلى قسمين إلى محركة وإلى مدركة ، والمدركة قسمان : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة ما ذكرناه والباطنة ثلاث:
أحدهما : الخيالية والوهمية والفكرية ، فالخيالية فى مقدم الدماغ وراء القوة المبصرة خاصيتها بقاء صور الأشياء المرئية فيها بعد تغميض العين وانقطاع ما يدركه الحواس ويسمى الحس المشترك.
الثانية : الوهمية وهى التى تدرك المعانى ، فالأولى مختصة بقوى المعانى وصورها وموادها ، وهذه تحفظ المعانى دون صورها وموادها إذ تدرك الشاة عداوة الذئب مجردة فتنفر عنه. والسخلة تدرك حنان الأم فتألفها ومحلها التجويف الأخير من الدماغ.
الثالثة: القوة المفكرة وشأنها أن تركب الصور بعضها مع بعض . وهى فى التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعانى فهى حائكة وهى المرادة برمز القائل:
رجلان خياط وآخر حائك
متقابلان على السماك الأعزل
مازال ينسج ذاك خرقة مدبر
ويخيط صاحبه ثياب المقبل
ومواضع هذه القوى مبرهنة بصناعة الطب، فإن الآفات متى نزلت بهذه المواضع عدمت هذه المدركات ، وزعموا أن القوة التى تنطبع فيها صور المحسوسات تحفظ تلك الصور فتبقى فيها بعد قبولها بحسب الحواس الخمس إذا تكرر ذلك عليها والشئ يحفظ الشئ بغير القوة التى بها يقبل إذ الماء يقبل الانطباع ولا يحفظ بخلاف الشمع فإنه يقبل بالرطوبة ويحفظ باليبس والحافظة تصون المتخيلة كما أن القوى الذاكرة تصون الحافظة.
والقوى المحركة إما باعثة على الحركة ، وإما مباشرة للحركة . فالباعثة هى القوة النزوعية الشوقية ومتى رأت أمراً يترغب فيه أو يترهب منه بعثث القوة المحركة المباشرة على الفعل ، فتنبعث فى الأعصاب والعضلات والرباطات من القلب. إما ببسط عن جهة المبدأ وإما بقبض إليه إذ هى إذا فرحت نشرت الدماء فى العروق فكان الفرح . وإذا حزنت انجذبت فانجذب الروح الحيوانى إلى القلب فاغتم وحزن. ثم من شأن النفس إدراك المعلومات المغيبة . ولها قوتان إما عملية وإما علمية. فالعملية قوة هى مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات الإنسانية.. وأما العلمية فهى المدركة لحقائق العلوم مجردة عن المادة والصورة . وهى القضايا الكلية المجردة وهى للعقل وبهذه القوة تتلقف عن الملائكة العلوم. وبالقوة الثانية تصلح ما وكلت به من الأمور الجسمانية . وهذه الأمور كلها محسوسة يستند برهانها إلى الحس فلا نطول بتمهيده كما أن ما ذكرناه من الجسمانية أكثرها محسوس وما
ص 63
غاب فقلدنا فيه المعتنين بالتشريح على أنه أكثر ما يوصف . وإذا فهمت الجسم والقوى الحيوانية وأنالنفس هى المحركة الباعثة وأنقواها باعتبار الإضافة إلى المواضع كان كالثوب الواحد يسمى موضع منه كماً وموضع منه طوقاً وموضع منه جيباً. وقد قدمنا أن لها قوتين عملية وعلمية. وأن العلمية مستعدة لقبول العلوم إلى ما لا يتناهى بالقوة وأن الجسم منفعل للقوى المحركة والمحركة العملية تحت هذه العلمية الشوقية النزوعية. ومنها مبدأ الفعل إلى أن يبرز ويظهر.
فإن قيل : فلم لا ترى النفس فإن فى رؤيتها ما يدل على صحة وجودها وهلا تخيلناها.
قلنا : فهاتان مسألتان أحدهما لم لا ترى ، والثانية لم لا تتخيل . فالجواب عن أحدهما وهى لم لا ترى بثلاثة أجوبة:
أحدهما : أن كل موجود ليس من شرطه أن يرى . إذ صحة وجود الموجود لا تستدعى أن يكون مرئيا فإن الأحوال اللازمة للشئ إما أن تكون ذاتية وإما أن تكون عرضية ، والموجود من الأحوال اللازمة ذاتى وكونه مرئيا عرضى له إذ يثبت وجود الموجود مع عدم من يراه، ومع ذلك يثبت الموجود ولا يبطل وجود عدم الرائى له. والدليل على ذلك وجود البارئ سبحانه وتعالى فى الأزل لا إلى نهاية ولم ير حتى الآن وذلك لا يبطل وجوده. نعم يستدعى الوجود أن يثبت له ما يصحح وجوده والشئ قد يستدل عليه إما بقضايا عقلية وإما بأثر يثبت للحس فيقضى عليه.
وقد شاهدنا آثار النفس ووجود أنفسنا بالضرورة، وعلمنا أن فى أجسامنا معنى يزيد عليها بالضرورة إذ يبقى الجسم ولا روح له ويكون الجنين تاما فى الشهر الرابع ولا روح له.
الجواب الثانى : أن المرئى يجب أن يكون من الرائى فى جهة وعلى مسافة يكون قابلا للألوان إذ هى العلة فى إظهار المبصرات . وإننا قلنا إن النفس لا تقبل الألوان إذ اللون مركب من أمور تجتمع.
الجواب الثالث : أن المرئى لابد أن يكون فى حيز ، وسنقيم الدليل على أن القوة العقلية لا حيز لها.
الفصل الثانى فى كون النفس جوهرا
النفس جوهر قائم بنفسه ولابد من كشف هذه العبارة . فنقول : على جهات فيقال للقوة الغازية نفس وكذلك المنمية وكذلك النباتية . وهذه أنفس وليست المراد فى هذا الغرض. فأول النفوس النباتية ثم الغازية ثم النامية ثم الحيوانية. وهذه أول مراتب خروج
ص 64
فعل النفس من القوة إلى الفعل ، فالنفوس الحيوانية هى كمال جسم طبيعى بها يحس ويتحرك ، والبهيمة والإنسان يشتركان فى هذه النفس ، وهذه النفس ، هى حرارة مودعة فى النطفة ، ودم الطمث المتجمع فى الرحم لها كالقالب ، فإذا أسقط المنى على بقية دم يجتمع فى الرحم انتشر عليه كالنتق فى اللبن وعقده بحره فسخن وامتد بالحر من خارج وتزايدت الحرارة الغريزية . فأول ما يتكون القلب ثم تنتشر من العروق والعصب وينتقش ذلك الجزء فيه إلى أن تكمل أعضاء الجنين ، ومن يوم تسقط النطفة فى الرحم إلى يوم خروجها مقدار ما تقطع الشمس ثلاثة أرباع الفلك . والنطفة تستمد الحر من جهة الأم والأم من الأغذية ، فإذا دخلت فى الشهر التاسع صارت كالمفتول الخشن المشرب بالزيت الصافى فى شدة الملاءمة والتأتى للاشتعال. وهذا مثل بل الأمر أغمض وأدق.
فالنفس الحيوانية لباب الغذاء والنباتات والعناصر ، فإذا بلغت هذه الرتبة استحقت من الجود الآلهى نفساً. فحينئذ يوجد الرب تعالى قوة من عالم الأمر كما قال تعالى (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء :85] . وقال تعالى (رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى :52] . وقال تعالى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]. والعالم من محدب الفلك التاسع من الصفحة التى تلى جهة فوق والتى تلى أقدامنا إلينا مملوءة جنوداً وملائكة : (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) [المدثر :31]. وقد تبرهن فى العلم الطبيعى أنه لا يجوز أنيكون عالم خارج الكرة التاسعة ، وأن لا خلاء البتة وأن كل موجود للبارئ تعالى فهو داخل فى جوف هذه الكرة . فأما الأجسام فهى تستحيل عن العناصر الأربعة فكل ما تحت مقعر فلك القمر مستحيل متغير، والعناصر يستحيل بعضها إلى بعض وماعدا ذلك فهو جواهر من حوادث آخر ، والنفس من جنس تلك الجواهر لا من العناصر فهى روحانية محضة وهى نفس صغيرة موازية لنفس العالم الكبير.
وقد تكرر منا أن الإنسان موجود على مضاهاه العالم، فالنفس جوهر ورحانى لطيف ولا يجب أن ينكر المنكر ذلك وهو يشاهد شعاع الشمس وروحانيته وبساطته، حتى أن قرصها يكون بالمغرب وشعاعها بالمشرق فما إلا أن تغيب خلف جبل فينقطع الشعاع الذى بالمشرق يلازمان. ولو كان جسما لما انقطع ذلك آحاد السنين ،وكذلك إذا أخذت مرآة وعكست بها الشعاع انعكس ذلك إلى حيث شئت ، ثم تقطعه عن موضع عكسته إليه لا فى زمان ، وجوهر الشعاع بالإضافه إلى جوهر النفس كثيف فليس فى العالم موضع بيت ولا زاوية إلا وهو معمور بما لا يعلمه إلا الله تعالى . ولذلك أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالستر فى الخلوة وهو أن يجامع الرجل امرأته عريانين ، وقد قال تعالى : (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18] . وقال تعالى فى الإنسان : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ ق: 16]. فالأرواح
ص 65
مشحون بها العالم . وإنما نبهنا على ذلك تنبيها أن للنفس شبه عنصر تكون منه يناسب لطاقتها فإذا تأتت الروح الحيوانية أوجد الله تعالى نفساً جوهرًا لطيفًا روحانيًا عالمًا بالقوة فى طبائعه أن يعلم الأمورويقل بارئه، فيتشبث بهذا الجسم ويشتغل به وينشأ معه حتى لا يعرف سواه ويشتد إلفه وحرصه عليه من الله تعالى فيحرك الأجسام. وذلك كمثل الحديد فإنه يكون جماداً لا يتحرك فإذا انضاف إليه أمر يقوى طبيعته وخاصيته قوى الأثر فيه ، ويأتى المحل لفعل النفس الكلية فحركت الحديد فجرى ودار وتراه كالحى فلايزال على تلك الحال حتى ينخرم ذلك الفطام وتزول تلك الملائكة.
ولما كانت النفس روحانية قبلت عن الروحانى وتأثرت عنه. فلولا العقول المعبر عنها بالملائكة الممتدة للنفوس من خارج لما عقلت معقولاً البتة فإن النفس عالمة بالقوة فقط والملائكة تخرج ما فى القوة إلى القعل حتى يصيرها عالمة بالفعل فأعلى طبقة فى الاستمداد الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ثم يليهم . وذلك بحسب تهذيب النفس والعكوف على هذه الجنبة وهذا هو المعنى بقوله تعالى : (إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [المائدة :110]. وقال تعالى فى الأولياء : (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) [المجادلة :22] . الناس فى الأخذ من الملك تفاوتا لا نهاية له ومن الناس من لا يأخذ شيئا وهم المرادون بقوله تعالى : (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا) [الفرقان:44]. وإنما أوجد لله سبحانه النفس لامتحان الآدمى ، ولو أوجدها مبرأة من المادة لم يكن منها عصيان فجعلها فى مادة كما قال تعالى : (لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس:14]. وذلك أن الملائكة عرفت أن الموجود فى مادة يعصى فقالوا : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) [البقرة :30]. فالنفس تكتسب فى بدنهاالكمال لكى تلحق بالملائكة أو الشياطين إما بالأعلى أو بالأخس. ثم هى بعد ذلك حية لأن كونها موجودة مع البدن لا يدل على عدمها بعدم البدن فإن عنصريهما مختلفان.
والدليل على ذلك أن نفوس الملائكة وذوات الأفلاك لا تتغير إلا أن يريد بارئها والأفلاك تقبله بجواهرها ، ولأن الفناء هو انحلال التركيب والنفس بسيطة لا مركبة والدليل عليه علمها بالأمور العقلية والمغيبة كالنبوة والكهانة ، ولا يصح البته أن يعقل الجسم باتفاق العلماء والعقلاء والمزاج عبارة عن اعتدال الأخلاط فى الجسم والأخلاط جسم فيستحيل أن تكون مدركة عاقلة. وإنما العاقل المدرك جوهر يناسب جوهر الملائكة وكل جنس فلا يلائم إلا جنسه. ولما كان الجسم كثيفا صرف فى الخدمة والحركات والأمور الجمسانية ، ولما
ص 66
كانت . النفس لطيفة أعدت للإدارات والقدر والعلوم حالة فى النفس ، والعلم لا ينقسم فمحله لا ينقسم ولأن الجسم لو كانت حركته منه للزم فى الفلك أن تكون حركته منه ، وقد تبرهن أن حركته من نفس محركة ، وكل متحرك فى يكون محركا نفسه أصلا ويبطل أن يحركه جسم آخر إذ لو حركه جسم لاستبد هو بالفعل فيبقى أن يحركه غير جسم وغير الجسم لا تركيب فيه ، وما يفسد فإنما يفسد لاجتماعه من متنافرات فينحل.
وقد تقدم أن النفس لا مركبة ، فالنفس تنحل وما لا ينحل يبقى فالنفس تبقى . ثم نقول : جميع ما هو جوهر فهو إما قائم بنفسه . وإما على ما يعتقده المتكلمون فإن الجواهر عندهم متماثلة ولا فرق بين جوهر النفس وجوهر الجسم. وإنما تختلف الجواهر عندهم بالأعراض ويستحيل أن يكون الجوهر عندهم يحل محل فى الجوهر أو يقوم به ، فلو كان الجسم جوهرا والنفس جوهرا لم يصح أن تكون النفس صفة للجسم ولا أولى منه لتماثلها فى الجوهرية. وإذا بطل أن تكون جوهرا أو عرضا لم يبقى أن تكون جوهرا قائما بنفسه ليست بعرض ولا بجوهر.
فإن قيل : لا يعقل فى العقل إلا جوهر وعرض . وأما جوهر ثالث فلا يدرى.
قلنا : هذا إلا أن سخف بل ليس فى العقل حصر يدل على ذلك ، وإنما أوجب تلك القسمة المشاهدة من حيث لم تشاهد إلا عرضًا وجوهرًا وهذا قياس التمثيل وهو قياس باطل ، وسنعد كتابًا لتقرير البراهين إن ساعدت الأقدار بحول الله تعالى . وإذا ثبت وجود معنى ثالث بالبرهان.
قلنا : هذا المعنى لا يخلو أن يجب له المحل أو يجوز عليه أو يستحيل . وبطل أن يجب له ، فإن الواجب العقلى لا يفتقر إلى مخصص وذلك يلزم أن يكون النفس أبدًا غير خالية من محل ونحن نشاهد تركها للبدن فلابد من مدة تمر عليها لا تكون فيها فى محل. هذا لو قلنا إنها تنتقل من هذا الجسم إلى جسم ، فنقول مابين الإنتقالين لا تكون فى جسم والحكم الواجب لا ينتقض فى زمان ما. ثم نقول : من زعم أنها تنتقل إلىمحل فعليه الدليل وهذا لا يقوم عليه دليل البتة وإذا بطل أن يكون المحل واجبا لها بقى أن يقال جائز عليها، وما جاز على الشئ افتقر إلى مخصص والمخصص لا يؤثر فى محل إلا أن يكون المحل قابلا للتأثير ، وقد قدمنا أن النفس يستحيل إنطباعها فى الجسم فصح وثبت أنها يستحيل عليها المحل.
الفصل الثالث فى أن النفس لا تعدم وأنها باقية
وقد قدمنا اختلاف الفرق فى ماهية النفس وتقدم مذهب كل فريق ، والذى نخص
ص 67
به الآن هذه المسألة أن نقول : تنحصر المذاهب فى مذهبين : إما أن يقال إن النفس قديمة على مذهب أفلاطون فإن البارئ تعالى عنده علة وجودها والمعلول عنده لا ينعدم إلا بانعدام علته والبارئ تعالى لا ينعدم فالنفس لا تنعدم هذا مذهبه.
وذهبت طائفة من محققيهم أنالنفس محدثة وهو مذهب ابن سينا ، ولكن اتفق الكل على أنها لا تنعدم وبذلك أخبرت الأنبياء عليهم السلام . وقال تعالى : (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) [المائدة :119]. وقال تعالى : (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران : 169]. وقال سبحانه فى نفس الكافر : (ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى) [الأعلى :13 وطه :74]. وقال تعالى فى أهل الجنة : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان : 56] فإذا هما طرفان:
أحدهما : عدمها واتفق المؤالف والمخالف على أنها لا تنعدم حاشا طائفة من الدهرية لا التفات إليهم.
الطرف الثانى : وهو ابتداؤها . فذهب الإسلاميون والقائلون بالشرائع إلى أنها محدثة لها ابتداء لكنها جوهر لا يقبل العدم . وذهبت طائفة من الفلاسفة إلى أنها محدثة ولكن مذهبهم يعود إلى مذهب أفلاطون . وذلك معنى الحدوث عندهم انتقال ماهية الجوهر كالماء إذا أشعل تحته النار ففنى فلم يفن عندهم تحقيقا، لكن الماء عندهم استحال هواء وكذلك الهواء إذا استحال ناراً فالحدوث عندهم عبارة عن تغيير حال الجوهر . وإذا فهمت هذا من مذهبهم فحدوث النفس عندهم عبارة عن انتقال جوهرها من حالة إلى حالة كانتقال الماء إلى الهواء والذى يرجع إليه مذهبهم والله أعلم أن العناصر الحاصلة فى مقعر فلك القمر المنفعلة عن الأفلاك تولد النفس منها. وحاصل ذلك راجع إلى أشعة الكواكب ولكن عندهم بين النفوس والأجسام مناسبة وعلاقة لابد منها. وذلك يكون ابتداء الجسم للكائن من الأغذية بأن تكون تلك الأغذية تنقسم ما بين البروج، فإذا انفعل الجسم وخرج إلى صفحة العالم من طالع مخصوص انجرت تلك الأشعة التى للكواكب إلى الجسم بمناسبة مختصة من جهة مختصة بالطبع ، وعلى هذا بنوا آراء الطلمسات ، فإن ابن آدم عندهم طلسم فيحتالون بأبخرة وعقاقير وجواهر مختصة من جواهر الأرض تلائم طبيعة الكواكب والحب والمنافرة عندهم على قدر تناسب الطبيعة ولهم فى هذا كلام طويل. والذى يقوم عليه البرهان أن النفس حادثة إذ البارئ تعالى موصوف بالاقتدار على خلق جواهر لا تعدم . وسنورد إن شاء الله تعالى أصل مذاهبهم فى المعراج الثالث فى حدوث العالم العلوى فلا معنى لإيراد ذلك فى هذه المسألة فلنتكلم على أنها لا تعدم . فنقول : الشئ لا يوصف بالعدم ما لم يقل إنه قابل للعدم. وإذا كانت النفس قابلة للعدم فلا تخلو أن يكون
ص 68
ذلك فى طبعها ويكون العدم ذاتيا له. وإما أن تعدم لاختلال شرط فى وجودها . وإما أن تعدم لإرادة بارئها أن تنعدم. وبطل إن يكون العدم من صفات ذاتها إذ ذلك يؤدى إلى أن تبقى زمانين وهو محال وبطل أن يقال هى باقية بشرط إذ قدمنا أن القائم بنفسه لا يفتقر إلى شرط . وبطل أن يقال تعدم لإرادة بارئها فإن إرادة بارئها يعلم إلا من جهة الرسل عليهم السلام وقد أخبرت الرسل عليهم السلام إنها لا تعدم والله ولى الهداية.
المعراج الثالث
لم يختلف أحد من ذوى العقول أن الصور الجسمانية فى عالم الكون والفساد حادثة مفتقرة إلى علة فى وجودها إما بارئ وإما طبيعة على ما قدمناه وعالم الحس والشهادة والكون والفساد كل ما حواه فلك القمر وحصل مقعره. واختلف فى العوالم العلوية وهى نفوس الأفلاك وعقولها وما فيها من الكواكب وغيرها. فأطبقت الفلاسفة على قدم ذلك بلا خلاف فى الاعتقاد. واختلف عبارتهم فى التغيير عن حصولها عن البارئ تعالى وهو المبدأ عندهم وجرى المبدأ الثانى الذى هو علة لما تحته البارئ سبحانه فجرى النور من الشمس ونور الشمس ضرورى الوجود معها فلا ينعدم. والبارئ سبحانه عندهم علة وهو معه كالمعنى الطبيعى وغير متقدم عليه التقدم الطبيعى ، بل معنى تقدمه عليه بالمرتبة كتقدم الملك على الوزير والوزير على الحاجب ، ثم سموه بعد ذلك حدوثاُ وفعلاً وفيضَا وكل على سبيل المجاز لا الحقيقة.
والعالم عندهم ينقسم إلى قسمين : قائم بنفسه وغير قائم بنفسه . فما ليس قائما بنفسه هى الأعراض وحدوثها عندهم عن دوران الفلك والانتقالات فتسرى الأدوار من شئ إلى شئ وتكتسب الجواهر بذلك أحوالا وماهو قائم بنفسه منقسم إلى ثلاثة أقسام : أجسام وهى أخس الجواهر وعقول أشرف الموجودات ونفوس وهى واسطة بين الأجسام والعقول وهى فى حكم الرابطة بين العقول والأجسام كالحرف الرابط بين الاسم والفعل والكلمة وهى غير مؤثرات فى الأجسام . ثم الأجسام عشرة تسع سموات والعاشر عناصر التى هى حشو فلك القمر . ثم السموات التسع حية عندهم ناطقة ولها ترتيب ودرجات وهو أن البارئ تعالى عن قولهم فاض عنه على الطريق التى ذكرناها العقل الأول وهو العلم، والكلمة عند أكثرهم وهو جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا هو منطبع فى جسم يعرف نفسه ويعرف بارئه وهو ملك. وربما زعموا أنه هو القلم. ثم لزم عن وجوده ثلاثة أشياء : عقل ونفس الفلك والأقصى وهو التاسع وهو السماء وجرمها ، ثم لزم من العقل الثانى عقل ثالث ونفس وفلك الكواكب الثابتة وجرمه ، ولزم عن العقل الثالث عقل رابع ونفس
ص 69
فلك زحل وجرمه ، ولزم عن العقل الرابع عقل خامس ونفس وفلك المشترى وجرمه هكذا إلى فلك القمر ، ثم ما فى حشو الفلك ثم المواد التى تسير فى سبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة تنفعل منها المعادن والحيوانات والنباتات ، فالعقول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع ذلك تسعة عشر. وزعم بعضهم أن ذلك هو المراد بقوله تعالى : (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر :30] . وزعم بعضهم أن ذلك الأثنى عشر برجاً والسبع للدارى وإلى هذا يرجع حقيقة مذهبهم وعليه مدار سائر مذاهبهم فى كل فن ، واتفقوا على أن الله تعالى واحد وحدانية لا تقبل الانقسام لا بالحس ولا بالعقل ولاغير ذلك ، وأنه لا معنى له يزيد على ذاته من علم أو قدرة أو غير ذلك. هذا هو مذهب المحققين منهم الذى اتفقوا عليه.
وما يظهر من الاختلاف فى أقوالهم فى العالم كتحير جالينوس حيث قال : لا أعلم قديماً أو حديثاً فقد قال الفارابى من محققبهم أو معنى ذلك أن العالم يتعارض عليه فهو ضربان لانقسامه فى نفسه إلى القديم والحادث. فإذا انفرد الكلام ارتفع الغلط . فمعنى قولهم العالم محدث له معنيان : أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز . فأما ما هو حقيقة فهو تركيب الصور فى عالم الكون والفساد من المادة . وأما المجاز فتسيمتهم العلة الأولى حدوثاً وفيضاً وذلك راجع إلى تسمية مجردة ، فأنه لا يصح عندهم أن يصدر حادث من قديم البتة.
ولنرسم فصلين أحدهما يقتضى الدلالة على أن العالم محدث ،ويتضمن الثانى الكشف عن أدلتهم فى أن السماء حية.
الفصل الأول
لهم على مذهبهم أدلة نوردها وننفصلعنها قالوا يستحيل أن يصدر حادث عن قديم حدوثاً لا واسطة له لأن الإله إذا فرضنا وجوده فى الأزل موجود معه البته والموجودات لم تصدر منه لأن إيجادها لم يظهر به بل كان عنده حيز الإمكان المجرد ، ثم إنه أحدث العالم فإحداثه لا يخلو من حالين: إما أن يكون بقى على حالته الأولى ، وإما أن يكون حدثت له صفة تقتضى الإحداث. وذلك يلزم السؤال . بلم ؟ فيقال : لم خصص هذا الوقت بالفعل دون الوقت السابق أو يحال الأمر على فقد آله ووجودها، ويبطل أن يكون لإرادة حادثة فإن الحادث لا يحل التقديم ويبطل أن يخلقها فى محل ثم يريد بها وكل هذا باطل . وأما قولهم إنه لم يفعل ثم فعل فذلك يوجب تغيير الحال.
قلنا : ذلك فإنه تعالى لم يزال عالماً ولايزال ، ومقتضى علمه إيجاد الخلق فى المبدأ الذى أوجدهم فيه وقصد إلى خلقهم حين ابتدأ خلقهم ، وذلك راجع إلى إظهار الفعل
ص 70
و ليس من شرط العالم إذا كان قادرا أن يلازم المعلوم و المقدور. و البارىء تعالى لا يقال له لم، فبسقط ما موهوا به، فإن قالوا: البارىء تعالى لا علم له.
قلنا : بل هو عالم لا يتغير عما علم فى وقت ما لا فى الماضى و لا فى المستقبل كما يدل علبه، و من الدليل على حدوث هذا العالم أن فى القول يقدمه إثبات حوادث لا نهاية لها. فلك الشمس يدور فى سنه، و فلك زحل فى ثلاثين سنة، فتقع أدوار الشمس فى زحل فى ثلث العشر،و تقع أدوار الشمس فى أدوار المشترى فى نصف السدس، فإنه يقع مدة اثنتى عشرة سنة، فإذا كانت دورات زحل لا نهاية لها و لا عداد، و كذلك الشمس و كذلك المشترى فذلك يبطل ان تقع الشمس لأحدهما فى التكسير على ما وصفنا، بل فلك الكواكب الذى يدور عندهم فى ستة و ثلاثين ألف سنة مرة. ثم نقول اعداد هذه الدورات لا تنفك أن تكون شفعا أو وترا أو شفعا و وترا أو لا شفع و لا وتر و بطل أن يقال لا شفع و لا وتر، فإن العداد إما شفع و إما وتر، و قد صححتم هذه المقدمة فى المنطق، و كذلك إن قلتم شفعا و وترا، فإن قلتم شفعا فما لا نهاية له لا يعوزه واحد يصير العدد وترا و محق أن يعوزه و إن قيل وترا ثبتت النهاية.
فإن قيل : ما لا يتناهى لا يقبل الإنصاف بالشفع و الوتر.
قلنا : هذا محال إذ جملته قامت من سدس و عشر تقبل ذلك بالضرورة و غاية كلامهم مطالبة البارىء سبحانه بما خص و وقت المبدأ من غيره، و هذا الأعتراض لا يعقل له مناسبة و لا يلزم بحال، فكل ما يهزون به يحمل على العلم و الإدارة على أن نقول ربما الأصلح بهم خلقهم فى الوقت الذى وجدوا فيه.
الفصل الثانى
و هذا الفصل ينقيم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول : فى ذهابهم إلى السماء حية
و الثانى : قولهم إن السماء عالمة بجزئيات العالم.
و الثالث : فى ترتيب الحركات
قالوا: السماء حية و لها نفس: نسبة نفسها إلى جسمها كنسبة أنفسنا إلى اجسامنا.
و كما تنقسم حركاتنا إلى الطبيعة و الإرادية كذلك حركة هذة إراديها و طبيعيها قصدها عبادة رب العزة و التقرب منه إذ كل تحرك إرادى لغرض إذ بذلك يفارق العاقل سائر الحيوان. ثم قصد التقرب الغرض به عندهم التشبه بالبارىء تعالى فى الصفات لا فى الذات، فإن الكمال الأعظم و البهاء الأتم و الجود الافخم لله رب العالمين. و كل وجود بالإضافه إلى وجوده
ص71
ناقص، و الملك اقرب إليه و نعنى بصفات الباىء تعالى العلم والحلم و الجود و الرحمة و النزاهة عن الظلم إلى غير ذلك. و الإنسان متى استعمل هذه الصفات قرب من الملك فهو قرب مناسبة فى الخلق و الصفات لا فى المكان و كذلك الملائكة مع بارئهم قالوا : و المنهى طبقة الأدميين التشبة بالملائكة. و الملائكة عندهم عبارة عن النفوس المحركة للسموات، قالو : و كمالاتها تنقسم إلى ما بالقوة و ما بالفعل، فما هو بالفعل كونها على شكل كرى و ذلك بالفعل حاضر أبدا و ما لها بالقوة الهيئة فى الوضع و الإين فكل وضع ممكن لها، و ما لم يمكنها فلعدم ثباتها تحركت تبغيها فلا تزال تطلب وضعا بعد وضع، إنما قصدة التشبة ببارئة فى صفات الكمال فهو يتحرك لإفاضة الجود على ما تحته من العوالم إذ ليست تختلف فى التثليث و التربيع و المقابلة و اختلاف الطوالع. و هذا الكلا لا يقوم علية برهان، فإن الحركة المشرقية هلا كانت المغربية و هلا كانت المغربية مشرقية . فأما عنوان أدلتهم فى أنها حية فزعموا أن السماء متحركة.
قالوا : و هذا معلوم بالحس و الضرورة و مل جسم متحرك فله محرك و لابد. و هذه مقدمة أخرى إذ لو تحرك الجسم بمجرد كونه جسما لكانت الأجسام كلها متحركة، و المحرك لها إما أن يكون طبيعة لها كهوى الحجر إلى أسفل. و إما أن يكون المحرك لها خارجا عنها كرمى الحجر إلى فوق فيكون قاسرا له على ذلك. و إما أن تتحرك بإرادتها و يبطل أن تكون حركتها قسرية، لأن محركها إما جسم فيلزم فيه ما لزم فى هذا، و إما أن نقول يحركها اللة تعالى بغير واسطة. قالوا: وذلك محال لأنه لو حركه من حيث إنه خالف للزم أن يحرك كل جسم فلا بد من اختصاص الحركة بمزية، و لا يمكن أن يقال تحركها بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة، فلم خصت هذه بالتحرك دون غيرها و الحركة الطبيعية فيها محال لأن الطبيعة تلزم ضربا واحدا. ثم الحركة الدورية لا يصح فيها فإن كلا مضروب عنه فلا يلزم عودها إليه فتتساوى الأماكن، و نحن نسلم جميع ما ذلك ذكروا حاشا قولهم يبطل أن تتحرك لإرادة الله إذ يلزم ذلك فى شكل السماء و تحركها على نقطتين، و لم اختصت بهذة الصورة.
القسم الثانى: قالوا إذ صح أن السماء متحركة بلإرادة فهى عالمة مطلعة على جزئيات العالم، قالو: و المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات و أن انتقاش جزئيات المعلومات و ما فيها كانتقاش المعلومات فى القوة العاقلة فى الإنسان، قالوا: و الملائكة السماويات نفوس السماوات و الكروبيون المقربون العقول المجردة التى هى جواهر قائمة لا تتحيز و لا تتصرف فى الأجسام، و استدلوا على أن السماء عالمة بالجزئيات، بأن قالوا: الحركة الدورية إرادية و الإرادة تتبع المراد. و المراد الكلى لا يتوجه إليه الإراده الكلية و الإرادة
ص72
الكلية لا يصدر منها شىء، فإن كل ما خرج من الفعل موجود و جزئى و نسبة الإرادة الكلية إلى الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شىء جزئى، بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة و ذلك يلزم تصورة لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذ من ضرورة كل إرادة تصور مرادها، و إذا ثبت تصورها الجزئيات علمت ما يلزم منها من اختلاف النسب من الأرض مع اختلاف أجزاءة فى الطلوع الغروب و الأستواء، فإذا الحركات السببية للمسببات سلاسل تنتهى إلى الحركة السماوية الإرادية و الإنسان إنما لا يعلم ما يقع فى المستقبل بجهله بالأسباب، و هذا كله باطل فى حق السماء فإنه موجود إلى تتابع حوادث لا نهاية لها و هذا محال. نعم يصح هذا فى حق البارىء تعالى من حيث إن المعلومات عنده على وتيرة واحدة تابعة لإرادته و علمه، و ذلك لا يلزمه على شكل يوجب له ذلك أو دوران و ما لزم عن شكل و دور افتقد إلى مريد موجود لذات الشكل و الدور فمر يده بالعلم أولا و يبطل تساوى الخالق و المخلوق فى العلم فإنه إذا علم الفلك لوازم الحركات إلى ما لا نهايه له و علم البارىء سبحانه لوازمها إلى ما لا نهاية له، فلا يخلو علمهما لها إما أن يتطابقا أو يتضادا، و متى تطابقا أو تضادا فهو نقصان لمن يستحق الكمال الأتم، و قد اتفقوا على أن البارىء تعالى منفرد بذلك.
القسم الثالث : ما ذكرناه فى القسمين السابقين ينقسم إلى ما لا يصح و لا يقوم علية برهان و إلى ما لا يقوم علية برهان، كعلمنا أن السموات متحركة و أن الحركات مختلفة فى التغريب و التشريق و أختلاف المطالع و الغارب و تعلق الحوادث بذلك، لكنا نزعم أن ذلك تابع لإرادة البارىء سبحانة و علمة فى كل دقيقة من الزمان و هم يزعمون أن السماء و نفوس الأفلاك مستقلة بذلك من جهة إرادتها و علمها، فنجعل هذا القسم ثلاثة فصول :
الفصل الاول : فى أن الله سبحانة عالم بالمعلومات
الفصل الثانى : أنه مريد للكائنات
الفصل الثالث : فى غرض القسم فى ترتيب الحركات
الفصل الاول فى أن الله سبحانة عالم بالمعلومات
اتفق المثبتون للصانع على أن الله تعالى عالم، و اختلفوا فيما هو به عالم و هل علمه زائد عليه أم لا، و هذا الإتفاق فى إثبات العلم كاف و نزيده بيانا أن تقول لا يخلو العالم أن يكون له محدث أو لا محدث له، فإن لم يكن له محدث بطل بما قدمناه. و إن كان له محدث لم يخل أن يحدثه وهو عالم به أو غير عالم به. فإن قيل : أحدثه و لا علم له به فهو إما مقهور أو ذاهل و هذا باطل إذ ذاك محال و قد تقدم ما ينفية فلم يبق إلا أنه عالم.
ص73
فإن فيل: هو عالم و لكن بالكليات، و أما الجزئيات فذلك يوجب تجدد علمه بتجدد الوارد و ذلك باطل، و الذى يلزم فى حدوث جزء منه، فإن الحدوث لا يختلف فلو صح أن تحدث خردلة دون علمه لجاز أن تحدث السماء دون علمه.
فإن قيل: سلمنا أن محثا لا يحدث و هو لا يعلم به، بل للملائكة الموكلين بذلك فى علمهم بالمعلومات استقلال و هذا منتهى شبههم.
قلنا: ذلك محال فإن الباىء سبحانه عندكم عقل محض و من شرط العقل المحض المبرأ عن المادة أن لا يجهل معلوما، و إنما طرأ الجهل على الإنسان من حيث هو فى مادة فاشتغل بها عن غيرها. فنقول: قد علمتم أن السماء عالمة بالجزئيات فهلا أوجبتم ذلك لرب العزة على الوجه الذى أثبتوه للسماء؟ فإن قالوا: يلزم طرؤ الحوادث عليه. قلنا: لا يلزم لأن علمه قديم علم ما يكون من تركيبات العالم و انتقالاته إلى منتهى و على اصلكم من حيث علم الأسباب الأول يلزمه علمها و علم توابعها و توابع توابعها، فإن من علم علم المسبب و ما من سبب إلا و له مسبب هكذا إلى منقطع السلسلة. ثم الحدوث و التغير يطرآن على الحوادث و هى جارية على ما علم فعلمه واحد لا يتغير و إنما تغيرت هى من حيث علم تغيرها فى علمه أنها يترتب بعضها على بعض.
فإن قيل:فهل علمه زائد على زاته أو هو عين زاته؟
قلنا: ذهبت المعتزله إلى أن ذاته عين علمه، و ذهبت الأشعريه و أكثر الفرق إلى أن علمه غير ذاته. و الذى أعتقده أن الله سبحانه عالم و قد قام الدليل على علمه، فهذه مقدمة المقدمة الثانية إن ثبت أن إثبات كون العلم مغايرا ً للذات محال، و ذلك أن نقول لا يخلو أن يكون العلم نفس الذات و هذا لا نعتقده، أو نقول أنه زائد عليها و هو مذهبكم. فإن كان زائداً عليها فلا يخلو أن يستقل دون الذات بأن يكون واجب الوجود أو تكون الذات شرطاً فيه، فإن استقل دون الذات و كان قديما قائماً بنفسه فهما إلهان الذات و العلم و ذلك محال.
فإن قيل : الذت من شرطه؟
قلنا : لا يخلو أن يكون قديماً أو محدثاً. فإن كان قديماً بطل أن يكون القديم شرط القديم، و إن كان محدثاً فلا يخلو إما أن يقوم بذات البارىء تعالى أو بغيره، فإن قام به لزم قيام الحوادث بذاته و هذا باطل و إن كان بغيره، فالعلم إذاً ليس من صفات ذاته.
فإن قيل: فهذا إذاً نفس اعتقاد المعتزلة. قلت: نفارقهم بفضل و هو أن مذهبنا ان الله سبحانه عالم بالكليات و الجزئيات و لا يطلق عليه لا علمه ذاته و لا غيرها لأن التحكم بإضافة إسم إلى البارىء تعالى و إطلاقه طريقة الشرع، و ليس فى حكم الشرع ما يدل على
ص74
أن العلم زائد، بل ورد ذلك مطلقاً و شهدت أدلة العقول على أن الله تعالى عالم، و أن العلم لا يصح أن يكون موجوداً قديماً قائماً بنفسه مستغنياً عن البارىء تعالى و بطل أيضاً أن يكون قديماً يفتقر إلى شرط.
الفصل الثانى فى أنه مريد للكائنات
هذا الفصل معقود للإرادة، و هى مسألة مشكلة و عليها انبنى تعطيل المعطلة فلابد من تفصيل القول فيها إن شاء الله تعالى فنقول: الإرادة حقيقتها المفهومة إجماع النفس على الفعل عند انبساط القوة المنزوعة، و يحركها إلية فى القوة الخيالية شىء يرغب فيه أو يهرب عنه، و هكذا الوصف مستحيل فى ذات البارىء تعالى، فإذاً الإرادة الإلهية عبارة عن إيقاعه الفعل مع أنه غير ذاهل عنه فالقصد إلى إحداث المحدث و العمد إليه سمى إرادة.
و حقيقة ذلك تؤول إلى خروج الفعل من القوة إلى الفعل. و قد فام الدليل على أن الله تعالى عالم و أنه مبدىء العالم و ثبت افتقار العالم إليه، و اتفق على ذلك الكافة و إن سموه عله فقد أطبقوا على العالم لا قوام له دونه و ثبت علمه به و علمه تعالى بالمعلومات فيما كان أو يكون على وتيرة واحدة لا يتغير و لا يجهل و لا يذهل. و العلم متى أضيف إليه فهو قبل الفعل أبداً و دائماً بعده ثم تعلق العلم بأنه سيكون إذا أضيف إلى جهة المعلومات فتنقسم المعلومات فى حقه إلى ما يكون و إلى ما كان فكل ما يكون فهو فى القوة و ما كان فقد خرج إلى الفعل فتغير حال المعلو م لا العلم .
و هذه قاعدة عظيمة إذا فهمت على هذه الرتبة، و إذا تقرر هذا فكل ما هو فى القوة سيكون فالرب سبحانه مريد لأن يكون من حيث رتب تعالى الأسباب على ما جرى به علمه فهى مطابقة على ما سبق به العلم، فإطلاق الإرادة فى هذا الموضوع على معنى أن المراد معلوم و نظم القياس كل مراد معلوم، و كل معلوم جار على ما أراد الله تعالى،و كل مراد جار على علم الله تعالى. و إذا صح أن يكون العلم علة المراد الذىفى القوة فما هو بالفعل تابع لما فى القوة و الأمر ظاهر، فما خرج إلى الفعل فنفس حدوثة دليل على إقاع الله نعالى له و إقاعه له هو المطلوب بالإرادة تابعه للعلم.
فإن قيل : فالمعلومات هل هى متناهية أو لا متناهية؟
قلنا: هذا السؤال يفتقر إلى تفصيل فلا يخلو السائل أن يضيف التناهى إلى المعلومات فمن ضرورة العقل أن يكون المعلوم محاطاً به، و كل محاط به فمحدود، و كل محدود متناه فكل معلوم متناه كان المعلوم فى القوة أو خرج إلى الفعل، فإذا العالم بأسره من الكرة التاسعة و ما يحويه و توابعها من أجناسها و أنواعها و أشخاصها و ما يلزم عنه متناه محصور فى علم الله تعالى.
ص75
فإن قيل: هذا مسلم و لكن السؤال هل البارىء تعالى عالم بما لا يتناهى أم لا؟
قيل: هذا سؤال مستحيل من هذا الوجه فإن كل معلوم متناه فكان حاصل السؤال أن نقول كل غير متناه أم لا. و هذا انحراف عن صوب الصواب.
فإن قيل : فهل يقال يصلح أن يكون العلم حاصراً لما يتناهى أو لا؟
قلنا: العلم فى نفسه لا يصح الاتصاف به متى فرض إلا مضافاً إلى معلوم و إلا بطلت خاصية العلم فمتى أضيف كان المعلوم منحصراً. فبقى أن يقال ذلك على وجه واحد و هو أن يكون العلم القديم يتعلق بأن عوالم تتعاقب و هى متى أضيفت إلى نفسها انحصرت، و متى أضيف و التناهى إلى علم الله تعالى بطل لأن العلم لا يقال فيه متناه أو غير متناه، و هذا أصل الغلط فربما ظن من لا حقيقة عنده أن المعلومات متى كانت متناهيه كان علم الله تعالى متناهياً، و هيهات ما قدروا الله حق قدره، فالمعلومات هى المتصفه بالنهايه من حيث تقبل التناهى حتى زعم أكثر المتكلمين أن الكيفيات لا يقال متناهية أو غير متناهية، فكيف بعلم البارىء تعالى؟ فإنه ليس من قبيل الأعراض و لا من قبيل الجواهر، فكيفما أدرت المسألة رجع حكم النهاية إلى المعلوم لا إلى العلم و ذلك لا نقص من قدر الله تعالى و لا يقال له بذلك عاجز.
الفصل الثالث فى ترتيب الحركات
لا خفاء على ذى بصيرة أحاط علماً بما قررنا من افتقار العالم إلى البارىء تعالى و إثبات العلم له، فإن المعلوم لا يخرج عن العلم إذ ذرة فى السموات أو فى الأرض لا تتحرك أو تسكن إلا و هى مقيدة فى علم البارىء تعالى فى كتاب لا يضل ربى و لا ينسى و ما من حركة ولا قبض و لا بسط و لا وسوسة و لا هاجس إلا و البارىء تعالى عالم بذلك الآن كعلمه فى الأزل و كعلمه بعد انقضاء الفعل، و كيف لا و قد قدمناه أن أكثر المنتمين إلى الحذف و العلم بالإله جل جلاله برهنوا على أن الفلك عالم بجزئيات العالم، و قد أقروا بأن الفلك مسخر لمدبر عليم قاصد بحركته التقرب لبارئه تعالى، فمن أولى باتصاف الكمال السيد أو العبد فسبحانه ذى العرش المجيد و البطش الشديد {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق:18) و هو أدنى إلى عبده من حبل الوريد { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلا هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم} [المجادلة:7] و قال تعالى: { و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو و يعلم ما فى البر و البحر و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها و لا حبة فى ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا فى كتابٍ مبين} [الأنعام:59] و هذه الأية من
ص 76
الآى التى هى أم الكتاب، فذكر تعالى أن عندة مفاتح الغيب. و من قام عندة البرهان بما تقدم طلب معنى تحمل المفاتح علية، و قد اهتدت الفلاسفة إليه لو أضافوا ذلك إلى رب العزة، فإن السباب و مسبباتها علمها عز و جل و لا يصح أن يعلمها أولا ثم لا يعلمها بعد حدوثها إذ ذاك يؤدى إلى تغيره، و يبطل أن يعلمها علماً كلياً ثم تستجد له علم عند حدوثها و ذلك أيضاً باطل، و صح أن الله تعالى عالم بها قبل كونها علماً بدقائقها لا يعدوه، فلو صح أن يتعداه لخروج عن كونه عالماً بها، و إذا ثبت ذلك بحسب ما ترتب فى العلم ترتب فى الوجود فلا يعدو منها شىء علمه و إن اردت مثلاً فالخبز لا يخبز ما لم يكن عجيناً، و لا يصح أن يكون عجيناً ما لم يكون دقيقاً و لا يصح أن يكون دقيقاً ما لم يكن قمحاً، و لا بد من طحنها و لا بد من حجر طحين و من محرك للرحى و صفات المحرك، فهذه أسباب لازمه ضروريه لابد منها، فهكذا فافهم الباىء مع علله تبارك و تعالى، فالأسباب هى المفاتيح و المسببات هى المفتوحات بها، و لا يصح أن يستولى عليها غيره و من علم بعضها فبتعلمه و من علم بعضاً لا يأتى عليه حميعاً كائناً من كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً ، و ذكر تعالى الظلمة نهاية فى تعظيم علمه بالأشياء الغامضه التى فى غاية الغموض، و كذلك ذكر الرطب و اليابس من حيث إن كل رطب يقتضى البارد و الحار و كذلك لليابس إذ ذلك من ضرورته.
فالسموات و الأرض و ما فيهما من علمه و له المثل الأعلى كسفرة بين يدى أحدنا يدير ما فيها بما يشاء و علمه بجزئيات الأمور و ما بينهما إلى علمه و قدرته أنذر و أحقر من نسبة السفرة إلى إحاطة علم بما لا يتقدر و لا يتناهى ، و إنما هو ضرب مثل لكنه تعالى تقدس عن الجوارح و الأدوات و المباشرة و كان اللائق بجلاله أن تنفعل له الأشياء بمجرد قصوده لكونها، و لكن خص بعلمه و حكمته أن يكون العالم على نظام و ترتيب ليترتب بعضه على بعض، و هذا نعلمه بالضروره و لا ينكر و لا يتمارى فيه و لا استحالة فية. و إنما الممتنع أن يكون فى ملكه ما لا يريد أو يفعل شيئاً محدث دونه أو يحدث ما لا يعلم فى ملكه تعالى و تقدس عن ذلك سبحانه. و إذا حصلت ما تقدم علمت أن مبدأ الحركه منه تعالى إذ قام عندك برهان على جرى العالم كله و ترتيبه على السابق و أن علمه لا يتغير، و تقدم لك أن العالم منفعل له، و ذلك لازم ااعالم لزوماً ضرورياً و هو تعالى مخطار و الحديد منطبع للمغناطيس بخاصية فبه. و هذا فى عالم الحس فما ظنك برب العزة ذى الجلال و الكمال؟
و إذا فهمت هذا فاعلم أن الحركات ثلاثة: إما على الوسط كتحرك الأفلاك، و إما من الوسط كالهواء و الأبخرة الصاعدة علواً، و إما إلى الوسط كحركة الحجر إلى أسفل يطلب
ص77
مركزه يطبع فيه. ثم هذه الحرطه ضربان : ضرورية و اختيارية, و لها نسبتان: نسبة نفسها و نسبة إلى بارئها فمتى أضيف فعلها إلى بارئها فهو مختار لها بأجمعها ليس شىء منها إلا بتدبيره و حكمه و قضائه و حكمه له اقتضت كونها على جهة مخصوصة و زمان معين و شخص معين تقدمت تلك الحركة أو تأخرت كانت بالقوة أو بالفعل. و هذا لازم ضرورة.
و أما النسبة الثانية و هى نسبتها إلى المتحركين فتنقسم ثلاثة أقسام : إما مختارة و هذا يختص بالحيوان، و إما مضطرة و هذا يشتمل الجماد و الحيوان و هو إما ملازم و إما عرضى.
فأما الأفعال المختارة فهى موقوفة على إشارة النفس و تحركها و الأشياء التى تحت النفس طائعة لها انطباع النفس لبارئها جعل ذلك فى طبيعة الخلقة و النفس منفعلة بإشارة العقل و العقل منفعل لبارئه تعالى. و أما نفوس الملائكه فحركتهم الاختيارية عن عقولهم و عقولهم عن بارئهم فلا عصيان فى افعالهم البتة كما قال الله تعالى { لا يعصون الله ما أمرهم و يعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]. فهم أبداً جارون على علم بارئهم تعالى و موافقون لما يرضاه. و أما غير ذلك من الحيوانات المركبة من المواد فلم تكن مجردة عن المادة و كان لها علوق بالأبدان و كان للنفس جنبتان : جنبة إلى الملأ الأعلى و جنبة إلى العالم الأسفل، و نعنى بذلك كونها بالفصل المشترك أى هى مأمورة بأن تراعى جهتين جهة الملائكة بأن تكون متشبهة فى الفضائل بها و أن تكزن عاكفة كعكوفهم على عبادة بارئهم، فهذه جنبة أمرت بمراعاتها.
الجنبة الثانية: و هى الجنبة السفلى و هى علاقتها بالجسم المنفعل من المواد المركبة من الطباع و هى مولعة بإصلاحه و سياسته كالمك الذى عمر بلده و ولع بسد ثغره و إصلاح رعاياه و عمارة أرضه و مقابلة عدوه و جلب المنافع إليه و دفع المضار عنه، و صارت النفس متحيرة تطالبها الجنبتان كل واحدة بأن توفيها من العدل قسطها و تجريها على القانون العدل و السيرة الإلهية. و لما خلقها الله تعالى على هذا النسق و الترتيب خصت الحكمة الإلهية الإنسان بأن أعانه و قواه و أعطاه أدوات و مكنه من الجنبتين و أيده من جهة الجنبة العليا بالعقل ليتلقف به عن ملائكة الله و رسلة و يفهم به مراد بارئه، فكان حاله مع النفس كعبد بعث إلى ثغر بعثه ملك مطاع الأوامر مخوف الزواجر فأمره بسد الثغور و إدرار الأقوات و مقاتلة الأعداء و أن يطابق غرضه مع بعده عنه، ثم قال: قد مكنتك من ثلاثة أشياء: تكون عوناً لك و لا حجه لك على بعدها أحدها الثغر الذى بعثك إليه، فقد أكملت قصورة و دوره و حصونه و أنهاره و جدرانه و أشجاره و ثماره و آلاته ما تكررت و تناهت.
الثانى: دفعت إليك عبيداً و أعواناً و خداماً و جعلت فى طباعهم الانفعال لك فمر بما شئت فيهم تمتثل إن شئت من حق أو باطل، لا يخالفون لاغبتك و لا يعصون إمرتك، فعليك بالسيرة الحسنة فيهم و ر تغتر بتمكينى فإنى ذو بطش شديد و إن حلمت.
ص 78
الثالث: إنى دفعت إليك وزيراً جكيماً عليماً متطلعاً على ما فى العالم بأسره عالماً بالسيرة الحميدة و الطرق الرشيدة، عارفاً بعواقب الأمور و قد أحللته من نفسى بمنزلة الوزير و أكرمتك بأن جعلته وزيرك فاحذر أن تنفذ أمراً دونه و لا تغتر بما جعلته فى طباع العبيد من طاعتك و لابما جعلت فى نفسك من القوة فما غبن من استشار، و هذا الوزير الذى يستمد من آرائى فى كل حين فقد تحققت ذلك منه لأنه لا يعصينى طرفة عين فصار العبد فى الثغر بهذه الثلاثة أشياء. فمثال النفس مثال العبد، و مثال الثغر مثال الجسم، و مثال ما فيه من العدد و الأقوات مثال ما فى الجسم من الطبائع و القوى حسب ما ذكرناه فى المعراج الأول. و مثال لوازم الثغر و نوائبه مثال ما يقوم به الجسم من الأغذية والمنافع، و مثال الوزير مثال العقل، و مثال الملك مثال البارىء تعالى و له المثل الأعلى.
فإذا فهمت هذا فاعلم أن النفس منبثة القوى فى الجسم كما قدمناه، و أن الله تعالى سخر الله الحواس الباطنة و الأعضاء الظاهرةبالطبع فمتى تحركت إلى أمر ما تأتى هذا فى طباعها ما لم يمنع مانع من هذا الأمر. فإن اعتبرنا جهة المنفعل فهى مضطرة، و إن اعتبرنا جهة النفس فى نزوعها و انبعاثها للمطلوب و سبب حركتها هل هو إرادى أو اضطرارى قلنا : هذا محل غموض عجز أكثر الخلق فيه عن النهوض و ذلك لبعد غوره و دقة مسلكه، و هذه المسأله المعروفه بالقدر و النزاع فيها من خلق آدم عليه السلام إلى هلم جراً، و حقنا لضعف قوانا و قلة استعمال عقولنا الموهومه لنا و اشتغالنا بالرذائل الدنيويه و الخداع الخزعبلاتية أن لا نتعرض لهذا المقام، ملكل مقام مقال و لكل طريقة رجال، و لكن نخوضها خوض الجبان الجذور لا خوض الشجاع الجسور فتقول : قد قدمنا انقسام الحركات و إن بناء الكلام على حركات الإنسان و لا شك أن منها الضرورية و الأختيارية.
فأما الضرورية، فطبيعة لازمه سنتكلم عليها عند تكلمنا عليها إن شاء الله تعالى كلنة و لم يختلف أحد فيها أنه لا يتعلق بها ثواب و عقاب، و أما النزاع فى الأختيارية فإن هذه مرتبطة بالتكاليف فلابد من فهم المثال الأول فهو تمهيد قدمناه لهذا الموضع، فنقول قد قدمنا أن للنفس جنبتين مثلنا ذلك بالوزير و الثغر، فالجنبة العالية جنبة الوزير و الجنبة الخسيسة جنبة الثغر، فمتى كانت النفس تحركت نحو الفضائل فذلك تلقف عن العقل و العقل عن بارئه فهى مثابة على تحركها و نزوعها إلى غرض مولاها، و المفعولات واقعة بفعل الله تعالى و تحركها نعنى عند انبعاث الداعية عند إنصاتها إلى العقل و حقيقة الإضراب عن الثغر و دواعيه و استعمال العلم بتنظيف المحل إذ لا يرد إلا على محل قابل له بإزالتها الصوارف و الموانع بإشارة العقل، و تدبيره هى مثابة عليه من حيث إنها واسطة إلى انفعال الأجسام، و كثيراً ما قدمنا أن العالم منقسم إلى عقول فاعلة مجردة. و هى الشريفة، و إلى
ص 79
أجسام، خسيسة و هى الكثيفة التى هى المفعولة كما أن العقول فاعلة. و لما استحال على العقول المجردة المباشرة و كانت فى طرف من مضادة الأجسام كما أن العلم فى طرف و الجهل فى طرف، و كان ضداً مطلقاً قضت الحكمة الإلهية لها بأن أظهرت تأثيرها بتدريج فجعلت نفساً ممتزجه تشبه العقول من وجه و الأجسام من وجه، و ذلك راجع إلى مناسبة و المناسبة راجعه إلى و جهين، إما إلى جنبة أسفل فبالرزائل و إما جنبة أعلى فبالفضائل.فالنفس معلقة بينهما و الأجسام تنفعل للنفوس و النفوس للعقول و العقول للبارىء سبحانه، فالمبدأ الأول هو الإله فخرزج الأمر من عنده كخرزج الأمر من عند الملك إلى الوزير. ثم من الوزير إلى الحاجب، ثم إلى المضروب أو المكرم، و الله المثل الأعلى فالرب سبحانه هو المبدأ و الطاعات متى خرجت إلى حيز الفعل فهى من الله تعالى، باتفاق الكافة متى خرجت إلى حيز الفعل فهى من الله تعالى والنفس مثابة على حهة التوسط من حيث أنها آله، و ما مثل ذلك إلا مثل إكرام الشرع لأجسام الموتى بالتنظيف و الأكفان و الحنوط و القبور و تحريم إهانتها و إحراقها، و إن كان لا لحسنة لها فى ذلك بل الفضل الإلهى لا حد له. و لا يجرى على مقدار. و لو كان البارىء تعالى لا يفعل شيئاً إلا باستحقاق الفاعل تحقيقاً لمثوبته لم يكن كريماً مطلقاً و لم يطلق عليه لكن من عدله، فإن العادل من قارع الحسنة بالحسنة و الكريم من وهب من غير يد متقدمة، فخص تبارك و تعالى الأجسام بالمكرمة من حيث إنها كانت آلات مستعملة فى الطاعات مع اتفاق الخلق أن للفعل تحقيقاً للأرواح، فكذلك النفس بالإضافة إلى العقل يكرمها البارىء سبحانه على جهة الوساطة و إن كانت لا فعل لها تحقيقاً للمشير بذلك و الملهم إلية و المحرك هو العقل. إذ الحاجب و إن شكره المكرم من جهة الملك فالوزير أحق بالشكر من حيث بلغ إليه فاليفهم أن العقل مشكور من جهة الوساطة و أن الشكر المجرد و الحمد المؤبد لله وحده الذى كان المبدأ، فلو لم يرد التوفيق من عنده لما كان للعقل ثبوت أصلاً إذ هو مربوب، فالجواد المطلق و الكريم المحض هو الله رب العالمين و لم يشك ذو عقل أن الفضائل من الله، و إنما أختلفوا فى الشر فزعمت المعتزلة أن الشر ليس من الله تعالى. و لما رأو تلازم الأفعال أخرجوا الفعل إلى العبد و جعلوه مسبداً به.
فإن قيل : الإشكال باق فإن الحركة التى هى الصلاة مثلاً إن كانت فعلاً للعبد فلا مدخل للبارىء تعالى فيها، و غن كانت لله فلا مدخل للعبد فيها و يستحيل أن يكون الفعل مشتركاً كما زعمت الأشعرية.
قلنا : الحركات مضافة إلى الأجسام فبطل التقسيم، و النفس لا حركة لها فى نفسها فإنها إنما لها الإشارة و التدبير و الجسم معها كالمغناطيس مع الحديد، و لا يقال للحديد إذا تحرك إن المغناطيس حل فبه فظهرت الحركة عليه، بل فعل فيه بخاصيته فبطل السؤال.

ص 80
فإن قيل : أن بطل في الحركة فلا تخلو النفس عن الإرادة والسؤال في الإرادة باق . قلنا : إرادة الخير تابعة للعلم , وقد قدمنا ان النفس تابعة للعقل والتحرك من جهة العقل خير محض فهو محرك من جهة البارئ تعالى , ولليست أعنى الحركة الجسمانية , بل أعنى الشوقية النزوعية وهو عكوفها والتفانها إلى الجنبة العليا , وحقيقة ذلك راجعة إلى ترك جنبه أسفل , والترك ليس هو بفعل وإنما هو عدم فعل شيئان : النزوع وهو فعل الله تعالى , والثاني وهو ترك الأضداد وهى ملاحظة الجنبة السفلى وذلك ترك عدم وليس بفعل .
فإن قيل : الترك إذا كان اختيارا او اضطرارا لله فالسؤال لازم .
قلنا : هو اختياري من وجه واضطراراى من وجه اخر , وفهم هذا يستدعى تجديد عهد بما سبق , وهو أن النفس وأن سلطت على العالم السفل فهى تتوصل إليه بألة الجسم , ثم أفعالها تظهر فى الجسم فى مواضع عشر أحصيناها فيما تقدم . فمنها , الحواس الخمس من الشم والذوق واللمس والسمع والبصر . وهذة علة وسبب للقوى الخمس الباطنة , أعنى القوة الخيالية والذاكرة والحافظة , فإن هذة القوى كالجواسيس فى المدينة يرفعون الأخبار إلى الخدمة والخواص كالكتبة و الحجاب والوزراء , فيما يقيد عند الجواسيس يرفعونه إلى الكتبة وما يقيد عند الكاتب يرفعه إلى الملك وهى النفس . ثم اختلفت مدركات الحواس الخمسة فكانت حاسة البصر موكلة بعالم الألوان على اختلافها فى الصفات والمقادير , وحاسة الذوق بكل مطعوم , وهكذا إلى تمامها وكلما رفعت من هذة محفوظة عند الكتب الخزان , وقد قلنا : الجسم كالثغر وإن النفس مشغولة بافتقادها ثغرها فى كل دقيقة فلزوم هذة المدركات للنفس ضرورى أعنى عند صرف الهمة إليه يلزم طبعا , فإنك متى حدقت بصرك إلى مرئى حصلت لك رؤيته بالضرورة شئت أو أبيت , وكذلك سائر الحواس الخمس فلا تطويل فحوصل الإبصار للنفس مختار , فصح وثبت ان الجنبة السفلى الجسمانية افعالها جسمانية محضة والفعال الجسمانية كلها ضرورية طبيعية فقد انقضت المباحثة وتفرغ الكلام من هذا الجانب من حيث وقفنا الأفعال بعد اسبابها على إرادة النفس , وإرادتها هى الفيصل بين الجنبتين جنبة أعلى وجنبة أسفل , وكما وكلت بسياسة جنبة أعلى على وجه مخصوص وكان له وجهان إلى جنبة اضطرارى واختيارى , فإذا استعملت السبب حصل المسبب بالضرورة , فحصول المسبب من جهة أعلى أو من جهة أسفل ضرورى لا ثواب عليه , فقد استرحنا من هذا الطرف وهو الطرف الضرورى وبقى الاختياري فوقفنا من جهة الجنبة السفلى على نزوع النفس وإرادتها , وكذلك أيضا من جهة فوق فتوقف البحث والنظر على هذة الدقيقة وهى الإرادة والنزوع , وقد قدمنا انه تارة يكون اضطراريا وتارة
ص 81
يكون اختياريا محضا , وذلك لا يتحصل برهان مخصوص بل النفس يدخل الخير إليها من جهة العقل وهو انفعالها للعقل عند إشارته فهى مثابة لنزوعها ونزوعها يظهر تأثيره فى الجسم إذ لايظهر الثر فيها باكثر من الشوق والعشق المطلق فتثاب على جهة الوساطة كما قدمناه .
وأما الشر : فيدخل عليها من جهة الخير فيكون اولا خيرا ثم ينعكس . ومثال ذلك : أنك متى ركبت دابة استعرتها من دار رجل فتصرفت بها فى حاجتك , وكانت دابة جموحة صعبة المرام فخطرت بها على مولاها فنزعت إلى دار سيدها فصرفت عنانها فتقاعست فعاقبتها بالسوط وألمتها وتحملت عليها فلا شك انك يمكنك صرفها وقد تعديت , فإن حقك أن لا تخربها على دارها , فلو أنك سقتها إلى دار سيدها وادخلت يدها عتبة الباب , ثم لفحتها لم تطعك بوجه بل تدخل كرها وربما جرحت راسك وألمتك وكنت عند العقلاء مذموما , فإنك مكنتها من طبيعتها . ثم أردت حجابها وقد كتب الله تعالى فى كتابه السابق وقضى بقضائه المحتم بإن يمكن الطبائع من مطبعاتها . فالنار متى تمكنت من القطن احرقت ضرورة , فليفهم ان القوى الحيوانية المنفعلة عن الطبائع لها نزوع بالطبع إلى مركزها والروح الحيوانية الشهوانية بالطبع والعنصر تميل إلى عنصرها كالحجر يهوى إلى أسفل , والنفس متى مكنت الجواسيس ابتداء حتى صار لهم ذلك ملكة فذلك لازم ضرورى خلقه الله تعالى , وإنما تعاقب من حيث لم تحرس جواسيسها ابتداء , وهذا كما انا نقول للرجل النظرة الأولى فجاة لك حلال , فإنها لازمة ضرورة فلا يتعلق التكليف عليها , وإياك والثانية فإن العين إذ تنفتحت على صورة جميلة فمالت الطبيعة لزم ذلك لزوما ضروريا . لو انفرد لم تعاقب النفس عليه , وإنما على إهمالها إشارة العقل فى الكف ابتداء , فمتى تكررت الجواسيس على القوى الباطنة لزم النفس ذلك وشغلها غهى مأمورة أن تلزم الجنبة العليا , والأمر كله لله تعالى فهو المخترع للأفعال , وهو موجد الأسباب الأول , فالمسببات أفعاله فهذا لا حيلة فيه وهذا أقصى الغرض من تكرير هذا المسالة .
وفى الحديث : حاج أدم موسى فقال : أنت الذى أخرج الناس من الجنة ؟ فقال : أتلومنى على امر قد قدر على قبل أن اخلق , فغلبه ادم عليه السلام , وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسم حيث قال : " فحاج أدم موسى " فإذا الأشعرية والمعتزلة والمجبرة قد تكلموا على الأفعال الجسمانية ولم تتعرض لها , وإنما تكلمنا على النزوع الشوقى وجعلناه السبب ووافقنا الجبرية فى الأفعال الجسمانية . وهذا منهى الكلام فى الجنس الإنسانى من الحيوان .
واما الحركات البهائم فهم موكلون بالجنبة السفلى , عاكفون عليها لا علم لهم بالجنبة العليا , وكيف تنكر وانت تبصر كثيرا من الخلق كأصناف السودان وغيرهم لا فرق بينهم
ص 82
وبين البهائم لا يعرفون الملائكة ولا بارئهم , بل يعبدون الثمار والشجار كما قال تعالى : " إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل " ] الفرقان : 44 [ . ومحرك الحيوان ما تورد الحواس على القوة المتخيلة فهى فيهم كالقوة العقلية , فالدابة تتأدب بأداب القوة الخيالية متى انتقش فيها أمر محذور , فإنها إذا راته حذرته وذلك امر نافع ولايبعد ان تكون لها قوة الحافظة تحفظ بها الصور .
واما العوالم العلوية فترتب حركاتها لا يحبط بها إلا الله تعالى وحده العالم بمدئها ,وإنما أدركنا منها ما تكرر علينا بالتجربة او بإشارة العقل إليه إشارة جميلة , وذلك كنمو اجسامنا بالأعذية والغذية من النباتات والنباتات كائنة من الماء والتراب فهى منفعلات عن الهواء والنار وهما كالفاعلين ,وهذان بالإضافة إلى الماء والتراب يكونان فاعلين بمعنى حصول التاثير لهما حصول الذبح بالسكين , ولكن إذا انفردت الشاة , والسكين لم يتم الفعل أصلا ولابد من سبب جامع , والنار والهواء امتزجت معهما اشعة الكواكب وازدحمت فى منقعر فلك القمر ودارت بالأرض كرتها كما تدور الهالة بالقمر , ثم هذه الشعة تتحرك بمحركات هى تابعة لها وهى الكواكب السبعة , وقد زعمت الفلاسفة ان هذة الكواكب حية وأنها مع العالم الأسفل كنحن مع اجسامنا . وان لها الفعل الاختيارى والفعل الاضطرارى . وهذا ابتداع لا ننكره فلم يدل على إبطاله كتاب ولاسنة ولا إجماع , ومن أنكر كون ذلك من الناس فعلى طريق التغليظ ولابرهان البتة , فلنجعل ذلك جائزا إذ مذهبنا ان البارئ تعالى هو الفاعل المطلق وانه مسبب الأسباب وموكلها بمسبباتها , فسواء على مذهبنا كانت حية او جمادا فقصارى الأمر أن تكون كنحن و لا ننكر وجودنا ولا تصرفنا عالمنا , ومنافرة هذا رعونة محضة وحماقة تامة , ولنقل قولا يهون ذلك فربما زعم السامع ان تكون الملائكة مرئية والظواهر دلت على أنها محجوبة فنقول : الموجودات على ثلاث مراتب موجودات تعقل وهلا موجودة ولا ترى . وهى العقول مدركة تدرك بالعقول لا بالأبصار . الثانى : النفوس وهى مدركة بالعقول ولا يجوز أن ترى . والثالث : وهى تدرك بالعقول والأبصار ولا تدرك هى أنفسها ولا غيرها . فما نشاهده من العالم الأعلى إنما هى أجسام النفوس والعقول , وحقيقة الملك إنما هى نفسه لا جسمه كما أن حقيقة الإنسان نفسه ولايدرك إلا جسمه فقط . ونحن لا ندرك نفسه بل انقطعت العقول فى درك ما هية نفسه بالبصيرة فكيف بالبصر ؟ فلنتكلم على هذه الأجسام الظاهرة . فنقول : سبب الانفعالات الهواء بالبصيرة فكيف بالبصر ؟ فلنتكلم على هذه الأجسام الظاهرة . فنقول : سبب الانفعالات الهواء والنار وما تحت فلك القمر مرتبط بالدوائر ودوران الفلك التاسع , فإنه منقسم إلى اثنى عشر برجا , ثم الكواكب السيارة مقسطة عليها فمنها ماله بيت ومنها ماله بيتان , ثم لهذه الأجسام طبائع مختلفة حاصلها الحر والبرد والرطوبة واليبوسة . وهذه الطبائع وسائط لانفعال المنفعلات
ص 83
فتمر الكواكب على البروج واختلاف الحركات , وكون خذه الكواكب فى درجاتها ومراكزها واختلاف مطالعها كما تقول مثلا : إذا جمعت الشمس والقمر فى رطب دل على المطر العظيم . وتفصيل هذا محال على علم النجوم , وليس هذا موضعه فلكل مقام مقال وإنما غرضنا التنبيه .
وأصل هذا كله الحركة المشرقية التى هى المشرق لإلى المغرب , وقد حكينا عن الفلاسفة فيما تقدم علة ذلك وكيفية تقسيمهم العقول والنفوس وأنكرنا عليهم كون البارئ تعالى كذلك علة وأنها ملازمة له , وأنكرنا دعولهم الحصر لا غير وإلا فيجوز مثل ذلك جوازا يرده إلى طريقتنا فى التوحيد المخض . فإن معتقدنا أن الله تعالى واحد وحدانية محضة صرفة وأنه هو القائم على العالم حتى لو تصور عدمه لم يكن له ثبوت أصلا , والتصديق بما جاء به المرسلون , ومن هذه الحركات الدورية تتاتج الحركات وتتناسق , وقد تكلمنا فى ذلك كلاما بليغا فلا معنى لتكراره .
فإن قيل : بم تنكرون على من يعتقد أن هذه النوار الظاهرة فاعلة أو عللة أو حية , فإن الله تعالى يقول : " الله نور السموات والأرض" (النور : 35) . وربما قالت المجوس إن هذا النور إله ؟
قلنا : نعتقد لهذا فضلا فى المعراج الذى يلى هذا إن شاء الله تعالى وهو المعراج الرابع .
المعراج الرابع
اعلم أيها الأخ أن الله تبارك وتعالى هو نور السماوات والرض , ولسنا نعتقد بكونه نورا كونه شعاعا منبسطا مرئيا على الجدران , بل ذلك على نسبة أخرى . فاعلم أن النور يطلق على ستة أشياء :
أحدها : نور حسيس بحسب عنصره لا دوام له فهو عرض سريع الزوال مفتقر إلى مواد عنصرية , وهذا هو ضوء النيران .
الثانى : هو أشرف من هذا وإن كان عنصريا فهو شريف بحسب نسبته وبحسب نفسه , وهو نور البصر فهو يدرك الأشياء ويدرك الألوان والمدركات .
الثالث : نور شريف هو نور محض قائم بنفسه يدرك الأشياء على حقائقها ويدرك نتائجها وهو العقل والنفس , وهذه الأمور منقسمة إلى ما يدرك به ويدرك نفسه وهو العقل ,
ص 84
وهو نور حقيقى وإلى ما يدرك به ولا يدرك نفسه كالنيران والبصر والشمس , والقرأن يسمى نورا وهو الخامس , والرسول يسمى نورا ولكن يستعار لهما من هذا معنى النورانية ولهذا يسمى العلم نورا .
الخامس : النور المطلق وهو البارئ تعالى ومعناه فى الروحانية أكثر من معنى العقل , فإن معنى العقل هو نورانية العقل وهى كشف الحقائق وبهذا المعنى يقال للبارئ تعالى الحق المبين والعالم بخفيات الأمور . فهذة ستة انوار بالاستعارة للقران والرسول صلى الله عليه وسلم حقيقتها البارئ تعالى وهو مجاز فيما عدا ذلك .
فإن قيل : فقوله تعالى " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح" (النور : 35).
قلنا :المراد بهذا النور العقلى , فههنا أربعة اشياء : المشكاة والزجاجة والمصباح والزيتونة . واما المشكاة فمثالها النفس , ومثال الزجاجة القوة الخيالية , والمصباح كالعقل , والزيتونة التى هى الشجرة العقل الفعال , ولما كان المصباح الذى هو النور لا بد فى إظهار ثمرته وحكمته للأجسام من ألة جسمانية تشاكل الأجسام كالنور يفتقر إلى زيت يناسب النار بالحر ويناسب الفتيل بالرطوبة , فكثيرا ما قدمنا أن العقل لا يباشر كانت واسطته النفس فهى المشكاة , ثم كانت النفس لا بد لها من حيلة فى معرفة المحسوسات كما قررناه فجعلت له الحكمة الإلهية قوى . فمنها القوة الخيالية التي يرسم فيها ما تورده الحواس , فكان مثالها مثال الزجاجة , وإنما خض الزجاج لانطباع المرئيات فيه كالمراة الصقيلة التى يبصر فيها , ولأن الزجاجة أصفى الجوهر من حيث يشف ما وراءها , والأنبياء عليهم السلام يعلمون الغيب بواسطة القوة فيعبرون الصورة ويفهمونها . ولها علم مختص وهو علم تعبير الرؤيا ينفرد بخواص هذه القوة . وأما الشجرة , فهى العقل الفعال من حيث انفعلت الأشياء عنه فلما أن المصباح الواحد توقد منه المصابيح لم يقل سبحانه نبت , فإن النبات يدل على نقصان الأصل وإنما قال تعالى : " توقد" . فنبه بالوقيد على أن الشجرة لا تنقص , وعلى أن هذه الشجرة ليست الشجرة المعهودة , لأن الشجرة لا يوقد منها وخصها بالزيتونة لدوام ورقها وفوائدها وغزارة منفعتها وكثرة ورقها وشعبها , وأنها وإن كانت زيتونة فيخرج منها نار تستضئ بها , ووجه المشابهة واستيعابه يطول , وقد شرحناه فى كتاب ( مشكاة النوار) . وأما النار فهى عبارة عن النوار الإلهية , ويحتمل وجها أخر أن تكون الشجرة الرسول صلى الله عليه وسلم والنار الملك .
فإن قيل : عظم اختلاف الصوفية فى هذا العرض من حيث تحقق الملاءمة والملازمة النورانية , وهو المصباح والمشكاة والزجاجة والشجرة والنار , فقد جعلت مثال المشكاة النفس , ومثال الزجاجة الخيال , ومثال المصباح العقلى الجزئى , ومثال الشجرة العقل
ص 85
الكلى , مثال النار الإلهى وإشراقه . وهذه كلها لا توصف بالكثافة والتجسيم على ما تقدم . وقد وصف الله تعالى بأن قال " نور على نور " ( النور : 35) . فبهذه الموجودات تشاكلها وتناسبها إذا تشاكلت وتناسب لصفاء النفس وبعدها عن الكدورات فظاهر مذهبهم يشير إلى الحلول وقذ أنشدوا فى ذلك :
رق الزجاج وراقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكانما قدح ولا خمر
قلنا : عين الحلول واعتقاده خطأ محض وسفاهة صرفه .
فإن قيل : قول الصوفية مشهور حتى قال احدهم : انا الحق , وقال اخر : سبحانى . وقال : ما فى الجنة إلا الله .
قلنا : إذا قررنا إبطال الحلول أتينا على مذهبهم . فنقول : حثيثة الحلول انطباق جواهر على جوهر أو جسم على جسم أو عرض فى جوهر وقد قدمنا بالبرهان الحق ان العقول والنفوس قائمة بانفسها لا تحمل شيئا البته ولاهى محمولة , فأغنانا ذلك عن إعادته وهذا فر رب العزة أعظم .
فإن قيل : فيرجع الكل لإبى الإله وتكون العقول والنفوس لا يفارقها البارئ تعالى إلا بالفصل , فإنهم اجتمعوا فى الجوهرية وحقيقة الحياة والقيام يالنفس .
قلنا : لا نثبت للبارئ تعالى ما لأثبتناه للنفس فإنها لا قوام لها وقد قام البرهان على حدوثها وذلك يبطل ان تكون هى هو , فإن فى ذلك لزوم أن يكون العالم كله ألهة وهو محال , ويبطل أن يحل النفوس أو يطبع فيها انطباع الخمر فى اللبن كما زعمت النصارى فى المسيح , فإن ذلك من صفات الجسام فلم يبق إلا أن اللازم راجع إلى معنى الانفعال وإيجاده بالفعل أى وقوف الإشارات والحركات عليه فيكون هو المحرك القايض الباسط والنفوس معه كالحديد مع المغناطيس على وجهة التمثيل . ولله المثل العلى ونفى الوساطة على الطريق التى قدمناها . ومن حقق من الصوفية وعلم وقوف الأشياء عليه وان الأمور لا قوام لها دونه . قال أحدهم : مافى الجنة إلا الله تعالى مبالغة فى التوحيد , وقال أخر : سبحانى فغنه رأى الياء مكان الإضافة , فإن الفرق ضرب من الشرك فى قوله سبحان الله , فإجراء الأوصاف لا يعتد بها إلا الفصل .
فإن قلنا : سبحان الكريم نفى للبخل , وإذا قلنا : سبحان الله فمعناه نفى الشريك ولا يكون إلا مع توهم الشريك , فالموحدون منهم بلغ بهم التوحيد إلى أن رأوا التبرؤ منه
ص 86
سوء ادب ولكن الكلام إذا وقع بالضرورة إليه والتجئ إلى النطق به لامعنى للهرب فقد وقعوا فى أشد كما زعمت الفلاسفة أن البارئ تعالى لا يقال له موجود , فإن يؤدى إلى دخوله مع الموجودات تحت الجنس وهذا نفى معنى وهو سهل .
المعراج الخامس
هذا المعراج معقود للنبوة والنبى ومعنى ذلك . والأمم فى ذلك على ثلاث فرق : فرقة تنقية وفرقة تثيته , وهى فرقتان :
طائفة : تزعم أن ذلك أوجبه مولده , فكانت لنفسه قوة تنفعل لها الأمور وأوجب لها المولد أن يكون فاصلا حسن السيرة , هذا مذهب الفلاسفة .
والفرقة الثانية : اعتقدوا معنى النبوة , وهو حصولها لشخص يخرق الله تعالى العادة على يديه بإظهار فعل غريب , واشترطوا ان ينضم إليها ثمانية شروط :
أحدها : أن تكون فى زمن تصح فيه الرسالة .
الثانى : خرق العادة بالمعجزة .
الثالث :ان يقترن بدعواه تحد .
الرابع : أن يوافق دعواه بعمله .
الخامس : أن يتعلق مقاله بالقلب .
السادس : أن لا يظهر على وجهه ما يدل على كذبه .
السابع : أن يكشف القناع فى التحدى .
الثامن : أن يعجز الخلق عن معارضته , ويلتحق بهذا شرط تاسع وهو كون المعجزة من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه , ثم ما يحصل إلى الرسول إما بواسطة أشخاص الملائكة بأن يتمثل له بشرا سويا أو على صورة ما , وإما بغير واسطة بان ينقش الله تعالى ذلك نقشا فى الحاسة المتخيلة , وقد قال تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " ( الشورى : 51 ) . وهو ما يحصل فى قوته الخيالية وهو المعروف بالإلهام , كما قال تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى " ( القصص : 7 ) . او من وراء حجاب , أو بواسطة ملك من الملائكة وهو الحجاب , أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء , ونبينا صلى الله عليه وسلم قد ظهر على يده من خرق العوائد ما ظهر على أيدى الرسل , وذلك ينقسم إلى ما بقى وإلى ما كان , فمعجزاته من شق القمر , وكلام الذراع , وحنين الجذع , واستدعاء المطر , ونبع الماء من بين أصابعه , وجعل قليل الطعام كثيرا وغير ذلك , واما ما بقى فالقران وما اعلم به من الشراط والدلول , وقد كان ذلك ونحن نشاهده , ويبطل أن تكون النبوة بمعنى الملك , فإن الأنباء بالغيب معنى اخر
ص 87
خلاف السياسة , ويبطل أن يكون ذلك سحرا , فإن الساحر لا قيام لسحره إلا به , ولهذه الشريعة خمسمائة عام , ثم هذا القران الذى عجز الخلائق عن أخرهم عن التيان بمثله إلى هلم جرا , وكان صلى الله عليه وسلم أمينا نشأ بين أميين لا معرفة لهم بالعلوم فأتى بهذا القران الذى اشتمل على علوم الأولين والأخرين , وكل من شك فى نبوته عليه السلام , فليتامل بعده عليه السلام عن العلوم ثم لينظر القران وما يبطوى عليه من الصنائع العلمية من اللألهيات والمنطقيات والجدل والخطابة وسائر الأشياء التى حصلها الأولون والخرون من العلوم وسمته علما او فلسفة وكيف فيه أشكال الراهين قائمة والجدل على وجهه والأقيسة على وجهها مع ما تجرد إليه من العلم الدينى , وهو سياسة الخلق المعبر عنها بالأحكام الشرعية وهو يتيم نشأ فى حجر عمه لم تعلمه قط قريش ولامارس علما , ولو مارس علما ودرس لما انتهى أبدا الأباد إلى النظم فضلا عن هذة المعانى الغريبة , وكل من حاول معارضته قصدمعارضه النظم وهو قصاراه , ثم لم يات إلا بالكلام الغث المشترك , ولو أنه تحرى من تعاطى المعارضة إلى انطواء القران على هذة الصنائع العلمية وقصد تضمينها لما تعاطى المعارضة أبد الأبدين , ولتقنع حياء مما جاء به ومن شك فى ان ذلك امر إلهى وتابيد ربانى , فقد طبع الله على قلبه نعوذ بالله من ذلك , وصلى الله على سيدنا محمد كما هدنا من ظلمات الشك وعلى أله وصحبه ومحبيه وسلم تسليما .
المعراج السادس
ما اتى من القول من طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ضربان وخبر . والطلب ضربان أمر ونهى , وقد تكلمنا على الأمر والنهى وأصول الحمام الشرعية وكيف فى رسالة الأقطاب , وأما الخبر فينقسم إلى أخبار عمن مضى كأخبار المم وعما ياتى كامور الزمن وأنباء الأخرة وكل ما نطق به القران وتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقين لا شك فيه . وهو منقسم إلى ما يحتمل التأويل وإلى مالايحتمل , فكل ما احتمل عذر المؤول له وما لا يحتمل التأويل ةتركه تارك عن قصد كفر بتركه . والأمور المشكلة ثلاث مسائل : إحداهما : مسألة النفس وقد فرعنا منها . الثانية : مسألة حشر الأجساد . الثالثة : الجنة والنار . مسألة قال الله تعالى : " كما بدأنا أول خلق نعيده " ( الأنبياء : 104 ) . وهذا هو نص فى الإعادة , وقال تعالى فى العظام " قل يحييها الذي أنشأها اول مرة " ( يس : 69) . وقال تعالى : " والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدمن فيها ويخركم إخراجا" ( نوح : 17 , 18 ) . وأكثر أى فى البعث , وهو نص فى إعادة الأنفس إلى قوالب الجسام ولا مراء فى ذلك ومن امتنع عنه شك فى صدق الرسول أو كفر عمدا . والمنكرون له فرقتان :
ص 88
طائفة زعمت أن لا بقاء للنفس , فإن العالم متناسخ تابع لدورات الفلك لا إلى نهاية وقد تقدم الرد على هذه الطائفة .
الطائفة الثانية : وهم من الإسلامين وهم اكثر المتصرفة . زعموا أن النفس باقية وان الأجساد لا تعاد , وحجتهم أن الجسم مستحيل عن أغذية مأكولة والأغذية نباتات ولحوم , وربما أكل شخص أخر فيجتمع جسم واحد من الأجسام , فلو أعيد لبطلت تلك الجسام المأكولة ولبطل حشرها , وإن حشرت زال جسم هذا الأكل وهذا تطويل يستغنى عنه , فإنا نقول : لا نلتزم لكم أن الله تعالى بعيد عين الجسام , بل ضمن أن يرد النفس إلى خلق جديد وتراه كما فعل ذلك ابتداء , وقد ورد فى الخبر : إن الله تعالى ينزل قطرا فيكون ذلك أصلا لخلقه الجسام وهو قادر على اختراع ما يشاء . وكيف لا , وقد قال علماؤكم المتقدمون من أهل الهند وغيرهم . عمر العالم ستة وثلاثون ألف سنة . وقالوا أيضا : خمسون ألفا على اختلاف بينهم فى ذلك . وقالوا : ثلاثة وستون سنة ثم يعاد جديدا , وتبدل الأرض غير الأرض والسموات ويرجع القطب اليمانى شماليا والمعمور غامرا وبالعكس والبر بحرا والبحر برا .
فإن قالوا : هذة لا فائدة لكم فيه , فإنه يلزم أن يبدل ثانيا .
قلنا : ذلك جائزة فى قدرة الله تعالى , ولكن الرسل عليهم السلام أخبرت أنه لا يفعل ذلك وان للعالم ثلاث حالات : حالة عدم تقدمت وحالة وجود نحن فيها وحالة إعادة .
مسألة قالوا : انكرنا وجود الجنة والنار يعنى أن تكون لذاتهما والأمهما محسومة جسمانية .
قلنا : علة الاستحالة عندكم تاثبر الطباءع فى الأجسام بواسطة حركات الكواكب , وقد قال قدمائكم إن للعالم تحويلا . وأخبرت به الرسل عليهم السلام وتتابعت على ذلك , فتلك القضية بخلاف هذه , فبم تنكرون على من يزعم أن هذه القضية كما اقتضت أسبابها الفناء تقتضى أسباب تلك البقاء وتكون الحكمة فيها ان تكون غرضا مقصود البقاء فى الجسام , وكيف لا . وقد قال الجماهير منكم بل الإطباق على ذلك ان جوهر الشمس لا يقبل البقاء , واتفقتم على ان جوهر الشمي لا يقبل الفناء والجسم عندكم , وإن تركب وكان تركيبه حادثا فجواهره قديمة ولم يتوال نصب الأسباب على جهة تقتضى البقاء . ثم الجنة والنار عبارتان عن قطرتين يكون احدهما فيه قصور الذهب والفضة والؤلؤ والياقوت والثمار ثم لمن استقر فيها بلا موت وواجد هذه اللذات أبدا لا يألم ولا يحزن ولا يجوع ولا يظمأ ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما , والأخر على الضد من هذا وهو النار وبالله الهداية .
ص 89
المعراج السابع
غرضنا فيه بيان معنى الموت , وهل هو كمال او نقصان , فالموت فساد المزاج وقصور الجسم عن الانفعال للنفس لعدم الحس والحركة , فمن زعم أن النفس قديمة زعم أنه ترك المفس البدن كالرجل ارتحل عن بيت أضيف فيه إلى داره وعلى الرسم المتقدم كمن لبس ثوبا حتى انقطع وتخرق عليه فسقط عنه الثوب وبقى عريانا منكشفا , والملك الموكل بالموت موكل بسبب الموت وهو سوق الألم وبعث النفس على الأسباب المهلكة , فيكون الموت بواسطته ولا يبعد فى العقل أن يكون للنفس ملائكة تتلقاها بالسخ والبشرى كما شهدت به الظواهر . وأما هل الموت كمال أو نقص ؟ فحقيقة النقص الرجوع من الأعلى إلى الدنى , والكمال الاتقاء من الأدنى إلى الأعلى فإن الإنسان إن كان يرتقى إلى الأعلى بسبب الموت فهو كمال . وذلك أنه متردد فى أطوار الخلقة من كونه ترابا وغذاء ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم تكون مولودا رضيعا ثم فطيما ثم غلاما ثم شابا ثم كهلا وجاهلا عالما وجمادا ثم حيا مدركا , وما من منزلة من هذه المنازل إذا أضفناها إلى ما قبلها وتجدها كمالا , والإنسان لو جعل له عقل فى بطن أمه أن يتبدل بما سواها وذلك للألفة وينشد لهذا :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها لأرحب مما كان فيه وأرغد
إذا باشر الدنيا استسهل الدنيا استسهل كأنه بما سوف يلقى من أذاها يهدد
فلولا عدم الألفة ووحشة التبدل لما بكى والنفس خوارة , بل الشيخ الكبير على طول تجربته إذا رحل من داره إلى دار أخرى يجد ألما وسهرا وربما لم يبنم وكذلك الغريب وإنما كانت الغربة مؤلمة لعدم الألفة حتى قال الشاعر فى ذلك :
وحبب أوطان الرجال اليهم مأرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا اوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فحنوا لذلكل
ص90
و قال أخر:
أحب بلاد الله ما بين منعج
إلى و سلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليها تمائمى
و أول أرض مس جلدى ترابها
و علىالجملة: فعلوم الشريعة بأسرها فىالأمر و النهى محذرة هذا المقام و لذلك أمرت الرسل كلها عليها السلام الخلق بالاقبال عن الدنيا رغب الزهاد فى ترك الوطن والأهل و الولد ورغد العيش. قال عليه السلام:" كن فى الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل وعد نفسك فى أهل القبور". وقال عليه السلام:" انما الدنيا كظل شجرة استظل الرجل بها ثم زال عنها و تركها", فامقصد الرياضة و تمرين النفس على الشدائد. و أن تمحى هذه الأمور عن النفس و أن تزال عنها الألفة و أن تكتسب بغضا لهذه الأمور فاذا ماتت و ان استبسئت ما حصلت فيه فلا تجد غيره فهى مضطرة اليه ثم لا تلبس الا يسيرا و تفرح فرحا لا نهاية له و اذا كانت وضرة ومشغولة بالمال و الولد و الاقبال على الشهوات و العكوف على الملاذ الدنيوية مع انها سائقة الى النفس مذهلا ومكربا وشاغلا عن الموت فانه انتقال من ضد الى ضد وهو هلكة فأمر الرب تعالى لطفا منه بالعباد أن يكون للعبد بين الضدين تدريج و قد جعل تعالى لذلك مثلا ظاهرا فى الحياة الدنيا فى الأزمنة فجعلها أربعة أقسام على ممر الشمس فى بروجها فجعل أعدل الأزمن تنبت فيه الأجسام و تنمو فيه الناميات وتتلون الألوان وتخرج الأرض زخرفها. وقد قال تعالى:"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض"[يونس:24] فهذه المدة من الزمان كحال النبات للإنسان و الربيع لا يصير بهذه المنزلة إلا بزمن متقدم عليه وهى النقلة الشتوية فإنها باردة رطبة تنزل فيها الأمطار و تسخن فى الأرض وتختمر بها فهى كحال البداية للإنسان. فلو أن الله تعالى يخرج الخلق من الشتاء الى الصيف بغير فصل الربيع لهلكوا عن أخرهم, فان النباتات و الأبدان استولى عليها البرد و الرطوبة و النقلة الصيفية الغالب عليها المستولى فيها الحر واليبس. فلو خرجوا من البرد المفرط الى الحر المفرط ومن الضد الذى هو الرطوبة الى المضاد له وهو اليبس لكانت هلكة لكن الله تعالى بحكمته فصل بفصل فيه تناسب الفصلين معا فأوله البرودة و آخره بالحرارة على تدرج خفى لا تحس به الأجسام إلا بعد انقضائه و ذلك بمر الشمس على الثمان و العشرين منزلة فى المنطقة الوسطى التى تجرى فيها الكواكب فلها مشرقان وهما منتهى تحركها فى الأفق الشرقى فى الطرفين فإذا انتهت نهابتها فيكون الجنوب فى الأخر ويكون الشتاء بذلك الأفق الأضعف.
فحينئذ شعاعها فى المواضع يجذب البلة و تتصاعد به أبخرة البحار و ينعكس الحر
ص91
فى بطن الأرض و يسقط ورق الثمار لأن الماء ينجذب من أعاليها إلى أسفلها من حيث أن الأبخرة الحارة ينفيها البرد من أعلى الأرض فتطلب المركز فإذا استحرت الأرض استدعت الرطوبات فجذبت النباتات فإذا زالت الرطوبات من الأوراق و الأغصان غلب عليها اليبس فتكمشت و تساقطت ويكون الطرف الثانى ثم إذا غلب عليها الحر و اليبس فيكون القيظ كيفما انجذبت الشمس على تدريج لأنها تقيم فى كل برج شهرا وتقطع فى كل يوم من البرج درجة والدرجة لا تحس وهى تسير فكلما انجذبت زاد حرها وفى ازدياد حرها تسخن الأرض وتتحلل الرطوبات وتسخن أغصان الأشجار من فوق فإذا استحر الغصن استدعى الماء وطلب رطوبة الجزء الذى تحته ويستدعيه الذى تحته من الذى تحته حتى يقع الاستدعاء من قاع الشجرة و تستدعيه الشجرة من الأرض و الأرض وبعضها من بعض فإذا حصل الماء فى العود أذابته الشمس وجرى فى العود بطبخها وبما تستمد من لطيف الماء ولطيف التراب يحيله الشمس ثمرة ثم تخرج ما فى طبع ذلك العود من الثمرة بإذن الله تعالى.
والشكل يخرج بطبعه الذى ركبه فىه الفاطر العليم بواسطة حر الشمس فى اقبالها وادبارها حسب ما تمر فى البروج فالشمس جعلها البارئ سبحانه سبب الحرث والنسل وهى علة النباتات و الحيوانات والمعادن إذ سبب المعادن أبخرة تحتقن فى الأرض فيكون منها أدخنة كبريتية فيمر عليها نشع الماء فى الأرض فتعقده وهذا مبرهن عند المشتغلين بعلوم التحليل و الكيمياء فإنهم زعموا أن الزئبق ينعقد بإشمام رائحة الكبريت وإمدادم من خارج بان يذاب و يطرح عليه أو يفلى ويترك فيه. ثم عند اجتماع الماء و الكبريت تكون مادة الجوهر فى الأرض اما باعتدال امتزاج و صبغ فيكون منه الذهب أو بافراط فبكون منه النحاس أو بتقصير خفيف فتكون منه الفضة هذه الحركة الشمسية متعلق بالحركة الشرقية ومثال ذلك الرحى مع قطبها فان القطب يقطع شبرا فى شبر وأخر دائرة الحجر تقطع خمسة أشبار أو أكثر فى الاستدارة فكذا الطواحين وكذلك الدوائر والسواقى فان الدائرة العظمى المحركة للأحجار التى تدور بحركة الماء تقطع ما مسافته فى الاستدارة عشرون ذراعا أو أكثر ورأس المغزل يقطع على استدارة دور الدينار والمدة واحدة و كذلك برهن أصحاب النظر فى علم الأثقال والمقادير أن الحركة الكلية هى سبب حركة الأفلاك و أنها واحدة و كذلك نشاهد الثانية (هى الساقية) يدور الحمار فيها الى جهة ويختلف دوران تلك الدوائر فالحمار يقطع على استدارة و القوس الأعظم الذى يكون عليه الطونس يقطع على استدارة فى جهة أخرى و دوائر أخر تقطع فى جهة أخرى.
قالوا: ولما كانت الشمس حارة نارية الجوهر جعلت الحكمة الإلهية و التقدير الربانى
ص92
لها نظير على مضادة طبعها إذ لو دام الحر المفرط لأحرق فسخن الله تعالى القمر يمر ببرده فيبرد ما استحر فيكون النامى معتدلا بينهما ثم جعلت حركتعه سريعة لأن حركته لو ساروت حركة الشمس لما وصل نفعه الى الناميات بل الى فساده وكذلك أيضا لم يصل حر الشمس الا بعد فسادها انفعل عنه و كانت حركته سريعة. قال تعالى: "هو الذى جعل الشمس ضياء و القمر نورا " [يونس:5]. وهذا أيضا غرض أخر يخص النفوس الحية فإن الشمس هى النور الذى به تخرج الحيوان من القوة الى الفعل و لها فى النفوس البشرية تأثير بديع فبالنور قوام الكل و جعل القمر مرآة يقبل ضياءها باليل و يعيده على الخلق ختى لا يفقدونه ليلهم و لا نهارهم وربما توهم متوهم أن الأفق قد يخلو من نور الشمس و هذا توهم فاسد و الأفق معمور بأنوار الشمس و السوات والأرض لا تغيب عنها طرفة عين و إنما ينكر الناس ذلك بإضافة حالهم فى كون الشمس فى مقابلتهم على وجه أفقهم إذ يكون النور فى عنفوانه كثيرا فلا يزال القرص يبعد عن أرضهم و تقل الأنوار فحال النور عند العصر بخلاف حاله عند الظهر و حاله عند المغرب بخلاف حاله عند العصر و حاله عند مغيب الشفق بخلاف حاله عند المغرب و حاله نصف الليل بخلاف حاله عند مغيب الشفق. وهو أبعد ما يكون النور من ذلك الآفق ولذلك تكون الظلمة وتضعف رؤيته للإنسان فى ذلك الوقت و لكن مع ذلك إذا لم يكن بينه و بين السماء حائل من سقف أو سحاب يبصر فإن النور لا ينعدم وهو مع ضعفه ينتفع به فإن نور الكواكب مع الشمس و هى واقعة على الأرض فإذا قربت الشمس من جهة المشرق زاد النور من جهة المشرق فلا تزال كذلك حتى تشتد فيكون فجرا أولا فإذا كثر كان فجرا ثانيا فإذا تزايد كان اسفارا فإذا طلع القرص كان نهارا.
وأما فى الليلى المقمرة فيكبر جرم القمر و لقربه من الأرض يتسع النور فيه وينعكس أو بعده منها وإذا كان منها على أربعة عشر منزلة كان ضوءه. قالوا: وفى خاصية القمر جذب الرطوبات و الشمس تحلل وهذه الكواكب إنما تؤثر فى العناصر الدائرة بالأرض لأنها تناسبها فى اللطافة و تقرب من المنفعلات من جهة أخرى فهى واسطة بين الحيوانات و النباتات و المعادن تناسب الكوكب بالبساطة و المنفعلات بالكثافة وقد قالوا:إن المنفعلات تنفعل من هذه العناصر وإن الحيوانات و المعادن هى أنفس الهواء والماء والنار والأرض لكنهم قالوا ذلك إنما يكون على طريق دور فإذا تكونت ثم فسدت عادت عناصر فهى يستحيل بعضها الى بعض ولذلك قالوا سمى عالم الكون والفساد. ولا يبعد أن تكون شعاعات الكوكب هى المؤثرة و هذه العناصر واسعة بين المؤثرات وبينها والله تعالى أعلم. فإنها أبعد عن قبول الفساد وآية ذلك أن شعاعات الكواكب هى من الشمس و من نفسها أيضا فلو كانت تنقص أو تتزايد لقبلت الكون والفساد ولظهر ذلك عليها.
ص93
وقد زعم القدماء أن النار المحدقة بالأرض إنما هى من الأدخنة و القتارات الصاعدة و الأهوية المحرقة و الهواء من البخارات المتحللة من الأرض و الماء على حسب ماتكلموا على ذلك فى استقصاءات وأيضا فلا يتجه أن تتحرك هذه العناصر دون مباشرة وذلك عند هبوب الرياح وتموج الهواء والله أعلم.
و قد ذكر القدماء أن الأمطار والثلوج والرياح إنما تكون حسب ما تكون النيرات ف مواضع مخصوصة من بروج مخصوصة فلتكن أشعتها التابعة لحركتها هى الممتزجة لهذه العناصر المحركة لها ثم لنفوس النيران محركات حسب ما تتحرك وتترقى فى الحركة الى الحركة الكلية كما سبق و قد زعم الأوائل أن تلك الحركةعن شوق و اختيار عقلى مستند الى مشيئة البارئ تعالى وارادته فهوالبارئ المبدع الخالق المصور لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين فهو مرتب الكل أحسن ترتيب و مقدره أكمل تقدير و الكل متصرفون جارون على منهاج ذلك الترتيب المحكم و التقدير المتقن لا يزيد ذرة و لا ينقص ذرة كذلك ينقرض الأولون ويتبعهم الأخرون و السماء كما هى و نجومها والأرض بما فيها من النباتات و الحيوانات وغير ذلك لم تطرأ عليها شئ ينكرونه ولا تزال كذلك حتى يعيده بارئه تعالى تارة أخرى كما بدأ حيث قال تعال: طكما بدأكم تعودون" [الأعراف:29]. فالعالم بأسره كالشخص الانسانى البشرى ذو عمر ومبدأ وأخر. و قد تقدم مرارا أن الله سبحانه خلق الإنسان على صورة العالم فأوله بشر ضعيف على تدريج كما سبق فى المعراج الأول.
فأول ما يخلق الله تعالى مادة يتكون منها ثم يخلق فيه الروح الحيوانى و لا يزال يتدرج فيه قليلا قليلا و كذلك النفس الناطقة فيه تظهر قواها شيئا فشيئا فأضعفها حالة الرضيع لا يزال ينمو الى أن يشب فتخلق له الأوهام و الظنون فتكون عنده كالقوة العقلية فإذا كبر قليلا خلقت فيه القوة الهيولانية وهو العقل الغريزى وهى المبادئ الأول و هذا فى العادة من الخمسة عشر الى الثامنية عشر عاما ثم لا تزال كذلك حتى يخلق فيه العقل النظرى وهو أن يدرك الأمور الجائزة والمستحيلة فهى كعيون تفتح قلبه و مثاله الانسان فى بيت مظلمفإذا قابله السراج على بعد نظر نظرا ضعيفا فلا يزال السراج يقرب منه و نظره يكثر الى أن يتصل به فيقوى نظره نظرا كليا فلو اتفق أن يتخذ السراج به حتى يكون فى دماغه ملابسا لقواه لكان أكثر كذلك فافهم أن القوة النفسية لا تزال تتزايد الى مالانهاية فليميز ما بين النبى والصبى من الدرجات قالنفس آخذه فى الكمال من حين تخلق الى حين موتها فالموت إذا كمال الأجسام لأن النفوس تنزع المادة و تلتحق بالأفق الملائكة وهى الجنة العليا و هى جنة الملائكة فلإن كانت نفسا شقية كان كملا باعتبار تخليصها عن
ص94
المادة و نقصانا من حيث تتخلف عن الجنبة العليل فلا تزال كئيبة حزينة على جسمها وملاذها وحواسها فإنها لم تعهد تركه قط ولم ترتض ذاتها على ترك الملاذ وكانت حين نزعها كئيبة على البدن فلا تزال فى حسرة وندامة وألم ونهش وعقاب وحيات وسلاسلو أغلال أبد الأبدين ودهر الداهرين إلا من شاء ربك "إلا ماشاء ربم إن ربك فعال لما يريد" [هود:107]. فإذا أوجب على كل من رزقه الله تعالى عقلا و ميز بارئه ونفسه أن يسعى فى حيلة الخلاص وليكن فى أثناء الحيل الدنيوية و الأخروية و ذلك هو السعى المطلق وليكن فى الدنيا كمن امتحنه سلطان زمانه وبعثه الى أرض يكرهها و يكره أهلها وأغذيتهم ولغتهم فإذا حصل بينهم علم أنه متى اعتزلهم وتركهم قتلوه وعذبوه وإن خالطهم كفوا عنه فيكون أبدا يعاملهم بظاهرة فيكلمهم و يأكل معهم ولكن قلبه وهمته وعشقه لقطره الذى خرج منه فإذا أخرجه الملك من بينهم ورده الى قطره كان فرحا على مفارقتهم مسرورا لقطره فلو عكف عليهم و صرف همته اليهم ثم بعث اليهه لكان خروجه خروجا كدرا فإنه ربما عشق نسائهم و سيرتهم فلا يزال معذبا وهذا غاية البيان فى معنى الموت وقد فعمت العالم بأسره و حقائقه فإن أنت استعملت ذهنك وفكرتك حتى انفهم لك ذلك كنت ربانيا و نعم العبد لبارئك وناسبت الملائكة فوقعت المحبة والألفة بينكما وإن أنت لم تعبأ به ولم تعول عليه أو علمت ظاهره دون باطنه فما أقل نفعك به وما أعظم حسرتك أعاذنا الله وإياك من ذلك هذا تمام السبعة المعارج التى تستعمل فيها القوة الفكرية و هى نهاية الغرض الذى أوردناه و ربما تقربنا الى الله تعالى و رغبنا فيما عنده فى أن ننبه على الأشياء التى تكون ميزانا و مرآة للقوة المفكرة حتى لا تغلظ فى أكثر تصرفاتها فإن خلاف الناس قد كثر و مذاهبهم جمة لا تنحصر ومن عول على أخذ العلم عن إمام لا سيما مذهب الإمامية فإنهم زعموا أن الأرض لا تخلو طرفة عين من إمام قائم لله تعالى بحجة يخرج الخلق من التخمين الى اليقين و ينجيهم من ظلمات الشكوك فعلى مذهبهم لا يضر إن سافر الانسان عن الامام و زال عن بلده والمسائل أبدا لا تنحصر فيحتاج أن يراجعه كل دقيق وجليل . وحق هذا التنبيه أن يكون مستقبلا بنفسه مستوعبا فى أسفار كثيرة ومجلدات عديدة و لكن صادفت بالرغبة أيها الأخ قلبا مشتغلا مشتبك الفكر ولسانا كليلا قد تخمر بين أمور متنافرة وبقى معلقا بين الدنيا و الأخرة فإن تلافاه الله سبحانه بدعاء الصلحاء وضراعة الأصدقاء و الأصفياء وإلا قل أشياؤه وعاش معيشة ضنكا فى دنياه والله سبحانه ينفع بعضا ببعض بعزته.
ص95
السعادة ضربان سعادة مطلقة وسعادة مقيدة
فأما السعادة المطلقة ما اتصلت فى الدنيا الى مالا نهاية له و المقيدة ما كانت مقصورة على حال و زمان وكل سعادة فبسبب والسبب من أنواع الحجج فأما السعادة المقيدة فتحصل بأربعة أسباب: أعلى الأسباب العلمية احترازا عن الحرف والصناعات وهى إما سفسطة وإما خطابة وإماجدل وإما شعر أما السفسطة فنهايتها وغرضها لا مقصودها أن تؤلف قياسا و تنظم حجة تشبه الحق و ليست بحق بنفسها لتغلب خصمك من حيث لا يشعر كما أنك إذا قلت: أليس النجار صانعا فيقول: نعم فتقول: أليس هو جسما؟ فيقول أليس البارئ سبحانه صانعا؟ فتقول: نعم فيقول: فهو إذا جسم فهذا قياس مؤلف ولكنه فاسد وسفسطة ومباهتة ودخل من الفساد قوله: فكل صانع جسم فإنه خطأ وإلا فما الدليل عليه؟ فنهاية سعادة هذا التمويه على الخصم و هى منقسمة الى التلبيس فى النظم كما قدمناه الى التلبيس فى شبه الحروف و الأسماء كما إذا قلت العين تبصر و الدينار عين فالدينار يبصر فهذا غلط من جهة اشتراك الاسم وحده أن تقول حد الدينار غير حد العين فهما مختلفان فى الحد و الحقيقة و كذلك فى النقط مثل قوله تعالى "عذابى أصيب به من أشاء" [الأعراف:156] ومن أساء واستيعاب هذا يحتاج الى مجلدة و أما الخطابة فغرضها اقناع للسامع بما تسكن نفسه اليه سكونا تاما من غير أن تبلغ اليقين و هذا كما يفعلع الخطيب من الناس فإنه ينظم كلاما عذبا مشجعا يذكرهم الموت ويفرغهم و يخوفهم وغرضه الايقاع فى نفسهم وأما المشاعر فغرضه الايقاع فى النفس و تحريك القوة الشهوانية و الغضبية بأن يشبه الأشياء بعضها ببعض كقول القائل:
هو البحر غص فيه إذا كان راكدا
على الدر واحذرهإذا كان مزبدا
فهذا إذا سمعه الممدوح انبسطت له نفسه لأنه شبه جوده واتساعه بالبحر وأنه ذو صولة كالبحر وقد يحرك الشاعر القوة الغضبية كقول القائل:
لو كان يخفى عن الرحمن خافية
من العباد خفت عنه بنو أسد
وكقول الشعراء ينفر زوجته عن النكاح:
فلا تنكحى إن فرق الدهر بيننا
أغم القفاو الوجه جعد الأنامل
حتى أن الانسان يشبه له الشئ الحسن بالقبيح فينافره كما إذا قيل له وقد شرب فى
ص96
محجمته خرجت من كور الزجاج فيقال له بها يمص الدم للمجذوم و المبروص فينافرها ولا يشرب بها وكما إذا أرسل عليه حبل ثم قيل له: عليك نفر وقيل له:إن هذا العسل أصفر كأنه عذرة نفر من ذلك واستبشعه فهذا غرض الخطابة و الشعر و أما الجدل فغايته غلبة من يخاطبه بأشياء مشهورة كما قال تعالى لليهود: "إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنو الموت إن كنتم صادقين" [الجمهة:6]. فإنه علم فى العادة أن المحب يحب لقاء الحبيب وتأليف القياس فإنه أن يقال إن كنت تحب لقاء زيد فأنت صديقهلكنك تحب لقاءه فأنت إذا صديقه فيجئ البيان فيه على وفق المقدمة ونظم القياس لليهود أن يقال إن كان اليهودى يحب لقاء الله تعالى فهو ولى ولكنه يكره لقاء الله تعالى فإذا ليس هو بولى وكما قال ابراهيم عليه السلام للذى حاجه:" فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب" [البقرة:258]. فغاية هذه العلوم موقوفة على منافع دنيوية إلا أن تصرف الى الأخرة كما فعلت الأنبياء عليهم السلام فى خطاباتهم وجدلهم فالدنيا ركاب الأخرة و هى مضرة إذا طلبت لتفسها ونافعة إذا طلبت للأخرة فإذا مقدار سعادة هذه العلوم ما يقصد مقدار بها.
و إما العلوم التى يطلب بها السعادة العلمية النافعة فتنقسم الى أربعة أقسام: طبيعية ورياضية وسياسية و الهية و الغرض بالطبيعة معرفة العالم وتركيبه ومزاجه و معرفة النباتات والحيوان والمعادن و الأمراض والأمزجة و صلاحها وفسادها وهو خادم معين كالخبز و الغذاء للانسان و كذلك هو مع تلك العلوم.
وأما الرياضيات فأربعة أنواع: الهندسة والحساب والمنطق والنجوم فأما الهندسة: فمقصودها معرفة الأطوال والكميات والمقادير وهى الة يستعان بها و الحساب غرضه معلوم و المنطق غرضه تمييز الأمور العقلية من المحسوسات وتمييز البرهان من الشك فى الاعتقاد واما علم النجوم مقصوده معرفة الافلاك وحركتها و كواكبها و سائر أحكامها و فائدته معرفة الكائنات.
وأما الالهيات فمقصوده أربعة أشياء العلم بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر و أما السياسة فمقصوده تهذيب النفس فى جلب منفعة ودفع مضرة ما عاجلة و الخلق مع سائر هذه العلوم وهى معهم إما كالغذاء لهم وإما كالدواء و الرسل مبعوثون لتبيين الجميع ومقاديرها فى السعادة على ما ذكرنا لكن تختلف أشخاص الناس وحالاتهم على اختلاف قرائحهم و غرائزهم و مقدار قبولعم وعقولهم والتقسيم يأتى على هذه النسبة فنقول: أما ما هو كالغذاء فكالعلوم الالهية فلا غناء بأحد منها فإن سائر هذه العلوم دورانها على بيانه و الخالق هو الأصل ولا حال لمن جهل باريه وأما ماهو كالدواء فيخص ويعم فى بعض العلوم السياسية وهى ماتعلق منها بفروض الأعيان فعلى كل شخص أن يعرف هذا
ص97
فى العلم السياسى وأما فى غيره من العلوم فيستعمل الانسان منه مقدار حاجته ان احتاج اليه والا فالاشتغال بما يفيد أحسن إذ الانسان ذو شغل كثير و"أما ماهو كالداء فهو يضر بالنسبة الى حالات الأشخاص وهو كل شئ متى أوصلناه الى شخص وجدناه يضربه فهو دواء فى حقه فإن العسل وإن كان حلوا عند من أفرط عليه البلغم فهو مر عند من أفرط عليه المرة الصفراء إذ هو فى حقه داء و العلوم إنما هى بالإضافة فلقد يوجد الله تعالى:
خلق تضر الحقائق بهم
كما تضر رياح الورد بالجعل
وقد قال صلى الله عليه وسلم "حدثوا الناس بما يفهمون" وقال عيسى عليه السلام: "لا تعلقوا الدر فى أعناق الخنازير".
فمن منح الجهال علما أضاعه
ومن منع المستوجبين فقد ظلم
فإن قلت هذ لاشك فيه غير أن العلوم الإلهية يختلف فيها وقد كثرت فوق الاسلاميين فعلى رأى من أعول فاعلم أخى أنك متى كنت ذاهبا الى تعرف الحق بالرجال من غير أن تتكل على بصيرتك فقد ضل سعيك فإن العالم من الرجال إنما هو كالشمس أو كالسراج يعطى الضوء ثم انظر ببصرك فإن كنت أعمى فما يغنى عنك السراج والشمس فمن عول على التقليد هلك هلاكا مطلقا.
فإن قلت: فكيف الخلاص فيه؟ فهذا الآن حديث يطول ويحتاج الى اطناب واسهاب وقد أعلمتك انى مشتغل مبدد لشمل النفس كليل الخاطر و لكن لتعلم أن الأوصاف الراجعة الى الله تعالى تنقسم الى ثلاثة أقسام إما وصف يجب له وإما مستحيل عليه وإما جائز فى حكمه فلا يتلقف أحد الجائزين بسبب إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل واجب أو مستحيل فخذه من جهة العقل.
فإن قلت: ذلك اطلب فمن أين آخذه وكيف أتوصل إليه؟ فأقول: سأبين لك منه مقدارا يليق بهذه العجالة.
فإن قلت: وكيف أصنع أيضا فى فروع الأحكام و هى الأمور السياسية فقد اختلفت الأئمة كمالك والشافعى وأبوحنيفة وأحمد وغيرهم؟ فأقول: فإذا الأشكال من جهة الخلاف فى أصول الدين وفروعه وقد كشف العى فى أصول الدين ووعدتك بالباقى وأما الخلاف فى الفروع فلك فيه حيلتان: إحداهما أن تعرف أصول الفقه وأحكام الشريعة معرفة دون تقليق ثم تعمل بما علمته وتترك الناس جانبا خالفت أو وافقت فهذه حيلة وقد جعلت
ص98
فى ذلك كتابا سميته ( برسالة الأقطاب) تختص بأصول الفقه خاصة على الطريق البرهانى فإن شئت فاحفظها واحفظ أحكام الحديث والسنة أو تكون عندك كتبها وذلك منحصر فى ثلاثة أسفار: أما أحكام الحديث فقد جمعها الزبدونى وأحكامها الفرائض لإسماعيل القاضى وغيره وأحكامها الأحكام لأبى الحسن الطبرى الملقب بشفاء العليل وبأصول الفقه تهتدىالى ما غاب عنك فإن تعذر هذا عليك فعليك بجملة ثانية وهو أن تنظر كل مختلف فتصير الى الطرف الأكمل مثال ذلك مذهب أبى حنيفة فى التوضؤ بالنبيذ فاستعمل أنت مذهب مالك فى تركه فهو أحوط وكذلك مذهب الشافعى فى التوجيه والبسملة وقراءة القرآن فى الصلاة فاستعمله فهو أحوط من مذهب مالك فيه فهاتان حيلتان لطريق الكمال فإن عجزت عنها فعليك بتقليد إمام واحد فاعمل على مذهبه فإحكام الظاهر يسير الخطب قد فهمت هذا وإنما المشكل على هو أمر الأمور العقلية حتى أميز الحق من الباطل فقد علمت من هذا طريق الخلاص فى الفروع فاعلم أن الأمور التى تخوض فيها قوة المفكرة ترجع الى أرعة أقسام: معقولات ومحسوسات ومقبولات ومشهورات.
فأما المعقولات: فما لا يدرك إلا بالعقل على التجريد كعلمنا أن الضدين لا يجتمعان وأن الشئ لا يصح أن يكون متحركا ساكنا فى حال واحدة وأن الواحد قبل الاثنين وأن الحادث له أول وأن ماكان مع الحوادث معية زمانها فهو حادث فكل ما لا تدريه إلا من جهة العقل.
وأما المحسوسات: فما تدريه من جهة الحواس الخمس كالفرق بين الألوان والفرق بين الطعوم والملموسات والفرق بين المسموعات والفرق بين المشمومات والفرق بين المذوقات.
وأما المشهورات: فهى العادات الراجعة الى عادات الخلق والبلاد والأمم والأزمنة كعادة الناس فى اللباس والفرح والأغانى والأحاديث والسير الكريمة كترك الظلم وبر الوالدين وشكر المنعم والكف عن الجار والنصفة من الظالم وإفشاء السلام التى هى الآن متممات الأحكام الشرعية وهى من قبل الرسل تعقل وقد كانت العرب وسائر الأمم السالف كالهند وغيرهم يستنون بذلك وعلى الجملة لكل أمة ملك يحمى من الظلم و بذلك قوام العالم
أما المقبولات: فما أخذ من طريق الأخبار وهو كل ما يخبر به العدل الثقة أو الثقات فمتى ورد عليك شئ من أى علم كان وفرع سمعك أو أورد عليك فانظر وسل من أى قبيل هو من هذه الأربعة أقسام: فأما العقليات فلا تتبدل أحكامها عما هى عليه فى العقل والمحسوسات لا تتبدل ولكن يتطرق إليها الغلط بآفات تحدث فى الآلات الجسمانية.
ص99
وأما المقبولات والمشهورات فغير موثوق بها فإنها تختلف باختلاف الأمم والبلاد وحالات الأشخاص فالحق كل قبيل بقبيله وميزه من سواه فلا تغلط أبدا الآباد فما قام عندك من دليل عقل أو حس على شئ وتصححت أجزاء حده وبرهانه وتبرهن لك البرهان على صحة تلك الأجزاء والبرهان تبرهن به على مطلوبك فهو برهان حق وماورد عليك مما سوى ذلك فأنزله على مرتبته فلا تعد شيئا من حده ولا تجعل المقبول معقولا ولا المعقول مقبولا ولا المشهور محسوسا ولا المحسوس مشهورا ثم انظر كيف مأخذ المقبول مثل أن القرآن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلم قطعا أن هذا القرآن مأخوذ عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم الكائن بمكة صلى الله عليه وسلم وكذلك تعلم بوجوده وسيرته المستفيضة.
وأما الأحكام فمأخذها مقبولة ولا يلزم أن تبرهن لنا لأن الخلق محتاجون إليها ولو أدركوا الأحكام بعقولهم لما كانت فائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يكن فى عقولهم استقلال بها أولا فكذلك أخرا إذا اتصلت بهم فلذلك لم يطلب أن يقوم على الأحكام برهان.
وهذا منتهى ما أردنا أن نشير به من المدخل الى العلوم الإلهية وننبه به على الأسرار الروحانية فإن ساعد الدهر السليم والغريزة المعتدلة على الحاق ما فى معناه به كفى المسترشد وإلا تشوق الى المطالعة والرب تبارك وتعالى المسئول أن يلم الشغث ويجبر الصدع وينير البصيرة ويجرى على اللسان الصدق ويختم بالخير ويجعلنا به وله فيما نأتى ونذر وأن يتجاوز عنا إذا وفدنا اليه محتاجين الى عفوه فقراء الى فضله منقطعين عن الأهل والوطن مخلفين الأبناء مبعدين الأباء قد حيل بيننا وبين القريب والصاحب ونفانا الموالى والأقارب إذا برقت العين وخفت الشفة ويبست القدم وحيث لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون لا يستجيب لمن دعاه لا يرى شق الجيوب عليه حين وفاته أذكركم الله تعالى إخوانى وأوصيكم به فكونوا به ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللهالغرور ثم الصلاة على بنى الرحمة وشفيع الأمة محمد صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.
صفحة 100
روضة الطالبين وعمدة السالكين. بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة الكتاب. قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته: الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنيران محبته، واستوفى هممهم وأرواحهم بالشوق إلى لقائه ومشاهدته، ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته حتى أصبحوا من نسيم روح الوصال سكرى وأصبحت قلوبهم من ملاحظة الجلال والهيبة حيرى، فلم يروا في الكونين إلا إياه، وإن أصبحت لأبصارهم صور عبرت إلى الصور بصائرهم، وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت إلى المحبوب سرائرهم، وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مهيج أو مشوق لم يكن انزعاجهم إلا إليه ولا طربهم إلا به، ولا قلقهم إلا عليه، ولا حزنهم إلا فيه، ولا شوقهم إلا إلى ما لديه، و أتبعائهم إلا له، ولا ترددهم إلا حواليه فمنه سماعهم، وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم. أولئك الذين اصطفاهم لولايته واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته، وصلى الله على المبعوث برسالته وعلى آله وأصحابه أئمة الحق وقادته وسلم تسليماً. أما بعد: فقد ألفت هذا الكتاب ليتمسك به طالب الحق ويستعين به على سلوكه إن شاء الله تعالى، وأستعين في ذلك بالله تعالى من الخلل والزلل وهو خير ناصر ومعين وإياه أسأل أن ينفع به إن قريب مجيب وسميته: (روضة الطلابين وعمدة السالكين) وفيه أبواب ومقدمة وفصول: المقدمة في تمهيد الكتاب. أعلم أن انقطاع الخلق عن الحق بوقوفهم مع الخلق ومع أنفسهم ورؤيتهم أفعالهم وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة باختلاف أهويتهم التي نفوس البشر مجبولة عليها وحب الجاه والمال والدنيا والرئاسة والشهرة وطول الأمل والتسويف والشح ولاهوى ولاعجب وفحش أغذيتهم من المطعم والمشرب والملبس وفساد دنياهم وغلبة الشهوات النفسانية على قلوبهم وترك مجاهدة لانفس وإهمالها ترفع في شهواتها ورعونتها والتزين للناس والتلبس بالأوصاف المذمومة نحو الغل والحقد والحسد والجهل والحمق والرياء والنفاق، وانبعاث الجوارح في غير طاعة الله تعالى كالعين والسمع واللسان واليد والرجل: "كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" الإسراء: 36. والكسل والبلادة والغفلة وغير ذلك مما يبعد عن الله تعالى.
صفحة 101
الباب الأول: في بيان أركان الدين. الباب الثاني: في بيان معنى الأدب. الباب الثالث: في بيامن معنى السلوك والتصرف. الباب الرابع: في بيان الوصول والوصال. الباب الخامس: في بيان معنى التوحيد والمعرفة. الباب السادس: في بيان النفس والروح والقلب والعقل. الباب السابع: في بيان معنى المحبة. الباب الثامن: في بيان معنى الأنس بالله تعالى. الباب التاسع: في بيان معنى الحياء والمراقبة. الباب العاشر: في بيان معنى القرب. الباب الحادي عشر: في بيان شرف العلم ووجوب طلبه. الباب الثاني عشر: في بيان معنى الأسماء لاحسنى. الباب الثالث عشر: في بيان الاعتقاد والتمسك بعقيدة صحيحة. الباب الرابع عشر: في بيان صفات الله تعالى. الباب الخامس عشر: في بيان معنى حقيقة الإخلاص. الباب السادس عشر: في الرد على أجاز الصغائر على النبي صلى الله عليه وسلم. الباب السابع عشر: في بيان الخواطر وأقسامها. الباب الثامن عشر: في بيان معنى آفات اللسان. الباب التاسع عشر: في البطن وحفظه. الباب العشرون: في بيان الشيطان ومخادعاته. الباب الحادي والعشرون: في بيان ما تجب رعايته. الباب الثاني والعشرون: في بيان معنى حسن الخلق وسوئه. الباب الثالث والعشرون: في بيان معنى الفكر. الباب الرابع والعشرون: في بيان معنى التوبة. الباب الخامس والعشرون: في بيان الصبر. الباب السادس العشرون: في بيان الخوف. الباب السابع والعشرون: في بيان الرجاء. الباب الثامن والعشرون: في بيان الفقر. الباب التاسع والعشرون: في بيان الزهد. الباب الثلاثون: في بيان المحاسبة. الباب الحادي والثلاثون: في بيان الشكر. الباب الثاني والثلاثون: في بيان التوكل.
صفحة 102
الباب الثالث والثلاثون: في النية. الباب الرابع والثلاثون: في بيان الصدق. الباب الخامس والثلاثون: في بيان الرضا. الباب السادس والثلاثون: في بيان النهي عن الغيبة. الباب السابع والثلاثون: في بيان الفتوة. الباب الثامن والثلاثون: في بيان مكارم الأخلاق. الباب التاسع والثلاثون: في بيان القناعة. الباب الأربعون: في بيان السائل. الباب الحادي والأربعون: في الشفقة على خلق الله تعالى. الباب الثاني والأربعون: في بيان آفة الذنوب. الباب الثالث والأربعون: في صفة صلاة أهل القرب. فصل في آن ما سوى الحق حجاب عنه. أعلم أن الوقوف مع الخلق والنفس حجاب عن الحق ورؤية الأفعال شرك، لأن أفعال العباد مضافة إلى الله تعالى خلقاً وإيجاداً وإلى العبد كسباً ليثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية، فحين تعلق العبد بشيء ما يوجده الاقتدار الإلهي يسمى كسباً. هذا مذهب أهل السنة، فقدرة العبد عند مباشرة العمل لا قبله فحينما يباشر العمل يخلق الله تعالى له اقتداراً عند مباشرته فيسمى كسباً. فمن نسب المشيئة والكسب إلى نفسه فهو قدري، ومن نفاهما عن نفسه فهو جبري، ومن نسب المشيئة غلى الله تعالى والكسب إلى العبد فهو سني صوفي رشيد، وفيه كلام طويل ليس هذا موضعه، سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. وأما الانحراف عن العقيدة الصحيحة، فلغلبة الأهواء على القلوب والتعصب لمذهب أهل البدع. قال بعض الأئمة: رب أقوام تنجيهم عقائدهم مع قلة عملهم، ورب أقوام تهلكهم عقائدهم مع كثرة عملهم، وحب الجاه والمال والدنيا سم قاتل، والرئاسة والشهرة يورثان الكبر والدخول في الدنيا وهما فساد الدين. قال بعضهم: ما عملت عملاً وأطلع عليه الناس إلا أسقطته. وأما طول الأمل: فإنه يمنع من حسن العمل ويصد عن الحق والتسويف من أعظم جنود الشيطان، وأما الشح والهوى وإعجاب المرء بنفسه: فهن من المهلكات.
صفحة 103
وأما فحش الغذاء: فإنه يظلم القلب ويورث القسوة والبعد عن الله تعالى، وطيب الغذاء ينور القلب ويورث الرقة والقرب من الله عز وجل. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) البقرة: 172. والطيبات هي الحلال: أطيب مطعمك ومشربك وما عليك ألا تقوم الليل ولا تصوم النهار، وطيب المطعم أصل كبير في طريق القوم، ولو قام العبد قيام السارية لم ينفعه ذلك، حتى يعلم ما يدخل جوفه. وأسرع الناس جوازاً على الصراط أكثرهم ورعاً في الدنيا. يقول الله عز وجل: "عبدي تجوع تراني تتورع تعرفني تجرد تصل إلي" قال الله تعالى: "وأما الورعون فأستحي أن أعذبهم" قال بعض السادة من الأكابر: عليك بالعلم والجوع والخمول والصوم فإن العلم نور يستضاء به، والجوع حكمة. قال ابو يزيد: ما جعت لله يوماً إلا وجدت في قلبي باباً من الحكمة لم أجده قبل. والخمول راحة وسلامة، ولاصوم صفة صمدانية ما مثلها شيء لقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) الشورى: 11. فمن تلبس بها أورث العلم والمعرفة والمشاهدة، ولذلك قال تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا الذي أجزي له". ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك والاشتغال بالدنيا وغلبة الشهوات على القلب يورث جميع الأوصاف المذمومة فلا طمع في القرب ما لم تبدل الأوصاف المذمومة بالمحمودة. قال بعضهم: ما دام العبد ملوثاً بالغير لا يصلح قلبه للقرب والمجالسة حتى يطهر قلبه من السوى. قال عثمان رضي الله عنه: (لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم دون غيره). فصل. أعلم أن ما سوى الحق حجاب عنه. ولولا ظلمة الكون لظهر نور الغيب، ولولا فتنة لانفس لارتفعت الحجب، ولولا العوائق لانكشفت الحقائق، ولولا العلل لبرزت القدرة، ولولا الطمع لرسخت المحبة، ولولا حظ باق لأحرق الأرواح الاشتياق، ولولا البعد لشوهد الرب، فإذا انكشف الحجاب تجشم هذه الأسباب وارتفعت العوائق بقطع هذه العلائق: بدا لك سر طال عنك اكتتامه، ولاح صباح كنت أنت ظلامه، فأنت حجاب القلب عن سر غيبه، ولولاك لم يطبع عليك ختامه، فإن غبت عنه حل فيه وطنبت، على منكب الكشف المصون خيامه.
صفحة 104
وجاء حديث لا يمل سماعه، شهي إلينا نثره ونظامه. قال بعضهم: إذا أراد الله بعبد سوءاً مد عليه باب العمل وفتح عليه باب الكسل. جاء رجل إلى معاذ فقال: أخبرني عن رجلين أحدهما يجتهد في العبادة كثير في لاعمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف اليقين يعتوره الشك. قال معاذ: ليحبطن شكه أعماله. قال: فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين وهو في ذلك كثير الذنوب فسكت. فقال: والله لئن أحبط شك الأول أعمال بره ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها. قال فأخذه معاذ بيده. وقال: ما رأيت الذي هو أفقه من هذا. فصل في عمل أبي يزيد البسطامي. قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: (مكث اثنتى عشرة سنة حداد نفسي، وخمس سنين كنت أجلو مرآة قلبي، وسنة أنظر فيما بينهما فإذا في وسطى (نار فعملت في قطعه خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لي فرأيت الخلق موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات). ومعنى هذا الكلام – والله أعلم – أنه عمل في مجاهدة نفسه وإزالة أدغالها وخبثها وما حشيت به من العجب والكبر والحرص والحقد والحسد وما شابه ذلك مما هو من مألوفات النفس، فعمد إلى إزالة ذلك بأن أدخل نفسه كبر التخويف، ثم طرقها بمطارق الأمر والنهي حتى أجهده ذلك. فظن أنها قد تصفت، ثم نظر في مرآة إخلاص قلبه، فإذا بقايا من الشرك الخفي وهو الرياء والنظر إلى الأعمال وملاحظة الثواب والعقاب والتشوف إلى الكرامات والمواهب. وهذا شرك في الإخلاص عند أهل الاختصاص وهو الزنار الذي أشار إليه فعمل في قطعه: يعني قطع نفسه وفطمها عن العلائق وأعرض عن الحلائق حتى أمات من نفسه ما كان حياً وأحيا من قلبه ما كان ميتاً حتى ثبت قدمه في شهود القدم وأنزل ما سواه منزلة العدم. فعند ذلك كبر على الخلق أربع تكبيرات وانصرف إلى الحق، ومعنى قوله: كبرت على الخلق أربع تكبيرات لأن الميت يكبر عليه أربع تكبيرات، ولأن حجاب الخلق عن الحق أربع: النفس، والهوى، والشيطان والدنيا. فأمات نفسه وهواه ورفض شيطانه ودنياه فلذلك كبر على كل واحدة ممن فنى عنه تكبيرة لأنه هو الأكبر وما سواه أذل وأصغر ثم أعلم أنك لا تصل إلى منازل القربات حتى تقطع ست عقبات: العقبة الأولى: فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية.
صفحة 105
العقبة الثانية: فطم النفس عن المألوفات العادية. العقبة الثالثة: فطم القلب عن الرعونات البشرية. العقبة الرابعة: فطم السر عن الكدورات الطبيعية. العقبة الخامسة: فطم الروح عن البخارات الحسية. العقبة السادسة: فطم العقل عن الخيالات الوهمية. فتشرف من العقبة الأولى على ينابيع الحكم القلبية، وتطلع من العقبة الثانية على أسرار العلوم اللدنية وتلوح لك من العقبة الثالثة أعلام المناجاة الملكوتية، وتلمع لك في العقبة الرابعة أنوار المنازلات القريبة، وتطلع لك في الخامسة أقمار المشاهدات الحيية، وتهبط من العقبة السادسة على رياض الحضرة القدسية. فهنالك تغيب مما تشاهد من اللطائف الآتية عن الكثائف الحية، فإذا أرادك بخصوصيته الاصطفائية سفاك بكأس محبته شربة فتزداد بذلك الشرب ظمأ وبالذوق شوقاًن وبالقرب طلباً وبالسكون قلقاً. فإذا تمكن منك هذا السكر أدهشك فإذا أدهشك حيرك، فأنت ها هنا مريد، فإذا فنيت ذاتك وذهبت صفاتك وفنيت ببقائه عن فنائك وخلع عليك خلعة (قبي يسمع ويي يبصر) فيكون هو مستوليك وواليك، فإن نطقت فبأذكاره وإن نظرت فبأنواره، وإن تحركت فبإقداره، وإن بطشت فبإقتداره، فهنالك تذهب الأثنينية واستحالت البينية، فإن رسخ قدمك وتمكن سرك حال سكرك. قلت: هو وإن غلب عليك وجدك تجاوز بك حدك عن حد الثبوت. قلت أنت: فأنت في الأول متمكن، وفي الثاني مسئلون ومن هنا أشكل على الأفهام حل رمز هذا الكلام. الباب الأول. في بيان أركان الدين. أعلم أن كلمتي الشهادة على إيجازهما يتضمنان إثبات ذات الإله سبحانه وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبناء الإيمان على هذه الأركان الأربعة: الركن الأول: في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى ومداره على عشرة أصول وهي: العلم بوجود الله تعالى، وقدمه وبقائه، وأنه ليس بجوهر ولا جسم، ولا عرض، وأنه ليس بمختص بجهة، ولا مستقر على مكان، وأنه يرى وأنه واحد. الركن الثاني: في معرفة صفات الله سبحانه وتعالى ومداره على عشرة أصول وهي: العلم بكونه تعالى حياً، عالماً، قادراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، صادقاً في أخباره، منزهاً عن حلول الحوادث، وأنه قديم الصفات.
صفحة 106
الركن الثالث: في معرفة أفعال الله سباحنه وتعالى ومداره على عشرة أصول وهي: أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى ومرادة له وأنها مكتسبة لهم، وأنه منفصل بالخلق، وأنه له تكليف ما لايطاق، وله إيلام البرىء ولا يجب عليه رعاية الأصلح، وأنه لا واجب إلا بالشرع وأن بعثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم جائزة، وأن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة مؤبدة بالمعجزات. الركن الرابع: في السمعيات ومداره على عشرة أصول وهي: الحشر والنشر، وعذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والميزان ، والصراط، وخلق الجنة والنار، وأحكام الإمامة. الباب الثاني. في بيلن الأدب. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" والأدب تأديب الظاهر والباطن، فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفياً أديباً، ومن ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولاً وفعلاً وعقداً ونية. وبالإنصاف قيما بين الله تعالى وبين العبد في ثلاثة: في الاستعانة والجهد والأدب، فمن العبد الاستعانة، ومن الله الإعانة على التوبة، ومن العبد الجهد، ومن الله التوفيق، ومن العبد الأدب، ومن الله الكرامة. ومن تأدب بآداب الصالحين، فإنه يصلح لبساط الكرامة، وبآداب الأولياء لبساط القربة، وبآداب الصديقين لبساط المشاهدة، وبآداب الأنبياء لبساط الأنس والانبساط، ومن حرم الأدب حرم جوامع الخيرات، ومن لم تريضه أوامر المشايخ وتأديباتهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة، ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل النهاية. ومن لم يعرف الله عز وجل لم يقبل عليه، ومن لم يتأدب بأمره ونهيه كان عن الأدب في عزلة. وآداب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجربها. العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه إلى الله تعالى، والتوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان له لا توحيد له والإيمان موجب يوجب الشريعة فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد له، والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب له فلا شريعة له ولا إيمان له ولا توحيد له، وترك الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب، وأنفع الآداب النفقة في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما الله عليك وإذا ترك العارف أدبه مع معروفة فقد هلك مع الهالكين. وقيل: ثلاث خصال ليس معهن غربة: مجانية أهل الريب، وحسن الأدب، وكف
صفحة 107
الأذى، وأهل الدين أكثر آدابهم في تهذيب النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وأهل الخصوصية أكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وإدمان الحضور، ومن قهر نفسه بالأدب فهو الذي يعبد الله بالإخلاص. وقيل: هو معرفة اليقين. وقيل يقول الحق سبحانه: "من آلزمنه القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن أراد الكشف عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب، فأختر أيهما شئت: الأدب أو العطب؟ ومن لم يتأدب للوقت فوقته مقت، وإذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء". وحكى عن أبي عبيد القاسم بنم سلام قال: دخلت مكة فربما كنت أقعد بحذاء الكعبة وربما كنت أستلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية فقالت لي: يا أبا عبيد: يقال إنك من أهل العلم اقبل مني كلمة لا تجالسه إلا بالأدب وإلا فيمحى اسمك من ديوان أهل القرب، قال أبو عبيد:وكانت من العارقات وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهراً وباطناً فما أساء أحد الأدب في ظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما اساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً فالأدب استخراج ما في القوة والخلق إلى الفعل وهذا يكون لمن ركبت السجية الصالحة فيه والسجية فعل الحق لا قدرة للبشر على تكوينها كتكون النار في الزناد إذ هو فعل الله المحض واستخراجه يكسب الآدمي فهكذا الآداب منبعها بالسجايا الصالحة والمنح الإلهية، ولما هيأ الله تعالى بواطن الصوفية بتكميل السجايا الكاملة فيها تواصلوا بحسن الممارسة والرياضة إلى استخراج ما في النفوس مركوزة بخلق الله إلى الفعل فصاروا مؤدبين مهذبين. فصل في آداب أهل الحضرة الإلهية لأهل القرب. كل الآداب تتلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم مجمع الآداب ظاهراً وباطناً، وأخبر الله سبحانه عن حسن أدبه في الحضرة بقوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصرُ ومَا طَغَى) النجم: 17. وهذه غامضة من غوامض الآداب اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله عن اعتدال قلبه لمقدس في الإعراض والإقبال أعرض عما سوى الله، وتوجه إلى الله، وترك وراء ظهر، لأرضين والدار العالجة بحظوظها والسموات والدار الآخرة بحظوظها ولا لحقه الأسف على الفائت في إعراضه. قال الله تعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) الحديد: 23. فهذا الخطاب للعموم، وما زاغ البصر إخبار عن حال النبي صلى الله عليه وسلم بوصف خاص من معنى ما خاطب به العموم، فكان ما زاغ البصر حالع في طرف الإعراض، وفي طرف الإقبال تلقى ما ورد عليه في مقام: قاب قوسين بالروح والقلب، ثم فر من الله حياء منه وهيبة وإجلالاً وطوى نفسه في مطاوي انسكاره وافتقاره، لكيلا تنبسط النفس فتطغى، فإن الطغيان عند
صفحة 108
الاستغناء وصف النفس. قال الله تعالى (كًلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَآهُ اسْتَغْنَى) العلق: 6، 7. ولانفس عند المواهب الواردة على الروح والقلب تسترق السمع ومتى نالت قسطاً من المنح استغنت وطغت، والطغيان يظهر منه فرط البسط، والإفراط في البسط يد باب المزيد، وطغيان النفس لضيق وعاتها من المواهب فموسى عليه السلام صح له في الحضرة أحد الظرفين. ما زاغ بصره، وما التفت إلى ما فاته متأسفاً لحسن أدبه، ولكن امتلأ من المنح واسترقت النفس السمع وتطلعت إلى القسط والحظ فلما حظيت النفس استغنت وطفح عليها ما وصل إليها وضاق نطاقها فتجاوز الحد من فرط البسط وقال: (أَرِنِي أَنظُرُ إلَيْك) الأعراف: 143. فمنع ولم يطق صبراً وثباتاً في قضاء المزيد وظهر الفرق من الحبيب والكليم عليهما الصلاة والسلام. وقال سهل بن عبد الله التستري: لم يرجع رسول لاله صلى الله عليه وسلم إلى شاهد نفسه ولا إلى مشاهدتها وإنما كان مشاهداً بكليته لربه. يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحلوهذا الكلام لمن اعتبره موافق لكا شرحناه برمز في ذلك من كلام سهل بن عبد الله، والله أعلم. الباب الثالث. في بيان معنى السلوك والتصرف. أعلم: أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف. وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن، والعبد في جميع ذلك مشغول عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول. والذي يفسد على السالك سلوكه شيئان: اتباع الرخص بالتأويلات، والاقتداء بأهل الغلط من متبعي الشهوات. ومن ضيع حكم وقته فهو جاهل، ومن قصر فيه فهو غافل، ومن أهمله فهو عاجز. لا تصح إرادة المريد حتى يكون الله ورسوله وسواس قلبه، ويكون نهاره صائماً ولسانه صامتاً. لأن كثرة الطعام والكلام والمنام نقصى القلب. وظهره راكعاً وجبهته ساجدة وعينه دامعة وغامضة، وقلبه حزيناً ولسانه ذاكراً. وبالجملة: قد شغل كل عضو فيه ومعنى فيه بوظيفة ندبه الله ورسوله إليها وترك ما كره الله ورسوله له. وللورع معانقاً ولأهوائه تاركاً مطلقاً وراثياً جميع ما وفقه الله تعالى له من فضل الله عليه، ويجتهد أن يكون ذلك كله احتساباً لا ثواباً، وعبادة لا عادة، لأنه من لاحظ المعمول له اشتغل به عن رؤية الأعمال ونفسه تاركاً للشهوات، فصحة الإرادة ترك الاختيار والسكون إلى مجاري الأقدار كما قيل: أريد وصاله ويريد هجري، فأترك ما أريد لما يريد. وافن عن الخلق بحكم الله وعن هواك بأمر الله، وعن إرادتك بفعل الله، فحينئذ
صفحة 109
تصلح أن تكون وعاء لعلم الله فعلامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم والإياس عما في أيديهم، وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك التكسب، والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك، ولا تعتمد عليك لك، ولا تذب عنك ولا تضر نفسك، لكن تكل ذلك كله إى من تولاه أولاً ليتولاه آخراً، كما كان ذلك موكلاً إليه في حال كونك مغيباً في الرحم، وكونك رضيعاً في مهدك، وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل الله أن لا تريد مراداً قط لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها، بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة الله وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان، مشروح الصدر، منور الوجه، عامر البطن، تقلبك القدرة ويدعوك لسان الأزل، ويعلمك رب الملك، ويكسوك من نور الحلل، وينزلك منازل من سلف من أولى العلم. فصل في لزوم العزلة. على السالك أن يلزم العزلة ليستظهر بها على أعدائه. وهي نوعان: فريضة وفضيلة. فالفريضة: العزلة عن الشر أهله. والفضيلة العزلة عن الفضول وأهله. وقيل: الخلوة غير العزلة، والخلوة عن الأغيار، والعزلة من النفس وما تدعو إليه وتشغل عن الله. وقيل: السلامة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وواحدة في العزلة. وقيل: الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت عما لا يعني. والعاشرة في العزلة عن الناس. كثير من ندم على الكلام وقل من ندم على السكوت. وقيل: الخلوة أصل والخلطة عارض. فيلزم الأصل ولا يخالط إلا بقدر الحاجة، وإذا خالط يلازم الصمت فإنه أصل. وإذا صفا لك من زمانك واحد، فهو المراد فأين ذاك الواحد. وقيل: الخلوة بالقلب فيكون مستغرقاً بكليته مع الله تعلاى معكوفاً قلبه عليه مشغوفاً به والهاً إليه متحققاً كأنه بين يديه. قيل: أول مبادئ السالك أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسري الذكر في أعضائه وعروقه، وينتقل الذكر إلى قلبه فحينئذ يسكت لسانه ويبقى قلبه ذاكراً يقول (الله الله) باطناً مع عدم رؤيته لذكره، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظاً لمطلوبه مستغرقاً به معكوفاً عليه مشغوفاً إليه مشاهداً له، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته، ثم يفنى عن كليته بكليته حتى كأنه في حضرة (لِمِنِ الْمُلْكُ الْيُوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ) غافر: 16. فحينئذ يتجلى الحق على قلبه فيضطرب عند ذلك ويندهش ويغلب عليه السكر وحالة الحضور والإجلال والتعظيم، فلا يبقى فيه متسع لغير مطلوبه الأعظم. كما قيل: فلا حاجة لأهل الحضور إلى غير شهود عوانه. وقيل: في قوله تعالى: (وشاهد ومشهود) البروج: 3.
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص110
فالشاهد: هو الله، والمشهود : هو عكس جمال الحضرة الصمدية فهو الشاهد والمشهود.
فصل
يا حبيبى أطبق جفنيك وانظر ماذا ترى ، فإن قلت لا أرى شيئا حينئذ فهو خطأ منك بل تبصر . ولكن ظلام الوجود لفرط قربه من بصيرتك لا تجده .فإن أحببت أن تجده وتبصره قدامك مع أنك مطبق جفنيك ،فانقص من وجودك شيئا فشيئا أو أبعد من وجودك شيئا وطريق تنقيصه والإبعاد منه قليلاً المجاهدة ومعنى المجاهدة بذل الجهد فى دفع الأغيار أو قتل الأغيار والأغيار الوجود والنفس والشيطان .وبذل الجهد مضبوط بطرق :
الأول: تقليل الغذاء بالتدريج ،فإن مدد الوجود والنفس والشيطان من الغذاء ،فإذا قل الغذاء قل سلطانه .
والثانى:ترك الإختيار وإفنائه فى اختيار شيخ مأمون ليختار له ما يصلحه ،فإنه مثل الطفل الصبى الذى لم يبلغ مبلغ الرجال أو السفيه المبذر .وكل هؤلاء لابد لهم من وصى أو ولى أو قاض أو سلطان يتولى أمرهم.
والثالث: من الطرق طريقة الجنيد قدس الله روحه وهو ثمان شرائط .دوام الوضوء،ودوام الصوم،ودوام السكوت ،ودوام الخلوة ودوام الذكر وهو قول (لا اله إلا الله )
ودوام ربط القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه بفناء تصرفه فى تصرف الشيخ ,ودوام نفى الخواطر ,ودوام ترك الاعتراض على الله تعالى فى كل ما يرد منه عليه ضرّاًكان أو نفعا ًوترك السؤال عنه من جنة او تعوذ من نار .
والفرق بين الوجود والنفس والشيطان فى مقام المشاهدة : أن الوجود شديد الظلمة فى الأول ,فإذا صفا قليلاً تشكل قدامك بشكل الغيم الأسود فإذا عرش الشيطان كان أحمر فإذا صلح وفنى الحظوظ منه وبقى الحقوق صفا وابيض مثل المزن ،والنفس إذا بدت فلونها لون السماء وهى الزرقة , ولها نبعان كنبعان الماء من اصل الينبوع .فإذا كانت عرش الشيطان فكأنها عين من ظلمة ونار ويكون نبعها أقل .فإن الشيطان لا خير فيه وفيضان النفس على الوجود وتربيته منها فإن صفت وزكت أفاضت عليه الخير وما نبت منه .فإن أفاضت عليه الشر فكذلك ينبت منه الشر , والشيطان نار غير صافية ممتزجة بظلمات الكفر فى هيئة عظيمة وقد يتشكل قدامك كأنه زنجى طويل ذو هيبة يسعى كأنه يطلب الدخول فيك .فإذا طلبت منه الانفكاك فقل فى قلبك يا غياث المستغيثين أغثنا فإنه يفر عنك .
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص111
فصل فى التصوف
حكم الصوفى أن يكون الفقر زينته والصبر حليته والرضى مطيته والتوكل شأنه .
والله عزوجل وحده حسبه يستعمل جوارحه فى الطاعات وقطع الشهوات والزهد فى الدنيا والتورع عن جميع حظوظ النفس وأن لا يكون له رغبة فى الدنيا البته ,فإن كان ولا بدّ فلا تجاوز
رغبته كفايته ويكون صافى القلب من الدنس وُلِهَاً بحب ربه فاراً الى الله تعالى بسره يأوى اليه كل شىء ,ويأنس به وهو لا يأوى إلى شىء ,أى لا يركن إلى شىء
ولا يأنس بشىء سوى معبوده آخذ بالأولى والأهم والأحوط فى دينه مؤثرا الله على كل شىء .
التصوف : طرح النفس فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية .وقيل : كتمان الفاقات ومدافعة الآفات .
وقال سهيل بن عبد الله : الصوفى من صفا من الكدر وامتلاء من الفكر واستوى عنده الذهب والمدر .وقيل :التصوف تصفية القلب عن مرافقة البرية ،ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد صفات البشرية ،ومجانية الدواعى النفسانية ،ومنازلة الصفات الروحانية ،والتعلق بالعلوم الحقيقية وإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشريعة . وقيل :الصوفى هو الذى يكون دائم التصفية لايزال يصفى الأوقات عن شوب الاقدار بتصفية القلب عن شوب النفس ومعينه على على هذه دوام إفتقاره الى مولاه ، فبدوام الافتقار يتفطن للكدر كلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه، فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفرقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه. قال الله تعالى) كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)(المائدة:8) وهذه لله على النفس هو تحقق بالتصوف.
فصل فى أصول التصوف
أكل الحلال والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته. ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الامر لأن علمنا مضبوط بالكتاب والسنه . أخذ هذا المذهب بالورع والتقوى لا بالدعاوى.
التصوف:أوله علم وأوسطه عمل وأخره موهبة . فالعلم : يكشف عن المراد ،والعمل : يعين على الطلب ،والموهبة : تبلغ غاية الأمل.
والعمل :يعين على الطلب ، والموهبة : تبلغ غاية الامل .
وأهله على ثلاث طبقات :مريد طالب ،ومتوسط سائر ،ومنته واصل. فالمريد صاحب وقته ،والمتوسط صاحب حال ،والمنتهى صاحب يقين ،وأفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس . فمقام
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص112
المريد المجاهدات والمكابدات وتجرع المرارات ومجانية الحظوظ وما على فيه تبعة . ومقام المتوسط ركوب الأهوال فى طلب المراد ومراعاة الصدق وإستعمال الأدب فى المقامات وهو مطالب بأداب المنازل وهو صاحب تلوين ،لأنه ينتقل من حال إلى حال وهو الزيادة . ومقام المنتهى الصحو والثبات وإجابة الحق من حيث دعاه قد تجاوز المقامات ،وهو فى محل التمكين لا تغيره الأهوال ولا تؤثر فيه الأحوال.قد استوى فى حال الشدة او الرخاء والمنع والعطاء والجفاء والوفاء – أكله كجوعه ونومه كسهره . قد فنيت حظوظه وبقيت حقوقه ظاهرة مع الخلق،وباطنه مع الحق كل ذلك من أحوال النبى صلى الله عليه وسلم . المنتهى لو نصب له سنان
فى أعلى شاهق فى الأرض وهبت له الرياح الثمانية ما حركت منه شعرة واحدة.وقيل : سموا صوفية لأنهم وقفوا فى الصف الأول بين يدى الله عز وجل بإرتفاع هممهم وإقبالهم على الله تعالى بقلوبهم ووقوفهم بين يديه بسرائرهم .
فصل فى الملامتيه
حكم الملامتى أن لايظهر خيرا ولا يضمر شرا . وشرح هذا : هو أن الملامتى تشربت عروقه طعم الإخلاص وتحقق بالصدق فلا يحب أن يطلع أحد على حاله وأعماله .
والملامتيه لهم مزيد إختصاص بالتمسك والإخلاص يرون كتم الأحوال ويتلذذون بكتمها حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد إستوحشوا من ذلك ،كما يستوحش العاصى من ظهور معصيته . فالملامتى عظم موقع الإخلاص وموضعه وتمسك به معتمدا به . والصوفى غاب فى إخلاصه.
قال أبو يعقوب السوسى : متى شهدوا فى إخلاصه والإخلاص إحتاج إخلاصهم إلى إخلاص . قال بعضهم : صدق الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر الى الحق ، والملامتى يرى فيخفى عمله وحاله . قال جعفر الخلدى : سألت أبا القاسم الجنيد قلت:بين الإخلاص والصدق فرق؟قال: نعم الصدق أصل وهو الأول والإخلاص فرع وهو تابع.
وقال : بينهما فرق لأن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول فى العمل . ثم قال :إنما هو إخلاص ومخالصة الإخلاص وخالصته كائنة فى المخالصة . فعلى هذا الإخلاص حال الملامتى ، ومخالصة الإخلاص حال الصوفى ،والخالصة الكائنة فى المخالصة ثمرة مخالصة الإخلاص وهو فناء العبد عن رسومه برؤية قيامه بقيومه، بل غيبته عن رؤية قيامه وهو الإستغراق فى العين عن الأثار والتخلص عن لوث الإستتار وهو فقد حال الصوفى. والملامتى مقيم فى أوطان إخلاصه غير متطلع إلى حقيقة إخلاصه.
وهذا فرق واضح بين الملامتى والصوفى . فالملامتى وإن كان متمسكا بعروة الإخلاص مستفرشا بساط الصدق . ولكن عليه بقية رؤية الخلق وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص والصدق. والصوفى صفاء من هذه البقية فى طرفى العمل والترك للخلق وعزلهم بالكلية ورائهم بعين الفناء والزوال، ولاح له ناصية التوحيد وعاين سر(كل شئ هالك إلا وجهه )(القصص:88). كما قال بعضهم فى بعض غلباته : ليس فى الدارين غير الله . وقد يكون إخفاء
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص113
الملامتى الحال على وجهين : أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق ، والوجه الأخر وهو الأتم لستر الحال عن غيره بنوع غيره،
فإنه من خلا بمحبوبه يكره إطلاع الغير عليه ، بل يبلغ فى صدق المحبة أن يكره اطلاع احد على حبه لمحبوبه ،وهذا وإن على ففى طريق الصوفى علة و نقص . فعلى هذا يتقدم الملامتى على المتصوف ويتأخر عن الصوفى . وقيل : من أصول أهل الملامة أن الذكر على أربعة أقسام : ذكر اللسان ، وذكر القلب، وذكر بالسر، وذكر بالروح. فإذا صح ذكر الروح سكت السر والقلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر المشاهدة ، وإذا صح ذكر السر سكت القلب واللسان عن الذكر
وذلك ذكر الهيبة ، وإذا صح ذكر القلب عن الذكر وذلك ذكر الألاء والنعماء ،وإذا غفل القلب عن الذكر أقبل اللسان على الذكر . وذلك ذكر العادة .
ولكل واحد من هذه الأذكار عندهم أفة ، فأفة ذكر الروح إطلاع السر عليه وأفة ذكر السر إطلاع القلب عليه ،وأفة ذكر القلب إطلاع النفس عليه ، وأفة ذكر النفس رؤية ذلك وتعظيمه وطلب ثواب أو ظن أنه يصل إلى شئ من المقامات به
وأقل الناس قيمة عندهم من يريد إظهاره وإقبال الخلق عليه بذلك . وسر هذا الأصل الذى بنو عليه أن ذكر الروح ذكر اللذات ، وذكر السر ذكر الصفات بزعمهم ، وذكر القلب من الألاء والنعماء ذكر أثر الصفات ، وذكر النفس متعرض للعلات ، فمعنى قولهم : إطلاع السر على الروح يشيرون إلى التحقيق بالفناء عن ذكر الذات ، وذكر الهيبة فى ذلك الوقت ذكر الصفات وهو وجود الهيبة ، ووجود الهيبة يستدعى وجودا أو بقية ، وذلك يناقض حال الفناء . وهكذا ذكر السر وجود هيبة وهو ذكر الصفات مشعر بنصيب القرب ، وذكر القرب الذى هو ذكر الألاء والنعماء مشعر ببعد ما لا به إشتغال بذكر النعمة وذهول عن المنعم، والإشتغال برؤية العطاء عن رؤية المعط ضرب من بعد المنزلة وإطلاع النفس نظرا إلى الأغراض إعتداد بوجود العمل ،وذلك عين الإعتلال حقيقة ،وهذه إقسام هذه الطائفة وبعضها أعلى من بعض .والله أعلم.
الباب الرابع
فى بيان معنى الوصول والوصال
إعلم:أن الوصول هو أن يُكشف للعبد حلية الحق ويصير مستغرقا به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه . فيكون كله مشغولاَ بكله مشاهدة وهمّا ولا يلتفت فى ذلك إلى نفسه ليعمّر ظاهره بالعباده أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداية, وأما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول,فافهم جدا: ومعنى الوصال هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب فى الدنيا وبعين الرأس فى الآخرة, فليس معنى الوصال إتصال الذات بالذات تعالى الله عن ذلك علوّاَ كبيرا.قال بعضهم:
وإن طــــرفي موصـــــول برؤيتــه
وإن تباعد عن مثواي مثواه
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص114
إعلم: أن مباني الصوفية على أربعة أشياء وهى : إجتهاد, وسلوك ,وسير,وطير.
فالإجتهاد:التحقق بحقائق الإسلام. والسلوك : التحقق بحقائق الإيمان . والسير:التحقق بحقائق الإحسان. والطير:الجذبة بطريق الجود والإحسان إلى معرفة الملك المنان , منزلة الإجتهاد من السلوك , منزلة الإستنجاء من الوضوء , فمن لا إستنجاء له لا وضوء له
فهكذا من لا إجتهاد له لا سلوك له , ومنزل السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة فمن لا وضوء له لا صلاة له . فكذا من لا سلوك له لا سير له .وبعده الطير وهو الوصول , والله تعالى أعلم.
فهذة طريق السالكين ومنازل السائرين , وبعد ذلك طريق الوصول ومنازل الواصلين وهو الطير. والله أعلم
فصـل فى الإتصال
قال الثوري: الإتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار فى مقام الذهول.
إعلم: أن الإتصال والمواصلة فيما أشارت اليه الشيوخ وكل من وصل الى صفو اليقين بطريق الذوق والوجد فهو رتبة من الوصول. ثم يتفاوتون فمنهم من يجد الله بطريق الأفعال وهو رتبة فى التجلي فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع الله تعالى ويخرج فى هذه الحالة من التدبير والإختيار . وهذة رتبة فى الوصول. ومنهم من يوقف فى مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال, وهذا تجلى بطريق الصفات وهو رتبة فى الوصول. ومنهم من يرقى الى مقام الفناء مستمليا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة مغيبا فى شهوده عن وجوده, وهذا ضرب من تجلى الذات لخواص المقربين, وهذة رتبة فى الوصول وفوق هذا الحق اليقين ويكون من ذلك فى الدنيا للخواص لمح وهو سريان نور المشاهدة فى كليه العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه.وهذا من أعلى الرتب الوصول , وإذا تحققتا الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال لاشريفة أنه يعد فى أول المنزل. فأين الوصول ؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تقطع أبد الآباد فى الآخرة الأبدي. فكيف فى العمر القصير الدنيوي؟ والله أعلم.
رسائل الامام الغزالى----------------------------------------
ص115
الباب الخامس
فى بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف إليهما البصيرة
والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام
والفراسة لأنها من مواريثهما
أما التوحيد: فهو إفراد القدم عن الحدوث والإعراض عن الحادث والإقبال القديم على القديم حتى لا يشهد نفسه فضلا عن غيره, لأنه لو شاهد نفسه فى حال توحيد الحق تعالى أو غيره لكان مثنيا لا موحداَََََ ذاته القديمة بوصف الوحدانية موصوفة وبنعت الفردانية منعوته, وصفات المحدثات من المشاكلة والمماثلة والإتصال والإنفصال والمقارنة والمجاورة والمخالطة والحلول والخروج والدخول والتغيير والزوال والتبدل والانفتال من قدس ذاته ونزاهة صفاته مسلوبة، ولا ينسب نقصان الى كمال جماله وكمال جمال احديته مبرا عن وصمة ملاحظة الافكار ، وجلال
صمديته معرى عن مزاحمة ملابسة الاذكار ، ضاقت عبارات المبارزين فى ميدان الفصاحة عن وصف كبريائه ، وعجز بيان السابقين فى عرصة المعرفة عن تعريف ذاته تعالى , وتعالى إدراكه عن مناولة الحواس ومحاولة القياس ، وليس لأصحاب البصائر فى أشعة النور عظمته سبيل التعامى والتغاشى. إن قلت :أين ؟ فالمكان خلقه و، وإن قلت : متى ؟ فالزمان إيجاده ، وإن قلت : كيف ؟ فالمشابهة والكيف مفعولة ، وإن قلت : كم.؟ فالمقدار والكمية مجعولة ، أزل والأبد مندرج تحت إحاطته ، والكون والمكان منطو فى بساطه كل ما يسع العقل والفهم والحواس والقياس ذات الله تعالى مقدسة عنه إذ كل ذلك محدث والمحدث لا يدرك إلا المحدث دليل وجوده وبرهان شهوده الإدراك فى هذا المقام عجز . والعجز عن الإدراك إدراك . لا يصل بكنه الواحد إلا الواحد ، وكل ما انتهى إدراك الموحد اليه فهو غاية إدراكه لا غاية الواحد تعالى عن ذلك علوا كبيرا وكل من ادعى أن معرفة الواحد منحصرة فى معرفته فهو بالحقيقة ممكور ومغرور . وقوله تعالى ( وغركم بالله الغرور )(الحديد :14) إشارة إلى هذا الغرور
فصل فى التوحيد
والتوحيد فى البداية نفى التفرقة والوقوف على الجمع. وأما فى النهاية فيمكن ان يكون الموحد حال التفرقة مستغرقا فى عين الجمع وفى عين الجمع بعين الجمع ناظرا الى التفرقة بحيث كل واحد من الجمع والتفرقة لا يمنع من الاخر . وهذا هو كمال التوحيد وذلك أن بصير حال التوحيد وصفا لازما لذات الموحد ، وتتلاشى وتضمحل ظلمة رسوم وجوده فى غلبة إشراق أنوار توحيده ، ونور علم توحيده يستتر ويندرج فى نور حاله على مثال إندراج الكواكب فى نور الشمس ، فلما استبان الصبح أدرج ضوئه بإسفاره أضواء نور الكواكب . وفى هذا المقام يستغرق وجود الموحد فى مشاهدة جمال الواحد فى عين الجمع بحيث لا يشاهد غير ذات الواحد تعالى وغير صفاته عز وجل واستلبه أمواج بح التوحيد وغرق فى عين الجمع من هنا.
رسائل الامام الغزالى----------------------------------------
ص116
قال الجنيد :- قدس الله روحه- معنى ذلك اضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ويكون الله تعالى كما يزل . وقيل : من وقع فى بحار التوحيد لا يزداد على ممر الزمان إلا عطشا.
فصل فى بيان أنواع التوحيد
اعلم : أن إثبات التوحيد خمسة أشياء فى أصول التوحيد لابد لكل مكلف من إعتقادهن.
إحداها : وجود البارئ تعالى ليبرأ به من التعطيل .
ثانيها :وحدانيته تعالى ليبرأ به من الشرك .
وثالثها: تنزيهه تعالى عن كونه جوهرا أو عرضا . وعن لوازم كل منها ليبرأ به من التشبيه.
ورابعها: إبداعه تعالى بقدرته واختياره لكل ما سواه ليبرأ به عن القول بالعلة والمعلول.
وخامسها : تدبيره تعالى لجميع مبتدعاته ليبرأ به عن تدبير الطبائع والكواكب والملائكه؛ وقوله (لا اله إلا الله) يدل على الخمسة.0
فصل
إتفق المسلمون على أن الله تعالى موصوف بكل كمال . برىء من كل نقصان؛ لكنهم اختلفو فى بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم انها كمال فأثبتها له واعتقد أخرون أنها نقصان فنفوها عنه .ولذلك أمثله :
إحدها: قول المعتزله أن الإنسان خالق لآفعاله ؛ لأن الله لو خلقها ثم نسبها إليه ؛ ولأنه لو فعالها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه يوجدها ؛ لكان ظالما له والظلم نقصان . وكيف يصح أن يفعل شيئأ ثم يلوم غيره عليه ويقول له: كيف فعلته ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون : وجدنا كمال الإله فى التفرد ونفى القدرة عيب ونقصان،وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال ،لأنه يتصرف فى ملكه كيف يشاء(لا يسأل عما يفعل) (الآنبياء:23) والقول بالتحسين والتقبيح باطل فرأوا أن يكون هو الخالق لآفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزاً من أفعاله غير قبيح.
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص117
المثال الثانى: اختلاف المجسمة مع المنزهة. قالت المجسمة: لو لم يكن جسماّ لكان معدوماّ ولا عيب اقبح من العدم. وكذا النفى عن الجهات قول بعدمه لآن من لا جهة له لا يتصور وجوده. وقالت المنزهة: لو كان جسماّ لكان حادثاّ ولقاتة كمال الآزلية والنفى عن الجهات كلها انما يوجب عدم من كان محدوداّ منحصراّ فى الجهات. فأما ما كان موجوداّ قديماّ لم يزل ولا جهة فلا ينصرف اليه النفى.
المثال الثالث: ايجاد المعتزلى على الله ان يثبت الطائعين كيلا يظلمه والظلم نقصان، وقول الاشعرى: ليس ذلك بظلم اذ لا يجب علية حق لغيره اذ لو وجب عليه حق غيره لكان فى قيده والتقييد بالاغيار نقصان.
المثال الرابع: قول المعتزلة ان الله تعالى يريد الطاعات وان لم تقع، لان ارادتها كمال ويكره المعاصى و ان وقعت ، لان ارادتها نقصان. وقول الاشعرى: لو اردا ما يقع لكان ذلك نقصاّ فى ارادته لكلالها عن النفوز فيما تعلقت به ولو كره المعاصى مع وقوعها لكان ذلك كلالاّ فى كراهته. وكذلك نقصان.
المثال الخامس: ايجاب المعتزلى على الله تعالى رعاية الاصلح لعباده لما فى تركه من النقصان. وقول الاشعرى: لا يلزمه ذلك لان الإلزام نقصان وكمال الإله ان لا يكون فيه قيد المتألهين. وبالله التوفيق.
فصل
اعلم: أن من نسب المشيئه، والكسب إلى نفسه فهو قدرة، ومن نفاهما عن نفسة فهو جبرى. ومن نسب المشيئة إلى الله تعالى والكسب الى العبد فهو سنى صوفى رشيد، فقدرة العبد وحركته خلق للرب تعالى وهما وصف للعبد وكسب ليه: والقدر اسم لما صدر مقدراّ عن فعل القادر والقضاء هو الخلق ، والفرق بين القضاء والقدر هو أن القدر أعم والقضاء أخص، فتدبير الأوليات قدر وسوق تلك الأقدار بمقاديرها وهيئاتها إلى مقتضياتيها هو القضاء، فالقدر إذاّ تقدير الامر بدءاّ والقضاء فصله وقطع ذلك الامر كما يقال قضى القاضى.
رسائل الامام الغزالى----------------------------------------
ص118
فصل فى الاهواء
إعلم أن أهل الأهواء المختلفه ست فرق، وكل إثنين منها ضدان وهى: التشبيه والتعطيل والجبر والقدر، والرفض والنصب، وكل واحده منها تفترق الى اثنتى عشرة فرقه، فالتشبيهه والتعطيل ضدان والجبر والقدر ضدان، والرفض والنصب ضدان، وكل من هؤلاء منحرفون عن الصراط المستقيم، والفرقة الناجية الوسط وهم أهل السنة والجماعه. فأما الفرقه المشبهه بالغوا وغلوا فى إثبات الصفات حتى شبهوا وجوزوا الإنتقال والحلول والإستقرار والجلوس وما أشبه ذلك، وأما الفرقة المعطلة: فإنهم بالغوا وغلوا وبالغو فى نفى التشبيه حتى وقعوا فى التعطيل ، وأما أهل السنة والجماعة : فإنهم سلكو الطريق الوسط وأثبتوا صفات الله تعالى كما وردت من غير تشبيه أو تعطيل ،فعلمت بذلك سبيل الشيطان ما عليه المشبة والمعطلة ،وأما الجبرية والقدرية : فكل منهم بعيد عن الصراط المستقيم ، فمن نفى المشيئة والكسب عن نفسه فهو جبرى ، ومن نسبها إلى نفسه فهو قدرى ، ومن نسب المشيئة إلى الله تعالى والكسب إلى العبد فهو سنى ، وأما الرافضة والناصبة : فكل منهما بعيدعن الصراط . فالرافضى :ادعى محبة أهل البيت وبالغ فى سب الصحابة وبغضهم ، والناصبى : بالغ فى التعصب من جهة الصحابة حتى وقع فى عداوة أهل البيت ونسب عليا رضى الله عنه إلى الظلم والكفر ، وأما أهل السنة : فإنهم سلكوا الطريق
الوسط فأحبوا أهل البيت وأحبوا الصحابة وحفظ الله تعالى ألسنتهم من الوقيعة فى أحد منهم إلا بالحمد والثناء عليهم فلله الحمد والمنة والشكر.
فصل فى القضاء
القضاء يطلق تارة على الأمر المبرم نحو قوله تعالى (فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون )(غافر :68) وتارة يراد به الإعلام بوجوب الحكم الواجب لله تعالى كقوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)(الإسراء:23) إذ لو كان هذا من القضاء المبرم لما عبد غيره تعالى إذ يستحيل تخلف الأثر عن مؤثره ، وكذا قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(الذاريات:56) والمراد به الإعلام إذ لو كان قضاء وحكما مبرما لعبده الكل فنشأ الخلاف لعدم الفرقان.
رسائل الامام الغزالى---------------------------------------- ص119
فصل
إعلم أن الله تعالى قضى فيما قضاه أزلاً أن الأمور يكون منوطا بالعبد موقوفا عليه فى أفعاله وأقواله ما قضاه فقد أمضاه فلا يجوز تغيره ولا يقال :إن الله تعالى يغير ما قضاه لأنه تعالى لا يعارض نفسه فيما قضاه ، إذ لم يكن عبثا ولا تبعا للشهوات تعالى عن ذلكح ، وإنما قضى بمقتضى الحكمة وما صدر عن الحكمة فلا مغير له ، فما قضاه منوطا بفعل العبد ، ف كالحرث والنسل ، وما قضاه موقوفا على فعل العبد كالدعاء والاستغفار .
واعلم:أن الله تعالى أثبت فعل العبد فى مواضع نحو قوله تعالى (جزاءا بما كانو يعملون)(الواقعة:23) وقوله تعالى: ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) (التوبة: 5) ومحاه فى مواضع أخر نحو قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال:17) والحكمة فيه أنه تعالى خالق الأفعال ومقدرها والعبد كاسبها ومسببها ، فالعبد يعمل العبادة والله تعالى يجازى عليها ولولا نسبة هذه الافعال خلقا وكسبا لما سمى عابدا ومعبودا فثبت أن العبد عابد كاسب وأن الله تعالى معبود خالق ، واعلم أن الافعال قسمان :
أحدهما : قوله ما يقع من العبد وهو الكسب المنسوب اليه ولهذا أنزلت الكتب وأرسلت الرسل وثبتت الحاجة إالى العقول لتقوم بها الحجة وتتضح بها لاحجة .
الثانى : ما يقع على العبد جزاء وهو ما بيد الله تعالى ويد العبد وكلاهما لا يكون إلا بما كسبت يد العبد لقوله تعالى :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) ( الشورى: 30) وما ناسب هذه الأية ، فمن فهم هذه الجملة أمكنه أن يفقه المراد من كلام الله تعالى فيما هو المضاف الى العباد ، زمثال ذلك : قطع الجلاد يد السارق . يصح أن يقول : القاطع هو الجلاد لأنه كاسب ، ويصح أن يقال : إن الله تعالى هو القاطع بيد الجلاد لأنه تعالى هو المجازى للمقطوع لما بدا منه ، ويصح أن يقال إن السارق هو القاطع ليده لأنه هو المبتدئ لما جناه فلا يقع عليه إلا لما كسبت يداه ، فيكون الفعل الواجد من الرب تعالى جزءا من المقطوع ابتداء ومن القاطع كسبا ولا يناقض أحد أحدا وأدلته واضحة فى الكتاب، ومن فهم هذه الجملة حق فهمها لم يخف إلا من نفسه ولم يرج إلا رحمة الله سبحانه وتعالى . قال: أين عبد الله كلنا فى ذات الله تعالى ، يعنى إن نظرنا إالى قضائه نتوهم أن العبد معذور لا يفعل، وإن نظرنا إالى الأمر والنهى وإالى اختيار العبد ربما يظن أن العبد مستبد بما يفعل ، بل الحق فيه أن يعتقد أن العبد غير مستغن عن الله تعالى فى سائر احواله.
ص 120
أفعاله وأقواله ، وأحواله ، بل هو متقلب فى مشيئته وأنه غير مجبور ولا مسخر كالحيوانات والجمادات ، بل هو موقف فى ضمن أسباب السعادة ومخذول أو مطرود فى ضمن أسباب الشقاوة.
فصل
لو قيل : إن كان القدرة الحادثة أثر فى المقدور فهو شرك خفى ، وإن لم يكن لها أثر فهو جبر. يقال : إنما شركاً إذا كان لها فى التخلق أثر، وإنما أثرها فى الكسب والله تعالى ليس بكاسب حتى يكون شركاً ولو لم يكن لها أثر فى المقدور لزم أن يكون وجودها كعدمها فهو إذاً قدير بلا قدرة وهو محال.
وأعلم أن من ظن الله تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر ونهى ووعظ وتواعد لغير قادر محتار، فهو مختل المزاج يحتاج إلى علاج ولسبب اختلاف الناس فى الاستدلال بالقرآن قبل فهمه وقعوا فى الجبر والقدر ،لأنهم لم يفرقوا بين قدرة الخالق القديمة وبين قدرة المخلوق الحادثة والفرق بينهما أن القدرة القديمة مستقلة بالخلق ولا مدخل لها فى الكسب ، وأن القدرة الحادثة مستقلة بالكسب ولا مدخل لها فى الخلق والظلم إنما ينسب إلى الحادثة ، وأما القديمة فمبرأة عنه لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
[يونس :44]
فصل الفرق وبين العلم والمعرفة
وأما المعرفة : فهى نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثراً يوثرفى الجوارح. فالعلم : كرؤية النار مثلاً . والمعرفة : كالاصطلاء بها، والمعرفة فى اللغة: هو العلم الذى لا يقبل الشك وفى العرف اسم العلم تقدمه نكره، وفى عبارة الصوفية المعرفة هو العلم الذى لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات الله تعالى وصفاته . فإن قيل: ما معرفة الذات وما معرفة الصفات؟ يقال : معرفة الذات أن يعلم أن الله تعالى موجود واحد فرد وذات وشئ عظيم قائم بنفسه ولا يشبهه شئ وأما معرفة الصفات: فأن تعرف أن الله تعالى حى عالم قادر سميع بصير إلى غير ذلك من الصفات . فإن قيل : ما سر المعرفة؟ يقال: سرها وروحها التوحيد، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق: ليس كمثله شئ.
فإن قيل : ما علامة المعرفة ؟ يقال : حياة القلب مع الله تعالى، أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أتدى ما معرفتى ؟ قال: لا. قال: حياة القلب فى مشاهدتى.
ص 121
فإن قيل : ففى أى مقال تصح المعرفة الحقيقية؟ يقال: فى مقام الرؤية والمشاهدة بسر القلب ، وإنما يرى ليعرف ، لأن المعرفة الحقيقية فى باطن الإدارة فيرفع الله تعالى بعض الحجب قيريهم نور ذاته وصفاته عز وجل من وراء حجاب ليعرفوه تعالى، ولا يرفع الحجب بالكلية لكيلا يحترق الرائى. قال بعضهم بلسان الحال:
ولو أنى ظهرت بلا حجاب ليتمت الخلائق أجمعينا
ولكن الحجاب لطيف معنى به تحيا القلوب العاشقينا
اعلم : أن تجلى العظمة يوجب الخوف والهيبة، وتجلى الحسن والجمال يوجب العشق، وتجلى الصفات يوجب المحبة، وتجلى الذات يوجب التوحيد قال بعض العارفين: والله ما نال رجل الدنيا إلا أعمى الله قلبه وبطل عليه عمله إن الله تعالى خلق الدنيا مظلمة، وجعل الشمس فيها ضياء، وجعل لقلوب مظلمة ، وجعل المعرفة فيها ضياء ، فإذا جاءه السحاب ذهب نور الشمس، فكذلك يجئ حب الدنيا فيذهب بنور المعرفة من القلب.
وقيل : حقيقة المعرفة نور يطرح فى قلب المؤمن وليس فى الخزانة شئ أعز من المعرفة. وقال بعضهم: إن شمس قلب العارف آضوأ وأشرف من شمس النهار، لأن شمس النهار قد تكسف وشمس القلوب لا كسوف لهاوشمس النهار تغرب بالليل دون شمس القلوب وأنشدوا فى ذلك:
إن شمس النهار تغرب ليلا غير شمس القلوب لن تغيب
من أحب الحبيب طار إليه إشياقا إلى لقاء الحبيب
وقال ذو النون : حقيقة المعرفة اطلاع الحق على أسرار بمواصلة لطائف الأنوار وأنشدوا فيه
للعارفين قلوب يعرفون بها نور الإله بسر السر فى الحجب
صم عن الخلق عمى عن مناظرهم بكم عن النطق فى دعواه بالكذب
وسئل بعضهم : متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة؟ فقال: إذا لم يجد لى قلبه مكاناُ لغير ربع، وقال بعضهم : حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بلا واسطة ولا كيف ولا سبهة،
ص 122
كما سئل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه فقيل: يا أمير المؤمنين أتعبد من ترى أو من لا ترى؟ فقال: لا بل أعبد من أرى لا رؤية عيان، ولكن رؤية القلب. وقيل لجعفر الصادق رضى الله عنه: هل رأيت الله عز وجل؟: لم أكن لأعبد رباً لم أراه. قيل: وكيف رأيته وهو الذى لا تدركه الأبصارظ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان ، ولا يدرك ولا يقاس بالناس؟
وسئل بعض العارفين عن حقيقة المعرفة. فقال: تخيله السر عن كل إرادة وترك ما عليه العادة وسكون القلب إلى الله تعالى بلا علاقة وترك الألتفات منه إلى ما سواه، ولا يمكن معرفة منه ذاته ولا معرفة صفاته عز وجل، ولا يعرف من هو إلا هو تبارك وتعالى والمجد لله وحده.
فصل وأما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة
فهى أسماء مرادفة على معنى واحد ، وإنما تحصل التفرقة فى كمال الوضوح لا فى أصله، فمنزلة البصيرة من العقل منزلة نور العين من العين ، والمعرفة من البصيرة منزلة قرص الشمس من العين فتدرك بذلك الجليات والخفيات. وأما الحياة : فهى نفس التوحيد قال تعالى : (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) [ الأنعام :122] . وأما اليقين: فأعلم أن الاعتقاد والعلم إذا استوليا على القلب ولم يكن لهما معارض أثمرا فى القلب المعرفة ، فسميت هذه المعرفة يقيناً ، لأن حقيقة صفاء العلم المكتسب حتى كالعلم الضرورى ويصير القلب مشاهداً لجميع ما أخبر عنه الشرع من أمر الدنيا والآخرة. يقال: أيقن الماء إذا صفا من كدورته.
وأما االإلهام: فهو حصول هذه المعرفة بغير سبب ولا اكتساب ، بل بإلهام من الله تعالى بعد طهارة القلب عن استحسان ما فى الكونين.
وأما الفراسة: فهى التوسم بعلامة من الله تعالى بينه وبين العبد يستدل بها على أحكام باطنه، وذلك لا يكون إلا فى درجة التقريب وهو دون الإلهام، لأن الإلهام لا يفتقر إلى علامة والفراسة تفتقر إلى علامة ، وهو عام وخاص، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب السادس
فى بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل
أعلم أن هذه الأسامى مشتركة بين مسميات مختلفة ونحن نشرح من معانيها ما يتعلق بغرضنا.
ص 123
الأول: لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين:
أحدهما : اللحم الصنبورى الشكل المودع فى الجانب الأيسر من الصدر وفى باطنه تجويف فيه دم أسود وهو منبع الروح الحيوانى ومعدتى.
والمعنى الثانى: هى لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسمانى تعلق يضاهى تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصفات، وتلك اللطيفة هى حقيقة الإنسان المدرك العالم المخاطب المطالب المثاب المعاقب.
اللفظ الثانى: الروح وهو أيضاً يتعلق بغرضنا لمعنيين:
أحدهما : جسم لطيف بخارى حامله دم أسود منبعه تجويف القلب الجسمانى ، وينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانها فى البدن وفيضان أنوار الحياة، والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهى فيضان النور من السراج فى زوايا البيت. فالحياة : مثالها النور الحاصل فى الحيطان والروح مثاله السراج، وسريان الروح وحركته فى الباطن مثال حركة السراج فى جوانب البيت بتحرك محركه فالأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب.
والمعنى الثانى: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الذى هو أحد معنى القلب وهو الذى أراده الله تعالى بقوله (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [ الإسراء: 85]. وهو أمر عجيب ربانى أكثر العقول والأفهام عن درك فهم حقيقته.
اللفظ الثالث : النفس وهو أيضاً مشترك بين معنيين:
أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوتى الغضب والشهوة فى الإنسان وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية فهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسر شهوتها ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك"
والمعنى الثانى: اللطيفة التى ذكرناها وهى حقيقة الإنسان ونفسه وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال تعالى: "(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [ الفجر: 27.28] والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله سبحانه وتعالى وهى حزب الشيطان ، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية سميت النفس اللوامة ، فإذا تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى الشهوات ودواعى الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء.
اللفظ الرابع: العقل والمتعلق بغرضننا منه معنيان:
ص 124
أحدهما : أنه يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور . فيكون عبارة عن صفة العلم الذى محله خزانة القلب.
والثانى : قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم، فيكزن القلب أعنى تلك اللطيفة التى هى حقيقة الإنسان وحيث ورد فى القرآن والسنة ذكر القلب فالمراد به المعنى الذى يفقهه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الجسمانى الذى فى الص
ر لأن بينه وبين تلك اللطيفة العالمة التى هى حقيقة الإنسان علاقة خاصة لأن تعلقها بسائر البدن إنما هو بوسطتها فهو ممتلكها ومطيتها والمجرى الأول لتدبيرها وتصرفها . فالقلب الجسمانى والصدر بالنسبة إلى الإنسان كالعرش الكرسى بالنسبة إلى الله تعالى من وجه.
فصل فى بيان جنود القلب
اعلم: أن الله تعالى فى القلب والأرواح وغيرها من العوالم جنوداً مجندة لا يعلم حقيقتها وتفصيل عددها إلا الله تعالى. ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب وهو الذى يتعلق بغرضنا . فاعلم أن له جندين جند يرى بالإبصار وجنج لا يرى إلا بالبصائر، فالقلب فى حكم الملك ، والجنود فى حكم الخدم والأعوان.
فأما جنوده المشاهدة بالبصر فهى اليد والرجل والأذن والعين واللسان فجملة جنود القلب تحصره ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: باعث مستحث إلى جلب الموافق النافع كالشهورة وإما إلى دفع المخالف الضار كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة.
الصنف الثانى: هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد وقد يعبر عنه بالقدرة وهى جنود مبثوثة فى سائر الأعضاء.
الصنف الثالث: هو المدرك المعرف بهذه الأشياء كالجواسيس وهو قوة السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهى مبثوثة فى الأعضاء الظاهرة المركبة من اللحم والشحم والعصب والدم والعظم التى أعدت آلات لهذه الجنود. ويعبر عن العمل هذا الصنف بالعلم والإدراك، وهذا الصنف الثالث هو المدرك من هذه الجملة، وينقسم إلىما أسكن المنازل الظاهرة وهى الحواس الخمس. أعنى السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وإلى ما أسكن منازل باطنة وهى تجاويف الدماغ وهى أيضاً خمسة: حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ.
فأما الحس المشترك فيرسم فيها صورة ما أدته إليها الحواس الظاهرة مما أدركته كما ترسم الصورة فى المرآة ومحل تصرفها مقدم البطن الأول من الدماغ.
ص 125
القوة الثانية: الخيال وهى خزانة الحس المشترك يخزن فيها ما ارتسم فيه لتحفظها له إلأى وقت حاجته إليه، فإن له قوة القبول وليس له قوة الحفظ والخيال له قوة الحفظ وليس له قوة القبول ومحل تصرف الخيال مؤخر البطن من الدماغ.
القوة الثالثة: الوهم موضع تصرفه مقدم البطن المؤخر من الدماغ، لأن تصرفه هو المعانى الجزئية المتنوعة من الصور المخزونة فى الخيال فكانت بعدها فى الرتبة لتقليبها منه.
القوة الرابعة: الحافظ ومحل تصرفها مؤخر البطن المؤخر من الدماغ يلى محل تصرف الوهم لأنها خزانتهز
القوة الخامسة: المتصرفة ومحل تصرفها فى وسك الدماغ، لأنها أشرف القوى ولأنها تأخذ من الخيال فى حال دون حال وتعطيه أيضاً فى حال دون حال فى النوم واليقظة، وتعطى الحافظة وتطلب منها عند النسيان فكان الأليق بها أن تكون بين الحرارتين ليسهل عليها أخذها منهما وإعطاؤها إياهما والله أعلم.
وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقار إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع المنازل إلى لقائه الذى لأجله خلق وإنما مركبه البدن ، وإنما زاده العلم والعمل وليس يمكن أن يصل العبد إلى الله تعالى ما لم يسكن البدن وتجاوز الدنيا ليتزود منها للمنزل الأقصى فافتقر إلى تعهد بدنه بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما يؤذيه، ويمكن من أسباب الهلاك فافتقر لأجل الغذاء إلى جندين: باطن وهو الشهوة ، وظاهر وهو الأعضاء الحالبة للغذاء فخلق فى القلب من الشهوات ما احتاج إليه وخلقت الأعضاء التى هى الآت الشهوة وافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن ، وهو الغضب، الذى يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء، وظاهر وهى اليد والرجل والأسلحة التى بها تعمل بمقتضى الغضب ثم المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء، لا تنفهى شهوة معرفة الغذاء وأليه فافتقر فى المعرفة إلى جندين باطن : وهو إدارك السمع والبصر والشم والمذاق واللمس ، وظاهر : وهو العين والأذن والنف وغيرها وتفصيل الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة ، فسبحان الكريم الحليم.
فصل
اعلم : أن القسمة ثلاثة : الجسم والعرض والجوهر الفرد. فالروح الحيوانى جسم لطيف كأنه سراج مشعل، والحياة هو السراج والدم دهنه والحس والحركة نوره، والشهوة حرارته ، والغضب دخانه ، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة فى الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات، لأنه مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان
ص 126
هو جسم وأثاره أعراض، وهذا الروح لا يهتدى إلى العلم. ولا يعرف طريق الصنوع ولاحق الصانع، وإنما هو خادم أسير يموت البدن لو يزيد دهن الدم وينطفئ لزيادة الحرارة ولو ينقص ينطفئ بزيادة البرودة ، وأنطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب البارئ جلت عظمته وتكليف الشارع عليه الصلاة والسلام لهذا الروح، لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين بأحكام الشرع، والإنسانإنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائد خاصاً وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح اللطيفة ، وهذا الروح ليس بسم ولا عرض ، لأنه من أمر الله تعالى كما أخبر بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [ الإسراء: 85] . وأمر الله تعالى ليس بجسم ولا عرض، بل هو جوهر ثابت دائم لا يقبل الفساد ولا يضمحل ولا يفنى ولا يموت ، بل يفارق البدن وينتظر العود إليه يوم القيامة كما ورد به الشرع، وهذا الروح يتولد منه صلاح البدن وفساده والروح الحيوانى وجميع القوى كلها من جنوده، فإذا فارق الروح الحيوانى البدن، تعطل أحوال القوى الحيوانية فيسكن المتحرك ، فيقال لذلك السكزن موت، وإن كان الروح من أمر الله تعالى فى البدن كالغريب، فاعلم أنه لا يحل فى محل ولا يسكن فى مكان وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب ، بل البدن آلة الروح والله أعلم.
فصل
فى بيان المعنى المراد من قوله تعالى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [ سورة الحجر : 29] . قال رحمة الله تعالى ورضى عنه:
أما التسوية : فهى عبارة عن فعل فى المحل القابل للروح وهو الطين فى حق آدم عليه السلام ، والنطفة فى حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج زالتردد فى أطوار الخلقة إلى الغاية حتى ينتهى فى الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغابة فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد الفتيلة بعد شرب الدهن لقبول النار وإمساكها.
وأما النفخ: فهو عبارة عن اشتعال نور الروح فى المحل القابل، فالنفخ سبب الاشتعال وصورة النفخ فى حق الله تعالى محال ، والسبب غير محال فعبر عن نتيجة النفخ وهو الاشتعال فى فتيلة النطفة، وللنفخ صورة ونتيجة.
وأما صورته : فهو إخراج هواء من جوف لنافخ إلى جوف المنفوخ فيه . وهو فتيلة النطفة. فيشتغل فيها. وأما الذى شتعل به نور الروح فهو صفة فى الفاعل وصفة فى المحل القابل، وأما صفة الفاعل فالجود الذى ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة، ومثالها فيضان نور الشمس على
ص 127
كل قابل الاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما ، والقابل هو الملونات دون الهواء الذى لا لون له. وأما صفة القابل فالاستواء واعتدال الحاصل فى التسوية كما قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ) .
ومثال صفة القابل : صفات المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة وإن كانت محاذية لها، فإذا صقلت حدثت فيها صورة من ذى الصورة المحاذية لها فكذلك إذا حصل على الاستواء فى النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير تغير فى الخالق تعالى الآن لا بل إنما حدث الروح قبله لتغير المحل بحصول الاستواء الآن لا قبله.
وأما فيضان الجود، فالمراد به أن الجود الإلهى سبب لحددوث أنوار الوجود فى كل ماهية قابلة للجود فعبر عنه بالفيض لا كما يفهم من فيض الماء من الإناء على اليد فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما فى اإناء واتصاله باليد ، فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما فى الإناء واتصاله باليد، فإن الله سبحانه يتعالى عن مثل هذا.
وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو من سر الذى لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى كشفه لمن ليس من أهله فإن كنت من أهله فاسمع. واعلم أن الروح ليس بجسم يحل فى البدن حلول الماء فى الإناء، ولا هو عرض يحل فى القلب أو الدماغ حلول الواد فى الأسود والعلم فى العالم، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء منه العلم بالشئ ويجزء آخر منه الجهل بذلك الشئ بعينه فيكون فى حالة واحدة عالماً بشئ وجاهلاً به وذلك محال، فدل بذلك على أنه واحد لا ينقسم.
فإن قيل : لم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء الروحوكشف حقيقةتهظ فيقال : لأنه يتصف بصفات لا تحملها الأفهام إذا الناس قسمان عوام وخواص أما من غلب على طبعه العامية فإن لا يصدق بما هو وصف الروح أن يكون وصفاً لله تعالى ، فكيف يصدق به فى وصف الروح الإنسانى؟ وكذلك أنكرت الكرامة والحنبلية وغيرهم ممن غلبت عليهم العامية بتنزيه الإله تعالى عن الجسمية وعوارضها إذا لا يعقلون موجوداً إلا متجسماً مشار إليه.
من ترقى عن العامية قليلاً نفى الجسمية عن الإله تعالى. وما أطلق أن ينفى عوارض الجسمية عنه، فأثبت الجهة وترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة فنزهوا الإله تعالى عن الجسمية والجهة.
فإن قيل : لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا : هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص أوصاف الله تعالى.
فإن قيل : إن الإنسان حى عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والله تعالى كذلك ليس فيه تشبيه لأن هذه الصفات ليست أخص أوصاف الله تعالى، فكذلك البراءة عن المكان
ص 128
والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أى قائم بذلته وكل ما سواه قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره وليس للأشياء من أنفسها إلا العدم، وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية فالوجود لله تعالى ذاتى ليس بمستعار وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه وهذه القيومية ليست إلا لله تعالى.
فإن قيل : ما معنى نسبة الروح إلأى الله تعالى فى قوله (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) ) [ سورة الحجر : 29]. فأعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان وفى قوتها العلم بجميع المعلومات والاطلاع عليها ، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست لغيره من الجسمانيات ، فلذلك اختصت بالإضافة إلى الله تعالى.
فإن قيل : فما معنى قوله (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ) [ الإسراء: 85]. وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق؟ فيقال: إن كل ما يقع عليه مساحة وتقدير فهو الأجسام وعوارضها. فهذا هو عام الخلق والخلق ها هنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد والإحداث. يقال : خلق الشئ أى قدره وكل ما لا كمية له ولا تقدير. يقال: إنه أمر ربانى وتلك المضاهاة التى ذكرناها ، فكل ما هو من خذا الجنس من أرواح البشرية وأرواح الملائكة يقال : إنه من عالم الأمر وعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجية عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز والدخول تحت المساحة والتقدير لانتقاء الكمية منه.
فإن قيل : ما معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورة" وروى " على صورة لرحمن" فيقال:إن الصورة اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض واختلاف تركيبها وهى الصورة المحسوسة. وقد يطلق على ترتيب المعانى التى ليست محسوسة وللمعانى أيضاً تركيب وترتيب وتناسب يسمى ذلك صورة. يقال: صورة المسألة كذا وصورة الواقعة كذا وصورة العلوم الجسمانية والعقلية كذا ، فالمسألة بالصورة المذكورة هى الصورة المعقولة وحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر متحيز ولا بحل المكان والجهة ، ولا هو متصل بالبدن والعالم، ولا هو منفصل، ولا هو داخ البدن والعالم ولا من الخارج . وهذا كله صفات ذات الله تعالى.
ص 129
وأما الصفات : فقد خلق حياُ عالماً مريداً بصيراً متكلماً والله تعالى كذلك وأما الأفعال : فمبدأ الآدمى إرادة يظهر أثرها أزلاً فى القلب فبنتشر منه أثر بواسطة الروح الحيوانى الذى هو بخار لطيف فى تجويف ويتصاعد إلى الدماغ، ثم يسرى منه أثر إلى الأعضاء إلأى أن تصل الآثار إلى الأصايع مثلاً فتتحرك بالأصابع القلم وبالقلم المداد، فيحدث منه صورة ما يريد كتبه على القرطاس فى خزانة التخيل، فإنه ما لم يتصور فى خياله صورة المكتوب أولاًلا يمكن لإحداثه على البياض. ُانياً فمن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداث الحيوان والنبات على الأرض بواسطة تحريك الكواكب والسموات بواسطة الملائكة عم أن تصرف الآدمى فى عالمه يشبه تصرف الخالق سبحانه فى العالم الأكبر ، فحينئذ يعرف قوله صلى الله عليه وسلم " إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته".
لإغن قيل : فإذا كانت الأرواح حادثة مع الأجسام فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام :" خلق الله تعالى الأرواح قبل خلق الأجسام بألفى عام" ، وقوله " أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين". فاعلم أن شيئا من ذلك لا يدل على قدم الروح لكن قوله : " أنا أول الأنبياء خلقا". ربما دل بظاهره على تقدم وجوده عى حده وغير الظاهر متعين. فإن تأويله يمكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل ليسلط على تأويل الظاهر، كما فى ظواهر التشبيه فى حق الله تعالى.
فأما قوله : " خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بالأفى عام" أراد بالأرواح أرواح الملائكة ، والأجسام أجسام العالم من العرش والكرسى والسموات والكواكب والهواء والماء والرض.
وأما قوله " أنا أول الأنبياء خلقاً" فالحخلق هما هنا بمعنى التقدير دون الإيجاد ، فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن تلده أمه لم يكن موجوداً مخلوقاُ ، ولكن الغايات والكمالات سابقة فى التقدير لآحقة فى الوجود ، فإن الله تعالى يقدر أولاً أى يرسم فى اللوح المحفوظ الأمور الإلهية على وفق علمه تعالى، فإذا فهمت نوعى الوجود الحسى العينى. هذا آخر الكلام فى معنى الروح والله أعلم.
صفحة 130
الباب السابع
في بيان معنى المحبة
اعلم : أن المحبة ميراث التوحيد والمعرفة وكل مقام وحال قبلها فلها يرد ومنها يستفاد . و أما المعرفة الخالصة بها : فكل ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته من سلب نقص واثبات كمال وهي واجبة بالكتاب والسنة و إجماع الأمة ، وإنما وقع الخلاف في حقيقتها ومعناها وليس للمحبة معنى غير الميل الى اللذيذ الموافق ، واعلم أن معرفة الله تعالى بنفسها ذكر الله تعالى ، لأنها حضور معه وشهود له ومن علامته في بدايته اللوائح والطوالع واللوامع والبروق ، وهذه ألفاظ متقاربة المعاني والفرق بين البرق والوجد أن البرق ‘ذن في دخول طريق التوحيد والوجد يصحبك فيها فإذا دام صار ذوقا.
وأما الذوق : فهو استحلاء وشرب لما شاهد من ضياء البرق. وأما اللحظ : فهو اسم يعبر به عن رؤية الحق تعالى بالقبل ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " اعبد الله كأنك تراه " . وأما الوقت : فهو اسم ظرف للكائن فيه من الأحوال فوقت العبد ما هو فيه. وأما الصفاء : فهو اسم للبراءة من الكدر . وأما النفس : فهو تنفس العبد لعجزه عن حمل الأحوال الواردة عليه إما صعدا وإما تلفظا بكلام أو إشارة مما هو فيه ، لأن العبد مادام حيا لابد أن يروح بدخول النفس وخروجه فإذا قوى النفس أدى الى الغرق. وأما الغرق : فهو عدم القدرة على النفس لكظمه فهو غير متنفس ولا غائب فإذا قوى عليه دخل في الغيبة. وأما الغيبة: فهي اسم للذهول عن المهمات بما هو أهم منها . وأما السكر : فهو اسم يشار به الى سقول التمالك في الطرب فإذا لحقته العناية أصحاه ليزيده علما ، لأن السكران لا يرتقى بالمسكر في الحق والصحو إنما هو بالحق . أما السكر في الحق : فهو أن يتبرأ من نفسه ومن التذاذه وأحواله فإذا منح بعد ذلك بشهود الذات كوصف بالقيومية وهي صفات الألوهية فأفتنه عما سوى معبوده ثم فنى عن فنائه . وأما الفناء : فحقيقته في الحس تلاشي الأجسام والأعراض وذهابها بالكلية .
ولما كان ما سوى الله تعالى موجودا بالله وقائما به لا بنفسه كان وجوده مجازا وكان القائم بنفسه المقيم لغيره وجوده ثابتا حقيقيا استعير لمن أكرم بهذه المعرفة لفظ الفناء لتلاشي الموجودات في عين قلبه حيث شهد الكل مع القدرة ، كالطفل لا حكم له في الفعل ، فإذا أيد هذا العبد وكمل رقاه الى مقام البقاء . لأنه إذا لم يبق في القلب التفات الى غير الله تعالى لدوام الشغل به عبر عن هذه الحالة بالبقاء مع الله بالله تعالى ، والوجود والبقاء اسمان
صفحة 131
مترادفان على معنى واحد، فالوجود اسم للظفر بحقيقة الشيء والبقاء هو أجل الحقائق التي يقصد الظفر بها. وكذلك مقام الجمع . قال بعض السادة : الجمع ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة ومعناه أن يكون مذكورا بالله تعالى ومذكورا منه تعالى والحمد لله وحده .
الباب الثامن
في بيان معنى الأنس بالله تعالى
اعلم : أن من أجل مواريث المحبة الأنس. أما حقيقة الأنس : فهو استبشار القلب وفرحه لما انكشف له من قرب الله تعالى وجماله وكماله . وقال بعضهم : حقيقة القرب فقد جس الأشياء من القلب وهدوء الضمير الى الله تعالى.
قلت : وهذا هو الوسيلة لنيل القرب لا نفس القرب ، لأن هذا طهور القلب عما سوى الله تعالى وإذا تطهر القلب عما سوى الله تعالى كان حاضرا مع العبد ، لأنه ليس بين العبد وبين الله إلا حجاب نفسه وعوارضها. فإذا فني عنها وعن عوارضها وعلم قيام العالم كله بقدرة الله تعالى عرف قرب الله تعالى بها كشفا وإرادته تخصيصا وقدرته إيجادا وإبقاء و الصفات التي لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بالموصوف، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه، وإذا سمع بنفسه ، وهكذا ورد في الحديث فالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب الله تعالى . وأما الأبرار : فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقا مع العلم باقتداره على المنع والعطاء والاسعاد والاشقاء ، والعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر، وفي الأخرى بالإبصار أي بالعين قريب منهم في الدارين وليس قربه منهم في الأخرى مخالفا لقربه في الدنيا الا بمزيد اللطف والعطف ، وإلا فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة لا في الدنيا وفي الآخرة البتة، وهذه المعرفة مثمرة الأنس بشرط الصفاء والأنس يثمر السكينة فهي صولة تعدل طغيان القلب وتثبته وتوقفه على حد الاعتدال في آداب الحضرة ، لأن لذة القرب في الأنس تطير ألباب العارفين وتوجب لهم الطغيان ، لأن الانسان يطغى عند الغنى.
وأما الطمأنينة : فهي وجود من بعد اعتدال بفرح واستبشار لمعرفة القلب بالمزيد وهو مستصحبة مع الأنس لأنها مقصودة في ذاتها ، والسكينة وسيلة تحثها على الأدب والاعتدال ، ومن ثمرات المحبة : الانبساط والإدلال ذلك أن الأسن إذا دام أنسه واستحكم ولم يشوشه قلق القلب لقصور نظره على طيب حاله ثمر ذلك انبساطا في الأقوال والأفعال والمناجاة ، فلا يليق ذلك بحال التعظيم والإجلال الموجبان للمهابة ، فإنه يليق بالمستأنس المنبسط ما لا يليق بالهائب ، وذلك أن من أفعال الله الجائزة له أن يرضى على قوم بفعلهم
صفحة 132
ويغضب به على آخرين أحوالهم وللحكمة السابقة فيهم ، ولذلك يغار على كلامه أن يسمعه إلا لأهل خاصته . قال الله تعالى : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذنهم وقرا" الاسراء 46 . وعبر عن السر في ذلك فقال : " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم" الأنفال 23. وهذا حجاب الغيرة فحقيقتها حفظ الوقت مع الحق أن يشوشه مشوش شحا عليه ، ومن ثمرات المحبة الشوق وهو أفضل من الإنس ، لأن الإنس قصر نظره على ما انكشف له جمال المحبوب ولم يمتد نظره الى ما غاب عنه والمشتاق كالعطشان الذي لا ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف لهم من الأمور الإلهية بالنسبة لما غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود ولله المثل الأعلى. وهذه املعرفة توجب الانزعاج والقلق والتعطش الدائم ، لأن حقيقة القلق سرعة الحركة لنيل المطلوب مع اسقاط الصبر ، وحقيقة التعطش شدة الطلب لما تأكدت الحاجة إليه ، ومن اشتد قلقه وتعطشه وجد وحقيقة الوجد هو الشوق الغالب على قلب الطالب ، وهذا الوجد بعد حصوله له أحوال :
الأول : الدهش . قال تعالى : " فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن" يوسف 31 . وحقيقة الدهش غيبة القلب عن إحساسه لما فاجأه من الأمر العظيم .
الثاني : الهيمان إذا سكن قليلا وتكرر طروقه صار القلب متعجبا متحيرا من حسنه وبهائه وهذا هو الهيمان، لأن حقيقة الهيمان ذهاب التماسك تعجبا وتحيرا وهو أثبت دواما .
الثالث : أنسه وتمكينه منه حتى كأنه لم يدخل عليه داخل ولم يطرقه طارق وهذا هو التمكين.
قال الشيخ رحمه الله : التمكين إشارة الى غاية الاستقرار ، وذلك أن أي حالة وجدها المحب مع الله مرة تقوى عليه ، ومرة يقوى عليها ، ومرة يتلون ، ومرة يثبت إلى أن يتمكن فيستقر، وهذا جار في كل حال ، فإذا استقر ارتقى إلى غيره ليكون المرتقى إليه حالا والمرتقى عنه مقاما والله أعلم.
واعلم : أن هذه الأحوال إن وجدها العبد في الملآ دون الخلاء فهو معول يجب عليه المحاسبة ومطالبة نفسه بالعلامات ، وإن وجدها في
الخلاء دون الملاء فهو حسن ولكنه ناقص عن ذروة الكمال إذ الكمال استواء الحالات خلاء وملاء حضرا وسفرا وفراغا وشغلا، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية. وأما حد الواجب من المحبة : فهو الميل المسبب عن نفس الاعتقاد بأصول الإيمان فيما يتعلق بذات الله وصفات ه، فإن جهل أصلا من الأصول نقصت المحبة بقدره وكان عليه إثمان : إثم الجهل وإثم فقد ثمرته. وأما حقيقة الإيمان فهو حضور القلب مع الله تعالى وشهوده الآثار الدالة على وجوده ، والله تعالى أعلم وقد قيل :
صفحة 133
الأنس بالله لا يحويه بطال وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلهم نجب وكلهم صفوة لله عمال
ومن غلب عليه حال الأنس ولم تكن شهوة إلا الانفراد والخلوة . وقال الواسطي : لا يصل إلى محل الإنس من لم يستوحش من الأكوان كلها . وقال أبو الحسين الوراق : لا يكون الأنس بالله إلا ومعه التعظيم. لأن من استأنست به سقط عن قلبك تعظيمه إلا الله تعالى ، فإنك لن تزيد به أنسا إلا ازددت منه هيبة وتعظيما.
وقد يكون الأنس ، الأنس بطاعة الله وذكره وتلاوة كلامه وسائر أبواب القربات . وهذا القدر من الأنس نعمة من الله تعالى ومنحة، ولكن ليس هو حال الأنس الذي يكون للمحبين، والأنس حال شريف عند طهارة الباطن وكنسه بصدق الزهد وكمال التقوى وقطع الأسباب والعلائق ومحو الخواطر والهواجس . وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة وانتشار الروح في ميادين الفتوح وله استقلال بنفسه يشتمل على القرب فيجمعه به عن الهيبة في الهيبة اجتماع الروح وهذا الوصف الذات. وهيبة الذات يكون في مقام البقاء بعد العبور على ممر الفناء وهما غير الأنس والهيبة اللذان يذهبان بوجود الفناء ، لأن الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال وذاك مقام التلوين ، وما ذكرنا بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة الذات ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ومن الهيبة خشوعها ، والخضوع والخشوع يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح والله تعالى أعلم.
الباب التاسع
في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتهما
اعلم : أن الحياء أول مقام من مقامات المقربين كما أن التوبة أول مقام من مقامات المتقين . أما العلم الحامل على الحياء : فهو علم العبد باطلاع الله تعالى عليه. وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله وبالله تعالى. وكذا معرفته بعيوب نفسه وقصورها عن القيام بحق ربه سبحانه وتعالى وهذا أيضا واجب لأنه من الإيمان بالله تعالى فينفتح من هاتين المعرفتين حال يسمى الحياء ، وهو إطراق عين القلب خجلا من الله تعالى كتقصيره في واجب حقه تعالى، والقدر الواجب من هذه الحالة ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات . وأما المراقبة والإحسان : فهما لفظان متداخلان على معنى واحد . فأما ثمرة بداية المراقبة فهو
صفحة 134
رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع الله تعالى بحرمة مراقبته والحياء على الوصف العام والخاص ، وأما الوصف العام ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " استحيوا من الله حق الحياء " قالوا : إنا نستحيي يا رسول الله قال : "ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة وترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء " .
وهذا الحياء من المقامات ، وأما الحياء الخاص من الأحوال وهو ما نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله عزوجل . وعن أحمد بن صالح قال : سمعت محمد بن عبدون يقول : سمعت أبا العباس المؤذن يقول : قال لي سرى : احفظ عني ما أقول لك إن الحياء والأنس يطوفان بالقلوب ، فإذا وجدا قلبا فيه الزهد والورع حطا وإلا رحلا ، والحياء إطراق الروح إجلالا لتعظيم الجلال والأنس التذاذ الروح بكمال الجمال ، فإذا اجتمعا فهو الغاية في المنى والنهاية العظمى.
قال بعض الحكماء : من تكلم في الحياء ولايستحيي من الله عزوجل فيما يتكلم فهو مستدرج. وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع حشمة ما سبق منك إلى ربك.
قال ابن عطاء : العلم الأكبر : الهيبة والحياء فإذا ذهب عنه الهيبة والحياء فلا خير فيه. قال سليمان : إن العباد عملوا على أربع درجات على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، وأشرفهم منزلة من عمل على الحياء لما أيقن أن الله تعالى يراه على كل حال استحيا من حسناته أكثر مما استحيا العاصون من سيئاتهم. وقال بعضهم : الغالب على قلوب المستحبين الإجلال والتعظيم دائما عند نظر الله تعالى إليهم. وأنشد الشيخ أبو النجيب السهروردي:
أشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبة وصيانة لجماله
الموت في إدباره والعيش في إقباله
وأصد عنه تجلدا وأروم طيف خياله
والمراقبة على درجتين مراقبة الصديقين و مراقبة أصحاب اليمين.
أما الدرجة الأولى : فهي مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم
صفحة 135
والإجلال، وهو أن يكون القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى له متسع للالتفاتات إلى الغير أصلا، وهذه المراقبة لايطول النظر في تفصيل ثوابها فإنها مقصورة على القلب . أما الجوارح : فإنها تتعطل عن الالتفات إلى المناجاة فضلا عن المنظورات ، فإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة فلا يحتاج إلى تدبير وتسبب في حفظها عن الانحرف عن سنن السداد.
وأما الدرجة الثانية : فهي مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب اطلاع الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إلا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة. نعم غلب عليهم الحياء من الله تعالى فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بدع التثبت فيه ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله تعالى في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون الى انتظار القيامة ، وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات والله أعلم.
الباب العاشر
في بيان معنى القرب
قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام : " واسجد واقترب" العلق 19
وقد ورد أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده ، فالساجد إذا أذيق طهم السجود يقرب ، لأنه يسجد ويطوى بسجوده بساط الكون ما كان وما يكون ويسجد على طرف رداء العظمة فيقرب .
قال بعضهم : إني لا أجد الحضور ، فأقول : يا الله أو يارب فأجد ذلك أثقل عليّ من الجبال . قيل : ولم ذلك ؟ قال : لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه؟ وإنما هي إشارات وملاحظات ومناغاة وملاطفات ، وهذا الذي وصفه مقام عزيز يتحقق فيه القرب ولكنه مشعر بمحو مؤذن بسكر يكون ذلك لمن غابت نفسه في نور روحه لغلبة سكره وقوه محوه ، فإذا صحا وأفاق تتخلص الروح من النفس والنفس من الروح ويعود كل من العبد إلى محله ومقامه . فيقول : يا الله ويارب بلسان النفس المطمئنة العائدة إلى مقام حاجتها ومحل عبوديتها والروح يشتغل بفتوحه بكمال الحال عن الأقوال ، وهذا أتم وأقرب من الأول ، لأنه في حق القرب باستقلال الروح بالفتوح وأقام رسم العبودية بعود حكم النفس إلى محل الافتقار وحظ القرب لايزال يتوفر للروح بإقامة رسم العبودية من النفس.
وقال الجنيد : إن الله تعالى يقرب من قلوب عباده على قدر قربهم منه ، فانظر ماذا
صفحة 136
تقرب من قلبك . وقال أبو يعقوب السوسي : مادام العبد يكون بالقرب لم يكن قريبا حتى يغيب عن القرب بالقرب فإذا ذهب عن رؤية القرب بالقرب فذلك قرب وقد قال قائلهم:
قد تحققتك في السر فناجاك لساني
فاجتماعنا لمعان وافترقنا لمعاني
إن لم يكن عيبك التعظيم عن لحظ عياني
فلقد صيرك الوجد من الأحشاء داني
وقال ذو النون : ما ازداد أحد من الله قربة إلا ازداد هيبة . وقال سهل : أدنى مقام من مقامات القرب الحياء. وقال النصر آبادي : باتباع السنة تنال المعرفة ، وبأداء الفرائض تنال القرب، وبالمواظبة على النوافل تنال المحبة ، والحمدلله وحده.
الباب الحادي عشر
في بيان شرف العلم ووجوب طلبه والقدر الواجب منه
اعلم : أن العلم والعمل لأجلهما خلقت السموات والأرض ومافيهما.
قال الله تعالى : " الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما " الطلاق 12 وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم ووجوب طلبه لا سيما علم التوحيد.
قال الله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" الذاريات 56 . وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العبادة ولزوم الإقبال عليها فأعظم بأمرين هما المقصود من خلق الدارين فحق العبد أن لايشتغل إلا بهما وأن لا يتعب إلا لهما ثم العلم هو أشرف الجوهرين ، ولكن لابد من العبادة مع العلم و إلا كان العلم هباء منثورا .
واعلم : أنه يجب تقديم العلم على العبادة لأمرين : أحدهما : لتصح لك العبادة وتسلم . والثاني : هو أن العلم النافع يثمر الخشية والمهابة لله تعالى في قلب العبد وهما يثمران طاعة ويحجزان عن المعصية بعون الله تعالى وتوفيقه ، وليس وراء هذين مقصد للعبد في عبادة ربه سبحانه وتعالى. فعليك بالعلم النافع فيجب عليك أولا أن تعرف المعبود ثم تعبده وكيف تعبد من لاتعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل عليه في
صفحة 137
نعته فربما تعتقد اعتقادا في صفاته شيئا مما يخالف الحق فتكون عبادتك هباء منثورا . ثم عليك أن تعلم ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية لتفعله على ما أمرت به وما يلزمك تركه من المناهي الشرعية لتتركه.
واعلم : أن العلم الذي طلبه فرض لازم لكل مكلف ثلاثة أنواع :
الأول : علم التوحيد والذي يتعين عليك منه هو مقدار ما تعرف به أصول الدين وقواعد العقائد كافية فيه.
الثاني : علم السر وهو ما يتعلق بالقبل ومساعيه من مواجبه ومناهيه .
الثالث : علم العبادات الظاهرة المتعلقة بالأبدان والأموال ، ثم إن من الله عليك بعلم ما وجب عليك علمه وعمل ما وجب عليك عمله وترك ما وجب عليك تركه فقد أديت ما أوجبه الله تعالى عليك وصرت من العلماء العالمين ، وبالله التوفيق .
الباب الثاتي عشر
في بيان معاني الأسماء الحسنى
اعلم :أن جملة الأسماء الحسنى ترجع إلى ذات و سبع صفات على مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة و الفلاسفة , ثم إن الاسم غير المسمى و هذا هو الحق,فحد الاسم أنه اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى .
و اعلم أن كمال العبد و سعادته إنما هو في التخلق بأخلاق الله تعالى و التحلى بمعاني أسمائه و صفاته بقدر ما يتصور في حقه , و لا تظنن أن المشاركة بكل وصف يوجب المماثلة.
هيهات ألم تعلم أن الله موجود لا في محل , و أن الله تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم فاعل و الإنسان كذلك ايضا . أفترى أن مثبت هذه الأوصاف للإنسان يكون مشبها ممثلا .
هيهات ليس الأمر كذلك , بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع و الماهية و الخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته الذي بقدرته يوجد كل ما في الإمكان و جود على أحسن وجوه النظام و الكمال ,وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة و لا مماثلة البتة بل لا يعرفها إلا الله تعالى و تقدس , فالخالق كلهم لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع حى عالم قادر , و هذه المعرفة لها طريقتان : أحدهما : يتعلق بالعالم و معلومه يحتاج إلى مدبر و الآخر : يتعلق بالله تعالى معلومه أسام مشتقة من صفات غير داخله في حقيقة الذات وماهيتها , فإن قلنا حى عالم قادر معناه شئ مبهم له وصف الحياة و القدرة فما عرف أحد إلا تقسه أولا ثم قايس بين صفات الله تعالى و بين صفات نفسه و تتعالى صفات الله تعالى عن أن تشبه صفاتنا , فإذا يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة
صفحة 138
غير الله تعالى , بل يستحيل أن يعرف النبوة غير النبي . و أما من ليس بنبى فلا يعرف من النبوة إلا اسمها .
فإن قيل : فما نهاية معرفة العارفين بالله تعالى ؟ فنقول نهاية معرفتهم هو أن ينكشف لهم استحالة معرفة حقيقة ذات الله تعالى لغير الله تعالى و إنما اتساع معرفة العارفين بالله تعالى و انما تكون في معرفة أسمائه وصفاته فبقدر ما ينكشف لهم من معلوماته و عجائب مقدوراته و بدائع آياته في الدنيا و الآخرة يكون تفاوتهم في معرفته سبحانه و تعالى و الله أعلم
فصل
اعلم : ان جملة معاني أسماء الله تعالى الحسنى ترجع إلى عشرة أقسام :
الأول : ما يدل على الذات فقط . كقولك : الله ويقرب منه اسم الحق تعالى إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود.
الثاني : ما يرجع إلى الذات مع سلب مثل القدوس و السلام و الغني و الأحد ونظائرها, فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال و يدخل في الوهم , و السلام هو المسلوب عنه كل عيب ونقص , و الغني هو المسلوب عنه كل حاجة , و الأحد هو المسلوب عنه النظير و القسمة .
الثالث : ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلى و العظيم . و الأول و الآخر , و الظاهر و الباطن ونظائرها . فإن العلى هو الذات الذى هو فوق سائر الذوات في الرتبة فهي إضافة , و العظيم ما يدل على الذان من حيث تجاوز حدود الإدراكات , و الأول هو السابق على دليل العقل , و الباطن هو الذات بالإضافة الى إدراك الحس و الوهم.
الرابع : ما يرجع الى الذات مع سلب و إضافة كالملك و العزيز , فإن الملك هو الذات التى لا تحتاج الى إليها كل شئ : و العزيز هو الذي لا نظير له وهو ما تشتد الحاجة إليه و يصعب نيله و الوصول إليه .
الخامس : مايرجع الى الذات مع صفه ثبوته كالحى و العالم و القادر و المريد والسميع و البصير و المتكلم .
السادس : مايرجع الى العلم مع إضافة كالحكيم و الخبير و الشهيد و المحصى . فإن الحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات , و الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة , و الشهيد يدل على العالم مضافا إلى ما يشاهد و المحصى يدل على العلم الذي يحيط بمعلومات محصورات معدودة التفصيل .
صفحة 139
السابع : ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقوى والمتين والقهار فإن القوة هي تمام القدرة ، والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في المقدورة بالغلبة .
الثامن : ما يرجع إلى الإرادة مع فعل وإضافة كالرحمن والرحيم والرءوف والودود. فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف ، والرأفة شدة الرحمة وهي المبالغة في الرحمة ، والودود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام وفعل الرحمة يستدعي محتاجا وفعل الود لا يستدعي ذلك بالإنعام على سبيل الإبتداء.
التاسع : ما يرجع إلى الذات مع صفة إضافية كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والباسط والقابض والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمقيت والمغيث والمجيب والواسع والباحث والمبدي والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والولي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمعطي والمانع والمغني والهادي ونظائرها .
العاشر : ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع إضافة كالمجيد والكريم واللطيف. فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات. والكريم كذلك ، واللطيف يدل على الفعل مع الرفق ، ولا تخرج هذه الأسامي وغيرها من مجموع هذه الأسامي عن الترادف مع رجوعها إلى هذه الصفات المشهورة والمحصورة والله تعالى أعلم.
اعلم : أن معاني أسماء الله الحسنى مندرجة في أربع كلمات وهن الباقيات الصالحات (سبجان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر).
الكلمة الأولى : سبحان الله ومعناها في كلام العرب التنزيه والسلب فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله تعالى وصفاته فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب ، والسلام هو الذي سلم من كل آفة.
الكلمة الثانية : قول الحمدلله وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته سبحانه وتعالى ، فما كان من أسمائه متضمنا الإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحتها فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه ، وأثبتنا بالحمدلله كل كمال عرفناه وكل جلال أدركناه وراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه فنحققه من جهة الإجمال بقولنا الله أكبر.
وهي الكلمة الثالثة ومعناها : إنه أجل مما نفيناه ومما أثبتناه وذلك معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ، فما كان من أسمائه متضمنا فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو مندرج تحت قولنا : الله أكبر في الوجود من هذا شأنه نفينا أن يكون في الموجودين من يشاكله أو يناظره فحققنا ذلك بقولنا لا إله إلا الله.
صفحة 140
وهي الكلمة الرابعة : إذ الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمناً للجميع على الإجمال كالواحد الأحد وذو الجلال والإكرام فهو مندرج تحت قولنا لا إله إلا الله. وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجمال ونعوت الكمال التى لا يصفها الواصفون ولا يعدها العادون ولو أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة على سبيل الإجمالى وهى : الحمد لله لاندرجت فيها كما قال السيد الجليل والإمام الحفيل على بن أبي طالب رضي الله عنه : ( لو شئت أن أوقر بعيراً من قول الحمد لله لفعلت). فإن الحمد لله هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن إدراك الإدراك تارة بإثبات التفرد بالكمال والتفرد والكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. وقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد ما عملناه وجهلناه ولا خروج للمدح عن شئ مما ذكرناه . ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبى مرسل ولا أحد من أهل الملك إلا من خذله الله واتبع هواه وكان أمره فرطاً وعصى مولاه أولئك قوم قد غمرهم ذل الحجاب وطردوا عن الباب وأبعدوا عن ذلك الجناب، وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب فى الآخرة عن إكرامه ورؤيته.
الباب الثالث عشر
فى الاعتقاد والتمسك بعقيدة صحيحة ومعنى الاعتقاد اتخاذ عقد صورة علم أو ظن في القلب بوجود المغيبات والعلم الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع
وقال بعض الكبار: العلم نور إذا نزل في القلب ينقذ شعاعه إلى حيث المعلوم ويتعلق به كما يتعلق نور العين بالمرئى الاعتقاد الصحيح هو الخالى عن التعطيل والإلحاد والتشبيه والتجسم والتكييف والنقص والحلول والاتحاد والإباحة
و غير ذلك ، وأن يكون معه التنزيه والعظمة والكبرياء كما كانت الصحابة رضى الله عنهم . ودليله الكتاب والسنة واجتماع الأمة، ثم قال : على العبد أن يتعلم أن الله تعالى واحد فرد صمد فى ذاته وصفاته، لا مثل له في ذاته ولا نظير له فى صفاته، لا شريك له فى ملكه، ولا حدوث في صفاته، ولا زوال ولا بداية لقدمه ولا نهاية لبقائه دائم الوجود ولا آخر له قيوم الموجودات لا انقطاع له لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الجلال والجمال لا نهاية لكبريائه ولا غاية لعظمته وجلاله. ليس بجسم ولا جسمانى ولا بروح ولا روحانى ولا بجوهر محدود ولا
صفحة 141
تحله الجواهر ، بل هو خالق الأشياء أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد منزه عن الحركة والانتقال والجهة والمكان وأنه تعالى قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد . قربه من الخلق ليس كقرب الخلق بعضهم من بعض، بل هو قريب يليق به تعالى.
سئل الجنيد – قدس الله تعالى روحه – عن القرب فقال : قريب لا بالتزاق وبعيد لا بافتراق ولا كيفية لقربه معيته، كما أنه ليس كمثله شىء كذلك قربه ومعيته ليس كمعية أحد وقربه وأنه تعالى كان ولم يكن معه شىء وهو الآن على ما هو عليه.
فصل
اعلم : أن من أجرى الاستواء على العرش على ما ينبئ عنه ظاهر اللفظ وهو الاستقرار على العرش . فقد التزم التجسيم وإن تشكك في ذلك كان فى حكم المصمم على التجسيم أيضاً، وإن قطع باستحالة الاستقرار على العرش فقد تأول الظاهر وهو اعتقاد أهل الحق. وكذلك من أجرى النزول على ما ينبئ عنه ظاهر اللفظ وهو الحركة والانتقال، فقد التزم التجسيم أيضاً، وإن قطع باستحالة الحركة والانتقال فقد تأول الظاهر وهو اعتقاد أهل الحق.
واعلم: أن الإعراض عن تأويل المتشاب خوفاُ من الوقوع في محظور من الاعتقاد يجر إلى الشك والإيهام واستزلال العوام وتطريق الشبهات إلى أصول الدين وتعريض بعض آيات كتاب الله العزيز إلى رجم الظنون والحمد لله وحده وهذه العقيدة الصحيحة السليمة لصاحب قلب سليم سلم من البدعة ومن استيلاء وساوس الشيطان و هواجس النفس وزين بالتقوى وأيد بالهدى وهذب بالورع وغذى بالذكر والله تعالى أعلم.
الباب الرابع عشر
في بيان صفات الله تعالى
الصفات الثبوتية سبعة وهى: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، وكل صفة من هذه الصفات لها تعلق إلا الحياة فإنها ينبوع الكمالات ، فالعلم يتعلق بكل واجب وجائز ومستحيل ، فالواجب هو ذات الله تعالى وصفاته ، والجائز هو جميع الممكنات، والمستحيل هو الذى لا يمكن وجوده، والإرادة تعلقها تخصيص والتخصيص
صفحة 142
ترجيح أحد الممكنات من العدم إلى الوجود على ما يريد أن يبرزه ، والقدرة تعلقها تأثير والتأثير هو إبراز معدوم أو إعدام موجود ، فلولا سبق العلم لم يحصل
تخصيص الإرادة ، ولولا تخصيص الإرادة لم يحصل تأثير القدرة، والسمع يتعلق بكل مسموع قديم أو حادث، والكلام يتعلق بجميع ما يتعلق به العلم، وهذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى وهى منقسمة إلى ما يتعلق بغيره كشفاً كالعلم والسمع والبصر ، وإلى ما يتعلق بغيره من غير كشف ولا تأثير : كالكلام ، وأعمها تعلقاً: العلم والكلام وأخصها السمع ومتوسطها البصر، والبقاء هو استمرار الوجود وليس هو وصفاً زائداً على مفهوم الذات، فالأشعرية يقولون الحق سبحانه وتعالى حى بحياة ، عالم بعلم، قادر بقدرة، مريد بإرادة سميع بسمع ، بصير ببصر متكلم بكلام.
ومذهب القدرية: أنه حى بذاته ، قادر بذاته مريد بذاته، سميع بذاته ، يصير بذاته، متكلم بذاته وهو خطأ.
ومذهب الطبائعية: أن النار محرقة بطبعها، والماء مرو بطبعه، والعيش مشبع بطبعه، والأفلاك والكواكب مؤثرة بطبعها وقس عليه جميع الأسباب.
ومذهب أهل الحق أن المؤثر هو قدرة الله تعالى وأن الأسباب لا اثر لها ، والله أعلم.
واعلم: أن الصفات السبع عند الأشاعرة معان زائدة على مفهوم الذات وهى ثابتة الأعيان والأحكام، ومعنى ثبوت الاعيان أنها ليست نفس الذات . وقال غيرهم من السادة: اعلم أن الأسماء والصفات نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة إذ لا كثرة هناك بوجود أعيان زائدة على الذات المقدسة، كما زعم من لاعلم له بالله تعالى من بعض النظار. فلو كانت أعياناً زائدة وما هو إله إلا بها لكان معلولا لها فلا يخلو أن تكون هى عينه. فالشىء لا يكون معلولا لنفسه. أو لا تكون فالإله لا يكون معلولاً لعلة ليست عينه. لأن ذلك يقتضى افتقاره وافتقار الإله محال فكون الأسماء والصفات أعياناً زائدة محال، فافهم جيداً والحمد لله وحده.
الباب الخامس عشر
في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما
اعلم: أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان: إخلاص العمل وإخلاص طلب الأجر.
صفحة 143
فأما إخلاص العمل: فهو إرادة التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوته والباعث عليه الاعتقاد الصحيح وضد هذا الإخلاص النفاق. وهو التقرب إلى من دون الله تعالى. وأما إخلاص طلب الأجر: فهو إرادة نفع الآخرة بعمل الخير وضد هذا الإخلاص: الرياء وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء أراده الله تعالى أو من الناس ، لأن
الاعتبار في الرياء بالمراد لا بالمراد منه، وأما تأثيرهما : فهو أن إخلاص العمل يجعل الفعل قربة وإخلاص طلب الأجر يجعله مقبولاً وافر الأجر.
وأما النفاق: فإنه يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة والرياء يوجب رده، وأما موضع الإخلاص وفي اى طاعة يقع ويجب، فاعلم أن الأعمال عند بعض العلماء ثلاثة أقسام: قسم يقع فيه إخلاصان جميعاً وهو العبادة الظاهرة الأصلية، وقسم لا يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل وهو المباحات المأخوذة للعدة. وقال شيخنا: إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير الله تعالى من العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل والعبادات الباطنة أكثرها يقع فيها إخلاص العمل . وأما الإخلاص في طلب الأجر: فكان شيخنا يقول : إذا أراد العامل من الله تعالى بالعبادات الباطنة نفع الدنيا فهو أيضاً رياء. قلت : فلا يبعد إذا أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان، وكذلك النوافل. يجب عليها الإخلاصان جميعا ً عند الشروع فيها. وأما المباحات المأخوذة للعدة : فإنه يقع إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل إذ هى لا تصلح بنفسها أن تكون قربة، بل هى عدة على القربة وهذا مواضعها، وأما وقتها: فهو أن إخلاص العمل يكون مع الفعل يقارنه لا محالة ويتأخر عنه، وإخلاص طلب الأجر ربما يتأخر عنه. وعند بعض العلماء ربما يعتبر فيه وقت الفراغ من العمل، فإذا فرغ العمل على إخلاص ورياء فقد انقضى الأمر ولا يمكن استدراكه بعد، والله أعلم.
فصل
اعلم: أنه يجب على العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة أشياء: النفاق والرياء والتخليط والمن والندامة والعجب والحسرة والتهاون وخوف ملامة الناس. ثم ذكر شيخنا رحمة الله تعالى ضد كل خصلة منها وإضرارها بالعمل، فضد النفاق إخلاص العمل لله تعالى، وضد الرياء إخلاص طلب الأجر، وضد التخليط التقوى، وضد المن تسليم العمل لله تعالى، وضد الأذى تحصين العمل، وضد الندامة تثبيت النفس، وضد العجب ذكر المنة لله تعالى، وضد الحسرة اغتنام الخير، وضد التهاون تعظيم التوفيق، وضد خوف ملامة الناس خشية الله تعالى.
صفحة 144
ثم اعلم أن النفاق يحبط العمل والرياء يوجب رده، والمن والأذى يحبطان الصدقة في الوقت. وعند بعض المشايخ يذهبان أضعافها، وأما الندامة فإنها تحبط العمل في قولهم جميعاً، والعجب يذهب أضعاف العمل والحسرة والتهاون يخففان العمل. فعليك يقطع هذه العقبة المخوفة الخطرة وبالله التوفيق.
مجموعة رسائل الامام الغزالي:
صفحة 144
الباب السادس عشر
في الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابة الشفا:
اعلم ان المجوزين للصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القران والحديث ان التزموا ظواهرها افضت بهم الى تجويز الكبائر وخرق الاجماع ما لا يقول به مسلم, فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلفوا المفسرون في معناه وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه وجاءت اقاويل فقهاء السلف بخلاف ما التزموه من ذلك فاذا لم يكن مذهبهم اجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به قديماً وقامت الدلالة على خطأ قولهم وصحة غيره وجب تركه والمصير الى ما صح والله تعالى اعلم.
فصل فيما يجب على الأنام من حقوق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام
أولها: تصديقه في كل ما جاء به وما قاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان أنه رسول الله الى كل الناس كافة واتباعه في جميع ماأمر به أو نهى عنه, وكذلك محبته ومناصحته وتوقيره وبره والصلاة عليه كل ذلك واجب , لأنه مما جاء به صلى الله عليه وسلم.
واعلم ان الامة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه فلا يصل الى ظاهره بشيء من أنواع الأذى ولا الى باطنه بشيء من الوساوس, وكذا عصمته عن الجهل بالله تعالى وصفاته او كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا واجماعا وقبلها سمعا ونقلا, ولا بشيء مما قرره من أمور الشرع واداه عن ربه عز وجل من الوحي قطعا وعقلا وشرعا, وكذا عصمته من الكذب وخلف القول من نبأه الله تعلاى وأرسله قصداً او غير قصد واستحالته عليه عقلاً واجماعاً لمناقضته للمعجزة وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعاً, وكذا عصمته في جميع حالاته من رضى وغضب وجد وهزل وصحة ومرض وكذا استحالة السهو والنسيان والغفلة والغلط عليه في الاخبار والاقوال لابلاغية اجماعاً لمناقضته وجواز السهو عليه في الافعال البلاغية بشرط ان لا يقر عليه بل ينسبه عليه على الفور لتظهر فائدة النسيان من معرفة الحكم والاتباع له فيما
صفحة 145
يشرعه , وفرقوا بين السهو في الأفعال البلاغية والأقوال البلاغية المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك يناقض المعجزة واما السهو في الأفعال : فغير مناقض للمعجزة ولا قادح في النبوة , نعم بل حالة النسيان هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب افادة علم وتقرير شرع كما قال صلى الله عليه وسلم: اني(( لست انسى ولكني انسى لأسن)). وهذه الحالة بعيدة عن سمات النقص بل هو زيادة في التبليغ وتمام عليه في النعمة وأما ما ليس طريقة البلاغ ولا بيان الأحكام من افعاله صلى الله عليه وسلم وما يختص من امور دينه واذكار قلبه فالذي ذهب اليه جماعة الصوفية واصحاب علم القلوب استحالة السهو والنسيان والغفلات والفترات عليه في جملة , وأجاز ذلك الاكثر من طبقات علماء الامة وذلك بما كلفه من سياسة الامة ومقاساة الخلق ومعاناة الاهل وملاحظة الأعداء ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الاتصال بل على سبيل الندور وليس هذا في شيء يحط من مرتبته او يناقض معجزته صلى الله عليه وسلم.
واعلم انه يجوز طريان الالام والاوجاع على ظاهر جسم النبي ليتحقق بشريته ولا لا يصل شيئ من ذلك الى باطنه لتعلقه بمشاهدة ربه عز وجل والانس به ثم اعلم ان المصير في جميع ما ذكرنا في حق الانبياء والملائكة كالمصير في حق نبينا محمد وعليهم اجمعين.
فصل في بيان ما يجب على النبي وما يحرم عليه وما يباح له وما خص به الفضائل دون غيره
فأما ما يجب عليه فهو التهجد والوتر والضحى والأضحية والمشاورة وتخيير الزوجات والسواك ومصابرة العدو وان كثروا وتغيير المنكر.
وأما ما يحرم عليه دون غيره فهو الخط والشعر والصدقة والزكاة ومد عينيه الى ما متع به غيره والمخادعة في الحرب ومسك الزوجة المكارهة وفي طلاق الرغبة واكل الكراث والثوم والبصل والاكل متكئا وفيه خلاف والاصح الكراهية لا التحريم ونكاح الحرة الكتابية والامة المسلمة وغيرها والصلاة على المدين على خلاف فيه ولااصلح انه صلى بعد ذلك ونزعه لامة الحرب قبل القتال.
واما ما يباح له صلى الله عليه وسلم فهو حكمه لنفسه ولفرعه وشهادته وقبوله ايضا لهما وخمس الخمس وحل الغنائم ومن ارادها لزم زوجها طلاقها , وله النكاح بلا مهر لمن شاء ويصح نكاحه بلفظ الهبة ويجوز اخذخ طعام المحتاج ويلزم المضطر بذله ويحيي ما شاء من موات ويقتضى بعلمه ابداَ ويجب على خاطره دفع قاصده بسوء ولا ينتقض وضوءه بالنوم ولا باللمس على الاصح ولا يورث ماله ويلزم الخلية اجابته ويعقد نكاحه بلا ولي ولا
صفحة 146
شهود وله الزيادة على اربع وعلى وتسع في الاصح وله النكاح في الاحرام ويصح نكاحه من نفسه وممن شاء.
وانا ما خص به من الفضائل فهو ان ازواجه الائي مات عنهم حرام على غيره قطعاً وكذا اللاتي فارقهن بعد الدخول في الأصح وهن امهات المؤمنين وشرعه صلى الله عليه وسلم ناسخ لما قبله يستمر الى انقضاء الأبد وكتابة المعجز المستمر السالم من التبديل والتحريف وهو حجة الله تعالى على عباده وجعلت له الارض مسجداً وطهوراَ وأعطى خمسة شفاعات وخص بالشفاعة العظمى وهو اول من يقرع باب الجنة وامته خير امة ولا تجتمع على ضلال وهو اول شافع مشفع واول من تنشق عليه الارض وتصف امته كالملائكة يوم القيامة وفضلاته طاهرة على الاصح يتبرك بها ويشفى بها ويرى من ورائه كما يرى امامه ولا يحل مناداته من وراء حجرته وصلاته في النقل قاعداَ في اجره كصلاته في الوقوف ولا يجوز ندائه باسمه واعطى جوامع الكلم.
فصل
اعلم ان الله تعالى قد حرم اذى النبي صلى الله عليه وسلم في القران ولعن مؤذيه واجتمعت الامة على قتل مستقصيه وسابه من الملسمين تصريحاً كان او تعريضاً واما ما هو حقه سب او نقص.
فاعلم انه من سبه او عابه او الحق به نقصاً في خلقه او خلقه او دينه او خصلة من خصاله او نسبه او عرض به او سبهه بشيء على طريق السب له او الازراء عليه او التصغير بلسانه فهو ساب له وسابه بقتل وكذا حكم من غيره بما جرى من الابتلاء والمحنة عليه او غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة عليه وهكذا كله باجماع من العلماء من لدن الصحابة الى الان.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع عوام اهل العلم على ان من سب رسول الله صلى الله عليه ويسلم يقتل وممن قال بذلك مالك والليث واحمد واسحاق ومذهب الشافعي وهو مقتضى مذهب ابي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم فلا تقبل توبته عند هؤلاء وبمثله قال ابو حنيفة واصحابه والثورى واهل الكوفة والأوزاعي في المسلم لكنهم قالوا : هي ردة, والله أعلم.
صفحة 147
الباب السابع عشر
في معرفة الخواطر واقسامها ومحاربة الشيطان وقهره والتدبير في دفع شره وان يستعيذ بالله تعالى منه اولا ثم يحاربه بثلاثا اشياء
احدهما : ان تعرف مكائده وحيله ومخادعاته.
والثاني ان تستخف بدعوته فلا تعلق قلبك بها.
والثالث ان تديم ذكر الله تعالى بقلبك ولسانك فان ذكر الله تعالى في جنب الشيطان كالاكلة في جنب ادم , فأما معرفة مكائده فانه يستبين لك بمعرفة الخواطر واقسامها , فاعلم ان الخواطر اثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الفعل او الترك وحدوث جميعها في القلب من الله تعالى اذ هو خالق كل شيء لكنها اربعة اقسام: فقسم منها يحدثه الله تعالى في قلب العيد ابتداء فيقال له الخاطر فقط, وقسم يحدثه موافقاَ لطبع الانسان فيقال له هو النفس, وقسم يحدثه عقب دعوة الشيطان فينسب اليه ويقال له الوسواس وقسم يحدثه الله ويقال له الالهام , ثم اعلم ان الخاطر الذي من قبل الله تعالى ابتداء قد يكون خيراٌ اكراماً والزاماً للحجة. وقد يكون شراُ امتحاناُ , والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون الا بخير اذ هو ناصح مرشد لا يرسل الا لذلك, والخاطر الذي يكون من قبل هوى النفس لا يكون الا بالشر وقد يكون بالخير لا لذاته فهذه انواعها:
ثم اعلم انك محتاج الى ثلاثة فصول:
فاما الفصل الأول قال العلماء رضي الله عنهم اجمعين اذا اردت ان تعرف خاطر الخير من خاطر الشر وتفرق بينهما فزنه باحد الموازين الثلاثة يبين لك حاله:
فالأول هو ان تعرضه على الشرع فان وافق جنسه فهو خير وان كان بالضد اما برخصة او بشبهة فهو شر , فان لم يبين لك بهذا الميزان فاعرضه على الاقتداء بالصالحين, فان كان فيه اقتداؤهم فهو خير ولا فهو شر, وان لم يبين لك بهذا الميزان, فاعرضه على النفس والهوى , فان كان مما تميل النفس ميل طبع لا ميل رجاء الى الله تعالى فهو شر.
واما الفصل الثاني: اذا اردت ان تفرق بين خاطر شر ابتداء من قبل الشيطان او من قبل النفس او من الله تعالى , فانظر فيه ثلاثة اوجه:
صفحة 148 مجموعه رسائل الإمام الغزالي
أحدها : إن وجدته ثابتا راتبا مصمما على حاله واحد فهو من الله تعالي او من هوى نفسه، و إن وجدته مترددا مظطربا فهو من الشطان.
وثانيا : إن وجدته عقب ذنت احدثته فهو من الله تعالي ولا يزول فهمو من هوى النفس ، وإن وجدته يضعف من ذكر الله فهو من الشيطان .
وثالثها : إن وجدته لا يضعف ولا يقل من ذكر الله تعالى ولا يزول فهوى من هوى النفس , وإن وجدته يضعف من ذكر الله فهو شيطان.
وأما الفصل الثالث : إذا أردت ان تفرق بين خاطر خير يكون من الله تعالى او من الملك فانظر فى ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها:إن كان مصمما على حاله واحده فهو من الله تعالي ، وإن كان مترددا فهو من الملك إذا هو بمنزلة ناصح .
والثاني : إن كان عقب اجتهاد منك وطاعه فهو من الله تعالى، وإلا فهو من الملك .
والثالث : إن كان فى الأصول والأعمال الباطنه فهو من الله تعالى وإن كان في الفروع والأعمال الظاهرة فهو من الملك فى الأكثر ، إذا الملك لا سبيل له إلى معرفه باطن العبد في قول أكثرهم ، وأما خاطر الخير الذي يكون من قبل الشيطان استدراجا إلى شر يربو عليه عليه ، فانظر فإن وجدن نفسك فى ذلك الفعل الذي يخطر بقلبك مع نشاط لا مع خشيه ، ومع عجلة لا مع تأن ، ومه آمن لا مع خوف ، ومع عمى العاقبه لا مع بصيره ، فاعلن انه من الشيطان فاجتنبته ، وإن وجدت نفسك على ضد ذلك فاعلم انه من الله تعالي او من الملك قلت انا وكان النشاط خفة فى الأنسان للفعل من غير بصيره وذكر ثواب ينشط فى ذلك . واما التأني فمحمود إلا فى مواضع معدوده ، وإما الخوف : فيحتمل أن يكون فى أتمامه وأدائه على حقه وقبول الله تعالى إياه.
وأما بضارة العاقبه : فبأن تتبصر وتتيقن أنه رشد وخير ، ويحتمل ان يكون لرؤيه الثواب فى العقبى ورجائه . فهذه الفصول الثلاثه التى لزمتك معرفتها فارعا فإنها من العلوم اللطيفه والأسرار الشريفه فى هذا الأمر ، وبالله التوفيق ولي الهدايه.
الباب الثامن عشر
في بيان معنى آفات اللسان وهى عشرون آفة
أولها: الكلام فيها لا يعني ، ثم فضول الكلام ، ثم الخوض فى الباطل ، ثم الراي والمجادله ، ثم الخصومه ، ثم التقعير فى الكلام ، ثم الفحش والسب واللعن ، ثم الشعر، ثم المزاح ، ثم السخريه والإستهزاء ، ثم إفشاء سر الغير ، ثم الوعد الكاذب ، ثم الكذب فى
صفحة 149
القول واليمين ، ثم الغيبه والنميمه ذو اللسانين ، ثم المدح ، ثم الخطأ فى فحوى الكلام ، ثم سؤال العوام عم لا يبلغه فهمهم من صفات الله تعالي . فأما حد الكلام فيما لا يعني : فهو ان يتكلم بما لو سكت عنه لم يأثم ولم يتضرر فى حال ولا مآال . وأما فضول الكلام : فهو من الزيادة على قدر الحاجه فيما يغني .
وأما الخوض فى الباطل : فهو الكلام فى المعاصي كحكايه أحوال الوقاع ومجالس الخمور وتجبر الظلمه وكحكايه مذاب اهل الأهواء . وكذا حكايه ماجرة بين الصحابه
رضى الله عنهم آجمعين على وجه الغستنقاص ببعضهم ام الراء : فهو الاعتراض على الغير بإظهار خلل فى لفظه او معناه او قصده به . وأما المجادله : فهو من مراء يتعلق بالمذاهب وتقريرها . واما الخصومه : فهى لجاج فى الكلام بإظهاره اللدد على قصد الإيذاء ومزج الخصومه بكلمات مؤذيه لا يحتاج إليها فى نصر الحجه . وأما التعقرفى الكلام فهو تكلف الفصاحه بالتشدق . وأما الفحش: فهو التعبير عم الأمور المستقبحه بالعبارات الصريحه. وأما اللعن : فهو مايكون لجماد أو لحيوان أو لإنسان وكل ذلك منهى عنه لأن اللعن هو الإبعاد عن الله ، ولايجوز اللعن إلا على من بتصف بصفه تبعده عن الله تعالى والصفات المقتضيه للعن ثلاثه : الكفر والبدعه والفسق فيجوز لعن كل صنه من هذه الثلاثة فأما لعن شخصيه بعينه من هذه الأصناف فلا يجوز غلا على من علم موته على الكفر كفرعون وابي جهل وابي لهب لا حتمال موته على الإسلام اما الشعر : فحسنه حسن وقبيحه قبيح كالكلام . وأما المزاح : فهو منهى عنه إلا عن سيسر لا كذب فيه ولا أذى – واما السخريه : فهى التنيه على العلوم والنقائض على وجه الضحك منه ومهما كان مؤذيا حرم وإلا فلا . واما إفشاء السر : فهو حرام وإذا كان فيه إضرار وإم لك يكن فيه إضرار فهو لوم . وأما الوعد الكاذب : فهو من علامات النفاق وذلك إنه إذا كان حال الوعد عازما على الخلف وإذا أخلف من غير عذر . وأنا من عزم على الوفاء وطرا له عذر منعه من الوفاء فذلك ليس بنفاق ،ولكن ينبقى ان يحرز من صورة النفاق أيضا . وأما الكذب في القول واليمين : فهو من قبائح الذنوب . أما ما رخص فيه من الكذب : فاعلم ان الكلام وسيله إلى القاصد فكل مقصود محمود يمكن التوسل إليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوسل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ، وإن كان تحصيل ذلك المقصود واجبا فهذا ظابطه ، وإما حكم الغيبه : فأعلم انها محرمه بالكتاب والسنه وإجماع الأمه إلا ما يستثنى منها . وأما حدها : فهو ان ذكر اخاك المسلم فى حال غيبته بما فيه مما يكرهه لو بلغه وسواء ذكر بنقص فى دينه او دنياه او قوله او فعله والغمز والرمز و الإشاره والإيماء والتعريض والكتابه ، فكل ذلك حرام .
الصفحة رقم 150
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
أما الأسباب الباعثة على الغيبة فمنها : ما يتخص بأهل الدين والخاصة من العلماء . فأما ما يخص بالعامة فهو الغضب والحقد والحسد وموافقة الرفقاء في الهزل واللعب والإستهانة والإستحقار والتصنع والمباهاة والترفع على الغير وإرادة التبرؤ من غيب نسب إليه ينسبه إلى فعله والمبادرة بتقبيح حال من يخشى أن يستقبح حاله عند كبير أو محتشم.
وأما ما يختص بأهل الدين والخاصة من العلماء : فهو الغضب لله تعالى على فاعل المنكر والتعجب من فعله والشفقة عليه والرحمة . فهذه من أمغض الأسباب وأخفاها ، لأن الشيطان يخيل للجهلة من العلماء أن الغضب والتخيل إذا كانت لله تعالي كانت عذراً مرخصاً في ذكر الإسم بالغيبة حاجات مخصوصة لا مندرجة عنها في ذكر الإسم بالغيبة وهي التظلم إلى الحكام والإستفتاء والإستعانة على إزالة المنكر والتحذير والنصيحة ولاتعريف باللقب. فهذه ثلاثة أمور هي المستثناة فب الشرع من الغيبة للضرورة.
وأما معالجة مرضها: فهو أن تعلم إنك متعرض لسخط الله تعالى بغيبة أخيك المسلم ومحبط لحسناتك على صحائف من إستغبته.
وأما أركان التربة منها: فهي العلم والندم والإقلاع والعزم وإستحلال من إستغتبته بذكر ما إغتبته به إلا أن يتعذر عليك فتدعو له.
وأما حكم النميمة: فاعلم ،ها محمرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأما حدها : فهو نقل كلام بعض الناس إلى بعض على قصد الإفساد، وسواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما. وأما سببها : فهو إما إدارة السوء بالمنقول عنه أو التحبب إلى المنقول إليه والخوض في الباطل .وأما معالجة مرضها: فهو أن تكف لسانك عنها حذراً من ضررها.
وأما أ{كان التوبة منها : فهي العلم والندم والإقلاع والعزم . وأما ماذا يجب على من نقلت إليه نميمة فهو ستة أمور وهي : أن لا يصدقه وأن ينهاه ، وأن يبغضه في الله تعالى لإنه بغيض عند الله تعالى ، ويجب بغض من يبغضه الله تعالى ، وأن لا ينم عليه ، وأن لا يتجسس عن المنقول عنه ، وأن لا يسئ الظن.
وأعلم أن سوء الظن بالمسلم كسوء القول . وحده أن تحكم على أخيك المسلم بالسوء بما لا تعلمه، أما ذو اللسانين : فهو الذي ينقل كلام المتعادين بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد ، فإن لم ينقل كلاناً ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من العداوة أو وعد كلاهما بأن يضره أو أثنى عليهما في معاداداتهما أو أثنى على أحدهما ، وكان إن خرجمن عنده يذمه فهو ذو لسانين في ذلك كله ، بل ينبغي له أن يسكت أو يثني على المحق
صفحة 151
منهما في حضوره وغيبته وعند عدوه . وأما المدح : فهو منهى عنه بعض المواضع ، وفيه ست آفات أربع في المادح وإثنان في الممدوح . فأما المادح التي في المادح.
فالأولى : إنه قد يفرط في المدح حتى ينتهي إلى الكذب.
وثانيها: إنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون كذلك ، أو إنه قد لا يكون معتقداً لجميع ما يقوله فيصير به مرائياً منافقاً.
وثالثهما : أنه قد يقول ما لا يتحققه فيكون كاذباً مزكياً من لم يزكه الله تعالى وهذا هلاك.
ورابهما : إنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق ، وأما الممدوح فيضره بالمدح من وجهين :
أحدهما : أنه يحدث فيه كبراً وعجباً وهما مهلكان.
والثاني : أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضى عن نفسه وقل تشمره لأر آخرته. ولهذا قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم " قطعت عنق صاحبك" فإن سلم المدح عن هذه ألافات لم يكن به بأس ، بل ربما كان مندوباً إليه . ولذلك أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين حتى قال " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح" وقال
" لو لم أبعث لبعثت يا عمر ". وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه عن صدق وبصيرة وكان أجل رتبة من أن يورثهما ذلك كبراً وإعجاباً ، بل مدح الإنسان قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إلا أن يكون مما لم يورثه ذلك كبراً وإعجاباً . كما قال صلى الله عليه وسلم" أنا سيد ولد أدم ولا فخر " أي لست أقوله تفاخراً كما يقوله الناس بالثناء على أنفسهم وذلك أن أفتخاره صلى الله عليه وسلم إنما كان بالله تعالى وبقربه لا بكونه مقدما على غيره من ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، وأما الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام: فهو مثل أن يقول : مطرنا بنوء كذا وكذا أو يقول للعنب كرماً أو نحو ذلك مما نهى عنه من الألفاظ . وأما سؤال العوام عما لا يبلغه فهمهم من صفات الله تعالى فهو مثل أن يسأل عن بعض صفات الله تعالى أو عن كلامه أو عن الحروف هل هي حادثة أو قديمة فكل ذلك مذموم سؤالهم عنه لعدم فهمهم عنه لئلا يلتبس عليهم الحق بالباطل والله تعالى أعلم .
الباب التاسع
في بيان البطن وحفظه
في البطن وحفظه ، لأن المعدن ومنه تهيج الأمور في الأعضاء من خير وشر ، فعليك
صفحة 152
بصيانته عن الحرام . وكذا عن الشبهة ثم فضول أن كانت لك همة في عبادة الله تعالى فأما الحرام أو الشبهة : فإنما يلزمك التحفظ عنها لثلاثة أمور:
الأةل: حذراً من نار جهنم.
والثاني : أن آكل الحرام والشبهة مطرود لا يوفق للعبادة إذا لا يصلح لخدمة الله تعالى تعالى إلا كل قلب طاهر . قلت : أليس قد منع الله تعالى الجنب من دخول بيته والمحدث من كتابه مع إنهما أثر مباح ؟ فكيف بمن هو منغمس في قذر الحرام والشبهة متى يدعو إلى خدمة الله تعالى وذكره الشريف ( كلا فلا يكون ذلك ) .
والثالث :أن آكل الحرام والشبهة محروم ، وإن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه وليس له منه إلا العناء والكد.
وأما حكم الحرام والشبهة وحدهما : فاعلم أن الأولى في حدهما أن ما يتقينت كونه ملكاً للغير منهياً عنه في الشرع أو غلب على ظنك فهو حرام وأما ما تياوت فيه الأماراتان فهو شبهة بشبهة إنه حرام ويشبه أنه حلال ثم اتلأمتناع من الذي هو حرام محض حتم واجب ، والإمتناع من الذي شبهة تقوى وورع . وأما حكمه : فإعلم ما هو الأصل في هذا الكتاب ، وهو أن هنأ شيئين : أحدهما : حكم الشرع وظاهره . والثاني : حكم الورع وحقه . فحكم الشرع أن تأخذ مما آتاك الله ممن ظاهره صلاح ، ولا تسأل إلا أن يتبيين لك أنه عصب أو حرام بعينه ، وحكم الورع أن تأخذ من أحد شيئاً حتى تبحث عنه غاية البحث فتتيقن أن لا شبهة بحال وإلا فترده .فإن قلت : فكان الورع يخالف الشرع وحكمه فأعلم أن الورع من الشرع أيضاً وكلاهما واحد في الأصل ، ولكن للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط فالجائز نقول له حكم الشرع والأفضل والأحوط نقول له ورع واللع تعالى أعلم .
وأما حد فضول الحلال : فإعلم أن أحوال المباح في الجملة أقسام :
القسم الأل : أن يأخذ العبد مفاخراً مكاثراً مرائياً فهذا يستوجب على ظاهرة فعله اللوم وعلى باطنه عذاب النار ، لأن ذلك القصد منه معصية وقد وقع الوعيد لمن قصده .
القسم الثاني : أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه فذلك منه شيء يوجب الحبس والحساب.
القسم الثالث : أن يأخذ من الحلال في حال العذرقدراً يستعيين به على عبادة ربه سبحانه وتعالى ويقتصر عليه فذلك منه حسنه وأدب ، ولا حساب عليه ولا عتاب بل يستوجب به الأجر والمدح ، والله تعالى أعلم .
صفحة 153
الباب العشرون
في بيان معرفة حيل الشيطان ومخادعاته
قال رحمه الله تعالى ورضى عنه : أما معرفة الحيل والمخادعات من الشيطان مع إبن آدم في الطاعات فهي من سبعة أوجه:
أحدهما: أنه ينهاه عن الطاعات فإن عصمه الله منه أمره بالتسويف فإن سلمه الله منه أمره بالعجلة فإن نجاه الله منه أمره بإتمام العمل مراءاة فإن حفظه الله تعالى منه أدخل عليه لاعجب، فإن رأس منه الله تعالى عليه أمره بالإجتهاد في السر وقال له إن الله تعالى سيظهره عليك يريد بذلك جريان الرياء فإن أكتفى بعلم الله تعالى نجا منه ، فإن لم يطعمه في شيئ من ذلك كله وعجز عنه وقال له لا حاجة لك إلى هذا العمل لأنك إن خلقت سعيداً لم يضرك ترك العمل، وإن خلقت شقياً لم ينفعك فعله ، فإن عصمه الله تعالى منه ، وقال له : أنا عبدوعلى العبد إمتثال أمر سيده ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد نجا منه بتوفيق الله تعالى وإلا هلك .
فصل في الحذر من النفس
قال رحمه الله تعالى ورضى عنه: العائق الرابع النفس ثم عليك بالحذر من هذه ا لنفس فإنها أضر الأعداء وعلاجها أعسر الأشياء لأنها عدو من داخل ، واللص إذا كان من أهل البيت عزت الحيلة فيه وعظم ضرره ولإنها أيضاً عدو محبوب والإنسان عم عن عيب محبوبه لا يكاد يرى عيبه ولا يبصره ، ثم الحيلة في أمرها أن تلجمها بالجام التقوى ولاورع ليحصل لك الفائدة الإمتثال والإنتهاء وأعلم أنه لا يذل النفس ويكسر هواها إلا ثلاثة أشياء :
الأول : منعها عن شهوتها .
الثاني : حمل أثقال العبادات عليها .
الثالث : الإستعانة بالله تعالى والتضرع إليه وإلا فلا يخلص من شرها إلا بها سبحانه وتعالى.
فصل في بيان ما يواخذ العبد به من أعمال القلب
وما لا يؤاخذ به
أعلم: أن ها هنا أربعة أحوال للقلب قبل العمل بالجوارح .
صفحة 154
أحدهما : الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الإعتقاد ثم الهم . فأما الخاطر : فلا يواخذ به لأنه لا يدخل تحت الإختيار ، وكذلك الميل وهيجان شهوة النفس ، لأنهما لا يدخلان تحت الإختبار ، أيضاً وهما المراد بقوله صلى الله عليه وسلم " عفا الله لأمتي ما حدثت به أنفسها" فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل . فأما الهم والعزم فلا يسميان حديث النفس.
وأما الثالث : وهو لإعتقاد، وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردد بين أن يكون إضطرارياً أو إختباراً والأحوال تختلف فيه .فالإختياري منه يواخذ به والإضطراري لا يواخذ به .
وأما الرابع : وهو الهم بالفعل ، فإنه يواخذ به إلا إن لم يفعل نظر فإن تركه خوفاً من الله تعالى زندماً على همه كنب له حسنة ، وإن تعوق الفعل بعائق أو تركه لا خوفاً من الله تعالى كتب عليه سيئة ، فإن همه فعل من القلب إختياري والدليل القاطع فيه : ما روىعن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ألتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما المقتول ؟ قال " لأنه أراد قتل صاحبه" وهذا نص في إنه صار من أهل النار بمجرد الإرادة مع قتل مظلوماً فكيف يظن أنه لا يواخذ بالنية والهم كلما دخل تحت إختيار القلب فإنه مواخذ به إلا أن يكفره بحسنة ونقض العزم بالندم حسنة ، فلذلك كتبت حسنة وأما فوات المراد بعائق فليس بحسنة.
الباب الحادي والعشرون
في بيان ما يجب رعايته من حقوق الله تعالى وهو ضربان
الأول : فعل الواجبات
والثاني : ترك المحرمات ففعل كل واجب تقوى وترك كل محرم تقوى فمن لأتى بخصلة منها فقد وفى في نفسه بها ما رتب على تركها من شر الدنيا والآخرة مع ما يحصل له من نعيم الجنان ورضا الرحمن.
وأعلم : أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بطاعته وطاعته فعل واجب أو مندوب وترك محرم أو مكروه، فمن تقواه تقديم ما قدم الله تعالى من الواجبات على المندوبات ، وتقديم ما قدمه من إجتناب المحارم المحرامات على ترك المكروهات ما يفعله الجاهلون الذين يظنون أنهم إلى الله متقربون وهم منه متباعدون فيضع أحدهم الوجبات حفظاً للمندوبات ، ويرتكب المحرمات تصوناً على ترك المكروهات . فكم من مقيم على صور الطاعات مع إنطواء قلبه على الرياء والغل والحسد والكبر والإعجاب بالعمل والإدلال على الله تعالى بالطاعات ، والتقوى قسمان أحدهما متعلق بالقلوب وهو قسمان :
صفحة 155
الاول : واجب كأخلاص العمل و الايمان.
و الثاني : محرم كالرياء و تعظيم الأوثان . والثاني منها: متعلق بالاعضاء الظاهرة كنظر العين . وبطش الأيدي ومشى الأرجل ونطق اللسان . واعلم أنه أذا صحت التقوى أثمر الورع و الورع ترك ما لا بأس به خوفا من الوقوع فيما به بأس ، والله تعالى أعلم.
فصل
اعلم: ان خيرات الدنيا و الاخرة قد جمعت تحت خصلة واحدة وهى التقوى، وتأمل مافي القرآن من ذكرها كم علق بها من خير وكم وعد عليها من ثواب وكم أضاف اليها من سعادة. ثم أعلم أن الذي يختص به هذا الشأن من أمر العبادة ثلاثة أصول :
الاول: التوفيق و التأييد أولا حتى تعمل وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى: (( أنا الله مع الذين اتقوا )) .
و الثاني : أصلاح العمل و اتمام التقصير حتى يتم وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : (( يصلح لكم أعمالكم )) . الاحزاب :81 .
و الثالث: قبول العمل اذا تم وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : (( انما يتقبل الله من المتقين )) المائدة :27. ومدار العبادة على هذه الاصول الثلاثة التوفيق و الاصلاح والقبول . وقد وعد الله تعالى ذللك كله على التقوى و أ:رم به المتقى سأل أو لم يسأل فالتقوى هي الغاية التي لا متجاوز عنها و لا مقصد دونها .
ثم أعلم ان حد التقوى في قول شيوخنا : هو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنهك مثله حتى يجعل العبد من قوة العزم على تركها وقاية بينه وبين العاصي . فأذا وطن قلبه على ذلك فيحنئذ يوصف بأنه متق ، ويقال لذللك التوبة و العزم تقوى .
ثم أعلم أن منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك ، وتقوى عن البدع ، وتقوى عن المعاصي الفرعية ، ثم شرور ضربان أصلى وهو مانهى عنه تأديبا كالمعاصي المحضة ، وشيء غير أصلى وهو ما نهى عنه تأديبا وهي فضول الحلال كالمباحات المأخوذة بالشهوات. فالاولى : تقوى فرض يلزم بتركها عذاب . والثانية : تقوى خير وادب يلزوم بتركها الحبس و الحساب و اللوم . فمن أتى الاولى فهو في الدرجة الاولى من التقوى وتلك منزلة مستقيم الطاعة ، ومن أتى الثانية : فهو الدرجة العليا من التقوى فأذا جمع العبد اجتناب كل معصية وفضول ، فقد استكمل معنى التقوى و هو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين. وأما الذي لا بد منه هاهنا فهو مراعاة الأعضاء الخمسة فإنهن الأصول وهي: العين والأذن واللسان والبطن والقلب. فليحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضرراً
صفحة 156
من حرام و فضول و اسراف من حلال ، فأذا حصلت صيانة هذه الاعضاء فترجو أن تكفى سائر أركانه وتكون قد قمت بحق التقوى بجميع بدنك الله تعالى .
واعلم أن علماء الاخرة رضى الله عنهم أجمعين قد ذكروا فيما يحتاج اليه العبد من هذا الامر سبعين خصلة محمودة في اضدادها المذمومة ، ثم الافعال و المساعي الواجبة المحظورة نحو ذلك فنظرنا في الاصول التي لا بد من ذكرها في علاج القلب ، و لا غنية عنها البتة في شأن العبادة فرأينا أربعة أمور وهو أفات المجتهدين وفتن القلوب تعوق وتشين وتفسد ، وأربعة في مقابلتها فيها قوام العباد و انتظام العبادة واصلاح القلوب . والافات الابع الاول : الامل و الاستعجال و الحسد والكبر . و المناقب الاربع : قصر الامل و التأني في الامور و النصيحة للخلق و التواضع و الخشوع . فهذه هي الاصول في علاج القلوب وفسادها ، فابذل المجهود في التحرز من هذه الافات و التحصيل لهذه المتاقب تكفى المؤنة و تظفر بالمقصود ان شاء الله تعالى .
فاما طول الامل : فانه العائق عن كل خير ، وطاعة الجالب لكل شر وفتنته الذي يوقع الخلق في جميع البليات . واعلم انه طال أملك هاج لك من أربعة اشياء :
الاول : ترك الطاعة و الكسل تقول : سوف أفعل .
والثاني : ترك التوبة و تسويفها تقول : سوف أتوب
و الثالث : يجرك الى الرغبة في الدنيا و الحرص عليها تقول : اي شي أكل و البس فتهتم لها و أقل مافي الباب أنه يشتغل قلبك ويضيع عليك وقتك ويكثر عليك همك .
و الرابع : القسوة في القلب و النسيان للاخرة ، لانك اذا أملت العيش الطويل لا تذكر الاخرة بل لا تذكر الموت و لا القبر ، فأذا يصير فكرك في الدنيا فيقسو قلبك من ذلك كما قال الله تعالى : (( فطال عليهم الامد فقست قلوبهم )) . الحديد :16 . وانما رقة القلب وصفوه بذكر الموت و القبر و أحوال الاخرة .
و أما حد كول الامل ، فقال العلماء : هو أرادة الحياة للوقت المتراخى بالحكم ، وقصر الامل ترك الحكم فيه بقيده بالاستثناء بمشيئة الله الله تعالى وعلمه في الذكر أو بشرط اصلاح في الارادة . فاذا ذكرت حياتك بأنك تعيش بعد نفس أو ساعة ثانية بالحكم و القطع فأنت أمل ة ذلك منك معصية اذ هو حكم على الغيب ، فأن قيدته بالمشيئة و العلم لله تعالى بأن تقول : أعيش ان شاء الله تعالى ، فقد خرجت عن حكم الامل ووصفت بقصر الامل من حيث تركت الحكم فيه ، و المراد بالذكر ذكر القلب ثو المراد منه توطين القلب على ذلك و التثبيت للقلب عليه ، فافهمه راشدا ، ثم الامل ضربان : أمل العامة و أمل الخاصة . فأمل
صفحة 157
العامة : هو ان يريد البقاء لجمع الدنيا و التمتع بها . فهذه معصية وضدها قصر الامل .
وأمل الخاصة : هو انه يريد البقاء لاتمام عمل خير فيه خطر ، وهو ما لا يستقين الصلاح له فيه . فانه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد فيه أو في اتمامه صلاح بل يقع في انه لا يقوم بهذا الخير ، فاذا ليس للعبد ابتداء في صلاة أو صوم او غيرهما أن يحكم بأن يتمه اذ هو غيب ولا ان يقصد ذلك قطعا ، بل يفيد يقيده بالاستثناء وشرط الصلاح ليتخلص من عيب الامل وضد ذا الامل فيما قال اللعلماء : النية المحمودة لان الناوى بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الامل فهذا حكمه ، واما النية المحمودة : فهى الاصل الاصيل وقذ ذكروا في حدها الجامع التام أنها أرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الاعمال بالحكم مع ارادة اتمامه بالتفويض و الاستثناء .
فان قيل : لم جاز الحكم في الابتداء ووجب التفويض و الاستثناء في الاتمام ؟ فيقال : لفقد الخطر في الابتداء اذ هو الحال الابتداء ليس بشيء متزاح عنك ولثبوت الخطر في الاتمام ، لانه يقع في وقت متزاخ ، ففيه خطران : خطر الوصول لانك لا تدري هل لك في ذلك صلاح أم لا . فاذا حصلت الارادة على هذه الشروط تكون حينئذ نيه محمودة مخرجة عن حكم الامل و افاته ، و الله تعالى أعلم .
واعلم ان حصن تقصير الامل هو ذكر هجوم الموت واخذه على غفلة و غرة فاحتفظ بهذه الجملة فان الحاجة ماسة اليها ودع منك القيل و القال من غير طائل والله الموفق . و أما الاستعجال و الترقي : فانه الخصلة المفوته للمقاصد الموقعة في المعاصي .
و أعلم أن الاصل الصبادة وملاكها الورع و الورع اصله النظر البالغ في كل شي و البحث التام عند كل شي هو بصدده من اكل و الشرب ولبس وكلام و فعل . فــاذا كان الرجل مستعجلا في الامور غير متأن متثبت لم يقع منه نظر وتوقف في الامور كما يجب ويسارع الاكل الى الاكل كل الطعام فأنه يقع في الحرام و الشبهة و الى كل الكلام فانه يقع في الزلل و كذلك في كل امر يفوته الورع و اي خير في عبادة بلا ورع فحق على العبد ان يهتم لازالة هذ الافة والله الموفق . و ما حد العجلة : فهو المعنى الراتب في القلب الباعث على الاقدام على الامر بأول خاطر دون التوقف وضدها الاناة وهي المعنى الراتب في القلب الباعث على الاحتياط في المور و التأنى في اتباعها و العمل بها .
وأما التوقف : فضدها التعسف و الفرق بين التوقف و التأنى ان التوقف يكون قبل الدخول في الامر حتى يؤدي الى كل جزء منه حقه .
وأما الحسد : فهو المفسد للطاعات الباعث على الخطيئات المورث للتعب والهم في غير فائدة ، بل مع كل وزر و الموجب عمى القلب كفى بالحاسد اضلالا وخسرانا انه عدو
صفحة 158
لنعمة الله تعالى ومعاند لارادته وساخط لقضائه . واما حد الحسد : فهو أرادة زوال نعمة الله تعالى عن أخيك المسلم مما له في صلاح ، فانه لم ترد زوالها ولكن أردت لنفسك مثلها فهى غبطة ، فان لم يكن له فيها صلاح فأردت زوالها عنه فذلك غيرة فهذا هو الفرق بين الخصال . و أما الحسد : فالنصيحة وهي أرادة بقاء نعمة الله تعالى على أخيك المسلم
فيما له فيما صلاح ، فان اشتبه عليك الامر فلا ترد زوال نعمة عن أحد من المسلمين ولا بقاءها الا مقيدا بالتويفض الى الله تعالى لتخلص من حكم الحسد تحصل لك فائدة النصيحة . أما حصن النصيحة المانع من الحسد : فهو ذكر ما اوجبه الله من موالاة المسلمين ، وحصن هذا الحصن هو ذكر ما عظم الله تعالى من حقه ورفع قدره وما له عند الله تعالى من الكرامات في العقبى وما لك من الفوائد الدينية الدنيوية دنيا و أخرى والله الموفق . وأما الكبر : فهو الخصلة المهلكة رأسا أما تسمع قول الله تعالى عن ابليس : (( أبى و استكبر وكان من الكافرين )) البقرة : 34 . واما حد الكبر : فاعلم انه خاطر في رفع النفس و استعظامها و التكبر اتباع ما ينافى التواضع و كل واحد منهما عام وخاص ، فالتواضع العام هو الاكتفاء بالدون من الملبس و المسكن ومافي معناها و التكبر في مقابلته الترفع عن ذلك وهو معصية كبيرة .
واعلم ان حصن التواضع العام هو ان تذكر مبدأك ومنتهاك ، وما انت عليه الان من ضروب الافات و الاقذار ، وحصن التواضع الخاص وهو ذكر عقوبة العادل عن الحق فهذه جملة كافية كافية لمن استبصر والله تعالى الموفق .
الباب الثاني و العشرون في
بيان المعنى حقيقة حسن الخلق وسوئه
اعلم ان السعادة كلها و الباقيات الصالحات أجمعها التى تبقى معك اذا غرقت سفينتك في شيئين : الاول : سلامة القلب وطهارته من غير الله تعالى لقوله : (( الا من أتى الله بقلب سليم )) الشعراء : 89 . و الثاني : امتلاء القلب بمعرفة الله تعالى التر هي المقصودة من خلق العالــم وبعثه الرسل صلى الله عليهم وسلم ، وحسن الخلق : هو الجامع لهما ولا أعلم خصلة تزيد عليه في الفضل ، ولذلك امتدح الله تعالى به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : (( وانك لعلى خلق العظيم )) . القلم :4 . وقال الله تعالى : (( اليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه )) . فاطر : 1 . و الكل الطيب هو التوحيد و المعرفة و العمل الصالح هو الطهارة القلب الرافعة لقدر التوحيد و المعرفة ، ومعنى الرفعة
الصفحة رقم 159
هو حضور القلب وتأثيره بهما لينقاد خضوعاً ومسكنة ومهابة . فحينئذ يكون قريباً من الله تعالى . فأما حقسقة حسن الخلق : فاعلم أن للإنسان صورة باطنة وهي التي بعثت الأنبياء عليهم السلام بتقويمها وتزكيتها وكمال إعتدالها وذلك أن تصدر عنها الأخلاق المحمودة بسهولة بلا روية ولا فكر . وهذا هو معنى حقيقة حسن الخلق ، وسوء الخلق يكون بعكس ذلك . واعلم أن جملة الأخلاق المحمودة والمذمومة تصدر عن ثلاث صفات هن كالأمهات :
الصفة الأولى : العقل وقوته وإعتداله بالعلم والحكمة وحقيقة الحكمة معرفة الحق من الباطل في الإعتقادات والصدق من الكذب في الأقوال والحسن من القبيح في الأفعال.
الصفة الثانية : قوة الغضب الدافعة للضرر وهي خلقت لذلك فكمالها وإعتدالها أن تكون منقادة للحكمة أن أشارت الحكمة لها بالإسترسال أسترسلت أو بالإنقباض إنقبضت كالكلب المعلم .
الصفة الثالثة: قوة الشهوة الجالبة للنفع وهي خلقت أيضاً مطيعة للعقل فحسنها وإعتدالها في إذعانها للحكمة . وإعلم أن المطلوب من الأخلاق الإعتدال والوقوف على وسط الأمور لقوله : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) ( سورة الإسراء 29) فصار العدل من هذه الصفات الثلاث ركناً رابعاً . فأما مثال الإعتدال في الصفات فبحسبها وإعتدالها يصدر عنها التدبير وجودة الذهن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس ، وأما إفراطها فيصدر عنه المكر والخداع والدهاء وشبه ذلك ، ومن تفريطها يصدر البله والغباوة والحمق والجنون. فأما الغباوة : فهي قلة التجربة والحمق صحة القصد مع فساد السلوك والجنون فسادهما جميعاً. وأما قوة الغضب : فلها إعتدال يسمى الشجاعة يصدر عنه الكرم والنجدة وكظم الغيظ والوفاء بالعهد ، ولها إفراط يصدر عنه التكبر والعجب والإستعاطة وشبه ذلك ، ولها تفريط يصدر عنه المهانة والذلة والجزع والإنقباض مع تناول الحق الواجب . وأما قوة الشهوة : فلها إعتدال يسمى العفة يصدر عنه السخاء والصبر ولاورع والمساعدةوقلة الطمع ، ولها إفراط يصدر عن الحرص والشره وشبههما ، ولها تفريط يصدر عنه الحسد والشماته والعتب وشبه ذلك فأمهات محاسن الأخلاق الحكمة والشجاعة والعفة والعدل والمكمل لكل واحدة من الثلاث وما سوى ذلك فروع لهذه الأربعة ، لم يبلغ كمال هذه الأربع إلا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله التوفيق .
ص 160 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
فصل في بيان حد التواضع وحقيقته ونهايته وعلامته
وعلى الجملة فالتواضع متخلق بأخلاق الله تعالى وكفى بها شرفاً في الآخرة وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "من تواضعَ لله رفعَهُ الله" . فأما حد التواضع : فهو ضبط الأحوال والاختيار عن التفريط والإفراط فلا تتكبر ولا تتخاسس . وأما حقيقته : فهو الذل والإذعان والانقياد للحق بسهولة والحق يطلق على الله تعالى وعلى أمره. وأما نهايته : فهو أن لا يحس بالذل إذا مدح ولا يتألم بالذم إذا ذم لعلمه بحكمة الله سبحانه وتعالى وتوحده بالأفعال ، لأن العبد لا يحس بالذل بين يدي سيده وهذه طريقة الموحدين ، لأن المتواضع يرى لنفسه قدراً فيضعه والموحد لا يرى لنفسه قدراً حتى يضعه . فالمتواضع ضابط لأفعاله الاختيارية فلا يتكبر ولا يتخاسس ، وإن جرى عليه ذل من غير اختياره ، وطريقة الأولياء الرضى ووجدان اللذة ، لأنه جرى بقدر الله تعالى وعلمه وإرادته فهو لا يحس بالذل لقصور نظره على حكم الله تعالى وجميل فعله إنما يحس بالذل المتكبر الجاهل الغافل القاصر نظره على فعل الأفعال ، وكلما كان أكثر ذلا كان أكثر كبراً . وأما العلماء بالله تعالى فلا يشهدون لغير الله ولا يتهمونه في حكم من الأحكام ، بل يعرفون أن ذلك علامة كرامتهم.
وقد أشار بعض الأئمة رحمهم الله تعالى إلى أن المعرفة لا توجد إلا في قلوب المتواضعين الذين صار الذل صفتهم الذاتية فهم بقدرة الله تعالى ونظره ينقلبون إن رفعوا إلى السماء لم يزدادوا في نفوسهم كمالاً وإن خفضوا إلى منتهى الخفض لم يجدوا في أنفسهم نقصاً كذلك ، لأنهم مسلوبوا الإرادة والاختيار لعلمهم أن الكمال المطلق فيما حكم الله تعالى وقضاء فيهم ، ولأنهم يجدون المزيد من الله تعالى في أحوالهم بذلك فهو رتب المقربين . وأما الصالحون فتواضعهم على قدر معرفتهم بنفسهم وربهم. وأما علامة التواضع : فهو أ، لا يأنف من الحق إذا أمر به ، فإن وجد في نفسه ألفة من ذلك فهو متكبر عن قبول الحق وذلك معصية كبيرة ، والله تعالى أعلم.
الباب الثالث والعشرون
في بيان معنى الفكر ومقدماته ولواحقه
فمقدماته مساع وتيقظ وذكر ولواحقه العلم ، لأن من سمع تيقظ ، ومن تيقظ تذكر ومن تذكر تفكر، ومن تفكر علم ، ومن علم إن كان علماً يراد للعمل ، وإذ كان علماً يراد لذاته سعد والسعادة غاية المطلب.
ص 161 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
أما السماع : فحقيقته الانتفاع بالمسموع من حكمه أو موعظة وما يضاهيهما ، وشرطه الاستماع وهو الإصغاء وهو واجب في استماع كل علم هو فرض عين مدركه السمع ومستحب فيما سواه في العلوم المحمودة ويحرم فيما حرم الشارع من المحرمات ويكره فيما يكره استماعه.
وأما اليقظة : فحقيقتها انتباه القلب للخير . وعلامة الانتباه : القومة والنهوض عن ورطة الفترة والقومة واجبة على الفور في الأوامر والنواهي الفورية وهي متعلقة بكل مقام .
وأما التذكر : فهو تكرار المعارف على القلب لتثبت وترسخ.
وأما التفكر: فهو أ، تجمع بين علمين مناسبين للعلم الذي أنت طالبه بشرط عدم الشك فيهما وفراغ القلب من غيرهما ويحدق النظر فيهما تحديقاً بالغاً فلم يشعر إلا وقد انتقل القلب من الميل الخسيس إلى الميل النفيس إحضاراً لمعرفتين يسمى تذكراً والتذكر يتعلق بالعقد والقول والفعل والترك وهو واجب فيما يجب تذكره ، ويحرم بتذكر المعاصي إن أدى إلى استجلابها . وحصول المعرفة الثالثة المقصود من هاتين المعرفتين يسمى تفكراً ، والتفكر واجب عند الشك وعند ورود الشبهة وعند علاج الأمراض الواجب إزالتها من القلوب .
وأما العلم فيندرج في خمسة أقسام :
الأول : من العلوم الواجبة علم أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
الثاني : علم العبادات المتعلقة بالأبدان والأموال.
الثالث: علم يتعلق بالحواس الخمس اللسان والفرج والبطن والسمع والبصر.
الرابع : علم الأخلاق المذمومة الواجب إزالتها من القلب.
الخامس : علم الأخلاق المحمودة الواجبة لله تعالى على القلوب.
الباب الرابع والعشرون
في بيان معنى التوبة ويضاف إليها الفرار والإنابة والإخبات لأنهن من ثمراتها
أما التوبة : فحقيقتها الرجوع من المعصية إلى الطاعة ، ومن الطريق البعيدة إلى الطريق القريبة وتنظيم من علم وحال وعمل.
وكذلك كل مقام فالعلم هو الأصل الذي هو عقد من عقود الإيمان بالله تعالى أو لله تعالى ، والحال ما ينشأ عنها من المواجيد ، والعمل هو ما تنشئه المواجيد على القلوب والجوارح من الأعمال ن ويتقدم التوبة واجبان:
ص 162 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
الواجب الأول : معرفة الذنب المرجوع عنه أنه ذنب.
الواجب الثاني : أنه لا يستبد بالتوبة بنفسه ، لأن الله تعالى هو خالقها في نفسها ومسير أسبابها ، وهو من الإيمان تعالى لتعلقه بالقدرة ، والثاني من الإيمان له لتعلقه بأخباره.
وأما أركانها فأربعة : علم وندم وعزم وترك والقدر الواجب من الندم ما يحث على الترك.
وأما الفرار: فحقيقته الهرب من المعصية إلى الطاعة ، وهذا هو الفرار الواجب المبني على أصل الإيمان ورجوع العبد من الشواغل الملهية إلى الله تعالى ، ومن الحسن إلى الأحسن هو أيضا توبة ورجوع ، وبه كمال السعادة في الآخرة ، وهذا هو الفرار الواجب المبني على كمال الإيمان ، وعلى هذا فلا نهاية لمراتب التوبة ومراقبها وهذا هو الإنابة لأن حقيقة الإنابة تكرار الرجوع إلى الله تعالى وإن لم يتقدمه ذنب.
وأما الاخبات : فهو الإذعان والانقياد للحق بسهولة .
واعلم أن التوبة تصح من كل ذنب لا دون ذنب ، والله تعالى أعلم.
الباب الخامس والعشرون
في بيان الصبر ويضاف إليه الرياضة والتهذيب لأنهما من ثمراته
أما علمه : فهو تصديق الله تعالى فيما أخبرنا به من عداوة النفس والشيطان والشهوات للعقل والمعرفة والملك الملهم للخير، وأن القتال بينهم دائم فمن خذل جند الشيطان ونصر حزب الله أدخله جنته وهذا واجب لأنه من الإيمان بالله تعالى ، وأما الحال الناشئ عن هذا الإيمان ، فهو ثبات باعث الهوى والقدر الواجب منه تقويته بالوعد والوعيد إلى أن يغلب حزب الله تعالى جند الشيطان "ألا إن حزب الله هم الغالبون".
وأما الرياضة : فهو تمرين النفس على الخير ونقلها من الخفيف إلى الثقيل باللطف والتدريج إلى أ، يرتقى إلى حالة يصير ما كان عنده من الأحوال والأعمال شاقاً سهلاً هيناً .
وأما التهذيب : فهو امتحان النفس واختيار أحوالها في دعوى المقامات هل صدقت أو كذبت ، وعلامة اعتدال مقام الصبر أن تصدر عنه الأعمال بسهولة بلا مانع ولا منازع. والله تعالى الموفق.
ص 163 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
الباب السادس والعشرون
في الخوف ويضاف إليه الحزن والقبض والإشفاق والخشوع
لانهن من أنواعه وكذلك الورع لأنه من ثمراته
أما علمه : فهو مطالعة صفات الإلوهية وتعلقها بالتقريب والإبعاد والإسعاد والإشقاء من غير وسيلة ولا سابقة ، وهذا الخوف يراد لذاته ويجب اعتقاده لأنه من الإيمان بالله تعالى ينتفع بهذا الخوف من أخرجته رؤية كثرة الأعمال إلى الإذلال والآمن من مكر الله إذ لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وأما الخوف المراد لغيره ، فهو قسمان أحدهما : خوف سلب النعمة وهو يحث على الأدب ورؤية المنة . والثاني : خوف العقوبات المرتبة على الجنايات ، والقدر الواجب منه ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات . وأما حاله ، فهو تألم القلب وانزعاجه بسبب توقع مكروه أو على فائت . فإن كان محمودين كان له حكمهما في الوجوب والاستحباب ، وان كانا مكروهين له حكمهما في الحظر والكرامة.
وأما حقيقة القبض : فهو يطرق القلب تارة يعلم سببه فحكمه حكم الحزن ، وما لم يعلم سببه فهو عقوبة للمريدين لسبب إفراطهم في البسط.
وأما حقيقة الإشفاق : فهو اتخاذ الخوف بالرجاء واعتدالهما ، وأما حقيقة الخشوع فهو سكون القلب والجوارح وعدم حركتهما لما عاين القلب من عظيم أو مفزع.
وأما حقيقة الورع: فهو مجانبة الشيء حذرا من ضرورة ، والله تعالى أعلم.
الباب السابع والعشرون
في بيان الرجاء ويضاف إليه الرغبة ، لأنها من أنواعه وكذلك البسط لأنه من ثمراته
أما علمه : فهو أيضاً مطالعة الصفات القديمة التي يصدر عنها كل ما ساء وسر ونقع وضر ، فمن عرف هذا من صفاته خافه ورجاه وهذا هو الرجاء المقصود لذاته ، لأنه لا يتوقع بحسنة ولا يندفع بسيئة إنما ينشأ عن فضل الله تعالى لمن سبقت له السعادة ، ويندفع بهذا الرجاء من أخرجه الخوف إلى القنوط.
وأما الرجاء والمراد لغيره : فهو ما يحث على تكثير الطاعات ، فإن لم يحث على تكثير الطاعات كان تمنياً ، لأن حقيقة الرجاء هو ارتياح القلب وانشراحه لانتظار محبوب تقدمت أسبابه.
وأما الرغبة : فهي استيلاء هذا الحال على قلب الراجي حتى كأنه يشاهد به المأمول فهي كمال الرجاء ومنتهى حقيقته.
وأما البسط : فهو انشراح القلب وانفتاح طريق الهدى له بروح الرجاء.
ص 164 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
الباب الثامن والعشرون
في بيان الفقر ولواحقه التبتل والفناء والتجريد
أما الفقر: فهو الفقد والاحتياج ، ولكن الاحتياج على ضربين : مطلق ومقيد .
أما المطلق : فهو احتياج العبد إلى العبد إلى موجد يوجده وإلى بقاء بعد الإيجاد وإلى هداية إلى موجده وهذا هو الفقر إلى الله تعالى ، لأن الله هو موجده ومبقيه وهاديه إليه وهذا الفقر واجب لأنه من الإيمان بالله ولله.
وأما الحال الذي ينشأ عن هذه المعرفة : فهو شهود العبد لفقره وحاجته إلى الله تعالى على الدوام.
وأما الاحتياج المقيد : فهو احتياج العبد إلى الوسائل التي تقوم بها ذاته ويستعان على تحصيلها بالمال هو المفقود المحتاج إليه ، فالفقر المطلق يراد لذاته لتعلقه بالله تعالى ، والمقيد يراد لغيره وهو التبتل والانقطاع إلى الله وهما الوسيلة للغنى بالله تعالى وهو تعلق القلب به سبحانه وتعالى ، والغنى بالله تعالى وسيلة إلى تجريده عما سوى الله تعالى ، ولا يجب من التجريد إلا اعتقاد تجريد القديم عن الحادث ، والله تعالى أعلم.
الباب التاسع والعشرون
في بيان الزهد ويضاف إليه الإيثار والفتوة لأنهما من أخلاقه وكذلك مقام المراد ، لأنه من مواريثه
أما العلم الذي هو سبب الزهد في الدنيا : فهو الإيمان لله تعالى وهو قوله تعالى : {بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى } [الأعلى :16 ،17 ] . وأما سبب الزهد فيما سوى الله تعالى من نعيم الجنة وغيرها ، فهو إضافة حقارة الوجود إلى الله تعالى وكماله ، وهذا هو الزهد المراد لذاته وهو من الإيمان بالله تعالى لتعلقه بالجلال والكمال ، والزهد الذي قبله مراد لغيره وهو فراغ القلب لهذه المعرفة ، والقدر الواجب من الزهد المراد لغيره ما يحث على الفراغ لأوقات الواجبات والزهد لا يتعلق إلا بالمباح . ومن شرطه أن يكون مقدورا عليه.
وأما ثمرته : فهو الإيثار وهو أعلى درجات السخاء ، لأن السخاء هو بذل ما لا يحتاج إليه سمحاً لا تكلفا ، والإيثار هو بذل ما هو محتاج إليه سمحاً بغير عوض ولا غرض إلا لتخلقه بأخلاق الله سبحانه وتعالى.
ص 165 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
وأما الفتوة : فهي ترجع إلى أخلاق المروءة ، فمن قام بواجب الشرع وواجب المروءة فهو الفتى ، ومن شارك أبناء الدنيا فيما هم فيه فلا فتوة له ولا مروءة . وأما مقام المراد ، فهو الذي وقف على حقيقة الأمر بغير منازع ولا مدافع ولم يشغله عن الله تعالى شيء والله أعلم.
الباب الثلاثون
في بيان المحاسبة ولواحقها الاعتصام والاستقامة لأنهما الثمرة المقصودة
اما المحاسبة فحقيقتها تفقد ما مضى وما يستقبل وهي واجبة بإجماع الأمة . أما العلم الحامل عليها : فهو الإيمان بمحاسبة الله تعالى . وهذه المحاسبة توجب الاعتصام والفرق بين الاعتصام والاستقامة أن الاعتصام هو التمسك بكتاب الله تعالى والحفظ لحدوده والاستقامة هي الثبات والاعتدال عن الميل إلى طرفي الأمر المعتصم به والاستقامة مرادة لذاتها ولغيرها . أما كونها لذاتها فلأنها وسيلة إلى الدخول في مقام الجمع من وادي التفرقة ، والله أعلم.
الباب الحادي والثلاثون
في بيان الشكر ، ولواحقه السرور ، لأنه من أحواله والحكمة لأنها من أعماله
أما العلم الذي هو سبب الشكر : فهو أن تعلم أن النعم كلها من الله تعالى وحده . وهذا واجب ، لأنه من الأيمان بالله تعالى قال الله تعالى : } وما بكم من نعمة فمن الله {[النحل :53 ] . وشكر المنعم واجب وهو من الإيمان . وأما الحال الناشئ عن هذا العلم فهو الفرح والسرور بأنعم الله فهذا الفرح شكر بنفسه ، لأنه مراد لذاته وهو واجب لأنه من الإيمان بالله تعالى وهو ثمرة الإيمان بالله تعالى . وأما عمل الشكر : مراد لذاته ولغيره أما كونه مراداً لذاته فلأن العمل باستعمال النعمة فيما خلقت له من تمام الحكمة . أما كونه مراداً لغيره فلحفظ النعم الموجودة والزيادة عليها . وعلى الجملة ، فالشكر هو استعمال النعمة فيما خلقت له فمن اعتدلت له أحواله حتى وضع كل شيء موضعه كان حكيماً لأن الحكمة وضع كل شيء محله علماً كان أو عملاً وبالله التوفيق.
ص 166 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
الباب الثاني والثلاثون
في بيان التوكل ولواحقه التفويض والتسليم والثقة والرضا لأنهن من آدابه
أما العلم الحامل على التوكل : فهو أن تعلم أن الله قائم بنفسه وأنه مقيم لغيره ، ثم تعلم سعة علمه وحكمته وكمال قدرته.
وأما الحال الناشئ عن هذا العلم : فهو اعتماد القلب على الله تعالى وسكونه ، وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى ، ولا يجب على من علم التوكل وحاله إلا ما يكف عن الأسباب المحظورة . والتوكل مع شرفة منخفض الرتبة عن التفويض والتسليم ، لأن غايته طلب جلب النفع ودفع الضر ، والتفويض والتسليم حقيقتهما الانقياد والإذعان للأمر وترك الاختيار في جملة ما حكم الله تعالى به.
وأما الثقة : فمعناها الربط على القلب وعدم الانفصام على ما حواه من التصديقات وهي حاله مكملة لجميع المقامات والأحوال.
وأما الرضا : فإنما يكون بعد المقضى به ، والتفويض والتسليم يكون قبل المضي به والقدر الواجب من الرضا هو أن يكون راضياً بعقله وأن يكون راضيا بعقله وان يكون كارهاً بطبعه ، لأن الكراهية لا تدخل تحت اختيار العبد ، فمن كره بعقله شيئاً مما امتحن الله تعالى به عباده في الدنيا والآخرة أو شكا بلسانه آثم وخرج عن واجب الرضا وبالله التوفيق.
الباب الثالث والثلاثون
في بيان النية ويضاف إليها القصد والعزم والإرادة لأنهن من توابعها
فأما النية : فهي الوسيلة بعد الإيمان إلى السعادة العظمى في الأولى والعقبى ، فإذا عرفت هذا وجب عليك فهم حقيقتها أو تحصينها مما يشوبها من الخطوط الدنيوية وجوباً وعن الأغراض والأعواض الأخروية استحباباً . فأما النية : فهي عبارة عن تميز الأغراض بعضها عن بعض فأما القصد : فهو جمع الهمة نحو الغرض المطلوب والعزم هو تقوية القصد وتنشيطه ، والإرادة تصرف الموانع المثبطة.
الباب الرابع والثلاثون
في بيان الصدق ويضاف إليه الانفصال والاتصال والتحقيق والتفريد لأنهن من علاماته
اما الصدق في حق الله تعالى ، فهو وصف ذاتي راجع إلى معنى كلامه.
ص 167 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
وأما الصدق في وصف العبد : فهو استواء السر والعلانية والظاهر والباطن ، وبالصدق يتحقق جميع المقامات والأحوال حتى أن الإخلاص مع جلالته يفتقر إلى الصدق والصدق لا يفتقر إلى شيء ، لأن حقيقة الإخلاص في العبادة هو إرادة الله تعالى بالطاعة ، فقد يراد الله تعالى بالصلاة مثلاً ولكنه غافل من حضور القلب فيها والصدق هو إرادة الله تعالى بالعبادة ، مع حضوره مع الله تعالى فكل صادق مخلص وليس كل مخلص صادقاً. وهذا معنى الانفصال والاتصال ، لأنه انفصل عن غير الله تعالى واتصل بالحضور بالله تعالى.
وأما التحقيق : فهو تمييز المقامات والأحوال بعضها من بعض وتخليصها من الأغيار والشوائب .
وأما التفريد : فهو وقوف العبد مع الله تعالى بلا علم ولا حال لشهوده تفرد الله تعالى بإيجاد كل موجود وشمول قدرته كل مقدور.
الباب الخامس والثلاثون
في بيان الرضا
قال الحارث : الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم ، وقال ذو النون : الرضا سرور القلب بمر القضاء . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ذاق طعم الإيمان من رضا بالله ربا" وقال عليه السلام : "إن الله بحكمته جعل الروح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" . وقال الجنيد : الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلوب ، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضا ، وليس الرضا والمحبة كالخوف والرجاء فإنهما حالان لا يفارقان العبد في الدنيا والآخرة ، لأنه في الجنة لا يستغنى عن الرضا والمحبة . وقال ابن عطاء: الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى له وهو ترك السخط ، وقال ابو تراب : ليس ينال الرضا من الله من الدنيا في قلبه مقدار . وقال سرى : خمس من أخلاق المقربين الرضا عن الله تعالى ، فيما تحب وتكره والحيلة بالتحبب إليه ، والحياء من الله تعالى ، والأنس به ، والوحشة فيما سواه . وقال الفضيل الرضا أن لا يتمنى فوق منزلته شيئاً ، وقال ابن سمعون : الرضا بالحق والرضا به والرضا عنه الرضا به مدبرا ومختاراً والرضا عنه قاسماً ومعطياً ، والرضا له إلها ورباً.
سئل أبو سعيد : هل يجوز أن يكون راضياً ساخطاً ؟ قال : نعم يجوز أ، يكون راضياً عن ربه ساخطاً على نفسه وعلى كل قاطع يقطعه عن الله تعالى.
وقال بعضهم للحسن بن علي رضي الله عنهما إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إلي من
ص 168 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة . فقال : رحم الله أبا ذر .أما أنا فأقول من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله.
وقال علي عليه السلام : من جلس على بساط السؤال لم يرض عن الله في كل حال ، وقال : الشلبي : بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا بالله قال قولك هذا إذا ضيق صدر فقال : صدقت فقال : ضيق الصدر ترك الرضا بالقضاء ، وهذا قاله الجنيد تنبيها منه على أصل الرضا ، وذلك لأن الرضا يحصل لانشراح القلب وانفساحه وانشراح القلب من نور اليقين ، فإذا تمكن النور من الباطن اتسع الصدر وانفتح عين البصيرة وعاين حسن تدبير الله تعالى فينتزع السخط والضجر ، لأن انشراح القلب يتضمن حلاوة الحب وفعل المحبوب بوقوع الرضا عند المحب الصادق ، لأن المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده. كما قيل : وكل ما يفعل المحبوب محبوب فالقوم يكرهون خدمة الأغيار ويأبون مخالطتهم أيضا . فإن من لا يحب طريقهم ربما استضر بالنظر إليهم أكثر مما ينتفع بهم.
ورد في الخبر : المؤمن مرآة المؤمن . فأي وقت ظهر من أحدهم أثر التفرقة نافروه ، لأن التفرقة تظهر بظهور النفوس وظهور النفوس من تضييع حق الوقت . فأي وقت ظهرت نفس الفقير علموا خروجه من دائرة الجمعية وحكموا له بتضييع حكم الوقت وإهمال السياسة وحسن الرعاية فيعاد بالمناقشة إلى دائرة الجمعية.
الباب السادس والثلاثون
في بيان النهي عن الغيبة
قال الله عز وجل }أيحب أحدكم أ، يأكل لحم أخيه ميتا { [الحجرات : 12 ] وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقم الرجل ، فقال بعض القوم : ما أعجز فلاناً ، فقال : " أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه" .
وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران عليه السلام : " من مات تائباً من الغيبة فهو آخر رجل يدخل الجنة ، ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار "
وقيل : دعى ابراهيم بن أدهم إلى دعوة فحضر فذكروا رجلاً لم يأتهم بالغيبة . فقال ابراهيم : إنما فعل بي هذا نفسي حيث حضرت موضعاً يغتاب فيه الناس فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام.
وقيل : مثل الذي يغتاب الناس كمثل من نصب منجنيقاً يرمي به حسناته شرقاً وغرباً.
وقيل : يؤتى العبد يوم القيامة كتابه فلا يرى فيه حسنة فيقول : أين صلاتي وصيامي
ص 168 مجموعة رسائل الأمام الغزالي
وطاعتي ؟ فيقال : ذهب عملك باغتيابك الناس ، وقيل : من اغتيب بغيبة غفر الله له نصف ذنوبه.
وقيل : يعطى الرجل كتابه بيمينه فيرى فيه حسنات لم يعلمها ، فيقال : هذا بما اغتابك الناس وأنت لم تشعر. وقيل للحسن البصري : إ، فلاناً اغتابك فبعث إليه طبقاً فيه حلوى وقال : بلغني أنك أهديت إلى حسناتك فكافأتك.
وعن الجنيد قال : كنت ببغداد في مكان أنتظر جنازة أصلي عليها فلقيت فقيراً عليه أثر النسك يسأل الناس ، فقلت في نفسي / لو عمل هذا عملاً به يصون نفسه كان أجمل به . فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الورد بالليل فلما قضيته ونمت رأيت ذلك الفقير جاءوا به على خوان ممدود ، وقالوا لي : كل لحمة فقد اغتبته فكشف لي عن الحال ، فقلت : ما اغتبته إنما قلت في نفسي . فقيل : ما أنت ممن يرضى منك بمثله اذهب واستحلله فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته يلتقط من الماء أوراقاً من البقل مما يتساقط من غسل البقل ، فسلمت عليه ، فقال : يأ أبا القاسم تعود ؟ فقلت : لا فقال : غفر الله لنا ولك.
الباب السابع والثلاثون
في بيان الفتوة
الفتى من تخلى عن تدبير نفسه وماله وولده ووهب الكل لمن له الكل بل ليس له ما يهب فإنها ذهبت في قوله تعالى } إن الله اشترى من المؤمنين أ،فسهم وأموالهم { [التوبة :111 ] . تخلق بقوله تعالى: } إن الله يأمر بالعدل والإحسان{ [النحل :90 ] . ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله تعالى شيئاً إلا جمعه ، وما ترك الفحشاء والمنكر من معصية الله تعالى شيئاً إلا جمعه . فتوة العامة بالأموال ، وفتوة الخاصة بالأموال والأفعال ، وفتوة خاص اخواص بهما والأحوال ، وفتوة الأنبياء بهما والأسرار ، وهو الذي ليس في باطنه دعوى ولا في ظاهره تصنع ومراءاة ، وسره الذي بينه وبين الله تعالى لا يطلع عليه صدره ، فكيف الخلق . ومن شأن الفتى النظر إلى الخلق بعين الرضى وإلى نفسه بعين السخط ومعرفة حقوق من هو فوقه ومثله ودونه ولا يتعرض لإخوانه بزلة أو حقرة أو كذب ، وينظر إلى الخلق كأنهم أولياء غير مستقبح منهم إلا ما خالف الشرع مع أن ذلك ينسبه إلأى الشيطان ذنباً لا إلى أخيه المسلم . فكيف إلى الله عز وجل مع أنه يغيره بيده ، فإن لم يستطع فبقلبه والإياس من الخلق وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر وإظهار الغنى وترك الدعوى وكتمان المعنى واحتمال الأذى ، وأ، يؤثر مراد غيره على هواه خلقاً وفعلاً ، وأن لا يزال في

صفحة 170
حاجة غيره ويعطي بلا امتنان ولا يطالب أحداً بواجب حقه ويطالب نفسه بحقوق الناس ويرى الفضل لهم ويلزم نفسه التقصير في جميع ما بأتي به، ولا يستنكر ما يأتي به، ومن شأن الفتى ترك كل ما للنفس فيه حظ، ويستوي عنده المدح والذم من العامة، ومن شأنه الصدق والوفاء والسخاء والحياء وحسن الخلق وكرم النفس وملاطفة الإخوان ومجانبة سماع القبيح من الأصدقاء، وكرم العهد بالوفاء والتباعد عن الحقد والحسد والغش، ومن شأنه الحب والبغض في الله والتوسعة على الإخوان من ماله وجاهه إن أمكنه. وترك الامتنان عليهم بذلك وصحبة الأخيار ومجانبة الأشرار، ويكون خصماً على نفسه لربه وا يكون له خصماً غيرها فيجتهد في كسر هواها، لأنه قيل: الفتى من كسر الأصنام وهي صنم الإنسان.
ومن شأن الفتى أن لا ينافر فقيراً لفقره، ولا يعارض غنياً لغناه، ويعرض عن الكونين، ويستوي عنده المقيم والطارئ، ومن يعرف ومن لا يعرف، ولا تمييز بين الولي والكافر من جهة الأكل، ولا يدخر ولا يعتذر ويظهر النعمة ويسر المحبة وإذا كان في عشرة فلا يتغير إن كان ما أتى به عشيره أقل أو أكثر، وأن لا يحمرّ وجه أحد فيما لم يندبه الشرع إليه. ولا يربح على صديق وما خرج عنه لا يرجع فيه وإن أعطي شكر وإن منع صبر، بل إن أعطي آثر وإن منع شكر الفتوة أن لا يشتغل بالخلق عن الحق، وفتوة العارف بمعروفه، وفتوة غيره بمعتاده ومألوفه.
فصل في السخاء
السخاء: تقديم حظوظ الإخوان على حظك مطلقاً دنيوياً وأخروياً والمبادرة إلى الإعطاء قبل السؤال وترك الامتنان بما أعطى وتعجيله وتصغيره وتستيره، بل بذل النفس والروح والمال على الخلق على غاية الحياء، وأن يكره أن يرى ذل السؤال في وجوه المسلمين وسخاء النفس بما في أيدي الناس أكبر من سخائها وبالبذل ومروءة القناعة، والرضى أكبر من مروءة العطاء وأكبر من ذلك كله السخاء بالحكمة.
الباب الثامن والثلاثون
في بيان مكارم الأخلاق
قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].
معناه تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. وتصل من قطعك، وتعرض عمن جهل عليك، وتحسن إلى من أساء إليك، فكان صلى الله عليه وسلم مبعوثاً بمكارم الأخلاق يقول: (اللهم
صفحة 171
اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). ومن السخاء إفشاء السَّلام. وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصلاة بالليل والناس نيام، ونيل المكارم باجتناب المحارم. مكارم الأخلاق من أعمال أهل الجنة قول لطيف يتبعه فعل شريف. مكافأة المحسن بأكثر من إحسانه. صاحب مكارم الأخلاق هو الذي لا يحوجك أن تسأله ولا يزال يعتذر ضد اللئيم الذي لا يزال يفتخر، والتغافل عن زلل الإخوان والمسارعة إلى قضاء حوائجهم، وطرح الدنيا لمن يحتاج إليها.
الباب التاسع والثلاثون
في بيان القناعة
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: 97]. قال كثير من المفسرين: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة: والقناعة موهبة من الله عزّ وجلّ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القناعة كنز لا يفنى). وعنه عليه الصلاة والسَّلام: (من أراد صاحباً فالله يكفيه. ومن أراد مؤنساً فالقرآن يكفيه، ومن أراد كنزاً فالقناعة يكفيه، ومن أراد واعظاً فالموت يكفيه، ومن لم يكفه هذه الأربع فالنار تكفيه). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). وقيل في قوله تعالى: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا) [الحج: 58]. يعني القناعة.
وقال وهب: إن العز والغنى خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا فيها.
وفي الزبور: (القانع غني وإن كان جائعاً). وفي التوراة: (قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل الناس فسلم، ترك الحسد فظهرت مروءته، تعب قليلاً فاستراح طويلاً). وقيل: وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع: (العز في الطاعة، والذل في المعصية، والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة).
وقال بعضهم: انتقم من حرصك بالقناعة كما تنتقم من عدوك بالقصاص. وقيل: من تعبت عيناه إلى ما في أيدي الناس طال حزنه. وقيل: إن أبا يزيد غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له فقال لصاحبه: نعلق الثياب في جدران الكروم فقال: لا تغرز الوتد في جدران الناس، فقال: نعلّقه في الشَّجر. فقال لا، لأنه يكسر الأغصان. فقال: نبسطه على الحشيش. فقال لا، علف الدواب، ثم ولَّى بظهره للشمس والقميص على ظهره حتى جف جانبه، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.
صفحة 172
الباب الأربعون
في بيان السائل
من سأل وعنده قوت يومه فقد قطع الطريق على الضعفاء والمساكين، من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت شمله وأمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن جعل الهموم هماًّ واحداً كفاه الله هم الدنيا والآخرة، ومن تشعبت عليه الهموم لم يبال الله تعالى في أي أوديتها هلك، جميع الدنيا من أولها إلى آخرها ما تساوي غم ساعة، فكيف بعمرك القصير مع قليل يصيبك منها، من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه ووسع عليه من اكتفى عن السؤال فقد أعطي خير النوال، من احتجت إليه هنت عليه. إذا أردت أن تعيش حرًّا فلا تلزم مؤنة نفسك غيرها والزم القناعة، كيف يليق بالحر المريد أن يتذلل للعبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد، ولو يعلم الناس ما في المسألة ما سأل أحد شيئاً. ولو يعلم الناس ما في حق السائل ما حرموا من سألهم أبداً، لو صدق السائل ما قدس من رده. ما من رجل سأل رجلاً حاجة فقضاها أو لم يقضها إلا غار ماء وجهه أربعين يوماً.
الباب الحادي والأربعون
في بيان الشفقة على خلق الله تعالى
اعلم أن الشفقة على خلق الله تعالى تعظيم لأمر الله تعالى، وذلك أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون وأن لا تحملهم ما لا يطيقون، وأن لا تخاطبهم بما لا يعلمون، ولا بما يعلمون، وأن يسرك ما يسرهم، وأن يحزنك ما يحزنهم وفكرك في كيفية تحصيل منفعتهم الدينية والدنيوية إليهم، وكيفية دفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم حتى لو سقط الذباب على وجه أحدهم لوجدت لها ألماً في قلبك، وأن تكون لأن تحفظ قلب مؤمن شرعاً أحب إليك من كذا وكذا حجة وغزوة، وأن تختار عز أخيك على عزك وذل نفسك على ذل أخيك.
الباب الثاني والأربعون
في بيان آفة الذنوب
طوبى لمن مات ماتت ذنوبه، قيل: أعظم الذنوب من ظلم من لم يعرفه ولم يره.
صفحة 173
من أطاع الله تعالى سخر له كل شيء، ومن عصاه سخره لكل شيء وسلط عليه كل شيء، لو لم يكن في الإصرار على الذنب من الشؤم إلا أن يكون كل ما يصيبه فهو عقوبة من سعة أو من ضيقة أو صحة أو سقم لكان كافياً، ولو لم يكن في ترك المعصية إلا ضد ذلك لكان كافياً. إن العبد ليحرم الرزق بالذنبيصيبه. ليست اللعنة سواداً في الوجه أو نقصاّ في المال إنما اللعنة في أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه. لا تكن في التوبة أعجز منك في الذنب ما أنكرت من تغير الزمان والإخوان والزوجات، فالذنوب أورثت ذلك حتى في خلق الدابة وفأر البيت، ونسيان القرآن، أو شيء من العلم، أو تلاوته من الأحرار، والعقوبة موضوعة للشدة والمشقة، فعثوبة كل من حيث لا يشترك حتى الاحتلام وقد تكون عقوبة الذنب ذنباً مثله إذا عظم كثواب الطاعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الباب الثالث والأربعون
في صفة صلاة أهل القرب
إذا دخلت في الصلاة فانس الدنيا وأهلها وأقبل على الله تعالى إقبالك عليه يوم القيامة، واذكر وقوفك بين يدي الله ليس بينك وبينه ترجمان وهو مقبل عليك تناجيه وتعلم بين يدي من أنت واقف فإنه الملك العظيم.
وقيل لبعضهم: كيف تكبر التكبيرة الأولى؟ فقال: ينبغي إذا قلت: الله أكبر أن يكون مصحوبك في الله التعظيم مع الألف. والهيبة مع اللام والمراقبة والفرق مع الهاء.
واعلم أن من الناس من إذا قال الله أكبر غاب في مطالعة العظمة، صار الكون بأسره في فضاء شرح صدره كخردلة بأرض فلاة، ثم يلقي الخردلة فما يخشى من الوسوسة وحديث النفس وما يتخايل في الباطن هو من الكون الذي صار بمنزلة الخردلة وألقيت فكيف تزاحم الوسوسة مثل هذا العبد، والله تعالى أعلم.
جعلنا الله وإياكم من عباده المقربين وعلمائه العاملين وأصفيائه المخلصين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه المقربين وأزواجه الطيبين الطاهرين وذريته المخلصين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والحمدلله رب العالمين.
صفحة 174
قواعد العقائد في التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
الحمدلله المبدئ المعيد الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد، إلى المنهج الرشيد، والمسلك السديد، والمنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، وهو أنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له، وأنه واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال، لا يقضي عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال. بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
التنزيه: وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر. وأنه لا يماثل الأجسام في التقدير ولا في قبول الانقسام. وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود، ليس كمثله شيء، ولا هو كمثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون، ولا السماوات وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال. لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى. فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثراى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، ومع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه بائن من خلقه
صفحة 175
بصفاته ، ليس في ذاته سواه ولا قي سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغيير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تعتريه العواقب ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزهاًًعن الزوال به ، وفي صفات كماله مستغنياًًفي زيادة الإستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ، ولطفاً بالأبرار في دار القرار ،واتمام للنعم بالنظر إلى وجهه الكريم.
الحياة والقدرة : وأنه تعالى حى قادر ، جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت، له الساطان والقهر والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته، وأنه المفرد بالخلق والإختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم آجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور. ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته.
العلم: وأنه عالم بجميع المعلومات محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السموات ، لا يغزب عن علمه مثقال ذرة ، في الأرض ولا في السماء،بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو الهواء، ويعلم السر و أخفى ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر، وخفيا السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والإنتقالز
الإرادة: وأنه تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئة لفته ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد، لا رادَ لحكمه ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد من معصيته إلا بتوفيقه ورحمته. ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته، فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك أن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها مريداً في أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير، دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان فلذلك لم يشغله شأن عن شأن.
السمع والبصر : أنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى، لا يعزب عن سمعه مسموع
صفحة 176
وإن خفى، ولا يغيب عن بصره مرئى وإن دق، ولا يحجب عن سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام. يرى من غير حدقه وأجفان، ويسمع من غير أصمخة آذان، كما بعلم من غير قلب، ويبطش من غير جارحة ، ويخلق من غير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق.
الكلام : وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام، وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الإنفصال والإفتراق بالإنتقال إلى القلوب والأوراق، أن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرارذات الله تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض. وإذا كانت له هذه الصفات كان حيا ًعالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً متكلمأً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات.
الأفعال : وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض في عدله على أحسن الوجوه وأكملها أتمها وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته ولا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من الله تعالى، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكل ما سواه من إنس أو جن وشيطان وملك وسماء و أرض وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس: حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً، وأنشأه بعد أن لم يكن شيئاً، إذ كان في الأجل موجوداً وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخلق بعد إظهاراً لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إرادته وحق في الأزل من كلمته لا لإفتقاره إليه وحاجته،وأنه تعالى متفضل بالخلق والإختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، له الفضل والإحسان والنعمة والإمتنان. إذا كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن قبيحاً ولا ظلماً،وأنه يثيب عباده على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الإستحقاق واللزوم إذ لا يجب عليه فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب لإحد عليه حق، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه لا بمجرد العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهرصدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به، وأنه تعالى بعث النبي الأمَي القرشي محمد صلى الله عليه وسلم برسالته إلىكافة العرب
صفحة 177
والعجم والجن والإنس فنسخ بشرعه الشرائع إلا ما قرر، وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد، وهي : قول لاإله إلا الله ما لم يقترن بها شهادة الرسول، وهي محمد رسول الله فألزم الخلق تصديقه في جميع ما أقر به من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يقبل إيمان عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت، وأوله س}ال منكر ونكير. وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سوياًَ ذا روح وجسد ويسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان : من ربك وما دينك ومن نبيك؟ وهما فتانا القبر وسؤالهما أول فتنه للقبر بعد الموت، وأن يؤمن بعذاب القبر، وأنه حق وحكمه عدل على الجسم والروح على ما يشاء، ويوقن بالميزان ذى الكفتين واللسان، وصفته في العظم أنه مثل طباق السموات والأرضين توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى، والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لكمال العدل، وتطرح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجانها عند الله بفضل الله تعالى، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى، وأن يمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله تعالى فيهوى بهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين فيساقون إلى دار القرار، وأن يؤمن بالحوض المورود : حوض محمد صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمن قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً، عرضه السماء، فيه ميزابان يصبان الكوثر، ويؤمن بيوم الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين، ويسأل المبدعين عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال، ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الإنتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين كل على حسب جاهه ومنزلته، ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج بفضل الله تعالى، ولا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان،وأن يعتقد فضل الصحابة ورتبتهم، وأن فضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنهم، وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين، فكل ذلك مما وردت فيه السنة وشهدت الآثار، فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال والبدعة. فنسأل الله تعالى كمال اليقين، والثبات في الدنيا لنا ولكافة المسلمين إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
صفحة 178
خلاصة التصانيف في التصوَف
خطبة الكتاب
الحمد لله الذي أودع لطائف أسراره قلوب العارفين، وجعل البيان طريقاً لوصولها إلى المسترشدين والصلاة والسلام على أفصح الأنبياء لساناً وأوضحهم بياتاً ، وعلى آله وصحبه الهادين، وعلى جميع علماء شريعته العاملين.
أما بعد : فيقول المستعين بربه المبين الفقير إليه، (محمد أمين) تاشافعي مذهباً، النقشبندي مشرباً، الكردي نسبه، الإربلي بلدة، الأزهري إقامة: إنه قد أظفرني الله وله الحمد بدرة غربية، من العلوم الإلهية، موحشة بوشاح اللغة الفارسية. فاحتجت عمن ليس له إلمام بها وهو من أنفس تصانيف العالم العلامة والبحر الفهامة، حجة الإسلام الشيخ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي صاحب (كتاب الإحياء) وهو الغني عن التعريف قدس الله سره، وأفاض على المسلمين بره، فرأيت من نصيحة المسلمين، وخدمة الدين، أن أستعين بالله على ترجمتها من (الفارسية إلى العربية) مع رقة اللفظ وجزاله المعنى وسهولة المبنى كي ينتفع بها الخاص والعام. والله أسأل أن يمن علينا بالفوز بدار السلام. قال ناقلها الفارسي في بيان سبب تأليف الأستاذ لهذه الرسالة الموسومة (بخلاصة التصانيف) بعد الثناء على الله تعالى وما يتصل به ما هذا ترجمته :
أما بعد : فقد كان رجل من تلامذة حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي قدس الله سره العالى قد تعب في تحصيل العلوم مدة من السنين حتى حاز من كل فن نصيباً وافراً ففي ذات يوم صار يتفكر في نفسه ويقول : إني قد أتعبت نفسي مدة طويلة في تحصيل العلوم، والآن لا أدري أي علم أنفع لي منها ليكون سبباً لهدايتي ويقودني في عرصات القيامة. ولا أدري أيضاً غير النافع منها حتى أتباعد أحترز منه كما قال عليه الصلاة والسلام : (نعوذ بالله من علم لا ينفع). وما زالت هذه الفكرة غلبت عليه حتى حملته على أن يكتب إلى شيخه كتاباً يستفتيه فيه عن قصته هذه ومسائل أخرى. ويطلب منه مع ذلك النصيحة والدعاء.
قال غيه : مولاي إن كان الطريف إلى جوابي مدوناً في كتبك العديدة كإحياء العلوم، وكيمياء السعادة وجواهر القرآن وميزان العمل والقسطاس المستقيم ومعراج القدس ومنهاج العابدين وأمثالها. فإن خادمك ضعيف كليل الطرف عن المطالعة فيها، فأطلب من سيدي وأستاذي مختصراً أقرؤه كل يوم وأعمل بما فيه إلى آخر ما قال، فكتب الشبخ في رده الكتاب الآتي وأرسله إليه وهو قوله رضي الله عنه.
صفحة 179
اعلم أيها الولد العزيز ، و الصاحب المخلص أطال الله بقائك في طاعته و سلك بك طريق أحبابه. أن جميع نصائح الأولين و الآخرين مجموعة في أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم لأنه هو الذي أوتى جوامع الكلم، فكل ناصح مهما نصح فهو متطفل على موائد نصحه صلى الله عليه و سلم: (فإن وصلك شيء من النصائح النبوية فلا حاجة لك إلى نصائحي. وإن لم يصل إليك شيء منها فقل لي ما الذي حصلته من علومك فيما أمضيته من عمرك الذي ضيعته سدى).
أيهل الولد: كل نصائح الأولين و الآخرين في مقالات سيد المرسلين مكتوبة للعالمين، وكل منها يفيد فائدة تامة. فمنها هذا الحديث و هو: ((علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه ، وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته ، ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار)). فهذه النصيحة و الموعظة كافية لأهل الدنيا.
يا ولدي: فعل النصيحة سهل و الصعوبة في قبولها و العمل بها لأن طعم النصيحة في فم عابد الهوى مر و المنهيات محبوبة على العموم. خصوصا عند من يبذل همته في طلب علوم الرسم و الفضل و المهارة و نحوها لآكتساب العز و الشرف الدنيوي لأنه إنما يقصد بتحصيل العلوم مجرد العلم مجرد العلم دون العمل له لينسب إليه العلم و يقال: فلان عالم فاضل فهذه عقيدة فاسدة و هذا القدر هو (نهاية مذهب الفلاسفة) و العياذ بالله إذ غايتهم تحصيل العلم بدون التفات إاى العمل، ولم يعلموا أن العلم يكون عليهم حجة بالغة و هم في غفلة عن قوله صلى الله عليه و سلم: ((إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه)).
و روى الإمام أحمد و البيهقي عن منصور بن زاذان قال: ((بلغنا أن العالم إذا لم ينتفع بعلمه , تصيح أهل النار من نتن ريحه ويقولون له: ماذا كنت تفعل يا خبيث، فقد آذيتنا بنتن ريحك. أما يكفيك ما نحن فيه من الاذي والشر؟ فيقول لهم: كنت عالما فلم أنتفع بعلمي)).
وحكي أن بعض أكابر أصحاب الجنيد رآه في نومه بعد وفاته فقال : ما فعل الله بك ؟
قال : طاحت تلك الإشارات . وغابت تلك العبارات . وفنيت تلك العلوم .ونفذت تلك الرسوم , وما نفعنا إلا ركيعات، كنا نركعها في جوف الليل.
أيها الولد: ينبغي أن لا تكون مفلسا من الأعمال خاليا من الأحوال والمعاني الشريفة العالية، واعلم يقينا أن العلم بمجرده لا يأخذ بيدك يوم القيامة ويتضح لك هذا بضرب مثال، أرأيت لو أن رجلا يحسن الحرب بينما هو يسير في مفازة ومعه عشرة سيوف هندية وقسي وسهام في غاية الجودة، وقد تقلد بها إذ فاجأه أسد عظيم هل تدفع عنه هذه
ص 180
الأسلحة بمجردها من شر الأسد شيئاً ، أنت على يقين تام بأنها لا تغني عنه شيئاً حتى يستعملها فيما قصد منها ، فكذلك لو أن شخصاً علم مئة ألف مسألة ولم يعمل بواحدة ، فأنت تعلم أن هذا العلم لا يفيده فائدة ما . ولنضرب لك مثالاً آخر فنقول : لو أن شخصاً به مرض وضعف من الحرارة والصفراء وعلم علماً ليس معه شك أن شفاءه في تناول السكنجبين ولكنه لم يتناوله ، فهذا العلم ليس بنافع في الشفاء ولا دافع للداء حتى يعمل به :
لو كلت ألفي رطل خمر لم تكن لتصير نشواناً إذا لم تشرب
فاعلم أنه لا يفيدك كثرة تحصيل العلم وجمع الكتب ما لم تعمل .
يا ولدي : إن لم تكن مستعداً لائقاً لرحمة الإله عز وجل بالعمل الصالح لم تصل إليك رحمته . واسمع الدليل من القرآن : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) .
يا ولدي : إن ظننت أن هذه الآية منسوخة فماذا تقول في قوله تعالى في آيات أخرى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً } ( الكهف : 110 ) . وفي قوله : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) . وفي قوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً (107) خالدين فيها } ( الكهف : 107 ، 108 ) . وفي قوله : { إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً } ( الفرقان : 70 ) . وماذا تقول في حديث : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً " . وفي حديث : " الإيمان إقرار باللسان ، وتصديق بالجنان ، وعمل بالأركان " . والدلائل على أن سلامة العبد بالعمل كثيرة لا تعد ولا تحصى . فإن خطر لك من كلامي أن العبد يدخل الجنة بعمله لا بفضل الله ورحمته فما فهمت كلامي !
واعلم أني لا أقول ذلك ، بل أقول إن العبد يدخل الجنة بفضل الله وكرمه ورحمته ، غير أن رحمة الله تعالى لا تصل إلى العبد إلا إذا كان مستعداً لها ولائقاً لأن يكون محلاً لها ، ولا يكون كذلك إلا بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات وملازمة الطاعات والقرب والإخلاص في العمل كما يشير إليه قوله تعالى : { إن رحمت الله قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) . حيث أخبر تعالى بقرب رحمته من المحسنين ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " ، فهو يفيد بعد رحمته من غير المحسنين . فإن لم تكن مستعداً لرحمته على الوجه المذكور لا تصل إليك رحمته ، وإذا لم تصل إليك رحمته لا تدخل الجنة ، فإن قال أحد إن العبد يدخل الجنة بمجرد الإيمان . قلنا : نعم . ولكن حتى
ص 181
يذوق صعوبة العقبات التي لا يسهلها إلا صالحات الأعمال إذ لا يصل العبد إليها إلا بالعبور على الصراط ، وما مشينا عليه إلا على صورة مشينا على الصراط المعنوي في هذه الدار ، وما اختلاف الناس في السرعة والبطء إلا باختلافهم هنا في المبادرة إلى الطاعة والتخلف عنها ، فمن تحفظ هنا حفظ هناك ، ومن أبطأ هنا زلت به قدمه هناك ، كما أن شربنا من حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون بقدر تضلعنا من الشريعة المطهرة ، وإذاً فمعنى كون دخول الجنة بفضل الله أن يوفقك لصالح العمل بفضله لتكون صالحاً ومتهيئاً لرحمته وفضله فيدخلك الجنة .
يا ولدي : اعلم يقيناً أنك إن لم تعمل لم تأخذ أجرة العمل .
وحكي أن عبداً من بني إسرائيل عبد الله مخلصاً سنين عديدة فأراد البارئ جل وعلا أن يظهر إخلاصه للملائكة ، فبعث الله ملكاً يخبره أن الله تعالى يقول : إلى متى تسعى هذا السعي وتتعب نفسك في العبادة ، وأنت من أهل النار ؟ فأخبره الملك بما قاله المولى . فقال العبد في جوابه : أنا عبد ، وشأن العبد العبودية . وهو إله ، وشأن الألوهية لا يعلمه إلا هو . فرجع الملك إلى ربه وقال : إلهي أنت تعلم السر وأخفى وتعلم ما قاله عبدك ، فقال الله تعالى : إذا كان هذا العبد مع ضعفه لم يرجع عنا ، فكيف نرجع عنه مع كرمنا ؟! .. اشهدوا يا ملائكتي أني غفرت له .
يا ولدي : اسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا ، وزِنوا قبل أن تُوزَنوا " . وقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : " من ظن أنه بدون الجهد يصل إلى الجنة فهو متمن . ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل فهو متعن " . وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب " . وفي الحديث القدسي : " ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل ، كيف أجود برحمتي على من بخل بطاعتي ؟! " وقال أحد الأكابر : " الحقيقة ترك ملاحظة العمل ، لا ترك العمل " . وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أحسن وأشرف وأوضح من الكل ، حيث قال : " الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " .
يا ولدي : كثيراً ما أحييت الليالي بتكرار العلم والمطالعة ولا أدري ما الباعث لك على ذلك . إن كان غرضك الدنيا وجذب حطامها وتحصيل المناصب والمباهاة على أقرانك وأمثالك ، فويل لك ثم ويل لك . وإن كان غرضك إحياء الشريعة والدين المحمدي وتهذيب الأخلاق ، فطوبى لك ثم طوبى لك ، ولقد صدق من قال :
سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل
ص 182
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به " . ما فائدتك في تحصيل علم الكلام والخلاف والطب والدواوين والأشعار والنجوم والنحو والتصريف وغيرها ؟! ما حصلت غير تضييع عمرك في الغفلة عن جلال الله وعظمته وقدره ، لأني قرأت في إنجيل عيسى عليه السلام : إن العبد إذا مات ووضع في قبره يسأله الله تعالى بنفسه أربعين سؤالاً : " عبدي قد طهرت منظر الخلق سنين ، هل طهرت منظري ساعة ؟ " .
يا ولدي : كل يوم ينادى في قلبك وإن لم تسمع .. ( ما تصنع بغيري وأنت محفوف بخيري؟! )
يا ولدي : العلم بغير عمل جنوني ، والعلم بغير علم أجنبي ، لأن العلم إن لم يباعدك اليوم عن المعاصي ولم يصيرك طائعاً لم يباعدك غداً من نار جهنم ، فإن لم تعمل اليوم ولم تتدارك ما فاتك من الأيام الماضية ، غداً في القيامة تقول : { فارجعنا نعمل صالحاً } ( السجدة : 12 ) . فيقال لك : أيها الأحمق أنت أتيت منها فكيف ترجع إليها ؟! .
يا ولدي : الهمة العالية أن تصرف روحك في الطاعات قبل فرار روحك من الجسد بالموت ، لأن الدنيا منزلتك إلى أن تصل إلى المقابر ، وهؤلاء القوم الذين في منازل المقابر ينتظرونك في كل لحظة إلى أن تصل إليهم ، فالحذر من أن تذهب بغير زاد . قال الصديق الأكبر : " الأجساد قفص الطيور أو اصطبل الدواب " . فتأمل في نفسك من أيهما أنت . فإن كنت من الطيور أصحاب الأعشاش سمعت صوت طبل : { ارجعي إلى ربك راضية مرضية } (الفجر : 28 ) . فطر لتجلس بمكان أعلى ، وإن كنت من الدواب – والعياذ بالله – كنت ممن قال الله فيهم : { أولئك كالأنعام بل هم أضل } (الأعراف : 179 ) . واعلم يقيناً أنك حينئذٍ بعثت ذخيرتك في زاوية إلى هاوية .
نقل أن الحسن البصري عطش يوماً وكان شديد الحر فأتي له بقدح من الماء البارد فلما مسه بيده وأحس ببرودة مائه صاح صيحة عظيمة وخير مغشياً عليه ، فوقع القدح من يده . فلما أفاق قيل له : ما الذي حصل لك ؟ قال : ذكرت آية أهل النار حين يذكرون أهل الجنة : { أن أفيضوا علينا من الماء } ( الأعراف : 50 )
يا ولدي : إن كان يكفيك العلم المجرد ولم تحتج إلى العمل فماذا تقول في نداء : هل من سائل ؟ هل من تائب ؟ هل من متسغفر ؟ .. لأنه ورد في أخبار صحيحة أنه إذا مضى نصف الليل والناس نيام ينادي المولى سبحانه وتعالى بنفسه : " هل من تائب ؟ هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ " ، ولذلك صار القيام والاستغفار بالأسحار مطلوباً . قال تعالى : { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يتسغفرون } (الذاريات : 17 ، 18 )
ص 183
قيل : إن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا جالسين ذات يوم بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا عبد الله بن عمر بن الخطاب بخير ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " نِعم الرجل ، لو يصلي الليل " . وأيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد الصحابة : " لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تدع صاحبها فقيراً يوم القيامة " .
يا ولدي : قوله تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } (الإسراء : 89) أمر . { وبالأسحار هم يستغفرون } شكر . { والمستغفرين بالأسحار } ذكر . يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى : صوت الديك ، وصوت الذي يقرأ القرآن ، وصوت المستغفرين بالأسحار " . ويقول سفيان الثوري رحمه الله : إن لله تعالى ريحاً تهب وقت الأسحار ، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار . وأيضاً له : إذا كان أول الليل ، نادى منادٍ من تحت العرش : " ألا ليقم العابدون " فيقومون فيصلون ما شاء الله ، ثم ينادي مناد في شطر الليل : " ألا ليقم القانتون " فيقومون فيصلون إلى السحر ، فإذا كان السحر ينادي مناد : " ألا ليقم المستغفرون " فيقومون فيستغفرون ، فإذا طلع الفجر نادى منادٍ : " ألا ليقم الغافلون " فيقومون من مفرشتهم كالموتى نشروا من قبورهم .
يا ولدي : ورد في وصايا لقمان أنه قال لابنه : " يا بني ، لا يكونن الديك أكيس منك ، ينادي بالأسحار وأنت نائم " . وما أجمل وأليق من قول القائل حين قال :
لقد هتفت في جُنْحِ ليل حمامةٌ على فنن وَهْناً وإني نائم
كذبتُ – وبيت الله – لو كنت عاشقاً لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وأزعم أني هائم ذو صبابة لربي ولا أبكي وتبكي البهائم
يا ولدي : (خلاصة النصيحة) أن تعلم حقيقة الطاعة والعبادة ما هي ؟ العبادة هي متابعة الشارع صلى الله عليه وآله وسلم في الأوامر والنواهي ، فإن فعلت فعلاً ولست بمأمور به فليس بعبادة ، وإن كان ذلك الفعل في صورة العبادة ، بل قد يكون عصياناً وإن كان صوماً وصلاةً . ألا ترى أنه إذا صام شخص يوم العيدين وأيام التشريق يكون عاصياً ؟! وإن كان ما فعله في صورة العبادة لأنه لم يؤمن به ، وكذا من صلى في الأوقات المكروهة أو في المواضع المغصوبة يكون آثماً .
واعلم أنه إذا مزح شخص مع محرمه فإنه مأجور وإن كان ذلك في صورة لعب ، لأن هذا اللعب مأمور به ، وبذا صار معلوماً أن العبادة الحقيقية هي امتثال الأمر لا مجرد الصلاة والصوم ، لأن الصلاة والصوم لا يكونان عبادة إلا إذا كان مأموراً بهما .
ص 184
يا ولدي : فليكن جميع أحوالك وأقوالك مأموراً به موافقاً للشريعة ، لأن علم وعمل المخلوقات بغير فتوى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ضلالة وسبب للبعد عن الله تعالى ، ولهذا نسخ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الأعمال السابقة ، فلا تحرك لسانك بكلمة تكون غير مأمور بها . وكن متيقناً أن طريق الله تعالى لا تقدر أن تصل إليه بغير ما لم تؤمر به ، ولا تصل إليه أيضاً بالشطحات والترهات الصوفية ترسماً ، بل لا تصل إلى هذا الطريق إلا بقطع الهوى والشهوة وحظوظ النفس بسيف المجاهدات لا بوثبات الشطحات والترهات ، فإن زعمت الوصول اغتراراً منك بما تبديه من الكلام الرقيق وصفاء الأيام والأوقات وصلافة اللسان مع تعلق القلب بالشهوات والغفلة كان ذلك علامةً على الشقاء والوبال ، وإذا لم تقهر الهوى والنفس بالمجاهدات ، وتصيرها تحت الشرع لم يكن القلب حياً بنور المعرفة .
يا ولدي : سألت أسئلة بعضها لا يكيف بالقول ولا بالكتابة لأنه ذوقي ، وكل ما كان ذوقياً لا يكيف بالقول ولا بالكتابة فلا تعلمه إلا إذا وصلت إليه ، وما مثلك في ذلك إلا كمثل من جهل الحلاوة أو المرارة مثلاً وأراد أن يكفيه بمجرد القول والكتابة فلا يقدر البتة .
يا ولدي : إن كتب عِنّين لأحد عرّف لذة الجماع ، يسأله عن لذة الجماع . كتب إليه في جوابه : إن هذا ذوقي لا تعرفه إلا إذا وصلت إليه ، وإلا فلا يكيف بالقول والكتابة .
يا ولدي : بعض أسئلتك من هذا القبيل . وأما القدر الذي يكيف بالقول والكتابة فقد بينته في كتابنا (إحياء العلوم) وغيره من التصانيف فاطلبه هناك ، وأما هنا فما قلنا على طريقة الإشارة : وسألتني عما يجب على مريد طريق الحق جل وعلا .
فاعلم : أن أول ما يجب عليه ، الاعتقاد السليم الخالي من البدع .
الثاني : التوبة النصوح بأن لا يرجع إلى الزلات .
الثالث : إرضاء الخصماء حتى لا يبقى عليه حق المخلوق .
الرابع : تحصيل علم الشريعة بقدر ما يعمل بأوامر الله ويقف عن نواهيه ، ولا يجب عليه من علم الشريعة سوى ذلك ، وأما غير علم الشريعة فيكفيه أن يتعلم القدر الذي به خلاصه ونجاته ، وهذا الكلام يكون معلوماً لك . يُنقل حكاية وردت عن المشايخ وهي أن الشبلي رحمه الله قال : إني خدمت أربعمئة أستاذ ، وقرأت عليهم أربعة آلاف حديث ، واخترت منها حديثاً واحداً وعملت به وتركت الباقي ، لأني تأملت في هذا الحديث الواحد فرأيت فيه خلاصي ونجاتي ، وأيضاً رأيت أن علم الأولين والآخرين مندرج فيه ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها ، واعمل لله بقدر حاجتك إليه ، واعمل للنار بقدر صبرك عليها " .
يا ولدي : من هذا الحديث عُلم لك أنك لا تحتاج للعلم الكثير، وتحصيل كثرة العلم من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان ، وتأمل هذه الحكاية حتى تكون متيقناً . ورد
ص 185
أن حاتماً الأصم كان من تلامذة شفيق البلخي رحمة الله عليهما ، فقال شفيق ذات يوم : يا حاتم كم سنة أنت في صحبتي ؟ قال : ثلاثاً وثلاثين سنة . فقال : ما الذي حصلته من العلوم وكم فائدة أخذت مني ؟ قال : تحصلت على ثمان فوائد . قال شفيق : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يا حاتم أنا صرفت عمري معك في تعليمك ، وأنت ما تحصلت مني سوى على هذه الفوائد ! فقال حاتم : يا أستاذي ، إن طلبت مني الصدق فما تحصلت على غير الذي قلته ، ولم أطلب تحصيل غيرها ؛ لأني تيقنت أني لا أتحصل على خلاصي ونجاتي في الدارين إلا بهذه الثمانية ، وإن ما سواها مستغنٍ عنه بها . قال شفيق : قل لي ما هذه الفوائد الثمانية؟ فقال :
الأولى : نظرت في المخلوقات ورأيت كل واحد منهم اختار محبوباً ، فالبعض يصحب المحب إلى مرض الموت والبعض إلى طرف القبر ، وبعد ذلك يودعونه ويرجعون ولا يدخلون معه القبر ، وتأملت لأجد محبوباً يكون لي رفيقاً وأنيساً في القبر فما وجدت سوى العمل الصالح ، فلهذا اخترته وجعلته محبوباً ليكون رفيقاً ومؤنساً في القبر . فقال شفيق : أحسنت يا حاتم .
الثانية : نظرت في المخلوقات فرأيت الكل أسير النفس والهوى ، وتأملت قوله تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى } (النازعات : 40 ، 41) . فعلمت يقيناً أن القرآن حق ، وخالفت النفس الأمارة بالسوء ، وشددت المنطقة في المجاهدات ، وما أعطيتها مآربها وآمالها حتى انقادت تحت طاعة الحق . قال شفيق : بارك الله فيك .
الثالثة : نظرت إلى هذا الخلق ، فرأيت كل واحد يسعى ويتعب في تحصيل شيء من حطام الدنيا ، وما تحصلوا عليه حفظوه وفرحوا به لظنهم أنهم تحصلوا على شيء ، ثم نظرت في قوله تعالى : { ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ } (النحل : 96) . فما حصلته وجمعته في سنين ، تصدقت به على الفقراء وجعلته وديعة عند الله ليكون لي عنده باقياً وزاداً مدخراً لآخرتي . قال شفيق : أحسنت .
الرابعة : إني نظرت في هذا العالم فرأيت قوماً يظنون أن شرف الإنسان وعزه بكثرة الأقارب والعشائر ويفتخرون بها . وقوماً يظنون أن شرف الإنسان وكبرياءه بكثرة الأموال والأولاد فافتخروا بها ، وبعضهم يظنون أن العز والشرف بالغضب والسب والضرب وسفك الدماء فافتخروا بذلك ، ونظرت في قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) فعلمت أن القرآن حق ، وأن ظنون الخلق خطأ ، فاخترت التقوى حتى أكون عند الله من المكرمين . قال شفيق : أحسنت .
ص 186
الخامسة : نظرت إلى هذا الخلق ، فرأيت قوماً يبغض ويحسد بعضهم بعضاً بسبب حب المال والجاه ، وإني نظرت إلى قوله تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } (الزخرف : 32) . وإني علمت أن هذه القسمة ثابتة في الأزل لا اختيار لأحد فيها ، فما حسدت أحداً بعد ، ورضيت بقسمة البارئ تعالى واصطلحت مع أهل الدنيا . قال شفيق : أحسنت .
السادسة : نظرت إلى هذا العالم فرأيت بعضهم يعادي بعضاً بسبب أغراض نفسانية ووساوس شيطانية ، ونظرت في قوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً } (فاطر : 6 ) . وعلمت أن القرآن حق ، وأن غير الشيطان واتباعه لا يكون عدواً فاتخذت الشيطان عدوي ولم أطعه في أمر ما ، وامتثلت أمر الله تعالى وراقبت عظمته ولم أعاد أحداً من خلقه ، وعلمت أن الصراط المستقيم في قوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } (يس : 60 ، 61 ) . قال شفيق : أحسنت يا حاتم .
السابعة : نظرت في هذا العالم فرأيت كل واحد يصرف غاية جهده وقد أذل نفسه في تحصيل القوت ، وبسبب ذلك قد وقعوا في الحرام والشبهات ، ونظرت في قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } (هود : 6 ) . وفي قوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } (النجم : 39) . فعلمت أني أحد الدواب في الأرض ، وأن رزقي مضمون منه تعالى ، وأني مكلف بالسعي في طلب الآخرة فاشتغلت بالخالق . قال شفيق : أحسنت .
الثامنة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت بعضها يعتمد على ماله وملكه ، وبعضاً يعتمد على حرفته وصناعته ، وبعضاً يعتمد على مخلوق مثله ، وتأملت في قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } (الطلاق : 3 ) . فتوكلت على الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل . قال شفيق : أحسنت يا حاتم ، وفقك الله تعالى ، إني نظرت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فوجدت ما في الكتب الأربعة لا يخرج عن هذه الفوائد الثمانية ، والذي يعمل بها كأنه يعمل بما في الكتب الأربعة . وبهذه الحكاية صار معلوماً لك أنك لا تحتاج إلى كثرة العلم ، ولنرجع الآن إلى ما نحن فيه ونذكر لك مما يجب في حق سالك طريق الحق .
الخامس : أن يكون له مرشد ومربٍّ ليدله على الطريق ويرفع عنه الأخلاق المذمومة ، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة . ومعنى التربية أن يكون المربي كالمزارع الذي يربي الزرع ، فكلما رأى حجراً أو نباتاً مضراً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً ، ويسقي الزرع مراراً إلى أن ينمو ويتربى ، ليكون أحسن من غيره ، وإذا علمت أن الزرع محتاج إلى المربي ، علمت أنه لابد
ص 187
للسالك من مرشد مرب البتة ، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلاً لهم ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم . وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نواباً عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله ، وهكذا إلى يوم القيامة ، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة .
وشرط المرشد أن يكون عالماً ، لكن ليس كل عالم يصلح للإرشاد ، بل لابد أن يكون عالماً له أهلية صناعة الإرشاد ، ولهذا المرشد علامات ونحن نذكر لك ما لابد له منها بطريق الإجمال حتى لا يدعي الإرشاد كل متحير .
فالمرشد هو الذي يكون قد خرج من باطنه حب المال والجاه وتأسس بنيان تربيته على يد مرشد كذلك ، وهلم حتى تنتهي السلسلة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذاق بعض الرياضات كقلة الأكل والكلام والنوم ، وكثرة الصلاة والصدقة والصوم ، واقتبس نوراً من أنوار سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، واشتهر بالسيرة الحسنة والأخلاق المحمودة من صبر وشكر وتوكل ويقين وطمأنينة وسخاء وقناعة وأمانة وحلم وتواضع ومعرفة وصدق ووقار وحياء وسكون وتأن وأمثالها ، وتطهر من الأخلاق الذميمة كالكبر والبخل والحسد والحقد والحرص والأمل الطويل والطيش ونحوها ، وسلم من تعصب المتعصبين ، واستغنى عن علم المكلفين بالعلم المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فالاقتداء بمثل هذا المرشد هو عين الصواب ، والظفر بمثله نادر لاسيما في هذا الزمان ، فإنه كثر فيه من يدعي الإرشاد وهو في الحقيقة يدعو الناس إلى اللهو واللغو ، بل ادعى كثير من الملحدين الإرشاد بمخالفة الشريعة ، وبسبب غلبة هؤلاء المدعين اختفى المرشدون الحقيقيون في أركان الزوايا ، وبما ذكرناه علم بعض علامات المرشد الحقيقي ، حتى أنه من وجد متخلفاً بها علم أنه من المرشدين ، ومن لم يكن متخلفاً بها علم أنه من المدعين ، فإن تحصل أحد على مثل هذا المرشد وقبله المرشد وجب عليه احترامه ظاهراً وباطناً .
فالاحترام الظاهري ألا يجادله ولا ينكر عليه ولا يقيم الحجة عليه في أي مسألة ذكرها . وإن تحقق خطأه ، وأن لا يظهر نفسه أمام المرشد بفرش السجادة إلا أن يكون إماماً ، فإذا فرغ من الصلاة ترك السجادة تأدباً معه ، وأن لا ينتقل كثيراً في حضرته ، وأن يفعل كل ما أمره به قدر استطاعته ، وأن لا يسجد له ولا لغيره لأنه كفر ، وأن يبالغ في امتثال أمره ولو كان ظاهره في صورة معصية .
والاحترام الباطني أن كل ما سلمه له في الظاهر لا ينكره في الباطن وإلا كان منافقاً ، فإن لم يقدر على ذلك ترك صحبته حتى يكون في باطنه موافقاً لما في ظاهره لأنه لا فائدة في الصحبة مع الإنكار ، بل ربما تكون سبباً في هلاكه .
ص 188
السادس : مخالفة سياسة النفس وهذا لا يتيسر إلا بترك جلساء السوء لتقصر عنه يد تصرف شيطان الإنس والجن وترفع عنه التلوثات الشيطانية .
السابع : أن تختار جميع أحوال الفقراء ، لأن أصل هذا الطريق فراغ القلب من حب الدنيا ، فإذا لم تختر جميع أحوال الفقراء ، وجدت في قلبك الأسباب الدنيوية فقل أن تقدر على الخلاص من حبها فترك الأسباب يكون سبباً لفراغ القلب من حب الدنيا ، ولا يتيسر لك هذا الترك إلا بذلك الاختيار ، وهذه السبعة واجبة على سالك طريق الله .
وسألت أيضاً ما هو التصوف ؟ فاعلم أن التصوف شيئان في الصدق مع الله تعالى وحسن المعاملة مع الناس ، فكل من صدق مع الله وأحسن معاملة الخلق فهو صوفي ، والصدق مع الله تعالى هو أن يفني العبد حظوظ نفسه لأمره تعالى ، وحسن المعاملة مع الخلق هو أن لا يفضل مراده على مرادهم ما دام مرادهم موافقاً للشرع ، لأن كل من رضي بمخالفة الشرع أو خالفه لا يكون صوفياً وإن ادعى التصوف يكون كذاباً .
وسألت ما هي العبودية ؟ فاعلم أن العبودية هي عبارة عن دوام حضور العبد مع الحق تعالى بلا شعور الغير ، بل مع الذهول عن كل ما سواه وهي لا تتأتى إلا بثلاثة أشياء :
الأول : الانتباه لأمر الشارع .
الثاني : الرضا بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى .
الثالث : ترك طلب اختيار نفسك وفرحك باختيار الله تعالى لك .
وسألت ما هو التوكل ؟ فاعلم أن التوكل أن تثق بما وعد به الله وثوقاً لا تضعفه الحوادث مهما كثرت وتعاظمت . يعني أن يكون لك تمام اليقين بأن كل ما قسم لك يصل إليك وإن اجتمع أهل الدنيا ليدفعوه عنك ، وكل ما لم يقسم لك لن يصل إليك وإن ساعدك أهل الدنيا .
وكذلك سألت ما هو الإخلاص ؟ فاعلم أن الإخلاص هو أن تكون أفعالك كلها صادرة لله تعالى بحيث لا يكون في قلبك التفات لشيء من الخلق حين العمل ولا بعده ، كأن تحب ظهور أثر الطاعة عليك من نور الوجه وظهور أثر السجود في جبهتك . ومن علامات إخلاصك أن لا تفرح بثناء الخلق عليك ولا تحزن بذمهم لك ، بل يستوي عندك الأمران ، واعلم أن الرياء يتولد من عظمة الخلق عندك فعلاجه أن ترى الخلق مسخراً لقدرة الله ، وتلاحظ أن الناس مثل الجمادات لا قدرة ولا إرادة لهم فلا يقدرون أن يوصلوا إليك نفعاً ولا ضراً ، فإذا فعلت ذلك خلصت من هذا المرض ، وإلا فما دمت تظن أن الخلق قادرون ومريدون لا يرتفع عنك الرياء .
يا ولدي : أما بقية أسئلتك فبعضها مسطر في كتبي فاطلبه هناك ، وبعضها لا تنبغي كتابته ، لكن إذا عملت بما علمت يكشف لك حقيقته .
ص 189
يا ولدي : إذا أشكل عليك شيء بعد هذا فلا تسألني إلا بلسان الحال . قال تعالى : { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم } (الحجرات : 5 ) واقبل نصيحة الخضر عليه السلام المشار إليها بقوله تعالى : { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً } (الكهف : 70) . ولا تستعجل بالسؤال لأنك تصل إلى وقت يكون هو المبين لك ، ألا ترى إشارة قوله تعالى : { سأريكم آياتي فلا تستعجلون } (الأنبياء : 37) . واعلم يقيناً أنك إذا لم تسر لم تصل ولم ترَ ، قال تعالى : { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } (الروم : 9 ، غافر : 21 )
يا ولدي ، إذا ذهبت في طريق الله سريعاً ترى العجائب .
يا ولدي ، لا بد لك مع العمل من بذل روحك في سبيل الوصول إلى حضرة الحق ، فإن العمل بدون بذل الروح لا يفيد . قال ذو النون المصري رحمة الله تعالى عليه لأحد التلامذة : إن قدرت على بذل الروح فتعال ، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية والقال .
يا ولدي ، أختصر لك النصيحة في ثمانية أشياء : أربعة تركية وأربعة فعلية ، حتى لا يكون علمك يوم القيامة خصماً لك وحجةً عليك .
أما التركية فأحدها : ترك المناظرة بقدر إمكانك وإقامة الحجة على كل من يذكر مسألة ، فإن آفات ذلك كثيرة وضرها أكثر من نفعها ، إذ هي منبع كل الأخلاق الذميمة كالرياء والحقد والكبر والعداوة والمباهاة وغيرها ، فإن وقعت بينك وبين غيرك مسألة وأنت تريد بالمناظرة أن ينكشف الحق جاز لك البحث في تلك المسألة بهذه النية ، ولصدق هذه النية علامتان :
إحداهما : ألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو لسان خصمك ، بل تحب أن تنكشف الحقيقة على يد خصمك ، ليكون ذلك أدعى له إلى قبولها ، لأن قبوله من نفسه أقرب إلى قبوله منك .
ثانيهما : أن يكون البحث في الخلوة أحب إليك منه في الملأ . أما إذا قلت لأحد مسألة وأنت تعلم أن الحق بيدك وهو يستهزئ ، فالحذر من أن تقيم الحجة معه واترك الكلام ، فإنه يؤدي إلى الوحشة فلا تكون معه فائدة ، وها هنا أذكر لك فائدة .
اعلم أن السؤال عن الأشياء المشكلة مثل عرض المريض علته على الطبيب والجواب مثل سعي الطبيب في شفاء المريض ، فالجهلاء مرضى والعلماء أطباؤهم ، والعالم الناقص لا يليق أن يكون طبيباً لهم ، بل الذي يداوي المرضى هو العالم الكامل لأنه هو الذي يؤمل فيه أن يعرف حقيقة العلة ، وقد يكون المرض شديداً لا يمكن علاجه ، فمهارة الطبيب تكون في عدم الاشتغال بمداواته ، واعلم أن مرض الجهل أربعة أقسام : ثلاثة لا علاج لها ، وواحد يمكن علاجه .
بداية الصفحة 190
مجموعة رسائل المام الغزالي
فالأول : أن يكون السؤال أو الاعتراض ناشئا عن حسد والحسد مرض لا علاج له، واعلم أنك كلما أجبته بأي جواب تزينه وتوضحه له لا يزيده جوابك إلا حسدا ولا يزيده حده إلا تتكبرا ، فينبغي ألا تشتغل بجوابه وما أحسن قو الشاعر :
كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وتدبيره: أن تتركه بمرضه وتعرض عنه عملا بقوله تعالى : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) (لبنجم :29) . فإذا تعرضت له واشتغلت بمداواته فقد أشعلت نار حسده التي هي مما يحبط الأعمال ، كما في الحديث (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ).
الثاني : أن تكون العلة من الحماقة وهذا لايمكن علاجه لقول عيسى عليه السلام: (ما عجزت عن إحياء الموتى ولكن عجزت عن إصلاح الأحمق). وهذا هو الذي اشتغل يومين أو ثلاثة بتحصيل العلم ولم يشرع في العلوم العقلية أصلا ومع هذا يعترض على العلماء الذين صرفوا عمرهم في تحصيل العلوم ولم يعلم أن الاعتراض على العالم العظيم من طالب صغير لايكون إلا من الجهل وعدم المعرفة ، فهذا لم يعرف قدر نفسه ولا قدر هذا العالم من حماقته وعدم معرفته ، فينبغي أن تعرض عن هذا أيضا ولا تشتغل بجوابه.
الثالث: أن يكون السائل مسترشدا ليش فيه أهلية لفهم كلام الأكابر لقصور فهمه عنه ، ويسأل عن جهة الاستفادة عن غوامض الأمور التي يكون قاصرا عن ادراك حقائقها ،ولا يرى قصور فهمه فلا تشتغل بجوابه أيضا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نحن معاشر الأنبياء أمرنا بأن نكلم الناس على قدر عقولهم ).
الرابع: أن يكون مسترشدا ذكيا لبيبا عاقلا ليش مغلوب الغضب والشهوة والحسد وحب المال والجاه ،بل طالبا لطريق الحق ، سائلا من غيرتعنت ، فهذا المريض يمكن علاجه فالاشتغال بجوابه لائق بل واجب .
الثاني : أن تحترزمن الوعظ والتذكير إلا أن تعلم أنك علمت أولا بما تقول مؤلا قبل أن تتكلم . قال الله تعالي لعيسى عليه السلام : ( يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ) . فإن كنت وابتلاك الله بالوعظ فاحترز من شيئين : الأول أن تحرز من التكلف في الكلام بالعبارات والإشارات والشطحات والأشعا ، لأن الله تعالى يعد المتكلفين في الكلام أعداء له لأن التكلف يدل على خراب باطن صاحبه وغفلة عقله وقلبه ، مع أن المقصود من التذكير استحضار مصائب الأخرة والتقصير في خدمة المولى جل وعلا ، فتأمل في العمر الاضي والعقبات التي في الطريق حتى تخرج من الدنيا بسلامة الإيمان وتنجو من هول قبضة ملك الموت وسؤال منكر ونكير ورد جوابهما.
نهاية الصفحة 190
بداية الصفحة 191
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
وأيضا تأمل في هول القيامة ومواقفها وحسابها والميزان والعبور على الصراط والنار ومصائبها ، فهذا هو الذي ينبغي تذكير الخلق به وتطلعه على تقصيرهم وعيوبهم لأجل أن توقع القلوب أهل المجلس خوف حرارة النار ومصائبها ، ليتذكروا تفريطهم في الزمن الماضي بالندم عليه والتحسر على ضياع العمر الذي انقضى بغير طاعة .
فالجملة المذكورة بالكيفيةالمتقدمة يقال لها وعظ مع عدم التكلف في الكلام بالفصاحة والتسجيع وغير ذلك ، لأن مثل الوعظ كمثل صاحب بيت فيه عيال ، وقد جاء السيل وهو يخاف أن يأخذ البيت ويغرق الأولاد وينادي الحذر الحذر ، ياأهل البيت اهربوا لأن السيل وصلكم ، فهذا الرجل في هذه الحالة لا يقول الكلام بالتكلف والعبارات والسجيع والإشارات ، فمثل الواعظ للخلق يكون هكذا ، وينبغي ألا يميل قلبك حال وعظك إلى صراخ الصارخين وبكاء الباكين وغوغاء أهل المجلس بقولهم : إن هذا الوعظ إلى تحويلهم عن الدنيا إلى الآخرة ، وعن المعصية إلى الطاعة ، وعن الغفلة إلى التيقظ ، وعن الغرور إلى التقوى ، وأن يكون كلامه في علم الزهد والعبودية وأن ينظر إلى رغبتهم هل هي خلاف رضى الخالق أو لا ، وإى ميل قلوبهم هل هو خلاف الشرع أو لا ، وغلى أعمالهم وأخلاقهم الذميمة والحميدة أيهما أغلب ، والذي خوفه غالب فيرجه إلى الرجاء ، والذي رجاؤه غالب فيرجعه إلى الخوف بكيفية بتصرفون بها من المجلس بحيث لم يبق معهم صفات ذميمة ظاهرا وباطنا ، ويتصفون بالصفات الحميدة ، ويرغبون ويحرصون على الطاعات التي تكاسلوا عنها ، ويكرهون المعاصي التي كانوا يحرصون عليها وكل وعظ لم يكن ولم يقل هكذا يكون وبالا على الواعظ والموعوظ ، بل يكون الواعظ غولا وشيطانا لأنه يضل الناس عن طريق الحق ويهلكهم هلاكا أبديا ، ويجب على الخلق أن يهربوا منه، لأن الفساد الذي يفعله لا يقدر الشياطين أن يفعلوه ، وكل من له يد القدرة يجب عليه أن ينزله عن المنبر ليدفعه لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالث : ألا تميل إلى الملوك والأمراء والحكام ولا تخالطهم ولا تجالسهم بل ولا تنظر إليهم ، لأن في مخالطتهم ومجالستهم آفات كثيرة ، وإن ابتليت برؤيتهم ومجالستهم فاترك مدحهم وثناءهم ، وإذا جاءوا لزيارتك فسبيلك أن يون هكذا ، فإن الله يغضب إذا مدح الفاسق والظالم . ومن دعا لظالم بكول البقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه.
الرابع : ألا تقبل منهم شيئا وإن علمت أنه حلال ، لأن الطمع في مالهم يكون سببا لفساد الدين والمداهنة والمحاباة ومراعاة جانبهم والموافقة في ظلمهم ، ويتولد منها فسقهم وفجورهم ، وهذا كله هلاك في الدين وأقل مضرة يتولد منها أن تحبهم ، وكل من يحب
نهاية الصفحة 191
بداية الصفحة 192
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
أحدا يحب طول عمره، وإذا أحب طول عمره أحب طول ظلمه وخراب العالم . وسأل الله الأمان من أن يضللك الشيطان عن طريق الحق لأنه يقول لك الأولى أن تأخذ منهم الدراهم وتعطيها للدراويش وتريح المساكين بصرفها عليهم ، لأنك تصرفها في الضرورة وأبواب الخير ، وأما هو فيصرفها في الفسق والفجور ، لأن الشيطان بهذا الطريق سفك دماء خلق كثير . وآفات الطمع كثيرة ذكرتها في كتابنا (إحياء العلوم) فاطلبها هنا . يا ولدي ، اجتنب هذه الأربعة التركية .
وأما الفعلية فأربعة أيضا ولا بد أن تعمل بها .
الأول : يلزمك أن تؤدي ما أمرك الله تعالي به مثل ما تحب أن تؤدي عبدك ما أمرته به، وأنت راض عنه وكل شيء وكل شيء لا ترضى بفعله من عبدك فلا ترضى عن نفسك بفعله في تحقيق عبوديتك لله تعالى ، ومع ذلك فليس هو عبدك حقيقة لأنك اشتريته بالدراهم وأنت في الحقيقة عبد لله لأنك مخلوق له و هو خالق لك .
الثاني : أن تعامل الخلق بما تحب أن يعاملوك به . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه ).
الثالث: أن تشتغل بالعلم النافع في الواقع ونفس الأمر وهو الذي لو علمت أنه بقى من عمرك أسبوع لو لم تشتغل بسواه ، ومن المعلوم أنه إذا كان كذلك لا تشتغل بعلم النحو والصرف والطب وأمثالها ، لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تنفع في إغاثتك ، بل تشتغل بمراقبة قلبك ومعرفة صفاته فتشتغل بتطهيره من الأخلاق الذميمة وعلائق الدنيا وتحليته بالأخلاق الحسنة ومحبة الحق وتشتغل بالعبادة .
يا ولدي : اسمع كلمة واحدة وتأمل في حقيقتها واعمل بها تجد فيها خلاصك ونجاتك إليه . إن أخبرت أن السلطان قاصد زيارتك في هذا الأسبوع مثلا ، فأنا اعلم أنك لا تشتغل في هذا الأسبوع بشي غير إصلاح ما تعلم أن عين السلطان تقع عليه . إذا علمت ما ذكرناه تحققت بالأولى أنه لا ينبغي لك إلا أن تشتغل بإصلاح ما تعلم أنه محل نظر الله تعالى وهو القلب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبم ونياتكم ) . وإن أردت أن تعلم علم أحوال القلوب فاطلبه من كتابي ( إحياء العلوم ) ، وسائر تصانيفي ، وهذا فرض عين على كل مسلم وباقي العلوم فرض كفاية ، إلا أن تعلم بقدر ما تتحصل به على امتثال الأوامر واجتناب النواهي .
الرابع : أن تدخر لعيالك من القوت ما يزيد على السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه : ( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا)ولم يقل ذلك لكل أزواجه . بل قال لمن لم يكن لهن قوة اليقين . أما مثل السيدة عائشة رضي الله عنها فلم يرتب لها قوت سنة ولا يوم.
نهاية الصفحة 192
بداية الصفحة 193
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
يا ولدي : جميع ما طلبته مني كتبته لك في هذه الرسالة ، فينبغي أن تعمل بكل ما فيها ، وفي أثنا عملك اذكرني بصالح دعائك ، أما ما طلبته من الأدعية فمذكورة في الصحاح وتاريخ أهل البيت فاطلبها هناك واذكر لك هذا الدعاء فاقرأه على الدوام خصوصا عقب الصلوات وهو :
اللهم إني أسألك من النعمة تمامها ، ومن العصمة دوامها ، ومن الرحمه شمولها ، ومن العافية حصولها ، ومن العيش أرغده ، ومن العمر أسعده ، ومن الغحسان أتمه ، ومن الأنعام أعمه ، ومن الفضل أعذبه ، ومن اللطف أقربه ، ومن العمل أصلحه، ومن العلم أنفعه ، ومن الرزق أوسعه ، اللهم كن لنا ولا تكن علينا ، اللهم اختم بالسعادة آجالنا ، وحقق بالزيادة أعمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا ، وجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا ، واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ، ومن علينا بإصلاح عيوبنا ، واجعل التقوى زادنا ، وفي دينك اجتهادنا ، وعليك توكلنا واعتمادنا . إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة ، واعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة ، وخفف عنا ثقل الأوزار ، وارزقنا عيشة الأبرار ، واكفنا واصرف عنا شر الأشرار واعتق رقابنا ، ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار والدين والمظالم ياعزيز يا غفار، ياكريم ياستار ، يا حليم يا جبار برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين آمين .
خاتمة للمعرب
اعلم أن تصفية القلب لا تتم إلا بطريقة الذر لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤها ذكر الله تعالى ) . ثم إن الذكر إما باللسان وإما بالقلب ، فذكر اللسان لتحصيل ذكر القلب ، وذكر القلب لتحصيل المراقبة ، وأقرب التصفية للقلب الاشتغال بذكر الطريقة النقشبندية وهو الذكر باسم الذات أو النفي والإثبات ، وكيفية نذكر اسم الذات أن يتلفظ الذاكر بلسان القلب لفظة (الله ) . لأن القلب كله لسان وكله سمع وكله بصر . وأما كيفية ذكر النفي والإثبات فهي أن تلفظ بلسان القلب (لا إله) نافيا بها جميع تعلقات القلب عما سوى الله ثم يتلفظ بلسان القلب (إلا الله ) مثبتا بها وجود وحدانية الحق فيه ، فإذا ذكر الذاكر هذين الاسمين بهذه الكيفية تحصل له صفوة القلب وزكاه، ويكون عارفا بالله تعالى واصلا إليه ويقدم وظيفة الذر به سائر العبادات بعد الفرائض ورواتبها في جميع الأوقات إلى أن تحصل في قلبه ملكة حميدة ، وبعد ذلك يجوز له جميع الفضائل من العبادات لأنه عرف طرق الاستفاضة من الله وعرف طريق التقرب إليه:
فذكر الله أحسن في الطريق من الورد المرتب للصة
نهاية الصفحة 193
بداية الصفحة 194
وأحسن من قراءة قول حق ومن عمل بكل النافلات
لان الذكر يجلى صداء قلب ويرفع عنه كل الحاجيات
وجاهد في جميع الوقت والزم بذكر الله تشهد واردات
توجه للإله ودع سواه وراقب وارتفع للعاليات
والمراقبة هي رؤية جناب الحق سبحانه وتعالى بعين البصيرة على الدوام مع التعظيم ، وهي أقرب الطرق إلى الله تعالى من حيث التقرب إليه . كما قيل : القصد إلى الله عز وجل بالقلوب أبلغ من حركات الأعضاء في الأعمال بالصلاة والسلام والأذكار والأوراد ونحوها ، لأن صاحب الهمة العالية لا يزال عاملا بقلبه وإن لم تساعده على الأعمال جوارحه فهو يكون دائما في التقرب وأبدا في التجب .
ثم اعلم أن الذاكر إذا بلغ مرتبة المراقبة ثبتت له وحدة الوجود الإلهية وتحقق بداوم العبودية ، فإذا دوام على المراقبة ترقى إلى المشاهدة بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحده الذات الإلهية محيطة بجميع الأشياء ، وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته وبحسب استعداد المشاهدين يصير الابتهاج بأنوار الربوبية والاستكشاف بأسرار الأحدية .
تمت في شهر رجب سنة 1327
القسطاس المستقيم
بسم الله الرحمن الرحيم
ميزان حقيقة المعرفة
أحمد الله تعالى أولا ، وأصلى على نبيه المصطفى ثانيا ، وأقول : إخواني ، هل فيكم من يعيرني سمعه لأحدثه بشيء من أسمارى ، فقد استقبلني في أسفارى رفيق من رفقاءأهل التعليم وغافصنى بالسؤال والجدال مغافضة من يتحدى باليد البيضاء والحجة الغراء وقال لي : أراك تدعى كمال المعرفة ، فبأي ميزان تزن حقيقة المعرفة ؟ أبميزان الرأى والقياس ، وذلك في غاية التعارض والالتباس ولأجله ثار الخلاف بين الناس ؟ أم بميزان التعليم فيلزمك اتباع الإمام المعصوم ، وما أراك تحرص على طلبه ؟ فقلت : أما ميزان الرأى والقياس ،
نهاية الصفحة 194
بداية الصفحة 195
مجموعة رسائل الأمام الغزالي
فحاش الله أن أعتصم به فإنه ميزان الشيطان . ومن زعم من أصحابي أن ذلك ميزان المعرفة . فأسأل الله تعالى أن يكفيني شره عن الدين فإنه للدين صديق جاهل ، وهو شر من عدو عاقل ولو رزق سعادة مذهب أهل التعليم ، لتعلم أولا الجدال من القرآن الكريم ، حيث قال تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجاغدلهم بالتي هي أحسن ) ( النحل : 125)
واعلم أن المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم وبالموعظة قوم بالمجادلة قوم، فإن الحكمة إن غذى بها أهل الموعظة أضرت بهم كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير . وأن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها كما يشمئز طبع الرجل القوى من الارتضاع بلبن الآدمي . وأن من استعمل الجدال مع أهل الجدال لا بالطريق الأحسن كما تعلم من القرآن كان كمن غذى البدوى بخبز البر وهو لم يألف إلا التمر أو البلدي بالتمر وهو لم يألف إلا البر ، وليته كانت له أسوة حسنة كما تعلم من القرأن في إبراهيم الخليل صلوات الله علليه حيث حاج خصمه فقال ( ربي الذي يحي ويميت ) (البقرة : 258) .
فلما رأى أن ذلك لا يناسبه وليس حسنا عنده حين قال : ( أنا أحيي وأميت ) ( البقرة 125) . عدل إلى الأوفق لطبعه والأقرب إلى فهمه فقال : ( فإن الله يأتي الشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) ( البقرة : 258) . ولم يركب الخليل ظهر اللجاج في تحقيق عجزه عن إحياء الموتى إذ علم أن ذلك يعسر عليه فهمه فإن ظن أن القتل إماته من جهته وتحقيق ذلك يلائم قريحته ولا يناسب حده في البصيرة ودرجته ، ولم يكن من قصد الخليل إفناؤه بل إحياؤه ، والتغذية بالغذاء والموافق إحياء. واللجاج بالإرهاق إلى ما لا يوافق إفناء . فهذه دقائق لا تدرك إلا بنور التعليم المقتبس من إشراق عالم النبوة ، وفلذلك حرموا التفطن له إذ حرموا من سر مذهب التعليم .
فقال : إذا استوغرت سبيلهم واستوهنت دليلهم فبماذا تزن معرفتك .
فقلت : أزنها بالقسطاس المستقيم ليظهر لي حقها وباطلها ، ومستقيمها ومائلها : اتباعا لله تعالى وتعليما من القرآن المنزل على لسان نبيه الصادق حيث قال : ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) ( الإسراء : 35) .
فقال : وما القسطاس المستقيم ؟
قلت : هي الموازين الخمس التي أنلها الله في كتابه وعلم أنبياءه الوزن بها . فمن تعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزن بميزان الله اهتدى . ومن ضل عنها إلى الرأي والقياس فقد ضل وتردى .
فقال : أين الموازين في القرآن وهل هذا الإ إفك وبهتان ؟
نهاية الصفحة 195
بداية الصفحة 196
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
قلت : ألم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن : ( الرحمن () علم القرآن () خلق الإنسان () علمه البيان ) إلى قوله : (ووضع الميزان () ألا تطغوا في الميزان () وأقيموا الوزن بالقسطولا تخسروا الميزان ) (الرحمن : 1-9) . ألم تسمع قوله في سورة الحديد : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) (الحديد : 25). أتظن أ، الميزان المقرون بالكتاب هو الميزان البر والشعير والذهب والفضة ؟ أتتوهم أن الميزان القابل وضعه برفع السماء في قوله : ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) (الرحمن : 7) . وهو الطيار والقيان ، وما أبعد هذا الحسبان و أعظم هذت البهتان ، فاتق الله ولا تعسف في التأويل . واعلم يقينا أن هذا الميزان هو ميزان معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته لتتعلم كيفية الوزن به من أنبيائه كما تعلموا هم من ملائكته . فإن الله تعالى هو المعلم الأول ، والثاني جبريل ، والثالث الرسول صلى الله عليه وسلم ، والخلق كلهم يتعلمون من الرسل ما ليس لهم طريق إلى المعرفة به إلا بهم .
فقال : فبم عرفت أن ذلك الميزان صادق أم كاذب ؟ أبعقلك ونظرك ؟ فالعقول متعارضة . أم بالإمام المعصوم الصادق القائم بالحق في العالم ؟ وهو مذهبي الدي أدعوا إليه .
فقلت : ذلك أيضا أعرفهبالتعليم ، ولكن من إمام الأئمة محمد بن عبدالله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم فإني وإن كنت لا أراه فإني أسمع تعليمه الذي تواتر إلى تواترا لا أشك فيه : وإنما تعليمه القرآن ، وبيان صدق موازينالقرآن معلوم من نفس القرآن فقال : (هات برهانك ) وأخرج من القرآن ميزانك . أظهر لي كيف فهمت من نفس القرآن صدقه وصحته.
فقلت له : حدثني أنت بم تعرف صحة ميزان الذهب والفضة وصدقه ومعرفة ذلك فرض دينك إذا كان عليك دين حتى نقضيه تاما من غير نقصان . أو كان لك على غيرك دين حتى تأخذه عدلا من غير رجحان ، فإذا دخلت سوقا من أسواق المسلمين وأخذت ميزانا من الموازين وقضيت أو استقضيت به الدين ، فبم تعرف أنك لم تظلم بنقصان في الأداء أو برجحان في الاستيفاء ؟
فقال : أحسن الظن بالمسلمين ، وأقول إنهم لا يشتغلون بالمعاملة إلا بعد تعديل الموازين ، فإن عرض لي شك في بعض الموازين أخذته ورفعته ونظرت إلى كفتي الميزان ولسانه ، فإذا استوى انتصاب اللسان من غير ميل إلى أحد الجانبين ورأيت مع ذلك تقابل الكفتين . عرفت أنه ميزان صحيح صادق .
قلت : هب أن اللسان قد انتصب على الاستواء ، وأن الكفتين متحاذيتان على السواء ، فمن أين تعلم أن الميزان صادق ؟
نهاية الصفحة 196
بداية الصفحة 197
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
فقال : أعلم ذلك علما ضروريا يحصل لي من مقدمتين : إحداهما تجريبية ، والأخرى حسية .أما التجريبية فهي أني علمت بالتجربة أن الثقيل يهزي إلى الأسفل ، وأن الأثقل أشد هويا فأقول : لو كانت إحدى الكفتين أثقل لكانت أشد هويا فهذه مقدمة كلية تجريبية حاصلة عندي ضرورة . والمقدمة الثانية هي أن هذا الميزان بعينه رأيته لم تهو إحدى كفتيه ، بل حاذت الأخرى محاذاة مساواة.وهذه مقدمة حسية شاهدتها بالبصر فلا أشك لا في المقدمة الحسية ولا في الأولى وهي مقدمة لتجربة . فيلزم في قلبي من هاتين المقدمتين نتيجة ضرورية وهي العلم باستواء الميزان . إذ أقول : لو كانت إحداهما أثقل لكانت أهوى ومحسوس أنها ليست بأهوى ، فمعلوم أنها ليست بأثقل .
قلت له : فهل هذا إلا رأي وقياس عقلي ؟
قال : هيهات فإن هذا علم ضروري لزم من مقامات يقينية حصل اليقين بها من التجربة والحس فكيف يكون هذا رأيا وقياسا . والرأي والقياس حدس وتخمين لا يفيدان برد اليقين وأنا أحس في هذا برد اليقين .
قلت : فإن عرفت صحة الميزان بهذا البرهان فبم عرفت الصنجة والمثقال . فلعله أخف أو أثقل من المثقال الصحيح ؟
فقال : إن شككت في هذا أخذت عيارة من صنجة معلومة عندي فأقابله بها فإذا ساوى علمت أن الذهب إذا ساواه كان مساويا لصحنجتي فإن المساوي للمساوي مساو.
قلت : هل تعلم واضع الميزان في الأصل من هو ، وهل هو الواضع الأول ؟ والذي وضعه يعلم هذا الوزن .
قال : لا ، ومن أين أحتاج إليه وقد عرفت صحة الميزان بالمشاهدة والعيان . بل آكل البقل من حيث يؤتى به ولا أسأل ن المبقلة ، فإن واضع الميزان لا يراد لعينه ، بل يراد ليعرف منه صحة الميزان وكيفية الوزن به. وأنا قد عرفته كما حكيته ، وعرفته فاستغنيت عن مراجعة صاحب الميزان عند كل وزن فإن ذلك يطول ولا يظفر به في كل حين مع أني في غنية عنه.
قلت : فإن أتيتك بميزان في المعرفة مثل هذا وأوضح منه وأزيد عليه أ‘رف واضعه ومعلمه ومستعمله فيكون واضعه هو الله ومعلمه جبريل ومستعمله الخليل ومحمد وسائر النبيين عليهم السلام أجمعين . وقد شهد الله تعالى لهم في ذلك بالصدق . فهل تقبل ذلك مني ؟ وهل تصدق به ؟
فقال : إي والله وكيف لا أصدق به إن كان في الظهور مثل ما حكيته لي .
فقلت : الآن أتوسم فيك شمائل الكياسة . وقد صدق رجائي في تقويمك وتفهيمك
نهاية الصفحة 197
بداية الصفحة 198
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
حقيقة مذهبك في تعليمك فأكشف لك عن الموازين الخمسة . المنزلة في القرآن لتستغني به عن كل إمام وتجاوز حد العميان فيكون إمامك المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقائدك القرآن ، ومعيارك المشاهد والعيان . فأعلم أن موازين القرآن في الأصل ثلاثة : ميزان التعادل ، وميزان التلازم ، وميزان التعاند . لكن ميزان التعادل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : إلى الأكبر ، والأوسط ، والأصغر ، فيصير الجميع خمس .
القول في الميزان الأكبر من موازين التعادل
ثم ، قال لي هذا الرفيق الكيس من رفقاء أهل التعليم : اشرح لي الميزان الأكبر من موازين التعادل أولا واشرح لي معنى هذه الألقاب وهي التعادل والتلازم والتعاند ، والأكبر والأوسط والأصغر ، فإنها ألقاب عجيبة . ولا شك في أن تحتها معاني دقيقة .
فقلت : أما معنى هذه الألقاب فلا تفهمها إلا بعد شرحها وفهم معانيها لتدرك بعد ذلك مناسبة ألقابها لحقائقها . وأعلمك أولا أن الميزان يشبه الميزان الدي حكيته في المعنى دون الصور فإنه ميزان روحاني فلا يساوي الجسماني ، ومن أين يلزم أن ساويه والموازين الجسمانية أيضا تختلف ، فإن القلسطون ميزان ، والطيار ميزان ، بل الاصطرلاب ميزان لمقادير حركات الفلك ، والمسكرة ميزان لمقادير الأبعاد في الخطوط ، والشاقول ميزان لتحقيق الاستقامة والانحناء . وهي وإن اختلفت صورها مشتركة في أنها تعرفبها الزيادة والنقصان . بل العروض ميزان الشعر يعرف يعرف به أوزان الشعر ليتميز منزحفه عن مستقيمه وهو أشد روحانية من الموازين المجسمة ، ولكنه غير متجرد عن علائق الأجسام لأنه ميزان الأصوات ولا ينفصل الصوت عن الجسم . وأشد الموازين يوم القيامة إذ به توزن أعمال العباد وعقائدهم ومعارفهم ، والمعرفة والإيمان لا تعلق لهما بالأجسام ، ولذلك كان ميزانهما روحيا صرفا ، وكذلك ميزان القرآن للمعرفة روحاني ، لكن يرتبط تعريفه في عالم الشهادة بغلاف لذلك الغلاف التصاق بالأجسام وإن لم يكن جسما فإن تعريف الغير في هذا العالم لا يمكن إلا مشافهة وذلك بالأصوات . والصوت جسماني ، أو بالمكاتبة وهي الرقوم وهي أيضا نقش في وجه القرطاس وهو جسم . هذا حكم غلافه الذي يعرض فيه وإنما هو في نفسه روحاني محض لا علاقة له مع الأجسام إذ توزن به معرفة الله الخارجة عن عالم الأجسام المقدس عن أن يناسب الجهات والأقطار فضلا عن نفس الأجسام ، ولكنه مه ذلك ذو عمود وكفتين ، والكفتان متعلقتان بالعمود فالعمود مشترك في الكفتين لارتباط كل واحدة منهما به هذا في ميزان التعادل ، وأما ميزان التلازم فهو بالقبان أشبه لأنه ذو كفة واحدة ولكن يقابلها من الجانب الآخر الرمانة وبها يظهر التفاوت والتقدير .
نهاية الصفحة 198
بداية الصفحة 199
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
فقال : هذه طنطة عظيمة فأين المعنى فإني أسمع جعجعة ولا رأي طحنا .
فقلت له: اصبر ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ) (طه: 114) . واعلم أن العجلة من الشيطان والتأني من الله . واعلم أن الميزان الأكبر هو ميزان الخليل صلوات الله عليه وسلم الذي استعمله مع نمرود فمنه تعلمنا هذا الميزان لكن بواسطة القرآن ، وذلك أن نمرود ادعى الإلهية ، وكانت الإلهية عنده بالاتفاق عبارة عن القادر على كل شيء. فقال إبراهيم : الإله إلهي لأنه الذي يحيي ويميت وهو القادر عليه وأنت لا تقدر عليه . فقال : ( أنا أحيي وأميت ) يعني أنه يحيي النطفة بالوقاع ويميت بالقتل ، فعلم إبراهيم صلى الله عليه وسلم أ، ذلك يعسر عليه فهم بطلانه فعدل إلى ما هو أوضح عنده .
فقال : ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) ( البقرة : 258) وقد أثنى الله عليه فقال : ( وتلك حجتنا اتيناها إبراهيم على قومه ) ( الأنعام : 83) . فعلمت من هذا أن الحجة والبرهان في قول إبراهيم وميزانه . فنظرت في يفية وزنه كما نظرت أنت في ميزان الذهب والفضة فرأيت في هذه الحجة أصلينقد ازدوجا فتولد منهما نتيجة هي معرفة إذ القرآن مبناه على الحذف والإيجاز . وكمال صورة هذا الميزان أن تقول كل من يقدر على اطلاع الشمس فهو الإله ، فهذا الأصل .وإلهي هو القادر على الاطلاع وهذا أصل آخر . فلزم من مجموعهما أن إلهي هو الإله دونك يا نمرود . فانظر الآن هل يكن أن تعترف بالأصلين معترف ثم يشك في النتيجة ، أو هل يتصور أن يشك في هذين الأصلين شاك ؟ فإن قولنا : الإله هو القادر على اطلاع الشمس لا شك فيه لأن الإله كان عندهم وعند كل أحد عبارة عن القادر على كل شيء ، وإطلاع الشمس هو من جملة تلك الأشياء وهذا أصل معلوم بالوضع والاتفاق . وقولنا : القادر على الاطلاع هو الله تعالى دونك معلوم بالمشاهدة فإن عجز نمرود وعجز كل أحد سوى من يحرك الشمس مشاهد بالحس ونعني بالإله محرك الشمس ومطلعها . فيلزمنا من معرفة الأصل الأول المعلوم بالوضع المتفق عليه.ومن الأصل الثاني المعلوم بالمشاهدة أن نمرود ليش هو القدر على تحريك الشمس . فنعلم بعد معرفة هذين الأصلين أن نمرود ليس بإله وإنما الإله هو الله تعالى . فراجع نفسك الآن هل ترى هذا أوضح من المقدمة التجريبية والحسية اللتين عليهما صحة ميزان الذهب والفضة .
فقال : هذه المعرفة لازمة منه بالضرورة ولا يمكنني أن أشك في لزوم هذه النتيجة منهما ، ولكن هذا لا ينفعني إلا في هذا الموضع وعلى الوجه الذي استعمله الخليل عليه الصلاة والسلام وذلك في نفي إلهية نمرود وإقرار الإلهية لمن تفرد بإطلاع الشمس ، فكيف إذن بها سائر المعارف التي تشكل علي وأحتاج إلى تمييز الحق فيها عن الباطل ؟
نهاية الصفحة 199
فقلت من وزن الذهب بميزان يمكنه أن يزن به الفضة و سائر الجواهر , لأن الموزون عرف مقداره لا لأنه ذهب بل لأنه ذو مقدار , و لذلك هذا البرهان كشف لنا عن هذه المعرفة لا لعينها , بل لأنها حقيقة من الحقائق و معنى من المعاني فنتأمل انه لم تلزم منه هذه النتيجة و نأخذ روحه و نجرده عن هذا المثال الخاص حتى ننتفع به حيث أردنا و إنما لزم هذا لأن الحكم على الصفة حكم على الموصوف بالضرورة ’ بيانه أن إيجاز هذه الحجة إن ربي مطلع و المطلع الإله فيلزم منه أن ربي أله فالمطلع صفة الرب , و قد حكمنا على المطلع الذي هو صفته الإلهية فلزم منه الحكم على ربي بالإلهية , و كذلك في كل مقام حصلت لي معرفة بصفة الشيئ و حصلت معرفة أخرى بثبوت حكم لتلك الصفة فيتولد منهما معرفة ثالثة بثبوت الحكم على الموصوف بالضرورة .
فقال : هذا يكاد دركه يدق على فهمي , فإن تشككت فيه فمذا أصنع حتى يزول الشك ؟
قلت : خذ عيارة من الصنجة المعروفة عندك كما فعلت في ميزان الذهب و الفضة .
فقال : كيف أخذ عيارها , و أين الصنجة المعروفة من هذا الفن ؟
قلت : الصنجة العروفة هي العلوم الأولية الضرورية المستفادة إما من الحس أو من التجربة أو غريزة العقل , فأنظر في الأولويات هل تتصور أن يثبت حكم على صفة إلا و يتعدى إلى الموصوف , فإذا مر بين يديك مثلا حيوان منتفخ البطن و هو بغل , فقال قائل هذا حامل , فقلت له , ألم تعلم أن البغل عقيم لا يلد ؟ فقل : نعم أعلم هذا بالتجربة .
فقلت له : فهل تعلم أن هذا بغل ؟ فنظر فقال, فقال نعم قد عرفت ذلك بالحس و الأبصار .
فقلت : فالآن تعرف انه ليس بحامل فلا يمكنه أن يشك فيه بعد معرفة الأصلين اللذين أحدهما تجريبي و الأخر حسي , بل يكون العلم بأنه ليس بحامل علما ضروريا متولدا من بين العلمين السابقين كما تولد علمك في الميزان من العلم التجريبي بان الثقل هاو , و العلم الحسي بأن إحدى الكفتين ليست هاوية بالإضافة إلى الأخرى .
فقال : قد فهمت هذا فهما واضحا , ولكن لم يظهر لي أن السبب لزومه أن الحكم على الصفة الحكم على الموصوف .
فقلت : تأمل فإن قولك : هذا بغل , وصف و الصفة هو البغل و قولك : كل بغل عقيم , حكم على البغل الذي هو صفة بالعقم فلزم حكم بالعقم على الحيوان الموصوف بأنه بغل , و كذلك إذا ظهر لك مثلا أن كل حيوان حساس ثم ظهر لك في الدود أنه حيوان فعلا يمكنك أن تشك في أنه حساس و منهاجه أن تقول : كل دود حيوان و كل حيوان حساس فكل دود حساس لأنك قلت كل دود حيوان وصف الدود بأنه حيوان , و الحيوان صفته , فإذا حكمت على الحيوان بأنه حساس أو جسم أو غيره دخل فيه الدود لا محالة و هذا ضروري لا يمكن الشك فيه . تعم شرط هذا أن تكون الصفة مساوية للموصوف أو اعم منه حتى يكون الحكم عليه يشمل الموصوف به بالضرورة , و كذلك من سلم في النظر الفقهي , أن كل نبيذ مسكر , و كل مسكر حرام , ثم يمكنه أن يشك في أن كل نبيذ حرام لأن المسكر وصف النبيذ , فالحكم عليه بالتحريم يتناول النبيذ إذ يدخل فيه الوصف لا محالة , فكذلك في جميع أبواب النظريات .
فقال : قد فهمت فهما ضروريا أن إيقاع الازدواج بين أصلين على هذا الوجه لنتيجة ضرورية , و إن برهان الخليل صلوات الله عليه برهان صحيح و ميزانه ميزان صادق و تعلمت حده و حقيقته و عرفت عياره من الصنجات المعروفة عندي , و لكني أشتهي أن أعرف مثالا لإستعمال هذا الميزان في مظان الأشكال في العلوم فإن هذه الأمثلة واضحة بنفسها ولا يحتاج فيها إلى ميزان و برهان .
فقلت هيهات فبعض هذه الأمثلة معلومة بأنفسها بل هي متولدة من ازدواج الأصلين إذ لا يعرف كون هذا الحيوان مثلا عقيما إلا من عرف بالحس انه بغل و بالتجربة أن البغل لا يلد , و إنما واضح بنفسه هو الأول . فأما المتولد من أصلين فله أب و أم فلا يكون أوليا واضحا بنفسه بل بغيره , و لكن ذلك الغير أعني الأصلين قد يكون واضحا في بعض الأحوال , و ذلك بعد التجربة و بعد الأبصار , و كذلك يكون النبيذ حراما ليس واضحا بنفسه بل يعرف بأصلين .
أحدهما : أنه مسكر و هذا يعلم بالتجربة .
و الثاني : إن كل مسكر حرام و هذا بالخبر الوارد عن الشارع صلى الله عليه و سلم . فهذا يعرفك كيفية الوزن بهذا الميزان , و كيفية استعماله و إن أردت مثلا أغمض من هذا فأمثلة ذلك عندنا لا تنحصر ولا تنتهي بل بهذا الميزان عرفنا أكثر الغوامض فأقنع منه بمثال واحد .
فمن الغوامض أن الإنسان ليس حادثا بنفسه إذا له مسبب و صانع و كذلك العالم . فإذا راجعنا هذا الميزان و عرفنا أن له صانعا و أن صانعه عالم . فإنا نقول : كل جائز فله سبب , و اختصاص العالم أو الإنسان بمقداره الذي اختلف به جائز . فإذن يلزم منه سببا ولا يقدر على التشكيك في هذه النتيجة من سلم الأصلين و عرفهما . و لكن إن شك في الأصلين يستنتج أيضا معرفتهما من أصلين آخرين واضحين غلى أن ينتهي إلى العلوم الأولية التي لا يمكن التشكيك فيها , فإن العلوم الخفية الأولية هي أصوت العلوم الغامضة الجليلة و هي بدورها , و لكن يستثمرها منها من يحسن الاستثمار بالحراثة و الاستنتاج بإيقاع الازدواج بينهما .
فإن قلت أنا شاك في الأصلين جميعا فلم قلت إن كل جائز فله سبب ؟ و لم قلت إن اختصاص الإنسان بمقدار مخصوص جائز و ليس بواجب ؟ فأقول : أما قولي : كل حائز له سبب , فواضح إذا فهمت معنى الجائز لأني اعني بالجائز ما يتردد بين قسمين , متساويين , فإذا تساوى شيئان لم يختص أحدهما بوجود و عدم من ذاته لأن ما ثبت للشيئ , ثبت لمثله بالضرورة و هذا أولى . و أما قولي اختصاص الإنسان بهذا المقدار مثلا جائز وليس واجب , كقولي : غن الخط الذي يكتبه الكاتب و له مقدار مخصص جائز إذ الخط من حيث إنه خط لا يتعين له مقدار واحد بل يتصور أن يكون أطول و اقصر . فاختصاصه بمقدار عما هو أطول و أقصر سببه الفاعل لا محالة , إذ نسبة المقادير إلى قبول الخط لها متساوية , و هذا ضروري .
كذلك نسبة المقادير إلى شكل الإنسان و أطرافه متساوية فتخصيصها لا محالة بفاعل . ثم أرتقى منه و أقول : فاعله عالم لأنه كل فعل مرتب محكم فيسند إلى علم فاعله و بنية الإنسان مرتبة محكمة فلا بد أن يستند ترتيبها و تدريبها إلى علم فاعل بها . فههنا أصلان إذا عرفتهما لم تشك في النتيجة احدهما أن بنية الآدمي بنية مرتبة محكمة هذا يعرف بالمشاهدة من تناسب أعضائه و استعداده كل واحد لمقصود خاص كاليد للبطش و الرجل للمشي , و معرفة تشريح الأعضاء يورث علما ضروريا به , و أما افتقار المرتب المنظوم إلى علم واضح أيضا فلا يشك العاقل في أن الخط المنظوم لا يصدر إلا من عالم بالكتابة و إن كان بواسطة القلم الذي لا يعلم , و أن البناء الصالح لإفادة مقاصد الاكتنان كالبيت و الحمام و الطاحونة و غيرها لا يصدر إلا من عالم البناء , فإن أمكن التشكيك في شيئ من هذا فطريقه أن يرتقي منه إلى أوضح منه حتى يرتقي غلى أولويات . و شرح ذلك ليس من غرضا بل الغرض أن نبين أن ازدواج الأولويات على الوجه الذي أوقعه الخليل عليه السلام ميزان صادق مفيد لمعرفة حقيقية . ولا قائل بالإبطال هذا فإنه إبطال لتعليم الله تعالى أنبياءه و إبطال لما أثنى الله عليه إذ قال : ( و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) " الأنعام 83 ".و التعليم لا محالة حق إن لم يكن الرأي حقا و في إبطال الرأي و التعليم جميعا ولا قائلا به أصلا.
القول في الميزان الأوسط :
قال : قد فهمت الميزان الأكبر وحده و عياره و مظنته و حقيقة استعماله فإشرح لي الميزان الأوسط ما هو , و من أين حصل تعليمه , و من وضعه , و من استعمله
فقلت الميزان الأوسط أيضا للخليل عليه السلام حيث قال : ( لا أحب الآفلين ) " الأنعام 76" . و كمال صورة هذا الميزان أن القمر أفل فالقمر ليس بإله .
و لكن القران على إيجاز و الإضمار مبناه , لكن الإلهية عن القمر لا يصدر ضروريا إلا بمعرفة هذين الأصلين و هو أن القمر أفل و أن الإله ليس بآفل فلا اعلمه ضرورة ولا حسا .
قلت و ليس غرض من حكاية هذا الميزان أن أعرفك أن القمر ليس بآفل , بل غني أعلمك أن هذا الميزان صادق و المعرفة الحاصلة منه بهذا الطريق من الوزن ضرورية , و غنما حصل العلم به في حق الخليل عليه السلام . إذ كان معلوما عنده أن بآفل , و أن لم يكن ذلك العلم أوليا له بل مستفادا من أصلين آخرين يستنتجان العلم بأن الإله ليس بمتغير و كل متغير حادث , و الأفول هو التغير فبنى الوزن على المعلوم عنده , فخذ أنت الميزان و استعمله حيث يحصل لك العلم بالأصلين .
قال : فهمت بالضرورة أن هذا الميزان صادق و أن هذه المعرفة تلزم في الأصلين إذ ضارا معلومين , و لكن أريد أن تشرح لي عياره من الصنجة المعروفة عندي ثم مثال استعمله في مضان الغموض فإن نفى الإلهية عن القمر كالواضح عندي .
قلت : أما حده , فهو أن كل مثلين وصف احدهما بوصف فسلب ذلك الوصف عن الآخر فهما متباينان أي احدهما يسلب ذلك الوصف عن الآخر ولا يوصف به , و لما كان حد الميزان الأكبر أن الحكم على الأعم حكم على الأخص و يندرج فيه لا محالة , فحد هذا أن الذي ينفي عنه ما يثبت لغيره مباين لذلك الغير , فالإله ينفي عنه الأفول و القمر يثبت له الأفول , فهذا يوجب التباين بين الغلة و القمر و هو أن يكون القمر إلها ولا الغلة قمرا .
و قد علم الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم الوزن بهذا الميزان في مواضع كثيرة من القرآن إقتداء بأبيه الخليل صلوات الله عليهما , فاكتفى بالتنبيه على موضوعين و اطلب الباقي من الآيات القرآن .
أحدهما : قوله تعالى لنبيه : (( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق )) " المائدة 18 "
و ذلك أنهم ادعوا أنهم أبناء الله فعلمه الله تعالى كيفية إظهار خطاياهم بالقسطاس المستقيم , فقال : (( قل فلم يعذبكم بذنوبكم )) . و كمال صورة هذا الميزان أن البنين لا يذبحون , و انتم معذبون , فإذا لستم أبنائه فهنا أصلان : أما أن البنين لا يعذبون فيعرف بالتجربة , و أما انتم معذبون فيعرف بالشهادة و يلزم منهما ضرورة نفي النبوة .
الموضع الثاني : قوله تعالى : (( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم )) " الجمعة 6 , 7 " . و ذلك أنهم ادعوا الولاية , و كان من المعلوم أن الوالي يتمنى لقاء وليه , و كان من المعلوم أنهم لا يتمنون الموت الذي هو سبب اللقاء فلزم ضرورة أنهم ليسوا أولياء لله . و كمال ضرورة هذا الميزان أن يقال : كل ولي يتمنى لقاء وليه و اليهودى ليس يتمنى لقاء الله فلزم منه أنه ليس بولي لله . و حده أن التمني يوصف به الولي و ينفي عن اليهود فيكون الولي و اليهودى متباينين لسلب أحدهما عن الآخر فلا يكون الولي يهوديا ولا اليهودى وليا . و اما عياره من الصنجة المعلومة فما عندي أنك تحتاج إليه مع وضوحه , و لكن إن أردت إستضهارا فأنضر انك إذا عرفا أن الحجر جماد ثم عرفت أن الإنسان ليس بجماد كيف يلزمك منه أن تعرف أن الإنسان ليس بحجر لان الجمادية تثبت للحجر و تنفي عن الإنسان : فلا جرم أن يكون الإنسان مسلوبا عن الحجر و الحجر مسلوبا عن الإنسان فلا الإنسان حجرا ولا الحجر إنسانا . و أما مظنة إستعماله في مواضع الغموض فكثير و احد شطري المعرفة التقديس و هو ما يتقدس عنه الرب تعالى علوا كبيرا و جميع معارفه توزن بهذا الميزان إذ الخليل عليه السلام استعمل هذا الميزان في التقديس , و علمنا كيفية الوزن به إذ عرف بهذا الميزان نفى الجسمية عن الله تعالى . و كذلك نقول أن الإله ليس بجوهر متحيز . و نقول ليس بعرض لان العرض ليس يحي العالم و الإله حي عالم فليس بعرض , و كذلك سائر أبواب التقديس تولد معرفتها أيضا من ازدواج أصلين على هذا الوجه .
أحدهما : أصل سالب مضمون النفي .
و الثاني : أصل موجب مضمونه الإثبات و تتولد منهما معرفة النفي و التقديس
القول في الميزان الأصغر :
قال : قد فهمت هذا أيضا فهما ضروريا فإشرح لي الميزان الأصغر وحده و عياره و مظنة و استعماله و الغوامض .
قلت : الميزان الأصغر تعلمته من الله تعالى حيث علمه محمدا صلى الله عليه و سلم في القرآن , و ذلك في قوله تعالى : (( و ما قدر الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيئ قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا و هدى للناس )) " الأنعام 97 " و وجه الوزن بهذا الميزان نقول قولهم بنفي إنزال الوحي على البشر قوله باطل الإزدواج المنتج بين الأصلين :
أحدهما : أن موسى عليه السلام بشر .
و الثاني أن موسى عليه السلام انزل عليه الكتاب فيلزم منه بالضرورة قضية خاصة و هو أن بعض البشر انزل عليه الكتاب و تبطل به الدعوى العامة بأنه لا ينزل كتاب على بشر أصلا . أما لأصل الأول و هو قولنا موسى بشر فمعلوم بالحس و أما الثاني هو أن موسى منزل عليه الكتب فكان معلوما بإعترافهم , إذ كانوا يخفون بعضه و يظهرون بعضه كما قال تعالى : (( تبدونها و تخفون كثيرا )) " الأنعام 91 " , و إنما ذكر هذا في معرض المجادلة بالأحسن , و من خاصية المجادلة أنه يكفي فيه لغيره فإن النتيجة تلزمه إذا كان هو معترفا به , و أكثر أدلة القرآن تجري على هذا الوجه , فإن صادفت من نفسك إمكان الشك في بعض أصولها و مقدمتها , فإعلم أن المقصود بها محاجة ما لم يشك فيه , و أما أنت فالمقصود في حقك أن تعلم منه كيف الوزن في سائر المواضع و أما عيار هذا الميزان أن من يقول لا يتصور أن يمشي الحيوان بغير رجل , فيعلم منك إذ قلت الحية حيوان و الحية تمشي بغير رجل فيلزم منه أن بعض الحيوان بغير رجل , و أن قول من يقول لا يمشي الحيوان إلا برجل قول باطل منقوض و أما موضع استعماله من الغوامض فكثير , فإن بعض الناس مثلا يقول كل كذب فهو قبيح لعينه فنقول من رأى نبيا من الأنبياء أو الأولياء قد إختفى من ظالم فسأله الظالم عن موضعه فأخفاه قوله هل هو كذب , قال : نعم قلنا : فهل هو قبيح : قال : لا بل القبيح الصدق المفضي إلى هلاكه فنقول له : أنظر إلى الميزان فإنا نقول قوله في إخفاء محله كذب فهو أصل معلوم , و هذا القول ليس قبيح و هو الأصل الثاني , فيلزم منه أن كل كذب ليس قبيح فتأمل الآن هل يتصور الشك في هذه النتيجة بعد الإعتراف بالأصلين , و هل هذا أوضح مما ذكرته من المقدمة التجريبية و الحية في معرفة ميزان التقديس , و أما حد هذا الميزان فهو أن كل وصفين اجتمعا على شيئ واحد فبعض آحاد الوصفين لا بد أن يوصف بالآخرة بالضرورة ولا يلزم أن يوصف بأنه كله لزوما ضروريا , بل قد يكون في بعض الأحوال و قد لا يكون فلا يوثق , ألا ترى أن الإنسان يجتمع عليه الوصف بأنه حيوان و أنه جسم فيلزم منه بالضرورة أن بعض الجسم حيوان بأنه جسم فإن وصف كل وصف بالآخر إذا لم يكن ضروريا في كل حال لم تكن المعرفة الحاصلة به ضرورية , ثم قال الرفيق قد فهمت هذه الموازين الثلاثة , و لكن لما خصصت الأول بإسم الأكبر بالأوسط بالثالث بالأصغر ؟
قلت : لأن الأكبر هو الذي يتسع لأشياء كثيرة , و الأصغر خلافه , و الأوسط بينهما و الميزان الأول أوسع الموازين , إذ يمكن أن يستفيد منه المعرفة بالإثبات الخاص و النفي العام و النفي الخاص , فقد أمكن أن يوزن به أربعة أجناس من المعارف , و أما الثاني فلا يمكن أن يوزن به إلا النفي و لكن يوزن به النفي العام و الخاص جميعا , و أما الثالث فلا يزن به إلا الخاص كما ذكرت لك أنه يلزم منه بعض أحد الوصفين يوصف به الآخر لإجتماعهما على شيئ واحد و ما لا يتسع إلا للحكم الواحد الجزئي فهو أصغر لا محالة . نعم وزن الحكم العام به من موازين الشيطان و قد وزن به أهل التعليم بعض معارفهم و ألقاه في أمنية الخليل صلوات الله عليه وسلامه في قوله : (( هذا ربي هذا أكبر )) " الأنعام 78 "
و سأتلو عليك قصته بعد هذا إن شاء الله
القول في ميزان التلازم :
قال : فإشرح لي ميزان التلازم فقد فهمت الأقسام الثلاثة من موازين التعادل .
قلت : هذا الميزان مستفاد من قوله تعالى : (( لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا )) " الأنبياء 22" . و من قوله تعالى : (( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا )) " الإسراء 42 " . و من قوله تعالى (( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها )) " الأنبياء 99 " . و تحقيق صورة هذا الميزان أن تقول : لو كان للعالم إلهان لفسد , فهذا أصل . و معلوم أنه لم يفسد و هذا أصل آخر , فيلزم عنهما نتيجة ضرورية و هي نفي أحد الإلهين , و لو كان مع ذي العرش آلهة لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا , و معلوم أنهم لم يبتغوا فيلزم نفي آلهة سوى ذي العرش , و أما عيار هذا الميزان بالصنجة المعلومة قولك : إن كانت الشمس طالعة فالكواكب خفية . و هذا يعلم بالتجربة , ثم تقول إن لم يأكل فلان فهو شبعان و هو يعلم بالتجربة , ثم تقول و معلوم انه أكل و هذا يعلم بالحس فيلزم من الأصل التجريبي و الأصل الحسي بالضرورة أنه غير شبعان , و أما موضع إستعماله في الغوامض فكثير حتى يقول الفقيه إن كان بيع الغائب صحيحا فيلزم بتصريح الإلزام , و معلوم أنه لا يلزم بتصريح الإلزام منه أنه ليس بصحيحا و يعلم الأصل الأول بالإستقراء الشرعي المفيد للضن و إن يفيد العلم , و الثاني بتسليم الخصم و ماعدته و نقول في النظريات إن كان صنعة العالم و تركيب الآدمي مرتبا عجيبا محكما فصانعه عالم و هذا في العقل أولى , و معلوم انه عجيب مرتب و هذا مدرك بالعيان فيلزم منه أن صانع عالم , ثم نرتقي . فنقول : إن كان صانعه عالما فهو حي معلوم بالميزان الأول أنه عالم فيلزم منه أنه حي , ثم نقول إن كان حيا عالما فهو قائم بنفسه و ليس بغرض , و معلوم الميزانين السابقين الأولين أنه حي عالم فيلزم منه أنه قائم بنفسه , و كذلك تعرج من صفة تركيب الآدمي إلى صفة صانعه و هو عالم , ثم تعرج من العلم إلى الحياة .
ثم منها إلى الذات و هذا هو المعراج الروحاني, و هذه الموازين سلالم العروج إلى السماء , ثم إلى خالق السماء و هذه الأصول درجات السلالم و أما المعراج الجسماني , فلا تفي به كل قوة يختص ذلك بقوة النبوة , و أما حد هذا الميزان فإن ما كل هو لازم للشيئ فهو تابع له في كل حال , فنفي اللازم يوجب بالضرورة نفي الملزوم , و وجود الملزوم يوجب بالضرورة وجود اللازم , أما نفي اللزوم و وجود اللازم فلا نتيجة لهما , بل هما من موازين الشيطان و قد يزن به بعض أهل التعليم معرفته , أما ترى أن صحة الصلاة يلزمها لا محالة كون المصلي متطهرا فلا جرم يصح أن تقول إن كانت صلاة زيد صحيحة فهو متطهرا, و معلوم أنه غير متطهر و هو نفي اللازم فلزم منه أنه صلاته غير صحيحة و هو نفي الملزوم , و كذلك إن قلت : و معلوم أنه متطهر فيلزم منه أن صلاته صحيحة فهذا خطا لأنه ربما بطلت صلاته بعلة أخرى , فهذا وجود اللازم و لم يدل على وجود الملزوم , و كذلك إن قلت : و معلوم أن صلاته ليست بصحيحة فهو إذا كان غير متطهر و هذا خطأ لأنه ربما بطلت صلاته بعلة أخرى , فهذا وجود اللازم و لم يدل على وجود الملزوم , و كذلك إن قلت و معلوم أن صلاته ليست بصحيحة فهو إذا كان غير متطهر و هذا خطأ غير لازم لأنه يجوز أن يكون عدم صحة الصلاة لفقدان شرط آخر سوى الطهارة فهذا نفي الملزوم و لم يدل على نفي اللازم .
القول في ميزان التعاند :
ثم قال إشرح لي ميزان التعاند و أذكر لي من القرآن موضعه و عياره و محل إستعماله .
قلت : أما موضعه من القرآن فقوله في تعليم نبيه محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( قل من يرزقكم من السموات و الأرض قل الله و إنا إياكم لعلي هدى أو في ضلال مبين )) " سبأ 34 " . فإن لم يذكر قوله إنا أو إياكم في معرض التسوية و التشكيك , بل فيه إضمار أصل ىخر و هو لسنا على ضلال في قولنا : إن الله يرزقكم من السماء و الأرض فإنه الذي يرزق من السماء بإنزال الماء , و من الأرض بإثبات النيات فإذا أنتم ضالون بإنكار ذلك و كمال صورة هذا الميزان إنا و إياكم لعلى ضلال مبين , و هذا أصل , ثم نقول : و معلوم أنا لسنا في ضلال و هذا أصل آخر , فيلزم من إزدواجهما نتيجة ضرورية و هو أنكم في ضلال . و أما عياره من الصنجات المعروفة فهو أن من دخل دارا ليس فيها إلا بيتان , ثم دخلنا أحدهما تره فيه فنعلم علما ضروريا أنه في البيت الثاني , و هذا الإزدواج من أصلين : أحدهما قوله إنه في أحد البيتين قطعا
و به وزن بعض أهل التعليم كلامهم في مواضع كثيرة ذكرناها في قواصم , و في جواب مفصل الخلاف و الكتاب المستظهرى و غيرهما من الكتب المستعملة , و أما موضع إستعمال هذا من الغوامض فلا ينحصر و لعل اكثر النظريات تدور عليه, فغن من أنكر موجودا قديما فنقول له : الموجودات إما أن تكون كلها حادثة أو بعضها حادث و بعضها قديم و هذا حاصر , لأنه بين النفي و الإثبات دائر , ثم نقول و معلوم أن كلها ليست بحادثة فيلزم أن فيها قديما فإن قيل : فلم قيل إن كلها ليست حادثة ؟ فنقول : لأنها كلها لو كانت حادثة لكان حدوثها بأنفسها من غير سبب , فبطل أن تكون كلها حادثة فثبت أن فيها موجودا قديما , و نظائر إستعمال هذا الميزان لا تنحصر .
فقال : قد فهمت بالحقيقة صدق هذه الموازيين الخمسة , و لكن إشتهى أن أعرف معنى ألقابها و لم خصصت الأول بأنه ميزان التعادل , و الثاني بإلتزام , و الثالث بالتعاند ؟
قلت : سميت الأول ميزان التعادل لان فيه أصلين متعادلين كأنهما كفتان متجاذبتان , و سميت الثاني ميزان التلازم لان أحد الأصلين تشتمل على جزئين : أحدهما لازم , و الآخر ملزوم كقوله تعالى : (( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا )) " الأنبياء 22 " . فغن قوله : لفسدتا , لازم و ملزوم قوله : لو كان فيهما آلهة غلا الله , و لزمت النتيجة من نفي اللازم .
و سميت الثالث ميزان التعاند لأنه رجع إلى حصر قسمين بين النفي و الإثبات يلزم من ثبوت أحدهما نفي الآخر و من نفي احدهما ثبوت الآخر فبين القسمين تعاند و تضاد .
فقال : هذه الأسامي أنت إبتدعتها و هذه الموازين أنت إنفردت بإستخراجها أم سبقت إليها ؟
قلت : أما هذه الأسامي فإني إبتدعتها , و اما الموازين فإنا أستخرجها من القرآن , و ما عندي أني سبقت إلى إستخراجها من القرآن , لكن أصل الموازيين قد سبق إستخراجها و لها عند مستخرجها من المتاخرين أسماء أخرى سوى ما ذكرته , و عند بعض الأمم السابقة على بعثة محمد و عيسى صلى الله عليهما و سلم أسامي أخرى , كانوا قد تعلموها من صحف إبراهيم و موسى عليهما الصلاة و السلام , ولكن بعثني على إبدال كسوتها بأسامي أخرى غير ما سموها به ما عرفت من ضعف قريحتك و طاعة نفسك إلى الأوهام , فإني رأيتك من الاعتزاز بالظواهر بحث لما سقت عسلا أحمرا في قارورة حجام لم تطق تناوله لتفور طبعك عن المحجمة و ضعف عقلك عن أن يعرفك أن العسل ظاهر في أي زجاجة كان , بل ترى التركي يلبس المرقعة و الدراعة فتحكم عليه بأنه صوفي أو فقيه و لو لبس الصوفي القباء و القلنوسة حكم عليه وهمك بأنه تركي فأبدا يتحرك وهمك إلى ملاحظة غلاف الأشياء دون اللباب , و كذلك لا تنظر إلى القول من نفس القول و ذاته بل من حسن صنعته أو حسن ظنك بقائله , فإذا كانت عبارته مستكرهة عندك أو قائلها قبيح الحال إعتقدك رددت القول و غن كان في نفسه حسنا حقا , فلو قيل لك : قل لا اله إلا الله عيسى رسول الله نفر عن ذلك طبعك , و قلت : هذا قول أنصاري فكيف أقوله , و لم يكن لك من العقل ما تعرف به أن هذا القول في نفسه حق و أن النصراني ما مقل لهذه الكلمة لسائر الكلمات بل لكلمتين فقط , إحداهما قوله : الله ثالث ثلاثة , و الثانية قوله : محمد ليس برسول الله و سائر أقواله وراء ذلك حق , فلما رأيتك و رأيت رفقاءك من أهل التعليم ضعفاء العقول لا تخدعهم إلا الظواهر نزلت إلى حدك فسقيتك الدواء في كوز الماء و سقتك به إلى الشفاه و تلطفت بك تلطف الطبيب بمريضه , و لو ذكرت لك أنه دواء و عرضته في قدح الدواء لكان يشمئز من قبوله طبعك و لو قبلته لكنت تتجرعه ولا تكاد تسبغه فهذا غرضي في إبدال تلك الأسامي و إبداع هذه يعرفه من بعرفه , و يجهله من يجهله , و ينكره من ينكره .
فقال لقد فهمت هذا كله , و لكن أينما كنت وعدت به من أن هذا الميزان له كفتان و عمود واحد تتعلق به الكفتان جميعا , و لست أرى في هذا الميزان الكفة و العمود , و أينما ذكرته من الموازين التي هي أشبه بالقبطان ؟
قلت : هذا المعارف الست قد إستفادتها من ألين فكل أصل كفة و الجزء المشترك بين الأصلين الداخل فيهما عمود , و أضرب لك مثلا من الفقهيات فلعله أقرب إلى فهمك , فأقول : قولنا : كل مسكر حرام كفة , و قولنا : كل نبيذ مسكر كفة أخرى , و النتيجة أن كل نبيذ حرام فههنا في الأصلين ثلاثة أمور فقط : النبيذ و المسكر و الحرام . أما النبيذ فإنه يوجد في أحد الأصلين فقط فهو كفة , و أما الحرام فيوجد في الأصل الثاني فقط فهو الكفة الثانية , و أما المسكر فمذكور في الأصلين جميعا و هو مكرر فيها مشترك بينما فهو العمود , و الكفتان متعلقتان به إذ يتعلق به أحدهما و يتعلق الموصوف بالصفة , و هو قولك نبيذ مسكر فإن النبيذ موصوف بالسكر و الأخرى متعلقة لتعليق الصفة بالموصوف و هو قولك . و كل مسكر حرام , فنتأمل ذلك حتى تعرف فإن فساد هذا الميزان تارة يكون من الكفة , و تارة يكون من العمود , و تارة يكون من تعلق الكفة بالعمود على ما أنبهك على رمز يسير منه في ميزان الشيطان , و أما الشبه بالقبطان فهو ميزان التلازم إذ أحد الطرفين أطول من الآخر كثيرا , فإنك تقول لو كان بيع الغائب صحيحا لزم بصريح الإلزام و هذا أصل
(ص210)
طويل مشتمل على جزأين: لازم وملزوم، والثاني وهو قولك وليس يلزم بصريح الإلزام وهذا أصل آخر أقصر منه فكان أشبه بالرمانة القصيرة المقابلة لكفة القبان، وأما ميزان التعادل فتتعادل فيه كفتان ليست إحداهما أطول من الأخرى، بل كل واحدة منهما تشتمل على صفة وموصوف فقط، فافهم هذا مع ما عرفتك من أن الميزان الروحاني لا يكون كالميزان الجسماني بل يناسبه مناسبة ما، ولذلك يمكن تشبيهه بتولد النتيجة من ازدواج الأصلين إذ يجب أن يدخل شيء من أحد الأصلين في الآخر وهو المكسر الموجود في الأصلين، حتى تتولد النتيجة، فإن لم يدخل جزء من أحد الأصلين في الآخر لم تتولد نتيجة كما تتولد من قولك كل مسكر حرام وكل مغصوب مضمون نتيجة أصلًا وهما أصلان، لكن لم يجر بينهما نكاح وازدواج إذ ليس يدخل جزء من أحدهما في الآخر، وإنما النتيجة تتولد من الجزء المشترك الداخل من أحدهما في الآخر وهو الذي سميناه عمود الميزان، ولو فتح لك باب الموازنة بين المحسوس والمعقول لانفتح لك باب عظيم في معرفة الموازنة بين عالم الملك والشهادة، وبين عالم الغيب والملكوت وتحته أسرار عظيمة، ومن لم يطلع عليها حرم الاقتباس من أنوار القرآن والتعليم منه ولم يحط من علمه إلا بالقشور، فكما أن في القرآن موازين كل العلوم فكذلك فيه مفاتيح كل العلوم كما أشرت إليه في كتاب (جواهر القرآن) فاطلبه منه وليست الموازنة بين عالم الملك والشهادة وعالم الغيب والملكوت، إلا بما يتجلى بعضه في المنام من الحقائق المعنوية في الأمثلة الخيالية، لأن الرؤيا جزء من النبوة وفي عالم النبوة يتجلى تمام الملك والملكوت، ومثاله من النوم رجل رأى في منامه كأن في يده خاتمًا يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقص رؤياه على ابن سيرين، فقال: إنك مؤذن تؤذن في رمضان قبل الصباح، فقال: هو كذلك، فانظر الآن لم تجل له حاله من عالم الغيب في هذا المثال، واطلب الموازنة بين هذا المثال والأذان قبل الصبح في رمضان، وربما يرى هذا المؤذن نفسه يوم القيامة وفي يده خاتم من نار ويقال له هذا هو الخاتم الذي كنت تختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فيقول: والله ما فعلت هذا. فيقال: نعم كنت تفعله ولكن تجهله لأن هذا روح فعلك ولا تتجلى حقاق الأشياء وأرواحها إلا في عالم الأرواح ويكون الروح في غطاء من الصور في عالم التلبيس عالم الحس والخيال. والآن قد كشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، وكذلك يفتضح كل من ترك حدًا من حدود الشرع، وإن أردت له حقيقة فاطلبه من باب حقيقة الموت في الإحياء أو من كتاب جواهر القرآن، فترى فيه العجائب، وأطل التأمل فيه فعسالك تنفتح لك باب رؤيته إلى عالم الملكوت تسترق منها السمع، فإني ما أراك ينفتح لك بابها وأنت إنما تنتظر معرفة الحقائق من معلم غائب لا تراه، ولو رأيته لوجدته أضعف منك في المعرفة كثيرًا فخذها ممن سافر وتعرف وبحث فعلى الخبير سقطت فيه.
(ص211)
فقال: هذا الآن حديث آخر يطول بيني وبينك اللجاج فيه، فإن هذا المعلم الغائب وإن كنت لم أر منظره فقد سمعت خبره كالليث إن لم أره فقد رأيت أثره ولقد رأيت والدتي إلى أن ماتت ومولانا صاحب قلعة الموت يثنيان عليه ثناءً بالغًا حتى قالا إنه المطلع على كل ما يجري في العالم ولو على ألف فرسخ، أفأكذب والدتي وهي العجوز العفيفة السيرة أو مولانا وهو الإمام الحسن السيرة والسريرة، كلا بل هما شاهدان صادقان كيف وقد طابقهما على ذلك جميع رفقائي من أهل دامغان وأصبهان ولهم الأمر المطاع وفي حكمهما سكان القلاع، أفترى أنهم منخدعون وهم الأذكياء أو متنسمون وهم الأتقياء؟ هيهات هيهات دع عنك الغيبة، فإن مولانا يطلع على ما يجري بيننا من غير ريبة إذ لا يعزب عنهن مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فأخشى أن أتعرض لمقته بمجرد السماع والإصغاء فاطو طومار الهذيان وارجع إلى حديث الميزان واشرح لي ميزان الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم به.
القول في موازين الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم بها
فقلت: اسمع الآن يا مسكين شرح ميزان رفقائك فإنه بعد غلوائك، واعلم أن كل ميزان ذكرته من موازين القرآن فللشيطان في جانبه ميزان ملصق به يمثله بالميزان الحق ليوزن به، فيلغط لكن الشيطان إنما يدخل من موقع الثلم، فمن سد الثلم وأحكمها أمن الشيطان. ومواقع ثلمه عشرة قد جمعتها وشرحتها في كتاب النظر وكتاب معيار العلم إلى غير ذلك من الدقائق في شروط الميزان لم أذكرها الآن لقصور فهمك عن إدراكها، فإن أردت معاقد حملها ألفيتها في كتاب المحك، وإن أردت شرح تفاصيلها وجدتها في كتاب المعيار، لكن أقدم الآن أنموذجًا واحدًا وذلك هو الذي ألقاه الشيطان في خاطر إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) [الحج: 52]. وإنما ذلك في مبادرته إلى الشمس وقوله: هذا ربي هذا أكبر، لأجل أنه أكبر أراد أن يخدعه به، وكيفية الوزن به أن الإله هو الأكبر، فهذا أصل معلوم الاتفاق والشمس هي أكبر من الكواكب وهذا أصل آخر معلوم بالحس، فيلزم منه أن الشمس إله وهي النتيجة وهذا ميزان ألصقه الشيطان بالميزان الأصغر من موازين التعادل لأن الأكبر وصف وجد للإله ووجد للشمس، فيوهم أن أحدهما يوصف بالآخر وهو عكس الميزان الأصغر، وحد ذلك الميزان أن يوجد شيئان لشيء واحد لا أن يوجد شيء واحد لشيئين فإنه إن وجد شيئان لشيء واحد وصف بعض أحدهما بالآخر كما سبق ذكره. أما إذا وجد شيء واحد لشيئين فلا يوصف
(ص212)
أحد الشيئين بالآخر، فانظر كيف يلبس الشيطان بالعكس. وعيار هذا الميزان الباطل من الصنجة الظاهرة البطلان اللون فإنه يوجد للسواد والبياض جميعًا، ثم لا يلزم أن يوصف البياض بالسواد أو السواد بالبياض، بل لو قال قائل: البياض لون والسواد لون فيلزم منه أن السواد بياض، كان خطأ باطلًا، فكذلك قوله الإله أكبر والشمس أكبر فالشمس إله، فهذا خطأ إذ يجوز أن يوصف المتضادان بوصف واحد، فاتصاف شيئين **بشيء واحد لا يوجد بين الشيئين اتصالًا. أما اتصاف شيء واحد بشيئين فيوجب بين الوصفين اتصالًا وكل من فهمه أدرك التفرقة بين اتصاف شيء واحد بشيئين وبين اتصاف شيئين بشيء واحد.
فقال: قد اتضح لي بطلان هذا، لكن متى وزن أهل التعليم كلامهم به؟.
قلت: وزنوا به كلامًا كثيرًا أشح على أوقاتي أن أضيعها بحكايته، لكن أريك أنموذجًا واحدًا، فلقد سمعت كثيرًا من قولهم إن الحق مع الوحدة والباطل مع الكثرة، ومذهب الرأي يفضي إلى الكثرة، ومذهب التعليم يفضي إلى الوحدة فيلزم أن يكون الحق في مذهب التعليم.
قال: نعم سمعت هذا كثيرًا واعتقدت هذا برهانًا وأعرفه برهانًا قاطعًا لا أشك فيه.
فقلت: هذا ميزان الشيطان فانظر كيف انتكس رفقاؤك واستعملوا قياس الشيطان وميزانه في إبطال ميزان الخليل صلوات الله عليه وسلامه وسائر الموازين.
قال: وما وجه تخريجه عليه؟.
فقلت: الشيطان إنما يلبس في الموازين بتكثير الكلام فيه وتشويشه حتى لا يعلم منه موضع التلبيس وهذا كلام كثير حصله يرجع إلى أن الحق يوصف بالوحدة، فهذا أصل وأن مذهب التعليم يوصف بالوحدة فهذا أصل آخر، فلزم منه أن مذهب التعليم يوصف بالوحدة وصف واحد بالحق لأن الوحدة في شيء واحد فاتصف به شيئان، فيجب اتصاف أحد الشيئين بالآخر كقول القائل: اللون وصف واحد اتصف به البياض والسواد جميعًا فيلزم اتصاف البياض بالسواد، وكقول الشيطان: الأكبر وصف واحد يتصف به الإله والشمس فيلزم منه أن تتصف الشمس بالإله فلا فرق بين هذه الموازين الثلاثة. أعني وجود اللون للسواد والبياض ووجود الأكبر للإله والشمس ووجود الوحدة للتعليم والحق، فتأمل لتفهم ذلك.
فقال: قد فهمت هذا قطعًا ولكني لا أقنع بمثال واحد فاذكر لي مثالًا آخر من موازين رفقائي ليزداد قلبي سكونًا إلى معرفة انخداعهم بموازين الشيطان.
قلت: أما سمعت قولهم إن الحق إما أن يعرف بالرأي المحض أو بالتعليم المحض،
(ص213)
وإذا بطل أحدهما ثبت الآخر وباطل أن يكون مدركًا بالرأي العقلي المحض لتعارض العقول والمذاهب فثبت أنه بالتعليم.
فقال: إي والله قد سمعت ذلك كثيرًا هو مفتاح دعوتهم وعنوان حجتهم.
قلت: فهذا وزن بميزان الشيطان الذي ألصقه بميزان التعاند، فإن إبطال أحد القسمين ينتج ثبوت الآخر، ولكن بشرط أن تكون القسمة منحصرة لا منتشرة، والشيطان يلبس المنتشرة بالمنحصرة، فهذه منتشرة إذ ليست دائرة بين النفي والإثبات، بل يمكن قسم ثالث وهو أن يدرك بالعقل والتعليم جميعًا وعياره من الصنجات المعلوم بطلانها قول القائل: الألوان لا تدرك بالعين بل بنور الشمس. فقلنا: لم؟ فقال: لا تخلو إما أن تدرك بالعين أو بنور الشمس وباطل أن تدرك بالعين لأنه لا يدرك بالليل فثبت أنه يدرك بنور الشمس، فيقال له: يا مسكين ثم قسم ثالث وهو أن يدرك بالعين ولكن عند نور الشمس.
فقال: قد فهمت هذا أيضًا لكن أريد أن تزيدني شرحًا للغلط الواقع في الأنموذج الأول وهو حديق الحق والوحدة، فإن التفطن لموضع الغلط منه لطيف جدًا.
قلت: وجه الغلط ما ذكرت وهو التباس اتصاف شيء واحد بشيئين باتصاف شيئين بشيء واحد، ولكن أصل هذا الغلط إيهام العكس، فإن من علم أن كل واحد حق ربما يظن أن كل حق واحد وليس يلزم هذا العكس بل اللازم منه عكس خاص، وهو أن بعض الواحد حق فإن قولك: كل إنسان حيوان لا يلزم منه عكس عام وهو أن كل حيوان إنسان بل اللازم أن بعض الحيوان إنسان ولا يستولي الشيطان بحيله على الضعفاء بأشد وأكثر من تحيله بإيهام العكس العام حتى ينتهي إلى المحسوسات حتى أن من رأى حبلًا أسود مبرقش اللون يرتاع منه لشبهه بالحية وسببه معرفته أن كل حية فطويل متبرقش اللون فيسبق وهمه إلى عكسه العام، ويحكم بأن كل طويل متبرقش اللون فهو حية فيظن منه عكسًا عامًا، وهو أن كل طويل متبرقش اللون أسود فهو حية، وإنما اللازم منه عكس خاص وهو أن بعض الطويل المتبرقش حية لا أن كله كذلك، وفي العكس والنقيض دقائق كثيرة لا تفهمها إلا من كتاب محك النظر ومعيار العلم.
فقال: إني أجد بكل مثال تذكره طمأنينة أخرى لمعرفة موازين الشيطان فلا تبخل علي بمثال آخر من موازين الشيطان.
قلت: إن فساد ذلك الميزان تارة يكون من سوء التركيب بأن لا يكون تعلق الكفتين بالعمود تعلقًا مستقيمًا وتارة يكون من نفس الكفة وفساد طينتها التي منها اتخذت فإنها إما أن تتخذ من حديد أو** نحاس أو جلد حيوان، فلو اتخذت من الثلج أو القطن لم يمكن الوزن به. والسيف تارة يفسد لخلل شكله بأن يكون على هيئة العصا غير معترض ولا حاد،
(ص214)
وتارة يكون من فساد طينته ومادته التي منها اتخذ بأن يكون متخذًًا من خشب أو طين، وكذلك ميزان الشيطان قد يكون فساده لفساد تركيبه كما ذكرته في مثال كبر الشمس ووحدة الحق فإن صورتها مختلة معكوسة كالذي يجعل الكفتين فوق العمود فيريد أن يزن به، وتارة يكون لفساد المادة كقول إبليس: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين في جواب قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) [ص: 75]. وقد أدرج إبليس في هذا ميزانين إذ علل منع السجود بكونه خيرًا منه ثم أثبت الخيرية بأنه خلق من نار، وإذا صرح بجميع أجزاء حجته وجد ميزانه مستقيم التركيب لكن فاسد المادة، وكمال صورته أن يقول ما خلق من نار خير والخير لا يسجد فأنا إذًا لا أسجد فكلا أصلي هذا القياس ممنوع لأنه غير معلوم، والعلوم الخفية توزن بالعلوم الجلية، وما ذكره غير جلي ولا مسلم إذ نقول له: نسلم أنك خير منه وهذا منع الأصل الأول، والآخر أنا لا نسلم أن الخير لا يلزمه السجود لأن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية، لكن ترك إبليس الدلالة على الأصل الثاني وهو أن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية واشتغل بإقامة الدليل على أنه خير: لأني خلقت من نار. وهذه دعوى الخيرية بالنسب وكمال صورة دليله وميزانه أن يقول المنسوب إلى الخير خير، وأنا منسوب إلى الخير فإذًا أنا خير، وكلتا هاتين الكفتين أيضًا فاسدة فإنا لا نسلم أن المنسوب إلى الخير خير بل الخيرية بصفات الذات لا بالنسب، فيجوز أن يكون الحديد خيرًا من الزجاج ثم يتخذ من الزجاج بحسن الصنعة ما هو خير من المتخذ من الحديد، وكذلك نقول إبراهيم صلوات الله عليه خير من ولد نوح وإن كان إبراهيم مخلوقًا من آزر وهو كافر وولد نوح من نبي. وأما أصله الثاني وهو أنه مخلوق من خير لأن النار خير من الطين فهذا أيضًا غير مسلم بل الطين خير لأنه من التراب والماء، وربما يقال إن بامتزاجهما قوام الحيوان والنبات وبهما يحصل النشوء والنمو، وأما النار فمفسدة ومهلكة للجميع فقوله إن النار خير باطل. فهذه الموازين صحيحة الصورة فاسدة المادة تشبيهًا بالسيف المتخذ من الخشب بل هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، وكذا يرى أهل التعليم أحوالهم يوم القيامة إذا كشفت لهم حقائق موازينهم وهذا أيضًا مدخل من مداخل الشيطان ينبغي أن يسد، بل المادة الصحيحة التي تستعمل في النظر كل أصل معلوم قطعًا إما بالحس، وإما بالتجربة، وإما بالتواتر الكامل أو بأول العقل أو بالاستنتاج من هذه الجملة. أما الذي يستعمل في المحاجة والمجادلة فما يعترف به الخصم ويسلمه وإن لم يكن معلومًا في نفسه فإنه تصير حجته عليه وكذلك تجري بعض أدلة القرآن، فلا ينبغي أن ننكر أدلة القرآن إذا أمكنك التشكيك في أصولها لأنها أوردت على طوائف كانوا معترفين بها.
(ص215)
القول في الاستغناء بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعلماء أمته عن إمام معصوم آخر وبيان معرفة صدق محمد صلى الله عليه وسلم بطريق أوضح من النظر في المعجزات وأوثق منه وهو طريق العارفين
فقال: لقد أكملت الشفاء وكشفت الغطاء وأتيت باليد البيضاء لكن بنيت قصرًا وهدمت مصرًا، فإني إلى الآن كنت أتوقع أن أتعلم منك الوزن بالميزان وأستغني بك وبالقرآن عن الإمام المعصوم فالآن إذا ذكرت هذه الدقائق في مداخل الغلط فقد آيست من الاستقلال به، فإني لا آمن أن أغلط لو اشتغلت بالوزن وقد عرفت الآن لم اختلف الناس في هذه المذاهب وذلك لأنهم لم يتفطنوا لهذه الدقائق كما فطنت، فغلط بعضهم وأصاب بعضهم، فإذًا أقرب الطرق لي أن أعول على الإمام المعصوم حتى أتخلص من هذه الدقائق.
فقلت: يا مسكين، معرفتك بالإمام الصادق ليست ضرورية فهي إما أن تكون تقليدًا للوالدين أو موزونة بشيء من الموازين فإن كل علم ليس أوليًا فبالضرورة يكون حاصلًا عند صاحبه بقيام هذه الموازين في نفسه وإن كان هو لا يشعر به، فإنك عرفت صحة ميزان التقدير بانتظام الأصلين في ذهنك التجريبي والحسي، وكذلك سائر الناس وهو لا يشعرون به ومن يعرف مثلًا أن هذا الحيوان غير حامل لأنه بغل عرفه بانتظام الأصلين اللذين ذكرناهما في صدر الكتاب وإن كان لا يشعر بمصدر علمه. وكذلك كل علم في العالم يحصل للإنسان فيكون كذلك فأنت إن أخذت اعتقاد العصمة في الإمام الصادق بل في محمد صلى الله عليه وسلم تقليدًا للوالدين والرفقاء لم تتميز عن اليهود والنصارى والمجوس، فإنهم كذلك فعلوا، وإن أخذته من الوزن بشيء من هذه الموازين فلعلك غلطت في دقيقة من دقائقه فينبغي على زعمك أن لا تثق به.
فقال: صدقت، فأين الطريق فلقد سددت عليَّ طريق التعليم والوزن جميعًا.
قلت: هيهات راجع القرآن فقد علمك الطريق، إذ قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [الأعراف: 201]. ولم يقل سافروا إلى الإمام المعصوم فإذا هم مبصرون فأنت تعلم أن المعارف كثيرة فلو ابتدأت في كل مشكلة سفرًا إلى الإمام المعصوم بزعمك طال عناؤك وقل علمك، لكن طريقك أن تتعلم مني كيفية الوزن وتستوفي شروطه فإن أشكل عليك شيء عرضته على الميزان وتفكرت في شروطه
(ص 216)
بفكر صاف وجدّ واف فإذا أنت مبصر وهذا كما لو حسبت ما للبقال عليك أو لك عليه أو قسمت في مسألة من مسائل الفرائض وشككت في الإصابة والخطأ فيطول عليك أن تسافر إلى الإمام المعصوم، ولكن تحكم على الحساب وتتذكره ولا تزال تعاوده مرة بعد أخرى حتى تستيقن قطعًا أنك ما غلطت في دقيقة من دقائقها وهذا يعرفه من يعرف علم الحساب، وكذلك من يعرف الوزن به كما أعرفه فينتهي به التذكر والتفكر والمعاودة مرة بعد أخرى إلى اليقين الضروري بأنه ما غلط، فإن لم تسلك هذه الطريق لم تفلح قط وصرت تشكك بلعل وعسى ولعلك قد غلطت في تقليدك لإمامك بل للنبي الذي آمنت به فإن معرفة صدق النبي صلى الله عليه وسلم ليست ضرورية.
فقال: لقد ساعدتني على أن التعليم حق، وأن الإمام هو النبي صلى الله عليه وسلم واعترفت بأن كل واحد لا يمكنه أن يأخذ العلم من النبي صلى الله عليه وسلم دون معرفة الميزان، وأنه لا يمكنه معرفة تمام الميزان إلا منك فكأنك ادعيت الإمامة لنفسك خاصة، فما برهانك ومعجزتك، فإن إمامي إما أن يقيم معجزة وإما أن يحتج بالنص المتعاقب من آبائه إليه، فأين نصك وأين معجزتك؟.
فقلت: أما قولك: إنك تدعي الإمامة لنفسك خاصة، فليس كذلك فإني أرجو أن يشاركني غيري في هذه المعرفة فيمكن أن يتعلم منه كما يتعلم مني فلا أجعل التعليم وقفًا على نفسي. وأما قولك: تدعي الإمامة لنفسك، فاعلم أن الإمام قد نعني به الذي يتعلم من الله تعالى بواسطة جبريل وهذا لا أدعيه لنفسي، وقد نعني به الذي يتعلم من الله بغير جبريل ومن جبريل بواسطة الرسول، ولهذا سمي علي رضي الله عنه إمامًا فإنه تعلم من الرسول لا من جبريل، وأنا بهذا المعنى أدعي الإمامة لنفسي أما برهاني عليه فأوضح من النص ومما تعتقده معجزة فإن ثلاثة أنفس لو ادعوا عندك أنهم يحفظون القرآن.
فقلت: ما برهانك؟ فقال أحدهم: برهاني أنه نص علي الكسائي أستاذ المقرئين إذ نص على أستاذي وأستاذي نص علي فكأن الكسائي نص علي. وقال الثاني: إني أقلب العصا حية فقلب العصا حية. وقال الثالث: برهاني أني أقرأ جميع القرآن بين يديك من غير مصحف، فليت شعري أن هذه البراهين أوضح عندك وقلبك بأيها أشد تصديقًا؟ فقال: بالذي قرأ القرآن فهو غاية البراهين إذ لا يخالجني فيه ريب، أما نص أستاذه عليه ونص الكسائي على أستاذه فيتصور أن تقع فيه أغاليط لا سيما عند طول الأسفار. وأما قلب العصا حية فلعله فعل ذلك بحيلة وتلبيس وإن لم يكن تلبيسًا فغايته أنه فعل عجيب ومن أين يلزم أن من قدر على فعل عجيب ينبغي أن يكون حافظًا للقرآن.
(ص217)
قلت: فبرهاني إذًا أيضًا أني كما عرفت هذه الموازين فقد عرفت وأفهمت وأزلت الشك عن قلبك في صحته فليزمك الإيمان بإمامتي كما أنك إذا تعلمت الحساب وعلمته من أستاذ فإنه إذا علمك الحساب حصل لك علم بالحساب، وعلم آخر ضروري بأن أستاذك حاسب وعالم الحساب، وكذلك فقد علمت من تعليمه علمه وصحة دعواه أيضًا في أنه حاسب، وكذلك آمنت أنا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق موسى عليه السلام لا بشق القمر ولا بقلب العصا حية بمجردها، فإن ذلك يتطرق إليه حينئذ التباس كثير فلا يوثق به بل من يؤمن بقلب العصا حية يكفر بخوار العجل. فإن التعارض في عالم الحس والشهادة كثير جدًا، لكني تعلمت الموازين من القرآن ثم وزنت بها جميع المعارف الإلهية بل أحوال المعاد. وعذاب القبر وعذاب أهل الفجور وثواب أهل الطاعة، كما ذكرته في كتاب جواهر القرآن فوجدت جميعها موافقة لما في القرآن، ولما في الأخبار فتيقنت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق وأن القرآن حق، وفعلت كما قال علي رضي الله عنه إذ قال: "لا تعرف الحق بالرجال أعرف الحق تعرف أهله". فكانت معرفتي بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ضرورية كمعرفتك إذا رأيت رجلًا غريبًا يناظر في مسألة من مسائل الفقه ويحسن فيها ويأتي بالفقه الصحيح الصريح، فإنك لا تتمارى في أنه فقيه ويقينك الحاصل به أوضح من اليقين الحاصل بفقهه لو قلب ألف عصًا ثعبانًا لأن ذلك يتطرق إليه احتمال السحر والتلبيس والطلسم وغيرها ولا يحصل العلم بالقرآن بينها وبين هذه الأشياء، وكونها معجزة إلا بعد بحث طويل ونظر دقيق ويحصل به إيمان ضعيف هو إيمان العوام والمتكلمين، فأما إيمان أرباب المشاهدة الناظرين من مشكاة الربوبية كذلك تكون.
فقال: فأنا أيضًا أشتهي أن أعرف النبي صلى الله عليه وسلم كما عرفته، وقد ذكرت أن ذلك لا يعرف إلا بأن توزن جميع المعارف الإلهية بهذا الميزان وما اتضح عندي أن جميع المعارف الدينية يمكن وزنها بهذه الموازين فيما أعلم ذلك؟.
قلت: هيهات لا أدعي أني أزن بها المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين، وكيف لا وهو القسطاس المستقيم والميزان الذي هو رفيق الكتاب والقرآن في قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) [الحديد: 25]. وأما معرفتك بقدرتي على هذا فلا تحصل لا بنص ولا بقلب العصا ثعبانًا، ولكن تحصل بأن تستكشف ذلك تجربة وامتحانًا فمدعي الفروسية لا ينكشف صدقه حتى يركب فرسًا ويركض ميدانًا فسلني عما شئت من العلوم الدينية لأكشف لك الغطاء عن الحق فيه واحدًا واحدًا وأزنه بهذا الميزان وزنًا يحصل لك علم ضروري بأن الوزن صحيح وأن العلم المستفاد منه مستيقن ومن لم يجرب لم يعرف.
ص218
فقال: وهل يمكنك أن تعرف جميع الحقائق والمعارف الإلهية جميع الخلق فترفع الاختلافات الواقعة بينهم؟.
قلت: هيهات لا أقدر عليه وكان إمامك المعصوم إلى الآن قد رفع الاختلافات بين الخلائق وأزال الإشكالات عن القلوب، بل الأنبياء متى رفعوا الاختلاف ومتى قدروا عليه بل اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي. ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك، أفأدعي أن أرد قضاء الله الذي قضى به الأزل أو يقدر إمامك أن يدعي ذلك فإن كان يدعيه فلم ادخره إلى الآن والدنيا طافحة بالاختلافات، وليت شعري رئيس الأمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما سبب رفع الاختلافات بين الخلق أو سبب تأسيس اختلافات لا تنقطع أبد الدهر.
القول في طريق نجاة الخلق من ظلمات الاختلافات
فقال: كيف نجاة الخلق من هذه الاختلافات؟
قلت: أن اصغوا إلي، رفعت الاختلاف بينهم بكتاب الله تعالى، ولكن لا حيلة في إصغائهم فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء ولا إلى إمامك، فكيف يصغون إليَّ وكيف يجتمعون على الإصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وكون الخلاف بينهم ضروريًا تعرفه من كتاب جواب مفصل الخلاف وهو الفصول الاثنا عشر.
فقال: فلو أصغوا كيف كنت تفعل؟ قلت: كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب الله تعالى، إذ قال: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد) [الحديد: 25]. وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ثلاثة أصناف وكل واحد من الكتاب والحديد والميزان علاج قوم.

فقال: فمن هم وكيف علاجهم؟ قلت: الناس ثلاثة أصناف عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة، وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة. أما الخواص فإني أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع الخلاف بينهم على قرب وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال:
إحداها: القريحة النافذة والفطنة القوية وهذه عطية فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها.
والثانية: خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث ومسموع فإن المقلد لا يصغي والبليد وإن أصغى فلا يفهم.
ص219
الثالثة: أن يعتقد في أني من أهل البصيرة بالميزان ومن لم يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكنه أن يتعلم منك.
والصنف الثاني البله: وهم جميع العوام وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت لهم فطنة فطرية فليس لهم داعية الطلب بل شغلتهم الصناعات والحرف وليس فيهم أيضًا داعية الجدل بخلاف المتكايسين في العلم مع قصور الفهم عنه. فهؤلاء لا يختلفون ولكن يتخيرون بين الأئمة المختلفين فأدعو هؤلاء إلى الله بالموعظة كما أدعو أهل البصيرة بالحكمة، وأدعو أهل الشغب بالمجادلة وقد جمع الله سبحانه وتعالى هذه الثلاثة في آية واحدة كما تلوته عليك أولًا، فأقول لهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعرابي جاءه فقال: علمين في غرائب العلم فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس أهلًا لذلك، فقال: وماذا علمت في رأس العلم أي الإيمان والتقوى والاستعداد للآخرة اذهب فاحكم رأس العلم ثم ارجع لأعلمك من غرائبه. فأقول للعامي: ليس الخوض في الاختلافات من عشك فادرج فإياك أن تخوض فيه أو تصغى إليه فتهلك، فإنك إذا صرفت عمرك في صناعة الصياغة لم تكن من أهل الحياكة، وقد صرفت عمرك في غير العلم، فكيف تكون من أهل العلم ومن أهل الخوض فيه، فإياك ثم إياك أن تهلك نفسك فكل كبيرة تجري على العامي أهون من أن يخوض في العلم فيكفر من حيث لا يدري. فإن قال: لا بد من دين أعتقده وأعمل به لأصل به إلى المغفرة والناس مختلفون في الأديان، فبأي دين تأمرني أن آخذ أو أعول عليه؟ فأقول له: للدين أصول وفروع والاختلاف إنما يقع فيهما، أما الأًصول فليس عليك أن تعتقد فيها إلا ما في القرآن، فإن الله تعالى لم يستر عن عباده صفاته وأسماءه، فعليك أن تعتقد أن لا إله إلا الله وأن الله حي عالم قادر سميع بصير جبار متكبر قدوس ليس كمثله شيء إلى جميع ما ورد في القرآن واتفق عليه الأئمة، فذلك كاف في صحة الدين وإن تشابه عليك شيء، فقل: آمنا كل من عند ربنا واعتقد كل ما ورد في إثبات الصفات ونفيها على غاية التعظيم والتقديس مع نفي المماثلة واعتقاد أنه ليس كمثله شيء وبعد هذا لا تلتفت إلى القيل والقال فإنك غير مأمور به ولا هو على حد طاقتك، فإن أخذ يتحذلق ويقول عليه وقد اختلف فيه الأشعرية والمعتزلة فقد خرج بهذا عن حد العوام إذ العامي لا يلتفت قلبه إلى مثل هذا ما لم يحركه شيطان الجدل، فإن الله لا** يهلك قومًا إلا يؤتيهم الجدل كذلك ورد الخبر، وإذا التحق بأهل الجدل فسأذكر علاجهم هذا ما أعظ به في الأصول وهو الحوالة على كتاب الله فإن الله أنزل الكتاب والميزان والحديد وهؤلاء أهل الحوالة على الكتاب.
وأما الفروع فأقول: لا تشغل قلبك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ عن جميع المتفق عليه فقد اتفقت الأئمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام
ص220
و الغيبة و النميمة و الزنى و السرقة و الخيانة وغير ذلك من المحظورات حرام، و الفرائض كلها واجبة فإن فرغت من جميعا علمتك طريق الخلاص من الخلاف فإن هو طالبنى بها قبل الفراغ من هذا كله فهو جدلى و ليس بعامى و متى تفرغ العامى من هذا إلى مواضع الخلاف.أفرأيت رفقاءك قد فرغوا من جميع هذا ثم أخذ إشكال الخلاف بمخنقهم هيهات ما أشبه ضعف عقولهم فى خلافهم إلا بعقل مريض به مرض أشرف على الموت و له علاج متفق عليه الأطباء فى بعض الأدوية أنها حارة أو باردة
وربما افتقرت إليه يوماً فأنا لا أعالج نفسى حتى أجد من يعلمنى رفع الخلاف فيه.نعم لو رأيتم صالحاً قد فرغ من حدود التقوى كلها.و قال:ها أنا تشكل علىَّ مسائل فإنى لا أرى أتوضأ من اللمس و القئ و الرعاف و أنوى الصوم بالليل فى رمضان أو بالنهار إلى غير ذلك، فأقول له: إن كنت تطلب الأمان فى طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط و خذ مما يتفق عليه فتوضأ من كل ما فيه خلاف فإن كل من لا يوجبه يستحبه، وانو الصوم بالليل فى رمضان فإن من لا يوجبه يستحبه، فإن قال: هو ذا يثقل علىّ الحتياط و يعرض لى مسائل تدور بين النفى و الإثبات، و قال: لا أدرى أأقنت فى الصبح أم لا و أجهر بالتسمية أم لا،
فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك و انظر إلى الأئمة أيهم أفضل عندك و صوابه أغلب على قلبك كما لو كنت مريضاً وفى البلد أطباء فإنك تختار بعض الأطباء باجتهادك لا بهواك وطبعك فيكفيك مثل ذلك الاجتهاد فى أمر دينك، فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فاتبعه فإن أصاب فيما قال عند اللّه فله فى ذلك أجران.وإن أخطأ فله عند اللّه فى ذلك أجر واحد، و كذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ قال: "من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" . ورد اللّه تعالى الأمر إلى أهل الاجتهاد و قال تعالى لتعليمه الذين يستنبطون منهم و ارتضى الاجتهاد لأهله و قال تعالى لتعليمه الذين يستنبطونه منهم و ارتضى الاجتهاد لأهله إذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لمعاذ:"بمَ تَحْكُمُ؟" قال : بكتاب اللّه،قال:"فَإِنْ لَمْ نَجِدِ؟"قال: بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ،قال:"فَإِنْ لَمْ تَجِدِ؟"قال: أجتهد رأيى،قال:ذلك قبل أن أمره به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أذن له فيه،فقال النبى صلى اللّه عليه و سلم:"الحمد للّه الذى وفَّق رسول رسول اللّه لما يرضاه رسول اللّه". ففهم من ذلك أنه مرضى به من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لمعاذ و غيره، كما قال الأعرابى إنى هلكت و أهلكت واقعت أهلى فى نهار رمضان،فقال: "أعتق رقبة" ففهم أن التركى أو الهندى لو جامع أيضاً لزمه الإعتاق و هذا لأن الخلق ما كلفوا الصواب عند اللّه فإن غير ذلك مقدور عليه ولا تكليف بما لا يطاق بل كلفوا ما يظنونه صواباً، كما لم يكلفوا الصلاة بثوب طاهر بل بثوب يظنونه طاهر، فلو تذكروا نجاسته لم يلزمهم القضاء إذ نزع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نعله فى أثناء الصلاة لما أنبأه جبريل أن
ص221
عليه قذراً و لم يعد الصلاة و لم يستأنف ، و كذلك لم يكلف أن يصلى إلى القبلة بل إلى جهة يظن أنها القبلة بالاستدلال بالجبال و الكواكب و الشمس فإن أصاب فله أجرلن و إلا فله أجر واحد.ولم يكلفوا أداء الزكاة إلى الفقير بل إلى من ظنوا فقره لأن ذلك لا يعرف باطنه و لم يكلف القضاة فى سقك الدماء وإباحة الفروج طلب شهود يعلمون صدقهم بل من يظنون صدقه،و إذا جاز سفك دم بطن يحتمل الخطأ و هو ظن صدق الشهود فلم لا تجوز الصلاة بظن شهادة الأدلة عند الاجتهاد، و ليت شعرى ماذا يقول رفقاءك فى هذا؟يقولون إذا اشتبهت عليه القبلة يؤخر الصلاة حتى يسافر إلى الإمام و يسأله أو يكلفه الإصابة التى لا
يطيقها ، أو يقول اجتهد لمن لا يمكنه الاجتهاد إذ لايعرف أدلة القبلة و كيفية الاستدلال بالكواكب أو الجبالو الرياح.
قال: لا شك فى أنه يأذن له فى الاجتهاد ثم لا يؤثمه إذا بذل مجهوده و إن أخطأ أو صلى إلى غير القبلة. قلت : فإذا كان من جعل القبلة خلفه معذوراً مأجوراً فلا يبعد أن يكون من أخطأ فى سائر الاجتهادات معذوراً،فالمجتهدون و مقلدوهم كلهم معذورن بعضهم مصيبون ما عند اللّه و بعضهم يشاركون المصيبين فى أحد الأجرين،فمناصبهم متقاربة و ليس لهم أن يتعاندوا، و أن يتعصب بعضهم مع بعض لا سيما و المصيب لا يتعين و كل واحد منهم يظن أنه مصيب كما لو اجتهد مسافران فى القبلة فاختلفا فى الاجتهاد فحقهما أن يصلى كل واحد منهما إلى الجهة التى غلبت على ظنه و أن يكف إنكاره و إعراضه و اعتراضه على صاحبه لأنه لم يكلف إلا استعمال موجب ظنه.أما استقبال عين القبلة عند اللّه فلا يقدرعليه ،و كذلك كان معاذ فى اليمن يجتهد لا على اعتقاد أنه لا يتصور منه الخطأ لكن على اعتقاد أنه إن أخطأ كان معذوراً،و هذا لأن الأمور الوضعية الشرعية التى يتصور أن تختلف بها الشرائع يقرب فيها الشئ من نقيضه بعد كونه مظنوناً فى سر الاستبصار ، و أما ما لا يتغير فيه الشرائع فليس فيه اختلاف ،و حقيقة هذا الفصل تعرفه من أسرار اتباع السنة و قد ذكرته فى الأصل العاشر من الأعمال الظاهرة من كتاب جواهر القرآن.
وأما الصنف الثالث: وهم أهل الجدل فإنى أدعوهم بالتلطف إلى الحق، وأعنى بالتلطف أن لا أتعصب عليهم و لا أعنفهم لكن أرفق بو أجادل بالتى هى أحسن،وكذلك أمر اللّه تعالى رسوله،و معنى المجادلة بالأحسن أن آخد الأصول التى يسلمها الجدلى و أستنتج منها الحق بالميزان المحقق على الوجه الذى أوردته فى كتاب الاقتصاد فى الاعتقاد،وإلى ذلك الحد فإن لم يقنعه ذلك لتشوقّه بفطنته إلى مزيد كشف رقيته إلى تعليم الموازين فإن لم يقنعه لبلادته و إصراره على تعصبه و لجاحه و عناده عالجته بالحديد، فإن اللّه سبحانه جعل الحديد و الميزان قرينى الكتاب ليفهم منه أن جميع الخلائق لا يقومون بالقسط إلا بهذه
ص222
الثلاث،فالكتاب للعوام،والميزان للخواص ،والحديد الذى فيه بأس شديد للذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ولا يعلمون أن ذلك ليس من شأنهم ، و أنه لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون فى العلم دون أهل الجدل ، و أعنى الجدل طائفة فيهم كياسة ترقوا بها عن العوام و لكن قياستهم ناقصة إذا كانت الفطرة كاملة، لكن فى باطنهم خبث و عناد و تعصب و تقليد ، فذلك يمنعهم عن إدراك الحق و تكون هذه الصفات أكنة على قلوبهم أن يفقهوه و فى آذانهم وقراً، لكن لم تهلكهم إلا كياستهم الناقصة ، فإن الفطنة البتراء والكياسة الناقصة شر من البلاهة بكثير، و فى الخبر: أن أكثر أهل الجنة البله و أن عليين
لذوى الألباب، ويخرج من جملة الفريقين الذين يجادلون فى آيات اللّه و أولئك أصحاب النار و يزع اللّه السلطان ما لا يزع بالقرآن، و هؤلاء ينبغى أن يمنعوا من الجدال بالسيف و السنان كما فعل عمر رضى اللّه عنه برجل إذ سأله عن آيتين متشابهتين فى كتاب اللّه تعالى فعلاه بالدرة، و كما قال مالك رضى اللّه عنه لما سئل عن الاستواء على العرش فقال: الاستواء حقّ، والإيمان به واجب، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة، وحسم بذلك باب الجدال.وكذلك فعل السلف كلهم و فى فتح باب الجدال ضرر عظيم على عباد اللّه تعالى ، فهذا مذهبى فى دعوة الناس إلى الحق و إخراجهم من ؟لمات الضلال إلى نور الحق، و ذلك بأن دعوة الخواص إلى الحكمة بتعليم الميزان حتى إذا تعلم الميزان القسط لم يقدر به على علم واحد بل على علوم كثيرة، فإن من معه ميزان فإنه يعرف به مقادير أعيان لا نهاية لها كذلك من معه القسطاس المستقيم فمعه الحكمة التى من أوتيها قفد أوتى خيراً كثيراً لا نهاية له ، و لولا اشتمال القرآن على الموازين لما صح تسمية القرآن نوراً لأن النور ما يبصر بنفسه و يبصر به غيره و هو نعت الميزان ، و لما صدق قوله : ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين، فإن جميع العلوم غير موجودة فى القرآن بالتصريح ، و لكن موجودة فيه بالقوة لما فيه من الموازين القسط التى بها تفتح أبواب الحكمة التى لا نهاية لها، فبهذا أدعو الخواص و دعوت العوام بالموعظة الحسنة بالإحالة على الكتاب و الاقتصار على ما فيه من الصفات الثابتة لله
تعالى ،و دعوت أهل الجدل بالمجادلة التى هى أحسن فإن أبى عرضت عن مخاطبته و كففت شره ببأس السلطان و الحديد المنزل مع الميزان ، فليت شعرى الآن يا رفيقى بم يعالج إمامك هؤلاء الأصناف الثلاثة؟ أيعلم العوام فيكلفهم ما ل يفهمون ، و يخالف رسول الله صلى الله عليه و سلم أو يخرج الجدال من أدمغة المجادلين بالحجة و لم يقدر على ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم مع كثرة محاجة الله تعالى فى القرآن مع الكفار؟ فما أعظم قدرة إمامك إذ صار أقدر من الله تعالى ومن رسوله أو يدعو أهل البصيرة إلى تقليده و هم لا يقبلون قول الرسول صلى الله عليه و سلم بالتقليد ولا يقنعون بقلب العصا ثعباناً، بل يقولون و هو فعل غريب، و لكن من أين يلزم
ص223
منه صدق فاعله و فى العالم من غرائب السحر و الطلسمات ما تتحيّر فيه العقول ولا يقوى على تمييز المعجز عن السحر و الطلسم إلا من عرف جميعها ، و جملة أنواعها ليعلم أن المعجز خارج عنها كما عرف سحرة فرعون معجزة موسى عليه السلام إذ كانوا من أئمة السحرة. و من الذى يقوى على ذلك؟ بل أهل البصيرة يريدون مع المعجزة أن يعلموا صدقه من قوله كما يعلم متعلم الحساب من نفس الحساب صدق أستاذه فى قوله إنى حاسب. فهذه هى المعرفة اليقينية التى بها يقنع أولو الألباب و أهل البصائر و لا يقنعون بغيرها البتّة و هم إذا عرفوا بمثل هذا المنهاج صدق الرسول صلى الله عليه و سلم و صدق القرآن و فهموا موازين القرآن كما ذكرت لك،و أخذوا منه مفاتيح العلوم كلها مع الموازين كما ذظرته فى كتاب جواهر القرآن، فمن أين يحاتجون إلى إمامك المعصوم، و ما الذى حلّ من إشكالات الدين و عن ماذا كشف عن غوامضه. و قال الله تعالى:"هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه" .و قد سمعت الآن منهاجى فى موازين العلوم فأرونى ماذا اقتبسته من غوامض[لقمان:11]
العلوم من إمامك إلى الآن، و ما الذى يتعلمون منه؟و ليت شعرى ما الذى تعلمت من إمامك المعصوم أرنى ما رأيتها:
ما يسدى بى رتسدى أوف خرابن و قلب ياوفوت فليس الغرض من الدعوة إلى المائدة مجرد الدعوة دون الأكل و التناول منها و إنى أراكم تدعوا الناس إلى الإمام ثم أرى المستجيب أمامك بعد الاستجابة على جهله الذى كان قبله لم يحل له الإمام عقداً بل ربما عقد له حلاً ولم تفده استجابته له علناً بل ربما زاد به طغياناً و جهلاً. فقال: قد طالت صحبتى مع رفقائى، و لكن ما تعلمت منهم شيئاً إلا أنهم يقولون عليك بمذهب التعليم، و إياك و الرأى و القياس فإنه متعارض و مختلف. قلت:فمن الغرائب أن يدعو إلى التعليم ثم لا يشتغلوا بالتعليم فقل لهم: قد دعوتمونى إلى التعليم فاستجبت فعلمونى ما عندكم. فقال : ما أراهم يزيدوننى على هذا شيئاً.
قلت: فإنى قائل أيضاً بالتعليم و بالإمام و يبطلان الرأى و القياس و أنا أزيدك على هذا لو أطقت ترك التقليد تعليم غرائب العلوم و أسرار القرآن، فاستخرج لك منه مفاتيح العلوم كلها كما استخرجت منه موازين العلوم كلها على ما أشرت إلى كيفية انشعاب العلوم كلها منه فى كتاب جواهر القرآن، لكنى لست أدعو إلى إمام سوى محمد صلى الله عليه و سلم ولا إلى كتاب
سوى القرآن، فمنه أستخرج جميع أسرار العلوم. و برهانى عن ذلك لسانى و بيانى، و عليك إن شككت تجربتى و امتحانى أفترانى أولى بأن أتعلم من رفقائك أم لا ؟
ص224
القول فى تصاوير الرأى و القياس و إظهار بطلانهما فقال: أما الانقطاع عن الرفقاء و التعليم منك فربما ما حكيته لك من وصية والدتى حين كانت تموت، و لكنى أشتهى أن تكشف عن وجه فساد الرأى و القياس فإنى أظنك تستضعفه عقلى فتلبس علىَّ فتسمى القياس و الرأى ميزاناً و تتلو علىَّ وفق ذلك قرآناً، و أنا أظنه أنه بعينه القياس الذى يدعيه أصحابك. قلت: هيهات ، فها أنا أشرح لك ماأريده و أراوده بالرأى و القياس. أما الرأى و القياس فمثاله قول المعتزلة:يجب على الله سبحانه و تعالى رعاية الأصلح لعباده و إذا طولبوا بتحقيقه لم يرجعوا إلى شئ إلا أنه رأى استحسنوه بعقولهم من مقايسة الخالق على الخلق و تشبيه حكمته بحكمتهم ، و مستحسنات العقول هى الرأى الذى لا أرى التعويل عليه فإنه ينتج نتائح تشهد موازين القرآن بفسادها كهذه النقالة فإنى إذا وزنتها بميزان التلازم. قلت:لو كان الأصلح واجباً على الله تعالى لفعله و معلم أنه لم يفعله، فدلّ على أنه غير واجب فإنه لا يترك الواجب ، فإن قيل:سلمت أنه لو كان واجباً لفعله ، و لكن لا أسلم أنه لم يفعله ، فأقول: لو فعل الأصلح لخلقهم فى الجنة و تركهم فيها فإن ذلك أصلح لهم و معلوم أنه لم يفعل ذلكفدلّ على أنه لم يفعل الأصلح.و هذه أيضاً نتيجة من ميزان التلازم والآن الخصم بين أن ينكر و يقول تركهم فى الجنة فيشاهد كذبه، أو يقول كان الأصلح لهم أن يخرجوا إلى الدنيا دار البلايا و يعرضهم للخطايا ثم يقول لآدم يوم يكشف عن الخطايا :اخرج يا آدم نصيب النار ، فيقول:طم، فيقول من كل ألف تسعمائة و تسعة وتسعين كما ورد فى الخبر الصحيح و يزعم أن ذلك أصلح لهم من خلقهم فى الجنة و تركهم فيها لأن نعيمهم إذ ذاك لا يكون لسعيهم و استحقاقهم فتعظم المنة عليهم و المنة ثقيلة، و إذا سمعوا وأطاعوا مان ماأخذوه جزاء و أجرة لا منة فيها ، وأنا أنزه سمعك و لسانى عن حكاية مثل هذا الكلام فضلاً عن الجواب عنه.فانظر فيه لترى قبائح نتائج الرأى كيف هى و أنت تعلم أن الله تعالى ينزل الصبيات إذا ماتوا فى منزل من الجنة دون منازل البالغين المطيعين، فإذا قالوا: إلهنا أنت لا تبخل بالأصلح لنا و بالأصلح لنا أن تبلغنا درجتهم،فيقول الله، على زعم المعتزلة: كيف أبلغكم درجتهم و قد بلغوا و تعبوا و أطاعوا و أنتم متم صبياناً، فيقولون: أنت أمتنا فحرمتنا طول المقام فى الدنيا و معالى الدرجات فى الآخرة فكان الأصلح لنا و الأصلح بنا أن تبلغنا درجتهم، أو أن لا تميتنا ،فلم أمتنا؟ فيقول الله تعالى ، على رأى المعتزلة:إنى قد علمت أنكم لو بلغتم لكفرتم و استحققتم النار خالدين فيها ، فعلمت أن الأصلح لكم الموت فى الصبا ، و عند هذا ينادى الكفار البالغون من دركات النار يصطرخون
ص 225
ويقول : أما علمت أنا إذا بلغنا كفرنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا راضون بعشر عشر درجات الصبيان فعند هذا لا يبقى للمعتزلى جواب يجيب به عن الله تعالى , فتكون الحجة للكفار على الله سبحانه , تعالى الله عن قول الظالمين علوًّا كبيراً , نعم لفعل الأصلح سر يستمد من معرفة سر الله تعالى في القدر , ولكن المعتزلى لا ينظر من ذلك الأصل فإنه لا يطلع ببضاعة الكلام على ذلك السر فمن هذا خبط خبط عشواء واضطربت عليه الآراء فهذا مثال الرأي الباطل عندي .
وأما مثال القياس فهو إثبات الحكم في شيء بالقياس على غيره كقول المجسمة إن الله تعالى وتقدس عن قولهم جسم . قلنا : لِمَ ؟ قالوا : لأنه فاعل صانع فكان جسماً قياساً على سائر الصناع والفاعلين , وهذا هو القياس الباطل , كما قلنا : لم قلتم إن الفاعل كان جسماً لأنه فاعل , وذلك لا يقدر على إظهاره مهما وزن بميزان القرآن فإنه ميزانه هو الميزان الأكبر من موازين التعادل , وصورة وزنه أن يقال : كل فاعل جسم والبارئ تعالى فاعل فهو أيضاً جسم , فنقول : نسلم أن البارئ تعالى فاعل , ولكن لا نسلم الأصل الأوّل وهو أن كل فاعل جسم فمن أين عرفتم ذلك ؟ وعند هذا لا يبقى لهم إلا الاعتصام بالاستقراء والقسمة المنتشرة وكلاهما لا حجّة فيه . أما الاستقراء فهو أن يقول تصفحت الفاعلين من حائك وحجام وإسكاف وخياط ونجار وفلان وفلان فوجدتهم أجساماً فقلت إن كل فاعل جسم , فيقال له : تصفحت كل الفاعلين أو شذّ عنك فاعل , فإن قال : تصفحت البعض , فلا يلزم منه الحكم على الكل , وإن قال : تصفحت الكل , فلا نسلم له ذلك فليس كل الفاعلين معوماً عنده . كيف وهل تصفح في جملة ذلك فاعل السموات والأرض فإن لم يتصفح الكل بل البعض لم يلزم الكل , وإن تصفح فهل وجد جسماً , فإن قال : نعم , فيقال له : فإذا وجدت ذلك في مقدمة قياسك فكيف جعلته أصلاً تستدلّ به عليه فجعلت نفس وجدانك دليل ما وجدته وهذا خطأ , بل ما هو في تصفحه إلا كمن يتصفح الفرس والإبل والفيل والحشرات والطيور فيراها تمشي برجل وهو لم يرَ الحية والدود فيحكم بأن كل حيوان يمشي برجل , وكمن يتصفح الحيوانات فيراها عند المضغ جميعها تحرك الفك الأسفل , فيحكم بأن كل حيوان يحرك عند المضغ الفك الأسفل وهو لم يرَ التمساح فإنه يحرك الفك الأعلى وهذا لأنه يجوز أن يكون ألف شخص من جنس واحد على حكم ويخالف الألف واحد وهو لا يفيد برد اليقين فهو القياس الباطل , وأما اعتصامه بالقسمة المنتشرة فكقوله : سبرت أوصاف الفاعلين فكانوا أجساماً لكونهم فاعلين أو لكونهم موجودين أو كيت وكيت , ثم يبطل جميع الأجسام فيقول فيلزم من هذا أنهم أجسام لكونهم فاعلين , وهذه هي القسمة المنتشرة التي بها يزن الشيطان مقاييسه وقد ذكرنا بطلانها , فقال : أظن أنه إذا بطل سائر
ص 226
الأقسام تعين القسم الذي أراده , وأرى هذا برهاناً قويّاً عليه تعويل أكثر المتكلمين في عقائدهم فإنهم يقولون في مسألة رؤية الباري تعالى مرئي لأن العالم مرئي , وباطل أن يقال إنه مرئي لأنه ذو بياض لأن السواد يرى , وباطل أن يرى لكونه جوهراً لأن العرض يرى وباطل أن يكون عرضاً لأن الجوهر يرى , وإذا بطلت الأقسام بقي أنه يرى موجوداً فأريد أن تكشف لي عن فساد هذا الميزان كشفاً ظاهراً لا أشك فيه , فقلت : فأنا أورد في ذلك مثالاً حقًّا لم ينتج من قياس باطل وأكشف الغطاء عنه , فأقول : قولنا : العالم حادث حق , ولكن قول القائل إنه حادث لأنه مصور قياساً على البيت وسائر الأبنية المصورة قول باطل لا يفيد العلم بحدوث العالم إ يقال ميزانه الحق أن يقال كل مصور حادث أو العالم مصور , فيلزم منه أنه حادث , والأصل الآخر مسلم لكن قولك كل مصور حادث لا يسلمه الخصم , وعند هذا يعدل إلى الاستقراء فيقول : استقريب كل مصور فوجدته حادثاً كالبيت والقدح والقميص وكيت وكيت , وقد عرفت فساد هذا وقد يرجع إلى السبر , فيقول : البيت حادث فنسبر أوصافه وهو أنه جسم وقائم بنفسه وموجود ومصور , وهذه أربع صفات وقد بطل تعليله بكونه جسماً وقائماً بنفسه وموجوداً فثبت أنه معلل بكونه مصوراً وهو الرابع . فيقال له : هذا باطل من وجوه كثيرة وأذكر منها الأربعة :
الأول : أنه إن سلم لك بطلان الثلاث فلا تثبت العلّة التي طلبتها , فلعل الحكم معلل بعلّة قاصرة غير عامة ولا متعدية ككونه مثلاً بيتاً , فإن ثبت كون البيت غير محدث أيضاً فلعلّ الحكم معلل بالمعنى القاصر على ما هر كونه حادثاً إذ يمكن تقدير وصف خاص يجمع الجميع ولا يتعدى .
الثاني : أنه إنما يصح إذا تم السبر على الاستقصاء بحيث لا يتصور أن يشذّ منه قسم , وإذا لم يكن حاصراً بين النفي والإثبات دائراً تصور أن يشذ منه قسم وليس الاستقصاء الحاصر أمراً هيناً , والغالب أنه لا يهتم به المتكلمون والفقهاء بل يقولون إن كان فيه قسم آخر فأبرزه , والغالب أنه لا يهتم به المتكلمون والفقاء بل يقولون إن كان فيه قسم آخر فأبرزه , وربما قال الآخر لا يلزمني إبرازه وطال اللجاج فيه , وربما استدل القايس وقال : لو كان فيه قسم آخر لعرفناه ولعرفته , فعدم معرفتنا تدّل على نفي قسم آخر إذ عدم رؤيتنا الفيل في مجلسنا تّدل على نفي ولا يدري قطّ هذا المسكين أنه لم نعهد قط فيلاً حاضراً لم نره ثم رأيناه وكم رأينا معاني حاضرة عجزنا جميعاً عن إدراكها ثم تنبهنا لها بعد مدة فلعلّ فيه قسماً آخر شذ عنّا لسنا نتنبه له الآن وربما لم نتنبه له طول عمرنا .
الثالث : أنا وإن سلمنا الحصر فلا يلزم من إبطال ثلاث ثبوت رابع بل التركيب الذي يحصل من أربعة يزيد على عشرة وعشرين إذ يحتمل أن تكون العلّة آحاد هذه الأربعة أو
ص 227
اثنين منها أو ثلاثة منها , ثم لا يتعين الاثنان منها ولا الثلاثة , بل يتصور أن تكون العلّة كونه موجوداً أو جسماً أو موجوداً وقائماً بنفسه أو جسماً موجوداً وقائماً بنفسه و موجوداً أو موجوداً وبيتاً أو بيتاُ ومصوراً أو بيتاً قائماً بنفسه أو بيتاً وجسماً , أو جسماً ومصوراً , أو جسماً وقائماً بنفسه أو جسماً وموجوداً أو قائماً بنفسه وموجوداً , فهذه بعد تركيبات الاثنين فقس على هذه التركيبات من الثلاث , واعلم أن الأحكام تتوقف على وجود أسباب كثيرة مجتمعة فليس يرى الشيء لكون الرائي ذا عين إذ لا يرى بالليل ولا لاستتارة المرئي بالشمس إذ لا يرى الأعمى ولا لهما جميعاً إذا لا يرى الهواء , ولكن جملة ذلك مع كون المرئي متلوناً وأمور أُخر هذا حكم الوجود , أما حكم الرؤية في الآخرة فحديث آخر .
الرابع : أنه إن سلم الاستقصاء وسلم الحصر في أربعة وتركنا التركيب فإبطال ثلاثة لا يوجب تعلق الحكم بالرابع مطلقاً بل بانحصار الحكم في الرابع , ولعلّ الرابع ينقسم قسمين , والحكم يتعلق بأحدهما . أرأيت لو قسم أوّلاً وقال : أما كونه جسماً أو موجوداً أو قائماً بنفسه أو مصوراً مثلاً بصورة مربعة , أو مصوراً بصورة مدورة ثم أبطل الأقسام الثلاثة لم يتعلق الحكم بالصورة مطلقاً , بل ربما اختصّ بصورة مخصوصة , فتسبب الغفلة عن مثل هذه الدقائق خبط المتكلمون وكثر نزاعهم إذا تمسكوا بالرأي والقياس , وذلك لا يفيد برد اليقين , بل يصلح للأقيسة الفقهية الظنية ولإمالة قلوب العامة إلى صوب الصواب , والحق فإنه لا يمتد فكرهم إلى الاحتمالات البعيدة , بل ينجزم اعتقادهم بأسباب ضعيفة . أما ترى العامي الذي به صداع يقول له غيره استعمل ماء الورد فإني إذا كان بي صداع فاستعملته انتفعت به , كأنه يقول هذا صداع فينفعه ماء الورد قياساً على صداعي فيميل قلب المريض إليه فيستعمله ولا يقول له أثبت أوّلاً أن ماء الورد يصلح لكل صداع كان من البرودة أو من الحرارة أو من أبخرة المعدة , وأنواع الصداع كثيرة فاثبت أن صداعي كصداعك ومزاجي كمزاجك وسني كسنك وصناعتي كصناعتك و أحوالي كأحوالك , فإن جميع ذلك يختلف به العلاج فإن طالب تحقيق هذه الأمور ليس من شأن العوام لأنهم لا يتشوفون إليها ولا من شأن المتكلمين لأنهم وإن تشوفوا إليها على خلاف العوام فلا يهتدون إلى الطرق المفيدة برد اليقين , وإنما هي من شنشنة قوم عرفوها من أحمد صلى الله عليه وسلم وهم قوم اهتدوا بنور الله إلى ضياء القرآن , وأخذوا منه الميزان بالقسط والقسطاس المستقيم فأصبحوا قوامين لله بالقسط .
فقال : الآن هذا يلوح لي مخايل الحق وتباشيره من كلامك فهل تأذن لي في أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟
ص 228
قلت : هيهات إنك لا تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً.
قال : ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً.
قلت : أتظن أني نسيت اتعاظك بنصيحة رفقائك ووالدتك ومن نبض عليه عرق من عروق التقليد فلا تصلح لصحبتي ولا أصلح لصحبتك , فاذهب عني فهذا فراق بيني وبينك فإني مشغول بتقويم نفسي عن تقويمك , وبالتعليم من القرآن عن تعليمك , فلا تراني بعد هذا ولا أراك , فلا تسع أوقاتي أكثر من هذا الإصلاح الفاسد والضرب في الحديد البارد , وقد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين , والحمد لله رب العالمين , والصلاة على محمّد نبينّا سيّد المرسلين .
فهاكم إخواني قصتي مع رفيقي تلوتها عليكم بعجرها وبجرها لتقضوا منها العجب وتنتفعوا في إثبات هذه المحادثات بالتفطن لأمور هي أجلّ من تقويم مذهب التعليم , فلم يكن ذلك من غرضي , ولكن إياك أعني وأسمعي يا جارة , والتماسي من المخلصين قبول معذرتي عند مطالعة هذه المحادثات فيما آثرته في المذاهب من العقد والتحليل وأبدعته في الأسامي من التغيير والتبديل , واخترعته في المغاني من التخييل والتمثيل . فلي تحت كل واحد من ذلك غرض صحيح وسر عن ذوي البصائر صريح , وإياكم أن تغيروا هذا النظام وتنتزعوا هذه المعاني من هذه الكسوة فقد علمتكم كيف يوزن المعقول بالإسناد إلى المنقول ليكون القول منها أسرع إلى القبول , وإياكم أن تجعلوا المعقول أصلاً والمنقول تابعاً ورديفاً , فإن ذلك شنيع منفر , وقد أمركم الله سبحانه بترك الشنيع و المجادلة بالأحسن , وإياكم أن تخالفوا الأمر فتهلكوا وتهلكوا وتضلوا و تضلوا , وماذا تنفع وصيتي وقد اندرس الحق وانكسر البثق , وانتشرت الشناعة وطارت في الأقطار , وصارت ضحكة في الأمصار , فإن قوماً اتّخذوا هذا القرآن مهجوراً وجعلوا التعليمات النبوية هباءً منثوراً , وكل ذلك من قصور الجاهلين ودعواهم في نصرة الدين منصب العارفين . وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمهتدين .
ص 229
منهاج العارفين
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الرسالة
الحمد لله الذي نوّر قلوب العارفين بذكره , وأنطق ألسنتهم بشكره , وعمر جوارحهم بخدمته , فهم في رياض الأنس يرتعون وإلى أوكار المحبة يأوون , ذكرهم فذكروه , وأحبهم فأحبوه , ورضي عنهم فرضوا عنه رأس مالهم الافتقار ونظام أمرهم الاضطرار , علمهم دواء الذنوب , وعرفهم طب القلوب , فهم مصابيح أنوار حجته , ومفاتيح خزائن حكمته , إمامهم القمر الطالع , وقائدهم النور الساطع , سيد الموالي والعرب محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب , والثمرة الزاكية من الشجرة المباركة , التي أصلها التوحيد , وفروعها التقوى , ( لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ? نُورٌ عَلَى? نُورٍ ? يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ] النور : 35 [ . ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) ] النور : 40 [ . صلى الله عليه وسلم صلاةً تلوح في السموات آثارها وتعلو في جنان الخلد أنوارها , وتطيب في مشاهد الأنبياء أخبارها , وعلى آله الطاهرين وأصحابه المطهرين .
باب البيان نحو المريدين
يدور على ثلاثة أُصول : الخوف والرجاء والحب , فالخوف : فرع العلم , والرجاء : فرع اليقين , والحب : فرع المعرفة , فدليل الخوف الهرب , ودليل الرجاء الطلب , ودليل الحب إيثار المحبوب , ومثال ذلك الحرم والمسجد والكعبة , فمن دخل حرم الإرادة أمن من الخلق , ومن دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها في معصية الله تعالى , ومن دخل الكعبة أمن قلبه أن يشتغل بغير ذكر الله عزّ وجلّ . فإذا أصبح العبد لزمه أن ينظر في ظلمة الليل ونور النهار ويعلم أن أحدهما إذا ظهر عزل صاحبه عن الولاية , فكذلك نور المعرفة إذا ظهر عزل ظلمة المعاصي عن الجوارح , فإن كانت حالته حالة يرضاها لحلول الموت شكر الله تعالى على توفيقه وعصمته , وإن كانت حالته حالة يكره معها الموت انتقل عنها بصحة العزيمة وكمال الجهد وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه , كما أنه لا وصول إليه إلا به فندم على ما أفسد من عمره بسوء اختياره واستعان بالله على تطهير ظاهره من الذنوب وتصفية باطنه من العيوب , وقطع زنار الغفلة عن قلبه , وأطفأ نار الشهوة عن نفسه , واستقام على طريق الحق وركب أمطية الصدق , فإن النهار دليل الآخرة , والليل دليل الدنيا , والنوم شاهد الموت , والعبد قادم على ما أسلف ونادم على ما خلَّف , يقول الله عزّ وجلّ : ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) ] القيامة : 13 [ .
230
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
باب الأحكام
و إعراب القلوب على أربعة أنواع : رفع و فتح و خفض ووقف ، فرفع القلب في ذكر الله تعالى ، و فتح القلب في الرضاء عن الله تعالى ، و خفض القلب في الاشتغال بغير الله تعالى ، ووقف القلب في الغفلة عن الله تعالى ، فعلامة الرفع ثلاثة أشياء : وجود الموافقة ، و فقد المخالفة ، ودوام الشوق ، و علامة الفتح ثلاثة أشياء : التوكل و الصدق و اليقين ، و علامة الخفض ثلاثة أشياء : العجب و الرياء و الحرص و هو مراعاة الدنيا و علامة الوقف ثلاثة أشياء : زوال حلاوة الطاعة ، و عدم مرارة المعصية , و التباس الحلال .
باب الرعاية
قال رسول الله صلى الله علية وسلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ، و هو علم الأنفاس ، فيجب أن يكون نفس المريد شكرا أو عذرا ، فإن قيل : ففضل و إن رد فعدل فطائع الحركة بالتوفيق , و السكوت بالعصمة و لا يستقيم ذلك له إلا بدوام الافتقار و الاضطرار .
و مفتاح ذلك
ذكر الموت لأن فيه راحة من الحبس و نجاة من العدو و قوامه برد العمر إلى يوم واحد و لن يلتئم ذلك إلا بالتفكير في الأوقات ، و باب الفكر الفراغ ، و سبب الفراغ الزهد . و عماد الزهد التقوى ، و سنام التقوى الخوف ، وزمام الخوف اليقين ، و نظام اليقين الخلوة و الجوع ، و تمامها الجهد و الصبر و طريقهما الصدق ، و دليل الصدق العلم .
باب النية
لابد للعبد من النية في كل حركة و سكون : " فإنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى و نية المؤمن خير من عمله " . و النية تختلف على حسب اختلاف الأوقات ، وصاحب النية نفسه منه في تعب ، و الناس منه في راحة و ليس شيء على المريد أصعب من حفظ النية .
باب الذكر
اجعل قلبك قبلة لسانك ، و اشعر عند الذكر حياء العبودية و هيبة الربوبية , و أعلم بأن الله تعالى يعلم سر قلبك و يرى ظاهر فعلك و يسمع نجوى قلبك ، فاغسل قلبك بالحزن
231
و أوقد فيه نار الخوف ، فإذا زال حجاب الغفلة عن قلبك كان ذكرك به مع ذكره لك . قال الله تعالى : " و لذكر الله أكبر " ( العنكبوت : 45 ) . لأنه ذكرك مع الغناء عنك و أنت ذكرته مع الفقر غليه ، فقال : " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ( الرعد : 28 ) . فيكون اطمئنان القلب في ذكر الله له ووجله في ذكره الله ، قال الله تعالى : " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " ( الأنفال : 2 ) . و الذكر ذكران ذكر خالص بموافقة القلب في سقوط النظر إلى غير الله ، و ذكر صاف بفناء الهمة عن الذكر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ".
باب الشكر
و في كل نفس من أنفاس العبد نعمة لله تتجدد عليه يلزمه القيام بشكرها . و أدنى الشكر أن يرى النعمة من الله تعالى و يرضى بما أعطاه و لا يخالفه بشيء من نعمه و إن بلغوا غاية المجهود ، لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها ، فيلزمك على كل شكر إلى ما لا نهاية له ، فإذا تولى الله العبد حمل عنه شكره فرضى عنه بيسير و حط عنه ما يعلم أنه لا يبلغه و يضعفه " و ما كان عطاء ربك محظورا " ( الإسراء : 20 ).
باب اللباس
اللباس نعمة من الله على عبده يستر به البشرة و لباس التقوى ذلك خير ، و خير لباسك ما لا يشغل سرك عن الله تعالى ، فإذا لبست ثوبك فأذكر محبة الله الستر على عباده فلا تفضح أحدا من خلقه بعيب تعلمه منه و اشتغل بعيب نفسك فأستره بدوام الاضطرار إلى الله تعالى في تطهيره ، فإن العبد إذا نسى ذنبه كان ذلك عقوبة له و ازداد به جزءا على المعاصي ، و لو انتبه من رقدة الغفلة لنصب ذنوبه بين عيني قلبه نصبا و لبكى عليه بجفون سره و استولى عليه الوجل فذاب حياء من ربه ، و ما دام العبد يرجع إلى حول نفسه و قوتها انقطع عن حول الله و قوته ، فأطرح همتك بين يدي الخوف و الرجاء : " و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ( الحجر : 99 )
باب القيام
فإذا قمت من فراشك فأقم قلبك عن فراش البطالة ، و أيقظ نفسك عن نوم الجهالة ، و انهض بكلك إلى من أحياك ، و رد إليك نفسك ، و قم بفكرك عن حركتك و سكونك ،
232
و اصعد بقلبك إلى الملكوت الأعلى ، و لا تجعل قلبك تابعا لنفسك فإن النفس تميل إلى الأرض ، و القلب يميل إلى السماء و استعمل قول الله عز و جل : " إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه " ( فاطر : 10 ).
باب السواك
و استعمل السواك فإنها مطهرة للفم مرضاة للرب ، و طهر ظاهرك و باطنك عن دنس الإساءة ، و أخلص أعمالك عن كدر الرياء و العجب ، واجعل قلبك بصافي ذكره ، ودع عنك ما لا ينفعك بل يضرك .
باب التبرز
و إذا تبرزت لقضاء وطر فاعتبر ، فإن الراحة في إزالة النجاسة ، و أستنج رأس همتك ، و أغلق باب الكبر ، و افتح باب الندم ، و أجلس على بساط الندامة ، و أجتهد في إيثار أمره و اجتناب نهيه و الصبر على حكمه ، و اغسل شرك بترك الغضب و الشهوة ، و استعمل الرغبة و الرهبة فإن الله تعالى مدح قوما فقال : " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كانوا لنا خاشعين " ( الأنبياء : 90 ) .
باب الطهارة
و إذا تطهرت ففكر في صفوة الماء ورقته و تطهيره و تنظيفه ، فغن الله تعالى جعله مباركا فقال : " و نزلنا من السماء ماء مباركا " ( ق : 9 ) . فاستعمله في الأعضاء التي فرض الله عليك تطهيرها و لتكن صفوتك مع الله كصفوة الماء ، فاغسل وجه قلبك عن النظر إلى غير الله ، و اغسل يدك عن الامتداد إلى غيره و امسح رأسك عن الافتخار بغيره ، و اغسل رجليك عن السعي لغيره ، و احمد الله على ما ألهمك من دينه .
باب الخروج
فإذا خرجت من منزلك إلى مسجدك ، فاعلم أن لله تعالى حقوقا عليك يلزمك أداؤها . من ذلك السكينة و الوقار و الاعتبار بخلق الله برهم و فاجرهم ، قال الله تعالى : " و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون " ( العنكبوت : 43 ) . و غض عن نظر الغفلة و الشهوة ، و أفش السلام مبتدئا و مجيبا ، و أعن من استعانك على الحق و أمر بالمعروف و أنه عن المنكر إن كنت من أهله و أرشد الضال .
233
باب دخول المسجد
فإذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلا الطاهر و لا يصعد إليه إلا الخالص ، ففكر في نفسك من أنت و لمن أنت و أين أنت و من أي ديوان يخرج أسمك ، فإذا استصلحت نفسك لخدمته فأدخل فلك الإذن و الأمان ، و إلا فقف وقوف مضطرب قد انقطعت عنه الحيل و انسدت عنه السبل ، فإذا علم اله من قلبك الالتجاء إليه أذن لك فتكون أنت بلا أنت ، والله يرحم عبده و يكرم ضيفه و يعطي سائله و يبر المعرض عنه ، فكيف المقبل إليه .
باب افتتاح الصلوات
فإذا استقبلت بوجهك القبلة استقبل بوجهك الحق و لا تنبسط فلست من أهل الانبساط ، و اذكر وقوفك بين يديه يوم العرض الأكبر ، وقف على قدمي الخوف و الرجاء ، و رفع قلبك عن النظر إلى الدنيا و الخلق ، و أرسل همتك إليه فإنه لا يرد الأبق و لا يخيب السائل . فإذا قلت الله أكبر فاعلم انه لا يحتاج إلى خدمتك له و ذكرك إياه لأن الحاجة من جبلة الفقراء و ذلك سمة الخلق و الغنى عن صفاته ذاته ، و إنما وظف على عبيده وظائف ليقربهم بها إلى عفوه و رحمته و يبعدهم بها من سخطه و عقوبته ، قال الله عز وجل : " و ألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها " ( الفتح : 26 ) . وقال عز من قائل " و لكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم " ( الحجرات : 7 ) . و أسكر الله إذا جعلك أهلا للوقوف بين يديه فإنه " أهل التقوى و أهل المغفرة " ( المدثر : 56 ) أهل أن يتقيه خلقه فيغفر لمن اتقاه .
باب القراءة
قال الله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فأستعذ بالله من الشيطان الرجيم 98 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون " ( النحل : 99 ) .
" إنما سلطانه على الذين يتولونه " ( النحل : 100 )
" إنه من تولاه فأنه يضلع " ( الحج : 4 ) .
و اذكر عهد الله عليك و ميثاقه في وحيه و تنزيله ، و انظر كيف تقرأ كلامه و كتابه فرتل و تدبر ، وقف عند وعده ووعيده و أمثاله و مواعظه و أمره و نهيه و محكمه و متشابه ، و إني لأخشى أن تكون إقامتك حدوده غفلة من تضييعك حدوده .. قال الله عز وجل : ( فبأي حديث بعده يؤمنون " ( الأعراف : 185 )
باب الركوع
و اركع ركوع خاشع لله بقلبه خاضعا بجوارحه ، و استوف ركوعك و انحط عن همتك في القيام بأمره ، فإنك لا تقدر على أداء فرضه إلا بعونه . و لا تبلغ دار رضوانه إلا برحمته ، و لا تستطيع الامتناع من معصية إلا بعصمته ، و لا تنجو من عذابه إلا بعفوه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل الجنة احد بعمله " قالوا : و لا أنت يا رسول الله ؟ قال " و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " .
باب السجود
و اسجد لله سجود عبد متواضع علم أن خلق من تراب يطؤه جميع الخلق ، و أنه ركب من نطفة يستقذرها كل واحد ، فإذا فكر في أصله و تأمل جوهره من ماء و طين أزداد لله تواضعا و يقول في نفسه : ويحك لم رفعت رأسك من سجودك ؟ لمَ لَم تمت بين يديه ، و قد جعل الله السجود سبب القرب إليه ؟ فقال تعالى : " و اسجد لله و اقترب " . فمن اقترب منه بعد كل شيء سواه ، و أحفظ صفة سجودك في هذه الآية : " منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى " ( طه : 55 ) . و استعن بالله عن غيره ، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال الله تبارك و تعالى : " لا اطلع على قلب عبد فأعلم منه حب العمل بطاعتي إلا توليت تقويمه و سياسته " .
باب التشهد
و التشهد ثناء ، و شكر له ، و تعرض لمزيد فضله و دوام كرامته ، فاخرج عن دعواك و كن عبدا بفعلك كما أنت بعد بقولك ، ف،ك خلقك عبدا و أمرك أن تكون له عبدا كما خلقك : " و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " ( الأحزاب : 36 )
" و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة " ( القصص : 68 )
فاستعمل العبودية في الرضى بحكمته ، و استعمل العبادة في النزول تحت أمره ، و صل على حبيبه عقب الثناء عليه ، فغنه وصل محبته و طاعته بطاعته و متابعته بمتابعته ، فقال تعالى : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " ( آل عمران : 31 ) .
و قال " من يطع الرسول فقد أطاع الله " ( النساء : 80 ) . و قال " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " ( الفتح : 10 ) . و أمر رسوله بالاستغفار فقال تعالى " فاعلم أنه لا إله
235
إلا الله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات " ( محمد : 19 ) . و أمرك بالصلاة عليه ، فقال تعالى " إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما " ( الأحزاب : 56 ) . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا و عامله بالفضل " . فقال تعالى : " و رفهنا لك ذكرك " ( الانشراح : 4 ) . ثم أمره بمعاملته بالعدل فقال لغيره : " فإذا فرغت فانصب 7 و إلى ربك فأرغب " ( الانشراح : 7 ، 8 )
باب السلام
السلام من أسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معنا في معاملته و معاشرة خلقه ، فإذا أردت السلامة فليسلم منك صديقك و ارحم من لا يرحم نفسه فإن الخلق بين فتن و محن ، إما مبتلي بالنعمة ليظهر شكره ، و إما مبتلي بالشدة ليظهر صبره ، قاله الله تعالى : " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن 15 و أما إذا ما ابتلاه فدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن 16 كلا " ( الفجر : 15 ـ 17 ) . فالكرامة في طاعته و الهوان في معصيته و من ركب الهوى أهانه الله .
باب الدعاء
و أحفظ آداب الدعاء و أنظر من تدعو و كيف تدعو و لماذا تدعو و لماذا تسأل ، و الدعاء استجابة الكل منك للحق و إن لم تأت بشرط الدعاء فلا تشترط الإجابة . فقال مالك بن دينار : أنتم تستبطئون المطر و أنا أستبطئ الحجر ، و لو لم يأمر الله سبحانه بالدعاء لوجب علينا أن ندعوه و لو لم يشترط لنا الإجابة لكنا إذا أخلصنا له الدعاء تفضل بالإجابة . فكيف و قد ضمن ذلك لمن أتى بشرط الدعاء . قال الله تعالى : " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم " ( الفرقان : 77 ) . و قال تعالى " ادعوني أستجب لكم " ( غافر : 60 ) . وسئل أبو يزيد البسطامي عن اسم الله الأعظم ، قال : فرغ قلبك من غيره و ادعه بأي أسمائه شئت ، و قال يحيي بن معاذ : اطلب الاسم . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يستجيب الله الدعاء من قلب لاه فإذا أخلصت فأبشر بإحدى ثلاث : إما أن يجعل لك ما سألت ، و إما أن يدخر لك ما هو أعظم منه ، و إما أن يصرف عنك من البلاء ما لو صبه عليك لهلكت و ادع دعاء مستجير لا دعاء مشير " ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " قال الله تبارك و تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " . و قال أبو الحسن الوراق : دعوت الله مرة فاستجاب دعائي فنسيت الحاجة فأحفظ حق الله عز و جل عليك في الدعاء و لا تشتغل بحظك فإنه أعلم بمصلحتك .
236
باب الصوم
فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات ، فإن الصوم فناء مراد النفس و فيه صفاء القلب و ضمارة الجوارح و التنبيه على الإحسان إلى الفقراء و الالتجاء إلى الله و الشكر على ما تفضل به من النعم و تخفيف الحساب ، و منه الله في توفيقك للصوم أعظم من أن تقوم بشكرها و من صومك أن تطلب منه عوضا .
باب الزكاة
و عن كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله ، فزكاة القلب التفكر في عظمته و حكمته و قدرته و حجته و نعمته و رحمته ، و زكاة العين النظر بالعبرة و الغض عن الشهوة , و زكاة الأذن الاستماع إلى ما فيه نجاتك ، و زكاة اللسان النطق بما يقربك إليه ، و زكاة اليد القبض عن الشر و البسط إلى الخير ، و زكاة الرجل السعي إلى ما فيه صلاح قلبك و سلامة دينك .
باب الحج
و المريد إذا حج يعقد النية خوف الرد ، و استعد استعداد من لا يرجو الإياب ، و أحسن الصحبة ، و تجرد عند الإحرام عن نفسه ، و اغتسل من ذنبه ، و لبس ثوب الصدق و الوفاء ، و لبى موافقة للحق في إجابة دعوته ، و أحرم في الحرم من كل شيء يبعده عن الله تعالى , و طاف بقلبه حول كرسي كرامته ، وصفا ظاهرة ، و باطنه عند الوقوف على الصف ، و هرول هربا من هواه و لم يتمن على الله تمنى ما لا يحل له و اعترف بالخطأ يعرفه ، و تقرب إلى الله بمزدلفة ، و رمى الشهوات عند رمي الحجرات ، و ذبح هواه و حلق الذنوب ، و زار البيت معظما صاحبه , و أستلم الحجر رضاء بقضائه ، وودع ما دون الله في طواف الوداع .
باب السلامة
و طلب السلامة فليت من طلبها وجدها فكيف لمن تعرض للبلاء ، و السلامة قد عزت في هذا الزمان و هي في الخمول ، فالعزلة و ليست كالخمول فإن لم تكن عزلة فالصمت و ليس كالعزلة ، فإن لم تكن في صمت فالكلام بما ينفع و لا يضر و ليس كالصمت ، و إن أردت السلامة فلا تنازع الإضدلد و لا تنافس الأشكال كل من قال أنا فقل أنت ، و كل من قال لك ، و السلامة في زوال العرف ، وزوال العرف في فقد الإرادة ، و فقد الإرادة في ترك دعوى العلم فيما استأثر الله به من تدبير أمرك . قال الله
237
تعالى : " أليس الله بكاف عبده " ( الزمر : 36 ) . و قال : " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض " ( السجدة : 5 ) .
باب العزلة
صاحب العزلة يحتاج إلى عشرة أشياء : علم الحق و الباطل و الزهد و اختيار الشدة و اغتنام الخلوة و السلامة و النظر في العواقب و أن يرى غيره أفضل منه و يعزل عن الناس شره و لا يفتر عن العلم ، فإن الفراغ بلاء و لا يعجب بما هو فيه و يخلو بيته من الفضول ، و الفضول ما فضل عن يومك لأهل الإرادة ، ما فضل عن وقتك لأهل المعرفة ، و يقطع ما يقطعه عن الله تعالى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة اليمان : " كن حلس بيتك : . و قال عيسى ابن مريم عليه السلام : " أملك لسانك و ليسعك بيتك و أنزل لنفسك منزلة السبع الضاري و النار الحرقة ، و قد كان الناس ورفا بلا شوك فصاروا شوكا بلا ورق ، و كانوا أدواء يستشفى بهم فصاروا داء لا دواء له " . قيل لداود الطائي : مالك لا تخالط الناس ؟ فقال : كيف أخالط من يتبع عيوبي كبير لا يعرف الخلق و صغير لا يوقر ، من استأنس بالله استوحش من غيره . و قال الفضيل : إن استطعت أن تكون في موضع لا تعرف و لا تعرف فافعل . و قال سليمان : همي من الدنيا أن ألبس عباءة و أكون بقربه ليس فيها أحد يعرفني و لا غذاء لي و لا عشاء ، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يأتي زمان المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر و له اجر خمسين منكم " . و في العزلة صيانة الجوارح و فراغ القلب و سقوط حقوق الخلق و إغلاق أبواب الدنيا و كسر سلاح الشيطان و عمارة الظاهر و الباطن .
باب العبادة
أقبل على أداء الفرائض ، فإن سلم لك فرضك فأنت أنت ، و أطلب بالنوافل حفظ الفرائض و كلما ازددت عبادة فازدد شكرا و خوفا . قال يحيي بن معاذ : عجبت لطالب فضيلة تارك فريضة و من كان عليه دين فأهدى إلى صاحب الدين مثل حقه كان مطالبا بالحق إذا حل الأجل . و قال أبو بكر الوراق : ابذل في هذا الزمان أربعة على أربعة : الفضائل على الفرائض ، و الظاهر على الباطن ، و الخلق على النفس ، و الكلام على الفعل .
باب التفكر
تفكر في قوله عز و جل : " هل أتى على الناس حين من الدهر لم يكن شيئا
238
مذكور " ( الدهر : 1 ) . و أذكر كيف أحوالك و اعتبر بما مضى من الدنيا على ما تراه ، هل بقيت على أحد ، و ما بقى منها أشبه بما مضى من الماء بالماء ، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يبق من الدنيا إلا بلاء و فتنة " . و قيل لنوح عليه السلام : " كيف وجدت الدنيا يا أطول الأنبياء عمرا ؟ قال : كبيت له بابان دخلت من أحدهما و خرجت من الآخر " . و الفكرة أبو كل خير و هي مرآة تريك الحسنات و السيئات .
تم بحمد الله و عونه و حسن توفيقه و الحمد لله وحده .
قال الشيخ محمد بن علي بن الساكن في كتاب دليل الطالب إلى نهاية المطالب . قال : فالطالب المجتهد إذا أراد لبس الخرقة فالواجب عليه أن يخلع الثوب الذي كان يلبسه في أيام العادة . و أحسن ما تلبس هذه الطائفة الصوف إذا هم منسوبون إليه ، قيل : إن أول من لبس الصوف آدم و حواء عليها السلام , و كان موسى و عيسى و يحيي عليهم السلام يلبسون الصوف ، و كان نبينا صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء كان يلبس عباءة كان مقدار ثمنها خمس دراهم و ينبغي أن لا يلبس الصوف إلا من صفا من كدر النفس ، فقد قال الحسن البصري : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تلبسوا الصوف إلا و قلوبكم نقية " ، فإنه من لبس الصوف على دغل و غش قلاه جبار السماء فإذا لبسه وجب أن يقوم بوظائف حروفه , و هي ثلاثة أما وظيفة الصاد فهي الصدق و الصفاء و الصيانة و الصبر و الصلاح ، و أما وظيفة الواو فهي : الوصلة و الوفاء و الوجد ، و أما وظيفة الفاء فهي الفرح و التفجع فلو لبس المرقع و جب عليه أن يؤدي حق حروفه , و هي أربعة : فحق الميم المعرفة و المجاهدة و المذلة ، و حق الراء : الرحمة و الرأفة و الرياضة و الراحة ، و حق القاف : القناعة و القربة و القوة و البقول الصدق ، و حق العين : العلم و العمل و العشق و العبودية ، و قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم يلبس المرقع حيث قال لعائشة رضي الله عنها : " إن سرك اللحوق بي فإياك و مجالسة الموتى ولا تستبدلي ثوبا حتى ترقعيه " ، انتهى و الله اعلم
239
الرسالة اللدنية
بسم الله الرحم الرحيم
الحمد لله الذي زين قلوب خواص عباده بنور الولاية ، و ربى أرواحهم بحسن العناية ، و فتح باب التوحيد على العلماء العارفين بمفاتيح الدراية , و أصلي و أسام على سيدنا محمد سيد المرسلين صاحب الدعوة و الرعاية ، و دليل الأمة إلى الهداية ، و على آله سكان حرم الحماية .
العلم الغيبي اللدني
اعلم أن واحدا من أصدقائي حكى عن بعض العلماء أن أنكر العلم الغيبي اللدني الذي يعتمد على خواص المتصوفة ، و ينتمي إليه أهل الطريقة ، و يقولون إن العلم اللدني أقوى و أحكم من العلوم المكتسبة المحصلة بالتعلم ، و حكى أن ذلك المدعى يقول : باني لا أقدر على تصوير علم الصوفية ، لا أظن أن أحدا في العالم يتكلم في العلم الحقيقي من فكر وروية تعلم و كسب ، فقلت : كأنه ما اطلع على طرق التحصيل ، و ما درى أمر النفس الإنسانية و صفاتها و كيفية قبولها لآثار الغيب و علم الملكوت ، فال صديقي : نعم إن ذلك الرجل يقول بان العلم هو الفقه و تفسير القرآن و الكلام و حسب ، و ليس وراءها علم و هذه العلوم لا تتحصل إلا بالتعليم و التفقه ، فقلت : نعم فكيف يعلم علم التفسير فإن القرآن هو البحر المحيط المشتمل على جميع الأشياء و ليس جميع معانيه و حقائق تفسيره مذكورة في هذه التصانيف المشهورة بين العوام ، بل التفسير غير ما يعلم ذلك المدعي ، فقال ذلك الرجل : لا يعد إلا التفاسير المعروفة المذكورة و المنسوبة إلى القشيري و الثعلبي و الماوردي و غيرهم ، فقلت : لقد بعد عن منهج الحقيقة / فإن السلمى جمع شيئا في التفسير من كلمات المحققين شبه التحقيق ، و تلك الكلمات غير مذكورة في سائر التفاسير . وذلك الرجل الذي لا يعد العلم إلا الفقه و الكلام . و هذا التفسير العامي كأنه ما علم أقسام العلوم و تفاصيلها و مراتبها و حقائقها و ظواهرها و بواطنها ، و قد جرت العادة بان الجاهل بالشيء ينكر ذلك الشيء ، و ذلك المدعي ما ذاق شراب الحقيقة و ما اطلع على العلم اللدني فكيف يقر بذلك ، و لا أرضى بإقراره تقليدا أو تخمينا ما لم يعرف ، فقال ذلك الصديق : أريد أن تذكر طرفا من مراتب العلوم و تصحيح هذا العلم و تعزيه أنت لنفسك و تقر على إثباته ، فقلت : إن هذا المطلوب بيانه عسير جدا ، لكن أشرع في مقدماته بحسب اقتضاء حالي و موافقة وقتي و ما
ص 240
سنح بخاطري، و لا أريد تطويل الكلام فإن خير الكلام ما قل و دل، سألت الله عز وجل التوفيق و الإعانة و ذكرت مطلوب صديقي الفاضل في هذا المفضول.
فصل في شرف العلم
اعلم أن العلم تصور النفس الناطقة المطمئنة حقائق الأشياء و صورها المجردة عن المواد بأعيانها و كيفياتها و كمياتها و جواهرها و ذواتها إن كانت مفردة، و العالم هو المحيط المدرك المتصور، و المعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس، و شرف العلم على قدر شرف معلومه، و رتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم, و لا شك أن أفضل المعلومات و أعلها و أشرفها و أجلّها هو الله الصانع المبدع الحقّ الواحد، فعلمه هو علم التوحيد أفضل العلوم و أجلها و أكملها، و هذا العلم ضروري واجب تحصيله على جميع العقلاء كما قال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". أمر بالسفر في طلب هذا العلم. فقال صلى الله عليه و سلم:" اطلبوا العلم و لو بالصين". و عالم هذا العلم أفضل العلماء و بهذا السبب خصهم الله تعالى بالذكر في أجل المراتب، قال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ) "آل عمران: 18". فعلماء علم التوحيد الإطلاق هم الأنبياء و بعدهم العلماء الذين ورثوا الأنبياء، و هذا العلم إن كان شريفاً في ذاته كاملاً في نفسه لا ينفي سائر العلوم بل لا يحصل إلا بمقدمات كثيرة، و تلك المقدمات لا تنتظم إلا من علوم شتى مثل علم السموات و الأفلاك و علم جميع المصنوعات، و يتولد عن علم التوحيد علوم أُخر كما سنذكر أقسامها في مواضعها.
فاعلم أن العلم شريف بذاته من غير نظر إلى جهة العلوم، حتى أن علم السحر شريف بذاته و إن كان باطلاً، و ذلك بأن العلم ضد الجهل، و الجهل من لوازمه الظلمة، و الظلمة من حيز السكون، و السكون فريب من العدم، و يقع الباطل و ضلاله في هذا القسم، فإذا الجهل حكمه حكم العدم، و العلم حكمه حكم الوجود، و الوجود خير من العدم، و الهداية و الحق و النور كلها في سلك الوجود، فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل، فإن الجهل مثل العمى و الظلمة، و العلم مثل البصر و النور، (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ) "فاطر 19،20". و صرح سبحانه بهذه الإشارات فقال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) "الزمر:9". فإذا كان العلم خير من الجهل، و الجهل من لوازم الجسم، و العلم من صفات النفس، و النفس أشرف من الجسم، و للعلم أقسام كثيرة، نحصيها في فصل آخر. و للعالِم في طلب العلم طرق عديدة نذكرها في فصل آخر. و الآن لا يتعين عليك بعد معرفة فضل العلم إلا معرفة
ص 241
النفس التي هي لوح العلوم و مقرها و محلها، و ذلك أن الجسم ليس بمحل للعلم لأن الأجسام متناهية، و لا يتسع لكثرة العلوم بل لا يحتمل إلا النقوش و الرقوم و النفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة و لا مزاحمة و ملال و زوال، و نحن نتكلم في شرح النفس على سبيل الاختصار.
فصل في شرح النفس و الروح الإنساني
اعلم أن الله تعالى خلق الإنسان من شيئين مختلفين: أحدهما: الجسم المظلم الكثيف الداخل تحت الكون و الفساد المركب المؤلف الترابي الذي لا يتم أمره إلا بغيره، و الآخر: هو النفس الجوهري المفرد المنير المدرك الفاعل المحرك المتمم للآلات و الأجسام، و الله تعالى ركب الجسد من أجزاء العذاء و رباه بأجزاء الرماد، و مهد قاعدته و سوى أركانه و عين أطرافه و أظهر جوهر النفس من أمره الواحد الكامل المكمل المفيد. و لا أعني بالنفس القوة الطالبة للغذاء، و لا القوة المحركة للشهوة و الغضب، و لا القوة الساكنة في القلب المولدة للحياة، و المبرزة للحس و الحركة من القلب إلى جميع الأعضاء، فإن هذه القوة تسمى روحاً حيوانياً، و الحس و الحركة و الشهوة و الغضب من جنده، و تلك القوى الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد بالتصرف يقال لها روحاً طبيعياً، و الهضم و الدافع من صفاتها، و القوة المصورة و المولودة و النامية و باقي القوة المنطبعة كلها خدام للجسد، و الجسد خادم الروح الحيواني لأنه يقبل القوي عنه و يعمل بحسب تحريكه و إنما أعني بالنفس ذلك الجوهر الكامل الفردي الذي ليس من شأنه إلا التذكر و التحفظ و التفكر و التمييز و الروية، و يقبل جميع العلوم و لا يمل من قبول الصور المجردة المعراة عن المواد و هذا الجوهر رئيس الأرواح و أمير القوى، الكل يدمونه و يمتثلون أمره و للنفس الناطقة أعني هذا الجوهر عند كل قوم اسم خاص، فالحكماء يسمون هذا الجوهر النفس الناطقة، و القرآن تسميه النفس المطمئنة و الروح الأمري، و التصوفة تسمي تسميه القلب، و الخلاف في الأسامي و المعنى واحد لا خلاف فيه. فالقلب و الروح عندنا، و المطمئنة كلها أسامي النفس الناطقة، و النفس الناطقة، هي الجوهر الحي الفعال المدرك، و حيثما نقول الروح المطلق أو القلب فإنما نعني به هذا الجوهر، و المتصوفة يسمون الروح الحيواني نفساً. و الشرع ورد بذلك فقال: " أعدى عدوك نفسك". و أطلق الشارع اسم النفس بل أكدها بالإضافة، فقال: "نفسك التي بين جنبيك". و إنما أشار بهذه اللفظة إلى القوى الشهوانية و الغضبية فإنهما ينبعثان عن القلب الواقف بين الجنبين، فإذا عرفت فرق الأسامي فاعلم أن الباحثين يعبرون عن هذا الجوهر النفيس بعبرات مختلفة، و يرون فيه آراء متفاوتة، و المتكلمين المعرفين بعلم الجدل يعدون النفس جسماً، و يقولون إنه
ص 242
جسم لطيف بإزاء هذا الجسم الكثيف، و لا يرون الفرق بين الروح و الجسد إلا باللطافة و الكثافة و بعضهم يعد الروح عرضاً، و بعض الأطباء يميل إلى هذا القول، و بعضهم يرى الدم روحاً و كلهم قنعوا بقصور نظرهم على تخيلهم و ما طلبوا القسم الثالث، و اعلم أن الأقسام ثلاثة: الجسم و العرض و الجوهر الفرد، فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشعل موضوع في زجاجة القلب أعني ذلك الشكل الصنوبري المعلق في الصدر، و الحياة ضوء السراج و الدم رهنه، و الحس و الحركة نوره، و الشهوة حرارته، و الغضب دخانه، و القوة الطالبة للغذاء الكائنة في الكبد خادمه و حارسه و وكيله، و هذا الروح لا يهتدي إلى العلم و لا يعرف طريق المصنوع و لا حق الصانع، و إنما هو خادم أسير يموت بموت البدن، لو يزيد الدم ينطفئ ذلك السراج بزيادة الحرارة، و لو ينقص ينطفئ بزيادة البرودة و انطفاؤه سبب موت البدن، و ليس خطاب الباري سبحانه و لا تكليف الشارع لهذا الروح لأن البهائم و سائر الحيوانات غير مكلفين و لا مخاطبين بأحكام الشرع، و الإنسان إنما يكلف و يخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائداً خاصاً به، و ذلك المعنى هو النفس الناطقة و الروح المطمئنة، و هذا الروح ليس بجسم و لا عرض لأنه من أر الله تعالى كما قال: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) "الإسراء: 85" و قال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) "الفجر: 27، 28". و أمر الباري تعالى ليس بجسم و لا عرض، بل قوة إلهية مثل العقل الأول و اللوح و القلم، و هي الجواهر المفردة المفارقة للمواد بلهي أضواء مجردة معقولة غير محسوسة، و الروح و القلب بلساننا من قبل تلك الجواهر، و لا يقبل الفساد و لا يضمحل و لا يفني و لا يموت، بل يفارق البدن و ينتظر العود إليه في يوم القيامة كما ورد في الشرع و قد صح في العلوم الحكمية بالبراهين القاطعة، و الدلائل الواضحة أن الروح الناطق ليس بجسم و لا عرض، بل هو جوهر ثابت دائم غير فاسد، و نحن نستغني عن تكرير البرهان و تعديد الدلائل لأنها مقررة مذكورة. فمن أراد تصحيحها فليرجع إلى الكتب الثقة بذلك الفن. فأما في طريقنا فلا يأتي بالبرهان بل نعول على العيان و نعتمد على رؤية الإيمان، و لما أضاف الله تعالى الروح إلى أمره و تارة إلى عزته، فقال: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) "الحجر: 29" . و قال:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) "الإسراء: 85". و قال: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا) " التحري: 12". و الله تعالى أجل من أن يضيف إلى نفسه جسماً أو عرضاً لخستها و تغيرها و سرعة زوالهما و فسادهما، و الشارع صلى الله عليه و سلم قال: ( ألأرواح جنود مجندة". و قال ( أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر"، و العرض لا يبقى بعد فناء الجوهر لأنه لا يقوم بذاته، و الجسم يقبل التحليل، كما قيل: التركيب من المادة و الصورة كما هو مذكور في
ص 243
الكتب، فلما وجدنا هذه الآيات والأخبار و البراهين العقلية علمنا أن الروح جوهر فرد كامل حي بذاته يتولد منه صلاح الدين و فساده، و الروح الطبيعي و الحيواني و جميع القوى البدنية كلها من جنوده، و أن هذا الجوهر يقبل صور المعلومات و حقائق الموجدات من غير اشتغال بأعيانها و أشخاصها، فإن النفس قادرة على أن تعلم حقيقة الإنسانية من غير أن ترى إنساناً كما أنها عملت الملائكة و الشياطين، و ما احتاجت إلى رؤية أشخاصها إذ لا ينالها حواس أكثر الناس، و قال قوم من المتصوفة إن للقلب عيناً كما للجسد، فيرى الظواهر بالعين الظاهرة، و يرى الحقائق بعين العقل، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ ما من عبد إلا و لقلبه عينان"، و هما عينان يدرك بهما الغيب، فإذا أراد الله تعالى بعبد خيراً فتح قلبه ليرى ما هو غائب عن بصره، و هذا الروح لا يموت بموت البدن لأن الله تعالى يدعوه إلى بابه فيقول: ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً)”الفجر: 28”. و إنما هو يفارق و يعرض على البدن، فمن أعراضه تتعطل أحوال القوى الحيوانية و الطبيعية فيسكن المتحرك فيقال لذلك السكون: موت، و أهل الطريقة. أعني الصوفية. يعتمدون على الروح و القلب أكثر أعتماداً منهم على الشخص. و إذا كان الروح من أمر الباري تعالى فيكون البدن كالغريب، و يكون وجهه إلى أصله و مرجعه. فينال الفوائد من جانب الأصل أكثر مما ينال من جهة الشخص إذا قوي و لم يدنس بأدناس الطبيعة. و إذا علمت الروح جوهر فرد و علمت أن الجسد لابد له من المكان. و العرض لا يبقى إلا بالجوهر. فأعلم أن هذا الجوهر لا يحل في محل و لا يسكن في مكان، و ليس البدن مكان الروح و لا محل القلب، بل البدن آلة الروح و أداة القلب و مركب النفس. و الروح ذاته غير متصل بأجزاء البدن و لا منفصل عنه، بل هو مقبل على البدن مفيد له مفيض عليه، و أول ما يظهر نوره على الدماغ لأن الدماغ مظهره الخاص اتخذ من مقدمه حارساً. و من وسطه وزيراً و مدبراً، و من آخره خزانة و خازناً، و من جمي الأجزاء رجالاً و ركبانا، و من الروح الحيواني خادماً، و من الطبيعي وكيلاً، و من البدن مركباً، و من الدنيا ميداناً، و من الحياة بضاعة و مالاً، و من الحركة تجارة، و من العلم ربحاً، و من الآخرة مقصداً و مرجعاً، و من الشرع طريقة و منهاجاً، و من النفس الأمارة حارساً و نقيباً، و من اللوامة منبها. و من الحواس جواسيس و أعواناً، و من الدين درعاً، و من العقل أستاذاً، و من الحس تلميذاً، و الرب سبحانه من وراء هذه كلها بالمرصاد، و النفس بهذه لبصفة مع هذه الآلة ما أقبلت على هذا الشخص الكثيف و ما اتّصلت بذاته بل تنيله الإفادة، و وجهها إلى بارئها و أمر بارئها بالاستفادة إلى أجل مسمى، فالروح لا يشتغل في مدة هذا السفر إلا بطلب العلم لأن العلم يكون حليته في دار الآخرة لأن حلية المال و البنين زينة الحياة الدنيا، فكما أن العين مشغولة برؤية المنظورات، و السمع مواظب على استماع الأصوات، و اللسان مستعد
ص 244
لتركيب الأقوال، و الروح الحيواني مريد اللذات الغضبية، و الروح الطبيعي محب للذائذ الأكل و الشرب، كذلك الروح المطمئنة- أعني القلب- لا يريد إلا العلم و لا يرضي إلا به و يتعلم طول عمره. و يتحلى بالعلم جميع أيامه إلى وقت مفاقته، و لو قبل أمراً آخر دون العلم فإنما يقبل عليه لمصلحة البدن لا لمراد ذاته و محبة أصله. فإذا علمت أحوال الروح و دوام بقائه و عشقه للعلم و شغفه به، فيجب عليك أن تعلم أصناف العلم فإنها كثيرة و نحن نحصيها بالاختصار.
فصل في أصناف العلم و أقسامه
أعلم أن العلم على قسمين: أحدهما شرعي، و الآخر عقلي. و أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها. و أكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) “النور: 40”.
أما القسم الأول: و هو العلم الشرعي، فينقسم إلى نوعين:
أحدهما: في الأصول و هو علم التوحيد. و هذا العلم ينظر في ذات الله تعالى و صفاته القديمة، و صفاته الذاتية المتعددة بالأسامي على الوجه المذكور. و ينظر أيضاً في أحوال الأنبياء و الأئمة من بعدهم و الصحابة. و ينظر في أحوال الموت و الحياة و في أحوال القيامة و البعث و الحشر و الحساب، و رؤية الله تعالى و أهل النظر في هذا العلم يتمسكون أولاً بآيات الله تعالى من القرآن، ثم بأخبار الرسول صلى الله عليه و سلم ثم بالدلائل العقلية و البراهين القياسية، و أخذوا مقدمات القياس الجدلي و العادي و لواحقهما من أصحاب المنطق الفلسفي، و وضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها، و يعبرون في عبارتهم بالجوهر و العرض و الدليل و النظر و الاستدلال و الحجّة، و يختلف معنى كل لفظ من هذه الألفاظ عند كل قوم حتى الحكماء يعنون بالجوهر شيئاً، و الصوفية يعنون شيئاً آخر، و المتكلمون شيئاً، و على هذا المثال، و ليس المراد في هذه الرسالة تحقيق معاني الألفاظ على حسب أراء القوم، فلا نسرع فيها. و هؤلاء القوم مخصصون بالكلام في الأصول و علم التوحيد و لقبهم المتكلمون، فإن اسم الكلام اشتهر على علم التوحيد. و من علم الأصول التفسير، فإن القرآن من أعظم الأشياء و أبينها و أجلّها و أعزّها. و فيه من المشكلات الكثيرة ما لا يحيط بها كل عقل إلا من أعطاه الله تعالى فهماً في كتابه. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ ما من آية من آيات القرآن إلا و لها ظهر و بطن و لبطنه بطن إلى سبعة أبطن" و الله تعالى أخبر في القرآن عن جميع العلوم و جلى الموجدات و خفيها و صغيرها و كبيرها و محسوسها و معقولها. و إلى هذه
ص 245
الإشارة بقوله تعالى (وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) “الأنعام: 59” و قال تعالى: (لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) “ص: 29” و إذا كان من أمر القرآن أعظم الأمور فأي مفسر أدى حقه، و أي عالم خرج في عهدته، نعم كل واحد من المفسرين شرع في شرحه بمقدار طاقته، و خاض في بيانه بحسب قوة عقله، و قدر كنه علمه، فكلهم قالوا، و بالحقيقة ما قالوا، و علم القرآن من وجه اللغة، و من وجه الاستعارة، و من وجه تركيب اللفظ، و من وجه مراتب النحو، و من وجه عادة العرب، و من وجه أمور الحكماء، و من وجه كلام المتصوفة حتى يقرب تفسيره إلى التحقيق، و لو يقتصر على وجه واحد و يقنع في البيان بفن واحد لم يخرج عن عهده البيان، و يتوجه عليه حجة الإيمان و إقامة البرهان، و من علم الأصول أيضاً علم الأخبار، فإن النبي صلى الله عليه و سلم أفصح العرب و العجم، و كان معلماً يوحى إليه من قبل الله تعالى، و كان عقله محيطاً بجميع العلويات و السفليات، فكل كلمة من كلماته بل لفظة من ألفاظه يوجد تحتها بحار الأسرار و كنوز الرموز، فعلم أخباره و معرفة أحاديثه أمر عظيم، و خطب جليل. لا يقدر أحد أن يحيط بعلم الكلام النبوي إلا أن يهذب نفيه بمتابعة الشارع، و يزيل الاعوجاج عن قلبه بتقويم شرع النبي صلى الله عليه و سلم، و من أراد أن يتكلم في تفسير القرآن و تأويل الأخبار و يصيب في كلامه، فيجب عليه أولاً تحصيل علم اللغة و التبحر في فن النحو، و الرسوخ في ميدان الإعراب، و التصرف في أصناف التصريف، فإن علم اللغة سلم و مرقاة إلى جميع العلوم، و من لم يعلم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم. فإن من أراد أن يصعد سطحاً عليه تمهيد المرقاة أولاً ثم بعد ذلك يصعد، و علم اللغة وسيلة عظيمة، و مرقاة كبيرة، فلا يستغنى طالب العلم عن أحكام اللغة، فعلم اللغة أصل الأصول، و أول علم اللغة معرفة الأدوات، و هي بمنزلة الكلمات المفردة، و بعدها معرفة الأفعال مثل الثلاثي و الرباعي و غيرهما، و يجب اللغوي أن ينظر في أشعار العرب. و أولاها و أتقنها أشعار الجاهلية. فإن فيها تنقيحاً للخاطر، و ترويحاً للنفس و مع ذلك الشعر و الأدوات و الأسامي يجب تحصيل علم النحو فإنه لعلم اللغة بمنزلة ميزان القبان للذهب و الفضة. و المنطق لعلم الحكمة و العروض للشعر، و الذراع للأثواب. و الكيال للحبوب، و كل شيء لا يوزن بميزان لا يتبين فيه حقيقة الزيادة و النقصان. فعلم اللغة سبيل إلى علم التفسير و الأخبار، و علم القرآن و الأخبار دليل على علم التوحيد، و علم التوحيد هو الذي لا تنجو نفوس العباد إلا به و لا تتخلص من خوف المعاد إلا به، فهذا تفصيل علم الأصول.
النوع الثاني: من العلم الشرعي هو علم الفروع. و ذلك أن العلم إما أن يكون علمياً، و إما أن يكون عملياً، و علم الأصول هو العلمي، و علم الفروع هو العملي، و هذا العلم يشتمل على ثلاثة حقوق:
ص 246
أولها: حق الله تعالى و هو أركان العبادات مثل الطهارة و الصلاة و الزكاة و الحج و الجهاد و الأذكار و الأعياد و الجمعة و زوائدها من النوافل و الفرائض.
و ثانيها: حق العباد و هو أبواب العادات و يجري في وجهين: أحدهما: المعاملة مثل البيع و الشركة و الهبة و القرض و الدين و القصاص و جميع أبوب الديات، و الوجه الثاني: المعاقدة مثل النكاح و الطلاق و العتق و الرق و الفرائض و لواحقها، و يطلق اسم الفقه على هذين الحقين. و علم الفقه علم شريف مفيد عام ضروري لا يستغنى الناس عنه لعموم الضرورة إليه.
و ثالثها: حقّ النفس، و هو علم الأخلاق، و الأخلاق إما مذمومة و يجب رفضها و قطعها، و غما محمودة و يجب تحصيلها و تحلية النفوس بها، و الأخلاق المذمومة و الأوصاف المحمودة مشهورة في كتاب الله تعالى و أخبار الرسول صلى الله عليه و سلم، من تخلق بواحد منها دخل الجنة.
و أما القسم الثاني: من العلم فهو العلم العقلي و علم معضل مشكل بقع فيه خطأ و صواب. و هو موضوع في ثلاثة مراتب:
المرتبة الأولى: و هو أول المراتب العلم الرياضي و المنطقي. أما الرياضي فمنه الحساب و ينظر في العدد و الهندسة و هي علم المقادير و الأشكال و الهيئة أعني علم الأفلاك و النجوم و أقاليم الأرض، و ما يتصل بها، و يتفرع عنه علم النجوم و أحكام المواليد و الطوالع، و منه علم المسبقي الناظر في الآثار، و أما المنطقي فينظر في طريق الحد و الرسم في الأشياء التي تدرك بالتصور، و ينظر من طريق القياس و البرهان في العلوم التي تنال بالتصديق، و يدور علم المنطق على هذه القاعدة يبتدئ بالمفردات ثم بالمركبات، ثم بالقضايا، ثم بالقياس، ثم بأقسام القياس، ثم مطلب البرهان و هو نهاية علم المنطق.
المرتبة الثانية: و هو أوسطها العلم الطبيعي، و صاحبه ينظر في الجسم المطلق، و أركان العالم و في الجواهر و الأعراض، و في الحركة و السكون، و في أحوال السموات و الأشياء الفعلية و الانفعالية، و يتولد من هذا العلم النظر في أحوال مراتب الموجدات و أقسام النفوس و الأمزجة، و كمية الحواس، و كيفية إدراكها لمحسوستها، ثم يؤدي إلى النظر في علم الطب و هو علم الأبدان و العلل و الأدوية و المعالجات و ما يتعلق بها، و من فروعه علم الآثار العلوية، و علم المعادن، و معرفة خواص الأشياء، و ينتهي غلى علم صنعة الكيمياء و هي معالجة الأجساد المريضة في أجواف المعادن.
المرتبة الثالثة: و هي العليا، و هي النظر في الموجود، ثم تقسيمه إلى الواجب و الممكن، ثم النظر في الصانع و ذاته و جميع صفاته و أفعاله و أمره و حكمه و قضائه و ترتب
ص 247
ظهور الموجدات عنهن ثم النظر في العلويات و الجواهر المفردة و العقول المفارقة و النفوس الكاملة، ثم النظر في أحوال الملائكة و الشياطين، و ينتهي إلى علم النبوات و أمر المعجزات و أحوال الكرامات، و النظر في أحوال النفوس المقدسة و حال النوم و اليقظة و مقامات الرؤيا، و من فروعه علم الطلسمات و النبرنجات و ما يتعلق بها، و لهذه العلوم تفاصيل و أعراض و مراتب، تحتاج إلى شرح جلي ببرهان بهي و لكن الاقتصار أولى.
فصل في علم الصوفية
اعلم أن العلم العقلي مفرد بذاته و يتولد منه علم مركب يوجد فيه جميع أحوال العلمين المفردين، و ذلك العلم المركب علم الصوفية، و طريقة أحوالهم، فإن لهم علماً خاصاً بطريقة واضحة مجموعة من العلمين و علمهم يشتمل على الحال، و الوقت و السماع، و الوجد و الشوق، و السكر و الصحو، و الإثبات، و المحو، و الفقر، و الفناء، و الولاية، و الإرادة، و الشيخ، و المريد، و ما يتعلق بأحوالهم مع الزوائد و الأوصاف و المقامات. و نحن نتكلم في هذه العلوم و أصنافها في هذه الرسالة، و قد اختصرناها و عددناها على طريق الاختصار و الإيجاز، و من أراد الزيادة و شرح هذه العلوم فليرجع إلى مطالعة الكتب، و لما انتهى الكلام في بيان تعديد أصناف العلوم، فاعلم أنت يقيناً أن كل فن من هذه الفنون، و كل علم من هذه العلوم، يستدعي عدة شرائط لينتقش في نفوس الطالبين، فبعد تعديد العلوم يجب عليك أن تعرف طرق التحصيل فإن لتحصيل العلم طرقاً معينة نحن نفصلها( إن شاء الله).
فصل في بيان التحصيل للعلوم
اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين، أحدهما: التعليم الإنساني، و الثاني: التعليم الرباني.
أما الطريق الأول: فطريق معهود، و مسلك محسوس، يقر به جميع العقلاء، و أما التعليم الرباني فيكون على وجهين، أحدهما: من خارج و هو التحصيل بالتعليم، و الآخر: من الداخل و هو الاشتغال بالتفكر، و التفكر من الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر، فإن التعلم أستفادة الشخص من الشخص الجزئي، و التفكر أستفادة النفس من النفس الكلي، و النفس الكلي أشد تأثيراً و أقوى من جميع العلماء و العقلاء، و العلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض، و الجوهر في قعر البحر، أو في قلب المعدن، و التعلم هو
ص 248
طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل. و التعليم هو إخراجه من القوة إلى الفعل، فنفس المتعلم تتشبه بنفس المعلم و تتقرب إليه بالنسبة، فالعالم بالإفادة كالزارع و المتعلم بالاستفادة كالأرض. و العلم الذي هو بالقوة كالبذر، و الذي بالفعل كالنبات فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة المثمرة أو كالجوهر الخارج من قعر البحر، و إذا غلبت القوة البدنية على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم و طول المدة، و تحمل المشقة و التعب و طلب الفائدة، و إذ غلب نور العقل على أوصاف الحس ستغنى الطالب بقليل من التفكر عن كثرة التعلم، فإن نفس القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا تجد نفس الجامد بتعلم سنة، فإذن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم و بعضهم بالتفكر، و التعلم يحتاج إلى التفكر، فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء الجزئيات و الكليات و جميع المعلومات، بل يتعلم شيئاً و يستخرج بالتفكر من العلوم شيئاً و أكثر العلوم النظرية و الصنائع العلمية استخرجها نفوس الحكماء بصفاء ذهنهم، و قوة فكرهم، و حدة حدسهم من غير زيادة تعلم و تحصيل، و لولا أن الإنسان يستخرج بالتفكر شيئاً، من معلومه الأول لكان يطول الأمر على الناس و لما كانت تزول ظلمة الجهل عن القلوب لأن النفس لا تقدر أن تتعلم جميع مهماتها الجزئية و الكلية بالتعليم، بل بعضها بالتحصيل و بعضها بالنظر كما يرى عادات الناس، و بعضها يستخرج من ضميره بصفاء فكره، و على هذا جرت عادة العلماء و تمهدت قواعد العلوم. حتى أن المهندس لا يتعلم جميع ما يحتاج إليه في طول عمره، بل يتعلم كليات علمه و موضوعاته، ثم بعد ذلك يستخرج و يقيس. و كذلك الطبيب لا يقدر أن يتعلم جزئيات أدواء الأشخاص و أدويتهم بل يتفكر في معلوماته الكلية. و يعالج كل شخص بحسب مزاجه. و كذلك المنجم يتعلم كليات النجوم ثم يتفكر و يحكم بالأحكام المختلفة. و كذلك الفقيه و الأديب. و هكذا إلى بدائع الصنائع فواحد وضع آلة الضرب و هو العود بتفكره، و آخر استخرج من تلك الآلة آلة أخرى. و كذلك جميع الصنائع البدنية و النفسانية أوائلها محصلة من التعلم و البواقي مستخرجة من التفكر، و إذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر و كيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب فيشرح قلبه و تنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه من القوة إلى الفعل من غير زيادة طلب و طول تعب.
الطريق الثاني: و هو التعليم الرباني على وجهين:
الأول: إلقاء الوحي و هو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة و درن الحرص و الأمل الفانية. و تقبل بوجهها على بارئها و منشئها و تتمسك بجود مبدعها و تعتمد على إفادته و فيض نوره، و الله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالاً كلياً. و ينظر إليها نظراً إلهياً و يتخذ منها لوحاً. و من النفس الكلي قلماً و ينقش فيها جميع
ص 249
علومه، و يصير العقل الكلي كالمعلم، و يصير العقل الكلي كالمعلم، و النفس القديسة كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس و ينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم و تفكر، و مصداق هذا قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) “ النساء: 113” الآية. فعلم الأنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق لأن محصوله عن الله تعالى بلا واسطة و وسيلة، و بيان هذا يوجد في قصة آدم عليه السلام و الملائكة، فإنهم تعلموا طول عمرهم، و حصلوا بفنون الطرق كثيراً من العلوم حتى صاروا أعلم المخلوقات و أعرف الموجدات، و آدم عليه السلام ما كان عالماً لأنه ما تعلم و ما رأى معلماً فتفاخرت الملائكة و تجبروا و تكبروا فقالوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) “البقرة: 30”. و نعلن حقائق الأشياء، فرجع آدم عليه السلام إلى باب خالقه، و أخرج قلبه عن جملة المكونات و أقبل بالاستعانة على الرب تعالى فعلمه جميع الأسماء: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ)“البقرة: 31”.( فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)“البقرة: 31”. فصغر حالهم عند آدم. و قل علمهم و انكسرت سفينة جبروتهم فغرقوا في بحر العجز (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)” البقرة:32”. فقال تعالى: ( يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ) “البقرة: 33”. فأنبأهم أدم عليه السلام عدة مكونات العلم و مستترات الأمر، فتقرر الأمر عند العقلاء أن العلم الغيبي المتولد عن الوحي أقوى و أكمل من العلوم المكتسبة، و صار علم الوحي إرث الأنبياء و حقّ الرسل، و أغلق الله باب الوحي من عهد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم و خاتم النبين، و كان أعلم الناس و أفصح العرب و العجم و كان يقول: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، و قال لقومه: ( أنا أعلمكم و أخشاكم من الله تعالى)، و إنما كان علمه أكمل و أشرف و أقوى لأنه حصل عن التعليم الرباني، و ما اشتغل قط بالتعليم و التعليم الإنساني. قال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) “النجم: 5”.
الوجه الثاني: هو الإلهام، و الإلهام نبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها و قبولها و قوة استعدادها و الإلهام أثر الوحي فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي و الإلهام يسمى علماً لدنيّاً، و العلم اللدني هم الذي لا واسطة في حصوله بين النفس و بين الباري، و إنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على القلب صاف فارغ لطيف، و ذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم عليه السلام. و النفس الكلية أعز و ألطف و أشرف من سائر المخلوقات فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام و من إشراق النفس
ص250
الكلية يتولد الإلهام، فالوحي حلية الأنبياء والإلهامزينة الأولياء. فأما علم الوحي فكما أن النفس دون العقل فالولي دون النبي فكذلك الإلهام دون الوحي فهو ضعيف بنسبة الوحي قوي بإضافة الرؤيا والعلم علم الأنبياء والأولياء. فأما علم الوحي فخاض بالرسل موقوف عليهم كما كان لآدم وموسى عليهما السلام وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم وغيرهم من الرسل، وفرق بين الرسالة والنبوة. فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين، وربما يتفق القبول لنفس من النفوس ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب، والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية كما كان للخضر عليه السلام حيث أخبر الله تعالى عنه، فقال: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب"، وقال: "لو وضعت لي وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم". وهذة مرتبة لا تنال بمجرد التعلم الإنساني، بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني، وقال أيضًا رضي الله عنه يحكي عن عهد موسى عليه السلام أن شرح كتابه أربعون حملًا فلو يأذن الله في شرح معاني الفاتحة لأشرع فيها حتى تبلغ مثل ذلك، يعني أربعين وقرًا، وهذه الكثرة والسعة والانفتاح في العلم لا يكون إلا لدنيًّا إلهيًّا سماويًّا. فغذا أراد الله بعبد خيرًا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هو اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات وانتقش فيها معاني تلك المكنونات فتعبر النفس عنها كما تشاء من عباده وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني وما ل يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيمًا لأن الحكمة من مواهب الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [البقرة: 269]. وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم فيتعلمون قليلًا ويعلمون كثيرًا ويتعبون يسيرًا ويستريحون طويلًا.
واعلم أن الوحي إذا انقطع. وباب الرسالة إذا انسد استغنى الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجّة وتكميل الدين، كم قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. وليس من الحكمة إظهار زيادة الفائدة من غير حاجة. فأما باب الإلهام فلا ينسد، ومدد نور النفس الكلية لا ينقطع لدوام ضرورة النفس وحاجتها إلى تأكيد وتجديد وتذكير، وكما أن الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة واحتاجوا غلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في هذه الوساوس وانهماكهم في هذه الشهوات فالله تعالى أغلق باب الوحي وهو آية العباد وفتح باب الإلهام رحمة وهيأ الأمور. ورتب المراتب لعلموا أن الله لطيف بعباده يرزق من يشاء بغير حساب.
ص251
فصل في مراتب النفوس في تحصيل العلوم
اعلم ان العلوم مركوزة في جميع النفوس الإنسانية وكلها قابلة لجميع العلوم وإنما يفوت نفسًا من النفوس حظها منه بسب طارئ وعارض يطرأ عليها من خارج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خلق الناس حنفاء فاختالتهم الشياطين". وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث. فالنفس الناطقة الإنسانية أهل لإشراق الكلية عليها ومستعدة لقبول الصور المعقولة عنها بقوة طهارتها الأصلية وصفاتها، ولكن يمرض بعضها في هذه الدنيا. ويمتنع عن إدراك الحقائق بأمراض مختلفة وأعراض شتى، ويبقى بعضها على الصحة الأصلية بلا مرض وفساد. يقبل أبدًا ما دامت حية، والنفوس الصحيحة هي النفوس النبوية القابلة للوحي والتأييد القادرة على إظهار المعجزة والتصرف في عالم الكون والفساد، فإن تلك النفوس باقية على الصحة الظاصلية، وما تغيرت أمزجتها بفساد الأمراض وعلل الأعراض أنصار الأنبياء أطباء النفوس ودعاة الخلق إلى صحة الفطرة.
وأما النفوس المريضة في هذه الدنيا الدنيئة فصارت على مراتب، بعضهم تأثر بمرض المنزل تأثيرًا ضعيفًا. ودق غمام النسيان في خواطرهم فيشتغلون بالتعلّم. ويطلبون الصحة الأصلية فيزول مرضهم بأدنى معالجة، وينقشع غمام نسيانهم بأقل تذكر وبعضهم يتعلمون طول عمرهم وشتغلون بالتعليم ويطلبون الصحة الأصلية فيزول مرضهم بأدنى معالجة. وينقشع غمام نسيانهم بأقل تذكر وبعضهم يتعلمون طول عمرهم ويشتغلون بالتحصي والتصحيح جميع أيامهم، ولا يفهمون شيئًا لفساد أمزجتهم، لأن المزاج إذا فسد لا يقبل العلاج، وبعضهم يتذكرون وينسون ويرتاضون ويذلون أنفسهم ويجدون نورًا قليلًا وإشراقًا ضعيفًا، وهذا التفاوت إنما ظهر من إقبال النفوس على الدنيا واستغراقها بحسب قوتها وضعفها كالصحيح إذا مرض، والمريض إذا صح، وهذه العقدة إذا انحلت تقر النفوس بوجود العلم اللدني وتعلم أنها عالمة في أول الفطرة وصافية في ابتداء الاختراع، وإنما جهلت لأنها مرضت بصحبة هذا الجسد الكثيف، والإقامة في هذا المنزل الكدر والمحل المظلم وأنها لا تطلب بالتعلم إيجاد العلم المعدوم. ولا إبداع العقل المفقود، بل إعادتها العلم الأصلي الغزيري وإزالة طريان المرض بإقبالها على زينة الجسد وتمهيد قاعدته ونظم أساسه، والأب المحب المشفق على ملده إذا أقبل على رعاية الولد، واشتغل بمهماته ينسى جميع الأمور ويكتفي بأمر واحد وهو أمر الولد، فالنفس لشدة شغفها وشفقتها أقبلت على هذا الهيكل واشتغلت بعمارته ورعايته والاهتمام بمصالحه، واستغرقت في بحر الطبيعة بسبب ضعفها وجزئيتها فاحتاجت في أثناء العمر ظغلى التعلم طلبًا لتذكار ما قد نسيت،
ص252
وطمعًا في وجدان ما قد فقدت وليس التعلم إلا رجوع النفس إلى جوهرها وإخراج ما في ضميرها إلى الفعل طلبًا لتكميل ذاتها ونيل سعادتها، وإذا كانت النفوس ضعيفة لا تهتدي إلى حقيقة جوهريتها تتمسك وتعتصم بمعلم مشفق عالم وتستغيث به ليعينها على طلب مرادها ومأمولها كالمريض الذي يكون جاهلًا بمعالجته ويعلم أن الصحة الشريفة محمودة مطلوبة. فيرجع إلى طبيب مشفق، ويعرض حاله عليه ويأوى إليه ليعالجه ويزيل عنه مرضه. وقد رأينا عالمًا يمرض بمرض خاص كارأس والصدر فتعرض نفسه عن جميع العلوم وينسى معلوماته وتبتبس عليه ويستتر في حافظته وذاكرته جميع ما حصل في سابق عمره وماضي أيامه. فإذا صح عاد الشفاء إليه يزول النسيان عنه وترجع النفس إلى معلوماتها فتتذكر ما قد نسيت في أيام المرض، فعلمنا أن العلوم ما فنيت وإنما نسيت وفرق بين المحو والنسيان بالناس فإن المحو فناء النقوش والرسوم، والنسيان التباس النقوش فيكون كالغمام أو السحاب الساتر لنور الشمس عن أبصار الناظرين لا كالغروب الذي هو انتقال الشمس من فوق الأرض إلى أسفل. فاشتغال النفس بالتعليم هو إزالة المرض العارض عن جوهر النفس لتعود إلى ما علمت في أول الفطرة وعرفت في بدء الطهارة. فإذا عرفت السبب والراد من التعليم وحقيقة النفس وجوهرها فاعلم أن النفس المريضة تحتاج إلى التعليم وإنفًا قال العمر في تحصيل العلوم. فأما النفس التي يخف مرضها وتكون علتها ضعيفة وشرها مقيقًا وغمامها رقيقًا ومزاجها صحيحًا، فلا تحتاج إلى زيادة تعلم وطول تعب بل يكفيها أدنى نظر وتفكر لأنها ترجع به إلى أصلها، وتقبل على بدايتها وحقيقتها وتطلع على مخفياتها فيخرج ما فيها من القوة إلى الفعل ويصير ما هو مركوز فيها حلية لها فيتم أمرها ويكمل شأنها وتعلم أكثر الأشياء في أقل الأيام وتعبر عن المعلومات بحسن النظام، وتصبر عالمة كاملة متكلمة تستضئ بإقبال على النفس الكلية وتفيض باستقبال على النفس الجزئية وتتشبه من طريق العشق بالأصل. وتقطع عرق الحسد وأصل الحقد وتعرض عن فضول الدنيا وزخرفها، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة فقد علمت ونجت وفازت، فهذا هو المطلوب لجميع الناس.
فصل في حقيقة اللدني وأسباب حصوله
اعلم أن العلم اللدني وهو سريان نور الإلهام يكون بعد التسوية كما قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7]. وهذا الرجوع يكون بثلاثة أوجه:
أحدها: تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها.
والثاني: الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه
ص253
الحقيقة، فقال: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعمل". وقال صلى الله عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين أظهر الله تعالى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
والثالث: التفكر، فإن النفس إذا تعلمت واتاضت بالعلم ثم تتفكر في معلوماتها بشروط الفكر ينفتح عليها باب الغيب كالتاجر الذي يتصرف في ماله بشرط التصرف ينفتح عليه أبواب الربح، وإذا سلك طريق الخطأ يقع في مهالك الخسران، فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب، وتنفتح روزنة من عالم الغيب في قلبه فيضير عالًا كاملًا عاقلًا ملهمًا مؤيدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة". وشرائط التفكر نحصيها في رسالة أخرى إذ بيان التفكر وكيفيته وحقيقته أمر مبهج يحتاج إلى زيادة شرح وتفسير بعون الله تعالى. والآن نختم هذه الرسالة، فإن في هذه الكلمات كفاية لأهلها: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: 40]. والله ولي المؤمنين وعليه التكلان، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبه ثقتي في كل آن وحين والحمد لله رب العالمين.
فصل التفرقة
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الرسالة
قال الإمام العالم العامل أبو حامد محمد بن محمد الغزالي رحمة الله عليه: أحمد الله تعالى استسلامًا لعزته واستتمامًا لنعمته، واستغنامًا لتوفيقه ومعونته وطاعته، واستعصامًا من خذلانه ومعصيته، واستدرارًا لسوابغ نعمته وأصلي على محمد عبده ورسوله وخير خليقته، انقيادًا لنبوته، واستجلابًا لشفاعته، وقضاءً لحق رسالته، واعتصامًا بيمين سريرته ونقيته، وعلى آله وصحبه وعترته.
أما بعد: فإني رأيتك أيها الأخ المشفق، والصديق المتعصب موغر الصدر، منقسم الفكر لما فرغ سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين، وأن العدول على مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر واهجرهم هجرًا جميلًا، واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف فأي داع أكمل وأقل من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا: إنه مجنون من المجانين، وأي كلام أجل وأصدق
ص254
من كلام رب العالمين، وقد قالوا: إنه أساطير الأوليين، وإياك أن تشتغل بخصامهم وتطمع في إفحامهم فتطمع في غير مطمع، وتصوت في عير مسمع، أما سمعت ما قيل:
كل العداة قد ترجى سلامتها
إلا عداوة من عاداك عن حسد
ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس، لما تلى على أجلهم رتبة آيات اليأس، أو ما سمعت قوله تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]. وقوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 14، 15]. وقوله تعالى: {وْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7]. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]. واعلم أن الفكر والإيمان وحدهما، والحق والضلال وسرهمان لا ينجلي للقلوب المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما، بل إنما ينكشف دون ذلك لقلوب طهرت عن وسخ أوضار النيا أولًا، ثم ثقلت بالرياضة الكاملة ثانيًا، ثم نورت بالذكر الصافي ثالثًا، ثم عذبت بالفكر الصائب رابعًا، ثم زينت بملازمة حدود الشرع خامسًا، حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة، وصارت كأنها مرآة مجلوة، وصار مصباح الإيمان في زجاجة قلبه مشرق الأنوار، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار. وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وشريعتهم رعونتهم، وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم، وذكرهم وساوسهم، وكنزهم سواسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم، فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من ضياء الإيمان، أبإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها أم بكمال علمي، وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النحاسية وماء الغفران وأمثالهما؟ هيهات هيهات هذا المطلب أنفس أعز من أن يدرك بالمنى، أو ينال بالهوينا؟ فاشتغل أنت بشأنك ولا تضيع فيهم بقية زمانك: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم: 29، 30].
ص255
فصل في حقيقة الحفر والإيمان
فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة من صدرك، وصدر من هو في حالك، ممن لا تحركه غواية الحسود، ولا تقيده عماية التقليد، بل تعطشه إلى الاستبصار لحزازة إشكال آثارها فكر، وهيجها نظر، فخاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحد الكفر فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري ومذهب المعتزلي أو مذهب الحنبلي أو غيرهم فاعلم أنه غير بليد، قد قيده التقليد فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان، وناهيك حجة في إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى خصومه، إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقًا وفصلًا، ولعل صاحبه يميل من سائر المذاهب إلى الأشعري، ويزعم أن مخالفته في كل ورد وصدر كفر من الكفر الجلي، فاسأله من أين يثبت له أن يكون الحق وفقًا عليه حتى قصى بكفر الباقلاني إذا خالفه في صفة البقاء لله تعالى، وزعم أنه ليس هو وصفًا لله تعالى زائدًا على الذات ولم صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني؟ ولم صار الحق وفقًا على احدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان؟ فقد سبق الأشعري غيره من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه! أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم؟ فبأي ميزان ومكيال قدر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلده؟ فإن رخص للباقلاني في مخالفته فلم حجر على غيره؟ وما الفرق بين الباقلاني والكرابيسي والقلانسي وغيرهم؟ وما مدرك التخصيص بهذه الرخصة؟ وإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظ لا تحقيق وراءه كما تعسف بتكلفة بعض المتعصبين زاعمًا أنهما جميعًا متوافقان على دوام الوجود، والخلاف في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصف زائد عليه خلاف قريب لا يوجب التشديد، فما باله يشدد القول على المعتزلي في نفيه الصفات وهو معترف بأن الله تعالى عالم محيط بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة، فما الفرق بين الخلافين، فإن قال: إنما أكفر المعتزلي لأنه يزعم أن الذات الواحدة تصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة وهذه صفات مختلفة بالحد والحقيقة، والحقائق المختلفة تستحيل أن توصف بالاتحاد أو تقوم مقامها الذات الواحدة فما باله لا يستبعد من الأشعري قوله: إن الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحدًا وهو توراة وإنجيل وزبور وقرآن، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذه حقائق مختلفة كيف لا وحد الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا يتطرق ذلك غلى الأمر والنهي فكيف تكون حقيقة واحدة يتطرق
ص256
إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق فيجتمع النفي والإثبات على شئ واحد فإن تخير جواب هذا أو عجز عن كشف الغظاء فيه، فاعلم انه ليس من أهل النظر وإنما هو وشرط المقلد أن يسكت يسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أ كان مستتبعًا لا تابعًا، وإمامًا لا مأمومًا، فإن خاض المقلد في المحاجة فلذلك منه والمشتغل به صار كضارب في حديد بارد وطالب لصلاح الفاسد. وهل يصلح العـ أفشد الدهر. ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفًا على واحد من النظار فهو إلى الكفر والتناقض اقرب. أما الكفر، فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل لا يثبت الإيمان إلا بموافقته ولا يلزم الكفر إلا بمخالفته، وأما التناقض فهو أن كل واح النظار يوجب النظر وأن لا ترى في نظرك إلا ما رأيت وكل ما رأيته حجة، وأي فر من يقول قلدني في مجرد مذهبي، وبين من يقول قلدني في مذهبي ودليلي جميعًا هذا إلا التناقض.
فصل في الكفر
لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أ المقلدين، فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صح فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق، وتطويل ا في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صادقين بها غير مناقضين لها فأقول:
الكفر هو تكفير الرسول عليه الصلاة والسلام في شئ مما جاء به، والإيمان تصديق في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول عليه الصلاة والسلام والبرهمي كافر بالطريق الأولى لأنه أنكر مع رسولنا المرسل سائر الرسل، وهذا لأن حكم شرعي كالرق والرحرية مثلًا إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار في النار ومدركه فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص. وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى والتحق بهم بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية، وكلهم مشركون مكذبون للرسول فكل كافر مكذب للرسول، وكل كافر مكذب فهو كافر فهذه هي ال المطردة المنعكسة.
فصل
اعلم أن الذي ذكرناه مع ظهوره تحته غور بل تحته كل الغور لأن كل فرقة
ص257
مخالفتها وتنسبه إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، فالحنبلي يكفر الأشعري زاعمًا أنه كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى وفي الاستهواء على العرش، والأشعري يكفره زاعمًا أنه مشبه وكذب الرسول في أنه ليس كمثله شئ، والأشعري يكفر المعتزلي زاعمًا أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعمًا أن إثبات الصفات تكفير للقدماء وتكذيب للرسول في التوحيد، ولا ينجيك من هذة الورطة إلا أن تعرف حد التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه فينكشف لك علو هذة الفرق وإسرافها في تكفير بعضها بعضًا.
فأقول: التصديق إنما يتطرق إلى الخبر بل إلى المخبر، وحقيقة الاعتراف بوجوه ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ولأجل الغفلة عنهما نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب فإن الوجود ذاتي وحسي وخيالي وعقلي وشبهي، فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذب على الإطلاق. فلنشرح هذه الأصناف الخمسة ولنذكر مثالها في التأويلات.
أما الوجود الذاتي: فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل، ولكن يأخذ الحس والعقل عنه صورة فيسمى أخذه إدراكًا وهذا كوجود السماوات والأرض والحيوان والنبات وهو ظاهر بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود معنى سواه.
وأما الوجود الحسي: فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين فيكون موجودًا في الحس ويختص به الحاس، ولا يشاركه غيره، وذلك كما يشاهده النائم بل كما يشاهده المريشض المتيقظ إذ قد تتمثل له صورة ولا وجود لها خارج حسه حتى يشاهدها كما يشاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسه، بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم وذلك لشدة صفاء باطنهم، كما قال تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17]. وكما أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام كثيرًا، ولكن ما رآه في صورته إلا مرتين وكان يراه في صور مختلفة يتمثل بها وكما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد قال:"من رآني في النوم فقد رآني حقًّا، فإن الشيطان لا يتمثل بي"، ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه ن روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجود صورته في الحس النائم فقط، وسبب ذلك وسره طويل، وقد شرحناه في بعض الكتب فإن كنت لا تصدق به فصدق عينك، فإنك تأخذ قبسًا من نار كأنه نقطة ثم تحركه بسرعة حركة مستقيمة فتراه خطًا من نار، وتحركه حركة مستديرة فتراه دائرة من نار، والدائرة والخط مشاهدان وهما موجودان في
ص258
حسك لا فى خارج عن حسك , لأن الموجود فى الخارج هى نقطة فى كل حال , وانما تصير خطا فى اوقات متعاقبة فلا يكون الخط موجودا فى حالة واحدة وهو ثابت فى مشاهدتك فى حالة واحدة.
وأما الوجود الخيالى : فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك فإنك تقدر على ان تخترع فى خيالك صورة فيل وفرس , وإن كنت مغمضا عينيك حتى كأنك تشاهده وهو موجود بكمال صورته فى دماغك لا فى الخارج.
وأما الوجود العقلى : فهو يكون للشىء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته فى خيال أو حس أو خارج كاليد
مثلا , فإن لها صورة محسوسة ومتخيلة ولها معنى هو حقيقتها وهى القدرة على البطش , والقدرة على البطش هى اليد العقلية,
وللقلم صورة , ولكن حقيقته ماتنقش به العلوم , وهذا يتلقاه العقل من غير ان يكون مقرونا بصورة قصب وخشب وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية.
وأما الوجود الشبهى : فهو أن يكون نفس الشىء موجودا لا بصورته ولا بحقيقته , لا فى الخارج , ولا فى الحس ولا فى الخيال , ولا فى العقل , ولكن يكون الموجود شيئا آخر يشبهه فى خاصة من خواصه , وصفة من صفاته , وستفهم هذا إذا ذكرت لك مثاله فى
التأويلات . فهذا مراتب وجود الأشياء.
فصل
اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات فى التاويلات .أما الوجود الذاتى فلا يحتاج إلى مثال وهو الذى يجرى على الظاهر ولا يتأول , وهو الوجود المطلق الحقيقى , وذلك كإخبار الرسول صلى اللهعليه وسلم عن العرش والكرسى والسموات السبع فإنه يجرى على ظاهره ولا يتأول إذ هذه أجسام موجودة فى أنفسها أدركت بالحس والخيال أو لم تدرك . وأما الوجود الحسى فأمثلته فى التأويلات كثيرة , واقنع منها بمثالين:
أحدهما : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( يؤتى بالموت يوم القيامة فى صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار )), فإن من قام عنده البرهان على أن الموت عرض الموت عرض أو عدم عرض , وأن قلب العرض جسما مستحيل غير مقدور ينزل الخير على ان أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتقدون أنه الموت , ويكون ذلك موجودا فى حسهم لا فى الخارج , ويكون سببا لحصول اليقين باليأس عن الموت بعد ذلك إذ المذبوح ميئوس منه . ومن يقم عنده هذا البرهان فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشا فى ذاته ويذبح.
المثال الثانى : قول رسول صلى الله عليه وسلم :((عرضت على الجنة فى عرض هذا الحائط )) , من قام عنده البرهان على أن الاجسام لا تتداخل , وأن الصغير لا يسع الكبير حمل ذلك على
ص259
أن نفس الجنة لم تنقل إلى الحائط , لكن تمثل للحس صورتها فى الحائط حتى كأنه يشاهدها ولا يمتنع أن يشاهد مثال شىء كبير فى جرم صغير , كما نشاهد السماء فى مرآة صغيرة ويكون ذلك إبصارا مفارقا لمجرد تخيل صورة الجنة إذ تدرك التفرقة بين أن ترى صورة السماء فى المرآة وبين أن تغمض عينيك فتدرك صورة السماء فى المرآة على سبيل التخيل .
وأما الوجود الخيالى : فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم : (( كأنى أنظر إلى يونس بن متى عليه عباءتان قطوانيتان يلبى وتجيبه الجبال والله تعالى يقول له : لبيك يايونس )) والظاهر أن هذا إنباء عن تمثيل الصورة فى خياله إذ كان وجود هذه الحالة سابقا على وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد انعدم ذلك فلم يكن موجودا فى الحال , ولا يبعد أن يقال أيضا , تمثل هذا فى حسه حتى صار يشاهده النائم الصور, ولكن قوله : كأنى أنظر , يشعر بإنه لم يكن حقيقة النظر بل كالنظر , والغرض التفهيم بالمثال لا عين هذه الصورة وعلى الجملة فكل ما يتمثل فى محل الخيال فيصور أن يتمثل فى محل الإبصار فيكون ذلك مشاهدة وقل مايتميز بالبرهان استحالة المشاهدة فيما يتصور فيه التخيل.
وأما الوجود العقلى : فامثلته كثيرة , فاقنع منها بمثالين :
أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : ((آخر من يخرج من النار يعطى من الجنة عشرة أمثال هذه الدنيا )) فإن ظاهر هذا يشير إلى أنه عشرة أمثالها بالطول والعرض والمساحة وهو التفاوت الحسى والخيال , ثم قد يتعجب فيقول : إن الجنة فى السماء كما دلت عليه ظواهر الأخبار فكيف تتسع السماء لعشرة أمثال الدنيا والسماء أيضا من الدنيات ,وقد يقطع المتأول هذا التعجب فيقول المراد به تفات معنوى عقلى لا حسى ولا خيالى , كما يقال مثلا هذه الجوهرة أضعاف الفرس أى فى روح المالية , ومعناها المدرك دون مساحتها المدركة بالحس والتخيل .
المثال الثانى : قوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا )) فقد أثبت لله تعالى يدا ومن قام عنده البرهان على استحالة يد الله تعالى هى جارحة محسوسة أو متخيلة , فإنه يثبت لله سبحانه يدا روحانيه عقلية أعنى أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها دون صورتها .إن روح اليد ومعناها مابه يبطش ويفعل ويعطى ويمنع , والله تعالى يعطى ويمنع بواسطة ملائكته , كما قال عليه الصلاة والسلام : (( أول ما خلق الله العقل فقال بك اعطى وبك امنع )) ولا يمكن ان يكون المراد بذلك العقل عرضا كما يعتقده المتكلمون إذ لا يمكن أن يكون العرض أول مخلوق بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة يسمى عقلا من حيث يعقل الاشياء بجوهره وذاته من غير حاجة إلى تعليم وربما يسمى قلمًا
260
باعتبار أنه تنقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء والأولياء وسائر الملائكة وحياً واٍلهاماً فاٍنه قد ورد في حديث أخر : (( اٍن أول ما خلق الله تعالي القلم) . فاٍن لم يرجع ذلك اٍلي العقل تناقض الحديثان, ويجوز أن يكون لشئ واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة فيسمي عقلاً بختبار ذاته وملكاً باعتبار نسبته اٍلي الله تعالي في كونه واسطة بينه وبين الخلق , وقلما باعتبار اٍضافته اٍلي مصدر منه نقش العلوم بالٍالهام والوحي , كما يسمي جبريل روحا باعتبار ذاته وأمنيا ً باعتبار ما أودع من الأسرار, وذا مرة باعتبار قدرته ,وشديد القوي باعتبار كمال قوته ,ومكنباُ عند ذي العرش باعتبار قرب منزله , ومطاعاُ باعتباره كونه متبوعاُ في حق بعض الملائكة , وهذا القائل يكون قد أثيت قلماُ ويداُ عقلياُ لا حسياً ولا خيالياً وكذلك من ذهب اٍلي أن اليد عبارة عن صفة لله تعالي اٍما القدرة أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون .
وأما الوجود الشبهي : فمثاله الغضب والشوق والفرح والصبر وغيرذلك مما ورد في حق الله تعالي, فاٍن الغضب مثلاً حقيقته أنه غليان دم القلب لاٍرادة التشفي وهذا لا ينفك عن نقصان وألم, فمن قام عنده البرهان علي استحالة ثبوت نفس الغصب لله تعالي ثبوتاً ذاتياً وحسياً وخيالياً وعقلياً نزله علي ثبوت صفة أخري يصدر منها ما يصدر من الغضب كاٍرادة العقاب, والاٍرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذانه ولكن في صفة من الصفات وتقارنها وأثر من الأثار يصدر عنها وهو الٍيلام . فهذه درجات التأويلات.
فصل في المصدقين
اعلم أن كل من نزل قولاً من أقوال صاحب الشرع علي درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقين , واٍنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني , ويزعم أن ما قاله لا معني , واٍنما هو كذب محض وغرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة الدنيا وذلك هو الكفر المحض والزندقة , ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل كما سنشير اٍليه وكيف يلزم الكفر بالتأويل , وما من فريق من أهل الاٍسلام اٍلا وهو مضطر اٍليه . فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة الله عليه , وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغريها أن تجعل الكلام مجازاً أو أستعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي , والحنبلي مضطر اٍليه وقائل به, فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون اٍن أحمد بن حنبل رحمه الله صرح بتأويل ثلاث أحاديث فقط:
أحدهما : قوله صلي الله عليه وسلم : (( الحَجَرُ الأُسْوَدُ يَمينُ الله في الأرض)) .
والثاني : قوله صلي الله عليه وسلم : (( قَلبُ الُمومِنِ بين أصبعين مِنْ أصابعِ الرحمْنِ)) .
والثالث: قوله صلي الله وعليه وسلم : ((اٍنَي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن )) .
فانظر الأن كيف أول هذا حيث قام البرهان عنده علي استحالة ظاهرة , فيقول: اليمن تقبل في العادة تقريباً اٍلي صاحبها , والحجر الأسود يقبل أيضا تقرباً اٍلي الله تعالي فهو مثل اليمن لا في ذاته لا في صفات ذاته , ولكن في عارض من عوارضه فسمي لذلك يميناً . وهذا الوجود هو الذي سميناه الوجود الشبهي وهو أبعد وجود التأويل .فانظر كيف اضطر اٍليه أبعد الناس عن الـتأويل . وكذلك لما استحال عند وجود الأصبعين لله حساَ ٍذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين فتأوله علي روح الأصبعين وهي الأصبع العقلية والروحانية . أعني أن روح الأصبع ما به يتيسر تقلي الأشياء . وقلب الأنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان , وبهما يقلب الله تعالي القلوب , فكني الأصبعين عنهمل . واٍنما اقتصر أحمد لن حنبل رضي الله عنه علي تأويل هذه الأحاديث الثلاثة لأنه لم تظهر عنده الأستحالة اٍلا في هذا القدر , لأنه لم يكن ممنعًا في النظر العقلي ولو أمعن لظهر له ذلك في الأختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يتأوله والأشعري والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا اٍلي تأويل ظواهر كثيرة , وأقرب الناس اٍلي الحنابلة في أمور الأخرة الأشعرية وفقهم الله فاٍنهم قرروا فيها أكثر الظواهر اٍلا يسيراً , والمعتزلةه أشد منهم توغلاً في التأويلات وهم مع هذا –أعني الأشعرية- يضطرون أيضاً اٍلي تأويل أمور كما ذكرناه من قوله:اٍني يؤتي بالموت في صورة كبش أملح , وكما ورد من وزن الأعمال بالميزان , فاٍن الأضعري أول من وزن الأعمال فقال: توزن صحائف الأعمال ويخلق الله فيها أوزانًا بقدر درجات الأعمال , وهذا ردُ اٍلي الوجود الشبهب البعيد فاٍن الصحائف أجسام كتب فيهارقوم تدل بالصطلاح علي أعمال هي أغراض , فليس الموزون اٍذاً العمل بل محل نقش يدل بالصطلاح علي العمل .
والمعتزلي تأول نفس الميزان وجعله كناية عن سبب به ينكشف لكل واحد مقدار عمله. وهوأبعد عن التعسف في التأويل بوزن الصحاتف , وليس الغرض تصخيخ أخد التأويلين , بل تعلم أن كل فريق وٍن بالغ في ملازمة الظواهر فهو مضطر اٍلي التأوبل اٍلا أن يجاوز الحد في الغباوة والتجاهل , فيقول / الحجر الأسود يمين تحقيقاً , والموت واٍن كان عرضاً فيستحيل فبتنقل كبشاً بطريق الانقلاب , والأعمال واٍن كانت أعراضا , وقد عدمت فتنتقل ٍالي الميزان ويكون فيها أعراض هي الثقل , ومن ينتهي اٍلي هذا الحد من الجهل فقد انخلع من ريقةالعقل .
فصل في التأويل
فاسمع الأن قانون التأويل , فقد علمت اتفاق الفرق علي هذه الدرجات الخمس في التأويل , واٍن شيئاً من ذلك من حيز التكذيب , واتفقوا أيضاً علي أن جواز ذلك موقوف
262 مجموعة رساثل الاٍمام الغزالي
علي قيام البرهان علي استحالة الظاهر , والظاهر الأول هو الوجود الذاتي فاٍن اٍذا ثبت تضمن الجمع . فاٍن تعذر , فالوجود الحسي فاٍنه اٍن ثبت تضمن ما بعده . فاٍن تعذرفالوجود الخيالي أو العقلي . واٍن تعذر , فالوجود الشبهب المجازي ولا رخصة للعدول عن درجة اٍلي ما دونها اٍلا بضرورة البرهان فيرجع الأختلاف علي التحقيق اٍلي البراهين . واذ بقول الحنبلي : لا برهان علي استحاة اختصاص الباري بجهة فوق .
ويقول الأشعري : لابرهان علي استحالة الرؤية . وكأن كل واحد لا يرضي بما ذكره الخصم ولا يراه دليلا ً قاطعاً . وكيف ما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه بأن يراه غالطا في البرهان .نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً . أما ضالا فمن حيث اٍنه ضل عن الطريق عنده , وأما مبتدعاً فمن حيث اٍنه ابتدع قولاً لم يعهد من السلف الصالح التصريح به. اٍذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالي يري , فقول القائل : لا يري بدعة , وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة, بل اٍن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها مشاهدة تاقلب , فينبغي أن لايظهره ولا يذكره لأن السلف لم يذكروه , لكم عند هذا يقول الحنبلي اٍثلت الفوق لله تعالي مشهور عند السلف , ولم يذكر أحد منهم ، خالق العالم ليس متصلا بالعالن ولا منفصلاً ولا داخلاً ولا خارجاُ, وأن الجهات الست الخالية عنه وأن نسبة جهة فوق اٍليه كنسبة جهة تحت , فهذا قول بدع اٍذ البدعة عبارة عن اٍحداث مقالة غير مأثورة من السلف , وعند هذا يتضح لك أن ههنا مقامين .
أحداهما : مقام عوام الخلق, والحق فيه الاتباع والكف عن تغيير الظواهر رلأسا , والحذر عن اٍبداع التصريح بتأويل لم تصرح به الصحابة وحسم باب السؤال رأساُ والزجر عن الخوض في الكلام والبحث, واتباع ما تشابه من الكتاب والسنه , كما روي عن عمر رضي الله عنه أ،ه سأل سائل عن أيتين متعارضتين فعلاه بالدرة, وكما روي عن مالك رحمه الله أنه سئل عن الأستواء فقال/ الاستواء معلوم والايمان به واجب والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة.
المقام الثاني : بين النظا الذين اضطربت عقائدهم المأثورة المروية فينبغي أن يكون لحثهم بقدر الضرورة وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضاً بأن يراه غالطاً فيما يعتقده برهاناً , فلٍن ذلك ليس أمراُ هياُ سهل المدارك وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه يعترف كلهم به , فاٍنهم اٍذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن, وقد ذكرنا في الموازين الخمسة في كتاب (القسطاس المستقيم )وهي التي لا يتصور الخلاف فيها بعد فهمها أصلاً , بل يعترف كل منهما بأنها مدرك اليقين قطعاًوالمحصلون لها يسهل عليهم عقد الاٍنصاف والانتصاف وكشف الغطاء ورفع الاختلاف,
مجموعة رسائل الغزالي 263
ولكن لا يستحيل منهم الاختلاف لأيضاً اٍما لقصور بعضهم عن اٍدراك تمام شروطه . واٍما في رجوعهم في النظر اٍلي محض القريحة والطبع دون الوزن بالميزان , كالذي يرجع بعد تمام تعلم العروض في الشعر اٍلي الذوق لاستقالته عرض كل شعر علي العروض فلا يبعد أن يغلط , واٍما لاختلافهم في العلوم التي هي مقدمات البراهين , فاٍن من العلوم التي هي أصول البراهين تجريبية وتواترية وغيرها والناس يختلفون في التجربة والتواتر فقد يتواتر عند واحد ما لا يتواتر عند غيره , وقد يتولي تجربة ما لا يتولاه غيره . واٍما لالتباس قضايا الوهم بقضايا العقل . واٍما لالتباس الكلمات المشهودة المخمودة بالروريات والأوليات كما فصلنا ذلك في كتاب (محك النظر ) , ولكن بالجملة اٍذا حصلوا تلك الموازين , وحققوها أمكنهم الوقوف عند ترك العناد علي موقع الغلط علي يسر.
فصل في التأويل بغلبات الظنون
من الناس من يبادر اٍلي التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر أيضاً اٍلي كفره في كل مقام بل ينظر فيه فاٍن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومعماتها فلا نكفره , وذلك كقول بعض الصوقية اٍن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس, وقول هذا ربي غير ظاهرها , بل هي جواهر نورانية مليكة ونورانيتها عقلية لا خسية ولها درجات في الكمال . ونسبة ما بينها في التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس , ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام أجل من أن يعتقد في جسم أنه اٍله حتي يحتاج اٍلي أن يشاهد أفوله. أفتري أنه لو لم يأفل أكان يتخذه اٍلهاً , ولو لم يعرف استحالة الٍالهية من حيث كونه جسماُ ومقدراً , واستدل بأنه كيف يمكن أن يكون أول ما رأه الكواكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما يري: واستدل بأن الله تعالي قال أولاً : ( وكذلك نُري اٍبراهيم ملكوت السموات والأرض) <الأنعام :75> . ثم حكي هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له, وهذه دلالات ظنيىة وليست براهين .
أما قوله , هو أجل من ذلك , فقد قيل اٍنه كان صبياً لما جري له ذلك ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبياً في صباه مثل هذا الخاطر , ثم يتجاوزه علي قرب ولا يبعد أن تطون دلالة الأفول علي حدوث عنده أظهر من أدلة التقدير والجسمية .
وأما رؤية الكوكب أولاً فقد روي أنه كان محبوساُ في صباه في غار وانام خرج بالليل .
وأم قوله تعالي أولاً: ( وكذلك نُرِي اٍبراهيم ملكوت السموات والأرض) فيجوز
264 مجموعة رسائل الامام الغزالي
أن يكون الله تعالي قد ذكر حال نهايته ثم رجع اٍلي ذكر بدايته . فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه. فهذا حنس تأويلهم. وقد تأولوا العصاوالنعلين في قوله تعالي : ( فاخلع نعليك ) طه :12 . وقوله : ( وألقِ ما في يمينك ) (طه 69) . ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الأعتقاد تجري مجري البرهان في أصول الأعتقاد فلا يكفر فيه ولا يبدع . معك اٍن كان فتح هذا الباب يؤدي اٍلي تشويش قلوب العوام فيبدع به خاصة ثاخبه في كل مالم يؤثر عن السلف ذكره , ويقرب منه قول بعض الباطنة أن عجل السامري مؤول اٍذ كيف يخلو خلق كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون اٍلهاً ؟ وهذا أيضاً ظن اٍذ لا يستحيل أن تنتهي من الناس اٍليه كعبدة الأصنام , وكونه نادراً لا يورث يقيناً.
وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العثائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع , كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في الأخرة بظموم وأوهام واستبعادات من غير براهن قاطع , فيجب تكفيره قطعياً اٍذ لا برهان علي استحالة رد الأرواح اٍلي الأجساد , وذكر ذلك عظم الضرر في الدين فيجي تكفير كل من قال منهم اٍن الله تعالي لا يعلم اٍلا نفسه , أولا يعلم الكلمات , فأما الأمور الكزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها لأن ذلك تكذيب للرسول صلي الله عليه وسلم قطعاً , وليس من قيبل الدرجات التي ذكرناها في التأويل اٍذ أدلة القرأن والأجبار علي تفهيم حشر الأجساد وتفهيم تعلق علم الله تعالي بتفضيل كل ما يجري علي الأشخاص مجاوز حداً لا يقبل التأويل , وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل , ولكن قالوا: لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالي عالم بما يجري عليهم ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة ورهبة في قلوبهم . جاز للرسول أن يفهمهم ذلك وليس بكاذب من أصلح غيره , فقال ما فيه صلاحة واٍن لم يكن كما قاله ,وهذا القول باطل قطعاُ لأنه تصريح بالتكذيب , ثم طلب عذراً في أنه لم يكذب , ويجب اٍجلال منصب النبوة عن هذة الرذيلة ففي الصدق واٍصلاخ الخلق به مندوحة عن الكذب , وهذه أول درجات الزندقة , وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة , فاٍن المعتزلة يقرب منهاجهم من الفلاسفة اٍلا في هذا الأمر الواحد وهو أ، المعتزلي لا يجوز الكذب علي الرسول عليه السلام بمثل هذا العذر بل يؤول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه , والفلسفي لا يقتصر علي مجاوزته للظاهر علي ما يقبل التأويل علي قرب أو علي بعد.
وأما الزندفة المطلقة , فهو أن تنكر أصل المعاد عقلياً وحسياً , وتنكر الصانع للعالم أصلاً ورأساً .
بداية صفحة 265
وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل العلوم فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء وظاهر ظني. والعلم عند الله. أن هؤلاء هم المرادون بقوله عليه الصلاة والسلام : "ستفترق أمتي بضعا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلى الزنادقة وهي فرقة" هذا لفظ الحديث في بعض الروايات وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته ، إذ قال "ستفترق أمتي" ، ومن لم يعترف بنبوته ليس من أمته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض ، وأن العالم لم يزل كذلك موجودا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة ، فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه.
فصل في بيان الزندقة المطلقة
اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب ، وذكر شبهة كل واحد ، ودليله ووجه بعده عن الظاهر ووجه تأويله ، وذلك لا يحويه مجلدات ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي فاقنع الآن بوصية وقانون
أما الوصية : فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر أو غير عذر ، فإن التكفير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه
وأما القانون : فهو أن تعلم أن النظريات قسمان : قسم يتعلق بأصول القواعد ، وقسم يتعلق بالفروع ، وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع. واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر ، لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة
واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شيء منه تكفيرا. فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة ولا يلزم تكفيره ولا يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة ويجعلون الإيمان بالإمام مقرونا بالإيمان بالله ورسوله ، ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة فكل ذلك إسراف إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم أصلا ، ومهما وجد التكذيب وجب التكفير وإن كان في الفروع. فلو قال قائل مثلا : البيت الذي بمكة ليس الكعبة التي أمر الله تعالى بحجها فهذا كفر ، إذ قد ثبت تواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه ، ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره
بداية صفحة 266
بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، ولم يتواتر عنده ذلك ، وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة ، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر ، لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر ، والتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه. نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع ، فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم أصول الفقه. وأنكر النظام كون الإجماع حجة أصلا فصار كون الإجماع حجة مختلف فيه فهذا حكم الفروع
وأما الأصول الثلاثة : وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. ومثال ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنة والنار وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال التأويل ولو بالمجاز البعيد ، فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قاطعا وجب القول به ، ولكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهاره بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا ، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن الله تعالى فهذه بدعة وليس بكفر
وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر ويحتمل أن لا يكفر. ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمرة والمعاصي وأكل مال السلطان. فهذا ممن لا شك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر ، وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا ، فإنه يمنع عن الإصغاء إليه لظهور كفره. وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ، ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين ، وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره وهو بباطنه بريء عنه . ويتداعى هذا إلى أن يدعى كل فاسق مثل حالة وينحل به عصام الدين. ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام ، بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار. فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية ، فتارة يدرك بيقين وتارة بغالب ظن ، وتارة يتردد فيه ، ومهما حصل تردد فالوقوف فيه عن التكفير أولى ، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل ، ولا بد من التنبيه على قاعدة أخرى وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول ، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا في اللسان لا على بعد ولا على قرب ، فذلك كفر وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول
بداية صفحة 267
مثاله : ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها. وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه ، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره ، وإما أن يكون واحدا في نفسه وموجودا وعالما على معنى اتصافه فلا. وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ، ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا. فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات
فصل النظر في التكفير
قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور :
أحدها : أن النص الشرعي الذي عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا ؟ فإن احتمل فهل هو قريب أم بعيد ؟ ومعرفة ما يقبل التأويل ، وما لا يقبل التأويل ليس بالهين بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة العارف بأصولها ، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ومنهاجها في ضروب الأمثال
الثاني : في النص المتروك أنه ثبت تواترا أو آحادا أو بالإجماع المجرد ، فإن ثبت تواترا فهو على شرط التواتر أم لا ؟ إذ ربما يظن المستفيض تواترا ، وحد التواتر ما لا يمكن الشك فيه كالعلم بوجود الأنبياء ووجود البلاد المشهورة وغيرها ، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصرا بعد عصر إلى زمان النبوة ، فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار ؟ وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك كما في القرآن ، أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جدا ، ولا يستقبل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ وأحوال القرون الماضية وكتب الأحاديث وأحوال الرجال وأغراضهم في نقل المقالات. إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجميع الكثير رابطة في التوافق لا سيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب ، ولذلك ترى الروافض يدعون النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، في الإمامة لتواتره عندهم ، وتواتر عند خصومهم في أشياء كثيرة خلاف ما تواتر عندهم لشدة توافق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتباعها.
وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد ، فيتفقوا على أمر واحد اتفاقا يلفظ صريح ، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى تمام انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض فيأخذ فتاويهم في زمام واحد بحيث تتفق أقوالهم اتفاقا صريحا حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف بعده
بداية صفحة 268
ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر ؟ لأنه من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم على اتفاق ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك ، وهذا غامض أيضا
الثالث : النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ، أو هل بلغه الإجماع ؟ إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ، ولا موضع الإجماع عنده متميز عن مواضع الخلاف ، وإنما يدرك ذلك شيئا فشيئا ، وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف والإجماع للسلف ، ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف أو تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به ، وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتابا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في بعض المسائل ، فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذب فلا يمكن تكفيره. والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير.
الرابع : النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرائط البرهان أم لا؟ ومعرفة شرط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلدات ، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) وكتاب (محك النظر) أنموذج منه وتكل قريحة أكثر فقهاء الزمان عن قص شروط البرهان على الاستيفاء ، ولا بد من معرفة ذلك فإن البرهان إذا كان قاطعا رخص في التأويل وإن كان بعيدا. فإذا لم يكن قاطعا لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم
الخامس : النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا ؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل وإن كان القول شنيعا وظاهر البطلان كقول الإمامية المنتظرة أن الإمام مختف في سرداب فإنه ينتظر خروجه ، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جدا ، ولكن لا ضرر فيه على الدين إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك ، إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل فيرجع إلى بيته خاسئا ، وهذا مثال. والمقصود أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان وإن كان ظاهر البطلان. فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع المقامات التي لا يستقل بآحادها المبرزون علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف ، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم ، فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك ، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدري لقل الخلاف بين الخلق
بداية صفحة 269
فصل في حكم عوام المسلمين
من أشد الناس علوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر ، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا ، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيا ، إذا ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلى وعصر الصحابة رضي الله عنهم حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بعلم الدليل ، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المجردة والتقسيمات المرتبة فقد أبدع حد الإبداع ، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده. تارة ببينة من الباطن لا يمكنه التعبير عنها ، وتارة بسبب رؤيا في المنام ، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته ، وتارة بقرينة حال. فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحدا به منكرا ، فلما وقع بصره على طلعته البهية زادها الله شرفا وكرامة ، فرآها يتلألأ منها أنوار النبوة ، قال : والله ما هذا بوجه كذاب. وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم ، وجاء آخر إليه عليه الصلاة والسلام وقال : أنشدك الله ، الله بعثك نبيا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : "إي والله ، الله بعثني نبيا". فصدقه بيمينه وأسلم ، وهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشغل واحد منهم بالكلام وتعليم الأدلة ، بل كانوا يبدو نور الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد إشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وتلاوة القرآن وتصفية القلوب ، فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضي الله عنهم إحضار أعرابي أسلم وقوله له الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض ، وما لا يخلو عن الحوادث حادث ، وإن الله تعالى عالم بعدد وقادر بقدرة زائدة عن الذات لا هي هوة ولا هي غيره ، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين
ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ ، ولم يجر أيضا ما معناه معنى الالفاظ ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف ، وجماعة من الأسارى يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب ، وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم وغيرها ، نعم ، لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ، ولكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضا نادر ، بل الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستمعين بأن
ص 270
فيه صنعة جدل ليعجز عنه العامي لا لكونه حقاً في نفسه. و ربما يكون ذلك سبباً لرسوخ العناد في قلبه، و لذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين و لا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال أو بدعة إلى غيره، و لا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة و لا على العكس. و تجري هذه الانتقالات بأسباب أُخر حتى في القتال بالسيف، و لذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات، بل شددوا القول على من يخوض في الكلام و يشتغل بالبحث و السؤال، و إذا تركنا المداهنة و مراقبة الجانب صرحنا بأن الخوض في الكلام حرام لكثرة الآفة فيه إلا لأحد شخصين:
رجل: وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام ريب وعظي و لا بخبر نقلي عن رسول الله فيجوز أن يكون القول المرتب الكلامي رافعاً شبهته و دواءً له في مرضه، فيستعمل معه ذلك و يحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض فإنه يوشك أن يحرك في نفسه إشكالاً و يثير له شبهة تمرضه و تستنزل عن اعتقاده المجزوم الصحيح.
الثاني: شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ثابت الإيمان بأنوار اليقين، يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضاً إذا وقعت له شبهة، و ليفحم بها مبتدعاً إذا نبغ و ليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع إغواءه، فتعلم ذلك بهذا العزم كان من فروض الكفايات، و تعلم قدر ما يزيل به الشك و يدرأ الشبهة في حق المشكل فرض عين، إذا لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه. و الحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام و اشتمل عليه القرآن اعتقاداً جزماً فهو مؤمن و إن لم يعرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على التزاول بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها و تمام تأكده بلزومه العبادة و الذكر، فإن من تمادت به العبادة غلى حقيقة التقوى و تطهير الباطن عن كدورات الدنيا و ملازمة ذكر الله تعالى دائماً تجلت له أنوار المعرفة و صارت الأمور التي كان قد أخذها كان قد أخذها تقليداً عنده كالمعاينة و المشاهدة، و ذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات و انشراح الصدر بنور الله تعالى (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ )[الزمر: 22]. كما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن نعنى شرح الصدر فقال:” نور يقذف في قلب المؤمن"، فقيل و ما علامته؟ قال: “ التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود". فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا المتهالك عليها غير مدرك حقيقة المعرفة و لو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.
ص 271
لعلك تقول أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية. و الشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيق الرحمة على الخلق دون المتكلم، إذ قال عليه السلام: “ يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة: يا آدم ابعث ذريتك بعث النار. فيقول: يا رب من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعين". و قال عليه الصلاة و السلام: “ ستفترق أمتي على نيف و سبعين فرقة، الناجية منها واحدة".
الجواب: أن الحديث الأول صحيح، و لكن ليس المعنى به أنهم كفار مخلدون بل إنهم يدخلون النار و يعرضون عليها و يتركون فيها بقدر معاصيهم، و المعصوم من المعاصي لا يكون في الألف إلا واحداً، و كذلك قال تعالى: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) [مريم: 71]، ثم بعث النار عبارة عمن استوجب النار بذنوبه و يجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة كما وردت به الأخبار، و تشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى، و هي أكثر من أن تحصى.
فمنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: فقدت النبي صلى الله عليه و سلم ذات ليلة فابتغيته فإذا هو في مشربه يصلي، فرأيت أنواراً ثلاثاً فلما قضي صلاته، قال: “مهيم من هذه؟" قلت: أنا عائشة يا رسول الله، قال:” أرأيت الأنوار الثلاثة؟" قلت: نعم يا رسول الله، قال:" إن آت أتاني من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب و لا عذاب، ثم أتاني في النور الثاني آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يُدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفاً سبعين ألفاً بغير حساب و لا عذاب، ثم أتاني في النور الثالث آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفاً المضاعفة سبعين ألفاً بغير حساب و لا عذاب" فقلت: يا رسول الله لا تبلغ أمتك هذا قال:”يكملون لكم من الأعراب ممن لا يصوم و لا يصلي"، فهذا و أمثاله من الأخبار الدالّة على سعة الرحمة الله تعالى كثير، فهذا في أمة محمد صلى الله عليه و سلم خاصة، و أنا أقول: إن الرحمة تشتمل كثيراً من الأمم السالفة و إن كان أكثرهم يعرضون على النار، بل أقول: إن أكث نصارى الروم و الترك في هذا الزمان تشتملهم الرحمة إن شاء الله تعالى. أعني الذين هم في أقاصي الروم و الترك و لم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه و سلم أصلاً فهم معذورون، و صنف بلغهم اسمه و نعته وما ظهر عليه من المعجزات و هم المجاورون لبلاد الإسلام و المخالطون لهم و هم الكفار الملحدون. و صنف
ص 272
ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد صلى الله عليه و سلم و لم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع بعثه الله تحدث بالنبوة كاذباً، فهؤلاء عندي في أوصافه في معنى الصنف الأول فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، و هذا لا يحرك داعية النظر في الطلب.
و أما الحديث الآخر، و هو قوله: الناجية منها واحدة. فالراوية مختلفة فيه. فقد روي الهالكة منها واحدة و لكن الأشهر تلك الرواية، و معنى ناجية هي التي لا تعرض على النار، و لا تحتاج إلا الشفاعة بل الذي تتعلق به الزبانية لتجره إلى النار فليس بناج على الإطلاق و إن انتزع بالشفاعة من مخاليبهم. و في رواية: كلها في الجنة إلا الزنادقة و هي فرقة. و يكون الهالك عبارة عمن وقع اليأس من صلاحه لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير و تكون الناجية واحدة و هي التي تدخل الجنة بغير حساب و لا شفاعة لأن من نوقش الحساب فقد عذب فليس بناج إذاً، و من عرض للشفاعة فقد عرض للمذلة فليس بناج أيضاً على الإطلاق، و هذان الطريقان و هما عبارتان عن شر الخلق و خيره. و باقي الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين: فمنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر خطاياهم في عقائدهم و بدعتهم و على كثرة معاصيهم و قلتها. فأما الهالكة المخلدة في النار مع هذه الأمة في فرقة واحدة و هي التي كذبت و جوزت الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمصلحة.
و أما سائر الأمم، فمن كذبه بعد ما قرع سمعه التواتر عن خروجه و صفته و معجزته الخارقة للعادة كشق القمر و تسبيح الحصى و نبع الماء بين أصابعه و القرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة و عجزوا عنه، فإذا قرع ذلك سمعه فأعرض عنه و تولى و لم ينظر فيه و لم يتأمل و لم يبادر إلى التصديق، فهذا الجاحد الكاذب و هو الكافر، و لا يدخل في هذا أكثر الروم و الترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد المسلمين، بل أقول من قرع سمعه هذا فلابد أن تنبعث به داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين و لم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإن لم تنبعث هذه الداعية فذلك لركونه إلى الدنيا و خلوه عن الخوف و خطر أمر الدين و ذلك كفر، و إن انبعثت الداعية فقصر في الطلب فهو أيضاً كفر بل ذو الإيمان بالله و اليوم الآخر من أهل كل ملة و لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة، فإن اشتغل بالنظر و الطلب و لم يقصر فأدركه الموت قبل تمام التحقيق فهو أيضاً مغفور له الرحمة الواسعة، فاستوسع رحمة الله تعالى و لا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية.
ص 273
و اعلم أن الآخرة قريب من الدنيا فما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة فكما أن أكثر أهل الدنيا في نعمة و سلامة أو في حالة يغبطها إذ لو خير بينها و بين الإماتة و الإعدام مثلاً لاختارها، و إنما المعذب الذي يتمنى الموت نادر، فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين و المخرجين منها في الآخرة نادر، فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالها، و إنما الدنيا و الآخرة عبارتان عن اختلاف أحوالك و لولا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة و السلام معنى، حيث قال " أول ما خط في الكتاب الأول أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي فمن شهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله، فله الجنة".
و اعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة و شمولها بأسباب و مكاشفات سوى ما عندهم من الأخبار و الآثار، و لكن ذكر ذلك يطول،. فأبشر برحمة الله و بالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان و العمل الصالح، و بالهلاك المطلق إن خلوت عنهما جميعاً، و إن كنت صاحب يقين في أصل التصديق و صاحب خطأ في بعض التأويل، أو صاحب شك فيهما، أو صاحب خلط في الأعمال، فلا تطمع في النجاة المطلقة.
و اعلم، أنك تعذب مدة ثم تخلي، و بين أن يشفع فيك من تيقنت صدقه في جميع ما جاء به أو غيره، فاتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء فإن الأمر في ذلك مخطر.
فصل
قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع، و أن الجاهل بالله كافر و العارف به مؤمن، فيقال له: الحكم بإباحة الدم و الخلود في النار حكم شرعي لا معنى له قبل ورود الشرع، و إن أراد به أن المفهوم من الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر، فهذا لا يمكن حصره فيه لأن الجاهل بالرسول و بالآخرة أيضاً كافر، ثم إن خصص ذلك بالجهل بذات الله تعالى بجحد وجوده أو وحدانيته و لم يطرد في الصفات فربما سوعد عليه، و إن جعل المخطئ في الصفات أيضاً جاهلاً أو كافراً لزمه تكفير من نفي صفه البقاء وصفة القدم، و من نفي الكلام وصفاً زائداً على العلم، و من نفي السمع و البصر زائداً على العلم، و من نفي جواز الرؤية، و من أثبت الجهة و أثبت إرادة حادثة لا في ذاته و لا في محل و تكفير المخالفين فيه، و بالجملة يلزمه التكفير في كل مسألة تتعلق بصفات الله تعالى و ذلك حكم لا مستند له، و إن خصص ببعض الصفات دون بعض لم يجد لذلك فصلاً و مرداً، و لا وجه له إلا الضبط بالتكذيب ليعم المكذب بالرسول و بالمعاد، و يخرج منه المؤول، ثم لا يبعد أن يقع الشك و النظر في بعض المسائل من جملة التأويل بعيداً و يقضي فيه بالظن و موجب الاجتهاد، فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهادية.
ص 274
فصل
من الناس من قال إنما أكفر من يكفرني من الفرق، و من لا يكفرني فلا. و هذا لا مأخذ له، فإن قال قائل علي رضي الله عنه أولى بالإمامة إذ لم يكن كفراً فبأن يخطئ صاحبه، و يظن أن المخالف فيه كافر لا يصير كافراً، و إنما هو خطأ في مسألة شرعية. و كذلك الحنبلي إذ لم يكفر بإثبات الجهة فلم يكفر أن يغلط أو يظن أن نافي الجهة مكذب و ليس بمتأول. و أما قول رسول الله صلى الله عليه و سلم:" إذا قذف أحد المسلمين صاحبه بالكفر فقد باء به أحدهما". معناه أن يكفره بمعرفته بحاله فمن عرف من غيره أنه مصدق لرسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يكفره فيكون الكفر كافراً. فأما إن كفره لظنه أنه كذب الرسول فهذا غلط منه في حال شخص واحد، إذ قد يظن به أنه كافر مكذب و ليس كذلك و هذا لا يكون كفراً. فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيه على أعظم الغور في هذه القاعدة و على القانون الذي ينبغي أن يتبع فيه، فاقنع به و السلام.
أيها الولد
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الرسالة
الحمد لله رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و الصلاة و السلام على نبيه محمد و آله أجمعين.
أعلم، أن واحداً من الطلبة المتقدمين لازم خدمة الشيخ الإمام زين الدين حجّة الإسلام أبي حامد بن محمد الغزالي قدس الله روحه و اشتغل بالتحصيل و قراءة العلم عليه حتى جمع من دقائق العلوم، و استكمل من فضائل النفس، ثم إنه فكر يوماً حال نفسه و خطر على باله، فقال: إني قرأت أنواعاً من العلوم، و صرفت ريعان عمري على تعلمها و جمعها. فالآن ينبغي أن أعلم أي نوعها ينفعني غداً و يؤنسني في قبري و أيها لا ينفعني حتى أتركه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " اللهم إن أعوذ بك من علم لا ينفع"، فاستمرت له هذه الفكرة حتى كتب إلى حضرة الشيخ حجة الإسلام محمد الغزالي رحمة الله تعالى عليه استفتاءً، و سأل عنه مسائل و التمس منه نصيحة و دعاء، و قال: و إن كان مصنفات الشيخ كالإحياء و غيره يشتمل على جواب مسائلي لكن مقصودي أن يكتب الشيخ حاجتي في ورقات تكون معي مدة حياتي و أعمل بما فيها مدى عمري إن شاء الله تعالى، فكتب الشيخ هذه الرسالة إليه في جوابه، و الله أعلم.
ص 275
اعلم أيها الولد المحب أطال الله بقاءك بطاعته، و سلك بك سبيل أحبائه أن منشور النصيحة يكتب من معادن الرسالة عليه السلام إن كان قد بلغك منه نصيحة فأي حاجة لك في نصيحتي، و إن لم يبلغك منه فقل لي ماذا حصلت في هذه السنين الماضية.
أيها الولد: من جملة. ما نصح به رسول الله صلى الله عليه و سلم أمته قوله:" علامة إعراض الله عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه و إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته و من جاوز الأربعين و لم يغلب خيره شره فليتجهز إلى نار"، و في هذه النصيحة كفاية لأهل العلم.
أيها الولد: النصيحة سهلة و المشكل قبولها لأنها في مذاق متبعي الهوى مرة إذ المناهي محبوبة في قلوبهم و على الخصوص لمن كان طالب العلم الرسمي مشتغل في فصل النفس و مناقب الدنيا، فإنه يحسب أن العلم المجرد له سيكون نجاته و خلاصه فيه، و إنه مستغن عن العمل. و هذا اعتقاد الفلاسفة. سبحان الله العظيم لا يعلم هذا القدر أنه حين حصل العلم إذا لم يعمل به تكون الحجة عليه آكد، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه".
و روي أن الجنيد قدس الله سره رأى في المنام موته، فقيل له: ما الخبر يا أبا القاسم؟ قال: طاحت تلك العبارات، و فنيت تلك الإشارات و ما نفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل.
أيها الولد: لا تكن من الأعمال مفلساً، و لا من الأحوال خالياً و تيقن أن العلم المجرد لا يأخذ اليد، مثاله: لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، و كان الرجل شجاعاً و أهل حرب فحمل عليه أسد عظيم مهيب فما ظنك هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها و ضربها؟ فمن المعلوم أنها لا تدفع إلا بالتحريك و الضرب، فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية و تعلمها و لم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل، و مثله أيضاً لو كان لرجل حرارة و مرض صفراوي يكون علاجه بالسكنجبين و الكشكاب فلا يحصل البرء إلا باستعمالها (شعر):
كرمي دواهزار رطل همي بيمائي
تامي نخوري نباشدت شيبدائي
و لو قرأت العلم مائة سنة و جمعت ألف كتاب، لا تكون مستعداً لرحمة الله تعالى إلا بالعمل: " وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى " ( النجم: 39)، " فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا " [الكهف: 110]، " جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " [التوبة: 82]. " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا(107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا "
ص 276
[الكهف: 107، 108]، "إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا " [الفرقان: 70]. و ما تقول في هذا الحديث: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج البيت من استطاع إليه سبيلاً". و الإيمان قول باللسان و تصديق بالجنان و عمل بالأركان، و دليل الأعمال أكثر من أن يحصى إن كان العبد يبلغ الجنة بفضل الله تعالى و كرمه، لكن بعد أن يستعد بطاعته و عبادته لأن رحمة الله قريب من المحسنين، و لو قيل أيضاً يبلغ بمجرد الإيمان، قلنا: نعم، لكن متى يبلغ؟ و كم من عقبة كؤود يقطعها إلى أن يصل؟ فأول تلك العقبات عقبة الإيمان، و انه هل يسلم من سلب الإيمان أم لا؟ و إذا وصل، هل يكون خائناً مفلساً؟ و قال الحسن البصري: يقول الله تعالى لعبادة يوم القيامة: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي و اقتسموها بأعمالكم.
أيها الولد: ما لم تعمل لم تجد الأجر.
حكي أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فأراد الله تعالى أن يجلوه على الملائكة فأرسل الله إليه ملكاً يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق به دخول الجنة، فلما بلغه قال العابد: نحن خلقنا للعبادة فينبغي لنا أن نعبده، فلما رجع الملك قال: إلهي أنت أعلم بما قال، فقال الله تعالى: " إذا هو لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه، اشهدوا يا ملائكي أني قد غفرت له"، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا". و قال على رضي الله عنه: " من ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمن، و من ظن أنه يبذل الجهد يصل فهو مستغن". و قال الحسن رحمة الله تعالى: (طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب). و قال: علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و الأحمق من اتبع هواه و تمنى على الله الأماني".
أيها الولد: كم من ليال أحييتها بتكرار العلم و مطالعة الكتب و حرمت على نفسك النوم، لا أعلم ما كان الباعث فيه إن كان نيل عرض الدنيا و جذب حطامها و تحصيل مناصبها و المباهاة على الأقران و الأمثال فويل لك ثم ويل لك. و إن كان قصدك فيه إحياء شريعة النبي صلى الله عليه و سلم و تهذيب أخلاقك و كسر النفس الأمّارة بالسوء، فطوبي لك ثم طوبي لك. و لقد صدق من قال شعراً:
سهر العيون لغير وجهك ضائع
و بكاؤهن لغير فقدك باطل
أيها الولد: عش ما شئت فإنك ميت، و أحبب من شئت فأنك مفارقه، و اعمل ما شئت فإنك مجزي به.
ص 277
أيها الولد: أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الكلام، و الخلاف و الطب و الدواوين و الأشعار و النجوم و العروض و النحو و التصريف غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال، إني رأيت في إنجيل عيسى الصلاة و السلام، قال: من ساعة أن يوضع الميت على الجنازة إلى أن يوضع على شفير القبر يسأل الله بعظمته منه أربعين سؤالاً، لله أوله يقول عبدي طهرت منظر الخلق سنين و ما طهرت منظري ساعة و كل يوم ينظر في قلبك يقول: ما تصنع لغيري و أنت محفوف بخيري، أما أنت أصم لا تسمع.
أيها الولد: العلم بلا عمل جنون، و العمل بغير علم لا يكون.
و أعلم أن العلم لا يبعدك اليوم عن المعاصي، و لا يحملك على الطاعة، و لن يبعدك غداً عن نار جهنم، و إذا لم تفعل اليوم و لم تدرك الأيام الماضية تقول غداً يوم القيامة، فارجعنا نعمل صالحاً، فيقال: يا أحمق أنت من هناك تجيء.
أيها الولد: أجعل الهمة في الروح، و الهزيمة في النفس، و الموت في البدن لأن منزلك القبر، و أهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم، إياك إياك أن تصل إليهم بلا زاد، و قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: هذه الأجساد قفص الطيور، و اصطبل الدواب، فتفكر في نفسك من أيهما أنت، إن كنت من الطيور العلوية فحين تسمع طنين طبل ارجعي إلى ربك تطير صاعداً إلى أن تقعد في أعالي بروج الجنان، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :"اهتز عرش الرحمن من موت سعد بن معاذ". و العياذ بالله إن كنت من الدواب، كما قال الله تعالى: " أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ " [الأعراف: 179]. فلا تأمن انتقالك من زاوية الدار إلى هاوية النار، و روي أن الحسن البصري رحمة الله تعالى أعطى شربة ماء بارد فأخذ القدح و غشي عليه و سقط من يده، فلما أفاق قيل له: مالك يا أبا سعيد؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار حين يقولون لأهل الجنة أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله.
أيها الولد: لو كان العلم المجرد كافياً لك و لا تحتاج إلى عمل سواه، لكان نداء: هل من سائل، هل من مستغفر، هل من تائب ضائعاً، بلا فائدة. و روي أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ذكروا عبد الله بن عمر عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: " نعم الرجل هو، لو كان يصلي بالليل" و قال عليه السلام لرجل من أصحابه: " يا فلان لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل يدع صاحبه فقيراً يوم القيامة".
أيها الولد: و من الليل فتهجد به: أمر، و بالأسحار هم يستغفرون شكر، و المستغفرون بالأسحار ذكر، قال عليه السلام: " ثلاثة أصوات الذي يقرأ القرآن، و صوت المستغفرين بالأسحار". قال سفيان الثوري، رحمة الله تعالى عليه: إن الله تبارك و تعالى خلق ريحاً بالأسحار تحمل الأذكار و الاستغفار إلى الملك الجبار،
ص 278
و قال أيضاً: إذا كان أولّ الليل ينادي مناد من تحت العرش: ألا ليقيم العابدون فيقومون و يصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل: ألا ليقيم القانتون، فيقومون و يصلون إلى السحر، فإذا كان السحر نادي مناد: ألا يقيم المستغفرون، فيقومون و يستغفرون، فإذا طلع الفجر نادي مناد: ألا ليقيم الغافلون، فيقومون من فروشهم كالموتى نشروا من قبورهم.
أيها الولد: روي في وصايا لقمان الحكيم لابنه أنه قال: يا بني لا يكونن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار و أنت نائم، و لقد أحسن من قال شعراً:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن و هنا و إني لنائم
كذبت و بيت الله لو كنت عاشقاً ... لنا سبقتني بالبكاء الحمائم
و أزعم أني هائم ذو صبابة ... لربي فلا أبكي، و تبكي البهائم
أيها الولد: خلاصة العلم أن تعلم أن الطاعة و العبادة ما هي.
اعلم: أنا الطاعة و العبادة متابعة الشارع في الأوامر و النواهي، بالقول و الفعل. يعني كل ما تقول و تفعل و تترك و يكون باقتداء الشرع، كما لو صمت يوم العيد و أيام التشريق تكن عاصياً، أو صليت في ثوب مغصوب و إن كانت صورة عبادة تأثم.
أيها الولد: ينبغي لك أن يكون قولك و فعلك موافقاً للشرع إذ العلم و العمل بلا اقتداء الشرع ضلالة، و ينبغي لك أن لا تغتر بالشطح و طامات الصوفية لأن سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة و قطع شهوة النفس و قتل هواها بسيف الرياضة لا بالطامات و التراهات.
و اعلم، أن اللسان المطلق و القلب المطبق المملوء بالغفلة و الشهوة علامة الشقاوة، حتى لا تقتل النفس بصدق المجاهدة لن يحيي قلبك بأنوار المعرفة.
و اعلم أن بعض مسائلك التي سألتني عنها لا يستقيم جوابها بالكتابة و القول إن لم تبلغ تلك الحالة تعرف ماهي، و إلا فعلمها من المستحيلات لأنها ذوقية، و كل ما يكون ذوقياً لا يستقيم وصفه بالقول كحلاوة الحلو و مرارة المر لا يعرف إلا بالذوق. كما حكي أن عنينا كتب إلا صاحب له أن عرفني لذة المجامعة كيف تكون، فكتب له في جوابه: يا فلان إني كنت حسبتك عنيناً فقط. الآن عرفت أنك عنين أحمق. لأن هذه اللذة ذوقية إن تصل إليها تعرف، و إلا لا يستقيم وصفها بالقول و الكتابة.
ص 279
أيها الولد: بعض مسائلك من هذا القبيل، و أما البعض الذي يستقيم له الجواب فقد ذكرناه في إحياء العلوم و غيره. و تذكر ههنا نبدأ منه و نشير إليه فنقول: قد وجب على السالك أربعة أمور:
الأمر الأول: اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة.
و الثاني: توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى الزلة.
و الثالث: استرضاه الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حقّ.
الرابع: تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدي به أوامر الله تعالى. ثم من العلوم الآخرة ما يكون به النجاة.
حكي أن الشبلي رحمة الله خدم أربعمائة أستاذ، و قال: قرأت أربعة آلاف حديث، ثم اخترت منها حديثاً واحداً و عملت به و خليت ما سواه لأني تأملته فوجدت خلاصي و نجاتي فيه. و كأن علم الأولين و الآخرين كله مندرجاً فيه فاكتفيت به، و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لبعض أصحابه: " أعمل لدنياك بقدر مقامك فيها، و اعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، و اعمل لله بقدر حاجتك إليه، و اعمل للنار بقدر صبرك عليها".
أيها الولد: إذا علمت هذا الحديث لا حاجة إلى العلم الكثير، و تأمل في حكاية أخرى: و ذلك أن حاتماً الأصم كان من أصحاب الشقيق البلخي رحمة الله تعالى عليهما، فسأله يوماً قال: صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصلت فيها؟ قال: حصلت ثماني فوائد من العلم و هي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي و نجاتي فيها، فقال شقيق: ماهي! قال حاتم الأصم:
الفائدة الأولى: إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوباً و معشوقاً يحبه و يعشقه و بعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت و بعضه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله و يتركه فريداً وحيداً و لا يدخل معه في قبره منهم أحد، فتفكرت و قلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره و يؤانسه فيه فما وجدت غير الأعمال الصالحة فأخذتها محبوباً لي لتكون سراجاً لي في قبري، و تؤانسني فيه و لا تتركني فريداً.
الفائدة الثانية: إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم و يبادرون إلى مرادات أنفسهم فتأملت قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40،41] و تيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف نفسي و تشمرت بمجاهدتها و ما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة الله سبحانه و تعالى و انقادت.
الفائدة الثالثة: إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ثم يمسكها قابضاً يده عليه، فتأملت في قوله تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل: 96].
ص 280
فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله تعالى , ففرقته بين المساكين ليكون ذخراً لي عند الله تعالى .
الفائدة الرابعة : إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فاغتر بهم , وزعم آخر أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا بها , وحسب بعضهم الشرف والعز في غصب الأموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم , واعتقدت طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه وتبذيره , وتأملت في قوله تعالى : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) الحجرات : 13 . فاخترت التقوى واعتقدت أن القرآن حق صادق وظنهم وحسابهم كلها باطل زائل.
الفائدة الخامسة : إني رأيت الناس يذم بعضهم بعضاً ويغتاب بعضهم بعضاً , فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم , فتأملت في قوله تعالى : (( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا )) الزخرف : 32 . فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى في الأزل فما حسدت أحداً ورضيت بقسمة الله تعالى .
الفائدة السادسة : إني رأيت الناي يعادي بعضهم بعضاً لغرض وسبب فتأملت قوله تعالى : (( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً )) فاطر : 6 . فعلمت أنه لا يجوز عداوة آخر غير الشيطان .
والفائدة السابعة : إني رأيت كل أحد يسعى بجد ويجتهد بمبالغة لطب لطلب القوت والمعاش بحيث يقع به في شبهة وحرام , ويذل نفسه , وينقص قدره , فتأملت في قوله تعالى : (( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها )) هود : 6 . فعلمت أن رزقي على الله تعالى , وقد ضمنه فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي عمن سواه .
الفائدة الثامنة : إني رأيت كل واحدا معتمداً على شيء مخلوق بعضهم إلى الدينار مثله , فتأملت قوله تعالى : (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا )) الطلاق :3 . فتوكلت على الله تعالى فهو حسبي ونعم الوكيل , فقال شقيق : وفقك الله تعالى إني قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان , فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثمانية , فمن عمل بها كان عاملاً بهذه الكتب الأربعة .
أيها الولد : قد علمت من هاتين الحكايتين أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم , والآن أبين ما يجب على سالك سبيل الحق .
فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مربى ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته ويجعل مكانها خلقاً حسناً . ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات
ص 281
الأجنبية من بين الزرع ليحسن بناته ويكمل ريعه , ولا بد للسالك من شيخ يؤديه ويرشده إلى سبيل الله تعالى , لأنه الله أرسل للعباد رسولاً للإرشاد إلى سبيله , فإذا ارتحل صلى الله عليه وسلم فقد خلف الخلفاء في مكانه حتى يرشدوا إلى الله تعالى , وشرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائباً لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يكون عالماً , ولكن لا كل عالم يصلح للخلافة , وإني أبين لك بعض علامته على سبيل الإجمال حتى لا يدعى كل أحد أنه مرشد .
فنقول : من يعرض عن حب الدنيا وحب الجاه , وكان قد تابع لشخص بصير يتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وكان محسناً رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم , وكثرة الصلوات والصدقة والصوم , وكان بمتابعته الشيخ البصير جاعلاً محاسن الأخلاق له سيرة كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والحلم والتواضع العلم والصدق والحياء والوفاء والوقار ولسكون والتأني وأمثالها , فهو إذاً نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم يصلح الاقتداء به , ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر , ومن ساعدته السعادة فوجد شيخاً كما ذكرنا وقبله الشيخ ينبغي أن يحترمه ظاهراً وباطناً . أما احترام الظاهر فهو أن لا يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه , ولا يلقى بين يديه سجادته إلا وقت أداء الصلاة فإذا فرغ يرفعها , ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته , ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته . وأما احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلاً ولا قولاً لئلا يتسم بالنفاق , وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه وظاهره , ويحترز عن مجالسة صاحب السوء ليقصر ولا ية شياطين الجن والإنس من صحن قلبه فيصفى عن لوث الشيطنة , وعلى كل حال يختار الفقر على الغنى . ثم اعلم , أن التصوف له خصلتان : الاستقامة والسكون عن الخلق , فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفي . والاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنقسه , وحسن الخلق مع الناس أن لا تحمل الناس على مراد نفسك بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع , ثم إنك سألتني عن العبودية , وهي ثلاثة أشياء أحدها : محافظة أمر الشرع , وثانيها : الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى , وثالثها : ترك رضاء نفسك في طلب رضاء الله تعالى , وسألتني عن التوكل هو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى فيما وعد يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه عنك , وما لم يكتب لن يصل إليك وإن ساعدك جميع العالم . وسألتني عن الإخلاص , وهو أن تكون أعمالك كلها لله تعالى ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا تبالي بمذمتهم . واعلم , أن الرياء من تعظيم
ص 282
الخلق , وعلاجه أن تراهم مسخرين تحت القدرة وتحسبهم كالجمادات في عدم قدرة إيصال الراحة والمشقة لتخلص من مراءاتهم , ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة لن يبعد عنك الرياء .
أيها الولد : والباقي من مسائلك بعضها مسطور في مصنفاتي فاطلبه منه وكتابة بعضها حرام , اعمل أنت بما تعمل ليكشف لك مالك تعلم .
أيها الولد : بعد اليوم لا تسألني ما أشكل عليك إلا بلسان الجنان قوله تعالى : (( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم )) الحجرات : 5 . واقبل نصيحة الخضر عليه السلام حين قال : (( فلا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكرا )) الكهف:7 . ولا تستعجل حتى تبلغ أو انه يكشف لك وتراه : (( سأريكم آياتي فلا تستعجلون )) الأنبياء : 37 . فلا تسألني قبل الوقت : وتيقن أنك لا تصل إلا بالسير لقوله تعالى : (( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا )) الروم : 9 , غافر: 21 .
أيها الولد : بالله إن تسر تر العجائب في كل منزل , وابذل روحك فإن رأس هذا الأمر بذل الروح كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى لأحد من تلامذته : عن قدرت على بذل الروح فتعال وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية .
أيها الولد : إني أنصحك بثمانية أشياء اقبلها مني لئلا يكون علمك خصماً عليك يوم القيامة , تعمل منها أربعة , وتدع منها أربعة أما اللواتي تدع :
أحدها : أن لا تناظر أحداً في مسألة ما استطعت لأن فيها آيات كثيرة فإثمها أكبر من نفعها , إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها , نعم لو وقع مسألة بينك وبين شخص أو قوم كانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع جاز البحث لكن لتلك الإرادة علامتان : إحداهما : أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على غيرك , والثانية : أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ , واسمع إني أذكر لك ههنا فائدة . واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب إلى الطبيب والجواب له سعى لإصلاح مرضه . واعلم : أن الجاهلين المرضى قلوبهم والعلماء الأطباء والعالم الناقص لا يحسن المعالجة والعالم الكامل لا يعالج كل مريض بل يعالج من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح . وإذا كانت العلة مزمنة أو عقيما لا تقبل العلاج فحذاقة الطبيب فيه أن يقول هذا لا يقبل العلاج فلا تشتغل فيه بمداواته لأن فيه تضييع العمر , ثم اعلم , أن مرض الجعل على أربعة أنواع :
أحدها : يقبل العلاج والباقي لا يقبل أما الذي لا يقبل ( أحدها ) من كان سؤاله واعتراضه عن حسده وبغضه فكلما تجيبه بأحسن وأفصحه وأوضحه فلا يزيد له ذلك إلا بغضاً وعداوة وحسداً , فالطريق أن لا تشغل بجوابه فقد قيل:
ص 283
كل العداوة قد ترجى إزالتها
إلا عداوة من عاداك عن حسد
فينبغي أن تعرض عنه وتتركه مع مرضه , قال الله تعالى : (( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا )) النجم: 29 . والحسود بكل ما يقول ويفعل أوقد نار في زرع علمه , الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب .
والثاني : أن تكون علته من الحماقة وهو أيضاً لا يقبل العلاج , كما قال عيسى عليه السلام : إني ما عجزت عن إحياء الموتى وقد عجز