Advertisement

إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد


الكتاب: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد
المؤلف: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير (المتوفى: 1182هـ)
المحقق: صلاح الدين مقبول أحمد
الناشر: الدار السلفية - الكويت
الطبعة: الأولى، 1405
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مُقَدّمَة الْمُحَقق
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الِاجْتِهَاد إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} آل (عمرَان 102) {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا} النِّسَاء 1 {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما} الْأَحْزَاب 70 71 أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار لقد قدر الله عز وَجل لشريعة الْإِسْلَام خلودها وكفاءتها وصلاحيتها
(1/3)

لكل زمَان وَمَكَان فَأوحى إِلَى عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد بن عبد الله النَّبِي الْأُمِّي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُرْآن الْمجِيد ذَلِك الدستور الْكَامِل الخالد للبشرية جَمْعَاء قَائِلا {وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد} فصلت 41 42 وَأمر رَسُوله ببيانه وَشَرحه حَيْثُ قَالَ {وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون} النَّحْل 44 وَأوجب طَاعَة رَسُوله على الْأمة فِي كل مَا يَأْمر وَينْهى قَائِلا {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب} الْحَشْر 7 فَجعل الله عز وَجل كِتَابه الْكَرِيم مَعَ سنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمصدر الأساسي لِلْإِسْلَامِ فِي العقائد وَالْأَحْكَام والعبادات والمعاملات وَجَمِيع أُمُور المعاش والمعاد مَعَ هَذَا لم يهمل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عقول هَذِه الْأمة الَّتِي أخرجت للنَّاس تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر وتؤمن بِاللَّه وَلم يعطل مداركها وَلم يجمد أفكارها فَتكون متحيرة مشدوهة أَمَام الْمسَائِل الْجُزْئِيَّة الَّتِي تستجد مَعَ تغير الْعَصْر بل دَفعهَا إِلَى التفكير الدَّائِم فِي الْإِنْسَان والكون والحياة وحثها على الْعَمَل الدؤب لصالح الْأمة وَحملهَا على الِاجْتِهَاد المنشود لاستنباط الجزئيات المستحدثة من الكليات المقررة وَالْأُصُول الثَّابِتَة من الْكتاب وَالسّنة {وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا} النِّسَاء 83 لما كَانَ إِعْمَال الْفِكر فِي نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَسِيلَة التعرف على الْأَحْكَام
(1/4)

غير الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَكَانَ الِاجْتِهَاد طَرِيقا حتميا للوقوف على مرامي الشَّرِيعَة وسبيل الْحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها فتح الْإِسْلَام بَاب الِاجْتِهَاد على مصراعيه إِلَى مَا شَاءَ الله أَمَام عُلَمَاء الْأمة الْأَكفاء البررة العاملين بِالْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ لتغطية حاجات النَّاس حسب تجدّد الْمصَالح وَتغَير الْأَعْرَاف وَتقدم الزَّمن فأحببنا أَن نقدم بَين يَدي كتاب إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بحثا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمَوْضُوع الْهَام وَهَذَا الْبَحْث يحتوي على بَابَيْنِ الأول حكم الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالثَّانِي حكم الإجتهاد فِي الحكم على الحَدِيث فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة
(1/5)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول حكم الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الإجتهاد فِي اللُّغَة

الإجتهاد فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الْجهد بِفَتْح الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْمَشَقَّة والإجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود والتجاهد بذل الوسع كالإجتهاد وعَلى هَذَا يُقَال اجْتهد فِي الْأَمر أَي بذل وَسعه وطاقته فِي طلبه ليبلغ إِلَى نهايته سَوَاء كَانَ هَذَا الْأَمر من الْأُمُور الحسية كالمشي وَالْعَمَل أَو الْأُمُور المعنوية كاستخراج حكم أَو نظرية عقلية أَو شَرْعِيَّة أَو لغوية فَيُقَال بذل طاقته ووسعه فِي تَحْقِيق أَمر من الْأُمُور الَّتِي تَسْتَلْزِم كلفة أَو مشقة فَقَط وَلَا يُقَال اجْتهد فِي حمل قلم أَو كِتَابَة سطر أَو سطور عَمَّا لَيْسَ فِيهِ مشقة
الإجتهاد فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ

قد عرفه عُلَمَاء الْأُصُول بتعريفات تخْتَلف عباراتها وتتحد مَعَانِيهَا فِي
(1/7)

الْجُمْلَة ومغزاها فِيمَا يَلِي الإجتهاد هُوَ استفراغ الوسع وبذل المجهود فِي طلب الحكم الشَّرْعِيّ عقليا كَانَ أَو نقليا قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا على وَجه يحس من النَّفس الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ
شُرُوط الإجتهاد

إِن شُرُوط الإجتهاد الَّتِي قررها الأصوليون فِيهَا بعض الِاخْتِلَاف من حَيْثُ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَيُمكن لنا أَن نقسم هَذِه الشُّرُوط قسمَيْنِ حَتَّى يحتويا كل مَا ذكر فِيهَا بالإيجاز الْقسم الأول الشُّرُوط الْعَامَّة شُرُوط التَّكْلِيف وَهِي 1 الْإِسْلَام 2 الْبلُوغ 3 الْعقل
(1/8)

الْقسم الثَّانِي الشُّرُوط التأهيلية وَهِي تتنوع إِلَى نَوْعَيْنِ الأول الشُّرُوط الأساسية وَهِي 1 معرفَة الْكتاب 2 معرفَة السّنة 3 معرفَة اللُّغَة 4 معرفَة أصُول الْفِقْه 5 معرفَة مَوَاضِع الْإِجْمَاع الثَّانِي الشُّرُوط التكميلية وَهِي 1 معرفَة الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة 2 معرفَة مَقَاصِد الشَّرِيعَة
(1/9)

3 - معرفَة الْقَوَاعِد الْكُلية 4 معرفَة مَوَاضِع الْخلاف 5 الْعلم بِالْعرْفِ الْجَارِي فِي الْبَلَد 6 معرفَة الْمنطق 7 عَدَالَة الْمُجْتَهد وصلاحه 8 حسن الطَّرِيقَة وسلامة المسلك 9 الْوَرع والعفة 10 رصانة الْفِكر وجودة الملاحظة 11 الإفتقار إِلَى الله تَعَالَى والتوجه إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ 12 ثقته بِنَفسِهِ وَشَهَادَة النَّاس لَهُ بالأهلية 13 مُوَافقَة عمله مُقْتَضى قَوْله
(1/10)

أهمية الإجتهاد

إِن الإجتهاد فِي الْإِسْلَام أقوى دَلِيل على أَن ديننَا الحنيف هُوَ الدّين الشَّامِل الخالد الوحيد الَّذِي يُسَايِر ركب الحضارة الإنسانية عبر العصور والأجيال ويرحب بِكُل التغيرات الطارئة والمشاكل الناجمة من تجدّد الظروف والمصالح على اخْتِلَاف المجتمعات الإنسانية فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ويعرض لَهَا حلولا مُنَاسبَة فِي ضوء الْأَحْكَام الْكُلية وَالْأُصُول الثَّابِتَة من الْكتاب وَالسّنة
الإجتهاد منحة إلهية مستمرة

إِن مسَائِل الْعَصْر تتجد ووقائع الْوُجُود لَا تَنْحَصِر ونصوص الْكتاب وَالسّنة محصورة محدودة فَكَانَ الإجتهاد فِي الْأُمُور المستحدثة حَاجَة إسلامية ملحة لمسايرة ركب الْحَيَاة الإنسانية تَلْبِيَة لهَذِهِ الْحَاجة قد قَامَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وأتباعهم وأئمة الْإِسْلَام وفقهاء الْأمة بالإجتهاد فِي الْمسَائِل المستجدة فِي عصورهم وَصَارَ الإجتهاد منحة ربانية مستمرة يتمتع بهَا الْمُسلمُونَ بجهود الْمُجْتَهدين الْأَكفاء فِي كل زمَان وَمَكَان وَلم تكن خَاصَّة بعصر دون عصر وبمصر دون مصر حَتَّى يفهم ونعوذ بِاللَّه تَعَالَى أَن رَحْمَة الله عز وَجل صَارَت عقيمة بعد ذَلِك وانقطعت عَن الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين المتأهلين وَلَا شكّ أَن هَذَا الإعتقاد بإنتهاء الإجتهاد والمجتهدين تحجر رَحْمَة الله الواسعة وَحكم على قدره وقضائه بِدُونِ علم يشبه بصيحة فِي وَاد وَنفخ فِي رماد أَمَام قَول الله عز وَجل {وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم} الْجُمُعَة 2 3
(1/11)

وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدرى أَوله خير أم آخِره هَذَا وَلَا يسوغ لأحد أَن يَدعِي أَن الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين الْمُتَقَدِّمين استوعبوا كل مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن اسْتِيعَاب مَا كَانَ وَمَا يكون من صِفَات الله عز وَجل الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد غَيره {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} الْأَنْعَام 59 وَلأَجل هَذَا لم يكن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ يجتهدون فِي الْمسَائِل الخيالية بل كَانُوا يكْرهُونَ الْكَلَام فِيمَا لم يَقع ويمتنعون من الْإِجَابَة عَن الإفتراضات عَن مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ سَأَلت أبي بن كَعْب عَن شَيْء فَقَالَ أَكَانَ بعد قلت لَا قَالَ فاصبر حَتَّى يكون فَإِن كَانَ اجتهدنا لَك رَأينَا وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ إيَّاكُمْ وَهَذِه العضل فَإِنَّهَا إِذا نزلت بعث الله لَهَا من يقيمها ويفسرها
(1/12)

كل هَذَا التوقي من الْكَلَام فِي الإفتراضات كَانَ إِيمَانًا بِأَن الجهود الإنسانية مهما بذلت فِي تدوين الْمسَائِل الخيالية والوقائع الْفَرْضِيَّة لَا تستوعبها وَأما عِنْد وُقُوعهَا فَالله الْقَادِر الْقَدِير عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة يقيض من يحلهَا ويجتهد فِيهَا
مدى حريَّة التفكير والإجتهاد عِنْد الْأَئِمَّة وَاخْتِلَاف أَصْحَابهم مَعَهم

إِن الْأَئِمَّة رَحِمهم الله كَانُوا يبذلون أقْصَى جهودهم للوصول إِلَى الْحق فِي الْمسَائِل الإجتهادية وَمَعَ هَذَا لم يَكُونُوا يقطعون بِأَن إجتهادهم هُوَ مسك الختام وَالْأَمر الآخر الَّذِي لَا يجوز خِلَافه قطعا بل كَانُوا يحتاطون احْتِيَاطًا لَازِما عِنْد إبداء آرائهم فِي الْمسَائِل وَيَخَافُونَ فِي ذَلِك مُخَالفَة النُّصُوص الصَّرِيحَة من الْكتاب وَالسّنة وَلأَجل هَذَا نصوا على الرُّجُوع إِلَى السّنة عِنْد ظُهُور مخالفتهم إِيَّاهَا وأوصوا تلاميذهم وأصحابهم بترك أَقْوَالهم الْمُخَالفَة لَهَا وَهِي مستفيضة فِي مَكَانهَا
(1/13)

وَكَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر أَن إِمَامًا من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام مهما بلغ من الْعلم وَالْحِفْظ والضبط والإتقان وَالْفضل والوجاهة يسْتَقلّ بالحكم على الشَّيْء ويستبد بِرَأْيهِ ويفرضه على الآخرين فرضا قَالَ الله عز وَجل {نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم} يُوسُف 76 {وَقَالَ} {قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} الْإِسْرَاء 85 وَإِنِّي أعتقد وأدين بِأَن الْأَئِمَّة كَانُوا أبعد من أَن يتصفوا بِهَذِهِ الصّفة الكريهة من الاستبداد بِالرَّأْيِ وفرضه على الآخرين وَكَانُوا يدورون حَيْثُ دَار الْحق بِكُل أَمَانَة وإخلاص فَالْحق لَيْسَ محصورا فِي رَأْي أحد قطعا إِلَّا النَّبِي الْمَعْصُوم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا أحسن مَا ورد عَن الإِمَام أبي حنيفَة من قَوْله عِنْد الْإِفْتَاء هَذَا رَأْي النُّعْمَان بن ثَابت يَعْنِي نَفسه وَهُوَ أحسن مَا قدرت عَلَيْهِ فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ وَنقل عَن الإِمَام الشَّافِعِي أَنه قَالَ مَا ناظرت أحدا إِلَّا قلت اللَّهُمَّ أجر الْحق على قلبه وَلسَانه فَإِن كَانَ الْحق معي اتبعني وَإِن كَانَ الْحق مَعَه اتبعته انطلاقا من هَذَا المبدأ الْعَادِل من حريَّة التفكير وَتَقْدِير رَأْي الآخرين اخْتلفت الْأَئِمَّة فِيمَا بَينهم فِي الْأُصُول وَاخْتلف أَصْحَابهم مَعَهم أَيْضا فِي الْأُصُول كَمَا اخْتلفُوا مَعَهم فِي الْفُرُوع
(1/14)

فقد اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ مَعَ شيخهما الإِمَام أبي حنيفَة حَتَّى فِي الْأُصُول قَالَ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُمَا يخالفان أصُول صَاحبهمَا وَقَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة أبي يُوسُف كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ مَذْهَب أبي حنيفَة وَخَالفهُ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ استنكف مُحَمَّد بن الْحسن وَأَبُو يُوسُف عَن مُتَابَعَته فِي ثُلثي مذْهبه ووافقا الشَّافِعِي رَحِمهم الله فِي أَكثر الْمسَائِل وَقَالَ السُّيُوطِيّ وَكَذَلِكَ ابْن وهب وَابْن الْمَاجشون والمغيرة بن أبي حَازِم ومطرف بن كنَانَة لم يقلدوا شيخهم مَالِكًا فِي كل مَا قَالَ بل خالفوه فِي مَوَاضِع واختاروا غير قَوْله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْمُزنِيّ وَأبي عبيد بن حربويه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن سُرَيج فَإِن كلا مِنْهُم خَالف إِمَامه فِي أَشْيَاء وَاخْتَارَ مِنْهَا غير قَوْله يَتَّضِح من هَذَا أَن اجْتِهَاد الْمُجْتَهد ورأيه لَا يُمكن أَن يكون بِمَثَابَة حكم الله عز وَجل وَلَو كَانَ كَذَلِك لما سَاغَ لأَصْحَاب الْأَئِمَّة أَن يخالفوا آراء شيوخهم
(1/15)

وَهَكَذَا كَانَ الْفِقْه الإسلامي فِي الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بِالْخَيرِ فِي ازدهار مُسْتَمر ونمو متواصل وَتقدم دَائِم وَكَانَت اجتهادات الْأَئِمَّة بَين الْأَخْذ وَالعطَاء وَالرَّدّ وَالْقَبُول حَتَّى فِي أوساط أَصْحَابهم إِلَى أَن فَشَا التَّقْلِيد فِي نصف الْقرن الرَّابِع وَبَدَأَ التعصب المذهبي يبيض ويفرخ ويصور الْحَكِيم ولي الله الدهلوي مَا حدث فِي النَّاس بعد الْمِائَة الرَّابِعَة قَائِلا وَلم يَأْتِ قرن بعد ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَكثر فتْنَة وأوفر تقليدا وَأَشد انتزاعا للأمانة من صُدُور الرِّجَال حَتَّى اطمأنوا بترك الْخَوْض فِي أَمر الدّين وَبِأَن يَقُولُوا {إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون} الزخرف 22 وَإِلَى الله المشتكى وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَبِه الثِّقَة وَعَلِيهِ التكلان
بَاب محزن من تأريخ الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة

نظرة على كتب الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة وسير الْأَئِمَّة المتبوعين وكتابات عُلَمَاء الْمذَاهب لتقويم مذاهبهم وترجيحها على الْمذَاهب الْأُخْرَى تكشف مَا بَينهَا من أحقاد متأصلة واتهامات متبادلة وحروب متطاولة وهجمات عنيفة حَتَّى على الْأَئِمَّة وَحط أقدارهم وتسفيه آرائهم مَا يَجْعَل الْإِنْسَان الْمُسلم الْمنصف الْعَادِل يتَيَقَّن أَن قَول مقلدة الْمذَاهب الشَّائِع بَينهم إِن الْمذَاهب كلهَا حق وعَلى الصَّوَاب من الدعاوي الْمُجَرَّدَة الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَالْوَاقِع التأريخي يصدق ذَلِك مُنْذُ نشوء التعصب الْأَعْمَى للمذاهب حَتَّى يَوْمنَا هَذَا وإليكم بعض الْأَدِلَّة على مَا قُلْنَاهُ على سَبِيل الْمِثَال لَا الْحصْر
1 - كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ

كل من مقلدة الْمذَاهب يَدعِي أَن الْحق مَا هُوَ عَلَيْهِ وَمَا عَلَيْهِ غَيره فَبَاطِل وجوبا
(1/16)

قَالَ الحصفكي وَهُوَ من أشهر المؤلفين الأحناف فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ وفيهَا أَي فِي الْأَشْبَاه إِذا سئلنا عَن مَذْهَبنَا وَمذهب مخالفنا قُلْنَا وجوبا مَذْهَبنَا صَوَاب يحْتَمل الْخَطَأ وَمذهب مخالفنا خطأ يحْتَمل الصَّوَاب وَإِذا سئلنا عَن معتقدنا ومعتقد خصومنا قُلْنَا وجوبا الْحق مَا نَحن عَلَيْهِ وَالْبَاطِل مَا عَلَيْهِ خصومنا وَأَيْضًا نسب الحصفكي أَبْيَات إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك فِي مدح الإِمَام أبي حنيفَة وَمِنْهَا ... فلعنة رَبنَا أعداد رمل ... على من رد قَول أبي حنيفَة ... وَنسب إِلَى أبي الْحسن الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ أَنه قَالَ كل آيَة تخَالف مَا عَلَيْهِ أَصْحَابنَا فَهِيَ مؤولة أَو مَنْسُوخَة وَحَدِيث كَذَلِك فَهُوَ مؤول أَو مَنْسُوخ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ الشَّافِعِي نَحن ندعي أَن يجب على كَافَّة العاقلين وَعَامة الْمُسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مَذْهَب الشَّافِعِي وَيجب على الْعَوام الطغام والجهال الأنذال أَيْضا انتحال مذْهبه بِحَيْثُ لَا يَبْغُونَ عَنهُ حولا وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلا
(1/17)

وَهَكَذَا كل وَاحِد يعظم إِمَامه ويرجح مذْهبه وَيَدْعُو إِلَى التقيد بِهِ ويسفه مَذَاهِب الآخرين ويبالغ فِي حط أقدارهم وَيرْفَع إِمَامه إِلَى منزلَة لم يبلغ بهَا أحد من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إقتداء المقلدين بَعضهم لبَعض فِي الصَّلَاة

وصل الْخلاف المذهبي بَين المقلدين إِلَى أَن كثيرا من فُقَهَاء الأحناف قد أفتوا بِبُطْلَان صَلَاة الْحَنَفِيّ وَرَاء إِمَام شَافِعِيّ قَالَ ابْن الْهمام قَالَ أَبُو الْيُسْر اقْتِدَاء الْحَنَفِيّ بشافعي غير جَائِز لما روى مَكْحُول النَّسَفِيّ فِي كتاب لَهُ سَمَّاهُ الشعاع أَن رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ مُفسد بِنَاء على أَنه عمل كثير وَمِنْهُم من قيد جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ كقاضيخان بِأَن لَا يكون متعصبا وَلَا شاكا فِي إيمَانه ويحتاط فِي مَوْضُوع الْخلاف وَقد رد الشَّافِعِيَّة على هَذِه التهجمات الْحَنَفِيَّة بِأَن ألفوا كتبا ينتقصون فِيهَا مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَمن أشهرها كتاب مغيث الْخلق فِي تَرْجِيح القَوْل الْحق لأبي الْمَعَالِي عبد الملك الْجُوَيْنِيّ الشهير بِإِمَام الْحَرَمَيْنِ ت 478 هـ فقد عَابَ فِيهِ مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة فِي الصَّلَاة وَقَالَ وَهُوَ يصور الصَّلَاة الَّتِي جوزها الْحَنَفِيَّة فَإِن من انغمس فِي مستنقع نَبِيذ وَلبس جلد كلب غير مدبوغ وَأحرم بِالصَّلَاةِ مبدلا بِصِيغَة التَّكْبِير تَرْجَمته تركيا أَو هنديا ويقتصر فِي الْقُرْآن على تَرْجَمَة قَوْله {مدهامتان} ثمَّ يتْرك الرُّكُوع وينقر النقرتين لَا قعُود بَينهمَا وَلَا يقْرَأ التَّشَهُّد ثمَّ يحدث عمدا فِي آخر صلَاته بدل التَّسْلِيم وَلَو انفلت مِنْهُ بِأَن سبقه
(1/18)

الْحَدث يُعِيد الْوضُوء فِي أثْنَاء صلَاته وَيحدث بعده فَإِن لم يكن قَاصِدا فِي حَدثهُ الأول تحلل عَن صلَاته على الصِّحَّة ثمَّ قَالَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يقطع بِهِ كل ذِي دين أَن مثل هَذِه الصَّلَاة لَا يبْعَث الله بهَا نَبيا وَمَا بعث مُحَمَّد بن عبد الله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ لدعاء النَّاس إِلَيْهَا وَهِي قطب الْإِسْلَام وعماد الدّين وَقد زعم أَن هَذَا الْقدر أقل الْوَاجِب فَهِيَ الصَّلَاة الَّتِي بعث بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا عَداهَا آدَاب وَسنَن فَإِذن تدقيق الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يلائم الأَصْل وَيُوَافِقهُ فَكَانَ أولى من تدقيق أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ لِأَنَّهُ يُخَالف الأَصْل
المحاريب الْأَرْبَعَة

من أَسْوَأ آثَار التَّقْلِيد على الْأمة مَا وَقع من تَقْسِيم الْقَضَاء والإفتاء والتدريس على عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَتَخْصِيص قَاض لَك مَذْهَب من الْمذَاهب يصور المقريزي هَذِه الظَّاهِرَة تصويرا محزنا فَيَقُول فَلَمَّا كَانَت سلطنة الْملك الظَّاهِر بيبرس البند قداري ولي بِمصْر والقاهرة أَرْبَعَة قُضَاة وهم شَافِعِيّ ومالكي وحنفي وحنبلي فاستمر ذَلِك من سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة حَتَّى لم يبْق فِي مَجْمُوع أَمْصَار الْإِسْلَام مَذْهَب يعرف من مَذَاهِب أهل الْإِسْلَام سوى هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وعقيدة الْأَشْعَرِيّ وعملت لأَهْلهَا الْمدَارِس والخوانك والزوايا والربط فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام وعودي من تمذهب بغَيْرهَا وَأنكر عَلَيْهِ وَلم يول قَاض وَلَا قبلت شَهَادَة أحد وَلَا قدم للخطابة
(1/19)

والإمامة والتدريس أحد مَا لم يكن مُقَلدًا لأحد هَذِه الْمذَاهب وَأفْتى فُقَهَاء هَذِه الْأَمْصَار بطول هَذِه الْمدَّة بِوُجُوب اتِّبَاع هَذِه الْمذَاهب وَتَحْرِيم مَا عَداهَا وَلم ينْتَه الْأَمر بِوُجُوب تَقْلِيد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة بل صَار كل مَذْهَب مِنْهَا كَدين مُسْتَقل ونصوا على بطلَان الصَّلَاة خلف مُخَالف الْمَذْهَب كَمَا مضى وبالتالي كَانَ إنْشَاء المقامات للمذاهب الْأَرْبَعَة فِي الْحرم الْمَكِّيّ أمرا حتميا قَامَ بِهِ أشر مُلُوك الجراكسة فرج بن برقوق فِي أَوَائِل الْمِائَة التَّاسِعَة وَكَانَ الْأَمر على ذَلِك حَتَّى جمعهم الْملك الإِمَام عبد العزيز آل السُّعُود خلف إِمَام وَاحِد وَهدم ابْنه الْملك سعود بن عبد العزيز هَذِه المقامات الْأَرْبَعَة عِنْد الْبناء الْجَدِيد لبيت الله الْحَرَام فجزاهما الله خيرا وللأسف الشَّديد حَتَّى الْآن تُوجد الْمَسَاجِد الْخَاصَّة بأصحاب الْمذَاهب فِي بعض الْبلدَانِ وخاصة فِي شبه القارة الْهِنْدِيَّة
الزواج بَين المقلدين

لقد وصل الْخلاف إِلَى أَن منع بعض الْفُقَهَاء الأحناف تزوج الْحَنَفِيّ من الْمَرْأَة الشَّافِعِيَّة ثمَّ صدرت فَتْوَى من فَقِيه آخر ملقب بمفتي الثقلَيْن فَأجَاز تزوج الْحَنَفِيّ بالشافعية وَعلل ذَلِك بقوله تَنْزِيلا لَهَا منزلَة أهل الْكتاب وَقَالَ الْعَلامَة رشيد رضَا وَقد بلغ من إِيذَاء بعض المتعصبين لبَعض فِي
(1/20)

طرابلس الشَّام فِي آخر الْقرن الْمَاضِي أَن ذهب بعض شُيُوخ الشَّافِعِيَّة إِلَى الْمُفْتِي وَهُوَ رَئِيس الْعلمَاء وَقَالَ لَهُ اقْسمْ الْمَسَاجِد بَيْننَا وَبَين الْحَنَفِيَّة فَإنَّا فلَانا من فقهائهم يعدنا كَأَهل الذِّمَّة بِمَا أذاع فِي هَذِه الْأَيَّام من خلافهم فِي تزوج الرجل الْحَنَفِيّ بِالْمَرْأَةِ الشَّافِعِيَّة وَقَول بَعضهم لَا يَصح لِأَنَّهَا تشك فِي إيمَانهَا يَعْنِي أَن الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم يجوزون أَن يَقُول الْمُسلم أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَقَول آخَرين بل يَصح نِكَاحهَا قِيَاسا على الذِّمِّيَّة
التناحر بَين الْمذَاهب
قد حصل التناحر العجيب بن الْمذَاهب بِحَيْثُ لم يكن يحب صَاحب مَذْهَب أَن تبقى الْمذَاهب الْأُخْرَى وَذَلِكَ تَحت رِعَايَة الدولة يَقُول المقريزي وَكَانَت الأفريقية الْغَالِب عَلَيْهَا السّنَن والْآثَار إِلَى أَن قدم عبد الله بن فروج أَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي بِمذهب أبي حنيفَة ثمَّ غلب أَسد بن الْفُرَات بن سِنَان قَاضِي أفريقية بِمذهب أبي حنيفَة ثمَّ أَن الْمعز بن باديس حمل جَمِيع أهل إفريقية على التَّمَسُّك بِمذهب مَالك وَترك مَا عَداهَا من الْمذَاهب فَرجع أهل إفريقية وَأهل الأندلس كلهم إِلَى مَذْهَب مَالك إِلَى الْيَوْم رَغْبَة فِيمَا عِنْد السُّلْطَان وحرصا على طلب الدُّنْيَا فَكَانَ الْقَضَاء والإفتاء فِي جَمِيع تِلْكَ المدن وَسَائِر الْقرى لَا يكون إِلَّا لمن تسمى بالفقه على مَذْهَب مَالك فاضطرت الْعَامَّة إِلَى أحكامهم وفتاواهم فَفَشَا هَذَا الْمَذْهَب هُنَاكَ فشوا طبق تِلْكَ الأقطار كَمَا فَشَا مَذْهَب أبي حنيفَة بِبِلَاد الْمشرق وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن كثير الدِّمَشْقِي أَن الْملك الْأَفْضَل ابْن
(1/21)

صَلَاح الدّين ت 595 هـ كَانَ قد عزم فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا على إِخْرَاج الْحَنَابِلَة من بَلَده وَأَن يكْتب إِلَى بَقِيَّة إخْوَته بإخراجهم من الْبِلَاد وَذكر أَيْضا أَن عبد الغني الْمَقْدِسِي تعرض إِلَى مَسْأَلَة صِفَات الله عز وَجل فِي دمشق فَغَضب عَلَيْهِ أَتبَاع الْمذَاهب الْأُخْرَى فَأمر الْأَمِير صارم الدّين برغش بنفيه من الْبَلَد وَأرْسل الْأُسَارَى من القلعة فكسروا مِنْبَر الْحَنَابِلَة وتعطلت يَوْمئِذٍ صَلَاة الظّهْر فِي محراب الْحَنَابِلَة
مدى انتشار الحروب وخراب الْبِلَاد بَين المتمذهبين
لم تكن الخلافات والنزاعات بَين المقلدين مقتصرة على الآراء الْفِقْهِيَّة فَقَط بل بلغ بهم التعصب إِلَى الحروب الطاحنة فِيمَا بَينهم يرْوى لنا التأريخ الشي الْكثير من ذَلِك قَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ وَهُوَ بصدد ذكر مَدِينَة أَصْبَهَان وَقد فَشَا الخراب فِي هَذَا الْوَقْت وَقَبله فِي نَوَاحِيهَا لِكَثْرَة الْفِتَن والتعصب بَين الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والحروب الْمُتَّصِلَة بَين الحزبين فَكلما ظَهرت طَائِفَة نهبت محلّة الْأُخْرَى وأحرقتها وخربتها لَا يَأْخُذهُمْ فِي ذَلِك إل وَلَا ذمَّة وَمَعَ ذَلِك فقد قل أَن تدوم بهَا دولة سُلْطَان أَو يُقيم بهَا فيصلح فاسدها وَكَذَلِكَ الْأَمر فِي رساتيقها وقراها الَّتِي كل وَاحِدَة مِنْهَا كالمدينة وَهَذَا غيض من فيض مِمَّا وَقع بَين أَتبَاع الْمذَاهب الَّذِي يندى لَهُ جبين التعصب أعاذنا الله جَمِيعًا من هَذَا الدَّاء العضال الَّذِي أصَاب الْأمة الإسلامية
(1/22)

المتلاحمة ففرقها ولنختم هَذَا الْمَوْضُوع بِمَا أوردهُ اللكنوي فِي كتاب الْفَوَائِد البهية فِي تَرْجَمَة عِيسَى بن سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب فقد قَالَ فِيهِ كَانَ متغاليا فِي التعصب لمَذْهَب أبي حنيفَة قَالَ لَهُ وَالِده يَوْمًا كَيفَ اخْتَرْت مَذْهَب أبي حنيفَة وَأهْلك كلهم شافعية فَقَالَ أترغبون عَن أَن يكون فِيكُم رجل وَاحِد مُسلم
رمتني بدائها وانسلت

بعد هَذَا الاستعراض لتأريخ التناحرات المذهبية المقيتة آمل أَن تتبلور حَقِيقَة دَعْوَى أَن الْمذَاهب كلهَا حق وعَلى الصَّوَاب وتنكشف نوايا المقلدة الخبيثة ضد الْأَئِمَّة الآخرين وحربهم الشعواء على الْمذَاهب الْأُخْرَى مُؤمنين إِيمَانًا جَازِمًا بِأَن الْمَذْهَب الَّذِي هم عَلَيْهِ هُوَ الْحجَّة الشَّرْعِيَّة الوحيدة على كل فَرد من أَفْرَاد الْأمة وَلَا يجوز لأحد أَن يخرج عَنهُ من المؤسف المحزن المخزي أَن الجذوة التقليدية الجائرة لم تخمد حَتَّى الْآن فِي أوساط أَتبَاع الْمذَاهب فِي كثير من الْبلدَانِ وَلَو كَانَ الْأَمر بِأَيْدِيهِم لأخذوا الْجِزْيَة من أَتبَاع الْمذَاهب الْأُخْرَى كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى البلاساغوني المبتدع قَاضِي دمشق الْمُتَوفَّى 506 هـ لَو كَانَ لي أَمر لأخذت الْجِزْيَة من الشَّافِعِيَّة يتقطع الْقلب حزنا وأسى على رضاهم عَن تِلْكَ الداهية الدهياء والمصيبة الصماء الَّتِي شتت شَمل الْأمة أَسْوَأ تشتيت فِي الْمَاضِي وتمزقها فِي الْمُسْتَقْبل شَرّ ممزق
(1/23)

إِذا لم ينتبهوا لخطرها المحدق وشرها المستطير إِن تعجب فَعجب من هَؤُلَاءِ الَّذين يفترون على الدعاة المحايدين عَن التَّقْلِيد الْأَعْمَى والتعصب المذهبي الَّذين يتألمون من وَاقع الْمُسلمين المرير وَوضع الْأمة المتدهور وينادون بوحدة الْأمة بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكتاب وَالسّنة والتحاكم إِلَيْهِمَا فِي الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا مَعَ الاحترام وَالتَّقْدِير وَالِاعْتِبَار باجتهادات الْأَئِمَّة ورواد هَذِه الْأمة ويرمونهم بالشذوذ والتقوقع والرجعية والتقهقر وَالِاجْتِهَاد واللامذهبية وعمالة الاستعمار وَالْحَرب على الْمذَاهب والعداوة للأئمة رَحِمهم الله وَذَلِكَ كُله بأقلام من الدكاترة والمشايخ والمحدثين أَيهَا القارىء الْكَرِيم قلي لي بِاللَّه من هُوَ أَحَق بِأَن يَتَّصِف بِتِلْكَ الصِّفَات فِي ضوء مَا مضى ذكره من النزاعات والخلافات بَين المتمذهبين هَكَذَا صَار الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا وانعكست المفاهيم واختلت الموازين واحتجبت الْحَقَائِق وَلَكِنِّي أعتقد بِأَنَّهَا لَا تغيب عَن الْمُسلم الْمنصف الْعَادِل مهما حاول المغرضون ... فَلَو لبس الْحمار ثِيَاب خَز ... لقَالَ النَّاس يالك من حمَار ... وَلَقَد أدْرك مدى هَذِه الخلافيات المذهبية بعض المغرضين الَّذين يقدمُونَ أعذارا بَارِدَة لعدم تطبيق الشَّرِيعَة الإسلامية كَمَا نقرأها فِي المجلات والصحف اليومية وَيَقُولُونَ أَن الْمذَاهب مُخْتَلفَة فَلَو طبقت الشَّرِيعَة فعلى أَي مَذْهَب تطبق وَلَا شكّ هَذَا موطن ضعف لَا يُمكن علاجه إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكتاب وَالسّنة مَعَ الاستنارة من آراء الْمُجْتَهدين فِي القضايا وترجيحها على الْأُخْرَى حسب قُوَّة الْأَدِلَّة لَا كَثْرَة العاملين المتعصبين لمَذْهَب فِي ميدان تصنيف الْفِقْه الإسلامي
(1/24)

وَإِلَّا يكون عبارَة عَن تجميع آراء الْمذَاهب بأدلتها الْخَاصَّة الَّذِي لَا يخْتَلف عَن الْكتب الْقَدِيمَة للمذاهب شَيْئا كم نتمنى أَن تعد موسوعة فقهية على هَذَا الْمنْهَج السَّلِيم المحايد كي تكون مرجعا موحدا لتلقي الْأَحْكَام فِي الْقَضَاء ودستورا شَرْعِيًّا أقرب مَا يُمكن إِلَى الصَّوَاب وقانونا رسميا يجْتَمع عَلَيْهِ الشّعب كُله وكل هَذَا مُمكن بِأَدْنَى تَوْجِيه من المسئولين القائمين على هَذِه الْأَمَانَة الإسلامية {وَمَا ذَلِك على الله بعزيز} إِبْرَاهِيم 20
بَاب الإجتهاد وأسبابه
لما تغلغل الْمَذْهَب فِي سويداء قُلُوبهم وغرز التَّقْلِيد الجامد براثنه فِي جسم الْأمة وفرطوا فِي الْقيام بالإجتهاد وَفِي الْمسَائِل واعتمدوا على الإحتكام إِلَى مَذْهَب من الْمذَاهب مهما كَانَ دَلِيله قُوَّة وضعفا نادوا بسد بَاب الإجتهاد فِي منتصف الْقرن الرَّابِع بِدُونِ دَلِيل وَبِدُون حق لأسباب تتلخص فِي النقاط التالية ضعف السُّلْطَان السياسي للخلفاء العباسيين مِمَّا أثر فِي حَيَاة الْفِقْه وَالْفُقَهَاء فَلم يَجدوا التشجيع الَّذِي كَانَ يحفزهم على الإنتاج الفقهي تدوين الْمذَاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مِمَّا جعل الْفُقَهَاء يركنون إِلَى هَذِه الثروة الْفِقْهِيَّة ويستغنون بهَا عَن الْبَحْث والاستنباط ضعف الثِّقَة بِالنَّفسِ والتهيب من الِاجْتِهَاد مِمَّا جعل الْفُقَهَاء يؤثرون التَّقْلِيد على الْخَوْض فِي ميدان الإجتهاد الْمُطلق إدعاء الإجتهاد مِمَّن لَيْسُوا أَهلا لَهُ فأفتوا بسد بَاب الإجتهاد دفعا لهَذَا
(1/25)

الْفساد وحفظا لدين الله شيوع التحاسد بَين الْعلمَاء مِمَّا جعل الْكثير مِنْهُم يحجم عَن الِاجْتِهَاد خوفًا من أَن يكيد لَهُ أعداؤه ويرموه بالإبتداع فوقفوا عِنْد أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين تعْيين الْقُضَاة والمفتين على الْمذَاهب مِمَّا كسر همم الْفُقَهَاء فِي الْخَوْض فِي الْمسَائِل عدم إعتداد الْعَامَّة بإجتهادات الْعلمَاء المعاصرين وثقتهم بالعلماء الْمُتَقَدِّمين خوف الْحُكَّام من اسْتِمْرَار الإجتهاد لما كَانَت تسببه إجتهادات بعض الْمُجْتَهدين لَهُم من تشويش وإحراج وقلق يَتَّضِح جليا بعد إمعان النّظر فِي هَذِه الْأَسْبَاب بِأَن مخاوف الْعلمَاء فِي اسْتِمْرَار الإجتهاد الْتَقت مَعَ رَغْبَة الْحُكَّام والساسة على إغلاق الِاجْتِهَاد وَإِن اخْتلفت الْمَقَاصِد والأهداف وَكَذَلِكَ لَيْسَ من بَين هَذِه العوامل أَي عَامل ديني فِي منع الِاجْتِهَاد
مَتى انسد بَاب الإجتهاد

اخْتلف الْعلمَاء الْقَائِلُونَ بسد بَاب الإجتهاد فِي تعْيين وَقت بَدْء إغلاق بَاب الِاجْتِهَاد قَالَ صَاحب فواتح الرحموت ثمَّ إِن من النَّاس من حكم بِوُجُوب الْخُلُو من بعد الْعَلامَة النَّسَفِيّ واختتم الإجتهاد بِهِ وعنوا الإجتهاد فِي الْمَذْهَب وَأما الإجتهاد الْمُطلق فَقَالُوا
(1/26)

اختتم بالأئمة الْأَرْبَعَة حَتَّى أوجبوا تَقْلِيد وَاحِد من هَؤُلَاءِ على الْأمة وَهَذَا كُله هوس من هوساتهم لم يَأْتُوا بِدَلِيل وَلَا يعبأ بكلامهم وَإِنَّمَا هم من الَّذين حكم الحَدِيث أَنهم أفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا وَلم يفهموا أَن هَذَا إِخْبَار بِالْغَيْبِ فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله تَعَالَى وَذكر ابْن حزم وَابْن قيم الجوزية قَول طَائِفَة قَالَت لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَزفر بن الْهُذيْل وَمُحَمّد بن الْحسن وَالْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي وَهَذَا قَول كثير من الْحَنَفِيَّة وَقَالَ بكر بن الْعَلَاء الْقشيرِي الْمَالِكِي لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الْمِائَتَيْنِ من الْهِجْرَة وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ ووكيع بن الْجراح وعبد الله بن الْمُبَارك وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الشَّافِعِي وَاخْتلفُوا مَتى انسد بَاب الإجتهاد على أَقْوَال كَثِيرَة مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَمِمَّا يَتَرَتَّب على فَتْوَى سد بَاب الإجتهاد أَنه يجوز خلو الْعَصْر من الْمُجْتَهد وَذهب إِلَيْهِ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب والكمال بن الْهمام وَابْن السُّبْكِيّ والبهاري وَغَيرهم
(1/27)

وَقَالَ الرَّافِعِيّ الْخلق كالمتفقين على أَنه لَا مُجْتَهد الْيَوْم وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَعَلَّه أَخذه من كَلَام الرَّازِيّ أَو من قَول الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط حَيْثُ صرح قَائِلا قد خلا الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد المستقل ثمَّ عقب على ذَلِك وَقَالَ وَنقل الِاتِّفَاق عَجِيب وَالْمَسْأَلَة خلافية بَيْننَا وَبَين الْحَنَابِلَة وساعدهم بعض أَئِمَّتنَا وَقَالَ الْحَنَابِلَة بِعَدَمِ جَوَاز خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد وَقَالَ ابْن بدران ذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يجوز خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد وَإِلَى ذَلِك ذهب طوائف وَلم يذكر ابْن عقيل خلاف هَذَا إِلَّا عَن بعض الْمُحدثين
ردود الْعلمَاء على سد بَاب الإجتهاد

إِن سد بَاب الإجتهاد على الْعلمَاء الْأَكفاء من جنايات التَّقْلِيد على الْأمة قَالَ الشَّوْكَانِيّ فَإِن هَذِه الْمقَالة بخصوصها أَعنِي انسداد بَاب الإجتهاد لَو لم يحدث من مفاسد التَّقْلِيد إِلَّا هِيَ لَكَانَ فِيهَا كِفَايَة وَنِهَايَة فَإِنَّهَا حَادِثَة رفعت الشَّرِيعَة بأسرها استلزمت نسخ كَلَام الله وَرَسُوله وَتَقْدِيم غَيرهمَا واستبدال غَيرهمَا بهما ... يَا ناعي الْإِسْلَام قُم وانعه ... قد زَالَ عرف وبدا مُنكر ...
(1/28)

وَقد رد الْعلمَاء على هَذِه الْمقَالة فِي كل عصر وإليكم بَيَان وجهات نظرهم حول سد بَاب الإجتهاد بِاخْتِصَار نصا أَو إِشَارَة قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الْمَعْرُوف بِابْن الْقصار الْمَالِكِي الْبَغْدَادِيّ ت 397 هـ فِي كِتَابه الْمُقدمَة فِي أصُول الْفِقْه الْبَاب التَّاسِع عشر فِي الإجتهاد وَفِيه تِسْعَة فُصُول ثمَّ قَالَ الثَّالِث فِيمَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الإجتهاد أفتى أَصْحَابنَا رَضِي الله عَنْهُم بِأَن الْعلم على قسمَيْنِ فرض عين وَفرض كِفَايَة فَفرض الْعين الْوَاجِب على كل أحد هُوَ علمه بحالته الَّتِي هُوَ فِيهَا وَأما فرض الْكِفَايَة الْعلم الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِحَالَة الْإِنْسَان فَيجب على الْأمة أَن تكون مِنْهُم طَائِفَة يتفقهون فِي الدّين ليكونوا قدوة للْمُسلمين حفظا للشَّرْع من الضّيَاع وَالَّذِي يتَعَيَّن لهَذَا من النَّاس من جاد حفظه وَحسن إِدْرَاكه وَطَابَتْ سجيته وَمن لَا فَلَا وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ ت 405 هـ التَّقْلِيد مُخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس بِمَا فيهم من آلَة الِاجْتِهَاد الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ أَو عَدمه لِأَن طلب الْعلم من فروض الْكِفَايَة وَلَو منع جَمِيع النَّاس من التَّقْلِيد وكلفوا الِاجْتِهَاد لتعين فرض الْعلم على الكافة وَفِي هَذَا اختلال نظام وَفَسَاد فَلَو كَانَ يجمعهُمْ التَّقْلِيد لبطل الِاجْتِهَاد وَسقط فرض الْعلم وَفِي هَذَا تَعْطِيل الشَّرِيعَة وَذَهَاب الْعلم فَلذَلِك وَجب الِاجْتِهَاد على من تقع بِهِ الْكِفَايَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن حزم الأندلسي الظَّاهِرِيّ ت 456 هـ بعد نقل قَوْلهم
(1/29)

لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار فأقوال فِي غَايَة الْفساد وَكيد للدّين لإخفاء بِهِ وضلال مغلق وَكذب على الله تَعَالَى إِذْ نسبوا ذَلِك إِلَيْهِ أَو دين جَدِيد أتونا بِهِ من عِنْد أنفسهم لَيْسَ من دين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي شَيْء وَهِي كَمَا نرى متدافعة متفاسدة ودعاوي متفاضحة متكاذبة لَيْسَ بَعْضهَا بِأولى من بعض وَلَا بَعْضهَا أَدخل فِي الضَّلَالَة والحمق من بعض وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمروزِي ت 462 هـ نقلا عَن الزبير فِي المسكت لن تَخْلُو الأَرْض من قَائِم لله بِالْحجَّةِ فِي كل وَقت وعهد وزمان وَذَلِكَ قَلِيل فِي كثير فَأَما أَن يكون غير مَوْجُود كَمَا قَالَ الْخصم فَلَيْسَ بصواب لِأَنَّهُ لَو عدم المجتهدون لم تقم الفراض كلهَا وَلَو بطلت الفراض كلهَا لحلت النقمَة بذلك فِي الْخلق وَقَالَ ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ ت 514 هـ لم يذكر خلاف هَذَا أَي خلاف عدم جَوَاز خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد فِي أَصْحَابنَا إِلَّا عَن بعض الْمُحدثين وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود اللّغَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْفراء ت 516 هـ
(1/30)

الْعلم يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كِفَايَة وَذكر فرض الْعين ثمَّ قَالَ وَفرض الْكِفَايَة هُوَ أَن يتَعَلَّم مَا يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَمحل الْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَيخرج من عداد المقلدين فعلى كَافَّة النَّاس الْقيام بتعلمه غير أَنه إِذا قَامَ من كل نَاحيَة وَاحِد أَو اثْنَان سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ فَإِذا قعد الْكل عَن تعلمه عصوا جَمِيعًا لما فِيهَا من تَعْطِيل أَحْكَام الشَّرْع قَالَ الله تَعَالَى {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين} التَّوْبَة 122 وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن برهَان ت 520 هـ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادر على التَّنْصِيص على حكم الْحَوَادِث والوقائع وَلم يفعل وَلَكِن نَص على أصُول ورد معرفَة الحكم فِي الْفُرُوع إِلَى النّظر وَالِاجْتِهَاد قَالَ أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني ت 548 هـ ثمَّ الِاجْتِهَاد من فروض الكفايات لَا من فروض الْأَعْيَان حَتَّى إِذا اشْتغل بتحصيله وَاحِد سقط الْفَرْض عَن الْجَمِيع وَإِن قصر فِيهِ أهل عصر عصوا بِتَرْكِهِ وأشرفوا على خطر عَظِيم فَإِن الْأَحْكَام الاجتهادية إِذا كَانَت مرتبَة على الِاجْتِهَاد وترتيب الْمُسَبّب على السَّبَب وَلم يُوجد السَّبَب كَانَت الْأَحْكَام عاطلة فَلَا بُد إِذن من مُجْتَهد قَالَ السُّيُوطِيّ فَانْظُر كَيفَ حكم بعصيان أهل الْعَصْر بأسرهم إِذا قصروا فِي الْقيام بِهَذَا الْفَرْض وَأقَام على فرضيته دَلِيلا عقليا قَطْعِيا لَا شُبْهَة فِيهِ
(1/31)

وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السلام ت 660 هـ شرحا لقَوْل ابْن الْحَاجِب إِنَّه لَا يجوز تَوْلِيَة الْمُقَلّد الْبَتَّةَ وَيرى هَذَا الْقَائِل أَن رُتْبَة الإجتهاد مَقْدُور على تَحْصِيلهَا وَهِي شَرط فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَهِي مَوْجُودَة إِلَى الزَّمَان الَّذِي أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ بِانْقِطَاع الْعلم وَلم نصل إِلَيْهِ إِلَى الْآن وَإِلَّا كَانَت الْأمة مجتمعة على الْخَطَأ وَذَلِكَ بَاطِل وَقَالَ السُّيُوطِيّ مُعَلّقا عَلَيْهِ فَانْظُر كَيفَ صرح بِأَن رُتْبَة الِاجْتِهَاد غير متعذرة وَإِنَّهَا بَاقِيَة إِلَى زَمَانه وَبِأَنَّهُ يلْزم من فقدها اجْتِمَاع الْأمة على الْبَاطِل وَهُوَ محَال وَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن سراقَة الشَّافِعِي ت 662 هـ وَلَو كَانَ جَمِيع الْعلم جليا لَا يحْتَاج إِلَى بحث واجتهاد وَلَا إِلَى نظر واستنباط لَكَانَ علم التَّوْحِيد كَذَلِك فَكَانَ الْعلم بِاللَّه سُبْحَانَهُ ضَرُورَة وَكَانَ فِي ذَلِك سُقُوط المثوبة وَإِبْطَال الشَّرِيعَة وَاسْتغْنى عَن الْعَمَل لطلب الثَّوَاب وَخَوف الْعقَاب وَهَذِه صفة الْآخِرَة وَحكم بَقَاء الْخلق فِي الْجنَّة قَالَ السُّيُوطِيّ مُعَلّقا عَلَيْهِ فَانْظُر كَيفَ جعل ترك الإجتهاد مُؤديا إِلَى إبِْطَال الشَّرِيعَة وَهُوَ نَظِير مَا نَص عَلَيْهِ غَيره قَالَ يحيى بن شرف النَّوَوِيّ ت 676 هـ الْمُجْتَهد الْمُطلق هُوَ الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة
(1/32)

وَقَالَ أَيْضا بعد ذكر آدَاب المتعلم فبذلك تظهر لَهُ الْحَقَائِق وتنكشف المشكلات ويطع على الغوامض وَحل المعضلات وَيعرف مَذَاهِب الْعلمَاء وَالرَّاجِح من الْمَرْجُوح ويرتفع عَن الجمود على مَحْض التَّقْلِيد ويلتحق بالأئمة الْمُجْتَهدين أَو يقاربهم إِن وفْق لذَلِك وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد ت 702 هـ وَالْأَرْض مَا تَخْلُو من قَائِم لله بِالْحجَّةِ وَالْأمة الشَّرِيفَة لَا بُد فِيهَا من سالك إِلَى الْحق على وَاضح المحجة إِلَى أَن يَأْتِي أَمر الله فِي أَشْرَاط السَّاعَة الْكُبْرَى ويتتابع بعده مَا لَا يبْقى مَعَه إِلَّا قدوم الْأُخْرَى وَقَالَ أَحْمد بن عبد الحليم بن تَيْمِية ت 728 هـ بعد ذكر من يَقُول بِوُجُوب التَّقْلِيد بعد عصر أبي حنيفَة وَمَالك مُطلقًا وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْأمة أَن الِاجْتِهَاد جَائِز فِي الْجُمْلَة والتقليد جَائِز فِي الْجُمْلَة لَا يوجبون الِاجْتِهَاد على كل أحد ويحرمون التَّقْلِيد وَلَا يوجبون التَّقْلِيد على كل أحد ويحرمون الِاجْتِهَاد وَأَن الِاجْتِهَاد جَائِز للقادر على الِاجْتِهَاد والتقليد جَائِز للعاجز عَن الِاجْتِهَاد وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ ت 748 هـ يَا مقلد وَيَا من زعم أَن الإجتهاد قد انْقَطع وَمَا بَقِي مُجْتَهد لَا حَاجَة لَك فِي الِاشْتِغَال بأصول الْفِقْه وَلَا فَائِدَة فِي أصُول الْفِقْه إِلَّا لمن يصير مُجْتَهدا بِهِ فَإِذا عرفه وَلم يفك تَقْلِيد إِمَامه لم يصنع شَيْئا بل أتعب نَفسه وَركب على نَفسه الْحجَّة فِي
(1/33)

مسَائِل وَإِن كَانَ يَقْرَؤُهُ لتَحْصِيل الوضائف وليتعال فَهَذَا من الوبال وَقَالَ شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن الْقيم ت 751 هـ بصدد الرَّد على التَّقْلِيد وَهَذِه بِدعَة قبيحة حدثت فِي الْأمة لم يقل بهَا أحد من أَئِمَّة الْإِسْلَام وهم أَعلَى مرتبَة وَأجل قدرا وَأعلم بِاللَّه وَرَسُوله من أَن يلزموا النَّاس بذلك وَأبْعد مِنْهُ قَول من قَالَ يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب عَالم من الْعلمَاء وَأبْعد مِنْهُ من قَالَ يلْزمه أَن يتمذهب بِأحد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيا لله الْعجب مَاتَت مَذَاهِب أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومذاهب التَّابِعين وتابعيهم وَسَائِر أَئِمَّة الْإِسْلَام وَبَطلَت جملَة إِلَّا مَذَاهِب أَرْبَعَة أنفس فَقَط من بَين سَائِر الْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء هَل قَالَ ذَلِك أحد من الْأَئِمَّة أَو دَعَا إِلَيْهِ أَو دلّت عَلَيْهِ لَفْظَة وَاحِدَة من كَلَامه عَلَيْهِ وَالَّذِي أوجبه الله تَعَالَى وَرَسُوله على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم هُوَ الَّذِي أوجبه عَليّ من بعدهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يخْتَلف الْوَاجِب وَلَا يتبدل وَإِن اخْتلفت كيفيته أَو قدره باخْتلَاف الْقُدْرَة وَالْعجز وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْحَال فَهَذَا أَيْضا تَابع لما أوجبه الله وَرَسُوله وَقَالَ أَيْضا إِن المقلدين حكمُوا على الله قدرا وَشرعا بالحكم الْبَاطِل جهارا الْمُخَالف لما أخبر بِهِ رَسُوله فأخلوا الأَرْض من القائمين لله بحججه وَقَالُوا لم يبْق فِي الأَرْض عَالم مُنْذُ الاعصار الْمُتَقَدّمَة فَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد أبي حنيفَة وَقَالَ تَاج الدّين بن السُّبْكِيّ ت 771 هـ فِي الترشيح
(1/34)

قَالَ لي الشَّيْخ شهَاب الدّين بن النَّقِيب جَلَست بِمَكَّة بَين طَائِفَة من الْعلمَاء وقعدنا نقُول لَو قدر الله تَعَالَى بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي هَذَا الزَّمَان مُجْتَهدا عَارِفًا بمذاهبهم أَجْمَعِينَ ويركب لنَفسِهِ مذهبا من الْأَرْبَعَة بعد اعْتِبَار هَذِه الْمذَاهب الْمُخْتَلفَة كلهَا لازدان الزَّمَان بِهِ وانقاد النَّاس لَهُ فاتفق رَأينَا أَن هَذِه الرُّتْبَة لَا تعدو الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَلَا يَنْتَهِي لَهَا سواهُ وَقَالَ بهاء الدّين مُحَمَّد بن عبد البر السُّبْكِيّ ت 777 هـ وشتان بَين أجر من يَأْتِي بِالْعبَادَة لفتوى لَهُ إِنَّهَا وَاجِبَة أَو سنة وَمن يَأْتِي بهَا وَقد ثلج صَدره عَن الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن ذَلِك كَذَلِك وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا بالإجتهاد وَالنَّاس فِي حضيض عَن ذَلِك إِلَّا من تغلغل بأصول الْفِقْه وكرع من مناهله الصافية وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الشاطبي ت 790 هـ إِن الوقائع فِي الْوُجُود لَا تَنْحَصِر فَلَا يَصح دُخُولهَا تَحت الْأَدِلَّة المنحصرة وَلذَلِك احْتِيجَ إِلَى فتح بَاب الِاجْتِهَاد من الْقيَاس وَغَيره فَلَا بُد من حُدُوث وقائع لَا تكون مَنْصُوص على حكمهَا وَلَا يُوجد للأولين فِيهِ اجْتِهَاد وَعند ذَلِك فإمَّا أَن يتْرك النَّاس مَعَ أهوائهم أَو ينظر فِيهَا بِغَيْر اجْتِهَاد شَرْعِي وَهُوَ أَيْضا اتِّبَاع للهوى وَذَلِكَ كُله فَسَاد فَلَا يكون بُد من التَّوَقُّف لَا إِلَى غَايَة وَهُوَ معنى تَعْطِيل التَّكْلِيف لُزُوما وَهُوَ مؤد إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَإِذا لَا بُد من الإجتهاد فِي كل زمَان لِأَن الوقائع الْمَفْرُوضَة لَا تخْتَص بِزَمَان دون زمَان
(1/35)

وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ ت 794 هـ لما لم يكن بُد مِمَّن يعرف حكم الله فِي الوقائع وتعرف ذَلِك بِالنّظرِ غير وَاجِب على التَّعْيِين فَلَا بُد أَن يكون وجود الْمُجْتَهد من فروض الْكِفَايَة وَلَا بُد أَن يكون فِي كل قطر من تقوم بِهِ الْكِفَايَة وَلِهَذَا قَالُوا إِن الإجتهاد من فروض الكفايات وَقَالَ أَيْضا لَا يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد أَن يكون مَشْهُورا فِي الْقَبَائِل لِأَن الْعبْرَة بِمَا فِيهِ من الصِّفَات لَا بشهرته وَلَا يشْتَرط أَن يكون صَاحب مَذْهَب بل قَوْله مهما علم أَنه مُجْتَهد مَقْبُول وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد الدمنهوري ت 806 هـ لَا ينْتَفع إِلَّا من رفع الله عَن قلبه حجاب التَّقْلِيد فَإِنَّهُ سَبَب لحرمان كل خير وسائق لَك عواقة بل أَكثر مَا وَقع الْخلق فِي الْكفْر والنفاق مِنْهُ كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم {بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون} الزخرف 22 {وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون} الزخرف 23 {قَالَت لَهُم رسلهم} {أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون} الزخرف 24 وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ من ربط الْجَهْل على قُلُوبهم وربط التَّقْلِيد على أفهامهم حَتَّى يدبروا مَا يُقَال لَهُم ويستنكفوا عَمَّن يرشدهم لظنهم الْفَاسِد أَنه لَا يُمكن أَن يكون الْمُتَأَخر أفضل من الْمُتَقَدّم ويعتقدون أَن ذَلِك من قبيل المستحيل وَلم يعلمُوا أَن مواهب الله تَعَالَى لَا تَنْقَطِع
(1/36)

وفيض جوده لَا ينْفد وَإِنَّمَا حرم ذَلِك من حرمه وَقَالَ عز الدّين بن جمَاعَة ت 819 هـ إِحَالَة أهل زَمَاننَا وجود الْمُجْتَهد يصدر عَن جبن مَا وَإِلَّا فكثيرا مَا يكون الْقَائِلُونَ لذَلِك من الْمُجْتَهدين وَمَا الْمَانِع من فضل الله واختصاص بعض الْفَيْض والوهب وَالعطَاء بِبَعْض أهل الصفوة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بالوزير الْيَمَانِيّ ت 840 هـ فَإِذا تقرر أَن الْمَوَاهِب الربانية لَا تَنْتَهِي إِلَى حد والعطايا اللدنية لَا تقف على مِقْدَار لم يحسن من الْعَاقِل أَن يقطع على الْخلق بتعسير مَا الله قَادر على تيسيره فيقنط بِكَلَامِهِ طامعا ويتحجر من فضل الله وَاسِعًا بل يخلي بَين النَّاس وَبَين هممهم وطمعهم فِي فضل الله عَلَيْهِم حَتَّى يصل كل أحد إِلَى مَا قسمه الله تَعَالَى من الْحَظ فِي الْفَهم وَالْعلم وَسَائِر أَفعَال الْخَيْر وَهَذَا مِمَّا لَا يفْتَقر إِلَى حجاج لَوْلَا أهل المراء واللجاج وَقَالَ جلال الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيُوطِيّ ت 911 هـ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الرَّد على من أخلد إِلَى الأَرْض وَبعد فَإِن النَّاس قد غلب عَلَيْهِم الْجَهْل وعمهم وَأَعْمَاهُمْ حب العناد وأصمهم فاستعظموا دَعْوَى الإجتهاد وعدوه مُنْكرا بَين الْعباد وَلم يشْعر هَؤُلَاءِ الجهلة إِن الِاجْتِهَاد فرض من فروض الكفايات فِي كل عصر وواجب على أهل كل زمَان أَن يقوم بِهِ طَائِفَة فِي كل قطر وَهَذَا كتاب فِي تَحْقِيق ذَلِك
(1/37)

وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأمير الصَّنْعَانِيّ ت 1182 هـ فَالْحق الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غُبَار الحكم بسهولة الإجتهاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَإنَّهُ أسهل مِنْهُ فِي الْأَعْصَار الخالية لمن لَهُ فِي الدّين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صَحِيحا ونباهة فِي علمي السّنة وَالْكتاب ثمَّ قَالَ تَقول تعذر الِاجْتِهَاد مَا هَذَا وَالله إِلَّا من كفران النِّعْمَة وجحودها والإخلاد إِلَى ضعف الهمة وركودها إِلَّا أَنه لَا بُد مَعَ ذَلِك أَولا من غسل فكرته عَن أدران العصبية وَقطع مَادَّة الوساوس المذهبية وسؤال لِلْفَتْحِ من الفتاح الْعَلِيم وَتعرض لفضل الله فَإِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم فالعجب كل الْعجب بِمن يَقُول يتَعَذَّر الإجتهاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَإنَّهُ محَال مَا هَذَا إِلَّا منع لما بَسطه الله من فَضله لفحول الرِّجَال واستبعاد لما خرج من يَدَيْهِ واستصعاب لما لم يكن لَدَيْهِ وَكم للأئمة الْمُتَأَخِّرين من استنباطات رائقة واستدلالات صَادِقَة مَا حام حولهَا الْأَولونَ وَلَا عرفهَا مِنْهُم الناظرون وَلَا دارت فِي بصائر المستبصرين وَلَا جالت فِي أفكار المفكرين وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ ت 1250 هـ 2 بعد مَا نقل قَول الرَّافِعِيّ فِي الِاتِّفَاق على انه لَا مُجْتَهد الْيَوْم وَإِذا أمعنت النّظر وجدت هَؤُلَاءِ المنكرين إِنَّمَا أَتَوا من قبل أنفسهم فَإِنَّهُم لما عكفوا على التَّقْلِيد وَاشْتَغلُوا بِغَيْر علم الْكتاب وَالسّنة وحكموا على غَيرهم بِمَا وَقَعُوا فِيهِ واستصعبنا مَا سهله الله عَليّ من رزقه الْعلم والفهم وأفاض على قلبه أَنْوَاع عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وَلما كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين صَرَّحُوا بِعَدَمِ وجود الْمُجْتَهدين شافعية فها نَحن نصرح لَك من وجد من الشَّافِعِيَّة بعد عصرهم مِمَّن لَا يُخَالف
(1/38)

مُخَالف فِي أَنه جمع أَضْعَاف عُلُوم الإجتهاد فَمنهمْ ابْن عبد السلام وتلميذه ابْن دَقِيق الْعِيد ثمَّ تِلْمِيذه ابْن سيد النَّاس ثمَّ تِلْمِيذه زين الدّين الْعِرَاقِيّ ثمَّ تِلْمِيذه ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ثمَّ تِلْمِيذه السُّيُوطِيّ فَهَؤُلَاءِ سِتَّة أَعْلَام كل وَاحِد مِنْهُم تلميذ من قبله قد بلغُوا من المعارف العلمية مَا يعرفهُ من يعرف مصنفاتهم حق مَعْرفَتهَا وكل وَاحِد مِنْهُم إِمَام كَبِير فِي الْكتاب وَالسّنة مُحِيط بعلوم الإجتهاد إحاطة متضاعفة عَالم بعلوم خَارِجَة عَنْهَا ثمَّ فِي المعاصرين لهَؤُلَاء كثير من المماثلين لَهُم وَجَاء بعدهمْ من لَا يقصر عَن بُلُوغ مَرَاتِبهمْ والتعداد لبعهضم فضلا عَن كلهم يحْتَاج إِلَى بسط طَوِيل وَقد قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر مَا لَفظه وَلم يخْتَلف اثْنَان فِي أَن ابْن عبد السلام بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَكَذَلِكَ ابْن دَقِيق الْعِيد انْتهى وَهَذَا الْإِجْمَاع من هَذَا الشَّافِعِي يَكْفِي فِي مُقَابلَة حِكَايَة الِاتِّفَاق من ذَلِك الشَّافِعِي الرَّافِعِيّ ثمَّ قَالَ وَمَا هَذِه بِأول فاقرة جَاءَ بهَا المقلدون وَلَا هِيَ أول مقَالَة بَاطِلَة قَالَهَا المقصرون وَمن حصر فضل الله على بعض خلقه وَقصر فهم هَذِه الشَّرِيعَة المطهرة على من تقدم عصره فقد تجرأ على الله عز وَجل ثمَّ على شَرِيعَته الْمَوْضُوعَة لكل عبَادَة ثمَّ على عباده الَّذين تعبدهم الله بِالْكتاب وَالسّنة ويالله الْعجب من مقالات هِيَ جهالات وضلالات فَإِن هَذِه الْمقَالة تَسْتَلْزِم رفع التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة وَأَنه لم يبْق إِلَّا تَقْلِيد الرِّجَال الَّذين هم متعبدون بِالْكتاب وَالسّنة كتعبد من جَاءَ بعدهمْ على حد سَوَاء فَإِن كَانَ التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة مُخْتَصًّا بِمن كَانُوا فِي العصور السَّابِقَة وَلم يبْق لهَؤُلَاء إِلَى التَّقْلِيد لمن تقدمهم وَلَا يتمكنون من معرفَة أَحْكَام الله من كتاب الله وَسنة رَسُوله فَمَا
(1/39)

الدَّلِيل على هَذِه التَّفْرِقَة الْبَاطِلَة والمقالة الزائفة وَهل النّسخ إِلَّا هَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَقَالَ عبد القادر بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن بدران الدِّمَشْقِي قد أَطَالَ الْعلمَاء النَّفس فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَأورد كل من الْفَرِيقَيْنِ حجَجًا وأدلة وَكَأن الْقَائِلين بِجَوَاز خلو عصر عَن مُجْتَهد قاسوا جَمِيع عُلَمَاء الْأمة على أنفسهم وخيلوا لَهَا أَنه لَا أحد يبلغ أَكثر من مبلغهم من الْعلم ثمَّ رازوا انفسهم فوجدوها سَاقِطَة فِي الدَّرك الْأَسْفَل من التَّقْلِيد فمنعوا فضل الله تَعَالَى وَقَالُوا لَا يُمكن وجود مُجْتَهد فِي عصرنا الْبَتَّةَ بل غلا أَكْثَرهم فَقَالَ لَا مُجْتَهد بعد الأربعمائة من الْهِجْرَة وينحل كَلَامهم هَذَا أَن فضل الله كَانَ مدرارا على أهل العصور الْأَرْبَعَة ثمَّ أَنه نضب فَلم يبْق مِنْهُ قَطْرَة تنزل على الْمُتَأَخِّرين مَعَ أَن فضل الله لَا ينضب وعطاؤه ومدده لَا يقفان عِنْد الْحَد الَّذِي حدده أُولَئِكَ وَقَالَ أَحْمد مُحَمَّد شَاكر القَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد قَول بَاطِل لَا برهَان عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا تَجِد لَهُ شبه دَلِيل وَقَالَ مُحَمَّد مصطفى المراغي شيخ الْجَامِع الْأَزْهَر الأسبق فِي بَحثه عَن الإجتهاد فِي الْإِسْلَام وَإِنِّي مَعَ احترامي لرأي الْقَائِلين باستحالة الإجتهاد أخالفهم فِي رَأْيهمْ وَأَقُول إِن فِي عُلَمَاء الْمعَاهد الدِّينِيَّة فِي مصر من توافرت فيهم شُرُوط الإجتهاد وَيحرم عَلَيْهِم التَّقْلِيد
(1/40)

وَقَالَ الدكتور وَهبة الزحيلي وَقد أحسن بعض الْعلمَاء كَابْن تَيْمِية والحركات السلفية الحديثة إِذْ قرروا بَقَاء بَاب الإجتهاد مَفْتُوحًا لمن كَانَ أَهلا لَهُ وَنقل أَيْضا عَن مُحَمَّد سعيد الْبَانِي لَا دَلِيل أصلا على سد بَاب الإجتهاد وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى فارغة وَحجَّة واهنة أوهن من بَيت العنكبوت لِأَنَّهَا غير مستندة إِلَى دَلِيل شَرْعِي أَو عَقْلِي سوري المتوارث وَقَالَ أَيْضا وَالِاجْتِهَاد مُمكن كل الْإِمْكَان الْيَوْم وَلَا صعوبة فِيهِ بِشَرْط أَن ندفن تِلْكَ الأوهام والخيالات ونمزق ذَلِك الران الَّذِي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الْمَاضِي وآفات الخمول وَالظَّن الآثم بِعَدَمِ إِمْكَان الْوُصُول إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ الْأَولونَ حَتَّى عد ذَلِك كَأَنَّهُ ضرب من المستحيل هَل هُنَاكَ مُسْتَحِيل بعد غَزْو الفضاء واختراع أَنْوَاع الْآلَات الحديثة العجيبة الصنع وَقَالَ الدكتور حسن أَحْمد مرعي أعتقد أَن كل عَاقل يُوجب الِاجْتِهَاد على الْكِفَايَة ليعرف النَّاس مِنْهُ أَحْكَام مَا يقومُونَ بِهِ من أَعمال فِي هَذِه الْحَيَاة حَتَّى تكون حياتنا سائرة فِي ركاب الدّين وَإِذا كُنَّا نؤمن بخلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد فَلم هَذِه الاجتماعات لفقهاء الْعَالم الإسلامي مرّة فِي الْقَاهِرَة وَأُخْرَى فِي لاهور وثالثة فِي مَكَّة ورابعة فِي الرياض وَغَيرهَا وَغَيرهَا
(1/41)

كَانَ يكفينا مَا بَين أَيْدِينَا من كتب وتراث وَلَكِن الْحَيَاة متجددة والأعراف مُخْتَلفَة والعقول مُتَفَاوِتَة فاجتماعتنا هَذِه دَلِيل حَتَّى على أَنه لَا زَالَ ركب الْمُجْتَهدين يتتابع وسيظل هَذَا إِن شَاءَ الله حَتَّى يَأْذَن الله بِفنَاء هَذَا الْعَالم وَقَالَ مُحَمَّد أَبُو زهرَة إِن قَضِيَّة فتح بَاب الإجتهاد فِي الْمَذْهَب الْحَنْبَلِيّ قَضِيَّة تضافرت عَلَيْهَا أَقْوَال الْمُتَأَخِّرين وأقوال الْمُتَقَدِّمين حَتَّى لقد قَالَ ابْن عقيل من مُتَقَدِّمي الْفُقَهَاء فِي ذَلِك الْمَذْهَب الْجَلِيل إِنَّه لَا يعرف خلافًا فِيهِ بَين الْمُتَقَدِّمين ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ الإجتهاد مَفْتُوحًا وَإِذا كَانَ الْعلية من أَصْحَاب أَحْمد وَأَتْبَاعه قد استنكروا أَن يَخْلُو زمن من الْمُجْتَهدين المستقلين فَإِن ذَلِك الْمَذْهَب يكون ظلا ظليلا لأحرار الْفِكر من الْفُقَهَاء وَلذَلِك كثر فِيهِ الْعلمَاء الفطاحل فِي كل العصور ثمَّ قَالَ قد أَتَى علينا بعد هَذَا الْعرض أَن نقرر أَن ذَلِك الْمَذْهَب الأثري مَذْهَب فِي عناصر أُصُوله كل الْأَسْبَاب الَّتِي تنميه وَقد وجد رجال علوا بِهِ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الطَّرِيق الأمثل فأوجدوا فِيهِ حَيَاة تتسع لأحكام الْحَوَادِث فِي كل الْأَزْمِنَة والأمكنة بعد هَذَا الْعرض السَّرِيع لاحتجاجات بعض الْعلمَاء القدامى والمعاصرين على القَوْل بسد بَاب الإجتهاد أعتقد أَن تبطل دَعْوَى الإتفاق وَالْإِجْمَاع عَلَيْهِ وتزول فكرة الْخَوْف والذعر من أَنه لَيْسَ الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن كَمَا فهمه الْقَائِلُونَ بذلك بل الإجتهاد واستكمال شَرَائِطه لَيْسَ عسيرا بعد تدوين الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة وتعدد المصنفات فِيهَا وتصفية كل دخيل عَلَيْهَا لأجل هَذَا قَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ
(1/42)

لَا يخفي على من لَهُ أدنى فهم أَن الإجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لِأَن التفاسير للْكتاب الْعَزِيز قد دونت وَصَارَت فِي الْكَثْرَة إِلَى حد لَا يُمكن حصره وَالسّنة المطهرة قد دونت وَتكلم الْأمة على التَّفْسِير وَالتَّجْرِيح والتصحيح وَالتَّرْجِيح بِمَا هُوَ زِيَادَة على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد وَقد كَانَ السّلف الصَّالح وَمن قبل هَؤُلَاءِ المنكرين يرحل للْحَدِيث الْوَاحِد من قطر إِلَى قطر فالإجتهاد على الْمُتَأَخِّرين أيسر وأسهل من الإجتهاد على الْمُتَقَدِّمين وَلَا يُخَالف فِي هَذَا من لَهُ فهم صَحِيح وعقل سوي
توضيح بعض الْأُمُور المهمة
أُرِيد أَن أوضح بعض الْأُمُور حَتَّى لَا تنشأ الأفكار الْخَاطِئَة لَدَى القاءى الْكَرِيم أَولا إِن الْعلمَاء الَّذين ردوا على القَوْل بإغلاق بَاب الإجتهاد بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لم يدعوا لأَنْفُسِهِمْ الإجتهاد بل حاولوا الدفاع عَن الْمَوَاهِب الإلهية الَّتِي حظى بهَا الْعلمَاء الفطاحل القادرين على الإجتهاد وَإِخْرَاج الْفِقْه الإسلامي من دَائِرَة محدودة إِلَى ميدان وَاسع فسيح وَذَلِكَ من الاستمداد من فقه الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم وَفقه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا من فقه أَئِمَّة الإجتهاد الآخرين ثَانِيًا لَا يَعْنِي الإجتهاد الْآن إِحْدَاث آراء جَدِيدَة لوقائع مستحدثة فَقَط وَإِنَّمَا مجاله أَيْضا النّظر فِي دلَالَة أَدِلَّة الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة من حَيْثُ الْقُوَّة والضعف وترجيحها على الْأُخْرَى بِدُونِ تقيد بِمذهب معِين ليجد الباحث عَن الْحق بغيته بِدُونِ أَي تخبط
(1/43)

وَيَا ليتها دونت موسوعة فقهية على هَذَا النهج السديد خلت من رواسب التَّقْلِيد الجامد ورجحت الْمسَائِل فِيهَا قُوَّة على الْأَدِلَّة لَا على أَدِلَّة الْمَذْهَب ضَعِيفَة كَانَت أَو قَوِيَّة حَتَّى لَا تكون نُسْخَة ثَانِيَة من كتب الْفِقْه الْقَدِيمَة وَيكون الباحث عَن الْمَسْأَلَة فِيهَا مشدوها حائرا فِيمَا يتْرك وَفِيمَا يخْتَار وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا باستخدام الْعلمَاء الَّذين لَهُم اطلَاع وَاسع على السّنة النَّبَوِيَّة المطهرة وفقهها مَعَ الْعلم بالفقه الْعَام وأصوله ليميز عِنْد الِاسْتِدْلَال على الْمسَائِل بالأحاديث بَين الصَّحِيحَة والضعيفة والموضوعة ثَالِثا لَيْسَ الْمَقْصُود بِهَذَا الْعرض أَن يسمح لكل من هَب ودب أَن يتلاعب بالشريعة باسم الإجتهاد بل الْمَقْصُود أَن لَا يشنع على من زينه الله عز وَجل بِعلم الشَّرِيعَة وفقهها وَلَا يمْنَع بفضله سُبْحَانَهُ على من عِنْده كفاءة للخوض فِي الْمسَائِل وَلَا يتهم بِالْخرُوجِ على الْأَئِمَّة لأجل الِاجْتِهَاد وَلَا يَرْمِي بالشذوذ إِذا خَالف آراء الآخرين بالأدلة لِأَن أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة لَا تكون شَاذَّة بل هِيَ مُسْتَقلَّة بذاتها لَا تحْتَاج إِلَى دَلِيل آخر فالعالم الجهبذ الَّذِي رزقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فقه الشَّرِيعَة وَالْعلم بأحكامها ترحب أَقْوَاله وآراؤه مهما علم أَنه مُجْتَهد فِي الْمسَائِل وَلَا يشْتَرط لَهُ أَن يكون صَاحب مَذْهَب {ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم} الْجُمُعَة 3 قَالَ مُحَمَّد أَبُو زهرَة وَلَقَد كَانَ ابْن تَيْمِية ينْهَى من عِنْده أدوات الِاجْتِهَاد عَن التَّقْلِيد ويوصي الدارس الفاحص أَن لَا يتبع إِلَّا مَا يوصله إِلَيْهِ الدَّلِيل غير مُعْتَمد على سواهُ وَلَا يتبع غير سَبيله وَأَنه يفتح بَاب الإجتهاد على مصراعيه للقادر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ يَسْتَطِيع أَن يجْتَهد فِي بعض أَبْوَاب الْفِقْه دون الْبَعْض الآخر وَسعه أَن يُقَلّد فِيمَا لَا يَسْتَطِيع أَن يجْتَهد فِيهِ وَلَا يَسعهُ التَّقْلِيد فِيمَا يَسْتَطِيع الإجتهاد فِيهِ
(1/44)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي حكم تَصْحِيح الْأَحَادِيث وتضعيفها فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقد ثَبت أَن الإجتهاد من الْفُرُوض الدِّينِيَّة والشعائر الإسلامية وَيسْتَمر إِلَى مَا شَاءَ الله عز وَجل حسب الوقائع والأحداث وَلَا يَنْتَهِي بِتَغَيُّر الظروف وَالْأَحْوَال وَلَا يبْلى بمرور الزَّمَان وَلَا يخْتَص بعصر دون عصر بل هُوَ منحة ربانية عَامَّة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب الْقطع بِأَنَّهُ غير مُتَعَذر فِي أَي مجَال من المجالات لِأَن المتعذر غير مطاق والإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَطلب الحَدِيث النَّبَوِيّ وتمييزه من حَيْثُ الصِّحَّة وَالْحسن والضعف والوضع مَطْلُوب شرعا وواجب على الْعلمَاء الْأَكفاء فَلَو أوجبه الله تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَذر لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ قد كلف الْإِنْسَان مَا لَا يطيقه وَهَذَا يسْتَلْزم القَوْل بتكليف مَا لَا يُطَاق وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُول {وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ} الْمُؤْمِنُونَ 62
فكرة تعذر التَّصْحِيح والتضعيف فِي مصطلح الحَدِيث

عرفنَا مِمَّا مضى فِي الْبَاب الأول من جِنَايَة التَّقْلِيد على الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة فَكَانَ من الطبيعي أَن يتأثر الِاجْتِهَاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه بِشَيْء من جفوة التَّقْلِيد الجامد وتلحقه بعض رواسب القَوْل بسد بَاب الإجتهاد
(1/45)

صَاحب هَذِه الفكرة

مَعْلُوم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبَا عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرحمن الشهرزوري الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح 577 - 643 هـ الَّذِي هُوَ أحد رواد مصطلح الحَدِيث كَانَ مِمَّن يرى وجوب تَقْلِيد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وسد بَاب الِاجْتِهَاد فِي الْفِقْه بعدهمْ فَأدْخل فكرة منع الإجتهاد فِي التَّصْحِيح والتضعيف أَيْضا فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث الْمَعْرُوف بمقدمة ابْن الصّلاح الَّذِي هُوَ من أشهر الْكتب فِي مصطلح الحَدِيث فقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَعْرِيف كِتَابه وَهُوَ يبين التأريخ العلمي لعلوم الحَدِيث إِلَى أَن جَاءَ الْحَافِظ الْفَقِيه تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن الصّلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فَجمع لما ولى تدريس الحَدِيث بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية كِتَابه الْمَشْهُور فهذب فنونه وأملاه شَيْئا بعد شَيْء فَلهَذَا لم يحصل ترتيبه على الْوَضع المتناسب واعتنى بتصانيف الْخَطِيب المتفرقة فَجمع شتات مقاصدها وَضم إِلَيْهَا من غَيرهَا نخب فوائدها فَاجْتمع فِي كِتَابه مَا تفرق فِي غَيره فَلهَذَا عكف النَّاس عَلَيْهِ وَسَارُوا بسيره فَلَا يحصي كم ناظم لَهُ ومختصر ومستدرك عَلَيْهِ ومقتصر ومعارض لَهُ ومنتصر حَقًا هُوَ كَذَلِك كل من كتب بعده فِي عُلُوم الحَدِيث عَال على كِتَابه وَعَكَفَ عَلَيْهِ وَسَار بسيره وَوَافَقَ على مَا أثبت وقلما يُخَالف فِيمَا دون إِلَّا فِي مَسْأَلَة تعذر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار المتأخره حَيْثُ قَالَ فِي مقدمته
(1/46)

إِذا وجدنَا فِيمَا يرْوى من أَجزَاء الحَدِيث وَغَيرهَا حَدِيثا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم نجده فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ وَلَا مَنْصُوصا على صِحَّته فِي شَيْء من مصنفات أَئِمَّة الحَدِيث الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة فَإنَّا لَا نتجاسر على جزم الحكم بِصِحَّتِهِ فقد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْأَسَانِيد لِأَنَّهُ مَا من إِسْنَاد من ذَلِك إِلَّا وتجد فِي رِجَاله من اعْتمد فِي رِوَايَته على مَا فِي كِتَابه عريا عَمَّا يشْتَرط فِي الصَّحِيح من الْحِفْظ والضبط والإتقان فآل الْأَمر إِذا فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي تصانيفهم الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة الَّتِي يُؤمن فِيهَا لشهرتها من التَّغْيِير والتحريف وَصَارَ مُعظم الْمَقْصُود بِمَا يتداول من الْإِسْنَاد خَارِجا عَن ذَلِك إبْقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة زَادهَا الله تَعَالَى شرفا آمين فقد خُولِفَ ابْن الصّلاح فِي هَذِه الْمقَالة من قبل كل من جَاءَ بعده من رواد عُلُوم الحَدِيث ومشاهير عُلَمَاء المصطلح كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن حجر قَائِلا قد اعْترض على ابْن الصّلاح كل من اختصر كَلَامه
مشاهير عُلَمَاء المصطلح يردون على ابْن الصّلاح

جزى الله تَعَالَى عُلَمَاء الْأمة خير الْجَزَاء على أَنهم لَا يخَافُونَ فِي الْحق لومة لائم وَلَا يداهنون فِي الرَّد على مَا يُخَالف الْوَاقِع وَلَا يسكتون على مَا يظْهر بُطْلَانه وأيا كَانَ قَائِله حَتَّى ينْكَشف زيفه وَيرد الْحق إِلَى نصابه انطلاقا من هَذَا المبدأ الْأَصِيل أَفَاضَ مشاهير عُلَمَاء مصطلح الحَدِيث فِي الرَّد على ابْن الصّلاح أَيْضا فِي قَوْله يتَعَذَّر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة كَمَا أَفَاضَ
(1/47)

الْعلمَاء الرواد فِي الْفِقْه فِي الرَّد على القَوْل بسد بَاب الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وإليكم الْآن مآخذ رواد عُلَمَاء المصطلح فِي عصورهم على مقَالَة ابْن الصّلاح ليَكُون الدارس الفاحص على هدى وبصيرة من الْأَمر قَالَ محيي الدّين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ ت 676 هـ مُعَلّقا على كَلَام ابْن الصّلاح وَالْأَظْهَر عِنْدِي جَوَازه أَي التَّصْحِيح لمن تمكن وقويت مَعْرفَته وَقَالَ أَحْمد بن عبد الحليم بن تَيْمِية ت 728 هـ وَهُوَ بصدد ذكر الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة عِنْد البُخَارِيّ الَّتِي نازعه فِيهَا الْعلمَاء وَالْمَقْصُود هُنَا التَّمْثِيل بِالْحَدِيثِ الَّذِي يروي فِي الصَّحِيح وينازع فِيهِ بعض الْعلمَاء وَأَنه قد يكون الرَّاجِح تَارَة وَتارَة الْمَرْجُوح وَمثل هَذَا من موارد الِاجْتِهَاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث كموارد الإجتهاد فِي الْأَحْكَام وَهَذَا لَا يكون إِلَّا صدقا وَجُمْهُور متون الصَّحِيح من هَذَا الضَّرْب نصر الإِمَام ابْن تَيْمِية على أَن الإجتهاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث كالاجتهاد فِي الْأَحْكَام وَقَالَ بدر الدّين بن جمَاعَة ت 733 هـ وَأما مَا صَحَّ سَنَده فِي كتاب أَو جُزْء وَلم يُصَحِّحهُ إِمَام مُعْتَمد فَلَا يحكم بِصِحَّتِهِ لِأَن مُجَرّد الْإِسْنَاد لَا يَكْفِي فِيهِ والاستقلال بِهِ مُتَعَذر فِي هَذِه الْأَعْصَار قلت مَعَ غَلَبَة الظَّن أَنه لَو صَحَّ لما أهمله أَئِمَّة الْأَعْصَار الْمُتَقَدّمَة لشدَّة فحصهم واجتهادهم فَإِن بلغ أحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَهْلِيَّة ذَلِك والتمكن من
(1/48)

مَعْرفَته احْتمل استقلاله وَقَالَ أَيْضا بَعْدَمَا ذكر قَول ابْن الصّلاح فِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم بِأَن فِيهِ تساهلا وَمَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ لَا يجْزم بِهِ بل يَجْعَل حسنا إِلَّا أَن يظْهر ضعفه لعِلَّة أَو غَيرهَا قلت فِي قَوْله يَجْعَل حسنا نظر بل يَنْبَغِي أَن يتتبع فِي أَصله وَسَنَده وسلامته ثمَّ يحكم عَلَيْهِ لحاله وَقَالَ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن كثير الدِّمَشْقِي ت 774 هـ كَذَلِك يُوجد فِي معجمي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير والأوسط ومسندي أبي يعلى وَالْبَزَّار وَغير ذَلِك من المسانيد والمعاجم والفؤاد والأجزاء مَا يتَمَكَّن المتبحر فِي هَذَا الشَّأْن من الحكم بِصِحَّة كثير مِنْهُ بعد النّظر فِي حَال رِجَاله وسلامته من التَّعْلِيل الْفَاسِد وَقَالَ زين الدّين عبد الرحيم بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ ت 802 هـ لما تقدم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يستوعبا إِخْرَاج الصَّحِيح فَكَأَنَّهُ قيل فَمن أَيْن يعرف الصَّحِيح الزَّائِد على مَا فيهمَا فَقَالَ أَي ابْن الصّلاح خُذْهُ إِذْ تنص صِحَّته أَي حَيْثُ ينص على صِحَّته إِمَام مُعْتَمد كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ فِي مصنفاتهم الْمُعْتَمدَة كَذَا قَيده ابْن الصّلاح فِي مصنفاتهم وَلم أقيد بهَا بل إِذا صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِم صححوه وَلَو فِي غير مصنفاتهم أَو صَححهُ من لم يشْتَهر لَهُ تصنيف من الْأَئِمَّة كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَابْن معِين وَنَحْوهمَا فَالْحكم كَذَلِك على الصَّوَاب
(1/49)

وَإِنَّمَا قَيده ابْن الصّلاح بالمصنفات لِأَنَّهُ ذهب إِلَى أَنه لَيْسَ لأحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح الْأَحَادِيث فَلهَذَا لم يعْتَمد على صِحَة السَّنَد إِلَى من صَححهُ فِي غير تصنيف مَشْهُور وَقَالَ أَيْضا وَهُوَ بصدد الرَّد على قَول ابْن الصّلاح فِي تساهل الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك حَيْثُ حكم على مَا فِيهِ مَا لم يكن من قبيل الصَّحِيح فَهُوَ من قبيل الْحسن يحْتَج بِهِ وَيعْمل بِهِ إِلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه إِن الحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ فَقَط تحكم فَالْحق أَن مَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ يتتبع بالكشف عَنهُ وَيحكم عَلَيْهِ بِمَا يَلِيهِ بِحَالهِ من الصِّحَّة وَالْحسن والضعف وَلَكِن ابْن الصّلاح رَأْيه أَنه لَيْسَ لأحد أَن يصحح فِي هَذِه الْأَعْصَار فَلهَذَا قطع النّظر عَن الْكَشْف عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا مَا رَجحه النَّوَوِيّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث فقد صحّح جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين أَحَادِيث لم نجد لمن تقدمهم فِيهَا تَصْحِيحا فَمن المعاصرين لِابْنِ الصّلاح ت 643 هـ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الملك بن الْقطَّان ت 628 هـ صَاحب كتاب بَيَان الْوَهم وَالْإِيهَام الواقعين فِي كتاب الْأَحْكَام وَقد صحّح فِي كِتَابه الْمَذْكُور عدَّة أَحَادِيث ثمَّ ذكر الْأَمْثِلَة وَمِمَّنْ صحّح أَيْضا من المعاصرين لَهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدّين مُحَمَّد بن عبد الواحد الْمَقْدِسِي ت 643 هـ جمع كتابا سَمَّاهُ المختارة الْتزم فِيهِ الصِّحَّة
(1/50)

وَذكر فِيهِ أَحَادِيث لم يسْبق إِلَى تصحيحها فِيمَا أعلم وَتُوفِّي الضياء الْمَقْدِسِي فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا ابْن الصّلاح ت 643 هـ وَصحح الْحَافِظ زكي الدّين عبد العظيم بن عبد القوي الْمُنْذِرِيّ ت 656 هـ حَدِيث غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِي جُزْء جمع فِيهِ مَا ورد فِي ذَلِك وَتُوفِّي الزكي الْمُنْذِرِيّ سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ صحّح الطَّبَقَة الَّتِي تلِي هَذِه أَيْضا فصحح الْحَافِظ شرف الدّين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت 705 هـ وَذكر مِثَال ذَلِك ثمَّ صحّح الطَّبَقَة الَّتِي تلِي هَذِه وهم شُيُوخنَا فصحح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ ت 756 هـ ثمَّ ذكر مِثَال ذَلِك وَلم يزل ذَلِك دأب من بلغ أَهْلِيَّة ذَلِك مِنْهُم إِلَّا أَن فيهم من لَا يقبل ذَلِك مِنْهُم وَكَذَا كَانَ المتقدمون رُبمَا صحّح بَعضهم شَيْئا فَأنْكر عَلَيْهِ تَصْحِيحه وَالله أعلم وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير الْيَمَانِيّ ت 840 هـ
(1/51)

الضَّرْب الثَّانِي من ضربي التَّصْحِيح أَن لَا ينص على صِحَة الحَدِيث أحد من الْمُتَقَدِّمين وَلَكِن تبين لنا رجال إِسْنَاده وعرفناهم من كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل الصَّحِيحَة بِنَقْل الثِّقَات سَمَاعا أَو غَيره من طرق النَّقْل كالإجازة والوجادة فَهَذَا وَقع فِيهِ خلاف لِابْنِ الصّلاح فَإِنَّهُ ذكر أَنا لَا نجزم بِصِحَّة ذَلِك لعدم خلو الْإِسْنَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار مِمَّن يعْتَمد على كِتَابه من غير تَمْيِيز لما فِيهِ وَخَالفهُ فِي دَعْوَاهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ الْأَظْهر عِنْدِي جَوَازه لمن تمكن وقويت مَعْرفَته وَقَالَ زين الدّين هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث وَقد ناقش شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر ت 852 هـ رَأْي الشَّيْخ ابْن الصّلاح ورأي الْمُخَالفين لَهُ مناقشة علمية دقيقة مفصلا كَمَا نَقله السُّيُوطِيّ فَقَالَ قَالَ شيخ الْإِسْلَام قد اعْترض على ابْن الصّلاح كل من اختصر كَلَامه وَكلهمْ دفع فِي صدر كَلَامه من غير إِقَامَة دَلِيل وَلَا بَيَان تَحْلِيل وَمِنْه من احْتج بمخالفة أهل عصره وَمن بعده لَهُ فِي ذَلِك كَابْن الْقطَّان ت 628 هـ والضياء الْمَقْدِسِي ت 643 هـ والزكي الْمُنْذِرِيّ ت 656 هـ وَمن بعدهمْ كَابْن الْمواق ت 721 هـ والدمياطي ت 750 هـ والمزي ت 742 هـ وَنَحْوهم وَلَيْسَ بوارد لِأَنَّهُ لَا حجَّة على ابْن الصّلاح بِعَمَل غَيره وَإِنَّمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِإِبْطَال دَلِيل أَو معارضته بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ لَا سلف لَهُ فِي ذَلِك وَلَعَلَّه بناه على جَوَاز خلو الْعَصْر من الْمُجْتَهد وَهَذَا إِذا انْضَمَّ إِلَى مَا قبله من أَنه لَا سلف لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَعمل أهل عصره
(1/52)

وَمن بعدهمْ على خلاف مَا قَالَ انتهض دَلِيلا للرَّدّ عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ إِن فِي عباراته مناقشات مِنْهَا قَوْله فَإنَّا لَا نتجاسر ظَاهره أَن الأولى ترك التَّعَرُّض لَهُ لما فِيهِ من التَّعَب وَالْمَشَقَّة وَإِن لم ينْهض إِلَى دَرَجَة التَّعَذُّر فَلَا يحسن قَوْله بعد تعذر وَمِنْهَا أَنه ذكر مَعَ الضَّبْط الْحِفْظ والإتقان وَلَيْسَت مُتَغَايِرَة وَمِنْهَا أَنه قَابل بِعَدَمِ الْحِفْظ وجود الْكتاب فأفهم أَنه يعيب من حدث من كِتَابه ويصوب من حدث عَن ظهر قلبه وَالْمَعْرُوف من أَئِمَّة الحَدِيث خلاف ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَإِذا كَانَ الرَّاوِي عدلا وَلَكِن لَا يحفظ مَا يسمعهُ عَن ظهر قلب وَاعْتمد مَا فِي كِتَابه فَحدث مِنْهُ فقد فعل اللَّازِم لَهُ فَحَدِيثه على هَذِه الصُّورَة صَحِيح قَالَ وَفِي الْجُمْلَة مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن الصّلاح من كَون الْأَسَانِيد مَا مِنْهَا إِلَّا وَفِيه من لم يبلغ دَرَجَة الضَّبْط المشترطة فِي الصَّحِيح إِن أَرَادَ أَن جَمِيع الْإِسْنَاد كَذَلِك فَهُوَ مَمْنُوع لِأَن من جملَته من يكون من رجال الصَّحِيح وَقل أَن يَخْلُو إِسْنَاد عَن ذَلِك وَإِن أَرَادَ بعض الْإِسْنَاد كَذَلِك فَمُسلم وَلَكِن لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر إِلَّا فِي جُزْء ينْفَرد بروايته من وصف بذلك أما الْكتاب الْمَشْهُور الْغَنِيّ بشهرته عَن اعْتِبَار الْإِسْنَاد منا إِلَى مُصَنفه كالمسانيد وَالسّنَن مِمَّا لَا يحْتَاج فِي صِحَة نسبتها إِلَى مؤلفها إِلَى اعْتِبَار إِسْنَاد معِين فَإِن المُصَنّف مِنْهُم إِذا روى حَدِيثا وَوجدت الشَّرَائِط فِيهِ مَجْمُوعَة وَلم يطلع الْمُحدث المتقن المطلع فِيهِ على عِلّة لم يمْتَنع الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَو لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين
(1/53)

قَالَ ثمَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامه من قبُول التَّصْحِيح من الْمُتَقَدِّمين ورده من الْمُتَأَخِّرين قد يسْتَلْزم رد مَا هُوَ صَحِيح وَقبُول مَا لَيْسَ بِصَحِيح فكم من حَدِيث حكم بِصِحَّتِهِ إِمَام مُتَقَدم اطلع الْمُتَأَخر فِيهِ على عِلّة قادحة تمنع من الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَا سِيمَا إِن كَانَ ذَلِك الْمُتَقَدّم مِمَّن لَا يرى التَّفْرِقَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن كَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قَالَ وَالْعجب مِنْهُ أَي من ابْن الصّلاح كَيفَ يَدعِي تَعْمِيم الْخلَل فِي جَمِيع الْأَسَانِيد الْمُتَأَخِّرَة ثمَّ يقبل تَصْحِيح الْمُتَقَدّم وَذَلِكَ التَّصْحِيح إِنَّمَا يتَّصل للمتأخر بِالْإِسْنَادِ الَّذِي يَدعِي فِيهِ الْخلَل فَإِن كَانَ ذَلِك الْخلَل مَانِعا من الحكم بِصِحَّة الْإِسْنَاد فَهُوَ مَانع من الحكم بِقبُول ذَلِك التَّصْحِيح وَإِن كَانَ لَا يُؤثر فِي الْإِسْنَاد فِي مثل ذَلِك لشهرة الْكتاب كَمَا يرشد إِلَيْهِ كَلَامه فَكَذَلِك لَا يُؤثر فِي الْإِسْنَاد الْمعِين الَّذِي يتَّصل بِهِ رِوَايَة ذَلِك الْكتاب إِلَى مُؤَلفه وينحصر النّظر فِي مثل أَسَانِيد ذَلِك المُصَنّف مِنْهُ فَصَاعِدا وَلَكِن قد يقوى مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الصّلاح بِوَجْه آخر وَهُوَ ضعف نظر الْمُتَأَخِّرين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَقَدِّمين وَقيل إِن الْحَامِل لِابْنِ الصّلاح على ذَلِك أَن الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم كتاب كَبِير جدا يصفو لَهُ مِنْهُ صَحِيح كثير وَهُوَ مَعَ حرصه على جمع الصَّحِيح غزير الْحِفْظ كثير الِاطِّلَاع وَاسع الرِّوَايَة فيبعد كل الْبعد أَن يُوجد حَدِيث بشرائط الصِّحَّة لم يُخرجهُ وَهَذَا قد يقبل لكنه لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر قلت والأحوط فِي مثل ذَلِك أَن يعبر عَنهُ بِصَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا يُطلق التَّصْحِيح لاحْتِمَال عِلّة للْحَدِيث خفيت عَلَيْهِ وَقد رَأَيْت من يعبر خشيَة من ذَلِك
(1/54)

بقوله صَحِيح إِن شَاءَ الله وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الرحمن السخاوي ت 902 هـ بعد ذكر قَول ابْن الصّلاح فِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم وَأَنه جعل مَا لم يكن مردودا من أَحَادِيثه دائرا بَين الصِّحَّة وَالْحسن احْتِيَاطًا وَحِينَئِذٍ فَلم يتحكم بِغَيْر دَلِيل نعم جر سَده بَاب التَّصْحِيح إِلَى عدم تَمْيِيز أَحدهمَا من الآخر لاشْتِرَاكهمَا كَمَا صرح بِهِ فِي الحجية وَالْحق كَمَا أرشد إِلَيْهِ الْبَدْر بن جمَاعَة أَن يتتبع الْكتاب ويكشف عَن أَحَادِيثه وَيحكم بِمَا يَلِيق بِهِ من الصِّحَّة أَو الْحسن أَو الضعْف وَقد تنبه السُّيُوطِيّ إِلَى نُكْتَة جَدِيدَة فِي هَذَا المبحث حَيْثُ قَالَ لم يتَعَرَّض المُصَنّف أَي النَّوَوِيّ وَمن بعده كَابْن جمَاعَة وَغَيره مِمَّن اختصر ابْن الصّلاح والعراقي فِي الألفية والبلقيني وَأَصْحَاب النكت إِلَّا للتصحيح فَقَط وسكتوا عَن التحسين وَقد ظهر لي أَن يُقَال فِيهِ إِن من جوز التَّصْحِيح فالتحسين أولى وَمنع منع فَيحْتَمل أَن يجوزه وَقد حسن الْمزي حَدِيث طلب الْعلم فَرِيضَة مَعَ تَصْرِيح الْحفاظ بتضعيفه وَحسن جمَاعَة كَثِيرُونَ أَحَادِيث صرح الْحفاظ بتضعيفها ثمَّ تَأَمَّلت كَلَام ابْن الصّلاح فرأيته سوى بَينه وَبَين التَّصْحِيح حَيْثُ قَالَ فآل الْأَمر إِذا فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي كتبهمْ إِلَى آخِره
(1/55)

وَقد منع وَوَافَقَ عَلَيْهِ المُصَنّف وَغَيره أَن يجْزم بِتَضْعِيف الحَدِيث اعْتِمَادًا على ضعف إِسْنَاده لاحْتِمَال أَن يكون لَهُ إِسْنَاد صَحِيح غَيره فَالْحَاصِل أَن ابْن الصّلاح سد بَاب التَّصْحِيح والتحسين والتضعيف على أهل هَذَا الزَّمَان لضعف أهليتهم وَإِن لم يُوَافق على الأول وَلَا شكّ أَن الحكم بِالْوَضْعِ أولى بِالْمَنْعِ قطعا إِلَّا حَيْثُ لَا يخفى كالأحاديث الطوَال الرَّكِيكَة الَّتِي وَضعهَا الْقصاص أَو مَا فِيهِ مُخَالفَة لِلْعَقْلِ أَو الْإِجْمَاع وَأما الحكم للْحَدِيث بالتواتر أَو الشُّهْرَة فَلَا يمْتَنع إِذا وجدت الطّرق الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك وَيَنْبَغِي التَّوَقُّف على الحكم بالفردية والغرابة وَعَن الْعِزَّة أَكثر وَقَالَ زين الدّين زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ السنكي ت 925 هـ فَابْن الصّلاح جعل مَا انْفَرد الْحَاكِم بِتَصْحِيحِهِ وَلم يكن مردودا دائرا بَين الصَّحِيح وَالْحسن احْتِيَاطًا لَا حسنا مُطلقًا كَمَا اقْتَضَاهُ النّظم وَإِن جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَغَيره مَعَ أَن فِي ذَلِك تحكما وَيُمكن تَصْحِيح ذَلِك بِأَن يُقَال إِنَّه حسن فِي الحكم من حَيْثُ الحجية وَإِن لم يتَمَيَّز فِيهِ الصَّحِيح من الْحسن اصْطِلَاحا وَالْحق أَن يتتبع كِتَابه بالكشف عَنهُ وَيحكم بِمَا يَلِيق بِهِ من الصِّحَّة وَالْحسن والضعف وَلما كَانَ رَأْي ابْن الصّلاح أَنه لَيْسَ لأحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح حَدِيثا قطع النّظر عَن تتبع ذَلِك وَقَالَ جمال الدّين القاسمي ت 1332 هـ بعد مَا نقل كَلَام ابْن الصّلاح فِي تعذر التَّصْحِيح
(1/56)

وَقد اقتفى أثر ابْن الصّلاح فِي كل مَا ذكره من جَاءَ بعده إِلَّا فِي تعذر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة فخالفه فِيهِ جمع مِمَّن لحقه ثمَّ ذكر ردود الْعلمَاء على ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْأَمر وَقَالَ أَحْمد مُحَمَّد شَاكر ذهب ابْن الصّلاح إِلَى أَنه قد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْأَسَانِيد وَمنع بِنَاء على هَذَا من الْجَزْم بِصِحَّة حَدِيث لم نجده فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ وَلَا مَنْصُوصا على صِحَّته فِي شَيْء من مصنفات أَئِمَّة الحَدِيث الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة وَبنى على قَوْله هَذَا أَن مَا صَححهُ الْحَاكِم من الْأَحَادِيث وَلم نجد فِيهِ لغيره من المعتمدين تَصْحِيحا وَلَا تضعيفا حكمنَا بِأَنَّهُ حسن إِلَّا أَن يظْهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه وَقد رد الْعِرَاقِيّ وَغَيره قَول ابْن الصّلاح هَذَا وأجازوا لمن تمكن وقويت مَعْرفَته أَن يحكم بِالصِّحَّةِ أَو بالضعف على الحَدِيث بعد الفحص عَن إِسْنَاده وَعلله وَهُوَ الصَّوَاب وَالَّذِي أَرَادَ أَن ابْن الصّلاح ذهب إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ بِنَاء على القَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد بعد الْأَئِمَّة فَكَمَا حظروا الِاجْتِهَاد فِي الْفِقْه أَرَادَ ابْن الصّلاح أَن يمْنَع الِاجْتِهَاد فِي الحَدِيث وهيهات فَالْقَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد قَول بَاطِل لَا برهَان عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا تَجِد لَهُ شبه دَلِيل هَكَذَا أبطل الْعلمَاء الفطاحل دَعْوَى تعذر الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَفِي
(1/57)

الحكم على الحَدِيث فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة على السوَاء وَقد ألف الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ ت 1182 هـ رِسَالَة مُسْتَقلَّة فِي بطلَان هَذِه الدَّعْوَى أسماها بإرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد فأجاد وَأفَاد وَقَالَ إِنَّه لَا مانه لمن وجد فِي هَذِه الْأَعْصَار حَدِيثا لم يسْبق عَلَيْهِ كَلَام إِمَام من الْأَئِمَّة بتصحيح وَلَا غَيره فتتبع كَلَام أَئِمَّة الرِّجَال فِي أَحْوَال رُوَاته حَتَّى حصل لَهُ من كَلَامهم ثِقَة رِوَايَته أَو عدمهَا فَجزم بِأَيِّهِمَا على الحَدِيث كَمَا جزم من قبله من أَئِمَّة التَّصْحِيح والتضعيف من مثل البُخَارِيّ وَغَيره ومستنده فِي ذَلِك مُسْتَند من قبله غَايَة الْفرق أَنه كثر الوسائط فِي حَقه لتأخر عصره وَهَذَا مُوجب لمَشَقَّة الْبَحْث عَلَيْهِ لِكَثْرَة الروَاة الَّذين يبْحَث عَن أَحْوَالهم وَلَكِن رُبمَا كَانَ ثوابهم أَكثر لزِيَادَة مشقة الْبَحْث هَذَا إِذا كَانَت طَرِيق الْمُتَأَخر هِيَ الرِّوَايَة وَأَرَادَ معرفَة أَحْوَال شُيُوخه وتحقيقها حَتَّى يبلغ إِلَى مؤلف الْكتاب الَّذِي قَرَأَهُ وَأما إِذا كَانَت طَريقَة الْإِجَازَة أَو الوجادة فَإِنَّهُ لَا كَثْرَة للوسائط أصلا بل هُوَ كالقدماء فِي ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَيكون مُجْتَهدا فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ مثلا فَإِنَّهُ كَمَا أَنه لَا محيص عَن القَوْل بِأَن تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْأَوَّلين اجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِنَّمَا بنوه على مَا بلغ إِلَيْهِم من أَحْوَال الروَاة ففرعوا عَلَيْهِ التَّصْحِيح وجعلوه عبارَة عَن ثِقَة الروَاة وضبطهم كَذَلِك لَا محيص عَن القَوْل بَان مَا صَححهُ من بعدهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو ضَعَّفُوهُ أَو حسنوه حكمه مَا قَالَه الْأَولونَ من الْأَئِمَّة إِذْ الأَصْل فِي الْكل وَاحِد وَهُوَ قبُول أَخْبَار من سلف عَن أَحْوَال الروَاة وصفاتهم وَإِلَّا كَانَ القَوْل بِخِلَاف هَذَا تحكما لَا يَقُول بِهِ عَالم وَإِذا عرفت هَذَا عرفت ضعف مَا قَالَه ابْن الصّلاح بل بُطْلَانه من أَنه
(1/58)

لَيْسَ لنا الْجَزْم بالتصحيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد خَالفه النَّوَوِيّ وَرجح زين الدّين كَلَام النَّوَوِيّ وَهُوَ الْحق إِن كَلَام الْأَمِير هَذَا حَقًا أَمِير الْكَلَام فِي هَذَا الْمَوْضُوع ومسك الختام هُنَا انْتهى مَا أردْت تَقْيِيده وأسأل الله تَعَالَى أَن أكون قد وفقت لإِثْبَات مَا رَأَيْت من الْحق فَإِن أصبت فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ وَإِن أَخْطَأت فمني وَمن الشَّيْطَان ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك وأدعو الله عز وَجل أَن يرينا الْحق ويرزقنا اتِّبَاعه ويرينا الْبَاطِل بَاطِلا ويرزقنا اجتنابه كي نَكُون مِمَّن قَالَ فيهم {الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب} الزمر 18 اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي هَذَا خَالِصا لوجهك الْكَرِيم يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم الْحَمد لله أَولا وآخرا وَصلى الله على سيدنَا وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
(1/59)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث نبذة عَن حَيَاة الْمُؤلف مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ 1099 - 1182 هـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
نسبه ومولده
هُوَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالأمير الحسني اليمني الكحلاني الصَّنْعَانِيّ ولد رَحمَه الله فِي مَدِينَة كحلان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة من عَام 1099 هـ تِسْعَة وَتِسْعين وَألف من الْهِجْرَة
نشأته وبراعته فِي الْعُلُوم
انْتقل وَالِده وَأَهله من كحلان إِلَى صنعاء فَنَشَأَ بهَا وَأتم حفظ الْقُرْآن عَن ظهر قلب وتعهده أَبوهُ بالتربية والتعليم وَكَانَ من الْفُضَلَاء الراغبين فِي الْعلم الزاهدين فِي الدُّنْيَا ت 1142 هـ وأسلمه إِلَى النحارير من أهل الْعلم حَتَّى تخرج عَلَيْهِم عَالما فَاضلا وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وَتفرد برئاسة الْعلم فِي صنعاء وَتظهر بِالِاجْتِهَادِ وَعمل بالأدلة وَنَفر عَن التَّقْلِيد وزيف مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ من الآراء الْفِقْهِيَّة وَجَرت لَهُ مَعَ أهل عصره خطوب ومحن ويذكره الشَّوْكَانِيّ
(1/61)

بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق ويعده من أَئِمَّة المجددين لمعالم الدّين
شُيُوخه

أَخذ عَن وَالِده الْفِقْه والنحو وَالْبَيَان وعلوم الدّين وَمن شُيُوخه المعروفين صَلَاح بن حُسَيْن الكحلاني وَزيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم ولازمه كل يَوْم حَتَّى فرق بَينهمَا موت الشَّيْخ وَالْقَاضِي عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي وهَاشِم بن يحيى الشَّامي وعبد الله بن عَليّ الْوَزير الصَّنْعَانِيّ وعبد الخالق بن الزين الزبيدِيّ
تلاميذه

من اجل تلاميذه أَوْلَاده إِبْرَاهِيم وعبد الله وَالقَاسِم وَمِنْه عبد القادر بن أَحْمد وَأحمد بن مُحَمَّد قاطن وَأحمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَالْحسن بن إِسْحَاق بن الْمهْدي وَإِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيرهم خلق كثير وَقد كَانَ رَحمَه الله كثير الأتباع من الْخَاصَّة والعامة الَّذين عمِلُوا بِاجْتِهَادِهِ وتظهروا بذلك قرؤا عَلَيْهِ كتب الحَدِيث وَفِيهِمْ جمَاعَة من الأجناد
مناصبه

لما اسْتكْمل أدوات الرِّئَاسَة والتصدر أكب على الإفادة والتدريس واشتهر بنشر علم السّنة النَّبَوِيَّة وَقد ولاه الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الخطابة بِجَامِع صنعاء فاستمر كَذَلِك إِلَى أَيَّام وَلَده الإِمَام الْمهْدي
(1/62)

وولاه الْمهْدي الْعَبَّاس سنة 1161 هـ أوقاف صنعاء وبلادها فباشر أَعمال الْوَقْف بِصدق وَأَمَانَة وعفاف وَاسْتمرّ إِلَى شَوَّال سنة 1162 هـ ثمَّ اعتذر عَنْهَا وَمن أَعماله فِي هَذِه الحقبة تحريضه الْمهْدي على بِعْت معلمين للصَّلَاة إِلَى جَمِيع الْقرى والمدن المنعزلة فِي الْبَوَادِي وَإِزَالَة مُنكرَات المعتقدات وإرشاد النَّاس إِلَى الطَّاعَات فَأرْسل الْمهْدي جمَاعَة من الصَّالِحين للْعَمَل بذلك
مصنفاته

مرتبَة على حُرُوف الهجاء 1 إِجَابَة السَّائِل شرح بغية الآمل بمنظومة الكافل فِي أصُول الْفِقْه 2 الْإِحْرَاز لما فِي أساس البلاغة للزمخشري من كِنَايَة ومجاز 3 الْإِدْرَاك لضعف أَدِلَّة تَحْرِيم التنباك 4 إسبال المظر شرح نخبة الْفِكر 5 إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد وَهُوَ كتَابنَا هَذَا 6 إستيفاء الْمقَال فِي حَقِيقَة الْإِرْسَال 7 الأنفاس الرحمانية على الإفاضية المدنية رِسَالَة تتَعَلَّق بِخلق أَفعَال الْعباد 8 الْأَنْوَار على كتاب الإيثار 9 الْإِيضَاح وَالْبَيَان فِي تَحْقِيق عِبَارَات قصَص الْقُرْآن 10 إيقاظ الفكرة لمراجعة الْفطْرَة
(1/63)

11 - بشرى الكئيب بلقاء الحبيب منظومة وَشَرحهَا فِي المعاذ 12 التحبير شرح كتاب التَّيْسِير أَي تيسير الْوُصُول إِلَى جَامع الْأُصُول 13 تَطْهِير الِاعْتِقَاد عَن درن الْإِلْحَاد 14 التَّنْوِير شرح الْجَامِع الصَّغِير ألفة قبل اطِّلَاعه على شرح الْمَنَاوِيّ 15 توضيح الأفكار لمعاني تَنْقِيح الأنظار 16 ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر 17 جمع الشتيت شرح أَبْيَات التثبيت للسيوطي فِي عَالم البرزخ والمعاد 18 حَاشِيَة على الْبَحْر والزخار من كتاب الطَّهَارَة إِلَى الزَّكَاة 19 حَاشِيَة على شرح الرضى على الكافية 20 الدِّرَايَة شرح الْعِنَايَة فِي أصُول الْفِقْه 21 ديوَان شعره جمعه ابْنه عبد الله الْأَمِير ورتبه على الْحُرُوف وَهُوَ فِي أَكثر من 400 صفحة 22 رِسَالَة فِي الرسَالَة جَوَاب سُؤال هَل التحدي بِالْقُرْآنِ مُسْتَمر أم يرْتَفع إِذا اختلت اللِّسَان 23 رِسَالَة فِي المفاضلة بَين الصِّحَاح والقاموس وَأَبَان أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز 24 رِسَالَة فِي إِزَالَة أصنام لوثني الْهِنْد ألفها للمهدي الْعَبَّاس 25 الرَّوْض النَّضِير فِي الْخطب 26 الرَّوْضَة الندية شرح التُّحْفَة العلوية 27 سبل السَّلَام شرح بُلُوغ المرام 28 السهْم الصائب لِلْقَوْلِ الْكَاذِب رد بهَا على جمَاعَة من الشِّيعَة وَقَالُوا إِن تدريسه تَفْسِير الْقُرْآن بالجامع من الْمُنكر 29 السَّيْف الباتر فِي يَمِين الصابر والشاكر اخْتِصَار عدَّة الصابرين لِابْنِ الْقيم
(1/64)

30 - الْعدة شرح العمدى لِابْنِ دَقِيق الْعِيد 31 فتح الْخَالِق شرح ممادح رب الْخَلَائق 32 قصب السكر نظم نخبة الْفِكر فِي علم الْأَثر 33 الْمسَائِل المرضية فِي بَيَان اتِّفَاق أهل السّنة والزيدية 34 منحة الْغفار حَاشِيَة على ضوء النَّهَار شرح الأزهار 35 منسك فِي الْحَج وَمَعَهُ قصيدة لَهُ فِي الْمَنَاسِك عدد أبياتها 283 36 نصْرَة المعبود فِي الرَّد على أهل وحدة الْوُجُود 37 نظم بُلُوغ المرام 38 نِهَايَة التَّحْرِير فِي الرَّد على قَوْلهم لَيْسَ فِي مُخْتَلف فِيهِ نَكِير 39 هِدَايَة السول فِي علم الْأُصُول 40 اليواقيت فِي الْمَوَاقِيت فِي بَيَان أَوْقَات الصَّلَاة بِمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَدِلَّة
ابتلاءاته

قد ابتلى بلَاء حسنا لأجل الْعَمَل بِالْحَدِيثِ وَتجمع الْعَوام لقَتله مرّة بعد أُخْرَى وَلَكِن الله عز وَجل حفظه من كيدهم ومكرهم وَكَفاهُ شرهم قَالَ الشَّوْكَانِيّ وَلَيْسَ الذَّنب فِي معاداة من كَانَ كَذَلِك للعامة الَّذين لَا تعلق لَهُم بِشَيْء من المعارف العلمية فَإِنَّهُم أَتبَاع كل ناعق إِذا قَالَ لَهُم من لَهُ هَيْئَة أهل الْعلم إِن هَذَا الْأَمر حق قَالُوا حق وَإِن قَالَ بَاطِل قَالُوا بَاطِل إِنَّمَا الذَّنب لجَماعَة قرؤوا شَيْئا من كتب الْفِقْه وَلم يمعنوا فِيهَا وَلَا عرفُوا غَيرهَا فظنوا لقصورهم أَن الْمُخَالفَة لشَيْء مِنْهَا مُخَالفَة للشريعة صدق رَحمَه الله وَهَذَا هُوَ شَأْن من ينتسب إِلَى الْعلم فِي عصرنا فِي مُخَالفَة الْعلم فِي عصرنا فِي مُخَالفَة الْعَمَل بِالْحَدِيثِ فهداهم الله
(1/65)

وَفَاته

مَاتَ رَحمَه الله بِصَنْعَاء فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بالحوطة الَّتِي فِي الْجنُوب الغربي من مَنَارَة مَسْجِد الْمدرسَة المنسوبة للْإِمَام شرف الدّين بِأَعْلَى صنعاء وَقد رثاه جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء فِي عصره مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن هَاشم الشَّامي الحسني الصَّنْعَانِيّ وَضمن قصيدته تأريخ وَفَاته مُحَمَّد فِي جنَّات الْخلد قد وصلا 1182 هـ رَحمَه الله رَحْمَة وَاسِعَة ونفع بِعِلْمِهِ وأجزل لَهُ المثوبة على إِقَامَته السّنة النَّبَوِيَّة وَنَصره لَهَا ودفاعه عَنْهَا وَأَعْلَى درجاته فِي الصَّالِحين
كتَابنَا هَذَا هَذَا الْكتاب دراسة علمية جادة فِي إِثْبَات أَن الحكم على الحَدِيث من حَيْثُ الصِّحَّة والضعف فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة مستعينا بأقوال عُلَمَاء الْجرْح وَالتَّعْدِيل لَيْسَ تقليدا لَهُم بل هُوَ اجْتِهَاد لَا يخْتَلف عَن الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَأَن الِاجْتِهَاد الْآن فِي أَي مجَال من المجالات أيسر بِكَثِير من الِاجْتِهَاد فِي العصور
(1/66)

الْمُتَقَدّمَة وَذَلِكَ لتوفر أدوات الِاجْتِهَاد من مصَادر التَّفْسِير والْحَدِيث ومراجع الْفِقْه الإسلامي فِي كل مَكَان وبأدنى جهد وَأَقل وَقت إِن الْعَلامَة الْمُؤلف قد مكنته مقدرته العلمية من إِثْبَات هَذَا وَذَاكَ بِكُل دقة ومهارة وكفاءة وجدارة وإتماما للفائدة بَين شُرُوط الِاجْتِهَاد بالاختصار وَكَذَا ذكر مَا يدل على تَعْظِيم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الدّين للسّنة النَّبَوِيَّة من أَقْوَالهم فِي التحاكم إِلَيْهَا وَفِي آخر الْكتاب تنَاول بعض شُبُهَات المقلدين بِالرَّدِّ عَلَيْهَا ردا علميا مفحما فجزاه الله خيرا
صِحَة نسبته إِلَى الْمُؤلف

إِن كتاب إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد مَعْرُوف النِّسْبَة إِلَى مُؤَلفه الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ ويذكره فِي قَائِمَة مصنفاته كل من يترجم لَهُ وأدل دَلِيل على صِحَة نسبته إِلَى مُؤَلفه أَنه بِنَفسِهِ يحِيل إِلَى هَذَا الْكتاب باسمه فِي بعض مؤلفاته حَيْثُ قَالَ فِي سبل السَّلَام 4238 طبعة جامة الإِمَام بالرياض فِي شرح حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد وَقد بَينا بطلَان دَعْوَى تعذر الِاجْتِهَاد فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة بإرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بِمَا لَا يُمكن دَفعه وَقَالَ فِي كِتَابه توضيح الأفكار 1115 وَهُوَ يبين معنى قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقد بسطنا هَذَا فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة بإرشاد النقاد بسطا شافيا
(1/67)

هَذَا وَالْكتاب مطبوع ضمن الرسائل المنيرية 11 47 الَّتِي جمعهَا الْأُسْتَاذ مُحَمَّد مُنِير الدِّمَشْقِي رَحمَه الله وأجزل لَهُ المثوبة فِي الْآخِرَة وَله مخطوط يُوجد فِي مكتبة الشَّيْخ عبد الله آل إِبْرَاهِيم السَّلِيم بِمَدِينَة بُرَيْدَة منْطقَة القصيم بالسعودية نسخه مُحَمَّد بن عبد العزيز سنة 1296 هـ بِخَط جيد يحتوي على 47 صفحة 2718 سم وَفِيه سقط ورقتين فِي الْوسط رَاجع مقَال مخطوطات مكتبات القصيم للأستاذ سُلَيْمَان بن وَائِل التويجري المطبوع فِي مجلة الْبَحْث العلمي والتراث الإسلامي بكلية الشَّرِيعَة بِمَكَّة المكرمة ص 339 الْعدَد الثَّانِي عَام 1399 هـ
عَمَلي فِي هَذَا الْكتاب
أالمقدمة 1 حكم الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة 2 حكم الِاجْتِهَاد فِي الحكم على الحَدِيث 3 نبذة عَن حَيَاة الْمُؤلف وَالْكتاب وخطة الْعَمَل فِيهِ ب نَص الْكتاب 1 عزو الْآيَات إِلَى موَاضعهَا من الْقُرْآن الْكَرِيم 2 تَخْرِيج الْأَحَادِيث والْآثَار 3 التعليقات لتوضيح نُصُوص الْكتاب 4 وَمَا بَين المعكوفين هَكَذَا زِيَادَة زدتها للفصول وَغَيرهَا توضيحا للأمور أَو بَيَانا لاخْتِلَاف النَّص
شكر وَتَقْدِير أشكر الله عز وَجل أَولا وآخرا على مَا أتممت من تَحْقِيق هَذَا الْكتاب بفضله
(1/68)

وَمِنْه وَكَرمه وبنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَلَا يسعني بِهَذِهِ الْمُنَاسبَة إِلَّا أَن أشكر الاخوة الَّذين ساعدوني فِي إنجاز هَذَا الْعَمَل المتواضع خَاصَّة الْأَخ الْفَاضِل بدر الْبَدْر الَّذِي أَشَارَ عَليّ بتحقيق الْكتاب وأفادني بمراجعته وَالْأَخ الْفَاضِل فلاح بن ثَانِي الَّذِي وضع مكتبته تَحت تصرف أثْنَاء غيابه لمواصلة دراسته الْعليا بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ الطّيبَة فجزاهم الله خير الْجَزَاء وأدعو الله السَّمِيع الْمُجيب أَن يوفقني لما يحب ويرضى من نصْرَة كِتَابه وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلكُل مَا فِيهِ الْخَيْر والفلاح فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَإِلَيْهِ الثِّقَة والتكلان وَإِلَيْك الْآن نَص الْكتاب
(1/69)

إرشاد النقاد إِلَى تيسير الإجتهاد للْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأمير الصَّنْعَانِيّ
(1/71)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

مُقَدّمَة الْمُؤلف
الْحَمد لله الَّذِي ذلل صعاب عُلُوم الِاجْتِهَاد لعلماء الْأمة وحفظها بأساطين الْحفاظ وجهابذة الْأَئِمَّة فتتبعوها من الأفواه والصدور وخلدوها للمتأخرين من الْأمة فِي الأوراق والسطور واستنبطوا من الْقَوَاعِد مَا لَا يَزُول بمرور الدهور واطلعوا من انوار علم الْكتاب وَالسّنة على أنوار البصائر نورا على نور وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله المتكفل بِحِفْظ عُلُوم الدّين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي يحمل علمه من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله قرناء الْقُرْآن صَلَاة وَسلَامًا يدومان مَا دارت الأفلاك وَاخْتلف الملوان وَبعد فَإِن السَّيِّد قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي رَحمَه الله سَأَلَ عَن الْمسَائِل العلمية والأبحاث العملية نزلت علينا نزُول الْغَيْث على الرياض بل الْعَافِيَة على الْأَجْسَام المراض
سُؤال وخلاصة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ أَنه هَل يكون الْعَمَل من
(1/73)

الْمُتَأَخِّرين بتصحيح الْأَئِمَّة من أهل الحَدِيث للْحَدِيث أَو تُحسنهُ أَو تَضْعِيفه تقليدا لأولئك الْحفاظ من الْأَئِمَّة والأعيان من الْأمة فِيمَا وصفوا بِهِ الحَدِيث من تِلْكَ الصِّفَات وَيكون الْقَائِل لذَلِك وَالْعَامِل بِهِ مُقَلدًا أَو يكون فِيمَا قبله من كَلَامهم فِي ذَلِك وَعمل بِهِ مُجْتَهدا فَإِنَّهُ قَالَ السَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي الرَّوْض الباسم إِن قَول الثِّقَة الْعَارِف الَّذِي لَيْسَ لَهُ قَاعِدَة فِي التَّصْحِيح مَعْلُومَة الْفساد إِن الحَدِيث صَحِيح يجب قبُول قَوْله بالأدلة الْعَقْلِيَّة والسمعية الدَّالَّة على قبُول خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ ذَلِك بتقليد بل هُوَ عمل بِمَا أوجبه الله تَعَالَى من قبُول خبر الثِّقَات هَذَا كَلَامه وَلكنه خَالف كَلَام القَاضِي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي فِي شرح بُلُوغ المرام فَإِنَّهُ قَالَ
(1/74)

من لم يكن أَهلا للنقد والتصحيح فَلهُ أَن يُقَلّد فِي ذَلِك من صحّح أَو حسن مِمَّن هُوَ أَهله فَإِن لم يكن أحد من الْأَئِمَّة تكلم بذلك على الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ بِأَهْل للنقد لم يجز لَهُ الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ إِذْ لَا يَأْمَن من أَن يحْتَج بِمَا لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَ وَلِهَذَا أحَال جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين الِاجْتِهَاد الْمُطلق لتعسر التَّصْحِيح والتقليد فِي التَّصْحِيح يُخرجهُ عَن الْقَصْد وَهُوَ الإجتهاد قَالَ وَلم يَتَيَسَّر فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِلَّا تَرْجِيح لبَعض الْمذَاهب على بعض بِالنّظرِ إِلَى قُوَّة الدّلَالَة أَو إِلَى كَثْرَة من صحّح أَو جلالته وَالْوَاجِب الرُّجُوع إِلَى الظَّن القوى بِحَسب الْإِمْكَان رَأَيْت السَّائِل دَامَت إفادته جنح إِلَى تَرْجِيح كَلَام القَاضِي قَائِلا إِنَّه قد يفرق بَين التَّصْحِيح والتضعيف وَبَين الرِّوَايَة فَإِن تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه مَسْأَلَة اجتهادية ونظرية قد يخْتَلف الإمامان العظيمان فِي الحَدِيث الْوَاحِد فأحدهما يذهب إِلَى صِحَّته أَو حسنه وَالْآخر إِلَى ضعفه أَو وَضعه بِاعْتِبَار مَا حصل لَهما من الْبَحْث وَالنَّظَر وَلَيْسَ حَال الرِّوَايَة كَذَلِك فَإِن مدارها على الضَّبْط وَالْعَدَالَة ومدار التَّصْحِيح والتحسين وَنَحْوهمَا على قُوَّة الْيَد فِي
(1/75)

معرفَة الرِّجَال والعلل الْمُتَعَلّقَة بِالْأَسَانِيدِ والمتون وَمَعْرِفَة الشواهد والمتابعات وَالْقَاضِي قد جزم بِأَن قَول الْحَافِظ فِي التَّصْحِيح تَقْلِيد وَإِذا نظرتم إِلَى تصرف الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال فِي ضوء النَّهَار لم يجد الْإِنْسَان فِي يَده غير مَا أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي من التَّرْجِيح بِقُوَّة الدّلَالَة أَو كَثْرَة من صحّح أَو جلالته وَلم يكن مِمَّن يعرف الْأَسَانِيد والعلل مثل الْمُنْذِرِيّ وَابْن حجر وَالنَّوَوِيّ وَمن فِي طبقتهما من الْمُتَأَخِّرين دع عَنْك الْأَئِمَّة الْكِبَار مثل الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ مَعَ تصريحه فِي غير مَوضِع من كتبه بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق وَكَذَا الْعَلامَة المقبلي سلك هَذَا المسلك وَلم يزل هَذَا السُّؤَال يخْطر بالبال فأفضلوا بِالْجَوَابِ انْتهى
الْجَواب مَا حرر السَّائِل لَا زَالَ مُفِيدا وَلَا برح فِي أنظاره العلمية سديدا وَأَقُول الْجَواب يظْهر إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِذكر فُصُول تشْتَمل على إِيضَاح الْمَسْأَلَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وهدايته
(1/76)

فصل فِي تَعْرِيف الحَدِيث الصَّحِيح
رسم الْحَافِظ ابْن حجر رَحمَه الله فِي كِتَابه نخبة الْفِكر الحَدِيث الصَّحِيح بِأَنَّهُ مَا نَقله عدل تَامّ الضَّبْط مُتَّصِل السَّنَد غير مُعَلل وَلَا شَاذ وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيح لذاته وَقَرِيب مِنْهُ رسم ابْن الصّلاح وزين الدّين بِأَنَّهُ مَا اتَّصل إِسْنَاده بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله من غير شذوذ وَلَا عِلّة قادحة
(1/77)

إِذا عرفت هَذَا فَهَذِهِ خَمْسَة قيود ثَلَاثَة وجودية وَاثْنَانِ عدميان وَكلهَا إِخْبَار كَأَنَّهُ قَالَ الثِّقَة حِين قَالَ حَدِيث صَحِيح هَذَا الحَدِيث رُوَاته عدُول مأمونوا الضَّبْط مُتَّصِل إسنادهم لم يُخَالف فِيهِ الثِّقَة مَا رَوَاهُ النَّاس وَلَيْسَ فِيهِ أَسبَاب خُفْيَة طرأت عَلَيْهِ تقدح فِي صِحَّته وَحِينَئِذٍ قَول الثِّقَة صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بِهَذِهِ الْجمل الْخمس وَقد تقرر بالبرهان الصَّحِيح أَن الْوَاجِب أَو الرَّاجِح الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَالْقَبُول لَهُ وتقرر أَن قبُوله لَيْسَ من التَّقْلِيد لقِيَام الدَّلِيل على قبُول خَبره فالتصحيح مثلا وَالرِّوَايَة للْخَبَر قد اتفقَا أَنَّهُمَا إِخْبَار إِمَّا بِالدّلَالَةِ المطابقية أَو التضمينية أَو الإلزامية أما قبُول خَبره الدَّال بالمطابقة فَلَا كَلَام فِيهِ كَقَوْلِه زيد قَائِم أما قبُول خَبره الدَّال بالتضمن أَو الإلتزام فَيدل على قبُوله أَنهم جعلُوا من طرق التَّعْدِيل حكم مشترط الْعَدَالَة بِالشَّهَادَةِ وَعمل الْعَالم الْمُشْتَرط لَهَا رِوَايَة من
(1/78)

لَا يروي إِلَّا عَن عدل فَإِنَّهُم صَرَّحُوا فِي الْأُصُول وعلوم الحَدِيث أَن هَذِه طرق التَّعْدِيل وَمَعْلُوم أَن دلَالَة هَذِه الصُّورَة على عَدَالَة الرَّاوِي وَالشَّاهِد التزامية فَقَوْل الثِّقَة حَدِيث صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالقيود الْخَمْسَة وَالرِّوَايَة لَهَا وَلَا يُقَال إِن إخْبَاره بِأَنَّهُ صَحِيح إِخْبَار على ظَنّه بِحُصُول شَرَائِط الصِّحَّة عِنْد ظَنّه كَمَا يدل لَهُ أَنه صرح زين الدّين وَغَيره بِأَن قَول الْمُحدثين هَذَا حَدِيث صَحِيح فمرادهم فِيمَا ظهر لنا عملا بِظَاهِر الْإِسْنَاد لَا أَنه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر لأَنا نقُول إِخْبَار الثِّقَة بِأَن زيدا عدل إِخْبَار عَن ظَنّه بِأَنَّهُ آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات بِحَسب مَا رَآهُ من ذَلِك وَأخْبر مَعَ جَوَاز أَنه فِي نفس الْأَمر غير مُسلم لَكِن هَذِه التجويزات لَا يُخَاطب بهَا الْمُكَلف

من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة
فَإِن قلت من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة وَلَيْسَ مدرك هذَيْن الْأَمريْنِ الْإِخْبَار بل تتبع الطّرق والأسانيد والمتون كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِل قلت أما أَولا فالشذوذ وَالْعلَّة نادران وَالْحكم للْغَالِب لَا للنادر أَلا
(1/79)

ترى أَن الرَّاجِح الْعَمَل بِالنَّصِّ وَإِن جوز أَنه مَنْسُوخ عملا بالأغلب وَهُوَ عدم النّسخ وبرهان ندورهما يعرف من تتبع كَلَام أَئِمَّة الحَدِيث على طرق الْأَحَادِيث من مثل الْبَدْر الْمُنِير وتلخيصه فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ على مَا قيل فِي الحَدِيث فتجد الْقدح بالشذوذ والإعلال نَادرا جدا بل قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي التَّنْقِيح ظَاهر الحَدِيث المعل السَّلامَة من الْعلَّة حَتَّى تثبت بطرِيق مَقْبُولَة أما ثَانِيًا فَقَوْل الثِّقَة هَذَا صَحِيح أَي غير شَاذ وَلَا مُعَلل إِخْبَار بِأَنَّهُ لم يَقع فِي رُوَاته راو ثِقَة خَالف النَّاس فِيهِ وَلَا وجدت فِيهِ عِلّة تقدح فِي صِحَّته
(1/80)

وَهَذَا إِخْبَار عَن حَال الرواي بِصفة زَائِدَة على مُجَرّد عَدَالَته وَحفظه أَو حَال الْمَتْن بِأَن أَلْفَاظه مصونة عَن ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا خَبرا عَن اجْتِهَاد بل عَن صِفَات الروَاة والمتون فَإِنَّهُ إِخْبَار بِأَنَّهُ تتبع أَحْوَال الروَاة حَتَّى علم من أَحْوَالهم صِفَات زَائِدَة على مُجَرّد الْعَدَالَة وَفِي التَّحْقِيق هَذَا عَائِدَة إِلَى تَمام الضَّبْط وتتبع مروياتهم حَتَّى أحَاط بألفاظها فَالْكل عَائِد إِلَى الْإِخْبَار عَن الْغَيْر لَا عَن الِاجْتِهَاد الْحَاصِل عَن دَلِيل ينقدح لَهُ مِنْهُ رَأْي

تَصْحِيح الْأَئِمَّة وتضعيفهم للأحاديث اجْتِهَاد أم تَقْلِيد
وَأَنت إِذا نظرت إِلَى الْأَئِمَّة النقاد من الْحفاظ كالحاكم أبي عبد الله وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَنَحْوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الْأَمريْنِ مُسْتَندا إِلَى كَلَام من تقدمهم كيحيى بن معِين وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبد الله البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَأَنه ثَبت لَهُ عَنْهُم أَو عَن أحدهم أَنه قَالَ فلَان حجَّة أَو ثَبت أَو عدل أَو نَحْوهَا من عِبَارَات التَّعْدِيل وَأَنَّهُمْ قَالُوا فِي غَيره إِنَّه ضَعِيف أَو كَذَّاب أَو لَا شَيْء أَو نَحْوهَا ثمَّ فرعوا على هَذِه الرِّوَايَات صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه بِاعْتِبَار مَا قَالَه من قبلهم فَإِنَّهُ تجنب ابْن إِسْحَاق من تجنبه من أهل الصِّحَاح بقول مَالك فِيهِ مَعَ أَن ابْن إِسْحَاق إِمَام أهل الْمَغَازِي
(1/81)

وقدحوا أَيْضا فِي الْحَارِث الْأَعْوَر بِكَلَام الشّعبِيّ فِيهِ وَلم يلْقوا ابْن إِسْحَاق وَلَا الْحَارِث بل قبلوا كَلَام من تقدم فيهم من الْأَئِمَّة وَإِذا حققت علمت أَن تَصْحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا مَبْنِيّ على ذَلِك وَكَذَلِكَ تضعيفهما فَإِنَّهُمَا لم يلقيا إِلَّا شيوخهما من الروَاة وَبينهمْ وَبَين الصَّحَابَة وسائط كَثِيرُونَ اعتمدوا فِي ثقتهم وَعدمهَا على الروَاة من الْأَئِمَّة قبلهم فَلم يعرفوا عدالتهم وضبطهم إِلَّا من أَخْبَار أُولَئِكَ الْأَئِمَّة فَإِذا كَانَ الْوَاقِع من مثل البُخَارِيّ فِي التَّصْحِيح تقليدا لِأَنَّهُ بناه على إِخْبَار غَيره عَن أَحْوَال من صحّح أَحَادِيثهم كَانَ كل قَابل لخَبر من تقدمه من الثِّقَات مُقَلدًا
(1/82)

وَإِن كَانَ الْوَاقِع من البُخَارِيّ من التَّصْحِيح اجْتِهَادًا مَعَ ابتنائه على خبر الثِّقَات فَلْيَكُن قَوْلنَا بِالصِّحَّةِ لخَبر البُخَارِيّ المتفرع عَن إِخْبَار الثِّقَات اجْتِهَادًا فَإِنَّهُ لَا فرق بَين الْإِخْبَار بِأَن هَؤُلَاءِ الروَاة ثِقَات حفاظ وَبَين الْإِخْبَار بِأَن الحَدِيث صَحِيح إِلَّا بالإجمال وَالتَّفْصِيل وَكَأَنَّهُم عدلوا عَن التَّفْصِيل إِلَى الْإِجْمَال اختصارا وتقريبا لأَنهم لَو أعقبوا كل حَدِيث بقَوْلهمْ رُوَاته عدُول حافظون رَوَاهُ مُتَّصِلا وَلَا شذوذ فِيهِ وَلَا عِلّة لطالت مَسَافَة الْكَلَام وضاق نطاق الْكتاب الَّذِي يؤلفونه عَن اسْتِيفَاء أَحَادِيث الْأَحْكَام فضلا عَمَّا سواهَا من الْأَخْبَار على أَن هَذَا التَّفْصِيل لَا يَخْلُو عَن الْإِجْمَال إِذْ لم يذكر فِيهِ كل راو على انْفِرَاده بصفاته بل فِي التَّحْقِيق أَن قَوْلهم عدل معدول بِهِ عَن آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات محافظ على خِصَال الْمُرُوءَة متباعد عَن أَفعَال الخسة فعدلوا عَن هَذِه الإطالة إِلَى قَوْلهم عدل فَقَوْلهم عدل خبر انطوت تَحْتَهُ غُدَّة أَخْبَار كَمَا انطوت تَحت قَوْلهم صَحِيح وَإِذا عرفت هَذَا تبين لَك صِحَة قَول صَاحب الرَّوْض الباسم وَأَنه الصَّوَاب فِيمَا نَقله السَّائِل عَنهُ وَمثله قَوْله فِي التَّنْقِيح إِنَّه إِن نَص على صِحَة الحَدِيث أحد الْحفاظ المرضيين المأمونين فَيقبل ذَلِك مِنْهُ للْإِجْمَاع وَغَيره من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على قبُول خبر الْآحَاد كَمَا ذَلِك مُبين فِي مَوْضِعه وَلَا يجوز ترك ذَلِك مَتى تعلق الحَدِيث بِحكم شَرْعِي
(1/83)

فصل فِي جَوَاز تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه فِي هَذِه الْأَعْصَار
إِذا عرفت مَا قَرَّرْنَاهُ فَاعْلَم أَنه لَا مَانع لمن وجد فِي هَذِه الْأَعْصَار حَدِيثا لم يسْبق عَلَيْهِ كَلَام إِمَام من الْأَئِمَّة بتصحيح وَلَا غَيره فتتبع كَلَام ائمة الرِّجَال فِي أَحْوَال رُوَاته حَتَّى حصل لَهُ من كَلَامهم ثِقَة رِوَايَته أَو عدمهَا فَجزم بِأَيِّهِمَا على الحَدِيث كَمَا جزم من قبله من أَئِمَّة التَّصْحِيح والتضعيف من مثل البُخَارِيّ وَغَيره ومستنده فِي ذَلِك مُسْتَند من قبله كَمَا أوضحناه غَايَة الْفرق أَنه كثر الوسائط فِي حَقه لتأخر عصره فَكَانُوا أَكثر من الوسائط فِي حق من تقدمه لقرب عصرهم وَهَذَا مُوجب لمَشَقَّة الْبَحْث عَلَيْهِ لِكَثْرَة الروَاة الَّذين يبْحَث عَن أَحْوَالهم وَلَكِن رُبمَا كَانَ ثوابهم أَكثر لزِيَادَة مشقة الْبَحْث
(1/84)

هَذَا إِن كَانَت طَرِيق الْمُتَأَخر هِيَ الرِّوَايَة وَأَرَادَ معرفَة أَحْوَال شُيُوخه وتحقيقها حَتَّى يبلغ إِلَى مؤلف الْكتاب الَّذِي قَرَأَهُ أما إِذا كَانَت طَريقَة الإيجازة أَو الوجادة فَإِنَّهُ لَا كَثْرَة للوسائط
(1/85)

أصلا بل هُوَ كالقدماء فِي ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَيكون مُجْتَهدا فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ مثلا فَإِنَّهُ كَمَا أَنه لَا محيص عَن القَوْل بِأَن تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْأَوَّلين اجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِنَّمَا بِنوح على مَا بلغ إِلَيْهِم من أَحْوَال الروَاة ففرعوا عَلَيْهِ التَّصْحِيح وجعلوه عبارَة عَن ثِقَة الروَاة وضبطهم كَذَلِك لَا محيص عَن القَوْل بِأَن مَا صَححهُ من بعدهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو ضَعَّفُوهُ أَو حسنوه حكمه حكم مَا قَالَه الْأَولونَ من الْأَئِمَّة إِذْ الأَصْل فِي الْكل وَاحِد وَهُوَ قبُول إِخْبَار من سلف عَن أَحْوَال الروَاة وصفاتهم وَإِلَّا كَانَ القَوْل بِخِلَاف هَذَا تحكما لَا يَقُول بِهِ عَالم وَإِذا عرفت هَذَا عرفت ضعف مَا قَالَه ابْن الصّلاح بل بُطْلَانه من أَنه لَيْسَ لنا الْجَزْم بالتصحيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد خَالفه النَّوَوِيّ وَرجح زين الدّين كَلَام النَّوَوِيّ وَهُوَ الْحق
(1/86)

وَلَعَلَّ القَاضِي شرف الدّين أغتر بِكَلَام ابْن الصّلاح فِي هَذَا الطّرف وَأما قَول القَاضِي إِن القَوْل بتصحيح الْأَئِمَّة الماضيين وَالْعَمَل عَلَيْهِ تَقْلِيد لَهُم فَلَا أعلم فِيهِ سلفا بل الْحق مَا قَدرنَا لَك من قَول الإِمَام صَاحب العواصم رَحمَه الله
(1/87)

فصل فِي مناقشة القَوْل بإستحالة الإجتهاد
أما قَول القَاضِي رَحمَه الله إِنَّه أحَال جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين الإجتهاد الْمُطلق لتعسر التَّصْحِيح والأهلية لذَلِك فَكَلَام لَا يَلِيق صدوره عَن مثله فَإِنَّهُ علل الإحالة بالتعسر وَغير خَافَ على نَاظر أَنه لَو سلم التعسر لبَعض طرق لَا يصير محالا غَايَته أَنه يصير متعسرا لَا محالا
(1/88)

وَلَكِن قد أطبقت عَامَّة أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فِي هَذِه الْأَعْصَار وَمَا قبلهَا على مَا قَالَه القَاضِي شرف الدّين وَاشْتَدَّ مِنْهُم النكير على مدعي الِاجْتِهَاد من عُلَمَائهمْ قائلين إِنَّه قد تعذر ذَلِك من بعد الْأَئِمَّة وضاق مجَال الِاجْتِهَاد وَلم يبْق فِيهِ لمن بعدهمْ سَعَة وأطالوا ذَلِك بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ
(1/89)

فَإِنَّهُ غير خَافَ على من لَهُ نباهة أَن هَذَا مِنْهُم تهويل لَيْسَ عَلَيْهِ تعويل وَمُجَرَّد استبعاد لَا يهول قعاقع الأذكياء النقاد وَكَأن أُولَئِكَ المستبعدين لما رَأَوْا كَثْرَة اتِّبَاع الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وعظمتم لما وهب الله لَهُم من الْعلم وَالدّين فِي صُدُور الْأَعْيَان من الْمُتَأَخِّرين ظنُّوا أَنهم غير مخلوقين من سلالة من طين وَلَو نظرُوا بِعَين الْإِنْصَاف وتتبعوا أَحْوَال الأسلاف والأخلاف لعلموا يَقِينا إِن فِي الْمُتَأَخِّرين عَن أُولَئِكَ الْأَئِمَّة من هُوَ أطول مِنْهُم فِي المعارف باعا وَأكْثر فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد اتساعا قد قيضهم الله لحفظ عُلُوم الِاجْتِهَاد من كل ذِي همة صَادِقَة وَنِيَّة صَالِحَة من الْعباد قد قربوا للمتأخرين مِنْهَا كل بعيد ومهدوها لَهُم كل تمهيد
(1/90)

فَمنهمْ من قيضه الله لتتبع علم اللُّغَة من أَفْوَاه الرِّجَال وَمن أَلْسِنَة النِّسَاء وَالصبيان فِي بطُون الأودية ورؤوس الْجبَال فَرَحل إِلَى بواديهم وَنزل مَعَهم فِي موارد مِيَاههمْ ومراعي مَوَاشِيهمْ وتتبعهم فِي الْبَوَادِي والقفار وواصلهم تَحت الْأَشْجَار والأحجار ولازمهم فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وصاحبهم فِي الأوطان ورافقهم فِي الْأَسْفَار وَقَامَ بإقامتهم فِي الْمضَارب والخيام وبيوت الشّعْر والتلول والآكام
(1/91)

يعرف ذَلِك من رحْلَة الْأَصْمَعِي والأزهري وَغَيرهمَا من كل ذِي همة سري حَتَّى جمعُوا فنونها وأناطوا مَعَانِيهَا وأجروا عيونها وأظهروا مخزونها حَتَّى أَصبَحت بحارا ذاخرة ورياضا ناضرة وأنواعا متكاثرة ومؤلفات فاخرة قد
(1/92)

فاق من عرفهَا من لَاقَى قس بن سَاعِدَة وسحبان وَصَارَ دونه من اخْتَلَط بالعرب العرباء فِي كل مَكَان وَعلم اللُّغَة بأنواعه هُوَ عُمْدَة عُلُوم الِاجْتِهَاد وبالتبحر فِيهِ وَعَدَمه تَتَفَاوَت النقاد وَألقى الله فِي قولب أَقوام محبَّة السّنة النَّبَوِيَّة والْآثَار السلفية ورزقهم همما تناطح السماك وتطاول الأطلس من الأفلاك فارتحلوا لطلبها من الأقطار وفارقوا الأوطان والأوطار وطووا فِي حبها الفيافي والقفار وقنعوا من الدُّنْيَا بالكفاف وَتركُوا لغَيرهم اللَّذَّات والأتراف وَاتَّخذُوا الزّهْد شعارا والقناعة دثار فسهر الأجفان ألذ إِلَيْهِم وَأطيب من الْمَنَام والجوع أشهى من الامتلاء من
(1/93)

نَفِيس الطَّعَام يرتحلون لسَمَاع الحَدِيث الْوَاحِد من الأقطار الشاسعة وَيطْلبُونَ من الأقاليم المتباعدة الواسعة فَفِي مثلهم يُقَال
طورا تراهم فِي الصَّعِيد
وَتارَة فِي أَرض آمد ... فيبتغون من الْعُلُوم
بِكُل أَرض كل شارد ... يدعونَ أَصْحَاب الحَدِيث
بهم تجملت الْمشَاهد
فَهَذَا أَبُو عبد الله البُخَارِيّ رَحل بعد إحاطته بِحَدِيث شُيُوخ بلدته إِلَى الشَّام والكوفة وَالْبَصْرَة وبلخ وعسقلان وحمص ودمشق وَكتب عَن ألف شيخ وَثَمَانِينَ شَيخا وَجمع للْمُسلمين هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تتبعها من الْآفَاق وَصَحب فِي تطلبها الرفاق بعد الرفاق فِي كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح يقرأه الْمُحدث قِرَاءَة تَحْقِيق واتقان فِي شهر من أشهر الزَّمَان وَغَيره من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن لَهُم أكمل منَّة على أهل الْإِيمَان فَإِنَّهُ تعبوا فِي جمع الْأَحَادِيث للمتأخرين ووزعوا أوقاتهم فِي تَحْصِيل مَا فِيهِ نفع الْمُسلمين حَتَّى لم يبْق لَهُم وَقت لغير نسخ الحَدِيث أَو السماع
(1/94)

فَفِي سير أَعْلَام النبلاء فِي تَرْجَمَة الإِمَام الْحَافِظ عبد الرحمن بن أبي حَاتِم صَاحب التَّفْسِير وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والمسند الَّذِي أَلفه فِي ألف جُزْء قَالَ كُنَّا فِي مصر سَبْعَة أشهر لم نَأْكُل فِيهَا مرقة كل نهارنا مقسم لمجالس الشُّيُوخ وبالليل النّسخ والمقابلة قَالَ فأتينا يَوْمًا أَنا ورفيق لي شَيخا فَقَالُوا هُوَ عليل فَرَأَيْنَا فِي طريقنا سَمَكَة أعجبتنا فاشتريناها فَلَمَّا صرنا إِلَى الْبَيْت حضر وَقت مجْلِس فَلم يمكنا إِصْلَاحه ومضينا إِلَى الْمجْلس وَلم نزل حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام وَكَاد أَن يتَغَيَّر فأكلناه نيئا لم يكن لنا فرَاغ أَن نُعْطِيه من يشويه ثمَّ قَالَ لَا يُسْتَطَاع الْعلم براحة الْجِسْم
(1/95)

وقِي مثلهم يُقَال ... إِن علم الحَدِيث علم رجال ... تركُوا الابتداع لِلِاتِّبَاعِ ...
(1/96)

.. فَإِذا جن ليلهم كتبوه ... وَإِذا أَصْبحُوا غدوا للسماع ... فأئمة الحَدِيث جعل الله غذاءهم ولذتهم قِرَاءَة الحَدِيث وكتابته ودراسته وَرِوَايَته ورزقهم حفظا يبهر الْعُقُول ويكاد أَن لَا يصدقهُ من يسمع مَا حكى عَنْهُم فِي ذَلِك من الْمَنْقُول
(1/97)

حفظ الله تَعَالَى بهم السّنة وبهم يتم على عباده كل منَّة قد حفظوا أَلْفَاظ الْأَحَادِيث كحفظ الْقُرْآن وأحرزوا كل لفظ مِنْهُ بتحقيق وإتقان وألفوا فِيهَا الْجَوَامِع النافعة وَالْمَسَانِيد الواسعة ثمَّ تعبوا فِي أَحْوَال الروَاة وصفاتهم ورحلتهم ومواليدهم وبلدانهم ووفاتهم حَتَّى صَار من عرف تراجمهم وأحوالهم كَأَنَّهُ شاهدهم وزاحمهم بل صَار أعرف بأحوالهم من الْمشَاهد لَهُم والمعاصر لِأَنَّهُ قد يخفى على من عاصرهم بعض أَحْوَال من عَارضه وَشَاهده وَأما من طالع تراجمهم وتلقى عَن الثِّقَات أخبارهم فَإِنَّهُ يراهم قد جمعُوا من أَحْوَالهم وصنفوا من تعْيين آثَارهم ورحلهم ويقظتهم ومنامهم وتتبعوا أَحْوَالهم من كل عَارِف مُوَافق ومخالف حَتَّى اجْتمع لمن قَرَأَ أخبارهم مَا لم يجْتَمع لمن شاهدهم من الْأَوْصَاف وَهَذَا أَمر لَا يُنكره إِلَّا من حرم الأنصاف
(1/98)

أَلا ترى أَن من عرف تراجم الْأَئِمَّة السِّتَّة أهل الْأُمَّهَات من كتب أَئِمَّة التأريخ عرف أَحْوَالهم وأوصفاهم كَأَنَّهُ لاقاهم ورآهم لِقَاء خبْرَة ورؤية مخاللة وَحصل لَهُ من الاطمئنان بأقوالهم ويقر فِي قلبه من إمامتهم فِي الدّين وَعظم نصحهمْ للْمُسلمين مَا لَا يحوم حوله قدح قَادِح وَلَا جرح جارح حَتَّى لَو جَاءَهُ من ينازعه فِي حفظ البُخَارِيّ وتقواه لما فت ذَلِك فِي عضد يقينه بحفظه وهداه وَكَذَلِكَ غَيره من الْأَئِمَّة وَمثلهمْ الروَاة فَإِن الله يسر أَقْوَامًا جعل هممهم الْعَالِيَة وأفكارهم الصافية مصروفة إِلَى تتبع أَحْوَال رجال الحَدِيث وَرُوَاته فِي الْقَدِيم والْحَدِيث ثمَّ ألفوا فِي الرِّجَال مَا يطلع النَّاظر على كل مَا يُقَال من جرح وتعديل قَالَ وَقيل ذللوا للمتأخرين مَا كَانَ صعبا وصيروا بهمتهم مَا كَانَ ضيقا وَاسِعًا رحبا وجمعوا مَا كَانَ مُتَفَرقًا ولفقوا مَا كَانَ ممزقا قد قربوا الْعُلُوم الحديثية أتم تقريب بإكمال وتقريب وتهذيب فَاجْتمع للمتأخرين من أَحْوَال الْمُتَقَدِّمين اجتماعا لم يتم للأولين فَإِنَّهَا اجْتمعت لَهُم معارف العارفين وأقوال المتخالفين وكل من الْأَئِمَّة مَا زَالَ حَرِيصًا على تقريب المعارف للْمُسلمين حَتَّى ألفوا الْكتب على حُرُوف المعجم فِي الرِّجَال والمتون وَأتوا بِمَا لم يَأْتِ بِهِ الْأَولونَ فَلم
(1/99)

يبْق للمتأخرين إِلَّا الاقتطاف لثمرات المعارف والارتشاف بكؤوس قد أترعها لَهُم كل إِمَام عَارِف إبْقَاء ءلحجة الله على الْعباد وحفظا لعلوم الدّين إِلَى يَوْم الْمعَاد
(1/100)

فصل فِي تقريب الْفَهم إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بالأمثلة
إِذا عرفت هَذَا فَكيف يُحَال فِي حق الْمُتَأَخِّرين الِاجْتِهَاد الْمُطلق لتعسر بعد هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي سَاقهَا الله إِلَى أَئِمَّة الإجتهاد على أَيدي أهل الْحِفْظ والورع والانتقاد أَلا ترى أَنَّك لَو وجدت حَدِيثا فِي مُسْند ابْن أبي شيبَة أَو عبد الرزاق أَو غَيرهمَا وَلم تَجِد فِيهِ كلَاما لأحد أَئِمَّة الحَدِيث بِإِحْدَى الصِّفَات الثَّلَاث وَرَأَيْت من روياة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة مثلا فَإنَّك تحكم بضعفه لكَلَام الْأَئِمَّة فِي الْحجَّاج كَمَا يحكم بذلك الدَّارَقُطْنِيّ وَالْمُنْذِرِي مثلا وَمَا لاقاه الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا رَآهُ بل وقف على مَا وقفت عَلَيْهِ من كَلَام أَئِمَّة الْجرْح غَايَة الْفرق أَنَّهَا قد تكون طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِك السماع وطريقك
(1/101)

الوجادة وَهَذَا لَا يخْرجك عَن جَوَاز التَّكَلُّم بِمَا تكلم بِهِ أَو وجدت حَدِيثا كَذَلِك ثمَّ نظرت كَلَام أَئِمَّة التَّعْدِيل فِي رِجَاله فوجدتهم مُوثقِينَ فَأَي مَانع لَك عَن تَصْحِيحه مثلا كَمَا يَفْعَله الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ وَابْن حجر فَإِنَّهُمَا يتكلمان على عدَّة من الْأَحَادِيث تَصْحِيحا وتحسينا وتضعيفا وطريقهما فِي ذَلِك تتبع أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِي رِجَاله كَمَا أَنَّهَا طَريقَة النَّاظر فِي هَذِه الْأَعْصَار وهما لم يلقيا إِلَّا شيوخهما كَمَا أَنَّك لم تلق إِلَّا من رويت عَنهُ أَو قَرَأت عَلَيْهِ إِن كَانَت طريقك الْقِرَاءَة لَا الوجادة أَو الْإِجَازَة
(1/102)

فصل فِي الحكم بسهولة الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار
قد علمت مِمَّا سقناه أَن الله وَله الْحَمد والْمنَّة قد قيض للمتأخرين أَئِمَّة من الْمُتَقَدِّمين جمعُوا لَهُم الْعُلُوم اللُّغَوِيَّة والحديثية من الأفواه والصدور وحفظوها لَهُم فِي الأوراق والسطور وذللوا لَهُم صعاب المعارف وقادوها إِلَى كل ذكي عَارِف ودونوا الْأُصُول واللغة بأنواعها مَعَ انتشارها واتساعها وأدخلوا عُلُوم الِاجْتِهَاد لأَهْلهَا من كل بَاب تَارَة بإيجاز وَتارَة بإسهاب وإطناب وَهَذَا شَيْء لَا شكّ فِيهِ وَلَا ارتياب وَلَا يجهله إِلَّا من لَيْسَ من أولي الْأَلْبَاب الَّذين نحوهم يساق هَذَا الْخطاب وَبعد هَذَا فَالْحق الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غُبَار الحكم بسهولة الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَأَنه أسهل مِنْهُ فِي الْأَعْصَار الخالية لمن لَهُ فِي الدّين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صَحِيحا ونباهة فِي علمي السّنة وَالْكتاب
(1/103)

فَإِن الْأَحَادِيث فِي الْأَعْصَار الخالية كَانَت مُتَفَرِّقَة فِي صُدُور الرِّجَال وعلوم اللُّغَة فِي أَفْوَاه سكان الْبَوَادِي ورؤوس الْجبَال حَتَّى جمعت متفرقاتها ونفقت ممزقاتها حَتَّى لَا يحْتَاج طَالب الْعلم فِي هَذِه الْأَعْصَار إِلَى الْخُرُوج من الوطن وَإِلَى شدّ الرحل والظعن فيا عجباه حِين تفضل الله بجمعها من الأغوار والأنجاد وَسَهل سياقها للعباد حَتَّى أينعت رياضها وأترعت حياضها وأجريت عيونها وتهدلت بثمراتها غصونها وفاض فِي ساحات تحقيقها معينها وَاشْتَدَّ عضدها وَجل ساعدها وَكثر معينها تَقول تعذر الِاجْتِهَاد مَا هَذَا وَالله إِلَّا كفران النِّعْمَة وجحودها والإخلاد إِلَى ضعف الهمة وركودها إِلَّا أَنه لَا بُد مَعَ ذَلِك أَولا من غسل فكرته عَن أدران العصبية وَقطع مَادَّة الوساوس المذهبية وسؤال لِلْفَتْحِ من الفتاح الْعَلِيم وَتعرض لفضل الله {وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم} الْحَدِيد 29 فالعجب كل الْعجب مِمَّن يَقُول بتعذر الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَأَنه محَال مَا هَذَا إِلَّا منع لما بَسطه الله من فَضله لفحول الرِّجَال واستبعاد لما خرج من يَدَيْهِ واستصعاب لما لم يكن لَدَيْهِ وَكم للأئمة الْمُتَأَخِّرين من استنباطات رائقة واستدلالات صَادِقَة مَا حام حولهَا الْأَولونَ وَلَا عرفهَا مِنْهُم الناظرون وَلَا دارت فِي بصائر المستبصرين وَلَا جالت فِي أفكار المفكرين
(1/104)

فصل فِي بَيَان أَنه لَا فرق بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين إِلَّا بِكَثْرَة الوسائط وقلتها
وَمن هَذَا تعرف انه لَا فرق بَين اجْتِهَاد من ذكره السَّائِل من العلامه الْجلَال والمقبلي واجتهاد من تقدمها من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الَّذين اتّفقت الْأمة على اجتهادهم وَأَن مرجعهما فِي تَصْحِيح الْأَحَادِيث لَيْسَ بتقليد لأئمة التَّصْحِيح بل قبُول رِوَايَة هَذَا الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ اتّفقت الْأمة على اجْتِهَاده ومرجعه فِي صِحَة الحَدِيث وَعدمهَا إِلَى أَئِمَّة الحَدِيث فَإِنَّهُ يَقُول فِي مَوَاضِع إِذا لم يعْمل بِالْحَدِيثِ إِنَّه لم يرتض رِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَنَحْو هَذِه الْعبارَة فِي محلات من تَلْخِيص ابْن حجر وتيسير الْبَيَان وَغَيرهمَا من الْكتب الْمَجْمُوعَة لسرد الْأَدِلَّة والتفتيش عَن أَحْوَال رجالها كَقَوْلِه فِي حَدِيث بهز بن حَكِيم فِي الزَّكَاة وَهَذَا الحَدِيث لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَلَو ثَبت لقلنا بِهِ هَذَا
(1/105)

هُوَ بِعَيْنِه مَا يَقُوله الْجلَال والمقبلي وكل من تقدمها وَقدمنَا لَك أَن البُخَارِيّ نَفسه إِنَّمَا يعْتَمد وَيُصَرح فِي التَّصْحِيح وَغَيره على أَقْوَال من تقدمه من الرِّجَال وَإنَّهُ لم يلق إِلَّا شُيُوخه وَالَّذين روى عَنْهُم وَصحح لَهُم أَضْعَاف أَضْعَاف شُيُوخه وَحِينَئِذٍ يعرف النَّاظر أَنه لَا فرق بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين إِلَّا بِكَثْرَة الوسائط وقلتها وسيلان الأذهان وجمودها وحركات الهمم وركودها وَالْفضل بيد الله لَا مَانع لما أعْطى وَلَا معطي لما منع أما قَول القَاضِي رَحمَه الله إِنَّه لم يَتَيَسَّر فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِلَّا تَرْجِيح بعض الْمذَاهب على بعض بِاعْتِبَار قُوَّة الدّلَالَة أَو كَثْرَة من صحّح أَو جلالته فَجَوَابه أَن هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ تَرْجِيحا هُوَ الإجتهاد الْمُطلق إِنَّمَا ذَنْب الْمُتَأَخر أَنه تَأَخّر زَمَنه عَن زمَان من قَالَ بالْقَوْل الرَّاجِح والمرجوح فَنظر كنظر من قبله من الْمُجْتَهدين وَجزم بِأحد الْقَوْلَيْنِ نظرا إِلَى الدَّلِيل فسميتموه تَرْجِيحا لقَوْل غَيره وَلَيْسَ كَذَلِك فافرضوا أَنه لم يتقدمه أحد فَإِنَّهُ لَو كَانَ زَمَانه سَابِقًا ورأيتم مَا أدعاه وَمَا أَقَامَهُ من الْبَرَاهِين على دَعْوَاهُ لقلتم أَنه مُجْتَهد مُطلق
(1/106)

وَلَا يخفى أَن تقدم الزَّمَان وتأخره لَا أثر لَهُ فِي جمع الْأَدِلَّة والاستنباط مِنْهَا قطعا بل قد أوضحنا لَك أَن الله قد جمع شَمل الْأَدِلَّة للمتأخرين وَلَكِنَّكُمْ نظرتم إِلَى تَأَخّر زَمَانه وَإنَّهُ قد قَالَ بِمَا جنح إِلَيْهِ قَائِل قبله فقلتم إِن هَذَا للمجتهد الآخر رجح مَا قَالَه من قبله بِقُوَّة الدّلَالَة أَو نَحْوهَا قُلْنَا هُوَ عين الِاجْتِهَاد وَلَا يضرنا تسميتكم لَهُ تَرْجِيحا
(1/107)

فصل فِي سَبَب اخْتِلَاف الْأَقْوَال فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
أما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِل دَامَت إفادته من أَنه قد يخْتَلف كَلَام إمامين من أَئِمَّة الحَدِيث فيضعف هَذَا حَدِيثا وَهَذَا يُصَحِّحهُ وَيَرْمِي هَذَا رجلا من الروَاة بِالْجرْحِ وَآخر يعدله فَهَذَا مِمَّا يشْعر بِأَن التَّصْحِيح وَنَحْوه من مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّذِي اخْتلفت فِيهِ الآراء فَجَوَابه أَن الْأَمر كَذَلِك أَي أَنه قد تخْتَلف أَقْوَالهم فَإِنَّهُ قَالَ مَالك فِي ابْن إِسْحَاق إِنَّه دجال من الدجاجلة وَقَالَ فِيهِ شُعْبَة إِنَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث
(1/108)

وَشعْبَة إِمَام لَا كَلَام فِي ذَلِك وإمامة مَالك فِي الدّين مَعْلُومَة لَا تحْتَاج إِلَى برهَان فهذان إمامان كبيران اخْتلفَا فِي رجل وَاحِد من رُوَاة الْأَحَادِيث وَيتَفَرَّع على هَذَا الِاخْتِلَاف فِي صِحَة حَدِيث من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَفِي
(1/109)

ضعفه فَإِنَّهُ قد يجد الْعَالم الْمُتَأَخر عَن زمَان هذَيْن الْإِمَامَيْنِ كَلَام شُعْبَة وتوثيقه لِابْنِ إِسْحَاق فيصحح حَدِيثا يكون من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق قَائِلا قد ثبتَتْ الرِّوَايَة عَن إِمَام من أَئِمَّة الدّين وَهُوَ شُعْبَة بِأَن ابْن إِسْحَاق حجَّة فِي رِوَايَته وَهَذَا خبر من شُعْبَة يجب قبُوله وَقد يجد الْعَالم الآخر كَلَام مَالك وقدحه فِي ابْن اسحاق الْقدح الَّذِي لَيْسَ وَرَاءه ورواء وَيرى حَدِيثا من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فيضعف الحَدِيث لذَلِك قَائِلا قد روى لي إِمَام وَهُوَ مَالك بِأَن ابْن إِسْحَاق غير مرضِي الرِّوَايَة وَلَا يُسَاوِي فلسًا فَيجب رد خبر فِيهِ ابْن إِسْحَاق فبسبب هَذَا الِاخْتِلَاف حصل اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي التَّصْحِيح والتضعيف المتفرعين عَن اخْتِلَاف مَا بَلغهُمْ من حَال بعض الروَاة وكل ذَلِك رَاجع إِلَى
(1/110)

الرِّوَايَة لَا إِلَى الدِّرَايَة فَهُوَ ناشىء عَن اخْتِلَاف الْأَخْبَار فَمن صحّح أَو ضعف فَلَيْسَ عَن رَأْي وَلَا استنباط كَمَا لَا يخفى بل عمل بالرواية وكل من الْمُصَحح والمضعف مُجْتَهد عَامل بِرِوَايَة عدل فَعرفت أَن الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك لَيْسَ مَدَاره على الرَّأْي وَلَا هُوَ من أَدِلَّة أَن مَسْأَلَة التَّصْحِيح وضده اجْتِهَاد نعم وَقد يَأْتِي من لَهُ فحولة ونقادة ودراية بحقائق الْأُمُور وَحسن وسعة اطلَاع على كَلَام الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ يرجع إِلَى التَّرْجِيح بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فَينْظر فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى كَلَام الْجَارِح ومخرجه فيجده كلَاما خرج مخرج الْغَضَب الَّذِي لَا يَخْلُو عَنهُ الْبشر وَلَا يحفظ لِسَانه حَال حُصُوله إِلَّا من عصمه الله
(1/111)

فَإِنَّهُ لما قَالَ ابْن إِسْحَاق اعرضوا عَليّ علم مَالك فَأَنا بيطاره فَبلغ مَالِكًا فَقَالَ تِلْكَ الْكَلِمَة الجافية الَّتِي لَوْلَا جلالة من قَالَهَا وَمَا نرجوه من عَفْو الله من فلتات اللِّسَان عِنْد الْغَضَب لَكَانَ الْقدح بهَا فِيمَن قَالَهَا أقرب إِلَى الْقدح فِيمَن قيلت فِيهِ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ خرج مخرج الْغَضَب لم نره قادحا فِي ابْن إِسْحَاق فَإِنَّهُ خرج مخرد جَزَاء السَّيئَة بِالسَّيِّئَةِ على أَن ابْن إِسْحَاق لم يقْدَح فِي مَالك وَلَا فِي علمه غَايَة مَا أَفَادَ كَلَامه أَنه أعلم من مَالك وَأَنه بيطار علومه وَلَيْسَ فِي ذَلِك قدح على مَالك ونظرنا كَلَام شُعْبَة فِي ابْن إِسْحَاق فقدمنا قَوْله لِأَنَّهُ خرج مخرج النصح للْمُسلمين لَيْسَ لَهُ حَامِل عَلَيْهِ إِلَّا ذَلِك وَأما الجامد فِي ذهنه الأبله فِي نظره فَإِنَّهُ يَقُول قد تعَارض هُنَا الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَيقدم الْجرْح لِأَن الْجَارِح أولى وَإِن كثر المعدلون وَهَذِه الْقَاعِدَة لَو أخذت كُلية لم يبْق لنا عدل إِلَّا الرُّسُل فَإِنَّهُ مَا
(1/112)

سلم فَاضل من طَاعن من ذَلِك لَا من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا أحد من أَئِمَّة الدّين كَمَا قيل ... فَمَا سلم صديق من رافض ... وَلَا نجا من ناصبي عَليّ ...
(1/113)

.. مَا سلم الله من بريته ... وَلَا نَبِي الْهَدْي فَكيف أَنا ... الْقَاعِدَة ظاهرية يعْمل بهَا فِيمَا تعَارض فِيهِ الْجرْح وَالتَّعْدِيل من المجاهيل على أَنه لَك أَن تَقول كَلَام مَالك لَيْسَ بقادح فِي ابْن إِسْحَاق لما علمت أَنه خرج مخرج الْغَضَب لَا مخرج النصح للْمُسلمين فَلم يُعَارض فِي ابْن إِسْحَاق جرح وَاعْلَم أَن ذكرنَا لِابْنِ إِسْحَاق وَالْكَلَام فِيهِ مِثَال وَطَرِيق يسْلك مِنْهُ إِلَى نَظَائِره وَإِذا عرفت هَذَا فَهُوَ التَّرْجِيح لايخرج مَا ذَكرْنَاهُ عَن كَونه من بَاب قبُول أَخْبَار الْعُدُول بل هُوَ مِنْهُ إِنَّمَا لما تعَارض الخبران عندنَا فِي حَال هَذَا الرَّاوِي تتبعنا حقائق الْخَبَرَيْنِ وَمحل صدورهما والباعث على التَّكَلُّم بهما فَظهر الِاعْتِمَاد على أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ من بَاب قبُول الْأَخْبَار فَهَكَذَا يلْزم النَّاظر الْبَحْث عَن حقائق الْأَحْوَال وَعَن الْبَاعِث عَن صدورها من أَفْوَاه الرِّجَال فَإِنَّهُ يكون كَلَامه بعد ذَلِك أقوم قيلا وَأحسن دَلِيلا وأوفق نظرا وَأجل قدرا فَمن عمل بِرِوَايَة التَّعْدِيل والتزكية وَمن عمل بِرِوَايَة الْقدح وَالتَّجْرِيح وَإِن
(1/114)

كَانَ الْكل قابلين لأخبار الْعُدُول عاملين بِمَا يجب عَلَيْهِم من قبُول خبر الْمَنْقُول فَالْكل مجتهدون وَلَكِن تخالفت الْآثَار وتفاوتت الأنظار وَمن هُنَا نَحوه وَقع اخْتِلَاف الْمُجْتَهدين فِي عدَّة مسَائِل من أُمَّهَات الدّين وَالْكل مأجورون بِالنَّصِّ الثَّابِت مِنْهُم من لَهُ أجر وَمِنْهُم من لَهُ أَجْرَانِ وَمن هُنَا علمت أَن اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي تَصْحِيح خبر من إِمَام وتضعيفه من إِمَام آخر ناشىء عَمَّا تلقوهُ من أَخْبَار الْعُدُول عَن الروَاة فَهَذَا لإِمَام لم يبلغهُ عَن الروَاة هَذَا الْخَبَر الَّذِي حكم بِصِحَّتِهِ إِلَّا الْعَدَالَة والضبط فصحح أخبارهم وَلِهَذَا تَجِد من يتعقب بعض الْأَحَادِيث الَّتِي صححها إِمَام بقوله كَيفَ تَصْحِيحه وَفِيه فلَان كَذَّاب وَنَحْو هَذَا وَمَعْلُوم أَن من صحّح هَذَا الحَدِيث لم يبلغهُ أَن فِي رِجَاله كذابا وَهَذَا لإِمَام بلغه من أَحْوَال رُوَاة ذَلِك الْخَبَر أَو بَعضهم عدم الْعَدَالَة وَسُوء الْحِفْظ أَو انْقِطَاع الْخَبَر أَو شذوذه حكم عَلَيْهِ بِعَدَمِ الصِّحَّة وَهَذَا مَعْرُوف من جبلة الْعباد وطبائعهم فَمن النَّاس من يغلب عَلَيْهِ حسن الظَّن فِي النَّاس وتلقي أَقْوَالهم بِالصّدقِ وَمن النَّاس من لَهُ نباهة وفطنة وَطول خبْرَة لأحوال النَّاس فَلَا يَكْتَفِي بِالظَّاهِرِ بل يفتش عَن الْحَقَائِق فَيَقَع على الْحق وَالصَّوَاب وَلذَا أطبق النقاد أَن مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ مقدم على مَا صَححهُ غَيرهمَا فِي غير مَا انتقد عَلَيْهِمَا كَمَا يَأْتِي عِنْد التَّعَارُض ثمَّ مَا انْفَرد البُخَارِيّ بِتَصْحِيحِهِ مقدم على مَا انْفَرد بِهِ مُسلم وَمَا ذَاك إِلَّا لحذاقة البُخَارِيّ ونقادته ومعرفته بأحوال الروَاة وَغَيره مِمَّن صحّح يقبلُونَ
(1/115)

تَصْحِيحه ويجعلونه فِي رُتْبَة أَعلَى من رُتْبَة مَا لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ فَهَذَا التَّفَاضُل نَشأ من زِيَادَة الإتقان لأحوال المخبرين أَلا ترى أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ مَعَ إِمَامَته يرْوى عَن ابْن أبي يحيى ويعبر عَنهُ بالثقة وَغَيره يقدحون فِيهِ ويتجنبونه فِي الصِّحَاح
(1/116)

وَذَلِكَ من الِاخْتِلَاف فِي أَخْبَار المخبرين عَنهُ فالشافعي رَضِي الله عَنهُ ثَبت لَهُ عَدَالَته وَضَبطه وَيَأْتِي فِيهِ مَا أسلفناه من أَنه لَو عمل بِرِوَايَة أحد الراويين لترجيح قوي عِنْده عضد مَا يعرفهُ من حَال الرَّاوِي جَازَ ذَلِك فوثقه وَغَيره ثَبت لَهُ غير ذَلِك فتجنبوه وَالْكل عَائِد إِلَى اخْتِلَاف المخبرين
(1/117)

فصل فِي التفطن لأحوال المخبرين عَن الروَاة
وَإِذا تقرر لَك مَا حققناه من أَن المصححين والمحسنين والمضعفين رُوَاة أَحْوَال رجال الْإِسْنَاد يعبرون عَن ثقتهم وضبطهم واتصال مَا رَوَوْهُ وسلامته من الشذوذ وَالْعلَّة بقَوْلهمْ صَحِيح وَعَن خِلَافه بضعيف وَعَما بَين الْأَمريْنِ بِحسن كَمَا عرف ذَلِك بِعلم أصُول الحَدِيث فهم رُوَاة مخبرون عَن أَحْوَال الروَاة للْحَدِيث فَلَا بُد حِينَئِذٍ من معرفَة أَحْوَالهم كمعرفة أَحْوَال رجال الْمَتْن وَقد اخْتلفُوا فِيمَا يَرْوُونَهُ كاختلاف رُوَاة الْمُتُون فَمنهمْ من يصحح الحَدِيث فَيَأْتِي من يتتبع رجال ذَلِك الحَدِيث فيجد فِي رِجَاله من لَيْسَ بِصفة رِوَايَة الصَّحِيح وَلذَا ترى النقاد من ائمة هَذَا الشَّأْن يَقُولُونَ فِي الِاعْتِرَاض على بعض المصححين كَيفَ يجْزم بِصِحَّتِهِ وَفِي رُوَاته فلَان كَذَّاب وَكَذَا وَكَذَا من الَّتِي لَا يَصح مَعهَا تَصْحِيح رِوَايَته وَهَذَا كثير جدا فِيمَا يُصَحِّحهُ الْحَاكِم وَيُوجد قَلِيلا فِيمَا يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ وَحِينَئِذٍ لَا بُد من التفطن لأحوال المخبرين بِالصِّحَّةِ وَأَنه لَا بُد فيهم من
(1/118)

النباهة وَعدم التغفيل وَصدق الدّيانَة والنصحية للْمُسلمين فَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عبد الله البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن فِي طبقتهما وَمن خرج على كِتَابَيْهِمَا فخبره بِالصِّحَّةِ مَقْبُول قد تتبع أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وفرسان هَذَا الميدان مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ فوجدوه مَبْنِيا على أساس صَحِيح وخبرة بالرواية وَمَعْرِفَة وإتقان وَإِن وجد الشَّيْء الْيَسِير فِي رجالهما مِمَّن انتقد الْحفاظ من بعدهمَا كانتقاد الْحَافِظ أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ على الشَّيْخَيْنِ فَإِن مَجْمُوع مَا انتقده عَلَيْهِمَا من الْأَحَادِيث مائَة حَدِيث وَعشرَة انْفَرد البُخَارِيّ مِنْهَا بِثَلَاثَة وَسبعين حَدِيثا واشترك هُوَ وَمُسلم فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثا وَقد أجَاب عَنهُ غَيره من الْحفاظ بأجوبة فِيهَا الغث والسمين وَجُمْلَة من قدح فِيهِ من رجال البُخَارِيّ ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية وَتسْعُونَ وَقد دفع الْحَافِظ ابْن حجر مَا قدح بِهِ فيهم بعض فِيهِ تكلّف وَبَعضه وَاضح لَكِن إِذا عرفت عدَّة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الكتابان من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
(1/119)

وَالرِّجَال الموثقين علمت أَن صِحَة مَا فِيهَا الْأَغْلَب هِيَ فَالْحكم لَهُ فَيعْمل بِمَا فِيهَا مَا لم يظنّ أَو يعلم أَنه من المغلوب وَذَلِكَ لِأَن الْعَمَل بِالظَّنِّ وَالظَّن يحصل بِإِخْبَار من غَالب أخباره الصدْق وَلَا يفت فِيهِ تَجْوِيز أَنه غير صَادِق فِيمَا أخبر بِهِ من الصِّحَّة مثلا وَقد صرح أَئِمَّة أصُول الحَدِيث بِأَنَّهُ لَا يتْرك إِلَّا من كثر خطأه وَمَعْلُوم أَن خطأ صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ فِي الْإِخْبَار بِالصِّحَّةِ قَلِيل جدا ومحصور كَمَا ذَكرْنَاهُ فَأَما أهل أصُول الْفِقْه فَإِنَّهُم قَائِلُونَ إِنَّه لَا يتْرك إِلَّا من كَانَ خطأه أَكثر من صَوَابه كَمَا عرف وَبِهَذَا التَّحْقِيق علمت مزية الصَّحِيحَيْنِ لَا بِمَا ادَّعَاهُ ابْن الصّلاح من تلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ فَإِنَّهُ قَول غير مَقْبُول قد حققنا فِي ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر بُطْلَانه بِمَا لَا مزِيد فِيهِ وَمثله فِي الْبطلَان قَول الْعَلامَة الْجلَال فِي ديباجة ضوء النَّهَار إِنَّه يجب الْعَمَل بِمَا حسنوه أَو صححوه كَمَا يجب الْعَمَل بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ كَلَام بَاطِل قد بَينا وَجه بُطْلَانه فِي منحة الْغفار حَاشِيَة ضوء النَّهَار مَعَ أَن دَعْوَاهُ أَعم من دَعْوَى ابْن الصّلاح
(1/120)

نعم وَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عبد الله الْحَاكِم فقد تكلم النَّاس فِيمَا أخبر بِهِ من الصِّحَّة وَاخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا وَلَهُم فِي الْأَحَادِيث الَّتِي صححها فِي مُسْتَدْركه ثَلَاثَة أَقْوَال إفراط وتفريط وتوسط فأفرط أَبُو سعد الْمَالِينِي وَقَالَ لَيْسَ فِيهِ حَدِيث على شَرط الصَّحِيح وفرط الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فَجعله مثل الصَّحِيح وضمه إِلَيْهِمَا فِي كتاب الْجَامِع الْكَبِير وَجعل الْعزو إِلَيْهِ معلما بِالصِّحَّةِ كالعزو إِلَى الصَّحِيحَيْنِ وَتوسع الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِيهِ نَحْو الثُّلُث صَحِيح وَنَحْو الرّبع حسن وَبَقِيَّة مَا فِيهِ مَنَاكِير وعجائب وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن الْأَحْوَط الْوَقْف فِي قبُول خبر الْحَاكِم بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ صَار كِتَابَة غير غالبة عَلَيْهِ الصِّحَّة بل الصَّحِيح فِيهِ مغلوب
(1/121)

وَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فقد أثنى عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وَقَالُوا فِي كِتَابه ربع مَقْطُوع بِهِ وَربع على شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَفِيه غَيرهمَا قد بَين علته فِي كِتَابه وَهَذَا ذَكرْنَاهُ لَك معيارا ومقياسا وتمثيلا لأحوال رُوَاة الصِّحَّة وَأَنَّهُمْ كرواة الْمُتُون فِيهِ الْحجَّة الإِمَام وَفِيهِمْ من فِيهِ لين ومسارعة إِلَى الْإِخْبَار بالضعف والوضع كَابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ يُسَارع إِلَى الحكم بِالْوَضْعِ فِي أَحَادِيث عالية الرُّتْبَة عَن صفة الْوَضع وانتقده الْأَئِمَّة فَابْن الْجَوْزِيّ وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي طرفِي نقيض هَذَا يُسَارع إِلَى الْإِخْبَار بِالصِّحَّةِ وَهَذَا يُسَارع إِلَى الْإِخْبَار بِالْوَضْعِ
(1/122)

فَمن هُنَا يتَعَيَّن على النَّاظر ذِي الهمة الدِّينِيَّة الْبَحْث عَن أَحْوَال الْأَئِمَّة كالبحث عَن أَحْوَال رُوَاة الْمُتُون ويطيل مُرَاجعَة التَّارِيخ فَإِنَّهُ بذلك يطلع على حقائق أَحْوَال أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَيرى مَا يُوجب التَّوَقُّف تَارَة والمضي أُخْرَى وَالرَّدّ حينا مَا
(1/123)

فصل فِي معرفَة الْحق من أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل
قد يصعب على من يُرِيد دَرك الْحَقَائِق وتجنب المهاوي والمزالق معرفَة الْحق من أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل بعد اتِّبَاع هَذِه الْمذَاهب الَّتِي طَال فِيهَا القال والقيل وَفرقت كلمة الْمُسلمين وأنشأت بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الدّين وقدح بَعضهم فِي بعض وانْتهى الْأَمر إِلَى الطامة الْكُبْرَى من التفسيق والتكفير وشب على ذَلِك من أهل الْمذَاهب الصَّغِير وشاب عَلَيْهِ الْكَبِير كل هَذَا من آثَار هَذِه الاعتقادات المبتدعة فِي الْإِسْلَام والمجانبة لما جَاءَ بِهِ سيد الْأَنَام عَلَيْهِ وعَلى آله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فترى إِمَامًا من الْعلمَاء العاملين يقْدَح فِي راو من حفاظ عُلُوم الدّين بِأَنَّهُ كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن وتجد إِمَامًا آخر يقْدَح فِي راو آخر بِأَنَّهُ كَانَ يَقُول بقدم الْقُرْآن وَكَذَلِكَ يقدحون بِأُمُور لَيست عُمْدَة فِي الدّين وَلَا يخرج المتصف بهَا عَن زمرة الْمُتَّقِينَ ويقدحون بالْقَوْل بِالْقدرِ والإرجاء وَالنّصب والتشيع ثمَّ تراهم يصححون أَحَادِيث جمَاعَة من الروَاة قد رموهم بِتِلْكَ القوادح أَلا ترى أَن البُخَارِيّ أخرج لجَماعَة رموهم بِالْقدرِ كهشام بن
(1/124)

أبي عبد الله الدستوَائي أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَقد قَالَ فِيهِ مُحَمَّد بن سعد كَانَ حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَأخرج مَالك لجَماعَة يرَوْنَ الْقدر كَمَا قَالَه ابْن البرقي أَنه سُئِلَ مَالك كَيفَ رويت عَن دَاوُد بن الْحصين وثور بن زيد
(1/125)

وَذكر لَهُ جمَاعَة كَيفَ رويت لَهُم وَلَقَد كَانُوا يرَوْنَ الْقدر قَالَ كَانُوا لِأَن يخروا من السَّمَاء على الأَرْض أسهل من أَن يكذبوا وَكم فِي الصَّحِيحَيْنِ من جمَاعَة صححوا أَحَادِيثهم وهم قدرية وخوارج ومرجئة إِذا عرفت هَذَا فَهُوَ من صَنِيع أَئِمَّة الدّين قد يعده الْوَاقِف عَلَيْهِ تناقضا وَيَرَاهُ لما قَرَّرَهُ مُعَارضا ويفت عِنْده من عضد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن ويظن التَّصْحِيح صادرا عَن مجازفة من غير إتقان وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ إِذا حقق صَنِيع الْقَوْم وتتبع طرائقهم وقواعدهم نفى عَنْهُم اللوم وَعلم أَنهم أجل من ذَلِك قدرا وأدق نظرا وأنصح لأهل الدّين من جمَاعَة الثغور الْمُجَاهدين وَأَنَّهُمْ لَا يعتمدون بعد إِيمَان الرَّاوِي إِلَّا على صدق لهجته وَضبط رِوَايَته وَقد أَقَمْنَا برهَان هَذِه الدَّعْوَى فِي رِسَالَة ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر برهانا لَا يَدْفَعهُ إِلَّا من لَيْسَ من الأذكياء ذَوي النباهة والخطر
(1/126)

فصل فِي أَن القوادح المذهبية لَا يتلفت إِلَيْهَا
إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن هَذِه القوادح المذهبية والابتداعات الاعتقادية يَنْبَغِي للنَّاظِر أَن لَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا يعرج فِي الْقدح عَلَيْهَا فَإِن القَوْل بقدم الْقُرْآن مثلا بِدعَة كَمَا أَن القَوْل بخلقه بِدعَة وَقد اخْتَار الْحَافِظ ابْن حجر رَحمَه الله لنَفسِهِ وَحَكَاهُ عَن الجماهير غَيره أَن الابتداع بمفسق لَا يقْدَح بِهِ فِي الرَّاوِي إِلَّا أَن يكون دَاعِيَة
(1/127)

وَهَذِه مَسْأَلَة قبُول فساق التَّأْوِيل وكفار التَّأْوِيل وَقد نقل فِي العواصم إِجْمَاع الصَّحَابَة على قبُول فساق التَّأْوِيل من عشر طرق وَمثله فِي كفار التَّأْوِيل من أَربع طرق وَإِذا عرفت وَرَأَيْت أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل يَقُولُونَ فلَان ثِقَة حجَّة إِلَّا أَنه قدري أَو يرى الإرجاء أَو يَقُول بِخلق الْقُرْآن أَو نَحْو ذَلِك أخذت بقَوْلهمْ ثِقَة وعملت بِهِ وأطرحت قَوْلهم قدري وَلَا يقْدَح بِهِ فِي الرِّوَايَة غَايَة ذَلِك أَنه مُبْتَدع وَلَا يضر الثِّقَة بدعته من قبُول رِوَايَته لما عرفت من كَلَام ابْن حجر وَمن كَلَام مَالك
(1/128)

فَإِن قَوْلهم ثِقَة قد أَفَادَ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ صَدُوق وَقَوْلهمْ يَقُول بِخلق الْقُرْآن مثلا إِخْبَار بِأَنَّهُ مُبْتَدع وَلَا تضرنا بدعته فِي قبُول خَبره وَمن هُنَا يَتَّضِح لَك اختلال رسم الْعَدَالَة الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الأصوليون والفروعيون وأئمة الحَدِيث بِأَنَّهَا ملكة تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة وفسروا التَّقْوَى باجتناب الْأَعْمَال السَّيئَة من شرك أَو فسق أَو بِدعَة وَقد أوضحنا اختلاله فِي ثَمَرَات النّظر وَفِي الْمسَائِل المهمة وَفِي منحة الْغفار بِمَا يعرف بِهِ أَنه رسم دارس وَقَول لَا يعول عَلَيْهِ من هُوَ لدقائق الْعُلُوم ممارس وَإِن أطبق عَلَيْهِ الأكابر فكم ترك الأول وَالْآخر وَقد ناقضوه مناقضة ظَاهِرَة بِقبُول فساق التَّأْوِيل وكفاره والخوارج وَغَيرهم من أهل الْبدع المتكاثرة

عُلُوم الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار أقرب تناولا مِنْهَا فِيمَا سلف
وَبعد هَذَا فقد تقرر لَك بِمَا سقناه واتضح لَك بِمَا حققناه أَن للنَّاظِر فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح ويضعف وَيحسن كَمَا فعله من قبله من الْأَئِمَّة الْكِبَار فَإِن
(1/129)

عَطاء رَبك لم يكن مَحْظُورًا وإفضاله الْمَمْدُود لَيْسَ على السَّابِق محصورا وَأَن عُلُوم الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار أقرب تناولا مِنْهَا فِيمَا سلف من أزمنة الْأَئِمَّة النظار إِلَّا أَنه لايخفى أَن الِاجْتِهَاد موهبة من الله يَهبهُ لمن يَشَاء من الْعباد فَمَا كل من أحرز الْفُنُون أجْرى من قواعدها الْعُيُون وَلَا كل من عرف الْقَوَاعِد استحضرها عِنْد وُرُود الْحَادِثَة الَّتِي يفْتَقر إِلَى تطبيقها على الْأَدِلَّة والشواهد ... وَمَا كل من قاد الْجِيَاد يسوسها ... وَلَا كل من أجْرى يُقَال لَهُ مجْرى ... لَكِن على العَبْد طلب المعارف والتماسه من كل عَارِف وسهر الجفون فِي إِحْرَاز دقائق الْفُنُون وإخلاص النِّيَّة وَطلب الْفَتْح من بارىء الْبَريَّة فالخير كُله بِيَدِهِ وَلَا يلْتَمس إِلَّا من عِنْده وَكم قد رَأينَا وَسَمعنَا من زكى عَارِف إِمَام يضيق عطن بَحثه عِنْد وُرُود حَادِثَة من الْأَحْكَام فَيتبع أَقْوَال الرِّجَال تقليدا وَيعود عِنْدهَا مُقَلدًا مبلدا كَأَنَّهُ مَا غرف من بحار الْفُنُون وَلَا عرف شَيْئا من تِلْكَ الشئون نسْأَل الله أَن يعلمنَا مَا جهلناه ويذكرنا مَا نسيناه ويرزقنا الْعَمَل بِمَا علمنَا ويلهمنا إِلَى الْعلم بِمَا جهلنا أَنه ولي كل خير وَإِلَيْهِ تَعَالَى بِالْعلمِ وَالْعَمَل الْقَصْد وَالسير وَهُوَ الْمَقْصُود فِي النِّهَايَة والابتداء وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى وَمِنْه نستمد الْهِدَايَة والتوفيق فِي كل بداية وَنِهَايَة وَقد طَال الْمقَال وَخرج عَن مُطَابقَة مُقْتَضى السُّؤَال وَإِن لم نخرج عَن مُطَابقَة مُقْتَضى الْحَال فالمقام جدير بالإطالة والإسهاب حقيق بِالزِّيَادَةِ على هَذَا الإطناب إِذْ الْكَلَام فِي قَوَاعِد دينية ومباحث حَدِيثِيَّةٌ وخوض فِيمَا هُوَ من
(1/130)

أساس الدّين وَعَلِيهِ دوران فلك الِاجْتِهَاد الْمُجْتَهدين وكما قَالَ ... وَقد أَطَالَ ثنائي طول لِابْنِهِ ... إِن الْبناء على التنبال تنبال ...
(1/131)

بَيَان أَن الْفضل للْمُتَقَدِّمين وَمن خالفهم فِي الْمسَائِل لم يدع الترفع عَلَيْهِم
إِذا عرفت مَا قَرَّرْنَاهُ فالعلم أَن الَّذِي سهل الِاجْتِهَاد وألان مِنْهُ الصعاب والشداد هُوَ مَا قدمنَا لَك من سعي أَئِمَّة الدّين فِي جَمِيع عُلُوم الْأَوَّلين وَجَمعهَا بعد الشتات فِي نفائس المصنفات فلنكثر لَهُم الدُّعَاء ولنحسن عَلَيْهِم الثَّنَاء وَلَا نَكُنْ من كفار النعم وَأَشْبَاه النعم وَإِنَّمَا يعرف الْفضل لأولي الْفضل من هُوَ مِنْهُم وَإِلَيْهِ أَشَارَ من قَالَ
إِذا أفادك إِنْسَان بفائدة
من الْعُلُوم فَأكْثر شكره أبدا ... وَقل فلَان جزاه الله صَالِحَة
أفادنيها وخل اللؤم والحسدا
وَبِهَذَا يبطل تشيع الْجُهَّال بِأَن من خَالف الْأَوَائِل فِي بعض الْمسَائِل قد ادّعى الترفع عَلَيْهِم وَقَالَ إِنَّه أعلم مِنْهُم وَهَذَا خيال بَاطِل وَسُوء ظن حَاصِل وَإِلَّا لزم أَن التَّابِعين قد ادعوا الْفضل على السَّابِقين الْأَوَّلين من الْأَنْصَار والمهاجرين وَأَن الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين قد ادعوا أَن لَهُم الْفضل على الْمُتَقَدِّمين وهيهات مَا زَالَ الْفضل للمتقدم مَعْرُوفا وَمَا برح السَّابِق بالتفضيل مَوْصُوفا
وَلَو قبل مبكاها بَكَيْت صبَابَة
بسعدي شفيت النَّفس بعد التندم
(1/132)

.. وَلَكِن بَكت قبلي فيهج لي البكا ... بكاها فَقلت الْفضل للمتقدم ...

شَرَائِط الِاجْتِهَاد وَكَيْفِيَّة تَحْصِيله لأهل الذكاء من الْعباد
ثمَّ اعْلَم أَن هُنَا زِيَادَة إِفَادَة لطَالب الرشاد ألحقناها بإرشاد النقاد وَهُوَ أَنه قد ظهر لَك بِمَا قَررنَا سهولة الِاجْتِهَاد وتيسره لأهل الهمة والأمجاد فلنذكر شَرَائِطه وَكَيْفِيَّة تَحْصِيله لأهل الذكاء من الْعباد فَنَقُول قَالَ الإِمَام الْكَبِير مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير صَاحب كتاب العواصم والقواصم فِي الذب عَن سنة أبي الْقَاسِم فِي كِتَابه الْقَوَاعِد مَا لَفظه اعْلَم أَنه قد كثر استعظام النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان الِاجْتِهَاد واستبعادهم لَهُ حَتَّى صَار كالمستحيل فِيمَا بَينهم وَمَا كَانَ السّلف يشددون هَذَا التَّشْدِيد الْعَظِيم وَلَيْسَ هُوَ بالهين وَلكنه قريب مَعَ الِاجْتِهَاد أَي فِي تَحْصِيله وَصِحَّة الذَّوْق والسلامة من آفَة البلادة ثمَّ ذكر خَمْسَة شُرُوط بعد أَن أبطل شَرْطِيَّة مَعْرفَته علم الْكَلَام وَأَنه علم مُبْتَدع لم يعْهَد فِي عصر النُّبُوَّة وَلَا عهد الصَّحَابَة ثمَّ عد خَمْسَة وَلم يرتبها كَمَا نسوقه الأول معرفَة علم الْعَرَبيَّة قَالَ وَيَكْفِي فِيهِ قِرَاءَة كتاب مثل مُقَدّمَة الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب قِرَاءَة فهم وإتقان وَهَذَا على الِاحْتِيَاط لَا على الْإِيجَاب وَذَلِكَ لِأَن فِي الْعَرَبيَّة مَا لَا بُد من مَعْرفَته وفيهَا مَا لَا يحْتَاج إِلَى
(1/133)

مَعْرفَته مِثَال مَا لَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته كَلَامهم فِي عَالم الْمُسْتَثْنى مَا هُوَ وَلم ارْتَفع الْفَاعِل وانتصب الْمَفْعُول وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لم يعرفهُ الْعَرَب بل قد نقل عَن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ لَيْسَ الشَّرْط بعد معرفَة الْكتاب وَالسّنة إِلَّا أصُول الْفِقْه وَإِن أهل أصُول الْفِقْه قد نقلوا عَن الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد انْتهى كَلَام أبي الْحُسَيْن الشَّرْط الثَّانِي معرفَة أصُول الْفِقْه وَهُوَ رَأسهَا وعمودها بل أَصْلهَا وأساسها بل سَمِعت عَن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ صَاحب كتاب الْمُعْتَمد فِي أصُول الْفِقْه أَنه لَا يشْتَرط سواهُ بعد معرفَة الْكتاب وَالسّنة الشَّرْط الثَّالِث معرفَة علم الْمعَانِي وَالْبَيَان وَقد اخْتلف فِيهِ هَل هُوَ شَرط أم لَا قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد وَالْحق أَن فِيهِ مَا هُوَ شَرط فِي بعض الْمسَائِل كالعربية وَفِيه مَا لَيْسَ بِشَرْط الْبَتَّةَ وَقد نقل أهل الْأُصُول أَكثر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد تخْتَلف عبارتهم وَالْمعْنَى وَاحِد الشَّرْط الرَّابِع معرفَة الْآيَات القرآنية الشَّرْعِيَّة وَقد قيل إِنَّهَا
(1/134)

خمس مائَة آيَة مَا صَحَّ ذَلِك وَإِنَّمَا هِيَ مِائَتَا آيَة أَو قريب من ذَلِك وَلَا أعرف أحدا من الْعلمَاء أوجب حفظهَا غيبا بل شرطُوا أَن يعرف موَاضعهَا حَتَّى يتَمَكَّن عِنْد الْحَاجة من الرُّجُوع إِلَيْهَا فَمن نقلهَا إِلَى كراسته وأفردها كَفاهُ ذَلِك الشَّرْط الْخَامِس معرفَة جملَة من الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة ويكفى فِيهَا معرفَة كتاب جَامع مثل التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وفيهَا مَا لَا يجب مَعْرفَته على مُجْتَهد لِأَنَّهَا جَامِعَة لأخبار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومغازيه وبعوثه وَلما ورد من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم من كَلَامه وَلذكر الرَّقَائِق وَالْجنَّة وَالنَّار وأحوال الْقِيَامَة والفتن والآداب والفضائل وقصص الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد وَالَّذِي يدل على أَن جملَة من الْأَخْبَار تكفيه وَلَا يجب الْإِحَاطَة بهَا أَن
(1/135)

الصَّحَابَة قد صَحَّ اجتهادهم فِي أحكامهم وَلم يحيطوا بهَا علما وَكَذَلِكَ التابعون وأئمة الْإِسْلَام وَلم يعلم أَن أحدا أحَاط بهَا وَلذَا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ علمَان لَا يُحِيط بهما أحد الحَدِيث واللغة وَهَذَا صَحِيح وَهُوَ قَول الجماهير وَالْخلاف فِيهِ شَاذ قَالَ وَالْأولَى من مُرِيد الِاجْتِهَاد أَن يعرف كتابا من كتب الْأَحْكَام الَّتِي اقْتصر أَهلهَا على ذكر أَحَادِيث التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وجمعوا جَمِيع مَا فِي الْكتب الصِّحَاح من ذَلِك وبينوا الصَّحِيح من السقيم وعد كتبا من ذَلِك ثمَّ قَالَ وأنفعها كتاب تَلْخِيص الْمُخْتَصر لِلْحَافِظِ ابْن حجر فَلَا شكّ فِي كِفَايَته للمجتهد وَزِيَادَة الْكِفَايَة انْتهى كَلَامه رَحمَه الله
(1/136)

فصل فِي تَعْظِيم السّنَن والانقياد إِلَيْهَا وَترك الإعتراض عَلَيْهَا
ويأتيك قَرِيبا من أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم مَا يُنَادي على أَنهم لم يحيطوا بالأحاديث النَّبَوِيَّة وَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَن قَوْلهم إِذا خَالف الحَدِيث رددنا قَوْلهم وعملنا بِالْحَدِيثِ قلت وَقد منع أَئِمَّة الدّين مُعَارضَة سنة سيد الْمُرْسلين بأقوال غَيره من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين

تَعْظِيم الصَّحَابَة للسنن
أَوَّلهمْ حبر الْأمة وبحر علم الْكتاب وَالسّنة عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ روى الْأَعْمَش عَن فُضَيْل بن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُرْوَة نهى أَبُو بكر وَعمر عَن الْمُتْعَة قَالَ ابْن عَبَّاس أَرَاهُم سيهلكون أَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيَقُولُونَ قَالَ أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا
(1/137)

وَقَالَ عبد الرزاق حَدثنَا معمر عَن أَيُّوب قَالَ عُرْوَة لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَلا تتق الله ترخص فِي الْمُتْعَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس سل أمك يَا عُرْوَة فَقَالَ عُرْوَة أما أَبُو بكر وَعمر فَلم يفعلا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ مَا وَالله أَرَاكُم منتهين حَتَّى يعذبكم الله أحدثكُم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتحدثونا عَن أبي بكر وَعمر وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن أبي مليكَة أَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ لرجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر النَّاس بِالْعُمْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْأَشْهر وَلَيْسَ فِيهَا عمْرَة فَقَالَ أَلا تسْأَل أمك عَن ذَلِك فَقَالَ عُرْوَة إِن أَبَا بكر وَعمر لم يفعلا ذَلِك قَالَ الرجل من هَهُنَا هلكتم مَا أرى الله إِلَّا يعذبكم أحدثكُم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتخبروني بِأبي بكر وَعمر وَمُرَاد ابْن عَبَّاس أَن عُرْوَة بن الزبير يسْأَل أمه أَسمَاء بنت أبي بكر فَإِنَّهَا شهِدت حجَّة الْوَدَاع وَولدت فِي سفرها وَمحل الِاسْتِدْلَال قَول ابْن عَبَّاس لَا نقدم على سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلَام أحد من النَّاس كَائِنا من كَانَ وناهيك بالشيخين رَضِي الله عَنْهُمَا فَإِنَّهُ لَو جَازَ تقدم كَلَام أحد على سنته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكَانَ أَحَق النَّاس بذلك كَلَام صَاحِبيهِ رَضِي الله عَنْهُمَا وَلَيْسَ كلامنا فِي الْمُتْعَة إِثْبَاتًا وَلَا نفيا فَالْكَلَام على ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع إِنَّمَا مرادنا مَا ذكرنَا
(1/138)

وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سَأَلَهُ سَائل عَن مُتْعَة الْحَج فَقَالَ ابْن عمر هِيَ حَلَال فَقَالَ لَهُ الرجل إِن أَبَاك قد نهى عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْت إِن كَانَ أبي نهى عَنْهَا وصنعها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أأمر أبي أتبع أم أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الرجل بل أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لقد صنعها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي صَحِيح مُسلم إِن ابْن عمر لما حدث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمرنَا بِالْإِذْنِ للنِّسَاء فِي الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد قَالَ بعض أَوْلَاده وَالله لَا نَأْذَن لَهُنَّ وَعلل كَلَامه بِمَا يخْشَى من النِّسَاء إِذا خرجن فأقسم ابْن عمر أَن لَا يكلمهُ وَلما روى أَبُو هُرَيْرَة حَدِيث أَنه لَا يدْخل أحدكُم يَده فِي الْإِنَاء إِذا اسْتَيْقَظَ حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا قَالَ لَهُ قَائِل فَكيف تصنع بالمهراس فَقَالَ لَا تضربوا بِحَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَمْثَال وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ أَبُو السَّائِب كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ رجل
(1/139)

قدري وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن الْإِشْعَار مثلَة قَالَ فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ أَقُول لَك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتقول قَالَ إِبْرَاهِيم مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا وَلَو تتبعنا أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لطال الْمقَال واتسع نطاق الْأَقْوَال على أَنه مَعْلُوم من آرائهم أَنهم لَا يقدمُونَ على سنته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول أحد من الرِّجَال كَيفَ وَهَذَا عمر رَضِي الله عَنهُ لما أَرَادَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ قتال مانعي الزَّكَاة لم يساعده أَولا على ذَلِك وَاسْتدلَّ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فاستدل عَلَيْهِ أَبُو بكر بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا بِحَقِّهَا يُرِيد وَالزَّكَاة من حَقّهَا فانشرح صدر عمر لما أَمر بِهِ أَبُو بكر من قتال مانعي الزَّكَاة
(1/140)

فَلم يقبل عمر قَول أبي بكر حَتَّى أَقَامَ الدَّلِيل على السّنة

تَعْظِيم الْأَئِمَّة للسنن
وَأما الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِن كلا مِنْهُم مُصَرح بِأَنَّهُ لايقدم قَوْله على قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فَإِنَّهُ قَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد حَيَاة السندي نزيل طيبَة رَحمَه الله فِي رسَالَته الْمُسَمَّاة تحفة الْأَنَام فِي الْعَمَل بِحَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا لَفظه فِي رَوْضَة الْعلمَاء فِي فضل الصَّحَابَة سُئِلَ أَبُو حنيفَة إِذا قلت قولا
(1/141)

وَكتاب الله يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لكتاب الله فَقيل إِذا كَانَ خبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخالطه قَالَ اتْرُكُوا قولي لخَبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقيل لَهُ إِذا كَانَ قَول الصَّحَابَة يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لقَوْل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَقَالَ إِنَّه روى لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول إِذا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعلى الرَّأْس وَالْعين وَإِذا جَاءَ عَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَخْتَار من قَوْلهم وَإِذا جَاءَ عَن التَّابِعين زاحمناهم انْتهى أما الشَّافِعِي رَحمَه الله فَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن حَيَاة روى الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن عِنْد الْكَلَام على الْقِرَاءَة بِسَنَدِهِ قَالَ الشَّافِعِي إِذا قلت قولا وَكَانَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خِلَافه فَمَا يَصح من حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى فَلَا تقلدوني وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي نهايته عَن الشَّافِعِي
(1/142)

إِذا صَحَّ خبر يُخَالف مذهبي فَاتَّبعُوهُ وَاعْلَمُوا أَنه مذهبي وَقَالَ مثل الَّذِي يطْلب الْعلم بِلَا حجَّة كَمثل حَاطِب ليل يحمل حزمة حطب وَفِيه أَفْعَى تلدغه وَهُوَ لَا يدْرِي ذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَأما أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله فَقَالَ أَبُو دَاوُد قلت لِأَحْمَد الْأَوْزَاعِيّ هُوَ أتبع أم مَالك كَأَنَّهُ يُرِيد أَكثر اتبَاعا من مَالك فَقَالَ لَا تقلد فِي دينك أحدا من هَؤُلَاءِ مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه فَخذ بِهِ ثمَّ التَّابِعين بعد الرجل فِيهِ مُخَيّر وَقَالَ أَحْمد أَيْضا لَا تقلدني وَلَا تقلد مَالِكًا ولاالثوري وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَخذ من حَيْثُ أخذُوا وَقَالَ من قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال وَقَالَ الشَّافِعِي أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحدا
(1/143)

وَقَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث على خلاف قولي فاضربوا قولي بِالْحَائِطِ وَاعْمَلُوا بِحَدِيث الضَّابِط نقل هَذَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن حَيَاة السندي فِي رسَالَته الَّتِي تقدم ذكرهَا وعندما صَحَّ لنا هَذَا عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة جزاهم الله أفضل الْجَزَاء من الْأمة قُلْنَا فِي أَبْيَات
علام جعلتم أَيهَا النَّاس ديننَا
لأربعة لَا شكّ فِي فَضلهمْ عِنْدِي ... هم عُلَمَاء الدّين شرقا ومغربا
وَنور عُيُون الْفضل وَالْحق والزهد ... وَلَكنهُمْ كالناس لَيْسَ كَلَامهم
دَلِيلا ولاتقليدهم فِي غَد يجدي ... وَلَا زَعَمُوا حاشاهم أَن قَوْلهم
دَلِيل فيستهدي بِهِ كل من يهدي ... بل صَرَّحُوا أَنا نقابل قَوْلهم
إِذا خَالَفت الْمَنْصُوص بالقدح وَالرَّدّ
وَهَذِه نصوصهم رَضِي الله عَنْهُم كَمَا سَمِعت وأقوال أَئِمَّة الْعلم فِي هَذِه كَثِيرَة جدا على أَنه مَعْلُوم من صِفَات الْعَالم أَنه لَا يرتضي أَن يقدم على قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد صِحَّته أَو حسنه قَول نَفسه وَلَا قَول غَيره وَإِلَّا لم يكن عَالما مُتبعا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت وَإِذا عرفت تَصْرِيح الْأَئِمَّة بِأَنَّهُ إِذا صَحَّ الحَدِيث بِخِلَاف مَا
(1/144)

قَالُوهُ فَإِنَّهُ لَا يقلدهم أحد فِي قَوْلهم الْمُخَالف للْحَدِيث عرفت بِأَن الآخر بقَوْلهمْ مَعَ مُخَالفَة الحَدِيث غير مقلد لَهُم لِأَن التَّقْلِيد حَقِيقَة هُوَ الْأَخْذ بقول الْغَيْر من غير حجَّة وَهَذَا القَوْل الَّذِي خَالف الحَدِيث لَيْسَ قولا لَهُم لأَنهم صَرَّحُوا بِأَنَّهُم لَا يتبعُون فِيمَا خَالف الحَدِيث وَأَن قَوْلهم هُوَ الحَدِيث وَلَقَد كثرت جنايات المقلدين على أئمتهم فِي تعصبهم لَهُ فَمن تبين لَهُ شَيْء من ذَلِك أَي من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فَلَا يعْذر فِي التَّقْلِيد فَإِن أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف قَالَا لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن أخذناه وَإِن كَانَ الرجل مُتبعا لَاحَدَّ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَرَأى فِي بعض الْمسَائِل أَن قَول غَيره أقوى مِنْهُ فَاتبعهُ كَانَ قد أحسن فِي ذَلِك وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي عَدَالَته وَلَا دينه بِلَا نزاع بل هَذَا أولى بِالْحَقِّ وَأحب إِلَى الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمن تعصب لوَاحِد معِين غير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيرى أَن قَوْله هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يجب اتِّبَاعه دون الْأَئِمَّة الآخرين فَهُوَ ضال جَاهِل بل قد يكون كَافِرًا يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِنَّهُ مَتى اعْتقد أَنه يجب على النَّاس اتِّبَاع وَاحِد معِين من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة رَضِي الله عَنْهُم دون الآخرين فقد جعله بِمَنْزِلَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ كفر انْتهى نَقله الشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة رَحمَه الله
(1/145)

قلت وَقَوله من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بَيَان للْوَاقِع إِذْ هم فِي نظره المتبعون وَإِلَّا قَالَ بِالْإِطْلَاقِ من غير تَقْيِيد بالأربعة ثمَّ من هُنَا يعرف بطلَان قَوْلهم وَبعد الإلتزام يحرم الإنتقال إِلَّا إِلَى تَرْجِيح نَفسه فَإنَّا نقُول بل يحرم الإلتزام إِذْ مَعْنَاهُ تَقْلِيد معِين من الْعلمَاء وَعدم الرُّجُوع إِلَى تَقْلِيد غَيره فَإنَّا نقُول هَذَا الإلتزام للمعين هَل كَانَ إِيثَار الْتِزَام الْمُقَلّد لمَذْهَب من بَين مَذَاهِب الْعلمَاء عَن نظر واجتهاد قضى لَهُ أرجحية مذْهبه إِلَى غَيره التزاما أَو كَانَ عَن غير نظر بل تقليدا فِي تعْيين الْتِزَام مذْهبه إِن كَانَ الأول فَدلَّ على أَنه مُجْتَهد عَارِف بِالنّظرِ فِي الْأَدِلَّة راجحها ومرجوحها وَهَذَا لَا يحل لَهُ التَّقْلِيد فضلا عَن الإلتزام وَإِن كَانَ الثَّانِي وَإِن تبعه سَهوا وَخطأ فَلَا اعْتِبَار بالتزامه فَإِن شَهْوَته لَيْسَ بِدَلِيل وَمَا أحسن قَول ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس اعْلَم أَن الْمُقَلّد على غير ثِقَة فِيمَا قلد فِيهِ وَفِي التَّقْلِيد إبِْطَال مَنْفَعَة الْعقل لِأَنَّهُ إِنَّمَا خلق للتأمل والتدبر وقبيح بِمن أعْطى شمعة يستضيء بهَا أَن يطفئها وَيَمْشي فِي الظلمَة انْتهى

الْأَدِلَّة معيار الْحق من الْبَاطِل
فَإِن قلت الْقَائِلُونَ بِجَوَاز التَّقْلِيد طَائِفَة من الْعلمَاء وَلَهُم أَدِلَّة على جَوَازه قلت الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ طَائِفَة أَيْضا من الْأمة وَلَهُم أَدِلَّة على ذَلِك وَلَا يهولنك الْقَائِلُونَ وكثرتهم من الْفَرِيقَيْنِ بل ارْجع إِلَى الْأَدِلَّة فَهِيَ معيار الْحق من الْبَاطِل وَبهَا تبين الْحَال جيده من العاطل
(1/146)

فصل فِي التَّوَقُّف فِي تَصْدِيق الْمخبر حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة
وأقدم لَك مُقَدّمَة نافعة قبل سرد الْأَدِلَّة من الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ أَن لَا شكّ أَن لنا أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه لَا يثبت حكم من الْأَحْكَام إِلَّا بِدَلِيل يُثمر علما أَو أَمارَة تثمر ظنا وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء قاطبة بل بَين كَافَّة الْعُقَلَاء من أهل الْإِيمَان وَمن أهل سَائِر الْملَل والأديان وَإِن هَذَا عَام لأحكام الدُّنْيَا وَالدّين شَامِل للموحدين والملحدين فَإِنَّهُ مغروز فِي الْعُقُول أَنه لَا يقدم أحد على فعل من الْأَفْعَال أَو ترك من التروك إِلَّا بعد اعْتِقَاده عَن علم أَو ظن أَن هَذَا الْفِعْل ترك أَو فعل لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة دينية أَو دنيوية من جلب نفع أَو دفع ضَرَر وَهَذَا الإعتقاد ملزوم بِعلم أَو ظن عَن دَلِيل وأمارة وَقَالَ ملا على الْقَارِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَإِن اشْتهر بَين الْحَنَفِيَّة أَن الْحَنَفِيّ إِذا انْتقل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي يُعَزّر وَإِذا كَانَ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ يخلع عَلَيْهِ فَهُوَ قَول مُبْتَدع ومخترع وَقَالَ ملا عَليّ الْقَارِي فِي رسَالَته فِي إِشَارَة المسبحة وَقد أغرب الكيداني حَيْثُ قَالَ الْعَاشِر من الْمُحرمَات الْإِشَارَة بالسبابة كَأَهل الحَدِيث أَي مثل جمَاعَة يجمعهُمْ الْعلم بِحَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/147)

فَهَذَا مِنْهُ خطأ عَظِيم وجرم جسين منشأه الْجَهْل بقواعد الْأُصُول ومراتب الْفُرُوع من الْمَنْقُول وَلَوْلَا حسن الظَّن بِهِ وَتَأْويل كَلَامه حِينَئِذٍ لَكَانَ كفره صَرِيحًا وارتداده صَحِيحا فَهَل لمُؤْمِن أَن يحرم مَا ثَبت فعله عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا كَاد نَقله أَن يكون متواترا وَيمْنَع جَوَاز مَا عَلَيْهِ عَامَّة الْعلمَاء كَابِرًا عَن كَابر مكابرا وَالْحَال أَن الإِمَام الْأَعْظَم والهمام الأقدم قَالَ لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ بقولنَا مَا لم يعلم مأخذه من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقِيَاس الْجَلِيّ فِي الْمَسْأَلَة فَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه لَو لم يكن نَص الإِمَام على المرام لَكَانَ من الْمُتَعَيّن على أَتْبَاعه من الْعلمَاء الْكِرَام أَن يعملوا بِمَا صَحَّ عَنهُ عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَذَا لَو صَحَّ عَن الإِمَام فرضا نفي الْإِشَارَة وَصَحَّ إِثْبَاتهَا عَن صَاحب الْبشَارَة فَلَا شكّ فِي تَرْجِيح الْمُثبت الْمسند إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيفَ وَقد وجد نَقله الصَّرِيح بِمَا ثَبت بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح فَمن أنصف وَلم يتعسف عرف أَن هَذَا سَبِيل أهل التدين من السّلف وَالْخلف وَمن عدل عَن ذَلِك فَهُوَ هَالك يُوصف بِالْجَهْلِ المعاند المكابر وَلَو كَانَ عِنْد النَّاس من الأكابر انْتهى فَكل عَاقل لَا يقدم على فعل أَو يحجم عَنهُ إِلَّا لاعْتِقَاده نفعا أَو دفعا والاعتقاد لَا يكون إِلَّا عَن علم أَو ظن وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن دَلِيل وَالظَّن لَا يكون إِلَّا عَن أَمارَة ثمَّ إِن الْعُقُول مجبولة على أَن لَا تقبل قولا من الْأَقْوَال إِلَّا لظن صدقه أَو الْعلم بِهِ وَلَا ترده إِلَّا لظن كذبه أَو الْعلم بكذبه وظنهما صدق القَوْل أَو كذبه أَو
(1/148)

علمهما بهما يتوقفان على الدَّلِيل والأمارة وَإِذا تقرر هَذَا فالعقلاء قاطبة وَأهل الْملَل والنحل الْمُخْتَلفَة متفقون على أَنه لَا يجب تَصْدِيق أحد وَاتِّبَاع قَوْله حَتَّى يَأْتِي ببرهان على مَا قَالَه من دَعْوَاهُ أَو إخْبَاره عَن أَي أَمر أَلا ترى أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لما قَالَ لفرعون {إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين} إِلَى قَوْله {قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة} إِلَى قَوْله قَالَ فِرْعَوْن {فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين} الْأَعْرَاف 104 106 وَفِي سِيَاق قصصه فِي الْقُرْآن كلهَا نَحْو هَذَا وَقَالَ صَالح {قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة} الْأَعْرَاف 73 بعد قَوْلهم {فأت بِآيَة إِن كنت من الصَّادِقين} الشُّعَرَاء 154 وَسَائِر قصَص الْأَنْبِيَاء كَذَلِك وَأما قوم هود {مَا جئتنا بِبَيِّنَة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك} هود 53 فَمن تعنتهم فِي كفرهم وجعلهم الْبَيِّنَة غير الْبَيِّنَة

بَيَان أَن على الْمُدَّعِي إِقَامَة الْبَيِّنَة
وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن كل عَاقل لَا يقبل قَول قَائِل مُدعيًا ومخبرا وَلَا
(1/149)

يصدقهُ حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة على مَا قَالَه فَإِن هَذَا فِرْعَوْن مَعَ غلوه فِي كفره وكبريائه طلب من مُوسَى الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ أَنه رَسُول من رب الْعَالمين وَلم يُقَابله بِالرَّدِّ لدعواه بصد وإعراض عَن مَا قَالَه وادعاه وَلم يقل لَهُ صدقت وَلَا كذبت بل طلب مِنْهُ الْبُرْهَان كقوم صَالح وكل أهل مِلَّة من الْملَل الكفرية تطالب رسولها بِالْبَيِّنَةِ على دَعْوَاهُ النُّبُوَّة بل مِنْهُم من يعرف دَعْوَاهُ بِأَن عِنْده الْبُرْهَان عَلَيْهَا قبل أَن يطالبوه بِهِ أَلا ترى أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لفرعون فِي بعض محاورته {حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم} الْآيَة الْأَعْرَاف 105 وَإِذا أَقَامَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْبَيِّنَة على دَعْوَى النُّبُوَّة فَمن قومه من يصدقهُ وينقاد لَهُ كَمَا كَانَ من سحرة فِرْعَوْن فَإِنَّهُم لما شاهدوا تلقف عَصَاهُ لما أَتَوا بِهِ من سحر عَظِيم كَمَا وَصفه الله خروا سجدا {قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون} الْأَعْرَاف 121 122 وَتَمَادَى فِرْعَوْن وَمن تبعه على كفرهم وتكذيبهم بعد علمه وَعلم من بَقِي مَعَه على كفره بِصدق مُوسَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم {وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} النَّمْل 14 فَأخْبر الصَّادِق فِي أخباره المطلع على إِضْمَار الْقلب وإسراره بِأَنَّهُم جَحَدُوا بآياته المبصرة وأنفسهم بهَا متيقنة وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لفرعون {لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر} الْإِسْرَاء 102 وَاعْلَم أَن سر هَذِه الْأَخْبَار مِنْهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم جَحَدُوا بهَا عَن يَقِين أَن الله تَعَالَى كَمَا جبل الْعُقُول على أَن لَا تقبل دَعْوَى وَلَا تصدق خَبرا إِلَّا عَن بَيِّنَة تُقَام عَلَيْهَا
(1/150)

كَذَلِك جبلها على قبُولهَا وانقيادها وَإِذ عانها لقبُول القَوْل إِذا أُقِيمَت الْبَيِّنَة عَلَيْهِ والبرهان وتصديقها للدعوى وَالْخَبَر فِي أَي شَأْن كَمَا جعل الشِّبَع عِنْد الْأكل فَإِن لم يقبل بعد إِقَامَته فَلَيْسَ إِلَّا مُكَابَرَة وظلما وعلوا وعدوانا وَلَو بسطنا الِاسْتِدْلَال لطال الْمقَال إِلَّا أَن الْمَسْأَلَة مَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ عِنْد الْعُقَلَاء مبسوطة فِي دواوين الْإِسْلَام فَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة وَيدل لذَلِك قَوْله {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} الْإِسْرَاء 15 وَقَوله {لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل} النِّسَاء 165 وَقَوله {أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير فقد جَاءَكُم بشير ونذير} الْمَائِدَة 19
(1/151)

فصل فِي أَن مُكَابَرَة المكابرين سَبَب لهلاكهم
وَمَعْلُوم أَنه تَعَالَى لم يبْعَث الرُّسُل إِلَّا لتقوم الْحجَّة على الْعباد وَلَا تقوم إِلَّا ببرهان ينقاد إِلَيْهِ عقول من أرسل إِلَيْهِم وَإِلَّا لم يكن ذَلِك برهانا فِي حَقهم والمفروض أَنه برهَان فَمن أنكرهُ وَجحد بِهِ فَلَا يجْحَد بِهِ إِلَّا عنادا وجهلا ومكابرة وَلذَلِك أَنه تَعَالَى بعد إرْسَاله رسله وإنبائهم للأمم بالبراهين على صدقهم وَهِي المعجزات يهْلك من لم يتبعهُم وَيُرْسل عَلَيْهِم المصائب السماوية والأرضية كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ} العنكبوت 40 فَصرحَ بِأَنَّهُ تَعَالَى لم يظلمهم بإهلاكهم بأنواع الْعُقُوبَات لِأَنَّهُ قد أَقَامَ عَلَيْهِم براهين خُفْيَة وَرُسُله علمُوا صدقهم وَلَكنهُمْ عاندوا وجحدوا بآياته وَرُسُله وَقد كَانَت قُرَيْش تعلم صدق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَتَى بِهِ من الْبَينَات وَلَكنهُمْ جَحَدُوا بآياته وتعنتوا فِي طلب معجزات اقترحوها بأهوائهم كَقَوْلِهِم {لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا أَو تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب فتفجر الْأَنْهَار خلالها تفجيرا أَو تسْقط السَّمَاء كَمَا زعمت علينا كسفا أَو تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلا أَو يكون لَك بَيت من زخرف أَو ترقى فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك حَتَّى تنزل علينا كتابا نقرؤه} الْإِسْرَاء 90 93 فَهَذَا تعنت وتشدد فِي الْكفْر مَعَ أَن لَو جَاءَهُم بِكِتَاب من السَّمَاء لزادوا طغيانا كَمَا قَالَ تَعَالَى
(1/152)

{وَلَو نزلنَا عَلَيْك كتابا فِي قرطاس فلمسوه بِأَيْدِيهِم لقَالَ الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين} الْأَنْعَام 7 فاقترحوا مَا ترَاهُ من أهوائهم وعنادهم وجهلهم وَلَا يجب على الرُّسُل إِلَّا الْبُرْهَان الدَّال على صدقهم من المعجزات الَّتِي يعجز عَنْهَا قدرهم وقواهم لَا أَنه يجب عَلَيْهِم أَن يَأْتُوا بمعجزة يقترحونها بتعنتهم وَلَو أَتَوا بهَا لتعنتوا ثَانِيَة وثالثة بل لَو أدخلُوا النَّار وردوا لعادوا لما نهو عَنهُ وَلذَا قَالَ تَعَالَى {وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ} الْمُؤْمِنُونَ 71 بل حكى الله عَن عنادهم فَقَالَ {وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون} الْحجر 14 15 فَلَيْسَ على رسل الله بعد دَعوَاهُم الرسَالَة إِلَّا إِقَامَة الْبُرْهَان على صدقهم كَمَا حكى الله تَعَالَى فِي كِتَابه عَن كل نَبِي مَعَ أمته وَرَسُول مَعَ قومه وَلَو تَأمل الناظرون والمناظرون تأديبات الْقُرْآن وَكَيْفِيَّة إِقَامَة الْبُرْهَان الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الْبَيَان لاستغنوا بِهِ عَن تأليف الينونان وَتعلم آدَاب الْبَحْث لفُلَان وَفُلَان وَالْمَقْصُود أَن من اتبع الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد إِقَامَة الْبُرْهَان زادهم هدى وآتاهم تقواهم وَمن عانده وكابره وَجحد مَا أَتَى الله بِهِ عَاقِبَة الله بتقليب فُؤَاده وبصره كَمَا قَالَ تَعَالَى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة} الْأَنْعَام 110 وكما قَالَ تَعَالَى {وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزؤون كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين لَا يُؤمنُونَ بِهِ وَقد خلت سنة الْأَوَّلين}
(1/153)

الْحجر 11 13 أَي سلكنا الذّكر أدخلْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرمين الَّذين قد أجرموا بتكذيب مَا علموه حَقًا من النُّبُوَّة وَالْكتاب أَي أدخلْنَاهُ مُكَذبا بِهِ مستهزئا بِهِ وَقَوله {لَا يُؤمنُونَ} بَيَان لذَلِك أَو حَال وَهُوَ إِخْبَار أَنه عاقبهم بتكذيبهم الذّكر فجعلهم مجرمين لِأَنَّهُ قَامَت عَلَيْهِم حجَّة الله وَرَسُوله فكذبوها بغيا وحسدا وعدوانا فعاقبهم الله بِأَن لَا يهتدوا للْإيمَان بعد ذَلِك وَلَا تزيدهم آيَاته إِلَّا طغيانا كَبِيرا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآن {قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى} فصلت 44 وَمرَاده بالذين لَا يُؤمنُونَ هم من أَنْكَرُوا وجحدوا وكابروا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أَتَى بِهِ فِي أول دَعْوَاهُ من برهَان فَالْمَعْنى وَالَّذين لَا يصدقون بِمَا يجب عَلَيْهِم تَصْدِيقه وكما قَالَ تَعَالَى {وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا} الْإِسْرَاء 82 فالظالمون هم الَّذين ردوا آيَات الرُّسُل بعد علمهمْ بصدقها فعوقبوا بِأَن لَا يهتدوا بِكَلَام الله الَّذِي هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة وَلَا يزدادون إِلَّا خسارا بِخِلَاف من قبل بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل أول مرّة زادهم الله هدى {وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا} الْأَنْفَال 2 فَهَؤُلَاءِ لما قابلوا براهين الرَّسُول بِالْقبُولِ والتصديق لَهُم والإذعان زادتهم آيَاته إِيمَانًا وَأُولَئِكَ لما قابلوها بالجحود والتكذيب والمكابرة والعصيان زادتهم آيَات الله خسارا
(1/154)

هَذَا ومقصودنا إِنَّمَا هُوَ بَيَان أَن الأَصْل الْأَصِيل والأساس الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ التأصيل أَنه لَا يقبل كَلَام أحد من دَعْوَى يدعيها أَو قصَّة يَرْوِيهَا إِلَّا بإفاضة الدَّلِيل على دَعْوَاهُ والبرهان على صدق مَا رَوَاهُ فَإِذا قَامَ الْبُرْهَان وَبَينه بِمَا تقبله الْعُقُول والأذهان وَجب قبُول قَوْله وتصديق منقوله

التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْغَيْر من دون حجَّة
وَإِذا عرفت هَذَا الأَصْل الْجَلِيل عرفت أَن الْمُقَلّد قبل قَول من قَلّدهُ من غير أَمارَة وَلَا دَلِيل فَإِن حَقِيقَة التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر من دون حجَّة مقاله أَن يَقُول لَك الْعَالم مثلا المنى طَاهِر وَيَقُول لَك عَالم آخر بل هُوَ نجس فَإِن قبلت قَوْله فَهَذَا قَول صدر من الْعَالم وَلم يَأْتِ لَك بِدَلِيل عَلَيْهِ وَمَا قبولك عالمان وَكِلَاهُمَا قَالَ لَك قولا لَازِما مَا لم يتَبَيَّن لَك دَلِيله وَكَون الْقَائِل بِأَنَّهُ طَاهِر من ديار الشَّافِعِيَّة وعلمائهم لَا يصير أحد الْقَوْلَيْنِ أرجح من الآخر عقلا وَشرعا فَإِن الديار والانتساب والاعتزاء إِلَى أَي عَالم من عُلَمَاء الْأمة لَا يصير بِهِ أحد الْقَائِلين محقا وَالْآخر مُبْطلًا ضَرُورَة عقلية وشرعية أَن الأوطان لَا أثر لَهَا فِي تَرْجِيح الْأَدْيَان وَأَن الانتساب والاعتزاء إِلَى أَي عَالم من عُلَمَاء الْأمة لَا يصير كَلَام من انتسب إِلَيْهِ حَقًا وَكَلَام من لم ينْسب إِلَيْهِ بَاطِلا فَإِن قلت الْعَالم إِنَّمَا روى لَهُ معنى الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فالقائل إِنَّه نجس روى لنا معنى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِغسْلِهِ وَالْقَائِل بِأَنَّهُ 2
(1/155)

طَاهِر روى لنا معنى الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الِاكْتِفَاء بفركه وَقبُول رِوَايَة الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة قد قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَاتفقَ النَّاس عَلَيْهِ وَإِن اخْتلفُوا فِي قدر نِصَاب مَا يجب قبُوله من الْوَاحِد أَو الْإِثْنَيْنِ أَو الْأَرْبَعَة قلت نعم نَحن قَائِلُونَ بِقِيَام الدَّلِيل على قبُول خبر الْآحَاد بِشُرُوطِهِ وَأَنه تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَلَكِنَّك واهم فِي جعل قَول الْعَالم رِوَايَة لَك بِالْمَعْنَى فَإِن الْقَائِل لَك إِنَّه نجس إِنَّمَا أخْبرك بِالَّذِي رجح عِنْده وَالْقَائِل إِنَّه طَاهِر إِنَّمَا أخْبرك بِالَّذِي رجح عِنْده إِذْ كل من الْعَالمين قد عرف تعَارض الْأَدِلَّة فِي الْمَسْأَلَة وَرجح عِنْده نظر أحد الْحكمَيْنِ وَالْآخر رجح عِنْده خلَافَة فهما مخبران لَك عَن رأيهما إِذْ التَّرْجِيح رَأْي مَحْض يحصل لكل وَاحِد عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة وكل مِنْهُمَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع مَا رجح لَهُ وَلَا يجب على غَيره أَن يتبعهُ فِي رَأْيه لَا الْمُجْتَهد وَلَا الْمُقَلّد أما الأول فبالإجماع وَأما الثَّانِي فَمحل النزاع

مَبْحَث فِي جَوَاز التَّقْلِيد وَعدم جَوَازه
فَأَنا الأن فِي الْبَحْث فِي جَوَاز التَّقْلِيد للْعَالم فِي قَوْله من غير ذكره لدليله
(1/156)

فَإِن قلت قد قَامَ الدَّلِيل على جَوَاز التَّقْلِيد قلت لمن قَامَ هَل للمقلد فالفرض أَنه مقلد لَا يعرف الْأَدِلَّة وَكَيْفِيَّة تطبيقها على الْمُدَّعِي وَلَا شَرَائِط الاستنباط إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما كَانَ مُقَلدًا وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض أَو قَامَ دَلِيل جَوَاز التَّقْلِيد للمجتهد فَلَا ينفع الْمُقَلّد قِيَامه لغيره فَإِن قلت قَامَ للمجتهد وقلده فِيهِ الْمُقَلّد قلت يمْنَع ذَلِك اتِّفَاقهم أَن مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد من مسَائِل الْأُصُول وَلَا يجوز التَّقْلِيد فِيهَا وَذَلِكَ لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعلم وَلَا يحصل إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَلَا يعرف الدَّلِيل إِلَّا الْمُجْتَهد فَإِن قلت لَا نسلم أَنه لَا بُد فِي مسَائِل الْأُصُول من أَن يكون عَن علم وَلَا يجوز أَن يكون عَن ظن قلت إِن سلم هَذَا فالظن بالحكم الشَّرْعِيّ لَا يكون إِلَّا عَن أَمارَة شَرْعِيَّة وَلَا يعرفهَا إِلَّا الْمُجْتَهد فَإِن قلت إِذا أمليت أَدِلَّة جَوَاز الِاجْتِهَاد على الْمُقَلّد فيهم المُرَاد مِنْهَا وَعرفهَا واستند إِلَيْهَا وَكَانَ من أملاها رَاوِيا لَهُ قلت فَإنَّك إِذا أمليت عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} النَّحْل 43 فهم مِنْهُ أَنه أَمر مِنْهُ تَعَالَى بسؤال أهل الْعلم عَمَّا لَا يُعلمهُ وَأخذ هَذَا الحكم من الْآيَة فَإِن هَذَا الْقدر يفهمهُ مِنْهَا كل من لَهُ أَهْلِيَّة الْفَهم وَلَا يحْتَاج إِلَى نَحْو وَلَا أصُول وَلَا معَان وَلَا بَيَان وَلَا غَيرهَا وَصَارَ مُجْتَهدا فِي وجوب سُؤال أهل الْعلم عَمَّا لَا يعلم لِأَن الْمَفْهُوم عرفا من الْأَوَامِر هُوَ الْوُجُوب
(1/157)

وَمَعْلُوم عقلا أَن الله تَعَالَى إِذا أَمر بسؤالهم أَنه قد أذن بِقبُول قَوْلهم وَإِلَّا لم يكن لِلْأَمْرِ بِسوء اللَّهُمَّ فَائِدَة قلت إِذا قُلْتُمْ تكلفة هَذَا فِي الِاجْتِهَاد فَمَا أحسن هَذَا المُرَاد وَهَذَا هُوَ مَا أَرَادَهُ من يَقُول بِوُجُوب الِاجْتِهَاد على جَمِيع الْأَفْرَاد مِمَّا لَهُ أَهْلِيَّة فِي فهم مَا يُرَاد وَأحد الْوُجُوه فِي الْآيَة أَن المُرَاد فاسترووهم الْآيَات وَالْأَحَادِيث إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ فالآية أَمر سُؤَالهمْ عَن الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَالْآيَة إِلَى هَذَا الْمَعْنى أقرب لِأَنَّهُ تَعَالَى علق عدم علمهمْ بِالْبَيِّنَاتِ والزبر فَالْأَظْهر اسألوهم عَن الْبَينَات والزبر الَّتِي لَا تعلمونها لَا تسألوهم عَن آرائهم وَمَا ترجح لَهُم حَتَّى تكون الْآيَة دَلِيلا على جَوَاز التَّقْلِيد وَإِذا فهم الْمُقَلّد من هَذِه الْآيَة هَذَا الْمَعْنى فَأَي مَانع أَن يفهم من غَيرهَا مَا يعْمل بِهِ فِي غَيرهَا من الْأَحْكَام ويجتهد

منع الِاجْتِهَاد كفران لنعمة الله عز وَجل على الْعباد
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ مَعَ المانعين لذَلِك إِلَّا مُجَرّد الاستبعاد واستعظام من وارته اللحود من الْعلمَاء الأمجاد وَأَنه لَا يكون إِلَّا لَهُم الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ للمتأخرين إِلَّا جعل أَقْوَال القدماء لأذهانهم كالأصفاد لَا يخرجُون عَنْهَا وَإِن ناطحت علومهم الأفلاك وجاوزت معارفهم أهل الْكَمَال والإدراك وَمَا أرى هَذَا وَالله إِلَّا من كفران النِّعْمَة وجحود الْمِنَّة فَإِن الله سُبْحَانَهُ
(1/158)

كمل عقول الْعباد ورزقهم فهم كَلَامه وَمَا أَرَادَ وَفهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحفظ تَعَالَى كِتَابه وَسنة رَسُوله إِلَى يَوْم التناد بِأَن كثيرا من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة لَا يحْتَاج فِي مَعْنَاهَا إِلَى علم النَّحْو وَإِلَى علم الْأُصُول بل فِي الأفهام والطباع والعقول مَا سارع بِهِ إِلَى معرفَة المُرَاد مِنْهَا عِنْد قرعها الأسماع من دون نظر إِلَى شَيْء من تِلْكَ الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَالْأُصُول النحوية فَإِن من قرع سَمعه قَوْله تَعَالَى {وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله} الْبَقَرَة 110 يفهم مَعْنَاهُ من دون أَن يعرف أَن مَا كلمة شَرط وتقدموا مجزوم بهَا لِأَنَّهُ شَرطهَا وتجدوه مجزوم بهَا لِأَنَّهُ جَزَاؤُهُ وَمثلهَا {يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا} آل عمرَان 30 وَمثلهَا {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي} النَّحْل 90 يفهم من الْكل مَا أُرِيد مِنْهَا من غير أَن يعرف أسرار الْعُلُوم الْعَرَبيَّة ودقائق الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَلذَا ترى الْعَامَّة يستفتون الْعَالم ويفهمون كَلَامه وَجَوَابه وَهُوَ كَلَام غير مُعرب فِي الْأَغْلَب بل تراهم يسمعُونَ الْقُرْآن فيفهمون مَعْنَاهُ ويبكون لقوارعه وَمَا حواه وَلَا يعْرفُونَ إعرابا وَلَا غَيره مِمَّا سقناه بل رُبمَا كَانَ موقع مَا يسمعُونَ فِي قُلُوبهم أعظم من موقعه فِي قُلُوب من حقق قَوَاعِد الِاجْتِهَاد وَبلغ غَايَة الذكاء والانتقاد وَهَؤُلَاء الْعَامَّة يحْضرُون الْخطب فِي الْجمع والأعياد ويذوقون الْوَعْظ ويفهمونه ويفتت مِنْهُ الأكباد وتدمع مِنْهُ الْعُيُون ويدركون من ذَلِك مَا لَا يُدْرِكهُ الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ ويسمعون أَحَادِيث التَّرْغِيب والترهيب فيكثر مِنْهُم الْبكاء والنحيب
(1/159)

وَأَنت تراهم يقرؤون كتبا مؤلفة من الْفُرُوع الفهية كالأزهار للهادوية والمنهاج للشَّافِعِيَّة وَالْكَبِير للحنفية ومختصر خَلِيل للمالكية ويفهمون مَا فِيهَا ويعرفون مَعَانِيهَا ويعتمدون عَلَيْهَا ويرجعون فِي الْفَتْوَى والخصومات إِلَيْهَا فليت شعري مَا الَّذِي خص الْكتاب وَالسّنة بِالْمَنْعِ عَن معرفَة مَعَانِيهَا وَفهم تراكيبها ومبانيها والإعراض عَن اسْتِخْرَاج مَا فِيهَا حَتَّى جعلت مَعَانِيهَا كالمقصورات فِي الْخيام قد ضربت دونهَا السجوف وَلم يبْق لنا إِلَيْهَا إِلَّا ترديد ألفاظها والحروف وَإِن استنباط معانهيا قد صَار حجرا مَحْجُورا وحرما محرما محصورا

حَدِيث اجْتِهَاد الْحَاكِم وَبَيَان أَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله أقرب إِلَى الأفهام
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين فِي شرح بُلُوغ المرام فِي شرح حَدِيث إِن الْحَاكِم إِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر مَا لَفظه إِنَّه اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ على اشْتِرَاط أَن يكون الْحَاكِم مُجْتَهدا قَالَ وَهُوَ المتمكن من أَخذ الاحكام من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَالَ وَلكنه يعز وجوده بل كَاد يعْدم بِالْكُلِّيَّةِ
(1/160)

وَمَعَ تعذره فَمن شَرطه أَي الْحَاكِم أَن يكون مُقَلدًا مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَمن شَرطه أَن يُحَقّق أصُول إِمَامه وأدلته وَينزل أَحْكَامه عَلَيْهَا فِيمَا لَا يجده مَنْصُوصا فِي مَذْهَب إِمَامه اه وَقد نَقَلْنَاهُ فِي شرحنا سبل السَّلَام وتعقباه بقولنَا قلت وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْبطلَان وَإِن تتَابع عَلَيْهِ الْأَعْيَان وَمَا أرى هَذِه الدَّعْوَى الَّتِي تطابق عَلَيْهَا الأنظار إِلَّا من كفران نعْمَة الله عَلَيْهِم فَإِنَّهُم أَعنِي المدعين لهَذِهِ الدَّعْوَى والمقررين لَهَا وَهِي دَعْوَى عزة وجود الْمُجْتَهدين فِي الاحكام بِالْكُلِّيَّةِ أَو كيدودة عَدمه مجتهدون يعرف أحدهم من الْقَوَاعِد الَّتِي يُمكنهُ بهَا الاستنباط واستخراج الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة النَّبَوِيَّة مَا لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قَاضِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَكَّة وَلَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَاضِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْيمن وَلَا معَاذ بن جبل قاضيه فِيهَا وعامله عَلَيْهَا وَلَا شُرَيْح قَاضِي عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُم فِي الْكُوفَة من هَذِه الشَّرَائِط الَّتِي أفادها قَول ذَلِك الشَّارِح رَحمَه الله إِن من شَرط الْحَاكِم أَن يكون مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَأَن يُحَقّق أُصُوله وأدلته إِلَى آخِره هِيَ شَرَائِط الْمُجْتَهد فِي الْكتاب وَالسّنة فَإِن هَذَا هُوَ الِاجْتِهَاد الَّذِي قَالَ بعزة وجوده أَو كيدودة عَدمه بِالْكُلِّيَّةِ وَسَماهُ متعذرا هلا جعل هَذَا الْمُقَلّد الْمُجْتَهد أَمَامه كتاب الله وَسنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عوضا عَن كَلَام إِمَامه وتتبع نُصُوص الْكتاب وَالسّنة عوضا عَن تتبع نُصُوص إِمَامه
(1/161)

والعبارات كلهَا أَلْفَاظ دَالَّة على مَعَانِيهَا فَهَلا استبدل بِأَلْفَاظ إِمَامه ومعانيها أَلْفَاظ الشَّارِع ومعانيها وَنزل الْأَحْكَام عَلَيْهَا إِذا لم يجده نصا شَرْعِيًّا عوضا عَن تنزيلها على مَذْهَب إِمَامه فِيمَا لم يجده مَنْصُوصا تالله لقد استبدل الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير من معرفَة السّنة وَالْكتاب إِلَى معرفَة كَلَام الشُّيُوخ وَالْأَصْحَاب وتفهم مرامهم والتفتيش عَن كَلَامهم وَمن الْمَعْلُوم يَقِينا أَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله أقرب إِلَى الأفهام وَأدنى إِلَى إِصَابَة بُلُوغ المرام فَإِنَّهُ أبلغ الْكَلَام بِالْإِجْمَاع وأعذبه فِي الأفواه والأسماع وأقربه إِلَى الْفَهم وَالِانْتِفَاع وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا جلمود الطباع وَمن لَا حَظّ لَهُ فِي النَّفْع وَالِانْتِفَاع والأفهام الَّتِي فهم بهَا الصَّحَابَة الْكَلَام الإلهي وَالْخطاب النَّبَوِيّ هِيَ كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا إِذْ لَو كَانَت الأفهام مُتَفَاوِتَة تَفَاوتا يسْقط مَعَه فهم الْعبارَات الإلهية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة لما كُنَّا مكلفين وَلَا مأمورين وَلَا منهيين لَا اجْتِهَادًا وَلَا تقليدا أما الأول فلاستحالته وَأما الثَّانِي فلأنا لَا نقلد حَتَّى نفهم جَوَازه وأدلته وَلَا يفهم ذَلِك إِلَّا من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَقد تعذر ذَلِك كَمَا قُلْتُمْ وَقد سبق بسط هَذَا
(1/162)

على أَنا لَا نشرط فِي هَذَا مَا سلف من الشَّرَائِط فِي الْمُجْتَهد الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن مؤلف العواصم والقواصم إِنَّمَا نقُول إِنَّه يستروي عَن الْعَالم الْآيَة والْحَدِيث فِي الحكم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ فِي الْحَالة الراهنة ثمَّ يعْمل بِهِ بعد فهمه إِنَّمَا يشْتَرط أَن تُؤْخَذ الرِّوَايَة عَمَّن يوثق بصدقه وَدينه وورعه وشهرته بِالْعلمِ النافع من الْكتاب وَالسّنة وَألا يسْأَله عَن مَذْهَب فلَان وَلَا فلَان وَكَيف وَفِي كتب الْأُصُول نقل الْإِجْمَاع على تَحْرِيم تَقْلِيد الْأَمْوَات

تَحْرِيف معنى الْأَحَادِيث ليُوَافق الْمَذْهَب جِنَايَة على أَئِمَّة الْمذَاهب
وَلَقَد عظمت جنايات المقلدين على أَحَادِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أَئِمَّة مذاهبهم الَّذين تبرءوا عَن إِثْبَات مقَال لَهُم يُخَالف نصا نبويا فَإِنَّهَا إِذا وَردت بِخِلَاف مَا قَرَّرَهُ من قلدوه حرفوها عَن موَاضعهَا وَحملُوهَا على غير مَا أَرَادَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة فِي حَدِيث شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي وَقد اعْتقد ذَلِك المعتزلي أَنه لَا شَفَاعَة للعصاة فَقَالَ مُرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَهْل الْكَبَائِر الْمُؤْمِنُونَ أهل الصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة كَبِيرَة قَالَ الله عز وَجل {وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين} الْبَقَرَة 45 فَانْظُر أَي تَحْرِيف أعجب من هَذَا الَّذِي قَادَهُ إِلَيْهِ مذْهبه واعتقاده أَن لَا شَفَاعَة لأهل الْكَبَائِر وَكَونه تحريفا لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَمثل قَول بعض من اعْتقد ندب صَوْم يَوْم الشَّك لِأَنَّهُ مَذْهَب إِمَامه فِي حَدِيث عمار بن يَاسر رَضِي الله عَنهُ من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى أَبَا الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مُرَاده
(1/163)

بِأبي الْقَاسِم عمار نَفسه قَالَ فقد عَصَانِي وَإِنَّمَا وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْحمل من تَحْرِيف مَعَ اتِّفَاق النَّاس على كنية عمار أَبُو اليقطان وَمثله قَول ابْن الْقيم فِي الْهدى النَّبَوِيّ إِن مُرَاد عمار بِيَوْم الشَّك آخر يَوْم من شعْبَان وَلَفظه وَالْمَنْقُول عَن عمر وَعلي وعمار وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود النَّهْي عَن صَوْم آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عمار من صَامَ الْيَوْم الَّذِي شكّ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَما الصَّوْم يَوْم الْغَيْم احْتِيَاطًا على أَنه إِن كَانَ من رَمَضَان فَهُوَ فَرْضه وَإِلَّا فَهُوَ تطوع
(1/164)

قلت هَذَا من التحريف رِعَايَة للْمَذْهَب لِأَن أَحْمد بن حَنْبَل قَائِل بِصَوْم يَوْم الشَّك فَحَمله رِعَايَة الْمَذْهَب على حمل حَدِيث عمار على آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا وَهَذَا الْيَوْم لَا شكّ فِيهِ قطعا بل هُوَ يَوْم يَقِين من شعْبَان وكقدح بعض الْحَنَفِيَّة فِي أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ كَمَا ذكره الْحَافِظ فِي فتح الْبَارِي لما روى حَدِيث الْمُصراة على خلاف يعتقدونه مذهبا
(1/165)

وَالْحَاصِل أَن من اعْتقد مذهبا من الْمذَاهب فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى المحاماة عَلَيْهِ وَإِلَى إِخْرَاج الْآيَات وَالْأَحَادِيث عَن مَعَانِيهَا الَّتِي أرادها الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن من قَالَ بِتَحْرِيم أكل طَعَام أهل الذِّمَّة وَتَحْرِيم ذَبَائِحهم حمل قَوْله
(1/166)

تَعَالَى {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم} الْمَائِدَة 5 على حل أَخذ الْحُبُوب مِنْهُم كالحنطة وَالشعِير فليحذر الْمُؤمن الْمُؤثر للحق على الْخلق عَن هَذِه الاعتقادات ورد الْأَحَادِيث والآيات إِلَى مثل تَأْوِيل الْفرْقَة الباطنية وكل هَذَا من قبائح الاعتقادات المذهبية
(1/167)

وَإِنِّي لأخاف مِمَّن حرف الْآيَات وَالْأَحَادِيث ليُوَافق اعْتِقَاده أَن يقلب فُؤَاده وَقَلبه فَلَا يوفق لمعْرِفَة الْحق عُقُوبَة كَمَا فعله الله فِيمَن رد براهين النُّبُوَّة وَكذب بهَا كَمَا أسلفناه فِي قَوْله {ونقلب أفئدتهم} الْأَنْعَام 110 وَلَو تتبعت مَا وَقع لأهل التَّقْلِيد من التحريف لجاء مِنْهُ مُجَلد وسيع وَلَكِن مرادنا النَّصِيحَة لَا التشنيع وَهِي تحصل بِأَقَلّ مِمَّا سقناه وأيسر مِمَّا رقمناه

رد الْأَئِمَّة على أَدِلَّة جَوَاز التَّقْلِيد
فَإِن قلت قد ذكر الْعلمَاء أَدِلَّة لجَوَاز التَّقْلِيد وَاسِعَة وطرائق نافعة قلت نعم وَقد ردهَا أَئِمَّة الِاعْتِقَاد وأوضحوا مَا فِيهَا من الْفساد ولنذكر خُلَاصَة كَلَام الْفَرِيقَيْنِ فالدليل الأول قَوْله تَعَالَى {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} النَّحْل 43 قَالَ فَأمر سُبْحَانَهُ من لَا يعلم أَن يسْأَل من هُوَ أعلم مِنْهُ فَالْجَوَاب أَنا نقُول أَولا أَن الْتِزَام مَذْهَب إِمَام معِين فِي جَمِيع أَقْوَاله بِحَيْثُ لَا يحل الْخُرُوج عَنهُ بِحَال بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة فَمَا معنى الِاسْتِدْلَال على الْبِدْعَة أما كَونه بِدعَة فلأنكم يَا أسراء التَّقْلِيد وغيركم لَا يمكنكم أَن تدعوا أَنه كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة رجل وَاحِد اتخذ رجلا من الصَّحَابَة يقلده فِي كل أَقْوَاله وَلم يتْرك مِنْهَا شَيْئا وَأسْقط أَقْوَال غَيره الْبَتَّةَ فَلم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ويتأول مَا ورد من
(1/168)

الْآيَات وَالْأَحَادِيث ليُوَافق مَذْهَب من قَلّدهُ وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة وَلَا فِي تابعيهم وَلَا تَابع التَّابِعين وَهَذِه هِيَ الْقُرُون الثَّلَاثَة الَّتِي خَيرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يفشو الْكَذِب الحَدِيث وَمَا حدثت بِدعَة التَّقْلِيد إِلَّا فِي الْقرن الرَّابِع الَّذِي ذمه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما الْآيَة الَّتِي ذكرْتُمْ فَإِن الله تَعَالَى أَمر فِيهَا من لَا يعلم أَن يسْأَل أهل الذّكر وَالذكر هُوَ الْقُرْآن وَالسّنة كَمَا ذكره الله فِي قَوْله مُخَاطبا لِنسَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة} الْأَحْزَاب 34 وآياته الْقُرْآن وَالْحكمَة السّنة وكما قَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة} الْجُمُعَة 2 فَالْأَمْر فِي الْآيَة للجاهل أَن يسْأَل أهل الْقُرْآن والْحَدِيث عَنْهُمَا ليخبروه فَإِذا أَخْبرُوهُ وَجب عَلَيْهِ اتِّبَاع مَا أَخْبرُوهُ بِهِ
(1/169)

وَهَذَا على أظهر الْوُجُوه فِي تَفْسِير الْآيَة لمن لَهُ أدنى إِلْمَام بالتفسير فَكيف يسْتَدلّ على أعظم قَوَاعِد الْأُصُول بِوَجْه مَرْجُوح وَيُؤَيّد هَذَا الْوَجْه الرَّاجِح مَعنا أَن هَذَا كَانَ شَأْن أهل الْعلم فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يسْأَل الْجَاهِل الْعَالم أَي عَالم عَن الْآيَات وَالسّنة وَلَيْسَ لَهُم مقلد معِين يتبعونه فِي أَقْوَاله فَكَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يسْأَل الصَّحَابَة عَمَّا قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو فعله لَا يسْأَله عَن غير ذَلِك وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة كَانُوا يسْأَلُون نِسَاءَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمَّا يخفى عَلَيْهِم من سنَنه سِيمَا عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَكَذَلِكَ التابعون كَانُوا يسْأَلُون الصَّحَابَة عَن أَقْوَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأفعاله وسننه وَكَذَلِكَ أَئِمَّة الْفِقْه قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لِأَحْمَد بن حَنْبَل يَا أَبَا عبد الله أَنْت أعلم بِالْحَدِيثِ مني فَإِذا صَحَّ الحَدِيث فَأَعْلمنِي حَتَّى أذهب إِلَيْهِ شاميا كَانَ أَو كوفيا أَو بصريا وَلم يكن أحد قطّ من أهل الْعلم يسْأَل الرجل عَن رَأْي رجل بِعَيْنِه فَيَأْخُذ بِهِ ويطرح مَا سواهُ
(1/170)

الثَّانِي من أَدِلَّة جَوَاز التَّقْلِيد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي قصَّة صَاحب الشَّجَّة أَلا تسألوا إِذا لم تعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العي السوال فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى السوال وَالْجَوَاب أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أرشد الْمُفْتِينَ لصَاحب الشيجة إِلَى السُّؤَال عَن حكمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسنته فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله يَدْعُو عَلَيْهِم لما أفتوا بِغَيْر علم وَفِي هَذَا تَحْرِيم الافتاء بالتقليد فَإِن الْإِفْتَاء بِهِ لَيْسَ علما بِاتِّفَاق الْأمة وَمَا دَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فَاعله فَإِنَّهُ حرَام وَهُوَ أحد أَدِلَّة التَّحْرِيم فَالْحَدِيث حجَّة على تَحْرِيم التَّقْلِيد لَا على جَوَازه الثَّالِث من أدلتهم قَالُوا قَالَ أَبُو العسيف الَّذِي زنا بِامْرَأَة مستأجرة وَإِنِّي سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَنما على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام وَأَن على امْرَأَة هَذَا الرَّجْم أخرجه البُخَارِيّ قَالُوا فَلم يُنكر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ
(1/171)

وَالْجَوَاب أَن هَذَا سَأَلَ أهل الْعلم فأفتوه بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعنها سَأَلَ فَهُوَ يصلح عاضدا لِلْآيَةِ وَأَن المُرَاد سُؤال أهل الذّكر عَن الْكتاب وَالسّنة لَا عَن رَأْيهمْ الرَّابِع من أدلتهم قَوْله تَعَالَى {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ} التَّوْبَة 100 ومقلدهم تَابع لَهُم فَهُوَ مِمَّن رَضِي الله عَنهُ وَالْجَوَاب صدق الْمُقدمَة الأولى وَكذب الثَّانِيَة فَإِن الأولى ضَرُورِيَّة الصدْق وَأما كذب الثَّانِيَة فَإِن تَفْسِير اتباعهم بالتقليد من تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه كَيفَ وَهَذَا التَّقْلِيد الَّذِي يريدونه بِدعَة حَادِثَة لَا يُفَسر بهَا كَلَام الله واتباعهم إِنَّمَا هُوَ سلوك طريقهم ومنهاجهم وَقد نهوا عَن التَّقْلِيد فَلم يكن فِي السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يُقَلّد بالِاتِّفَاقِ فَكيف يُقَال من اتباعهم تقليدهم بل التابعون لَهُم بِإِحْسَان هم أهل الْعلم أَئِمَّة الْكتاب وَالسّنة الَّذين لَا يقدمُونَ على كتاب الله رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا يجْعَلُونَ كَلَام أحد عيارا على الْقُرْآن وَالسّنَن فَالَّذِي اتبعهم هُوَ من اتبع الْحجَّة وانقاد بِالدَّلِيلِ وَلم يتَّخذ رجلا بِعَيْنِه إِمَامًا يَقْتَدِي بأقواله وسننه سوى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الله تَعَالَى {اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء} الْأَعْرَاف 3
(1/172)

فَأمر تَعَالَى بِاتِّبَاع الْمنزل خَاصَّة والمنزل هُوَ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} الْحَشْر 7 فالتقليد لَا يكون اتبَاعا فَإِن الِاتِّبَاع سلوك طَريقَة المتبع والإتيان بِمثل مَا أَتَى بِهِ وَقد عقد أَبُو عمر بن عبد البر بَابا فِي الْفرق بَين الِاتِّبَاع والتقليد وَقَالَ قَالَ عبد الله بن خويز منداد الْبَصْرِيّ الْمَالِكِي التَّقْلِيد مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع الرُّجُوع إِلَى قَول لَا حجَّة لقائله عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَمْنُوع مِنْهُ فِي الشَّرِيعَة والاتباع مَا ثَبت عَلَيْهِ حجَّة الْخَامِس من أَدِلَّة المقلدين الحَدِيث الْمَشْهُور أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
(1/173)

وَالْجَوَاب أَن الحَدِيث قد رُوِيَ عَن عمر من طرق لَا يَصح مِنْهَا شَيْء وَقَالَ الْبَزَّار وَأما مَا يرْوى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ فَهَذَا الْكَلَام لَا يَصح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن صَحَّ فالاتباع غير التَّقْلِيد فَإِن الِاقْتِدَاء فعلك مثل فعل الْغَيْر على الْوَجْه الَّذِي فعله بِالدَّلِيلِ الَّذِي
(1/174)

فعله فَلذَلِك قُلْنَا من أَبْيَات
وشتان مَا بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى
وَمن يَقْتَدِي فالضد يعرف بالضد ... فَمن قلد النُّعْمَان أصبح شاربا
نبيذا وَفِيه القَوْل للْبَعْض بِالْحَدِّ ... وَمن يَقْتَدِي أضحى إِمَام معارف
وَكَانَ أويسا فِي الْعِبَادَة والزهد ... فمقتديا فِي الْحق كن لَا مُقَلدًا
وخل أَخا التَّقْلِيد فِي الْأسر بالقد
(1/175)

فالمقلد لأبي حنيفَة وَهُوَ المُرَاد بالنعمان يجوز عِنْده شرب النَّبِيذ وَأَبُو حنيفَة لم يشربه فالاقتداء بِهِ أَن لَا يشربه بل الْمُقْتَدِي بِهِ يكون إِمَامًا فِي الْعلم والزهد كَأبي حنيفَة وَمثله قَول الإِمَام الْكَبِير مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير مؤلف العواصم والقواصم فِي الذب عَن أبي الْقَاسِم من أَبْيَات
هم قلدوهم فاقتديت بهم وَكم
بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى والمقتدي ... من قلد النُّعْمَان أصبح شاربا
لمثلث رِجْس خَبِيث مُزْبِد ... وَلَو اقْتدى بِأبي حنيفَة لم يكن
إِلَّا إِمَامًا رَاكِعا فِي الْمَسْجِد
وَقَالَ الله تَعَالَى مُخَاطبا لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد أَن عد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام نَحوا من بعضة عشر نَبيا {فبهداهم اقتده} الْأَنْعَام 90 قَالَ فِي الْكَشَّاف المُرَاد بهداهم طريقتهم فِي الْإِيمَان بِاللَّه وتوحيده وأصول الدّين اه وَمَعْلُوم يَقِينا أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتقليد رسله فِي أديانهم فَعرفت أَن الِاقْتِدَاء والاتباع ليسَا من التَّقْلِيد فِي وُرُود وَلَا صدر
(1/176)

السَّادِس من أَدِلَّة المقلدين قَالُوا حَدِيث عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر واهتدوا بِهَدي عمار وتمسكوا بِعَهْد ابْن أم معبد الْجَواب أَن الاهتداء بهم اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالْقَبُول لما فيهمَا وَالدُّعَاء إِلَيْهِمَا وَتَحْرِيم التَّقْلِيد إِذْ لم يُؤثر عَنْهُم وَقد صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود وَهُوَ ابْن أم معبد النَّهْي عَن التَّقْلِيد وَقَالَ لَا يكون الرجل إمعة لَا بَصِيرَة لَهُ ثمَّ من الْمَعْلُوم أَن أحدا مِنْهُم لم يكن يدع السّنة بقول أَي قَائِل ثمَّ إِن سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وطريقتهم اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة فالأخذ بسنتهما اتِّبَاع السّنة النَّبَوِيَّة وَالْقُرْآن
(1/177)

ثمَّ يُقَال لكم أَيهَا المقلدون إِنَّكُم لَا تقلدون أَبَا بكر وَعمر وَلَا تَجْعَلُونَ قَوْلهمَا حجَّة بل قلدتم أَئِمَّة من اتِّبَاع الْأَئِمَّة وحرمتم تَقْلِيد غَيرهم فَأَيْنَ أَنْتُم من الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث لَو كَانَ مسوقا للتقليد فَأنْتم أول تَارِك لَهُ السَّابِع من أَدِلَّة التَّقْلِيد أَن فِي كتاب عمر رَضِي الله عَنهُ إِلَى شُرَيْح أَنه يقْضِي بِمَا قضى بِهِ الصالحون إِن لم يجد فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يقْضِي بِهِ وَالْجَوَاب إِن كتاب عمر رَضِي الله عَنهُ فِيهِ دَلِيل على عدم التَّقْلِيد بل أمره بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة والمقلدون لَا يَقُولُونَ بذلك بل لَا ينظرُونَ فِي كتاب الله وَلَا سنة إِنَّمَا ينظرُونَ فِي كتب شيوخهم وأقوالهم ثمَّ إِنَّه قَالَ إِذا لم يجد فِيهَا قضى بِمَا قضى بِهِ الصالحون فأباح لَهُ عِنْد تعذر وجدان الدَّلِيل من الْأَمريْنِ الرُّجُوع إِلَى مَا قضى بِهِ الصالحون الَّذين لَا يقضون إِلَّا عَن دَلِيل من كتاب أَو سنة أَو قِيَاس جلى
(1/178)

فَأجَاز لَهُ هُنَا الْأَخْذ فِي الْقَضَاء بِرَأْي الصَّالِحين فِي الْحَالة الراهنية لَا أَنه يَجْعَل رَأْيه مقدما على الْكتاب وَالسّنة كَمَا جعل المقلدون ثمَّ هَذَا كَلَام عمر رَضِي الله عَنهُ وَلَيْسَ بِحجَّة الثَّامِن قَالُوا كَانَ الصَّحَابَة يفتون فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باطلاعه وَهَذَا تَقْلِيد لِلْمُتقين الْجَواب أَن فتواهم كَانَ تبليغا عَن الله وَعَن رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يكن إِفْتَاء بآرائهم وَلذَلِك لما أفتوا صَاحب الشَّجَّة بِخِلَاف سنته قَالَ قَتلهمْ الله كَمَا عرفت التَّاسِع من أدلتهم قَالُوا قَالَ الله تَعَالَى {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم} التَّوْبَة 112 فَأوجب قبُول إِنْذَارهم وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُم وَالْجَوَاب أَن هَذَا جهل للفظ الْإِنْذَار إِنَّمَا يقوم بِالْحجَّةِ فَمن لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة لم يكن قد أنذر كَمَا أَن النذير من أَقَامَ الْحجَّة فَمن لم يَأْتِ بِالْحجَّةِ لم يكن نذيرا وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَاد {ولينذروا قَومهمْ} بإخبارهم إيَّاهُم بالحجج والبراهين على مَا يفقهونهم بِهِ من الْأَحْكَام أَلا ترى أَن خَزَنَة النَّار من الْمَلَائِكَة يَقُولُونَ لمن فِيهَا {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير}
(1/179)

الْملك 8 10 قَالَ الله تَعَالَى {فَاعْتَرفُوا بذنبهم} الْملك 11 فَإِنَّهُم أقرُّوا أَنه أَتَاهُم النذير وَلَا يكون إِلَّا لحجة فكذبوا ضلالا وعنادا وَقَالُوا متأسفين {لَو كُنَّا نسْمع} أَي نعمل بِمَا سمعناه {أَو نعقل} أَي نعمل بِمَا عَقَلْنَاهُ وَإِلَّا فَمن الْمَعْلُوم أَنهم سمعُوا وعقلوا وَلَكِن مَا عمِلُوا فكأنهم لَا سمع لَهُم وَلَا عقل فهم الَّذين يَقُولُونَ سمعنَا وعصينا وَلَو أَنهم قَالُوا سمعنَا وأطعنا خيرا لَهُم وأقوم فَعرفت أَنه لَا دَلِيل فِي الْآيَة للمقلدين الْعَاشِر من أدلتهم قَالُوا قد أَمر الله تَعَالَى بِقبُول شَهَادَة الشَّاهِد وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُ الْجَواب أَن هَذَا من أبطل الْأَدِلَّة فَإنَّا مَا قبلنَا قَوْلهم إِلَّا بِنَصّ رَبنَا وَقَول نَبينَا وَإِجْمَاع أمة فَلم يقبل قَول الشَّاهِد بِمُجَرَّد كَونه شهد بِهِ بل قبلناه لِأَن الله أَمر بِقبُول شَهَادَته كَمَا أمرنَا بِاتِّبَاع رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن سميتم ذَلِك تقليدا فَلَا يضرنا وَأما أَنْتُم قبلتم قَول من قلدتموه وتركتم قَول من عداهُ وَلَو كَانَ آيَة من
(1/180)

الله أَو حَدِيثا نبويا لتأولتموها وأرجعتموها ناكصين على أعقابكم إِلَى قَول إمامكم وَكَذَلِكَ قبولنا إِقْرَار من أقرّ على نَفسه بِشَيْء وَحكما بِهِ عَلَيْهِ لَا يُسمى تقليدا بل اتبَاعا لقَوْل الله تَعَالَى {بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة} الْقِيَامَة 14 وَإِجْمَاع الْأمة وَعَمله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قبُول إِقْرَار مَاعِز والغامدية ورجمهما بإقرارهما وَلَا يَقُول اُحْدُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلدهما الْحَادِي عشر من أدلتهم قَالُوا قد جعل الله فِي فطر الْعباد تَقْلِيد المتعلمين للْعَالمين والأستاذين فِي الْعُلُوم والصنائع وَلَا تقوم مصَالح الْخلق إِلَّا بِهَذَا وَذَاكَ عَام فِي كل علم وصناعة وَقد فاوت الله بَين الأذهان كَمَا فاوت بَين القوى فِي الْأَبدَان فَلَا يحسن فِي حكمته وعدله وَرَحمته أَن يفْرض على جَمِيع خلقه معرفَة الْحق بدليله وَالْجَوَاب أَن هَذَا حق لَا يُنكر وَلَا يُنكر أَخذ الْعلم عَن الْعلمَاء وينكر أَخذه من الصُّحُف والقراطيس بِغَيْر تعلم وَلَكنَّا نقتدي بالعالم ونهتدي بتعليمه ونستعين بفهمه ونستضيء بأنوار علومه وَفرق بَين تَقْلِيد الْعَالم فِي جَمِيع مَا قَالَه وَبَين الِاسْتِعَانَة بفهمه وَهُوَ الثَّانِي بِمَنْزِلَة الدَّلِيل فِي الطَّرِيق والخريت الماهر لِابْنِ السَّبِيل فَهُوَ دَلِيل إِلَى دَلِيل فَإِذا وصل إِلَيْهِ اسْتغنى بدلالته عَن الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ وَنَظِيره من اسْتدلَّ بِالنَّجْمِ على الْقبْلَة فَإِذا شَاهد الْقبْلَة لم يبْق لاستدلاله بِالنَّجْمِ معنى
(1/181)

أما قَوْله إِنَّه تَعَالَى فاوت بَين الأذهان فَهَذَا مُسلم وكلا منا فِيمَن لَهُ أَهْلِيَّة الْخطاب وَفهم أَدِلَّة مَا يَحْتَاجهُ من أَدِلَّة السّنة وَالْكتاب وَهُوَ بِحَمْد الله الْوَاحِد الْوَهَّاب أَمر لَيْسَ بالخفي وَلَا بالألغاز الَّذِي لَا يعرفهُ إِلَّا الذكي بل قدمنَا لَك أَن ألفاظهما أقرب تناولا وأسهل أخذا وأوضح معنى وَلَا بُد للمكلف من تفهم مَعَاني مَا كلف بِهِ إِمَّا من كَلَام شُيُوخه أَو من كَلَام ربه وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَرُورَة إِنَّه لَا يتم لَهُ التَّكْلِيف إِلَّا بالفهم وَإِلَّا مَعْذُورًا غير مُخَاطب بِشَيْء من الشرعيات فالفهم الَّذِي يصرفهُ فِي حل عِبَارَات شُيُوخه وَبَيَان مَعَانِيهَا يصرفهُ فِي تفهم كَلَام ربه وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقدر الَّذِي كلف الله بِهِ عباده وَقد سهله {وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج} الْحَج 78 لَا فِي فهم المُرَاد وَلَا فِي الْأَفْعَال الَّتِي خَاطب الْعباد وَقد قدمنَا أَن الْوَاجِب على كل عبد مَا يَخُصُّهُ من الْأَحْكَام وَمَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ حَاجَة وَهُوَ أَمر سهل يسير فَإِن أَكثر الْعُلُوم فضول كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ الْعلم نقطة كثرها الْجُهَّال فَهَذِهِ زبدة أَدِلَّة مجوزي التَّقْلِيد وأجوبتها وَمن لَهُ فهم أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد لَا يخفاه بعد ذَلِك إِذا كَانَ لَهُ مطلبا وإياه يُرِيد وَقد ذكرُوا أَدِلَّة سماعهَا شغل الأسماع بِغَيْر فَائِدَة تعود على سامعها وَلَا انْتِفَاع تركناها لَا نشغل بهَا الاوقات ويستغني بهَا عَمَّا هُوَ أولى بِالنّظرِ بالِاتِّفَاقِ وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل وَعَلِيهِ فِي كل فعل التعويل وَمِنْه
(1/182)

وَمِنْه نستمد الْهِدَايَة فِي البكرة والأصيل إِلَى مَا يقر بِنَا إِلَى جَانِبه وينزلنا فِي ظلّ رَحمته الظليل وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله خير آل وصحابته خير صِحَاب وقبيل
(1/183)