Advertisement

الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 002


أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَخْزُومِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْعَبَّاسِ الصُّولِيِّ , نا الْغَلَابِيُّ , نا ابْنُ عَائِشَةَ , قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ , لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: نَظَرْتُ فِي مَقَايِيسِكُمْ فَوَجَدْتُهَا بَاطِلَةً قَالَ: «أَبِالْقِيَاسِ أَبْطَلْتَهَا , أَمْ بِالْمُجَازَفَةِ» ؟ قَالَ: بِالْقِيَاسِ، قَالَ: «فَأَرَاكَ قَدْ أَثْبَتَّ مَا نَفَيْتَ»
(2/8)

أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ التِّرْمِذِيُّ , قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْحِكْمَةِ: «الْعِلْمُ مَيِّتٌ , إِحْيَاؤُهُ الطَّلَبُ , فَإِذَا حَيَ بِالطَّلَبِ , فَهُوَ ضَعِيفٌ قُوَّتُهُ الدَّرْسُ , فَإِذَا قَوِيَ بِالدَّرْسِ فَهُوَ مُحْتَجَبٌ , إِظْهَارُهُ بِالْمُنَاظَرَةِ , فَإِذَا ظَهَرَ بِالْمُنَاظَرَةِ , فَهُوَ عَقِيمٌ , نِتَاجُهُ الْعَمَلُ»
(2/8)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «لَوْلَا الْخَطَأُ مَا أَشْرَقَ نُورُ الصَّوَابِ , وَبِالتَّعِبِ وُطِئَ فِرَاشُ الرَّاحَةِ , وَبِالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ تُسْتَخْرَجْ دَقَائِقُ الْعُلُومِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَاهِلٍ يُقَلِّدُ , وَبَهِيمَةٍ تَنْقَادُ»
(2/8)

أنا أَبُو طَالِبٍ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ , أنا أَبُو إِسْحَاقَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَلِيُّ , قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ابْتِدَاءِ عِلْمِ النَّظَرِ: «وَمَا زَالَ هَذَا الْعِلْمُ إِذَا وَقَفَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ انْفَتَحَ لَهُ مَا وَرَاءَ
(2/8)

ذَلِكَ كَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَرَى قَصْرًا عَلَى بُعْدٍ , فَيَأْتِيهِ , فَيَرَى مِنْ قُرْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى مِنْ بُعْدِهِ , وَكَذَلِكَ إِنْ تَهَيَّأَ لَهُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ , وَكَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ , لَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا قَارَبَهُ , وَمَا هُوَ حِذَاءَهُ , غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُ , خَاصَّةً إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَشَزٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ جَبَلٌ , فَإِذَا عَلَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ وَارْتَقَى أَشْرَفَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مُشْرِفًا عَلَيْهِ طَوْلًا وَعَرْضًا , فَإِذَا تَكَلَّفَ الصَّعُودَ إِلَى أَعْلَى رَأْسِ الْجَبَلِ , انْكَشَفَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهَا إِلَّا بِهَذَا التَّعَبِ وَالتَّكَلُّفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ , فَيَبْدُو لَهُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ يَبْدُو لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ , فَكُلَّمَا زَادَ ارْتِقَاءً , ازْدَادَ مَعْرِفَةً بِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ رَآهُ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ , كُلَّمَا تَعَلَّمَ الْمَرْءُ مِنْهُ أَصْلًا انْكَشَفَ لَهُ مَا فِيهِ وَشَاكَلَهُ وَمَا فِي بَابِهِ وَطَرِيقِهِ وَاسْتَدَّلَ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ , إِذَا كَانَ فَهْمًا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَدُ شُبِّهَ صَاحِبُ أَدَبِ الْجَدَلِ قَبْلَ هَذَا النَّظَرِ وَالْكَلَامِ بِالنَّخْلِ يُؤَبِّرُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ , فَيَنَالُ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا لَا يَنَالُ عِنْدَ تَرْكِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ وَالْحَجَرُ , مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُمَا لَمْ تَخْرُجِ النَّارُ , وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْفَعُ لَمَّا احْتِيجَ إِلَى طَبْخٍ وَتَسْخِينٍ , فَإِذَا أُورِيَ خَرَجْتِ النَّارُ , فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْحِرَاقِ وَتُرِكَتِ انْطَفَأَتْ , وَإِنْ أُمِدَّتْ بِنَفْخٍ وَكِبْرِيتٍ
(2/9)

وَحَطَبٍ , وَغَيْرِ ذَلِكَ , كَثُرَتْ وَكَثُرَ نَفْعُهَا , وَالْعِلْمُ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ وَلَمْ يُذَاكَرْ بِهِ كَالْمِسْكِ إِذَا طَالَ مُكْثُهُ فِي الْوِعَاءِ ذَهَبَ رِيحُهُ , وَكَالْمَاءِ الصَّافِي إِذَا طَالَ مُكْثُهُ نَشَّفَتْهُ الْأَوْعِيَةُ وَالْهَوَاءُ وَغَيَّرَتْهُ , وَذَهَبَتْ بِأَكْثَرِهِ أَوْ بِكُلِّهِ , وَتَغَيَّرَ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ , وَكَالْبِئْرِ تُحْفَرُ فَتَجْرِي فِيهَا عَيْنٌ , فَإِنْ حَصَلَ لَهُ طَرِيقٌ حَتَّى يَنْتَشِرَ صَارَ نَهْرًا وَكَثُرَ وَنَفَعَ وَعَاشَ بِهِ الْحَيَوَانُ , وَإِنْ حُبِسَ وَتُرِكَ قَلَّ نَفْعُهُ وَرُبَّمَا غَارَ , فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ , إِذَا لَمْ يُذَاكَرْ بِهِ , وَلَمْ يُبْحَثْ عَنْهُ , وَإِذَا ذَاكَرْتَ بِالْعِلْمِ وَنَشَرْتَهُ صَارَ كَالنَّهَرِ الْجَارِي دَائِمِ النَّفْعِ , غَزِيرِ الْمَاءِ , إِنْ قَلَّ مَرَّةً لِعَارِضٍ زَادَ أُخْرَى , وَإِنْ تَكَدَّرَ وَقْتًا لِعِلَّةٍ صَفَا فِي ثَانٍ وَتَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ وَالْحَيَوَانُ»
(2/10)

حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مَسْعُودُ بْنُ ناصرٍ السِّجِسْتَانِيُّ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَدِيبُ بِزَوْزَنَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيُّ الْمُقْرِئُ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيُّ , فَلَزِمْتُ السُّكُوتَ , وَجَعَلْتُ أَسْمَعُ كَلَامَهُ , فَقَالَ لِي: " تَكَلَّمْ فَإِنْ أَصَبْتَ كُنْتَ مُفِيدًا , وَإِنْ أَخْطَأْتَ كُنْتَ مُسْتَفِيدًا , كَالْغَازِي , إِنْ قَتَلَ كَانَ حُمَيْدًا , وَإِنُ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا قُلْتُ: وَمُبَاحٌ النَّظَرُ وَالْجَدَلُ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْحَوَادِثِ , وَفِيمَا لَمْ يَنْزِلْ , حَتَّى يُعْرَفَ حُكْمُ مَا لَمْ يَنْزِلْ , فَإِذَا نَزَلَ عَمِلَ بِهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ الْقَوْلِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ , وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَتَعَلَّقُوا فِيهِ بِمَا نَحْنُ ذَاكَرُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(2/10)

بَابُ الْقَوْلِ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْحَادِثَةِ وَالْكَلَامِ فِيهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا
(2/11)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ , وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ , وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»
(2/11)

أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ , نا مَالِكٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: «كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا»
(2/11)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ , نا أَبُو سِنَانٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ , قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُونَا عَمَّا لَمْ يَكُنْ , فَإِنَّ لَنَا فِيمَا كَانَ شُغْلًا»
(2/12)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزَبَانِ , نَا شَرِيكٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: «لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ , فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ السَّائِلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»
(2/12)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا جَرِيرٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ , فَإِنَّ عُمَرَ , كَانَ يَلْعَنُ , أَوْ يَسُبُّ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»
(2/13)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نَا طَاهِرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ , يَقُولُ: «كَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالُوا: لَا , قَالَ: «دَعُوهُ حَتَّى يَكُونَ»
(2/13)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نَا أَبُو الْيَمَانِ , أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْأَمْرِ: «أَكَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ , كَانَ حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ , وَإِنْ قَالُوا [ص:14]: لَمْ يَكُنْ , قَالَ: «فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ»
(2/13)

أنا ابْنُ الْفَتْحِ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ , قَالَ: «اللَّهِ لَكَانَ هَذَا؟» فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ , تَكَلَّمَ فِيهِ , وَإِلَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ
(2/14)

وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: أَكَانَ بَعْدُ " , قُلْتُ: لَا , قَالَ: «فَأَجِمَّنَا حَتَّى يَكُونَ , فَإِذَا كَانَ اجْتَهَدْنَا لَكَ رَأَيْنَا»
(2/14)

أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ , نا جَدِّي , نا أَبُو سَلَمَةَ: مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا وهَيْبُ , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ عَامِرٍ , قَالَ: سُئِلَ عَمَّارٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ؟» قَالُوا: لَا , قَالَ: «فَدَعُونَا حَتَّى يَكُونَ , فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهُ لَكُمْ»
(2/15)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ , وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ , قَالَا: أنا ابْنُ وَهْبٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ , أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ , بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا» , فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِبَعْضِ إِخْوَانِكَ , فَقَالَ: «مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِشَيْءٍ وَمَا نَزَلَ بِنَا , وَمَا أَنَا بقَائِلٍ فِيهِ شَيْئًا»
(2/15)

أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ , نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى , ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَ مَالِكٌ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ وَإِنَّهُمْ لَيَكْرَهُونَ هَذَا الْإِكْثَارَ الَّذِي فِيهِ الْيَوْمَ» يُرِيدُ الْمَسَائِلَ [ص:16] فَهَذَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ مَنْعٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْحَوَادِثِ قَبْلَ نُزُولِهَا , وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ: أَمَّا كَرَاهَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ , فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِشْفَاقًا عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَةٍ بِهَا , وَتَحَنُّنًا عَلَيْهَا , وَتَخَوُّفًا أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ عِنْدَ سُؤَالِ سَائِلٍ أَمْرًا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ سُؤَالِهِ عَنْهُ , فَيَكُونُ السُّؤَالُ سَبَبًا فِي حَظَرِ مَا كَانَ لِلْأُمَّةِ مَنْفَعَةٌ فِي إِبَاحَتِهِ , فَتَدْخُلُ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَارُ بِهِمْ , وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا
(2/15)

أناه أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , نا أَبُو يَعْلَى هُوَ الْمَوْصِلِيُّ , نا الْمُقَدَّمِيُّ , نا زُهَيْرُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ مَكْحُولٍ , عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى «فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا , وَحَّدَ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا , وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا , وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرٍ نِسْيَانٍ رَحْمَةً لَكُمْ , فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا»
(2/16)

وأنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ النَّسَائِيُّ , نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا , رَجُلٌ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وَهَذَا الْمَعْنَى قَدِ ارْتَفَعَ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَقَرَّتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ , فَلَا حَاظَرَ وَلَا مُبِيحَ بَعْدَهُ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ الَّذِي
(2/17)

أناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ , نا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ , عَنْ جَدِّهِ: رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى [ص:18] الْعَدُوَّ غَدًا , وَلَيْسَ مَعَنَا مُداً , فَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذَكَرْتَ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ , مَا خَلَا السِّنَّ وَالظُّفُرَ» فَلَمْ يَعِبْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْأَلَةَ رَافِعٍ عَمَّا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ , لِأَنَّهُ قَالَ: غَدًا , وَلَمْ يَقُلْ لَهُ لِمَ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ , وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي
(2/17)

أناه الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الطَّسْتِيُّ , أنا السَّرِيُّ بْنُ سَهْلٍ الْجُنْدِيَسَابُورِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُشَيْدٍ , نا أَبُو عُبَيْدَةَ: مَجَاعَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , عَنْ يُونُسَ الْوَاسِطِيِّ , عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلَمَةَ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ رَجُلًا , قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا , فَنُقَاتِلُهُمْ , فَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ , فَقَالَ: تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ حَتَّى يَمْنَعَنِي , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُونَا , أَنُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا عَلَيْكُمُ مَا حُمِّلْتُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا»
(2/18)

فَلَمْ يَمْنَعْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ , وَلَا أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ , بَلْ أَجَابَهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَفِي الْآثَارِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا تَحْرِيجُ عُمَرَ فِي السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , وَلَعْنُهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَطَةِ , لَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَقُّهِ وَابْتِغَاءِ الْفَائِدَةِ , وَلِهَذَا ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عَسَلٍ ونَفَاهُ , وَحَرَمَهُ رِزْقَهُ وَعَطَاءَهُ , لَمَّا سَأَلَ عَنْ حُرُوفٍ مِنْ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ , فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِمَسْأَلَتِهِ ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِلْمِ , لِيُوقِعَ فِي قُلُوبِهِمُ التَّشْكِيكَ وَالتَّضْلِيلَ بِتَحْرِيفِ الْقُرْآنِ عَنْ نَهْجِ التَّنْزِيلِ , وَصَرْفِهِ عَنْ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ إِلَى فَاسِدِ التَّأْوِيلِ , وَمَثَلَ هَذَا قَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ وَالذَّمُ لِفَاعِلِهِ
(2/19)

أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الرَّقِّيُّ , نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ , عَنِ الصُّنَابِحِيِّ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ سَمَّاهُ , قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ» قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: شِدَادُ الْمَسَائِلِ
(2/20)

أنا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ , ومُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ النَّجَّارُ , ومُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبُنْدَارُ , قَالَ السَّوَّاقُ: أنا وَقَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْبُرُوجَرْدِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمَذَانِيُّ , نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ , عَنِ الصُّنَابِحِيّ , عَنْ مُعَاوِيَةَ , قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغُلُوطَاتِ» [ص:21] يَعْنِي دَقِيقَ الْمَسَائِلِ
(2/20)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا جَعْفَرُ الصَّنْدَلِيُّ , قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزَّعْفَرَانِيِّ , نا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ , عَنِ الصُّنَابِحِيّ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ قَالَ عِيسَى: وَالْأُغْلُوطَاتُ: مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ كَيْفَ وَكَيْفَ
(2/21)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْعَبْدِيُّ , نا أَبُو النَّضْرٍ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَشْعَثِ , يُحَدِّثُ عَنْ ثَوْبَانَ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعَضْلِ الْمَسَائِلِ , أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي»
(2/21)

أنا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا أَبُو النَّضْرِ , حَدَّثَنَا الْمُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ [ص:22]: «شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ يِنْتَقُونَ شِرَارَ الْمَسَائِلِ يُعْمُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَكَمَّلُوا فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ قَبْلَ نُزُولِهَا , وَتَنَاظَرُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْمَوَارِيثِ , وَتَبِعَهُمْ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ التَّابِعُونَ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ , فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَمُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , وعَمَّارِ بْنِ كَعْبٍ , وعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ , فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَوَقَّوَا الْقَوْلَ بِرَأْيِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ , وَهَيْبَةً لِمَا فِي الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخَطَرِ , وَرَأَوْا أَنَّ لَهُمُ عَنْ ذَلِكَ مَنْدُوحَةً فِيمَا لَمْ يَحْدُثْ: مِنَ النَّوَازِلِ , وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيهَا إِذَا حَدَثَتْ تَدْعُوا إِلَيْهِ الْحَاجَةُ , فَيُوَفِّقُ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَنْ قَصَدَ إِصَابَةَ الْحَقِّ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ
(2/21)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ , نا زُهَيْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ قَمِيرٍ , أنا مَنْصُورُ بْنُ صُقَيْرٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , نا الصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ , قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ شَيْءٍ , فَانْتَهَرَنِي , وَقَالَ: أَكَانَ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَقَالَ: اللَّهِ , قُلْتُ: اللَّهِ , قَالَ [ص:23]: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ , لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيَذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا , فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ , لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدِّدَ , أَوْ قَالَ وُفِّقَ» وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْمُشْفِقِينَ عَلَى دِينِهِمْ , وَلِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ حُكْمِ حَادِثَةٍ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ وَأَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ
(2/22)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: «أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا , وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ»
(2/23)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , [ص:24] نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا قَبِيصَةُ , وأنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ , بِالْبَصْرَةِ , وَاللَّفْظُ لَهُ , نا أَبُو عَلِيٍّ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَا: نا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْحَدِيثَ , وَلَا يَسْأَلُ عَنْ فُتْيَا , إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْفُتْيَا»
(2/23)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , نَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: ائْتِ عَبِيدَةَ فَسَلْهُ , فَأَتَيْتُ عُبَيْدَةَ فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ , فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ , فَقَالَ: ائْتِ مَسْرُوقًا فَسَلْهُ , فَأَتَيْتُ مَسْرُوقًا فَسَأَلْتُهُ , فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ فَسَلْهُ , فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَى عُبَيْدَةَ , وَعُبَيْدَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ , قَالَ: فَأْتِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى , فَأَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَكَرِهَهُ , ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى عَلْقَمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ «أَجْرَأُ الْقَوْمِ عَلَى الْفُتْيَا أَدْنَاهُمْ عِلْمًا»
(2/24)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا قَبِيصَةُ , نا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: «أَمَا وَجَدْتَ أَحَدًا تَسْأَلُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَيْرِي» وَهَكَذَا كَانَ إِمْسَاكُ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْكَلَامِ فِي حَادِثَةٍ لَمْ تَنْزِلْ بِهِ , وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِغَيْرِهِ , وَمَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْإِكْثَارِ فِي الْمَسَائِلِ , كُلُّ ذَلِكَ خَوْفُ الزَّلَلِ فِي الرَّأْيِ , وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيُقَلِّدُونَهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ , وَيَحْتَجُّونَ بِأَقْوَالِهِمْ , فَإِذَا: عَلِمَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنَّ جَوَابَهُ يَنْفُذُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ , حَمَلَ نَفْسَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا مِنْ شِدَّةِ مُعَالَجَتِهَا وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا عَلَى مَا كَانَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْهُ لَوْ قَصَّرَ فِيهِ قَبْلَ نُزُولِهَا وَالسُّؤَالِ عَنْهَا , وَمَنْ قُلِّدَ أَمْرَ الدِّينِ وَاسْتُفْتِيَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ , فَخَطَرُ زَلَلِهِ عَظِيمٌ , وَهُوَ الَّذِي تَخَوَّفُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ
(2/25)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ [ص:26] هَارُونَ بْنِ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيُّ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ , نا أَبُو غَسَّانَ , نا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَشَدُّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثَةً: زَلَّةُ عَالِمٍ , وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ , أَوْ دُنْيَا تَقْطَعُ رِقَابِكُمْ فَاتَّهِمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ " قَالَ أَبُو غَسَّانَ: قَالَ لِي بَنُو أَبِي شَيْبَةَ: لَوْ رَحَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى خُرَاسَانَ كَانَ قَلِيلًا
(2/25)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ , أنا [ص:27] ابْنُ الْمُبَارَكِ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ , قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ , مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ فِتْنَةً؟ قَالَ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ , إِذَا زَلَّ الْعَالِمُ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ»
(2/26)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ كَانْكِسَارِ السَّفِينَةِ , تَغْرَقَ وَيَغْرَقُ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ»
(2/27)

أنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ , نا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ , نا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ , وأنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزْجِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَجَلِيُّ , وأنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ , قَالَا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ , وَفِي حَدِيثِ الْأَزْجِيِّ , وَقَالَ إِسْحَاقُ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ» , قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: «يَقُولُ الْعَالِمُ بِرَأْيِهِ , فَيَبْلُغُهُ الشَّيْءُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَهُ , فَيَرْجِعُ وَيَمْضِي [ص:28] الْأَتْبَاعُ بِمَا سَمِعُوا» وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ إِسْحَاقَ
(2/27)

أنا أَبُو الْفَتْحِ: عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الضَّبِّيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , نا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ وَابْنَ سَمَاعَةَ , عَنْ أَبِي يُوسُفَ , قَالَ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا عَمِلَ الْقَوْلَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ , رَاضَهُ سَنَةً لَا يُخْرِجُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَإِذَا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ , وَأَحْكَمَهُ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ , وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الِاسْتِحْسَانِ هَمَّهُ مُنَاظَرَةُ نَفْسِهِ»
(2/28)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرَّيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ , يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِي الْمَسَائِلِ وَالْفُتْيَا , حَتَّى لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتُوا» وَقَالَ الْمُعَافَى , سَأَلْتُ سُفْيَانَ , فَقَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَهُمْ يَتَرَادُّونَ الْمَسَائِلَ , يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِيهَا , فَإِذَا أُعْفُوا مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ
(2/28)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا فَقَدْ عَرَّضَهَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ , إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَجِيءُ الضَّرُورَةُ» قَالَ الْحَسَنُ: إِنْ تَرَكْنَاهُمْ وَكَلْنَاهُمْ إِلَى عِيٍّ شَدِيدٍ , فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْقَوْمُ عَلَى هَذَا , وَكَانَ قَوْمٌ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَتَكَلَّمُوا , قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَأَيُّمَا أَفْضَلُ الْكَلَامُ أَوِ الْإِمْسَاكُ؟ قَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إِلَيَّ لَا شَكَّ» , قِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: «الضَّرُورَةُ الضَّرُورَةُ» وَقَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَسْلَمُ لَهُ» قُلْتُ: الْإِمْسَاكُ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ , لَكِنْ مَا يَجُوزُهُ الْمُجْتَهِدُ إِذَا نَصَحَ وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنَ الْفَضْلِ وَعَظِيمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ أَوْلَى مَا رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُونَ , وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
(2/29)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الْمَصَاعِبَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ [ص:30] وَلِأَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ , كَلَامٌ مُسْتَقْصًى فِيمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , أَنَا أَسُوقُهُ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ وَالْمَنَافِعِ الْغَزِيرَةِ
(2/29)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ , قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " يُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ فِي الْبَحْثِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ الْمَسْأَلَةَ , قِيلَ: وَكَذَلِكَ كَرِهَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ لِمَا كَرِهَ مِنَ افْتِرَاضِ اللَّهِ الْفَرَائِضَ بِمُسَاءَلَتِهِ وَثِقَلِهَا عَلَى أُمَّتِهِ لِرَأْفَتِهِ بِهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا , فَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِرَفْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا فَرْضَ بَعْدَهُ يَحْدُثُ أَبَدًا وَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , قِيلَ: فَقَدْ يَحْتَمِلُ إِنْكَارُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَطَةِ , لَا عَلَى التَّفَقُّهِ , وَالْفَائِدَةِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ , فَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا , وَإِلَّا سَأَلْنَا عَنْهُ غَيْرَنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ إِنْكَارِهِ عَلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ أَنْ يَسْأَلَ تَعَنُّتًا , وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ تَفَقُّهًا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ , وَعَلِيٍّ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَزَيْدٍ , فِي الرَّجُلِ يُخَيَّرُ امْرَأَتَهُ , فَقَالَ عُمَرُ , وَابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَلَا شَيْءَ ,
(2/30)

وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا , فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ , وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ , وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ , وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ , وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ , وَأَجَابُوا جَمِيعًا فِي أَمْرَيْنِ , أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ , وَلَوْ كَانَ الْجَوَابُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا لَمَا أَجَابُوا إِلَّا فِيمَا كَانَ , وَلَسَكَتُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ وَعَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي الْمُكَاتَبِ: أَكُنْتَ رَاجِمَهُ لَوْ زَنَا؟ قَالَ: لَا , قَالَ: أَفَكُنْتَ تَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَوْ شَهِدَ؟ قَالَ: لَا، فَقَدْ سَأَلَهُ زَيْدٌ وَأَجَابَهُ عَلِيٌّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّفَقُّهِ وَالتَّفَطُّنِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسَاءَلَتِهِ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ: أَرَأَيْتَ , أَرَأَيْتَ , وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْنِي , وَقَوْلِ عَلِيٍّ: سَلُونِي , وَقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءٍ: ذَاكِرُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ , وَلَوْ كَانَ هَذَا السُّؤَالُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَمَّا كَانَ لِمَا تَعَرَّضَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لَا يَجُوزُ أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْلُبَ الْفَرَائِضَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ وَهُوَ دِينٌ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ , قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الدِّينِ , وَالْجَوَابُ فِيهِ , وَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضٍ , وَكُلُّ ذَلِكَ دِينٌ؟ وَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَخْلُوَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَنْكَرْتُمْ جَوَابَهَا , قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ خَفِيٌّ , حَتَّى لَا يُوصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ
(2/31)

وَالِاسْتِنْبَاطِ , أَوْ لَا يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ مَا وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ , وَإِنْ كَانَ لَهَا حُكْمٌ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ بِالْمُنَاظَرَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ , فَالتَّقَدُّمُ بِكَشْفِ الْخَفِيِّ , وَمَعْرِفَتِهِ وَإِعْدَادِهِ لِلْمَسْأَلَةِ قَبْلَ نُزُولِهَا أَوْلَى , فَإِذَا نَزَلَتْ كَانَ حُكْمُهَا مَعْرُوفًا فَوَصَلَ بِذَلِكَ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ , وَمَنَعَ بِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ , وَكَانَ خَيْرًا أَوْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفُوا إِلَى أَنْ يَصِحَّ النَّظَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ , وَقَدْ يُبْطِئُ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي التَّوَقُّفِ ضَرَرٌ يَمْنَعُ الْخَصْمَ مِنْ حَقِّهِ , وَالْفَرْجَ مِنْ حِلِّهِ , وَتَرْكَ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَشَبَّهُوا أَوْ بَعْضُهُمُ النَّازِلَةَ فِيمَا بَلَغَنِي إِذَا كَانَتْ بِالضَّرُورَةِ , وَالْجَوَابَ فِيهَا بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ , فَأَحَلُّوا الْجَوَّابَ فِي النَّازِلَةِ , كَمَا أَحَلُّوا الْمَيْتَةَ بِالضَّرُورَةِ , فَيُقَالُ لَهُمْ: أَفَتَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرْنَا رِوَايَتَكُمْ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيمَا أَجَابُوا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ وَتَعَرُّضَهُمْ جَوَابَ مَا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ قَدْ صَارُوا بِذَلِكَ فِي مَعْنًى مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى غَيْرِ ضَرُورَةٍ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يُشْبِهُ خَوْفَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ , فَأَمَرَ بِإِحْيَائِهَا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْمُجِيبِ , إِلَّا مِمَّا حَلَّ لِصَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ , وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّشْبِيهُ لَكَانَ إِذَا حَلَّ بِرَجُلٍ ضَرُورَةٌ حَلَّ لِغَيْرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ , كَمَا إِذَا حَلَّتْ بِرَجُلٍ مَسْأَلَةٌ , حَلَّ لِغَيْرِهِ جَوَّابُ الْمَسْأَلَةِ , وَكَانَ أَوْلَى التَّشْبِيهَيْنِ , إِنْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمَيْتَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَاهِلُ الْمَنْزُولُ بِهِ الْمَسْأَلَةَ أَحَقَّ بِالْجَوَابِ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الْمَسْأَلَةِ , كَمَا كَانَ بِضَرُورَةِ الْمَضْرُورِ تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ , يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الضَّرُورَةِ ,
(2/32)

قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَإِنْ قَالُوا أَوْ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا زَعَمْنَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا نَزَلَتْ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ كَانَ كَالْمُضْطَرِّ , فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ كَمَا كَانَ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ قِيلَ لَهُمْ: فَرِوَايتُكُمْ عَنْ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُئِلُوا رَدُّ الْمَسْأَلَةِ هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَدُورَ الْمَسْأَلَةُ فَتَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ تُوجِبُ فِي قَوْلِكِمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَرْضًا أَنْ يُحْيِيَ نَفْسَهُ بِالْمَيْتَةِ , وَلَا يَقْتُلُهَا بِتَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ , قَدْ تَرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى قَوْلِكِمْ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَوَابُ الْمَنْزُولِ بِهِ لِيَدْفَعَ بِهِ جَهْلَهُ , وَلِيَعْلَمَ بِالْجَوَابِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَحَلَّ لَهُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ , قِيلَ لَهُ: فَقَدْ رَجَعَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ بِغَيْرِهِ أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْمُضْطَرِّ بِغَيْرِهِ يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَهُمَا مُفْتَرِقَانِ لَا يُشْبِهُ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَيْتَةَ , وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ إِذَا نَزَلَتِ الْمَسْأَلَةُ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ حَلَّ لَهُ الْجَوَابُ بِالسُّؤَالِ , كَمَا إِذَا نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ حَلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ؟ فَإِذَا قَالَ: بَلَى , قِيلَ: وَكَذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعَ السُّؤَالُ رَجَعَ الْجَوَابُ حَرَامًا كَمَا إِذَا ارْتَفَعَ الِاضْطِرَارُ رَجَعَتِ الْمَيْتَةُ حَرَامًا , فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ , قِيلَ لَهُمْ: فَلِمَ سَأَلْتُمْ عَنْ جَوَابِ الْمَاضِينَ وَمَلَأْتُمْ مِنْهَا الْكُتُبَ , وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ , وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِلْعَالِمِ بِالسُّؤَالِ , ثُمَّ حُرِّمَتْ بِارْتِفَاعِ السُّؤَالِ كَمَا حَلَّتْ لِلْمُضْطَرِّينَ الْمَيْتَةَ بِالِاضْطِرَارِ , ثُمَّ حُرِّمَتْ
(2/33)

بِارْتِفَاعِ الِاضْطِرَارِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ قَدْ كَانَ , قِيلَ: وَكَذَلِكَ الِاضْطِرَارُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ قَدْ كَانَ , فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ , إِنْ كَانَ لِجَوَابٍ عِنْدَكُمْ نَظِيرًا لِلْمَيْتَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا ذَلِكَ حِكَايَةٌ , وَلَيْسَتْ سُؤَالًا وَلَا جَوَابًا , قِيلَ لَهُمْ: فَلَا مَعْنَى فِيمَا رَوَيْتُمْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ , فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ , أَقَامُوا الْحِكَايَةَ مَقَامَ الْجَوَابِ , وَلَزِمَهُمْ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , وَهُوَ نَقْصُ قَوْلِهِمْ , وَإِنْ قَالُوا: لَا مَعْنَى أَكْثَرَ مِنَ الْحِكَايَةِ , قِيلَ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حِكَايَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَمَا لَا يَنْفَعُ , وَبَيْنَ مَا حَكَيْتُمْ مِنْ جَوَابَاتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَا مَعْنَى مَا رَوَى الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عَنِ السَّابِقِينَ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَإِقْتِدَائِهِمْ بِجَوَابَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ مَجُوسِيًّا أَتَاكُمْ مِنْ بَلَدِهِ , رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ , مُحِبًّا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: عَلِّمُونِي الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ , فَعَلَّمْتُمُوهُ إِيَّاهُ فَدَخَلَ فِيهِ , ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي فَمَا عَلَيْنَا مِنَ الطَّهَارَةِ , لِأَكُونَ مِنْهَا عَلَى عِلْمٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ وَمَا الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ وَيَنْقُضُ الطُّهُورَ؟ وَمَا الصَّلَاةُ وَمَا الَّذِي يُفْسِدُهَا؟ وَمَا حُكْمُ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا وَالسَّهْوِ فِيهَا؟ وَمَا فِي عَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ؟ وَمَا الصَّوْمُ؟ وَمَا حُكْمُ الْأَكْلِ فِيهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا؟ وَمَا عَلَى مَنْ كَانَ مِنَّا مَرِيضًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ ضَعِيفًا؟ وَهَلْ بَأْسٌ بِدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟ وَمَا فِيهِ الْقِصَاصُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ , وَحُكْمُ الْخَطَأِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
(2/34)

سَوَاءٌ؟ فَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي وَأَهِلِّي وَعَشِيرَتِي , يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ رُجُوعِي , فَأَكُونُ وَيَكُونُونَ مِنْ دِينِنَا عَلَى عِلْمٍ فَنَعْمَلُ بِذَلِكَ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ , تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَكُمْ وَاضِحٌ لَا تَشُكُّونَ فِيهِ أَيَجُوزُ أَنْ يُعْلِمُوهُ ذَلِكَ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَا نُخْبِرُكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِكَ نَازِلَةٌ , فَتَكْسِرُونَ بِذَلِكَ نَشَاطَهُ , وَتُخَبِّثُونَ نَفْسَهُ عَلَى حَدِيثِ عَهْدِهِ بِكُفْرِهِ , وَتَدْعُونَهُ عَلَى جَهْلِهِ؟ أَمْ تَغْتَنِمُونَ رَغْبَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ , وَإِسْلَامَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ , وَتَعْلِيمَ الْجُهَّالِ مَا يُحْسِنُونَهُ مِنَ الْعِلْمِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ , جِيئَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ فَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ: تَرَكُوا قَوْلَهُ , لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَصْلٌ , وَبَعْضَهُ قِيَاسٌ , وَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ بَعْضًا , وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ , وَنَتْرُكُ بَعْضًا حَتَّى يَنْزِلَ , قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ , وَكُلِّ ذَلِكَ دِينٌ؟ فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي أَحَادِيثِكُمُ الَّتِي جَمَعْتُمُوهَا، وَاطْلُبُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ تَكُونُوا فُقَهَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
(2/35)

ذِكْرُ مَا لَا بُدَّ لِلْمُتَجَادِلَيْنِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ
(2/36)

أنا أَبُو طَالِبٍ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَلِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ: الْخَضِرُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ , قَالَ: قَالَ أَبِي: أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ , الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ: " الْأُصُولُ سَبْعَةُ: الْحِسُّ , وَالْعَقْلُ , وَمَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَالْإِجْمَاعُ , وَاللُّغَةُ , وَالْعِبْرَةُ , فَلَا بُدَّ لِلْمُتَنَاظِرَيْنِ مِنْ مَعْرِفَةِ جُمَلِ ذَلِكَ , فَالْحَوَاسُّ خَمْسَةُ: السَّمْعُ , وَالْبَصَرُ , وَالشَّمُّ , وَالذَّوْقُ , وَاللَّمْسُ وَالْعَقْلُ: عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَغَرِيزِيٌّ , وَمُسْتَجْلَبٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى حَرْفَيْنِ , فَمُجْمَلٌ وَمُفَسَّرٌ، وَطَرِيقُ السُّنَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ , وَإِجْمَاعُ الْحُجَّةِ، وَاللُّغَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمَجَازٌ , وَحَقِيقَةٌ، وَالْعِبْرَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَأَحَدُهُمَا: فِي مَعْنَى الْأَصْلِ لَا يُعْذَرُ عَالِمٌ
(2/36)

بِجَهْلِهِ , وَالثَّانِي: ذَاتُ وُجُوهٍ وَشُعَبٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ بَيِّنَةَ الْحِسِّ , أَنْكَرَ نَفْسَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَقْلَ أَنْكَرَ صَانِعَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ عُمُومَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَ حِكْمَتَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْآحَادِ أَنْكَرَ الشَّرِيعَةَ , وَمَنْ أَنْكَرَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ نَبِيَّهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ اللُّغَةَ أُسْقِطَتْ مُحَاوَرَتُهُ , لِأَنَّ اللُّغَاتِ لِلْمُسَمَيَّاتِ سِمَاتٌ , وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَبْرَةَ أَنْكَرَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ " قُلْتُ: أَمَا الْحِسُّ: فَيُدْرَكُ بِهِ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَنِ الْحَوَاسِ , وَهُوَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ , لِأَنَّ دُخُولَ الشَّكِّ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ , وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ , وَقِيلَ: إِنَّهُ نُورٌ وَبَصِيرَةٌ , مَنْزِلَتُهُ مِنَ الْقُلُوبِ مَنْزِلَةُ الْبَصَرِ مِنَ الْعُيُونِ , وَقِيلَ: هُوَ قُوَّةٌ يُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ , وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ مِنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ , وَقِيلَ: هُوَ مَا حَسُنَ مَعَهُ التَّكْلِيفُ , وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ كُلِّهِ مُتَقَارِبٌ
(2/37)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ وأنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ , وأَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُؤَدِّبُ , قَالَا: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [ص:38] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْجَوْهَرِيُّ وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ الْإِسْكَافِيُّ قَالُوا: أنا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ التَّمِيمِيُّ , نا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ , حَدَّثَنَا غِيَاثُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ لُوطٍ الْأَنْصَارِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , قَالَ: كَثُرَتِ الْمَسَائِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ , فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِكُلِّ سَبِيلٍ مَطِيَّةً وَثِيقَةً , وَمَحَجَّةً وَاضِحَةً , وَأَوْثَقُ النَّاسِ مَطِيَّةً , وَأَحْسَنُهُمْ دَلَالَةً وَمَعْرِفَةً بِالْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ , أَفْضَلُهُمْ عَقْلًا»
(2/37)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: قَالَ [ص:39] بَعْضَ الْحُكَمَاءِ: " إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ نُورُ الْحِكْمَةِ: رَدَّهُ الْقَلْبُ إِلَى الْعَقْلِ , فَيَرُدُّهُ الْعَقْلُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ , فَتُبَصِّرُهُ الْمَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمَضَرَّةِ "
(2/38)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَجَلِيُّ , نَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْفَيَّاضِ , نَا أَبُو طَلْحَةَ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْوَسَاوِسِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ , نَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ , قَالَ: «الْعَقْلُ سِرَاجُ مَا بَطَنَ , وَمِلَاكُ مَا عَلَنَ , وَسَائِسُ الْجَسَدِ , وَزِينَةُ كُلِّ أَحَدٍ , وَلَا تَصْلُحُ الْحَيَاةُ إِلَّا بِهِ , وَلَا تَدُورُ الْأُمُورُ إِلَّا عَلَيْهِ»
(2/39)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزُّ: «الْعَقْلُ كَشَجَرَةٍ , أَصْلُهَا غَرِيزَةٌ , وَفَرْعُهَا تَجْرِبَةٌ , وَثَمَرُهَا حَمْدُ الْعَاقِبَةِ , وَالِاخْتِيَارُ يَدُلُّ عَلَى الْعَقْلِ , كَمَا يَدُلُّ تَوْرِيقُ الشَّجَرَةِ عَلَى حُسْنِهَا , وَمَا أَبْيَنَ وُجُوهُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي مَرْآةِ الْعَقْلِ , إِنْ لَمْ يَصُدَّهَا الْهَوَى»
(2/39)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ [ص:40] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ: «الْعَقْلُ رَأْسُ خِصَالِهِ وَالْعَقْلُ يَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ وَالْعَقْلُ يَجْلِبُ فَضْلَهُ وَالْعَقْلُ يَدْفَعُ كُلَّ ضَيْرٍ وَأَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ يُقَدَّمُ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى مَا سِوَاهُمَا , وَيَتْلُوهُمَا الْإِجْمَاعُ , وَلَيْسَ يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ عَرَفَ الِاخْتِلَافَ»
(2/39)

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّطَوِيُّ , نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ , نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَشُمَّ أَنْفُهُ الْفِقْهَ»
(2/40)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْحَاقَ النِّعَالِيِّ , حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيُّ , نا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ , يَقُولُ: «لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اخْتِلَافَ النَّاسِ»
(2/40)

كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , ونا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ , عَنْهُ , قَالَ أنا أَبُو الْمَيْمُونِ بْنُ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ , أنا أَبُو زُرْعَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو , حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ , نا بَقِيَّةُ , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ , يَقُولُ: «تَعَلَّمْ مَا لَا يُؤْخَذُ بِهِ , كَمَا تَتَعَلَّمْ مَا يُؤْخَذُ بِهِ , وَأَمَّا اللُّغَةُ فَبَابُهَا وَاسِعٌ , وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ , لِأَنَّهَا أَوْسَعُ اللُّغَاتِ وَأَفْصَحُهَا , وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى آيَاتٌ مَخْرَجُهَا أَمْرٌ وَمَعَانِيهَا وُجُوهٌ مُتَغَايِرَةٌ , فَمِنْهَا تَهْدُدٌ , وَمِنْهَا إِعْجَازٌ , وَمِنْهَا إِيجَابٌ وَمِنْهَا إِرْشَادٌ , وَمِنْهَا إِطْلَاقٌ وَلَا تُدْرَكُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ»
(2/41)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْعُكْبَرِيُّ إِجَازَةً , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ , نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ , وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ , قِرَاءَةً , أنا عَيَّاشُ بْنُ الْحَسَنِ الْبُنْدَارُ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَقَامَ الشَّافِعِيُّ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ وَأَيَّامَ النَّاسِ عِشْرِينَ سَنَةً , فَقُلْنَا لَهُ فِي هَذَا , فَقَالَ: «مَا أَرَدْتُ بِهَذَا إِلَّا الِاسْتِعَانَةَ لِلْفِقْهِ»
(2/41)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الدَّقَّاقُ , أنا
(2/41)

الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقَرَضِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّقَّاقِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ , يَقُولُ: " مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ بِغَيْرِ لُغَةٍ تَكَلَّمَ بِلِسَانٍ قَصِيرٍ وَأَمَّا الْعَبْرَةُ الَّتِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ , فَهِيَ نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فَكَانَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ حَرَامًا , اعْتِبَارًا بِهِ , وَهَذَا وَنَحْوُهُ لَمْ يَتَنَازَعِ النَّاسُ فِيهِ , وَلَا يُعْذَرْ أَحَدٌ بِجَهْلِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْعَبْرَةِ: هُوَ الْمَعَانِي الْمُتَشَعِّبَةُ الَّتِي تُدْرَكُ بِدَقِيقِ النَّظَرِ , وَقِيَاسِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ , وَحُكْمِ الْغَائِبَاتِ يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْمُشَاهَدَاتِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى , وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] فَأَقَامَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حُجَّتَهُ عَلَى الْمُنْكِرِينَ رُبُوبِيَّتِهُ الدَّافِعِينَ قُدْرَتِهُ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَبَعْثِ الْأَنَامِ , بِمَا تَلَوْنَا , لِيَعْتَبِرُوا أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى إِنْشَاءِ الْمَعْدُومِ , وَنَقْلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ , وَإِعْدَامِهِ بَعْدَ الْوُجُودِ , وَمُحْيِيَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةَ , قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ النُّفُوسِ , فَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ , وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا
(2/42)

رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] ثُمَّ عَرَّى مِنَ الْعِلْمِ الدَّافِعِ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِبْرَةِ , وَضَلَّلَهُ وَأَوْعَدَهُ , فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنِ النَّاسَ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ , ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 8] فَيَجِبُ عَلَى مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَأَرَادَ الْمُنَاظَرَةَ , أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي دَلِيلٍ , لَا فِي شُبْهَةٍ , وَيَسْتَوْفِي شُرُوطَ الدَّلِيلِ , وَيُرَتِّبُهُ عَلَى حَقِّهِ , فَإِنَّ حُجَّتَهُ تُفْلِحُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ
(2/43)

ذِكْرُ الدَّلِيلِ وَمَعْنَاهُ
(2/44)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: " أُصُولُ الْإِيمَانِ ثَلَاثَةٌ: دَالٌ , وَدَلِيلٌ , وَمُسْتَدِلٌّ: فَالدَّالُ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ الْقُرْآنُ وَالْمُسْتَدِلُّ الْمُؤْمِنُ , فَمَنْ طَعَنَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كِتَابِهِ وَعَلَى رَسُولِهِ , فَقَدْ كَفَرَ " سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَآبَادِيَّ يَقُولُ: الدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ , وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ , بَيْنَ مَا يُقْطَعُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ أَمَّا الدَّالُّ: فَهُوَ النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ , وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ , وَقِيلَ هُوَ وَالدَّلِيلُ وَاحِدٌ , كَالْعِلْمِ وَالْعَلِيمِ , وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَبْلَغ، وَالْمُسْتَدِلُّ هُوَ: الطَّالِبُ لِلدَّلِيلِ , وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ , لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنَ الْمَسْئُولِ , لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنَ الْأُصُولِ، وَالْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ هُوَ: الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ، وَالْمُسْتَدَلُّ لَهُ: يَقَعُ عَلَى الْحُكْمِ , لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ يُطْلَبُ لَهُ , وَيَقَعُ
(2/44)

عَلَى السَّائِلِ , لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُطْلَبُ لَهُ وَالِاسْتِدْلَالُ هُوَ: طَلَبُ الدَّلِيلِ , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ السَّائِلِ لِلْمَسْئُولِ , وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمَسْئُولِ فِي الْأُصُولِ، قُلْتُ: وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ دَلَائِلَ , وَالْقِيَاسُ كُلَّمَا أَدَّى إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ سَمُّوهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا , وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ النَّظَرِ يُعِيبُونَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ مَا أَكْسَبَ الْمُحْتَجَّ وَالْمُسْتَدِلَّ عِلْمًا بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَأَفْضَى إِلَى يَقِينٍ , فَأَمَّا مَا يُفْضِي إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ , فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ , وَإِنَّمَا هُوَ أَمَارَةٌ، قُلْتُ: وَمَا غَلَطَ الْفُقَهَاءُ وَلَا الْمُتَكَلِّمُونَ , أَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ: فَقَدْ حَكَوَا الْحَقِيقَةَ فِي الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ , وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ: فَسَمُّوا مَا كُلِّفُوا الْمَصِيرَ إِلَيْهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَبِالْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ , مِمَّا لَا يَكْسِبُ عِلْمًا , وَإِنَّمَا يُفْضِي إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ دَلِيلًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْحُكْمِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَسَمَّوْهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا لِلْانْقِيَادِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ إِلَى مُوجِبِهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا سَمُّوا مَا أَفْضَى إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ دَلِيلًا وَحُجَّةً فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ , لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ أَعْنِي أَخْبَارَ الْآحَادِ وَالْقِيَاسِ , وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَعْيَانُ الْمَسَائِلِ , فَأَمَّا الْأَصْلُ فَإِنَّهُ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ , وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَسْمِيَةِ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحَقِيقَةٍ حُجَّةً , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وَقَالَ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةً إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150] فَأَمَّا الْآيَةَ الْأُولَى فَإِنَّ تَقْدِيرَهَا: بَعَثْتُ الرُّسُلَ , وَأَزَحْتُ الْعِلَلَ , حَتَّى لَا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ , وَلَا يَقُولُوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا , فَأَزَاحَ اللَّهُ الْعِلَلَ بِالرُّسُلِ , حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِيمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ , وَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوِ ابْتَدَأَ الْخَلْقَ بِالْعَذَابِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْحِكْمَةِ , وَلَا كَانَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ , فَبَانَ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ , إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ عَذَابِهِ , وَإِنَّمَا سَمَّاهُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ مِنْ قَائِلِهِ مَصْدَرِ الْحِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ , وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مُحَمَّدٌ أَنَّ دِينَنَا حَقٌّ مَا صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمُقَدَّسِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150] يَعْنِي الْيَهُودَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ , وَلَيْسَ تَفَرُّقُ الْعَرَبِ بَيْنَ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ أَنْ تُسَمِّيَهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا وَبُرْهَانًا
(2/45)

أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ دُومَا النِّعَالِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الذَّارِعُ بِالنَّهْرَوَانِ , قَالَ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ الْبُرْهَانِ , فَقَالَ: " الْحُجَّةُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] أَيْ حُجَّتَكُمْ "
(2/46)

بَابُ أَدَبِ الْجِدَالِ يَنْبَغِي لِلْمُجَادِلِ , أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى جِدَالِهِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى , لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وَلِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]
(2/47)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا جَرِيرٌ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ , قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي , قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنْتَ , وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا , وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
(2/47)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ , نا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْأَنْبَارِيُّ إِمْلَاءً , نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ , نا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ مِسْعَرٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(2/48)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ , نا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , عَنِ الثَّوْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , قَالَ: «الْإِيمَانُ عُرْيَانٌ , وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى , وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ , وَمَالُهُ الْفِقْهُ» وَيُخْلِصُ النِّيَّةَ فِي جِدَالِهِ , بِأَنْ يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى
(2/48)

فَقَدْ أنا أَبُو الْقَاسِمِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ الْحَافِظُ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ , أنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ , أَخْبَرَهُ أَنَّهُ , سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ , وَإِنَّمَا لِإِمْرِئٍ مَا نَوَى» [ص:49] وَلْيَكُنْ قَصْدُهُ فِي نَظَرِهِ إِيضَاحُ الْحَقِّ , وَتَثْبِيتُهُ دُونَ الْمُغَالَبَةِ لِلْخَصْمِ , فَقَدْ:
(2/48)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ السَّكُونِيُّ , أنا وَكِيعٌ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ , يَقُولُ: «يَا قَوْمُ , أَرِيدُوا بِعِلْمِكُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنِّي لَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ , أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَتَوَاضَعَ , إِلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أَعْلُوهُمْ , وَلَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَعْلُوهُمْ , إِلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أُفْتَضَحَ»
(2/49)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْعُكْبَرِيُّ , إِجَازَةً , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ , بِهَا , نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ ح وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ , قِرَاءَةً عَلَيْهِ , أنا عَيَّاشُ بْنُ الْحَسَنِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ , أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ الْكَرَابِيسِيَّ , يَقُولُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ , وَيَكُونُ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَحِفْظٌ , وَمَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ بَيَّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ وَيَبْنِي أَمْرَهُ عَلَى النَّصِيحَةِ لِدِينِ اللَّهِ , وَلِلَّذِي يُجَادِلُهُ , لِأَنَّهُ أَخُوهُ [ص:50] فِي الدِّينِ , مَعَ أَنَّ النَّصِيحَةَ وَاجِبَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ»
(2/49)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ: نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ , سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»
(2/50)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ: قَرِيبُ الشَّافِعِيِّ , فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ , قَالَ: سَمِعْتُ الزَّعْفَرَانِيَّ يَعْنِي: الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ , وَأَبَا الْوَلِيدِ بْنَ أَبِي الْجَارُودِ , قَالَ أَحَدُهُمَا: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ , وَهُوَ يَحْلِفُ , وَيَقُولُ: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا عَلَى النَّصِيحَةِ» وَقَالَ الْآخَرُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , قَالَ: «وَاللَّهِ مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ»
(2/50)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيَّ , يَقُولُ [ص:51]: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: " مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ وَلْيَرْغَبْ إِلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِ لِطَلَبِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] وَيَسْتَشْعِرُ فِي مَجْلِسِهِ الْوَقَارَ , وَيَسْتَعْمِلُ الْهُدَى , وَحُسْنَ السَّمْتِ وَطُولَ الصَّمْتِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْكَلَامِ
(2/50)

فَقَدْ: أنا أَبُو الْفَرَجِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي الْبَرَكَانِيُّ , نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ , نَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْحُدَّانِيِّ , عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ , وَالِاقْتِصَادُ وَالتُّؤَدَةُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»
(2/51)

أنا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: " إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْ خَصْمِهِ فِي جِدَالِهِ كَلِمَةٌ كَرِهَهَا , أَغْضَى عَلَيْهَا , وَلَمْ يُجَازِهِ بِمِثْلِهَا , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى , يَقُولُ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون: 96] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] "
(2/52)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ , نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ قُرَيْشٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ سَالِمٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ مَا تَقْضِي بِالْعَدْلِ , وَلَا تُعْطِي الْجَزْلِ , فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى عُرِفَ فِي وَجْهِهِ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى , يَقُولُ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] فَهَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ , فَقَالَ عُمَرُ: «صَدَقْتَ صَدَقْتَ» , فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نَارًا فَأُطْفِئَتْ
(2/52)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ الْعُكْبَرِيُّ , نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , نا وَكِيعٌ , عَنْ مُبَارَكٍ , أَوْ غَيْرِهِ: عَنِ الْحَسَنِ , {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] قَالَ: «حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ , وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا» وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَشْهَدُ لِخَصْمِهِ بِالزُّورِ , أَوْ عِنْدَ مَنْ إِذَا وَضَحَتْ لَدَيْهِ الْحُجَّةُ دَفَعَهَا , وَلَمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِقَامَتِهَا , فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِ الْحَقِّ إِلَّا مَعَ الْإِنْصَافِ , وَتَرْكِ التَّعَنُّتِ وَالْإِجْحَافِ
(2/53)

أنا أَبُو عُمَرَ: عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ هُوَ: الرَّمَادِيُّ , نَا حَرْمَلَةُ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا , يَقُولُ: «ذُلٌّ وَإِهَانَةٌ لِلْعِلْمِ , إِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالْعِلْمِ , عِنْدَ مَنْ لَا يُطِيعُهُ» وَيَكُونُ كَلَامُهُ يَسِيرًا جَامِعًا بَلِيغًا , فَإِنَّ التَّحَفُّظَ مِنَ الزَّلَلِ مَعَ الْإِقْلَالِ دُونَ الْإِكْثَارِ , وَفِي الْإِكْثَارِ أَيْضًا مَا يُخْفِي الْفَائِدَةَ , وَيُضَيِّعُ الْمَقْصُودَ , وَيُورِثُ الْحَاضِرِينَ الْمَلَلَ
(2/53)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ , وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , قَالَا: أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ , مَوْلَى مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ , يَقُولُ: " الْحَزْمُ فِي الْمُجَالَسَةِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُكَ عِنْدَ الْأَمْرِ , وَالسُّؤَالِ وَالْمَسْأَلَةِ , فِي مَوْضِعِ الْكَلَامِ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ مَخَافَةَ الزَّلَلِ , فَإِذَا أُمِّرْتَ فَاحْكُمْ , وَإِذَا سُئِلَتْ فَأَوْضِحْ , وَإِذَا طَلَبْتَ فَأَحْسِنْ , وَإِذَا أَخْبَرْتَ فَحَقِّقْ , وَاحْذَرِ الْإِكْثَارَ وَالتَّخْلِيطَ , فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ , كَثُرَ سَقْطُهُ " وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي كَلَامِهِ عَالِيًا , فَيَشُقُّ حَلْقَهُ وَيَحْمِي صَدْرَهُ وَيَقْطَعُهُ , وَذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ , اسْمُهُ عَبْدُ الصَّمَدِ , تَكَلَّمَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ , فَرَفَعَ صَوْتَهُ , فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: لَا تَرْفَعَنَّ صَوْتَكَ يَا عَبْدَ الصَّمَدِ , إِنَّ الصَّوَابَ فِي الْأَسَدِّ لَا الْأَشَدِّ , وَلَا يُخْفِي صَوْتَهُ إِخْفَاءً لَا يَسْمَعُهُ الْحَاضِرُونَ , فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا , بَلْ يَكُونُ مُقْتَصِدًا بَيْنَ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِصْلَاحُ مِنْ مَنْطِقِهِ , وَتَجَنُّبُ اللَّحْنِ فِي كَلَامِهِ وَالْإِفْصَاحُ عَنْ بَيَانِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ فِي مُنَاظَرَتِهِ , أَلَا تَرَى إِلَى اسْتِعَانَةِ
(2/54)

مُوسَى بِأَخِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حَيْثُ تَقُولُ: {وَأَخِي هَارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 34] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قُولِي} [طه: 28]
(2/55)

أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ , نا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمَعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ إِمْلَاءً , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ , نا الْمَازِنِيُّ , قَالَ: سَمِعَ أَبُو عَمْرٍو أَبَا حَنِيفَةَ , يَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ وَيَلْحَنُ , فَأَعْجَبَهُ كَلَامُهُ وَاسْتَقْبَحَ لَحْنَهُ , فَقَالَ: «إِنَّهُ لَخِطَابٌ لَوْ سَاعَدَهُ صَوَابٌ» ثُمَّ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «إِنَّكَ أَحْوَجُ إِلَى إِصْلَاحِ لِسَانِكَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»
(2/55)

قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانِ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشِ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ , بِطَبَرِسْتَانَ , نا أَبُو حَاتِمٍ , عَنِ الْأَصْمَعِيِّ , قَالَ: " مَا هِبْتُ عَالِمًا قَطُّ مَا هِبْتُ مَالِكًا , حَتَّى لَحَنَ , فَذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ مِنْ قَلْبِي , وَذَلِكَ أَنَّنِي سَمِعْتُهُ , يَقُولُ: مُطِرْنَا مَطَرًا , وَأَيُّ مَطَرًا , فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: كَيْفَ لَوْ قَدْ رَأَيْتَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ كُنَّا إِذَا قُلْنَا لَهُ " كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ يَقُولُ: بِخَيْرًا بِخَيْرًا وَإِذَا مَالِكٌ قَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ قُدْوَةً يُقْتَدَى بِهِ فِي اللَّحْنِ , ثُمَّ رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ فِي وَقْتِ
(2/55)

مَالِكٍ , وَبَعْدَ مَالِكٍ , فَرَأَيْتُ رَجُلًا فَقِيهًا عَالِمًا , حَسَنُ الْمَعْرِفَةِ , بَيِّنُ الْبَيَانِ , عَذْبُ اللِّسَانِ يَحْتَجُّ وَيُعْرِبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِصَدْرِ سَرِيرٍ أَوْ ذِرْوَةِ مِنْبَرٍ , وَمَا عَلِمَتْ أَنَّنِي أَفَدْتُهُ حَرْفًا , فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ , وَلَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ , مَا لَوْ حَفِظَ رَجُلٌ يَسِيرَهُ لَكَانَ عَالِمًا " وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى مُطَالَعَةِ كُتُبِهِ عِنْدَ وَحْدَتِهِ , وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ فِي خَلْوَتِهِ , بِذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَحِكَايَةِ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ , لِئَلَّا يِنْحَصِرَ فِي مَجَالِسِ النَّظَرِ إِذَا رَمَقَتْهُ أَبْصَارُ مَنْ حَضَرَ
(2/56)

قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ الْفَضْلِ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ , قَالَ: نا ابْنُ إِدْرِيسَ , بِهَرَاةَ , نا الرَّبِيعُ , قَالَ: قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَنْ أَقْدَرُ النَّاسِ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ؟ فَقَالَ: «مَنْ عَوَّدَ لِسَانَهُ الرَّكْضَ فِي مَيْدَانِ الْأَلْفَاظِ , وَلَمْ يَتَلَعْثَمْ إِذَا رَمَقَتْهُ الْعُيُونُ بِالْأَلْحَاظِ , وَلَا يَكُونُ رَخِيَّ الْبَالِ , قَصِيرَ الْهِمَّةِ , فَإِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ صَعْبَةٌ لَا تَنَالُ إِلَّا بِالْجَدِّ وَالِاجْتِهَادِ , وَلَا يَسْتَحْقِرُ خَصْمَهُ لِصِغَرِهِ فَيُسَامِحُهُ فِي نَظَرِهِ , بَلْ يَكُونُ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ فِي الِاسْتِيفَاءِ وْالِاسْتِقْصَاءِ , لِأَنَّ تَرْكَ التَّحَرُّزَ وَالِاسْتِظْهَارَ يُؤَدِّي إِلَى الضَّعْفِ وَالِانْقِطَاعِ»
(2/56)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ [ص:57]: «إِنَّمَا يَقْتُلُ الْكِبَارَ الْأَعْدَاءُ الصِّغَارُ , الَّذِينَ لَا يُخَافُونَ فَيُتَّقُونَ , وَلَا يُؤْبَهُ لَهُمْ وَهُمْ يَكِيدُونَ»
(2/56)

وَأَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ , قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِدْرِيسِيُّ , قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْفَتْحِ الْبَسْتِيُّ: «
[البحر الكامل]
لَا يَسْتَخِفَنَّ الْفَتَى بِعَدُوِّهِ ... أَبَدًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ ضَئِيلَا
إِنَّ الْقَذَى يُؤْذِي الْعُيُونَ قَلِيلُهُ ... وَلَرُبَّمَا جَرَحَ الْبَعُوضُ الْفِيَلَا»
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُعْجَبًا بِكَلَامِهِ , مَفْتُونَا بِجِدَالِهِ , فَإِنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ , وَمِنْهُ تَقَعُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ بَلِيَّةٍ
(2/57)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ , نَا عَبِيدَةُ يَعْنِي: ابْنَ حُمَيْدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , قَالَ: قَالَ مَسْرُوقٌ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ , وَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ»
(2/57)

أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلَّانَ الْوَرَّاقُ , أنا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ , حَدَّثَنِي يُونُسُ [ص:58] بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَوْذَرٍ عَنْ كَعْبٍ , أَنَّهُ , قَالَ: وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْأَحَادِيثَ: «اتَّقِ اللَّهَ , وَارْضَ بِدُونِ الشُّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ , وَلَا تُؤْذِيَنَّ أَحَدًا , فَإِنَّهُ لَوْ مَلَأَ عِلْمُكَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَعَ الْعَجَبِ مَا زَادَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَّا سِفَالًا وَنَقْصًا»
(2/57)

أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَخْلَدٍ الْمُعَدِّلِ , وأَبُو الْفَتْحِ هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ , قَالَ إِبْرَاهِيمُ: نَا , وقَالَ , هِلَالٌ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ , نا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ الْمِقْدَامُ الْعِجْلِيُّ , نَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ , يَقُولُ: «لَوْ كَانَ كَلَامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ صِدْقًا , وَعَمَلُهُ كُلُّهُ حُسْنًا يُوشِكُ أَنْ يُجَنَّ» , قَالُوا: وَكَيْفَ يُجَنُّ؟ فَقَالَ: «يُعْجَبُ بِعِلْمِهِ»
(2/58)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ [ص:59]: «الْعُجْبُ شَرُّ آفاتِ الْعَقْلِ»
(2/58)

أنا أَبُو سَعِيدٍ: الْخَصِيبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ قَتَادَةَ الْمُعَدِّلُ بِأَصْبَهَانَ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئُ , قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّمْلِيُّ , لِمَنْصُورِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهِ الْمِصْرِيِّ: «
[البحر الرمل]
قُلْتُ لِلْمُعْجَبِ لَمَّا ... قَالَ مِثْلِي لَا يُرَاجَعْ
يَا قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْمَخْرَجِ ... لِمَ لَا تَتَوَاضَعْ»
وَإِذَا وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ فِي أَوَّلِ كَلَامِ الْخَصْمِ فَلَا يَعْجَلْ بِالْحُكْمِ بِهِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْغَرَضَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ الْكَلَامُ , وَبِهَذَا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وَيَكُونُ نُطُقُهُ بِعِلْمٍ , وَإِنْصَاتُهُ بِحِلْمٍ , وَلَا يَعْجَلُ إِلَى جَوَابٍ , وَلَا يَهْجُمُ عَلَى سُؤَالٍ , وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ , وَمَنْ مُنَاظَرَتِهِ فِيمَا لَا يَفْهَمُهُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى الْخَجَلِ وَالِانْقِطَاعِ , فَكَانَ فِيهِ نَقْصُهُ وَسُقُوطُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ مَنْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ , وَيُحْرِزُهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَقْلِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: عَيِيٌّ صَامِتٌ خَيْرٌ مِنْ غَبِيٍّ نَاطِقٍ
(2/59)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّاهِرِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ [ص:60] قَالَ , كَانَ شَابٌّ يَجْلِسُ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ صَمْتِهِ , إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَا بَحْرٍ أَيَسُرُّكُ أَنَّكَ عَلَى شُرْفَةٍ مِنْ شَرَفِ الْمَسْجِدِ , وَأَنَّ لَكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: «يَا ابْنَ أَخِي , وَاللَّهِ إِنَّ الْمِائَةَ الْأَلْفِ الدِّرْهَمَ لَمَحْرُوصٌ عَلَيْهَا , وَلَكِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَمَا أَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ عَلَى هَذِهِ الشُّرْفَةِ» , وَقَامَ الْفَتَى , فَلَمَّا وَلَّى , قَالَ الْأَحْنَفُ: «
[البحر الطويل]
وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجَبٌ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ , وَنِصْفُ فُؤَادِهِ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ»
(2/59)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ الْعَطَّارُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ , نا أَبُو عَرُوبَةَ هُوَ الْحَرَّانِيُّ , ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ , يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ: مَتَى يَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ؟ قَالَ: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ» قَالَ: فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنْ طَلَعَ نِصْفُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: «قُمْ يَا أَعْرَجُ»
(2/60)

بَابٌ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنَ الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ
(2/61)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُحْتَسِبُ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ الْمُعَدِّلُ , نا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الطَّائِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنٍ , حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنٍ , حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ , حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْعِلْمُ خَزَائِنُ , وَمِفْتَاحُهُ السُّؤَالُ , فَاسْأَلُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ , فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ: السَّائِلُ , وَالْمُعَلِّمُ , وَالْمُسْتَمِعُ , وَالْمُحِبُّ لَهُمْ "
(2/61)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مِقْلَاصٍ , نا أَبِي , نا ابْنُ وَهْبٍ , عَنْ يُونُسَ , وأنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , قَالَ: نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ , وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ , قَالَا: أنا ابْنُ وَهْبٍ , حَدَّثَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا هَذَا الْعِلْمُ خَزَائِنُ وَتَفْتَحُهَا الْمَسْأَلَةُ»
(2/62)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَاتِبُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ كَثِيرٍ الضَّبِّيُّ , قَالَ: كَانَ أَبُو يَزِيدَ النَّهْشَلِيُّ , يَقُولُ: «الْعِلْمُ قُفْلٌ , وَمِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ» يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُقْبِلًا عَلَى صَاحِبِهِ بِوَجْهِهِ فِي حَالِ مُنَاظَرَتِهِ مُسْتَمِعًا لِكَلَامِهِ إِلَى أَنْ يُنْهِيَهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ , وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ , وَرُبَّمَا كَانَ فِي كَلَامِهِ مَا يِدُلُّهُ عَلَى فَسَادِهِ , وَيُنَبِّهُهُ عَلَى عُوَارِهِ , فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعُونَةً لَهُ عَلَى جَوَابِهِ
(2/62)

أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الْعُكْبَرِيُّ , نا أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَرْبِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَسْرُوقٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ , قَالَ حَكِيمٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ تَعَلَّمْ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ كَمَا [ص:63] تَعَلَّمْ حُسْنَ الْكَلَامِ , فَإِنَّ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ إِمْهَالُكَ الْمُتَكَلِّمَ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَيْكَ بِحَدِيثِهِ , وَالْإِقْبَالُ بِالْوَجْهِ وَالنَّظَرُ , وَتَرْكُ الْمُشَارَكَةِ فِي حَدِيثٍ أَنْتَ تَعْرِفُهُ»
(2/62)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْكُوفِيَّ , يَقُولُ: " الصَّمْتُ يَجْمَعُ لِلرَّجُلِ خَصْلَتَيْنِ: السَّلَامَةَ فِي دِينِهِ , وَالْفَهْمَ عَنْ صَاحِبِهِ "
(2/63)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزُّ: " رُبَّمَا دَلَّتِ الدَّعْوَى عَلَى بُطْلَانِهَا وَالتَّزَيُّدِ فِيهَا قَبْلَ امْتِحَانِهَا , وَكَذَّبَتْ نَفْسَهَا بِلِسَانِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُوجِزَ السَّائِلُ فِي سُؤَالِهِ , وَيُحِرِّرُ كَلَامَهُ , وَيُقَلِّلُ أَلْفَاظَهُ وَيَجْمَعُ فِيهَا مَعَانِيَ مَسْأَلَتِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ مَعْرِفَتِهِ
(2/63)

أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْمَرِيُّ , وأَبُوبَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِيُّ الْوَاسِطِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا مُخَيِّسُ بْنُ تَمِيمٍ الدِّمَشْقِيُّ , نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ [ص:64] عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ , وَالتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ , وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ»
(2/63)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيُّ الرَّزَّازُ , نا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ , أنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ , نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ , عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ: «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ , وَحُسْنُ الْمَسْأَلَةِ نِصْفُ الْعِلْمِ»
(2/64)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بُخَيْتٍ الْعُكْبَرِيُّ , أنا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبِجَارِيُّ , أنا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخِيَامُ , نا سَهْلُ بْنُ شَاذَوَيْهِ , نا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ , نَا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ مِسْعَرٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: " مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ , إِلَّا عَرَفْتُ: فَقِيهٌ أَوْ غَيْرُ فَقِيهٍ "
(2/64)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ خَالِدٍ , نا سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزَّنْبَرِيُّ , نا مَالِكٌ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ الْإِنْسَانُ يَسْأَلُهُ فَخَلَطَ عَلَيْهِ قَالَ: «اذْهَبْ فَتَعَلَّمْ كَيْفَ تَسْأَلُ , فَإِذَا تَعَلَّمْتَ فَسَلْ» وَيَلْزَمُ الْمُجِيبَ أَنْ يَسُدَّ بِالْجَوَابِ مَوْضِعَ السُّؤَالِ , وَلَا يَتَعَدَّى مَكَانَهُ , وَيَجْعَلُ الْمَثَلَ كَالْمُمَثَّلِ بِهِ , وَيَخْتَصِرُ فِي غَيْرِ تَقْصِيرٍ , وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الْبَيَانِ بِالشَّرْحِ أَطَالَ مِنْ غَيْرِ هَذَرٍ وَلَا تَكْدِيرٍ , وَيُقَابِلُ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَى , حَتَّى يَكُونَ غَيْرَ نَاقِصٍ عَنْ تَمَامِهِ , وَلَا فَاضِلٍ عَنْ جُمْلَتِهِ
(2/65)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا , حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الصَّيْرَفِيُّ , نا مَيْمُونُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «كَانُوا يَكْتَفُونَ مِنَ الْكَلَامِ بِالْيَسِيرِ»
(2/65)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَالِعُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمُقْرِئُ , نا أَبُو الْعَيْنَاءِ , عَنِ الْأَصْمَعِيِّ , قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بَلِيغًا , فَقَالَ: «أَلْفَاظُهُ قَوَالِبُ لِمَعَانِيهِ»
(2/65)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا ابْنُ الْمُغِيرَةِ , نَا أَحْمَدُ بْنُ [ص:66] سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «إِذَا أَعْيَتْكَ الْكَلِمَةُ فَلَا تُجَاوِزْهَا إِلَى غَيْرِهَا , فَإِنَّ الْكَلَامَ إِذَا كَثُرَتْ مَعَانِيهِ كَثُرَ تَقَلُّبُ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فِيهِ , فَوَقَفَا مَحْسُورَيْنِ أَوْ بَلَغَا مَجْهُودِينَ»
(2/65)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ , إِجَازَةً , وَحَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ النَّصِيبِيُّ , عَنْهُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا الْمُبَرِّدُ , قَالَ: قُلْتُ لِلْأَحْنَفِ: مَا الْبَلَاغَةُ؟ فَقَالَ: «صَوَابُ الْكَلَامِ , وَاسْتِحْكَامُ الْحُجَّةِ , وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْإِكْثَارِ»
(2/66)

قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ الْفَضْلِ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ , قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي , قَالَ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلشَّافِعِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا الْبَلَاغَةُ؟ , قَالَ: «الْبَلَاغَةُ أَنْ تَبْلُغَ إِلَى دَقِيقِ الْمَعَانِي بِجَلِيلِ الْقَوْلِ» , قَالَ: فَمَا الْإِطْنَابُ , قَالَ: «الْبَسْطُ لِيَسِيرِ الْمَعَانِي , فِي فُنُونِ الْخِطَابِ» , قَالَ: فَأَيُّمَا أَحْسَنُ عِنْدَكَ الْإِيجَازُ أَمْ الْإِسْهَابُ؟ , قَالَ: " لِكُلٍّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَنْزِلَةٌ , فَمَنْزِلَةُ الْإِيجَازِ عِنْدَ التَّفَهُّمِ فِي مَنْزِلَةِ الْإِسْهَابِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ , أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا احْتَجَّ فِي كَلَامِهِ كَيْفَ يُوجِزُ , وَإِذَا وَعَظَ يُطْنِبُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ مُحْتَجًّا
(2/66)

: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهَ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وَإِذَا جَاءَتِ الْمَوْعِظَةُ , جَاءَ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ , وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ بِالسَّلَفِ الْمَاضِينَ " وَمِنْ أَدَبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُجِيبَ الرَّجُلُ عَمَّا يَسْأَلُ عَنْهُ غَيْرُهُ
(2/67)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشُّرُوطِيُّ , نا الْمَعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ , أنا دَاوُدُ بْنُ وَسِيمٍ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي الْأَصْمَعِيِّ , عَنْ عَمِّهِ , قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: «وَلَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ تُجِيبَ , مَنْ لَا يَسْأَلُكَ , أَوْ تَسْأَلَ مَنْ لَا يُجِيبُكَ , أَوْ تُحَدِّثُ مَنْ لَا يُنْصِتُ لَكَ»
(2/67)

أنا أَبُو يَعْلَى: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَكِيلُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْمُعَدِّلُ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمُ الْكَوْكَبِيُّ , حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَهْدِيٍّ الْكِسْرَوِيُّ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ هَرْمِزْدَانَ , قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ كَانَتِ الْحُكَمَاءُ تَقُولُ: «لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يُجِيبَ عَمَّا يَسْأَلُ عَنْهُ غَيْرُهُ , وَلْيَتَّقِ الْمُنَاظِرُ مُدَاخَلَةَ خَصْمِهِ فِي كَلَامِهِ , وَتَقْطِيعَهُ عَلَيْهِ وَإِظْهَارَ التَّعَجُّبِ مِنْهُ , وَلْيُمَكِّنْهُ مِنْ إِيرَادِ حُجَّتِهِ , فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُبْطِلُونَ وَالضُّعَفَاءُ الَّذِينَ لَا يَحْصُلونَ»
(2/67)

أَخْبَرَنِي الْبَرْمَكِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الْعُكْبَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ , عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ , قَالَ: قَالَتِ الْحُكَمَاءُ: «إِنَّ مِنِ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُغَالَبَةُ الرَّجُلِ عَلَى كَلَامِهِ وَالْإِعْتِرَاضُ فِيهِ لِقَطْعِ حَدِيثِهِ» وَإِذَا هَمَّ بِقَوْلٍ أَنْ يَقُولَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فَأَمْسَكَ عَنْهُ فَلْيُحْدِثِ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَلَى مَا عَصَمَهُ مِنَ التَّسَرُّعِ إِلَى الْخَطَأِ وَلْيَغْتَبَطْ بِذَلِكَ فَقَدْ
(2/68)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا ابْنُ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: «افْرَحْ بِمَا لَا تَنْطِقُ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ , مِثْلَ فَرِحِكَ بِمَا لَمْ تَسْكُتْ عَنْهُ مِنَ الصَّوَابِ» وَإِنَّ أَفْحَشَ الْخَصْمُ فِي جَوَابِهِ , وَأَحَالَ فِي حِجَاجِهِ , فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يِحْتَدَّ عَلَيْهِ , لِيَحْذَرَ مِنَ الصِّيَاحِ فِي وَجْهِهِ , وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ السُّفَهَاءِ , وَمَنْ لَا يَتَأَدَّبُ بِآدَابِ الْعُلَمَاءِ:
(2/68)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ , نا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ شُرَيْحٍ , قَالَ [ص:69]: " الْحِدَةُّ: كُنْيَةُ الْجَهْلِ "
(2/68)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي يَحْيَى , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ قُرَيْشٍ , قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: «رَأْسُ الْحُمْقِ الْحِدَّةُ , وَقَائِدُهُ الْغَضَبِ , وَمَنْ رَضِيَ بِالْجَهْلِ اسْتَغْنَى عَنِ الْحِلْمِ , الْحِلْمُ زَيْنٌ وَمَنْفَعَةٌ , وَالْجَهْلٌ شَيْنٌ , وَالسُّكُوتُ عَنْ جَوَابِ الْأَحْمَقِ جَوَابُهُ»
(2/69)

وقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , ثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «أَلَا إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ , أَلَا تَرَوْنَ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيُلْصِقْ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ»
(2/69)

أنا ابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا ابْنُ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , [ص:70] قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «شِدَّةُ الْغَضَبِ يُغَيِّرُ الْمَنْطِقَ , وَتَقْطَعُ مَادَّةَ الْحُجَّةِ وَتُفَرِّقُ الْفَهْمَ»
(2/69)

وَقَالَ أَيْضًا: «لَا يُمْكِنُ أَنْ لَا تَغْضَبَ , لَكِنْ لَا يَنْتَهِي غَضَبُكَ إِلَى الْإِثْمِ , وَاعْفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الِانْتِقَامِ عَجْزًا» وَلْيُعَوِّدْ لِسَانَهُ مِنَ الْكَلَامِ أَحْسَنَهُ , وَمِنَ الْخِطَابِ أَلْيَنَهُ فَقَدْ:
(2/70)

أنا ابْنُ بِشْرَانِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , نا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ , نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ أَرْطَأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ , عَنْ أَبِي عَوْنٍ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: «مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ بِكَلِمَةٍ صَعْبَةٍ إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهَا كَلِمَةً أَلْيَنَ مِنْهَا تَجْرِي مَجْرَاهَا»
(2/70)

وأنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ الْقَحْذَمِيِّ , قَالَ: قِيلَ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: مَا أَبَرُّ كَلَامِكَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ يَقُومُ عَلَيَّ بِرُخْصٍ» , قَالَ: وَنَادَى غُلَامُهُ , فَقِيلَ: إِنَّهُ مَشْغُولٌ , فَقَالَ: «شَغَلَهُ اللَّهُ بِخَيْرٍ» , ثُمَّ نَادَى جَارِيَتَهُ , فَقِيلَ: إِنَّهَا نَائِمَةٌ , فَقَالَ: «أَنَامَ اللَّهُ عَيْنَهَا» , فَضَحِكَتْ , فَقَالَ [ص:71]: «مِمَّ تَضْحَكُ , أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ» وَلْيَعْمَدْ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْ كَلَامِ خَصْمِهِ , وَلَا يَتَعَلَّقْ بِمَا يَجْرِي فِي عِرْضِهِ مِمَّا لَا يَعْتَمِدُهُ , فَإِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى الْمَقْصُودِ وَالظُّهُورِ عَلَى الْخَصْمِ بِإِبْطَالِ مَا قَصَدَهُ , وَعَوَّلَ عَلَيْهِ وَاعْتَمَدَهُ , وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُهُ مِنْ كَلَامِهِ , فَإِنَّ الْجَوَابَ لَا يَصِحُّ عَمَّا لَمْ يَفْهَمْهُ , وَلَمْ يَتَصَوِّرْ مُرَادَ خَصْمِهِ مِنْهُ
(2/70)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النَّجَّادُ , نا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ , نا ابْنُ نُفَيْلٍ , قَالَ النَّجَّادُ , وحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَالِسِيُّ , نا النُّفَيْلِيُّ , وأنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمِسْكِينِ , نا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ , قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ كُنْ سَرِيعًا تَفْهَمْ , بَطِيئًا تَكَلَّمْ , وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَكَلَّمَ تَفْهَمْ» وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاعِظُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ فِي إِسْنَادِهِ
(2/71)

أنا أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ الْعِجْلِيُّ الدَّسْكَرِيُّ لَفْظًا بِحُلْوَانَ , قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُقْرِئُ بِأَصْبَهَانَ , نا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَرَّاءُ الْمِصْرِيُّ , نا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا , يَقُولُ [ص:72]: «لَا خَيْرَ فِي جَوَابٍ قَبْلَ فَهْمٍ» وَلْيَتَجَنَّبِ التَّقْعِيرَ فِي الْكَلَامِ وَالْوَحْشِيَّ مِنَ الْأَلْفَاظِ , فَإِنَّهُ مَنَافٍ لِلْبَلَاغَةِ بَعِيدٌ مِنَ الْحَلَاوَةِ
(2/71)

قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زِيَادٍ الْمُقْرِئِ النَّقَّاشِ , قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «أَحْسَنُ الِاحْتِجَاجِ مَا أَشْرَقَتْ مَعَانِيهِ , وَأُحْكِمَتْ مَبَانِيهِ , وَابْتَهَجَتْ لَهُ قُلُوبُ سَامِعِيهِ» وَمَا أَحْسَنَ مَا وَصَفَ بِهِ بَعْضُ الْعَرَبِ الشَّافِعِيَّ فِي نَظَرِهِ
(2/72)

فَقَالَ فِيمَا: أنا ابْنُ الْفَضْلِ , عَنِ النَّقَّاشِ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , بِهَرَاةَ , نا الرَّبِيعُ , قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي حَلَقَةِ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ فَوَقَفَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ , فَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ لَنَا: «أَيْنَ قَمَرُ هَذِهِ الْحَلَقَةِ وَشَمْسُهَا؟» فَقُلْنَا: تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ , فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا , وَقَالَ: «تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُ , فَلَقَدْ كَانَ يَفْتَحُ بِبَيَانِهِ مُنْغَلِقَ الْحُجَّةِ , وَيَسُدُّ عَلَى خَصْمِهِ وَاضِحَ الْمَحَجَّةِ , وَيَغْسِلُ مِنَ الْعَارِ وُجُوهًا مُسْوَدَّةً , وَيُوَسِّعُ بِالرَّأْيِ أَبْوَابًا مُنْسَدَّةً ثُمَّ انْصَرَفَ»
(2/72)

بَابُ تَقْسِيمِ الْأَسْئِلَةِ وَالْجَوَابَاتِ , وَوَصْفِ وُجُوهِ الْمَطَاعِنِ وَالْمُعَارَضَاتِ السُّؤَالُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرِبٍ , يُقَابِلُ كُلَّ ضَرْبٍ مِنْهَا ضَرْبٌ مِنَ الْجَوَابِ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ فَأَوَّلُهَا: السُّؤَالُ عَنِ الْمَذْهَبِ , بِأَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: مَا تَقُولُ فِي كَذَا؟ فَيُقَابِلُهُ جَوَابٌ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ , فَيَقُولُ: كَذَا وَالثَّانِي: السُّؤَالُ عَنِ الدَّلِيلِ , بِأَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: مَا دَلِيلُكَ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: كَذَا وَالثَّالِثُ: السُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ , فَيْبَيِّنُهُ الْمَسْئُولُ وَالرَّابِعُ: السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ , وَالطَّعْنِ فِيهِ , فَيُجِيبُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَ اعْتِرَاضِهِ وَصِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهِ دَلِيلِهِ فَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ حُكْمٍ مُطْلَقٍ نَظَرَ الْمَسْئُولُ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ , فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ مُوَافِقًا لِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أَطْلَقَ الْجَوَابَ عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ , كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْصِلَهَ فِي جَوَابِهِ , وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِلسَّائِلِ: هَذَا مُخْتَلِفٌ عِنْدِي , فَمِنْهُ كَذَا , وَمِنْهُ كَذَا , فَعَنْ أَيِّهِمَا
(2/77)

تَسْأَلُ؟ فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدَهُمَا أَجَابَ عَنْهُ , وَإِنْ أَطْلَقَ الْجَوَابِ عَنْهُ كَانَ مُخْطِئًا مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَسْأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ هَلْ يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ؟ وَعِنْدَ الْمَسْئُولِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ , وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ , وَيُطَهَّرُ مَا عَدَا ذَلِكَ , فَيَقُولُ لِلسَّائِلِ هَذَا التَّفْصِيلَ , وَإِنْ شَاءَ قَالَ: مِنْهُ مَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ , وَمِنْهُ مَا لَا يُطَهَّرُ , فَعَنْ أَيِّهِمَا تَسْأَلُ؟ فَأَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ , وَقَالَ: يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ , فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْطِئًا
(2/78)

وَقَدْ جَرَى لِأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي الْحِمَّانِيَّ , نا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ , قَالَ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ مَرِيضًا شَدِيدَ الْمَرَضِ , فَعَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِرَارًا , فَصَارَ إِلَيْهِ آخِرَ مَرَّةً , فَرَآهُ ثَقِيلًا , فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ أُؤَمِّلُكَ بَعْدِي لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَئِنْ أُصِيبَ النَّاسُ بِكَ , لَيَمُوتَنَّ مَعَكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ ثُمَّ رُزِقَ الْعَافِيَةَ» , وَخَرَجَ مِنَ الْعِلَّةِ , فَأَخْبَرَ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ , فَارْتَفَعَتْ نَفْسُهُ , وَانْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهِ , فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسًا فِي الْفِقْهِ , وَقَصَّرَ عَنْ لُزُومِ مَجْلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ , فَسَأَلَ عَنْهُ , فَأُخْبِرَ أَنَّهُ قَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسًا , وَأَنَّهُ بَلَغَهُ كَلَامُكَ فِيهِ , فَدَعَى رَجُلًا كَانَ لَهُ عِنْدَهُ قَدْرٌ , فَقَالَ: " صِرْ إِلَى مَجْلِسِ يَعْقُوبَ , فَقُلْ لَهُ: مَا تَقُولُ
(2/78)

فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى قَصَّارٍ ثَوْبًا لِيُقَصِّرَهُ بِدِرْهَمٍ , فَصَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ فِي طَلَبِ الثَّوْبِ , فَقَالَ لَهُ الْقَصَّارُ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ , وَأَنْكَرَهُ ثُمَّ إِنَّ رَبَّ الثَّوْبِ رَجَعَ إِلَيْهِ , فَدَفَعَ إِلَيْهِ الثَّوْبَ مَقْصُورًا , أَلَهُ أُجْرَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَهُ أُجْرَةٌ , فَقُلْ: أَخْطَأْتَ وَإِنْ قَالَ: لَا أُجْرَةَ لَهُ فَقُلْ أَخْطَأْتَ " فَصَارَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ , فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ الْأُجْرَةُ , فَقَالَ: أَخْطَأْتَ , فَنَظَرَ سَاعَةً , ثُمَّ قَالَ: لَا أُجْرَةَ لَهُ فَقَالَ: أَخْطَأْتَ , فَقَامَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَتَى أَبَا حَنِيفَةَ , فَقَالَ لَهُ: «مَا جَاءَ بِكَ إِلَّا مَسْأَلَةُ الْقَصَّارِ؟» قَالَ أَجَلْ , قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ قَعَدَ يُفْتِي النَّاسَ وَعَقَدَ مَجْلِسًا يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللَّهِ وَهَذَا قَدْرُهُ , لَا يَحْسُنُ أَنْ يُجِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْإِجَارَاتِ» فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ , عَلِّمْنِي: فَقَالَ: «إِنْ كَانَ قَصَّرَهُ بَعْدَ مَا غَصَبَهْ فَلَا أُجْرَةَ , لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِنَفْسِهِ , وَإِنْ كَانَ قَصَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْصِبَهُ فَلَهُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِصَاحِبِهِ» ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّعْلِيمِ , فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ»
(2/79)

فَصْلٌ وَإِذَا صَحَّ الْجَوَابُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ قَالَ لَهُ السَّائِلُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ السُّؤَالُ الثَّانِي: فَإِذَا ذَكَرَ الْمَسْئُولُ الدَّلِيلَ فَإِنْ كَانَ السَّائِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدِ احْتَجَّ بِالْقِيَاسِ , وَالسَّائِلُ ظَاهِرِيٌّ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ لِلْمَسْئُولِ: هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ، فَإِنَّ المَسْئُولَ يَقُولُ لَهُ: هَذَا دَلِيلٌ عِنْدِي , وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تُسْلِمَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَنْقُلَ الْكَلَامَ إِلَيْهِ , فَأَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ , فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ: لَا أُسْلِمُ لَكَ مَا احْتَجَجْتَ بِهِ , وَلَا أَنْقُلُ الْكَلَامَ إِلَى الْأَصْلِ , كَانَ مُتَعَنِّتًا مُطَالِبًا لِلْمَسْئُولِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ مَذْهَبَهُ إِلَّا بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ , وَمَنْ نَازَعَهُ فِي دَلِيلِهِ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ , وَقَامَ بِنُصْرَتِهِ , فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ , فَقَدْ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ , وَإِنْ عَدَلَ إِلَى دَلِيلٍ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا , لِأَنَّ ذَلِكَ لِعَجْزِ السَّائِلِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا احْتَجَّ بِهِ , وَقُصُورِهِ عَنِ الْقَدْحِ فِيهِ , وَلِأَنَّ الْمَسْئُولَ لَا تَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ مُذْهِبِ السَّائِلِ , لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مُخالَفَتُهُ , وَلَا تَنْفَعُهُ مُوَافَقَتُهُ , وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الدَّلِيلِ , وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَأَمَّا السَّائِلُ إِذَا عَارَضَهُ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ , وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عِنْدَ الْمَسْئُولِ , مِثْلَ أَنْ يُعَارِضَ خَبَرَهُ الْمُسْنَدَ بِخَبَرٍ مُرْسَلٍ , أَوْ خَبَرِ الْمَعْرُوفِ بِخَبَرِ الْمَجْهُولِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَقَالَ لِلْمَسْئُولِ , إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ ذَلِكَ لِي فَيَكُونُ مُعَارِضًا لِمَا رَوَيْتُهُ , وَإِمَّا أَنْ تَنْقُلَ الْكَلَامَ إِلَى مَسْأَلَةِ الْمُرْسَلِ وَالْمَجْهُولِ , فَهَذَا لَيْسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَهُ وَيُخَالِفَ الْمَسْئُولَ فِيهِ , لِأَنَّ
(2/80)

السَّائِلَ تَابِعٌ لِلْمَسْئُولِ فِيمَا يُورِدُهُ الْمَسْئُولُ وَيَحْتَجُّ بِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ دَلِيلِهِ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ , وَالطَّرِيقُ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى إِعْتِقَادِهِ , لَزِمَهُ أَنْ يَنْظُرَ مَعَهُ فِيمَا يُورِدُهُ , فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا بَيِّنَ فَسَادَهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا صَارَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَهُ لَهُ , وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَازَ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَفْرِضَ الْمَسْأَلَةَ حَيْثُ اخْتَارَهُ وَكَانَ السَّائِلُ تَابِعًا لَهُ فِيهِ وَلَمْ يَجُزْ لِلسَّائِلِ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى جَنْبَةٍ أُخْرَى وَيَفْرِضَ الْكَلَامَ فِيهَا وَيَكْفِي الْمَسْئُولَ إِذَا عَارَضَهُ السَّائِلُ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ , مِثْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّمْثِيلِ فِي الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ وَخَبَرِ الْمَجْهُولِ أَنْ يَرُدَّهُ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِي , ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِهِ , وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ بِمُجَرَّدِ مَذْهَبِهِ , وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ , قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171] وَقَالَ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَعْلِيلًا , وَقَالَ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] فَبَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ لَهُ وَلَدًا , وَإِنَّ لَهُ شَرِيكًا
(2/81)

فَصْلٌ وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ السُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ وَكَيْفِيَّتِهِ , فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ , فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ غَامِضًا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَجَبَ السُّؤَالُ عَنْهُ , وَإِنْ تَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ مُخْطِئًا , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْكَشِفَ وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ , مِنْ وِجْهَةِ الْمَسْئُولِ عَلَى مَا سَأَلَهُ عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا جَلِيًّا لَمْ يَجُزْ هَذَا السُّؤَالُ , وَكَانَ السَّائِلُ عَنْهُ مُتَعَنِّتًا أَوْ جَاهِلًا , مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ عَنْ جِلْدِ الْكَلْبِ أَوْ جِلْدٍ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هَلْ يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ؟ فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: يُطَهَّرُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَيَقُولُ السَّائِلُ: مَا وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ؟ فَيَكُونُ مُخْطِئًا فِي هَذَا الْقَوْلِ , لِظُهُورِ مَا سَأَلَهُ عَنْ بَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ , وَإِذَا قَصَدَ بَيَانُهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِهِ
(2/82)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , أنا ابْنُ دُرَيْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ , عَنْ أَبِي زَيْدٍ , قَالَ: " كَانَ كَيْسَانُ ثِقَةً , وَجَاءَهُ صَبِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِ شِعْرًا حَتَّى مَرَّ بِبَيْتٍ فِيهِ ذِكْرُ الْعِيسِ , فَقَالَ لَهُ: مَا الْعِيسُ؟ قَالَ: الْإِبِلُ الْبِيضُ , الَّتِي تَخْلِطُ بَيَاضَهَا حُمْرَةٌ , قَالَ: وَمَا الْإِبِلُ؟ قَالَ: الْجِمَالُ , قَالَ: وَمَا الْجِمَالُ؟ فَقَامَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَرَغَا فِي الْمَسْجِدِ "
(2/82)

فَصْلٌ وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ: وَهُوَ السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ وَالْقَدْحِ فِي الدَّلِيلِ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الدَّلِيلِ: فَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُنَازِعَهُ فِي كَوْنِهِ مُحْكَمًا , وَيَدَّعِي أَنَّهُ مَنْسُوخٌ مِثَالُهُ: أَنْ يَحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ , بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] فَيَدَّعِي خَصْمُهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا , لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى النَّسْخِ وَالثَّانِي: أَنْ يُنَازِعَهُ فِي مُقْتَضَى لَفْظِهِ مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِيتَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ , بِقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] فَيَقُولُ الْمُخَالِفُ: إِنَّهُ إِيتَاءٌ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ , فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: هُوَ خِطَابٌ لِلسَّادَاتِ , لِأَنَّهُ قَالَ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] فَلَا يَصْلُحُ لِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُعَارِضَهُ بِغَيْرِهِ , فَيَحْتَاجُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ أَوْ يُرَجِّحُ دَلِيلَهُ عَلَى مَا عَارَضَهُ بِهِ مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ
(2/83)

الْيَمِينِ , بِقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] فَيُعَارِضُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] أَوْ يُعَارِضُهُ بِالسُّنَّةِ وَيَكُونُ جَوَابُ الْمَسْئُولِ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ , فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُطَالِبَهُ بِإِسْنَادِ حَدِيثِهِ وَالثَّانِي: أَنْ يَقْدَحَ فِي إِسْنَادِهِ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَتْنِهِ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ نَسْخَهُ وَالْخَامِسُ: أَنْ يُعَارِضَهُ بِخَبَرِ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِإِسْنَادِهِ , فَهِيَ صَحِيحَةٌ , أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالْإِسْنَادِ , وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَلْفَاظِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمَحْفُوظَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ , فَأَمَّا الْغَرِيبُ الشَّاذُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمُطَالَبَةُ بِإِسْنَادِهِ , فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأُصُولِ , أَوْ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي , لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ , لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَرْوُونَ الْمَرَاسِيلَ وَالْبَلَاغَاتِ وَيَحْتَجُّونَ بِهَا , وَلَا حُجَّةَ فِيهَا عِنْدَنَا , وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي وَهُوَ: الْقَدْحُ فِي الْإِسْنَادِ فَمِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي غَيْرَ عَدْلٍ وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا
(2/84)

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَدَمِ الْعَدَالَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّاوِي لَيْسَ بِثِقَةٍ , فَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ فَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ إِذَا فُسِّرَ يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْعَدَالَةِ وَالْجَوَابُ عَمَّنْ قَالَ: رَاوِي خَبَرِكَ مَجْهُولٌ , هُوَ أَنَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ أَحَدِ الْجَهَالَةِ عَلَى شَرْطِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ , فَيَبِينُ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ وَالْجَوَابُ عَمَّنْ قَالَ الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ: أَنْ يَبِينَ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ , وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ وَهُوَ عَلَى الْمَتْنِ فَمِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَتْنُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ , وَالسُّؤَالٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ , فَيَدَّعِي الْمُخَالِفُ قِصَرَهُ عَلَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِجَوَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ سُؤَالِ السَّائِلِ , وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَوْضِعِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى السُّؤَالِ , وَيَكُونُ السُّؤَالُ عَنْ فِعْلٍ خَاصٍّ يَحْتَمِلُ مَوْضِعَ الْخِلَافَ وَغَيْرَهُ , فَيُلْزِمُ السَّائِلُ الْمَسْئُولَ التَّوَقُّفَ فِيهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ
(2/85)

مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَحْتَجَّ شَافِعِيٌّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ بِمَا: أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ , نا أَبُو [ص:86] مُسْهِرٍ , نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْغَرِيفُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ , عَنْ واثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ , قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ , فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ , فَقَالَ: «أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً , يَفُكُّ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» وأنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ , نا ضَمْرَةُ , عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ , عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ , قَالَ: أَتَيْنَا واثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ , قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ يَعْنِي: النَّارَ بِالْقَتْلِ فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فَيَقُولُ الْمُخَالِفُ يَحْتَمِلُ هَذَا الْقَتْلَ بِالْمِثْقَلِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ حَتَّى يَرِدَ الْبَيَانُ، وَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الْجَوَابَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلنَّارِ مُوجِبًا لِلرَّقَبَةِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ
(2/85)

وَمِنْ ذَلِكَ: الْحَدِيثُ الَّذِي أناه الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الشَّافِعِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ , أنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ , الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» إِذَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى إِيتَارِ الْإِقَامَةِ , فَقَالَ الْمُخَالِفُ: لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْآمِرِ مَنْ هُوَ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ بِتَغْيِيرِ إِقَامَةٍ فَعَلَهَا بِلَالٌ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا طَوِيلًا , وَبَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وُعُمَرَ , عَلَى أَنَّ بِلَالًا لَمْ يَعِشْ إِلَى وِلَايَةِ بَنِي أُمَيَّةَ , وَإِنَّمَا مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ , وَلَوْ أَمَرَ بِلَالًا آمِرٌ بِتَغْيِيرِ الْإِقَامَةِ لَمْ يَقْبَلْ أَمْرَهُ , وَلَوْ قَبِلَهُ بِلَالٌ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ , وَقَدْ:
(2/87)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى عُمَرَ بْنِ نُوحٍ الْبَجَلِيِّ , حَدَّثَكُمُ الْفِرْيَابِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَجَّاجٍ السَّامِيُّ , نا وُهَيْبٌ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: " لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا شَيْئًا يَعْلَمُونَ بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ , فَقَالُوا: يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا , قَالَ: فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ [ص:88] وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ " أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ , وَذِكْرُ هَذَا السَّبَبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ , وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ:
(2/87)

أَخْبَرَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْخُتَّلِيُّ , نا أَبُو حَمْزَةَ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْوَزِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ , عَنْ خَارِجَةَ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ , وَهُوَ دَعْوَى النَّسْخِ
(2/88)

فَمِثَالُهُ مَا: أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدَّاوُدِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ فَرْوَةَ , نا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ , فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ , فَجَاءَ رَجُلٌ , كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ [ص:89]: «وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْكَ» فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(2/88)

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزَّازُ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُرْقِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْجَعْدِ , نَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ أَبِي مُوسَى الْخَيَّاطِ , عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ الشَّافِعِيُّونَ: رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مُتَأَخِّرٌ , وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ , فَإِنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ سِنِينَ , وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ مُتَقَدِّمٌ , فَإِنَّ قَيْسَ بْنَ طَلْقٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَدِمْتُ [ص:90] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُؤَسِّسُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ , فَوَجَبَ أَنْ يَنْسَخَ الْمُتَقَدِّمَ بِالْمُتَأَخِّرِ، قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ عِنْدِي نَظَرٌ , لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ , يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ صَحَابِيٍّ قَدِيمِ الصُّحْبَةِ , وَأَرْسَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَكُونُ حَدِيثُهُ وَحَدِيثُ طَلْقٍ مُتَعَارِضَيْنِ , لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِنَاسِخٍ لِلْآخَرِ , فَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْمَالِ التَّرْجِيحِ فِيهِمَا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ وَهُوَ مُعَارَضَةُ الْخَبَرِ بِخَبَرِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ: بِأَنْ يُسْقِطَ الْمَسْئُولُ مُعَارَضَةَ السَّائِلِ , أَوْ يُرَحِّجَ خَبَرَهُ , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا تَرْجَحُ بِهِ الْأَخْبَارُ فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ
(2/89)

فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الْإِجْمَاعَ , فَإِنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنُ يُطَالِبَ بِظُهُورِ الْقَوْلِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
(2/91)

مِثَالُ ذَلِكَ مَا: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ , حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى , عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ , أَنَّ بِلَالًا , قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ» , فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ , وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَنْتُمُ الثَّمَنَ فَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ , يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهَا وَتَمَلُّكُهُمْ لِثَمَنِهَا , فَطَالَبَهُمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِظُهُورِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ عُمَرَ وَانْتِشَارِهِ , حَتَّى عَرَفَهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَسَكَتَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ , وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِيهِ وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ ظُهُورَ خِلَافِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ [ص:92] وَذَلِكَ مِثَالُ مَا:
(2/91)

أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ , نا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ , نا أَبِي , نا ابْنُ جُرَيْجٍ , أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ , قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الرَّجُلِ , يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَيَبُتُّهَا ثُمَّ يَمُوتُ فِي عِدَّتِهَا؟ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ تَمَاضُرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيِّ , ثُمَّ مَاتَ , وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ» فَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ , بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تَوْرِيثِ تَمَاضُرَ , هِيَ مَبْتُوتَةٌ فِي الْمَرَضِ
(2/92)

فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: قَدْ خَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ: فَرَوَى الشَّافِعِيُّ , عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ , ومُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ , أَنَّهُ قَالَ: «طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ تَمَاضُرَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ , وَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ , فَوَرِثَهَا عُثْمَانُ» قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ [ص:93]: وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ صَانَ اللَّهُ قَدْرَهُ: وَحَدِيثُ الشَّافِعِيِّ هَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ فِي الْأَنْبَاءِ الْمُحْكَمَةِ , قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى قَوْلِ الْمُجْمِعِينَ , إِنْ لَمْ يَكُونُوا صَرَّحُوا بِالْحُكْمِ , بِمِثْلِ مَا يُعْتَرَضُ عَلَى لَفْظِ السُّنَّةِ
(2/92)

فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ هُوَ الْقِيَاسُ , فَإِنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصِّ الْقُرْآنِ , أَوْ نَصِّ السُّنَّةِ , أَوِ الْإِجْمَاعِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُ قِيَاسٌ غَيْرُ صَحِيحٍ , لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَقْوَى مِنَ الْقِيَاسِ , وَأَوْلَى مِنْهُ , فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُنْضَوِيَةً لِمَا لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ , كَأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ , فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِهَا وَمِنْهَا: إِنْكَارُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْفَرْعِ , مِثْلَ قَوْلِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا لَمْ يَصُمِ الْمُتَمَتِّعُ فِي الْحَجِّ سَقَطَ الصَّوْمُ , لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُؤَقَّتٌ , فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ , أَصْلُ ذَلِكَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَعِلَّةُ الْأَصْلِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ , لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنِ الظُّهْرِ , وَإِنَّمَا الظُّهْرُ بَدَلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ , وَكَذَلِكَ عِلَّةُ الْفَرْعِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ , لِأَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ بَدَلٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ , لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْحَجِّ دُونَ الزَّمَانِ , وَالْمُؤَقَّتُ مَا خُصَّ فِعْلُهُ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ , وَمِنْهَا: أَنْ يُعَارِضَ النُّطْقَ بِالنُّطْقِ مِثْلَ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] فَيُعَارِضُهُ الْمُخَالِفُ بِقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون
(2/94)

: 6] فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: مَعْنَاهُ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَهُمْ , فِي غَيْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَيَقُولُ السَّائِلُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيَحْتَاجُ الْمَسْئُولُ إِلَى تَرْجِيحِ اسْتِعْمَالِهِ , وَتَقْدِيمِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ خَصْمِهِ , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مُنْقَطِعًا , وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنْ يَقُولَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , أَنَّهُ قَالَ: حَرَّمَتْهَا آيَةٌ , وَأَحَلَّتْهَا آيَةٌ , وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] قَصَدَ بِهِ بَيَانَ التَّحْرِيمِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَدْحَ قَوْمٍ , فَكَانَ مَا قَصَدَ بِهِ التَّحْرِيمَ , وَبَيَانُ الْحُكْمِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ , وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَتَرَتُّبُ الْآيَةِ الْأُخْرَى عَلَيْهِ , وَلِلْاعْتِرَضَاتِ عَلَى الْقِيَاسِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
(2/95)

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: قَالَ رَبِيعَةُ: يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ , قَضَى اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا , لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , اخْتَارَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا» قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَالُ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ [ص:96] شَهْرٍ فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَلْفَ شَهْرٍ , عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ وَهَذِهِ فُصُولٌ مَنْثُورَةٌ , لَهَا أَمْثِلَةٌ فِي الْقُرْآنِ , يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا أَهْلُ النَّظَرِ
(2/95)

فَصْلٌ يَجُوزُ لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ الْخَصْمَ , فَيَقُولَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي كَذَا؟ وَيُفَوِّضُ الْجَوَابَ إِلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِجَوَابِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا وَذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُ مِنْ جَوَابِهِمْ , وَهَذَا يُسَمَّى سُؤَالَ التَّفْوِيضِ , وَلَوْ سَأَلَ سُؤَالَ حُجَّةٍ فَقَالَ: لِمَ عَبَدْتُمُ الْأَصْنَامَ؟ أَوْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهَا تُعْبَدُ؟ لِعِلْمِهِ بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ جَازَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا
(2/97)

فَصْلٌ إِذَا ذَكَرَ الْمُجَادِلُ جَوَابَ أَقْسَامٍ قَسَمَهَا , أَوْ أُلْزِمَ أَسْئِلَةٍ سَأَلَهَا , فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَتِّبَ جَوَابَهُ , بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ جَوَابَ سُؤَالٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ مُتَأَخِّرٍ , وَيَأْتِي بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] فَقَسَمَ الْوُجُوهَ قِسْمَيْنِ بَدَأَ مِنْهُمَا بِذِكْرِ الْمُبْيَضَّةِ وُجُوهُهُمْ , ثُمَّ ذَكَرَ أَوَّلًا حُكْمَ الْقِسْمِ الثَّانِي , فَقَالَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106]
(2/98)

فَصْلٌ التَّقْسِيمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ كِلَاهُمَا جَائِزٌ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْسِمَ الْمُقْسِمُ حَالَ الشَّيْءِ , فَيَذْكُرُ جَمِيعَ أَقْسَامِهِ , ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ , كَمَا فَعَلْنَا فِي تَقْسِيمِ الْأَسْئِلَةِ وَالْجَوَابَاتِ , وَوَصْفِ وُجُوهِ الْمَطَاعِنِ وَالْمُعَارَضَاتِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ قِسْمًا ثُمَّ يَذْكُرُ حُكْمَهُ ثُمَّ يَذْكُرُ الْقِسْمَ الْآخَرَ ثُمَّ يَذْكُرُ حُكْمَهُ وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِالْجَمِيعِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] فَفَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْقِسْمَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ فَذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَالَ فِي الْقَارِعَةِ: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7] فَذَكَرَ الْقِسْمَ وَحُكْمَهُ , ثُمَّ ذَكَرَ الْقِسْمَ الْآخَرَ وَحُكْمَهُ فَقَالَ: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 8]
(2/99)

فَصْلٌ قَدْ يُعَبِّرُ السَّائِلُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِالِاسْمِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْمَسْأَلَةُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُ لِلِاسْمِ فِيهَا كَقَائِلٍ سَأَلَ حَنَفِيًّا فَقَالَ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الطَّهَارَةَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ تَصِحُّ؟ فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَلَّمْتَ لِي أَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي لَفْظِ سُؤَالِكَ , وَمَسْأَلَتِكَ عَنْ بُطْلَانِهَا بِفَقْدِ النِّيَّةِ دَعْوَى , فَقَدْ سَقَطَ عَنِّي إِقَامَةُ الْحِجَّةِ فِي كَوْنِهَا طَهَارَةً , فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ , فَلِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ: أَنَا لَمُ أُسَلِّمْ أَنَّهَا طَهَارَةٌ وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ سُؤَالِي: هَذِهِ الَّتِي تَقُولُ أَنْتَ أَنَّهَا طَهَارَةٌ , لِمَ زَعَمْتَ أَنَّهَا تَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ؟ فَلَا تُؤَخِذْنِي بِلَفْظٍ أَنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فِي تَعْرِيفِكَ الْمَسْأَلَةَ , وَبِهَذِهِ الْعِبَارَةِ تَتَعَيَّنُ , وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مُوسَى: قَدِ اعْتَرَفْتَ بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَادَّعَيْتَ أَنِّي مَجْنُونٌ , فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْكَ , وَقَدْ سَقَطَ عَنِّي قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى رِسَالَتِي بِتَسْمِيَتِكَ أَنِّي رَسُولٌ إِلَيْهِمْ , وَتَقْدِيرُهُ إِنَّ الَّذِي يَقُولُ: إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ
(2/100)

فَصْلٌ يَجُوزُ لِمَنْ طُولِبَ بِمُقَدِّمَةٍ فِي كَلَامِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ طَالَبَهُ بِهَا الِالْتِزَامَ لِمَا تَقْتَضِيهِ الْمُقَدِّمَةُ وَالْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَالْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهَا , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 112] إِلَى أَنْ قَالَ: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: 115] وَقَدْ وَعَدْتُمْ أَنِّي إِذَا أَنْزَلْتُهَا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُكُمْ , وَعَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ قَدْ صَدَقْتُمْ وَتَكُونُوا عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ فَاعْلَمُوا إِنِّي إِذًا أَنْزَلْتُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرُ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ
(2/101)

فَصْلٌ يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ تَقْدِيمُ عِلَّةِ الْحُكْمِ , ثُمَّ يُعْقِبُ ذَلِكَ بِالْحُكْمِ , وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الْحُكْمِ ثُمَّ يَذْكُرُ عِلَّتَهُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فَقَدَّمَ الْعِلَّةَ قَبْلَ الْفَتْوَى بِحُكْمِ مَا سُئِلَ عَنْهُ , وَقَدَّمَ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ , فَقَالَ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] ثُمَّ عَلَّلَ , فَقَالَ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]
(2/102)

فَصْلٌ يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ إِذَا عَيَّنَ فِي نَوْبَةٍ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا ثُمَّ أَعَادَ النَّوْبَةَ أَنْ يُعِيدَ مَا كَانَ عَيَّنَهُ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} [الشعراء: 171] وَلَمْ يُعَيِّنْ مَنْ هِيَ الْعَجُوزُ , وَذَلِكَ بَعْدَ مَا عَيَّنَهَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 33]
(2/103)

فَصْلٌ يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ إِذَا عَادَتْ نَوْبَتُهُ فِي النَّظَرِ وَاقْتَضَى الْكَلَامُ إِعَادَةَ مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ: هَذَا قَدْ تَكَلَّمْتَ بِهِ أَوَّلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابِي عَنْهُ , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: 118] وَلَمْ يُعِدْهُ اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ
(2/104)

فَصْلٌ كَثِيرًا يَجْرِي مِنَ الْمُنَاظِرِ فِي حَالِ الْكَلَامِ وَاشْتِدَادِ الْخَاطِرِ , إِذَا وَثِقَ بِمَا يَقُولُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ , إِنَّهُ لَصَحِيحٌ , فَيَقُولُ لَهُ الْخَصْمُ: لَيْسَ فِي يَدِكَ حُجَّةٌ , وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَجِيءُ بِالْإِيمَانِ , وَخَصْمُكَ أَيْضًا يَحْلِفُ عَلَى ضِدِّ مَا تَقُولُ؟ فَجَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: مَا حَلَفْتُ لِيُلْزَمَكَ يَمِينِي حُجَّةً , وَلَا أَرَدْتُ ذَلِكَ , وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ ثِقَتِي بِمَا أَقُولُهُ , وَسُكُونَ نَفْسِي إِلَيْهِ , وَتَصَوُّرِي لَهُ عَلَى حَدِّ التَّقْرِيرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْكَرٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الذاريات: 23] وَقَالَ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقَسَمُ مِنَ اللَّهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ , لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَا يُخْصَمُ بِهَا الْمُلْحِدُ , فَإِنَّهَا تُضْعِفُ نَفْسَهُ , وَتُقَوِّي نَفْسَ الْمُوَافِقَ
(2/105)

وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , فِيمَا: أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ , نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ الذُّهْلِيُّ , نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , أنا الْأَعْمَشُ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ , قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا , يَقُولُ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ , وَبَرَأَ النَّسْمَةَ , إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: «أَنَّهُ لَا يُحِبُّكُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ»
(2/105)

فَصْلٌ قَدْ يُشَبِّهُ الْخَصْمُ لِخَصْمِهِ الْحَقَّ عِنْدَهُ بِمَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُ أَيْضًا , فَيَقُولُ: هَذَا عِنْدِي مِثْلُ أَنَّ الشَّمْسَ طَالِعَةٌ , أَوْ هَذَا وَاجِبٌ , كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23] وَلَيْسَ هَذَا مِثَالَ حِجَاجٍ , وَإِنَّمَا هُوَ مِثَالُ تَشْبِيهٍ , أَيْ أَنَّ حُكْمَ هَذَا عِنْدِي فِي الْوُضُوحِ وَالصِّحَّةِ حُكْمُ مَا تُشَاهِدُونَ مِنْ نُطْقِكُمْ
(2/106)

فَصْلٌ قَدْ يُمَثِّلُ الْخَصْمُ لِخَصْمِهِ قَوْلَهُ بِقَوْلٍ بَاطِلٍ عِنْدَهُ , لِيَعْلَمَ خَصْمُهُ بُطْلَانَ قَوْلِهِ , كَبُطْلَانِ مَا مَثَّلَهُ بِهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة: 13] وَتَقْدِيرُهُ: إِنَّكُمْ فِي إِيَاسِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنَ الْمَوْتَى , وَهُمَا فِي الْبُطْلَانِ سَوَاءٌ
(2/107)

فَصْلٌ إِذَا اعْتَرَضَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ يُخَالِفُ أَصْلَهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِأَصْلِهِ , وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِمَعْنًى نَظَرِيٍّ أَوْ فِقْهِيٍّ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِ السُّفَهَاءِ - وَهُوَ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ - وَقِيلَ: الْيَهُودُ وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ عِلَّةِ ذَلِكَ فَأَجَابَهُمْ بِمَا بَنَى عَلَيْهِ أَفْعَالَهُ مِنْ كَوْنِهِ مَالِكًا غَيْرَ مُمَلَّكٍ أَوْ غَيْرَ مَأْمُورٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ رَسْمٍ وَلَا حَدٍّ , وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ فِعْلِهِ مَنْ هُوَ تَحْتَ حَدٍّ أَوْ رَسْمٍ , فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِذَا كُنْتُ مَالِكَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِي فَمَا مَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ لَمْ نَفْلِتْ عَبِيدِي , وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ النَّظَرِيُّ رَدَّهُ بِأَصْلِهِ وَمُوجِبِ قَعِيدَةِ أَمْرِهِ , فَسَقَطَ السُّؤَالُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ , ثُمَّ لِمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَجَابَ بِجَوَابٍ فِقْهِيٍّ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ وَقُلْ لَهُمْ أَيْضًا: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لِيُصَلُّوا مَعَكَ عَلَى مَا أَلِفُوهُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ , ثُمَّ نَقَلْتُكَ إِلَى الْكَعْبَةِ لِتَعْلَمَ أَنْتَ , وَتُخْبِرَ مَنْ صَلَّى مَعَكَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ , تَبَعًا لَكَ وَطَاعَةً لِأَمْرِكَ وَقَبُولًا مِنْكَ , فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مَعَكَ لِمَا الْتَزَمَهُ مِنَ الطَّاعَةِ , وَمَنْ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ , لِكَوْنِهِ شَرِيعَةً لَهُ لَا لِطَاعَتِكَ ,
(2/108)

فَإِنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ مَعَكَ , بَلْ يُقِيمُ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ , فَتَعْلَمُ أَنْتَ أَنَّهُ مُنْقَلِبٌ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَنْكَشِفُ لَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطِيعًا لَكَ وَلَا تَابِعًا , فَبَيَّنَ عِلَّةَ الْجَوَابِ وَعِلَّةَ التَّحْوِيلِ , ثُمَّ أَجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ , وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ جَوَازَ النَّسْخِ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا , فَقَالَ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143] , يَقُولُ: وَإِنْ كَانَ انْتِقَالُهُمْ مِنَ الْمَنْسُوخِ إِلَى النَّاسِخِ ثَقِيلًا عَلَيْهِمْ شَاقًا فِي تَرْكِ الْمَأْلُوفِ الْمُعْتَادِ الَّذِي قَدْ نَشَئُوا عَلَيْهِ إِلَى مَا لَمْ يَأْلَفُوهُ , وَهَذَا أَحَدٍ الْعِلَلِ فِي جَوَازِ النَّسْخِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ فَهَذِهِ أَجْوِبَةُ سُؤَالِهِمْ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَوْضِعَهَا مِنَ النَّظَرِ وَأَفْضَلُ النُّظَّارِ وَأَقْدَرُهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنِ السُّؤَالِ بِجَوَابٍ نَظَرِيٍّ يَحْرُسُ بِهِ قَوَانِينَ النَّظَرِ وَقَوَاعِدَهُ , ثُمَّ يُجِيبُ بِجَوَابٍ يُبَيِّنُ فِيهِ فِقْهَ الْمَسْأَلَةِ
(2/109)

فَصْلٌ الْقَلْبُ عَلَى الْخَصْمِ وَالْمُعَارَضَةِ وَالنَّقْضِ , كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ , قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَاكِيًا عَنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156] فَأَجَابَهُمْ بِمَا أَقْلَبَهُ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ , وَإِنْ جَعَلْتَهُ نَقْضًا صَحَّ , وَإِنْ جَعَلْتُهُ مُعَارَضَةً أَيْضًا صَحَّ , وَلِكُلِّ وَاحِدٍ وَجْهٌ , فَقَالَ: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكِمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} , يَقُولُ: إِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مَعِي فَقُتِلَ لَوْ كَانَ عِنْدَكُمْ مَا قُتِلَ , وَكَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لِقَضَائِي فِيهِمْ فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ مَا قَضَيْتُهُ مِنَ الْمَوْتِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
(2/110)

فَصْلٌ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ لِلْعَجْزِ مِنْ أَقْسَامِ الِانْقِطَاعِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] وَأَقْسَامُ الِانْقِطَاعِ مِنْ وُجُوهٍ: هَذَا أَحَدُهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّلَ وَلَا يُجْدِي، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْقُضَ بِبَعْضِ كَلَامِهِ بَعْضًا، وَالرَّابِعُ: أَنْ يُؤَدِّيَ كَلَامُهُ إِلَى الْمُحَالِ، وَالْخَامِسُ: أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَالسَّادِسُ: أَنْ يُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ عَنْ غَيْرِهِ، وَالسَّابِعُ: أَنْ يَجْحَدَ الضَّرُورَاتِ , وَيَدْفَعَ الْمُشَاهَدَاتِ , وَيَسْتَعْمِلَ الْمُكَابَرَةَ وَالْبُهْتَ فِي الْمُنَاظَرَةِ
(2/111)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ , نا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي صَدَقَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: قَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ , قَالَ الْمَأْمُونُ: «غَلَبَةُ الْحُجَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ غَلَبَةِ الْقُدْرَةِ , لِأَنَّ غَلَبَةَ الْقُدْرَةِ تَزُولُ [ص:112] بِزَوَالِهَا , وَغَلَبَةَ الْحُجَّةِ لَا يُزِيلُهَا شَيْءٌ» قُلْتُ: فَيَنْبَغِي لِمَنْ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ , وَوَضَحَتْ لَهُ الدَّلَالَةُ , أَنْ يَنْقَادَ لَهَا , وَيَصِيرَ إِلَى مُوجِبَاتِهَا , لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ طَلَبُ الْحَقِّ , وَإِتِّبَاعُ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}
(2/111)

أنا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَامِينَ الْإِسْتَرَابَاذِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجُرْجَانِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ , قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ , يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ: قُلْتُ لِزُفَرَ: صِرْتُمْ حَدِيثًا فِي النَّاسِ وَضِحْكَةً، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: تَقُولُونَ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ , ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، فَصِرْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الْحُدُودِ فَقُلْتُمْ: يُقَامُ بِالشُّبُهَاتِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَقُلْتُمْ: يُقْتَلُ بِهِ، قَالَ: إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ السَّاعَةَ [ص:113] قُلْتُ: كَانَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ , فَلَمَّا حَاجَّهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي مُنَاظَرَتِهِ , وَفَتَّ فِي عَضُدِهِ بِحُجَّتِهِ , أَشْهَدَهُ عَلَى رَجْعَتِهِ , خِيفَةً مِنْ مُدَّعٍ يَدَّعِي ثَبَاتَهُ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ , بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ زَلَّةٌ وَخَطَأٌ , وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَنْ يَقْبَلَهُ , وَيُسَلِّمَ لَهُ , وَلَا يَحْمِلُهُ اللِّجَاجُ وَالْجَدَلُ عَلَى التَّقَحُّمِ فِي الْبَاطِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18]
(2/112)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ , نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , نَا عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نَا الْعَبَّاسُ بْنُ رُسْتُمَ , قَالَ: كَانَ الْمَأْمُونُ , يَقُولُ: «إِذَا وَضَحَتِ الْحُجَّةُ ثَقُلَ عَلَى الْأَسْمَاعِ اسْتِمَاعُ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا»
(2/113)

أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْكَازُرُونِيُّ بنَيْسَابُورَ , قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَامِرٍ النَّسَوِيِّ , قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُومَسِيُّ لِأَبِي سَعْدِ بْنِ دَوْسَتَ: «
[البحر الكامل]
وَمُخَالِفٌ لِلْحَقِّ غَيْرُ مُخَالِفٍ ... لِلصِّدْقِ عِنْدَ تَنَاظُرٍ وَحِجَاجٍ
تَرَكَ الْحِجَاجَ إِلَى اللِّجَاجِ فَقُلْتُ يَا ... طَرْدَ الدَّجَاجِ وَمَنْزِلَ الْحِجَاجِ»
(2/113)

بَابُ الْكَلَامِ فِي أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينِ , وَهَلِ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ أَوْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ , فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ , وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَذُكِرَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ , أَحَدُهُمَا: مِثْلُ هَذَا , وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ , وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ , وَقِيلَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ , وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ , وَمَا عَدَاهُ خَطَأٌ , إِلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مَوْضُوعٌ عَنِ الْمُخْطِئِ فِيهِ
(2/114)

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلُ هَذَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَتُوثِيُّ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الْمَرْوَزِيُّ , نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كُلُّهُ صَوَابٌ؟ فَقَالَ: «الصَّوَابُ وَاحِدٌ , وَالْخَطَأُ مَوْضُوعٌ عَنِ الْقَوْمِ , أَرْجُو» قُلْتُ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلٍ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فَهُوَ أَيْضًا مَوْضُوعٌ عَنْهُ , قَالَ [ص:115]: «نَعَمْ , أَرْجُو إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ اخْتَارَ قَوْلًا حَتْمًا , ثُمَّ نَزَلَ بِهِ شَيْءٌ , فَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ , تَرَخُّصًا لِلشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ» وَحَكَى أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
(2/114)

وَتَحْقِيقُ مَا حَكَاهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَنِّي قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي مَكِّيٍّ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَازِجِيِّ بِخَطِّهِ: نَا حَمْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ , نَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , عَنْ مَالِكٍ , أَنَّهُ سُئِلَ , فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى لِمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ ثِقَةٌ , عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَةً؟ قَالَ: «لَا وَاللَّهِ حَتَّى يُصِيبَ الْحَقَّ , وَمَا الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدٌ , لَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي قَوْلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ»
(2/115)

قَالَ: وأنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ اللَّيْثَ , قَالَ: «لَا يَكُونُ الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدًا , وَلَا يَكُونُ فِي أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ» وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ , وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ: بِأَنَّ الصَّحَابَةَ اجْتَهَدُوا وَاخْتَلَفُوا , وَأَقَرَّ بَعْضُهُمُ بَعْضًا عَلَى قَوْلِهِ , وَسَوَّغَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ وَمُؤَدَّى اجْتِهَادِهِ , وَسَوَّغُوا لِلْعَامَّةِ أَنْ يُقَلِّدُوا مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ , حَتَّى قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ , فِيمَا:
(2/116)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنَا، وَقَالُ الْحَسَنُ: نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ , نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , أنا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , قَالَ: «كَانَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ , فَمَا عَمِلْتَ مِنْهُ مِنْ عَمَلٍ لَمْ يَدْخُلْ نَفْسَكَ مِنْهُ شَيْءٌ»
(2/116)

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَا: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا يُوسُفُ الْقَاضِي , نا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ , نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ , عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا»
(2/116)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , كَانَ يَقُولُ: «مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا , لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ»
(2/116)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى , نَا مُسَدَّدٌ , قَالَ: نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ , قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرُ النَّعَمِ , لَأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا , وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا» قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى إِقْرَارِ الْخَاطِئِ عَلَى خَطَئِهِ , وَالرِّضَا بِالْعَمَلِ بِهِ , وَالْإِذْنِ فِي تَقْلِيدِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ حُكْمًا مِنْ بَعْضِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ , وَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا , وَجَعَلَ إِلَيْهِ طَرِيقًا , وَكَلَّفَ أَهْلَ الْعِلْمِ إِصَابَتَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ عَالِمًا بِهِ , قَاطِعًا بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَهُ , وَيَكُونُ الْمُخَالِفُ آثِمًا فَاسِقًا , وَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ إِذَا حَكَمَ بِهِ , وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَالَفَ دَلِيلَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ خَالَفَ النَّصَّ , وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يُقْطَعُ عَلَى خَطَئِهِ , وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا حُكِمَ بِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ , وَلِأَنَّ الْعَامِيَّ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ , كَانَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا مَنْ شَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ , وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنًّ جَمِيعَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ [ص:118] وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ , وَإِلَيْهِ يُذْهَبُ: بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَأَخْبَرَ: أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الْمُصِيبُ وَحَمِدَهُ عَلَى إِصَابَتِهِ , وَأَثْنَى عَلَى دَاوُدَ فِي اجْتِهَادِهِ , وَلَمْ يَذُمَّهُ عَلَى خَطَئِهِ , وَهَذَا نَصٌّ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِذَا أَخْطَأَ الْمُجْتَهِدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْهُورُ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ , وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ , وَقَدْ سُقْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ , وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَيْنَ الْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ
(2/117)

وأنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ , عَنْ عَقِيلٍ الْجَعْدِيِّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَتَدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: «فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ , وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ , وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى إِسْتِهِ»
(2/118)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَرُوذِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا مُوسَى بْنُ عَامِرِ بْنِ خُرَيْمٍ , نا الْوَلِيدُ يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ , نا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ , نا مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفُوا وَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ أَبْصَرَهُمْ بِالْحَقِّ , وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِهِ تَقْصِيرٌ , وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى إِسْتِهِ زَحْفًا» فَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يُصِيبُهُ بِالْعِلْمِ بَعْضُ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ , وَمَنَعَ أَنْ يُصِيبَهُ جَمِيعُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ , مِثْلِ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ , وَتَصْحِيحٍ وَإِفْسَادٍ , وَإِيجَابٍ وَإِسْقَاطٍ , فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ فَاسِدَيْنِ , أَوْ صَحِيحَيْنِ , أَوْ أَحَدُهُمَا فَاسِدًا , وَالْآخَرُ صَحِيحًا , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا فَاسِدَيْنِ , لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ , لِأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ , فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ [ص:120] الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَرَامًا حَلَالًا , وَوَاجِبًا غَيْرَ وَاجِبٍ , وَصَحِيحًا بَاطِلًا , وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ , ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا صَحِيحٌ , وَالْآخَرَ فَاسِدٌ , فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: هُمَا صَحِيحَانِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى التَّضَادِ , وَلَا تَسْتَحِيلُ صِحَّتُهُمَا , إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَسْتَحِيلُ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدِ , وَأَمَّا عَلَى شَخْصَيْنِ أَوْ فَرِيقَيْنٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِيلُ كَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ , بِإِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الطَّاهِرِ وَإِسْقَاطِهَا عَنِ الْحَائِضِ , وَوُجُوبِ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُقِيمِ , وَالرُّخْصَةِ فِي الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِوَعِنْدَنَا أُمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَلْزَمُهُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ , فَيَحْرُمُ النَّبِيذُ عَلَى مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْرِيمِهِ , وَيَحِلُّ لِمَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْلِيلِهِ , وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِلْوضُوءِ عَلَى مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى وجُوبِهَا وَتَسْقُطُ عَمَّنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى صِحَّتِهِ , وَيَفْسُدُ فِي حَقِّ مَنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى فَسَادِهِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضَادٌّ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إِذَا كَانَتْ عَامَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا خَاصًّا , وَالدَّلَالَةُ الدَّالَّةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا خَاصًّا , وَإِذَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ عَامَّةً ثَبَتَ التَّضَادُّ , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ , إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ , وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى ضِدِّ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ , أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا , كَالَّذِي تُلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ , لَمَّا كَانَتِ الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ مُتَسَاوِيَةً فِي كَوْنِهَا مِمَّا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهَا , وَالْكُلُّ صَوَابٌ , كَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا , فَلَمَّا لَزِمَ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يُؤَدِّي [ص:121] اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ مِنَ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ , ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَدَلِيلٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ بِمُصِيبٍ , وَهُوَ أَنَّا وَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَتَنَاظَرُونَ وَيَتَبَاحَثُونَ , وَيَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ , وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُصِيبًا , كَانَتِ الْمُنَاظَرَةُ خَطَأً وَلَغْوًا , لَا فَائِدَةَ فِيهَا فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: إِنَّمَا يُنَاظِرُ أَحَدٍ الْخَصْمَيْنِ الْآخَرَ , حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ مَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ , فَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ حَقٍّ إِلَى حَقٍّ , وَكَوْنُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَانْتِقَالُهُ إِلَى ظَنٍّ آخَرَ سَوَاءٌ , لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا , وَتَحَمُّلُ التَّعَبِ وَالْكُلْفَةِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعُقَلَاءِ , وَقَدْ وَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةً عَلَى حُسْنِ الْمُنَاظَرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ , وَعَقْدِ الْمَجَالِسِ بِسَبِبِهَا , فَسَقَطَ مَا قَالَهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتُجَّ بِهِ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ , فَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَقُلْتَ هَذَا نَصًّا أَوُ اسْتِدْلَالًا؟ فَإِنْ قَالَ: نَصًّا لَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ طَرِيقًا , لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَقْرَرْتُكَ عَلَى خِلَافِكَ , وَأَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ وَسَوُّغْتُ لِلْعَامَّةِ أَنْ يُقَلِّدُوكَ وَإِنْ قَالَ: اسْتِدْلَالًا طُولِبَ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ مُخْطِئًا , لَقَاتَلُوهُ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ , لِأَنَّ الْخَاطِئَ فِيهِ مَعْذُورٌ , وَلَهُ عَلَى قَصْدٍ الصَّوَابِ أَجْرٌ , [ص:122] وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ , بِذَلِكَ كَمَا وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنِ النَّاسِي , فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَا تَأْثِيمُهُ فَإِنْ قَالَ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ بَعْضَهُمَ خَطَّأَ بَعْضًا , وَلَوْ كَانَ أَحَدٍ الْقَوْلَيْنِ خَطَأً وَالْآخَرُ صَوَبًا لَوَجَبَ أَنْ يُخَطِّئَ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ , فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخَطِّئْهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
(2/119)

فَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَاضِي بِدَرْزِيجَانَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ , أنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْإِمَامُ , نَا زُهَيْرٌ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ امْرَأَةً يَتَحَدَّثُ عِنْدَهَا الرِّجَالُ , يَعْنِي: فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا , قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مَهِيبًا , فَلَمَّا جَاءَهَا الرَّسُولُ , قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ , يَا وَيْحَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ , فَخَرَجَتْ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ , فَمَرَّتْ بِنِسْوَةٍ فَعَرَفْنَ الَّذِي بِهَا , فَقَذَفَتْ بِغُلَامٍ , فَصَاحَ صَيْحَةً ثُمَّ طَفَى فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَجَمَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ , فَاسْتَشَارَهُمْ , وَفِي آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلٌ , فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّمَا كُنْتَ مُؤَدِّبًا , وَإِنَّمَا أَنْتَ رَاعٍ , قَالَ: «مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا فُلَانُ؟» قَالَ: أَقُولُ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ تَابَعُوكَ عَلَى هَوَاكَ , فَوَاللَّهِ مَا نَصَحُوا لَكَ , وَإِنْ يَكُونُوا اجْتَهَدُوا آرَاءَهُمْ , فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، غَرِمْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «فَعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا قُمْتَ فَقَسَّمْتَهَا عَلَى قَوْمِكَ» [ص:123] قَالَ: فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: عَلِيٌّ
(2/122)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , نا مَعْمَرٌ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ , سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: «وَدِدْتُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ , يُخَالِفُونِي فِي الْفَرِيضَةِ , نَجْتَمِعُ فَنَضَعُ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكْنِ , ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»
(2/123)

وأنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا يَعْقُوبُ , نا أَبِي , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: إِذَا ذَكَرَ عَوْلَ الْفَرَائِضِ: «أَتَرَوْنَ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا , جَعَلَ فِي مَالٍ قَسَمَهُ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا؟ هَذَا النِّصْفُ وَالنِّصْفُ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟» قَالَ عَطَاءٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا لَا يُغْنِي عَنِّي وَلَا عَنْكَ [ص:124] شَيْئًا , لَوْ مُتُّ أَوْ مُتَّ قَسِّمَ مِيرَاثَنَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنْ خِلَافِ رَأْيِكَ قَالَ: «فَإِنْ شَاءُوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَهُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَهُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ , مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا»
(2/123)

أنا أَبُو عَلِيٍّ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنِ الثَّوْرِيِّ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , فَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ , تَزَوَّجَ امْرَأَةً , فَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى مَاتَ؟ فَرَدَّهُمْ , ثُمَّ قَالَ: " أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي: فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ , وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي "
(2/124)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا الْحَجَّاجُ , وَهُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ , نا حَمَّادٌ , أنا أَيُّوبُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَةَ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: «اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُبَعْنَ» , قَالَ: «ثُمَّ [ص:125] رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ تُبَاعَ فِي دَيْنِ سَيِّدِهَا , وَأَنْ تُعْتَقَ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا» , فَقُلْتُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ فِي الْفُرْقَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ عَلَى عُبَيْدَةَ هَذَا الْقَوْلَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتُجَّ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِإِصَابَتِهِ , وَالْقَطْعِ عَلَى خَطَأِ مُخَالِفِهِ وَتَأْثِيمِهِ , وَمَنْعِهِ مِنَ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ , ونَقْضِ حُكْمِهِ , وَمَنْعِ الْعَامِّي مِنْ تَقْلِيدِهِ فَهُوَ: أَنَّا نَعْلَمُ إِصَابَتَنَا لِلْحَقِّ , وَنَقْطَعُ بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ , وَنَمْنَعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ فَأَمَّا عِلْمُنَا بِإِصَابَتِنَا لِلْحَقِّ فَهُوَ: لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ يَتَمَيَّزُ عَنِ الْآخَرِ بِالتَّأْثِيرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ , أَوْ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلظَّنِ , وَتَمَيُّزِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مَعْلُومٌ لِلْمُجْتَهِدِ , فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَعْلُومَةً , وَإِذَا عُلِمَتِ الْإِصَابَةُ , فَقَدْ عُلِمَ خَطَأُ مَنْ خَالَفَهَا وَأَمَّا التَّأْثِيمُ , فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ , وَإِثَابَتِهِ عَلَى قَصْدِهِ وَنِيَّتِهِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ , وَالْعَفْوِ وَالتَّأْثِيمِ طَرِيقُهُ الشَّرْعُ , وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْعَفْوِ عَنْ خَطَئِهِ كَمَا وَرَدَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْخَاطِئِ وَالنَّاسِي [ص:126] وَالْمُكْرَهِ , يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَأَثْنَى عَلَيْهِمَا جَمِيعًا , وَأَخْبَرَ بِإِصَابَةِ سُلَيْمَانَ , وَلَمْ يُؤَثِّمْ دَاوُدَ , وَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ , فَلَهُ أَجْرٌ فَجَعَلَ لَهُ أَجْرَ اجْتِهَادِهِ , وَلَمْ يُؤَثِّمْهُ مَعَ خَطَئِهِ وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ , فَلَا شَكَّ فِيهِ , لَأَنَّا نَقُولُ: إِذَا عُمِلَ بِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ , وَلِهَذَا نَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ: إِنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ , وَإِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ: إِنَّهُ شَرِبَ حَرَامًا , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ , فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِنَصٍّ , أَوْ إِجْمَاعٍ , أَوْ قِيَاسٍ مَعْلُومٍ , وَالْمَنْعُ مِنْ نَقْضِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ الْحُكْمِ , فَإِذَا حَكَمَ بِهِ وَقَعَ مَوْقِعَ الصَّحِيحِ الْجَائِزِ , كَمَا نَقُولُ فِي الْبَيْعِ فِي حَالِ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ , وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ , وَالطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَإِنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذَا لَا يَمْتَنِعُ لَكِنْ مَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا [ص:127] يَجُوزُ نَقْضُهُ , وَلِأَنَّ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ فَسَادًا لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إِلَى تَسْلِيطِ الْحُكَّامِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ , فَلَا يَشَاءُ حَاكِمٌ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مِنْ حَاكِمٍ شَيْءٌ إِلَّا تَعَقَّبَ حُكْمَهُ بِنَقْضٍ فَلَا يَسْتَقِرُّ حُكْمٌ , وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ مُلْكٌ , وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ , فَهُوَ: أَنَّ فَرْضَهُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ , وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: فَرْضُهُ اتِّبَاعُ عَالِمِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمُهُ مُصِيبًا , كَمَا يَتَّبِعُ عَالِمَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ أَوْثَقَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي نَفْسِهِ , وَلَا يُكَلَّفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ , وَالْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقِهِ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَقِينُهُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ , فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى حِيرَةِ الْعَامِّيِّ , فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ , وَيُخَالِفَ الْمُجْتَهِدَ , لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَمُنَاظَرَتِهِ فِيهِ
(2/124)

بَابُ الْكَلَامِ فِي التَّقْلِيدِ وَمَا يَسُوغُ مِنْهُ وَمَا لَا يَسُوغُ قَدْ ذَكَرْنَا الْأَدِلَّةَ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ , وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْعَامِّيُّ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ التَّقْلِيدَ هُوَ: قَبُولُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَالْأَحْكَامُ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ، فَأَمَّا الْعَقْلِيُّ: فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْلِيدُ , كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِدْقِهِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف
(2/128)

: 24] فَمَنَعَهُمُ الِاقْتِدَاءَ بِآبَائِهِمْ مِنْ قَبُولِ الْأَهْدَى فَقَالُوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 69] فَتَرَكُوا جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ لِانْقِطَاعِهِمْ عَنْهُ , وَكَشَفَتِ الْمَسْأَلَةُ عَنْ عَوَارِ مَذْهَبِهِمْ , فَذَكَرُوا مَا لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْهُ مِنْ فِعْلِ آبَائِهِمْ وَتَقْلِيدِهِمْ إِيَّاهُمْ , وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيَلَا} [الأحزاب: 67] , وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]
(2/129)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاعِظِ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ السَّلَامِ , نا غُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ الْمُحَارِبِيُّ , عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ , قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ , قَالَ: فَقَالَ لِي: «يَا ابْنَ حَاتِمٍ أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» قَالَ: فَأَلْقَيْتُهُ , قَالَ: ثُمَّ افْتَتَحَ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ , فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا كُنَّا نعَبْدُهُمْ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرَامَ فَتَسْتَحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» , قَالَ: قُلْتُ: بَلَى , قَالَ [ص:130]: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»
(2/129)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ , قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: «كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ , فَيُحِلُّونَهُ , وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ»
(2/130)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيُّ , أنا جَدِّي: أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْوَلِيدِ السُّلَمِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ [ص:131] بِشْرٍ الْهَرَوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطِّهْرَانِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا الثَّوْرِيُّ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ , قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ , قَالَ: «لَا , وَلَكِنَّهُمُ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ , وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»
(2/130)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ عُثْمَانَ الْأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ بِصُورَ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ , أنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو زُبَيْرٍ , نا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ , نا ابْنُ فُضَيْلٍ , نا عَطَاءٌ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] وَقَالَ: «أَطَاعُوهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْلِيلِ حَرَامٍ وَتَحْرِيمِ حَلَالٍ , عَبَدُوهُمْ بِذَلِكَ»
(2/131)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُعَدِّلُ , نا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي , نا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ , حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: ذَكَرَ الْأَعْمَشُ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ [ص:132]: «لَا يُقَلِّدَنَّ رَجُلٌ دِينَهُ رَجُلًا , إِنْ آمَنَ آمَنَ , وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ» قُلْتُ: وَلِأَنَّ طَرِيقَ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا الْعَقْلُ , وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْعَقْلِ , فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْلِيدِ فِيهِ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ , فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْلَمُ ضَرُورَةً مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ , وَالزَّكَوَاتِ , وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ , وَالْحَجِّ , وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ , لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي إِدْرَاكِهِ , وَالْعِلْمِ بِهِ , فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْلِيدِ فِيهِ وَضَرْبٌ آخَرُ: لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ: كَفُرُوعِ الْعِبَادَاتِ , وَالْمُعَامَلَاتِ , وَالْفُرُوجِ , وَالْمُنَاكَحَاتِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ , فَهَذَا يُسَوَّغُ فِيهِ التَّقْلِيدُ , بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَلِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ لَاحْتَاجَ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ , وَفِي إِيجَابِ ذَلِكَ قَطْعٌ عَنِ الْمَعَايِشِ , وَهَلَاكُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ , فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ
(2/131)

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَنْ يَسُوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَمَنْ لَا يَسُوغُ أَمَا مَنْ يَسُوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ فَهُوَ الْعَامِّيُّ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا , وَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]
(2/133)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مُكْرَمٍ إِمْلَاءً , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ , نا أَبُو بَدْرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] , قَالَ: «أَهْلُ الْعِلْمِ»
(2/133)

أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا , أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي: فَاحْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ , فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ , إِنَّ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ» قَالَ عَطَاءٌ: فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ , فَقَالَ [ص:134]: " لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ , وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ يَعْنِي: الْجُرْحَ " وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ فَرْضُهُ التَّقْلِيدَ , كَتَقْلِيدِ الْأَعْمَى فِي الْقِبْلَةِ , فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ , كَانَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْبَصِيرِ فِيهَا وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ , أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْعَالِمِ حَتَّى يَعْرِفَ عِلَّةَ الْحُكْمِ , وَإِذَا سَأَلَ الْعَالِمَ فَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الْحُكْمِ , فَإِذَا عَرَّفَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَمِلَ بِهِ وَهَذَا غَلَطٌ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْعَامِّيِّ إِلَى الْوقُوفِ عَلَى ذَلِكَ , إِلَّا بَعْدَ [ص:135] أَنْ يَتَفَقَّهَ سِنِينَ كَثِيرَةً , وَيُخَالِطَ الْفُقَهَاءَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ , وَيَتَحَقَّقَ طُرُقَ الْقِيَاسِ , وَيَعْلَمَ مَا يُصَحِّحُهُ وَيُفْسِدُهُ وَمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ , وَفِي تَكْلِيفِ الْعَامَّةِ بِذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ , وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ وَأَمَّا الْعَالِمُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ؟ ؟ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا عَلَيْهِ , يُمْكِنُهُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ , لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّقْلِيدُ , وَلَزِمَهُ طَلَبُ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ
(2/133)

وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو بَكْرٍ يَزِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلَّالُ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرَقُّفِيُّ , نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ , قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ: «مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ , فَلَا أَنْهَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ»
(2/135)

وأنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا أَبُو هِشَامٍ , قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ
(2/135)

: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الَّذِي قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَنْتَ تَرَى غَيْرَهُ فَلَا تَنْهَهُ» وَرُوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ أَصْلًا مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ: أَنَّ مَعَهَ آلَةً يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ , فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ , كَمَا قُلْنَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ , وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَدْ ضَاقَ , وَخُشِيَ فَوَاتُ الْعِبَادَةِ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ , فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ , لِأَنَّ مَعَهُ آلَةَ الِاجْتِهَادِ , فَأَشْبَهَ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا , وَقِيلَ , هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(2/136)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ , قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " وَيُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَكَ فِيمَا حَكَمْتَ مِنْ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ , أَبْطَلَ التَّقْلِيدَ , لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ , لَا
(2/136)

التَّقْلِيدُ , فَإِنْ قَالَ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ فَأَبَحْتَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ , وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ الْحُجَّةَ , لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ , وَرَأَيْتُهُ فِي الْعِلْمِ مُقَدِّمًا فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنِّي , قِيلَ: فَتَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِكَ , كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ , تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَى , حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ: نَقَضَ قَوْلَهُ , وَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا , وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ عِلْمًا , وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ مُعَلِّمِي , وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ , فَهُوَ أَبْصَرُ بِمَا أَخَذَ , وَأَعْلَمُ بِمَا تَرَكَ , قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَلِّمِكَ , فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مُعَلِّمِكَ , وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ , فَلِزَمَكَ تَقْلِيدُهُ , وَتَرْكُ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ , وَكَذَلِكَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُقَلِّدَ نَفْسَكَ مِنْ مُعَلِّمِكَ , لِأَنَّكَ جَمَعْتَ عِلْمَهُ , وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِكَ , فَإِنْ قَادَ قَوْلَهُ: جَعَلَ الْأَصْغَرَ وَمَنْ يُحَدِّثُ مِنْ صِغَارِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ مَنْ دُونَهُ , وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ الْأَعْلَى الْأَدْنَى أَبَدًا , فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ , مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَصْوِيبِ مَنْ قَلَّدَ غَيْرَ مُعَلِّمِهِ فِي تَخْطِئَةِ مُعَلِّمِهِ , فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُخَطِّئًا لِمُعَلِّمِهِ , وَلِتَقْلِيدِهِ إِيَّاهُ "
(2/137)

بَابٌ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ
(2/138)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ: أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ , نا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ , نا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ التُّجِيبِيِّ , عَنْ أَبِي حَفْصٍ , حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ , كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ , فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ , يُوشِكُ أَنْ يَضِلَّ الْهُدَاةُ»
(2/138)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: يُقَالُ: «الْعَقْلُ دَلِيلُ الْخَيْرِ , وَالْعِلْمُ مِصْبَاحُ الْعَقْلِ , وَهُوَ جِلَاءُ الْقَلْبِ مِنْ
(2/138)

صَدَى الْجَهْلِ , وَهُوَ أَقْنَعُ جَلِيسٍ , وَأَسَرُّ عَشِيرٍ , وَأَفْضَلُ صَاحِبٍ وَقَرِينٍ , وَأَزْكَى عُقْدَةٍ , وَأَرْبَحُ تِجَارَةٍ , وَأَنْفَعُ مَكْسَبٍ , وَأَحْصَنُ كَهْفٍ , وَأَفْضَلُ مَا اقْتُنِيَ لِلدُّنْيَا , وَاسْتُطْهِرَ بِهِ لِلْآخِرَةِ , وَاعْتُصِمَ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ , وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ , يَزِيدُ فِي شَرَفِ الشَّرِيفِ , وَرِفْعَةِ الرَّفِيعِ , وَقَدْرِ الْوَضِيعِ , أُنْسٌ فِي الْوَحْشَةِ , وَأَمْنٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ , وَدَالٌّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَحَدَّثَنَاهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ , وَقَائِدٌ إِلَى رِضْوَانِهِ , وَوَسِيلَةٌ إِلَى رَحْمَتِهِ» قُلْتُ: وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْعِلْمَ وَسَائِلَ أَوْلِيَائِهِ , وَعَصَمَ بِهِ مَنَ اخْتَارَهُ مِنْ أَصْفِيَائِهِ , فَحَقِيقٌ عَلَى الْمُتَوَسِّمِ بِهِ اسْتِفْرَاغُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِهِ , وَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي حِفْظِهِ مُتَقَارِبُونَ , وَفِي اسْتِنْبَاطِ فِقْهِهِ مُتَبَايِنُونَ , وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا:
(2/139)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , نا شُعْبَةُ , قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَرِيبًا , أَوْ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ , قَالَ: فَقُلْتُ مَا يَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا قَدْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ , قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ , فَقَالَ: سَأَلْنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ , فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ , وَرُبَّ حَامِلٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» فَأَخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ مَنْ يَكُونُ لَهُ حَافِظًا , وَلَا يَكُونُ فِيهِ فَقِيهًا , وَأَكْثَرُ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَعِيدٌ مِنْ حِفْظِهِ , خَالٍ مِنْ مَعْرِفَةِ فِقْهِهِ , لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُعَلِّلٍ وَصَحِيحٍ , وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مُعَدَّلٍ مِنَ الرُّوَاةِ وَمَجْرُوحٍ , وَلَا يَسْأَلُونَ عَنْ لَفْظٍ أَشْكَلً عَلَيْهِمْ رَسْمُهُ , وَلَا يَبْحَثُونَ عَنْ مَعْنًى خَفِيٍّ عَنْهُمْ عِلْمُهُ , مَعَ أَنَّهُمْ قَدِ أَذْهَبُوا فِي كُتُبِهِ أَعْمَارَهُمْ , وَبَعُدَتْ فِي الرِّحْلَةِ لِسَمَاعِهِ أَسْفَارُهُمْ , فَجَعَلُوا لِأَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَلِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّأْيُ مِنَ الْمُتَفَقِّهِينَ طَرِيقًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَى أَهْلِ الْآثَارِ , وَمَنْ شَغَلَ وَقْتَهُ بِسَمَاعِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ , حَتَّى وَصَفُوهُمْ بِضُرُوبٍ الْجَهَالَاتِ , وَنَبَرُوهُمْ بِأَسْوَإِ الْمَقَالَاتِ , وَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِسَبِّهِمْ , وَتَظَاهَرُوا بِعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَثَلْبِهِمْ , وَضَرَبُوا لَهُمُ الْمَثَلَ , بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
زَوَامِلُ لِلْأَسْفَارِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الْأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الْمَطِيُّ إِذَا غَدَا ... بِأَحْمَالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ
[ص:141]
كُلُّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ بَصِيرَةِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِمَا جَمَعُوهُ , وَعَدَمِ فِقْهِهِمْ بِمَا كَتَبُوهُ وَسَمَعُوهُ , وَمَنْعِهِمْ نُفُوسَهُمْ عَنْ مُحَاضَرَةِ الْفُقَهَاءِ , وَذَمِّهِمْ مُسْتَعْمِلِي الْقِيَاسِ مِنَ الْعُلَمَاءِ , لِسَمَاعِهِمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ , وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَحْمُودِ الرَّأْيِ وَمَذْمُومِهِ , بَلْ سَبَقَ إِلَى نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَى عُمُومِهِ , ثُمَّ قَلَّدُوا مُسْتَعْمِلِي الرَّأْيِ فِي نَوَازِلِهِمْ , وَعَوَّلُوا فِيهَا عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ , فَنَقَضُوا بِذَلِكَ مَا أَصَّلُوهُ وَاسْتَحَلُّوا مَا كَانُوا حَرَّمُوهُ , وَحَقَّ لِمَنْ كَانَتْ حَالُهُ هَذِهِ أَنْ يُطْلَقَ فِيهِ الْقَوْلُ الْفَظِيعُ , وَيُشَنَّعُ عَلَيْهِ بِضُرُوبِ التَّشْنِيعِ , فَأَبْلَغَ مِنِّي مَا ذَكَرْتُهُ اغْتِمَامًا , وَأَثَّرَ فِي مَعْرِفَتِي بِهِ اهْتِمَامَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَصْدُ مَنْ ذَكَرْتُ بِكِبَرِ الْوَقِيعَةِ , مُتَقَدِّمِي أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ , الْقَائِمِينَ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ , لِأَنَّهُمْ رَأْسُ مَالِي , وَإِلَى عِلْمِهِمْ مَآلِي , وَبِهِمْ فَخْرِي وَجَمَالِي , نَحْوَ: مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيٌّ , وشُعْبَةُ , وَالثَّوْرِيُّ , وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ , وَابْنُ مَهْدِيٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ الْأَمِينُ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَابْنُ مَعِينٍ , وَمَنْ خَلَفَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ , عَلَى مُضِيِّ الْأَوْقَاتِ وَكُرُورِ الْأَيَّامِ , فَبِهِمْ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ أَكْبَرُ الْفَخْرِ , لَا بِنَاقِلِيهِ وَحَامِلِيهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ كَمَا أَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدُ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ , قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو يَعْلَى: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ لِنَفْسِهِ:
[البحر الكامل]
أَهْلُ التَّصَوُّفِ أَهْلِي وَهُمْ جَمَالِي وَنُبْلِي ... وَلَسْتُ أَعْنِي بِهَذَا إِلَّا لِمَنْ كَانَ قَبْلِي
[ص:142]
وَالْأَمْرُ الْآخَرُ: ازْدِرَاؤُهُمْ بِمَنْ فِي وَقْتِنَا , وَالْمُتَوَسِّمِينَ بِالْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا , فَإِنَّ لَهُمْ حُرْمَةً تُرْعَى , وَحَقًّا يَجِبُ أَنْ يُؤَدَّى لِتَحَرُّمِهِمْ بِسَمَاعِهِ وَاكْتِتَابِهِ , وَتَشَبُّهِهِمْ بِأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ , وَقَدْ دَلَّتْنَا الشَّرِيعَةُ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُمْ , وَأَذِنَتْ لَنَا فِي الْأَخْذِ عَنْهُمْ , وَوَرَدَ بِذَلِكَ مَأْثُورُ الْأَثَرِ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَقَرَّ بِالزُّلْفَةِ عَيْنَيْهِ فِي قَوْلِهِ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ
(2/140)

ونا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ إِمْلَاءً , وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قِرَاءَةً عَلَيْهِ , قَالَا: أنا أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْوَشَّاءُ , نا أَبُو النَّضْرِ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ , نا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ , حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَجَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي , وَجَعَلَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي , وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ [ص:144] فَهُوَ مِنْهُمْ» قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنَّا: ثُمَّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي حَالِ مَنْ طَعَنَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ , فَوَجَدْتُهُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا عَامِّيٌّ جَاهِلٌ , أَوْ خَاصِّيٌّ مُتَحَامِلٌ فَأَمَّا الْجَاهِلُ , فَمَعْذُورٌ فِي اغْتِيَابِهِ وَطَعْنِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَرْبَابِهِ
(2/142)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَيَّاطُ , نا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ , نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّبْعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفِهْرِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: «الْعِلْمُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ قَبِيحٌ , كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبِيحٌ»
(2/149)

قَالَ: وقَالَ الزُّهْرِيُّ: «الْعِلْمُ ذِكْرٌ لَا يُحِبُّهُ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا مَذْكُرُوهُمْ , وَلَا يَبْغَضُهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مُؤْنِثُوهُمْ»
(2/149)

وأنا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَامِينَ الْإِسْتَرَا بَاذِيُّ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجُرْجَانِيُّ , أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو الْعَاصِمِيُّ , قَالَ: حَكَى الْمُزَنِيُّ , عَنِ الشَّافِعِيِّ , قَالَ [ص:150]: «الْعِلْمُ جَهْلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْجَهْلِ , كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ جَهْلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ» , وَأَنْشَدَ فِيهِ: «
[البحر الوافر]
وَمَنْزِلَةُ السَّفِيهِ مِنَ الْفَقِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ الْفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ
فَهَذَا زَاهِدٌ فِي قُرْبِ هَذَا ... وَهَذَا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ»
(2/149)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسٍ الْحَافِظُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «الْعَالِمُ يَعْرِفُ الْجَاهِلُ , لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ جَاهِلًا , وَالْجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ الْعَالِمَ , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا» وَقَدْ قِيلَ: الْمَرْءُ عَدُوُّ مَا جَهِلَ وَجَاءَ هَذَا الْكَلَامُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ وَنَظَمَ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَبْيَاتٍ تُعْزَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ , وَهِيَ:
[البحر البسيط]
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ ... أَبُوهُمْ آدَمٌ , وَالْأُمُّ حَوَّاءُ
فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا نَسَبٌ ... يُفَاخِرُونَ بِهِ , فَالطِّينُ وَالْمَاءُ
مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ , إِنَّهُمْ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ ... وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
(2/150)

فَعِشْ بِعِلْمٍ , وَلَا تَبْغِي بِهِ بَدَلًا ... فَالنَّاسُ مَوْتَى , وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ
وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] وَأَمَّا طَعْنُ الْمُتَخَصِّصِينَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ , فَأَنَا أُبَيِّنُ السَّبَبَ فِيهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهِ أَمَّا أَهْلُ الرَّأْيِ فَجُلُّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَاهِيَةُ الْأَصْلِ , ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّقْلِ , فَإِذَا سُئِلُوا عَنْهَا بَيَّنُوا حَالَهَا , وَأَظْهَرُوا فَسَادَهَا , فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُهُمْ إِيَّاهُمْ , وَمَا قَالُوهُ فِي مَعْنَاهَا , وَهُمْ قَدْ جَعَلُوهَا عُمْدَتَهُمْ , وَاتَّخَذُوهَا عِدَّتَهُمْ , وَكَانَ فِيهَا أَكْثَرُ النُّصْرَةِ لِمَذَاهِبِهِمْ , وَأَعْظَمُ الْعَوْنِ عَلَى مَقَاصِدِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ , فَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٌ طَعْنُهُمْ عَلَيْهِمْ , وَإِضَافَتُهُمْ أَسْبَابَ النَّقْصِ إِلَيْهِمْ , وَتَرْكُ قَبُولِ نَصِيحَتِهِمْ فِي تَعْلِيلِهِمْ , وَرَفْضِ مَا بَيَّنُوهُ مِنْ جَرْحِهِمْ , وَتَعْدِيلِهِمْ , لِأَنَّهُمْ قَدْ هَدَمُوا مَا شَيَّدُوهُ وَأَبْطَلُوا مَا أَمُّوهُ مِنْهُ وَقَصَدُوهُ , وَعَلَّلُوا مَا ظَنُّوا صِحَّتَهُ وَاعْتَقَدُوهُ وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ: فَهُمْ مَعْذُورُونَ فِيمَا يُظْهِرُونَهْ مِنَ الْإِزْدِرَاءِ بِهِمْ , وَالْعَيْبِ لَهُمْ , لِمَا بَيَّنَهُمْ مِنَ التَّبَايُنِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَغْضَاءِ وَالتَّشَاحُنِ , وَاعِتَقَادِهِمْ فِي جُلِّ مَا يَنْقُلُونَهُ , وَعِظَمِ مَا يَرْوُونَهُ وَيَتَدَاوَلُونَهُ , إِبْطَالَهُ , وَإِكْفَارَ الَّذِينَ يُصَحِّحُونَهُ وَإِعْظَامِهِمْ عَلَيْهِمُ الْفِرْيَةَ
(2/151)

وَتَسْمِيَتِهِمْ لَهُمُ الْحَشْوِيَّةَ , وَاعْتِقَادُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ , فَهُمَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:
اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّا لَا نُحِبُّكُمُ ... وَلَا نَلُومُكُمْ إِذْ لَا تُحِبُّونَا
فَقَدْ ذَكَرْتُ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَنَافِي هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ , وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ وَرَسَمْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً , وَلِغَيْرِهِ عَامَّةً مَا أَقُولُهُ نَصِيحَةً مِنِّي لَهُ , وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ , وَهُوَ أَنَّ يَتَمَيَّزَ عَمَّنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْجَهْلِ , وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنًى يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ الْفَضْلِ , وَيَنْظُرَ فِيمَا أَذْهَبَ فِيهِ مُعْظَمَ وَقْتِهِ , وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرَ عُمُرِهِ مِنْ كُتُبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمْعِهِ , وَيَبْحَثُ عَنْ عِلْمِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ , وَخَاصِّهِ وَعَامِّهِ , وَفَرْضِهِ وَنَدْبِهِ , وَإِبَاحَتِهِ وَحَظْرِهِ , وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِهِ قَبْلَ فَوَاتِ إِدْرَاكِ ذَلِكَ فِيهِ
(2/152)

وَقَدْ أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّرَخْسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْهَرَوِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَامِرٍ النَّصِيبِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ , يَقُولُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ , فَإِذَا تَرَأَّسْتَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّفَقُّهِ»
(2/152)

وأنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الْفَارِسِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى , قَالَ [ص:153]: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ , حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «إِنَّمَا تُقْبَلُ الطِّينَةُ الْخَاتَمَ مَا دَامَتْ رَطْبَةً» أَيْ: إِنَّ الْعِلْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ فِي طَرَاةِ السِّنِّ وَجَاءَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنَينَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا
(2/152)

أَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , ثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ , ثَنَا وَكِيعٌ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , وأنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , ثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , ثَنَا بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ , ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , وأنا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الجَصَّاصُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنُ خَلَّادٍ الْعَطَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْخَزَّازُ , قَالَا: ثَنَا هَوْذَةُ , نا ابْنُ عَوْنٍ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْآدَمَيُّ الْقَارِئُ , ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ , مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ , ثَنَا أَزْهَرُ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , عَنْ مُحَمَّدٍ , عَنِ الْأَحْنَفِ , وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ [ص:154] وَبَكَّارٍ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا ,»
(2/153)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ , ثَنَا أَزْهَرُ , حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» كَذَا قَالَ: عَنِ الْحَسَنِ وَالصَّوَابُ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(2/154)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَادَا , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ مَا دُمْتُمْ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً رُؤَسَاءَ مَنْظُورًا إِلَيْكُمْ , فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَحْيَيْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا بَعْدَ الْكِبَرِ فَبَقِيتُمْ جُهَّالًا لَا تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْأَصَاغِرِ فَيَزْرِي ذَلِكَ بِكُمْ» [ص:155] وَهَذَا شَبِيهٌ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: لَنْ يَزَالَ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ , فَإِذَا أَتَاهُمْ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ فَقَدْ هَلَكُوا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَفِي الْأَصَاغِرِ تَفْسِيرٌ آخَرُ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ بِالْأَصَاغِرِ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ , وَلَا يَذْهَبُ إِلَى السِّنِّ
(2/154)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْجُمَحِيُّ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ , حَدَّثَنَا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ , عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ , عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ , قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ , قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِهَا أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ»
(2/155)

وقَالَ عَلِيٌّ: نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ أُمَنَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ , فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ صِغَارِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا»
(2/155)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , نا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّكَّرِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ قَوْلِهِ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ يُرِيدُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ عُلَمَاؤُهُمُ الْمَشَايِخَ , وَلَمْ يَكُنْ عُلَمَاؤُهُمُ الْأَحْدَاثَ , لِأَنَّ الشَّيْخَ قَدْ زَالَتْ عَنْهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ وَحِدَّتُهُ وَعَجَلَتُهُ وَسَفَهُهُ وَاسْتَصْحَبَ التَّجْرِبَةَ وَالْخِبْرَةَ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي عِلْمِهِ الشُّبْهَةُ , وَلَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْهَوَى , وَلَا يَمِيلُ بِهِ الطَّمَعُ , وَلَا يَسْتَزِلَّهُ الشَّيْطَانُ اسْتِزْلَالَ الْحَدَثِ وَمَعَ السِّنِّ الْوَقَارُ , وَالْجَلَّالَةُ وَالْهَيْبَةُ , وَالْحَدَثُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُمُورُ , الَّتِي أُمِنَتْ عَلَى الشَّيْخِ , فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ , وَأَفْتَى , هَلَكَ وَأَهْلَكَ» وَلَا يَقْتَنِعُ بِأَنْ يَكُونَ رَاوِيًا حَسْبَ , وَمُحَدِّثًا قَطُّ , فَقَدْ:
(2/156)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ ومَوْلِدُهُ , بِأَصْبَهَانَ , نا أَبُو الصَّلْتٍ الْهَرَوِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ آبَائِهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُونُوا دُرَاةً , وَلَا تَكُونُوا رُوَاةً، حَدِيثٌ تَعْرِفُونَ فِقْهَهُ خَيْرٌ [ص:157] مِنْ أَلْفٍ تَرْوُونَهُ»
(2/156)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , قَالَ: فِي كِتَابِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ , قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , وَذَكَرَ , مَنْ يَحْمِلُ الْعِلْمَ جِزَافًا فَقَالَ: «هَذَا مِثْلُ حَاطِبِ لَيْلٍ يَقْطَعُ حُزْمَةَ حَطَبٍ فَيَحْمِلُهَا , وَلَعَلَّ فِيهَا أَفْعَى تَلْدَغُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي» قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي: الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ الْحُجَّةِ مِنْ أَيْنَ
(2/157)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُتَيْقِيُّ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ بِمِصْرَ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ , قَالَ: سُئِلَ بَعْضُهُمْ مَتَى يَكُونُ الْأَدَبُ ضَارًّا؟ قَالَ: «إِذَا نَقَصَتِ الْقَرِيحَةُ , وَكَثُرَتِ الرِّوَايَةُ»
(2/157)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ , قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ يَوْمًا , وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ حَدِيثٍ , فَقَالَ: «أَقِلُّوا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ , فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِمَنْ عَلِمَ تَأْوِيلَهَا»
(2/158)

فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنِ ابْنِ وَهْبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا , يَقُولُ: «كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَلَالَةٌ , لَقَدْ خَرَجَتْ مِنِّي أَحَادِيثُ لَوَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا سَوْطَيْنِ , وَإِنِّي لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ» وَلَعَلَّهُ يَطُولُ عُمُرُهُ: فَتَنْزِلُ بِهِ نَازِلَةٌ فِي دِينِهِ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا فَقِيهَ وَقْتِهِ , وَعَسَى أَنْ يَكُونَ الْفَقِيهُ حَدِيثَ السِّنِّ فَيَسْتَحِي , أَوْ يَأْنَفُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ , وَيَضِيعُ أَمْرُ اللَّهِ فِي تَرْكِهِ تَعَرُّفَ حُكْمِ نَازِلَتِهِ
(2/158)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُمَحِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ الْعَبْسِيِّ الْكَاتِبِ , عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى: أَنَّ عُمَرَ , قَالَ: " قَدْ عَلِمْتُ مَتَى صَلَاحُ النَّاسِ , وَمَتَى فَسَادُهُمْ: إِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ اسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ , وَإِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ تَابَعَهُ الصَّغِيرُ فَاهْتَدَيَا " وَإِنْ أَدْرَكَهُ التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ وَسَأَلَ الْفَقِيهَ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَزْرِي بِهِ وَيَلُومُهُ عَلَى عَجْزِهِ فِي مُقْتَبَلِ عُمُرِهِ , إِذْ فَرَّطَ فِي التَّعْلِيمِ , [ص:159] فَيَنْقَلِبُ حِينَئِذٍ وَاجِمًا , وَعَلَى مَا أَسْلَفَ مِنْ تَفْرِيطِهِ نَادِمًا
(2/158)

حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأُشْنَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْدَانَ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدٍ , يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ وَافِرُ اللِّحْيَةِ إِلَى الْأَعْمَشِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الصِّبْيَانِ , يَحْفَظُهَا الصِّبْيَانُ , فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا الْأَعْمَشُ , فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى لِحْيَةٍ تَحْتَمِلُ حِفْظَ أَرْبَعَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ , وَمَسْأَلَتُهُ مَسْأَلَةُ الصِّبْيَانِ» وَلْيَعْلَمَ أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ لَا يَصِيرُ بِهِ الرَّجُلُ فَقِيهًا , وَإِنَّمَا يَتَفَقَّهُ بِاسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ , وَإِنْعَامِ التَّفْكِيرِ فِيهِ
(2/159)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأُشْنَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ الْفَقِيهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ , بِمَكَّةَ , نا مُعْصَبُ الزُّبَيْرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , قَالَ لِابْنَيْ أُخْتِهِ: أَبِي بَكْرٍ وَإِسْمَاعِيلَ ابْنَيْ أَبِي أُوَيْسٍ: «أُرَاكُمَا تُحِبَّانِ هَذَا الشَّأْنَ وَتَطْلُبَانِهِ؟» قَالَا: نَعَمْ , قَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ تَنْتَفِعَا بِهِ , وَيَنْفَعَ اللَّهُ بِكُمَا , فَأَقِلَّا مِنْهُ , وَتَفَقَّهَا»
(2/159)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ السَّرِيِّ , نا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: لَمَّا سَمِعْتُ الْحَدِيثَ , قُلْتُ: «لَوْ جَلَسْتُ إِلَى سَارِيَةٍ أُفْتِي النَّاسَ» , قَالَ: «فَجَلَسْتُ إِلَى سَارِيَةٍ فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَأَلُونِي عَنْهُ , لَمْ أَدْرِ مَا هُوَ»
(2/160)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , نا ابْنُ خَلَّادٍ , نا أَبُو عُمَرَ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ , ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , قَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: وَأُنْسِيتُ أَنَا اسْمُهُ , قَالَ: وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , وأَبُوخَيْثَمَةَ , وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ , فِي جَمَاعَةٍ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ , فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَوَاهُ فُلَانٌ , وَمَا حَدَّثَ بِهِ غَيْرُ فُلَانٍ , فَسَأَلْتُهُمْ عَنِ الْحَائِضِ تُغَسِّلُ الْمَوْتَى وَكَانَتْ غَاسِلَةً؟ فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ , فَأَقْبَلَ أَبُو ثَوْرٍ , فَقَالُوا لَهَا: عَلَيْكَ بِالْمُقْبِلِ , فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ وَقَدْ دَنَا مِنْهَا , فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ , تُغَسِّلُ الْمَيِّتَ , لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ , عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَمَا إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ وَلِقَوْلِهَا: كُنْتُ أَفْرُقُ رَأْسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَاءِ , وَأَنَا حَائِضٌ " قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: «فَإِذَا فَرَقَتْ رَأْسَ الْحَيِّ فَالْمَيِّتِ أَوْلَى بِهِ» [ص:161] فَقَالُوا: نَعَمْ , رَوَاهُ فُلَانُ , وَحَدَّثَنَاهُ فُلَانٌ , وَيَعْرِفُونَهُ مِنْ طَرِيقِ كَذَا وَخَاضُوا فِي الطُّرُقِ , فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَأَيْنَ كُنْتُمْ إِلَى الْآنَ وَإِنَّمَا أَسْرَعَتْ أَلْسِنَةُ الْمُخَالِفِينَ إِلَى الطَّعْنِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ لِحَمْلِهِمْ أُصُولَ الْفِقْهِ , وَأَدِلَّتِهِ فِي ضِمْنِ السُّنَنِ , مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَوَاضِعِهَا , فَإِذَا عُرِفَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِالتَّفَقُّهِ خَرِسَتْ عَنْهُ الْأَلْسُنُ , وَعَظُمَ مَحِلُّهُ فِي الصُّدُورِ وَالْأَعْيُنِ , وَخَسِئَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ يَطْعُنُ
(2/160)

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الطُّرَسُوسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِيِّ الْعَسْكَرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْجَرْمِيَّ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ: لَقِيَنِي أَبُو حَنِيفَةَ , فَقَالَ لِي: لَوْ تَرَكْتَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ وَتَفَقَّهْتَ , أَلَيْسَ كَانَ خَيْرًا؟ قُلْتُ: أَفَلَيْسَ الْحَدِيثُ يَجْمَعُ الْفِقْهَ كُلَّهُ؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتِ الْحَمْلَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَاعَنَ بِالْحَمْلِ , فَتَرَكَنِي , فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَآنِي فِي طَرِيقٍ يَأْخُذُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ»
(2/161)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ , [ص:162] قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ: «يَا فَتَيَانُ تَفَهَّمُوا فِقْهَ الْحَدِيثِ , فَإِنَّكُمْ إِنْ تَفَهَّمْتُمْ فِقْهَ الْحَدِيثِ لَمْ يَقْهَرْكُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ»
(2/161)

أنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَبَّاسِ النِّعَالِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَفَقَّهْتُمُ الْحَدِيثَ وَتَعَلَّمْتُمُوهُ مَا غَلَبَكُمْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ , مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي» شَيْءٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا وَنَحْنُ نَرْوِي فِيهِ بَابًا وَلَا بُدَّ لِلْمُتَفَقِّهِ مِنْ أُسْتَاذٍ يَدْرُسُ عَلَيْهِ , وَيَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ مَا أَشْكَلَ إِلَيْهِ , وَيَتَعَرَّفُ مِنْهُ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ , وَمَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ
(2/162)

وَقَدْ أنا أَبُو الْفَتْحِ: عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَحَامِلِيُّ , قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَرُذِيُّ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَدَقَةَ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ , أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ [ص:163] بْنُ أَبِي شَيْخٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ , قَالَ: قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: فِي الْمَسْجِدِ حَلَقَةٌ يَنْظُرُونَ فِي الْفِقْهِ فَقَالَ: «لَهُمْ رَأْسٌ؟» قَالُوا: لَا , قَالَ: «لَا يَفْقُهُ هَؤُلَاءِ أَبَدًا»
(2/162)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْحَرِيرِيُّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَاسٍ النَّخَعِيَّ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى زُفَرٍ , وَهُوَ مُحْتَبٍ بِثَوْبِهِ فِي كِنْدَةَ , فَيَقُولُ: «يَا أَحْوَلَ تَعَالَ حَتَّى أُغَرْبِلَ لَكَ أَحَادِيثَكَ» فَأُرِيهِ مَا قَدْ سَمِعْتُ فَيَقُولَ: «هَذَا يُؤْخَذُ بِهِ وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ بِهِ , وَهَذَا نَاسِخٌ وَهَذَا مَنْسُوخٌ»
(2/163)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ , إِمْلَاءً , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْمِصْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَرْدَانَ الْعَامِرِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْأَعْمَشِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , وأَبُو حَنِيفَةَ جَالِسٌ , فَقَالَ الْأَعْمَشٌ: يَا نُعْمَانُ قُلْ فِيهَا فَأَجَابَهُ , فَقَالَ الْأَعْمَشُ: «مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟» فَقَالَ: مِنْ حَدِيثِكَ الَّذِي حَدَّثْتَنَاهُ , قَالَ: «نَحْنُ صَيَادِلَةٌ وَأَنْتُمْ أَطِبَّاءُ»
(2/163)

أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْمَرِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاهِدُ , نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيَّ , قَالَا: نا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ [ص:164]: كُنَّا عِنْدَ الْأَعْمَشِ وَهُوَ يَسْأَلُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ مَسَائِلَ , وَيُجِيبُهُ أَبُو حَنِيفَةَ , فَيَقُولُ لَهُ الْأَعْمَشُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ حَدَّثْتَنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِكَذَا , وَحَدَّثْتَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ بِكَذَا , قَالَ: فَكَانَ الْأَعْمَشُ عِنْدَ ذَلِكَ , يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ أَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ الصَّيْمَرِيِّ
(2/163)

أنا أَبُو مُسْلِمٍ جَعْفَرُ بْنُ بَايَ الْفَقِيهُ الْجِيلِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُقْرِئِ بِأَصْبَهَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْبَرْذَعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ بْنَ بَقِيَّةَ , يَقُولُ: قَالَ لِي أَبِي: كُنْتُ عِنْدَ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ , إِذْ قَالَ لِي «يَا أَبَا يَحْمَدُ، إِذَا جَاءَتْكُمْ مَسْأَلَةٌ مُعْضِلَةٌ مَنْ تُسْأَلُونَ عَنْهَا؟» قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا رَجُلٌ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ , قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ نُوَجِّهُ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ حَتَّى تَفْتُونَا , قَالَ: فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةً إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ , فَقَالَ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ , رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ , فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّهُ انْقَطَعَ شَمُّهُ , قَالَ: فَجَعَلَ شُعْبَةُ يَتَشَاغَلُ عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا , فَأَوْمَأْتُ إِلَى الرَّجُلِ أَنْ أَلِحَّ عَلَيْهِ , فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: «يَا أَبَا يَحْمَدَ مَا أَشَدَّ الْبَغْيَ عَلَى أَهْلِهِ , لَا وَاللَّهِ مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ , وَلَكِنْ أَفْتِهِ أَنْتَ» , قَالَ: قُلْتُ: يَسْأَلُكَ وَأَفْتِيهِ أَنَا؟ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَأَلْتُكَ , قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَالزُّبَيْرِيَّ يَقُولَانِ: يُدَقُّ الْخَرْدَلُ دَقًّا بَالِغًا ثُمَّ يُشَمُّ فَإِنْ عَطَسَ كَذَبَ , وَإِنْ لَمْ يَعْطِسْ صَدَقَ , قَالَ: «جِئْتَ بِهَا يَا بَقِيَّةُ , وَاللَّهِ مَا يَعْطِسُ رَجُلٌ انْقَطَعَ شَمُّهُ أَبَدًا»
(2/164)

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: دَرْسُ الْفِقْهِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَدَاثَةِ وَزَمَانِ الشَّبِيبَةِ , لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُلَازَمَةِ , وَشِدَّةِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ , وَالْمُدَاوَمَةِ , وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ عَلَتْ سِنُّهُ , وَلَا يَطْمَعُ فِيهِ مَنْ مَضَى أَكْثَرُ عُمُرِهِ قِيلَ: لَيْسَ مِمَّا ذَكَرْتُ بِمَانِعٍ مِنْ طَلَبِهِ , وَلَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ تَارِكًا لَهُ , زَاهِدًا فِيهِ رَاغِبًا عَنْهُ
(2/165)

وَقَدْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْقِرْمِيسِينِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفِيدُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ الضَّبِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَعْدِ الْقُرَشِيُّ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «مَنْ جَاءَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لَقِيَنِي وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ إِلَّا دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ»
(2/165)

وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الدِّمَشْقِيُّ , أنا تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَرْفَجَةَ الْقُرَشِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ [ص:166] مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ , نا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ , نا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ واثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأَدْرَكَهُ , كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ , وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ» وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيُّ الْبَصْرِيُّ سَاكِنُ الرَّيِّ: صِلِ السَّعْيَ فِيمَا تَبْتَغِيهِ مُثَابِرًا لَعَلَّ الَّذِي اسْتَبْعَدْتَ مِنْهُ قَرِيبُ وَعَاوِدْهُ إِنْ أَكْدَى بِكَ السَّعْيُ مَرَّةً فَبَيْنَ السِّهَامِ الْمُخْطِئَاتِ مُصِيبُ
(2/165)

أنبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , نا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ , قَالَ [ص:167]: دَخَلَ يَوْمًا مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عَلَى الْمَأْمُونِ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْفِقْهِ , فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ فِيمَا يَقُولَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَغْفَلُونَا فِي الْحَدَاثَةِ , وَأَشْغَلَنَا الطَّلَبُ عِنْدَ الْكِبَرِ عَنِ اكْتِسَابِ الْأَدَبِ قَالَ: «لِمَ لَا تَطْلُبُهُ الْيَوْمَ , وَأَنْتَ فِي كِفَايَةٍ؟» قَالَ: أَوَ يَحْسُنُ بِمِثْلِي طَلَبُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: «وَاللَّهِ , لِأَنْ تَمُوتَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعِيشَ قَانِعًا بِالْجَهْلِ» قَالَ: وَإِلَى مَتَى يَحْسُنُ؟ قَالَ: «مَا حَسُنَتْ بِكَ الْحَيَاةُ»
(2/166)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ , نا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ الْأَرْقَطُ , قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: أَيَحْسُنُ بِالشَّيْخِ أَنْ يَتَعَلَّمَ , قَالَ: «إِنْ حَسُنَ بِالشَّيْخِ أَنْ يَعِيشَ , فَإِنَّهُ يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ»
(2/167)

قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانِ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ , قَالَ: نا الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمٍ , بِهَرَاةَ , نا الرَّبِيعٌ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «مَا رَأَيْتُ شَيْخًا لَهُ جِدَةٌ لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلَّا رَحْمَتُهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ»
(2/167)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الرُّوبِجِ , نا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَكَّامٌ التَّمَّارُ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرَيْشٍ الْعَنْبَرِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، نا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ بَقِيَّةَ , يَذْكُرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: «إِنِّي لَأُحِبُّ الشَّيْخَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ»
(2/168)

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا يَحْيَى الْعَبْدِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ: «كَانَ أَيُّوبُ يَطْلُبُ الْعِلْمَ حَتَّى مَاتَ»
(2/168)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتَيْقِيُّ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ , قَالَ: نَظَرَ سُقْرَاطُ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ النَّظَرَ فِي الْفَلْسَفَةِ , وَيَسْتَحِي فَقَالَ لَهُ: «يَا هَذَا , تَسْتَحِي أَنْ تَصِيرَ فِي آخِرِ عُمُرِكَ أَفْضَلَ مِمَّا كُنْتَ فِي أَوَّلِهِ» وَأَنَا أَذْكُرُ كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَخْذُ الْمُتَفَقِّهِ الْفِقْهَ , وَتَلَقِّيهِ عَنِ الْمُدَرِّسِ وَالْمُذَاكَرَةِ بِهِ , وَالْحِفْظُ لَهُ , وَمِقْدَارُ مَا يمْكِنُهُ حِفْظُهُ , وَرِيَاضَتُهُ نَفْسَهُ , وَإِجْمَامُهَا خَوْفَ السَّآمَةِ عَلَيْهَا , وَاسْتِعْمَالُهُ حُسْنَ [ص:169] الْأَدَبِ بِحَضْرَةِ الْفَقِيهِ وَأَصْحَابِهِ , وَأَخْلَاقِ الْفَقِيهِ فِي تَدْرِيسِهِ , وَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ , وَيُكْرَهُ مِنْهُ , وَأُرَتِّبُ ذَلِكَ تَرْتِيبًا إِذَا اعْتَمَدَهُ طَالِبُ الْعِلْمِ سَهَّلَ عَلَيْهِ مَنَالَهُ , وَكَانَ عَلَى مَا يَقْصِدُهُ وَيَبْغِيهِ عَوْنًا لَهُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(2/168)

بَابُ: إِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ بِالتَّفَقُّهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَنْبَغِي لِمَنِ اتَّسَعَ وَقْتُهُ وَأَصَحَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ جِسْمَهُ , وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ طَبَقَةِ الْجَاهِلِينَ , وَأَلْقَى فِي قَلْبِهِ الْعَزِيمَةَ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ , أَنْ يَغْتَنِمَ المُبَادَرَةَ إِلَى ذَلِكَ , خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ أَمْرٍ يَقْتَطِعُهُ عَنْهُ , وَتَجَدُّدَ حَالٍ يَمْنَعُهُ مِنْهُ , فَقَدْ:
(2/170)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , سَمِعَ أَبَاهُ , يُحَدِّثُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ»
(2/170)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ [ص:171] إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ , وَأَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ , عَنْ زِيَادِ بْنِ الْجَرَّاحِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ , وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ , وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ , وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ , وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ " وَلَيَسْتَعْمِلِ الْجَدَّ فِي أَمْرِهِ , وَإِخْلَاصَ النِّيَّةِ فِي قَصْدِهِ , وَالرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَرْزُقَهُ عِلْمًا يُوَفِّقَهُ فِيهِ , وَيَعِيذَهُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ
(2/170)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ نُوحٍ الْبَجَلِيِّ , وَعَلَى أَبِي حَفْصِ بْنِ الزَّيَّاتِ , وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّزَّازِ , حَدَّثَكُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ , وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ فَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ , وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»
(2/172)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ حَيَّانَ , يَقُولُ: «مِلَاكُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ النِّيَّاتُ , فَإِنَّ الرَّجُلَ يَبْلُغُ بِنِيَّتِهِ مَا لَا يَبْلُغُ بِعَمَلِهِ»
(2/172)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاغَنْدِيُّ , نا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ , نا اللَّيْثُ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَخِيهِ: عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ , يَقُولُ [ص:173]: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ , وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ , وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ " وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِيمَا طَلَبَهُ الْمُجَادَلَةَ بِهِ , وَالْمُمَارَاةَ فِيهِ , وَصَرْفَ الْوُجُوهِ إِلَيْهِ , وَأَخْذَ الْإِعْوَاضِ عَلَيْهِ
(2/172)

فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ , نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ , وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ , [ص:174] وَلَا لِتَجْتَرُّوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ»
(2/173)

أنا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ الْخَلِيلِ الْمَالِينِيُّ , أنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثَ , نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُكْتِبُ , نا سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ , نا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ , أَوْ لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ , أَوْ لِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ , وَلَكِنْ تَعَلَّمُوهُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ»
(2/174)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ , نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيُّ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ [ص:175]: " لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءِ , أَوْ لِتُجَادِلُوا بِهِ الْفُقَهَاءَ , أَوْ تَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ وَفِعْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَتَبَقَّى , وَيَذْهَبُ مَا سِوَاهُ "
(2/174)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , نا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ , أنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لَيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(2/175)

أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ [ص:176] جَعْفَرٍ الْحَرْبِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ , يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلْمُتَفَقِّهِينَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ , وَالْمُسْتَحِلِّينَ الْحُرُمَاتِ بِالشُّبُهَاتِ»
(2/175)

أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ , نا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ الْهَمْدَانِيُّ , نا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو ثَوْرٍ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَهْلِ الْحَلَقَةِ: «تَفَقَّهُوا مَعَ فِقْهِكُمْ هَذَا بِمَذَاهِبِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ , وَلَا تَفَقَّهُوا بِمَا يُوَدِّيكُمْ إِلَى رُكُوبِ الْقِلَاصِ , فَإِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ لَكُمْ يَطْلُبُ يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ»
(2/176)

بَابُ التَّفَقُّهِ فِي الْحَدَاثَةِ وَزَمَنِ الشَّبِيبَةِ
(2/177)

أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزْدَادَ الْقَارِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَصْبَهَانِيُّ , بِهَا , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَرْقَدِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو , نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا شَابًّا , وَمَا أُوتِيَ الْعِلْمَ عَالِمٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ شَابٌّ»
(2/177)

أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا جَرِيرٌ , عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ , قَالَ: صَلَّيْنَا يَوْمًا خَلْفَ أَبِي ظَبْيَانَ صَلَاةَ الْأُولَى , وَنَحْنُ شَبَابٌ كُلُّنَا مِنَ الْحَيِّ إِلَّا الْمُؤَذِّنَ فَإِنَّهُ شَيْخٌ , فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيْنَا , ثُمَّ جَعَلَ [ص:178] يَسْأَلُ الشَّابَّ مَنْ أَنْتَ , فَلَمَّا سَأَلَهُمْ , قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إِلَّا وَهُوَ شَابٌّ , وَلَمْ يُؤْتَ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ شَابٌّ»
(2/177)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ , قَالَ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ ابْتَغِ الْعِلْمَ صَغِيرًا , فَإِنَّ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ يَشُقُّ عَلَى الْكَبِيرِ , يَا بُنَيَّ إِنَّ الْمَوْعِظَةَ تَشُقُّ عَلَى السَّفِيهِ , كَمَا يَشُقُّ الْوَعْثُ الصَّعُودَ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ»
(2/178)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ , وَعَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي: ابْنَ عِمْرَانَ ويُونُسَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالُوا: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ [ص:179]: «إِنَّا كُنَّا أَصَاغِرَ قَوْمٍ ثُمَّ نَحْنُ الْيَوْمَ كِبَارٌ , وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ أَصَاغِرُ وَسَتَكُونُونَ كِبَارًا , فَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تَسُودُوا بِهِ قَوْمَكُمْ وَيَحْتَاجُونَ إِلَيْكُمْ»
(2/178)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ , إِمْلَاءً , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى , عَنْ سَلَمَةَ , عَنِ الْفَرَّاءِ , قَالَ: يُقَالُ: «خَيْرُ الْفِقْهِ الْقَبْلِيُّ , وَشَرُّ الْفِقْهِ الدَّبَرِيُّ» قَالَ يَعْنِي الْفَرَّاءَ «الدَّبَرِيُّ مَا كَانَ فِي آخِرِ الْعُمُرِ بَعْدَ تَقَضِّي الشَّبَابِ» قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى , وَقَالَ غَيْرُهُ يَعْنِي: غَيْرَ الْفَرَّاءِ: " الْفِقْهُ الْقَبْلِيُّ , مَا حَاضَرْتَ بِهِ وَحَفِظْتَهُ , وَالدَّبَرِيُّ مَا كَانَ فِي كِتَابِكَ وَأَنْتَ لَا تَحْفَظُهُ قُلْتُ: التَّفَقُّهُ فِي زَمَنِ الشَّبِيبَةِ وَإِقْبَالِ الْعُمُرِ , وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ بِقِلَّةِ الْأَشْغَالِ , وَكَمَالِ الذِّهْنِ وَرَاحَةِ الْقَرِيحَةِ يَرْسُخُ فِي الْقَلْبِ , وَيَثْبُتُ , وَيَتَمَكَّنُ , وَيَسْتَحْكِمُ , فَيَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَالْبَرَكَةُ , إِذَا صَحِبَهُ مِنَ اللَّهِ حُسْنُ التَّوْفِيقِ وَإِذَا أُهْمِلَ إِلَى حَالَةِ الْكِبَرِ الْمُغِيرَةِ لِلْأَخْلَاقِ , النَّاقِصَةِ لِلْآلَاتِ , كَانَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
(2/179)

إِذَا أَنْتَ أَعْيَاكَ التَّعَلُّمُ نَاشِئًا ... فَمَطْلَبُهُ شَيْخًا عَلَيْكَ شَدِيدُ
(2/180)

أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْقَطَّانُ , وأَخْبَرَنِي أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرَانِ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , قَالَ الْقَطَّانُ: أَنَا وَقَالَ الْخَزَّازُ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ , نا أَبِي , نا إِسْحَاقُ بْنُ وَزِيرٍ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُوسَى , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حِفْظُ الْغُلَامِ كَالْوَشْمِ فِي الْحَجَرِ» هَذَا آخِرُ حَدِيثِ الْجَوْهَرِيِّ , وَقَالَ ابْنُ بِشْرَانِ: كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ , وَحِفْظُ الرَّجُلِ بَعْدَمَا كَبُرَ كَالْكِتَابِ عَلَى الْمَاءِ
(2/180)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ , نا [ص:181] عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ , نا أَبُو شُعْبَةَ الْمُفَضَّلُ بْنُ نُوحٍ , وأنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْجَوْهَرِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْبَلْخِيُّ , نا الْمُفَضَّلُ بْنُ نُوحٍ الرَّاسِبِيُّ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَعْمَرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنِ , يَقُولُ: «الْحِفْظُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ»
(2/180)

أنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَنْمَاطِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ , نا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ , نا مُفَضَّلُ بْنُ نُوحٍ الرَّاسِبِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مَعْمَرٍ الرَّاسِبِيُّ , عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , قَالَ: «التَّعَلُّمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ»
(2/181)

أنا أَبُو الْحَسَنِ الْعُتَيْقِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , نا أَبِي الْعَبَّاسُ الْجَوْهَرِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو , نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ , نا الْحَسَنُ بْنُ نُدْبَةَ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ نَافِعٍ , وَهُوَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ قَالَ [ص:182]: «الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ» قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
مَا الْحِلْمَ إِلَّا بِالتَّحَلُّمِ فِي الْكِبَرِ ... وَمَا الْعِلْمُ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ فِي الصِّغَرِ
وَلَوْ ثُقِبَ الْقَلْبُ الْمُعَلَّمُ فِي الصَّبَا ... لَأَلْفَيْتَ فِيهِ الْعِلْمَ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ
(2/181)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: «مَا حَفِظْتُ وَأَنَا شَابٌّ , فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي قِرْطَاسٍ أَوْ وَرَقَةٍ»
(2/182)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّوبِجُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكَّامٍ التَّمَّارُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا ابْنُ خَبِيقٍ الأَنْطَاكِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ , عَنْ مَعْمَرٍ , قَالَ: «جَالَسْتُ قَتَادَةَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً , فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ , شَيْئًا , وَأَنَا فِي , ذَلِكَ السِّنِّ إِلَّا وَكَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي صَدْرِي»
(2/182)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ بْنِ النَّهَاوَنْدِيِّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ , نا أَبُو جَعْفَرٍ الْحَضْرَمِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , قَالَ: كَانَ يَخْتَلِفُ شَيْخٌ مَعَنَا إِلَى مَسْرُوقٍ , وَكَانَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ فَيُخْبِرُهُ , فَلَا يَفْهَمُ , فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا مَثَلُكَ؟ «مَثَلُكَ مَثَلُ بَغْلٍ هَرِمٍ حَطْمٍ جَرِبٍ , دُفِعَ إِلَى رَائِضٍ , فَقِيلَ لَهُ عَلِّمْهُ الْهَمْلَجَةَ» وَيَنْبَغِي لِلْمُتَفَقِّهِ أَنْ يَقْطَعَ الْعَلَائِقَ , وَيَطْرَحَ الشَّوَاغِلَ , فَإِنَّهَا مَوَانِعُ عَنْ حِفْظِ الْعِلْمِ , وَقَوَاطِعُ عَنْ دَرْسِ الْفَقِيهِ
(2/183)

بَابُ حَذْفِ الْمُتَفَقِّهِ الْعَلَائِقَ كَانَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا , وَيَقُولُ: الْعِلْمُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُشْتَغِلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ
(2/184)

أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْمَرِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاهِدُ , نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ أَخِي جُبَارَةَ نا مَلِيحُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا , يَسْأَلُ أَبَا حَنِيفَةَ: بِمَ يُسْتَعَانُ عَلَى الْفِقْهِ حَتَّى يُحْفَظَ , قَالَ: «بِجَمْعِ الْهَمِّ» , قَالَ: قُلْتُ: وَبِمَ يُسْتَعَانُ عَلَى حَذْفِ الْعَلَائِقِ قَالَ: «بِأَخْذِ الشَّيْءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا تَزِدْ»
(2/184)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْعُكْبَرِيُّ , إِجَازَةً , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ , نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ , وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ , قِرَاءَةً , أنا عَيَّاشُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُنْدَارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ , أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَرْدَكَ , قَالَ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «لَا يَطْلُبُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمُلْكِ وَعَزِّ النَّفْسِ فَيَفْلَحُ , وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بَذُلِّ النَّفْسِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَخِدْمَةِ الْعُلَمَاءِ أَفْلَحَ»
(2/184)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , نَا أَبُو طَاهِرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُخْلِصُ إِمْلَاءً وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ , نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ , نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ , نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ , حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِيبٍ , عَنِ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ , وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ , وَلَا أَلْبَسَ الْحَبِيرَ , وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَفُلَانَةُ , وَكُنْتُ أُلْصِقُ قَلْبِي أَوْ قَالَ: بَطْنِي بِالْحَصَى مِنَ الْجُوعِ" وَلِأَبِي الْفَرَجِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ هُنْدُوَا:
[البحر الطويل]
مَا لِلْمَعِيلِ وَلِلْمَعَالِي إِنَّمَا ... يَسْعَى إِلَيْهِنَّ الْوَحِيدُ الْفَارِدُ
فَالشَّمْسُ تَجْتَابُ السَّمَاءَ وَحِيدَةً ... وأَبُو بَنَاتِ النَّعْشِ فِيهَا رَاكِدٌ
(2/185)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ خَيْثَمَةَ , قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كُنْتُ تَاجِرًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ , مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَزَاوَلْتُ التِّجَارَةَ وَالْعِبَادَةَ , فَلَمْ تَجْتَمِعَا , فَاخْتَرْتُ الْعِبَادَةَ وَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ» [ص:186] قِيلَ: لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ إِلَّا أَحَدٍ رَجُلَيْنِ: إِمَّا غَنِيٌّ غَنِيٌّ , وَإِمَّا فَقِيرٌ فَقِيرٌ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا لِلْفَقِيرِ الْفَقِيرِ أَرْجَى مِنِّي لِلْغَنِيِّ الْغَنِيِّ
(2/185)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْآجُرِّيَّ , يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْفَاقَةِ وَرِثَ الْفَهْمَ»
(2/186)

أنا أَبُو حَازِمٍ: عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدَوِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الشَّيْبَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , نا ابْنُ وَهْبٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: «لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا يُرِيدُ حَتَّى يَضُرَّ بِهِ الْفَقْرُ , وَيُؤْثِرُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»
(2/186)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى , قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّيَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «لَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ إِلَّا بِالصَّبِرِ عَلَى الضُّرِّ»
(2/186)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , نا الرَّبِيعُ [ص:187] بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «لَا يَصْلُحُ طَلَبُ الْعِلْمِ إِلَّا لِمُفْلِسٍ» فَقِيلَ: وَلَا الْغَنِيِّ الْمَكْفِيِّ , فَقَالَ: «وَلَا الْغَنِيِّ الْمَكْفِيِّ»
(2/186)

أنا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأُشْنَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْأَصَمَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: " يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا: طُولُ الْعُمُرِ , وَالثَّانِيَةُ: سَعَةُ الْيَدِ , وَالثَّالِثَةُ الذَّكَاءُ " قُلْتُ: أَمَا طُولُ الْعُمُرِ , فَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ: دَوَامَ الْمُلَازَمَةِ لِلْعِلْمِ , وَأَرَادَ بِسَعَةِ الْيَدِ: أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِالِاحْتِرَافِ , وَطَلَبِ التَّكَسُّبِ , فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْقَنَاعَةَ أَغْنَتْهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ , كَمَا:
(2/187)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي , بِالْأَهْوَازِ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي صَلَابَةَ , نا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ , نا الْمُنْكَدِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ»
(2/187)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ , قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَفْتَمَ الصُّوفِيُّ لِنَفْسِهِ: «
[البحر الهزج]
إِذَا مَا اقْتَنَعَ الْعَبْدُ ... كَفَاهُ أَيْسَرُ الرِّزْقِ
وَإِذَا عَمَّقَ فِي الرِّزْقِ ... تَرَاهُ الدَّهْرَ فِي الرِّقِّ»
وَإِذَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذَّكَاءَ فَهُوَ أَمَارَةُ سَعَادَتِهِ , وَسُرْعَةُ بُلُوغِهِ إِلَى بُغْيَتِهِ
(2/188)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , نا أَبُو الْفَرَجِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُنْشِئُ , حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ , أنا ثَعْلَبُ , عَنْ سَلَمَةَ , عَنِ الْفَرَّاءِ , قَالَ: " إِنِّي لَأَرْحَمُ رَجُلَيْنِ: بَلِيدًا يَطْلُبُ , وَذَكِيًّا لَا يَطْلُبُ "
(2/188)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْجَوَالِيقِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ , ثنا ثَعْلَبٌ , عَنْ سَلَمَةَ , عَنِ الْفَرَّاءِ , قَالَ: " أَرْحَمُ رَجُلَيْنِ: رَجُلًا يَفْهَمُ وَلَا يَطْلُبُ , وَرَجُلًا يَطْلُبُ وَلَا يَفْهَمُ "
(2/188)

وأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ , نا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْكَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نا الْأَصْمَعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «الطَّبْعُ أَرْضٌ , وَالْعِلْمُ بَذْرَةٌ , وَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ إِلَّا بِالطَّلَبِ , فَإِذَا [ص:189] كَانَ الطَّبْعُ قَابِلًا , زَكَا رِيعُ الْعِلْمِ , وَتَفَرَّعَتْ مَعَانِيهِ» قُلْتُ: وَالْبَلَادَةُ دَاءٌ عَسِيرٌ بُرْؤُهُ , عَظِيمٌ ضَرُّهُ
(2/188)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «كَمَا لَا يُنْبِتُ الْمَطَرُ الْكَثِيرُ الصَّخْرَ , كَذَلِكَ لَا يَنْفَعُ الْبَلِيدَ كَثْرَةُ التَّعْلِيمِ»
(2/189)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ , نا أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ , نا جَبَلَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا أَبِي: قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ , فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَفَسَّرَهَا لَهُ , فَقَالَ: لَمْ أَفْهَمْ , فَأَعَادَ , فَقَالَ: لَمْ أَفْهَمْ , فَأَعَادَ , فَقَالَ: لَمْ أَفْهَمْ , فَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ لَمْ تَفْهَمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَفْهَمْ , فَسَتَفْهَمُ بِالْإِعَادَةِ , وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَفْهَمْ لِأَنَّكَ لَا تَفْهَمُ , فَهَذَا دَاءٌ لَا دَوَاءَ لَهُ»
(2/189)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وأَبُو يَعْلَى: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَكِيلُ , قَالَا: أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ النَّحْوِيُّ , قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ يَوْمًا أَبَا بَكْرِ بْنَ الْخَيَّاطِ , عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُفْهِمُهُ , وَهُوَ لَا يَفْهَمُ , وَيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ [ص:190]: " رَأَيْتُ الْمُبَرِّدَ يَوْمًا يُفْهِمُ رَجُلًا مِنْ بَنِي ثَوَابَةَ مَعْنًى مَا , وَهُوَ يُرِيهُ أَنَّهُ فَهِمَ بِهِ , وَمَا كَانَ يَدْرِي شَيْئًا مِنْهُ , فَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أَنْشَدَنِي الْمَازِنِيُّ لِصَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ:
[البحر الطويل]
وَإِنَّ عَنَاءً أَنْ تُفَهِّمَ جَاهِلًا ... فَيَحْسَبُ جَهْلًا أَنَّهُ مِنْكَ أَفْهَمُ
مَتَى بَلَغَ الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ ... إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ
مَتَى يَرْعَوِي عَنْ سَيِّئِ مَنْ أَتَى بِهِ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَيْهِ تَنَدُّمُ
(2/189)

بَابُ اخْتِيَارِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يُتَعَلَّمُ مِنْهُمْ يَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَقْصِدَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنِ اشْتُهِرَ بِالدِّيَانَةِ , وَعُرِفَ بِالسِّتْرِ وَالصِّيَانَةِ
(2/191)

فَقَدْ: أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النَّجَّادُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ , نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ , قَالَ: إِنَّمَا «هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ , فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ»
(2/191)

وأنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسِ بْنِ كَامِلٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ مُحَمَّدٍ , قَالَ: إِنَّ " هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ قَالَ: وَذَكَرَهُ ابْنُ عَوْنٍ أَيْضًا
(2/191)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ , أنا ابْنُ عَوْنٍ , [ص:192] قَالَ: قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّ «هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ» وَيَكُونُ قَدْ وَسَمَ نَفْسَهُ بِآدَابِ الْعِلْمِ , مِنَ اسْتِعْمَالِ: الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ , وَالتَّوَاضُعِ لِلطَّالِبِينَ , وَالرِّفْقِ بِالْمُتَعَلِّمِينَ , وَلِينِ الْجَانِبِ , وَمُدَارَاةِ الصَّاحِبِ , وَقَوْلِ الْحَقِّ , وَالنَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ , وَالنُّعُوتِ الْجَمِيلَةِ
(2/191)

وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ خَبَرٌ جَمَعَ فِيهِ مَا فَصَّلْنَاهُ , وَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِمَّا أَجْمَلْنَاهُ: أنا بِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَكِيلُ , قَالَا: أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ أنا أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ , عَنِ ابْنِ زَكَوَيْهِ , عَنِ الْعُتْبِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ: فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ , وَعَيْنُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ , وَأُذُنُهُ الْفَهْمُ , وَلِسَانُهُ الصِّدْقُ , وَحِفْظُهُ الْفَحْصُ , وَقَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ , وَعَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَالْأُمُورُ الْوَاجِبَةُ , وَيَدُهُ الرَّحْمَةُ , وَرِجْلُهُ زِيَادَةُ الْعُلَمَاءِ , وَهِمَّتُهُ السَّلَامَةُ , وَحِكْمَتُهُ الْوَرَعُ , وَمُسَتَقَرُّهُ النَّجَاةُ , وَقَائِدُهُ الْعَافِيَةُ , وَمَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ , وَسِلَاحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ , وَسَيْفُهُ الرِّضَا , وَفَرَسُهُ الْمُدَارَاةِ , وَجَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ , وَمَالُهُ الْأَدَبُ , وَذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ , وَزَادُهُ الْمَعْرُوفُ , وَمَاؤُهُ الْمُوَادَعَةُ , [ص:193] وَدَلِيلُهُ الْهُدَى , وَرَفِيقُهُ صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ " وَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ فِقْهَهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ , لَا مِنَ الصُّحُفِ , فَقَدْ:
(2/192)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ , نا الْوَلِيدُ , وَسُوَيْدٌ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي ابْنَ مُوسَى , قَالَ: «لَا تَقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى الْمُصَحِّفِينَ , وَلَا تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِنَ الصَّحَفِيِّينَ» أَبُو سَعِيدٍ هَذَا هُوَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِدُحَيْمٍ الدِّمَشْقِيُّ , وَالْوَلِيدُ هُوَ: ابْنُ مُسْلِمٍ , وَسُوَيْدُ هُوَ: ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدٌ هُوَ: ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ
(2/193)

أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ الْأَصْبَهَانِيُّ بِهَا , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , نا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ , إِمْلَاءً , نا أَبُو الْتَقِيِّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وأنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ [ص:194] مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكَاغِدِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحِمْصِيُّ , نا بَقِيَّةُ , قَالَ: سَمِعْتُ ثَوْرَ بْنَ يَزِيدَ , يَقُولُ: «لَا يُفْتِي النَّاسَ الصَّحَفِيُّوَنَ» هَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ , وَآخِرُ حَدِيثِهِ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَا يُفْتِي النَّاسَ صَحَفِيٌّ , وَلَا يُقْرِئُهُمْ مُصْحَفِيٌّ
(2/193)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنٍ الرَّجُلِ , تَكُونُ عِنْدَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ , فِيهَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ بَصَرٌ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الْمَتْرُوكِ , وَلَا بِالْإِسْنَادِ الْقَوِيِّ مِنَ الضَّعِيفِ , فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ , وَيَتَخَيَّرَ مَا أَحَبَّ مِنْهَا , يُفْتِي بِهِ , وَيَعْمَلُ بِهِ؟ قَالَ: «لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَسْأَلَ مَا يُؤْخَذُ بِهِ مِنْهَا , فَيَكُونُ يَعْمَلُ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ , يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ» وَيَكُونُ حَالُهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْفِقْهِ ظَاهِرَةً , وَفِي الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَصَرْفِ الِاهْتِمَامِ إِلَيْهِ مَعْلُومَةً
(2/194)

فَقَدْ: أنا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ , نا الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ [ص:195]: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ خَالِيَ: مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , يَقُولُ: " إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ , لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْأَسَاطِينِ , وَأَشَارَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا , وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ أُؤْتُمِنَ عَلَى مَالٍ لَكَانَ بِهِ أَمِينًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ , وَيَقْدِمُ عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ فَيُزْدَحَمُ عَلَى بَابِهِ "
(2/194)

بَابُ تَعْظِيمِ الْمُتَفَقِّهِ الْفَقِيهَ وَهَيْبَتِهِ إِيَّاهُ وَتَوَاضُعِهِ لَهُ
(2/196)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّجَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعَدِّلِ , ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو زُبَيْرٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , يَقُولُ: أنا أَبُو حَمْزَةَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأَمْرِ , فَأُوَخِّرُهُ سَنَتَيْنِ , مِنْ هَيْبَتِهِ , وَلَقَدْ كُنْتُ أَلْقَاهُ كُلَّ يَوْمٍ»
(2/196)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , أَخْبَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ , وَمُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ , قَالَا: نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا ابْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ , أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ , يُحَدِّثُ , قَالَ: «مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ , أَنْ أَسْأَلَ , عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ , فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ , هَيْبَةً»
(2/196)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , وأَبُونُعَيْمٍ , قَالَا: نا رَزِينٌ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِيَرْكَبَ وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ فِي الرِّكَابِ , فَأَمْسَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّكَابِ , فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ , قَالَ: «لَا هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءُ»
(2/197)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ: مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَدْفَوِيُّ النَّحْوِيُّ , يَقُولُ: " إِذَا تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ , وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ , فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60] وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ , وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ , وَإِنَّمَا كَانَ مُتَلْمِذًا لَهُ , مُتَّبِعًا لَهُ , فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ "
(2/197)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشُّرُوطِيُّ , نَا [ص:198] الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: الْمُعَافِيُّ بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ , نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارٍ الْأَنْبَارِيُّ , نَا أَبِي , نَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ , أنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ , وسَهْلُ بْنُ هَارُونَ , قَالَا: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ: أَنْ لَا , تُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ , وَلَا تُعَنِّتُهُ فِي الْجَوَابِ , وَلَا تُلِحُّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ , وَلَا تَأْخُذُ بِثَوْبِهِ إِذَا نَهَضَ , وَلَا تُفْشِي لَهُ سِرًّا , وَلَا تَغْتَابُ عِنْدَهُ أَحَدًا , وَأَنْ تَجْلِسَ أَمَامَهُ , وَإِذَا أَتَيْتَهُ خَصَصْتَهُ بِالتَّحِيَّةِ , وَسَلَّمْتَ عَلَى الْقَوْمِ عَامَّةً , وَأَنْ تَحْفَظَ سِرَّهُ وَمَغِيبَهُ مَا حَفِظَ أَمْرَ اللَّهِ , فَإِنَّمَا الْعَالِمُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ , وَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ شَيَّعَهُ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مُقَرَّبِي السَّمَاءِ , وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انْثَلَمَ بِمَوْتِهِ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا تُسَدُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
(2/197)

بَابُ: تَرْتِيبِ أَحْوَالِ الْمُبْتَدِئِ بِالتَّفَقُّهِ يَنْبَغِي لِلْمُبْتَدِئِ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَ التَّفَقُّهِ , أَنْ يَقْرَبَ مِنَ الْفَقِيهِ , حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُهُ , وَيَصْمُتَ وَيُصْغِيَ إِلَى كَلَامِهِ
(2/199)

فَقَدْ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الْفَارِسِيُّ , نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ , عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ أَخِي الْأَصْمَعِيِّ , عَنْ عَمِّهِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ , يَقُولُ: " أَوَّلُ الْعِلْمِ: الصَّمْتُ , وَالثَّانِي: حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ , وَالثَّالِثُ: حُسْنُ السُّؤَالِ , وَالرَّابِعُ: حُسْنُ الْحِفْظِ , وَالْخَامِسُ: نَشْرُهُ عِنْدَ أَهْلِهِ "
(2/199)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وأَبُو يَعْلَى الْوَكِيلُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ , نَا الْمُبَرِّدُ , نَا الْمَازِنِيُّ , قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ الْخَلِيلُ: " حِينَ أَرَدْتُ النَّحْوَ أَتَيْتُ الْحَلَقَةَ فَجَلَسْتُ سَنَةً لَا أَتَكَلَّمُ , إِنَّمَا
(2/199)

أَسْمَعُ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ: نَظَرْتُ , فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ: تَدَبَّرْتُ , لَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ: سَأَلْتُ وَتَكَلَّمْتُ " يُلَازِمُ حُضُورَ الْمَجْلِسِ , وَاسْتِمَاعَ الدَّرْسِ , فَإِذَا مَضَى لَهُ بُرْهَةٌ فِي الْحُضُورِ وَأَنِسَ بِمَا سَمِعَهُ , سَأَلَ الْفَقِيهَ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ شَيْئًا , وَيَكْتُبُ مَا يُمْلِيهُ , ثُمَّ يَعْتَزِلُ وَيَنْظُرُ فِيهِ , فَإِذَا فَهِمَهُ انْصَرَفَ وَطَالَعَهُ , وَكَرَّرَ مُطَالَعَتَهُ حَتَّى يَعْلُقَ بِحِفْظِهِ , ثُمَّ يُعِيدُهُ عَلَى نَفْسِهِ , يُتْقِنُهُ , فَإِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ بَعْدُ سَأَلَ الْفَقِيهَ أَنُ يَسْتَمِعَهُ مِنْهُ , وَيَذْكُرَهُ لَهُ مِنْ حِفْظِهِ , ثُمَّ يَسْأَلُ الْفَقِيهَ إِمْلَاءً مَا بَعْدَهُ , وَيَصْنَعُ فِيهِ كَصَنِيعِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ
(2/200)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ , قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنِ مَوْهَبٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ضَمْرَةَ , يَقُولُ: " الْعَقْلُ: الْحِفْظُ , وَاللُّبُّ: الْفَهْمُ , وَالْحِلْمُ: الصَّبْرُ "
(2/200)

أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , نَا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نَا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , نَا مِنْجَابٌ , نَا شَرِيكٌ , عَنْ حُصَيْنٍ , قَالَ: " جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى حَلَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَكَانَ يَطْلُبُ الْكَلَامَ , فَسَأَلَتْهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ , فَلَمْ يُحْسِنُوا فِيهَا شَيْئًا مِنَ الْجَوَابِ ,
(2/200)

فَانْصَرَفْتُ إِلَى حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ , فَسَأَلْتُهُ فَأَجَابَهَا , فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ , فَقَالَتْ: غَرَّرْتُمُونِي , سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ , فَلَمْ تُحْسِنُوا شَيْئًا , فَقَامَ أَبُو حَنِيفَةَ فَأَتَى حَمَّادًا , فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: أَطْلُبُ الْفِقْهَ قَالَ: تَعَلَّمْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَسَائِلَ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا حَتَّى يَتَّفِقَ لَكَ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ فَفَعَلَ , وَلَزِمَ الْحَلَقَةَ حَتَّى فَقِهَ , فَكَانَ النَّاسُ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ " وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَثَبِّتَ فِي الْأَخْذِ وَلَا يُكْثِرُ , بَلْ يَأْخُذُ قَلِيلًا قَلِيلًا , حَسْبَ مَا يَحْتَمِلُهُ حِفْظُهُ , وَيَقْرَبُ مِنْ فَهْمِهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]
(2/201)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الطِّرَازِيُّ بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو حَامِدٍ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَسْنَوَيْهِ الْمُقْرِئُ , نَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ , نَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى , نَا أَبُو عَقِيلٍ: يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ , فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ , وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ , فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا [ص:202] ظَهْرًا أَبْقَى» وَلَا يَنْبَغِي أَنَ يَسْتَفْهِمَ مِنَ الْفَقِيهِ حُكْمَ الْفَصْلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُتَمِّمَ الْفَقِيهُ ذِكْرَهُ , فَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُ الْبَيَانُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْكَلَامِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] فَإِنِ انْتَهَى كَلَامُ الْفَقِيهِ , وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْحُكْمُ سَأَلَهُ عَنْهُ حِينَئِذٍ , فَإِنَّ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ
(2/201)

أنا الْقَاضِي أَبُو زُرْعَةَ: رُوحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ , نا [ص:203] أَبُو سَهْلٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُمَانَ الْجَوَالِيقِيُّ لَفْظًا , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الضُّرَيْسِ , أنا مُسَدَّدٌ , أنا مُعْتَمِرٌ , عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا , فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ مَا يَحْفَظُهُ , وَيَسْتَعْرِضَ جَمِيعَهُ كُلَّمَا مَضَتْ لَهُ مُدَّةٌ , وَلَا يَغْفُلُ ذَلِكَ , فَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا عَلَّمَ إِنْسَانًا مَسْأَلَةً مِنَ الْعِلْمِ , سَأَلَهُ عَنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ , فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ حَفِظَهَا عَلِمَ أَنَّهُ مُحِبٌّ لِلْعِلْمِ , فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَزَادَهُ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ قَدْ حَفِظَهَا وَقَالَ لَهُ الْمُتَعَلِّمُ: كُنْتُ قَدْ حَفِظْتُهَا فَأُنْسِيتُهَا أَوْ قَالَ: كَتَبْتُهَا فَأَضَعْتُهَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَسْأَلَ الْفَقِيهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ شَيْئًا إِلَّا وَمَعَهُ سَلَامَةُ الطَّبْعِ وَفَرَاغُ الْقَلْبِ، وَكَمَالَ الْفَهْمِ، لَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَهُ نَاعِسًا أَوْ مَغْمُومًا، أَوْ مَشْغُولَ الْقَلْبِ، أَوْ قَدْ بَطِرَ فَرَحًا، أَوش امْتَلَأَ غَضَبًا لَمْ يَقْبَلْ قَلْبُهُ مَا سَمِعَ وَإِنْ رُدِّدَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وُكُرِّرَ، فَإِنْ فَهِمَ لَمْ يَثْبُتْ فِي قَلْبِهِ مَا فَهِمَهُ حَتَّى يَنْسَاهُ، وَإِنِ اسْتَعْجَمَ قَلْبُهُ عَنِ الْفَهْمِ، كَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً لِلْفَقِيهِ إِلَّى الضَّجَرِ وَلِلْمُتَعَلِّمِ إِلَى الْمَلَلِ، وَكُلَّمَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُتَعَلِّمَ افْتِقَادُهُ مِنْ [ص:204] نِفْسِهِ، فَإِنَّ عَلَى الْفَقِيهِ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ يَحْتَاجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ , لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ , فَيُرِيدُ أَنْ يَتَعَرَّفَهُ , وَأَنْ يَتَحَفَّظَهُ , وَالْفَقِيهُ فَهِمٌ لِمَا يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَهُ حَافِظٌ لِمَا يَقْصِدُ أَنْ يَحْكِيهِ , فَإِذَا كَانَ الْفَقِيهُ مِنَ الْحِفْظِ وَالْمَعْرِفَةِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ وَيَلْزَمُهُ مِنَ افْتِقَادِ نَفْسِهِ مَا وَصَفْتُ , وَالْمُتَعَلِّمُ يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَ إِلَى قَلْبِهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ , وَقَلْبُهُ نَافِرٌ عَنْهُ , وَنَفْسُهُ تَسْتَثْقِلُ التَّعَبَ , وَالْإِكْبَابَ عَلَى الطَّلَبِ فَهُوَ يَحْتَاجُ مِنْ فَرَاغِ الْقَلْبِ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ , وَيُحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ شَدِيدٍ عَلَى الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّرْدِيدِ
(2/202)

وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , فِيمَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَالنَّاسُ طَبَقَاتٌ فِي الْعِلْمِ , مَوْقِعُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِقَدْرِ دَرَجَاتِهِمْ فِيهِ , فَحَقَّ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بُلُوغُ غَايَةِ جَهْدِهِمْ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ عِلْمِهِ , وَالصَّبْرِ عَلَى كُلِّ عَارِضٍ دُونَ طَلَبِهِ , وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِي إِدْرَاكِ عِلْمِهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ فِي الْعَوْنِ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ خَيْرٌ إِلَّا بِعَوْنِهِ»
(2/204)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الْفَقِيهُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّدِيمُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ , نا عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَيَّارٍ النَّظَّامَ , يَقُولُ [ص:205]: " الْعِلْمُ: شَيْءٌ لَا يُعْطِيكَ بَعْضَهُ حَتَّى تُعْطِيَهُ كُلَّكَ , وَأَنْتَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ كُلَّكَ , مِنْ إِعْطَائِهِ الْبَعْضَ عَلَى خَطَرٍ "
(2/204)

أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ , أنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , نا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ , نا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ , قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: «لَا يُسْتَطَاعُ طَلَبُ الْعِلْمِ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ»
(2/205)

أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ أَبُو حَفْصٍ , وأَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنُبَيُّ , قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ الْمُخَرِّمِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ , يَقُولُ: «لَيْسَ يُطْلَبُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْبَدَنِ» بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ [ص:206]: أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُ إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى تَعَبِ الْعِلْمِ , صَبَرْتَ عَلَى شَقَاءِ الْجَهْلِ
(2/205)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُتَيْقِيُّ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ , قَالَ: " قَالَ أَفْلَاطُونُ: مُحِبُّ الشَّرَفِ هُوَ: الَّذِي يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالنَّظَرِ فِي الْعِلْمِ "
(2/206)

بَابُ الْقَوْلِ فِي التَّحَفُّظِ وَأَوْقَاتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا يَعْرِضُ مِنْ عِلَلِهِ وَآفَاتِهِ اعْلَمْ أَنَّ لِلْحِفْظِ سَاعَاتٍ , يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ التَّحَفُّظَ أَنْ يُرَاعِيَهَا وَلِلْحِفْظِ أَمَاكِنُ يَنْبَغِي لِلْمُتَحَفِّظِ أَنْ يَلْزَمَهَا فَأَجْوَدُ الْأَوْقَاتِ: الْأَسْحَارُ , ثُمَّ بَعْدَهَا وَقْتُ انْتِصَافِ النَّهَارِ , وَبَعْدَهَا الْغَدَوَاتُ دُونَ الْعَشِيَّاتِ , وَحِفْظُ اللَّيْلِ أَصْلَحُ مِنْ حِفْظِ النَّهَارِ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَ أَدْرَكْتَ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: بِالْمِصْبَاحِ , وَالْجُلُوسِ إِلَى الصَّبَاحِ وَقِيلَ لِآخَرَ , فَقَالَ: بِالسَّفَرِ , وَالسَّهَرِ , وَالْبُكُورِ فِي السَّحَرِ
(2/207)

أنا الْعُتَيْقِيُّ , أنا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ , نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ , قَالَ: " سَأَلَ شَابٌّ جَاهِلٌ أَفْلَاطُونَ: كَيْفَ قَدَرْتَ عَلَى كَثْرَةِ مَا تَعَلَّمْتَ؟ قَالَ: لِأَنِّي أَفْنَيْتُ مِنَ الزَّيْتِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرِبْتَ أَنْتَ مِنَ الشَّرَابِ" وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَفْلَاطُونَ: أَلَمْ نَكُنْ جَمِيعًا فِي مَكْتَبٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَكَيْفَ صِرْتَ تَعْلُوا مِنْبَرَ التَّعْلِيمِ وَحَظِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا
(2/207)

تَرَاهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّ دِينَارِي كَانَ مَحْمُولًا إِلَى الزَّيَّاتِ , وَدِينَارُكَ كَانَ مَحْمُولًا إِلَى الْخَمَّارِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ ابْنُ عَمِّ أَبِي نَصْرِ بْنِ نُبَاتَةَ:
[البحر الوافر]
أَعَاذِلَتِي عَلَى إِتْعَابِ نَفْسِي ... وَرَعْيِي فِي السُّرَى رَوْضُ السُّهَادِ
إِذَا شَامَ الْفَتَى بَرَقَ الْمَعَالِي ... فَأَهْوَنُ فَائِتٍ طِيبُ الرُّقَادِ
وَأَجْوَدُ أَمَاكِنِ الْحِفْظِ: الْغُرَفُ دُونَ السُّفْلِ , وَكُلُّ مَوْضِعٍ بَعُدَ مِمَّا يُلْهِي , وَخَلَا الْقَلْبُ فِيهِ مِمَّا يُقْرِعُهُ فَيُشْغِلُهُ , أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيَمْنَعُهُ , وَلَيْسَ بِالْمَحْمُودِ أَنْ يَتَحَفَّظَ الرَّجُلُ بِحَضْرَةِ النَّبَاتِ وَالْخُضْرَةِ , وَلَا عَلَى شُطُوطِ الْأَنْهَارِ وَلَا عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ , فَلَيْسَ يَعْدِمُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ غَالِبًا مَا يَمْنَعُ مِنْ خُلُوِّ الْقَلْبِ وَصَفَاءِ السِّرِّ وَأَوْقَاتُ الْجُوعِ أَحْمَدُ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ أَوْقَاتِ الشِّبَعِ وَيَنْبَغِي لِلْمُتَحَفِّظِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مِنْ نَفْسِهِ حَالَ الْجُوعِ , فَإِنُّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا أَصَابَهُ شِدَّةُ الْجُوعِ وَالْتِهَابُهُ لَمْ يَحْفَظْ , فَلْيُطْفِئْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ الْيَسِيرِ كَمَصِّ الرُّمَّانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَلَا يُكْثِرُ الْأَكْلَ
(2/208)

فَقَدْ: أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَبُو زَيْدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ زَيْدٍ الْحَوْطِيُّ , نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْكِنَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ , عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ , قَالَ [ص:209]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ , حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أَكْلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ , فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثًا طَعَامًا , وَثُلُثًا شَرَابًا , وَثُلُثًا لِنَفَسِهِ "
(2/208)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ , وأَبُومَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السَّوَّاقُ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نا الْأَصْمَعِيُّ , قَالَ: وَعَظَ أَعْرَابِيٌّ أَخًا لَهُ , فَقَالَ: «يَا أَخِي إِنَّكَ طَالِبٌ وَمَطْلُوبٌ , فَبَادِرِ الْمَوْتَ , احْذَرِ الْفَوْتَ وَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا يَكْفِيكَ , وَدَعْ مِنْهَا مَا يُطْغِيكَ , وَإِيَّاكَ وَالْبِطْنَةَ , فَإِنَّهَا تُعْمِي عَنِ الْفِطْنَةِ»
(2/209)

أنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَبَّاسِ النِّعَالِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ الذَّرَاعُ بِالنَّهْرَوَانِ , نا حَرْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا أَبِي , نا الْعُتْبِيُّ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ , لِمَلِكِ الرُّومِ: " مَا تَعُدُّونَ الْأَحْمَقَ فِيكُمْ؟ قَالَ: الَّذِي يَمْلَأُ بَطْنَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِدُ " [ص:210] وَلْيَتَعَاهَدْ نَفْسَهُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ
(2/209)

فَقَدْ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي بِالدِّينَوَرِ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ الْحَافِظُ , حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ , نا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ , نا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ , نا ابْنُ وَهْبٍ , نا شِمْرُ بْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَرَ بِالْحِجَامَةِ وَالِاقْتِضَادِ»
(2/210)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ , أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِيٍّ أَبُو عَلِيٍّ , قِرَاءَةً عَلَيْهِ , حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ , هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ , عَنْ عُثْمَانَ , ومُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ , قَالَ: إِنَّهُ قَدْ تَبَيَّغَ بِي الدَّمُ , فَالْتَمِسْ لِي حَجَّامًا وَاجْعَلْهُ رَفِيقًا إِنِ [ص:211] اسْتَطَعْتَ , وَلَا تَجْعَلْهُ شَيْخًا كَبِيرًا , وَلَا صَبِيًّا صَغِيرًا , فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: «الْحِجَامَةُ عَلَى الرِّيقِ أَمْثَلُ , وَفِيهِ شِفَاءٌ وَبَرَكَةٌ , وَهُوَ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَفِي الْحِفْظِ» إِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِشُرْبِ الْمَطْبُوخِ مِنَ الدَّوَاءِ , فَلَا يَقْطَعُ عَادَتَهُ
(2/210)

فَقَدْ [ص:212]: أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ الرَّازِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , رَفَعَهُ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً فَتَدَاوَوْا»
(2/211)

وأنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا أَبُو مَسْعُودٍ , أنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ , عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ مَوْلَى لِمَعْمَرٍ , عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ , قَالَتْ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِمَاذَا تَسْتَمْشِينَ؟» قَالَتْ: بِالشُّبْرُمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَارٌّ بَارٌّ» , قَالَ: «أَيْنَ أَنْتِ مِنَ السَّنَا فَلَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ مِنَ الْمَوْتِ لَكَانَ السَّنَا»
(2/212)

أنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النِّعَالِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ
(2/212)

عَبْدِ اللَّهِ الذَّرَاعُ , نَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى , نَا أَبِي , حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ , قَالَ: " جَمَعَ هَارُونُ الرَّشِيدُ أَرْبَعَةً مِنَ الْأَطِبَّاءِ: عِرَاقِيًّا , وَرُومِيًّا , وَهِنْدِيًّا , سُوَادِيًّا فَقَالَ: يَصِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمُ الدَّوَاءَ الَّذِي لَا دَاءَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ الرُّومِيُّ: الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ: حَبُّ الرَّشَادِ الْأَبْيَضِ , وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ: الْمَاءُ الْحَارُّ , وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ: الْهِلِيلَجُ الْأَسْوَدُ , وَالسُوَادِيُّ سَاكِتٌ , وَكَانَ أحَذْقَهُمْ فَقِيلَ لَهُ تَكَلَّمْ , فَقَالَ: حَبُّ الرَّشَادِ: يُوَلِّدُ الرُّطُوبَةَ , وَالْمَاءُ الْحَارُّ: يَرْخِي الْمَعِدَةُ , وَالْهِلِيلَجُ الْأَسْوَدُ: يَحْرِقُ الْمَعِدَةَ , قَالُوا لَهُ: فَأَنْتَ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ أَنْ تَقْعُدَ عَلَى الطَّعَامِ وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ , وَتَقُومُ عَنْهُ وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ " وَمِنْ أَنْفَعِ مَا اسْتُعْمِلَ إِصْلَاحُ الْغِذَاءِ , وَاجْتِنَابُ الْأَطْعِمَةِ الرَّدِيئَةِ , وَتَنْقِيَةُ الطَّبْعِ مِنَ الْأَخْلَاطِ الْمُفْسِدَةِ
(2/213)

وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَمِيَّةِ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , نَا أَبُو دَاوُدَ , وأَبُو عَامِرٍ، لَفْظُ أَبِي عَامِرٍ , عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ , عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّةِ , قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عَلِيٌّ , وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ , وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهَا , وَقَامَ عَلِيٌّ لِيَأْكُلَ , فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: «مَهْ , إِنَّكَ نَاقِهٌ» , حَتَّى كَفَّ عَلِيٌّ , قَالَتْ [ص:214]: وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا , فَجِئْتُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ أَصِبْ مِنْ هَذَا فَهُوَ أَنْفَعُ لَكَ» فَمَنْ رَاعَى مَا رَسَمْتُ لَهُ مِنْ إِصْلَاحِ الْغِذَاءِ , وَتَنْقِيَةِ الطَّبْعِ , وَفَرَّغَ قَلْبَهُ , لَمْ يَكَدْ يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا سَهُلَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(2/213)

بَابُ: ذِكْرِ مِقْدَارِ مَا يَحْفَظُهُ الْمُتَفَقِّهُ اعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ جَارِحَةٌ مِنَ الْجَوَارِحِ , تَحْتَمِلُ أَشْيَاءَ , وَتَعْجِزُ عَنْ أَشْيَاءَ , كَالْجِسْمِ الَّذِي يَحْتَمِلُ بَعْضَ النَّاسِ أَنْ يَحْمِلَ مِائَتَيْ رِطْلٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ عِشْرِينَ رِطْلًا , وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي فَرَاسِخَ فِي يَوْمٍ , لَا يُعْجِزُهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي بَعْضَ مِيلٍ , فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ أَرْطَالًا , وَمِنْهُمْ مَنْ يُتْخِمُهُ الرَّطْلُ فَمَا دُونَهُ , فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْفَظُ عَشْرَ وَرَقَاتٍ فِي سَاعَةٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحْفَظُ نِصْفَ صَفْحَةٍ فِي أَيَّامٍ , فَإِذَا ذَهَبَ الَّذِي مِقْدَارُ حِفْظِهِ نِصْفُ صَفْحَةٍ يَرُومٌ أَنْ يَحْفَظَ عَشْرَ وَرَقَاتٍ تَشَبُّهًا بِغَيْرِهِ لَحِقَهُ الْمَلَلُ , وَأَدْرَكَهُ الضَّجَرُ , وَنَسِيَ مَا حَفِظَ , وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا سَمِعَ فَلْيَقْتَصِرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مِقْدَارٍ يَبْقَى فِيهِ مَا لَا يَسْتَفْرِغُ كُلَّ نَشَاطِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ أعونُ لَهُ عَلَى التَّعَلُّمِ مِنَ الذِّهْنِ الْجَيِّدِ وَالْمُعَلِّمُ الْحَاذِقُ
(2/215)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَبَّانِيُّ , نَا أَبُو الْأَشْعَثِ , نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ , نَا حُمَيْدٌ , قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَوْمِهِ , فَقَالَ: " كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا [ص:216] وَيُفْطِرَ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا , وَمَا كُنَّا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ , وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ " قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ تَنَافُرًا كَتَنَافُرِ الْوَحْشِ , فَأْلَفُوهَا بِالِاقْتِصَادِ فِي التَّعْلِيمِ , وَالتَّوَسُّطِ فِي التَّقْوِيمِ , لِتَحْسُنَ طَاعَتُهَا , وَيَدُومَ نَشَاطُهَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْرِجَ نَفْسَهُ فِيمَا يَسْتَفْرِغُ مَجْهُودَهُ , وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمَ فِي يَوْمٍ ضِعْفَ مَا يَحْتَمِلُ أَضَرَّ بِهِ فِي الْعَاقِبَةِ , لِأَنَّهُ إِذَا تَعَلَّمَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ , وَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ أَنْ يَضْبِطَهُ , وَظَنَّ أَنَّهُ يَحْفَظُهُ , فَإِنَّهُ إِذَا عَادَ مِنْ غَدٍ وَتَعَلَّمَ نَسِيَ مَا كَانَ تَعَلَّمَهُ أَوَّلًا , وَثَقُلَتْ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ , وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ حَمَلَ فِي يَوْمِهِ مَا لَا يُطِيقُهُ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي جِسْمِهِ ثُمَّ عَادَ مِنْ غَدٍ , فَحَمَلَ مَا يُطِيقُهُ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي جِسْمِهِ , وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ , وَيُصِيبُهُ الْمَرَضُ وَهُوَ لَا يُشْعِرُ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ: أَنَّ الرَّجُلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فِي يَوْمِهِ مِمَّا يَزِيدُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهِ , فَيَعْقُبُهُ ذَلِكَ ضَعْفًا فِي مَعِدَتِهِ , فَإِذَا أَكَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْرَ مَا كَانَ يَأْكُلُهُ أَعْقَبَهُ لِبَاقِي الطَّعَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَعِدَتِهِ تُخْمَةً [ص:217] فَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُشْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَحْمِيلِهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا , وَيَقْتَصِرَ مِنَ التَّعْلِيمِ عَلَى مَا يُبْقِي عَلَيْهِ حِفْظُهُ , وَيَثْبُتُ فِي قَلْبِهِ
(2/215)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , نَا أَبُو خَيْثَمَةَ , ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومَ النَّهَارَ؟» فَقُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ , قَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ , وَنَقِهَتْ نَفْسُكَ لِعَيْنِكَ حَقٌّ , وَلِنَفْسِكَ حَقٌّ فَصُمْ وَأَفْطِرْ , وَصَلِّ وَنَمْ» قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ أَبِي: نَقِهَتْ نَفْسُكَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا مَلَّتْ , فَلَمْ تَشْتَهِهِ وَهَجَمَتْ عَيْنُكَ: إِذَا سَالَتْ بِالدُّمُوعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ مِقْدَارًا , كُلَّمَا بَلَغَهُ وَقَفَ وَقْفَةً أَيَّامًا لَا يُرِيدُ تَعَلُّمًا , فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبُنْيَانِ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَجِيدَ البِنَاءً , بَنَاهُ أَذْرُعًا يَسِيرَةً , ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ , ثُمَّ يَبْنِي فَوْقَهُ , وَلَوْ بَنَى الْبِنَاءَ كُلَّهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يُسْتَجَادُ , وَرُبَّمَا انْهَدَمَ بِسُرْعَةٍ ,
(2/217)

وَإِنْ بَقِيَ كَانَ غَيْرَ مُحْكَمٍ , فَكَذَلِكَ الْمُتَعَلِّمُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ حَدًّا , كُلَّمَا انْتَهَى إِلَيْهِ وَقَفَ عِنْدَهُ , حَتَّى يَسْتَقِرَّ مَا فِي قَلْبِهِ , وَيُرِيحَ بِتِلْكَ الْوَقْفَةِ نَفْسَهُ , فَإِذَا اشْتَهَى التَّعَلُّمَ بِنَشَاطٍ عَادَ إِلَيْهِ , وَإِنِ اشْتَهَاهُ بِغَيْرِ نَشَاطٍ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ , فَإِنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي الْإِنْسَانُ , لِمَا كَانَ نَظِيرٌ لَهُ يُحِبُّ أَنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِ , وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ الِاقْتِدَارَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الطَّبْعِ نَشَاطٌ , فَلَا يَثْبُتُ مَا يَتَعَلَّمُهُ فِي قَلْبِهِ , وَإِذَا اشْتُهِرَ مَعَ نَشَاطٍ يَكُونُ فِيهِ ثَبْتٌ فِي قَلْبِهِ مَا يَسْمَعُهُ وَحَفِظَهُ , فَإِذَا أَكَلَ ضَرَّهُ وَلَمْ يَسْتَمْرِهِ , وَإِذَا اشْتَهَى وَالْمَعِدَةُ نَقِيَّةٌ , اسْتَمْرَأَ مَا أَكَلَ وَبَانَ عَلَى جِسْمِهِ
(2/218)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدَّقَّاقُ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّزَّازُ , قَالَ: حَدَّثَنَا وَفِي حَدِيثِ التَّنُوخِيِّ , قَالَ: أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُصْعَبٍ وكَتَبْتُ مِنْ كِتَابِهِ قُلْتُ: حَدَّثَكُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ لَا تُفْطِرُ , وَتُصَلِّي اللَّيْلَ لَا تَنَامُ؟» قُلْتُ: بَلَى , قَالَ: «فَبِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ يَوْمَيْنِ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ , قَالَ: «فَهَلْ لَكَ فِي صِيَامِ دَاوُدَ , فَإِنَّهُ أَعْدَلُ الصِّيَامِ , يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً هِيَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ , قَالَ: «لَعَلَكَ تَبْلُغُ بِذَلِكَ سِنًّا وَتَضْعُفُ , [ص:219] بِحَسْبِكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ نِصْفٍ» , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً هِيَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ , قَالَ: «فَبِحَسْبِكَ أَنْ تَقْرَأَ فِي كُلِّ عَشْرٍ» , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً هِيَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ , قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ , وَلَا تَنْثِرَنَّهُ» , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَشَدَدْتُ فَشَدَّدَ عَلَيَّ , وَلَيْتَنِي قَبِلْتُ الرُّخْصَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
(2/218)

أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْمَحْمُودِيِّ , حَدَّثَكُمُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ هِشَامٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ , فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» فَقُلْتُ: فُلَانَةُ , لَا تَنَامُ اللَّيْلَ , تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ , فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَيَسْتَصْلِحُ الْمُتَعَلِّمُ نَفْسَهُ بِبَعْضِ الْأَمْرِ مِنْ أَخْذِهِ نَصِيبًا مِنَ الدَّعَةِ وَالرَّاحَةِ وَاللَّذَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَعْقُبُهُ مَنْفَعَةٌ بَيِّنَةٌ
(2/219)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , قَالَ: " إِنَّ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهِ رَبَّهُ , وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ , وَسَاعَةٌ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ , وَتَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ , وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ , فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى هَذِهِ السَّاعَاتِ , وَإِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ "
(2/220)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , ثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ , عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ , قَالَ: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِي الذِّكْرَ»
(2/220)

بَابُ: ذِكْرِ أَخْلَاقِ الْفَقِيهِ وَآدَابِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ تَلَامِيذِهِ وَأَصْحَابِهِ يَلْزَمُ الْفَقِيهَ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنَ الْأَخْلَاقِ أَجْمَلَهَا , وَمِنَ الْآدَابِ أَفْضَلِهَا , فَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ مَعَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ , وَالْأَجْنَبِيِّ وَالنَّسِيبِ , وَيَتَجَنَّبُ طَرَائِقَ الْجُهَّالِ , وَخَلَائِقَ الْعَوَامِ وَالْأَرَذَالَ
(2/221)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّارُ الْبَصْرِيُّ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ , نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ يَعْنِي , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا , أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ
(2/221)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»
(2/222)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ خَارِجَةَ [ص:223] بْنِ زَيْدٍ , أَخْبَرَهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ , أَنَّ نَفَرًا , دَخَلُوا عَلَى أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , فَقَالُوا: حَدِّثْنَا عَنْ بَعْضِ , أَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «كُنْتُ جَارَهُ , فَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ , فَأَكْتُبُ الْوَحْيَ , فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا , وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا , وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا , فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ»
(2/222)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , نا مُسْلِمٌ , هُوَ: ابْنُ خَالِدٍ عَنِ الْعَلَاءِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «كَرَمُ الْمَرْءِ دِينُهُ , وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ»
(2/223)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَزَّازُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , أنا زُهَيْرٌ , عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ , عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ , قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتِ الْأَعْرَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ , أَوِ الْمُسْلِمُ؟ , قَالَ: «الْخُلُقُ الْحَسَنُ»
(2/224)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , ثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا [ص:225] دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ مَكْحُولٍ , عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ , وَأَقْرَبَكُمْ إِلَى أَحَاسِنِكُمْ أَخْلَاقًا , وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ , وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِئُكُمْ أَخْلَاقًا , الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ»
(2/224)

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ إِمْلَاءً بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْسَقَانِيُّ , أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ الشَّيْبَانِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرَيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ حُسْنُ الْخُلُقِ , وَمِنْ شِقْوَتِهِ سُوءُ الْخُلُقِ»
(2/225)

حُسْنُ مُجَالَسَةِ الْفَقِيهِ لِمَنْ جَالَسَهُ
(2/226)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شَرِيكٌ , وقَيْسٌ , عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ , قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَعَمْ كَانَ «طَوِيلَ الصَّمْتِ , قَلِيلَ الضَّحِكِ , وَكَانَ أَصْحَابُهُ رُبَّمَا تَنَاشَدُوا عِنْدَهُ الْأَشْعَارَ , وَالشَّيْءَ مِنْ أُمُورِهِمْ , فَيَضْحَكُونَ , وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(2/226)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ النَّخَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «جَلِيسِي الَّذِي يَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيَّ , لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى وَجْهِهِ لَفَعَلْتُ»
(2/226)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّرْسِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا شَرِيكٌ , عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيَّ: جَلِيسِي إِنَّ الذُّبَابَ لَيَقَعُ عَلَيْهِ فَيُؤْذِينِي "
(2/227)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ , ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الطُّوسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ , نا عَبَّادُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ رَجُلٍ , قَالَ: قَالَ وَهْبٌ: «إِذَا كُنْتَ جَالِسًا فَرَأَيْتَ أَخًا لَكَ مُقْبِلًا إِلَيْكَ , وَلَا مَوْضِعَ لَهُ عِنْدَكَ يَسَعُهُ فِي مَجْلِسِكَ , فَأَوْسِعْ لَهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ سَعَةٌ , وَأَرَدْتَ احْتَمَالَهُ , فَاسْتَأْذِنْ جَلِيسَكَ وَمُجَاوِرَكَ فِي مَجْلِسِكَ , وَمَنْ أَوْسَعَ لَكَ فِي مَجْلِسِهِ فَاقْبَلْهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ لَكَ , فَإِذَا كُنْتَ فِي مَجْلِسِ رَجُلٍ فَأَرَدْتَ إِكْرَامَ رَجُلٍ بِمَكَانٍ فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ , فَإِنَّ رَبَّ الْمَجْلِسِ أَوْلَى بِذَلِكَ , وَمَنْ دَخَلْتَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ , أَوْ أَتَيْتَ مَجْلِسَهُ , فَأَوْمَأَ إِلَى مَكَانٍ فَلَا تَعْدُهُ»
(2/227)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أنا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى , يَرْفَعُ الْحَدِيثَ , قَالَ [ص:228]: «سُوءُ الْمُجَالَسَةِ شُحٌّ , وَفُحْشٌ , وَسُوءُ خُلُقٍ»
(2/227)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ , ثنا فِطْرٌ , وَالْعَرْزَمِيُّ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ جَلِيسٌ لَمْ يُقَدِّمْ رُكْبَتَهْ , وَلَمْ يَقُمْ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ»
(2/228)

وقَالَ يَعْقُوبُ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا أَبُو شِهَابٍ , قَالَ: " دَخَلْتُ أَنَا وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ , فَجَلَسْنَا جَمِيعًا , فَعَظُمَتِ الْحَلَقَةُ , فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَاسْتَأْذَنَهُمْ , وَقَالَ: إِنَّكُمْ جَلَسْتُمْ إِلَيْنَا , وَلَوْ كُنْتُ أَنَا جَالِسٌ إِلَيْكُمْ لَمْ أَسْتَأْذِنْكُمْ "
(2/228)

اسْتِعْمَالُهُ التَّوَاضُعَ وَلِينَ الْجَانِبِ وَلُطْفَ الْكَلَامِ
(2/229)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ , أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا , نا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ , نا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ , حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «اطْلُبُوا الْعِلْمَ , وَاطْلُبُوا مَعَ الْعِلْمَ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ , لِينُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ , وَلِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ , وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ , فَيَغْلِبُ عِلْمَكُمْ جَهْلُكُمْ»
(2/229)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , نا عَفَّانُ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ [ص:230]: سَمِعْتُ أَيُّوبَ , يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَضَعَ , التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(2/229)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ , " نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعَالِمَ الْمُتَوَاضِعَ وَيُبْغِضُ الْعَالِمَ الْجَبَّارَ , وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ وَرَّثَهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ» وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَوِّدَ لِسَانَهُ لِينَ الْخِطَابِ , وَالْمُلَاطَفَةِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ , وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَهْلِ الذِّمَّةِ
(2/230)

فَقَدْ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ , نا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا , نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ , نا شَرِيكٌ , عَنْ أَبِي سِنَانٍ , قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْمَجُوسِيُّ يُوَلِّينِي مِنْ نَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيَّ أَفَأَرُدُّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ , فَقَالَ: «لَوْ قَالَ لِي فِرْعَوْنُ خَيْرًا لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ»
(2/230)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ , أنا وَكِيعٌ , وعَبْدَةُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: «مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ , لِيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا وَكَلِمَتُكَ طَيْبَةً , تَكُنُ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِنَ الَّذِي يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ»
(2/231)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ الْعَطَّارُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ الْفَقِيهُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُورَيْنِ , نا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدَةَ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ عُلْوَانَ , عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ الْأَسَدِيِّ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ»
(2/231)

اسْتِقْبَالُهُ الْمُتَفَقِّهَةَ بِالتَّرْحِيبِ بِهِمْ وَإِظْهَارِ الْبِشْرِ لَهُمْ
(2/237)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ , نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , أنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , حَدَّثَنِي ابْنُ زَحْرٍ , عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَانٌ , فَنَسْأَلُهُ فَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَيَأْتِيكُمْ أُنَاسٌ يَتَفَقَّهُونَ , فَفَقِّهُوهُمْ , وَأَحْسِنُوا تَعْلِيمَهُمْ» [ص:238] قَالَ: فَكَانَ يُجِيبُنَا بِمَسَائِلِنَا , فَإِذَا نَفِدَتْ حَدَّثَنَا بَعْدُ حَتَّى نَمَلَّ
(2/237)

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ , نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَتْحِ الْقَلَانِسِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بِشْرٍ الْبَزَّازُ , نا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حُصَيْنٍ , نا أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ , قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ , يَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ الْبِلَادَ , فَيَأْتِيَكُمْ غِلْمَانٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ , فَإِذَا جَاءُوكُمْ فَأَوْسِعُوا لَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ , وَأَفْهِمُوهُمُ الْحَدِيثَ» وَلِمُتَفَقِّهَةِ الْعَجَمِ مِزْيَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , لِذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ
(2/238)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ الْقَاضِي , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَبُو سُفْيَانَ الْأَسَدِيُّ , نا ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ [ص:239]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا تَنَاوَلُهُ رِجَالٌ مِنَ الْفُرْسِ»
(2/238)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , نا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ , وهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ , قَالَا: نا عَوْفٌ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّ الْعِلْمَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ قَوْمٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ»
(2/239)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا , قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ , يَقُولُ: «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي»
(2/239)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْكِنْدِيُّ , نا سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ , عَنْ أَبِي حَبِيبٍ الْمَوْصِلِيِّ , عَنْ مَكْحُولٍ , قَالَ: " الْتَقَى يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ , فَضَحِكَ عِيسَى فِي وَجْهِ يَحْيَى , وَصَافَحَهُ , فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا ابْنَ خَالَتِي أَرَاكَ ضَاحِكًا كَأَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: يَا ابْنَ خَالَتِي مَا لِي أَرَاكَ عَابِسًا كَأَنَّكَ قَدْ يَئِسْتَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: أَنَّ أَحَبَّكُمَا إِلَيَّ أَبَشُّكُمَا بِصَاحِبِهِ "
(2/240)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , قَالُوا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزَبَانِ , نا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي بِشْرٌ أَبُو نَصْرٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ , دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ , وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ , فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ , ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَهَضَ , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَكْمَلَ مُرُوءَةَ هَذَا الْفَتَى , فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: " إِنَّهُ أَخَذَ بِأَخْلَاقٍ أَرْبَعَةٍ , وَتَرَكَ أَخْلَاقًا ثَلَاثَةً: إِنَّهُ أَخَذَ بِأَحْسَنِ الْخُلُقِ الْبِشْرِ إِذَا لَقِيَ , وَأَحْسَنِ الْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ , وَبِأَحْسَنِ الِاسْتِمَاعِ إِذَا حُدِّثَ , وَبِأَيْسَرِ الْمُؤْنَةِ إِذَا خُولِفَ , وَتَرَكَ مِزَاحَ مَنْ لَا [ص:241] يُوثَقُ بِعَقْلِهِ وَلَا دِينِهِ , وَتَرَكَ مُجَالَسَةَ لِئَامِ النَّاسِ , وَتَرَكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ " وَيَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَتَأَلَّفَ الْمُتَفَقِّهَةَ بِالْمَعُونَةِ لَهُمْ عَلَى حَسْبِ إِمْكَانِهِ وَالِانْبِسَاطِ إِلَيْهِمْ وَالتَّخَلُّقِ مَعَهُمْ
(2/240)

أنا أَبُو طَاهِرٍ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي جَمْرَةَ , قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَكَانَ يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ , فَقَالَ لِي: «أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي»
(2/241)

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بُخَيْتٍ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ , نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , نا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ بَدْرِ بْنِ خَلِيلٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَبَّةَ الْعُرَنِيَّ , فَقَدَّمَ إِلَيَّ طَبَقًا عَلَيْهِ تَمْرٌ دَقَلٍ وَرُطْبَةٌ , فَقَالَ: كُلْ فَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ هُوَ أَطْيَبُ مِنْ هَذَا أَطْعَمْتُكَ فَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ [ص:242]: «إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فَأَطْعِمْهُ مِنْ أَطْيَبِ مَا فِي بَيْتِكَ , وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَادْهُنْهُ»
(2/241)

أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الطُّوسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلَانِيُّ , نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ , نا فَضَالَةُ الشَّحَّامُ , قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ أَتَاهُمْ بِمَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَلَرُبَّمَا قَالَ لِبَعْضِهِمْ: " أَخْرِجِ السَّلَّةَ مِنْ تَحْتِ السَّرِيرِ , فَيُخْرِجَهَا , فَإِذَا فِيهَا رَطْبٌ فَيَقُولُ: إِنَّمَا ادَّخَرْتُهُ لَكُمْ "
(2/242)

قَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ , ونا مُحَمَّدٌ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَزْدِيُّ , نا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: كُنَّا نَأْتِي خَيْثَمَةَ , فَيَقُولُ: " تَنَاوَلِ السَّلَّةَ مِنْ تَحْتِ السَّرِيرِ , فَأَتَنَاوَلَهَا وَفِيهَا خَبِيصٌ , فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ آكِلَهُ , وَلَكِنْ أَصْنَعُهُ لَكُمْ " [ص:243] قُلْتُ: وَخِدْمَةُ الْفَقِيهِ أَصْحَابَهُ بِنَفْسِهِ مِمَّا يُصَفِّي مِنْهُمُ الْمَوَدَّةَ وَيُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ لَهُ الْمَحَبَّةَ
(2/242)

أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , نا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ , حَدَّثَنِي أَبِي الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ , نا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي قَتَادَةَ , قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ النَّجَاشِيِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَامَ يَخْدُمُهُمْ , فَقَالَ أَصْحَابُهُ نَحْنُ نَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا لِأَصْحَابِنَا مُكْرِمِينَ , وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ»
(2/243)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: " قِيلَ لِرَجُلٍ: بِمَ سَدَّتَ قَوْمَكَ؟ , قَالَ: مَا سَدَّتُهُمْ حَتَّى صِرْتَ عَبْدًا لَهُمْ "
(2/243)

أنا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ , أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ , [ص:244] وأنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَزَّازُ , قَالَا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ , نا أَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْأَشَجُّ نا ابْنُ نُمَيْرٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: كُنْتُ آتِي مُجَاهِدًا , فَيَقُولُ: «لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الْمَشْيَ لِجِئْتُكَ»
(2/243)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ: «لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الْمَشْيَ لِجِئْتُكَ» وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَاطِبَ مَنْ خَاطَبَ مِنْهُمْ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ
(2/244)

فَقَدْ: أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الشَّيْبَانِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْخُتَّلِيُّ , نا حَاتِمُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ , قَدِمَ عَلَيْنَا بَغْدَادَ حَاجًّا , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ , نا عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ مَيْسَرَةَ , نا شَرِيكٌ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُكَنِّي أَصْحَابَهُ إِكْرَامًا لَهُمْ , وَتَسْنِيَةً لِأُمُورِهِمْ , وَاسْتِلَانَةً لِقُلُوبِهِمْ» [ص:245] وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَهُمْ وَيَسْأَلَ عَمَّنْ غَابَ مِنْهُمْ
(2/244)

أنا الْأَزْهَرِيُّ , وَالْجَوْهَرِيُّ , قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ , قَالَ: كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَافْتَقَدَهُ سَأَلَ أَهْلَ الْمَجْلِسِ مَا فَعَلَ صَاحِبُكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ قَالَ: «أَيْنَ مَنْزِلُهُ؟» فَإِنْ قَالُوا: لَا نَدْرِي ضَجِرَ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ: «لِأَيِّ شَيْءٍ تَصْلُحُونَ؟ يَجْلِسُ إِلَيْكُمْ رَجُلٌ , لَا تَدْرُونَ أَيْنَ مَنْزِلُهُ , إِذَا اعْتَلَّ لَمْ تَعُودُوهُ , وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ لَمْ تُعِينُوهُ» , فَإِنْ عَرَفُوا مَنْزِلَهُ , قَالَ: «قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَأْتِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَنُسَلِّ بِهِ وَنَعُودُهُ»
(2/245)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وَأَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَا: أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا ابْنُ دُرَيْدٍ , نا الْعُكْلِيُّ , عَنِ الْحِرْمَازِيِّ , قَالَ: أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ - كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ يَلْزَمُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ , فَفَقَدَهُ , فَسَأَلَ عَنْهُ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّهُ نِبْطِيٌّ , يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ مِنْهُ , فَقَالَ جَعْفَرٌ: «أَصْلُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ , وَحَسَبُهُ دِينُهُ وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ , وَالنَّاسُ فِي آدَمَ مُسْتَوُونَ»
(2/245)

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْيَزِدِيُّ بِأَصْبَهَانَ , قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْيَزِدِيُّ الْوَاعِظُ , لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ ... فَلَا تَدَعِ التَّقْوَى اتِّكَالًا عَلَى الْحَسَبِ
فَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ اللَّعِينَ أَبَا لَهَبِ»
(2/246)

بَابُ آدَابِ التَّدْرِيسِ إِذَا أَرَادَ الْفَقِيهُ الْخُرُوجَ إِلَى أَصْحَابِهِ لِيَذْكُرَ لَهُمْ دُرُوسَهُمْ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ حَالَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ , فَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يُسْكِنُ عَنْهُ فَوْرَةُ الْجُوعِ
(2/247)

فَقَدْ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ بِشْرَانِ , لَفْظًا أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّيَّاتُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ , نا زُهَيْرٌ , عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَجْعَلُ عَنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ»
(2/247)

وَإِنْ كَانَ حَاقِنًا قَضَى حَاجَتَهُ , فَقَدْ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ , نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُنَاسَةَ , نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ , عَنِ [ص:248] النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَأَرَادَ الرَّجُلُ الْخَلَاءَ , بَدَأَ بِالْخَلَاءِ»
(2/247)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ , بِالْبَصْرَةِ , أنا أَبُو رَوْقٍ الْهِزَّانِيِّ , نَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّبَعِيُّ الْهَاشِمِيُّ , مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ جَدِّي , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ , فَأَجَابَ وَأَحْسَنَ , فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , عَهْدِي بِكَ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَالسِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ , فَمَا بَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَأَخَّرْتَ عَنْ جَوَابِهَا؟ فَقَالَ: " كُنْتُ حَاقِنًا , وَلَا رَأْيَ لِحَاقِنٍ , ثُمَّ قَالَ:
[البحر المتقارب]
[ص:249]
إِذَا الْمُشْكِلَاتُ تَصَدَّيْنَ لِي كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ ... وَإِنْ بَرِقَتْ فِي مُخِيلِ الصَّوَابِ عَمْيَاءَ لَا يَجْتَلِيهَا الْبَصَرْ
مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الْأُمُورِ وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكْرِ ... لِسَانٌ كَشَقْشَقَةِ الْأَرْحَبِيِّ وَكَالْحُسَامِ الْيَمَانِ الذَّكَرْ
وَقَلْبٌ إِذَا اسْتَنْطَقَتْهُ الْعُيُونُ أَبَرَّ عَلَيْهَا بِوَاهٍ دُرَرْ ... لَسْتُ بِإِمَّعَةٍ فِي الرِّجَالِ يُسَائِلُ هَذَا وَذَا مَا الْخَبَرْ
وَلَكِنَّنِي مُذْرِبُ الْأَصْغَرَيْنِ أَبِينُ مَعَ مَا مَضَى مَا غَبَرْ"
(2/248)

وَإِنْ كَانَ نَاعِسًا لِأَمْرٍ أَسْهَرَهُ , أَخَّرَ تَدْرِيسَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ , وَأَخَذَ حَظَّهُ مِنْ نَوْمِهِ , فَقَدْ: أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا عَبْدُ اللَّهِ , وَهُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ , فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ لَيَسْتَغْفِرَ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» [ص:250] وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا طَيِّبَ النَّفْسِ , فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ السِّرَّ , فَإِذَا صَارَ إِلَى مَجْلِسِهِ , وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ , فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُرَ لِلْجَمَاعَةِ دُرُوسًا مُخْتَلِفَةً , لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ دَرْسًا , أَوْ يَذْكُرُ لِجَمِيعِهِمْ دَرْسًا وَاحِدًا هُمْ فِيهِ مُشْتَرِكُونَ , وَعَلَى اخْتِيَارِهِ مُتَّفِقُونَ
(2/249)

فَإِنْ كَانَتْ دُرُوسُهُمْ مُخْتَلِفَةً , قَدِمَ مَنْ كَانَ السَّبْقُ لَهُ , لِمَا: أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ , فِي كِتَابِهِ , نا جَعْفَرُ بْنُ بَهْمُرْدَ , قَالَ: نا مَعْمَرُ بْنُ سَهْلٍ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَجَّاجِ , نا عِيسَى بْنُ سِنَانٍ , عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ , قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَخَطَّى إِلَيْهِ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ , وَرَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَبَدَرَهُ الْأَنْصَارِيُّ , فَوَقَفَ الثَّقَفِيُّ فِي حَدِيثِهِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ سَبَقَكَ» فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , هُوَ فِي حَلٍّ لَعَلَّهُ أَعْجَلُ مِنِّي
(2/250)

فَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ فِي السَّبْقِ مُتَسَاوِينَ , قَدَّمَ ذَا السِّنِّ مِنْهُمْ لِمَا: أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ , مَوْلَى الْأَنْصَارِ [ص:251] عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ , ورَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ , أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَوْ حَدَّثَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فِي حَاجَةٍ , فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ , فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ , وَابْنَا عَمِّهِ: مُحَيِّصَةَ , وَحُوَيِّصَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرُوا أَمْرَ صَاحِبِهِمْ , فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ , وَكَانَ أَقْرَبَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْكُبْرُ» قَالَ يَحْيَى: الْكَلَامُ لِلْكَبِيرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَذْكُرُهُ دَرْسًا وَاحِدًا لِجَمِيعِهِمْ , فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَتَحَلَّقُوا , وَيَجْلِسَ فِي وَسْطِهِمْ بِحَيْثُ يَبْرُزُ وَجْهُهُ لِكُلِّهِمْ
(2/250)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ , نا أَبُو يَعْلَى , هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ , نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُرِّيِّ , عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: «جَلَسْتُ مَعَ عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ , إِنَّ بَعْضَنَا لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ , وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا , فَنَحْنُ نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ , إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ نَفْسَهُ بِنَا , ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ , [ص:252] فَاسْتَدَارَتِ الْحَلَقَةُ وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ»
(2/251)

وَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا , وَأَسْرَعَهُمْ فَهْمًا , فَإِنَّهُ يُقَرِّبُهُ , وَيُدْنِيهِ , وَيَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِيهِ , فَقَدْ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ قُرِئَ عَلَى إِسْحَاقَ النِّعَالِيِّ , وَأَنَا أَسْمَعُ: أَخْبَرَكُمْ جَعْفَرٌ الْفِيرْيَابِيُّ , نا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ , نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ , عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»
(2/252)

وَإِذَا جَلَسُوا حَوْلَهُ فَلْيَسْتَعْمِلُوا الْوَقَارَ وَالصَّمْتَ , فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ , عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ , قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءْوسِهِمُ الطَّيْرُ»
(2/252)

وَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْكَلَامَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ , فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلِ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّقَّاقِ , نا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , أنا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ أَقْطَعُ»
(2/253)

ثُمَّ يُتْبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ , فَقَدْ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ , نا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْأَنْبَارِيُّ إِمْلَاءً , نا حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ , نا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] , قَالَ: " لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَذُكِرْتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "
(2/254)

أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا شُعْبَةُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ , وَلَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً , وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ يَرَوْنَ الثَّوَابَ»
(2/254)

ثُمَّ يَذْكُرُ لَهُمُ الدَّرْسَ عَلَى تَمَكُّثٍ وَتُؤَدَةٍ , مِنْ غَيْرِ إِسْرَاعٍ وَعَجَلَةٍ , فَقَدْ: أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ , نا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ , نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْرُدُ الْكَلَامَ كَسَرْدِكُمْ , وَلَكِنْ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ سَمِعَهُ»
(2/255)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ , نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ , كَمَا يُعَلِّمُ الْمُكْتِبُ الْغِلْمَانَ»
(2/255)

وَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ يَتَّضِحُ بِعِبَارَةٍ يَغْلُبُ الْحَيَاءُ ذَاكِرَهَا , فَعَلَى الْفَقِيهِ إِيرَادُهَا وَلَا يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ مِنْهَا , فَقَدْ: أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , قَالَا: أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ , نا حَبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ , عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ , عَنْ حُصَيْنٍ الْمُزَنِيِّ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِلَّا الْحَدَثُ» لَا أَسْتَحْيِكُمُ مِمَّا لَا يَسْتَحِي مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: وَالْحَدَثُ أَنْ يَفْسُوَ أَوْ يَضْرِطَ
(2/256)

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يَذْكُرُهُ مُقْتَصِدًا , وَيَتَجَنَّبُ الْإِطَالَةَ , لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الضَّجَرِ وَالْمَلَالَةِ , فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ [ص:257] بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْمَادرائي , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ , نا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ , كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»
(2/256)

وأنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ , نا أَبُو يَعْلَى هُوَ الْمَوْصِلِيُّ , نا أَبُو الرَّبِيعِ , نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ , عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ , عَنْ جَابِرٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ , عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ , فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»
(2/257)

وَقَدْ رَخَّصَ فِي الْإِطَالَةِ إِذَا دَعَا إِلَى ذَلِكَ دَاعٍ أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , نا أَبُو حَفْصٍ: عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [ص:258] عَلِيٍّ , لَفْظًا , نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ , نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ , حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ , نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ , نا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ , قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ , فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ نَزَلَ فَصَلَّى , ثُمَّ صَعِدَ , فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ , ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى , ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ , فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ , فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ , وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ , فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا»
(2/257)

وَإِنْ اقْتَضَى مَا يَذْكُرُهُ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ لِيَقْرَبَ الْأَفْهَامَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ , فَعَلَ ذَلِكَ , مِثَالُهُ مَا: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دَوَسْتَ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ , إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا أَبُو الْيَمَانِ , أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ الْأَعْرَجَ , حَدَّثَ أَنَّهُ , سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ , يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ , صِغَارَ الْأَعْيُنِ , حُمْرَ الْوُجُوهِ , ذُلْفَ الْآنُفِ , كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ»
(2/258)

وأنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ , عِرَاضَ الْوُجُوهِ , كَأَنَّ أَعْيُنَهُمْ صَدَقُ الْجَرَادِ , وَكَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ»
(2/259)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ بِدِمَشْقَ , أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ , نا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , نا مُجَالِدٌ , عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي أَخْتِمُ أَلْفَ نَبِيٍّ أَوْ أَكْثَرَ , مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى قَوْمِهِ إِلَّا حَذَّرَهُمُ الدَّجَّالَ , وَإِنَّهُ قَدْ بُيِّنَ لِي شَيْءٌ , لَمْ يُبَيِّنْ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي , إِنَّهُ أَعْوَرُ , وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ , وَإِنَّ عَيْنَهُ عَوْرَاءُ تُخْفِي حَدَقَةً جَاحِظَةً , كَأَنَّهَا [ص:260] نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ , وَأُخْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ , وَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ , يَدْعُوهُ كُلُّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ: إِلَهًا "
(2/259)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجُنَيْدِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ , نا الْمَسْعُودِيُّ , نا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلِ اللَّهَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ , وَاذْكُرْ بِذَلِكَ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ , وَسَدَادَ السَّهْمِ»
(2/260)

وَإِنْ لَمْ يَفْهَمُوا إِلَّا بِالتَّمْثِيلِ , مَثِّلْ لَهُمْ , كَمَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِي يَعْلَى , عَنْ رَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ [ص:261]: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَّاً مُرَبَّعًا , وَخَطَّ وَسَطَهُ , وَخَطَّ خُطُوطًا هَكَذَا إِلَى جَنْبِ الْخَطِّ , وَخَطَّ خَطًّا خَارِجًا , فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: «هَذَا الْإِنْسَانُ» لِلْخَطِّ الَّذِي فِي وَسَطِ الْخَطِّ «وَهَذَا الْأَجَلُ مُحِيطٌ بِهِ , وَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ» لِلْخُطُوطٍ , «تَنْهَشُهُ , إِنَّ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا , وَذَاكَ الْأَمَلُ لِلْخَطِّ الْخَارِجِ»
(2/260)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا أَبُو عَمَّارٍ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , عَنْ أَبِي عَوَانَةَ , عَنْ رَقَبَةَ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ , قَالَ: «كُنْتُ أَسْأَلُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الشَّيْءِ , فَيَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْهَمْهُ , فَيَقِيسُ لِي حَتَّى أَفْهَمَ» وَأَحْسَبُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخَذَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ
(2/261)

فَإِنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , قَالَ: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ [ص:262]: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ الْفَرَائِضَ فَأَمِتْ جِيرَانَكَ»
(2/261)

فَإِذَا فَرَغَ أَعَادَ مَا ذَكَرَهُ , لِيُتْقِنُوا حِفْظَهُ عَنْهُ أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسِ , حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ , نا سَلَّمُ بْنُ قُتَيْبَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى , عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا , لِتُعْقَلَ عَنْهُ»
(2/262)

وَأَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ سُورَةً أَوْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ , قَبْلَ تَدْرِيسِ الْفِقْهِ أَوْ بَعْدَهُ , فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ , نا عَفَّانُ , نا شُعْبَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَمَعُوا تَذَاكَرُوا الْعِلْمَ , وَقَرَءُوا سُورَةً»
(2/262)

وَلْيَخْتِمِ الْفَقِيهُ مَجْلِسَهُ بِمَا: أناه الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمَرِيُّ , نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ , نا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ , عَنْ أَبِي هَاشِمٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمَيِّ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ , قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ , أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ , أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّكَ تَقُولُ كَلَامًا , مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا خَلَا؟ قَالَ: «هَذَا كَفَّارَةُ مَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ»
(2/263)

ثُمَّ يَعْتَزِلُ الَّذِينَ حَضَرُوا الدَّرْسَ , فَيَتَذَاكَرُونَهُ , وَيُعِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُفِيدُ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ , نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , أنا نُوحُ بْنُ [ص:264] قَيْسٍ , نا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرُبَّمَا كُنَّا نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ إِنْسَانًا , فَيُحَدِّثُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ يَقُومُ فَنَتَرَاجَعُهُ بَيْنَنَا , هَذَا وَهَذَا وَهَذَا , فَنَقُومُ , وَكَأَنَّمَا قَدْ زُرِعَ فِي قُلُوبِنَا» فَإِذَا أَتْقَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الدَّرْسَ , وَحَفِظَهُ , فَلْيَكْتُبْهُ , وَيَكُونُ تَعْوِيلُهُ عَلَى حِفْظِهِ , فَإِنِ اضْطَرَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَحْفُوظِهِ رَجَعَ إِلَى كِتَابِهِ فَاسْتَثْبَتَهُ مِنْهُ
(2/263)

كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فِيمَا: أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ يَعْنِي أَبَا بَكْرِ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ , نَا أَبِي قَالَ: قَالَ الْخَلِيلُ: " اجْعَلْ مَا فِي الدَّفْتَرِ رَأْسَ مَالِكَ , وَمَا فِي قَلْبِكَ لِلنَّفَقَةِ , وَأَنْشَدَ:
[البحر الرجز]
لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمَطْرُ ... مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا وَعَاهُ الصَّدْرُ"
(2/264)

أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْخَيَّاطُ , نا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ , نا الْغَلَابِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّاذَكُونِيَّ , يَقُولُ [ص:265]: «لَيْسَ الْعِلْمُ إِلَّا مَا دَخَلْتَ بِهِ الْحَمَّامُ»
(2/264)

وَلَيْسَ يُثَبِّتُ الْحِفْظَ إِلَّا دَوَامُ الْمُذَاكَرَةِ بِالْمَحْفُوظِ أنا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدمشقي , أنا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ السُّلَمِيُّ , أنا أَبُو الدَّحْدَاحِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ , نا أَبُو عَامِرٍ مُوسَى بْنُ عَامِرٍ الْمُرِّيُّ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: «إِنَّمَا يُذْهِبُ الْعِلْمَ النِّسْيَانُ وَتَرْكُ الْمُذَاكَرَةِ» وَيَنْبَغِي لِلْمُتَفَقِّهِ أَنْ يُرَافِقَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَعَهُ لِسَمَاعِ [ص:266] الدَّرْسِ , فَيُذَاكِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَفْضَلُ الْمُذَاكَرَةِ أَنْ تَكُونَ لَيْلًا فَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ
(2/265)

مَا جَاءَ فِي الْمُذَاكَرَةِ بِالْفِقْهِ لَيْلًا
(2/267)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ , نا شَرِيكٌ , عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ أَبَاهُ , أَتَى عُمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ , فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا مُوسَى السَّاعَةَ؟» قَالَ: نَتَذَاكَرُ الْفِقْهَ , قَالَ: فَجَلَسْنَا لَيْلًا طَوِيلًا نَتَذَاكَرُ , قَالَ أَبُو مُوسَى: الصَّلَاةُ , فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّا فِي صَلَاةٍ» , قَالَ: فَتَذَاكَرَا حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْفَجْرِ
(2/267)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ , وأنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , [ص:268] قَالَا: نا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالسَّمَرِ فِي الْفِقْهِ»
(2/267)

أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رِزْقَوَيْهِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَ: أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , وأنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , قَالُوا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , وأنا ابْنُ الْمُفَضَّلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: «كَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَالْمُغِيرَةُ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ يَسْمُرُونَ فِي الْفِقْهِ , فَرُبَّمَا لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَسْمَعُوا النِّدَاءَ بِالْفَجْرِ» وَقَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فَرُبَّمَا لَمْ يَقُومُوا إِلَى النِّدَاءِ بِالْفَجْرِ
(2/268)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مِنْجَابٍ الطِّيبِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , نا أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ: «كَانَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالْمُغِيرَةُ وَالْقَعْقَاعُ وَابْنُ شُبْرُمَةَ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ يَجْلِسُونَ فَيَتَطَارَحُونَ الْفِقْهَ , وَرُبَّمَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْفَجْرَ وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا»
(2/269)

فَضْلُ تَدْرِيسِ الْفِقْهِ فِي الْمَسَاجِدِ
(2/270)

أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ التَّاجِرُ , قَالَ: أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسِ بْنِ كَامِلٍ , نا أَبُو مَعْمَرٍ , نا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ , قَالَ: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَمَا مَجَالِسُهُمْ إِلَّا الْمَسَاجِدُ»
(2/270)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ السُّتُورِيُّ , وأَبُوعَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دُوسَتَ الْعَلَّافُ , قَالَا: نا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَزْوِينِيُّ , إِمْلَاءً , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , أنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ , نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ مُحَارِبٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ , وَشَرَّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ»
(2/270)

أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْأَزَجِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي دَرَّاجٌ , عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «سَيُعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ» قِيلَ: وَمَنْ أَهْلُ الْكَرْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَجَالِسُ الذِّكْرِ فِي الْمَسَاجِدِ»
(2/271)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ الثَّغْرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ , نا أَبُو الْمُغِيرَةِ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ خَيْثَمَةَ , قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْمَسَاجِدُ مَجَالِسُ الْأَنْبِيَاءِ» وَفِي أَصْلِ الْمُعَدِّلِ: مَسَاجِدُ الْأَنْبِيَاءِ , وَهِيَ حِرْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ
(2/271)

وَأَسْتَحِبُّ لِلْفَقِيهِ أَنْ لَا يُخِلَّ بِعَقْدِ الْحَلَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي أَيَّامِ الْجُمُعَاتِ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَشَّارٍ السَّابُورِيُّ بِالْبَصْرَةِ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ , نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا مُسَدَّدٌ , نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ , وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ , وَنَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْحَلَقَةُ بِقُرْبِ الْإِمَامِ , بِحَيْثُ يَشْغَلُ الْكَلَامُ فِيهَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا وَالْحَلَقَةُ بَعِيدَةً مِنَ الْإِمَامِ , بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهَا صَوْتُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ , وَقَدْ رَأَيْتُ كَافَّةَ شُيُوخِنَا مِنَ الْفُقَهَاءِ , وَالْمُحَدِّثِينَ يَفْعَلُونَهُ , وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
(2/272)

أنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ الْكَاتِبُ بِأَصْبَهَانَ , نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَعْبَدٍ السِّمْسَارُ , نا يَحْيَى بْنُ مُطَرِّفٍ , نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا شَدَّادُ بْنُ [ص:273] سَعِيدٍ الرَّاسِبِيُّ أَبُو طَلْحَةَ , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُزَيْنَةَ لَيْسَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ طَعَنَ أَوْ طُعِنَ , أَوْ ضَرَبَ أَوْ ضُرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلُوا , وَلَبِسُوا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِمْ , وَنَسَمُوا مِنْ طِيبِ نِسَائِهِمْ , ثُمَّ أَتَوَا الْجُمُعَةَ , وَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ جَلَسُوا يَبُثُّونَ الْعِلْمَ وَالسُّنَّةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ»
(2/272)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا عَفَّانُ , نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ , قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا الْعَلَاءِ وَالْجُرَيْرِيَّ وَأَبَا نَعَامَةَ السَّعْدِيَّ وَأَبَا نَعَامَةَ الْحَنَفِيَّ وَمَيْمُونَ بْنَ سِيَاهٍ وَأَبَا نَضْرَةَ يَتَحَلَّقُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» قَالَ عَفَّانُ: وَذَكَرَ مَهْدِيٌّ أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ أَحْفَظْهُمْ
(2/274)

إِلْقَاءُ الْفَقِيهِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ أَسْتَحِبُّ أَنْ يَخُصَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمُذَاكَرَةِ لِأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ , وَإِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَلَامِ فِيهَا , وَالْمُنَاظَرَةِ عَلَيْهَا
(2/274)

فَقَدْ: أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ , نا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ إِمْلَاءً , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدَّادُ , نا مُعَلَّى يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ , نا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَكْثُرُ لَغَطُنَا وَمِرَاؤُنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
(2/274)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , وَالْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ , أَنَّهُمَا سَمِعَا الْأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ , يُحَدِّثُ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ؟» فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: «يَعْبُدُونَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا» قَالَ: «تَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا [ص:275] فَعَلُوا ذَلِكَ؟» فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ»
(2/274)

وَإِنْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْمُتَفَقِّهَةِ حَدَثٌ أَوْ صَبِيٌّ لَهُ حِرْصٌ عَلَى التَّعَلُّمِ أَوْ آنَسَ الْفَقِيهُ مِنْهُ ذَكَاءً , أَوْ فِطْنَةً , فَلْيُقْبِلْ عَلَيْهِ , وَيَصْرِفِ اهْتِمَامَهُ إِلَيْهِ , فَقَدْ: أنا أَبُو الْفَتْحِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ , لَا يَخْفَى ضَوْءُهَا , وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ السَّحَابِ , فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ لَا تَخْفَى غَرِيزَةُ عَقْلِهِ , وَإِنْ كَانَتْ مَغْمُورَةً بِأَخْلَاقِ الْحَدَاثَةِ»
(2/275)

وَإِذَا حَضَرَ هَذَا الصَّبِيُّ حَلَقَةَ النَّظَرِ , فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى كَلَامَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ , وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّامِتِينَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّقَّاقُ , بِالْمَصِّيصَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ , نا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَعَافِرِيُّ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ , قَالَ: «إِذَا تَكَلَّمَ الْحَدَثُ فِي الْحَلَقَةِ أَيِسْنَا مِنْ خَيْرِهِ»
(2/275)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [ص:276] السَّرَّاجُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ , نا أَبِي , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ , إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ يَعْنِي شَجَرَةً لَهَا بَرَكَةٌ كَبَرَكَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» , قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ , فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ , ثُمَّ أَلْتَفِتُ , فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشْرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ , فَسَكَتُّ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»
(2/275)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُخَرِّمِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ , نا وهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: «أَنْبِئُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ الْمُسْلِمَ لَا يَتَحَارَثُ وَرَقُهَا , تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا؟» قَالَ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ , قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» , قُلْتُ لِأَبِي: لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ , قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ قُلْتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا , فَقُلْتُ: كُنْتَ فِي الْقَوْمِ وأَبُوبَكْرٍ , فَلَمْ [ص:277] تَقُولَا شَيْئًا , فَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ
(2/276)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ بْنِ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ الْمَطِيرِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , نا ابْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ يَقُولُ: «لَا تَتَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا»
(2/277)

وَإِذَا عَلَتْ مَنْزِلَةُ الْحَدَثِ فِي الْفِقْهِ , فَيَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَلَامِ مَعَ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَيَجْعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَنَاظِرِينَ أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوُيْهِ النَّحْوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا يُوسُفُ بْنُ كَامِلٍ , نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , نا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا دَعَا الْأَشْيَاخَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَانِي مَعَهُمْ , وَقَالَ: لَا تَتَكَلَّمْ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا , قَالَ: فَدَعَانَا ذَاتَ يَوْمٍ , أَوْ قَالَ: ذَاتَ لَيْلَةٍ , فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا» فَفِي أَيِّ الْوِتْرِ تَرَوْنَهَا؟ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَاسِعَةً , سَابِعَةً , خَامِسَةً , ثَالِثَةً , فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ , مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ تَكَلَّمْتُ , قَالَ: مَا [ص:278] دَعَوْتُكَ إِلَّا لِتَتَكَلَّمَ , فَقُلْتُ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي؟ فَقَالَ: عَنْ رَأْيِكَ أَسْأَلُكَ , فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْثَرَ ذِكْرَ السَّبْعِ , فَقَالَ: السَّمَوَاتُ سَبْعٌ , وَالْأَرَضُونَ سَبْعٌ حَتَّى قَالَ: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حِبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 27] فَالْحَدَائِقُ كُلُّ مُلْتَفٍّ , وَكُلُّ مُلْتَفٍّ حَدِيقَةٌ , وَالْأَبُّ مَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِمَّا لَا يَأْكُلُ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ هَذَا الْغُلَامُ , الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ شُئُونُ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ , فَإِذَا دَعَوْتُكَ مَعَهُمْ فَتَكَلَّمْ
(2/277)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ إِمْلَاءً , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الْعُمَرَيُّ , نا أَبُو الْعُمَيْسِ , عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ , قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عُتْبَةَ , «تَعَلَّمْ آخِرَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ: «صَدَقْتَ» [ص:279] وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدَّ الْمُنَاظَرَةِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ نَاظَرَهُ , وَإِنْ كَانَ شَيْخًا , فَقَدْ
(2/278)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ , نا أَبُو خَلِيفَةَ الْقَاضِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ , قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ أَبِي عُبَيْدَةَ , فَرَأَى شَابًّا يَنْبَسِطْ عَلَى الْمَشَايِخِ , فَقَالَ: «إِذَا قَلَّ حَيَاءُ الْغُلَامِ كَثُرَ عِلْمُهُ , وَفِي غَيْرِ الْعِلْمِ لَمْ يُرْجَ خَيْرُهُ»
(2/279)

وَإِذَا أَجَابَ الْمَسْئُولُ بِالصَّوَابِ فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُعَرِّفَهُ إِصَابَتَهُ , وَيُهَنِّيهِ بِذَلِكَ لِيَزْدَادَ فِي الْعِلْمِ رَغْبَةً وَبِهِ مَسَرَّةً أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْوَاسِطِيُّ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ صَنَعْتَ فِي اسْتِلَامِكَ الْحَجَرَ؟» قُلْتُ: اسْتَلَمْتُ وَتَرَكْتُ , قَالَ: «أَصَبْتَ»
(2/279)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , أَخْبَرَكُمُ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ , نا ابْنُ كَثِيرٍ , أنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ , فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ سُورَةَ يُوسُفَ , فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ , فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: «لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» , فَقَالَ: أَحْسَنْتَ
(2/280)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ , نا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ السُّكَّرِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسَ الْجُرَيْرِيِّ , عَنْ أَبِي السَّلِيلِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ لَهُ: «أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , حَتَّى أَعَادَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ»
(2/280)

وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ الِاعْتِرَافُ بِفَضْلِ الْفَقِيهِ , وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ جِهَتِهِ اكْتَسَبَهُ , وَعَنْهُ أَخَذَهُ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ , نا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ , إِنِّي أُمِرْتُ بِعَرْضِ الْقُرْآنِ عَلَيْكَ» , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , بِاللَّهِ آمَنْتَ , وَعَلَى يَدَيْكَ أَسْلَمْتُ , وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ
(2/281)

وَإِذَا أَخْطَأَ الْمَسْئُولُ فِي الْجَوَابِ , فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ ذَلِكَ , لِيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِإِنْعَامِ النَّظَرِ , وَيَتَحَفَّظَ مِنَ التَّقْصِيرِ , خَوْفَ الزَّلَلِ أنا الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [ص:282] إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً , تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ , وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ , فَمِنْهُمُ الْمُسْتَقِلُّ , وَمِنْهُمُ الْمُسْتَكْثِرُ , وَرَأَيْتُ سَبَبًا وَاصِلًا إِلَى السَّمَاءِ فَأَخَذْتُ بِهِ فَأَعْلَاكَ اللَّهُ , ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَعَلَا بِهِ , ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَعَلَا بِهِ , ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ فَعَلَا بِهِ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وَصَلَ لَهُ رَجُلٌ فَعَلَا بِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْبُرُهَا , فَقَالَ: أَمَا الظُّلَّةُ: فَالْإِسْلَامُ , وَأَمَّا السَّمْنُ وَالْعَسَلُ الَّذِي يَنْطِفُ مِنْهَا: فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ , وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ فِي أَيْدِيهِمْ: فَالنَّاسُ مِنْهُمُ الْمُسْتَقِلُّ , وَمِنْهُمُ الْمُسْتَكْثِرُ , وَأَمَّا السَّبَبُ: فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ , أَخَذْتَ بِهِ فَأَعْلَاكَ اللَّهُ , ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَيَعْلُو , ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ , ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ , فَانْقَطَعَ , ثُمَّ وَصَلِّ بِهِ فَعَلَا بِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» , قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقْسِمُ يَا أَبَا بَكْرٍ» ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخَطَأَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرِ بِكَوْنِهِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ , هُوَ أَنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ شَيْئًا وَاحِدًا , [ص:283] وَوَصَفَهُ بِالْحَلَاوَةِ وَاللِّينِ , وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُمَا شَيْئَانِ , كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِ , مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَدَّهُمَا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ الْقُرْآنُ
(2/281)

وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ مَا أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا قُتَيْبَةُ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ واهِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي إِحْدَى إِصْبَعِي سَمْنًا , وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا , فَأَنَا أَلْعَقُهُمَا , فَلَمَّا أَصْبَحْتُ , ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ " فَكَانَ يَقْرَأْهُمَا فَكَانَتْ عِبَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةَ فِي السَّمْنِ وَالْعَسَلِ , أَنَّهُمَا لِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , وَكَانَتْ عِبَارَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ , فَكَانَ الْخَطَأُ الَّذِي فِي ذِكْرِ الْعِبَارَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ هَذَا وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ , فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا أَخْطَأَ فِيهِ , وَكَرَاهَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَسَمَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُخْبِرَهُ إِنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ أَنَّ التَّعْبِيرَ الَّذِي صَوَّبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِهِ وَخَطَّأَهُ فِي بَعْضٍ لَمْ يَكُنْ عَنْ وَحْيِ , لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ مَا تُعَبَّرُ الرُّؤْيَا بِالظَّنِّ , وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظَنِّهِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ فِي ظُنُونِهِمْ , يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ [ص:284] الْخَطَأُ , وَإِنَّمَا الْوَحْيُ الَّذِي كَانَ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ , وَلَا يَقَعُ الْخَطَأُ فِيهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(2/283)

وَيَجُوزُ لِلْفَقِيهِ مُدَاعَبَةُ مَنْ أَخْطَأَ مِنْ أَصْحَابِهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ الْخَجَلَ بِذَلِكَ , كَمَا: أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ , نا أَبُو يَعْلَى , هُوَ الْمَوْصِلِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى , زَحْمَوَيْهِ , نا صَالِحُ يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ عَدِيٍّ , قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ , أَهُمَا خَيْطَانِ؟ فَضَحِكَ , وَقَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا يَا ابْنَ حَاتِمٍ , هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَّادِ اللَّيْلِ»
(2/284)

وَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ لِمَنْ أَخْطَأَ خَطَأَهُ فِي لِينٍ وَرِفْقٍ , مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ وَلَا خَرْقٍ [ص:285] أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْيَزِدِيُّ بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَاسَرْجَسِيُّ , نا إِسْحَاقُ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، أنا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ , قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مَعُ , رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ , فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ , قَالَ: فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ , فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَيَّاهُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ , فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسْكُتُونِي لَكَأَنِّي سَكَتُّ , فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِأَبِي وَأُمِّي , مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ , وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ , وَاللَّهِ مَا ضَرَبَنِي , وَلَا كَهَرَنِي وَلَا سَبَّنِي , قَالَ: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ , إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ , وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ»
(2/284)

أنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ , نا كَثِيرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ , عَنْ [ص:286] ثَابِتٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ , وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ»
(2/285)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى: وأنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ , نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ , وأَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ , قَالَا: نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ , قَالَا: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلِّمُوا وَلَا تُعَنِّفُوا , فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ» [ص:287] لَفْظُهُمَا سَوَاءٌ
(2/286)

أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيُّ , أنا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ يَعْنِي: ثَعْلَبًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ , يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: «كَانَ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا عَلَّمَ أَنْ لَا يُعَنِّفَ , وَإِذَا عُلِّمَ أَنْ لَا يَأْنَفَ»
(2/287)

وَإِذَا سَأَلَ الْفَقِيهَ سَائِلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُعْجُوبَةٍ , فَلَا يَنْبَغِي لِلْأَصْحَابِ أَنْ يَضْحَكُوا مِنْهُ أنا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الرَّاثِيُّ , بِبَغْدَادَ , نا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ , عَنْ مُجَالِدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , ثِيَابُنَا فِي الْجَنَّةِ نَنْسِجُهَا بِأَيْدِينَا؟ فَضَحِكَ الْقَوْمُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ مِنْ جَاهِلٍ يَسْأَلُ عَالِمًا؟ لَا يَا أَعْرَابِيُّ , وَلَكِنَّهَا تَشَقَّقُ عَنْهَا ثِمَارُ الْجَنَّةِ» [ص:288] وَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِينَ أَلَا يَرُدُّوا عَلَى مَنْ أَخْطَأَ بِحَضْرَةِ الْعَالِمِ , وَيَتْرُكُوا الْعَالِمَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ
(2/287)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَصِيبِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَعْرُوفُ بِالنَّطَّاحِ , وَهُوَ مِنْ مَوَالِي مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: قَالَ عُبَيْدَةَ: «لَا تَرُدَنَّ عَلَى أَحَدٍ خَطَأً فِي حَفْلٍ , فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ وَيَتَّخِذُكَ عَدُوًّا»
(2/288)

وَأَمَّا إِذَا أَخْطَأَ الْفَقِيهُ , وَتَبَيَّنَ لِصَاحِبِهِ الْآخِذِ عَنْهُ خَطَؤُهُ , فَإِنَّ الصَّاحِبَ يَتَلَطَّفُ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْإِمَامُ بِأَصْبَهَانَ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: نا سُفْيَانُ , عَنْ سَلَمَةَ يَعْنِي ابْنَ كُهَيْلٍ , عَنْ ذَرٍّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكَ آيَةً , فَلَمَّا صَلَّى , قَالَ: «أَفِي الْقَوْمِ [ص:289] أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , نُسِخَتْ آيَةُ كَذَا وَكَذَا , أَمْ نُسِّيتَهَا , قَالَ: «بَلْ نُسِّيتُهَا»
(2/288)

حَدَّثَنِي قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّامِغَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيَّ , يَقُولُ: " دَرَسَنَا يَوْمًا أَبُو بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيُّ , فَحَكَى فِي تَدْرِيسِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , شَيْئًا , وَهِمَ فِي حِكَايَتِهِ , وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى خِلَافِهِ , فَلَمَّا انْقَضَى تَدْرِيسُهُ , تَرَكْتُ الْإِعَادَةَ عَلَى الْأَصْحَابِ , وَمَضَيْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَمَعِي كِتَابُ الْجَامِعِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , وَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ , فَأَذِنَ لِي فِي الدُّخُولِ , فَدَخَلْتُ , وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ , ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هَاهُنَا بَابٌ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ أَشْكَلَ عَلَيَّ , وَأَحْتَاجُ إِلَى قِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّيْخِ , فَقَالَ: افْعَلْ , فَقَرَأْتُ مِنْ قَبْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدْتُ لِأَجْلِهِ إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ , وَجَاوَزْتُهُ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ كُنَّا حَكَيْنَا فِي الدَّرْسِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ شَيْئًا , وَالنَّصُّ هَاهُنَا عَنْهُ بِخِلَافِهِ وَهُوَ كَذَا , فَعَرَفَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ حَتَّى يَذْكُرُوهُ وَيُعَلِّقُوهُ عَلَى الصَّوَابِ أَوْ كَمَا قَالَ "
(2/289)

تَنْبِيهُ الْفَقِيهِ عَلَى مَرَاتِبِ أَصْحَابِهِ
(2/290)

يُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيهِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى مَرَاتِبِ أَصْحَابِهِ فِي الْعِلْمِ , وَيَذْكُرَ فَضْلَهُمْ , وَيُبَيِّنَ مَقَادِيرَهُمْ , لِيَفْرُغَ النَّاسُ فِي النَّوَازِلِ بَعْدَهُ إِلَيْهِمْ , وَيَأْخُذُوا عَنْهُمْ أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيٍّ , عَنْ رِبْعِيٍّ , عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَدْرِي قَدْرَ بَقَائِي فِيكُمْ , فَاقْتُدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ عَمَّارٍ , وَمَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ»
(2/290)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانَ الْغَزَّالُ , نا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ [ص:291] سَلَّامٍ السَّوَّاقُ , نا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ , نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , وعَاصِمٍ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ , وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ , وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ , وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ , وَأَقْرَأُهُمْ أُبَيٌّ , وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ , وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا , وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»
(2/290)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُلْحِمِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَبَّاسِيُّ , نا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرٍ , نا مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي لِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ , وَأَوْفَقُ أُمَّتِي لِأُمَّتِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , وَأَصْدَقُ أُمَّتِي حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ , وَأَقْضَى أُمَّتِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ بِرَبْوَةٍ , وَأَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ , وَأَفْرَضُهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَقَدْ أُوتِيَ عُوَيْمِرٌ عِبَادَةً يَعْنِي - أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»
(2/291)


أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَخْتَرِيُّ الْمَادَرَائِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ , نا الشَّافِعِيُّ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ»
(2/292)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ , نا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْأَنْبَارِيُّ , إِمْلَاءً , نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ , نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسِ: «لَقَدْ عَلِمْتَ عِلْمًا مَا عَلِمْنَاهُ»
(2/292)

وَإِذَا بَانَ لِلْفَقِيهِ نَفَاذُ أَحَدِ أَصْحَابِهِ فِي الْعِلْمِ وَحُسْنُ بَصِيرَتِهِ بِالْفِقْهِ , جَازَ لَهُ تَخْصِيصُهُ دُونَهُمْ وَأَثَرَتُهُ عَلَيْهِمْ أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا ابْنُ الْجُنَيْدِ , نا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ , نا عَبْدُ الْوَاحِدِ , نا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ , عَنْ أَبِي زُرْعَةَ [ص:293] بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «كَانَ لِي سَاعَةٌ مِنَ السَّحَرِ آتِي فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ أَذِنَ لِي , وَإِذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ , فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إِذْنُهُ»
(2/292)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى عُمَرَ بْنِ نُوحٍ الْبَجَلِيُّ , وأنا أَسْمَعُ , أَخْبَرَكُمْ أَبُو خَلِيفَةَ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ , نا ابْنُ كَثِيرٍ , أنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ , قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ أَبِي مُوسَى وَأَبِي مَسْعُودٍ فَذَكَرَا عَبْدَ اللَّهِ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «مَا نَرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» , قَالَ: «إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يَدْخُلُ إِذَا حُجِبْنَا , وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا»
(2/293)

أَخْبَرَنِي أَبُو حَازِمٍ: عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدَوِيُّ الْحَافِظُ بنَيْسَابُورَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَيُعْرَفُ بِالتُّرْكِ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , أنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , قَالَ: نا الْأَعْمَشُ , عَنْ [ص:294] شَقِيقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اثْنَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ , عِشْرِينَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ» , ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلْقَمَةَ فَدَخَلَ , فَخَرَجَ إِلَيْنَا عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ , فَأَخْبَرَنَا بِهِنَّ
(2/293)

فَإِذَا بَلَغَ الْمُتَعَلِّمُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ الْفَقِيهِ فَلْيَغْتَنِمْ أَوْقَاتَهُ , وَلْيَحْرِصْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ , وَخَاصَّةً فِي حَالِ فَرَاغِهِ , وَأَوْقَاتِ خَلَوَاتِهِ مَعَهُ. أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ , نا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ , حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ , نا زِيَادٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ , نا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ , عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ , قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ دِينِ , قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَكَثْتُ فِي أَهْلِي حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَتَى الْمَدِينَةَ , وَظَهَرَ بِهَا , فَأَتَيْتُهُ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ , أَنْتَ السُّلَمِيُّ الَّذِي أَتَانِي بِمَكَّةَ» , فَسَأَلَنِي عَنْ كَذَا كَذَا , فَقُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا , فَاغْتَنَمْتُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ , وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدَّهْرُ أَفْرَغَ قَلْبًا مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ , فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلِمْتَ وَجَهِلْتُ [ص:295]، وَمَا يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُرُّكَ "
(2/294)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ , وَعَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي: ابْنَ عِمْرَانَ ويُونُسَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالُوا: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ أَبِي يَدْعُونِي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ وَعُثْمَانُ وَإِسْمَاعِيلُ إِخْوَتِي وَآخَرُ قَدْ سَمَّاهُ هِشَامٌ فَيَقُولُ: " لَا تَغْشُونِي مَعَ النَّاسِ , إِذَا خَلَوْتُ فَسَلُونِي فَكَانَ يُحَدِّثُنَا , يَأْخُذُ فِي الطَّلَاقِ , ثُمَّ الْخُلْعِ , ثُمَّ الْحَجِّ , ثُمَّ الْهَدْيِ , ثُمَّ كَذَا , ثُمَّ يَقُولُ: كُرُوا عَلَيْهِ , فَكَانَ يُعْجَبُ مِنْ حِفْظِي " , قَالَ هِشَامٌ: «فَوَاللَّهِ , مَا تَعَلَّمْنَا جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ»
(2/295)

وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَاطِفَ الْفَقِيهَ إِذَا سَأَلَهُ وَيُحْسِنَ خِطَابَهُ , وَإِنْ فَدَاهُ بِأَبَوَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الصَّيْرَفِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ , نا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ , نا زَائِدَةُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , قَالَ [ص:296]: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ , وَهُوَ يَقُولُ: «هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» , قَالَ: فَجَلَسْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ , قَالَ: فَقُلْتُ لَعَلَّهُ نَزَلَ فِي شَيْءٍ , قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَصْبِرْ , قَالَ: فَقُلْتُ مَنْ أُولَئِكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قَالَ: " هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ "
(2/295)

وَلْيَتَحَيَّنْ أَنْ يَسْأَلَهُ عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهِ أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْأَثْرَمُ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " وَجَدْتُ أَكْثَرَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ , فَإِنْ كُنْتُ لَآتِي أَحَدَهُمْ , فَيُقَالُ لِي: هُوَ نَائِمٌ , فَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُوقَظَ لِي , فَأَدَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ لِيَسْتَطِيبَ بِذَلِكَ حَدِيثُهُ "
(2/296)

وَلْيَتَّقِ سُؤَالَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ , فَقَدْ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لَفْظًا , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى , نا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ , وأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو عَامِرِ بْنُ بَرَّادٍ , قَالَ: وأنا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا , نا أَبُو كُرَيْبٍ , ويُوسُفُ , وَالْمَسْرُوقِيُّ , قَالُوا: أنا أَبُو أُسَامَةَ , وَاللَّفْظُ لِأَبِي يَعْلَى , عَنْ بُرَيْدٍ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا , فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ غَضِبَ , ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» , فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ , قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ , فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» , فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَضَبِ , قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ
(2/297)

وَكَذَلِكَ لَا يَسْأَلُهُ حِينَ يَشْتَدَّ فَرَحُهُ , لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَتَغَيَّرُ فَهْمُهُ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , وأَبُوبَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئُ , قَالَا: نا أَبُو يَعْلَى هُوَ الْمَوْصِلِيُّ , نا أَبُو خَيْثَمَةَ , نا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:298]: " لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ , وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا , وَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ , إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ , فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا , ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةٍ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي , وَأَنَا رَبُّكَ , أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ " وَهَكَذَا إِذَا رَآهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ , أَوْ كَانَ مَشْغُولَ الْقَلْبِ , فَلْيَصْدِفْ عَنْ سُؤَالِهِ فِي تِلْكِ الْحَالِ
(2/297)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السُّلَمِيُّ بِدِمَشْقَ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِلَابِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جُوصَا , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , أَخْبَرَهُ. قَالَ ابْنُ جُوصَا: ونا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ , أنا ابْنُ الْقَاسِمِ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ , وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ , فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ , فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ , فَقَالَ [ص:299] عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ , فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ , فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ , فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ , فَقَالَ: " لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ , ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا "
(2/298)

وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ الْحَيَاءُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْ أَمْرٍ نَزَلَ بِهِ , فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَيَاءُ , وَاحْتَشَمَ مِنْ سُؤَالِ الْفَقِيهِ , أَلْقَى مَسْأَلَتَهُ إِلَى مَنْ يَأْنَسُ بِهِ وَيَنْبَسِطُ عَلَيْهِ لِيَسْأَلَ الْفَقِيهَ عَنْهَا وَيُخْبِرَهُ بِحُكْمِهَا أنا أَبُو الصَّهْبَاءِ وَلَّادُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ , أنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ لِلْمِقْدَادِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَفْتِ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَوْلَا أَنَّ ابْنَتَهَ عِنْدِي لَاسْتَفْتَيْتُهُ فِي الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنَ الْمَرْأَةِ , وَلَمْ يَمَسَّهَا فَأَمْذَى , وَلَمْ يَمْلِكْ ذَاكَ؟ فَسَأَلَهُ الْمِقْدَادُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَنَا أَحَدُكُمْ مِنَ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَمَسَّهَا وَلَمْ يَمْلِكْ ذَاكَ , فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ , ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ وَلْيُصَلِّ»
(2/299)

وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّائِلُ لِلْفَقِيهِ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تُصْلِحُ دِينَهُ , فَقَدْ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّزَّازُ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نا أَبُو قِلَابَةَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ , نا أَبُو عَاصِمٍ , نا سُفْيَانُ , وأنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السَّوَّاقُ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ , نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ , نا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّصْرِيِّ , وَقَالَ السَّوَّاقُ: عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ , رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَصْرٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: مَنْ «رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عَلْمُهُ»
(2/300)

وأنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ , نا سَلْمُ الْخَوَّاصُ , أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ جَبَّارٌ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ وَلَا مُسْتَحْيٍ»
(2/300)

وأنا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَتَّانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ التِّرْمِذِيُّ , نا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ , نا ابْنُ وَهْبٍ , عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ»
(2/301)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ , وَأَنَا أَسْتَحِي , قَالَتْ: لَا تَسْتَحِي فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ , قَالَ: الرَّجُلُ يُجَامِعُ فَلَا يُنْزِلُ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ , ثُمَّ أَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ , فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»
(2/301)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَا أَسْمَعُ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا إِسْمَاعِيلُ , أنا ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ الْأَسْوَدِ , ومَسْرُوقٍ , قَالَا: أَتَيْنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِنَسْأَلَهَا عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ , فَاسْتَحْيَيْنَا , فَقُمْنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهَا فَمَشَيْنَا لَا أَدْرِي كَمْ , ثُمَّ قُلْنَا: جِئْنَا لِنَسْأَلَهَا عَنْ حَاجَةٍ , ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهَا , فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّا جِئْنَا لِنَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ , فَاسْتَحْيَيْنَا فَقُمْنَا , فَقَالَتْ: مَا هُوَ؟ سَلَا عَمَّا بَدَا لَكُمَا , قُلْنَا: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: «قَدْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرَبِهِ مِنْكُمْ»
(2/302)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَرْوَزِيُّ , نا أَبُو عِصْمَةَ , عَنْ مَنْصُورٍ , قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: «يَا مَنْصُورُ، سَلْ سُؤَالَ الْحَمْقَى , وَاحْفَظْ حِفْظَ الْأَكْيَاسِ»
(2/302)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , نا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْجِعَابِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُصْعَبٍ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَلِيدٍ , قَالَ: نا مُحَاضِرٌ , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ , يَقُولُ: «سَلْ سُؤَالَ الْأَحْمَقِ , وَاحْفَظْ حِفْظَ الْأَكْيَاسِ»
(2/303)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ , وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , قَالَا: أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ الْغِفَارِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُ مِنْهُ إِلَّا أَشْيَاءَ صِغَارًا , كُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ يَرَى مِثْلِي يَسْأَلُ عَنْ مِثْلِهَا , فَبَقِيَ جَهَالَتُهَا فِيَّ إِلَى السَّاعَةِ»
(2/303)

وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُسَاءَلَتُهُ عَمَّا يَكْثُرُ نَفْعُهُ وَيُقِلُّ الْمُسَاءَلَةَ عَنِ الْعُضَلِ وَالْأُغْلُوطَاتِ , فَقَدْ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , قَالَ: نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْوَشَّاءُ , قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ , قَالَ: نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ , عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ ورَّادٍ , قَالَ [ص:304]: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّهُ كَانَ «يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ , وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ , وَإِضَاعَةِ الْمَالِ»
(2/303)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَقِيهُ الْبَصْرِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ بِالْبَصْرَةِ , أنا أَبُو جُزْءٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الْقُشَيْرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْعَيْنَاءِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: أَتَأْذَنُ فِي مَسْأَلَةٍ؟ قَالَ: «وَاللَّهِ , مَا اسْتَرَبْتُ بِكَ حَتَّى اسْتَأْذَنْتَنِي , فَإِنْ كُنْتَ لَا تُؤْذِي جَلِيسَكَ وَلَا تَفْضَحُ عَالِمَكَ فَهَاتِهَا»
(2/304)

وَإِذَا أَجَابَهُ الْفَقِيهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ جَازَ أَنْ يَسْتَفْهِمَهُ عَنْ جَوَابِهِ , أَقَالَهُ عَنْ أَثَرٍ , أَوْ عَنْ رَأْيٍ أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا أَبُو الْأَصْبَغَ الْقُرْقُسَانِيُّ , نا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ شَقِيقٍ , قَالَ: لَبَّى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى الصَّفَا وَقَالَ: يَا لِسَانُ , قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ , أَوْ أَصْمُتْ تَسْلَمْ , مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ , فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , هَذَا شَيْءٌ أَنْتَ تَقُولُهُ , أَوْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: لَا بَلْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَكْثَرَ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ»
(2/311)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , قَالَ: أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا [ص:312] الشَّافِعِيُّ , أنا مُسْلِمٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ , قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ , عَنِ الضَّبُعِ , أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» , فَقُلْتُ: أَتُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» , فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
(2/311)

أنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَلَّافُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , ثنا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ , نا ابْنُ بُكَيْرٍ , نا اللَّيْثُ , قَالَ: قَالَ رَبِيعَةُ لِابْنِ شِهَابٍ: «يَا أَبَا بَكْرٍ , إِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِرَأْيِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ رَأْيُكَ , وَإِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ رَأْيُكَ»
(2/312)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أَبَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ , قَالَ: قَالَ رَبِيعَةُ لِابْنِ شِهَابِ [ص:313]: «إِذَا أَخْبَرْتَ النَّاسَ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِكَ , فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ مِنْ رَأْيِكَ»
(2/312)

وَيَحِقُّ عَلَى الْفَقِيهِ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا مِنْ عِلَّةٍ أَنْ يُخْبِرَ بِهَا الْأَتْبَاعَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَشَّارٍ السَّابُورِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ , نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , نا حَمَّادٌ , عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ , فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ , قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟» , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» أَوْ قَالَ: «أَذًى , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ , فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا , أَوْ أَذًى , فَلْيَمْسَحْهُ , وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا»
(2/313)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ [ص:314] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِيٍّ , حَدَّثَكُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ , نا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ , نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ , نا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ , قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ , فَشَمَّتَ أَوُ فَسَمَّتَ أَحَدَهُمَا , وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ أَوْ لَمْ يُسَمِّتِ الْآخَرَ , قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ , فَشَمَّتُّهُ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ , فَلَمْ أُشَمِّتْهُ»
(2/313)

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الْفَارِسِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , أنا هَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ , نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى , نا مَالِكٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ , وَصَلَّى رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ , فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ وَثَنَى رِجْلَيْهِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنِّي أَشْتَكِي»
(2/314)

أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّزَّازُ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادٌ , قَالَ: صَلَّيْنَا عَلَى جِنَازَةٍ , فَكَبَّرَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ , ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ يَجْهَرُ , ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أَجْهَرْ إِلَّا لِتَعْلَمُوا»
(2/315)

وَإِذَا اسْتَفْهَمَ الْمُتَعَلِّمُ الْفَقِيهُ فَأَفْهَمَهُ , ثُمَّ عَادَ فَاسْتَفْهَمَهُ , جَازَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , نا أَبُو مُصْعَبٍ , نا مَالِكٌ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً , فَقَالَ لَهُ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ , قَالَ: «ارْكَبْهَا , وَيْلَكَ» فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ [ص:316] فَإِنْ رَاجَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ , فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِلِسَانِهِ
(2/315)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ , نا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: أُرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: " اذْهَبْ فَنَادِ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ , فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» , فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ , قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ , قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ» [ص:317] قُلْتُ: وَكَثْرَةُ الْمُرَاجَعَةِ تُغَيِّرُ الطِّبَاعَ , وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ مَا قَالَهُ
(2/316)

وَالْمَحْفُوظُ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا: أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الدَّقَّاقُ الْعَسْكَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الطُّوسِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنْ سَلْمٍ الْعَلَوِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمٍ «لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ»
(2/317)

فَيُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيهِ الرِّفْقُ , وَالْمُدَارَاةُ وَالِاحْتِمَالُ أنا أَبُو عُمَرَ: عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ [ص:318] الدِّيبَاجِيُّ , وأَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقِ التَّانِي , وأَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , وأَبُومُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , وأَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ الْبَزَّازُ , قَالُوا: أنا أَبُو عَلِيٍّ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ , عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ , قَالَ: " لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرِتِهِ بُدًّا , حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرْجًا , أَوْ قَالَ: مَخْرَجًا "
(2/317)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي غَيْرَ , مَرَّةٍ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ , يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ , يَقُولُ: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: «تَسْأَلُنِي أُمُّ الْخِيَانِ جَمَلًا يَمْشِي رُوَيْدًا وَيَكُونُ أَوَّلًا» قَالَ: وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ: «
[البحر الرجز]
يَشْكُو إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ... صَبْرًا جُمَيْلِي فَكِلَانَا مُبْتَلَى»
(2/318)

وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَفَقِّهِ تَرْكُ الْمُرَاجَعَةِ , وَإِسْقَاطُ الْمُمَارَاةِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَرِدُ مِنَ الْفَقِيهِ , فَقَدْ: أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ الْبَزَّازُ , نا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا لِأَحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ , فَذَكَرَ ذَاتَ يَوْمٍ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ , فَقَالَ: " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى , لَوْ أَنَّهُ صَبَرَ لِصَاحِبِهِ لَرَأَى الْعَجَبَ الْعَاجِبَ , وَلَكِنَّهُ , قَالَ: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] "
(2/319)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاعِظُ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , نا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ يُونُسَ , عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ: «لَا تُمَارِ عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا , فَإِنَّكَ إِنْ مَارَيْتَ عَالِمًا خَزَنَ عَنْكَ , وَإِنْ مَارَيْتَ جَاهِلًا حَشَنَ بِصَدْرِكَ»
(2/319)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ: رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الدِّينَوَرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَنَزِيِّ , بِالرَّيِّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ الشُّرُوطِيُّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ: أَلَحَّ عَلَى الشَّافِعِيِّ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَآذَوْهُ , فَقَالَ: " لَا تُكَلِّفُونِي أَنْ أَقُولَ لَكُمْ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لِرَجُلٍ أَلَحَّ عَلَيْهِ:
[البحر الرجز]
إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ ... سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقِ"
(2/320)

بَابٌ: الْقَوْلُ فِيمَنْ تَصَدَّى لِفَتَاوَى الْعَامَّةِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَيَسْتَعْمِلَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ
(2/321)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنَ رِزْقَوَيْهِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ هُوَ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إِيَّاهُ وَلَكِنَّ ذَهَابَهُ قَبْضُ الْعُلَمَاءِ , فَيَتَّخِذُ النَّاسَ رُءُوسًا جُهَّالًا , فَيَسْأَلُونَ فَيَقُولُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ , فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ»
(2/321)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانَ الْغَزَّالُ , ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيُّ الرَّزَّازُ إِمْلَاءً , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ , نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ , نا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , وأَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُؤَذِّنُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ , بِالْكُوفَةِ , نا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ [ص:322]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ» - وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانَ: قَوْمٌ , ثُمَّ اتَّفَقَا -: «رُءُوسًا جُهَّالٌ يَفْتُونَ النَّاسَ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»
(2/321)

نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ , لَفْظًا , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ , نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَدَائِنِيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ , نا ورْقَاءُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رُءُوسًا جُهَّالٌ يُفْتُونَ النَّاسَ بِرَأْيِهِمْ , فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»
(2/322)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , ومُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ , قَالَا: نا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْفَضْلِ: أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ , نا أَبِي , عَنْ طَاوُسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْشَكَ أَنْ يَظْهَرَ فِيكُمْ شَيَاطِينُ , كَانَ سُلَيْمَانُ أَوْثَقَهَا فِي الْبَحْرِ , يُصَلُّونَ فِي مَسَاجِدِكُمْ , وَيَقْرَءُونَ مَعَكُمُ الْقُرْآنَ , وَإِنَّهُمْ [ص:323] لَشَيَاطِينُ فِي صُوَرِ الْإِنْسِ»
(2/322)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , أنا قَبِيصَةُ , نا سُفْيَانُ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: «يُوشِكُ أَنْ تَظْهَرَ الشَّيَاطِينُ , مِمَّا أَوْثَقَ سُلَيْمَانُ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ»
(2/323)

أنا ابْنُ رِزْقٍ , وَابْنُ الْفَضْلِ , قَالَا: أنا دَعْلَجُ , قَالَ: نا , وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْفَضْلِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , أنا أَبُو شِهَابٍ الْبَاجَدَّائِيُّ , نا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ , نا عَبْدُ اللَّهِ قَالُونُ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، عَنْ حَفْصٍ الطَّبِيبِ , قَالَ: «رَأَيْتُ شَيْطَانًا أَعْرِفُهُ بِمَسْجِدِ الْخِيفِ بِمِنًى يُفْتِي النَّاسَ»
(2/323)

وقَالَ الْأَبَّارُ نا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ , قَالَ: " رَأَيْتُ فِيَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَمَاعَةً , فِيهِمْ رَجُلٌ يُفْتِيهِمْ عَلَيْهِ عِبًا , وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِعِبًا , إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَلَّمْتُ ظُفُرِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ كَبْشٌ , قَالَ لَهُ آخَرُ: نَتَفْتُ شَعْرَةً؟ قَالَ: عَلَيْكَ كَبْشٌ , وَأَشْيَاءَ مِثْلَ هَذَا فَزَاحَمْتُ حَتَّى دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: وَيْحَكَ كَيْفَ [ص:324] وَقَعْتَ عَلَى كَبْشٍ؟ كُلُّ مَنْ سَأَلَكَ , قُلْتَ: عَلَيْكَ كَبْشٌ قَالَ: فَلَيْسَ يَدْعُونِي حَتَّى أَخْرَجَ كَيْفَ أَصْنَعُ , قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَخْرَجْتُهُ "
(2/323)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ , قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ , أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَبِيعَةَ , فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ , فَقَالَ لَهُ: أَدَخَلَتْ عَلَيْكَ مُصِيبَةٌ؟ فَقَالَ: لَا , وَلَكِنِ «اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ , وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ» قُلْتُ: يَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ , فَمَنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَقَرَّهُ عَلَيْهَا , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا مَنَعَهُ مِنْهَا , وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهَا وَأَوْعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ , إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهَا وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُنَصِّبُونَ لِلْفَتْوَى بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ قَوْمًا يُعِينُونَهُمْ , وَيَأْمُرُونَ بِأَنْ لَا يُسْتَفْتَى غَيْرُهُمْ
(2/324)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ , نا ابْنُ مَنِيعٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الصَّنْعَانِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: «كَانَ يَصِيحُ الصَّائِحُ فِي الْحَاجِّ , لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ» وَالطَّرِيقُ لِلْإِمَامِ إِلَى مَعْرِفَةِ حَالِ مَنْ يُرِيدُ نَصْبَهُ لِلْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي وَقْتِهِ , وَالْمَشْهُورِينَ مِنْ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ , وَيُعَوِّلُ عَلَى مَا يُخْبِرُونَهُ مِنْ أَمْرِهِ
(2/325)

أنا أَبُو الْفَتْحِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدَّلِيلِيُّ بِأَصْبَهَانَ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُقْرِئِ , نا أَبُو سَعِيدٍ مُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَنَدِيُّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُصْعَبٍ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , يَقُولُ: «مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ»
(2/325)

حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدَوِيُّ إِمْلَاءً , نا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ التَّمِيمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ [ص:326] بْنَ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجِرْوِيُّ يَقُولُ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ , عَنْ خَلَفِ بْنِ عُمَرَ , صَدِيقٌ كَانَ لِمَالِكٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , يَقُولُ: " مَا أَجَبْتُ فِي الْفَتْوَى حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي: هَلْ يَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ سَأَلْتُ رَبِيعَةَ , وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ , فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ , فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوَ نَهَوْكَ , قَالَ: كُنْتُ أَنْتَهِي , لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ "
(2/325)

مَا جَاءَ مِنَ الْوَعِيدِ لِمَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى
(2/327)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ الْمُحَمَّدِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى التَّمَّارُ , بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الطَّائِيُّ , نا أَبِي , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ»
(2/327)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , نا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ , نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ , قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ , فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ , وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ , فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ فَقَدْ خَانَهُ , وَمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا بِغَيْرِ [ص:328] ثَبْتٍ , فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»
(2/327)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ السُّكَّرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُؤَذِّنُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ , نا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ أَبِي سِنَانٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِفُتْيَا يَعْمَى عَنْهَا فَإِنَّمَا إِثْمُهَا عَلَيْهِ»
(2/328)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ الْهَاشِمِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ , أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ , أنا عُمَرُ , عَنْ خَالِدٍ الرَّبْعِيِّ , قَالَ: " كَانَ شَابٌّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَلِمَ عِلْمًا , وَكَانَ
(2/328)

مَغْمُورًا فِيهِمْ يَعْنِي: لَا يُعْرَفُ وَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدَعًا أَدْرَكَ بِهَا الشَّرَفَ وَالْمَالَ , قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ فَكَّرَ , فَقَالَ: هَبْ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ مَا ابْتَدَعْتُ , أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ؟ فَلَوْ أَنِّي تُبْتُ إِلَى اللَّهِ , قَالَ: فَخَرَقَ تَرْقُوَتَهُ , فَجَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً , ثُمَّ أَوْثَقَهَا إِلَى آسِيَةٍ مِنْ أَوَاسِي الْمَسْجِدِ , ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ , لَا أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَوْ أَمُوتَ , قَالَ: وَكَانَ الْوَحْيُ لَا يُسْتَنْكَرُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ: إِنَّكَ لَوْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ لَتُبْتُ عَلَيْكَ بَالِغًا مَا بَلَغَ , وَلَكِنْ كَيْفَ بِمَنْ أَضْلَلْتَ مِنْ عِبَادِي فَمَوَّتُوا فَأَدْخَلْتُهُمْ جَهَنَّمَ؟ فَلَا أَتُوبُ عَلَيْكَ "
(2/329)

بَابُ ذِكْرِ شُرُوطِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَوَّلُ أَوْصَافِ الْمُفْتِي الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ فَتْوَاهُ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا , لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ثُمَّ يَكُونُ عاقلاً لِأَنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ المَجْنُونِ لِعَدَمِ عَقْلِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَدْلًا ثِقَةً , لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمَجْنُونِ لِعَدَمِ عَقْلِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَدْلًا ثِقَةً , لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْفَتْوَى فِي أَحْكَامِ الدِّينِ , وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا بِهَا , وَسَوَاءً كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا , فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْفَتْوَى ثُمَّ يَكُونُ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , وَعِلْمُهُ بِهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأُصُولِهَا وَارْتِيَاضٍ بِفُرُوعِهَا وَأُصُولُ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ , عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ مَعْرِفَةُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ: مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا , وَعُمُومًا وَخُصُوصًا , وَمُجْمَلًا وَمُفَسَّرًا , وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ , وَطُرُقِ مَجِيئِهَا فِي التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ , وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ , وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى سَبَبٍ أَوْ إِطْلَاقٍ وَالثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ , وَاخْتَلَفُوا فِيهِ ,
(2/330)

لِيَتَّبِعِ الْإِجْمَاعَ , وَيَجْتَهِدْ فِي الرَّأْيِ مَعَ الِاخْتِلَافِ وَالرَّابِعُ: الْعِلْمُ بِالْقِيَاسِ الْمُوجِبِ , لِرَدِّ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا إِلَى الْأُصُولِ الْمَنْطُوقِ بِهَا , وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا , حَتَّى يَجِدَ الْمُفْتِي طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ النَّوَازِلِ , وَتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ , فَهَذَا مَا لَا مَنْدُوحَةُ لَلْمُفْتِي عَنْهُ , وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِشَيْءٍ مِنْهُ
(2/331)

أنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْكَاتِبُ , أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ , نا حَاتِمُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ , أنا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: " لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَدْ عَرَفَ نَاسِخَ الْقُرْآنِ وَمَنْسُوخَهُ , أَوْ أَمِيرٌ لَا يَجِدُ بُدًّا , أَوْ أَحْمَقُ مُتَكَلِّفٌ "
(2/331)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُوَفَّقِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرُ السِّمَنَاوِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُتَيْبِيُّ , نا سُهَيْلٌ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ , وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ , وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ , وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ , وَمَا أُرِيدَ بِهِ , وَفِيمَا أُنْزِلَ , ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ
(2/331)

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ , وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ , وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ , بَصِيرًا بِالشِّعْرِ , وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ , وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ , وَقِلَّةَ الْكَلَامِ , وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ , وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا , فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي "
(2/332)

قَرَأْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْبَرْمَكِيِّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ , قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ , أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: نا صَالِحٌ يَعْنِي ابْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ , وَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِالْفُتْيَا؟ قَالَ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الْفُتْيَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالسُّنَنِ , عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقُرْآنِ , عَالِمًا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ , وَإِنَّمَا جَاءَ خِلَافُ مَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّنَّةِ , وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِصَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا»
(2/332)

قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ النَّيْسَابُورِيِّ , قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ الْعَدْلُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , نا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْجَمَّالُ , أنا عَلِيُّ بْنُ شَقِيقٍ , عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ , قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَتَى يُفْتِي الرَّجُلُ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ , بَصِيرًا بِالرَّأْيِ»
(2/332)

وَقَالَ ابْنُ نُعَيْمٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الزَّاهِدُ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ , وَسُئِلَ , مَتَى تُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ قَالَ: «إِذَا كَانَ بَصِيرًا بِالرَّأْيِ , بَصِيرًا بِالْأَثَرِ» قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ: قَوِيَّ الِاسْتِنْبَاطِ جَيِّدَ الْمُلَاحَظَةِ , رَصِينَ الْفِكْرِ , صَحِيحَ الِاعْتِبَارِ , صَاحِبَ أَنَاةٍ وَتُؤَدَةٍ , وَأَخًا اسْتَثْبَاتٍ , وَتَرْكِ عَجَلَةٍ , بَصِيرًا بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةٌ , مَسْتَوْقِفًا بِالْمُشَاوَرَةِ , حَافِظًا لِدِينِهِ , مُشْفِقًا عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ , مُوَاظِبًا عَلَى مُرُوءَتِهِ , حَرِيصًا عَلَى اسْتِطَابَةِ مَأْكَلِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ أَسْبَابِ التَّوْفِيقِ , مُتَوَرِّعًا عَنِ الشُّبُهَاتِ , صَادِفًا عَنْ فَاسِدِ التَّأْوِيلَاتِ , صَلِيبًا فِي الْحَقِّ , دَائِمُ الِاشْتِغَالِ بِمَعَادِنِ الْفَتْوَى , وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ , وَلَا يَكُونُ مِمَّنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ , وَاعْتَوَرَهُ دَوَامُ السَّهَرِ , وَلَا مَوْصُوفًا بِقِلَّةِ الضَّبْطِ , مَنْعُوتًا بِنَقْصِ الْفَهْمِ , مَعْرُوفًا بِالِاخْتِلَالِ , يُجِيبُ بِمَا لَا يَسْنَحُ لَهُ , وَيُفْتِي بِمَا يَخْفَى عَلَيْهِ , وَتَجُوزُ فَتَاوَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ , وَمَنْ لَمْ تُخْرِجْهُ بِدْعَتُهُ إِلَى فِسْقٍ , فَأَمَّا الشُّرَاةُ وَالرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ الصَّحَابَةَ , وَيَسُبُّونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ , فَإِنَّ فَتَاوِيهُمْ مَرْذُولَةٌ , وَأَقَاوِيلُهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَفِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُفْتِيَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْ لَا تَجُوزُ فَتْوَاهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا أَبَازِيرُ الْفِقْهِ , وَلَيْسَ دُونَ الْفِقْهِ عِلْمٌ إِلَّا
(2/333)

وَصَاحِبُهُ يَحْتَاجُ إِلَى دُونِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ , لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْجَدِّ وَالْهَزْلِ , وَالْخِلَافِ وَالضِّدِّ , وَالنَّفْعِ وَالضَّرِّ , وَأُمُورِ النَّاسِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ , وَالْعَادَاتِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْهُمْ فَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ إِلَّا بِمُلَاقَاةِ الرِّجَالِ , وَالِاجْتِمَاعِ مِنْ أَهْلِ النِّحَلِ وَالْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ , وَمُسَاءَلَتِهِمْ , وَكَثْرَةِ الْمُذَاكَرَةِ لَهُمْ , وَجَمْعِ الْكُتُبِ , وَدَرْسِهَا , وَدَوَامِ مُطَالَعَتِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ إِعْلَامَ الْخَلْقِ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَصَصِ , وَالْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ , وَالسِّيَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُعْجِزٌ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بِلِقَاءِ الرِّجَالِ , وَدِرَاسَةِ الْكُتُبِ , وَخَطِّهِ بِيَمِينِهِ , لِيُصَدَّقَ قَوْلُهُ إِنَّهُ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحْصُولَ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ بِالْمُلَاقَاةِ , وَالْبَحْثِ وَالدَّرْسِ , وَوُجُودُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ خَرْقُ عَادَةٍ صَارَ بِهِ مُعْجِزًا , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِنَفْيِهَا عَنْهُ مَعْنًى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَيُّ كُتُبِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: مَا أَتَبَصَّرُهُ عِلْمًا وَأَتَصَوَّرُهُ فَهْمًا , وَقِيلَ لِآخَرَ , فَقَالَ: مَا أُفِيدُ مِنْهُ وَأَسْتَفِيدُ وَقِيلَ لِآخَرَ , فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ وَبِهِ أَعْمَلُ , وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ فُلَانًا جَمَعَ كُتُبَا كَثِيرَةً , فَقَالَ: هَلْ فَهْمُهُ عَلَى قَدْرِ كُتُبِهِ؟ قِيلَ: لَا , قَالَ: فَمَا صَنَعَ شَيْئًا , مَا تَصْنَعُ الْبَهِيمَةُ بِالْعِلْمِ , وَقَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ كَتَبَ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَ: مَا لَكَ مِنْ كُتُبِكَ إِلَّا فَضْلُ تَعَبِكَ , وَطُولُ أَرَقِكَ , وَتَسْوِيدُ وَرِقِكَ
(2/334)

قُلْتُ: وَهَذِهِ حَالُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى النَّقْلِ إِلَى كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ إِنْعَامِ النَّظَرِ فِيهِ , وَالتَّفْكِيرِ فِي مَعَانِيهِ
(2/335)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْهُذَيْلِ أَبُو أَحْمَدَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ سِنِينَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , شَيْخٌ بِالْكُوفَةِ , قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ: «إِنَّ فِي الْعُزْلَةِ لَسَلَامَةً , فَانْبُلْ أَنْ تَرَى فِي مَجَالِسِ السُّفَهَاءِ , فَإِذَا اغْتَمَمْتَ وَحْدَكَ فَادْرُسْ كِتَابًا مِنْ فِعْلِ الْفُقَهَاءِ»
(2/335)

حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّهَاوَنْدِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَازِنِيُّ , نا هَارُونُ الْفَرْوِيُّ , نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: بِمَ رَاقَكُمُ الزُّهْرِيُّ؟ قَالَ: «كَانَ يَأْتِي الْمَجَالِسَ مِنْ صُدُورِهَا , وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ خَلْفِهَا , وَلَا يَبْقَى فِي الْمَجْلِسِ شَابٌّ إِلَّا سَاءَلَهُ , وَلَا كَهْلٌ إِلَّا سَاءَلَهُ , [ص:336] ثُمَّ يَأْتِي الدَّارَ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ , فَلَا يَبْقَى فِيهَا شَابٌّ إِلَّا سَاءَلَهُ , وَلَا كَهْلٌ إِلَّا سَاءَلَهُ وَلَا فَتًى إِلَّا سَاءَلَهُ , وَلَا عَجُوزٌ إِلَّا سَاءَلَهَا , وَلَا كَهْلَةٌ إِلَّا سَاءَلَهَا , حَتَّى يُحَاوِرَ رَبَّاتِ الْحِجَالِ»
(2/335)

أنا ابْنَا بِشْرَانِ عَلِيٌّ , وَعَبْدُ الْمَلِكِ , قَالَا: أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ بِمَكَّةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ , قَالَ: " قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ وَهُوَ أَنُوُشْرُوَانُ مَا بَالُكُمْ لَا تَأْنَفُونَ مِنَ التَّعَلُّمِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْعِلْمَ نَافِعٌ مِنْ حَيْثُ أُخِذَ "
(2/336)

أنا الْقَاضِي أَبُو الْعُلَا الْوَاسِطِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْبَابَسِيرِيُّ , بِوَاسِطٍ , أنا أَبُو أُمَيَّةَ: الْأَحْوَصُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ الْغَلَابِيُّ , نا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ , قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ؟» قَالُوا: قُلْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ , قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مِنَ الْعَالِمِ , لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجَهْلُ بِأَحَدٍ أَقْبَحَ بِهِ مِنَ الْعَالِمِ»
(2/336)

أَخْبَرَنِي الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ , قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يَتَعَلَّمَ , وَلَا يَكُونُ عَالِمًا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا مَا تَعَلَّمَ»
(2/337)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُتَيْقِيُّ , أنا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ , أنا النُّعْمَانُ الْوَاسِطِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ النُّشَّابِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ , عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَالِمًا مَا تَعَلَّمَ , فَإِذَا تَرَكَ الْعِلْمَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى , وَاكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ كَانَ أَجْهَلَ مَا يَكُونُ»
(2/337)

مَا جَاءَ فِي وَرَعِ الْمُفْتِي وَتَحَفُّظُهُ
(2/338)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ الطُّرَفِيُّ الْمُعَدِّلِ بِالْكَرَجِ , نا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْدَوَيْهِ الْكَرَجِيُّ , نا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ النَّجِيرَمِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ الْمُطَّوِّعِيُّ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ»
(2/338)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْحَجْرِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ صَخْرٍ السُّلَمِيُّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ , كُلِّ الْفَقِيهِ؟ مَنْ لَمْ يُؤَيِّسِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ , وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ , أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا فِقْهَ فِيهِ , وَلَا خَيْرَ فِي فِقْهٍ لَا وَرَعَ فِيهِ , وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا» رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ , زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ , عَنْ عَلِيٍّ , كَذَلِكَ
(2/338)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ , نا أَبُو بَدْرٍ , نا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , أَنَّهُ , قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقِّ الْفَقِيهِ؟ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ , وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ , وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مَكْرَ اللَّهِ , وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ إِلَى غَيْرِهِ , وَلَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ , وَلَا خَيْرَ فِي فِقْهٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ , وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ»
(2/339)

أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ , نا مَالِكٌ , قَالَ: كَانَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , يَقُولُ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيهًا حَتَّى يَتَّقِيَ أَشْيَاءَ لَا يَرَاهَا عَلَى النَّاسِ وَلَا يُفْتِيهِمْ بِهَا»
(2/339)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ [ص:340] جَدِّي , حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ , نا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ , حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَعْمَلُ فِي نَفْسِهِ بِمَا لَا يُلْزِمُهُ النَّاسُ , وَلَا يُفْتِيهِمْ بِهِ , وَيَقُولُ: «لَا يَكُونُ الْعَالِمُ عَالِمًا حَتَّى يَعْمَلَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِمَا لَا يُلْزِمُهُ النَّاسَ وَلَا يُفْتِيهِمْ بِهِ , بِمَا لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ إِثْمٌ»
(2/339)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْبَلُّوطِيُّ , بِالْأَهْوَازِ , أنا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ الْبَلْخِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ التَّمِيمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ نُبَاتَةَ , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ , يَقُولُ: «مَا مِنَ النَّاسِ أَعَزُّ مِنْ فَقِيهٍ وَرَعٍ»
(2/340)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ , وَلَا فِي الْمَنْظَرِ إِلَّا مَعَ الْمَخْبَرِ , وَلَا فِي الْفِقْهِ إِلَّا مَعَ الْوَرَعِ»
(2/340)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , قَالَ: سَأَلَ الْحَسَنُ عَنْ رَجُلٍ , فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ؟ قَالَ: «وَهَلْ رَأَيْتَ بِعَيْنَيْكَ فَقِيهًا قَطُّ؟ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»
(2/341)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ , نا هَارُونُ الْحَمَّالُ , قَالَ: نا سَيَّارٌ , نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , نا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ , قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ فِيهَا , فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ: يَأْبَى عَلَيْكَ الْفُقَهَاءُ وَيُخَالِفُونَكَ , فَقَالَ: " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مَطَرُ , وَهَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ؟ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفَقِيهُ؟ الْفَقِيهُ: الْوَرِعُ الزَّاهِدُ الَّذِي لَا يَسْخَرُ بِمَنْ أَسْفَلَ مِنْهُ , وَلَا يَهْمِزُ مَنْ فَوْقَهُ , وَلَا يَأْخُذُ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ حُطَامًا "
(2/341)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ , قَالَ: نا الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْنِيُّ , نا أَبُو سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ , أَوْ أَوْحَى إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: «قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ , يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ , وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ , يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الْكِبَاشِ , قُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ , أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ , وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ , إِيَّايَ يَخْدَعُونَ , أَوْ بِي يَسْتَهْزِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَدَعْ الْحَلِيمَ حَيْرَانَ»
(2/342)

أنا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبُحَيْرِيُّ , بنَيْسَابُورَ , أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ , أَخْبَرَنِي أَبِي , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , قَالَ [ص:343]: «مَثَلُ الْعَالِمِ مَثَلُ الْمِلْحِ , لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ إِلَّا بِهِ , فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ , لَمْ يَصْلُحْ إِلَّا أَنْ يُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ»
(2/342)

اعْتِمَادُ الْمُفْتِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
(2/344)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْرَقُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ يَحْيَى الْآدَمِيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخُرَاسَانِيُّ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , وأنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ أَخُو أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ , قَالَ: أنا جِبْرِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَدْلُ , بِهَمَذَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَيَوَيْهِ النَّحَّاسُ , نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ , نا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ , قَالَا: نا يَزِيدُ بْنُ عُقْبَةَ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ , فَقَالَ: «يَا جَابِرُ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ , وَإِنَّكَ تُسْتَفْتَى , فَلَا تُفْتِيَنَّ إِلَّا بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ , أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ , فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ , وَإِلَّا فَقَدْ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ» وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ
(2/344)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَحْمَدُ بْنُ الْخَيْلِ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا عَبْدُ الْأَعْلَى , نا الْجُرَيْرِيُّ , عَنْ أَبِي نَضْرَةَ , قَالَ
(2/344)

: قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَنَزَلَ دَارَ أَبِي بَشِيرٍ , فَأَتَيْتُ الْحَسَنَ , فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدِمَ وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَفَقِيهُهُمُ , انْطَلَقْ بِنَا إِلَيْهِ , فَأَتَيْنَاهُ , فَلَمَّا رَأَى الْحَسَنَ , قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ , قَالَ: " مَا كَانَ بِهَذَا الْمِصْرِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَاهُ مِنْكَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي النَّاسَ , فَاتَّقِ اللَّهَ يَا حَسَنُ , وَأَفْتِ النَّاسَ بِمَا أَقُولُ لَكَ: أَفْتِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ عَلِمْتَهُ , أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ قَدْ سَنَّهَا الصَّالِحُونَ وَالْخُلَفَاءُ , وَانْظُرْ رَأْيَكَ الَّذِي هُوَ رَأْيُكَ فَأَلْقِهِ " قُلْتُ: وَلَنْ يَقْدِرَ الْمُفْتِي عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكْثَرَ مِنْ كِتَابِ الْأَثَرِ , وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ
(2/345)

نا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزَجِيُّ لَفْظًا , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ , نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ , وَأَنَا أَسْمَعُ: " يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يُمْكِنَهُ أَنْ يُفْتِيَ؟ يَكْفِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ , قَالَ: لَا , قِيلَ: مِائَتَا أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا , قِيلَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا , قِيلَ: أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا , قِيلَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: أَرْجُو "
(2/345)

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ , وأنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَضِرِ بْنِ زَكَرِيَّا الدَّقَاقُ وَأَخْبَرَنِي أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي الفَتْحِ الفَارِسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ النَّضْرِ الدِّيبَاجِيُّ , قَالُوا: نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ , زَادَ الطَّبَرِيُّ: أَبُو نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ , ثُمَّ اتَّفَقُوا أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ , نا عَبْدَانُ , وَقَالَ الْبَرْمَكِيُّ , قَالَ: أنا عَبْدَانُ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ , يَقُولُ: «لِيَكُنِ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ , وَخُذْ مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكَ الْحَدِيثَ»
(2/346)

ذِكْرُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَفْرِضَ لِلْفُقَهَاءِ وَمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى مِنَ الرِّزْقِ وَالْعَطَاءِ لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ , كَالْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرِّزْقَ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يَحْكُمُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ , مَا يُغْنِيهِ عَنِ الِاحْتِرَافِ وَالتَّكَسُّبِ , وَيَجْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتُ مَالٍ , أَوْ لَمْ يَفْرِضِ الْإِمَامُ لِلْمُفْتِي شَيْئًا , وَاجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ رِزْقًا , لِيَتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ , وَجَوَابَاتِ نَوَازِلِهِمْ , سَاغَ ذَلِكَ
(2/347)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: قُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ: حَدَّثَكُمْ بَقِيَّةُ , عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى وَالِي حِمْصَ: «انْظُرْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْفِقْهِ وَحَبَسُوهَا فِي الْمَسْجِدِ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا , فَأَعْطِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ , حِينَ يَأْتِيَكَ كِتَابِي هَذَا , فَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ أَعْجَلُهُ , وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» [ص:348] قَالَ: فَكَانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ , وَأَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ فِيمَنْ أَخَذَهَا؟ فَقَالَ: يَزِيدُ: نَعَمْ
(2/347)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , قَالَ: نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ , عَنْ عَبْدِ الْحَكِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنِ ابْنِ أَبِي غَيْلَانَ , قَالَ: " بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيَّ , وَالْحَارِثَ بْنَ يَمْجُدَ الْأَشْعَرِيَّ , يُفَقِّهَانِ النَّاسَ فِي الْبَدْوِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمَا رِزْقًا , فَأَمَّا يَزِيدُ فَقَبِلَ , وَأَمَّا الْحَارِثُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ , فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِذَلِكَ , فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنَّا لَا نَعْلَمُ بِمَا صَنَعَ يَزِيدُ بَأْسًا , وَأَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَ الْحَارِثِ بْنِ يَمْجُدَ "
(2/348)

بَابُ الزَّجْرِ عَنِ التَّسَرُّعِ إِلَى الْفَتْوَى مَخَافَةَ الزَّلَلِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {سَتُكْتَبَ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8] , وَقَالَ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] , وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ , لَا تَكَادُ تُفْتِي إِلَّا فِيمَا نَزَلَ ثِقَةً مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوَفِّقُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ لِلْجَوَابِ عَنْهَا , وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوَدُّ أَنَّ صَاحِبَهُ كَفَاهُ الْفَتْوَى
(2/349)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , نا أَبُو مَعْمَرٍ , نا حَكَّامُ الرَّازِيُّ , نا جِرَاحٌ الْكِنْدِيُّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْبَرَاءِ , قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الْفَتْوَى»
(2/349)

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرَانِ الصَّيْرَفِيُّ , أنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَخُو زُبَيْرٍ الْحَافِظِ , نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى , نا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ , نا الْجَرَّاحُ بْنُ الضَّحَّاكِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ [ص:350] عَازِبٍ , قَالَ: «رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مَا فِيهِمْ رَجُلٌ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ الْكِفَايَةَ فِي الْفَتْوَى»
(2/349)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ السَّمَرِيِّ , وَأَنَا أَسْمَعُ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ آلَةِ الْفُتْيَا مَا جَمَعَ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْكَتَ عَنِ الْفُتْيَا مِنْهُ»
(2/350)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ السَّرَّاجُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ , يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْفَتْوَى أَسْكَتُهُمْ فِيهِ , وَأَجْهَلُ النَّاسِ بِالْفَتْوَى أَنْطَقُهُمْ فِيهِ» قُلْتُ: وَقَلَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى الْفَتْوَى , وَسَابَقَ إِلَيْهَا , وَثَابَرَ عَلَيْهَا إِلَّا قَلَّ تَوْفِيقُهُ , وَاضْطَرَبَ فِي أَمْرِهِ , وَإِذَا كَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ غَيْرَ مُخْتَارٍ لَهُ , مَا وَجَدَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ , وَقَدَرَ أَنْ يُحِيلَ بِالْأَمْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ , كَانَتِ الْمَعُونَةُ لَهُ مِنَ اللَّهِ أَكْثَرَ , وَالصَّلَاحُ فِي فَتْوَاهُ وَجَوَابِهِ أَغْلَبَ
(2/350)

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ , فِيمَا: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ الزَّيْدِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا أَبُو الْمُثَنَّى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الدِّهْقَانُ بِالْكُوفَةِ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْبَزَّازُ , نا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ , وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ , قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ , فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا , وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي؟ قِيلَ لَهُ: الْخَبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ
(2/351)

أناه أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ , وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ فَهْدٍ النَّهْرَوَانِيَّانِ بِهَا , قَالَا: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْكُهَيْلِيُّ بِالْكُوفَةِ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , نا مَعْمَرٌ , عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُبَيٍّ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ , قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا , وَهُوَ يَخْطُبُ , وَهُوَ يَقُولُ [ص:352]: «سَلُونِي , وَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ»
(2/351)

بِإِسْنَادِهِ , قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ , فَوَاللَّهِ , مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ , أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ»
(2/352)

وأنا ابْنُ رَوْحٍ , وَابْنُ فَهْدٍ قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُهَيْلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: أُرَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ: " لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَلُونِي إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ " قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدِ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ , وَتَعَيَّنَتِ الْفَتْوَى عَلَيْهِ , وَانْقَرَضَتِ الْفُقَهَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ سِوَاهُ , وَحَصَلَ فِي جَمْعِ أَكْثَرِهِمْ عَامَّةً , وَلَوْلَا ذَاكَ مَا بُلِيَ بِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذَا [ص:353] فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ , وَلَا فِي عَهْدِ عُمَرَ , لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَمَاعَةٌ يَكْفُونَ أَمْرَ الْفَتْوَى ثُمَّ مِنْ أَيْنَ بَعْدَ عَلِيٍّ مِثْلُهُ , حَتَّى يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ
(2/352)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرًا يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ , يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْأَلَ , فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْأَلَ»
(2/353)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ , فَيَتَكَلَّمُ وَإِنَّهُ لِيَرْعَدُ»
(2/353)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ , نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , نا أَحْمَدُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ , نا الْأَشْعَثُ , عَنْ مُحَمَّدٍ , قَالَ: «كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ , مِنَ الْفِقْهِ , الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , تَغَيَّرَ لَوْنُهُ , [ص:354] وَتَبَدَّلَ , حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي كَانَ»
(2/353)

أنا أَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ , نا أَبُو الصَّلْتِ , حَدَّثَنِي شَيْخٌ , بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ , قَالَ: «وَاللَّهِ , إِنْ كَانَ مَالِكٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» قُلْتُ: وَيَحِقُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , وَقَدْ جَعَلَهُ السَّائِلُ الْحُجَّةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ , وَقَلَّدَهُ فِيمَا قَالَ , وَصَارَ إِلَى فَتْوَاهُ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ بِبُرْهَانٍ وَلَا مُبَاحَثَةٍ عَنْ دَلِيلٍ , بَلْ سَلَّمَ لَهُ , وَانْقَادَ إِلَيْهِ , إِنَّ هَذَا لَمَقَامٌ خَطَرٌ , وَطَرِيقٌ وَعِرٌ
(2/354)

وَقَدْ: أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلَالِ بْنِ الْفُرَاتِ بِبَيْرُوتَ , نا أَحْمَدُ يَعْنِي: ابْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , قَالَ: «إِنَّ الْعَالِمَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ , فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ»
(2/354)

وأنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْهَيْثَمِ الْمُقْرِئُ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ , نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ , قَالَ: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: «الْفَقِيهُ الَّذِي يُحَدِّثُ النَّاسَ إِنَّمَا يَدْخُلُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ , فَلْيَنْظُرْ بِمَا يَدْخُلُ»
(2/355)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ النَّضْرِ الدِّيبَاجِيُّ , وأنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَضِرِ بْنِ زَكَرِيَّا الدَّقَّاقُ , قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ , نا أَبُو الْمُوَجِّهِ , أنا عَبْدَانُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ لِقَتَادَةَ: «أَتَدْرِي أَيَّ عَلَمٍ رَقَعْتَ؟» وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَتَدْرِي فِي أَيِّ عَلَمٍ رَقَّعْتَ؟ ثُمَّ اتَّفَقَا: «قُمْتُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ , فَقُلْتُ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَهَذَا لَا يَصْلُحُ»
(2/355)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ أَبِي مَخْزُومٍ النَّهْشَلِيِّ , عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّكُمْ تَسْتَفْتُونَنَا اسْتِفْتَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّا لَا نَسْأَلُ عَمَّا نُفْتِيكُمْ بِهِ»
(2/356)

أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدٍ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاهِدُ , نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ وَتَقَلَّدَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهُ كَيْفَ أَفْتَيْتَ فِي دِينِ اللَّهِ؟ فَقَدْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَدِينُهُ»
(2/356)

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ , نا ابْنُ سَمَاعَةَ , عَنْ أَبِي يُوسُفَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ: «لَوْلَا الْفَرَقُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَضِيعَ الْعِلْمَ مَا أَفْتَيْتُ أَحَدًا , يَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الْوِزْرُ»
(2/356)

أنا أَبُو نُعَيْمٍ , نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ [ص:357] الْمُقْرِئُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدَانِ الْوَاسِطِيُّ , نا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ , نا عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ مَنْصُورٍ , عَنْ حَمَّادٍ الْأَبَحِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ , قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْفُقَهَاءُ "
(2/356)

أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الوَاعِظُ , قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَرُوذِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَيْلَانَ السُّوسِيُّ , نا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: «يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ»
(2/357)

أنا الْقَاضِي أَبُو زُرْعَةَ رَوْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ , أنا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ , حَدَّثَنَا جَدِّي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ , نا مَحْمُودٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ قَالَ: نا مَرْوَانُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ , نا مَالِكٌ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ [ص:358] أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ خَلْدَةَ: «إِنِّي أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحَاطُوا بِكَ , فَإِذَا سَأَلَكَ الرَّجُلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَلَا يَكُنْ هِمَّتُكَ أَنْ تُخَلِّصَهُ , وَلَكِنْ لِتَكُنْ هِمَّتُكَ أَنْ تُخَلِّصَ نَفْسَكَ»
(2/357)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ السَّلَامِيُّ , نا أَبُو مُسْهِرٍ , نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , قَالَ: فحَدَّثَنِي رَبِيعَةُ , قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ خَلْدَةَ - وَكَانَ نِعْمَ الْقَاضِي -: «يَا رَبِيعَةَ أَرَاكَ تُفْتِي النَّاسَ , فَإِذَا جَاءَكَ رَجُلٌ يَسْأَلُكَ فَلَا يَكُنْ هَمُّكَ أَنْ تُخْرِجَهُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ , وَلْيَكُنْ هِمَّتُكَ أَنْ تَتَخَلَّصَ مِمَّا سَأَلَكَ عَنْهُ»
(2/358)

وَقَالَ يَعْقُوبُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ , عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ: " أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ , فَيُخْبِرُهُ , ثُمَّ يَبْعَثُ فِي إِثْرِهِ مَنْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ , فَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَدْ عَجِلْتُ فَلَا تَقْبَلْ شَيْئًا مِمَّا قُلْتُ لَكَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ " , قَالَ: «وَكَانَ قَلِيلًا مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ كَمَنْ لَا يَخْشَاهُ
(2/358)

قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِ , عَنْ دَعْلَجِ بْنِ أَحْمَدَ , قَالَ: أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ , حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ , قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُنْتُ أَسْأَلُ وَأَنَا حَدَثُ السِّنِّ , فَمَرَرْتُ بِمَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فِيهِ عُمَرُ بْنُ خَلْدَةَ الْأَنْصَارِيُّ , فَقَالَ: " تَعَالَ يَا مَالِكُ: إِذَا سُئِلْتَ عَنْ شَيْءٍ فَتَفَكَّرْ فِيهِ , فَإِنْ وَجَدْتَ لِنَفْسِكَ مَخْرَجًا فَتَكَلَّمْ , وَإِلَّا فَاسْكُتْ "
(2/359)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ هُوَ الرَّمَادِيُّ , ثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى , عَنِ ابْنِ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ يُنْكِرُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ لِلسَّائِلِ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ , مَا عَلِمْتَ فَقُلْهُ وَدُلَّ عَلَيْهِ , وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَاسْكُتْ عَنْهُ , وَإِيَّاكَ أَنْ تَتَقَلَّدَ لِلنَّاسِ قِلَادَةَ سُوءٍ»
(2/359)

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِحْجَامِ عَنِ الْجَوَابِ إِذَا خَفِيَ عَلَى الْمَسْئُولِ وَجْهُ الصَّوَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] فَإِذَا سُئِلَ الْمُفْتِي عَنْ حُكْمِ نَازِلَةٍ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ , وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِهِ , لَزِمَهُ أَنْ يُرْشِدَ السَّائِلَ إِلَيْهِ , وَيُدِلَّهُ عَلَيْهِ
(2/360)

كَمَا: أنا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ , نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ , وَاللَّفْظُ لِعَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نا يَزِيدُ , هُوَ ابْنُ هَارُونَ , عَنِ الْحَجَّاجِ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ , عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ , عَلَى الْخُفَّيْنِ , فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا , فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنِّي بِهَذَا , وَقَدْ كَانَ يُسَافَرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: فَسَأَلْتُ عَلِيًّا فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ» - يَعْنِي: لِلْمُسَافِرِ - «وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُسْتَفْتَى غَيْرُهُ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ , وَتَرْكُ [ص:361] الْجَوَابِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى , يَقُولُ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
(2/360)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ الْبَصْرِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ , نا زُهَيْرٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا , أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ , قَالَ: أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى , فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ جَاءَ , فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي: أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ وَإِنِّي قُلْتُ: لَا أَدْرِي , وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَعَالَى , فَقُلْتُ: أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: «أَسْوَاقُهَا»
(2/361)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا [ص:362] عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ , نا شَرِيكٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ , قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: " يَا بَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ "
(2/361)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , نا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ , نا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ , سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «لَا عِلْمَ لِي» , ثُمَّ قَالَ: " وَابَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ: سُئِلْتُ عَمَّا لَا أَعْلَمُ , فَقُلْتُ: لَا أَعْلَمُ "
(2/362)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرَّيُّ , أنا أَبُو أَحْمَدَ يَعْنِي هَارُونَ بْنَ يُوسُفَ التَّاجِرُ , نا ابْنُ أَبِي [ص:363] عُمَرَ , نا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مُسْلِمٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ , وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ , فَيَقُولُ: لَا أَعْلَمُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ , فَإِنَّ مَنْ عِلْمِ الْمَرْءِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] "
(2/362)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَخْتَرِيُّ الْمَادَرَائِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ , نا يَعْلَى هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ شَقِيقٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَجُلٌ مُؤَدٍّ حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ يَعْزِمُ عَلَيْنَا أُمَراؤُنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا؟ فَقَالَ: «مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ , إِلَّا أَنَّا قَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَعَلَّنَا أَنْ لَا نُؤْمَرَ بِشَيْءٍ إِلَّا فَعَلْنَاهُ , وَمَا أَشْبَهَ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا وَمَا بَقِيَ إِلَّا الثَّغْبُ شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِيَ كَدَرُهُ , إِنَّ الْعَبْدَ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا [ص:364] اتَّقَى اللَّهَ , فَإِذَا حَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ أَتَى رَجُلًا فَشَفَاهُ , وَايْمُ اللَّهِ , لَيُوشِكَنَّ أَنْ لَا تَجِدُوهُ»
(2/363)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , نا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرَيُّ , عَنْ نَافِعٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: «لَا عِلْمَ لِي بِهَا» , ثُمَّ الْتَفَتَ بَعْدَ أَنْ قَفَى الرَّجُلُ فَقَالَ: " نِعْمَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ , فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ "
(2/364)

وقَالَ يَعْقُوبُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ , فَقَالَ: «لَا أَعْلَمُهُ» , ثُمَّ قَالَ: " نِعْمَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ "
(2/364)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ , نا ابْنُ عُثْمَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ , وأنا الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ , وَأَبُو عُمَرَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيَوَيْهِ الْخَزَّازُ , قَالَا: نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ , أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ , نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ , قَالَ أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ , سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ " , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» , ثُمَّ أَتْبَعَهَا , فَقَالَ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا ظُهُورَنَا لَكُمْ جُسُورًا فِي جَهَنَّمَ , أَنْ تَقُولُوا أَفْتَانًا ابْنُ عُمَرَ بِهَذَا»
(2/365)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , قَالَ: نا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , قَالَ: نا أَبُو هِلَالٍ , عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ , قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» , فَلَمَّا ذَهَبَ الرَّجُلُ , أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ , وَقَالَ: " سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ , فَقَالَ: لَا أَدْرِي , وَنِعْمَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَا لَا يَدْرِي: لَا أَدْرِي "
(2/365)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرَانَ الْفُوِيُّ بِالْبَصْرَةِ , قَالَ: نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , قَالَ نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ , قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ عِصَامٍ , قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , قَالَ: " الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: كِتَابٌ نَاطِقٌ , وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ , وَلَا أَدْرِي "
(2/366)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَذْكُرُ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي , فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ»
(2/366)

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ: مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيَّ , يَقُولُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ , نا مَالِكُ [ص:367] بْنُ أَنَسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَجْلَانَ , يَقُولُ: «إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ»
(2/366)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ , نا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ , أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ , يَقُولُ: " يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ , جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْدَهُ لَا أَدْرِي , حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ , إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَمَّا لَا يَدْرِي , قَالَ: لَا أَدْرِي "
(2/367)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ , نا سُفْيَانُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنِ الْقَاسِمِ , قَالَ: «لَأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا لَا يَعْلَمُ»
(2/367)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , قَالَ: أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ [ص:368]: سُئِلَ الْقَاسِمُ يَوْمًا , فَقَالَ: «لَا أَعْلَمُ» , ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ «لَأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ , خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ»
(2/367)

وقَالَ يَعْقُوبُ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , قَالَ: سُئِلَ الْقَاسِمُ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» , ثُمَّ قَالَ: «مَا كُلُّ مَا تَسْأَلُونَا عَنْهُ نَعْلَمُ , وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ , وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ»
(2/368)

أَخْبَرَنِي أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الجَبَلِيُّ الشَّاعِرُ , أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ الْكِلَابِيُّ , بِدِمَشْقَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ خُرَيْمٍ الْعُقَيْلِيُّ , نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ , نا مَالِكٌ , قَالَ: أَتَى الْقَاسِمَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ الْقَاسِمُ: «إِنَّ مِنْ إِكْرَامِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقُولَ إِلَّا مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ»
(2/368)

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ , قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , قَالَ: نا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ أَبِي عَوَانَةَ , وأنا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ , قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [ص:369] بْنِ خَلَفِ بْنِ بُخَيْتٍ الدَّقَّاقُ , قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ , قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ , قَالَ: ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: " لَا أَدْرِي: نِصْفُ الْعِلْمِ "
(2/368)

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّيْخُ الصَّالِحُ , وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ , قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ إِمْلَاءً , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ , قَالَ: نَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَيُّوبَ , فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ شَيْءٍ , فَلَمْ يُجِبْهُ أَيُّوبُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا أَرَاكَ فَهِمْتَ , قَالَ: بَلَى , قَالَ: فَمَا لَكَ لَا تُجِيبُنِي؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ " قَالَ مَالِكٌ: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ
(2/369)

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ , نا أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ , نا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , قَالَ: " سُئِلَ أَيُّوبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: لَا أَدْرِي , فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ يَدْرِي , فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي , [ص:370] وَلَا أَدْرِي مَنْ يَدْرِي "
(2/369)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ لَا أَدْرِي؟ قَالَ: «نَعَمْ , فَبَلِّغُ مَنْ وَرَاءَكَ أَنِّي لَا أَدْرِي»
(2/370)

أنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ , صَاحِبُ الْعَبَّاسِيِّ , أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ , أنا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ , عَنْ مُجَالِدٍ , قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» , فَقِيلَ لَهُ أَمَا تَسْتَحِي مِنْ قَوْلِكَ لَا أَدْرِي , وَأَنْتَ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ؟ قَالَ: " لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَسْتَحِي حِينَ , قَالَتْ: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] "
(2/370)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , وأَبُو يَعْلَى: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَكِيلُ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ , أنا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعَ: «مَنْ أَنِفَ مِنْ قَوْلِ لَا أَدْرِي تَكَلَّفَ الْكَذِبَ»
(2/371)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ , قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّدِيمُ , أنا الْمُبَرِّدُ , قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْأَوَائِلِ: «لَقَدْ حَسُنَتْ عِنْدِي لَا أَدْرِي , حَتَّى أَرَدْتُ قَوْلَهَا فِيمَا أَدْرِي»
(2/371)

أنا الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُخَيْتٍ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: " وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْتَفْتَى , فَيُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي " وَذَلِكَ فِيمَا قَدْ عَرَفَ الْأَقَاوِيلَ فِيهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنِ اخْتِيَارِهِ , فَيَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أَدْرِي أَيْ: لَا أَدْرِي مَا أَخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ , وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا أَدْرِي , ثُمَّ يَذْكُرُ فِيهَا أَقَاوِيلَ
(2/371)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْبَلُّوطِيُّ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ: " كَانَ لَنَا قَاصٌّ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: الْوقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ , خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ عَلَى الْهَلَكَةِ "
(2/372)

بَابُ أَدَبِ الْمُسْتَفْتِي أَوَّلُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِي إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَنْ يَطْلُبَ الْمُفْتِيَ , لَيَسْأَلَهُ عَنْ حُكْمِ نَازِلَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلَّتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِدُهُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ لَزِمَهُ الرَّحِيلُ إِلَيْهِ , وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ , فَقَدْ رَحَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي مَسْأَلَةٍ
(2/375)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُزَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ , حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ , نا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ أَمَرَتْهُ أُمُّهُ فِي امْرَأَتِهِ أَنْ يُفَارِقَهَا فَرَحَلَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ يَسْأَلُهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ , وَمَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُمْسِكَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ» [ص:376] قَالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ وَقَدْ فَارَقَهَا
(2/375)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , أَخْبَرَكَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ , نا أَبِي , نا شُعْبَةُ , عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , ثَنَا قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] , فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا , فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ , ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ» وَإِذَا قَصَدَ أَهْلَ مَحِلَّةٌ لِلْاسْتِفْتَاءِ عَمَّا نَزَلَ بِهِ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ وَيَسْكُنُ إِلَى أَمَانَتِهِ عَنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَمْثَلِهِمْ , لِيَقْصِدَهُ وَيَؤُمَّ نَحْوَهُ , فَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى الْعِلْمَ أَحْرَزَهُ , وَلَا كُلُّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ
(2/376)

وَقَدْ: أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ , [ص:377] قَالَ: نا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ , قَالَ: نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ , قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ , قَالَ: نا مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ لِرَجُلٍ: «مَنْ سَيِّدُ قَوْمِكَ؟» قَالَ: أَنَا , قَالَ لَهُ عُمَرُ: «لَوْ كُنْتَ سَيِّدَهُمْ مَا قُلْتَ»
(2/376)

وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ , يَقُولُ فِيمَا: أنا أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ , قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قِلَابَةَ الرَّقَاشِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ , كَثِيرًا , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ , يَقُولُ كَثِيرًا: «
[البحر الكامل]
خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرُ مُسَوَّدِ ... وَمِنَ الشَّقَاءِ تَفَرُّدِي بِالسُّؤْدَدِ»
(2/377)

أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ , نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَيْمُونٌ أَبُو حَمْزَةَ , قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: «تَكَلَّمْتُ وَلَوْ وَجَدْتُ بُدًّا لَمْ أَتَكَلَّمْ , وَإِنَّ زَمَانًا أَكُونُ فِيهِ فَقِيهًا لَزَمَانُ سُوءٍ»
(2/377)

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ الْهَاشِمِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي , حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الطَّيَالِسِيُّ , نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عَمَّنْ يَأْخُذُهُ»
(2/378)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ , بِدِمَشْقَ , أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانِجِيُّ , نا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ , قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ دِينَكَ»
(2/378)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ النَّهْرَوَانِيُّ , بِهَا , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ طَلْحَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مَهْزُولٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ , يَقُولُ: «إِنَّ الْعَالِمَ حُجَّتُكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , فَانْظُرْ مَنْ تَجْعَلُ حُجَّتَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
(2/378)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ [ص:379] إِبْرَاهِيمَ , نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَرِيبٍ الْأَصْمَعِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ , كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ , مَا يُؤْخَذُ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ حَرْفٌ مِنَ الْفِقْهِ , يُقَالُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» فَإِنِ اسْتُرْشِدَ جَمَاعَةٌ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُنَبِّهُوهُ عَلَى أَفْضَلِ الْمُفْتِينَ , وَأَعْلَمِهِمْ بِأَحْكَامِ الدِّينِ
(2/378)

أنا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا أَبُو الْقَاسِمِ: سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى , " قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ , قَالَ: نا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ , عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ , قَالَ: كَانَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ وَمَكْحُولٌ فِي الْمَسْجِدِ , فَسَأَلَ رَجُلٌ مَكْحُولًا عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ مَكْحُولٌ: «سَلُوا شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ» وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ اثْنَانِ , أَوْ أَكْثَرُ بَدَأَ بِالْأَسَنِّ وَالْأَكْثَرُ مِنْهُمُ رِيَاضَةً وَدُرْبَةً , فَيُنْبِلُهُ فِي الْخِطَابِ وَيُبَجِّلُهُ فِي الْأَلْفَاظِ , وَلَا تَكُونُ مُخَاطَبَتُهُ لَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ أَهْلَ السُّوقِ وَأَفْنَاءَ الْعَوَامِ , فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] وَهَذَا أَصْلٌ فِي أَنْ يُمَيَّزَ
(2/379)

ذُو الْمَنْزِلَةِ بِمَنْزِلَتِهِ , وَيُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِطَبَقَتِهِ
(2/380)

وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِكْرَامِ ذِي السِّنِّ مَا: أنا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ الْعُقَيْلِيُّ , نا أَبُو الرِّجَالِ الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ»
(2/380)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ الذُّهْلِيُّ , ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُوَقَّرَ , أَرْبَعَةٌ: الْعَالِمُ , وَذُو الشَّيْبَةِ , وَالسُّلْطَانُ وَالْوَالِدُ "
(2/380)

وَلَا يَسْأَلُهُ قَائِمًا , فَقَدْ [ص:381]: أنا الْبَرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ النَّخَّاسِ , حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصَلَانِيُّ نا بُنْدَارٌ , نا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ , نا شُعْبَةُ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا» وَإِنْ رَآهُ فِي هَمٍّ قَدْ عَرَضَ لَهُ , أَوْ أَمْرٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لُبِّهِ , وَيَصُدُّهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ فِكْرِهِ , أَمْسَكَ عَنْهُ , حَتَّى إِذَا زَالَ ذَلِكَ الْعَارِضُ , وَعَادَ إِلَى الْمَأْلُوفِ مِنْ سُكُونِ الْقَلْبِ , وَطِيبِ النَّفْسِ , فَحِينَئِذٍ يَسْأَلُهُ وَقَدْ نَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَى ذَلِكَ
(2/380)

فِيمَا: أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ , نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا شُعْبَةُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ , أَنَّ أَبَاهُ , كَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى سِجِسْتَانَ: أَنْ لَا تَقْضِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ , فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , [ص:382] يَقُولُ: «لَا يَقْضِ رَجُلٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ بَيْنَ خَصْمَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» وَمِنْ أَدَبِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ لَا يَقُولَ عِنْدَ جَوَابِ الْمُفْتِي: هَكَذَا قُلْتُ أَنَا , أَوْ هَكَذَا وَقَعَ لِي , أَوْ بِهَذَا أُجِبْتُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إِذَا سَأَلَ الْمُفْتِيَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ؟ أَوْ مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ بَلْ يَقُولُ: مَا تَقُولُ أَيُّهَا الْفَقِيهُ؟ أَوْ مَا عِنْدَكَ؟ أَوْ مَا الْفَتْوَى فِي كَذَا؟
(2/381)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتَيْقِيُّ , وَالْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْخُوَارِزْمِيُّ , نَزِيلُ مَكَّةَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ , قَالَ: نا أَبُو أَيُّوبَ حُمَيْدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: " قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا تَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَجَابَ فِيهَا , فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ؟ هَلْ فِيهِ حَدِيثٌ أَوْ كِتَابٌ؟ قَالَ: بَلَى , فَنَزَعَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ حَدِيثٌ: نَصٌّ " وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ فِيمَا أَجَابَهُ بِهِ , وَلَا يَقُولُ لِمَ وَلَا كَيْفَ , قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ [ص:383] كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَفَرَّقَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَ الْعَامَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ بِسَمَاعِ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ , سَأَلَ عَنْهَا فِي زَمَانٍ آخَرَ وَمَجْلِسٍ ثَانٍ أَوْ بَعْدَ قَبُولِ الْفَتْوَى مِنَ الْمُفْتِي مُجَرَّدَةً , وَإِذَا رَفَعَ السَّائِلُ مَسْأَلَتَهُ فِي رُقْعَةٍ , فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرُّقْعَةُ وَاسِعَةً لِيَتَمَكَّنَ الْمُفْتِي مِنْ شَرْحِ الْجَوَابِ فِيهَا , فَرُبَّمَا اخْتَصَرَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيَاضِ , فَأَضَرَّ بِالسَّائِلِ فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى جَوَّابِ الْمَسْئُولِ وَحْدَهُ , قَالَ لَهُ فِي الرُّقْعَةِ: مَا تَقُولُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ , أَوْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَوْ وَفَّقَكَ اللَّهُ؟ وَلَا يَحْسُنُ فِي هَذَا: مَا تَقُولُ؟ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ , بَلْ لَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ وَرَحِمَ وَالِدَيْكَ؟ كَانَ أَحْسَنَ وَإِنْ أَرَادَ مَسْأَلَةً جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ , قَالَ: مَا تَقُولُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ؟ أَوْ مَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ سَدَّدَهُمُ اللُّهُ فِي كَذَا؟ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: أَفْتُونَا فِي كَذَا , وَلَا: لِيُفْتِ الْفُقَهَاءَ فِي كَذَا , فَإِنْ قَالَ: مَا الْجَوَابُ؟ أَوْ مَا الْفَتْوَى فِي كَذَا؟ كَانَ قَرِيبًا وَحُكِيَ أَنَّ فَتْوًى وَرَدَتْ مِنَ السُّلْطَانِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ: مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ الدُّعَاءَ فِيهَا , فَكَتَبَ الْجَوَابَ فِي أَسْفَلِهَا: لَا يَجُوزُ , أَوْ كَتَبَ: يَجُوزُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ , فَلَمَّا عَادَتِ الرُّقْعَةُ إِلَى السُّلْطَانِ , وَوَقَفَ عَلَيْهَا , عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ , لِلتَّقْصِيرِ فِي الْخِطَابِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ , فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ , [ص:384] وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَاتِبُ الِاسْتِفْتَاءِ ضَابِطًا , يَضَعُ سُؤَالَهُ عَلَى الْغَرَضِ مَعَ إِبَانَةِ الْخَطِّ , وَنَقْطِ مَا أَشْكَلَ , وَشَكْلِ مَا اشْتَبَهَ
(2/382)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , قَالَ: أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , أنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَصِيبِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطُ , قَالَ: " كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ أَبِي مُجَالِدٍ: أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ , فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بِرُقْعَةٍ فِيهَا مَسْأَلَةٌ , فَقَالَ لِي: اقْرَأْ عَلَيَّ يَا أَبَا الْحُسَيْنِ , قَالَ: فَأَخَذْتُ الرُّقْعَةَ , فَإِذَا فِيهَا: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ تَمَّ وَقْفُ عَبْدَانِ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ مَا حَالُ وَقْفِ عَبْدَانِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: لَسْتُ أَعْرِفُ وَقْفَ عَبْدَانِ , فَقَالَ لِي: أَعِدِ الْقِرَاءَةَ , فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأْتُ أَوَّلًا , فَقَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ تَمَّ وَقْفُ عَبْدَانِ هَذَا أَوْ لَمْ يَتِمَّ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ , مَا أَعْرِفُ وَقْفَ عَبْدَانِ , وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ , فَقَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا فِي رُقْعَةِ الْمَرْأَةِ فَنَظَرُوا فَكُلٌّ قَالَ كَمَا قُلْتُ , ثُمَّ انْتَبَهَ لِمَا فِي الرُّقْعَةِ بَعْضُهُمْ فَإِذَا فِيهَا: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ تَمَّ وَقْفٌ عِنْدَ «إِنْ» . " وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْتَارُ: أَنْ يَدْفَعَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْمُفْتِي مَنْشُورَةً , وَلَا يُكَلِّفُهُ نَشْرُهَا , وَيَأْخُذُهَا مِنْ يَدِهِ إِذَا أَفْتَى وَلَا يُكَلِّفُهُ طَيَّهَا , وَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَفْتِي جَمْعَ جَوَابَاتٍ عِدَّةٍ مِنَ الْمُفْتِينَ فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ , بَدَأَ بِسُؤَالِ
(2/384)

الْأَسَنِّ وَالْأَعْلَمِ , فَقَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قِصَّةِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ وَسُقْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ
(2/385)

وأنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا ابْنُ عُثْمَانَ يَعْنِي عَبْدَانَ الْمَرْوَزِيَّ , نا عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ , نا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ نَافِعٍ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ , قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ الْقَوْمِ , ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ» وَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَفْتِي إِفْرَادَ الْجَوَابَاتِ فِي رِقَاعٍ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمْ شَاءَ وَدَفَعَ غُلَامٌ رُقْعَةً إِلَى بَعْضِ الْمُفْتِينَ يَسْتَفْتِيهِ , فَقَالَ لَهُ: بَعْدَ مَا تَأَمَّلَهَا: فَأَيْنَ أَكْتُبُ الْجَوَابَ؟ فَقَالَ عَلَى ظَهْرِ الرُّقْعَةِ , فَقَالَ: وَمَا هَذِهِ الْمُضَايِقَةُ؟ لَكِنْ خُذِ الْجَوَابَ شَفَاهًا
(2/385)

بَابُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُفْتٍ سِوَاهُ لَزِمَهُ فَتْوَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]
(2/386)

وأنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعَطَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ , نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»
(2/386)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ [ص:387] عَطَاءٍ , أنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ} [آل عمران: 187] وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ قَالَ: «هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ , فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ , وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ , فَإِنَّهَا هَلَكَةٌ , وَلَا يَتَكَلَّفَنَّ الرَّجُلُ مَا لَا يَعْلَمُ , فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ»
(2/386)

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ آدَمَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَأَمَّا السَّائِلُ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10] قَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ , فَلَا تَنْهَرْهُ وَأَجِبْهُ» فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَتَأَمَّلَ رُقْعَةَ الِاسْتِفْتَاءَ تَأَمُّلًا شَافِيًا , وَيَقْرَأُ مَا فِيهَا كُلَّهُ , كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ , حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهِ , وَتَكُونُ عِنَايَتُهُ بِاسْتِقْصَاءِ آخِرِ الْكَلَامِ أَتَمَّ مِنْهَا فِي أَوَّلِهِ , فَإِنَّ السُّؤَالَ يَكُونُ بَيَانُهُ عِنْدَ آخِرِ الْكَلَامِ , وَقَدْ يَتَقَيَّدُ جَمِيعُ السُّؤَالِ , وَيَتَرَتَّبُ كُلُّ الِاسْتِفْتَاءِ [ص:388] بِكَلِمَةٍ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ فَإِذَا قَرَأَ الْمُفْتِي رُقْعَةَ الِاسْتِفْتَاءِ فَمَرَّ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَى النَّقْطِ وَالشَّكْلِ , نَقَّطَهُ وَشَكَّلَهُ , مَصْلَحَةً لِنَفْسِهِ , وَنِيَابَةً عَمَّنْ يُفْتِي بَعْدَهُ , وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا , أَوْ خَطَأً يُحِيلُ الْمَعْنَى , غَيْرَ ذَلِكَ وَأَصْلَحَهُ , وَرَأَيْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ: طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيَّ , يَفْعَلُ هَذَا فِي الرِّقَاعِ الَّتِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ لِلْاسْتِفْتَاءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَاصِلٌ مِنْ بَيَاضٍ , أَوْ فِي آخِرَ بَعْضِ سُطُورِ الْحَاشِيَةِ بَقِيَّةُ بَيَاضٍ خَطَّ عَلَى ذَلِكَ وَشَغَلَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُ الشَّاهِدُ إِذَا قَرَأَ كِتَابَ الشَّهَادَةِ , فَإِنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَغْلِيظَ الْمُفْتِي وَتَخْطِئَتَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ فِيهِ بَعْدَ فَتْوَاهُ مَا يُفْسِدَهَا وَبَلَغَنِي أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ بُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ قَصْدِ بَعْضِ النَّاسِ , فَإِنَّهُ كَتَبَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَفَ ابْنَةً وَأُخْتًا لِأُمٍّ وَابْنَ عَمٍّ فَأَفْتَى: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ , وَهَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ , فَلَمَّا أَخَذَ خَطَّهُ بِذَلِكَ أَلْحَقَ فِي مَوْضِعِ الْبَيَاضِ وَأَبًا فَشُنِّعَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ بِذَلِكَ
(2/387)

وَإِنْ مَرَّ بِشِبْهِ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ أَوْ لَفْظَةٍ تَحْتَمِلُ عِدَّةَ مُعَانٍ , سَأَلَ عَنْهَا الْمُسْتَفْتِي , فَقَدْ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزَّازُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ , نا الرِّيَاشِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ , نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , عَنِ الْحَجَّاجِ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ [ص:389]: «إِذَا سَأَلَ أَحَدُكُمْ , فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَسْأَلُ , فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ مِنَ الْمَسْئُولِ»
(2/388)

وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَيْخَابٍ الطِّيبِيُّ , نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , نا أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ , نا عِمْرَانُ بْنُ بَزِيعٍ الْمُلَائِيُّ , نا عَمْرِو بْنُ قَيْسٍ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ عَلِيٍّ , أَنَّهُ , قَالَ: «إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَلْيَعْقِلْ , وَإِذَا سُئِلَ الْمَسْئُولُ فَلْيَتَثَبَّتْ»
(2/389)

كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ , عَنْهُ , قَالَ: أنا أَبُو الْمَيْمُونِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ , نا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو , أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ , عَنِ ابْنِ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ , أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِرَبِيعَةَ: «إِنَّ الْبِنَاءَ إِذَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِ أُسٍّ لَمْ يَكَدْ يَعْتَدِلُ» يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُفْتِيَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ يَبْنِي عَلَيْهِ كَلَامَهُ
(2/389)

أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ [ص:390] بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الْعُكْبَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ الْمُعَافَى , قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ , وَسَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ يَمِينٍ , فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: كَيْفَ حَلَفْتَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ حَلَفْتُ , فَقَالَ أَحْمَدُ: نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِشَرِيكٍ: حَلَفْتُ وَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ حَلَفْتُ؟ فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: «لَيْتَ إِذَا دَرَيْتَ أَنْتَ كَيْفَ حَلَفْتَ دَرَيْتُ أَنَا كَيْفَ أُفْتِيكَ»
(2/389)

فَإِذَا قَرَأَ الْمُفْتِي الرُّقْعَةَ , أَعَادَ قِرَاءَتَهَا ثَانِيًا , ثُمَّ يُفَكِّرُ فِيهَا تَفْكِيرًا شَافِيًا , فَقَدْ: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , قَالَ: أنا أَبُو عَلِيٍّ: الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , حَدَّثَنِي وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ الْحَلَبِيُّ , عَنْ بَعْضِ مَشْيَخَتِهِ , قَالَ: " كَانَ رِجَالٌ مِنْ ذَوِي الْحِكْمَةِ يَقُولُونَ: إِذَا تَرَكَ الْحَكِيمُ الْفِكْرَةَ قَبْلَ الْمَنْطِقِ بَطَلَتْ حِكْمَتُهُ , وَإِنْ كَانَ مُبِينًا " ثُمَّ يَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُشَاوِرُهُمْ فِي الْجَوَابِ , وَيَسْأَلُ كُلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا عِنْدَهُ , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً , وَاقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاضِعَ وَأَشْيَاءَ وَأَمَرَ بِالْمُشَاوَرَةِ , وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ تُشَاوِرُ فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ
(2/390)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , قَالَ: أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: أنا الشَّافِعِيُّ , قَالَ: أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]
(2/391)

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِزْقِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبَاغَنْدِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْمِصْرِيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ بَزِيعٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَمْرُ يَنْزِلُ بِنَا بَعْدَكَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ قُرْآنٌ , وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْكَ فِيهِ شَيْئًا , قَالَ: «اجْمَعُوا الْعَابِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , فَاجْعَلُوهَا شُورَى بَيْنَكُمْ وَلَا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ»
(2/391)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , قَالَ: أنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ: أَنْ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ , حَدَّثَهُ , قَالَ: تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأَعْتَقَ مُنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ , وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ , وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ , فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِحَبَلِهَا , وَكَانَتْ ثَيِّبًا , فَذَهَبَ إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ , فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَنْتَ الرَّجُلُ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ» , فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عُمَرُ , فَقَالَ: «أَحَبِلْتِ؟» فَقَالَتْ: نَعَمْ , مِنْ مَرْغُوسٍ بِدِرْهَمَيْنَ , فَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِذَلِكَ لَا تَكْتُمُهُ , قَالَ: وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ , فَقَالَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» , قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ , فَقَالَ: عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ , فَقَالَ: «أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ» , فَقَالَ: قَدْ أَشَارَ عَلَيْكَ أَخَوَاكَ , فَقَالَ: «أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ» , فَقَالَ: أُرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ , وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا
(2/392)

أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , أنا جَدِّي , أنا أَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ , نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْأَشْجَعِيُّ , نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , نا الْأَزْهَرُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ أَبِي عَاصِمٍ التَّمَّارُ , قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , يَقُولُ [ص:393]: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فِيهَا , فَقَالَ: «مَا تَقُولُ يَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؟» فَقُلْتُ: أَنْتَ ابْنُ عَبَّاسٍ , وَإِنَّمَا جِئْتُ أَقْتَبِسُ مِنْكَ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا كَانَ لَكَ جَلِيسٌ فَسَلْهُ , فَإِنَّمَا هُوَ فَهْمٌ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ»
(2/392)

أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: «مَنِ اسْتَفْتَحَ بَابَ الرَّأْيِ مِنْ وَجْهِهِ وَأَتَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ , ضَمِنْتُ لَهُ النَّجْحَ , وَتَحَمَّلْتُ عَنْهُ الْخَطَأَ» , قِيلَ مَا وَجْهُهُ وَأَيْنَ طَرِيقُهُ؟ قَالَ: «يَبْدَأُ بِالِاسْتِخَارَةِ , ثُمَّ الِاسْتِشَارَةِ , وَلَا يُشَاوِرْ إِلَّا عَارِفًا حَدْبًا عَلَيْهِ»
(2/393)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «مَنْ أَكْثَرَ الْمَشُورَةَ لَمْ يُعْدِمْ عِنْدَ الصَّوَابِ مَادِحًا , وَعِنْدَ الْخَطَأِ عَاذِرًا» قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا بَأْسَ بِذِي الرَّأْيِ أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ دُونَهُ , كَالنَّارِ الَّتِي يَزِيدُ ضَوْءُهَا بِوَسَخِ الْحَدِيدِ فَإِنْ كَانَ فِي الرُّقْعَةِ مَا لَا يَحْسُنُ إِبْدَاؤُهُ , أَوْ مَا لَعَلَّ السَّائِلَ يُؤْثِرُ سَتْرَهُ , أَوْ مَا فِي إِشَاعَتِهِ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ النَّاسِ , فَيِنْفَرِدُ الْمُفْتِي بِقِرَاءَتِهَا وَالْجَوَابُ عَنْهَا
(2/393)

أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ هَارُونَ التَّمِيمِيُّ , بِالْكُوفَةِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ , نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَخْلَدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى , يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: «الْمُسْتَفْتِي عَلِيلٌ , وَالْمُفْتِي طَبِيبٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاهِرًا بِطِبِّهِ وَإِلَّا قَتَلَهُ» وَإِنْ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفْهِمَ السَّائِلُ كَيْفَ رَأَى الشُّهُودَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ , حَتَّى تَكُونُ فَتْوَاهُ عَلَى أَمْرٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ مَعَهُ
(2/394)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ , وعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ , قَالَا: نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ , نا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ , يُحَدِّثُ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لَا , قَالَ: «أَفَنِكْتَهَا؟» [ص:395] قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ
(2/394)

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ السِّهْلَةِ , كَتَوَقُّفِهِ فِي الصَّعْبَةِ , لِيَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «التَّثَبُّتُ يُسَهِّلُ طَرِيقَ الرَّأْيِ إِلَى الْإِصَابَةِ , وَالْعَجَلَةُ تَضْمَنُ الْعَثْرَةَ» وَإِذَا اشْتَمَلَتْ رُقْعَةُ الِاسْتِفْتَاءِ عَلَى عِدَّةِ مَسَائِلَ فَهِمَ بَعْضَهَا أَوْ فَهِمَ جَمِيعَهَا وَأَحَبَّ مُطَالَعَةَ رَأْيِهِ وَإِنْعَامَ النَّظَرِ فِي بَعْضِهَا , أَجَابَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْهَا , وَقَالَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ: فَأَمَّا بَاقِي الْمَسَائِلِ فَلَنَا فِيهِ مُطَالَعَةٌ , وَنَظَرُ , أَوْ زِيَادَةُ تَأَمُّلٍ , فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ شَيْئًا مِنَ السُّؤَالِ أَصْلًا , فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ: لِيَزِدْ فِي الشَّرْحِ لِنُجِيبَ عَنْهُ , وَكَتَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا: يَحْضُرُ السَّائِلُ لِنُخَاطِبَهُ شَفَاهًا , وَإِذَا تَفَكَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ مُتَعَارِضَةِ الْأَدِلَّةِ , لَمْ يَجِبْ فِيهَا حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا يَرْجَحُ بِهِ أَحَدٍ الْأَدِلَّةِ
(2/395)

كَمَا: أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ يَعْنِي الْقَاضِيَ , نا عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ , نا شُعْبَةُ , قَالَ دَعْلَجُ: ونا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا [ص:396] مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , نا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي عَوْنٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ: أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ , سَأَلَ عَلِيًّا عَنِ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ , يَجْمَعُهُمَا الرَّجُلُ , فَقَالَ: «إِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ , سَلْ عَمَّا يَنْفَعُكَ» , قَالَ: إِنَّمَا نَسْأَلُكَ عَمَّا لَا نَعْلَمُ فَأَمَّا مَا نَعْلَمُ , فَلَسْنَا نَسْأَلُ عَنْهُ , قَالَ: «أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ , وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ , وَلَا آمُرُكَ وَلَا أَنْهَاكَ , وَلَا أَفْعَلُهُ أَنَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» لَفْظُ يُوسُفَ
(2/395)

وأنا أَبُو الْقَاسِمِ طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْكَتَّانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , نا هُشَيْمٌ , عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ , عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ , فَقَالَ: إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ كُلَّ يَوْمِ أَرْبِعَاءَ فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى يَوْمِ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ , فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ , وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ» قُلْتُ: فَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ جَاءَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّؤَالُ فَجْأَةً , وَأَرَادَ السَّائِلُ الْجَوَابَ فِي الْحَالِ , وَلَوْ أَخَّرَ الِاقْتِضَاءَ بِالْجَوَابِ حَتَّى [ص:397] يَنْظُرَا حَقَّ النَّظَرِ لَأَجَابَاهُ بِالْحُكْمِ
(2/396)

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو صَالِحٍ , وَابْنُ بُكَيْرٍ , قَالَا: نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «الْبَيَانُ مِنَ اللَّهِ , وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»
(2/397)

وقَالَ يَعْقُوبُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ رَجُلٍ , مِنْ بَلِيٍّ , قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَبِي , إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَبِي فَنَاجَاهُ دُونِي وَكَلَّمَهُ وَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ: «إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَعَلَيْكَ بِالتُّؤَدَةِ حَتَّى يُرِيَكَ اللَّهُ مِنْهُ الْمَخْرَجَ»
(2/397)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو أُمَيَّةَ الطُّرَسُوسِيُّ , نا عُبَيْدُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَادَ صَاحِبُ الْأَنَاةِ أَنْ يُصِيبَ , أَوْ قَدْ أَصَابَ , وَكَادَ صَاحِبُ الْعَجَلَةِ أَنْ يُخْطِئَ أَوْ قَدْ أَخْطَأَ»
(2/398)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أنا مَعْمَرُ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ: أَنَّ عُمَرَ , كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعَاتِبُهُ فِي التَّأَنِّي , فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَمَا بَعْدُ: «فَإِنَّ التَّفَهُّمَ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةٌ وَرُشْدٌ , وَإِنَّ الرَّشِيدَ مِنْ رَشِدَ عَنِ الْعَجَلَةِ , وَإِنَّ الْخَائِبَ مَنْ خَابَ عَنِ الْأَنَاةِ , وَإِنَّ الْمُتَثَبِّتَ مُصِيبٌ أَوْ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُصِيبًا , وَإِنَّ الْعَجِلَ مُخْطِئٌ , أَوْ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا , وَإِنَّ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الرِّفْقُ يُضِيرُهُ الْخَرْقُ , وَمَنْ لَا تَنْفَعُهُ التَّجَارِبُ لَا يُدْرِكُ الْمَعَالِيَ» [ص:399] وَمَتَى كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْسَامٍ لَمْ تُفَصَّلْ فِي السُّؤَالِ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضَعَ جَوَابَهُ عَلَى بَعْضِهَا فَقَطْ , وَالْقِسْمُ الْآخَرُ عِنْدَهُ بِخِلَافِهِ , بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَسِّمَ الْمَسْأَلَةَ , فَيَقُولُ: إِنْ كَانَ كَذَا , فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَا , أَوْ إِنْ كَانَ كَذَا , فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَا
(2/398)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ , نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ , قَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا , وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ»
(2/399)

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مُحَرَّرًا , وَكَلَامُهُ مُلَخَّصًا أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا حَمَّادٌ , قَالَ: سُئِلَ أَيُّوبُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَسَكَتَ , فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَمْ تَفْهَمْ , أُعِيدُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَقَالَ أَيُّوبُ: «قَدْ فَهِمْتُ [ص:400]، وَلَكِنِّي أُفَكِّرُ كَيْفَ أُجِيبُكَ»
(2/399)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْرَقُ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , نا أَبُو قُدَامَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ , يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ الْخَلِيلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَأَبْطَأَ بِالْجَوَابِ , فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَمْ تَنْظُرْ؟ فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا النَّظَرُ , فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ مَسْأَلَتَكَ وَجَوَابَهَا , وَإِنَّمَا فَكَّرْتُ فِي جَوَابٍ يَكُونُ أَسْرَعَ لِفَهْمِكَ»
(2/400)

حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ حَزْمِ الْأَنْدَلُسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَقَاءٍ الْمِصْرِيُّ , أنا جَدِّي عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ , نا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , نا أَبُو الزِّنْبَاعِ , نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ , قَالَ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَتَشَبَّهُ بِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي فَتْوَاهُ , وَقِلَّةِ كَلَامِهِ وَجَوَابِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَعْنَى فِي الْجَوَابِ»
(2/400)

وَلِيَتَجَنَّبُ مُخَاطَبَةِ الْعَوَّامِ وَفَتْوَاهُمْ بِالتَّشْقِيقِ وَالتَّقْعِيرِ , وَالْغَرِيبِ مِنَ الْكَلَامِ , فَإِنَّهُ يَقْتَطِعُ عَنِ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ , وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهُمْ بِهِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ سُلَيْمٍ , نا أَبُو شِهَابٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ , عَنْ أَبِي حَيٍّ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ , قَالَ [ص:401]: تَكَلَّمَ قَوْمٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرُوا , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ تَشْقِيقَ الْكَلَامِ مِنَ الشَّيْطَانِ»
(2/400)

سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَرْبِيَّ , يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ , وَهُوَ عَمُّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُهْتَدِي الْخَطِيبُ " أَنَّ نِسْوَةً , ثَلَاثًا مِنْ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ بِعْنَ دَارًا فَجِئْنَهُ مَعَ الدَّلَّالِ وَالْمُشْتَرِي لِيَشْهَدَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ , فَقَالَ لِلنِّسْوَةِ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ الْكِتَابَ: مَنْ أَنْتُنَّ؟ لَا أَعْرِفُكُنَّ إِيتِينَ بِنِسْوَةٍ أَعْرِفُهُنَّ يَعْرِفْنَكُنَّ , يَقُلْنَ هُنَّ أَنَّكُنَّ أَنْتُنَّ , فَأَشْهَدَ عَلَيْكُنَّ بِمَا قُلْتُنَّ , فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: أَيُّهَا الشَّرِيفُ قَدْ وَاللَّهِ أَبَيْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ هَذِهِ الدَّارَ خَاصَّةً مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي قَدْ حَصَلَتْ فِيهَا "
(2/401)

وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إِذَا كَتَبَ الْجَوَابَ أَنْ يُطَالِعَ مَا كَتَبَ وَيُعِيدَ نَظَرَهُ فِيهِ , خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْقَطَ كَلِمَةً أَوْ أَخَلَّ بِلَفْظِة أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , نا الْأَصْمَعِيُّ , عَنْ رَجُلٍ , قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِرَجُلٍ: «كَتَبْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: «قَرَأْتَ؟» قَالَ: لَا , قَالَ: «لَمْ تَكْتُبْ» وَمَنْ كَانَ مَرْسُومًا بِالْفَتْوَى فِي الْفِقْهِ , لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُطْلِقَ خَطَّهُ فِي
(2/401)

مَسْأَلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ كَالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ , وَالرُّؤْيَةِ , وَخَلْقِ الْقُرْآنِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَكِنْ لَوْ سُئِلَ فِي رُقْعَةٍ عَمَّنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ , أَوْ ذَكَرَ السَّلَفَ الصَّالِحَ بِسُوءٍ , أَوْ أَظْهَرَ بِدْعَةَ كَذَا وَكَذَا وَنَحْوَ هَذَا الْجِنْسَ , كَتَبَ الْجَوَابَ فِي ذَلِكَ , وَأَكَّدَ الْأَمْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ , وَزَجَرٌ لِسَفَلَةِ النَّاسِ وَلَوْ سُئِلَ فَقِيهٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: فَإِنْ كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَجَابَ عَنْهَا , وَكَتَبَ خَطَّهُ بِذَلِكَ , كَمَنْ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوسْطَى , وَعَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقَدَةُ النِّكَاحِ , وَعَنْ أَوْسَطِ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ وَأَمَّا إِذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ: الزَّقُّومِ وَالْغِسْلِينَ , وَالْفَتِيلِ , وَالنَّقِيرِ , وَالْقِطْمِيرِ , وَالْحَنَانِ , رَدَّ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ وَوَكَّلَهُ إِلَى مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لَهُ
(2/402)

أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُتَيْقِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدَ , يَقُولُ: " كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ اللُّغَةِ , يَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي , وَيَتَمَثَّلُ بِهَذَا الشِّعْرِ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي كُلِّ فَنٍّ ... عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ كَالْمِيزَانِ
مَنْ تَحَلَّى بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ ... فَضَحَتْهُ شَوَاهِدُ الِامْتِحَانِ
وَجَرَى فِي السِّبَاقِ جَرْيَ سُكَيْتٍ ... خَلَّفَتْهُ الْجِيَادُ يَوْمَ الرِّهَانِ"
(2/402)

وَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ: أَنَا أَصْدَقُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَوْ عَمَّنْ قَالَ: الصَّلَاةُ لَعِبٌ وَعَبَثٌ , أَوْ قَالَ لِقَصِيدَةِ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: أَحْسَنْ مِنَ الْقُرْآنِ , فَيَجِبُ أَنْ لَا يُبَادِرَ الْمُفْتِيَ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا حَلَالُ الدَّمِ , أَوْ مُبَاحُ النَّفْسِ , أَوْ عَلَيْهِ الْقَتْلُ , بَلْ يَقُولُ: إِذَا صَحَّ ذَلِكَ إِمَّا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ , فَإِنْ تَابَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ , وَإِنْ لَمْ يَتُبْ أَنْزَلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا , وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَشْبَعَهُ فَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا , مِمَّا يَحْتَمِلُ أُمُورًا لَا يَكُونُ بِبَعْضِهَا كَافِرًا , فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَقُولَ: يُسْأَلُ هَذَا الْقَائِلُ عَمَّا أَرَادَ بِمَا قَالَ فَإِنْ أَرَادَ كَذَا فَالْجَوَابُ كَذَا , وَإِنْ أَرَادَ كَذَا فَالْجَوَابُ كَذَا وَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ إِنْسَانًا , أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ , فَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّزَ فِي جَوَابِهِ , وَيَحْتَاطَ فِيمَا يُطْلِقُ بِهِ خَطَّهُ بِذِكْرِ سَائِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَجِبُ الْقَوَدُ , وَبِحُصُولِ جَمِيعِهَا يَتِمُّ الْقِصَاصُ فَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ أَتَى مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَالْأَدَبَ , ذَكَرَ قَدْرَ مَا يُعَزِّرُهُ السُّلْطَانُ , فَيَقُولُ: يَضْرِبُهُ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا , وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ كَذَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُطْلِقَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فَيَضْرِبُهُ السُّلْطَانُ بِفَتْوَاهُ مَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُهُ وَإِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ رُقْعَةُ الِاسْتِغْنَاءِ فَوَجَدَ فِيهَا فَتْوَى فَقِيهٍ قَدْ سُئِلَ قَبْلَهُ , فَإِنْ كَانَتِ الْفَتْوَى مُوَافَقَةً لِمَا عِنْدَهُ , كَتَبَ تَحْتَ خَطِّ الْفَقِيهِ هَذَا
(2/403)

جَوَابٌ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ أَوْ كَتَبَ جَوَابِي مِثْلُ هَذَا , وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ الْحُكْمِ بِعِبَارَةٍ أَلْخَصَ مِنْ عِبَارَةِ الْفَقِيهِ
(2/404)

وَإِنْ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنَ الْحُكْمِ خِلَافَ مَا أَفْتَى بِهِ الْفَقِيهُ قَبْلَهُ ذَكَرَ مَا عِنْدَهُ , وَلَمْ يُبَالِ بِخِلَافِ مَا خَالَفَهُ فِيهِ , فَقَدْ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَتُّوثِيُّ , أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى الْآدَمَيُّ , نا أَبُو يَحْيَى الزَّعْفَرَانِيُّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , نا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ , نا حُسَيْنُ الْأَشْقَرُ , نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ , وأنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السَّيْبِيُّ , نا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ أَنَسِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ الْعَسْكَرِيُّ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , كِلَاهُمَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , عَنِ ابْنِ سَابِطٍ , زَادَ السَّيْبِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ اتَّفَقَا , عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: «الْجَمَاعَةُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ , وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ» وَفِي حَدِيثِ السَّيْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: الْجَمَاعَةُ أَهْلُ الْحَقِّ , وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ
(2/404)

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارُ بَغْدَادِيٌّ , نا عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ شَبِيبٍ الْمُسْلِيَّ , نا عُثْمَانُ بْنُ ثَوْبَانَ , [ص:405] عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: " الْجَمَاعَةُ: هُوَ الْحَقُّ , وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ "
(2/404)

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ الشَّيْبَانِيُّ , حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُوَارِزْمِيُّ , بِأَرْمِيَّةَ , نا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الْمَاعُونِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ , قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى عَلِيٍّ يَسْتَحِثُّهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مُجِيبًا: «إِنَّهُ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ عَمَلِكَ بِمَا أَنْتَ فِيهِ , الْبَصَرُ بِهِدَايَةِ الطَّرِيقِ , وَلَا تَسْتَوْحِشْ لِقِلَّةِ أَهْلِهَا , فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا , وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , لَمْ يَسْتَوْحِشْ مَعَ اللَّهِ فِي طَرِيقِ الْهِدَايَةِ إِذْ قَلَّ أَهْلُهَا , وَلَمْ يَأْنَسْ بِغَيْرِ اللَّهِ» وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ عِنْدَهُ , فِيمَا أَفْتَى بِهِ , كَأَنَّ فَقِيهًا سُئِلَ عَنْ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِلَا وَلِيٍّ , فَحَسَنٌ أَنْ
(2/405)

يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ أَوْ سُئِلَ عَمَّنِ: اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ لَمْ يَشْتَرِطْهُ , فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ: مَالُهُ لِلْبَائِعِ , لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ , وَكَرَجُلٍ سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا أَلَهُ رَجْعَتُهَا؟ فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ وَهَكَذَا: إِذَا سُئِلَ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ , وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا , أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنِ خَالَتِهَا وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْفَتْوَى طَرِيقُ الِاجْتِهَادِ , وَلَا وَجْهُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى تَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ قَاضٍ أَوْ حَاكِمٍ فَيُومِئُ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ , وَيُلَوِّحُ بِالنُّكْتَةِ الَّتِي عَلَيْهَا رَدُّ الْجَوَابِ , أَوْ يَكُونُ غَيْرُهُ قَدْ أَفْتَى فِيهَا بِفَتْوَى غَلَطَ فِيمَا عِنْدَهُ , فَيُلَوِّحُ لِلْمُفْتِي مَعَهُ لِيُقِيمَ عُذْرَهُ فِي مُخَالَفَتِهِ , أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
(2/406)

فَأَمَّا مَنْ أَفْتَى عَامِّيًّا , فَلَا يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَلَكِنْ رُبَّمَا اضْطُرَّ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ وَهَذَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي هَذَا , أَوْ يَقُولَ: مَنْ خَالَفَ هَذَا الْجَوَابَ فَقَدْ فَارَقَ الْوَاجِبَ وَعَدَلَ عَنِ الصَّوَابِ , أَوْ يَقُولَ: فَقَدْ أَثِمَ , وَوَاجِبٌ عَلَى السُّلْطَانِ إِلْزَامُ الْأَخْذِ بِجَوَابِنَا أَوْ بِهَذِهِ الْفَتْوَى , وَمَا قَارَبَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى حَسَبِ السُّؤَالِ وَمَا تُوجِبُهُ الْمَصْلَحَةُ وَتَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَإِذَا رَأَى الْمُفْتِي مِنَ الَمْصَلَحَةِ عِنْدَمَا تَسْأَلُهُ عَامَّةٌ أَوْ سُوقَةٌ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا لَهُ فِيهِ تَأَوُّلٌ , وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ , بَلْ لِرَدْعِ السَّائِلِ , وَكَفِّهِ , فَعَلَ , فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ , فَقَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ , وَسَأَلَهُ آخَرُ فَقَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ , ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَرَأَيْتُ فِيَ عَيْنَيْهِ إِرَادَةَ الْقَتْلِ فَمَنَعْتُهُ , وَأَمَّا الثَّانِي: فَجَاءَ مُسْتَكِينًا , وَقَدْ قَتَلَ فَلَمْ أُويِسْهُ
(2/407)

أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخْلِصُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ خُشَيْشٍ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ شَاكِرٍ الصَّائِغُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ , نا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ , عَنْ عَطِيَّةَ , قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ شَابٌّ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ , فَقَالَ: «أَنْهَاكَ عَنْهَا» , قَالَ: فَسَأَلَهُ شَيْخٌ , فَقَالَ: «آمُرُكَ بِهَا» , قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ الشَّابُّ , فَقَالَ: إِنَّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ , فَيَحِلُّ لِهَذَا شَيْءٌ يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ عُرُوقَ الْخَصْيَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَرَفِ الْأَنْفِ , فَإِذَا شَمَّ تَحَرَّكَ الْعِرْقُ» [ص:408] قُلْتُ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ , أَنَّ الشَّابَّ قَوِيُّ الشَّهْوَةِ , فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تُحْدِثَ لَهُ الْقُبْلَةُ مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ , وَالشَّيْخُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ , لِضَعْفِ شَهْوَتِهِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُ فَتْوَى ابْنِ عُمَرَ:
(2/407)

أنا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْبَزَّازُ , أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقُ , نا أَبُو أَحْمَدَ , نا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ , عَنِ الْأَغَرِّ , عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ , قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ , فَسَأَلَهُ: «أَيُبَاشِرُ الصَّائِمُ؟ فَرَخَّصَ لَهُ , وَأَتَى آخَرُ فَنَهَاهُ , وَكَانَ الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخًا , وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ»
(2/408)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النَّرْسِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , نا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ , وأنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ قَيْصَرَ التُّجِيبِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ شَابٌّ , فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُقَبِّلُ وَأَنَا [ص:409] صَائِمٌ؟ قَالَ: «لَا» , فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ عَلِمْتُ نَظَرَ بَعْضِكُمْ إِلَى بَعْضٍ: إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ "
(2/408)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ , نا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَهْوَازِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ , عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: رُبَّمَا أَنْبَأْتُكُمْ بِالشَّيْءِ , أَنْهَاكُمْ عَنْهُ , احْتِيَاطًا بِكُمْ , وَإِشْفَاقًا عَلَى دِينِكُمْ , «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ رَجُلٌ شَابٌّ , يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ , فَنَهَاهُ عَنْهَا , وَسَأَلَهُ شَيْخٌ عَنْهَا فَأَمَرَهُ بِهَا» وَإِنْ سَأَلَ رَجُلٌ فَقِيهًا , فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُ عَبْدِي أَعَلَيَّ الْقَتْلُ؟ جَازَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إِنْ قَتَلْتَ عَبْدَكَ قَتَلْنَاكَ , لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ سِيَّمَا وَالْقَتْلُ يَذْهَبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , مَذَاهِبَ , وَيَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ أَقْسَامًا وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ سَبَبْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَعَلَيَّ الْقَتْلُ؟ اتَّسَعَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاقْتُلُوهُ وَمَتَى أَفْتَى فَقِيهٌ رَجُلًا مِنَ الْعَامَّةِ بِفَتْوَى فَوَاسِعٌ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُخْبِرَ بِهَا , فَأَمَّا أَنْ يُفْتِيَ هُوَ فَلَا
(2/409)

بَابُ التَّمَحُّلِ فِي الْفَتْوَى مَتَى وَجَدَ الْمُفْتِي لِلسَّائِلِ مَخْرَجًا فِي مَسْأَلَتِهِ , وَطَرِيقًا يَتَخَلَّصُ بِهِ , أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ , وَنَبَّهَهُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ , وَلَا يُطْعِمَهَا شَهْرًا , أَوْ شِبْهَ هَذَا , فَإِنَّهُ يُفْتِيهِ بِإِعْطَائِهَا مِنْ صَدَاقِهَا , أَوْ دَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ , أَوْ يُقْرِضُهَا ثُمَّ يُبْرِئُهَا , أَوْ يَبِيعُهَا سِلْعَةً وَيُبْرِئُهَا مِنَ الثَّمَنِ , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , لَمَّا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ مِائَةً: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]
(2/410)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ , أنا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّيبَاجِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَثُ الْكُوفِيُّ , بِمِصْرَ , حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , نا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَلِيٍّ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ , فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ لَمْ يَطَأْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا , قَالَ: «يُسَافِرُ بِهَا ثُمَّ لِيُجَامِعْهَا نَهَارًا»
(2/411)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْحَرْبِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْحَنْبَلِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْمُقْرِئُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ شَبَابَةَ , عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ , عَنْ حَمَّادٍ , قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: أَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ فَيَسْتَحْلِفُنِي بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ , قَالَ: «احْلِفْ لَهُ , وَانْوِ مَسْجِدَ حَيِّكَ»
(2/411)

أنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحَامِلِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ: " كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ , وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ لِلْحَدِيثِ , فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ شَيْءٌ وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا , فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ سَأَلْتِينِي الطَّلَاقَ اللَّيْلَةَ , إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ اللَّيْلَةَ ثَلَاثًا , فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: عَبِيدُهَا أَحْرَارٌ , وَكُلُّ مَالٍ لَهَا صَدَقَةٌ إِنْ لَمْ أَسْأَلْكَ الطَّلَاقَ اللَّيْلَةَ , فَجَاءَنِي هُوَ وَالْمَرْأَةُ فِي اللَّيْلِ , فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: إِنِّي بُلِيتُ بِكَذَا , وَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي بُلِيتُ بِكَذَا , فَقُلْتُ مَا عِنْدِي فِي هَذَا شَيْءٌ , وَلَكِنَّا نَصِيرُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَنَا عِنْدَهُ فَرَجٌ , وَكَانَ الرَّجُلُ يُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَبَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْهُ , فَقَالَ: أَسْتَحْيِي مِنْهُ , فَقُلْتُ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ , فَأَبَى , فَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ , فَقَالَا: مَا عِنْدَنَا فِي هَذَا شَيْءٌ , فَمَضَيْنَا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ , فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ , وَقَصَصْنَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا مَضَيْنَا إِلَى سُفْيَانَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى , فَعَزَبَ الْجَوَابُ عَنْهُمَا , فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ الْفَرْضَ إِلَّا جَوَابَكَ , وَإِنْ كُنْتَ لِي عَدُوًّا , فَسَأَلَ الرَّجُلَ: كَيْفَ حَلَفَ؟ وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ: كَيْفَ حَلَفَتْ؟ وَقَالَ: وَأَنْتُمَا تُرِيدَانِ الْخَلَاصَ مِنَ اللَّهِ فِي أَيْمَانِكُمَا وَلَا تُحِبَّانِ الْفُرْقَةَ , فَقَالَتْ: نَعَمْ , وَقَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ , قَالَ: سَلِيهِ أَنْ يُطَلِّقَكِ , فَقَالَتْ
(2/412)

: طَلِّقْنِي , فَقَالَ لِلرَّجُلِ: قُلْ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ شِئْتِ , فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ , فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ قُولِي: لَا أَشَاءُ , فَقَالَتْ: لَا أَشَاءُ , فَقَالَ: قَدْ بَرَرْتُمَا وَخَرَجْتُمَا مِنْ طَلَبَةِ اللَّهِ لَكُمَا , فَقَالَ لِلرَّجُلِ: تُبْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِي كُلِّ مَنْ حَمَلَ إِلَيْكَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ " قَالَ وَكِيعٌ: فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْعُو لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ , وَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَدْعُو لَهُ كُلَّمَا صَلَّتْ
(2/413)

أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْحَرِيرِيُّ , أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَأْسٍ النَّخَعِيَّ , حَدَّثَهُمْ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى , نا أَبُو سُلَيْمَانَ هُوَ الْجُوزْجَانِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ اللُّصُوصُ , فَأَخَذُوا مَتَاعَهُ وَاسْتَحْلَفُوهُ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنْ لَا يُعْلِمَ أَحَدًا , قَالَ: فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَرَى اللُّصُوصَ يَبِيعُونَ مَتَاعَهُ , وَلَيْسَ يَقْدِرُ يَتَكَلَّمُ مِنْ أَجْلِ يَمِينِهِ , فَجَاءَ الرَّجُلُ يُشَاوِرُ أَبَا حَنِيفَةَ , فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: «أَحْضِرْنِي إِمَامَ حَيِّكَ وَالْمُؤَذِّنَ وَالْمَسْتُورِينَ مِنْهُمْ» , فَأَحْضَرَهُمْ إِيَّاهُ , فَقَالَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ: «هَلْ تُحِبُّونَ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا مَتَاعَهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ , قَالَ: " فَاجْمَعُوا كُلَّ دَاعِرٍ وَكُلَّ مُتَّهَمٍ فَأَدْخِلُوهُمْ فِي دَارٍ , أَوْ فِي مَسْجِدٍ , ثُمَّ أَخْرِجُوهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا , فَقُولُوا لَهُ: هَذَا لِصُّكَ , فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِلِصِّهِ قَالَ: لَا , وَإِنْ كَانَ لِصُّهُ , فَلْيَسْكُتْ , فَإِذَا سَكَتَ فَاقْبِضُوا عَلَيْهِ " , فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ , فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا سُرِقَ مِنْهُ
(2/413)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ , أنا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ خُزَيْمَةَ , نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ [ص:414] التِّرْمِذِيُّ , نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , نا مَالِكٌ , قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ , جَاءَهُ إِنْسَانٌ , فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِي لَأَشْتَرِيَنَّ جَارِيَةً , وَذَلِكَ يَشْتَدُّ عَلَيَّ لِمَكَانِ زَوْجَتِي وَمَنْزِلَتِهَا عِنْدِي؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ: «اشْتَرِ سَفِينَةً فَهِيَ جَارِيَةٌ»
(2/413)

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي: عِنْدَ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةٌ , وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ , وَقَدْ عَرَفَ ذَاكَ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يَعْتِقَ وَهُوَ الْآنَ يَطْلُبُ حِلَّ يَمِينِهِ فَهَلْ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ حِيلَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ , «يَهَبُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نِصْفَ رَقَبَتِهَا وَيَبِيعُهُ النِّصْفَ , فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ»
(2/414)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ الْمُقْرِئُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْهَاذَانِيُّ , نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ إِنْ أَكَلْتُ هَذِهِ التَّمْرَةَ أَوْ رَمَيْتُ بِهَا , قَالَ: «تَأْكُلُ نِصْفَهَا وَتَرْمِي بِنِصْفِهَا»
(2/414)

بَابٌ فِي خَزْنِ بَعْضِ مَا يَسْمَعُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْهُ لِعُذْرٍ فِي ذَلِكَ
(2/415)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا أَبُو هِلَالٍ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَوْ حَدَّثْتُكُمْ كُلَّ مَا فِي كِيسِي لَرَمَيْتُمُونِي بِالْبَعْرِ» قَالَ الْحَسَنُ: صَدَقَ وَاللَّهِ , لَوْ حَدَّثَهُمْ أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ أَوْ يُحْرَقُ مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ
(2/415)

وقَالَ يَعْقُوبُ , نا سُلَيْمَانُ , نا أَبُو هِلَالٍ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: «لَوْ كُنْتُ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ , وَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي لِأَغْرِفَ فَحَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا أَعْلَمُ مَا وَصَلَ يَدِي إِلَى فَمِي حَتَّى أُقْتَلَ»
(2/415)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْكِنْدِيِّ , قَالَ [ص:416]: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الزَّكَاةِ , فَقَالَ: «ادْفَعْهَا إِلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ» , قَالَ: فَلَمَّا قَامَ سَعِيدٌ تَبِعْتُهُ , فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ , وَهُمْ يَصْنَعُونَ بِهَا كَذَا , فَقَالَ: «ضَعْهَا حَيْثُ أَمَرَكَ اللَّهُ , سَأَلْتَنِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ , فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْبِرَكَ»
(2/415)

أنا الْعُتَيْقِيُّ , وَالتَّنُوخِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ , قَالَ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الصُّنَّاعَ لَا يَضْمَنُونَ إِلَّا مَا جَنَتْ أَيْدِيهِمْ , وَلَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَجْتَرِئَ الصُّنَّاعُ»
(2/416)

أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ , وأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَطَّارُ , قَالَا: نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ , نا الْأَعْمَشُ , عَنْ شَقِيقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ»
(2/416)

أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , وأنا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ نُوحٍ الْبَجَلِيُّ , أنا أَبُو خَلِيفَةَ , نا ابْنُ كَثِيرٍ , أنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْتَفْتُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ» هَذَا لَفْظُ الصَّيْرَفِيِّ
(2/417)

وقَالَ الْبَرْقَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: إِنَّ «الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْتَفْتُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ»
(2/417)

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , وأنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ , قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ , يَقُولُ: «إِنَّ مِنَ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ لَا يَجْمُلُ بِالسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ» زَادَ حَنْبَلٌ: عَنْهَا ثُمَّ اتَّفَقَا: «وَلَا بِالْمَسْئُولِ أَنْ يُجِيبَ» زَادَ حَنْبَلٌ: فِيهَا
(2/417)

أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَطَّارُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَبْهَرِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قُرِئُ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ , أَوِ ابْنِ وَهْبٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: «إِنَّ مِنْ إِذَالَةِ الْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ كُلَّ مَنْ كَلَّمَهُ , أَوْ يُجِيبَ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ»
(2/418)

قَرَأْتُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ التَّارِيخِيِّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكٍ , فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَلَمْ يُجِبْهُ , فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , أَلَا تُجِيبُنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: «لَوْ سَأَلْتَ عَمَّا تَنْتَفِعُ بِهِ» , أَوْ قَالَ: «تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِكَ أَجَبْتُكَ»
(2/418)

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَبُو سَهْلٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى , نا أَبُو سَلَمَةَ الْمِنْقَرِيُّ , نا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَزَالُونَ تُسْأَلُونَ , حَتَّى يُقَالَ لَكُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا , فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَجَعَلْتُ أُصْبُعِي فِي أُذُنِي فَصَرَخْتُ , فَقُلْتُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ
(2/419)

قُلْتُ: وَحَمْقَى النَّاسِ يَسْأَلُونَ بِجَهْلِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ فِي قُلُوبِهِمْ , كَمَا: أنا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ , مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّقَّاشِ , قَالَ: أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ , أنا جَدِّي , عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ , قَالَ: جَلَسَ الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ ذَاتَ يَوْمٍ , فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ , فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ , إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَأَدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِي أَنْفِي فَخَرَجَ عَلَيْهَا دَمٌ , فَمَا يَرَى الْقَاضِي أَحْتَجِمُ أَمْ أَفْتَصِدُ؟ فَرَفَعَ الشَّعْبِيُّ يَدَيْهِ , وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَقَلَنَا مِنَ الْفِقْهِ إِلَى الْحِجَامَةِ»
(2/419)

وقَالَ النَّقَّاشُ: أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَعْنِي الْعَدَوِيَّ , أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , فَقَالَ: أَيُّهَا الْقَاضِي: أَيُّمَا أَطْيَبُ الطُنْبُورُ أَمِ الْعُودُ؟ فَقَالَ لَهُ: «أَحْسَبُكَ بَايَعْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ» , فَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ وَأَنَّهُ مُسْتَفْهِمٌ , فَقَالَ لَهُ: «كَمْ عَلَى الطُّنْبُورِ مِنْ زَبْرٍ؟» قَالَ: اثْنَانِ , قَالَ: «وَعَلَى الْعُودِ؟» , قَالَ: أَرْبَعَةٌ , قَالَ: «فَكُلَّمَا كَثُرَ مِنْ هَذَا كَانَ أَطْيَبَ»
(2/419)

أنا أَبُو عَلِيٍّ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الجَازِرِيُّ , نا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ , إِمْلَاءً , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ , نا يَمُوتُ بْنُ الْمَزَرْعِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيَّ , يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْكَلَامَ وَيَخْتَلِفُ إِلَى حُسَيْنٍ النَّجَّارِ , وَكَانَ ثَقِيلًا مُتَشَادِقًا لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ , فَآذَى حُسَيْنًا , ثُمَّ فُطِنَ لَهُ , فَكَانَ يَعُدُّ لَهُ الْجَوَابَ مِنْ جِنْسِ السُّؤَالِ , فَيَنْقَطِعُ وَيَسْكُتُ , فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: مَا تَقُولُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فِي حَدِّ تَلَاشِي التَّوْهِيمَاتِ فِي عُنْفُوَانِ الْقِرَبِ مِنْ دَرْكِ الْمَطَالِبِ؟ فَقَالَ لَهُ حُسَيْنٌ: «هَذَا مِنْ وُجُودِ فَوْتَ الْكَيْفُوفِيَّةِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ الْحَيْثُوثِيَّةِ وَبِمِثْلِهِ يَقَعُ الثَّنَاءُ فِي الْمَجَانَّةِ عَلَى غَيْرِ تَلَاقٍ وَلَا افْتِرَاقٍ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرٍ وَاسْتِخْرَاجٍ , فَقَالَ حُسَيْنٌ: «أُفَكِّرُ , فَإِنَّا قَدِ اسْتَرَحْنَا»
(2/419)

بَابُ رُجُوعِ الْمُفْتِي عَنْ فَتْوَاهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهَا
(2/421)

أنا عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ , أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النَّاقِدُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي سَمِينَةَ التَّمَّارُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ , عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ , عَنْ سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ , عَنْ شُمَيْرٍ , عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ , قَالَ: " وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَقْطَعْتُهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَهُ لِي , فَلَمَّا وَلَّيْتُ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: تَدْرِي مَا أَقْطَعْتَهُ؟ إِنَّمَا أَقْطَعْتَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ , فَرَجَعَ فِيهِ " قُلْتُ: يَعْنِي بِالْمَاءِ الْعِدِّ: الدَّائِمَ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ مِثْلَ مَاءِ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ , وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ , لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ , وَلِهَذَا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ
(2/421)

أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ [ص:422] مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ , أنا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَا , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَقَدْ أَفْطَرَ , فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ , فَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يُفْطِرْ»
(2/421)

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَثْرَمُ , نا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ , نا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ , نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ , رَجَعَ عَنْ فُتْيَاهُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلْيُفْطِرْ "
(2/422)

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , نا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى , عَنْ يُونُسَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ سَالِمٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: كَانَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُ أَيُقَسِّمُ زَكَاتَهُ؟ فَيَقُولُ: «أَدُّوهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ»
(2/422)

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا هُشَيْمٌ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى , عَنْ حِبَّانِ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ [ص:423]: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى السُّلْطَانِ , وَقَالَ: «ضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا» قُلْتُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُوجِبُ دَفْعَ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إِلَى الْأُمَرَاءِ , فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا رَجَعَ عَنْ رَأْيَهَ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهِمْ , وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ صَرْفَهَا إِلَى الْأَصْنَافِ
(2/422)

فَإِذَا أَفْتَى الْفَقِيهُ رَجُلًا بِفَتْوَى , ثُمَّ قَالَ لَهُ قَدْ رَجَعْتُ عَنْ فَتْوَايَ , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْمُسْتَفْتِي بِهَا , كَفَّ عَنْهَا , كَمَا: أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ , أنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: " كَانَ ابْنُ هُرْمُزَ رَجُلًا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَقْتَدِيَ , بِهِ , وَكَانَ قَلِيلَ الْكَلَامِ , قَلِيلَ الْفُتْيَا شَدِيدَ التَّحَفُّظِ , وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُفْتِي الرَّجُلَ ثُمَّ يَبْعَثُ فِي إِثْرِهِ مَنْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ , حَتَّى يُخْبِرَهُ بِغَيْرِ مَا أَفْتَاهُ , قَالَ: وَكَانَ بَصِيرًا بِالْكَلَامِ , وَكَانَ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ , وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ "
(2/423)

أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيُّ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ , عَنْ أَبِيهِ [ص:424]: " أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ , وَهُوَ اللُّؤْلُؤِيُّ اسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَخْطَأَ , فَلَمْ يَعْرِفِ الَّذِي أَفْتَاهُ , فَاكْتَرَى مُنَادِيًا يُنَادِي: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ اسْتُفْتِيَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فِي مَسْأَلَةٍ فَأَخْطَأَ فَمَنْ كَانَ أَفْتَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ بِشَيْءٍ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ , فَمَكَثَ أَيَّامًا لَا يُفْتِي , حَتَّى وَجَدَ صَاحِبَ الْفَتْوَى , فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ , وَأَنَّ الصَّوَابَ كَذَا وَكَذَا "
(2/423)

وَإِنْ كَانَ رُجُوعُ الْمُفْتِي عَنْ فَتْوَاهُ بَعْدَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا نَظَرٌ فِي ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ قَدْ بَانَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَجَبَ نَقْضُ الْعَمَلِ بِهَا وَإِبْطَالُهُ , وَلَزِمَ الْمُفْتِيَ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفْتِي ذَلِكَ , كَمَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السُّلَمِيُّ , بِدِمَشْقَ , أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ الْكِلَابِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جُوصَا , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , أَخْبَرَهُ قَالَ ابْنُ جُوصَا , ونا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ , أنا ابْنُ الْقَاسِمِ , حَدَّثَنِي مَالِكٌ , عَنْ نَافِعٍ: " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ , سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ , عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ , فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ , قَالَ نَافِعٌ: ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ , فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَأَ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] " قَالَ نَافِعٌ: «فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ»
(2/424)

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ , قَالَ: نا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ , عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي شَمْخٍ , ثُمَّ أَبْصَرَ أُمَّهَا فَأَعْجَبَتْهُ , فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ , فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَلَمْ أَدْخُلْ بِهَا , ثُمَّ أَعْجَبَتْنِي أُمُّهَا , أَفَأُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَطَلَّقَهَا , وَتَزَوَّجَ أُمَّهَا , فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا: لَا يَصْلُحُ , ثُمَّ قَدِمَ فَأَتَى بَنِي شَمْخٍ , فَقَالَ: «أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي تَزَوَّجَ أُمَّ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ؟» قَالُوا: هَاهُنَا , قَالَ: " فَلْيُفَارِقْهَا، قَالُوا: كَيْفَ وَقَدْ نَثَرَتْ لَهُ بَطْنَهَا؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ فَعَلَتْ فَلْيُفَارِقْهَا، فَإِنَّهَا حَرَامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
(2/425)

وأنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ , نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا الثَّوْرِيُّ , عَنْ أَبِي فَرْوَةَ , عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا , مِنْ بَنِي شَمْخٍ مِنْ فَزَارَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ رَأَى أُمَّهَا فَأَعْجَبَتْهُ , فَاسْتَفْتَى ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ , فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَتَزَوَّجَ أُمَّهَا , فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا , ثُمَّ أَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ الْمَدِينَةَ , فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ , فَأُخْبِرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ , فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ , قَالَ لِلرَّجُلِ: «إِنَّهَا عَلَيْكَ حَرَامٌ , إِنَّهَا لَا تَنْبَغِي لَكَ , فَفَارَقَهَا» [ص:426] قُلْتُ: لَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ تَأَوَّلَ فِي فَتْوَاهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إِلَى أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَإِلَى الرَّبَائِبِ جَمِيعًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(2/425)

وَإِنْ كَانَ رُجُوعُ الْمُفْتِي عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ اجْتِهَادٍ هُوَ أَقْوَى أَوْ قِيَاسٍ هُوَ أَوْلَى لَمْ يَنْقُضِ الْعَمَلَ الْمُتَقَدِّمَ , لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَابَسِيرِيُّ بِوَاسِطٍ , نا الْقَاضِي أَبُو أُمَيَّةَ: الْأَحْوَصُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْغَلَابِيُّ , نا أَبِي , نا الْوَاقِدِيُّ , نا مَعْمَرٌ , وأَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِنَّائِيُّ بِدِمَشْقَ وَاللَّفْظُ لَهُ , أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ السُّلَمِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ بِشْرٍ الْهَرَوِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطِّهْرَانِيُّ , أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِيِّ , قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي امْرَأَةٍ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا , وَإِخْوَتِهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا , فَشَرَكَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ , وَبَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِالثُّلُثِ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ لَمْ تَشْرِكْ بَيْنَهُمْ عَامَ كَذَا وَكَذَا؟ , قَالَ: «فَتِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا يَوْمَئِذٍ , وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا الْيَوْمَ» [ص:427] قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَوْ لَمْ أَسْتَفِدْ فِي سَفَرِي هَذَا مِنْ مَعْمَرٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ , لَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ خَيْرًا
(2/426)

التَّوَثُّقُ فِي اسْتِفْتَاءِ الْجَمَاعَةِ
(2/428)

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , قَالَ: أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ , قَالَ: أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ , قَالَ: نَا ابْنُ عَمَّارٍ , عَنِ الْمُعَافَى , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «إِنْ كُنْتُ لِأَسْأَلُ عَنِ الْأَمْرِ الْوَاحِدِ , ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» إِذَا اخْتَلَفَ جَوَابُ الْمُفْتِينَ عَلَى وَجْهَيْنِ , فَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ , إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِلْاحْتِيَاطِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ مِثَالُهُ: أَنْ يُفْتِيَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَةِ مَسْحُ جَمِيعِ رَأْسِهِ , وَيُفْتِيهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ , وَإِنْ قَلَّ , فَإِذَا مَسَحَ جَمِيعَهُ كَانَ مُؤَدِّيًا فَرْضَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَجْهَيِ الْخِلَافِ لِتَنَافِيهِمَا , مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يُحِلُّ وَيُبِيحُ وَالْآخَرُ يُحَرِّمُ وَيَحْظُرُ فَقَدْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَغْلَظِ الْقَوْلَيْنِ , وَأَشَدِّهِ , لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ
(2/428)

كَمَا: أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بُخَيْتٍ الدَّقَّاقُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ , نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , نا ابْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ , عَنْ [ص:429] أَبِي عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «الْحَقُّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ , وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ وَبِيٌّ وَرُبَّ شَّهْوَةٍ تُورِثُ حُزْنًا طَوِيلًا»
(2/428)

وأنا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ بِهَا أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرَانِ , فَلَمْ تَدْرِ أَيُّهُمَا أَدْنَى إِلَى الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ , فَانْظُرْ أَثْقَلَهُمَا عَلَيْكَ فَاتَّبِعْهُ وَدَعِ الَّذِي تَهْوَى , فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّ الْهَوَى هُوَ الَّذِي زَيَّنَهُ فِي قَلْبِكَ وَحَسَّنَهُ عِنْدَكَ " وَقِيلَ يَأْخُذُ بِأَسْهَلِ الْقَوْلَيْنِ , وَأَيْسَرِ الْأَمْرَيْنِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى , قَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]
(2/429)

وَلِمَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزُّهْرِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ , نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ , نا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:430]: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»
(2/429)

وأنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ , نَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ , نَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ الْقَاسِمِ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ , وَلَكِنْ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»
(2/430)

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازُ , وَأَبُو الْحُسَيْنُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ , قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ , نا الْفِرْيَابِيُّ , نا سُفْيَانُ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: " إِذَا اخْتُلِفَ عَلَيْكَ فِي أَمْرَيْنِ , فَخُذْ بِأَيْسَرِهِمَا , ثُمَّ قَرَأَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] " وَقِيلَ يَأْخُذُ بِفَتْوَى أَفْضَلِهِمَا عِنْدَهُ فِي الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَأَوْرَعِهِمَا , وَيَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي تَعْرِيفِ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمَا
(2/431)

أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنُ بُخَيْتٍ الْعُكْبَرِيُّ , أَخْبَرَنَا جَدِّي , قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ
(2/431)

: " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقُولُ فِي الْمُسْتَفْتِي مِنَ الْعَامَّةِ إِذَا أَفْتَاهُ الرَّجُلَانِ وَاخْتَلَفَا فَهَلْ لَهُ التَّقْلِيدُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الْعَامِّيُّ يَتَّسِعُ عَقْلُهُ , وَيَكْمُلُ فَهْمُهُ إِذَا عَقَلَ أَنْ يَعْقِلَ , وَإِذَا فَهِمَ أَنْ يَفْهَمَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُخْتَلِفِينَ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ عَنْ حُجَجِهِمْ , فَيَأْخُذُ بِأَرْجَحِهِمَا عِنْدَهُ , فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ هَذَا , وَفَهْمُهُ لَا يَكْمُلُ لَهُ , وَسِعَهُ التَّقْلِيدُ لِأَفْضَلِهِمَا عِنْدَهُ وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُفْتِينَ , وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْلِ عَالِمٍ ثِقَةٍ , وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , فَوَجَبَ أَنْ يَكْفِيَهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ "
(2/432)