Advertisement

الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 001



الكتاب: الفقيه و المتفقه
المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
المحقق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي
الناشر: دار ابن الجوزي - السعودية
الطبعة: الثانية، 1421ه
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَيَّدَ مَنَارَ الدِّينِ وَأَعْلَامَهُ، وَأَوْضَحَ لِلْخَلْقِ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَبعَثَ صَفْوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَوْلِيَائِهِ الْمُصْطَفَيْنَ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ يَدْعُونَ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَتَرْكِ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْمِلَلِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَخَتَمَ الدَّعْوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَفَضَّلَهُ عَلَى مَنْ سَبَقَ وغَبَرَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَوَكَّلَ بِحِفْظِهَا مِنَ الصِّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَتَرْتَفِعُ بِقَوْلِهِ الشُّبْهَةُ، وَهُمُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَلْزَمَهُمْ حِرَاسَةَ شَرِيعَتِهِ، وَالتَّفَقَّهَ فِي دِينِهِ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [سورة: آل عمران، آية رقم: 79] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينَ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة: التوبة، آية رقم: 122] فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ أَوْجَبَ عَلَى إِحْدَاهُمَا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ، وَعَلَى الْأُخْرَى التَّفَقُّهَ فِي دِينِهِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ جَمِيعُهُمْ إِلَى الْجِهَادِ فَتَنْدَرِسَ الشَّرِيعَةُ وَلَا يَتَوَفَّرُوا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ فَيَغْلِبَ الْكُفَّارُ عَلَى الْمِلَّةِ، فَحَرَسَ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ بْالْمُجَاهِدِينَ وَحَفَظَ شَرِيعَةَ الْإِيمَانِ بْالْمُتَعَلِّمِينَ وَأمَرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ فِي النَّوَازِلِ وَمَسْأَلَتِهِمْ عَنِ الْحَوَادِثِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة: النحل، آية رقم: 43] وَقَالَ تَعَالَى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة: النساء، آية رقم: 83] وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [سورة: النساء، آية رقم: 59] وَبَيَّنَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ فَقَالَ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة: فاطر، آية رقم: 28] وَجَعَلَهُمْ خُلَفاَءَ فِي أَرْضِهِ، وَحُجَّتَهَ عَلَى عِبَادِهِ وَاكْتَفَى بِهِمْ عَنْ بَعْثِهِ نَبِيًّا وَإِرْسَالِ نَذِيرٍ، وَقَرَنَ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ، فَقَالَ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [سورة:] وَقَالَ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة: الزمر، آية رقم: 9] ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُنَّتِهِ فَرْضَ الْعِلْمِ عَلَى أُمَّتِهِ وَحَثَّ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَأَحْكَامِهِ وَالسُّنَنِ وَمُوجِبَاتِهَا، وَالنَّظَرِ فِي الْفِقْهِ وَاسْتِنْبَاطِ الدَّلَائِلِ وَاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مَا يَحْدُو ذَا الرَّأْيِ الْأَرْشَدِ، وَالطَّرِيقِ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي دِينَ اللَّهِ، وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ وَحِفْظِهِ وَدِرَاسَتِهَ، وَأَذْكُرُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَتَثْبِيتِ الْحِجَاجِ وَمَحْمُودِ الرَّأْيِ وَمَذْمُومِهِ وَكَيْفِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَتَرْتِيبِ أَدِلَّتِهِ وَالْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهَا الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ وَاسْتِعْمَالُهُمَا الْهُدَى وَالْوَقَارِ وَالْخُشُوعِ وَالْإِخْبَاتِ فِي تَعَلُّمِهِمَا وَتَعْلِيمِهِمَا وَمِمَّا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُتَفَقِّهَ الْمُسْتَرْشِدَ، وَيَجِبُ عَلْيِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا، وَيُكْرَهُ مِنْهُمَا مَا يَتَبَيَّنُ نَفْعُهُ لِمَنْ فَهِمَهُ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ بِهْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(1/69)

بَابُ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلُ التَّفَقُّهِ وَالْأَمْرِ بِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ الدِّينَ
(1/72)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ الصَّغَانِيُّ وَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ بِأَصْبَهَانَ إِمْلَاءً , قثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ وَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينَ»
(1/72)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآجُرِّيُّ بِمَكَّةَ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَشِّيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيُّ , وَأَنَا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ بِهَا , أنا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبَانَ السَّرَّاجُ الْبَغْدَادِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ , قَالَا: نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , نا مَعْمَرٌ , - وَقَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ: عَنْ مَعْمَرٍ , - عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينَ»
(1/73)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ السَّرْخَابَاذِيُّ بِالرَّيِّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ، أنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ , أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ , أنا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ , [ص:74] أَخُو حَجَّاجٍ الْأَنْمَاطِيُّ قَالَا: نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , حَدَّثَنَا مَعْمَرُ , وَقَالَ التَّمِيمِيُّ: عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدٍ , - زَادَ التَّمِيمِيُّ: ابْنِ الْمُسَيِّبِ , ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ السَّرْخَابَاذِيُّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ -: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ»
(1/73)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْعَبْدِيُّ , حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَاشِمِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَائِرِيُّ , بِحَلَبَ , نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ , قَالَا: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ , - زَادَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمَدَنِيُّ , ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ الْجَوْهَرِيِّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/74)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ الْبَغْدَادِيُّ , بِصُورٍ أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِ مِائَةٍ. وَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَذَّاءُ , أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ , وَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ النَّهْرَوَانِيُّ بِهَا , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَاهَبْزَذِ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ , نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ,؛ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ سَالِمٍ , حَدَّثَهُ , أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهَ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ» هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ بُرْهَانٍ
(1/75)

وَقَالَ الْحَذَّاءُ: عَنْ عَبَّادِ بْنِ سَالِمٍ , عَنْ سَالِمٍ. وَقَالَ ابْنُ رَوْحٍ: إِنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يُفَقِّهْهُ»
(1/75)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ [ص:76] الْوَاعِظُ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَعْلَجٍ الْمُعَدِّلُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ زَيْدٍ , هُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ , نا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَعْنِي الصُّدَائِيَّ - عَنْ أَبِي شَيْبَةَ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/75)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ السُّكَّرِيُّ , نا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ حَيَوَيْهِ الْخَزَّازُ قَالَ: قُرِئَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ بِالْكُوفَةِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ الضَّبِّيُّ , عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ , وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ»
(1/76)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَاذَانَ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ , نا سُلَيْمُ بْنُ [ص:77] مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ , نا أَبِي , نا الْمُنْكَدِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا فَقَّهَهُمْ فِي الدِّينِ , وَرَزَقَهُمُ الرِّفْقَ فِي مَعِيشَتِهِمْ , وَوَقَّرَ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ»
(1/76)

أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْفَقِيهُ الْخُوَارِزْمِيُّ الْمَعْرُوفُ: بِالْبُرْقَانِيِّ قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى عُمَرَ بْنِ نُوحٍ الْبَجَلِيِّ , وَقَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الزَّيَّاتِ , أَخْبَرَكُمْ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَنَا الْبُرْقَانِيُّ قَالَ: وَقَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ حَسْنُوَيْهِ , أَخْبَرَكُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , نا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ , أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصِبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/77)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ , [ص:78] نا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغَوِيُّ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَدَمِيِّ الْقَارِئُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصِبِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/77)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نا حُسَيْنُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ , أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ , عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ , وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ , وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ , مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ
(1/78)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَرَشِيُّ الْحِيرِيُّ بنَيْسَابُورَ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأَصَمُّ , أنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ الْبَيْرُوتِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ , عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْهَمْدَانِيِّ , عَنْ مَكْحُولٍ , أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ , قَالَ - وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ , وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ , ومَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ , وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ , وَلَنْ تَزَالَ أُمَّةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ , وَلَا مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ "
(1/79)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي , نا أَبُو بَدْرٍ , نا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ , وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْمُنَادِي , نا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , - مَوْلَى [ص:80] الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ - قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ , وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ , وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ , مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ» - وَقَالَ الْحِيرِيُّ: خَيْرًا - يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ "
(1/79)

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْقَاسِمِ النَّرْسِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو السَّوَّارِ الْعَنْبَرِيُّ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , نا جَبَلَةُ بْنُ عَطِيَّةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/80)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ بِأَصْبَهَانَ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ , وَأَبُو الْيَمَانِ , قَالَا: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ رَاشِدِ بْنِ دَاوُدَ , عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ , عَنْ مُعَاوِيَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/80)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ بنَيْسَابُورَ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/81)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِيُّ، نَا الْفِرْيَابِيُّ , نا أَبُو مَسْعُودٍ الْمِصِّيصِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/81)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ جَرَادِ بْنِ مُجَالِدٍ , عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ , قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَنْهَى عَنِ الْحَدِيثِ , يَقُولُ: لَا تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَمِعْتُهُ يَوْمًا , يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ - مَا سَمِعْتُ مِنْهُ , قَطُّ غَيْرَهُ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ»
(1/82)

أنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ أَيْفَعَ بْنِ عَبْدٍ , عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/82)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , نا أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ , بِأَنْطَاكِيَّةَ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - نا مَرْوَانُ بْنُ جُنَاحٍ , عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ , [ص:83] يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَيْرُ عَادَةٌ , وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ , وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/82)

أنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ , نا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْخُزَاعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا مَرْوَانُ بْنُ جُنَاحٍ , عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ , عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ - يَعْنِي: مِنْبَرَ دِمَشْقَ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْخَيْرُ عَادَةٌ , وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ , وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1/83)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ الْبَزَّازُ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ , نا أَبُو الْأَزْهَرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ , نا هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعِجْلِيُّ , نا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: خَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ [ص:84]: «

19 - مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ , يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَفَقَّهُوا»
(1/83)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُوسَى الْحَافِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ , حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُوقَرِيُّ , عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ , عَنْ مُعَاوِيَةَ ,؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ , وَمَنْ لَمْ يُبَالِ بِهِ لَمْ يُفَقِّهْهُ»
(1/84)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ قَالَا: أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حُسَيْنُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ , أنا وَكِيعٌ , وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ , - زَادَ وَكِيعٌ: السُّلَمِيَّ , ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - وَفِي حَدِيثِ الْحِيرِيِّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ص:85] قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مَوْقُوفٌ
(1/84)

أنا ابْنُ رِزْقُوَيْهِ , وَابْنُ بِشْرَانَ قَالَا: أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ , أنا وَكِيعٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي سُفْيَانَ , عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ»
(1/85)

ذِكْرُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا
(1/86)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ , خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا»
(1/86)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدِ بْنِ حَمْدَانَ السُّلَمِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ , أنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ , نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ , خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا»
(1/86)

أنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دَوَسْتٍ الْعَلَّافُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا»
(1/87)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ الْكُوفِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعِجْلِيُّ , نا جُبَارَةُ , نا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا»
(1/87)

فَضْلُ مَجَالِسِ الْفِقْهِ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ
(1/88)

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ الْعَطَّارُ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ التَّمِيمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ قَالَ: فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ , أَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ , وَالْآخَرُونَ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ , وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ , أَمَّا هَؤُلَاءِ , فَيُدْعَوْنَ اللَّهَ , وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ , فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ , وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَعْمَلُونَ , وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ , وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» فَجَلَسَ مَعَهُمْ كَذَا فِي كِتَابِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ , وَهُوَ خَطَأٌ , صَوَابُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ , وَحِبَّانُ بْنُ مُوسَى , وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيَّانِ , عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ
(1/88)

أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , [ص:89] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ , وَقَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ , وَقَوْمٌ يَتَذَاكَرُونَ الْفِقْهَ , فَقَالَ النَّبِيُّ , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ , أَمَّا الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ , وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ , فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ , وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ , وَهَؤُلَاءِ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ وَيَتَعَلَّمُونَ , وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا , وَهَذَا أَفْضَلُ» فَقَعَدَ مَعَهُمْ
(1/88)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَتِيقِيُّ بِبَغْدَادَ , وَأَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ بِصُورٍ قَالَا: أنا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ , نا جَدِّي , نا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ , فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ , أَحَدُهُمَا يَدْعُونَ اللَّهَ , وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ , وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ , وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ , أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُدْعَوْنَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ , فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ , وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ , وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا , هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ» ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُمْ أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , [ص:90] نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ تَابَعَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ابْنَ الْمُبَارَكِ عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا عَنِ ابْنِ أَنْعَمَ بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي , عَنِ ابْنِ أَنْعَمَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
(1/89)

كَذَلِكَ أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ , نا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَوْدُودٍ بِحَرَّانَ , نا جَدِّي: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو , نا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا فِي الْمَسْجِدِ مَجْلِسَانِ: مَجْلِسٌ يَتَفَقَّهُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ , وَمَجْلِسٌ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْأَلُونَهُ , فَقَالَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ إِلَى خَيْرٍ , أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُدْعَوْنَ اللَّهُ , وَيَسْأَلُونَهُ , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَيُفَقِّهُونَ الْجَاهِلَ , هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ , بِالتَّعْلِيمِ أُرْسِلْتُ» ثُمَّ قَعَدَ مَعَهُمْ
(1/90)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبِرْتِيُّ , بِوَاسِطَ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا لُوَيْنٌ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ , أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ , وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا» وَقَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيث , أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالَّذِي تَصْنَعُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ , وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ»
(1/91)

أنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ الْكَاتِبُ بِأَصْبَهَانَ , نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَعْبَدٍ السِّمْسَارُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ النُّعْمَانِ , نا ابْنُ [ص:92] الْأَصْبَهَانِيِّ , نا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ , وَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدَكُويَهْ , إِمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِأَصْبَهَانَ أَيْضًا , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ , أنا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف: 28] قَالَ: «مَجَالِسُ الْفِقْهِ» وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: «هِيَ مَجَالِسُ الْفِقْهِ»
(1/91)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ حِلَقَ الْفِقْهِ هِيَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ
(1/93)

حَدَّثَنِي أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ الْعِجْلِيُّ الدَّسْكَرِيُّ لَفْظًا بِحُلْوَانَ , نا جِبْرِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ الْعَدْلُ , بِهَمَذَانَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عَامِرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ , نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ , نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنْ سَالِمٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حَلَقُ الذِّكْرِ»
(1/93)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرذَعِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ , نا زَائِدَةُ بْنُ أَبِي الرُّقَادِ , حَدَّثَنِي زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:94]: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنَّى لَنَا بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «حَلَقُ الذِّكْرِ , فَإِنَّ لِلَّهِ سَيَّارَاتٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَطْلُبُونَ حَلَقَ الذِّكْرِ , فَإِذَا أَتَوْا عَلَيْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ»
(1/93)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الدِّمَشْقِيُّ , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ , عَنْهُ قَالَ: أنا أَبُو الْمَيْمُونِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ , أنا أَبُو زُرْعَةَ , نا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ الْفَارِسِيِّ , نا يَزِيدُ بْنُ سَمُرَةَ أَبُو هَزَّانَ , أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ , يَقُولُ: «مَجَالِسُ الذِّكْرِ , هِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ» وَهَذَا آخِرُ حَدِيثٍ الطَّبَرَانِيِّ , وَزَادَ ابْنُ رَاشِدٍ: «كَيْفَ تَشْتَرِي وَتَبِيعُ , وَتُصَلِّي وَتَصُومُ , وَتُنْكَحُ وَتُطَلِّقُ , وَتَحُجُّ , وَأَشْبَاهُ هَذَا»
(1/94)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ [ص:95] بِحِمْصَ , نا عُبَيْدُ بْنُ جُنَادٍ , - صَدُوقٌ - وَثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ , عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ , عَنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» - يَعْنِي: حَلَقَ الذِّكْرِ - «أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ حِلَقَ الْقُصَّاصِ وَلَكِنْ حِلَقَ الْفِقْهِ» كَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَصَمُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَعَلَى هَذَا اللَّفْظِ , وَرُوِي عَنْ مُوسَى بْنِ مَرْوَانَ الرَّقِّيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ بِخِلَافِهِ
(1/94)

أَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدَّقَّاقُ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَوَّابِ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْمَاطِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ , نا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ , نا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا - أَمَا إِنِّي لَا أَعِنِّي حِلَقَ الْقُصَّاصِ وَلَكِنِّي أَعْنِي حِلَقَ الْفِقْهِ»
(1/95)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنَ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ , - أُرَاهُ: عَنِ الضَّحَّاكِ , - قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا - أَمَا إِنِّي لَا أَعِنِّي حِلَقَ الْقُصَّاصِ , وَلَكِنْ حِلَقَ الْفِقْهِ»
(1/96)

وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] قَالَ: «هُوَ هَذَا» يَعْنِي: مَجْلِسَهُمْ يَتَفَقَّهُونَ
(1/96)

فَضْلُ التَّفَقُّهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ
(1/97)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ الْأَزَجِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْحَرِيرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ التِّنِّيسِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْبِيكَنْدِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ , لِيَرُدَّ بِهِ ضَالًّا إِلَى هُدًى , أَوْ بَاطِلًا إِلَى حَقٍّ , كَانَ كَعِبَادَةِ مُتَعَبِّدٍ أَرْبَعِينَ عَامًا» رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ بَقِيَّةَ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ
(1/97)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , وَأَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجِرَاحِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ سَهْلٍ الْبَرْبَهَارِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ الْجُذُوعِيُّ , بِالْبَصْرَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ إِلَّا بِتَدَبُّرٍ , وَلَا عِبَادَةٍ إِلَّا بِفِقْهٍ , وَمَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً»
(1/97)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْأَزَاذْوَارِيُّ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى , نا خَارِجَةُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , - زَادَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَسِيرُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ , وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ أَيْسَرُهَا»
(1/98)

أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِتْرَةَ الْمَوْصِلِيُّ , أنا أَبُو هَارُونَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَسَّامٍ , نا حَمْدُونُ الدَّشْتَكِيُّ , نا أَبِي , عَنْ خَارِجَةَ يَعْنِي ابْنَ مُصْعَبٍ وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيُّ , أنا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّازِيُّ , نا [ص:99] خَارِجَةُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَسِيرُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ» وَقَالَ ابْنُ عِتْرَةَ: «مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَةِ» ثُمَّ اتَّفَقَا: «وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ أَيْسَرُهَا»
(1/98)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْبَزَّازُ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , نا أَبُو الْوَلِيدِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ , نا أَبِي , نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَسِيدٍ , عَنِ ابْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَلِيلُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ , وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهًا إِنْ عَبَدَ اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا إِذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ , إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ , فَمُؤْمِنٌ وَجَاهِلٌ , فَلَا تُؤْذِيَنَّ الْمُؤْمِنَ , وَلَا تُجَاوِرُ الْجَاهِلَ»
(1/99)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَصْبَهَانِيُّ بِهَا , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ , حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ , فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ , وَدِرَاسَتَهُ تَسْبِيحٌ , وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ , وَتَعَلُّمَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ , وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ , وَهُوَ مَنَارُ سَبِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ , وَالْآنِسُ فِي الْوَحْدَةِ , وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ , وَالدَّلِيلُ فِي الظُّلْمَةِ , وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ , وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ , يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً , وَفِي الْهُدَى أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ , وَتُرْمَقُ أَعْمَالُهُمْ , وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي إِخَائِهِمْ , فَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ , وَكُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ , حَتَّى حَيَّتَانُ الْبَحْرِ , وَهَوَامُّ الْأَرْضِ , وَسِبَاعُ الرَّمَلِ , وَنُجُومُ السَّمَاءِ , أَلَا إِنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعَمَى , وَنُورُ الْبَصَرِ مِنَ الظُّلَمِ , بِهِ يُطَاعُ اللَّهُ , وَبِهِ يُعْبَدُ اللَّهُ , وَبِهِ يُحْمَدُ اللَّهُ , وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ , وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ , هُوَ إِمَامُ الْعَقْلِ , وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ , يُلْهِمُهُ اللَّهُ السُّعَدَاءَ , وَيَحْرِمُهُ الْأَشْقِيَاءَ , وَلَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ بِغَيْرِ تَفَقُّهٍ , وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ بِغَيْرِ تَعَبُّدٍ [ص:101] وَتَدَبُّرٍ , وَالْقَلِيلُ مِنَ التَّفَقُّهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ عِبَادَةٍ , وَلَمَجْلِسُ سَاعَةٍ فِي تَفَقُّهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»
(1/100)

أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , نا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عُمَرَ الْخَطَّابِيُّ , نا أَبُو بَدْرٍ هُوَ عَبَّادُ بْنُ الْوَلِيدِ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ , نا هِلَالُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَنَفِيُّ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ نَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا , وَبَابٌ مِنَ الْعِلْمِ نُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ , أَوْ لَمْ يُعْمَلْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ مِائَةِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا وَقَالَا: سَمِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ طَالِبَ الْعِلْمِ , وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ , مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ»
(1/101)

أنا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي حَسْنُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَعْبَدٍ السِّمْسَارُ , نا يَحْيَى بْنُ مُطَرِّفٍ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: أَخْبَرَنِي شَيْخٌ , لَنَا , يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: «لَأَنْ أَعْلَمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ فِي أَمْرٍ وَنَهْيٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/102)

وَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَعْبَدٍ , نا أَبُو الْهَيْثَمِ يَحْيَى بْنُ مُطَرِّفٍ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ , نا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ , عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: «لَأَنْ أَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ , فَأُعَلِّمُهُ مُسْلِمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِي الدُّنْيَا كُلُّهَا , أَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى»
(1/102)

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُطَرِّفٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ مَعْمَرٍ , قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , قَالَ: «مُذَاكَرَةٌ لِلْعِلْمِ سَاعَةً , خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ»
(1/102)

أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزْدَادَ الْقَارِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ [ص:103] بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَصْبَهَانِيُّ , بِهَا , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَرْقَدِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «لَأَنْ أَذْكُرَ الْفِقْهَ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ»
(1/102)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , نا أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ , نا الْمُعْتَمِرُ , حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي مِجْلَزٍ وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الْفِقْهَ وَالسُّنَّةَ: لَوْ قَرَأْتَ عَلَيْنَا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ , فَقَالَ: «مَا أَنَا بِالَّذِي أَزْعُمُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ»
(1/103)

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّاجِيُّ , أُخْبِرُكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ , نا حُمَيْدٌ الْكِنْدِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ , يَقُولُ: «تَعْلِيمُ الْفِقْهِ صَلَاةٌ , وَدِرَاسَةُ الْقُرْآنِ صَلَاةٌ»
(1/103)

وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [ص:104] الْمُرِّيُّ مِنْ دِمَشْقَ , أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرِّبْعِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ , قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ , أَجْلِسُ بِاللَّيْلِ أَنْسَخُ , أَوْ أُصَلِّي تَطَوُّعًا؟ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ تَنْسَخُ , فَأَنْتَ تَعَلَّمُ بِهِ أَمْرَ دِينِكَ , فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ»
(1/103)

تَفْضِيلُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْعُبَّادِ
(1/105)

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ زَنْجُوَيْهِ الْقَطَّانُ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ , نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ , وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ لَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ , إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا , وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ , فَمَنْ أَخَذَ» - يَعْنِي: بِهِ - «أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»
(1/105)

أنا أَبُو الطَّاهِرِ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُؤَدِّبُ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ , نا [ص:106] عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ الْوَاسِطِيِّ , عَنْ سَمْعَانَ بْنِ الْمَهْدِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَأَلَهُ عَنِ الْعُبَّادِ وَالْفُقَهَاءِ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْعُبَّادُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ أَمِ الْفُقَهَاءُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقِيهٌ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ»
(1/105)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ , نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ , نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّ هَذِهِ وَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ» - يَعْنِي: السَّمَاءَ عَلَى الْأَرْضِ - «وَزَالَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَكَانِهِ , مَا تَرَكَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ , وَلَوْ فُتِحَتِ الدُّنْيَا عَلَى عَابِدٍ , لَتَرَكَ عُبَادَةَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»
(1/106)

أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ اللَّهَبِيُّ , حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ , عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مُقْبِلٌ عَلَى عُبَادَةِ رَبِّهِ , وَالْآخَرُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْفَرَائِضِ إِلَّا أَنَّهُ يُعَلِّمُ النَّاسَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ , كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْكُمْ» قُلْتُ: وَلَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ التَّفَقُّهِ
(1/106)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ , قَالَ: كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَقُولُ: «تَفَقَّهْ ثُمَّ اعْتَزِلْ»
(1/107)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ قَالَا: أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادِ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ , نا الْعَلَاءُ بْنُ كَثِيرٍ , عَنْ نَافِعٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنَالُ بِهِ خَيْرًا قَالَ: «تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ» قَالَ: مَا أُرَاهُ فَهِمَ عَنِّي فَعَاوَدَهُ قَالَ: إِنَّمَا [ص:108] أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِيَ شَيْئًا أَنَالُ بِهِ خَيْرًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَيْحَ الْآخَرِ , أَلَيْسَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ خَيْرًا مِنْ كَثِيرِ الْعَمَلِ؟ إِنَّ قَوْمًا لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ فَصَامُوا وَصَلَّوْا , حَتَّى يَبِسَتْ جُلُودُهُمْ عَلَى أَعْظُمِهُمْ , لَمْ يَزْدَادُوا بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا»
(1/107)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ , وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ , حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ , حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ , عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ , عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: «إِنَّ قَوْمًا تَرَكُوا الْعِلْمَ , وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَاتَّخِذُوا مَحَارِيبَ فَصَامُوا وَصَلَّوْا , حَتَّى بَلِيَ جِلْدُ أَحَدِهِمْ عَلَى عَظْمِهِ , وَخَالَفُوا السُّنَّةَ فَهَلَكُوا , فَلَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ , مَا عَمِلَ عَامِلٌ قَطُّ عَلَى جَهْلٍ إِلَّا كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ»
(1/108)

نا أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الدَّسْكَرِيُّ , أنا يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّهْمِيُّ , بِجُرْجَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا فَهْدُ بْنُ عَوْفٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ , كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ»
(1/109)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ , نا يَحْيَى , عَنْ شَرِيكٍ , عَنْ نُصَيْرِ بْنِ هُرَيْمٍ الْمُحَارِبِيِّ , عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ [ص:110] عَبْدِ اللَّهِ: «الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ , أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاهِبَ يَقُومُ اللَّيْلَ , فَإِذَا أَصْبَحَ» - وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ - «أَشْرَكَ»
(1/109)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْعَابِدِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ وَيُقَالُ لِلْفَقِيهِ: اشْفَعْ
(1/111)

أنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ , نا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ الْوَاسِطِيِّ , عَنْ سَمْعَانَ بْنِ الْمَهْدِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَابِدِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ , فَإِنَّمَا كَانَتْ مَنْفَعَتُكَ لِنَفْسِكَ , وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ: اشْفَعْ تُشَفَّعْ , فَإِنَّمَا كَانَتْ مَنْفَعَتُكَ لِلنَّاسِ "
(1/111)

حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَفَّافُ بِلَفْظِهِ , وَابْنُهُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: نا، وَقَالَ ابْنُهُ أَحْمَدُ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ الصَّوَّافُ الْفَقِيهُ , بِالْمَوْصِلِ , نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ , نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ يَعْنِي الدُّورِيَّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ , عَنِ ابْنِ جَرِيجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ [ص:112]: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ , يُؤْتَى بِالْعَابِدِ وَالْفَقِيهِ , فَيُقَالُ - يَعْنِي: لِلْعَابِدِ - ادْخُلِ الْجَنَّةَ , وَيُقَالُ لِلْفَقِيهِ: اشْفَعْ "
(1/111)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ
(1/113)

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ الْبَزَّازُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْعَسْكَرِيُّ , - إِمْلَاءً فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ - نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَرْبِ بْنِ عُمَرَ الْعَسْكَرِيُّ , نا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبِرَكِيُّ , نا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ , عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَحَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , نا الْقَاضِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْجِرَاحِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ يَاسِينَ , نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ , نا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ , نا عِيسَى بْنُ زِيَادٍ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: نا مَسْلَمَةُ بْنُ قَعْنَبٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ» - وَقَالَ الْخَلَّالُ: فِي شَيْءٍ - «أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ»
(1/113)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْمُقْرِئُ النَّقَّاشُ , نا الْحَسَنُ بْنُ [ص:114] مَنْصُورٍ الرُّمَّانِيُّ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ , حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْكِنْدِيِّ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ»
(1/113)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلَوَيْهِ النَّيْسَابُورِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الزَّاهِدُ الْجُلُودِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَشَكُ , نا حَفْصٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ - نا الْمُعَلَّى , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ , وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ»
(1/114)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْإِمَامُ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ الْبَصْرِيُّ , نا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى نا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ , نا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:115]: «مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِمِثْلِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ»
(1/114)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَجَلِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَبِيحٍ , بِالْكُوفَةِ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الْأَزْدِيُّ , نا الْحَسَنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ»
(1/115)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَزْهَرِيُّ الصَّيْرَفِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُوسَائِيُّ , أَخْبَرَنِي أَبِي إِسْحَاقُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ
(1/115)

جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ , عَنْ أَخِيهِ مُوسَى , عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ , عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ , عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ , أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعِلْمُ بِاللَّهِ , وَالْفِقْهُ فِي دِينِهِ» فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ , فَسَأَلَهُ الثَّانِيَةَ , فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَسْأَلُكَ عَنِ الْعَمَلِ فَتُخْبِرُنِي عَنِ الْعِلْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ , إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَكَثِيرُهُ , وَإِنَّ الْجَهْلَ لَا يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَلَا كَثِيرُهُ»
(1/116)

أنا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ الخَلِيلٍ الْمَالِينِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ , نا أَبُو سُفْيَانَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ السُّرُوجِيُّ , نا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى , عَنْ يُونُسَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:117]: «حُسْنُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ» كَذَا قَالَ لَنَا الْمَالِينِيُّ , فِي رِوَايَتِهِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيِّ , وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ
(1/116)

أَنَاهُ أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , نا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُوسَى الْحَافِظُ , نا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَطَرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ , نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفِ السُّرُوجِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى , عَنْ يُونُسَ , وَأَنَاهُ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ جَابِرٍ الْمِصِّيصِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ , رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ , عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , - زَادَ الْحَرْبِيُّ: ابْنَ مَالِكٍ , ثُمَّ اتَّفَقَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ وَخَيْرُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ»
(1/117)

أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ [ص:118] الْحَرْبِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْمَاطِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِي , أنا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ , عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيِّ، وَكَانَ جَلِيسًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يَخْتَلِفُونَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَصُومُونَ وَيَقُومُونَ بَيْنَ الْأُولَى وَالْعَصْرِ , فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ , مَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيُّونَ؟ هَذَا وَاللَّهِ حَقُّ الْعِبَادَةِ، قَالَ: فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: «اسْكُتْ، فَإِنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ , وَلَكِنْ بِالْفِقْهِ فِي دِينِهِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِهِ»
(1/117)

أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رِزْقَوَيْهِ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ , قَالَا: أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ , نا حُسَيْنُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ , أنا وَكِيعٌ , عَنْ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ , عَنْ عَبْدِ الْقَوِيِّ , عَنْ مَكْحُولٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِمِثْلِ الْفِقْهِ»
(1/118)

أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ مَكِّيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْحَرِيرِيُّ [ص:119] قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شَاكِرٍ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَجَّاجٍ الْبَزَّازُ , نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَنْبِجِيُّ , - بِمَدِينَةِ مَنْبِجَ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبِيقٍ الْأَنْطَاكِيُّ , حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطِ , عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ , عَنْ عَبْدِ الْقَوِيِّ , عَنْ مَكْحُولٍ , قَالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْفِقْهِ , إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ , وَدَوَابَّ الْأَرْضِ , وَحِيتَانَ الْبَحْرِ يَسْتَغْفِرُونَ لِمُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَالْمُتَعَلِّمِ»
(1/118)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ»
(1/119)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ فَقِيهًا وَاحِدًا أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ
(1/120)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدِّمَشْقِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْوَلِيدُ , وَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السَّوَّاقُ , وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقِصْرِيُّ , - قَالَ أَحْمَدُ: نا , وَقَالَ , مُحَمَّدٌ: - أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ الْبَزَّازُ , نا إِسْحَاقُ بْنُ خَالَوَيْهِ , نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ , نا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ , نا أَبُو سَعْدٍ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ السَّوَّاقِ: عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ»
(1/120)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْوَلِيدُ , وَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ , نا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْخُزَاعِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ يَعْنِي الدِّمَشْقِيَّ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا رَوْحُ بْنُ جُنَاحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ»
(1/121)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْيَقْطِينِيُّ بِانْتِقَاءِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ , نا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا فِي أَصْلِ أَبِي جَعْفَرٍ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا الْمَتْنِ قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ رَوْحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَمَا أَرَى الْوَهْمَ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مِنَ الْيَقْطِينِيِّ , وَاللَّهُ [ص:122] أَعْلَمُ , وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سِنَانٍ عِنْدَهُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ , عَنِ الْوَلِيدِ , عَنْ رَوْحٍ , حَدِيثٌ فِي ذِكْرِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
(1/121)

أَنَاهُ أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , فِيمَا أَذِنَ أَنْ نَرْوِيَهُ عَنْهُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ , نا أَبُو الْعَلَاءِ الْكُوفِيُّ , وَعُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ الْمَنْبِجِيُّ , وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ وَأَنَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ بْنِ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالُوا: نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا أَبُو سَعْدٍ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ , حِيَالَ الْكَعْبَةِ , وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهْرٌ , يُقَالُ لَهُ: الْحَيَوَانُ , فَيَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ , فَيَنْغَمِسُ فِيهِ الْغَمْسَةَ , ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِطُ انْتِفَاضَةً , فَيَخِرُّ عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفِ قَطْرَةٍ , فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكًا يُؤْمَرُوا أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ , فَيَلِجُونَ فِيهِ , فَيَقِفُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهُ , فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا , يُوَلَّى عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ , يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَوْقِفًا , يُسَبِّحُونَ اللَّهَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " [ص:123] وَاللَّفْظُ لِلْمَالِينِيِّ , فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ , وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , كَانَا فِي كِتَابِ ابْنِ سِنَانٍ , عَنْ هِشَامٍ , يَتْلُو أَحَدُهُمَا الْآخَرَ , فَكَتَبَ الْيَقْطِينِيُّ إِسْنَادَ أَبِي هُرَيْرَةَ , ثُمَّ عَارَضَهُ سَهْوٌ , أَوْ زَاغَ نَظَرُهُ , فَنَزَلَ إِلَى مَتْنِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَتَرَكَّبَ مَتْنُ هَذَا عَلَى إِسْنَادِ هَذَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ سِنَانٍ وَالْيَقْطِينِيِّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ بَرِيءٌ مِنْ تَعَمُّدِ الْخَطَأِ , وَلَا أَعْرِفُ لِحَدِيثِ الْيَقْطِينِيِّ وَجْهًا غَيْرَ هَذَا التَّأْوِيلِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/122)

أنا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - أنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ , بِجُرْجَانَ , نا أَبُو أَيُّوبَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مِهْرَانَ بِالْأَبَلَةِ , حَدَّثَنَا شَيْبَانُ , نا أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ , وَدِعَامَةُ الْإِسْلَامِ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ , وَلَفَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ»
(1/123)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَزَّازُ , نا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى , نا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ , نا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ [ص:124] يَسَارٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ»
(1/123)

قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لَأَنْ أَفْقَهُ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِيَ لَيْلَةً أُصَلِّيَهَا حَتَّى أُصْبِحَ , وَالْفَقِيهُ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ , وَلِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ , وَدِعَامَةُ الدِّينِ الْفِقْهُ
(1/124)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , قَالَا: نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمَرْوَزِيُّ , - وَقَالَ ابْنُ الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - نا سَلْمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْأَزْدِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ , عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْفَقِيهَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ وَرِعٍ , وَأَلْفِ مُجْتَهِدٍ , وَأَلْفِ مُتَعَبِّدٍ»
(1/124)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ , أنا أَبُو
(1/124)

سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ - بِمِصْرَ - قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ يَعْنِي أَبَا إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ يَحْيَى - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِإِبْلِيسَ: يَا سَيِّدَنَا مَا لَنَا نَرَاكَ تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَالِمِ , مَا لَا تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَابِدِ , وَالْعَالِمُ لَا تُصِيبُ مِنْهُ , وَالْعَابِدُ تُصِيبُ مِنْهُ؟ قَالَ: انْطَلِقُوا , فَانْطَلَقُوا إِلَى عَابِدٍ فَأَتَوْهُ فِي عِبَادَتِهِ فَقَالُوا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ فَانْصَرَفَ , فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ , فَقَالَ: لَا أَدْرِي , فَقَالَ: أَتَرَوْنَهُ كَفَرَ فِي سَاعَةٍ , ثُمَّ جَاءُوا إِلَى عَالِمٍ فِي حَلْقَتِهِ يُضَاحِكُ أَصْحَابَهُ وَيُحَدِّثُهُمْ , فَقَالَ: إِنَّا نُرِيدُ أَنَّ نَسْأَلَكَ , فَقَالَ: سَلْ , فَقَالَ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ , فَقَالَ: أَتَرَوْنَ ذَلِكَ لَا يَعْدُو نَفْسَهُ , وَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيَّ عَالَمًا كَثِيرًا "
(1/125)

تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] أَنَّهُمُ الْفُقَهَاءُ
(1/126)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ الهَمَذَانِيُّ نا القَاسِمُ بْنُ الحَكَمِ قَاضِي هَمَذَانَ نا مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «طَاعَةُ اللَّهِ اتِّبَاعُ كِتَابِهِ , وَطَاعَةُ الرَّسُولِ اتِّبَاعُ سُنَّتِهِ» {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «الْعُلَمَاءُ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا»
(1/126)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , قَالَ الْقَطَّانُ: أنا , وَقَالَ الرَّزَّازُ: نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ - زَادَ الرَّزَّازُ: أَبُو يَحْيَى , ثُمَّ اتَّفَقَا - نا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: " أُولُوا الْفِقْهِ
(1/126)

أنا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ , أنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَوْ عَنْ كَعْبٍ , - شَكَّ الْأَعْمَشُ - مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلِهِ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «الْفُقَهَاءُ»
(1/127)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الضِّرَابَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ , نا وَكِيعٌ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «الْفُقَهَاءُ»
(1/127)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ»
(1/128)

وَأَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْخَزَّازُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النِّيرِيِّ , نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ , حَدَّثَنَا تَلِيدٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «الْفُقَهَاءُ»
(1/128)

وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ , نا ابْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «أُولِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ»
(1/128)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجٌ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ , قَثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «أُولِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ»
(1/129)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ الْفَارِسِيُّ , نا أَبِي , نا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , نا الْحُسَيْنُ يَعْنِي ابْنَ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيَّ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نا مِنْدَلٌ الْعَنَزِيُّ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «أُولِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ»
(1/129)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «هُمْ أُولُوا الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ» يَعْنِي: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]
(1/129)

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: «هُمْ أُولُوا الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ»
(1/129)

وَقَالَ: " طَاعَةُ الرَّسُولِ: اتِّبَاعُ [ص:130] الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ "
(1/129)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ نَصْرٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ , قَالَ: نا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ , فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «أُولُو الْفِقْهِ وَأُولُوا الْعِلْمِ , وَطَاعَةُ الرَّسُولِ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»
(1/130)

أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ , نا هُشَيْمُ , أنا مَنْصُورٌ , عَنِ الْحَسَنِ , وَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَا: «أُولِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ»
(1/130)

أَخْبَرَنِي مَكِّيُّ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيُّ , حَدَّثَنِي أَبُو شَاكِرٍ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزَّازُ , نا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْأَنْبَارِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ , نا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ , فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي [ص:131] الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: " هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَهْلُ الْفِقْهِ , وَطَاعَةُ الرَّسُولِ: اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ "
(1/130)

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى , نا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ , نا هُشَيْمٌ , أنا مَنْصُورٌ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] قَالَ: «الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ»
(1/131)

تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] أَنَّهَا الْفِقْهُ
(1/132)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ , نا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمُقْرِئٌ , نا خَلُفُ بْنُ هِشَامٍ , نا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] قَالَ: «لَيْسَتْ بِالنُّبُوَّةِ , وَلَكِنِ الْفِقْهُ وَالْعِلْمُ»
(1/132)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزْدَادَ الْقَارِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَصْبَهَانِيُّ , بِهَا , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَرْقَدِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو , نا جَرِيرٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] قَالَ: «لَيْسَتْ بِالنُّبُوَّةِ , وَلَكِنِ الْعِلْمُ وَالْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ»
(1/132)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدَّقَّاقُ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّزَّازُ , نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ , نا [ص:133] مَرْوَانُ بْنُ عُبَيْدٍ , نا فَضْلٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] قَالَ: «الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ»
(1/132)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ , نا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: «الْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ فِيهِ»
(1/133)

أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ , قَالَ: سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَوْلِهِ: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] فَقَالَ: " الْحِكْمَةُ: فِقْهُ الشَّيْءِ " قِيلَ لَهُ: فَالْكِتَابُ غَيْرُ الْحِكْمَةِ؟ فَقَالَ: «لَا يَكُونُ حَكِيمًا , حَتَّى يَعْلَمَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ , فَإِنْ عَلِمَ [ص:134] أَحَدَهُمَا , لَا يُقَالُ لَهُ حَكِيمٌ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا» مَعْنَاهُ: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَيُعَلِّمُهُمْ مَعَانِيَهُ
(1/133)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ , أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ عَبْدٍ عَلَى مَرْتَبَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا
(1/135)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ»
(1/135)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ»
(1/135)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ [ص:136] يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , نا حَيْوَةُ , حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ , أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ , حَدَّثَهُ أَنَّهُ , سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ , يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(1/135)

أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمَذَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الطَّلْحِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ , عَنْ هَارُونَ بْنِ صَالِحٍ الْهَمَذَانِيِّ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوْبَانَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ , إِنْ كَانَ زَامِرًا حُشِرَ زَامِرًا , وَإِنْ كَانَ مُغَنِّيًا حُشِرَ مُغَنِّيًا , وَلَا يُعْرَفُ الْعُمَّالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ فِي أَعْنَاقِهِمْ»
(1/136)

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَلِّي الْوَقْتَ مِنْ فَقِيهٍ أَوْ مُتَفَقِّهٍ
(1/137)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ النَّحْوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ , نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ الْحِمْصِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ , نا بَكْرُ بْنُ زُرْعَةَ الْخَوْلَانِيُّ , عَنْ أَبِي عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيِّ , - وَكَانَ مِمَّنْ أَكَلَ الدَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَصَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا , يَسْتَعْمِلُهُمْ فِيهِ بِطَاعَتِهِ - أَوْ - يَسْتَعْمِلُهُمْ بِطَاعَتِهِ»
(1/137)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ [ص:138] أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عِصَابَةٌ عَلَى الْحَقِّ , لَا يَضُرُّهُمُ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ , حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
(1/137)

ذِكْرُ مَنِ ارْتَفَعَ مِنَ الْعَبِيدِ بِالْفِقْهِ حَتَّى جَلَسَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ
(1/139)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ , - إِمْلَاءً - , نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَةَ الْمِصِّيصِيُّ بِالْمَصِّيصَةِ , نا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ , نا عَمْرُو بْنُ حَمْزَةَ الْقَيْسِيُّ , نا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ أَنَسٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحِكْمَةَ لَتَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا , وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ»
(1/139)

أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ , نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَعْبَدٍ السِّمْسَارُ , نا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ , نا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا الْعَلَاءُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ , نا أَبُو خَلْدَةَ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , قَالَ: كُنْتُ آتِي [ص:140] ابْنَ عَبَّاسٍ , وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ , وَحَوْلَهُ قُرَيْشٌ فَيَأْخُذُ بِيَدِي , فَيُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ , فَتَغَامَزُنِي قُرَيْشٌ , فَفَطِنَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: «كَذَاكَ هَذَا الْعِلْمُ , يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا , وَيَجْلِسُ الْمَمْلُوكَ عَلَى الْأَسِرَّةِ»
(1/139)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ قَالَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ: كَانَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَبْدًا أَسْوَدَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , وَكَانَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ بَاقِلَاةٌ قَالَ: وَجَاءَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَطَاءٍ هُوَ وَابْنَاهُ فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي , فَلَمَّا صَلَّى انْفَتَلَ إِلَيْهِمْ فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَقَدْ حَوَّلَ قَفَاهُ إِلَيْهِمْ , ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنَيْهِ: «قَوْمًا» , فَقَامَا , فَقَالَ: «يَا بَنِيَّ لَا تَنِيَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ , فَإِنِّي لَا أَنْسَى ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ» وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْقَصُ عُنُقُهُ دَاخِلًا فِي بُدْنِهِ , وَكَانَ مِنْكَبَاهُ خَارِجَيْنِ كَأَنَّهُمَا زَجَّانِ , فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ لَا تَكُونُ فِي قَوْمٍ , إِلَّا كُنْتَ الْمَضْحُوكَ مِنْهُ الْمَسْخُورَ بِهِ , فَعَلَيْكَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ , فَإِنَّهُ يَرْفَعُكَ قَالَ: فَطَلَبَ الْعِلْمَ
(1/140)

قَالَ: فَوَلِيَ قَضَاءَ مَكَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ: فَكَانَ الخَصْمُ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَرْعَدُ حَتَّى يَقُومَ قَالَ: وَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ يَوْمًا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أَخٍ وَأَيُّ رَقَبَةٍ لَكَ؟
(1/141)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: كَانَ الْأَوْقَصُ قَصِيرًا دَمِيمًا قَبِيحًا قَالَ: " فَقَالَتْ لِي أُمِّي وَكَانَتْ عَاقِلَةً: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ خُلِقْتَ خِلْقَةً , لَا تَصْلُحُ مَعَهَا لِمُعَاشَرَةِ الْفِتْيَانِ , فَعَلَيْكَ بِالدِّينِ , فَإِنَّهُ يُتِمُّ النَّقِيصَةَ , وَيَرْفَعُ الْخَسِيسَةَ , فَنَفَعَنِي اللَّهُ بِقَوْلِهَا , فَتَعَلَّمْتُ الْفِقْهَ , فَصِرْتُ قَاضِيًا "
(1/141)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: يُقَالُ: «لَا خَسِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ , الْفَضْلُ فِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى , وَإِذَا اجْتَمَعَ إِلَى ذَلِكَ الشَّرَفُ , فَذَاكَ التَّامُّ الْكَامِلُ»
(1/141)

ذِكْرُ أَحَادِيثَ وَأَخْبَارٍ شَتَّى يَدُلُّ جَمِيعُهَا عَلَى جَلَالَةِ الْفِقْهِ وَالْفُقَهَاءِ
(1/142)

أنا أَبُو بِشْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْوَكِيلُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ مُوسَى الْمَرْوَزِيُّ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ , حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ , نا الْهَيْثَمُ بْنُ مُوسَى الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ التُّرْجُمَانِ , نا إِسْرَائِيلُ , - وَفِي حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ التُّرْجُمَانِ , عَنْ إِسْرَائِيلَ , - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْأَنْبِيَاءُ قَادَةٌ , وَالْفُقَهَاءُ سَادَةٌ , وَمُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ»
(1/142)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْغَزَّالُ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , قَالَا: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [ص:143] التَّرْقُفِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , نا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «الْمُتَّقُونَ سَادَةٌ , وَالْفُقَهَاءُ قَادَةٌ , وَمُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ»
(1/142)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَرَجِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّنَاجِيرِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَرُوذِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ الْبَخْلِيُّ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ , أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَدَنِيَّ , حَدَّثَهُمْ , عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/143)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ , أَنَّ زِيَادًا , خَطَبَ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: " إِنِّي بِتُّ لَيْلَتِي هَذِهِ مُهْتَمًّا بِثَلَاثَةٍ: بِذِي الشَّرَفِ , وَذِي الْعِلْمِ , وَذِي السِّنِّ , لَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي شَرَفٍ , لَيَضَعَ بِذَلِكَ شَرَفَهُ [ص:144] إِلَّا عَاقَبْتُهُ , وَلَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي عِلْمٍ , لَيَضَعَ بِذَلِكَ عِلْمَهُ إِلَّا عَاقَبْتُهُ , وَلَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي شَيْبَةٍ , لِيَضَعَهُ بِذَلِكَ إِلَّا عَاقَبْتُهُ , إِنَّمَا النَّاسُ بِأَعْلَامِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ , وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ "
(1/143)

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنْ أَبِي هَارُونَ , قَالَ: كُنَّا حِينَ نَدْخُلُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ , فَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَدَّثَنَا أَنَّهُ «سَيَأْتِيكُمْ قَوْمٌ مِنَ الْآفَاقِ يَتَفَقَّهُونَ , فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا»
(1/144)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ الطُّرُقِيُّ الْمُعَدِّلُ بِالْكَرْجِ , نا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْدَوَيْهِ [ص:145] الْكَرَجِيُّ , نا إِبَاءُ بْنُ جَعْفَرٍ النَّجِيرَمِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ , نا أَبُو رَوْحٍ الْهَيْثَمُ بْنُ بَزْرَجَ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ , وَإِنَّ رَهْبَانِيَّةَ أُمَّتِي الْجَمَاعَاتُ وَالْجُمُعَاتُ وَتَعْلِيمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا شَرَائِعَ الدِّينِ»
(1/144)

أنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ , نا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ , جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ , عَنْ سَمْعَانَ بْنِ الْمَهْدِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفْضَلُ الْعِلْمِ: الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ " قُلْتُ: وَأَعْظَمُ مَا بِالنَّاسِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ: الْفِقْهُ , فَلَا أَعْلَمُ أَفْضَلَ مِنْهُ
(1/145)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازُ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , نا حُسَيْنُ بْنُ حُمَيْدٍ الْعَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ , عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ عُرْيَانٌ , وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى , وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ , وَمَالُهُ الْفِقْهُ , وَثَمَّرْتُهُ الْعِلْمُ»
(1/146)

أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الْغَزَّالُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بُخَيْتٍ الدَّقَّاقُ الْعُكْبَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلٍ , نا عَمْرُو بْنُ حُمَيْدٍ , نا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «الْإِيمَانُ عُرْيَانٌ , فَلِبَاسُهُ التَّقْوَى , وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ , وَكَنْزُهُ التَّفَقُّهُ»
(1/146)

أنا التَّنُوخِيُّ , نا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُخْلِصُ , وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدُّورِيُّ قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ , نا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ , عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ الدَّارِمِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ سُلَيْمٍ ,
(1/146)

وَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ , نا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ , نا أَبُو حَاتِمٍ , عَنِ الْعُتْبِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَا: ابْتَنَى مُعَاوِيَةُ بِالْأَبْطَحِ مَجْلِسًا , فَجَلَسَ عَلَيْهِ , وَمَعَهُ ابْنُهُ قَرَظَةُ , فَإِذَا هُوَ بِجَمَاعَةٍ عَلَى رِحَالٍ لَهُمْ , وَإِذَا شَابٌّ مِنْهُمْ قَدْ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:
[البحر الرمل]
مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... أَخْضَرَ الْجِلْدَةِ فِي بَيْتِ الْعَرَبِ
قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: خَلُّوا لَهُ الطَّرِيقَ , فَلْيَذْهَبْ , ثُمَّ إِذَا هُوَ بِجَمَاعَةٍ فِيهِمْ غُلَامٌ يَتَغَنَّى:
[البحر الرمل]
بَيْنَمَا يَذْكُرْنَنِي أَبْصَرْتُنِي ... عِنْدَ قِيدِ الْمِيلِ يَسْعَى بِي الْأَغَرُّ
قُلْنَ تَعْرِفْنَ الْفَتَى قُلْنَ نَعَمْ ... قَدْ عَرَفْنَاهُ وَهَلْ يَخْفَى الْقَمَرُ
قَالَ: وَمِنْ هَذَا قَالُوا: عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَفِي حَدِيثِ التَّنُوخِيِّ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ - قَالَ: خَلُّوا لَهُ الطَّرِيقَ , فَلْيَذْهَبْ قَالَ: ثُمَّ إِذَا هُوَ بِجَمَاعَةٍ , وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ - فَقَالَ الْجَازِرِيُّ: رَجُلٌ مِنْهُمْ - يَسْأَلُ , يُقَالُ: رَمَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ , وَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ - لِأَشْيَاءَ أُشْكِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ , فَقَالَ: مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , فَالْتَفَتَ إِلَى ابْنِهِ قَرَظَةَ , فَقَالَ: «هَذَا - وَأَبِيكَ - الشَّرَفُ , هَذَا - وَاللَّهِ - شَرَفُ الدُّنْيَا وَشَرَفُ الْآخِرَةِ»
(1/147)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونٍ النَّرْسِيُّ قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ , نا ابْنُ مَنِيعٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ , - وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - , نا ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو , - قَالَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ: لَقِيتُهُ بِمَلْطِيَّةَ قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: مِنْ أَطْوَلِ النَّاسِ حُزْنًا وَأَطْوَلِهِ بُكَاءً - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ قَالَ: «أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ , أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَهْلُ الْجِهَادِ» قَالَ: «فَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ , فَدَلُّوا النَّاسَ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ , وَأَمَّا أَهْلُ الْجِهَادِ فَجَاهَدُوا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ»
(1/148)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَطِيَّةَ , نا الدَّامِغَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ , يَقُولُ: «تَدْرُونَ مَا مَثَلُ الْعِلْمِ , مَثَلُ دَارِ الْكُفْرِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَرَكَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الْجِهَادَ جَاءَ أَهْلُ الْكُفْرِ فَأَخَذُوا الْإِسْلَامَ , وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْعِلْمَ صَارَ النَّاسُ جُهَّالًا»
(1/148)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى , عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ , قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ [ص:149]: «أَرْفَعُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً مَنْ كَانَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ , وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ»
(1/148)

وَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " أَعْظَمُ النَّاسِ مَنْزِلَةً , مَنْ كَانَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ "
(1/149)

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , - لَفْظًا - قَالَ: أَجَازَ لِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْهَمَذَانِيُّ , عَنْهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ , قَالَ: قَالَ سَهْلٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ -: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَجَالِسِ الْأَنْبِيَاءِ , فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ , يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ إِيشْ تَقُولُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ , وَيَجِيءُ آخَرُ , فَيَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ [ص:150]: لَيْسَ يَحْنَثُ بِهَذَا الْقَوْلِ , وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ لِعَالِمٍ , فَاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ "
(1/149)

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ , نا أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ , نا أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ , نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ , فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلِيُّ»
(1/150)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَافِظَ بِهَمَذَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ دَانِيَارَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «إِنْ لَمْ يَكُنِ الْفُقَهَاءُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ فَمَا لِلَّهِ وَلِيُّ»
(1/150)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ , نا النَّيْسَابُورِيُّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ , وَنَا أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ الدَّسْكَرِيُّ لَفْظًا بِحُلْوَانَ , نا أَبُو عَرُوبَةَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ النَّصِيبِيُّ , بِجُرْجَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ , بِالْمَوْصِلِ قَالَ سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ , وَمَنْ نَظَرَ فِي الْفِقْهِ نَبُلَ مِقْدَارُهُ , وَمَنْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ» - وَقَالَ الدَّسْكَرِيُّ: وَمَنْ نَظَرَ فِي اللُّغَةِ - «رَقَّ طَبْعُهُ , وَمَنْ نَظَرَ فِي الْحِسَابِ» , - وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَمَنْ تَعَلَّمَ الْحِسَابِ - «تَجَزَّلَ رَأْيَهُ , وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حَجَّتُهُ , وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ , لَمْ يَنْفَعْهُ عَلِمُهُ»
(1/151)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , قَثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ السُّلَمِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ , أنا قُتَيْبَةُ , حَدَّثَنَا مَالِكٌ , قَالَ: بَلَغَنِي " أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ , قَالَ: سَيَأْتِي قَوْمٌ فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ , كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ "
(1/151)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ , قَالَا: أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ , نا شَبَابَةُ , - زَادَ أَبُو سَهْلٍ - ابْنَ سَوَّارٍ , ثُمَّ اتَّفَقَا - قَالَ: نا أَبُو زَبْرٍ , نا بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , - زَادَ الشَّافِعِيُّ الْحَضْرَمِيَّ , ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: «وَمَا نَحْنُ لَوْلَا كَلِمَاتِ الْفُقَهَاءِ»
(1/152)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , نا أَبِي , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «امْشُوا بِنَا نَزْدَادُ إِيمَانًا» - يَعْنِي: تَفَقُّهًا -
(1/152)

وَقَالَ حَنْبَلٌ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: «امْشُوا بِنَا نَزْدَادُ إِيمَانًا» - يَعْنِي: يَتَفَقَّهُونَ -
(1/153)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْغَزَّالُ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , قَالَا: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِّيُّ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , نا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ , عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ , أَنْ تَسْمَعَ بِالْفِقْهِ فَتَحَدَّثَ بِهِ»
(1/153)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاهِدُ - بِالْبَصْرَةِ - , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْمَادَرَائِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ , أنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ , وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ مَنْصُورٍ , نا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَرَزَةَ , نا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سَهْلٍ , - زَادَ الْمَادَرَائِيُّ الْفَزَارِيَّ ثُمَّ اتَّفَقَا - عَنْ جُوَيْبِرَ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْفُقَهَاءِ كَمَثَلِ الْأَكُفِّ , إِذَا قُطِعَتْ كَفٌّ لَمْ تَعُدْ مِثْلَهَا»
(1/153)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ , نا ابْنُ مَنِيعٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ , يَقُولُ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ قَبَضَاتٌ , فَإِذَا مَاتَ عَالِمٌ ذَهَبَتْ قَبْضَةٌ»
(1/154)

وَقَالَ إِسْحَاقُ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «هَلْ تَدْرُونَ كَيْفَ يَنْقُصُ الْإِسْلَامُ؟» قَالَ: قَالُوا: كَمَا يَنْقُصُ صِبْغُ الثَّوْبِ , وَكَمَا يَنْقُصُ سَمْنُ الدَّابَّةِ , وَكَمَا يَقْسُو - الدِّرْهَمُ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ قَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ , وَأَكْثَرَ مِنْ ذَاكَ , مَوْتُ الْعُلَمَاءِ» - أَوْ قَالَ: «ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ»
(1/154)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّزَّازُ , قَالَ: نا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ , نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ , نا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ , قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , مَا عَلَامَةُ هَلَاكِ النَّاسِ: قَالَ: «إِذَا هَلَكَ فُقَهَاؤُهُمْ هَلَكُوا»
(1/154)

أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمُّوَيْهِ بْنِ أَبْرَكَ الْهَمَذَانِيُّ , بِهَا , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الشِّيرَازِيُّ , أنا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّمَرْقَنْدِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَمِرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ , مِرَارًا يَقُولُ: «إِذَا أَفْنَى الرَّجُلُ قُوَّتَهُ وَشَبِيبَتَهُ فِي الْحِسَابَاتِ , فَإِذَا بَلَغَ مِنْهَا الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي نَفْسِهِ , فَوَجَّهَهَا الْمِسَاحَةَ وَالْقِسْمَةَ وَنَحْوَهُمَا , وَقَدْ كَرِهَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ» بَلَغَنَا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الَّذِي يَمْسَحُ لِلنَّاسِ وَيَأْخُذُ عَلَيْهَا أَجْرًا أَنَّهُ لِغَيْرِ طَائِلٍ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَرَى بَأْسًا أَنْ يُؤَدِّيَ فِيهِ الْأَمَانَةَ , وَيَأْخُذَ عَلَيْهَا الْأَجْرَ وَإِنْ أَفْنَى أَيَّامَهُ وَقُوَّتَهُ وَحِفْظَهُ فِي طَلَبِ الشَّعْرِ , فَإِذَا بَلَغَ فِيهِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي نَفْسِهِ , فَقُصَارَاهُ أَنْ يَصِيرَ شَاعِرًا يُطْرِي مَنْ يُعْطِيهِ شَيْئًا أَوْ يُكْرِمُهُ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يَضْرِبَانِ عَلَى الْهِجَاءِ ضَرْبًا شَدِيدًا , وَيَحْبِسَانِ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاعِرٌ يَهْجُو قَبِيلَةً بِأَسْرِهَا
(1/155)

فَهُوَ أَبَدًا حَرِيصٌ مُسْتَعْطٍ ذَلِيلٌ , وَمَا عَلَيْهِ مِنَ التَّبِعَةِ فِي الْعَاقِبَةِ أَشَدُّ وَأَدْهَى وَإِنْ أَفْنَى أَيَّامَهُ فِي النَّحْوِ وَالْعَوِيصِ مِنَ الْكَلَامِ فَقُصَارَاهُ أَنْ يَصِيرَ مُؤَدِّبًا , يُؤَدِّبُ أَوْلَادَ الْمُلُوكِ فَهُوَ أَبَدًا فِي الْمَعَاذِيرِ وَالْمُدَارَاةِ وَالْبَلَاءِ , فَرُبَّمَا أَصَابَ مِنْ خَيْرِهِمْ , وَرُبَّمَا طُرِدَ وَحُرِمَ , فَإِنَّ مُعَاشَرَتَهُمْ شَدِيدَةٌ وَإِنْ أَفْنَى أَيَّامَهُ فِي أَحَادِيثِ السَّمَرِ وَالْمَغَازِي , وَأَيَّامِ الْعَرَبِ وَالْأَنْسَابِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِذَا بَلَغَ مِنْهُ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي نَفْسِهِ فَقُصَارَاهُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ فَيُسَامِرَهُ , وَيُؤَاتِيَهُ عَلَى أَمْرِهِ , وَيُسَاعِدُهُ عَلَى مَا أَرَادَ طَمَعًا مِنْهُ , فَمَا يُحْرَمُ مِنْ دِينِهِ أَكْثَرُ مِمَّا عَسَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ دُنْيَاهُ وَإِنْ أَفْنَى أَيَّامَهُ فِي هَذِهِ الْخُطَبِ وَالرَّسَائِلِ , وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ , فَقُصَارَاهُ أَنْ يَصِيرَ خَطِيبًا , وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ خَطِيبٍ يَخْطُبُ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرَادَ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ , أَوْ مَا عِنْدَ النَّاسِ كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: الْكَلِمَةُ خُطْبَةٌ
(1/156)

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: «وَلَكِنْ مَنْ وُفِّقَ لِهَذَا الْعِلْمِ , الَّذِي فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ , وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ وَمَعَالِمُ الدِّينِ كُلِّهَا , فَطَلَبَهُ فِي شَبِيبَتِهِ قَبْلَ تَرَاكُبِ الْأَشْغَالِ عَلَيْهِ , فَأَدْرَكَ مِنْهُ حَظًّا فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْآخِرَةَ وَوُفِّقَ فِيهِ لِلْخَيْرِ وَالصِّدْقِ أَدْرَكَ بِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَكَانَ مُكْرَمًا مَحْمُودًا عَزِيزًا مُتَّبَعًا شَرِيفًا بَعِيدَ الصَّوْتِ [ص:157] مُطَاعًا فِي النَّاسِ , وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا , وَلَمْ يُوَفَّقْ فِيهِ لِلْخَيْرِ وَالصِّيَانَةِ , وَظَلَفِ النَّفْسِ وَإِلْجَامِهَا عَنْ هَوَاهَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ النَّاسُ , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا خَلْقٌ يَسْتَغْنِي عَنِ الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ رَضِيَ بِالْجَهَالَةِ وَالْخَسَارَةِ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ غُنْيَةٌ» - يَعْنِي: عَنْهُ - «فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِكْرَامِهِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِ»
(1/156)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الشَّحَّامَ , يَقُولُ: " رَأَيْتُ أَبَا الطَّيِّبِ سَهْلًا الصُّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ , فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ فَقَالَ: دَعِ التَّشَيُّخَ فَقُلْتُ: وَتِلْكَ الْأَحْوَالُ الَّتِي شَاهَدْتُهَا؟ فَقَالَ لِي: لَمْ تُغْنِ عَنَّا فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِمَسَائِلَ كَانَتْ يَسْأَلُ عَنْهَا الْعُجْزُ "
(1/157)

ذِكْرُ مَا رُوِيَ أَنَّ مِنْ إِدْبَارِ الدِّينِ ذَهَابَ الْفُقَهَاءِ
(1/159)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ , أنا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَزَارِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ , عَنِ الْقَاسِمِ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا , وَإِنَّ مِنْ إِقْبَالِ هَذَا الدِّينِ , مَا بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ , حَتَّى إِنَّ الْقَبِيلَةَ لَتَفْقَهُ مِنْ عِنْدِ أَسْرِهَا , أَوْ آخِرِهَا , حَتَّى مَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَّا الْفَاسِقُ , أَوِ الْفَاسِقَانِ , فَهُمَا مَقْهُورَانِ مَقْمُوعَانِ ذَلِيلَانِ , إِنْ تَكَلَّمَا أَوْ نَطَقَا قُمِعَا وَقُهِرَا وَاضْطُهِدَا» - ثُمَّ ذَكَرَ - «إِنَّ مِنْ إِدْبَارِ هَذَا الدِّينِ أَنْ تَجْفُوَ الْقَبِيلَةُ مِنْ عِنْدِ أَسْرِهَا , حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْفَقِيهُ أَوِ الْفَقِيهَانِ فَهُمَا مَقْهُورَانِ مَقْمُوعَانِ ذَلِيلَانِ , إِنْ تَكَلَّمَا أَوْ نَطَقَا قُمِعَا وَقُهِرَا وَاضْطُهِدَا , وَقِيلَ أَتَطْغَيَانِ عَلَيْنَا؟ أَتَطْغَيَانِ عَلَيْنَا؟ حَتَّى تُشْرَبَ الْخَمْرُ فِي نَادِيهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ» وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ
(1/164)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَدِيبُ بِالدِّينَوَرِ , نا جِبْرِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَدْلُ , بِهَمَذَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عَامِرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ , نا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيِّ , عَنْ حِبَّانَ بْنِ جَبَلَةَ , - كَذَا قَالَ شُعَيْبٌ , وَإِنَّمَا هُوَ حِبَّانُ بْنُ أَبِي جَبَلَةَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَكْثَرَ فُقَهَاءَهُمْ , وَقَلَّلَ جُهَّالَهُمْ حَتَّى إِذَا تَكَلَّمَ الْعَالِمُ وَجَدَ أَعْوَانًا , وَإِذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ قُهِرَ , وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا أَكْثَرَ جُهَّالَهُمْ , وَقَلَّلَ فُقَهَاءَهُمْ , حَتَّى إِذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَانًا , وَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيهُ قُهِرَ»
(1/165)

أنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ , نا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيُّ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ , جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ , عَنْ سَمْعَانَ بْنِ الْمَهْدِيِّ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:166]: " ارْحَمُوا ثَلَاثَةً: غَنِيَّ قَوْمٍ قَدِ افْتَقَرَ , وَعَزِيزَ قَوْمٍ قَدْ ذَلَّ , وَفَقِيهًا يَلْعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ "
(1/165)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] قَالَ: «ذَهَابُ فُقَهَائِهَا , وَخِيَارِ أَهْلِهَا»
(1/166)

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ بِهَا , أنا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ السُّلَمِيُّ , [ص:167] أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ بِشْرٍ الْهَرَوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطِّهْرَانِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا الثَّوْرِيُّ , عَنْ طَلْحَةَ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] قَالَ: «مَوْتُ عُلَمَائِهَا وَفُقَهَائِهَا»
(1/166)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ , نا ابْنُ مَنِيعٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ , نا أَيُّوبُ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ , قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ , وَقَبْضُهُ: أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ , فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ , أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ , وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ , وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ , وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ "
(1/167)

وُجُوبُ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ
(1/168)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصِّدِّيقِ الْمَرْوَزِيُّ , نا أَبُو رَجَاءٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدَةَ يَعْنِي النَّافِقَانِيَّ - نا الصَّبَّاحُ بْنُ مُوسَى , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ مَكْحُولٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْرِفَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ , وَالْحَرَامَ وَالْحُدُودَ وَالْأَحْكَامَ»
(1/168)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ قَالَا: نا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ , حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ , أنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , - كَذَا قَالَا وَإِنَّمَا هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ , زَادَ التَّنُوخِيُّ: أَبُو الطَّاهِرِ , ثُمَّ اتَّفَقَا - قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , عَنِ [ص:169] النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «طَلَبُ الْفِقْهِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»
(1/168)

حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشِّيرَازِيُّ , أنا الْفَضْلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَرْدِسْتَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ الزُّهْرِيُّ , أَخُو رُسْتَةَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ , نا مُعَلَّى يَعْنِي ابْنَ هِلَالٍ - عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ أَنَسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»
(1/169)

أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَفَّافُ , نا أَبُو الْقَاسِمِ الْغَازِي الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الصُّوفِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ الضَّرِيرُ الْجُرْجَانِيُّ - بِجُرْجَانَ - , نا مُحَمَّدُ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْعَلَاءِ , نا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ , نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ , عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ الْفِقْهِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [ص:170] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِهَذَا الْقَوْلِ عِلْمَ التَّوْحِيدِ , وَمَا يَكُونُ الْعَاقِلُ مُؤْمِنًا بِهِ , فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ , وَلَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ , إِذْ كَانَ وُجُوبُهُ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ , إِذَا لَمْ يَقُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ كُلِّ سُقْعٍ وَنَاحِيَةٍ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ , وَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
(1/169)

أنا أَبُو مُسْلِمٍ جَعْفَرُ بْنُ بَايَ الْفَقِيهُ الْجِيلِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْأَسَدِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا الْقَاضِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ أَبُو سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ جَعْفَرَ بْنَ عَامِرٍ الْبَزَّازَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدَ بْنَ مُوسَى , فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ , فَجَرَى ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ , فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ
(1/170)

: «لَيْسَ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ فَرِيضَةً , إِذَا طَلَبَ بَعْضُهُمْ أَجْزَأَ عَنْ بَعْضٍ مِثْلُ الْجِنَازَةِ إِذَا قَامَ بِهَا بَعْضُهُمْ أَجْزَأَ عَنْ بَعْضٍ , وَنَحْوِ ذَلِكَ» قُلْتُ: وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِفُرُوعِ الدِّينِ , فَأَمَّا الْأُصُولُ الَّتِي هِيَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَوْحِيدُهُ وَصِفَاتُهُ وَصِدْقُ رُسُلِهِ فَمِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ , وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضٍ وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنَّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَرْضًا أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ مِنْ عِلْمِ حَالِهِ
(1/171)

وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: فِيمَا أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ , نا ابْنُ مَنِيعٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ قُلْتُ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " أَيُّ شَيْءٍ تَفْسِيرُهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ هُوَ الَّذِي تَطْلُبُونَ , إِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ أَنْ يَقَعَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ , يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَهُ»
(1/171)

أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْمُقْرِئُ النَّجَّارُ , نا يَحْيَى بْنُ شِبْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُنَيْنِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ , نا أَبُو هَمَّامٍ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مِنْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ؟ قَالَ [ص:172]: «أَنْ لَا يُقْدِمَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ إِلَّا بِعِلْمٍ , يَسْأَلُ وَيَتَعَلَّمُ , فَهَذَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ مِنْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ» وَفَسِّرْهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ , لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا أَنْ يَتَعَلَّمَ الزَّكَاةَ , فَإِذَا كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ , وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَمْ يُخْرِجُ , وَمَتَى يُخْرِجُ وَأَيْنَ يَضَعُ , وَسَائِرَ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَذَا» قُلْتُ: وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , أَنَّهُ أَمَرَ تَاجِرًا بِالْفِقْهِ قَبْلَ التِّجَارَةِ
(1/171)

أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَاسٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ , نا نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْمِنْقَرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ , عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ , عَنْ آبَائِهِ , عَنْ عَلِيٍّ , أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , أُرِيدُ أَنْ أَتَّجِرَ , فَقَالَ لَهُ: «الْفِقْهُ قَبْلَ التِّجَارَةِ , إِنَّهُ مَنْ تَجَرَ قَبْلَ أَنْ يَفْقَهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ»
(1/172)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو الْحَسَنِ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْبَغْدَادِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , نا ابْنُ وَهْبٍ , عَنْ مَالِكٍ , وَذَكَرَ الْعِلْمَ , فَقَالَ: «إِنَّ الْعِلْمَ لَحَسَنٌ , وَلَكِنِ انْظُرْ مَا يَلْزَمُكَ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ , إِلَى حِينَ تُمْسِي , وَمِنْ حِينِ تُمْسِي , إِلَى حِينِ تُصْبِحُ , فَالْزَمْهُ , وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْهِ شَيْئًا»
(1/173)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنٍ الرَّجُلِ , يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ: «أَمَّا مَا يُقِيمُ بِهِ الصَّلَاةَ , وَأَمْرَ دِينِهِ مِنَ الصَّوْمِ , وَالزَّكَاةِ , وَذِكْرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ» قَالَ: «يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ» قُلْتُ: فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ طَلَبُ مَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَتُهُ , مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ , عَلَى حَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ لِنَفْسِهِ , وَكُلُّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى , حُرٍّ وَعَبْدٍ , تُلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ
(1/173)

فَرْضًا , فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَعَرُّفُ عِلْمِ ذَلِكَ , وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ , أَنْ يُعْرَفَ مَا يَحِلُّ لَهُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ , مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ , فَجَمِيعُ هَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ , وَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ , حَتَّى يَبْلُغُونَ الْحُلُمَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ , أَوْ حِينَ يُسْلِمُونَ بَعْدَ بُلُوغِ الْحُلُمِ , وَيُجْبِرُ الْإِمَامُ أَزْوَاجَ النِّسَاءِ وَسَادَاتِ الْإِمَاءِ عَلَى تَعْلِيمِهِنَّ مَا ذَكَرْنَا , وَفَرْضٌ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا , أَنْ يَأْخُذَ النَّاسَ بِذَلِكَ , وَيُرَتِّبَ أَقْوَامًا لِتَعْلِيمِ الْجُهَّالِ , وَيُفْرَضَ لَهُمُ الرِّزْقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ , وَيَجِبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ , لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ
(1/174)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا أَبُو حَمْزَةَ الْمِرْزَوِيُّ , مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ , نا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَبْدِيُّ , عَنْ رَجُلٍ , سَمَّاهُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: «مَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقًا مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ , حَتَّى أَخَذَ مِيثَاقًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَيَانِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ , لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ»
(1/174)

مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الرِّجَالِ أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَالسَّادَاتِ عَبِيدَهُمْ وَإِمَاءَهُمْ
(1/175)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ أَبُو الْفَوَارِسِ الْمَرُّوذِيُّ النَّحْوِيُّ , - بِمِصْرَ - , نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْخَزَّازُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الزِّمَّانِيُّ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ , وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ , فَالْأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ , وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ , وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ , وَمَسْئُولٌ عَنْ زَوْجَتِهِ , وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ»
(1/175)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مِلَاسٍ النُّمَيْرِيُّ , نا حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُهَنِيُّ , بِالْمَرْوَةِ الصُّغْرَى بِالْحِجَازِ , حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ رَبِيعٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , [ص:176] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ ابْنَ سَبْعٍ , وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ»
(1/175)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ , نا أَبِي , نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ , نا الْحَاطِبِيُّ - وَهُوَ -: عُثْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ , يَقُولُ لِرَجُلٍ: «أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ وَلَدِكَ , مَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَاعَتِهِ لَكَ»
(1/176)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عِيسَى بْنِ يَحْيَى الْبَلَدِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْحَنَّاطُ , - بِالْمَوْصِلِ - , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْمُثَنَّى , نا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ عَلِيٍّ: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] قَالَ: «عَلِّمُوهُمْ أَدِّبُوهُمْ»
(1/176)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو النُّعْمَانِ , وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى , عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ " يَجْعَلُ الْكَبْلَ فِي رِجْلَيَّ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ قَالَ أَبُو النُّعْمَانِ: عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
(1/177)

أنا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , نا أَبُو سَعْدٍ الْبَقَّالُ , عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ امْرَأَةً , أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ فَلْتَغْتَسِلْ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ لَا تَمْنَعِي نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَتَعَلَّمْنَ الْفِقْهَ»
(1/177)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ الْكُوفِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ , نا أَبُو هَمَّامٍ , نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا أَبُو سَعْدٍ الْبَقَّالُ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ»
(1/178)

ذِكْرُ ضَرْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَثَلَ فِي مَرَاتِبِ مَنْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ
(1/179)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ - لَفْظًا - أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ , وَأَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى يَعْنِي الْمَوْصِلِيَّ , نا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: وَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا , نا أَبُو كُرَيْبٍ , وإِبْرَاهِيمُ الْجَوْهَرِيُّ , ويُوسُفُ الْمَسْرُوقِيُّ , وقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ , قَالُوا: نا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ يَزِيدَ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا آتَانِي اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ , كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا كَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ , قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ , وَكَانَتْ مِنْهَا» - قَالَ الْحَسَنُ: «- أَجَادِبُ -» وَلَمْ يَضْبِطْ أَبُو يَعْلَى وَالْقَاسِمُ هَذَا الْحَرْفَ - «أَمْسَكَتِ الْمَاءَ , فَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ , فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا , وَطَائِفَةٌ أُخْرَى , إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ , وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَمِلَ» - كَذَا قَالَ أَبُو يَعْلَى وَحْدَهُ - «وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا , وَلَمْ يَقْبَلْ هَدْيَ اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» , وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: «وَأَحَادِبُ» , وَقَالَ الْحَسَنُ [ص:180] وَالْقَاسِمُ: «فَعَلِمَ وَعَلَّمَ» قَدْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَرَاتِبَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهِينَ , مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُذَّ مِنْهَا شَيْءٍ , فَالْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ هِيَ مِثْلُ الْفَقِيهِ الضابطِ لِمَا رَوَى , الْفَهِمُ لِلْمَعَانِي , الْمُحْسِنُ لَرَدَّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَجَادِبُ الْمُمْسِكَةُ لِلْمَاءِ الَّتِي يَسْتَقِي مِنْهَا النَّاسُ , هِيَ مِثْلُ الطَّائِفَةِ الَّتِي حَفِظَتْ مَا سَمِعَتْ فَقَطْ , وَضَبَطَتْهُ وَأَمْسَكَتْهُ , حَتَّى أَدَّتْهُ إِلَى غَيْرِهَا مَحْفُوظًا غَيْرَ مُغَيَّرٍ , دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِقْهٌ تَتَصَرَّفُ فِيهِ , وَلَا فَهْمٌ بِالرَّدِّ الْمَذْكُورِ وَكَيْفِيَّتِهِ , لَكِنْ نَفَعَ اللَّهُ بِهَا فِي التَّبْلِيغِ , فَبَلَغَتْ إِلَى مَنْ لَعَلَّهُ أَوْعَى مِنْهَا , كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ , وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا سَمِعَ , وَلَا ضَبَطَ , فَلَيْسَ مِثْلَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ , وَلَا مِثْلَ الْأَجَادِبِ , بَلْ هُوَ مَحْرُومٌ , وَمِثْلُهُ مِثْلَ الْقِيعَانِ , الَّتِي لَا تَنْبُتُ [ص:181] كَلَأً , وَلَا تُمْسِكُ مَاءً , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] , وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19] , وَشَبَّهَ التَّارِكَ لِلْعِلْمِ , رَغْبَةً عَنْهُ وَاسْتِهَانَةً بِهِ وَتَكْذِيبًا لَهُ بِالْكَلْبِ , فَقَالَ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175] إِلَى أَنْ قَالَ: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ
(1/179)

ذِكْرُ تَقْسِيمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَرْكِهِ
(1/182)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْأَزْرَقِ الْمَتُّوثِيُّ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا أَبُو بَكْرٍ مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ , وَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَرْبِيُّ , وَأَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَا: نا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دَاوُدَ الْقَزَّازُ , نا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ , نا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ الْحَنَّاطُ , عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيِّ , عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ , قَالَ: أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِي , فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ , فَلَمَّا أَصْحَرَ جَلَسَ ثُمَّ تَنَفَّسَ , ثُمَّ قَالَ: " يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ , احْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ: الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ خَيْرُهَا أَوْعَاهَا النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ , وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ , وَهَمَجٌ رِعَاعٌ , أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ , لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ , وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ , الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ , الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ , وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ , الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ , وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ , الْعِلْمُ حَاكِمٌ , وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ , وَصَنِيعَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ , مَحَبَّةُ الْعَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهَا , تُكْسِبُهُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ , وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ , مَاتَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ , الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ , مَا بَقِيَ [ص:183] الدَّهْرُ , أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ , وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ , هَا إِنَّ هَا هُنَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - عِلْمًا , لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً , بَلَى أَصَبْتُهُ لَقِنًا , غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ , يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا , يَسْتَظْهِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ , وَيُحْجِجْهُ عَلَى كِتَابِهِ , أَوْ مُنْقَادًا لِأَهْلِ الْحَقِّ , لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِحْيَائِهِ , يَقْتَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ , بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ , لَا ذَا , وَلَا ذَاكَ , أَوْ مَنْهُومًا بِاللَّذَّةِ سَلِسُ الْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ , أَوْ فَمُغْرًى بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ , وَالِادِّخَارِ , لَيْسَا مِنْ دُعَاةِ الدِّينِ , أَقْرَبُ شَبَهِهِمَا بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ , كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ , اللَّهُمَّ بَلَى , لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ , لِكَيْ لَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ , أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَدًا الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا , بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ حُجَجِهِ , حَتَّى يُؤَدُّوهَا إِلَى نُظَرَائِهِمْ , وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ , هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ , فَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهُ الْمُتْرَفُونَ , وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ , وَصَاحَبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانَ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحْمَلِ الْأَعْلَى , هَاهَا شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ , وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكَ , إِذَا شِئْتَ فَقُمْ " [ص:184] هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحَادِيثِ مَعْنًى , وَأَشْرَفِهَا لَفْظًا , وَتَقْسِيمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ النَّاسَ فِي أَوَّلِهِ تَقْسِيمٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ , وَنِهَايَةِ السَّدَادِ , لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَ كَمَالِ الْعَقْلِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ , إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُغْفِلًا لِلْعِلْمِ وَطَلَبِهِ , لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا طَالِبٍ لَهُ فَالْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا زِيَادَةَ عَلَى فَضْلِهِ لِفَاضِلٍ , وَلَا مَنْزِلَةَ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ لِمُجْتَهِدٍ , وَقَدْ دَخَلَ فِي الْوَصْفِ لَهُ بِأَنَّهُ رَبَّانِيٌّ وَصْفُهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعِلْمُ لِأَهْلِهِ , وَيَمْنَعُ وَصْفَهُ بِمَا خَالَفَهَا , وَمَعْنَى الرَّبَّانِيِّ فِي اللُّغَةِ: الرَّفِيعُ الدَّرَجَةِ فِي الْعِلْمِ , الْعَالِي الْمَنْزِلَةِ فِيهِ , وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة: 63] وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]
(1/182)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ الْفَارِسِيُّ , نا أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , وَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , - بِمَكَّةَ - نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِرَاسٍ الْعَبْقَسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبَيْلِيُّ , نا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: " الرَّبَّانِيُّونَ: الْفُقَهَاءُ , وَهُمْ فَوْقَ الْأَحْبَارِ "
(1/184)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ , نا الْفُضَيْلُ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ - , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي قَوْلِهِ: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] قَالَ: «حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ»
(1/185)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ , فِي قَوْلِهِ {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] قَالَ: «فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ»
(1/185)

قَرَأْتُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , عَنْ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ , مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا عَنْ هَذَا الْحَرْفِ , (رَبَّانِيٍّ) , فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ , فَقَالَ: " إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَالِمًا , عَامِلًا , مُعَلِّمًا , قِيلَ لَهُ هَذَا رَبَّانِيُّ , فَإِنْ خَرَمَ عَنْ خِصْلَةٍ مِنْهَا , لَمْ يُقَلْ لَهُ رَبَّانِيُّ وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ , عَنِ النَّحْوِيِّينَ , أَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ , مَنْسُوبُونَ إِلَى الرَّبِّ , وَأَنَّ الْأَلِفَ وَالنُّونَ زِيدَتَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي
(1/185)

النَّسَبِ , كَمَا تَقُولُ: لِحْيَانِيُّ جُمَّانِيُّ , إِذَا كَانَ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ وَالْجُمَّةِ وَأَمَّا الْمُتَعَلِّمُ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ: فَهُوَ الطَّالِبُ بِتَعَلُّمِهِ وَالْقَاصِدُ بِهِ نَجَاتَهُ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي تَضْيِيعِ الْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ , وَالرَّغْبَةِ بِنَفْسِهِ عَنْ إِهْمَالِهَا وَإِطْرَاحِهَا , وَالْأَنَفَةِ مِنْ مُجَانَسَةِ الْبَهَائِمِ , وَقَدْ نَفَى بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنِ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَمَّا الْقَسَمُ الثَّالِثُ , فَهُمُ الْمُهْمِلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ , الرَّاضُونَ بِالْمَنْزِلَةِ الدَّنِيَّةِ وَالْحَالِ الْخَسِيسَةِ , الَّتِي هِيَ فِي الْحَضِيضِ الْأَوْهَدِ , وَالْهُبُوطِ الْأَسْفَلِ , الَّتِي لَا بَعْدَهَا فِي الْخُمُولِ , وَلَا دُونَهَا فِي السُّقُوطِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخَذَلَانِ , وَعَدَمِ التَّوْفِيقِ وَالْحِرْمَانِ - وَمَا أَحْسَنَ مَا شَبَّهَهُمُ الْإِمَامُ عَلِيٌّ بِالْهَمَجِ الرَّعَاعِ: وَالهَمَجُ: البَعُوضُ , وَبِهِ يُشَبَّهُ دُنَاةُ النَاسِ وَأَرَاذِلُهُم، وَالرِّعَاعُ: الْمُتَبَدِّدِ الْمُتَفَرِّقِ , وَالنَّاعِقُ: الصَّائِحُ , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الرَّاعِي , يُقَالُ: نَعَقَ الرَّاعِي بِالْغَنَمِ يَنْعِقُ: إِذَا صَاحَ بِهَا , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]
(1/186)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ , أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى , لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: «
[البحر البسيط]
(1/186)

الْعِلْمُ زَيْنٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ ... فَاطْلُبْ هُدِيتَ فُنُونَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبَا
لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ بِلَا أَدَبٍ ... حَتَّى يَكُونَ عَلَى مَا زَانَهُ حَدِبًا
كَمْ مِنْ كَرِيمٍ أَخِي عِيٍّ وَطَمْطَمَةٍ ... فَكَمْ لَدَى الْقَوْمِ مَعْرُوفًا إِذَا انْتَسَبَا
فِي بَيْتِ مَكْرُمَةٍ آبَاؤُهُ نُجُبٌ ... كَانُوا الرِّؤُوسَ فَأَمْسَى بَعْدَهُمْ ذَنَبًا
وَخَامِلٍ مُقْرِفِ الْآبَاءِ ذِي أَدَبٍ ... نَالَ الْمَعَالِيَ بِالْآدَابِ وَالرُّتَبَا
أَمْسَى عَزِيزًا عَظِيمَ الشَّانِ مُشْتَهَرًا ... فِي خَدِّهِ صَعَرٌ قَدْ ظَلَّ مُحْتَجَبًا
الْعِلْمُ كَنْزٌ وَذُخْرٌ لَا نفادَ لَهُ ... نِعْمَ الْقَرِينُ إِذَا مَا صَاحِبٌ صُحِبَا
قَدْ يَجْمَعُ الْمَرْءُ مَالًا ثُمَّ يُحْرَمُهُ ... عَمَّا قَلِيلٍ فَيَلْقَى الذُّلَّ وَالْحَدَبَا
وَجَامِعُ الْعِلْمِ مَغْبُوطٌ بِهِ أَبَدًا ... وَلَا يُحَاذِرُ مِنْهُ الْفَوْتَ وَالسَّلَبَا
[ص:188]
يَا جَامِعَ الْعِلْمِ نِعْمَ الذُّخْرُ تَجْمَعُهُ ... لَا تَعْدِلَنَّ بِهِ دُرًّا وَلَا ذَهَبَا»
(1/187)

حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ , قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَقَاءٍ الْمِصْرِيُّ , أنا جَدِّي عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ الْحَكَمِيَّ الْفَقِيهَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ , أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدُّنْيَا , فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ , وَشُغِلْتُ بِهِ عَمَّا كُنْتُ فِيهِ مَعَهُ مِنَ الْمُذَاكَرَةِ , فَقَالَ لِي: «كَأَنِّي بِكَ قَدْ فَكَّرْتَ فِيمَا أُعْطِيَ هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الدُّنْيَا» , فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ , فَقَالَ: «هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى خَلَّةٍ؟ هَلْ لَكَ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ إِلَيْكَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ , وَيُحَوِّلَ إِلَيْهِ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْعِلْمِ , فَتَعِيشَ أَنْتَ غَنِيًّا جَاهِلًا , وَيَعِيشُ هُوَ عَالِمًا فَقِيرًا؟» فَقُلْتُ: مَا أَخْتَارُ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ مَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا عِنْدَهُ عَلَى هَذَا
(1/188)

بَابُ بَيَانِ الْفِقْهِ
(1/189)

أنا أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّحَّاسُ بِحَلَبَ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأُسَامِيُّ , نا مُوسَى بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْأَشْيَبِ الْقَاضِي , قَالَ: قَالَ ثَعْلَبٌ: أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ: " يُقَالُ فِي فِقْهِ الرَّجُلِ: فَقُهَ إِذَا كَمُلَ , وَفَقِهَ إِذَا شَدَا شَيْئًا مِنَ الْفِقْهِ "
(1/189)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , نا أَبُو عُمَرَ , مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّكَّرِيُّ , عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيِّ قَالَ: " الْفِقْهُ فِي اللُّغَةِ الْفَهْمُ , يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَفْقَهُ قَوْلِي , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] , أَيْ لَا تَفْهَمُونَهُ , ثُمَّ يُقَالُ لِلْعِلْمِ: الْفِقْهُ , لِأَنَّهُ عَنِ الْفَهْمِ يَكُونُ , وَلِلْعَالِمِ: فَقِيهٌ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْلَمُ بِفَهْمِهِ , عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا كَانَ لَهُ سَبَبًا "
(1/189)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ ثَعْلَبًا , وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ , تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا [ص:190] كَثِيرًا} [البقرة: 269] قَالَ: «الْفَهْمُ»
(1/189)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُوَيْدٍ الْمُعَدِّلُ , قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ: قَوْلُهُمْ: " رَجُلٌ فَقِيهٌ مَعْنَاهُ: عَالِمٌ , وَكُلُّ عَالِمٍ بِشَيْءٍ فَهُوَ فَقِيهٌ فِيهِ , مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَا يَفْقَهُ وَلَا يَنْقَهُ مَعْنَاهُ: مَا يَعْلَمُ وَلَا يَفْهَمُ , يُقَالُ: نَقَهْتُ الْحَدِيثَ أَنْقَهُهُ: إِذَا فَهِمْتُهُ , وَنَقَهْتُ مِنَ الْمَرَضِ أَنْقَهُ , وَمِنَ الْفِقْهِ قَوْلُهُمْ: قَالَ فَقِيهُ الْعَرَبِ , مَعْنَاهُ: عَالِمُ الْعَرَبِ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] مَعْنَاهُ: لِيَكُونُوا عُلَمَاءَ بِهِ "
(1/190)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْمُقْرِئُ النَّقَّاشُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , نا عَطَاءٌ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , وَسُئِلَ عَنِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، قَالَ: «الْعِلْمُ بِأَمْرِ اللَّهِ , وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ , وَمَا أَمَرَ مِنَ الْعِلْمِ بِسُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا عَلِمْتَ , فَذَلِكَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ»
(1/190)

سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَلِيٍّ الْفَقِيهَ الْفَيْرُوزَابَادِيَّ يَقُولُ: الْفِقْهُ: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , الَّتِي طَرِيقُهَا الِاجْتِهَادُ , وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ: الْوَاجِبُ , وَالنَّدْبُ , وَالْمُبَاحُ , وَالْمَحْظُورُ , وَالْمَكْرُوهُ , وَالصَّحِيحُ , وَالْبَاطِلُ فَالْوَاجِبُ: مَا تَعَلَّقَ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ , كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةِ وَالزَّكَوَاتِ وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالنَّدْبُ: مَا تَعَلَّقَ الثَّوَابُ بِفِعْلِهِ , وَلَا يَتَعَلَّقُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ , كَصَلَوَاتِ النَّفَلِ , وَصَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَبِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمُبَاحُ: مَا لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ , وَلَا عِقَابَ فِي تَرْكِهِ , كَأَكْلِ الطَّيِّبِ , وَلِبْسِ النَّاعِمِ , وَالنَّوْمِ , وَالْمَشْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَحْظُورُ: مَا تَعَلَّقَ الْعِقَابُ بِفِعْلِهِ كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ , وَالْغَصْبِ , وَالسَّرِقَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهُ: مَا تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ , كَالصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ , وَالصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ , وَاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ وَالصَّحِيحُ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ النُّفُوذُ , وَحَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ , كَالصَّلَوَاتِ الْجَائِزَةِ , وَالْبُيُوعِ الْمَاضِيَةِ وَالْبَاطِلُ: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ , وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ , كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ , وَبَيْعِ مَا لَا يَمْلِكُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْفَاسِدَةِ
(1/191)

بَابُ بَيَانِ أُصُولِ الْفِقْهِ أُصُولُ الْفِقْهِ: الْأَدِلَّةُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْفِقْهُ , وَهِيَ: كِتَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ , وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّا حُفِظَ عَنْهُ خِطَابًا وَفِعْلًا وَإِقْرَارًا , وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ , فَهِيَ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ , وَنَحْنُ نَذْكُرُ كُلَّ أَصْلٍ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ , وَكَيْفَ يُرَتَّبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ , ثُمَّ نَذْكُرُ الْقِيَاسَ , وَمَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ , وَبِاللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ , وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ أَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ الزَّلَلِ , وَيُوَفِّقَنَا لِصَالِحِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ
(1/192)

الْقَوْلُ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ: وَهُوَ الْكِتَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لِكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نُهْدِي بِهِ مِنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]
(1/193)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَوْيَانَ الْمُقْرِئُ , نا أَبُو جَعْفَرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ الْحَرَّانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي سِنَانٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ يَعْنِي عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ , - قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتُفْتَتَنُ بَعْدَكَ , فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ سُئِلَ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا؟ قَالَ [ص:194]: " بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ , الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حُمَيْدٍ , مَنِ ابْتَغَى الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِهِ , أَضَلَّهُ اللَّهُ , وَمَنْ وَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنْ جَبَّارٍ يَحْكُمُ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ , هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ , وَالنُّورُ الْمُبِينُ , وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ , فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ , وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ , وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ , وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ , وَهُوَ الَّذِي سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَكَادَ أَنْ قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 2] , لَا يَخْلَقُ عَلَى طُولِ الرَّدِّ , وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ , وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ " ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لِلْحَارِثِ: خُذْهَا يَا أَعْوَرُ
(1/193)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدَّقَّاقُ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّزَّازُ , قَالَ: نا - وَفِي , حَدِيثِ التَّنُوخِيِّ: أنا - جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ , نا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ , نا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ , عَنْ أَبِي [ص:195] الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ , عَنِ الْحَارِثِ , - وَقَالَ التَّنُوخِيُّ: عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ , عَنِ الْحَارِثِ , - عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ جِبْرِيلُ: سَتَكُونُ فِي أُمَّتِكَ فِتْنَةٌ , قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ , وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ , وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ , مَنْ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنْ جَبَّارٍ فَقَضَى فِيهِ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ , وَمَنْ يَبْتَغِي الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ , هُوَ النُّورُ الْمُبِينُ , وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ , وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ , هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ , هُوَ الَّذِي سَمِعَتْهُ الْجِنُّ , فَلَمْ يَتَنَاهَوْا أَنْ قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] هُوَ الَّذِي لَا يَخْلَقُ عَلَى طُولِ الرَّدِّ , وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ " ثُمَّ قَالَ لِلْحَارِثِ: خُذْهَا يَا أَعْوَرُ
(1/194)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ الْحُلْوَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ , نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ , عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ , قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» [ص:196] قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرْفُهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى , وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ , فَتَمَسَّكُوا بِهِ , فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلَكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا»
(1/195)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ الْكُوفِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ الْخَثْعَمِيُّ , نا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ , أنا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ , وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ , وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] "
(1/196)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ , نا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمُقْرِئُ , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ , عَنْ شُعْبَةَ , وإِسْرَائِيلَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ مُرَّةَ [ص:197] الْهَمْدَانِيِّ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ , فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» إِلَّا أَنَّ إِسْرَائِيلَ قَالَ: خَبَرَ
(1/196)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , أنا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْجُمَحِيُّ - بِمَكَّةَ - نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: «مَا تَسَاءَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَعِلْمُهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنْ قَصُرَ عِلْمُنَا عَنْهُ»
(1/197)

أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ زِرْقَوَيْهِ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , نا وَكِيعٌ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ , عَنْ أَبِي رَافِعٍ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا اسْتُدْرِجَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ , إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ» [ص:198] قُلْتُ: وَفِي الْقُرْآنِ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ , وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ , وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ , وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ , وَالْمُبَيَّنُ وَالْمُجْمَلُ , وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ
(1/197)

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءٍ مَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , قَالَ: " لَا تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ , حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً فَيَحْتَاجُ النَّاظِرُ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ , إِلَى حِفْظِ الْآثَارِ وَدَرْسِ النَّحْوِ وَعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ , إِذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَنْزَلَهُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ , فَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]
(1/198)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ , قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ , قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ , يَطْلُبُ بِهَا حُسْنَ الْمَنْطِقِ وَ [ص:199] يَلْتَمِسُ أَنْ يُقِيمَ قِرَاءَتَهُ قَالَ: «حَسَنٌ , فَتَعَلَّمْهَا يَا أَخِي , فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْرَأُ الْآيَةَ , فَيَعِهَا بِوَجْهِهَا , فَيَهْلِكَ فِيهَا»
(1/198)

أنا ابْنُ زَرْقَوَيْهِ , أنا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجِرَاحِيُّ , نا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الْبَلْخِيُّ , نا سُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيَّ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ , فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(1/199)

أنا أَبُو طَالِبٍ , عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الزُّهْرِيُّ الْفَقِيهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى , نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى , نا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ , نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ , أَخُو حَزْمٍ , عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ , عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , [ص:200] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ , فَقَدْ أَخْطَأَ» قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: حَمَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الرَّأْيَ مَعْنِيُّ بِهِ الْهَوَى , مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يُوَافِقُ هَوَاهُ , لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ , فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ , لِحُكْمِهِ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا لَا يُعْرَفُ أَصْلُهُ , وَلَا يَقِفُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّقْلِ فِيهِ
(1/199)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ
(1/201)

أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رِزْقَوَيْهِ , وَأَبُو , عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا هَنَّادٌ , عَنْ وَكِيعٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] قَالَ: " هِيَ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] ثَلَاثُ آيَاتٍ "
(1/201)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ الْمُقْرِئُ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا الْهُذَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ , عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] " يُعْمَلُ بِهِنَّ , وَهُنَّ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ , قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا
(1/201)

حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151] إِلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ , آخِرُهُنَّ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 155] يَقُولُ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] يَعْنِي: أَصْلُ الْكِتَابِ , لِأَنَّهُنَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَكْتُوبَاتٌ , وَهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا فِي كِتَابِهِمْ , وَإِنَّمَا سُمِّينَ: أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُنَّ مَكْتُوبَاتٌ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ , وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينٍ إِلَّا وَهُوَ يُوصِي بِهِنَّ , ثُمَّ قَالَ: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] , يَعْنِي بِالْمُتَشَابِهَاتِ: {الم} [البقرة: 1] , {المص} [الأعراف: 1] , {المر} [الرعد: 1] , {الر} [يونس: 1] , شُبِّهَ عَلَى الْيَهُودِ كَمْ تَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ السِّنِينَ , فَالْمُتَشَابِهَاتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ الْأَرْبَعُ , {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] يَعْنِي: مَيلًا عَنِ الْهُدَى , وَهُوَ الشَّكُّ , فَهُمُ الْيَهُودُ , {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] يَعْنِي: ابْتِغَاءَ الْكُفْرِ , {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] , يَعْنِي: مُنْتَهَى مَا يَكُونُ , وَكَمْ يَكُونُ , يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُلْكَ , يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] , كَمْ يَمْلِكُونَ مِنَ السِّنِينَ , أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , إِلَّا أَيَّامًا يَسْلُبُهُمُ اللَّهُ بِالدَّجَّالِ " وَقِيلَ: إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَحْكَامِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
(1/202)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكِسَائِيُّ , نا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ , نا ورْقَاءُ , عَنِ ابْنِ [ص:203] أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] يَقُولُ: «حُكْمُ مَا فِيهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ» وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ هِيَ: النَّاسِخَةُ وَالثَّابِتَةُ الْحُكْمِ , وَالْمُتَشَابِهَاتُ هِيَ: الْمَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَقْسَامِ , وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ
(1/202)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ , طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] قَالَ: " الْمُحْكَمَاتُ: نَاسِخُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَفَرَائِضُهُ , وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ , وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَنْسُوخُهُ وَمُقَدَّمُهُ , وَمُؤَخَّرُهُ , وَأَمْثَالُهُ وَأَقْسَامُهُ , وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ "
(1/203)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيَّ , نا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ , نا سُفْيَانُ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ , وجُوَيْبِرَ , - وَقَالَ: ابْنُ رِزْقٍ: أَوْ جُوَيْبِرَ - , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] قَالَ: «النَّاسِخُ» {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] قَالَ: «الْمَنْسُوخُ» وَقِيلَ إِنَّ الْآيَاتِ االْمُتَشَابِهَاتِ , آيَاتٌ مُتَعَارِضَةٌ فِي الظَّاهِرِ , وَبِهَا ضَلَّ أَهْلُ الزَّيْغِ , إِذَا رَأَوْا أَنَّ الْقُرْآنَ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا
(1/204)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّاهِرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , نا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ , نا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ: الْآيَةَ كُلَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:205]: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ , فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»
(1/204)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ , يَقُولُ: «لَا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ إِلَّا وَهُوَ يُجَادِلُكَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ» وَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ , عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا النَّوْعِ , فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِوُجُوهِهَا
(1/205)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْبُوشَنْجِيُّ , نا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ سَعِيدٌ: جَاءَهُ رَجُلٌ , فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ , إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ , فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي [ص:206] صَدْرِي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَتَكْذِيبٌ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ بِتَكْذِيبٍ وَلَكِنِ اخْتِلَافٌ، قَالَ: «فَهَلُمَّ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِكَ» فَقَالَ الرَّجُلُ: أَسْمَعُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] , وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27] , وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] , وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] , فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 28] , فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ , وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ , وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ , ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 9] , فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] , {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 158] , {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] فَإِنَّهُ كَانَ ثُمَّ انْقَضَى؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هَاتِ مَا فِي نَفْسِكَ مِنْ هَذَا» فَقَالَ السَّائِلُ: إِذَا أَنْبَأْتَنِي بِهَذَا فَحَسْبِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: " {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا [ص:207] يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] , فَهَذَا فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى , يُنْفَخُ فِي الصُّورِ , فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ , إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ , فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ , ثُمَّ إِذَا كَانَتِ النَّفْخَةُ الْأُخْرَى , قَامُوا فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ , لَا يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ , وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا , فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ رَبَّنَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ , تَعَالَوْا نَقُولُ إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ذُنُوبٍ , وَلَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ , فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا إِذْ كَتَمُوا الشِّرْكَ , فَاخْتِمُوا عَلَى أَفْوَاهِهِمْ , فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ , فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ , فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَكْتُمُ حَدِيثًا , فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوَا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 27] , فَإِنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ , ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرِينَ , ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ فَدَحَاهَا , وَدَحْيُهَا: أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَشَقَّ فِيهَا الْأَنْهَارَ , وَجَعَلَ فِيهَا السُّبُلَ , وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالرِّمَالَ وَالْأَكْوَامَ وَمَا فِيهَا , فِي يَوْمَيْنِ آخَرَينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] , وَقَوْلُهُ: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ , وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا [ص:208] أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9] فَجُعِلَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ , وَجُعِلَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] , {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 158] , {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَفْسَهُ ذَلِكَ , وَسَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ , وَلَمْ يَنْحَلْهُ أَحَدًا غَيْرَهُ , وَكَانَ اللَّهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ " ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «احْفَظْ عَنِّي مَا حَدَّثْتُكَ , وَاعْلَمْ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَشْبَاهُ مَا حَدَّثْتُكَ , فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا إِلَّا قَدْ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ , وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ , فَلَا يَخْتَلِفَنَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ , فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/205)

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الْفَارِسِيُّ , أنا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُقْرِئُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُكَيْرٍ التَّمِيمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ , يَقُولُ: " أَصْلُ التَّشَابُهِ: أَنْ يُشْبِهَ , اللَّفْظُ اللَّفْظَ فِي الظَّاهِرِ , وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ ثَمَرِ الْجَنَّةِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] , أَيْ: مُتَّفِقُ الْمَنَاظِرِ , مُخْتَلِفُ الطُّعُومِ , وَقَالَ: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] , أَيْ: أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْكُفْرِ وَالْقَسْوَةِ , وَمِنْهُ يُقَالُ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ الْأَمْرُ: إِذَا أَشْبَهَ
(1/208)

غَيْرَهُ , فَلَمْ تَكَدْ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا , وَشَبَّهْتَ عَلَيَّ: إِذَا أَلْبَسْتَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِأَصْحَابِ الْمَخَارِيقِ: أَصْحَابُ الشَّبَهِ , لِأَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ , ثُمَّ قَدْ يُقَالُ لِكُلِّ مَا غَمُضَ وَدَقَّ: مُتَشَابِهِ , وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَى الْحِيرَةِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّبَهِ بِغَيْرِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ لِلْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مُتَشَابِهِ , وَلَيْسَ الشَّكُّ فِيهَا وَالْوُقُوفُ عِنْدَهَا لِمُشَاكَلَتِهَا غَيْرِهَا وَالْتِبَاسِهَا بِهَا وَمَثَلُ الْمُتَشَابِهِ (الْمُشْكَلُ) سُمِّي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَشْكَلَ أَيْ: دَخَلَ فِي شَكْلِ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَهُ وَشَاكَلَهُ , ثُمَّ قَدْ يُقَالُ لِمَا غَمُضَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُشْكِلًا " سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَابَادِيَّ , يَقُولُ: وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ وَالْمُجْمَلُ وَاحِدٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ , وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ هُوَ: الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ , وَالْمُحْكَمُ , وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ: الْحُرُوفُ الْمَجْمُوعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ , كَـ: {المص} [الأعراف: 1] , {المر} [الرعد: 1] , وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ , فَلَا يُوصَفْ بِذَلِكَ قُلْتُ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُحْكَمَ: مَا أُحْكِمَ بَيَانُهُ , وَبَلَغَ بِهِ الْغَايَةَ الَّتِي يُفْهَمُ بِهَا الْمُرَادُ
(1/209)

مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَالْتِبَاسٍ , وَالْمُتَشَابِهُ: هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَوْ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً , يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا عِنْدَ السَّامِعِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ , حَتَّى يُمَيِّزَ وَيَتَبَيَّنَ وَيَنْظُرَ وَيَعْلَمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فِيهِ , كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ , الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ , وَذَهَبُوا عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهِ قُلْتُ: وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِالصَّيْرَفِيِّ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ , ضِرْبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ , وَانْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ تَأْوِيلِهِ , وَضَرْبٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ , وَالدَّلِيلُ عَلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] , إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] فَنَفَى أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ , وَابْتَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] وَالدَّلِيلُ عَلَى الضَّرْبِ الثَّانِي حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/210)

أَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبُنْدَارُ , نا ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا زَكَرِيَّا , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ , وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ , وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» [ص:211] فَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُ الْمُشْتَبِهَاتِ قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُتَشَابِهَ يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ , وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ لِلْعُلَمَاءِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَتِهِ
(1/210)

يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: مَا أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَخْزُومِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ , - إِمْلَاءً - , نا أَبُو عَوْفٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَرْزُوقِ الْبَزْوَرِيُّ , أنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ , عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ , عَنْ مَعْقِلٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ فَحَلِّلُوا حَلَالَهُ , وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ , وَاقْتَدَوْا بِهِ , وَلَا تَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ , وَمَا تَشَابَهَ عَلَيْكُمْ , فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ , وَإِلَى أُولِي الْعِلْمِ كَيْ يُخْبِرُوكُمْ» وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ مِنْ {كهيعص} [مريم: 1] , أَنَّهَا خَبَرٌ عَنْ [ص:212] صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَقِيلَ: الْكَافُ مِنْ كَافٍ , وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ , وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ , وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ , وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْكِتَابُ مِنْ كَافِّ هَادٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ صَادِقٍ , يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَكَذَلِكَ {الم} [البقرة: 1] وَ {المر} [الرعد: 1] وَ {الر} [يونس: 1] وَ {المص} [الأعراف: 1] , لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] , فَقَدْ رُوِيَ , عَنْ مُجَاهِدٍ , أَنَّهُ قَالَ: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ , وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
(1/211)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا أَبُو جَعْفَرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , نا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو حُذَيْفَةَ , نا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ , وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ هَكَذَا , لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِينَ عَلَى الْعَامَّةِ فَضِيلَةٌ , لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، لَقَالَ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ؟ قُلْنَا: قَدْ يَجُوزُ حَذْفُ وَاوِ النَّسَقِ , وَقِيلَ: إِنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَالِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ , كَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ فِي حَالِ إِيمَانِهِمْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ "
(1/212)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كُلُّ كَلَامٍ مُفِيدٍ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ: فَأَمَّا الْحَقِيقَةُ , فَهُوَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ , وَحْدَهُ: كُلُّ لَفْظٍ اسْتُعْمِلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ , فَقَدْ يَكُونُ لِلْحَقِيقَةِ مَجَازٌ , كَالْبَحْرِ , فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَاءِ الْمُجْتَمِعِ الْكَثِيرِ , وَمَجَازٌ فِي الرَّجُلِ الْعَالِمِ وَالْفَرَسِ وَالْجَوَادِ
(1/213)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , - بِالْبَصْرَةِ - , نا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْعَنَزِيُّ , نا أَبُو أُسَامَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ «يُسَمَّى الْبَحْرَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ»
(1/213)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ , عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , نا جَعْفَرٌ الصَّائِغُ , نا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ ثَابِتٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ , فَلَمَّا نَزَلَ عَنْهُ قَالَ: «وَجَدْتُهُ بَحْرًا» [ص:214] قَالَ لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَجَازِ , لِأَنَّهُ شَبَّهَ سُرْعَةَ الْفَرَسِ فِي جِرْيِهِ بِالْبَحْرِ وَجَرَيَانِهِ وَهَوْلِهِ وَعِظَمِهِ فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِإِطْلَاقِهِ , وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَجَازٌ , فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ وَأَمَّا الْمَجَازُ فَحَدُّهُ: كُلُّ لَفْظٍ نُقِلَ عَمَّا وُضِعَ لَهُ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَجَازَ فِي اللُّغَةِ , وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ , أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ , إِنَّمَا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ , وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهِ مَجَازٌ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمَجَازَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَعَادَتُهَا , فَإِنَّهَا تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مُجَاوِرًا لَهُ , أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ , وَتَحْذِفُ جُزْءًا مِنَ الْكَلَامِ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ , إِذَا كَانَ فِيمَا أُبْقِيَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُلْقِيَ , وَتَحْذِفُ الْمُضَافَ وَتُقِيمُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَتُعْرِبُهُ بِإِعْرَابِهِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ , وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِهَا وَمَذَاهِبِهَا وَلُغَاتِهَا , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] , وَنَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ الْجِدَارَ لَا إِرَادَةَ لَهُ
(1/213)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفِ بْنِ شَجَرَةٍ الْقَاضِي , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ , [ص:215] نا عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْأَثْرَمُ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: " لَيْسَ لِلْحَائِطِ إِرَادَةٌ وَلَا لِلْمَوَاتِ وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ إِرَادَتُهُ , وَهَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ فِي غَيْرِهِ:
[البحر الوافر]
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ ... وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلٍ"
(1/214)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ , حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] , يُقَالُ: كَيْفَ يُرِيدُ الْجِدَارُ أَنْ يَنْقَضَّ؟ قَالَ الْفَرَّاءُ: " وَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: الْجِدَارُ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ" وَمِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف: 154] , وَالْغَضَبُ لَا يَسْكُتُ , إِنَّمَا يَسْكُتُ صَاحِبُهُ , وَمَعْنَاهُ: سَكَنَ , وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} [محمد: 21] , إِنَّمَا يَعْزِمُ الْأَمْرَ أَهْلُهُ , وَقَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجَمَلِ ... لَزَمَانٌ يَهُمَّ بِالْإِحْسَانِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
[البحر الرجز]
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ... صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى
(1/215)

وَالْجَمَلُ لَمْ يَشْكُ , إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ لَقَالَ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
قُلْتُ: وَنَحْوُ مَا ذَكَرْنَا , قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] , وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ , أَنَّ الْقَرْيَةَ لَا تُخَاطَبُ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: 29]
(1/216)

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُقْرِئُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بُكَيْرٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ , يَقُولُ: " قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: 29] , فَذَهَبَ بِهِ قَوْمٌ مَذَاهِبَ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ بَكَتِ الرِّيحُ وَالْبَرْقُ , كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَهُمْ , وَأَوْرَثَ مَنَازِلَهُمْ وَجَنَّاتِهِمْ غَيْرَهُمْ , لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ بَاكٍ , وَلَمْ يَجْزَعْ جَازِعٌ , وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمْ فَقْدٌ وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ فَمَا بَكَا عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلَا أَهْلُ الْأَرْضِ , فَأَقَامَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مَقَامَ أَهْلِهِمَا , كَمَا قَالَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ , وَقَالَ: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] , أَيْ: يَضَعَ
(1/216)

أَهْلُ الْحَرْبِ السِّلَاحَ " قُلْتُ: وَالْمَجَازُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , يَشْتَمِلُ عَلَى فُنُونٍ: فَمِنْهَا: الِاسْتِعَارَةُ , وَالتَّمْثِيلُ , وَالْقَلْبُ , وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ , وَالْحَذْفُ , وَالتِّكْرَارُ , وَالْإِخْفَاءُ وَالْإِظْهَارُ , وَالتَّعْرِيضُ , وَالْإِفْصَاحُ , وَالْكِنَايَةُ , وَالْإِيضَاحُ , وَمُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ مُخَاطَبَةَ الْجَمِيعِ , وَمُخَاطَبَةُ الْجَمِيعِ مُخَاطَبَةَ الْوَاحِدِ , وَخِطَابُ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ خَطَّابَ الِاثْنَيْنِ , وَالْقَصْدُ بِلَفْظِ الْخُصُوصِ مَعْنَى الْعُمُومِ , وَبِلَفْظِ الْعُمُومِ مَعْنَى الْخُصُوصِ , وَبِجَمِيعِ ذَلِكَ نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ , وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى كِتَابَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَرَسَمَ الْعُلَمَاءَ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ كُتُبًا , عُرِفَتْ وَاشْتَهَرَتْ , لَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَهَا , إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(1/217)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْأَمْرُ هُوَ: قَوْلٌ يَسْتَدْعِي بِهِ الْقَائِلُ الْفِعْلَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فَأَمَّا الْأَفْعَالُ الَّتِي لَيْسَتْ بِقَوْلٍ فَإِنَّهَا تُسَمَّى أَمْرًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ , وَكَذَلِكَ مَا لَيْسَ فِيهِ اسْتِدْعَاءٌ , كَالتَّهْدِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] , وَكَالتَّعْجِيزِ مِثْلِ قَوْلِهِ: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13] , وَكَالْإِبَاحَةِ مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ النَّظِيرِ لِلنَّظِيرِ , وَمَا كَانَ مِنَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى , فَلَيْسَ بِأَمْرٍ كَقَوْلِنَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةٌ وَرَغْبَةُ الِاسْتِدْعَاءِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ , لَيْسَ بِأَمْرِ حَقِيقَةٍ , يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ:
(1/218)

مَا أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ , نا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا أَبِي , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ , عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعِينَ ضِعْفًا»
(1/218)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى , أنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَقَدْ نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَى السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي , أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِلْأَمْرِ صِيغَةٌ فِي اللُّغَةِ تَقْتَضِي الْفِعْلَ , وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَيْسَ لِلْأَمْرِ صِيغَةٌ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ: أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ قَسَّمُوا الْكَلَامَ , فَقَالُوا - فِي جُمْلَةِ أَقْسَامِهِ -: أَمْرٌ وَنَهْيٌ , فَالْأَمْرُ: قَوْلُكَ: افْعَلْ , وَالنَّهْيُ قَوْلُكَ: لَا تَفْعَلْ فَجَعَلُوا افْعَلْ بِمُجَرَّدِهِ أَمْرًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ صِيغَةً , وَإِذَا تَجَرَّدَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ اقْتَضَتِ الْوُجُوبَ , [ص:220] وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمُ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ لَوَجَبَ وَشَقَّ وَأَيْضًا:
(1/219)

مَا أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَجِّيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , نا شُعْبَةُ , حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى , قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً فَلَمْ يَسْقِهِ اسْتَحَقَّ الذَّمِّ , وَلَوْ لَمْ يَقْتَضِ أَمْرُ السَّيِّدِ الْوُجُوبَ , لَمَا اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ الذَّمَّ عَلَيْهِ وَإِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ , فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ يَجِبُ تَكْرَارُ فِعْلِهِ , عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ فِعْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ
(1/220)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي , نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا حَمَّادٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ , فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ , بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ , وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ , أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ لَبَرَّ بِدُخُولِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ , فَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَشْيَاءَ عَلَى جِهَةِ التَّخْيِيرِ مِثْلِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ , فَإِنَّهُ خَيَّرَ فِيهَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ , فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ , وَأَيُّهَا فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ , وَإِنْ فَعَلَ الْجَمِيعُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْفَاعِلَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ , لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ لَمْ يُعَاقَبْ إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ , وَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا , لَعُوقِبَ عَلَى الْجَمِيعِ
(1/221)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] : «أَيَّتُهُنَّ شَاءَ» [ص:222] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ. . . أَوْ. . . لَهُ أَيَّهُ شَاءَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِلَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِيهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ فِي الْمُحَارَبَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقُولُ وَالنَّهْيُ حَقِيقَةً: الْقَوْلُ الَّذِي يَسْتَدْعِي بِهِ الْقَائِلُ تَرْكَ الْفِعْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونُهُ وَلَهُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ , وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا تَفْعَلُ , فَإِذَا تَجَرَّدَتْ صِيغَتُهُ اقْتَضَتِ التَّحْرِيمَ , وَيَجِبَ التُّرْكُ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي إِيجَادَ الْفِعْلِ , فَإِذَا فُعِلَ فِي أَيِّ زَمَانٍ فُعِلَ كَانَ مُمْتَثَلًا , وَفِي النَّهْيِ , لَا يُسَمَّى مُنْتَهِيًا إِلَّا إِذَا سَارَعَ إِلَى التُّرْكِ عَلَى الدَّوَامِ , وَإِذَا نُهِيَ عَنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ , كَانَ ذَلِكَ نَهْيًا عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا , وَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا , لِأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالتَّرْكِ , كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرٌ بِالْفِعْلِ , ثُمَّ الْأَمْرُ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِمَا , فَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَرْكِهِمَا
(1/221)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ السِّجِسْتَانِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ [ص:223] سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَصْلُ النَّهْيِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ كُلَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِ مَعْنَى التَّحْرِيمِ , إِمَّا أَرَادَ بِهِ نَهْيًا عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ , وَإِمَّا أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لِلْمَنْهِيِّ وَالْأَدَبِ وَالِاخْتِيَارِ , وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ أَمْرٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ , فَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ لَا يَجْهَلُونُ سُنَّتَهُ , وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْهَلَهَا بَعْضُهُمْ "
(1/222)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْعُمُومُ: كُلُّ لَفْظٍ عَمَّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا , وَقَدْ يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِشَيْئَيْنِ , كَقَوْلِكَ: عَمَمْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا بِالْعَطَاءِ , وَقَدْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْجِنْسِ كَقَوْلِكَ: عَمَمْتُ النَّاسَ بِالْعَطَاءِ , فَأَقَلُّهُ مَا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ , وَأَكْثَرُهُ مَا يَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ وَلَهُ صِيغَةٌ إِذَا تَجَرَّدَتِ اقْتَضَتِ الْعُمُومَ وَاسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ كَدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ اللَّتَيْنِ لِلتَّعْرِيفِ فِي الْجَمْعِ وَالْجِنْسِ , نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وَكَالْأَلْفَاظِ الْمُبْهَمَةِ مِثْلِ: (مَنْ) فِي الْعُقَلَاءِ , وَ (مَا) فِي غَيْرِهِمْ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْعُمُومَ لَا صِيغَةَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ , وَأَنَّ الْأَلْفَاظَ يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عُمُومِهَا أَوْ خُصُوصِهَا , فَتَحْمِلُ عَلَيْهِ , وَهَذَا غَلَطٌ , وَدَلِيلُنَا مَا:
(1/224)

أنا أَبُو سَعِيدٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو أُمَيَّةَ الطُّرَسُوسِيُّ , نا مُحَمَّدُ [ص:225] بْنُ الصَّلْتِ , نا أَبُو كُدَيْنَةَ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: فَإِنَّ عِيسَى يُعْبَدُ وَعُزَيْرًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] الْآيَةَ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ " فَحَمَلَ الْقَوْمُ لَفْظَةَ: {مَا تَعْبُدُونَ} [الأنبياء: 98] عَلَى الْعُمُومِ , وَلَهُمْ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ , إِلَى أَنْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مُرَادَهُ بِالْآيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ سَابِقًا بِأَنَّ عِيسَى وَعُزَيْرًا لَا يُعَذَّبَانِ , وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَارَضُوا بِهِمَا هُمُ الَّذِينَ أَغْفَلُوا النَّظَرَ فِي الْبَيَانِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/224)

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا: أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ , أنا قُتَيْبَةُ , نا اللَّيْثُ , عَنْ عُقَيْلٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ , وَكَفَرَ مَنْ [ص:226] كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ , وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ , فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ , وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ فَاحْتَجَّ عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ , بِعُمُومِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ: الزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا وَلِأَنَّ الْعُمُومَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى الْعِبَارَةِ عَنْهُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ , فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ وَضَعُوا لَهُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَيْهِ , كَمَا وَضَعُوا لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَإِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ , كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا كَمَا:
(1/225)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا أَبُو [ص:227] عَوَانَةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ , قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ , فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمِينَ , فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي حَتَّى وَقَعَ فِي حَاجِبَيَّ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: " مَا كُنْتُ أَرَى بَلَغَ مِنْكَ هَذَا: ادْعُوا الْحَالِقَ " فَجَاءَ الْحَالِقُ , فَحَلَقَ رَأْسِي , فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مِنْ نَسِيكَةٍ؟» قُلْتُ: لَا - وَهِيَ شَاةٌ - قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ , أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» قَالَ: فَأُنْزِلَتْ فِيَّ خَاصَّةً , وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَأَمَّا التَّخْصِيصُ: فَهُوَ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِالْحُكْمِ , وَلِهَذَا نَقُولُ خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَكَذَا , وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ هُوَ: بَيَانُ مَا لَمْ يُرَدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ
(1/226)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ , أَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ بِلِسَانِ. نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ لِسَانُ
(1/227)

قَوْمِهِ الْعَرَبِ , فَخَاطَبَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بِلِسَانِهِمْ , عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلَامِهِمْ , وَكَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلَامِهِمْ , أَنَّهُمْ يَلْفِظُونَ بِالشَّيْءِ عَامًّا يُرِيدُونَ بِهِ الْعَامَّ , وَعَامًّا يُرِيدُونَ بِهِ الْخَاصَّ , ثُمَّ دَلْهَمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَبَانَ لَهُمْ أَنَّ مَا قَبِلُوا عَنْ نَبِيِّهِ , فَعَنْهُ عَزَّ وَجَلَّ , قَبِلُوا بِمَا فَرَضَ اللَّهُ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ مِنْهَا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] وَقَوْلِهِ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الْآيَةِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: " مِمَّا نَزَلَ عَامُّ الظَّاهِرِ مَا دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] إِلَى {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] , وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] فَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ هَذَا عَامًّا عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ , وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29] إِلَى: {صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] , فَدُلَّ أَمْرُ اللَّهِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَ فِيهِمَا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ , وَأَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , وَكَذَلِكَ دَلَّتْ سَنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ حَتَّى يُسْلِمُوا , وَقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ قَالَ: فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ
(1/228)

الَّذِي دَلَّ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ , لَا أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْآيَتَيْنِ نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى , لِأَنَّ لِإِعْمَالِهِمَا مَعًا وَجْهًا , بِأَنْ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ صِنْفَيْنِ , صِنْفٌ أَهْلُ كِتَابٍ , وَصِنْفٌ غَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ , وَلِهَذَا فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ , وَفِي السُّنَنِ مِثْلُ هَذَا "
(1/229)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاتِبُ , أنا أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ , قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَخَرَجَ اللَّفْظُ عَامًا عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ , وَبَيِّنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ مِنْهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْعَامِ الْمُخْرِجِ بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ , لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِهَذَا إِلَّا مَنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا , تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لِأَنَّ فِيهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمْ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ مَنْ لَا يَدْعُو مَعَهُ إِلَهًا»
(1/229)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ [ص:230] الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْآيَةِ , إِذَا جَاءَتْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ , عَامَّةً , وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً , مَا السَّبِيلُ فِيهَا؟ قَالَ: إِذَا كَانَ لِلْآيَةِ ظَاهِرٌ يُنْظَرُ مَا عَمِلَتْ بِهِ السُّنَّةُ , فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ظَاهِرِهَا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] فَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا , لَزِمَ كُلَّ مَنْ قَالَ بِالظَّاهِرِ , أَنْ يُوَرِّثَ كُلَّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَلَدٍ , وَإِنْ كَانَ قَاتِلًا أَوْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ عَبْدًا فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ , وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ قُلْتُ لِأَبِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مشروعٌ , يُخْبَرُ فِيهِ عَنْ خُصُوصٍ أَوْ عُمُومٍ؟ قَالَ أَبِي: يُنْظَرُ مَا عَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ , فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ , فَإِنِ اخْتَلَفُوا , يُنْظَرُ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَشْبَهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي , قُلْتُ: أَتَقُولُ فِي السُّنَّةِ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ؟ قَالَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ [ص:231] أَرَى قُلْتُ لِأَبِي: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْكِتَابِ؟
(1/229)

حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ , أنا الْخَصِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الطُّرَسُوسِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْبَزَّازُ , قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نُوحٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ: «إِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ , وَالْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ» سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَابَادِيَّ , يَقُولُ: وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ , وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِي الْخَبَرِ , كَمَا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ فِيهِ , وَهَذَا خَطَأٌ , لَأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَهَذَا قَدْ يَصِحُّ فِي الْخَبَرِ كَمَا يَصِحُّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ
(1/231)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْمُبَيَّنِ وَالْمُجْمَلِ أَمَا الْمُبَيَّنُ فَهُوَ: مَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ , فِي الْكَشْفِ عَنِ الْمُرَادِ , وَلَمْ يْفَتَقِرْ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ إِلَى غَيْرِهِ , وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضِرْبٌ يُفِيدُ بِنُطْقِهِ , وَضَرْبٌ يُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ فَالَّذِي يُفِيدُ بِنُطْقِهِ هُوَ: النَّصُّ , وَالظَّاهِرُ , وَالْعُمُومُ فَالنَّصُّ: كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِصَرِيحِهِ , عَلَى وَجْهٍ لَا احْتِمَالَ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} , {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] , وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالظَّاهِرُ: كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَّابِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِغَيْرِهَا وَالْعُمُومُ: مَا عَمَّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا وَالْفَرَقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ: أَنَّ الْعُمُومَ: لَيْسَ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ بِأَظْهَرَ فِيهِ مِنْ بَعْضٍ , وَتَنَاوُلُهُ لِلْجَمِيعِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ , فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ , إِلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ , وَأَمَّا الظَّاهِرُ: فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ , إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَظْهَرُ وَأَحَقُّ بِاللَّفْظِ مِنَ الْآخَرِ , فَيَجِبُ
(1/232)

حَمْلُهُ عَلَى أَظْهَرِهِمَا , وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ , فَكُلُّ عُمُومٍ ظَاهِرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ ظَاهِرٍ عُمُومًا وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي يُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ فَهُوَ: فَحْوَى الْخِطَابِ , وَلَحْنُ الْخِطَابِ , وَدَلِيلُ الْخِطَابِ فَفَحَوْى الْخِطَابِ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ التَّنْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] , فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِهِمَا وَسَبِّهِمَا , لِأَنَّ الضَّرْبَ وَالسَّبَّ أَعْظَمُ مِنَ التَّأْفِيفِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] , فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤَدِّي مَا كَانَ دُونَ الْقِنْطَارِ , فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ نَبَّهَ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى , وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى نَبَّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ اشْتُقَّ مِنْ تَسْمِيَتِهِمُ الْأَبْزَارَ فَحًّا , يُقَالُ: فَحَّ قِدْرُكَ يَا هَذَا , فَسُمِّيَ فَحْوَى لِأَنَّهُ: يُظْهِرُ اللَّفْظَ كَمَا يُظْهِرُ الْأَبْزَارُ طَعْمَ الطَّبِيخِ وَرَائِحَتَهُ وَأَمَّا لَحْنُ الْخِطَابِ فَهُوَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60] وَمَعْنَاهُ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: حَذْفُ الْمُضَافِ , وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَمَعْنَاهُ: اسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا , كَالْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْإِفَادَةِ وَالْبَيَانِ
(1/233)

وَأَمَّا دَلِيلُ الْخِطَابِ فَهُوَ: أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى إِحْدَى صِفَتِي الشَّيْءِ , فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} , فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ , إِنْ جَاءَ بِنَبَإٍ لَمْ يُتَبَيَّنْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] , فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَبْتُوتَاتِ غَيْرَ الْحَوَامِلِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْإِنْفَاقُ وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَهُوَ: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ , وَيَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ إِلَى غَيْرِهِ مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنَّ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا» , فَالْحَقُّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ , وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ , كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ , فَيَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ
(1/234)

أنبا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: " السُّنَّةُ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلتَّنْزِيلِ , وَالْمُوضِحَةُ لِحُدُودِهِ وَشَرَائِعِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الْحُدُودَ , فَقَالَ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} , فَجَعَلَهُ حُكْمًا
(1/234)

عَامًّا فِي الظَّاهِرِ , عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَا , ثُمَّ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي الثَّيِّبَيْنِ بِالرَّجْمِ , وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْكِتَابِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَنَى بِالْآيَةِ الْبِكْرَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ , فَقَالَ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] , فَكَانَتِ الْآيَةُ شَامِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ , وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ , لَمْ يَكُنْ هَذَا بِخِلَافِ التَّنْزِيلِ , وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَنَى بِالْمُوَارَثَةِ أَهْلَ الدِّينِ الْوَاحِدِ دُونَ أَهْلِ الدِّينَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ , وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْوُضُوءَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} , ثُمَّ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَمَرَ بِهِ , تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِغُسْلٍ الأَرْجُلِ , إِذَا كَانَتِ الْأَقْدَامُ بَادِيَةً , لَا خِفَافَ عَلَيْهَا , وَكَذَلِكَ شَرَائِعُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا , إِنَّمَا نَزَلَتْ جُمَلًا حَتَّى فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ
(1/235)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْمَتُّوثِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شُعْبَةُ , وهَمَّامٌ , عَنْ
(1/235)

قَتَادَةَ: أَنَّ عِكْرِمَةَ , أَنْكَرَ مَسَحَ الْخُفَّيْنِ , فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ قَالَ: «ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا خَالَفَ الْقُرْآنَ لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ» قَالَ هَمَّامٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعِكْرِمَةَ: لَوْلَا ابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَأَلَكَ أَحَدٌ عَنْ شَيْءٍ قُلْتُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِكْرِمَةَ , وَإِنَّمَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ , وَحَمَلَ الْآيَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا عِكْرِمَةُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ , أَنَّ الْمُرَادَ بِغَسْلِ الْأَرْجُلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْتُورَةً بِالْخِفَافِ , أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
(1/236)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَّافُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَزْرَقُ , حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ , نا مَعْمَرٌ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ , أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَهُ الْأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: دَعَوْنَا مِنَ الْحَدِيثِ , وَهَاتُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى , فَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «إِنَّكَ لَأَحْمَقُ , أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُفَسَّرَةً , فِي كِتَابِ اللَّهِ الصِّيَامُ مُفَسَّرٌ؟ , الْكِتَابُ أَحْكَمَهُ وَالسُّنَّةُ فَسَّرَتْهُ»
(1/236)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقِيُّ , وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغَزَّالُ , قَالَا: أنا إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ , نا جَدِّي , نا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا , أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ , فَحَدَّثَهُ , فَقَالَ الرَّجُلُ: حَدِّثُوا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ , وَلَا تُحَدِّثُوا عَنْ غَيْرِهِ , فَقَالَ: " إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ , أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ , أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعٌ لَا يُجْهَرُ فِيهَا؟ - وَعَدَّ الصَّلَوَاتِ , وَعَدَّ الزَّكَاةَ وَنَحْوَهَا ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ قَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ , وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ "
(1/237)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ , أنا يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمِنَانْجِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , نا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ , عَنْ عَنْبَسَةَ الْغَنَوِيِّ , عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ رَجُلًا , قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ , إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ , اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهَا , حَدِّثُونَا بِالْقُرْآنِ قَالَ: " الْقُرْآنُ وَاللَّهِ نَعَمْ , أَرَأَيْتَ لَوْ رَفَعْنَا إِلَيْهِ , وَقَدْ وَجَدْتَ فِي الْقُرْآنِ [ص:238] {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] , ثُمَّ لَمْ نَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَيْفَ سَنَّ لَنَا , كَيْفَ نَرْكَعُ , كَيْفَ كُنَّا نَسْجُدُ , كَيْفَ كُنَّا نُعْطِي زَكَاةَ أَمْوَالِنَا قَالَ: فَأَفْحَمَ الرَّجُلُ "
(1/237)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ , نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ , حَدِّثْنَا بِالْقُرْآنِ , قَالَ: " أَلَيْسَ تَقْرَأُ {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] , أَكُنْتُمْ تَعْرِفُونَ مَا فِيهَا , وَمَا رُكُوعُهَا وَسُجُودُهَا , وَحُدُودُهَا , وَمَا فِيهَا؟ أَكُنْتَ تَدْرِي كَمِ الزَّكَاةُ فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ , وَأَصْنَافِ الْمَالِ؟ شَهِدْتَ وَوَعَيْتَ فَرْضَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي الزَّكَاةِ كَذَا وَكَذَا " قَالَ الرَّجُلُ: أَحْيَيْتَنِي يَا أَبَا نُجَيْدٍ , أَحْيَاكَ اللَّهُ كَمَا أَحْيَيْتَنِي قَالَ: فَمَا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ
(1/238)

بَابُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ
(1/244)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَاذَانَ قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , نا أَبُو دَاوُدَ , سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , نا شُعْبَةُ , - قَالَ أَبُو دَاوُدَ , وَنَا ابْنُ كَثِيرٍ , أنا شُعْبَةُ , - عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ , قَالَ: مَرَّ عَلِيٌّ بِقَاصٍّ يَقُصُّ , فَقَالَ: «تَعْلَمُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ» سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَابَادِيَّ يَقُولُ: النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ , يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ , يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ , وَنَسَخَتِ الرِّيَاحُ الْآثَارَ , إِذَا أَزَالَتْهَا , وَيُسْتَعْمَلُ فِي النَّقْلِ , يُقَالُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ , إِذَا نَقَلْتُ مَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ تُزِلْ شَيْئًا عَنْ مَوْضِعِهِ [ص:245] وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي اللُّغَةِ , وَهُوَ الْإِزَالَةُ وَحَدُّهُ: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا بِهِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مَا سَقَطَ عَنِ الْإِنْسَانِ بِالْمَوْتِ , فَإِنَّ ذَاكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ , وَلَا يَلْزَمُ رَفْعُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ , لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِخِطَابٍ , وَلَا يَلْزَمُ مَا أَسْقَطَهُ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ , لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَرَاخٍ عَنْهُ قُلْتُ: وَالنَّسْخُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ الرَّسْمِ , وَنَسْخُ الرَّسْمِ دُونَ الْحُكْمِ , وَنَسْخُ الرَّسْمِ وَالْحُكْمِ مَعًا فَأَمَّا نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ الرَّسْمِ: فَمِثْلُ: الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ , وَمِثْلُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ , فَإِنَّ حُكْمَ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ , وَلَفْظُهُ ثَابِتٌ فِي الْقُرْآنِ
(1/244)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]
[ص:246] , «فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ , حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ»
(1/245)

أنا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , أنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ , اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهِ يُنْفَقْ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا , فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ [ص:247] وَأَمَّا نَسْخُ الرَّسْمِ دُونَ الْحُكْمِ: فَمِثْلُ آيَةِ الرَّجْمِ
(1/246)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ , نا مَالِكٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ , فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ , فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا , فَأَخْشَى أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ عَهْدٌ , فَيَقُولُونَ: إِنَّا لَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فَتُتْرَكُ فَرِيضَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ , وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَا , إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ , أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ "
(1/247)

أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ , نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ , نا خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ , حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ: " إِيَّاكُمْ أَنْ تُخْدَعُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ , فَإِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ رَجَمَ وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ وَرَجَمْتُ , وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا , إِنِّي قَرَأْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا) " وَأَمَّا نَسْخُ الرَّسْمِ وَالْحُكْمِ مَعًا فَمِثْلُ مَا
(1/248)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وَالتَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , حَدَّثَنَا هَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ , نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى , نا مَالِكٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , عَنْ عَمْرَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُرْآنِ: (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٌ يُحَرِّمْنَ) نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ , فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ " قُلْتُ: فَكَانَتِ الْعَشْرُ مَنْسُوخَةَ الرَّسْمِ وَالْحُكْمِ
(1/248)

بَيَانُ وُجُوهِ النَّسْخِ يَجُوزُ النَّسْخُ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ , كَعِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا , فَإِنَّهَا كَانَتْ سَنَةً , ثُمَّ نُسِخَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ وَيَجُوزُ النَّسْخُ إِلَى بَدَلٍ , كَنَسْخِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ
(1/249)

أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , نا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدِ بْنِ فَرُّوخَ التَّمِيمِيُّ , نا أَبِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ , نا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا ذُكِرَ لَنَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ شَأْنُ {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلَّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] , فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ , ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ , فَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ: {وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] , يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَسَخَهَا وَصَرَفَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ , فَقَالَ: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]
[ص:250] " وَيَجُوزُ النَّسْخُ إِلَى أَخَفِّ مِنَ الْمَنْسُوخِ , كَنَسْخِ وُجُوبِ مُصَابَرَةِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَشْرَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجِهَادِ , لِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ , فَنَسَخَ ذَلِكَ , بِأَنْ أَلْزَمَ كُلَّ مُسْلِمٍ لِقَاءَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ
(1/249)

أنا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَتَّانِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} قَالَ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] " وَيَجُوزُ النَّسْخُ إِلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنَ الْمَنْسُوخِ , كَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ , كَانَ الْإِنْسَانُ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِطْرِ وَالِافْتِدَاءِ , ثُمَّ نُسِخَ إِلَى انْحِتَامِ الصَّوْمِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ
(1/250)

أنا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ , وَابْنُ شَاذَانَ قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا قُتَيْبَةُ , نا بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ بُكَيْرٍ يَعْنِي ابْنَ الْأَشَجِّ، عَنْ يَزِيدَ , مُولِي سَلَمَةَ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ , قَالَ [ص:251]: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ} [البقرة: 184] , «كَانَ مِنَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا» وَيَجُوزُ النَّسْخُ مِنَ الْحَظْرِ إِلَى الْإِبَاحَةِ , كَمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَاشَرَةَ بِاللَّيْلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ النَّوْمِ , ثُمَّ أَبَاحَهَا لَهُمْ
(1/250)

أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , أنا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ , أنا أَبُو عُلَاثَةَ , مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ , نا أَبِي , نا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] " يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ , فَكَانَ كِتَابُهُ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنْكِحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَتَمَةَ أَوْ يَرْقُدَ , فَإِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ أَوْ رَقَدَ مُنِعَ ذَلِكَ , إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلَةِ , فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] "
(1/251)

أنا أَبُو مَنْصُورٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَزَّازُ [ص:252] بِهَمَذَانَ , نا أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ - لَفْظًا - نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ قَالَ: الشَّافِعِيُّ: " إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , خَلَقَ الْخَلْقَ لَمَّا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِمَّا أَرَادَ بِخَلْقِهِمْ وَبِهِمْ , لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً , وَفَرَضَ فِيهِ فَرَائِضَ أَثْبَتَهَا وَأُخْرَى نَسَخَهَا , رَحْمَةً لِخَلْقِهِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَبِالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ , زِيَادَةً فِيمَا ابْتَدَأَهُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ , وَأَثَابَهُمْ عَلَى الِانْتِهَاءِ إِلَى مَا أَثْبَتَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهُ وَالنَّجَاةَ مِنْ عَذَابِهِ , فَعَمَّتْهُمْ رَحْمَتُهُ فِيمَا أَثْبَتَ وَنَسَخَ , فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ , وَأَبَانَ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ , وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةَ لِلْكِتَابِ , وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ , بِمِثْلِ مَا نَزَلَ بِهِ نَصًّا , وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْهُ جُمَلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنَّ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] " قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ اتِّبَاعَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ تَبْدِيلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ , وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] , بَيَانُ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ , كَمَا كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِفَرْضِهِ وَهُوَ الْمُزِيلُ الْمُثْبِتُ لِمَا شَاءَ مِنْهُ , جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ [ص:253] وَكَذَلِكَ قَالَ: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] " قُلْتُ: قَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ , أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ إِلَّا بِالْكِتَابِ , وَأَمَّا السُّنَّةُ هَلْ تَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ بِالْكِتَابِ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السُّنَّةَ بَيَانًا لِلْقُرْآنِ فَقَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَلَوْ جُوِّزَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ , يُجْعَلُ الْقُرْآنُ بَيَانًا لِلسُّنَّةِ
(1/251)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ قَالَ: " هَلْ تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ؟ قِيلَ: لَوْ نُسِخَتِ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ , كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِ سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ بِسُنَّتِهِ الْآخِرَةِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ , بِأَنَّ الشَّيْءَ يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ , وَهُوَ الصَّحِيحُ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: "
(1/253)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَبِي , نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ [ص:254] الْقَطَّانُ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: " حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَوَاتِ , حَتَّى كَانَ بَعْدُ الْمَغْرِبِ هُوَيًّا , وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ , فَلَمَّا كُفِينَا الْقِتَالَ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا , ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا , ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَمَا يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نا أَبِي , نَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعَنَاهُ , وَزَادَ فِيهِ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ صَلَاةُ الْخَوْفِ {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]
(1/253)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ , أنا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ عَوْنٍ - عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , [ص:255] قَالَ: " يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ حَبَسُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] "
(1/254)

أنا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِوَائِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ حَمَّادٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمَّادٍ , نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ عَمِّهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ يَعْنِي ابْنَ عُمَارَةَ - عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , ومِقَسِّمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّهُ ذَكَرَ عِنْدَهُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضُبَاعَةَ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ قِيلَ لَهُ: وَمَا نَسَخَ هَذَا؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَالنَّسْخُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يَصِحُّ وقُوعُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ , كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ , فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ , مِثْلُ التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّاتِيَّةِ , كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ , فَلَا يَصِحُّ فِيهِ النَّسْخُ , وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ , وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ ,
(1/255)

فَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسْخُ , وَهَكَذَا مَا أَخْبَرَ عَنْ وقُوعِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ , وَيَأْجُوجِ وَمَأْجُوجِ , وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا , وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّ النَّسْخَ فِيهِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالنَّسْخُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقِيَاسِ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَابِعٌ لِلْأُصُولِ , وَالْأُصُولُ ثَابِتَةٌ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ تَابِعِهَا
(1/256)

الْكَلَامُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّنَّةُ: مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى , وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَرْسُومُ وَاجِبًا , أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ , يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَجَهَرَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ يَعْنِي: قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ , وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَدْ غَلَبَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ , أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ السُّنَّةَ , فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ , فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ السُّنَّةِ: أَنَّهُ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى اسْتِحْبَابًا
(1/257)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , نا عَطَاءٌ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , وَسُئِلَ , عَنِ السُّنَّةِ , قَالَ: " السُّنَّةُ مَا سَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ كِتَابٌ , فَأَمَّا
(1/257)

مَا بُيِّنَ فِي الْكِتَابِ , فَذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ , فَيُقَالُ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ. وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ " قُلْتُ: فَالسُّنَّةُ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ , لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ عَلَى الْخَلْقِ , فَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ , وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] وَقَالَ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] وَقَالَ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] , وَقَالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
(1/258)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحْيِهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ , فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
(1/258)

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] , وَقَالَ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] , وَقَالَ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] , وَقَالَ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} وَقَالَ اللَّهُ: {أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] وَقَالَ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34] الْآيَةَ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَذَكَرَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ , وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ , فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْقُرْآنَ ذُكِرَ وَأَتْبَعَهُ الْحِكْمَةَ , وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنَّهُ عَلَى خَلْقِهِ بِتَعْلِيمِهِمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ , فَلَمْ يَجُزْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ الْحِكْمَةُ هَا هُنَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/259)

أنا أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ , أنا [ص:260] عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُقْرِئُ , أنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدُوَيْهِ بْنِ عَمْرٍو , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ , نا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ يَعْنِي الْهُذَلِيَّ - عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] قَالَ: " الْكِتَابُ: الْقُرْآنُ , وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ "
(1/259)

أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34] قَالَ: «الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ»
(1/260)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ [ص:261]: " وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ , وَسَنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصُّ كِتَابٍ , وَكُلُّ مَا سَنَّ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللَّهُ اتِّبَاعَهُ , وَجَعَلَ فِي اتِّبَاعِهِ طَاعَتَهُ , وَفِي الْعُنُودِ عَنِ اتِّبَاعِهَا مَعْصِيَتَهُ , الَّتِي لَمْ يَعْذُرْ بِهَا خَلْقًا , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ تَرْكِ اتِّبَاعِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْرَجًا , وَمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ , فَبِحُكْمِ اللَّهِ سَنَهُ , وَكَذَلِكَ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] "
(1/260)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو عَلِيٍّ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ , قَالَا: نا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي النَّضْرِ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أُمِرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ , فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي , مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ "
(1/261)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ , نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ , وَأَنَا أَبُو عَمْرٍو , عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - , نا أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ - إِمْلَاءً - , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ , نا أَبُو صَالِحٍ , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ , أَنَّهُ سَمِعَ الْمِقْدَامَ , صَاحِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ , مِنْهَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ , وَقَالَ: " يُوشِكُ بِالرَّجُلِ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ , فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ أَحْلَلْنَاهُ , وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ , أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "
(1/262)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانٍ الْغَزَّالُ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , قَالَا: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا [ص:263] عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: نا - وَفِي , حَدِيثِ السُّكَّرِيِّ: حَدَّثَنِي - يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ , عَنْ مَرْوَانَ بْنِ رُؤْبَةَ , أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ , عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي , كَرِبَ الْكِنْدِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمَا يَعْدِلُهُ» - يَعْنِي: مِثْلَهُ - " يُوشِكُ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هَذَا الْكِتَابُ , فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ أَحْلَلْنَاهُ , وَمَا كَانَ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ , أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا , وَأَيُّمَا رَجُلٌ أَضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يُقْرُوهُ , فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمُ بِمِثْلِ قِرَاهُ "
(1/262)

أنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ , نا أَبُو الْمُغِيرَةِ , قَالَ سُلَيْمَانُ: وَنَا أَبُو زُرْعَةَ هُوَ الدِّمَشْقِيُّ , نا أَبُو الْيَمَانِ , وَعَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ , قَالَ: وَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ , - قَالُوا: نا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ , وَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , نا أَبُو دَاوُدَ , سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ , نا أَبُو عَمْرِو بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ , عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ , عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ , [ص:264] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقِرَانَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ثُمَّ اتَّفَقَا: " أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ , فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ , وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ , أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ , وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ , وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ " - وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لُقَطَةُ مَالِ مُعَاهَدٍ - «إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا , وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ , فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ , فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهْ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمْ» - وَقَالَ النِّجَادُ: أَنْ يَعْقُبَهُمُ - وَقَالَا جَمِيعًا: «بِمِثْلِ قِرَاهُ»
(1/263)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّجَّارُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُخَرِّمِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الدَّقَّاقُ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ , قَالَا: نا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ , نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ مَيْسُورٍ النُّمَيْرِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:265]: " يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ مَا كَانَ فِيهِ حَلَالًا أَحْلَلْنَاهُ , وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ , أَلَا مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ , فَكَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ ثَلَاثَةً: كَذَّبَ اللَّهَ , وَرَسُولَهُ وَكَذَّبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ " لَفْظُ حَدِيثِ النِّجَادِ
(1/264)

حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ ناصرٍ السَّجَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ بُشْرَى السِّجِسْتَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبِرِيُّ , أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مُوسَى يَعْنِي الزَّمَنَ - يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالتَّنْزِيلِ»
(1/265)

وَقَالَ ابْنُ الْأَزْهَرَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى , يَقُولُ: «سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا مِثْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/265)

بَابُ الْقَوْلِ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصُّ كِتَابٍ , هَلْ سَنَّهَا بِوَحْيٍ أَمْ بِغَيْرِ وَحْيٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ إِلَّا بِوَحْيٍ , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى , إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]
(1/266)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ عِنْدَهُ , كِتَابًا مِنَ الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ , وَمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَدَقَةٍ وَعُقُولٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ» وَقِيلَ لَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , شَيْئًا قَطُّ إِلَّا بِوَحْيِ اللَّهِ , فَمِنَ الْوَحْيِ مَا يُتْلَى وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَحْيًا إِلَى رَسُولِهِ فَيُسَنُّ بِهِ
(1/266)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَرَّانِيُّ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَّةَ كَمَا يَنْزِلُ [ص:267] عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ»
(1/266)

أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَرَّاءُ الْحَنْبَلِيُّ , نا عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ يُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا , كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ»
(1/267)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ السُّتُورِيُّ , نا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَكَرِيَّا الْبَزَّازُ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِنِينَ الْخُتَّلِيُّ , قَالَ: نا عِمْرَانُ بْنُ هَارُونَ , نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ أَبُو عِصَامٍ الْعَسْقَلَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ , يَقُولُ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ» وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنْ يَسُنَّ مَا يَرَى أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ [ص:268] لِلْخَلْقِ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِأَنْ يَحْكُمَ بِرَأْيِهِ , لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ , وَأَنَّ مَعَهُ التَّوْفِيقُ وَاسْتَدَلَّ مِنَ السُّنَّةِ بِمَا
(1/267)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , نا عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: لَمَّا فَتَحَ الَّلهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةُ , قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ , فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ , وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ , ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا , وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ , وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ , إِمَّا أَنْ يَفْدُوَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , اكْتُبُوا لِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» قَالَ: فَقَامَ عَبَّاسٌ - أَوْ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ , فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَلِبُيُوتِنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» [ص:269] قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ؟ قَالَ: يَقُولُ: اكْتُبُوا لَهُ خُطْبَتَهُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَرَأَى النَّبِيُّ لِلَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنَ الْمَصْلَحَةِ إِجَابَةُ الْعَبَّاسِ إِلَى إِبَاحَةِ قَطْعِ الْإِذْخِرِ وَأَبَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هَذَا الْمَذْهَبَ , وَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أُرَاهُ تَعَالَى مِنَ الْوُجُوهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ وَأَمَّا قِصَّةُ الْعَبَّاسِ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَاجَعَةَ رَبِّهِ فِي الْإِذْخِرِ , كَمَا طَلَبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مُرَاجَعَةَ رَبِّهِ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ عَنْ أُمَّتِهِ فَرُدَّتْ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ , وَكَمَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعَ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى رُدَّ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ قَالَ , فَإِنْ قِيلَ: قَدْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَّابُ الْعَبَّاسِ فِي الْحَالِ بِلَا زَمَانٍ بَيْنَ السُّؤَالِ وَبَيْنَ الْجَوَابِ يَكُونُ فِيهِ الْوَحْيُ بِذَلِكَ الْجَوَابِ , فَإِنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي لَطِيفِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَجِيءُ الْوَحْيِ بِالْجَوَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ حَاضِرًا , فَأَلْقَى [ص:270] جِبْرِيلُ إِلَيْهِ الْجَوَابَ فِي الْحَالِ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِلَّذِي سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالُ لَهُ: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي هِجَائِهِ الْمُشْرِكِينَ: «اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» فَإِذَا كَانَ جِبْرِيلُ مَعَ حَسَّانَ لِمُهَاجَاتِهِ قُرَيْشًا , فَبِأَنْ يَكُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَرَائِعِ الدِّينِ أَوْلَى وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَلْقَى فِي رَوْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ مَا سِنَّهُ وَاحْتُجَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي:
(1/268)

أناه الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو , مَوْلَى الْمُطَّلِبِ , عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ , وَلَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ قَدْ نَفَثَ [ص:271] فِي رَوْعِيَ أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْ سُنَّةٍ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَسُنَّتُهُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصُّ الْكِتَابِ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ
(1/270)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ , فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ , وَالْوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصِّ كِتَابٍ , فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلُ نَصِّ الْكِتَابِ وَالْآخَرُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ , فَبَيَّنَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَى مَا أَرَادَ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُ بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ , أَنْ يَسُنَّ فِيمَا لَيْسَ نَصَّ كِتَابٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ , كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدِ الصَّلَاةِ وَعَمَلِهَا عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرَضِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ مَا سَنَّ مِنَ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشرائعِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] وَقَالَ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] , فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ , فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنِ اللَّهِ , كَمَا بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ بِهِ رِسَالَةُ اللَّهِ , فَأَثْبَتَتْ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ كُلُّ مَا سَنَّ , وَسُنَّتُهُ: الْحِكْمَةُ الَّذِي أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ عَنِ اللَّهِ "
(1/272)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَأَيُّ هَذَا كَانَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فَرَضَ فِيهِ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُذْرًا بِخِلَافِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/273)

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ سُنَّتَهُ لَا تُفَارِقُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
(1/274)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيٌّ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ أنبا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ , قَالَا: أنا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي , وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ»
(1/274)

أنا أَبُو طَالِبٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا أَبُو قَبِيصَةَ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ الضَّبِّيُّ , نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي , وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»
(1/274)

أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْضَاوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُجَدَّدِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ نا سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا "
(1/275)

بَابُ الْقَوْلِ فِي السُّنَّةِ الْمَسْمُوعَةِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسْمُوعَةِ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ السُّنَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضِرْبٌ يُؤْخَذُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَافَهَةً وَسَمَاعًا , فَهَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ , عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ , وَإِبَاحَةٍ وَحَظْرٍ , وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَفَرَ , لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِي خَبَرِهِ , وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ فَقَدِ ارْتَدَّ , وَتَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَضَرْبٌ: يُؤْخَذُ خَبَرًا عَنْهُ , وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ , أَحَدُهُمَا: فِي إِسْنَادِهِ , وَالْآخَرُ: فِي مَتْنِهِ فَأَمَّا الْإِسْنَادُ: فَضِرْبَانِ: تَوَاتُرٌ , وَآحَادٌ فَأَمَّا التَّوَاتُرُ: فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ , وَالْآخَرُ تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ: فَهُوَ مِثْلُ الْخَبَرِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ , وَوَفَاتِهِ بِهَا , وَدَفْنِهِ فِيهَا , وَمَسْجِدِهِ , وَمِنْبَرِهِ , وَمَا رُوِيَ مِنْ تَعْظِيمِهِ الصَّحَابَةَ , وَمُوَالَاتِهِ لَهُمْ , وَمُبَايَنَتِهِ لِأَبِي جَهْلٍ , وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ , وَتَعْظِيمِهِ الْقُرْآنَ , وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ , وَاحْتِجَاجِهِ بِنُزُولِهِ , وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانِهَا
(1/276)

وَتَرْتِيبِهَا , وَفَرْضِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ , وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ , كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمًا غَيْرَ الَّذِي يَرْوِيهِ صَاحِبُهُ , إِلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى وَاحِدًا , فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَرُ لَفْظًا , مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ , وَالْأَحَادِيثُ مُتَغَايِرَةٌ , وَلَكِنَّ جَمِيعَهَا يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ , وَهَذَا أَحَدُ طُرُقِ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ تَسْبِيحُ الْحَصَى فِي يَدَيْهِ , وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ , وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ , وَجَعْلُهُ الطَّعَامَ الْقَلِيلَ كَثِيرًا , وَمَجُّهُ الْمَاءَ مِنْ فَمَهِ فِي الْمَزَادَةِ , فَلَمْ يَنْقُصْهُ الِاسْتِعْمَالُ , وَكَلَامُ الْبَهَائِمِ لَهُ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّ عَدَدَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ , وَلَا دَلِيلَ عَلَى عَدَدِهِمْ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ , لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ لَا يُوجِبُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ , وَخَبَرُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ يُوجِبُهُ , وَيَجِبَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا مَا أَخْبَرُوا بِهِ ضَرُورَةً , وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى صِفَةٍ لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الْكَذِبُ اتِّفَاقًا , وَلَا تَوَاطُؤًا بِتَرَاسُلٍ , أَوْ حَمْلِ حَامِلٍ بِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ , لَأَنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَقَعُ بِخَبَرِ جَمَاعَةٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَخَبَرُ الْآحَادِ: مَا انْحَطَّ عَنْ حَدِّ التَّوَاتُرِ , وَهُوَ ضِرْبَانِ: مُسْنَدٌ , وَمُرْسَلٌ
(1/277)

فَأَمَّا الْمُسْنَدُ فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ الْعِلْمَ , وَهُوَ عَلَى أَوْجُهٍ: مِنْهَا: خَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ , وَخَبَرُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُ فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ فَيُقْطَعُ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ شَيْئًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ , وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ بِهِ فَلَا يُنْكِرُونَهُ , فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ صِدْقُهُ وَمِنْهَا: خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَيُقْطَعُ بِصِدْقِهِ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ الْكَلُّ أَوْ عَمِلَ بِهِ الْبَعْضُ , وَتَأَوَّلَهُ الْبَعْضُ فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَيَقَعُ بِهَا الْعِلْمُ اسْتِدْلَالًا وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْمُسْنَدِ: فَمِثْلُ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الصِّحَاحِ , فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْعَمَلَ , وَلَا تُوجِبُ الْعِلْمَ , وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا , وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْحِجَّةَ عَلَيْهِمْ وَفَسَادَ مَقَالَتِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ
(1/278)

بَابُ الْقَوْلِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمِهِمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]
(1/279)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَأَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ , جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] , وَفِي قَوْلِهِ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] قَالَ: " نَسَخَتْهَا: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] قَالَ: تَنْفِرُ طَائِفَةٌ , وَتَمْكُثُ طَائِفَةٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَالْمَاكِثُونَ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ , وَيُنْذِرُونَ إِخْوَانَهُمْ , إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَزْوِ , بِمَا نَزَلَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَحُدُودِهِ " [ص:280] وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ
(1/279)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ , أَنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا سُفْيَانُ , عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لَمَّا نَزَلَتْ: {إِلَّا تُنَفِّرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] قَالَ الْمُنَافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ نَاسٌ لَمْ يَنْفِرُوا فَهَلَكُوا , وَكَانَ قَوْمٌ تَخَلَّفُوا لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ , وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ , فَنَزَلَ الْعُذْرُ لِأُولَئِكَ {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] , وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حَجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16] " قُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّائِفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , وَاسْمُ الطَّائِفَةِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَعَلَى الْكَثِيرِ , فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ , وَقَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَذَرَ بِالْإِنْذَارِ فِي قَوْلِهِ: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وَمَعْنَاهُ: وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْذَرُوا كَمَا قَالَ: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] وَ {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65] وَ {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] إِيجَابًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا , وَأَنْ يَفْقَهُوا , وَأَنْ يَهْتَدُوا وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا [ص:281] قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] فَأَمَرَ اللَّهُ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يُصَابَ قَوْمٌ بِجَهَالَةٍ فَيُصْبِحُ مَنْ قَضَى بِخَبَرِ الْفَاسِقِ نَادِمًا , وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إِمْضَاءِ خَبَرِ الْعَدْلِ , وَالْفَرَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ , وَلَوْ كَانَا سِيَّيْنِ فِي التَّثَبُّتِ لَبَيَّنَهُ عَزَّ وَجَلَّ
(1/280)

أنا أَبُو طَالِبٍ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ , أنا أَبُو إِسْحَاقَ , إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ الْجِلِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ الْخَضِرُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ قَالَ: قَالَ أَبِي: أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ: " لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْآحَادِ , إِذَا عُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ وَسَلِمَ مِنَ النَّسْخِ حُكْمُهُ , وَإِنْ كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي شَرْطِ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا دَفَعَ خَبَرَ الْآحَادِ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ لِعَجْزِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ عَلِمَ السُّنَنِ , زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَارُ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ , وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى إِبْطَالِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا شَرَطَ مِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ , وَالْأَمَةُ إِذَا تَطَابَقَتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ طُولِبَ بِسُنَّةٍ يَتَحَاكَمُ إِلَيْهَا الْمُتَنَازِعَانِ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهَا أَخْبَارُ نَقَلَتِهَا وَسَلِمَتْ مِنْ خَوْفِ النِّسْيَانِ طُرُقُهَا لَمْ يَجِدْ إِلَيْهَا سَبِيلًا , وَكَانَتْ شُبْهَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ أَخْبَارَ السُّنَنِ آخِرَهَا عَمَّنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ , وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهَا
(1/281)

وَأَوْسَطُهَا عَنْ قَوْمٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ " قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: " فَكَانَ مَا اعْتَذَرَ بِهِ ثَانِيًا أَفْسَدَ مِنْ جُرْمِهِ أَوَّلًا وَأَقْبَحَ , وَذَلِكَ أَنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ صَحَّتْ نُبُوَّتُهُ وَصَدَّقَتِ الْمُعْجِزَاتُ قَوْلَهُ , فَيَلْزَمُهُ عَلَى قَوَدِ اعْتِلَالِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنَ الْأَخْبَارِ إِلَّا مَا رَوَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ , وَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِتَصْدِيقِ مَا اجْتَبَيْنَاهُ مِنْ تَصْدِيقِ خَبَرِ الْآحَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وَاسْمُ الطَّائِفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدْ يَقَعُ عَلَى دُونِ الْعَدَدِ الْمَعْصُومِ مِنَ الزَّلَلِ , وَقَدْ يَلْزَمُ الْوَاحِدَ فَأَكْثَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] , وَقَالَ: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] , فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ , وَاقِعٌ عَلَى الْعَدَدِ الْقَلِيلِ وَفِيمَا تَلَوْنَا وَجْهَانِ مِنَ الْحُجَّةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُنْذَرِينَ قَبُولَهُ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] , {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِمَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] , فَلَوْلَا قِيَامُ الْحِجَّةِ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَوْجَبُوا الْحَذَرَ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] إِيجَابًا لِلْحَذَرِ بِهِ - وَاللَّهُ
(1/282)

أَعْلَمُ - نَظِيرَ قَوْلِهِ: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] إِيجَابًا لِلِاهْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] فَوَجَبَ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْقِلُوا عَنِ الْقُرْآنِ خِطَابَهُ حُجَّةً لِلَّهِ عَلَيْهِمْ وَحُجَّةً أُخْرَى: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] الْآيَةُ , فَكَانَ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى إِمْضَاءِ خَبَرِ الْعَدْلِ , وَالْفَرَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ , فَلَوْ كَانَا سِيَّيْنِ فِي التَّوَقُّفِ عَنْهُمَا لَأَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِهِمَا , حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ الَّذِي يَجِبُ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ , كَمَا رَتَّبَ فِي الشَّهَادَاتِ , وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ جَعَلَ الشَّهَادَاتِ مَنُوطَةً بِأَعْدَادِهَا , وَأَطْلَقَ الْأَخْبَارَ إِطْلَاقًا , وَقَوْلُهُ: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِنْفَاذَنَا لِقَبُولِهِ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ إِصَابَةٌ بِعِلْمٍ لَا بِجَهْلٍ لَهُ وَلِئَلَّا نُصْبِحَ عَلَى مَا فَعَلْنَا نَادِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ "
(1/283)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفِ بْنِ سَعِيدٍ السِّجِسْتَانِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ [ص:284]: " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قِيلَ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: كَانَ النَّاسُ مُسْتَقْبِلِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ , ثُمَّ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ , فَأَتَى أَهْلُ قُبَاءَ آتٍ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ , فَأَخْبَرَهُمْ: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ كِتَابًا , وَأَنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ , فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَجَمَاعَةً كَانُوا يَشْرَبُونَ الشَّرَابَ فَضِيخَ بُسْرٍ , وَلَمْ يُحَرَّمْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ شَيْءٌ , فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَأَمَرُوا أُنَاسًا فَكَسَّرُوا جِرَارَ شَرَابِهِمْ ذَلِكَ , وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُمْ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ هَذَا إِلَّا ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَيُشْبِهُ أَنْ لَوْ كَانَ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ وَهُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ , مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهُ , أَنْ يَقُولَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ كُنْتُمْ عَلَى قِبْلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَتَحَوَّلُوا عَنْهَا إِذْ كُنْتَ حَاضِرًا مَعَكُمْ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَوْ يُعْلِمَكُمْ جَمَاعَةٌ أَوْ عَدَدٌ يُسَمِّيهِمْ لَهُمْ , وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْحِجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِهَا , لَا بِأَقَلَّ مِنْهَا , إِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ , وَالْفَسَادُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا عِنْدَ عَالِمٍ , وَهِرَاقَهُ حَلَالٍ فَسَادٌ , وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ أَيْضًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لَأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ لَكُمْ حَلَالًا , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْكُمْ إِفْسَادُهُ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ أَوْ [ص:285] يَأْتِيَكُمْ عَدَدٌ يَحُدُّهُمْ لَهُمْ بِخَبَرٍ عَنِّي بِتَحْرِيمِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تُعَلِّمَ امْرَأَةً أَنْ تُعَلِّمَ زَوْجَهَا إِنْ قَبَّلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِ بِخَبَرِهَا , إِذَا صَدَّقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ , فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا , فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا , وَفِي ذَلِكَ إِمَاتَةُ نَفْسِهَا بِاعْتِرَافِهَا عِنْدَ أُنَيْسٍ , وَهُوَ وَاحِدٌ وَأَمَرَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ , أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ , وَقَدْ سَنَّ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَهُ أَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ , وَقَدْ يُحْدِثُ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ , أَنْ يَقْتُلَ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ الْهُذَلِيَّ فَقَتَلَهُ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَسْلَمَ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي مَعَانِي وُلَاتِهِ , وَهُمْ وَاحِدٌ وَاحِدٌ يُمْضُونَ الْحُكْمَ بِأَخْبَارِهِمْ " قَالَ الشَّافِعِيُّ [ص:286]: " وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِعُمَّالِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا , وَرُسُلِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا , وَإِنَّمَا بَعَثَ بِعُمَّالِهِ لِيَخْبُرُوا النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ , وَيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , وَيُعْطُوهُمْ مَا لَهُمْ , وَيُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ , وَيُنَفِّذُوا فِيهِمُ الْأَحْكَامَ , وَلَمْ يَبْعَثْ مِنْهُمْ وَاحِدًا إِلَّا مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ عِنْدَ مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ , وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِمْ - إِذْ كَانُوا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَّهَهُمْ إِلَيْهِمْ أَهْلَ صِدْقٍ عِنْدَهُمْ - مَا بَعَثَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَالِيًا عَلَى الْحَجِّ وَكَانَ فِي مَعْنَى عُمَّالِهِ , ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَهُ , بِأَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ , فَقَرَأَهَا فِي مَجْمَعِ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ , وَأَبُو بَكْرٍ وَاحِدٌ , وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ , وَكِلَاهُمَا بَعَثَهُ بِغَيْرِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ صَاحِبَهُ , وَلَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَتِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - إِذْ كَانَا مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ عَوَامِّهِمْ بِالصِّدْقِ , وَكَانَ مَنْ جَهِلَهُمَا مِنْ عَوَامِّهِمْ وَجَدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابٍ يُعْرَفُ صِدْقُهُمَا - مَا بَعَثَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقَدْ بَعَثَ عَلِيًّا بِعَظِيمٍ , نَقْضِ مُدَدٍ وَإِعْطَاءِ مُدَدٍ , وَنَبْذٍ إِلَى قَوْمٍ , وَنَهْيٍ عَنْ أُمُورٍ وَأَمْرٍ بِأُخْرَى , وَمَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلَّغَهُ عَلِيٌّ: أَنَّ لَهُ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي مُدَّتِهِمْ , وَلَا مَأْمُورَ بِشَيْءٍ وَلَا مَنْهِيَّ عَنْهُ بِرِسَالَةِ عَلِيٍّ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَاحِدٌ , وَلَا تَقُومُ عَلَيَّ الْحُجَّةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَكَ إِلَيَّ بِنَقْضِ شَيْءٍ جَعَلَهُ لِي , وَلَا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَا لِغَيْرِي , وَلَا بِنَهْيٍ عَنْ أَمْرٍ , لَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ , وَلَا بِإِحْدَاثِ أَمْرٍ أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثَهُ , وَمَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ قَطَعَهُ عَلَيْهِ عَلِيٌّ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا أَعْطَاهُ [ص:287] إِيَّاهُ , وَلَا أَمَرَهُ بِهِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ , بِأَنْ يَقُولَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ لَمْ يَنْقِلْهُ إِلَيْهِ عَدَدٌ , فَلَا أَقْبَلُ فِيهِ خَبَرَكَ وَأَنْتَ وَاحِدٌ , وَلَا كَانَ لِأَحَدٍ وَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِلًا يَعْرِفُهُ أَوْ يُعَرِّفُهُ لَهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ فَصَدَّقَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْعَامِلُ: عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَ كَذَا أَوْ تَفْعَلَ كَذَا , أَوْ يُفْعَلَ بِكَ كَذَا , فَيَقُولُ: لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْكَ لِأَنَّكَ وَاحِدٌ حَتَّى أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا عَنْ خَبَرِكَ , وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَغْلَطَ , أَوْ يُحَدِّثُنِيهِ عَامَّةٌ يَشْتَرِطُ فِي عَدَدِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَهَادَتَهِمْ مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقِينَ , ثُمَّ لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْ خَبَرِ الْعَامَّةِ عَدَدًا أَبَدًا إِلَّا وَفِي الْعَامَّةِ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُ , وَلَا مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ حِينَ يُخْبِرُونَ تَفَرُّقَهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْكَنَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ بَعْضِ زَمَانِهِ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ لِتَثْبِيتِ الْأَخْبَارِ غَايَةٌ أَبَدًا يُنْتَهَى إِلَيْهَا , ثُمَّ لَا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ , أَجْوَزَ مِنْهُ لِمَنْ قَالَ هَذَا , وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُدْرِكُ ذَلِكَ لَهُ أَبُوهُ وَإِخْوَتَهُ وَقَرَابَتَهُ وَمَنْ يُصَدِّقُهُ فِي نَفْسِهِ وَيُفَضِّلُ صِدْقَهُ بِالنَّظَرِ لَهُ , فَإِنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يُصَدِّقُ مَنْ نَظَرَ لَهُ , فَإِذَا لَمْ يَجُزْ هَذَا لِأَحَدٍ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُدْرِكُ خَبَرَ مَنْ يُصَدِّقُ مِنْ أَهْلِهِ وَالْعَامَّةِ عَنْهُ كَانَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّنْ لَا يَلْقَاهُ فِي الدُّنْيَا أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ "
(1/283)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أَخْبَرَنِي أَبُو [ص:288] حَنِيفَةَ بْنُ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنِ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: " مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الْعَقْلَ , وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الْقَوَدُ " فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , أَتَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَارِثِ؟ فَضَرَبَ صَدْرِي وَصَاحَ عَلَيَّ صِيَاحًا مُنْكَرًا , وَنَالَ مِنِّي , وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقُولُ: تَأْخُذُ بِهِ؟ وَذَلِكَ الْفَرْضُ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ , إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ فَهَدَاهُمْ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ , وَاخْتَارَ لَهُمْ مَا اخْتَارَ لَهُ عَلَى لِسَانِهِ , فَعَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ طَائِعِينَ أَوْ دَاخِرِينَ , لَا مَخْرَجَ لِمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: وَمَا سَكَتَ عَنِّي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ
(1/287)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - أنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رِجَالٍ , مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ [ص:289]: «الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَنِ نَجَاةٌ»
(1/288)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِكْرَانَ الْفَوِيُّ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , حَدَّثَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رِجَالٍ , مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: «الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَنِ نَجَاةٌ , وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا , فَنَعْشُ الْعِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا , وَذَهَابُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي ذَهَابِ الْعِلْمِ»
(1/289)

أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّوْكِيُّ , قَالَا: نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ , نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «مَنْ رَدَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ»
(1/289)

حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ , مَسْعُودُ بْنُ ناصرِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ السِّجْزِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ بُشْرَى السِّجِسْتَانِيُّ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبِرِيُّ , [ص:290] قَالَ سَمِعْتُ الْإِمَامَ , مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ مَا لَا أُحْصِي مِنْ مَرَّةٍ: «أَنَا عَبْدٌ لِأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/289)

وَصْفُ الْخَبَرِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ , حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةُ رِجَالِهِ , وَاتِّصَالُ إِسْنَادِهِ وَثُبُوتُ الْعَدَالَةِ , أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي بَعْدَ بُلُوغِهِ وَصِحَّةِ عَقْلِهِ ثِقَةً مَأْمُونًا جَمِيلَ الِاعْتِقَادِ غَيْرَ مُبْتَدَعٍ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ مَا يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ مِنَ الْمُجُونِ وَالسُّخْفِ وَالْأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ , وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُدَلِّسًا فِي رِوَايَتِهِ , وَيَكُونَ ضَابِطًا حَالَ الرِّوَايَةِ مُحَصِّلًا لِمَا يَرْوِيهِ , وَيَكُونَ شَيْخُهُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الصُّفَّةِ وَكَذَلِكَ حَالُ شَيْخِ شَيْخِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ إِلَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ كَانَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلٌ ثَبَتَ فِسْقُهُ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ , فَلَمْ يُعْرَفْ بِالْعَدَالَةِ وَلَا بِالْفِسْقِ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَأَمَّا الْمُرْسَلُ: فَهُوَ مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ , وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ الْمُحَدِّثُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , أَوْ يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , وَيَتْرُكَ اسْمَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ فَلَا يَذْكُرُهُ , فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ قُبِلَ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَقْطُوعٌ بِعَدَالَتِهِمْ , فَإِرْسَالُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ صَحِيحٌ
(1/291)

وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ , لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ , وَالَّذِي تَرَكَ تَسْمِيَتَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَدْلًا , فَلَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِهِ حَتَّى يُعْلَمَ
(1/292)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا يُقْبَلُ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ , كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنَ الشُّهُودِ إِلَّا مَنْ عَرَفْنَا عَدْلَهُ , فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَجْهُولًا أَوْ مَرْغُوبًا عَمَّنْ حَمَلَهُ كَانَ كَمَا لَمْ يَأْتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ»
(1/292)

بَابُ أَوْصَافِ وُجُوهِ السُّنَنِ وَنُعُوتِهَا قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْإِسْنَادِ , وَالْكَلَامُ هَا هُنَا فِي الْمَتْنِ وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ فِيَ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلُ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ , وَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ , وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ , وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَنَحْنُ نُورِدُ مِنْ كُلِّ مَعْنًى ذَكَرْنَاهُ شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَمِنَ الْمَجَازِ مَا:
(1/293)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السُّمَيْسَاطِيُّ - بِدِمَشْقَ - , أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِلَابِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ , أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جُوصَا , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , أَخْبَرَهُ: قَالَ ابْنُ جُوصَا: وَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ , قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ , حَدَّثَنِي مَالِكٌ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ , سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ , تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» [ص:294] قَالَ يُونُسُ: قَالَ لَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى؟ قَالَ: تُفْتَحُ الْقُرَى
(1/293)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ , فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» قَالَ: تَفْسِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تُفْتَحُ الْقُرَى , فُتِحَتْ مَكَّةُ بِالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِهَا , لَا أَنَّهَا تَأْكُلُ أَكْلًا , إِنَّمَا تُفْتَحُ الْقُرَى بِالْمَدِينَةِ قُلْتُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ» , عَلَى مَعْنَى أُمِرْتُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ , وَقَوْلُهُ: «تَأْكُلُ الْقُرَى» بِمَعْنَى: يَأْكُلُ أَهْلُهَا الْقُرَى , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مِثْلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً} [النحل: 112] يَعْنِي: قَرْيَةً كَانَ أَهْلُهَا مُطْمَئِنَّيْنَ , وَكَانَ ذِكْرُ الْقَرْيَةِ فِي هَذَا كِنَايَةً عَنْ أَهْلِهَا , وَأَهْلُهَا الْمُرَادُونَ بِهَا لَا هِيَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] وَالْقَرْيَةُ لَا صُنْعَ لَهَا , وَقَوْلُهُ: {فَكَفَّرْتُ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} [النحل: 112] وَالْقَرْيَةُ: لَا كُفْرَ لَهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَأْكُلُ الْقَرْيَةَ بِمَعْنَى: تَقْدِرُ عَلَيْهَا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] لَيْسَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَكَلَتَهَا دُونَ مُحْتَجِبِيهَا عَنِ الْيَتَامَى لَا بِأَكْلٍ لَهَا , وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُوا} [النساء: 6] يَعْنِي تُغْلَبُوا عَلَيْهَا إِسْرَافًا عَلَى أَنْفُسَكُمْ [ص:295] وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُوا , فَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ بِهَا فَيَنْتَزِعُوهَا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِهِمْ , فَكَانَ الْأَكْلُ فِيمَا ذَكَرْنَا يُرَادُ بِهِ الْغَلَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ , فَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخِرَ
(1/294)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ , نا أَبُو الْمُغِيرَةِ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ , حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عُتْبَةَ , عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ , يَقُولُ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ الْفِتَنَ , فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا , حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ , فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ: " هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ , ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي , وَلَيْسَ مِنِّي , وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونِ , ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلْعٍ , ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ , لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً , فَإِذَا قِيلَ انْقَبَضَتْ تَمَادَتْ , يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا , وَيُمْسِي كَافِرًا , حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ , وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ , فَإِذَا كَانَ ذَلِكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ» وَالْأَحْلَاسُ: جَمْعُ حِلْسٍ , وَإِنَّمَا [ص:296] شَبَّهَهَا بِالْحِلْسِ لِظُلْمَتِهَا وَالْتِبَاسِهَا , أَوْ لِأَنَّهَا تَرْكُدُ وَتَدُومُ فَلَا تُقْلِعُ , يُقَالُ: فُلَانٌ حِلْسُ بَيْتِهِ إِذَا كَانَ يُلَازِمُ قَعْرَ بَيْتِهِ لَا يَبْرَحُ , وَيُقَالُ: هُمْ أَحْلَاسُ الْخَيْلِ: إِذَا كَانُوا يَلْزَمُونَ ظُهُورَهَا وَالدَّخَنُ: الدُّخَانُ , يُرِيدُ أَنَّهُ سَبَبُ إِثَارَتِهَا وَهَيْجِهَا وَقَوْلُهُ: كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ خَلِيقٍ لِلْمُلْكِ وَلَا مُسْتَقِلٍّ بِهِ , لِأَنَّ الْوَرِكَ لَا يَسْتَقِلَّ عَلَى الضِّلَعِ وَلَا يُلَائِمُهَا , وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي بَابِ الْمُشَاكَلَةِ هُوَ كَرَأْسٍ عَلَى جَسَدٍ أَوْ كَفٍّ فِي ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْكَلَامِ وَالدُّهَيْمَاءُ: تَصْغِيرُ الدَّهْمَاءِ , وَلَعَلَّهُ صَغَّرَهَا عَلَى طَرِيقِ الْمَذَمَّةِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَحَدِيثٌ آخَرُ
(1/295)

أَخْبَرَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , قَالَ: قُرِيءَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ , وَأَنَا أَسْمَعُ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ رِبْعِيٍّ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ , فَإِنْ يَهْلَكُوا فَسَبِيلُ مَنْ يَهْلَكُ , وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمُ لَهُمْ [ص:297] سَبْعِينَ عَامًا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مِمَّا مَضَى أَوْ مِمَّا بَقَّى؟ قَالَ: «مِمَّا بَقَّى» قَوْلُهُ: تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ , مِثْلُ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِذَا انْتَهَتْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يَخَافُ لِذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ الْهَلَاكَ , يُقَالُ لِلْأَمْرِ إِذَا تَغَيَّرَ وَاسْتَحَالَ: قَدْ دَارَتْ رَحَاهُ , وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِشَارَةٌ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِلَافَةِ وَقَوْلُهُ: يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ أَيْ مُلْكُهُمْ وَسُلْطَانُهُمْ وَالدِّينُ: الْمُلْكُ وَالسُّلْطَانُ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] , وَكَانَ بَيْنَ مُبَايَعَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى انْقِضَاءِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَشْرِقِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً
(1/296)

بَابٌ مِنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ إِذَا تَعَارَضَ لَفْظَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا مِثْلُ مَا:
(1/298)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ الْكُوفِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ أَبَانَ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ , وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي وَالسَّوَاقِي وَالْقِرَبِ وَالنَّاضِحِ نِصْفَ الْعُشْرِ»
(1/298)

ثُمَّ أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا صَدَقَةَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» [ص:299] فَحَدِيثُ أَنَسٍ عَامٌ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فِي قَلِيلِ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَفِي كَثِيرِهِ , وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ خَاصٌّ فِي أَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا , وَأَمَّا مَا قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا صَدَقَةَ فِيهِ وَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِقُوَّتِهِ , فَإِنَّ الْخَاصَّ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ بِلَفْظٍ لَا احْتِمَالَ فِيهِ , وَالْعَامُّ يَتَنَاوَلُهُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ , فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَيْهِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عُمُومُ الْآخَرِ , مِثْلُ:
(1/298)

مَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مَالِكٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ , وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»
(1/299)

وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ , وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ [ص:300] إِسْحَاقَ , قَالَا: نا الْقَعْنَبِيُّ , عَنْ مَالِكٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا»
(1/299)

وَأَنَا أَبُو طَالِبٍ , عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ غَرِيبٍ الْبَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْجَعْدِ الْوَشَّاءُ , نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ مَالِكٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ , فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا , فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا , فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا , فَإِذَا تَدَلَّتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا , فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا» وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ [ص:301] فَكَانَ النَّهْيُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ , ثُمَّ جَاءَ لَفْظٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثٍ:
(1/300)

أَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخُرْقِيُّ وَأَنَا أَسْمَعُ , حَدَّثَكُمُ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا , نا ابْنُ الْمُثَنَّى , نا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ قَاسِمٌ: وَنَا بُنْدَارٌ , نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ , نا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: وَنَا هَارُونُ , نا عَبْدَةُ قَالَ: وَنَا يُوسُفُ , نا أَبُو أُسَامَةَ , قَالُوا: نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَ ذَكَرَ صَلَاةً كَانَ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا , فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا مَا لَا سَبَبَ لَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ [ص:302] وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا , فَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا , أَنْ لَا يُقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِهِمَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ مِنْهُمَا , أَوْ تَرْجِيحٍ يَثْبُتُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ , وَإِنَّا نَظَرْنَا فِي الْأَحَادِيثِ فَوَجَدْنَا فِيهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْحُكْمُ الْفَاصِلُ فِيمَا قَدَّمْنَا
(1/301)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ , قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ , إِذْ قَالَ: يَا كَثِيرُ بْنَ الصَّلْتِ , اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ , فَسَلْهَا عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ , وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا , فَقَالَ: اذْهَبْ فَاسْمَعْ مَا تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا , فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَا عِلْمَ لِي , وَلَكِنِ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَلْهَا قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ , فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ , لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاكَ تُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ , وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ ,
(1/302)

أَوْ صَدَقَةٌ , فَشَغَلُونِي عَنْهَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ»
(1/303)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ» فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنْ لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ , فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/303)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ [ص:304] بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , وَالْحُمَانِيُّ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , قَالُوا: نا سُفْيَانُ , نا أَبُو الزُّبَيْرِ , أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَابَاهِ , يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ , إِنْ وَلِيتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا , فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ , وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» قِيلَ لِلْحُمَيْدِيِّ: إِنْ شَاءَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا
(1/303)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وَالتَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , نا هَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ , نا مَعْنٌ , نا مَالِكٌ , عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ , عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السُّلَمِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ»
(1/304)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ , عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ , فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ , لَا نَرْقُدُ عَنِ الصَّلَاةِ» فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ قَالَ: فَلَمْ يَقْرَعُوا إِلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بِلَالُ» , فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ قَالَ: فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ , ثُمَّ اقْتَادُوا شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا أَسْبَابَ لَهَا , فَأَمَّا صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ فَنَسِيَهَا , أَوْ نَامَ عَنْهَا , أَوْ جِنَازَةٌ حَضَرَتْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا , أَوْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ , أَوْ رَكْعَتَا الدُّخُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ , أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي نُسِبَتِ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا , أَوْ عُلِّقَتْ عَلَيْهَا , فَلَا تُكْرَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ فُعِلَتْ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/305)

أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ
(1/305)

الرَّازِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصْرِيُّ , قَالَ: قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ أَخْبَرَنَا بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ إِذَا ابْيَضَّ , فَقَالَ: «أَمَّا هَذَا فَغَرَرٌ , لِأَنَّهُ يَحُولُ دُونَهُ , فَلَا يُرَى فَإِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا بِهِ وَكَانَ خَاصًّا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَامٍّ , كَمَا أَجَزْنَا بَيْعَ الصُّبْرَةِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِأَنَّهُ غَرَرٌ , فَلَمَّا أَجَازَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَجَزْنَاهَا كَمَا أَجَازَهَا , وَكَانَ خَاصًّا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَامٍّ , لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَأَجَازَ هَذَا , وَكَذَلِكَ أَجَازَ بَيْعَ الشِّقْصِ مِنَ الدَّارِ وَجَعَلَ لِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةَ وَإِنْ كَانَ الْأَسَاسُ مِنْهَا مُغَيَّبًا لَا يُرَى , وَخَشَبًا فِي الْحَائِطِ لَا يُرَى , فَلَمَّا أَجَازَ ذَلِكَ أَجَزْنَاهُ كَمَا أَجَازَهُ , وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ وَكَانَ خَاصًّا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَامٍّ»
(1/306)

أنا أَبُو سَعِيدٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ , [ص:307] عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَجُلًا , أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ , فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً» ؟ قَالَ: لَا قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قَالَ: وَلَا أَجِدُ قَالَ: فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ قَالَ: فَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَامٌّ , وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ , وَوُجُوبُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ وَالثَّانِي: خَاصٌّ: وَهُوَ إِذْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ فِي أَخْذِ ذَلِكَ , وَلَيْسَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ
(1/306)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , قَالَا: نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ , فَآخُذُ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ وَأَدَعُ سَائِرَهُ»
(1/307)

ذِكْرُ مَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ الْأَدِلَّةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا ضِرْبَانِ: مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ فَأَمَّا الْمُتَّصِلُ: فَهُوَ: الِاسْتِثْنَاءُ , وَالشَّرْطُ , وَالتَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ: فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَأَمَّا الشَّرْطُ: فَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ الْمَشْرُوطُ إِلَّا بِهِ , وَقَدْ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ , كَاشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ , وَاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ , وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ , كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] وَقَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْغَايَةِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ: فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وَلَوْ أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ لَعَمَّ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ , فَلَمَّا قَالَ: {مُؤْمِنَةٍ} [البقرة: 221] وَجَبَ التَّخْصِيصُ فَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ , وَإِنْ وَرَدَ فِي مَوْضِعٍ مُطْلَقًا وَفِي مَوْضِعٍ مُقَيَّدًا: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِثْلُ: أَنْ يُقَيَّدَ الصِّيَامُ بِالتَّتَابُعِ وَيُطْلَقُ الْإِطْعَامُ , لَمْ يُحْمَلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ , لِأَنَّهُمَا لَا يَشْتَرِكَانِ فِي لَفْظٍ وَلَا مَعْنًى , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ , مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ الرَّقَبَةَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةً بِالْإِيمَانِ , ثُمَّ يُعِيدُ ذِكْرَهَا فِي الْقَتْلِ مُطْلَقَةً , كَانَ
(1/308)

الْحَكَمُ لِلْمُقَيَّدِ , لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ اسْتَوْفَى بَيَانَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ , وَالْآخَرُ: مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ فَأَمَّا الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ , فَضِرْبَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا: مَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ , وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ , فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ الشَّرْعِ , فَإِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ وَصَارَ الْحُكْمُ لِلشَّرْعِ وَالثَّانِي: مَا لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ , مِثْلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ مِنْ نَفْيِ الْخَلْقِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَذَا , وَلِأَجْلِ ذَلِكَ خَصَّصْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] وَقُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ مَا خَلَا الصِّفَاتِ , لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ صِفَاتَهُ , فَخَصَّصْنَا الْعُمُومَ بِهِ وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَوُجُوهٌ: نُطْقُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَمَفْهُومُهُمَا وَأَفْعَالُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِقْرَارُهُ , وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ , وَالْقِيَاسُ فَأَمَّا الْكِتَابُ , فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] خُصَّ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة
(1/309)

: 221] وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ , وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ هُوَ أَنَّ الْكِتَابَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ طَرِيقِهِ , وَالسُّنَّةُ غَيْرُ مَقْطُوعٌ بِطْرِيقِهَا , فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ أَوْلَى وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهَا , لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ دَلِيلَانِ , أَحَدُهُمَا خَاصٌّ , وَالْآخَرُ عَامٌّ , فَقُضِيَ بِالْخَاصِّ مِنْهُمَا عَلَى الْعَامِّ , كَمَا لَوْ كَانَا مِنَ الْكِتَابِ وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ , وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِإِقْرَارِهِ كَمَا رَأَى الْمُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرَى مُنْكَرًا مِنْ أَحَدِ فَيُقِرَّهُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ , فَإِذَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِالظَّوَاهِرِ فَالْإِجْمَاعُ بِذَلِكَ أَوْلَى وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ , لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ فِيمَا يَخُصُّهُ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ , فَخُصَّ بِهِ الْعُمُومُ كَلَفْظِ الْخَاصِّ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ , لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُوضَعْ عَلَى الْعَادَةِ , وَإِنَّمَا وُضِعَ - فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ - عَلَى حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ , وَفِي قَوْلِ الْبَاقِينَ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ , وَذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَى الْعَادَةِ
(1/310)

ذِكْرُ الْقَوْلِ فِي اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ , لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ السَّبَبِ مِنْهُ , لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ , وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ , وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ أَمْ لَا؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ السَّبَبِ , وَيَصِيرُ الْحُكْمُ مَعَ السَّبَبِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ السَّائِلِ عَامًّا , مِثْلُ: إِنَّ قَالَ: أَفْطَرْتُ , وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ , فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ , حُمِلَ الْجَوَابُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مُفْطِرٍ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ الْفِطْرُ , كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَفْصِلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ , وَلَمَّا نَقَلَ السَّبَبَ وَهُوَ الْفِطْرُ , فَحَكَمَ فِيهِ بِالْعِتْقِ صَارَ كَأَنَّهُ عَلَّلَ بِذَلِكَ , لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ السَّائِلِ خَاصًّا: مِثْلَ: إِنْ قَالَ: جَامَعْتُ فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ , حُمِلَ الْجَوَابُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْمُجَامِعِ , لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُفْطِرِينَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَوَابُ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّؤَالِ اعْتُبِرَ حُكْمُ
(1/311)

اللَّفْظِ , فَإِنْ كَانَ خَاصًّا حُمِلَ عَلَى خُصُوصِهِ , وَإِنْ كَانَ عَامًّا حُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ , وَلَا يُخَصُّ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ مِثَالُ ذَلِكَ فِي عُمُومِهِ
(1/312)

مَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ , وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ , قَالُوا: نا أُسَامَةُ , عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةٍ , وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحَيْضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ وَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمِيَاهِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْحِجَّةَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , دُونَ السَّبَبِ , فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عُمُومُهُ وَأَمَّا خُصُوصُ اللَّفْظِ فَمِثَالُهُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ فَيَقُولُ [ص:313] اقْتُلُوا الْمُرْتَدَّاتِ , فَيَجِبُ قَتْلُ الْمُرْتَدَّاتِ بِاللَّفْظِ , وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ غَيْرِ الْمُرْتَدَّاتِ مِنَ الْحَرْبِيَّاتِ لِجِهَتَيْنِ , إِحْدَاهُمَا: مِنْ طَرِيقِ دَلِيلِ الْخِطَابِ , وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمَّا عَدَلَ عَنِ الِاسْمِ الْعَامِّ إِلَى الِاسْمِ الْخَاصِّ , دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الْمُرْتَدَّاتِ وَبَيْنَ الْحَرْبِيَّاتِ , وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الَّذِي:
(1/312)

أَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ , وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ , حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ , عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ , عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا , وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا , وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا مِثْلَ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ» إِنَّ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ لَا يَجُوزُ , لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَّقَ عَلَى عُمُومِ اسْمِ الْأَرْضِ كَوْنَهَا مَسْجِدًا , وَعَلَّقَ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا خَاصٍّ كَوْنَهُ طَهُورًا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالطُّهُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/313)

بَابٌ مِنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ
(1/314)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيِّ: حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: مَرِضَ ابْنُ عَامِرٍ قَالَ: فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ , وَابْنُ عُمَرَ سَاكِتٌ , فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَسْتُ بِأَغَشِّهِمْ لَكَ , لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ , وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ»
(1/314)

أنا أَبُو إِسْحَاقَ , إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الْأَرْمَوِيُّ - بنَيْسَابُورَ - , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ , - بنَيْسَابُورَ - أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ , نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ أُمَيَّةَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مِعْبِد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ , فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عُبَادَةُ اللَّهِ , فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ , فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ [ص:315] زَكَاةً , تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ , فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ , وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ»
(1/314)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا فَلَهُمُ الْعَقْلُ , وَإِنْ أَحَبُّوا فَلَهُمُ الْقَوَدُ» هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُجْمَلَةٌ , لِأَنَّ الطُّهُورَ وَالزَّكَاةَ وَالْعَقْلَ - وَهُوَ الدِّيَةُ - أُمُورٌ لَا تُعْقَلُ وَلَا تُعْرَفُ أَحْكَامُهَا مِنْ لَفْظِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , بَلْ تَحْتَاجُ فِي بَيَانِهَا إِلَى غَيْرِهَا
(1/315)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , أنا أَبُو
(1/315)

مُحَمَّدٍ , عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «الْبَيَانُ تُرْجُمَانُ الْقُلُوبِ , وَصَقِيلُ الْعُقُولِ , وَمُجَلِّي الشُّبْهَةِ , وَمُوجِبُ الْحُجَّةَ , وَالْحَاكِمُ عِنْدَ اخْتِصَامِ الظُّنُونِ , وَالْفَارُوقُ بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ , وَهُوَ مِنْ سُلْطَانِ الرُّسُلِ الَّذِي انْقَادَ بِهِ الْمُسْتَصْعَبُ , وَاسْتَقَامَ الْأَصْيَدُ , وَبُهِتَ الْكَافِرُ وَسَلِمَ الْمُمْتَنِعُ حَتَّى أَثْبَتَ الْحَقَّ بِأَبْصَارِهِ , وَجَلَا زَيْغُ الْبَاطِلِ مِنْ غِمَارِهِ , وَخَيْرُ الْبَيَانِ مَا كَانَ مُصَرِّحًا عَنِ الْمَعْنَى , لِيُسْرِعَ الْفَهْمُ تَلَقُّفَهُ , وَمُوجَزًا لِيَخِفَّ عَنِ الْحِفْظِ حَمْلُهُ» سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَابَاذِيَّ يَقُولُ: الْبَيَانُ هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي قُلْتُ: وَيَقَعُ الْبَيَانُ: بِالْقَوْلِ , وَبِمَفْهُومِ الْقَوْلِ , وَبِالْفِعْلِ , وَبِالْإِقْرَارِ وَبِالْإِشَارَةِ , وَبِالْكِتَابَةِ , وَبِالْقِيَاسِ فَأَمَّا الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ فَنَحْوُ مَا:
(1/316)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْمَادَرَائِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَ الْمُنَادِيُّ , نا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ , نا زُهَيْرٌ , نا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ , [ص:317] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " هَاتُوا صَدَقَةَ الْعُشُورِ: مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا , وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ , فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ " وَأَمَّا الْبَيَانُ بِمَفْهُومِ الْقَوْلِ: فَقَدْ يَكُونُ تَنْبِيهًا كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] : فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ , وَقَدْ يَكُونُ دَلِيلًا
(1/316)

كَمَا أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي , نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ , وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنَّ قَالَ: «وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا , إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ» فَقَوْلُهُ: «فِي سَائِمَتِهَا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ , وَهَذَا هُوَ دَلِيلُ الْخِطَابِ , وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ
(1/322)

مَا أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ , عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ , قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا} [النساء: 101] مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ , فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ , فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»
(1/323)

وَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شُعْبَةُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ , يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَأَنَا أَقُولُ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا إِلَّا مِنْ نَاحِيَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَكَذَلِكَ تَعَجُّبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسُؤَالُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَاحِيَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لُغَةُ الْعَرَبِ , وَلِأَنَّ تَقْيِيدَ [ص:324] الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْخِطَابِ , فَاقْتَضَى بِإِطْلَاقِهِ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ كَالِاسْتِثْنَاءِ , هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ , إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا عَلَى صِفَةٍ فِي جِنْسٍ , فَأَمَّا إِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَمَّا عَدَا الْغَنَمَ
(1/323)

أَمَّا الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ: فَمِثْلُ مَا: أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ , عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ , عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ , فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَى مِثْلِ قَدْرِ الشِّرَاكِ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ , وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ حُرِّمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ , ثُمَّ صَلَّى بِي الظُّهْرَ مِنَ الْغَدِ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِ ظِلِّهِ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَيْ ظِلِّهِ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ , ثُمَّ صَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ صَلَّى بِي الْفَجْرَ» - قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَا أَحْفَظُ مَا قَالَ فِي الْفَجْرِ - " ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ , وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ " [ص:325] وَبِمَثَابَةِ مَا ذَكَرْنَا , مَنَاسِكُ الْحَجِّ , فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَيَّنَهَا بِفِعْلِهِ
(1/324)

أَمَّا الْبَيَانُ بِالْإِقْرَارِ: فَنَحْوُ: مَا أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , عَنْ قَيْسٍ جَدِّ سَعْدٍ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ , فَقَالَ: «مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ , فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ , فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ جَائِزَةٌ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ , وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
(1/325)

أَمَّا الْبَيَانُ بِالْإِشَارَةِ: فَنَحْوُ [ص:326]: مَا أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , نا أَبُو مُصْعَبٍ , نا مَالِكٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: «هَا , إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
(1/325)

أَمَّا الْبَيَانُ بِالْكِتَابَةِ فَنَحْوُ: مَا أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلَانِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ , وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ , فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: " هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]- فَكَتَبَ الْآيَاتِ حَتَّى بَلَغَ - {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199]- ثُمَّ كَتَبَ: - هَذَا كِتَابُ الْجَرَّاحِ: فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أَوْعَى جَدْعَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي الْأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ , وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ , وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ , وَفِي الْمُوَضَّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ " [ص:327] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهَذَا الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ
(1/326)

وَأَمَّا الْبَيَانُ بِالْقِيَاسِ فَنَحْوُ: مَا أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ , أَخْبَرَكُمْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَاسَرْجَسِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , أنا سُفْيَانُ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ مَالِكِ [ص:328] بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ , سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ , وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ هَاءَ , وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ هَاءَ , وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ , وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»
(1/327)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ - عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ , وَرَجُلٍ , آخَرَ , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ , وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ , وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ , وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ , وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ , وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ , إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ , يَدًا بِيَدٍ , وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ , وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ , وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ , وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ , وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ , وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ , كَيْفَ شِئْتُمْ» - وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا: الْمِلْحَ أَوِ التَّمْرَ , وَزَادَ أَحَدُهُمَا - مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى [ص:329] فَنَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ فِي الرِّبَا وَدَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ مِثْلَهَا وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ , لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِثَالُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ , وَلِهَذَا قُلْنَا فِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الَّذِي:
(1/328)

أَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ , أنا هَمَّامٌ , قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً , قَالَ: أنا صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ رَجُلًا , أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ , وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ , أَوْ قَالَ: صُفْرَةٌ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ , فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟» قَالَ: «اغْسِلْ عَنْكَ الْخَلُوقَ» أَوْ قَالَ: «أَثَرَ الصُّفْرَةِ , وَاخْلَعِ الْجُبَّةَ عَنْكَ , وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَجَّتِكَ» إِنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ , لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ لِسَبَبٍ ذُكِرَ لَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ جَمِيعَ مُوجِبِهِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ [ص:330] وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّسْخِ خَاصَّةً , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ , كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي زَمَانٍ , وَأَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْأَزْمَانِ فَأَخَّرَ بَيَانَهُ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فِي غَيْرِ النَّسْخِ , فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ , وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ , وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ , وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْعُمُومِ , وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِخْبَارِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ دُونَ الْإِخْبَارِ , وَسَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَابَادِيَّ يَقُولُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ , لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَا يُخِلُّ بِالِامْتِثَالِ فَجَازَ كَتَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ
(1/329)

بَابٌ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ
(1/331)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدَّاوُدِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْمَاطِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ يَعْنِي الْحَارِثِيَّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَادِيثِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ»
(1/331)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَرَجِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّنَاجِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُوَيْدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حِصْنٍ الْأَلُوسِيُّ , نا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا مُعْتَمِرٌ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ , قَالَ: «كَانَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا , كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا»
(1/331)

أنا أَبُو سَعِيدٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا أَبُو هِلَالٍ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: «كَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا , وَكَلَامُ الرِّجَالِ أَحَقُّ أَنْ يَنْسَخَ بَعْضُهُ بَعْضًا» النَّسْخُ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ , وَقَالَتِ الْيَهُودُ: لَا يَجُوزُ , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ شِرْذِمَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ , وَعَلَى قَوْلُ بَعْضِهِمُ التَّكْلِيفُ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ , فَإِنْ كَانَ إِلَى مَشِيئَتِهِ تَعَالَى , فَيَجُوزُ أَنْ يَشَاءَ فِي وَقْتِ تَكْلِيفِ فَرْضٍ , وَفِي وَقْتِ إِسْقَاطِهِ , وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ , فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِي وَقْتٍ فِي أَمْرٍ , وَفِي وَقْتٍ آخَرَ فِي غَيْرِهِ , فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ مِنْهُ وَنَسْخُ الْفِعْلِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ يَجُوزُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَدَاءٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذِبْحِ ابْنِهِ ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ , فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ وَالْبَدَاءُ: هُوَ ظُهُورُ مَا كَانَ خَفِيًّا عَنْهُ , وَلَيْسَ فِي النَّسْخِ قَبْلَ الْوَقْتِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ , كَمَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ , الْآحَادِ بِالْآحَادِ , وَالتَّوَاتُرَ بِالتَّوَاتُرِ فَأَمَّا نَسْخُ التَّوَاتُرَ بِالْآحَادِ فَلَا يَجُوزُ , لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُوجِبُ الْعِلْمَ , فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِمَا يُوجِبُ الظَّنَّ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْقَوْلِ بِالْقَوْلِ , وَنَسْخُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ , وَنَسْخُ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ , وَنَسْخُ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ , لِأَنَّ الْفِعْلَ كَالْقَوْلِ فِي الْبَيَانِ , فَكَمَا جَازَ النَّسْخُ بِالْقَوْلِ جَازَ بِالْفِعْلِ وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ , لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النُّطْقُ , وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ , لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حَادِثٌ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَرَّرَ فِي شَرْعِهِ , وَلَكِنْ يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى النَّسْخِ , فَإِذَا رَأَيْنَاهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ دَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْقِيَاسِ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَصِحُّ , إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ , فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ حُكْمٌ , فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ: لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ ضِرْبَانِ: ضِرْبٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ , فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ الشَّرْعِ بِهِ وَضَرْبٌ يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ وَالْبَقَاءِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ , وَذَلِكَ إِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْعِ , فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْعُ , بَطُلَتْ دَلَالَتُهُ , فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ
(1/332)

فَمِنْ نَسْخِ الْقَوْلِ بِالْقَوْلِ: مَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الدَّاوُدِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّبِيبِيُّ , بِالْعَسْكَرِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ , نا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - , حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ , حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى إِذَا كُنَّا بِعُسْفَانَ قَالَ: «اسْتَمْتِعُوا بِهَذِهِ النِّسَاءِ» قَالَ: فَجِئْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي بِبُرْدَيْنِ إِلَى امْرَأَةٍ , فَإِذَا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي خَيْرٌ مِنْ بُرْدِي , وَأَنَا أَشَبُّ مِنْهُ , فَقَالَتْ: بُرْدٌ كَبُرْدٍ قَالَ: فَاسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ الْبُرْدِ - وَذَكَرَ أَجَلًا - حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ , قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ بِهَذِهِ الْمُتْعَةِ , وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , فَمَنْ كَانَ اسْتَمْتَعَ مِنَ امْرَأَةٍ , فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا , وَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ شَيْءٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهَا مِمَّا أَعْطَاهَا شَيْئًا»
(1/334)

مِنْ نَسْخِ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ: مَا أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ , نا [ص:335] هَمَّامٌ , نا قَتَادَةُ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ , فَعَظُمَتْ بُطُونُنَا , " فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِي الْإِبِلِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا قَالَ: فَلَحِقُوا بِرَاعِي الْإِبِلِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ بُطُونُهُمْ , فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ , وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ , فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ "
(1/334)

أنا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَتَّانِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: «وَقَدْ ذَكَرَتِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا , قَدْ نُسِخَ , وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ»
(1/335)

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , قَالَ: كَانَ أَمْرُ الْعُرَنِيِّينَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ قُلْتُ: سَمْلُ الْعَيْنَيْنِ مُثْلَةٌ , وَلَيْسَ حَدُّ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ إِلَّا الْقَتْلُ , «وَقَدْ [ص:336] نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنِ الْمُثْلَةِ» , فَنَسَخَ بِنَهْيِهِ مَا كَانَ تَقَدَّمَهُ
(1/335)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يُوسُفُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَبُو عَامِرٍ صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ , عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ , قَالَ: «قَلَّ مَا قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا حَثَّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ»
(1/336)

مِنْ نَسْخِ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ مَا أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَزَّازُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ , عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ , وقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ , فَمَرَّتْ بِهِمَا جِنَازَةٌ , فَقَامَا فَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ , فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ , فَقَامَ فَقِيلَ , إِنَّمَا هِيَ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ [ص:337]: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»
(1/336)

وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا ابْنُ الْجُنَيْدِ , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ وَاقِدٍ يَعْنِي ابْنَ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَامَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَمْ يُعِدْ»
(1/337)

وَمِنْ نَسْخِ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ مَا أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّجَّارُ , وَأَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْأُمَوِيُّ قَالَا: أنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ , نا جَدِّي , نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ , نا هَمَّامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ شَهْرٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ شَرِبَهَا الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ شَرِبَهَا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ»
(1/337)

وَأَنَا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَزَّازُ بِعُكْبُرَا , وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُعَدِّلُ بِالنَّهْرَوَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاقْتُلُوهُ» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ , فَرَفَعَ الْقَتْلَ عَنِ النَّاسِ وَثَبَّتَ الْجِلْدَ , وَكَانَتْ رُخْصَةً
(1/338)

الْقَوْلُ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ اعْلَمْ أَنَّ النَّسْخَ , قَدْ يُعْلَمُ بِصَرِيحِ النُّطْقِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ يُعْلَمُ بِالْإِجْمَاعِ , وَهُوَ: أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِ مَا وَرَدَ مِنَ الْخَبَرِ , فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ , مِثَالُ ذَلِكَ:
(1/339)

مَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا حَمَّادُ , عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: نا أَبُو قَتَادَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ , فَمَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِلْتُ مَعَهُ , فَقَالَ: «انْظُرْ» فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ , هَذَانِ رَاكِبَانِ , هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ , حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً , فَقَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتِنَا» - يَعْنِي: صَلَاةَ الْفَجْرِ - فَضَرَبَ عَلَى آذَانِهِمْ , فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حُرُّ الشَّمْسِ , فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيَّةً , ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضَّئُوا وَأَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ , ثُمَّ صَلَّوَا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا , فَقَالَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ , إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ , فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا , وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ» [ص:340] وَالْأَمْرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ بَعْدَ قَضَائِهَا حَالَ الذِّكْرِ مِنْ غَدِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْسُوخٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ وَمِثْلُهُ
(1/339)

مَا أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ بَابَا , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ زِرٍّ , قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَيُّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ سُطُوعَ الْفَجْرِ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عَلَى الصَّائِمِ , مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} [البقرة: 187] وَقَدْ يُعْلَمُ الْمَنْسُوخُ بِتَأَخُّرِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مَعَ التَّعَارُضِ: مِثَالُ ذَلِكَ:
(1/340)

مَا أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ [ص:341] الْحَسَنِ , عَنْ حِطَّانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكَّسَ رَأْسَهُ وَنَكَّسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ , فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ , فَقَالَ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ , وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ , أَمَّا الثَّيِّبُ فَيُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ , وَأَمَّا الْبِكْرُ فَيُجْلَدُ ثُمَّ يُنْفَى»
(1/340)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَبُو كَامِلٍ , نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , نا خَالِدٌ يَعْنِي الْحَذَّاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ , أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: إِنَّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا , فَأَعْرَضَ عَنْهُ , فَسَأَلَ قَوْمَهُ: «أَمَجْنُونٌ هُوَ؟» قَالُوا: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قَالَ: «أَفَعَلْتَ بِهَا؟» قَالَ: نَعَمْ , فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ فَانْطُلِقَ بِهِ فَرُجِمَ , وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ " قُلْتُ: رَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا , مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِدَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ مَاعِزٍ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ؟ قُلْنَا دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ:
(1/341)

مَا أنا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَتَّانِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] قَالَ: وَقَالَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1] قَالَ: «هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ قَبْلَ تَنْزِيلِ سُورَةِ النُّورِ فِي الْجَلْدِ , فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ» {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} قَالَ: «وَالسَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُنَّ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَإِذَا جَاءَتِ الْيَوْمَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنَّهَا تُخْرَجُ وَتُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ» فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " إِلَى آخِرِ اللَّفْظِ هُوَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ بِهِ الْحَبْسُ وَالْأَذَى عَنِ الزَّانِيَيْنِ , فَلَمَّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ دَلَّ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ عَنِ الزَّانِيَيْنِ الْحُرَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ , وَثَبَتَ الرَّجْمُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَبَدًا بَعْدَ أَوَّلٍ فَهُوَ آخِرٌ [ص:343] فَيُعْلَمُ التَّأَخُّرُ فِي الْأَخْبَارِ بِضَبْطِ تَوَارِيخِ الْقَصَصِ , وَيُعْلَمُ أَيْضًا بِإِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ , أَنَّ هَذَا وَرَدَ بَعْدَ هَذَا , كَمَا:
(1/342)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا أَبُو الْيَمَانِ , نا شُعَيْبٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ , أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»
(1/343)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , نا مَالِكٌ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ , ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(1/343)

أنا أَبُو الْفَرَجِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ , نا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ [ص:344]: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»
(1/343)

أنا أَبُو مَنْصُورٍ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ الرَّوْيَانِيُّ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّارِكِيُّ , نا جَدِّي , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ يَعْنِي رُسْتَةَ - , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ , يَقُولُ: «يُؤْخَذُ بِالْأَحْدَاثِ فَالْأَحْدَاثُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/344)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قَيْسٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , نا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ , مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا , يَقُولُ [ص:345]: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَبِسُوا لُحُومَ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ»
(1/344)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مَالِكٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ , فَقَالَتْ: صَدَقَ , سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ , وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ» قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ , قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ , يَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ , وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا ذَاكَ؟» - أَوْ كَمَا قَالَ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: نَهَيْتَنَا عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ حَضْرَةَ الْأَضْحَى , فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا»
(1/345)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , يَقُولُ: «إِنَّا لَنَذْبَحُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ضَحَايَانَا , ثُمَّ نَتَزَوَّدُ بَقِيَّتَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَجْمَعُ مُعَانٍ: مِنْهَا: أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ , وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ مُتَّفِقَانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ النَّهْيَ مِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ النَّهْيَ بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَاقِدٍ وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَبْلُغْ عَلِيًّا وَلَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَاقِدٍ , وَلَوْ بَلَغَتْهُمَا الرُّخْصَةُ مَا حَدَّثَا بِالنَّهْيِ وَالنَّهْيُ مَنْسُوخٌ , وَتَرَكَا الرُّخْصَةَ وَالرُّخْصَةُ نَاسِخَةٌ , وَالنَّهْيُ مَنْسُوخٌ لَا يَسْتَغْنِي سَامِعُهُ عَنْ عِلْمِ مَا نَسَخَهُ [ص:347] وَقَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كُنَّا نَهْبِطُ بِلُحُومِ الضَّحَايَا الْبَصْرَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ سَمِعَ الرُّخْصَةَ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّهْيَ قَبْلَهَا , فَتَزَوَّدَ بِالرُّخْصَةِ وَلَمْ يَسْمَعْ نَهْيًا , أَوْ سَمِعَ الرُّخْصَةَ وَالنَّهْيَ , فَكَانَ النَّهْيُ مَنْسُوخًا , فَلَمْ يَذْكُرْهُ , فَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِمَا عَلِمَ وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ ثَبَتَ لَهُ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ مِنْهُ بِمَا سَمِعَ حَتَّى يَعْلَمَ غَيْرَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا حُدِّثْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ , ثُمَّ الرُّخْصَةِ فِيهَا بَعْدَ النَّهْيِ , وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لِلدَّافَّةِ , كَانَ الْحَدِيثَ التَّامَّ الْمَحْفُوظَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ , وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ وَالْإِحْلَالِ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَكَانَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ أَبْيَنِ مَا يُوجَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ السُّنَنِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ يُخْتَصَرُ فَيُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ , فَيُحْفَظُ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ أَوَّلًا , وَلَا يُحْفَظُ آخِرًا , وَيُحْفَظُ آخِرًا وَلَا يُحْفَظُ أَوَّلًا , فَيُؤَدِّي كُلُّ مَا حُفِظَ , وَالرُّخْصَةُ بَعْدَهَا فِي الْإِمْسَاكِ وَالْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ لُحُومِ الضَّحَايَا إِنَّمَا هِيَ لِوَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْنِ , لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ: فَإِذَا دَفَّتِ الدَّافَّةُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ , وَإِذَا لَمْ تَدِفَّ دَافَّةٌ فَالرُّخْصَةُ ثَابِتَةٌ بِالْأَكْلِ وَالتَّزَوُّدِ , وَالْإِدِّخَارِ وَالصَّدَقَةِ [ص:348] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخًا بِكُلِّ حَالٍ , فَيُمْسِكُ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَحِيَّتِهِ مَا شَاءَ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ قُلْتُ: وَإِذَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيَّيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْدَمُ صُحْبَةً كَابْنِ مَسْعُودٍ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْسَخَ خَبَرُ الْأَقْدَمِ بِالْأَحْدَثِ لِأَنَّهُمَا عَاشَا إِلَى أَنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَقْدَمُ سَمِعَ مَا رَوَاهُ بَعْدُ سَمَاعِ الْأَحْدَثِ , وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَحْدَثُ أَرْسَلَهُ عَمَّنْ قَدُمَتْ صُحْبَتُهُ فَلَا تَكُونُ رِوَايَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَقْدَمِ , فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ مَعَ الِاحْتِمَالِ
(1/346)

بَابُ الْقَوْلِ فِي أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْلُو فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةٌ أَوْ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةٌ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ , كَمَا:
(1/349)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ , قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» وَلَيْسَ تَخْلُو سُنَّةٌ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ فَوَائِدَ , فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّ قَوْمًا مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَ الصَّلَاحِ وَالتَّزَهُّدِ قَالُوا: لَا يَحِلُّ لِلْآكِلِ أَنْ يَأْكُلَ تَلَذُّذًا , وَلَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَهِّي وَالْإِعْجَابِ , وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ إِلَّا لِإِقَامَةِ الرَّمَقِ , فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ قَوْلُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ , وَصَلُحَ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَ تَشَهِّيًا وَتَفَكُّهًا وَتَلَذُّذًا [ص:350] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَيْضًا: إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مِنَ الطَّعَامِ , وَلَا بَيْنَ أَدَمَيْنِ عَلَى خِوَانٍ , فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ , وَيُبِيحُ أَنْ يَجْمَعَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ لَوْنَيْنِ مِنَ الطَّعَامِ , وَبَيْنَ أَدَمَيْنِ وَأَكْثَرَ وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ قُرُبَاتٍ , نَحْوُ الشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالْقُعُودِ وَالْقِيَامِ , فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِعْلَ قُرْبَةٍ: فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ , أَوِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَإِنْ كَانَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ , فَحُكْمُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُبَيَّنِ , فَإِنْ كَانَ الْمُبَيَّنُ وَاجِبًا , كَانَ الْبَيَانُ وَاجِبًا , وَإِنْ كَانَ الْمُبَيَّنُ نَدْبًا , كَانَ الْبَيَانُ نَدْبًا وَإِنْ كَانَ فِعْلًا مُبْتَدًا , مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ , إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِهِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ , إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى الْوَقْفِ , فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى النَّدْبِ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَهُوَ الْأَصَحُّ , لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُعْلَمُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ , وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَوْقَعَهُ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ , حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ وَإِذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا , وَعُرِفَ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ [ص:351] أَوِ النَّدْبِ , كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا لَنَا , إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ , وَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَفْعَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَقْتَدُونَ بِهِ فِيهَا , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا شَرْعٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ
(1/349)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , إِمْلَاءً , نا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ , نا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ , وَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حُجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ , وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ»
(1/351)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا بِشْرُ بْنُ عُبَيْسٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , يَقُولُ [ص:352]: " فِيمَ الرَّمَلَانُ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ , وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ , وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ , وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَتْرُكُ شَيْئًا كُنَّا نَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَقَعُ بِالْفِعْلِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ مَعَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ , وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَالنَّسْخِ وَإِنْ تَعَارَضَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ فِي الْبَيَانِ: فَفِيهِ أَوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ أَوْلَى وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ أَوْلَى وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ , لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيَانِ هُوَ الْقَوْلُ , أَلَا تُرَاهُ يَتَعَدَّى بِصِيغَتِهِ؟ وَالْفِعْلُ لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِدَلِيلٍ , فَكَانَ الْقَوْلُ أَوْلَى
(1/351)

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يَرُدُّ بِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ
(1/353)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ , نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا سَتَأْتِيكُمْ عَنِّي أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ , فَمَا آتَاكُمْ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي , وَمَا آتَاكُمْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
(1/353)

حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ , أنا الْخَصِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي , بِمِصْرَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الطُّرَسُوسِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ , نا جَعْفَرُ بْنُ
(1/353)

مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نُوحٍ , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ: «كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْلُغْكَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَعَلَهُ فَدَعْهُ» إِذَا رَوَى الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ خَبَرًا مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ رُدَّ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُخَالِفَ مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ فَيُعْلَمُ بُطْلَانُهُ , لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا يُرَدُّ بِمُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ , وَأَمَّا بِخِلَافِ الْعُقُولِ , فَلَا وَالثَّانِي: أَنْ يُخَالِفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ , فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ أَوْ مَنْسُوخٌ وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخَالِفَ الْإِجْمَاعَ , فَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ لَا أَصْلَ لَهُ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ , وَتُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الطَّبَّاعِ فِي الْخَبَرِ الَّذِي سُقْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلَ البَابِ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ عِلْمُهُ , فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ , وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِعِلْمِهِ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ وَالْخَامِسُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ , بِأَنْ يَنْقُلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ فَلَا يُقْبَلُ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ , أَنْ يَنْفَرِدَ فِي مِثْلِ هَذَا بِالرِّوَايَةِ
(1/354)

فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ , أَوِ انْفَرَدَ الْوَاحِدُ بِرَاوِيَةِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لَمْ يُرَدَّ وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ , لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِهِ , وَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَقَدِ احْتَجَّ مَنْ نَصَرَهُمْ , بِأَنْ قَالَ: قِيَاسُ الْقَائِسِ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ , وَهُوَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ , وَصِدْقُ الرَّاوِي فِي خَبَرِهِ مُغَيَّبٌ عَنْهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلِهِ , وَثِقَتُهُ بِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا بِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِغَيْرِهِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى وَهَذَا عِنْدَنَا خَطَأٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ:
(1/355)

مَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ , أَنَّ عُمَرَ , قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأٌ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ شَيْئًا؟ فَقَامَ حَمْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةَ , فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي - يَعْنِي ضُرَّتَيْنِ - فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ , فَأَلْقَتْ جَنِينًا , فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ» فَقَالَ: عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا [ص:356] رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولًا , عَنْ عُمَرَ كَذَلِكَ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَ حَدِيثِ سُفْيَانَ أَوْ نَحْوَ. أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , وَابْنِ طَاوُسٍ , مِثْلَ حَدِيثِ الْأَصَمِّ , عَنِ الرَّبِيعِ , سَوَاءً , وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ: عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِرَأْيِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَمَّا كَانَ يَقْضِي بِهِ لِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ , إِلَى أَنَّ خَالَفَ حُكْمَ نَفْسِهِ , وَأَخْبَرَ فِي الْجَنِينِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِهِ , وَقَالَ: إِنْ كِدْنَا أَنَّ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِرَأْيِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْبِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ السُّنَّةَ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً بِأَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ , فَلَا يَعْدُو الْجَنِينَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا , فَيَكُونُ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ , أَوْ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ , فَلَمَّا أَخْبَرَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:357] فِيهِ سَلَّمَ لَهُ , وَلَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ إِلَّا اتِّبَاعَهُ فِيمَا مَضَى حُكْمُهُ بِخِلَافِهِ , فِيمَا كَانَ رَأَيًا مِنْهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْءٌ , وَتَرَكَ حُكْمَ نَفْسِهِ , وَكَذَلِكَ كَانَ فِي كُلِّ أَمْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - , وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ النَّاسَ أَنْ يَكُونُوا قُلْتُ: وَقَوْلُ عُمَرَ هَذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ , وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ , وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ مُخَالِفٌ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ
(1/355)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , «قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِخَمْسَةَ عَشَرَةَ وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِعَشْرٍ , وَفِي الْوسْطَى بِعَشْرٍ , وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ بِتِسْعٍ , وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ»
(1/357)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّزَّازُ , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ مُحَمَّدٌ -: أَنَا - وَقَالَا: - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ ابْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ الزُّهْرِيُّ الْقَاضِي , نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , يَقُولُ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْأَصَابِعِ , فِي الْإِبْهَامِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ , وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ , وَفِي الْوسْطَى بِعَشْرَةٍ , وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ , حَتَّى وُجِدَ كِتَابٌ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , يَذْكُرُونَ أَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: «وَفِيمَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ» قَالَ سَعِيدٌ: فَصَارَتِ الْأَصَابِعُ إِلَى عَشْرٍ عَشْرٍ "
(1/358)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ , أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ , أنا مُحَمَّدُ ابْنُ سَادِلٍ النَّيْسَابُورِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْجَزَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ , [ص:359] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْعَلُ فِي الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا نِصْفَ دِيَةِ الْكَفِّ , وَيَجْعَلُ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ , وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرًا , وَفِي الْوسْطَى عَشْرًا , وَفِي الَّتِي تَلِيهَا تِسْعًا , وَفِي الْآخِرَةِ سِتًّا , حَتَّى كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ , فَوَجَدَ كِتَابًا كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ: «وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ» فَصَيَّرَهَا عُثْمَانُ عَشْرًا عَشْرًا
(1/358)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عِنْدَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَضَى فِي الْيَدِ بِخَمْسِينَ وَكَانَتِ الْيَدُ خَمْسَةَ أَطْرَافٍ مُخْتَلِفَةَ الْحَالِ وَالْمَنَافِعِ نَزَّلَهَا مَنَازِلَهَا , فَحَكَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَطْرَافِ بِقَدْرِهِ مِنْ دِيَةِ الْكَفِّ , وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى الْخَبَرِ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَمَّا وُجِدَ كِتَابُ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ صَارُوا إِلَيْهِ قَالَ: وَلَمْ يَقْبَلُوا كِتَابَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَتَّى ثَبَتَ لَهُمْ أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: قَبُولُ الْخَبَرِ , وَالْآخَرُ: أَنْ يُقْبَلَ الْخَبَرُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُثَبِّتُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَمَلٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِمِثْلِ الْخَبَرِ الَّذِي قَبِلُوا , وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَضَى
(1/359)

أَيْضًا عَمَلٌ مِنْ أَحَدً مِنَ الْأَئِمَّةِ , ثُمَّ وُجِدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ يُخَالِفُ عَمَلُهُ لَتُرِكَ عَمَلُهُ لِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثَبِّتُ بِنَفْسِهِ لَا بِعَمَلِ غَيْرِهِ بَعْدَهُ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَمْ يَقُلِ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَمِلَ فِينَا عُمَرُ بِخِلَافِ هَذَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ , وَلَمْ تَذْكُرُوا أَنْتُمْ أَنَّ عِنْدَكُمْ خِلَافَهُ وَلَا غَيْرُكُمْ , بَلْ صَارُوا إِلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَرْكِ كُلِّ عَمَلٍ خَالَفَهُ , وَلَوْ بَلَغَ عُمَرَ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَمَا صَارَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْوَاهُ لِلَّهِ , وَتَأْدِيَتِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعِلْمِهِ بِأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ , وَأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/360)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ , نا ابْنُ وَهْبٍ , حَدَّثَنِي مَالِكٌ , وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ , وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ رَبِيعَةَ , أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: «عَشْرٌ» قَالَ: كَمْ فِي اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: «عِشْرُونَ» قَالَ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: «ثَلَاثُونَ» قَالَ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: «عِشْرُونَ» قَالَ رَبِيعَةُ: حِينَ عَظُمَ جَرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ
(1/360)

عَقْلُهَا؟ قَالَ: «أَعِرَاقِيُّ أَنْتَ؟» قَالَ رَبِيعَةُ: عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ قَالَ «يَا ابْنَ أَخِي , إِنَّهَا السُّنَّةُ» هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مُبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ لِفُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , هُوَ: أَنَّ عَقْلَ جِرَاحَاتِ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ , فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ , وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ , وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ , إِذَا رَأَوَا الْعَمَلَ بِهَا عَلَى شَيْءٍ قَالُوا: هُوَ: سُنَّةٌ , يُرِيدُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ إِنَّمَا تُلُقِّيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِكَوْنِهِ بِالْمَدِينَةِ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ , وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَذْهَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى غَيْرِ قَوْلِهِمْ , فَإِنَّ احْتِجَاجَنَا مِنْ خَبَرِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إِنَّمَا هُوَ بِتَرْكِهِ مَا يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ مِنْ أَنَّ الْجِرَاحَاتِ كُلَّمَا كَثُرَتِ اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ فِي الْعَقْلِ عَلَى مَا نُقِضَ عَنْهَا , وَأَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ تَرَكَ الْقِيَاسَ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ السُّنَّةُ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِصَرِيحِهِ , وَالْقِيَاسُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ , وَالصَّرِيحُ أَقْوَى , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ أَوْلَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِيَاسَ يُفْتَقَرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ
(1/361)

وَالثَّانِي: فِي الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ , لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِذَا ثَبَتَتِ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ , لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا فِي الْفَرْعِ , إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ , وَالِاجْتِهَادُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ فِي ثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي , فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُهُ مِنْ طَرِيقٍ يُوجِبُ الظَّنَّ لَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى خَبَرِهِ , وَلَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ آخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ , وَلِأَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ صِدْقِهِ فِي الظَّاهِرِ أَجْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ , لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ فِي اتِّبَاعِ الطَّاعَاتِ , وَتَحَرَّي الصِّدْقِ , وَتَجَنُّبِ الْإِثْمِ , فَتَدُلُّ هَذِهِ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ لِلصِّدْقِ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِدْلَالِ الْقَائِسِ وَصِدْقِ الرَّاوِي مُغَيَّبٌ عَنْهُ , فَهُوَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ مُسْتَدَلٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي بِمَا يُعْلَمُ مِنْ أَفْعَالِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ , كَمَا أَنَّ الْقِيَاسَ مُسْتَدَلٌّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ حَكَمَ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَقَصَدَهُ , فَيَكُونُ ثُبُوتُ قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ , كَثُبُوتِ صِدْقِ الرَّاوِي , وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا
(1/362)

فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ قَالَ مَنْ يُحْتَجُّ لَهُمْ: إِذَا عَمَّ الْبَلْوَى , كَثُرَ السُّؤَالُ , وَإِذَا كَثُرَ السُّؤَالُ , كَثُرَ الْجَوَابُ , وَيَكُونُ النَّقْلُ عَلَى حَسَبِ الْبَيَانِ , فَإِذَا نُقِلَ خَاصًّا عُلِمَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهِ , أَنَّهُ خَبَرٌ عَدْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ مِمَّا لَا طَرِيقَ فِيهِ لِلْعِلْمِ وَلَا يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ , فَوَجَبَ
(1/362)

الْعَمَلُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى , وَلِأَنَّ شُرُوطَ الْبُيُوعِ وَالْأَنْكِحَةِ , وَمَا يَعْرِضُ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ , وَالْمَشْيَ مَعَ الْجِنَازَةِ , وَبَيْعَ رِبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَتَهَا , وَوُجُوبَ الْوِتْرِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَدْ أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ السُّؤَالَ يَكْثُرُ عَنْهُ , فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ النَّقْلَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْبَيَانِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ دَوَاعِيهُمْ مُخْتَلِفَةً , وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ وَيُؤْثِرُ عَلَيْهَا الِاشْتِغَالَ بِالْجِهَادِ , وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ أَبَى وَقَّاصٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَرُوِي: إِلَّا حَدِيثًا حَتَّى رَجَعَ وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِالظَّنِّ وَرُجُوعِ الْعَامَّةِ إِلَى اجْتِهَادِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيُلْقِي الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ إِلْقَاءً خَاصًّا فَلَا يَظْهَرُ , وَيَكُونُ مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرُهُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهَادِ , وَطَلَبُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ يُبْطِلُ بِمَا وَصَفْنَاهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي أَثْبَتَهَا مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ , وَكُلُّ جَوَّابٍ لَهُ عَنْهَا فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا ذَكَرَهُ
(1/363)

ذِكْرُ مَا رُوِيَ مِنْ رُجُوعِ الصَّحَابَةِ عَنْ آرَائِهِمُ الَّتِي رَأَوْهَا إِلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا
(1/364)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا الزُّهْرِيُّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدٍ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا , حَتَّى قَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ: " كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا " فَرَجَعَ عُمَرُ - زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: - عَنْ قَوْلِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ
(1/364)

أنا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , [ص:365] عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ , عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْأَصَابِعِ بِقَضَاءٍ ثُمَّ أُخْبِرَ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ حَزْمٍ: «فِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» فَأَخَذَ بِهِ , وَتَرَكَ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ
(1/364)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِيٍّ , أَخْبَرَكُمْ يُوسُفُ الْقَاضِي , نا مُسَدَّدٌ , نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ , أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ»
(1/365)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا غَيْرُ وَاحِدٍ , مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ أَحَدُنَا فَأَكْسَلَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيُصَلِّ»
(1/365)

وَقَالَ: أنا الشَّافِعِيُّ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ يُنْزِلْ غُسْلٌ ثُمَّ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ» - أَيْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ
(1/366)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاسٍ الْخَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَإِنَّمَا بَدَأْتُ بِحَدِيثِ أُبَيٍّ فِي قَوْلِهِ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ وَنُزُوعِهِ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَسْمَعْ خِلَافَهُ فَقَالَ بِهِ , ثُمَّ لَا أَحْسِبُهُ تَرَكَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْدَهُ مَا نَسَخَهُ قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ظَنَّهُ الشَّافِعِيُّ , قَدْ رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وقَفَهُ عَلَيْهِ تَوْقِيفًا مُبَيَّنًا
(1/366)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْرَقُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [ص:367] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ , نا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: نا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي , كَانُوا يُفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ , كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ فَزَادَ: ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ
(1/366)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْجَوْهَرِيُّ , أنا الرَّبِيعُ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ طَاوُسٍ , قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَتُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ , قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟» فَقَالَ: لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا , فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ: هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: «مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ» [ص:368] قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعَ زَيْدٌ النَّهْيَ أَنْ يَصْدُرَ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ , وَكَانَتِ الْحَائِضُ عِنْدَهُ مِنَ الْحَاجِّ الدَّاخِلِينَ فِي ذَلِكَ النَّهْيِ , فَلَمَّا أَفْتَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالصَّدْرِ , إِذَا كَانَتْ قَدْ زَارَتْ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ زَيْدٌ , فَلَمَّا أَخْبَرَهُ عَنِ الْمَرْأَةِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ , فَسَأَلَهَا , فَأَخْبَرَتْهُ , صَدَّقَ الْمَرْأَةَ وَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَمَا لِابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ غَيْرُ خَبَرِ امْرَأَةٍ
(1/367)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا حَفْصُ بْنُ عَمْرِو الرَّبَالِيُّ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدٍ , ونَافِعٍ , أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ , كَانَ يُكْرِي أَرْضَ آلِ عُمَرَ , فَسَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» فَتَرَكَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ
(1/368)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ عَلِيٍّ الرِّبْعِيَّ - نا أَبُو الْجَوْزَاءِ غَيْرَ [ص:369] مَرَّةٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ , فَقَالَ: «يَدًا بِيَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ» ثُمَّ حَجَجْتُ مَرَّةً أُخْرَى , وَالشَّيْخُ حَيُّ , فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ قَالَ: «وَزْنًا بِوَزْنٍ» , قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ كُنْتَ أَفْتَيْتَنِي اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ , فَلَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهِ مُنْذُ أَفْتَيْتَنِي قَالَ: «كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ , وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَرَكْتُ رَأْيِي لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/368)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو عَوْفٍ , قَالَ: نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الشَّعْثَاءِ: مَوْلًى لِابْنِ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: «أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصَّرْفِ , إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رَأَيًا رَأَيْتُهُ , وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/369)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الصَّحَابِيِّ يَرْوِي حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِخِلَافِهِ إِذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا , ثُمَّ رَوَى عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ خِلَافَ لَمَّا رَوَى , فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ , وَتَرْكُ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ , أَوْ فُتْيَاهُ , لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا قَبُولُ نَقْلِهِ وَنَذَارَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا قَبُولَ رَأْيِهِ كَمَا:
(1/370)

أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الدَّلَّالُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , نا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ , بِالرَّقَّةِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا الْمُعْتَمِرُ , عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الْبُنَانِيِّ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ , أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ , كَانَ يُفْتِيهِمْ بِالْمَسْحِ وَيَخْلَعُ , فَقِيلَ لَهُ , فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ وَلَكِنْ حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ» وَقَالَ النِّجَادُ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , وَلِأَنَّ الصَّاحِبَ قَدْ يَنْسَى مَا رُوِيَ فِي وَقْتِ فُتْيَاهُ كَمَا:
(1/370)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ , نا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ إِمْلَاءً فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ , نا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ , نا عَمِّي , نا أَبِي [ص:371] عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنِ الْمُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ , فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ , وَإِنَّمَا الصَّدَقَاتُ فِيمَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى أَوْ مَكْرُمَةً لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا , فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ» قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ , فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدُقَاتِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَتْ: أَوَ مَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «وَأَنَّى ذَلِكَ؟» قَالَ: فَقَالَتْ: أَوَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20] ؟ قَالَ: فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْرًا , كُلُّ إِنْسَانٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ» , ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدُقَاتِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ وَطَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ»
(1/370)

وَكَمَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , وَأَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ , نا يُونُسُ: هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا حَيَّانُ يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّ , قَالَ: سُئِلَ لَاحْقُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو مِجْلَزٍ , وَأَنَا شَاهِدٌ , عَنِ الصَّرْفِ , فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ , حَتَّى لَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ , فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ حَتَّى مَتَى تَوَكِّلُ النَّاسَ الرِّبَا؟ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَتِهِ: «إِنِّي أَشْتَهِي تَمْرَ عَجْوَةٍ» وَإِنَّهَا بَعَثَتْ بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ عَتِيقٍ إِلَى مَنْزِلِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ , فَأُوتِيَتْ بَدَلَهُمَا تَمْرَ عَجْوَةٍ , فَقَدَّمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبَهُ , فَتَنَاوَلَ تَمْرَةً ثُمَّ أَمْسَكَ فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟» قَالَتْ: بَعَثْتُ بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ عَتِيقٍ إِلَى مَنْزِلِ فُلَانٍ , فَأَتَيْنَا بَدَلَهُمَا مِنْ هَذَا الصَّاعِ الْوَاحِدِ , فَأَلْقَى التَّمْرَةَ مِنْ يَدِهِ , وَقَالَ: «رُدُّوهُ رُدُّوهُ , لَا حَاجَةَ فِيهِ , التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ , وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ , وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ , وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ , يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ , فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَرْبَا , فَكُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ» فَقَالَ: ذَكَّرْتَنِي يَا أَبَا سَعِيدٍ أَمْرًا نَسِيتُهُ , اسْتَغْفِرُ اللَّهَ [ص:373] وَأَتُوبُ إِلَيْهِ , وَكَانَ يَنْهَى بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْنِي عَنْهُ - أَشَدَّ النَّهْيِ وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَا رُوِيَ إِلَّا أَنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِيهِ تَأْوِيلًا يَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ , كَمَا تَأَوَّلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ , وَهَى الَّتِي رَوَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ , فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ , وَأَقَرَّتْ صَلَاةَ السَّفَرِ , وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِالصَّاحِبِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَسْخٌ لَمَّا رَوَى أَوْ تَخْصِيصٌ فَيَسْكُتُ عَنْهُ , وَيُبَلِّغُ إِلَيْنَا الْمَنْسُوخَ وَالْمَخْصُوصَ دُونَ الْبَيَانِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدَ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ صَحَابَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا
(1/372)

بَابُ تَعْظِيمِ السُّنَنِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا وَالتَّسْلِيمِ لَهَا وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهَا وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا
(1/374)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , نا جُوَيْبِرُ , عَنْ طَلْحَةَ بْنِ السَّحَّاجِ , قَالَ: كَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ الْقُرَشِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ أَمِيرُ فَارِسٌ عَلَى جُنْدٍ: إِنَّا قَدِ اسْتَقْرَرْنَا فَلَا نَخَافُ عَدُوًّا , وَقَدْ أُتِيَ عَلَيْنَا سَبْعَ سِنِينَ , فَقَدْ وُلِدَ لَنَا الْأَوْلَادُ فَكَمْ صَلَاتُنَا؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ صَلَاتَكُمْ رَكْعَتَانِ , فَأَعَادَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ بِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي , وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
(1/374)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الدُّورِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبُسْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ حُصَيْنٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , [ص:375] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
(1/374)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ , نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: " الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ: إِلَى كِتَابِهِ , وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ إِذَا قُبِضَ: إِلَى سُنَّتِهِ "
(1/375)

أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحُ الْخَزَّازُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النِّيرِيِّ , نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ , نا وَكِيعٌ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى كِتَابِهِ» , وَإِلَى الرَّسُولِ مَا دَامَ حَيًّا , فَإِذَا قُبِضَ فَإِلَى سُنَّتِهِ "
(1/375)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عِيسَى بْنِ يَحْيَى الْبَلَدِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الحَنَّاطُ , بِالْمَوْصِلِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْمُثَنَّى , نا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى كِتَابِ اللَّهِ , وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/376)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ , عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ , فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ» قَالَ سَالِمٌ: وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ
(1/376)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ [ص:377] الدِّمَشْقِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ , يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْقَاضِي الْمَيَانِجِيُّ , نا أَبُو يَعْلَى , أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , نا حَجَّاجٌ , نا شَرِيكٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ - أُرَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , - قَالَ: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ يُرِيدُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ ‍ أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَقُولُونَ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ "
(1/376)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا أَبُو الرَّبِيعٍ الزَّهْرَانِيُّ , نا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - نا أَيُّوبُ , عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ , قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَضْلَلْتَ النَّاسَ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ يَا عُرَيَّةُ؟» قَالَ: تَأْمُرُ بِالْعُمْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْعَشْرِ , وَلَيْسَتْ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ , فَقَالَ: «أَوَلَا تَسْأَلُ أُمَّكَ عَنْ ذَلِكَ؟» فَقَالَ عُرْوَةُ: فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرُ لَمْ يَفْعَلَا [ص:378] ذَلِكَ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هَذَا الَّذِي أَهْلَكَكُمْ - وَاللَّهِ - مَا أَرَى إِلَّا سَيُعَذِّبُكُمْ , إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَجِيئُونِي بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» فَقَالَ: عُرْوَةُ: هُمَا وَاللَّهِ كَانَا أَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاتْبَعَ لَهَا مِنْكَ قُلْتُ: قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى مَا وَصَفَهُمَا بِهِ عُرْوَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ أَحَدٌ فِي تَرْكِ مَا ثَبَتَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/377)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ , عَنْ سَلَمَةَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ , " أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ , خَاصَمَ رَجُلًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ , فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا قَضَى لَهُ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمَّتِهِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] "
(1/378)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ قَالَا: أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ , نا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ , نا جَدِّي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو , نا أَبُو يُوسُفَ , نا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ , عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ: الْمَسْحُ حَسَنٌ , وَمَا أَمْسَحُ , أَوْ مَا تَطِيبُ نَفْسِي بِهِ , فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ مَا لَكَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي نَفْسِكَ حَرَجٌ مِمَّا قَالَ , وَتُسَلِّمَ تَسْلِيمًا "
(1/379)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَمَالُ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ الطَّبَّاعِ , يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكٍ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَذَا؟ قَالَ مَالِكٌ: " {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمُ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] "
(1/379)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَعْفَرِيُّ , قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ إِلَى رَبِيعَةَ قَالَ: فَتَذَكَّرُوا يَوْمًا السُّنَنَ , فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَثُرَ الْجُهَّالُ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الْحُكَّامُ أَفَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى السُّنَّةِ؟» قَالَ رَبِيعَةُ: «أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كَلَامُ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ»
(1/380)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مُسْلِمٌ , وَعَبْدُ الْمَجِيدِ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ , أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ , فَنَهَاهُ عَنْهُمَا، قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ مَا أَدَعُهُمَا , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] "
(1/380)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ , عَنْ طَاوُسٍ , قَالَ: رَآنِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا أُصَلِّي , بَعْدَ الْعَصْرِ فَنَهَانِي , فَقُلْتُ [ص:381]: إِنَّمَا كَرِهْتُ أَنْ تَتَّخِذَ سُلَّمًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ» , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضُلَّالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] , وَمَا أَدْرِي تُعَذَّبُ عَلَيْهَا أَمْ تُؤْجَرُ
(1/380)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا أَبُو الْإِصْبَعِ الْقَرْقَسَانِيُّ , نا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ الْحَرَّانِيُّ , نا عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ صَلَّى بَعْدَ النِّدَاءِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ , فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ فَحَصَبَهُ , ثُمَّ قَالَ: «إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ يَعْلَمُ فَلْيَسْأَلْ , إِنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» قَالَ: فَانْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ , أَتَخْشَى أَنْ يُعَذِّبُنِيَ اللَّهُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «بَلْ أَخْشَى أَنْ يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ»
(1/381)

أنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مَزْيَدٍ الْخَشَّابُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ , نا أَبُو جَعْفَرٍ , [ص:382] وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَنْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَيُّوبَ: أَنَّهُ قَالَ -: «إِنَّا نَقْتَدِي وَلَا نَبْتَدِئُ , وَنَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ , وَإِنَّ أَفْضَلَ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ»
(1/381)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ الْخُرْقِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: " تَدْرُونَ مَا الْأَثَرُ؟ الْأَثَرُ: أُفْتِي بِالشَّيْءِ , فَيُقَالُ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِمَا أَفْتَيْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْأَعْمَشُ , فَيُؤْتَى بِالْأَعْمَشِ , فَيُقَالُ: حَدَّثْتَهُ بِهَذَا؟ فَيُحِيلُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ , وَيُحِيلُ إِبْرَاهِيمُ عَلَى عَلْقَمَةَ , حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مُنْتَهَاهُ "
(1/382)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الْعُكْبَرِيُّ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ أَبُو الْقَاسِمِ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , يَقُولُ: «مَا قَلَّتِ الْآثَارِ فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَهْوَاءُ , وَإِذَا قَلَّتِ الْعُلَمَاءُ ظَهَرَ فِي النَّاسِ الْجَفَاءُ»
(1/383)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعُلَا , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , نا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مَالُكِ بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ»
(1/383)

وَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بَعْدَ السُّنَّةِ فِي ضَلَالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى , وَلَا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلَالَةً , قَدْ بُيِّنَتِ الْأُمُورُ , وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ , وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ»
(1/383)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الصُّوفِيُّ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَيَادِيُّ قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ الْعَطَّارُ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ , عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ بَشِيرٌ: فَقُلْتُ: إِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا وَإِنَّ مِنْهُ عَجْزًا , فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَجِيئنِي بِالْمَعَارِيضِ لَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ مَا عَرَفْتُكَ فَقِيلَ يَا أَبَا نُجَيْدٍ: إِنَّهُ طَيِّبُ الْهَوَى , وَإِنَّهُ وَإِنَّهُ , فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى سَكَنَ وَحَدَّثَ
(1/384)

أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ , وَلَوْ مِنْ ثَوْرٍ مِنْ أَقِطٍ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: إِنَّا لَنَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ وَقَدْ أُغْلِيَ عَلَى النَّارِ , وَإِنَّا لَنَدَّهِنُ بِالدُّهْنِ وَقَدْ طُبِخَ عَلَى النَّارِ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ [ص:385]: يَا ابْنَ أَخِي: إِذَا سَمِعْتَ بِالْحَدِيثِ يُحَدَّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الْأَمْثَالَ
(1/384)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الزَّاهِدُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ , يَقُولُ: «سَلِّمُوا لِلسُّنَّةَ وَلَا تُعَارِضُوهَا»
(1/385)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْدَانَ , وَأَنَا أَسْمَعُ , حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , أنا أَبُو الرَّبِيعِ , حَدَّثَنَا حَمَّادٌ , نا أَيُّوبُ , قَالَ: سَأَلَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الزُّهْرِيُّ - وَأَنَا شَاهِدٌ , - عَلَى عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ: السُّنَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا , فَقَالَ: الْحَكَمُ: مَا يَقُولُ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا قَالَ: فَغَضِبَ , وَقَالَ: يَأْتِيَكُمُ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ تَعْرِضُونَ لَهُ بِرَأْيِِكُمْ؟ ‍ قَالَ: «إِنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ , فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحَرَّةِ»
(1/385)

أنا أَبُو يَعْلَى , أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَكِيلُ , أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعْبَةَ الْمَرْوَزِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ , نا [ص:386] أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ , يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ , فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ عِنْدَهُ , مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ: «أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,» - يَعْنِي هَدْيَهُ - , وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْأَشْعَارُ مُثْلَةٌ قَالَ: فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا , فَقَالَ: " أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ , مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ , ثُمَّ لَا تَخْرُجُ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا "
(1/385)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , أنا يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ , حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَتْحِ , - عَلَى الْمُذَاكَرَةِ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ , نا بَحْرٌ , نا الشَّافِعِيُّ , قَالَ: «لَقَدْ ضَلَّ مَنْ تَرَكَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُ»
(1/386)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , بُلْبُلٌ , نا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ , يَقُولُ: «مَنْ تَرَكَ حَدِيثًا مَعْرُوفًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ , وَأَرَادَ لَهُ عِلَّةً أَنْ يَطْرَحَهُ فَهُوَ مُبْتَدَعٌ»
(1/386)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا أَبُو عُثْمَانَ الصَّيَّادُ سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ , نا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: قَالَ لِي الْأَوْزَاعِيُّ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ , إِذَا بَلَغَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ فَلَا تَظُنَّنَّ غَيْرَهُ , وَلَا تَقُولَنَّ غَيْرَهُ , فَإِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا كَانَ مُبَلِّغًا عَنْ رَبِّهِ»
(1/387)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ بنَيْسَابُورَ , نا أَبُو أَحْمَدَ , مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابُورَ الدَّقِيقِيُّ بِبَغْدَادَ , نا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ , وَذُكِرَ , عِنْدَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ - فَجَعَلَ يُعَظِّمُ مِنْ أْمَرِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ , إِنْ كَانَ لَمُتَّبِعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَالَ سُفْيَانُ: «مِلَاكُ الْأَمْرِ الِاتِّبَاعُ»
(1/388)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الطِّرَازِيُّ بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو حَامِدٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ السَّرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ الْمِصِّيصِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ , يَقُولُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: «لَوْلَا الشُّهْرَةُ لَصَلَّيْتُ , ثُمَّ تَسَحَّرْتُ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/389)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِيسَى الدَّعَّاءُ , أنا إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْأَزْدِيَّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيَّ , يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوْ بَلَغَنَا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَزِيدُوا فِي الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ أَظْفَارِهِمْ , لَمَا زِدْنَا عَلَيْهِ» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ: يُرِيدُ أَنَّ الدِّينَ الِاتِّبَاعُ
(1/389)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّقِّيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , وَسَأَلَهُ , رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: يُرْوَى فِيهَا كَذَا وَكَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَقُولُ بِهِ؟ فَرَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ أَرْعَدَ وَانْتَقَصَ , فَقَالَ: «يَا هَذَا , أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي , وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي , إِذَا رَوَيْتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فَلَمْ أَقُلْ بِهِ؟ نَعَمْ عَلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ , نَعَمْ عَلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ»
(1/389)

وَقَالَ أنا الرَّبِيعُ , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , وَقَدْ رَوَى حَدِيثًا , فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مِنْ حَضَرَ: تَأْخُذُ بِهَذَا؟ فَقَالَ: «إِذَا رَوَيْتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا فَلَمْ آخُذْ بِهِ فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَقْلِيَ قَدْ ذَهَبَ» - وَمَدَّ يَدَيْهِ -
(1/389)

أنا أَبُو سَعِيدٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «إِذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَعُوا مَا قُلْتُ»
(1/389)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ , فِي كِتَابِهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ , يَقُولُ: «الطُّرُقُ كُلَّهَا مَسْدُودَةٌ عَلَى الْخَلْقِ إِلَّا مَنِ اقْتَفَى أَثَرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاتَّبَعَ سُنَّتَهُ وَلَزِمَ طَرِيقَتَهُ , فَإِنَّ طُرُقَ الْخَيْرَاتِ كُلَّهَا مَفْتُوحَةٌ عَلَيْهِ»
(1/389)

مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْمُخَاطَبَةِ لِمَنْ عَارَضَ السُّنَّةَ بِالْمُخَالَفَةِ
(1/390)

أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , نا غَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ , نا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ , عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَذْفِ , وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَصِيدُ صَيْدًا , وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ , وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ , وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ فَنَقَدَ حَصَاةً , فَقَالَ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخْذُفُ؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ الْفَصِيحَ أَبَدًا
(1/390)

أنا ابْنَا بِشْرَانَ: عَلِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ قَالَا: أنا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ , وَأَنَا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَفَّارُ , ومُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيَّادُ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ خُزَاعِيِّ بْنِ زِيَادٍ , عَنْ [ص:391] جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَخْذِفُوا فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ الصَّيْدُ , وَلَا يَنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ وَلَكِنْ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» , فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ , مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقُولُ مَا هَذَا وَمَا هَذَا؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ مِنْ رَأْسِي , مَا عَرَفْتُكَ كَذَا قَالَ الْحَارِثُ: عَنْ خُزَاعِيٍّ عَنْ جَدِّهِ
(1/390)

وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ خُزَاعِيِّ بْنِ زِيَادٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَخْذِفُوا فَإِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ الصَّيْدُ , وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ , وَلَكِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ وَنَقَدَ بِهِ , فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَقُولُ مَا هَذَا مَرَّتَيْنِ؟ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْ رَأْسِي مَا عَرَفْتُكَ
(1/391)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو [ص:392] بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ , نا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ , أنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ , أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ , حَدَّثَنِي أَبُو السَّوَّارِ , قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: فِي الْحِكْمَةِ مَكْتُوبٌ: إِنَّ مِنْهُ وَقَارًا , وَإِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا , فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتُحَدِّثُنِي عَنِ الصُّحُفِ , وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكُمُ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ
(1/391)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زِرْقَوَيْهِ , أنا أَبُو أَحْمَدَ , حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الدِّهْقَانُ , وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ: قَالَا: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ , وَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ , إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرُ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَخِيتٍ الدَّقَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , نا عِيسَى بْنُ مِينَاءٍ الْمَدَنِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: " إِنَّ السُّنَنَ لَا تُخَاصَمُ , وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتْبَعَ بِالرَّأْيَ وَالتَّفْكِيرَ , وَلَوْ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ لَمْ يَمْضِ يَوْمٌ إِلَّا انْتَقَلُوا مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ , وَلَكِنَّهُ
(1/392)

يَنْبَغِي لِلسُّنَنِ أَنْ تُلْزَمَ وَيُتَمَسَّكَ بِهَا عَلَى مَا وَافَقَ الرَّأْيَ أَوْ خَالَفَهُ وَلَعَمْرِي إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ , وَمُجَانَبَتِهِ خِلَافًا بَعِيدًا , فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا , وَلِمِثْلِ ذَلِكَ وَرِعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَكَفَّهُمْ عَنِ الرَّأْيِ , وَدَلَّهُمْ عَلَى غَوْرِهِ وَغَوْرَتِهِ , إِنَّهُ يَأْتِي الْحَقُّ عَلَى خِلَافِهِ فِي وُجُوهٍ غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ قَطْعَ أَصَابِعِ الْيَدِ مِثْلُ قَطْعِ الْيَدِ مِنَ الْمِنْكَبِ , أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهَا مِثْلُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ الْوَرِكِ , أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ فِيَ الْعَيْنَيْنِ إِذَا فُقِئَتَا مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ أَشْرَافِ الْأُذُنَيْنِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهِمَا , أَيَّ ذَلِكَ أُصِيبَ فَفِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ فِيَ شَجَّتَيْنِ مُوَضَّحَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ , وَمَا بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ فَإِنْ جُرِحَ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى تُقَامَ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى , كَانَ أَعْظَمَ لِلْجُرْحِ بِكَثِيرٍ , وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حِينَئِذٍ إِلَّا خَمْسُونَ دِينَارًا وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ تُقْضَى الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ وَمِنْ ذَلِكَ رَجُلَانِ قُطِعَتْ أُذُنَا أَحَدِهِمَا جَمِيعًا , يَكُونُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا , وَقُتِلَ الْآخَرُ فَذَهَبَتْ أُذُنَاهُ وَعَيْنَاهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ , وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ
(1/393)

لَيْسَ لَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا , مِثْلُ الَّذِي لَمْ يُصِبْ إِلَّا أَشْرَافَ أُذُنَيْهِ فِي أَشْبَاهِ هَذَا غَيْرِ وَاحِدَةٍ فَهَلْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ لُزُومِ هَذَا؟ وَأَيُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ يَسْتَقِيمُ عَلَى الرَّأْيِ أَوْ يَخْرُجُ فِي التَّفْكِيرِ؟ وَلَكِنَّ السُّنَنَ مِنَ الْإِسْلَامِ , بِحَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ هِيَ مِلَاكُ الدِّينِ وَقِيَامُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ , وَأَيُّ قَوْلٍ أَجْسَمُ وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ , مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ , فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا , أَمْرًا بَيْنَنَا: كِتَابَ اللَّهِ , وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَقَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا , وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ كُنَّا لَنَلْتَقِطُ السُّنَنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالثِّقَةِ , وَنَتَعَلَّمُهَا شَبِيهًا بِتَعْلِيمِنَا آيِ الْقُرْآنِ , وَمَا بَرِحَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ أَشَدَّ الْعَيْبِ , وَيَنْهَوْنَنَا عَنْ لِقَائِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ , وَيُحَذِّرُونَنَا مُقَارَبَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ , وَيُخْبِرُونَنَا أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَتَحْرِيفٍ , بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَنَاحِيَةَ التَّنْقِيبِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْأُمُورِ وَزَجْرِ عَنْ ذَلِكَ وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ أَنْ قَالَ
(1/394)

: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ , فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ , وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ بِهِ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَأَيُّ أَمْرٍ أَكُفُّ لِمَنْ يَعْقِلُ عَنِ التَّنْقِيبِ مِنْ هَذَا؟ ‍ وَلَمْ يَبْلُغِ النَّاسُ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْكَشْفِ عَنِ الْأُمُورِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِمَّا بَلَغُوا الْيَوْمَ , وَهَلْ هَلَكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَخَالَفُوا الْحَقَّ إِلَّا بِأَخْذِهِمْ بِالْجَدَلِ , وَالتَّفْكِيرِ فِي دِينِهِمْ , فَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى دِينِ ضَلَالٍ وَشُبْهَةٍ جَدِيدَةٍ لَا يُقِيمُونَ عَلَى دِينٍ , وَإِنَّ أَعْجَبَهُمْ إِلَّا نَقَلَهُمُ الْجَدَلُ وَالتَّفْكِيرُ إِلَى دِينٍ سِوَاهُ , وَلَوْ لَزِمُوا السُّنَنَ وَأَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكُوا الْجَدَلَ لَقَطَعُوا عَنْهُمُ الشَّكَّ , وَأَخَذُوا بِالْأَمْرِ الَّذِي حَضَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَضِيَهُ لَهُمْ , وَلَكِنَّهُمْ تَكَلَّفُوا مَا قَدْ كُفُوًا مُؤْنَتَهُ وَحَمَلُوا عَلَى عُقُولِهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ عُقُولُهُمْ , وَحَقٌّ لَهَا أَنَّ تَقْصُرَ عَنْهُ وَتَحْسَرَ دُونَهُ , فَهُنَالِكَ تَوَرَّطُوا وَأَيْنَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْعِبَادَ مِنَ الْعِلْمِ فِي قِلَّتِهِ وَزَهَادَتِهِ مِمَّا تَنَاوَلُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] , وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مَا عَيَّرَ أَوْ غَيَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ , مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ الَّذِي لَقِيَهُ فَقَالَ: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] , فَكَانَ مِنْهُ فِي خَرْقِهِ السَّفِينَةَ , وَقَتْلِهِ الْغُلَامَ , وَبِنَائِهِ الْجِدَارَ , مَا قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ , فَأَنْكَرَ مُوسَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ,
(1/395)

وَجَاهُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ مُنْكَرًا لَا تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ , وَلَا يَهْتَدِي لَهُ التَّفْكِيرُ , حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ لِمُوسَى فَعَرَفَهُ , وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ الَّتِي لَا تُوَافِقُ الرَّأْيَ , وَلَا تَهْتَدِي لَهَا الْعُقُولُ , وَلَوْ كَشَفَ لِلنَّاسِ عَنْ أُصُولِهَا لَجَاءَتِ لِلنَّاسِ وَاضِحَةً بَيِّنَةً غَيْرَ مُشْكِلَةً عَلَى مِثْلِ مَا جَاءَ عَلَيْهِ أَمْرُ السَّفِينَةِ وَأَمْرُ الْغُلَامِ وَأَمْرُ الْجِدَارِ , فَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى يَعْتَبِرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ , وَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا , وَمَنْ أَجْهَلُ وَأَضَلُّ وَأَقَلُّ مَعْرِفَةً بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَبِنُورِ الْإِسْلَامِ وَبُرْهَانِهِ مِمَّنْ قَالَ لَا أَقْبَلُ سُنَّةً وَلَا أَمْرًا مَضَى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُكْشَفَ لِي غَيْبُهُ وَأَعْرِفَ أُصُولَهُ؟ أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ , فَكَانَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَفِعْلُهُ , وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
(1/396)

الْكَلَامُ فِي الْأَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ: إِجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ مِنْ حِجَجِ الشَّرْعِ وَدَلِيلٌ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ , مَقْطُوعٌ عَلَى مَغِيبِهِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَيَّارٍ النَّظَّامُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ وَقَالَتِ الرَّافِضَةُ: الْإِجْمَاعُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ , وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ قَوْلُ الْإِمَامِ وَحْدَهُ ,
(1/397)

وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَهُمْ بِمَا: أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَّافُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ الصَّائِغَ - نا عَفَّانُ , نا شُعْبَةُ , أَخْبَرَنِي أَبُو عَوْنٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ , عَنْ مُعَاذٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ , وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ [ص:398] رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَالُوا: فَذَكَرَ الْأَدِلَّةَ , وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْإِجْمَاعُ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَذَكَرَهُ
(1/397)

وَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شُعْبَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ , يُحَدِّثُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا جَرِيرُ اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» - يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ -: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
(1/398)

وَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ [ص:399] سَلْمَانَ النِّجَادُ , إِمْلَاءً , نا أَبُو الْأَحْوَصِ , مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ حَمَّادٍ الْقَاضِي , نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , نا أَبُو غَسَّانَ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ مُطَرِّفٍ - قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ , وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ , حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ؟» قَالُوا: وَمَا ذَكَرَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْخَطَأِ جَائِزٌ عَلَى الْأُمَّةِ قَالُوا: وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ بِانْفِرَادِهِ , فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْفَرِدِ , لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ بِرَأْيِهِ الْمُعَرَّضِ لِلْخَطَأِ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا يُحْصَوْنَ , وَلَا يُمْكِنُ سَمَاعُ أَقَاوِيلِهِمْ , وَمَالَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ دَلِيلًا عَلَى شَرِيعَتِهِ وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ صَحِيحٍ , وَحُجَّتُنَا فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتْبَعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]
[ص:400] , وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ , أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى , تُوَعَّدَ أَتْبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ سَبِيلَهُمْ وَاجِبٌ وَمُخَالَفَتُهُمْ حَرَامٌ فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ دَلِيلٌ عِنْدَنَا كَالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ , وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ , وَعَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ , وَإِنَّمَا هُوَ احْتِجَاجٌ بِتَقْسِيمٍ عَقْلِي , لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ , وَبَيْنَ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ قِسْمٌ ثَالِثٌ , وَإِذَا حَرَّمَ اللَّهُ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَبَ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ , وَهَذَا وَاضِحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَإِنْ قَالَ: إِنَّمَا تُوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى مُشَاقَةِ الرَّسُولِ وَهِيَ مُخَالَفَتُهُ , وَعَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ التَّوَعُّدُ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِانْفِرَادِهِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مُشَاقَةَ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ بِانْفِرَادِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ , وَلِأَنَّ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا بِانْفِرَادِهِ , لَمْ يَحْرُمْ مَعَ مُشَاقَةِ الرَّسُولِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ فَإِنْ قَالَ: أَهْلُ الْعَصْرِ هُمْ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ [ص:401] فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَهُمْ , لِأَنَّ التَّكْلِيفَ فِي ذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَلَا تَكْلِيفَ فِي الْآخِرَةِ , وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا زَادَ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ , كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ , وَلِأَنَّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً هُمُ المَوْجُودُونَ فِي العَصْرِ , لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا , وَمَنْ خُلِقَ وَمَاتَ فَلَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا حَقِيقَةً , وَإِنَّمَا كَانَ مُؤْمِنًا
(1/398)

وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ
(1/406)

كَذَلِكَ أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] قَالَ: عَدْلًا " قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {قَالَ أَوْسَطُهُمْ [ص:407] أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28]
(1/406)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ الْمُقْرِئُ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُكَيْرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] «أَيْ خَيْرُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ قَوْلًا» وَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّ الْأُمَّةَ عَدْلٌ , لَمْ تَجُزْ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ لِأَنَّهُ لَا عَدَالَةَ مَعَ الضَّلَالَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ يَجِبُ فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ , وَلَا يَجِبُ فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ:
(1/407)

مَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَقَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ , - عَنْ شُرَيْحٍ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: لَا يُدْعَوْا عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا , وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ وَأَنْ لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ "
(1/407)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ , أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ خَالِدٍ , نا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنْ سَالِمٍ , وَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , أنا أَبُو بَحْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ الْبَرْبَهَارِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , نا خَالِدٌ الْقَرَنِيُّ , نا الْمُعْتَمِرُ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الذَّيَّالِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَجْمَعُ اللَّهُ الْأُمَّةَ» وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَذِهِ الْأُمَّةَ ثُمَّ اتَّفَقَا وَقَالَ: «أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا , وَيَدُ اللَّهِ» - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: «إِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَاتَّبَعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ»
(1/408)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَجَّاجِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ [ص:409] الدِّرْهَمِيُّ , نا مُعْتَمِرٌ , عَنْ سُفْيَانَ , أَوْ أَبِي سُفْيَانَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ , وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» هَكَذَا - وَرَفَعَ يَدَيْهِ - «فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ»
(1/408)

أنا أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَشْنَانِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ , نا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ الْحَضْرَمِيُّ , نا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ , عَنْ حَازِمِ بْنِ عَطَاءٍ أَبِي خَلْفٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ , فَإِذَا رَأَيْتُمُ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ , وَأَبُو بِشْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْلَابِيُّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ
(1/409)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ , نا بَقِيَّةُ , نا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ , عَنْ أَبِي خَلَفٍ الْمَكْفُوفِ , أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ , سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ , فَإِذَا رَأَيْتُمُ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ»
(1/410)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ عَافِيَةَ , نا جَدِّي , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عُقْبَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أُمَّتِي لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ»
(1/410)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ , وَأَبُو الْقَاسِمِ طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَاذَانَ قَالُوا: أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ الْعَطَّارُ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ أَنْ تَسْتَجْمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ كُلُّكُمْ»
(1/410)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْقَطَّانُ , وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ , - بِلَفْظِهِ - قَالَا: نا أَبُو نَصْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الْبَلْخِيُّ - زَادَ ابْنُ الْمُظَفَّرِ: قَدِمَ لِلْحَجِّ - ثُمَّ اتَّفَقَا قَالَ: نا حَازِمُ بْنُ نُوحٍ , - زَادَ ابْنُ أَيُّوبَ أَبُو مُحَمَّدٍ ثُمَّ اتَّفَقَا قَالَ: نا أَبُو مُعَاذٍ خَالِدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: نا نُوحُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ كُلُّكُمْ , أَوْ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ»
(1/411)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّنْعَانِيُّ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ»
(1/411)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّنَاجِيرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ الْأَنْصَارِيُّ , - بِالْكُوفَةِ - نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ , نا أَبِي , نا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْجَرِيرِيِّ , عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ , عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ ضَرِيحٍ الْأَشْجَعِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ , وَالشَّيْطَانُ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ»
(1/412)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُتْبَةَ , أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ , نا بَقِيَّةُ , نا عُمَرُ بْنُ جُعْثُمٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دُوَيْدٍ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ , أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةِ , وَإِيَّاكُمْ وَالْوِحْدَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ»
(1/412)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ , عَنِ ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَامَ بِالْجَابِيَةِ خَطِيبًا , فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا كَقِيَامِي فِيكُمْ , فَقَالَ: «أَكْرِمُوا أَصْحَابِي , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ , حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَحْلِفُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ , وَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ , أَلَا فَمَنْ سَرَّهُ بَحْبَحَةُ الْجَنَّةِ فَيَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ , فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ , وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ , وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ , فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ , وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»
(1/413)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ , حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ , [ص:414] نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , وزُهَيْرٌ , ومَنْدَلٌ , عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ , عَنْ أَبِي الْجَهْمِ , عَنْ خَالِدِ بْنِ وهْبَانَ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا خَلَعَ» - وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ: فَقَدْ خَلَعَ - «رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ»
(1/413)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو أُمَيَّةَ الطُّرَسُوسِيُّ , نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصِّيصِيُّ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ , يُخْبِرُهُ عَامِرٌ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً , وَمَنْ نَكَثَ الْعَهْدَ فَمَاتَ نَاكِثًا فِي الْعَهْدِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ»
(1/414)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , نا مُعْتَمِرٌ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ حَنَشٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ قَائِلٌ بِكَفَّيْهِ هَكَذَا , كَأَنَّهُ يُشِيرُ شَيْئًا , وَقَالَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا أَخْرَجَ مِنْ عُنُقِهِ رَبَقَ الْإِسْلَامِ»
(1/415)

أنا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ الْقَاضِي , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا أَبُو صَالِحٍ , كَاتِبُ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كَتَبَ إِلَيَّ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قَادَ شِبْرٍ , فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ حَتَّى يُرَاجِعَهُ»
(1/415)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ , أنا عَبْدُ اللَّهِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ , عَنْ جَدِّهِ مَمْطُورٍ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - قَالَ أُرَاهُ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِهِ»
(1/416)

نا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , إِمْلَاءً , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْعَبْدِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ , نا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ قِيدَ شِبْرٍ , فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ»
(1/416)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ , وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ قَالَ [ص:417] مُحَمَّدٌ: أنا قَالَ الْآخَرُ: نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَبُو نَصْرٍ عُزَيْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ اللَّيْثِ , قَدِمَ عَلَيْنَا , وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ عُزَيْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ أَبِي اللَّيْثِ الْأَشْرُوسَنِيُّ , نا بِكْرَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغْدَادِيُّ , - زَادَ الصَّيْرَفِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ - ثُمَّ اتَّفَقَا: قَالَ: نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ نَهْشَلٍ , عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ , عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَاقْتُلُوهُ»
(1/416)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , نا أَبُو النَّضْرِ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ فَقَدْ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً»
(1/417)

نا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , - إِمْلَاءً - نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ , [ص:418] نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ , نا أَبِي , نا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ خَوْنٍ الْخُرَسَانِيُّ , عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ عَمِلَ فِي الْجَمَاعَةِ: فَإِنْ أَصَابَ تُقُبِّلَ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ غُفِرَ لَهُ , وَمَنْ عَمِلَ فِي الْفُرْقَةِ , فَإِنْ أَصَابَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ "
(1/417)

أنا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيُّ , أنا مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ , مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ ذَرِيحٍ الْعَكْبَرِيُّ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْعَطَشِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ , نا سَلَّمُ بْنُ سَالِمٍ , عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ , عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَصَابَ , تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ , وَمَنْ أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ , وَمَنْ عَمِلَ فِي الْفُرْقَةِ , فَأَصَابَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ , وَمَنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(1/418)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً , وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ , إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ» قَالَ: «وَهِيَ الْجَمَاعَةُ»
(1/419)

أنا أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ , أنا أَبُو عُمَرَ , مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ [ص:420] الْأَشْعَثِ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ , نا عَمِّي , أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَزْوَانِ الْحِمْصِيَّ , حَدَّثَهُ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ مَوْلَى غِفَارٍ حَدَّثَهُ أَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى وَاحِدَةٍ وَثَمَانِينَ مِلَّةً , وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ مِلَّةً , كُلُّهَا فِي النَّارِ غَيْرُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ» قَالُوا: وَأَيَّةُ مِلَّةٍ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ» قُلْتُ: وَمَنْ رَوَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ مِلَّةً أَكْثَرُ
(1/419)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُوَيْهِ , أُخْبِرُكُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , نا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا جَرِيرٌ , عَنْ سُهَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا , وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا , يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا , وَتُنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ , وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ "
(1/420)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُتْبَةَ , أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ الْحِجَازِيُّ , نا بَقِيَّةُ , عَنْ مُعَانِ بْنِ رِفَاعَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ , وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ , وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ "
(1/421)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْأَثْرَمُ , فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الشَّيْبَانِيُّ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ: «أَنِ اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ أَتَاكَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَاقْضِ بِمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَتَاكَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَسُنُّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْظُرْ مَا الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ , فَإِنْ جَاءَكَ أَمْرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ , فَأَيَّ الْأَمْرَيْنِ شِئْتَ , فَخُذْ بِهِ , إِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ , وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ وَلَا أَرَى التَّأْخِيرَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ»
(1/421)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ الْمَخْزُومِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , - إِمْلَاءً - نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ , نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ , نا الْمَسْعُودِيُّ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ , فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ , وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ , ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ , فَاخْتَارَ أَصْحَابَهُ , فَجَعَلَهُمْ وزَرَاءَ نَبِيِّهِ وَأَنْصَارَ دِينِهِ , فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ , وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ»
(1/422)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزَاذْوَارِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ [ص:423] يَزِيدَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ , وَمَا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ»
(1/422)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , نا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ , عَنْ يَسِيرِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَوْصِنِي - حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ - فَقَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ , فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لَيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ»
(1/423)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عُتْبَةَ , نا بَقِيَّةُ , نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , عَنِ ابْنِ حَلْبَسٍ , قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا اللَّهَ , وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ , فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لَيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/423)

عَلَى ضَلَالَةٍ» قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ابْنُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ كُلَّهَا أَخْبَارُ آحادٍ , فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ شَرْعِيَّةٌ , فَطَرِيقُهَا مِثْلُ طَرِيقِ مَسَائِلَ الْفُرُوعِ , وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِ فِيهَا طَرِيقٌ يُمْكِنْهُ الْقَوْلُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَطْعَ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ وَجَوَابٌ آخَرُ , وَهُوَ: أَنَّهَا أَحَادِيثُ تَوَاتُرٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى , لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْكَثِيرَةَ إِذَا وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَرَوَاهُ شَتَّى ومَعْنَاهَا وَاحِدٌ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا كَذِبًا , وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا صَحِيحًا , أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ , إِذَا أَخْبِرُوا بِإِسْلَامِهِمْ , وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ طَارِقٌ قَطْعًا , وَلِهَذَا نَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ جَمِيعَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا مَوْضُوعًا وَجَوَابٌ آخَرُ , وَهُوَ: أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِصِحَّتِهَا وَثُبُوتِهَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُرْوَى فِي كُلِّ عَصْرٍ , وَيُحْتَجُّ بِهَا
(1/424)

فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ رَدَّهَا وَأَنْكَرَهَا , وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ بِصِحَّتِهَا لَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا فَيَقْبَلَهَا قَوْمٌ وَيَرُدَّهَا آخَرُونَ , لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ بِصِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ , فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مُوجِبًا لِصِحَّتِهَا عِلْمًا وَقَطْعًا فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِ الْمُخَالِفِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ , وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يُذْكَرْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ فِي حَيَاتِهِ دُونَهُ , وَقَوْلُهُ بِانْفِرَادِهِ حُجَّةٌ لَا يُفْتَقَرُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ , فَلَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ اعْتِبَارٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , وَبِقَوْلِهِ: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَهُوَ أَنَّهُ خِطَابٌ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ , وَالْبَعْضُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ , وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ خَاصٌّ فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ , وَالْخَاصُّ يَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ: فَهُوَ: أَنَّ عِصْمَةَ الْأُمَّةِ فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ أَثْبَتْنَاهُ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ , فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ الْخَطَأَ فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ , وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ , فَإِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ , وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَهُوَ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ عِنْدَنَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَانَتِ الْعَامَّةُ تَابِعَةٌ لَهُمْ , وَيُمْكِنُ مَعْرِفَةُ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ , لِأَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ حَتَّى صَارَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ لَمْ يَخْفَ أَمْرُهُ عَلَى أَهْلِ
(1/425)

بَلَدِهِ وَجِيرَانِهِ , وَلَمْ يَخْفَ حُضُورُهُ وَغَيْبَتُهُ , وَيُمْكِنُ الْإِمَامُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الْبِلَادِ , وَيَتَعَرَّفَ أَقَاوِيلَ الْجَمِيعِ فَإِنْ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَسْرٍ فِي الْغَزْوِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَحَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَخْفَى , وَإِذَا جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ , لَمْ يَنْعَقِدِ الْإِجْمَاعُ , إِلَّا بِالْوقُوفِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيهِ
(1/426)

بَابُ الْقَوْلِ فِي أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ وَأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى الصَّحَابَةِ خَاصَّةً إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى شَيْءٍ , كَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً , وَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: الْإِجْمَاعُ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] , وَبِقَوْلِهِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] قَالَ: وَهَذَا خِطَابُ مُوَاجِهَةٍ لِلصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ , فَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِمَنْ سِوَاهُمْ قَالَ: وَلِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ الْخَطَأَ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْعِصْمَةُ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ , وَقَدْ ثَبَتَ الشَّرْعُ بِعِصْمَةِ الصَّحَابَةِ فِي إِجْمَاعِهِمْ , وَلَمْ يَثْبُتْ بِعِصْمَةِ غَيْرِهِمْ , فَمَنِ ادَّعَى عِصْمَةَ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ , فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ , وَقَوْلُهُ: إِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَقَوْلُهُ: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا , وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الصَّحَابَةِ وَفِي غَيْرِهِمْ
(1/427)

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَتَيْنِ فَهُوَ: أَنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] , {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 190] , {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] , وَكُلُّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ , فَكَذَلِكَ هَاهُنَا , يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ صِغَارَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَلَغُوا وَصَارُوا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ دَاخِلُونَ فِيهِمَا , فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلِهِ: إِنَّ الشَّرْعَ خَصَّ الصَّحَابَةَ بِالْعِصْمَةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ كُلَّ شَرْعٍ أَثْبَتْنَا بِهِ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ , فَهُوَ عَامٌّ فِي الصَّحَابَةِ , وَغَيْرِهِمْ , فَلَمْ يَصِحُّ مَا قَالَهُ
(1/428)

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَمَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُعْرَفُ بِقَوْلٍ , وَبِفِعْلٍ , وَبُقُولٍ وَإِقْرَارٍ , وَبِفِعْلٍ وَإِقْرَارٍ فَأَمَّا الْقَوْلُ: فَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ قَوْلُ الْجَمِيعِ عَلَى الْحُكْمِ , بِأَنْ يَقُولُوا كُلُّهُمْ , هَذَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ وَأَمَّا الْفِعْلُ: فَهُوَ أَنْ يَفْعَلُوا كُلُّهُمُ الشَّيْءَ وَأَمَّا الْقَوْلُ وَالْإِقْرَارُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا , وَيَنْتَشِرُ فِي الْبَاقِي , فَيَسْكُتُوا عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَأَمَّا الْفِعْلُ وَالْإِقْرَارُ: فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا , وَيَتَّصِلُ بِالْبَاقِينَ فَيَسْكُتُوا عَنْ إِنْكَارِهِ وَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءً كَانَ مُدَرِّسًا مَشْهُورًا , أَوْ خَامِلًا , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ أَوْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِي بَعْدَهُمْ , وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْحَادِثَةِ كَالتَّابِعِ , إِذَا أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ فِي وَقْتِ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , وأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
(1/429)

وَأَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , كَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ , كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ , وَلِأَنَّ التَّابِعِيَّ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ , كَأَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ
(1/430)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ , أَنَّ نَافِعًا , حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَأَجَابَ فِيهَا , فَأُخْبِرَ ابْنُ عُمَرَ , بِجَوَابِهِ , فَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ فُتْيَا ابْنِ الْمُسَيِّبِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ؟» - يُرِيدُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ - «هُوَ وَاللَّهِ أَحَدُ الْمُفْتِينَ»
(1/430)

وَأَنَا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ , نا أَبُو صَالِحٍ , حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ , يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَالَ: «سَلُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , فَإِنَّهُ قَدْ جَالِسَ الصَّالِحِينَ»
(1/430)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ [ص:431] عَفَّانَ , نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهَى حَامِلٌ , فَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَضَعَتْ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ , وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ , وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي قَالَ: فَبَعَثْنَا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءَنَا مِنْ عِنْدِهَا , قَالَتْ: «تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَهِيَ حَامِلٌ , فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَزَوَّجَ»
(1/430)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ بِالْبَصْرَةِ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا أَبُو قِلَابَةَ , نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ سَيَّارٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , أَنَّ عُمَرَ , سَاوَمَ رَجُلًا بِفَرَسٍ فَأَخَذَهُ فَعَطَبَ , فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِنِي ثَمَنَ فَرَسِي؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «بِمَنْ تَرْضَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟» قَالَ: بِشُرَيْحٍ الْعِرَاقِيِّ , فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ أَخَذْتَهُ عَلَى سَوْمٍ , وَقَدْ لَزِمَكَ ثَمَنُهُ , فَأَعْطَى عُمَرُ ثَمَنَ الْفَرَسِ قَالَ فَوَلِيَ شُرَيْحًا الْعِرَاقَ أَوْ قَالَ الْكُوفَةَ "
(1/431)

وَأَنَا عَلِيٌّ , نا عَلِيٌّ , نا أَبُو قِلَابَةَ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ , نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «اجْمَعُوا لِي الْقُرَّاءَ» , وَجَعَلَ يُسَائِلُهُمْ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى شُرَيْحٍ , فَسَاءَلَهُ طَوِيلًا؟ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَنْتَ مِنْ أَقْضَى الْعَرَبِ أَوْ أَقْضَى النَّاسِ»
(1/432)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ , قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ , يَقُولُ: " الْعِلْمُ عِنْدَنَا مَا كَانَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابٍ نَاطِقٍ , نَاسِخٍ غَيْرِ مَنْسُوخٍ , وَمَا صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَا مُعَارِضَ لَهُ , وَمَا جَاءَ عَنِ الْأَلِبَّاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ , فَإِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فَإِذَا خَفِي ذَلِكَ وَلَمْ يُفْهَمْ فَعَنِ التَّابِعِينَ , فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ التَّابِعِينَ , فَعَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مِثْلِ: أَيُّوبَ
(1/432)

السَّخْتِيَانِيِّ , وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ , وَسُفْيَانَ , وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ , ثُمَّ مِنْ بَعْدُ , مَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ أَمْثَالِهِمْ , فَعَنْ مِثْلِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ , وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ , وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ , وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ: مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ , وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ , وَالْحُمَيْدِيِّ , وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ , وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ " قُلْتُ: قَصَدَ أَبُو حَاتِمٍ إِلَى تَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي أَعْصَارِهِمْ , وَلَهُمْ نُظَرَاءُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ أُولُو نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ , فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحُجَّةُ , وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ , فَكَذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ , لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَسَنُوَضِّحُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(1/433)

الْقَوْلُ فِيمَنْ رَدَّ الْإِجْمَاعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: إِجْمَاعُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ , وَهُوَ مِثْلُ: إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْقِبْلَةِ أَنَّهَا الْكَعْبَةُ , وَعَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ , وَوُجُوبِ الْحَجِّ , وَالْوُضُوءِ , وَالصَّلَوَاتِ وَعَدَدِهَا وَأَوْقَاتِهَا , وَفَرْضِ الزَّكَاةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَالضَّرْبُ الْآخَرُ: هُوَ إِجْمَاعُ الْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ , مِثْلُ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ الْوَطْءَ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ , وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الصَّوْمِ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمٍ , وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَأَنْ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا , وَأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ , وَأَنْ لَا يُقْتَلَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ , وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَمَنْ جَحَدَ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ اسْتُتِيبَ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ , وَمَنْ رَدَّ الْإِجْمَاعَ الْآخَرَ فَهُوَ جَاهِلٌ يَعْلَمُ ذَلِكَ , فَإِذَا عَلِمَهُ ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ الْعِلْمِ , قِيلَ لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ
(1/434)

بَابُ الْقَوْلِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ مَا سَنَّهُ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ , لَمْ يَجُزْ لِلتَّابِعِينَ أَنَّ يَتَّفِقُوا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ , فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَزُلْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ , وَعَلَى بُطْلَانِ مَا عَدَا ذَلِكَ , فَإِذَا صَارَ التَّابِعُونَ إِلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ أَحَدِهِمَا , لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ , وَكَانَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ , وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلتَّابِعِينَ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ , لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ إِجْمَاعٌ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ قَوْلٍ سِوَاهُمَا , كَمَا أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى قَوْلٍ إِجْمَاعٌ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ قَوْلٍ سِوَاهُ , فَكَمَا لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَانٍ فِيمَا أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فِيمَا أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ
(1/435)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِكْرَانَ الْفُوِّيُّ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ , نا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَولَاةُ الْأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا , الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ [ص:436] لِكِتَابِ اللَّهِ , وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَتِهِ , وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ , لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا , وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَنْ خَالَفَهَا , فَمَنِ اقْتَدَى بِمَا سُنُّوا اهْتَدَى , وَمَنِ اسْتَبْصَرَ بِهَا تَبَصَّرَ , وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى , وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا»
(1/435)

أنا أَبُو سَعِيدٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ الْأَزْدِيِّ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي , فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِالِاسْتِقَامَةِ , اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ»
(1/436)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْفَرَائِضِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ , قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَأْتَمُّ بِمَنْ قَبْلَهُ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ»
(1/436)

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ قَوْلًا , وَلَمْ يَنْتَشِرْ فِي عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ , وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا , وَهَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَوْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَوْقِيفًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ يَكُونُ اجْتِهَادًا مِنْهُ , فَإِنْ كَانَ تَوْقِيفًا , وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ , لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَقْوَى مِنَ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ , لِأَنَّهُ شَاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَمِعَ كَلَامَهُ , وَالسَّامِعُ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ , وَمَعَانِي كَلَامِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُقَدَّمًا عَلَى اجْتِهَادِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , وَلِهَذَا قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ:
(1/437)

مَا أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا حَمَّادُ بْنُ [ص:438] زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , قَالَ: «إِذَا بَلَغَكَ اخْتِلَافٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتَ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ , فَشُدَّ يَدَكَ بِهِ , فَإِنَّهُ الْحَقُّ , وَهُوَ السُّنَّةُ»
(1/437)

وَقَالَ يَعْقُوبُ , نا أَبُو النُّعْمَانِ , نا حَمَّادٌ , عَنْ خَالِدٍ , قَالَ: «إِنَّا لَنَرَى النَّاسِخَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»
(1/438)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِّي الْحِمْصِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ , نا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقَلِّدُوا دِينَكُمُ الرِّجَالَ , فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ»
(1/438)

قَرَأَتْ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْجِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ , قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , قَالَ
(1/438)

: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «الِاتِّبَاعُ أَنْ يَتَّبِعَ الرَّجُلُ , مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ أَصْحَابِهِ , ثُمَّ هُوَ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ» وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ اسْتَدَّلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ بِاتِّبَاعِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ بَعْضِهِمْ لَا يَجِبُ , وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَالِمٍ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ عَلَى الْخَطَأِ , فَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً كَقَوْلِ التَّابِعِينَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَوْقِيفٍ , أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَوْقِيفٍ قَالُوا: وَاعْتِلَالُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ حُجَّةٌ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَعْلَمُ بِمَعَانِي كَلَامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَاصِدِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ قَاسَ عَلَى مَا سَمِعَهُ وَاضْطُرَّ إِلَى قَصْدِهِ , فَأَمَّا إِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَاسَ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ , أَوْ عَلَى مَا سَمِعَ غَيْرَهُ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ قَاسَ عَلَى مَا سَمِعَهُ وَلَمْ يُضْطَرَّ إِلَى قَصْدِهِ , فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَامِعٍ لِلْكَلَامِ يَجِبُ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ قِيَامِ دَلَالَةِ الْحَالِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ , وَأَنَّهُ حُجَّةٌ قُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ وَيَلْزَمُ التَّابِعِيَّ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَتُهُ , وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ , وَيُسَوِّغُ لِلتَّابِعِيِّ مُخَالَفَتُهُ
(1/439)

فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ , وَلَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ , بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى الدَّلِيلِ
(1/440)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْدَكٍ الْبَرْذَعِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ يُنْظَرُ إِلَى مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ بِهِ» قُلْتُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا اعْتُبِرَتْ أَقَاوِيلُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ , فَمَنْ شَابَهُ قَوْلُهُ أَصْلًا مِنَ الْأُصُولِ أُلْحِقَ بِهِ
(1/440)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَإِذَا اخْتَلَفُوا - يَعْنِي: أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُظِرَ أَتْبَعُهُمْ لِلْقِيَاسِ , إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُمُ اتُّبِعَ أَتْبَعُهُمْ لِلْقِيَاسِ , قَدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ , الْقِيَاسُ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ , وَبِقَوْلِهِ أُخِذَ مِنْهَا: الْمَفْقُودُ: قَالَ عُمَرُ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ أَرْبَعُ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تُنْكَحُ , وَقَالَ عَلِيٌّ مُبْتَلًا لَا تُنْكَحُ أَبَدًا - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - حَتَّى يَصِحَّ مَوْتٌ أَوْ فِرَاقٌ
(1/440)

وَقَالَ عُمَرُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَةُ , حَتَّى تَحِلَّ وَتُنْكَحَ: أَنَّ زَوْجَهَا الْآخَرُ أَوْلَى بِهَا إِذَا دَخَلَ بِهَا , وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ لِلْأَوَّلِ أَبَدًا وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَقَالَ عُمَرُ فِي الَّذِي يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فِي الْعِدَّةِ وَيَدْخُلُ بِهَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا , ثُمَّ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا , وَقَالَ عَلِيٌّ: يَنْكِحُهَا بَعْدُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاءِ , وَأَصَحُّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارُ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: مُرْهُ - يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ - يُطَلِّقُهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ , فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ , فَلَمَّا سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةً كَانَ أَصَحَّ الْقَوْلِ فِيهَا , لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَمَّى الْأَطْهَارَ الْعِدَّةَ "
(1/441)

أنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا ابْنُ عَائِشَةَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: " لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَأَنْتَ آخِذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَتَارِكٌ فَإِنِ اسْتَوَى دَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ رُجِّحَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ , فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ , وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَقَلُّهُمْ قُدِّمَ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكُمْ [ص:442] بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَدِ وَكَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا إِمَامٌ , وَلَيْسَ عَلَى الْآخَرِ إِمَامٌ , قُدِّمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْإِمَامُ "
(1/441)

لَمَّا نا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , - إِمْلَاءً - , نا أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ , نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ , قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ هُوَ الطَّبَرَانِيُّ نا أَبُو يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ , نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَا: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ , أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ , يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ , وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ , قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدَّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ , وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا , فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي , وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ , وَعَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ , وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا , وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [ص:443] قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: سِيَاقُ حَدِيثِ أَسَدٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ , وَعَلَى الْآخَرِ أَقَلُّهُمْ إِلَّا أَنَّ مَعَ الْأَقَلِّ إِمَامًا , فَهُمَا سَوَاءٌ , لِأَنَّ مَعَ أَحَدِهِمَا زِيَادَةً عَدَدٌ وَمَعَ الْآخَرِ إِمَامًا وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَدِ وَالْأَئِمَّةِ إِلَّا أَنَّ فِيَ أَحَدِهِمَا أَبَا بَكْرِ وَعُمَرَ , أَوْ أَحَدَهُمَا , فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِمَا
(1/442)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ الْهَاشِمِيُّ , أنا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ أَبُو عَلِيٍّ , نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ , عَنْ أَبِيهِ , [ص:444] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَلْتُ رَبِّي تَعَالَى فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَضْوَأُ مِنْ بَعْضٍ , فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى» وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَرِيقَ الَّذِي فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ , أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْلَى لِمَا
(1/443)

أنا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَزَّازُ بِعُكْبَرَا , وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُعَدِّلُ بِالنَّهْرَوَانِ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ رِبْعِيٍّ , عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ": «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»
(1/444)

وَأَذْكَرَنِي هَذَا الْحَدِيثُ خَبَرًا حَسَنًا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَرْمَيْسِينِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ , حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ , عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الْفِرْيَابِيُّ , بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ , بِمَكَّةَ يَقُولُ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ أُخْبِرُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا لِرَجُلٌ جَرِيءٌ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا؟ قَالَ: فَقَالَ: " نَعَمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] "
(1/445)

وَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ , عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ "
(1/445)

وَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , «أَنَّهُ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ الزُّنْبُورِ» قَدِ انْتَهَى كَلَامُنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ , وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِي الْقِيَاسِ , وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(1/446)

ذِكْرُ الْكَلَامِ فِي الْقِيَاسِ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ فِعْلُ الْقَائِسِ وَهُوَ: حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ , لِمَعْنًى يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ هُوَ: الِاجْتِهَادُ وَالْأَوَّلُ: أَجْمَعُ لِحَدِّهِ , لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ , فَيَدْخُلُ فِيهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ , وَتَرْتِيبُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ , وَجَمِيعُ الْوُجُوهِ الَّتِي يُطْلَبُ مِنْهَا الْحُكْمُ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ وَالْقِيَاسُ: مِثَالُهُ , مِثَالُ الْمِيزَانِ أَنْ يُوزَنَ بِهِ الشَّيْءُ مِنَ الْفُرُوعِ لِيُعْلَمَ مَا يُوَازِنُهُ مِنَ الْأُصُولِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ نَظِيرُهُ , أَوْ لَا يُوَازِنُهُ , فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مُخَالِفُهُ , وَالِاجْتِهَادُ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ , وَالْقِيَاسُ دَاخِلٌ فِيهِ وَالْقِيَاسُ: حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ , وَطَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهَا مِثْلُ حَدَثِ الْعَالِمِ , وَإِثْبَاتُ الصَّانِعِ وَالتَّوْحِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُ , وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالضَّرُورَةِ , أَوْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْقِيَاسِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالضَّرُورَةِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُقَلَاءُ فِيهَا , فَثَبَتَ أَنَّ إِثْبَاتَهَا بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ وَكَذَلِكَ: هُوَ حُجَّةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ , وَطَرِيقٌ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ ,
(1/447)

وَدَلِيلٌ مِنْ أَدِلَّتِهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّظَّامُ وَالرَّافِضَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , وَلَا يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ , وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ التَّعَبُّدُ بِهِ مِنْ جِهَةَ الْعَقْلِ , إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِحَظْرِهِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ وَوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْحُكْمُ فِي شَيْءٍ بِحُكْمٍ لِعِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا , جَازَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِعِلَّةٍ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا , وَيُنْصَبُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَيْهَا , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُؤْمَرَ مَنْ عَايَنَ الْكَعْبَةَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ جَازَ أَيْضًا أَنْ يُؤْمَرَ مَنْ غَابَ عَنْهَا أَنْ يَتَوَصَّلَ بِالدَّلِيلِ إِلَيْهَا وَأَمَّا دَاوُدُ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِمَا لَا نَعْلَمُ , فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] وَالْعِلْمُ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] مَعْنَاهُ: فَرُدُّوهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَهَذَا يَمْنَعُ مِنَ الْقِيَاسِ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْقِيَاسِ طَلَبُ الْحُكْمِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ , وَلَا تَوْقِيفَ , وَلَيْسَ عِنْدَنَا حُكْمٌ إِلَّا وَقَدْ تَنَاوَلَهُ نَصٌّ وَتَوْقِيفٌ , فَلَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ مَعْنًى مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَتْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ , وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ قَدْ أَنْكَرُوهُ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ
(1/448)

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَتَحْرِيمِهِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ
(1/449)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُتُوثِيُّ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ , نا جُبَارَةُ بْنُ مُغَلِّسٍ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْعَطَشِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ , نا جُبَارَةُ , نا حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعْمَلُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بُرْهَةً بِكِتَابِ اللَّهِ , ثُمَّ تَعْمَلُ بُرْهَةً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ , ثُمَّ تَعْمَلُ بُرْهَةً بَعْدَ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ , فَإِذَا عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فَقَدْ ضَلُّوا»
(1/449)

أنا أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ , أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْحِيرِيُّ , أنا أَبُو [ص:450] يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ , نا هُذَيْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحِمَّانِيُّ , نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعْمَلُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بُرْهَةً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ تَعْمَلُ بِالرَّأْيِ , فَإِذَا عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فَقَدْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا»
(1/449)

أنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ , نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً , أَعْظَمُهَا فِرْقَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ , فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ»
(1/450)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , أنا الْمَسْبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى كَثُرَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ فَأَخَذُوا فِي دِينِهِمْ بِالْمَقَايِيسِ فَهَلَكُوا وَأَهْلَكُوا»
(1/451)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْبَرَاءِ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنَا [ص:452] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ , عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدُ , وَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلَّانَ الشُّرُوطِيُّ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَزِينٍ الْبَاشَانِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ نَجِيحٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , وَابْنِ أَبِي رَوَّادٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي دِينِنَا بِرَأْيِهِ فَاقْتُلُوهُ»
(1/451)

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , أنا أَبُو يَعْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الدَّبَّاسُ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ , نا أَبِي , عَنْ [ص:453] مُجَالِدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ , فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ , أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا , فَقَالُوا بِالرَّأْيِ , فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»
(1/452)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ , نا أَبُو عَلِيٍّ , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَرْوَزِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَلَا إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ , أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَأَفْتَوْا بِرَأْيِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا , أَلَا وَإِنَّا نَقْتَدِي وَلَا نَبْتَدِي , وَنَتَّبِعُ وَلَا نَبْتَدِعُ , مَا نَضِلُّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ»
(1/453)

أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْقَطَّانُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ , نا أَبِي , نا عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ , فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ , أَعْيَتْهُمُ السُّنَّةُ أَنْ يَحْفَظُوهَا , وَنَسَوَا الْأَحَادِيثَ أَنْ يَعُوهَا , وَسُئِلُوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ , فَاسْتَحْيَوْا أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ , فَأَفْتَوْا بِرَأْيِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا كَثِيرًا , وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ , إِنَّ نَبِيَّكُمْ لَمْ يَقْبِضْهُ اللَّهُ حَتَّى أَغْنَاهُ اللَّهُ بِالْوَحْيِ عَنِ الرَّأْيِ , وَلَوْ كَانَ الرَّأْيُ أَوْلَى مِنَ السُّنَّةِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفَّيْنِ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا»
(1/454)

أنا أَبُو مَنْصُورٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , بُلْبُلٌ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابَ , نا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ , نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ , عَنْ يَحْيَى , وحَمْزَةَ الْمَدِينِيِّ , وَغَيْرِهِمَا , قَالَا: قَدْ سَمِعْنَاهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ , عَيِيَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَعُوهَا , وَتَفَلَّتَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَحْفَظُوهَا , سُئِلُوا فَاسْتَحْيَوْا أَنْ يَقُولُوا لَا نَدْرِي فَعَارَضُوهَا بِالرَّأْيِ , فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ , فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْقَطَعَ [ص:455] وَحْيُهُ حَتَّى أُغْنِيَ بِالسُّنَّةِ عَنِ الرَّأْيِ , وَلَوْ كَانَ الدِّينُ عَلَى الرَّأْيِ , لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَحَقُّ أَنْ يُمْسَحَ مِنْ ظَاهِرِهِ , فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ»
(1/454)

أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ النَّجَّارُ , أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَامِدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ الْقَطَّانُ , قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى , نا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ , عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَرْزَمِيِّ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَالَ: «أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ , لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَحَقُّ بِمَسْحِهِ مِنْ أَعْلَاهُ»
(1/455)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , وَأَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا جَرِيرٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , أَنَّ عُمَرَ , «نَهَى عَنِ الْمُكَايَلَةِ» يَعْنِي الْمُقَايَسَةَ -
(1/455)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَخِيتٍ الدَّقَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ [ص:456]: «إِيَّايَ وَالْمُكَايَلَةَ ,» - يَعْنِي الْمُقَايَسَةَ -
(1/455)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرَانَ الْفُوِّيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , وَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا مُجَالِدٌ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَامٌ بِأَمْطَرَ» - وَقَالَ الْفُوِّيُّ: أَمْطَرَ - «مِنْ عَامٍ وَلَا أَمِيرٌ بِخَيْرٍ» - وَقَالَ الْفُوِّيُّ خَيْرًا - «مِنْ أَمِيرٍ , وَلَكِنَّهُ ذَهَابُ فُقَهَائِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ , ثُمَّ يُحَدِّثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ , فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيَثْلَمُ»
(1/456)

أنا الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَخِيتٍ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا مُجَالِدٌ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ , أَمَا إِنِّي لَا أَعِنِّي أَنْ يَوْمًا خَيْرٌ مِنْ يَوْمٍ , وَلَا شَهْرًا خَيْرٌ مِنْ شَهْرٍ , وَلَا عَامًّا خَيْرٌ مِنْ عَامٍ , وَلَا أَمِيرًا خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ , وَلَكِنْ ذَهَابُ قُرَّائِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ , ثُمَّ [ص:457] يَبْقَى قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ»
(1/456)

وَقَالَ الْأَثْرَمُ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ , فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدِثًا فَعَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ»
(1/457)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا سَعْدُ بْنُ نَصْرٍ , نا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: «إِنَّكُمْ إِنْ عَمِلْتُمْ فِي دِينِكُمْ بِالْقِيَاسِ أَحْلَلْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ , وَحَرَّمْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا أُحِلَّ لَكُمْ»
(1/457)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى الْأَدَمِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخُرَاسَانِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُقْبَةَ , عَنِ الضَّحَّاكِ الضَّبِّيِّ , قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ فَقَالَ: لَهُ [ص:458]: «يَا جَابِرُ , إِنَّكَ سَتَبْقَى , فَلَا تُفْتِيَنَّ إِلَّا بِكِتَابٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ هَذَا هَلَكَتْ وَأَهْلَكْتَ»
(1/457)

أنا الْبَرْمَكِيُّ , أنا ابْنُ بَخِيتٍ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ , ومُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ , قَالَا: نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ رَأَيَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»
(1/458)

وَقَالَ الْأَثْرَمُ: نا قَبِيصَةُ , نا سُفْيَانُ , عَنْ جَابِرٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: «لَا أَقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ» , قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: «أَخْشَى أَنْ تَزِلَّ رِجْلَيَّ»
(1/458)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: نا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ , أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ , سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَقَالُوا: قِسْ لَنَا بِرَأْيِكَ قَالَ [ص:459]: «أَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمَيَّ»
(1/458)

وَقَالَ سَعْدَانُ: نا مَعْمَرٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ , أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ , كَانَ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ , فَإِنَّ الرَّأْيَ قَدْ يَزِلُّ»
(1/459)

أنا أَبُو الْفَتْحِ , هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَجْشَرٍ , نا وَكِيعٌ , نا عِيسَى الْحَنَّاطُ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «لِأَنَّ أَتَعَنَّى بِعَنِيَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ مَسْأَلَةً بِرَأْيِي» ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّ الْعَيْنِيَّةَ أَخْلَاطٌ تَنْقَعُ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَتُتْرَكُ حِينًا حَتَّى تُطْلَى بِهَا الْإِبِلُ مِنَ الْجَرَبِ
(1/459)


أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ كَزَالٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , وعَبَّاسُ بْنُ طَالِبٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: لَوْ نَظَرْتَ فِي الرَّأْيِ قَالَ أَيُّوبُ [ص:460]: " قِيلَ لِلْحِمَارِ لَوِ اجْتَرَرْتَ قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ مَضْغَ الْبَاطِلِ "
(1/459)

أنا أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ السُّكَيْنِ الْبَلَدِيُّ , نا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَامِ الْحَرَّانِيُّ , نا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ , نا عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْحَنَّاطُ , قَالَ: كَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَةِ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ , وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاعْلَمُوا بِهِ»
(1/460)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْمُقْرِئُ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَامِدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى , نا دَاوُدُ الزِّبْرِقَانُ , عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: نا الشَّعْبِيُّ , يَوْمًا قَالَ: «يُوشِكُ أَنْ يَصِيرَ , الْجَهْلُ عِلْمًا وَيَصِيرُ الْعِلْمُ جَهْلًا» قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: " كُنَّا نَتَّبِعُ الْآثَارَ وَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ , فَأَخَذَ النَّاسُ فِي [ص:461] غَيْرِ ذَلِكَ: الْقِيَاسَ "
(1/460)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ , نا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَعْنِيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ , عَنْ أَبِي حَمْزَةَ , قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي وَلَكِنِ احْفَظْ ثَلَاثًا , لَا تَقُلْ لِمَا لَا تَعْلَمُ إِنَّكَ تَعْلَمُ , وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ قَدْ كَانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ , وَلَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ الْقِيَاسِ فَتُحِلَّ حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمَ حَلَالًا»
(1/461)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو الْحَسَنِ , أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ , نا وَكِيعٌ , عَنْ عِيسَى الْحَنَّاطِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْقِيَاسِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ»
(1/461)

وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ [ص:462]: «كَانَ الشَّعْبِيُّ لَا يَقِيسُ»
(1/461)

أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو عُمَرَ , مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ , نا ابْنُ عُلَيَّةَ , نا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ , فَقَالَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ أَحَدٌ مِنَّا عَنْ شَيْءٍ: «إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمُ الْآثَارَ , وَأَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ , يَعْلَمُ اللَّهُ , لَقَدْ بَغَّضُوا إِلَيَّ هَذَا الْمَسْجِدَ حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي هَؤُلَاءِ الصَّعَافِقَةُ»
(1/462)

أنا الْبَرْمَكِيُّ , أنا ابْنُ بَخِيتٍ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا الْأَثْرَمُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ , نا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «لَقَدْ بَغَّضَ إِلَيَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هَذَا الْمَسْجِدَ , حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي» قُلْتُ: مَنْ هُوَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: «هَؤُلَاءِ الرَّأَيْتُيُّونَ , أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ»
(1/462)

وَقَالَ الْأَثْرَمُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ , نا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ , قَالَ: «تَرَكَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْآثَارِ وَاللَّهِ»
(1/463)

قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْجِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ , قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلَّالُ , أنا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ «يُنْكِرُ عَلَى أَصْحَابِ الْقِيَاسِ وَيَتَكَلَّمُ فِيهِمْ بِكَلَامٍ شَدِيدٍ»
(1/463)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , نا أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ نا حَفْصٌ , عَنْ أَشْعَثَ , قَالَ: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لَا يَكَادُ يَقُولُ فِي شَيْءٍ بِرَأْيِهِ»
(1/463)

أنا عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو مُزَاحِمٍ , مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّا , يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْمَعْرُوفُ بِالسُّنِّيِّ , حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ , أَحْمَدُ بْنُ خَاقَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَخِيَ مُحَمَّدَ بْنَ خَاقَانَ , يَقُولُ شَيَّعَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي آخِرِ خَرْجَةٍ خَرَجَ فَقُلْنَا لَهُ: أَوْصِنَا , فَقَالَ [ص:464]: «لَا تَتَّخِذُوا الرَّأْيَ إِمَامًا»
(1/463)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ زِرْقَوَيْهِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ , عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ , قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ وَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , - وَاللَّفْظُ لَهُ - أنا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ بِمَكَّةَ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكَّارٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الرِّبْعِيُّ , قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو , حَنِيفَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ , وَكُنْتُ لَهُ صَدِيقًا , ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى جَعْفَرٍ , وَقُلْتُ: أُمْتَعَ اللَّهُ بِكَ , هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَهُ فِقْهٌ وَعَقْلٌ , فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ: لَعَلَّهُ الَّذِي يَقِيسُ الدِّينَ بِرَأْيِهِ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: «أَهُوَ النُّعْمَانُ؟» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الرِّبْعِيُّ , وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ - فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: نَعَمْ أَصْلَحَكَ اللَّهُ , فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: " اتَّقِ اللَّهَ , وَلَا تَقِسِ الدِّينَ بِرَأْيِكَ , فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ , إِذْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ , فَقَالَ: أَنَا خَيْرُ مِنْهُ , خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: هَلْ تُحْسِنُ أَنَّ تقيسَ رَأْسَكَ مِنْ جَسَدِكَ؟ " فَقَالَ لَهُ: لَا - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رِزْقَوَيْهِ: نَعَمْ - , فَقَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُلُوحَةِ فِي الْعَيْنَيْنِ , وَعَنِ الْمَرَارَةِ فِي الْأُذُنَيْنِ , وَعَنِ [ص:465] الْمَاءِ فِي الْمِنْخَرَيْنِ , وَعَنِ الْعُذُوبَةِ فِي الشَّفَتَيْنِ , لِأَيِّ شَيْءٍ جُعِلَ ذَلِكَ؟» قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَيْنَيْنِ فَجَعَلَهُمَا شَحْمَتَيْنِ , وَجَعَلَ الْمُلُوحَةَ فِيهِمَا مَنًّا مِنْهُ عَلَى ابْنِ آدَمُ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَذَابَتَا فَذَهَبَتَا , وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الْأُذُنَيْنِ مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَجَمَتِ الدَّوَابُّ فَأَكَلَتْ دِمَاغَهُ , وَجَعَلَ الْمَاءَ فِي الْمِنْخَرَيْنِ لِيَصْعَدَ مِنْهُ النَّفَسُ وَيَنْزِلَ , وَتَجِدُ مِنَ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ وَمِنَ الرِّيحِ الرَّدِيئَةِ , وَجَعَلَ الْعُذُوبَةَ فِي الشَّفَتَيْنِ لِيَعْلَمَ ابْنُ آدَمَ مَطْعَمَهُ وَمَشْرَبَهُ» , ثُمَّ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ كَلِمَةٍ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ؟» قَالَ: لَا أَدْرِي , فَقَالَ جَعْفَرٌ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ ثُمَّ أَمْسَكَ كَانَ مُشْرِكًا , فَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إِيمَانٌ " , ثُمَّ قَالَ لَهُ: " وَيْحَكَ أَيُّهَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أَوِ الزِّنَا؟ " قَالَ: لَا , بَلْ قَتْلُ النَّفْسِ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ بِشَاهِدَيْنِ , وَلَمْ يَقْبَلْ فِي الزِّنَا إِلَّا أَرْبَعَةً , فَكَيْفَ يَقُومُ لَكَ قِيَاسٌ؟» ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهُمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ الصَّوْمُ أَمِ الصَّلَاةُ؟» قَالَ: لَا , بَلِ الصَّلَاةُ قَالَ: " فَمَا بَالُ الْمَرْأَةِ إِذَا حَاضَتْ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلَا تَقِسْ , فَإِنَّا نَقِفُ غَدًا نَحْنُ وَأَنْتَ وَمَنْ خَالَفَنَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَتَقُولُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ سَمِعْنَا وَرَأَيْنَا , [ص:466] فَيَفْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَا وَبِكُمْ مَا يَشَاءُ "
(1/464)

أنا أَبُو الْحَسَنِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ , نا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى , نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ , قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ , يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ»
(1/466)

وَقَالَ: «مَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ»
(1/466)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي مِهْرَانَ الْجَمَّالُ الرَّازِيُّ , نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ , قَالَ: «مَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ»
(1/466)

بَابُ الْقَوْلِ فِي الِاحْتِجَاجِ لَصَحِيحِ الْقِيَاسِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ مِنَ النَّعَمِ فِي الْمَقْتُولِ مِنَ الصَّيْدِ , وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ , فَكَانَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ النَّعَمِ لَا اجْتِهَادَ فِيهِ , وَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ مُمَاثَلَتُهُ فِيهِ , لَا طَرِيقَ لَهُ غَيْرُ الِاجْتِهَادِ وَالِاعْتِبَارِ وَكَذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ , لَمْ يَنُصَّ عَلَى مَا تُعْتَبَرُ بِهِ عَدَالَتُهُ , وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْفَكُّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ , وَلَا يَعْتَصِمُ أَحَدٌ مِنْ أَنْ يُمْتَحَنَ بِبَعْضِ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَكُنْ لِمَعْرِفَتِنَا الْعَدْلَ مِنَ الْفَاسِقِ طَرِيقٌ غَيْرُ مُوَازَنَةِ أَحْوَالِهِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ , فَإِنْ رَجُحَتْ مَعَاصِيهِ صَارَ بِذَلِكَ فَاسِقًا , وَإِنْ رَجُحَتْ طَاعَاتُهُ صَارَ بِذَلِكَ عَدْلًا وَفِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ , وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] فَجَعَلَ الْحُكْمَ لِلْأَرْجَحِ مِنَ الطَّاعَاتِ أَوِ الْمَعَاصِي , فَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ
(1/467)

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] , وَقَالَ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] , وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] , فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِكَمَالِ دِينِهِ أَنْ يَكُونَ نَاقِصًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا لَا يُوقَفُ عَلَى حُكْمِهِ , وَالْوُقُوفُ عَلَى الْحُكْمِ بِالِاسْمِ أَوْ بِالِاسْتِخْرَاجِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا , فَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَهُ بِبَيَانِ مَعْنَاهُ , وَقَوْلُهُ: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] أَرَادَ بِهِ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ , وَالْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ , وَمَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ مِمَّا بِالْأُمَّةِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ لَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ , إِذْ كَانَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الِاسْمِ مُتَعَذِّرًا فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّشْبِيهِ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]
(1/468)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى كِتَابِ اللَّهِ» {وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» , ثُمَّ قَرَأَ {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] "
(1/468)

أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ الْفَارِسِيُّ , نا أَبِي , نا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , نا الْحُسَيْنُ يَعْنِي ابْنَ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيَّ - , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نا مِنْدَلٌ الْعَنَزِيُّ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/469)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , ومُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّازُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ: «إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ» لَيْسَ يَخْلُو أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّدِّ إِلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثِ مَعَانٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِرَدِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إِلَى مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَرَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ لَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ , فَأَيُّ مُنَازَعَةٍ وَأَيُّ اخْتِلَافٍ يَقَعُ فِيمَا قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحُكْمَ فِيهِ نَصًّا , فَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ أَوْ يَكُونَ أَمْرًا بِرَدِّهِ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بِنَظِيرٍ وَلَا شَبِيهٍ , وَلَا خِلَافَ [ص:470] أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَوْ يَكُونَ أَمْرًا بِرَدِّهِ إِلَى جِنْسِهِ وَنَظِيرِهِ مِمَّا قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحُكْمُ فِيهِ نَصًّا فَيُسْتَدَلُّ بِحُكْمِهِ عَلَى حُكْمِهِ , وَلَا وَجْهَ لِلرَّدِّ إِلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى لِفَسَادِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ , وَأَنْ لَا رَابِعَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا
(1/469)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شُعْبَةُ , أَخْبَرَنِي أَبُو عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو , يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ قَالَ: وَقَالَ مُرَّةٌ: عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: اقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: اقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لَمَّا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»
(1/470)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ , بِالْبَصْرَةِ , نا عَفَّانُ , نا شُعْبَةُ , أَخْبَرَنِي أَبُو عَوْنٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ , يُحَدِّثُ عَنْ أُنَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ , عَنْ مُعَاذٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَفِي سَنَةِ [ص:471] رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ - يَعْنِي صَدْرَهُ - وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لَمَّا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»
(1/470)

وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا دَعْلَجُ , نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , أنا حَبَّانُ , نا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي عَوْنٍ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أَخِي مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ , عَنْ رِجَالٍ , مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ , قَالُوا: قَالَ مُعَاذٌ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ , كَيْفَ تَقْضِي؟» قُلْتُ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي , لَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لَمَّا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»
(1/471)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي عَوْنٍ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ , عَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ , مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ , عَنْ مُعَاذٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرِي , ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ [ص:472] رَسُولِ اللَّهِ لَمَّا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُسَدَّدٌ , نا يَحْيَى , عَنْ شُعْبَةَ , قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ , عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ , فَذَكَرَ مَعْنَاهُ فَإِنِ اعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْخَبَرُ , لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ لَمْ يُسَمَّوْا فَهُمْ مَجَاهِيلٌ , فَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ , يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ , وَكَثْرَةِ رُوَاتِهِ , وَقَدْ عُرِفَ فَضْلُ مُعَاذٍ وَزُهْدُهُ , وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ أَصْحَابِهِ الدِّينُ وَالثِّقَةُ وَالزُّهْدُ وَالصَّلَاحُ , وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ , عَنْ مُعَاذٍ , وَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ , وَرِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ , عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ تَقَبَّلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ , فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ كَمَا وَقَفْنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ , وَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ: هُوَ [ص:473] الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ , وَقَوْلِهِ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا الْبَيْعَ , وَقَوْلِهِ: الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ , لَكِنْ لَمَّا تَلَقَّتْهَا الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ غَنَوْا بِصِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهَا , فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ , لَمَّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنَوْا عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهُ فَإِنْ قَالَ: هَذَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا أَشْهُرُ وَأَثْبَتُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:474]: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ , فَإِذَا احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ , كَانَ هَذَا أَوْلَى وَجَوَابٌ آخَرُ , وَهُوَ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ جَائِزٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَثْبِيتُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِثْلَ: تَحْلِيلٍ , وَتَحْرِيمٍ , وَإِيجَابٍ , وَإِسْقَاطٍ , وَتَصْحِيحٍ , وَإِبْطَالٍ , وَإِقَامَةِ حَدٍّ بِضَرْبٍ , وَقَطْعٍ , وَقَتْلٍ , وَاسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَكَانَ الْقِيَاسُ أَوْلَى , لِأَنَّ الْقِيَاسَ طَرِيقٌ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ , وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ دُونَ الطَّرِيقِ وَهَذَا وَاضِحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ
(1/471)

يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْقِيَاسِ أَيْضًا مَا: أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْمُتُوثِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ , نا أَبُو عَامِرٍ , عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي قَيْسٍ , مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ , ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ , وَإِذَا حَكَمَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»
(1/474)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ قَالَ: أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي قَيْسٍ , مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ , وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُخْطِئِ فِيمَا أَخْطَأَ أَجْرٌ وَهُوَ إِلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِثْمٌ أَقْرَبُ لِتَوَانِيهِ وَتَفْرِيطِهِ فِي الِاجْتِهَادِ حَتَّى أَخْطَأَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُخْطِئِ أَجْرًا عَلَى خَطَئِهِ , وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ أَجْرًا عَلَى اجْتِهَادِهِ , وَعَفَا عَنْ خَطَئِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ , وَأَمَّا الْمُصِيبُ فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ , وَأَجْرٌ عَلَى إِصَابَتِهِ فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: إِنَّمَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي تَأْوِيلِ لَفْظٍ وَبِنَاءِ لَفْظٍ عَلَى لَفْظٍ دُونَ الْقِيَاسِ [ص:476] قُلْنَا: وَالْقِيَاسُ مِنْ جُمْلَةِ الِاجْتِهَادِ , فَيُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَى الْجَمِيعِ
(1/475)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْبَزَّازُ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ قَالَا: أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ بِلَالٍ هُوَ الْعَامِرِيُّ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْفَيَّاضِ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ بَزِيعٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْأَمْرُ يَنْزِلُ بِنَا بَعْدَكَ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْكَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «اجْمَعُوا لَهُ الْعَابِدِينَ مِنْ أُمَّتِي , وَاجْعَلُوهُ شُورَى بَيْنَكُمْ وَلَا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ»
(1/476)

أنا أَبُو طَالِبٍ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ التَّاجِرُ , أنا أَبُو الْفَتْحِ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ , بِالْفُسْطَاطِ , نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيُّ , [ص:477] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ , عَنْ مُرَّةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ قَوْمٍ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ , وَمَصْلَحَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ يَرْزُونَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , وَيُعْرَفُ الْحَقُّ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ»
(1/476)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ , نا جَدِّي , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ , هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , ونا أَبُو النَّضْرِ , هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ , ونا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ , قَالُوا: نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ , - وَقَالَ أَبُو النَّضْرٍ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ - , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَالَ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ , فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ: لَقَدْ صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا قَالَ: «وَمَا هُوَ؟» قَالَ: قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ , فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ؟» فَقُلْتُ: إِذًا لَا يَضُرُّنِي , - وَقَالَ مُوسَى بْنُ دَاوُدَ - فَقُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ: فَفِمَ , - وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ - قَالَ: فَفِيمَ , أَيْ لَا بَأْسَ بِهَا [ص:478] قَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذَا الْخَبَرِ , أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَشُكُّ أَنَّ الْقُبْلَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الصَّوْمِ , وَلِذَلِكَ اسْتَعْظَمَ فِعْلَهُ إِيَّاهَا , وَلَمْ يَأْتِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ أَذَلِكَ مُبَاحٌ أَمْ مَحْظُورٌ , وَإِنَّمَا جَاءَ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ , وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ فِي الْقُبْلَةِ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ , فَلَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُهَا عِنْدَ عُمَرَ إِلَّا اجْتِهَادًا , بِأَنْ جَعَلَهَا فِي مَعْنَى الْوَطْئِ الْمَحْظُورِ فِي الصِّيَامِ , لِأَنَّ الْقُبْلَةَ الْتِذَاذٌ بِالْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْجِمَاعَ الْتِذَاذٌ بِهَا , فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَى اللَّذَّتَيْنِ مُحَرَّمَةٌ نَصًّا فِي الصَّوْمِ جَعَلَ عُمَرُ حُكْمَ اللَّذَّةِ الثَّانِيَةِ حُكْمَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا , فَعَرَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَطَهُ فِي اجْتِهَادِهِ , وَأَنَّ الْقُبْلَةَ مُبَاحَةٌ وَأَوْضَحَ لَهُ الْمَعْنَى بِتَشْبِيهِهِ بِالْمَضْمَضَةِ لِأَنَّ شُرْبَ الصَّائِمِ الْمَاءَ حَرَامٌ وَهُوَ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى بَاطِنِ بَدَنِهِ وَالْمَضْمَضَةُ مُبَاحَةٌ , لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهَرُ الْبُدَنِ , فَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْبُدَنِ قِيَاسَ بَاطِنِهِ , وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ الْمَحْظُورُ , إِنَّمَا هُوَ مُبَاشَرَةُ بَدَنِهِ لِبَاطِنِ بَدَنِهَا لِلَذَّةٍ , فَلَيْسَ مُبَاشَرَتُهُ لَهَا بِظَاهِرِ بَدَنِهَا قِيَاسُ ذَلِكَ , كَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي وُصُولِ الْمَاءِ , غَيْرَ أَنَّ أَمْرَ الْمَضْمَضَةِ أَوْضَحُ فِي مُفَارَقَتِهِ لِلشُّرْبِ مِنَ الْقُبْلَةِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ تَحْرِيمِ الْقُبْلَةِ وَالْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ وَالِاعْتِكَافِ , وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ تَحْرِيمِ الْمَضْمَضَةِ وَبَيْنَ الشُّرْبِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فَعَرَفَ عُمَرُ الْأَوْضَحَ مِنْهَا , وَهُوَ الْمَضْمَضَةُ
(1/477)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ , نا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ , وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا , وَسَاقَ [ص:479] الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ , فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَحْكُمُ اللَّهُ فِيهِمْ , وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ , ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدَ مَا شِئْتُمْ» فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمِيرَ بِأَنْ يُنْزِلَ الْعَدُوَّ عَلَى حُكْمِهِ , وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ , لَا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ
(1/478)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ صَاعِدٍ , نا أَبُو عُبَيْدٍ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ , قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتِ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ , بِمَاءٍ وَسِدْرٍ , وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ , فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ , فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ , فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» [ص:480] قُلْتُ: وَغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ , وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ مَنْ وَلِيَ الْغُسْلَ وَرَأْيِهِ، وَقَد حَكَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِاجْتِهَادِهِمْ فِي وَقْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَلَا عَنَّفَ أَحَدًا مِنْهُمْ
(1/479)

أنا أَبُو عُثْمَانَ , سَعِيدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَوْصِلِيُّ بِبَغْدَادَ , نا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مُخَارِقٍ الضُّبَعِيِّ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ , نا جُوَيْرِيَةُ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ انْصَرَفَ مِنَ الْأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةِ» قَالَ: فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ , فَصَلُّوا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ , وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَمِمَّنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِي وَقْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
(1/480)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ الْكُوفِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مُوسَى أنا دَاوُدُ الْأَوْدِيُّ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيِّ , قَالَ: لَمَّا كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ , أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَحْتَقُّونَ , أَوْ قَالَ يَخْتَصِمُونَ فِي غُلَامٍ , فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هُوَ ابْنِي , فَأَقْرَعَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ , فَجَعَلَ [ص:481] الْوَلَدَ لِلْقَارِعِ , وَجَعَلَ عَلَيْهِ لِلرَّجُلَيْنِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , «فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ»
(1/480)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْمَادِرَائِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ أَبُو عَمْرٍو , نا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , نا قَيْسٌ , نا الْأَجْلَحُ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , وَعَنْ جَابِرٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ , قَالَ: قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْيَمَنِ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ , فَجَعَلَ يُخَيِّرُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا , أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِهَذَا , فَأَبَوْا , فَقَالَ: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ , فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ الْوَلَدَ لِلَّذِي قَرَعَ , وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ لِلْآخَرَيْنِ , فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ»
(1/481)

وَرَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ أنا بِقَضِيَّتِهِمَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ , قَثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ , عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ , فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا , ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ , فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ , ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَا ذَلِكَ , فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ» وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»
(1/482)

وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:483] أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ غَيْرَ مَرَّةٍ , حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , أنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ , نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ , قَالَ: أَنْبَأَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ , يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ» فَقَعَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ» قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَيَسْبِي ذَرَارِيهُمْ , فَقَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ» قُلْتُ: وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ
(1/482)

وَمُجَزَّرٌ الْمُدْلِجِيُّ الْقَائِفُ أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ بِشْرَانَ أَخْبَرَكُمْ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ , نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: دَخَلَ قَائِفٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ , وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ , وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ , فَقَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَسَّرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ [ص:484] قُلْتُ: كَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ وَابْنُهُ أُسَامَةُ أَسْوَدَ , فَكَانَ فَرَحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُرُورُهُ , إِذْ شَبَّهَ الْقَائِفُ قَدَمَ أُسَامَةَ بِقَدَمِ زَيْدٍ وَأَلْحَقَ الْفَرْعَ بِنَظِيرِهِ مِنَ الْأَصْلِ , فَأَصَابَ فِي اجْتِهَادِهِ , وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسِرُّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ بَعْضِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِالِاجْتِهَادِ
(1/483)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دَوَسْتِ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارُ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا أَبُو الْيَمَانِ , أنا شُعَيْبٌ , نا أَبُو الزِّنَادِ , أَنَّ الْأَعْرَجَ , حَدَّثَهُ , أَنَّهُ , سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ , فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا , فَقَالَتْ: هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا , إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ , وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ , فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ , فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى , فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخْبَرَتَاهُ , فَقَالَ: إِيْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا , فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا , فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ , وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ [ص:485] قُلْتُ: إِنَّمَا قَالَتِ الصُّغْرَى هُوَ ابْنُ الْكُبْرَى إِشْفَاقًا عَلَى الطِّفْلِ أَنْ يُقْتَلَ , وَكَانَ وَلَدَهَا فَأَدْرَكَتْهَا الرِّقَةُ عَلَيْهِ , فَقَضَى بِهِ سُلَيْمَانُ لَهَا , وَقَالَ لِلْكُبْرَى: لَوْ كَانَ ابْنُكِ لَمْ تَطِبْ نَفْسُكِ بِشِقِّهِ وَفَى هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ أَنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ لَمْ يَحْكُمَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا حَكَمَ بِهِ دَاوُدُ نَصًّا , لَمْ يَسَعْ سُلَيْمَانَ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ , وَلَوْ كَانَ مَا حَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ أَيْضًا نَصًّا , لَمْ يَخْفَ عَلَى دَاوُدَ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ , لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَوْ وَجَدَ مَسَاغًا أَنْ لَا يَنْقُضَ عَلَى دَاوُدَ حُكْمَهُ لَفَعَلَ , وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُدُ , أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ لَمَّا تَسَاوَتَا فِي الْيَدِ , وَلِإِحْدَاهُمَا فَضْلُ السِّنِّ قَدَّمَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ , وَذَهَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى أَنَّ سِنَّهَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَهَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ , وَذَهَبَ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ , يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ , إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي شَرِيعَتِنَا مَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ , وَالْإِجْمَاعُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا قَدْ حَصَلَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ بِمِثْلِهِ فِي شَرِيعَتِنَا , فَتَرَكْنَاهُ لِلْإِجْمَاعِ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْحَرْثِ لَمَّا نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ , وَأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْحُكُومَةِ , وَقِصَّتُهَا فِي ذَلِكَ شَبِيهُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي سُقْنَاهُ آنِفًا , وَأَنَّ حُكْمَهُمَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ , دُونَ النَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/484)

ذِكْرُ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَطَرِيقِ الْقِيَاسِ
(1/490)

حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي قال: أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ الْكَلَالَةِ , فَقَالَ: " إِنِّي سَأَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي , فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ , وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ , أُرَاهُ: مَا خَلَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ " , فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ , أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ "
(1/490)

نا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , أنا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ , نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ , أنا عِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ , [ص:491] عَنْ عَامِرٍ , عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي , قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «أَنِ اقْضِ , بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ كِتَابِ اللَّهِ , فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ قَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ , فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَتْ بِهِ أَئِمَّةُ الْمُهْتَدِينَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ , وَاسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ»
(1/490)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَبْدُوسٍ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ سَيَّارٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى سَوْمٍ , فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَعَطَبَ فَخَاصَمَهُ الرَّجُلُ , فَقَالَ عُمَرُ: «اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلًا» , فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أَرْضَى بِشُرَيْحٍ الْعِرَاقِيِّ , فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَخَذْتَهُ صَحِيحًا مُسَلَّمًا , فَأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى تَرُدَّهُ صَحِيحًا مُسَلَّمًا قَالَ: فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ , فَبَعَثَهُ قَاضِيًا , وَقَالَ: «مَا اسْتَبَانَ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَمِنَ السُّنَّةِ , فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي السُّنَّةِ , فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ»
(1/491)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا الشَّيْبَانِيُّ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ: «إِذَا حَضَرَكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَانْظُرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ , فَبِمَا قَضَى بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ , فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ , فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ , وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَامِرَنِيَ فَآمِرْنِي , وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَكَ إِيَّايَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ , وَالسَّلَامُ»
(1/492)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , نا إِدْرِيسُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ قَالَ: أَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ , فَسَأَلْتُهُ عَنْ رَسَائِلَ , عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّتِي كَانَ يَكْتُبُ بِهَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدْ أَوْصَى إِلَى أَبِي بُرْدَةَ , فَأَخْرَجَ إِلَيَّ كُتُبًا , فَرَأَيْتُ فِيَ كِتَابٍ مِنْهَا: أَمَّا بَعْدُ: " فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ , وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ , فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ , فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ , آسِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ , حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ وَلَا يَيْأَسَ وَضِيعٌ - [ص:493] وَرُبَّمَا قَالَ: ضَعِيفٌ - مِنْ عَدْلِكَ , الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَنْخَلِجُ فِي صَدْرِكَ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي نَفْسِكَ - وَيُشْكِلُ عَلَيْكَ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِي الْكِتَابِ وَلَمْ تَجْرِ بِهِ سُنَّةٌ , وَاعْرِفِ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ , ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَانْظُرْ أَقْرَبُهَا إِلَى اللَّهِ , وَأَشْبَهَهَا بِالْحَقِّ فَاتَّبِعْهُ "
(1/492)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , قَالَ: كَثُرَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلُونَهُ , فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي وَلَسْنَا هُنَاكَ , وَإِنَّهُ قَدْ قُدِّرَ أَنْ بَلَغَنَا مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ , فَمَنِ ابْتُلِيَ مِنْكُمْ بِقَضَاءٍ , فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَلَا فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا فِيمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ , وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أَرَى , فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ , وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ , وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ , فَدَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَالَا يُرِيبُكَ»
(1/493)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسِ , أَخْبَرَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصَلَانِيُّ , نا بُنْدَارٌ , نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ: هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ سُلَيْمَانُ , عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ: أَحْسِبُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ وَمَا نَحْنُ هُنَاكَ , وَإِنَّ اللَّهَ قَضَى أَنَّ نَبْلُغَ مَا تَرَوْنَ , فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَفِيمَا اسْتَنَّ الصَّالِحُونَ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا فِيمَا اسْتَنَّ الصَّالِحُونَ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ , وَلَا يَقُولَنَّ: أَخَافُ وَأَخْشَى , فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ , وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ , فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ "
(1/494)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيِّ , وَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الْمَسْعُودِيِّ , عَنِ الْقَاسِمِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ: ابْنَ مَسْعُودٍ - ثُمَّ [ص:495] اتَّفَقَا: «إِذَا حَضَرَكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَاقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ عَيِيتَ فَبِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: الرَّسُولُ - «فَإِنْ عَيِيتَ فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ» - وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَئِمَّةُ الْعَدْلِ ثُمَّ اتَّفَقَا - «فَإِنْ عَيِيتَ فَاجْتَهِدْ» - وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَأُمَّ قَالَا جَمِيعًا -: «فَإِنْ عَيِيتَ فَأَقْرِرْ» - زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَلَا تَسْتَحِي -
(1/494)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا هُشَيْمٌ , أنا مُغِيرَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّهُ أُتِيَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا , فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا , فَأَتَوْا ابْنَ مَسْعُودٍ , فَقَالَ: الْتَمِسُوا فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تَجِدُوا فِي ذَلِكَ أَثَرًا , فَأَتَوْا ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالُوا: قَدِ الْتَمَسْنَا فَلَمْ نَجِدْ , فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي , فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ , أَرَى لَهَا مِثْلَ صَدَاقِ نِسَائِهَا , لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ , وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ» , فَقَامَ أَبُو سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ , بِمِثْلِ مَا قُلْتَ , [ص:496] فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بِمُوَافَقَتِهِ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ , نا هُشَيْمٌ , أنا سَيَّارٌ , وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ , وَدَاوُدُ , كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , بِمِثْلِ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: قَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ , فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَضَى بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ قَالَ هُشَيْمٌ: وَبِهِ نَأْخُذُ
(1/495)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , نا سُفْيَانُ , وَيَزِيدُ , أنا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , أَسْأَلُهُ عَنْ زَوْجٍ , وَأَبَوَيْنِ , فَقَالَ: «لِلزَّوْجِ النِّصْفُ , وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقَّى» قَالَ يَزِيدُ: لِلْأَبِ بَقِيَّةُ الْمَالِ , [ص:497] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: أَقُولُهُ بِرَأْيِي وَلَا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ "
(1/496)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , أنا أَبُو الْفَضْلِ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , نا ابْنُ عَمَّارٍ , نا سُفْيَانُ , ونا أَبُو طَالِبٍ , يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ الدُّسْكَرِيُّ بِحُلْوَانَ لَفْظًا , أنا أَبُو نَصْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ النَّيْسَابُورِيُّ , أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ «إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ , فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ , وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ اجْتَهَدَ فِيهِ رَأْيَهُ» [ص:498] هَذَا لَفْظُ الدُّسْكَرِيِّ وَالْآخَرُ مَعْنَاهُ
(1/497)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الشِّيرَازِيُّ , وَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , - وَاللَّفْظُ لَهُ - نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ , «إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ , فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ , اجْتَهَدَ رَأْيَهُ»
(1/498)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ الْفُضَيْلِ أَبُو عُبَيْدَةَ , حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , وَأَنَا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , وَأَنَا أَبُو بِشْرٍ , مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيلُ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِهِ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ , نا مُحَمَّدُ [ص:499] بْنُ مُعَاوِيَةَ , قَالَا: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ , قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: أَكُلُّ مَا أَسْمَعُكَ تُفْتِي بِهِ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ لِي: «لَا» , فَقُلْتُ: تُفْتِي بِمَا لَمْ تَسْمَعْ؟ فَقَالَ: «سَمِعْتُ الَّذِيَ سَمِعْتُ , وَجَاءَنِي مَا لَمْ أَسْمَعْ فَقِسْتُهُ بِالَّذِي سَمِعْتُ»
(1/498)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , أنا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , نا ابْنُ عَمَّارٍ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ حَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , قَالَ: قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ: تُفْتِي بِمَا لَمْ تَسْمَعْ؟ قَالَ: «نُفْتِي بِمَا سَمِعْنَا , وَنَقِيسُ مَا لَمْ نَسْمَعْ بِمَا سَمِعْنَا»
(1/499)

كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , وَحَدَّثَنَا نَجِيبُ بْنُ عَمَّارٍ الْغَنَوِيُّ , عَنْهُ قَالَ: أنا عَمِّي أَبُو عَلِيٍّ , مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْرُوفٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْمِرْزَوِيُّ , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ , نا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ رَقَبَةَ , عَنْ حَمَّادٍ , قَالَ: كُنْتُ أُسَائِلُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الشَّيْءِ , فَيَعْرِفُ فِي وَجْهِي أَنِّي لَمْ أَعْرِفْ , فَيَقِيسُهُ لِي حَتَّى أَفْهَمَهُ , وَأَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ فَيَعْرِفُ فِي وَجْهِي أَنِّي لَمْ أَفْهَمْهُ , فَيَقُولُ: «لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَجِيءُ الْقِيَاسُ»
(1/499)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: «اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفْتَرِضًا وَبِالنَّظَائِرِ فَاقْضِ وَالْمَقَايِيسِ»
(1/500)

نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «إِنَّمَا هُوَ السُّنَّةُ وَالِاتِّبَاعُ , وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ أَنَّ نَقِيسَ عَلَى أَصْلٍ , فَأَمَّا أَنْ تَجِيءَ إِلَى الْأَصْلِ فَتَهْدِمَهُ , ثُمَّ تَقُولُ هَذَا قِيَاسٌ , فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا الْقِيَاسُ؟» قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِيسَ إِلَّا رَجُلٌ عَالِمٌ كَبِيرٌ , يَعْرِفُ كَيْفَ يُشَبِّهُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ فَقَالَ: «أَجَلْ , لَا يَنْبَغِي»
(1/500)

قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْجِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ , أنا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ , أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ , نا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: عَنِ الرَّجُلِ , مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ , فَيَرُدُّ عَلَيْنَا بِالشَّيْءِ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْقِيَاسِ؟ قَالَ [ص:501]: «لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنِ الْقِيَاسِ»
(1/500)

وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْبَابَسِيرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الْقَاضِي , نا أَبِي , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي زَنْبَرٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ , يَقُولُ: «أَنْزَلَ اللَّهُ كِتَابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَرَكَ فِيهِ مَوْضِعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ , وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّنَنَ وَتَرَكَ فِيهَا مَوْضِعًا لِلرَّأْيِ» قَدْ أَوْرَدْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ أَصْحَابِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ , وَفَسَادِ قَوْلِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] فَالْجَوَابُ عَنْهُ , أَنَّ الْحُكْمَ بِالْقِيَاسِ مَعْلُومٌ , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ عَدَالَتُهُمَا وَصِدْقُهُمَا , وَبِمَنْزِلَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ , إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا فِي جِهَةٍ , فَإِنَّ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِهَا وَفِعْلَ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا مَعْلُومٌ , عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السُّنَّةِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ , فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فَقَدْ ضَلُّوا , وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:502]: مَنْ قَالَ فِي دِينِنَا بِرَأْيِهِ فَاقْتُلُوهُ فَهُوَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ , وعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقِيَاسِ , وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لِلْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ , فَهُوَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلْحَدِيثِ , لِأَنَّهُ قَالَ: أَعْيَتْهُمُ السُّنَّةُ أَنْ يَحْفَظُوهَا , وَنَسَوَا الْأَحَادِيثَ أَنْ يَعُوهَا وَقَالَ: هُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ , وَلَيْسَ هَذِهِ صِفَةُ مَنْ جَعَلَ السُّنَنَ أَصْلًا يَقِيسُ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ , الْمُرَادُ بِهِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ , مَا قَدَّمْنَاهُ رِوَايَتُهُ عَنْهُمْ فِي الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالْعَمَلِ بِهِ , وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ , وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ ذَمَّ الرَّأْيَ , بِدَلِيلِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ إِجَازَتِهِ وَتَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِ وَقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ صَحِيحٌ , وَذَلِكَ [ص:503] أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ , فَقَاسَ لِيَدْفَعَ بِقِيَاسِهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ نَصًّا , فَقَالَ: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] , فَجَعَلَ قُوَّةَ النَّارِ عَلَى الطِّينِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَضْعَفَ حُكْمُهُ أَنْ يَخْضَعَ لِلْأَقْوَى , وَأَنَّ آدَمَ أَوْلَى بِالسُّجُودِ لَهُ , فَوَضَعَ الْقِيَاسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ , فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا , لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَمُفَارَقَةِ الدَّلَالَةِ وَأَمَّا قَوْلُ دَاوُدَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِيَاسِ , إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ , وَكُلُّ حُكْمٍ قَدْ تَنَاوَلَهُ النَّصُّ عِنْدَنَا فَالْجَوَابُ عَنْهُ , أَنَّا نَعْلَمُ خَطَأَ هَذَا الْقَوْلِ ضَرُورَةً , لِوُجُودِنَا أَحْكَامًا كَثِيرَةً لَا نَصَّ فِيهَا فَإِنْ قَالَ: اذْكُرْ بَعْضَهَا قِيلَ لَهُ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا , وَلَا نَصَّ فِيهِ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى مَنْ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا , وَقَتْلُ الزُّنْبُورِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى الْعَقْرَبِ , وَإِذَا مَاتَ سِنُّورٌ فِي السَّمْنِ , لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْغَامِضَةُ , فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَيَطُولُ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ , عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ , أَنْ يَكُونَ النَّصُّ مَعْدُومًا , وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ صَحَّ الْقِيَاسُ , مَعَ وُجُودِ النَّصِّ , وَمَعَ عَدَمِهِ
(1/501)

بَابٌ فِي سُقُوطِ الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ
(1/504)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , قَالَ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ , قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ , يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» , فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , إِنِّي لَصَادِقٌ , وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ فِي أَمْرِي مَا يُبْرِئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ , فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور: 6] قَرَأَ حَتَّى بَلَغَ {مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9] , فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا , فَجَاءَا , فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ , فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ , فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟» , ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ , فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ , أَنَّ غَضِبَ اللَّهِ عَلَيْهَا , إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ , وَقَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ , فَقَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ , فَمَضَتْ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:505]: «أَبْصِرُوهَا , فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ , سَابِغَ الْإِلْيَتَيْنِ , خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ» , فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ , لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» قُلْتُ: عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلَهُ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشَهْدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} [النور: 8] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِمُشَابَهَةِ وَلَدِهَا الرَّجُلَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/504)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ , أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ كَانَ يَسْكُنُ دَارَنَا , فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى عُمَرَ , فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ , فَقَالَ: أَمَّا الْفِرَاشُ فَلِفُلَانٍ , وَأَمَّا النُّطْفَةُ فَلِفُلَانٍ , فَقَالَ عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ الْخَطَّابِ -: «صَدَقْتَ , وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْفِرَاشِ»
(1/505)

وَأَنَا الْحِيرِيُّ , نا الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ , أنا الشَّافِعِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ , لَا أَتَّهِمُ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْلَدُ بْنُ خُفَافٍ , قَالَ: ابْتَعْتُ غُلَامًا , فَاسْتَغْلَلْتُهُ , ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْهُ عَلَيَّ عَيْبٌ , فَخَاصَمْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , فَقَضَى لِي بِرَدِّهِ , وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ , فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَقَالَ أَرُوحُ إِلَيْهِ الْعَشِيَّةَ فَأُخْبِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» , فَعُجِّلْتُ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ مَا أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ , عَنْ عَائِشَةَ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ قَضَاءٍ قَضَيْتُهُ , اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُرِدْ فِيهِ إِلَّا الْحَقَّ , فَبَلَغَتْنِي فِيهِ سَنَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرُدُّ قَضَاءَ عُمَرَ , وَأُنَفِّذُ سَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ , فَقَضَى لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيَّ لَهُ
(1/506)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أَخْبَرَنِي مَنْ , لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , قَالَ: " قَضَى [ص:507] سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى رَجُلٍ بِقَضِيَّةٍ بِرَأْيِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , فَأَخْبَرْتُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ , فَقَالَ سَعْدٌ لِرَبِيعَةَ: هَذَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ يُخْبِرُنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا قَضَيْتُ بِهِ , فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: قَدِ اجْتَهَدْتَ وَمَضَى حُكْمُكَ , فَقَالَ سَعْدٌ: وَاعَجَبًا أُنْفِذُ قَضَاءَ سَعْدِ ابْنِ أُمِّ سَعْدٍ , وَأَرُدُّ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ بَلْ أَرُدُّ قَضَاءَ سَعْدِ ابْنِ أُمِّ سَعْدٍ , وَأُنْفِذُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدَعَا سَعْدٌ بِكِتَابِ الْقَضِيَّةِ , فَشَقَّهُ وَقَضَى لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ
(1/506)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ , نا أَبُو النَّضْرِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ رَجُلًا , مِنْ ثَقِيفٍ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنِ امْرَأَةٍ حَاضَتْ وَقَدْ كَانَتْ زَارَتِ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَهَا أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: «لَا» فَقَالَ لَهُ الثَّقَفِيُّ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَانِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَا أَفْتَيْتَ قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَضْرِبُهُ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ: «لِمَ تَسْتَفْتِنِي فِي شَيْءٍ قَدْ أَفْتَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/507)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي , فِيمَا أَجَازَ لَنَا قَالَ: نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ , قَالَ: نا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ , نا سُفْيَانُ بْنُ عَامِرٍ , عَنْ عَتَّابِ بْنِ مَنْصُورٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(1/508)

أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرَ , نا ابْنُ الْغَلَابِيِّ , نا حَبَّانُ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ نا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مِصْلَقَةَ , عَنْ حَمَّادٍ , قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الشَّيْءِ , اهْتَمُّ بِهِ قَالَ: فَيَقِيسُهُ لِي , وَيَجِيءُ الشَّيْءُ فَلَا أَعْرِفُهُ , فَيَقُولُ: «لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَجِيءُ الْقِيَاسُ» قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ , مِثَالُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَضَى فِي الْجَنِينِ يُجْنَي عَلَى أُمِّهِ فَتُسْقِطُهُ مَيِّتًا , أَنَّ فِيهِ غُرَّةٌ قَوَّمَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ: خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ , وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى , وَلَوْ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ أُمُّهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ نُظِرَ , فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا جُعِلَ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَإِنْ كَانَ أُنْثَى جُعِلَ فِيهِ خَمْسُونَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْجَنِينِ غَيْرُهُ
(1/508)

أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ , نا يَحْيَى بْنُ السَّرِيِّ , نا عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ , يَقُولُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «إِنَّمَا نَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِكَ , إِذَا لَمْ نَجِدْ أَثَرًا , فَإِذَا وَجَدْنَا أَثَرًا ضَرَبْنَا بِقَوْلِكَ الْحَائِطَ» قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي عَيْبِ الْقِيَاسِ قَوْلًا , يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقِيَاسَ الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَهُوَ مَا
(1/509)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ رِزْقَوَيْهِ , نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارِ , وأنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجُ , أنا الْأَبَّارُ , نا أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ , عَنْ وَكِيعٍ , قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْفَضْلِ نا أَبُو عَمَّارٍ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ: «الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِنْ بَعْضِ الْقِيَاسِ» قَالَ وَكِيعٌ: هَذَا عَلَيْهِ - زَادَ ابْنُ رِزْقَوَيْهِ -: وَلَا لَهُ
(1/509)

كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ , عَنْهُ قَالَ: أنا أَبُو الْمَيْمُونِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ [ص:510] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ , قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِهِ , قَالَ سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ , يَقُولُ لِيَحْيَى بْنَ صَالِحٍ الْوحَاظِيِّ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا احْذَرِ الرَّأْيَ , فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ: «الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِنْ بَعْضِ قِيَاسِهِمْ»
(1/509)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ , مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ , أنا أَبُو الْفَرَجِ , مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْبَلُّوطِيُّ بِالْأَهْوَازِ , أنا أَبُو الْحَسَنِ , عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ الْبَلْخِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو يَحْيَى الْبَلْخِيُّ , نا شَدَّادُ بْنُ حَكِيمٍ , عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ , قَالَ: «إِنَّمَا نَأْخُذُ بِالرَّأْيِ مَا لَمْ يَجِئِ الْأَثَرُ , فَإِذَا جَاءَ الْأَثَرُ تَرَكْنَا الرَّأْيَ , وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ»
(1/510)

ذِكْرُ الْقِيَاسِ الْمَحْمُودِ وَالْقِيَاسِ الْمَذْمُومِ الْقِيَاسُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضِرْبٌ مِنْهُ فِي التَّوْحِيدِ , وَضَرْبٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ: فَالْقِيَاسُ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَهُوَ: مَا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ , وَالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ , وَالْكُتُبِ , وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ , فَهَذَا قِيَاسٌ مَحْمُودٌ فَاعِلُهُ , مَذْمُومٌ تَارِكُهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ: هُوَ الْقِيَاسُ الْمَذْمُومُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْبِدَعِ وَالْإِلْحَادِ , نَحْوُ تَشْبِيهِ الْخَالِقِ بِالْخَلْقِ , وَتَشْبِيهِ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ , وَدَفْعِ قَايِسِهِ مَا أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ , وَوَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ مِمَّا يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ بِفِعْلِهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ وَشَبِيهِهِ , فَذَلِكَ مَحْمُودٌ وَالْآخَرُ: قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِ نَظِيرِهِ وَشَبِيهِهِ , فَذَلِكَ مَذْمُومٌ
(1/511)

بَابُ الْكَلَامِ فِي ذِكِرِ مَا يَشْتَمِلُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى: الْفَرْعِ , وَالْأَصْلِ , وَالْعِلَّةِ , وَالْحُكْمِ فَأَمَّا الْفَرْعُ: فَهُوَ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا الْأَصْلُ: فَهُوَ مَا عُرِفَ حُكْمُهُ بِلَفْظٍ تَنَاوَلَهُ , أَوْ مَا عُرِفَ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ , وَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ هَذَا الِاسْمِ , أَعِنِّي الْأَصْلَ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي أُصُولِ الْأَدِلَّةِ , الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَيَقُولُونَ هِيَ الْأَصْلُ , وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ وَدَلِيلِ الْخِطَابِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ , فَهُوَ مَعْقُولُ الْأَصْلِ , وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يُقَاسُ عَلَيْهِ كَالْخَمْرُ أَصْلُ النَّبِيذِ فِي التَّحْرِيمِ , وَالْبُرُّ أَصْلُ الْأَرْزِ فِي الرِّبَا وَأَمَّا الْعِلَّةُ: فَهِيَ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْحُكْمَ فَيُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ وَيَزُولُ بِزَوَالِهِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ الَّذِي يُعَلَّقُ عَلَى الْعِلَّةِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ
(1/512)

بَابُ بَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ , وَدِلَالَةٌ عَلَيْهِ , وَلَا بُدَّ فِي رَدِّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ عِلَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا , وَيَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّتِهَا , أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ شَرْعِيُّ , فَكَمَا لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ , فَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلَّةِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ شَيْئَانِ: أَصْلٌ وَاسْتِنْبَاطٌ , فَأَمَّا الْأَصْلُ , فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى , وَقَوْلُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَفْعَالُهُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ وَقَوْلُ رَسُولِهِ فَدَلَالَتُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى وَالْمَفْهُومِ فَأَمَّا دَلَالَتُهُمَا مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ , فَمِنْ وُجُوهٍ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ: فَأَجْلَاهَا: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ التَّعْلِيلِ , كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]
(1/513)

وَمِنَ السُّنَّةِ مَا: أنا أَبُو الصَّبْهَاءِ وَلَّادُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ , أنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ , نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ زَيْدٍ أَبِي [ص:514] عَيَّاشٍ , قَالَ: سَأَلْنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ , بِالسُّلْتِ فَكَرِهَهُ , وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟» قَالُوا نَعَمْ , فَنَهَى عَنْهُ قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ , وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ تَنْبِيهَهُمْ عَلَى الْمَعْنَى فِي التَّحْرِيمِ , لِيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَأْكُولٍ رَطْبٍ يَجِفُّ , فَلَا خَيْرَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا , وَمَثَلُ ذَلِكَ
(1/513)

مَا أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ , نا الْقَعْنَبِيُّ , قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا أَبُو مُصْعَبٍ , عَنْ مَالِكٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ , أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَدَّانَ أَوْ بِالْأَبْوَاءِ حِمَارًا وَحْشِيًّا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا بِوَجْهِهِ قَالَ [ص:515]: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّعْبِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ رَدَّهُ لِيَعْلَمَ أَنَّ اصْطِيَادَ الْمُحْرِمِ وَمَا صِيدَ لَهُ وَأُهْدِيَ إِلَيْهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِثْلُهُ
(1/514)

مَا: أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا دَاوُدُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَا: نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ , نا مَالِكٌ يَعْنِي ابْنَ أَنَسٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَيْسَ لِلْمُعْمِرِ الرُّجُوعُ فِيمَا أَعْمَرَ وَمِثْلُهُ
(1/515)

مَا: نا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ , مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ , أَنَّ رَجُلًا , اطَّلَعَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِتْرِ الْحُجْرَةِ , وَفِي يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًا , فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَنْتَظِرُنِي حَتَّى آتِيَهُ , لَطَعَنْتُ بِالْمِدْرَا فِي عَيْنَيْهِ , وَهَلْ جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي التَّعْلِيلِ وَيَلِيهَا فِي الْبَيَانِ: أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ , وَقَدْ يَكُونُ هَذَا بِلَفْظِ الشَّرْطِ , كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]
(1/516)

وَمِنَ السُّنَّةِ , كَمَا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ , جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , نا أَبِي , نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ , [ص:517] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ , فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي أَبَّرَهَا , إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِي اشْتَرَى» فَالظَّاهِرُ: أَنَّ حَمْلَ الْمَرْأَةِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ , وَأَنَّ تَأْبِيرَ النَّخْلِ عِلَّةٌ لِكَوْنِ الثَّمَرَةِ لِلْبَائِعِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّرْطِ , كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] , ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ وَأَمَّا دِلَالَتُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى وَالْمَفْهُومِ فَمِنْ وُجُوهٍ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ أَيْضًا , فَأَوْضَحُهَا: مَا دُلَّ عَلَيْهِ بِالتَّنْبِيهِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]
(1/516)

وَمِنَ السُّنَّةِ نَحْوُ مَا: أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قَيْسٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ فَيْرُوزَ , مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: مَا [ص:518] كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ قَالَ: مَا نَهَى عَنْهُ فِي الْأَضَاحِي؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِهِ: " أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا , وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا , وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا , وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تَتَّقِي " قُلْتُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُذُنِ نَقْصٌ أَوْ فِي السِّنِّ نَقْصٌ , أَوْ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ قَالَ: «إِنَّ كَرِهْتَ شَيْئًا فَدَعْهُ , وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ» لَفْظُ الْآيَةِ يَدُلُّ بِالتَّنْبِيهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ عَلَى: أَنَّ الضَّرْبَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ التَّأْفِيفِ , وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ الْعَمَى فِي الْأُضْحِيَّةِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْعَوَرِ وَيْلِي مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيَانِ أَنْ تُذْكَرَ صِفَةٌ فَيُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِهَا الْمَعْنَى الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ الصِّفَةُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّنْبِيهِ ,
(1/517)

كَمَا: أنا أَبُو حَفْصٍ , عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَزَّازُ بِعُكْبَرَا , وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُعَدِّلُ بِالنَّهْرَوَانِ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ , عَنْ أَبِي بَكْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [ص:519]: «لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»
(1/518)

وَكَمَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ , وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَاللَّفْظُ لِلْحَسَنِ - قَالَا: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ , فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا , وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ» الْمَفْهُومُ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِكْرِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا مَنَعَ الْغَضْبَانَ مِنَ الْقَضَاءِ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ , وَأَنَّ حُكْمَ الْجَائِعِ وَالْعَطْشَانِ مِثْلُهُ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْقَاءِ مَا حَوْلَ الْفَأْرَةِ مِنَ السَّمْنِ , إِنْ كَانَ جَامِدًا لِيُنْتَفَعَ بِمَا سِوَاهُ , إِذَا لَمْ تُخَالِطْهُ النَّجَاسَةُ , وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا لِئَلَّا يُنْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ , إِذِ النَّجَاسَةُ قَدْ خَالَطَتْهُ وَأَنَّ الشَّيْرَجَ وَالزَّيْتَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ وَأَمَّا دَلَالَةُ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا عِنْدَ وقُوعِ مَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ , أَوْ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْمَعْنَى , فَيَصِيرُ عِلَّةً فِيهِ وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهَا فَسَجَدَ فَيُعْلَمُ أَنَّ السَّهْوَ [ص:520] عِلَّةٌ لِلسُّجُودِ , وَأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ , فَيُعْلَمُ أَنَّ الْجِمَاعَ عِلَّةٌ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ
(1/519)

كَمَا: أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ , نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , نا هِشَامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ» , فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى , فَاسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ , فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَشْرَبْهَا يَهْجُرُ , وَمَتَى مَا هَجَرَ يَقْذِفْ , فَنَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ قَالَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِحَّتِهِ , فَلَمْ يُخَالِفْ قَائِلَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَهُوَ: الِاسْتِنْبَاطُ , وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّأْثِيرُ , وَالثَّانِي: شَهَادَةُ الْأُصُولِ فَأَمَّا التَّأْثِيرُ فَهُوَ: أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ لِوُجُودِ مَعْنًى , فَيَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لِأَجْلِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ , وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي تَعْلِيلِ الْخَمْرِ أَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ , فَإِنَّهُ قَبْلَ حُدُوثِ الشِّدَّةِ فِيهِ وَهُوَ عَصِيرٌ , كَانَ [ص:521] حَلَالًا , ثُمَّ حَدَثَتِ الشِّدَّةُ فِيهِ فَحَرُمَ , ثُمَّ زَادَتِ الشِّدَّةُ فَحَلَّ , فَعُلِمَ أَنَّ الشِّدَّةَ هِيَ الْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأُصُولِ: فَتَخْتَصُّ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ: مَا لَا يَنْقُضُ الطُّهْرَ خَارِجَ الصَّلَاةِ , لَا يَنْقُضُهُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ , فَيَدُلُّ عَلَيْهَا بِأَنَّ الْأُصُولَ تَشْهَدُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ دَاخِلِ الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى , أَلَا تَرَى أَنَّ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ نَقَضَهُ خَارِجَهَا كَالْأَحْدَاثِ كُلِّهَا وَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُهُ دَاخِلَهَا , فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَهْقَهَةُ مِثْلَهَا
(1/520)

بَابُ
(1/521)

بَيَانِ مَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ يُفْسِدُ الْعِلَّةَ أَشْيَاءُ: مِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى صِحَّتِهَا دَلِيلٌ , فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِهَا , لَأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ , أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صِحَّتِهَا دَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ , دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ , وَوَجَبَ الْحُكْمُ بِفَسَادِهَا وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ مُنْتَزَعَةً مِنْ أَصْلٍ لَا يَجُوزُ انْتِزَاعُ الْعِلَّةِ مِنْهُ , مِثْلُ أَنَّ يَقِيسَ الْقَايِسُ عَلَى أَصْلٍ غَيْرِ ثَابِتٍ , إِمَّا لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ , أَوْ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ , لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَصْلٍ , فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ , لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ الْفَرْعِ مِنْ جِهَتِهِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَصْلُ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَخْصِيصِهِ مُنِعَ الْقِيَاسُ مِنْ جِهَتِهِ , مِثْلُ قِيَاسِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي جَوَازِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ , وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ , فَهَذَا لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى مَا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِالْمَنْعِ مِنْهُ , فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ , وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ إِذَا مَنَعَ مِنْهُ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُنْتَقِضَةً , وَهُوَ أَنَّ تُوجَدَ وَلَا حُكْمَ مَعَهَا , الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا عِلَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ , فَإِذَا وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ حُكِمَ بِفَسَادِهَا , أَصْلُ ذَلِكَ الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ
(1/522)

وَمِنْهَا: أَنْ يُعَارِضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا مِنْ نَصِّ كِتَابٍ , أَوْ سُنَّةٍ , أَوْ إِجْمَاعٍ , فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِهَا , لِأَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهَا , فَلَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ مَعَهَا
(1/523)

بَابُ الْقَوْلِ فِي تَعَارُضِ الْعِلَّتَيْنِ وَتَرْجِيحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى اعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلْعِلْمِ , لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَزَايَدُ , وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ لَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ أَوْ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لَهُ , وَبَيْنَ دَلِيلٍ أَوْ عِلَّةٍ يُوجِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الظَّنَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ , وَلَأَنَّ الْمُقْتَضِي لِلظَّنِّ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ , وَلَوْ رَجَحَ بِمَا رَجَحَ لَكَانَ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ مُقَدِّمًا عَلَيْهِ , فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْجِيحِ , فَمَتَى تَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ , وَاحْتِيجَ فِيهِمَا إِلَى التَّرْجِيحِ , رُجِّحَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بِوَجْهٍ مِنَ التَّرْجِيحِ: فَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا مُنْتَزَعَةً مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ , وَالْأُخْرَى مِنْ أَصْلٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ , فَالْمُنْتَزَعَةُ مِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّ أَصْلَهَا أَقْوَى وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ إِحْدَاهُمَا مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ قَدْ عُرِفَ دَلِيلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ فَيَكُونُ أَقْوَى مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْرَفْ دَلِيلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ , لِأَنَّ مَا عُرِفَ دَلِيلُهُ يُمْكِنُ النَّظَرُ فِي مَعْنَاهُ , وَتَرْجِيحُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ إِحْدَاهُمَا قَدْ عُرِفَ بِنُطْقٍ , وَأَصْلُ الْأُخْرَى
(1/524)

قَدْ عُرِفَ بِمَفْهُومٍ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ , فَمَا عُرِفَ بِالنُّطْقِ أَوْلَى , وَالْمُنْتَزَعُ مِنْهُ يَكُونُ أَقْوَى وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ إِحْدَاهُمَا مِنْ جِنْسِ الْفَرْعِ , فَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا مَرْدُودَةً إِلَى أَصْلٍ , وَالْأُخْرَى مَرْدُودَةً إِلَى أُصُولٍ , فَالْمَرْدُودَةُ إِلَى أُصُولٍ أَوْلَى , لِأَنَّ مَا كَثُرَتْ أُصُولُهُ أَقْوَى وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا مَنْصُوصًا عَلَيْهَا , وَالْأُخْرَى غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا , فَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا أَوْلَى , لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا تَقْتَضِي احْتِيَاطًا فِي فَرْضٍ , وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ كَذَلِكَ , فَالَّتِي تَقْتَضِي الِاحْتِيَاطَ أَوْلَى , لِأَنَّهَا أَسْلَمُ فِي الْمُوجِبِ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ إِحْدَاهُمَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ فَهِيَ أَوْلَى , لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ , فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ , فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْقِيَاسِ قَوَّاهُ
(1/525)

بَابُ الْكَلَامِ فِي: اسْتِصْحَابِ الْحَالِ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ ضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِحْبَابُ حَالِ الْعَقْلِ وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ فَأَمَّا اسْتِصْحَابُ حَالِ الْعَقْلِ فَهُوَ: الرُّجُوعُ إِلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فِي الْأَصْلِ , وَذَلِكَ طَرِيقٌ يَفْزَعُ الْمُجْتَهِدُ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ , مِثَالُهُ: أَنْ يُسْأَلَ شَافِعِيُّ عَنِ الْوِتْرِ فَيَقُولُ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ , فَإِذَا طُولِبَ بِدَلِيلٍ يَقُولُ: لِأَنَّ طَرِيقَ وُجُوبِهِ الشَّرْعُ , وَقَدْ طَلَبْتُ الدَّلِيلَ الْمُوجِبَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَلَمْ أَجِدْ , فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا وَأَنْ تَكُونَ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةً مِنْهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلُ , فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ: مَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مَوْجُودًا , وَأَنْتَ مُخْطِئٌ فِي الطَّلَبِ , وَتَارِكٌ لِلدَّلِيلِ الْمُوجِبِ قَالَ لَهُ: لَا يَجِبُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنَ الطَّلَبِ , وَإِذَا لَمْ أَجِدْ لَزِمَنِي تَبْقِيَهُ الذِّمَّةِ عَلَى الْبَرَاءَةِ كَمَا كَانَتْ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ لَيْسَ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ عَنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ إِلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَنْقُلُهُ عَنْهُ , فَإِنْ وَجَدَ دَلِيلًا مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ انْتَقَلَ عَنْهُ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ نُطْقًا أَوْ مَفْهُومَ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرًا , لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ إِنَّمَا اسْتَصْحَبَهَا لِعَدَمِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ , فَأَيُّ دَلِيلٍ ظَهَرَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ بَعْدَهُ
(1/526)

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الشَّافِعِيُّ , فِي الْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهَا , لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا قَبْلَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ عَلَى انْعِقَادِ صَلَاتِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ هَذِهِ الْحَالَ , بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ , حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِأَجْلِهِ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ دَلِيلٌ كَمَا أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ , أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ ثُمَّ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ , أَوْ تَيَقَّنَ النِّكَاحَ وَشَكَّ فِي الطَّلَاقِ , أَوْ تَيَقَّنَ الْمِلْكَ وَشَكَّ فِي الْعِتْقِ , أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ , وَيَكُونُ حُكْمُ السَّابِقِ مُسْتَدَامًا فِي حَالِ الشَّكِّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِدَلِيلٍ , لِأَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْإِجْمَاعُ , وَالْإِجْمَاعُ إِنَّمَا حَصَلَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ , فَإِذَا رَأَى الْمَاءَ , فَقَدْ زَالَ الْإِجْمَاعُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ , فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا
(1/527)

بَابُ الْقَوْلِ فِي: حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَلَى الْحَظْرِ , فَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ , فَمَنْ رَأَى شَيْئًا جَازَ لَهُ تَنَاوَلُهُ وَتَمَلُّكُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ لَا يُقْضَى فِيهَا بِحَظْرٍ وَلَا إِبَاحَةٍ فَأَمَّا مَنْ قَالَ هِيَ عَلَى الْحَظْرِ , فَاحْتَجَّ: بِأَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مِلْكٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , لِأَنَّهُ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا , وَلَا يَجُوزُ الْإِنْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغِيَرِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ , وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَمْلَاكَ الْآدَمَيِّينَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَكَذَلِكَ مِلْكُ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ: بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا وَأَوْجَدَهَا , فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا لِغَرَضٍ أَوْ لِغَيْرِ غَرَضٍ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ غَرَضٍ , لِأَنَّهُ يَكُونُ عَبَثًا وَاللَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَابِثًا فِي أَفْعَالِهِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا لِغَرَضٍ , وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لِيَضُرَّ بِهَا أَوْ لَيَنْفَعَ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِيَضُرَّ بِهَا , لِأَنَّهُ حَكِيمٌ لَا يَبْتَدِي بِالضَّرَرِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْعِ , وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ أَوْ لِنَفْعِ عِبَادِهِ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ , لِأَنَّهُ غَنِيُّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الِانْتِفَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا لِيَنْفَعَ بِهَا عِبَادَهُ وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّ