Advertisement

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث



الكتاب: الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري
المؤلف: الدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد
أصل الكتاب: أطروحة الدكتوراة للمؤلف
الناشر: مكتبة الخانجي، مصر.
عام النشر: 1399 ه - 1979 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ توفيق بن محمد القريشي.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الاِتِّجَاهَاتُ الفِقْهِيَّةُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ

تأليف
الدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد
أستاذ الشريعة المساعد بكلية دار العلوم
1399 ه - 1979 م

- عدد الأجزاء: 1.
- عدد الصفحات: 670.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
(1/)

الاِتِّجَاهَاتُ الفِقْهِيَّةُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ

تأليف
الدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد
أستاذ الشريعة المساعد بكلية دار العلوم
1399 ه - 1979 م
(1/1)

مُقَدِّمَةٌ:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله إمام المُتَّقِينَ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وبعد.
فقد كان لحديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثر بعيد في الحياة الفكرية الإسلامية، منذ أن حمله الصحابة في صدورهم، وصاغوا منه ومن القرآن أعمالهم وسلوكهم، ثم كان لزامًا عليهم أن يسلموا حصيلتهم من هذا الحديث إلى الأجيال التالية لهم، امتثالاً لما افترضه الله على المسلمين في قرآنه من طاعة رسوله الذِي يُبَيِّنُ للناس مَا نُزِّلَ إليهم، وامتثالاً لما أرشد إليه رسول الله في قوله: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرَ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
وقد تولى المُحَدِّثُونَ بعد الصحابة هذه المهمة الهامة، وأخذوا على عاتقهم تقديم السنة إلى الناس، وأهدوا إلى الفقهاء الأصل الثاني من أصول التشريع، ولم تكن هذه المهمة يسيرة هينة، بل خاض المُحَدِّثُونَ في أثنائها غمار حرب فكرية ونفسية، ألقى أعداء الإسلام فيها بكل مَا يُشَوِّشُ على الإسلام ويدلس على أهله، فقدموا أفكارًا غريبة خبيثة متنكرة في هيئة أحاديث يختلقونها، وأسانيد يُلَفِّقُونَهَا، ثم حاولوا ترويجها في الأوساط العلمية، حيث خدع بها بعض السطحيين من الرواة. أما علماء الحديث ونقاده فقد وقفوا لها بالمرصاد، وصمدوا أمام سيلها الجارف مبينين زيفها. وأسفر صمودهم عن أدق منهج وأحكمه في نقد الروايات وتمحيصها، والتمييز بين غثها وسمينها، فأبلوا في ذلك أحسن البلاء.

ولقد برز المُحَدِّثُونَ في هذا الجانب، واستحدثوا فيه العلوم وضبطوها
(1/3)

وَأَصَّلُوهَا، حتى شاع في الأذهان أنهم لا يعرفون غير الحديث، وحصرهم الرأي العام في حدود الرواية وعلومها، واستبعد كثيرون أن يكون لِلْمُحَدِّثِينَ نشاط فقهي، بل شاع الفصل بين المحدث والفقيه: فعلى المحدث أن يجمع المادة، وعلى الفقيه أن يستعملها ويضعها موضعها. وهذا ما أشار إليه الأعمش حين قال لأحد الفقهاء: «أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ».
وقد ساعد على ترويج هذه الفكرة نماذج من الرواة لم تكن تنظر فيما تحمل، ولم يكن لها القدرة على الاجتهاد والاستنباط، مثل مطر الورَّاق - من مُحَدِّثِي القرن الثاني - الذي سأله رجل عن حديث، فحدثه به، فلما سأله الرجل عن معناه، أجابه مطر بقوله: «لَا أَدْرِي، إِنَّمَا أَنَا زَامِلَةٌ».
كما ساعد على ترويج هذه الفكرة كذلك كثرة طلبة الحديث وتزاحمهم على سماعه، وقد أساء كثير من هؤلاء الطلبة إلى المُحَدِّثِينَ بسلوكهم وسطحيتهم ولكن هذا لا يعني أن المُحَدِّثِينَ جميعًا كذلك، إذ ليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوب. وقد أجهد أئمة الحديث أنفسهم في تثقيف طلبتهم، وَأَلَّفُوا المؤلفات العديدة في توجيههم وتأديبهم.
والواقع أن المُحَدِّثِينَ لم يقتصر نشاطهم على علوم الحديث، بل كان لهم نشاط فقهي ملحوظ، لا يخطئه من يقرأ كُتُبَ السُنَّةِ قراءة عابرة، أما من يقرأها قراءة متأنية فاحصة، فسيلمس هذا النشاط، وتتكشف له أصالتهم ورسوخ أقدامهم في الفقه، وتتجلى له أصولهم ومناهجهم.
وإنما آثرنا القرن الثالث بالبحث، لأنه كان أزهى العصور بالنسبة لأهل الحديث، وأغناها برجاله وأئمته، وأحفلها بعلومه، وأنشطها في التأليف فيه. جمع علماؤه في هذا القرن، وَهَذَّبُوا، وَصَنَّفُوا وأتوا بما فاقوا فيه من قبلهم ولم يلحقهم فيه من بعدهم.
وقد ذكر ابن الأثير أن نهضة الحديث قد بلغت ذروتها في عصر
(1/4)

البخاري ومسلم، وأصحاب الكتب الستة. ثم قال: «فكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى، ثم من بعده نقص ذلك الطلب بعد، وقل ذلك الحرص، وفترت تلك الهمم. وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرهم، فإنه يبتدئ ضئيلاً، وينمو قليلاً قليلاً. ولا يزال ينمو ويزيد ويعظم إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ويبلغ إلى أمد هو أقصاه، ثم يعود يكبر، ولا يلبث أن يعود كما بدأ. فكأن غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصر الهمم سنة الله في خلقه {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (1)» (2).
وقد بحثت في فصل خاص أثر القرن الثالث في ظهور فقه المُحَدِّثِينَ وكيف توفَّرت في هذا القرن العوامل التي أدت إلى إعلان هذا الفقه، واستقلاله وتميزه عن المذاهب الفقهية التي عاصرته، والعلاقة بينه وبين هذه المذاهب.
لكن هذا الفقه أخذ في التناقص التدريجي بعد القرن الثالث، سنة الله في خلقه، كما ذكر ابن الأثير، حتى انزوى هذا الفقه، وطغت عليه المذاهب الأخرى، فاندرج تحت ما يقاربه منها، وبخاصة المذهب الحنبلي، والمذهب الظاهري، وهما المذهبان اللذان ينطويان على كثير من خصائص فقه المُحَدِّثِينَ.
وَقَدْ صَوَّرَ الخطيب البغدادي حالة أهل الحديث في عصره بما يبين سوء مستواهم العلمي، فيقول: «وَأَكْثَرُ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَعِيدٌ مِنْ حِفْظِهِ , خَالٍ مِنْ مَعْرِفَةِ فِقْهِهِ , لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُعَلِّلٍ وَصَحِيحٍ ... كُلُّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ بَصِيرَةِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِمَا جَمَعُوهُ , وَعَدَمِ فِقْهِهِمْ بِمَا كَتَبُوهُ وَسَمَعُوهُ , وَمَنْعِهِمْ
__________
(1) [الأحزاب: 62]، [الفتح: 23].
(2) " جامع الأصول "، لابن الأثير: 1/ 16.
(1/5)

نُفُوسَهُمْ عَنْ مُحَاضَرَةِ الفُقَهَاءِ , وَذَمِّهِمْ مُسْتَعْمِلِي القِيَاسِ مِنَ العُلَمَاءِ , لِسَمَاعِهِمْ الْأَحَادِيثَ التِي تَعَلَّقَ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ , وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَحْمُودِ الرَّأْيِ وَمَذْمُومِهِ , بَلْ سَبَقَ إِلَى نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَى عُمُومِهِ , ثُمَّ قَلَّدُوا مُسْتَعْمِلِي الرَّأْيِ فِي نَوَازِلِهِمْ , وَعَوَّلُوا فِيهَا عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ» (1) (*).
لهذا كان القرن الثالث عصر المُحَدِّثِينَ والمجتهدين، وسجلاً حافلاً بأعمالهم وفقههم، ولذا آثرناه بالبحث، ونسأل الله التوفيق والعون.
وقد اخترت للدراسة من بين مُحَدِّثِي هذا القرن العناصر الرئيسية والنماذج الممتازة من بينهم، واكتفيت بها في تمثيل الاتجاهات العامة التي تنطبق على سائر المُحَدِّثِينَ، ولم تكن الإحاطة بكل المُحَدِّثِينَ في القرن الثالث من بين أهداف هذا البحث ولا مما يفيده، وكان هذا هو سر اقتصاري على أصحاب الكتب الستة، مراعيًا الخلاف في سادس هذه الكتب، حيث تناولت بالدراسة كُلاً من البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. ثم أضفت إليهم ثلاثة من شيوخهم ومن أعلام عصرهم المؤثِّرين فيه، وهم أحمد بن حنبل، وابن راهويه إسحاق بن إبراهيم، وابن أبي شيبة عبد الله بن محمد.
وقد قصدت في أثناء دراستي لهؤلاء المُحَدِّثِينَ ألا أستعين بالشُرَّاحِ إلا في نطاق محدود، ولم يكن ذلك رغبة عن الشروح أو غضًا من شأنها، وإنما كان رغبة في أن أتصل بكتب المُحَدِّثِينَ اتصالاً مباشرًا، أستشف منه اتجاهاتهم الفقهية في ضوء ما يُؤدِّي إليه البحث، دون أن أقع تحت تأثير الآراء الذاتية لِلْشُرَّاحِ، الذين كانوا بدورهم متأثِّرين بمذهبهم الفقهي،
__________
(1) " صفعات البرهان " للكوثري: ص 10، وقد توفي الخطيب سنة 463 ه.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الفقيه والمتفقه "، للخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق أبي عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، 2/ 140، الطبعة الثانية: 1421 ه، نشر دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية.
انظر: ص 121 من هذا الكتاب.
(1/6)

يحكمون من خلاله على رأي المُحدِّث، محاولين أن يصوروا رأيه بصورة تتلاءم مع مذهبهم وَتُعضِّدُهُ.
فالبخاري مثلاً عندما يتناول موضوع الكَفَّارَةِ لِمَنْ تَعَمَّدَ الجِمَاعَ في نهار رمضان، في ترجمة: (بَابُ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ» ...)
- يستنتج بَعْضُ الشُرَّاح من هذه الترجمة أن البخاري يوجب الكفارة على الآكل والشارب عمدًا قياسًا على المجامع الذي ورد فيه الحديث، على حين يُرَجِّحُ آخرون منهم أنه لم يرد ذلك (1).
هذا على الرغم من أن البخاري هو الوحيد من بين أصحاب الصحاح والسُنن، الذي حظي فقهه باهتمام العلماء مِنْ قُدَمَاءٍ ومُحْدَثِينَ، ولكنه اهتمام غير مستوعب، وَلَا مُبَيِّنٍ للأصول والاتجاهات العامة التي صدر عنها.
أما بقية أصحاب السُنن، فلم يهتم أحد بفقههم ولو بإشارة موجزة. وقد كان هذا من المصاعب التي اعترضت هذا البحث، حيث كان بهذا الاعتبار بحثًا لا سلف له.
وقد كانت كتب هؤلاء المُحَدِّثِينَ، من صحاح وسنن ومصنفات - هي المصدر الأساسي الذي يستمد منه هذا البحث، قرأتها أكثر من مرة، أجمع منها شتات المسائل ومنثور الجزئيات، لأنظِّمها في خيط يجمعها، وكلي يشملها، ثم كان عَلَيَّ أن أوازن بين فقههم وفقه المذاهب الأخرى، وبخاصة المذهب الحنفي، حتى تتضح الميزات، وتتميز الفروق، وقد استعنت على ذلك بكثير من الكتب الفقهية وكتب اختلاف الفقهاء، وبكثير من كتب الأصول، وكتب تاريخ التشريع والتراجم.
__________
(1) انظر " فتح الباري ": 4/ 179.
(1/7)

أما منهج هذا الكتاب فيقوم على تمهيد وخمسة أبواب وخاتمة:
شرحت في التمهيد المصطلحات التي تضمنها عنوان الكتاب.
أما الباب الأول فهو عن المدرسة الفقهية لِلْمُحَدِّثِينَ، شرحت فيه الصراع بين أهل الحديث وغيرهم، مُبيِّنًا دوافع هذا الصراع ونتائجه، مُثْبِتًا أنهم أصحاب مذهب فقهي مستقل كشف عن ذاته، وأعلن عن نفسه في القرن الثالث الهجري، مُزاحمًا غيره من المذاهب المعروفة آنذاك.
وفي الفصل الأخير من هذا الباب وصف للاتجاهات الفقهية عند رُواة الحديث من الصحابة، توضيحًا للجذور العميقة لمذهب المُحَدِّثِينَ.
أما الباب الثاني فهو عن اتجاه المُحَدِّثِينَ إلى الآثار، ويقع في ثلاثة فصول:
تناول الفصل الأول علاقة السنة بالقرآن، من حيث مكانتها بالنسبة له، وعرضها عليه، وَوُرُودِهَا بِحُكْمٍ زَائِدٍ، ونسخه بها وتخصيصًا له.
وتناول الفصل الثاني المناهج في الأخذ بأخبار الآحاد، والآراء في المرسل وأقوال التابعين.
وتناول الفصل الثالث نتائج هذا الاتجاه.
أما الباب الثالث فهو عن الاتجاه إلى الظاهر.
وقد عني هذ الباب بذكر أمثلة لهذا الاتجاه، وبحث عن علاقة أهل الحديث بأهل الظاهر في فصله الأول وعن أصول الظاهرية في فصله الثاني، وعن طبيعة العلاقة بين الظاهرية وغيرهم في الفصل الثالث.
وعني الباب الرابع بشرح الاتجاه الخلقي النفسي عند أهل الحديث.
أما الباب الخامس فهو عن موضوعات الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي ويقع في فصلين:
(1/8)

عني الفصل الأول بموضوعات الخلاف بين ابن أبي شيبة وأبي حنيفة.
وعني الفصل الثاني بموضوعات الخلاف بين البخاري وأهل الرأي.
ثم كانت الخاتمة تلخيصًا لأهم نقاط البحث ونتائجه.
وبعد، فأرجو أن يكون هذا البحث قد أوضح جانبًا من تراثنا الفكري، ومهد السبيل لاستكشاف آفاق جديدة في فقه الحديث.

والله ولي التوفيق.

عبد المجيد محمود عبد المجيد
(1/9)

تَمْهِيدٌ:

لعل من الأفضل قبل أن نمضي في البحث، وتتشعب بنا مسائله أن نحدد معاني بعض الألفاظ التي عليها مدار الموضوع، وأن نوضح العلاقة بين معانيها ومعاني ألفاظ قريبة منها في الاستعمال.

وسأتناول في هذا التمهيد النقاط الآتية بإيجاز:
• بين الاتجاهات والمنهج.
• بين الحديث والسنة.
• الفقه: معناه، لمحة عن تطوره، علاقته بالحديث، فضله.

[أ] بَيْنَ الاِتِّجَاهَاتِ وَالمَنْهَجِ:

نعني (بالاتجاهات) الطرق التي سار فيها المُحَدِّثُونَ ليصلوا إلى استنباط الأحكام، مع التجاوز عن المنحنيات اليسيرة التي سار فيها فريق منهم دون إغفال لمفارق الطرق التي تباعد بينهم وبين غيرهم.
أو هي الخصائص والسمات العامة المُمَيِّزَةِ لفقه أهل الحديث.
أو هي القضايا الكلية التي كانت تحكم المُحَدِّثِينَ عند نظرهم في الفقه.
أما المنهج فهو أخص من ذلك، إذ هو الطريق الواضح الذي يبين كيفية التطبيق لهذه القضايا والسمات.
ويمكن أن أقول إن كاتبًا ما له اتجاه اجتماعي، لكن منهجه هو سلوكه إزاء قضايا المجتمع، وكيفية علاجه لها، وتنبيهه لمشكلات عصره، واقتراحاته لحلها.
(1/11)

فالاتجاه عام وصفي، أما المنهج فهو خاص تطبيقي.
وقد يعين على هذه التفرقة قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1).
فالشرعة - أي الشريعة - هي الفرائض والحدود والحلال والحرام. والمنهاج هو كيفية تقنين هذه الأحكام، وطريقة تنفيذها، وبيان السبل التطبيقية لها، وغير ذلك مما يختلف باختلاف الأديان.
وبهذا تبرز العلاقة الوثيقة بين الاتجاه والمنهج، فللحصول على الاتجاه، يلزم التعرف على الجزئيات، وإعمال النظر في المنهج، وتلك طريقة تجمع بين التحليل والتركيب.

[ب] بَيْنَ الحَدِيثِ وَالسُنَّةِ:

الحديث في اللغة، يطلق على الجديد، ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص. في " القاموس المحيط ": «والحديث: الجديد، والخبر، كالحديثي» وفي " لسان العرب ": «والحديث: الجديد من الأشياء، والحديث: الخبر، يأتي على القليل والكثير والجمع أحاديث، كقطيع وأقاطيع، وهو شاذ على غير قياس ...» ثم قال صاحب " اللسان ": «ورجل حدِث، وحدوث، وحدْث، وحديث، ومحدث، بمعنى واحد: كثير الحديث، حسن السياق له، والأحاديث في الفقه وغيره معروفة».
وعند إطلاق لفظ الحديث الآن ينصرف إلى حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو ما نقل عنه من قول أو فعل أو تقرير.
__________
(1) [المائدة: 48]. و «الشرعة»: إما من شرع بمعنى وَضَّحَ وَبَيَّنَ وإما من الشروع في الشيء، وهو الدخول فيه، الشريعة بمعنى المشروعة: وهي الأشياء التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها و «المنهاج»: هو الطريق الواضح. انظر " مفاتيح الغيب " للرازي؛ و" تفسير المنار ": 6/ 413، 414.
(1/12)

وتخصيص الحديث بما قاله الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجِدَ في وقت مبكر أي في حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
يَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَأَجَابَهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ. لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ» (1) ثم اتسع استعمال الحديث بعد وفاة الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأصبح يشمل مع القول فعله وتقريره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وللحديث أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة ليس هنا موضع بحثها.
أما السُنَّةُ فلها استعمالات كثير في اللغة، فتستعمل بمعنى الطريقة، والطبيعة والسيرة: حسنة كانت أو قبيحة.
«فَسُنَّةُ كُلِّ أَحَدٍ مَا [عُهِدَتْ] مِنْهُ المُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الحَمِيدَةِ أَوْ غَيْرِهَا» (2). وإذا أضيفت إلى لفظ الجلالة، فقيل: (سُنَّةُ اللَّهِ) فمعناها أحكامه وأمره ونهيه أو قوانينه الطبيعية والإنسانية.
والسنة في الشرع لها عدة إطلاقات (3)، يجمعها أنها الطريقة المرضية المسلوكة في الدين. ومن أشهر هذه الإطلاقات:
1 - أنها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد الكتاب العزيز، وعرفها بعض العلماء حينئذٍ بأنها «مَا صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ، وَلَا هُوَ مُعْجِزٌ وَلَا دَاخِلٌ فِي الْمُعْجِزِ ... وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُ النَّبِيِّ
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 126.
(2) " الإحكام " للآمدي: 1/ 241.
(3) انظر هذه الإطلاقات في " كشاف اصطلاحات الفنون ": 1/ 703 وما بعدها؛ و" الموافقات ": 3/ 2، 3.
(1/13)

- عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَفْعَالُهُ وَتَقَارِيرُهُ» (1) وقد قرر ابن بدران «أَنَّ هَذَا مَعْنَاهَا بِاعْتِبَارِ العُرْفِ الخَاصِّ (2) وَهِيَ بِهَذَا تُشَارِكُ الحَدِيثَ فِي مَعْنَاهَا المُتَقَدِّمِ» وإن كان الحديث يشمل ما ينقل في الأحكام وغيرها، أما السنة فهي خاصة بما يقرر حكمًا أو يستدل بها عليه.
3 - كما تطلق السُنَّةُ على ما كان من العبادات نافلة منقولة عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن تعلقت بتركها كراهة وإساءة فهي سُنَّةُ الهُدَى، وَتُسَمَّى سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، كالأذان والجماعة وسنة الفجر وغيرها، وإنْ لم تتعلق بتركها كراهة وإساءة تسمى سنن الزوائد «أَوْ سُننًا غَيْرَ مُؤكَّدَةٍ» (3).
وقد تطلق السنة على العادة الدينية أو القانونية التي أقرها الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت سائدة في عصره، ونُقلت عن السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المُقتدى بهم. وهذا معناها باعتبار العرف العام (4).
وهذا الإطلاق الثالث للسنة كان هو الأسبق، وهو الذي كان شائعًا في العصر. قال السرخسي: «وَالسَّلَفُ كَانُوا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُنَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ البَيْعَةَ عَلَى سُنَّةِ العُمَرَيْنِ» (5) كما كان شائعًا على ألسنة العلماء في القرن الثاني للهجرة. يَقُولُ ابْنُ مَهْدِي (6)
عَنْ
__________
(1) " الإحكام " للآمدي: 1/ 241.
(2) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ": ص 89.
(3) " كشاف اصطلاحات الفنون ": 1/ 704.
(4) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ": ص 89؛ " نظرة عامة في [تاريخ] الفقه الإسلامي " للدكتور علي حسن عبد القادر: 1/ 115.
(5) " أصول السرخسي ": 1/ 114.
(6) " تهذيب التهذيب ": 3/ 10؛ و" تقدمة الجرح والتعديل ": ص 177.
(1/14)

حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: «لَمْ أرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالسُنَّةِ وَلاَ بِالحَدِيثِ الذِي يَدْخُلُ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ». والمتبادر من هذا اللفظ أنّ السنة تغاير الحديث، وأنها أعم منه، وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: «النَّاسُ عَلَى وُجُوهٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُنَّةِ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ فَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ» (1).
ولأن السنة كانت شائعة بهذا المعنى - وهو الحض على اتباع التقاليد الإسلامية، والتمسك بما كان عليه المسلمون في خير أوقاتهم - سُمِّيَتْ المَدِينَةُ (مَهْدَ السُنَّةِ) وَ (دَارَ السُنَّةِ). وهو ما حمل مالك بن أنس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - على أن يُخَصِّصَ لعمل أهل المدينة وإجماعهم مكانًا بين أدلة الشرع.
ولهذا الاستعمال الشائع للسنة أيضًا كانت مثار اختلاف العلماء عند إطلاقها كما إذا قيل: «مِنَ السُنَّةِ كَذَا»، فهل المراد حينئذٍ سنة الرسول خاصة، أو سنة غيره من السلف الصالح؟ فالذين لا يأخذون أقوال الصحابة كدليل شرعي يقصرونها على الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والذين يأخذون بأقوال الصحابة يوسعون في مدلولها. وفي هذا يقول البزدوي: «لَا خِلَافَ فِي أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الطَّرِيقَةُ المَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي أَنَّ لَفْظَ السُّنَّةُ [إذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ] إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ إلَيْهَا، [وَإِلَى سُنَّةِ الصَّحَابِيِّ]».
وثمرة هذا الخلاف تظهر إذا قال الراوي: «مِنَ السُنَّةِ كَذَا» فهل يحمل هذا القول على سُنَّة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ إِلَّا بِدَلِيلٍ» (2).
__________
(1) " تقدمة الجرح والتعديل ": ص 118.
(2) " كشاف اصطلاحات الفنون ": 1/ 704.
(1/15)

ونستطيع أن نحدد العلاقة بين الحديث والسنة بهذا الإطلاق الأخير بأن الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي، إذ أنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها (1).
والسنة بهذا الإطلاق العام قد تنتظم الفرض والواجب، مع اشتمالها على المستحب والمباح (2)، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ وَسُنَّةٌ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ: السُّنَّةُ التَّي فِي الفَرِيضَةِ أَصْلُهَا في كِتَابِ الله تَعَالَى، أَخْذُها هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلاَلَةٌ، وَالسُّنَّة التَّي أَصْلُهَا لَيْسَ في كِتَابِ الله تَعَالَى: الأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا لَيْسَ بِخَطِيئَةٍ» (3) ولهذا قال مكحول: «السُّنَّةُ سُنَّتَانِ. سُنَّةٌ الْأَخْذُ بِهَا فَرِيضَةٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَسُنَّةٌ الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا إِلَى غَيْرِ حَرَجٍ» (4).
ولن يكون ترك السُنَّةِ كُفْرًا إلا إذا كانت عادة إسلامية، وشعيرة من شعائر الإسلام، بحيث إذا خلا منها بلد مسلم كان في ولائه للإسلام شك، ويشرح السرخسي هذه العبارة بقوله: «حُكْمُ السُنَّةِ هُوَ الاتِّبَاعُ ... وَهَذَا الاتِّبَاعُ الثَّابِتُ بِمُطْلَقِ السُنَّةِ خَالٍ عَنْ صِفَةِ الفَرْضِيَّةِ وَالوُجُوبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الوَاجِبِ فِي حُكْمِ العَمَلِ بِهْ، عَلَى مَا قَالَ مَكْحُولٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: " السُّنَّةُ سُنَّتَانِ. سُنَّةٌ أَخْذُهَا هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ، وَسُنَّةٌ أَخْذُهَا
__________
(1) انظر " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": 1/ 116.
(2) انظر " كليات أبي البقاء ": ص 103.
(3) " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ": 1/ 122 نقلاً عن الطبراني في " الأوسط "، وقال: لم يروه عن أبي أسامة إلاَّ عيسى بن واقد، تَفَرَّدَ به عبد الله بن الرومي ولم أر من ترجمه وفي الهامش نقلاً عن هامش الأصل أنَّ ابن الرومي هذا وثَّقَهُ أبو حاتم وغيره.
(4) " سنن الدارمي ": 1/ 145.
(1/16)

حَسَنٌ وَتَرْكُهَا لَا بَأْسَ فِيهِ "، فَالأَوَّلُ نَحْوُ صَلَاةِ العِيدِ وَالأَذَانِ وَالإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالجَمَاعَةِ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهَا قَوْمٌ اسْتَوْجَبُوا اللَّوْمَ وَالعِتَابَ وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلْدَةٍ وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ قُوتِلُوا عَلَيْهَا لِيَأْتُوا بِهَا» (1).
ويُعَرِّفُ ابن حزم السُنَّةَ تعريفًا يقترب من هذا الإطلاق العام للسُنَّة، فيقول: «وَالسُنَّةُ هِيَ الشَّرِيعَةُ نَفْسُهَا، وَهِيَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: وَجْهُ الشَّيْءِ وَظَاهِرُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاءُ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدْبُ
وَأَقْسَامُ السُنَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ: فَرْضٌ أَوْ نَدْبٌ، أَوْ إِبَاحَةٌ أَوْ كَرَاهَةٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -» (2).

مِنْ تَقْسِيمَاتِ السُنَّةِ:

ومع أنّ العلماء متفقون على وجوب الاقتداء بالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولزوم اتباع سنته قد يختلفون في الأمر من قول الرسول أو فعله: هل هذا القول أو الفعل جرى من الرسول مجرى الجبلة والعادة، أو التجربة الشائعة في قومه، فالاتباع فيه غير لازم، كما لا يلزم إذا كان الفعل من خواص الرسول. أم أن القول والفعل مقصود بهما التشريع فيلزم حينئذٍ الاتباع؟.
ومرجع ذلك أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشر، له مطالب البشر، ويحتاج إلى ضرورات الحياة وخبرتها وتجاربها، وَقَدْ نبَّهَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أصحابه إلى التفرقة بين أمور التشريع وأمور الحياة العادية في قوله أو فعله، فقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ،
__________
(1) " أصول السرخسي ": 1/ 114.
(2) " الإحكام " لابن حزم: 1/ 47.
(1/17)

وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». وقال في قصة تأبير النخيل: «فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ» (1).
وكما نبه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه إلى مراعاة الفرق بين التشريع وغيره في قوله وفعله - نبه الصحابة بدورهم تلامذتهم من التابعين إلى مراعاة هذا الفرق. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الحَرِيصِينَ عَلَى الحَدِيثِ دَخَلُوا عَلَى زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعَثَ إِليَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟!» (2).
وفي ذلك يقول البطليوسي: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ يَذْكُرُ فِي مَجْلِسِهِ الأَخْبَارَ حِكَايَةً، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يُرِيدُ بِهِ أَمْرًا وَلاَ نَهْيًا. وَلاَ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلاً فِي دِينِهِ. وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ فِعْلِهِ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ» (3).
__________
(1) " حُجة الله البالغة "، للدهلوي بتحقيق سيد سابق: 1/ 171 - 173؛ وجاء في " مجمع الزوائد ": 1/ 178 (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ فِي النَّخْلِ بِالمَدِينَةِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: فِيهَا وَسْقٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فِيهَا كَذَا وَكَذَا "، فَقَالُوا: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي] فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ»). رواه البزار وإسناده حسن، وانظر أيضًا " مجمع الزوائد ": 1/ 79. في قصة تلقيح النخل.
(2) " حُجة الله البالغة ": 1/ 102.
(3) " نظرة عامة في [تاريخ] الفقه الإسلامي ": 1/ 118، 120.
(1/18)

لهذا أفاض العلماء في الكلام عن سنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتقسيمها إلى سنة تشريعية وسنة عادية كما قسموا التشريعية إلى أقسام مختلفة عبروا عنها أحيانًا بشخصيات الرسول (1).

[ج]- الفِقْهُ، تَعْرِيفُهُ:

كلمة «الفقه» كانت موجودة في كلام العرب قبل الإسلام، لا بالمعنى الاصطلاحي الذي اكتسبته في الإسلام، إذ لم يكن لديهم ما يمكن أن تطلق عليه، ولهذا أيضًا لم يوجد عندهم من يطلق عليهم «الفقهاء» وإنما كانت الكلمة تستعمل بمعنى العلم بالشيء وتفهمه والوصول إلى أعماقه. قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} (2) أي يعلموا المراد منه ويفهموه.
وقد فرق الآمدي بين العلم والفهم فقال: «الفَهْمُ عِبَارَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ تَهْيِئَتِهِ لِاقْتِنَاصِ كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَطَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ المُتَّصِفُ بِهِ عَالِمًا كَالعَامِّيِّ الفَطِنِ» (3) أما ابن القيم فإنه يجعل الفقه في درجة أعلى من الفهم فيقول: «وَالفِقْهُ أَخَصُّ مِنْ الفَهْمِ، وَهُوَ فَهْمُ مُرَادِ المُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ فَهْمِ وَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ، وَبِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي هَذَا تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُمْ فِي الفِقْهِ وَالعِلْمِ» (4).
__________
(1) انظر " الفروق " للقرافي: 1/ 205، 209، ومقال المرحوم الشيخ شلتوت. بمجلة " الرسالة " في 30 مارس 1942 وللشيخ الخضر حسين نقد له نشر بمجلة " الهداية الإسلامية " في العددين جمادى الآخرة 1361 ه ورجب وشعبان من العام نفسه، وانظر " دروس في فقه الكتاب والسنة - البيوع منهج وتطبيقه " للمرحوم محمد يوسف موسى.
(2) [طه: 27 - 28].
(3) " الإحكام " للآمدي: 1/ 7.
(4) " إعلام الموقعين ": 1/ 264.
(1/19)

ثم خصت الكلمة في الاصطلاح «بِالْعِلْمِ الحَاصِلِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ [الفُرُوعِيَّةِ] بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ» (1) وهذا التعريف بجعل الفقه صفة علمية للإنسان، ولكننا عندما نقول: «إِنَّ الفِقْهَ الإِسْلَامِيَّ يَتَّسِمُ بِالمُرُونَةِ وَالشُّمُولِ»، فإننا نعني بالفقه حينئذٍ «مَجْمُوعَةَ الأَحْكَامِ العَمَلِيَّةِ وَالمَشْرَوعَةَ فِي الإِسْلَامِ» (2).
وهذا التجديد الاصطلاحي لكلمة الفقه، لم يتم فجأة وإنما استغرق وقتًا كافيًا تقلبت فيه الكلمة في مراحل مختلفة قبل أن تنتهي إلى هذا الاصطلاح، فقد وجدنا علماء القرنين الأول والثاني يطلقون كلمة الفقه على ما يشمل موضوعات الزهد وعلم الكلام: فَقَدْ رَوَى " الدَّارِمِيُّ " بِسَنَدِهِ عَنْ عِمْرَانَ المِنْقَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ الفُقَهَاءُ. فَقَالَ: «وَيْحَكَ وَرَأَيْتَ أَنْتَ فَقِيهًا قَطُّ؟، إِنَّمَا الفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، البَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، المُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ» (3).
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (*)، قَالَ: قِيلَ لَهُ: «مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ المَدِينَةِ؟»، قَالَ: «أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ [عَزَّ وَجَلَّ]» (4).
كَمَا رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «إِنَّ الفَقِيهَ حَقَّ الفَقِيهِ، مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعْ القُرْآنَ رَغْبَةً عنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا» (5).
وقد استمر عدم التحديد هذا حتى منتصف القرن الثاني، فقد رأينا أن أبا حنيفة ألف في العقائد ما سمي ب " الفقه الأكبر ".
__________
(1) " الأحكام " للآمدي: 1/ 7.
(2) " المدخل الفقهي العام " للزرقا: ص 24، 25.
(3): (5) " سنن الدارمي ": 1/ 89.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، انظر " السنن "، الدارمي (ت 255 ه)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، حديث رقم 303، 1/ 338، (حاشية 1)، الطبعة الأولى: 1421 ه - 2000 م، دار المغني للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية.
(1/20)

وفي تحقيق هذا التطور التاريخي لكلمة «الفِقْهِ» يقول الغزالي: «وَلَقَدْ كَانَ اسْمُ الفِقْهِ فِي العَصْرِ الأَوَّلِ مُطْلَقًا عَلَى عِلْمِ الآخِرَةِ، وَمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ وَآفَاتِ النُّفُوسِ وَمُفْسِدَاتِ الأَعْمَالِ، وَقُوَّةِ الإِحَاطَةِ بِحَقَارَةِ الدُّنْيَا، وَشِدَّةِ التَّطَلُّعِ إِلَى نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَاسْتِيلَاءِ الخَوْفِ عَلَى القَلْبِ» إلى أن قال: «وَلَسْتُ أَقُولُ إِنَّ اسْمَ الفِقْهِ لَمْ يَكُنْ مَتْنًا وَلَا لِلْفَتَاوَى فِي الأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَلَكِنْ بِطَرِيقِ العُمُومِ وَالشَّمُولِ لَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ كَمَا حَدَثَ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ» (1).
وقد لاحظ بعض العلماء هذه الإطلاقات المتعددة لكلمة الفقه، فوضع تعريفًا يمكن أن يشملها فقال: «الفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا» وهذا يشمل الاعتقاديات والوجدانيات، فإذا أضفت إلى التعريف كلمة (عَمَلاً) خرج علم الكلام والتصوف (2).

مَرَاحِلُ التَّطَوُّرِ لِلْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ: (3).

لا شك أن العرب قبل الإسلام كانت لهم طقوس دينية، وعادات اجتماعية، وعلاقات تجارية وحربية، وبعض هذه العلاقات والعادات والطقوس بقايا دين إبراهيم وإسماعيل - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - ورثها العرب عن آبائهم مشوهة أو صحيحة وبعضها أملته عليهم طبيعة البيئة البدوية التي يعيشون فيها، وبعض ثالث كان نتيجة احتكاكهم بالأمم المجاورة لهم وتأثرهم بها في بعض شؤون حياتهم. هذه العادات والأعراف المختلفة المصادر كان لها قوة القانون، بل كانت هي القانون النافذ فيهم فلما جاء الإسلام ألغى
__________
(1) انظر " إحياء علوم الدين " للغزالي: 1/ 21 - 28. المطبعة الأزهرية المصرية 1316 ه.
(2) انظر " التوضيح على التنقيح " لصدر الشريعة: 1/ 68. المطبعة الخيرية بمصر 1306 ه.
(3) انظر " موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي ": الجزء الأول، فقد صدر ببحوث قيمة في كل نواحي الفقه: من ص 9، 59.
(1/21)

الأعراف الفاسدة، والعادات السيئة وأبقى على ما كان منها صالحًا أو تناوله بالتهذيب والتقويم، كقولهم في القصاص: «القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ»، وكحكمهم بأن الدية على العاقلة، إلى غير ذلك من القواعد القليلة التي كانت شائعة بينهم والتي لم تكن تكفي لسد حاجات شَعْبٍ مُتَحَضِّرٍ.
وقد قسم الأستاذ مصطفى الزرقا الأدوار التي مر بها الفقه الإسلامي إلى سبعة أدوار:
1 - عصر حياة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكانت سلطة التشريع والفتوى والقضاء بيده وحده، ولم يترك - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فِقْهًا مُدَوَّنًا، وإنما ترك جملة من الأصول والقواعد الكلية والأحكام الجزئية مثبوتة في القرآن والسنة.
2 - عصر الخلفاء فما بعده إلى منتصف القرن الأول حيث استبد الأمويون بالأمر. وهذان الدوران هما المرحلة التمهيدية للفقه الإسلامي.
3 - من منتصف القرن الأول إلى أوائل القرن الثاني، حيث استقل علم الفقه وأصبح اختصاصًا يقصر العلماء جهودهم عليه، وتكونت المدارس الفقهية أو الاجتهادات المسماة بالمذاهب. وهذا الدور هو المرحلة التأسيسية في الفقه.
4 - من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، حيث بلغ الفقه الأوج في الاجتهاد والتدوين والتفريغ المذهبي، وتم فيه وضع أصول الفقه وتكامل. وهذا الدور هو دور الكمال في الفقه الإسلامي.
5 - من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد في أيدي التتار في منتصف القرن السابع وفيه نشطت حركة التحرير والتخريج والترجيح في المذاهب مع غلبة التقليد والتعصب.
(1/22)

6 - من منتصف القرن السابع إلى ظهور " مجلة الأحكام العدلية " سنة 1286 ه، والتي عمل بها منذ سنة 1292 ه. وهذا هو دور الانحطاط الفقهي.
7 - منذ ظهور المجلة إلى اليوم (1).
ولقد يختلف المؤرخون للفقه الإسلامي في تحديدهم للمراحل التي مر بها تطور الفقه، تبعًا لاعتبارات خاصة، وسمات معينة تميز في نظرهم مراحله المختلفة. لهذا فإني أرى أن المرحلتين الثانية والثالثة من هذه المراحل المذكورة تشكلان مرحلة واحدة يمكن أن نطلق عليها (عصر الصحابة والتابعين) كما يلاحظ أَنَّ تَكَوُّنَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ قد بدأ حقيقة منذ العقود الأولى من القرن الثاني، ولكن حركة هذا التكوين قد استمرت حتى أواخر القرن الثالث، كما يجدر بنا أن نشيد بالنهضة الفقهية في العصر الحديث، فإن المتأمل في حال الفقه الإسلامي اليوم يستطيع أن يرى حياة جديدة تسري في أعضائه وتموج في جنباته فتحرك كيانه وتنفض عنه ركود السنين وتزيل كثبان الجمود التي جمعتها الأحقاب المتتابعة وتدعوه إلى ورود منابعه الأصلية الصافية، بعيدًا عن التقليد والتعصب وتطالبه بأن ينزل إلى معترك الحياة فيُدلي برأيه في هذا المجتمع الحديث، ويعمل على حل مشكلاته، وإنه على هذا قدير، وله كفء، فقد أثبت الذين قاموا بدراسات مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي أن الفقه الإسلامي عظيم وأصيل، ومرن وشامل.
ولا شك أن نهضة الفقه في هذا العصر هي نتيجة لجهود سبقت، ودعوات للإصلاح لم يعدم الإسلام طائفة تنادي بها حتى أحلك العصور (2).
__________
(1) انظر " المدخل " للزرقا: 1/ 122 - 125 من المجلد الأول.
(2) في النهضة الفقهية الحديثة والاتجاه إلى الفقه المقارن انظر " تاريخ التشريع الإسلامي =
(1/23)

عَلاَقَةُ الحَدِيثِ بِالفِقْهِ:

والحديث يساند القرآن الكريم في تقديم مادة الفقه، فمن نصوصهما صيغت القواعد واستنبطت الأحكام، ولا غنى للباحث في الفقه الإسلامي عن الحديث لأنه المُبَيِّنُ لِلْقُرْآنِ، المُفَصِّلُ لِمُجْمَلِهِ، المُقيِّدُ لِمُطْلَقِهِ، المُخَصِّصُ لِعَامِّهِ، المُعَبِّرُ عن روحه واتجاهه.
وعلاقة الفقه بالحديث علاقة وثيقة متلازمة، نشأت منذ عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعندما ينطق الرسول بحديث تشريعي إنما يقرر حكمًا، وعندما تعرض له - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - حالة من القضاء إنما يفصل فيها بحديث، ولهذا لم يكن البحث عن الحديث لمجرد جمعه في دواوين، أو المحافظة عليه من الضياع - وإن كان هذا في ذاته جليلة - وإنما كان البحث عن الأحكام التي تقررها الأحاديث هو الدافع الأول والأهم، ولهذا لم يكن في عصر الصحابة والتابعين فاصل بين المحدث والفقيه، حتى إذا وجد من يتخصص في استنباط الأحكام من القرآن والحديث، ومن يتخصص في رواية الأحاديث ونقدها ومعرفة إسنادها وعللها - أخذ الحديث ينفصل عن الفقه، وبدأ المحدث يتميز عن الفقيه، واقتضى هذا الفصل فترة من الزمن استغرقت جل القرن الثاني، فقد وجدنا في هذا القرن كُتُبًا اختلطت فيها الأحاديث بالأحكام وآراء الصحابة والتابعين وآراء المؤلف كما هو واضح في " موطأ " الإمام مالك - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - الذي يمثل بحق مرحلة متوسطة بين دمج الحديث بالفقه وانفصالهما كل في كتب خاصة، وكما يتضح في كتاب " المجموع " المنسوب للإمام زيد (ت 121) والذي ألفه في مطلع القرن الثاني على أننا ينبغي أن نلاحظ أن الحديث لم ينس علاقته بالفقه، حتى
__________
= ومصادره " للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 130، 138، والمصدر نفسه: 200، 204 في مراحل تدوين الفقه.
(1/24)

عندما أصبح له دواوين مستقلة متمثلة في الجوامع والسنن، وهو ما جعل مؤلفي هذه الكتب يراعون في ترتيبها أن تكون على أبواب الفقه، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

فَضْلُ الفِقْهِ وَالفُقَهَاءِ:

قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (1) وقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (2) وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» (3). وروى الخطيب بسنده عن أبي هريرة يرفعه: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الفِقْهِ في الدِّينِ» (4)، وقال أبو هريرة: «لَأَنْ أَفْقَهُ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِيَ لَيْلَةً أُصَلِّيهَا حَتَّى أُصْبِحَ، وَالفَقِيهُ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِكُلِّ دِعَامَةٌ، وَدِعَامَةُ الدِّينِ الفِقْهُ» (5). وروى الرامهرمزي عَنْ البُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ يَقُولُ: «التَّفَقُّهُ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (6).
__________
(1) [التوبة: 122].
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 15؛ و" سنن ابن ماجه ": 1/ 8؛ و " جامع بيان العلم ": 1/ 19.
(3) " سنن ابن ماجه ": 1/ 8؛ ورواه الخطيب في " الجامع ": لوحة 131 من قول أبي هريرة.
(4) " الجامع لأخلاق الراوي ": لوحة 131؛ ورواه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ": 1/ 24 من قول الزهري؛ ورواه صاحب " مجمع الزوائد ": 1/ 131 نقلاً عن الطبراني في " الأوسط " وزاد فيه جزءًا من قول أبي هريرة التالي وقال: فيه يزيد بن عياض وهو كذاب.
(5) المصدران السابقان الأولان في الهامش السابق.
(6) " المحدث الفاصل ".
(1/25)

هذه النصوص وكثير غيرها تنبئ عن أهمية الفقه , وبالتالي عن مكانة الفقيه لأن الإسلام يحرص على العلم وَيُجِلُّ العُلَمَاءَ، ويسند إليهم ما هو من وظيفة الأنبياء، فالله تعالى يقول: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} (1)، {وَأَنْذِرِ النَّاسَ} (2)، {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (3). هذا (الإنذار) الذي أمر به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد كلف به العلماء وأمروا بالتفقه من أجله {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} (4)، ولهذا كان للفقيه في الإسلام مركز الريادة والتوجيه، والإنكار والتقويم والإرشاد إلى النهج الواضح في شؤون الدين والدنيا، منصاعًا لمبدأ الإسلام في المزج بينهما مزجًا تامًا تجعل فيه الدنيا مزرعة للآخرة، وتجعل فيه الآخرة حافزًا على الإنتاج والعمل الصالح في الدنيا.
ولهذا كان علماء الدين في الإسلام عنوانًا لمستوى السلوك في المجتمع الإسلامي وكتابًا تُدوَّنُ فيه أدوار القوة والضعف التي يمر بها، وميزانًا يوزن به استمساكه بالقيم الدينية ومقومات حياته الروحية أو إهداره لهذه القيم: فحيث وجد علماء يرفعون لواء الحق ولا يبالون بما يلقون في سبيله فإننا نحكم بوجود روح دينية عامة. وحيث ينغمس علماء الدين في ترف الحياة، ويفقدون استقلالهم الفكري فيجعلون الحق طوعًا لمن يملك الرهبة أو الرغبة - فإننا نحكم بأن القيم الدينية تمر بأزمة حادة لأن خطورة عالم الدين أو الفقيه تتركز في أنه مَثَلٌ وَقُدْوَةٌ وأن له خبرة في الأحكام فقوله فيها مصدق، ورأيه فيها له وزنه، فإذا لم يكن لديه من فقهه ما يَزَعُهُ عن تنكب الطريق - كان له أثر بالغ في تشويه الدين وتضليل العامة، وهذا ما حدا بعض العلماء إلى التنبيه على خطورة اقتصار الفقيه على معرفة الأحكام، بَلْ صَرَّحَ الغزالي بأن المشاهد أن التجرد لمعرفة هذه الأحكام يقسي القلب
__________
(1) [هود: 12].
(2) [إبراهيم: 44].
(3) [الشعراء: 214].
(4) [التوبة: 122].
(1/26)

وينزع الخشية منه (1).
إنَّ النصوص التي أشادت بالعلماء والفقهاء إنما امتدحتهم إذا امتلأت قلوبهم بالتقوى ونفوسهم بالخشية وإذا نصبوا من أنفسهم أعوانًا على الحق، إن قوله تعالى في مدح العلماء: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} قد سبقه مباشرة قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} (2).
__________
(1) انظر " إحياء علوم الدين ": 1/ 28.
(2) [الزمر: 9].
(1/27)

البَابُ الأَوَّلُ: المَدْرَسَةُ الفِقْهِيَّةُ لِلْمُحَدِّثِينَ:
• الفصل الأول: أهل الحديث وأهل الرأي.

• الفصل الثاني: الخصومة بين المُحَدِّثِينَ وغيرهم.

• الفصل الثالث: فقهاء المُحَدِّثِينَ ومذهب أهل الحديث.

• الفصل الرابع: رُواة الحديث من الصحابة وتأثيرهم في أهل الحديث.
(1/29)

الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ:
(تَتَبُّعٌ وَتَحْدِيدٌ):
الاتجاهات الفقهية لأهل الحديث لا يتصور أن نضع يدنا عليها إلا بعد أن نعرف أولاً من هم المُحَدِّثُونَ؟ ومن هم أهل الرأي؟ حتى يمكن التمييز بينهما.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة عن هذا السؤال أمر سهل ميسّر ولكن الخلط الذي يلحظه مطالع كتب الفقه والتاريخ، وما يرى فيه من اختلاف الأنظار في الشخص الواحد فِي عَدِّهِ من أهل الحديث أو من أهل الرأي - هذا الخلط يحمل الإنسان على الحذر من الإجابة الفورية، ويحثه على الأناة والتتبع حتى تكون إجابته أقرب إلى الحق، وأميل للصواب.
والحق أنه ما من كتاب في التاريخ الإسلامي بعامة، أو في تاريخ التشريع بخاصة، في القديم والحديث إلا تطالعك بعد صفحات قليلة أو كثيرة منه هذه العبارة (أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ)، يتناقلها المؤرخون، ويتداولها الدارسون.
وإذا استثنينا قليلاً من المحققين الذين وقفوا عند هذه العبارة محاولين الرجوع بها إلى أصل إطلاقها، ومسمى أهلها، فإن الكثرة الغالبة من المؤرخين كانوا يذكرونها نقلاً عمن سبقهم، وتقليدًا لهم، دون عناية بمعرفة حقيقة هذا الإطلاق، ودون إدراك لعامل الزمن في تطويره لهذا المصطلح، بما يجعل إطلاقه غير متساوٍ تمامًا في عصرين مختلفين.
(1/31)

وبدهي ألا يُتاح لهذه العبارة أن تكون عَلَمًا على طائفتين في الفقه الإسلامي إلا بعد وجود هاتين الطائفتين في الواقع، وإلا بعد بروز الخصائص التي تميز إحداهما عن الأخرى. ولم يحدث في عصر الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - أن وضح هذا التكوين للطائفتين، ولم يتجسم اختلافهم فيما اختلفوا فيه من مسائل، ولم يتطور حتى يتمخض عن وجود مدارس فقهية متنافسة في عصرهم وإن وضعوا بذورها.
وعلى الرغم من أن فتنة عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قد نشأ عنها انقسام المسلمين إلى شيعة وخوارج وجمهور، فإنه لم يكن بين هذه الفرق - ممن لم يخرج منهم بآرائه عن الإسلام - اختلافات في التشريع تستدعي إطلاق هذه العبارة على فريق منهم.
وفي عصر التابعين - ونتيجة لنزول أعداد كبيرة من الصحابة في البلدان المختلفة - نمت البذور التي غرسها الصحابة، واشتد عودها، فنشأ في البلدان المختلفة من التلاميذ من أعلن تمسكه واعتزازه بمن أخذ عنهم من الصحابة، واثقًا بما رواه عنهم، عاملاً به، مخضعًا حكم مَا يَجِدُّ من أحداث لما يفهمه من القرآن وما يرويه عنهم مِنْ سُنَّةٍ، وما أفتوا به من رأي مما يتلاءم مع بيئتهم وَعُرْفِهِمْ.
وعلى الرغم من أن هذه المدارس الفقهية قد تكونت في معظم الأمصار الإسلامية، فإن الأضواء في عصر التابعين تركزت على مدرستين هما: مدرسة الكوفة، ومدرسة المدينة، لعوامل توافرت فيهما، أبرزت زعامتهما للمدارس الفقهية. فالمدينة موطن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفيها قبره، وهي مقام جمهور الصحابة وعاصمة الخلافة الإسلامية حتى عهد عثمان.
والكوفة هي المنشأة الإسلامية الخالصة، التي خطها الصحابة وبنوها
(1/32)

وعمروها، وفيها وجوه الناس، كما قال عنها عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - (1) إذ قام بها كثير من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يقول إبراهيم النخعي: «هَبَطَ الكُوفَةَ ثَلاثُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَسَبْعُونَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ» (2)، واتخذها علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عاصمة خلافته، واعترف بقيمتها العلمية علماء الأمصار، كعطاء الذي قال لشخص يسائله: «مِمَّنْ أَنْتَ؟»، فقال: «مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ». فقال عطاء: «مَا يَأْتِينَا العِلْمُ إِلا مِنْ عِنْدِكُمْ» (3).
وإطلاق مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة، أو بعبارة أرحب: مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، على هاتين الطائفتين المتميزتين في عصر التابعين أصدق تاريخًا، وأدق تعبيرًا، وأولى بالمنهج العلمي من أن يطلق عليهما «أَهْلَ الحَدِيثِ وَأَهْلَ الرَّأْيِ»، لأن الاختلاف بينهما لم يكن اختلافًا في مصادر التشريع أو المنهج، بقدر ما كان اختلافًا في التلقين، وتنوعًا في الأساتذة، وتباينًا في البيئة والعُرف (4): ولذا لم تعرف هذه العبارة في عصر التابعين.
ويمكن أن ندعم هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن علماء العراق لم يكونوا بمعزل عن علماء الحجاز في العصور الأولى، وبخاصة في عصر التابعين فقد كانا يصدران عن وِرْدٍ وَاحِدٍ في أغلب الأحيان، وإذا كانت الرحلة العلمية إلى الأقطار المختلفة قد بدأت
__________
(1) انظر " الطبقات " لابن سعد: ج 6 ص 1.
(2) انظر " الطبقات ": ج 6 ص 4.
(3) انظر " الطبقات ": ج 6 ص 5.
(4) فإيجاب الوضوء على من فقهه في صلاته مثلاً، ذهب إليه الكوفيون على اختلافهم كأبي موسى الأشعري، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والثوري، والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه. أَمَّا الِحجَازِيُّونَ فَضَعَّفُوا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، وَتَابَعَهُمْ فِيمَا بَعْدُ المُحَدِّثُونَ. انظر " المحلى ": 1/ 165.
(1/33)

منذ عصر الصحابة (1) فإن الرحلة إلى الحجاز لم تنقطع، لما له من مركز ديني ممتاز ولما لمكة والمدينة من قدسية في نفوس المسلمين، زكاها وباركها فرض الحج على من استطاعه منهم، مما يتيح الفرصة لعلماء الأقطار أن يتصلوا بعلماء الحجاز - وهذه اللقاءات كان لها أثرها في التقارب الفكري بين أهل العراق وأهل الحجاز.
وإذا كان قوام مدرسة الحجاز وأساسها هو مرويات عمر، وابنه عبد الله وعائشة وزيد بن ثابت (2) فإن العراقيين من التابعين كانوا حريصين على الاستفادة من هؤلاء الصحابة، يقول ابن القيم عن تابعي الكوفة: «وَأَكْثَرُهُمْ أَخَذَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعَلِيٍّ» (3).
وإذا استعرضنا أعلام مدرسة التابعين من أهل العراق وجدناهم قد ذهبوا إلى المدينة وأخذوا عن الصحابة المُقيمين بها إلى جانب من أقام منهم بالكوفة، وهم كثرة من كبار الصحابة كما سبق. وسوف نتبين بعد هذا العرض أن الفكرة، وهم كثرة من كبار الصحابة كما سبق. وسوف نتبين بعد هذا العرض أن الفكرة التي راجت عن أهل العراق من أنهم لم تكن لديهم حصيلة كافية من الحديث، فكرة تنقضها الدقة، وينقضها الواقع.
وهاك بعض أعلام التابعين من العراقيين وبيان مَنْ رَوَوْا عنهم من الصحابة:
1 - علقمة بن قيس النخعي (ت سنة 62 ه) روى عن عمر، وعثمان، وَعَلِيٍّ، وابن مسعود، وحذيفة، وغيرهم (4).
2 - مسروق بن الأجدع الهمداني (ت 61 ه) روى عن عمر، وَعَلِيٍّ
__________
(1) انظر " حسن المحاضرة ": 1/ 78، 86، 89؛ و" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 16.
(2) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 23؛ و" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ... / 133.
(3) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 28.
(4) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 57، 62؛ وانظر " تهذيب التهذيب ": 2/ 276، 278.
(1/34)

وعبد الله بن مسعود، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابن عمر، وعائشة (1).
3 - الأسود بن يزيد (ت 74 ه) روى عن أبي بكر، وعمر، وَعَلِيٍّ، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وعائشة، وروى أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا بِالعِرَاقِ رَجُلٌ أَكْرَمُ [عَلَيَّ] مِنَ الأَسْوَدِ». كَمَا رُوِىَ أَنَّ «الأَسْوَدَ كَانَ يَلْزَمُ عُمَرَ. وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَلْزَمُ عَبْدَ اللَّهِ. وَكَانَا يَلْتَقِيَانِ فَلَا يَخْتَلِفَانِ» (2).
4 - سعيد بن جُبير (ت 94 ه) روى عن عبد الله بن عباس، وكان يأمره أَنْ يُحَدِّثَ مَع وُجُودِهِ، كما أخذ عن ابن عمر. يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «كُنَّا إِذَا اخْتَلَفْنَا بِالكُوفَةِ فِي شَيْءٍ كَتَبْتُهُ عِنْدِي حَتَّى أَلْقَى ابْنَ عُمَرَ فَأَسْأَلُهُ عَنْهُ». وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ فَرِيضَةٍ فَقَالَ: «ائْتِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِالحِسَابِ مِنِّي، وَهُوَ يَفْرِضُ مِنْهَا مَا أَفْرَضَ» (3).
5 - عَامِرُ بنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ (ت 102 ه في أحد الأقوال) - روى عن كثير من الصحابة، وقال: «أَقَمْتُ بِالمَدِينَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ» (4).
__________
= وكان ابن مسعود يشبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هديه وذله وسمته، وكان علقمة أشبه الناس هديًا بعبد الله.

(1) انظر " الطبقات ": 6/ 5، 56.
(2) انظر " الطبقات ": 6/ 46، 50؛ و" التهذيب ": 1/ 432، 443.
(3) انظر " الطبقات ": 6/ 178، 187.
(4) انظر " الطبقات ": 6/ 178، 187 والعبارة المذكورة في ص 172؛ وانظر " التهذيب ": 5/ 65.
وقد لاحظ الأستاذ المرحوم الدكتور أحمد أمين أن معظم مدرسة الكوفة تنتمي إلى القبائل اليمنية: فعلقمة والأسود وإبراهيم من النخع، ومسروق من همدان والشعبي من شعب =
(1/35)

هذا الأمر الأمر الأول الذي قرَّرناه، والذي أردنا منه أن نسوي
__________
= وهي بطن من همدان، والنخع وهمدان قبيلتان يمنيتان، وَشُرَيْحٌ من كندة من اليمن، وحماد بن أبي سليمان الأشعري بالولاء، وأشعر قبيلة من اليمن، ثم استنتج من هذا أنهم متأثرون بمعاذ بن جبل - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسله إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، وكان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، ثم قال: «قَلِيلُ هَؤْلَاءِ اليَمَنِيِّينَ كَانُوا مُتَأَثِّرِينَ بِمَبْدَأِ مُعَاذٍ وَتَعَالِيمِهِ وَفِقْهِهِ، وَبِالفِعْلِ نَجِدُ بَعْضَ أَعْلَامِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ كَالأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدٍ النَّخَعِيِّ مِنْ تَلَامِيذِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ» (انظر " ضحى الإسلام ": 2/ 181، 183).
وحقًا أن الأسود روى عن معاذ كما روى عنه أيضًا من تابعي الكوفة عمرو بن ميمون اليماني المتوفى سنة 74 أو 75 ه (انظر " تذكرة الحفاظ ": 1/ 61)، ولكن هذا لا يعني أن معاذًا كان معلم مدرسة الكوفة أو أنه كان ذا أثر كبير في اتجاهها، لما يأتي:
1 - قصر فترة إقامة معاذ باليمن، فهي لا تعدو سنتين، وهذه فترة لا تكفي للتأثر في تابعي الكوفة على فرض لقائهم له في اليمن.
2 - لا يلزم من ظاهرة انتشار اليمانية بالكوفة أنهم متأثرون بمعاذ، فاليمانية يُكَوِّنُونَ الكثرة في أقطار كثيرة منها مصر، حتى قال عبد العزيز بن مروان والي مصر مخاطبًا الخليفة: «كَيْفَ المُقَامَ بِبَلَدٍ لَيْسَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِي أَبِي؟» (انظر " الوُلاة والقُضاة " للكندي: ص 47).
3 - قَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ أَصْحَابٌ حَفِظُوا عَنْهُ، وَقَامُوا بِقَوْلِهِ فِي الفِقْهِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ: زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ». (" سير أعلام النبلاء ": 2/ 313). «وَيُقَرِّرُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لَهُ أَصْحَابٌ مَعْرُوفُونَ حَرَّرُوا فُتْيَاهُ وَمَذَاهِبَهُ فِي الفِقْهِ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ» (" إعلام الموقعين ": 1/ 22). هَذَا يُبيِّنُ أنهم متأثرون بعبد الله بن مسعود، وَعَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: «كَانَ فِينَا سِتُّونَ شَيْخًا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ». (" الطبقات " لابن سعد ج 7 ص 5). «وَلِذَلِكَ أَوْصَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَفْسُهُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ [الْأَوْدِيَّ] وَغَيْرَهُ أَنْ يَلْتَقُوا بِابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنْ يَطْلُبُوا العِلْمَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ». (انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 16، 17، 28).
(1/36)

بين تابعي العراق وتابعي الحجاز في الأخذ بالسنة، وفي التلقي عن الصحابة الذين يعتبرهم المدنيون أساسًا لمدرستهم - قد فطن إليهم ابن حزم، وهاله اعتزاز أهل المدينة بأنفسهم وزعمهم أنهم أهل السنة حتى جعلوا من أصولهم عرض الحديث على عمل أهل المدينة وتعليله إذا كان عملهم على خلافه، فنقدهم ابن حزم في هذا نقدًا مُرًّا، وهاجمهم هجومًا عنيفا، وفي مناقشته لهم ذكر أن عمر بن الخطاب مَصَرَ البصرة والكوفة ومصر والشام وأسكنها المسلمين، وولى عليهم الصحابة، أفترى عمر وعثمان وعليًا وعمالهم المذكورين كتموا رعيتهم من أهل هذه الأمصار دين الله تعالى والحكم في الإسلام والعمل بشرائعه؟ ما يفعل هذا مسلم، بل الذي لا شك فيه أنهم كلهم علموا رعيتهم كل ما يلزمهم كأهل المدينة ولا فرق. ثم سكن عَلِيٌّ الكوفة، أَفَتَرَاهُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كتم أهلها شرائع الإسلام وواجبات الأحكام؟ والله ما يظن هذا مسلم ولا ذمي مميز بالسير. فإذ لا شك في هذا، فما بالمدينة سنة إلا وهي في سائر الأمصار كلها ولا فرق.
«وَأَمَّا مُذْ مَضَى هَذَا الصَّدْرُ الكَرِيمُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - فَوَاللَّهِ مَا وَلِيَ المَدِينَةَ وَلَا حَكَمَ فِيهَا إِلَّا فُسَّاقُ النَّاسِ، كَعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَالحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَطَارِقٍ وَخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الضَّحَّاكِ، وَعُثْمَانِ بْنِ حَيَّانَ المُرِّيِّ، وَكُلٌّ عَدُوٌّ [لِلَّهِ]، [حَاشَى] أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ فَإِنَّهُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَاضِلاً» (1).
وفي إثبات أخذ تابعي الكوفة عن الصحابة بالمدينة يقول: «وَرَحَلَ عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ إِلَى عَائِشَةَ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - وَرَحَلَ عَلْقَمَةُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ بِالشَّامِ» (2).
__________
(1) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: 2/ 115، 116.
(2) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: 2/ 130.
(1/37)

وفي مناقشة حُجِيَّة إِجْمَاعِ أَهْلِ المَدِينَةِ يُبيِّنُ أنهم أترك الناس لأقوال أهل المدينة كعمر وابنه وعائشة ثم سعيد بن المسيب والقاسم وغيرهم وأنهم في الحقيقة مُقَلِّدُونَ لِمَالِكٍ فَقَطْ ويأخذون برأي ابن القاسم المصري وسحنون الإفريقي، لأن القاسم أخذ عن مالك، ولأن سحنون أخذ عن ابن القاسم عن مالك «وَلَا يَرَوْنَ لِأَخْذِ مَسْرُوقٍ وَالأَسْوَدَ وَعَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - وَجْهًا وَلَا مَعْنَى» (1).
وفي بيانه للتأثير والتأثر المتبادلين بين المدينة وغيرها يقول:
«وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ بَقِيَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -، كَانُوا يُجَاهِدُونَ وَيَحُجُّونَ وَمَنْ خَرَجَ عَنْ المَدِينَةِ مِنْهُمْ كَانُوا يَفِدُونَ عَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَقَدْ وَجَبَ التَّدَاخُلُ بَيْنَهُمْ وَهَكَذَا صَحَّتْ الآثَارُ بِنَقْلِ التَّابِعِينَ مِنْ سَائِرِ الأَمْصَارِ عَنْ أَهْلِ المَدِينَةِ وَبِنَقْلِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، فَقَدْ صَحِبَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَاخْتَصُّوا بِهِمْ، وَأَكْثَرُوا الأَخْذَ عَنْهُمْ» (2).
بل لم يقتصر ابن حزم على إثبات التساوي بين تابعي المدينة وتابعي العراق بل إنه يفضل تابعي العراق وغيرهم على تابعي المدينة، ففي معرض كلامه عن الأذان والإقامة واختلاف الطرق ما بين التثنية والإفراد فيها، يَرُدُّ ابن حزم على المالكيين في زعمهم أن مذاهب أهل الكوفة ومكة قد غُيِّرَ فِيهَا بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ. قال: «فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ لَكِنْ غَيّرَ مَنْ بَعْدُهُمْ، قُلْنَا: إِنْ جَازَ ذَلِكَ عَلَى التَّابِعِينَ بِمَكَّةَ وَالكُوفَةَ فَهُوَ عَلَى التَّابِعِينَ بِالمَدِينَةِ أَجْوَزُ، فَمَنْ كَانَ بِالمَدِينَةِ فِي التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، وَسُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةٍ، وَالرُّحَيْلَ، وَمَسْرُوقٍ، وَنُبَاتَةَ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ
__________
(1) " الإحكام ": 4/ 206.
(2) " الإحكام ": 4/ 21.
(1/38)

فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْتَى فِي حَيَاةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَمَا يَرْتَفِعُ أَحَدٌ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى طَاوُوسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ تَبْدِيلُ عَمُودِ الدِّينِ؟ فَإِنْ هَبَطُوا إلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ، فَمَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، إلَّا جَازَ مِثْلُهُ عَلَى مَالِكٍ، فَمَا لَهُ عَلَى هَذَيْنِ فَضْلٌ، لَا فِي عِلْمٍ وَلَا فِي وَرَعٍ» (1).
أما الأمر الثاني الذي يدعم فكرة عدم إطلاق عبارة (أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ) على مدرستي التابعين في الحجاز والكوفة، فهو أن كلتا المدرستين قد استعملتا الحديث واستعانتا بالرأي على حد سواء.
فسعيد بن المسيب وهو الزعيم الفقهي لمدرسة التابعين في الحجاز كان يحفظ آثار عمر وأحكامه المثربة، وكان يحفظ فتاوى زيد بن ثابت، وكلاهما كان لا يتحرج من الرأي. وكان سعيد بن المسيب يوصف بالجرأة على الفتوى «وَلَا يَجْرُؤُ عَلَى الإِفْتَاءِ بِكَثْرَةِ مَنْ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الرَّأْيِ، وَلَا يُوصَفُ بِالجَرِيءِ فِي الفَتْوَى مَنْ يَقِفُ عِنْدَ الأَثَرِ لَا يَعْدُوهُ. بَلْ يُوصَفُ الجَرِيءُ مَنْ يَسِيرُ فِي دَائِرَةِ المَأْثُورِ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّخْرِيجِ عَلَيْهِ وَيَسِيرُ عَلَى مِنْهَاجِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ نَصٌّ أَوْ أَثَرٌ يُفْتِي بِهِ» (2).
ويصفه عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ بالفقه في الرأي فيقول: «سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الآثَارِ وَأَفْقَهُهُمْ فِي رَأْيِهِ» (3).
ومما يدل على إكثاره من الرأي قَوْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَهَابُونَ الكُتُبَ وَلَوْ كُنَّا نَكْتُبُ يَوْمَئِذٍ لَكَتَبْنَا مِنْ عِلْمِ سَعِيدٍ وَرَأْيِهِ شَيْئًا كَثِيرًا» (4).
__________
(1) " المحلى "، لابن حزم: 2/ 155، 156.
(2) " الإمام زيد "، للأستاذ محمد أبو زهرة: ص 175.
(3) و (4) " الطبقات "، لابن سعد: ج 5 ص 90.
(1/39)

ومن تلاميذ سعيد بن المسيب، ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الذي كان يستعمل الرأي كثيرًا حتى أضيف إليه، فقيل له: (ربيعة الرأي).

وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ شِهَابٍ يَتَحَرَّجُ مِنَ الرَّأْيِ، وَيَقُولُ لَهُ رَبِيعَةُ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِرَأْيِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ رَأْيُكَ، وَإِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ [سُنَّةٌ لَا يَظُنُّوا] أَنَّهُ رَأْيُكَ» (1).
ومع هذه المقاربة في المادة والمنهج بين الحجازيين والعراقيين، نلاحظ أن الحجازيين لا ينظرون بعين الرضا إلى العراقيين ويتهمونهم بالرأي. فسعيد بن المسيب - هذا الجريء على الفتوى والرأي - يضيق صدره بسؤال تلميذه ربيعة عندما يناقشه في أرش الأصابع، ويتهمه بأنه عراقي فيقول له: «أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟» فيسارع ربيعة بدفع التهمة عنه ويجيبه سعيد بقوله: «[إِنَّهَا] السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي»، مع أن مأخذهما إنما هو من قول زيد بن ثابت، كَمَا حَقَّقَ الطَّحَاوِيُّ ذَلِكَ (2).
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 2/ 144، 145.
(2) انظر " معاني الآثار ": 1/ 152 وجاء في " موطأ مالك " (*): أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ: «كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟»، فَقَالَ: «[عَشْرٌ] مِنَ الإِبِلِ»، فَقُلْتُ: «كَمْ فِي إِصْبَعَيْنِ؟»، قَالَ: «عِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ»، فَقُلْتُ: «كَمْ فِي ثَلاَثٍ؟»، فَقَالَ: «ثَلاَثُونَ مِنَ الإِبِلِ»، فَقُلْتُ: «كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟»، قَالَ: «عِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ»، فَقُلْتُ: «حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا، وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا، نَقَصَ عَقْلُهَا؟»، فَقَالَ سَعِيدٌ: «أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟»، فَقُلْتُ: «بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ»، فَقَالَ سَعِيدٌ: «هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي».
وذلك أن جمهور أهل المدينة ذهبوا إلى أن عقل المرأة - أي ديتها - تساوي عقل الرجل إلى الثلث فإذا تجاوزته كانت على النصف من دية الرجل وقد رأى ربيعة أن هذا لا يحقق التكافؤ بين الجريمة والجزاء أو التلف والعوض. وقد ذهب الأحناف وغيرهم إلى أن دية الرجل في النفس وفيما دونها. (انظر " أسباب اختلاف الفقهاء " للشيخ علي الخفيف: ص 197 - 199 وقد أشار الشاطبي إلى هذه القصة في " الموافقات ": 4/ 169.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الموطأ " للإمام مالك بن أنس، (برواية يحيى بن يحيى الليثي):
- (43) كِتَابُ العُقُولِ (11) بَابُ مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الأَصَابِعِ، حديث غير مرقم، 2/ 860، طبعة سنة 1406 ه - 1985 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. (تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي).
- (29) كِتَابُ العُقُولِ (11) مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الأَصَابِعِ، حديث رقم 2507، 2/ 430، الطبعة الثانية: 1417 ه - 1997 م، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان. (تحقيق الدكتور بشار عواد معروف).
(1/40)

أنَّ اتهام سعيد لربيعة ب «العراقية» مع اهتمام ربيعة بدفع هذه التهمة عنه - يدعونا إلى استنباط أن التهمة التِي يُرْمَى بِهَا العِرَاقُ لم تكن الرأي الفقهي واستعماله، لأن سعيدًا وربيعة يستعملان الرأي ويكثران منه - فليس معقولاً أَنْ يُنْكِرَا على غيرهما ما يستعملانه، أَوْ يُحَرِّمَا على علماء العراق ما يستحلانه، وإنما كان إنكارهما على أهل العراق - في غالب الظن - تقديم الرأي على النص في بعض المسائل فضلاً عما فيه من الآراء المتطرفة في العقيدة، التي اعتنقتها الفرق السياسية والدينية المختلفة، والتي وجدت في العراق بيئة صالحة لنموها لما تعاقب عليه من حضارات وديانات متنوعة، وثقافات مختلفة وأجناس متباينة، حتى أصبح مأوى الخارجين على السلطة المركزية، وملتقى الأفكار الشاذة، منه نشأت معظم الفتن التي أجهدت المسلمين، وفيه نبتت جل الأفكار الغريبة عن فطرة الإسلام، حتى أصبح العراق عَلَمًا على المخالفات المتطرفة والبدع المضللة، وكل هذا يلقي ظلاله على الآراء الفقهية، يوضح هذا ما قاله ربيعة عندما عاد من العراق كارهًا له، مُؤْثِرًا العودة إلى المدينة، فقد سأله أهلها: كَيْفَ رَأَيْتَ العِرَاقَ وَأَهْلَهُ؟ فَقَالَ: «رَأَيْتُ قَوْمًا حَلَالُنَا حَرَامُهُمْ، وَحَرَامُهُمْ حَلَالُنَا، وَتَرَكْتُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أْلْفًا يَكِيدُونَ هَذَا الدِّينَ» (1) (*).
ويزكي هذا الاستنباط أن أعلام مدرسة العراق أنفسهم كانوا ينكرون ما ظهر فيهم من الآراء المتطرفة: فإبراهيم النخعي - وهو لمدرسة العراق كسعيد بن المسيب لمدرسة المدينة - يقول: «وَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيمَا أَحْدَثُوا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» ويعلق الراوي على هذه العبارة بقوله: «يَعْنِي أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالرَّأْيِ وَالقِيَاسِ» (2) وإقحام الرأي الفقهي والقياس فيما يعنيه
__________
(1) " ضحى الإسلام ": 3/ 110.
(2) " حلية الأولياء ": 4/ 222.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي "، للحجوي الثعالبي (ت 1376 ه)، تخريج وتعليق عبد العزيز عبد الفتاح القارئ، الطبعة الأولى 1396 ه، 1/ 312، دار التراث - القاهرة. وطبعة دار الكتب العلمية، تحقيق أيمن صالح شعبان، 1/ 380، الطبعة الأولى 1416 ه - 1995 م. إلا أن الحجوي لم يذكر المصادر التي اعتمدها في قول ربيعة الرأي هذا.
(1/41)

إبراهيم خطأ ظاهر، بدليل إكثار إبراهيم من الرأي والقياس، كما سيأتي، وبدليل رواية أخرى عن الراوي نفسه، ونصها:
«عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الأَعْوَرِ، قَالَ: لَمَّا كَثُرَتِ المَقَالاَتُ بِالْكُوفَةِ أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عِمْرَانَ، أَمَا تَرَى مَا ظَهَرَ بِالكُوفَةِ مِنَ المَقَالاَتِ؟ فَقَالَ: " أُوَّهْ، دَقَّقُوا قَوْلاً، وَاخْتَرَعُوا دِينًا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَلاَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الحَقُّ، وَمَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ، لَقَدْ تَرَكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِيَّاكَ وَإِيَّاهُمْ "» (1) كما روى أن إبراهيم قال أيضًا: «إِيَّاكُمْ وَهَذَا الرَّأْيَ المُحْدَثَ، يَعْنِي المُرْجِئَةَ» (2).
وبعد ما تقدم نستطيع أن نجمل مظاهر الاتفاق والاختلاف بين المدرستين في عصر التابعين فيما يأتي:
1 - أن كلتا المدرستين تعتمدان على القرآن والحديث في تعرف الحكم.
2 - أن كلا منهما كانت عندها حصيلة متقاربة من الحديث، سواء في الشيوخ أو في العدد، وساعد على هذا التقارب الرحلات العلمية واللقاءات المستمرة.
3 - أن الإرسال كان شائع الاستعمال مقبولاً عند كل من المدرستين بلا إنكار إذ لم يكن الاهتمام بالرواية والإسناد قد أخذ صورة جادة فقد كان الاهتمام الفقهي أبرز من صناعة الرواية.
4 - أنهما كانا يستعملان الرأي بدرجة متقاربة، وصورة متشابهة فكل من المدرستين تجمع ما استطاعت من أقوال الصحابة وفتاواهم وقضاياهم، وتنظر فيها نظر اعتبار وتحقيق وتطبيق. يقول الحجوي:
__________
(1) " حلية الأولياء ": 1/ 223.
(2) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 191.
(1/42)

«عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ الذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مَا مِنْ إِمَامٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ قَالَ بِالرَّأْيِ، وَمَا مِنْ إِمَامٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ تَبِعَ الأَثَرَ، إِلَّا أَنَّ الخِلَافَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ فِي المَبْدَأِ، لَكِنْ فِي التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الجُزْئِيَّاتِ» (1).
5 - وهذا الرأي الذي تستعمل كلتا المدرستين لم يكن محددًا بصورة معينة فهو أحيانًا سنة، وأحيانًا مصلحة مرسلة. أو قياس، أو عرف، أو غير ذلك يوحى إليهم به، ويهديهم إلى فطرة سليمة، وعلم باللغة، وإيمان عميق، ومعرفة بالروح الإسلامي في التشريع، فابن القيم يفسر الرأي الذي أثر عن الصحابة والتابعين بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب. مما تتعارض فيه الأمارات (2). ومن قبله يصف ابن عبد البر معظم التابعين في مختلف الأمصار بالرأي، فيقول: «وَ [مِمَّنْ] حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَأَفْتَى مُجْتَهِدًا رَأْيَهُ وَقَايِسًا عَلَى الْأُصُولِ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا مِنَ التَّابِعِينَ: فَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ...» (3).
6 - أنَّ كُلاًّ من المدرستين في جمعها فروع الفقه مما أفتى به الصحابة وما خرجته على المحفوظ، قد اتجهت إلى الواقع، ولم يكن لها اتجاه إلى فرض المسائل أو تقديرها قبل وقوعها لاستنباط حكم لها.
7 - أن البيئة التي نشأت فيها المدرستان كانت مختلفة، فصبغت فقه كل منهما بصيغتها، وأثرت في بعض صور الاستنباط عندهما. فالمدينة قد احتفظت دون شك بالكثير من التقاليد الإسلامية التي كانت شائعة في عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفائه الراشدين، وأن هذه التقاليد لم
__________
(1) " الفكر السامي ": 2/ 95.
(2) " مالك " لأبي زهرة: 170، 172.
(3) انظر " جامع بيان العلم ": 1/ 61، 62.
(1/43)

تأثر كثيرًا بأعراف أجنبية، فقلت الأحداث الجديدة أو التغيرات الطارئة التي تتطلب أحكامًا جديدة وسهل ذلك على فقهائها أن يفتوا بما يقارب الروح الإسلامية، وتوفرت عندهم المصادر التي تمدهم بالإجابة عما يستفتون فيه.
أما العراق، فمع وفرة ما عند فقهائه من حديث، فكان في بيئته الكثير من العادات والصور التي تتطلب حكم الإسلام فيها، وفيها من الضروريات والمصالح ما يلجئهم إلى مراعاتها في الاستنباط، وفيها من حرية الفكر وتنوع الثقافات وتصارع الآراء ما يرهف ملكتهم، وَيُنَمِّي قدرتهم على المناقشة والحجاج والتخريج (1).
8 - اعتزت كلتا المدرستين بمن أخذتا عنه من الصحابة، وكان عندها من الإقناع بكفاءة الشيوخ وفضلهم ما حمل كُلاًّ منهما على تفضيل شيوخها في مجال المفاخرة أو عند الموازنة وبالتالي ادعاء كل من المدرستين أنها أمكن في الفقه وأثبت فِي السُنَّةِ من الأخرى. وأرهف هذا الاعتزاز ونَمَّاهُ المنافسة الإقليمية بين البلدين: فقد روى ابن حزم «عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ
__________
(1) عقد ابن القيم فصلاً خاصًا في " إعلام الموقعين ": (3/ 37 وما بعدها) تكلم فيه عن تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأمكنة والأزمنة والأحوال والنيات والعوائد.
وما يوضح أثر الارتباط بالبيئة - ما أثر عن بعض السلف كراهية الاستنجاء بالماء، وَقَالَ عَطَاءٌ: «غَسْلُ الدُّبُرُ مُحْدَثٌ» (انظر " المغني ": 1/ 151).
هنا مع العلم بأن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يستعمل الماء، ففي المصدر السابق نفسه أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مُرْنَ [أَزْوَاجَكُنَّ] أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ ; فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ» (*). وعن أنس: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ» - متفق عليه -.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر الترمذي، " السنن " تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، أبواب الطهارة، (15) بَابُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، حديث رقم 19، 1/ 70. قَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
(1/44)

كَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَجَعَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَخَرَجَ إلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَ وَهُوَ يَرَى أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: مَا رَدُّكَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، أَلَقِيتَ أَحَدًا هُوَ أَثْبَتُ فِي نَفْسِك مِنْهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَقِيت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدْته فِي الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ» (1).
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فْقَهَ مِنْ صَاحِبِنَا عَبْدِ اللَّهِ، - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ -» وَقَالَ أَيْضًا: «مَا دَخَلَهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْفَعُ عِلْمًا وَلا أَفْقَهُ صَاحِبًا مِنْهُ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ -» (2).
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ سَرْجَ هَذِهِ القَرْيَةِ» (3)، وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ، [إِلاَّ] (*) سَعِيْدَ بنَ المُسَيِّبِ، وَلَا طَاوُوسَ، وَلَا عَطَاءً، وَلَا الحَسَنَ، وَلَا ابْنَ سِيرِينَ» (4).
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي تَابِعِي المَدِينَةِ: «كُنْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ: سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَكَانَ أَفْقَهَ النَّاسِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ، وَكُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَجِدَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ طَرِيقَةً مِنْ عِلْمٍ لَا تَجِدُهَا عِنْدَ
__________
(1) " المُحلَّى ": 9/ 169، 170 وكان ابن مسعود يرى في أختين شقيقتين وأخت لأب وأخ لأب أنَّ نصيب الأختين الثلثان فيكونان بذلك قد استنفدا كل نصيب الأخوات فلا تأخذ الأخوات لأب شيئاً من الثلث الباقي بل العصبة وهو الأخ لأب يحوزه كله - أما زيد بن ثابت فكان يجعل الثلث الباقي بين الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين.
(2) " الطبقات " لابن سعد: ج 6 ص 5 و 6.
(3) " الطبقات " لابن سعد: ج 6 ص 4.
(4) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 76.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (لَا) والصواب ما أثبته، انظر " سير أعلام النبلاء " للذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثالثة: 1405 ه / 1985 م، 4/ 299، نشر مؤسسة الرسالة.
(1/45)

غَيْرِهِ إلَّا وَجَدْت» (1).
9 - وجد في كل من المدرستين من هاب الفُتيا وانقبض عنها إذا لم يكن في حكمها أثر محفوظ، كما وجد في كلتيهما من جرؤ على الفتيا، واستخدم عقله في التخريج والقياس، وانتصب للناس وقصدوه، لذلك يقول الدهلوي: «اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ فِي عَصْرِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ، وَفِي عَصْرِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ الخَوْضَ بِالرَّأْيِ، وَيَهَابُونَ الفُتْيَا وَالاسْتِنْبَاطَ إِلَّا لِضَرُورَةِ لَا يَجِدُونَ مِنْهَا بُدًّا» (2).
ففي العراق كان الشعبي يمثل الفريق الأول، وكان إبراهيم ومجاهد يمثلان الفريق الثاني، يقول ابن قُتيبة: «وَكَانَ أَشَدُّ أَهْلِ العِرَاقِ، فِي الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ، الشَّعْبِيَّ، وَأَسْهَلُهُمْ فِيهِ، مُجَاهِد، حَدَّثَنِي أَبُو الخَطَّابِ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنْ سَعِيدٍ قَالَ: أَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ العِبَادَةِ الرَّأْيُ الحَسَنُ» (3).
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «كَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا جَاءَ شَيْءٌ اتَّقَاهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ مُنْبَسِطًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مُنْقَبِضًا، فَإِذَا وَقَعَتْ الفَتْوَى انْقَبَضَ الشَّعْبِيُّ وَانْبَسَطَ إِبْرَاهِيمُ» (4).
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: «كَانَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو الضُّحَى وَإِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُنَا يَجْتَمِعُونَ فِي المَسْجِدِ فَيَتَذَاكَرُونَ الحَدِيثَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمْ فُتْيَا لَيْسَ
__________
(1) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 1/ 24.
(2) " حجة الله البالغة ": 1/ 311.
(3) " تأويل مختلف الحديث ": ص 63.
(4) " تاريخ التشريع الإسلامي " للخضري: ص 153.
(1/46)

عِنْدَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ رَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ» (1).
ومما يبين موقف إبراهيم النخعي من القياس، وبراعته فيه، وعدم تحرجه من الإكثار منه - بله استعماله - قوله: «إِنِّي لَأَسْمَعُ الحَدِيثَ وَأَقِيسُ عَلَيْهِ مِائَةَ شَيْءٍ» وقال أيضًا: «مَا كُلُّ شَيْءٍ نُسْأَلُ عَنْهُ نَحْفَظُهُ، وَلَكِنَّا نَعْرِفُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ وَنَقِيسُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ»، بل في رواية أخرى أنه سئل: «أَكُلُّ مَا تُفْتِي بِهِ النَّاسُ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنْ [بَعْضَهُ سَمِعْتُ] وَقِسْتُ مَا لَمْ أَسْمَعْ عَلَى مَا سَمِعْتُ» (2)، وَقَالَ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: «مَا رَأَيْتُ أَحْضَرَ قِيَاسًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ» (3).
ويوازن ابن أبي ليلى بين الشعبي وإبراهيم فيقول: «كَانَ الشَّعْبِيُّ صَاحِبَ آثَارٍ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ صَاحِبَ قِيَاسٍ» (4).
ويروى عن الشعبي كثير من العبارات التي تُقلِّلُ من شأن الرأي وتُنَفِّرُ مِنْهُ، وقد سئل عن شيء فلم يجب عنه لأنه لم يكن يحفظ فيه أثرًا، فقيل له: قل برأيك، قال: «وَمَا تَصْنَعُ بِرَأْيِي؟ بُلْ عَلَى رَأْيِي» (5)، ومثل قوله في التحذير من القياس والبرهنة على قصوره: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ قُتِلَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، [وَقُتِلَ طفلٌ]، أَكَانَتْ دِيَتُهُمَا سَوَاءً، أَمْ يُفَضَّلُ الأَحْنَفُ لِعَقْلِهِ وَحِلْمِهِ؟ قُلْتُ: بَلْ سَوَاءً، قَالَ: فَلَيْسَ القِيَاسُ بِشَيْءٍ» (6).
وفي الحجاز أيضًا وجد المكثرون من الفتوى، المجتهدون في الأحكام بآرائهم، كما وجد المُقِلُّونَ وَالمُحْتَرِزُونَ مِنْهَا.
__________
(1) " حلية الأولياء ": 4/ 221.
(2) و (3) " جامع بيان العلم ": 2/ 60، 66.
(4) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 76.
(5) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 174.
(6) " تاريخ التشريع " للخضري: ص 137.
(1/47)

وقد قدمنا ما قيل في سعيد بن المسيب، وما وصف به من كثرة الرأي والجُرأة على الفتوى، وقد كان من معاصريه من لا يقل عنه علمًا وفقهًا، ولكنه كان يخاف ويحترز. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: «فَأَمَّا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ [فَبِئْرٌ] لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ، وَأَمَّا [ابْنُ المُسَيَّبِ] فَانْتَصَبَ لِلنَّاسِ، فَذَهَبَ اسْمُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ» (1).
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: «" مَا سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي شَيْءٍ [قَطُّ] بِرَأْيِهِ ". قَالَ: وَرُبَّمَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ فَيَقُولُ: " هَذَا مِنْ خَالِصِ السُّلْطَانِ "» (2).
ويشير ابن حزم إلى بعض المُقِلِّينَ من أهل المدينة فيقول: «وَمَا أَدْرَكَ مَالِكٌ بِالمَدِينَةِ أَعْلَى مِنْ نَافِعٍ، وَهُوَ قَلِيلُ الفُتْيَا جِدًّا، وَرَبِيعَةَ، وَكَانَ كَثِيرُ الرَّأْيِ قَلِيلَ العِلْمِ بِالحَدِيثِ، وَأَبِي الزِّنَادِ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَا قَلِيلَيْ الفُتْيَا» (3).
وكما كان أصحاب إبراهيم النخعي يرمون بأبصارهم إليه عند وجود فُتيا ليس عندهم فيها شيء، كذلك كان معاصرو ابن المسيب من علماء المدينة يفعلون، فيدفعون المستفتي إلى ابن المسيب. رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ المَرَادِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: «كُنْت أَرَى الرَّجُلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَإِنَّهُ لَيَدْخُلُ يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ، فَيَدْفَعُهُ النَّاسُ عَنْ مَجْلِسٍ إلَى مَجْلِسٍ، حَتَّى يُدْفَعَ إلَى مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَرَاهِيَةً لِلْفُتْيَا، قَالَ: وَكَانُوا يَدْعُونَهُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ الجَرِيءَ» (4).
10 - وجد في كل من المدرستين صراع وخصومة بَيْنَ المُكْثِرِينَ مِنَ الفَتْوَى
__________
(1) " حلية الأولياء ": 2/ 266.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 143.
(3) " الإحكام " لابن حزم: 2/ 130.
(4): " إعلام الموقعين ": 1/ 28.
(1/48)

وَالمُقِلِّينَ، وهو صراع طبيعي ملازم لوجود الإنسان، ما دام لم يخلق على نمط واحد من التفكير والتقدير، ولذا كان لنا أن نستنتج أن الصراع بينهما كان موجودًا في غير العراق والحجاز من أمصار المسلمين، بدليل أننا رأينا مصر صورة من صور النزاع بين النصيين والعقليين - وإن كانت في طبقة متأخرة عن التابعين - فيما يرويه ابن عبد البر، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: «قَالَ يَحْيَى: كُنْتُ آتِي ابْنَ القَاسِمِ فَيَقُولُ لِي: " مِنْ أَيْنَ؟ " فَأَقُولُ: " مِنْ عِنْدِ ابْنِ وَهْبٍ "، فَيَقُولُ: " اللهَ اللهَ اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لَيْسَ عَلَيْهَا العَمَلُ ". قَالَ: " ثُمَّ آتِي ابْنَ وَهْبٍ فَيَقُولُ: " مِنْ أَيْنَ؟ " فَأَقُولُ: " مِنْ عِنْدِ ابْنِ القَاسِمِ "، فَيَقُولُ: " اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ المَسَائِلِ رَأْيٌ "» (1).
وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ اختلاف النظرة إلى الرأي بين الفريقين لم يكن هو السبب الوحيد فيما شجر بينهما من خصومة، بل كانت هناك عوامل أخرى أضرمت الصراع وزادت مِنْ حِدَّتِهِ، ومن أبرز هذه العوامل: المعاصرة، وزحف الموالي إلى الصدارة العلمية.
ومعلوم أن التنافس بين المعاصرين قد يدفع إلى الإسراف في النقد، والجور في الحكم، وقد جمع ابن عبد البر أخبارًا في ذلك (2)، وَبَيَّنَ أنه «لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ العُلَمَاءِ فِي بَعْضٍ».
وكانت العلاقة بين الشعبي وإبراهيم خاضعة لهذا العامل متأثرة به، قَالَ الْأَعْمَشُ: «كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ فَذَكَرُوا إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إِلَيْنَا لَيْلًا وَيُحَدِّثُ النَّاسَ نَهَارًا، [قَالَ]: فَأَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: [ذَاكَ يُحَدِّثُ] عَنْ مَسْرُوقٍ، وَاللَّهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ» (3).
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 2/ 159.
(2) انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 150، 163.
(3) انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 154.
(1/49)

هذه العلاقة المتوترة بين العالمين الجليلين لم يكن سببها اختلاف المنهج العلمي فقط، بل انضم إلى ذلك التنافس، الذِي سَبَّبَ الجفوة والتهاتر بين هذين المتعاصرين، دون أن يؤثر في الحقيقة على مكانة أحدهما، لا عند الناس ولا عند صاحبه: فالشعبي كان حسن الظن بإبراهيم، مُثنِيًا عَلَيْهِ، معترفًا بفضله، على الرغم مما كان بينهما، يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ إِبْرَاهِيمَ - وَكَانَ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً مَخَافَةَ الحَجَّاجِ: «لَوْ قُلْتُ أَنْعِي العِلْمَ مَا خَلَّفَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّهُ نَشَأَ فِي أَهْلِ بَيْتِ فِقْهٍ، فَأَخَذَ فِقْهَهُمْ ثُمَّ جَالَسَنَا، فَأَخَذَ صَفْوَ حَدِيثِنَا إِلَى فِقْهِ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ؟، وَالعَجَبُ مِنْهُ حِينَ يُفَضِّلُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَلَى نَفْسِهِ» (1) وَقَالَ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «دَفَنْتُمْ أَفْقَهَ النَّاسِ» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ: «وَمِنَ الحَسَنِ؟» فَقَالَ: «أَفْقَهُ مِنَ الحَسَنِ، وَمِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الحِجَازِ» (2).
وإذا كانت المعاصرة واختلاف النظر في تناول الفتوى سببًا فيما كان بين الشعبي وإبراهيم فقد أضيف إلى هذين العاملين عامل ثالث ظاهر على إساءة العلاقة بين الشعبي وحماد (3) الذِي خَلَفَ إبراهيم في حلقته، وهو كون حماد من الموالي. يشير إلى ذلك ما قاله الشعبي مُعْرِضًا بحماد، عندما
__________
(1) " حلية الأولياء ": 4/ 220، 221.
(2) " حلية الأولياء ": 4/ 220، 221.
(3) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، يُكَنَّى أبا إسماعيل، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، توفي سنة 120 ه (" الطبقات " لابن سعد: 6/ 231، 232). ونظر بعضهم إلى الرأي كأنه بدعة وحاول أَنْ يُحَمِّلَ المَوَالِي وِزْرَ العَمَلِ بِهِ فزعم أن الذين ابتدعوا الرأي ثلاثة كلهم من أبناء سبايا الأمم: وهم ربيعة بالمدينة، عُثْمَانُ [الْبَتِّيُّ] بالبصرة وأبو حنيفة بالكوفة. انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 147، 148.
(1/50)

سأله أبو حنيفة عن مسألة فأجابه الشعبي: «مَا يَقُولُ فِيهَا بَنُو اسْتِهَا» - يَعْنِي المَوَالِي - (1).
وكثيرًا ما كان الشعبي وحماد يتناظران، وكثيرًا ما كانت الغلبة في هذه المناظرات لحماد، فيزداد الصراع وتحتدم الخصومة: رَوَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ، وَحَمَّادًا تَمَارَيَا فِي شَيْءٍ إِلَّا غَلَبَهُ حَمَّادٌ إِلَّا هَذَا، سُئِلَ عَنْ القَوْمِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَهُمْ حُرُمٌ فَقَالَ حَمَّادٌ: " عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ "، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: " أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلُوا رَجُلًا أَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ؟ " فَظَهَرَ عَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ» (2).
إِنِّي أُرَجِّحُ أَنَّ أكثر ما رُوي عن الشعبي في ذم الرأي والقياس كان بعد وفاة إبراهيم، وتصدر حماد للفتوى، وتفوقه عليه بما أتقنه وَتَمَرَّسَ بِهِ من الأسلوب العقلي، وكثرة المساءلة التي ضاق بها الشَّعْبِيِّ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَنَزَلَتْ عَامَّةُ القُرْآنِ " يَسْأَلُونَكَ يَسْأَلُونَكَ "» (3).
إن ما تقدم يفسر لنا سبب ضيق الشعبي بحماد وأصحابه حتى أنه لما دخل المسجد فوجد حَمَّادًا وَالحَكَمَ (4) وَأَصْحَابَهُمَا، ولهم أصوات وضوضاء بسبب احتدام المناقشة بينهم - كره أن يقعد بالمسجد ورجع إلى داره وقال: «وَاللهِ لَقَدْ بَغَّضَ إِلَيَّ هَؤُلاَءِ هَذَا المَسْجِدَ حَتَّى تَرَكُوهُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي» (5).
__________
(1) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 175.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 87.
(3) " سنن الدارمي ": 1/ 66.
(4) هو الحكم بن عتيبة كان يكنى أبا عبد الله وكان مولى لكندة، قَالَ مَعْمَرٌ: «كَانَ الزُّهْرِيُّ فِي أَصْحَابِهِ مِثْلَ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في أَصْحَابِهِ ... وَكَانَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ثِقَةً فَقِيهًا عَالِمًا [عَالِيًا رَفِيعًا] كَثِيرَ الحَدِيثِ» (*)، توفي سنة 135 ه. انظر " الطبقات ": 6/ 231.
(5) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 175.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الطبقات الكبرى " لابن سعد (ت 230 ه)، تحقيق محمد عبد القادر عطا، 5/ 353 و 6/ 324، الطبعة الأولى: 1410 ه - 1990 م، دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
(1/51)

ولم تكن هذه الخصومة المسببة عن زحف الموالي إلى مكان الصدارة العلمية - أو الناتجة عن التنافس بين المتعاصرين - مقصورة على العراق بل وجدت نماذج لها في الحجاز أيضًا، يُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لابْنِ شِهَابٍ: «" تَرَكْتَ الْمَدِينَةَ وَلَزَمْتَ شَغْبًا وَإِدَامًا - موضعان قرب المدينة - وَتَرَكْتَ العُلَمَاءَ بِالمَدِينَةِ يَتَامَى "، فَقَالَ: " أَفْسَدَهَا عَلَيْنَا العَبْدَانِ، رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ "» (1).
وكان هذا التنافس نفسه بين العرب والموالي سببًا فيما كان من خصومة بين سعيد بن المسيب وعكرمة (2).
ولعلنا أطلنا هنا بعض الشيء، لنوضح طبيعة مدرسة العراق في القرن الأول، ونزيل ما علق بالأذهان من قلة الحديث أو إهماله في هذه المدرسة، وبذلك يتضح أن الخصومة بين أهل الحجاز وأهل العراق لم تكن بسبب استعمال أهل المدينة للحديث وإهمال أهل العراق له، ولم تكن بسبب استعمال الرأي في العراق وتجنب أهل الحجاز له ولكن التنافس الإقليمي هو منشؤها.
كما يتضح أيضًا أن ذم النصيين للمُقلين أو لأسلوبهم، في المدرستين أو في غيرهما، لم يكن بسبب إهمال الحديث أو استعمال القياس: - فالشعبي - مع ما روي عنه في ذم القياس، حتى كانت أقواله مستند الذامين له وللرأي بعد ذلك - لم يكن من المتجنبين للقياس، بل كان كثيرًا ما يستعمله، كما يقول هو نفسه: «أَنَا نَأْخُذُ فِي زَكَاةِ البَقَرِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينِ بِالمَقَايِيسِ» (3)، وقال ابن أبي حاتم: «سُئِلَ أَبِي عَنْ الفَرَائِضِ التِي رَوَاهَا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، فَقَالَ: هَذَا عِنْدِي مَا قَاسَهُ الشَّعْبِيُّ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، وَمَا أَرَى
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 2/ 152، 153.
(2) انظر المصدر السابق؛ و " المُحَلَّى ": 8/ 17.
(3) انظر المصدر السابق: 8/ 66.
(1/52)

عَلِيًّا كَانَ يَتَفَرَّغُ لِهَذَا» (1).
وقد لاحظ ابن عبد البر التناقض الظاهر بين ما أثر عن الشعبي في ذم القياس وما روي عنه من استعماله والإفتاء بمقتضاه، وذهب في دفع هذا التناقض، إلى أن الشعبي إنما كان يذم القياس المبني على غير الأصل (2)، ولعل فيما قدمناه ما يوضح الجانب النفسي الذي صدر عنه ما أثر عن الشعبي في ذم القياس والرأي.
وإبراهيم النخعي - على الرغم من تناوله للرأي وكثرة استخدامه للقياس لم يكن يجهل السُنَّةَ أو يهمل استخدام الحديث، بل إنه أخذ صفو الحديث، كما سبق عن الشعبي، وكان بصيرًا بنقده، عالمًا بوجوه علله، يَقُولُ الْأَعْمَشُ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَيْرَفِيَّ الحَدِيثِ، فَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ الحَدِيثَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» (3) وقال أيضًا: «مَا ذَكَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ حَدِيثًا قَطُّ إِلَّا زَادَنِي فِيهِ» (4). ولكنه مع هذا العلم بالحديث والدراية بنقده لم يكن يرغب في الاشتغال بالرواية، تَوَرُّعًا وَخَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ، قِيلَ لَهُ: «" [يَا أَبَا عِمْرَانَ] أَمَا بَلَغَكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلّى الله عليه وسلم -[تُحَدِّثُنَا]؟ "، قَالَ: " بَلَى وَلَكِنْ أَقُولُ: قَالَ عُمَرُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَقَالَ الْأَسْوَدُ، أَجِدُ ذَاكَ أَهْوَنَ عَلَيَّ» (5). وسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ فَقَالَ: «" أَلَا تُحدِّثُنَا؟ " فرَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " [تُرِيدُ] أَنْ أَكُونَ مِثْلَ فُلانٍ؟ ائْتِ مَسْجِدَ الحَيِّ، فَإِنْ جَاءَ إِنْسَانٌ يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ فَسَتَسْمَعُهُ» (6).
__________
(1) " تهذيب التهذيب ": 5/ 67.
(2) انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 60.
(3) " حلية الأولياء ": 4/ 220.
(4) " الطبقات ": 6/ 189.
(5) " الطبقات ": 6/ 190.
(6) " الطبقات ": 6/ 190.
(1/53)

والذي نخلص إليه في عرضنا للقرن الأول الهجري أن فقهاء الحجاز وفقهاء العراق لم تكن الفجوة بينهما واسعة أو عميقة، وأنهما لذلك لم ينقسما - ولا كل منهما - إلى أهل حديث وأهل رأي، لكن الخلافات السياسية التي اجتاحت العالم الإسلامي آنذاك هي التي تظاهرت مع الفرق الدينية والمذاهب المتطرفة، على وصم العراق بالبدعة، ووصفه باتباع الرأي والهوى في مجال العقيدة، وألقى ذلك ظلالاً قائمة على فقه العراق، فسرت كراهية الرأي في العقيدة إلى الرأي في الفقه، ووقف منه كثير من العلماء موقف الحذر والاتهام.

فِي القَرْنِ الثَّانِي:

فإذا تركنا القرن الأول - هذا القرن الحيوي البناء، الذي شيدت فيه دولة الإسلام، وفقه الإسلام، وتكونت فيه المدارس الفقهية في كثير من الأمصار - إذا جاوزنا هذا القرن وعبرنا التاريخ إلى القرن الثاني، فسوف نشهد نهضة فقهية عظيمة، وحركة علمية نشيطة، أكل فيها البناء، وتميزت المدارس الفقهية، واتسعت قاعدتها من طلاب العلم، وأقبل الناس على الفقه يعرضون عليه عاداتهم ومعاملاتهم، ويستنبئونه عن الحكم في كل جديد يعرض لهم.
فماذا كان من أمر المدرستين في هذا القرن؟ وهل تميز فيه أهل الحديث من أهل الرأي؟

قد يمكن تلخيص معالم المدرستين في القرن الثاني فيما يلي:
أ - زادت حِدَّةُ التنافس الإقليمي، وأصبح الشعور بالانتماء للمشيخة والتعصب لها أكثر عُمْقًا وأشد اعتزازًا. وإذا كانت الطبقة القريبة الصلة بالصحابة من أعيان التابعين متسعة الإدراك في تفهم خلافات الصحابة، مرهفة الذوق في مسايرة روح التشريع، وهي مع ذلك معتزة بمشيختها
(1/54)

مفضلة علمها على علم غيرها، كما سبق، إذا كان ذلك كذلك بالنسبة للتابعين، فليس مستغربًا ممن يجيء بعدهم من طبقات أن يكون أكثر اعتزازًا، وأشد استمساكًاً وَتَشَبُّثًا بشيوخهم، وبخاصة أنهم قد بعدوا عن مسرح الأحداث الإسلامية الأولى، وتلقوها من طريق معين، وتفهموها من وجهة نظر خاصة، هي طريق الشيخ ونظر الشيخ، والثقة والاعتزاز بالشيوخ تحمل على ترجيح رأيهم في موطن الخلاف، كما تحمل على تجسيم هذا الخلاف وإعطائه أهمية لم تكن له عند من سبقهم، وقد ينتج عن ذلك تنقص أقدار أو آراء المخالفين.
فَالزُّهْرِيُّ، مَثَلاً، كَانَ يُضَعِّفُ عِلْمَ أَهْلِ العِرَاقِ إِذَا ذُكِرُوا عِنْدَهُ، فلما قيل له إن بالكوفة من يروي أربعة آلاف حديث - يقصدون الأعمش - وجاءوه ببعض حديثه، قال بعد أن اطلع عليه: «وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ، وَمَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ بِالعِرَاقِ [وَاحِدًا] يَعْلَمُ هَذَا» (1).
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ عَنْ أَهْلِ العِرَاقِ فَقَالَ: «أَنْزِلُوهُمْ [عِنْدَكُمْ] بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الكِتَابِ لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} [العنكبوت: 46]»، وقد حدث أن دخل عليه محمد بن الحسن وهو يقول هذه العبارة، فاستحيا مالك منه، واعتذر له بقوله: «كَذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ» (2).
أَمَّا حَمَّادُ بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ العِرَاقِيُّ، فَقَدْ قَالَ عَنْ عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الحِجَازِ فَقَالَ: «قَدْ سَأَلْتُهُمْ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَاللَّهِ لَصِبْيَانُكُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بَلْ صِبْيَانُ صِبْيَانِكُمْ»، قَالَ مُغِيرَةُ رَاوِي هَذِهِ العِبَارَةِ بِقَوْلِهِ: «هَذَا بَغْيٌ [مِنْهُ]». ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «صَدَقَ مُغِيرَةُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - وَهُوَ أَقْعُدُ النَّاسِ بِحَمَّادٍ - يُفَضِّلُ عَطَاءً عَلَيْهِ» (3).
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 3/ 34.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 157.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 152.
(1/55)

وقصة أبي حنيفة مع الأوزاعي تعطينا صورة واضحة من هذا العمق في الانتماء وتوضح مدى الاعتزاز بالشيوخ والعصبية لهم.
فَقَدْ اجْتَمَعَ الأَوْزَاعِيُّ بِأَبِي حَنِيفَةَ فِي مَكَّةَ، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «مَا بَالُكُمْ لاَ تَرْفَعُونَ أَيْدِيكُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ؟»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْءٌ»، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «كَيْفَ وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَلاَةِ، ثُمَّ لاَ يَعُودُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ». فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَتَقُولُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ، وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَ لابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ أَوْ لَهُ فَضْلُ صُحَبَةٍ، فَالأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَعَبْدُ اللهِ هُوَ عَبْدُ اللهِ، فَسَكَتَ الأَوْزَاعِيُّ» (1).
وهذه القصة - فوق دلالتها على اعتزاز كل من الإمامين بالمدرسة التي نشأ فيها وتلقى عنها - تُوضِّحُ لنا كيف أن الخلافات البسيطة المروية عن مدارس التابعين أصبحت أكثر عُمْقًا وأشد اتساعًا، فالمناظرة قد حدثت في جزئيات لم تكن تثير شيئًا من الاهتمام وفي الطبقات التي قبلها، والتي كانت أكثر تسامحًا وأوسع صدرًا في تقبل الخلاف وهذه الجزئيات، ولعلهم كانوايفهمون أن كِلَا العملين جائز، وللمصلي أن يفعل أيهما بدون نكير.
ب - وكنتيجة لهذا الانتماء والتعصب الذي زاد من حدته طول السلسلة
__________
(1) " الفكر السامي ": 2/ 99، 100؛ و " مناقب أبي حنيفة " للموفق: 1/ 131؛ و " المناقب " [للكردري] (*): 1/ 174.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) ورد كذلك في صفحتي 71، 660 من هذا الكتاب (الكردي) والصواب (الكردري) وهو الشيخ الإمام حافظ الدين بن محمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي (ت 827 ه) صاحب " فتاوى البزازية " و" مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة " طبع على هامش " مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة " للموفق المكي، حيدر آباد الدكن سنة 1321 ه.
(1/56)

وبعد الطريق من الصحابي، بدأت تتكون المذاهب الفقهية حتى تميز من بينها في نهاية هذا القرن المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، ثم المذهب الشافعي. وكل من المذهبين الحنفي والمالكي يعتبر امتدادًا للمرحلة السابقة في بيئته، وعملها لا يعدو أن يكون جمعًا للفتاوى والآراء والآثار التي ورثها كل منهما عن مشيخته، والذين ورثوها بالتالي عمن سبقهم، ثم الإفتاء في الوقائع التِي تّجِدُّ، إما بالتخريج على الأقوال السابقة وإما بمراعاة الأصول في التشريع.
وإذا كان " الدهلوي " يعتبر أبا حنيفة مُقَلِّدًا فِي الفِقْهِ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ - الوارث فقه أصحاب ابن مسعود -، ويكاد ينحصر إنتاجه فيه في التخريج على أقوال إبراهيم، ودقة النظر في هذا التخريج (1) فإن مالكًا في كثير من مسائله يبدو مُقَلِّدًا لمن سبقه من فقهاء المدينة من صحابة وتابعين، بدليل أن مالكًا قال في " موطئه ": «إِنْ كَانَ فِي كِتَابِي حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَرَأْيًا هُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ المَدِينَةِ لَمْ أَخْرُجْ عَنْهُمْ» (2).
وَالمُطَّلِعُ عَلَى " المُوَطَّأِ " يُلَاحِظُ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ، حَتَّى إِنَّ الإِمَامَ مَالِكًا لَيُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ تَقْدِيرِيَّةٍ، فَيُجِيبُ عَنْهَا، حَتَّى يُخَيَّلُ لِلْقَارِئِ أَنَّ الإِجَابَةَ مِنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، لَوْلَا أَنَّهُ يُعَقِّبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: «وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ» (3).
وقد لاحظ ذلك الأستاذ أمين الخولي - رَحِمَهُ اللهُ -، «فقرَّرَ أنَّ مَالِكًا مُتَّبِعٌ
__________
(1) انظر: " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ": ص 26، 27 وعبارته: «وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَلْزَمَهُمْ بِمَذْهَبِ إِبْرَاهِيمَ وَأَقْوَالِهْ، لَا يُجَاوِزُهُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى مَذْهَبِهِ دَقِيقَ النَّظَرِ فِي وُجُوهِ التَّخْرِيجَاتِ ...».
(2) " مالك "، لأمين الخولي: 3/ 546.
(3) انظر: " الموطأ ": 3/ [52]، 533، 552، 553، 557.
(1/57)

مُسْرِفٌ فِي الاتِّبَاعِ، بِحَيْثُ يُخَيَّلُ لِلْبَعْضِ أَنَّهُ مُقَلِّدٌ» (1).
وليس معنى نشوء هذين المذهبين في القرن الثاني أنهما قد استوعبا كل المجتهدين، بل وجد معهما كثير من المجتهدين الذين كانت لهم آراؤهم الخاصة، وقد نجح بعضهم في أن يكون له تلاميذ قاموا بمذهبه فترة من الزمن، ويستوي في ذلك العراق والحجاز وغيرهما من الأمصار (2).
ج - مازالت المدرستان تستخدمان الرأي في استنباطهما الفقهي. ومن الخطأ أن نتصور أن الإمام مالكًا لم يستعن بالرأي عند الحاجة إليه. وإذا لم يكن الرأي غريبًا على مدرسة المدينة منذ نشأتها - كما سبق عن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب، وربيعة، فإنه ليس بمستغرب أن يرث مالك هذا المنهج الاجتهادي، الذي لا يستنكف من إعمال العقل، وإبداء الرأي ومراعاة المصلحة ومسايرة روح التشريع، وَقَدْ سُئِلَ أَبُو الأَسْوَدِ (*): «مَنْ لِلْرَّأْيِ بَعْدَ رَبِيعَةَ بِالمَدِينَةِ؟»، فَيُجِيبُ بِقَوْلِهِ: «الغُلَامُ الأَصْبَحِيُّ - يَعْنِي مَالِكًا - ثُمَّ يعده ابن رشد أمير المؤمنين في الرأي والقياس» (3).
ولقد وجدنا ابن قتيبة في كتابه " المعارف " يعد مالكًا من أصحاب الرأي. ولعله نظر إلى إكثار مالك من الرأي، وإن كان العالم في الحديث الذي عد في الرعيل الأول من رجاله. وبذلك تنهار النظرية التي تقرر أن سبب الإكثار من الرأي هو قلة العلم بالحديث، فما كان علم مالك بالحديث قليلاً، بل كان كثيرًا ولكن الحوادث التي وقعت، والمسائل التِي سُئِلَ فيها كانت أكثر بقدر كبير جدًا. فكان لا بد من الرأي، ولا بد من الإكثار
__________
(1) انظر: " مالك "، للخولي: 2/ 692 وما بعدها.
(2) كالثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر.
(3) " مالك "، للخولي: 3/ 641.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ أَبُو الأَسْوَدِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ، ابْنُ عَمِّ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ عُرْوَةُ قَدْ حَضَنَهُ وَرَبَّاهُ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: يَتِيمُ عُرْوَةَ، وَهُوَ مِنْ جِلَّةِ شُيُوخِ مَالِكٍ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِصْرَ.
انظر " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء مالك والشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهم - "، لابن عبد البر (ت 463 ه)، اعتنى به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - بَابُ قَوْلِ أَبِي الأَسْوَدِ شَيْخِ مَالِكٍ فِيهِ، ص 59، الطبعة الأولى: 1417 ه - 1997 م، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب - سوريا. وانظر أيضًا: " شيوخ مالك بن أنس "، لابن خلفون (ت 636 ه)، تحقيق أبي عبد الباري رضا أبو شامة الجزائري: ص 225، ترجمة رقم 26، الطبعة الأولى: 1425 ه - 2004 م، مكتبة أضواء السلف. الرياض - المملكة العربية السعودية.
(1/58)

منه ما دام يُفتي ويستفتى (1).
ونقل عن مالك أنه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ. فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي: فَكُلَّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ , وَكُلَّ مَا لَمْ يُوَافِقِ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , فَاتْرُكُوهُ» (2).
وَيُبيِّنُ الإمام مالك أهل الرأي من شيوخه، فَيَقُولُ: «قَالَ لِي ابْنُ هُرْمُزَ: " لَا تُمْسِكْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ مِنِّي مِنْ هَذَا الرَّأْيِ؛ فَإِنَّمَا افْتَجَرْتُهُ أَنَا وَرَبِيعَةُ فَلَا تُمْسِكْ بِهِ» (3).
وبهذا يتضح أن الرأي لم يكن مقصورًا على المذهب الحنفي. والحق أنه ما وجد فقه فالرأي لازم له، اعترف بهذا أهل الحديث أنفسهم، مما يدل على أن الرأي في هذا القرن كان يستعمل من غير نكير.
«فَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَهِ بْنُ المُبَارَكِ: مَتَى يُفْتِي الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: " إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ، بَصِيرًا بِالرَّأْيِ "» (4).
ويقول ابن المبارك أيضًا: «إِنْ كَانَ الأَثَرُ قَدْ عُرِفَ وَاحْتِيجَ إِلَى الرَّأْيِ، فَرَأْيُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَحْسَنُهُمْ، وَأَدَقُّهُمْ فِطْنَةً، وَأَغْوَصُهُمْ عَلَى الفِقْهِ وَهُوَ أَفْقَهُ الثَّلَاثَةِ» (5).
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: «إِنَّا لَا نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى، كُلُّنَا يَرَى، وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
__________
(1) " مالك "، للشيخ أبو زهرة: 22، 23؛ وانظر " المعارف ": ص 170.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 33.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 33. وقد زدنا في آخر كلمة ابن هرمز «به» لأن المعنى يقتضيها.
(4) " الاحتجاج بالسنة "، للسيوطي: ورقة 3، ب؛ و " إعلام الموقعين ": 1/ 53 حيث روى ابن القيم هذه العبارة عن ابن المبارك ويحيى بن أكثم؛ ثم عقَّب بقوله: «يُرِيدَانِ بِالرَّأْيِ: القِيَاسَ الصَّحِيحَ، وَالمَعَانِيَ وَالعِلَلَ الصَّحِيحَةَ ...».
(5) " تاريخ بغداد: 3/ 343.
(1/59)

فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (1).
ويسأل الإمام أحمد بن حنبل عمن يريد أن ينظر في الرأي، ورأي من ينظر؟ فيقول: «رَأْيُ مَالِكٍ» (2).
كلا المذهبين يستعين بالرأي في اجتهاده إذن، غاية الأمر أن منهجهما في هذا الرأي مختلف: فالمذهب الحنفي يلجأ إلى القياس لاستخراج الحكم فيما لا نص فيه، على حين يتجه المذهب المالكي إلى تعرف المصلحة فيما يرد عليه من مسائل ليس فيهما قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ.
ولعل البيئة والثقافة لهما تأثير ظاهر في اتجاه المذهبين في استنباط حكم ما وجد من الأحداث، مما لا تتناوله النصوص بطريق مباشر: فالعراقيون بعامة حيث تعددت وتنوعت منابع الثقافة عندهم، من الكتب المترجمة والفلسفات المتنوعة، وحيث كثرت عندهم المناظرات العقلية .. وأبو حنيفة بخاصة، حيث اشتغل بعلم الكلام حتى غلبت عليه الثقافة الكلامية (3)، كان لا بد أن ينطبع فقههم بطابع استخراج العلل، وتعميم الأحكام وربط الفروع بعضها ببعض.
وقد أعانت أبا حنيفة كثرة الفروع في زمنه على تطبيق منهجه العقلي، فكل جيل كان يحفظ المسائل التي كانت قبله، ويضيف إليها مَا جَدَّ مِنْ فُرُوعٍ ثم يسلم هذه الحصيلة إلى الجيل التالي له، ليصنع فيها مثل هذا الصنيع،
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة: ص 62.
(2) " مالك " للخولي: ص 641.
(3) انظر " ضحى الإسلام ": 2/ 179 وفيها عن أبي حنيفة: «كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الكَلَامِ حَتَّى بَلَغْتُ فِيهِ مَبْلَغًا يُشَارُ إِلَيْهِ فِيهِ بِالأَصَابِعِ». ويروى عنه أنه قال: «كُنْتُ رَجُلاً أُعْطِيتُ جَدَلاً فِي الكَلَامِ فَمَضَى دَهْرٌ فِيهِ أَتَرَدَّدُ وَبِهِ أُخَاصِمُ، وَعَنْهُ أُفَاضِلُ». وانظر " مناقب أبي حنيفة " للموفق بن أحمد المكي: 1/ 55، 56.
(1/60)

فيثري الفقه وبذلك وتكثر فروعه فإذا صادفت هذه الحصيلة المثرية من الفروع عقلية قياسية كعقلية أبي حنيفة، اتجهت فورًا إلى تجميع هذه الفروع وربطها ما أمكن بقواعد عامة.
أما المدنيون حيث لم تتعقد الحياة عندهم، وحيث العرف الإسلامي هو الشائع الغالب على مجتمعهم وحيث كانوا بعيدين عن الثقافات الأجنبية المستوردة، فقد بعدوا عن استعمال المقاييس الضابطة، واتجهوا إلى مراعاة المصلحة والعرف، في الغالب الأعم.
هذا الاختلاف في تناول الرأي كان أحد مظهرين مَيَّزَا بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ وفارقا بين الاتجاهين.
أما المظهر الآخر فهو الفقه التقديري، أو فرض المسائل وتقدير الوقائع وهو نتيجة لاستعمال القياس والإكثار منه، حيث يصبح الفقه التقديري ميدانًا لتطبيق الأقيسة، ومجالاً لاختبار العلل.
وقد أصبحت ظاهرة فرض الفروض وتفريع المسائل من أهم خصائص الفقه العراقي في القرن الثاني وَعَمَّتْ شهرته بذلك الآفاق، حتى إن الإمام مالكًا يرشد من قد يكون عنده هذا الاتجاه من تلاميذه إلى أن يذهب إلى العراق، فيُرْوَى أَنَّ أسد بن الفرات عندما ذهب إلى مالك أخذ يلقي عليه المسائل يَتَعَرَّفُ أَحْكَامَهَا، حتى عرف مالك فيه رغبته في التفريع، فأوصاه بأن يذهب إلى العراق، فقد سأل مالكًا يومًا عن مسألة فأجابه، ثم أخرى فأجابه، ثم أخرى فأجابه، وقال له: «حَسْبُكَ يَا مَغْرِبِيُّ إِنْ أَحْبَبْتَ الرَّأْيَ فَعَلَيْكَ بِالعِرَاقِ»، فارتحل إلى محمد بن الحسن، ولا شك أن هذه الرواية تدل على إخلاص أولئك العلماء في طلب الحقيقة وحسن إرشادهم لتلاميذهم، فإنه لما رأى مالك فيه نزعة الفرض والتفريع وأن ذلك يحسن عند العراقيين أرشده إليه مخلصًا (1).
__________
(1) انظر " مالك "، لأبي زهرة: ص 236، 249.
(1/61)

ويستنبط من إجابة مالك لسائله مرة بعد أخرى، أنه لَمْ يَكُنْ يَتَجَنَّبُ فَرْضَ المَسَائِلِ وإن كان لا يكثر منها بل كان يرى أن تفريغ المسائل مما يمدح به وأن الفقه فيه مقصور على أهل المدينة والكوفة، فَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يُخَالِفُونَكَ فِيهَا ... فَقَالَ: «وَمَتَى كَانَ هَذَا الشَّأْنُ بِالشَّامِ؟ إِنَّمَا هَذَا الشَّأْنُ وَقْفٌ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ وَالكُوفَةِ» ويُعلِّقُ ابن عبد البر بقوله: «لِأَنَّ شَأْنَ المَسَائِلِ بِالكُوفَةِ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ» (1).
ولا شك أنَّ أبا حنيفة لم يبتدع فرض المسائل، بل كانت موجودة قبل ذلك بدلالة أقوال الصحابة والتابعين في كراهتها مما سنتناوله بعد قليل ولكن أبا حنيفة هو الذي أكثر منها. يقول الحجوي: «أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ الذِي تَجَرَّدَ لِفَرْضِ المَسَائِلِ وَتَقْدِيرِ وُقُوعِهَا وَفَضِّ أَحْكَامِهَا، إِمَّا بِالقِيَاسِ عَلَى مَا وَقَعَ، وَإِمَّا بِانْدِرَاجِهَا فِي العُمُومِ مَثَلاً، فَازْدَادَ الفِقْهُ نُمُوًّا وَعَظَمَةً، وَصَارَ أَعْظَمَ مِنْ ذِي قَبْلٍ بِكَثِيرٍ. قَالُوا: إِنَّهُ وَضَعَ سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ، وَقِيلَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ» (2). ولذلك قال خصومه مُشنِّعِينَ عَلَيْهِ: «[هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَأَجْهَلُهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ]» (3) (*).
وذكر ابن عبد البر عن ابن جرير الطبري «أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ تَحَامَوْا حَدِيثَ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ الرَّأْيِ وَتَفْرِيعِهِ الفُرُوعَ وَالمَسَائِلَ فِي الأَحْكَامِ» (4).
والفقه التقديري كان منار خلاف بين العلماء، والكارهون له هم امتداد لمن كرهه من الصحابة والتابعين.
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 2/ 158.
(2) " الفكر السامي ": 2/ 127.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 145.
(4) انظر " الانتقاء ": ص 173.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع، ورد «إِنَّهُ أَجْهَلَ النَّاسِ بِمَا كَانَ وَأَعْلَمَهُمْ، بِمَا لَمْ يَكُنْ»، والصواب ما أثبته.
انظر " جامع بيان العلم وفضله "، لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 2/ 1073، حديث رقم 2087، الطبعة الأولى: 1414 ه - 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. وخصم أبي حنيفة كما ذكره ابن عبد البر: رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ.
(1/62)

وقد استند الكارهون له إلى قول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (1) كما استدلوا بما رواه " مسلم " عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ». قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» التَّكْثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ فِي المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ تَنَطُّعًا وَتَكَلُّفًا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ (2). كما استدلوا بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ الله فَرَضَ أَشْيَاءَ فَلاَ تُضَيِعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا». رواه أحمد وغيره (3).
وقوى من كراهية فرض المسائل في نفوس هؤلاء العلماء عبارات لبعض السلف رويت عنهم في كراهة السؤال عما لم يكن؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنُ عُمَرَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ» (4).
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، «كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قَدْ كَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالذِي يَعْلَمُ
__________
(1) [المائدة: 101]. وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا رَوَاهُ " البُخَارِيُّ " وَ " مُسْلِمُ " عَنْ أَنَسٍ مِنْ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، أَوْ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ السُّؤَالِ عَنِ الَحجِّ: أَفِي كُلِّ عَامٍ هُوَ؟ فَقَالَ الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ». أَوْ سَأَلُوا عَنْ أُمُورِ الجَاهِلِيَّةِ التِي عَفَا اللَّهُ عَنْهَا، أَوْ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ سَأَلُوا عَنْ البَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ. وَعَقَّبَ القُرْطُبِيُّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِقَوْلِهِ: «وَفِي الصَّحِيحِ وَالمُسْنَدِ كِفَايَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْجَمِيعِ»، انظر " تفسير القرطبي ": 6/ 330.
(2) " تفسير القرطبي ": 6/ 332.
(3) " الفكر السامي ": 2/ 128.
(4) " سنن الدارمي ": 1/ 51.
(1/63)

وَالذِي يَرَى، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: " فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ "» (1)، وَسُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ، تَجَشَّمْنَاهَا لَكُمْ» (2).
«وَسُئِلَ طَاوُوسُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: " كَانَ هَذَا؟ "، قُلْتُ: " نَعَمْ "، قَالَ: " آللَّهِ ". قُلْتُ: " آللَّهِ "». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعْجَلُوا بِالبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَيُذْهَبُ بِكُمْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، لَمْ يَنْفَكَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ، سُدِّدَ، وَإِذَا قَالَ، وُفِّقَ "» (3).
أما من يرون جواز تقدير المسائل، والبحث عن أحكامها فقد استدلوا بحديث الصحيح عن المقداد بن الأسود: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ. أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا أَفَأَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التِي قَالَ». ففي الحديث لم ينهه عن فرض مسألة، بل أجابه وبَيَّنَ لَهُ الحُكْمَ، فدل على الجواز (4).
وأجابوا عن آية {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]: بأنَّ هناك شرطًا {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فمفهومه: إن لم تكن مساءة في إبدائها فلا نهي، يقول ابن العربي: «اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الغَافِلِينَ تَحْرِيمَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُصَرِّحَةٌ
__________
(1) " سنن الدارمي ": 1/ 51.
(2) " سنن الدارمي ": 1/ 51.
(3) " سنن الدارمي ": 1/ 49.
(4) " الفكر السامي ": 2/ 129.
(1/64)

بِأَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ فِيمَا تَقَعُ [الْمَسَاءَةُ] فِي جَوَابِهِ، وَلَا [مَسَاءَةَ] فِي جَوَابِ نَوَازِلِ الْوَقْتِ فَافْتَرَقَا» (1).
ويلحظ ابن عبد البر أن النهي عن السؤال في الآية كان خوفًا من أن ينزل بسببه تحريم أو تشديد أو عقوبة، لكن السؤال اليوم لا يخشى أن ينزل بسببه تحريم أو تحليل (2). وأما حديث المغيرة بن شعبة الذي فيه نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كثرة السؤال، فالمراد منه النهي عن سؤال الناس أموالهم وحاجاتهم إلحاحًا واستكثارًا.
وقد خص هؤلاء كراهية السؤال بما لا ينتج عِلْمًا وَلَا فِقْهًا، ولكنه على وجه التعنت والتكلف والإحراج، وقد ذكر ابن القيم أن المسألة إذا لم يكن فيها نص «فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةَ الوُقُوعِ أَوْ مُقَدَّرَةً لَا تَقَعُ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الكَلَامُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا غَيْرَ نَادِرٍ وَلَا مُسْتَبْعَدٍ، وَغَرَضُ [السَّائِلِ] الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِهَا لِيَكُونَ مِنْهَا عَلَى بَصِيرَةٍ إذَا وَقَعَتْ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَوَابُ بِمَا يَعْلَمُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ السَّائِلُ يَتَفَقَّهُ بِذَلِكَ وَيَعْتَبِرُ بِهَا نَظَائِرَهَا، وَيَقْرَعُ عَلَيْهَا، فَحَيْثُ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الجَوَابِ رَاجِحَةً كَانَ هُوَ الْأَوْلَى» (3).
وقد بين ابن رجب الحنبلي أن العلماء حيال المسائل المفروضة ينقسمون ثلاثة أقسام، ثم ذكر أن الطريقة المثلى في ذلك هي طريقة أحمد بن حنبل، يقول ابن رجب: «وَقَدْ انْقَسَمَ النَّاسُ فِي هَذَا أَقْسَامًا فَمِنْ أَتْبَاعِ أَهْلِ الحَدِيثِ مَنْ سَدَّ بَابَ المَسَائِلِ حَتَّى قَلَّ فِقْهُهُ وَعِلْمُهُ بِحُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَصَارَ حَامِلَ فِقْهٍ غَيْرَ فَقِيهٍ وَمِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الرَّأْيِ مَنْ تَوَسَّعَ فِي تَوْلِيدِ المَسَائِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، [مَا] يَقَعُ فِي العَادَةِ مِنْهَا وَمَا لَا يَقَعُ وَاشْتَغلُوا
__________
(1) " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي: 6/ 332.
(2) المصدر السابق: 6/ 333.
(3) " إعلام الموقعين ": 3/ 449.
(1/65)

[بِتَكْلِيفِ] الجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَكَثْرَةِ الخُصُومَاتِ فِيهِ وَالجَدَلِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ افْتِرَاقُ القُلُوبِ، وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا بِسَبَبِهِ الأَهْوَاءُ وَالشَّحْنَاءِ، وَالعَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ، وَيَقْتَرِنُ ذَلِكَ كَثِيرًا بِنِيَّةِ المُغَالَبَةِ، وَطَلَبِ العُلُوِّ وَالمُبَاهَاةِ، وَهَذَا مِمَّا ذَمَّهُ العُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ، وَدَلَّتْ السُنَّةُ عَلَى قُبْحِهِ وَتَحْرِيمِهِ: وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الحَدِيثِ العَامِلُونَ بِهِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ هَمِّهِمْ البَحْثُ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمَا يُفَسِّرُهُ مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَعَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، ثُمَّ الفِقْهَ فِيهَا وَتَفْهِيمِهَا وَالوُقُوفَ عَلَى مَعَانِيهَا، ثُمَّ مَعْرِفَةَ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ، وَمَسَائِلِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَأُصُولِ السُنَّةِ، وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ من أَهْلِ الحَدِيثِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَفِي مَعْرِفَةِ هَذَا شُغْلُ شَاغِلٍ عَنْ التَّشَاغُلِ بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الرَّأْيِ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَقَعُ، وَإِنَّمَا يُورِثُ التَّجَادُلَ فِيهِ الخُصُومَاتِ وَالجِدَالِ وَكَثْرَةِ القِيلِ وَالقَالِ» (1).
ولا أدري ما الفرق بين النوع الأول الذي ذمَّهُ والنوع الثالث الذي ارتضاه، فكلاهما لا يتجه إلى فرض المسائل، وهو موضوع الكلام، إذ ليس الكلام في حفظ المسائل، وهو موضوع الكلام، إذ ليس الكلام في حفظ المسائل وتفهُّمها، وإنما في فرضها والقدرة على استنباط أحكامها.
وعلى الرغم من أن الفقه التقديري كان هدفًا لحملات كثير من العلماء، وكان من أسباب الهجوم على أبي حنيفة ومدرسته، نراه قد اجتذب إليه بعد ذلك كثيرًا من العلماء، وَ «تَابَعَ أَبَا حَنِيفَةَ جُلُّ الفُقَهَاءِ بَعْدَهُ، فَفَرَضُوا المَسَائِلَ وَقَدَّرُوا وُقُوعَهَا، ثُمَّ بَيَّنُوا أَحْكَامَهَا» (2). والتقى الفقه المدني بالفقه
__________
(1) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ": 44، 45.
(2) " الفكر السامي ": 2/ 127.
(1/66)

العراقي في فرض المسائل بعد ذلك على يد أسد بن [الفرات] (*)، الذي أذهلته كثرة المسائل في العراق، فأراد أن يستخرج فتاوى مالك في مثل مسائلها، وذاكر أصحابه في ذلك، فما وجدوه منصوصًا عليه في المروي عن مالك ذكروه، وما لم يجدوا له فتوى رواها أصحاب مالك عنه اجتهدوا فيها بالقياس على ما أثر عن مالك (1).
وفي هذا القرن خُصَّ أبو حنيفة ومدرسته بأنهم أهل الرأي (2)، بحيث إذا أطلقت هذه العبارة على فرد أو جماعة فهم منها أن هذا الفرد أو هذه الجماعة ممن يتجه اتجاه أبي حنيفة في الفقه، وبسبب هذا الرأي تعرض أبو حنيفة لحملات كثيرة ووجهت إليه وإلى مدرسته انتقاداتٍ مُرَّةٍ، سواء من المدنيين، بدافع من العصبية للمشيخة والوطن، أَمْ مِنَ المُحَدِّثِينَ بدافع من اختلاف المنهج وطريقة التفكير، ثم كثرت المهاترات والاتهامات، وسجل الشعر جانبًا من هذه المعركة فقال شاعر كوفي يُفَضِّلُ أهل الكوفة على أهل المدينة في الفقه:
وَلَيْسَ يَعْرِفُ هَذَا الدِّينَ نَعْلَمُهُ ... إِلاَّ حَنِيفَةُ كُوفِيَّةَ الدُّرَرِ
لَا تَسْأَلَنَّ مَدِينِيًّا فَتُحْرِجُهُ ... إِلَّا عَنْ البَمِّ وَالمَثْنَاةِ وَالزِّيرِ
فأجابه رجل من أهل المدينة:
لَقَدْ عَجِبْتُ لِغَاوٍ سَاقَهُ قَدَرُ ... وَكُلُّ أَمْرٍ إِذَا مَا حُمَّ مَقْدُورُ
__________
(1) انظر " مالك " لأبي زهرة: 236، 249، ص 20.
(2) على الرغم من أن المُؤرخين يلاحظون أحيانًا أن الفقه لا بد له من اجتهاد وإعمال عقل، فيصفون كل مجتهد بأنه من أهل الرأي، كما فعل ابن قتيبة، إذ عَدَّ مالكًا والثوري والشافعي في جملة أهل الرأي (انظر " المعارف ": ص 169، 171) نجد أنهم عندما يطلقون الرأي ويهاجمونه يعنون بذلك أبا حنيفة ومدرسته كما فعل ابن قتيبة نفسه في هجومه على أهل الرأي بعد هجومه على أهل الكلام (انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص 62، 69).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (أسد بن موسى المرواني الأموي) الذي يلقب ب (أسد السنة) والصواب ما أثبته، فالذي يقصده المؤلف هو أسد بن الفرات، صاحب " الأسدية " وفاتح صقلية.
انظر " مالك " للشيخ أبي زهرة، ص 253، 254 طبع دار الفكر العربي، يوليو سنة 1952 م.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة متحدثا عن أسد بن الفرات: «... وَقَدْ جَمَعَ إِذَنْ أَسَدٌ بَيْنَ فِقْهِ العِرَاقِ، وَفِقْهِ المَدِينَةِ، وَقَرَأَ مَا جَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، كَمَا قَرَأَ " مُوَطَّأَ مَالِكٍ "، وَجَمَعَ مَسَائِلَهُ مِنْهُ ... لَقَدْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ لِكُتُبِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَمَا فِيهَا مِنَ الفُرُوضِ وَالمَسَائِلِ وَحُلُولِهَا، حَافِزًا لِأَنْ يَبْحَثَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحُلُولِ عَلَى وِفْقِ مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ لِيَجْتَمِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ حُكْمُ المَذْهَبِ فِي تِلْكَ المَسَائِلِ ...».
وانظر " المتفق والمفترق " للخطيب البغدادي (ت 463 ه) تحقيق الدكتور محمد صادق آيدن الحامدي، ترجمة رقم 232، 1/ 500، الطبعة الأولى: 1417 ه - 1997 م، دار القادري للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - دمشق.
(1/67)

قَالَ المَدِينَةُ أَرْضٌ لَا يَكُونُ بِهَا ... إلاَّ الغناء وَإِلَّا البَمُّ وَالزِّيرُ
لَقَدْ كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ بِهَا ... قَبْرُ الرَّسُولِ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَقْبُورُ (1)
ومدح شاعر أهل الرأي، مُبرِزًا أهم خصائصهم فقال:
إِذَا مَا النَّاسُ يَوْمًا قَايَسُونَا ... بِآبِدَةٍ مِنَ [الفُتْيَا] طَرِيفَهْ
أَتَيْنَاهُمْ بِمِقْيَاسِ صَحِيحٍ ... تِلَادٍ مِنْ طِرَازِ أَبِي حَنِيفَهْ
فأجابه مجيب من أصحاب الحديث:
إِذَا ذُو الرَّأْيِ خَاصَمَ عَنْ قِيَاسٍ ... وَجَاءَ بِبِدْعَةٍ هَنَةٍ سَخِيفَهْ
أَتَيْنَاهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِيهَا ... وَآثَارِ مُبَرَّزَةٍ شَرِيفَهْ
فَكَمْ مِنْ فَرْجِ مُحْصَنَةٍ عَفِيفٍ ... أُحِلَّ حَرَامُهَا بِأَبِي حَنِيفَهْ (2)
وكان من أبرز ما اتهم به أبو حنيفة هو أَنَّ القِيَاسَ عِنْدَهُ أَجَلُّ مِنَ الحَدِيثِ وَأَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً، حتى إنه لُيُقدِّمُ القياس على الحديث في موطن التعارض، إما لعدم علمه بالحديث وقلة محفوظه منه - كما يقول المعتذرون عنه - وإما إعراضًا عن السُنَّةِ، كما يقول الناقمون عليه.
ولسنا الآن بصدد تفصيل هذا الاتهام أو تفنيده، فسوف يأتي هذا في موضعه، ولكنا نجمل القول هنا بأن المذهب الحنفي كغيره من المذاهب السُنية في اعتبار الحديث والأخذ به، وإذا وجدت بعض أحاديث رفضها العراقيون، فإنما ذلك لمأخذ قوي في نظرهم، من تضعيف الحديث أو تأويله، أو ادعاء نَسْخِهِ، أو غير ذلك. وَهُمْ لَيْسُوا بِدَعًا في ذلك، فعمر بن الخطاب
__________
(1) " ضحى الإسلام ": 3/ 117. والبم: الوتر الغليظ من أوتار المزهر أي للعود، والزير: الدقيق من الأوتار، والمثناة: أي الحبل، فالألفاظ الثلاثة خاصة بالألفاظ الموسيقية، (" الصحاح ": 2/ 641، 5/ 1875) تحقيق أحمد عبد الغفور.
(2) " المعارف " لابن قتيبة: ص 169، 170.
(1/68)

رفض رواية فاطمة بنت قيس في عدم وجوب النفقة والسُكنى للمطلقة البائن، كما رفض حديثها هذا أسامة بن زيد وعائشة (1) - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -.
والإمام مالك يصنع مثل ذلك إذا عارض الخبر إجماع أهل المدينة أو عملهم، وأورد ابن القيم أمثلة كثيرة لذلك (2).
وإذا كان أبو حنيفة يتساوى مع مالك وغيره من المجتهدين في الاعتماد على السُنَّةِ، وفي رد ما لا يوثق به منهما، وفي استعمال الرأي، فَلِمَ خُصَّ المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ بِالهُجُومِ؟ لم أتهم بنبذ السُنَّةِ وتقديم الرأي عليها، مع أن غيره يصنع أيضًا مثل هذا الصنيع؟.
إنَّ السبب في رأيي يرجع إلى ظاهرتين عاصرهما الفقه الحنفي، وشهد نشأتهما.
الظاهرة الأولى: تَكَوُّنُ طَائِفَةِ المُحَدِّثِينَ وتجمعهم وبروزهم إلى المجتمع كمدرسة لها تخصصاتها واهتماماتها، مما أضفى عليها ملامح خاصة تميزهم عن غيرهم.
ففي بداية هذا القرن بدأ تدوين الحديث وجمعه من الأقطار المختلفة يأخذ صبغة رسمية، وينال عناية الدولة، منذ أن أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم عامله على المدينة بأن يجمع ما عنده من سنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكتب إلى الآفاق: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْمَعُوهُ» (3)، فنشط العلماء لذلك وأكثروا من الرحلات ولم يقتصروا على
__________
(1) " محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ": ص 34، 35.
(2) انظر نهاية الجزء الثاني وبداية الجزء الثالث من " إعلام الموقعين ". ط. الكردي بالأزهر سنة 1925 م.
(3) انظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 37؛ و" السنة قبل التدوين " للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص 329.
(1/69)

جمع حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل أضافوا إليه أقوال الصحابة والتابعين، والمأثور من أعمالهم، يقول أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرامَ، وَكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَم النَاسِ» (1). واستغرق هذا المنهج في تأليف الحديث وجمع أقوال الصحابة والتابعين وأحكام مسائل الفقه - جل القرن الثاني.
والذي يهمنا هنا أن جمع الحديث قد اتسعت دائرته فلم يعد مقصورًا على أحاديث بلد معين أو باب معين، وأن البحث عن الحديث والأثر لم يكن لما يحمله من فقه فقط - كما كانت الحال قبل ذلك - بل كان يجمع أيضًا لذاته، وتجردت لهذا الجمع طائفة تفرغت له، وجابت الأقطار في سبيله، وأطلق عليها (المُحَدِّثُونَ)، وكان من هؤلاء مَنْ لَمْ يُعْنَ بِالإِفْتَاءِ فلم يهتم بالفقه الذي يتضمنه الحديث أو الأثر الذي يحفظه، كما كان منهم من قصد إليه للاستفتاء فكان يُفتي بما يحفظ، سواء أكان ما حفظه مما يفتي به حديثًا لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أم كان قولاً لصحابي أو تابعي أم رأيًا لشيوخه.
هؤلاء المُحَدِّثُونَ مِمَّنْ لا قدرة لهم على النظر العقلي لم يكن في استطاعتهم الثبات أمام المدرسة العقلية الافتراضية الحنفية إذا حدثت مناظرة أو نقاش في المسائل الخلافية، بل كانوا يصمدون بما يرونه من اعتزاز هذه العقلية بنفسها، وجُرأتها في النقد والموازنة، فيسرع إلى نفوسهم الظن بمخالفة هؤلاء للحديث والسنة، وتضيق بذلك صدورهم، فيطلقون فيها ألسنتهم بالاتهام والتشنيع، وتنتشر التهمة، وتتناقلها المجالس العلمية دون تحقيق، ودون احتكاك عملي بالمتهم. فالأوزاعي يَتَّهِمُ أَبَا حَنِيفَةَ بِالبِدْعَةِ، وسنده في ذلك ما نقل إليه عنه، لكنه يعدل عن ذلك عندما يُطْلِعُهُ عبد الله بن المبارك على
__________
(1) " جامع بيان العلم وفضله ": 1/ 73.
(1/70)

مسائل أبي حنيفة، فيعجب بها، ثم يلتقي بأبي حنيفة في مكة ويناظره، ثم يقول: «غُبِطْتُ الرَّجُلُ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى، لَقَدْ كُنْتُ فِيْ غَلَطٍ ظَاهِرٍ، اِلْزَمْ [الرَّجُلَ]، فَإِنَّهُ بِخِلاَفِ مَا بَلَغَنِيَ عَنْهُ» (1).
وعندما ظهر الشافعي - الذي درس مذهب الفريقين وَتَمَرَّسَ بمَنْهَجَيْهِمَا وأخذ يناقش العراقيين مستعملاً طريقتهم متمكنًا من منهجهم العقلي - لاقى ارتياحًا وإعجابًا من المُحَدِّثِينَ، الذِينَ لَقَّبُوهُ بِ " نَاصِرِ السُنَّةِ "، على الرغم من أنه كَانَ يُقَدِّرُ أبا حنيفة وأصحابه، ويذكر فضلهم وأياديهم على الفقه.
وقد يخطئ أبو حنيفة في بعض المسائل وكذلك أصحابه - وَهُوَ وَهُمْ ليسوا معصومين - وقد يخالفون حديثًا ما بهذا الاجتهاد، ومثل هذا يقع لعامة المُجتهدين، إلا أن الفكرة السيئة عن مدرسة أبي حنيفة، والخصومة الناشبة بين هذه المدرسة وغيرها سرعان ما تحمل الخصوم على نشر هذا الخطأ والتشنيع به، وإذا كان الشعبي يخشى تشنيع المُحَدِّثِينَ عليه إذا أخطأ، مع أنه من أئمتهم وموضع إجلالهم - فما بالك بهم إذا أخطأ أبو حنيفة؟ يقول الشعبي: «وَاللَّهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً أَخْطَأْتُ مَرَّةً لَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الوَاحِدَةَ» (2).
أما الظاهرة الثانية: التي عاصرت نشأة المذهب الحنفي وساعدت على الإساءة إليه فكانت ظهور فرقة المعتزلة، وَقَدْ بَيَّنَ الذهبي أن المعتزلة وبعض الفرق الأخرى قد نشأت في هذا القرن الثاني، فذكر أنه في زمان الطبقة الرابعة من الحفاظ - وهي الثالثة من التابعين - تحولت الدولة من الأموية إلى العباسية كما ظهر في ذلك الزمان «عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ العَابِدُ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ
__________
(1) " مناقب الإمام الأعظم " [للكردري]: ص 39 ط. الهند سنة 1321 ه.
(2) " تذكرة الحفاظ " للذهبي: 1/ 150، 151.
(1/71)

الغَزَّالُ، وَدَعُوا إِلَى الاعْتِزَالِ بِالقَدَرِ، وَظَهَرَ بِخُرَاسَانَ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَدَعَا إِلَى تَعْطِيلِ الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَخَلْقِ القُرْآنِ، وَظَهَرَ بِخُرَاسَانِ فِي قُبَالَتِهِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ المُفَسِّرُ، وَبَالَغَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ حَتَّى جَسَّمَ، وَأَقَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ وَحَذَّرُوا مِنْ بِدَعِهِمْ» (1).
وللمعتزلة دون شك دور هام في الدفاع عن الإسلام والتصدي لخصومه، بيد أنهم أحيانًا يشتطون في آرائهم، ويجري على ألسنتهم بعض مما سرى إليهم من ألفاظ خصومهم أو عقائدهم، فيسيء إليهم،، نقل ابن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل قال: «وَقَدْ أَفْضَى الكَلَامُ بِأَهْلِهِ إِلَى الشُّكُوكِ، وَبِكَثِيرٍ مِنْهُمْ إِلَى الإِلْحَادِ، تَشِعُّ رَوَائِحُ الإِلْحَادِ مِنْ فَلَتَاتِ كَلَامِ المُتَكَلِّمِينَ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَا قَنَعُوا بِمَا قَنَعَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ وَطَلَبُوا الحَقَائِقَ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ العَقْلِ إِدْرَاكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الحِكْمَةِ التِي انْفَرَدَ بِهَا» (2).
وقد ذكر ابن الجوزي جملة مما خرج به المعتزلة من آراء غريبة على الإسلام (3) وسوف نفصل في الفصل القادم أسباب الخصومة بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ وَالمُحَدِّثِينَ إلا أن الذي يهمنا هنا أن بعض هؤلاء المعتزلة انتسب إلى المذهب الحنفي، كَبِشْرِ المَرِيسِي (4) فضاعف ذلك من الحملة عليه والتشهير به.
يضاف إلى ذلك أن أبا حنيفة نفسه لم يعتزل معركة الكلام التي كانت محتدمة بين المعتزلة والخوراج وغيرهم، بل أدلى فيها، وعرض في حلقاته
__________
(1) " تذكرة الحفاظ " للذهبي: 1/ 77.
(2) " نقد العلم، أو تلبيس إبليس " لابن الجوزي: ص 82.
(3) " تلبيس إبليس ": ص 80، 81.
(4) هو بشر بن غياث، تفقه على أبي يوسف القاضي، وأتقن علم الكلام وقال بخلق القرآن، وَرَأْيُ أهل الحديث فيه سيء جدًا، توفي سنة 218 أو 219 ه (" لسان الميزان ": 2/ 29، 31).
(1/72)

المتعددة آراء العقيدة وترك في ذلك كتب " الفقه الأكبر " المنسوب إليه، وهو إن لم يكن كله له فهو يعبر عن أكثر آرائه، كما ترك " رسالة " في الإرجاء عرفت برسالة أبي حنيفة إلى إمام أهل البصرة عثمان بن مسلم البتي في الإرجاء، بل كانت مدرسة أبي حنيفة في العقيدة «هِيَ المَدْرَسَةُ الكَلَامِيَّةُ السُّنِّيَّةُ الأُولَى التِي وَقَعَتْ فِي العِرَاقِ مَوْطِنَ الفِرَقِ المُخْتَلِفَةِ وَحَارَبَتْهَا أَشَدَّ الحَرْبِ» (1).
ومما يدل على أن أبا حنيفة كانت له آراء في العقيدة يدرسها جنبًا إلى جنبٍ مع مسائل الفقه، أن أبا جعفر الطحاوي عندما ألف رسالته المشهورة في العقيدة صَدَّرَهَا بقوله: «هَذَا بَيَانُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ المِلَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ بْنَ ثَابِتٍ الكُوفِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ» (2)، فكيف يتأتى للطحاوي أن يزعم أن هذا «مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ العَالَمِينَ» إلا إذا كانت آراؤهم الكلامية تصل إلى الخلف عن نفس الطريق الذي تسلكه آراؤهم الفقهية؟.
وقد قرر أبو حنيفة في بعض المسائل الاعتقادية آراء لم يوافق عليها أهل الحديث، منها قوله: «إِنَّ الإِيمَانَ اعْتِقَادٌ لَا دَخْلَ لِلْعَمَلِ فِيهِ»، فكان هذا من أسباب الحملة عليه.
ويحمل ابن عبد البر أَسْبَابَ حَمْلَةِ المُحَدِّثِينَ على أبي حنيفة فيقول: «كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ [الآحَادِ] العُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي القُرْآنِ، فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ: " الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا " وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ
__________
(1) انظر " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ": 1/ 230، 232.
(2) انظر " الطحاوي وأثره في الحديث ": من ص 132، 133.
(1/73)

الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مَحْسُودًا لِفَهْمِهِ وَفِطْنَتِهِ» (1).
وقد يفسر هذا تحالف بعض المعتزلة مع أهل الحديث - مع ما بينهما من عِدَاءٍ - على حرب أبي حنيفة.
إِنِّي أُرَجِّحُ أن النصف الثاني من هذا القرن كان مولد هذه العبارة (أَهْلُ الحَدِيثِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ) بعد أن أصبح المُحَدِّثُونَ فئة متميزة متناصرة تهاجم غيرها، ولها سلطة التجريح والتعديل، هذه السلطة التي كانت من أقسى الأسلحة التي حاربوا بها خصومهم، ومنهم المدرسة العقلية الحنفية.
وينبغي أن نشير إلى أن المحدثين لم يكونوا مجمعين على الرأي السيء في أبي حنيفة، فقد وجد من بينهم أفراد قَدَّرُوهُ وأشادوا بفضله، ونقل ابن النديم أبياتًا قالها أحد المحدثين، وهو عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة وهي:
لَقَدْ زَانَ البِلَادَ وَمَنْ عَلَيْهَا ... إِمُامُ المُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَهْ
بِآثَارِ وَفِقْهٍ فِي حَدِيثٍ ... كَآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى الصَّحِيفَهْ
فَمَا بِالمَشرِقَيْنِ لَهُ نَظيرٌ ... وَلَا بِالمَغْرِبَينِ وَلَا بِكُوفَهْ
رَأَيْتُ العَايِبِينَ لَهُ سُفَّاهًا ... خِلَافَ الحَقِّ مَعَ حُجَجٍ ضَعِيفَهْ (2)
كما ينبغي أن نتنبه إلى أنّ اللقاءات التي كانت موجودة في القرن الأول لم تنقطع في هذا القرن، بل كانت دائرتها متصلة، وكثيرًا ما أنتجت هذه اللقاءات مناقشات ومناظرات كانت ذات أثر لا ينكر في تقارب الأفكار،
__________
(1) " الانتقاء " لابن عبد البر: ص 149؛ و " جامع بيان العلم ": 2/ 148، 149 وهامش " تاريخ بغداد ": 13/ 269.
(2) " الفهرست ": ص 202، كما أثنى عليه يحيى بن معين وغيره، انظر: " تاريخ بغداد ": 13/ 345 وما بعدها.
(1/74)

والاطلاع على ثمرات العقول المختلفة: فأبو حنيفة يلتقي مع الأوزاعي ويناقشه، كما سبق، ويناظر مالك أبا حنيفة حتى يعرق من المناظرة معه ويقول لليث: «إِنَّهُ لَفَقِيهٌ يَا مِصْرِيُّ» (1) ويزامل الليث بن سعد مالكًا في الدراسة، ويتلقى عمن تلقى عنه، ثم يسافر إلى العراق، ويرى أبا حنيفة يجيب عن مسألة فيصور الليث انطباعه لهذه الإجابة بقوله: «وَاللَّهِ مَا أَعْجَبَنِي صَوَابُهُ، كَمَا أَعْجَبَنِي سُرْعَةُ جَوَابِهِ» (2)، ثم يعود الليث إلى مصر، كما يلتقي أبو يوسف بمالك، ثم يتتلمذ محمد بن الحسن عليه ويروي عنه " الموطأ "، ويعلق عليه من وجهة نظر مدرسته، ويتعلم الشافعي بمكة والمدينة، ثم يلتقي بمحمد بن الحسن ويأخذ عنه ويناظره، ويرحل أسد بن الفرات إلى مالك ويسمع منه، ثم يذهب إلى العراق فيلقى أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وقد ذكر القاضي عياض أن أبا يوسف أخذ عنه " موطأ " مالك (3).
وهكذا كانت اللقاءات مستمرة بين علماء العالم الإسلامي، وكانت الخلافات بينهم لا تعدو أن تكون وجهات نظر تحتمل الصواب والخطأ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُقَدِّرُ مُخَالِفَهُ وَيَحْتَرِمُهُ.

فِي القَرْنِ الثَّالِثِ:
وتواكب أهل الحديث وأصحاب الرأي في مسيرتهم عبر التاريخ، وتجاوز القرن الثاني منحدرين إلى القرن الثالث، حيث نجد أن المذاهب قد استكملت وجودها، ووضحت معالمها، وأضيف المذهب الشافعي والحنبلي والظاهري إلى المذاهب التي كانت موجودة من قبل، وهي المالكية والحنفية وغيرها من مذاهب المجتهدين في القرن الثاني من تلك المذاهب التي لم يقدر لها البقاء إلا فترة من الزمن كمذهب الأوزاعي وسفيان الثوري.
__________
(1) " مالك " لأبي زهرة: ص 148؛ و" الانتقاء ": 12، 15.
(2) " المناقب " للموفق المكي: 1/ 163.
(3) " الفهرست ": ص 302، كما أثنى عليه يحيى بن معين وغيره، وانظر " تاريخ بغداد ": 13/ 345 وما بعدها.
(1/75)

ولكننا نلاحظ أن هذه المذاهب أخذت تتلاقى بمقدار ما بدأت تتباعد: تتلاقى في مناهجها، وتتقارب في أدلتها نتيجة لعامل التأثير وإذعانًا لما تنتهي إليه المناظرات من التسليم بحقائق، ومن التنبه إلى ثغرات، إذ لم تكن المناظرات حينئذٍ مقصودًا بها الغلبة والصدارة، بل كان الوصول إلى الحقيقة غايتها. فإذا عيب على أهل الرأي أنهم لا يشتغلون برواية الحديث فقد نفعهم هذا النقد، وحاولوا أن يسدوا هذه الثغرة، فاشتغلوا برواية الحديث على يد أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وإذا عيب على أهل المدينة أنهم لا يعطون العقل حريته في التصور وفرض الفروض، فقد سلموا عمليًا بذلك وامتلأت كتبهم من بعد بِالفُرُوعِ المُقَدَّرَةِ وَالفُرُوضِ المُمْكِنَةِ، سواء في ذلك الفقه المالكي والفقه الشافعي، وَ «اتَّخَذُوا ثَلَاثَةَ مَوْضُوعَاتٍ أَسَاسًا لِمِئَاتٍ مِنَ المَسَائِلِ التِي كَدُّوا أَذْهَانَهُمْ فِي إِبْرَازِ الجَوَابِ عَنْهَا: وَهِيَ الرَّقِيقُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَالزَّوْجَةُ وَطَلَاقُهَا، وَالأَيْمَانُ وَالحِنْثُ فِيهَا» (1).
غير أن هذه المذاهب المتلاقية شرعت تتباعد برجالها، وتتجافى بالقائمين عليها، والمنتسبين إليها، ببدء شيوع فكرة التقليد للمذهب، والتعصب لرجاله والمناظرات التي اتخذت قاعدتها أن تعرف الحق بالرجال، لا أن تعرف الرجال بالحق، مما جعل التنافس المذهبي يستعر، والتنابز بالألقاب ينتشر كالوباء الباسط جناحيه على أفق العالم الإسلامي لا يكاد ينجو منه أحد إلا من عصم اللهُ.
أما المشتغلون بالحديث فقد كثر عددهم، وعظم خطرهم، وراجت مدرستهم وأصبحوا قوة لا ينكر أثرها على الخاصة أو العامة، وشهروا على مخالفيهم سلاح التجريح المبهم. مستخدمين ألفاظًا تحمل ظلالاً تدعو إلى النفرة أو التوجس والإنكار، مثل قولهم: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، أَوْ تَحَامُوا
__________
(1) " تاريخ التشريع الإسلامي " للخضري: ص 377.
(1/76)

رِوَايَتَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالرَّأْيِ، أَوْ لِأَنَّهُ شِيعِيٌّ أَوْ مُرْجِئٌ ... إلخ، هذه الألفاظ التي تداولوها، والتي كانت تدعو إلى الوقوف من الموصوفين بهذه الأوصاف موقف الحذر والريبة، مع أن بعض هذه الألفاظ يدخل في مفهومها الصالح والطالح فهي أشبه بالمشترك اللفظي، كالوصف بالإرجاء أو التشيع فقد يراد بالإرجاء تأخير القول في الحكم بتصويب إحدى الطائفتين المتقاتلتين بعد عثمان، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ لَا يُكَفَّرُ بَلْ حُكْمُهُ مَوْكُولٌ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ. وقد يراد به الدعوة إلى التهاون في الشرائع والأحكام تسهيل ارتكاب الكبائر بإعلان مبدأ القائل بأنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (1). وكذلك الشأن في التشيع، إِذْ هُوَ مَحَبَّةُ عليٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السَبُّ أو التصريح بالبغض فهو غالٍ في الرفض وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو (2).
ولغموض الجرح أحيانًا، ولأنه في أحيان أخرى قد يكون بسبب العصبية المذهبية أو الخلاف في الرأي الفقهي، أَوْ بِمَا لَا يُعَدُّ قَادِحًا فِي الحَقِيقَةِ - طالب المتأخرون بأن يكون مشفوعًا بذكر السبب وهو الجرح المفسر (3) فإنه لا ينبغي أن يستقل الجارح وحده بالحكم، بل عليه أن يشرك فيه غيره، وَذَلِكَ بِأَنْ يُهَيِّئَ له فرصة تقدير حكمه ووزنه، ثم إمضائه أو رَدِّهِ.
__________
(1) انظر " شرح الطحاوية في العقيدة السلفية " لعلي بن علي بن محمد أبي العز الحنفي المتوفى سنة 792 ه، تحقيق أحمد محمد شاكر: ص 265 وما بعدها.
(2) انظر " هدي الساري ": ص 459، 460.
(3) انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر: 2/ 150، 163؛ و" طبقات الشافعية " للسبكي: 1/ 178 وما بعدها.
(1/77)

بهذا فقط تقل خطورة الذاتية في الجرح، ويسلم من الخطأ أو يكاد.
وفي هذا القرن حدثت ظاهرتان كان لكل منهما أثر كبير في إذكاء الخلاف بين أهل الحديث ومدرسة أبي حنيفة وجعلت الرأي ألصق بأصحاب هذه المدرسة وأخص بهم.
أما الظاهرة الأولى فكانت شيوع مهاجمة القياس الفقهي، سواء مِنَ المُحَدِّثِينَ - وبخاصة أهل الظاهر منهم -، أو من المتكلمين الذين كانوا يتفقون مع أهل الحديث في فكرة التعبد المحض، ويخالفونهم في اعتبار السنة أصلاً من أصول التشريع (1)، أم من الشيعة الذين كانوا يضعون أقوال أئمتهم واجتهادهم موضع النصوص القطعية.
وَيَسَّرَ لمهاجمي القياس هجومهم أن السُنَّةَ وَالآثَارَ قد استقصيت وجمعت من مختلف البلدان الإسلامية، وتحصل لهم منها ذخيرة عظيمة من الفتاوى والأحكام في كل فروع الفقه بحيث لم تعد الحاجة إلى القياس ضرورة ملحة في نظر الكثيرين.
أما الظاهرة الثانية فهي انتشار سلطان المعتزلة، وتحكمهم في الحياة الفكرية في العالم الإسلامي فترة من الوقت. والمعتزلة أصحاب مدرسة عقلية تقتحم مباحث العقيدة والألوهية بكثير من الجُرأة النظرية، وتنظر
__________
(1) انظر " تاريخ التشريع " للخضري. وقد ذكر ابن عبد البر أن العلماء قديمًا كانوا يجيزون الاجتهاد بالرأي والقياس على الأصول حتى حدث إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَيَّارْ النَّظَّامْ وقوم من المعتزلة سلكوا طريقه في نفي القياس والاجتهاد في الأحكام وخالفوا ما مضى عليه السلف، وتبعهم داود بن علي الظاهري من أهل السنة: ثم ذكر أن كثيرين من المعتزلة خالفوا النَّظَّامَ في نفيه القياس، منهم أبو الهُذيل وبِشر بن المعتمر (انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 62، 63).
(1/78)

إلى الحديث نظرة فيها الكثير من الشك والريبة في صحة ثبوته، وبالتالي في صلاحية استخدامه، سواء في ميدان العقيدة أو في ميدان الفروع العلمية، كما تنظر إلى المُحَدِّثِينَ نظرة استعلاء تَكَادُ تُصَرِّحُ بأنهم - أي المعتزلة - أكثر فهمًا وتطورًا، وأقدر على خدمة الشريعة من هؤلاء المتخلفين، وهو موقف سوف نعالج أسبابه ومراحله في الفصل القادم إن شاء الله.
والذي يهمنا هنا أن المعتزلة قد نجحوا في استمالة السلطة التنفيذية متمثلة في الخلفاء: المأمون والمعتصم والواثق - وكسبوا عطفها وتأييدها، وأوغروا صدرها عَلَى المُحَدِّثِينَ، وأغروها بهم، متخذين من القول بخلق القرآن طُعْمًا يَتَصَيَّدُونَهُمْ بِهِ، وبلاء يقهرهم، وعذابًا يصبونه عليهم، وقد ابتلي بهذه الفتنة كثيرون، كان فيهم الإمام أحمد بن حنبل،، الذي تمسك بموقفه المعارض للمعتزلة، لم ترهبه قوة، وَلَمْ يُغيِّرْ مِنْ رَأْيِهِ بَلَاءٌ، واستمرت محنته أخريات عهد المأمون وطيلة خلافة المعتصم والواثق حتى رفع هذه المحنة الخليفة المتوكل.
كان رد الفعل لهذه الفترة عنيفًا جدًا، فَقَدْ كَرَّ المُحَدِّثُونَ على المعتزلة يحطمونهم وينتقمون منهم، ويوفون لهم الدين، ويكيلون لهم بنفس الكيل، ويرمونهم بكل نقيصة، وأصبح القول بخلق القرآن تهمة يكفي أن يتهم بها إنسان ما حتى يصدر الحكم عليه بالمقاطعة والتجريح، ولا تشفع له منزلته في العلم ولا بلاؤه فيه، كما حدث للبخاري والكرابيسي وداود الظاهري (1).
__________
(1) انظر " طبقات الشافعية ": 1/ 190، 251 وما بعدها. 2/ 11، 13. 2/ 43، 44. ومما يدل على خطر التهمة بخلق القرآن أو حتى من يقول بأن اللفظ به مخلوق، وعلى خطورة حكم ابن حنبل - قول أحد العلماء لتلاميذه (*): «اعْتَبِرُوا بِهَذَيْنِ: حُسَيْنُ الكَرَابِيسِيُّ وَأَبِي ثَوْرٍ: فَالحُسَيْنُ فِي عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَعْشِرُهُ فِي عِلْمِهِ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ =

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هو محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي (ت 270 ه)، انظر " طبقات الشافعية الكبرى "، تاج الدين السبكي (ت 771 ه)، تحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، 2/ 120، الطبعة الثانية: 1413 ه، نشر هجر للطباعة والنشر والتوزيع.
وانظر " تاريخ بغداد "، للخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، 8/ 611، الطبعة الأولى: 1422 ه - 2002 م، دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
(1/79)

وقد أدى موقف ابن حنبل وثباته في هذه المحنة إلى تكتل الجماهير حوله وإعجابهم به، سواء أكانوا من العامة أَمْ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وَتَعَصَّبُوا لَهُ وَأَجَلُّوا آرَاءَهُ. فإذا أصدر حُكْمًا كان أمرًا لازمًا وَحُكْمًا نَافِذًا. قال علي بن المديني: «إِنَّ اللهَ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ بِرَجُلَيْنِ: أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الرِدَّةِ، وَابْنَ حَنْبَلٍ يَوْمَ المِحْنَةِ». وَقَالَ بِشْرُ الحَافِيُّ: «قَامَ أَحْمَدُ مَقَامَ الأَنْبِيَاءِ، قَدْ تَدَاوَلَتْهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الخُلَفَاءِ بِالضَرَّاءِ وَالحَبْسِ، وَبَعْضُهُمْ بِالإِخَافَةِ وَالإِرْهَابِ، فَمَا تَرَكَ دِينَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَبِذَلِكَ صَارَ زَعِيمَ حِزْبٍ عَظِيمٍ مِنْ أَحْزَابِ الإِسْلاَمِ، حَتَّى إِنَّ العَالِمَ إِذَا وَضَعَهُ أَحْمَدُ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَإِذَا رَفَعَهُ لَمْ يَنْحَطَّ، وَإِذَا قَالَ فِي وَاحِدٍ: بِئْسَ، نُبِذَ وَلَمْ يَشْهَدُوا حَتَّى جَنَازَتَهُ، وَإِذَا قَالَ فِي عَالِمٍ: نَعْمَ، صَارَ مَقْبُولاً مَحْبُوبًا ...» (1).
هؤلاء المعتزلة الذين أصبحوا أعداء الجمهور الأعظم من المسلمين، والذين كان يقترن بذكرهم صور الإرهاب والاضطهاد وأقوال مستحدثة غريبة عن روح الإسلام - هؤلاء المعتزلة كان منهم من ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فأدى ذلك إلى استهداف المذهب للحملات، بل حاول بعضهم تشويهه فَرَمَى
__________
= أَحْمَدُ فِي بَابِ اللَّفْظِ فَسَقَطَ، وَأَثْنَى عَلَى أَبِي ثَوْرٍ فَارْتَفَعَ». (" طبقات الشافعية ": 1/ 253). وقد قسم أحمد الناس إلى ثلاثة أقسام بالنسبة لموقفهم من خلق القرآن فمن قال: القرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: إنه كلام الله ولا يقول غير مخلوق، فهو واقفي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع. وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب، وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم به الله صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق (انظر " الانتقاء " لابن عبد البر: ص 107).

(1) " الفكر السامي ": 3/ 15، 46 وانظر تعصب الحنابلة والمحدثين على ابن جرير الطبري في " معجم الأدباء ": 18/ 40، 94.
(1/80)

أبا حنيفة بأنه كان يذهب إلى القول بخلق القرآن، ولكن الخطيب يقول: «مَا تَكَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَبُو يُوسُفَ وَلَا زُفَرُ وَلَا مُحَمَّدُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمْ فِي القُرْآنِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمِ فِي القُرْآنِ بِشْرُ المَرِيسِيُّ وَابْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَهَؤُلَاءِ شَانُوا أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ» (1).
وهكذا رأينا أن القرن الأول لم تكن فيه خصومة بين أهل الرأي وأهل الحديث إذ لم تكن الفئتان قد تميزتا بعد، وإنما كان هناك شيء من التنافس الإقليمي بين المدينة والعراق.
أما في القرن الثاني فقد زاد المُحَدِّثُونَ من نشاطهم، وبرزوا إلى المجتمع كطائفة متميزة، فبدأ الصراع بينهم وبين أبي حنيفة ومدرسته الذين اختصوا بأنهم أهل الرأي، وكان من أبرز خصائصهم التي من أجلها خصوا بهذه الصفة كثرة استخدام القياس والبراعة في استعماله، وفرض الفروض وتفريع الفروع، وإن حاول خصومهم أن يشيعوا عنهم رغبتهم عن الحديث وتقديمهم الرأي عليه كما يتضح مما نقلناه عن الأوزاعي، وكما جمع ابن أبي شيبة ما خالف فيه أبو حنيفة الأحاديث الصحيحة في خمس وعشرين ومائة مسألة، وَرَدَّ عليه الكوثري في كتابه " النكت الطريفة ".
وفي القرن االثالث أخذت هذه العبارة (أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ) صورة مذهبية عنيفة بسبب ظهور مذهب أهل الحديث واستكمال بنائه، يقول ابن عبد البر: «وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فَهُمْ كَالأَعْدَاءِ لأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ» (2).
فالبخاري لا يذكر اسم أبي حنيفة - عند بيانه للمسائل التي خالف فيها غيره، ويكني عنه ب (بَعْضِ النَّاسِ) والترمذي يصنع مثل هذا الصنيع في
__________
(1) " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " للدكتور علي النشار: (*) / ص 236، 237 الطبعة الثالثة نقلاً عن " تاريخ بغداد ": 13/ 398.
(2) " الانتقاء " لابن عبد البر: ص 173.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " للدكتور علي سامي النشار، 1/ 237، الطبعة التاسعة، دار المعارف بمصر.
(1/81)

" سُننه " فَلَا يُسَمِّي أَبَا حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُهُ فِي جُمْلَةِ العِرَاقِيِّينَ، أَوْ يَكَنِّي عَنْهُ بِ (بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ).
وتكاد النظرة إلى أبي حنيفة هذا القرن تساوي النظرة إلى أهل البدع ويشيع ذلك بين الناس حتى يقول الشاعر:
إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةً بِمَا حَدَّثْتِنِي ... فَعَلَيْكِ إِثْمُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ زُفَرِ
ولما سمع الطحاوي الحنفي هذا البيت قال: «وَدِدْتُ أَنَّ لِيَ أَجْرَهُمَا وَحَسَنَاتِهِمَا وَعَلَيَّ إِثْمُهُمَا [وَسَيِّئَاتُهُمَا]» (1) (*)
وإذا كان القرنان الثاني والثالث يمثلان العصر الذهبي للاجتهاد والتصنيف في الحديث، ومع ذلك وجد فيه شيء من الخصومة والعصبية، فإن تلك الخصومة وهذه العصبية قد ألقتا بثقلهما كله في القرون التالية، حيث ندر الاجتهاد وفشا التقليد، وساد ضيق الأفق وجمود الفكر لتباعد ما بين الخلف والمنابع الإسلامية الأولى، فنظرتهم إلى الشريعة محدودة بحدود رجال المذهب، مسورة بأفكارهم، فورثوا فيما ورثوا، الخصومة بين أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، على الرغم من أن الفوارق بين المذاهب المختلفة قد ذابت إلى حد كبير، واشترك الأتباع في التقليد حتى لم يعد مبرر للتفرقة بينهم، ولم يعد هناك داع لإطلاق أهل الحديث على طائفة وإطلاق أهل الرأي على طائفة أخرى، بل الأولى أن يطلق عليهم: مقلدو أهل الحديث، ومقلِّدُو أهل الرأي. وكفى بالتقليد وصمة للفريقين.
__________
(1) انظر " الطحاوي وأثره في الحديث "، للمؤلف، نشر الهيئة العامة للكتاب.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قول الطحاوي كما أثبته من " جامع بيان العلم وفضله " لا كما ورد في الكتاب المطبوع، انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 2/ 897، حديث رقم 1683، الطبعة الأولى: 1414 ه - 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ويعلق ابن عبد البر على الإمام الطحاوي قائلاً: «وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِسِيَرِ القَوْمِ وَأَخْبَارِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ كُوفِيَّ المَذْهَبِ وَكَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ مَذَاهِبِ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ ...». المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.
(1/82)

اضْطِرَابُ المُؤَرِّخِينَ فِي تَعْيِينِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ:
وقد اضطرب المؤرخون في تحديدهم أهل الحديث وأهل الرأي، فاختلفوا في التقسيم، كما اختلفوا في التقويم، لاختلاف وجهاتهم في أسباب التقسيم من ناحية، ولنظرتهم إلى فترة زمنية معينة يُعَمَّمُونَ نَتَائِجَهَا على كل العصور السابق منها واللاحق من ناحية ثانية، وأحيانًا تتعدد وجهات النظر لدى الشخص الواحد، وتغمض عليه الفوارق، فيضطرب في تقويمه لشخص ما، يُرَدِّدُهُ بين أهل الحديث وأصحاب الرأي:
فابن قتيبة (ت 270 ه) يَعُدُّ كل المجتهدين تقريبًا في أصحاب الرأي، ولم يذكر في المُحَدِّثِينَ إلا المشتغلين بالرواية ممن لا شهرة لهم في ميدان الفقه، ثم لم يَعُدَّ أحمد بن حنبل لا في جملة الفقهاء وَلَا فِي زُمْرَةِ المُحَدِّثِينَ، ولكنه يشير إليه في مقدمة كتابه " تأويل مختلف الحديث " فيذكره من بين العلماء المبرزين، والفقهاء المتقدمين، وَالعُبَّادِ المُجْتَهِدِينَ الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم، وأمثال هؤلاء ممن قرب من زماننا، ثم يذكر من بين الأخيرين أحمد بن حنبل ولكنه يعود فيُخَصِّصَ في هذا الكتاب نفسه أهل الرأي بأبي حنيفة وأصحابه (1).
ويجيء المقدسي فيَعُدُّ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه من أصحاب الحديث، وَلَا يَعُدَّهُمَا من أهل المذاهب الفقهية الذين عَدَّ منهم الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية. وفي موضع آخر يعتبر المقدسي الشافعية أصحاب الحديث خلافًا للحنفية، ولكنه في موضع ثالث يعتبر أبا حنيفة والشافعي أهل رأي خلافًا لأحمد بن حنبل (2).
__________
(1) انظر " المعارف ": ص 169، 171؛ و" تأويل مختلف الحديث ": ص 19، 20، 67، 69.
(2) انظر " أحسن التقاسيم ": ص 37، 143، 179، 180.
(1/83)

ولكن الترمذي حرص على أن يذكر الشافعي من أصحاب الحديث في مواضع كثيرة من " جامعه ": كقوله في (بَابُ [مَا جَاءَ] فِي كَرَاهِيَةِ تَلَقِّي البُيُوعِ): «وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ تَلَقِّي البُيُوعِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الخَدِيعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا» (1).
أو قوله: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا» (2).
وقال في حديث المصراة: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا [الحَدِيثِ] عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ» (3).
أما الشهرستاني فيحصر المجتهدين في قسمين، ويجعل أصحاب الرأي عَلَمًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعِهِ، فيقول: «ثُمَّ المُجْتَهِدُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الأُمَّةِ مَحْصُورُونَ فِي صِنْفَيْنِ لَا يَعْدُوَانِ إِلَى ثَالِثٍ: أَصْحَابُ الحَدِيثِ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ. أَصْحَابُ الحَدِيثِ وَهُمْ أَهْلُ الحِجَازِ. هُمْ أَصْحَابُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَصْحَابُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسٍ الشَّافِعِيّ، وَأَصْحَابَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَأَصْحَابُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ وَأَصْحَابُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيَّ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُمْ أَهْلُ العِرَاقِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ» (4).
ويلاحظ على هذا التقسيم أنه مبني على فترة زمنية معينة هي فترة قيام المذاهب، كما أنه راعى البيئة الإقليمية، بذكره أهل العراق مقابلاً لأهل
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 5/ 229.
(2) المرجع السابق: 5/ 223.
(3) نفسه: 5/ 257، 258.
(4) " الملل والنحل ": 1/ 361، 368.
(1/84)

الحجاز مرادفًا لأهل الرأي، دون أن يلاحظ أن كثيرين ممن ذكرهم من أهل الحديث ليسوا من الحجاز، بل إن معظمهم من أهل العراق.
وقد جرى كثيرون من المؤرخين على هذا النسق من تقسيمهم للمجتهدين إلى أهل حديث وأهل رأي، كابن القيم الذي تبع الشهرستاني في تقسيمه، حيث قال في أثناء عرضه لموضوع اليمين مع الشاهد الواحد: «وَالذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ مِنْ جِهَةِ أَقْوَى المُتَدَاعِيَيْنِ، فَأَيُّ الخَصْمَيْنِ تَرَجَّحَ جَانِبُهُ جُعِلَتْ اليَمِينُ مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ كَأَهْلِ المَدِينَةِ وَفُقَهَاءِ الحَدِيثِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا أَهْلُ العِرَاقِ فَلَا يُحَلَّفُونَ إلَّا المُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ. فَلَا يَجْعَلُونَ اليَمِينَ إلَّا مِنْ جَانِبِهِ فَقَطْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ..» (1).
وذكر البيهقي عن يحيى بن محمد العنبري قال: «طَبَقَاتُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ خَمْسَةٌ: المَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالحَنْبَلِيَّةُ، وَالرَّاهَوِيَّةُ، وَالخُزَيْمِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ» (2) وقد يعني ابن القيم ب (أَهْلِ الحَدِيثِ) أهل السُنَّةِ، فيذكرهم في مقابلة أصحاب البدع من الفرق الكلامية ولذا يُدْخِلُ فيهم أبا حنيفة وغيره، كقوله: «وَأَمَّا طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ ...» (3).
ولكن فريقًا من المُؤَرِّخين ذهب إلى تقسيم ثلاثي لا ثنائي، فقسم المجتهدين إلى:
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 1/ 118.
(2) " إعلام الموقعين ": 2/ 362.
(3) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 3/ 362.
(1/85)

أ - أهل الحديث وهم أهل الحجاز، وإمامهم مالك بن أنس.
ب - أهل الرأي.
ج - أهل الظاهر.
صنع ذلك ابن خلدون في " مقدمته " (1)، وصنع قريبًا منه الدهلوي (2) حيث قسمهم إلى أهل الرأي، وأهل الظاهر، وَبَيَّنَ هَذَيْنِ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ السُنَّةِ.
وإنما اختلفوا في التقسيم وفيمن ينضوي تحت هذا التقسيم نتيجة للقياس كل منهم في تحديده لأهل الحديث وأهل الرأي، فبعضهم يرى أن كل من قاس واستنبط فهو من أهل الرأي، وبذلك قسم العلماء إلى قسمين لا يعدوانهما إلى ثالث هما: أهل الرأي وأهل الظاهر (3)، وبعضهم يجعل التعامل مع السنة هُوَ المُحَدِّدُ لمكان العالم إما في أهل الحديث وإما في أصحاب الرأي: فمن يتمسّك بالسنة ويحرص على روايتها ويعتني بالقياس واستخراج العلل وفرض الفروض فهو من أهل الرأي. وبعضهم مقياسه التعامل مع السنة مضافًا إليه النظرة إلى القياس، مَا بَيْنَ مُسْرِفٍ فِيهِ، وَمُقتَصِدٍ، وَمُمْتَنِعٍ مِنْهُ، فجاء التقسيم إلى أهل حديث وأهل رأي وأهل ظاهر.
ثم جاء الدهلوي ورأى أن «التخريج» هو أهم الفروق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي. وقد شرح «نظرية التخريج» هذه في كتابه " الإنصاف " و" حُجَّة الله البالغة " ويقرر الدهلوي هذه النظرية فيقول: «بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ هُنَاكَ فِرْقَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ
__________
(1) ص 498. طبع مصر سنة 1327 ه.
(2) و (3) انظر " الإنصاف ": ص 73.
(1/86)

وَأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاسَ وَاِسْتَنْبَطَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ. كَلَّا وَاللَّهِ، بَلْ لَيْسَ المُرَادُ بِالرَّأْيِ نَفْسُ الفَهِمِ وَالعَقْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ أَحَدٍ مِنَ العُلَمَاءِ، وَلَا الرَّأْيَ الذِي لَا يَعْتَمِدُ عَلَى سُنَّةٍ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَحِلُهُ مُسْلِمٌ البَتَّةَ، وَلَا القُدْرَةَ عَلَى الاِسْتِنْبَاطِ وَالقِيَاسَ فَإِنَّ أَحَمْدَ وَإِسْحَاقَ، بَلْ الشَّافِعِيَّ أَيْضًا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ بِالْاِتِّفَاقِ، وَهُمْ يَسْتَنْبِطُونَ وَيَقِيسُونَ .. بَلْ المُرَادُ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ قَوْمٌ تَوَجَّهُوا بَعْدَ المَسَائِلِ المُجْمِعِ عَلَيْهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَوْ بَيْنَ جُمْهُورِهِمْ إِلَى التَّخْرِيجِ عَلَى أَصْلِ رَجُلٍ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ فَكَانَ أَكْثَرُ أَمْرِهِمْ حَمْلُ النَّظَرِ عَلَى النَّظَرِ، وَالرَّدِّ إِلَى أَصْلٍ مِنَ الأُصُولِ، دُونَ تَتَبُّعِ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَالظّاهِرِ لِمَنْ لَا يَقُولُ بِالقِيَاسِ وَلَا بِالآثَارِ كَدَاوُدَ وَاِبْنِ حَزْمٍ وَبَيْنَهُمَا المُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ» (1).
وقد شرح نظرية التخريج هذه مُبَيِّنًا أنه كان في عصر مالك وسفيان ومن بعدهما قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا، ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء البلدان وجمعها والبحث عنها، وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم.
«فَمَهَّدُوا الفِقْهَ عَلَى قَاعِدَةِ التَّخْرِيجِ: وَذَلِكَ أَنْ يَحْفَظَ كُلُّ أَحَدٍ كِتَابَ مَنْ هُوَ لِسَانُ أَصْحَابِهِ وَأَعْرَفَهُمْ بِأَقْوَالِ القَوْمِ، وَأَصَحَّهُمْ نَظَرًا فِي التَّرْجِيحِ فَيَتَأَمَّلُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهَ الحُكْمِ، فَكُلَّمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ أَوْ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ رَأَى فِيمَا يَحْفَظُهُ مِنْ تَصْرِيحَاتِ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ وَجَدَ الجَوَابَ فِيهَا وَإِلَّا نَظَرَ إِلَى عُمُومِ
__________
(1) " الإنصاف ": ص 73، وحكاية الاتفاق على عدم اعتبار الشافعي من أصحاب الرأي غَيْرَ مُسَلَّمٍ كما هو واضح مما سبق.
(1/87)

كَلَامِهِمْ فَأَجْرَاهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، أَوْ إِشَارَةٍ ضِمْنِيَّةٍ لِكَلَامٍ فَاسْتَنْبَطَ مِنْهَا، وَرُبَّمَا كَانَ لِبَعْضِ الكَلَامِ إِيمَاءٌ أَوْ اِقْتِضَاءٌ يُفْهِمُ المَقْصُودَ، وَرُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْأَلَةِ المُصَرَّحِ بِهَا نَظِيرٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا. فَهَذَا التَّخْرِيجُ، وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: المُجْتَهِدُونَ فِي المَذْهَبِ، وَعَنْ هَذَا الاِجْتِهَادِ عَلَى هَذَا الأَصْلِ مَنْ قَالَ: مَنْ حَفِظَ " المَبْسُوطَ " كَانَ مُجْتَهِدًا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِرِوَايَةٍ أَصْلاً، وَلَا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ فَوَقَعَ التَّخْرِيجُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ وَكَثُرَ ...» (1).
ومن هذا النص نتبين أن الدهلوي يُشَخِّصُ فترة زمنية معينة، ثُمَّ يُعَمِّمُ أعراضها على كل العصور منذ (عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزُهري، وفي عصر مالك وسفيان وبعد ذلك)، على حين أن التخريج بصورته التي ذكرها لم ينشأ إلا في عصور التقليد، ويعني ذلك أنه لم يكن موجودًا في القرنين الأولين، كما يعترف بذلك الدهلوي نفسه حين يقول: «اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَبْلَ المِائَةِ الرَّابِعَةِ لَمْ يَكُونُوا مُجْمِعِينَ عَلَى التَّقْلِيدِ الخَالِصِ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ المَكِّيُّ فِي " قُوتِ القُلُوبِ ": " إِنَّ الكُتُبَ وَالمَجْمُوعَاتِ مُحْدَثَةٌ، وَالقَوْلُ بِمَقَالَاتِ النَّاسِ، وَالفُتْيَا بِمَذْهَبِ الوَاحِدِ مِنَ النَّاسِ وَاتِّخَاذِ قَوْلِهِ وَالحِكَايَةِ لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالتَّفَقُّهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، لَمْ يَكُنْ النَّاسُ قَدِيمًا عَلَى ذَلِكَ فِي القَرْنَيْنِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي ". اه. وَبَعْدَ القَرْنَيْنِ حَدَثَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ التَّخْرِيجِ» (2).
ومع اعترافه في هذا الموضع بأن التخريج حدث بعد القرنين، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ، فِي مُحَاوَلَةٍ تَعَسُّفِيَّةٍ لِتَطْبِيقِ نَظَرِيَّتِهِ وَقَصْرِ الوَصْفِ بِالرَّأْيِ عَلَى الأَحْنَافِ، أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مُقلِّدًا لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُخَرِّجًا عَلَى أَقْوَالِهِ (3)، هذا إلى اعترافه بأنّ التخريج لم يكن مقصورًا على المذهب الحنفي أو أهل
__________
(1) انظر " الإنصاف ": ص 32، 46؛ " حجة الله البالغة ": 1/ 311، 321.
(2) انظر " حجة الله البالغة ": 1/ 321.
(3) انظر " الإنصاف ": ص 26، 27.
(1/88)

الرأي حيث قال فيما سبق: «فَوَقَعَ التَّخْرِيجُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ وَكَثُرَ» وكما يقول في بيان أصول أهل الحديث: «وَكَانَ أَهْلُ التَّخْرِيجِ مِنْهُمْ يُخْرِجُونَ فِيمَا لَا يَجِدُونَهُ مُصَرَّحًا، وَمُجْتَهِدُونَ فِي المَذْهَبِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ لَا يُنْسَبُونَ إِلَى مَذْهَبِ أَحَدِهِمْ، فَيُقَالُ فُلَانٌ شَافِعِيٌّ، وَفُلَانٌ حَنَفِيٌّ» (1)، وبذلك كان ينبغي له أن يشير إلى أنّ المَذَاهِبَ السُّنِّيَّةَ ليس بينها خلافات جوهرية «فَأُصُولُهَا جَمِيعًا وَاحِدَةٌ، وَخِطَّةُ الاِسْتِنْبَاطِ فِيهَا لَا تَخْتَلِفُ اِخْتِلَافًا يُؤَدِّي إِلَى اِعْتِنَاقِ بَعْضِهَا وَنَبْذِ بَعْضِهَا الآخَرِ، وَفِي أَحْكَامِهَا جَمِيعًا مَا فِيهِ يُسْرٌ وَتَخْفِيفٌ عَلَى النَّاسِ وَمَا بِهِ شِدَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّهَا قَامَتْ عَلَى مُسَايَرَةِ التَّطَوُّرِ مَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى صَلَاحِ النَّاسِ» (2).
إن اعتبار الدهلوي أبا حنيفة مِنَ المُخَرِّجِينَ، وَعَدِّهِ من أهل الرأي لذلك، هو اعتبار ينقصه الدليل، إذ يلزم أن يثبت أن المعاصرين لأبي حنيفة كانوا يصفونه بالرأي لذلك، مع ما سبق من قول الأوزاعي أنه لا ينكر الرأي على أبي حنيفة، وإنما ينكره عليه تركه للحديث.
وفي رأيي أن التقسيم الذي نبذه الدهلوي والذي يقسم المجتهدين إلى قسمين: هما أهل الظاهر وأهل الرأي، كان يمكن أن يكون أقرب التقسيمات إلى الواقع في القرن الثالث، لو لم يظهر في هذا القرن مَذْهَبُ المُحَدِّثِينَ، إذ ليس بين المذاهب الأربعة خلاف يرجع إلى الأصل والأساس، كما سبق وإنما هو خلاف يرجع إلى الفهم والوزن والتقدير كخلاف أصحاب المذهب الواحد، فخلاف أبي حنيفة مع أصحابه لا يختلف في وسائله وأسبابه عن خلافه مع الشافعي أو خلافه مع مالك إذا ما دققنا النظر وحققنا أسباب الخلاف، والشافعي بدوره كان تابعًا لمالك في بداية أمره، ثم لم ينفصل عنه
__________
(1) انظر " حجة الله البالغة ": 1/ 321.
(2) " محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء "، للأستاذ علي الخفيف: ص 268.
(1/89)

بمذهب يعتبر به مفارقًا لمالك إلا بعد أن عني برأيه وحده ونشره بين الناس، وكذلك الحال في كثير من الفقهاء كأبي ثور والطبري، فقد كانا في بداية أمرهما شَافِعِيَيْنِ، وكل هذه المذاهب تعتمد على الرأي وتستعمل القياس على خلاف بينهما في الكثرة والقلة، وبذلك يصح أن تندرج كلها تحت (أَهْلِ الرَّأْيِ).
أما أهل الظاهر فهو يختلفون عن غيرهم اختلافًا يرجع إلى الأصل والأساس فإن من لا يرى العمل بالقياس أو بالمصالح المرسلة لا شك أنه يختلف مع من يراهما أصلين يعمل بهما ويبني عليهما كثيرًا من الأحكام (1).
أما التقسيم الذي يضع المذهب الحنفي تحت شعار (أَهْلِ الرَّأْيِ) ويضع باقي المذاهب تحت شعار (أَهْلِ الحَدِيثِ) فليس قائمًا على أساس موضوعي، وإنما يقوم على أساس عاطفي نفسي، فمالك ممن اشتغل برواية الحديث والشافعي شيخ أحمد بن حنبل، ورأي أحمد فيه رأي حسن، وقد تبع أحمد في ذلك من اشتغلوا برواية الحديث، ومن لم يشتغل بروايته من العامة الذين كانوا متعصبين لأحمد منذ المحنة، انسياقًا وراء العاطفة الدينية، دون أن يكون عندهم مقدرة عقلية على الموازنة والمقارنة.
إِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ أصرح مواجهة مع أنفسهم ومع غيرهم، فما دامت الآثار كثيرة، وما دام القياس مذمومًا - وَهَذَا رَأْيُ عَامَّةِ المُحَدِّثِينَ - وَجَبَ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْبَذَ القِيَاسُ وَيُكْتَفَى بِالنُّصُوصِ. أما أن القياس مذموم، ولا بأس في استعماله عند الضرورة، كما يضطر الجائع إلى أكل الميتة، فهذا رأي ينطوي في ثناياه اعترافًا بأهمية القياس وَتَعَيُّنِهِ في بعض المسائل، وَهُوَ مَا يَؤُولُ بِهِمْ إِلَى رَأْيِ أَهْلِ الرَّأْيِ الذين يعلنون أنهم لا يستخدمون القياس إلا حيث لا توجد نصوص صحيحة.
__________
(1) انظر: المصدر السابق: ص 287، 288.
(1/90)

إن أصدق تقسيم يمكن أن ينطبق على العلماء في القرن الثالث الهجري وهو القرن الذي نُعْنَى بِهِ في دراستنا هذه، هو الذي يقسمهم إلى ثلاثة أقسام:
[أ] أهل حديث. [ب] وأهل رأي. [ج] وأهل ظاهر.
على أن يدخل في مفهوم أهل الرأي المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية بعد وفاة أحمد بن حنبل. أما أهل الحديث فهم: أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الكتب الستة وغيرهم من المشتغلين برواية الحديث في هذا القرن.
وقد أحسن الأستاذ الخضري - رَحِمَهُ اللهُ - في التعريف بأهل الحديث وأهل الرأي، ووصفهم بما ينطبق مع فهمنا الذي قدمناه، وذلك حيث قال: «أَهْلُ الحَدِيثِ قِبْلَتُهُمْ السُّنَّةُ بِاعْتِبَارِهَا مُكَمِّلاً لِلْقُرْآنِ، وَبِاعْتِبَارِهَا نُصُوصًا تُعُبِّدَ بِهَا الشَّارِعُ الإِسْلَامِيُّ مَنْ دَانَ بِالإِسْلَامِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عِلَلٍ رَاعَاهَا فِي تَشْرِيعِهِ، وَلَا أُصُولَ عَامَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا المُجْتَهِدُ، وَلَا أُصُولَ خَاصَّةً بِالأَبْوَابِ المُخْتَلِفَةِ، فَهُوَ المُتَشَرِّعُونَ الحِرَفِيُّونَ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَرَاهُمْ إِذَا لَمْ يَجِدُوا نَصًّا فِي المَسْأَلَةِ سَكَتُوا وَلَمْ يُفْتُوا.
أَمَّا أَهْلُ الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ فَإِنَّهُمْ رَأَوْا الشَّرِيعَةَ مَعْقُولَةَ المَعْنَى، رَأَوْا أُصُولاً عَامَّةً نَطَقَ بِهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ وَأَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ، وَرَأْوا كَذَلِكَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الفِقْهِ أُصُولاً أَخَذُوهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَرَدُّوا إِلَيْهَا جَمِيعَ المَسَائِلِ التِي تُعْرَضُ مِنْ هَذَا البَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ، وَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّنَّةِ كَالأَوَّلِينَ مَتَى وَثِقُوا مِنْ صِحَّتِهَا» (1).
__________
(1) " تاريخ التشريع ": ص 197.
(1/91)

أما أهل الظاهر فهم طَائِفَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، فيهم بعض ما قدمه الأستاذ الخضري في وصف أهل الحديث، ولكنهم يفارقونهم في أمور أخرى، سوف يعنى هذا البحث ببيانها في فصل خاص، ولكننا نستطيع أن نقول بصورة عامة إن أهم مَا يُميِّزُهُمْ هو أن لهم أصولاً عامة مطردة، قد يتطرفون في تطبيقها وأنهم - استنادًا إلى هذه الأصول - لا يتوقفون في المسائل، ولا يتحرجون من الإفتاء.
(1/92)

الفَصْلُ الثَّانِي: الخُصُومَةُ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَسْبَابُهَا وَنَتَائِجُهَا:
أشرنا في الفصل السابق إلى الخصومة بين المحدثين وغيرهم من المتكلمين وأصحاب الرأي، وفي هذا الفصل بسط لما أوجز في سابقه، ومحاولة لتتبع الأسباب التي أفضت إلى هذه الخصومة، وتفصيل للمآخذ التي طعن بها المحدثون، ومدى صحتها، وبيان لموقف المحدثين منها، وكيف دفعوها عن أنفسهم.
وقد سبق أن ذكرنا أن المعتزلة أصحاب مدرسة عقلية تُمَجِّدُ العَقْلَ وتعتمد عليه وَتُغذِّيهِ بالفلسفات المختلفة، وتجول به بين الديانات والعقائد المتنوعة، مستعينة بنشاط العصر في الترجمة، مستعملة المنطق ومتأدبة بآداب الجدل والمناظرة وملتزمة قوانينا (1).
وبهذا كان التكوين الثقافي للمعتزلة غريباً عمَّا ألفه علماء الحديث والفقه، مما نتج عنه اختلاف في المنهج عند تناول قضايا العقيدة أو مسائل الفروع، وباعد هذا الاختلاف في المنهج بين الطرفين، وحال دون التقاء الاتجاهين،
__________
(1) انظر " ضحى الإسلام ": 1/ 357 وفيه أن رجلاً وصف واصل بن عطاء فقال: «لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِكَلَامِ غَالِيَةِ الشِّيعَةِ وَمَارِقَةِ الخَوَارِجِ وَكَلَامِ الزَّنَادِقَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ وَالمُرْجِئَةِ وَسَائِرِ المُخَالِفِينَ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ» وفيه أيضًا أن واصل بن عطاء نقض كتاب أرسططاليس وأنه تحدى جعفر البرمكي بقوله: «أَيَّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: أَنْ أَقْرَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ أَمْ مِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ؟».
(1/93)

فتبادلا الاتهامات، وبالغ كل من الطرفين في الانتقاص من الطرف الآخر والتشهير به، وَأَلَّفُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا. فالمعتزلة يتهجمون على أهل الحديث في كتب أفردوها لذلك، وأودعوها طعونهم ومآخذهم، ويشير إليها ابن قتيبة بقوله: «فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تُعْلِمُنِي مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْبِ أَهْلِ الكَلَامِ أَهْلَ الحِدِيثِ وَامْتِهَانِهِمْ، وَإِسْهَابِهِمْ فِي الكُتُبِ بِذَمِّهِمْ» (1).
ومن كتبهم في ذلك كتاب " قبول الأخبار ومعرفة الرجال " (*) لأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي (ت 317 أو 319 ه) ويقول في مقدمته: «... فَإِنِّي لَمَّا عَارَضْتُ شَيْخَنَا أَبَا الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ الذِي طَعَنَ بِهِ عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ، وَقُلْتُ فِي إِثْبَاتِهِ وَإِيجَابِ قَبُولِهِ فِي المَوَاضِعِ التِي ذَكَرْتُهَا وَعَلَى المَوَاضِعِ التِي بَيَّنْتُهَا مَا وُفِّقْتُ إِلَيْهِ - خِفْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَجَاوَزَ الحَدَّ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِأَخْبَارِ كَثِيرٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إِلَى الحَدِيثِ وَأَنْ تَغْتَرَّ بِانْتِشَارِ ذِكْرِهِمْ، وَبُعْدِ صَوْتِهِمْ عِنْدَ أَصْحَابِهِمْ، فَعَمَلْتُ كِتَابِي هَذَا، وَذَكَرْتُ لَكَ فِيهِ أَحْوَالَ القَوْمِ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، دُونَ مَا قَالَهُ فِيهِمْ خُصُومُهُمْ، وَوَصَفُوهُمْ بِهِ مِنَ المُنَاقَضَةِ وَالخَطَأِ، لِتَعْرِفَ بِذَلِكَ مِقْدَارَهُمْ» (2).
وَالمُحَدِّثُونَ مِنْ جَانِبِهِمْ يَذُمُّونَ الكَلَامَ وَأَهْلَهُ، ويؤلفون الكتب دفاعًا عن أنفسهم، ولا ينسون أن يشيروا إلى المعتزلة وتهجمهم على أهل الحديث حتى في كتب علوم الحديث، فالرامهرمزي يقول في كتابه: «اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَشْنَأُ الحَدِيثَ وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، فَقَالُوا بِتَنَقُّصِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ وَالْإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَأَسْرَفُوا فِي ذَمِّهِمْ وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الحَدِيثَ وَفَضَّلَ أَهْلَهُ» (3).
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث ": ص 12.
(2) مصور بدار الكتب المصرية برقم (ب 24251) (*).
(3) مقدمة كتاب " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي "، للرامهرمزي، تحقيق محمد عجاج الخطيب (**)، مخطوط دار العلوم.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) طبع الكتاب، تحقيق أبي عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، طبعة سنة 2000 م، 839 صفحة، (2 مجلد). نشر دار الكتب العلمية.
(**) " المحدث الفاصل بن الراوي والواعي "، للقاضي الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت 360 ه)، قدم له وحققه وخرج أخباره وعليق عليه ووضع فهارسه الدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الأولى: 1391 ه - 1971 م، دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت - لبنان، (686 صفحة).
(1/94)

ويؤلِّف الخطيب كتابًا يُسَمِّيهِ " شرف أصحاب الحديث " (*) يقول في مقدمته: «فَقَدْ وَقَفْنَا عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ عَيْبِ المُبْتَدِعَةِ لِأَهْلِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَطَعْنِهِمْ عَلَى مَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِسَمَاعِ الْأَحَادِيثِ وَحِفْظِ الْأَخْبَارِ وَتَكْذِيبِهِمْ بِصَحِيحِ مَا نَقَلَهُ إِلَى الْأُمَّةِ الْأَئِمَّةُ الصَّادِقُونَ وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِأَهْلِ الحَقِّ فِيمَا وَضَعَهُ عَلَيْهِمُ المُلْحِدُونَ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] وَلَيْسَ ذَاكَ عَجِيبًا مِنْ مُتَّبِعِي الْهَوَى وَمَنْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْهُدَى وَمِنْ وَاضِحِ شَأْنِهِمُ الدَّالُّ عَلَى خِذْلَانِهِمْ صُدُوفُهُمْ عَنِ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَتَرْكِهِمُ الْحِجَاجَ بِآيَاتِهِ الوَاضِحَةِ الْبُرْهَانِ وَاطِّرَاحِهِمُ السُّنَنَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَتَحَكُّمِهِمْ فِي الدِّينِ بِآرَائِهِمْ فَالْحَدَثُ مِنْهُمْ مَنْهُومٌ بِالْغَزَلِ وَذُو السِّنِّ مَفْتُونٌ بِالكَلَامِ وَالْجَدَلِ قَدْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ وَأَرْسَلَ نَفْسَهُ فِي مَرَاتِعِ الهَلَكَاتِ وَمَنَّاهُ الشَّيْطَانُ دَفْعَ الحَقِّ بِالشُّبُهَاتِ إِنْ عُرِضَ عَلَيْهِ بَعْضُ كُتُبِ الْأَحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِآثَارِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ السَّلَامِ نَبَذَهَا جَانِبًا وَوَلَّى ذَاهِبًا عَنِ النَّظَرِ فِيهَا يَسْخَرُ مِنْ حَامِلِهَا وَرَاوِيهَا مُعَانَدَةً مِنْهُ لِلدِّينِ وَطَعْنًا عَلَى أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ هُوَ يَفْتَخِرُ عَلَى العَوَامِ بِذَهَابِ عُمْرِهِ فِي دَرْسِ الكَلَامِ وَيَرَى جَمِيعَهُمْ ضَالِّينَ سِوَاهُ وَيَعْتَقِدُ أَنْ لَيْسَ يَنْجُو إِلَّا إِيَّاهُ لِخُرُوجِهِ زَعَمَ عَنْ حَدِّ التَّقْلِيدِ وَانْتِسَابِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ ...» (1).
ثم يروي الخطيب ما رُوِيَ عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحث على التبليغ عنه، وَمَا رُوِيَ عن الصحابة والعلماء في فضل الحديث وأهله.
ومن قبل الرامهرمزي والخطيب كتب ابن قتيبة كتابه " تأويل مختلف الحديث "، وَدَافَعَ عَنْ المُحَدِّثِينَ، وَبيَّنَ مخارج الأحاديث التي زعم أهل
__________
(1) مخطوط مكتبة الأزهر برقم 2019 حديث. ضمن مجموعة رقم الكتاب فيها من 64 - 117 وقد صححنا بعض ما في العبارة من تصحيف وأخطاء (*).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) " شرف أصحاب الحديث "، للخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق الدكتور محمد سعيد خطي اوغلي، (مجلد واحد)، 191 صفحة، نشر دار إحياء السنة النبوية. أنقرة - تركيا.
(1/95)

الكلام أنها متناقضة أو معارضة للعقل، ويشير الخطيب إلى هذا الكتاب فيقول: «قَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَلَّفِ فِي تَأْوِيلِ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيثِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَسَادِ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ، مَا فِيهِ مُقْنِعٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِرُشْدِهِ، وَرَزَقَهُ السَّدَادَ فِي قَصْدِهِ» (1)
ولنا أنْ نتساءل: ما الذي نقمه المعتزلة من المُحَدِّثِينَ؟ وما الذي أنكره المُحَدِّثُونَ على المعتزلة؟
أما ما نقمه المعتزلة على المُحَدِّثِينَ فقد حكاه ابن قتيبة في مقدمة كتابه " تأويل مختلف الحديث " ويمكن أن نلخصه فيما يأتي:
[أ] كثرة الأحاديث المختلفة والمتناقضة، بحيث تجد كل فرقة في هذه الأحاديث ما تحتج به على صحة ما ذهبت إليه، مع ما بين هذه الفرق من التضاد والنفرة، سواء في العقائد كالخوارج والمرجئة والقدرية والرافضة وغيرها، أو في الفروع كاختلاف العراقيين والحجازيين. والتناقض لا يمكن أن يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ففي هذه المتناقضات ما هو كذب، والمحدثون يحملونه (2).
[ب] روايتهم للأحاديث الموضوعة التي تجافي تنزيه الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، وتتنافر مع روح الإسلام، إذ تبرزه كأنه يتآلف مع العقائد التي تدعو إلى التجسيم والتشبيه والحلول (3).
[ج] تناقضهم في الجرح والتعديل «قَالُوا: وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ
__________
(1) المصدر السابق ورقه (68) وانظر في اختلاف الحديث ومشلكه والفرق بينهما رسالة " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ": ص 171، 190، وهناك ترى نَقْدَ المُحَدِّثِينَ لابن قتيبة في اختلاف الحديث.
(2) " تأويل مختلف الحديث ": 2، 7.
(3) انظر المرجع السابق: 7، 10.
(1/96)

الشَّيْخَ إِلَى الْكَذِبِ وَلاَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ، بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بن المَدِينِيّ وَأَشْبَاهَهُمَا. وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - فِيمَا لاَ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ... وَيُبَهْرِجُونَ الرَّجُلَ بِالقَدَرِ، فَلاَ يَحْمِلُونَ عَنْهُ كَغَيْلَانَ، وَعَمْرَو بْنِ عُبَيْدٍ وَمَعْبَدَ الجُهَنِيِّ، وعَمْرو بْنِ فَائِدٍ، وَيَحْمِلُونَ عَنْ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَقَالَتِهِمْ، كَقَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ...» (1).
[د] جَهْلُهُمْ بِمَا يَرْوُونَهُ، وَوُقُوعِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ مِنْهُمْ، وَقالُوا فِي ذَلِكَ:
زوامِلُ لِلأشْعَارِ، لاَ عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجَيِّدِهَا إِلاَّ كَعِلْمِ الْأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الْبَعِيرُ إِذَا غَدَا ... بِأَحْمَالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ
وَرَضُوا بِأَنْ يُقَال: فُلَانٌ عَارِفٌ بِالطُّرُقِ، وَرَاوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَزَهِدُوا فِي أَنْ يُقَالَ: عَالِمٌ بِمَا كَتَبَ، أَوْ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ. [ثُمَّ رَوَوْا طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِ تَصْحِيفِهِمْ وَعَدَمِ فَهْمِهِمْ] (2) (*).
هذا موجز لما حكاه ابن قتيبة مما أخذه المتكلمون على أهل الحديث وَقَدْ رَدَّ ابن قتيبة على المعتزلة، مدافعًا عن أهل الحديث، مُفنِّدًا ما أخذ عليهم.
أما بالنسبة للأحاديث المختلفة والمشكلة، أو بعبارة أخرى: الآحاديث التي ظنها المتكلمون مختلفة أو مشكلة، فلا اختلاف فيها ولا إشكال في الحقيقة، ولو ردوها إلى أهل العلم بها لوضح لهم المنهج، ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الاتباع، وقد ألف ابن قتيبة كتابه هذا لينفي التعارض والإشكال عن الحديث، كما ألف غيره في هذا الموضوع.
__________
(1) المصدر نفسه: 10، 11.
(2) المرجع نفسه: 11 - 14.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هذه الجملة التي وضعتها بين [.....] لم أجدها في " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة. لعلها من تعليق المؤلف.
(1/97)

وأما بالنسبة للاتهام الثاني، وهو حمل الضعيف ورواية الموضوعات من الأحاديث فَيُفَنِّدُهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ يَعِيبُهُمُ الطَّاعِنُونَ بِحَمْلِهِمُ الضَّعِيفَ، وَطَلَبِهِمْ الغَرَائِبَ، وَفِي الغَرِيبِ الدَّاءُ. وَلَمْ يَحْمِلُوا الضَّعِيفَ وَالغَرِيبَ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُمَا حَقًّا، بَلْ جَمَعُوا الغَثَّ وَالسَّمِينَ، وَالصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ، لِيُمَيِّزُوا بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّوا عَلَيْهِمَا، وَقَدْ فَعَلُوا ...» (1)، ثم أورد جملة من الأحاديث التِي نَبَّهَ المُحَدِّثُونَ على بطلانها، ومنها أحاديث وضعها الزنادقة ليُشَنِّعُوا بها على المسلمين وعلى أهل الحديث.
والحق أَنَّ المُحَدِّثِينَ في تحقيقهم للنصوص، ونقدهم للحديث شكلاً وموضوعًا أو إسنادًا ومتنًا، منذ وقت مبكر للعصور الأولى للإسلام ليدخلون في زمن الأوائل القلائل الذين يرتادون ميدان البحث العلمي المنهجي على غير مثال يُحْتَذَى أَوْ نَمُوذَجٍ يُقلَّدُ، وكان يدفعهم إلى ذلك غيرة على الدين وجهاد في سبيله، فَبَنَوْا سدودًا منيعة أمام سيل الوضع من الزنادقة وغيرهم من خصوم الإسلام. وقد شكا أحد الناس كثرة الأحاديث الموضوعة إلى أحد علماء الحديث - هو ابن المبارك - فرد عليه بأن الجهابذة من النُقَّادِ لها بالمرصاد (2) (*).
ورد ابن قتيبة التهمة الثالثة مُبَيِّنًا أَنَّ المُحَدِّثِينَ أخذوا عن المبتدعة ما لا يحتجون به لمذاهبهم إذا كانوا صادقين: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الحَدِيثَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ، كَقَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الكِتَابَةِ عَنْ مِثْلِهِمْ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ فَائِدٍ، وَمَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَتَبُوا عَنْهُمْ، أَهْلُ عِلْمٍ وَأَهْلُ صِدْقٍ فِي الرِّوَايَةِ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ، فَلَا بَأْسَ بِالكِتَابَةِ عَنْهُ، وَالعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، إِلَّا فِيمَا اعْتَقَدَهُ مِنَ الهَوَى،
__________
(1) المصدر نفسه: 89، 91.
(2) انظر " تقدمة الجرح والتعديل ": ص 3، وانظر في الوضع وأسبابه وجهود المحدثين في القضاء عليه " السنة قبل التدوين ": ص 185، 287.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قول عبد الله بن المبارك: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]»، حِينَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ!!؟. انظر: " السنة قبل التدوين "، للدكتور محمد عجاج الخطيب، ص 220، الطبعة الثانية: رمضان 1408 - أبريل 1988 م، نشر مكتبة وهبة - مصر.
(1/98)

فَإِنَّهُ لاَ يَكْتُبُ عَنْهُ، وَلاَ يَعْمَلُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الثِّقَةَ العَدْلَ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ لابْنِهِ، وَلاَ لأَبِيهِ، وَلاَ فِيمَا جرَّ إِلَيْهِ نَفَعًا، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا. وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّادِقِ، فِيمَا وَافَقَ نِحْلَتَهُ، وَشَاكَلَ هَوَاهُ، لأَنَّ نَفْسَهُ تُرِيهِ أَنَّ الحَقَّ فِيمَا اعْتَقَدَهُ، وَأَنَّ القُرْبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَثْبِيتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلاَ يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ، التَّحْرِيفُ، وَالزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ» (1).
وبالنسبة للاتهام الرابع أجاد ابن قتيبة في دفعه، مُبَيِّنًا أنَّ المُحَدِّثِينَ صِنْفٌ فِيهِمْ الجَيِّدُ والرَدِيء، وأنه لا وجه لتخصيص أهل الحديث بإحصاء السقطات عليهم وعيبهم بذلك، فقال: «وَأَمَّا طَعْنُهُمْ عَلَيْهِمْ بِقِلَّةِ المَعْرِفَةِ لِمَا يَحْمِلُونَ، وَكَثْرَةِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، فَإِنَّ النَّاسَ لاّ يَتَسَاوُونَ جَمِيعًا فِي المَعْرِفَةِ وَالفَضْلِ، وَلَيْسَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ وَلَهُ حَشْوٌ وَشَوْبٌ، فَأَيْنَ هَذَا العائب لَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِكُلِّ فَنٍّ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، [وَابْنِ عَوْنٍ]، وَأَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ، وَأَمْثَالِ هَؤُلاَءِ مِنَ المُتْقِنِينَ؟.
عَلَى أَنَّ المُنْفَرِدَ بِفَنٍّ مِنَ الفُنُونِ، لاَ يُعَابُ بِالزَّلَلِ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ عَلَى المُحَدِّثِ عَيْبٌ أَنْ يَزِلَّ فِي الإِعْرَابِ، وَلاَ عَلَى الفَقِيهِ أَنْ يَزِلَّ فِي الشِّعْرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أَنْ يُتْقِنَ فَنَّهُ، إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَانْعَقَدَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ بِهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْوَاحِدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ يُؤْتِي الفَضْلَ مَنْ يَشَاءُ ...
وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالأَدَبِ إِلاَّ وَقَدْ أَسْقَطَ فِي عِلْمِهِ كَالأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَسِيبَوَيْهِ، وَالاَخْفَشِ، وَالكِسَائِيِّ، وَالفَرَّاءِ، وَأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَكَالأَئِمَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ،
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث ": ص 102، 103.
(1/99)

وَالْأَئِمَّةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ عَلَى الشُّعَرَاءِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإسْلامِ الخَطَأَ فِي المَعَانِي وَفِي الإعْرَابِ، وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَبِهِمْ يَقَعُ الاحْتِجَاجُ. فَهَلْ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي سَقَطِهِمْ إِلاَّ كَصِنْفٍ مِنَ النَّاسِ؟» (1).
وبعد أن عرضنا لمآخذ المتكلمين على المحدثين، وما دافع به المحدثون عن أنفسهم، ننتقل إلى استعراض مآخذ أهل الحديث على المعتزلة من وجهة نظر ابن قتيبة أيضًا. وهي تتلخص فيما يأتي:
[أ] كثرة خلاف المعتزلة مما نتج عنه كثرة فرقهم، وإذا كانت الأحاديث المختلفة هي السر في اختلاف الفقهاء كما زعموا، فما الذي جعل المعتزلة يختلفون مع أنهم يعتمدون على العقل والنظر، ولو كان اختلاف المعتزلة في الفروع لاتسع لهم العذر، ولكن اختلافهم في العقائد «وَقَدْ كَانَ يَجِبُ -[مَعَ] مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ القِيَاسِ وَإِعْدَادِ آلَاتِ النَّظَرِ- أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا ... فَمَا بَالُهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الدِّينِ.
فَأَبُو الهُذَيْلِ العَلَّافُ يُخَالِفُ النَّظَّامَ، وَالنَّجَّارُ يُخَالِفُهُمَا، وَهِشَامُ بْنُ الحَكَمِ يُخَالِفُهُمْ ... لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا وَلَهُ مَذْهَبٌ فِي الدِّينِ، يُدَانُ بِرَأْيهِ وَلَهُ عَلَيْهِ تَبَعٌ» (2).
[ب] انحرافات بعض أئمتهم سواء في سلوكهم أو في آرائهم في العقيدة والفروع (3).
[ج] تهجم بعضهم على الصحابة وَجُرْأتُهُمْ عَلَيْهِمْ. وتجريحهم لهم، وانتقاصهم إياهم، كما جَرَّحَ النَّظَّامُ أبا بكر وعمر وابن مسعود وأبا هريرة وحُذيفة وغيرهم (4).
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث ": 93، 96.
(2) المصدر السابق: 16، 17.
(3) " تأويل مختلف الحديث ": 21، 62.
(4) المصدر السابق: 34، 53.
(1/100)

[د] رَفْضُ بعضهم لِلْسُّنَّةِ أَصْلاً وعدم اعتبارها أصلاً من أصول التشريع، ورَفْضُ بعضهم خبر الآحاد وعدم اعترافه إلاّ بالخبر المتواتر، وقد ناقش هذين الإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - (1)، أما الذين قبلوا أخبار الآحاد منهم فقد اختلفوا اختلافًا كبيرًا في شروط قبولها ممّا قد يظن معه عزوفهم عن السنة، «فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَثْبُتُ الخَبَرُ بِالوَاحِدِ الصَّادِقِ، وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِثَلَاثَةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (2) قَالُوا: وَأَقَلُّ مَا تَكُونُ الطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ، وَغَلَطُوا فِي هَذَا القَوْلِ، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ تَكُونُ وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَكْثَرَ، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ بِمَعْنَى القِطْعَةِ، وَالوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ قِطْعَةً مِنَ القَوْمِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (3) يُرِيدُ الوَاحِدَ وَالاِثْنَيْنِ، وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِأَرْبَعَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} (4)، وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِاثْنَيْ عَشَرَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} (5)، وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِعِشْرِينَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (6) وَقَالَ آخَرُ: يَثْبُتُ بِسَبْعِينَ رَجُلاً، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} (7)، فَجَعَلُوا كُلَّ عَدَدٍ ذُكِرَ فِي القُرْآنِ حُجَّةً فِي صِحَّةِ الخَبَرِ» (8).
__________
(1) انظر " الرسالة ": 269، 470؛ و" الأم ": 7/ 250، 263.
(2) [التوبة: 122].
(3) [النور: 2].
(4) [النور: 13].
(5) [المائدة: 12].
(6) [الأنفال: 65].
(7) [الأعراف: 155].
(8) " تأويل مختلف الحديث ": 78، 79.
(1/101)

[ه] تَعَسُّفُهُمْ في تأويل القرآن لحمله على مذاهبهم. «وَفَسَّرُوا القُرْآنَ بِأَعْجَبِ تَفْسِيرٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى مَذَاهِبِهِمْ، وَيَحْمِلُوا التَّأْوِيلَ عَلَى نِحَلِهِمْ» (1).
هذا موجز لمآخذ المحدثين على المعتزلة كما عرضها ابن قتيبة ونضيف إليها ما سبق أن ذكرناه من أن أهم ظاهرة أساءت إلى المعتزلة وَنَفَّرَتْ مِنْهُمْ جُمْهُورَ الأُمَّةِ هي محاولتهم حمل الناس على آرائهم بالقوة، وسعيهم في قهر المُحَدِّثِينَ على أن يعترفوا بأن كل آرائهم المخالفة للمعتزلة أخطاء توجب عليهم التوبة والاستغفار.
على أننا ينبغي أن نلاحظ أن المآخذ السابقة هي ظواهر للخلاف، أما السبب الرئيسي أو جوهر الخلاف فيجدر بنا أن نستخرجه من نشأة المعتزلة الذين أَدُّوا دَوْرًا هَامًّا فِي الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ، والذين كانوا من مظاهر الصحة له في النصف الأول من القرن الثاني، حيث هَالَهُمْ هذا الحشو الكبير الذي دخل في الحديث مما كان التسليم به يُشَوِّهُ جوهر الإسلام، بل كان فيما دخل في الحديث دعوة صريحة إلى التجسيم والحلول والثنوية وغيرها من الأفكار الدخيلة التي تتسرب بسرعة إلى العامة، وتجد لها في صفوف المُحَدِّثِينَ وبعض المشهورين في العلم أئمة يدعون إليها كمقاتل بن سليمان (2). ومن ثَمَّ أخذ أوائل المعتزلة يحاربون هذه الأحاديث لا عن طريق السند فقط بل عن طريق العقل أيضًا، والحملة على هذه الأحاديث تستتبع الحملة على رُواتها من المُحَدِّثِينَ، بل يذهب بعضهم في سوء الظن إلى غايته فيشك في الحديث كله. وفي الرُواة كلهم حتى الصحابة. إن منهج السلف لم يعد يعجبهم، منهج التمسك بالظاهر وعدم التأويل إذ في هذا حَجْرٌ عَلَى العَقْلِ، ولا غناء فيه لمن يبغي محاربة أعداء الإسلام ممن لا يؤمن بالنقل، بَلْ يَتَسَلَّحُ بالمنطق والفلسفة والجوهر.
__________
(1) انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص 80 وما بعدها.
(2) يقول ابن الجوزي: «وَاعْلَمْ أَنَّ عُمُومَ المُحَدِّثِينَ حَمَلُوا ظَاهِرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ البَارِي سُبْحَانَهُ عَلَى مُقْتَضَى الحِسِّ فَشَبَّهُوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِطُوا الفُقَهَاءَ» " تلبيس إبليس ": ص 113.
(1/102)

والعرض، وهكذا ظهر (العقل) في مقابلة (النقل)، و (التأويل) مقابلاً ل (التقليد)، وظهر (التوفيق) و (الدراية) مقابلة ل (الرواية)، وبدأ النزاع عنيفًا، تتدخل فيه السياسة أحيانًا والتنافس العلمي أحيانًا أخرى، ويوجد من الفريقين متطرفون يبعدون بتطرفهم عن قصد الإسلام وَمَنْهَجِهِ السَّوِيِّ، وينسى هؤلاء وهؤلاء الغاية المشتركة بين المخلصين منهم وهي تنزيه الله سبحانه والدفاع عن الإسلام فيستغرقون في الخصومة حتى تصل بهم إلى المُهاترة، فيبالغون في التشويه والاستهزاء ويتناول كل من الطرفين الجانب السيء من خصمه فيذيعه ويجعله عَلَمًا عَلَيْهِ، ويغفل فيه جانبه الوضيء ويواريه.
لقد أطلق المعتزلة ألسنتهم في أهل الحديث، واتهموهم بالجمود والغفلة، وعدم الفطنة، «وَقَدْ لَقَّبُوهُمْ بِالحَشْوِيَّةِ، وَالنَّابِتَةِ، وَالمُجَبِّرَةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: الجَبْرِيَّةَ. وَسَمَّوْهُمُ الغُثَاءَ وَالغُثْرَ» (1).
ويشير كتاب المأمون الذي أرسله إلى عامله إسحاق بن إبراهيم بخصوص محنة خلق القرآن - يشير إلى استعلاء المعتزلة وغُرورهم الفكري، من مثل قوله: «وَقَدْ عَرَفَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنَّ الجُمْهُورَ الأَعْظَمَ، وَالسَّوَادَ الأَكْبَرَ مِنْ حَشْوِ الرَّعِيَّةِ وَسَفَلَةِ العَامَّةِ، مِمَّنْ لَا نَظَرَ لَهُ وَلَا رَوِيَّةَ، وَلَا اسْتِدْلَالَ لَهُ بِدَلَالَةِ اللَّهِ وَهِدَايَتِهِ، وَلَا اسْتِضَاءَةً بِنُورِ العِلْمِ وَبُرْهَانِهِ، فِي جَمِيعِ الأَقْطَارِ وَالآفَاقِ - أَهْلِ جَهَالَةٍ بِاللَّهِ وَعُمْيٍ عَنْهُ، وَضَلَالَةٍ عَنْ حَقِيقَةِ دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ
__________
(1) انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص 96 والمقصود بالحشوية هو الذين أدخلوا كثيراً من الإسرائيليات والغرائب في الحديث وحشوه بالموضوعات، ويعتبر الشيعة الجمهور العظيم أهل حشو، لأنهم قالوا إن النبي مات ولم يستخلف أحدًا. (انظر " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ": 1/ 601 وما بعدها)، وأصل الغثاء الزبد والوسخ الذي يحمله السيل، والغثر جمع أغثر: سفلة الناس وأرذلهم.
(1/103)

وَالإِيمَانِ بِهِ، وَنُكُوبٍ عَنْ وَاضِحَاتِ أَعْلَامِهِ وَوَاجِبِ سَبِيلِهِ .. لِضَعْفِ آرَائِهِمْ وَنَقْصِ عُقُولِهِمْ، وَجَفَائِهِمْ عَنْ التَّفَكُّرِ وَالتَّذَكُّرِ». ويقول عن المحدثين: «ثَمَّ هُمْ الذِينَ جَادَلُوا بِالبَاطِلِ فَدَعُوا إِلَى قَوْلِهِمْ وَنَسَبُوا أَنَفْسَهُمْ إِلَى السُّنَّةِ .. ثَمَّ أَظْهَرُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَهْل الحَقِّ وَالدِّينِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَنَّ مَنْ سِوَاهُمْ أَهْلُ البَاطِلِ وَالكُفْرِ وَالفُرْقَةِ، فَاسْتَطَالُوا بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَغَرُّوا بِهِ الجُهَّالَ، حَتَّى مَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السَّمْتِ الكَاذِبِ وَالتَّخَشُّعِ لَغَيْرِ اللَّهِ وَالتَّقَشُّفِ لَغَيْرِ الدِّينِ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ عَلَيْهِ وَمُوَاطَأَتِهِمْ عَلَى سَيِّئِ آرَائِهِمْ، تَزَيُّنًا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَتَصَنُّعًا لِلْرِّيَاسَةِ وَالعَدَالَةِ فِيهِمْ، فَتَرَكُوا الحَقَّ إِلَى بَاطِلِهِمْ، وَاِتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ إِلَى ضَلاَلَتِهِمْ، فَقَبِلَتْ بِتَزْكِيَتِهِمْ لَهُمْ شِهَادَتَهُمْ وَنَفَّذَتْ أَحْكَامَ الكِتَابِ بِهِمْ، عَلَى دَغَلِ دِينِهِمْ وَنَغَلِ أَدِيمِهِمْ، وَفَسَادِ نِيَّاتِهِمْ وَيَقِينِهِمْ» (1).
ويروي ابن قتيبة «عَنْ عَمْرِو بْنِ النَّضْرِ قَالَ: مَرَرْتُ بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: " مَا هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا ". قَالَ: " وَمَنْ أَصْحَابُكَ؟ ". قُلْتُ: " أَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَيُونُسُ، وَالتَّيْمِيُّ ". فَقَالَ: " أُولَئِكَ أَرْجَاسٌ أَنْجَاسٌ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ "».
ثم يعلق ابن قتيبة بقوله: «وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ [الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ]، غُرَّةُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فِي العِلْمِ، وَالْفِقْهِ، وَالْاجْتِهَادِ فِي العِبَادَةِ، وَطِيبِ الْمَطْعَمِ» (2).
__________
(1) " عصر المأمون " للدكتور أحمد فريد رفاعي: ج 3 ص 5. ط. دار الكتب 1346 ه. وقد أنكر الأستاذ الشيخ أبو زهرة نسبة الكتب الخاصة بالمحنة إلى المأمون وَرجَّحَ أنها من إنشاء أحمد بن أبي داود (انظر " ابن حنبل " لأبي زهرة: ص 59، 60؛ و" المذاهب الإسلامية " له: ص 259، 260)، ولكن الأستاذ عبد العزيز عبد الحق في مقدمة ترجمته لكتاب " أحمد بن حنبل والمحنة " للمستشرق (ولتر ملفيل باتون)، ذهب إلى غير ذلك وقال: «وَلَو حَقَّقْنَا هَذَا الرَّأْيَ تَحْقِيقًا تَارِيخِيًّا لَوَجَدْنَا فِي مَصَادِرِنَا العَرَبِيَّةِ مَا يَنْقُضُهُ» انظر " أحمد بن حنبل والمحنة ": ص 33، 37) وعلى الرأيين جميعًا فالكتاب يمثل نظرة المعتزلة لأهل الحديث.
(2) " تأويل مختلف الحديث ": ص 100، 101.
(1/104)

وَسَمَّى المُحَدِّثُونَ خُصُومَهُمْ (أَهْلَ البَاطِلِ وَالكُفْرِ وَالفُرْقَةِ) كما سبق في كتاب المأمون، وَرَمَوْهُمْ بالبدعة والهوى والضلالة والغُرُورِ، كما سبق في مقدمة الخطيب لكتابه " شرف أصحاب الحديث " (1).
وينبغي أن نشير إلى أن الخصومة للمتكلمين لم تكن مقصورة على أهل الحديث، بل إن الفقهاء أيضًا لم تكن علاقتهم بالمتكلّمين علاقة مَوَدَّةٍ، ولم يكن رأيهم فيهم حسنًا. ولكن البحث يدور هنا على العلاقة التي يكون أهل الحديث طرفًا فيها (2).

الخُصُومَةُ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ:
وكما نشبت الخصومة بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الكَلَامِ نشبت أيضًا خصومة بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ، ولكنها كانت مقصورة على فقهاء الرأي في البداية ثم أصحبت بينهم وبين عامة الفقهاء في عصور التقليد.
اتهم المحدثون فقهاء أهل الرأي بجهل السنة والرغبة عنها، والاغترار بالعقل وإعطائه من التقدير فوق ما يستحق. ولذلك يضعهم ابن قتيبة في صف المتكلّمين فيوجه هجومه إلى هؤلاء وهؤلاء، يقول: «ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ، فَنَجِدُهُمْ أَيْضًا يَخْتَلِفُونَ وَيَقِيسُونَ، ثُمَّ يَدَّعُونَ القِيَاسَ وَيَسْتَحْسِنُونَ، وَيَقُولُونَ بِالشَّيْءِ وَيَحْكُمُونَ بِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ ...» (3).
ويقول: «وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَلْهَجَ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وتنقصهم والبعث عَلَى قَبِيحِ أَقَاوِيلِهِمْ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
__________
(1) انظر ما سبق في ص 95، 96.
(2) انظر " الانتقاء " لابن عبد البر: ص 78، 83 حيث روى ذم الشافعي لأهل الكلام.
(3) " تأويل مختلف الحديث ": ص 62.
(1/105)

الْحَنْظَلِيِّ المَعْرُوفِ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ». «وَكَانَ يَقُولُ: نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَنَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَزِمُوا القِيَاسَ ...» (1).
والواقع أَنَّ حَمْلَةَ المُحَدِّثِينَ على أصحاب الرأي - أو بعبارة مساوية، على أصحاب أبي حنيفة - كانت عنيفة ملتهبة، يشوبها شيء من الجور، ويقودها كثير من التزمت وعدم التسامح، حتى إن بعضهم ما كانوا يسمحون لأصحاب الرأي بالجلوس إليهم والاستماع منهم، وقد نلتمس لهم العذر إذا تذكرنا ما سبق أن أشرنا إليه، من سلوك أهل الرأي طريق الجدل والمناقشة التي قد تدفع المحدثين إلى مضايق الكلام أو مجاهله، فيحصرون أو يفحمون (2). ولكن هذا لا يعني أَنَّنَا نُؤَيِّدُ هَذَا السُّلُوكَ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ، فإن العلم الذي يحملونه مأمورون بتبليغه، وليس لهم الحق في منعهم من شاءوا منه.
وقد ذكر لنا الخطيب بَعْضَ هَؤُلَاءِ المُتَزَمِّتِينَ، فَرَوَى عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، قَالَ: «" قَدِمَ عَلَيْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَزَارِيُّ [قَالَ]: فَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ قَالَ: فَقَالَ لِي: " اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ القَدَرِ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا، وَمَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا، وَمَنْ كَانَ يَأْتِي السُّلْطَانَ فَلَا يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا "، قَالَ: " فَخَرَجْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّاسَ "».
وَرَوَى «أَنَّ أَبَا يُوسُفَ جَاءَ إِلَى شَرِيكٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ [بِهَذَا الحَدِيثِ]، فَأَبَى شَرِيكٌ أَنْ يُحَدِّثَهُ».
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث ": ص 65.
(2) روى ابن عبد البر في " الانتقاء " ص 76 أنَّ أحمد بن حنبل قال: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ [حَمَلَ مَحْبَرَةً] إِلَّا وَلِلْشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ مِنَّةٌ»، ورُوِيَ مثل ذلك عن الربيع بن سليمان وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ كَانُوا يَهْزَأُونَ بِأَصْحَابِ الحَدِيثِ حَتَّى عَلَّمَهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ».
(1/106)

كما يروى أنَّ شريكًا قال في مجلس تحديثه: «مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ فَأَخْرِجُوهُ»، قَالَ: «يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ» (1).
ويحكي أبو زُرعة الرازي صورة من الصراع بين المحدثين والفقهاء، فينقل عن بعض أصحاب الحديث (*) أنه قال: «كُنْتُ بِمِصْرَ، فَرَأَيْتُ قَاضِيًا لَهُمْ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ، وَأَنَا مِمْرَاضٌ. فَسَمِعْتُ القَاضِيَ يَقُولُ: " مَسَاكِينُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ لَا يُحْسِنُونَ الفِقْهَ ". فَحَبَوْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: " اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِرَاحَاتِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؟ " فَأُفْحِمَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - بْنِ الحَسَنِ [الهِسِنْجَانِيُّ] (*) الذي يروي عنه أبو زرعة -: " فَقُلْتُ لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الحَدِيثِ لَا يُحْسِنُونَ الفِقْهَ، وَأَنَا مِنْ أَخَسِّ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، سَأَلْتُكَ عَنْ هَذِهِ فَلَمْ تُحْسِنْهَا، فَكَيْفَ تُنْكِرُ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ شَيْئًا وَأَنْتَ لَا تُحْسِنُهُ؟» (2).
فهذه صورة فيها انتصار لأهل الحديث تبين لون نشاطهم ومجال براعتهم إذ لم يفخر المناظر بدقة استنباط أو براعة تطبيق، بل بحفظ آثار ومعرفة اختلاف.
ولكن هلال الرأي في الطرف الآخر ينقل صورة تبرز مكانة الفقهاء وفضلهم على أهل الحديث باستنباطهم للمعاني الدقيقة، يَقُولُ هِلَالُ الرَّأْيِ: «كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى غُنْدَرٍ أَكْتُبُ عَنْهُ، وَكَانَ يَسْتَثْقِلُنِي لِلْمَذْهَبِ فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآنِي أَظْهَرَ اسْتِثْقَالًا، وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيثِ يُحَدِّثُهُمْ لِكَرَاهَتِهِ لِي، فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقُلْتُ:" أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ المُرَادِيِّ: أَنْ يَهُودِيَّيْنِ نَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
__________
(1) انظر هذه الأخبار في " الجامع " للخطيب، لوحة 75، 76.
(2) " شرف أصحاب الحديث " ورقة 93 أ.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (هُوَ أَبُو الحَسَنُ الهِجَانِيُّ) والصواب ما أثبته (الهِسِنْجَانِيُّ).
انظر " الجرح والتعديل "، لابن أبي حاتم الرازي (ت 327ه)، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني، 5/ 34، ترجمة رقم 152، طبعة سنة 1371 ه - 1952 م، دائرة المعارف العثمانية، تصوير دار الكتب العلمية - بيروت. وانظر أيضًا: " شرف أصحاب الحديث "، للخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق الدكتور محمد سعيد خطي اوغلي، ص 77، نشر دار إحياء السنة النبوية. أنقرة - تركيا.
(1/107)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَالَا إِلَيْهِ، فَقَالَا: " نَسْأَلُكَ عَنِ التِّسْعِ الْآيَاتِ التِي جَاءَ بِهَا مُوسَى " قَالَ: " فَأَخْبَرَهُمَا بِهَا "، فَقَالَا لَهُ: " نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ " قَالَ: " فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا؟ ". قَالَا: " نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ ". فَقَالَ: " نَعَمْ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، فَأَيُّ شَيْءٍ لِصَاحِبِكَ فِي هَذَا؟ ". قُلْتُ: " إِنَّهُمَا قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى اليَهُودِيَّةِ، فَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ رِدَّةً مِنْهُمَا " فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِ الحَدِيثِ، فَقَالَ: " أَتُحْسِنُونَ أَنْتُمْ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ " ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: " أُحِبُّ أَنْ تَلْزَمَنِي وَتَبَسَّطَ إِلَيَّ "، ثُمَّ قُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَتَرَكْتُهُ» (1).
وإذا كانت المرحلة في طلب الحديث من مفاخر المحدثين ومآثرهم حيث ينتقلون في البلدان، ويتحملون مشاق السفر وعناء الغربة من أجل العلم بالآثار وجمعها، فإن الفقهاء نازعوهم في هذه المأثرة، وادعوا أنها في كثير من الأحيان جهد ضائع ونصب لا طائل منه، وندع الرامهرمزي ينقل لنا صورة هذا النزاع في موضوع الرحلة بين المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ: «وَقَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الفُقَهَاءِ يَذُمُّ أَهْلَ الرِّحْلَةِ فِي فَصْلٍ مِنْ كَلامٍ لَهُ: نَبَغُوا فَعَابُوا النَّاظِرِينَ المُمَيِّزِينَ وَبَدَّعُوهُمْ، وإِلَى الرَّأْيِ وَالكَلامِ فَنَسَبُوهُمْ، وَجَعَلُوا العِلْمَ الوَاجِبَ طَلَبَهُ، الدَّوَرَانَ وَالجَوَلَانَ فِي البُلْدَانِ، لالْتِمَاسِ خَبَرٍ لا يُفِيدُ طَائِلاً، وَأَثَرٍ لاَ يُوَرِّثُ نَفْعًا فَأَسْهَرُوا لَيْلَهُمْ، وَأَظْمَأُوا نَهَارَهُمْ، وَأَتْعَبُوا مَطِيَّهُمْ، وَاغْتَرَبُوا عَنْ بِلاَدِهِمْ، وَضَيَّعُوا مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ خُلَفَائِهِمْ، وَعَقُّوا الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ ... ، فَهُمْ حَيَارَى كَالأَنْعَامِ، إِنْ سُئِلُوا عَنْ مَسْأَلَةٍ، قَالُوا: هَلْ حَدَثَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ حَتَّى تَقُولَ فِيهَا؟ فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: هِيَ نَازِلَةٌ قَالُوا: مَا نَحْفَظُ فِيهَا شَيْئًا، فَإِنْ سُئِلُوا عَنِ السُّنَنِ، يَقُولُ خَطِيبُهُمْ: مَا تَحْفَظُونَ فِي " مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا "، وَ" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا "، وَفِي " أَسْلَمَ سَالَمَهَا اللَّهُ " وَفِي قَوْلِهِ أَمَّا بَعْدُ.
وَقَالَ المُعَارِضُ لِصَاحِبِ هَذَا الكَلامِ: تَهَيَّبُوا كَدَّ الطَّلَبِ، وَمُعَالَجَةِ السَّفَرِ، وَبُعِلُوا - أي بهتوا ودهشوا - بِحِفْظِ الآثَارِ، وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَاخْتَلَفَ عَلَيْهِمْ
__________
(1) " المحدث الفاصل ": ص 83، 84.
(1/108)

طَرَائِقُ الأَسَانِيدِ، وَوُجُوهُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَآثَرُوا الدِّعَةَ، وَاسْتَلَذُّوا الرَّاحَةَ، وَعَادُوا مَا جَهِلُوا، وَعَلَى المَطَامِعِ تَأَلَّفُوا، وَفِي المَآثِمِ وَالحُطَامِ تَنَافَسُوا، وَتَبَاهُوا فِي الطَّيَالِسِ وَالقَلانِسِ، وَلازَمُوا أَفْنِيَةَ المُلُوكِ، وَأَبْوَابَ السَّلاطِينِ، وَنَصَبُوا المَصَايِدَ لأَمْوَالِ الأَيْتَامِ، وَالإِغَارَةِ عَلَى الوقُوفِ وَالأَوْسَاخِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى ابْتِيَاعِ صُحُفٍ دَرَسُوهَا ... فَإِنْ حَفِظَ أَحَدُهُمْ فِي السُّنَنِ شَيْئًا، فَمِنْ صَحِيفَةٍ مُبْتَاعَةٍ، كَفَاهُ غَيْرُهُ مُؤْنَةَ جَمْعِهِ وَشَرْحِهِ وَتَبْوِيبِهِ، مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ لَهَا وَلا دِرَايَةٍ بِوَزْنٍ مِنْ نَقْلِهَا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَسِيرُ، خَلَطَ الغَثَّ بِالسَّمِينِ، وَالسَّلِيمِ بِالجَرِيحِ، ثُمَّ فَخَّمَ مَا لَفَّقَ مِنَ المَسَائِلِ مَا شَاءَ، وَإِنَّهَا وَالسُّنَنَ المَأْثُورَةِ ضِدَّانِ، فَإِنْ قُلِبَ عَلَيْهِ إِسْنَادُ حَدِيثٍ تَحَيَّرَ فِيهِ تَحَيُّرَ المَفْتُونِ، وَصَارَ كَالحِمَارِ فِي الطَّاحُونِ، وَإِنْ شَاهِدَ المُذَاكَرَةَ سَمِعَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الجَرَيَانِ فِيهِ، فَلَجَأَ إِلَى الإِزْرَاءِ بِفُرْسَانِهِ» (1).
والواقع أن فئة ممن كانوا ينتسبون إلى الحديث كانوا يمثلون الثغرة التي أتى المحدثون مِنْ قِبَلِهَا، والتي أتاحت للمتكلمين ولأهل الرأي ولكل من عادى المحدثين، أَنْ يَتَسَوَّرُوا حِصْنَهُمْ، ويتمكنوا من طعنهم، هذه الفئة كان يغلب عليها التزمت، وضيق الأفق، وسطحية التفكير، مما كان يحملها على التسرع في الحكم، ويحول بينها وبين الفهم الصحيح. كان الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يتناشد مع بعض معاصريه شعر هُذيل، فأتى عليه الشافعي حفظًا، وقال لمن كان يتناشد معه: «لَا تُعْلِمْ بِهَذَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ» (2).
وقد جمع ابن الجوزي المآخذ التي أخذت على المحدثين والفقهاء في كتابه " نقد العلم والعلماء ". ويفهم من كلامه أنه يعني المحدثين والفقهاء في عصره، وقد نقدهم نقدًا شديدًا، فأما المحدثين فقد ذكر أن قومًا منهم «اسْتَغْرَقُوا أَعْمَارَهُمْ فِي
__________
(1) " المحدث الفاصل ": ص 55، 56.
(2) " الشافعي "، لأبي زهرة: ص 26.
(1/109)

سَمَاعِ الحَدِيثِ وَالرِّحْلَةِ فِيهِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ وَطَلَبِ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ وَالمُتُونِ الغَرِيبَةِ (1) وَهَؤُلَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ قَصَدُوا حِفْظَ الشَّرْعِ بِمِعْرِفَةِ صَحِيحِ الحَدِيثِ مِنْ سَقِيمِهِ وَهُمْ مَشْكُورُونَ عَلَى هَذَا القَصْدِ إِلَّا أَنَّ إِبْلِيسَ يُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَشْغَلَهُمْ بِهَذَا عَمَّا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ مِنْ مِعْرِفَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَالاجْتِهَادُ فِي أَدَاءِ اللَّازِمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الحَدِيثِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ فَعَلَ هَذَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ كَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَابْنُ المَدِينِيِّ وَالبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَالجَوَابُ أَنَّ أُولَئِكَ جَمَعُوا بَيْنَ مَعْرِفَةِ المُهِمِّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالفِقْهِ فِيهِ وَبَيْنَ مَا طَلَبُوا مِنَ الحَدِيثِ ...» ثم يقول عَنْ مُحَدِّثِي زَمَانِهِ: «فَتَرَى المُحَدِّثَ يَكْتُبُ وَيَسْمَعُ خَمْسِينَ سَنَةً وَيَجْمَعُ الكُتُبَ وَلَا يَدْرِي مَا فِيهَا وَلَوْ وَقَعَتْ لَهُ حَادِثَةٌ فِي صَلَاتِهِ لافْتَقَرَ إِلَى بَعْضِ أَحْدَاثِ المُتَفَقِّهَةِ الذِينَ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لِسَمَاعِ الحَدِيثِ مِنْهُ وَبِهَؤُلَاءِ تَمَكَّنَ الطَّاعِنُونَ عَلَى المُحَدِّثِينَ فَقَالُوا: " زَوَامِلُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرُونَ مَا مَعَهُمْ "، فَإِنْ أَفْلَحَ أَحَدُهُمْ وَنَظَرَ فِي حَدِيثِهِ فَرُبَّمَا عَمِلَ بِحَدِيثٍ مَنْسُوخٍ، وَرُبَّمَا فَهِمَ مِنَ الحَدِيثِ مَا يَفْهَمُ العَامِّيُّ الجَاهِلُ وَعَمِلَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ بِالمُرَادِ مِنَ الحَدِيثِ». ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ فَهِمَ مِنْ نَهْيِ الحَدِيثِ " أَنْ يَسْقِي الرَّجُلُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ " أنه نَهْيٌ عَنْ سَقْيِ البَسَاتِينِ، مَعَ أَنَّهُ " نَهْيٌ عَنْ وَطْءِ الحَبَالَى "، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنَ " النَّهْيِ عَنْ الحِلَقِ قَبْلَ الجُمُعَةِ " أنَّهُ الحَلْقُ وَقَدْ كَانَ ابْنُ صَاعِدٍ كَبِيرَ القَدْرِ في المُحَدِّثِينَ، لَكِنَّهُ لَمَّا قَلَّتْ مُخَالَطَتُهُ لِلْفُقَهَاءِ كَانَ لَا يَفْهَمُ جَوَابَ فَتْوَى - ثُمَّ رَوَى حَادِثَةً فِي ذَلِكَ -، قال المُصَنِّفُ: «وَكَانَ ابْنُ شَاهِينَ قَدْ صَنَّفَ فِي الحَدِيثِ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً أَقَلُّهَا جُزْءٌ، وَأَكْثَرُهَا التَّفْسِيرُ وَهُوَ
__________
(1) كان جمع الطرق وكثرة الأسانيد من المحدثين مهما كانت مستنكرة أو غريبة، يقول الخطيب عنها: «وَهَذِهِ العِلَّةُ، هِيَ التِي اقْتَطَعَتْ أَكْثَرَ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْ طَلَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ التَّفَقُّهِ بِهِ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ , وَيُذْكَرُ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ كَتَبَ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ الرَازِي: "لَمْ يَزَلْ هَذَا الأَمْرُ فِي أَصْحَابِكَ حَتَّى شَغَلَهُمْ عَنْهُ إِحْصَاءُ عَدَدِ رُوَاةِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ...» فَغَلَبَهُمْ هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ"» (" شرف أصحاب الحديث ": ص 113).
(1/110)

أَلْفَ جُزْءٍ وَمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ الْفِقْهِ شَيْئًا وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ يُقْدِمُ عَلَى الْفَتْوَى بِالخَطَأِ لِئَلَّا يُرَى بِعَيْنِ الْجَهْلِ، فَكَانَ فِيهِمْ مِنْ يَصِيرُ بِمَا يُفْتِي بِهِ ضُحَكَةً، فَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْفَرَائِضِ فَكَتَبَ فِي الْفَتْوَى: تُقَسَّمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ... وَقَدْ رَأَّيْنَا فِي زَمانِنَا مِنْ يَجْمَعُ الْكُتُبَ مِنْهُمْ وَيُكْثِرُ السَّمَّاعَ وَلَا يَفْهَمُ مَا حَصَلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحْفِّظُ القُرْآنَ وَلَا يَعْرِفُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ فَتَشَاغَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى زَعْمِهِمْ بِفُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَإِيثَارِ مَا لَيْسَ بِمُهِمِّ عَلَى الْمُهِمِّ مِنْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ. الْقِسْمُ الثَّانِي: قَوْمٌ أَكَثَّرُوا سَمَاعَ الْحَديثِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ صَحِيحًا وَلَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الصَّحِيحَ مِنْ غَيْرِه بِجَمْعِ الطُّرُقِ وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادُهُمْ الْعَوَالِي وَالْغرائبَ فَطَافُوا الْبُلْدَانَ لِيَقُولَ أَحَدُهُمْ: لَقِيَتُ فُلَانًا وَلِي مِنَ الأَسَانِيدِ مَا لَيْسَ لَغَيْرِي وَعِنْدِي أَحَادِيثٌ لَيْسَتْ عِنْدَ غَيْرِي ... وَمِنْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ عَلَى أَصِحَابِ الْحَديثِ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ طَلَبًا لِلْتَّشَفِّي وَيُخْرِجُونَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، الذِي اِسْتَعْمَلَهُ قُدَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ لِلْذَّبِّ عَنْ الشَّرْعِ، وَاللَّهُ أَعلمَ بِالْمَقَاصِدِ. وَدَليلُ مَقْصَدِ خُبْثِ هَؤُلَاءِ سُكُوتُهُمْ عَمَّنَ أَخَذُوا عَنْهُ وَمَا كَانَ الْقُدَمَاءُ هَكَذَا فَقَدْ كَانَ عَلَيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ ضَعِيفًا ثَمَّ يَقُولُ: " وَفِي حَديثَ الشَّيْخِ مَا فِيه "» (1). وأما الفقهاء فيسرد ابن الجوزي ما يؤخذ عليهم وما به يلامون، وينقدهم بقوله: «كَانَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ هُمْ أَهْلُ القُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ الأَمْرُ يَتَنَاقَصُ حَتَّى قَالَ المُتَأَخِّرُونَ: يَكْفِينَا أَنْ نَعْرِفَ آيَاتَ الأَحْكَامِ مِنَ القُرْآنِ وَأَنْ نَعْتَمِدَ عَلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْحَديثِ، كَ " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " وَنَحْوِهَا ثُمَّ اِسْتَهَانُوا بِهَذَا الأَمْرِ أَيْضًا وَصَارَ أَحَدُهُمْ يَحْتَجُّ بِآيَةٍ لَا يَعْرِفُ مَعَنَاهَا؛ وَبِحَدِيثٍ لَا يَدْرِي أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ لَا، وَرُبَّمَا اِعْتَمَدَ عَلَى قِيَاسٍ
__________
(1) " نقد العلم والعلماء "، أو " تلبيس إبليس ": ص 111، 114.
(1/111)

يُعَارِضُهُ حَديثٌ صَحِيحٌ وَلَا يَعْلَمُ لِقِلَّةِ اِلْتِفَاتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّقْلِ. وَإِنَّمَا الْفِقْهُ اِسْتِخْرَاجٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَيْفَ يَسْتَخْرِجُ مِنْ شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَمِنَ الْقَبِيحِ تَعْلِيقُ حُكْمٍ عَلَى حَديثٍ لَا يَدْرِي أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ لَا. وَمِنْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنَّ جُلَّ اِعْتِمادِهِمْ عَلَى تَحْصِيلِ عَلْمِ الْجَدَلِ وَيَطْلُبُونَ بِزَعْمِهِمْ تَصْحِيحَ الدَّليلِ عَلَى الْحُكْمِ وَالاِسْتِنْبَاطِ لِدَقائِقِ الشَّرْعِ وَعِلَلِ الْمَذَاهِبِ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْهُمْ لَتَشَاغَلُوا بِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ وَإِنَّمَا يَتَشَاغَلُونَ بِالْمَسَائِلِ الْكِبَارِ لِيَتَّسِعَ فِيهَا الْكَلَامُ فَيَتَقَدَّمُ الْمُنَاظِرُ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ فِي خِصَامِ النَّظَرِ، فَهَمَّ أَحَدُهُمْ بِتَرْتِيبِ الْمُجَادَلَةِ وَالتَّفْتِيشِ عَلَى الْمُنَاقَضَاتِ طَلَبًا لِلْمُفَاخَرَاتِ وَالْمُبَاهَاةِ وَرُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْ الْحُكْمَ فِي مَسْأَلَةٍ صَغِيرَةٍ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى. وَمِنْ ذَلِكَ إِيثَارُهُمُ لِلْقِيَاسِ عَلَى الْحَديثِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ فِي المَسْأَلَةِ لِيَتَّسِعَ لَهُمْ الْمَجَالُ فِي النَّظَرِ وَإِنْ اِسْتَدَلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحَدِيثِ هَجَنَ. وَمِنَ الأَدَبِ تَقْدِيمُ الاِسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا النَّظَرِ جُلَّ اِشْتِغَالِهِمْ وَلَمْ يَمْزِجُوهُ بِمَا يُرَقِّقُ الْقُلُوبَ مِنْ قِرَاءةِ الْقُرْآنِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ وَسِيرَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَخْشَعُ بِتِكْرَارِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التِّذْكَارِ وَالْمَوَاعِظِ لِتَنْهَضَ لِطَلَبِ الآخِرَةِ» (1).

مِنْ نَتَائِجِ صِرَاعِ المُحَدِّثِينَ مَعَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ:
هذه هي أهم مظاهر النزاع بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَخُصُومِهِمْ من المُتَكَلِّمِينَ والفقهاء، وقد أسفرت هذه الخصومة عن نتائج، كان أهمها ما يلي:
__________
(1) " تلبيس إبليس ": ص 115، 116.
(1/112)

أولاً: كان اتهام المحدثين بقلة الفقه وكثرة التصحيف والاشتغال بما لا يفيد من جمع الغرائب والشواذ وغير ذلك، سببًا في أن يتنبه المحدثون للدخلاء عليهم من الطلبة السطحيين، فحذروا منهم وحاولوا تأديبهم وتثقيفهم، لِيَسُدُّوا الثغرة التي يؤتون منها. وكان هؤلاء الطلبة قد زاد عددهم زيادة ملحوظة منذ القرن الثاني: يقول أنس بن سيرين، مُبَيِّنًا ضخامة عددهم، ومُشيرًا إلى قلة الفقهاء منهم: «أَتَيْتُ الكُوفَةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلافٍ يَطْلُبُونَ الحَدِيثَ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ قَدْ فَقِهُوا» (1).
هذا العدد الكبير في الكوفة، ومثلها غيرها من الأمصار قد اتخذ الحديث صناعة يرويه ويتفاخر أفراده بكثرة الشيوخ، ويتنافس بكثرة الطرق ويتكسب به، دون عناية بحسن الفهم أو صالح العمل، هذا الصنف من الطلبة هو الذي أساء إلى الحديث وإلى المحدثين، فكان من الطبيعي أن يتنبه إليهم المحدثون، وأن يكون إعلان الحرب عليهم أول وسائل الدفاع عن أنفسهم وبخاصة أنه كان لهذا الصنف من الطلبة سلف منذ عصر الصحابة، فقد نَظَرَ «[عُبَيْدُ اللَّهِ] بْنُ عُمَرَ إِلَى أَصْحَابِ الحَدِيثِ وَزِحَامِهِمْ، فَقَالَ: " شِنْتُمُ الْعِلْمَ وَذَهَبْتُمْ بِنُورِهِ. وَلَوْ أَدْرَكْنَا وَإِيَّاكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَنَا ضَرْبًا "» (2)، ونتج عن الحملة عليهم ومحاولة إصلاحهم التأليف في علوم الحديث.
فابن قتيبة مع حسن بلائه في الدفاع عن أهل الحديث لا يسعه إلا أن يهاجم هذه الفئة بقوله: «عَلَى أَنَّا لَا نُخَلِّي أَكْثَرَهُمْ مِنَ الْعَذْلِ فِي كُتُبِنَا، فِي تَرْكِهِمُ الاشْتِغَالَ بِعِلْمِ مَا قَدْ كَتَبُوا، وَالتَّفَقُّهَ بِمَا جَمَعُوا، وَتَهَافُتِهِمْ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ، أوعشرين وَجْهًا.
وَقَدْ كَانَ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ، [وَالْوَجْهَيْنِ] مَقْنَعٌ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ أَعْمَارُهُمْ، وَلَمْ يَحِلُّوا مِنْ ذَلِكَ إِلا بِأَسْفَارٍ أَتْعَبَتِ الطَّالِب، وَلم
__________
(1) " المحدث الفاصل ": ص 372.
(2) " شرف أصحاب الحديث ": ورقة أ، ب.
(1/113)

تَنْفَع الْوَارِث. فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُضَيِّعٌ لِحَظِّهِ، مُقْبِلٌ عَلَى مَا كَانَ غَيْرُهُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهُ» (1).
ويؤلِّف الرامهرمزي كتابه في علوم الحديث " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ويشير العنوان إلى الفرق بين الراوي المجرد ومن يجمع إلى الرواية الوعي والدراية، ويؤكد الرامهرمزي هذا الفرق عِنْدَمَا بَيَّنَ أن الراوي المجرد قد يسيء إلى أهل الحديث، قال القاضي: «وَلَيْسَ لِلْرَاوِي الْمُجَرَّدِ أَنْ يَتَعَرَّفَ لَمَّا لاَ يَكْمُلُ لَهُ، فَإِنَّ تَرْكَهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ أَوْلَى بِهِ وَأَعْذَرُ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ ذِي عِلْمٍ وَكَانَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السِّيرْجَانِيُّ، قَدْ أَكْثَرَ مِنَ السَّمَاعِ وَأَغْفَلَ الاسْتِبْصَارَ، فَعَمِلَ رِسَالَةً سَمَّاهَا (السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ) تَعَجْرَفَ فِيهَا، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهَا بَعْضُ الْكَتَبَةِ مِنْ أَبْنَاءِ خُرَاسَانَ مِمَّنْ يُتَعَاطَى الْكَلاَمَ، وَيُذْكَرُ بِالرِّيَاسَةِ فِيهِ وَالتَّقَدُّمِ، فَصَنَّفَ فِي ثَلْبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ كِتَابًا تَلَفَّظَ فِيهِ مِنْ كَلاَمِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ " التَّدْلِيسِ " لِلْكَرَابِيسِيِّ، وَ" تَارِيخِ " ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَالْبُخَارِيِّ، مَا شَنَعَ بِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ، خَلَطَ الغَثَّ بِالسَّمِينِ، وَالْمَوْثُوقَ بِالظَّنِينِ ... وَلَوْ كَانَ حَرْبٌ مُؤَيِّدًا مَعَهُ الرِّوَايَةَ بِالْفَهْمِ لَأَمْسَكَ مِنْ عَنَانِهِ، وَدَرَى مَا يَخْرُجُ مِنْ لِسَانِهِ» (2).
وتشير القصة السابقة إلى سبب تأليف هذا الكتاب، وقد صرح المؤلف بغرضه من هذا التأليف في مقدمته حيث قال: «اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَشْنَأُ الْحَدِيثَ وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، فَقَالُوا بِتَنَقُّصِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَأَسْرَفُوا فِي ذَمِّهِمْ وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَفَضَّلَ أَهْلَهُ ...» (3).
__________
(1) " تأويل مختلف الحديث ": ص 96.
(2) " المحدث الفاصل ": ص 143، 145.
(3) " المحدث الفاصل ": ص 1، 3.
(1/114)

ويوجه الخطاب إلى المحدثين ناصحاً لهم: «فَتَمَسَّكُوا جَبَرَكُمُ اللَّهُ بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مَنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَتَكْثِيرِ الأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الأَحَادِيثِ، وَمَا دَلَّسَهُ الْمَجَانِينُ، وَتَبَلْبَلَ فِيهِ الْمُغَفَّلُونَ، وَاجْتَهِدُوا فِي أَنْ تُوفُوهُ حَقَّهُ مِنَ التَّهْذِيبِ وَالضَّبْطِ وَالتَّقْوِيمِ، لِتَشْرُفُوا بِهِ فِي الْمَشَاهِدِ، وَتَنْطَلِقُ أَلْسِنَتُكُمْ فِي الْمَجَالِسِ» (1).
إن كتاب " المحدث الفاصل " من أقدم الكتب في علوم الحديث إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، فإذا وقعت الإشارة في مقدمته وفي موطن منه إلى أن سبب التأليف كان طعن المتكلمين في أهل الحديث، وأن هذا الكتاب دعوة إلى الوعي والفهم وترك ما يعاب به أهل الحديث، إذا كان ذلك كذلك كان لنا أن نستنتج أن التأليف في علوم الحديث كان من نتائج الخصومة بين المحدثين والمكتلمين، دفاعًا عن المحدثين وإرشادًا لهم، وأن أغلب موضوعاته كان منبعثًا عن قضايا علمية ماجت بها عصور التأليف وثارت فيها مناقشات بين المحدثين وغيرهم.
ومما يؤكد ذلك أن الخطيب - وهو ممن أحسن التأليف في علوم الحديث وله فيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ - صَرَّحَ في كتابه " شرف أصحاب الحديث " بأن الدافع إلى تأليفه هذا الكتاب هو تهجم المتكلمين على أهل الحديث كما سبق (2)، ثم يؤلف كتابه " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " ويشير في مقدمته إلى كتاب " شرف أصحاب الحديث " وأنه كان قد ذكر في هذا الكتاب فضل المُتَتَبِّعِينَ لِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالمُجْتَهِدِينَ
__________
(1) " المحدث الفاصل ": ص 1، 3.
(2) انظر ص 95 من هذا البحث.
(1/115)

في طلبها، ثم يبين غرضه من تأليف كتابه الثاني فينعى على كثير من المنتسبين للحديث سوء أدبهم وَقِلَّةَ فهمهم وسوء عنايتهم بالثقافة الإسلامية، وأن تأليفه هذا الكتاب إنما هو لإرشادهم وتأديبهم ويقول: «وَلِكُلِّ عِلْمٍ طَرِيقَةٌ يَنْبَغِي لأَهْلِهِ أَنْ يَسْلُكُوهَا، [وَآلاَتٌ] يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَا وَيَسْتَعْمِلُوهَا. وَقَدْ رَأَيْتُ خَلْقًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْحَدِيثِ، وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ الْمُتَخَصِّصِينَ بِسَمَاعِهِ وَنَقْلِهِ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِمَّا يَدَّعُونَ، وَأَقَلُّهُمْ مَعْرِفَةً بِمَا [إِلَيْهِ] يَنْتَسِبُونَ، يَرَى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا كَتَبَ عَدَدًا قَلِيلاً مِنَ الأَجْزَاءِ، وَاشْتَغَلَ بِالسَّمَاعِ بُرْهَةً يَسِيرَةً مِنَ الدَّهْرِ، أَنَّهُ صَاحِبُ حَدِيثٍ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَلَمَّا يُجْهِدْ نَفْسَهُ وَيُتْعِبْهَا فِي طِلاَبِهِ، وَلاَ لَحِقَتْهُ مَشَقَّةُ الْحِفْظِ لِصُنُوفِهِ وَأَبْوَابِهِ ...
وَهُمْ مَعَ قِلَّةِ كَتْبِهِمْ لَهُ، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ كِبْرًا، وَأَشَدُّ الْخَلْقِ تِيهًا وَعُجْبًا، لاَ يُرَاعُونَ لِشَيْخٍ حُرْمَةً، وَلاَ يُوجِبُونَ لِطَالِبٍ ذِمَّةً، ... خِلاَفَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَضِدَّ الْوَاجِبِ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَقَدْ وَصَفَ أَمْثَالَهُمْ بَعْضُ السَّلَفِ».
ثم روى بسنده عن حماد بن سلمة قال: «لَا تَرَى صِنَاعَةً أَشْرَفَ، وَلَا قَوْمًا أَسْخَفَ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ طَلَبَةُ الْحَدِيثِ أَكْمَلَ النَّاسِ أَدَبًا ...».
ثُمَّ يَقُولُ مُبيِّنًا موضوعات كتابه: «وَأَنَا أَذْكُرُ فِي كِتَابِي هَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مَا بِنَقَلَةِ الْحَدِيثِ وَحُمَّالِهِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ، مِنَ الأَخْذِ بِالْخَلاَئِقِ الزَّكِيَّةِ، وَالسُّلُوكِ لِلطَّرَائِقِ الرَّضِيَّةِ، فِي السَّمَاعِ وَالْحَمْلِ وَالأَدَاءِ وَالنَّقْلِ، وَسُنَنِ الْحَدِيثِ وَرُسُومِهِ، وَتَسْمِيَةِ أَنْوَاعِهِ وَعُلُومِهِ» (1).
إن فيما كتبه الرَّامَهُرْمُزِي وفيما كتبه الخطيب في كتبه " تقييد العلم " و" الكفاية " و" الجامع " إرساء لأصول علم الحديث، وبيانًا لقواعده
__________
(1) " الجامع ". مصور دار الكتب 505، مصطلح حديث، لوحة 2 و 3.
(1/116)

وآدابه، وفيها فصول هامة في كيفية كتابة الحديث، وفي تجويد الخط ووجوب الإعجام والشكل حذرًا من التصحيف، ووجوب المعارضة بالكتاب للتصحيح وإزالة الشك والارتياب وعقد الخطيب فصلاً في كتابه " الجامع " نص فيه على: «بَعْضُ أَخْبَارِ أَهْلِ الْوَهْمِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْمَحْفُوظِ عَنْهُمْ مِنَ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ» (1). ونقل عنهم صورًا مما حرفوه في السند، ثم عقد فصلاً آخر بعنوان (مَنْ صَحَّفَ فِي مُتُونِ الْأَحَادِيثِ) (2) ويعقد الرامهرمزي فصلين لبيان فضل من جمع بين الرواية والدراية وأن الرواة من تشتبه أسماؤهم أو كناهم، وهؤلاء محل إشكال، فإن منهم الثقة والضعيف، ويزداد الإشكال إذا كانوا في عصر واحد أو يروون عن شيخ واحد ثم يقول في نهاية الفصل الخاص بالمشكلة أسماؤهم أو كُناهم، مشيدًا بأهل الحديث ناعيًا على من يجهل هذا الباب ممن ينتسب إلى الحديث دون أن يعد له عدته: «فَهَذَا بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ جَسِيمٌ، مَقْصُورٌ عِلْمُهُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ نَشَؤُوا فِيهِ، وَعَنُوا بِهِ صِغَارًا، فَصَارَ لَهُمْ رِيَاضَةٌ، وَلاَ يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ يَتَكَلَّفُهُ عَلَى الْكِبَرِ ... وَأَيُّ شَيْءٍ أَقْبَحُ مِنْ شَيْخٍ لَنَا يَتَصَدَّرُ مُنْذُ زَمَانٍ، كَتَبَ بِخَطِّهِ: وَكِيعٌ عَنْ شُقَيْقٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا، يَفْتَحُ القَافَ فِيهَا كُلَّهَا، وَيُنْقِطُهَا، وَيُحَلِّقُهَا، وَلاَ يَعْرِفُ سُفْيَانَ مِنْ شَقِيقٍ، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ عَصْرَيْهِمَا، وَلاَ يُمَيِّزُ عَصْرَ وَكِيعٍ مِنْ عَصْرِ كُبَرَاءِ التَّابِعِينَ وَالْمُخَضْرَمَةِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ، وَإِذَا أَفْتَى فِي بَلْوَى أَغْمَضَ تَكَبُّرًا عَيْنَيْهِ» (3).
إن طلبة الحديث ممن لا فقه لهم ولا ثقافة قد لاقوا مقاومة عنيفة من المحدثين وباءوا بقسط وافر من الذم، حتى أن أئمة من أهل الحديث كرهوا الاشتغال براية الحديث وندموا على ما أسمعوه لطلبتهم عندما لمسوا سوء
__________
(1) لوحة 59.
(2) لوحة 63.
(3) " المحدث الفاصل ": ص 141، 142.
(1/117)

مستوى هؤلاء الطلبة العلمي والسلوكي، يقول الخطيب: «وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَحْتَسِبُونَ فِي بَذْلِ الحَدِيثِ، وَيَتَأَلَّفُونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ عَنْهُمْ كَرَاهَةُ الرِّوَايَةِ عِنْدَمَا رَأَوْا مِنْ قِلَّةِ رِعَةِ الطَّلَبَةِ، وَإِبْرَامِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاطِّرَاحِهِمْ حِكَمَ الأَدَبِ» (1). وقد عقد الخطيب فصلاً ساق فيه أقوال بعض أئمة الحديث عندما أضجرهم الطلبة وساء أدبهم (2). فَرَوَى عَنِ الحَسَنِ قَالَ: «تَعَلَّمُوا [مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعَلَّمُوا]، فَلَنْ يُجَازِيَكُمُ اللَّهُ عَلَى العِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا، فَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ» (3) وَ «قِيلَ لِسُفْيَانَ مَنِ النَّاسُ؟ قَالَ: «العُلَمَاءُ»، قِيلَ: فَمَنِ السَّفَلَةُ؟ قَالَ: «الظَّلَمَةُ»، قِيلَ: فَمَنِ الْغَوْغَاءُ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ، يَأْكُلُونَ بِهِ النَّاسَ (*)» (4). وأشرف الليث بن سعد على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئًا فقال: «مَا هَذَا؟ أَنْتُمْ إِلَى يَسِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ» (5)، وَقَاَل مُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَبِّي: «كَانَ [مَرَّةٌ] خِيَارَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ، فَصَارَ الْيَوْمَ شِرَارَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ. لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا حَدَّثْتُ» (6).
ويعلق الخطيب على هذه الجملة مُبَيِّنًا سببها فيقول: «طَلَبَةُ الْعِلْمِ عَلَى طَبَقَاتٍ، وَرُبَّمَا حَضَرَ عِنْدَ الْعَالِمِ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِي طَلَبِهِ، فَيَتَأَدَّبُ بِأَدَبِهِ. وَكَانَ مُغِيرَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَدْ رَأَى بَعْضَ أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِ، فَشَاهَدَ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ، وَقُبْحِ عِشْرَتِهِ مَا أَغْضَبَهُ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ. وَلَيْسَ تَكَادُ مَجَالِسُ الْعِلْمِ تَخْلُوَ مِنْ حُضُورِ مَنْ ذَكَرْنَا وَصْفَهُ» (7). ويهاجم الخطيب كَتَبَةَ الحَدِيثِ هؤلاء فيقول:
__________
(1) " الجامع " للخطيب: لوحة 42 يمين.
(2) المصدر نفسه: لوحة 4.
(3) المصدر نفسه: لوحة 5 شمال.
(4) المصدر نفسه (4) يمين.
(5) " شرف أصحاب الحديث ": ص 110 أ.
(6) المرجع نفسه: ص 110.
(7) المرجع نفسه: ص 110 ب.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في المطبوع زيادة (يَأْكُلُونَ بِهِ أَمْوَالَ النَّاسِ) والصحيح ما أثبتناه طبقًا لنسخة دار الكتب العلمية، " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب، تحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، الطبعة الأولى: 1417 ه - 1996 م. باب النية في طلب الحديث، ص 11 حديث 20].
(1/118)

«وَأَكْثَرُ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَعِيدٌ مِنْ حِفْظِهِ , خَالٍ مِنْ مَعْرِفَةِ فِقْهِهِ , لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُعَلِّلٍ وَصَحِيحٍ , وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مُعَدَّلٍ مِنَ الرُّوَاةِ وَمَجْرُوحٍ , وَلَا يَسْأَلُونَ عَنْ لَفْظٍ أَشْكَلً عَلَيْهِمْ رَسْمُهُ ...» (1).
وكتبة الحديث هؤلاء هاجمهم ابن الجوزي، كما سبق، وهاجمهم الذهبي، مما يدل على أنَّ حَمْلَةَ المُحَدِّثِينَ عَلَيْهِمْ، ومحاولة إرشادهم وتأديبهم لم تنقطع ولم تفلح أيضًا في القضاء عليهم، وأنهم أساءوا إلى المحدثين في كل العصور حتى أصبحوا في عصر الذهبي هم المحدثين، فيهاجمهم بقوله: «وَأَمَّا المُحَدِّثُونَ فَغَالِبُهُمْ لَا يَفْهُمُونَ، وَلَا هِمَّةَ لَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ وَلَا فِي التَّدَيُّنِ بِهِ، بَلْ الصَّحِيحُ وَالمَوْضُوعُ عِنْدَهُمْ بِنِسْبَةٍ، وَإِنَّمَا هِمَّتُهُمْ فِي السَّمَاعِ عَلَى جَهَلَةِ الشُّيُوخِ ...» (2).
ثانيًا: وكما كان التأليف في علوم الحديث نتيجة الخصومة بين المحدثين وغيرهم كان ظهور المؤلفات في التصحيف وفي مختلف الحديث ومشكله، وناسخ الحديث ومنسوخه، من نتائج هذه الخصومة أيضًا، كل ذلك ليكون لدى طالب الحديث ثقافة تجمع إلى الرواية الوعي والدراية فلا يجد مهاجموهم ثغرة ينفذون منها إليهم. فيؤلف الشافعي في اختلاف الحديث، وابن قتيبة في مشكل الحديث كتابه " تأويل مختلف الحديث " ويؤلف الطحاوي في اختلاف الحديث كتابه " شرح معاني الآثار " ويشير في مقدمته إلى بعض أسباب تأليفه: «سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ أَضَعَ لَهُ كِتَابًا أَذْكُرُ فِيهِ الآثَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الأَحْكَامِ الَّتِي يَتَوَهَّمُ أَهْلُ الإِلْحَادِ , وَالضَّعَفَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ أَنَّ بَعْضَهَا يَنْقُضُ بَعْضًا؛ لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِنَاسِخِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا ...» كما يؤلف كتابه " مشكل الآثار " ويجيء بعض العلماء إلى الأحاديث الموهمة للتشبيه فيفردها بالتأليف كما صنع أبو بكر محمد بن الحسين
__________
(1) " صفعات البرهان " للكوثري: ص 10 نقلاً عن " الفقيه والمتفقه " للخطيب البغدادي.
(2) " صفعات البرهان " للكوثري: ص 10 نقلاً عن " زغل العلم " للذهبي.
(1/119)

ابن فورك (ت 406 ه) في كتابه " مشكل الحديث وبيانه "، ويقول في مقدمته أنه ذكر في كتابه «مَا اشْتَهَرَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ التَّشْبِيهَ مِمَّا يَتَسَلَّقُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ عَلى الطَّعْنِ فِي الدِّينِ وَخَصُّوا بِتَقْبِيحِ ذَلِكَ الطَّائِفَةَ الَّتِي هِيَ الظَّاهِرَةُ بِالْحَقِّ لِسَانًا وَبَيَانًا وَقَهْرًا وَعُلُوًّا وَإِمْكَانًا، الطَّاهِرَةُ عَقَائِدُهَا مِنْ شَوَائِبِ الأَبَاطِيلِ وَشَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةِ بِأَنَّهَا أَصْحَابُ الحَدِيثِ» (1). وكذلك ألف السيوطي كتابه " تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه " (2).
وإلى عند قريب كانت الخصومة في الأحاديث المشكلة تدفع بعض الغيورين للتصدي لدفع اعتراضات العقلية الحديثة على بعض الروايات التي يظنونها مناقضة لبعض الحقائق العلمية من طبية وفلكية وغيرها، فنجد عبد الله بن علي النجدي القصيمي قد أَلَّفَ كتابًا سماه " مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها " ذكر فيه قرابة ثلاثين حديثًا، وصدره بقوله: «يحتوي هذا الكتاب على الأحاديث النبوية التي استشكلتها العلوم الحديثة من طبية وجغرافية وفلكية وحسية ... الخ. وفيه بيانها بنفس العلوم الحديثة» (3).
ثالثًا: الحملة على الرأي والقياس كانت أثرًا من آثار هذه الخصومة ورد فعل لمهاجمة المتكلمين والفقهاء أهل الحديث، ولم يفرق المحدثون - في صولة هجومهم - بين الرأي في العقيدة والرأي الفقهي، ولا بين الرأي المحمود والرأي المذموم، فاندفعوا في حملتهم على المتكلمين وعلى فقهاء أهل الرأي وَسَدَّدُوا طَعَنَاتِهِمْ إِلَى القِيَاسِ، حتى انتهى بهم الأمر إلى إنكاره، فنشأ أهل الظاهر، الذين يمثلون الجانب المتطرف من المحدثين، كطرف مقابل
__________
(1) " مشكل الحديث " لابن فورك: ص 3، ط. الهند سنة 1362 ه.
(2) مخطوط دار الكتب برقم 55 مجامع حديث.
(3) انظر في اختلاف الحديث ومشكله: " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ": ص 271 وما بعدها.
(1/120)

للمبالغين في استعمال القياس، وحتى أدى الأمر بالمحدثين في عصر الخطيب إلى أن يغفلوا فقه الحديث فيقول متذمرًا منهم: «... كُلُّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ بَصِيرَةِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِمَا جَمَعُوهُ , وَعَدَمِ فِقْهِهِمْ بِمَا كَتَبُوهُ وَسَمَعُوهُ , وَمَنْعِهِمْ نُفُوسَهُمْ عَنْ مُحَاضَرَةِ الْفُقَهَاءِ , وَذَمِّهِمْ مُسْتَعْمِلِي الْقِيَاسِ مِنَ الْعُلَمَاءِ , لِسَمَاعِهِمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ [وَالنَّهْيِ عَنْهُ , وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَحْمُودِ الرَّأْيِ] وَمَذْمُومِهِ , بَلْ سَبَقَ إِلَى نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَى عُمُومِهِ ...» (*).
رابعًا: اهتمام الفقهاء بالحديث وعنايتهم به، حتى يدفعوا عن أنفسهم ما يتهمهم به المحدثون، من جهل بالحديث، أو عزوف عنه، فنجد أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن - صاحبي أبي حنيفة - يقبلان على رواية الحديث ويقتدي بهما في ذلك أبو جعفر الطحاوي حتى جمع بين إمامة الحديث وإمامة الفقه، وكان من نتيجة ذلك أن حدث شيء من التقارب بين المحدثين والفقهاء.
خامسًا: ومن النتائج الهامة التي أسفر عنها الصراع بين المحدثين وخصومهم، بروز فقه المحدثين وظهوره إلى الوجود، مستقلاً عن مذاهب الفقهاء متميزًا عنهم، شَاقًّا لنفسه طريقًا لا تنتسب لأحد غير المحدثين.
أما المراحل التي مر بها هذا الفقه، والأشخاص الذين أسهموا في بنائه، فهو موضوع الفصل التالي.
__________
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الفقيه والمتفقه "، للخطيب البغدادي (ت 463 ه)، تحقيق أبي عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، 2/ 140، الطبعة الثانية: 1421 ه، نشر دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية.
انظر صفحتي 5 و 6 من هذا الكتاب.
(1/121)

الفَصْلُ الثَّالِثُ: فُقَهَاءُ المُحَدِّثِينَ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ:
أثبتنا فيما تقدم أنه لم يكن هناك فرق بين المحدث والفقيه في عصر الصحابة والتابعين، وأن البحث عن الحديث كان يعني في نفس الوقت البحث عن الأحكام الفقهية، غاية الأمر أن فريقًا من الصحابة والتابعين أكثروا من رواية الحديث، وأن آخرين منهم أكثروا من الفتوى، وقد عد ابن عبد البر في جملة المُفْتِينَ برأيهم كل المعروفين من التابعين في مختلف الأمصار (1) وكذلك فعل ابن القيم تبعًا لابن حزم (2). وكان هذا المزج بين المحدث والفقيه معروفًا حتى عصر عمر بن عبد العزيز، إذ يروي ابن سعد أن عمر بن عبد العزيز لما قدم المدينة واليًا عليها دعا عشرة نفر من فقهاء البلد وقال لهم: «إِنِّي دَعَوْتُكُمْ لأَمْرٍ تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ [وَتَكُونُونَ فِيهِ أَعْوَانًا عَلَى الْحَقِّ]. مَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا إِلَّا بِرَأْيِكُمْ أَوْ بِرَأْيِ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَحَدًا يَتَعَدَّى أَوْ بَلَغَكُمْ عَنْ عَامِلٍ لِي ظَلامَةً: فَأُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ بَلَغَهُ ذَلِكَ إِلا أَبْلَغَنِي. فَجُزُّوهُ خَيْرًا وَافْتَرِقُوا» (3). هؤلاء الفقهاء العشرة يذكرون أيضًا كرواة الحديث على اختلاف بينهم قلة وكثرة من الحديث أو الإفتاء.
وقلة الفتوى أو كثرتها قد ترجع إلى عوامل نفسية، تدفع بعض العلماء إلى
__________
(1) انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 61، 62.
(2) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 25، 30.
(3) " الطبقات " لابن سعد: 5/ 245، 266، ومنهم عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد وغيرهم.
(1/122)

الإكثار من الفتوى لثقتهم بأنفسهم. واطمئنانهم إلى سلامة مسلكهم استنادًا إلى أن الشرع أشاد بالعقل ومنحه قدرًا من الحرية، ووعده بأن يثيبه على اجتهاده في حالتي الصواب والخطأ. على حين تدفع هذه العوامل آخرين منهم إلى الانقباض عن الفتوى خوفًا من الخطأ وتحرجًا من الزلل وتورعًا عن أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام.
وقد يكون مصدر القلة والكثرة في الفتوى هو العامل العقلي، الذي يتيح لبعض الناس أن يجاوزوا الألفاظ إلى ما وراءها من المعاني، وأن يصل الأسباب بالنتائج، ويربط الجزئيات المتشابهة ويدرجها تحت الكلي الذي يشملها، مستوحيًا روح التشريع في كل ذلك، على حين أن بعض الناس لم تؤهلهم مواهبهم العقلية لمثل ذلك، أو لم يستعملوا مواهبهم العقلية وَلَمْ يُوَجِّهُوهَا هذه الوجهة. إن بعض الناس قد يستطيع حفظ الكثير من النصوص، ولكنه لا يعرف كيف يستخدمها، وصدق القائل: «قَدْ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْدِرَ أَنْ يَكُونَ أُسْتَاذًا» (1). بل صدق رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أشار بقوله: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». وَيُعَلِّقُ الشافعي على هذا الحديث بقوله: «دَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ الفِقْهَ غَيْرُ فَقِيهٍ، يَكُونُ لَهُ حَافِظًا، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فَقِيهًا» (2).
كما أشار - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إلى أصناف حملة العلم، في قوله الذي قسم فيه الناس تبعًا لاختلاف استجابتهم لدعوته: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ
__________
(1) انظر " المدخل إلى علم أصول الفقه " للدكتور محمد معروف الدواليبي: ص 102.
(2) " الرسالة " للشافعي: ص 401، 403.
(1/123)

كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، [وَأَصَابَتْ] مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (1).
قال ابن حزم في هذا الحديث: «فَقَدْ جَمَعَ رَسُولُ الْلَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الحَدِيثِ مَرَاتِبِ أَهْلَ العِلْمِ دُوْنَ أَنْ يَشُذَّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَالأَرْضُ الطَيِّبَةُ النَّقِيَّةُ هِيَ مِثْلُ الفَقِيهِ الضَّابِطِ لِمَا رَوَىَ الفَهْمَ لِلْمَعَانِي التِي يَقْتَضِيهَا لَفْظَ النَصِّ المُتَنَبِّهِ عَلَىَ رَدِّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ إِلَىَ نَصِّ حُكْمِ القُرْآنِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا الأَجَادِبُ الْمُمْسِكَةُ لِلْمَاءِ التِي يَسْتَقِي مِنْهَا النَّاسُ فَهِيَ مِثْلُ الطَّائِفَةِ التِي حَفِظَتْ مَا سَمِعَتْ أَوْ ضَبَطَتْهُ بِالكِتَابِ وَأَمْسَكَتْهُ حَتَّى أَدَّتْهُ إِلَى غَيْرِهَا غَيْرَ مُغَيِّرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَنَبُّهٌ عَلَى مَعَانِي أَلْفَاظِ مَا رَوَتْ وَلاَ مَعْرِفَةٍ بِكَيْفِيَّةِ رَدِّ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ إِلَىَ نَصِّ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ التِي رَوَتْ، لَكِنْ نَفَعَ اللهُ تَعَالَىْ بِهِمْ فِي التَّبْلِيغِ فَبَلَّغُوهُ إِلَىَ مَنْ هُوَ أَفْهَمَ بِذَلِكَ فَقَدْ أَنْذَرَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا إِذْ يَقُولُ: " فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَىَ مِنْ سَامِعٍ ". وَكَمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنَّهُ قَالَ: " فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ". قَالَ أَبُوْ مُحَمَّدٍ: فَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا سَمِعَ وَلاَ ضَبَطَهُ فَلَيْسَ مِثْلَ الأَرْضِ الطَيِّبَةِ وَلاَ مِثْلَ الأَجَادِبِ المُمْسِكَةِ لِلْمَاءِ بَلْ هُوَ مَحْرُومٌ مَعْذُورٌ أَوْ مَسْخُوطٌ بِمَنْزِلَةِ القِيَعَانِ التِي لاَ تُنْبِتُ الكَلأَ وَلاَ تُمْسِكُ المَاءَ» (2).
وبحكم هذا الاختلاف الفطري في الإنسان - وهو الاختلاف الذي أكده ما قدمناه من نصوص - وجد من المحدثين من نظر فيما جمع، ودرى ما يحمله
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 16، 17.
(2) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: 1/ 139، 140.
(1/124)

سواء من ناحية الأسانيد والحكم عليها أو من ناحية الألفاظ وضبطها أو ناحية المعاني وما يستنبط منها. فبلغوا بذلك مرتبة الفقه، كما وجد منهم من لم يحظ بهذه الرتبة.
روى ابن القيم أن مالكًا، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وغيرهم كانوا يختلفون إلى ابن هرمز: فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم، ولما عاتبه ابن دينار في ذلك أجابه بقوله: «إنِّي قَدْ كَبُرَتْ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ خَالَطَنِي فِي عَقْلِي مِثْلُ الَّذِي خَالَطَنِي فِي بَدَنِي، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ عَالِمَانِ فَقِيهَانِ، إذَا سَمِعَا مِنِّي حَقًّا قَبِلاَهُ، وَإِنْ سَمِعَا خَطَأً تَرَكَاهُ، وَأَنْتَ وَذَوُوك مَا أَجَبْتُكُمْ بِهِ قَبِلْتُمُوهُ» (1).
وروى ابن عبد البر أن (مطر الوراق) سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِهِ، قَالَ: «لَا أَدْرِي، إِنَّمَا أَنَا زَامِلَةٌ» (2).
وعلى قدر ما كان أمثال مطر هذا قليلين في القرن الأول، حيث كان القصد إلى الفقه من أول الأمر عند رواية الحديث - أخذ عددهم في الزيادة المطردة منذ القرن الثاني، حيث أصبحت رواية الحديث وجمع طرقه هو السمة التي تجمع بينهم، والشغل الذي يهمهم، وحيث سلم كثير منهم بالفصل بين الفقه والحديث:
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 2/ 299، 300.
(2) انظر: " جامع بيان العلم وفضله ": 3/ 127. ومطر الوراق هو أبو رجاء السلمي، مولى علباء (*)، سكن البصرة وروى عن عكرمة، وعطاء وعمرو بن دينار، وغيرهم روى عنه الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة (**)، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم. كان يحيى بن سعيد القطان يضعف حديثه عن عطاء. توفي سنة 128 أو 129 ه. (" تهذيب التهذيب ": 10/ 167، 169).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (مولى علي) والصواب ما أثبته (مَوْلَى عَلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ اليَشْكُرِيِّ). انظر " تهذيب الكمال في أسماء الرجال "، للمزي (ت 742 ه)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، 28/ 51، الطبعة الأولى: 1400 ه - 1980 م، مؤسسة الرسالة. بيروت - لبنان.
وانظر " سير أعلام النبلاء " للذهبي (748 ه)، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، 5/ 452، الطبعة الثالثة: 1405 ه / 1985 م، نشر مؤسسة الرسالة.
(**) في الكتاب المطبوع خطأ في التسمية (حماد بن أبي سلمة) والصواب ما أثبته (حماد بن سلمة).
(1/125)

فعلى المحدث أن يجمع المادة، وعلى الفقيه أن يستعملها، ويبين خصائصها، والنسب التي تتألف منها، وذلك هو تشبيه الأعمش في قوله لأبي حنيفة: «أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» (1).
ويبين الثوري أنه ليس كل من حمل الحديث يمكن أن يستفاد منه العلم بالأحكام، فينصح أحد تلامذته بقوله: «خُذِ الْحَلاَلَ وَالْحَرَامَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمِنَ الْمَشْيَخَةِ» (2). وهكذا يضع الثوري (الشيخ) في مقابلة المشهورين في العلم.
ويبدو أن لفظ (الشيوخ أو المشيخة) صار اصطلاحًا يطلق على غير الفقهاء من المحدثين كما سبق في عبارة الثوري، وكما روى عن وكيع بصورة أوضح وأكثر تحديدًا، حيث استعمل (الشيوخ) في مقابله (الفقهاء) أو (الشيخ) في مقابله (الفقيه): فقد سأل وكيع بعض من في مجلسه مختبرًا لهم، فقال: «الأَعْمَشُ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟». فَقُلْنَا: «الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَقْرَبُ». فَقَالَ: «الأَعْمَشُ شَيْخٌ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقِيهٌ عَنْ فَقِيهٍ عَنْ فَقِيهٍ [عَنْ فَقِيهٍ]» (3).
ومما يدل على تسليم الفقهاء بفكر التخصص في الحديث أو الفقه قول الإمام الشافعي للمحدثين فيما رواه أحمد بن حنبل: «أَمَّا أَنْتُمْ فَأَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ مِنِّي، فَإِذَا كَانَ الحَدِيثُ صَحِيحًا فَأَعْلِمُونِي أَنْ يَكُونَ كُوفِيًّا أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا أَذْهَبُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا» (4).
__________
(1) انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 130، 131. وروي أن الأعمش قاله لأبي يوسف.
(2) " المحدث الفاصل ": ص 244، 333.
(3) " المحدث الفاصل ": ص 74.
(4) " الانتقاء " لابن عبد البر: ص 75.
(1/126)

وكلما تميزت صناعة الحديث وتفرعت فنونها وتكامل نضجها بعدت عن الفقه، وقل الفقهاء من المحدثين تدريجيًا، واستهدفوا الحملات خصومهم حتى كان عصر ابن حنبل حيث بلغ الصراع إلى غايته، ومع ذلك فالمحدثون منصرفون عن الفقه، فقال [إسحاق بن راهويه] (*): «كُنْتُ أُجَالِسُ بِالعِرَاقِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَأَصْحَابَنَا، فَكُنَّا نَتَذَاكَرُ الحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ وَطَرِيقَيْنِ وَثَلَاثَةً، فَيَقُولُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ مِنْ بَيْنِهِمْ وَطَرِيقِ كَذَا فَأَقُولُ أَلَيْسَ قَدْ صَحَّ هَذَا بِإِجْمَاعِنَا؟، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَأَقُولُ: مَا مُرَادُهُ؟ مَا تَفْسِيرُهُ؟ مَا فِقْهُهُ؟ فَيَقِفُونَ كُلُّهُمْ إِلَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ» (1).
وفي عصر أحمد بن حنبل، وبتأثير التيارات النقدية، وحدة الصراع الفكري وعنف محنة خلق القرآن وصلابة أحمد بن حنبل فيها، برز فقه المحدثين، ووجد التربة صالحة لنموه ونضجه.
ولئن كانت محنة خلق القرآن حدثًا كبيرًا في الإسلام فقد كانت نقطة تحول كبير في حياة ابن حنبل الفكرية، كما كان لها أثر بالغ في تكتل المحدثين والتفافهم، أو كانت السبب المباشر في إعلان اللون الفقهي الخاص بهم، يثبتون به وجودهم، ويحققون فيه ذاتهم، ويؤكدون استقلالهم، وإن وجد فيمن سبقهم الجذور التي أمدته بالغذاء، وهيأت له أسباب الحياة.
إن أحمد بن حنبل قبل المحنة لم يكن له منهج فقهي متميز ولعل تقسيم حياته إلى فترتين تفصيل المحنة بينهما، يوضح كثيرًا من التناقض فيما يروى عنه من الأخبار حول الرأي والأخذ به: فعلى حين يروى عنه النصح بكتابة رأي الشافعي أو مالك أو الأخذ برأيهما (2)، إذا به يروى عنه التحذير من كتابة الرأي، لا فرق بين
__________
(1) " ابن حنبل " لأبي زهرة: ص 13.
(2) انظر: " الانتقاء ": ص 76؛ و" تقدمة كتاب الجرح والتعديل ": ص 16؛ " إعلام الموقعين ": 1/ 36.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هذا القول لإسحاق بن راهويه، انظر: " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، 6/ 90، الطبعة الأولى: 1422 ه - 2002 م، نشر دار الغرب الإسلامي - بيروت.
(1/127)

رأي مالك والشافعي وسفيان وغيرهم، بل كان ينكر على مالك تصنيف " الموطأ "، ويقول: «ابْتَدَعَ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ» (1).
ولكن تأثير ابن حنبل في المحدثين بعد المحنة كان عظيمًا، فقد صار رمزًا لهم وبطلاً يملأ قلوب الناس وأسماعهم، ونجمًا يشد إليه أبصارهم وتمتد إليه أعناقهم، فسعت إليه الإمامة والصدارة وأصبح مرجعًا لأمور الدين تحترم كلمته وتقدم فتواه ولعله لم يرد لنفس ما صار إليه، ولكن هكذا صار.
وقد سبق قول بشر الحافي في أن أحمد بعد المحنة وبذلك «صَارَ زَعِيمَ حِزْبٍ عَظِيمٍ مِنْ أَحْزَابِ الإِسْلاَمِ» وقد يقال إن المقصود من إطلاق (حزب) هو زعامة الإمام ابن حنبل لأهل السنة، في مقابلة المعتزلة، ولكن هذا لا يمنع من أن يفهم من العبارة زعامة أحمد لأهل الحديث، وأنهم المعنيون بكلمة (حزب)، ويرشح لهذا الفهم أن ابن عبد البر قد أثبت فقه أهل الحديث، وصرح بإمامة أحمد لهم في هذا الفقه: فقد قال عن أحمد بن حنبل: «وَلَهُ [اخْتِيَارٌ] فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ إِمَامُهُمْ» (2) هذا على الرغم من أن ابن عبد البر لم يذكره مع الفقهاء الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة، ولكن اقتصاره على هؤلاء لا يعني أن الفقه محصور فيهم، فقد وجد لغيرهم مذاهب امتدت حياتها حتى عاصرت ابن عبد البر، وإنما اقتصر على هؤلاء لكثرة أتباعهم، وما جرته المنافسة بينهم من طعن في هؤلاء الأئمة، ولعل ابن عبد البر قد تابع أبا داود السجستاني في قوله الذي ترحم فيه على هؤلاء الثلاثة اعترافًا منه بإمامتهم، وتنبيهًا
__________
(1) انظر " إحياء علوم الدين ": 1/ 79؛ و" الانتقاء ": هامش ص 76، 77؛ و" جامع بيان العلم ": 2/ 149.
(2) " الانتقاء ": ص 107.
(1/128)

للمتعصبين المغالين «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا» (1).
إن القول باستقلال فقه المحدثين في القرن الثالث، وإعلانه على يد أحمد بن حنبل يرفع كثيرًا من الاضطراب حول المجتهدين قبله في أهل الرأي أو في أهل الحديث كما يحسم الخلاف حول ابن حنبل نفسه في اعتباره من الفقهاء أو من المحدثين.
لقد أثبتنا من قبل أنه لم يكن يوجد خلال القرن الأول تنافس بين أهل الحجاز، وأهل العراق، وأن الاختلاف بينهما كان اختلافًا في البيئة والشيوخ، وقد وجد في كلا القطرين من أكثر من الرأي والفتوى، كما وجد فيهما من انقبض عن الفتوى وتحرج من الرأي، أو ذمه وحذر منه، واستمر الحال على ذلك حتى تسللت عبارة «أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ» إلى الحياة الفقهية في النصف الثاني من القرن الثاني، مكونة جبهة موحدة من كل المذاهب الفقهية ضد المذهب الحنفي، فلما كان القرن الثالث تميز فقه المحدثين، واتخذ طابعه الخاص، وأصبح مقابلاً لغيره من المذاهب.
أما المحدثون قبل تميز هذا الفقه فقد كان الفقهاء منهم يذهبون مذهب الحجازيين أو الكوفيين: فسفيان الثوري مثلاً كوفي في منهجه ومأخذه، واختياره، قال علي بن المديني: «أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - سِتَّةٌ، الذِينَ يُقْرِئُوْنَ وَيُفْتُونَ وَمِنْ بَعْدِهِمْ أَرْبَعَةٌ، وَمِنْ بَعْدِ هَؤُلاَءِ سُفْيَانُ الثَّوْرِي كَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُمْ وَيُفْتِي بِفَتْوَاهُمْ» (2). وروى ابن عبد البر بسنده عن أبي يوسف قال: «سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَكْثَرُ مُتَابَعَةً لأَبِي حَنِيفَةَ مِنِّي» (3).
__________
(1) " الانتقاء ": ص 33؛ و " جامع بيان العلم ": 7/ 162.
(2) " تقدمة الجرح والتعديل ": ص 58.
(3) " الانتقاء ": ص 128.
(1/129)

وكذلك كان يحيى بن سعيد القطان: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَذْهَبُ فِي الْفَتْوَى مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ» (1). وقال يحيى بن سعيد: «كَمْ [مِنْ] شَيْءٍ حَسَنٍ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرُبَّمَا اسْتَحْسَنَّا الشَيْءَ مِنْ رَأْيِهِ فَأَخَذْنَا بِهِ» (2)، وعن يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وَكِيعٍ، وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ» (3). وقد رأينا أن أحمد بن حنبل نفسه قبل المحنة كان يفتي برأي مالك أو برأي الشافعي، ويروي البيهقي مناظرة حدثت بين علي بن المديني ويحيى بن معين، وأن ابن المديني تقلد فيها قول الكوفيين وقال به (4)، وكان موضوع المناظرة هو الوضوء من مس الذكر فذهب الكوفيون إلى عدم الوضوء منه، وذهب الحجازيون إلى الوضوء منه، وقد ذكر البيهقي أَنَّ سُفْيَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ اجْتَمَعَا فَتَذَاكَرَا مَسَّ الذَّكَرِ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ - وهو حجازي -: «يُتَوَضَّأُ مِنْهُ»، وَقَالَ سُفْيَانُ: «لاَ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَمْسَكَ بِيَدِهِ مَنِيًّا، مَا كَانَ عَلَيْهِ؟» فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «يَغْسِلُ يَدَهُ». قَالَ: «فَأَيُّهُمَا أَكْبَرُ: المَنِيُّ أَوْ مَسُّ الذَّكَرِ؟» (5). وهذه القصة تبين مدى تأثر الثوري بمنهج الجدل الذي امتاز به الكوفيون، والذي كانوا يفحمون به خصومهم فلا يملكون إزاء هذا الإفحام إلا التشنيع عليهم، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ بَعْدَ أَنْ حَجَّهُ سُفْيَانُ: «مَا أَلْقَاهَا عَلَى لِسَانِكَ إِلاَّ الشَّيْطَانُ» (6).
وأما غير الفقهاء من المحدثين فقد كانوا مقلدين لمن يرتضونه من العلماء ويوضح أبو حاتم الرازي منهجهم بقوله: «العِلْمُ عِنْدَنَا مَا كَانَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابٍ نَاطِقٍ نَاسِخٍ غَيْرِ مَنْسُوخٍ، وَمَا صَحَّتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
__________
(1) و (2) " الانتقاء ": ص 123.
(3) " الانتقاء ": ص 136. ووكيع هو ابن الجراح بن مليح، من بني عامر بن صعصعة، يُكَنَّى أبا سفيان. توفي سنة 197 ه.
(4) " سنن البيهقي ": 1/ 135، 136.
(5) و (6) " سنن البيهقي ": 1/ 135، 138.
(1/130)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا لاَ مُعَارِضَ لَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ الأَلِبَّاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يُخْرِجْ مِنْ اخْتِلاَفِهِمْ، فَإِذَا خَفِيَ ذَلِكَ وَلَمْ يُفْهَمْ فَعَنْ التَّابِعِينَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ التَّابِعِينَ فَعَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، مِثْلِ: أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، ثُمَّ مَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ أَمْثَالِهِمْ فَعَنْ مِثْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنِ سَلاَّمٍ» (1).
فإذا ثبت أن المحدثين كان لهم فقه خاص من القرن الثالث، وأن هذا الفقه قد وضح لونه وتحددت معالمه بعد محنة ابن حنبل، فإنه يكون واضحًا أن المجتهدين قبل هذا الفقه لم ينقسموا إلى أهل حديث وأهل رأي، وأصبح معلومًا أن هذا التقسيم إنما كان ظهور هذا المذهب الفقهي الجديد المميز لأهل الحديث والذي أصبح يطلق في مقابلة المذاهب الأخرى التي اندرجت تحت عبارة أهل الرأي، لا فرق بين مالكية وحنفية وشافعية: يقول ابن حنبل: «رَأْيُ الأَوْزَاعِي، وَرَأْيُ مَالِكٍ، وَرَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهُ رَأْيٌ وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي الآثَارِ» (2). وبذلك أيضًا يتضح أن سبب خلط المؤرخين في حكمهم على الأئمة بأنهم من أهل الحديث تارة، ومن أهل الرأي تارة أخرى، يكمن في تشخيصهم فترة زمنية معينة، وملاحظتهم بعض ظواهرها ثم محاولتهم تعميم هذه الظواهر على المراحل السابقة واللاحقة.
أما الخلاف في اعتبار أحمد بن حنبل من الفقهاء فهو خلاف قديم، نتج
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 2/ 135، 136.
(2) " جامع بيان العلم وفضله ": 2/ 149.
(1/131)

عن قياسه بمن سبقه من الفقهاء، ووزنه بمعايير فقههم من دقة الاستنباط وحسن التخريج، أو بما بلغوه من شهرة، وما نالوه من كثرة في التلاميذ والأتباع، دون ملاحظة منهجه الخاص، ودون تنبه لتكون المدرسة الجديدة التي أخذت تقتحم عالم الفقه، لتزاحم بقية المذاهب، ولتأخذ مكانها بين المدارس الفقية، تحت شعار (المحدثين) أو (أهل الحديث).
لقد أهمل ابن جرير ذكر ابن حنبل في " الخلافيات " مذهب ابن حنبل وقال: «إِنَّمَا هُوَ رَجُلُ حَدِيثٍ لَا رَجُلَ فِقْهٍ»، وواجه المحن من الحنابلة من أجل ذلك، كذلك أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات، «كَالطَّحَاوِيِّ، وَالدَّبُّوسِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ فِي " مَنْظُومَتِهِ "، وَالعَلَاءِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالفَرَاهِيِّ الحَنَفِيِّ أَحَدُ عُلَمَاءِ المِائَةِ السَّابِعَةِ فِي " مَنْظُومَتِهِ " ذَاتِ العِقْدَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَصِيلِيُّ المَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ " الدَّلَائِلَ " وَالغَزَالِيُّ فِي " الوَجِيزِ " وَأَبُو البَرَكَاتِ النَّسَفِيُّ فِي " الوَافِي "» (1).
قال في " المدارك ": «إِنَّهُ دُونَ الإِمَامَةِ فِي الفِقْهِ وَجَوْدَةِ النَّظَرِ فِي مَأْخَذِهِ عَكْسَ أُسْتَاذِهِ الشَّافِعِيَّ» (2).
ولكن أصحابه والمنتسبين إليه وأهل الحديث لا يسلمون بذلك، بل يبالغ بعضهم في وصفه بالفقه فيقول [الخلال]: «كَانَ أَحْمَدُ قَدْ كَتَبَ كُتُبَ الرَّأْيِ وَحَفِظَهَا ثُمَّ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الْفِقْه تَكَلَّمَ كَلاَمَ رَجُلٍ قَدْ انْتَقَدَ العُلُومَ فَتَكَلَّمَ عَنْ مَعْرِفَةٍ» (3).
ويرد ابن عقيل الحنبلي على من لم يعتد بفقه أحمد، فيقول: «وَمِنْ عَجِيبِ مَا نَسْمَعُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الجُهَّالِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَحْمَدُ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، لَكِنَّهُ مُحَدِّثٌ وَهَذَا غَايَةُ الجَهْلِ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ اخْتِيَارَاتٌ بَنَاهَا عَلَى الأَحَادِيثِ بِنَاءً لَا يَعْرِفُهُ
__________
(1) و (2) " الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي " للحجوي: 3/ 21، 22.
(3) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل " لابن بدران: ص 38.
(1/132)

أَكْثَرُهُمْ وَخَرَجَ عَنْهُ مِنْ دَقِيقِ الفِقْهِ مَا لَيْسَ نرَاهُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَانْفَرَدَ بِمَا سَلَّمُوهُ لَهُ مِنَ الحِفْظِ» (1).
والحق أنه نهج في الفقه نهجًا مستقلاً، وأنه مهد للمحدثين من بعده طريق هذا الفقه ويسر لهم التأليف فيه، وهيأ لهم الالتفاف حوله بحفظه الكثير من الآثار، وبما أسبغت عليه المحنة من تأثير بالغ في النفوس، ونحن مع الأستاذ محمد أبي زهرة إذ يقول: «لِذَلِكَ يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ أَحْمَدَ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَمِنْ طَرِيقِ هَذِهِ الإِمَامَةِ فِي الحَدِيثِ وَالآثَارِ كَانَتْ إِمَامَتُهُ فِي الفِقْهِ، وَأَنَّ فِقْهَهُ آثَارٌ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَنْطِقُهُ، وَمَقَايِيسُهُ، وَضَوَابِطُهُ، وَلَوْنُهُ، وَمَظْهَرُهُ، وَلَقَدْ أَنْكَرَ لِهَذَا ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، وَعَدَّهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي المُحَدِّثِينَ وَلَمْ يَعُدَّهُ فِي الفُقَهَاءِ، وَكَثِيرُونَ قَالُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقَالَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَلَكِنَّ النَّظْرَةَ الفَاحِصَةَ لِدِرَاسَاتِهِ وَمَا أُثِرَ عَنْهُ مِنْ أَقْوَالٍ وَفَتَاوَى فِي مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةٍ تَجْعَلُنَا نَحْكُمُ بِأَنَّهُ كَانَ فَقِيهًا غَلَبَ عَلَيْهِ الأَثَرُ وَمَنَحَاهُ» (2).
ونخلص من هذا إلى ما قررناه، من أن فقه أهل الحديث وبروزه في هذا القرن هو الذي يفسر لنا موقف الإمام أحمد بن حنبل، وأنه كان - كما قال ابن عبد البر - فقيهًا على مذهب أهل الحديث، وهو إمامهم.
ولنوثق ما أثبتناه من أن كلمة (المحدثين) أو (أهل الحديث) لم تكن تطلق على أحد من التابعين، وإنما كانت تطلق على قوم بأعيانهم، هم المشتغلون برواية الحديث والتأليف فيه منذ النصف الثاني من القرن الثاني على وجه التقريب، وأن (أصحاب الحديث) هؤلاء كان لهم فقه متميز مخالف
__________
(1) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ": ص 38.
(2) " ابن حنبل " للأستاذ أبي زهرة: ص 154، 155.
(1/133)

لبقية المذاهب وقسيم لها، فنذكر من أقوال الأقدمين وفهمهم ما يؤيد مذهبنا.
فقد روى الخطيب عن قتيبة بن سعيد قال: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ، يُحِبُّ أَهْلَ الْحَدِيثِ، مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ - وَذَكَرَ قَوْمًا آخَرِينَ - فَإِنَّهُ عَلَى السُّنَّةِ، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ» (1).
ويذكر الرامهرمزي أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ وَبَوَّبَ «الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ بِالبَصْرَةِ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِهَا، وَخَالِدُ بْنُ جَمِيلٍ الذِي يُقَالُ لَهُ العَبْدُ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِاليَمَنِ، وَابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالكُوفَةِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالبَصْرَةِ، وَصَنَّفَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِمَكَّةَ، وَالوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِالشَّامِ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ بِالرَيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ بِمَرْوٍ وَخُرَاسَانِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ بِوَاسِطٍ، وَصَنَّفَ فِي هَذَا العَصْرِ بِالكُوفَةِ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَابْنُ فُضَيْلٍ، وَوَكِيعٌ، ثُمَّ صَنَّفَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِاليَمَنِ، وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، وَتَفَرَّدَ بِالكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِتَكْثِيرِ الأَبْوَابِ وَجَوْدَةِ التَّرْتِيبِ، وَحُسْنِ التَّأْلِيفِ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ المُصَنِّفِينَ ثَلاَثَةٌ، فَذَكَرَ أَبَا عُبَيْدِ الْقَاسِمَ بْنَ سَلاَّمٍ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ بَحْرٍ فِي مَعْنَاهُ» (2).
وذكر ابن النديم في فصل خاص (3) فقهاء المحدثين وأصحاب الحديث وساق منهم عددًا، دون أن يعنى بالفصل بين المتجردين للحديث فقط، ومن جمعوا إلى الحديث الفقه فيه، ويلاحظ على من أوردهم أن تاريخ وفياتهم تنحصر ما بين منتصف القرن الثاني، ومنتصف القرن الرابع، كما يلاحظ أنه لم يذكر
__________
(1) " شرف أصحاب الحديث " للخطيب: رقة 9 (أ).
(2) " المحدث الفاصل ": ص 419، 420.
(3) انظر " الفهرست ": ص 225، 226.
(1/134)

في جملة من ذكرهم مالكًا والشافعي، وكذلك لم يذكرهما الرامهرمزي.
وقد أحصى الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي من أطلق عليه (أمير المؤمنين) في الحديث، ونظمهم في " منظومته " (1) قال فيها:
فَمَالِكٌ إِمَامُنَا المُقَدَّمُ ... وَشَيْخُهُ أَبُو الزِّنَادِ المُعَلِّمُ
ثُمَّ إِمَامَ العَارِفِينَ الثَّوْرِي ... مَنْ زَانَهُ الزُّهْدِ كَزَيْنِ النُّورِ
فَشُعْبَةُ المُحَقِّقُ الِإمَامُ ... مَنْ ازْدَهَتْ بِعِلْمِهِ الأَيَّامُ
كَذَاكَ إِسْحَاقُ الِإمَامُ الحَنْظَلِي ... ثُمَّ هِشَامُ الدُّسْتُوَائِيُّ العَلِي
وَابْنُ دُكَيْنٍ الفَضْلُ الأَلْمَعِي ... كَذَا ابْنُ يَحْيَى الحَافِظُ الذُّهَلِي
ثُمَّ البُخَارِيُّ الشَّهِيرُ الفَخْمُ ... وَالدَّارَقُطْنِيُّ الإِمَامُ الشَّهْمُ
ثُمَّ ابْنُ إِسْحَاقَ إِمَامُ السِّيرَةِ ... مَنْ كَانَ ذَا بَصِيرَةٍ مُنِيرَةِ
قَدْ قَالَ ذَاكَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ ... وَغَيْرُهُ إِذَ حَازَ تِلْكَ المَفْخَرَةِ
وَالوَاقِدِيُّ الشَّهْمُ ذُو البَصِيرَةِ ... مِنْهُمْ وَكَانَ مَاهِرًا فِي السِّيرَةِ
كَمَا لِذَاكَ الدَّرَاوُرْدِيُّ أَقَرْ ... كَمَا لَهُ العَيْنِيُّ تَصْرِيحًا ذَكَرْ
وَهَكَذَا حَمَّادُ نَجْلُ سَلَمَهْ ... فَابْنُ المُبَارَكِ، وَكَمْ مَنْ عَظَّمَهْ
وَالدَّرَاوُرْدِيُّ لِذَاكَ يَصْلُحُ ... قَدْ قَالَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى المُفْلِحُ
وَنَجْلُ عَلَّانَ المُحَقِّقُ ذَكَرْ ... مِنْ أُمَرَاءِ المُؤْمِنِينَ ابْنُ حَجَرْ
قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ فِي السُّيُوطِي ... ذَاكَ لِمَا حَازَ مِنَ الشُّرُوطِ
وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ عَلَى صِفَهْ ... تُعْطِيهِ ذَا مَعَ وَرَعٍ وَمَعْرِفَهْ
وَابْنُ مَعِينٍ مِثْلُهُ فِيمَا سَلَفْ ... وَلَمْ أَجِدْ هَذَا لَهُمْ عَنْ السَّلَفْ
__________
(1) " هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث ": ص 7، 8 مطبعة حجازي بالقاهرة: 1358 ه - 1993 م.
(1/135)

وهؤلاء المؤرخون الذين قدمناهم كانوا يراعون جانب التحديث ويغلبونه، ولهذا أدخلوا فيمن ذكروهم أمثال مالك والثوري والأوزاعي دون أن يراعوا الجانب الفقهي، وما يتميز به فقه هؤلاء، وما فارق به فقه المحدثين الذي ظهر فيما بعد.
ولكن الفقهاء الذين يعنون بذكر المذاهب الفقهية واختلاف العلماء، يسوقون أمثال مالك والثوري والأوزاعي كأصحاب مذاهب مستقلة ثم يعطفون عليها مذهب أهل الحديث: فابن قدامة في عرضه الخلاف في إباحة ترك الاغتسال من الجنابة في رمضان حتى يطلع الفجر، يثبت أن القول بالإباحة هو قول عامة أهل العلم من الصحابة، «وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، فِي أَهْلِ العِرَاقِ وَالأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ، فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فِي أَهْلِ الحَدِيثِ، وَدَاوُدُ، فِي أَهْلِ الظَّاهِرِ» (1).
ويقول ابن حزم في بيان أن مدة المسح على الخفين: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر: «وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَجُمْلَةِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ» (2).
وَقَالَ فِيمَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ أَوْ كَانَ مَرِيضًا، أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ وَأَنْ يَطَأَهَا «وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَقَتَادَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ» (3).
__________
(1) " المغني " لابن قدامة: 3/ 137.
(2) " المحلى ": 2/ 89.
(3) " المحلى ": 2/ 141، 142.
(1/136)

وقال في إمامة المرأة للنساء: «وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِمْ» (1).
وفي سجود التلاوة من المفصل قال: «وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، [وَالشَّعْبِيِّ]، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، [وَالشَّافِعِيِّ]، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِمْ، وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ» (2).
ولئن احتمل بعض ما تقدم من نصوص ابن حزم أن تكون من قبيل عطف العام على الخاص، أو العكس، فقد وجدنا له نصًا قاطعًا بأن أصحاب الحديث جماعة مستقلة لهم فقههم الخاص بهم، وهو فقه يفارق مذاهب غيرهم من المتقدمين وذلك في معرض مناقشة ابن حزم [لمفهوم] الإجماع والمراد به، قال: «فَإِنْ قَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ أَهْلَ السُّنَّةِ قُلْنَا أَهْلُ السُّنَّةِ فِرَقٌ: فَالحَنَفِيَّةُ جَمَاعَةٌ، وَالمَالِكِيَّةُ جَمَاعَةٌ وَالشَّافِعِيَّةُ جَمَاعَةٌ وَالحَنْبَلِيَّةُ جَمَاعَةٌ وَأَصْحَابُ الحَدِيثِ الذِينَ لَا يَتَعَدُّونَهُ جَمَاعَةٌ» (3).
ويقول في موضع آخر: «وَلَا أَكْثَرَ مِنْ غَلَبَةِ مَذْهِبِ مَالِكٍ عَلَى الأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَقَدْ كَانَ طَوَائِفٌ [عُلَمَاءٌ] مُخَالِفُونَ لَهُ جُمْلَةٌ قَائِلُونَ بِالحَدِيثِ أَوْ بِمَذْهِبِ الظَّاهِرِ» (4).
ونلاحظ أن ابن حزم ذكر (الحنبلية جماعة) مستقلة عن (أصحاب الحديث) ونحن نؤيده فيما ذهب إليه. وهذا لا يعني أن أحمد بن حنبل ليس من
__________
(1) " المحلى ": 3/ 28.
(2) " المحلى ": 5/ 111.
(3) " الإحكام " لابن حزم: 4/ 196.
(4) المصدر السابق: 4/ 187.
(1/137)

أصحاب الحديث، بل يعني أن الحنبلية غير أحمد بن حنبل، وغير أصحاب الحديث، فإن أحمد كان محدثًا سلك مسلك المحدثين وأفتى على وفقه، ولكن المطلع على كتب الحنبلية مثل " المغني " لابن قدامة يجد كثيرًا من التفريعات والمسائل الافتراضية التي لم تؤثر عن ابن حنبل، بل أثر عنه كراهيته لها وتحذيره منها، ولكن فقهاء الحنبلية أخذوا مسائل أهل الرأي. ثم حاولوا أن يجيبوا عنها على وفق أصول إمامهم، كما صنع أسد وسحنون في الفقه المالكي.
وقد عثرت على نص لابن القيم يؤيدني فيما ذهبت إليه من أن أتباع أحمد بن حنبل هم المحدثون، وليسوا الحنابلة ففي بسطه وجوه الاحتجاج على أهل التقليد، ذكر أن الطبقة الأولى من أصحاب أئمة المذاهب كانوا أتبع للأئمة من المقلدين المتأخيرن «فَأَتْبَعُ النَّاسِ لِمَالِكٍ ابْنُ وَهْبٍ وَطَبَقَتُهُ مِمَّنْ يُحَكِّمُ الحُجَّةَ وَيَنْقَادُ لِلدَّلِيلِ أَيْنَ كَانَ، وَكَذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَتْبَعُ لأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ المُقَلِّدِينَ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِمَا لَهُ، وَكَذَلِكَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالأَثْرَمُ وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَتْبَعُ لَهُ مِنْ المُقَلِّدِينَ المَحْضِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ» (1).
وقد ساعدت نظرية (بروز فقه المحدثين) على توضيح التناقض المروي عن الإمام أحمد في ذمه الرأي ومدحه له، فإنها يمكن أن تلقى مزيدًا من الضوء حول الظاهرة التي اشتهر بها الفقه الحنبلي وهي كثرة الروايات المختلفة والمتعارضة أحيانًا عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة، والتي يتأرجح بعضها من الإثبات المطلق إلى النفي المطلق، مما لا يتأتى معه إمكان الجمع بينهما.
وقد كانت هذه الظاهرة محل دراسة للعلماء، ناقشوا أسبابها، وبينوا دوافعها (2) ولكن الذي أضيفه هنا وأود أن يؤخذ في الاعتبار عند دراسة هذه
__________
(1) " إعلام الموقعين ". مطبوع أسفل " حادي الأرواح "، وكلاهما لابن القيم: 2/ 331.
(2) انظر " أسباب اختلاف الفقهاء " للأستاذ الشيخ علي الخفيف: ص 282، 284 =
(1/138)

الظاهرة، أن بعض هذا الاختلاف المروي، يمثل المراحل التي مر بها الإمام أحمد في تكوينه الفقهي، أي ما بين اختياره لرأي من يرتضيه ممن سبقه من الفقهاء واستقراره أخيرًا على مذهب أهل الحديث ورفضه لكل رأي. ولا شك أن هذه النقطة تحتاج إلى دراسة خاصة ليس هذا مكانها، يكون من نتيجتها معرفة المتأخر من أقواله، ومقارنتها بما تقدم منها قبل المحنة.
__________
= و" ابن حنبل " للأستاذ الشيخ أبي زهرة: ص 189، 190، ويتلخص ما ذكرا من أسباب اختلاف الروايات في:
أ - اختلاف الرواية عن الصحابة في مسألة لم يستطع ابن حنبل الترجيح فيها فيذكرها كما هي.
ب - ورعه ورجوعه عن فتواه للحديث أو للأثر.
ج - عدم تدوينه لمذهبه الفقهي، مما ينتج عنه خطأ في النقل.
(1/139)

الفَصْلُ الرَّابِعُ: رُوَّاةُ الحَدِيثِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتَأْثِيرُهُمْ فِي أَهْلِ الحَدِيثِ:
نستطيع أن نعتبر عصر الصحابة منبع الآراء الفقهية: منه تنبع وتتدفق، ثم تسيل متشعبة في أودية الزمن، مكتسبة في مسيرتها ما اختلطت به من الطبائع والعقول والبيئات المتفاوتة، مثلما يكتسب الماء من خواص الأرض التي يمر عليها ما يحفظ عذوبته وخواصه أو يخرجه عنها.
ونظرة فاحصة إلى معظم المذاهب الإسلامية بما تمثله من اتجاهات فقهية تؤكد ما نقول، وتكشف عن جذور هذه المذاهب الممتدة إلى عصر الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - تمتص منه حياتها، وتتلمس فيه البراهين على صحتها، واستقامة طريقها، وتستأنس به لما تذهب إليه، فإن العصر الممتلئ بالإيمان، الفياض بالحركة - قد جرى فيه من الأحداث، وصراع الأفكار، وألوان النزاع - ما جعل له الأثر الأول في اتجاهات العصور التالية لهم.
وتعرضنا لهذا العصر، إنما هو من جانب تأثيره في المحدثين وتأثرهم به، عن طريق النماذج التي يشبهونها، أو التي يلتقون معها في المنزع، ويشاركونها في المشرب، ويقتفون أثرها: سواء في السلوك أو التفكير.
وقبل أن نخوض في ذلك نوجز القول في تعريف الصحابي، وفي بيان مراتب الصحابة من العلم:

حَدُّ الصَّحَابِيِّ:

للعلماء أقوال كثيرة في حد الصحابي، وهذه الأقوال يمكن حصرها في اتجاهين رئيسيين:
(1/140)

أولهما: اتجاه جمهور المحدثين، ويميلون في تعريفه إلى أنه «كُلُّ مُسْلِمٍ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ لَحْظَةً». وهو تعريف مشتق من أصل المعنى اللغوي لمادة الصحبة. وقد اختار هذا التعريف النووي، ووصفه بأنه مذهب أحمد بن حنبل والبخاري وكافة المحدثين (1). ويؤيده أن البخاري ترجم لفضائل الصحابة في " صحيحه " بقوله: (بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) (2).
وإلى هذا التعريف أيضًا يميل ابن حزم، بعد أن يعترض على بعض التعريفات الأخرى فيقول: «وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَآهُ صَحَابِيًّا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ أَبُو جَهْلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَادَثَهُ وَجَالَسَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَلَمْ يَلْقَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَوْ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَعْدُودًا فِي الصَّحَابَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - صَحَابِيًّا وَلَا [خِلَافَ] بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدَ لَيْسَا صَحَابِيَيْنِ وَهُمَا مِنَ الفَضْلِ وَالعِلْمِ وَالبِرِّ بِحَيْثُ هُمَا وَقَدْ كَانَا عَالِمَيْنِ جَلِيلَيْنِ أَيَّامَ عُمَرَ وَأَسْلَمَا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا الصَّحَابَةُ الذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] الآيَةُ، وَمَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ وَالسَّامِعُ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَدَّثَ بِهِ وَهُوَ عَدْلٌ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَاجِبُ الأَخْذِ بِهِ ... وَقَدْ كَانَ فِي المَدِينَةِ فِي عَصْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مُنَافِقُونَ بِنَصِّ
__________
(1) " مقدمة النووي لصحيح مسلم ": 1/ 35، 36، وانظر " المدخل إلى مذهب الإمام ابن حنبل ": ص 54،95؛ و" مسائل أحمد وإسحاق ": 3/ 158.
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 174.
(1/141)

القُرْآنِ وَكَانَ بِهَا أَيْضًا مَنْ لَا تُرْضِي حَالُهُ كَهَيْتٍ المُخَنَّثُ (*) الذِي أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بِنَفْيِهِ وَالحَكَمِ الطَّرِيدِ (**) وَغَيْرَهُمَا فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الصَّحَابَةِ» (1).
أما الاتجاه الثاني في تعريف الصحابي، فهو اتجاه الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين، وهو يميل إلى المعنى العرفي ويحكم الاستعمال الشائع الذي يجعل الصحبة أخص من الرؤية.
ويوضح الباقلاني الاتجاهين السابقين فيقول: «لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللَّغَةِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ جَارٍ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحِبَ غَيْرَهُ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، يُقَالُ صَحِبَهُ شَهْرًا وَيَوْمًا وَسَاعَةً. قَالَ: وَهَذَا يُوجِبُ فِي حُكْمِ اللُّغَةِ إِجْرَاءَ هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ سَاعَةً. هَذَا هُوَ الأَصْلُ. قَالَ: وَمَعَ هَذَا فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلْأُمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ إِلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ وَلاَ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ المَرْءَ سَاعَةً وَمَشَى مَعَهُ خُطُوَاتٍ وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجْرِي فِي الاسْتِعْمَالِ إِلَّا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ» (2).
وما يميل إليه الباقلاني من تحكيم العرف في ذلك هو الصحيح فإن الصحبة أخص من الرؤية بدليل أن من الصحابة أنفسهم من كان يرى ذلك، فقد سُئِلَ أنس بن مالك: «هَلْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ غَيْرُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ رَأَوْهُ، فَأَمَّا مَنْ صَحِبَهُ فَلاَ» (3).

تَفَاوُتُ الصَّحَابَةِ فِي العِلْمِ:
هؤلاء الصحابة الذين أثنى الله عليهم، واقتبسوا من مشكاة النبوة - لم
__________
(1) " الإحكام " لابن حزم: 2/ 82، 83. وإليه مال الآمدي أيضًا واحتج له. انظر " الإحكام " للآمدي: 2/ 130، 133.
(2) " مقدمة النووي لصحيح مسلم ": 1/ 35، 36 ومال إلى ذلك الغزالي في " المستصفى ": 1/ 165.
(3) " السنة قبل التدوين " للدكتور [محمد] عجاج الخطيب: ص 289، 290.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، لابن حجر العسقلاني: 8/ 44، طبعة سنة 1379 ه، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان.
(**) قال الإمام الذهبي: الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الأُمَوِيِّ، أَبُو مَرْوَانَ. (ت 31 ه).
وَكَانَ لَهُ مِنَ الوَلَدِ عِشْرُونَ ذَكَرًا وَثَمَانِ بَنَاتٍ، أَسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ، فَكَانَ فِيمَا قِيلَ يُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَرَدَهُ وَسَبَّهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى بَطْنِ وَجٍّ، فَلَمْ يَزَلْ طَرِيدًا إِلَى أَنْ وُلِّيَ عُثْمَانُ، فَأَدْخَلَهُ المَدِينَةَ وَوَصَلَ رحِمَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّهُ كَانَ عَمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْكِيهِ فِي مِشْيَتهِ وَبَعْضِ حَرَكَاتِهِ.
وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثٌ مُنْكَرَةٌ فِي لَعْنِهِ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الجُمْلَةِ خُصُوصِ الصُّحْبَةِ بَلْ عُمُومُهَا.
نقلاً عن " تاريخ الإسلام " للذهبي (ت 748 ه)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، 2/ 198، الطبعة الأولى: 2003 م، دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
(1/142)

يكونوا متساويين في القدرات العقلية، ولم تكن الظروف المهيأة للتحصيل العلمي مواتية لكل منهم، إذ أن بعضهم كان يطيل ملازمة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيسمع منه ويتفقه عليه، على حين أن آخرين منهم كانوا مشغولين بالجهاد في سبيل الله، أو بشؤون الحياة من زراعة، أو تجارة أو غير ذلك، كما قال طلحة بن عبيد الله الصحابي: «إِنَّا كُنَّا أَهْلَ بُيُوتَاتٍ وَغَنَمٍ وَعَمَلٍ، كُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَفَيْ النَّهَارِ» (1)، ولذلك قال مسروق: «جَالَسْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانُوا كَالإِخَاذِ: الإِخَاذَةُ تَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالإِخَاذَةُ تَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ وَالإِخَاذَةُ تَرْوِي العَشَرَةَ، وَالإِخَاذَةُ لَوْ نَزَلَ بِهَا أَهْلُ الأَرْضِ لأَصْدَرْتُهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ - يعني ابن مسعود - مِنْ تِلْكَ الإِخَاذِ» (2). ولذلك كان يغيب عن كثير من الصحابة سنن حفظها غيرهم (3).
وإذا كان الإحصاء التقريبي لعدد الصحابة الذين توفي عنهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو مائة وأربعة عشر ألفًا (4) فإن من أثر عنهم الفتوى من الصحابة لا يتجاوز المائتين، فقد ذكر ابن حزم أسماء الصحابة مرتبًا لهم حسب ما أثر عنهم من الفتوى قلة وكثرة، ثم قال: «فَهُمْ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رَجُلاً وَعِشْرُونَ امْرَأَةً، فَالجَمِيعُ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ، مِنْهُمْ المُكْثِرُونَ سَبْعَةٌ، ذَكَرْنَاهُمْ أَوَّلاً عَلَى الوَلَاءِ، وَمِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُتَوَسِّطُونَ، وَالبَاقُونَ مُقِلُّونَ جِدًّا» (5).
__________
(1) " السنة قبل التدوين " للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص 425.
(2) " إعلام الموقعين ": 1/ 18.
(3) انظر أمثلة لذلك في " الإحكام " لابن حزم: 2/ 12 وما بعدها.
(4) انظر: " السنة قبل التدوين ": ص 406.
(5) الرسالة الثالثة من " جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى " لابن حزم: ص 222، وانظر أيضًا أسماء المكثرين والمتوسطين والمقلين ... في " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح " لابن القيم: 1/ 13، 16.
(1/143)

ولا نستطيع أن نحكم بقلة الفقه على من أثر عنه قليل من الفتوى، فقد تكون هناك أسباب ثانوية صاحبت هذه القلة، كالتبكير بالوفاة، أو عدم التفرغ للتعليم حتى ينهض التلاميذ بنقل الفتوى، أو غير ذلك فمعاذ بن جبل - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كان من كبار فقهاء الصحابة، وَكَانَ أَحَدَ أَرْبَعَةٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَخْذِ القُرْآنِ عَنْهُمْ (1)، وكان الصحابة إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له (2)، لكن وفاته في وقت مبكر (سنة 18 ه) قللت من فتاواه لقلة الآخذين عنه، وكذلك عثمان بن عفان كان أعلم الصحابة بالمناسك (3). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَوْ هَلَكَ عُثْمَانُ وَزَيْدٌ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، لَهَلَكَ عِلْمُ الفَرَائِضِ، لَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَمَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُمَا» (4)، ومع ذلك فلم يكن من المكثرين في الفتوى لأنه كان يهاب الحديث - كما نقل ابن سعد -، ولأن الظروف السياسية التي أحاطت به لم تمكن لفتاويه من الانتشار.

المُحَدِّثُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ:
وكما تفاوت الصحابة في مقدار ما أثر عنهم من فتوى تفاوتوا في مقدار روايتهم للحديث ما بين مُقِلٍّ وَمُكْثِرٍ، غير أن قلة المروي من الحديث عن فقهاء الصحابة - ممن كانت لهم عناية بالفتوى - لا تعني أنهم لم يكونوا يعلمون من الحديث إلا ما رووه، فإنهم ما كانوا يرون الحديث إلا في مناسبة تستدعيه، إذ لم يكن من همهم ولا من قصدهم الاشتغال بالرواية وحدها. إنهم في الحقيقة قد امتلأت قلوبهم بسنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأشربت بها نفوسهم، وامتزجت
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 1/ 18.
(2) " إعلام الموقعين ": 1/ 20.
(3) " الطبقات " لابن سعد: ج 3 قسم 1 ص 39.
(4) " سير أعلام النبلاء " للذهبي: 2/ 312 تحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري.
(1/144)

بتعاليمها دماؤهم، فأصبحت دَمًا يَسْرِي في عروقهم، بعد أن هضموها وتمثلوها، وأدركوا مقاصدها، فصدروا عنها في كل ما يمس حياتهم: في فتاويهم، وقضاياهم، وسلوكهم الفردي والجماعي. فإذا كان بعض هؤلاء المكثرين في الفتوى لم يكثروا من رواية الحديث ولم يشغلوا به، فليس معنى ذلك أنهم لم يكن عندهم علم بالحديث، بل كان علمهم الكثير به هو الذي يوجه حياتهم، ويقود تصرفاتهم وتقوم عليه فتاواهم وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، ولم يكثروا من روايته خوفًا من الخطأ، فقد روى ابن سعد عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا حَدَّثَ أَتَمَّ حَدِيثًا وَلا أَحْسَنَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. إِلا أَنَّهُ كَانَ رَجُلا يَهَابُ الحَدِيثَ» (1). وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ، وَجَبُنَّا» (2).
وإنما اشتغل برواية الحديث منهم من تأخر به العصر بعد الفتوحات الإسلامية واستقرار المسلمين، فاحتيج إليه، وقصد للفتوى والحديث.
ولعل بدء الاشتغال برواية الحديث وتدريسه، واتخاذ الحلقات الخاصة به، كان بعد وفاة عمر بن الخطاب، وعلى يد أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - بدليل قول أبي هريرة: «لَقَدْ حَدَّثَتُكُمْ بِأَحَادِيثَ، لَوْ حَدَّثْتُ بِهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ لَضَرَبَنِي عُمَرُ بِالدِّرَّةِ» (3). وبدليل إنكار عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عليه سرده للحديث وتتابع الرواية فيه في موضوعات مختلفة لم تنبعث عن حاجة الناس وسؤالهم في مجلس التحديث (4). فقد روى ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
__________
(1) " الطبقات ": ج 3 قسم 1 ص 39.
(2) " المحلى " لابن حزم: ص 196 "؛ " السنة قبل التدوين ": ص 432.
(3) و (4) " جامع بيان العلم "، لابن عبد البر: 2/ 131، وقد يكون مقصود عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أنها تنكر على أبي هريرة سرعة إلقائه، ولكن ما اشتهر من إنكار بعض الصحابة عليه كثرة حديثه ترجح ما ذهبت إليه.
(1/145)

عائشة قالت: «أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ [فَجَلَسَ] إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُسْمِعُنِي [ذَلِكَ]، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ».
وكان لأبي هريرة مواعيد منظمة للدرس، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُومُ كُلَّ خَمِيسٍ فَيُحَدِّثُهُمْ» (1). وكان الناس يتواعدون في بعض الأماكن ليسمعوا منه الحديث، فيقضي ساعات طويلة يحدثهم (2).
وإذا استعنا بإحصائية ابن حزم في عدد الأحاديث التي رواها كل صحابي فسوف نرى أبا هريرة في المقدمة، حيث روى [5374] خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، يليه عبد الله بن عمر بن الخطاب [2630]، ثم أنس بن مالك [2286]، ثم عائشة [2210]، ثم عبد الله بن عباس [1660] (3).
وسوف نختار هؤلاء الصحابة المكثرين من رواية الحديث - باستثناء أنس - لنبين جوانب من فقههم ونلقي الضوء على بعض اتجاهاتهم لندرك تأثيرهم.
وقبل ذلك نرى أنه من الواجب أن نشير إلى ما قررناه من أن الاشتغال برواية الحديث قد بدأ على يد أبي هريرة - بعد وفاة عمر - لا يتعارض مع ما تقدم من أن تجمع أهل الحديث كطائفة متميزة لم يوجد في عصر الصحابة والتابعين، حيث لم يتميز الحديث من الفقه، أما في القرن الثاني وما بعده حيث أفرد الحديث بالتصنيف، وأصبح الاستكثار منه ومن تعدد طرقه هو الغاية من جمعه، دون
__________
(1) و (2) " السنة قبل التدوين ": ص 422.
(3) انظر " أسماء الصحابة الرواة، وما لكل واحد من العدد "، ضمن " جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى " لابن حزم: ص 275 وما بعدها.
(1/146)

نظر إلى فهم، أو عمل، أو تطبيق - منذ هذا القرن الثاني تميز المحدثون وأخذوا مكانهم بين المذاهب المختلفة. يقول بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ الحَافِي (ت 222 ه) مُخَاطِبًا المُحَدِّثِينَ: «أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الحَدِيثِ. قَالُوا وَمَا زَكَاتُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْمَلُوا بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ» (1) وهذه العبارة تدل دلالة واضحة على كثرة الجمع وقلة العمل.
هؤلاء الصحابة الأربعة المكثرون من رواية الحديث، والذين اخترناهم للدراسة، كنماذج للمحدثين في عصر الصحابة، نستطيع أن نقسمهم إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: تضم السيدة عائشة وابن عباس.
المجموعة الثانية: تضم أبا هريرة وابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -.
وهذا التقسيم يستند على أسس كثيرة، تبرزها المقارنة بين المجموعتين، فمن هذه الأسس:

1 - المُوَازَنَةُ بَيْنَ المَجْمُوعَتَيْنِ فِي كَمِّيَّةِ الفَتْوَى:
كمية الفتوى: فالمجموعة الأولى أجرأ على الفتوى، وما أثر عنها من الفتوى أكثر مما أثر عن المجموعة الثانية. وإثبات ذلك بالنسبة لأبي هريرة أمر سهل، حيث ذكره ابن حزم في المتوسطين في الفتيا، غير أنا إذا قارناه بهما، فسوف ترجح أنه كان في الفتيا أقل منهما، يشهد لذلك ما عرف عنه من ورعه وتشدده وما شهد عليه به تلاميذه في مجال المقارنة بينه وبين ابن عباس: فَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَجْلِسُ بِمَكَّةَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمًا، وَإِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمًا، فَمَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا يُسْأَلُ: " لَا عِلْمَ لِي "، أَكْثَرُ مِمَّا يُفْتِي بِهِ» (2).
__________
(1) " الفكر السامي ": 3/ 50.
(2) " سنن الدارمي ": 1/ 57.
(1/147)

وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «كُنْتُ أُقَسِّمُ نَفْسِي بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَكُنْتُ أَكْثَرَ مَا أَسْمَعُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " لَا أَدْرِي "، وَابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَرُدُّ أَحَدًا، فَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " عَجَبًا لابْنِ عُمَرَ وَرَدِّهِ النَّاسَ، أَلاَ يَنْظُرُ فِيمَا يَشُكُّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَضَتْ بِهِ سُنَّةٌ قَالَ بِهَا، وَإِلاَّ قَالَ بِرَأْيِهِ "» (1).
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ: " إِيَّاكُمْ عَنِّي، إِيَّاكُمْ عَنِّي، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أَبْقَى حَتَّى يُفْتَقَرَ إِلَيَّ لَتَعَلَّمْتُ لَكُمْ» (2).
أما ابن عباس فقد كان يعلم أنه سيحتاج إليه، فكان يطلب العلم استعدادًا لذلك، فقد روي عنه أنه قال: «لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ , قَلَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ بِنَا نَسْأَلُ الصَّحَابَةَ , فَإِنَّهُمْ اليَوْمَ كَثِيرٌ، قَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ , أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ؟! قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ. قَالُ: إِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الحَديثُ عَنْ رَجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ [تُسْفِي] الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي فَيَقُولُ: " يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟ " فَأَقُولُ: " لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ "، فَأَسْأَلُهُ عَنِ الحَدِيثِ فَعَاشَ الرَّجُلُ الأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدْ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي، فَقَالَ: " هَذَا الفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي "» (3). وقال ابن حزم: «هُوَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ فَتْوَى عَلَى الإِطْلاَقِ وَقَدْ جَمَعَ فَتَاوِيهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبٍ ابْنُ الخَلِيفَةَ المَأْمُونِ أَحَدُ أَئمَّةِ الإِسْلاَمِ فِي العِلْمِ وَالحَدِيثِ فِي عِشْرِينَ مُجَلَّدًا» (4).
__________
(1) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 36.
(2) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 37.
(3) و (4) " الفكر السامي ": 2/ 51، 52.
(1/148)

2 - المُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي المَلَكَةِ الفِقْهِيَّةِ:
الملكة الفقهية ودقة الاستنباط: وقد كان للمجموعة الأولى من ذلك حظ أوفى، ونصيب أكبر، وهو ما مكنها من كثرة الفتوى، بسبب استعمال العقل وعدم التحرج من الرأي. وما تقدم من قول ابن عباس في إنكاره على ابن عمر ما يوضح منهجه في الفتوى: «أَلَا يَنْظُرُ فِيمَا يَشُكُّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَضَتْ بِهِ سُنَّةٌ قَالَ بِهَا، وَإِلَّا قَالَ بِرَأْيِهِ». وَكَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ إذَا ذُكِرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُ يَقُولُ: «ابْنُ عُمَرَ أَوْرَعُهُمَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُهُمَا» (1).
ويؤكد ابن القيم هذا الاستنتاج الذي ظهر من المقارنة بين المجموعتين في أثناء عرضه لدلالة النصوص وتقسيمه لها إلى حقيقية وإضافية وأن الحقيقية تابعة لقصد المتكلم وهي دلالة لا تختلف، أما الإضافية فهي تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفتة بالألفاظ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك، ثم قال: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَحْفَظَ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ وَأَكْثَرَهُمْ رِوَايَةً لَهُ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَفْقَهَ مِنْهُمَا، بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَفْقَهُ مِنْهُمَا وَمِنْ [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ] (2).
أما السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - فإن فقهها أشهر من أن ينكر، حُمِلَ عنها وحدها ربع الشريعة، ويكفيها أن الأكابر من الصحابة كانوا إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. قال أبو موسى الأشعري: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».
وَقَالَ مَسْرُوْقٌ: «رَأَيْتُ مَشِيْخَةَ أَصْحَابِ
__________
(1) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 1/ 20.
(2) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 2/ 42.
(1/149)

مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهَا عَنْ الفَرَائِضِ» (1).
ويقول عنها الذهبي: «كَانَتْ مِنْ أكَبَرِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ فُقَهَاءُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْجِعُونَ إِلَيهَا» (2).

3 - المُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي نَقْدِ الحَدِيثِ:
نقد الحديث والنظر فيه: وعرضه على العقل وعلى الأصول العامة في التشريع - من الأسس التي تميز المجموعة الأولى عن الثانية، ولعائشة وابن عباس في ذلك أخبار كثيرة نكتفي منها بما يأتي:

[أ] نَقْضُ الوُضُوءِ بِمَا مَسَّتْ النَّارُ:
وقد اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
- الأول: لا يجب الوضوء بأكل شيء ما، سواء في ذلك ما مسته النار وما لم تمسه، ولا فرق في ذلك بين لحم جزور ولحم غيره، وهذا مذهب الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس لما روي في الصحاح وغيرها من «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، ولما رواه جابر: «كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
- المذهب الثاني: وجوب الوضوء مما مست النار، وهو مذهب أبي هريرة وابن عمر وعائشة.
- المذهب الثالث: وجوب الوضوء بأكل لحم الإبل خاصة، لأحاديث وردت في ذلك، فيها التفريق بين أكل لحم الشاة وأكل لحم الجزور، وفيها الأمر بالوضوء من لحم الإبل خاصة (3).
__________
(1) " الطبقات " لابن سعد: 8/ 45؛ و" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص 61، 62.
(2) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 16.
(3) انظر " بداية المجتهد ": 1/ 31؛ و" الدراري المضية " للشوكاني: 1/ 60، 61؛ و" أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: 36، 38.
(1/150)

والذي يهمنا هنا هو موقف ابن عباس من نقد ما رواه أبو هريرة في إيجاب الوضوء مما مست النار، ومناظرته له في ذلك، وعن أي شيء صدر النقد من ابن عباس.
وقد بين لنا الترمذي موقف ابن عباس فيما رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ»، قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الحَمِيمِ؟»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ مَثَلاً» (1).

[ب] الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ الجَنَازَةِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا اغْتَسَلَ وَمَنْ حَمَلَهُ تَوَضَّأَ»، فبلغ ذَلِكَ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - فَقَالَتْ: «أَوَ نَجَسٌ مَوْتَى الْمُسْلِمِيْنَ؟ وَمَا عَلَى رَجُلٍ لَوْ حَمَلَ عُودًا» (2).
وقال ابن عباس في ذلك أيضًا: «لَا يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ» (3).
وكأن عائشة وابن عباس لاحظَا أن الأصل في نقض الوضوء هو قوله تعالى:
__________
(1) " سنن الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 108، 109. وثور أقط: الثور الجملة من الطعام. والأقط - بفتح الهمزة وكسر القاف، وبفتح الهمزة وكسرها مع سكون القاف - الطعام يتخذ من اللبن المخيض - المأخوذ منه الزبد - فيطبخ ثم يترك حتى يخرج ماؤه ويبقى اللبن جامدًا.
(2) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص 135 - وقد علق الزركشي في ص 136 من نفس المصدر بأن جماعة من الصحابة رَوَوْا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوء من حمله، وهذا يقوي إنكار عائشة، ثم نقل البيهقي أن الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، ثم قال: «وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ». وانظر " المغني ": 1/ 191 و 211.
(3) " أسباب اختلاف الفقهاء "، للأستاذ علي الخفيف: ص 38 و 48.
(1/151)

{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] و [المائدة: 6]، ولذا اتفق على انتقاض الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي، واختلف فيما عداها، على أن أكثر المختلف فيه يمكن اعتباره ذريعة مفضية إلى إحداث ما اتفق على نقض الوضوء منه: مثل ما يخرج من الجسم كالدم وغيره من السبيلين أو من غيرهما، ومثل النوم ولمس المرأة ومس الذكر وغير ذلك، أما حمل الميت أو أكل ما مست النار فَلَيْسَا دَاخِلَيْنِ في الأصل المتفق عليه، ولا فيما يفضي إليه، ولذا كان الوضوء منهما محل استنكار.

[ج] قَطْعُ الصَّلاَةِ إِذَا مَرَّ أَمَامَ المُصَلِّي امْرَأَةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ حِمَارٌ:
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَآخِرَةِ الرَّحْلِ، أَوْ كَوَاسِطَةِ الرَّحْلِ: قَطَعَ صَلَاتَهُ الكَلْبُ الأَسْوَدُ وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ».
وقد أثار هذا الحديث كثيرًا من النقاش والتساؤلات في عصر الصحابة واتجهوا في فهمه اتجاهات مختلفة، تَبَعًا لاستعداداتهم، إذ أسرع بعضهم إلى التسليم به والعمل بظاهره، ومنهم ابن عمر، وعرضه آخرون منهم على الأصول العامة وعلى موازين النقد، فلم يسلموا بصحته، أو لم يذهبوا إلى ظاهره.
وجدير بالذكر أن البخاري لم يذكر قطع الصلاة بهؤلاء الثلاثة مرفوعًا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما ذكر أن هذا الكلام كان محل مناظرة بين الصحابة فكأنه كان رأيًا لبعضهم، أما الذي رواه البخاري مرفوعًا فهو: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْشَدَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ المُصَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرِيقِ النَّاسِ سُتْرَةً أَيَّ سُتْرَةٍ»، قد يكون جدارًا أو سارية، أو حربة يغرسها أو خشبة كذلك، وحذر من المرور بين يدي المصلي لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، تجنبًا من شغل المصلي حتى إن عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كره أن يصلي الرجل تجاه الرجل، وحمله البخاري على ما إذا اشتغل به
(1/152)

المصلي فأما إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت: «مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ».
ولذلك أنكرت السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ما قيل في قطع الصلاة بهؤلاء الثلاثة، بل غضبت، فالمرأة في الإسلام ليست من الهوان بحيث تُسَوَّى بِالحِمَارِ وَالكَلْبِ، ولو كانت تعتقد أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الذي قرر هذا الكلام ما كان لها ولا لغيرها سبيل إلى الإنكار، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقد أورد البخاري إنكارها مترجمًا له بقوله: (بَابُ مَنْ قَالَ: لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ) رَوَى فِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالأَسْوَدَ عَنْ عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلاَبِ، وَاللَّهِ «لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ»، وفي رواية عنها: «بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ».
وذهب ابن عباس أيضًا إلى ما ذهبت إليه عائشة، وترجم الترمذي لحديثه بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ) روى فيه عن ابن عباس قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ الفَضْلِ عَلَى أَتَانٍ، فَجِئْنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ بِمِنًى، قَالَ: فَنَزَلْنَا عَنْهَا فَوَصَلْنَا الصَّفَّ، فَمَرَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ تَقْطَعْ صَلاَتَهُمْ»، وإن حمل البخاري حديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة للمأموم فلا يضر المأموم ما يمر أمامه (1).
__________
(1) هذه الروايات مذكورة في " صحيح البخاري بحاشية السندي ": 1/ 63، 66؛ و" الترمذي بشرح ابن العربي ": 2/ 130، 134؛ وانظر " المحلى ": 4/ 8، 15 ففيه تفصيل للآراء في هذا الموضوع ورجح الشيخ أحمد شاكر أن حديث قطع الصلاة بهذه الأشياء منسوخ.
(1/153)

[د] تَعْذِيبِ المَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ:
رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا - أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ، قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْبُ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «عِنْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى» قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - شَيْئًا» (1).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 146، 147 وما استدلت به عائشة جزء من الآية 18 سورة فاطر (*).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هذه الآية وردت في السور التالية: [سورة الأنعام، الآية: 164]، [سورة الإسراء، الآية: 15]، [سورة فاطر، الآية: 18]، [سورة الزمر، الآية: 7].
(1/154)

وهكذا تنكر السيدة عائشة أن يكون الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال هذا الحديث بهذا اللفظ، وتعزو روايته هكذا إلى الخطأ والنسيان، فقد روت عَمْرَةُ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» (1) (*)، والذي نريد أن نبرزه أن السيدة عائشة استندت في دعواها إلى ظاهر القرآن الذي يقرر أصلاً ثابتًا في الإسلام، وهو أن الإنسان مجازى عن عمله لا عن عمل غيره: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
على أن البخاري يميل إلى عدم الوهم في رواية عمر وابنه ويحمل ما جاء عنهما إلى نوع خاص من البكاء هو الذي فيه أصوات عالية وترديد لعادات الجاهلية في ذلك، إذا أوصى به الميت أو كان ذلك من عادة أهله فأقرهم عليه ولم ينكره وحينئذٍ يكون البكاء عليه من كسبه، فهو محتمل وزره لا وزر غيره. ولهذا ترجم البخاري لحديث عمر بقوله: (بَابُ [قَوْلِ] النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ " لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] " وَهُوَ كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} [فاطر: 18]- ذُنُوبًا - {إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} [فاطر: 18] وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 147؛ و" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص 112، 113.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) الحديث بهذا اللفظ ورد في " صحيح مسلم "، انظر " الجامع الصحيح "، للإمام مسلم، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (11) كتاب الجنائز (9) باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه -، حديث رقم 27 - (932)، 2 / ص 643، الطبعة الثانية: 1972 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
(1/155)

«لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا» وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ ") (1). ومما يؤيد ما ذهب إليه البخاري أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يُنْكِرُ البُكَاءَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا كَانَ يُنْكِرُ مِنْهُ عَادَاتِ الجَاهِلِيَّةِ فقد نقل البخاي أَنَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: «دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ» (2) وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ ". فلعل عمر أنكر على صهيب رفع صوته بقوله: «وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ».
وأصل القصة في حديث عمر وابنه ينفي الوهم والخطأ في روايته ويدل على أن حديث عائشة وابن عمر حديثان متغايران، قِيلاَ في ظرفين مختلفين، فقد روى البخاري بسنده عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «قَدْ قَضَى؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا، فَقَالَ: «أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَضْرِبُ فِيهِ بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ» (3).

[ه] مُتْعَةُ النِّسَاءِ:
ذهب كل من السيدة عائشة وابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - في متعة
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 146.
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 147.
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 149، وَغَاشِيَةِ أَهْلِهِ: أي الذين يغشونه للخدمة والزيارة.
(1/156)

النساء مذهبًا مناقضًا للآخر: فالسيدة عائشة - كجمهور المسلمين - تحرم المتعة (وهي النكاح إلى أجل ملفوظ به عند العقد) -، وابن عباس يذهب إلى تحليلها في بعض الحالات الخاصة.
وعلى الرغم من تناقضهما بشأن المتعة، فإن الذي يجمع بينهما فيها هو وحدة المنهج في إثبات ما يدعيانه، إذ كلاهما يعرض ما روي من الحديث في المتعة على القرآن الكريم:
فعندما سئلت السيدة عائشة عن متعة النساء قالت: «بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَقَرَأَتْ هَذِهِ الآيَةَ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6] فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا زَوَّجَهُ اللهُ أَوْ مَلَّكَهُ، فَقَدْ عَدَا» (1).
وأما ابن عباس فقد اشتهر عنه تحليل المتعة، وتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، حتى قال الزهري يذم أهل مكة بسبب ما روى عنهم في الصرف ومتعة النساء. «مَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَنْقَضَ لِعُرَى الإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ» (2). ويستدل ابن عباس على مذهبه أيضًا بالقرآن، وقرأ قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، وروى في قراءة عنه زيادة، إلى أجل مسمى» (3). وكأن الأحاديث التي رويت في نسخ المتعة لم تصح عنده. وقد رجح بعض العلماء أنه رجع عن رأيه في المتعة إلى رأي الجمهور، ومن هؤلاء الترمذي، حيث قال: «وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي المُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ»، ثم روي أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّمَا [كَانَتِ] المُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ، وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ، حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الآيَةُ: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
__________
(1) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص 173، نقلاً عن " المستدرك " للحاكم، الآيتان هما 5 و 6 من سورة المؤمنون.
(2) " جامع بيان العلم ": 3/ 135، 154.
(3) " بداية المجتهد ": 2/ 48.
(1/157)

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ [فَهُوَ] حَرَامٌ "» (1).
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - رَحِمَ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْلاَ نَهْيُ [عُمَرَ] (*) عَنْهَا مَا اضْطُرَّ إِلَى الزِّنَا إِلاَّ شَقِيٌّ» (2).
ولكن الأظهر أن ابن عباس ثبت على رأيه في المتعة، من أنها مشروعة إذا ألجأت الضرورة إليها، بدليل ما روى البخاري عن أبي جمرة قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ»، فَقَالَ مَوْلَى لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الحَالِ الشَّدِيدَةِ وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ» (3). وقد قرر ابن حزم أن جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس - ثبتوا على تحليلها بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذهب إلى تحليلها من التابعين، أصحاب ابن عباس، طاووس وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة (4) ولهذا قال فيهم الزهري ما قال.

[و] تَحْرِيمُ أَكْلِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ:
المَشْهُورُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وقد جاءت بذلك أحاديث صحيحة، وعلى الرغم من ذلك فإن في هذه المسألة خلافًا نتج عن معارضة هذه الأحاديث لقول الله تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، فإن ظاهر هذه الآية تدل على أن ما عدا المذكور فيها حلال. وقد حكى ابن حزم الخلاف في هذا الموضوع، وذكر أن الذاهبين إلى أنها حلال استدلوا بأن عائشة أم المؤمنين احتجت بالآية السابقة عند سؤالها عن الحمر الأهلية فكأنها
__________
(1) " جامع الترمذي ": 5/ 48، 50.
(2) " بداية المجتهد ": 2/ 48.
(3) " أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: ص 51؛ وانظر " الفكر السامي ": 2/ 65.
(4) انظر " المحلى ": 9/ 520، 569.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) الصواب (عمر) وليس (محمد) كما ورد في الكتاب المطبوع. انظر: " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " لابن رشد الحفيد، شرح وتحقيق وتخريج الدكتور عبد الله العبادي: 3/ 1370، الطبعة الأولى: 1416 ه - 1990 م، نشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع - مصر.
(1/158)

تذهب إلى حليتها (1)، وقد وافقها ابن عباس أيضًا فذهب إلى أنها حلال، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: «يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، قَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145]» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (2).

[ز] نَفَقَةُ المُبَانَةِ وَسُكْنَاهَا:
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاَثًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا سُكْنَى لَكِ وَلاَ نَفَقَةَ»، قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: «لاَ نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ»، وَكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ (3).
أنكر مجموعة من الصحابة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - هذا الحديث منهم عمر وأسامة بن زيد، وعائشة فقد روى أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ , فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحَكَمِ. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ: «أَنِ اتَّقِ اللهَ , وَارْدُدِ المَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا». فَقَالَ مَرْوَانُ ... : «أَمَا بَلَغَكِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟» , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «لَا [يَضُرُّكَ] أَنْ لاَ تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ» (4).
__________
(1) انظر " المحلى " لابن حزم: 7/ 407، والآية هي 145 الأنعام.
(2) " نيل الأوطار ": 8/ 331 ط. بولاق 1397 ه؛ و" البخاري ": 3/ 213.
(3) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 5/ 140، 143.
(4) " أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: ص 35 نقلاً عن " معاني الآثار " للطحاوي.
(1/159)

وإنكار من أنكر هذا الحديث مبني على أنه معارض للأمر بالإسكان في قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]، فذهب بعض الصحابة إلى رد ما روته فاطمة وأوجب للبائنة النفقة والسكنى، وذهب بعضهم إلى ما قرره حديث فاطمة فلم يوجب لها نفقة ولا سكنى، وذهب بعض العلماء منهم مالك والليث والشافعي، إلى وجوب السكنة لها دون النفقة لأن الآية أوجبت السكنى دون النفقة، ولأن بعض روايات الحديث أثبتت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسكنها دار ابن أم مكتوم مدة العدة، لأنها كانت تخشى على نفسها إن سكنت دار زوجها الذي كان غائبًا باليمن ولم يكن بينها وبين أهله مودة، بل كانت تتطاول عليهم بلسانها (1).

4 - المُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي البَحْثِ عَنْ عِلَلِ الأَحْكَامِ:
ومما يميز السيدة عائشة وابن عباس عن ابن عمر وأبي هريرة، دأبهما على البحث عن علل الأحكام، وتحري غايات الشريعة، وعدم الوقوف عند ظاهر النصوص في أغلب الأحوال.
وقد سبق ذكر رأي السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - في حكم أكل الحمر الأهلية وميلها إلى الحل مستندة إلى عموم القرآن، وكان ابن عباس يميل نفس الميل، إلا أن مستنده فيما ذهب إليه أن النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ يجب البحث عنها، ومقتضى ذلك أنه إذا زالت العلة زال النهي وعادت الإباحة.
وإذا كان ابن حزم قد اعتذر عن السيدة عائشة بأن النهي لم يبلغها ولو
__________
(1) " الترمذي ": 5/ 140، 146 وذكر ابن رشد أن الأولى إما أن يقال بأن لها الأمرين جميعًا أي السكنى والنفقة أخذًا بظاهر الكتاب وأما أَنْ يُخَصَّصَ العُمُومُ بحديث فاطمة فلا يكون لها سكنى ولا نفقة، أما أن يكون لها السكنى دون النفقة فهو ضعيف الدليل (انظر " بداية المجتهد ": 2/ 79).
(1/160)

فإنه لا يستطيع أن يعتذر بمثل ذلك عن ابن عباس الذي قد بلغه النهي، فلم يقف عند ظاهره، بل نظر إلى الدواعي التي دعت إليه، وإلى العلة التي كانت عليها مداره: فقد روي عنه أنه قال: «لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ [حَرَّمَهُ] فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ» ويعلق ابن حزم بأن هذا ظن من ابن عباس ووهلة - أي غلط وسهو - لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ وجه النهي عنها، وكان ابن حزم قد روى من طريق " البخاري "، «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» (1).
وكان البحث عن علة النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية سببًا لاختلاف الصحابة، فمن قائل: حرمت لأنها كانت تأكل العذرة، ومن قائل: لأنها لم تخمس، وقائل: إنه خشي فناء الظهر، وقال بعضهم حرمت البتة (2) بدون نظر إلى العلل.
وقد تأثر بابن عباس في هذه المسألة تلميذه سعيد بن جبير، فقد ذهب أيضًا إلى أن لحم الحمر حلال، فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «أَصَبْنَا حُمُرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ وَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَكْفِئُوا القُدُورَ بِمَا فِيهَا». قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا، لأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الجِلَّة (3).
ومما يُؤْثَرُ عن السيدة عائشة مندرجًا تحت هذا الاتجاه ما قالته خاصًا بخروج النساء إلى المساجد: «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ
__________
(1) انظر " المحلى ": 7/ 407.
(2) انظر " الأحكام " لابن حزم: 7/ 17، 18.
(3) " بداية المجتهد ": 1/ 381.
(1/161)

لَمَنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ» (1). وهذا يعني أنها تأخذ في اعتبارها عامل الزمن، وَرُجْحَانَ المصلحة في ضوء المقصود العام من التشريع.
وأيضًا ما روي عنها في هدي التطوع إذا عطب منه شيء قبل أن يبلغ محله، فإن هذا الهدي يجب حينئذٍ أن ينحر ويخلي بينه وبين الناس ولا يأكل منه، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ بِالهَدْيِ مَعَ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِيِّ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [هَذَا الحَدِيثُ]، فَزَادَ فِيهِ: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ، وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ». وَقَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ» (2). ولكن الهدي إذا عطب في الطريق ولا يوجد فقراء يخل بينهم وبينه، أيمتنع المهدي من أكله أخذًا بظاهر النص النبوي الكريم، فيترك حينئذٍ للسباع، أم يأكله هو ومن معه تجنبًا لإضاعة المال وحذرًا من الإسراف المذموم؟ إن السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - تقول في ذلك: «أَكْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ تَرْكِهِ لِلسِّبَاعِ» (3).
ويوضح هذا الاتجاه إلى التعليل أيضًا ما روي من نزول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالأبطح عند النفر من الحج - والنفر: هو الرجوع من مِنَى إلى مكة بعد رمي الجمرات - فقد ذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أن ذلك من النسك فجعلاه من سنن الحج، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أنه كان اتفاقيًا وليس من السنن ويحكي ابن قدامة هذا الخلاف فيقول: «قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ
__________
(1) انظر " المحلى ": 3/ 129، 149. 4/ 200 وقد ناقش ابن حزم قول عائشة وَبَيَّنَ أنه لا حجة فيه من جهات كثيرة.
(2) انظر " بداية المجتهد ": 1/ 106؛ و" الترمذي بشرح ابن العربي ": 4/ 144.
(3) " النكت الطريفة "، للكوثري: ص 161، 162.
(1/162)

نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ، وَهُوَ الأَبْطَحُ، وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلَى المَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ يَضْطَجِعَ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً ... وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، لاَ يَرَيَانِ ذَلِكَ سُنَّةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءِ، إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (1).
وهكذا الرمل في الطواف: كان ابن عباس يراه اتفاقيًا، لقول المشركين حطمتهم حمة يثرب، وقد ذهب حكمه لزوال سببه من النسك إذن فقد روى الإمام أحمد بإسناده عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَمَلَ بِالبَيْتِ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ، قَالَ: «صَدَقُوا وَكَذَبُوا»، قُلْتُ: كَيْفَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: «قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالبَيْتِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَالمُشْرِكُونَ عَلَى جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ بِهِمْ هَزْلاً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا لِيُرِيَهُمْ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً» (2).
والحق أن ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كان أكثر هؤلاء الصحابة الأربعة الذين ذكرناهم إعمالاً للرأي، وأشدهم عناية بالمعنى، وكان علمه باللغة والشعر وتمرسه بأساليب العرب خير معين له على الفهم والتذوق وإدراك المقصود من الألفاظ وما وراء الألفاظ، سواء في القرآن أو في الحديث، ولقد اشتهر
__________
(1) " المغني ": 3/ 457؛ وانظر "الفكر السامي ": 2/ 62.
(2) " المسند ": ج 3 حديث رقم 2029.
(1/163)

بين الصحابة بغوصه على معاني القرآن وحسن تفسيره له وبراعة استنباطه منه حتى لقب بترجمان القرآن. ومن أمثلة استنباطه من القرآن أنه سئل عن السجدة التي في (سورة ص) عند قوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24]، فأجاب ابن عباس بقوله: أَتَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} وَفِي آخِرِهَا: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] قَالَ: «أُمِرَ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْتَدِيَ بِدَاوُدَ» (1).
وسأله رجل عن معنى قوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]- فَأَجَابَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَرَابَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «عَجِلْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِلا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَنَزَلَتْ: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]: إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» (2).
وقد جاءت روايات مختلفة في التيمم، بعضها يأمر بمسح الكفين والوجه، وبعضها الآخر يأمر بمسح اليدين إلى المرفقين مع الوجه. ولما سئل ابن عباس عن ذلك لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُرَجِّحَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ عَنْ طَرِيقِ الأَسَانِيدِ بل اتجه إلى القرآن مستنبطًا منه إجابته، مدعمًا به رأيه فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ} [المائدة: 6]، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، وَقَالَ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ: «يَعْنِي التَّيَمُّمَ» (3).
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ ذَبْحَ ابْنَهُ فَقَالَ: «لاَ يَنْحَرِ ابْنَهُ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»،
__________
(1) " المسند " لابن حنبل: ج 5 الحديث رقم 3388 وسجدة (سورة ص) في الآية رقم 24 واستدلال ابن عباس بآيات سورة الأنعام من 84 إلى 90.
(2) " المسند ": 3/ 321 حديث رقم 2024 والآية من سورة الشورى رقم 23.
(3) " سنن الترمذي "، تحقيق الشيخ أحمد شاكر: 1/ 272، 273.
(1/164)

فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ كَفَّارَةُ [اليَمِينِ]؟ فَقَالَ: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: 3]، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنَ الكَفَّارَةِ مَا قَدْ رَأَيْتَ» (1).
ولفهمه القرآن ولدقته وعمقه في هذا الفهم كان محل إعجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وكان يدخل عليه وهو فتى في جملة المشيخة من أهل بدر، ولما استكثروا عليه ذلك أراد عمر أن يعطيهم صورة من فهم ابن عباس وفطنته، فسألهم عمر عن هذه السورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]. فَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ وَيَتُوبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، فَتْحُ مَكَّةَ، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 2]، فَذَلِكَ عَلاَمَةُ مَوْتِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]، فَتَوَجَّهُ عُمَرُ إِلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَائِلاً: «كَيْفَ تَلُومُونِي عَلَى مَا تَرَوْنَ؟» (2).
إن ابن عباس كان عنده اتجاه أصيل للتعليل، والتنقيب عن المعاني والغوص وراءها، ولذلك لم يكن غريبًا أن يعرف بكثرة القياس والرأي تبعًا لما قدمناه عنه من كثرة الفتوى، مع جرأة في الإفتاء بمقتضى فهمه حتى ولو كانت فتواه مخالفة للرأي الشائع المعمول به.
__________
(1) " المحلى " لابن حزم: 8/ 15. ويشير ابن عباس إلى آيات الظهار من سورة المجادلة وقد وصف الله الظهار بأنه منكر من القول وزور، ومع ذلك أوجب فيه الكفارة وهي طاعة وعبادة.
(2) " المسند " للإمام أحمد: 5/ 50 حديث رقم 3127؛ وانظر " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 2/ 45، 46 حيث بسط ابن القيم أسباب دقة هذا الاستنباط.
(1/165)

وسنعرض هنا أمثلة موجزة تبين أصالة هذا الاتجاه عنده.
فمن ذلك ما روي «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ القَبْضِ». فهل هذا النهي مقصور على الطعام، فيصح بيع غيره قبل القبض، أم أن المقصود هو النهي عن بيع كل شيء قبل القبض؟ وتخصيص الطعام بالذكر لكونه هو البيع الشائع الذي تكثر فيه المخاصمة؟ وإذا قيس على الطعام غيره في النهي، فهل يقتصر في هذا القياس على المنقول فقط، أم يقاس عليه كل بيع، منقولاً وغير منقول؟ إن ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ» (1).
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن جابر بن زيد (*)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ» قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (2).
__________
(1) " المسند ": 5/ 161؛ وانظر " المغني ": 4/ 107، 111.
(2) " المسند ": 3/ 292 وقد صحح المرحوم الشيخ أحمد شاكر إسناد هذا الحديث وذكر أن الرواية تبين خطأ ظن الإمام مالك في تعليق له على هذا الحديث في " الموطأ " بقوله: «أَرَى ذَلِكَ [كَانَ] فِي مَطَرٍ» لأن هذه الرواية فيها فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ» وقد رواها الجماعة إلا البخاري. وفي حديث رقم 1918 روى جابر بن زيد عن ابن عباس: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا»، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: «وَأَنَا أَظُنَّ ذَلِكَ». وذهب الشيخ شاكر إلى أن هذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء، ولا حجة له فيه. ورجح أن الحديث ترخيص لمن يحال بينه وبين الصلاة في وقتها.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) ورد في " مسند الإمام أحمد " تحقيق الشيخ أحمد شاكر: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ...)، حديث رقم 1953، 2/ 461، الطبعة الأولى: 1416 ه - 1995 م، نشر دار الحديث القاهرة.
ورجح الشيخ شعيب الأرناؤوط (سعيد بن جبير)، انظر تعليق الشيخ شعيب الأرناؤوط على ذلك: " مسند الإمام أحمد "، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد، حديث رقم 1953، 3/ 420، الطبعة الأولى: 1416 ه - 1995 م، نشر مؤسسة الرسالة. بيروت - لبنان.
(1/166)

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الرِّجَالَ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وهو نهي يتناول القليل والكثير. ولكن ابن عباس يرى أن المنهي عنه أن يكون الثوب كله حريرًا، ويقول: «إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَمَّا السَّدَى وَالعَلَمُ فَلا نَرَى بِهِ بَأْسًا» (1). ولا يقف ابن عباس عند هذا الحد، بل يحاول أن يتلمس العلة في النهي عن لبس الحرير، ليربط بين العلة والحكم، فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ يَعُودُهُ فِي مَرَضٍ مَرِضَهُ، فَرَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَ إِسْتَبْرَقٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَانُونٌ عَلَيْهِ تَمَاثِيلُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، مَا هَذَا الثَّوْبُ الذِي عَلَيْكَ؟ قَالَ: [وَمَا هُوَ؟] قَالَ: إِسْتَبْرَقٌ، قَالَ: «وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِهِ، وَمَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ إِلاَّ لِلتَّجَبُّرِ، وَالتَّكَبُّرِ، وَلَسْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ» قَالَ: فَمَا هَذَا الكَانُونُ الذِي عَلَيْهِ الصُّوَرُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَلَا تَرَى كَيْفَ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ؟» (2).
فهو يعلل النهي عن لبس الحرير لما يبعثه على التجبر والخيلاء، كما أن النهي عن التماثيل واتخاذ الصور لما قد يكون من تعظيمها وما يؤدي إلى معاملتها بما يشعر بالاحترام والتقديس.
أما جرأته على الإفتاء بما يؤديه إليه اجتهاده حتى ولو خالف الرأي الشائع المعمول به بين الصحابة، فقد أثر عنه في ذلك ما لم يؤثر عن زملائه المكثرين من رواية الحديث. وليست الجرأة أن يفتي بما يخالف الحديث عن جهل به، فَإِذَا بَلَغَهُ عَدَلَ عَنْ رَأْيِهِ - كصنيع أبي هريرة في إبطاله صوم الجنب إذا أصبح من غير طهارة، ثم عدوله عن ذلك عندما بلغه حديث عائشة «أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا [مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ]، ثُمَّ يَصُومُ» (3) - ولكننا نعني بالجرأة أن
__________
(1) " المسند " لابن حنبل: 2/ 267.
(2) " المسند " لابن حنبل: ج 3 حديث رقم 3307.
(3) انظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص 124، 126.
(1/167)

يبلغه الحديث بما يخالف فتواه فلا يتزحزح عن رأيه، إما لترجيحه دخول الوهم والخطأ في روايته وإما لتأويله، وفي الحالتين يستلهم القرآن، ويستند إلى ما فهمه منه في موضوع النزاع، وقد كان من منهجه - كما قررنا فيما سبق - نقد الحديث وعرضه على القرآن، ولعله في ذلك متأثر بعمر بن الخطاب في رفضه لحديث فاطمة ورفضه لحديث الجنب كما تأثر به في ذلك ابن مسعود.
وقد سبق أن ذكرنا رأي ابن عباس في نكاح المتعة ومخالفته لكثير من الصحابة في القول بحليته مستندًا إلى ما فهمه من القرآن، ولم ير فيما روى في تحريم المتعة من الأحاديث ما يجعلها مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ، كما ذهب غيره، بل رأى أن المتعة حلال إذا دعت الضرورة، حرام عند عدم وجود الداعي إليها.
ورأي ابن عباس في الربا قريب من رأيه في نكاح المتعة، فقد كان يذهب إلى أن الربا المحرم هو ربا النسيئة، أما الزيادة في البيع [الحلال]، فلا ربا فيها، الذهب والفضة وغيرهما في ذلك سواء.
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الذِي تَقُولُ؟ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟، فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (1).
وروى الترمذي حديث أبي سعيد الخدري فِي «نَهْيِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
__________
(1) " صحيح مسلم ": 5/ 123.
(1/168)

عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ بِالفِضَّةِ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ»، ثم قال: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلاً، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ مُتَفَاضِلاً، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وقَالَ: " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ "، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ حِينَ حَدَّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (1).
ومما أشار إليه الترمذي من رجوع ابن عباس عن قوله قد فَصَّلَهُ ابن حزم بما رواه عن حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، لكنه ضعف ما روي في ذلك ووصفه بأنه قول باطل، ثم قال: «وَرَوَى عَنْهُ طَاوُوسٌ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ. وَرَوَى الثِّقَةُ المُخْتَصُّ بِهِ خِلاَفَ هَذَا». ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَانَ الرِّبَا قَطُّ فِي هَاءٍ وَهَاتٍ. وَحَلَفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِاَللَّهِ مَا رَجَعَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ». ثم ذكر ابن حزم أن ذلك كان رأي ابن مسعود أيضًا وعليه كان عطاء وأصحاب ابن عباس وفقهاء أهل مكة (2).
ومن ذلك رأيه في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: هل تنتهي بوضع الحمل، أو لا بد من أقصى الأجلين: وضع الحمل وأربعة أشهر وعشر؟.
يبين لنا الترمذي موقف ابن عباس وأبي هريرة من هذه المسألة بِمَا رَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَذَاكَرُوا المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الحَامِلَ تَضَعُ عِنْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ "، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: " بَلْ تَحِلُّ حِينَ تَضَعُ "، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي "، - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ -، فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 5/ 250.
(2) انظر " المحلى ": 8/ 479، 494.
(1/169)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: " قَدْ وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِيَسِيرٍ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ "» (1).
ومن ذلك ما ذهب إليه ابن عباس من أن الأخت لا ترث أصلاً مع البنت ولا مع بنت الابن، لقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]، ولفظ الولد يقع على المذكر والمؤنث، ولقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ [بِأَهْلِهَا]، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
وَرَأْيُ ابن عباس هنا مخالف لما ذهب إليه معظم الفقهاء من اعتبار الأخوات عصبة مع البنات، مستندين إلى ما روي مِنْ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ سُئِلَ عَنْ [بِنْتٍ] وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُخْتِ النِّصْفُ، ... فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ».
ولكن يبدو أن ابن عباس لا يعترف بصحة هذا الحديث لمخالفته ظاهر الآية السابقة، مع معارضته لحديث: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ [بِأَهْلِهَا]»، فقد روى ابن حزم عنه أنه قال: قال الله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: لَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ».
وَرُوِيَ عَنْهُ أيضًا أنه قال: «أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا فِي قَضَاءِ
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 5/ 170، 171 ولا أدري هل رجع ابن عباس إلى الحديث في هذه المسألة، أو اكتفى بما رآه في الجمع بين قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، وقوله تعالى: {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
(1/170)

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَتَجِدُونَهُ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ: مِيرَاثُ الأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ؟» (1). وقد أخذ بقول ابن عباس في ذلك داود الظاهري.
ومن ذلك أيضًا رأي ابن عباس في ميراث الجدة، فقد ذهب الجمهور إلى إعطاء الجدة السدس، على اختلاف بينهم في توريث الجدات إذا اجتمعن وفي حجبهن، يستندون في ذلك إلى ما روي مِنْ «أَنَّ الجَدَّةَ جَاءَتِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَسْأَلُهُ عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [شَيْءٌ] وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ المُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهَا، ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الذِي قَضَى بِهِ إِلاَّ لِغَيْرِكَ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ لَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا» (2).
أما رأي ابن عباس فهو رأي مخالف لما ذهب إليه الجمهور، ولذلك وصفه ابن رشد بأنه «رَأْيٌ شَاذٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وَلَكِنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ القِيَاسِ» (3)، وهو متلائم مع منهجه في تحكيم القرآن، فكما أن الأب في عرف القرآن
__________
(1) انظر " المحلى " لابن حزم: 9/ 256، 258؛ و" إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 2/ 193، 214.
(2) " بداية المجتهد " لابن رشد: 2/ 293، 294.
(3) " بداية المجتهد " لابن رشد: 2/ 293.
(1/171)

يطلق على الجد {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (1)، {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} (2) فكذلك الأم تطلق على الجدة، قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} (3). فإذا كان أبو بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يرى أن نصيب الجدة غير مذكور في القرآن فإن ابن عباس يرى أنه مذكور في القرآن، داخل في قوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11]، وعلى ذلك فالجدة أم عند عدم الأم، لها السدس عند وجود جمع من الإخوة أو وجود أولاد للمتوفى، ولها الثلث فيما عدا ذلك، وقد روى ابن حزم بسنده عن ابن عباس قال: «الجَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ إذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ»، وبسنده عن طاووس مثل ذلك، وبقوله في ذلك أخذ ابن حزم الظاهري (4). وإعطاء الجدة الثلث قول انفرد به ابن عباس وهو مصدر وصف رأيه في ذلك بالشذوذ، هذا مع عدم أخذه بما روى من الحديث في ذلك.
ويدعونا الكلام في الفرائض والمواريث إلى أن نشير إلى ظاهرة هامة عند ابن عباس، هي أنه - على الرغم من اتجاهه إلى التعليل، وأصالة هذا الاتجاه عنده كما سبق أن قررناه - كان يبدو أحيانًا متمسكًا بظاهر اللفظ، مناظرًا من يخالفه في ذلك ولعل آراءه في الفرائض هي أبرز الأمثلة على هذا الجانب من فقهه. وجدير بالذكر أن كثيرًا من آرائه في الفرائض أخذ بها أهل الظاهر، كما ظهر في المثالين السابقين، وكما سيتبين مما يأتي، وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه في بداية الفصل من أن عصر الصحابة هو الملتقى الذي تتجمع عنده معظم الاتجاهات أو تتفرع منه معجم التيارات الفقهية.
__________
(1) [الحج: 78].
(2) [يوسف: 38].
(3) الأعراف: 27].
(4) انظر " المحلى ": 9/ 272، 273.
(1/172)

وقد لاحظ ابن القيم هذه العلاقة التي بين عصر الصحابة وبين الاتجاهات التي ظهرت فيما تلاه من عصور، وضرب لذلك مثلاً باجتهاد الصحابة عِنْدَمَا أَمَرَهُمْ الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الأَحْزَابِ بِأَنْ يُصَلُّوا العَصْرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، «فَاجْتَهَدَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ النُّهُوضِ، فَنَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى، وَاجْتَهَدَ آخَرُونَ وَأَخَّرُوهَا إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلَّوْهَا لَيْلًا، نَظَرُوا إلَى اللَّفْظِ، وَهَؤُلَاءِ سَلَفُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، [وَهَؤُلَاءِ] سَلَفُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي وَالْقِيَاسِ» (1).
فمن مسائل الميراث التي مال فيها ابن عباس إلى ظاهر اللفظ:
1 - أنه ذهب إلى أن الاثنين من الإخوة أو الأخوات لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، واشترط لتأثيرهم في نصيبها أن يكونوا ثلاثة فصاعدًا، تمسكًا بظاهر اللفظ في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11].
وقد روى ابن حزم بسنده أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: «إنَّ الأَخَوَيْنِ لا يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ؟». فَقَالَ عُثْمَانُ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، تَوَارَثَهُ النَّاسُ وَمَضَى فِي الأَمْصَارِ» (2) وإلى هذا ذهب ابن حزم.
وجمهور الصحابة - كما أشار سيدنا عثمان في مناظرته لابن عباس - على أن الاثنين لهما حكم الجمع في الميراث، فيدخلان في لفظ (الإِخْوَةِ)، فإن قاعدة الفرائض المستنبطة من آيات المواريث - أن كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد فإن الاثنين يشتركان فيه، فالإخوة لأم مثلاً: بين الله سبحانه نصيب
__________
(1) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 2/ 244، 245.
(2) انظر " المحلى " لابن حزم: 9/ 258 و 260، وانظر احتجاج ابن القيم لرأي الجمهور في " إعلام الموقعين ": 2/ 53، 55، وانظر في الاختلاف في أقل الجمع: " الإحكام " لابن حزم: 4/ 1، 8.
(1/173)

الواحد والواحدة عند الانفراد ثم نص على نصيبهم عندما يكونون أكثر من واحد، فقال تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12]، فإن قوله: {أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ} أي أكثر من أخ أو أخت، أي أكثر من واحد أو واحدة، فيدخل فيه الاثنان، وكوضعه تعالى نصيب الأختين فما فوقهما في مقابلة نصيب الواحدة المنفردة {... فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ} [النساء: 176]، وقد قال ابن القيم في الموازنة بين رأي ابن عباس ورأي الجمهور في هذه المسألة: «وَنَظَرُهُ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَنَظَرُ الصَّحَابَةِ أَقْرَبُ إلَى المَعْنَى» (1).
ومن المسائل التي خالف ابن عباس فيها الجمهور بسبب ميله إلى الظاهر - نصيب الأم إذا انحصرت التركة في الأبوين وأحد الزوجين: فقد ذهب الجمهور إلى أن لها حينئذٍ ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين، إذ لو أعطيت ثلث الكل لكان نصيبها ضعف نصيب الأب في وجود الزوج، وقريبًا من نصيبه في وجود الزوجة، مع أن الملاحظ في نظام التوريث أنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة كالابن والبنت، والجد والجدة، والأب والأم، والأخ والأخت، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى، أو يساويها. فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته، وقد عهدنا الله سبحانه أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث ابنهما، وساوى بينهما عند وجود ولد له، ولم يفضلها عليه في موضع واحد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن لها ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين.
أما ابن عباس فقد ذهب إلى أن نصيب الأم هو ثلث التركة كلها، وجد أحد الزوجين أو لم يوجد، تَمَسُّكًا بظاهر قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11].
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 2/ 52.
(1/174)

وتسفر مناظرته في هذه المسألة لزيد بن ثابت عن ميله الواضح لظاهر اللفظ فيها، فقد أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؟. فَقَالَ زَيْدٌ: «إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ تَقُولُ بِرَأْيِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ أَقُولُ بِرَأْيِي» (1).
وقد روى الدارمي عن إبراهيم النخعي قال: «خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَهْلَ القِبْلَةِ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ: جَعَلَ لِلأُمِّ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ المَالِ» (2).
ومذهب ابن عباس في هذه المسألة هو ما ذهب إليه بعده أهل الظاهر، كداود وابن حزم (3).
ومن رأي ابن عباس أيضًا رفض العول، مخالفًا بذلك جمهور الصحابة، وقد أخذ برأيه في رفض العول داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر، تَشَبُّثًا منهم بأن مجموع الأنصبة يجب ألا يزيد على الواحد الصحيح، فالتركة تستوعب نصفين، فإذا وجد من له الثلث معهما لم يصادف هذا الثلث مقابلاً له من التركة، وهذا أمر بديهي، وإذا كان بعض الورثة حينئذٍ لن يكون له حظ من التركة، وجب أن ينظر فيمن يقدم منهم ليكون أولى بأخذ نصيبه، وقد رأى ابن عباس أن التركة إذا تزاحمت فيها الفروض قدم من الورثة من ينتقل من فرض مقدر إلى فرض آخر مقدر، فإذا بقي منها شيء أخذه من ينتقل من فرض مقدر إلى نصيب غير مقدر. فمثلاً إذا كان الورثة زوجًا وأختًا شقيقة وَأُمًّا، فللزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، فابن عباس يقدم الزوج والأم، فيأخذان نصيبهما كاملاً، لأنهما ينتقلان من فرض مقدر هو النصف للزوج والثلث إلى فرض مقدر وهو الربع للزوج والسدس للأم وما بقي بعد نصيبهما تأخذه الأخت لأنها تنتقل من فرض
__________
(1) و (2) " سنن الدارمي ": 2/ 346.
(3) انظر " المحلى ": 9/ 261، 262؛ و" بداية المجتهد ": 2/ 287، 288؛ و" إعلام الموقعين ": 2/ 5، 59.
(1/175)

مقدر هو النصف إلى نصيب غير مقدر عندما تكون عصبة بالغير أو مع الغير، فإذا لم يبق من التركة شيء لم تأخذ شيئًا.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «أَعَالَ الفَرَائِضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ، وَأَخَّرَ مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ»، قِيلَ لَهُ: وَأَيُّهَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَأَيُّهَا أَخَّرَ اللَّهُ؟. قَالَ: «كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُوجَبِهَا إِلاَّ إِلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، فَهِيَ مَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَكُلُّ فَرِيضَةٍ إِذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ مَا بَقِيَ فَتِلْكَ التِي أَخَّرَ اللَّهُ فَالأَوَّلُ مِثْلُ الزَّوْجَةِ وَالأُمِّ، وَالمُتَأَخِّرُ مِثْلُ الأَخَوَاتِ وَالبَنَاتِ». قَالَ: «فَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ بُدِئَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَلِمَنْ أَخَّرَ اللَّهُ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ»، قِيلَ لَهُ: فَهَلاَّ قُلْتَ هَذَا القَوْلَ لِعُمَرَ: قَالَ: «هِبْتُهُ» (1).
ورأي الجمهور أقرب للعدل والنظر من رأي ابن عباس، فالورثة أشبه بالغرماء في مال المدين إذا قصر عن الوفاء بكل حقوقهم. فإن المال حينئذٍ يقسم بقدر حصصهم من الدين، ولا يحق لبعضهم أن يستوفي حقه كاملاً على حساب حرمان الآخرين.
هذا هو ابن عباس، آثرناه بمزيد من البيان بعد أن أجملنا الخطوط العامة لرواة الحديث من الصحابة، ووصفنا الملامح الرئيسية لفقههم.
ونرى لزامًا علينا - لتتضح الصورة، وتتميز الفروق - أن نذكر ابن عمر من بين المجموعة الثانية كطرف مقابل لابن عباس -، فنختصه بكلمة تجلي لنا جوانب من شخصيته، وتكشف لنا عن بعض اتجاهاته في الفقه، لتسهل الموازنة بين المجموعتين.
وأول ما يطالعنا من سلوك ابن عمر وشخصيته هو حرصه على السنة وتمسكه بها، واقتداؤه بالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقتداءً تامًا لا استثناء فيه حتى لقد رأى معاصروه أنه قد بالغ في ذلك، فقد «ذَكَرَ نَافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللهِ تَتَبَّعَ
__________
(1) انظر " المحلى " لابن حزم: 9/ 262، 276؛ و" بداية المجتهد ": 2/ 292.
(1/176)

أَمْرَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَآثَارَهُ، وَأَفْعَالَهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ خِيفَ عَلَى عَقْلِهِ» (1).
ومن أمثلة تحريه وحمله نفسه على أن يكون سلوكه مطابقًا سلوك الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يرويه مُجَاهِدٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ، فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ».
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللهُ - بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ رَاحَ رُحْتُ مَعَهُ، حَتَّى أَتَى الإِمَامَ فَصَلَّى مَعَهُ الأُولَى وَالعَصْرَ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَهُ وَأَنَا وَأَصْحَابٌ لِي حَتَّى أَفَاضَ الإِمَامُ فَأَفَضْنَا مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَضِيقِ دُونَ المَأْزِمَيْنِ، فَأَنَاخَ وَأَنَخْنَا، وَنَحْنُ نَحْسَبُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ غُلاَمُهُ الذِي يُمْسِكُ رَاحِلَتَهُ: إِنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ الصَّلاَةَ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انْتَهَى إِلَى هَذَا المَكَانِ قَضَى حَاجَتَهُ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (2).
وقد عرف ابن عمر بهذا الحرص الشديد على الاقتداء والتأسي، وذاعت شهرته بذلك في الأوساط المختلفة حتى غلب على ظن كثير من الناس، أن ما صدر عنه من أفعال وتصرفات تمثل صورة من أفعال الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولها ارتباط بما صدر عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وقد كان ابن عمر يعلم أنه - لتأسيه بالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - صار قدوة، ولذلك، كان يحرص عندما يصدر منه فعل ليس متابعًا فيه للرسول، على أن ينبه الناس إلى ذلك، مثل ما روي أنه أمر أصحابه أن يمسحوا على خفافهم، ولكنه خلع نعليه، وغسل رجليه، ولما خشي أن يظن الناس أن غسل القدمين أفضل من المسح على الخفين وأن يتابعوه في فعله اضطر أن
__________
(1) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 27.
(2) " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " لنور الدين بن علي بن أبي بكر الهيثمي: 1/ 137 و 174.
(1/177)

ينبههم إلى أنه غسل قدميه استجابة لميله الطبيعي إلى غسل القدمين وَقَالَ: «حُبِّبَ إلَيَّ الوُضُوءُ». وَقَالَ: «إنِّي لَمُولَعٌ بِغَسْلِ قَدَمَيَّ، فَلَا تَقْتَدُوا بِي» (1).
وكما كان ابن عمر حريصًا على تتبع أمر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وآثاره وأفعاله - كان حريصًا على حفظ حديثه ينقله بألفاظه، لا يزيد فيها ولا ينقص منها، وينقل لنا أبو جعفر محمد بن علي [بن الحسين بن علي] (*) بن أبي طالب هذا الجانب من شخصية ابن عمر فيقول: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا أَحْذَرَ أَلاَّ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يُنْقِصَ مِنْهُ، وَلاَ، وَلاَ ... مِنْ ابْنِ عُمَر» (2) (*).
أما سرعة استجابته للحديث وأخذه به وقلة نقده له - فهي ظاهرة واضحة عند ابن عمر. وإذا كان ابن عباس يبلغه الحديث فيما يخالف اجتهاده، فيعلله أو يؤوله - كما سبق أن قدمنا - فإن ابن عمر على العكس من ذلك، متى يبلغه الحديث يرجع إليه دون معارضة، ودون ضرب الأمثال له، كما أخذ ذلك أبو هريرة على ابن عباس.
وقد ذكرنا من قبل رأي ابن عباس في ربا الفضل، وثباته على هذا الرأي رغم معارضته لحديث أبي سعيد الخُدري، وقد صح عن ابن عمر أنه كان يقول بقول ابن عباس في الربا (3)، ولكنه ما لبث أن رجع عنه عندما بلغه الحديث في ذلك. وهذا فرق هام بين ابن عمر وابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -.
ولعل أوضح مثال يؤكد هذا الفرق بينهما هو ما أثر عنهما في حكم المزارعة، واختلاف موقفهما حيال ما روي فيها، فقد كان شائعًا بينهم إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها حتى حديث بعض متأخري الصحابة أن النبي
__________
(1) انظر " المغني ": 1/ 282.
(2) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 37؛ ورواه الدارمي في " سننه " (ج 1 ص 4) بلفظ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ، وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ» والمعنى يحتمل الحرص على السنة والامتثال لها كما يحتمل التقيد بألفاظ الحديث.
(3) انظر: المحلى 8/ 491.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " السنن " للإمام الدارمي (ت 255 ه)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، المُقَدِّمَةُ، (31) بَابُ: مَنْ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ إِذَا أَصَابَ الْمَعْنَى، حديث رقم 327، 1/ 348، الطبعة الأولى: 1421 ه - 2000 م، دار المغني للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية. وانظر تخريج الحديث فيه.
وانظر أيضًا " سنن ابن ماجه ": انظر: ابن ماجه: " السنن "، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المقدمة، (1) بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حديث رقم 4، 1/ 4، طبعة سنة: 1395 ه - 1975 م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
وانظر " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " لِلْمِزِّي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الاولى:1999 م، حديث رقم 7442، 5/ 326، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
و" الجامع المسند " للدكتور بشار عواد معروف ومن معه، حديث رقم 7184، 10/ 22، الطبعة الأولى: 1413 ه - 1993 م، دار الجيل. بيروت - لبنان. والشركة المتحدة - الكويت.
(1/178)

- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنها. فماذا كان موقف هذين الصحابيين الجليلين من هذا النهي؟ أما ابن عباس فقد نقد ما روي في المزارعة، وعلله بسهو الراوي أو بعدم إحاطته بالظروف التي قيل فيها الحديث، فلم يعمل بما روي فيها.
وأما ابن عمر، فمع تشككه في صحة الحديث فيها، لمناقضته لما مضى عليه العمل في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين، ولما كان يعلمه من أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقر هذا التعامل، عندما عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من الأرض - فإنه لم يسعه إلا أن يأخذ به، ويمتثل له ويفضل أن يتهم نفسه ولا يتهم الرواية.
والأحاديث في المزارعة كثيرة لا تخلو من تعارض، ويهمنا هنا أن نذكر ما يوضح هذا الفرق الذي ذكرناه بين ابن عمر وابن عباس.
فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: " لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا "، قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهُوَ حَقٌّ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟»، قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، [أَوْ أَزْرِعُوهَا]، أَوْ أَمْسِكُوهَا» قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً (1).
وَرَوَى البُخَارِيُّ معنى ذلك عن جابر وأبي هريرة.
ثُمَّ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا» (2).
__________
(1) و (2) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 30، 31.
(1/179)

وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ، وَلَكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ» (1).
أما ابن عمر فيتبين موقفه مما رواه البخاري عن نافع أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ» ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ» فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ». فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ، وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ» (2).
إن هذه الرواية توضح شك ابن عمر في صحة الحديث، وتشير إلى القلق الذي نشب في نفسه بين قبول هذا الحديث أو رفضه. فماذا كانت نتيجة هذا الصراع؟. إن الرواية التالية تبين أن هذا الصراع قد انتهى إلى ما يتسق مع شخصية ابن عمر ومنهجه، مِنْ أَخْذٍ بِالحَدِيثِ وَامْتِثَالٍ لَهُ، فحرم المزارعة على نفسه، رغم الظواهر التي تشكك في صحة الحديث، وترجح غلبه الوهم أو الخطأ في روايته، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: «كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى»، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 6/ 155؛ وانظر " مسند أحمد ": 4/ 210 وفيه: «لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ [أَخَاهُ] أَرْضَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا» - لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ -. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَهُوَ الْحَقْلُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْأَنْصَارِ: الْمُحَاقَلَةُ». ويؤيد ابن عباس ما رواه أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنْهُ إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ، [قَالَ مُسَدَّدٌ]: مِنَ الأَنْصَارِ، [ثُمَّ اتَّفَقَا]، قَدِ اقْتَتَلاَ، فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (*): «إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلاَ تُكْرُوا الْمَزَارِعَ»، زَادَ مُسَدَّدٌ، فَسَمِعَ قَوْلَهُ: «لَا تُكْرُوا المَزَارِعَ»، " سنن أبي داود ": 3/ 349؛ وانظر " بداية المجتهد ": 2/ 184، 186؛ و" أسباب اختلاف الفقهاء " للخفيف: ص 38، 40؛ و" المحلى ": 8/ 211، 224؛ و" المغني ": 5/ 360، 362، 378، 382.
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 21.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع قد يظن القارئ أنه حديث مقطوع (من قول مسدد)، لأنه لم يذكر (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، انظر " السنن "، لأبي داود السجستاني (ت 275ه)، تحقيق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، (17) كِتَاب الْبُيُوعِ (31) بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ، حديث رقم 3390، 3/ 442، الطبعة الأولى: 1418 ه - 1997 م، نشر دار ابن حزم. بيروت - لبنان.
(1/180)

يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، «فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ» (1).
ولعل ورع ابن عمر وحيطته لدينه هي الدوافع في اتجاهه هذا بل هي الضوء الذي يفسر كثيرًا من تصرفاته.
وكان هذا الورع يحمله على أن يترك بعض الحلال مخافة أن يقترب من الحرام، وقد روى مالك عنه أنه قال: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلاَلِ» (2).
كما كان هذا الورع يحمله على التشديد على نفسه وعلى غيره، فقد صح عنه «أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي بَاطِنِ عَيْنَيْهِ فِي الوُضُوءِ وَالغُسْلِ» (3) (*). وقد تميز ابن عمر بشدته هذه وعرف بها، وكانت موازنة أبي جعفر المنصور في ذلك بين ابن عمر وابن عباس موازنة صادقة صحيحة، عندما طلب من الإمام مالك أن يكتب للناس كتابًا يتجنب فيه «رُخَصَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَشَدَائِدَ ابْنَ عُمَرَ».
وإذا استعرضنا طرفًا من المسائل التي استدركتها السيدة عائشة على ابن عمر - وجدناه يميل في معظمها إلى جانب الشدة، أخذًا بالحيطة حتى يبلغه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلاف ما ذهب إليه، فيترك قوله.
فمن ذلك أنه كان يقول: «فِي القُبْلَةِ الوُضُوءُ»، فاستدركت عليه السيدة عائشة وَقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ [ثُمَّ] لاَ يَتَوَضَّأُ» (4).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 31.
(2) " المحلى " لابن حزم: 1/ 201، وقد عَرَّفَ ابن حزم الورع بأنه تجنب ما لا يظهر فيه ما يوجب اجتنابه خوفًا من أن يكون ذلك فيه (" الإحكام ": 1/ 45). وفي ابن عمر يقول ابن مسعود: «إِنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسهِ عَنِ الدُّنْيَا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ»، ويقول جابر: «مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إلاَّ وَقَدْ مَالَتْ بِهِ إلاَّ ابْنُ عُمَرَ». انظر " سير أعلام النبلاء ": 3/ 139، 140.
(3) انظر " المحلى ": 2/ 76؛ وفي " المغني: 1/ 107 أنه عمي بسبب ذلك.
(4) " الإجابة ": ص 118، 119.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قارن بالصفحة 270 من هذا الكتاب.
(1/181)

ومن ذلك أنه كان يمنع المحرم أن يتطيب قبل إحرامه، وكان يقول: «لَأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا»، ولما بلغ ذلك السيدة عائشة قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا»، وفي لفظ " البخاري ": قالت: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» (1).
ومن ذلك أنه كان يأمر بقطع الخفين للمرأة المحرمة إذا لم تجد نعلاً ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - حَدَّثَتْهَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الخُفَّيْنِ» فَتَرَكَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ (2).
وهذا الورع ذاته كان من العوامل التي دفعت ابن عمر إلى الإقلال من الفتوى، وإلى كثرة إجابته بقوله: «لَا أَعْلَمُ»، كما كان سببًا في ميله إلى الظاهر في أغلب الأحيان، وحرصه على ظاهر اللفظ، دون تأويل له أو نظر إلى المعنى، كما سبق أن رأينا صورة من ذلك في أخذه بظاهر ما روى في قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة إذا مر أحدها أمام المصلي .. ويشاركه في هذا الاتجاه أبو هريرة (3).
لكن هذا الاتجاه إلى الظاهر لم يكن مذهبًا ملتزمًا لا يعدل عنه، بل كان الأمر مرتبطًا بمدى الاطمئنان النفسي والأخذ بالأحوط. فلو اقتضى الورع والأخذ بالأحوط أن تصرف الألفاظ عن ظاهرها، وأن تتجاوزه إلى المعاني المقصودة من ورائها - فإن الظاهر حينئذٍ يطرح ولا يلتزم.
__________
(1) " الإجابة ": ص 114.
(2) المصدر نفسه: ص 117، 118.
(3) ومن أمثلة أخذ أبي هريرة بالظاهر أيضًا اعتباره غسل يوم الجمعة واجبًا (" الموطأ ": 1/ 101)، وجعله الضجعة التي بين سُنَّةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ فَرْضًا لروايته آثارًا في ذلك أخذها على ظاهرها، وتبعه فيها أهل الظاهر (انظر " المحلى ": 1/ 196).
(1/182)

ولعل أبرز مثال لذلك ينبئ عما وراءه، هو ما روي عنه في (الإيلاء) وهو في اللغة الحلف والقسم واليمين، ولكن معناه الفقهي مختلف فيه، لاختلافهم فيما يكون به المرء موليًا:
(أ) هل هو الحلف ألا يجامع الزوج زوجته على وجه الضرر والغضب؟
(ب) أو هو كل يمين حالت دون الجماع، دون فرق بين الرضا والغضب؟.
(ج) أو هو كل يمين يؤدي إلى الإضرار بالزوجة، سواء أكانت اليمين على ترك الجماع أو على عدم الكلام معها مثلاً؟
وقد التقت الأقوال الثلاثة السابقة حول ضرورة اليمين في اعتبار الإيلاء، فهي من أهم شروطه.
(د) أما الرأي الرابع فهو رأي ابن عمر، فقد ذهب إلى أن الزوج إذا هجر زوجته فهو إيلاء، ولو لم يذكر الحلف، ولو لم يكن هناك قسم: قال الجصاص تعليقًا على رأي ابن عمر: «وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّ الهِجْرَانَ يُوجِبُ الطَّلاَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا حَلَفَ ثُمَّ هَجَرَهَا مُدَّةَ الإِيلاَءِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلاَفُ الكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226] وَالأَلِيَّةُ اليَمِينُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهِجْرَانُهَا لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ» (1).
ولا شك أن ابن عمر قد علم أن الإيلاء معناه اليمين، إذ هو عربي يفهم ألفاظ القرآن ويحتج بفهمه ولغته وقد احتج الجصاص بفهم ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ} [البقرة: 227]، حيث قال: «عَزِيمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ» قبل الفيء إليها. «لأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ شَرْعًا أَوْ لُغَةً، وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَحُجَّتُهُ ثَابِتَةٌ» (2).
__________
(1) " أحكام القرآن " للجصاص ": 1/ 356، 360.
(2) (*)

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) لم يذكر المؤلف المصدر في الكتاب المطبوع وإنما أشار إلى الترقيم (2)، وتبين أنه المصدر السابق.
انظر " أحكام القرآن " للجصاص "، تحقيق محمد صادق قمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف: 2/ 50، طبعة سنة 1412 ه - 1992 م، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
وانظر أيضًا " أحكام القرآن " للجصاص " تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين: 1/ 436، الطبعة الأولى: 1415 ه - 1994 م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
(1/183)

إن ابن عمر في هذه المسألة جاوز اللفظ ولم يقف عنده، وتوجه مباشرة إلى الغاية والمعنى المقصود من الإيلاء. ورأيه في ذلك له وزنه وقيمته. ويسد الطريق أمام من يهجرون زوجاتهم بقصد الإضرار، آمنين من تطبيق حكم الإيلاء عليهم، ما داموا لم يستكملوا المظهر الشكلي وهو القَسَمَ وَاليَمِينَ.
ومن ذلك أيضًا رأى ابن عمر في حكم المرأة الحامل في رمضان إذا خافت على ولدها وصعب عليها الصيام: فقد سئل عن ذلك فأجاب: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ويعلق الإمام مالك على رأي ابن عمر بقوله: «وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا القَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ الخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا» (1).
ولكن رأي ابن عمر في ذلك رأي سديد، فالله تعالى أوجب الصيام على المكلفين. ثم استثنى نوعين: أولهما: المريض والمسافر، بشرط أن يقضيا ما رخص لهما في فطره، وثانيهما: المطيق له، بشرط الفدية. وكأنه يذهب إلى أن معنى الإطاقة هي استطاعة الصوم مع شدة وجهد لا يخلو من ضرر أو خطر. والقول بنسخ هذا الحكم قول مرجوح (2).
وبهذا نكون قد أتينا على ما أردنا بيانه في هذا الكتاب من تحديد أهل الحديث وإثبات أن لهم مذهبًا فقهيًا مستقلاً، وإيضاح اتجاهات سلفهم مِنْ مُحَدِّثِي الصَّحَابَةِ. ونشرع الآن في بيان ملامح مذهب المحدثين ومنهجهم الفقهي.
__________
(1) " الموطأ ": 1/ 308.
(2) انظر " النسخ في القرآن الكريم "، للأستاذ الدكتور مصطفى زيد: ص 639، 644.
(1/184)

البَابُ الثَّانِي: الاِتِّجَاهُ إِلَى الآثَارِ:
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «اجْهَدْ [جَهْدَكَ]، هَاتِ مَسْأَلَةً لَا أَرْوِي لَكَ فِيهَا شَيْئًا».

وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: «رَأْيُ الأَوْزَاعِي، وَرَأْيُ مَالِكٍ وَرَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهُ رَأْيٌ وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي الآثَارِ».

• •

• الفصل الأول: رأي المحدثين في علاقة السنة بالقرآن، ويشمل:
(أ) مكانتها بالنسبة له.
(ب) عرضها عليه.
(ج) ورودها بحكم زائد عليه.
(د) نسخه بها وتخصيصها له.

• الفصل الثاني: المناهج في الأخذ بأخبار الآحاد، والآراء في المرسل، وأقوال الصحابة والتابعين.

• الفصل الثالث: نتائج هذا الاتجاه.
(1/185)

تَمْهِيدٌ:
الاتجاه إلى الآثار اتجاه أصيل عند أهل الحديث، وظاهرة مشتركة بينهم وقد قرر ابن جريج هذا الاتجاه عندما تحدى أبا حنيفة بقوله: «اجْهَدْ جَهْدَكَ، هَاتِ مَسْأَلَةً لاَ أَرْوِي لَكَ فِيهَا شَيْئًا» (1)، كما يقرره ابن حنبل أيضًا في كلمته التي رفض فيها الرأي، وحصر الحجة في الآثار: «... وَإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي الآثَارِ» (2).
هذا الذي قرر ابن جريج وابن حنبل يشير إلى منهج أهل الحديث في هذا الشأن، ويدل على وفرة الآثار التي اجتهد فيها المحدثون في جمعها، حتى أصبح ميسورًا لهم أنْ يجيبوا عن كثير من المسائل التي يفرعها أهل الرأي، دون أنْ يضطروا إلى القياس الذي يكرهونه. ولذلك حرص المحدثون عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا أهمية الآثار، فَرَوَوْا طرفًا من أقوال التابعين والعلماء في الدعوة إلى الأخذ بها، وتقديمها على الرأي والقياس. مِنْ ذَلِكَ:
قَوْلُ شُرَيْحٍ: «إنَّ السُنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ، فَاتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا أَخَذْتُمْ بِالأَثَرِ».
وقول الشعبي: «إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمْ الآثَارَ، وَأَخَذْتُمْ بِالمَقَايِيسِ».
وقول ابن سيرين: «كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا دَامَ عَلَى الأَثَرِ».
وقول سفيان: «إِنَّمَا الدِّينُ الآثَارُ».
__________
(1) " الانتقاء "، لابن عبد البر: ص 148.
(2) انظر ص 113 من هذا البحث.
(1/187)

وقول ابن المبارك: «لِيَكُنْ الذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الأَثَرَ وَخُذْ مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكَ الْحَدِيثَ» (1).
فما هو هذا الأثر الذي يدعو إليه المحدثون، ويحرضون على التمسك به؟
إنَّ الأثر قد يراد به ما يرادف الحديث، وقد يطلق على ما هو أعم من الحديث، أي على ما يضاف إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما يضاف إلى الصحابة والتابعين أيضًا. وفقهاء خراسان يخصون الموقوف باسم الأثر ويسمون المرفوع خبرًا (2).
وجمع هذه الآثار عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أو عن الصحابة والتابعين، هو عمل أهل الحديث، الذي تخصصوا فيه وتفرغوا له، وهو صناعتهم التي أتقنوها ونافحوا عنها، فليس غريبًا أن يبينوا أهميتها، ويركزوا دعوتهم إليها، ويوجهوا همتهم إلى استخدامها، ويجعلوا الإكثار منها شرطًا لبلوغ درجة الفقه. فقد ذكر ابن القيم أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: «إذَا حَفِظَ الرَّجُلُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ يَكُونُ فَقِيهًا؟ قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ " قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَثَلاَثَ مِائَةِ أَلْفٍ؟ " قَالَ: " لاَ "، قَالَ: " فَأَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفٍ "، قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ».
ولا شك أَن في هذا العدد الضخم كثيرًا من أقوال الصحابة والتابعين، بدليل أن ابن القيم نفسه ذكر أن الأحاديث التي تدور عليها أصول الأحكام خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث (3).
__________
(1) هذه النصوص من " جامع بيان العلم ": 2/ 137.
(2) انظر " السنة قبل التدوين ": ص 21، 22.
(3) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 49. 2/ 442، ومما يدل على أنهم يقصدون بهذه =
(1/188)

ولأن الأثر يشتمل على سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كما يشمل أقوال الصحابة والتابعين، سنذكر كل قسم من هذه الأقسام على حدة، مبينين موقف المحدثين منه، ونظرتهم إليه، ومسلكهم في استخدامه.
__________
= الأعداد الضخمة ما هو أعم من الحديث وأقوال الصحابة والتابعين، تعليق للبيهقي على ما نقل عن الإمام أحمد أنه قال: «صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ [حَدِيثٍ] وَكَسْرٍ، وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ»، فقد عَلَّقَ البيهقي على هذا بقوله: «أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ»، وقد يكون للحديث الواحد طرق مختلفة يسمون كلا منها حديثًا. (وانظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 223، 224).
(1/189)

الفَصْلُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ وَعَلاَقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
1 - السُنَّةُ وَعَلاَقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
قدمنا في التمهيد أقسام السنة وإطلاقاتها، ونذكر هنا أن الجمهور الأعظم من المسلمين - على اختلاف مذاهبه - يقول بحجية السنة، ويعتبرها - ككل - مصدرًا من مصادر التشريع، ويعترف بأهميتها. بل إن المستشرقين، على الرغم من التواء تفكيرهم بالنسبة للإسلام، سواء عن جهل بطبيعته، أو عن سوء قصد وخبث طوية، - لم يسع بعضهم إلا أن يعترف بأهمية السنة، ويدرك الدور الخطير الذي تقوم به، فيصرح بأن الإسلام إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه ليظل إسلامًا - فما من سبيل يبلغ بها هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السُنَّةِ والاستمساك بعراها (1).
وعلى الرغم من أن جمهور المسلمين يعترف بالسنة، لم يمنع هذا من اختلاف وجهات النظر بالنسبة إليها. فهم يتفقون على الأخذ بالسنة ككل ولكنهم يختلفون في كيفية الأخذ، فتتفاوت لذلك كمية ما يأخذونه منها. وهذا التفاوت وذلك الاختلاف هو الذي سوغ لنا أن نخص المحدثين فنبين موقفهم من السنة، ومدى أخذهم بها، موازين بينهم وبين غيرهم في ذلك.
وأول ما يواجهنا من مباحث السنة هو علاقتها بالقرآن الكريم ونتناول في هذه العلاقة النقاط الآتية:
__________
(1) انظر: " أحمد بن حنبل و [المحنة] " للمستشرق ولتر. م. باتون: ص 35.
(1/190)

1 - مكانة السنة ومرتبتها بالنسبة للقرآن.
2 - عرض السنة على القرآن.
3 - ورود السنة بحكم الزائد على القرآن.
4 - نسخ السنة بالقرآن والعكس.
5 - تخصيص القرآن بالسنة.
[1] أما النقطة الأولى، وهي مكانة السنة بالنسبة للقرآن - ففيها ثلاثة اتجاهات:
- الإتجاه الأول: أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، فكلاهما وحي من عند الله، ولا فرق بينهما إلا أن القرآن مُوحَى بلفظه ومعناه. فهو معجز متعبد بتلاوته، وليست السنة كذلك، حيث أُوحِيَ إلى الرسول معناها دون لفظها. فالقرآن والسنة كلاهما نصوص، يستعملان مَعًا، ولا يقدم أحدهما على الآخر. وإذا كان يطلق أحيانًا أن السنة تالية للكتاب وأنها المصدر الثاني بعده فليس هذا الإطلاق إلاَّ ترتيبًا لفظيًا اعتباريًا، من حيث إن القرآن هو الذي دل على حُجِيَّةِ السُنَّةِ، فإذا ثبتت حُجِيَّتُهَا صارت في قوة القرآن.
وَرَوَى الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَيُخْبِرُهُ] جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالسُّنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (1).
- الاتجاه الثاني: تقديم الكتاب على السنة، لأن الكتاب مقطوع به جملة وتفصيلاً لتواتره، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في
__________
(1) " جامع بيان العلم وفضله ": 2/ 191؛ و" الموافقات " للشاطبي: 4/ 14، طبعة تونس.
(1/191)

التفصيل. والمقطوع على المظنون. وقد دل على تقديم الكتاب أخبار وآثار كثيرة كَحَدِيثِ مُعَاذٍ: «بِمَ تَحْكُمُ؟»، قَالَ: «بِكِتَابِ اللَّهِ». قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟». قَالَ: «بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ...». وكتاب عمر إلى شُرَيْح: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ [فِيهِ] بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ...». وفي بعض الروايات: إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ»، وَرُوِيَ مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وكثير من السلف الصالح (1).
- الاتجاه الثالث: تقديم السنة على الكتاب. وقد نشأ هذا الاتجاه في مقابلة الاتجاه الثاني، وَرَدِّ فعل له. وهو المراد بقولهم: إن السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب قد يكون محتملاً لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب، وهذا دليل على تقديم السنة.
يقول الأَوْزَاعِيُّ: «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ». قَالَ أَبُو عُمَرَ - ابن عبد البر -: «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ».
ويقول مكحول: «القُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الكِتَابِ».
ويقول يحيى بن أبي كثير: «السُّنَّةِ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ» (2).
هذه هي الاتجاهات الثلاثة حول مرتبة السُنَّةِ بالنسبة للقرآن. ولعل
__________
(1) انظر " الموافقات ": 4/ 3، 4.
(2) هذه النصوص في " جامع بيان العلم ": 2/ 191؛ وانظر " الموافقات ": 4/ 14.
(1/192)

الخلاف بينهما كان نتيجة عدم الدقة في تحديد موضوع النزاع، بسبب الخلط بين الاعتبارات المتعددة للسنة.
فالذين رأوا أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، هي مرتبة النصوص، نظروا إلى السنة باعتبار أنها صادرة من الرسول المبلغ عن ربه، والذي لا ينطق عن الهوى، فالقرآن ما كان يظهر للناس لولا تبليغ الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه. وكلمات الرسول وبيانه وهديه في أحاديثه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي وحي أيضًا، أو اجتهاد أقره الله فتلحق بالوحي. وكما نسمع للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونصدقه ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه قرآن من عند الله يجب علينا بدرجة مساوية، أن نسمع للرسول ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه سنة.
وهذه النظرة إلى السنة لا ينكرها أحد، بل يعتنقها مخالفوهم ويحتجون لها.
والذين ذهبوا إلى أن الكتاب مقدم على السنة نظروا إلى السنة من جهة الرواية وطريق الثبوت، فرأوها مجموعة من الأخبار قد رويت بطريق لا يخلو من الاحتمال، ورأوا أن القرآن قد أحيط منذ البداية بكل صنوف الرعاية والحفظ، وأنه قد تواتر تواترًا يفيد العلم اليقيني، فما يفيده القرآن يكون قطعيًا وما تفيده السنة لا يرقى إلى ما يفيده القرآن.
ولا ينكر أحد هذه الموازنة بين السنة والقرآن من حيث الرواية ودرجة الثبوت.
أما الذين ذهبوا إلى أن السنة مقدمة على الكتاب فيريدون بذلك أن ما جاء في القرآن من عموم أو إطلاق أو إجمال أو غير ذلك، إنما يكون فهم معناه والعمل به متوافقًا على ما جاءت به السنة من بيان وإيضاح، وبيانها
(1/193)

حينئذ هو خير البيان وأولاه بالاتباع، لأنه عن مصدر التشريع، ومن أجل هذا يجب ألا يقتصر على ظاهر القرآن حتى يضم إليه ما جاءت به السنة، التي قد تصرفه عن ظاهره، أو تخصص عمومه أو تقيد مطلقه، أو توضح ما فيه من إجمال، ولا شك أن هذه تنطوي على الحق، ويقررها المخالفون.
ليس بين هذه الاتجاهات إذن خلافات جوهرية أو عميقة، ولكنها مع ذلك أدت إلى الخلاف حول عدد من الموضوعات، كما إذا تعارض ظاهر الكتاب مع ظاهر السنة، هل يقدم الكتاب، أم السنة؟ (1).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن المحدثين لم يميلو إلى الاتجاه الذي يقدم الكتاب على السُنَّةِ، بل انحصر ميلهم في الاتجاهين الآخرين، فذهب أكثرهم إلى تقديم السُنَّةِ على الكتاب، وذهب القليل منهم إلى أنهما في مرتبة متساوية، كالإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري: فابن حنبل رأى أَنَّهُمَا نُصُوصٌ يُكَمِّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ولم يستسغ ما يقال من أن السُنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، فأبى أن يُرَدِّدَهُ وقال: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (2).
__________
(1) انظر " إرشاد الفحول ": ص 254.
(2) " الموافقات " للشاطبي: 4/ 14؛ وانظر " جامع بيان العلم ": 2/ 191، 192. وتورع ابن حنبل لا يعني أنه يقدم الكتاب على السنة في استنباط الأحكام، فإنه من الناحية العلمية، كان يجعلها في مرتبة متساوية هي مرتبة النصوص، كما في " إعلام الموقعين ": 1/ 32، أو يجعل السنة حاكمة على الكتاب من حيث البيان، كما ذكر ذلك الأستاذ أبو زهرة في كتابه عنه: ص 213.
(1/194)

وقد تبعه في ذلك البخاري، كما يفهم من منهجه في " صحيحه ".
والحق أن البخاري من بين مُحَدِّثِي القرن الثالث (1)، هو الذي اهتم بالقرآن في " صحيحه "، وهو الذي تفرد بالعناية بذكر الآيات المناسبة للأبواب المختلفة تأكيدًا للصلات القوية بين القرآن والحديث، وإيضاحًا إلى تظاهرهما في إثبات الأحكام، وَنَفْيًا لما يظن من خلافهما أو تعارضهما، وكأني به قد نثر أمامه آيات الكتاب الحكيم، وقسمها إلى موضوعات، ثم نظر في السُنَّةِ، فذكر منها ما يرتبط بالقرآن مُبَيِّنًا لَهُ، على أي وجه كان ذلك البيان. والنظرة السريعة إلى " صحيحه " تشهد بصحة ما ذكرناه من اهتمامه بالقرآن واستدلاله به.
ونستطيع أن نسجل بعض الملاحظات على هذا المنهج الذي سلكه البخاري، من إيراده للآيات في عناوين الأبواب، فنذكر في وصفه - على سبيل المثال، لا الحصر - النقاط الآتية:
1 - قد يذكر البخاري عنوان الكتاب، مقترنًا بالآيات التي تعتبر أصلاً تتفرع منه الفروع وتبوب الأبواب، ثم لا يمنعه هذا من ذكر الآيات المناسبة للأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب، أو تحت هذا الأصل الذي قررته الآيات:
__________
(1) ذكر النسائي في مواضع قليلة جدًا آيات الأحكام في تراجمه، ومنها ما بدأت به كتابه: (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6])، وَفِي كِتَابِ المِيَاهِ (قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَ [المائدة: 6]. وَفِي (ببَابُ مَا يُنَالُ مِنَ الْحَائِضِ، وتأويل قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الآية).
(1/195)

فمن ذلك قوله: (كِتَابُ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (1). ثم عقب على ذلك بذكر الأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب: من بيان السبب في نزول الآية، وكيفية التيمم، وحكم التيمم في الحضر إذا لم يجد ماء وخاف فوات الوقت، إلى غير ذلك.
وكقوله: (كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (2).
2 - قد يكون الباب أصلاً لأبواب أخرى تندرج فيه، فيصنع فيه ما يصنعه في الكتاب، لأن الباب حينئذٍ يشبه الكتاب في أنه أصل تتفرع عنه فروع. ويعتبر هذا من الأسباب التي جعلت البخاري يكتفي في ترجمته بالآية، دون أن يذكر في الباب حديثًا. فيقول مثلاً: (كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}) (3)، ولم يرو البخاري في هذا الباب شيئًا، وكأنه اعتبر هذا الباب مُكَمِّلاً لترجمة الكتاب، وأصلاً لما سيعقبه من الأبواب.
ومن هذا القبيل قوله: (بَابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 45، والآية من [سورة المائدة، الآية: 6].
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 66، والآية من [سورة النساء، الآية: 103]، وانظر صنيع البخاري مثل ذلك في: 1/ 37، 1/ 41. 2/ 2، 2/ 41، وغيرها من الأمثلة.
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 13 والآيتان هما [سورة طه، الآية: 114] و [سورة المجادلة، الآية: 11].
(1/196)

مَحِلَّهُ} (1)، ولم يذكر شيئًا من الأحاديث في هذا الباب، لكنه ذكر الأبواب التي تتفرع على ذلك من إحصار المعتمر، وإحصار الحاج، وغير ذلك.
وكقوله أيضًا: (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، وقوله - جَلَّ ذِكْرُهُ -: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70]، الأُجَاجُ: المُرُّ. المُزْنُ: السَّحَابُ (2)، ثم فرع على هذا الباب غيره، فجاء بعده مباشرة (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ ...).
3 - قد يأتي بالآيات المذكورة في الترجمة، للاحتجاج بها على فهمه أو استنباطه لأمر ما، وبخاصة إذا كان الموضوع خلافيًا:
كقوله: (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]).
وقد عَلَّقَ السِّنْدِي على هذا العنوان بقوله: «لَمَّا كَانَ الوَحْيُ يُسْتَعْمَلُ فِي الإِلْهَامِ وَغَيْرِهِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، وَقَوْلُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص: 7]، ذَكَرَ الآيَةَ التِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيحَاءَ إِلَيْهِ إِيحَاءَ نُبُوَّةٍ، كَمَا أَوْحَى إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ» (3).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 203. والآية [سورة البقرة، الآية: 196].
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 31. والآية [سورة الأنبياء، الآية: 30]، والآيات الأخرى [سورة الواقعة، الآيات: 68، 70].
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 3. والآية في الترجمة هي [سورة النساء، الآية: 3]، والآيتان اللتان في تعليق السندي هما [سورة النحل، الآية: 68]، [سورة القصص، الآية: 7].
(1/197)

وقد ذهب البخاري إلى أن الإيمان يزيد وينقص، فقال في كتاب الإيمان مستدلاً على ذلك: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ»، وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76]، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، وَقَوْلُهُ: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وَقَوْلُهُ: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124]، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] (1).
فانظر كيف جمع البخاري هذا الحشد من الآيات المتناظرة ليستدل بها على ما ذهب إليه!.
وكقوله: بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ (2).
وفي «تَعْذِيبِ المَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» يجمع بين ما روى عن ابن عمر في ذلك، وما روى عن عائشة، مستدلاً بالقرآن، فيقول: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ
__________
(1) " البخاري ": 1/ 5، 6. والآيات على التوالي [الفتح: 4]، [الكهف: 13]، [مريم: 76]، [محمد: 17]، [المدثر: 31]، [التوبة: 124]، [آل عمران: 173]، [الأحزاب: 22].
(2) " البخاري ": 1/ 15. والآية هي [محمد: 19].
(1/198)

مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]) (1).

4 - وفي بعض الأحيان قد يجعل البخاري الآية عنوانًا للباب، ليس له عنوان غيرها، ثم يذكر من الأحاديث ما هو تفسير للآية، أو بيان لها، أو تعريف بسبب نزولها.
فمن ذلك (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ} [الروم: 31]). وقد روى في هذا الباب: حَدَّثَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالُوا: إِنَّا [مِنْ] هَذَا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ ...»). قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفِيدُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلاَةِ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِيْنَ، بِنَاءً عَلَىَ أَنَّ مَعْنَى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، أَيْ بِتَرْكِ الصَّلاَةِ وَقَدْ قَرَّرَهُ الحَدِيثُ، حَيْثُ عَدَّ فِيهِ الصَّلاَةَ مِنَ الإِيمَانِ، فَصَارَ الحَدِيْثُ مُبَيِّنًا لِمَعْنَى القُرْآنِ» (2).
ومن ذلك أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 6])
وقد روى في هذا الباب قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
__________
(1) " البخاري ": 1/ 146.
(2) " البخاري ": 1/ 66. والآية هي 31 من الروم.
(1/199)

«مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (1).
وكقوله في كتاب الحج (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ) ثُمَّ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (2).
ثم أعقب بباب آخر بَيَّنَ فِيهِ أن مقدار الصدقة إطعام ستة مساكين، روى فيه الحديث السابق نفسه مع اختلاف يسير في الألفاظ.
وكقوله أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197])، ثم روى عن ابن عباس سبب نزول هذه الآية: «كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]» (3).
5 - وقد يكون ظاهر الآية غير مراد، فيذكرها البخاري في الترجمة، ثم يروي من الحديث ما هو بيان لها، لئلا تؤخذ على ظاهرها: ومن ذلك قوله: ([بَابُ] الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] ...) وروى فيه عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «وَلَقَدْ رَهَنَ
__________
(1) " البخاري ": 1/ 146. والآيات هي 5 - 10: الليل.
(2) " البخاري ": 1/ 104.
(3) " البخاري ": 1/ 174. والآية هي 197: البقرة.
(1/200)

[النَّبِيُّ] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ ...) (1).
وكقوله، (بَابُ تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [يُوصِي] بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] وَيُذْكَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ»، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] «فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ») (2). والبخاري يشير بهذا إلى أن تقديم الوصية على الدَّيْنَ في نسق الآية لا يفيد عليه في الواقع، بل يقضي الدَّيْنَ أولاً، ثم تنفذ الوصية. فإن بقي شيء فهو للورثة.
هذه بعض الملاحظات التي أمكن استنتاجها من منهج البخاري في ربطه بين القرآن والسنة في " صحيحه "، وهي تدل دلالة واضحة على أنه يرى أنهما متعاونان في إثبات الأحكام. ومن منهجه في ذلك يمكن القول بأنه كان أميل إلى رأي من يجعل الكتاب أصلاً لكل ما جاءت به السنة. وإذا لم تكن الملاحظات السابقة قاطعة بذلك، فإنها على الأقل تؤكد أن البخاري لم يندفع في تيار الذين قَدَّمُوا السُّنَّةَ عَلَى القُرْآنِ، ولا شك أن موقفه في ذلك موقف معتدل سليم، ومنهجه وسط قديم.

2 - عَرْضُ السُّنَّةِ عَلَى القُرْآنِ:
يراد بعرض السنة على القرآن أَلا يكتفى بالنظر إلى السند في الحكم على الحديث، بل يجب أن يضاف إليه النظر في متنه ومعناه، للتأكد من أنه لم يأت بما يخالف القرآن، فإن جاء الحديث بما يخالف القرآن، اعتبرت هذه المخالفة علة يضعف بها الحديث، وقرينة على خطأ ما في الرواية،
__________
(1) " البخاري ": 2/ 48. والآية هي 283: البقرة.
(2) " البخاري ": 2/ 78، 79، الآيتان هما 12، 58: النساء.
(1/201)

فالقرآن قاض على الحديث من حيث الصحة والضعف، حاكم على السنة من حيث الأخذ بها أو الترك، إذ هو الأصل الثابت المقطوع بثبوته.
وقد اختلف في الأخذ بهذا المبدأ في اعتبار صحة الحديث. وقد ذكر الأسنوي أن الشافعي ذهب إلى أنه لا يجب عرض خبر الواحد على الكتاب، وأن عيسى بن أبان رأى أن ذلك واجب (1).
وقد قسم بعض العلماء الحديث بالنسبة للقرآن ثلاثة أقسام: «حَدِيثٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي القُرْآنِ، فَالأَخْذُ بِهِ فَرْضٌ، وَحَدِيثٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي القُرْآنِ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى مَا فِي القُرْآنِ، وَالأَخْذُ بِهِ فَرْضٌ، وَحَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي القُرْآنِ فَهُوَ مُطَّرِحٌ» (2).
وإلى عرض السنة على الكتاب ذهب أبو يوسف، كما يفهم من مناقشته للأوزاعي في حكم الرجل يموت في دار الحرب أو يقتل، هل يضرب له بسهم في الغنيمة؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يضرب له بسهم، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ فَأَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الهُدَى عَلَى الإِسْهَامِ لِمَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ».
وقد رد أبو يوسف على الأوزاعي ذلك، وكان مما قاله: «فَلاَ نَعْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَمَ لأَحَدٍ مِنَ الغَنِيمَةِ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَلاَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَلاَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدْ قُتِلَ بِهَا رَهْطٌ مَعْرُوفُونَ فَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لأَحَدٍ مِنْهُم وَهَذَا مَا لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ، فَعَلَيْكَ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا تَعْرِفُ العَامَّةُ وَإِيَّاكَ وَالشَّاذَّ مِنْهُ فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي كَرِيمَة عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَعَا اليَهُودَ فَسَأَلَهُمْ فَحَدَّثُوهُ حَتَّى
__________
(1) انظر " نهاية السول " للإسنوي؛ " شرح منهاج الوصول " للبيضاوي: 2/ 122 ط. بولاق سنة 1316 ه؛ و" الموافقات " طبع مصر: 3/ 9.
(2) انظر " الإحكام " لابن حزم: 2/ 81.
(1/202)

كَذَبُوا عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاس فَقَالَ: " إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ مِنِّي "» (1).
وقد تابع أبا يوسف في ذلك معظم الأحناف، فجعلوا عرض السنة على الكتاب من أسس نقد الحديث. فالسرخسي يقسم الانقطاع في الخبر إلى انقطاع في اللفظ - ويعني به المرسل -، وانقطاع في المعنى ثم يبين أن من الانقطاع في المعنى أن يكون الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى، فإنه حينئذٍ لا يكون مقبولاً ولا يكون حجة، عامًا كان ما تقرره الآية أو خاصًا، نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا.
وقد استدل على ما ذهب إليه بالنقل والعقل. أما النقل، فقوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ». وقد فسر السرخسي هذا الحديث بقوله: «وَالمُرَادُ كُلَّ شَرْطٍ هُوَ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ مَا لَا يُوجَدُ عَيْنُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ...». كما استدل أيضًا بما رواه من قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «تَكْثُرُ لَكُمْ الأَحَادِيثُ بَعْدِي، فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَمَا وَافَقَهُ فَاقْبِلُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مِنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ وَاعْلَمُوا أَنِّي مِنْهُ بَرِيءٌ».
أما استدلاله العقلي فيتركز على الموازنه بين الكتاب والخبر من جهة الثبوت «لِأَنَّ الكِتَابَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَفِي اتِّصَالِ الخَبَرِ الوَاحِدِ بِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُبْهَةٌ فَعِنْدَ تَعَذُّرِ الأَخْذِ بِهِمَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِالمُتَيَقَّنِ وَيُتْرَكَ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالعَامَّ وَالخَاصَّ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ العَامَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ
__________
(1) " الرد على الأوزاعي "، لأبي يوسف: ص 24، 25.
(1/203)

فِيمَا يتَنَاوَلُهُ قَطْعًا كَالخَّاصِّ وَكَذَلِكَ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ سَوَاءٌ لِأَّنَّ المَتْنَ مِنَ الكِتَابِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَمَتْنُ الحَدِيثِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ شُبْهَةٍ لاحْتِمَالِ النَّقْلِ بِالمَعْنَى. ثمَّ قَوَامُ المَعْنى بِالمَتْنِ فَإِنَّمَا يَشْتَغِلُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ حَيْثُ المَتْنِ أَوَّلاً إِلَى أَنْ يَجِيءَ إِلَى المَعْنَى وَلَا شَكَّ أَّنَّ الكِتَابَ يَتَرَجَّحُ بِاعْتِبَارِ النَّقْلِ المُتَوَاتِرِ فِي المَتْنِ عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ فَكَانَتْ مُخَالفَةَ الخَبَرِ لِلْكِتَابِ دَلِيلاً ظَاهِرًا عَلَى الزَّيَافَةِ فِيهِ» (1). ثم ذكر السرخسي أن الأحناف بناءً على هذا الأصل رَدُّوا أحاديث مس الذكر، وحديث فاطمة بنت قيس، وخبر القضاء بالشاهد واليمين.
ثم يقول السرخسي مؤكدًا أهمية عرض الحديث على القرآن والسنة المشهورة، مُثْنِيًا على طريقة أئمة الأحناف في هذا الصدد: «فَفِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ مِنَ الانْتِقَادِ لِلْحَدِيثِ عِلْمٌ كَثِيرٌ، وَصِيَانَةٌ لِلْدِّينِ بَلِيغَةٌ، فَإِنَّ أَصْلَ البِدَعِ وَالأَهْوَاءِ إِنَّمَا ظَهَرَ مِنْ قَبْلِ تَرْكِ عَرْضَ أَخْبَارِ الآحَادِ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ المَشْهُورَةِ فَإِنَّ قَوْمًا جَعَلُوهَا أَصْلاً مَعَ الشُّبْهَة فِي اتِّصَالِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وَمَعَ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ عِلْمَ اليَقِين، ثُمَّ تَأَوَّلُوا عَلَيْهَا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ فَجَعَلُوا التَّبَعَ مَتْبُوعًا، وَجَعَلُوا الأَسَاسَ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ فَوَقَعُوا فِي الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الوَاحِدِ» إلى أن قال: «وَإِنَّمَا سَوَاءُ السَّبِيلِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ - مِنْ إِنْزَالِ كُلِّ حُجَّةٍ مَنْزِلَتَهَا فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ المَشْهُورَةَ أَصْلاً ثمَّ خَرَجُوا عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ بَعْضَ الشُّبْهَةِ وَهُوَ المَرْوِيُّ بِطَرِيقِ الآحَادِ مِمَّا لَمْ يَشْتَهرْ فَمَا كَانَ مِنْهُ مُوَافِقًا لِلْمَشْهُورِ قَبِلُوهُ وَمَا لَمْ يَجِدُوا فِي الكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ المَشْهُورَةِ لَهُ ذِكْرًا قَبِلُوهُ أَيْضًا وَأَوْجَبُوا العَمَلَ بِهِ وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لَهُمَا رَدُّوهُ» (2).
__________
(1) " أصول السرخسي ": 1/ 364، 365.
(2) " أصول السرخسي ": 1/ 367، 368.
(1/204)

وممن ذهب مذهب الأحناف في ذلك - مع اختلاف يسير - الإمام مالك، فقد قارب فقهاء العراق في عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب، وقد استنبط المالكية من صنيع إمامهم أن مالكًا يقدم ظاهر القرآن على السنة إلا إذا عارض السنة أمر آخر، من قياس أو عمل أهل المدينة، وَرَدَّ لذلك بعض السنن (1).
وقد أيد الشاطبي مسلك الأحناف في عرض السنة على القرآن وذكر أن السلف الصالح كانوا يفعلونه، ثم قال بعد أن ذكر أمثلة لذلك: «وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِي اعْتِبَارِ السَّلَفِ لَهُ نَقْلٌ كَثِيرٌ. وَلَقَدِ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لِصِحَّتِهِ فِي الاعْتِبَارِ».
ثم ذكر بعض الأمثلة لأخذ مالك بهذا الأصل، وَرَدَّ بناء على القول به " حَدِيثَ غَسْلِ الإِنَاءِ مِنَ الكَلْبِ "، وَ" حَدِيثَ خِيَارِ المَجْلِسِ "، وَ" حَدِيثَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " (2).
أما المحدثون وغيرهم ممن ذهب إلى أن الكتاب والسنة في مرتبة سواء، أو أن السنة قاضية على الكتاب - فإنهم لم يأخذوا بمبدأ عرض الحديث على القرآن، بل هاجموه بشدة، ومنعوا أن يكون هناك حديث صحيح مخالف للقرآن ويعبر ابن حزم عن رأيهم فيقول: «لَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِ خَبَرٍ صَحِيحٍ مُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ أَصْلاً، وَكُلُّ خَبَرٍ شَرِيعَةٍ فَهُوَ إِمَّا مُضَافٌ إِلَى مَا فِي القُرْآنِ وَمَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَمُفَسِّرٌ لِجُمْلَتِهِ وَإِمَّا مُسْتَثْنَى مِنْهُ مُبَيِّنٌ لِجُمْلَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ» (3).
وقد صنف الإمام أحمد بن حنبل كتابًا في طاعة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة السنن، وقد ذكر
__________
(1) انظر " ابن حنبل "، للأستاذ أبي زهرة: ص 216، 218.
(2) انظر " الموافقات ": 3/ 7، 12، المطبعة السلفية بمصر.
(3) " الإحكام " لابن حزم: 2/ 81.
(1/205)

وقد ذكر ابن القيم خطبة أحمد في هذا الكتاب (1).
وكما استدلت الفئة الأولى بحديث يفيد وجوب عرض السنة على القرآن، استدل المحدثون أيضًا بحديث يفيد عدم وجوب هذا العرض، فقد روى ابن ماجه عَنِ المِقْدَامِ بْنِ معْدِ يكَرِبَ الكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ».
ونقل السندي عن الخطابي أن في هذا الحديث تحذيرًا من مخالفة السنن التي ليس لها في القرآن ذكر، «عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ القُرْآنِ وَتَرَكُوا التِي قَدْ ضُمِّنَتْ بَيَانَ الكِتَابِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا. قَالَ: وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِالحَدِيثِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الكِتَابِ وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ» (2).
وروى ابن ماجه أيضًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» (3).
أما الحديث الذي رواه من رأى وجوب عرض الحديث على القرآن،
__________
(1) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 367، 370.
(2) و (3) " سنن ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 5؛ أبو داود: 4/ 279، 280؛ وقد رواه الترمذي في: 10/ 132، 133 وقال: «حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وكذلك روى ابن حزم حديث ابن أبي رافع في " الإحكام ": 2/ 82 وصححه.
(1/206)

فقد ضعفه المحدثون، بل حكموا عليه بالوضع، فنقل الخطابي عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَهُ الزَّنَادِقَةُ» (1)، قَالَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: «الزَّنَادِقَةُ وَالخَوَارِجُ وَضَعُوا هَذَا الحَدِيثَ». «وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الحَدِيثَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَنَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ]، [قَالُوا]: فَلَمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، [وَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ]، لأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلاَّ مَا وَافَقَ [كِتَابَ اللَّهِ]، بَلْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ يُطْلِقُ التَّأَسِّيَ [بِهِ]، وَالأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ المُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ» (2).
وقد رأى المحدثون أن الاتجاه إلى عرض السنة على القرآن اتجاه خطير، يؤدي إلى القول بترك السنة أصلاً، والاقتصار على الكتاب. وهذا رأي [قَوْمٍ] لا خلاق لهم من الدين خارجين على إجماع المسلمين، وقد أشار الخطابي آنفًا إلى أن هذا هو رأي الخوارج والروافض، ويقرر ابن القيم رأي المحدثين في مناصرته لرأي الإمام أحمد، فيقول: «وَلَوْ سَاغَ رَدُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا فَهِمَهُ الرَّجُلُ مِنْ ظَاهِرِ الكِتَابِ لَرُدَّتْ بِذَلِكَ أَكْثَرُ السُّنَنِ، وَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُ وَنِحْلَتَهُ إلاَّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِعُمُومِ آيَةٍ أَوْ إطْلاَقِهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْعُمُومِ وَالإِطْلاَقِ فَلاَ تُقْبَلُ» (3) (*).
ولعل الخوارج والروافض وغيرهما من الفرق التي عاصرت هذا الخلاف هي التي أدت إلى احتدامه، وحالت دون لقائهما حول معنى
__________
(1) " سنن ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 5.
(2) انظر " الموافقات " للشاطبي: 4/ 9. وقد روى ابن حزم بعض طرق الحديث في " الإحكام ": 2/ 76 - 82 وَبَيَّنَ وجوه ضعفها: " مجمع الزوائد " 1/ 155، 169، 172.
(3) " إعلام الموقعين " (*).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) لم أجده في " إعلام الموقعين " لابن القيم، وإنما هو في كتابه " الطرق الحكمية ": انظر " الطرق الحكمية " لابن القيم، تحقيق نايف بن أحمد الحمد: 1/ 187، مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي - جدة، نشر دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.
(1/207)

قريب. بالإضافة إلى فقهاء أهل الرأي قد أدخلوا في مفهوم عرض الحديث على الكتاب ما عرف بمسألة الزيادة على النص - التي سنعرض لها في النقطة التالية - حين ردوا أحاديث لمجرد أنها أتت بأحكام زائدة على القرآن، وإلا فإن فكرة عرض الحديث على الكتاب فكرة سليمة لا غبار عليها. والقول بها ليس بدعة ولا حدثًا في الدين. فقد رأينا في فصل سابق أنها كانت موجودة في عصر الصحابة. استعملها من أكثر الرواية منهم ومن لم يكثر، ولكنهم في الواقع لم يستعملوها على أنها مبدأ ملتزم به، بل على أنها حكم عند التنازع، وأصل يرجع إليه عند الاختلاف أو الشك في صحة بعض الأحاديث.
وَلِذَا رَأَى السِّنْدِيُّ أن العرض المذموم هو الذي يقصد منه رد الحديث بمجرد أنه ذكر فيه ما ليس في الكتاب «وَإِلاَّ فَالعَرْضُ لِقَصْدِ الفَهْمِ وَالجَمْعِ وَالتَّثَبُّتِ لاَزِمٌ» (1).
يقول الأستاذ الشيخ أبو زهرة: «وَمِنْ هُنَا تَرَى أَنَّ فُقَهَاءَ الرَّأْيِ الذِينَ لَا يَقْبَلُونَ الأَحَادِيثَ إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَى المُحْكَمِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ - قَدْ اعْتَمَدُوا فِي مَنْهَجِهِمْ عَلَى الصَّحَابَةِ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرَهُمْ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - وَحَاكُوهُمْ فِي مَنَاهِجِهِمْ، وَلَمْ يُبَاعِدُوا عَنْ سَمْتِهِمْ، فَمَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ، وَلَكِنْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ» (2).
ومما يدل على أن الفكرة في حد ذاتها فكرة [سليمة] وأن الاختلاف فيها نشأ بسبب الظروف المحيطة بها والاختلاف في مفهومها - أن المحدثين أنفسهم لم يغفلوها بل راعوها، وجعلوها من أسس نقد الحديث، جعلوا مناقضة الحديث لصريح القرآن من علامات الوضع في المتن (3).
__________
(1) " ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 5.
(2) " ابن حنبل ": ص 216.
(3) انظر " السنة قبل التدوين ": ص 144؛ والإسنوي: 2/ 120، 122.
(1/208)

ولذلك علق الشاطبي على حديث عرض السنة على القرآن، وهوالذي رفضه المحدثون، بأن معناه صحيح، صَحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا، واحتج لذلك ببعض ما رواه الطحاوي في هذا المعنى، ثم قال: «وَالحَاصِلُ مِنَ الجَمِيعِ صِحَّةُ اعْتِبَارِ الحَدِيثِ بِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذِهِ المَنْقُولاَتِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَصِحَّ، فَلاَ عَلَيْنَا إِذْ المَعْنَى المَقْصُودُ صَحِيحٌ» (1).

3 - وُرُودِ السُنَّةِ بِحُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فِي القُرْآنِ:
والخلاف في هذا الموضوع مبني على اختلاف الاتجاهات في مكانة السنة بالسنة للقرآن، أما غيرهم فلم يمنع ذلك.
وقد أشرنا في موضوع عرض السنة على القرآن إلى أن القائلين به كانوا يقصدون منه أحيانًا رَدَّ السُّنَنِ التي تأتي بحكم زائد على ما في القرآن فخلطوا أحد الموضوعين بالآخر. وقد آثرنا أن نعالجهما كموضوعين مستقلين، على أن يخص موضوع العرض بمخالفة الحديث لصريح القرآن فيكون حينئذٍ أحد عناصر نقد متن الحديث، بخلاف موضوع الزيادة.
ونتناول الآن الموضوع بشيء من التفصيل فنقول:
قَسَّمَ الإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - البيان الملزم للناس إلى أقسام:
فمنه ما أبانه لخلقه نصًا، مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وصومًا وَحَجًّا.
__________
(1) " الموافقات ": 4/ 10، 12 طبع تونس.
(1/209)

ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وَبَيَّنَ كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها.
ومنه ما «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ نَصُّ حُكْمٍ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالانْتِهَاءِ إِلَى حُكْمِهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فبِفَرْضِ اللَّهِ قَبِل.
وَمِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى خَلْقِهِ الاجْتِهَادَ فِي طَلَبِهِ، وَابْتَلَى طَاعَتَهُمْ فِي الاجْتِهَادِ، كَمَا ابْتَلَى طَاعَتَهُمْ فِي غَيْرِهِ» (1).
ويشير الشافعي فيما تقدم إلى أن السنة قد تكون مُبَيِّنَةً لِلْكِتَابِ، وقد تأتي بحكم جديد سكت عنه الكتاب. ويؤكد الشافعي هذا القسم الثاني للسنة، ويحتج له، فيقول: «وَمِنْهَا: مَا بَيَّنَهُ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ بِلَا نَصِّ كِتَابٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بَيَانٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ قَبِلَ عَنْ اللَّهِ فَرَائِضَهُ فِي كِتَابِهِ - قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سُنَنَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَأَنْ يَنْتَهُوا إِلَى حُكْمِهِ، وَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَمِنَ اللَّهِ قَبِلَ لِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنْ طَاعَتِهِ ...» (2).
وبتفصيل أكثر، ومزيد من البيان للآراء حول هذا الموضوع، يقول في موضع ثالث: «فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ [مُخَالِفًا] فِي أَنَّ سُنَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ، فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَى [وَجْهَيْنِ].
وَالوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَصَّ الكِتَابُ.
وَالآخَرُ: مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ، وَهَذَانِ الوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا.
__________
(1) انظر " الرسالة "، للشافعي: ص 22.
(2) انظر " الرسالة "، للشافعي: ص 33.
(1/210)

وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللهُ [لَهُ]، بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ، أَنْ يَسُنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الكِتَابِ، كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدِ الصَّلَاةِ وَعَمَلِهَا، عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ مَا سَنَّ مِنَ البُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، لِأَنَّ اللهَ قَالَ: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، وَقَالَ: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنْ اللهِ، كَمَا بَيَّن الصَّلَاةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ [بِهِ] رِسَالَةُ اللهِ، فَأَثْبَتَتْ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ كُلُّ مَا سَنَّ، وَسُنَّتُهُ الحِكْمَةُ: الذِي أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ عَنْ اللهِ، فَكَانَ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ سُنَّتُهُ.
... ، وَهِيَ الحِكْمَةُ التِي ذكَرَ اللهُ، وَمَا نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ كِتَابٌ، فَهُوَ كِتَابُ اللهِ، وَكُلٌّ جَاءَهُ مِنْ نِعَمِ اللهِ، كَمَا أَرَادَ اللهُ، وَكَمَا جَاءَتْهُ النِّعَمُ، تَجْمَعُهَا النِّعْمَةُ، وَتَتَفَرَّقُ بِأَنَّهَا فِي أُمُورٍ بَعْضُهَا غَيْرُ بَعْضٍ، وَنَسْأَلُ اللهَ العِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
وَأَيُّ هَذَا كَانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ أَنَّهُ فرَضَ فِيهِ طَاعَةُ رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُذْرًا بِخِلَافِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ» (1).
ومن هذا القول عن الإمام الشافعي نجده قد قسم السنة بالنسبة لما جاء في القرآن إلى ثلاثة أقسام:
[أ] القسم الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها، كالأحاديث الدالة على وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما مما صرح به القرآن.
__________
(1) " الرسالة ": ص 91، 150 وفيها: جعل الله بما افترض من طاعته، وقد زدنا فيها (لنبيه) ليستقيم أسلوبها، وفيها كذلك: الحكمة الذي ألقى في روعه، وقد صححناها إلى ما أثبتناه.
(1/211)

[ب] القسم الثاني: أن تكون السنة بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له، إما بتفصيل مجمله، كبيان عدد الصلوات ومواقيتها وأركانها، ومقادير الزكاة وغير ذلك مما أجمله القرآن وتولت السنة تفصيله، وإما بتقييد مطلقه، كتقييد السنة لقطع يد السارق بأن يكون من الرسغ، وكتقييد السنة للوصية في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] بألا تزيد على الثلث. وإما بتخصيص عامه، كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فخصصت السنة هذا العموم بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»، وقوله: «لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا».
وهذان القسمان محل اتفاق بين المحتجين بالسنة، كما قال الشافعي، وإن كان هناك خلاف في التفصيل مثل تخصيص خبر الواحد لعام القرآن حيث خالف الحنفية في جوازه، وقصروا تخصيصه على السنة المتواترة والمشهورة.
[ج] القسم الثالث: أن تكون السنة موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه. وهذا هو القسم المختلف فيه (1).
ويبدو أن الخلاف حول هذا الموضوع قد بدأ منذ عصر الصحابة، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدُ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلاً فِي القُرْآنِ. فَغَضِبَ عِمْرَانُ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «أَوَجَدْتُمْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً شَاةٌ، وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا، أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِي القُرْآنِ؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا، وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ
__________
(1) انظر هذه الأقسام في " إعلام الموقعين ": 2/ 380؛ و" أصول التشريع " لأستاذنا الشيخ علي حسب الله: ص 36، 37.
(1/212)

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا» (1).
وقد ذهب المحدثون إلى أن السنة قد تأتي بأحكام لا توجد في القرآن، إذ كل منهما أصل تفترض طاعته، ولا مانع من أن تأتي في أحدهما ما لم يأت في الآخر، فقد ترك الكتاب موضعًا للسنة، وتركت السنة موضعًا للكتاب، فما كان من السنة زائدًا على ما في القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته «وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلاَّهُ مَنْصِبَ التَّشْرِيعِ عَنْهُ ابْتِدَاءً، كَمَا وَلاَّهُ مَنْصِبَ البَيَانِ لِمَا أَرَادَهُ بِكَلاَمِهِ» (2). وليس هذا تقديمًا لها على الكتاب، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله. ولو كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به. «بَلْ أَحْكَامُ السُّنَّةِ التِي لَيْسَتْ فِي القُرْآنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْهَا. فَلَوْ سَاغَ لَنَا رَدُّ كُلِّ سُنَّةٍ زَائِدَةٍ كَانَتْ عَلَى نَصِّ القُرْآنِ لَبَطَلَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا إلاَّ سُنَّةً دَلَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ» (3).
واستدل المحدثون على رأيهم في جواز وُرُودِ السُّنَّةِ بِالزِّيَادَةِ، ووقوعها فعلاً ووجوب قبولها بما يأتي:
[أ] بالآيات القرآنية التي أوجبت طاعة الرسول وحذرت من مخالفة أمره. وقد حشد الإمام أحمد كثيرًا من الآيات في مقدمة كتابه، الذي رد فيه على من عارض السنن بظاهر القرآن. وقد ذكر ابن القيم طرفًا منه في " إعلام الموقعين " (4). فمن هذه الآيات قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
__________
(1) " سنن أبي داود ": 2/ 127، 128 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
(2) " إعلام الموقعين ": 2/ 384.
(3) " إعلام الموقعين ": 2/ 381.
(4) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 367، 370.
(1/213)

اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ...} (1) الآية. والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد موته. وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (2). وغيرها من الآيات التي اقترنت فيها طاعة الرسول بطاعة الله - إنما تدل على أن طاعة الله هي امتثال ما أمر به ونهى عنه في كتابه. وطاعة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي امتثال ما أمر به ونهى عنه مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله. وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3)، وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (4). وذلك يدل على أن الرسول اختص بشيء يطاع فيه، وأن كل ما أمر به ونهى عنه فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن، فلا بد أن يكون زائدًا عليه.
[ب] واستدلوا ثانيًا بما روي من الأحاديث التي تحذر من ترك السنة والاقتصار على الكتاب، مما ذكرناه قبل ذلك من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي، وحديث عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، وهي تدل دلالة واضحة على أن في السنة ما ليس في الكتاب.
[ج] دل التتبع والاستقراء على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة وهي غير منصوص عليها في القرآن كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها،
__________
(1) [النساء: 59].
(2) [المائدة: 92].
(3) [النور: 63].
(4) [الحشر: 7].
(1/214)

وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وعدم قتل المسلم بالكافر، وجواز الرهن في الحضر وغير ذلك (1).
أما الذين يقدمون الكتاب على السنة من حيث الاعتبار ومن حيث الاستنباط، ويوجبون تبعًا لذلك عرض أخبار الآحاد على الكتاب (2) فإنهم يرون أن السنة لا تأتي بحكم ليس له في القرآن أصل، فكل ما جاءت به السنة فإن معناه راجع إلى الكتاب، لأنها بيان له. قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3)، فلا تجد السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
واستدلوا لمذهبهم:
[أ] بالآيات التي تدل على ذلك، من قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (4)، فيلزم أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة، ومثله قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (5)، وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (6)، وهو يريد بها إنزال القرآن. فالسنة إذن بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وقد فسرت السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (7) بِ «أَنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ» واقتصرت في بيان خلقه على ذلك، وهذا يدل على أن قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفعله وتقريره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء.
__________
(1) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 380 وما بعدها، حيث ذكر ابن القيم أمثلة كثيرة للأحكام التي أثبتتها السنة دون القرآن.
(2) قدمنا أن ممن ذهب إلى ذلك الأحناف وبعض المالكية. وقد أطال الشاطبي المالكي في الانتصار لمذهب من يرى أن السنة لا تأتي إلا بما له أصل في الكتاب، والأدلة التي نذكرها هنا مقتبسة من " الموافقات " له: ج 4 ص 6 وما بعدها، طبع تونس، ما عدا الأحاديث، فسوف نشير إلى مصدرها.
(3) [النحل: 44].
(4) [النحل: 89].
(5) [الأنعام: 38].
(6) [المائدة: 3].
(7) [القلم: 4].
(1/215)

[ب] كما استدلوا بالأحاديث التي تدل على أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ملتزم بالقرآن في تشريعه، فقد روى ابن حزم بسنده عن مالك «لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ شَيْئًا، لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (1).
وروى أيضًا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَيْرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ إَلَى جَانِبِ الحَجَرِ، فَحَذَّرَ الْفِتَنَ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (2).
وقد جاء عن عائشة مثل ذلك، حيث قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُمْسِكُوا عَنِّي شَيْئًا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَلا أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (3).
ثم ردوا الحجج التي استدل بها المخالفون، وَبَيَّنُوا أنها لا تدل على أن السنة تأتي بحكم زائد: أما بالنسبة للآيات التي تدل على طاعة الله وطاعة رسوله فلا يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب، بل قد يجتمعان في المعنى، ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين، فإذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بيانًا لما فيه احتمال، فتبين السنة أحد الاحتمالين أو
__________
(1) " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 77، وعلق ابن حزم بقوله: «وَهَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ» ثم حمله على أن النبي أن لا يقول شيئًا إلا بالوحي.
(2) " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 77، 78.
(3) " مجمع الزوائد ": 1/ 171، 172؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الأَوْسَطِ "، وَقَالَ: «لَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِلاَّ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، تَفَرَّدَ بِهِ صَالِحُ [بْنُ الحَسَنِ] بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ».
(1/216)

الاحتمالات، فإذا عمل المكلف على وفق البيان، أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع الله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى، إذا صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه، فزيادة السنة هنا هي كزيادة الشرح على المشروح.
أما الأحاديث التي استدل بها المحدثون فإنها لا تتناول موضوع الخلاف، لأنها إنما جاءت فيمن يطرح السنة، معتمدًا على رأيه في فهم القرآن، ولم نقل بهذا.
وأما قولهم إن الاستقراء قد دل على أن هناك سُنَنًا كثيرة أثبتت أحكامًا زائدة على ما في القرآن - فقد أمكن رد هذه الأحكام إلى أصولها في الكتاب، لأنها إما تفريع للكتاب وبيان لما فيه، بتفصيل مجمله أو تقييد مطلقه أو تخصيص عامه، فإن جاءت بغير ذلك فالمقصود منها إما إلحاق فرع بأصله الذي خفي إلحاقه به، وإما إلحاقه بأحد أصلين واضحين يتجاذبانه:
فمن الأول ما ورد في السنة من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فإنه في الحقيقة قياس على ما نص [عليه من] تحريم الجمع بين الأختين، ولذلك تعرض الحديث لبيان المصلحة المترتبة على الحكم، إذ قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ».
ومن الثاني أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث، فمن الأشياء ما اتضح إلحاقه بأحد الأصلين، ومنها ما اشتبه، كالحمر الأهلية وذي الناب والمخلب، فنصت السنة على ما يرفع الشبهة، ويرجح أحد الجانبين المشتبهين، بالنهي عن أكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي
(1/217)

مخلب من الطير وإباحة أكل الضب والأرنب وما شابههما (1).
وإذا نظرنا إلى هذا الخلاف حول وُرُودِ السُّنَّةِ بحكم زائد على القرآن، وجدناه لا يخلو من أن يكون حول مهمة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومدى سلطته في التشريع، أو أن يكون حول السنة باعتبارها مجموعة من الأخبار المروية.
فإن كان الخلاف حول مهمة الرسول، وهل من سلطته أن يأتي بحكم زائد على ما في القرآن - فإنه حينئذٍ خلاف نظري لفظي، لا يترتب عليه شيء عملي، إذ أن الإجابة على ما سبق سواء أكانت بالإيجاب أم بالنفي، فإنها تلتقي حول وجوب الأخذ بما قاله الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفرض طاعته فيه. ولا يضير بعد ذلك أن يقال إن ما قرره الرسول ليس له أصل في القرآن فإن النتيجة واحدة هي وجوب الأخذ والطاعة. ولنضرب لهذا مثلاً من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: فالقائل بأنه تشريع مبتدأ ليس في القرآن يأخذ به، لأن للرسول حق التشريع المبتدأ، وطاعته فيه واجبة، والقائل بأن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يأتي بما ليس في القرآن، يأخذ هو أيضًا بهذا التحريم، لأن الرسول ألحق أحدهما بأصل في القرآن، وطاعة الرسول في ذلك واجبة.
ولكن هذا الخلاف يتجاوز حدود اللفظ إن كان موضوعه السنة المروية لنا، حيث تعتبر الزيادة على القرآن حينئذٍ - عند من يقول بها - من طرق نقد متن الحديث فَيَرُدُّ بها خبر الآحاد، وهذه المسألة هي المشهور عند الأحناف بمسألة الزيادة على النص، ويعنون بها تقييد المطلق (2)،
__________
(1) " أصول التشريع " للأستاذ علي حسب الله: ص 37، 38؛ وانظر " الموافقات " للشاطبي: 4/ 14، 26 طبع تونس.
(2) انظر " التقرير والتحبير ": 2/ 218، 219. والمطلق هو ما دل على فرد شائع غير مقيد لفظًا بأي قيد، كحيوان وطائر، والتقييد هو أن يتبع الخاص بلفظ يقلل شيوعه.
(1/218)

فلا يجوز عندهم تقييد مطلق الكتاب بخبر الآحاد. وقد نصحهم السِّنْدِيُّ بأن يبحثوا عن اسم آخر لهذه المسألة غير الزيادة على النص، لأنها حينئذٍ - من حيث الصورة - تدخل في نطاق ذم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن يترك مقتصرًا على ظاهر الكتاب، وذلك في تعليقه على حديث [ابن] بريدة السابق حيث قال: «وَقَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الأُصُولِ: لاَ يَجُوزُ [الزِّيَادَةُ] عَلَى الكِتَابِ [بِخَبَرٍ] فِي الصُّورَةِ، أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهَذَا المَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ لاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ إِطْلاَقِ الكِتَابِ بِخَبَرِ الآحَادِ فَالاِحْتِرَازُ عَنْ إِطْلاَقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَحْسَنُ وَأَوْلَى» (1).
والأحناف يقسمون السنن التي أتت بزيادة على ما في القرآن ثلاثة أقسام:
أ - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة من قبيل البيان للقرآن.
ب - أن تكون الزيادة التي أتت بها السنة منشئة لحكم لم يتعرض له القرآن.
وهذان القسمان لا نزاع فيهما، بل هما حُجَّةٌ باتفاق.
ج - أن تكون السنة مغيرة لحكم تعرض له القرآن. وهذا هو محل النزاع.
وقد ذهب أبو الحسن الكرخي، وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الزيادة المغيرة نسخ وهو المُسَمَّى عندهم بالنسخ بالزيادة، كزيادة جزء في الواجب، مثل التغريب في حد الزنا، أو زيادة شرط بعد إطلاق الواجب عنه، كاشتراط الإيمان في رقبة اليمين (2). ويحث
__________
(1) " سنن ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 6.
(2) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 380 وما بعدها؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 91، وفيه أن الشافعي والحنابلة وأكثر المعتزلة لا يعتبرون الزيادة نسخًا، وأن عبد الجبار من المعتزلة قال: «إِنْ غَيَّرَتْ الزِّيَادَةُ أَصْلَ المَزِيدِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ فَهُوَ نَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا»، واختار إمام الحرمين والرازي والآمدي - وكلهم شافعية - أن الزيادة إن رفعت حُكْمًا شرعيًا فنسخ، وإلا فلا.
(1/219)

كانت الزيادة نسخًا، فيجب أن تكون سنة: متواترة أو مشهورة، إذ لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الآحاد.
أما أبو بكر الرازي الجصاص، فقد فرق بين الزيادة المقارنة للنص والمتأخرة عنه، فإن وردت الزيادة بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة وإن وردت ولا يعلم تاريخها، فإن كانت متواترة أو مشهورة، وشهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما مَعًا - أثبتناهما، وإن شهدت الأصول بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يحكم بورودهما مَعًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يعلم تاريخهما، ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر، فإنهما يستعملان معًا.
أما إن جاءت الزيادة من جهة أخبار الآحاد، فلا يجوز إلحاقها بالنص الثابت بالكتاب ولا العمل بها.
وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص، لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النص، إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودًا بالزيادة، فيتقتصر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إبلاغ النص منفردًا عنها، فواجب إذن أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص. فإن كان النص مذكورًا في القرآن، والزيادة واردة من جهة السنة، فغير جائز أن يقتصر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة، لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي
(1/220)

- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها، لأن سكوته عن ذكر الزيادة يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد، فلو كان معه تغريب لكان بعض الحد لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها، فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله، فغير جائز إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» - ناسخًا لحديث عُبادة بن الصامت: «... وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»، وكذلك لما رجم ماعزًا ولم يجلده، كذلك يجب أن يكون قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ناسخًا لحكم التغريب في قوله: «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ».
والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين، وينقلوا بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإن وردت من جهة الآحاد: فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع. فإن كان المزيد عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا (1).
ولم يوافق جمهور الفقهاء - ومنهم المحدثون - على ما ذهب إليه علماء الأحناف، من اعتبارهم الزيادة المغيرة نسخًا، بل الزيادة بجميع وجوهها
__________
(1) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 380 وما بعدها.
(1/221)

لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه، وتسميتها نسخًا اصطلاح من الأحناف لا يلزم غيرهم، فإنه لا مشاحة في الأسماء، فما يسمونه نسخًا، يسميه غيرهم تقييدًا، وهناك فروق جوهرية بين النسخ والتقييد، أهمها: «أَنَّ التَّعَارُضَ الذِي قَامَ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ، لَا يُعَدُّ تَعَارُضًا إِذَا قِيسَ بِالتَّعَارُضِ الذِي قَامَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، إِنَّمَا شُيُوعٌ فِي النَّصِّ المُطْلَقِ يُضَيِّقُ دَائِرَتَهُ القَيْدُ الذِي جَاءَ فِي النَّصِّ المُقَيَّدِ، وَالحُكْمُ - بَعْدُ - بَاقٍ لَمْ يَرْتَفِعْ وَلَمْ يَنْتَهِ العَمَلُ بِهِ، وَمَا زَالَ النَّصُّ المُطْلَقُ دَلِيلاً عَلَى هَذَا الحُكْمِ، وَلَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةِ القَيْدِ الذِي جَاءَ فِي النَّصِّ المُقَيَّدِ» (1).
وقد رد ابن القيم على ما ذهب إليه الأحناف باثنين وخمسين وجهًا (2)، تتلخص في وجوب طاعة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفي إثبات أن الزيادة ليست نسخًا، ثم في إيراد أمثلة كثيرة لتناقض الأحناف حيث أخذوا ببعض الأحاديث، مع زيادتها على القرآن، وردوا بعضًا آخر منها بحجة الزيادة على القرآن، ويضيق بهذا التناقض قائلاً: «فَهَاتُوا لَنَا الفَرْقَ بَيْنَ مَا يُقْبَلُ مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَمَا رُدَّ مِنْهَا، فَإِمَّا أَنْ تَقْبَلُوهَا كُلَّهَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى القُرْآنِ» (3).
هذه هي اتجاهات الأنظار حول ورود السنة بحكم زائد على ما في القرآن وقد رأينا أن الخلاف حول سلطة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يسعه إلا أن يذعن له، ويسلم به، دون توقف على شيء آخر، {وَمَا كَانَ
__________
(1) " النسخ في القرآن الكريم "، لأستاذنا الدكتور مصطفى زيد: 1/ 155، 156، وانظر تفصيل الفروق بين النسخ والتقييد في الصفحات التالية لذلك من المصدر نفسه.
(2) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 383، 395.
(3) انظر " إعلام الموقعين ": 2/ 392.
(1/222)

لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} (1). {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2).
أما الخلاف فهو في الحقيقة محصور في النظر إلى السنة من حيث الرواية والثبوت، وهو ما سوغ للمجتهدين أن يخالفوا الحديث في بعض الأحيان، حين لا يطمئن قلبهم إلى صحته وسلامة طريقه، أو لمعارضته لما هو أقوى منه، وهذا هو ما قرره الإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - حين قال: «فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى رَجُلٍ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ حَدِيثُ كَذَا، وَحَدِيثُ كَذَا، وَكَانَ فُلَانٌ يَقُولُ قَوْلاً يُخَالِفُ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي [عَنْ] عَالِمٍ أَنْ يُثْبِتَ خَبَرَ وَاحِدٍ كَثِيرًا، وَيُحِلُّ بِهِ، وَيُحَرِّمُ، وَيُردَّ مِثْلَهُ: إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ، أَوْ يَكُونَ مَا سَمِعَ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْثَقَ عِنْدَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ خِلَافَهُ، أَوْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ، أَوْ يَكُونَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُ، أَوْ يَتَّهِمَ مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ، أَوْ يَكُونُ الحَدِيثُ مُحْتَمِلاً مَعْنَيَيْنِ، فَيَتَأَوَّلُ فَيَذْهَبُ إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ.
فَأَمَّا أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ فَقِيهًا عَاقِلاً يُثْبِتُ سُنَّةً بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَمِرَارًا، ثُمَّ يَدَعُهَا بِخَبَرٍ مِثْلِهِ وَأَوْثَقَ، بِلاَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الوُجُوهِ التِي تُشَبَّهُ بِالتَّأْوِيلِ، كَمَا شُبِّهَ عَلَى المُتَأَوِّلِينَ فِي القُرْآنِ، وَتُهْمَةِ المُخْبِرِ، أَوْ عِلْمٍ بِخَبَرٍ خِلَافِهِ، فَلَا يَجُوزُ إِنْ شَاءَ اللَهُ» (3).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أخبار الآحاد بزيادة على ما في
__________
(1) [الأحزاب: 36].
(2) [النساء: 65].
(3) " الرسالة "، للشافعي: ص 458، 459.
(1/223)

القرآن لا تعتبر كلها ضعيفة في رأي الأحناف، وليس كلها مهملاً، بل هم يمنعون أساسًا أن تفيد هذه الأحاديث الإلزام بالفعل أو الترك على وجه الفرضية، وهذا لا يمنع من أن يعمل بها في بعض الأحيان على جهة أخرى غير الفرضية:
فحد الزنى لغير المحصن هو الجلد، كما جاء في القرآن، وقد جاءت السنة بزيادة النفي أو التغريب على الجلد، وليست هذه الزيادة مفيدة للإلزام عند الأحناف، فلا يفترض على ولي الأمر أن يأخذ بها، ولا مانع من أن يأخذ بها على وجه السياسة في بعض الظروف لبعض الأشخاص (1).
وقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة فرض بنص القرآن {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، وهو يفيد صحة الصلاة بقراءة أي جزء منه، فاتحة أو غيرها، وقد جاء في الحديث أن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة، وهذا نسخ لإطلاق الآية، وهو لا يجوز بخبر الآحاد، لأن الكتاب قطعي الثبوت، وهم مع ذلك لا يهملون هذا الخبر، إذ يثبتون بالقرآن فرض قراءة ما تيسر ويثبتون بالخبر وجوب قراءة الفاتحة، فيفرقون بين الفرض والواجب: فالأول ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والثاني ما يثبت بدليل ظني فيه شبهة، وهو متأخر عن الأول في الرتبة. ولا شك أن هذه التفرقة نتيجة اتجاههم في تقديم الكتاب على السنة.
ويقال مثل ذلك فيما أثبته القرآن من الأمر بالركوع والسجود المطلقين، مع ما جاءت به السنة من تعديل الأركان والاطمئنان في الركوع والسجود (2).
__________
(1) انظر " أحكام القرآن "، للجصاص: 2/ 255، 259.
(2) انظر " التقرير والتحبير ": 3/ 255، 259؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 91 وما بعدها حيث رجح أن حديث الاطمئنان في الركوع بيان للقرآن، وليس من قبيل النسخ بالزيادة.
(1/224)

وقد ذهب الأحناف إلى استحباب النية في الوضوء، وكذا الترتيب والموالاة والتسمية وتخليل الأصابع، ولم يقولوا بأن شيئًا من ذلك فرض أو واجب لأن الأخبار فيها زائدة على آية الوضوء التي تدل على إجزاء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس مطلقًا عن النية وغيرها. فلو زيد أحد هذه الأشياء لزم انتساخ القاطع بخبر الواحد (1).
فإذا لم يكن هناك مجال للعمل بالخبر الزائد على وجه من الوجوه السابقة لم يعملوا به، كحديث القضاء بالشاهد واليمين. وهو مروي عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ورواه مالك مرسلاً عن جعفر بن محمد عن أبيه. وفي بعض هذه الروايات أن ذلك في الأموال الخاصة.
وقد سلك الأحناف في تضعيف هذه الروايات مسالك: بينوا في بعضها ضعف الإسناد، وبينوا في بعضها الآخر أن المروي عنه أنكر هذا الحديث فَقَدْ أَنْكَرَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ رَبِيعَةَ. وكان بعد ذلك يقول في روايته لهذا الحديث: «أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِيعَةُ عَنِّي، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ وَلاَ أَحْفَظُهُ». وأصبحت هذه المسألة إحدى مسائل الأصول التي يدور حولها الجدل (2).
والذي يهمنا الآن هو مسلك الأحناف في تضعيف هذا الحديث على فرض صحة إسناده، حيث قالوا إنه حتى لو ورد من طريق مستقيمة، لما جاز الاعتراض به على نص القرآن، إذ غير جائز نسخ القرآن بأخبار الآحاد، لأن المفهوم من الآية حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين، وفي استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية، والأولى حمل الخبر
__________
(1) " فواتح الرحموت ": 2/ 93.
(2) انظر " المستصفى ": 1/ 167؛ و" شرح الإسنوي على المنهاج " للبيضاوي: 2/ 119، 120؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 170، 171؛ و" أصول السرخسي ": ج 2 ص 3.
(1/225)

على أنه منسوخ «وَإِذَا كَانَ خَبَرُ الشَّاهِدِ وَاليَمِينِ مُحْتَمِلاً لِمَا وَصَفْنَا، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ لاَ يُزَالَ بِهِ حُكْمٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ نَصِّ القُرْآنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ مِنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ مِنِّي "» (1).
وقد ذهب المحدثون (2) - حاشا البخاري - إلى الأخذ بحديث الشاهد واليمين، وسبقهم إلى الأخذ به مالك والشافعي وفقهاء المدينة، ولم يأخذ به زيد بن علي والزهري والنخعي، وأبو حنيفة وأصحابه.
أما البخاري فلم يأخذ بهذا الحديث، ولم يروه في " صحيحه "، بل روى ما يدل على أنه غير صحيح، يستنبط ذلك من قوله: (بَابٌ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَقَالَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]، قُلْتُ: «إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى؟»).
وقد روى البخاري في هذا الباب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ»، كما روى أيضًا قول النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأحدد الخصمين المترافعين إليه: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (3).
__________
(1) انظر " أحكام القرآن "، للجصاص: 1/ 514، 519؛ وانظر في الموضوع " بداية المجتهد ": 2/ 390؛ و" أسباب الاختلاف "، للخفيف: ص 68، 69.
(2) انظر " الترمذي بشرح ابن العربي ": 6/ 89، 96؛ و" سنن أبي داود "، تحقيق محمد محيي الدين: 3/ 419، 421؛ وابن ماجه: 2/ 35.
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 66.
(1/226)

فقوله في الترجمة إن اليمين على المدعى عليه، لا فرق بين الأموال والحدود يشير إلى رده على الذين قالوا إن يمين المدعي تقبل في الحقوق والأموال، وروايته مناقشة ابن شبرمة لأبي الزناد، واحتجاجه عليه بالآية التي اشترطت العدد في الشهود لنفي أسباب التهمة والنسيان، وأن في مضمونها ما ينفي قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد، وإقرار البخاري لابن شبرمة في ذلك، وروايته الأحاديث التي تفيد قصر اليمين على المدعى عليه، كل ذلك يؤيد أن البخاري لا يأخذ بحديث الشاهد واليمين، وأنه لا يصح عنده.
وإن مسلك البخاري في هذا المثال يؤكد ما سبق أن ذكرناه عنه من ميله إلى الربط بين القرآن والحديث في " صحيحه "، كما يؤكد هذا المثال أيضًا ما سبق أن قلناه من أن عرض الحديث على القرآن مبدأ لا غبار عليه من حيث الأصل والأساس، بدليل استعمال ابن شبرمة له، وتقرير البخاري له وعدم إنكاره عليه.

4 - نَسْخُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ وَالعَكْسِ:
وهذا النسخ هو النقطة الرابعة التي نتناولها في علاقة السنة بالقرآن، لنستشف منها اتجاه المحدثين.
وقد ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى أن نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، جائز في العقل وواقع بالفعل.
وحجتهم في ذلك محصورة في أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا ينطق عن الهوى، فسنته وحي كالقرآن وكل من عند الله تعالى، فما المانع حينئذٍ من أن ينسخ أحدهما الآخر؟.
(1/227)

وذهب الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في أشهر قوليه إلى منع نسخ السنة بالقرآن. واختلف النقل عنه في سبب المنع: هل هو العقل، أو السمع؟ أو لا العقل ولا السمع ولكن السبب هو عدم الوقوع بالفعل. قال السبكي: «نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا».
أما نسخ القرآن بالسنة فإن للشافعي فيه قولاً واحدًا هو المنع.
والنص الذي يشير إليه السبكي، هو قول الشافعي في " الرسالة ": «وَأَبَانَ اللهُ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الكِتَابِ بِالكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، يُمَثِّلُ مَا نَزل نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَل اللَهُ مِنْهُ جُمَلاً ...» (1).
وقوله: «وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَهِ، لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَهِ؛ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ، غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَهِ: لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةٌ نَاسِخَةَ لِلَّتِي قّبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا» (2).
وبقول الشافعي قال أحمد بن حنبل من المحدثين (3).
واحتج الشافعي لرايه بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (4)، والسنة ليست مثلاً للقرآن، ولا خيرًا منه. ورد المجيزون بأن المعنى: «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ أَوْ مِثْلَهَا لَكُمْ»، لأن القرآن أيضًا ليس بعضه خيرًا من بعض، وأيضًا فالسنة يمكن اعتبارها مثل القرآن، لأنها وحي مثله، ولاستوائها معه في وجوب الطاعة. وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به،
__________
(1) و (2) " الرسالة "، للشافعي: ص 106، 108.
(3) " النسخ في القرآن الكريم ": 1/ 203، 204.
(4) [البقرة: 106].
(1/228)

وفي أنه معجز دونها. وهذا لا يعترض به على أنها ليست مثله، إذ ليس في العلم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر. لا بد من ذلك ضرورة، ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه.
كما استدل الشافعي أيضًا بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} (1) وبقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} (2). فكل هذه الآيات تنسب النسخ والتبديل إلى الله تعالى.
وقد نوقش الشافعي في معاني هذه الآيات، فالاستدلال بالآية الأولى مبني على القول بمفهوم المخالفة، وهذا غير مُسَلَّمٍ، إذ معنى الآية أن الله يبدل آية مكان آية، وهذا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ، وليس في الآية ما ينفي أن الله يبدل وحيًا غير متلو مكان آية ببراهين أخرى.
وكذلك بالنسبة للآية الأخيرة، لأن الرسول لا يبدل شيئًا من تلقاء نفسه، وإنما يبدله بوحي من عند الله.
كما احتج الشافعي بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3). وهذا يفيد أن السنة مقصورة على البيان، والبيان ينافي الرفع الذي يفيده النسخ، ورد المجوزون للنسخ بأن المراد بالتبيين في الآية هو التبليغ، وبأن النسخ نوع من أنواع البيان، لأنه بيان ارتفاع الأمر
__________
(1) [النحل: 101].
(2) [يونس: 15].
(3) [النحل: 44].
(1/229)

المنسوخ، وبيان إثبات الأمر الناسخ (1).
وما قالوه من أن المراد بالتبيين هو التبليغ غير مقبول، فإن البيان أمر زائد على التبليغ قطعًا. وما جاء في القرآن من أنه ليس عليه إلا البلاغ فالحصر فيه إضافي، يراد به أنه ليس عليه هداهم، فإن الله يهدي من يشاء (2).
وقول الشافعي: «إِذَا أَحْدَثَ اللَهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَمْرًا بِرَفْعِ سُنَّةٍ تَقَدَّمَتْ، أَحْدَثَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - سُنَّةً تَكُونُ نَاسِخَةً لِتِلْكَ السُّنَّةِ الأُولَى» - أنكره عليه بعض أصحابه، وقال: «لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ النَّاسُ إِذَا عَمِلُوا بِسُنَّةٍ نَاسِخَةٍ - صَحَّ أَنْ يُنْسَبَ النَّسْخُ إِلَيْهِمْ»، وهذا خطأ، فكذلك الأمر بالنسبة للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، المفترض عليه الانقياد لأمر ربه - عَزَّ وَجَلَّ -، فالناسخ هو الأمر الوارد له من الله، لا علمه الذي يأتي به انقيادًا لأمر الله (3).
فإذا ادعى أن النسخ لم يقع بين القرآن والسنة، فهناك الأمثلة التي تثبت وقوعه:

فمن أمثلة نسخ السنة بالقرآن:
وجوب التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة، وهذا ثابت بالسنة، نسخ بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144، 149، 150]، وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (4).
__________
(1) رجعنا في موضوع نسخ القرآن بالسنة والعكس إلى " المستصفى "، للغزالي: 1/ 124؛ و" نهاية السول ": 2/ 38، 41؛ " فواتح الرحموت ": 2/ 78، 80؛ " المعتمد في أصول الفقه "، لأبي الحسين محمد بن علي المعتزلي: 1/ 422، 431؛ " أصول الفقه " لأستاذي الشيخ علي حسب الله: 320، 321؛ و" الإحكام "، لابن حزم: 4/ 107، 114.
(2) انظر التمهيد من كتاب " دراسات في السنة "، للأستاذ الدكتور مصطفى زيد.
(3) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 4/ 110، 111.
(4) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 54، والآية هي 144 من سورة البقرة.
(1/230)

ونسخ وجوب صيام عاشوراء بصوم رمضان، فقد روى البخاري عن ابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قال: «صَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ»، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. كما روى عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (1).
وذكر الغزالي من أمثلة نسخ السنة بالقرآن، ما ورد في القرآن من صلاة الخوف فإن الأمر بصلاة الخوف ناسخ لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال، حَتَّى قَالَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَوْمَ الخَنْدَقِ وَقَدْ أَخَّرَ الصَّلاَةَ: «حَشَا اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا» لِحَبْسِهِمْ لَهُ عَنْ الصَّلاَةِ (2).
ولكن البخاري يميل إلى عدم النسخ، وأن حكم التأخير ما زال باقيًا عند اشتداد المعركة، ففي ترجمة ل (بَابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ [وَلِقَاءِ العَدُوِّ]) - نقل عن الأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لاَ يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا» وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ (تُسْتَرَ) عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا»، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ثم روى في هذا الباب «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
__________
(1) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 212.
(2) " المستصفى ": 1/ 24.
(1/231)

- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرُبَتْ الشَّمْسُ» (1).
ومن الأمثلة أيضًا نسخ حرمة مباشرة النساء في ليالي رمضان، بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ...} [البقرة: 187] الآية، وقد جعل البخاري هذه الآية عنوانًا لباب، روى فيه عَنِ البَرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ}» (2).
أما نسخ القرآن بالسنة: فمن الأمثلة التي ذكروها لذلك قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»؛ فقد نسخ هذا الحديث عندهم الوصية الواجبة المذكورة في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (3)، ولا يقال إن آية المواريث هي الناسخة، لأنها لا تعارض الوصية، وليس فيها ما يمنع الوصية للوالدين والأقربين.
__________
(1) " البخاري ": 1/ 110، 111.
(2) " البخاري ": 1/ 215، والآية هي 187 من سورة البقرة؛ وانظر " مسلم الثبوت ": 2/ 78.
(3) انظر " فواتح الرحموت ": 2/ 79، 80؛ و" الإحكام "، لابن حزم: 4/ 114، والآية هي 180 من سورة البقرة.
(1/232)

ومن الأمثلة التي ذكرها ابن حزم (1) دليلاً على نسخ القرآن بالسنة، أن القرآن أمر بمسح الرجلين في الوضوء، وجاءت السنة بالأمر بغسل الرجلين، لأن {أَرْجُلَكُمْ} في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، سواء قرئت بالخفض أو بالفتح - لا يجوز إلا أن تكون معطوفة على الرؤوس في المسح، لأن القول بغير ذلك إشكال وتلبيس «لَا تَقُولُ ضَرَبْتُ مُحَمَّدًا وَزَيْدًا وَمَرَرْتُ بِخَالِدٍ وَعَمْرًا وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّكَ ضَرَبْتَ عَمْرًا أَصْلاً، فَلَمَّا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ صَحَّ أَنَّ المَسْحَ مَنْسُوخٌ عَنْهُمَا وَهَكَذَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْسَحُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ حَتَّى قَالَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ وَالعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ " وكذلك قال ابن عباس: " نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ "» (2).
والذين جَوَّزُوا نسخ القرآن بالسنة، اشترط أكثرهم في السنة الناسخة أن تكون متواترة أو مشهورة، وذكر عن بعض أهل الظاهر أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز النسخ عندهم بأخبار الآحاد، وإلى ذلك ذهب ابن حزم، حيث قال: «وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا السُّنَّةُ المَنْقُولَةُ بِالتَّوَاتُرِ وَالسُّنَّةِ المَنْقُولَةِ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، كُلَّ ذَلِكَ يَنْسِخُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وَيَنْسِخُ الآيَاتِ مِنَ القُرْآنِ، وَيَنْسِخُهُ الآيَاتُ مِنَ القُرْآنِ» (3).
وقد احتج أهل الظاهر بالآيات التي تثبت أن السنة وحي كالقرآن: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [سورة النجم، الآيتان: 3، 4]، وبأن الحكم بأخبار الآحاد معلوم بدليل قاطع، والحكم به كالحكم بالآية، فجاز نسخ الآية به، كما جاء نسخ آية بآية. واعترض عليهم بأن الدليل القاطع الدال على
__________
(1) انظر " الإحكام ": 4/ 112، 113.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) " الإحكام ": 4/ 107.
(1/233)

قبول الأخبار لم يتناول أخبار الآحاد إذا كانت ناسخة لدليل الكتاب، فلا يمكن أن يقال إن الحكم بها والحال هذه معلوم.
ومن حجج أهل الظاهر، أنه إذا جاز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد فإنه يجوز النسخ بها أولى. وأجيبوا بأن ما ذكروه يدل على جواز النسخ من جهة العقل، ولا يدل على أنه ممنوع منه في الشريعة، وقد منع الإجماع منه.
وقد أورد أهل الظاهر أمثلة واقعية لنسخ الكتاب بأخبار الآحاد، منها: قوله تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، فقد نسخت هذه الآية بما روى الآحاد من تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ورد عليهم بأن قوله: {قُلْ لاَ أَجِدُ} إنما يتناول ما أوحي إليه إلى تلك الغاية، ولا يتناول ما بعد ذلك.
ومنها قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» نسخ قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ...} [البقرة: 180] الآية، وأجيبوا بأن هذا الحديث جار مجرى التواتر، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا نَسَخَا ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ، وَجَعَلَا الحَدِيثَ بَيَانًا لِوُقُوعِ النَّسْخِ بِالآيَةِ (1).
واتجاه أهل الظاهر إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد اتجاه يتواءم مع ما عرف عنهم من توسع في استخدام الحديث، ويتلاءم مع مذهبهم في أن أخبار الآحاد توجب العلم، فخبر العدل الصحيح يفيد عندهم من العلم ما يفيده القرآن، وليس الأمر كذلك عند الجمهور، لأن أخبار الآحاد مفيدة للظن، فلا يتحقق التعارض المقتضي النسخ بينهما وبين
__________
(1) انظر " المعتمد "، لأبي الحسن البصري المعتزلي: 1/ 430، 431.
(1/234)

القرآن، لعدم استوائهما في القطعية، «وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ المُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ لَا يَنْسِخُ القُرْآنَ وَلَا الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ، لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِالمَظْنُونِ» (1).
على أن معظم الأمثلة التي استدل بها على وقوع نسخ القرآن بالسنة لم تسلم من المعارضة والتأويل بما يجعلها لا تدل على النسخ، مع الاتجاه - من بعض المعارضين - إلى قصر مهمة السنة على البيان بتخصيص عام القرآن، وتقييد مطلقه، وتفصيل مجمله، إلا أن يراد بالنسخ حينئذٍ ما أراده الأحناف حين سموا بعض أنواع التخصيص نسخًا - وهو التخصيص بكلام مستقل منفصل - وحين سموا بعض أنواع التقييد (نسخًا بالزيادة).
ولذلك نقل عن بعض الأحناف (*) أنه قال: «لَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِ اللَهِ مَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الزِّيَادَةِ» (2)، ولذلك يكتفون في السنة الناسخة حينئذٍ أن تكون مشهورة - وهي الوسط بين أخبار الآحاد، والمتواتر، وتفيد ظنًا قريبًا من اليقين - لأنهم يشترطون التواتر في السنة الناسخة للقرآن. ولا يجيزون نسخ المقطوع بالخبر المشهور إلا النسخ بالزيادة (3).
__________
(1) " النسخ في القرآن "، للأستاذ الدكتور مصطفى زيد: 1/ 176 نقلا عن الشاطبي.
(2) و (3) " فواتح الرحموت ": 2/ 80؛ و" فتح القدير ": 4/ 135.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هو القاضي أبو زيد الدبوسي، انظر " فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت "، لابن نظام الدين الأنصاري، بشرح مسلم الثبوت، للإمام القاضي محب الله البهاري، ضبطه وصححه عبد الله محمود محمد عمر، 2/ 95، الطبعة الأولى: 1423 ه - 2002 م. دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
(1/235)

5 - تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ:
والمقصود تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد، وهي من النقاط المختلف فيها، والتي تفرق بين المحدثين وأهل الرأي، بل جعلها الأستاذ أبو زهرة «فَيْصَلَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الفُقَهَاءِ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الرَّأْيُ، وَالفُقَهَاءِ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الأَثَرُ، فَإِنَّ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الرَّأْيُ لَا يَأْخُذُونَ بِأَخْبَارِ الآحَادِ فِي مَقَامِ تَعَرَّضَ لَهُ القُرْآنُ، وَلَوْ بِصِيغَةِ العُمُومِ، إِذْ يَجْعَلُونَ عُمُومَاتِ القُرْآنِ فِي عُمُومِهَا، وَلَا يَجْعَلُونَ خَبَرَ الآحَادِ فِي مَرْتَبَةِ تَخْصِيصِهَا، أَمَّا الفُقَهَاءُ الذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الأَثَرُ فَيُخَصِّصُونَ عَامَّ القُرْآنَ بِالخَبَرِ مُطْلَقًا» (1).
وتوضيح هذين الاتجاهين يستلزم إلمامة سريعة تتعرض فيها لتعريف العام، وكيف يخصص، ونبين الأساس الذي انبنى عليه كلاهما.
والعام - في أرجح الأقوال -: هو لفظ وضع للدلالة على أفراد غير محصورين، على سبيل الاستغراق والشمول، سواء كانت دلالته على ذلك بلفظه ومعناه، بأن كان بصيغة الجمع: كالمسلمين والمسلمات، والرجال والنساء، أو كانت دلالته على ذلك بمعناه فقط، كالقوم ومن وما.
والخاص لفظ وضع للدلالة على فرد واحد أو أفراد محصورين.
والتخصيص: قصر العام على بعض أفراده (2).
وهذا الدليل المخصص قد يكون كلامًا مستقلاً (منفصلاً أو متصلاً)، وقد يكون كلامًا غير مستقل، وقد يكون أمرًا آخر غير الكلام: هو
__________
(1) " ابن حنبل "، للأستاذ أبي زهرة: ص 215، 216.
(2) انظر في هذه التعاريف " النسخ في القرآن الكريم "، للأستاذ الدكتور مصطفى زيد: 1/ 111، 113، وهناك رأيان آخران في تعريف العام: أحدهما أن صيغة العموم موضوعة لأقل الجمع والآخر [إنها] مشترك بين الاستغراق وأقل الجمع وما بينهما، غير أن دخول الجمع فيها ضروري لصدق الكلام (انظر: المصدر نفسه).
(1/236)

العقل، والحس الواقعي، والعادة والعرف، ونقص المعنى في بعض الأفراد وزيادته في بعض الأفراد (1).
والكلام غير المستقل - وهو الاستثناء المتصل، وبدل البعض، والصفة، والشرط والغاية - (2) لا يتعتبر ضمن المخصصات عند الأحناف، إذ تعتبر أنواعه أجزاء من الكلام متصلة به، فلا غنى لها عنه، ولا استقلال لها بدونه، وهم يشترطون في المخصصات الاستقلال عن العام، أي تمامها بنفسها (3).
والذي يهمنا هنا هو المخصص عندما يكون كلامًا مستقلاً منفصلاً، فإن اختلاف النظرة إليه وإلى حجية العام - هو الذي ترتب عليه اختلاف أهل الرأي مع المحدثين في مسألتنا التي نحن بصدد الحديث عنها الآن، وهي تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد.
أما بالنسبة لحجة العام، فقد ذهب جمهور الحنفية إلى أن دلالة العام على كل أفراده قطعية، ما لم يدل دليل على خروج بعضها منه، لأنه موضوع للدلالة على أفراده على سبيل الشمول والاستغراق، واحتمال خروج بعض أفراده منه دون دليل - لا يؤبه له، وإلا ضاعت الثقة باللغة.
ولكن هل معنى ذلك أنه إذا قام الدليل على خروج بعض أفراد العام منه، يكون الباقي حجة ظنية عند الأحناف.
الواقع أن هذا ليس على إطلاقه، فإنما يكون الدليل القاصر مؤثرًا في حجية العام إذا أخرج منه قدرًا غير معين، ويتحقق هذا إذا كان القاصر كلامًا مستقلاً متصلاً.
__________
(1) و (2) انظر الأمثلة على ذلك في المصدر السابق: 1/ 113، 114؛ و" أصول التشريع " لأستاذنا الشيخ علي حسب الله: ص 210، 212، الطبعة الثالثة بدار المعارف.
(3) " النسخ في القرآن الكريم ": 1/ 114، 115.
(1/237)

فإذا كان كلامًا مستقلاً منفصلاً، اعتبروه نسخًا لا تخصيصًا، ولا أثر له فتبقى دلالته على الباقي بعده قطعية، وكذلك يكون الباقي قطعيًا إذا خرج منه شيء بكلام غير مستقل، لأن هذا ليس تخصيصًا عند الحنفية.
والتفريق في الكلام المستقل بين المتصل والمنفصل، واعتبار الأحناف الأول تخصيصًا، والثاني - وهو المنفصل - نسخًا، هذا التفريق مبني على قاعدة عندهم، مؤداها أن البيان يجب ألا يتأخر عن وقت الحاجة، فالشارع إذا أراد بالعام من أول الأمر بعض أفراده - قرنه بما يدل على مراده من المخصصات حتى لا يقع التجهيل الذي يتنزه الشارع الحكيم عنه، فإذا ورد العام من غير مخصص دل على أن الشارع يريد جميع أفراده ابتداء، فإذا جاء بعد ذلك نص يخرج من العام بعض ما كان داخلاً فيه - كان ناسخًا، لا مخصصًا. فالخارج من العام بالتخصيص لم يدخل فيه ابتداء، والخارج منه بالنسخ دخل فيه ابتداءً (1).
ولأن العام عند الأحناف حجة قطعية، اشترطوا أن يكون الخاص المخرج بعض أفراد العام قطعيًا مثله، سواءً أكان متصلاً أم منفصلاً، لأنه إذا كان متصلاً كان تخصيصًا، والقطعي لا يخصص إلا بمثله. وإذا كان منفصلاً كان نسخًا والقطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.
ومن هنا منعوا أن يخصص عام الكتاب بخبر الآحاد، لأن أخبار الآحاد ظنية فلا تصلح لتخصيص القطعي ولا لنسخه، إلا إذا خصص العام قبل ذلك بقطعي مثله، فإن دلالته على الباقي حينئذٍ تصبح ظنية، يمكن بأخبار الآحاد تخصيصها لتساويهما في الظنية: العام المخصص ظني الدلالة وخبر الآحاد ظني الثبوت.
__________
(1) انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص 209 وما بعدها. الطبعة الثالثة.
(1/238)

أما جمهور الفقهاء - ومنهم المحدثون - فقد ذهبوا إلى أن دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية، سواء قبل التخصيص أو بعده، لأن أكثر ما ورد من ألفاظ العموم أريد به بعض أفراده، وهذا يورث شبهة في شمول العام لكل أفراده، فتكون دلالته عليها ظنية. ولهذا يجب على المجتهد إذا عرض له لفظ عام - أن يطيل البحث والتحري، حتى لا يفوقه التخصيص مع وجود المخصص (1).
وما دام العام عند الجمهور حجة ظنية، فليس هناك ما يمنع من تخصيصه بأخبار الآحاد سواء منها المستقل المنفصل، والمستقل المتصل، لا كما فعل الحنفية من التفرقة بينهما، فهما عند الجمهور سواء في إفادة التخصيص، والتخصيص عند الجمهور من بيان التفسير، لا من بيان التبيدل الذي هو النسخ.
__________
(1) المصدر نفسه؛ وانظر " المستصفى ": 2/ 114، 115؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 265، 245، 252.
(1/239)

الفَصْلُ الثَّانِي (*): خَبَرُ الوَاحِدِ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ:
بعد أن بينا علاقة السنة بالقرآن، وأشرنا إلى الاتجاهات المختلفة في تحديد هذه العلاقة، وبعد أن رأينا أن معظم مباحث هذه العلاقة يدور حول خبر الآحاد، إذ هو جل السنة، حتى لكأنه المعني بها عند الإطلاق - لم يكن بد من التعرض لخبر الآحاد، وبيان اختلاف العلماء في الشروط التي يجب أن تتوافر فيه ليكون صالحًا للاحتجاج به، حتى تتضح الفروق بين المحدثين وغيرهم من القائلين بحجية خبر الآحاد. أما الذين أنكروا حجية خبر الآحاد. فليست مناقشتهم مما تعنينا هنا. وقد كفانا العلماء من السلف والخلف مؤونة هذه المناقشة (1).
وخبر الآحاد قسيم الخبر المتواتر ومقابله، إذ الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد: فالمتواتر «مَا اتَّصَلَ بِنَا عَن رَسُولِ اللَهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ القَائِلِ: تَوَاتَرَتْ الكُتُبُ، إِذَا اتَّصَلَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الوُرُودِ مُتَتَابِعًا. وَحَدُّ ذَلِكَ أَّنْ يَنْقُلَهُ قَوْمٌ لَا يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الكَذِبِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمْكِنَتِهِمْ عَنْ قَوْمٍ مِثْلَهُمْ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِرَسُولِ اللَهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ أَوَّلُهُ كَآخِرِهِ،
__________
(1) انظر " الأم "، للشافعي ": 7/ 250؛ و" الرسالة " له أيضًا: ص 369، 370؛ و" أصول السرخسي ": 1/ 321، 328؛ و" الإحكام " لابن حزم ": 1/ 96 وما بعدها؛ و" المستصفى ": 1/ 145 وما بعدها؛ و" الشافعي "، لأبي زهرة: ص 208 وما بعدها؛ و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 153 وما بعدها.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع خطأ (الفصل الثالث) والصواب (الفصل الثاني) قارن ب (فهرس الموضوعات) صفحة 667 السطر 5 حيث جعله فصلاً ثانيًا. (وهو ما نص عليه المؤلف في [صفحة تصحيح الأخطاء] في صفحة 663 من هذا الكتاب).
(1/240)

وَأَوْسَطِهِ كَطَرَفَيْهِ وَذَلِكَ نَحْوَ نَقْلِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكِ» (1).
والمتواتر يفيد العلم، خلافًا لِلْسُّمَنِيَّةِ الذين حصروا العلوم في الحواس وحصرهم باطل (2).
والجمهور على أن العلم الحاصل بالتواتر ضروري أي لا يحتاج إلى نظر وكسب، وذهب إمام الحرمين وأبو الحسين البصري وغيرهم إلى أنه نظري.
وهناك اختلاف في أقل عدد يفضي إلى العلم في المتواتر. والصحيح هو ما قرره الغزالي حين قال: «أَقَلُّ عَدَدٍ يُورِثُ العِلْمَ لَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا، لَكِنَّا بِحُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَتَبَيَّنُ كَمَالَ العَدَدِ لَا أَنَّا بِكَمَالِ العَدَدِ نَسْتَدِلُّ عَلَى حُصُولِ العِلْمِ» (3).
ولذلك هاجم الغزالي فكرة تحديد العدد، كما هاجمها أيضًا ابن حزم وأجاز أن يحصل العلم الضروري بخبر اثنين فأكثر، حتى خبر الواحد قد يصبح العلم بصحته ضروريًا، إلا أن ضروريته ليست بمطردة ولا في كل وقت ولكن على قد ما يتهيأ (4).
__________
(1) " أصول السرخسي ": 1/ 282، 283.
(2) عَرَّفَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ «العِلْمَ بِأَنَّهُ الاِعْتِقَادُ المُقْتَضِي لِسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى أَنَّ مُعْتَقَدَهُ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ عَلَيْهِ» (" المعتمد ": 1/ 10)، وَعَرَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ تَيَقُّنُ الشَيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ: إِمَّا عَنْ بُرْهَانٍ مُوصِلٍ إِلَى تَيَقُّنِهِ وَإِمَّا اتِّبَاعٌ لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ، فَوَافَقَ فِيهِ الحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ ضَرُورَةٍ وَلَا عَنْ اسْتِدْلَالٍ (" الإحكام ": 1/ 36، 37).
وَالسُّمَنِيَّةِ - بضم السين وفتح الميم - فرقة من الهند ينكرون النبوة، ويعبدون صنمًا اسمه (سُومَنَاتْ)، وقد كسره السلطان محمود بن سبكتكين. انظر مناقشة الغزالي لهم في " المستصفى ": 1/ 122، 140؛ ثم انظر " شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 79؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 113.
(3) " المستصفى ": 1/ 135.
(4) " الإحكام "، لابن حزم: 1/ 104، 107، 108.
(1/241)

أما خبر الآحاد فهو ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم، سواء كان مستفيضًا - وهو ما زاد عدد رواته على الثلاثة، كما جزم به ابن الحاجب والآمدي - (1) أو غير مستفيض.
وقد جعل الأحناف الخبر المستفيض قسمًا وسطًا بين المتواتر والآحاد، وعرفوه بأنه ما كان متواتر الفرع آحاد الأصل، ويشيرون إليه بقولهم: «فِي حَيِّزِ المُتَوَاتِرِ، أَوْ المَشْهُورِ». وكان الجصاص يعده أحد قسمي المتواتر، على معنى أنه يثبت به علم اليقين، ولكنه علم اكتساب. «وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ رَحِمَهُ اللهُ يَقُول: " لَا يَكُونُ المُتَوَاتِرُ إِلاَّ مَا يُوجِبُ العِلْمَ [ضَرُورِيًّا] فَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ مَشْهُورٌ وَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ [وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَبَيَانُ هَذَا النَّوْعِ فِي] كُلِّ حَدِيثٍ نَقَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَدٌ يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الكَذِبِ وَلَكِنْ تَلَقَّتْهُ العُلَمَاءُ بِالقَبُولِ وَالعَمَلِ بِهِ [فَبِاعْتِبَارِ الأَصْلِ هُوَ مِنَ الآحَادِ وَبِاعْتِبَارِ الفَرْعِ هُوَ مُتَوَاتِرٌ وَذَلِكَ] نَحْوَ خَبَرِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ المُتْعَةِ بَعْدَ الإِبَاحَةِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ نِكَاحِ المَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا [وَخَبَرِ حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَمَا أَشْبَهَ] ذَلِكَ» (2).
والقائلون بوجوب العمل بخبر الواحد مختلفون في دليل الوجوب، بين أن يكون هذا الدليل هو السمع، أو العقل، أو هما مَعًا. وهو اختلاف لا يفضي إلى نتيجة.
لكن اختلافهم في إفادة خبر الواحد العلم هو الجدير بالاهتمام، لما يترتب عليه من النظر المختلف في مدى تأثير خبر الواحد في الفروع وفي الاعتقاد.
والمحدثون أو معظمهم - وبخاصة أهل الظاهر منهم - يميلون إلى أن خبر الآحاد مفيد للعلم، يعمم بعض الأصوليين هذا الحكم على المحدثين ويقصر آخرون على بعضهم.
__________
(1) انظر " الإحكام "، للآمدي: 2/ 49؛ و" شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 95.
(2) انظر " أصول السرخسي ": 1/ 291 وما بعدها.
(1/242)

ويقول الغزالي: «وَمَا حُكِيَ عَنْ المُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ، فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُوبِ العَمَلِ، إذْ يُسَمَّى [الظَّنُّ] عِلْمًا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يُورِثُ العِلْمَ الظَّاهِرَ وَالعِلْمُ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ وَإِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ» (1).
ويقول السرخسي: «وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ: يَثْبُتُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ عِلْمُ اليَقِينِ، مِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ فِيهِ عَدَدَ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ حُجَّةً وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أقْصَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الأَرْبَعَة» (2).
ويفصل الآمدي الآراء في هذا الموضوع فيقول: «اخْتَلَفُوا فِي الوَاحِدِ العَدْلِ. إِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ، هَلْ يُفِيدُ خَبَرُهُ العِلْمَ؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاَءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ لَا بِمَعْنَى اليَقِينِ، فَإِنَّ العِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الظَّنُّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] أَيْ: ظَنَنْتُمُوهُنَّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، لَكِنْ مِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ فِي خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ، كَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ الآحَادِ لَا فِي الكُلِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ، إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ، كَالنَّظَّامِ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي مَقَالَتِهِ.
وَذَهَبَ البَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ مُطْلَقًا، لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ» (3).
ثُمَّ اخْتَارَ الآمِدِيُّ حُصُولَ العِلْمِ بِخَبَرِ الآحَادِ إِذَا احْتَفَتْ بِهِ القَرَائِنُ.
__________
(1) " المستصفى ": 1/ 145، وأنكر ابن حزم أيضًا هذا العلم الظاهر، (انظر " الإحكام " له: 1/ 127، 128).
(2) " أصول السرخسي ": 1/ 32.
(3) " الإحكام " للآمدي ": 2/ 49، 50. واستمر في مناقشة الآراء حتى ص 60.
(1/243)

وذكر ابن حزم أن إفادة خبر الآحاد العلم هو مذهب الحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي، وداود الظاهري، ورواية عن مالك.
أما الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج فذهبوا إلى أن خبر الواحد لا يوجب العلم، لما فيه من احتمالات السهو والانقطاع.
وقد انحاز ابن حزم إلى رأي الطائفة الأولى وأطال في الاستدلال لمذهبه، وتفنيد حجج خصومه (1).
ونلاحظ أن ابن حزم لم يشر إلى رأي أحمد بن حنبل، ولا إلى رأي الحنابلة في هذه المسألة، وقد نقلنا عن الآمدي آنِفًا أن ابن حنبل له قولان في إفادة خبر الآحاد العلم، ويقر ابن بدران أن القول بعدم حصول العلم به هو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحاب أحمد، وينقل عن الطوفي أن ذلك هو أظهر القولين. وحمل بعض العلماء قول الإمام أحمد الثاني - أي الخاص بإفادة خبر الآحاد العلم - على أخبار مخصوصة كثرت رواتها وتلقتها الأمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقليها، فيكون إذن من المتواتر (2).
وقد رجح الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن " ابن حنبل " الرواية التي تقرر أن ابن حنبل كان يذهب إلى أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم، وأنه كان يأخذ بها في الاعتقاد وفي الفروع، «فَيُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَمَا يُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ الكَرِيمُ، وَلَا يُفَرِّقُ فِي الأَخْذِ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَهِ
__________
(1) " الإحكام " لابن حزم: 1/ 108، 119، 137.
(2) " المدخل إلى مذهب ابن حنبل ": ص 91.
(1/244)

- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ عَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ، وَلَا بَيْنَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ وَإِذْعَانِ القَلْبِ وَالعَقْلِ» (1).
وقول ابن حنبل الذي رجحه الأستاذ أبو زهرة في هذه المسألة هو قول عامة المحدثين في القرن الثالث، وقول بعض المتأخرين منهم (2). وهذا الاتجاه يعني أن خبر الآحاد إذا استوفى شروط الصحة فإن صدوره عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذٍ أمر مقطوع به، متيقن منه، لا يحتمل الشك. ومن هنا كانت حملتهم الشديدة على الذين لا يأخذون بالخبر في بعض المواطن، واتهامهم لهم بمخالفة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتشنيعهم عليهم لذلك.
ولكن لما كانت أخبار الآحاد عند غير المحدثين تفيد ظنًا راجحًا، لأن الاحتمالات التي يتعرض لها خبر الواحد، كالكذب والسهو والخطأ وغيرها تقصر به عن إفادة ما يفيده المتواتر من العلم - لما كان ذلك كذلك، وضع هؤلاء الفقهاء شروطًا لخبر الواحد تراعى فيها هذه الاحتمالات، وحددوا مجال العمل به بالنسبة لما هو مقطوع به من القرآن والسنة المتواترة. وكثير من هذه الشروط موضع نزاع بينهم وبين المحدثين وهذا يدعونا إلى أن نستعرض شروط الصحيح بين المحدثين وغيرهم.
ويشترط المحدثون في الحديث الصحيح شروطًا يمكن حصرها في عدالة الراوي وضطبه، واتصال الإسناد، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلل (3)
__________
(1) " ابن حنبل ": ص 226، 227.
(2) كابن الصلاح الذي ذهب إلى أن " صحيحي البخاري ومسلم " مقطوع بصحة ما فيهما (انظر " شروط الأئمة الخمسة " للحازمي، بتعليق الكوثري: ص 26).
(3) عَرَّفَ الشافعي الشاذ: بأن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الثقات، وَعَرَّفَهُ غيره بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة، أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، =
(1/245)

فإذا توافرت هذه الشروط في الحديث فهو صحيح يجب العمل به سواء أكان في الاعتقاد أم في الفروع.
وقد يختلف المحدثون فيما بينهم في عدالة راو أو ضبطه أو صحة سماعه ممن روى عنه، كما قد يختلفون في درجة الوصف، بمعنى هل العدالة والضبط عنده في درجة ممتازة أو متوسطة أو ضعيفة، مما يترتب عليه اختلافهم في الترجيح. فالبخاري مثلاً لا يكتفي بمعاصرة الراوي لمن روى عنه حتى يثبت اتصاله به ومسلم يكتفي بالمعاصرة، والبخاري ترك رجالاً رأى مسلم أنه لا بأس بهم، وكذلك ترك مسلم رجالاً لم ير البخاري بهم بأسًا، ورأى غيرهما من أصحاب السنن أَنْ يَرْوُوا أحاديث صحت في نظرهم لثقتهم في رواتها، أو لأنه لا بأس برواتها وإن لم يكونوا في الدرجة العليا من العدالة والضبط.
أما غير المحدثين فيضيفون إلى هذه الشروط شروطًا أخرى تتعلق بمتن الحديث، فليس كل ما صح سنده يلتزم قبوله. حتى يكون متنه سالمًا من المعارضة، وللأحناف والمالكية في ذلك ما ليس لغيرهم.
ولهذا رأينا الأحناف في نقدهم للحديث وبيان وجوه الانقطاع فيه يقسمون الانقطاع إلى انقطاع في الصورة، وانقطاع في المعنى. ويعنون بالمنقطع صورة المرسل - وسيأتي الحديث عنه.
أما الانقطاع في المعنى فقد يكون نتيجة عدم توافر الشروط المطلوبة في الراوي. فسلسلة الإسناد مترابطة من حيث الظاهر، غير أن إحدى
__________
= وبرد ما شذ به غير الثقة (" السنة ومكانتها في التشريع ": ص 113؛ وانظر " هدي الساري ": ص 381، 382).
والحديث المعلل هو الذي اطلع فيه على علة قادحة، مع أن ظاهره السلامة منها (انظر " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ": ص 196).
(1/246)

حلقاتها لما فقدت الشروط أصبحت في حكم المعدوم، وذلك كرواية الفاسق والكافر والمعتوه، وأمثال ذلك.
وقد يكون الانقطاع في المعنى نتيجة معارضة متن الحديث لدليل آخر. وهذا القسم هو الذي يمثل بحق نقد متن الحديث، إذ قد يردونه نتيجة لهذا النقد، حتى مع استيفائه شروط الصحة في الإسناد وهو يعد من الفروق الجوهرية بين المحدثين وأهل الرأي.
ومن أنواع هذا القسم المخالف للدليل:
[أ] أن يكون الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى.
[ب] أو لسنة مشهورة عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[ج] أن يكون الحديث شاذًا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته.
[د] أو يكون حديثًا قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، بأن ظهر منهم الاختلاف في حادثة يقررها الحديث المروي، ومع ذلك لم تجر المحاجة بينهم به.
[ه] مخالفة الصحابي قولاً أو عملاً لما رواه (1).
[أ، ب] وقد قدمنا في موضوع علاقة السنة بالقرآن وجهة نظر المحدثين وغيرهم في عرض السنة على القرآن، وتخصيصها لعامه، وتقييدها لمطلقه، وقد بينا أن المحدثين أيضًا يمنعون أن تأتي السنة بما يعارض القرآن،
__________
(1) ذكر السرخسي الأقسام الأربعة الأولى في " أصوله ": 1/ 366، 369، وألحقنا بها مخالفة [الصحابي] لما رواه.
(1/247)

وأن الخلاف بينهم وبين الأحناف إنما هو في المسائل الجزئية، هل السنة فيها معارضة أم مبينة.
وكذلك خبر الآحاد إذا خالف السنة المشهورة اعتبر ذلك انقطاعًا في المعنى، ولا يبعد أن يكون هذا الأصل أيضًا محل اتفاق، والخلاف إنما هو في التطبيق.
فقد ذكروا مثالاً لذلك ما جاء في بيع الرطب بالتمر، وهو ما روى أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟، قَالَ: البَيْضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ (1).
وقد رأى أبو حنيفة أن خبر سعد هذا مخالف للسنة المشهورة، وهو قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ»، فلم يأخذ به، وأخذ به أبو يوسف ومحمد، لأن السنة المشهورة لا تتناول الرطب، لأن مطلق اسم التمر لا تتناوله، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرًا لم يحنث، فإذا لم تتناوله السنة المشهورة، وجب إثبات الحكم فيه بالخبر الآخر.
وهذا هو الذي ذهب إليه أصحاب الحديث، فقد قال الترمذي بعد روايته لحديث سعد هذا: «... وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا».
__________
(1) الترمذي: 5/ 232، 233، وقال: «[هَذَا حَدِيثٌ] حَسَنٌ صَحِيحٌ»؛ وأبو داود: 3/ 341، 342. والبيضاء: نوع من البر أبيض اللون، وفيه رخاوة، أو هو الرطب من السلت. والسلت نوع أدق حَبًّا من البر.
(1/248)

[ج] أما الحديث الغريب فيما تعم به البلوى فقد رده بعض الحنفية والمالكية (1)، لأن عدم اشتهاره مع الحاجة إليه قرينة على علة فيه، وأحسن أحواله أن يصرف عن ظاهره: فإن جاء بأمر كان للندب والاستحباب لا للوجوب، وإن جاء بنهي كان للكراهية لا للتحريم، إذ لو كان المراد به الإيجاب أو التحريم لاشتهر ذلك الحكم بين السلف، ولنقل إلينا الخبر مستفيضًا، فنقله على خلاف ذلك يدل على أنه قد ترك العمل به عند أكثر الناس، لعدم حرمة ترك العمل به (2).
أما المحدثون فلم يعتبروا هذا الشرط، لأن الأدلة التي أوجبت قبول خبر الواحد لم تفرق بين ما تعم به البلوى من الأخبار وغيرها، ولأن الراوي عدل ثقة، وذلك يغلب على الظن [صِدْقُهُ]، وكما يقبل خبره في غير ذلك يقبل أيضًا فيما تعم به البلوى.
وكان البخاري يرد على أهل الرأي في ترجمته التي يقول فيها: (بَابُ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمُورِ الإِسْلاَمِ) (3).
وذكر الأحناف أمثلة لذلك منها: خبر مس الذكر، والجهر بالتسمية في الصلاة، وخبر رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، والوضوء مما مسته النار (4).
وقد يوافق بعض المحدثين الأحناف في عدم الأخذ ببعض هذه الأخبار ولكن مسلكهم في ذلك يختلف عن مسلك الأحناف، إذ عدم أخذهم بها
__________
(1) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 14.
(2) انظر " أسباب الاختلاف "، لأستاذنا علي الخفيف: ص 71.
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 268، 269؛ وانظر " فتح الباري ": 13/ 270.
(4) انظر " أصول السرخسي ": 1/ 368.
(1/249)

إنما هو بسبب نسخها أو ترجيح غيرها من الأخبار عليها (1).
وتجدر الإشارة إلى أن الآمدي «قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى، ومَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ إِذَا نَقَلَهُ وَاحِدٌ، فَرَدَّ الثَّانِي، وَلَمْ يُوَافِقْ الأَحْنَافَ عَلَى رَدِّهِمْ لِلْأَوَّلِ، وَمَثَّلَ لِلْثَّانِي بِمَا إِذَا أَخْبَرَ إِنْسَانٌ بِأَنَّ الخَلِيفَةَ قَدْ قُتِلَ وَسَطَ الجَامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ سِوَى وَاحِدٌ» (2).
[د] أما الحديث الذي يقرر حكمًا اختلف فيه الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه احتج به مع حاجتهم إليه - فإن هذا الحديث حينئذٍ غير مقبول، لأنه لو كان موجودًا في عصر الصحابة لردوه، ولم يشتغلوا عنه بما ليس بحجة، وهم غير متهمين بالكتمان حتى يتفقوا على كتمانه وعدم الاحتجاج به. فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم، وجرت المحاجة بينهم بالرأي - والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر - دَلَّ ذلك على أن هذا الخبر غير صحيح، إذ لو كان صحيحًا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع الخلاف الواقع بينهم، فكان إعراض الجميع عن الاحتجاج به دليلاً ظاهرًا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو أنه منسوخ.
وذلك نحو ما يروى: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنسَاءِ»، فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا، ولم يحتج أحد منهم بهذا الحديث، بل أعرضوا عنه، فكان ذلك دليلاً على أنه غير ثابت أو مُؤَوَّلٍ (3).
__________
(1) ففي مسألة الجهر بالتسمية مثلاً يورد المحدثون الآثار المثتبة في باب، والثانية في باب، إما بطريقة يفهم منها جواز الأمرين. كما فعل أبو داود: 1/ 289، 291، أو بطريقة ترجح أحدهما على الآخر، كما رجح الترمذي عدم الجهر: 2/ 43، 46؛ و" الدارمي ": 1/ 283 حيث صرح بأن الجهر بها مكروه وقد ذهبوا إلى أن الوضوء من أكل ما مسته النار منسوخ (انظر الترمذي: 1 / [108]، 112؛ أبو داود: 1/ 87، 89).
(2) انظر " الإحكام "، للآمدي ": 2/ 160، 164؛ وانظر أيضًا " الإحكام "، لابن حزم: 1/ 160، 164، وانظر أيضًا " الإحكام "، لابن حزم: 1/ 115، 116، و" نهاية السول "، للإسنوي: 2/ 123؛ و" مسلم الثبوت " و " شرحه ": 2/ 126 وما بعدها.
(3) انظر " أصول السرخسي ": 1/ 369.
(1/250)

ولكن سؤالاً يَرِدُ على الآخذين بهذا الأصل: هل جاء الحديث الذي ردوه بناء على هذا الأصل من طريق صحيحة، حتى يكون هذا الأصل هو السبيل الوحيدة لنقده.
إن سند الحديث إذا كان صحيحًا، فإن الاحتمالات الموجبة للأخذ به تتداعى أمام قوتها الاحتمالات الداعية إلى رده، لأن كل صحابي لم يكن محيطًا بكل السنة، بل يعمل البعض ويجهل الآخر منها، وقد يسمع بعضها شخص أو أكثر، ثم لم تكن داعية تدعو إلى نشره، فيجهله كثير من الصحابة ويتركون العمل به لعدم العلم بالحكم. لا تركًا له بعد العلم، وهذا أبو هريرة كان يقول: «إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ»، وهناك العديد من الأمثلة التي تدل على أن الصحابة كانوا يجهلون كثيرًا من السنن، ثم يجدون علمها عند غيرهم إذا سألوا عنها (1). وبسبب ذلك رفض المحدثون الأخذ بهذه القاعدة التي قررها الأحناف.
كما لم يأخذوا أيضًا بقاعدة قريبة من هذه، قررها المالكية وجعلوها من أسس نقد الحديث، هي تركهم لخبر الآحاد إذا كان العمل في المدينة على خلافه، وقد رفض المحدثون هذه القاعدة، لأن الواجب هو العمل بالخبر، ولا يضره عمل ولا ترك «وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ نَازَعَهُمْ فِيهِ الجُمْهُورُ، وَقَالُوا: عَمَلُ أَهْلِ المَدِينَةِ كَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَعَمَلِ أَهْلِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَمَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مَعَهُمْ فَهُمْ أَهْلُ العَمَلِ المُتَّبَعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَلاَ تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِكَوْنِ عَمَلِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلَى خِلاَفِهَا ...» (2).
__________
(1) انظر أمثلة لذلك في " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 12 وما بعدها.
(2) " إعلام الموقعين ": 2/ 433.
(1/251)

وقد هاجم ابن حزم هذا الأصل، وذكر كثيرًا من السنن التي خالفها المالكيون بحجة أن عمل أهل المدينة على خلافها، ثم قال: «فَهَذَا مَا تَرَكُوا فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَتِهِمْ فِي " المُوَطَّأِ " خَاصَّةً وَلَوْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لَبَلَغَ أَضْعَافَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا خَالَفُوا فِيهِ أَوَامِرَهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مِنْ رِوَايَتِهِمْ وَرِوَايَةِ غَيْرِهِمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَتَجَاوَزُ الأُلُوفَ» (1).
[ه] ومما ذكره الأحناف متصلاً بهذا النوع الذي سموه بالانقطاع في المعنى - أن يروي الصحابي حديثًا، ثم يظهر منه ما يخالف الحديث قولاً أو عملاً. فإن هذه المخالفة تعتبر طعنًا في الحديث في بعض أحواله، لأن مخالفة الصحابي إن كانت قبل الرواية فإنها لا تقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه. وكذلك إذا لم يعلم هل المخالفة كانت قبل روايته للحديث أو بعدها، لأن الحمل على أحسن الوجوه مطلوب ما لم يثبت خلافه، أما إذا علم أن خلافه للحديث كان بعد روايته له، فإن هذا الحديث حينئذٍ يخرج عن أن يكون حجة، لأن فتواه أو عمله بخلاف الحديث من أبين الدلائل على الانقطاع فيحمل ما رواه على النسخ، حملاً له على أحسن الوجوه.
وذكروا من أمثلة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنَ وُلُوغِ الكَلْبِ سَبْعًا»، ثُمَّ صَحَّ مِنْ فَتْوَاهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالغَسْلِ ثَلَاثًا.
وما روته السيدة عائشة من قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ [بِغَيْرِ] إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثُمَّ صَحَّ «أَنَّهَا زَوَّجَتْ ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَالَفَتْ بِعَمَلِهَا رِوَايَتَهَا».
__________
(1) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 97 وما بعدها. والنص المذكور في ص 105. ومن قبل ابن حزم ناقش محمد بن الحسن والشافعي وغيرهما هذا الأصل.
(1/252)

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما رواه ابن عمر مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ»، ثم صح عن مجاهد قال: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ»، وهذا يدل على نسخ الحكم (1).
أما إذا كان الحديث محتملاً لعدة معان، فيعين الصحابي بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولاً به على ظاهره، لأن تأويل الصحابي ليس بحجة على غيره، وإنما الحجة هو الحديث. وذلك كالذي رواه ابن عمر من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا»، ف «التَّفَرُّقُ فِي الحَدِيثِ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالأَبْدَانِ»، فكان إذا أوجب البيع مشى هنيهة، ولم يأخذ الأحناف بهذا التأويل من ابن عمر، وحملوا التفرق على التفرق بالأقوال، أما المالكية فقد رَدُّوا هذا الحديث لمخالفته لما عليه العمل.
ويقول الأحناف: إن الشافعي قد فعل مثل ذلك في حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، ثُمَّ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِ «أَنَّ المُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلَ»، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لَحَقَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّاوِي، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ، لا يكون حجة على غيره، وأخذ بظاهر الحديث، فأوجب القتل على المرتدة (2).
وقد اختار الآمدي أنه إن علم مأخذ الصحابي في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي وجب اتباع ذلك الدليل،
__________
(1) " أصول السرخسي ": ج 2 ص 3. وقد ناقش البخاري ما روي عن مجاهد في ترك ابن عمر للرفع، وَبَيَّنَ أنه مرجوح، انظر " قرة العينين برفع اليدين "، للبخاري: ص 24.
(2) انظر " أصول " السرخسي: 2/ 5، 6؛ و" أسباب الاختلاف "، للخفيف: ص 59، 61؛ و" فقه الكتاب والسنة " له: ص 117 وما بعدها.
(1/253)

لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر، وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر الحديث (1).
وقد رَدَّ بعض المالكيين بناء على هذا الأصل ما روي عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ [مَاتَ] (*) وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، لِأَنَّهَا «أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ»، فقالت: «يُطْعَمُ عَنْهَا». وأخرج البيهقي أَنَّهَا قَالَتْ: «لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ , وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ» (2).
وقد استنكر المحدثون هذا الاتجاه في نقد الحديث، لأن الحجة في قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي يرويه الصحابي، لا في فتوى الصحابي الذي قد ينسى ما رواه، أو يجتهد فيه فيؤوله، أو تكون فتواه قبل أن يبلغه الحديث، [فإن] هذه الوجوه كلها محتملة فيما روى عنهم، لا يحل لأحد ترك كلامه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لفتيا جاءت عن صاحب مخالفة لما صح عنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - (3).
ولكن أبا داود كان يميل إلى اتجاه الأحناف والمالكية في هذا الموضوع، فَ «كَانَ يَرَى أَنَّ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ يُضَعِّفُ الحَدِيثَ».: فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ عَطَاءٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ».
ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلاً». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا يُضَعِّفُ ذَلِكَ الحَدِيثَ» (4).
وقد رأى بعض الأصوليين أن عمل الصحابي بخلاف ما روى لا يسقط
__________
(1) انظر " الإحكام " للآمدي: 2/ 164، 166.
(2) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 18، 19؛ وأصول التشريع للأستاذ علي حسب الله ص 54.
(3) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 12 - 21؛ و" النبذ " له: ص 36، 37؛ و" المحلى " له: 9/ 503، 5/ 39.
(4) " سنن أبي داود " بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: 1/ 245.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (مَنْ بَاتَ) والصواب ما أثبته.
(1/254)

خبره، بل يفتح الاجتهاد فيه، لاحتمال ألا يكون منسوخًا، بل يكون مصروفًا عن ظاهره، أو مفهومًا على وجه لا يتعارض مع عمله.
فيقال في «حَدِيثِ غَسْلِ الإِنَاءِ سَبْعًا» الذي رواه أبو هريرة: إن الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب يتعلق بالإناء الذي يوضع فيه الطعام والشرب وما أفتى به أبو هريرة من الغسل ثلاثًا يتعلق بغير ذلك من ثوب أو بدن.
ويقال في مخالفة عائشة بإنكاحها ابنة أخيها لما روته من اشتراط الولي في النكاح: إن عملها يقتضي تقييد حديثها بحضور الولي، فإذا كان غائبًا كانت الحادثة محل اجتهاد، وجاز أن يكون الزواج بإذن من يهتم بمصلحة الزوجة من أقاربها، حتى لا يفوتها الزوج الكفء (1).
ولأن الاحتمالات في خبر الواحد كانت دائمًا نصب أعين الفقهاء من غير المحدثين، حتى إنهم لم يكتفوا بصحة الإسناد في نقدهم للحديث نظروا أيضًا في بعض ألفاظ الصحابي عند أدائه للحديث، فاختلفوا مع المحدثين فيها، كما اختلفوا معهم في بعض صور الإسناد.
وقد قسم الأصوليون ألفاظ الصحابي درجات، بعضها أقوى من بعض، وجعلها بعضهم سبعًا، وجعلها آخرون خمسًا (2).
1 - أعلاها قول الصحابي: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»، أَوْ «أَخْبَرَنِي»، أَوْ «قَالَ لِي»، وما أشبه ذلك.
2 - ثم قوله: «قَالَ رَسُولُ اللَهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»، وهذه الصيغة في مرتبة ثانية، لاحتمال أن يكون بينه وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واسطة، بدليل ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ»، فلما روجع فيه قال: «حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ»، وكذلك روى ابن عباس عَنْ
__________
(1) انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص 54، 55.
(2) انظر " المستصفى ": 1/ 129، 132؛ و" شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 123، 128؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 161، 162.
(1/255)

النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، وَلَمَّا رُوجِعَ فِيهِ «أَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».
إلا أن احتمال الواسطة بعيد، والظاهر هو المشافهة، وعلى فرض أن هناك واسطة، فإن الصحابي المسكوت عنه عدل، باعتبار أن الصحابة كلهم عدول فلا يضر عدم ذكره. وقد نقلت إلينا جل الأخبار بهذه الصيغة فلم يفهم منها إلا السماع.
2 - ثم يأتي في الدرجة الثالثة قول الصحابي: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِكَذَا» أَوْ «نَهَى عَنْ كَذَا»، وهذه الصيغة فوق احتمالها التوسط الذي ذكر في سابقتها - تحتمل أيضًا اعتقاد الصحابي ما ليس بأمر أو نهي أمرًا أو نهيًا، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنه أمر الكل أو البعض، وعلى جهة الدوام أو التوقيت بوقت معين.
ولما فيه من هذه الاحتمالات ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا حجة فيه، ما لم ينقل لفظ الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه.
لكن الأكثرين ذهبوا إلى حجية هذه الصيغة، لأن الظاهر أن الراوي لا يطلقها إلا إذا تيقن المراد.
وهذه الدرجات الثلاث يتفق الأحناف مع المحدثين وجمهور الفقهاء في الأخذ بها.
لكن الذي فيه الخلاف بين المحدثين والأحناف هو قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا» أَوْ «نُهِينَا عَنْ كَذَا» - بصيغة المجهول - أو قول الصحابي: «السُنَّةُ كَذَا»، فقد ذهب الأحناف إلى أن قول الصحابي ذلك لا يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلا يكون حجة، لأن هذه الصيغة تحتمل - زيادة على الاحتمالات السابقة - أن يكون الآمر أو الناهي غير
(1/256)

رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من الأئمة والولاة والعلماء، وأن يكون المراد بالسنة سنة البلدان والرؤساء.
ولهذا قال أبو يوسف: «وَأَهْلُ الحِجَازِ يَقْضُونَ بِالقَضَاءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: عَمَّنْ؟ فَيَقُولُونَ بِهَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ قَضَى بِهِ عَامِلُ السُّوقِ، أَوْ عَامِلٌ مَا مِنَ الجِهَاتِ» (1).
وقد نقل عن الشافعي في القديم أن هذه الصيغة لها حكم الرفع عند الإطلاق، ونقل عنه في الجديد أنها لا تنصرف إلى سنة الرسول بدون البيان، للاحتمال السابق، حتى قال: «فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: " السُنَّةُ بِبَلَدِنَا كَذَا "، فَإِنَّمَا أَرَادَ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ، الذِي كَانَ عَرَيفًا بِالمَدِينَةِ» (2).
وقد كانوا يطلقون السنة على سنة الصحابة وآرائهم، كما يبين ذلك الخلاف الذي حدث بين الزهري وأحد زملائه، فعن صَالِحِ بْنَ كَيْسَانَ قَالَ: «اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ وَنَحْنُ نَطْلُبُ العِلْمَ، فَقُلْنَا: نَكْتُبُ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقُلْتَ أَنَا: لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ، وَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ» (3).
وقد بَيَّنَ ذلك الطحاوي في كلامه عن صفة القعود في الصلاة، وما روي عن ابن عمر قوله: «إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى»،
__________
(1) " الرد على سير الأوزاعي "، لأبي يوسف: ص 11.
(2) انظر " أصول السرخسي ": 1/ 380، 381. وذكر النووي في خطبة " شرح المهذب " أن الصحيح المشهور أن قول الصحابي: «مِنَ السُنَّةِ كَذَا» في حكم المرفوع، وأنه مذهب الجماهير، وأن أبا بكر الإسماعيلي قال: «لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ عَلىَ الصَّحَابِيِّ».
(انظر " طبقات الشافعية ": 2/ 80) وأبو بكر الإسماعيلي هو أحمد بن إبراهيم، إمام أهل جرجان، توفي سنة 371 ه. (انظر المصدر نفسه: 2/ 79، 80).
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 187.
(1/257)

وأن قومًا ذهبوا إلى أن صفة القعود في الصلاة كلها أن ينصب الرجل رجله اليمنى ويثني اليسرى ويقعد بالأرض، مستندين إلى ما روي عن ابن عمر من أن ذلك سنة، والسنة لا تكون إلا عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وذهب آخرون إلى غير ذلك، لأن قول ابن عمر لا يدل على أنه عن النبي، إذ قد يجوز أن يكون رأى ذلك رأيًا، أو يكون أخذهم ممن بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد قال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي».
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سَأَلَهُ رَبِيعَةُ , عَنْ أُرُوشِ أَصَابِعِ المَرْأَةِ «إِنَّهَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» وَلَمْ يَكُنْ مَخْرَجُ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَمَّى سَعِيدٌ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سُنَّةً (1).
أما المحدثون فقد ذهبوا إلى أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ السُّنَّةُ كَذَا»، يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن الصحابي يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله.
ولذلك جعل البخاري لهذه الصيغ حكم الرفع، فمن ذلك قوله: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ» (2).
وروى بسنده عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ [الحُيَّضَ] يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ ...» (3).
__________
(1) انظر " شرح معاني الآثار " للطحاوي: 1/ 152.
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 259 ط. دار إحياء الكتب العربية.
(3) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 114، وفي الترمذي: 3/ 10 عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخْرِجُ ...»، وفي أبي داود: 1/ 405، عنها أيضًا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَ ...»، وفي رواية: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا الْخَبَرِ».
(1/258)

وروي عنها أيضًا قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ» (1).
وقد ذهب إلى ذلك الشافعية - كما ذكرنا عن النووي -، والحنابلة، فقد جاء في " المغني " عن ابن عمر قال: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فَهُوَ مِنْ مَالِ المُبْتَاعِ». ثم قال صاحب " المغني ": «وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ، يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
وقد استدل الحنابلة بذلك على أن بيع ما لم يقبض من غير الطعام جائز، وإن تلف قبل القبض فهو من ضمان المشتري (2).
لكن الظاهرية من المحدثين لم يجعلوا لهذه الصيغ حكم الرفع، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ " السُّنَّةُ كَذَا " وَ" أُمِرْنَا بِكَذَا " فَلَيْسَ هَذَا إِسْنَادًا وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُنْسَبُ إِلَى أَحَدٍ قَوْلٌ لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ قَالَهُ وَلَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى نَهَانَا عُمَرُ فَانْتَهَيْنَا ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ " السُّنَّةُ كَذَا " وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ عِنْدَهُ عَلَى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ». ثم روى بطريق البخاري «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَبِالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً فَيَهْدِي أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا».
ثم علق ابن حزم على هذه الرواية «بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ كُلِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صُدَّ عَنْ البَيْتِ لَمْ يَطُفْ بِهِ، وَلَا بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ بَلْ أَحَلَّ حَيْثُ كَانَ بِالحُدَيْبِيَةِ وَلَا مَزِيدَ. وَهَذَا الذِي ذَكَرَهُ
__________
(1) " البخاري ": 1/ 145؛ و" سنن أبي داود ": 3/ 274.
(2) انظر " المغني ": 4/ 108، 111.
(1/259)

ابْنُ عُمَرَ لَمْ يَقَعْ قَطُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (1).

المُرْسَلُ:

وهو الذي سبق أن سماه السرخسي بالمنقطع صورة، وهو من النقاط الهامة في الخلاف بين المحدثين وغيرهم.
وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ: «مَا سَقَطَ بَيْنَ أَحَدِ رُوَّاتِهِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقِلٌ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا وَهُوَ المُنْقَطِعُ أَيْضًا» (2).
وهذا التعريف هو الذي يتجه إليه الأصوليون والفقهاء، حيث لا يفرقون في الراوي المحذوف بين أن يكون واحدًا أو أكثر، وبين أن يكون صحابيًا أو غيره.
أما المحدثون فقد خصصوا الإرسال بأن يترك التابعي ذكر الصحابي الذي روى عنه، فإن سقط قبل الصحابي واحد فمنقطع، وإن كان أكثر من واحد سموه مُعضلاً (3).

والعمل بمرسل الصحابي لا خلاف فيه بين جمهور الآخذين بخبر الواحد، لأن الصحابة كلهم عدول على الرأي الراجح (4): فيجب أخذ مراسيلهم وقد سبق أن ذكرنا إرسال أبي هريرة عن الفضل بن عباس وإرسال ابن عباس عن أسامة بن زيد، بل إن معظم روايات ابن عباس من قبيل المرسل
__________
(1) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 72، 76.
(2) انظر " الإحكام "، لابن حزم: ج 2 ص 2 وما بعدها.
(3) انظر " الكفاية "، للخطيب: ص 21، 384؛ و" مقدمة " ابن الصلاح: ص 25، 28؛ و" شرح المنهاج "، للإسنوي: 2/ 134؛ ومقدمة " شرح النووي لصحيح مسلم ": 1/ 30.
(4) ذكر الأستاذ علي الخفيف أن بعض العلماء خالف في الاحتجاج بمرسل الصحابي، خشية أن تكون روايته عن بعض التابعين. انظر " أسباب الاختلاف " له: ص 98، وذكر النووي أن أبا علي الإسفراييني الشافعي لا يحتج بمرسل الصحابة إلا أن يصرح الصحابي بأنه لا يعزو إلا عن صحابي (" النووي على مسلم ": 1/ 30) وفي الخلاف في تعديل الصحابة انظر " المستصفى ": 1/ 164، 165؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 155، 158.
(1/260)

لصغر سنه عند وفاة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مع كثرة روايته (1).
أما مرسل غير الصحابي فهو الذي فيه الخلاف، وقد بدأ هذا الخلاف بمناوشات خفيفة، ثم تطور إلى صراع عنيف في بداية القرن الثالث، بعد أن أعلن الإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - رأيه في المرسل، وفي الشروط المطلوبة لقبول الحديث.
وطبيعي أن يكون القرن الثالث هو الموعد المناسب لاحتدام الخلاف في المرسل، بعد أن قدمنا أن هذا القرن هو الذي تميز فيه مذهب أهل الحديث، وأحكمت فيه أصول صناعتهم. ولا شك أن للشافعي تأثيرًا واضحًا في المحدثين من هذه الناحية، وقد أفصح أبو داود عن هذا التأثير في " رسالته " التي بعث بها إلى أهل مكة، حيث يقول فيها: «وَأما المَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا العلمَاء فِيمَا مضى، مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِي، حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم [فِيهَا] وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره ...» (2).
ويقول ابن جرير مُبَيِّنًا أثر محدثي القرن الثالث في العمل بالمراسيل: «لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى العَمَلِ بِالمَرَاسِيلِ حَتَّى حَدَثَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ القَوْلُ بِرَدِّهَا» (3)، ولقد قيل إن رد المراسيل بدعة حدثت بعد القرنين الأول والثاني (4).
ومعنى ذلك أن العلماء من خلال القرنين الأولين - سواء منهم من اشتغل بالرواية ومن لم يشتغل بها - كانوا يقبلون المرسل ويتبادلون الاحتجاج به، وخاصة مرسل التابعين ولم يكن هذا الصنيع منهم عزوفًا عن التثبت، ورغبة عن الإسناد فإنهم كانوا ينتقون شيوخهم، فإذا اطمأنوا إليهم قبلوا منهم مسندهم ومرسلهم على السواء.
__________
(1) انظر " الإحكام "، للآمدي: 2/ 177.
(2) انظر: تعليق الكوثري على " شروط الأئمة الخمسة ": ص 51.
(3) المصدر السابق، وانظر " أسباب الاختلاف " للخفيف: ص 97.
(4) المصدران السابقان أنفسهما، وانظر " فواتح الرحموت ": 2/ 174.
(1/261)

ومع أن التثبت في الحديث والمطالبة بالإسناد بدأت منذ عصر الصحابة بدليل مراجعة بعضهم بعضًا في عدد من الأحاديث، ومع أن هذا التثبت أخذ صورة جادة في عصر التابعين ومن بعدهم، منذ ظهرت فتنة عثمان وما تلاها، كما يقول ابن سيرين: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (1). مع هذا التثبت في الحديث خلال القرنين الأولين كان الإرسال في أثنائها وبعدها، وإنما كان أثر الفتنة هو البحث والتحري عند الشك والتردد في صحة الحديث، حتى إذا استكملت شروط الرواية وأحكمت قوانين الصناعة التزم بها المحدثون التزامًا دقيقًا، ونقدوا على أساسها ما وصلهم من روايات. وقد أعانهم على ذلك الالتزام وهذا النقد ما جمعوه من أحاديث البلدان المختلفة، وما بذلوه من جهد في جمع طرقها واستقصاء أسانيدها، فظهر لهم من المرسل ما أصله الاتصال، ومن المتصل ما أصله الإرسال، وميزوا المدرج من متن الحديث، وفطنوا إلى ما وقع فيه التدليس، ونبهوا إلى المدلسين.
لذلك ذهب جمهور المحدثين، وبخاصة أهل الظاهر، إلى رد المرسل وعدم صلاحيته للاحتجاج به وَعَدُّوهُ في جملة الأحاديث الضعيفة التي فقدت شرطًا من شروط الصحة، وهو اتصال الإسناد، فإن الصحابي الذي روى عنه التابعي مجهول، وإذا كانت الرواية عمن جهلت صفته مردودة، فأولى أن ترد عمن جهلت ذاته وصفته. ومع أنهم يقولون بعدالة الصحابة، فالصحابي المجهول معلومة صفته حينئذٍ، وهي العدالة - نراهم يقولون إن
__________
(1) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 106، نقلاً عن مقدمة " صحيح مسلم "؛ وانظر " الترمذي بشرح ابن العربي ": 13/ 307.
(1/262)

هناك احتمال كون الصحابي روى عن تابعي، أو يكون التابعي روى مرسله عن تابعي.
فإذا اعترض عليهم بأن رواية الصحابي عن تابعي احتمال نادر، وأن رواية التابعي الثقة حديثًا عن تابعي مثله لا تؤثر، إذ التابعي الثقة لا يروي حديثًا إلا أن يكون سمعه من صحابي - فإن الجواب عن ذلك أن الاحتياط هو الأمثل. والحقيقة أن الإجابة عن ذلك تكمن في الالتزام التام للقواعد التي أرساها المحدثون، والتي طبقها بعضهم تطبيقًا حرفيًا، حتى آل الأمر عند الظاهرية منهم إلى نوع من المغالاة والتحكم: وإلى ذلك يشير الدهلوي حيث يقول: «وَلَا يَنْبَغِي لِمُحَدِّثٍ أَنْ يَتَعَمَّقَ بِالقَوَاعِدِ التِي أَحْكَمَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ، فَيَرُدُّ بِهِ حَدِيثًا أَوْ قِيَاسًا صَحِيحًا كَرَدِّ مَا فِيهِ أَدْنَى شَائِبَةِ الإِرْسَالِ وَالانْقِطَاعِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ، رَدَّ حَدِيثَ تَحْرِيمِ المَعَازِفِ لِشَائِبَةِ الانْقِطَاعِ فِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ، عَلَى أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَثَلُهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَكَقَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَيُرَجِّحُونَ حَدِيثَهُ عَلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الآخِرِ أَلْفَ وَجْهٍ مِنَ الرُّجْحَانِ» (1)
وهكذا استقر رأي جمهور المحدثين وأهل الظاهر على عدم قبول المرسل. وفي ذلك يقول مسلم: «[وَالمُرْسَلُ فِي أَصْلِ] قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ» (2).
ويقول الترمذي: «وَالحَدِيثُ إِذَا كَانَ مُرْسَلاً، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الحَدِيثِ، قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ»، ثم ذكر الترمذي السبب في رد المرسل، فقال: «وَمَنْ ضَعَّفَ المُرْسَلَ فَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ حَدَّثُوا عَنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِ الثِّقَاتِ، فَإِذَا رَوَى أَحَدُهُمْ حَدِيثًا وَأَرْسَلَهُ لَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَدْ تَكَلَّمَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِي مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ، ثُمَّ رَوَى
__________
(1) " حجة الله البالغة ": 1/ 329.
(2) " صحيح مسلم بشرح النووي ": 1/ 132. وقد ذكر مسلم ذلك على لسان من يحتج لاشتراط اللقاء ولا يكتفي بالمعاصرة، وَقَدْ سَلَّمَ مسلم بهذه الحجة، وألزم خصمه بها.
(1/263)

عَنْهُ». ثم نقل مثل صنيع الحسن عن الشعبي، وسفيان بن عيينة. ولم ينس الترمذي أن يشير إشارة موجزة إلى أن بعض أهل العلم يحتج بالمرسل (1).
ويقول ابن الصلاح: «وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ وَالحُكْمِ بِضَعْفِهِ هُوَ المَذْهَبُ الذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ جَمَاهِيرِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِ الأَثَرِ» (2).
وقد بالغ ابن حزم في رد المرسل، وذكر أنه غير مقبول ولا تقوم به حجة، لأنه عن مجهول، ومن جهل حاله ففرض علينا التوقف في قبول خبره حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوي: «حَدَّثَنَا الثِّقَةُ»، أو لم يقل، «إِذْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ ثِقَةٌ مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْ جَرْحَتِهِ مَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الجَرْحَ أَوْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ»، ثم ذكر ابن حزم مِنْ أَسْبَابِ رَدِّ المرسل حصول الكذب في عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووجود منافقين ومرتدين بنص القرآن: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ} (3)، «وَلِقَاءُ التَّابِعِيِّ لِرَجُلٍ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ شَرَفٌ وَفَخْرٌ عَظِيمٌ فَلِأَيِّ مَعْنَى يُسْكَتُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ حُمِدَتْ صُحْبَتُهُ وَلَا يَخْلُو سُكُوتُهُ عَنْهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفْ مَنْ هُوَ وَلَا عَرَفَ صِحَّةَ دَعْوَاهُ الصُّحْبَةَ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا» (4).
وقد استثنى ابن حزم من المرسل ما قد صح الإجماع بما فيه، ونقل جيلاً بعد جيل كنقل القرآن، فاستغنى عن السند، كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وكثير من أعلام نبوته ومعجزاته (5).
__________
(1) انظر " الترمذي ": 13/ 328، [331].
(2) " مقدمة ابن الصلاح " في علوم الحديث: ص 26.
(3) [التوبة: 101].
(4) " الإحكام "، لابن حزم: ج 2 ص 3.
(5) " الإحكام "، لابن حزم: ج 2 ص 70.
(1/264)

وقد سبق أن ذكرنا أن جمهور المحدثين في القرن الثالث قد رَدَّ المرسل، أما القليل منهم فذهب إلى أنه صالح للاستدلال، وأخروا رتبته عن المسند، ومن هؤلاء أبو داود السجستاني حيث قال في " رسالته إلى أهل مكة " - والتي سبق أن نقلنا طرفًا منها - موضحًا منهجه في " سننه ": «فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدٌ غَيْرِ المَرَاسِيلِ، وَلَمْ يُوجَدْ المُسْنَدُ فَالمُرْسَلُ يُحْتَجُّ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ المُتَّصِلِ فِي القُوَّةِ».
وقد نقلنا عن أبي داود أيضًا أن ابن حنبل قد تابع الشافعي في الكلام في المراسيل. وقد رُوِيَ عن أحمد في المرسل قولان: أحدهما يضعه مع أبي حنيفة ومالك وغيرهما ممن قبلوا المرسل، والآخر يجعله متأثرًا بالشافعي في المنع منه.
والقول الثاني أقرب لمسلك الإمام أحمد ومكانته في صناعة الحديث، وإن كان هذا لا يمنعه من العمل به، فالمرسل من حيث الصناعة حديث ضعيف، ولهذا أخره أحمد عن فتوى الصحابي، وهو لا يقدمها على حديث صحيح (1)، ولكنه من حيث المعنى، يدخل في نطاق الأثر، فإنه إن لم يكن حديثًا فلن يخرج عن أن يكون قولاً لصحابي أو تابعي، والعمل بالأثر بمفهومه الواسع، خير من العمل بالرأي.
ولما سبق أن ذكرناه من تأثر المحدثين بالشافعي في موقفهم تجاه المرسل، حتى إن حججهم في رده لا تخرج عن الحجج التي ساقها الشافعي، توجز رأي الشافعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في المرسل، ولعله أول من نظم الكلام في شرائط الرواية، وكما كانت له اليد الطولى على علم أصول الفقه كان له مثلها على علم أصول الحديث.
__________
(1) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 34؛ و" ابن حنبل "، للأستاذ أبي زهرة: ص 227، 231. وذكر الآمدي في " الإحكام ": 2/ 177 أن العمل بالمرسل هو أشهر الروايتين عن أحمد. وفي " مسلم الثبوت ": 2/ 174، نسب القول به إلى أحمد من غير تفصيل.
(1/265)

وقد بَيَّنَّا من قبل أن المرسل في عرف الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين يطلق على مرسل التابعي ومرسل غيره مما يسمى في عرف المحدثين بالمنقطع.
والشافعي يرفض مرسل غير التابعي رفضًا تامًا، وكذلك مرسل صغار التابعين الذين تكثر مشاهدتهم للصحابة، لما حدث من توسع في الرواية حتى روى بعضهم عن الضعفاء، كما قد يروي بعض العلماء عن ضعيف يعلمه إذا وافق قولاً يقوله: «وَمَنْ نَظَرَ فِي العِلْمِ بِخِبْرَةٍ وَقِلَّةِ غَفْلَةٍ، اسْتَوْحَشَ مِنْ مُرْسَلِ كُلِّ مَنْ دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ» (1).
أما مرسل كبار التابعين فلا ينهض بمفرده أن يكون حجة، ولكن يمكن قبوله إذا انضم إليه واحد من أربعة، بعضها أقوى من بعض في الدلالة، وها هي ذي مرتبة ترتيبًا تنازليًا:
1 - أن يوافقه مسند صحيح في معناه.
2 - أن يوافقه مرسل آخر في معناه، روي من غير طريق الأول.
3 - أن يوافقه قول لأحد الصحابة.
4 - أن يفتي بمثل معنى المرسل جماعات من أهل العلم.
ولا يقتصر الشافعي على ذلك، بل يضيف إليه أن يكون هذا التابعي الكبير معروفًا بالضبط والحيطة، وألا يكون في شيوخه، الذين يصرح بهم في رواياته المتصلة - أحد مرغوب عنه ولا مجهول. وفي ذلك يقول: «ثُمَّ يُعْتَبَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ إِذَا سَمَّى مَنْ رَوَى عَنْهُ لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا مَرْغُوبًا عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ، وَيَكُونُ إِذَا شَرِكَ أَحَدًا مِنَ الحُفَّاظِ فِي حَدِيثٍ لَمْ يُخَالِفْهُ، فَإِنْ خَالَفَهُ وُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ: كَانَتْ فِي هَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ. وَمَتَى خَالَفَ مَا وَصَفْتُ أَضَرَّ
__________
(1) " الرسالة "، للشافعي: ص 467.
(1/266)

بِحَدِيثِهِ، حَتَّى لَا يَسَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَبُولَ [مُرْسَلِهِ]» (1).
هذه هي الشروط التي قيد بها الشافعي قبول المرسل، وهذا المرسل المقبول بكل ما عضده أضعف المسند، لأن فيه من الاحتمال ما ليس في المسند: «وَإِذَا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْتُ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَقْبَلَ مُرْسَلَهُ. وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَزْعَمَ أَنَّ الحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالمُتَّصِل، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى المُنْقَطِعِ مُغَيَّبٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ عَنْ مَنْ يُرْغَبُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ إِذَا سُمِّيَ وَإِنَّ بَعْضَ المُنْقَطِعَاتِ - وَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ مِثْلَهُ - فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَخْرَجُهَا وَاحِدًا، مِنْ حَيْثُ لَوْ سُمِّيَ لَمْ يُقْبَلْ» (2).
أما موقف الأصوليين بعد الشافعي، فالأحناف منهم ينقلون الاتفاق بين علمائهم على قبول مراسيل القرون الثلاثة الأولى: (الصحابة والتابعين وتابعيهم)، فأما مراسيل من بعد هذه القرون الثلاثة، فَقَدْ كَانَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيِّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَرَاسِيلِ أَهْلِ الأَعْصَارِ (*)، وكان يقول (**): «مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُسْنَدًا، تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسَلاً»، واختاره الآمدي من الشافعين حيث يقول: «وَالمُخْتَارُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ العَدْلِ مُطْلَقًا» (3).
«وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إِلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ مَنْ اِشْتَهَرَ فِي النَّاسِ بِحَمْلِ الْعَلْمِ مِنْهُ، كَمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ مَثُلاً، وَمَنْ اشْتَهَرَ بِالرِّوَايةِ دُونَ العِلْمِ فَإِنَّ مُسْنَدَهُ يَكُونُ حُجَّةً، وَمُرْسَلَهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَى مَنْ اشْتَهَرَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ. وَذَهَبُ أَبُو بَكَرَ الرَّازِيِ الْجَصَّاصُ إِلَى أَنَّ مُرْسَلَ مَنْ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ حُجَّةٌ، مَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ الرِّوايَةَ عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ ثِقَةٍ، وَمُرْسَلُ مَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةٌ إِلّا مَنْ اشْتَهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلّا عَمَّنْ هُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ»،
__________
(1) و (2) " الرسالة ": ص 461، 465، وفي الأصل: (الموتصل).
(3) " الإحكام " للآمدي: 2/ 177.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع: (أهل الأمصار) والصواب (أهل الأعصار)، انظر: " البحر المحيط "، للزركشي (ت 794 ه)، 6/ 352، الطبعة الأولى: 1414ه - 1994م، نشر دار الكتبي.
وانظر أيضًا: " الفصول في الأصول "، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت 370 ه)، 3/ 146، الطبعة الثانية: 1414 ه - 1994 م، نشر وزارة الأوقاف الكويتية.
(**) هذه القولة لعيسى بن أبان لا لأبي الحسن الكرخي، انظر المصدرين السابقين، في نفس الصفحات. في حين يثبتها السرخسي لأبي الحسن الكرخي كما أثبتها المؤلف، انظر " أصول السرخسي " (ت 490 ه)، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني (رئيس اللجنة العلمية لإحياء المعارف العثمانية)، 1/ 363، عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن - الهند. الطبعة الأولى: 1414 ه - 1993 م، دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
وفي (فهرس الآثار والأقوال) الذي جعلته لهذا الكتاب، نسبت هذا القول لعيسى بن أبان ولأبي الحسن الكرخي.
(1/267)

واختاره السرخسي (1).
وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ - وَمِنْهُمْ ابْنُ الحَاجِبِ المَالِكِيُّ، وَكَمَالُ الدِّينِ بْنُ الهُمَامِ الحَنَفِيِّ - إِلَى أَنَّ المُرْسَلَ يُقْبَلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ فِي أَيِّ قَرْنٍ، وَيُتَوَقَّفُ فِي المُرْسَلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ " (2).
أما معظم الأصوليين من الشافعية، فقد تبنوا فكرة الشافعي في المرسل ودافعوا عنها.
وأدلة الذين قبلوا المرسل تتلخص فيما يأتي:
[أ] أن الصحابة قد أرسلوا كثيرًا من الأحاديث، وقد اتفق على قبول مراسيلهم، وهذا حجة في قبول أصل المرسل.
[ب] أن رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له، لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين حاله، لكان ملبسًا وغاشًا، وذلك ينافي عدالته، بل بالغ بعضهم فجعل المرسل لذلك أقوى من المسند، لأنه إذا أسنده فقد وكل أمره إلى الناظر فيه ولم يلتزم صحته، بخلاف ما إذا أرسله، لأنه لا ينسب حديثًا إلى الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا إذا غلب على ظنه صدق من روى عنه.
ولهذا قال إبراهيم النخعي للأعمش عندما قال له: «إِذَا حَدَّثْتَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْنِدْ»، فرد عليه إبراهيم بقوله: «إِذَا قُلْتُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَإِذَا قُلْتُ حَدَّثَنِي فُلانٌ فَحَدَّثَنِي فُلانٌ»
و «كَانَ الحَسَنُ إِذَا اجْتَمَعَ لَهُ أَرْبَعَةٌ عَلَى الحَدِيثِ أَرْسَلَهُ إِرْسَالاً» (3).
__________
(1) " أصول السرخسي ": 1/ 359، 363.
(2) انظر: ج 2 ص 174.
(3) " الطبقات " لابن سعد: 6/ 190؛ و" الإحكام " للآمدي: 3/ 179؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 174، 175.
(1/268)

أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
في بداية حديثنا عن الأثر بينا أنه يشمل السنة، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وبعد أن استعرضنا موقف المحدثين ومنهجهم بالنسبة إلى الحديث، ننتقل الآن لنبين موقفهم من فتاوى الصحابة والتابعين.
وقد بَيَّنَّا أيضًا في فصل سابق أهمية عصر الصحابة، ووجوب دراسة فقههم واتجاههم، لتأثيرهم العميق فيمن أتى بعدهم من العلماء. ولهذا قال مالك: «" لَا تَجُوزُ الفُتْيَا إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ "، قِيلَ لَهُ: اخْتِلَافُ أَهْلِ الرَّأْيِ؟ فَقَالَ: " لَا، اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ...» (1).
وقد اتجه المحدثون إلى الأخذ بأقوال الصحابة إذا اتفقوا، وإلى التخير من أقوالهم وعدم الخروج عليها إذا اختلفوا، واعتبروا أقوالهم حينئذٍ حجة تقدم على القياس.
وكان لهم في ذلك سلف من التابعين: فقد روى الأوزاعي عن سعيد بن المسيب، أنه سئل عن شيء، فقال: «اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلاَ أَرَى لِي مَعَهُمْ قَوْلاً (*)».
قال ابن وضاح - هو محمد بن وضاح، من رواة هذا الخبر -: «هَذَا هُوَ الحَقُّ». قال أبو عمر بن عبد البر: «مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقَوْلٍ يُخَالِفُهُمْ [جَمِيعًا] بِهِ» (2).
وروى ابن حزم بسنده «عَنْ صَالِحٍ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: " قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: رَجُلٌ
__________
(1) " مالك "، لأبي زهرة: ص 105.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 29.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) الذي في " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر: «وَلاَ رَأَيَ لِي مَعَهُمْ». انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 1/ 770، حديث رقم 1423، الطبعة الأولى: 1414 ه - 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
(1/269)

طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً فَجَاءَ آخَرُ فَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا؟ "، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: " يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا الأُولَى، وَتَأْتَنِفُ مِنْ هَذِهِ عِدَّةً جَدِيدَةً، وَيُجْعَلُ صَدَاقُهَا فِي بَيْتِ المَالِ، وَلاَ يَتَزَوَّجُهَا أَبَدًا وَيَصِيرُ الأَوَّلُ خَاطِبًا ".
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا الأُولَى، وَتَسْتَقْبِلُ مِنْ هَذَا عِدَّةً جَدِيدَةً وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَيَصِيرُ كِلاَهُمَا خَاطِبَيْنِ - قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ هَذَيْنِ، فَإِنْ أَخْبَرْتُكَ بِرَأْيٍ فَبُلْ عَلَيْهِ "» (1).
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ المُتْعَةِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ , فَقَالَ: «كَرِهَهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - , فَإِنْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُمَا أَعْلَمُ مِنِّي، وَإِنْ يَكُنْ رَأْيًا فَرَأْيُهُمَا أَفْضَلُ» (2).
وقد كان أحمد بن حنبل يقدر الصحابة ويجلهم، ويتتبع خطاهم ويتأسى بهم.
رَوَى عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ "» قَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنَّ أَسْلُكَهُ.
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: «وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمَاعَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ فَأَحَبَّ ابْنُ عُمَرَ مُوَافَقَتَهُمْ، وَسُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ، وَأَحَبَّ أَحْمَدُ، أَيْضًا الاقْتِدَاءَ بِهِمْ وَاتِّبَاعَهُمْ» (3) (*)، فكان أحب إليه أن يخرج التمر في زكاة الفطر.
وقد ذكرنا فيما مضى أن ورع ابن عمر دفعه إلى التشدد حتى «إِنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي عَيْنَيْهِ فِي الوُضُوءِ» (**)، وقد ذكر بعض الحنابلة لذلك أن إدخال
__________
(1) " المحلى ": 9/ 480.
(2) " جامع بيان العلم ": 2/ 31.
(3) " المغني ": 3/ 62.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) إلى هذا الحد ينتهي كلام ابن قدامة في " المغني " وما يتلوه من كلام المؤلف - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى -.
(**) قارن بالصفحة 181 من هذا الكتاب.
(1/270)

الماء في العينين من سنن الوضوء، وذهب بعضهم إلى استحباب ذلك في الغسل خاصة، لأن أحمد «نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ»، ولأن غسل الجنابة أبلغ (1).
وقد جعل أحمد أقوال الصحابة من الأصول التي اعتمد عليها في استنباط فقهه، وتأتي مرتبتها بعد النصوص (القرآن والسنة الصحيحة) وقبل العمل بالحديث الضعيف والقياس، وقسم ابن القيم هذه الأقوال إلى قسمين: أولهما أقوى من ثانيهما: فالأول فتوى الصحابي التي لا يعرف لها مخالف والتي يسميها البعض بالإجماع السكوتي. والثاني إذا اختلف الصحابة في مسألة، فإن أحمد يتخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول (2).
وذكر ابن عبد البر أن أحمد بن حنبل لم يكن يستجيز النظر في اختلاف الصحابة بقصد الترجيح بينها: فقد روى أن محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال لأحمد: «إِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْأَلَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي أَقْوَالِهِمْ لِنَعْلَمَ مَعَ مَنِ الصَّوَابُ مِنْهُمْ فَنَتَّبِعَهُ؟». فَقَالَ لِي: «لَا يَجُوزُ النَّظَرُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقُلْتُ: «فَكَيْفَ الوَجْهُ فِي ذَلِكَ؟». قَالَ: «تُقَلِّدْ أَيَّهُمْ أَحْبَبْتَ» (3).
وفي بيان تأثر ابن حنبل بالصحابة وتأسيه بهم يؤكد ابن القيم أن من تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الآخر، ورأى الجميع كأنه تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على
__________
(1) " المغني ": 1/ 107. وقد ذكر ابن قدامة: «أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِبَصَرِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُحَرَّمًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا».
(2) انظر " إعلام الموقعين ": 1/ 32، 36.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 38.
(1/271)

قولين، جاء عنه في المسألة روايتان، وحتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل: «قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ فِي " مَسَائِلِهِ ": " قُلْت لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلٌ بِرِجَالٍ ثَبَتَ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ حَدِيثٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُتَّصِلٌ بِرِجَالٍ ثَبَتَ؟ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " عَنْ الصَّحَابَةِ أَعْجَبُ إلَيَّ "» (1).
ومما جاء من الفروع موضحًا هذا الاتجاه عند أحمد: «أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا غَصَبَ عَيْنًا فَنَقَصَتْ هَذِهِ العَيْنُ فِي يَدِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ النَّقْصِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَعْيَانِ».
ولكن روي عن أحمد بن حنبل «أَنَّ الدَّابَّةَ بِالذَّاتِ إِذَا أُصِيبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهَا فَإِنَّهَا تُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا العُمُومِ، وَتَضْمَنُ حِينَئِذٍ بِرُبْعِ قِيمَةِ الدِّيَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ».
أما إذا فقئت عيناها، فقد قال أحمد: «مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا».
وقد «رَأَى أَحْمَدُ أَنَّ البَعِيرَ وَالبَقَرَةَ وَالشَّاةَ غَيْرَ الدَّابَةِ، وَيُنْتَفَعُ بِلَحْمِهَا فَيُعَوَّضُ فِيهَا قِيمَةُ النَّقْصِ»، «وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ مِقْدَارًا فِي العَيْنِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَهِيَ الفَرَسُ وَالبَغْلُ وَالحِمَارُ خَاصَّةً لِلأَثَرِ الوَارِدِ فِيهِ، وَمَا عَدَا هَذَا يُرْجَعُ إلَى القِيَاسِ» (2).
فإذا لم يكن في المسألة من قرآن أو سنة، ولم يؤثر فيها قول لأحد من الصحابة - تخير ابن حنبل من أقوال التابعين: «قَالَ الأَثْرَمُ: " سَمِعْتُ
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 1/ 31، 32.
(2) " المغني ": 5/ 229. وقد قاس أبو حنيفة العينين على العين فجعل في قلع عيني البهيمة كالدابة والبعير والبقر نصف قيمتها، وفي قلع إحداها ربع قيمتها، لقول عمر لشريح: «أَجْمَعَ رَأْيُنَا أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ» (المصدر السابق).
(1/272)

أَبَا عَبْدِ اللَهِ يَقُولُ: إِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ عَن النَّبِيِّ - صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ لم نَأْخُذ فِيهَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَهِ - صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلٌ مُخْتَلَفٌ نَتَخَيَّرُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَلَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَدِيثٌ وَلَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَتَخَيَّرُ مِنْ أَقْوَالِ التَّابِعِينَ، وَرُبَّمَا كَانَ الحَدِيثُ عَنْ النَّبِي - صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي إِسْنَادِهِ شَيْءٌ فَنَأْخُذُ بِهِ إِذَا لَمْ يَجِيءَ خِلاَفُهُ. قَالَ: وَرُبَّمَا أَخَذْنَا بِالحَدِيثِ المُرْسَلِ إِذَا لَمْ يَجِيءَ خِلاَفُهُ» (1).
وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع، وجعل أقوال الصحابة والتابعين من الاتباع. فقد روى أبو داود أنه سمع أحمد يقول: «الاتِّبَاعُ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ هُوَ مِنْ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ» (2).
والتخيير هنا معناه رفع اللوم عمن لا يقول بقول التابعين، وإن قال بقولهم فهو متبع لا مقلد.
وقد ذكر الأستاذ الشيخ أبو زهرة في كتابه عن " ابن حنبل " «أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَتَيْنِ فِي أَخْذِهِ بِفَتَاوَى التَّابِعِينَ، وَإِنَّ مَنْ يَقُولُونَ بِالأَخْذِ بِهَا مِنَ الحَنَابِلَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى القِيَاسِ أَوْ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ، ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَأْخُذُ بِهَا لِمَا اشْتَهَرَ عَنْهُ مِنَ التَّوَرُّعِ عَنْ الرَّأْيِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الحِيطَةِ» (3).
وقد رأينا البخاري يكثر من ذكر آراء الصحابة والتابعين يدعم بها
__________
(1) " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ": ص 26.
(2) " إعلام الموقعين " مع " حادي الأرواح ": 2/ 302.
(3) " ابن حنبل "، لأبي زهرة: ص 257، 258.
(1/273)

رأيه، وبخاصة في مواضع الاختلاف، ويكاد يعتمد عليها وحدها في أبواب التفسير.
فقد روي عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «البِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمْسُ». وقد اختلف في تفسير الركاز: هل هو دفن الجاهلية خاصة، أم هو ما احتوته الأرض من كنوز الثروة الطبيعية، أو الصناعية التي خبأها الإنسان؟.
وقد ترتب على ذلك خلاف في العنبر الذي يستخرج من البحر، هل فيه الخمس أم لا؟ وقد ذهب البخاري إلى أن العنبر ليس بركاز، فلا شيء فيه، وكذلك كل ما يستخرج من البحر، وارتضى ما روي عن ابن عباس في ذلك، ورد على الحسن الذي قال: «إِنَّ فِيهِ الخُمُسُ»:
يقول البخاري: (بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ». وَقَالَ الحَسَنُ: «فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الخُمُسُ» فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ» لَيْسَ فِي الذِي يُصَابُ فِي المَاءِ).
ثم استدل بما روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ المَدِينُ يَبْحَثُ عَنْ مَرْكَبٍ فِي البَحْرِ لِيَصِلَ إِلَى الدَّائِنِ فَيُوفِيَهُ دَيْنَهُ فَلَمْ يَجِدْ، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا» (1).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 171. واستدلال البخاري بهذا الحديث يجعله من الذين يأخذون بشرع من قبلنا، إذا جاء بطريق صحيح، ولم يقم دليل على نسخه، وقد استدل بجزء من هذا الحديث في (بَابُ الشُّرُوطِ فِي القَرْضِ): 2/ 76، ونقل عن ابن عمر وعطاء: «إِذَا أَجَّلَهُ فِي القَرْضِ جَازَ» وبه أيضًا: 2/ 39، 40 كما استدل أيضًا بحديث عن بني إسرائيل في: 2/ 29.
(1/274)

ويقول البخاري: (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ». وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: «مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ») (1).
ويقول: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، «فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا») (2) بل إنه أحيانًا يعقد الباب لا يذكر فيه حديثًا واحدًا مرفوعًا، بل يقتصر على الترجمة التي يذكر فيها رأيه، ويدعمه بأقوال الصحابة والتابعين، ومن ذلك قوله في كتاب الطلاق: (بَابُ لَا طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاحِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «جَعَلَ اللَّهُ الطَّلاَقَ بَعْدَ النِّكَاحِ». وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُوسٍ، وَالحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ (*)، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، وَالشَّعْبِيِّ: أَنَّهَا لاَ تَطْلُقُ) (3).
هذا هو كل ما ذكره في هذا الباب، وهو لا يعدو أن يكون رأيًا لهذا الجمع من السلف الصالح. بل قد رأينا البخاري يعطي قول الصحابي حكم الحديث
__________
(1) " البخاري ": 1/ 11. وقد روى أبو داود عن عمر بن عبد العزيز إجابته عمن سأله عن القدر، محتجًا بها في " سننه ": (4/ 283، 284).
(2) " البخاري ": 1/ 33.
(3) " البخاري ": 3/ 271، 272.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قَالَ الإِمَامُ القَسْطَلَّانِيُّ: (عَامِرُ بْنِ سَعْدٍ) هُوَ البُجَلِيَّ الكُوفِيُّ التَّابِعِيُّ كَمَا قَالَهُ فِي " الفَتْحِ " وَجَزَمَ الكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرَ: «وَفِيهِ نَظَرٌ»، وَتَعَقَّبَهُ العَيْنِيُّ بِأَنَّ صَاحِبَ " رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ " لَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنِ سَعْدٍ البُجَلِيَّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى إِسْنَادِ هَذَا الأَثَرَ.
" إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري "، للقسطلاني (ت 923 ه)، 8/ 142، الطبعة السابعة: 1323 ه، نشر المطبعة الكبرى الأميرية - مصر.
(1/275)

المرفوع فيستدل به فيما يعقده من الأبواب. ومن أمثلة ذلك ما جاء في الباب الذي ترجمه بقوله: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ. وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا»، قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا كَأَنَّهُ لاَ يُوجِبُهُ عَلَيْهِ». وَقَالَ سَلْمَانُ: «مَا لِهَذَا غَدَوْنَا» وَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا ...». وقد روى البخاري في هذا الباب «أَنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ» (1).
ونلاحظ أن هذا الحديث ليس فيه إضافة إلى قول للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو إلى عمل له، وإنما فيه قول عمر فقط، إلا أن يقال إنه ذكر ذلك بمحضر الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فصار إجماعًا، والإجماع لا يكون إلا عن توقيف عند من يرى ذلك.
إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة التي حفل بها " صحيح البخاري " (2).
ولم يأخذ الظاهرية بأقوال الصحابة والتابعين، ونعى ابن حزم على من يأخذ بأقوال الصحابة فيما لا مدخل للرأي فيه، مرجحًا أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف، وقد أبطل ابن حزم ذلك، مبينًا أن أقوال الصحابة فيها الصواب والخطأ (3).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 125.
(2) انظر - كتاب التفسير - من " صحيح البخاري "، و: 1/ 35، 51. 2/ 28، 96. 3/ 272. 4/ 256 في موضعين، وغيرها.
(3) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 74، 76.
(1/276)

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «الوِتْرُ كَصَلاَةِ المَغْرِبِ». وعلق ابن حزم على ذلك بقوله: «قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلاَ نَقُولُ بِهِ، إِذْ لَا حُجَّةَ إلاَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ أَوْ عَمَلُهُ أَوْ إقْرَارُهُ فَقَطْ» (1).
وحتى في التقديرات التي يقدرها الصحابة، والتي رأى بعض العلماء وجوب اتباع الصحابة فيها، لأنها لا تقال بالرأي، لم ير ابن حزم أنها حجة، ولم يجد فيها ما يمنعه من الاجتهاد ومخالفة أقوال الصحابة، يتضح ذلك في كفارة اليمين، فقد ذهب ابن حزم إلى أن من أراد التكفير بالإطعام فلا يجزئه إلا إطعام عشرة مساكين، أما المقدار فهو مثل ما يطعم الإنسان أهله: إن كان دقيقًا، فليعط المساكين دقيقًا، أو حَبًّا أو خبزًا كذلك، يعطي من الصفة والكيل الوسط، لا الأعلى ولا الأدنى.
ثم ذكر ما جاء من الاختلاف في ذلك: «فَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي كَفَّارَةِ اليَمِينِ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ [حِنْطَةٍ]، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ. وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ. [وَرُوِّينَا] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعُ تَمْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ ...» الخ الآراء التي ذكرها، ثم عقب عليها بقوله: «هَذِهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ لاَ حُجَّةَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ سُنَّةٍ» (2).
أما موقف (3) باقي المذاهب في الأخذ بأقوال الصحابة والتابعين، فنجملها فيما يلي: إذا قال الصحابي قولاً، ولم يعلم له مخالف: فإن كان هذا القول مشهورًا في عصر الصحابة، فالذي عليه جماهير الفقهاء أنه إجماع
__________
(1) " المحلى ": 3/ 46، وانظر مثله أيضًا في: 3/ 50، 160، 221.
(2) " المحلى ": 8/ 72، 74.
(3) من " إعلام الموقعين " بتصرف: 3/ [378]، 381.
(1/277)

وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع. وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة.
وإن لم يشتهر قول الصحابي فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة: هذا هو قول أبي حنيفة وجمهور الحنفية (1)، وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في " موطئه " يدل عليه (2). وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وهو منصوص أحمد في غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه.
وهو منصوص الشافعي في القديم والحديث: أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية نظر ظاهر جدًا (3).
وقد ذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة،
__________
(1) لا خلاف بين الأحناف، متقدميهم ومتأخريهم، في اعتبار قول الصاحب حجة فيما لا مدخل للرأي فيه، نحو المقادير، أما ما عدا ذلك من قول الصحابي فقد ذكر بعض الأصوليين أن أئمة الأحناف اختلف عملهم في هذه المسألة، فتارة يقلدون، وتارة لا يقلدون، لكن ابن عبد الشكور وابن القيم نَقَلاَ نَصَّ أبي حنيفة في اعتباره أقوال الصحابة، أما عمله في بعض المسائل على خلاف قول الصحابي، فلعله عنده دليل معارض (انظر " أصول السرخسي ": 2/ 105، 112؛ و" مسلم الثبوت " و" شرحه ": 2/ 188؛ و" التقرير والتحبير ": 2/ 310؛ و" إعلام الموقعين ": 3/ 381.
ومما يدل على أخذ أبي يوسف بقول الصحابي ما جاء في كتابه " الخراج " حيث قال: «وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولانِ: لَيْسَ [فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ]- فيما يخرج من البحر حليه وعنبر - لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّمَكِ.
وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَرَى فِي ذَلِكَ الخُمُسَ [وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ أَخْرَجَهُ]؛ لأَنَّا قَدْ رُوِّينَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ عَبَّاسٍ فَاتَّبَعْنَا الأَثَرَ وَلَمْ نَرَ [خِلافَهُ]» (" الخراج ": ص 83. المطبعة السلفية، 1346 ه).
(2) انظر " مالك "، لأبي زهرة: ص 308، 318. الطبعة الثانية.
(3) ذكر ذلك ابن القيم، وأثبته بالأدلة في " إعلام الموقعين ": 3/ 379، 381؛ وانظر " الشافعي "، لأبي زهرة: ص 301، 311.
(1/278)

وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، لأن الصحابي مجتهد غير معصوم فلا يجب تقليده (1).
وإذا قال الصحابي قولاً لم يخالف فيه، فإنه يقدم على القياس عند الآخذين به لأنه ملحق بالنصوص، فيأتي بعد الكتاب والسنة، ويترك القياس لأجله.
وذهب بعض العلماء إلى أنه حجة فيما خالف القياس لا فيما وافقه، لأن مخالفته القياس دليل على أن قوله عن توقيف لا عن رأي.
أما إذا اختلف الصحابة فإنه يرجح بين أقوالهم، ولا يخرج عنها.
وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي دَعْمِ حُجِّيَّةِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَسَاقَ فِي ذَلِكَ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا (2).

المَوْضُوعِيَّةُ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ:
في نهاية بحثنا مسائل الاتجاه إلى الآثار، التي رأينا أن التعرض لها مما يعين على تعرف منهج المحدثين، ويوضح الفروق بينهم وبين غيرهم في الأخذ بالسنة وآثار السلف، نقف وقفة قصيرة تجمع فيها شتات ما قيل في ذلك، ولنلقي عليه نظرة فاحصة، محاولين تقويم عمل هؤلاء وهؤلاء، قبل أن ننتقل إلى النتائج التي أسفر عنها هذا الاتجاه.
وقد رأينا أن مظهر الخلاف بين المحدثين وغيرهم - وبخاصة الأحناف
__________
(1) جَعَلَ الغَزَالِيُّ قَوْلَ الصَّحَابِيَّ مِنَ الأُصُولِ المَوْهُومَةِ، وَقَدْ سَاقَ البَرَاهِينَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ تَقْلِيدِهِمْ، ثُمَّ سَاقَ الخِلَافَ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ، وَعَقَدَ فَصْلاً لِتَفْرِيعِ الشَّافِعِيِّ فِي القَدِيمِ عَلَى الأَخْذِ بِأَقْوَالِهِمْ (انظر " المستصفى ": 1/ 260، 264).
(2) راجع " إعلام الموقعين ": 3/ 381 - 404.
(1/279)

والمالكية - ينحصر في أخبار الآحاد، فإنهم بعد الاتفاق على وجوب الأخذ بها تميز المحدثون - ومن ذهب مذهبهم - عن غيرهم في أمرين:
- أولهما: ميلهم إلى أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم، وخالفهم الجمهور في أنها لا تفيد إلا الظن.
- ثانيهما: ميلهم إلى الاهتمام بالإسناد، حتى إن شروطهم في صحة الحديث تكاد تكون مقصورة عليه، وَلَا يَرُدُّونَ مَتْنًا سَلِمَ إِسْنَادُهُ، إلا إذا خالف القرآن والسنة المتواترة مخالفة صريحة لا مجال فيها للتأويل (1). فمتى تحققت صحة الإسناد بتوافر شروطه، اعتبر الحديث صحيحًا، وأصبح نصه حينئذٍ مساويًا لنص الكتاب، فيفيد الحديث مع الآية، ما تفيده الآية مع الآية، من نسخ حكم، أو بسط مجمل، أو تقييد مطلق، أو تخصيص عام.
أما المذاهب الأخرى فتوافق المحدثين في بعض الشروط، وتخالفها في بعضها الآخر، ويستحدث بعضها بعضًا لنفسه شروطًا زائدة.
فالعدالة والضبط وما يتفرع عنهما: من الإسلام، وحسن الخلق، والصدق، والحفظ، وعدم الغفلة والوهم، كل أولئك شروط متفق على أصلها، وإن اختلف في مقدارها وتطبيقها.
__________
(1) إن شروط الصحيح، المستنبطة من تعريف المحدثين له، وهي العدالة والضبط واتصال الإسناد، والخلو من الشذوذ والعلل - جلها راجع إلى نقد السند. وما ذكره العلماء من قواعد نقد المتن عند المحدثين - من ركاكة في اللفظ أو فساد في المعنى أو معارضة صريح القرآن وغير ذلك - لم تأت الأحاديث التي ذكروها أمثلة لذلك من طريق صحيح، فهي إذن تؤول إلى الإسناد.
وقد سبق أن نقلنا قول ابن حزم: «لَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِ خَبَرٍ صَحِيحٍ مُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ [أَصْلاً]» (*).
(انظر قواعد نقد متن الحديث، وأمثلة له، في " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي: ص 114، 120؛ و" السنة قبل التدوين "، للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص 241، 248).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قارن بما ورد في الصفحة 205 من هذا الكتاب.
(1/280)

ولكن اتصال السند شرط للمحدثين خالفهم فيه غيرهم، مما ترتب عليه رد المرسل وقبوله عند الآخرين على التفصيل الذي بيناه آنِفًا.
ولكن الأحناف والمالكية اشترطوا للخبر شروطًا أخرى، فلم يقبلوه بإطلاق إذا عارض الكتاب أو قيد مطلقه، وكذلك إذا كان مما تعم به البلوى، أو أفتى الصحابي بخلاف روايته، أو كان مخالفًا لما عليه عمل أهل المدينة، وردوا بذلك أحاديث صحت أسانيدها.
ويلفت النظر أن الأحناف والمالكية الذين نقدوا متن الحديث بناء على أسسهم السابقة، قد أخذوا بالمرسل الذي لم يستوف شرط الإسناد، وكأنهم يضعون في المقام الأول المعاني التي تتضمنها الأحاديث، ثم يأتي السند بعد ذلك في مرتبة ثانية على عكس رجال الحديث.
ولكن إذا كان أخذ هؤلاء بالمرسل حذرًا من ترك شيء من السنن، وحسن ظن بمن أرسل، فإن هذا السبب نفسه متحقق فيما تركوه.
ولئن كانت الحيطة في الدين، والخوف من أن يدخل في السنة ما ليس منها هو الذي دفعهم إلى ترك ما تركوه، فإن هذا بعينه متحقق في المرسل.
إن النظرة السريعة للمنهجين السابقين، قد تصم منهج المحدثين السطحية وعدم الاهتمام بنقد متن الحديث، وإغفالهم للاحتمالات الممكنة التي قد تلحق خبر الآحاد.
ولكن الإنصاف يقتضي أن نقرر أن المحدثين في اهتمامهم بالسند قد قللوا من احتمالات السهو والخطأ، وكان لاهتمامهم [بالطرق] المختلفة ما أعانه على كشف المدرج في الحديث من الأصل، وعلى تمييز الموقوف من المرفوع، وألفوا في المدلسين وغيرهم، ووصلت بهم الدقة إلى أن يعرفوا هل استمر حفظ الحافظ أو تغير، وإذا تغير فمتى؟ وَمَنْ مِنَ الرواة روى
(1/281)

عنه قبل التغير، ومن منهم روى عنه بعدما تغير، إلى غير ذلك من الأصول المحكمة التي تجعل الاحتمالات التي يمكن أن تلحق بالأخبار بعد ذلك احتمالات نادرة، لا يلتفت إليها.
إن اتجاه المحدثين في الشروط يمثل النظرة الموضوعية، ويضع القاعدة المطردة، التي لا تتأثر كثيرًا بذاتية الباحث، فكلما تحققت الشروط، تحققت صحة الحديث، فوجب العمل به، وكلما فقد شرط تأثرت صحة الحديث، فلا يلزم قبوله. وشروطهم شروط موضوعية، تلتزم الظاهر، وتترك الاحتمالات الناشئة لا عن دليل، أو كما يقول الغزالي: «لَسْنَا نَعْنِي بِالقَبُولِ التَّصْدِيقَ وَلاَ بِالرَّدِّ التَّكْذِيبَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ العَدْلِ، وَرُبَّمَا كَانَ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلاَ يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الفَاسِقِ وَرُبَّمَا كَانَ صَادِقًا. بَلْ نَعْنِي بِالمَقْبُولِ مَا يَجِبُ العَمَلُ بِهِ، وَبِالمَرْدُودِ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي العَمَلِ بِهِ» (1).
ولكن هذه الموضوعية عند المحدثين تحولت عند بعضهم إلى نوع من التزمت الصارم، والحرفية في التطبيق، والالتزام العبودي للقواعد التي صنعوها، فلم يفتحوا عيونهم على الآفاق الرحيبة للتشريع الإسلامي، وقد نقلنا فيما سبق قول الدهلوي: «وَلَا يَنْبَغِي لِمُحَدِّثٍ أَنْ يَتَعَمَّقَ بِالقَوَاعِدِ التِي أَحْكَمَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ، فَيَرُدُّ بِهِ حَدِيثًا أَوْ قِيَاسًا صَحِيحًا ...».
أما من تكلم في الأصول من الأحناف والمالكية، فإن كثيرًا منهم لم ينظروا إلى شروطهم في الحديث نظرة موضوعية مجردة، بل نظروا إليها نظرة ذاتية مقيدة بمذاهب أئمتهم واتجاهاتهم، بمعنى أن أئمتهم كانت لهم آراء
__________
(1) " المستصفى ": 1/ 155.
(1/282)

لم يفصحوا في كثير منها عن مستندهم فيها، فجاء هؤلاء وألبسوها أصولاً تناسبها، فكان فيها من التناقض ما أتاح لخصومهم أن يشهروا بهم، ويشنعوا عليهم، لأنهم في الحقيقة لم يقروا أصولاً تخضع لها الفروع، بل أخضعوا الأصول لما أثر عن أئمتهم من الفروع، ناسين أن الأئمة كانوا مجتهدين، والذاتية في المجتهد أمر لا مفر منه على الرغم من الأصول العامة التي لا يحق له أن يتعداها، إلا أنها تمنحه حرية الحركة في إطارها، فما لم يعلن المجتهد بنفسه عن خطته في قبول الحديث فإن وضع منهج له من خلال تصرفه يكون أمرًا ظنيًا يدخله الكثير من الاحتمالات، لأن سلوك اثنين الطريق واحد، ليس دليلاً على وحدة الدوافع ولا وحدة الأهداف، وكذلك اتفاقهما على صحة الحديث لا يستلزم اتفاقهما في أسباب الصحة ولا في وجوب العمل به. ولهذا كان لزامًا على من يتكلم في أسس نقد الحديث أن يتصل به اتصالاً مباشرًا مجردًا عن النتائج التي تسبق مقدماتها، والأحكام التي يبحث لها عن مسوغات.
(1/283)

الفَصْلُ الثَّالِثُ (*): نَتَائِجُ الاِتِّجَاهِ إِلَى الآثَارِ:
أسفر هذا الاتجاه عن نتائج، نسجل أهمها فيما يأتي:

[أ] التَّوَقُّفُ فِيمَا لَا أَثَرَ فِيهِ:
رأينا فيما سبق أن غير المحدثين شاركوا المحدثين في الأخذ بالآثار، ولكن اتجاه المحدثين إلى الآثار كان يعني قصر الحجة عليها، وعدم اعتبار الرأي، ولهذا توسعوا في الأخذ بها.
وهذا الاتجاه يقتضي التوقف في المسائل التي لا أثر فيها، والإحالة إلى من جرؤ على الفتيا من معاصريهم أو ممن سبقهم.
ولهذا كثر في إجابتهم «لَا أَدْرِي»، أو «لَا أَعْلَمُ»، يتواصون بها وينقلونها عن السلف، فعن أبي الدرداء (**) قال: «قَوْلُ الرَّجُلِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ: لاَ أَعْلَمُ نِصْفُ العِلْمِ» (1) وعن ابن عباس: «إِذَا أَخْطَأَ العَالِمُ لَا أَدْرِي - أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ» (2)، وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: " نِعِمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ: «لَا عِلْمَ لِي بِهِ» (3).
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: «هِيَ زَبَّاءُ هَلْبَاءُ ذَاتُ وَبَرٍ وَلاَ أُحْسِنُهَا وَلَوْ أُلْقِيَتْ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأَعْضَلَتْ بِهِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي العُنُوقِ (...) وَلَسْنَا فِي النُّوقِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدِ اسْتَحْيَيْنَا مِنْكَ مِمَّا رَأَيْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: لَكِنَّ المَلاَئِكَةَ المُقَرَّبِينَ لَمْ تَسْتَحِ حِينَ قَالَتْ:
__________
(1) و (2) " جامع بيان العلم ": 2/ 54.
(3) " جامع بيان العلم ": 2/ 52، وانظر القصة بالتفصيل في " إعلام الموقعين ": 2/ 291.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع خطأ (الفصل الرابع) والصواب (الفصل الثالث) قارن ب (فهرس الموضوعات) صفحة 667، السطر 18 حيث جعله فصلاً ثالثًا. (وهو ما نص عليه المؤلف - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى - في [تصحيح الأخطاء] في صفحة 663 من هذا الكتاب).
(**) في المطبوع من " جامع بيان العلم وفضله " (قَالَ أَبُو دَاوُدُ)، قال محقق الكتاب: «كذا في أ، ولعله الصواب، والظاهر أنه من قوله بعد الفراغ من ذكر آثار الباب في الكتاب المذكور تحت رقم (1580) باسم " حديث مالك " والله أعلم، وفي ط: أبو الدرداء.
انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 1/ 842، حديث رقم 1586، الطبعة الأولى: 1414 ه - 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
(...) في " جامع بيان العلم ": (الغُوقِ)، انظر نفس المصدر، ص 832.
(1/284)

{لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]» (1).
وسئل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: «لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا بِشَيْءٍ» فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنِّي أَرْضَى بِرَأْيِكَ , فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: «لَعَلِّي [أَنْ] أُخْبِرُكَ بِرَأْيِي ثُمَّ تَذْهَبُ، [فَأَرَى بَعْدَكَ] رَأْيًا غَيْرَهُ [فَلاَ أَجِدُكَ]» (2).
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: «لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ إِلاَّ رَأْيٌ أَتَّهِمُهُ» فَيُقَالُ لَهُ: قُلْ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِرَأْيِكَ فَيَقُولُ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَأْيِي يَثْبُتُ لَقُلْتُ فِيهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أَرَى اليَوْمَ رَأْيًا وَأَرَى غَدًا غَيْرَهُ، فَأَحْتَاجُ أَنْ أَتْبَعَ النَّاسَ فِي دُورِهِمْ» (3).
وهذا الموقف نفسه يُرْوَى عن ابن شهاب الزهري، فقد سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا وَمَا نَزَلَ بِنَا»، فقال السائل: إنه قد نزل لبعض إخوانك. قال: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا، وَمَا أَنَا بِقَائِلٍ فِيهِ شَيْئًا» (4).
هذا التوقف في المسائل التي لا أثر فيها، حتى وإن كانت هذه المسائل مما يعانيه الناس ويبتلون به، قد ورثه المحدثون عن السلف، فساروا على منوالهم، لا يفتون إلا عن علم، ويتحرجوا من الإفتاء بالرأي. والعلم في عرفهم هو العلم بالآثار (5).
__________
(1) " جامع بيان العلم ": 2/ 51. يقال للداهية الصعبة: زباء ذات وبر: والزبب: كثرة الشعر، يعني أنها جمعت بين الشعر والوبر. والعُنُوقُ - بضمتين -: جمع عناق - بالفتح - هي الأنثى من المعز وهو مثل يضرب في الضيق بعد السمة (هامش المصدر نفسه).
(2) و (3) " جامع بيان العلم ": 2/ 32.
(4) " جامع بيان العلم ": 2/ 165.
(5) بدليل أن عَطَاءَ سُئِلَ عَنْ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَقَالَ: «تُصَلِّي وَتَصُومُ [وَتَقْرَأُ القُرْآنَ وَتَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ ثُمَّ تَطُوفُ» فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى]: أَيَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، [قَالَ سُلَيْمَانُ]: أَرَأْيٌ أَمْ عِلْمٌ؟ قَالَ: «[بَلَى] سَمِعْنَا أَنَّهَا إِذَا صَلَّتْ وَصَامَتْ حَلَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا».
وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَطَاءً، عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الحَجِّ، فَأَجَابَ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «أَرَأْيٌ أَمْ عِلْمٌ؟»، قَالَ: «بَلْ عِلْمٌ». (انظر " جامع بيان العلم ": 2/ 30، 31).
(1/285)

هذا أحمد بن حنبل - وهو الذي هيأت له الظروف أن يقصد للفتوى - يروي عنه الكثير من قول: «لَا أَدْرِي». قَالَ أَبُو دَاوُد فِي " مَسَائِلِهِ ": «مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا فِيهِ الاخْتِلاَفُ فِي العِلْمِ فَيَقُولُ: " لَا أَدْرِي "». قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا رَأَيْت مِثْلَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الفَتْوَى أَحْسَنَ فُتْيَا مِنْهُ، كَانَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: " لَا أَدْرِي "».
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: «كُنْت أَسْمَعُ أَبِي كَثِيرًا يُسْأَلُ عَنْ المَسَائِلِ فَيَقُولُ:" لَا أَدْرِي " وَيَقِفُ إذَا كَانَتْ مَسْأَلَةٌ فِيهَا اخْتِلاَفٌ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ: " سَلْ غَيْرِي "، فَإِنْ قِيلَ لَهُ: مَنْ نَسْأَلُ؟ قَالَ: " سَلُوا العُلَمَاءَ "، وَلاَ يَكَادُ يُسَمِّي رَجُلاً بِعَيْنِهِ».
وقال لبعض أصحابه: «إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إمَامٌ» (1).
وقال أبو بكر الأثرم (أحمد بن محمد بن هانئ): «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ -، وَقَدْ عَاوَدَهُ السَّائِلُ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ , فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " [بِرَأْيٍ] أَسْتَعْفِي مِنْهَا، وَأُخْبِرُكَ أَنَّ فِيهَا اخْتِلاَفًا فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يُزَكِّي كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَتُلِحُّ عَلَيَّ تَقُولُ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهَا؟ [مَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهَا؟] وَمَا عَسَى أَنْ أَقُولَ فِيهَا؟ وَأَنَا أَسْتَعْفِيَ مِنْهَا، كُلٌّ قَدِ اجْتَهَدَ " , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: " لَا بُدَّ أَنْ نَعْرِفَ مَذْهَبَكَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ لِحَاجَتِنَا إِلَيْهَا " فَغَضِبَ وَقَالَ: " أَيُّ شَيْءٍ بُدٌّ إِذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا، يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَقُولَ فِيهِ؟ "، ثُمَّ قَالَ: " وَإِنْ قُلْتُ فَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ وَإِنَّمَا العِلْمُ مَا جَاءَ مِنْ فَوْقٍ، وَلَعَلَّنَا أَنْ نَقُولَ القَوْلَ ثُمَّ نَرَى بَعْدَهُ غَيْرَهُ» (2).
وقد ترجم البخاري بعض أبوابه بقوله: (بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَيَقُولُ: «لَا أَدْرِي»، أَوْ لَمْ
__________
(1) " إعلام الموقعين ": 1/ 36.
(2) " جامع بيان العلم وفضله ": 2/ 31.
(1/286)

يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلاَ بِقِيَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ (1).
وقول الإنسان: «لَا أَعْلَمُ» فيما لا يعلمه قول جميل يدل على ورع وشجاعة في مواجهة الغرور وغيره من أهواء النفس الإنسانية.
ولكن الإكثار من هذا القول، وبخاصة فيما يمكن أن يعلم، وفيما تتطلبه احتياجات الناس، يجعل الاتجاه إلى قاصرًا عن الوفاء بهذه الاحتياجات، فينصرف الناس عن المحدثين، ويحملهم على أن يُوَلُّوا وجوههم شطر من يستطيعون الإجابة عن أسئلتهم، وتلبية مطالبهم ومن يمتازون بسرعة الفصل فيما نزل وفيما يستجد من النوازل، ولعل هذا الموقف من المحدثين كان من أسباب انصراف الناس عن فقههم، ولولا ظهور محنة ابن حنبل وما هيأته له من مكانة ما قصد للفتوى هذا القصد، وما اهتم أحد بجمع فقهه ونشره هذا الاهتمام.
ولقد أكثر المحدثون من قول: «لَا أَدْرِي»، وتناقلوا أن قولها نصف العلم، حتى نقل عن أبي حنيفة أنه شنع عليهم بذلك، كما شنعوا عليه بكثرة المسائل، فقال: «يَكْفِي المَرْءَ أَنْ يَقُولَ: (لَا أَدْرِي) مَرَّتَيْنِ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ العِلْمَ» (2).

[ب] كَرَاهِيَةُ الفِقْهِ التَّقْدِيرِيِّ:
وإذا كان موقف المحدثين فيما لا أثر فيه هو التوقف والتحرج، فإننا لا نتوقع منهم أن يرحبوا بالمسائل الافتراضية، التي يبتغي منها استنباط أحكام لأحداث لم تقع بعد، ولكن يفترض حدوثها.
__________
(1) " البخاري ": 4/ 263؛ و" فتح الباري ": 13/ 247.
(2) " ضحى الإسلام ": 2/ 188.
(1/287)

بل إنهم قد وجهوا كثيرًا من النقد إلى هذا الفقه التقديري، مستدلين في إثبات كراهيته بآيات وأحاديث، وأقوال للصحابة والتابعين (1).
وقد عنون البخاري بابًا بقوله: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]) (2).

[ج] كَرَاهِيَةُ إِفْرَادِ الفِقْهِ بِالتَّدْوِينِ:
وهذه أيضًا من نتائج اتجاه المحدثين إلى الآثار وحصرهم الحجة فيها، فالآثار هي الأصل، أما الآراء فليس فيها من الأصالة ما يتيح لها الدوام والاستقرار، فإن لم يكن بد من ذكر الرأي فليذكر متصلاً بالنصوص والآثار، حتى لا يطغى الرأي على النصوص أو يتخذ أصلاً دونها، وحتى يكون عند الناظر فيه فرصة للموازنة بين النصوص وما استنبط منها.
ولهذا لم نعثر على كتاب فقهي مستقل لأحد من المحدثين (3)، تجمع فيه المسائل على حسب ما تندرج فيه من أبواب، بل نقل عنهم كراهية ذلك، فكان أحمد بن حنبل لا يستجيز التدوين بالنسبة للآراء الفقهية، ويرى أن من البدع تدوين آراء الناس، وكان يكره من أصحابه أن ينقلوا عنه فتاويه، أو فتاوى غيره، وينهى المحدثين عن أن يكتبوا كتب الشافعي وأبي ثور وكتب أهل الرأي (4).
__________
(1) انظر ما سبق في ص 61 وما بعدها.
(2) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 258، 260.
(3) أثر عن بعض المحدثين كتب في بعض فروع الفقه ولكن هذه الكتب عبارة عن رسائل لا تخرج في حقيقتها عن كونها كتب آثار في موضوعات خاصة ومن ذلك كِتَابَا البخاري: " قرة العينين برفع اليدين في الصلاة "، و" خير الكلام في القراءة خلف الإمام "، وكذلك " رسالة " ابن حنبل في الصلاة.
(4) انظر " ابن حنبل "، لأبي زهرة: ص 39؛ و" فتح الباري ": 13/ 12 حيث نقل ابن حجر عن ابن حنبل كراهية تدوين الآراء الفقهية.
(1/288)

وكراهية تدوين الآراء الفقهية يستمد اعتباره من صنيع السلف، إذ يروى أن أقوامًا سألوا زيد بن ثابت عن أشياء، فلما أجابهم عنها كتبوها من غير علمه، ثم أخبروه فقال: «لَعَلَّ كُلَّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ خَطَأٌ، إِنَّمَا اجْتَهَدْتُ لَكُمْ رَأْيِي».
قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكَ فَقَالَ: «إِنَّا لِلَهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، يَكْتُبُونَ رَأْيًا أَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا».
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، [فَسَأَلَهُ] عَنْ شَيْءٍ، فَأَمْلَاهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ، فَأَجَابَهُ فَكَتَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ سَعِيدٍ: «أَيَكْتُبُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ رَأْيَكَ؟». فَقَالَ سَعِيدٌ لِلرَّجُلِ: «" نَاوِلْنِيهَا "، فَنَاوَلَهُ الصَّحِيفَةَ فَخَرَقَهَا (*)» (1).

[د] كَرَاهِيَةُ القِيَاسِ:
وإذا كان المحدثون يتوقفون فيما لا أثر فيه، لاتهامهم الرأي، فمن الطبيعي أن [يرغبوا] عن القياس، إذ هو أبرز سمات الرأي وأقوى دعاماته.
ولذلك لم يأل المحدثون جهدًا في أن يجمعوا الآثار الذامة للرأي والقياس، والمحذرة من استعماله.
وقد ذكر البخاري رأيه في القياس في عدة تراجم، فذكر منها: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ القِيَاسِ، {وَلاَ تَقْفُ} - لاَ تَقُلْ - {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] (2)، ومنها: (بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ مِمَّا [لَمْ] يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَيَقُولُ: «لَا أَدْرِي»، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ
__________
(1) انظر هذه الآثار في " جامع بيان العلم ": 2/ 143، 145.
(2) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 262.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في كتاب ابن عبد البر: «فَحَرَقَهَا»، وقال محقق الكتاب: (حاشية رقم 4): كذا في الأصل. وفي ط: «فَمَزَّقَهَا». انظر " جامع بيان العلم وفضله "، لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 1/ 1070، حديث رقم 2075، الطبعة الأولى: 1414 ه - 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
(1/289)

عَلَيْهِ الوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلاَ بِقِيَاسٍ ...) (1)، ومنها: (بَابُ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ) (2).
ويرد البخاري على من يستدلون بالآيات والأحاديث في إثبات القياس، مبينًا أن هذه الأدلة لا حجية فيها، فيقول: (بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلاً مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا، لِيُفْهِمَ السَّائِلَ)، وقد قال السندي في تعليقه على هذه الترجمة: «وَالْمَطْلُوبُ تَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ عَلَى الْمُخَاطِبِ بِالْمَعْلُومِ عِنْدَهُ، مَعَ أَنَّ كُلَّا مِنْهَا مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِدُونِ هَذَا التَّشْبِيهِ، وَإِنَّمَا يُشَبَّهُ لِتَفْهِيمِ السَّائِلِ الْمُخَاطِبِ، وَالتَّوْضِيحِ عِنْدَهُ لَا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ كَمَا يَقُولُ بِهِ أَهْلُ الْقِيَاسِ، فَهَذَا جَوَابٌ عَنْ أَدَلَّةِ مُثَبِّتِي الْقِيَاسِ، بِأَنَّ مَا جَاءَ مِنَ الْقِيَاسِ، كَانَ لِلْإِيضَاحِ وَالتَّفْهِيمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي كُلٍّ مِنَ الأَصْلَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِإِثْبِاتِ الْحُكْمِ».
وقد روى البخاري في هذا الباب حديثين: أحدهما حديث الأعرابي الذي أنكر أن تلد امرأته غلامًا أسود، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟»، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: «وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ».
وثانيهما: حديث المرأة التي قالت لِلْنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ:
__________
(1) و (2) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 263.
(1/290)

«اقْضُوا اللَّهَ الذِي لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (1).
وكذلك عقد ابن ماجه بابًا خاصًا للقياس، ترجمه بقوله: (بَابُ اجْتِنَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ) (2)، روى فيه أربعة أحاديث، بعضها ضعيف الإسناد، ومخالف للمشهور، كحديثه عن معاذ بن جبل قال: «لَا تَقْضِيَنَّ وَلاَ تَفْصِلَنَّ إِلاَّ بِمَا تَعْلَمُ، وإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ، فَقِفْ حَتَّى تَبَيَّنَهُ أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ». فإن هذا الحديث فضلاً عن ضعف إسناده، مخالف للمشهور عن معاذ، عندما سأله الرسول: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، فَأَجَابَهُ: بِأَنَّهُ يَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ»، وقد أقره النبي على ذلك.
وقد كان أحمد بن حنبل يحصر القياس في نطاق ضيق، لا يلجأ إليه إلا بعد اليأس من العثور على أثر ولو ضعيف. وقد نقل عنه أنه سأل الشافعي عن القياس، فقال: «إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَة» (3). كما نقل عنه إنكاره على مَنْ يَرُدُّونَ الأحاديث لمخالفتها القياس، ويقول: «إنَّمَا القِيَاسُ أَنْ تَقِيسَ عَلَى أَصْلٍ، فَأَمَّا أَنْ تَجِيءَ إلَى الأَصْلِ فَتَهْدِمَهُ، ثُمَّ تَقِيسَ، فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَقِيسُ؟!» (4).

[ه] تَأْلِيفُ الجَوَامِعِ وَالسُّنَنِ:
وهذا التأليف يعتبر نتيجة بدهية للاتجاه إلى الآثار. والدوافع التي حملت المحدثين على التأليف يمكن رجعها إلى أمرين أساسيين:
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 4/ 264؛ وقد روى النسائي في " سننه ": (8/ 227، 230) الحديث الثاني بطرق وألفاظ مختلفة، تحت عنوان (الحُكْمُ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ).
(2) " سنن ابن ماجه بحاشية السندي ": 1 / (*).
(3) " إعلام الموقعين ": 1/ 35.
(4) " إعلام الموقعين ": 2/ 395، 396.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع لم يقع ذكر الصفحة، انظر 1/ 26، طبعة دار الجيل، بدون تاريخ (نفس صفحات دار الفكر، الطبعة الثانية).
(1/291)

- أولهما: حفظ هذه الآثار وصيانتها وجمعها في دواوين خاصة، ليسهل تناولها لمن يريد الرجوع إليها.
- ثانيهما: التعبير بها عن آرائهم في مسائل العقيدة والفقه وتضمينها الرد على مخالفيهم من الفقهاء والمتكلمين. وتعتبر الجوامع والسنن - من هذه الناحية - البديل عن التأليف المستقل للآراء الفقهية والكلامية (1).
غير أن المحدثين سلكوا في تصنيفهم لكتبهم مناهج مختلفة، يمكن وصفها والموازنة بينهم على أساس من النقاط الآتية:
1 - الشروط.
2 - المقدمات.
3 - ترتيب الأبواب.
4 - ذكر آرائهم الفقهية وآراء غيرهم.
5 - مختلف الحديث.
أولاً - الشروط:
فقد اختلف المحدثون في الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يروى عنه وعلى أساسها تفاوتت هذه الكتب في الصحة، فكان أعلاها " صحيحي البخاري ومسلم "، ثم يأتي بعدهما باقي السنن في درجات متقاربة (2). والذي يهمنا هنا هو تأثير هذه الشروط على الآراء الفقهية للمحدثين، حيث نتج عن تفاوتهم في الشروط اختلافهم في بعض الأحكام الفقهية، فأثبت
__________
(1) ذكر الدهلوي أن أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث، جعلوه مدونًا في أربعة فنون:
1 - فن السنة أي الفقه، مثل " موطأ مالك " و" جامع سفيان ".
2 - فن التفسير، مثل " كتاب ابن جريج ".
3 - فن السيرة مثل " كتاب محمد بن إسحاق ".
4 - فن الزهد والرقاق مثل " كتاب ابن المبارك ". وقد جمع البخاري هذه الفنون في كتابه (انظر " شرح تراجم البخاري ": ص 2). والواقع أن " الكتب الستة " قد اشتملت على هذه الأبواب .. وإن كانت " سنن النسائي " أكثرها تجردًا للأحكام الفقهية، فليس صحيحًا ما ذهب إليه الأستاذ علي [حسن عبد القادر] (*) في كتابه " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص 249 ج 1) من أن السنن تترك فيها الأحاديث التاريخية والخلقية والاعتقادية وأن عنايتها بأحاديث الأحكام فقط هي ما يميزها عن الصحاح.
(2) رتب الدهلوي كتب الحديث حسب الصحة والشهرة، كما رتبها ابن حزم ترتيبًا مغايرًا للدهلوي (انظر " أبو جعفر الطحاوي ": ص 317 وما بعدها).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع كُتِبَ خَطَأً (الأستاذ علي عبد الرازق) والصواب (الدكتور علي حسن عبد القادر، أستاذ تاريخ التشريع الإسلامى، تحصل على العالمية في الفلسفة من ألمانيا، ومجاز من كلية أصول الدين فى قسم التاريخ، وعميد كلية الشريعة بالأزهر الشريف سابقًا)، صاحب كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي "، الطبعة الثالثة 1965م، طبعة دار الكتب الحديثة - مصر.
(1/292)

بعضهم أحكامًا بأحاديث صحت لديهم، ولم يأخذ بهذه الأحكام آخرون منهم، لعدم تسليمهم بصحة الأحاديث التي قررتها.
وكمثال على ذلك الوضوء من أكل لحوم الإبل: أثبته معظم أصحاب الحديث وذهبوا إليه، ولم يذكره البخاري، ولم ير أن أكل مما مسته النار ينقض الوضوء، أعم من أن يكون لحم إبل أو غيره (1).
ثانيًا - المقدمات:
ونعني بها تصدير الكتاب بمقدمة للمؤلف يذكر فيها الهدف من تأليفه، ويشرح فيها منهجه وشروطه، ولم يهتم المحدثون - باستثناء الإمام مسلم - بذكر هذه المقدمات.
أما مسلم فقد افتتح " صحيحه " بمقدمة، بَيَّنَ فيها الغرض من تأليفه، ونص فيها على شرطه، ثم ناقش من اشترط شروطًا مستحدثة لم تؤثر عن السلف.
أما دافعه إلى التأليف فكان استجابة منه لمن سأله أن يجمع الأحاديث الصحاح في مكان واحد بلا تكرار، ليسهل تناولها «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ - يَرْحَمُكَ اللهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ -، ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ المَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ التِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ العِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ، أَرْشَدَكَ اللهُ أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّأْلِيفِ بِلاَ تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ زَعَمْتَ مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا».
__________
(1) ذكر حديث الوضوء من لحوم الإبل كل من مسلم (" صحيح مسلم ": 1/ 187، 189. الطباعة العامرة سنة 1959 م)؛ و" الترمذي ": 1/ 112، 113 وذكر أن أحمد وإسحاق قالا به؛ و" أبا داود ": 1/ 85؛ و" ابن ماجه ": 9221.
(1/293)

ثم يذكر أن الذي نشطه على الاستجابة والتأليف هو ما رآه من سوء صنيع قوم في روايتهم للضعيف والمنكر ونشره بين العامة، الذين يتقبلون كل ما يلقى إليهم دون أن يكون عندهم القدرة على تمييز الغث من السمين: «فَلَوْلَا الذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا، فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ المَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ [هُوَ] مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ ... لِمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ، وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارِ المُنْكَرَةِ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ المَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى العَوَامِّ الذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ [إِلَى مَا] سَأَلْتَ».
ثم ذكر شرطه في كتابه، فقسم الأحاديث تبعًا لرواتها إلى ثلاثة أقسام:
1 - ما رواه أهل الاستقامة والإتقان.
2 - ما رواه من دون الأولين في الحفظ والإتقان، وإن كان يشملهم اسم الستر والصدق وتعاطي العلم.
3 - ما رواه المتهمون بالكذب عند أهل الحديث أو عند أكثرهم، وما رواه من يغلب على حديثه المنكر والغلط.
ثم ذكر أنه يأخذ القسم الأول، فإذا فرغ منه أخذ القسم الثاني، أما القسم الثالث، فلا يعرج عليه، بل ساق الأدلة الكثيرة على عدم جواز الرواية عنهم، وعلى وجوب التعريف بضعفهم وإشهار هذا الضعف «إِذْ الأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ».
(1/294)

ثم يبين أن من يروي الأخبار الضعيفة بعد معرفة ضعفها، إنما حمله على ذلك حرصه على أن يقال عنه ما أكثر ما جمع فلان «وَمَنْ ذَهَبَ فِي العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ، وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَلاَ نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلاً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ».
وفي نهاية مقدمته يهاجم هجومًا شديدًا ما اشترطه بعض العلماء - ومنهم البخاري - من عدم قبول حديث المتعاصرين إذا لم يصرح بالسماع، ما لم يثبت لقاؤهما والسماع منه ولو مرة، وبين أن هذا الشرط شرط مستحدث لا دليل عليه، ثم ساق أدلته في إبطاله.
ولم ينس مسلم أن ينص على التزامه بعد التكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن تكرار حديث، لما فيه من زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، «فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الحَدِيثِ الذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلاَ نَتَوَلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى».
وعلى الرغم من أن الإمام مسلمًا هو الذي تفرد من بين المحدثين بوضع مقدمة لكتابه، يشرح فيها منهجه، فإنه لم يكن الوحيد الذي أعلن عن منهجه.
فقد شرح الترمذي أيضًا خطته، وَبَيَّنَ مراجعه، وذكر شروطه، ولكنه اختار الخاتمة ليودع فيها ما أراده من ذلك.
وفي هذه الخاتمة ذكر الترمذي رأيه - على جهة الإجمال - في الأحاديث التي ضمنها " كتابه " فقال: «جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الكِتَابِ مِنَ الحَدِيثِ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ، قَدْ أَخَذَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا خَلاَ حَدِيثَيْنِ، حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ
(1/295)

" أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِالمَدِينَةِ، وَالمَغْرِبِ , وَالعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ [وَلَا مَطَرٍ]، وَحَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ " , قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ الحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا» (1).
ثم بَيَّنَ مراجعه في آراء الفقهاء التي ذكرها في كتابه، فروى أسانيده فيها إلى سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
أما مراجعه في نقد الحديث وعلله والرجال والتاريخ «فَهُوَ مَا اسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ [كِتَابِ] (*) " التَّارِيخِ "، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مَا نَاظَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَمِنْهُ نَاظَرْتُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا زُرْعَةَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَقَلُّ شَيْءٍ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي زُرْعَةَ. وَلَمْ أَرَ أَحَدًا بِالعَرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى العِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الأَسَانِيدِ [كَبِيرَ] (*) أَحَدٍ، أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ».
ويتضح من هذه الفقرة إعجاب الترمذي بالبخاري، وتأثره به، واستفادته منه، وهو ما يؤكده الاطلاع على كتابه.
ثم شرح الدافع فيما التزمه من ذكر الآراء الفقهية، وذكر علل الحديث فقال: «وَإِنَّمَا حَمَلَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ قَوْلِ الفُقَهَاءِ، وَعِلَلِ الحَدِيثِ لِأَنَّا سُئِلْنَا عَنْ هَذَا فَلَمْ نَفْعَلْهُ زَمَانًا، ثُمَّ فَعَلْنَاهُ لِمَا رَجَوْنَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ النَّاسِ».
ثم رد على من يعيبون أهل الحديث بالكلام في الرجال، مبينًا أن هذا ليس من قبيل الغيبة، ولكنه من قبيل الحيطة والتثبت في أمر الدين.
ثم ذكر أقسام الرجال، ومن يؤخذ عنه، ومن يترك: فالمتهم بالكذب
__________
(1) انظر " الترمذي ": 1/ 303، 304. 6/ 222، 224.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " شرح علل الترمذي "، لابن رجب الحنبلي (ت 795 ه)، حققه وكمل فوائده بتعليقات حافلة الدكتور نور الدين عتر، 1/ 31، الطبعة الأولى: 1398 ه - 1978 م، دار الملاح للطباعة والنشر.
(1/296)

أو المغفل الذي يكثر الخطأ في حديثه، «فَالذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ مِنَ الأَئِمَّةِ أَلَّا يَشْتَغِلَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ»، ولا يحتج بحديثه الذي انفرد به.
أما المختلف فهم الذين وثقهم بعض النقاد نظرًا إلى صدقهم، وَضَعَّفَهُمْ آخرون نظرًا إلى حفظهم «فَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ».
وقد رأى الترمذي أن الرواية بالمعنى جائزة لمن يستطيعها، وأن أهل العلم متفاضلون بالحفظ والإتقان والتثبت عند السامع.
ثم ذكر رأيه في بعض كيفيات التحمل، ومال إلى رأي من يسوي بين «حَدَّثَنَا» و «أَخْبَرَنَا» سواء قرأ الشيخ أو قُرِئَ عليه، كما ذهب إلى صحة (الإجازة) ونقل عن يحيى بن سعيد عدم الجواز.
وبعد أن ذكر طرفًا من اختلاف العلماء في التوثيق والتضعيف، يأتي إلى نهاية خاتمته، حيث يشرح بعض المصطلحات التي استعملها في كتابه، والتي قد تختلف فيها الأنظار، لجدتها، أو لتعدد مفهومها، مثل حديث حسن، وحديث غريب «وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ (حَدِيثٌ حَسَنٌ) فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا، كُلُّ حَدِيث يُرْوَى لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يُكُونُ الحَدِيثُ شَاذًّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَاكَ فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ».
أما الغريب فهو أنواع وبينها بقوله: «وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ (حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فَإِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ يَسْتَغْرِبُونَ الحَدِيثَ لِمَعَانٍ: رُبَّ حَدِيثٍ يَكُونُ غَرِيبًا لَا يُرْوى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ مِثْلَ ...
وَرُبَّ حَدِيثٍ إِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِزِيَادَةٍ تَكُونُ فِي الحَدِيثِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ، مِثْلَ ...
(1/297)

وَرُبَّ حَدِيثٍ يُرْوَى مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِحَالِ الإِسْنَادِ مِثْلَ ...» (1).
أما أبو داود فإن " رسالته إلى أهل مكة " قد وضحت منهجه وشروطه، على الرغم من أنه لم يذكر مقدمة ولا خاتمة لكتابه.
وفي هذه الرسالة يقول: «فَإِنَّكُمْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أَذْكُرَ لَكُمْ الأَحَادِيثَ التِي فِي كِتَابِ السُّنَنِ أَهِي أَصَحُّ مَا عَرِفْتُ فِي البَابِ، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَقْوَمُ إِسْنادًا، وَالآخَرُ أَقْوَمُ فِي الحِفْظِ، فَرُبَّمَا كَتَبْتُ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى فِي كِتَابِي مِنَ هَذَا عَشَرَةَ أَحَادِيثَ ...».
وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة.
«وَلَيْسَ فِي كِتَابِ " السُّنَنِ " الذِي صَنَّفْتُهُ عَنْ رَجُلٍ مَتْرُوكِ الحَدِيثِ شَيْءٌ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بَيَّنْتُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ، وَلَيْسَ عَلَى نَحْوِهِ فِي البَابِ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ فِي كِتَابِي مِنْ حَدِيثٍ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ فَقَدْ بَيَّنْتُهُ وَمِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ ...» (2).
ونقل الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد، في مقدمة تحقيقه ل " سنن
__________
(1) انظر هذه الخاتمة في آخر " كتاب الترمذي بشرح ابن العربي ": 13/ 301، 339، مطبعة الصاوي سنة 1353 ه - 1934 م.
(2) انظر هذه الرسالة، في " توجيه النظر ": ص 152؛ و" شروط الأئمة الخمسة " للحازمي: ص 53، وقول أبي داود أنه لم يرو في كتابه عن متروك الحديث، أي متروك الحديث عنده، أو لمتروك متفق على تركه وإلا فإنه قد خَرَّجَ لمن قيل فيه: إنه متروك، ولمن قيل فيه: إنه متهم بالكذب (وانظر " شروط " الحازمي: ص 54).
(1/298)

أبي داود " عن أبي بكر محمد بن عبد العزيز قال: «سَمِعتُ أَبَا دَاوُدَ بْنَ الأَشْعَثِ بِالبَصْرَةِ وَسُئِلَ عَنْ " رِسَالَتِهِ " الَّتِي كَتَبَهَا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا جَوَابًا لَهُمْ، فَأَمْلَى عَلَيْنَا:
سَلاَمٌ عَلَيْكُم فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْكُمْ اللَّهَ الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [كُلَّمَا ذُكِرَ]
أَمَّا بَعْدُ:
عَافَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ ... فَهَذِهِ الأَرْبَعَةُ آلاَفٍ وَالثَّمَانِمِائَةِ كُلُّهَا فِي الأَحْكَام، فَأَمَّا أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ فِي الزُّهْدِ وَالفَضَائِلِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا لَمْ [أُخْرِجْهُ] وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
وعلى الرغم من قوله إن الأحاديث التي تضمنها كتابه خاص بالأحكام، فإنه ضمنه أبوابًا كثيرة في العقائد في " كتاب السنة " الذي رد فيه على المرجئة والجهمية والخوارج (4/ 276 - 338)، وكذلك كتاب الفتن والملاحم، ذكر فيه أمارات الساعة، بالإضافة إلى كتاب الأدب.
أما باقي كتب الصحاح والسنن، فليس لها مثل هذا البيان للمنهج الذي ستلتزمه.
ثالثًا - الترتيب:
سلك المحدثون طرقًا مختلفة في ترتيب كتبهم. ولا شك أن كلا منهم كان في ذهنه عند التأليف سبب مناسب صدر عنه في ترتيب كتابه، وداع مقنع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر. وحيث لم يعلن واحد منهم عن سر ترتيبه، فإن أية محاولة لاستكشاف هذا السر، أو استنباط السبب المستكن خلف هذا الترتيب سيكون اجتهادًا مثمرًا نتيجة ظنية، تحتمل الصواب والخطأ.
ويمكن تقسيم المحدثين إلى مجموعتين رئيسيتين، بالنسبة لما بدأوا به كتبهم من موضوعات:
المجموعة الأولى: ويمثلها النسائي، والترمذي، وأبو داود، وابن
(1/299)

أبي شيبة. وقد اتجهت هذه المجموعة إلى ذكر أحكام العبادات مباشرة، فبدأت بالطهارة، ثم الصلاة، ثم غيرها من العبادات، على خلاف بينهم في ترتيب العبادات بعد الصلاة.
وقد يقال في سبب هذا البدء عند هذه المجموعة: إن أول ما يطالب به الإنسان المسلم هو الصلاة، وهي لا تقبل إلا بشرط الطهارة.
أما المجموعة الثانية: وتتكون من البخاري، ومسلم، وابن ماجه، والدارمي. فقد اشتركت في أنها قدمت على أبواب الطهارة والعبادات أبوابًا أخرى، ثم اختلفت في موضوعات هذه الأبواب المقدمة على العبادات:
فالبخاري بدأ كتابه بباب بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم. وقد يكون ملحظ البخاري في ذلك أن أول ما يطالب به الإنسان هو الإيمان، وعن الإيمان تصدر بقية الأعمال، والإيمان أمر نفسي مستكن في القلب، لا يكفي في إثباته إعلانه باللسان، فيجب أن يتوفر فيه عنصر الإخلاص، لهذا بدأ البخاري كتابه بحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وأول شيء يجب الإيمان به هو الوحي، لأن جميع متطلبات الإيمان مما سيذكره في " صحيحه " متوقف على كون مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا موحى إليه، فإذا استقر ذلك، وجب على الإنسان أن يتعلم الشرائع، حتى يكون متمثلاً لربه، متصفًا بالإيمان، وأول ما يجب أن يتعلمه حينئذٍ هو الطهارة ثم الصلاة، ثم تأتي بعد ذلك بقية الأحكام والفضائل.
وقد يكون بدؤه بالوحي إشارة منه إلى أن الحديث النبوي الذي هو موضوع كتابه من قبيل الوحي، فله من الطاعة والامتثال بالقرآن، حيث أن مصدرهما واحد، وهو الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - (1).
__________
(1) لسراج الدين عمر البلقيني (ت 805 ه) كتاب سماه: " مناسبات تراجم البخاري " مخطوط، بدار الكتب المصرية تحت رقم (590 حديث تيمورية). ومن قوله فيه في ص =
(1/300)

وكذلك قدم مسلم أبواب الإيمان وأركان الإسلام، وبعض العقائد، كأحاديث الرؤية والشفاعة، قبل أن يأتي بأبواب الطهارة والعبادات.
أما ابن ماجه والدارمي، فمنهجهما متشابه، من حيث أنهما قدما على العبادات أبوابًا في اتباع السنة، وهي أشبه ما تكون بمقدمة تشرح سبب التأليف في الحديث، وتبين فضل الاشتغال به، وترد على أعداء أهل السنة والمحدثين، من المعتزلة وغيرهم.
فقد بدأ ابن ماجه كتابه بأبواب في اتباع سنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتعظيم حديثه، والتغليظ على من عارضه، وعلى من تعمد الكذب فيه، ثم اتباع سنة الخلفاء الراشدين، واجتناب البدع والجدل، والرأي والقياس، ثم الإيمان والقدر، وفضائل الصحابة، وذكر الخوارج والجهمية والرد عليهم، بذكره طرفًا من أحاديث الصفات ورؤية الله في الآخرة، ثم ذكر أبوابًا في العلم، بدأها بفضل تعلم القرآن. وعقب ذلك شرع في ذكر الطهارة والعبادات.
وقد صنع الدارمي قريبًا من ذلك، وهو في الموضوعات التي سبقت أبواب العبادات. يروى الحديث وغيره من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم. بل يروي بعض ما في كتب النصارى وغيرهم: كقوله: «أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتُوَائِيُّ (*)، قَالَ: " قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ مِنْ كَلاَمِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: " تَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا، وَأَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ "» (1).
وكما روى بسنده عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ لُقْمَانَ الحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ لابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، لَا تَعَلَّمِ العِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ...» (2).
__________
= 15 (ولما تمت المعاملات الثلاث: وهو معاملة الخالق، ومعاملة الخلق ومعاملة الخالق لإعلاء كلمته، وفيه نوع من الاكتساب - وهي الجهاد وما ذكر فيه ... وكان هذا كله من الوحي المترجم عليه (بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ)، وكان للخلق مبدأ كما كان للوحي مبدأ فترجم بعد هذا كله (كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ ...).
(1) و (2) " سنن الدارمي ": 103، 105، وانظر أيضًا 106.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) ورد في الكتاب المطبوع ["الاتجاهات الفقهية "] (وعن هشام صاحب الاستواء) وهو خطأ والصواب ما أثبته (الدَّسْتُوَائِيُّ).
قال الإمام الذهبي: هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ أَبُو بَكْرٍ بنُ سَنْبَرٍ البَصْرِيُّ، هُوَ الحَافِظُ، الحُجَّةُ، الإِمَامُ، الصَّادِقُ، أَبُو بَكْرٍ هِشَامُ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ سَنْبَرٍ البَصْرِيُّ، الرَّبَعِيُّ مَوْلاَهُم. صَاحِبُ الثِّيَابِ الدَّسْتُوَائِيَّةِ، كَانَ يَتَّجِرُ فِي القِمَاشِ الَّذِي يُجْلَبُ مِنْ دَسْتُوَا. وَلِذَا قِيْلَ لَهُ: صَاحِبُ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَدَسْتُوَا: بُلَيْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الأَهْوَازِ ...
انظر: " سير أعلام النبلاء " للذهبي، تحقيق الشيخ شُعَيْب الأرناؤوط: 7/ 149، الطبعة: الثالثة، 1405 ه - 1985 م، نشر مؤسسة الرسالة.
(1/301)

رابعًا - منهجهم في ذكر آرائهم الفقهية وآراء غيرهم:
قدمنا أن المحدثين كرهوا إفراد الآراء الفقهية بالتدوين، وأن اتجاههم إلى الآثار دفعهم إلى أن يؤلفوا كتب الحديث، ويضمونها ما أرادوا ذكره من أرائهم أو آراء غيرهم.
ولما كانت الآثار هي غايتهم الأولى من التأليف، كان طبيعيًا أن يقتصدوا في ذكر الآراء الفقهية، وأن يوجزوا القول فيها إيجازًا يصل إلى حد الرمز والإشارة في بعض الأحيان، وإن لم يمنعهم هذا من أن يعبروا في الجملة عن آرائهم، وأن يعلنوا عن اختياراتهم، ولكنهم تفاوتوا في إبراز شخصيتهم الفقهية من خلال التراجم والآراء التي يعرضونها، فعلى حين تقرأ لبعضهم فلا تكاد تحس به، إذا بآخرين منهم يؤكدون وجودهم في كل صفحة من صفحات مؤلفاتهم.

مَنْهَجُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ:
ويبدو أن المؤلفين قبل البخاري، ممن رتبوا كتبهم على الأبواب، لم يكونوا يقتصرون على رواية حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل كانوا يَرْوُونَ معه آراء الصحابة والتابعين وتابعيهم.
وهذه الظاهرة أوضح ما تكون في " المصنف " لابن أبي شيبة (أبي بكر عبد الله بن محمد)، حيث يمكن اعتباره - بحق - مستودعًا فقهيًا لآراء السلف وديوانًا جامعًا لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، يروي في الأبواب أقوالهم بأسانيدها، قبل الأحاديث المرفوعة أو بعدها لا يلتزم في ذلك ترتيبًا معينًا، بل إن بعض الأبواب خلت تمامًا من الأحاديث، مقتصرًا فيها على ذكر فتاوى الصحابة ومن بعدهم. وهذه الأبواب مسائل أفتى فيها الصحابة والتابعون، وهي من الكثرة في " مصنف ابن أبي شيبة " بحيث
(1/302)

تدل على كثرة المسائل المأثورة عنهم، ويجعلها ابن أبي شيبة عناوين بدلاً من الأبواب.
وهذه هي بعض المسائل المتعاقبة التي ليس فيها حديث واحد، ونورد هنا عناوينه لها (في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم - الرجل يمس الدراهم وهو على غير وضوء - الرجل يمس الدرهم وهو جنب - الرجل يذكر الله على الخلاء أو يجامع - الرجل يعطي وهو على الخلاء - في بول البعير والشاة يصيب الثوب - في بول البغل والحمار - القيح يتوضأ منه أَوْ لَا - الذي يصلي وفي ثوبه خرء الطير - في خرء الدجاج - من كان يقول تم على طهارة - الرجل يمس اللحم النيء - البول يصيب الثوب فلا يدري أين هو - المرأة تختضب وهي على غير وضوء) (1) وأمثال هذه المسائل تكثر في " المصنف " وهي منثورة فيه، وبخاصة في (كتاب الأيمان والنذور والكفارات) (2).
ولا يكاد القارئ ل " مصنف ابن أبي شيبة " يحس بشخصية المؤلف، إذ ليس له أية تعقيبات على ما يرويه، لا من حيث الإسناد، ولا من حيث الفقه، ويرى ذلك بوضوح في المسائل التي تعترك فيها الآراء، حيث يكتفي برواية كل رأي دون أن يعقب عليها بما يبين رأيه أو يبين الراجح والمرجوح منها:
وذلك مثل قوله: (مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي القُبْلَةِ وَضُوءٌ)، وبعد أن يذكر الرواية في ذلك يقول: (مَنْ قَالَ فِيهَا الوُضُوءُ)، وكقوله: (فِي الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ)، ثم يعنون بعد ذلك بقوله: (مَنْ كَانَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ)، وكقوله: (مَنْ كَانَ لاَ يَتَوَضَّأُ مِمَا مَسَّتِ النَّارُ)، ثم (مَنْ كَانَ يَرَى الوُضُوءَ
__________
(1) " المصنف ": 1/ 79، 81 وانظر أيضًا: 1/ 53، 54، 69، 72، 73، 76، 77، وغيرها.
(2) " المصنف ": 4/ 171 وبعدها.
(1/303)

مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ) (1)، وكقوله: (مَنْ قَالَ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ [فَقَدْ] وَجَبَ الغُسْلُ)، ثم يعنون بعده: (مَنْ كَانَ يَقُولُ المَاءُ مِنَ المَاءِ) (2).
وهذا الأسلوب الذي اتبعه ابن أبي شيبة، والذي يكثر فيه من ذكر (مَنْ قَالَ، مَنْ كَانَ يَرَى، وَمَا قَالُوا: ...) (3)، يوضح تمامًا أنه يعنى بجمع ما قيل، دون عناية بتمحيصه، أو الفصل فيه، أو بيان رأيه، ولهذا يذكر الأحاديث ما صح منها وما لم يصح، ولهذا أيضًا جمع المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة الآثار، وجعلها في باب خاص، يورد فيه حجج أهل الحديث دون أن يناقشها وسوف يأتي بحث ذلك إن شاء الله.
وعلى كل فقد أتاح ابن أبي شيبة لمن أتى بعده أن ينظر فيما جمعه، وأن ينتقي منه، وأن يختار لنفسه ما يراه الراجح من بين الأحاديث المختلفة، والآراء المتعارضة، وقد تم هذا على يد البخاري الذي كان أحد من روى عن ابن أبي شيبة.

مَنْهَجُ البُخَارِيِّ:
كان التزام البخاري بالصحيح مغنيًا له عن ذكر كثير من الأحاديث التي تقرر أحكامًا معارضة. إذ بإثباته عدم صحتها ضعفت عن أن تكون معارضة، فيترجح العمل بالأقوى.
وقد كان للبخاري شيخصيته الفقهية القوية التي أودعها تراجمه، والتي دأبت على التعبير عن نفسها في كل مكان من كتابه، حتى وصف بالفقه عن جدارة، وامتاز بتراجمه التي سلك فيها طريقة فريدة لم يتابعه فيها أحد، اللهم إلا النسائي في حدود ضيقة.
__________
(1) انظر " المصنف ": 1/ 32، 37.
(2) انظر " المصنف ": 1/ 59، 62.
(3) انظر " المصنف ": 4/ 1، 68.
(1/304)

ونوجز في النقاط التالية وصفًا لمنهجه الفقهي في " صحيحه "، على وجه الإجمال:
1 - التزم البخاري بأن يذكر الأحاديث منفصلة عن الآراء الفقهية، بل يذر ما يريد منها في الترجمة، كما يشير في الترجمة أيضًا إلى رأيه فيما يدل عليه الحديث، أو فيما يمكن أن يستنبط منه، فإذا ذكر الأحاديث لم يعقب عليها إلا بتفسير غريب، أو كلام خاص بالأسانيد وألفاظ الرواة.
2 - يقتصر في ذكره للآراء الفقهية على أقوال الصحابة والتابعين. ولا يكاد يذكر اسم أحد من أصحاب المذاهب الأربعة، وإن كان يعرض أحيانًا بأبي حنيفة، مشيرًا إليه بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ».
3 - كثيرًا ما يكرر الحديث في أكثر من موضع مترجمًا له أكثر من باب، وهذه ظاهرة واضحة عند البخاري، نكتفي بذكر مثال واحد لها يدل على غيره:
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتْ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا» قَالَ أَنَسُ: " وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ ". قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ -، ثُمَّ قَالَ:
(1/305)

«اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: «لَا أَدْرِي».
روى البخاري هذا الحديث من عدة طرق تنتهي كلها إلى أنس بن مالك، وترجم له من الأبواب ما يأتي (1).
1 - بَابُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِع.
2 - بَابُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ.
3 - بَابُ الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ.
4 - بَابُ مَنِ اكْتَفَى بِصَلاَةِ الجُمُعَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ.
5 - بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتْ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ.
6 - بَابُ مَا قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
7 - بَابُ إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ.
8 - بَابُ الدُّعَاءِ - إِذَا كَثُرَ المَطَرُ - حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا.
9 - بَابُ رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ.
10 - بَابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ.
11 - بَابُ مَنْ تَمَطَّرَ فِي المَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ.
وبعض هذه الأبواب استنباط مما يفيده الحديث، وبعضها يستفيده البخاري من الطرق المختلفة للحديث، والتي يكون في بعضها تفصيل أو زيادة تتيح له أن يترجمها ترجمة مستقلة.
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 118، 120. وقد صنع مثل ذلك في حديث الكسوف: 1/ 121، 124.
(1/306)

4 - ومن الظواهر الواضحة عند البخاري تردده بين الإيجاز والإطناب في تراجمه، وغالبًا ما يكون الإطناب في مواضع الخلاف بين المحدثين والأحناف حتى إن حجم الترجمة حينئذٍ قد يتجاوز ضعف حجم الحديث المروي فيها.
ومن أمثلة ما جاء في شهادة القاذف إذا تاب هل تقبل أم لا؟ والمعروف أن الأحناف خالفوا غيرهم في هذا الموضع، وذهبوا إلى أن رد شهادة القاذف من تمام العقوبة، فلا تقبل وإن تاب.
وقد أفاض البخاري في ترجمة هذا الباب، ورد على الأحناف، فقال: (بَابُ شَهَادَةِ القَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4، 5] وَجَلَدَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرَةَ، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَنَافِعًا بِقَذْفِ المُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: «مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ» وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، [وَشُرَيْحٌ]، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: «الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ». [وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: «إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ»]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: «إِذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ»، ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ المَحْدُودِ وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ، وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ، وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّانِيَ سَنَةً، وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَلاَمِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً).
(1/307)

هذه الترجمة الطويلة ساقها البخاري لحديثين: أولهما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا»، قَالَتْ عَائِشَةُ: " فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
أما الحديث الثاني، فَرَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى، وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبِ عَامٍ» (1).
ويلاحظ أن الحديثين ليس فيهما دليل مباشر، يقطع النزاع في قبول شهادة القاذف.
5 - غموض العلاقة أحيانًا بين ترجمة الباب والحديث الذي يرويه فيه، مما يترتب عليه اختلاف الشراح في تعيين مراد المؤلف، فتتعدد لذلك أقوالهم.
وقد أشار السندي إلى شيء من ذلك، حين قسم تراجم البخاري إلى قسمين: قسم يذكره ليستدل بحديث الباب عليه، وقسم يذكره ليجعل كالشرح للحديث، ويبين به أن الإطلاق في الحديث مثلاً، مقصود به التقييد، ثم قال السندي: «وَالشُّرَّاحُ جَعَلُوا الأَحَادِيثَ كُلَّهَا دَلَائِلَ لِمَا فِي التَّرْجَمَةِ، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ الأَمْرَ فِي مَوَاضِعَ، وَلَوْ جَعَلُوا بَعْضَ التَّرَاجِمَ كَالشَّرْحِ، خَلَصُوا عَنْ الإِشْكَالِ فِي مَوَاضِعَ. وَأَيْضًا كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ آثَارًا لِأَدْنَى خَاصِّيَّةٍ بِالبَابِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ يَرَوْنَهَا دَلَائِلَ لِلْتَّرْجَمَةِ، فَيَأْتُونَ بِتَكَلُّفَاتٍ بَارِدَةٍ لِتَصْحِيحِ الاِسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى التَّرْجَمَةِ، فَإِنْ عَجِزُوا
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 62، 63 ويشير البخاري بالحديثين إلى أن الحدود عقوبة مقدرة، فإذا ظهر شخص بعد إقامة الحد عليه دخل في زمرة الجماعة. والواقع أن استدلاله على قبول شهادة القاذف، إنما يتم على جعل الاستثناء في الآية المذكورة في الترجمة راجعًا إلى رد الشهادة والفسق جميعًا، لا إلى أقرب مذكور، كما يقول الأحناف، فإن رفع الفسق مع رد الشهادة أمر غير مناسب في الشرع، لأن الفسق متى ارتفع قبلت الشهادة (وانظر " بداية المجتهد ": 2/ 370).
(1/308)

عن وجه الاستدلال عَدُّوهُ اعتراضًا على صاحب الصحيح، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم، حيث لم يفهموا المقصود ...» (1).
6 - وقد رأينا فيما سبق أن السندي قسم الترجمة، بالنسبة لما يروى فيها من الحديث قسمين. وقد فصل الدهلوي ما أجمله السندي فقسم تراجم البخاري أقسامًا (2):
- منها: أن البخاري يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
- ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث المروي في الترجمة بنحو من الاستنباط، من نصه أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه.
- ومنها: أنه يترجم بمذهب ذُهِبَ إليه من قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة، ويكون شاهدًا له في الجملة، من غير قطع بترجيح ذلك المذهب فيقول: (بَابُ مَنْ قَالَ كَذَا).
- ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها، ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله: (بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ) جمع فيه بين حديثين مختلفين (3).
- ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة، فيكون عند البخاري وجه الجمع بينهما بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل، إشارة إلى وجه الجمع:
__________
(1) " مقدمة السندي لحاشيته على البخاري ".
(2) انظر " شرح تراجم أبواب صحيح البخاري " للدهلوي، طبع الهند سنة 1323 ه: ص 2 وما بعدها.
(3) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 27.
(1/309)

مثاله: (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ ... وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ [مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ]) ذكر فيه حديث: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (1).
- ومنها: أنه قد يجمع ف ي باب واحد أحاديث كثيرة، كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث منها فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، ويعلم على ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه ولكن قوله (باب) هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ (تنبيه) أو لفظ (فائدة)، أو لفظ (قف). مثاله ما جاء في كتاب بدء الخلق: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا، يُقَالُ: الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الجَانُّ وَالأَفَاعِي، وَالأَسَاوِدُ (*)، {آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56]: «فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ»، يُقَالُ: {صَافَّاتٍ} [النور: 41]: «[بُسُطٌ] (**) أَجْنِحَتَهُنَّ» {يَقْبِضْنَ} [الملك: 19]: «يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ» (2).
ومن هذه الترجمة نفهم أن البخاري لم يجعل لفظ (الدابة) مقصورًا على ما يدب على الأرض، بل أدخل الطير أيضًا في مفهومها. وبعد أن ذكر حديث قتل الحيات ترجم بابًا خاصًا للغنم، مع أنها تدخل في مفهوم (الدابة)، وإنما خصها بالذكر ليبين منقبتها وفضلها، حيث روى فيها الحديث «يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ ...» ثم رجع إلى رواية الأحاديث التي تدخل في نطاق الدابة بمفهومها العام.
__________
(1) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 11.
(2) انظر " البخاري بحاشية السندي ": 2/ 136. وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164]، وقوله {آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56].

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع ورد (وَالأَسَاوِرُ) وهو خطأ والصواب (وَالأَسَاوِدُ) بالدال، انظر " الجامع الصحيح " للبخاري (59) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ (14) بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164] ... (" فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، 6/ 347، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سنة 1379 ه).
(**) بُسُطٌ، وليس بَسَطْنَ.
(1/310)

ومنها أنه قد يكتب لفظ (باب) مكان قول المحدثين (وَبِهَذَا الإِسْنَادِ)، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب (ح) حيث جاء حديث بإسناين: مثاله: (بَابُ ذِكْرِ المَلاَئِكَةِ) أطال فيه الكلام، حتى أخرج حديث «المَلاَئِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ»، بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ثم كتب (بَابُ إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ وَالمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ، آمِينَ ...)، فكأنه يشير إلى أن لفظة (باب) تساوي: (وبهذا الإسناد).
ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، أو مما يكاد يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب.
وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، ولكن تتضح جدواه عند التأمل، كقوله: (بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ [لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: مَا صَلَّيْنَا) (1)، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك. وأكثر صنيعه في ذلك تعقبات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم " مُصَنًّفَيْهِمَا ". ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين واطلع على ما فيهما.
وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية من الحديث، تظاهرًا، ولتعيين بعض المجملات دون بعض، وقد سبق وصفنا منهجه في ذكره الآيات في تراجمه.
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 78.
(1/311)

مَنْهَجُ التِّرْمِذِيِّ:
ثم يأتي الترمذي، فيسلك طريق البخاري في الاهتمام بفقه الحديث، ويليه مباشرة في الترتيب بين كتاب " السنن " - في وضوح الشخصية الفقهية - ولا شك أنه تأثر بالبخاري هنا، فضلاً عن تأثره به في العلل والتاريخ، كما سبق أن نقلنا تصريحه بذلك.
ولكن على الرغم من تأثره بالبخاري، وإعجابه به، كانت له طريقة خاصة في إثبات الآراء الفقهية، نوجز أهم ملامحها فيما يلي:
1 - ترجم الترمذي للأبواب بعناوين مختصرة غير أنها واضحة، ووثيقة الصلة بما عنونت له، مجردة من الإضافات والآراء. فإذا روى الأحاديث التي يريد روايتها في الباب المترجم له، عَقَّبَ عليها بنقدها من حيث الصناعة الحديثية، ثم من حيث الأحكام الفقهية المأخوذة من الأحاديث مُنَبِّهًا على مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم في الأحكام.
2 - وفي ذكر الآراء الفقهية التي يعقب بها على الأحاديث، عني الترمذي عناية كبيرة بذكر فقهاء أهل الحديث، حتى كاد ذلك يكون التزامًا منه في معظم أبواب الأحكام. ولا يغنيه عن ذكر آرائهم كون الحكم الفقهي موضع اتفاق بين معظم أهل العلم، كما في (بَابُ مَا جَاءَ فِي الوَلِيَّيْنِ يُزَوِّجَانِ) حيث روى فيه عن رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». فقد عقب عليه بقوله: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلاَفًا: إِذَا زَوَّجَ أَحَدُ الوَلِيَّيْنِ قَبْلَ الآخَرِ، فَنِكَاحُ الأَوَّلِ جَائِزٌ، وَنِكَاحُ الآخَرِ مَفْسُوخٌ، وَإِذَا زَوَّجَا جَمِيعًا فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا مَفْسُوخٌ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (1).
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 30، 31.
(1/312)

وكذلك ما جاء في (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ المُتْعَةِ) من قوله: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ ... وَأَمْرُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ» (1).
وهؤلاء الفقهاء الخمسة، بإضافة مالك بن أنس أحيانًا - هم الذين اعتنى الترمذي بذكر آرائهم، وهم الذين ذكر أسانيده إليهم في خاتمة " جامعه "، التي سبق الكلام عنها.
أما أبو حنيفة فلا يصرح باسمه إلا نادرًا (2)، وإنما يذكره في جملة الكوفيين، أو يعبر عنه بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِرَاقِ»، أو «بَعْضُ النَّاسِ»، وهو في هذا التعبير الأخير متأثر بالبخاري، الذي دأب عليه في إشاراته إلى مدرسة أبي حنيفة.
ومن أمثلة هذا التعبير عند الترمذي قوله: بعد روايته للحديث: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» قال الترمذي (*): «وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَا احْتَجُّوا بِهِ لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»، وَهَكَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. (3).
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 5/ 48، 49.
(2) من هذا النادر ما ذكره في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مُنَعَّلَيْنِ، فقد ذهب إلى الجواز الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، والمشهور أن أبا حنيفة يمنه، ولكن الترمذي روى عن صالح بن أحمد قال: سَمِعْتُ أَبَا مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَعَلَيْهِ جَوْرَبَانِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَعَلْتُ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَفْعَلُهُ، مَسَحْتُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَهُمَا غَيْرُ مُنَعَّلَيْنِ» (" السنن ": 1/ 168، 169).
(3) " الترمذي ": 5/ 25، 26. وانظر أيضًا: 3/ 65. 5/ 34، وكثير غيرها (**).

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر صفحة 529 من هذا الكتاب.
(**) انظر " السنن "، الإمام الترمذي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر: أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ، (74) بَابٌ مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، حديث رقم 99، 1/ 169، نشر دار إحياء التراث العربي.
وانظر " عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي " أبو بكر بن العربي (ت 543 ه)، وضع حواشيه الشيخ جمال مرعشلي، أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ، (74) بَابٌ مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، الطبعة الأولى: 1418 ه - 1997 م، 1/ 124، حديث 99، دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
(1/313)

3 - يرجح الترمذي بين الآراء المختلفة، ويصرح باختياره، وفي بعض الأحيان يعرض الآراء دون أن يبين الراجح منها، وغالبًا ما يكون ذلك إذا اختلف فقهاء الحديث فيما بينهم:
فمما صرح فيه بالترجيح ما جاء في الإبراد بالظهر، وأن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر هو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. أما الشافعي فذهب إلى أن الإبراد إنما يكون إذا كان المسجد بعيدًا، فأما المصلي وحده، والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
قال أبو عيسى: «وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ: هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالاتِّبَاعِ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ البُعْدِ وَالمَشَقَّةِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَأَذَّنَ بِلاَلٌ بِصَلاَةِ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا بِلاَلُ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ»، «فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَعْنًى لاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ، وَكَانُوا لاَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ البُعْدِ» (1).
ومما رجح فيه أيضًا ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها، هل تنتهي عدتها بوضع الحمل، أو تنتظر إلى أبعد الأجلين؟ فقد ذكر أن العمل عند أكثر أهل العلم على القول الأول: «وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ [مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ]: تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ» (2).
__________
(1) " الترمذي " بتحقيق أحمد شاكر: 1/ 295، 297، والنص بأكمله من الصفحة الأخيرة.
(2) " الترمذي بشرح ابن العربي ": / 170، وانظر أيضًا: 5/ 195 - 197، 3/ 146، 181، 1/ 127 - 129 بشرح ابن العربي.
(1/314)

أما المواضع التي لا يرجح فيها فقد ذكرنا أن معظمها في مسائل اختلف فيها فقهاء أهل الحديث، وهو لا يترجم لها بما يمكن أن يشير إلى رأيه، وإنما يترجم ترجمة محايدة، مثل (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَذَا)، كقوله: (بَابُ [مَا جَاءَ] إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ [مَنَامِهِ]، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا)، وبعد أن روى هذا الحديث عن أبي هريرة ذكر آراء العلماء، فقال: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، قَائِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، أَنْ لاَ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا، كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ المَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ». وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ المَاءَ».
وقَالَ إِسْحَاقُ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ، بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، فَلاَ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا» (1).
وكقوله بعد أن روى حديث: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ»: «وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ المَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الصَّلاَةَ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ وَالجَنَابَةِ سَوَاءً، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ أَحْمَدُ: الاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ».
قال أبو عيسى: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُعِيدُ فِي الجَنَابَةِ، وَلَا يُعِيدُ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعِيدُ فِي الوُضُوءِ، وَلَا فِي الجَنَابَةِ، لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلاَ تَجِبُ الإِعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الوُضُوءِ، وَلَا فِي
__________
(1) " الترمذي " بتحقيق شاكر: 1/ 36، 37؛ وب " شرح ابن العربي ": 1/ 40، 42.
(1/315)

الجَنَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي آخِرَةٍ» (1).
ويلاحظ أنه ترجم لهذا الباب بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ).
وبهذه الطريقة التي تعنى بذكر الآراء المختلفة في موضوع الحديث، يعتبر " جامع الترمذي " مصدرًا جيدًا للخلافات بين الفقهاء، وبخاصة الفقهاء الخمسة الذين حرص على ذكر آرائهم. كما يمتاز باختصار طرق الحديث، فلا يروي منه إلا أصحها ثم يشير إلى الطرق الأخرى بقوله: «وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ» مثلاً.

مَنْهَجُ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ:
أما أبو داود والنسائي فيشتركان في أنهما اقتصرا في كتابيهما على أحاديث الأحكام، أو كادا يقتصران عليها، فلم يرويا أحاديث الفضائل والزهد والرقاق. كما اشتركا في التراجم الواضحة المختصرة التي تعبر عن اختياراتهم، أو تشير إلى آرائهم والتي تجردت من ذكر آراء الصحابة أو غيره فيها.
لكن التعليقات الفقهية على الأحاديث عند أبي داود، كانت أكثر منها عند النسائي، كما كان أبو داود أكثر تصريحًا برأيه، وذكرًا لآراء التابعين، وكثير من آراء أبي داود ينقلها عن أحمد بن حنبل، مما يبين تأثره به، ولا شك أنه تتلمذ عليه، حتى أتيح له أن يروي عنه كتابًا في المسائل.
ومن أمثلة نقله عن ابن حنبل، ما جاء في (بَابُ المُحْرِمِ يَمُوتُ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ؟)، فإنه بعد أن روى الحديث في ذلك قال: «سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ،
__________
(1) " الترمذي " بتحقيق شاكر: 1/ 40، 41؛ وب " شرح ابن العربي ": 1/ 44، 45. وانظر 2/ 27، 28 ب " شرح ابن العربي ".
(1/316)

يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " خَمْسُ سُنَنٍ ...» (1).
وفي (بَابُ الرَّجُلِ يُكَفِّرُ قَبْلَ أَنْ يَحْنَثَ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «سَمِعْت أَحْمَدَ، يُرَخِّصُ فِيهَا الكَفَّارَةَ قَبْلَ الحِنْثِ» (2)، وفي (بَابٌ [فِي] الغُسْلِ مِنْ غَسْلِ المَيِّتِ)، روى حديث: «مَنْ غَسَّلَ المَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، ثم قال: «هَذَا مَنْسُوخٌ، وسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عَنِ الغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ؟ فَقَالَ: " يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ "» (3) (*).
أما اختياراته وذكره لآراء السلف، فيتضح في مثل ما رواه عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ، وَالبِغَالِ، وَالحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، حيث علق أبو داود على هذا الحديث بقوله: «وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «لَا بَأْسَ بِلُحُومِ الخَيْلِ، وَلَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا مَنْسُوخٌ، قَدْ أَكَلَ لُحُومَ الخَيْلِ جَمَاعَةٌ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَلْقَمَةُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْبَحُهَا» (4).
وروى عن أم سلمة قالت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا، وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟».
__________
(1) و (2) " سنن أبي داود ": 3/ 297، 298، 311.
(3) " سنن أبي داود ": 3/ 272، 273.
(4) " سنن أبي داود ": 3/ 481، 482.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قال أبو الوليد ابن رشد: «وَفِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ "». انظر " شرح بداية المجتهد ونهاية المقتصد "، شرح وتحقيق وتخريج الدكتور عبد الله العبادي، 1/ 91، الطبعة الأولى: 1416 ه - 1995، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة - القاهرة.
قال الزيلعي: «فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَبَسَطَ الْبَيْهَقِيُّ الْقَوْلَ فِي طُرُقِهِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ». انظر " نصب الراية "، للزيلعي (ت 762 ه)، تصحيح الشيخ محمد عوامة، 2/ 282، حديث رقم 3103، الطبعة الأولى: 1418 ه - 1997 م، نشر دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة. مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. المكتبة المكية.
(1/317)

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، أَلَا تَرَى إِلَى اعْتِدَادِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ» (1).
وفي باب المستحاضة، بعد أن ذكر أبو داود ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ، قال: «وَهُوَ قَوْل الحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَسَالِمٍ، وَالقَاسِمِ، أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» (2).
ويشير إلى رأي ربيعة ومالك، فيذكر عَنْ رَبِيعَةَ، «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى المُسْتَحَاضَةِ وُضُوءًا [عِنْدَ] كُلِّ صَلاَةٍ إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ، فَتَتَوَضَّأُ» ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ابْنَ أَنَسٍ (3).
وفي الكلام على سترة المصلي، ومنعه من يمر أمامه روى حديث: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَّيْطَانٌ» نقل أبوداود أن سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: «يَمُرُّ الرَّجُلُ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي فَأَمْنَعُهُ، وَيَمُرُّ الضَّعِيفُ فَلاَ أَمْنَعُهُ» (4).
أما النسائي فلا تكاد تلمح له تعقيبات فقهية، ولا تلمس منه اهتمامًا بذكر الآراء، سواء أكانت آراء الصحابة، أم آراء غيرهم من التابعين وأئمة المذاهب.
__________
(1) " سنن أبي داود ": 4/ 89، 90.
(2) " سنن أبي داود ": 1/ 117.
(3) " سنن أبي داود ": 1/ 129.
(4) " سنن أبي داود ": 1/ 261.
(1/318)

ويلاحظ أن النسائي كرر كثيرًا من أبواب الطهارة، ولعل ذلك لأنه بدأ كتابه بقوله: (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ} [المائدة: 6]). فذكر ما يتعلق بتأويل هذه الآية من الوضوء والغسل وموجباتهما، ونواقضهما، وبعد أن انتهى من تفسيره عاد فذكر أبواب المياه والغسل على حدة، كما يلاحظ أنه قد يكرر الحديث الواحد تحت عدة تراجم، مثل ما رواه من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاخْتِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ»، فقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة، تنتهي كلها إلى الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وترجم له من الأبواب: (ذِكْرُ الفِطْرَةِ - الاخْتِتَانُ - تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ - نَتْفُ الإِبْطِ - وَحَلْقُ العَانَةِ) (1).
أما آراء النسائي فيمكن أن تستنبط من تراجمه، التي راعى فيها أن تكون موجزة، تتحاشى التحليل والتحريم بقدر الإمكان، مثل: (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي)، (التَّلَقِّي)، (النَّجَشُ)، (الْبَيْعُ فِيمَنْ يَزِيدُ) (2)، والعناوين الثلاثة الأولى روى فيها ما يفيد النهي، وروى في الأخير ما يفيد الجواز، وهو «أَنَّ [رَسُولَ اللَّهِ]- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ قَدَحًا وَحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ»، وَالحِلْسُ: كساء يلي ظهر البعير يفرش تحت القتب.
وقد يفسر الترجمة في بعض الأحيان مثل قوله: «النَّهْيُ عَنِ المُصَرَّاةِ: وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ أَخْلاَفَ النَّاقَةِ، أَوِ الشَّاةِ، وَتُتْرَكَ مِنَ الحَلْبِ يَوْمَيْنِ، وَالثَّلاَثَةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا فِي قِيمَتِهَا لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا» (3).
__________
(1) " سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ": 1/ 13، 15، طبع المطبعة العصرية بالأزهر، سنة 1348 ه - 1930 م.
(2) " سنن النسائي ": 7/ 256، 259.
(3) " سنن النسائي ": 7/ 252.
(1/319)

والنسائي يرتب أبوابه الأول فالأول بحسب ترتيبها في الشرع، بحيث لو جمعت تراجم الغسل من الجنابة مثلاً لكانت أشبه شيء حينئذٍ بمتون الفقه، حيث تجمع المسائل مجردة من دليلها، وها هي ذي أبواب الغسل من الجنابة: (ذِكْرُ غُسْلِ الجُنُبِ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ - بَابُ [ذِكْرِ] عَدَدِ غَسْلِ اليَدَيْنَ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ - إِزَالَةُ [الجُنُبِ] الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ - بَابُ إِعَادَةِ الجُنُبِ غَسْلَ يَدَيْهِ بَعْدَ إِزَالَةِ الأَذَى عَنْ جَسَدِهِ - بَابُ تَخْلِيلِ الجُنُبِ رَأْسَهُ - بَابُ ذِكْرِ مَا يَكْفِي الجُنُبَ مِنْ إِفَاضَةِ المَاءِ عَلَى رَأْسِهِ - بَابُ ذِكْرِ العَمَلِ فِي الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ - بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ بَعْدِ الغُسْلِ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ المَكَانِ الذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ - بَابُ تَرْكِ المِنْدِيلِ بَعْدَ الغُسْلِ) (1).
على أن النسائي يمتاز من بين كتاب السنن، بذكره موضوعًا هَامًّا غفلوا عنه، هو موضوع التوثيق، ففي معرض حديثه عن حكم كراء الأرض وما وقع فيه من الاختلاف، ذكر نموذجًا لكتابة مزارعه، قال فيه: قال أبو عبد الرحمن - أي النسائي -: «كِتَابَةُ مُزَارَعَةٍ عَلَى أَنَّ البَذْرَ وَالنَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَلِلْمُزَارِعِ رُبُعُ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا».
ثم ذكر صورة لهذا الكتاب.
ثم روى عن سعيد بن المسيب صورة لكتاب مقارضة، وبعده ذكر صورًا مختلفة لكتابة عقد شركة، ثم صورة لتفرق زوجين، ماذا يكتب لتوثيق ذلك، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى توثيق (2).
__________
(1) " سنن النسائي ": 1/ 48 - 50، وانظر مثل هذا الترتيب في أبواب كتاب الافتتاح في الصلاة: 1/ 140 وما بعدها.
(2) انظر " النسائي ": 7/ 50 وما بعدها، المطبعة المصرية بالأزهر، نشر المكتبة التجارية.
(1/320)

مَنْهَجُ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ:
أما الدارمي فإنه كثيرًا ما يروي في الباب عن علماء التابعين وتابعيهم بأسانيده إليهم آراءهم في المسائل المختلفة (1)، كما يصرح كثيرًا برأيه في تعقيبه على الأحاديث، كقوله بعد أن روى عن عطاء رأيه في حكم المستحاضة: «قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - الدارمي -: " الأَقْرَاءُ عِنْدِي: الحَيْضُ "» (2).
وكقوله بعد أن روى عن أنس «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: " بِهَذَا نَقُولُ، وَلَا أَرَى الجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (3).
وقد روى عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ»، وأن فيه كبشًا إذا أصابه المحرم، وأن أكله حلال، ثم جاء بعد ذلك: قِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ: «مَا تَقُولُ فِي الضَّبُعِ تَأْكُلُهُ؟» قَالَ: «أَنَا أَكْرَهُ أَكْلَهُ» (4).
وقد روى عن الثوري ما يفيد أن «الكُدْرَةُ وَالصُّفْرَةُ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ حَيْضٌ، [وَكُلُّ شَيْءٍ رَأَتْهُ بَعْدَ أَيَّامِ الحَيْضِ مِنْ دَمٍ أَوْ كُدْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ،] فَهِيَ [مُسْتَحَاضَةٌ]» ثم «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ (*) تَأْخُذُ بِقَوْلِ سُفْيَانَ (**)؟ قَالَ: " نَعَمْ "» (5).
وبعد أن روى حديث المسح على الخفين والعمامة، قِيلَ لَهُ: تَأْخُذُ بِهِ؟ قَالَ: «إِيْ وَاللَّه» (6).
__________
(1) انظر " سنن الدارمي ": 1/ 219، 220.
(2) " سنن الدارمي ": 1/ 216، 217.
(3) " سنن الدارمي ": 1/ 3، 28.
(4) " سنن الدارمي ": 2/ 74، 75.
(5) " سنن الدارمي ": 1/ 213.
(6) " سنن الدارمي ": 1/ 180.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) عبد الله: هو الإمام الدارمي.
(**) سفيان: هو الثوري، انظر " السنن "، الدارمي (ت 255 ه)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، حديث رقم 887، 1/ 632، الطبعة الأولى: 1421 ه - 2000 م، دار المغني للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية.
(1/321)

وبعد أن روى حديث: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ»، قَالَ: «فِي فَرْضِ الوَاجِبِ أَقُولُ بِهِ» (1).
وفي تعليقه على حديث: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، قَالَ: «أَهْلُ الحِجَازِ يَقُولُونَ: يَقْضِي، " وَأَنَا أَقُولُ: لَا يَقْضِي "» (2).
أما ابن ماجه فقد كانت تراجمه مختصرة واضحة في الدلالة على رأيه الفقهي، لكن الالتزام بذكر الآراء الفقهية للصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يكن من منهجه، فلم يعن بذكرها لا في التراجم، ولا بعد روايته للأحاديث، بل إن تعقيبه على مروياته كان نادرًا جدًا، وأكثرها متعلق بالحديث دون الفقه (3).

مَنْهَجُ مُسْلِمٍ:
أما مسلم فقد تأخرت مرتبته عن كتاب السنن من حيث العمل الفقهي في " صحيحه "، بل كان الوحيد من بين أهل الحديث، الذي روى الأحاديث دون أن يفصل بينها بتراجم توضح رأيه وتدل على استنباطه، وقد نقل النووي في مقدمته ل " صحيح مسلم "، عن ابن الصلاح - أن السر في ترك مسلم للترجمة، هو خشيته من أن يزداد بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. ونستطيع أن نقول إن السبب غير ذلك، فإن تراجم الكتاب كله لن تزيد في حجمه صفحة أو صفحتين. والملاحظ أن " صحيح مسلم " مرتب ترتيبًا متقنًا حسب أبواب الفقه المختلفة، يجمع الأحاديث بطرقها في كل باب،
__________
(1) " سنن الدارمي ": 2/ 7.
(2) " سنن الدارمي ": 2/ 13.
(3) انظر مثلاً في " سنن ابن ماجه ": 2/ 986، 987، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي.
(1/322)

فلعله أهمل الترجمة ليجعل القارئ أمام الحديث وجهًا لوجه يستنبط منه ما يشاء دون أن يوعز إليه برأيه، أو يشير إليه بما يمكن أن يستنبط منه، بل يرويه له مجردًا من رأيه، بل ومن رأى غيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إذ الترجمة في حقيقتها ليست إلا انعكاسًا لفهم المؤلف ورأيه، فيما يدل عليه المروي تحت ترجمته.
وكما خلا " صحيح مسلم " من التراجم، خلا من أي تعقيبات فقهية له أو لغيره، وإن كانت روايته لحديث ما دليلاً على أنه يذهب إليه ما دام صحيحًا في نظره، أما الضعيف فلا يرويه ولا يقول به، كما يمكن أن يستنبط رأيه فيما التزمه في موضوعات مختلف الحديث، وهي التي نشرع فيها الآن.

مَنْهَجُ المُحَدِّثِينَ فِي الأَحَادِيثِ المُخْتَلِفَةِ:
سبق أن تكلمنا عن مختلف الحديث، وَبَيَّنَّا أن موضوعه هو الأحاديث الصحيحة التي تتعارض أحكامها من حيث الظاهر، ويمكن التوفيق بينهم بوجه من الوجوه، إما بالنسخ، أو بتقييد المطلق، أو تخصيص العام، أو بمرجح من المرجحات.
وعلاج المحدثين للأحاديث المتعارضة لا يخرج عن ذلك، فإن الحديثين إذا تعارضا فقد يرى بعض المحدثين أن أحدهما لم يستوف شرطه، فيهمله ولا يلتفت إليه، إذ بضعفه عنده صار غير قابل للمعارضة، على حين يرى آخرون أن الحديث صحيح، فيتأولونه بوجه من الوجوه المتقدمة. وقد جرت عادة معظم المحدثين بأن يقدموا الأحاديث المنسوخة، ثم يتبعوها بالناسخة تحت عناوين (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)، أو (بَابُ تَرْكِ ذَلِكَ)، أو غيرها.
(1/323)

ونتناول فيما يأتي بعض الأحاديث المختلفة، لنبين صنيع المحدثين فيها:

فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ:
رأى البخاري أن نواقض الوضوء محصورة فيما خرج من السبيلين وفي النوم الثقيل والإغماء فقط، ورأى أن ذلك هو الموافق لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] و [المائدة: 6]، فإن الغائط كناية عن الحدث الموجب للوضوء، وهو لا يكون إلا بخروج شيء من أحد السبيلين، وكذلك فيما يكون مظنة لخروج شيء، وهو النوم الثقيل أو الإغماء. أما ما عدا ذلك من خروج دم أو غير السبيلين، أو مس الذكر، أو لمس المرأة، أو الضحك في الصلاة، أو أكل ما مسته النار: لحوم إبل أو غيرها - فإنه لا وضوء فيه.
ولم يرو البخاري أحاديث مس الذكر أصلاً، لا الموجبة للوضوء، ولا المرخصة فيه، كما لم يرو أحاديث الوضوء مما مسته النار أو أكل لحوم الإبل، ولا المرخصة في شيء من ذلك.
وقد أعلن عن رأيه في عدة تراجم، يرد فيها على ما يعتبره بعض العلماء من نواقض الوضوء، مما يخالف مذهبه، كقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ، [وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى]: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} [النساء: 43] وَقَالَ عَطَاءٌ: - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ - «يُعِيدُ الوُضُوءَ». وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ [وَلَمْ يُعِدِ] الوُضُوءَ» وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ [وَأَظْفَارِهِ]، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ» وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ [النَّبِيَّ]- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ». وَقَالَ الحَسَنُ: «مَا زَالَ
(1/324)

المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ». وَقَالَ طَاوُوسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، [وَعَطَاءٌ]، وَأَهْلُ الحِجَازِ: «لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ». وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالحَسَنُ: «فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ».
وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلاَّ مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ).
وقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، [وَعُمَرُ]، وَعُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، «فَلَمْ يَتَوَضَّأُوا»).
وأخيرًا: (بَابُ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ، أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا) (1).
أما مسلم فقد روى أحاديث الوضوء مما مست النار، ثم أحاديث في ترك ذلك، ثم روى حديث الوضوء من لحوم الإبل دون الغنم، فكأنه يرى استثناء لحوم الإبل من نسخ الوضوء مما مسته النار، وهذا هو مذهب عامة المحدثين (2).
فالترمذي ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) (3).
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 30، 33.
(2) " صحيح مسلم ": 1/ 187، 189، دار الطباعة العامرة، سنة 1329 ه.
(3) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 1 / [108]، 116.
(1/325)

وكذلك فعل أبو داود: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ). ولكنه كان يرى الوضوء من أكل ما مسته النار، ويذهب إلى أن ترك الوضوء منه هو المنسوخ، بالإضافة إلى أنه كان يرى الوضوء من لحوم الإبل كعامة أهل الحديث. ولهذا ذكر (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ) بمفرده، ثم بعده ببابين ذكر (بَابٌ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) ثم أعقبه بقوله: (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ)، وقد روى أبو داود في (بَابٌ [فِي] الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ) أحاديث مختلفة لم يبين وجه الجمع بينها (1).
وكذلك النسائي (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ).
(بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) (2).
وكذلك فعل ابن ماجه: (بَابُ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ).
و (بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)، ثم (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)، ثم (بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنْ [لُحُومِ] الإِبِلِ) (3).
وقد رأينا أن بعض المحدثين يُعَنْوِنُ للأحاديث المعارضة للباب الذي قدمه عليها ب (بَابُ تَرْكِ كَذَا)، وهذ العنوان يشير إلى ميل المؤلف
__________
(1) " أبو داود ": 1/ 4، 92.
(2) " سنن النسائي ": 1/ 100، 108.
(3) " سنن ابن ماجه ": 1/ 91، 92.
(1/326)

للنسخ، على حين يعنون آخرون بقولهم: (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي كَذَا) وهو عنوان يفيد أن العمل بالأحاديث المتقدمة لم يهمل، بل العمل بها لا يخلو عن احتياط وإن كان العمل بالأحاديث المعارضة لها جائزًا.

المَاءُ مِنَ المَاءِ:
روى البخاري في (بَابٌ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». ويفهم من هذا أنه يذهب مذهب الجمهور في أن الإنزال ليس بشرط في الغسل، وأن مجرد التقاء الختانين بدون إنزال يوجبه. وبخاصة أنه روى ما يعارض ذلك تحت عنوان لا يفيد أنه يأخذ بالمعارض، حيث قال: (بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ (*) المَرْأَةِ) روى فيه حديثين، أحدهما: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ» قَالَ عُثْمَانُ: «سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ».
وروى في الثاني عَنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - البخاري -: «الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ [الآخِرُ]، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لاِخْتِلاَفِهِمْ» (1).
ويفهم من هذه العبارة الأخيرة للبخاري أن النسخ لم يصح عنده وأن المسألة خلافية، وأن الأخذ بالأحوط هو الواجب فيها، ولهذا لم يأخذ من
__________
(1) " البخاري ": 1/ 41.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع: (بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرْأَةِ) والصواب ما أثبته، وهو ما فسر به ابن حجر العسقلاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - الباب بقوله: «أَيْ مِنْ رُطُوبَةٍ وَغَيْرِهَا»، انظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (5) كِتَابُ الغُسْلِ (29) (بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَةِ)، 1/ 396، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ 1379 ه.
(1/327)

الحديثين الأخيرين إلا غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة. أما الاغتسال فقد أخذ فيه بما ترجمه أولاً من (بَابٌ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ).
وقد فهم ابن العربي من العبارة الأخيرة للبخاري: «الغَسْلُ أَحْوَطُ» أَنَّ الغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ وصعب عليه ذهاب البخاري إلى ذلك، لأن الصحابة الذين لم يروا غسلاً إلا من إنزال الماء رجعوا عن ذلك، وروى عن عمر أنه قال: «مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَعَلْتُهُ نَكَالاً»، «وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ إِلَّا دَاوُدُ وَلَا يُعْبَأُ بِهِ فَإِنَّهُ لَوْلَا الخِلَافُ مَا عُرِفَ وَإِنَّمَا الأَمْرُ الصَّعْبُ خِلَافُ البُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ أَنَّ الغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَجَلِّ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ مَعْرِفَةً وَعَدْلًا. وَمَا بِهَذِهِ المَسْأَلَةِ خَفَاءٌ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهَا ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ». ثم قال: «وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ البُخَارِيِّ: " الغَسْلُ أَحْوَطُ " يَعْنِي فِي الدِّينِ مِنْ بَابِ حَدِيثَيْنِ تَعَارَضَا فَقَدَّمَ الذِي يَقْتَضِي الاحْتِيَاطَ فِي الدِّينِ وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي أُصُولِ الفِقْهِ وَهُوَ الأَشْبَهُ فِي إِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ» (1).
أما مسلم فقد ذهب إلى النسخ. ويستنبط ذلك من روايته لأحاديث «المَاءُ مِنَ المَاءِ» أولاً، ثم اتبعها بما رواه عَنْ أَبِي العَلاَءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثم أعقب ذلك بما رواه عن أبي هريرة وغيره مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ [جَهَدَهَا]، فَقَدْ وَجَبَ [عَلَيْهِ] الغُسْلُ» و «[إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ] الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ» (2).
__________
(1) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 169، 170.
(2) " صحيح مسلم ": 1/ 185، 187، دار الطباعة العامرة، 1329 ه.
(1/328)

وأما النسائي فلم يذهب إلى النسخ، إذ لم ير تعارضًا بين الأحاديث فقال: (بَابُ وُجُوبِ الغُسْلِ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ) روى فيه حديث: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا ...»، ثم حمل ما يخالف ذلك على الاحتلام، لا على الجماع، فقال: (بَابُ الذِي يَحْتَلِمُ وَلاَ يَرَى المَاءَ)، روى فيه عن أبي أيوب: «المَاءُ مِنَ المَاءِ». وما ذهب إليه النسائي في ذلك هو رواية عن ابن عباس، لكن هذه المحاولة في التوفيق بين الحديثين مردودة بأن مورد حديث «المَاءُ مِنَ المَاءِ» هو الجماع لا الاحتلام كما سبق في رواية البخاري عن عثمان وغيره، وكما سبق مما نقلناه عن " صحيح مسلم " (1).
أما الترمذي وأبو داود فقد رويا نسخ «المَاءُ مِنَ المَاءِ»، فعقد الترمذي بَابًا في (بَابُ مَا جَاءَ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ)، ثم (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ المَاءَ مِنَ المَاءِ) روى فيه عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ المَاءُ مِنَ المَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا» (2).
وتحت عنوان (بَابٌ فِي الإِكْسَالِ) روى أبو داود عن أبي بن كعب مثل ما روى الترمذي، كما روى حديث أبي هريرة: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا ...»، وأخيرًا روى في الباب نفسه عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَاءُ مِنَ المَاءِ»، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِك (3).
وقدم ابن ماجه (بَابُ المَاءِ مِنَ المَاءِ)، ثم أتبعه ب (بَابُ مَا جَاءَ فِي
__________
(1) " سنن النسائي ": 1/ 110، 116، وانظر الرواية عن ابن عباس في حمل الماء من الماء على الاحتلام - في " الترمذي ": 1/ 167.
(2) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 164، 168.
(3) " أبو داود ": 1/ 95.
(1/329)

وُجُوبِ الغُسْلِ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ) (1)، ويفهم من الترجمة الأخيرة أنه يذهب إليها.

نِكَاحُ المُحْرِمِ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ:
روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، وذلك في موضعين من كتابه في (بَابُ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ) و (بَابُ نِكَاحِ المُحْرِمِ) (2)، ولم يرو ما يعارض ذلك.
ولكن أبا داود مال إلى تحريم زواج المحرم، وروى في ذلك عَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، مَرْفُوعًا «لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكِحُ». كما روى عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ»، ثم روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». ولكنه أعقبه بما رواه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: «وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (3).
وترجم الترمذي لحديث عثمان وغيره مما يفيد النهي عن تزويج المحرم، بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ تَزْوِيجِ المُحْرِمِ)، ثم ذكر أن العمل على هذا عند بعض الصحابة والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يتزوج المحرم، فإن نكح فنكاحه باطل.
ثم أتبع هذا الباب بباب آخر، روى فيه حديث ابن عباس السابق، وقال عنه: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وترجم له بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) (4).
__________
(1) " ابن ماجه " بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - رَحِمَهُ اللهُ -: 1/ 199.
(2) " البخاري ": 1/ 207 و 3/ 246 في كتابي الحج والنكاح.
(3) " أبو داود ": 2/ 230، 231.
(4) " الترمذي ": 4/ 71، 74؛ وانظر " اختلاف الحديث "، للشافعي على هامش " الأم ": 7/ 238، 241؛ و" معاني الآثار ": 1/ 441، 443.
(1/330)

ونكتفي بما ذكرناه من أمثلة لكيفية تناول المحدثين لمختلف الحديث، وهي تدل على غيرها، فعلى نهج ما قدمناه يسيرون، وتختلف أنظارهم في التوفيق بين الأحاديث، وإن كانوا يتلاقون جميعًا في أنهم لا يقلدون ولا يتعصبون، ولكنهم يجتهدون وينظرون، فما غلب على ظنهم أنه الحق أخذوا به، وعبروا عنه في تراجمهم وتعقيباتهم على تفاوت بينهم في إبراز الجوانب الفقهية من شخصياتهم، وعلى اختلاف بينهم في إيداع كتبهم مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم.
وقد اتضح مما تقدم أن البخاري فقيه وأي فقيه، وأنه - من زاوية الفقه - مقدم على كتاب السنن في القرن الثالث كما هو مقدم عليهم من حيث صناعة الحديث، إذ هو أعمقهم استنباطًا، وأكثرهم استقلالاً، وأصرحهم رأيًا، وأشدهم في مناقشة أهل الرأي وغيرهم.
ثم يأتي بعده في العمل الفقهي الترمذي، ثم أبو داود والنسائي ثم الدارمي وابن ماجه، ثم مسلم، وأخيرًا يأتي ابن أبي شيبة.
(1/331)

البَابُ الثَّالِثُ: الاِتِّجَاهُ إِلَى الظَّاهِرِ:
• الفصل الأول: بين أهل الحديث وأهل الظاهر.

• الفصل الثاني: أصول أهل الظاهر.

• الفصل الثالث: تقييم المذهب الظاهري.
(1/333)

الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ:
الاتجاه إلى أهل الظاهر، معناه الوقوف عند حدود الألفاظ التي وردت من الشارع، دون عناية بالبحث عن عللها ومقاصدها، ودون اهتمام بالقرائن والظروف التي أحاطت بالألفاظ حين ورودها (1).
وقد أشرنا من قبل إلى أن الذاتية في المجتهد - في حدود الإطار المسموح فيه بحرية الاجتهاد - حقيقة لا سبيل إلى إغفالها، ولذلك لم يكن هناك بد من اختلاف الناس في فهم النصوص - التي هي أوعية المعاني - تبعًا لاختلاف ذواتهم وتكوينهم النفسي والعقلي.
وإن ما حدث من الصحابة في غزوة بني قريظة، ليبين لنا مقدار الذاتية، في فهم النصوص، كما يبين لنا تسليم الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذه الذاتية وإقراره لما تؤدي إليه.
فقد طلب الرسول من أصحابه، عقب غزوة الأحزاب، أن يتوجهوا إلى ديار بني قريظة، ليعاقبوهم على خيانتهم للمسلمين ونقضهم للعهود، وطلب - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من أصحابه ألا يصلي أحد منهم العصر إلا في
__________
(1) الظاهر في اللغة ضد الباطن، وعند الأصوليين: هو اللفظ الدال على معنى متبادر منه، وليس مقصودًا أصليًا بسوق الكلام، مع احتماله للتفسير والتأويل وقبوله للنسخ في عهد الرسالة. كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، باعتبار دلالته على حل البيع وحرمة الربا. فإن الكلام مسوق للتفرقة بين البيع والربا، ردًا على من قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275]، فدلالته على حل البيع وحرمة الربا دلالة على غير المقصود الأول بالسوق (انظر " أصول التشريع "، للأستاذ الشيخ علي حسب الله: ص 232).
(1/335)

بني قريظة. فنفذ بعضهم هذا الطلب حرفيًا. وأخر العصر حتى إلى بني قريظة بعد العشاء، ورأى بعض الصحابة أن المراد هو سرعة النهوض، لا خصوص تأخير الصلاة. فصلوا العصر في الطريق، ثم واصلوا سيرهم مسرعين. ولا شك أن كُلاًّ من الفريقين قد امتثل الأمر ونفذه. ولهذا أقر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلاًّ من الفريقين وَلَمْ يَلُمْ أحدهما (1).
بل إن المجتهد الواحد قد يختلف سلوكه في زمنين مختلفين، أو في مسألتين مختلفتين، فيميل إلى التقيد بحرفية اللفظ أحيانًا عن ظاهر اللفظ، والغوص في طلب المعاني المقصودة.
وقد سبق أن ذكرنا في الفصل الذي ألمحنا فيه إلى مظاهر من فقه محدثي الصحابة - أن ابن عباس كان يميل إلى القياس، ويجتهد في طلب المعاني والعلل. وعلى الرغم من ذلك كان في بعض الأحيان يتقيد بالألفاظ ويتجه إلى التمسك بظاهرها. كما أشرنا هناك إلى أن ابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا - كان على العكس من ابن عباس، حيث كان يغلب عليه الميل للظاهر. وإن لم يمنع هذا من أنه كان في بعض المسائل يتجاوز الألفاظ إلى ما وراءها.
وعندما نقول هنا إن المحدثين كانوا يتجهون إلى الظاهر. فإننا نعني بذلك أن هذا الاتجاه كان هو الغالب عليهم، السائد في فقههم، وإن لم يمنع
__________
(1) ذكر ابن حزم: «أَنَّ السِّرَّ فِي اخْتِلَافِ الطَّائِفَتَيْنِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ هُوَ أَنَّهُمَا كَانَا بَيْنَ نَصَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ بَيَّنَ لَهُمْ الرَّسُولُ وَقْتَ العَصْرِ، وَأَنَّ تَأْخِيرَهَا إِلَى الصُّفْرَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِعْلُ المُنَافِقِينَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَأْخِيرٍ لِلْعَصْرِ حَتَّى تُصَلَّى فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ عَلَى الآخَرِ فَأَخَذَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالأَمْرِ المُتَقَدِّمِ وَأَخَذَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى بِالأَمْرِ المُتَأَخِّرِ»، ثم قال: «وَلَوْ أَنَّنَا حَاضِرُونَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمَا صَلَّيْنَا العَصْرَ إِلَّا فِيهَا وَلَوْ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ...» (انظر " الإحكام "، لابن حزم: 3/ 27، 29).
(1/336)

هذا من أن تكون لهم اجتهادات جاوزوا فيها حدود الألفاظ، محلقين في أجواء المعاني ومقاصد التشريع.

مَظَاهِرُ هَذَا الاِتِّجَاهِ فِي فِقْهِ المُحَدِّثِينَ:
ولتوضيح هذا الاتجاه نذكر جملة من المسائل التي تعين على تصوره في فقه أهل الحديث، ونتبع كل مسألة بمذهب أهل الظاهر فيها.

1 - غَسْلُ اليَدَيْنِ عِنْدَ الاِسْتِيْقَاظِ مِنَ النَّوْمِ:
روي عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». وفي بعض روايات الحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ». بدلاً من «اللَّيْلِ».
فهذا النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، هل المقصود به الاحتياط في النظافة، إذ لم يقطع بحصول النجاسة في اليد؟ أو أنه بسبب النجاسة التي يمكن أن تلحق اليد أثناء النوم، لأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة؟ أو أن هذا النهي تعبدي لا يشتغل بالبحث عن علة له؟
وبعبارة أخرى، هل هذا النهي معلل بعلة، يدور الحكم معها وُجُودًا وَعَدَمًا، أم أنه غير معلل فيجب تنفيذه في كل الأحوال؟
ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى عدم تعليل هذا النص، وأوجبا غسل اليد عند الاستيقاظ، غير أن أحمد رأى أن الحديث جاء مطلقًا في بعض الروايات، وجاء مقيدًا ب (اللَّيْلِ) في بعضها الآخر، فحمل المطلق على المقيد، وأوجب غسل اليد عند الاستيقاظ من نوم الليل لا من نوم النهار. أما إسحاق فَقَدْ سَوَّى بين نوم الليل ونوم النهار في وجوب
(1/337)

غسل اليد عند الاستيقاظ، أخذًا بالرواية التي أطلقت الاستيقاظ من النوم.
ووجوب غسل اليد عند الاستيقاظ هو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن البصري.
فإن غمست اليد في الإناء قبل الغسل، فقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ المَاءَ»، وهذه العبارة تحتمل وجوب الإراقة، وهو مذهب الحسن، وتحتمل استحباب الإراقة.
وقد ذهب الشافعي إلى استحباب غسل اليد عند الاستيقاظ من أي نوم، وكراهة إدخالها الإناء قبل الغسل، فإن أدخلها قبل الغسل لم يفسد ماء الإناء إذا لم يكن على يده نجاسة. وقد مال أبو داود وابن ماجه إلى رأي أحمد، وحكى الترمذي الأقوال دون أن [يُرَجِّحَ] بينها (1).
ولنستمع إلى ابن حزم يدلي برأي الظاهرية في هذه المسألة، فيقول: «وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْتَيْقِظٍ مِنْ نَوْمٍ قَلَّ النَّوْمُ أَوْ كَثُرَ، نَهَارًا كَانَ أَوْ لَيْلاً، قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ قَائِمًا. فِي صَلاَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ، كَيْفَمَا نَامَ - أَلاَّ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ - فِي إنَاءٍ كَانَ وُضُوءَهُ أَوْ مِنْ نَهْرٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ... فَإِنْ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ وَتَوَضَّأَ، دُونَ أَنْ يَغْمِسَ يَدَيْهِ فَوُضُوؤُهُ غَيْرُ تَامٍّ وَصَلاَتُهُ غَيْرُ تَامَّةٍ» (2).
ويلاحظ أن ابن حزم يأخذ بالمعنى الزائد، بمعنى أنه يأخذ بالرواية التي
__________
(1) انظر " مسائل أحمد وإسحاق "، مخطوط دار الكتب (ب 23660): ج 1 ص 11؛ و" المغني ": 1/ 98؛ و" الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 41، 42؛ و" سنن أبي داود ": 1/ 59؛ و" ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 80، 82.
(2) " المحلى ": 1/ 206.
(1/338)

أطلقت النوم، لأن فيها معنى زائدًا، والأخذ بها يتضمن الأخذ بالرواية المقيدة وغيرها، وكذلك ورد في بعض الروايات «لَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ»، وفي بعضها «لَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ» وهو يأخذ بهذه الرواية لأنها أعم من أن يكون الوضوء في إناء أو في غيره.

2 - حُكْمُ السِّوَاكِ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ:
روى أبو داود بإسناده «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاَةٍ، طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلاَةٍ» (1).
وبناء على هذا الحديث ذهب داود وإسحاق بن راهويه إلى وجوب السواك، ونقل عن داود أنه أوجبه للصلاة، ولكن تركه لا يبطل الصلاة. وحكي عن إسحاق «أَنَّ مَنْ يَتْرُكُ السِّوَاكَ عَمْدًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ».
أما الجمهور فيرى السواك سنة وليس بواجب، للحديث المتفق عليه: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ»، يعني لأمرتهم أمر إيجاب لأن المشقة إنما تلحق بالإيجاب لا بالندب (2).
وقد روي «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ». وإلى ذلك ذهب بعض العلماء كالشافعي وأحمد وإسحاق. وقد ذهب إسحاق إلى «أَنَّ مَنْ تَرَكَ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ عَامِدًا - فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَمَنَ تَرَكَ تَخْلِيلَهَا نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلاً فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» (3).
__________
(1) " سنن أبي داود ": 1/ 43.
(2) " ابن العربي على الترمذي ": 1/ 39؛ و" المغني ": 1/ 95.
(3) " الترمذي بشرح ابن العربي ": 1/ 49؛ و" مسائل أحمد وإسحاق ": 1/ 2، 3، وانظر أيضًا حكم الغسل يوم الجمعة وأنه فرض: في " البخاري ": 1/ 102، 105؛ و" المغني ": 2/ 345؛ و" المحلى ": 2/ 8، 19.
(1/339)

3 - حُكْمُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ:
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ».
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ وُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ، وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا») (1).
واستنادًا إلى الحديث السابق ذهب عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن خزيمة وداود إلى أن صلاة الجماعة فرض عين، بل ذهب داود إلى أنها شرط لصحة الصلاة، وقد ذكر صاحب " المغني " أن أحمد بن حنبل قد نص على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة على الرغم من أنه يقول بوجوبها.
وذهب الجمهور إلى أن الجماعة ليست فرض عين، ثم اختلفوا هل هي فرض كفاية أو سنة، واختار النووي أنها فرض كفاية (2)، وعمدة الجمهور في عدم الوجوب الأحاديث التي فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفرد فإنها تفيد صحة الصلاة المفضولة.
وقد ترجم الترمذي للحديث السابق بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلاَ يُجِيبُ)، ثم علق عليه بقوله: «وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ
__________
(1) " البخاري بحاشية السندي ": 1/ 78. والمرماتان: ظلفا الشاة.
(2) انظر " النووي على صحيح مسلم ": 5/ 151، 153؛ و" المغني ": 2/ 176، 177.
(1/340)

لَهُ». «وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا رُخْصَةَ لأَحَدٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ».
قَالَ مُجَاهِدٌ، «وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، لَا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً؟ فَقَالَ: " هُوَ فِي النَّارِ "».
ثم أَوَّلَ الترمذي كلمة ابن عباس بأنها «لِمَنْ يَتْرُكُ الجَمَاعَةَ وَالجُمُعَةَ رَغْبَةً عَنْهَا، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا، وَتَهَاوُنًا بِهَا» (1).
وقد روى ابن ماجه حديث أبي هريرة السابق تحت (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجَمَاعَةِ)، كما روي في هذا الباب أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلاَ صَلاَةَ لَهُ، إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ». فكأنه يذهب إلى وجوبها. وقد علق السندي على هذا الحديث بقوله: «وَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الجَمَاعَةَ [فِي المَسْجِدِ الذِي سَمِعَ نِدَاءَهُ] فَرْضٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَهُوَ خِلاَفُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الفِقْهِ فَلاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلِ الحَدِيثِ عَلَى نُقْصَانِ تِلْكَ الصَّلاَةِ» (2).
وقد ذكرنا أن داود بن علي الظاهري ذهب إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية في حكم صلاة الجماعة فيقول: «وَلَا تُجْزِئُ صَلاةُ فَرْضٍ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الأَذَانَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا فِي المَسْجِدِ مَعَ الإِمَامِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الأَذَانَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ إلَيْهِ فَصَاعِدًا وَلَا بُدَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا مَعَهُ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ، إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ التَّخَلُّفُ عَنْ الجَمَاعَةِ».
ويقول في موضع آخر: «وَأَمَّا نَحْنُ، فَإِن