Advertisement

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 001



الكتاب: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي
المؤلف: محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي (المتوفى: 1376هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان
الطبعة: الأولى - 1416هـ- 1995م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
المقدمات
مقدمة التحقيق
...
باب المقدمات:
مقدمة التحقيق:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
إنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلال في النار.
أما بعد:
"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" سفر جليل لعالم نحرير مدقق من جهابذة الخلف، تناول مُؤَلَّفَه نشأة العلوم الإسلامية، وهي متشعبة, لكنه ربط هذا بفقه، فجعله بابة الكتاب، فأجاد وأفاد عليه -رحمة الله.
(1/5)

وكم كانت تمس الحاجة لطرق هذا الموضوع لأهميته, فقد أصبحت العلوم السالفة طلاسم ذهبت مفاتيحها بانقطاع السند وقله أهل العلم، حتى حار طلاب العلم في تحصيل العلوم, فمنهم من طرق باب التمذهب عسى أن يجد ضالته.
ومنهم: من طرق باب المتون، ومنهم من ضرب سهم في الحديث، ومنهم ... ، ومنهم ...
فما كانت حصيلة هؤلاء إلّا تعقيد الجرير في الجرير, فما كانت بضاعتهم في العير، ولا في النفير -إلا مَنْ رحم ربي- حيث بدؤا مما انتهى إليه الأوَّلون، فلم يعرف هؤلاء درب المتقدمين في التأليف، إنما نظروا لرسمهم فحفظوا نقوشهم.
فهؤلاء كمن وقف أمام قصر عظيم متسع الأركان، كثير الحجرات، فأراد أن يدخل، لكن أبوابه موصدة، فعمد إلى تسوّرِ الأسوار، فبذل جهدًا جهيدًا، فقد يصل أو لا.
كذلك من طرق سبل التعلم دون أن يقف على التصور -إن صح التعبير- لنشأة العلوم وتطورها والطفرات العلمية، وظهور المدارس، وغير ذلك.
فهذا التصور أساس فهم العلوم والتبحر فيها، وجدير بالإشارة أن هذه العلوم لم تكن لها منهجية في حياة الأمة، أو مشروع نظامي، إنما نشأة العلوم وتطورها تكفل إلهي من الله -سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وإنما غاية هذا "الفكر السامي" تصور اجتهادي مع دعم ذلك التصور بالحقائق التاريخية الثابتة، فهذا مؤلف فريد في بابه، عظيم في جوابه، قسم فيه مُؤلِّفه مادته إلى أربعة أقسام:
أ- القسم الأول: سماه: "طور الطفولية", ويعني: نشأة الفقه، وهو الذي
(1/6)

يبدأ ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم، وينتهي بوفاته.
ب- القسم الثاني: سماه: "طور الشباب", وهو عصر الاجتهاد، ويبدأ ببداية عهد الخلفاء الراشدين, وينتهي بنهاية القرن الثاني.
ج- القسم الثالث: سماه: "طور الكهولة", وفي هذا الطور بيَّنَ فيه المؤلف توقف الخط البياني للفقه عن الصعود، أي أنه لم تُضف للفقه أيّ إضافات جديدة بحركة الاجتهاد، إنما انتشر خط جديد وهو التقليد والركون إليه.
د- القسم الرابع: سماه: "طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم", وهو عنوان يتحدث عن مضمونه فلا يحتاج إلى تفصيل, ويبدأ ببداية القرن الخامس إلى وقتنا هذا.
ومما لا شَكَّ فيه عظم الخطب المتناول في هذا التصنيف البديع.
وكثير ما روادتني فكرة التأليف في هذا الموضوع لأهميته القصوى, ووعدت إخواني القراء بذلك في تقديمي لكتاب "الترغيب والترهيب", كذا "الإقناع لابن المنذر", فكانت مشيئة العليم الحكيم أن يقع في يدي هذا السفر الجليل، فرأيته حريّ بالاعتناء, وبضاعة ثمينة يجب أن تنشر، وما يفعل التراب في وجود الماء؟
ثم هذه الطبعة بعناية مركز تحقيق النصوص:
إسهام منها في نشر العلم النافع، مع الاعتناء به فأضافت:
1- العناية بأصل الكتاب المطبوع، حيث فتشت كثيرًا عن أصل خطي له دون جدوى، وهذا المطبوع بتحقيق فضيلة الدكتور عبد العزيز القاريء, طبعة جيدة، سيما وتعليقات فضيلة الدكتور أزالة الكثير من عور الكتاب، هذه التعليقات قد حافظنا على بعضها عازين الفضل لصاحبه، فجزاه الله خيرًا.
2- أصلحنا ما وقع في الكتاب من تحريف.
(1/7)

3- قمنا بالتوسع في مصادر تراجم النقلة المذكورين.
4- تخريج الأخبار الواردة في الكتاب.
5- وضعنا فهرس أبجدي للرواة المترجمين.
ثم هذه البضاعة المزجاة منا، إنما هي جهد بشري يعتريه ما يعتري غيره.
ولله الكمال وإليه القصد.
وكتبه أ/ أيمن صالح شعبان, مدير مركز تحقيق النصوص القاهرة -ليلة الأحد- 25 من شوال لعام 1415 من الهجرة النبوية المباركة.
(1/8)

ترجمة المؤلف:
أترجم نفسي اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: "أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب"، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب: 21] ، وبسيدنا يوسف إذ يقول: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [سورة يوسف: 55] ، ويقول: {أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [سورة يوسف:59] ، وبسيدنا عيسى حيث قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [سورة مريم: 33] .
وقد ترجم نفسه ولي الدين ابن خلدون إمام التاريخ، ولسان ابن الخطيب إمام الأدب وغيرهما.
نعم أعتذر بما اعتذر به ابن الإمام في"سمط الجمان", والحجاري في كتاب "المسهب", وابن القطاع في "الدرة الخطيرة", وأبو الحسن بن سعيد في كتاب "المغرب" وغيرهم.
ليت المغاربة كان لهم ولوع بالتاريخ، وبالأخص تاريخ الرجال، فأكتفي بأمانتهم واعتنائهم عما سأورده في هذه الترجمة المخجلة التي أقصد بها إظهار حقيقة من حياتي, ربما لا يعرفها غيري كما أعرفها أنا, وإني لأشعر بعبء ذلك على كاهلي، ولكنني لا أجد منه بدًّا، فلينتبه إخواننا إلى الاعتناء بتراجم الرجال وإظهارهم مظاهرهم، فالأمة برجالها، والسهام بنصالها، وليترجم الناس لأنفسهم بأنفسهم ما دامت الأفكار معرضة عن هذه الواجبة حتى لا تضيع حقائق من حياتهم, ربما تتطلب فلا توجد, وكم ضاعت من حقائق بإهمال هذا الفن لم يجدِ الأسف عليها شيئًا.
(1/9)

فليكن في عملي هذا تشجيع للناس على ترجمة أنفسهم، وتنشيط على الاعتناء بهذا الفن المهمَل الذي يضيق المقام عن تعداد فوائده التي منها: أن الأمم لا تعتبر في مقام الحياة إلّا بقدر ما فيها من الرجال وما يحسنون.

نسبي:
عُلِمَ من ترجمة سيدي الوالد -قدس الله روحه- بآخر تراجم المالكية من هذا الجزء، ومسقط رأسي فاس، بها قرأت وتعلمت، وبأدب أهلها تأدبت، وسكنت مكناسة الزيتون ستين ونيفًا، ثم وجدة ثلاث سنين، ثم مراكش نحو سنة، ثم الرباطسنة ثلاثين، ثم عدت إليه آخر سنة تسع وثلاثين, وبه وبفاس لي دار واستقرار الآن تمسكًا بالحق في العاصمتين، واعترافًا بفضل المدينتين، ودخلت جل مدن المغرب والجزائر، وتونس إلى سفاقص، ولقيت أهم رجال القطرين، وذاكرتهم وعرفتهم، وأخذت عن كبار أعلامهم، وأخذوا عني بما بُيِّنَ في "الفهرس", وتجولت فيهما كثيرًا، وفي أوربا بما هو مفصل في رحلاتي.

وأما عقيدتي:
فسنية سلفية؛ اعتقد عن دليل قرآني، برهاني ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الراشدون, مالكي المذهب ما قام دليل.
وجدت بخط سيدي الوالد -رحمه الله- في عقيدته: ولد لي سيدي محمد -حفظه الله- من الزوجة الصالحة بنت الأمين السيد الحسين عبد الكبير جنون يوم رابع رمضان المعظم عند النداء لصلاة الجمعة سنة 1291 إحدى وتسعين ومائتين وألف هجرية, جعله الله من علمائه العاملين، وأوليائه الصالحين أهـ، وذلك موافق 22 سبتمبر 1874، ومحل ولادتي بالدار التي أسسها سيدي الجد -رحمه الله- بجرنيز قرب الحرم الإدريسي.
ربيت في حجر سيدي الوالد والوالدة الصالحة القانتة، وكان لهما الاعتناء التام بتربيتي وتهذيبي، وإصلاح شئوني إذ كنت أول مولود لهما، واستعانت الأم في ذلك بجدتي من قبل الأب، فكانت تحوطني، وتحنو عليّ أكثر من الأم
(1/10)

بكثير، وما كانت تقدر على مفارقتي لا ليلًا ولا نهارًا. هذه السيدة الجليلة القدر كانت على جانب عظيم من التبتل والعبادة، صوامة، محافظة على أوقات الصلاة، حافظة للسانها وجوارحها عن الخروج عن عبادة الله تعالى، مكبة على طاعته، مشفقة على الضعفاء والمساكين وذوي العاهات، مواسية مَنْ يستحق المواساة، فكانت أفعالها وأخلاقها كلها دروسًا عملية علمية تهذيبية ينتفع بها من نفعه الله من العائلة كلها، أتلقاها عنها والفكر فارغ من غيرها، فكانت كنقش في حجر.
وطالما رغَّبتني بأنواع ما يرغب به الصبيان في القيام باكرًا، وإسباغ الوضوء للصلاة، والنظافة وحفظ الثياب، والاعتناء بكتاب الله، والمحافظة على أوقات المكتب، وحب المساكين، ورحمة الضعيف، وهجر كل ما ليس بمستحسن في الدين، وبثّ روح النشاط في الحفظ والتعليم، فهي التي غرست في قلبي عشق العالم، والهيام بحفظ القرآن العظيم، واعتياد الصلاة، والارتياض على الديانة بحالها ومقالها, لما كانت عليه من صلاح الأحوال، ومتانة الدين عن علم واعتقاد متين.
فمرآة أخلاقها وأعمالها في الحقيقة أول مدرسة ثقَّفت عواطفي، ونفثت في أفكاري روح الدين والفضيلة، فلم أشعر إلّا وأنا عاشق مغرم بالجد والنشاط, تارك لسفاسف الصبيان, متعود على حفظ الوقت ألَّا يذهب إلّا في ذلك، شيق إلى كل تعلم وتهذيب، لا أجد لذلك ألمًا ولا نصبًا، بل نشاطًا وداعية، امتزجت باللحم والدم، لذلك كان حفظي للقرآن والمتون قبل أقراني بكثير, وبدون كبير عناء، بل في الختمة الأولى حفظت الكتاب العزيز تقريبًا، وما زدت الثانية إلّا لزيادة الضبط وحفظ الرسم عن نشاط ومحبة داخلية من الضمير المتشوق بالأمل المناساق بعاطفة حب المعالي، وحب أداء الواجب الذي لأجله خلقت حسب ما تلهمني إليه عاطفتي, لا بإلزام خارجي. علي أن هذه التربية الجديدة المحضة قد أثرت على جسمي بضعف ونحول، وساعد ذلك التأثير عدم وجود نظام في المكتب، وعدم وجود لوازم الصحة
(1/11)

والرياضة هنالك، ولا أوقات للراحة، بل عمل متصل ممل.
اذكر هذه الحلقة من حياتني، ويعلم ما أقصده من ذكرها كل من له إلمام بفن التراجم, هذه هي الحلقة التي يغفلها كثير من الباحثين والمؤلفين منا، فتضيع بإهمالها أهم أطوار حياة الرجال، ويتعذّر تعليل كثير من أحوالهم, يأتون في عملهم هذا بالنتيجة، ويتركون المقدمات؛ لأن حياة الإنسان كلها إنما هي نتيجة ذلك الطور القصير؛ طور الطفولية, ومرآة ينطبع فيه كل حين أثر تربيته الأولى والمدرسة الأولى. إن تأثير هذه التربية الأولى على حياتي هي التي أوضحت لي أن تربية الأمهات لها دخل كبير في تهيئة الرجال النافعين، وإعداد الأمم للنهوض, لذلك أرى وجوب تعليمهن وتهذيبهن تعليمًا يليق بديننا, ويزين مستقبل أولادنا, ويصيرهن عضوًا نافعًا في هيأتنا الاجتماعية، فلا غنى لنا عن إعانتهن في تربية رجال المستقبل الذي عليهم مدار حياة البلاد، وتعليمهن فن التربية ونظام البيت، وقواعد الصحة والدين، وحفظ القرآن أو بضعه, والحساب والجغرافيا والتاريخ والعربية والأدب الحقيقي لا الخيالي, ونحو ذلك مما يعينهن على مهمتهن، ويضيء لهن الطريق، كما أن للرياضة دخلًا كبيرًا في تربية الأجسام وتقويتها، وتنظيم الكتاتب وجعلها موافقة لقواعد الصحة أمر ضروري لحياة الأمة, هذه هي حياتي مع جدتي جازاها الله عني بأفضل ما يجازي به المحسنين، وجازى والدتي التي كانت معينة لها في مهمتها، موافقة على كل أفكارها وأعمالها، معترفة في ذلك بفضلها.
أما سيدي الوالد، فهو أول من ألقى دروسًا في العقائد السنية السلفية طبق القرآن الكريم، وفي الفقه والتاريخ والسير والشمائل، وهذا الفن هو الذي كان أغلب عليه، وهو أدخل في تهذيب الأولاد من كل ما سواه، ولا تحسن تربية أولاد المسلمين دونه، وقد نبهني للابتعاد عن خلط المعتقدات بالأوهام، ودرَّبني على التفرقة بين ما هو يقين يعتقد بدلائله، ولا يقبل التقليد في شيء من مقدماته، وبين ما هو مظنون يجتهد فيه استدلالًا واستنتاجًا، ويقابل فيه فكر المخالف بالاحترام والاعتذار، وما هو موهوم يطرح، ولا يفسد به جوهر العقل
(1/12)

النقي. وكان يحذرني من تغلب العواطف على المصالح، ويحضني على مقاومة الحقائق للخيال، وعلى أن يكون العقل والدين سلطانًا حاكمًا على الخيال والعواطف، كما كان يحضني على حفظ القرآن وأشعار العرب وأمثالها, والأحاديث الصحاح، والوقائع التاريخية، واستنتاج العبر منها، وتطبيقها على الأحوال الوقتية، فكان نعم الأستاذ النافع، والله يحسن إليه بما أحسن لأوليائه المخلصين، لذا وذاك كنت أرى نفسي مطبوعًا على حب العلم والاشتغال به، بل الهيام المفرد فيه، راغبًا عَمَّا يعوق عنه.
وكنت لما بلغت سبع سنين أو نحوها, أدخلني لمكتب خصوصي ومعي أخوان صغيران، وبعض أبناء وبنات أحبائه الصغار أيضًا، فكنَّا نتلقَّى القرآن العظيم على الفقيه الزاهد البارع في علوم اللسان سيدي محمد بن عمر السودي, حفيد الشيخ التاودي الشهير، وتلميذ جنون الكبير، فقرأت عليه إلي يس, وعليه أتقنت الكتابة والقراءة والتجويد والرسم، ودروس الأخلاق، وبعض الحساب، ومبادئ الدين, وأقرأني بعض متون في العقائد والنحو، ثم انتقلنا لمكتب عموميٍّ بزقاق البغل، فأكملت حفظ القرآن العظيم على الأستاذ الصالح الناصح ذي الدين المتين الواضح، سيدي محمد بن الفقيه الورياجلي, المقرئ الشهير الذي تخرَّج به كثير من أعيان فاس وأعلامها، والأستاذ ذو مناقب جمة، ومقام عظيم, يكفي أن أقول في بعض ما رأيت منها، أني أقسم بالله: لقد جلست بين يديه سنين ملازمًا له في الجل من الغلس إلى المساء إلا الأوقات الضرورية ما رأيته إلّا في عبادة وطاعة، ولقد أحسن إليَّ تعليمًا وتهذيبًا، وبين يديه أكملت حفظ كتاب الله، وكثير من بقية المتون، ودرَّبَني على قواعد الإعراب، وفهم غريب القرآن، وعلمني كثيرًا من ضروريات العبادة، وألقح فكري بالتفكير، وعرفني عملًا وتخلقًا مقدار ما تساويه مكارم الأخلاق, معزز لما كنت ألقنه في البيت، والله يثيبه بأفضل وأعظم مثوبة.
وفي سنة 1307 سبع وثلاثمائة وألف، دخلت القرويين لتلقِّي دورس العريبة والدين, وغيرهما الثانوية والعالية, على جلة الشيوخ الذين أحرزوا قصب السباق، وطارت شهرتهم في الآفاق، وقد ترجمت جملة منهم في الفهرسة،
(1/13)

إذ لم يسعني ذكرهم جميعًا في هذا المجموع, وذكرت هناك تفصيل ما أخذته عنهم من فقه وفرائض ونحوٍ وصرف وتجويد وتوجيه قراءات وتوحيد، وحديث، ولغة, واشتقاق, وتفسير, وبيان، ومعان, وبديع، ونقد الشعر, وعروض، وأصول, ومنطق، وأدب, وتاريخ، وفلسفة, وجغرافية, وتوقيت, وسير, وعلوم الحديث, وتصوف, وهيأة, ووضع, وحساب وجبر, وغير ذلك.
والذين لازمت دروسهم مدة التعاطي لزوم الظل للشاخص, إلى أن فرقنا الحِمَامُ, أو خروجي من القرويين هم:
1- الفقيه سيدي محمد بن التهامي الوزاني.
2- سيدي الحاج محمد فتح بن محمد بن عبد السلام جنون.
3- سيدي محمد فتحا القادري.
4- سيدي أحمد الخياط.
5- سيدي الحاج أحمد بن سودة.
6- سيدي عبد السلام الهواري.
7- سيد الكامل المراني.
8- سيدي أحمد بن الجيلاني.
وأخذت بعض العلوم والرياضية عن:
9- علامتها سيدي إدريس بن الطائع البلغيثي, آخر مهرة علوم التعليم بفاس، ولازمت كثيرًا غيرهم، ولكن لا كملازمتهم، وفي سنة 1316 كان ابتداء إلقائي للدروس, بعد ما أذن لي بعض الشيوخ منهم ومن غيرهم، وما أحقني بقول القائل:
خلت الديار من الرخا ... خ ففرزنت فيها البياذق
ولم تكن القرويين تعرف إذا ذاك امتحانًا, وإنما كان يقوم مقامه إذن شيوخها الكبار لتلميذهم في التدريس، ثم تتوزع الشهرة والإقبال بقدر طول الباع.
فأصبحت في هذه السنة أعدّ في صف العلماء المدرسين، وفيها ألفت أول تأليف كتبته أناملي, تجد بيانه في الفهرس، وأني أعلم من نفسي أنه لم يكن معي من الذكاء والاقتدار ما يؤهلني لذلك, والمرء أعرف بنفسه، ولكن كان معي كد وجد، وانقطاع للطلب نادر, مع طاعة تامَّة لوالدي, وتعظيم لشيوخي، وفي هذين الأمرين سر عجيب يكاد يلمس، ولا ينكره إلا من كان أطمس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, والحمد لله رب العالمين.
وفي سنة 1317 أخذت أتناول شيئًا من التجارة في غير أوقات الدروس
(1/14)

تدريبًا.
وفي السنة بعدها وظّفت أول وظيف عدلًا في صوائر دار المخزن بمكناس, أيام السلطان المولى عبد العزيز بن الحسن, وفي سنة 1320 رقيت منه إلى وظيف أمين ديوانة مدينة وجدة على الحدود المغربية الجزائرية، وفي هذه السنة قبل سفري إلى وظيفي الجديد تزوجت.
جملة اعتراضية:
في هذه السنة بدأ انقلاب الأحوال بالمغرب بثورة أبي حمارة التي سبَّبَت فقر مالية المغرب والسلف الأوربي، ثم سقوط المالية بيد إدارة السلف، وفناء حماة المغرب وأبطاله في الحروب الداخلية, وقد اختل النظام، وضاع الأمن، وفسدت الأخلاق، وضاعت الفضيلة والأمانة، وتكالبت الناس على الرياسات الوهمية وجمع الحطام, وتسلط على مناصب الدولة كل دخيل جاهل، فجَرَّ ذلك إلى تلاشي الدولة العزيزية، وتتابعت المحن، وأظلم جو المغرب، وفي أثناء ذلك وقعت معاهدة 8 إبريل سنة 1904 بين فرنسا والإنكليز، ثم مؤتمر الجزيرة الخضراء, بأثرِ المؤتمر بيسير سقطت الدولة العزيزية، وقامت الدولة الحفيظية, ثم وقع إثر ذلك الاحتلال, ثم إعلان الحماية سنة 1339, وما استقرَّ الأمن إلا سنة 1331 فما بعدها شيئًا فشيئًَا. هذه إحدى عشرة سنة رأى المغرب فيها من الأهوال والشدائد ما يشيب له الرضيع، وتندك له الجبال.
دخلت معترك الحياة، وقرعت باب السياسة والبلاد في هذه المشاكل، ويناسبني أن أتمثل هنا بقول عبد الحليم بن عبد الواحد:
عشقت صقلية يافعًا ... وكانت كبعض جنان الخلود
فما قدر الوصل جتى اكتهل ... ت وصارت جهنم ذات الوقود
(1/15)

وهذال الزمن هو عنفوان العمر، وربيع الشباب, كنت آمل أني أستريح فيه من عناء الطلب، وأجد فيه راحة وهدوء وفراغًا لنشر العلم, والتمتع بحياة هنية, لكني صرت آسف على ما مضى, وأشفق من المستقبل, ووافق ذلك انزواء سيدي الوالد للعبادة، وتركه للدنيا التي كان كافيني إياها، فلزمني القيام بشئون كثيرة وعبء ثقيل ألهاني عن إعطاء كليتي لما كنت أتمناه من نشر العلم من اشتغالي بوظائفي الهامة، ثم آل الأمر للطامَّة الكبرى عليّ, وهي فقدي له -جعله الله فرطًا وذخرًا:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وقد كنت أشاهد بركة دعائه في كل حركاتي وسكناتي، وقد كنت أحرزت الحمد لله في طاعته وإرضائه مكانًا عظيمًا، وقد فارقته ولسانه وجوارحه تدعو لي, غير أسف في الدنيا إلّا على فراقي, أعاد الله عليّ فضل دعائه، وتغمده في رحمته، ويرى المطلعون على ذلك أن ذلك من سر نجاحي في كل أعمالي، وسرعة تقدمي وارتقائي، وسبوغ نعم عظمى على العبد الفقير يعجز عن ذكرها فضلًا عن شكرها، وحديث أصحاب الغار في الصحيح يؤيد ذلك، والقرآن والسنة طافحة به.
(1/16)

انعطاف:
توليت أمانة ديوانه وجدة، ولما ظهر للمخزن ثمرة أعمالي في ضبط أمر الديوان, حتى صار مدخولها ثلاثة أضعاف ما كان قبلي على ضعف النظام واختلال الأمن, وتيقن بما هو مثبوت في الدفاتر الرسمية من نجاح الأعمال، حصلت له الثقة بي, فزاد لي ذلك وظيف مفتش الجيش الذي كان مرابطًا هناك لصيانة وجدة من هجوم أبي حمارة، وشغله هناك عن رد وجهته عن فاس، وكان هو معظم الجيش المغرب إذ ذاك، وذلك سنة 1321، فكنت بهذه الصفة نائبًا عن وزير المالية في أمور الجيش المالية، وعن وزير الحرب فيما يرجع إلى الأسلحة والذخائر الحربية, وما إلى ذلك، وبمجرد استلامي للوظيف أخذت في التفتيش والضبط، وإسقاط كثير مما كان زائدًا في قوائم الجيش باطلًا, ولا حقيقة له مما كان من أسباب سقوط المغرب، ويسمى في اصطلاحهم "منفوخ", وحسمت مادة بيع الدخائر والأسلحة، وأحرزت خزنتها كليًّا، فاقتصدت لخزينة الدولة ما ينيف عن خمسة عشر ألف بسيطة عزيزية يومية, كانت تحمل على عاتقها، وتذهب في بطون لا تعرف الشبع هباء منثورًا، وأهمية هذا القدر في ذلكم الوقت لا تخفى، وقد انحسمت بعد ذلك مادة بيع الدخائر الحربية والسلاح للعدو، وتوفَّر للخزينة مال وافر مما كان يضيع فيها، كل ذلك مثبوت بالدفاتر الرسمية، وقد قصدت بذلك انقاذ الوطن المهدد، وإصلاح ما فسد، ولكن أبى الله إلّا أن يقضي أمرًا كان مفعولًا، وقد كافأني المخزن على هذه الأعمال بترقيتي إلى وظيف أعلى زيادة على ما قبله, وهو نائب الملك في الحدود، وفي فصل دعاوي الإيالتين هناك، وكلفت بتنظيم جيش لحراسة الحدود المغربية، وأحق ما ينشد هنا:
وأنَّ بقوم سودوك لحاجة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
(1/17)

ثم أسندت إليَّ سفارة عن المغرب الجزائر مع وظائفي المتقدمة، والكل متقارب العهد خلال سنة 1321 المذكورة، ووقعت مباشرته على أحسن ما كان يؤمل, حتى وقع بلوغ المؤمل، وتحسنت العلائق بين الإيالتين، وجرت الأمور في مجاري التعادل والتوازن والحمد لله, ولا أظن أن ذلك من أجل ما يسمونه بالدهاء السياسي, وإنما هي فيما أظن نفحات وعناية إلهية، ثم لم أجد لدي مسائل عويصة يصعب حلها، ولا مشكلات يعسر فكها, من صفاء جو السياسة إذ ذاك بين الدولتين، ومن حسن حظ المرء أن يكون خصمه عاقلًا، لكنني طرأت عليّ عوارض صحية لتراكم الأشغال, مع اشتباك الأحوال السياسية بالعاصمة فجأة، وعزم المخزن على عقد مؤتمر الجزيرة، فاستعفيت سنة 1323، واستقدمني السلطان، فقدمت فاسًا، وعرض علي أن أسمى عضوًا في المؤتمر فاعتذرت، وليس كل عذر يبدو, ولا كل داء يعالج.
وإذا المنية أنشبت أظفهار ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
تعكرت الأحوال، وأظلم جوّ السياسة، واختلط الحابل بالنابل، فانعزت عن ذلك المعترك, وألقيت السلاح من غير تحمل درك، وأقبلت علي نشر العلم بفاس، وتحريك شيء من التجارة تكفيًا بها عن كل وظيف إلى سنة 1330, وعرضت عليّ أثناء مدة الإعفاء وظائف مهمة، فأعرضت عنها اختيارًا للسلامة.
إن السلامة من سلمى وجارتها ... أن لا تحل على حال بواديها
وفي سنة 1330 المذكورة, سميت نائب الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف، أول ما أحدث هذا الوظيف في المغرب آخر أيام السلطان المولى عبد الحفيظ بن الحسن، فقبلته رجاء نفع العلم، وفي مدتي انفتحت عدة مدارس ابتدائية بالمدن المغرية بعد خلوها منها، وباشرت إدخال العربية والدروس الدينية والقرآن العظيم لها، وبسبب ذلك حصل الإقبال على التعليم، وامتلأت المدارس شيئًا فشيئًا، وانتشرت في عموم المملكة حتى البوادي، وذلك أيام السلطان المولى يوسف -قدس الله روحه, فكان ذلك أول ترق أدبي فكري ناله المغرب، ولا شك أنه سيعود بالرقي العظيم على الفقه الإسلامي بهذه الديار.
(1/18)

وفي سنة 1332 باشرت تنظيم المجلس التحسيني لإصلاح العليم بالقرويين, وهو المجلس العلمي الموجود الآن, وهي بذرة لا بُدَّ أن تنبت ولو بعد حين، أسَّسْتُ هذه المجلس، وألَّفت قوانينه التحسينية, وما كان لفظ نظام أو تنظيم يعرف له المعنى المقصود هناك، ولا كان يوجد لعلماء ذلك المعهد مرتّب أو ترتيب, حتى فاجأتهم بذلك، فنفروا عنه، وبعد أن فهم المقصود أهل البصائر منهم, بما بذلته معهم من النصح والبيان، جأر منه مَنْ كان متسنمًا مقامًا يقضي عليه التنظيم بالنزول عنه، وقد قدمت الكلام على ذلك في هذا المجموع، ثم استعفيت سنة 1332، وأسقط هذه الوظيف من الوظائف المخزنية مدة، وأعطيت رتبة مستشار للحكومة المغربية شرفًا، فرجعت من الرباط إلى فاس, للإقبال على الدرس والتأليف، والتكفي بشيء من التجارة، وفي هذه السنة أشهرت الحرب العظمى بين دول أوربا, فنال المغرب حظه من أهوالها الكبرى, بما هو مبين في التواريخ, ثم تسببت عنها أهوال اقتصادية، وانقلابات وأزمات تغير بها وحه المغرب، وتبدلت أحواله. هذا جل ما يتعلق بالحياة السياسية, أما الحياة العلمية والقلمية فنقول:
قد درست صحيح البخاري بالرباط ومراكش لما كنت موظفًا، ثم بفاس، ولما بلغت كتاب التفسير قرأته مفصلًا، وكنت أملي فيه ملخصًا من جملة تفاسير؛ كالطبري والرازي والبيضاوي، وروح المعاني، وأحكام ابن العربي، والجصاص، وغيرها, بعدما تركوه مدة سنين من قبل، ورام بعض الولاة منعى منه بدعوى التطير بقراءته، وأنه يتسبب عنه موت السلطان, كما فعلوا بشيخي جنون فيما سبق، فعصمني الله منهم وأكملته والحمد لله، وكان ختمه سنة 1338، وألقيت منه درسًا بتونس من أول سورة المؤمنين، ثم أعدته بفاس أيضًا لإيصال حلقاته، وقد اعتنت به الحكومة التونسية، فجمعته وطبعته على نفقتها، كما أقرأت صحيح مسلم والموطأ ومختصر خليل إلى قرب الزكاة بفاس، والسير النبوية, والتحفة لابن عاصم، ولامية الزقاق، وألفيه ابن مالك، والمنطق، والكل بفاس، وأقرأت المرشد المعين، والتحفة، والربع المجيب برسالة المارديني قبل ذلك بوجدة, مدة مقامي بها.
(1/19)

ثم رجعت سنة 1339 لوظيف نيابة الصدارة العظمى في وزارة العلوم والمعارف، ولا زلت به إلى ساعة كتابة هذه الأحرف، وأجمل الله الخلاص وسدد بمنه.
ومن أحسن ما أمكنني القيام به تفقُّد المدارس من حيث العلوم العربية والدينية من حين لآخر، ويتبع سيرها، وبثّ روح النهضة فيها، والميل إلى إحياء علومنا، والتشبع من العلوم العصرية، وحثّ المعلمين والمتعلمين على حفظ النظام، وتوجيه كلية النظر نحو العلم والأخلاق ومكارم الدين، وأوصي من يقوم بالوظائف من بعدي بذلك، فإنه من خير الأعمال التي يتسنَّى بها التجديد المجيد والعلم قبس، وليجتهد كل واحد منا أن يعلِّمَ واحدًا, والواحد يعلم ألفًا، ومن البعض يكون الكل، والله المستعان.
ولازلت على مباشرة ما يمكنني من الدروس بالرباط، فقد قرأت الفرائض الخليلية مرة بعد مرة، وجملة من البخاري بالرباط وسلا، وأعدت الفسير ثانيًا بالجلالين، ثم بالبيضاوي إلى آل عمران، وحظًّا وافرًا من الربع الرابع من المختصر الخليلي بالزرقاني وحواشيه, وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، وختمت جمع الجوامع، والشمائل مرارًا، وقاربت إتمام النصف من فروق القرافي, كل ذلك في هذه المدة التي ابتعدت فيها عن مسقط الرأس، وكلما رجعت إليه في رخصة من الرخص، أو فرصة من الفرص، أعدت قراءة التفسير بجامعه الأعظم, وأسأل الله الإعانة والتوفيق، وأن يتقبَّل بمحض فضله.
أما تواليفي، فقد بلغت الآن خمسين والحمد لله بين مطول ومختصر، ومطبوع أو مخرج أو مُسوَّد كما هو مبين في الفهرس، وبعضٌ منها يكون مسامرة أو محاضرة ألقيها في موضوع علمي أو اجتماعي أو أخلاقي أو اقتصادي أو نحو ذلك، فيقع موقع الاستحسان، فيصير تأليفًا، ومن الله أستمد التسديد ونفع العبيد: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [سورة الضحى: 11] , {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأحقاف: 15] .
وإني لأرجو أن يكون في الشبيبة المغربية التي وقفت نفسي على ثقافتها،
(1/20)

والأخذ بناصرها ونفعها من يقوم بنهضة مغربية صادقة, حتى يناسب مستقبلهم ماضي أسلافهم، وتكون أيامهم عصرًا ذهبيًّا للمغرب تحيى المجد الغابر، والفضل الداثر، وللتاريخ أدوار كأدوار الموشحات، فإذا جاء الإبان أعادها.
وأوصي الشبيبة بتوجيه وجهتهم نحو رقي البلاد من حيث الأخلاق الكاملة، وثقافة الأفكار بالعلوم النافعة، ونشر محاسن الدين الحنيف، والكشف عن أسراره، وإزالة غشاوة الجهل به عن العقول, حتى يقف الناس على معنى الدين الحنيف، وينبذوا كل الأوهام التي خلطت به من أعدائه, فكل نهضة لا تؤسس على مبادئ الدين الصحيح والأخلاق الفاضلة تكون خلوًا من الفضيلة، وخطرًا عامًّا على نفسه, كما أنه وبال على بقية أنواع الحيوان، فلولا الدين لكانت الشهوة التي سطلته على الحيوان والجماد والنبات هي عينها تسلط بعضها على بعض، فالفضل كل الفضل في عمارة الكون ورقيّ النوع البشريّ هو للدين والمعوثين به، ولولا الأديان والرسل -عليهم السلام، ما وصل البشر لهذا الرقي الذي هو عليه، ولما كان إلّا وحشًا ضاريًا مفسدًا شريرًا في الأغلب من أفراده، ولم تزل الترقيات العصرية، والاكتشافات الفنية معجزة دالة على صحة الأديان وصدق المرسلين، فقد انكشف لنا به سر حرمة الخمر والخنزير، وسر غسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب، وأسرار حرمة الزنى، وإباحة تعدد الزوجات, وغير ذلك، وها نحن نرى أميركا تشدد في حرمة تعاطي الخمر بنحو ما كان عند مسلمي الصدر الأول, إلى غير ذلك, والحياة بدون زمام الدين فساد وخراب, وشواهد أثر ذلك منذ نشأت الدنيا إلى الآن, ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
فعليهم بإنهاض قومهم ووطنهم اقتصاديًّا بإرشادٍ إلى استخراج كنوزه العظيم التي اختلطت بأرضه ومائه، وبثّ روح جديدة في التجارة والزراعة والصنائع, وكافة أنواع الاقتصاد، حاربوا الفقر بالاقتصاد والاختصار من العوائد التي تستنزف الأموال، وباستنتاج الخيرات من الأرض والمياه، وبإحياء الصناعات الوطنية والنهوض بها إلى مستوى الرقي الجديد، فبالاقتصاد أصبح العالم مستعمرة اسرائيلية.
واستعينوا على ذلك بتهذيب الأخلاق، فالإخلاق أساس كل نجاح،
(1/21)

وفساد الأخلاق هو عين الإخفاق، وليتجنبوا المجادلات الدينية، والاختلافات المذهبية, فذلك شيء فرغ منه، فإياهم وإياي من ضياع الوقت النفيس إلّا فيما يفيد، حذار حذار من المجادلات العقيمة الدينية التي لا تأتي بفائدة, وليتجنبوا كل سياسية فإنها مفسدة للأعمال، معرقلة للمصالح.
وليجتهدوا أن يتخرَّج منهم مدرسون ماهرون يحاربون الأخلاق التي أوجبت انحطاطنا في الهيئة العالمية، ويحاربون تطرف الأفكار التي أضاعت وقتنا، وليحاربوا عدو الإسلام الألد, داء الأمية حتى يصير جل أمتهم يقرأ ويكتب ويحسب، ويعرب عن ضميره بعبارة صحيحة عربية بدوًا وحضرًا، كما كان نبينا -عليه السلام- يحاربها, وأصحابه بعده، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وإن حاجة المغرب إلى المدرسين من أبناء جنسه فوق كل حاجة، وذلك هو الماء الذي يقطر في حلقوم المحتضر، وينشروا العلم الابتدائي أولًا في جميع أصقاع بلادهم العزيزة بين إخوانهم، وليتطوعوا في ذلك ما أمكنهم، وليعينوا من ظهرت أهليته على تحصيل العلوم العالية عربية وأوربية من طب وهندسة وطبيعيات، وحقوق ومكنيكيات، وغير ذلك.
فإذا اشتغلوا بهذا، وعملوا بأصول هذه الوصية، فإنهم ينهضون بأمتهم وملتهم، ويكونون قد خدموا وطنهم حقًّا لا تشدقًا.
وإياهم والاشتغال بسفاسف الأمور كتغيير الزي، وتكثير الشغب بلا طائل، فإني أربأ بهم أن يتركوا زيَّ قومهم في ظفرة، وأن ينفروا منهم آباءهم, ويلصقوا التهمة بهم في دينهم بيدهم.
فما أجبن قومًا تستَّروا وراء لباسٍ غير لباسهم, خجلًا من جنسيتهم، وما أرذل قومًا أرادوا التشبيه بمن يعتقد انحطاطهم عنه، فليجتهدوا أن يكونوا قادة لأمة، ويجروها وراءهم تهذيبًا وتعليمًا, لا أن ينفروها منهم.
وليكونوا مثال العفة والأخلاق الفاضلة، وأولها صدقة اللهجة، وتقديم المصالح العامة على الخاصة، ونزاهة اليد واللسان، وحسم مادة الباطل
(1/22)

والرِّشَى، وترك الشبهات فضلًا عن المحرمات، وكل أمة هضمت خاصتها حقوق عامتها، كانت غنمًا مهزولة في ليلة شاتية لا يرجى لمستقبلها حياة, وليكونوا مثالًا للجد والنشاط والثبات في الأعمال والنزاهة، والبراعة والدهاء، وإني أعيذهم بالله من تضييع نصيحتي هذه.
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
أوصاني بهذا البيت شيخي جنون كتابة ومشافهة -رحمه الله مرارًا، وإلى الله أضرع أن يحقق رجائي فيكم، وأن يحفظكم يا أولادي وأخواني مما أصاب غيركم من سموم المعتقدات الفاسدة، وتطرف الأفكار، وأن يحميكم من ضدية الدين، وأن يجعلكم شبيبة مغربية حقًّا، محافظة على مجدها وقوميتها وذاتيتها، حرة التفكير ضمن دائرة الأدب والدين الصحيح الخالي من الخرافات والتخرصات، محافظة على شريعتها السمحة الحقة العظيمة, عارفة بتطبيقها على الأحوال الوقتية المناسبة, حتى تكونوا حماتها, وحماة الوطن العزيز، واللغة العربية الشريفة، معتدلين في أمركم كله، مستقيمين على المهْيَعِ القويم، متمسكين بسنة سيد المرسلين، وخلفائه الراشدين المرشدين.
(1/23)

تقريظات الكتاب:
تقاطرت على المؤلف تقاريظ كثيرة من أعظم علماء الأقطار الناهضة شرقًا وغربًا، ولطول تتبعها نقتصر على ما لا بد منه، إذ ما لا يدرك كله لا يترك جله، طالبين المعذرة ممن لم ينشر تقريظه.
تقريظ أمير شعراء المغرب وبلبله الصادح, الفقيه الأديب، البليغ البارع الأريب، الكاتب بوزارة الأوقاف المغربية، طائر الصيت بالديار الأفريقية، الشاعر المطبوع, ابن العباس الحاج عبد الله القباج, ونصه:
كم ذا تدافع في الورى وتحامي ... عن حوزة الإيمان والإسلام
كم ذا تنافح عن شريعة أحمد ... وتبين ما يخفى عن الأفهام
كم ذا تناضل عن سلالته وعن ... أتباعه وصحابه الأعلام
وتذود عن أحبار ملته الأولى ... صانوا محياها بخير لثام
وفَدَوْا حياة علومهم بنفوسهم ... وحموا معابدها من الأصنام
وهووا محاسنها وأعلوا شأنها ... وغدوا لها كالدرع والصمصام
أسهرت جفنك في بزوغ نجومهم ... وطلعت بينهم كبدر تمام
وفتحت أبواب البصائر للهدى ... منا وقلت لنا أدخلوا بسلام
في كل ما عام تجيء بآية ... عظمى تسجل في سجل العام
ولكل شهر في الفنون مجلد ... ضخم لديك سما عن الأسوام
يبدو لفاتحه بدو هلاله ... من "فكرك" الحسن المنير "السامي"
فيسير في الدنيا مسير الشمس في ... أقطارها والبرء في الأسقام
فإذا أتى الخضرا تسابق أهلها ... للسكر منه بدون شرب مدام
وإذا أتى مصرًا تحقق أهلها ... وأزاح عنهم سائر الأوهام
وإذا أتى للشام قال ذووه قد ... هلَّ الهلال بأفق أرض الشام
وإذا أتى بغداد قال إمامهم ... لست الإمام بل الإمام أمامي
وإذا أتى للهند أغنى الهند أو ... للسند قال السند نلت مرامي
واليوم قد أيقنت أن مجددًا ... بالمغرب الأقصى وبحرً طامي
وإذا أتى صقع الحجاز ومكة ... ومدينة الممدوح في الأنعام
هادي الورى للحق والداعي إلى ... ترك الخنا وتجنب الآثام
ورسول رب العالمين ونوره ... في الكائنات ورحمة العلام
ومحب أصحاب الشجاعة والسخا ... ومعين أهل البؤوس والأيتام
ومبيد أهل الظلم في الدنيا وهل ... شيء أضر لها من الظلام
(1/26)

ومن الذي يؤذي العباد لسانه ... كالحاسد المغتاب والنمام
أثنوا عليه حيال أشرف بقعة ... ودعو لربه في أجل مقام
تفديه نفسي بالحياة فإن مضت ... تفديه بعدي نفس كل همام
ولعل ذاك ما يحب ويبتغي ... من سائر القراء في الإكرام
ولعل فكرك يا محمد الرضي ... لم يبق في الأفكار من إبهام
ومن المحقق أن روحك فيه لا ... تبلى ولا تفنى مع الأجسام
ولعله كان الدواء لعلتي ... وقريحتي من آلم الآلام
ودليل ذلك أنني ألفيته ... صبحًأ أغار على الدجا بحسام
وشعرت أن اللطف حيت تلوته ... أضحى يلم وزاد في الإلمام
وجزمت أنه مرشد للنجح لا ... يرشى ولا يخشى من اللوام
وبأن أمر الدين كالدنيا ولا ... إصلاح للدنيا بدون "نظام"
بل شمت لما أن نقهت سجيتي ... تنمو بجانها مع الأيام
وظفقت أنظِّم ما أشاء كأنني ... أصبحت في عصري أبا تمام
فافخر وصل بصواب فكرك ولتثق ... إن قلت إنه قد أصاب مرامي
لو لم يكن سهمًا لما قال الفتى ... فكري يصيب كما تصيب سهامي
ولقد رميت وما رميت وإنما ... رب السماء رمى بك المترامي
لا ريب في هذا لدى كل امرئ ... يهوي الحقائق من سلالة سام
ومن الذي يرتاب فيما قلته ... وبذاك تشهد ألسن الأقلام
فاهنأ أبا عبد الإله محمدًا ... بالعلم والتوفيق والإلهام
فالعلم نور الله عند عباده ... والكون دون العلم محض ظلام
والمرء مهما كان في ايامه ... إن لم ينله يعد في الأنعام
وبه غدوت لدى الأمير مقرَّبًا ... من صيد أهل النقض والإبرام
ورفلت في حلل الثناء وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام
ولأنت يا حَجَوي غيث نافع ... لقلوبنا الموتى وللأحلام
والحافظ الفذ المحدث بيننا ... بالصدق حجته على المتعامي
والفضل فضل الله لا يحصى وهل ... تحصى نجوم الألفق بالأرقام
أعطاك ربك منه أشرف قسمة ... والناس في الأخرى على أقسام
(1/27)

لله فيك عناية تكفي بها ... عن حسن تدبير وحسن كلام
وسعادة محجوبة تغنيك عن ... إثم اليدين وباطن الأقدام
من لم ينل ما نلت من طيب الثنا ... لليدر ما للمجد من إعظام
وإذا أحب الله عبدًا صالحًا ... أثنى بنو سام عليه وحام
صلى الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام
وحباك عن هذا الصنيع مثوبة ... كالأرض والسماوات والأجرام
وكجنة الرضوان لا طلل بها ... يشجي ويبكي عروة بن حزام
ترضيك في بدء بدون نهاية ... ونهاية تزهى بحسن ختام
تقريظ قاضي تونس سابقًا, وشيخ الإسلام للمالكية حالًا بالديار التونسية, وصدر أعيانها الشريف العلامة النظار البابغة سيدي الطاهر بن عاشور, أمتع الله به وبتآليفه الإسلام, ونصه:
الحمد لله الذي قيَّض لهذه الأمة نوابغ علمائها، وأضاء بهم أفق مجدها، ومحجة هديها، فكانوا نجوم سمائها، يتعاقبون بالظهور مغربًا ومشرقًا، فما انقضَّ كوكب إلّا بدا نظيرها متألقًا، ومن أبهر الكواكب التي أسفر عنها أفقنا الغربي في العصر الحاضر، وكان مصداق قول المثل: "كم ترك الأول للآخر" الأستاذ الجليل والعلامة النبيل، وصاحب الرأي الأصيل, الشيخ محمد الحجوي, المستشار الوزيري للعلوم الإسلامية بالدولة المغربية، فلقد مدَّ للعلم بيض الأيادي بتآليفه التي سار ذكرها في كل نادي، ها هو اليوم قد عززها بكتاب سماه: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" كتاب طالعته مليًا، فوجدت سماه باسمه حريًا، وأعجبت بعرضه وتحريره، واستخلاصه من دلائل علم الفقه ومقاصده، وتاريخ الإسلام وتراجم رجاله، ورأيت منه ما لا يأتي مثله إلا لعالم روي من منابع الشريعة المختلفة المذاق بزلالٍ تنزه عن التكدر والامتذاق، حتى صار رأيه من فكره درًّا معينًا، ثم تبرزه الأقلام من أنامله درًّا ثمينًا، فلله درَّه ودرِّه، ومنه الرجاء أن تكثر آثار مؤلفه ويطول عمره.
وكتب محمد الظاهر بن عاشور، في 5 ربيع الثاني سنة 1348
(1/28)

تقريظ المفتى الأول الحنفي بالديار التونسية, ونخبة العلماء الحنفية بها, العلامة النحرير المتفنن, سيدي محمد بن يوسف -الله يبقيه, ونصه:
بسم الله, ما شاء الله, حمدًا لمن أظهر مواهب العلماء بنتائج الأفكار، ومدارك الأنظار، وخلَّد مآثرهم على صفحات القلوب، وصحائف الأسفار, فتنافست في اجتناء فوائدها، واقتناء فرائدها, أرباب البصائر والاعتبار, على تداول الأزمَّة والأعصار، وصلاة وسلامًا على ما تلألأت شريعته الغراء ومجبته البيضاء, مطالع ومظاهر الحكم والأسرار، سيدنا ومولانا محمد تاج الرسالة، وعين الرحمة المنثالة، النبي الصوة المختار، وعلى آله وأصحابه مصابيح الهدى، وأعلام الاهتداء, أمناء الوحي والآثار، أولئك هم الفضلاء الأخيار.
وبعد, فإن لإيضاح الحقائق فضيلة ومزية، والشمس عن مدح المادح غنية, ولكن الاختراع في إبرازها، وتمييز صدورها من أعجازها, هي المزية الأولى, وبموارد التصنيف الأجدر والأولى، يستلفت أريحية الناظر بعاطفة مستجدة، وطارفة من أفانين البلاغة مستمدة، فلا يزال كلفًا بما فيه، مغتبطًا بمنازعه وماحيه، ودونك ما سمحت به الأيام، وأهداه واضعه تحفة للأعلام, وغرة في جبين عالم الإسلام, كتاب "الفكر السامي", فقد كساه الاختراع حللًا عبقرية، وقلده الإبداع من الجواهر حليه، وخلعت عليه الإجادة بهاءها، ومدت إليه الإفادة أضواءها, ناهيك به من ذخيرة صانها الدهر لهذا العصر, ما لمحاسنها من حصر، ومدون أحكم تاريخ الفقه الإسلام وفصله، وميز كل طور من أطواره بما انتمى إليه ووصله، فجاء بحمد الله كتابًا حافلًا مفيدًا، وفنًّا من الفنون الشرعية مبتكرًا جديدًا, ترتاح له الأسماع والنفوس, ويقول مجتليه: لا عطر بعد عروس، حيا الله جامعه، المبدي بدائعه، ألا وهو العلم الفرد والحهبذ الدراكة الأوحد، مفخر التخوم المغربية، وحامل راية العلوم الشرعية والأدبية, العمدة الهمام، العلامة المفضال أبو عبد الله الشيخ, سيدي محمد الحجوي -شكر الله سعيه، وأدام حفظه ورعيه، فلقد تقدَّم لاستنباط هذا الفن العزيز من مشارعه، واستخصله استخلاص الإبريز من معاهده ومواقعه، فأفرده ورسمه،
(1/29)

وأوضح مجمله وأبدى علمه، على أسلوب متين، وطراز ثمين، إلى تحرير، لم يحم حوله تحرير، وتحبير كأنه الروض النضير، شنف أعزه الله بما صنَّف، واستظهر بالغريب المصنف، نسأل الله سبحانه أن يعينه على أمثاله، ويحرس معاقد فضله وكماله، بمنِّه ونعمه.
حرره محب العلم وأهله, عبد الله محمد بن يوسف, المفتي الحنفي بالديار التونسية - لطف الله به، في "25" شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وألف.
تقريظ حافظ مصر وشيخ محدثيها النقَّاد مؤلف كتاب "الإيقاظ", الذي أعجب به الحفاظ، وصاحب المكتبة العامة الشهيرة بمصر.
العلامة النحرير المتقن, سيدي أحمد رافع الحسين القاسمي الطهطاوي الحنفي -نفع الله به, ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله الذي هدانا لأقوم سبيل, وأنزل شريعته الغراء بالغة الحكمة واضحة الدليل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالآيات الباهرة، والداعي إلى سعادتي الدنيا والآخرة، وعلى آله المتبعين سننه، وأصحابه المجاهدين في الله على بيننة.
أما بعد، فقد اطعلت على أجزاء من كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" لحضرة الأستاذ الفقيه الجليل, سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي, فألفيته كتابًا سلك في البحث عن تاريخ التشريع الإسلامي أحسن طريقة، ورمى عن قوس النظر السديد فأصاب الحقيقة، ومن أجلِّ مباحثه ما احتواه من تراجم كثيرة من حملة الشريعة الزاهرة، وذكر مآثرهم الجليلة الفاخرة، أورد كل هذا في عبارات رائقة وأساليب فائقة، فنشكره على هذه الهدية السنية شكرًا وافيًا، ونسأل الله تعالى أن يكثير من أمثاله, ويجعل عمله متقبلًا، وذخرًا باقيًا.
القاهرة, في يوم الأربعاء رابع من شوال من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف الهجرية، كتبه الفقير إليه سبحانه؛ أحمد رافع الحسيني القاسمي الطهطاوي الحنفي -عفا الله عنه.
(1/30)

تقريظ المجمع العلمي العربي بدمشق الشام على لسان مجلته بالجزء 8, من قلم عضوه العلامة الحقق ذي التآليف البديعة, الشيخ عبد القادر المغربي, ونصه:
النهضة العلمية في المغرب الأقصى، وشيء من آثارها الدالة عليها:
كلنا نعلم أن في تونس من بلاد المغرب نهضة علمية وأدبية، وكنا نتمنَّى مثله للجزائر ومراكش، فلم يخيّب الله ظنَّنَا، فقد أخذ يبلغنا من وقت ولآخر تارةً بالآثار العلمية القيمة التي يصنفها أبناء هذين وجود القطرين العظيمين, وتارة بما نسمعه من أفواه القادمين إلى بلادنا من ذينك البلدين وجود نهضة علمية، وقيام علماء مصلحين يعملون على تنوير بلادهم, وإن كان الدهر فجعنا بعضو مجتمعنا الكريم الأستاذ أبي شنب الجزائري، فقد عوَّض الله تلك البلاد عنه بالأساتذة الحجوي والكتابي والرجراجي والجزولي, وغيرهم من أبناء مراكش والجزائر, وإن للأستاذ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي "مندوب المعارف العامة في مملكة مراكش ووزيرها وأستاذ العلوم العالية بالقرويين" اهتمامًا عظيمًا بأمر نشر العلم في تلك البلاد، وتنبيه الأفكار إلى وجوب إحداث نهضة عملية تتمشى مع النهضات الأخرى في سائر الأقطار الأخرى العربية، وهو يعمل دون ملل في هذه السبيل، فيكتب ويؤلف ويخطب، ويلقي المحاضرات الممتعة في الموضوعات المختلفة.
ومن آثار قلمه ما أهداه إلى مجتمعنا العلمي وهو كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" ألقى المؤلِّف ملخص كثير منه بشكل محاضرات في نادي الخطابة الأدبي بالمدرسة الثانوية, وموضوعه: كيف نشأ الفقه الإسلامي, إلى أن صار لما هو عليه الآن، فبيَّن فيه كيف كان فقه العرب، ثم مرتبته من العلوم في الإسلام، وأطواره الأربعة التي تطوَّر فيها الإسلام.
1- طور الطفولية.
2- طور الشباب.
3- طور الكهولة.
4- طور المشيب والهرم.
ثم يعقب ذلك الطور العتيد طور التجديد، هذا إلى ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد، وقد وشَّح المؤلف كتابه بتراجم المجتهدين الثلاثة عشر مجتهدًا، وهم الذين دونت مذاهبهم في صدر الإسلام، وتراجم فقهاء الصحابة والتابعين, ومن بعدهم من نخبة علماء المذاهب المقلدة, وبالجملة, فإن مضمون هذا
(1/31)

الكتاب فلسفة تاريخية أصولية للفقه الإسلامي، وتاريخ لأشهر مشاهير فقهاء الإسلام، ففيه تبيان لأصول الاجتهاد, وتدريب عليه، مع بيان المذاهب الأربعة, مملوء بالفوائد التي تتعلق بذلك جميعه.
فالقارئ الفطن يفهم مما تقدَّم فضل الأستاذ المؤلف، ومبلغ الحاجة إلى تأليفه, لا في البلاد المغربية فقط, بل في البلاد الإسلامية التي نهضت اليوم من مرقدها, تبغي لنفسها مكانًا اجتماعيًّا راقيًا يتلاءم مع الأمكنة التي تتبوؤها أمم العالم، وهذا وكتاب "الفكر السامي" المذكور, يتألَّف من أربعة أرباع, كل ربع منها يتضمَّن طورًا من الأطوار الأربعة الآنفة الذكر، وقد طبع منها ربعان فقط, كل منهما في جزء مستقل. "الربع الأول" طور الطفولية, من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم وفاته, "والربيع الثاني" طور الشباب, من زمان الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني. أهدى المؤلف إلى مجمعنا هذين الربعين أو الجزئين الأول منهما في "160" صفحة, والثاني في "340" صفحة, وقد طبع في مطبعة النهضة بتونس، وإنا لنرجو أن يوفق المؤلف إلى طبع الربعين الأخيرين.
2- ومن آثار الأستاذ الحجوي المهداة إلينا "المحاضرة الرباطية في إصلاح تعليم الفتيات في الديار المغربية" وقد ألقى الأستاذ هذه المحاضرة في معهد الدروس العليا بالمؤتمر الذي انعقد برباط الفتح سنة 1922، وقد نشرتها جريدة النهضة التونسية, ومن يوم إلقائها ونشرها تقدم: تعليم النبات بسرعة مدهشة, حتى في المدينة التي كانت متعصبة كفاس, كان عدد التلميذات "374", فبلغ الآن نحو "1400" تلميذة رغمًا عن معارضة بعض الأعيان في ذلك, عندما سمعوا المحاضرة تلقى جهرًا في المؤتمر.
وكل من يهمه مطالعة موضوع المرأة المسلمة وتعليمها, ينبغي له مطالعة هذه المحاضرة المفيدة, وقد طالعتها واستفدت منها.
3- ثم رسالة تتضمَّن المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر سنة 1924، والخطب التي منها خطبة للمؤلف، ثم قال: ومن مضامين هذه الرسالة يتبيّن للقارئ مبلغ النهضة العلمية في المغرب الأقصى, وحسن اتجاهها إلى ما يرقِّي
(1/32)

الفكر، ويثقِّف العقول.
4- رسالة تتضمن محاضرة الأستاذ الحجوي, وزير المعارف المشار إليه في المسامرات "المحاضرات" بحاضرة فاس، وموضوعها: "مستقبل تجارة المغرب" وقد ضمَّنَها أفانين من الأحوال التجارية من الوجهة الدينية والاقتصادية والتاريخية، وقد أوَّل كلام المؤرخ ابن خلدون في مقدمة تاريخه "إن التجارة نازلة عن خلق الرؤساء, وبعيدة عن المروءة" فقال: إن المراد بها تجارة أولئك الضواطرة الذين ينزلون الأسواق، وليس معهم آداب التجارة وعلومها, سوى الختل والخديعة.
الإمضاء المغربي
ثم جاء مكتوب خاص من حضرة العلامة المحقق السيد عبد القادر المغربي الدمشقي المذكور, ونصه:
بسم الله, إلى السيد السند الأجلِّ, مولانا الأستاذ محمد الحجوي الثعالبي -حرسه الله تعالى آمين.
بعد حمد الله والصلاة على نبيه, أعرض أنها وصلت هديتكم, وهي الجزء الثالث من تأليفكم "الفكر السامي", وكنتم منذ حين أرسلتم إلينا الجزءين الأولين باسمنا, وآخرين باسم المجمع, إلى أن قال: ولعلي أوفق إلى أن أكتب عليه كتابة توفيه حقَّه، فإنه يعلم الله خير ما كتب في عصرنا هذا عن الدين الإسلامي، وسر التشريع فيه. وقد طالعت الجزءين الأولين، فأعجبني منهما حسن التنسيق، وجودة الاستنتاج، وغزارة المادة، وجزالة الفائدة, فلا زلت أيها السيد منارًا يهتدى به، ويستضاء بنور علمه، وأنا بعد لم أطالع الجزاء الثالث، فسأطالعه، وأنتظر الجزء الرابع حتى إذ وصلني عدت، فكتبت في تقريظ الكتاب ما يفي بحقه إن شاء الله, إلى أن قال: وأختم كتابي بالدعاء والسلام. الداعي المغربي.
(1/33)

تقريظ وزير المعارف بدولة الشام, ورئيس المجتمع العلمي العربي, العلامة النابغة ذي التآليف السائرة مسيرة الشعاع, أبي عبد الله محمد كرد علي -حرسه الله, ونصه:
دولة سورة وزارة المعارف، الديوان رقم 6, لحضرة الأستاذ المحقق سيدي محمد الحسن الحجوي الثعالبي وزير المعارف في المملكة الشريفة المحترم.
سيدي الأستاذ، وصلني الجزء الثالث من "الفكر السامي" الذي خطته براعتك، وأملاه علمك، وإن عالم الأدب العربي ليرحب بكل سفر يصدر من معدن فضلك، ويغتبط بأياديك البيضاء على العلم في بلادك, وفقني الله وإياك إلى ما فيه نفع المسلمين والعرب بمنِّه وكرمه.
دمشق في 13 ذي العقدة 1349، "1" آذار 1931.
وزير معارف سورية, ورئيس المجمع العلمي العربي, محمد كرد علي.
تقريظ العضو المتطوع بمجلس القروين، العضو بالجمع العلمي العربي الدمشقي.
العلامة المحدث الشيخ أبي عبد الأحد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الشهير, ونصه:
الحمد لله, إن أحسن ما تحلّت به الآذان والمسامع، واتخذ زينة للمحافل والمجامع، ما كان من الأوضاع جديد الاختراع، وأجادته يد الإبداع, ومن ذلك ما جادت به قريحة العبقري الأوحد، السري النابه الأسعد، الحلاحل العلامة، الذي جعل ضروب الرفعة مقامه، وابتزاز الفرائد اهتمامه, الأستاذ المشارك النابغة، مندوب المعارف أبي عبد الله محمد الحجوي, أقرَّ الله به أعين البلاد، وزيَّنَ به سماء الإصعاد، ورمى بقوسه الباتر عيون اهل الفساد والإفساد، في كتابه المعجب، فقد اجتليت مقاصد أجزائه الأولى، وتتبعت مضامينه المثلى، فوجدته أجاد فيها وأفاد وحرَّر وهذَّب وزاد، وجمع واختصر وقرر، وفصَّل وبوَّب وحرَّر.
(1/34)

فهكذا هكذا إلا فلا لا.
وإن موضوعًا شيقًا كالموضوع الذي انتدب له المواضيع الجديرة باهتبال العملة وإصغاء النقلة، واستفادة المستفيدين، وإقبال المقبلين؛ لأن فقهنا الإسلامي أحسن فقه، وأفضل قانون، وأكمل وحي يعمل به ليوم المنون، فالعلم بتاريخه يزيد وقعًا في القلوب، وشكرًا لواضعه علام الغيوب, ومبلغه أفضل نبي وأكبر مشرّع، أنالك أشرف مطلوب، فإذا ضمَّ لنفاسة الموضوع جزالة الترصيف والإتقان المرفوع، كأن الناظر والمستمع كالمستنشق أزهار بستان، والمستجلي عرائس أذهان، ونتائج قرائح وأطيب أفنان، فهاكه كتابًا عز مطلبًا، وجل رتبًا، فخذه من الشاكرين، واستجل محاسنه للنهابهين، والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
9 ذي القعدة "1349", عبد الحي الكتاني.
تقريظ قاضي الجديدة سابقًا ومفتى فاس، وخطيب حرمها الإدريسي, العلامة المحقق سيدي العابد السودي القرشي حفظه الله, ونصه:
الحمد لله المانح لذوي الأفكار السامية من مواهب العلوم والمعارف, ما سنح لهم به الدخول إلى روضة الرقائق واللطائف، ذات التربية الباهرة، والمعادن الفاخرة، والزهور العاطرة, المرصَّعة الجوانب الشاسعة، والزوايا الواسعة، بالأشجار اليانعة الأغصان, المثمرة بأنواع الفواكه الحسان, صنوان وغير صنوان، فسبحان مولانا الذي هيأ لمن شاء من ذوي الأفكار السامية أسباب الاقتطاف من الزهور الجميلة الأوصاف، اليانعة بروض المعارف والعلوم, ومنحهم الاقتدار بمعونته على استخراجهم له من منطوق ومفهوم, وإبراز ما خفي من مكنون مبانيها, واستخلاص ما حوته من اليواقيت في خبايا معادنها، إلى أن اجتمع لديهم بحسن وضعه، ومهارة صنعه, عقول ذوي العقول, ويسلب كل ذي لب، بما أودع فيه كل ما يؤمل على الاستغراق والشمول، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل "أنا مدينة العلم وعليّ بابها", وعلى آله وأصحابه، وكل من تعلق من أمته بعرى العلوم وأسبابها.
وبعد, فيقول أسير كسبه العبد الفقير إلى مولاه, العابد بن أحمد السودي القرشي, لا يزال يرفل في ظل رحمة مولاه ويمشي: لما ساعدتني الأقدار الإلهية
(1/35)

والمواهب الصمدانية بمطالعة التأليف المسمى "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", الذي هو تأليف أخينا العزيز، والمبرز على منصَّة وزارة العلوم والمعارف الإسلامية أتمَّ تبريز, بما له من غزارة العلوم وحسن التدبير والتميز, البحر الخضم الذي لا يدرك ساحله، والبر الخصيب الذي لا تطوى مراحله, والطراد الشامخ الذي حنت إليه الفضائل السامية، السياسي الغيور المتمسك بالسنة النبوية العالية، الفرد الذي كسى بحرير تحريراته حرائر المعارف، وحلى بيواقيت أفكاره عرائس اللطائف، المشارك النحرير الذي لا يجارى في ميدان العرفان، الدراكة الشهير الذي لا يقابل عند المساجلة إلا بالتسليم والإذعان, النبيه المتيقظ الذي فاق كل من يكتب ويروي, أبي عبد الله سيدي محمد بن الأستاذ المنعم بكرم الله سيدي الحاج الحسن الثعالبي الشهير بالحجوي، حفظ الله مجادته وأعلى مقامه، ومهَّد له سبل المعالي مع السلامة، ومزيد الاستقامة، القائل لسان حال مؤلفاته:
تلك آثار تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
وتأملت جملة وافرة من مبانيه، وأمعنت النظر في تراكيب معانيه، فوجدته كما قال القائل:
وخريدة برزت لنا من خدرها ...
كالبدر يبدو من رقيق غمام
تسبي من العرب العقول بأسرها ... وتطير لب الروم والأعجام
فاشتد للتعليق به هيامي، وأضرمت لتقريظه نار غرامي، فلم أشعر إلّا والنداء خلفي وأمامي، اتئد أيها النبيه، وهون على خلدك، فما عسى أن تقول فيه، ولسان حاله يصرخ بملء فيه، فقريض أبي الثناء تقريظه منه نفسه، فرجعت إلى نفسي وقلت لها: وايم الله ما خوطبت إلّا بمقالة صدق, ولا سمعت إلا صميم حق، فمعاينة الأثر تغني عن الخبر، فلله دره من مؤلف، ياله من مصنف، أسس على تحرير المناط، كأنه تحريرات القرافي وابن الشاط، ضمَّنه من الأفعال الصريحة والأحاديث الصحيحة ما تطمئن له النفوس، ويقول كل منصف: لا عطر بعد عروس، وكيف لا ولم يسبق لهذا الصنيع العجيب،
(1/36)

والميع الغريب، أحد من فحول السلف، ولا رمى مرماه حاذق الخلف، ولا اقترب من حماه مؤرخ نجيب, ولا صاحب المعية أريب، ولا اهتدى أحد من المبتكرين للإشارة لهذا المنزع المصيب، مع مسيس الحاجة إلى معرفة أحوال نشأة الفقه وتطوراته، وكيفية تأصيلاته وتفريعاته, فسبحان مولانا الذي ادَّخر هذه المنقبة العظيمة لهذا الرجل العظيم، ووفقه إلى استخلاص المناهج الفقهية والأدلة الشرعية وخلاصة السنة النبوية المرعية، وجعل علمه موضوع عمله المبرور, والسعي المشكور, مع تفوقه في بيان أساس المجتهدين، وما جرى به عمل الصحابة والتابعين، وكأني به يقول بلسان حاله الصريح, لمن يحاول تقريظ هذا المشروع: هيهات فإنك كمن يرى الناس محاسن القمر ليلة إبداره بإيقاد الشموع، يا له من مشروع سدلت عليه حلة الحمد والثنا، وأديرت كئوس معارفه على ذوي الإنصاف بالرحيق، وأضرمت حرارة شهبه في أكباد الحسدة من نار الحريق، فكشرًا لك أيها المؤلف بعد شكر من ألهمك لهذا الصنيع، وهنيئًا لك بهذا الغرس البديع، الذي رأيت نضارة محاسنه على نضارة رياض الربيع, لازلت ترفل في رياض العلوم غاديًا ورائحًا، وفي كل أعمالك السرية والجهرية ساعدًا ناجحًا، وأثابك على علمك بمضاعفة الحسنات، والعفو عن السيئات.
تقريظ مفتى فاس سابقًا, وابن مؤسسها وقاضي تازة سابقًا, ووجدة حالًا, العلامة المحرر مولاي إسماعيل الإدريسي الحسني, ونصَّ بعد الديباجة:
يظن كثير من الناس أن المغرب الأقصى شاغر من العلماء أرباب الأفكار الحكيمة, والأقلام السيالة بالحقائق الفلسفية الناصعة, مصورة بصورة المحسوس الملموس, والمفيدين بابتكار الموضوعات الهامة في التأليف والنشر، ومن حكماء ماهرين يحللون المعلومات تحليلًا كيمياويًّا يدل على حياة العلم في أقصى المغارب، ولكن لا يزال الزمان يرينا خلاف ذلك على طريق نقيض، يرينا أن بين ظهرانينا ومن فلذات كبد ذلك المغرب، ومن أبناء جلدتنا العلماء والحكماء والمفكرين والمبتكرين والمفيدين، وناهيك في هذا الباب بذلك العلامة الحلاحل، والأستاذ الفرد الأوحد، الوزير الأمثل, سيدي محمد الحجوي الثعالبي، وناهيك
(1/37)

دليلًا على ذلك ما أبداه من الفكر السامي، فإنه فكر وسام حقيقة، بل هو الآية الكبرى, وهو فلسفة, ولماذا فلسفة الفقه وعمر الدين مهذبه جامعة مقربة, أبرزها رافلة في حلل التحقق التحرير، والتنميق والتحبير, دالة على غلط ذلك الظن، وعلى أن للمغرب رجالًا حكماء، فشكرًا لك أيها الأستاذ، وكفانا فخرًا وجود أمثالكم, يتحلى بهم جيد العالمية بالمغرب الأقصى والسلام.
وجدة في 4 ذي الحجة 1349, قاضي وجدة إسماعيل الإدريسي.
تقريظ نابغة كتاب وشعراء القطر التونسي, وعين أعيانه رئيس التشريفات الملوكية سابقًا, وشيخ مدينة بنزرت, الجنرال وشيخ مدينة بنزرت, الجنرال السيد محمد بن خوجة, ونصه:
بعد الحمدلة والصلاة، العلامة النحرير، المتحلي من الكمالات بكثير, الأستاذ الأرضى، والهمام الأحظى، الشيخ سيدي محمد الحجوي، مندوب المعارف، والجامع بين تيدها والطارف، حرس الله مقامه، وأيد بنوره قوله وكلامه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد وصلنا -وصلتكم السعادة الحسنى وزيادة- الربع الثالث من كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", وقد سرحنا طرف الطرف، فإذا هو غزير الفائدة، عميم الإجادة, جدير بالتهاني كشقيقه الأول والثاني، بحيث جاء متممًا لما تقدمه من التعريف بأصول التكليف، وبيان القول الصحيح منها من الضعيف, تلقاء مادة الروح الإسلامية، التي هي النطفة الفقهية المستمدة من الآيات الشريفة، المتممة لمبارك الأحاديث الصحيحة، والأقوال الراجحة النافعة التي هي للشبهات دافعة، وللكتاب والسنة راجعة، وأنه بلسان الحق لصنيعٍ مشكور, سيحفظ لكم إن شاء الله جميل الذكر مذ الأعوام والدهور, كيف لا وشهرة فضلكم وغزارة علمكم بعدت بمثلها العهود، وفي عالم الغيب والشهود، والرجاء بالله أن يعينكم على إنجاز مشروعكم, بإبراز الربع الرابع مع ما يتبعه من خاتمة الكتاب المشرئبة نحوها عيون الألباب، لأنها الركن الركين، لتعلقها بكيف يكون التجديد المتين، نسأل الله تعالى أن يديم لكم النفع دوام الوتر والشفع، وأن يحرس مهجتكم، ويصون بهجتكم, ومعاد السلام عليكم, من أخيكم المتهج
(1/38)

بكمالاتكم، المكرر لسانه لوافر حسناتكم، وجميل صفاتكم، فقير ربه, أمير الأمراء محمد بن الخوجة عامل بنزرت -لطف الله به- في 22 جمادى الأخيرة، وفي نوفمبر 1930-1349.
تقريظ الفقيه النبيه العلامة المتفنن الصوفي قاضي وجدة ثم الجديدة سابقًا, وقاضي سطات الآن, أشهر قضاة المغرب, سيدي الحاج أحمد سكيرج, ونصه:
بسم الله أصول وبحمده أقول، قد طالعت كثيرًا من كتب أهل العصر , ولم أك ممن يعيض عن الاستفادة من تأليف أهل عصره، والاستطلاع على مخبآت مفارق علماء مصره، بل لي ولوع تامٌّ بصرف نفيس الأنفاس في مطالعة ما كتبوه، وبذل أنفس النفائس في اقتناء ما ألفوه، ولم آل جهدًا في محاربة عوامل النفس في إلزامها بتنزيل التناس منازلهم بما أمكنني، فلم أر منها منصفًا يخضع أمام أئمة العصر بإذعان تام, مثل المنصف الذي تجسدت فيه ذاتًا لطيفة ذات السنة, رطبة بالثناء الجميل من سائر الوجوه, حضرة مندوب العلوم والمعارف بالإيالة المغربية الشريفة, الشيخ الإمام أبي الحسن العلامة الشهير, سيدي محمد الحجوزي الثعالبي, عندما اطَّلعت على تأليفه المعنْوَن بالفكر السامي، ذلك لأنه مستحق لما أقول وفوق ما أقول، طالعت كتابه المذكور، فشاهدت أنوار المعارف مشرقة من خل ألفاظه الدرية، وبيان معانيه السحرية، وإن من البيان لسحرًا، فقد كادت قبل تصفح صفحاته أن تفصح عمَّا انطوت عليه، وتنظر العمي إلى سطوره، وتسمع الصم كلماته, في غيبته وحضوره، وهو السهل الممتنع عن الغير الإتيان بمثله.
ولقد حاولت تقريظه، فتلعثم مني اللسان، وارتعشت مني البنان، فأطرقت منه خجلًا، وأنشدت من بحر الخبب مرتجلًا.
الفكر السامي في الكتب ... كالشمس ولكن لم تغب
طالعه تجده منطويًا ... في العلم على كل العجب
يشفي من داء الجهل ولا ... يبقى جهلًا من ذي طلب
فيه الآيات مبينة ... للنا س الحق بلا ريب
(1/39)

ما الروض إذا الأفنان به ... ازدهرت علياه مدى الحقب
وبه الأنوار تفوق شذا ... وشدا فيها الحادي العربي
وأجابته الأطيار لا بما ... يدع العشاق مع الطرب
وهم لعذارهم خلعوا ... وانجلت عنهم كلُّ الكُرَبِ
طابت لهم أوقاتهم ... في هذا الروض بلا نصب
في الناس بأبهج من هذا ... "الفكر السامي" بين الكتب
لم لا ومؤلفه علم العـ ... لم العالي أعلى الرتب
"الشيخ الحجوي" من شهدت ... بالفضل لله أهل الحسب
ما من علم صعب إلا ... وله أضحى ملقى السلب
ولديه ترى يجثو العظما ... من بين يديه على الركب
فأفادهم علمًا جمًّا ... وجلا عنهم كل الحجب
لله أبوه فقد كملت ... فيه الحسنى مذ كان صبي
همم في العليا منه سمت ... وبهم عن كل الضيم أبي
وأبان الحق ولا عجب ... أن أحيا العلم مع الأدب
فالله يديم سلامته ... ويقيه من كل النجب
ويديم به نفعًا فما ... ويؤيده طول الحقب
وقلت أيضًا من بحر البسيط من الضرب المقطوع:
أنى لفكر سما في سلم الفهم ... يعلو على فكرك السامي سما العلم
يا أيها السند الحجوي الذي شهدت ... بفضله فضلاء العرب والعجم
لك التقدم في علم وفي عمل ... وبحر صدرك بالدر المسني رمي
(1/40)

لله ما أنت مسد من عظيم جدًّا ... أسراره قد سرت كالروح في الجسم
ألفت خير كتاب عُدَّ موقعه ... بين التآليف مثل المخ في العظم
كتاب علم صحيح فيه معرفة ... وحكمة أحكمت بمحكم الحكم
كتاب علم صحيح لست أمدحه ... وحدي بما فيه من إنارة الفهم
إني أقول لمن قد رام يجحده ... دع الجحود الذي عن الهدى يعمي
طالعه واحكم على ما قلت معترفًا ... بالحق في حقه إن كنت ذا حزم
أبوابه كلها في العلم قد فتحت ... مغالق الفهم والتفهيم للقوم
فصوله كلها في العلم جامعة ... من دره ما علا وازدان في الرقم
ترى تراجمه يزداد رونقها ... بما أجاد به في الحرب والسلم
يريك حسن صنيع منه جاد به ... وكم به لمزيد العلم من غنم
من يدَّخره فقد تمت خزانته ... من نقصها إن يرد علمًا بلا وهم
أما مطالعه ففي الجهالة قد ... كفاه بالعلم ضر الهم والغم
بشر مطالعه بالعلم وهو به ... له كفيل مع التحقيق بالجزم
فاشدد عليه يديك ثم عض عليها ... بالنواجذ فهو فائق النظم
واظب عليه وحصل ما حواه لكي ... تكون في العصر ممن فاق بالعلم
هذا زمان به شمس العلوم بدت ... في الأفق تنفي ظلام الجهل والظلم
ولا ترقى إلّا بالعلوم ولا ... ولاء للجهل عند صاحب الحزم
لا خير في الجهل في سرٍّ وفي علن ... والجهل في كل حال خص بالذم
وخير داعية في قطرنا ظهرت ... في عصرنا العالم الحجوي أخو الحلم
يغضي عن الجاحدين وهو يعمل ما ... في طوقه في انتشار علمه الجم
(1/41)

يدعو إلى العلم وهو غير ملتفت ... لما يصادفه في البدء والختم
فالله سبحانه يديم حرمته ... وفي العلا دائمًا يعلو على النجم
أحمد سيكرج -أمَّنَه الله.
تقريظ الفقيه العلامة وقاضي دمنات الآن, أبي العباس أحمد بن محمد بن المدني السرغيني, ونصه:
الحمد لله مَنْ آتاه حِفْظَ الوصية، ومنحه نصيحة الرعية، وألهمه عدل القضية، وأنعم عليه بأن فوّض أمر العلماء إليه، حافظ الصعر المحدث الشهير، العلامة النحرير، السيد محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي, بعد السلام التام، عن خير مولانا الإمام، فإن العصر الجديد صار قديمًا بما مر عليه بمؤثرات الانتظار، وأصبح الفكر يستنير بمصابح الاعتبار، ويستنصر بالأفكار، ويقول في عالم القوة والأقطار، إذا ما الفكر حار بتشويش تراتيب الأخطار، وإذا ما جهل التراجم جار, فلا ننسى مزية ضوء سامي الأفكار, فإنه لا فضل في جمع الحدث والاضطرار، بدون تأمل واعتبار، وإنما الفاضل من استطاع بملكة التصرف، وصناعة النقد والاختيار، فعلم الفقيه بما كتب، لا بما نصب، فإن استخدم العلوم والتفوق في علوم الآلات يطفئ حرارة البرية بالمنافع العصرية، لازلتم عصابة فضل تعقد على مدحكم الخناصر، وتختم على حبكم السرائر، لو كان بي أن أشكرك لظنَّ في تحسينه، أو أمدحك لرأي لك فيما أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطت على القريب والبعيد من أبناء لغتنا، لازلت تنبه من العلماء الخامد، وتهز فيهم أريحية الجامد، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماته التقهقر بالقسوة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على يديك، فجردتها من ثوبها الغريب، وكسوتها حلة من نسج النصوح الحبيب، كتاب يتيم بين أترابه، عزيز بين طلابه، شاهد لنفسه بنفسه، بمعانيه المشرقة من آفاق ضمسه, تريق لفكر قارئه, بعلاج فنونه كيف يشاء، ويستفيد منه ما يشاء، فهو في خزانة الفقيه منفعة، وللمحدث في فهرسته دروس مودعة، يزداد به أهل
(1/42)

الفن في بلاغتهم وأدبهم، وأهل الحديث والتحديث في فصاحتهم، وليست هذه أول فائدة التقطت من هذه المائدة الكاشفة للعلماء عن المعاهد المشاهد، سبوح لها منها عليها شواهد.
وكتبنا هذا على نية الاعتذار، وقصد الإذكار ملتمسًا إتمام ما بدا، من شهرة الندا، بتعجيل ذلك المقتدى، ولكن في ذلك مأثرة في كل مكان, وتشكر بكل لسان.
بشرت دورسي بالذي قد رأيته ... فما محنتي الإليال قلائل
وقلت لفكر السامي فينا مزية ... فليس لنا من دهرنا ما ننازل
فلا برحت لعين العلم إنسانًا, ولازلت على المجد والفضل عنوانًا، يا بحر العلم الزاخر، لمثل هذه المآثر، جاز قولهم: كم ترك الأول للآخر، أبقاكم الله منفعة للإسلام، وعلى صميم المحبة والسلام.
في منتصف ربيع الأنور الأزهر عام 1348, إمام الضريح العباسي, أحمد بن محمد المدني السرغيني -سامحه الله بفضله.
تقريظ علامة القطر الجزائري, أشهر عالم مفكر فيه, ورئيس علمائه كافة, الشيخ عبد الحميد بن باديس, المدرس بقسنطينة, وصاحب مجلة الشهاب, ونصه:
حمدًا وصلاًة وسلامًا, قسنطينة في 10 رمضان عام 1345.
العلامة الأستاذ سيدي محمد الحجوي المحترم, سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
فقد تشرفت بهديتكم النفيسة الغالية, الربع الأول من الفكر السامي من تاريخ الفقه الإسلامي، فنعم موضوعًا طرقتم, وأسلوبًا فيه سلكتم، وإن كتابكم هذا إن شاء الله هو أساس النهضة الفقيهة في جامع القرويين, المعمور نهضة تبنى على النظر والاستدلال، فيخرج بها العلم من جمود التقليد إلى سعة الاتباع
(1/43)

بالدليل، وإلى هذا فإني مدين لجنابكم بسبقكم إلى ربط سبب التعارف بيننا, لازلتم لكل فضل سابقين, فلكم على دوام العهد وإخلاص الود من قلب يمقت أشد المقت فئة المنافقين والمتملقين، والسلام معاد على فضليتكم, من أخيكم في الله:
عبد الحميد بن باديس -لطف الله به.
تقريظ الفقيه علامة طنجة ونواحيها, الأستاذ الشيخ سيدي عبد الصمد بن التهامي -حفظه الله, ونصه:
الحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
مجادة الأخ في الله الفقيه الأجل العلامة المحدث الأستاذ المبجَّبل سيدي محمد الحجوي، رعاكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله, بوجود مولانا علاه وبعد:
فقد وصلتنا هديتكم السنية، وتحفتكم البهية، كتابكم الوحيد, ومؤلفكم الفريد, المسمى "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" فانشرح لها الصدر، وابتسم لهما الثغر، ووقعت بمكان في الجنان، وفسحنا لها في خزانة العلم أرفع مكان, ناهيك به من مؤلف طرق موضوعًا من أشرف المواضيع، وتفجر ينبوع سلسبيله من أرفع الينابيع, يا له من كتاب هو في الفقه الإسلامي فصل الخطاب، فنشكركم كثيرًا على هذه التحفة، ونُجِلُّ قدركم على هذه الطرفة, جعله الله خالصًا لوجهه الكريم, عظيم الأجر في دار النعيم، ونحن ننظر بكل تشوق النصف الباقي, أعانكم الله على إتمام نشره الدائم الباقي، ودمتم وفق ما رمتم، وعلى الأخوة, والسلام.
حرِّرَ بطنجة في عشرين ربيع النبوي الأنور عام 1348.
عبد الصمد بن التهامي جنون -كان الله له.
(1/44)

كما قرظته جرائد ومجلات في الأقطار الإسلامية, عربية وغيرها, فلنقتصر على نزر معتذرين للأكثرين.
فمن مقالة افتتاحية لجريدة السعادة العربية, عددها 3100 بتاريخ 12 عام 1345, وهي مقالة طويلة وصف بها الكتاب وصفًا مدققًا, نقتطف منها فقرات:
قال بعدما ذكرت الجمود الذي اعترى الأمم الإسلامية على كل قديم, والاكتقاء بالافتخار والاستكثار بما فعله الآباء, وخلده من المآثر وتقليدهم, وسد باب الاجتهاد, إلى أن قالت:
وكان المفكرون في الأمر لا يعدو فعلهم فتح الأفواه وسدها على التأنف والتأسف, ويا ليت شعري ماذا كانت تصبح العاقبة لو لم يتح لنا القدر أفرادًا أحسّو الخطر الحائق، يقاومون ويكافحون إلى أن أوجدوا هذه الحركة الفكرية التي يروقنا أن نحييها اليوم في شخص زعيمها، ومؤسس أركانها, العلامة السيد محمد الحجوي, أحد أساتذة كلية القرويين، والمندوب المخزني في المعارف والعلوم, نقول هذا وبين يدينا كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", الذي وضعه هذا الأستاذ النحرير منذ نيف وسبع سنوات، وتأخَّر عن طبعه لأسباب لا نعلمها حتى كتابة هذه السطور, وقد كان كشف عن بعض فصوله ومحتوياته في عدة مسامرات ألقاها بنادي المدرسة الثانوية بفاس, في غضون سنة 1918، ومنذ ذلك الحين وطلبة العلم، وقضاة المحاكم يترقبون بروزه على أحرِّ من جمر الغضا، وما كان أشد ارتياحهم ساعة ما بشرتهم الجرائد الفرنسية والعربية، وفي طالعها السعادة بخروجه إلى حيز المطبوعات.
اهتدى المؤلف إلى طريقة في الوضع جديدة غير مسبوقة بمثلها ... إلخ.
ثم تكلم على تقسيم المؤلف، أحوال الفقه إلى أطوار أربعة، وأطال في بيان ذلك إلى أن قال: ولم يزل الأستاذ الحجوي يساير الفقه في تطوراته وتقلباته, ويتتبع خطواته موضحًا تارةً استحالة حاله، وأخرى موجبات تغيراته، وهو في كل ذلك يحرر ويدقق، ويسبر الأغوار لاستخراج الحقائق من أصدافها, حتى إذا وصل إلى رأس المائة الأولى, إلى أن قال: وفي هذا الحضيض أو هذه
(1/45)

الشيخوخة, يعني في المائة الخامسة فما بعدها، وقف عليه الأستاذ الحجوي في جملة من وقفوا، فشكا حاله، ورثى مآله، واعتزم إنقاذه وانتشاله، وليس هذا الإنقاذ بالشيء العسير لو كان للمؤلف وأشباه المؤلف أعوان وأنصار على العمل الصالح وإصلاح الأعمال أهـ.
وقد خصصت أيضًا مقالة لتظريظ الجزء الثاني، وأخرى للثالث عند ظهورهما, ونقلت تقاريظ عن أفراد نوابغ من علماء المغرب, كما نقل غيرها من الجرائد من غيرهم من النوابغ.
وقد قرظته الزهرة والنجاح والشهاب, وغيرها من جرائد أفريقية والشام ومصر ومجلاتها, مما يطول جلبه ولا تبعد مراجعته.
مما أتى في بعض الجرائد الأجنبية ما جاء في جريدة لافيجي الفرنسية بالمغرب.
نقتطف منها بعض فقرات, هي نفثات من قلم المسشرق المتضلع من العلوم الإسلامية, موسيولوي موسى القنصل جنرال، ومفتش العام للأمور الأهلية بالمغرب إذ ذاك، وفي عددها 5762 بتاريخ 3 ماي 1927 تحت عنوان:
حادث جديد في عالم الأدب المغربي
إن عالم مغربنا نائب الدولة المغربية في المعارف العمومية, سيدي محمد الحجوي, أظهر تاريخًا للفقه الإسلامي تحت عنوان: "الفكر السامي", وقد أصدر منه الربع الأول من الأربعة الأجزاء التي يتركب منها الكتاب، وهو جزء لطيف يقع في 156 صحيفة عامرة السطور، وقد ابتدأ طبعه في مطبعة المعارف بالرباط، وأكمله في مطبعة البلدية بفاس في خلال خمس سنين, وذلك أن آلتنا الطباعية ليست بكافية الآن.
ولندخل في الموضوع فنسارع بقولنا: إن سيدي محمد الحجوي قد اعتمد عند خوضه في هذا الموضوع أصوب المبادئ وأوفقها للدين الإسلامي الحنيف, التي ترى أن الفقه الإسلام علم ديني، وأنه موحى به، وعلى الأخص أصوله
(1/46)

إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, وقد برهن المؤلف على استقلال في الفكر، وحرية في النظر مع شعور بحاجيات الأحوال الحاضرة, بحيث نعتقد إن أظهار هذا الكتاب هو حادث جديد في عالم الأدب المغربي.
وإليك القالب الذي أفرغ فيه أبحاثه التي قسَّم إليها كتابه, إلى أن قال:
ثم تلي بعد ذلك بالمقصود الذي هو موضوع البحث، وهو تطورات الفقه في توالى الأعصر، وفي هذا القسم يتجلَّى في نظرنا ما لهذا المؤلف من المقدرة العظيمة, بل ما له من البراعة المدهشة التي لم نر نظيرًا له فيها, إلى أن قال:
ونعتبر أنفسنا قد قدَّمنا للقراء كلمة موجزة مصيبة عن هذا الكتاب إذا قلنا في حقه: إن سيدي محمد الحجوي قد قطع الوصلة بالتقاليد العتيقة المغربية التي كانت تحول دون الباحث في كتب المغاربة، سواء منها المطبوعة أو الخطية، فلم يقدم لنا حضرة المؤلف لا مختصرًا من نوع المختصرات المتركبة من مجموع أحاجي ألغاز تستلزم شروحًا وحواشي، ولا مطولًا من نوع المطولات المنتفخة بالزخرفات الفارغة، والتكرار الممل، والتي يضيع فيها الموضوع في سبيل البحث عن سجعة أو توازن فقر.
ولكنه قدَّم لنا مثالًا من ذلك الأسلوب الحي الناصع السلس المتجرد عن كل تكلف, الواضح الدلالة, العالي النفس, لم يتكلف فيه نكتًا غريبة، ولم يتعمَّد فيه إظهار تعمق معرفة، وفي هذا الكتاب طرز في آخر الصحائف تبين بعض المهمات وبعض أفكار المؤلف أو غيره من المؤلفين والمؤرخين, متقن الطبع, فيه بعض الحروف مضبوطة زيادة في التوضيح، في آخر هذا الجزء جدول للخطأ المطبعي، وفهرسة للمواد، وباختصار:
فقد جاء هذا الكتاب تأليفًا علميًّا فريد الصناعة, فيه أفكار جديدة مبتكرة مفرغة في أحدث قالب.
إليك أيها الوزير بتشكراتنا، ولنتمنّ أن يقتدي الناس بك في هذا العمل، فما أعظم هذه التسهيلات التي أتيت بها، وما أعظم ذلك الوقت الذي اختصرته
(1/47)

على الباحث اهـ.
ولما وصله الجزء الثالث لباريز، قرظه بكتاب كتبه للمؤلف, نقتطف منه هذه الجمل:
أني مع ما ليد من الأشغال الأكيدة، بادرت إلى مطالعة بعض أبواب كتابكم السامي حقيقة, فوجدتها كغيرها مما سبقها في الجزءين الأولين, في غاية من الإتقان والذكاء، واتساع الفكر والأنظار، ومراعاة أحوال السياسة الخاصة بكل عصر من الأعصار، وبكل جيل من الأجيال، ويدل كل ذلك على معرفة تامة بعلم التاريخ، وعلم الأخلاق معًا، وتذاكرت بهذا الخصوص مع م كولان "يعني قيم الخزانة العمة العربية, والمدرس بالمدرسة العليا" ووجدت رأيه مطابقًا مع رأيي بالتمام, على أنه لم يبعثني محض المحبة لكم على ذكر ما ذكرته أعلاه، بل هو نظر كل ذي فكر سالم، سواء سبقت له معرفتك أم لا، على أن ذلك التأليف قلَّما يوجد مثله لمؤلف مغربي حادث, جزاكم الله خيرًا، وأورث أنجالكم تلك الأخلاق الجميلة التي نوركم الله بها ... إلخ, والسلام.
لوسي مرسي 7 يناير 1931.
تقريظ الفقيه العدل المدرس, سيدي محمد بن أحمد العبدي الكانوني الأسفي استقرارًا, ونصه:
سيادة الفقيه العلامة الأكمل المشارك المحدث النفاعة الأنبل, أبي عبد الله سيدي محمد بن الحسن الحجوي الجعفري, سلام علكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
فقد بلغنا كتابكم الفكر السامي صبحة يوم الجمعة 26 حجة عامة، فاجتمع لنا في اليوم عيدان؛ يوم الجمعة، وبلوغ ذلك الكتاب النفيس، فلما نظرناه، وسرحنا الطرف في أزهار رياضه، وكرعنا في معين حياضه، فإذا هو كما قال القائل:
كتاب فيه ما فيه ... بديع في معانيه
(1/48)

إذا عاينت ما فيه ... رأيت الدر يحويه
وما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، لقد طرقتم موضوعًا لا يطرقه إلّا الأفراد والعلماء الأفذاذ الذين لا يوجد الفرد منهم إلّا في الزمان بعد الزمان، وقد عرفت سيادكم الداء الذي أصاب الأمة، ومن أجله تدهورت، وأشرتم، بل كنتم أول من أشار لدوائه، وإني أشهد الله وملائكته أن لساني عاجز عن وصف مقدار ذلك الكتاب الذي هو أفضل هدية قدمته لأبناء جنسك, في زمان هم أحوج الناس لها، وإني أتوجه إلى الله وأسأله لكم التسديد والتوفيق، وأن يديم سيادتكم سائرة على أقوم طريق، وأن يمدكم من عنده بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن يزيدكم من نعمه الحسية والمعنوية فوق ذلك وأضعافه، وأن يمدكم بروح قدسه؛ فلقد نصرتم السنة المحضة بالقول والفعل، وحملتم لواء العلم والعمل، جزاكم الله عن أمتنا خيرًا وأعظم مثوبة وأجرًا.
إلى أن قال: ودمتم بخير والسلام.
خديم ودادكم محمد بن احمد العبدي الكانوني، وفقه الله.
تقريظ فخر علماء مسلمى أوربا, وأشهر مشاهير علماء مملكة يوغسلافية والصرب وكاهية:
رئيس علماء ديار البوسنة والهرسك سابقًا, والعضو بالمجلس الإسلامي الأعلى بسراي بوسنة سارجيفوا,
العلامة سيدي محمد توفيق أوكيج -حفظه الله, ونصه:
بعد البسملة والحمدلة والصلاة والتسليم على النبي -صلى الله عليه وسلم, إلى سعادة الفقيه الشهير، والمؤرخ الفيلسوف الكبير، فخر الوزراء الكرام، وعمدة العلماء العظام, وزير المعارف المغربية، ومدرس العلوم العالية بالقرويين, الأستاذ الشيخ سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، نفعنا الله بعلومه، وأدام علاه آمين.
(1/49)

سعادة الوزير المحترم، تحية وسلامًا، وبعد:
إنه ليسرني جدًّا أن أقدم إلى معاليكم أجمل التهاني بمناسبة صدور الجزء الثالث من تأليفكم القيم الذي أدرجتم فيه أنظاركم السامية عن تاريخ الفقه الإسلامي وتطوره، كم كنا نحتاج إلى مثل هذا الكتاب الجليل، أيها الفقيه النبيل، وكم نفرح الآن بنيل المرام، كيف لا وقد انتظرنا انتظار الشمس بعد الغسق، فلا شك أن اسمكم العالي سيبقى مكتوبًا بالذهب على صفحة تاريخنا العلمي لهذا العصر الذي أود أن أسميه عصر العناية في ترقية علوم الشريعة السمحة بعد وقوفها الطويل.
ومما يزيديكم قدرًا في نظري على سائر معاصريكم من علماء العالم الإسلامي, هو منشؤكم من تلك البلاد المغربية التي نفتخر جميعًا بماضيها المجيد، ونتمنى عز مستقبلها، فهي كانت يومًا مع كل غربيتها من جهة جغرافية مشرقًا شموس الثقافة الإسلامية والعربية المنتشرة من شمال أفريقية نحو أوربا، وبصفتي أوروبيًّا ومسلمًا, أنا أفتخر افتخارًا خاصًّا بتلك الحقيقة التي لا نكير لها، أما كتابكم الجليل، فهل من سبيل أن أمدحه ولو بكلمة واحدة, كلَّا، فهو المستغني عن كل مدح حيث إنه يمدح نفسه بمجرد قدره وقيمته، ولكنني أرجو من فضلكم السماح أن أترجم لكم إعجابي المفرد عن إصابتكم في تقسيم تاريخ الفقة الإسلامي وتطوره على أربعة أطوار: الطفولية والشباب، والكهولة والهرم، غير أني أنتظر الجزء الرابع، وقد عيل صبري أن أرى طريقًا جعلتموه مؤديًا إلى تجديد الفقه الإسلامي وترقيته, لما أن تلك المسألة هي التي تهمني في هذا الزمان أكثر الهم، أما العدالة والإنصاف في عرض المذاهب المختلفة، ورجالها العظام، وسلوككم طريق الحق والصواب، فكل هذا خصلة من الخصال التي زينت جميع كبار الفقهاء من أسلافنا العظام، وهي التي تجعلكم خير خلف لهم, لو أردت أن أشير حتى إلى شيء يسير من الأمور الكثيرة التي تجلب أنظار كل قارئ من أي نفطة نظرية كان، لطال بي هذا, إني أقتصر في الاعتراف أن في الأسلوب العصري الذي اتخذتموه في كتابكم لم يسبقكم أحد من قبل، ونعم ما قيل: كم تكر الأول للآخر.
(1/50)

وأدعو الله الكريم أن يجعلكم متبوعًا في هذا السبيل من الكثيرة من شبان العالم الإسلامي، ولا سيما من شبان بلادكم الطيبة، فأنتم خير قدوة لهم، ولكتابكم موضع الفخر والإجلال بين الكتب المعتبرة في تلك الناحية، هذا وأكرر إعجابي بكل ما حملتموه عن العالم الإسلام من الخدمة للشريعة المحمدية المطهرة، وأرجوكم أيها الأخ العزيز أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام، لازلتم مطلعًا لأنوار الأفكار السامية، ومرجعًا للعلم والعلماء.
في 20 ذي الحجة 1349, الداعي محمد توفيق أوكيج, عضو من أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى بسراي بوسنة سراجيفوا, وكاهية رئيس العلماء لديار بوسنة وهرسك سابقًا.
تقريظ الفقيه النبيه أحد نوابغ البيت الفهري الشهير, السيد الصديق الفاسي -حفظه الله, ونصه:
كم كان بمنيتي أثناء كنت مشتغلًا وبعض إخواني الأعزاء بدراسة كتاب "أعلام الموقعين" للإمام ابن قيم الجوزية, أن يقيض الله من ينتقي منه نتفًا, ويختصر طرفًا, أرى معرفتها من الأمر الضروري، وكم كان ببغيتي أيضًا أن تسري روح العلم الحق المشتمل عليها ذلك الكتاب الكبير الأهمية في عروق علمائنا، فتثمر نباتًا حسنًا نقتني من ثماره كل ما نريده، ونجتبي من غلته كل ما نشاء, بقيت تعاودني هذه الواردات المرة تلو الأخرى، فأتكدر من أجلها، وتنقبض نفسي منها أيما انقباض، لتيقني بأن الكل يترنم بنغمة المثل المخترع: خطأ مشهور خير من صواب مهجور، وكانت كل آمالي في هذا السبيل معلقة على العلماء الذين نبذوا الظنون والأوهام وراءهم ظهريًّا، ودرسوا فلسفة التشريع الإسلامي، والغاية التي ترمي إليه، ولقد كانت فراستي في هؤلاء العلماء صوبًا، فإن تلك المتمنيات لم يقيم بتحقيقها وإبرازها إلى عالم الوجود إلّا العلامة الوزير المتنوّر الفكر, سيدي محمد الحجوي, الذي سيحفظ له التاريخ علمه النافع، ومجهوداته الجليلة, ما دام فكره السامي مقروءًا من جيل إلى جيل، ولا يقدر قدر كتاب الفكر السامي, ويعلم قيمته إلّا من عرف مآل الفقه الإسلامي، وما شوَّه به في القرون الأخيرة من تشعيب في معناه، وتعقيد في ألفاظه، واختصار في جملة بأسلوب
(1/51)

الغموض والإبهام، فالعلامة الحجوي ينبهك بفكره السامي وحكمه المفيدة، ونصائحه الثمينة, إلى ماهية الفقه الإسلامي في الصدر الأول، وفي القرون المشهود لها بالخير والفضل, لترى بعيني رأسك كيف كان مسماه بالأمس، وكيف استحال إلى ما استحال إليه، فهو يبين لك سهولة الدين ويسره ورفقه بالنوع الإنساني، ويرشدك لأصول عامة، وكليات جامعة تدرج تحتها ما شاء من جزئياتها، فيذهب بك في باب المصالح المرسلة مثلًا إلى شبه هذه القوانين:
1 اليقين يرفع بالشك.
2 الضرر يزال.
3 العادة حاكمة والشرع حكمها.
4 الأمور بمقاصدها.
5 المشقة تجلب التيسير.
وكتاب هذه غايته هو جدير بأن يكتب بسواد العين، ويعتنى به شديد الاعتناء بالمحافظة على دراسته، وتفهمه تفهمًا محكمًا، إذ هو المنفذ من الضلال، والسبب للنهوض من الهوة السحيقة التي سقط فيه الفقه على أم رأسه سنين عديدة، وكيف لا يكون جديرًا بكل اعتناء، وقد جعل شعاره قبل كل شيء قول الإمام الشافعي: أجمع المسلمون على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائنًا من كان، فهو كتاب يجعل النفس تطمح إلى الروح الدينية الحقة، ويبعث في القارئ اشتياقًا إلى الاستطلاع على أفكار أولئك العظماء الذين لم يكن لهم مرد حينما يريدون الفتيا في نازلة من النوازل, إلا لكتاب الله ولسنة رسوله الكريم، فلم يكن في عصورهم الزاهرة من يحظر عيهم شرح كتاب الله بحجة أن صوابه خطأ، وخطأه كفر، ولا من يقدح في عقليتهم إذ دأبوا على تفهم سنة رسول الله بدعوى أن الأولى هو إقراؤها للبركة على المرضي والأموات، أو في الحفلات على الأقل، ولا من يلزمهم بأخذ أحكام الفقه الإسلامي رغم كل مشقَّة وتعب من المختصرات التي ربما تكون الألغاز أسهل حلًّا منها.
ولقد ذكَّرني هذا أن بعض الظروف كانت ألزمتني أن أجيب على الفور سائلًا أجنبيًّا عن حكم الشرع الإسلامي في كيفية الزكاة عن العروض التي تتخذ للقنية "هي ما يدخر من الأموال وغيرها" والتجارة معًا، فأرشدني بعض رفقائي
(1/52)

لقول صاحب المختصر -رحمه الله:
ولا يزكى عرض لا زكاة في عينه ملك بمعاوضه أو بنية تجر، أو مع نية غلة أو قنية على المختار، والمرجَّح بلا نية قنية أو غلة أو همًّا, فصرت أخبط في المسألة خبط عشواء، واختلط علي الحابل بالنابل، ولكن من سعادة الحظ أن رفيقي المشار إليه كان يحسن لغة السائل، فسلك الجرة والحمد لله، فانظر أيه القارئ اللبيب حال الفقه الإسلامي التي ترى الآن، ويراها كل واحد وحالته في صدر الإسلام, لتعرف يقينًا مكانة تأليف الأستاذ الحجوي، وما يرشدك إليه من التعليمات المفيدة النافعة, كثر الله من أمثاله، وجزاه عن الدين خيرًا، ووفق الجميع لما فيه رضاه.
الصديق الفاسي.
ملاحظة: كتب المؤلف حفظه الله على هذا التقريظ ما نصه
إن كتاب أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية لمن أنفس الكتب المؤلفة في آداب الفتوى والمفتين، ومن أنبل كتب الحنابلة وأفيدها لمذهبهم الذي تقل لدينا كتبه، وقد لخصت منه شيئًا مما يتعلق بموضوع الكتاب، ونوَّهت به لما تكلمت على الكتب التي تعين على الاجتهاد في الفروع, على أنه غير خالٍ عمَّا ينتقد كمسألة الحلف بالطلاق, حيث يرى عدم لزومه، وطلاق الثلاث في كلمة حيث يراها واحدة, مما شذَّ فيه، وقد نبهت على ما ظهر لي نقده بمحله من الكتاب، ولست متحملًا مسئولية إلّا ما نقله مسلمًا، إذا ما كنت قط من الذين رضوا عن رجل قلدوه تقليدًا أعمى فقدسوه، ولقد نهانا الله عن ذلك في قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} الآية [التوبة: 31] ، ولا من الذين إذا عثروا على سقطة لرجل، طرحوه وأي الرجال المهذب.
كذلك لا أشاطره العقائد التي له في المجلد الثاني من أعلام الموقعين بعدد 370 إلى 377, وحملته النكرة على الأشعرية، وتسمتيه إياهم جهمية أفراخ الجهمية، وادعاءه في العدد 370 في المثال الأول أن آيات التنزيه من قبيل المتشابه، وهي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {هَل
(1/53)

تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ومراده بالمتشابه ما تعطلت دلالته, حسبما صرَّح به في السطر الرابع من العدد 370, وهذه الآيات هي أم العقيدة السنية، وعمدة المسلمين في التنزيه، فكيف يصح تعطيل دلالتها, ومع ذلك فأعلام الموقعين له قيمته العلمية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
تقريظ الفقيه الأديب أحد نوابغ البيت المذكور أيضًا, السيد الطاهر بن محمد الفاسي, ونصه:
كل من يطَّلِعُ على التاريخ يعلم حق العلم مقدار ما وصل إليه الفقه الإسلامي في تلك الإيام الماضية، والأزمان الغابرة، ويحكم لأول مرة أن هناك فرقًا كبيرًا، وبونًا شاسعًا يدرك الباحث المتأمل أن أسبابه ودواعيه ومنشأه ذلك التشعب العظيم, والاختلاف الكثير الذي كان أولئك الأسلاف -رضوان الله عليهم- يقضون أوقاتهم الثمينة في البحث والتنقيب عن الجزئيات والفروع.
تلك أمة قد مضت وخلَّفت لنا آثارًا عظيمة نقتدي بها ونهتدي بمنارها, لولا ما يعوقنا من ذلك التطويل الممل. وتلك الألغاز التي يصعب حلها، مهلًا أيها العلم، فقد ذهبت شوطًا بعيدًا، فليس الغرض من هذه العجالة الوجيزة بسط الكلام على الأسباب والدواعي التي دعتنا إلى الكسل والخمول، فذلك ما يستدعي الوقت الطويل, حسبي اليوم كلمة عن ذلك الكتاب الذي ضمَّ بين دفتيه ما لو يطلع عليه أولئك الذين جبلوا على حب العدل والإنصاف, من الذين يتتبعون تلك الجزئيات التي تنقضي الأعمار، ولا تنقضي، لأدركوا خطأهم الكبير، وجعلوه منارًا يهتدون سبيله.
لست أريد أن أبالغ في وصف هذا الكتاب، فذلك ما يعجز عنه قلمى القصير، بل يكفي تنويهًا به كون مؤلفه ذلك الرجل العظيم, العالم الخبير, الشيخ محمد الحجوي وزير المعارف. منذ أزمان ليست بالكثيرة ظهر لعالم الوجود الجزء الأول والثاني، فتقبلهما ذوو الأفكار الصائبة، والآراء السديدة بقبول حسن، وأثنو ثناء عاطرًا على همة المؤلف القعساء، وعلى اهتمامه العظيم بالبحث في هذا الموضوع الذي هو من الأهمية بمكان، وها نحن الآن مسرورن كل السرور, حيث جادت علينا مجادة المؤلف بإبراز الجزء الثالث منه, الذي طالما تعطشت
(1/54)

لرؤيته النفوس تعطش الظمآن للماء الزلال.
وبعد, فلا يسعنا إلّا ان نضمَّ صوتنا لتلك الأصوات, شاكرين للمؤلف الجليل صنيعه الذي يستحق عند الله الثواب الجزيل والأجر الكثير، طالبين من الله سبحانه أن يعينه على إبراز الجزء الرابع الذي سيكون مسك الختام.
الطاهر بن محمد الفاسي.
تقريظ الأديب أحد نوابغ الكتّاب بسلا, السيد محمد المغربي -حفظه الله, ونصه:
يعتبر عظماء الرجال وذووا الأفكار السامية والآراء الراقية أنَّ اللذة الحقيقية منحصرة في الانكباب على العلوم والمعارف، وبثهما بين أفراد طبقات الأمة، فلا تمرّ ساعة من أوقاتهم الثمينة دون إبراز فائدة علمية تظهر للعيان، ولا يختلف في نفعها اثنان، وأشرف ساعة يلاحظونها بأعينهم الساهرة هي الساعة التي يكتشفون فيها آثارًا قيمة، فيحفظونها بيراعهم السيال على صفحات مؤلف نفيس، أو يلقون فيها حكمة تلوكها الألسنة، وتتناقلها الدفاتر، وتبقى محفوظة، وتسجل لهم في تاريخ حياتهم العلمية التي تذكر مقرونة بشكرهم والثناء عليهم.
وإذا افتخر رجال العلم في سائر العصور بما يسدونه من النصائح للخاص والعام, وجليل الأيادي الفاخرة التي لا تدخل تحت سيطرة الحصر ولا تقاس بمقياس الحد، فأسمى شيء يفتخرون به هو المؤلفات التي يتحفون بها أبناء عصرهم، ويعرضونها على عشاق النقد والتحليل, لا سيما إذا كان الموضوع مفتقرًا إلى التوسع في دائرة البحث والتنقيب.
حدا بي للكتابة في هذا الموضوع ما وصل إليه العلم من التطور العجيب في هذا العصر الزاهر, الذي هو عصر العلوم والمعارف والتقدم, الأمر الذي يدل دلالة واضحة على ما لعلمائنا الأجلة من الاعتناء بانتقاء الكتابة في المواضع الهامة التي تبرهن على ما لهم من واسع الاطلاع، وعظيم المعرفة والمشاركة في العلوم، ويكفي في الاستدلال على ذلك المؤلف العظيم القدر والمقدار, الذي أبرزته إحدى
(1/55)

المطابع العربية المعنون بـ: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي", ظهر من هذا الكتاب القيم المحتوي على أربعة أجزاء ثلاثة منها، والهمة مبذولة في إنجاز طبع الرابع.
ذلك الكتاب العزيز المنال, الذي هو من أرفع وأحسن ما ألف في هذا العصر, وفيه يقال:
كتاب بديع حسنًا ومنظرًا ... ولكنه أهدى لنا أنفس الدر
جواهره تغني اللبيب عن السوى ... فدونكه كنزًا وذخرّا مدى الدهر
ولعمري إنه لكتاب فاخر، جليل القدر، غزير الفوائد، كثير الفرائد, جامع لعدد عديد من الأبحاث التاريخية والأنقال، والنصوص الفقهية والدلائل الأصولية، وتراجم مشاهير أعلام الأمة، وغير ذلك من التحريرات العجبيبة التي تشهد لفضيلة مؤلفه بمزيد الاطلاع، وطول الباع, ولا غرابة، فإن ناسج برده، ومرصع جواهره، ومدبج درره وغرره, هو العلامة البحاثة المحدث الكبير, الأستاذ المطلع الشهير, أبو عبد الله سيدي محمد الحجوي الثعالبي, مندوب العلوم والمعارف الذي إذا ذكر، علم السامع أنه الفرد الذي جمع بين التضلع والمشاركة في سائر العلوم الإسلامية, وعلو المكانة والمنزلة السامية.
ناهيك برجل لم يعرف إلا بخدمة العلم ونشره, بمؤلفاته الكثيرة التي طارت بها الركبان، ودروسه المفيدة التي كان يلقيها بكلية القرويين بفاس وبغيرها، تفسيريه وحديثية وأصولية وفقهيه, وما إلى ذلك.
المؤلف الذي جعلنا موضوع كلماتنا هذه في شأنه, كان ألقى ملخصه فضيلة الأستاذ المذكور بنادي الخطابة الأدبي بفاس في ربيع الثاني سنة 1336, وجعل موضوعه كيف نشأ الفقه الإسلامي, وتطوره في أطواره الأربعة؛ الطفولية ثم الشباب ثم الكهولة ثم الهرم, وكيف يكون التجديد مع ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد, موشَّحًا بتراجم المجتهدين 13 الذين دونت مذاهبهم، وتراجم أشهر مشاهير الفقهاء والصحابة فمن بعدهم، وبالجملة هو فلسفة تاريخية مبين أصول الاجتهاد والمذاهب الأربعة, مملوء بفوائد تتعلق بذلك.
(1/56)

فنحن بلسان أهل العلم قاطبة نرفع لفضيلته حفظه الله على صفحات هذه الجريدة الغراء, التي هي المنبر العام لنشر الآراء وأفكار ولسان الكتاب والأدباء, خالص تشكراتنا على هذه المنقبة الفاخرة الثمينة التي أضافها لمآثره العلمية، وخدماته الجلية في سبيل العلم ونشره, والإشادة من ذكره, ونرجو له من المولى سبحانه دوام العناية والرعاية والحظوة الكاملة.
سلا محمد المغربي
(1/57)

تقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} .
يقول العبد المعترف بالقصور, محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي دارًا ومنشئًا -وفَّقه الله:
الحمد لله نحمده ونستعيه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسيلمًا.
أما بعد: فقد سألتني -رعاك الله, كيف نشأ الفقه الإسلامي إلى أن صار لما هو عليه الآن؟
فأجيبك إلى رغبتك مستعينًا بالله سبحانه, مقدمًا أمام المقصود ثلاث تمهيدات:
الأول: في مسمَّى الفقه، وهل هو علم ديني محض أم لا؟
الثاني: في الفقه قبل الإسلام، وهل كان عند العرب فقه وفقهاء أم لا؟
الثالث: في منزلة الفقه في الإسلام.
ثم المقصد في الفقه على عهد الإسلام، وهو أقسام أربعة باعتبار أطوار الفقه الأربعة التي تطور فيها في نظري:
(1/59)

الطور الأول: طور الطفولية, وهو من أول بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن توفي.
الثاني: طور الشباب, وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.
الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.
الرابع: طور الشيخوخة والهرم, وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن، مبينًا الأسباب الموجبة لتلك التطورات, ومقدمًا إمام كل قسم ملخص التاريخ السياسي لتلك المدة في الأمم الإسلامية بإجمال، وفي كل قسم أذكر أشهر مشاهير فقهائه، وسنذيله بما يتطلَّبه الفقه من التجديد, ثم بيان الاجتهاد والتقليد.
(1/60)

التمهيد الأول: في مسمى الفقه, وهل هو علم ديني أو دنيوي
الفقه في اللغة: العلم والفهم، قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} 1.
وفي أعلام الموقعين: أن الفقه أخص من الفهم؛ لأن الفقه هو فهم مراد المتكلِّم من كلامه, وهو قدر زائد على مجرد فهم مما وضعله اللفظ, فالفقه أخص من الفهم لغة2.
وفي الشرع: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية3.
فلا يقال الفقيه إلا لمجتهد، ولغيره مجاز.
وقال أبو البقاء في قواعده نقلًا عن الإمام الرازي: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها.
ولا بُدَّ من تخصيصه بما يتعلق بالفروع، فهو مبين لأحكام أفعال المكفلَّين4 من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج ونكاح وطلاق وزكاة وبيع وإجازة وقتل
__________
1 الأعراف: 179.
2 أعلام الموقعين "ج1/ 219".
3 التي طريقها الاجتهاد، ذكره الإمام الجويني مطلع وريقاته النفيسة في أصول الفقه.
4 هذه الأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحظور، والصحيح، والفاسد. وهناك من الأصوليين من عدَّها خمسة بحذف القسمة الأخيرين.
ومنهم من عدَّها أربع بحذف المذكورين وإخراج المباح حيث لا يتعلق به ثواب أو عقاب, وبسط ذلك في المدونات الموضوعية في بابها.
(1/61)

وقصاص إلخ.
وهو باعتبار ما يتعلق بالعبادة علم ديني أخروي.
وباعتبار ما يتعلق بالمعاملات وفصل الخصومات دنيوي، فهو دنيوي باعتبار أخروي باعتبار1.
وإن كان الغزالي عدَّه دنيويًّا حيث قال: "فإن قلت: لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحق الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أن الله أخرج آدم من تراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام, ومنها إلى الدنيا, ثم إلى القبر, ثم إلى العرض, ثم إلى الجنة أو الناء, فهذا مبدؤهم وهذه غايتهم، وهذه منازلهم, وخلق الدنيا زادًا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزويد, فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء, ولكنهم تناولوها بالشهوات, فتولدت منها الخصومات, فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم, واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به, والفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات, فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق، وضبطهم لتنظيم باستقامتهم أمورهم في الدنيا.
ولعمري إنه متعلق أيضًا بالدنيا, ولكن لا بنفسه بل بواسطة, فإن الدنيا مزرعة للآخرة, ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس, وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الخصومات بالفقه"2.
__________
1 ومردُّ ذلك لأساس العمل، وهو النية وقصد القلب.
2 ذكره في إحياء علوم الدين في الباب الأول, عند كلامه على العلم الذي هو فرض كفاية. "ط الحلبي 1358هـ" "ج1/ 24".
(1/62)

التمهيد الثاني: الفقه قبل الإسلام, وهل كان عند العرب فقه وفقهاء أم لا
اعلم أن الإسلام وجد الإمة العربية أمية لا تقرأ ولا تكتب, ولم يكن لديها علوم مدونة في الكتب تدرسها في مساجد أو مدارس, وإن وُجِدَ لديهم معرفة بعلوم تدعو إليها ضرورة حياتهم البدوية؛ كعلم النجوم والقيافة والعيافة والأنساب, وغير ذلك مما نسب المؤرخون لهم معرفته, لكنها لم تكن مدونة لهم في كتاب, وإنما هي من نوع ما يحسن أهل البادية معرفته وحفظ بعض قواعده، ومن هذا النوع ما كان لهم من الإلمام ببعض ضوابط فقهية يفصلون بها خصوماتهم؛ كقولهم في القصاص: القتل أنفى للقتل، والدية على العاقلة في الخطأ، وكنا يؤثر عن عمرو بن الظرب أحد حكام العرب قوله في الخنثى: القضاء يتبع المبال.
وفي النسائي وغيره أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرَّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما كانت عليها في الجاهلية, وقضى بها بين أناس من الأنصار ادَّعَوْه1 على يهود خيبر2.
ومن ذلك معرفتهم بعض مناسك الحج، وكانوا يصومون عاشوراء كما في الصحيح3، بل كانوا يتحنثون في رمضان بالصوم كما يدل عليه حديث بدء الوحي4، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
__________
1 قال المؤلف: ادَّعَوْه, أي: القتل.
2 سنن النسائي "ج8/ 5".
3 أخرجه البخاري في الصحيح في أول كتاب الصوم "ج3/ 31".
4 الذي في حديث بدء الوحي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبب إليه الخلاء, فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد. انظر "ج1/ 5 من صحيح البخاري"، و"ج1/ 97" من صحيح مسلم.
(1/63)

قَبْلِكُمْ} 1، وقد ثبت اغتسالهم من الجنابة واختتانهم، وكان لهم نكاح بخطبة وصداق، كما يدل له خطبة أبي طالب لخديجة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم, وهي مذكورة في السيرة محفوظة فلا نطيل بها، ولهم طلاق وظهار، فقد ثبت في النسائي2 أن خولة زوج أُبَيّ بن الصامت أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن زوجي ظاهر مني فأمرها بفراقه، فلما نزل قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} الآية3، نسخ الطلاق بالكفارة تخفيفًا من الله ورحمة، ويظهر أن تلك الأحكام كانت عند العرب من بقايا شريعة إسماعيل وولده إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام.
فلما جاء الإسلام أقرّ ما أقرَّ ونسخ ما نسخ، ومن جملة ما نسخه القرآن نذر الجاهلية لغير الله, المبين في قوله تعالى في الأنعام: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} 4.
وقال تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} إلى قوله: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} 5، وقال في سورة المائدة: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} 6.
فهذه الآيات بينت نظام الإنتاج في الحرث والأنعام الذي كان عند مشركي العرب، فجعلوا نصيبًا منه لأوثانهم يأخذه سدنته, ونصيبًا للفقراء، وما هو للأوثان أقسام ثلاثة: الأول: حجر لا يطعمه إلّا من يشاءون, الثاني: أنعام حرمت ظهورها، الثالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها وهي السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي، فألغى الشرع ذلك وقرَّر نصاب الزكاة فقال:
__________
1 البقرة: 183.
2 النسائي: "ج6/ 136".
3 المجادلة: 1.
4 الأنعام: 138، 139.
5 الأنعام: 142-144.
6 المائدة: 103.
(1/64)

{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 1، وقرعهم بقوله: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} 2.
فهذا مثال ما كان عند العرب من الفقه، وهو ضوابط قليلة الأهمية ليست كافية في بابها, ولا رادعة لأهل الفساد والدعارة3, ولا وافية بالنظام الاجتماعي، لهذا بقيت الأمة العربية مفترفة الأهواء فاقدة النظام, تخوض بحار الحروب لقتل نفس, بل لضربة أو سبة, فتنقطع السبل وتذهب الحقوق، وتنقطع المواصلات والمعاملات إلّا في الأشهر الحرم، فكانوا في جاهلية جهلاء يفتخرون في أشعارهم لدى منتدياتهم بقطع السبل وقتل النفس وسلب الحقوق وغير ذلك من الأفعال الشنيعة، وإنما وازعهم الذي أمكنهم من الحياة وبقاء الجنس العربي هو العصبية القومية، فمن كانت لهم عصبية في قومه دافع بها عن حقوقه, وإلا حالف قومًا آخرين, فكان تحت ذمتهم يدافعون عنه على أصول معلومة عندهم، حتى إن الحليف كان يرث حليفه، إلى أن جاء الإسلام, فعند ذلك عرفت الحقوق بمعرفة الفقه, وصار لهم المقام الأول في الاعتبار, والركن الأعظم في الأذهان، ونسخ حكم التحالف بوجوب التناصف.
هذا وإن لفظ الفقه كان موجودًا في لغة العرب, لكن بمعنى الفهم كما سبق لا بمعنى العلم المخصوص، وكذلك لفظ العلم، وما كانوا يستعملون لفظ فقيه أو لفظ عالم فيما استعملا فيه بعد الإسلام.
فما بلغنا أن العرب كانت بينهم طائفة قبل الإسلام موسومة بسمة الفقهاء أو العلماء, أو كان هذا اللقب خاصًّا بصنف من الناس دون صنف؛ إذ كانوا أميين غير متدينين بدين له فقه وعلم، ولا كانوا يرجعون في فصل خصوماتهم وصيانة حقوقهم إلى نصٍّ مدون يجري على كل الناس أو جلهم.
كان منهم من يزعم أنه على ملة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبي الصلت وغيرهما، لكن ملة إبراهيم كان قد درست, وإنما كانا تابعين له في اعتقاد التوحيد ونبذ الأصنام وعدم أكل ما ذبح لها فقط، ثم إن الإسلام حعل لفظ فقيه خاصًّا بمن عرف العلم المخصوص بأدلته،
__________
1 الأنعام: 141.
2 الأنعام: 144.
3 في الطبعة المغربية بالذال المعجمة.
(1/65)

حتى إن المقلد يعتبر عاميًا, وصير لفظ عالم لمن حصل أي علم, لكن بشرط العمل، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 1، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون} 2.
وقال -عليه السلام: "من يرد به خيرًا يفقه في الدين" 3، و "إنما العلم بالتعليم" 4.
وقال عمر: تفقهوا أن تسودوا, وقال -عليه السلام: "إن العلماء على منابر من نور يوم القياة" 5. وقال: "خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا" 6.
وفي البخاري عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي, قال: "قل" قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزني بامرأته, فافتديت منه بمائة شاة وخادم, ثم سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابن جلد مائة وتغريب عام, وعلى امرأته الرجم.... الحديث"7.
فها أنت ترى كيف ابتدأت سمة الفقه والعلم في الإسلام، أما غيرنا من أمم العصر فقد أصبح الفقيه والمتشرع عندهم صفة لمن عرف قوانين الدول, ومارس علم الحقوق إسلامية وغير إسلامية، ومهر في فلسفة القوانين الدولية وكيفية تطبيقها على أحوال الأمم أو الأفراد، نعم ذكر المؤرخون الأثريون أن دولة حمورابي التي كانت في العراق كان لها قانون وجد منقوشًا على حجر يحتوي عى مائة وعشرين مادة، ويغلب على ظنّ المؤرخين أنها دولة عربية، ولكن ذلك الأثر قد اندثر باندثار تلك الأمة التي يعزى تاريخ حياتها إلى نحو ثلاث آلاف
__________
1 فاطر: 28.
2 العنكبوت: 43.
3 البخاري: عن معاوية في العلم "ج1/ 28"، والترمذي عن ابن عباس في العلم "ج5/ 28"، وابن ماجه عن أبي هريرة "ج1/ 80".
4 قال السيوطي في الجامع الصغير: رواه الدراقطني في الأفراد، والخطيب في التاريخ عن أبي هريرة وأبي الدرداء.
5،6" انظر الملحق.
7 أخرجه البخاري في المحاربين "ج8/ 207".
(1/66)

سنة قل اليوم، ولما جاء الإسلام لم يجد لدى الأمة العربية فقهًا كافيًا سماويًّا ولا وضعيًّا, بل وجدها في ظلمة الجهل بالحقوق, فأفاض عليها نور الفقه, وهذَّب الأخلاق, وصان الحقوق، وحررها وبيَّنَها, فأصبحت الأمة فقيهة بالفقه الإسلامي المؤسس بالوحي الإلهي المبين في آيات القرآن العظيم وسنن النبي الكريم -عليه أفضل صلاة وتسلم.
قالت تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 1 {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} 2، وما خرج الصحابة -رضي الله عنهم- من جزيرة العرب حافية أقدامهم على جمالهم فاتحين أرض الروم والفرس الذين كانوا أعظم أمم الأرض إلّا وهم فقهاء مشترعون, عزَّ أن يأتي الزمان بعدهم بمتشرع مثلهم، في حال أنهم قواد ماهرون، وذووا سياسة بارعون, وخلفاء فاتحون عادلون بعد الجفاء العظيم، كل ذلك ببركة الإسلام ومتانة الدين الذي كانوا متمسكين به من نحو عشرين سنين فقط, وهذه المدة غير كافية الآن لأن يتخرج فقيه ماهر من الأزهر أو القرويين أو من كلية باريز، إن هذا والله لمن معجزات الإسلام.
__________
1 النحل: 44.
2 النحل: 89، في الطبعة المغربية " ... يتذكرون" وصوابه ما أثبتناه.
(1/67)

التمهيد الثالث: منزلة الفقه في الإسلام
اعلم أن الفقه الإسلامي جامعة ورابطة للأمة الإسلامية, وهو حياتها تدوم ما دام, وتنعدم ما انعدم، وهو جزء لا يتجزء من تاريخ حياة الأمة الإسلامية في أقطار المعمورة، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ومن خصائصها لم يكن مثله لأي أمة قبلها، إذ هو فقه عام مبين لحقوق المجتمع الإسلامي بل البشري, وبه كمل نظام العالم، فهو جامع للمصالح الاجتماعية بل والأخلاقية, وهو بهذه المثابة لم يكن لأي أمة من الأمم السالفة, ولا نزل مثله على نبي من الأنبياء، فإن فقهنا بيَّنَ الأحوال الشخصية التي بين العبد وربه؛ من صلاة وصوم وزكاة وحج ونظافة كغسل البدن كلًا من الجنابة أو للجمعة أو للعيدين، أو بعضًا وهو الوضوء عند أداء الفرائض الخمس في اليوم والليلة، وسن أمور الفطرة من ختان وقص شارب والسواك وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.
ففي صحيح مسلم عن سلمان: قال لنا المشركون: إني1 أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة, فقال: أجل, إنه نهانا أن يستنجي أحد بيمينه أو يستقبل القبلة, ونهانا عن الروث والعظام وقال: "لا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاث أحجار" 2.
وأرشدنا الفقه إلى تجميل الثياب في الجمعة والعيدين, ومسّ الطيب, وآداب الأكل والشرب, وما يؤكل ويشرب وما لا، كما أرشد إلى تحسين حال المجتمع
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: انظر إلى هذا الاعتراض من المشركين على الشيء الحسن الجميل, يريدون قلبه إلى ضده حسدًا وعنادًا, قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} .
2 في مسلم بلفظ ... وقال: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" "ج1/ 154".
(1/68)

العام, فأرشد إلى ما يحفظ الصحة وتجنب ما يضرها، وهذَّب الأخلاق فأمر بالصدق في المعاملات والوفاء بالعقود والعهود, وأوجب ترك الذنوب من زنى وخمر وغيبة ونميمة وقذف وسعاية وشهادة زور وانحراف في الأحكام أو تحريف لحلال أو حرام وغير ذلك، فلو أن المسلمين عملوا بأحكام الفقه والدين كما كان آباؤهم لكانوا أرقى الأمم وأسعد الناس.
كما أنه جعل للفقراء حظًّا في مال الأغنياء بالزكوات والكفَّارات, وهذا أساس المبادئ الاشتراكية المعتدلة, والأعمال الخيرية التي تأسَّست لها الجمعيات الكبرى في أوربا1.
كما شرع الحج ليحصل اجتماع عام لسائر الأمم التي تدين به؛ ليستفيد بعضهم من بعض علومهم وأحوالهم, فيتعاونوا ويتآزورا, وفي ذلك إعانة لأهل الحرمين الشريفين، ليكونا مركزين عظيمين للإسلام، كما شرع اجتماعات أخرى أصغر وأيسر في الجُمَعِ والأعياد.
وبيَّنَ كيفية تأسيس العائلات, فندب إلى الزواج وحثَّ عليه، وبيَّنَ العقود التي تعتبر زواجًا، وشروطها من وليٍّ وصداق وشهود، وما خالفها فهو زنى أو قريب منه في حق الأمة دون الرسول فله في ذلك خصوصيات، ورخَّص في الصلاق لما عسى أن يقع من تشاجر الزوجين. وما يتعلق بذلك من نحو إيلاء وظهار.
كما بيَّنَ آداب دخول البيوت من الاستئذان والسلام، وجعل احترامًا خاصًّا لكل إنسان, هو ما يعبَّر عنه بالحرية الشخصية، وسدل الحجاب بين الرجال والنساء الأجنبيات محافظة على النسل, وإبعادًا للمظنة, وإراحة لكل ضمير. وجعل ضوابط للنسب والقرابة والرحم, ومن يعد قريبًا من نسبك أو رحمك ومن لا, حتى الولائم جعل لها آدابًا.
وبيَّنَ أحكام المعاملات من بيع وإجارة ورهن وقرض وقراض وشركة وإبضاع, وغيرها من المعاملات المالية التي تقتضيها القاعدة التي عليها منبيٌّ علم الاجتماع، وهي أن الإنسان مدني الطبع محتاج إلى أبناء جنسه، فهو
__________
1 يبدو أنه لم يكن اتضح بعد حقيقة هذه الجمعيات المشبوهة واضطلاع دور اليهود في إدارتها لخدمة أغراضهم الدنيئة.
(1/69)

مرشد إلى تأليف الجمعيات للتعاون في هذه الدار على الاقتصاد مانع من الربا الذي به خراب الجمهور من الأمة، كما أنه مبيِّنٌ لفصل الخصومات سواء في المال أو الدماء أو الأعراض.
وبيَّنَ ما يلزم لحفظ المجتمع العام من نصب الإمام وشروط استحقاقه للإمامة, وما يجب له من الطاعة, وعليه من المشهورة والعمل بالشريعة وإقامة العدل بين أصناف الرعية مسلمين أو غير مسلمين.
ثم قسم السلطة فجعلها خططًا1, وهي الإدرات المدنية, ومنها القضاء, فحدَّد للقاضي خطته وبيَّنَ للشاهد كيفية توثيق الحقوق, وأمر بكتبها وتبيانها وعدم كتمانها. وهكذا خطة المحتسب, ثم بقية الخطط، وحكم على من خرج من طاعة الإمام أن يقاتل، وإذا وقع حرب من أمة أجنبية فبيَّن القواعد الحربية, ثم السلمية, وأمر بحسن الجوار, وإقامة الحدود على من أخاف السايلة, أو خالف نصوص الشريعة, وبيَّنَ التأديبات والزواجر والقصاص ورفع الأضرار.
وبالجملة قد استقصى الشئون الاجتماعية وبيَّنَها, حتى دخل مع الرجل لبيته وحكم بينه وبين زوجته، فبيَّنَ ما له وما عليه، وفصَّل ما عسى أن يقع بينهما من الخصومة, حتى حكم بين الرجل وولده، وبينه وبين نفسه، حتى بعد مماته بيَّنَ قسم ميراثه ودفنه وقبره، ثم أوصى بأيتامه خيرًا, وبيَّنَ كيف يوصي على أولاده, وبيَّنَ قدر ما يوصي به, وكيفية الحجر على السفية والترشيد.
كل ذلك لينتظم أمر الحياة, ويعيش المسلم عيشة منتظمة يتفرغ معها لإعداد الزاد ليوم المعاد.
فالفقه الإسلامي نظام عام للمجتمع البشري لا الإسلامي فقط، تام الأحكام لم يدع شاذة ولا فاذة، وهو القانون الأساسي لدول الإسلام والأمة الإسلامية جمعاء، وإن انتظام أمر دول الإسلام في الصدر الأول وبلوغها غاية لم تدرك بعدها في العدل والنظام لدليل واضح على ما كان عليه الفقه من الانتظام وصراحة النصوص وصيانة الحقوق ونزاهة القائمين بتنفيذ أوامره مما لا يوجد الآن، ودليل عى ما كان لهاتيك الدول من التمسك بحبله المتين، وما
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: قد أنهى الشيخ علي الخزاعي الخطط والعمالات والحرف الشرعية إلى نيف وخمسين ومائة خطة في كتابه "تخريج الدلالات السمعية" فانظره.
(1/70)

دخلت الأمم الكثيرة في الإسلام أفواجًا, واتسعت دائرة الإسلام, فانتشرت الأمة الإسلامية مادَّةً جناحيها من نهر الفانج في الهند شرقًا, إلى أفريقيا, ثم إلى أواسط أوروبا في زمن قليل إلّا باحترام الحقوق, والعلم بقواعد الفقه الإسلامي, والتسوية بين جميع أجناس البشر التي كانت تحضنها في العدل, وجمع شتات مكارم الأخلاق ومحاسن المعتقدات، وهذه التواريخ العربية وغيرها لم ينتقد واحد منها نظام العرب الذي كانوا عليه, بل مدحوه بما لم يمدحوا به غيره, واقتبسوا منه, واختارته الأمم على ما كان من الأنظمة, فانصرفت عنها إليه, وثلث عروش ملوكها من أجله.
فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه, ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصَّب لأي جنسيبة, فهي دائمة بدوام الفقه, مضمحلة باضمحلاله, فمهما وجد أهل الفقه واتبعوا كانت الأمة الإسلامية، ومهما انعدم الفقه والفقهاء لم يبق للأمة اسم الإسلام.
ويجب على كل أمة إسلامية أرادت سنَّ قانون أو دستور أن تراعي هذا المبدأ حفظًا للجامعة الإسلامية.
ثم لما نهضت أوربا نهضتها المعروفة للرقي العصري, فأول حجر وضعته في أساس مدنيتها الزاهرة هو العدل وسن القوانين بالتسوية في الحقوق؛ إذ لا يعقل أن تترقَّى أمة وحقوقها مهضومة وأفرادها مظلومة, والكل يعلم أن بعض قوانينها مقتبسة من الفقه الإسلامي؛ كقانون نابليون الأول وغيره من ملوك أوروبا، فالفقه الإسلامي أصل التمدن العصري الحديث, والفضل كل الفضل في احترام الحقوق وصيانتها وتشييد منارها للإسلام والفقه الإسلامي. ومن مكارم الفقه الإسلامي, بل من معجزاته, أنه تمَّ نظامه وجمعه في مدة نحو عشر سنين كما يأتي في الطور الأول, فلم ينتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الدار الآخرة حتى تركه تامّ الأصول، ولم يمض على الأمة قرن ونصف حتى ألفت تآليف مهمة في فروعه، وبسط أحكامه وتطبيق أصوله على فروعه, وهذا لم يكن للأمم قبلنا، فهذه أمة الرومان التي يتبجح أهل التاريخ بقوانيها, ويعدونها أصل التمدن الحديث, لم ينضج فقهها ولا جمع نظامها إلا على عهد القيصر جوستينيان سنة 565 قبل الهحرة بسنتنين "57" سبع وخمسين، بعد مضي ثلاثة عشر قرنًا من حياة الرومان, ذلك ما يدلك على مكانة
(1/71)

الفقه الإسلامي وأنه بوحي سماوي ودين متين.
ثم نقول والحق أحق ما يقال: لم يوجد شرع مزج بين المصالح الدينية والدنيوية, وصيَّر هذه عين هذه, وبيَّن قانون الاجتماع البشري والعدالة التامَّة بوجه يعم جميع المصالح الاجتماعية كالشرع الإسلامي, ولذلك كان الخليفة الأعظم عندنا رئيسًا دينيًّا ودنيويًّا معًا، فهو جامع وظيفتين عظيمتين, ولذا عرفوا الإمامة العظمى بأنها: رياسة عامة في الدين والدنيا تجب للمتصف بها أن يطاع فيما يستطاع.
أما القوانين الوضعية فلا تعلق لها بأمر العبادة والآداب النفسية, وإنما هي ضبط لمعاملة الأفراد والأمم بتبادل المصالح، وأيضًا الفقه الإسلامي هو بأمر إلهي, فالعمل به طاعة الرب, والعامل به له أمل الثواب في الآخرة, وعدم العمل به معصية متوعد عليه بالعقاب الأخروي, زيادة عمَّا تقرر فيه من العقوبات الدنيوية، فهو أمس بالنظام من بقية الشرائع والقوانين التي هي من وضع البشر.
فالفقه الإسلامي من مفاخر الأمة الإسلامية, كيف لا وهو مؤسَّسٌ على روح العدل والمساواة واحترام الحقوق الخاصة والعامة والنظام الأتم, وتقرير الملك1 لذويه, واحترام النواميس الطبيعية، وقد اعتبر درء المفاسد فقدَّمَه على جلب المصالح، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، ولا ضرر ولا ضرار، وتقديم الأهم على المهم، وبنيت أحكامه على الاعتدال لا إفراط وتفريط، واعتبر الأعراف والعوائد، فأحكامه يتغير الكثير منها بتغير الأحوال, كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وكما قال زياد بن أبيه لأهل البصرة في خطبته الشهيرة: قد أحدثتم أحداثًا لم تكن, وقد أحدثت لكل ذنب عقوبه. فهو صالح لكل أمة وكل مكان وكل زمان, ولهذا كان لا ينسخ, وكانت رسالة نبينا -صلى الله عليه وسلم- عامة لجميع الأمم إلى يوم القيامة.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: المِلك بكسر الميم.
(1/72)

القسم الأول: في الطور الأول للفقه
مدخل
...
القسم الأول: في الطور الأول للفقه
وهو طور1 الطفولية من لدن كونه جنينًا إلى أن كمل خلقه فصار وليدًا, إلى أن سعى واكتمل قويًّا سويًّا.
وذلك من أول بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته, وكانت البعثة النبوية سنة "610" عشر وستمائة تقريبًا من ميلاد المسيح -عليه السلام, أي: قبل تاريخ الهجرة الذي هو تاريخنا بنحو ثلاث عشرة سنة, وكانت الوفاة النبوية سنة إحدى عشرة "11" في ربيع الأول النبوي, غير أن ثلاث سنوات أولى من البعثة كانت فترة الوحي بعدما نزل أول آية من القرآن وهي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى {مَا لَمْ يَعْلَمْ} , وكان نزولها على ما عند ابن إسحاق وغيره في "17" رمضان من عام البعثة في غار حراء الذي كان -صلى الله عليه وسلم- يتعبد فيه بمكة قبل المبعث2, ثم بعد الثلاث سنين تتابع نزول القرآن وتشريع الشريعة، ولكن جلّ ما نزل بمكة قبل الهجرة في مدة نحو عشرة سنين تليها, كان في التوحيد وردّ العقائد الفاسدة وبيان الحجج الدامغة على
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: قال ابن العربي في أحكامه الكبرى لدى قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} : عمر الإنسان له مراتب: سن النماء: وهو أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة, وهو سن الشباب وبلوغ الأشد, وسن الوقوف وهو إلى الأربعين, وهوغاية القوة وكمال العقل, وسن الكهولة: من الأربعين إلى ستين، وفيه يشرع الإنسان في النقص, وسن الشيخوخه: من الستين إلى آخر العمر, وفيه يكون الهرم والخرف، غير أني لم اتقيد بحدوده, لكني قاربتها كما يظهر للمتأمل.
2 قال المؤلف -رحمه الله: وآخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} رواه الشيخان عن البراء بن عازب, وروى البخاري عن ابن عباس: آخر آية نزلت آية الربا، وروى النسائي عنه: آخر آية نزلت: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} .
(1/73)

إثبات وجود الله ووحدانيته وصفاته العلى، وإثبات النبوءة.
وأخبار تاريخ من مضى من الأمم، ورد عقيدة الوثنية، وبث مكارم الأخلاق مع قليل من الأحكام الفقهية الفرعية، فكانت السور المكية حاوية لمباحث الإيمان وهي أصول الدين، ولمباحث الأخلاق والتهذيب وأخبار الأمم الماضية، ترهيبًا وزجرًا ووعظًا وتذكيرًا، إذ كان المقصود إدخال الناس في الدين ونبذ أصل الوثنية، وبعد دخول الناس في الدين وتضييق كفار مكة بهم إذ كانوا قليلين أمروا بالهجرة ليأمنوا على دينهم وأنفسهم.
فبعد الهجرة ووجود من يخاطب بالأحكام الفرعية صارت تنزل أحكام الحلال والحرام في العبادات والمعاملات وغيرها، وهي مباحث علم الفقه, فجل الفقه الإسلامي تكون في مدة عشرة سنين بعد الهجرة إلى الوفاة1 النبوية، ولذلك تجد أحكامه مبينة في السور المدنية "19" باتفاق وهي:
1- البقرة.
2- آل عمران.
3- النساء.
4- المائدة.
5- الأنفال.
6- التوبة.
7- النور.
8- الأحزاب.
9- القتال.
10- الفتح.
11- الحجرات.
12- المجادلة.
13- الحشر.
14- الممتحنة.
15- الجمعة.
16- المنافقون.
17- الطلاق.
18- التحريم.
19- النصر.
وقد حكى أبو الحسن بن الحصار في نظمه الناسخ والمنسوخ الاتفاق على أنها مدنية1, لكن زاد فيها سورة الحديد، وقد أسقطناها لما يأتي فيها من الخلاف، والباقي وهو خمسة وتسعون سورة مكي، وهو ما نزل قبل الهجرة، إما متفق عليه، وهو واحد وسبعون سورة, أو مختلف فيه وهو أربع وعشرين وهي:
1- الفاتحة.
2- يونس.
3- الرعد.
4- الحج.
5- الفرقان.
6- يس.
7- الحديد.
8- الصف.
9- التغابن.
10- الإنسان.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: فبالوفاة النبوية انتهى تاريخ التشريع الإسلامي، ولم يبق بعد إلا تاريخ الفقه وهو التفريع والاستنباط من الأصول التي أتي بها الرسول عليه السلام وتلك التفاريغ كامنة في تلك الأصول، فبعد الأصول النبوية لم يبق تشريع إذا تمت الشريعة بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية، ولهذا كان موضوع كتابي هذا تاريخ الفقه الإسلامي ليعم أقسام المقصد الأربعة كلها.
2 ذكر الحافظ السيوطي بعض نظمه في الإتقان، انظر الجزء "1/ 44".
(1/74)

11- المطففين.
12- الفجر.
13- البلد.
14- والليل.
15- القدر.
16- لم يكن.
17- الزلزلة.
18- العاديات.
19- ألهاكم.
20- أرأيت.
21- الكوثر.
22- الإخلاص.
23، 24- المعوذتان.
والحق أن المختلف فيه هل هو مكي أو مدني بعض آياته مكية وبعضه مدني1.
فإن قلت: إن مادَّة الفقه ليست القرآن وحده، بل والسنة والإجماع والقياس, فما هي مدة تكوينها؟
قلت: كذلك كان تكوّنها في العشر سنين المذكورة إذ جلَّ السنة المروية في الصحاح التي أخذ منها الفقه كانت في العشر سنين المذكورة، أما الإجماع فهو وإن كان لا يتأتى إلّا بعد وفاته -عليه السلام؛ لأنه اتفاق مجتهدي الأمة بعده -عليه السلام, لكن أصل إثباته بالقرآن المدني.
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 2، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 3, وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} 4 الآية، وأما القياس فقد وقع في زمنه -عليه السلام- العمل به, ويأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى5.
فإن قلت: إن الشرائع قبل شرعنا كان لها فقه متعلق ببيان عباداتها من صلاة وصوم ونحوهما, بل الشريعة الموسوية يوجد في توراته بيان بعض الحقوق الدنيوية، وإن كانت العيسوية بنيت على الزهادة والتبتل ولم تعتبر الدنيا, وأن كثير من فقهائنا يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون فقهنا مقتبسًا من الشرائع قبلنا،
__________
1 تسمية السورة مكية أو مدنية تعتمد على معظم آياتها وغالبها، فليس معنى كون السورة مكية مثلًا أن تكون جميع آياتها كذلك، فسورة الأنعام من المتَّفَق على أنه مكي، وفيها آيات قيل إنها مدنية "انظر ج1/ 57" من الإتقان.
2 آل عمران: 110.
3 البقرة: 143.
4 النساء: 115.
5 عقد له بابين أحدهما بعنوان: هل استعمل الصحابة القياس على العهد النبوي، والآخر بعنوان: هل وقع القياس منه -عليه السلام, ويأتيان عند كلامه عن القياس في هذا الجزء.
(1/75)

ويكون تكوينه ونشوؤه قبل التاريخ المبين آنفًا.
فالجواب: كلا, بل فقهنا مبتكر ليس مقبتسًا, فهو كالعلم المرتجل؛ إذ نبينا -صلى الله عليه وسلم- النبي الأمي، وأمته التي بُعِثَ فيها بدوية، لم تكن لها في زمن تكوين الفقه حضرية تتمكن بها من الاقتباس من الكتب قبلها، ففقهنا مقتبس من قرآننا وسنة نبينا، ناشيء بنشأتهما.
أما من قال من علمائنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا.
فليس مراده أننا نطالع توراتهم مثلًا ونقتبس منها الأحكام, فهذا لا قائل به, وإنما مرادهم أن ما ورد في القرآن والسنة حكاية عن وقائع الأمم السالفة ونوازلها الفقهية إذا لم يقيم دليل على نسخه يكون شرعًا لنا, لكون الشرع قرره ولم ينكره, فحكايته له وعدم إنكاره بمنزلة قوله: اعملوا به، كقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} الآية1، أما كتب الكتابيين فلا يجوز لنا أن نأخذ منها الأحكام أصلًا, لقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم, وقولوا آمنًّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم" 2.
روى الطبري وغيره أن بعض الصحابة أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بصحيفة مكتوب فيها من بعض كتب أهل الكتاب, فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عمَّا جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير إلى غيرهم"، فنزل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} 3، وقد كان ابن عباس ينكر أشد الإنكار على ما يأخذ عن الإسرائيليات في صحيح البخاري4 وكثير من الصحابة كذلك أنكره.
كل ذلك يدل على أن الفقه الإسلامي شريعة مستقلة لم يدخلها الاقتباس ولا الأخذ من الشرائع قبلها أصلًا, سوى ما قَصَّ الله في كتابه, وأمر نبيه بأخذه من
__________
1 المائدة: 45.
2 البخاري عن أبي هرير في الاعتصام "ج9/ 136", وأبو داود في العلم "ج3/ 318".
3 العنكبوت: 51، انظر تفسير الطبري "ج21/ 6" ط. الحلبي.
4 البخاري في الاعتصام "ج9/ ص136".
(1/76)

مكارم الأخلاق وصريح التوحيد، ونحو ذلك، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الآية1 وقال: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} 2، وقال: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} 3 هذا كله في التوحيد ومكارم الأخلاق, وكله مأخوذ بواسطة الوحي لا مباشرة من كتبهم التي لا تخلو من تبديل، أما أحكام الفقه فهو ما قاله سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 4.
__________
1 الشورى: 13.
2 الأنعام: 90.
3 لقمان: 15.
4 المائدة: 48.
(1/77)

مادة الفقه الإسلامي:
مادته أمور أربعة:
الأول: منها القرآن العظيم الذي احتوى عليه المصحف الكريم، أعني: القراءات السبع التي هي متواترة بلا خلاف، وقيل: العشر كلها متواترة1، والمسألة مبسوطة في كتب الأصول, وفي جامع المعيار كلام نفيس في هذا الموضوع فارجع إليه2، ولا تغترّ بكلام الشوكاني الذي أنكر تواتر السبع في إرشاد الفحول, فإنه يؤدي إلى إنكار تواتر القرآن، وقد بيَّن ذلك في كتابنا في الأصول، أما ما وراء العشر كقراءة مصحف أُبَيّ أو ابن مسعود, فهي الآن محكموم بشذوذها، لكن حكمها حكم السنة, فيبحث عمَّا ثبت منها بطريق صحيح أو حسن, فيحتج به في الفقه كغيره على الأصح.
الثاني: السنة الصحيحة أو الحسنة، ولا يحتج بضعيفها في الفقه خلافًا لأبي حنيفة وابن حنبل3, 4.
الثالث: الإجماع.
الرابع: القياس.
قال ابن رشد في المقدمات ما نصه: وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة
__________
1 وهو الصحيح، وقد حقق المسألة الإمام محمد بن الجزري في نشره "ج1/ 36-47".
2 هناك كتابان بهذا الاسم "المعيار المعرب عن فتاوي أفريقيا والأندلس والمغرب" للوان شريس، وآخر عن فتاوي المتأخرين من علماء المغرب, للوزاني, وطبع بالمغرب سنة 1328هـ.
3 "ص27/ ط. محمد على صبيح بمصر".
4 أما أبو حنيفة فيقدِّم الحديث الضعيف على القياس بشروط، ذكرها المصنف عند كلامه على قواعد مذهبه في هذا الجزء, وأما أحمد بن حنبل فأخذه بالضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه فيقدمه على القياس، مع أن مراده بالضيف قسم من أقسام الحسن, وليس المراد الباطل ولا المنكر، ولا ما لا يحتج به. انظر "31، 77/ ج" من أعلام المواقعين.
(1/78)

أوجه:
أحدها: كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
الثاني: سنة نبيه -عليه السلام, الذي قرن طاعته بطاعته وأمرنا باتباع سنته، فقال -عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} 1, وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 2، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 3، وقال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} 4، والحكمة هي السنة، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 5.
والثالث: الإجماع الذي دلَّ تعالى على صحته بقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 6.
لأنه تعالى توعَّد على اتباع غير سبيل المؤمنين, فكان ذلك أمرًا واجبًا باتباع سبيلهم، وقال -صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" 7.
الرابع: الاستنباط: وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله جعل المستنبط من ذلك علمًا, وأوجب الحكم به فرضًا، فقال -عز وجل: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 8، وقال -عز وجل: {إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 9 أي: بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 10، 11.
__________
1آل عمران: 132.
2 النساء: 80.
3 لحشر: 7.
4 الأحزاب: 34.
5 الأحزاب: 21.
6 النساء: 115.
7 ابن ماجة في السنن في كتاب الفترة عن أنس "ج2/ 1303"، وأخرج ابو داود في السنن عن أبي مالك الأشعري: "إن الله أجاركم من ثلاث -وذكر منها- وأن لا تجتمعوا على ضلالة" "ج4/ 98"، وأخرج الترمذي عن ابن عمر: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" "ج4/ 466".
8 النساء: 83.
9 النساء: 105.
10 المائدة" 49.
10 المقدمات على المدونة ط. محمد أفندي ساسي المغربي, بالسعادة بمصر. ص14 فصل في الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع.
(1/79)

وقد بقي على ابن رشد الاستدلال, وهو دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس, فما سوى الأربعة من الأدلة التي توجد في كلام أهل الاجتهاد هو الاستدلال وهو أنواع:
الأول: التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة, وإلّا كان قياسًا.
الثاني: استصحاب الحال.
الثالث: شرع من قبلنا شرع لنا.
وزاد الحنفية والمالكية في بعض الأبواب: الاستحسان وهو الرابع.
وزاد المالكية والحنابلة: المصالح المرسلة وهو الخامس.
وزادوا سادسًا وهو قياس العكس, وهو إثبات عكس شيء لضده لتعاكسهما في العلة كحديث مسلم: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" 1.
وزادو سابعًا وهو قولهم: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى على الأصل، مثاله: تزويج المرأة، دل الدليل على امتناعه وهو ما فيه من إذلالها بالوطء، والخدمة، وذلك تأباه الإنسانية لشرفها، خولف هذا الدليل في تزويج الولي لها فجاز لكمال عقله, وهذا المعنى مفقود فيها, فبقي تززيجها نفسها الذي هو محل النزاع على ما اقتضاه الدليل من الامتناع.
وزادوا ثامنًا: وهو انتفاء الدليل الذي به يدرك الحكم فينتفي الحكم، وذلك أن المجتهد إذا بحث عن دليل الحكم فلم يجده كان محصلًا لظن أنه لا حكم, وقال الأكثر: إنه لا يلزم من عدد وجدانه الدليل عدم الحكم، لكنا نقول المجتهد عمل وسعه فحصل له الظن بعدم الدليل, فتمسك بالبراءة الأصلية، وذلك دليل بالنسبة إليه. والنافي لا يطالب بالدليل إن ادَّعى علمًا ضروريًّا كقولنا: الحكم يتوقف ثبوته على دليل وإلَّا لزم تكليف الغافل, ولا دليل بالسبَّر، فإننا سبرنا الأدلة
__________
1 مسلم في الزكاة "ج3/ 82"، وأبو داود في الأدب "ج4/ 362".
(1/80)

فلم نجد ما يدل عليه، أو بالأصل؛ لأن الأصل المستصحب عدم الدليل فينتفي الحكم.
وزادوا تاسعًا: وهو الاستقراء الجزئي على الكلي، بأن تتصفَّح جزئيات كلي ليثبت حكمها له, فإن كان تامًّا, أي: في كل الجزئيات إلّا صورة النزاع, فهو قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند أكثر العلماء, وإن كان في أكثر الجزئيات فهو ناقص ظني فقط, ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب.
فهذه تسعة أنواع كلها داخلة في الاستدلال, وبسط هذا في كتب الأصول.
وقال ابن العربي وغيره: القرآن هو الأصل, فإن كانت دلالته خفية نظر في السنة, فإن بينته فالجلي من السنة، وإن كانت الدلالة فيه خفية نُظِرَ فيما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا رجّح، فإنت لم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب وهو القياس على القرآن، ثم على السنة، ثم على الإجماع, ثم عل الراجح.
وهو ترتيب ظاهر إلّا أن الإجماع نصُّوا على أنه مقدَّم على الكل عند التعارض, باتفاق كما يقتضيه صنيع جميع الجوامع.
وقال الأصفهاين: هو قول الأكثرين.
وقال ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين: صحيفة 335 من المجلد الثالث1 ما نصه: "ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة, والسنة على الإجماع, فجعل الإجماع في المرتبة الثالثة, وهذا بعد أن نقل عن مقلدة أحمد بن حنبل قوله: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب, لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا, ثم نقل عن الشافعي ما نصه: الحجة كتاب الله، وسنة رسوله واتفاق الأئمة, وعنه في كتاب اختلافه مع مالك:
__________
1 أعلام الموقعين "ج2/ 248".
(1/81)

والعلم طبقات:
الأولى: الكتاب والسنة.
الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس.
فقدَّم دليل الكتاب والسنة على الإجماع, ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتاب ولا سنة. قال: وهذا هو الحق, ثم نقل عن أبي حاتم نحو ذلك فانظره، وقد كرر نقله عنه في عدد "385" من السفر الأخير1.
وعلى كل حال فالحنابلة يجعلون الإجماع في الرتبة الثالثة إن تحقق وجوده عندهم كما سبق, وهذا المنقول عن الشافعي مخالف لما يأتي في مبدئه في الفقه من قوله: الإجماع أكبر من الخبر الفرد. ولعلهما قولان له والله أعلم.
وإذا أمعنت النظر وجدت أصل الأحكام واحدًا, وهو قول الله سبحانه، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} 2 إلا أن منه ما وصلنا بين دفتي المصحف, ومنه ما وصل على لسان رسول الله -الذي لا ينطق عن الهوى- في غير المصحف، ومنه ما هو مستنبط من ذلك وهو القياس والاستدلال, أو مستند إلى أحدهما وهو الإجماع.
أما أصول المذاهب كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فقد تتفرع وتزيد على هذه، كأصول المذهب عند المالكية أُنْهِيَت إلى سبعة عشر ستأتي في ترجمة الإمام بحول الله.
ولنتكم على هذه الأصول الخمسة وكيف حالها فلي الطور الأول من أطوار الفقه فنقول:
__________
1 لعله يعني ما ذكره المصنف في "ج2/ 281" من ط. مكتبة الكليات الأزهرية سنة 1388هـ.
2 الأنعام: 57، ويوسف: 40، 67.
(1/82)

القرآن العظيم
مدخل
...
القرآن العظيم:
هو اللفظ المنَزَّل على النبي -صلى الله عليه وسلم, المنقول إلينا بين دفتي المصحف تواترًا.
واعلم أن القرآن العظيم هو المادة الأولى للفقه كما سبق، وذلك أنه الحجة العظمى بيننا وبين ربنا، وهو الحبل المتين الذي لا نجاة إلّا ما دمنا متمسكين به، وهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} 1.
"تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي" 2.
{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} 3.
وقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} 4.
وفي جامع المعيار عن الإمام المازري: القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الأحكام، ومفزع أهل الملة ووزرهم وآية رسولهم, ودليل صدق دينهم.
وإن حجيته ووجوب العمل به هو المعلوم لدينا بالضرورة ولا يحتاج لإقامة برهان، وذلك هو معنى التمسك بالدين.
وآياته تنيف على ستة آلاف آية جلها متعلق بالتوحيد والأدلة عليه، ورد عقائد الزيغ والإلحاد، وإثبات النبوات والمعاد ووصف أهواله والنعيم والجحيم, والوعد والوعيد, وأخبار الأمم الماضية, والوعظ والتذكير, والثناء على الله وذكر آلائه, وبيان صفاته العلى وأسمائه الحسنى، وكيفية تسبيحه وتقديسه وغير ذلك.
__________
1 آل عمران: 103.
2 مالك في الموطأ -من بلاغاته- في القدر، والحاكم في مستدركه.
3 الأنبياء: 10.
4 الأعراف: 157.
(1/83)

والمتعلق من آياته بالأحكام الفقهية المقلل من العلماء كابن القيم يقول: مائة وخمسون آية كذا في أعلام الموقعين.
وقال بعض بعض العلماء: إنها نحو خمسمائة, وذلك نحو جزء من اثني عشر منه، أي: نصف السدس تقريبًا، والحق أنها تنيف على هذا العدد.
قال ابن العربي في الأحكام عن بعض أشياخه: إن سورة البقرة وحدها مشتملة على ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر, ولعظيم فقهها أقام ابن عمر في تعلمها ثمان سنين1.
وقد أخذ ابن العربي فيها الأحكام الفقهية من تسعين آية، بل فاتحة الكتاب التي سبع آيات أخذ الأحكام من خمس آيات منها، وجملة آيات القرآن التي أخذ هو منها الأحكام ثمانمائة وأربع وستون "864" آية مفرقة في مائة وخمس سورة "105", ولكن معظمها في نيف وثلاثين سورة المبدوء بها المصحف الكريم, وعلى الأخص في السور المدنية التي تقدم لنا عدها، وقد استدركنا عليه نحن وغيرنا آيات أخر استنبطت منها أحكام أخر، والقرآن لا تنقضي عجائبه, ولا تنحصر أحكامه، ولا تزال كل يوم تظهر منه لطائف وأسرار ما دام المفكرون في الوجود، وما من جيل، بل ما من أحد يتدبره إلا ويظن أنه المخاطب به, عليه تتنزّل أحكامه وإشاراته؛ لأنه قول رب حكيم أحكم الحاكمين سبحانه.
قال سيدنا علي -كرم الله وجهه: ما ترك لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، أو فهم أوتيه رجل مسلم.
وقال -عليه السلام: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" 2.
وإذا راجعت أبواب الفقه فقلَّمَا تجد بابًا إلّا وأصلها مقتبس من القرآن العظيم صراحة أو إيماءً، قال في المعيار عن الشيخ أبي مدين: إن للقرآن نزولًا وتنزيلًا, أما النزول فقد تَمَّ بموته -عليه السلام, وأما التنزيل على الوقائع واستنباط الأحكام، فلم يزل إلى آخر الدهر3.
__________
1 أحكام القرآن "القسم الأول/ 8".
2 أبو داود في العلم "ج3/ 322".
والترمذي في العلم "ج5/ 28 ط. الحلبي، وابن ماجه في المقدمة "ج1/ 84، 85، 86"، وفي المناسك "ج2/ 1015".
3 انظر التعليق الذي تقدم.
(1/84)

نزول القرآن منجمًا والحكم فيه:
نزل القرآن جملًا جملًا, وآية آية مفرقًا، وربما نزل عشر آيات أو أكثر على حسب الوقائع والقضايا التي كانت تقع للمسلمين فبيَّنَ القرآن أحكاها، وكثيرًا ما كان الصحابة إذا نزلت نازلة تسارعوا للسؤال عن حكمها فينزل القرآن, أو تبيِّن السنة فيسارعون للامتثال، فيكون ذلك أثبت في أذهانهم وأرسخ في قلوبهم، إذ الأمة كانت أمية لم تألف كتابًا ولا نبوة, ولا كان فيها علم، ولا تهذيب قبل الإسلام إلّا ما كان فطريًّا, فلطف الله بهم وأجراهم على سنة الكون في تلقين العلوم تدريجًا، وبذلك ردَّ الله على الكفار الذين اعترضوا إنزاله منجمًا بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} 1، وقال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} 2، وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} 3.
فلم يكن القصد من إنزال القرآن أن يكون بين يديهم كتاب يتبركون بلفظه يقرءونه على الموتى فقط، بل القصد أن يعلموا بأحكامه ويتهذَّبوا بتهذيبه وتنظيم أحوالهم به، ويتخلَّقوا بأخلاقه حتى يصيروا به أمة مهذبة, لها جامعة ورابطة وتهذيب تهذِّبُ به غيرها من الأمم, وهذا لا يكون إلّا بإنزاله منجمًا, ولو نزل دفعة واحدة لاشتغلوا بلفظه وتركوا معناه كما هو واقع فينا الآن, فتدبر ذلك.
وإذا تصفَّحت آيات الأحكام وجدت فيها أجوبة على أسئلتهم:
__________
1 الفرقان: 32، وفي الطبعة المغربية: {وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة....} وهو خطأ.
2 الإسراء: 106.
3 العنكبوت: 48.
(1/85)

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} 1.
{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} 2.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} 3.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} 4.
وهي أربع عشرة آية وردت على هذا النسق.
نعم فيها واحدة سؤال اليهود: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح} 5 وذلك كله تعليم للأمة.
فبقيت سنة إذا نزلت نازلة رفعوا السؤال لأهل العلم فأجابوا بما علموا أو قالوا: لا ندري.
قال ابن عباس: ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ما سألوه إلّا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض, كلهن في القرآن منهن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قال: ما كانوا يسألون إلّا عمَّا ينفعهم.
وروى أشهب عن مالك قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي.
وكثير من آيات الأحكام ليس فيها يسألونك, ولكنها كلها لأسباب ونوازل وقعت فبيَّنَها علماء التفسير في أسباب النزول, وهو علم خاصٌّ يستعان به على فهم القرآن, ولا سيما ما ثبت منه بطريق صحيح أو حسن فهو حجة في التأويل, وإن لم يكن مخصَّصًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول أمرهم لشدة تمسكهم بالدين يرون أن كل مسألة لها حكم, فيسألون عن كل شيء حتى نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- رفقًا بهم، فقال:
__________
1 النساء: 176.
2 البقرة: 219.
3 البقرة: 217.
4 البقرة: 189.
5 الإسراء: 85، في الطبعة المغربية: {يسئلونك....} بغير واو وهو خطأ.
(1/86)

"ذروني ما تركتكم, فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم" 1. وأجاب الذي سأل عن الحج هل يجب كل عام بقوله: "لا ولو قلت نعم لوجب, ولم تقدروا" 2، وقال تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} 3.
__________
1 البخاري في الاعتصام "ج9/ 117"، ومسلم في الحج "ج4/ 102"، والترمذي في العلم "ج5/ 47"، والنسائي في الحج "ج1/ 83"، وابن ماجة في المقدمة "ج1/ 3".
2 مسلم في الحج "ج4/ 102"، والترمذي في تفسير سورة المائدة، والنسائي في المناسك، وابن ماجه في المناسك "ج2/ 963".
3 المائدة: 101.
(1/87)

كتابة القرآن:
اعلم أن كتابة القرآن هو أول تدوين الفقه على الحقيقة، والقرآن قد كتب كله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغاية الإتقان، ولم تبق منه آية إلّا دونت ورتبت في محله في سورتها بلا خلاف، وكان للنبي -صلى الله عليه وسلم- كُتَّابٌ يبلغون أربعة وأربعين كاتبًا على ما في سبل الهدى والرشاد للشامي, وعدهم واحدًا واحدًا, ونظم العراقي بعضهم في ألفيته، وبيَّنَ أسماءهم صاحب صبح الأعشى أيضًا وغيره. منهم: زيد بن ثابت، وأُبَيّ بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي, وغيرهم، وكان العارفون بالكتابة في المدينة قليلين, لكن لما أُسِرَ أعيان مكة في وقعة بدر جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفداء مالًا، ومن لم يجد فدية علَّم عشرة من صبيان المدينة، وهكذا انتشرت الكتابة وكثر الكُتَّاب، ولكثرتهم لم يكن يخلو مجلسه -عليه السلام- ممن يقوم بهذا الوظيف المهم، ومن ألزمهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن ثابت، كان إذا نزل قرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى به فأملى عليه, فكتب في اللخاف1 والأديم وجريد النخل وألواح العظام وغير ذلك, لعدم الكاغد2 إذ ذاك عندهم.
وكل ما يكتب منه يبقى في منزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ويأخذ الكاتب منه نسخة لنفسه ليبثه في الصحابة, ويحفظه الحفاظ الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وأشار في صحيح البخاري لبعضهم ومنهم:
1- ابن مسعود.
2- سالم مولى أبي حذيفة.
3- زيد بن ثابت.
4- أُبَيّ بن كعب.
5- معاذ بن جبل.
6- أبو الدرداء.
7- أبو زيد.
8- أبو بكر
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: اللخاف: حجارة بيض، ويؤخذ منه جواز كتابة القرآن في ألواح التعليم بالمدارس.
2 الكاغد: القرطاس معرب.
(1/88)

الصديق.
9- عبد الله بن عمرو بن العاص.
10- أبو أيوب الأنصاري.
11- سعيد بن عبيد.
12- مجمع بن جارية, وغيرهم. انظر الإتقان1.
ثم بعد وفاته -عليه السلام, جمع تلك الكتابة التي كانت مفرَّقة أبو بكر بإشارة من عمر، والذي تولَّى الجمع زيد بن ثابت، ولم يكن لأبي بكر في هذا الجمع سوى أن نظمها في أوراق خاصة.
قال المحاسبي: كمن وجد أوراقًا مفرَّقة في بيت فربطها بخيط2.
ورتَّب السور بعضها مع بعض دون آيات السور, فإنها كانت مرتبة من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإجماع3.
نعم، فقدوا آيتين مما كان مكتوبًا في بيته -عليه السلام، وهما آية التوبة: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الآية4، وآية الأحزاب: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} 5 ووجدهما محفوظتين عند كثيرين يحصل بهم التواتر, لكن لم يكونوا يقبلوا إلّا ما وجد مكتوبًا زيادة في التثبت فوجوا الأولى مكتبوة عند خزيمة, والثانية عند أبي خزيمة, فعند ذلك ألحقوهما.
انظر شراح الصحيح6.
ثم في زمن سيدنا عثمان عمَدَ إلى ذلك المصحف بإشارة حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما, ونسخه في عدة نسخ وفرَّقها في عواصم الإسلام قصدًا منه
__________
1 النوع العشرون في الإتقان: في معرفة حفاظه ورواته "ج1/ 244".
2 بل كان له في هذا الجمع فضل عظيم في أمرين هامين: أولهما: إثبات النص القرآني بصيغته النهائية التي تمَّت في العرضة الأخيرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبيل وفاته. وثانيهما: يمكن أن نسميه "التوثيق" أي: توثيق النص المكتوب بعرضعه على المحفوظ في صدرو أكبر عدد من الصحابة.
3 في ترتيب السور خلاف عرضه السيوطي في الإتقان "ج1/ 216" في النوع الثامن عشر, ولكن يبدو لنا عند التحقيق أن ترتيبها توقيفي، لعدة أمور منها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرض القرآن كله على جبريل في رمضان قبيل وفاته كما ثبت في الصحيح، وقد ثبت أن الصحابة -رضي الله عنهم توخّوا في الجمعتين إثبات هذه العرضة الأخيرة، وحرصوا على متابعتها بدقة.
4 التوبة: 138.
5 الأحزاب: 23.
6 عند الكلام على حديث جمع القرآن في آخر كتاب التفسير من الصحيح.
(1/89)

للنشر وإزالة الاختلاف، وألزم الناس بالتلاوة عليه, وحرَّقَ ما سواها، إذ كان لكبار الصحابة مصاحف أخرى يروونها عن النبي -صلى الله عليه وسلم, كل واحد حسب لغة قومه؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، أي: سبع لغات، فخاف عثمان كثرة الاختلاف فجمعهم على لغة واحدة، وهي لغة قريش الذين هم قرابة النبي -صلى الله عليه وسلم- سدًّا للذريعة1.
__________
1 لم يحذف عثمان شيئًا من أحرف القرآن التي أثبتت في العرضة الأخيرة، وكما قال المحاسبي في جمع أبي بكر: أنه كمن وجد أوراقًا مفرَّقة في بيتٍ فربطها بخيط, نقول: لم يكن لعثمان سوى أنه نقل مصحف أبي بكر ونشره في سبع نسخ, ووزَّعها على الأمصار، بعد أن ازداد من التوثق، واتخذ منهجًا فريدًا في كتابة المصاحف، أما القول بأنه جمع الأمة على حرف واحد، وفسر هذا الحرف بأنه لغة قريش، فهو قولٌ فارقه التحقيق وإن اشتهر, فهذه مصاحفه تناقلها القراء، وفيها لغة قريش وغيرها.
(1/90)

تكاليف القرآن العظيم:
تمتاز تكاليف القرآن عن السنة بسهولتها ورفقها وإمكام القيام بها من غير مشقة.
قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 1.
وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 2.
وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} 3.
وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} 4.
وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 5. إلى غير ذلك.
وها أنت رأيت أن الله نهاهم عن السؤال لئلَّا ينزل التكليف, وإنما كثرت التكاليف واتسعت الشريعة بالسنة حيث أكثروا من السؤال.
بل كانوا إذا نزل حكم ثقيل في القرآن وسألوا التخفيف عنهم كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} 6، فلما شقَّ عليهم التحرز عنه كليًّا نزل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} 7. الآية. ولما نزل قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} 8 الآية.
شقَّ ذلك عليهم فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فنزل الله قول تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} كما في الصحيح9.
__________
1 البقرة: 286.
2 البقرة: 185.
3 النساء: 28.
4 المائدة: 6.
5 الحج: 78.
6 الأنعام: 152.
7 البقرة: 220.
8 البقرة: 284.
9 انظر البخاري، كتاب التفسير "ج6/ 41".
(1/91)

وربما نزل التخفيف بدون سؤال, قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} 1.
وربما نزل الحكم الذي لا بُدَّ منه وهو ثقيل تدريجًا؛ كحرمة الخمر, فإنه حُرِّمَ أولًا عند الصلاة, ثم حُرِّمَ كليًّا، ومن الأحكام التي نزلت تدريجًا الربا؛ حُرِّمَ أولًا كثيره, ثم حُرِّمَ كليًّا، وكل ذلك رفق ورحمة بالأمة، ولذلك جعلت الاستثناءات في الأحكام لهذا المعنى كقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 2, وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 3 وشرط القرآن الاستطاعة عمومًا فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 4، ثم نصَّ عليها فيما هو مظنة المشقة خصوصًا كقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 5.
وقوع النسخ في القرآن:
قدمنا أن القرآن حجة بإجماع، فيشكل على ذلك مسألة النسخ فنقول:
النسخ: لغةً الإزالة والتبديل، وفي الشرع: رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه، وهو جائز عقلًا بلا خلاف، واقع في الكتاب والسنة خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، وقد جهَّلوه في دعوى أنه لم يقع في القرآن.
وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيرًا ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيَّرت وناسب تغير الحكم لتغيرها رحمة وتخفيفًا من الحق -سبحانه وتعالى، وقد لا تغير حال، ولكن يكون القصد التخفيف فقط، وقد يكون القصد التشديد في بعض الأحكام كنسخ فدية الصوم بتعين الصوم، وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول, فإن الله لا يُسْأَل عمَّا يفعل، ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد.
__________
1 الأنفال: 66.
2 البقرة: 196.
3 البقرة: 196.
4 التغابن: 16.
5 آل عمران: 97.
(1/92)

أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ فهو التذكير بحكمة التخفيف والامتنان بتلك النعمة، واستحضار تلك السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد والإعجاز وفوائد أدبية.
إذا علمت هذا, فالآية المنسوخة مهما وردت أخرى ناسخة لها, فذلك النسخ رفع لحكم الأولى على ما هو المختار, فالاحتجاج في الأحكام بالناسخ، أما المنسوخ فغير محتج به فيها, فهو مستثنى من الحجية بدليل قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 1، وقال تعالى: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} 2، وقال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 3, وفي صحيح مسلم في الوضوء عن العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينسخ حديثه بعضه بعضًا, كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا4.
فالنسخ وقع في القرآن بلا شك, بمعنى رفع حكم آية عن جميع محالها, والمتحقق من ذلك اثنتا عشرة آية أو نحوها.
الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 5 الآية. نسخها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} 6 إلخ. آيات المواريث، وقيل إنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث" 7 إذا قيل بتواتره، وقيل: نسخها الإجماع, والتحقيق أن الأجماع لا يكون ناسخًا, وإنما الناسخ دليله، وأن الحديث المذكور ليس بناسخ، وأن الناسخ آيات الميراث حيث بينت ما يجب للوالدين
__________
1 البقرة: 106.
2 يونس: 15.
3 النحل: 101.
4 مسلم في الحيض باب إنما الماء من الماء "1/ 185".
5 البقرة: 180.
6 النساء: 11، 12.
7 الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود "ج3/ 114" ط. التجاربة، والترمذي "ج4/ 434"، وابن ماجة "ج2/ 905" ط. الحلبي، كلهم عن أبي أمامة الباهلي، وبوَّب البخاري بهذا اللفظ فقال في الصحيح: باب لا وصية لوارث، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعناه "ج4/ 4" ط. استنبول.
(1/93)

والأقربين, فلم يبق احتياج لوجوب الوصية، بل نسخ وجوب الوصية بقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} إذ مفهوم يوصي به أنه إذا لم يوص بها فلا نفاد للوصية، نعم إطلاق لفظ وصية المتناول الوصية للوارث قيد بحديث "لا وصية لوارث" هكذا ظهر لي في الآيتين والحديث، وعليه فلم يبق هناك مثال يتحقق فيه نسخ القرآن بالسنة الآحاد, وإنما يوجد التقييد أو التخصيص أو التعميم وأمرها سهل. وكل منها واقع بالسنة، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيح1 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر, فهو دال على تعميم آية الجزية من أهل الكتاب، وأن القيد بأهل الكتاب فيها خرج مخرج الغالب لنزولها في اليهود, وليس ذلك بنسخ.
الثانية: قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} 2 نسختها {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 3.
الثالثة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} 4 نسخ الوصية آية الميراث السابقة, ونسخ عدة الوفاة بالحول الآية قبلها {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 5 وقدمت الناسخة على المنسوخة؛ لأن ترتيب آيات المصحف لم يكن على ترتيب النزول, بل هو بأمر خاص من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإجماع.
الرابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} 6, نسختها آية: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 7.
الخامسة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} 8 نسختها آية: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 9.
السادسة: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} 10 الآية
__________
1 البخاري باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب "ج4/ 177".
2 البقرة: 184، وفي المتواتر قراءة {مسكين} بالإفراد والجمع.
3 البقرة: 185.
4 البقرة: 240.
5 البقرة: 234.
6، 7 البقرة: 284، 286.
8 النساء: 33، والقراءة بالألف بعد العين متواترة.
9 الأحزاب: 6.
10 النساء: 15.
(1/94)

نسختها آية النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} 1 الآية مع آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها, لكنه يؤول إلى نسخ القرآن بالسنة لعدم تواتر الناسخة الآن, وإن كانت متواتر في وقت الصحابة، أو يقال: نسخها دليل الإجماع؛ لأن الإجماع من الصحابة وعلماء الأمصار على رجم المحصن العالم العاقل المختار. ولم يخالف إلّا الخوارج والمعتزلة قالوا: لم نجده في القرآن, وأما ما في البخاري2 من أن عبد لله بن أبي أوفى سئل هل رجم النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل نزول سورة النور أو بعدها فقال: لا أدري, فلا يلزم من عدم معرفته هو عدم اطِّلاع غيره, ففي الصحيح3 من حديث أبي هريرة وعقبة بن عامر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل الذي قال له: إن ابني كان عسيفًا على هذا, وزنى بزوجته: "إن على ابنك جلد مائة وتغريب عام, واغد يا أنيس على زوجة هذا, فإن أقرّت فارجمها" وقال عليّ: رجمت بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصحيح4, وعن عمر -رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال: "إن الله بعث محمدًا بالحق, وأنزل عليه القرآن, فكان مما أنزل عليه الرجم" أخرجه البخاري5, وأخرج مسلم عن عباة بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذوا عني, قد جعل الله لهنَّ سبيلًا, الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 6.
السابعة: آية المائدة: {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام} 7 وآية القتال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 8 نسختها آية البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} 9, لكن يشكل عليه أن المائدة متأخرة في النزول عن البقرة, بل قال ابن عباس: إن المائدة آخر ما نزل، ويجاب بأنها آخر ما
__________
1 النور: 6، 7، 8، 9، وهي آيات الملاعنة، أما آية الرجم التي أشار إليها، فهي قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة ... " وسيذكر المصنف بعد في حديث البخاري.
2 البخاري في المحاربين "ج8/ 204".
3 المصدر السابق "ج8/ 207"، ومسلم في الحدود "ج5/ 121".
4 البخاري في المحاربين "ج8/ 204".
5 المصدر السابق "ج8/ 209".
6 مسلم "ج5/ 115"، وأبو داود "ج4/ 144"، والترمذي "ج4/ 41"، وابن ماجة "ج2/ 853" وانظر تحقيق أحاديث الرجم في نيل الأوطار "7/ 86".
7 المائدة: 2.
8 التوبة: 5.
9 البقرة: 217.
(1/95)

نزل من السورة دون الآيات, فلا ينافي ذلك وجود المنسوخ فيها.
الثامنة: قوله تعالى في المائدة: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 1 نسختها آية: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه} 2, وبه يرد قول أبي عبيدة عن الحسن ليس في المائدة منسوخ، وقاله عمر بن شرحبيل وعائشة وغيرهم.
التاسعة: قوله تعالى في المائدة: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم} 3 نسختها آية: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 4 ويرد عليه ما تقدَّمَ أيضًا، على أن بعض المالكية وأهل الظاهر وابن حنبل وكثيرًا من التابعين لا يقولون بنسخها، حكم بها أبو موسى الأشعري وغيره, وانظر بسط القول في هذه الآية في عدد "166" من الطرق الحكمية لابن القيم5.
العاشرة: قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 6 نسختها الآية بعدها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 7, ولفظ الآيتين خبر ولكن معناهما الأمر, بدليل أول الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} فوقع التحديد للعدد الذي يجب الثبات والصبر للقائه, ولا يرخص في الفرار منه.
الحادية عشرة: قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} 8 نسختها آيات العذر وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة} 9.
الثانية عشرة: قوله: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 10 نسختها الآية بعدها.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
__________
1 المائدة: 42.
2 المائدة: 49.
3 المائدة: 106.
4 الطلاق: 2.
5 ص "165-174" ط. العلمية بالمدينة المنورة.
6، 7 الانفال: 65، 66.
8 التوبة: 41.
9 التوبة: 122.
10 المجادلة: 12.
(1/96)

وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} 1 نسختها الآية بعدها, وهي قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} 2 الآية. ويمكن النزاع في نسخ هذه الآية أيضًا؛ لأنها ليست بصريحة في وجوب التهجد على من معه حتى يكون نسخًا.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} 3 نسخها عموم: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} 4 الأية.
وفي ذلك نزاع أيضًا إذ يحتمل أن تكون آية الزاني {لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً} معناها: أن شأنه ذلك تنفيرًا, لا أنه حكم ونهي, فلا نسخ.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد} 5 الآية.
نسختها آية: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} 6 الآية, وفيها نزاع أيضًا, فهذه الآيات قد تحقَّق النسخ في الجل منها إما بمعنى الإزالة أو التبديل، على أن البعض منها قد يمكن النزاع فيه والتخلص من النسخ كما سبق ولكنه قليل، وجميع ما ذكروا فيه النسخ مما سواه كله, إما من باب التخصيص, وهو إزالة الحكم عن بعض الأفراد دون بعض، أو من باب التقييد أو نحو ذلك، وكان الأقدمون كابن حزم يتسمحون فيسمونه نسخًا، كقوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَاب} 7 فإنهم يقولون: إنها ناسخة قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 8 الآية.
والحق أن لا نسخ، وأنما هو تخصيص؛ لأن الحكم لا زال باقيًا لبعض الأفراد، ومن هذا المعنى ما قاله ابن العربي من أن آية {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين} نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية فيها الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم، قال: ومن العجب ان آية القتال نسخ آخرها وأولها, فإن ما ذكره في النسخ في آيات الصفح والكف غير متعيّن كما يعلم بالوقوف عليها في محلها.
وعلى كل حال, فإن المفسرين مهما رأوا منافاة ظاهرة آية لأخرى إلّا ويدعون
__________
1، 2 المزمل: 20.
3 النور: 3.
4 النور: 32.
5 الأحزاب: 52.
6 الأحزاب: 50.
7 الفرقان: 68، 69.
8 النساء: 93.
(1/97)

النسخ مجازفة، وليس بصواب، فالنسخ له شروط، منها عدم إمكان الجمع بين مدلولي الآيتين، وتواردهما على محل واحد، وبعبارة تحقق وجود الوحدات الثمان التي يشترطها المناطقة في التناقض، ومنها تحقيق التاريخ إما بنص صريح, أو بأن يجمعوا على العمل بالأحرى، كأكثر الآيات "15" السابقة، إلى غير ذلك من الشروط المبسوطة في محلها من الأصول وهي تقارب العشرة.
قال ابن الحصَّار: لا يعمل في النسخ إلّا بنقل صريح عن رسول الله أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا؛ لأنهم عاينوا النزول، ولا يعمل بقول المفسرين من غير دليل، ولا بقول المجتهدين, فإن المجتهد قد يخطئ ويصيب؛ لأن النسخ يتضمَّن رفع حكم تقرر في زمنه -صلى الله عليه وسلم, ويتضمن حرمة العمل به ونفيه عن الشريعة, فلا بُدَّ فيه من نقل بتواتر أو آحاد عدول. والمسألة طويلة الذيل وليس المحل محل بسطها, ولكن لما لخصته هنا قيمة لا يستهان به.
ثم النسخ أقسام: ما نسخ لفظه وبقي حكمه نحو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله" وهي آية كانت في الأحزاب كما في الصحيح1، ومن نسخ لفظه وحكمه كعشر رضعات معلومات، وما نسخ حكمه وبقي لفظه كالآيات "15" السابقة.
والنسخ يكون نسخ قرآن بقرآن، وسنة بسنة، وسنة بقرآن، وقرآن بسنة متواترة لا بخبر واحد كما يأتي.
ولا نسخ بالعقل ولا بالإجماع؛ لأنه لا يكون إلّا بعده -عليه السلام، ولا نسخ بعده، ولكن إجماعهم إن خالف نصًّا فقد تضمَّن ناسخًا وهو مستند الإجماع.
وهناك نوع آخر من النسخ, وهو إزالة الآية أو الآيات من القرآن لفظًا ومعنًى, أو لفظًا فقط, فتُنْسَى ولا تبقى مقروءة، وعلى هذا حمل قوله تعالى: {أَوْ
__________
1 الذي في صحيح البخاري "ج8/ 209", وفي مسلم "ج5/ 116" حديث عمر بن الخطاب، وذكر فيه آية الرجم ولم يذكر نصها, ولا السورة التي نزلت فيها، أما نص الآية فرواه أُبَيّ بن كعب، وأخرج حديثه ابن حبان في صحيحه, ورواه أبو أمامة بن سهل عن خالته العجماء, وأخرج حديثه أحمد والطبرني في الكبر "نيل الأوطار "ج7/ 91".
(1/98)

نُنْسِهَا} 1 في أحد القولين, ومنه حديث أبي موسى في صحيح مسلم2 أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم, فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنَّا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني فد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشببها بإحدى المسبحات فأنسيتها, غير أني حفظت منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فتكبت شهادة في أعناقكم فتسألون عنه يوم القيامة.
__________
1 البقرة: 106.
2 مسلم في الزكاة: "ج3/ 100".
(1/99)

السنة النبوية
مدخل
...
السنة النبوية:
هي أقواله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريره.
ومجموع الأحاديث التي تدور عليها أحكام الفقه نحو خمسمائة حديث وبسطُها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث كما في أعلام الوقعين1.
والسنة في الدرجة الثانية بعد القرآن العظيم؛ لأن القرآن كلام رب العزة، متعبد بتلاوته، معجز ببلاغته، قطعي الثبوت لتواتره، بخلاف السنة، ولذلك إذا وجد قرآن صريح فهو مقدَّم عليها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الصحابة -رضوان الله عنهم- ما كانوا يسألون إلّا عمَّا لم يجدوه مصرَّحًا به في القرآن الكريم، نعم إذا وجدت سنة مخالفةٌ لنصِّ القرآن متأخرة عنه, فهل تكون ناسخة أو لا, محل خلاف، والصحيح أنه يجوز النسخ بها, ولكن لم يقع نسخ القرآن بالسنة إلّا إذا كانت متواترة عند حكم المجتهد بالنسخ بها، ويجوز التخصيص والتقييد بها إذا كانت دلالة القرآن ظنّية كالعمومات والإطلاقات, فيخصص حينئذ ظني بظني، وللمسألة تفاصيل وتفاريع في كتب الأصول, وانظر أول السفر الرابع من موافقات الشاطبي تجد بسطًا كافيًا.
واعلم أن السنة معمول بها باتفاق من يعتد به من أهل العلم ولو خبر آحاد, لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} 2, وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 3, وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 4, وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يوجه رسله إلى الآفاق بتبليغ الشريعة الشريعة وهم فرادى, وذلك دليل على وجوب العمل بالسنة, ولو كانت خبر آحاد، وقد عمل بها الصحابة في زمنه -عليه السلام- حال غيبته، وأقرَّهم عليها وهي خبر آحاد، ووجه مع عمرو بن حزم صحيفة إلى اليمن وهي
__________
1 أعلام الموقعين "ج3/ 257".
2 النجم: 3.
3 الحشر: 7.
4 الأحزاب: 21.
(1/100)

مذكورة في الموطأ وتأتي، وعملوا بالسنة بعد وفاته في مجتمعاتهم التي تعتبر إجماعًا، وثبت احتجاجهم بها من طرقٍ كثيرة تبلغ القطع مما لم يبق معه شك, ويعلمه من يتتبع كتب الصحاح وكتب السِّيَر، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 1, فالسنة تبيِّن ما أجمل في القرآن؛ لآن الشريعة كانت تنزل تدريجًا لأجل الرفق بالأمة الأمية كما سبق، ومن جملة الرفق أن ينزل الإجمال ثم يأتي تفصيله، وكل ذلك موجود في السنة مبيَّنٌ فيها، كما أن السنة تشرع ما ليس في القرآن استقلالًا كما يأتي، انظر إلى الإيمان جاء في القرآن الأمر به وإلزام كل واحد أن يملأ منه قلبه, ثم بينته السنة بقوله -صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله ووملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" 2 كذلك الإسلام والإحسان، وانظر إلى الصلاة عماد الدين, أوجبها القرآن من غير بيان, وبينت السنة عدد الصلوات أو الركعات وكيفيتها وشروطها, وإصلاح ما قد يقع فيه الخلل منها, ووضحت أوقاتها, وكيف العمل في فوائتها, وما ذكر في القرآن إلّا ما هو إجمال من ذلك كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية3. ففي القرآن بيان شرط وهو الطهارة المائية, ثم الترابية, وأشار إلى شرط ستر العورة بقوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 4 وإلى شرط استقبال القبلة بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} 5. ولكن هناك تفاصيل بينتها السنة، ثم أشار القرآن إلى أوقاتها بقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} 6, ولكن السنة بينت الأوقات بالبيان الشافي, بحديث بريدة وحديث ابن عمر في الصحيح وغيرهما, وأشار القرآن إلى كيفيتها بقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} , وقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} , ولكن السنة هي التي استوفت, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" 7.
__________
1 النحل: 44.
2 البخاري في الإيمان:"ج1/ 20".
3 المائدة: 6.
4 الأعراف: 31.
5 البقرة: 150.
6 الروم: 17.
7 البخاري في الأذان "ج1/ 154".
(1/101)

وروى لنا أبو هريرة ووائل بن حجر, ومالك بن الحويرث, وأبوحميد الساعدي, وغيرهم كيفية صلاته -عليه السلام, وعلمنا منها ما هو واجب وما لا.
وهكذا الزكاة أشار القرآن إلى وجوبها بقوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} 1، ولكن من أين علم القدر الواجب؟
عُلِمَ من السنة, قال -عليه السلام: "فيما سقت العيون أو كان عثريًا العشر, وما سُقيَ بالنضح نصف العشر" 2, وقال: "قوفي الركاز الخمس" 3، وبينت السنة قدر النصاب، قال -عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة, وليس فيما دون ذود من الإبل صدقة" 4.
وهكذا الصوم, أوجب الله علينا في القرآن صوم شهر رمضان, وبينت السنة أن المراد الشهر القمري الذي يكون ثلاثين ويكون تسعًا وعشرين، وأمرنا أن نصوم لرؤية الهلال، ونفطر لرؤيته, وأن من أفطر عامدًا لغير عذر تجب عليه الكفارة, إلى غير ذلك.
وهكذا الحج, أوجب الله في القرآن الحج على من استطاع، وبيَّنَ أركانه, فأشار إلى الإحرام بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} إلى آخر الآية5، وإلى وقوف عرفه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} 6 وبيَّنَ السعي والطواف بقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} 7، وبقوله: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} 8.
__________
1 المعارج: 24، 25.
2 أخرجه بهذا اللفظ: "فما سقت السماء والعيون ... " البخاري عن سالم بن عبد الله بن أبيه "ج2. 155", والترمذي "ج3/ 23"، وأخرجه أبو داود بلفظ: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر, وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضح نصف العشر" "ج2/ 147" وابن ماجه "ج1/ 581"، ولم يذكر "النضح".
3 رواه الجماعة.
4 حديث أبي سعيد الخدري: متفق عليه, والذي ذكره المصنف لفظ البخاري "ج2/ 147".
5 البقرة: 196.
6 البقرة: 198.
7 البقرة: 158.
8 الحج: 26.
(1/102)

وبينت السنة كيفية الإحرام وممنوعاته، وحدود عرفة، ووقت الوقوف فيه، وكيفية السعي، والطواف، وعدد الأشواط, إلى غير ذلك، وقد أجمله -عليه السلام بقوله: "خذوا عني مناسككم" 1, وبينت الأحاديث النبوية التي رواها الصحابة الذين عاينوا حجة تفاصيل ذلك, كابن عباس وابن عمر وغيرهما.
__________
1 أخرجه مسلم عن جابر "ج4/ 79"، وأبو داود "ج2/ 201" بلفظ: "لتاخذوا عني مناسككم"، والنسائي "ج5/ 219" بلفظ: "فخذوا مناسككم".
(1/103)

السنة مستقلة في التشريع:
اعلم أن الحق عند أهل الحق أن السنة مستقلة في التشريع, فقد يرد فيها ما لم يذكر إجماله ولا تفصيله في القرآن كزكاة الفطر, قال خليل: يجب بالسنة صاع.
وكصلاة الوتر، وكحد الزاني المحصن؛ لأن آية: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" حكمها حكم السنة؛ لأنها نسخ لفظها ولم ترو إلينا تواترًا, وإن وقع الإجماع على الحكم بها، فالسنة كالقرآن يثبت بها تحليل الحلال وتحريم الحرام، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم لحوم الحمر الإنسية1, وكوجوب الكفارة على منتهك حرمة رمضان، وما لا يحصى كثرة، خلافًا للخوارج.
قال في أعلام الموقعين: أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر مما فيه لم تنقص عنه، وما يروى من طريق ثوبان من الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال يحيى بن معين: إنه من وضع الزنادقة، وقال الشافعي: ما رواه أحمد عمن يثبت حدثيه في شيء صغير ولا كبير2.
وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم: عن عبد الرحمن بن مهدي, إن الزنادقة وضعوا حديث: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله, فإن وافق فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله", ونحن عرضنا هذا الحديث نفسه على قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} , وغيرها من الآيات الدالة على الأخذ بالسنة, فتبيَّنَ لنا أن الحديث موضوع كرّ على نفسها بالإبطال3.
__________
1 لكن مالك وأبو حنيفة أخذ تحريم الخمر والبغال والخيل من قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة} ولم يقل لتأكلوها، فلذلك قال بتحريم الخيل أيضًا, مع ثبوت حليتها بالسنة في الصحيح. المؤلف.
2 انظر "ج2/ 309".
3 جامع بيان العلم وفضله "ج2/ 191".
(1/104)

قلت: ومن الأدلة على وضعه أن في القرآن آيات لو عُرِضَ على عمومها بعض السنن لردته, ومع ذلك أجمعوا على العمل بالسنة، والإجماع معصوم.
كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 1, فعمومها يقتضي جواز الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. والسنة تمنع ذلك، والإجماع على العمل بالسنة، وقال تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 2، وجاءت السنة بأن الدية على العاقلة, والإجماع على ذلك إلّا عثمان البنيّ -من التابعين- يراها على القاتل.
وقال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} 3 الآية, وأن السنة حرمت الحُمُر الإنسية وأمثال هذا.
قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، قال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه وتبين المراد منه, ومقالة الأوزاعي أنكرها الإمام أحمد بنت حنبل قائلًا: بل السنة تبيّن القرآن وتفسره. نقل ذلك ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية, قال ابن القيم: وقد أنكر أحمد والشافعي على من ردَّ أحاديث رسول الله لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب سماه طاعة الرسول، والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة سنة واحدة تخالف الكتاب, بل السنن مع القرآن ثلاث منازل:
المنزلة: الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة, وتوارد هذه من باب توارد الأدلة كالتأكيد.
المنزلة الثانية: سنة تفسير الكتاب وتبين المراد منه وتقيد مطلقه وتخصيص عامه، كالحديث الصحيح المبين أن الظلم في قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} 4 وهو الشرك، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، وأن قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ} 5 هو في
__________
1 النساء: 24.
2 الأنعام: 124.
3 الأنعام: 145.
4 الأنعام: 82.
5 إبراهيم: 27.
(1/105)

القبر حين يسأل إلى غير ذلك.
المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانًا مبتدءًا كالحكم بالشاهد واليمين، وتحريم الرضاع وما يحرم من النسب، والرهن في الحضر، وميراث الجدة وغيره مما رفع البراءة الأصلية، وأمثال هذا كثير، وليس هذا من النَّسخ في شيء؛ لأنه إنما رفع البراءة الأصلية، ولا يجوز رد واحدة من هذه الثلاث، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة: "بتصرف وزيادة"1.
قلت فيه: إن هناك منزلة رابعة: وهي السنة الناسخة للكتاب المتواترة على رأي الجمهور, أو الآحاد على القول بها كحديث: "لا وصية لوراث" 2، وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" 3، الناسخ لقوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 4، فإن الحاكم لو اقتصر على الجلد لوافق القرآن وخالف السنة، وهذا محل النزاع بين الحنفية وبقية المذاهب، وقد استدرك هذا القسم في أعلام الموقعين، وأطال فيه، فانظره عدد "382"من المجلد الثاني5.
ثم قال في الطرق الحكمية: لو ساغ ردَّ سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن وبطلت بالكلية, فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلّا ويمكن أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها, ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم أو هذا الإطلاق فلا تقبل، وهؤلاء الروافض ردوا حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" 6 بعموم آية: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} 7، وردت الجهمية
__________
1 الطرق الحكمية ص72، ط. العلمية بالمدينة المنورة.
2 أبو داود "ج3/ 114"، والترمذي "ج4/ 433 "، وابن ماجة "ج2/ 905"، وغيرهم.
3 أخرجه مسلم "ج5/ 115"، وأبو داود "ج47/ 144"، والترمذي "ج4/ 41"، وابن ماجة "ج2/ 853".
4 النور: 2.
5 أعلام الموقعين "ج2/ 309".
6 متفق عليه: البخاري "ج8/ 185"، ومسلم "ج5/ 153"، بلفظ: $"لا نورث ما تركناه صدقة".
7 النساء: 13.
(1/106)

أحاديث الصفات بظاهر: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 1، وردت الخوارج أحاديث الشفاعة، وخروج أهل الكبائر الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن في آيات الوعيد، والجهمية أحاديث الرؤية بظاهر آية: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 2، والقدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن، وردت كل طائفة ما ردته، فإمَّا أن يطرد الباب في قبولها, ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن، وإما أن يطرد الباب في رد لكل, وما من أحدٍ ردَّ سنة بما فهمه من ظاهر القرآن إلّا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك، وقد أنكر أحمد والشافعي على مَنْ ردَّ أحاديث تحريم كل ذي3 ناب من السباع بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} 4.
وروى أحمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الدلائل عن أبي
__________
1 الشورى: 11.
2 الأنعام: 103.
3 قال المؤلف -رحمه الله: حديث نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع رواه الستة جميعًا كما في شرح المشكاة, وهو في البخاري والموطأ بلفظ: وحديث نهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير. رواه أحمد ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة كما في المشكاة، وقد حكى ابن رشد الإجماع على إباحة كل طير ولو جلّالة وذا مخلب، وبحث معه في الإجماع، وعلى كل حالٍ فهو مشهور المذهب الذي في المختصر وغيره، أخذًا بظاهر القرآن وتقديمًا له على السنة كما هو أصل المذهب, أما ذو الناب من السباع: فمشهور مذهب مالك الكراهة في السبع والضبع والثعلب والذيب والهر وإن وحشيًّا, ولم يردّ المالكية الحديث بل حملوه على الكراهة، قالوا: لعدم صراحة لفظ:"نهى" في الحرمة جمعًا بينه وبين القرآن المصرح بقوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ..} الآية. ومذهب الموطأ: تحريم كل ذي ناب من السباع لحديث عبيدة بن سفيان الحضرميّ مرفوعًا: "كل ذي ناب من السباع فهو حرام" ونحوه في البخاري, ولعمل أهل المدينة أيضًا، ففي الموطأ قال مالك: وهو الأمر عندنا. وإن كان ظهر المدونة الكراهة، واعتمده ابن العربي وغيره، واعتمد ابن عبد البر صريح الموطأ، ثم إن مالكًا من أصول مذهبه تقديم ظاهر القرآن على صريح السنة، كما يأتي في ترجمته, فلذلك قال بحرمة الخيل على ما في المختصر، لكن خالف هذا الأصل فحرم ذا الناب من السباع, من أن ظاهر القرآن الإباحة، المسألة فيها نزاع كبير، انظر الزرقاني على الموطأ فقد حررها, والمشهور في المذهب هو كراهة الفرس والسباع فقط, لتعارض الأدلة على ماحرره الرهوني.
3 الطرق الحكمية ص"73" ط. العلمية بالمدينة المنورة سنة 1391هـ.
(1/107)

رافع قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا ألفين أحدكم جالسًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه" 1.
وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إني أوتيت القرآن ومثله معه، يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله, ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبوع, ولا لقطة من عهد إلّا أن يستغني عنها صاحبها, ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه, فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" رواه أبو داود ورواه الدارمي2 بمعناه أيضًا إلى قوله: "كما حرم الله" , ويؤيد مضمون الحديثين قوله تعالى في وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الآية3, وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 4.
وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} 5, إلى غير ذلك.
وقال الشافعي في الأم نقلًا عن أبي يوسف في كتابه نقد سير الأوزاعي ما نصه: عليك من الحديث بما تعرف العامة، وإياك والشاذ منه, فإنه حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا اليهود فحدثوه حتى كذبوا على عيسى, فصعد النبي -صلى الله عليه وسلم- المنبر فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشو عني, فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني, وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني".
__________
1 أبو داود "ج4، ص200"، والترمذي "ج5/ 37"، وابن ماجه "ج1/ 6، 7" وأحمد في مسنده، انظر الفتح الرباني للساعاتي "1/ 92.
2 أبو داود "ج4/ 200، والدارمي "ج1/ ص117"، واللفظ المذكور مجموع من اللفظين.
3 الأعراف: 157.
4 النساء: 65.
5 آل عمران: 32.
(1/108)

مسعر بن كدام والحسن بن عمارة بن عمرو بن مرة, عن البختري, عن علي بن أبي طالب قال: "إذا أتاكم الحديث عن رسول الله فظنوا أنه الذي أهدى, والذي أنقى, والذي هو أحيا, إلى أن قال: فإياك وشاذّ الحديث، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث, وما يعرفه الفقهاء, فقس الأشياء على ذلك, فما خالف القرآن فليس عن رسول الله, وإن جاءت به الرواية". حدثنا الثقة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "إني لأحرم ماحرم القرآن، والله لا يمسكون على بشيء" فاجعل القرآن والسنة المعروفة لك إمامًا وقائدًا, واتبع ذلك وقس عليه ما يرد عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة"1.
هذا ما نقله الشافعي عن أبي يوسف, ورده عليه بأن التقيد بما يعرف الفقهاء ليس بصواب أيضًا, وكذلك ردّ الحديث الغريب أيضًا ليس بصواب, وإنما الصواب هو أن الشاذ وهو ما خالف ما هو أقوى منه من قبيل الضعيف, وما سوى ذلك فمقبول ولو غريبًا, فإن الغرابة لا تنافي الصحة. وجل ما يرده الحنفية من السنة ويقدمون القياس عليها, فحجتهم هو ما ذكره أبو يوسف، وذلك كله لا يقبله المالكية ولا الشافعية ولا الحنابلة ولا أئمة الحديث والله الموفق.
__________
1 الأم "ج7/ 338", وإذا أردت فيهم هذه المسألة فأرجع إلى كتاب الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف من ص23، إلى ص32، وعليك بالتعليقات فإنها قيمة، ثم ارجع إلى شرح أصول البزودي لعبد العزيز البخاري "ج3/ من ص10".
(1/109)

اشروط العمل بالسنة:
اعلم أن لا يحتج بها إلّا إذا كانت متواترة أو صحيحة أو حسنة، ولم يكن هناك قادح، كما إذا خالف الرواي من هو أحفظ منه أو أتقن أو أكثر, فتكون حينئذ شاذة، والشاذ من قبيل الضعيف فلا يُحْتَجُّ به، وتقدم قريبًا الرد على من اشترط معرفة الفقهاء للحديث أو عدم الغرابة، وروي عن بعض السلف اشتراط رواية اثنين عن اثنين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويدل له فعل أبي بكر في مسألة ميراث الجدة ويأتي، ونسب هذا لعمر أيضًا ولم يصح، بل صح عنه العمل بخبر الواحد في حديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون وغيره1، نعم كان يثبت في بعض الأحيان، ويطلب الرواي الثاني كما وقع له مع أبي موسى في حديث: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع" حتى جاء بأبي سعيد الخدري يشهد أنه سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم2, وقصده في ذلك أن يجعل هيبة على حديث رسول الله حتى لا يروى إلّا عن الثقة.
وكان سيدنا علي يستخلف الراوي العدل استثباتًا، إلّا أبا بكر فإنه كان يقبل روايته من غير يمين، كما ذكره المحلي في كتاب التعادل والتراجيح، ولهذا تفصيل وبيان في الأصول، والجمهور على وجوب قبول خبر الواحد الضابط عن مثله إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وحكي عليه في جمع الجوامع الإجماع، وعلى ذلك كان العمل في زمنه -عليه السلام- كما سبق، والإجماع مبحوث فيه بما سبق, واستثنى المالكية منه إذا خالف عمل أهل المدينة؛ لأن عملهم بمنزلة مرويهم لثقتهم وقربهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجوار، ومرويهم مقدَّم؛ لأنه من قبيل المستفيض، وهو مقدَّم على خبر الواحد، إذ يصير خبر الواحد بالنسبة إليه شاذًّا إذا خالفه من
__________
1 متفق عليه: البخاري "ج7/ 168"، ومسلم "ج7/ 29".
2 الجماعة إلّا النسائي، البخاري "ج8/ 67"، مسلم "ج6/ 177"، وأبو داود "ج4/ 345"، والترمذي "ج5/ 53"، وابن ما جهة "ج2/ 1221".
(1/110)

هو أكثر منه، ولأنهم شاهدوا الأخير من أحواله -صلى الله عليه وسلم, وهو أعرف بالناسخ والمنسوخ، وأما من نسب إلى مالك أنه يشترط موافقة العمل لخبر الواحد فقد أخطأ، واشترط الحنفية أن لا يخالفه روايه, فالعمل بما رأى لا بما روي؛ لأنه لا يخالفه إلّا عن دليل.
قلنا: في ظنه وقد لا يكون دليلًا في الواقع، وشرطوا أن لا يكون فيه البلوى، فإن هذا تتوفر الدواعي على نقله تواترًا، وذلك علة قادحة عندهم توجب ردَّه، وأن لا يخالف القياس على تفصيل عندهم يأتي في ترجمة أبي حنفية.
والصواب: أن خبر الواحد إذا تجرَّدَ عن القرائن مفيد للظن، خلافًا للظاهرية الذين ادَّعوا إفادته العلم اليقيني، قالوا: ولو لم يفد العلم فكان علمًا بالظن، والله يقول: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} 1، وقال: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 2، وهي حجة داحضة، فالقرآن أوجب اليقين في العقائد لا في كل شيء, ونحن إنما أوجبنا العمل بخبر الواحد في الفروع العملية استنادًا لعمل الرسول -عليه السلام، وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} الآية3. انظر تفسير ابن عرفه فيها.
وأقوى ما يرد به على الظاهرة الإجماع من الصحابة فمَنْ بعدهم على العمل بظواهر النصوص التي هي متمسك الظاهرية, وبالأدلة الظنّية في الفروع، ووقع منهم الاستدلال بها في غير ما موطن، فدلَّ ذلك على تخصيص الآيات المانعة من اتباع الظن بالعقائد بدليل سياقها، وانظر شروح البخاري في باب العمل بخبر الواحد.
__________
1 النجم: 28.
2 الإسراء: 36.
3 التوبة: 122.
(1/111)

السنة يقع فيها النسخ كالقرآن:
قال في أعلام الموقعين: قالوا -يعني العلماء: النسخ الواقع في الأحاديث التي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها "صحَّ من العدد 4585 من الجزء الثالث".
ومن ذلك حد الخمر, فأنه أولًا لم يكن حدًّا، بدليل ان رجلًا شرب, فلما أخذ هرب لدار العباس مستجيرًا، فتبسم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يحده1، ثم شرع النبي -صلى الله عليه وسلم- الحدَّ, لكن كان أولًا خفيفًا, وهو الضرب بأطراب أثوابهم وأرديتهم والنعال والأيدي وجريد النخل، ثم شرع الحدّ بالجلد، فقد ثبت في السن وغيرها: "إذا شرب الخمر فاجلدوه, فإذا شرب الثانية فاجلده, وإذا شرب الثالثة فاجلدوه, فإذا شرب الرابعة فاقتلوه" 2، فصار الحد بالجلد, وأمر بالقتل في الرابعة. وفي رواية في الخامسة لكن لم يقتل أحد، فقد روى أبو داود عن قبيصة بن ذؤيب: "إذا شرب فاجلدوه, فإذا شرب الرابعة فاقتلوه، ثم أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بمن شرب الرابعة فلم يكن قتل تخفيفًا من الله تعالى" 3، وعليه فالقتل شرع بالسنة ونسخ بها.
ولما كان زمن أبي بكر قُوِّم عدد الضرب الذي كان في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربعين جلدة، واستقرَّ العمل زمن أبي بكر على أربعين جلدة، فلما كان زمن سيدنا عمر كتب إليه خالد بن الوليد بأن الفسق كثر، وأن الناس استهونوا الأربعين فانهمكوا, فشاور المهاجرين والأنصار وفيهم علي، وطلحة،
__________
1 أبو داود "ج4/ 162".
2 أبو داود "ج4/ 164"، والترمذي "ج4/ 48"، والنسائي "ج8/ 281"، وابن ماجة "ج2/ 589".
3 أبو داود "ج4/ 165"، وأخرج الترمذي نحوه عن جابر بن عبد الله "ج4/ 49"، وانظر الكلام في هذه المسألة في نيل الأوطار "ج4/ 146".
(1/112)

والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له علي بن أبي طالب: إن من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن يحدَّ حد المفتري -يعني ثمانين التي هي أدنى الحدود, ووافقوه على ذلك.
فقال عمر لرسول خالد: بلغ صاحبك ما قالوا: فضرب خالد ثمانين, وكان عمر يجلد ثمانين إذا أتاه الرجل القوي المنتهك في الشراب، وإذا أتي بالرجل الذي منه الزلة الضعيف ضربه أربعين، لكن في زمن عثمان رجع عليّ عن فكره, فكان يقول: لو مات أحد بحد الخمر لوديته؛ لأنه لم يكن فيه سنة, وإنما هو شيء صنعناه -يعني الزيادة على الأربعين, ولذلك قال عند حد عثمان للوليد بن المغيرة والى الكوفة لما شهد عليه أهلها بالشرب: حدَّ رسول الله أربعين، وحدَّ أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين, وكلٌّ سنة. ثم حدَّه أربعين1.
ويعمل عمر أخذ مالك وأبو حنيفة رغمًا عن كون الحنفي لا يقول بالقياس في الحدود، مستندين لقول علي: وكلٌّ سنة. ورأوا فعل عمر كانعقاد الإجماع فلا ينقضه ما بعده.
__________
1 مسلم "ج6/ 126"، وأبو داود "ج4/ 163"، وابن ماجه "ج2/ 585".
(1/113)

تدوين السنة:
تقدم أن أول تدوين للفقه هو تدوين القرآن؛ إذ كان -صلى الله عليه وسلم- يأمر بكتب كل ما ينزل عليه منه، فأما السنة فإن في صحيح مسلم أنه نهاهم عن كتبها وقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" 1، لكن النهي ليس مطلقًا، فالتحقيق أنه نهاهم أن لا يكتبوها ويجعلوها في بيته مع القرآن لئلَّا تختلط به، وأما من أراد أن يكتب لنفسه وأمِنَ من الاختلاط فإنه لم يمعنه, كما يثبت ذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبها2.
وروى أحمد أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم, هل يكتب كل ما يسمع منه -عليه السلام،
__________
1 مسلم في الزهد "ج8/ 229".
2 البخاري في العلم "ج1/ 38"، والترمذي "ج5/ 40".
(1/113)

فقال: "نعم, فإني لا أقول إلاحقًّا" 1، وقال في حجة الوداع: "اكتبوا لأبي شاه" 2، وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية فإذا فيها المدينة حرم كما في الصحيحين3.
وروى النسائي أنه كان مكتوبًا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم, وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر, ولا ذو عهده في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" 4. وفي الصحيح عن ابن عباس, لما اشتدَّ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الوجع قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" , قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا5، وفي الموطأ قال الزهري: قرأت كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران, وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم في قطعة أدم, فكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "هذا بيان من الله وسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وكتب الآيات منها حتى بلغ {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب} ، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأموية ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس" رواه مالك والنسائي وصححه ابن حبان6.
__________
1 أحمد في مسنده. انظر الفتح الرباني للساعاتي "1/ 191".
2 البخاري في العمل "ج1/ 38"، وفي اللقطة "ج3/ 165"، وأبو داود في المناسك "ج2/ 212".
3 البخاري "ج1/ 38"، ومسلم "ج6/ 85"، في الأضاحي.
4 النسائي "ج8/ 18، 21".
5 البخاري في الاعتصام "ج9/ 137".
6 مالك في الموطأ "ج2/ 849"، والنسائي في القسامة "ج8/ 50, 51-54"، وقد أخرجه غيرهما، واختلف في صحة الكتاب، قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. انظر نيل الأوتار, كتاب الدماء "ج7/ 18، 19".
(1/114)

ويصح أن تعتبر هذه الكتابة أول تدوين السنة التي هي من مواد الفقه، لكن ما كتبوا إلّا الشيء اليسير، لا سيما وما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص لم يظهر، إذ لم يعدوه من المكثرين الذي تجاوزوا الألف لاشتغاله بالسياسة مع والده ورحلته إلى مصر.
ولم تكن إذ ذاك دار علم، مع أن أبا هريرة قال: لم يكن أحد أكثر مني ملازمة للنبي -صلى الله عليه وسلم- إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب1.
وعلى كل حالٍ فالقرآن تركه -عليه السلام مكتوبًا مدونًا كله, أمَّا السنة فلم يبتدأ جمعها وتدوينها إلّا بعد مائة سنة من وفاته -عليه السلام, كما يأتي تحريره، سوى ما كُتِبَ على عهده كما سبق, وكان يسيرًا، وإنما اتَّكلوا في السنة على حفظهم وسيلان أذهانهم ومضاء قرائحهم، والأميّ دائمًا يكون أحفظ من الكاتب، وكان سيدنا عمر همَّ يجمعها وكتبها واستخار الله في ذلك شهرًا, ثم خاف اشتغال الناس بها وترك القرآن, أو غير ذلك فرجع.
والحق يقال، لا شك أن تأخُّر كتبها تسبَّب عنه وقوع الاختلاف والاضطراب في كثير من الأحاديث وهو من أوجه تقديم القرآن عليها، زد على ذلك ما ابتليت به من وضع الزنادقة والرافضة وتعمدهم الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأغراض سياسية واهية كما يأتي.
__________
1 سبق تخريجه.
(1/115)

أخذ أحكام الفقه الخمسة من القرآن والسنة:
لا يخفى أن ما يوجد في الشريعة من الأحكام منحصر في خمسة:
الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والجواز، وذلك أن أفعال المكلفين قسم منها رضيه الله، وقسم سخطه، وقسم لا رضى فيه ولا سخط.
فالأول يشمل الواجب والمندوب، والثاني: الحرام والمكروه، والثالث هو الحلال.
وطريق الحصر فيها أن طلب الشرع للفعل إما أن يكون جازمًا أو لا، الأول الوجوب، والثاني الندب، وطلبه للكف بغير كفٍّ إما جازم أو لا، الأول الحرام، والثاني المكروه، والخامس وهو الحلال أن لا يطلب فعلًا ولا تركًا, بل يخيِّر ويعبر عنه بالجائز، أما ما يعبَّر عنه بالسنة فهو من قبيل المندوب، وما يعبر عنه بخلاف الأولى فهو من قبيل المكروه، ولهذا اصطلح أئمة الفقه والأصول على الأحكام الخمسة، وتجد أبواب الفقه محتوية على بيان الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والجائزات.
والحنفية يفرقون بين الفرض وهو ما ثبت وجويه بقطعيٍّ كالقرآن ومثاله الصلوات الخمس، والواجب وهو ما يثبت كصلاة الوتر، ولا فرق بينهما عند غيرهم.
كيف أخذ الفقهاء هذه الأحكام من القرآن؟
غير خفي أن القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة ليحصل الإعجاز وتثبت
(1/116)

النبوة وساقه مساق البشارة والإنذار والوعظ والتذكير ليكون مؤثرًا في النقوس, رداعًا لها عن هواها, سائقًا لها بأنواعٍ من التشويق إلى الطاعة وترك المعصية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر بتنوع العبارة التي تؤدى بها تلك الأحكام، ومن طبيعة البشر أن يملَّ من عبارة واحدة, ولا يحصل بها التأثير المطلوب, فلو قيل في كل مسألة: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام، هذا مكروه، هذا جائز لتكرر اللفظ ولم تكن هناك الفصاحة المؤثرة, فلذلك تجد القرآن تارة يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحلية، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 1، {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} 2، {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 3 ويعبر في الوجوب بمادة فرض: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} 4، {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} 5، وقد يعبِّر عن فرض بقضى، نحو: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} 6 ويعبر بكتب، قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} 7، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 8، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} 9، وقد يعبِّر بالأمر ويراد به الإلزام، قال تعالى: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} 10، وقد يعبِّر بالأمر عن الطلب الأعم من الوجوب والندب، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} 11.
بدليل الإحسان وإيتاء ذي القربى, فإن منه ما ليس بواجب، ويعبر بينهى عن حرَّم، نحو: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ} 12، وقد يعبِّر عنه بلا يحل، قال تعالى: {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} 13، وقد يعبِّر عن الوجوب بعلى، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت} ، وقد
__________
1 المائدة: 3.
2 النحل: 116.
3 النساء: 24.
4 الأحزاب: 50.
5 التحريم: 2.
6 الإسراء: 23.
7 المائدة: 45.
8 البقرة: 178.
9 البقرة: 183.
10 يوسف: 40.
11 النحل: 90.
12 الممتحنة: 9.
13 النساء: 19.
14 آل عمران: 97.
(1/117)

فسَّرت ذلك السنة لقوله -عليه السلام: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" 1, وقد يعبر بعدم الرضى عن المنع، قال تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} 2، أي: يمنعه ولا يبيحه بحال، والرضى لضده: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} 3، ومثله الحب، قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ} 4، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} 6، {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} 7، ومثله الجناح، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} 8، {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} 9 ومثله الحرج، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} 10 الآية، ومثله الملام، قال تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين} 11.
ومن الصيغ المفيدة للوجوب ظاهرًا, جعل الفعل المطلوب من المكلف محمولًا عليه، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 12، بدليل أنه إذا لم يرد به الوجوب عُقِّبَ بما يدل على عدمه، كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} 13، ومن ذلك جعله جزاءً كقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 14، {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} 15.
ومن ذلك وصفه بأنه بر، قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} 16، أو
__________
1 سبق تخريجه في ص6.
2 الزمر: 7.
3 الفتح: 18.
4 النساء: 148.
5 البقرة: 182.
6 البقرة: 173.
7 البقرة: 182.
8 النور: 58.
9 البقرة: 158.
10 النور: 61.
11 المؤمنون: 6.
12 البقرة: 228.
13 البقرة: 233.
14 البقرة: 196.
15 البقرة: 280.
16 البقرة: 189.
(1/118)

وصفة بالخير, قال تعالى: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْر} 1.
ومن ذلك ذكر الفعل المطلوب والوعد عليه بالجنة، كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} 2.
ومن ذلك صيغتنا: افعل ولتفعل على المشهور فيهما كـ: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} , {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا} 3.
{وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَر} 4، {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} 5، ومحل هذا ما لم يكن بعد الحظر كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 6، وما لم يكن للإرشاد نحو: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 7، إلى غير ذلك مما هو معلوم في الأصول.
ومن الصيغ الدالة على التحريم: لا تفعل, على المشهور فيها أيضًا نحو: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم} 8، {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} 9.
ومن ذلك فعل الأمر الدال على طلب الكفِّ نحو: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} 10، ما لم يدل دليل على أن النهي للإرشاد ونحوه.
ومن ذلك نفي البر عن الفعل نحو: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} 11، ونفى الخير نحو قوله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} 12.
ومن ذلك نفي الفعل؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا, نحو: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} .
ومن ذلك ذكر الفعل متوعدًا عليه إمَّا بالإثم أو الفسق نحو: {قُلْ فِيهِمَا
__________
1 البقرة: 220.
2 المؤمنون: 1-11.
3 الحج: 29.
4 لقمان: 17.
5 الحج: 20.
6 المائدة: 2.
7 النساء: 3.
8 الإسراء: 34.
9 آل عمران: 130.
10 الإسراء: 120.
11 البقرة: 189.
12 النساء: 114.
13 البقرة: 233.
(1/119)

إِثْمٌ كَبِيرٌ} 1، {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} 2، وقال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} 3 الآية، وقال تعالى: {ذَلِكُمْ فِسْق} 4.
ومنه اللعن كحديث مسلم: "لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا" 5.
قال الحافظ: واللعن من دلائل التحريم كما لا يخفى.
ومن ذلك التوعد بأنه من عمل الشيطان، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} 6.
ومن ذلك التوعد على الفعل بالعذاب, وهذ أخص من كل ما سبق, فإنه مع كونه يدل على الحرمة يدل على أن الفعل كبيرة من الموبقات كما هو رأي الجمهور نحو: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 7 الآية، {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} إلى قوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم} 8.
وبالجملة إن الأحكام الخمسة لم يُنَصُّ في الكتاب والسنة عليها كما هي في كتب الفقه بألفاظ حرِّم، وأوجب، وأبيح، وندب، وكره في كل مسألة، وإنما الكتاب والسنة وردت فيهما الصيغ الدالة على السخط أو الرضى أو عدمهما، منطوقًا أو مفهومًا، أو ورد فعله -عليه السلام- وتقريره، أما ما سكت عنه فقال جمهور الأمة: إن طريق الوقوف على حكمه هو القياس بناءً على أن كل مسألة لها حكم خلافًا للظاهرية، ثم إن الصحابة -رضي الله عنهم, ومن بعهم أدركوا بحسب القرائن ما دلهم على تلك الأحكام, فاصطلحوا عليها ورأوا أن الأوامر والنواهي لا تخرج عنها, فبذلوا الجهد في الاستنباط والأخذ بحسب القرائن وموارد كلام العرب وإيماءتهم كناياتهم, ورب إشارة أفصح من عبارة, وكناية أبلغ من التصريح.
ومن ذلك أخذ الأمام البخاري طهارة المسك من حديث: "اللون لون دم
__________
1 البقرة: 219.
2 البقرة: 181.
3 الفرقان: 68.
4 المائدة: 3.
5 أخرجه مسلم في الصيد "ج6/ 73".
6 المائدة: 90.
7 النساء 93.
8 التوبة: 34.
(1/120)

والريح ريح مسك" , حيث وقع تشبيه دم الشهيد بالمسك؛ لأنه في سياق التكريم والتعظيم, فلو كان نجسًا لكان من الخبث ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام، وأمثال هذا كثيرًا، كل ذلك بحسب مدراكهم وأخذهم من اللوازم والسياق والمعنى الذي لأجله وقع الأمر أو النهي، فإذا وقع التصريح بعلة الحكم عدوا ذلك إذنًا في القياس, فقاسوا على الصورة التي جاء النص فيها كل صورة وجدوا فيها تلك العلة, وقيل ليس بإذن، وعليه ذهب في جمع الجوامع.
هذا وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام الأربعة: ثلاثة متفق عليها: وهي لفظ عام يحمل على عمومه، نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} 1 اتفق المسلمون أنه متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك كخنزير الماء، وخاص يحمل على خصوصه كقوله -عليه السلام: "أبو عبيدة أمين هذه الأمة" 2، وعام يراد به الخصوص كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} 3, اتفق المسلمون أن ليس وجوب الزكاة في جميع أنواع الأموال، والرابع مختلف فيه, خاص يراد به العموم نحو: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 4، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فيفهم منه تحريم الشتم والضرب فأعلى.
ثم الألفاظ التي يؤخذ الحكم منها, إما أن تكون دالة على معنى واحد لا تحتمل غيره، وهو النص، ولا خلاف في وجوب العمل به، أو يحتمله وغيره على حد السواء وهو المجمل، وهذا لا يوجب حكمًا بلا خلاف، أو يكون دلالته على أحد المعنيين أو المعاني أرجح, فيحمل عليه إلّا إذا دلَّ دليل على حمله على المرجوح فيحمل عليه, ويسمى هذا الحمل بالتأويل, وهنا تتشعَّب المدراك في الدليل، وفي دلالته بهذه الصورة نشأ اجتهاد المجتهدين في عصره -عليه السلام, وإقراره لهم عليه, ثم بعده, ويأتي مزيد بيان له إن شاء الله تعالى.
ومما تؤخذ منه الأحكام فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للأمر, ومداومته عليه, وإظهاره في جماعة, فيكون ذلك دليل أنه سنة عند المالكية, مندوب عند غيرهم, ما لم يصرح
__________
1 المائدة: 3.
2 متفق عليه: البخاري "ج5/ 32"، ومسلم "ج7/ 129".
3 التوبة: 103.
4 الإسراء: 24.
(1/121)

بوجوبه، أو تدل عليه أمارة أخرة، كغسل اليدين للكوعين في افتتاح الوضوء والغسل، وكالمضمضة والاستنشاق, وذلك كثير.
ومن مستنبطاتهم أخذهم من صيغ النهي الفساد في العقود كالبيع والنكاح، وفي الصلاة والصوم والحج مثلًا، ولاختلاف مداركهم في النهي, هل هو للحرمة أو للكراهة؟ اختلفوا في كثير من البيوع والأنكحة هل تفسخ أم لا؟
وعلى الفسخ هل أبدًا أو إذا لم تفت، وبعد الفسخ في النكاح هل يلحق الولد المتكوّن منه أم لا؟ وكذا النهي في العبادات هل يتضمَّن البطلان فتعاد أم لا؟ وهل إعادة الصلاة في الوقت أو أبدًا؟ ومن هنا تفرع علم الفقه وكثرت مسائله وتشبعت أحكامه.
ولقد كان كثير من السلف الصالح كمالكٍ يتحرَّى أن لا يصرح بحكم اجتهادي لم يصرح به في الكتاب ولا في السنة، فلا يقول هذا حرام ولا حلال ولا واجب مثلًا، بل يقول: هذا لا يعجبني أولم يكن من فعل السلف، أو لا أدري به بأسًا، أو لا بُدَّ من فعله، أو هذا أحب إلي، لأن المفتي مخبر عن الله, ويجوز عليه الخطأ, فيتحاشى أن يندرج تحت قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} الآية1.
__________
1 النحل: 116.
(1/122)

الإجماع:
غير خفي أن الاجماع غير متيسر في الطور الأول للفقه, الذي هو الزمن النبوي؛ لأن الإجماع كما عرفه في جمع الجوامع: هو اتفاق مجتهدي الأمة بعده -عليه السلام- في عصر من الأعصار, على حكم من الأحكام. لكن الإجماع لا بُدَّ أن يستند إلى كتاب أو سنة لا يخرج عنهما، وإن لم نقف على مستنده فكأنه وجد في الزمان النبوي, فليس هو أًصلًا مستقلًّا بذاته من غير استناد إلى كتاب أو سنة، إذ لو كان مستقلًّا لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم, وذلك غير جائز.
قال الشافعي في الأم: ولا يكون عن قياس أو اجتهاد؛ لأنهم لو اجتهدوا لم يتفقوا -يعني: غالبًا. وقال عياض في المدارك: قد يكون عنهما, وعليه صاحب جمع الجوامع.
فتبيَّنَ لك أن هذه الأصول الثلاثة كلها متقررة ثابتة في زمنه -صلى الله عليه وسلم.
وحجية الإجماع مبنية على أصلٍ وهو عصمة الأمة الإسلامية في اجتماعها على ضلالة في أمر دينها، دليله قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} 1، وقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة, ويد الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار" وراه الترمذي2.
وقولنا في أمر دينها لئلَّا يرد خطؤها في أمور الدنيا كترك النظام الذي ابتليت به الأمم الإسلامية في القرن الماضي وما قرب منه، وإهمال التعليم والتربية، وكقولهم بانبساط الأرض على فرض إجماعهم عليه.
__________
1 النساء: 115.
2 سبق تخريجه.
(1/123)

ومذهب الجمهور أن الإجماع حجة في الدين، متعبَّد به، تثبت به الأحكام كما تثبت بالنصوص الشرعية.
وأنكر الإمام أحمد، وداود الظاهر الإجماع في زمن التابعين وقالا: إنما الحجة في إجماع الصحابة، وقد روي عن أحمد أنه قال: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. نقله في أعلام لموقعين وعن الشافعي ونحوه1 وكيف يتأتَّي اعتراف الكافة, وهذا لم يكن إلّا فيما يسمَّى علم الكافة؛ كالعلم بأن الصلوات المفروضة خمس، والصبح ركعتان، أمَّا ما هو من قبيل علم الخاصة الذي لا يعرفه إلّا العلماء فقلَّ أن يتيسر ذلك، وكيف يتيسر الصدق لمن يقول في مسألة واحدة: إن المجتهدين اتفقوا فيها على حكم واحد، اللهم إلّا إذا كان في صدر الإسلام لما كانوا مجتمعين في المدينة أو الحجاز، ولهذا قال ابن عرفة: كل من حكى إجماعًا في مسألة فهو رهين نقله؛ إذ لا بُدَّ لمن ادعاه من أمور ثلاثة:
1- ثبوت وجود مجتهدين يتفقون على الشيء المجمع عليه.
2- الإحاطة بمعرفة جميع علماء الإسلام المنتشرين في الأرض كلها مع اتساع خطة الإسلام التي لا يمكن معها ذلك.
3- ثبوت نصهم في المسألة أو سكوت من سكت اختيارًا أو إقرارًا؛ بحيث لا مانع من الإنكار.
ودون واحدة من هذه الثلاثة خرط القتاد، انظر معاوضات المعيار، وبذلك كله تعلم مجازفة قول صاحب العمل الفاسي في صيد بندق الرصاص:
أفتى بذلك شيخنا الأواه ... وانعقد الإجماع من فتواه
وأمثاله كثير في كتب المتأخرين فاحذره، نعم, الشافعي يرى أن الحجة في الدين أن ينقل الحكم عن السلف ولا يعلم أنهم اختلفوا فيه، وهذا ليس بإجماع حقيقة, ولا يسمَّى به, ولكن رآه حجة لأنه إجماع سكوتي، والحنفية يرون أن الإجماع السكوتي حجة, وهو أن يجيب واحد من المجتهدين ويسكت الباقي, ولا مانع من الإنكار، وفيه اثنا عشر قولًا، انظر جمع الجوامع2، وقد أشار
__________
1 أعلام الموقعين "ج2/ 247".
2 انظر حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع "2/ 196".
(1/124)

الكمال بن أبي الشريف عند قوله آخره، وخصَّ محمد بأنه خاتم النبيين ... إلخ.
إلى أن الذي يعتمد في نقل الإجماع مثل ابن المنذر, وابن عبد البر, ومن فوقهما من الأئمة وحفاظ الأمة, فلذلك مدارك الإجماع، ولا يعتمد على حكاية مثل الرازي والنسفي له, فإنه لا ينهض حجة1.
على أنهم حذَّروا من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، وكثير من الفقهاء يدعي في بعض المسائل الإجماع ويردون عليه:
1- حكى بعضهم في تحريم لحوم الخيل الإجماع مع إباحة الحنفية لها.
2- حكى بعضهم الإجماع على العمل بالقياس, مع إنكار ابن مسعود والشعبي وابن سيرين له.
3- حكي في جمع الجوامع الإجماع على العمل بخبر الواحد وتقدَّم لنا البحث معه.
4- وحكي أيضًا الإجماع على تقديم الإجماع على النص عند التعارض, وتقدَّم لنا البحث معه.
5- حكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب غسل الجمعة مع قول الحنفية به.
6- وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد, مع قول علي بن أبي طالب به.
7- وعلى إلزام الطلاق الثلاث بكلمة واحدة, مع قول بعض الصحابة وبعض الحنابلة بعدمه.
وأمثال هذا كثير, فلا ينبغي أن يغترَّ بكل من حكى إجماعًا, بل لا بُدَّ من البحث والتنقيب.
وقال الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة" ما نصه: قد صنَّف أبو بكر
__________
1 الرازي: هو فخر محمد بن عمر صاحب المحصول، ت: 606، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع، والنسفي: هو أبو البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود.
(1/125)

الفارسي1 كتابًا في مسائل الإجماع، وأنكر عليه كثير منه, وخولف في بعض تلك المسائل, فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ.
وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره، والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير منه، فتبيَّن أنه ليس لكل عالم حكاية الإجماع, بل له أئمة مخصوصون لا يقبل إلّا منهم على القول بتصوره ووجوده كما سبق.
واعلم أن الجمهور على الاحتجاج بالإجماع السكوتي، أما الإجماع الصريح فقال الأصفهاني2: المشهور أنه حجة قطعية، ويقدَّم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلًا, ونسبه إلى الأكثرين، قال: بحيث يكفر مخالفه أو يضلل أو يبدع.
قلت: وفيه بحث, فإن دلالة الآية السابقة على حجته ظنية فقط، والحديث خبر آحاد، واستدل له بغيرهما, ولكن أضعف دلالة منهما، فأدلة حجيته ليست قطعية، إلّا أنه يُدَّعَى أن مجموعها يفيد قطعًا ولا يسلَّم، فكيف يكون قطعيًّا، وكيف يقدَّم على القطعي من الأدلة، وقال الرازي والآمدي: لا يفيد إلّا الظن، ومنهم من جعله مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكِتَاب والخبر المتواتر، وإجماع مَنْ بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والمسألة محلها الأصول، وألحق به مالك إجماع أهل المدينة، قال: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم. ورآه حجة، ويأتي في ترجمة مالك بسط لذلك إن شاء الله. وتقدَّم في ترجمة مادة الفقه كلام على مرتبة الإجماع فارجع إليه.
__________
1 هو أحمد بن الحسين بن سهل من كبار الشافعية، قيل: توفي سنة 305هـ.
2 لعله شمس الدين أبو عبد لله محمد بن محمود شارح المحصول، ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي "8/ 100".
(1/126)

القياس
مدخل
...
القياس:
هو إلحاق فرع بأصل لمساواته له في علة حكمه؛ كإلحاق النبيذ بالخمر في الحرمة, ووجوب حد شاربه لمساوته له في الإسكار، ولا يكفي وجود الجامع بين الأصل والفرع، بل لا بُدَّ في اعتباره من دليل يدل عليه من نصٍّ أو إجماع أو استنباط, ولذلك احتاجوا في مسالك التعليل العشرة المقررة في الأصول.
وقد أنكره ابن مسعود من الصحابة، وعامر الشعبي من تابعي الكوفة، وابن سيرين من تابعي البصرة، نقله ابن عبد البر والدارمي عنهم وعن غيرهم، خلافًا لقول ابن بطال1: أول من أنكره النَّظَّام, وتبعه بعض المعتزلة وداود الظاهري, على أن داود لا ينكر الجلي منه ولا منصوص العلة، وإنما الذي أنكره هو ابن حزم من أصحابه، وادَّعى الشيعة وقوم من المعتزلة استحالة التعبد به عقلًا، وكل ذلك مردود، فإن الصحيح ومذهب الجماهير من علماء الإسلام على العمل والتعبد به شرعًا، فقد قاس الصحابة والتابعون ومن بعدهم علماء الأمصار، وقد جاء العمل به في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وأرشد القرآن إليه، قال تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار} 2، والاعتبار قياس الشيء بالشي.
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} 3. فهذه الآية وقع فيها الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث بالقياس على النشأة الأولى، وهو قياس في الأصول المعتقدة التي يطلب فيه القطع، ففي الفقه الذي يكتفي فيه بالظن من باب أولى، وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 4، أمرهم أن يردوا ما أشكل عليهم إلى الرسول, فإن لم
__________
1 لعله سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي، ت سنة 404هـ.
2 الحشر: 2.
3 الواقعة: 58-62.
4 النساء: 83.
(1/127)

يكن موجودًا, فإلى أولي الأمر منهم؛ العلماء وخص المجتهدين وهم أهل الاستنباط، وأول باب في الاستنباط وأعلاه هو القياس، وتقدَّم في ذلك في كلام ابن رشد في مادة الفقه، ومن الآيات الدالة على مشروعية القياس قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} 1. حمل جمهو رالأمة الميزان على القياس، والآيات الدالة على ذلك كثيرة, وقد استوعب ابن القيم في أعلام الموقعين كثيرًا منها, فانظره أثناء شرحه لكتاب سيدنا عمر، وأنشد ابن عبد البر لأبي محمد اليزيدي2 من أبيات طويله في إثبات القياس:
لا تكن كالحمار يحمل أسفا ... رًا كما قد قرأت في القرآن
إن هذا القياس في كل أمر ... عند أهل العقل كالميزان
لا يجوز القياس في الدين إلا ... لفيه دين صوّان
ليس يغني عن جاهل قول راوٍ ... عن فلا وقوله عن فلان
إن أتاه مسترشد أفتاه ... بحديثين فهما معنيان
إن من يحمل الحديث ولا يعرف ... فيه المراد كالصيدلاني
حكَّم الله في الجزاء ذوي عد ... ل لذي الصيد بالذي يريان
لم يوقِّت ولم يسمّ ولكن ... قال فيه فليحكم العدلان
إسوة في مقالة لمعاذ ... إقض بالرأي إن أتى الخصمان
ولذا في النبي صلى عليه الله ... والصالحون في كل أوان
قس إذا أشكلت عليك أمور ... ثم قل بالصواب والعرفان
وقوله: لا يجوز القياس في الدين "إلخ", يشير إلى ما قاله الشافعي: لا يجوز لأحدٍ أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب3.
__________
1 الحديد: 25.
2 يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي: ت سنة 202 هـ.
3 الرسالة ص510.
(1/128)

وحقيق بمن أقيم في هذا المنصب الخطير أن يُعِدَّ له عدته, وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم أنه مبلغ عن الله بمنزلة الوزراء الموقعين عن الملوك, وله المثل الأعلى, ولذا ورد في الحديث: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" 1.
وقد تولى الله الإفتاء بنفسه في غير ما آية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} 2، {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} الآية3.
ويأتي لنا في الخاتمة ما يُشْتَرط في المفتي والمجتهد, وما هي الصفة التي يتحقق به وجوده, وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه إلى القياس، ففي الصحيح أن رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله, وُلِدَ لي غلام أسود، وإني أنكرته، فقال: "هل لك من إبل"، قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر, قال: "هل فيه من أورق؟ " قال: نعم, قال: "فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعة عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعة عرق" 4. ففي الحديث إرشاد له أن يقيس مخالفة لون ولده له على مخالفة لون ولد الجمل لوالده, وهو قياس الشبه، قال في المستصفى: ما من مفتٍ إلّا وقد قال بالرأي, ومن لم يقل به فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد, ولم يعترض عليهم في الرأي, فانعقد إجماع قاطع على جواز القول بالرأي5.
وهو إجماع مبحوث فيه بالخلاف السابق، وقال في المستصفى أيضًا: لا يظن بالظاهري المنكر للقياس إنكار المعلوم والمقطوع به, ولعله ينكر المظنون منه.
__________
1 الدارمي عن عبد لله بن أبي جعفر مرسلًا "ج1/ 53"، قال في كشف الخفاء: رواه ابن عدي عن عبد الله بن جعفر مرسلًا "ج1/ 51".
2 النساء: 176.
3 النساء: 127.
4 البخاري في المحاربين "ج8/ 215"، ومسلم في اللعان "ج4/ 211"، وأبو داود في الطلاق "ج2/ 278"، والنسائي في الطلاق "ج6/ 164".
5 المستصفى "ج2/ 245".
(1/129)

هل استعمل الصحابة القياس في العهد النبوي:
نعم: استمعله الصحابة، وأقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنْ كان قياسهم صحيحًا، وقدح فيما وجد فيه قادح، قال ابن عقيل الحنبلي1: قد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله, وهو يفيد القطع.
ففي زمنه -عليه السلام- تقرر القياس وأصوله مع قوادحه، فنستنتج من مبحث القياس والأصول الثلاثة قبله أن نظام الفقه كمل كله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتمام أصوله الأربعة، وسنفرد ترجمته للأصل الخامس, ووجوده في العهد النبوي على الجملة، فلم يبق إلّا التفريع والاستنباط منها، ولنأت بعض الشواهد التي حضرتنا الآن على استعمال الصحابة للقياس في عهده -عليه السلام:
الأول: حكَّمت بنو قريظة سعد بن معاذ فحكم بأن تقتل مقاتلتم وتسبى نساؤهم وذراريهم, فقال له -عليه السلام: "حكمت فيهم بحكم الله" رواه الشيخان2، وحكمه هذا من القياس, قاسه على المحاربين المذكورين في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، بجامع الفساد لموالاتهم قريشًا في وقعة الأحزاب, ونقضهم العهد, ويحتمل أن يكون قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم, وأمروا بقتلهم، وكان إذ ذاك لم ينسخ بقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 3.
الثاني: تمرغ عمَّار بن ياسر بالتراب حين أصبح جنبًا في سفر, وصلَّى بذلك التيمم, أما عمر الذي كان مرافقًا له فلم يتمزغ ولم يصل, ولما قدما وسألا النبي -صلى الله عليه وسلم, قدح في قياس عمار الطهارة الترابية على المائية في تعميم البدن، بأنه فاسد الوضع لوجود النصِّ لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} 4 مشيرًا له إلى أن الملامسة المراد بها ما يعم الجماع أو هي هو. وقال له: "يكفيك
__________
1 عليّ بن عقيل بن محمد بن الوفاء البغدادي الحنبلي, ت سنة 513هـ، ترجم له المؤلف في القسم الرابع في مشاهير الحنابلة بعد القرن الرابع.
2 البخاري في بدء الخلق "ج5/ 143"، ومسلم في الجهاد والسير "ج5/ 160".
3 محمد: 4.
4 المائدة: 6.
(1/130)

أن تفعل هكذا" , وبيَّنَ له كيفية التيمم, وأنه لا فرق فيه بين أن يكون عن حدث أكبر أو أصغر, خلاف ما فهم عمر في الملامسة أنها مقدمة الجماع فقط, فلا يكفي في الجماع إلّا الغسل على فهمه, والقصة في الصحيح1.
الثالث: في النسائي, جاء رجل من البحرين لابسًا خاتم ذهب، فقال له -عليه السلام: "في يدك جمرة من نار"، فقال: لقد جئنا بجمر كثير, فقال له -عليه السلام: "إن ما جئت به ليس بأحزأ عنا من حجارة الحرة, ولكنه متاع الدنيا" 2.
فبيَّن له فساد قياسه, وأشار إلى أن هناك فرقًا بين الذهب الملبوس الذي قُصِدَ به الزينة, وبين ما هو محمول معَدٌّ لضرورة المبادلة, وإن كان الكل أصله من تراب الأرض أشبه بحجارة الحرة وهي حجارة سود متراكة خارج المدينة المنورة.
الرابع: تيمم عمرو بن العاص جنبًا وصلَّى إمامًا بالصحابة في غزوة ذات السلاسل, ولما قدموا وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- عاتبه على إمامته بهم وهو جنب, ولم يأمر أحدًا منهم بالإعادة, والقصة في الموطأ3. والواقع من عمرو قياس حال الإمام على حال الفذِّ, فأشار له -عليه السلام- إلى أنه قياس مع وجود الفارق, وأنه قياس الأعلى على الأدنى, ولم يأمره بالإعادة, فدلَّ على أن الحكم الكراهة فقط.
الخامس: قضية أبي سعيد الخدري في الصحيح, حيث رقى ملسوعًا بسورة الفاتحة, وأخذ على ذلك جعلًا من غنم, قياسًا على الجعل في غير الرقية, فلما قدموا وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"
وسلم له ما استنبط من القياس4.
__________
1 متفق عليه: البخاري في باب التيمم "ج1/ 89"، ومسلم "ج1/ 193".
2 النسائي في الزينة "ج8/ 153".
3 قصة عمرو بن العاص أخرجها البخاري تعليقًا "ج1/ 91"، وأبو داود "ج1/ 92"، وليست في الموطأ.
4 البخاري في الطب "ج7/ 170"، ومسلم في السلام "ج7/ 19".
(1/131)

الفرق بين تخريج المناط وتحقيق المناط وتنقيح المناط
...
الفرق بين تخريج المناط وتحيق المناط وتنقيح المناط:
إذا تأمت هذه الأقيسة التي تلونا عليك وجدت محلَّ الاجتهاد فيها تخريج مناط الحكم، وهو استنباط الوصف المناسب من النصِّ ليجعل مدارًا للحكم.
وهذا هو الذي منعته الشيعة ومعتزلة بغداد والظاهرية، كاستنباط أن الإسكار هو علم تحريم شرب الخمر الوادر في النص، فنحن نستنبط المناط بالرأي فنقول: حرَّمه لكونه مسكرًا وهو العلة, فنقيس عليه النبيذ، أما تحقيق مناط الحكم وتنقيح مناطه فلا خلاف بين الأمة في جوازهما ووقوعهما:
الأول: أن يقع الاتفاق على عليية وصف بنص أو إجماع فيجتهد في وجودها في صورة النزاع، كتحقيق أنت النَّبَّاش سارق بأنه وجد منه أخذ المال خفية وهو السرقة فيقطع, وهذا لاشك أنه من الاجتهاد، قال الغزالي: وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف بين الأمة فيه, والقياس مختلف فيه, فكيف يكون هذا قياسًا.
ومن هذا الاجتهاد في تقدير المقدرات كمثلية جزاء الصيد, فإن مناط الحكم وهو إيجاب المثل معلوم من النص, قال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} 1, وتحقيقه هو الحكم بأن البقرة مماثلة لحمار الوحش فينتظم الاجتهاد من أصلين، لا بُدَّ من المثل -وهذا معلم بالنص, وكون البقرة مثلًا، وهذا منظون، وهكذا قيم المتلفات، وقدر الكفاية في النفقات، وكون هذه الجهة في هذا المسجد هي القبلة, ولا خلاف بين الأمة أن هذا النوع من الاجتهاد موكول لأربابه في كل زمان وكل مكان. لا قائل بتحجيره, ولا يتصور خلو الزمان النبوي عن مثله، فقد كانت الصحابة تذهب للبعوث والولايات في الآفاق، فغير ممكن عدم
__________
1 المائدة: 95.
(1/132)

عملهم بمثل ما ذكر، أو توقفهم في كل جزئية على النصِّ الخاص بها.
الثاني: هو تنقيح المناط أن يدل دليل على التعليل بوصف, فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد, ويناط الحكم بالأعم, أو تكون أوصاف فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد, ويناط الحكم بالباقي، وحاصله أنه الاجتهاد في الحذف لبعض الأوصاف, وتعيين البعض للعلِّيَّة، بأن تكون الأوصاف المحذوفة لا دخل لها في العلِّيَّة فيتعيِّن حذفها عن درجة الاعتبار ليتسع الحكم، مثاله:
إيجاب العتق على الأعرابي الذي وقع على أهله في رمضان، فإنَّا ننظر في هذا الحكم فنجده متعلقًا بمن وقع منه الجماع وهو الأعرابي, ومن وقع عليه وهو الزوجة, ونفس الجماع، وزمان الوقاع، وهو ذلك الرمضان, فنحلق بالأعرابي أعرابيًا آخر بقوله -عليه السلام: "حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة"1، أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص، بل نلحق التركي والعجمي به أيضًا, لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع أعرابي، ونلحق به مَنْ أفطر في رمضان آخر, لأنا نعلم أن المراد هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يومًا آخر من ذلك الرمضان، ولو وطأ أمته لأوجبنا عليه الكفارة؛ لأنا نعلم أن كون الموطوءة زوجة لا دخل له في الحكم، بل يلحق به الزاني لأنه أشد في هتك الحرمة، بل والاستمناء باليد؛ لأن المقصود هتك حرمة الشهر، فهذا تنقيح المناط بحذف ما عُلِمَ أنه لا دخل له في التأثير, وليس هذا من السبر والتقسيم الذي تحصر فيها الأوصاف, ثم يبطل منها ما لا يصلح للعلِّيَّة بطرقه فتتيعن العلة، بل في هذا تعيين الفارق وإبطاله. قال الغزالي: ولا نعرف بين الأمة فيه خلافًا. ونازعه العبدري بأن من ينكر القياس ينكره لرجوعه إليه, وهذا النوع مما لا شك في وقوعه في الزمن النبوي أيضًا بكثرة. نعم, قد يتردد بعض الأوصاف بين كونه طرديًّا أو مؤثرًا كالأكل والشرب في نهار رمضان؛ إذ يمكن أن يقال: مدار الكفارة إفساد صوم الفرض، وذلك كما يحصل بالجماع يحصل بالأكل والشرب، ويمكن أن يقال: إن النفس لا تنزجر عند هيجان الشهوة للجماع
__________
1 ليس له أصل، وروى الترمذي بمعناه حديث أميمة بنت رقيقة في باب بيعة النساء من السير, ولفظه: "إنما قولي لمائة أمرأة كقولي لامرأة واحدة" "ج4/ 151"، ورواه أيضًا النسائي في البيعة "ج7/ 134"، ويأتي كلام المصنف على الحديث الذي ذكره في القسم الثاني من الكتاب.
(1/133)

لمجرد الوازع الديني, فيحتاج إلى كفارة بخلاف الأكل والشراب.
ومن ذلك أيضًا حديث الصحيح: سئل -عليه السلام- عن فأرة سقطت في سمن فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه" 1، فالفأرة وصف خاصٌّ, لكن لا عبرة بخصوصه, بل المعنى الذي أوجب ضياع المال وقوع نجس فيه, ولا خصوصية للسمن بل كل مائع، وضابطه أن يترادَّ بسرعة إذا أخذ منه شيء، وكونه مائعًا ورد التقييد به في بعض طرق الحديث عند أبي داود والنسائي، وكون راويه وهو الزهري لم يقل بالتقييد لا يضرنا؛ إذ حجتنا فيما روى لا فيما رأى، على أن الرواية المطلقة فيها ما يدل على التقييد وهو قوله: "ألقوها وما حولها" فلا يكون لها حول إلا إذا كان جامدًا, ولو كان مائعًا لم يكن له حول؛ لأنه لو نقل من أي جانب لخلفه غيره في الحال, فيصير الكل حولًا لها فيلقى جميعه، وفي رواية الدارقطني فيقوَّر ما حولها2، وجاء ابن حزم فخصَّ الحكم بالفأة, فلو وقع خنزير عنده لم ينجس إلّا بالتغير3، وقال أحمد: إن المائع إذا حلَّت فيه نجاسة لا ينجس إلا بالتغير، واختاره البخاري وابن نافع المالكي4، أما السمن فلم يفرق أحمد بينه وبين العسل مثلًا, مما هو مثله في الجمود, أما إذا وقعت الفأرة ولم تمت وخرجت حية, فاتفقوا على أنها لا تضر ما لم تنجس, ووقعت رواية لمالك بعدم التقييد بالموت، فالتزم ابن حزم الذي يقول بعدم حمل المطلق على المقيد, بأن الفارة توثر ولو خرجت حية.
فهذان مثالان من تنقيح المناط, وههنا يحتاج الفقيه إلى مزيد فكر, ويمكن أن يخرج على ذلك ما قدح به -عليه السلام- في قياس معاذ في التمزغ بالتراب, وقضية عمرو بن العاص, فتأمل ذلك والله أعلم لا رب غيره.
__________
1 أخرجه البخاري في الوضوء "ج1/ 65"، وأبو داود في الأطعمة "ج3/ 364"، والترمذي "ج4/ 291", والنسائي "ج7/ 157".
2 سنن الدراقطني "ج4/ 291".
3 المحلى "ج1/ 175" المسألة رقم "136".
4 ابن نافع عند المالكية اثنان: الصائغ: وهو عبد الله بن نافع أبو محمد، وهو أثبت في مالك, ويروي عنه سحنون، والزبيري وهو عبد الله بن نافع الأصغر أبو بكر. الديباج المذهَّب "1/ 409، 411".
(1/134)

هل وقع القياس منه -عليه السلام:
هذه المسألة مبنية على مسألة أعمَّ منها وهي: هل اجتهد -عليه السلام، أم لم يجتهد, لعدم احتياجه إليه بالوحي، ولقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 1 والأصحُّ كما في جمع الجوامع أنه يجتهد, وأن اجتهاده لا يخطيء, وأنه يفوض إليه فيقال: احكم بما تشاء, ومما هو صريح في اجتهاد -عليه السلام:
1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} 2.
2- ومن اجتهاده -عليه السلام- نزوله في بدر دون ماء, فقال له الخباب بن المنذر: هل بوحي أو برأي؟ فقال: برأي، لأنه رأى أن منعهم من الماء كمنع الحيوان منه، وتعذيب الحيوان به لا يجوز، وقد جبل على الشفقة -صلى الله عليه وسلم, فقال الخباب: الرأي أن نمنعهم من الماء, يعني: لأن منعهم من الماء من مكيدة الحرب وأسباب النصر، والحربي ليس بمحترم حتى يكون منعه من الماء ممنوعًا, فذلك من القياس أيضًا أن يكون من الاستدلال الآتي:
3- ومنه قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} 3, عوتب على الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن تبوك ,ولا معنى لأن يعاتب عَمَّا نزل به وحي, وإنما هو اجتهاد.
4- ومنه قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} 4 عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء اجتهادًا, عملًا بعموم العفو والصفح المأمور به قبل نزول آيات القتال، وحملًا لآيات القتال على ما قبل الأسر، ولحاجة المسلمين إلى المال الذي يقويهم، وعملًا بمقتضى مكارم الأخلاق من العفو عند المقدرة.
5- ومنه حديث الصحاح في صلاته -عليه السلام- على عبد الله بن أُبَيّ بن سلول المنافق، فقال له عمر: أتصلي عليه، وقد نهيت عن الصلاة عليهم؟
__________
1 النجم: 4.
2 التحريم: 1.
3 التوبة: 43.
4 الأنفال: 67.
(1/135)

فنزل قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} 1 الآية. ولعل مراد عمر بقوله: وقد نهيت، النهي عن الاستغفار في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} 2, فقاس الصلاة على الاستغفار, إما مساواةً أو أحروي، أو رأى أن الاستغفار داخل في صلاة الجنازة؛ لأنها دعاء فتناولها العموم، فنزل القرآن بتصويبه، أما قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم} الآية. فإنما نزلت بعد سبب هذه القصة.
ومن التفويض له -عليه السلام- بأن يقال له احكم بما تشاء قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 3، وحديث النسائي وغيره: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة 4 حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعونه فلا يضر أولادهم5".
2- ومنه أيضًا حديث الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عن كل صلاة" 6.
3- ومنه أيضًا: حديث الصحيح: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" 7.
4- ومنه أيضًا: حديث السائل عن الحج هل يجب كل عام؟ فقال -عليه السلام: "لا، لو قلت: نعم لوجب ولم تقدروا عليه, دعوني ما تركتكم, فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" وهو في الصحيح أيضًا8.
5- ومنه حديث الصحيح في حرمة مكة حيث قال: "لا يعضد شجرها" فقام العباس وقال: "إلا الإذخر9.......................................
__________
1 التوبة: 84.
2 التوبة: 113.
3 النساء:105.
4 الغيلة بكسر المعجمة, والغيال: إرضاع المرأة ولدها وقت الحمل.
5 النسائي في النكاح "ج6/ 88".
6 مسلم في الطهارة "ج1/ 151".
7 البخاري في الحج "ج2/ 179"، ومسلم "ج/ 97". 8
8سبق تخريجه ص29.
9 قال المؤلف -رحمه الله: الإذخر -بكسر الهمزة فذال معجمة فخاء معجمة مكسورة: نبات معروف بالحجاز.
(1/136)

فقال -عليه السلام: "إلا الإذخر" 1.
6- ومنه حديث الصحيح عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم فتحوا خيبر أوقدوا النيران، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "على ما أوقدتم هذه النيران" قالوا: لحوم الحمر الإنسية، قال: "أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها"، فقام رجل من القوم فقال: نهريق ما فيها ونعسلها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أو ذاك" 2. غلظ أولًا عليهم بكسر القدور حسمًا للمادة, فلما سلموا الحكم وضع عنهم الإصر ورخَّص لهم في غسلها.
7- ومن القياس قوله -عليه السلام- للمرأة التي قالت: يا رسول الله, إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها، فقال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته, أكان يجزي عنها" قالت: نعم، فقال: "فدين الله أحق أن يقضي".
والقصة في الصحيح3.
8- وقوله للرجل الذي قال: أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها؟ فقال: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليها وزر"؟ قال: نعم، قال: "فذكلك إذا وضعها في حلال كان له أجر" 4.
9- وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 5.
10- وقال لعمر وقد قَبَّل امرأته وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء" 6.
11- وقال للذي أنكر ولده الذي جاءت امرأته أسود: "هل لك من إبل
__________
1 البخاري "3/ 18"، ومسلم "4/ 109".
2 البخاري في بدء الخلق "ج5/ 166"، ومسلم في الجهاد والسير "ج5/ 185".
3 البخاري "ج3/ 46"، ومسلم "ج3/ ص155".
4 سبق تخريجه ص22.
5 هذا اللفظ في مسلم "ج4/ 164"، وورد لفظ: "إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" من حديث عمرة بنت عبد الرحمن في الصحيحين: البخاري "ج7/ 11"، ومسلم "ج4/ 162".
6 أبو داود "ج2/ 311".
(1/137)

حمر فيها أورق"؟ قال: نعم. قال: "فمن أين؟ " قال: لعله نزعه عرق.
قال: "وهذا لعله نزعه عرق" 1.
وقد صنَّف الناصح الحنبلي في أقيسته -عليه السلام2، وهذه التي ذكرنا جلها في الصحاح, ولا يقال: إن ما وقع فيه العتاب لا معنى لحمله على الوحي, وبعضها أرشد فيه إلى التعليل، وما بيَّن تلك العلل إلا تنبيهًا على القياس وتشريعًا وتدريبًا, وإلا كان عبثًا وتطويلًا.
وقيل: إنه -عليه لسلام- لا يجتهد لقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} 3. وغير خفي أنه لا دليل في الآية على النفي؛ لأن المنفي تبديل القرآن، والاجتهاد ليس تبديلًا بل هو اتباع واستنباط من الوحي, وقيل: يجتهد في الآراء والحروب لا في الأحكام، والصواب أن اجتهاده -عليه السلام- لا يخطئ، وقيل بالإثبات, ولكن لا يقر على باطل, بل يقع التنبيه على الخطأ حينًا.
حكمة اجتهاده -عليه السلام:
من حكمته تعليم الأمة وتدريبها على الاجتهاد في الأحكام, واستنباط الأحكام التي تناسب كل مكان وزمان، وعدم الجمود على ظواهر النصوص؛ لأن ذلك عائق عن الترقي والتطور في أطوار تناسب الزمان والمكان، ومن حكمة الخطأ في اجتهاده على القول به, وإن كان شاذًّا أن لا تتسرع الأمة بالتنديد على العلماء الذين يقع منهم الخطأ؛ لأن الاجتهاد عرضة لذلك؛ فإن وقعوا في التنديد والتشنيع والتهديد انقطع الاجتهاد, مع أنه من مصالح الشريعة التي هي عامة لكافة الأمم, والتي هي مستمرة لا تنسخ, ولا يعقل استمرارها إلا إذا كان يتغير الكثير من أحكامها بتغير الأحوال, ولا يخفى أن الاجتهاد مقام عظيم وفيه ثواب جسيم، فلمن أخطأ أجر واحد، ولمن أصاب أجران, كما في الصحيح4،
__________
1 سبق تخريجه.
2 عبد الرحمن بن نجم الجزري السعدي العبادي, أبو الفرج ناصح الدين بن الحنبلي، ت ستة 634.
3 يونس: 15.
4 متفق عليه: البخاري في الاعتصام "ج9/ 132"، ومسلم في الأقضية "ج5/ 131".
(1/138)

فالقول بأنه -عليه السلام- لا يجتهد, يلزم عليه حرمانه -عليه السلام- من هذا المقام مع مخالفة الظواهر المتكاثرة, والظواهر إذا تكاثرت أفادت القطع.
القياس: هل دليل سمعي أو عقلي:
قالت المعتزلة: إن العقل له استقلال في استحسان الحسن، واستقباح القبيح, فيمكن أن يستقلَّ بتشريع الأحكام وإدراك الثواب والعقاب، وهو قول حائد عن الصواب، فإن الثواب والعقاب أمر غيبي تابع لرضى الرب وسخطه، ولا اطلاع عليه إلّا من قِبَلِ النبوة, ومن هذا فقد ادَّعى أن الإنسان يبصر في الظلام ويعقل وهو في الأرحام، نعم العقل يدرك حسن بعض ما هو حسن, وقيح بعض ما هو قبيح لا الكل، ويمدح على الأول ويذم على الثاني، فالحق أن القياس دليل سمعي ورد في القرآن والسنة كما تقدمت أدلته.
أصل القياس وأسرار التشريع:
إن الشريعة الإسلامي عامة لسائر الأمم والأزمان، ونظام للمجتمع العام، وما كان بهذه لمثابة فلا بُدَّ أن يكون منطبقًا على مصالح العباد، وراجعة إليهم وحدهم لا إليه تعالى؛ لأنه غنيٌّ عن العالمين.
لهذا كان أكثر أحكامها معقول المعنى، وقيل: كلها سواء في العبادات أو في المعاملات، وفي هذه أكثر وضوحًا؛ لأن القصد من تدخل الشرع في المعاملات صيانة الحقوق وحفظ المصالح, فلا بُدَّ من مراعاتها إذن في تلك الأحكام، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} الآية1.
فالشريعة روعيت فيها المصالح العامة والخاصة وحقوق التملك والحرية الشخصية والفكرية, حتى إنها لم تكلفنا إلا باعتقاد ما سلمه العقل، وقد روعيت فيها النواميس الطبيعية والقانون الطبيعي الذي جعله الله لسعادة البشر وارتقائه.
جاء الدين بتأييد قانون الفطرة، أعني القانون الطبيعي الذي هو حفظ الذات المبنيّ على جلب اللذات ودفع الألم، فطرة الله التي فطر الناس عليها،
__________
1 البقرة: 188.
(1/139)

إذ كل إنسان مجبول بفطرته على الجهاد في سبيل جلب المصلحة, أعني: اللذة, ودفع المفسدة وهي الألم. فجاء الشرع لتأييد ذلك, ولكن باعتدال بحيث لا يخرج إلى حب الذات، وهو عدم الاكتراث بصالح العموم، ثم أرشدنا إلى ما هي المصالح وما هي المضار, وإلى طريق الجلب والدفع؛ لأن الإنسان قد يغلط في الطرق الموصلة لها. فالشرع حكيم كالطبيب العارف بقوانين حفظ الصحة ودفع المرض, ودليل مرشد إلى ما هي اللذة الحقيقية, والطريق الحقيقي الموصل لجلبها فيأمر بها, ويرشد إلى القدر الذي لا يضر منها ليتناولها باعتدال؛ كإباحته الاكتساب, ونهيه عن الشره والجشع والغش والتدليس ونحوهما. وكإباحة التنعيم بالطيبات, ونهيه عن السرف، مثل الطبيب الذي ينهى عن الشبع خوف التخمة، ومرشد إلى ما هو الألم الحقيقي, والطريق الموصل إلى دفعه، وهذه المصالح هي حكم الأحكام المرتبة على العلل التي لأجلها شرع الحكم.
فمن أنكر القياس وزعم أن الشرع تعبدي كله, فقد عطَّل الحكمة ولم يفهم الشريعة حق فهمها, وجعلها شرع جمودًا وآصار، مع أنها موصوفة في القرآن بضد ذلك، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} 1، ويأتي مزيد بسط لهذا في ترجمتي أبي حنيفة وداود الظاهري, فهو تكملة لما هنا، وكفى ما تقدَّم لنا في مسألة النسخ والحكمة التي شرع لأجلها, ففي ذلك إرشاد إلى أن الأحكام روعيت فيها المصالح الراجعة إلى سعادة الأمة في الدارين معًا، قال تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} 2، ولهذا كان كثير من أحكام المعاملات يتغير بتغير الأحوال وتطور الأمة, كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. ومن هنا جاءت المصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرهما مما يأتي، ولهذا نظر أولوا البصائر من علماء الشرع في الأحكام كي يجدو لها عاملًا، فما وجدوه بطريق النصِّ أو الإجماع أخذوه, وإلا استنبطوا من الاقتضاءات والإيماءات، والسبر والقسيم. والإخالة والمناسبة التي هي الملايمة للطبع بجلب لذة أو دفع أمل مما هو من مقاصد الشرع، التي تنقسم إلى ضروري وحاجي وتحسيني، فإن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هو في رتبة الضرورات، وإلى ما هو في رتبة الحاجيات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات،
__________
1 الأعراف: 157.
2 القصص: 77.
(1/140)

الشريعة الإسلامية ديموقراطية
...
الشرعية الإسلامية ديموقراطية 1:
زعم بعض العصريين أنها أريستوقرطية2 مستدلًا بأحكام الأرقاء, وهو غلط, فإنها ما جوزت استرقاق أسرى الحرب إلّا من باب مجازاة أمم ذلك الزمان بالكيل الذي تكيل به جريًا على عادتهم, بدليل أن الاسترقاق ليس بواجب, بل الإمام مخيَّر بين المنِّ أو الفداء أو الاسترقاق أو القتل, كي يجازي المحاربين بمثل ما يعملون أن يستحقون، والشارع متشوّف للحرية, مرغِّب فيها بأنواع الترغيب، بل ألزم من أعتق جزءًا يسيرًا من رقيق أن يعتق باقيه إن وجد مالًا، فالشرع يزيل الرقِّية بأدنى سبب، فمن زعم أن شريعة الإسلام أريستوقراطية لم يصب, بل هي ديموقراطية حقة، بمعنى أنها بنيت على مبدأ العدل والمساواة في الحقوق بين طبقات الناس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} 3، وقال -عليه السلام: "كلكم من آدم وآدم من تراب" 4، وقال -عليه السلام: "والله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها" كما في الصحيح5. وحاشاها -عليها السلام.
وقد حكم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على جبلة بن الأبهم وهو ملك غسان بالقصاص من لطمة لطمها رجلًا سوقيًّا حتى أدَّى ذلك لردته, فمع هذه النصوص التي لا تقبل التأويل كيف يقال: إنها أريسقراطية.
وهل يوجد في الدول الديمقراطية من يعامل أهل الذمة بمعاملة الشريعة الإسلامية التي توصي بأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وخففت عنهم التجنيد
__________
1، 2" يأتي تعريفهما.
3 الحجرات:13.
4 عزاه في الجامع الصغير: "2/ 94" إلى البزار عن أبي حذيفة بلفظ: "كلكم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب" ونحوه عند أبي داود من حديث أبي هريرة "4/ 331". وعند الترمذي من حديث ابن عمر "5/ 389".
5 متفق عليه: البخاري "8/ 199"، ومسلم "3/ 114".
(1/142)

وجعلت بدله الجزية لئلَّا تكلفهم القتال على وطن غير وطنهم، وقال -عليه السلام: "من ظلم لي ذميًّا فأنا خصيمه يوم القيامة" 1، وفي آخر وصية أوصى بها: "استوصوا خيرًا بذمة الله ورسوله".
ومن الأدلة على أنها ديمقراطية بناؤها على الشورى ونبذ الاستبداد والسلطة الشخصية، ودليل بناءها على المساوة في الأحكام أن خطاباتها عامة للذكر والأنثى والحر والعبد, وأن كل خطاب فيها وأمر ونهي متناول للرسول فمَنْ دونه, إلا إذا قام دليل على استثناء أوخصوصية، والاستثناءات لا تنافي الديمقراطية؛ إذ لا يعقل تساوي أجناس الذكور والإناث في أحكام المني والحيض ونحو هذا، فالاستثناءات ضرورية لجميع الشرائع, ولا تنافي الديمقراطية ولا المساواة, يعلم هذا كل منصف2.
__________
1 أخرج أبو داود "3/ 171" عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, عن آبائهم دنية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" وانظر: اللآليء المصنوعة للسيوطي "2/ 140"، والمقاصد الحسنة للسخاوي "392".
2 الديمقراطية:" مصطلح سياسي, قالو في معناها أنها: حكومة الشعب، بمعنى أن تكون إرادة الشعب مصدر السلطة, ولاشك أنها بهذا تكون مخالفة للإسلام الذي يقوم بناءه على إعطاء الحاكمية لله وحده، ولها أشكال مختلفة، وطرائق متعددة، وتقابلها: الإرستقراطية, والتي تعني: حكومة الخواص، أو الطبقة المختارة، ولقائل أن يقول: إن الديمقراطية أمثل ما وصل إليهى فكر الإنسان من أنظمة سياسية وضعية، ولآخر أن يعدد نواقصها أو عيوبها أو مزاياها، ولكن ليس لأحد أن يخلط بينها وبين النظام الإلهي الكامل الممثَّل في الشريعة الإسلامية المنزلة, وإن كان بينة الدفاع عنها، ومن فعل ذلك فقد أساء إلى شريعة الله، ولم يلتزم جانب العلم والحكمة والحذر، وسترى مثالًا أوضح لاندفاع المصنف -عفا الله عنه- في المقارنة دون رويّة عند كلامه على أبي ذر الغفاري ويأتي، وإن كان يلوح من كلامه هنا أنه يعتبر الديمقراطية شعارًا عامًّا يعني: العدالة الاجتماعية والمساواة, والارستقراطية عكسها، "عبد العزيز القاريء".
(1/143)

الاستدلال في زمنه -عليه السلام:
تقدَّمَ أن الاستدال هو ما ليس بنصٍّ أو إجماع ولا قياس, وله أنواع خمسة:
التلازم بين حكمين:
هو نوعة الأول, وهو راجع في الحقيقة إلى الاستدلال بالأقيسة المنطقية الاقترانية والاستثنائية, ولا شك أن هذه المصطلحات لم تكن موجودة في العصر النبوي بهذه الكيفية الموجودة عند المناطقة، وإنما حدثت عند المسلمين بعد ما ترجموا كتب اليونان، لكنها أمور عقلية, معانيها مرتكزة في العقول السليمة, وإن لم يعبر عنها بالعبارات المصطلح عليها، وقد اختلفوا: هل الأشكال الأربعة عند المناطقة موجودة في القرآن أم لا؟ ومن أثبتها استدل بقصة إبراهيم -عليه السلام- في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} 1 الآية.
واستدل أيضًا بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 2, وبقوله تعالى: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} 3 الآية. إلى غير ذلك.
أما في الفقهيات فمدار احتجاج الصحابة وأهل الصدر الأول الذين لم تكن لديهم هذه المصطلحات على انبلاج الحجة وثلج الضمير, أو ظهور الأمارات على الحكم بوجود ما جعل علامة عليه، ولذلك لا يجد الباحث في استدلالهم تصريحًا بكونهم احتجوا بالشكل الأول أو الثاني مثلًا. نعم من شاء أن يستخرج ذلك بنوع تكلف فليس ببعيد الوجود، ويمكن أن يخرج على ذلك حديث الصحيح "ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم لله عليه فكل ليس الظُّفر والسن, وسأحدثكم
__________
1 الأنعام: 76.
2 الأنبياء: 22.
3 الأنعام: 91.
(1/144)

عن ذلك، أما السن فعظم, وأما الظفر فسُدَي الحبشة" 1, قال البيضاوي2: هو قياس حذفت مقدمته الثانية لشهرتها عندهم, والتقدير: أما السن فعظم, وكل عظم لا يحل الذبح به، وطوى النتيجة لدلالة الاسثناء عليها، قال ابن الصلاح3: هذا يدل على أنه كان -عليه السلام- قرر لهم أن لا تحصل به ذكاة، فلذلك اقتصر على قوله: "فعظم", قال: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل.
ويمكن أن يخرج على ذلك أيضًا حكم سعد بن معاذ, فيقال: بنو قريظة حاربوا, وكل من حارب تقتل مقاتلته, وتسبى نساؤه وذراريه, فتكون النتيجة: بنو قريظة تقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. دليل الصغرى نقضهم العهد وممالأتهم قريشًا على حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأحزاب، والكبرى ظاهرة، ويمكن أن يخرَّج على ذلك بعض القضايا السابقة أيضًا, وذلك غير خفي على من له معرفة بالمنطق، أما من ليس له به معرفة فلا فائدة في الإكثار عليه.
الاستصحاب:
هو النوع الثاني: وهو كما قال الزركشي4 أنواع:
الأول: استصحاب ما دلَّ العقل والشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العول المقتضى له، وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام، ودوام الحل في المنكوحات بعد تقرر النكاح، وهذا لا خلاف في وجوب العمل به.
الثاني: استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية، كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره؛ كنفي صلاة
__________
1 رواه الجماعة: البخاري في الذبائح:"7/ 118"، ومسلم في الأضاحي "6/ 78"، والترمذي في الأحكام "4/ 81"، وأبو داود "3/ 102"، والنسائي "7/ 199"، وابن ماجه "2/ 1061".
2 أبو الخير: عبد الله بن عمر البيضاوي. ت: 698، ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
3 أبو عمر عثمان بن الصلاح الموصلي. ت: 643، ترجم له المؤلف في القسم الرابع، وانظر طبقات الشافعية "8/ 326".
4 بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، ت ستة 794هـ. "الدرر الكامنة" "4/ 17".
(1/145)

سادسة، وهو استصحاب البراءة الأصلية الآتية، قال القاضي أبو الطيب1: وهذه حجة بالإجماع من القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع.
الثالث: استصحاب الحكم العقلي إلى أن يَرِدَ الدليل الشرعي، وهذا مذهب اعتزالي؛ إذ العقل يحكم عندهم في بعض الأشياء إلى أن يرد دليل الشرع، ولا خلاف بين أهل السنة في إلغائه في الشرعيات.
الرابع: استصحاب الدليل الشرعي مع احتمال المعارض؛ إما تخصيصًا إن كان الدليل ظاهري أي: عامًّا، وإمَّا نسخًا إن كان الدليل نصًّا, وهذا معمول به إجماعًا، لكن لا يمسي استحصابًا عند المحققين كإمام الحرمين، لأن ثبوت الدليل من حيث اللفظ لا من حيث الاستصحاب.
الخامس: استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع، وهو راجع إلى الحكم الشرعي، بأن يتفق على حكم في حالة, ثم تتغير صفة المجمع عليه فيختلفون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثاله: إذا استدلّ من يقول: إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة لا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل على أن رؤية الماء مبطلة، وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد؛ لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد, فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد، وهذا النوع هو محل الخلاف، فذهب القاضي والشيرازي2 وغيرهما إلى أنه ليس بحجة، قال أبو منصور3: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف، واختار الآمدي وابن الحاجب4 قول داود وغيره بالاحتجاج به، قال الشوكاني: وهو الراجح؛ لأن المتمسك بالاستصحاب باقٍ على الأصل, قائم قي مقام المنع، فلا يجب عليه
__________
1 طاهر بن عبد الله الطبري: ت سنة 450، ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
2 إذا أطلق القاشي عند الأصوليين فهو أبو بكر الباقلاني، ت: سنة 304هـ. والشيرازي هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي, صاحب "المهذب" في فقه الشافعية، ت ستة 472هـ، وقد ترجم لهما المؤلف في أواخر القسم الرابع.
3 عبد القاهر بن طاهر التميمي أبو منصور البغدادي، ت سنة 429هـ. "طبقات الشافعية للسبكي" "5/ 136".
4 الآمدي: هو سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد، ت سنة "464هـ"، وقد ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
(1/146)

الانتقال عنه إلّا بدليل يصلح لذلك, فمن ادعاه جاء به.
ولا يخفى أن النوع الأول والثاني من الاستصحاب لا يخلو منهما الزمن النبويّ، إذ هما ضروريان، بخلاف الثالث؛ لأن الصحابة ما كانوا يرون أن للعقل حكمًا في الشرعيات، أما الرابع فمهمًّا لا يخلو منه الزمن النبوي أيضًا، بخلاف الخامس؛ لأن الإجماع غير متصور في زمنه -عليه السلام.
شرع من قبلنا شرع لنا:
وهو النوع الثالث من الاستدلال، قال الحنفية: إنه من الأدلة الشرعية التي هو أصل الفقه ومادته، وقال القاضي عبد الوهاب1: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، واستدلوا له بقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} 2 وقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} 3 وبحديث الصحيح: "أنه -عليه السلام- كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء"4.
ولكنَّ هذا كله فيما بلغنا أنه شرع مَنْ قبلنا على لسان نبينا, أو ممَّن كان ثقة مأمونًا كعبد الله بن سلام, ولم يثبت نسخه ولا تخصيصه، وإلا فالقرآن رفع الثقة بكتبهم حيث قال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} 5 الآية. وقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 6, وتقدَّمَت الإشارة إلى هذا في أول القسم.
ومن وقوعه في الزمن النبوي ما ثبت في الصحيح: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء, فسأل عن ذلك فقالوا: يومًا نجى الله فيه موسى, فقال: "نحن أحق بموسى منهم, فصامه وأمر بصيامه" 7. وللمانع أن يدعيَ أن الصيام كان بوحي, ولكنه خلاف ظاهر القصة، ومنه قضية ابن عباس: أنه سجد
__________
1 عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي، ت سنة 422هـ، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
2 الأنعام: 90.
3 النحل: 123.
4 متفق عليه: البخاري في مناقب الأنصار "5/ 90"، ومسلم في الفضائل "7/ 83".
5 البقرة: 79.
6 المائدة: 48.
7 متفق عليه: البخاري في مناقب الأنصار "5/ 89"، ومسلم في الصوم "3/ 149".
(1/147)

في صلاة وقرأ قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} 1, فاستنبط التشريع من هذه الآية2.
ومن ملحقات هذه المسألة: هل كان -عليه السلام- متعبدًا قبل البعثة بشريعة إبراهيم، لما عرف في كتب السيرة من كونه -عليه السلام- كان كثير البحث عنها, عاملًا بما بلغ إليه منها، وأمر باتباعها بعد البعثة {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} 3 أو بشريعة آدم أو نوح أو غيره.
أقول: قال إمام الحرمين4: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة, بل هي مسألة تاريخية تحتاج إلى أن تؤيد بنقل صريح وأين هو؟ ونحوه للمازري5.
الاستحسان:
وهو النوع الرابع من الاستدلال، وقد اختلفوا في الاستحسان ما هو؟ كما اختلفوا في كونه حجة أم لا، فقال به الحنفية والحنابلة والمالكية، وأنكره الشافعي، حتى روي عنه أنه قال: من استحسن فقد شرَّع. مثاله: رشد اليتيم, قال الله فيه: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} 6 استحسن الحنفية أنه بلغ خمسًا وعشرين سنة فقد رشدن؛ لأنه مظنَّة الرشد, فيمكَّن من ماله، وخالف الشافعية والمالكية فقالوا: لا بُدَّ من ثبوته بالبينة كما هو مقتضى القياس، ومن ذلك أخذ ضامن درك العيب والاستحقاق بعد، والاستحسان يوجبه في حاضرة. القياس لا يوجبه لعدم وقوع استحقاق بعد, والاستحسان يوجبه عند مالك وغيره لضرورة تصوين أموال الناس وتسهيل معاملة البدوي، وقال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق الاستحسان المختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح للخلاف، لأن بعضها مقبول اتفاقًا وبعضها متردد بين
__________
1 الأنعام: 90.
2 البخاري في التفسير "6/ 155".
3 النحل: 123.
4 عبد الملك بن أبي محمد بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، ت سنة 478هـ، ترجم له المؤلف في القسم الربع.
5 محمد بن علي بن عمر التميمي المالكي، ت سنة 536هـ, ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
6 النساء: 6.
(1/148)

ما هو مقبول اتفاقًا وبين ما هو مردد اتفاقًا، فأما من عرَّفَه بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه, فإمَّا أن يكون انقداحه في نفس المجتهد بمعنى تحقق ثبوته، فعمله به واجب, وهو مقبول اتفاقًا، وإمَّا أن يكون بمعنى أنه شاكٌّ فيه, فهو مردود اتفاقًا، ولا تثبت الأحكام بالاحتمال والشك، وقال الغزالي1 في المستصفى: إنه هوس؛ لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال, أو تحقيق، ولا بُدَّ من ظهوره ليعتبر بأدلة الشرع لتصحيحه أو تزيفه2.
وأما من عرَّفَه كاللخمي3 في التبصرة بأنه: كون الحادثة مترددة بين أصلين أحدهما أقوى بها شبهًا أو أقرب إليها, والآخر أبعد, فيعدل عن القياس, على الأصل القريب إلى القياس على الأصل البعيد لجريان عرفه, أو ضرب من4 المصلحة, أو خوف مفسدة, أو ضرب من الضرر، كما نقله التسولي5 في الرهن، وكذلك من عرَّفه بأنه: العدول عن قياس إلى قياس أقوى، أو تخصيص قياس بأقوى منه؛ كتخصيص العرايا من منع بيع الرطب بالتمر، وهو معنى قول ابن العربي6 في الأحكام: اتفق المالكية والحنفية على أن الاستحسان الأخذ بأقوى7 الدليلين,..............................................
__________
1 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، ت سنة 505هـ، انظر ترجمته في القسم الرابع.
2 المستصفى "1/ 281".
3 علي بين محمد الربعي، فقيه مالكي. ت سنة 478هـ "الديباج المذَّهب" "2/ 104", قد ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
4 قال المؤلف -رحمه الله: مثاله: الطلاق بلفظ الثلاث، متردد بين أن يقاس على أمثاله من العقود كالبيع والنكاح, فيشترط في وقوعه توفر الشروط الشرعية, فلا يلزم منه الآن إلا ما ألزمه الشرع، فلا يقع إلا واحدة، وبين أن يقاس على الأيْمَان والنذور التي ما التزمه المكلف منها لزمه على أي صفة كان، فألحقه عمر بن الخطاب بالثاني, وإن كان الأول أقرب شبهًا لضربٍ من المصلحة.
5 عليّ بن عبد السلام التسولي، له كتاب البهجة شرح التحفة, في أحكام القضاء والوثائق، ت سنة 1258هـ, انظر ترجمته في القسم الرابع من الكتاب.
6 أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري المالكي، ت سنة 543هـ. انظر ترجمته في أوائل القسم الرابع من الكتاب.
7 قال المصنف -رحمه الله: يمثل له بالجد في الميراث تعارض فيه دليلان: الأول قيامه مقام الأب في عدم الاقتصاص منه لحفيده, وعتقه عليه وعدم شهادته له بإجماع، وهذه الأحكام تقتضي أن يكون أبًا يحجب الإخوة مطلقًا، وبه قال الصديق والحنابلة وأبو حنفية، =
(1/149)

ونحوه للباجي1, فهذا مقبول اتفاقًا ممن يقول بالقياس، قال ابن السمعاني2: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل, فهو بطل ولا أحد يقول به، وإن كان هو العدول عن دليل إلى دليل أقوى منه, فهو مما لم ينكره أحد, ثم ذكر أن الخلاف لفظي.
وقال الشيخ بناني3 في حواشي الزرقاني, أول باب الاستحقاق عن المراق ما نصه: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم.
وقال ابن رشد في سماع أصبع من كتاب الاستبراء: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أغلب من القياس, هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلوٍّ في الحكم ومبالغة فيه, 4 فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنًى يؤثر في الحكم, فيختص به ذلك الموضع، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام.
__________
= والثاني: أن ابن الأخ الذي يدلي بالأخ مقدَّم على العمِّ الذي يدلي بالجد بإجماع, وهذا يقتضي تقديم الإخوة عليه، إلّا الإخوة لأم, لكن عارضه أن الجد أب ما, وهو تعدد النسب، والأخ ليس بأصل ولا فرع, لذلك أعطيناه رتبة أعلى من الأخ, وأدنى من الأب, فيحجب الإخوة لأم إذ هم ذوو رحم من أصل، ويقاسم الأشقاء أو لأب إذا كانت المقاسمة خيرًا له، وإلّا تحافظنا له على الثلث مع عدم ذي الفرض, وعلى السدس أو ثلث الباقي إذا كان معهم ذو فرض يضيق عليه وعليهم، فهذا استحسان من زيد بن ثابت، وبه قال الشافعي ومالك على ضعف هذه الحجة وقوة الأولى نظرًا. فتأمله.
1 سليمان بن خلف الباجي الأندلسي، أخذ عن أبي الأصبغ وأبي محمد مكي وغيرهم, وروى عن الحافط أبي بكر الخطيب, وأخذ عنه ابن عبد البر، وبينه وبين ابن حزم مناظرات، قال القاضي عياض: حاز الرئاسة بالأندلس, فسمع منه خلق كثير, وتفقَّه عليه خلق, وممَّن تفقه عليه أبو بكر الطرطوشي، ت سنة 474هـ، الديباج المذهب" "1/ 37". وقد ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
2 أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار، ت سنة 489هـ. "طبقات الشافعية للسبكي" "5/ 335"، وانظر ترجمته في القسم الرابع من الكتاب.
3 محمد بن الحسن البناني الفاسي، ت سنة 1194هـ، ترجم له المؤلف في أواخر أصحاب مالك في القسم الرابع من الكتاب.
4 قال المؤلف -رحمه الله: مثاله الأخ الشقيق مع الأخوة لأم في الحمارية والمشتركة، فإن طرد القياس يؤدي إلى غلوٍّ في الحكم، هو حرمان الأشقاء مع أن الأم التي استحقَّ بها الأخوة للأم شاركوها فيها, وكونهم أبناء أبي الميت لا يزيدهم إلا قربًا، لذلك ألغينا هذا القياس لمعنى يؤثر في الحكم, وشاركوهم في الثلث, والشافعي يقول بهذا كمالك, فلزمه القول بالاستحسان, ولو سماه بغير اسمه.
(1/150)

ومن الاستحسان مراعاة الخلاف وهوأصل في المذهب، ومن ذلك قولهم في النكاح المختلف في فساده أنه يفسخ بطلاق, وفيه الميراث, وهذا المعنى أكثر من أن يحضر.
وأما العدول عن مقتضى القياس في موضوع من المواضع استحسانًا لمعنًى لا تأثير له في الحكم, فهو مما لا يجوز بالإجماع؛ لأنه من الحكم بالهوى المحرم بنصِّ التنزيل, قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} 1 الآية "بخ"2.
وقال ابن العربي في أحكام سورة الأنعام ما نصه, وبهذه الآية أعني قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ} 3 الآية. أنكر جمهور من الناس على أبي حنيفة القول بالاستحسان, فقالوا: إنه يحرّم ويحلل بالهوى من غير دليل, وما كان ليفعل ذلك أحد من أتباع المسلمين, فكيف أبو حنيفة وعلماؤنا من المالكية كثيرًا ما يقولون القياس كذا في مسألة, والاستحسان كذا. والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، وقد بينَّا ذلك في مسائل الخلاف، نكتته أن العموم إذا استمرَّ والقياس إذا اطَّرَد, فإن مالكًا وأبا حنفية يريان تخصيص العموم بأيّ دليل كان من ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة, ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس، ويرى مالك وأبو حبيفة تخصيص القياس ببعض العلة, ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصًا، ولم يفهما الشريعة من لم يحكم بالمصلحة, ولا رأى تخصيص العلة, وقد رام الجويني رد ذلك في كتبه المتأخرة التي هي نخبة عقيدته ونخيلة فكرته، فلم يستطع، وفاوضت الطوسي الأكبر 4 في ذلك وراجعته حتى وقف، وقد بينت ذلك في المحصول والاستيفاء بما في تحصيله شفاء، فإن قال أصحاب الشافعي: فقد تاخمتم هذه المهواة, وأشرفتم على التردي في المغواة, فإنكم زعمتم أن اليمين يحرم الحلال, ويقلب الأوصاف الشرعية, ونحن براء من
__________
1 ص: الآية 26.
2 اصطلاح يعني: باختصار.
3 الأنعام: 136.
4 لعله عبد الرزاق بن عبد الله بن علي بن إسحاق أبو المحاسن شهاب الدين الطوسي، كان قد تفقه على إمام الحرمين الجويني، ت بنيسابور سنة 515 هـ، "النجوم الزاهرة" "5/ 222", "طبقات الشافعية للسبكي" "7/ 168". "عبد العزيز القارئ".
(1/151)

ذلك. قلنا: هيهات ما حرمنا إلا ما حرم الله, ولا قلنا إلا ما قال الله, ألم تسمعوا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} 1.
قلت: إن الشافعي أيضًا لم يخل من الاستحسان، فقد ثبت عنه: أن أمد الحمل أربع سنين, مع أن القياس يقتضي أن يكون تسعة أشهر؛ لأنه غالب ما يقع، والشريعة جاءت بالحكم بالغالب، فقد حكمت بأن ثلاثة قروء جريًا على الغالب في استبراء الرحم بالحيض، مع اتفاقهم على أن الحامل قد تحيض نادرًا، وقال أبو حنفية: سنتان، وعن أحمد روايتان كالقولين، وروي عن مالك: خمس سنين, وبه الفتوى، وعنه أربع, وهما قولان مشهوران في المذهب, وروي عنه سبع سنين, وروى أشهب إلى أن تضع ولو طال ما طال, وصحَّحَه ابن العربي. وقيل: ست سنين، وقيل: ما يراه النساء, وقال الظاهرية ومحمد بن الحكم: تسعة أشهر تمسكًا بالغالب الذي هو القياس, ومستند الأقوال السبعة قبله هو الاستحسان محافظةً على النسب, وسدًّا للذرائع, وسترًا على النساء اللاتي يقعن في ذلك؛ لأن إثبات الزنا عليهن صعب كما أشار له القرافي في الفرق "175"2، فلهذا ترك الغالب, واعتبرت الصورة النادرة وإن لم يكن في المسألة نص من الشرع قاطع، وقول بعض الناس: إن نساء أوربا وأطباءها مجمعون على أن الجنين لا يمكن أن يمكث في البطن أكثر من تسعة أشهر وشيء يسير فغير مسلّم, فإن بعض أطبائهم قال بمثل ما يقول فقهاؤنا, فلا إجماع عندهم، سلمنا، فليس بحجة ولا من نوع الإجماع، بل هو استقراء ناقص لعدم تتبع نصف أفراد النساء, بل لا يتصور تتبع عشر العشر, وما لم يستقرأ فيه الأفراد فلا حجة فيه، على أن حجة الفقهاء في العمل بالنادرة قياسها على أقل الحمل, حيث اعتبر القرآن فيه النادرة احتياطًا, ولنا رسالة في المسألة.
ثم إن وقوع الشافعي في الاسحسان لعله هو الذي حمل ابن عربي في الفتوحات على تأويل مقالته السابقة على المدح فقال: مراده إن من حسن فقد
__________
1 التحريم: 1.
2 أحمد بن إدريس الصنهاجي المصري، أحد الأعلام من المالكية، له تصانيف كثيرة منها "الذخيرة" في فقه المالكية، "والأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام". ت. سنة 684هـ, ودفن بالقرافة بمصر "الديباج المذهب" "1/ 236", وترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
(1/152)

صار كنبيٍّ ذي شريعة, وأن أتباعه لم يفهموا كلامه على وجه, على أنها لا تحتاج إلى تأويل, وهي عندي محمولة على الاستحسان المحرَّم بإجماعهم, وسبق بيانه في كلام ابن رشد.
ومنه عندي استحسان المتنطعين أن يقطع المتسحِّر الأكل قبل الفجر بنصف ساعة فأكثر، لمخالفت لحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل, فلكوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، رواه مسلم1، وقد ورد تسحرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية2.
ومقتضى الحديث الأول أن الفصل بخمسين آية ليس بمطلوب، قال النووي: في الحديث الثاني الحث على تأخير السحور إلى قبيل الفجر, ومقدار قراءة خمسين آية أقل من خمس دقائق، ومنه أيضًا القيام عند ذكر الولادة النبوية مع ورود النصِّ, بل النصوص الصحيحة الصريحة بالنهي عنه، انظر رسالتنا "صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد"، ورسالتنا: "الحق المبين في الرد على من ردَّ عليها وهو صاحب حجة المنذرين"3.
الاستحسان في العصر النبوي:
يمكن أن يخرّج عليه حكم سيدنا عليّ لما كان في اليمن بين ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد بأن يقرع بينهم, فمن خرجت له القرعة لحق به الولد, وأدى
__________
1 متفق عليه: البخاري "3/ 37"، ومسلم "3/ 128".
2 متفق عليه: البخاري "3/ 37"، ومسلم "3/ 131".
3 أخرج الترمذي "5/ 9"، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم, قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
قلت: وكيف لا يكرهه -صلى الله عليه وسلم- وقد نهى عنه وقال: "من أحب أن يتمثَّل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الترمذي "5/ 9" وأبو داود "4/ 358"، إلّا أنه: "يمثل" بدل: "يتمثل" فقيام المبتدعة عند ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفلات الموالد مخالفة صريحة للسنة النبوية, وإصرار على ما كان يكرهه النبي -صلى الله عليه وسلم.
(1/153)

للآخرين ثلثي الدية, وصوَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- حكمه، روى القصة الإمام أحمد في مسنده من طريق زيد بن أرقم وأبو داود والنسائي1، وقد ورد في أعلام الموقعين.
__________
1 أخرجه أبو داود "2/ 281"، والنسائي 6/ 150"، وأحمد "4/ 374".
2 "2/ 62".
(1/154)

المصالح المرسلة:
هي من جملة ما دخل في الاستدلال بل في الاستحسان منه، وتقدَّمَ تعريف المصلحلة في أصل القياس وأسرار التشريع، والمراد هنا مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها, وتقدَّمَ أنها أقسام ثلاثة: ضرورية، وحاجية، وتحسينة، والمراد هنا ما كان واقعًا في رتبة الضرورة, وهو المحافظة على الدين أو النفس أو العقل أو النسب أو المال أو العرض؛ لأن ما دون ذلك كله من الحاجيات أو التحسينات. وكل ما كان منها فلا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أن يجري مجرى الضرورات, فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد الشرع فهو كالاستحسان، أما إن اعتضد بأصل فهو قياس, ثم إن ما كان في رتبة الضرورات فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع معين.
ومثاله: إن الكفار إذا تترَّسُرا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كفننا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهل القطر الإسلامي أو الجيش الذي هو الساعد المدافع, ويقتلون الأسرى أيضًا, ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا, وهم معصوموا الدم, ولا دليل في الشرع يبيحه, فيجوز أن يقول قائل: الأسرى مقتولون على كل حال, فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن قصده تقليل القتل, كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل, فهي مصلحة عُلِمَ بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر, مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، لكنها توفرت فيها شروط: ضرورية، وقطعية، وكلية لأهل القطر كله بها قطعًا كما في جمع الجوامع.
فلو تترَّسُوا في قلعة فلا يجوز الرمي إذ ليس من الضروري فتح قلعة, وأيضًا
(1/155)

ليس حصول المصلحة فيها قطعيًّا، وكذلك جماعة في سفينة لو رمو ثلثهم لنجوا وإلا غرقوا كلهم، فهذه ليست كلية لانحصار عددهم، وليس كاستيصال كافة القطر, ولعدم تعين الثلث بعينة, بل على الشياع إلا بالقرعة, ولا أصل لها هنا فصبرهم واجب، وأما ما نقله إمام الحرمين عن مالك من أنه يجيز قتل الثلث من الأمة لاستصلاح الثلثين فقد أنكر نسبته إلى الإمام, كما في حواشي البناني على الزرقاني، وفي المصالح المرسلة نزاع كبير, نسبوا إلى مالك أنها من أصول مذهبه, والجمهور على خلافه، وقال الزركشي1: إن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، قال الخوارزمي2: هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد على الخلق.
ويشترط رابعًا أن يعلم كونها مقصوة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع, إلّا أنها لم يشهدلها أصل معين باعتبار, وإنما يعلم كونها مقصودة لا بدليل واحد بل بمجموع أدلة وقرائن أحوال وأمارات متفرقة، ومن أجل ذلك تسمَّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها إلّا عندما تعارضها مصلحة أخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين نظير ما تقدَّم في الاستحسان.
قال ابن دقيق العيد3: الذي لا يشك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع, ويليه ابن حنبل, ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة, ولا أنكر على من اعتبر أصل المصالح المرسلة, لكن تحقيقها محتاج إلى نظر سديد, والاسترسال فيه ربما يخرج عن الحد، وقد نسبوا إلى سيدنا عمر -رضي الله عنه- أنه قطع لسان الحطيئة بسب الهجو, فإن صح ذلك فإنه من باب العزم على المصالح المرسلة, وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة، وهذا يجر إلى النظر فيما يسمَّى مصلحة مرسلة، قال: وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد, والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها، وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين, واسترسال قبيح في أذى المسلمين.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 لعله أبو محمد منصور بن أحمد القاءاني الخوارزمي، ت سنة 775، تاج التراجم لابن قطلوبقا ص237، الأعلام "8/ 234".
3 تقي الدين محمد بن علي بن وهب, المعروف بابن دقيق العيد، ت سنة 702 هـ "الدرر الكامنة" "4/ 210", "طبقات الشافعية للسبكي" "9/ 207".
(1/156)

قلت: ولا يبعد أن يخرج على ذلك:
1- ما رواه مالك في الموطأ أن الضحاك ابن خليفة ساق خليجًا له حتى النهر الصغير من العريض, فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فأبى، فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك, فأبى, فكلَّم عمر -رضي الله عنه- فدعى محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا, ولا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرنَّ ولو على بطنك1. وأمره عمر أن يجريه, فإذا تأمَّل المتأمل وجده اعتمد أصلًا عامًّا وهو إباحة النافع وحظر الضار, ولم يقله قياسًا على أصل معين، وغيره من المجتهدين لا يجبره على إجراء الماء؛ حيث عارضه أصل آخر وهو قوله -عليه السلام: "لا يحل مال امريء مسلم إلّا عن طيب نفس" رواه الحاكم2 بإسناد على شرط الصحيحين في جله, وعلى شرط مسلم في بعضه، وأيضًا هذه المصلحة ليست في محل الضرروة فلا تعتبر، ويؤخذ من حكم عمر هذا أنه يبيح الصلاة في الدار المغصوبة، وقد أوسع الكلام فيها ابن ناجي3 في تاريخ معالم الإيمان.
2- ومن ذلك أن علي بن أبي طالب قضى في رجل من رجل يريد قتله, فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله, وبقربه رجل ينظر إليهما وهو يقدر على تخليصه, لكن نظر إليه حتى قتله بأن يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت, ويفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر، فرأى تعزيز الناظر بفقإ عينه مصلحة للأمة. انظر عدد 50 من الطرق الحكمية4، إن كان هذا الحكم بالفقإ لم يأخذ به الفقهاء, كما أن الممسك يجب عليه عند المالكية القصاص لا الحبس؛ لأنه مباشر ووماليء على القتل.
3- ومن ذلك تحريق عليّ -كرم الله وجهه- لقوم نسبوا إليه الألوهية, وثبت
__________
1 الموطأ "2/ 746".
2 المستدرك "1/ 93" لفظه: "لا يحل لامريء من مال أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس".
3 قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني، فقيه من قضاة القيروان، ت سنة 887هـ "معالم الإيمان" "3/ 149"، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
4 ص50، ط. المكتبة العلمية بالمدينة المنورة 1391هـ.
(1/157)

ابن ابن عباس لم يرتض منه ذلك فرجع, ويمكن أن يخرج ذلك على أن عليًّا لم يطَّلع على أن التحريق بالنار منسوخ بقوله -عليه السلام: "لا يحرق بالنار إلا الله" 1.
4- ومن زيادة عمر في حد الشرب من أربعين إلى ثمانين.
5- ومن ذلك إفتاء عمر بن الخطاب بإيقاع طلاق الثلاث على من لفظه به في مرة واحدة، قال: لأن الناس استعجلوا أمرًا كان لهم فيه أناة، وذلك لما رأى من استرسالهم في ذلك، ولكن هذا بعد الزمن النبوي وإلّا ففي زمنه -عليه السلام، وزمن أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر, كان الحكم بواحدة فقط، هكذا في أعلام الموقعين2. والحديث بذلك في الصحيحين لكن خالفه روايه ابن عباس, فقد روى عنه جلة أصحابة لزوم الثلاث، وأيضًا روى في المدونة عن أشهب عن القاسم بن عبد الله أن يحيى بن سعيد حدَّثه أن ابن شهاب حدَّثه أن ابن المسيب حدَّثه أن رجلًا من أسلم طلَّق امرأته على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث تطليقات، فقال له بعض أصحابه، إن لك عليها رجعة فانطلبت امرأته حتى وقفت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن زوجي طلقني ثلاث تطلقيات في كلمة واحدة، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "قد بنت منه ولا ميراث بينكما" , ونقل في المدونة بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عمر وابن عباس أنهما أفتيا بذلك فانظره، وأثر ابن المسيب مرسل، ولكن مراسيله كلها صحاح مقبولة عند الكل.
6- ومن ذلك تأبيده الحرمة على من تزوج امرأة في عدتها ودخل به زجرًا لأمثاله أن لا يفعلوا, ومعاملة له بنقيض قصده, وخالفه عليٌّ فكان لا يحكم بالتأبيد.
7- ومن ذلك ما روي عن مالك من ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر، لكن إن ثبت بينة وقوع سرقة منه من قبل، وأما المجهول الحال أو المعلوم الصلاح فلا تقبل عليه دعوى السرقة, بل يؤدَّب من ادعاها على صالح كما في المختصر، وكذا
__________
1 في البخاري في الجهاد "4/ 75"، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم: قال: "إن النار لا يعذب بها إلا الله ... الحديث" وفيه عن ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تعذبوا بعذاب الله".
2 "3/ 30".
(1/158)

على مجهول الحال، قالوا: إن لم يضرب عسر إظهار السرقات، لكن عارضت هذه المصلحة مصلحة المضروب؛ إذ ربما يكون بريئًا, وترك عقوبة مذنب خير من ظلم بريء, وما جعل الشرع اليمين إلّا لئلَّا تضيع المصلحة الأولى كليًّا, فقد يستخرج به المسروق, أمَّا إذا عارضها نصٌّ فتلغى عن مالك وغيره، ولذلك انتقد المالكية على يحيى بن يحيى الأندلسي1 لما أفتى الأمير عبد الرحمن الأموي حين وطء في نهار رمضان بتعين شهرين متتابعين, فقيل له: قد ضيَّقت عليه, هلَّا أفتيته بالعتق, فقال: إنه أمير يهون عليه العتق فيفطر كل يوم ويعتق. بأنها فتوى شاذة لأخذه بالمصلحة في مقابلة النص وذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حدود الشريعة بتغير الأحوال, فتنحل رابطة الدين وتنفصم العرى، وفي معناه من أفتى أميرًا مترفهًا سافر من المجاورة للبحر في سفينة أمينة بعدم قصر الصلاة لعدم المشقة، وليس بصحيح؛ لأن الشرع علَّق القصر على السفر, فيكفي أنه مظنة المشقة وهي غير منضبطة، ومثل ذلك السفر في السكة الحديدية والسيارة والمناطيد الجوية, فيسنُّ القصر في مسافته ولو قطعها في جزء يوم وأدركته الصلاة وهو في السفر، فلا يظن بالملكية أنهم يأخذون بالمصالح المعارضة بالنص، نعم إذا عارضتها مصلحة أخرى يجتهدون في تقديم ما يظهر لهم أنها أقوى كضرب المتهم كما سبق.
مسألة إرهاب المنكر حتى يقر:
في نيل الابتهاج في ترجمة حسن بن علي المسيلي قاضي بجاية إنه استناب حفيده فيها لمرضه, وكان له نبل فتحاكمت عنده أمرأتان, ادَّعت إحداهما على الأخرى أنها أعارتها حليًّا, وأنكرت الأخرى, فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت، فلما حكى له حفيدة القصة فرحًا بما توصّل إليه من الحق، أنكر عليه أشد نكير وقال: إنما النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "البينة على المدعي, واليمين على من أنكر" 2، وأشهد بتأخيره.
__________
1 هو يحيى بن يحيى بن بكير بن وسيلاس الليثي، أخذ عن مالك، وقدم الأندلس, وانتهت إليه الفتوى بها، وكان الأمير عبد الرحمن بن الحكم يبجله ويستشيره، وانظر القصة المشار إليها في ترجمته في "ترتيب المدراك للقاضي عياض" "2/ 534".
2 هذا اللفظ رواه البيهقي في السنن، وقال النووي أنه حسن "كشف الخفا" "1/ 342"، =
(1/159)

قال الشيخ بابا1: وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع, وعلى هذا يجب أن يكون العمل, وهو مذهب مالك, وظاهر مذهب الشافعي تجويز مثل هذا, فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر بأي شيء وصل إليه حصل المقصود, ولهذا يجيزون قضاء الحكام بعلمهم، والحق خلاف لحديث: "فإنما أقضي على نحو ما أسمع"2 وساق قصة أخرى من هذا النمط وقعت لحاكم في الإسنكدرية فانظرها.
قلت: إن مسألة المسيلي في إرهاب المنكر يشهد لها قضية الجارة التي رضّ يهودي رأسها بحجر, وسألها النبي -صلى الله عليه وسلم- عمَّن فعل بها ذلك, فأشارت إليه وهي في الصحيح3, وفي بعض الرويات فبقي به حتى أقرَّ وأُقيم عليه القصاص, فلا خروج عن ظواهر النصوص في ذلك.
ثم إن مسألة حكم الحاكم بعلمه ليست مخصوصة بالشافعية بل الحنفية كذلك عندهم، ومن قال بذلك يلزمه القول بالمصالح, ولا إشكال كما قال أحمد بابا المذكور.
وقال الغزالي في المستصفى بعد أن مال إلى القول بالمصالح المرسلة في كثيرة من فروعها: إنها راجعة إلى حفظ مقاصد الشرع التي تعرف بالكتاب أو السنة أو الإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى ذلك وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة, ومن صار إليها فقد شرع. قال: وإذا فسَّرناها بالمحافظة على مقصد الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا فذلك عند تعارض مصلحتين, وعند ذلك
__________
= وله أصل في الصحيح, فقد أخرج البخاري في الرهن "3/ 187" عن ابن عباس -رضي الله عنما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى أن اليمين على المدَّعَى عليه، وأخرجه مسلم في الأقضية "5/ 128", وأخرج الترمذي من طرق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "البينة على المدعي, واليمين على المدَّعى عليه"، وقال: هذا حديث في إسناده مقال "5/ 617".
1 أحمد بابا بن أحمد التكروري التنبكتي، مؤرخ من أهل تنكبت في أفريقية الغربية، من مصنفاته "نيل الابتهاج بتطريز الديباج" في تراجم المالكية، ت. سنة 1036 هـ "الأعلام" "1/ 98", وترجم له المؤلف في القسم الرابع.
2 متفق عليه: البخاري في الحيل "8/ 32"، ومسلم في الأقضية "5/ 128".
3 متفق عليه: البخاري في الديات "9/ 5"، ومسلم في القسامة "5/ 103".
(1/160)

يجب ترجيح الأقوى.
واعلم أن المصالح المرسلة عند المالكية من جملة المخصصات، فقد قال مالك في المرأة إذا كان شريفة القدر: لا يلزمها إرضاع ولدها إن قبل ثدي غيرها, لمصلحة المحافظة على جمالها جريًا على عادة العرب في ذلك. وخصَّ بذلك عموم القرآن، صرح بذلك ابن العربي في الأحكام، ثم إني لم أقف على وقوع فتوى في العصر النبوي بالمصالح المرسلة.
(1/161)

سد الذرائع:
وهي النوع الخامس من الاستدلال، الذرائع الوسائل والطرق إلى الشيء، نهى الشارع عنه, وهي في الأصل مباحة, لكن من حيث إفضاؤها إلى المنهي تزول إباحتها, فسدّها ومنعها من أصول الفقه عند المالكية، ونازعهم غيرهم في كونها أصلًا, مع أنه لا يخلو مذهب من بناء فروع عليها, وهي كما قال القرطبي أقسام:
الأول: أن يفضي إلى الوقوع في المحرم قطعًا، وهذا لا خلاف في وجوب تجنبه، وإن كان في الأصل حلالًا إذ لا خلاص من الحرام إلّا باجتنابه, ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.
الثاني: أن يفضي إليه غالبًا.
الثالث: أن يتساوى الأمران:
وفي هذه وقع اختلاف الفقهاء، قال القرافي1: من الذرائع ما يجب سده بإجماعٍ كحفر الآبار في طرق المسلمين، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى، ومنها ما هو ملغي بإجماع كزراعة العنب فإنها لا تمنع خشية الخمر وإن كانت وسيلة إلى المحرم، ومنها ما هو مختلف فيه كبيوع الآجال، فالمالكية لا يغتفرون الذريعة فيها وخالفهم غيرهم2.
لنا أدلة: قال تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} الآية3.
وقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} الآية4, وقال
__________
1 سبقت ترجمته.
2 البقرة "2/ 32". ط دار إحياء الكتب العربية بمصر 1345هـ.
3 النور: 31.
4 البقرة: 65.
(1/162)

تعالى: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ} الآية1، وقال -عليه السلام- كما في الصحيح: "الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه" 2, وقال -عليه السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 3، ومن أقوى الأدلة على سدها تحريق عثمان المصاحف, وجمع الناس على حرف واحد مع أن الله وسَّع عليهم بسبعة أحرف لئلَّا يختلفوا في القرآن, وانعقد الإجماع على فعله4، وإذا أردت بسط المقام فانظر المجلد الثالث عدد120 من أعلم الموقعين, ففيه تسعة وتسعون دليلًا5.
هل وقع سد الذرائع في الزمن النبوي:
يمكن أن يكون هو ملحظ الصحابة الذين أبوا من أكل الغنم التي أخذها أبو سعيد جعلًا على رقية سيد الحي6, مع دليل البراءة الأصلية, وأن الأصل في العقود هو الصحة, حتى أجاز ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم, والذين أبوا من أكل ما صاده أبو قتادة وهو حلال حتى أباحه لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم7 إذ كان معهم دليل الجواز, وهو مفهوم قوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} 8, لكن إذا فهموا قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} 9 على الاصطياد الذي هو المصدر لا الصيد, وإلا كان عموم منطوقه مقدَّمًا على مفهوم الآية الأولى, وعلى مفهوم الموافقة في قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 10.
__________
1 الفتح: 25.
2 رواه الجماعة: البخاري في الإيمان "1/ 21"، ومسلم واللفظ له أنه قال: ".... يرتع فيه" في المساقاة "5/ 51"، وأبو داود في البيوع "3/ 243"، الترمذي "3/ 502"، والنسائي "7/ 213"، وابن ماجة "2/ 1318".
3 أخرجه الترمذي عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, فإن الصدق طمأنينة, وإن الكذب ريبة" قال الترمذي: حسن صحيح "4/ 668".
4 تقدم التعليق عليه.
5 "3/ 135-159".
6 سبق تخريجه ص "71".
7 رواه الجماعة: البخاري "3/ 14"، ومسلم "4/ 14"، وأبو داود "2/ 171"، والترمذي "3/ 196"، والنسائي "4/ 145"، وابن ماجة "2/ 1023".
8 المائدة: 95.
9 المائدة: 96.
10 المائدة: 2.
(1/163)

قول الصحابي:
اعلم أن بعض الأصوليين عدَّه من جملة الأصول؛ حيث رأى مالكًا وابن حنبل جعلاه أصلًا من أصول مذهبيهما, وفي الحقيقة إنه لو كان أصلًا لهما, فليس من أصول الشرع العامة, ولا أصلًا بنفسه زائدًا على الأصول السابقة؛ لأن قول الصحابي لا بُدَّ أن يستند إلى نص أو قياس أو غيرهما مما سبق لذلك لا حاجة لعدة منها، وهو أيضًا في زمنه -عليه السلام- ليس بأصل؛ لأنهم كانوا يعرضون غالبًا اجتهادهم فيقره، فالحجة في إقراره, وإقراره سنة كما سبق، ويأتي لنا ما وقع من الخلاف من الاحتجاج بقول الصحابي, وذلك عند التكلم على أصول مذهب مالك, وقد تركنا أصولًا أخرى زادها بعض الأصوليين, وذلك لشدة ضعف القول بها.
(1/164)

البراءة الأصلية والاستدلال بها في العصر النبوي:
اختلفوا هل الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة، وقال بعضهم على الحظر، وقال بعضهم على الوقف، وقد أبطل في المستصفى الأقوال الثلاثة كلها؛ أمَّا الإباحة والمنع فلأنهما تقتضيان مبيحًا ومانعًا، والفرض لا شرع يبيح أو يمنع إلا من يقول بالتحسين والتقبيح العقليين, ومثل ذلك التوقف في الأمرين معًا, والتحقيق أن المراد أنه لا حرج في الفعل أو الترك, ولذلك عبَّرنا بالبراءة التي لا إيهام فيها، ويمثل لوقوع هذا في الزمن النبوي بفتوى أبي عبيدة بن الجراح بأكل لحم حوت العنبر الذي لفظه البحر من غير ذكاة في سرية الخبط, فأكل هو وأصحابه, فلما رجعوا وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "هل معكم شيء" وأجاز فتواه, وأكل منه كما في أبي داود في كتاب الأطعمة1، وفي بعض طرق الصحيح أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكل منه كما في فتح الباري في كتاب الذبائح, لكن رواية أبي الزبير عن جابر في مسلم, أن أبا عبيدة قال لهم: ميتة, ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وفي سبيل الله, وقد اضطررتم فكلوا. فحاصل فتوى أبي عبيدة أنه بناه أولًا على عموم تحريم الميتة تمسكًا بقوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} الآية2، وهي مكية بلا خلاف، ثم ذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغٍ ولا عادٍ, والشرط متحقق؛ لأنهم رسل رسول الله، لكن تبيَّن لهم لمَّا قدموا على رسول الله، وقال هل معكم شيء، وأكل منه وهو غير مضطر, أن ميتة البحر حلال للمضطر وغيره, وأنها في حكم المذكى, وقال بعض أئمتنا: إنهم أقاموا يأكلون منه أيامًا, فلو كانوا أكلوا منه على أنه ميتة اضطرارًا ما داموا عليه, إذ يمكن انتقالهم لطلب المباح من
__________
1 متفق عليه: البخاري في الصيد "7/ 116", ومسلم "6/ 61".
2 الأنعام: 145.
(1/165)

غيرها, والظاهر أنهم فعلوا مضطرين أولًا، ثم تبيَّن لهم أنها ليست من الميتة المنهي عنها التي هي ميتة البر. فتمسَّكوا في آخر الأمر بالبراءة الأصلية, فصحَّ التمثل به لما نحن بصدده.
ويمكن أن يخرج على أصل البراءة أيضًا أخذ أبي سعيد الخدري الجعل على الرقية1، وأكل بعض ما كان محرمًا صيد أبي قتادة2 حيث صاده وهو حلال, ويمكن أنهم أخذوا بمفهوم المخالفة في قوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} 3، ومفهوم في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 4.
وهذه الأصول من قياسٍ واستدلالٍ وفروعه مبنيّة على أن لله في كل مسألة حكمًا، وأن نصوص الشريعة لم توف بتلك الأحكام، فاحتجنا إلى القياس وما بعده، ويأتي مزيد كلام على هاتين المسألتين في ترجمة داود الظاهري إن شاء الله.
__________
1 سبق تخريجه "ص71".
2 سبق تخريجه "ص102".
3 المائدة: 95.
4 المائدة: 2.
(1/166)

أصول أخرى عامة غير ما تقدَّم بني الفقه عليها:
1- اليقين لا يُرفع بالشك، كمن تيقَّن الزوجية وشكَّ هل طلَّق أم لا, فلا طلاق عليه، وهذا الأصل ذكره القاضي الحسين1, وهو في الحقيقة راجع إلى الاستصحاب, وتقدَّم لنا ما فيه من الخلاف. قال المالكية: إن من تيقن الطهارة وشك في الحدث يجب عليه الوضوء, وعدو الشك من النواقض، وخالفهم غيرهم تمسكًا بالأصل المذكور وهو أقوى.
2- الضرر يُزال، كوجوب ردّ المغصوب وضمانه بالتلف.
3- المشقة تجلب التيسير, ومن مسائله جواز القصر والجمع والفطر في السفر.
4- العادة حاكمة والشرع حكمها، كأقل الحيض وأكثره.
وزاد بعضهم خامسًا وهو: أن الأمور بمقاصدها، أي: لا تحصل إلا بقصدها؛ كالطهارة لا تحصل إلا بنية، ومنهم من ردَّ هذا إلى ما قبله، فإن العادة تقتضي أن الغسل الذي تقارنه نية لا يسمَّى غسلًا ولا قربة، وإذا دققنا النظر وجدنا هذه الأصول الخمسة كلها راجعة إلى جلب المصالح، فتكون مندرجة في المصالح المرسلة، فلا زيادة على الأصول السابقة.
__________
1 هو أبو علي الحسين بن محمد المروزي, ويقال أيضًا المروذي, من فقهاء الشافعية. "تهذيب الأسماء واللغات للنووي "1/ 164"، ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
(1/167)

تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة
مدخل
...
تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة:
سلف لنا ان تشريع الأحكام الفرعية إنما تتابع بعد الهجرة, وأن ما كان قبلها قليل، كتحريم وأد البنات الذي كان شائعًا في العرب، وتحليل الطيبات التي حرَّموها على أنفسهم افتراءً على الله، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} الآية1، وقال تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2، وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} 3 الآية، وقال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} 4 الآية.
فهذه الآي كلها نزلت قبل الهجرة ولم أعرف سنين نزولها على التحقيق، وهناك آي أخرى في الأحكام قليلة نزلت قبلها أيضًا، ولنذكر ما حضر مما وقفت على تعيين تاريخ نزوله, مرتَّبًا على السنين كما هو وظيف المؤرخ، مقتصرًا على المشهور أو المرجَّح غالبًا.
__________
1المائدة: 103.
2 الأنعام: 145.
3 الأنعام: 151.
4 الأنعام: 121.
(1/168)

الصلاة:
كان -صلى الله عليه وسلم- لأول المبعث يصلي1 ركعتين بالغداة وركعتين بالمساء، وفي حديث سماع الجن القرآن: أنهم سمعوه يقرأ في بطن نخلة وهو يصلي ليلًا، ويظهر أنها صلاة التهجد, وكان ذلك سنة إحدى عشرة من المبعث عند كثير من أهل السير، فذهب الحربي1 إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} 2 فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلّا ما كان وقع الأمر من صلاة الليل من غير تحديد.
السجود لقراءة القرآن:
كان أيضًا مشروعًا قبل الهجرة كما تدلّ له قصة الغرانيق وإن تكلم فيها مَنْ تكلم، لكن المرجَّح أن لها أصلًا في الجملة وإن لم تثبت بعض تفاصيلها, ولعل ما تقدَّم كله تدريب، وتدريج إلى إيجاب الصلوات الخمس، فتكون الصلاة من الأحكام التي نزلت تدريجًا, وقد قالت عائشة: إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر3, وإن خالفهما ابن عباس.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: على هاتين الصلاتين يحمل كثير من الآيات المكية التي ورد فيها ذكر الصلاة كآية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الآية، على أنه يحتمل أنها نزلت بعد فرض الصلاة قبل الهجرة, لما رواه الواحدي عن عليّ بن الحسين: آخر آية نزلت بمكة المؤمنون، أما قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} فهي محمولة على القراءة أو الدعاء كما في البخاري، وقد نزلت والنبي -صلى الله عليه وسلم- مختفٍ بدار الأرقم.
1 إبراهيم بن إسحاق بن بشير عبد الله البغدادي أبو إسحاق الحربي، وتوفي ببغداد، من أكابر المحدثين، ت سنة 285 هـ، "تذكرة الحفاظ" "2/ 147".
2 المزمل: 20.
3 متفق عليه: البخاري في الجمعة "2/ 55"، ومسلم في صلاة المسافرين "2/ 142, وأخرج مسلم عن ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربًعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة "2/ 143".
(1/169)

فرض الصلوات الخمس:
اتفقوا على أنه كان ليلة الإسراء, والأصح فيه أنه كان قبل الهجرة بسنة، وحكى ابن حزم الإجماع عليه، فرضت أولًا خمسين ثم خفِّفَت فصارت خمسًا, كما تجده في حديث الإسراء، وأما قول الأصوليين: إن النَّسخ لا يقع قبل التبليغ للأمة, فحديث الإسراء يردّه, وفي الحكم العطائية: علم ضعفك فقلل أعدادها، وعلم احتياجك فكثر أمدادها.
واعلم أن أحسن رابطة جمعت المسلمين وألَّفت قلوبهم ووحدت وجهتهم هي الصلاة، بسبب ما سُنَّ فيها من الاجتماع اليومي خمس مرات، ثم الأسبوعي يوم الجمعة، ثم مرتين في السنة للعيدين، وهو أكبر من الأسبوعي الذي هو أكبر من اليومي، إذ يأتي فيه كل مَنْ كان قريبًا من البلد، ثم الاجتماع الأكبر في عرفة ومنى ومزدلفة, الذي يجمع أطراف العالم الإسلامي, فبهذه الاجتماعات أمكن للرسول تهذيبهم وبث الخير والقرآن في قلوبهم, وزالت كل نفرة كانت ساكنة بها، وترقية أفكارهم, وجمعهم لنهضة واحدة كرجل واحد إذ كانوا بها يتعارفون، حتى صاروا كأبناء عائلة واحدة يحس كل واحد منهم بما أحسَّ به الآخر، وكل واحد منهم كان يتفقَّد أحوال بقية إخوانه ويعلم ما عندهم، مع تمرينهم على مبادئ الدين، ولولا الصلاة ما اضمحلَّت منهم بقايا الوثنية التي كانت أفسدت أفكارهم، هذا زيادة عمَّا في الصلاة من الشكر لله على نعمه، والتذلل بين يديه, ومناجاته كل يوم خمس مرات، واستحضار اليو الآخر وأهواله، والسؤال عن النقير والقطمير بين يدي الله، كل يوم سبعًا وعشرين مرة في قراءة الفاتحة، ومن كان يعمل هذا لا شك أنه ينزجر عن المآثر، كالجور والزور، وكل الفجور، فبالصلاة تربَّت فيهم الملكات النفسانية الطيبة, وتهذبت أحوالهم، وإليه يشير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} 1, فهذا من أوجه اعتناء القرآنت بأمرها، وتنويع الوصيات والأوامر في شأنها، حتى كانت أول مشروع وآكده.
__________
العنكبوت: 45.
(1/170)

وقوت الصلاة:
جاء جبريل في اليوم الموالي ليلة الإسراء, فصلى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الظهر في أول وقتها، ثم جاء فصلى صلاة العصر, كذلك إلى آخر الصلوات، ثم جاء في اليوم الثاني فصلى به الظهر في آخر وقتها المختار، ثم بقية الصلوات، وقال له: ما بينهما وقت، والحديث في الصحيح1, فبيان وقتها كان مقارنًا لفرضيتها، وأوقاتها مجملة في القرآن, قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} 2.
الغسل والوضوء وإزالة النجاسة:
نقل ابن عبد البر3 اتفاق أهل السير على أن غُسْلَ الجنابة فُرِضَ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة لما فرضت الصلاة.
قلت: ويقوي ذلك الآية الكريمة: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} 4 وقصة إسلام عمر إذ منعته أخته من مسِّ الصحيفة إلّا بعد أن اغتسل، رواه أبو نعيم5، وابن أبي شيبة6 في تاريخه، واستدلَّ بها ابن العربي من بقايا شريعة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام.
__________
1 هذا اللفظ حديث ابن عباس عن الترمذي "1/ 278"، وأخرج مثله عن جابر بن عبد الله، وأصله في الصحيحين من حديث ابن مسعود, أخرجه البخاري في الصلاة في باب المواقيت "1/ 131"، ومسلم في المساجد "2/ 103".
2 الروم: 17.
3 يوسف بن عمر بن عبد البر النمري الإمام الحافظ، ت سنة 463، انظر ترجمته في أوائل القسم الرابع.
4 الواقعة: 79.
5 أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، ت سنة 430هـ، انظر ترجمته في مشاهير الشافعية في القسم الرابع.
6 عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، صاحب المصنف والمسند، ت سنة 235هـ، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثالث بإيجاز، انظر "تاريخ بغداد" "10/ 66"، "تذكرة الحفاظ" "2/ 18".
(1/171)

وأما الوضوء فقال ابن عبد البر: إنه -عليه السلام- ما صلى قط إلّا بوضوء.
قال: وهذا مما لا يجهله عالم, وجزم ابن حزم بأن الوضوء لم يشرَّع إلا بالمدينة؛ لأن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} 1 آية مدنية بلا إشكال لذكر اليتيم فيها، ويأتي نزوله، وردَّ عليه ببعض أحاديث ذكِرَ فيها الضوء قبل الهجرة, انظرها في الباري, وجزم ابن الجهم المالكي بأن الوضوء قبل الهجرة قد كان, ولكنه مندوب فقط، وهذا كالجمع بين القولين.
وأما إزالة النجاسة عن ثوب مصلٍّ وبدنه ومكانه, فيظهر أنه كان واجبًا قبل الهجرة، وأصله قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 3 وهي مكية, ففي مسلم عن يحيى بن سعيد, سألت أبا سلمة أيّ القرآن قبل؟ قال: {يا أيها المدثرُ} , ونحوه في الصحيحين عن جابر4، وبدليل أنه -عليه السلام- وضع عليه المستهزئون سلا جزور وهو يصلي بالمسجد الحرام فبقي بمكانه حتى جاءت فاطمة وأزالته عنه5، وذلك مما يدل على أن وجوب إزالة النجاسة كان من أول ما شرع من أحكام الفقه.
صلاة الجمعة:
فرض الاجتماع لصلاة الجمعة قبل الهجرة, وذلك أن المسلمين لما ضيَّق بهم كفار قريش بمكة, وقيَّضَ الله الأنصار لإحراز فضيلة بيعتي العقبة، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالهجرة تباعًا، فكان أول من هاجر مصعب بن عمير ليعلِّم الأنصار القرآن والدين، وبعد وصوله استأذن نبي الله -عليه السلام- في صلاة الجمعة فآذنه
__________
1 المائدة: 6.
2 فتح الباري "1/ 233" ط. السلفية.
3 المدثر: 4.
4 البخاري في تفسير سورة المدثر "6/ 200"، ومسلم في الإيمن "1/ 99".
5 متفق عليه: البخاري في الصلاة "1/ 131"، وفي الجزية "4/ 127"، وفي غيرهما في الأبواب، ومسلم في الجهاد "5/ 179".
(1/172)

وأقامها في المدينة المنورة قبل هجرة النبي -عليه السلام- إليهما1، وعليه فلا غرابة في قول أبي حامد2: إنها فرضت بمكة خلافًا للحافظ3، أما قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} 4 فهي مدنية، نزلت بعد فرضيتها بكثير للتنصيص على ترك البيع وقتها، ولتأكيد ما أثبتته السنة بالقرآن, وتسمية اليوم جمعة قيل إسلامية، وقيل سمَّه بها كعب بن لؤي في الجاهلية.
الخطبة:
في السنة الأولى من الهجرة بعد وصوله -عليه السلام- خطب أول خطبة كانت في الإسلام، تجد نصها عند مؤرخي السير، قيل في المسجد النبوي لأول بنائه وقيل بقباء، ومن ذلك الحين شرعت الخطب في الإسلام.
الأذان:
في السنة الأولى أيضًا شرع الأذان للصلوات الخمس، وذلك أنهم كانوا يتحيَّنون وقت الصلاة فيجتمعون، فلما كثروا شاور النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه فيما يتخذ للإعلام بدخول الوقت، إذ الوقت أنفس ما يحافظ عليه، فأشار بعضهم باتخاذ الناقوس كالنصارى، وبعضهم بالبوق كاليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فلم يرتض شيئًا من ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فرأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي، رجلًا في المنام دله على الأذان والإقامة، فقصَّ رؤياه على رسول الله, فقال:
"هذا رؤيا حق" , فأمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ورأى عمر مثل رؤيا عبد الله أيضًا"5.
__________
1 روي عن كعب بن مالك -رضي الله عنه, أن أوَّل من جمع بهم أسعد بن زرارة. أخرجه أبو داود "1/ 280"، وابن ماجة "1/ 344"، وابن حبان والبيهقي وصحَّحه، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن, وقد جمع بينه وبين ما أخرج الطبراني عن أبي مسعود الإنصاري, أن أول من جمع بالمدينة مصعب بن عمير بأن أسعد كان أميرًا ومصعبًا كان إمامًا. "انظر نيل الأوطار" "3/ 230".
2 هو أحمد محمد الإسفراييني، ترجم له المؤلف في القسم الثالث بإيجاز. "انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي" "2/ 208".
3 إذا أطلق الحافظ" أراد به ابن حجر صاحب الفتح.
4 الجمعة: 9.
5 أخرجه أبو داود "1/ 135"، والترمذي وقال: حسن صحيح "1/ 359"، وابن ماجة "1/ 232".
(1/173)

النكاح:
في السنة الأولى أيضًا شرعت أحكام من النكاح كالصداق والوليمة؛ إذ قال -عليه السلام- لعبد الرحمن بن عوف لمَّا تزوج: "كم سقت لها؟ " قال: نواة من ذهب، فقال له: "أولم ولو بشاة" كما في الصحيح1، وهذه القصة كانت لأول الهجرة, ففيها الصداق والسؤال عن قدره، وأخذوا من قدر النواة: أنه ربع دينار على نزاع في ذلك، قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة} 2، وفي الحديث مشروعية الوليمة.
وقد حدَّد الله عدد الزوجات بقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} 3 فمنعهم مما كانوا عليه من الزيادة على أربع، ونزلت أحكام أخرى تتعلق بالنكاح والطلاق ونزاع الزوجين, وغير ذلك في أوقات مختلفة يطول استقصاؤها، وكل ذلك تنظيم للعيش وتكوين للعائلات، وتأسيس لها على المبادئ الإسلامية، وقد أقرت الشريعة الإسلامية عقود الأنكحة التي كانت قبل الإسلام ولم تأمر بفسخها ولا بإعادة النظر في تطبيقها على ما جددته شريعة الإسلام من الشروط, وأثبتت به الأنساب، نعم نزل بعد هذا: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} 4.
__________
1 متفق عليه: البخاري "7/ 27"، ومسلم "4/ 144".
2 النساء: 4.
3 النساء: 3.
4 الممتحنة: 10.
(1/174)

القتال:
في السنة الأولى أيضًا شرع القتال.
1- لحماية الدعوة الإسلامية.
2- والدفاع عن أنفسهم.
3- واستنقاذ من بقي بمكة تحت طائلة العذاب.
وذلك أن الكفار أخرجوا المسلمين من أرض الحرم من ديارهم وأموالهم واستولوا عليها وعلى أولادهم، فصار المهاجرون فقراء كما وصفوا في القرآن، مجرَّدين عن الأصل والولد، ولم يكتفوا بهذا, بل ضيقوا بمن بقي مسلمًا بمكة من الرجال المستضعفين والأولاد والنساء بأشد المكر.
4- وزادوا فهجوا المسلمين والرسول بأقبح الهجو ليهجوا جميع العرب ضدهم.
5- ومنعوا انتشار مبادئ الإسلام.
6- مانعين لهم من حرية القول.
7- وحرية الفكر.
وهذا أقصى ما يتصور من الظلم والتضييق, وأحق ما يقاتل عليه في أنظار العالم كله، ولا يقعد عن دفع صائل كذها إلا عاجز لا ثقة له بنفسه ولا بربه الذي وعد بنصر المظلوم, ولما هيَّأ الله لرسوله عددًا ممن أسلم مختارًا حبًّا في مبادئ الدين الحنيف، وإيمانًا بمشاهدة المعجزات المتكاثرة، وتكرر من هؤلاء طلب الإذن في القتال المرة بعد المرة، إذن الله لهم في القتال بقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} 1 وقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} 2 وقال: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} 3.
وكل هذه الآيات نزلت بالمدينة، وبهذا تعلمون يقينًا رد طعن من يقول: إن الإسلام إنما انتشر بالسيف وأنه شريعة الحرب، بل أصل نشره الدليل والبرهان
__________
1 الحج: 39.
2 البقرة: 193، 194.
3 النساء: 75.
(1/175)

وكمال مبادئه العالمية.
فشرع -عليه السلام- في تهيئة الجيوش وبعث البعوث والسرايا، ثم غزا بنفسه الكريمة ثمانيًا وعشرين غزاة، أولها الأبواء في السنة الثانية، وآخرها تبوك في التاسعة، وقاتل بنفسه في ثمانية منها، وقد لخصتها بتواريخها وأماكنها ونتائجها في مؤلَّف مختصر، فلينظر، فإذا ضممتها إلى البعوث والسرايا التي هيأها ولم يحضرها بنفسه الكريمة البالغة نيفًا وسبعين بعثًا, التي أولها كان في السنة الأولى مع سيد الشهداء عمه حمزة1, وقيل غيره، فجميع جيوشه بلغت مائة جيش كما قال مغلطاوي2، كل ذلك في نحو تسع سنين، وما قبضه الله حتى دان جلّ جزيرة العرب بالإسلام شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وانتشرت الدعوة إلى أقاصي البلدان وراء أرض العرب، إلى نفس القياصرة والأكاسرة العظام، وما خرج من الدنيا حتى ترك الأمة العربية مهذبة قادرة على تبليغ الدين، مضطلعة به ماديًا وأدبيًّا، مهيئة لتهذيب غيرها من الأمم، ولقد فعلت، وإن ما تهيأ له في هذه المدة الوجيزة من تكوين الوحدة العربية بل الإسلامية مع مغازيه وبعوثه وجيوشه التي كونها من لا شيء ولا مادة، من أمة هي أبعد الأمم عن النظام والوحدة، كله معجزة ظاهرة.
هذا في جهاده العدو الخارجي، أضف إلى ذلك جهاده العظيم في تعليم الأصحاب وتدريبهم وتهذيبهم وإقامة الحجج عليهم وتفهيمهم، وجهاده المنافقين واليهود المخالطين له في داخل المدينة، ثم المؤلفة قلوبهم من جفاة الأعراب، مع تلقي أسرار الرسالة، وتكميل الشرائع، ونزول القرآن وتدوينه، والمجاهدة بالعبادة الشاقة ليلًا ونهارًا، والقيام بالحقوق البشرية.
__________
1 انظر الإصابة "2/ 122".
2 علاء الدين مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكرجي المصري الحنفي، مؤرخ من حفاظ الحديث، له تصانيف كثيرة منها: شرح البخاري في عشرين مجلدًا، وشرح سنن ابن ماجة لم يكمله، والزهر الباسم في سيرة ابي القاسم, والإشارة في السيرة النبوية، ت سنة 762هـ "ترجمته بالدرر الكامنة" "5/ 122".
(1/176)

تحريم التطفيف في الكيل والوزن:
أخرج الواحدي1 من طريق الحسين بن واقد1، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: أول سورة نزلت بالمدينة، ويل للمطففين، ولكن في فتح الباري اتفقوا على أن سورة البقرة أول سورة أنزلت بالمدينة، قال في الإتقان، وفي الإتقان نظر لقول علي بن الحسين المذكور3. وعن الواقدي4 أول ما نزل بها سورة القدر.
__________
1 أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن متوية الواحدي النيسابوري ت سنة 468هـ "طبقات الشافعية للسبكي" "5/ 240".
2 الحسين بن واقد مولى عبد الله بن عامر بن كريز أبو عبد الله المروزي، وثَّقَه ابن معين، ت سنة 159، "خلاصة الخزرجي" 85.
3 انظر الإتقان "1/ 96، 91".
4 محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي مولاهم، أبو عبد الله الواقدي، من أشهر مؤرخي الإسلامي، ت سنة 207هـ "تاريخ بغداد" "3/ 3"، "تذكرة الحفاظ" "1/ 317".
(1/177)

الصيام:
في السنة الثانية شرع صوم عاشوراء وجوبًا وصاموه, ثم في السنة التي تليها نسخ بصوم رمضان؛ لأن هذا الشهر كان -عليه السلام- يتحنَّث فيها بغار حراء، وفيه نزلت عليه النبوءة والقرآن، فشرع لنا صيامه تذكارًا لذلك, وشكرًا على أعظم النعم علينا, وهناك أسرار أخرى ليس المحل لها، ففيه نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} الآية1، وقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الآية2، وكانت العرب تعرف الصيام ويتحنَّث منهم البعض في رمضان، ولعل ذلك من بقايا شريعة إسماعيل وأبيه، فجاء الإسلام بما زاده وبينه من شرائعه, ومذهب الجمهور أن الذي كتب على الأمم قبلنا مطلق الصوم لا رمضان نفسه. قال الضحاك3: لم يزل الصوم معروفًا من زمن نوح عليه السلام.
__________
1 البقرة: 183، 184.
2 البقرة: 185.
3 لعله الضحاك بن مزاحم البلخي المفسر، ت سنة 105هـ، انظر "الدر المنثور للسيوطي" "1/ 177".
(1/177)

صلاة العيدين، زكاة الفطر، التضحية:
في السنة الثانية أيضًا شرعت صلاة العيدين وصلاها بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمصلى، وفي أبي داود والترمذي والنسائي، وابن حبان بإسناد صحيح عن أنس: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة ولها يومان يلعبون فيهما, قال: " أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى" 1.
في السنة الثانية أيضًا شرعت زكاة الفطر على الأبدان, وهي صاع من أغلب قوت البلد أو شعير أو غيرهما، يأخذه الفقير، ينبسط به ذلك اليوم ويستريح من العناء, ويشارك إخوانه في الاحتفال والفرح والشكر، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} 2، قيل: هي زكاة الفطر، والمشهور أن هذه الآية مكية، وأن زكاة الفطر لم تجب إلّا في هذه السنة بالسنة.
شرعت في السنة الثانية أيضًا, ففيها كان أول أضحى شهده المسلمون, خرج -عليه السلام- للمصلى فصلى ثم خطب ثم ضحى بكبشين أملحين أقرنين, فسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما، وقال: "اللهم هذا منك وإليك" فالأوّل ضحى به عن نفسه وعائلته الكريمة، والثاني عن أمته3، واقتدى به من له قدرة من المسلمين, وبقيت سنة لهم إلى يومنا هذا تذكارًا لما أنعم الله به على إبراهيم -عليه السلام- من فداء ابنه, وتشبهًا بالحجَّاج في هداياهم بمنى, وتشويقًا لذلك الجمع الأكبر, ولفتح مكة الذي كان سببًا لكل خير على الأمة.
ثم إن تقريب القربان لله تعالى كان في جميع الأمم قبلنا، قال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} 4, وإنما الذي شرع في هذه المسألة نسيكة مخصوصة في أيام النحر الثلاثة بعينها.
__________
1 أبو داود "1/ 295"، والنسائي "3/ 146"، ولم أجده في الترمذي.
2 الأعلى: 14، 15.
3 ثبت في ذلك عدة أحاديث, منها حديث عائشة, وأخرجه مسلم وأبو داود وأحمد, وحديث أنس وأخرجه الجماعة, وحديث جابر وأخرجه أبو داود وابن ماجه. "انظر نيل الأوطار -أبواب الهدايا والضحايا" "5/ 121".
4 الحج: 67.
(1/178)

الزكاة المالية:
في السنة الثانية أيضًا قبل فرض رمضان, وما جزم به ابن الأثير من أنها في التاسعة، فلعل مراده بعث العمال لقبضها, فهو الذي تاخَّر إلى التاسعة، حين دان الناس بالإسلام, ووضعت الحرب أوزارها بعد الفتح، وذلك لأنها مذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة في الصحيح1 بقوله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟، وقدوم ضمام كان سنة خمس، وفي ابن خزيمة والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة2, قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} 3.
إن الزكاة هي التي تممت ربط الوحدة الإسلامية لعطفها على الطبقة السفلى من الناس, وهم الفقراء الذين هم الأغلب طبعًا, بمواساتهم وإزاحة عللهم, وهي الضمان الأكبر لحياتهم وأمن غائلتهم, وزيادة نشر الدعوة وتثبيت من لم يستقر الدين في قبله, وعتق أرقاء الحرب، وكانوا أكثرين أيضًا، والنفقة في الجهاد، كل ذلك ممتن للرابطة الإسلامية والوحدة القومية، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} 4. فهذا بيان الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة.
__________
1 متفق عليه: البخاري "1/ 25"، ومسلم "1/ 32".
2 النسائي "5/ 36"، وابن ماجه "1/ 585"، والحاكم "1/ 410".
3 التبوة: 103.
4 التبوبة: 60.
(1/179)

تحويل القبلة:
في الثانية في رجب حولت القبلة التي كانوا يستقبلونها في صلاتهم وهي بيت المقدس, إلى الكعبة المشرفة بمكة, التي هي أول بيت وضع للناس, الذي أسسه إبراهيم وإسماعيل جد العرب {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 1، وقال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} 2, لذلك كانت قبل الإسلام مركز الوحدة العربية وصيَّرها الإسلام بهذا التوجه وحدة إسلامية, وفي ذلك تنويه وتشريف للعرب أيضًا, وتشويق لاستنقاذ مكة التي كانت تحت سيطرة الوثنيين, وتطهير كعبة الله التي أمروا أن يستقبلوها وهي مملوءة بثلاثمائة وستين صنمًا، وفي ذلك نزلت آيات منها قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} 3، لما كانوا بمكة كانوا يصلون لبيت المقدس جاعلين الكعبة بينهم وبينه, ولما انتقلوا للمدينة تمحضت جهة بيت المقدس؛ إذ لا يمكن بالمدينة استقبال الجهتين، فكان في ذلك تأليف لليهود باستقبال قبلتهم، لكن اليهود حصل اليأس من إيمانهم، ثم كان تحويل القبلة تدريجيًّا, فقد نزل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 4 ثم نسخ بالآية السابقة، وقد قصَّ الله اعتراض اليهود على تحويل القبلة وما أجابهم به, كما هو معلوم في نص القرآن.
ومن الضروري البديهي أن الكعبة إنما هي جهة التوجيه بالقلب هو لله وحده، ولذلك لم يضر التوجه إليه مع ما كان فيها من الأصنام، ومن توجُّه للكعبة نفسها وعبدها فهو وثني كافر، ومن هذا المعنى تفهم معنى تقبيل الحجر الأسود الذي هو أثر خالد من آثار ما أنزل آدم معه من الجنة, فليس المراد بها طلب نفع ولا التماس خير, وإنما هو احترام لما احترمه الشرع، فالمسلم لا يلتجيء في جلب نفع أو دفع ضر إلّا لمولاه الذي خلقه وحده, وإلا لم يكن موحدًا.
__________
1 البقرة: 127.
2 المائدة: 97.
3 البقرة: 144.
4 البقرة: 115.
(1/180)

الغنائم وتخميسها، النفل، فداء الأسرى:
في السنة الثانية أحل الله للمجاهدين غنائم الحرب, وأوجب عليهم أن يخمسوها إذ نزل قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 1، فكان الخمس يخمَّس أخماسًا أيضًا, لكل صنف من الأصناف الخمسة خمسه، ونزول هذه الآية كان في غزوة بدر, إلّا أن من أهل السير مَنْ ذكر أن أول غنيمة خمِّست غنيمة سرية عقدت في الإسلام، وأن عبد الله خمَّسَها باجتهاد منه, ثم نزل القرآن بتصويبه, وسريته كانت في السنة الأولى.
كانت العرب توزع الغنائم حسب القوة والعصبية, وللرؤساء معظمها من غير نظام, وإنما تنهبها نهبًا, وربما أفضت بهم إلى أن يذهبوا من حرب إلى حرب, فجاء الإسلام بأخذ الخمس لأهله, وقسَّمَة أربعة أخماس على المقاتلين سويةً لا فضل ولا استئثار, وحرَّم الغلول وجعله من أعظم الكبائر والجرائم.
في غزوة بدر نزل أيضًا2: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} 3، والنَّفل ما يعطيه رئيس الجيش لمن ظهرت منه مزية حربية قبل قسمة الغنيمة من رأس المال، وقيل: من الخمس وهو مذهب الجمهور، وفي الآية أيضًا نزاع، روي عن ابن عباس حملها على هذا المعنى، ومذهب الجمهور أن المراد بالأنفال فيها هي الغنيمة كلها، ومعنى كونه لله ورسوله ظاهر، ثم الله بيَّن لهم قسمتها بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} 4 الآية، فلا نسخ.
في السنة الثانية أيضًا في بدر، فعلوه باجتهاد، وبرأي جمهور الصحابة،
__________
1 الأنفال: 41.
2 قال المؤلف -رحمه الله: بفتح الفاء.
3 الأنفال:1.
3 الأنفال:41.
(1/181)

إلا عمر, فإنه كان أشار بقلتهم، فنزل القرآن بتصويب رأي عمر وإمضاء ما كان من الفداء مع العتاب عليه، قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} 1, ثم نزل قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} 2، ثم تتابع نزول أحكام الحرب وأوامره في هذه الغزاة, ثم في غزوة أحد في السنة بعدها، ثم في بني النضير وخيبر وغيرها.
__________
1 الأنفال: 67.
2 محمد: 4.
(1/182)

الميراث:
وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آية فرائض الميراث، خلافًا لما نقله الطبري عن أبي زيد أن ذلك كان عام الفتح, لما روى أحمد وأصحاب السن وصحَّحه الحاكم عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله, هاتان ابنتا سعد بن الربيع, قتل أبوهما معك في أحد, وإن عمهما أخذ مالهما, قال: "يقضي الله في ذلك" , فنزلت آية الميراث, فأرسل إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين, وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك" 1.
وآية الميراث في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} 2.
أما مسألة الكلالة المذكورة بعد هذه الآية، فتأخَّر نزولها كما يأتي, إذ هي
__________
1 أخرجه أبو داود "3/ 121"، والترمذي "4/ 414"، وابن ماجة "2/ 908"، وأحمد "3/ 352".
2 النساء: 11، 12.
(1/182)

آخر ما نزل على قول، هذا ما استقرّت عليه فريضة الإرث في الإسلام.
أما قبل هذه السنة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس, كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه, للأخوة التي آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} 1 نسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} 2 من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له3. والآية التي كانت نزلت في ذلك هي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} 4, فهذه الآية منسوخة كما سبق في مبحث النسخ, نسختها آية: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 5.
وروى البخاري عن ابن عباس أيضًا: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب, وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع, وللزوج الشطر والربع6.
واشار ابن عباس بقوله: كان المال للولد، إلا أن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون البنات, فنسخ ذلك القرآن، قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} 7، ثم بيَّن المفروض بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 8 إلى آخر الآية السابقة، وعنه أيضًا: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا لم يزوجها, وهم أحق بها من أهلها, حتى نزل قوله تعالى: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} الآية9.
__________
1 النساء: 33.
2 النساء: 33.
3 البخاري في الفرائض "8/ 190".
4 الأنفال: 72.
5 الأنفال: 75.
6 البخاري في الفرائض "8/ 189".
7 النساء: 7.
8 النساء: 11.
9 النساء: 19، والحديث في البخاري في تفسير سورة النساء "6/ 55".
(1/183)

مسألة الميراث من أهم المسائل عند سائر الملل, وبها تتكون العائلات وتتقرّب القرابة, وتتقرر الأرحام, وتعرف مراتب الأقارب ليكون بها الدفع والجلب والتعاون العائلي، نعم في صدر الإسلام إذ كانوا في غاية الضعف المادي والدعوة محتاجة لما يقوي انشارها، جعلت الأخوة الإسلامية الدينية مقدمة على أخوة النسب، فكان المهاجري يرث أخاه الأنصاري وبالعكس دون ذوي الرحم، ولما كثروا واستغنى عن ذلك، رجع ذلك للقرابة، وهم الأصول والفروع والأطراف والأزواج، على التفصيل المبيَّن في الآية السابقة، وما بقي كملته آية الكلالة الآتية، والسنة النبوية التي منها قوله -عليه السلام: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقيت السهام فلأولى رجل ذكر" 1، ومنها حديث ابن مسعود: إن الأخت تعصب مع البنت، إلى غير ذلك2.
__________
1 متفق عليه: البخاري "8/ 187"، ومسلم "5/ 59".
2 الجماعة إلا مسلمًا والنسائي, البخاري "8/ 188"، وأبو داود "3/ 120"، والترمذي "4/ 415"، وابن ماجه "2/ 909".
(1/184)

الطلاق والرجعة والعدة:
في السنة الثالثة أيضًا شرعت أحكامها, ونزلت سورة الطلاق: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية1، سبب نزولها أنه -عليه السلام- طلَّق زوجه حفصة بنت عمر، فنزل جبريل -عليه السلام- فأمره برجعتها، وقال له: إنها صوَّامة قوامة2، وفيها نزلت سورة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} 3 الآية.
__________
1 الطلاق: 1.
2 حديث أنه طلق حفصة ثم راجعها, رواه أبو داود "2/ 285"، والنسائي "6/ 178"، وابن ماجه "1/ 650"، وأحمد "3/ 478"، وليس فيه أن ذلك كان سبب نزول أول الطلاق، وإن كان قد ذكره المفسرون. "انظر القرطبي" "18/ 148", ويفهم من كلام المصنف أن تطليقه -صلى الله عليه وسلم- لحفصة هو سبب نزول أول التحريم أيضًا، وهذا غريب يعارض ما في الصحيحين، البخاري في تفسير سورة التحريم "6/ 194"، ومسلم في الطلاق "4/ 184-194".
3 التحريم: 1، 2.
(1/184)

شرع الله الطلاق تخفيفًا عن الأزواج، إذ ربما لا يطيب العيش لعدم تطابق الأخلاق والعادات، وجعل العقد منبرمًا ليكون الفرق بين النكاح والسفاح، وجعله بيد الزوج؛ لأنه رجل الحرب والمكلف بالإنفاق، ولكن أوصاه بها خيرًا، وأوجب لها من الحقوق ما يكفل حرمتها، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} 1، ثم جعل للزوج الرجعة لأمد معين, وفي عدد معين من التطليق، إذ لعلَّ قلبه يبقى معلقًا بزوجته، إذ نفس الرجل قد تكذب عليه وتقول له: إنك قادر على الفراق, فكان أحق بها ما لم تبن منه، وشرعت العدة لئلَّا يختلط مني الزوج الثاني بمنيّ الأول حفظًا للنسب، وجعل الله أقصى التطليق ثلاثًا للحر، واثنتين للعبد، فإن أكملها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وللطلاق أحكام أخرى مذكورة في السورة المخصوصة باسمه، وفي البقرة أيضًا أحكام منه، ولذلك كثرت فيه الفروع الفقهية.
__________
1 البقرة: 228.
(1/185)

قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف:
شرِعَا معًا في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} الآية1, هذا ما يستفاد من ابن الأثير في شرح المسند2، وجزم الدولابي3 بأن قصر صلاة السفر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية، وقال السهيلي4: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وأما من ذهب على أن قصر الصلاة هو الأصل فيقول: إن في هذه السنة زيد في صلاة الحضر فصارت أربعًا عدا صلاة الفجر لطول القراءة فيها, والمغرب لكونها وترًا للنهار, وأقرب صلاة السفر على ما كانت عليه5، وعليه فالصلاة مما فرض تدريجًا.
__________
1 النساء: 100، 101.
2 أبو السعادات مجد الدين المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، من كتبه: جامع الأصول في أحاديث الرسول، والنهاية في غريب الحديث، والشافي في شرح مسند الشافعي، ت سنة 66هـ، "طبقات الشافعية للسبكي" "8/ 366"، وانظر ترجمته في القسم الرابع من الكتاب.
3 أبو بشر محمد بن أحمد بن حمّاد الدولابي، ت سنة 326، ترجم له المؤلف في القسم الثالث، وانظر: "تذكرة الحفاظ" "2/ 291".
4 عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم السهيلي، صاحب الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، ت سنة 581هـ "الديباج المذهب" "1/ 480".
5 سبق.
(1/185)

الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراض وغيرها، صلاة خسوف القمر، التيمم
...
الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراضي وغيرها، صلاة خسوف القمر، التيمم:
في السنة الرابعة أيضًا, وقعت قضية اليهودي واليهودية اللذين زنيا, فرجمهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ما أطلعهما على آية الرجم في التوراة, والقصة في الصحيحين, والرجم للمحصن مجمع عليه، وتقدَّم ذلك في مبحث النسخ2.
في السنة الرابعة أيضًا, أقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضًا من أموال بني النضير للزبير بن العوام الأسدي3، وكان أقطع المهاجرين دور المدينة لأول الهجرة, لكنه إقطاع انتفاع لا تمليك، بخلاف إقطاع الزبير.
في السنة الرابعة أيضًا, خسف القمر فصلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- ركعتين ركعتين حتى انجلى.
في السنة الرابعة أيضًا, شرع التيم بدلًا عن الغسل والوضوء تخفيفًا
__________
1 سبق.
2 سبق.
3 أخرج أبو داود عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقطع الزبير حضر فرسه, فأجرى فرسه حتى قام, ثم رمى بسوطه فقال: "أعطوه حيث بلغ السوط" "3/ 177" وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت انقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رأسي وهو مني على ثلثي فرسخ. في النكاح "7/ 45".
(1/186)

ورحمة بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} 1، وذلك في غزوة المريسع1, في قصة عقد عائشة الذي ضاع وأقاموا يبحثون عنه على غير ماء, وليس معهم ماء كما في الصحيح2، والتحقيق عند أهل الأصول أن التيمم إن كان لفقد الماء فليس برخصة؛ لأنه لم يكن الوضوء قط واجبًا في تلك الحالة فرخص في تركه، بل ثبت في مسلم أنهم صلوا بدون وضوء, وما ثبت أمرهم بالإعادة3، وقول عمار بن ياسر في حديث أبي داود4 إنه رخصة مجاز، نعم إن كان لمرض فهو رخصة.
وما وقفت على حديث قط فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تيمَّمَ لمرض, ولا التصريح في حديث أنه تيمَّم لجنابة، نعم أفتى لأصحابه بالتيمم لها -صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت تيممه في حديث عائشة في الصحيح5، وهو حديث عمار بن ياسر في أبي داود6، وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني7، وفي حديث ابن عمر عند أبي داود والدراقطني8، وهو حديث البخاري عن أبي جهيم في التيمم لرد السلام9، فهي ثلاث مرات, وإن تعدد رواتها ومخرجوها.
__________
1 المائدة: 6.
2 قال المؤلف -رحمه الله: المريسيع -بضم الميم وفتح الراء وبعد الياء الساكنة سين مهملة ممدودة بالكسر وأخره عين مهملة- اسم موضوع بالحجاز.
3 حديث عائشة في فرض التيمم رواه الجماعة إلّا الترمذي: البخاري "1/ 87"، ومسلم "1/ 191"، وأبو داود "1/ 86"، والنسائي "2/ 233"، وابن ماجه "1/ 188".
4 مسلم "1/ 192".
5 انظر تخريجه في "الفقرة/ 2".
7 أبو داود "1/ 86".
8 أحمد "5/ الحديث رقم 3262". ط. دار المعارف. وفي "4/ رقم 2396"، وفي مجمع الزوائد "1/ 263".
9 في الطبعة المغربية "أبي الجهضم" وصوابه ما أثبتناه، والحديث في البخاري في التيمم لرد السلام "1/ 88".
(1/187)

حد القذف، الحجاب والاستيذان:
شرع في السنة الرابعة أيضًا حفظًا للأعرض، بسب قصة الإفك التي ابتليت فيها عائشة -رضي الله عنها, وبرَّأها الحق سبحانه في كتابه في خبر مطوّل كما في الصحيح أيضًا1، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2, وقد حد حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ممن خاضوا في الإفك، وترك حد عبد الله بن أُبَيّ بن سلول سدًّا للذريعة لعصبيته ونفاقه.
شرع في السنة الرابعة أيضًا في قصة زواجه -عليه السلام- بزينب بنت جحش، وحديث أنس بذلك مكرر في البخاري4، وفيه نزل قوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} الآية5. فهذا حجاب خاص سُدِلَ على بيت النبوءة الأعظم، ثم نزل الحجاب العام تلك السنة أيضًا.
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ, وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ
__________
1 متفق عليه: البخاري في تفسير سورة النور "6/ 127"، ومسلم في التوبة "8/ 112".
2 النور: 4.
3 أخرج الحاكم في الإكليل أن من جملة من أقيم عليه الحد عبد الله بن أُبَيّ بن سلول "انظر نيل الأوطار" "6/ 284".
4 البخاري في الاستئذان "8/ 65".
5 الأحزاب: 53.
(1/188)

وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} 1 واستثنى من ذلك من لا ريبة في كشفها فقال: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} 2.
بهذا انسدل الحجاب على نسوة الإسلام الحرائر، واستراحت الضمائر وأمنت الفتنة, وذهبت "الظنة"3، وتمَّ الاحترام، وعظم بذلك الإنعام.
وشرع الاستيذان في جميع البيوت أخذًا بالحيطة فقال تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم} 4، وهذا ما يسمَّى بالحرية الشخصية والحرمة الأفرادية، فلا يجوز التهجم على البيوت ولا دخولها إلّا بإذن، أو إن كان هناك موجب شرعي ثابت ببينة تستحل به الحرمة، وإلّا فلا، ولا تضيق على النسوة المسلمات في ذلك، لإنهن ألفنه وهو من التكاليف الدينية التي ترتاح لها الضمائر المؤمنة، وتتلقاها بالانشراح وإن كانت نزيهة أبية, ولا أقرَّ لعين مؤمن ولا مؤمنة منه ولله الحمد، ولا محوج لغيرنا أن يتدخل في شئوننا الداخلية التي هي حيوية لنا كهذه، فإذا لم تحمله على انتقاده غبطة فحسد، ولا ينقضي عجبي من رجل يدعي أنه مسلم وينتقده، أو يزعم أن ليس في الشريعة ما يدل عليه، أو لم يكن في الصدر الأول.
__________
1 النور: 30، 31.
2 النور: 60.
3 في الطبعة المغربية "الضنة" بالضاد المعجمة ولا يستقيم المعنى، و"الظنة" التهمة.
4 النور: 27، 28.
(1/189)

الحج والعمرة:
الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، شرع في السنة الرابعة أيضًا، إذ نزل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 1، بدليل ذكره في حديث ضمام بن ثعلبة2، وقدومه كان سنة خمس على ما عند الواقدي3, وسلمه في فتح الباري مستدلًا به، فإذا ضممنا هذه إلى كونه عليه
__________
1 آل عمران: 97.
2 سبق تخريجه.
3 انظر ترجمته وقد سبقت.
(1/189)

السلام- إنما حجَّ سنة عشر, مع إمكان أن يحج سنة سبع وثمان وتسع، أنتج لنا أن الحج واجب على التراخي لا الفور, خلافًا لمن ضيق, ثم رأيت الحافظ1 نقل عن الشافعي نحو هذا, فلله الحمد.
الحج والعمرة كانا معلومين عند العرب, وكانوا يقيمون موسم الحج كل عام، وذك من بقايا شريعة إبراهيم -عليه السلام، قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} 2, إلا إنهم زادو فيه ونقصوا، كتركهم الوقوف بعرفة, والسعي بين الصفا والمروة، وجعلهم النسيء في أشهر الحج، فجاءت شريعة الإسلام بتقرير ما كانوا يعرفونه من الحجّ، وأصلحت ما أفسدوه منه, حتى رجع لما كان عليه زمن إبراهيم -عليه السلام.
وقد حجَّ -عليه السلام- قبل الهجرة مرتين قبل وجوبه, على نحو ما كان يحج إبراهيم, ولم يخرج عنه إلى ما غيرته الجاهلية، أما بعد الهجرة فلم يحجّ إلا حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة, فيما بيَّنَ لهم المناسك بالفعل الذي هو أقوى من القول، وقال: "خذوا عني مناسككم" 3, وهناك تمَّت شرائع الحج والعمرة، ونزل قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} 4, ونزل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} 5، فأباح التجارة في الحج وأباح تحصيل المقصدين، ونزل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} 6، ونزل: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} 7، ونزل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} الآية8، والذي وقع في السنة الرابعة هو تقرير فرضيته على كل مسلم، وكان في ذلك أيضًا تشويق لفتح
__________
1 ابن حجر العسقلاني صاحب الفتح.
2 الحج: 26-28.
3 سبق تخريجه.
4 البقرة: 197.
5 البقرة: 198.
6 البقرة: 158.
7 البقرة: 199.
8 التوبة: 37.
(1/190)

مكة، وذلك من حكمة الحج.
ومن حكمته الاجتماع والائتلاف والتعارف بين الأمم الإسلامية، وتفقُّد أحوال بعضهم, واقتباس العلوم والمتاجر وغير ذلك، فهو من المصالح الاجتماعية والدينية معًا.
وما قيل في الحج يقال في العمرة؛ لأنها قرنت به في كتاب الله, قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} 1، وقرأ علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي: "وأقيموا الحج والعمرة لله" خرج الطبري بأسانيد صحيحة عنهم2، هكذا يقول الشافعية والحنابلة، وقال المالكية والحنفية: بعدم وجوب العمرة، متمسكين بالبراءة الأصلية.
ولم تذكر في حديث جبريل المبين لقواعد الإسلام، ولا في حديث بُنِيَ الإسلام على خمس، بل حديث ضمام بن ثعلبة تضمَّن نفي وجوبها حيث قال: هل عليّ غيرها فقال: "لا, إلا أن تطوّع" 3 وأما الآية السابقة فغاية ما فيها أنها قرنت مع الحج، ودلالة الاقتران ضعيفة كما علم في الأصول، ومع هذا فهي عند المالكية والحنفية من آكد السنن، وهي عنندنا مما يتعيّن بالشرع، ولذلك لما صُدَّ -عليه السلام- عن البيت عام الحديبية قضاها في عام عمرة القضية بعده، وقال مالك: ليس بقضاء, وفيها بيَّن لهم تتمة أحكامها بالفعل، ثم في عام الفتح، وعام حجة الوداع، حيث اعتمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها أيضًا، فقد ثبت في الصحاح أنه اعتمر أربع مرات بعد الهجرة، وهي المبينة آنفًا.
__________
1 البقرة: 196.
2 قراءة شاذة وإن صحت أسانيدها، لمخالفتها للمصحف الإمام.
3 سبق تخريجه.
(1/191)

صلاة الاستسقاء، الإيلاء، أحكام الصلح والسلم:
في السنة الخامسة صلاها بهم -عليه السلام- في رمضان فسقوا.
في السنة الخامسة أيضًا نزل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1, وكان في الجاهلية طلاقًا فخُفِّفَ.
قال الشافعي: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق, فأُقِرَّ الطلاق طلاقًا, وحكم في الإيلاء والظهار بما بيَّنَ القرآن. نقله في فتح الباري2, ويروى نحوه عن ابن عباس.
في السنة السادسة كانت الحديبية, خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة لا يريد قتالًا بل العمر فقط، فصدوه عن البيت ووقعت بيعة الرضوان, ووجّهت قريش سفيرهم سهيل بن عمرو إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, فانعقد الصلح بينهما لمدة، ووضعت الحرب أوزارها, وتقررت شروطه وكتبوا ذلك، ومن جملة الآيات التي نزلت في السلم قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 3، وكان نزل قبل ذلك: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} 4، وقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} 5، فالشريعة كلها تحض على السلم الصحيح المبني على إقامة العدل وشرف الأمة، وتأبى الحرب إلّا لضرورة إيجاد السلم به، إذ الحرب إذا تعيَّن طريقًا للسلم كان سلمًا، ومن القضايا الأولية "إذا أردت السلم فاستعد للحرب"، وبذلك الصلح أمنت الدعوة للإسلام من المعارضة، وانتشرت دعاة
__________
1 البقرة: 226.
2 فتح الباري "9/ 350" ط. الخشاب.
3 الأنفال: 61.
4 محمد: 35.
5 الممتحنة: 8.
(1/192)

الإسلام في الآفاق، وانتشر الدين، وانكشفت للعرب حقائق مبادئه العالية، فقبلوها, فدخلوا في الدين أفواجًا، لزوال حاجز الحرب وضغط قريش، فحصل الإسلام من الحروب السابقة على حرية الظهور والتبليغ والانتشار, وأمنوا على الحرية القولية والفكرية، بل انتشرت الدعوة إلى ما وراء بلاد العرب، فقد بعث -صلى الله عليه وسلم- رسله وكتبه إلى الملوك المجاورين كالمقوقس ملك مصر، بل إلى أعظم ملوك الأرض إذ ذاك؛ كسرى ملك فارس، وهرقل عظيم الروم, في هذه السنة.
(1/193)

أحكام المحصر، جزاء الصيد وصيد المحرم:
في السنة السادسة أيضًا خرج -عليه السلام- معتمرًا ثم تحلَّل لما أحصر عن البيت, وبيَّن لهم أنه تكون العمرة العام القابل كما وقع في عقد الصلح بالحديبية, التنصيص عليه, قال تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 1، وهل المحصر هو من منعه العدو أو من منعه المرض؟ وهل من منع بأحدهما يتعيّن عليه قضاء أو هدي أو لا يجب شيء؟ في المسألة خلافٌ ينظر في كتب الخلافيات، ومذهب مالك في ذلك أوسع المذاهب.
في السنة السادسة أيضًا نزل قوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} 2.
والجمهور على أن المخطيء كالعامد في ذلك, وفيها تحريم صيد المحرم أو ما صيد له أيضًا، قال تعالى في سورة المائدة التي هي آخر ما نزل من السور: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} 3.
__________
1 البقرة: 196.
2 المائدة: 95.
3 المائدة: 96.
(1/193)

تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام:
في السنة السادسة حرِّمت على ما جزم به الحافظ الدمياطي1, ورجحه القسطلاني, ومال إليه الحافظ2 في كتاب الأشربة، خلاف ما له في التفسير, فإنه مردود بما ذكره في حديث وفد عبد القيس3 من كتاب الإيمان، وهذا الحديث في رواية أبي مصرح بحرمة الخمر، وقد صرَّح الحافظ في المغازي أن وفادتهم كانت سنة خمس, فيكون تحريم الخمر سنة خمس أو قبلها على التحقيق، وفيها نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 4 وهي رابعة الآيات التي ذكر فيها حكم الخمر في القرآن.
الأولى: قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} 5، وهذه مكية إذ كانت الخمر حلالًا لهم يشربونها، خلافًا لمن حَكَى إجماع الملل والنحل على حرمة شرب ما أسكر وغيب العقل منها, فإن هذه الآية تفهم الحلية إذا كان سكرًا أي: مسكرة بالفعل، وكانوا يسكرون كما وقع لسيدنا حمزة لما بقر بطني ناقتي سيدنا علي -كرم الله وجه الجميع، وقصتها في الصحيحين6، وفيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على حمزة وهو سكران, ولم ينقل أنه عتب عليه في السكر ولا عد ذلك قادحًا فيه ولا مرتكبًا إثمًا, وقد اعترض القشيري على القفال7 في حكايته إجماع الملل والنحل على حرمة ما يزيل
__________
1 لعله عبد المؤمن بن خلف الدمياطي أبو محمد شرف الدين، من أكابر الشافعية، ت سنة 507 هـ، "طبقات الشافعية للسبكي" "10/ 102".
2 ابن حجر العسقلاني صاحب "الفتح", وهو مراده كلما أطلق لفظه "الحافظ".
3 أخرجه أبو داود في الإيمان "1/ 21"، ومسلم في الإيمان أيضًا "1/ 35", وأبو داود "3/ 330"، النسائي "8/ 289". كلاهما في الأشربة.
4 المائدة: 90.
5 النحل: 97.
6 متفق عليه: البخاري في الخمس "4/ 65"، ومسلم في الأشربة "6/ 85".
7 لعله يقصد بالقفال محمد بن علي بين إسماعيل الشاشي أبوبكر القفال، ت سنة 365هـ. انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي "3/ 200"، وأما القشيري فهو بكر بن محمد بن العلاء أبو الفضل المالكي: ت سنة 344هـ، "الدنيا المذهب" "1/ 313"، وقد ترجم لهما المؤلف في القسم الثالث.
(1/194)

العقل، وقال: تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولو غيبت العقول، ويدل لما قلنا الآيتان الآتيتان قريبًا، وأسباب نزولهما.
الثانية: قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} 1 نزلت في عمر وحمزة ومعاذ بن جبل, قالوا: يا رسول الله, أفتنا في الخمر والميسر, فإنههما مذهبتان لعقولنا، متْلِفَتَان لأموالنا, فنزلت، فتركها قوم تحريًّا عن الإثم، وشربها آخرون للمنافع، ولا شك أن من تركها قدَّم درأ المفاسد على جلب المصالح، ومن شربها وقف مع ظاهر التخيير الذي لا جزم فيه بالمنع، ولعله كان لم ينزل قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ} 2 وإلا فوجود الإثم الكبير كان في فهم التحريم.
الثالثة: قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} 3 نزلت في عليّ بن أبي طالب، دعاه وعبد الرحمن بن عوف رجل من الأنصار، فسقاهما قبل أن تحرَّم الخمر، فأمهم عليّ في المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون, فخلط، فنزلت: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية. رواه أبو داود4, فحرم تناولها في أوقات الصلوات, فتركها قوم عند وقت الصلاة خاصة، وقوفًا مع الظاهر، وتركها قوم مطلقًا أخذًا بسد الذرائع.
الرابعة: هي الآية السابقة: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية، وسبب نزولها: أن سعد بن أبي وقاص أضافه5 عتبان بن مالك في جماعة؛ فأكلوا وشربوها فثملوا وانتشوا وتناشدوا الشعر, ففخر عليهم سعد, فخيّر المهاجرين على الأنصار, فضربه رجل منهم فشجَّه في أنفه, فأنزل الله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية. رواه مسلم بمعناه في المناقب6, وزاد غيره فقال عمر: اللهم بيَّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية بالتحريم بتاتًا، فأراقوها فلي أزقَّة المدينة، وكسروا أوانيها7، فهذا من الأحكام التي نزلت تدريجًا كما سبق.
__________
1 البقرة: 219.
2 الأعراف: 33.
3 النساء: 43.
4 أبو داود "3/ 325".
5 قال المؤلف -رحمه الله: عتبان -بكسر العين وتضم- صاحبي جليل من الأنصار.
6 مسلم "7/ 125".
7 روى الزيادة أبو داود في الأشربة "3/ 325"، والترمذي في تفسير سورة المائدة "5/ 253".
(1/195)

الظهار، المسابقة:
كان العربي إذا قال لزوجه: هي عليه كظهر أمه, عد طلاقًا وتحريمًا للزوجة، وأقرَّه الإسلام ثم نسخ، وذلك في السنة السادسة، فنزل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} 2 فكانت الكفارة تخفيفًا ورحمة، وأول ظهار كان في الإسلام كما رواه ابن شاهين وابن منده3, ظهار أوس بن الصامت صنو عبادة بن الصامت، ظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة، وهما المعنيان بالآية السابقة, وتقدَّم حديثهما في الصفحة 4، 4 وهو من الأحاديث الجامعة بين الناسخ والمنسوخ، إذ فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أولًا بفراقها، قال بعض الشراح: وذلك كان أولًا تقريرًا لما كان عليه أمر الجاهلية ثم نسخ.
قال الحافظ أبو محمد الدمياطي5: في السنة السادسة سابق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الخيل, فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق, وهو أول مسابقة في الإسلام
__________
1 روى الزيادة أبو داود في الأشربة "3/ 325"، والترمذي في تفسير سورة المائدة "5/ 253".
2 المجادلة: 1-4.
3 ابن منده: هو الحافظ أبو عبد الله بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصفهاني، ت سنة 395هـ، ترجم له المؤلف بإيجاز في القسم الثالث، وانظر: "تذكرة الحفاظ" "3/ 338"، وأما ابن شاهين فهو عمر بن أحمد بن عثمان أبو حفص، ت سنة "385هـ."تاريخ بغداد" "11/ 265".
4 من الطبعة المغربية.
5 سبقت ترجمته.
(1/196)

وذكر ذلك غير واحد من العلماء. من سيرة الشامي1، وذلك دليل ما كان له -عليه السلام- من الاهتمام بأمر الخيل وتربيتها، وقال: "الخيل معقود في نواصيها الخير يوم القيامة" 2, وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} 3.
__________
1 وهي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، من تصنيف محمد بن يوسف الصالحي، ت سنة 942هـ، وطُبِعَ من كتابه هذا ثلاثة أجزاء حتى سنة 1395هـ بالقاهرة. "شذرا الذهب" "8/ 250".
2 متفق عليه: البخاري في المناقب "4/ 253"، ومسلم في الزكاة "3/ 72".
3 الأنفال:60.
(1/197)

الوقف، حد الحرابة وهي إفساد السابلة:
بعد اقتسام غنيمة خيبر استشار عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في سهمه منها وحبسه في سبيل الله, فكان سنة المسلمين في التحبيس على أنواع البر والإحسان، قيل: هو أول حبس في الإسلام.
كان تشريعه في السنة السادسة أو السابعة, وأقامه النبي -صلى الله عليه وسلم- على النفر الذين حاربوا وقتلوا راعي النبي -صلى الله عليه وسلم, وسمَّروا عينه وغدروا وارتدوا واستاقوا ذود الصدقة، وهم من عكل وعرينة، قدموا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي ضعاف الأجسام بالجوع، فمرضوا بحمى المدينة، فبعهثم إلى أبل الصدقة خارج المدينة يشربون ألبانها وأبوالها يستشفون بذلك، فلمَّا شُفوا غدروا وفعلوا فعلتهم هذه، فوجَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- في أثرهم فأدركوا، ولما أُتِيَ بهم نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} 1 فأقام الحد عليهم واقتصَّ للراعي بغاية الصرامة, لئلَّا يعود غيرهم, وكانت هذه القصة ما بين السادسة والسابعة، قال قتادة2 روايه في البخاري: فحدَّثني محمد بن سيرين3 أن ذلك
كان قبل أن تنزل الحدود زاد قتادة كما في مغازي البخاري: وقبل النهي عن المثلة4.
__________
1 المائدة: 33.
2، 3 قتادة بن دعامة الدوسي, ومحمد بن سيرين, من كبار التابعين، تأتي ترجمتهما في القسم الثاني.
4 البخاري "5/ 164".
(1/197)

تحريم لحوم الحمر الإنسية ونحوها، المزارعة والمساقاة، حرمة مكة
...
تحريم لحوم الحمر الإنسية ونحوها، المزارعة والمسافاة، حركة مكة:
في السابعة أيضًا, في غروة خيبر حرِّمَت لحوم الإنسية.
إن العرب كانوا يأكلون جميع الحيوانات لا يكترثون، وإن كان بعضهم يأنف من بعضها كالخنزير، فجاء الدين بتحريم لحوم الحمر الإنسية في هذه السنة بالسُّنَّة، والبغال مقيسة عليها قياس شبه كما سبق، وكذلك الخيل في قول مالك، قيل: ولم يوجد في السُّنَّة ما يدل عليه، واستدل بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ} 1 الآية كما تقدَّمَ، وقيل: حلال, وقيل مكروه, وهو المشهور عندنا, وقد سبق أيضًا، ووردت السُّنَّة بالنهي عن كل ذب ناب من السباع, وذي مخلب من الطير، وقد تقدَّم لنا ما قيل في ذلك2.
في السابعة أيضًا شرعت أحكامها، لما عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- يهود خيبر على أن يعملوا في أرضهم ونخيلهم بالنصف، وكان في صدر الإسلم إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنِحَ أرضًا، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة. رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن المسيب3.
في السنة الثامنة فتح الله على نبيه الحرم المكي فدخلها لابس السلاح غير محرم، ودخلها عنوة، وقيل صلحًا، وأبيحت له ساعة من النهار خصوصية
__________
1 النحل: 80.
2 تقدَّم.
3 أخرجه البخاري في الوكالة "3/ 137"، ومسلم في البيوع "5/ 26"، وأبو داود "3/ 626"، والنسائي "7/ 49".
(1/198)

له، ثم خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "إن مكة حرمها الله, ولم يحرمها الناس، وإن الله أباحها لنبيه ساعة من نهار، وعادت لها حرمتها كما كانت بالأمس، لا ينفر صيده, ولا يعض شجرها" الحديث1، والمراد بتحريمها أن تكون الحياد, ولا تجعل محلًّا عسكريًّا, ولا ميدانًا للمنافسة السياسية, بل محل عبادة ونسك, فالحنفية يقولون: ولو التجأ إليها البغاة, أو من وجب عليه قصاص ضُيِّقَ عليهم حتى يسلموا، ولا قتال ولا قصاص بالحرم أصلًا، وغيرهم يقول: "إن الحرم لا يجير عاصيًا ولا فارًّا بخربة" كما ثبت في السنة2, وعليه فيقاتلون في الحرم، فالفرق بينها وبين غيرها إنما هو وجوب جعلها محايدة ما أمكن، أما ترك البغاة بها بأنه يؤدي لفساد النظام وذاك ظاهر، فيحاربون بها إن دعت لذلك ضرورة حربية، وتقام لها الحدود والقصاص كغيرها من البلدان.
__________
1 تقدَّمَ تخريجه.
2 متفق عليه: البخاري "3/ 18"، ومسلم "4/ 110".
(1/199)

القصاص:
في السنة الثامنة كان أول قود في الإسلام، أقاد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة رجلًا من هذيل برجل من بني سليم, بحكم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} 3، وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} 4، وقال تعالى: {لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} 5، وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} 6.
وكان القصاص معروفًا عند العرب كما تقدَّمَ في التمهيد الثاني، ولكن الإسلام ضبطَه وحرَّرَ نظامه، فمن تمسك بعموم ما سوى عجز الأولى7، قال:
__________
3 البقرة: 178.
4 المائدة: 45.
5 الإسراء: 33.
6 البقرة: 179.
7 أي: تمسك بالعموم في صدر الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى....} على أنه مستقل عن عجز الآية فلا يخصصه، وهذا مذهب الحنفية.
(1/199)

إن القصاص عام, وأفراد بني آدم متكافئون إلا الحربيين، ومن تمسَّك بعجز الأولى قال: لا بُدَّ من الكفاءة بالدين والحرية، فلا يُقْتَل مسلم بكافر كما هو لفظ الحديث الصحيح1، ولا حرّ بعبد، نعم, اتفق الكل على قتل الرجل بالمرأة، والمسألة طويلة الذيل في كتب الفروع والخلافيات، ومن نظام القصاص أن الحق في طلبه أو العفو لولي المقتول وللوالي السجن، وغيرنا من الأمم يرى أن الحق فيه لولي الأمر على تفاصيل في المسألة.
__________
1 وهو حديث صحيفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه, أصله في الصحيحين، انظر ص53، وأما اللفظ المذكور فأخرجه الجماعة سوى مسلم.
(1/200)

منع بيع الخمر، نكاح المتعة:
في الصحيحين عن جابر أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" 2، فقال القياسيون،: وكل ما هو محرَّم العين, فإن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب بالمدينة، فقال: "يا أيها الناس, إن الله يُعَرِّض بالخمر, ولعل الله سينزل فيها أمرًا, فمن كان عنده منها شيء ليبعه ولينتفع به" , قال: فما لبثنا يسيرًا حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرَّم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع" فسفكوها3، وقد قال -عليه السلام:"لعن الله اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فجملوها -أي: أذابوها- وأكلوا ثمنها" , وهو في الصحيح4.
هو نكاح إلى أجل يشترطه أحد الزوجين، وكان مباحًا لضرورة الغزو والسفر، ثم نُهِيَ عنه في غزوة خيبر، ثم أبيح، ثم نُهِيَ عنه في غزوة الفتح، ثم أبيح في غزوة أوطاس بعدها ثلاثة أيام، ثم منع، وكان ذلك سنة ثمانٍ فلم يبح
__________
2 البخاري "3/ 110"، ومسلم "5/ 41".
3 أخرجه مسلم في البيع 5/ 41".
4 متفق عليه: البخاري "3/ 107"، ومسلم "5/ 41".
(1/200)

بعد ذلك1.
__________
1 روى الحسن وعبد الله بن محمد بن علي بين أبي طالب عن أبيهما عن علي -رضي الله عنه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح المتعة, وعن لحوم الحمر الإنسية. أخرجه الشيخان، البخاري "7/ 16"، ومسلم "4/ 134" فأجمع علماء الإسلام على تحريم المتعة امتثالًا لما روى علي بن أبي طالب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولم ثبت من الأخبار الأخرى، وشقَّت الرافضة العصا ورمت برواية علي وغيره عرض الحائط فأباحت المتعة، قال ابن المنذر: ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الرافضة, ولا معنى لقولٍ يخالف كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم. "نيل الأوطار" "6/ 136"، وأمَّا قول المصنِّف: ثم أبيح في غزوة أوطاس: فهو ما كان في فتح مكة، روى سبرة الجهني أنه -صلى الله عليه وسلم- إذن لهم في متعة النساء في فتح مكة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله حرَّم ذلك إلى يوم القيامة ... " الحديث. فدلَّ على تأييد التحريم، أخرجه مسلم "4/ 132".
(1/201)

الحدود والتعازير:
في السنة الثامنة أيضًا قطع يد المرأة المخزومية التي سرقت بمكة بحكم قول الله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} 1، وكان شفع فيها أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، فقال له: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ " مع أن المرأة ابنة أخي أبي سلمة ابن عبد الأسد, صنو النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرضاع, الذي كان زوج أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين قبل أن يتزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم, وقد أهمّ أمرها قريشًا, ولم ينفعها ذلك، فقد خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا أذنب فيهم الشريف تركوه، وإذا أذنب فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وايم الله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها" 2، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
والحدود وردت في الشريعة المطهرة في سبعة عشر جرمًا، بين متفق عليه، ومختلف فيه، فالمتفق عليه:
1- السرقة:
__________
1 المائدة: 38.
2 سبق تخريجه.
(1/201)

2- الردة: ويجب فيها القتل بإجماعٍ في الرجل لقوله -عليه السلام: "من بدَّل دينه فاقتلوه" 1.
3- الحرابة وتقدَّمت.
4- الزنا، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 2، وقال في حق الرقيق: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} 3، وزادت السُّنَّة تغريب عام لغير المحصن, ورجم المحصن وتقدَّمَ.
5- القذف وتقدَّمَ.
6- شرب الخمر, وتقدَّم في نسخ السُّنَّة بيانه، وسواء سكر أم لم يسكر، هكذا عدَّد الحافظ من المتفق عليه في كتاب الحدود، ولكن بعده بسبعة أوراق تعقّب على عياض وغيره في حكاية الإجماع على وجوب حد الخمر, وحكى عن طائفة من أهل العلم أنه لا حدَّ فيه, وإنما فيه التعزير، نقل ذلك عنهم الطبري وابن المنذر وغيرهما، ثم أجاب عنه، ولكن فيه قول عن ابن عباس: إنه لا حدَّ فيه ولا زجر، نقله هو فانظره4.
ومن المختلف فيه:
1- جحد العارية: قال أحمد وإسحاق بن راهويه: هو كالسرقة, بل منها؛ لأن حديث المخزومية ورد في بعض ألفاظه: "كانت تستعير المتاع وتجحده" كما في الصحيح5.
2- شرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، خالف فيه الحنفية إذا لم يسكر
__________
1 أخرجه الجماعة إلا مسلمًا، البخاري في الاستتابة "9/ 18"، وأبو داود "4/ 126"، والترمذي "4/ 59"، والنسائي "7/ 96"، وابن ماجه "2/ 848".
2 النور: 2.
3 النساء: 25.
4 فتح الباري "12/ 54، 57" ط. الخشاب 1325هـ.
5 سبق تخريج الحديث والزيادة المذكورة, رواها أبو داود "4/ 132"، والنسائي "8/ 64".
(1/202)

بالفعل1.
3- القذف بغير الزنا.
4- التعريف بالقذف.
5- اللواط ولو بمَن يحل له وطؤها.
6- إتيان البهيمة.
7- السحاق.
8- تمكين المرأة القرد أو غيره من الحيوان من وطئها.
9- السحر.
10- ترك الصلاة تكاسلًا، قال به مالك والشافعي، "خليل" وقتل بالسيف حدًّا, ولو قال: أنا أفعل, وخالفهما أبوحنيفة.
11- الفطر في رمضان، قيل فيه الضرب, وزيد على ذلك قتل.
12- من سبَّ واحدًا من الرسل -عليهم السلام.
13- وقتل الزنديق, والقتل فيهما من غير استتابة بخلافه في الردة.
14- وشرب الخمر إذا تكرَّر, فإنه يقتل في الرابعة أو الخامسة إلّا أنه قول شاذٌّ جدًّا.
__________
1 الخمر عند أبي حنيفة -رحمه الله: اسم للنيء من ماء العنب بعدما غلي واشتد وقذف بالزيد وسكن عن الغليان وصار صافيًا، وعند صاحبيه: وإن لم يسكن من الغليان، وما كان كذلك فهو حرام قليله وكثيره. أما الأنواع الأخرى من الأشربة، فالسكر، ونقيع الزبيب، والتمر من غير طبخ، والفضيخ، والباذق، يحرم شرب قليلها وكثيرها، ولكن دون حرمة الخمر، فلا يجب الحد بشرب قليلها حتى يسكر، وأما الطلاء، ومطبوخ التمر، والزبيب أدنى طبخ، فالقليل منه حلال طاهر، وما أسكر منه فحرام، "انظر تحفة الفقهاء للسمرقندي" "ج3/ 444-458"، و"أحكام القرآن للجصاص، "1/ 322-328"، وإن رمت التفصيل فعليك بشرح فتح القدير لكمال الدين بن الهمام "8/ من 151-169".
(1/203)

15- والجاسوس أيضًا, فإنه يقتل إن رآه الإمام.
16- والقدرية, قال جماعة من الأئمة: إن تابوا وإلّا قتلوا, بل كل مبتدع.
17- ومن طلب حريم إنسان أوماله بغير حق.
18- ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق.
وذكر ابن العربي في المائدة من أحكامه: أن القتل جاء بأكثر من عشرة أشياء بين متفق عليه ومختلف فيه فانظره1، وها أنت رأيت ستة عشرة موضعًا منها بين خلاف ووفاق، وهذا كله خارج عما تشرع فيها المقاتلة.
19- كما لو ترك قوم الزكاة ونصبوا لذلك الحرب.
20- والبغاة الخارجين على الإمام فللعدل قتالهم.
ومن المتفق عليه القصاص:
21- في النفس وفي الجراح عمدًا وتقدَّم.
فيصير شرع التقل في تسعة عشر موضعًا، ولكنها لا تخرج عن الحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والمرتد المفارق للجماعة"2. انظر الحافظ في الدماء3، فهذه الجرائم التي بينت الشريعة جزاءها, ووراء ذلك الزواجر والتعازير، فقد فوضت للإمام فيما سوى هذه الجرائم, فله أن يعزرلحق آدمي, أو مصعية الله بما شاء بقدر الحد في الجرائم التي هي كجرائمه أو أكثر فيما هو أعظم، أو أقل فيما هو أخف بما يراه، هذا قول المالكية وكثير من العلماء، "خليل" وعزر الإمام لمعصية الله أو حق آدمي، ولكن ما لم يسر إلى النفس, فإن سرى إليها ففيه تفصيل يطلب في محله، وقد ثبت أن عمر حدَّ رجلًا شرب الخمر في نهار رمضان بمائة جلدة، ثمانين حدّ الخمر وعشرين لحرمة الشهر, يعني وذلك زيادة على الكفارة المعلومة, وحدَّ بعض
__________
1 لم أجده في تفسير المائدة من أحكام القرآن.
2 متفق عليه: البخاري في الديات "9/ 7"، ومسلم في القسامة "5/ 106".
3 فتح الباري "12/ 162" ط. الخشاب.
(1/204)

الولاة رجلًا لاط بصبي ثلاثمائة ولم ينكر عليه مالك، قاله ابن العربي في الأحكام، وقد نصوا على تعزير شاهد الزور بإشهاره والطواف به, ومن أهل العلم من يرى نفيه إلى غير ذلك مما هو مقرر في كتب الأحكام. فبهذا تعلم انطباط الشريعة وما فيها من تمام النظام, كما بينَّا ذلك في غير موضع من هذا الكتاب وغيره ردًّا على مَنْ يزعم أنه ليس فيها إلّا التوعد الأخروي الذي لا يؤثر إلا في المؤمنين، وأن ذلك سبب فوضى الأحكام وعدم النظام عند المسلمين في هذه الأزمان، وهذا ضلال مبين ومغالطة، فبأي حق نظروا لحاضر المسلمين ولم ينظرو لماضيهم، أجهل منهم بتاريخ الإسلام أم تجاهل؟ وبأيّ حقٍّ ينتقدون شريعة يجهلون ما فيها من الزاجرين: الزاجر الأخروي والزاجر الدنوي؟ فهل أمس بالنظام من بقية الشرائع، نعم فوضت في بقية الزواجر لولي الأمر لتكون مطابقة لكل زمان ومكان بتغير الأحوال, ولو أنها بينتها وحددتها لملأوا علينا العالم صراخًا بأنها لم تبق صالحة الآن لتغير الأحوال, كما قالوا في حد السرقة والزنا, بل في القصاص، وإذ ذاك يتذمرون بأنها حجزت عليهم كل شيء من مصالحهم, فيالله من عمائهم، ومسألة النظام في الإسلام لأهميتها خصَّصت لها تأليفًا خاصًّا فلينظره من شاء التوسع في الموضوع.
(1/205)

زيادة القبور:
كانت ممنوعة في صدر الإسلام لأنها أعظم أسباب سريان الأفكار الوثنية، فلما تقررت مبادئ الدين ورسخت أبيخ ذلك. قال الطيبي1 في "شرح المشكاة": لم فتح -عليه السلام- مكة سنة ثمان, زار قبر أمه فقال -عليه السلام: "استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي, فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" 2، وفي الصحيح: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها, ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلّا في سقاءٍ فأشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا" 3.
__________
1 الحسين بن محمد بن عبد الله شرف الدين الطيبي، ت. سنة 743هـ، "الدرر الكامنة" "2/ 156".
2، 3 أخرجه مسلم في الجنائز "3/ 65".
(1/205)

غير أن القصد من الزيارة: التذكير والاعتبار، ثم الدعاء والاستغفار للموتى، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في زيارة شهداء أحد، لا لطلب نفع من الميت، أو دفع ضر, فلا مسوغ لذلك، وهل أبيحت الزيارة للذكور فقط أو الإناث؟ خلاف1.
__________
1 لا شك أن في زيارة القبور من القربان، لأنها تذكر بالآخرة والموت، ويضم إلى هذا المعنى "في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وقبور المسلمين عامة" معنى آخر، هو السلام عليهم دار قوم مؤمنين، والدعاء لهم والاستغفار أوقعهم في الأفكار الوثنية التي من أجلها منع الصحابة في أول الأمر من زيارة القبور كما يقول المصنف، وهي افتتان القلوب بسكَّان تلك القبور "خاصة إذا كانوا من الأنبياء، والصالحين"، وتعلقها بهم، حتى تقع في المحظور بدعائهم، والاستغاثة بهم، وطلب المنفعة منهم، أو دفع المضرة بواسطتهم، وهذا هو عين الشرك الذي بُعِثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمحاربته والقضاء عليه, حتى تخلص القلوب تعلقها بالله، وتوجّه عبادتها إليه وحده، ومن رأى ماذا كان يصنع الجاهليون عند قبور الشهداء بأحد بالمدينة النبوية في أوائل هذا القرن قبل عهد التوحيد، وكذلك من يرى اليوم ماذا يصنع الضالون من أمة الإسلام حول قبر الحسين أو قبر البدوي في مصر، وحول قبر محي الدين بن عربي في الشام، وماذا يصنع الروافض حول قبور آل البيت في العراق وإيران، وماذا جنى أهل الخرافة من عظائم الأمور في الهند، يعلم مدى ما آلت إليه زيارة القبور من حالٍ تغضب الله -غز وجل- الذي قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل علمًا أشرك به معي غيري تركته وشركه" أخرجه مسلم عن أبي هريرة "8/ 223".
(1/206)

الآداب الاجتماعية:
في السنة الثامنة وفدت الوفود من أقاصيّ البلدان، ودخل الناس في الدين أفواجًا، ونزل كثير من أحكام أدبية أجتماعية مذكورة في سورة الحجرات، التي فيه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} 2 وهذا على نظام اجتماعي عرف في تاريخ الخليقة، ولهذا صدَّرَ به -عليه السلام- في خطبة حجة الوداع لاجتماع وجوه المسلمين بها كما يأتي، وكقوله تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} 3, وقوله في حق الرسول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
__________
2 الحجرات: 13.
3 الحجرات: 12.
4 الحجرات: 1.
(1/206)

وقوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} 1، وقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} 2، وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} 3، فمضمون سورة الحجرات كافٍ للنظام الاجتماعي الإسلامي، ولي فيها تأليف خاص.
__________
1 الحجرات: 2.
2 الحجرات: 9.
3 الحجرات: 10.
(1/207)

اتخاذ المنبر، ستر العورة:
في السنة الثامنة على ما في أسد الغابة اتَّخَذ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- منبرًا ليسمع الناس، وقصته في الصحيح1.
العورة الغلظة عند مالك السوأتان، والمخففة ما سواهما مما بين السرة والركبة، وذلك من الرجل والأَمَة، أما المرأة الحرة فكلها عورة يجب سترها عدا الوجه والكفين، إن أمنت الفتنة، وإلّا فيجب سترها أيضًا، فأما ستر المرأة فتقدَّم تاريخ نزوله، وأما ستر عورة الرجل فهو فرض إسلامي تقتضيه الآداب العمومية والحشمة الإيمانية عند مالك، وإذا كان من الآداب فيجب الستر في الصلاة التي هي أحق بالأدب بالأولى، وغير مالك يقول: إنه من شروط الصلاة بحيث إذا لم يستر تبطل صلاته.
كان العرب يطوفون بالبيت عراة رجالًا ونساء, يقولون: ثياب أذنبنا فيها فلا نطوف بها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
__________
1 متفق عليه: البخاري في الصلاة "1/ 188"، ومسلم في المساجد "2/ 74".
(1/207)

فنزلت هذه الآية {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 1، وفي صحيح مسلم2 أيضًا, أن العرب كانت تطوف عراة إلا الحمس1 وهم قريش، إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا, فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وزاد غيره. ومن لم يكن له صديق بمكة يعير له ثوبًا طاف عريانًا أو ثيابه, وألقاها بعد فلا يمسها أحد، فلما بعث الله رسول الله وأنزل عليه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ، أذَّن مؤذن رسول الله ألا لا يحج بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان، كان النداء بمكة سنة تسع، قاله أبو حيان3.
أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان الستر واجبًا عليه من أول المبعث, وما رُئِيَ قط عريان منذ كان ينقل حجارة الكعبة عند بنائها وعمره خمس وثلاثون سنة, عصمه الله من ذلك، والجمهور على أن قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ، وهو ستر العورة في الصلاة والطواف معًا بدليل: {كُلِّ مَسْجِدٍ} وليس والطواف إلّا في مسجد واحد، وأن اللفظ وإن كان خاصًّا لكنه عام في الستر مطلقًا, فلا يجوز للمسلم أن يكشف عورته إلّا لزوجته أو أمته, ويكره لهما النظر لعورته إلّا لضرورة, بل لا ينبغي له الكشف منفردًا, ولا النظر في عورة نفسه إلّا بقدر الضرورة، هذا من أجمل الآداب الاجتماعية التي فرَّط فيها المسلمون وهي من شرعهم، فترى نساء البوادي عاريات, ورجال كثير من الحواضر لا يبالون بكشف العورة في الحمامات.
__________
1 الأعراف: 31.
2 مسلم في الحج "4/ 43".
3 قال المؤلف -رحمه الله: الحمس -بفتح الحاء المهملة وسكون الميم آخره سين مهملة.
3 محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حبان الغرناطي الجباني الأندلسي النفزي أثير الدين أبو حيان النحوي صاحب البحر المحيط. ت سنة 745 هـ "الدرر الكامنة" "5/ 70".
(1/208)

التوبة، اللعان:
في التاسعة أيضًا غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تبوك, وتخلف عنه رجال فأدبوا بما يليق بهم، ثم تاب ثلاثة منهم فقَبِلَ الله توبتهم ونزل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} 1، وكانت التوبة في الشرائع قبل الإسلام أصعب مما في الإسلام، فإن بني إسرائيل لم تقبل منهم التوبة من الرِّدَّة إلا بأن يقتلوا أنفسهم، بخلاف الإسلام، نعم في غير عبادة العجل كانت عندهم التوبة بون قتل, خلافًا لما نقله الأبي2 عن سفيان الثوري3, بدليل حديث الصحيحين في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا4، كما أن التوبة لا تسقط القتل عندنا في القصاص؛ لأنه حق الغير, بل ولا حدَّ الزنا عند غير الحنفية، ولا حدَّ الحرابة عندنا خلافًا لمن نقل فيه الإجماع على سقوطه، وتقدَّم أن الزنديق وسابّ الرسول -عليه السلام- لا بُدَّ فيهما من القتل, ولكن لا يكلفان بقتل أنفسهما، إن التوبة فيما بين العبد وبين مولاه مقبولة في كل ذنب حتى القتل عند الجمهور, ولا يطلب منه أن يفضح جريمته أمام الراهب كما عند النصارى، بل العبد يناجي ربه ويلجأ إليه منه, لا حاجب ولا مانع، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 5.
في التاسعة أيضًا وقعت قضية عويمر العجلاني عندما انصرف النبي -صلى الله عليه ولسم- من تبوك كما عند الدراقطني وغيره، حيث رمى زوجه بالزنى، فأنزل الله فيه:
__________
1 التوبة: 117.
2 محمد بن خلفة بن عمر الأبي الوشتاتي المالكي, من كتبه "إكمال إكمال المعلم لفوائد كتاب مسلم" جمع فيه بين شروح: المزري والقاضي عياض والنووي على مسلم، ت سنة 827هـ "البدر الطالع" "2/ 169".
3 سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري, من أتباع التابعين، تأتي ترجمته في القسم الثاني.
4 البخاري في بدء الخلق "4/ 211"، ومسلم في التوبة "8/ 103".
5 غافر: 60.
(1/209)

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 1, فحكم بينهما بذلك, وتلاعنا في المسجد النبوي على الكيفية المبينة في الآية, وفرِّقَ بينهما2، وصارت سنة المتلاعنين، وأما حديث ملاعنة هلال بن أمية الضمري الذي في الصحيح "أنه أول من لاعن" فذكر أبو عبد الله أخو المهلب بن أبي صفرة أنه خطأ, وأن الذي لاعن هو عويمر العجلاني، نقله الأبي في شرح مسلم3.
__________
1 النور: 6-9.
2 الدراقطني "3/ 277".
3 حديث الملاعنة عليه: البخاري في الطلاق "7/ 69", ومسلم في اللعان "4/ 205".
(1/210)

صلاة الجنازة وتكبيراتها، منع المشركين من دخول مكة
...
صلاة الجنازة وتكبيراتها، منع المشركين من دخول الكعبة:
في التاسعة أيضًا تقرَّر عدد تكبيراتها وهو أربع تكبيرات؛ إذ فيها توفي النجاشي ملك الحبشة, فنعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في اليوم الذي توفي فيه، وخرج بهم للبقيع فصفَّهم، كبَّر أربعًا ودعا، فاستقر العمل في ذلك، وكان قبله تارة يكبِّر أربعًا وتارة أكثر وأقل.
في التاسعة أيضًا انتهت المدة التي كانت بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين، فنبذ إليهم عهدهم, ووجه أبا بكر فحجَّ بالناس ومعه علي يبلغ عن رسول الله لهم سورة براءة التي فيها الأمر بانجلاء المشركين عن مكة، وتحريم دخولها عليهم بعد أربعة أشهر من حج أبي بكر، وقال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} 1 ونزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} 2 وطهَّر الله الحرم منهم كما كان طهره من الأصنام سنة ثمان.
__________
1 التوبة: 3.
2 التوبة: 28.
(1/210)

صلاة كسوف الشمس، حديث جبريل في الإيمان والسلام والإحسان:
في السنة العاشرة كسفت الشمس بعد موت إبراهيم بن مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال الناس كسفت لموته، فخطبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته, ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده, فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة" 1 كما في الصحيح, ثم صلَّى صلاة الكسوف بهم جامعة على الكيفية المذكورة في الصحيح. وقيل: إن الكسوف تكرَّر في الزمن النبوي, لذلك اختلف الرواة في كيفية صلاته, ونقل الأبي في شرح مسلم أن كسوفًا كان في غزوة خيبر التي كانت في المحرم سنة سبع, فالله أعلم.
في العاشر أيضًا جاء جبريل في صورة رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب, فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان؟ فعرَّفه له بقوله: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره, والإسلام؟ " فعرفه له بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، والإحسان؟ فعرفه له بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وعن أشراط الساعة؟ فبينها له, فلما أدبر قال: "ذاك جبريل جاء يعلمكم دينكم" 2 وهذا حديث أبواب من الفقه، وأحكام علم التوحيد، وعلم التصوف، وعليه رتب العلماء كتبهم الموضوعة في الفنون الثلاثة.
__________
1 متفق عليه: البخاري "1/ 42"، ومسلم "3/ 27".
2 روه الجماعة: البخاري "1/ 20"، ومسلم "1/ 28"، وأبو داود "4/ 223"، والترمذي "5/ 6"، والنسائي "8/ 88"، وابن ماجه "1/ 24".
(1/211)

حرمة الدماء والأعراض والأموال، لا وصية لوارث:
من خطبته التي خطبها -عليه السلام- بمنى عام حجة الوداع, حمد الله وأثنى عليه, ثم قال: "أما بعد, أيها الناس، ألا إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربي على عجمي, ولا لعجمي على عربي, ولا لأسود على أحمر, ولا لأحمر على أسود, إلَّا بتقوى الله، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟ " قالوا: بلّغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم, قال: "فليبلغ الشاهد الغائب, فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع". ثم قال: "أي شهر هذا؟ فسكتوا. فقال: هذا شهر حرام, أيّ بلد هذا؟ فسكتوا, فقال: بلد حرام. أي يوم هذا؟ فسكتوا. فقال: يوم حرام, ثم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا هل بلغت, فليبلغ الشاهد الغائب". قال الناس: نعم. قال: "اللهم أشهد, ألا ومن كانت عنده أمانتة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها".
إلى أن قال: "ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم, ألا لا تظلموا, ألا لا تظلموا, إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" , إلى أن قال: "إن المسلم أخو المسلم, إنما المسلمون إخوة". إلى أن قال: "إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله, لا تظلموا أنفسكم, لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" 1 وقد تقدَّم بعض من هذه الخطبة ومن قوله:"دماءكم وأموالكم" ... إلخ".
استنبط حكم العلل التي هي مبنى القياس والاجتهاد كما سبق لنا في أسرار التشريع.
في خطبة الوداع قال -عليه السلام: "لا وصية لوراث" , كما في أبي داود والترمذي وتقدم ما في ذلك في ترجمة النسخ في القرآن2.
__________
1 انظر البخاري: باب الخطبة في منى كتاب الحج "2/ 215"، ومسلم: باب حجة النبي -صلى الله عليه وسلم "4/ 40".
2 سبق.
(1/212)

الوصية بالثلث، أبواب المعاملات وحرمة الربا:
في العاشرة أيضًا منعت الوصية بأكثر من الثلث في قصة سعد بن أبي وقاص, لما مرض وعاده النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: أوصي بثلثي مالي؟ فقال: "لا, لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكفَّفون الناس" إلى أن قال له: "الثلث والثلث كثير" 1 والحديث بذلك في الصحيحين.
قد نظَّمت الشرعية أبواب المعاملات بأمرين:
الأولى: أمرت بالوفاء بالعقود، ففي السنة العاشرة نزلت المائدة التي أولها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 2, وهي العقود الصحيحة شرعًا, الخالية من المفاسد الاجتماعية والدينية والأدبية.
الثاني: أوجبت الصدق على المتعاقدين وترك الغش والأيمان الفاجرة، والآيات والسُّنَّة في هذا كثيرة لا نحتاج لجبلها، ومن جملة آي القرآن المبني عليها المعاملات الشرعية ذات الأبواب الواسعة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} 3، وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 4. أما الربا ففي العاشر نزلت آية حرمة الربا التي في آخر البقرة، وفي صحيح مسلم عن فضالة بن عبيد: "كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا وزنًا بوزن" 5 فيقتضي أنهم في غزوة خيبر كانوا يتعاملون بالربا، وقد كانت في المحرم سنة سبع، والتحريم كان بأثرها على ظاهر
__________
1 البخاري "4/ 3"، ومسلم "5/ 7".
2 المائدة: 1.
3 النساء: 29.
4 البقرة: 188.
5 مسلم في البيوع "5/ 46".
(1/213)

الحديث, ولا ينافيه تأخُّر نزول الآية إلى السَّنَة العاشرة؛ لأن تحريم الربا مما نزل تدريجيًّا، ففي أول الأمر حرم عليهم ما فيه الربح بأضعاف مضاعفة، لما في ذلك من الإجحاف بحقوق المحتاجين للتعامل, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} 1, ثم نسخ في حجة الوداع لما وضع ربا الجاهلية حتى ربا العباس, ففي صحيح مسلم عن جابر من حديث الطويل في الحج, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس بعرفة فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع, ودماء الجاهلية موضوعة وإن أوّل دم أضع من دمائنا دم إياس بن ربيعة بن الحارث, كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل, وربا الجاهلية موضوع, وأول ربًا أضع ربا العباس بن عبد المطلب, فإنه موضوع كله, فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله". الحديث2, ونزل في العاشرة أيضًا {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} 3 الآية، ونزل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 4 الآية، فحرم كثيره وقليله، وقد بينت السنة ما هو الربا, فكل معاملة منعت كتابًا أو سنة فهي ربا, وما سواها هو الحلال، وبهذا تفهم {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} , فالسَّلَفُ بمنفعةٍ ربا, وفيه نزل القرآن، وكان الرجل إذا حلَّ الدَّيْن عليه ولم يجد وفاءً زاده في الدَّيْن, وزاده في الأجل, وهو فسخ الدين في الدين فهو ربا، وضع وتعجل ربا، وحط الضمان وأزيدك ربا، وربا النساء ربا، وربا الفضل إذا اتحد الجنس ربًا على الصحيح، وأنواع ذلك كثيرة استقصتها كتب الفقه والخلافيات، وكان سيدنا عمر متوفقًا في أبواب من الربا لم يرد فيها نصّ، فقد خطب في آخر حياته وقال: ليت النبي -صلى الله عليه وسلم- عهد لنا
__________
1 آل عمران: 130.
2 سبق تخريجه.
3 البقرة: 275.
(1/214)

فيها. قال ابن العربي في الأحكام: صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ستة وخمسون معنى نهى عنها، ثم عددها واحدًا واحدًا, غير أن منها ما نُسِخَ كالنهي عن كراء الأرض والماء والكلأ، ومنها ما دخله التخصيص كبيع ما لم يقبض، ومنها ما هو محمول على الكراهية كبيع السنور وكسب الحجام، وذلك في كتب الفقه ثم قال: ولا تخرج عن ثلاثة وهي الربا والباطل والغرر، ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل فتكون قسمين، وهذه المناهي تتداخل ويفصلها المعنى، ومنها أيضًا ما يدخل في الربا والتجارة ظاهرًا. ومنها ما يخرج عنها ظاهرًا, ومنها ما يدخل فيها باحتمال، ومنها ما ينهي عنه مصلحة للخلق وتألفًا بينهم لما في التدابر من المفسدة1.
ثم إن أبواب المعاملات، من الفقهاء من ضيقها كالظاهرية حيث حملوها جميعًا على الفساد إلا مادل الدليل على جوازه، والجمهور على العكس، ولو أن الجمهور حملوا تدخُّل الشرع فيها على معنى حفظ مصالح الخلق, وجعلوا الأحكام فيها كلها دائرة على هذا الأصل، لاتَّسَعَت أبواب المعاملة على المسلمين، ولكنهم أدخلوا فيها التعبد لما قام عندهم من الأدلة على قصده, فضاقت المعاملة والمذاهب في ذلك غير متساوية؛ وفمذهب مالك أضيقه الصرف, وغيره لا يرى رأيه فيه، ولكن تجد لهم تضييقًا في باب غيره، وتضييق الفقهاء أبواب المعاملات كان شيئًا في أن المتمسِّكين بمذاهبهم تقل معاملاتهم ويضيق حالهم، وكل من اتسعت متاجره فإما أن يبحث عن الأقوال الشاذة فيقلدها ولا يعدمها، وإما أن ينبذ التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاته وهي الطامة الكبرى، ولو وسعوا على الناس لكان خيرًا من أن يحملوها على هذا المركب الخشن، فإنا نرى كثيرًا من الفقهاء يأخذون بالرخص لأنفسهم في كراء الأرض بما تنبت، وفي شركة الخماس، وبيع الصفقة وأمثال ذلك، فلا ينبغي للفقهاء أن يقيدو الأمة عن ما يزيد تقدمها, ولا يضيقوا عليها حتى تخلع الرسن، ولا أن يوسعوا حتى تنحلّ الشريعة، بل الاعتدال أساس من أسس الشريعة، وما جاء التضييق إلا من الأقيسة ثم الاستحسان, وإلا فالنصوص الشرعية المانعة من أنواع المعاملات قليلة جدًّا بالنسبة لما فرَّعه الفقهاء بالاستنباط المبنيّ على أصل دخول التعبد
__________
1 أحكام القرآن "1/ 243".
(1/215)

والتدين، في باب المعاملات.
وقد سألني الصدر الأعظم بتونس -حفظه الله- عن هذه المسألة قائلًا: إن اليهود ثم الأوروبيين استحوذوا على تجارة العالم لعدم تعرض شريعتهم لهم في معاملاتهم, فهل من رخصة للمسلمين كي يخرجوا مما هم فيه من الضيق المؤدي للفقر والهلاك؟ فأجبته: إن اليهود نبذوا شريعتهم وإلّا فهي تنهاهم عن الربا, أما نحن ففتح الباب على مصراعيه نبذ للشريعة. لكن كل مسألة ينظر لها رخصة, فإن وجدت في مذهب فيترخّص للضرورة1 وإلا فلا. هذا ملخص جوابي له فاقتنع به.
__________
1 ولكن هذا الباب ألّا يفتح أبدًا، حتى لا تتلاعب "الصدرو العظمى" وسائر الولاة والحكام بشرع الله, وإلا فإنهم لن يعوزهم العثور على علماء السوء الذين يستخرجون لهم شذوذات المذاهب وغرائبها ما يبيحون لهم بها كل شيء، والضرورة لا مقياس لها على وجه الدقة في زمان الفتنة، والترخص كذلك، فالأَوْلَى أن يكون الميزان هو "الحجة والبرهان" من أصول الشريعة المعروفة "الكتاب والسنة والإجماع والقياس"، والحق أحق أن يتبع.
وغريب أن يعد المصنف القياس والاستحسان من أسباب التضييق, مع أن الفقهاء إنما لجأوا إليهما للتوسعة على الأمة فيما لم ترد به النصوص وهي قليلة، أو عندما تقع المصالح في الحرج، وأكثر من استخدام هذين الأصلين الحنفية؛ لذلك كان فقههم غنيًّا بالتفريعات وبالاستنباط، كما اعتنى المالكية بقاعدة المصالح المرسلة، وكل ذلك من أسباب التوسعة والتيسير.
(1/216)

الذكاة والصيد:
غير خفي أن للذكاة عندنا حكمًا وسطًا بين إفراط اليهود وتفريط النصارى، فالأول لا يذبح لهم إلّا رئيس ديني بسكين بالغة الحد في التحديد، وفي مرة واحدة يمرها. ولا يخفى ما في ذلك من التضيق, والآخرون فرَّطوا حتى قتلوا عنق الدجاجة من غير إسالة دم، أما عندنا "فما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر" كما في الصحيح1, فكل مميز يناكح يذكى، ولو يهوديًّا أو نصرانيًّا، ولو امرأة، حضريًّا أو بدويًّا، وكل محدد يفري الودجين تصح به الذكاة ولو حجرًا أو قصبًا إلّا السن والظفر، أما الصيد فإصابته بمحدد في أي موضوع, أو بناب كل معلَّم بنية في الكل, والمحرم عندنا هو المذكور في المائدة التي نزلت في السنة العاشرة, وهي آخر ما نزل من السور. قال تعالى: {حُرِّمَتْ
__________
1 سَبَقَ تخريجه.
(1/216)

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} 1، قال ابن العربي في الأحكام لدى قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ} 2 الآية: إنها نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم نزل عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 3، وذلك يوم عرفة -يعني في حجة الوداع- على قول الأكثر، وهذا يعكر على ما تقدَّم لنا في صدر القسم الأول من الكتاب أن الأنعام مكية باتفاق على ما في الإتقان4.
وتقدَّم لنا أن وجوب ذكر اسم الله أو سنيته, وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، شرِّعَ في أول بعثة قبل الهجرة بأية النحل وهي: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 5 وهي مكية، ونحوها في البقرة أيضًا وهي مدنية، فالذي تجدد في السنة العاشرة هو تحريم المنخنقة وما معها, وهي في معنى الميتة, فيحتمل أن آية المائدة بيان لآيات الأنعام والنحل والبقرة وهو الظاهر، ويحتمل أنها زيادة عليهما.
وعلى كل حال الذي يظهر من القرآن والسنة أن العرب كانوا يذكون قبل الإسلام بدليل: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} 6 والنسيكة الذبيحة, وبدليل قصة الذبيح، وبدليل أنهم كانوا يذبحون لأصناهم، وكان لهم مذبح في البيت الحرام وبمنى، كما هو مقرر في الآثار، لم يجئ الشرع بجديد في أمر الذكاة على ما كان عندهم، نعم أتى بيانها وبيان آلتها وكيفيتها، ومنع مما كانوا يأكلونه من المنخنقة وما بعدها، وأمر بالتسمية, وأن ما ذكر عليه اسم صنم أو أي مخلوق فميتة, كما نهى عَمَّا كانوا يأكلون من الميتة, فإن القرآن مصرح بأنهم كانوا
__________
1 المائدة: 3.
2 الأنعام: 145.
3 المائدة: 3.
4 عبارة ابن العربي في أحكام القرآن "2/ 764" تفيد أن الآية نزلت مرتين إن صح النقل، مع أن كون سورة الأنعام مكية لا يعكر عليه استثناء آيات منها كما ذكر في الإتقان "1/ 57"، إنما يعكر ذلك على ما ورد من نزولها جملة واحدة, فيحتاج إلى الجمع.
5 النحل: 115.
6 الحج: 67.
(1/217)

يأكلونها، قال تعالى: {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} 1, فهم كانوا يأكلون المذكَّى والميتة معًا
كما أنه فصل في الصيد, وأن ما صيد بعرض المعرض أو صاده بكلب غير معلَّم أو محرم فلا يؤكل ويعتبر ميتة, إلى غير ذلك من أحكام الميتة في القرآن والسنة، قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} 2, وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} 3.
وقد أباح القرآن ذكاة الكتابيّ وهو ما يأكله أهل دينه, قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} 4 يهودًا أو نصار ولو قتلوا عنق الدجاجة على ما قال ابن العربي ومن تبعه لضرورة الخلطة, ولذا أباح لنا التزوج منهم وقبولهم ذمة تأليفًا وتوددًا, ولا يصحّ قصر الآية على اليهود لأنهم لا يأكلون ذبيحتنا، والله يقول: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} .
__________
1 الأنعام: 139.
2 المائدة: 4.
3 المائدة: 96.
4 المائدة: 5.
(1/218)

الكلالة في الميراث:
من آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} 1، فهذه في الإخوة أو الأخوات الأشقاء أو لأب عند عدم الأشقاء، وكان نزل قبلها آية آخرى وهي: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} 2، والإجماع على أن هذه الإخوة للأم وأنهم يرثرون الثلث فقط يشتركون فيه، سواء الذكر كالأنثى، فإن انفرد واحد فالسدس فقط ذكر أو أنثى، وفي الكلالة خلاف عريض ليس المحل محله.
__________
1 النساء: 176.
2 النساء: 12.
(1/218)

كمال الشريعة:
نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- إعلامًا بكمال الشريعة قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 1 بعرفة وهو واقف يوم عرفة عشية يوم الجمعة في حجة الوداع, كما في حديث عمر في الصحيحين2، والمراد والله أعلم من إكمال الدين إكمال أصواله التي تقدَّم الكلام عليها صدر الكتاب، فلا ينافي نزول آيتي تحريم الربا والكلالة بعد هذه الآية لتعلقهما بالفروع، وقال الطبري وغيره: إكماله بالحج إذ كانوا ممنوعين منه قبل الفتح، وقد روي عن ابن عباس أن قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} 3، نزلت قبل وفاته -عليه السلام- بتسع ليال4ٍ، وفي صحيح مسلم عن أنس أن الله -عز وجل- تابع الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته, حتى توفى وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم5.
__________
1 المائدة: 3.
2 متفق عليه: البخاري "6/ 63"، ومسلم "8/ 238".
3 البقرة: 281.
4 انظر الإتقان "1/ 102".
5 متفق عليه: البخاري "6/ 224"، ومسلم "8/ 238".
(1/219)

وقوع الاجتهاد في العصر النبوي
مدخل
...
وقوع الاجتهاد في العصر النبوي:
إن وقوع الاجتهاد من الصحابة في عصره -عليه السلام, واستنباط الأحكام الفقهية من أصوالها, لا يمتري فيه مَنْ له معرفة بالسنة، وتقدمت أمثلة من ذلك ويأتي أيضًا كثير منها، ولنأت بعشرة أدلة، وقد يتضمَّن الواحد منها أدلة فنقول:
1- قال -عليه السلام- فيما رواه الترمذي: "أفرضكم زيد بن ثابت وأقضاكم علي" 1، وقضايا مشهورة أقرَّ منها النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا، وسيأت بعضها.
2- ومن ذلك فتواه في المرأة التي وقع عليها ثلاث رجال في طهر واحد بالقرعة كما تقدَّمَ، وقد أورد ابن القيم كثيرًا من قضاياه في كتابه "الطرق الحكمية" فلينظر2.
3- ومن ذلك اجتهاد بعض الصحابة لما قال -عليه السلام: "لا يصلين أحدٌ العصر إلّا في بني قريظة" فصلَّى البعض في الطريق محافظة على الوقت، وبعضهم وقف مع الأمر فلم يصل حتى وصل, والحديث في الصحيح3، فعذر الجميع ولم يعنّف على واحد منهم، وعن الاجتهاد تفرَّع مذهبا القياسيين وأهل الظاهر4.
__________
1 ليس هذا لفظ حديث الترمذي، بل الذي فيه عن أنس -رضي الله عنه, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر, وأشدهم في أمر الله عمر, وأصدقهم حياء عثمان, وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل, وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبَيّ, ولكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ورواه من طريق آخر عن أنس بنحوه, وليس فيه ذكر علي -رضي الله عنه. الترمذي "5/ 664"، وفي صحيح البخاري في تفسير البقرة "6/ 23"، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "أقرؤنا أُبَيّ وأقضانا علي". وانظر "المقاصد الحسنة 723".
2 الطرق الحكمية ص "31، 46، 48، 49، 50، 51، 52، 55، 60، 61" وقد ذكر ابن القيم الفتوى المذكورة في أعلام الموقعين أيضًا "2/ 62".
3 أخرجه البخاري في المغازي "5/ 143".
4 وذلك أن الصحابة في هذه الواقعة اتجهوا اتجاهين في الفهم: فمنهم من فهم الأمر على ظاهره فتمسك به حتى خرج وقت العصر، ومنهم من فهم أن المبادرة إلى الخروج إلى بني قريظة والاستعجال في ذلك هو المقصود, دون أن يؤدي ذلك إلى تأخير الصلاة عن وقتها, فلم يقفوا عند الظاهر.
(1/220)

4- وروى سعيد بن منصور1 في سننه عن أبي عوانة وأبي الأحوص, عن سمك بن حرب, عن حنش الصنعاني, عن عليٍّ -كرم الله وجهه- قال: "لما بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضيًا, حفر قوم زبية للأسد فوقع الأسد فيها, وازدحم الناس عليها فوقع فيها رجل, وتعلق بآخر, وتعلق الآخر بآخر, حتى صاروا أربعة، فحرجهم2 الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال، فأتيتهم فقلت لهم: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة، تعالوا أقض بينكم؛ فللأول ربع الدية, وللثاني ثلثها, وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة، وجعلت الديتان نصف سدس الدية على من1 حفر الزبية لقبائل الأربعة الموتى فسخط بعضهم، فلما قدموا على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "القضاء كما قضاه علي" 3.
قال ابن العربي في الأحكام: وتحقيقها أن الأربعة مقتولون خطئًا بالتدافع
__________
1 تأتي ترجمته في أوائل القسم الثالث من الكتاب.
2 لفظ أحمد "فجرحهم", والحرج المكان الضيق، ويقال: أحرجت فلانًا إلى كذا: أي ألجأته إليه.
3 قال المصنِّف -رحمه الله: قوله على مَنْ حفر الزبية كذا في أحكام ابن العربي وفي أعلام الموقعين على من حضر رأس البير، فلا أدري هل الضاد تصحَّفَت إلى الفاء أو العكس, أو هو اختلاف الرواية، والذي يظهر من ابن القيم أن الضاد هي الرواية.
4 حديث "زبية الأسد" رواه حنش بن المعتمر الكناني عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه, أخرجه أحمد في المسند من رواية إسرائيل, ثنا سماك عن حنش، وفيها أنه -رضي الله عنه- قال: أجمعوا من قبائل الذين حفرو البئر ربع الدية -بالفاء- المسند "2/ رقم 573" ط.
دار المعارف، وأشار الشيخ أحمد شاكر إلى أنه في نسخة -حضروا- بالضاد، وزعم -رحمه الله- أنه خطأ, ولذا اختار ما في النسخة الأخرى -أي بالفاء, وأما الشوكاني -رحمه الله- فيبدو أنه وجد في نسخته من المسند "حضروا" بالضاد, فاعتمدها في نيل الأوطار "7/ 74", ويؤيده ما في المسند نفسه في موضع آخر "2/ رقم 1309" ط. دار المعارف. وهو رواية حمَّاد عن سماك وفيه: وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا, كما يؤيدها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه من رواية أبي عوانة وأبي الأحوص عن حنش، وفيها: اجعل الدية على من حضر رأس البئر -بالضاد, وهي التي نقلها ابن القيم في أعلام الموقعين "2/ 58".
(1/221)

في الحفرة لهم الديات على من حفر، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة, قاتل الثلاثة بالمجاذبة، فله ربع الدية لمقتوليه، وعليه ثلاثة أرباع الدية لمن قتلهم، وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان للاثنين الذين قتلهما، وللثالث نصف الدية وعليه النصف للواحد الذي جذبه، فوقعت المحاصصة وغرمت العواقل، وهذا من بديع الاستنباط1، الذي لا يدركه الشادي, ولا يلحقه بعد التمرن إلّا العاكف المتمادي، وبقي عليه توجيه استحقاق الرابع للدية كاملة وهو ظاهر؛ لأنه لم يجذب أحدًا، فبقيت ديته كاملة لعاقلته, وإنما كانت الديتان ونصف سدسها على من حضر أو حفر, مع أن الأسد هو الذي عدا على الأربعة وقتلهم, والعجماء جبار, كما إذا تجاذبوا وغرقوا في البحر؛ لأن الحاضرين قد تسبَّبوا بالتزاحم, ولولا ما وصلت أذية الأسد إلى الساقطين كما أن الذين حفروا قد تسببوا أيضًا.
5- ومن ذلك ما قال الشعبي2: اجتمع ثلاث جوار فركبت إحداهن على عنق الأخرى, فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت, أي: كسرت عنقها, فماتت, فرقع ذلك إلى علي -كرم الله وجهه، فقضي بالدية أثلاثًا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها3، ولطائف أحكام علي كثيرة كأخبار شجاعته وكرم حاتم.
6- ومما يدل لذلك تولية الأحكام والجيوش لمن كان حديث عهد بالإسلام كعتاب بن أسيد4 الذي أمَّره -صلى الله عليه وسلم- على مكة بعد الفتح على صغر سنه وحدوث عهده بالإسلام, ثم حج بالناس سنة ثمان, وأمَّر عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل بفور إسلامه, فصلى بهم جنبًا بالتيمم كما في الموطأ, ولم يؤمروا بالإعادة5، وولَّى خالد بن الوليد وغيرهم, ولم يكونوا يحفظون إلا اليسير من السنة، ولكن كانت فيهم قابلية الاجتهاد لمعرفتهم باللسان، وكان معهم من يحفظ السنة وربما أخطأوا في الاجتهاد فأرشدهم, كخالد حين قتل من قالوا
__________
1 أحكام القرآن: "4/ 1627".
2 عامر بن شراحيل: ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثاني، وانظر "تاريخ بغداد" "12/ 227"، و"تهذيب التهذيب" "5/ 65".
3 أعلام الموقعين "2/ 58".
4 قال المؤلف -رحمه الله: عتاب كنفاع, صيغة مبالغة, وأسيد بوزن عتيد.
5 الإصابة "4/ 429".
6 سبق تخريجه ص 71.
(1/222)

صبأنا، فقال -عليه السلام: "اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد" ووداهم من مال المسلمين لا من مال خالد لعذره بالاجتهاد, ولم يعزله بل أبقاه على ولايته1.
ويأتي لنا قريبًا ترجمتا القضاة والمفتين على العهد النبوي، فكل ذلك دلائل على ثبوت الاجتهاد، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمّر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم, فزجرهم عمر وقال: ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيه فيما اختلفتم فيه, فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} 2 الآية.
7- وجوَّز للحاكم أن يجتهد, فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فلا وزر عليه بل له أجر واحد كما في صحيح مسلم3.
8- وهكذا أولى ماذ بن جبل مخلافًا من اليمن، وقال له: "بم تحكم يا معاذ"؟ فقال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد" , قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد" , قال: أجتهد ولا آلوا. فقال: "الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله" رواه أبو داود وغيره4, وتكلَّم فيه الجوزقاني5، لكن له شاهد عند البيهقي في سننه، وقد استدلَّ به ابن العربي في الأحكام, وقواه السيوطي في كتاب القضاء من حاشية أبي داود، وكذلك ابن القيم في أعلام الموقعين، فقد قال: رواه شعبة قال: حدثني أبو عون عن الحرث عن عمرو بن أناس من أصحاب
__________
1 أخرجه البخاري "5/ 203".
2 التوبة: 19، والحديث أخرجه مسلم في الإمارة "6/ 36"، وراجع تفسير القرطبي "8/ 92".
3 سبق تخريجه "ص78".
4 أبو داود "3/ 203"، والترمذي "3/ 607".
5 أو الجوزقاني: -بالراء- الحسين بن إبراهيم أبو عبد الله، من كتبه "الموضوعات"، وكتاب الأباطيل" ت سنة 543هـ "اللباب في تهذيب الأنساب" "1/ 250".
(1/223)

معاذ عن معاذ. الحديث. قال: وعدم تسمية أصحاب معاذ لا تضره إذ شهرة أصحابه بالدين والعلم والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى, ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذّاب ولا مجروح, بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، بل يدل على شهرة الحديث وأنهم جماعة لا واحد، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يرويه عن واحد مسمَّى, كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال فيه بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة1 في إسناد حديث فاشدد يدك عليه، قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن2 عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة, على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به, فوقفنا بذلك على صحته عندهم, كما وقفنا على صحة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" , وقوله في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" , وقوله: "إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا ورد البيع" , وقوله: "الدية على العاقلة" , وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد. أ. هـ كلام الخطيب3.
قلت: والحديث كما هو في أبي داود كذلك في الترمذي بإسنادين عن شعبة عن أبي عون الثقفي عن الحرث بن عمرو, عن رجال من أصحاب معاذ. قال أبو عيسى: لا نعرفه إلّا من هذا الوجه, وليس إسناده عندي بمتصل4، لكن قال الشهرستاني في الملل والنحل: قد استفاض بهذا الحديث الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم4.
9- وقال -عليه السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين بعدي" 6.
وقال كما في صحيح مسلم: "إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" 7، فلو لم يكونوا مجتهدين واجتهادهم صائب ما أمر بالاقتداء بهم, والأدلة على ذلك كثيرة.
__________
1 شعبة بن الحجاج الواسطي البصري, ت سنة 160هـ, ترجم له المؤلف بإيجاز في أواخر القسم الثاني، وانظر: "تاريخ بغداد" "9/ 255"، "تهذيب التهذيب" "4/383".
2 قال المؤلف -رحمه الله: عبادة بضم العين بن نسي -بضم النون وفتح المهملة وتشديد الباء- هو الكندي قاضي طبرية, أخرج له أصحاب السنن الأربعة, موثق.
3 أعلام الموقعين "1/ 202".
4 الترمذي "3/ 607".
5 الملل والنحل "2/ 39"، على هامش الفصل لابن حزم. ط. الأدبية بمصر سنة 1317هـ.
6 من حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه, أخرجه: أبو داود "4/ 201"، والترمذي "5/ 44"، وابن ماجه "1/ 16".
7 أخرجه مسلم عن أبي قتادة. المساجد "2/ 139".
(1/224)

أصول الفقه انتهت في العهد النبوي, والفروع لا تنتهي أبدًا, لذلك شرِّع الاجتهاد:
إن أصول الفقه وإن كملت في الزمن النبوي ففروعه لم تتم بعد، ولا أنتهاء لها أبدًا ما دامت الحوادث، ولما كان استيعاب جميع الفروع الفقهية وأعيان الوقائع الجزئية والإحاطة بجميع أحكامها وإنزل شريعة بذلك، لا يسعه ديوان, ولا تطيقه حافظة الإنسان، مع جواز وقوعه عقلًا، لطف الله بنا فأنزل العمومات لتستنبط منها المسائل الخاصة بالاندراج، وأنزل المسائل الخاصة ليقاس عليها ما يماثلها في علة الحكم أو يشابهها، ووكَّل إلى نبيه تدريب الأمة على الاجتهاد والاستنباط ليحصل لهم ثواب الاجتهاد الذي جعله من أفضل العبادات، ودليل كمال النفس والفكر, وتحصيل ثمرة الفهم والعقل الذي أكرم الله به الإنسان، فكان -صلى الله عليه وسلم- يمرنهم ويرشدهم إلى الاجتهاد، كقوله لما سُئِلَ عن الحمير: " ما أنزل الله عليّ فيها إلّا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} 1 " فبيَّن لهم بهذا الجواب كيفية اندراج الجزئي في الكلي, وأن العام حجة, وأنه يعمل به قبل البحث عن المخصص.
وكقوله للرجل الذي قال: إن زوجتي ولدت غلامًا أسود، يريد أن يلاعنها: "هل لك من إبل حمر فيها جمل أورق"؟. قال: نعم نزعه عرق, قال: "فكذلك هذا عسى أن يكون نزعة عرق" 2 يشير له إلى قياس الشبه، وكذلك قوله للحسن: "كخ كخ, إنا آل محمد لا نأكل الصدقة" 3، يمرنه مع صغره على معرفة الحكم بدليله، وكقوله لعائشة ولجويرية في اللحم الذي تصدق
__________
1 البخاري في تفسير سورة الزلزلة "6/ 217".
2 سبق.
3 متفق عليه: البخاري "2/ 157"، ومسلم "3/ 117".
(1/225)

به على بريرة: "هو لها صدقة ولنا هدية"1. وهذه أحاديث في الصحيح, وكل ذلك تمرين لهم على الاجتهاد، وهذا عاشر الأدلة على ثبوت اجتهاد الصحابة في عصره -عليه السلام, كما أنه دليل على قياسهم خلافًا للظاهرية, وحاشا الصحابة أن يكون جامدين، وحاشا الشريعة العامة الدائمة أن تأمر بالجمود والله يقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 2، والصحابة مقتدون في الاجتهاد بالرسول -عليه السلام, وقد أثبتنا فيما سبق اجتهاده، بل الرسل كلهم يجتهدون، فأكل آدم من الشجرة عن اجتهاد، وتزوج داود بامرأة أوريا عن اجتهاد، إذ هم معصومون عن الذنوب عمدًا وسهوًا, كبيرة وصغيرة, وكل ما عوتبوا عليه مما ثبت في القرآن أو السنة فهو واقع منهم عن اجتهاد كما حقَّقه الحاتمي3 وغيره, وهكذا كل ما وقع بين الصحابة من القتال والخلاف.
__________
1 متفق عليه: البخاري في الهبة "3/ 203"، ومسلم في الزكاة "3/ 120".
2 النساء: 83.
3 لعله أحمد بن محمد بن عبدوس بن حاتم، له ترجمة في تاريخ بغداد "5/ 69".
(1/226)

إباحة الاجتهاد بعده -عليه السلام- بل وجوبه, كفاية على أهله صحابة وغيرهم:
إن ما اشتملت عليه الترجتمان قبله كله أدلة واضحة على مضمون هذه الترجمة, فلا نطيل بيانه إذ ذلك يدرك بأدنى تأمّل, ولعدم الفرق بين حياته ووفاقته -عليه السلام- في ذلك, ثم الإجماع على ذلك، فقد نهى عمر عن التمتع في الإهلال بالحج, مع ما ثبت أن الصحابة فعلوه بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع لما رأى أن ذلك كان لعلة ذهبت, وقال: متعتان كانت على عهد رسول الله, أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما، متعة النساء ومتعة الحج1.
وحرق عثمان مصاحف الصحابة التي كان على الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها, وجمعهم على حرف واحد اجتهادًا وأخذًا بسد الذرائع, ووقع الإجماع على تصويب رأيه2. ونهى عثمان عن قصر الصلاة, وأمر المتأهل بمكة بالإتمام أيام الحج بعدما كان يقصرها, والخليفتان قبله لما تغير له من الاجتهاد، وأردف ابن عمر الحج على العمرة وقال: ما أمرهما إلا واحد, فإذا أحصرت عنهما ومنعت من دخول مكة تحللت منهما كما تحلل النبي -صلى الله عليه وسلم- من العمرة3. وأمثال هذه كثيرة سيرد عليك منها ما يقنع.
__________
1 يوضح ما قاله المصنف ما جاء في صحيح مسلم "4/ 38" أنه -رضي الله عنه- قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء, وإن القرآن قد نزل منازله, فأتموا الحج والعمرة لله كما أمرك الله.
وفي النسائي "5/ 119": قد علمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله, ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن على الأراك, ثم يروحوا بالحج تقطر رءوسهم.
2 انظر ما سبق من التعليق.
3 متفق عليه: البخاري "2/ 192، 3/ 10"، ومسلم "4/ 50، 51".
(1/226)

القضاة والحكام على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
روى الطبراني برجال الصحيح عن مسروق1 قال: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري2.
وروى أحمد والترمذي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن حبان, أن عثمان قال لابن عمر -رضي الله عنهم: اقض بين رجلين فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي كان يقضي فإن أشكِلَ عليه شيء سأل النبي -صلى الله عليه وسلم, فإن أشكِلَ على النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء سأل جبريل، وأنا لا أجد من أسأل ولست مثل أبي3.
قال الشامي4 في سيرته: يريد أنه كان يقضي في بعض الأمور في أوقات مختلفات, لا أنه كان يقضي دائمًا، والدليل على ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهما: ما اتخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر، حتى كان في آخر زمانه قال ليزيد بن أخت نمير: اكفني بعض الأمور، رواه أبو يعلى, ورجاله رجال الصحيح5، وروى الطبراني بسند جيد عن السائب بن يزيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتخذ قاضيًا, وأول6 من استقضى عمر. قال: رد عني الناس في الدرهم
__________
1 مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي، أحد التابعين، روى عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ، ت سنة 63 هـ "خلاصة الخزرجي" "374".
2 مجمع الزوائد "9/ 313".
3 هذا حديث يزيد بن عبد العزيز بن موهب، وليس هذا لفظه، تصرّف المصنف في لفظه، انظر الترمذي "3/ 603"، ومسند أحمد "1/ رقم 475"، ومجمع الزوائد "4/ 193، 5/ 200"، والترغيب والترهيب "3/ 282".
4 محمد بن يوسف الصالحي: انظر ص135.
5 مجمع الزوائد "4/ 196".
6 قال المؤلف -رحمه الله: سيأتي أن أبا بكر استقضى عمر, فكان أول قاض في الإسلام بعده -عليه السلام، والسبب في تولي النبي -صلى الله عليه وسلم- القضاء بنفسه ظاهر، وهو أن العدل أساس العمران، ولا ارتقاء ولا رجاء لتأليف أمة وتعاضده وتكوين وحدتها إلّا بالعدل والأمن على الحقوق, لهذا كان -عليه السلام- يتولى القضاء بنفسه تأليفًا لهم وتدريبًا على إقامة العدل والاجتهاد، وتنبيهًا لهم أن يكونوا قوَّامين بالقسط, وأن يلي قضاءهم من يكون أفضلهم وأنزههم وأعلمهم, ولما أضاع المسلمون ما أرشد إليه الرسول تأخروا وانحطت جامعتهم.
(1/228)

والدرهمين1.
قلت: مرادهم أنه -عليه السلام- لم يستقض أحدًا بحضرته في المدينة, وإلا فقد ثبت أنه وجَّه عليًّا قاضيًا إلى اليمن, ومعاذًا كذلك، وقال له: "بم تقضي" قال: بكتاب الله، الحديث في أبي داود وتقدَّمَ2، وقال -عليه السلام: "أقضاكم علي" رواه الترمذي3. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث معقل بن يسار قاضيًا إلى اليمن وهوحديث السن, ودعا له أن يهدي قلبه ويثبت لسانه، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين4 ومن جملة من استقضاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشياء خاصة: عقبة بن عامر الجهني، ورى الإمام أحمد برجال الصحيح والدراقطني بسند حسن عنه قال: جاء خصمان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختصمان فقال: "قم يا عقبة اقض بينهما" فقلت: بأمي وأبي يا رسول الله, أنت أولى بذلك. قال: "وإن كان اقض بينهما" قلت: على ماذا؟ قال: "اجتهد, فإن أحسنت فلك عشر حسنات, وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد" 5.
ورى أحمد والطبراني نحوه عن عمر, وروى أحمد والطبراني والحاكم6 معقل بن يسار المزني قال: أمرني رسول الله أن أقضي بين قوم. فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله. قال: "إن الله مع القاضي ما لم يحف
__________
1 مجمع الزوائد "4/ 196".
2 سبق تخريجه.
3 سبق تخريجه.
4 ليس هذا الحديث في الترمذي، والذي عند أبي داود "3/ 301"، وابن ماجة "2/ 774"، وأحمد "1/ 88، 136، 149، 156، 161"، أنه بعث علي بين أبي طالب ودعا له أن يهدي الله قلبه ويثبت فؤاده, وأما معقل بن يسار فالذي روي عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يقضي بين اثنين فقال: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله؟ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "الله مع القاضي ما لم يحف عمدًا" أحمد "5/ 26".
5 الدراقطني "4/ 203"، وأحمد "4/ 205"، وأخرج مثله عن عمرو بن العاص.
6 قال المؤلف -رحمه الله: معقل كمعدان, وبسار كسحاب, والمزني بضم ففتح.
(1/229)

عمدًا" 1. وروى الدراقطني أن حذيفة بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقضي بين قوم في حصن فقضى للذي يليهم القمط2 -وهو بضمتين جمع قماط, كلمة نبطية, حزمة من قصب يلقى على خشب السقف, ومن جملة من حكَّمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن حزم، أمره أن يحكم بالشاهد واليمين كما في سيرة الشامي3، وتولية عتاب بن أسد على مكة وغيره كله من هذا القبيل.
__________
1 مجمع الزوائد "4/ 193"، وأحمد "5/ 26"، والحاكم "3/ 577" وفيه أبو داود الأعمى، قال الهيثمي: كذاب، وروى نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا, وفيه حفص بن سليمان القارئ.
2 رواه ابن ماجه "2/ 785"، والدراقطني "4/ 229".
3 سبل الهدى والرشاد لمحمد بن يوسف الصالحي. انظر التعليق ص135.
(1/230)

المفتون على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم:
سيد المفتين وأولهم على الإطلاق وأكملهم وأجلهم وأعظمهم هو سيدنا محمد رسول الله بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم.
بناء على الصحيح من اجتهاده -عليه السلام، وثبوت ذلك، وكيف لا يكون سيد المفتين وهو نبيهم الموصوف بالعصمة, المؤيَّد بالوحي والتنزيل, الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر لها الكلام اختصارًا، وما ينطق عن الهوى, المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، والقرآن الحكيم، الأمين المأمون، أكمل النبيين وأفضل المرسلين وأشرف العالمين وإمام المتقين، هادي الأمة وأعظم منة، الذي ختمت به النبوة، وكمل به نظام المجتمع الإنساني -صلى الله عليه وسلم, ولقد ألف أحمد بن عبد الصمد الغرناطي1 المتوفَّى سنة 580 ثمانين وخمسمائية كتابًا في الأقضية النبوية سماه: "آفاق الشموس وأعلاق النفوس", وقد ختم في أعلام الموقعين بفتاويه -عليه السلام, مرتَّبة على أبواب الفقه، ولكن الجلّ منها لا يتعين فيه الاجتهاد, بل الظاهر أنه عن وحي، لكن البعض من ذلك عن اجتهاد بلا شك: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} ، وقد نص القرافي2 في الفرق "36" على أنه -صلى الله عليه وسلم- المفتي الأعلم والقاضي الأحكم وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله إليه في رسالته، فهو أعظم من كل مَنْ تولّى منصبًا منها إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلّا وهو متصف به في أعلى مرتبة، غير أن غالب تصرفه -صلى الله عليه وسلم
__________
1 أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الأنصاري الخزرجي الغرناطي، انظر ترجمته في الديباج المذهب "1/ 215".
2 سبقت ترجمته.
(1/231)

بالتبليغ.
ثم أعظم المجتهدين بعده, وأكمل المفتين هم صاحبته الكرام, الذي اختارهم الله لصحبته, وأكرمهم بالتلقي عنه والقيام بالهجرة إليه ونصرته, وكيف لا يكونون أعظم المجتهدين وقد شاهدوا نوره الباهر الذي هو إكسير الأرواح, وعاينوا نزول الشريعة عليه وتنزيلها على مواقعها, وشاهدوا إفتاءه وأحكامه, وتلقوا عنه في ذلك نظامه، فكانوا في الصلاة خلفه, وفي النصرة أمامه. وهم أعرف الناس بمواقع خطابه ولغته وبيانه, فهم الذين كان الخطاب يوجه إليهم فيأتون بصورة الأوامر وهو إليها ناظر، قائم عليهم، وشاهد في قيامهم بالشعائر، وقد أثبتنا فيما سبق اجتهادهم على العهد النبوي، وقد كان منهم جماعة موسومة بالعلم والفتوى في حياته -عليه السلام، قال الليث بن سعد1, عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم, وقال قتادة: هم المعنيون بقوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} الآية2.
وفي الصحيح في قصة صاحبة العسيف التي رجمت: أن أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. الحديث3.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء, فطفق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله, يعطي قريشًا ويتركنا, وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قومهم, فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم, فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما حديث بلغني عنكم" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم يقولوا شيئًا. الحديث4, فسماهم فقهاء إذ ذاك, ويروى عن سهل بن أبي عمر خيثمة5 قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم
__________
1 تأتي ترجمته في القسم الثاني من الكتاب.
2 سبأ: 6.
3 سبق تخريجه.
4 متفق عليه: البخاري في الجهاد "4/ 114"، ومسلم في الزكاة "3/ 105".
5 إن كان هو الصحابي فاسمه سهل بن أبي حثمة. الإصابة "3/ 195".
(1/232)

ثلاثة من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: عمر، وعثمان، وعلي، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
وعن علي بن عبد الله بن يسار الأسلمي1 قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
قال القاسم بن محمد2: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء ثمانية، وقال ابن الجوزي في "المدهش"3: إن الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشرة: أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، فصاروا اثني عشر مفتيًا, ونظم ذلك شمس الدين بن الشملي:
وفي زمن المختار أفتى بعصره4 ... أبو بكر، الفاروق، عثمان، حيدر
حذيفة، عمار، وزيد بن ثابت ... معاذ، أبو الدرداء، وهو عويمر
أُبَيّ, أبو موسى إلى أشعر انتمى ... وختم نظامي بابن عوف معطر
"أ. هـ بخ" من سبل الهدى والرشاد4.
فالخلفاء الأربعة لولا أنهم بتلك المرتبة العليا في الفقه والفتيا ما قال -عليه السلام:$"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين بعدي"5، وقال: "أقضاكم
__________
1 في الإصابة، عن نيار الأسلمي عن أبيه "4/ 347".
2 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحمد فقهاء المدينة السبعة, من سادات التابعين، ت سنة 107. الجرح والتعديل "ق2/ ج2: 118" ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثاني.
3 عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي أبو الفرج البغدادي، ت سنة 597 هـ, "وفيات الأعيان" "1/ 279".
4 بإمرة.
5 انظر ص135.
6 سبق تخريجه.
(1/233)

عليّ، وأفرضكم زيد بن ثابت، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ, وأقرؤكم أُبَيّ" 1، والحديث أصله في الصحيح, بعض منه في الترمذي وغيره.
وقال في الإصابة في ترجمة زيد بين ثابت: روى ابن سعد بإسناد صحيح، قال: كان أصحاب الفتوى ستة، عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو موسى، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمته أبي الدرداء, عن مسرق2 قال: شافهت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي, وعبد الله بن مسعود، ومعاذ, وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت. فزاد على ابن الجوزي عبد الله بن مسعود, إلا أنهما لم يصرحا بأن ذلك في العهد النبوي، وقال الشعبي3: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض: عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان علي، وأُبَيّ بن كعب، وأبو موسى, يستفتي بعضهم من بعض. قال الشيباني: قلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك، فقال: ما كان أعلمه، قلت: فأين معاذ. قال: هلك قبل ذلك. نقله في أول أعلام الموقعين4.
وكتب عمر إلى معاوية وهو والٍ بالشام في خلاف وقع بينه وبين عبادة بن الصامت في الصرف مفاضلة من جنس واحد أجازه معاوية مناجزة ومنعه عبادة.
يقول: متى كنت فقيهًا, فإن عبادة كان يفتي وأنت تسكر مع قينات مكة5, يعني: حال كفره قبل الفتح، فهذا يدل على أن عبادة من جملتهم, فصاروا أربعة عشر مفتيًا، ولذلك ذيلت النظم السابق بهذا البيت.
ومن جملة المفتين أيضًا عبادة ... كذلك ابن مسعود إمام منور
فكل هؤلاء السادة استنبط الأحكام من أصولها, وأفتى في العهد النبوي, وحفظت فتاويهم وهي منقولة في كتب الحديث والسير.
قلت: بل كل من ولي أمرًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا منه إلّا وصار مفتيًا, مثل معاذ بن
__________
1 سبق تخريجه.
2 ترجمته تقدمت قريبًا.
3 انظر ما سبق.
4 "1/ 14-21".
5 أصله في الصحيح: مسلم:5/ 43"، وفيه ما يفيد أنه كان في خلافة معاوية.
(1/234)

جبل والي اليمن، ومثل أبي عبيدة بن الجراح الذي كان أمير سرية الخبط وأفتاهم بأكل الحوت، ومثل أبي سعيد الخدري الذي أفتى نفسه وأصحابه بأخذ الجعل على الرقية، ومثل أبي قتادة الذي اصطاد وهو حلال, وأفتى من كان محرمًات بالأكل من صيده، وينبغي أن يعد منهم سعد بن معاذ الذي حكَّمه -صلى الله عليه وسلم- في بني قريظة، وأمثاله ممن توفي في الحياة النبوية, ونقلت عنهم بعض فتاوى صادرة في العهد النبوي؛ كعثمان بن مظعون، وجعفر بن أبي طالب، وسيأتي ذلك في كلام ابن حزم في الطور الثاني بعده، وعلى هذا فعددهم أكثر من أربعة عشر بكثير. نعم هؤلاء "14" كانوا يفتون بحضرته -عليه السلام, على أنَّا نعلم أن فتاوى الصحابة لم يكن القصد منها إلّا التمرين على الاجتهاد, وكانت قوية جدًّا بالنسبة لما كان ينزل من الأحكام, ولما كان يبينه -عليه السلام.
(1/235)

ترجمة أبو بكر الصديق:
سيدنا عبد الله بن أبي قحافة التيمي القرشي, صاحب الرسول في الغار ورفيقه في الهجرة, والسابق الأول للإسلام، لم يعبد صنمًا قط توفيقًا من الله وفطرة فطره الله عليها، ولا شرب الخمر قط، والمقدَّم للصلاة في الحياة النبوية، والذي قدَّم نفسه وماله كله لله، والخليفة الأول بعده بإجماع من يُعْتَدُّ به، والذي أنقذ الإسلام بعد الوفاة النبوية بعلمه وتوفيقه وعدله وصرامته في الحق، وأنفذ وصايا رسول الله، كان قوالًا بالحق، صادعًا بالأمر، سالكًا سبيل الصدق، غير مائل ولا متجافٍ، قائمًا بالعدل، لا تأخذه في الله لومة لائم، لم يستأثر بمال، ولا مال قط عن سنن الرسول، وكان يوليه الرسول الجيوش، موصوفًا بأصالة الرأي، خطيبًا مصقعًا، وقد وجهه -عليه السلام- أمير الحاج سنة تسع، ولا يوجّه لهذه الوظيقة إلّا من كان بالمكانة العليا فقهًا وإفتاء, ليعلمهم مناسكهم ويفتهيم فيما لم يعلموا.
قال -عليه السلام- فيما رواه الترمذي عن حذيفة: "اقتدوا بالذين بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد" قال الترمذي: حديث حسن1.
وفي الصحيح: "إن من أمنّ الناس عليّ صحبته وماله أبا بكر, ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا, ولكن أخوة الإسلام ومودته, لايبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" 2، وقال -عليه السلام: "إن يطع القوم أبا
__________
1 هذا اللفظ: رواه الترمذي عن ابن مسعود "5/ 672"، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود, لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، وروي الجزء الأول منه عن حذيفة "5/ 609"، ورواه كذلك ابن ماجه في المقدمة "1/ 37".
2 متفق عليه: البخاري "5/ 4"، ومسلم "7/ 108".
3 سبق تخريجه.
(1/236)

وقال أبو سعيد الخدري: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله -صلى الله عليه وسلم, وقال له عمر: رأينا لرأيك تبع.
أجمعت الأمة أنه المعني بقوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} 1، قال الفخر الرازي: إذا ضمَّت هذه الآية لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} 2 أنتج لنا ذلك أنه أفضل الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم, توفى سنة "13" ثلاث عشرة3.
__________
1 الليل: 17.
2 الحجرات: 13.
3 ترجمة أبي بكر في الإصابة "4/ 169"، والاستيعاب "3/ 963"، وأسد الغاية "3/ 205".
(1/237)

ترجمة أبو حفص سيدنا عمر بن الخطاب القرشي العدوي:
الخليفة الثاني بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, قال فيه -عليه السلام- فيما رواه الترمذي وحسنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"4، وأسلم بعد البعثة بنحو ست سنين، وله من العمر ست وعشرون سنة، وهو مكمل أربعين رجلًا في الإسلام وبضع عشرة امرأة, أسلم ببركة دعاء رسول الله الذي قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب, أو عمرو بن هشام" 5 يعني: أبا جهل، وهو الذي وافق ربه بضعة عشر موضعًا، فهو الذي قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى،
__________
4 الترمذي: "5/ 619"، وقال: حديث حسن غريب, لا نعرفه إلّا من حديث مشرح بن عاهان, أما قوله: "لو لم أبعث فيكم لبعث عمر". فليس في الترمذي، قال الصغاني: موضوع: انظر كشف الخفا "2/ 231"، واللآليء المصنوعة "1/ 302".
5 رواه الترمذي عن ابن عمر وفيه قال: وكان أحبهما إليه عمر، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب "5/ 617", وروى عن ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر" قال: فأصبح فغدا عمر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم. قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
وأخرج ابن ماجه في المقدمة عن عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة" وفي إسناده ضعف.
(1/237)

فنزلت الآية بوفقه، وهو الذي قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: إنه يدخل عليك البر والفاجر, فلو أمرت نساءك أن يحتجبن, فنزلت آية الحجاب, فهو السب في الحجاب في الإسلام.
وهو الذي قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزل تحريمه.
وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، وخالفه غيره, فنزل القرآن بتصويب رأيه، وكم لذلك من نظير.
وترجمة هذا السيد الجليل والخليفة الأعظم لا تفي بها هذه النتفة فلها أسفار، فسيدنا عمر كما له الفضل على الأمة سياسة، وفتحًا وعدلًا، واستقامة، وقيامًا بنشر الدين، والنفوذ الإسلامي، والعلم، والأمن، والتهذيب، وتنظيم دولة الإسلام العظمى في الأقطار الشاسعة, وضبط إدارتها التي استعار جلها عن دولة الفرس التي محقها برأيه وتدبيره وسيفه ودهائه، وما كان ليانف من اقتباس إدارة بلاده عن أمة أبادها سيفه لسعة فكره, وما كان ليجعل سياسته محض التقليد الجامد, وقصر كل شيء على الدين، ولو لم يكن من الدين, بل كان ينظر مصلحة الدنيا والدين معًا، فلقد أشار عليه الوليد بن هشام بأن يدون الدواوين وينظَّم جنده على نسق ما كان عند الروم في الشام، ففعل ولم يستنكف أن يأخذ ذلك عنهم، ولا جمد على أنه بدعة، بل نظر مصلحة الإسلام، وهكذا فعل في ضرب الخراج، كما يأتي في اجتهاده، وغير ذلك مما يطول من محاسنه.
كذلك خدم الأمة بفكرة ورأيه وعلمه وصحيح إدراكه واجتهاد في أحكام أصاب فيها روح الترشيع الإسلامي, وعين المصلحة العامة التي جاءت الشريعة بحفظها, ويأتي بعض فروع من اجتهاده تبين لك ذلك، ولو أن عمر فسح له في الأجل واطَّلع على تنظيم أصول الشورى، ومجلس النواب، الذي كان عند أمة الرومان قبله, ونظام ديموقراطيتهم لنظَّم الإسلام على ذلك النمط، ولو أنه أتيح له ذلك ما كان يتأتى لأمة أن يبقى في المعمور إلا وانتظمت في جامعته، لكن روم الشام ومصر الذين استولى عليهم كانت الشورى ذهبت منهم، ولم تكن كتب
(1/238)

الرومان معرَّبة لديه حتى يعرف تلك الأصول المهمة، ولعدم الشورى المنتظمة في الإسلام وقع ما وقع في الفتن والحروب بعد عمر, ليقضي الله أمره، ولا أزال أقول: إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة، التي جعلها بين الستة، وما جعله من نظام ذلك المجلس وهو في النزع؛ إذا عيَّن أعضاءه العالمين والشرفيين والرئيس وكيفية التصويت، والأغلبية، وإذا وقعت المساواة كان الترجيح للرئيس أو الجهة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، إلى غير ذلك مما يطول, ويدل أنه صدار عن فكر عظيم، وتدبير عميق، فلو ترك مجلسًا على ذلك النظام مستديمًا للجامعة الإسلامية لما وقع الإسلام في مهاوي الاستبداد والاستبعاد التي عاناها منذ ثلاثة عشر قرنًا, ولكل أجل كتاب.
من كلام عمر: القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية, واتقو الله -عز وجل- فإنما التقوى بالتوقي, ومن يتق الله يقه.
وقيل له: فلان فاضل لا يعرف من الشر شيئًا، قال: ذاك أوقع له فيه.
قال ابن مسعود: علماء الأرض ثلاثة: فرجل بالشام لعله يعني به أبا الدرداء، وواحد بالكوفة يعني نفسه، وواحد بالمدينة، فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي لا يسألهما.
وقال الشعبي: إذا اختلفت الناس فخذوا بما قال عمر.
وقال ابن مسعود لما دفن عمر: ذُهِبَ اليوم بتسعة أعشار العلم.
وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى.
نقل هذه الآثار في أعلام الموقعين1.
وقال علي: ما كنا نبعد ان السكينة تنطق على لسان عمر.
__________
1 "1/ 14-20".
(1/239)

وقال ابن مسعود:" ما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر.
وقال فيه -عليه السلام: "اللهم اجعل الحق على لسان عمر وقلبه" 1.
وقال -عليه السلام: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الريّ يخرج من أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر" قالوا: فما أولت ذاك يا رسول الله؟ قال: "العلم" 2.
وقال -عليه السلام: "بينا أنا نائم والناس يعرضون علي وعليهم قمص, فمنها ما يبلغ إلى الثدي, ومنها دون ذلك, وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله قال: "الدين" 3.
ومن دينه أنه خطب يومًا فقال: أيها الناس, ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبان, فقال: لا تعجل، ونادى ولده عبد الله، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمان: أما الأن فقل نسمع4.
وقد توفي وعليه دين ستة وثمانون ألفًا, أوصى ولده أن يبيع داره ويقضيها, فباع الدار المعروفة بدار قضاء دين عمر وقضاها, وهي التي صارت تعرف بدار القضاء, وسأل يومًا سلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له: إن جبيت من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقه فملك، رواه الطبري5.
وهو أول قاضٍ في الإسلام ولي بعد النبي -صلى الله عليه وسلم, ولاه أبوبكر وقال له: اقض بين الناس فإني في شغل6، وكان عمر أمهر مجتهد ومفتٍ في الأمة بعد نبيها
__________
1 الذي ثبت ما رواه الترمذي عن ابن عمر أنه -صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" "5/ 617".
2 متفق عليه: البخاري "5/ 13"، ومسلم "7/ 112".
3 متفق عليه: البخاري "5/ 15"، ومسلم "7/ 112".
4 لا أدري إن كان لهذه القصة ساق تستند إليها، وقد ذكرها ابن قتيبة في عيون الأخبار "1/ 55".
5 تاريخ الطبري "4/ 211".
6 انظر الاستيعاب "3/ 1150".
(1/240)

صلى الله عليه وسلم- بدليل نزول الوحي بموافقته في بضع عشرة موضعًا, ولقوله -عليه السلام- كما في الصحيح: "إن يكن فيكم محدثون فعمر منهم" 1، والمحدث الملهم الموفق.
وفي الترمذي وحسَّنه مرفوعًا: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" 2, قال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر, إلّا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر3. وفيه نزل قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 4، قال عمر: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر. رواه مسلم في صحيحه5، ويليه ابن مسعود, ثم على هذا في الموافقة وبراعة الاستنباط أما ترتيبهم في كثرة الفتوى فيأتي.
توفي عمر ختام سنة "23" ثلاث وعشرين6.
__________
1 متفق عليه: البخاري "5/ 15"، ومسلم "7/ 115".
2 الترمذي "5/ 617".
3 نفس المصدر.
4 النساء: 83.
5 مسلم في الطلاق "4/ 188-190".
6 أبو حفص: سيدنا عمر بن الخطاب القرشي العدوي. "تهذيب التهذيب" "7/ 385".
(1/241)

ترجمة أبو عبد الله سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي
...
4- أبو عبد الله سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي:
الخليفة الثالث: بويع بعد عمر بإجماع بعد الشورى التامة والاختيار الحر، وهو من السابقين للإسلام، هاجر الهجرتين، وصلى للقبلتين، وصهر رسول الله على بنتين كريمتين، الواحدة بعد وفاة الأخرى، وكان محظوظًا في الدنيا؛ فكان من أكبر المساعدين للنبي -صلى الله عليه وسلم- بماله الكثير عند شدة احتياج الإسلام إليه, ومآثره في ذلك مشهورة، في تجهيز الجيوش، والزيادة في المسجد النبوي، ووقف بئر رومة، الذي صيَّره عموميًّا يستسقي منه أهل المدينة، إلى علم غزير، وعقل رصين, وشرف أثيل، وله آراء واجتهاد يأتي لنا بعضها، ولم ينقل الكثير منها لاشتغاله بغير ذلك مما سبق.
قال ابن سيرين1: كانوا يرون أن أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان, ثم ابن
__________
1 تقدَّم.
(1/241)

عمر بعده، وكان عثمان شديد الحياء والحلم, مائلًا إلى السلم والعافية، ووقعت في أيامه فتوح كثيرة، وظهر الرفه الكثيرة في الأمة بما لم ير مثله بعده، إلا أنه كبر سنه، وضعف جسمه، وكان له ثقة في قرابته بني أمية، فتغلَّبوا على أمره، وتولوا أعظم الولايات، وانتفعوا وراء ذلك بسعة العيش ووجاهة في الدولة، نَفَسها عليهم غيرهم، فوجدت الجمعيات السرية التي كانت تكيد الإسلام وجهًا للطعن فيها، مع استغنائه ببني أمية عن مشاروة أكابر المهاجرين والأنصار، الذين كانوا أهل شورى عمر؛ لأن عمر لم يترك للشورى نظامًا محكمًا في الانتخاب, وانتظام المجلس وكيفية التصويت، كما تقدمت الإشارة إليه، ونقم الطاعنون على عثمان أشياء لا تبرر عملهم ضده، فحاصروه بداره، وطلبوا منه أن يتخلى، فامتنع فاقتحموا عليه داره، وقتل شهيدًا ختام سنة "35" خمس وثلاثين1.
__________
1 أبو عبد الله: سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي, ولد بعد الفيل بست سنين، يكنَّى بأبي عمرو وأبي عبد الله، ت سنة 35هـ. تهذيب التهذيب "7/ 127"، ومعجم طبقات الحفاظ "127" معرفة الثقات "5/ 12"، والتاريخ الكبير "6/ 208"، إسعاف المبطأة "205"، التاريخ لابن معين "3/ 394"، دائرة الأعلمي "21/ 325".
(1/242)

ترجمة سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه:
الخليفة الرابع، أول من أسلم من الشبان، وأول قاضٍ ولَّاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فكان في اليمن، وتقدَّم الكلام على أقضيته واجتهاده، تربى في بيت النبوءة، وتغذى بلبان معارفها, ولما آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه، قال له: "أنت أخي وأنا أخوك" 1، وهو صهره على أعز الخلق عليه، وابن عمه الذي كان يحوطه، ومع ذلك لم يرشحه للخلافة، إبعادًا للسلطة الشخصية من ساحة الإسلام، بل ترك الأمر شورى للمسلمين يختارون من يشاءون، وهو أحد العشرة المبشرة، وأحد ستة الشورى، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان، والزهاد، والخطباء، والشعراء، ومناقبه في العلم وما أوتيه من الاجتهاد والفهم معلوم،
__________
1 روى الترمذي عنابن عمر قال: آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: يا رسول الله, آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، قال الترمذي: حديث حسن غريب "5/ 636".
(1/242)

وكان صاحب شورى عمر في أقضيته، وكذلك كان مع أبي بكر، وعثمان أيضًا، وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.
ويروى من فضائله قوله -عليه السلام: "أنا2 مدينة العلم، وعلي بابها"1, قال مسروق3: شافهت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم, فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: علي، وعبد الله -يعني: ابن مسعود, وعمر, وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبَيّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليٍّ وعبد الله.
شهد المشاهد كلها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلّا تبوك, فإنه استخلفه فيها على المدينة، وقال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنَّه لا نبي بعدي" كما في الصحيحين4.
وفضائل علي ومناقبه ولا سيما في العلم وما أوتيه من الفصاحة والبلج بالحجة شيء لا يحصر، وكتب الصحاح مملوءة من ترجمته، وقد انتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة, فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، أرادوا أن ينفعوا فضروا، ولهذا تجد أصحاب الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلّا ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني5، وشريح6، وأبي وائل7، ونحوهم. وكان
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات, وإن صححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر: الصواب أنه حسن.
2 أخرجه الحاكم عن ابن عباس -رضي الله عنهما "3/ 126"، وأخرج الترمذي عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" قال الترمذي: هذا حديث غريب منكر "5/ 637"، وقد استوفى الكلام فيه الحافظ السيوطي في اللآليء المصنوعة "1/ 328-336".
3 سبقت ترجمته.
4 متفق عليه: من حديث سعد بن أبي وقاص: واللفظ لمسلم: البخاري "5/ 24", ومسلم "7/ 120.
5 متفق عليه: من حديث عمرو السلماني المرادي، أحد التابعين، ت سنة 72هـ، تذكرة الحفاظ "1/ 47".
6 شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، ولي قضاء الكوفة زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية, ت سنة 77هـ، طبقات ابن سعد "6/ 90".
7 شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، من السادة التابعين، أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. خلاصة الخزرجي "167"، وقد ترجم لهم المؤلف في القسم الثاني.
(1/243)

يقول: إن ههنا علمًا لو أصبت له حملة.
وقال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا1.
وقال -عليه السلام: "أقضاكم علي" 2، قال عمر: لولا علي لهلك عمر, وكم من قضية ردَّ فيها علي عمر وعثمان فرجعا لرأيه، قال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ.
وقال ابن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير عليّ.
وقال عبد اللك بن أبي سليمان: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أحد أعلم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه.
وقالت عائشة: أما إنه لأعلم الناس بالسنة, وقال ابن عباس: كنَّا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به.
وقال أيضًا: لقد أعطي تسعة أعشار العلم، وأيم الله, لقد شارككم في العشر العاشر، وقال ابن مسعود:" أعلم أهل المدينة بالفرائض علي.
وزهده وورعه شهير، وسيره بسيرة الخلفاء قبله كذلك في العدل والخراج وتنظيم بيت المال، والوقوف عند حد الشرع الشريف، وقد خصت ترجمته بتآليف، وهذه الآثار نقلت جلها عن أعلام الموقعين، والاستيعاب.
توفي شهيدًا بالكوفة سنة "أربعين" في رمضان3.
__________
1، 2 سبق تخريحه.
3 سيدنا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- القرشي البصري.
تهذيب التهذيب "7/ 294"، والميزان "3/ 133"، والمغني "4285"، ديوان الضعفاء "2936"، والكامل "5/ 1854"، مجمع الزوائد "1/ 79، 1/ 167"، لسان الميزان:4/ 235، 236"، دائرة الأعلمي "22/ 213".
(1/244)

ترجمة عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي:
أحد العشرة، وأحد ستة الشورى، الأمين على أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعده في حجِّهن، ولَّاه عمر ذلك، وهذه منقبة عظيمة أيضًا، هاجر الهجرتين, وشهد بدرًا فما بعدها، ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد دومة الجندل، قال فيه عمر: نعم الرأي عبد الرحمن, مسدد رشيد, له من الله حافظ.
وهو أحد المثرين المشهورين في الإسلام، خزّان الله ورسوله، أعان المسلمين إعانات مالية شهيرة، وله صدقات وأعمال برٍّ كبرى، وترك مالًا عظيمًا، كان محظوظًا في التجارة والعقل والعلم وسابقية الإسلام، ومناقبه جمَّة لا تفي بها هذه النتفة، وكان صاحب شورى عمر المرجوع إليهم في الآراء، والفقه، عمل برأيه كغيره في زيادة حد الخمر، وخالفه في تحبيس أرض الفرس، ورجع إلى روايته في حديث الطاعون، وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك، توفي سنة "32" اثنين وثلاثين1.
__________
1 عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي: ترجمته في الإصابة "4/ 346"، والاستيعاب "2/ 844"، وأسد الغاية "3/ 311".
(1/245)

ترجمة عبد الله بن مسعود الهذلي:
أحد السابقين الأولين للإسلام، سادس من أسلم، لذلك يعد سدس المسلمين، ضمَّه إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يلبسه نعليه، ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال عليه السلام: "إذنك علي أن ترفع الحجاب, وأن تسمع 1 سوادي حتى أنهاك" 2، وهو صاحب الوسادة والنعلين والسواك.
شهد المشاهد كلها معه -عليه السلام، وهاجر الهجرتين، وصلى القبلتين, وشهد له -عليه السلام- بالجنة، وشهد له بالعلم، وقال فيه -عليه السلام: "عليكم بعهد ابن أم عبد" 3، وقال عليه السلام: "لو كنت مستخلفًا أحدًا من غير مشورة
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: سوادي: بكسر السين أسراري. الأبيّ علي مسلم".
2 ابن ماجه عن عبد الله "1/ 49".
3 سبق تخريجه.
(1/245)

لاستخلفت ابن أم عبد" 1.
وقال: "رضيت لأمتي ما رضي الله عنه وابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط الله لها وابن أم عبد" 2. في البخاري: "خذو القرآن عن أربعة, عن ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة" 3.
وقال أبو وائل4: سمعت ابن مسعود على المنبر يقول: أيأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، والذي نفسي بيده, لقد أخذت من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يعلب به الغلمان، والله ما نزل من القرآن شيء إلّا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدًا تبلغنيه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته, ثم استحيا فقال: وما أنا بخيركم5، وقال شقيق: فقعدت في الحلق التي فيها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فما سمعت أحدًا أنكر عليه ذلك ولا ردَّ ما قال، وقال أبو موسى الأشعري: كنا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من كثرة دخولهما ولزومهما له.
وقال أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري6: وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم, فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حجبنا. رواه مسلم7.
وقال حذيفة: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أن عبد الله بن
__________
1 أخرجه الترمذي "5/ 673"، وابن ماجة "1/ 49" من طريق الحارث بن علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم, وقال الترمذي: حديث غريب, إنما تعرف من حديث الحارث عن علي.
أورده المصنّف فلا أعلم مصدره، والحديث مرسل.
2 الحاكم "3/ 317" ولفظه: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" , وهذا اللفظ الذي أورده المصنف فلا أعلم مصدره, والحديث مرسل.
3 البخاري في مناقب أُبَيّ بن كعب "5/ 45"، ورواه بلفظ: "استقرأوا القرآن...." في مناقب سالم مولى أبي حذيفة "5/ 34"، وفي مناقب معاذ "5/ 45"، ومسلم في مناقب عبد الله بن مسعود "7/ 148".
4 سبق ترجمته.
5 في البخاري:6/ 230" إلا قوله: "وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يعلب به الغلمان".
6 صحابي انظر ترجمته في الإصابة "4/ 524",.
7 مسلم "7/ 147".
(1/246)

مسعود كان من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة, وحلف بالله ما أعلم أحدًا أشبه دلًا وهديًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من ابن مسعود، وسئل عنه علي فقال: قد قرأ القرآن وعلم السنة, وكفى بذلك, وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرًا, وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل بدر، فاقتدوا بهما واستمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي، وقال فيه أبو الدرداء بعد موته: ما ترك بعده مثله.
وقال عبد الله بن بريدة: إنه المراد بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 1 الآية. ومزاياه كثيرة, وقد انتشر العلم والدين عن أصحاب أربعة من أعلام الصحابة: ابن مسعود وأصحابه وهم أهل العراق، وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأصحابهما وهم أهل المدينة، وابن عباس وأصحابه أهل مكة. توفي ابن مسعود بالمدينة سنة "32" اثنتين وثلاثين2.
__________
1 سبأ: 6.
2 عبد الله بن مسعود الهذلي: أسد الغابة "3/ 384".
(1/247)

ترجمة زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري:
أبو سعيد أو أبو ثابت. قال ابن عبد البر: أول مشاهده أحد فما بعدها, وأعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- راية بني النجار في غزوة تبوك نزعها من عمارة بن حزم، فقال: هل بلغلك عني شيء؟ فقال: "لا ولكن القرآن مقدَّم"، كان كاتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوحي وغيره، ثم استكتبه أبو بكر، فعمر، وهو الذي باشر جمع المصحف الشريف أيام أبي بكر، وقال له: إنك شاب ثقف1 لا نتهمك, وكفى بهذا تعديلًا, وكيف لا وقد ائمتنه النبي -صلى الله عليه وسلم- على الوحي2.
ثم هو الذي تولَّى نسخ المصاحف زمن عثمان أيضًا، ومعه معينون
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: ثقف -أوله مثلثة والقاف مكسورة ومسكنة- أي: حاذق.
2 لفظ البخاري: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله.... الحديث "6/ 235".
(1/247)

مذكرون في الصحاح، واتفق عثمان ومن كان معه على حمل الناس على القراءة بحرف زيد بن ثابت، وترك غيره من بقية الأحرف السبعة، فحرفه هو الذي يقرأ العالم الإسلامي به الآن1، وأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتعلم العبرانية والكتابة بها، فتعلّم كتابتها في نصف شهر، وكذلك السريانية فكان يكتب للنبي -صلى الله عليه وسلم- بهما المكاتب للآفاق, ويترجم ما يرد بهما2, وهو الذي قال فيه -عليه السلام: "أفرضكم زيد" رواه أحمد بإسناد صحيح3. أي: أعلمكم بالفرائض.
وروى ابن سعيد من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والقراء والفرائض.
وروى البغوي بإسناد صحيح عن ابن خارجة: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر, فقلما رجع إلّا أقطعه حديقة من نخل.
وكان عثمان يستخلفه أيضًا, كما استعمله أمينًا لبيت المال، وعن طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم, وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
__________
1 هذا ادّعاء عجيب لا أدري من أين أتى به المصنف، مع أن ما في صحيح البخاري يرده, ففي حديث جمع المصحف يقول زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بها, فتلمَّسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ......} "6/ 236"، فهو من كونه يحفظ هذه الآية إلا أنه لم يكتف بذلك حتى يجدها عند غيره مكتوبة زيادة في التوثيق, فلم يكن لعثمان أن يحمل الصحابة والأمة بعدهم على رواية واحدة للقرآن وإن كنت حرف زيد، بل كان هدفه من مشروع الجمع، إثبات كل الأحرف السبعة المنزلة التي استقر الأمر عليها في العرضة الأخيرة, وتوثيقها بنص مكتوب يرجع إليه عند الاختلاف لاستبعاد ما ليس منها. وقد تقدَّمَ التعليق عليه، ولو ثبت ما ادَّعاه المصنف اعتراض ابن مسعود الذي ذكره آنفًا على عثمان -رضي الله عنه, مع أن الصحابة لم يوافقوه على اعتراضه، ورجع -رضي الله عنه- بعد أن تيقّن من سلامة المشروع العثماني ودقته، وتيقّن من أن زيد بن ثابت لم ينفرد بمهمته, بل كانت بإجماع من المهاجرين والأنصار ممن حضر منهم المشروع. "عبد العزيز القارئ".
2 الإصابة "2/ 593".
3 أحمد "3/ 281"، وسبق تخريجه.
4 أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المزربان النبوي, ت سنة 310, تذكرة الحفاظ "2/ 247".
(1/248)

وقال مالك، كان إمام الناس بالمدينة بعد عمر زيد بن ثابت, وكان إمام الناس بعده عبد الله بن عمر، وقد أخذ بركابه يومًا ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبَّل زيد رأسه، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا، توفى سنة نيف وأربعين، ووقف ابن عباس على قبره فقال: هكذا يذهب العلم.
وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا، قال ابن جرير الطبري: قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من الصحابة, إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت, وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولًا1.
__________
1 زيد بن ثابت الأنصاري الخزري البخاري: أبو سعيد - أبو خارجة، الخزرجي البخاري المدني. التاريخ الكبير "3/ 380".
(1/249)

ترجمة معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي:
الإمام المقدَّم في علم الحلال والحرام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله الله عليه وسلم- ومنها العقبة، وبدر، وكان فيها ابن إحدى وعشرين سنة، ولَّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- على اليمن، وحديثه بذلك في الصحيح، ولّاه على الجند -بفتح النون- يقضي بينهم, ويعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، ولما وحهه قال له: "بم تقضي"؟ قال: بكتاب الله الحديث، وتقدَّم1، وهو ممن كسر آلهة بني سلمة.
وفي الصحيح أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم2، وفيه أيضًا: "اقرأوا القرآن على أربعة" 3 وعدّه منهم، وقال فيه أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء، وكنز العلماء، وكان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء وجمالًا، وكان مجاب الدعوة.
وروى عنه عمر وأبو موسى وغيرهما من أعلام الصحابة، قال فيه عمر:
__________
1 سبق تخريجه.
2، 3 البخاري "6/ 229، 230"، ومسلم "7/ 148"، واللفظ المذكور عند مسلم من حديث ابن عمر "7/ 149"، وسبق.
(1/249)

عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، ولولا معاذ لهلك عمر. وفي حديث الترمذي مرفوعًا: "أعلمهم بالحلال والحرام معاذ" 1، وخطب عمر فقال: من أراد الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني.
قال شهر بن حوشب2: كان أصحاب رسول الله إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له، وكان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين العالمين، معاذ وأبي الدرداء. وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمَّة قانتًا لله حنيفًا، وفسَّر الأمة بالذي يعلِّم الخير ويؤتم به, والقانع: المطيع لله، قال: وكذلك كان معاذ. ولاه عمر بعد أبي عبيدة بن الجراح على الشام, فمات بإثره. اخترمته المنية شابًّا عن نيف وثلاثين سنة عام "19" تسعة عشر في طاعون عمواس3.
__________
1 سبق تخريجه.
2 مولى أسماء بنت يزيد بن السكرة، أبو سعيد الشامي, روى عن مولاته وابن عباس وعائشة وأم سلمة وجابر وغيرهم، ت سنة 100، خلاصة الخزرجي "169".
3 معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي: الإصابة "6: 136"، والاستيعاب "3/ 1402"، وأسد الغابة "4/ 376".
(1/250)

ترجمة أُبَيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي النجاري:
أبو المنذر، شهد العقبة الثانية، وبدرًا، وغيرها، وفيه قال -عليه السلام- فيما رواه الترمذي: "أقرؤكم أُبَيّ" 1، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وأمره الله أن يقرأه عليه، قال: قلت: يا رسول الله: سماني الله لك؟ قال: "نعم" 2. فقرأ عليه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} بالتاء جمعيًا3.
__________
1 الترمذي "5/ 664"، وتقدَّم تخريجه.
2 متفق عليه. البخاري "5/ 45"، ومسلم "7/ 150".
3 لفظ الصحيح: $"إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذي كفروا" البخاري "5/ 45"، ومسلم "7/ 150"، وفي الترمذي "5/ 665"، وأنه قرأ فيه: أن ذت الدين عند الله الحنيفية المسلمة لا اليهودية ولا النصرانية من يعمل خيرًا فلن يكفره، وقرأ عليه: $"ولو أن لابن آدم واديًا من مالٍ لابتغى إليه ثانيًا ولو كان له ثانيًا لابتغى له ثالثًا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب, ويتوب الله على من تاب". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، أما ما جاء به المصنف من أنه قرأ عليه آية يونس فخطأ، ولكن أخرج الحاكم في مستدركه "3/ 304" عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبزي عن أبيه عن أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "نزلت عليّ سورة وأمرت أن أقرئكها" قال: قلت: أسميت لك؟ قال: "نعم"، قلت: -أي الراوي- لأبي: أفرحت بذلك يا أبا المنذر؟ قال: وما يمنعني والله -تعالى وتبارك- يقول: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} .
(1/250)

وهو من كُتَّاب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم, بل هو أوّل من كتب له بعد الهجرة، وهو من فقهاء الصحابة وعلمائهم، وهو أوّل من كتب في آخر المكاتب وكتب فلان بن فلان، وكان له مصحف يقرؤ عليه، وحُرِقَ زمن عثمان، روى عنه عمر، وعبادة بن الصامت، وغيرهما من كبار الصحابة، وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويسأله عن المعضلات، ويتحاكم إليه إذا وقع خلاف بينه وبين الصحابة، وناهيك بهذا المرتبة رجل يرضى عمر بحكمه، وقال مسروق1: كان ثلاثة من الصحابة يدعون قولهم لقول ثلاثة: ابن مسعود يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى لقول علي، وزيد بن ثابت لقول أُبَيّ بن كعب.
توفى في خلافة عمر سنة "19", وقيل في خلافة عثمان قبل موته بجمعة2.
__________
1 تقدمت ترجمته.
2 أُبَيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي النجاري: ترجمته في الإصابة "1/ 27"، والاستيعاب "1/ 65"، وأسد الغابة "1/ 49".
(1/251)

ترجمة أبو موسى عبد الله بن قيس:
الأشعري، الكوفي، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، واستعمله النبي -صلى الله عليه وسم- على زبيد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة، فافتتح الأهواز وأصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة بطلب من أهلها، فتفقّه به أهلها، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، كان من القراء أحسن الناس صوتًا ونغمة، ممن يحسن القراءة ويجودها.
قال فيه -عليه السلام: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" 1، وكان
__________
1 متفق عليه: البخاري في فضائل القرآن "6/ 241"، ومسلم في المساجد "2/ 193"، ولفظهما: $"لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
(1/251)

عمر إذا رآه يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، وهو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، وأوصى عمر: لا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقرّوا الأشعري أربع سنين، قال فيه علي -كرم لله وجهه: صبغ في العلم صبغة.
وهو أحد الستة الذين انتهى العلم إليهم كما قال الشعبي1، وأحد قضاة الإسلام الأربعة، قال ابن المديني2: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. وروى البخاري عن الحسن البصري3: ما أتى البصرة راكب خير لأهلها من أبي موسى4. توفي سنة نيف وأربعين أو نيف وخمسين5.
__________
1 ترجمته سبقت.
2 علي بن عبد الله بن جعفر السعدي أبو الحسن المديني البصري, ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثالث، وانظر تاريخ بغداد "11/ 158"، تهذيب التهذيب "7/ 349".
3 الحسن بن أبي الحسن -سيار أو يسار- البصري، مولى زيد بن ثابت، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثاني، وانظر تهذيب الأسماء للنووي "1/ 161"، وحلية الأولياء "2/ 131".
4 لم أجده في البخاري، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه "2/ 245".
5 أبو موسى: عبد الله بن قيس: لسان الميزان "3/ 328".
(1/252)

ترجمة أبو الدرداء عويمر بن عامر الأنصاري:
الخزرجي، أسلم يوم بدر، وشهد المشاهد كلها، وآخى -عليه السلام- بينه وبين سلمان, فكانا من الزُّهَّاد العباد، وهو معدود من الفقهاء العقلاء الحكماء في هذه الأمة. قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم: "إنه حكيم هذه الأمة" 1، وهو من الأربعة الذين أوصى معاذ أن يلتمس العلم عندهم: أبو الدرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام.
وقال فيها أبو ذر: ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء. وقال فيه معاوية: إنه من الفقهاء العلماء الذين يشفون من الداء.
وقال فيه القاسم بن محمد2: إنه من الذين أوتوا العلم, ومن حكمه
__________
1 ذكره ابن حجر عن شريح بن عبيد -أرسله- عن النبي -صلى الله عليه وسلم, الإصابة "4/ 748".
2 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد فقهاء المدينة السبعة، ت سنة 107هـ، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الثاني بإيجاز، وانظر الجرح والتعديل "ق2/ 118"، ووفيات الأعيان "1/ 418".
(1/252)

المأثورة في وصف الدنيا: إنها دار كَدَر, ولن ينجو منها إلّا أهل الحذر، ولله فيها علامات يسمع به الجاهلون، ويعتبر بها العاملون، ومن علامته فيها: أن حفّها بالشهوات، فارتطم فيها أهل الشبهات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات، ومزج حالها بالمثونات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب، والمقل فيها نصب. تولَّى قضاء دمشق في خلافة عمر أو عثمان، وقال ابن أبي الضياف التونسي1 في تاريخه: إن عمر ولّاه قضاء المدينة أيام خلافته، توفي سنة نيف وثلاثين2.
__________
1 أحمد بن أبي الضياف التونسي أبو العباس، وزير ومؤرخ، تقدَّم في دولة المشير أحمد باي بتونس، ت سنة 1291هـ، الأعلام "135".
2 أبو الدرداء: عويمر بن عامر الأنصاري: مسند أحمد "5/ 94، 60/ 440"، طبقات ابن سعد "7/ 391"، وطبقات خليفة "95، 303"، التاريخ الكبير "7/ 76"، الجرح والتعديل "7/ 26"، المستدرك "3/ 336"، الاستبصار "125، 127"، الاستيعاب "4/ 1646"، تاريخ ابن عساكر "13/ 336/ 1"، أسد الغابة "6/ 79"، سير النبلاء "2/ 335"، كنز العمال "13/ 550"، شذارات الذهب "1/ 39".
(1/253)

ترجمة عبادة بن الصامت الأنصاري:
الخزرجي, أحد النقباء، شهد العقبات الثلاث وبدرًا والمشاهد كلها, من أعلام الصحابة وقضاتهم, وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، وهو أوّل من تولَّى قضاء فلسطين، ووقع خلاف بينه وبين معاوية في الصرف، وتقدمت قصته معه، ووقف معاوية يومًا عند المنبر فقال: حدثني عبادة فاقتبسوات منه, فهو أفقه مني، وله مع معاوية قصص متعددة تدل على قوة شكيمته في دين الله, وقيامه بالأمر بالمعروف، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا، وروى عنه كبار من الصحابة والتابعين، كأنس، وجابر، وغيرهما.
وهو ممن جمع القرآن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ابن سعد، توفي سنة نيف وثلاثين, أو نيف وأربعين1.
__________
1 عبادة بن الصامت الأنصاري: أبو الوليد الأنصاري الخزرجي: الثقات "3/ 302"، أسد الغابة "3/ 160"، تجريد أسماء الصحابة "1/ 294"، الإصابة "3/ 624"، المصابح المضيء "1/ 85"، الجرح والتعديل "6/ 95"، تقريب التهذيب "1/ 395"، الاستيعاب "2/ 807"، الوافي بالوفيات "16/ 816"، سير النبلاء "2/ 5"، النجوم الزاهرة "1/ 21".
(1/253)

ترجمة عمار بن ياسر:
أبو اليقظان، العنسي1، المهاجري، حليف بني مخزوم، من السابقين الأولين، ممن عذِّب في ذات الله، كانت -عليه السلام- يمر به وهو يعذَّب هو وأمه، فيقول: "صبرًا آل ياسر" 2 وماتت أمه من ذلك التعذيب صابرة، شهد بدرًا والمشاهد كلها، قال -عليه السلام: "إن عمارًا مليء إيمانًا إلى مشاشته" 3 وهو أحد أعلام الصحابة وفقائهم، ومن النجباء الأربعة عشر، استشهد في صفين عن تسعين سنة، وكان من حزب علي -رضي الله عن الجميع، عجبًا لصلابته في الدين، حتى شهد القتال في وقعتي الجمل وصفين وهو ابن تسعين، قال فيه -عليه السلام: "عمَّار تقتله الفئة الباغية" 4.
ومناقبه جمَّة -رحمه الله، ولنمسك عمَّا وقع منه ضد عثمان, فذلك عن اجتهاد قيامًا بما رآه لصلاح أمته -رحمه الله5.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: العنسي: بفتح المهملة وسكون النون, وعمَّار كشداد صيغة مبالغة, وياسر بكسر السين.
2 ذكره في الإصابة "7/ 713".
3 أخرجه النسائي في الإيمان "8/ 97"، وابن ماجه في المقدمة "1/ 52".
4 متفق عليه: البخاري في الصلاة "1/ 115"، ومسلم في الفترة "8/ 158".
5 عمار بن ياسر: مسند أحمد "4/ 262، 319"، طبقات ابن سعد "3/ 1/ 176"، التاريخ الكبير "7/ 25"، التاريخ الصغير "1/ 79، 84، 85"، والجرح والتعديل "6/ 389"، حلية الأولياء "1/ 139، 143"، والاستيعاب "8/ 225"، سير أعلام النبلاء "1/ 406"، تهذيب التهذيب "7/ 408"، والإصابة "7/ 64"، شذارت الذهب "1/ 45"، العبر "1/ 25، 38".
(1/254)

ترجمة حذيفة بن اليمان واسمه حسيل:
العبسي1 الكوفي، حليف بني عبد الأشهل، من الأنصار، من السابقين الأولين, صاحب سرّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين, أعلمه بما يكون من الحوادث والفتن، شهد أحدًا وما بعدها، واستشهد أبوه بها، روى مسلم عنه, أن كفار قريش أخذوه هو وأباه، فقالو: إنكم تريدون محمدًا، يعني وهو في
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: العبسي -بالباء الموحدة تحت, وحذيفة وحسيل مصغران أهـ.
(1/254)

بدر, فقلنا: لا نريد إلّا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصر فنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه الخبر، فقال: "أنصرفا نفي لهم بعهدهم, ونستعين الله عليهم" 1.
روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير، والموجود له في كتب الحديث ينيف عن المائة حديث، وكان عمر يسأله عن الفتنة، وولّاه المدائن، فبقي بها إلى أن مات، وله أيادٍ في الإسلام بسيفه وعلمه، فقد فتح الدينور، وماسبذان، وهمدان، والري2، وهو الذي أشار على عثمان بنسخ المصاحف، وجمع الناس على مصحف واحد وتحريق ما سواه، وهذه خدمة للفقه تذكر فتشكر، كان عمر ينظر إليه في حضور جنائز المنافقين، فمن تخلَّف عن جنازته لم يشهدها عمر، قال فيه أبو الدرداء لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما في الصحيحين3، توفي سنة "36" ست وثلاثين4.
__________
1 أخرجه مسلم "5/ 176".
2 مدن مشهور، انظر معجم البلدان "2/ 545"، "3/ 116", "4/ 410"، "4/ 41".
3 البخاري في فضائل ابن مسعود "5/ 35"، ولم أجد في مسلم.
4 حذيفة بن اليمان واسمه حسيل: ترجمته في الإصابة "2/ 44"، والاستيعاب "1/ 334"، وأسد الغابة "1/ 390".
(1/255)

ترجمة أبو ذر الغفاري جندب 1 بن جنادة:
في معالم الإيمان2 عنه أنه قال: صلليت قبل الإسلام بأربع سنين، قال له عبد الله بن الصامت3: من كنت تعبد؟ قال: إله السماء, أتوجه حيث وجهني الله.
والذي في صحيح مسلم بثلاث سنين، وفي رواية فيه: سنتين4قبل
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: جندب -بضم الجيم والدال وبفتح الدال أيضًا, وجنادة -بفتح الجيم وتشديد النون- هذا أشهر الأقوال في اسمه، واسم أبيه, وقد غلبت عليه الكنية أ. هـ.
2 معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان, لعبد لرحمن الأنصاري الدباغ, ت سنة 696هـ.
3 عبد الله بن الصامت الغفاري البصريّ, أخذ عن عمِّه أبي ذر وعمر وعثمان. خلاصة الخزرجي "201".
4 مسلم "7/ 155".
(1/255)

مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أتوجه حيث يوجهني ربي: أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، الحديث.
من السابقين الأولين للإسلام، كان خمس الإسلام لأنه أسلم بعد أربعة، وقيل: بعد ثلاثة، وقصة إسلامه في الصحيحين1، وهاجر إلّا أنه بعد بدر وأحد، ولم يتيسر له شهودهما، ولا شهود الخندق، وقال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم" 2.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما يحرك طائر جناحه في السماء إلّا ذكرنا معه علمًا، وهو أول من حيي النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحية الإسلام, وهي السلام عليكم، وذلك لما دخل عليه ليسلم، وروى ابن عبد البر عن أبي الدرداء, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" 3، وقال فيه علي -كرم الله وجه: إنه وعاء مليء علمًا ثم أوكيء عليه.
قالوا: وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ولذلك كان عمر ألحقه بأهل بدر في العطاء، وقال أبو ذر: كان قوتي علي عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاعًا من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله، وحكي عنه في معالم الإيمان4 أنه قال: إني أقربكم مجلسًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة، فقد سمعته يقول: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة مَنْ خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها" , وإنه والله ما منكم من أحد إلّا وقد تشبث منها بشيء غيري.
وكان بالشام, وهو ممن نشر فيه العلم والدين، وشكاه معاوية لعثمان؛ لأنه كان يرى وجوب التصدق5 بما زاد على القدر الضروري مما تقوم به الحياة، فقد
__________
1 البخاري "5/ 59"، ومسلم "7/ 152".
2 أخرج الترمذي عن مالك بن مرثد, عن أبيه, عن أبي ذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر, شبه عيسى بن مريم عليه السلام ... الحديث" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي بعض هذا الحديث فقال: "أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم -عليه السلام" "5/ 669".
3 الترمذي "5/ 669"، وابن ماجه "1/ 55".
4 انظر التعليق في الصفحة السابقة.
5 قال المؤلف -رحمه الله: رأي أبي ذر هذا هو أصل المذهب الاشتراكي السائد اليوم في =
(1/256)

روى أبو يعلي بإسنادٍ فيه ضعف عن ابن عباس: أن أبا ذر كان يحدث ويقول: لا
__________
= أوروبا, وكان الإسلم في ابتدائه على هذا المذهب, فكان مالهم كله لله ولرسوله, لا يملكون شيئًا لمكان الضرورة والقلة الداعية لذلك، وكانت مصلحة الدعوة للدين ونشره وإظهاره تدعو للاستعانة باموالهم وأنفسهم, فكانت أموالهم وأنفسهم كلها لله, يتصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها كيف يشاء, فقد أمرهم بالهجرة فهاجروا من مكة، وخرجوا عن مالهم وأولادهم, وفارقوا من بقي على الشرك من أزواجهم, وآخى بين المهاجرين أولًا في مكة, ثم آخى بينهم وبين الأنصار في المدينة, فكان المهاجري يرث الأنصاري وبالكعس، وفي مسلم عن أبي سعيد: بينما نحن في سفر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جاء رجل على راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له, ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منها في فضل، ومن ذلك ما في الصحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الارض، وفيه أيضًا: نهي أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ، وفيه أيضًا: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليرزعها أخاه ولا يكرها"، وفي لفظ البخاري: " فليزرعها أو ليمنحها, فإن لم يفعل فليمسك أرضه" , فهذا هو أصل الاشتراكية المعتدلة. لكن الجمهور على ان ذلك قد نسخ بجعل الإرث للقرابة ومن يستحقه في كتاب الله, وبفرض جزء من المال معين وهو الزكاة لا يجب على مسلم غيره، وتقررت الملكية الناسخة للاشتراكية, لكن أبو ذر لا يرى نسخ الحكم, وكان يلبس مثل ما كان يلبس مملوكه, كما يدل لذلك حديث الصحيح، ولهذا أنكر عليه معاوية, وبسبب ذلك خرج من الشام إلى الربذة إلى أن مات بها -رحمه الله*.
* قال فضيلة الشيخ عبد العزيز القارئ: هذا مما سبق التنبيه عليه، والمؤلف هنا أعوزه الحذر وفارقه التحقيق, ونحن نأخذ عليه أمرين في عجالته هذه: أولهما: أن أبا ذر -رضي الله عنه- لم يوافقه معظم الصحابة على اجتهاده في فهم آية الكنز، وعلى رأسهم الخليفتان الراشدان عثمان وعلي، ولذلك لم ينكر أحد على عثمان لما نفاه إلى الربذة، ولعل مكمن الخطأ في اجتهاده -رضي الله عنه- أنه أراد أن يحمل الأمة على أمر لما يلزمها بها لشارع الحكيم، إذ لم يلزم الإسلام أحدًا أن يوزع فضول ماله على الناس، وإنما أوجب عليه حقًّا معلومًا من ماله هو الزكاة، فمتى أداها طاب له ما بقي من ماله, ولم يعد كنزًا، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز" رواه أبو داود "2/ 95"، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله, إنه كبر على أصحابك فرض المواريث لتكون لمن بعدكم ... الحديث" أبو داود "2/ 126".
وأما ادعاء المصنف أن أموال المسلمين في ابتداء الإسلام كانت كلها بيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتصرف بها كيف يشاء، فإنها كانت كذلك ولكن لا على سبيل المصادرة والتأميم, وإنما كان يندبهم =
(1/257)

يبين عند أحدكم دينار ولا درهم إلّا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر, وروى الطبري أن جعل يقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء, بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوي تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء, وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك. رأى معاوية أن ذلك داع للفتنة فوجه عليه عثمان، ثم كان في الربذة منتبذًا الخلق زاهدًا عابدًا إلى أن مات، وفي مسلم1 عن الأحنف بن قيس قال: قلت لأبي ذر: ما لك ولإخوانك من قريش, لا تعتريهم وتصيب منهم؟ قال: لا وربك لا أسألهم دنيا, ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. ومن فتياه ما في مسلم أيضًا أن الأحنف بن قيس سأله: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه, فإن فيه اليوم معونة, فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه, ولما حضرته الوفاة لم يوجد في تركته ما يكفَّن به إذ كان يتصدق بعطائه كله, وكان في فلاة من الأرض هو وزوجته فقط، فجاءت سيَّارة فقال لهم: لو كان لي ثوب أو لامرأتي لم أكفن إلا فيه, وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وكانوا من أهل بدر كلهم، ولم يكن فيهم إلا من قارب بعض ذلك إلا فتى من الأنصار: قال يا عم, أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبي وفي عبئتي، من غزل أمي، قال أنت تكفنني، وكانت وفاته بها سنة "31" إحدى وثلاثين أو اثنين وثلاثين2.
__________
= ويحبب إليهم الأنفاق لحاجة المسلمين في أول الإسلام, ولكن دون أن يلزم أحدًا، فالملكية الخاصة لم يمس مبدؤها بأي حكم ناسخ أو منسوخ، والأمثلة التي أوردها المصنف لا تساعده على دعواه؛ لأنها أحكام لها ظروف معروفة لدى أهل العلم، والكلام فيها مفصّل في كتبهم.
ولهذا نأخذ عليها الأمر الثاني: وهو أن اجتهاد أبي ذر -رضي الله عنه- لم تكن فرصة مناسبة لربطها "بالاشتراكية" من جهتين؛ أولاهما: ما بينها من أنه كان اجتهادًا مرجوحًا، وثانيهما: أنه ليس لأحد كائنًا من كان أن يخلط بين "النظام الرباني الإسلامي" وبين الأنظمة البشرية والأفكار الوضعية، فإن فعل أحد ذلك فقد جنى على شرع الله؛ لأنه يحمله حينئذ أوزار تلك الأنظمة وعيوبها ونواقصها، ولذلك لا أدري أكان المصنف في محاولته هذه التوفيق بين الاشتراكية والإسلام على بصيرة بما وصلت إليه الاشتراكيات, والغاية التي انتهت إليها وهي "الاشتراكية الماركسية", والتي تقوم على أصول منها: الجدلية التاريخية أو التفسير المادي للتاريخ، وإنكار الأديان والأخلاق، وسائر الروابط الإنسانية، وحتمية الصراع بين الطبقات، وأن هذه "الهلوسات" الماركسية كلفت البشرية كثيرًا من الضحايا والمأسي حتى الآن.
1 مسلم "3/ 77".
2 أبو ذر الغفاري: جندب بن جنادة: ترجمته في الإصابة "7/ 125"، والاستيعاب "1/ 252"، وأسد الغابة "1/ 301".
(1/258)

ترجمة سلمان الفارسي أبو عبد الله:
يقال سلمان بن الإسلام، وسلمان الخير، أصله من أبناء أساروة فارس، من أصبهان أو من رام هرمز، ترك مهده وخرج يطلب الدين الصحيح، فتنصَّر أولًا، ثم تهوَّد ثانيًا، فأُسِرَ فتناولته أيدي الرق، إلى أن أسلم، قيل: شهد بدرًا, وقيل: أول مشاهده الخندق، هو الذي أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- باتخاذ الخندق للدفاع، وشهد ما بعدها، وهو من أعلام الصحابة ومن زهادهم السبعة الذين هم: عمار، وبلال، وصهيب، وأبو ذر، وخباب، والمقداد، الذين لا يحيط بفضائلهم كتاب، وقد عاتب الله نبيه فيهم في آيات الكتاب كما في الاستيعاب1، وخبر إسلامه غريب ذكره في الشمائل2 وغيرها. جعل عمر له خمسة آلاف خراجًا, فكان يتصدق بها، ويأكل من كد يده، يعمل الخوص في حال كونه أميرًا على المدائن، وكان لا يتخذ بيتًا، بل يستظل بالشجر، أو بجدار المسجد، جاء صاحب له يومًا فقال: أردت أن أبني لك بيتًا يكنك، فأبى, فبقى به حتى قال له: إني أعرف البيت الذي تريد. قال له: وكيف؟ قال: يكون سقفه إذا وقفت ملاصقة رأسك, وإذا اضجعت كان جداره ملاصقًا لرجليك.
فقال: نعم, فعند ذلك بني له بيت قصب بتلك الصفة، وما كان له إلّا عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، ولم يكن يقبل من أحد شيئًا، هذا أمير المدائن عاصمة الفرس, فهكذا كان ولاة المسلمين, وهذا سر تقدمهم وسرعة انتشار دينهم ومبادئهم، وفيه. قال عليه السلام "لو كان الدين بالثريا لناله رجال من فارس"3،
__________
1 آيات العقاب من سورة الأنعام, روى لنا سبب نزولها سعد بن أبي وقاص, وأخرج حديثه مسلم "7/ 127".
2 أخرجه أحمد في مسنده "5/ 438، 441".
3 أخرجه مسلم عن أبي هريرة "7/ 191", ولفظه: "لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس" أو قال: "من أبناء فارس" وله: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء، ووضع يده على سلمان" -رضي الله عنه.
(1/259)

وكان له مجلس من رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وقال فيه أيضًا: "أمرني ربي بحب أربعة, وأخبرني أنه يحبهم: علي, وأبو ذر، ومقداد، وسلمان -رضي الله عنهم" 1, وقال فيه علي: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت. وقال فيه أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. توفى سنة "36" نيف وثلاثين2.
__________
1 أخرجه ابن ماجه "1/ 53".
2 سلمان الفارسي أبو عبيدة: ترجمة سلمان في الإصابة "3/ 141"، والاستيعاب "2/ 134"، وأسد الغابة "2/ 328".
3 تقدم تخريجه.
(1/260)

ترجمة أبو عبيدة بن الجراح القرشي الفهري:
أحد العشرة المبشرة بالجنة الذين كانوا أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحروب ووراءه في الصلاة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، من السابقين الأولين, ومن قوادهم الفاتحين. فاتح الشام ومبيد دولة الروم منها، قال فيه -عليه السلام: "لكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" 1, وأراد أبو بكر أن يبايعه يوم السقيفة بالخلافة إذ قال الصحابة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين. له ولعمر، وقال عمر لما وصل عنده للشام: كلنا غيَّرَتْنَا الدنيا غيرك يا أبا عبيدة, إذ لم يجد عنده في منزله شيئًا, ولا ما ينام عليه سوى كسوته وسرجه وسلاحه، ولذلك قال عند وفاته: لو كان أبو عبيدة حيًّا لأوصيت له بالخلافة. فذاك مما يدل على علمه وفضله، ومن فتاويه لما وجهه -صلى الله عليه وسلم- رئيس سرية الخبط, وخرجت لهم حوت العنبر: نحن رسل رسول الله, وفي سبيل الله, فكلوا منها فأكلوا, ولما قدموا وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل فتواه، وقال: "هل معكم منه شيء وأكل" 2. وهو الذي قال لعمر لما قدم الشام وأراد الرجوع من الطريق لأجل ما بلغه من الطاعون: أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله, لو غيرك قالها يا أبا عبيدة3. وذلك دالّ على جلالته عند عمر فمن دونه، وقالت عائشة: أحب أصحاب رسول الله إليه أبو بكر, ثم عمر, ثم أبو عبيدة. وفد ابنه معاذ بعد موته حيث خطب الناس فقال: إنكم فجعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقل حقدًا, ولا أبر صدرًا، ولا أبعد غائلة, ولا أشد حياء للعاقبة, ولا أنصح للعامة منه, فترحموا عليه. اتفقوا أنه مات في طاعون عمواس عام "18" ثمان عشرة4.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 تقدم تخريجه.
3 متفق عليه. البخاري في الطب "7/ 169"، ومسلم في السلام "7/ 29".
4 أبو عبيدة بن الجراح القرشي الفهري. ترجمته في الإصابة "3/ 586"، والاستعياب "4/ 171"، وأسد الغابة "3/ 804".
(1/260)

ترجمة مصعب بن عمير القرشي العبدري:
أحد السابقين الأولين, ممن حُبِسَ في ذات الله، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا واستشهد في أحد، وهو صاحب راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها، كان من قراء الصحابة وعلمائهم، أرسله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة قبل الهجرة ينشر الدين ويعلمهم الفقه، فعلمهم وأسلم على يده كثير، وهو أول من أقام جمعة في الإسلام بالمدينة قبل قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها، وكان بمكة ذا رفاهية ونعمة، ولكن زهد وتقشّف بعد الهجرة، فلما مات لم يوجد عنده سوى نمرة غطّوا بها جسده وبقي رجلاه غطوهما بالإذخر -رحمه الله1.
__________
1 مصعب بن عمير القرشي العبدري: التاريخ الصغير "1/ 21، 25"، الجرح والتعديل "8/ 140"، والعبَر "1/ 5".
(1/261)

ترجمة سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة القرشي:
فارسي الأصل، من السابقين الأولين، أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان إمام المهاجرين الأولين في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر, وناهيك برجل يؤمهما في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم1، وكان أكثرهم قرآنًا، وتقدَّم قوله -عليه السلام: "خذوا القرآن عن أربعة" وذكر منهم سالمًا2، وسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" 3، وقال فيه عمر لما حضرته الوفاة: لو كان حيًّا ما جعلتها شوري. وكان يفرط في الثناء عليه، شهد بدرًا فما بعدها، وكان بيده راية المهاجرين يوم اليمامة فقطعت يده اليمنى, فأخذها باليسرى فقطعت أيضًا، مات هو ومولاه فيها، وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر، ذلك سنة "12" اثني عشرة4.
__________
1 أخرجه البخاري في الأذان "1/ 168".
2 تقدم تخريجه.
3 أخرجه ابن ماجه بلفظ: "الذي جعل في أمتي مثله" "1/ 425"، والبزار بلفظ: ".. الذي جعل في أمتي مثله" مجمع الزوائد "9/ 300".
4 سالم بن معقل مولى أبي حذيفة عن عتبة القرشي. ترجمته في الإصابة "3/ 13"، والاستيعاب "2/ 567"، وأسد الغابة "2/ 245".
(1/261)

ترجمة سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي:
سيدهم، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق, وأصيب فيه بأكلحه فبقى مريضًا إلى أن حكم في بني قريظة إذ نزلوا على حكمه، فحكم بأن تقتل مقاتلتهم, وتسبى ذراريهم ونساؤهم, لغدرهم وخيانة عهودهم, فقال له -عليه اسلام: "حكمت فيهم بحكم الله" 1، وذلك دليل صوابية اجتهاده، له فضائل جمة في نفع الإسلام وصدق مبداه وثابته في مواطن كثيرة، ومات بأثر الحكم المذكور -رحمه الله، قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم: "اهتزل لموته عرش الرحمن" 2، 3.
__________
1 متفق عليه: البخاري في فضائل سعد بن معاذ "5/ 44"، ومسلم في الجهاد "5/ 160".
2 متفق عليه: البخاري "5/ 44"، ومسلم "7/ 150".
3 سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي. انظر ترجمته سعد في الإصابة "3/ 74"، والاستيعاب "2/ 602"، وأسد الغابة "2/ 296".
(1/262)

ترجمة عثمان بن مظعون القرشي الجمحي:
أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وهو من عبّاد الصحابة وفقهائهم ومجتهديهم، ومن اجتهاده ما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: ردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتل, ولو أذن له لاختصينا. وفي رواية مسلم: أراد أن يتبتّل فنهاه. الحديث1، وهو الذي ردَّ على لبيد بن ربيعة حين قال: وكل نعيم لا محالة زائل. بقوله: كذبت, نعيم الجنة لا يزول. فقام سفيه منهم فلطم عينه فاخضرت2، وهو ممن حرّم الخمر في الجاهلية, فكان لا يشربها, وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدني مني ويحملني على أن أنكح كريمتي. شهد بدرًا ومات في السنة الثانية من الهجرة, وهو أول من مات بها من المهاجرين, وأول من دفن بالبقيع منهم3.
__________
1 متفق عليه: البخاري "7/ 5"، ومسلم "4/ 129".
2 ذكر القصة في الإصابة.
3 عثمان بن مظعون القرشي الجمحي: أبو السائب القرشي. التاريخ الكبير "6/ 210"، البداية والنهاية "3/ 66، 92، 99"، معجم الثقات "303"، التاريخ الصغير "1/ 20، 42"، العبر "1/ 4"، تنقيح المقال "2/ 7803"، الموضوعات "1/ 156".
(1/262)

ترجمة جعفر بن ابي طالب صنو علي -رضي الله عنهما:
من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، حضر فتح خيبر, فاعتنقه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "ما أدري بأيهما أنا أشدّ فرحًا, بقدوم جعفر أم بفتح خيبر" 1. نشر الدين في الحبشة, وعلى يده أسلم النجاشي وبعض من أسلم هناك، بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- خليفة أمير جيش مؤتة بحدود الشام, غزا فيها الروم، قاتل حتى قطعت يداه على راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وذلك بعد أن عقر فرسه لئلَّا تفر به, وليعلم جيشه أنه لا مفر، وهو أول من عقر في الإسلام, وهذا من اجتهاده -رضي الله عنه, وجدت فيه نحو تسعين جراحة ما بين صدره ومنكبه وما أقبل منه، وهذه الغزاة من أعجب ما سطره التاريخ للإسلام، كان المسلمون نحو ثلاثة آلاف خاضوا بحرًا من جيش الروم يتجاوز مائة ألف، وهي فاتحة المعارك بين الإسلام والروم, وأول النصر عليهم للإسلام، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكنِّيه أبا المساكين لحبه لهم وإحسانه إليهم، وقال له: "أشبهت خلقي وخلقي" 2 كما في الصحيح. وقال فيه أبو هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من جعفر. فكان يرى أفضليته حتى على الخلفاء, وهو مذهب كثير من المحدثين, أن الذين ماتوا في حياته -عليه السلام- دونه, وشهد عليهم أفضل الصحابة على الإطلاق، كانت وقعة مؤتة سنة ثمان 3.
__________
1 قدوم جعفر في فتح خيبر في الصحيح، وأما هذا اللفظ فرواه الطبراني عن أبي جحيفة, وفي سنده أنس بن مسلم، قال الهيثمي، لا أعرفه, وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني أيضًا عن الأعمش وهو مرسل، مجمع الزوائد "9/ 271".
2 البخاري "5/ 24".
3 جعفر بن أبي طالب صنو علي -رضي الله عنهما. الإصابة "1/ 485". والاستيعاب "1/ 242".
(1/263)

ترجمة زيد بن حارثة الكلبيّ مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
وحِبُّه ووالد حِبِّه أسامة، كان وصيف خديجة زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فوهبته له, وجاء والده وعمه من بلدهما يطلبان فداءه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فخيَّره فاختار رسول الله دون أبويه، وهو أول من سبق للإسلام على ما قال الزهري وسيلمان بن يسار1 وغيرهما، هاجر وشهد بدرًا، قال ابن عمر: ما كنا ندعوا زيدًا إلا زيد بن محمد, حتى نزل {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} 2 رواه في الصحيح3، ولم يذكر أحد في القرآن باسمه من الصحابة سواه في قصة زينب بنت جحش التي كانت زوجته فطلقها, ثم تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في سورة الأحزاب، وكان -صلى الله عليه وسلم- يؤمّره على الجيوش, وأمّره على جيش مؤته, وكان حعفر خليفته، ويا لها من منقبة، فقاتل حتى قتل قبل جعفر، قالت عائشة: ما بعث رسول الله سرية هو فيها إلا أمَّره عليها, ولو بقي لاستخلفه, وقال فيه: "أنت مولاي ومني وأحب الناس إلي" 4. وفي البخاري: "إن كان لخليقًا للإمارة ومن أحب الناس إلي" 5. ومن فقهه أن أحد اللصوص أكرى له بغلًا من الطائف, ثم مال به إلى شعب وأراد أن يقتله, فاستمهله أن يلصي فصلَّى ركعتين ودعى بقوله: يا أرحم الراحمين. فأرسل الله له من خلصه منه من الملائكة6, 7.
__________
1 الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب إمام الحفاظ، ت سنة 124هـ، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" "9/ 445", وتذكر الحفاظ "1/ 102".
وسليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ت سنة 108هـ, وقد ترجم لهما المؤلف في القسم الثاني.
2 الأحزاب: 5.
3 متفق عليه: البخاري في تفسير سورة الأحزاب "6/ 145"، ومسلم في فضائل زيد "7/ 131".
4 أخرجه أحمد من حديث أسامة "5/ 204"، وابن سعد, وقال ابن حجر: إسناده حسن، الإصابة "2/ 601"، وفي البخاري في الصلح "3/ 242"، عن البراء أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لزيد: "أنت أخونا ومولانا".
5 متفق عليه: البخاري "5/ 29"، ومسلم "7/ 131".
6 ذكرها ابن عبد البر بإسناده إلى الليث بن سعد.
7 زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم. الإصابة "2/ 598"، وفي الاستيعاب "2/ 542"، وأسد الغابة "2/ 224".
(1/264)

ترجمة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي:
من السابقين الأولين، أسلم بعد أربعة، هو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم، هاجر الهجرتين، صلى للقبلتين، ورجع من الحبشة هو وزوجه وأخوه وبنته مع جعفر بن أبي طالب، شهد عمرة القضية فما بعدها، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوليه؛ إذ كان من سادات قريش وأعيانهم، استعمله على صدقات مذحج، وأمَّره أبو بكر على مشارق الشام في الردة، استشهد في أجنادين أو يوم مرج الصفر1.
__________
1 خالد بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي: القرشي الأموي. تقريب التهذيب "1/ 214"، تهذيب التهذيب "3/ 94"، تهذيب الكمال "1/ 355"، الكاشف "1/ 269"، الجرح والتعديل "3/ 1500"، الأعلمي "17/ 128"، التاريخ الكبير "3/ 152".
(1/265)

ترجمة خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي:
من السابقين، شهد بدرًا وأسر في سرية الرجيع، فبيع وقتلته قريش صبرًا بمكة، وهو القائل.
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أن شقٍّ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ولما خرجوا ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين, ثم قال: لولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت, فكان أوّل من صلى ركعتين عند القتل, وهذا من اجتهاده -رضي الله عنه, وكان هذا سنة ثلاثة هجرية1.
__________
1 خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي. ترجمته في الإصابة "2/ 262"، والاستيعاب "2/ 440"، وأسد الغابة "2/ 103".
(1/265)

ترجمة عبد الله بن جحش الأسدي القرشي:
من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وأخته زينب بنت جحش زوج النبي -صلى الله عليه عليه وسلم, هو أول قائد للمسلمين ساق الجيوش، ولواؤه أوّل لواء عقد، ومن اجتهاده في قسم الغنيمة أخماسًا, فجعل الخمس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم, وقسّم أربعة أخماس في الغانمين من قبل أن يفرض ذلك، فنزل بعد ذلك: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} 1، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد -رحمه الله، وانقطع سيفه يوم أحد فأعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عرجرنًا فصار سيفًا، وقد بيع بمائتي دينار، اشتراه بغا2 التركي، ومن اجتهاده أنه أحد الثلاثة الذي استشارهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في أسرى بدر، هم عبد الله، وأبو بكر، وعمر3.
__________
1 الأنفال: 41.
2 ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمته.
3 عبد الله بن جحش الأسدي القرشي: ترجمته في الإصابة "4/ 35"، والاستيعاب "3/ 877"، وأسد الغابة "3/ 131".
(1/266)

ترجمة حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
...
ترجمة حمزة بن عبد الملطلب عمّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
وأخوه من الرضع، من السابقين الأولين، وممن أعزّ الله بهم الإسلام، هاجر مع رسوله -عليه السلام، وشهد بدرًا فأبلى فيها بلاء حسنًا، وأحدًا كذلك، وفيها استشهد, ومثَّل به المشركون أقبح مثلة، فلمّا رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- بكى، وقال: "والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين منهم" 1 فأنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} 2, وهذا من الاجتهاد أيضًا بلا شك، وحمزة هو سيف الله، وسيد الشهداء، ومن قواد المسلمين، قيل: هو أول قائد, ورايته أول راية عقدت في الإسلام، وقيل: أول رياة عقدت في الإسلام راية عبيدة بن الحرث، قيل: إن حمزة أفضل مسلم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم3.
__________
1 أخرجه الدراقطني "4/ 118".
2 النحل: 126، 127.
3 حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ترجمته في الإصابة "21/ 121"، والاستيعاب "1/ 369"، وأسد الغابة "2/ 46".
(1/266)

ترجمة سيدتنا فاطمة بنت مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
وأشبه الناس به خُلُقًا وخَلْقًا، وأحب الناس إليه، وإلى أمته، سيدة نساء العالمين, ويكفي أن يقال في ترجمتها بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فأي فضل وأي شرف وأي فخر بعد هذا، لكن ترجمة فضلها وعقلها وأدبها وشعرها وخطبها وجودها وفقهها خُصَّت بالتآليف، وانظر خطبها في كتاب "بلاغات النساء"1، من فقهها -رضي الله عنها, أوصت عليًّا أن يغسّلها, فهي أول امرأة غسَّلَها زوجها في الإسلام، وأقره الصحابة على ذلك، فكان إجماعًا، وهو مقدَّم على ما يقتضيه القياس من كون الزوج بعد وفاتها صار أجنبيًّا لانصرام العصمة، وأوصت أن يجعل عليها قبَّةً2 تحمل فيها لئلَّا ترى، وهي أول من فُعِلَ بها ذلك فرقًا بين النساء والرجال سترًا لهن2, ولم يعقب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا منها, ولم يبق بعده من بنيه سواها، توفيت بعد بثلاثة أو ستة أشهر، وهي أول لحوقًا به -عليه السلام, كما أخبرها بذلك3.
__________
1 بلاغات النساء: تأليف أحمد بن طيفور الخراساني، ت سنة 280، طبع بمصر سنة 1236هـ.
2 قال المؤلف -رحمه الله: سأل قاضي دانية أبو عمر أحمد بن حسين الشيخ أبا عمران الفاسي عالم أفريقيا لما توجّه في سفارة من الموفق صاحب دانية إلى المعز بن باديس عن مائة مسألة، من جملته هذه وهي: لم خصت المرأة بوضع قبة على نعشها واستمر عليه عمل الأمة من الصدر الأول إلى الآن. وقد كانت تدفن ليلًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وهي في حياتها لا يلزم إخفاء شخصها بل ستر جسدها؟ فأجاب أبو عمران: إنها لم تملك من أمراها شيئًا, فلذلك جعل لها أتمَّ الستر. وأجاب السائل بأن علة ذلك أنها لما حُمِلَت على الأعناق وتعيَّن عينها, زيد في سترها حتى لا يعلم طولها من قصرها, وسمنها من هزالها, وهي في حياتها مختلطة بغيرها لم تتعين. نقله في المدارك في ترجمته الأول.
2 أما أنها أوصت عليًّا بأن يغسّلها فنقله ابن عبد البر في الاستيعاب. وانظر كلام الحافظ ابن حجر عليه في الإصابة "8/ 57"، وفي مسند أحمد أنها -رضي الله عنه- اغتسلت قبل موتها، وأوصت ألا يكشفها أحد "6/ 461"، قال الهيثمي: فيه من لم أعرف، وروى نحوه الطبراني بإسناد منقطع. مجمع الزوائد "9/ 211".
3 سيدتنا فاطمة بنت مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم. ترجمتها في الإصابة "8/ 53"، والاستيعاب "4/ 1893"، وأسد الغابة "5/ 519".
(1/267)

ترجمة خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي الخطمي:
بفتح فسكون، من السابقين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، كسر أصنام بني خطمة، ومن اجتهاده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتاع فرسًا فأنكره البائع, فجاء خزيمة وشهد بصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: "كيف شهدت بما لم تشهد"؟ فقال: ائتمناك على خبر السماء, فكيف لا نصدقك في هذا، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادته بشهادة رجلين خصوصية له، وهذا من فقهه واجتهاده الصائب -رضي الله عنه1، ولما جمعوا المصحف لم يجدوا آية الحرص إلّا معه, كما في البخاري2, مات بصفين مع عليّ -رضي الله عنه3.
__________
1 أبو داود في الأقضية "3/ 308"، والنسائي في البيوع "7/ 226".
2 في البخاري في تفسير سورة التوبة "6/ 90"، وفيه أيضًا في جمع المصحف "226" أنه وجد معه آية من الأحزاب: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} .
3 خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي الخطمي. التاريخ الكبير "3/ 205"، ودائرة المعارف الأعلمي "17/ 169"، البداية والنهاية"7/ 310".
(1/268)

ترجمة خالد بن الوليد القرشي المخرومي
...
ترجمة خالد بن الوليد القرشي المخزومي:
سيف الله، أحد أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، أسلم بين الحديبية وخيبر، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيادة الجيوش، شهد معه الفتح، وهو الذي كسر صنم العزّى، ومن اجتهاده أن بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الغميصا فقتل ناسًا قالوا: صبأنا -أي أسلمنا- ولم يحسنوا النطق بالشهادة، فلم يستصوب فعله, ووداهم -عليه السلام- من مال المسلمين وعذر اجتهاده، وقال -عليه السلام: "اللهم أني أبرأ إليك مما فعل خالد" 1 والقصة في الصحيح، وله مشاهد وفتوح في الحياة النبوية وبعدها، وما كسرت له راية، وعلى يده أسس الله دعائم الإسلام بعد تضعضعه بموت النبي -صلى الله عليه وسلم, فهو الذي أخضع أهل الردة، وقتل مسليمة الكذاب، ومالك بن نويرة, ومن أبى من دفع الزكاة, وأخمد فتنة ثورة العرب، وفتح كثيرًا من بلاد الشام، فهو فاتح دمشق وغيرها، ولما حضرته الوفاةقال: لقد شهدت مائة زحف وما في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة أو طعنة، أو رمية, ثم أنا أموت على فراشي كما يموت العير, فلا نامت أعين الجبناء.
توفي سنة "21" إحدى وعشرين2.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 خالد بن الوليد القرشي المخزومي: ترجمته في الإصابة "2/ 427"، وأسد الغابة "2/ 93".
(1/268)

ترجمة عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي:
أحد قواد الإسلام في البعوث والسرايا، ومن النقباء، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان هو الخليفة الثاني بعد جعفر بن أبي طالب في سرية مؤتة, فاستشهد بعد الرئيسين قبله، كان من شعراء الصحابة, ينافح عن رسول الله بسنانه ولسانه، ومن فقهه: سئلت امرأته بعد موته عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلّى ركعتين, وإذا دخل صلى ركعتين, لا يدع ذلك. قالوا: وكان أول خارج للغزو وآخر قافل، ومن ذلك أيضًا ما نزل: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} 1، قال عبد الله بن رواحة: علم الله أني منهم, فأنزل الله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} 2 وهذا تمسك بالعموم حتى يرد المخصص، ومن ذلك أنه أنشد بين يدي رسول الله عند دخوله مكة:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله
ضربًا يزيل الهمام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة, أفي حرم الله وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر, فقال: "خلّ عنه يا عمر, فوالذي نفسي بيده لكلامه عليهم أشد من وقع النبل" 3، ومن ذلك ما في الزهد لأحمد عن أنس: كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعالى نؤمن بربنا ساعة. الحديث، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رحم الله ابن رواحة, إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة" 4، وقال أبو الدرداء: لقد رأيتنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في اليوم الحارّ الشديد، وما في القوم صائم إلّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وعبد الله بن رواحة5.
ومن ذلك أنه مشى ليلة إلى أمته فجامعها، وفطنت امرأته فلامته، فجحد والحال أنها عاينت، فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرؤه، فقال:
__________
1 الشعراء: 224.
2 الشعراء: 227.
3 أخرجه النسائي "5/ 159".
4 أحمد في المسند عن أنس بن مالك "3/ 265".
5 متفق عليه: البخاري "3/ 44"، ومسلم "3/ 145".
(1/269)

شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء حق ... وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله مسومين
فقالت: صدق الله وكذبت عيني, وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه، قال ابن عبد البر: رويناها من وجوه الصحاح1.
__________
1 عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي: مسند أحمد "3/ 451"، طبقات ابن سعد "6/ 2/ 79"، تاريخ خليفة "86-87"، والتاريخ الصغير "1/ 23"، الجرح والتعديل "5/ 50"، حلية الأولياء "1/ 118-121"، والاستيعاب "6/ 171"، ابن عساكر "9/ 99/ 2"، أسد الغابة "3/ 234"، كنز العمال "13/ 449"، وشذرات الذهب "1/ 12".
(1/270)

ترجمة أسامة بن زيد بن حارثة, حِبُّ رسول الله وابن حِبِّه:
تقدَّم نسبة أبيه، تربّى أسامة في بيت رسول الله ومع أولاده، وكان يجعله في حجره، هو وسبطه الحسن، ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" 1 وكفى بهذا شرفًا، توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن عشرين سنة، وولّاه على جيش عظيم فيه أبو بكر وعمر، فمات النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر، وتكلَّموا فيه لما تولاه, فخطب النبي قبيل وفاته وقال: "إن يتكلموا فيه فقد تكلموا في أبيه قبله, وإن كان لخليقًا للإمارة, وايم الله, إن كان لأحب الناس إلي, وايم الله إن هذا لها لخليق -يريد أسامة, وايم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده, فأوصيكم الله به فإنه من صالحكم" رواه مسلم2، وكفى بهذا ثناء، كان عمر يجله كثيرًا, وإذا لقيه قال له: السلام عليك أيها الأمير، ويقول له: لا أدعوك إلّا به ما عشت؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات وأنت علي أمير, وفضَّله على ولده في العطاء، جعل له خمسة آلاف، ولولده ألفين. وقال: أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك, وهو أحب إليه منك، له مائة وثمانية أحاديث كما في سيرة الشامي3، وكان أسامة ممن اعتزل الفتنة, وتوفي آخر أيام معاوية4.
__________
1 البخاري "5/ 32".
2 متفق عليه: البخاري "5/ 29"، ومسلم "7/ 131".
3 تقدم.
4 أسامة بن زيد بن حارثة, حِبُّ رسول الله وابن حِبِّه: ترجمته في الإصابة "1/ 49"، والاستيعاب "1/ 75"، وأسد الغابة "1/ 64".
(1/270)

ترجمة أبو سعيد الخدري سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي
...
ترجمة أبو سعد الخدري سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي:
من صغار الصحابة, استصغر بأحد فلم يشهدها لكونه كان ابن ثلاث عشرة، واستشهد بها أبوه، وشهد ما بعدها من المشاهد، وهو أفقه صغار الصحابة كما قال حنظلة بن أبي سفيان1 عن أشياخه، ومن أكثرهم حديثًا.
ومن الحفاظ المتقنين الفضلاء العلماء العقلاء، وأخباره تشهد بذلك، وهو من الذين بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهو الذي روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلموا بالحق إذا رآه أو علمه" 2، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه ثم رجعت.
ومن فتياه في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أخذ الجعل على رقية رجل لدغته عقرب, وكان الجعل رءوسا من الغنم, ولما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- أمضى فتواه وقال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" 3، توفي سنة نيف وستين أو نيف وسبعين4.
__________
1حنظلة بن أبي سفيان الأموي المكي, أخذ عن طاوس وسالم والقاسم ومجاهد، ت سنة 151، خلاصة الخزرجي 96.
2 أحمد في المسند "3/ 44".
3 تقدم تخريجه.
4 أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي. ترجمته في الإصابة "3/ 78"، والاستيعاب "2/ 602"، وأسد الغابة "2/ 289".
(1/271)

ترجمة عمرو بن العاص القرشي السهمي:
أسلم مع خالد بن الوليد، وهو أحد القواد المشهورين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وبعده, بعثه -صلى الله عليه وسلم- في سرايا قائدًا، من جملته سرية ذات السلاسل, وتحت إمرته أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، ومن اجتهاده ما في الموطأ: أنه أصبح جنبًا فتيمم وصلّى بهم وهم خمسمائة, فلما قدموا وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: " أتصلي إمامًا وأنت جنب" ولم يأمرهم بالإعادة1، فدلّ على صحة صلاتهم مع كراهة، وولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- على عمّان, فلم يزل بها إلى الوفاة النبوية، حضر فتوح الشام، وهو الذي فتح مصر والإسكندرية، وبدأ في فتوح أفريقيا، ففتح طرابلس سنة "22"، وهو من عقلاء العرب ودهاتهم، وبدهائه خرجت الخلافة من يد علي بن أبي طالب وتولاها معاوية2، فهو ممن أسس الدولة الأموية الكبرى، مات بمصر سنة نيف وأربعين عن تسعين سنة3.
__________
1 تقدَّم تخريجه.
2 هذه عبارة غير محققة، فالخلافة أولًا لم تخرج من يد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حتى استشهد، وثانيًا إنما آلت الخلافة بعده إلى معاوية -رضي الله عنه- بعدة عوامل وأسباب, كان من أهمها تنازل الحسن سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي نوّه به الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" أخرجه البخاري "5/ 32"، "عبد العزيز القارئ".
3 عمر بن العاص القرشي السهمي: أبو عبد الله، مات سنة 43، مسند أحمد "4/ 202"، طبقات ابن سعد "4/ 254"، تاريخ البخاري "6/ 303"، والمستدرك "3/ 452"، تاريخ الطبري "4/ 557"، جامع الأصول "9/ 103"، وأسد الغابة "4/ 115"، تاريخ الإسلام "2/ 235"، البداية والنهاية "4/ 263"، والمغازي "2/ 741"، شذرات الذهب "1/ 53".
(1/272)

ترجمة أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي الخزرجي 4:
فارس رسول الله، شهد أحدًا فما بعدها، ومن فقه في الحياة النبوية صيده وهو حلال, وأطعم منه المحرمين, فأكل بعضهم دون بعض, فأجاز -صلى الله عليه وسلم- فتواه5. روى عنه أبو سيعد الخدري فقال: أخبرني من هو خير مني. توفي سنة نيف وخمسين6.
__________
1 تقدَّم تخريجه.
2 هذه عبارة غير محققة، فالخلافة أولًا لم تخرج من يد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حتى استشهد، وثانيًا إنما آلت الخلافة بعده إلى معاوية -رضي الله عنه- بعدة عوامل وأسباب, كان من أهمها تنازل الحسن سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي نوّه به الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" أخرجه البخاري "5/ 32"، "عبد العزيز القارئ".
3 عمر بن العاص القرشي السهمي: أبو عبد الله، مات سنة 43، مسند أحمد "4/ 202"، طبقات ابن سعد "4/ 254"، تاريخ البخاري "6/ 303"، والمستدرك "3/ 452"، تاريخ الطبري "4/ 557"، جامع الأصول "9/ 103"، وأسد الغابة "4/ 115"، تاريخ الإسلام "2/ 235"، البداية والنهاية "4/ 263"، والمغازي "2/ 741"، شذرات الذهب "1/ 53".
4 قال المؤلف -رحمه الله: ربعي -بكسر الراء وسكون الباء الموحدة، والسلمي بفتحتين.
5 تقدَّم تخريجه.
6 أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي الخزرجي: ترجمته في الإصابة "7/ 327"، والاستيعاب "1/ 289"، وأسد الغابة "5/ 274".
(1/272)

ترجمة قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي:
عقبي، بدري، شهد المشاهد كلها، وهو الذي أصاب سهم حدقته يوم أحد حتى تعلقت بالعرق، فأرادوا قطعها, ثم أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فدفعها بيده حتى وضعه بيده موضوعها, ثم غمزها براحته وقال: "اللهم اكسها جمالًا" فكانت أحسن عينيه وأحدها نظرًا, وما مرضت بعد1، كان من فضلاء الصحابة، وكان أخا أبي سعيد الخدري لأمه.
كان أبو سعيد في سفر، ولما قدم قدَّموا له لحم أضحية بعد ثلاث، فقال: لا أذوقه حتى أسأل أخي قتادة: فأتاه وسأله, فأخبره بأن النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث نسخ, وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص في ذلك, والقصة في الصحيح2، ومن فقهه أنه بات يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يقوم الله بها، فسمعه أبو سعيد الخدري، وكان يتقالهّا, أي: يعدها قليلة، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنها تعدل ثلث القرآن" والقصة في الصحيح3، وكانت وفاته سنة نيف وعشرين4.
__________
1 ذكره ابن حجر في الإصابة وبين طرفة "5/ 417".
2 البخاري "7/ 133".
3 البخاري "6/ 223".
4 قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي: ترجمته في الإصابة "5/ 416"، والاستيعاب "3/ 1274"، وأسد الغابة "4/ 195".
(1/273)

ترجمة أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أمية:
أسدية، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، وتوفي هناك فهاجرت للمدينة، وتزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم. كانت من الفقيهات الحافظات السيدات الكريمات المحسنات، ومن اجتهادها المصيب في الزمن النبوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها عندما تمَّ الصلح بينه وبين كفار قريش في الحديبية متغيرًا لما أمر الصحابة أن يتحللوا من إحرامهم وينحروا هديهم, فتوانو إذ لم يستحسنوا الصلح ورأوا القتال أفضل، فأشارت على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحلق رأسه وينحر هديه, فإنهم لا محالة يقتدون به، ففعل1، وهذا من كمال عقلها إذ فهمت أنهم استصعبوا
__________
1 ذكره الحافظ في ترجمتها في الإصابة.
(1/273)

التحلل من النسك قبل استيفاء المناسك, وأن البيان بالفعل أقوى من القول, فكان الأمر كما فهمت.
وفي صحيح مسلم عن ابنها عمر بن أبي سلمة, أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ قال: "سل هذه" لأم سلمة, فأخبرتها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع ذلك1.
الحديث، ولها أقوال وآراء في الفقه مشهورة، لها ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا، توفيت سنة "59" تسع وخمسين، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاةً -رضي الله عنهنّ جميعًا2.
__________
1 أخرجه مسلم في الصوم "3/ 137".
2 أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أمية: ترجمتها في الإصابة "8/ 150، 221"، والاستيعاب "4/ 1920، 1939"، وأسد الغابة "5/ 650، 588"، وفي الطبعة المغربية، بنت أبي خزيمة وهو خطأ.
(1/274)

ترجمة أم المؤمنين زينب بنت جحش
...
ترجمة أم المؤمنين زينبت بنت جحش:
هي التي تولى الله تزويجها لرسوله في آية الأحزاب: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} 1, كانت صوّامة قوامة، كثيرة الإحسان والصدقة، تعمل بيدها دباغة الجلود وتخرزها, وتبيع وتتصدق على الأيتام والأرامل، كان خراجها اثني عشر ألفًا تتصدق به كله, فبلغ ذلك عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير, فبعث لها بألف درهم تستبقيها, فتصدقت بها أيضًا, فعلت ذلك في العام الأول، ثم قالت: اللهم لا يدركني هذا المال من قابل فإنه فتنة. ممن فقهها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يومًا يقسِّم الفيء في رهط من المهاجرين, فتكلَّمت في ذلك، فانتهزها عمر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: " خل عنها فإنها أواهة" 2 ولما حضرتها الوفاة سنة "20" عشرين قالت: إني أعددت كفني, وإن عمر سيبعث إلي بالكفن, فتصدقوا بأحدهما, وإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوي فافعلوا, فكفنوها في كفن عمر وتصدّقوا بكفنها. قالت فيها عائشة: لم تكن امرأة خيرًا منها في الدين وأتقى لله وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبذلًا لنفسها في العمل الذي تتصدق وتتقرّب إلى الله3.
__________
1 الأحزاب: 37.
2 ذكره الحافظ في ترجمتها في الإصابة.
3 أم المؤمنين زينب بن جحش الأسدية: ترجمتها في الإصابة "7/ 667"، والاستيعاب "4/ 1849"، وأسد الغابة "5/ 463".
(1/274)

صناعة التوثيق في العهد النبوي:
غير خفي أن التوثيق من مستتبعات الفقه، وهاك مثالًا مما كان عليه التوثيق في العهد النبوي:
روى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن الجارود، وابن منده بإسناد حسن1، ولفظ ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبّاد بن ليث صاحب الكرابيسي, حدثنا عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداد بن خالد بن هوذة: ألا نقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: بلى، فأخرج لي كتابًا فإذا فيه: $"هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبئة, بيع المسلم للمسلم" وأورده أبو الحسن الطوسي2 في الأحكام، و"الغائلة": قال سعيد بن أبي عروبة3: الإباق والسرقة والزنا: "الخبثة" بكسر الخاء وبالمثلثة هو: أن يكون من قوم لا يحل سبيهم, وقيل: سوء الخلق، وقوله: "بيع المسلم" الأشهر فيه النصب أي كبيع المسلم.
وفي أبي داود4: عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال: نسخها في عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب5: "بسم الله الرحمن
__________
1 خبر كتاب العداء بن خالد بن هوذة: أخرجه البخاري تعليقًا في البيع "3/ 76"، والترمذي "3/ 511"، وابن ماجه "2/ 756:، وليس في النسائي.
2 لم أعرفه.
3 اسم مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري الحافظ العلم, أخذ عن الحسن والنصر بن أنس حديثًًا واحدًا, وأبي التياح ومطر الوراق، ت سنة 156 هـ. خلاصة الخزرجي 141.
4 أبو داود في الوصايا "3/ 117".
5 في السنن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر، وقال الخزرجي في الخلاصة، عبد الحميد بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر المدني, روى كتاب صدقات عمر. خلاصة الخزرجي 222.
(1/275)

الرحيم، وهذا ما كتب عبد الله عمر في ثمغ أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله، وابن السبيل, لا جناح على من ولهيا أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا غير متأثل مالًا, فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم، وإن شاء وليٌّ ثمغ اشترى من ثمره فهو للسائل والمحروم, وإن شاء وليٌّ ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله. وكتب معيقيب1.
وشهد عبد الله بن الأرقم2، وزاد فيها لما حضرته الوفاة: "بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث بي حدث, أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه, والمائة التي بخيبر ورقيقة, والمائة التي أطعمه محمد -صلى الله عليه وسلم- بالوادي, تليه حفصة ما عاشت, ثم يليه ذو الرأي من أهلها, لا يباع ولا يشترى, ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج عى وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه". فانظر صورة ما كان عليه التوثيق من فصاحة واختصار مفيد جامع، الأصل الذي بني عليه التوثيق، وتفرّع عنه هو آية البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} الآية3.
انتهى القسم الأول من كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ويليه القسم الثاني.
أوله: الطور الثاني للفقه طور الشباب.
__________
1 لعله معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، كان على بيت المال لعمر بن الخطاب. انظر ترجمته في الإصابة "6/ 193".
2 عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقام القرشي الزهري, كان على بيت المال أيام عمر. انظر ترجمته في الإصابة "4/ 4".
3 البقرة: 282.
(1/276)

القسم الثاني: من الفكر السامي
مدخل
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القسم الثاني من الفكر السامي:
في الطور الثاني للفقه وهو طور الشباب؛ حيث صار الفقه شابًّا قويًّا كاملًا سويًّا، وذلك بعد الوفاة مدة قرنين إلى آخر القرن الثاني، إذ أصوله كملت في الزمن النبوي وكثير من فروعه, ولم يبق إلّا التفريع والاستنباط بالاجتهاد المطلق ثم المقيد قبل شيوع التقليد في العلماء.
وفي هذا العصر امتدَّ الإسلام وكثرت الفتوح، واتسعت المملكة الإسلامية من الهند إلى الأندلس, واختلطت بأمم كثيرة دخلت فيه أفواجًا كفارس والروم، ودخلت الحضارة والرفه الفارسي والرومي للعرب، فكثرت النوازل، وظهر الفقهاء المفتون والقضاة العادلون, فصار للفقه مكان واعتبار؛ إذ فتحت الأقطار ومصِّرت الأمصار واتسعت بالإسلام الديار، عصر التمدن العربي والتقدم الإسلامي، فنزلت النوازل وظهرت جزئيات النصوص التي كانت كامنة بين العموم والخصوص، فاجتهد الفقهاء واستنبطوا الآراء وأسَّسوا المبادئ وقعَّدوا وأطلقوا.
ورووا السن وفسَّروا القرآن الكريم فعمَّموا وخصَّصوا وقيَّدوا وأطلقوا.
واستعانوا عليه بالآثار فجمعوها وفحصوها, وانقتدوا ما انتقدوا منها, وبينوا ما يصلح للدلالة وما فيها قادح، ومارسوا كيفية اندراج الجزئي في الكلي, والخاص تحت العام، وقاسوا لنظيره والشبيه على شبيهه، وصيروا هذه الأصول علومًا وصناعات تحتاج لمزيد الممارسات، لتنضبط بذلك الفقه وينتظم
(1/278)

أمر الاجتهاد الذي يتوقّف عليه تقدم الأمة وصون حقوقها.
كل المجتهدين كان يقصد غاية واحدة, وهي استنباط أحكام الوقائع من القرآن والسنة على ما يقتضيه روح التشريع الإسلامي متوخِّين الوصول إلى مراد الشارع، لا قصد لواحد منهم سوى هذا، لكنهم قد تنوعت أفكارهم ومبادئهم في كيفية الوصول إلى هذه الضالة المنشودة، كما سنورد لك بيانه.
ففي هذا العصر بلغ الفقه غايته, وأدرك أوان الشباب وترعرع, فأصبح شابًّا قويًّا غضًّا طريًّا, يتناول الفقيه أحكام الفروع من أغصان الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لم تذبل نضرته بالتقليد المحض وسرد الفروع مسلَّمة كما تسرد الأعمال يوم العرض، بل ازدهى ثمر ثمره الغض إذ كان النمو، وقوته تزداد كمالًا بالاجتهاد، وحرية الفكر مطلقة العنان لكل الأفراد، ولم يكن حجاب التقليد سدًّا حيينًا بين العلماء وبين الكتاب والسنة كما هو في متأخر الصعور التي لم يبق عند أهلها لتلاوة القرآن نفع إلّا على أصحاب القبور, ومنعوا انتفاع الأحياء من فهمه, والاستطلاع على عجائب علمه، بل كان أصحاب القرنين الأولين يستصبحون بمصباح السنة والكتاب ويسيرون بمعيارهما، لا حائل، ولا مانع، فلا ينال إذ ذاك لقب عالم إلا المجتهد، وما كان القليد إلّا للعوام، ولهذا بقي من اصطلاح الفقهاء أن المقلد عامي ولو عاش في العلم مائة عام.
ففي هذه العصر أصبح الفقه علمًا عظيمًا وكنزًا مهمًّا جسيمًا, فامتدت فروعه وتنوعت أبوابه وفصوله ونضج واستوى, وألفت فيه مصنفات عظام يفتخر بها الإسلام, جامعة بين الفرع وأصلها, وافية بالمقصود كله في مدة لا تبلغ قرنين، مع أن دولة الرومان التي هي أرقى دولة قبل الإسلام ما ضبطت شريعتها إلّا بعد ما مضى من أيامها ما ينيف عن ثلاثة عشر قرنًا.
وهذا مما لم يتفق لغير الإسلام من الأمم ذوات الشأن وذلك لأمرين: متانة أصولة الشرعية وأحكامها لكونها بأمر إلهي، ونباهة العرب ونهضتهم التي بهرت العالم في كل باب طرقوه، ونشاطهم الذي لم يشبه ملل ولا كلل في الاعتناء بالعلوم وتدوينها، لا سيما الفقه الذي هو قانونهم الأساسي وزمام قضائهم، وصراط العدل الذي لا حياة لأمة دونه، مع شدة تمسكهم بالدين وتعظيمهم
(1/279)

للقرآن لأنه كلام رب العالمين.
ولنبدأ بزمن الصحابة الذي هو نحو مائة سنة من لدن وفاته -صلى الله عليه وسلم, إلى آخر القرن الأول، نعم بوفاة معاوية انقرضت الخلافة من الصحابة -رضي الله عنهم, وأصبحت في التابعين، أما ابن الزبير الذي تولّى بعده في مكة والعراق ومصر فإنه لم تتمّ له الخلافة مع قصر مدته, وكونه من صغار الصحابة المتقاربين في الرواية مع كبار التابعين؛ إذ جلّ مروياتهم عن الصحابة الكبار.
واعلم أن عصر الصحابة عصران: عصر الخلفاء، وهو ثلاثون سنة من ولاية أبي بكر إلى تنازل الحسن بن علي لمعاوية، والعصر الثاني عصر معاوية وبني أمية إلى آخر المائة الأولى.
وقد روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد" 1، وهو عبارة عن انخرام القرن, وأن كل من كان حيًّا تلك الساعة لا يزيد على مائة سنة منها وكذلك وقع، فإن آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني, ولد عام أحد, وأثبت مسلم وابن عدي2 صحبته، وهوآخر من مات من جميع الصحابة على الإطلاق، توفي سنة مائة وقيل عشر ومائة، ولذا اعتبرنا آخر القرن الأول آخر عصر الصحابة تقريبًا، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "تدور روحى الإسلام لخمس وثلاثين أو لست وثلاثين أو لسبع وثلاثين, فإن يهلكوا فسبيل من هلك, وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا" قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: "مما مضى" رواه أبو دواد3.
__________
1 متفق عليه: البخاري في العلم "1/ 39"، ومسلم في فضائل الصحابة "7/ 186".
2 عبد الله بن عدي الجرجاني أبو أحمد صاحب الكامل.
3 أبو داود في الفترة "4/ 98".
(1/280)

تاريخ إجمالي لعصر الخلفاء من الصحابة:
بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- بويع أبو بكر الصديق بإجماع الصحابة إلّا من شذَّ، فقام بالأمر أكمل قيام، وكان بعض العرب ارتدَّ وبعضهم منع الزكاة, فأجبر الكل على الرجوع إلى الجادة بقوة إيمان المؤمنين، وثباته وحكمته، وجمع الكلمة وأزال كل خلاف داخلي، ثم شرع في فتوح الشام والعراق، وجمع القرآن في المصحف بإشارة من عمر، وذاك أهم أصول الفقه، توفي بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين وثلثة أشهر وثمانية أيام.
وعهد بالخلافة لعمر:
فوقع إجماعهم عليه أيضًا، وتبع خطته في الفتح والعدل والشورى، توفي بعد عشر سنين وستة أشهر ونصف من ولايته شهيدًا, بعدما أوصل الإسلام من نهر مرو في الشرق إلى طرابلس الغرب في أفريقيا، وتقدَّم لنا في ترجمته تنظيماته لدولة الإسلام، ويأتي في اجتهاده شيء آخر.
وتولى بعده بإجماع من الصحابة عثمان بن عفان الأموي.
فزادت الفتوح شرقًا وغربًا, شمالًا وجنوبًا، وبقي في الخلافة اثنتي عشرة سنة غير عشرة أيام.
وهو الذي عدَّد نسخ القرآن في المصاحف وفرَّقه على عواصم الإسلام كما يأتي، ووقعت حركة ثورية، في شطر أيامه الأخير بسبب جعله الولايات في بني أمية, وظهور بعض الظلم من بعضهم بغير شعور منه لكبر سنه, فتألَّب بنو هاشم ضدهم، كما تألّبت جماعات شريرة سرية من الفرس واليهود حسدوا الإسلام
(1/281)

الذي أخرج أمرهم من يدهم واستولى على ملكهم، وكان رئيسهم عبد الله بن سبأ اليهودي، فاجتمعوا من العراق ومصر بالمدينة, وحاصروه بداره إلى أن قتلوه ظلمًا -رحمه الله.
وتولَّى بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وزوج فاطمة ابنته -عليها السلام.
واختلفت عليه الصحابة فثار عليه أولًا الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله, وعائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم، والتفّوا حولها في البصرة مطالبين بدم عثمان؛ حيث أن قتلته انضمّوا لعلي في جملة من بايعه، فتوجّه علي إلى الكوفة، وجرَّد سيف فأخضعهم وسكَّن فتنتهم، ورجعت عائشة للمدينة، واستشهد طلحة والزبير -رحمهما الله، وكان للكل في ذلك رأي يعذر به، والمجتهد إذا أخطأ كان له أجر واحد.
كما ثار معاوية في الشام مطالبًا بدم عثمان أيضًا, ومعه عمرو بن العاص وكثير من الصحابة، فوقعت وقائع صفين في حدود الشام والعراق، وانجلت عن فوز معاوية وتضعضع علي وحزبه.
وثار عليه الخوارج من حزبه فوقع الانشقاق عليه من أهل جبيشه وشيعته بسبب التحيكم الذي كان معاوية طلبه، وساعده علي بطلب من حزبه، وقبوله التحكيم مع كونه الإمام الشرعي, فشلٌ في السياسة وقبولٌ للخلع حقيقة كما لا يخفى، لذلك لما اجتمع الحكمان في دومة الجندل وهما أبو موسى الأشعري من جهة علي، وعمرو بن العاص من جهة معاوية, أعلن أبو موسى حكمه بعزل علي ومعاوية معًا وتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب طبق ما أعلم به هو عمرو بن العاص في السر, لكن عمرو سكت ولم يصرّح له بقبول ولا ردّ, وإن راجعه أولًا وطلب منه تولية ولده عبد الله، فلم يقبل أبو موسى متعللًا بأنه اشترك معه في حرب صفين، غير أنه لما نطق عمرو بن العاص بحكمه أعلم بعزل علي, ولكن أقر معاوية، وحصل تشاجر بين الحكمين، ثم ذهب عمرو للشام وبايع معاوية
(1/282)

وبايعه الناس, ولم يزل أمره في ازدياد وعصبيته في قوة، وتفرّق أصحاب عليٍّ ثلاث فرق:
فرقة ضده وضد معاوية وهم الخوارج, ينقمون على عليٍّ التحكيم, وعلى عثمان أثرته لأهل بيته بالولايات حتى تسبَّب عن ذلك صيرورة الخلافة إلى ملك وعصبية، وعلى معاوية ما كان له العصبية, ويرون أن الخلافة تكون شوريّة النظر فيها لعقلاء الأمة, لا تتعين في بيت ولا شخص, ولا يعترفون بالسلطة الشخصية، وهؤلاء يردون الأحاديث الورادة من طريق عثمان وعلي ومعاوية ومَنْ كان مِنْ حزبهم، كما يردون أقوالهم في الفقه ولا يعملون إلا بقليل من السنة، ولهم أقوال فقهية ومسائل على مقتضى مبدئهم؛ يجوزن الخروج عن الأئمة لمجرد الفسق, بل يكفرون بالمعاصي. وفرقة شيعة علي المتغالون فيه وفي أهل بيته, حتى وإن منهم من وصفه بالنبوءة، ومنهم من قال بألوهيته, وهؤلاء لا يقبلون إلّا ما ورد عن علي وآل بيته من أحاديث وفقه ويردون سواها، ولهم فقه مخصوص بهم, ووضعوا أحاديث كثيرة تؤيد مذهبهم، وهؤلاء أكثر كذبًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غيرهم، وأكثرهم كفار روافض. الفرقة الثالثة: هم الجمهور الذين كانوا مع علي ومعاوية ثم معاوية بعده, وهم الذين تمسّكوا بالسنن الصحيحة، وفضحوا كذب الكذابين, ومحَّصوا الحق وذبُّوا عن الشريعة حتى أبقوها سالمة لم تؤثر عليها خيالات الضالين ولا انتحال المبطلين.
وبقي أمر معاوية يشتد إلى أن قُتِلَ علي في الكوفة غدرًا بعد أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام.
وبويع لولده الحسن سبط الرسول.
ثم تنازل بعد ستة أشهر، واجتمعت الكلمة لمعاوية، وبايعه الكافّة في ريبع الأول سنة إحدى وأربعين, هذا زمن الخلافة التي هي أشبه بجمهورية مؤقتة بوفاة الرئيس الذي قال فيه -عليه السلام- فيما رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم, عن سفينة مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- مرفوعًا:
(1/283)

"الخلافة ثلاثون سنة ثم ترجع ملكًا" , ثم يقول سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرة، وعثمان اثنتي عشرة سنة، وعلي ستة1.
وروى الدرامي عن أبي عبيدة ومعاذ مرفوعًا: "إن هذا بُدِئ نبوة ورحمة, ثم يكون خلافة ورحمة, ثم ملكًا عاضًّا, ثم يكون جبرية وعتوًّا وفسادًا في الأرض" الحديث2.
وروى أحمد والبيهقي عن النعمان بن بشير مرفوعًا: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تعالى, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله, ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن كون ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون جبرية فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله تعالى, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت النبي -صلى الله عليه وسلم. الحديث انظر المشكاة وشرحها3.
وقد بقى معاوية ملكًا تعضدة عصبية بني عبد شمس إلى وفاته سنة ستين, مدة عشرين سنة، فهذا زمن خلافة الصحابة, أما زمن وجودهم فيعتبر ممتدًا إلى آخر المائة الأولى, ويأتي إجمال تاريخ بقيته.
__________
1 الترمذي في الفترة "4/ 503"، وقال: حديث حسن، وأبو داود في السنة "4/ 211"، وأحمد في مسنده "2205"، ولم أجده في النسائي.
2 وراه الدرامي في الأشربة من سننه "2/ 39"، عن أبي عبيدة بن الجراح، وروي عن معاذ وابن عباس. انظر مجمع الزوائد "5/ 189".
3 أحمد "4/ 273"، ورواه البزار والطبراني، قال الهيثمي: رجاله ثقات "5/ 189".
(1/284)

الفقه زمن الخلفاء الراشدين:
الخلفاء كان أمرهم شورى بينهم كما أمر الله في القرآن, وكان نظامهم دستوريًّا، ودستورهم الأساسي هو الفقه، فكان الفقه مدار سياستهم وروح حياتهم وبه تدبير ملكهم، وبصيانة الحقوق والوقوف عند حد الشريعة كانت حركة الإسلام سريعة حتى عمَّ لمشارق والمغارب كما سبق.
فكان الفقه زمن الخلافة أعظم مكانة مما هو عليه الحقوق عند الأمم المتمدنة الآن، كان الفقهاء هم أصحاب الشورى، وبيدهم التدبير وزمام كل أمر، ولا يصدر أمر قليل أو جليل إلّا بوفق الشريعة وعلى مقتضى الحق الذي لا مرية فيه، وللأمة منتهى ما يتصور من السيطرة والرقابة على متابعة الخلفاء لنصوص الشريعة وإشارة الفقهاء، وتحري اتباع الحق والواضح، والمحجبة البيضاء، ولم يثبت في تاريخ عربي ولا أجنبي انتفاد منتقد لهم بظلم أو سوء تصرف، بل اعترف الكل بأن عدلهم وحسن سلوكهم وصراحة طريقتهم هي التي أقادت لهم نواصي الأمم حتى ثُلَّت عروش ملوكها وخُرِّبَت دور دولها، لتبنى بها عظمة الإسلام، المتعشقين لعدله ونزاهة حكامه وخلفائه وعفتهم ورفقهم وتمشيهم خلف أوامر شرعهم لا يعدونه، وكانت نصوص الشريعة غضَّة طرية لم يدخلها كثرة التأويلات وتمحلات الفهوم المتكلفة.
كما أن حالة الإسلام الاجتماعية زمن الخلفاء لم يدخلها رفه كبير ولا ميل إلى الشمم والبذخ والملاذ والسفاسف التي ينشأ عنها تشغيب الأحكام وكثرة النوازل التي هي منشوء التأويلات، ولا سيما في زمن الخلفاء الأربعة، وبالخصوص زمن الاثنين الأولين, فإن عمر لما استقضاه أبو بكر مكث سنة لم يحضره خصمان متداعيان.
ولما وفد ذو الكلاع أحد ملوك اليمن على أبي بكر بثياب فخرة وتاج وبرود
(1/285)

وحلي وألف وصيف، ورأى زي أبي بكر ورثاثة ثيابه مع الهيبة التي آتاه الله، نبذ ذلك كله وتشبه بالخليفة، وقضية الهرمزان لما أوفدوه أسيرًا على عمر، فوجده نائمًا في المسجد دون حارس ولا شرطي, وقال له: عدلت فأمنت فنمت. معلومة، ولهذا لم يتغيّر الفقه عن سذاجته كثيرًا إلّا بعد ذلك1.
كان أبو بكر إذا نزلت به نازلة ولم يجدها في صريح كتاب الله أو سنة رسول الله جمع الفقهاء واستشارهم، روى أبو عبيد2، في كتاب "القضاء" عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله, فإن وجد فيه شيئًا قضى بها وإلا, فإن علم شيئًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى به, فإن أعياه خرج فسأل المسلمين هل علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علم نبينا. فإن أعياه جمع رءوس الناس وخيارهم واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وكان عمر يفعل ذلك, فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة يسأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء، فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.
وعن شريح3 أن عمر كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتك عنه الرجال, فإن جاء ما ليس كتاب الله ولا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ولم يتكلم فيه أحد قبلك, فاختر أي الأمرين شئت, إن شئت أن تجتهد برأيك فتقدم, وإن شئت أن تتأخر, ولا أرى التأخير إلّا خيرًا لك4.
وعن عبد لله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك, وإن الله قد قدَّر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون, فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله -عز وجل, فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فإن جاء ما ليس في كتابه الله ولم يقض فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فليقض بما قضى به الصالحون, ولا يقل لي إني خائف وإني أرى, فإن الحرام بيِّنٌ والحلال بيِّنٌ, وبين ذلك أمور متشبهة, فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك5. خرج هذه الآثار الدرامي.
وانظر تاريخ الخلفاء تجده مملوءًا بالقضايا الدالة على ما سبق.
__________
1 الساذج معرب: ساده, وهو يقصد بعده عن التكلف، لكن اللفظة غير لائقة.
2 القاسم بن سلام الهروي.
3 ابن الحارث أبو أمية القاضي الكوفي في المشهور.
4 الدرامي "1/ 55".
5 الدارمي: "1/ 54".
(1/286)

تحليق الناس لدرس العلم في المسجد:
إن إلقاء المسائل بحيث يكون واحد يلقي والناس يسمعون على هيئة الدرس قد بدأ في عصر الصحابة، فقد حلّق أبو هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهما، كما قال ابن ناجي في ترجمة أبي محمد بن التبان من "معالم الإيمان" رادًّا على ما زعمه ابن التبان المذكور من كون ذلك بدعة بالإجماع، قال: ولا أعرفه "يعني الإجماع" لغيره.
قلت: وأول من قصَّ على الناس تميم الداري في خلافة عمر كما في الإصابة، على أن اجتماع الصحابة على نبي الله في المسجد النبوي كان للفقه والدين، وقد قالت عائشة -رضي الله عنها، إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يسرد الحديث كسردكم هذا، ولكن كان يقول كلامًا فاصلًا, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم عنه، هذا هو المعروف من سيرته -عليه السلام- في الصحاح وغيرها، نعم المبتدع هو حفظ الدرس والتكلف فيه والتصنع والاحتفال في إلقائه لما فيه من رياء وسمعة وشهوة خفية، وعليه يحمل ما حكاه ابن التبان من الإجماع.
(1/287)

أمثلة من اجتهاد الخلفاء رضي الله عنهم
اجتهاد أبي بكر
...
أمثلة من اجتهاد الخلفاء -رضي الله عنهم:
اجتهاج أبي بكر:
ولما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- قام عمر واستلَّ سيفه وقال: مَنْ قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه, فجاء أبو بكر وخطب قائلًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، واستدلّ بالقرآن: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} فزال الخلاف1.
تحيروا فيمن يتولّى أمر المسلمين بعده، حيث لم يوص لأحد بعينه نصًّا، فذهبوا لسقيفة بن ساعدة، فقال الأنصار: منا أمير ومن قريش أمير، فخطب أبو بكر وقال: إنا لا ننكر فضلكم ونصرتكم, ولكن الله قدمنا عليكم، فقال: للمهاجرين والأنصار، وقام عمر وأبو عبيدة واستدلَا على أحقية أبي بكر بالخلافة كتابًا وسنة بما هو معلوم, وبالقياس أيضًا، قالَا: رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، قاسا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وبايعاه فبايعه الناس وزال الخلاف2.
قالوا: أين ندفن رسول الله, فقال أبو بكر في المحل الذي قُبِضَ فيه، واستدلّ على ذلك بالسنة, فأذعنوا وزال الخلاف3.
__________
1 البخاري في فضائل الصديق "5/ 8".
2 نفس المصدر.
3 الترمذي في الجنائز "3/ 329"، عن عائشة, وفي سنده عبد الرحمن بن أبي بكر الميكي، قال الترمذي: يضعف من قبل حفظه، وقال: وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه, فرواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا.
قلت: رواه ابن ماجه في الجنائز "1/ 520"، وفي سنده الحسين بن عبد الله الهاشمي، ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم وقال النسائي: متروك.
(1/288)

قالوا: كيف نصلي عليه، قال: تدخل كل طائفة وتصلي وتخرج, فأذعنوا وزال الخلاف1.
طلبت مولاتنا فاطمة ميراثها من أبيها، والعباس ميراث ما بقي، فروى أبو بكر وغيره حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث, ما تركنا صدقة" وحكم بأنه مخصَّص لآية الميراث فزال الخلاف2.
منع فريق من العرب الزكاة فأراد أبو بكر قتالهم، وخالفه عمر، فاستدلّ أبو بكر بقياسهم على من امتنع من الصلاة, فزال الخلاف وقاتلهم وجمع الكلمة3.
قال عمر: نجمع القرآن فخالفه أبو بكر، وقال: شيء لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم, ثم رجع لقول عمر لما فيه من المصلحة, ولأن النبي -صلى الله عليه ومسلم- كان يكتب كتابه كل ما ينزل, فغاية ما في جمعه حفظه, فأذعن وزال الخلاف4.
نزلت بأبي بكر نازلة الجدة التي جاءت تسأل ميراثها, فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولكن سأسأل الناس, فخرج وسأل الصحابة: أيكم سمع من رسول الله شيئًا في الجدة؟ فقال المغيرة بن شعبة: نعم, أعطاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السدس، فقال له: أيعلم ذلك غيرك؟ فقال محمد بن مسلمة: صدق, فأعطاها السدس5.
ومن اجتهاده السديد لما حضرته الوفاة أوصى بالخلافة لعمر, وذلك أنه رأى أنه صاحب الحل والعقد, فله أن يولي من ظهرت له أهليته, ذلك على توليته أهل الحل والعقد له نفسه، أو قاسه على رعاية الماشية وحفظ الأمانة، فقد روى
__________
1 ابن ماجه في الجنائز "1/ 520"، وفي سند الحسين بن عبد الله المذكور آنفًا.
2 متفق عليه: البخاري في الخمس "4/ 96"، وفي الفرائض "8/ 185"، ومسلم في الجهاد "5/ 155" وفي الحديث أن فاطمة -رضي الله عنها- هجرت أبا بكر -رضي الله عنه- حتى ماتت بسبب هذه المسألة، فقول المؤلف أن الخلاف زال، غير محقق.
3 متفق عليه: البخاري في الزكاة "2/ 131"، ومسلم في الإيمان "1/ 38".
4 البخاري في فضائل القرآن "6/ 225".
5 الترمذي "4/ 419"، وأبو داود "3/ 121"، وابن ماجه "2/ 909".
(1/289)

مسلم عن عبد الله بن عمر أنه دخل على أبيه حين احتضر فقال: زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها, أرأيت قد ضيّع, فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي, فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي، فقال: إن الله -عز وجل- يحفظ دينه, وإني لئن لا أستخلف, فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر عملت أنه لم يكن ليعدل برسول الله -صى الله عليه وسلم- أحدًا, وأنه غير مستخلف1.
فابن عمر كأبي بكر قاس رعاية الناس على رعاية الغنم والإبل، لكن عمر فرّق ببيهما بما رأيت، ورأى أن النبي -عليه السلام- لما لم يستخلف, ففي الأمر سعة، فقدَّم السنة على القياس.
ولا يقال: إن هذا ليس بقول ولا فعل ولا تقرير حتى يقال فيه سنة, لأنا نقول: إن بعض الأصوليين يقول: إن الترك هو من قبيل الفعل، على أنه إنما استدلَّ بالترك على جواز الترك, وأن ما دلَّ عليه القياس من الوجوب غير لازم, وأن فعل أبي بكر إنما كان اختيارًا لأحد شقي الجائز لمصلحة رآها والله أعلم.
__________
1 مسلم في الإمارة "6/ 5".
(1/290)

اجتهاد عمر
مدخل
...
اجتهاد عمر:
وكان عمر كأبي بكر يجمع علماء الصحابة الماهرين في النوازل ويستشيرهم ويأخذ بمرويهم, فإن لم يجد فبرأي أغلبهم؛ لأن ديننا منبيٌّ على الشورى، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 1، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} 2 ففي البخاري أن القراء كانوا أصحاب مجالس عمر ومشارواته, كهولًا كانوا أو شبابًا، وأن الحر بن قيس كان منهم3.
وفي مسلم أن نافع بن الحارث, يعني: الخزاعي, لقي عمر بعسفان, وكان عمر
__________
1 آل عمران: 159.
2 الشورى: 38.
3 البخاري في تفسير الأعراف: "6/ 76".
(1/290)

يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى.
قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا, قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله -عز وجل, وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب اقوامًا ويضع به آخرين" 1.
ولا تظن أن القرّاء كقراء زماننا يحفظون وقلما يفهمون، فكيف يجتهدون، بل كانوا أهل اللسان، ومعرفة باللغة غريزية, فيفهمون من مغامز القرآن ما لا يفهمه أمهر علماء الوقت.
فمن آراء عمر في صلاة تروايح رمضان, وليس له فيها إلّا جمع الناس عليها في المسجد بإمام واحد، وإلّا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حضَّ على قيام رمضان بقوله: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه" 2، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقومه في المسجد, فلما رآهم اجتمعوا عليه خاف أن يفرض عليهم, فلم يعد للخروج إليهم، ولما أمن ذلك بموته -عليه السلام- ندبهم عمر إلى الاجتماع، فليست بدعة شرعية بل لغوية فقط3.
ومن مجتهداته مسائل ميراث الجد، والعول، وضرب الجزية على أهل السواد بأرض الفرس، وتنظيم بيت المال للمسلمين، وتدوين الدواوين، وجعل التاريخ من الهجرة، ومثل هذين أخذهما عن الروم والفرس، لما كان له من الفكر الواسع فلم يكن يأنف من أخذ ما فيه مصلحة عن غيره من الأمم, ولو كانت كافرة، وجعل الأرزاق للجند على اختلاف4 مراتبهم في السابقية, وجليل
__________
1 مسلم في فضائل القرآن "2/ 201".
2 متفق عليه: البخاري في الإيمان "1/ 17"، ومسلم في صلاة المسافرين "2/ 176".
3 فعل عمر في صلاة التروايح, أخرجه البخاري في الصوم, باب فضل من قام رمضان "3/ 85", ومالك في الموطأ في كتاب الصلاة في رمضان.
4 قال المؤلف -رحمه الله: مخالفًا في ذلك ما رآه أبو بكر من التسوية فيه محتجًّا بأنه لا يجعل العطاء ثمنًا لأعمالهم التي عملوها لله، وقال عمر: والله الذي لا إله إلا هو, ما أجد أحدًا إلّا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه, وما أجد أحق به من أحد إلّّّّّا عبد مملوك, وما أنا إلّا كأحدكم, ولكنا على منازلنا من كتاب الله -عز وجل، وقسمنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فالرجل وتلاده في الإسلام, والرجل وغناءوه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، فرتَّب العطاء لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم, لكل واحدة اثنا عشر ألف درهم في السنة، ومثلها العباس، ثم =
(1/291)

الأعمال، إلى غير هذا, كل ذلك كان يستشير فيه أعلام الصحابة ويطبقه على نصوص القرآن والسنة والاستنباط, فما اتفق عليه جمهورهم أمضاه, وصار فقهًا مسلمًا, فيحفظه من حضر ويبلغه لمن غاب.
أمثله ذلك:
روى أبو بكر بن أبي شيبة1 عن رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين, هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك, فقال: يا أمير المؤمنين, والله ما فعلت, ولكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدَّثت به من أبي أيوب، ومن أُبَيّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله شيء، فقال عمر: ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم ذلك؟ قال: ما أدري.
فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا وشاروهم فأشار الناس أن لا غسل إلّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قال: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فقال عمر: هذا وأنتم من أصحاب بدر قد اختلفتم, فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال عليّ: يا أمير المؤمنين, إنه ليس أحد أعلم بهذا من شان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أزواجه, فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك إلّا أوجعته ضربًا.
صح من الجزء الأول عدد 24 أعلام الموقعين2.
__________
=لمن شهد بدرًا خمسة آلاف, وألحق بهم الحسن والحسين، وأربعة آلاف لمن لم يشهدها، وكان أسلم إذا ذاك، وألحق بهم أسامة بن زيد حب رسول الله، وابن حبه، وثلاثة آلاف لأبناء المهاجرين والأنصار كعمر بن أبي سلمة، وابن عمر وطبقتهما، ألفين لمن دونهم, وثمامائة لأهل مكة, وأربعمائة إلى ثلاثمائة لسائر الناس، ولنساء المهاجرين والأنصار من ستمائة إلى مائتين، وفرض لأمراء الجيش وحكام القرى من سبعة آلاف إلى تسعة آلاف، وفرض للصبيان من عشرة إلى مائتين على اختلاف أسنانهم، وأبلغ رزق معاوية إلى ألف دينار في السنة أكثر من رزق الخليفة نفسه، لما رأى من المصلحة في ذلك.
1 أخرجه أحمد في مسنده "5/ 115"، والطحاوي في معاني الآثار "1/ 35"، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر في سنن الترمذي "1/ 187".
2 "1/ 56" ط. الكليات الأزهرية 1388 هـ.
(1/292)

أعمال عمر في تنظيم المالية:
كان عمر لما فتحت العراق وغيرها, رأى أن لا يقسِّم الأرض بين الفاتحين غنيمة, بل يجعلها وقفًا قائلًا لهم: كيف بمن يأتي من المسلمين يجد الأرض قد قسِّمت وورثت عن الآباء ما هذا برأي. يعني: والله تعالى يقول في بيان من يأخذ الفيء: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية2.
ولا يتصور بقاء شيء لمن يأتي بعدهم إذا قسمت الأرض على الغانمين, فأكثروا عليه وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا, ولأبناء قوم ولأبناء أبنائهم لم يحضروا.
وقال عبد الرحمن بن عوف: ما الأرض والعلوج الذين بها إلّا ما أفاء الله على المسلمين، يعني: فهي داخلة في مفهوم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية3. فقال عمر: ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك.
فقالوا: استشر، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فقال ابن عوف: تُقسم كما سبق، وقال عثمان، وعلي وطلحة وابن عمر: توقف. فأرسل إلى عشرة
__________
1 الحشر:" 8.
2 الأنفال: 41.
(1/293)

من الأنصار، خمسة أوس وخمسة خزرج، من كبرئهم وأشرافهم، وقال لهم: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم, فإني واحد كأحدكم, وأنتم اليوم تقرون بالحق, خالفني من خالفني, ووافقني من وافقني, ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي معكم من كتاب الله ينطق بالحق, فوالله إن كنت نطقت بأمر أريده, ما أريد به إلا الحق.
قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين، قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم, وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا, لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم, فقتسمت ما غنموا من أموال بين أهله, وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه, وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها, وأضع عليهم الخراج, وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم, أرأيتم هذه الثغور لا بُدَّ لها من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بُدَّ لها أن لا تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم, فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضين والعلوج.
فقالوا جميعًا: الرأي رأيك, فنعم ما قلت وما رأيت, إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم.
فقال: قد بان لي الأمر، وقرّر إبقاء الأرض بأيدي أهلها وضرب الخراج عليهم.
وهذا من سداد الرأي, وقد سكت المخالفون اتباعًا للرأي الغالب, وعند ذلك نفَّذ رأيه, فوجَّه مندوبين من قبله مسحا أرض السواد فبلغت "36000000" ستة وثلاثين مليونًا جريبًا، وظَّف عليها الخراج مقادير معينة من الدراهم والأطعمة حسبما رآه المندوبان، من درهمين إلى عشرة دراهم على الجريب، فجريب الشعير درهمان، وجريب الكرم والنخل عشرة دراهم، وفي رواية ثمانية فقط، وجريب الحنطة أربعة دراهم أو درهم وقفيز، وجريب الخضر ثلاثة، وجريب الرطبة والسمسم والقطن خمسة دراهم، وجريب القصب يعني قصب السكر
(1/294)

ستة دراهم، وقد بلغت جباية السواد قبل وفاة عمر بعام مائة مليون درهمًا، وهذا من رأيه الصائب، انظر كتاب الخراج لأبي يوسف، والجريب ستون ذراعًا بذراع الملك في مثلها.
قال الماوردي في الأحكام السلطانية: إن ذراع الملك يزيد على الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع, فتكون ذراعًا وثمنًا وعشرًا، وعليه فيكون الجريب نحو: اثني عشر مائة مترًا مربعًا، وبهذا تعلم أن ما كان يؤدى على الأرضين غير مجحف ولا مضرٍّ بأهلها1.
ومن اجتهاد عمر أنه كتب إليه أبو موسى الأشعري أن تجارًا من قِبَلِنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر, فكتب إليه عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين, وخذ من أهل الذمة نصف العشر, ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا, وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه، وروي أن منبج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر: دعنا ندخل أرضك تجارًا وتعشرنا.
فشاور عمر الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه به, فكانوا أوّل من عُشِّر من أهل الحرب، وبعث زياد بن جدير الأسدي على عشور العراق والشام, فصار ذلك سنَّة في المرور بأموال التجارة خاصة, وما يرد منها من الحرب وأهل الذمة سبيله سبيل الخراج، أما ما يرد من المسلمين فسبيله سبيل الصدقات، ولذلك إذا قال المسلم: قد أديت زكاة هذا المال الذي في يدي، صُدِّق بيمينه2.
هذا ما أحثه عمر في نظام المالية عن احتهاد موفق.
__________
1 راجع في هذا الموضع، الخراج لأبي يوسف، الأموال لأبي عبيد، الخراج للدكتور محمد ضياء الدين الريس، منهج عمر بن الخطاب في التشريع للدكتور محمد بلتاجي.
2 الخراج لابي يوسف "69"، والأموال لأبي عبيد "534".
(1/295)

عمله في القضاء:
كان عمر من أنفذ الصحابة بصيرة في الفقه والاجتهاد في القضاء, موفقًا مسددًا, أو هو أمهر مجتهدي الأمة وأكثرهم توفيقًا وتسديدًا, ومن فقهه العظيم كتابه إلى أبي موسى الأشعري وهو قاضٍ من قِبَلِه في البصرة ونصه:
"أما بعد, فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك, فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، آس بين1، 2 الناس في وجهك وعدلك ومجلسك3، 4, حتى لا يطمع شريف في حيفك, ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادَّعى5، 6، واليمن على من أمكر.
والصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا7، 8، ولا يمنعك قضاء قضيت9، 10 بالأمس فراجعت فيه عقلك وهُدِيت لرشدك أن ترجع إلى الحق, فإن الحق قديم, ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل11، 12.
الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم أعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك, واعمد إلى أشبهها بالحق.
__________
1، 2 قال المؤلف -رحمه الله: في إعلام الموقعين بإسقاط لفظ: بين.
3، 4 قال المؤلف -رحمه الله: في إعلام الموقعين: في مجلسك ووجهك وقضائك.
5، 6 قال المؤلف -رحمه الله: في إعلام الموقعين: على المدعي.
7، 8 قال المؤلف -رحمه الله: في إعلام الموقعين بعد قوله: حلالًا: ومن ادعى حقًّا.
غائبًا أو بينة, فاضرب له أبلغ في العذر وأجلى للعلماء, ولا يمنعك.. إلخ.
9، 10 قال المؤلف -رحمه الله: لفظ الإعلام. قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك, فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه, فإن الحق قديم لا يبلطه شيء ومراجعة الحق ... إلخ.
11، 12 قال المؤلف -رحمه الله: لفظ الإعلام بعد قوله في الباطل: والمسلمون عدول بعضهم على بعض, إلا مجربًا عيله شهادة زور, أو مجلودًا في حد, أو ظنينًا في ولاء أو قربة, فإن الله تولى من العباد السرائر, وستر عليهم الحدود إلّا بالبينات والأيمان, ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة, ثم قايس الأمور عند ذلك, واعرف الأمثال, ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق, وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والنكر عند الخصومة أو الخصوم "شك أبو عبيد يعني روايه" فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر, ويحسن به الذكر, فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس, ومن تزين بما ليس في نفسه شأنه الله, فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلّا ما كان خالصًا, فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته, والسلام عليك ورحمة الله. قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر. قال: لا.
(1/296)

واجعل لمن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه, فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلّا استحللت عليه القضية, فإنه أنفى للشك وأجلى للعماء.
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ, أو مجربًا عليه شهادة زور, أو ظنينًا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ بالأيمان والبينات.
وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات, فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر, ويحسن به الذخر, فمن صحَّت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك بثواب الله -عز وجل- في عاجل رزقه وخزائن رحمته, والسلام. بنقل القاضي الباقلاني في إعجاز القرآن1.
وهذا الكتاب كافٍ في معرفة سعة مدارك عمر في الفقه والتشريع وأحكام الضوابط، وفيه التنصيص على أصول مهمة كقياس الشبه، وتقديم الكتاب على السنة، ثم هي على الرأي، ولذلك خصّ بالشرح, وشرحه في أعلام الموقعين بنحو ثلاثة أسفار فانظره تر ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استنبطت كيفية القضاء وأحكامه، قال في أعلام الموقعين: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة, والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه عليه.
وتقدَّم نصّ ما كتب به إلى قاضيه بالكوفة شريح، كما تقدَّم لنا زيادته في حد الخمر، مما يدل على أنه لم يكن يرى أن كل شيء تعبدي، ولا يستحسن الجمود في الأحكام, بل يتبع المصالح وينظر للمعاني التي هي مناط التشريع -رضي الله عنه، وقد أسلفنا في ترجمته تنظيمات وأعمالًا أخرى لهذا الخليفة العظيم، وبالجملة فعمر سيد أهل الفقه والاجتهاد والتقوى في هذه الأمة, ولم يلحقه في ذلك أحد.
قال ابن خلكان في ترجمة الثوري: يقال كان عمر في زمانة رأس الناس, وبعده عبد الله بن عباس في زمانه, وبعده الشعبي, وبعده سفيان الثوري. ومع هذا
__________
1 أخرجه الدراقطني من طريقين في سننه "4/ 206".
(1/297)

كله فقد كان أكثر الناس إنصافًا لمن هو دونه, وأكثر المفتين والأمراء انقيادًا للحق علي أي لسان ظهر, لا يستنكف من إظهار الإنصاف واعتراف بالقصور, وهو في الحقيقة كمال وفضل، وانصياع للحق، فقد خفي عليه توريث الزوجة من دية زوجها, حتى كتب إليه الضحاك بن سفين الكلابي وهو أعرابي من أهل البادية, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يورِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها1.
وخفي عليه أن المجوس تكون لهم ذمة, وتؤخذ منهم الجزية, حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر2.
وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض, فكان يردّهن حتي يطهرن ثم يطفن, حتى بلغه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلاف ذلك فرجع3، وكان يفاضل بين الأصابع في الدية حتى بلغته السنة بالتسوية فرجع إليها4، وكان ينهى عن متعة الحج ثم رجع لما بلغه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بها5.
وأعجب من هذا أنه نهى عن التسمّي بأسماء الأنبياء, مع أن محمد بن مسلمة من أشهر الصحابة، وأبا أيوب وأبا موسى, حتى أخبره طلحة بن عبيد الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كناه أبا محمد فرجع6.
ومثل ذلك ما وقع فيه في الوفاة النبوية في قوله: من قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه, ولما سمع من أبي بكر تلاوة قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ} الآية قال: والله كأني ما سمعتها7.
__________
1 أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح "4/ 426".
2 سبق تخريجه.
3 في فتح الباري "3/ 380" ما يفيد أنه -رضي الله عنه- لم يرجع عن رأيه في هذه المسألة، إنما الذي ثبت رجوعه ابنه عبد الله.
4 انظر نيل الأوطار "7/ 75".
5 ادّعاء المؤلف أن عمر -رضي الله عنه- رجع عن نهيه من متعة الحج غير محرر، انظر التعليق.
6 لم أجد هذا الأثر، لكن في مجمع الزوائد "8/ 48" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن محمد بن طلحة أخبره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمّاه محمدًا.
"7 حديث عائشة في وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم, أخرجه في المغازي "6/ 17"، وليس فيه ذكر مقالة عمر هذه، وأخرجه ابن ماجه "1/ 520"، وأحمد "6/ 220", وفي روايتهما أنه -رضي الله عنه- قال: والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير وأرجلهم.
(1/298)

ومنع من زيادة المهور على خمسمائة درهم صدقات أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وبناته, حتى احتجّت عليه امرأة بقوله تعالى: {وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} الآية. قال: كل أحد أفقه منك يا عمر حتى النساء1, فهذا عمر الذي وافق ربه في بضعة عشر موضعًا, وهو سيد الفقهاء والمجتهدين, وهو من المحدثين الملهمين, وقع له مثل هذا ولا غضاضة عليه في ذلك.
ومع إنصافه مَنْ دونه لا يعظم امرؤ أمامه في الحق, فإنه يواجهه به ولا يبالي، ففي الصحيح أن عثمان دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فجلس، فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما هو إلّا أن سمعت النداء فتوضأت وأتيت، فقال له: والوضوء أيضًا, ألم تعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالغسل يوم الجمعة2, فلم تمنعه جلالة عثمان الذي هو أجلّ الناس بعده إذ ذاك من الإنكار عليه على رءوس الأشهاد.
ومع علمه الواسع خرج من الدنيا وهو يشكو جهل ثلاثة أحكام, ويتمنى أن لو عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها: ميراث الجد، والكلالة، وأبواب من الربا، والحديث في الصحيح وقد خطب بذلك على الملأ قبيل وفاته رحمه الله3.
__________
1 أما نهي عمر -رضي الله عنه- عن المغالاة في المهور فروه أبو داود "2/ 235"، والترمذي "3/ 413"، والنسائي "6/ 96"، وابن ماجة "1/ 706" وأحمد "1/ 40، 48"، كلهم عن أبي العجفاء السلمي قيل اسمه هرم بن نسيب، وثقه ابن حبان والدراقطني، وقال البخاري: في حديثه نظر، قلت: ورواه أيضًا الحاكم عن سعيد بين المسيب. المستدرك "3/ 175"، أما زيادة إنكار المرأة على عمرو احتجاجها بآية النساء فرواها الخطيب البغدادي بإسناده عن مسروق بن الأجدع. الفقه والمتفقه "1/ 141، 142 " ط. دار إحياء النبوية "1395هـ" وذكرها القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} "5/ 99".
2 متفق عليه: البخاري "2/ 2"، ومسلم "3/ 2".
3 مسلم في الفرائض "5/ 61".
(1/299)

اجتهاد عليٍّ -رضي الله عنه 1:
تقدَّمت لنا بعض أحكام وفتاو وقعت منه في الزمن النبوي واستصوبها عليه السلام, وكفى دليلًا على موفقيته في الاجتهاد, شهادته له عليه السلام بقوله: "أقضاكم عليّ" 1، ومن قضاياه الشهيرة عند الفقهاء ذكرها الزرقاني في الفرائض في الفريضة المنبرية أنه كان على المنبر يخطب وهو ييقول: الحمد لله الذي يحكم بالحق قطعًا، ويجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المعاد والرجعى.
فوقف سائل وقال: زوجة وأبوان وابنتان, كيف نقسم التركة؟ فأجاب على البديهة: صار ثمنها تسعًا، في محفله العظيم من غير تأمل ولا تردد, ثم استرسل في خطابه. وقضاياه كثيرة, وكم من قضية ردَّ فيها على عمر بن الخطاب فيرجع لرأيه إنصافًا ووقوفًا مع الحق, وبعض ذلك مذكرو في كتاب "الطرق الحكمية" لابن القيم فانظره، ومنها قضية المجنونة التي أمر عمر برجمها لأنها وضعت لستة أشهر, فردَّ عليه عليٌّ وقال: إن الله يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} 2 وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} 3 فيؤخذ منها معًا أن أقلَّ الحمل ستة أشهر, وقال له: إن الله رفع القلم عن المجنون. فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر, وأصلها في الصحيح، فهو أول من تفطّن لدلالة الاقتران وهو الجمع بين الدليلين واستخراج مدلولٍ من مجموعهما لا يدل عليه الواحد منهما بانفراده، ولذا كان لا يمضي أمرًا في المسائل ذات الشأن إلّا بعد مشاورته لما هو معروف من باعه وغزارة علمه.
ومن اجتهاده ما رواه حمَّاد بن سلمة عن حميد بن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة وأراد سفرًا, فأخذه أهل امرأته فجعلها طالقًا إن لم يبعث نفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء، فلمَّا قدم خاصموه إلى عليّ فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا, فردَّها عليه4. فظاهر الأثر أنه كان يحكم
__________
1 كان ينبغي تقديم اجتهاد عثمان -رضي الله عنه- لسلك الجادة.
2 سبق تخريجه.
3 الأحقاف: 15.
3 البقرة: 233، وقضية المجنونة أخرجها البخاري تعليقًا "8/ 852", ومالك من بلاغاته في الموطأ "2/ 825".
4 انظر أعلام الموقعين "4/ 98".
(1/300)

بعدم لزوم الطلاق لمن حلف أو عاقد على شرط, وبه تمسّك الظاهرية وبعض الحنابلة, قال ابن حزم في "المحلى": اليمين بالطلاق لا يلزم سواء برَّ أو حنث, ولا يقع به طلاق إلّا كما أمر الله, ولا يمين إلّا كما شرع الله -تبارك وتعالى- على لسان رسوله.
قال: فهؤلاء علي بن أبي طالب, ولا يعلم له مخالف من الصحابة، وشريح1، وطاووس2, كما رواه عبد الرزاق في مصنفه عنهما، لا يقضون بالطلاق على من حلف فحنث3, قال في "أعلام الموقعين": وممن روي عنه ذلك عكرمة مولى ابن عباس4.
قال: ومن تأمَّل المنقول عن السلف وجد منه ما هو صريح في عدم وقوع الطلاق، وهو عكرمة، وطاووس، وظاهر فقط وهو المنقول عن عليّ وشريح، وصريح في التوقف وهو ابن عيينة5، وأما الصريح في الوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلّا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط كالمنقول عن أبي ذر، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق, ولهذا ذهب إليه أبو ثور6.
وقال: القياس أن الطلاق مثله إلّا أن تجتمع الأمة عليه, فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع، قال: وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق, وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، ثم أطال في تقوية ذلك فانظره في عدد "366" من السفر الأخير7.
قلت: أثر علي الذي ذكره معلوم, فإن حمَّاد بن سلمة لم يحتج به البخاري, وحميد والحسن مدلسان, ومراسيل الحسن كالريح فهو ضعيف, وحجة جمهور الأئمة القياس الصحيح على اليمين, وأن من التزم شيئًا منها لزمه كالإقرار, والطلاق تعلّق به حق المرأة كي تزول عنه سيطرة الرجل, فقياس الطلاق على
__________
1 ابن الحارث أبو أمنة القاضي الكوفي.
2 ابن كيسان.
3 أعلام الموقعين "4/ 98".
4.... البربري أبو عبد الله المدني.
5 سفيان.
6 إبراهيم بن خالد أبو ثور البغدادي.
7 "4/ 98".
(1/301)

اليمن, وعلى الإقرار صحيح خلافًا لابن القيم والله أعلم. وأما قول ابن القيم: إنه لا يؤثر عن صحابي، فيرده ما في الموطأ في ما جاء في يمين الرجل بطلاق ما لم ينكح بلاغًا عن عمر وابنه وابن مسعود إذا حلف الرجل بطلاق امراة قبل أن ينكحها, ثم أثم أن ذلك لازم له إذا نكحها1.
فيفهم منه أنه إذا كان نكحها يلزمه اليمين, من باب أحرى إلّا على رأي ابن حزم الذي ينكر القياس الأحروي, وهو غاية الشذوذ, وابن القيم نفسه من المنكرين عليه, قال القفال2 موجهًا قول الشافعي: إن أقوال الخلفاء حجة إلّا عليًّا؛ لأنه لما آل إليه الأمر خرج إلى الكوفة, ومات كثير من الصحابة الذين كان الثلاثة يستشيرونهم, كما فعل الصديق في مسألة الجدة, وعمر في مسألة الطاعون, فكان قول كل من الثلاثة قول كثير من الصحابة يخلف علي. نقله المحلي3 في مبحث قول الصحابي.
__________
1 الموطأ في كتاب الطلاق "2/ 584"
2 لعله محمد بن علي الشاشي أبو بكر القفال.
3 جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي. شارح جمع الجوامع في الأصول.
(1/302)

اجتهاد عثمان -رضي الله عنه:
كان عثمان ذا قدم راسخة في الاجتهاد والفتوى, وقضاياه أيضًا مشهورة في الصحاح وغيرها.
فهو الذي رأى جمع الناس على مصحف واحد بحرف واحد وترتيب واحد, وترك بقية الحروف السبعة سدًّا للذريعة وتوحيدًا للكلمة وقطعًا للنزاع في القرآن1، فوقع إجماعهم على ذلك, ثم عدَّد منه نسخًا وفرقه في عواصم الإسلام, وحرق ما سواه إلّا مصحف ابن مسعود, أبى حرقه, فأغضى عنه فتركه الناس بعد2.
وهو الذي امر بزكاة الدين على منبر, فانقعد الإجماع السكوتي على ذلك, والقصة في الموطأ3, وهي الأصل الذي اعتمد الفقهاء في زكاة الديون.
وكان أعلم الصحابة بالمناسك, وكان ابن عمر بعده في ذلك، وهو الذي رأى توريث المبتوتة في مرض الموت معاملة للزوج الذي بتها بنقيض قصده فوافقه الصحابة4.
ومن فتاويه ما رواه مالك أن ضوال الإبل كانت في زمن عمر إبلًا مرسلة تناتج لا يمسها أحد5. لحديث الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني, أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اللقطة فقال: "عرفها سنة, ثم أعرف عفاصها ووكاءها, ثم استمتع بها, فإن جاء ربها فأدها إليه" فقال: فضالة الغنم؟ قال: "خذها فإنما هي
__________
1 لم يترك عثمان -رضي الله عنه- شيئًا من الأحراف السبعة الثابتة في العرضة الأخيرة، وما ذكره المؤلف وإن كان قد ذهب إليه عدد من الأئمة إلّا أنه باطل، انظر التعليق المتقدم.
2 سبقت الإشارة إلى معارضة ابن مسعود لمشروع العثماني وتحقيق المسألة.
3 الموطأ "1/ 253".
4 الموطأ في كتاب الطلاق "2/ 571".
5 الموطأ في الأقضية "2/ 759".
(1/303)

لك أو لأخيك أو للذئب" , قال: فضالة الإبل؟ فقال: "مالك ولها معها حذاؤها حتى يلقاها ربها" حتى إذا كان زمن عثمان أمر بمعرفتها وتعريفها ثم تباع, فإن جاء صاحبها أعطي ثمنها1.
وهذا أخذ منه بالمصالح المرسلة, مع أنها في مقابلة النص السابق؛ لأنه رأى الناس مدوا أيديهم إلى ضوال الإبل, فجعل راعيًا يجمعها ثم تباع بالمصلحة المرسلة العامة, وهذا من حجج مالك في ذلك, على أن مالكًا لا يأخذ بها مع وجود نص يخالفها.
ومن فتاويه أن تقصير الصلاة أيام الحج ليس من النسك بل هو لأجل السفر, فمن كان متأهلًا بمكة فلا قصر عليه, فكان عثمان يتمم الصلاة لما له من الأهل بمكة, وخالف في ذلك رأي من قبله من الخلفاء2.
وله فتاوٍ وآراء في الاجتهاد كثيرة, وكيف لا وهو من الخلفاء الذين قال فيهم عليه السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي" الحديث3، وإن كان عثمان لم يكن من المكثرين فقهًا ولا تحديثًا, لكنه ذو سداد في الاجتهاد, وترجمته شهيرة -رضي الله عنه, وقد يجمع الصحابة ويشاورهم في الأمور الهامة، فقد استشار عليًّا في حد الوليد لما شهدوا عليه بالشرب بحده أربعين4، وقضاؤه في بعض الأمر دون شورى هو الذي كان من جملة أسباب الثورة ضده كما يُعْلَم من التاريخ، وتقديم عليّ -كرم الله وجهه- في الفقه عليه لا يلزم منه التقديم في غيره, فتلك مزية لا تقتضي التفضيل.
وقد اشتهر في زمن الخلفاء عدد من الصحابة بل والتابعين بالفقه والافتاء:
__________
1 حديث زبد بن خالد الجهني: متفق عليه, البخاري "3/ 163"، ومسلم "5/ 133".
2 رواه أحمد في مسنده "1/ 62"، وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم، انظر تعليق الشيخ أحمد بن شاكر على المسند "1/ 443" ط. دار المعارف، ونيل الأوطار "3/ 211".
3 أبو داود "4/ 201"، والترمذي "5/ 44"، وابن ماجة "1/ 16".
4 الذي استشار عليًّا في حد الخمر هو عمر -رضي الله عنه, كما جاء في الموطأ "2/ 842"، أما حد الوليد بن عقبة ففي مسلم "5/ 126"، وفيه: أن عثمان أمر عليًّا أن يجلده, وليس فيه أنه استشاره، فجلده عليّ أربعين.
(1/304)

من اشتهر بالفتية من الصحابة والتابعين، زمن الخلفاء:
ترجمة عائشة، وحفصة:
فمنهم عائشة الصديقية:
بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما, وزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أعلم نساء الأمة التي روت لنا شطر الدين، ملأت فتاويها كتب الصحاح، بل العالم الإسلامي شرقًا وغربًا.
وكان كبار الصحابة وأعلامهم يستفتونها ويرجعون لرأيها، وكانت تناظر علماءههم وترد عليهم, فكم من مرة ردَّت على أبي هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، ولم لا, وهي أحب أزواج الرسول إلى الرسول، حضرته سفرًا وحضرًا, بل شاهدت وعلمت ما لم يطَّلع عليه غيرها، وكان لها الرأي الصائب في الفتوى والاستنباط، حافظة لأشعار العرب وأيامهم.
وقد قال فيها عروة بن الزبير: لم يكن أحد أعلم بقضاء ولا فرائض ولا بأيام الجاهلية، ولا بطب ولا شعر من عائشة -رضي الله عنها.
وهي أحد المكثرين للحديث النبوي, جاوزوا الألف العارفين بالسنة والفقه. وترجمتها واسعة لا يسعها هذا المحل، توفيت سنة "57" سبع وخمسين, ولاشتهار فتاويها زمن الخلفاء وإحرازهم لمقامٍ عظيم زينا هذا العصر بترجمتها, وإلا فهي بالعصر قبله أحق1.
حفصة بنت عمر بن الخطاب:
أم المؤمنين -رضي الله عنها، لها نحو ستين حديثًا ترويها عن زوجها الرسول -عليه السلام، ولها فتاوٍ مذكورة في كتب الحديث، ومن اجتهادها ما في صحيح مسلم عن أم مبشر أنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عند حفصة: "لا يدخل النار
__________
1 عائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق: الكنية أم المؤمنين, أم عبد الله, التيمية: الثقات "3/ 323"، أسد الغابة "7/ 188"، أعلام النساء "3/ 9"، والاستيعاب "4/ 1881"، الإصابة "8/ 16"، تجريد أسماء الصحابة "2/ 286"، تقريب التهذيب "2/ 606"، تهذيب الكمال "3/ 387"، حلية الأولياء "2/ 43"، طبقات ابن سعد "8/ 39"، والنجوم "1/ 150".
(1/305)

إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد" قالت: بلى يا رسول الله, فانتهزها، فقالت: "وإن منكم إلا واردها" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "قد قال الله -عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} " 1, تمسكت بعموم الوعيد فأرشدها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المخصَّص وهو إرشاد إلى أصل مذهب أهل السنة, وأن عمومات الوعيد مخصَّصة خلافًا للمعتزلة.
كانت صوامة قوامة, كما قال جبريل -عليه السلام- للنبي -صلى الله عليه وسلم- حين طلَّقها وأمره برجعتها فردها2، وهي التي ائتمنها عمر على المصحف حين حضرته الوفاة، توفِّيت سنة إحدى وأربعين، وكانت كاتبة قارئة, ولها مصحف -رضي الله عنها- غير المصحف المذكور3.
__________
1 مريم: 72, والحديث أخرجه مسلم في فضائل أصحاب الشجرة "7/ 169".
2 سبق تخريجه.
3 حفصة بنت عمر بن الخطاب: ترجمة حفصة في: الإصابة "7/ 581"، والاستيعاب "4/ 811"، وأسد الغابة "5/ 435".
(1/306)

ترجمة أنس، أبي هريرة:
أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي النجاري:
خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم, في البخاري أنه شهد خيبر وهو مراهق, وشهد ما بعدها، وهو أحد المكثرين الذين تجاوزت أحاديثهم الألف، من حفّاظ الصحابة وأعلامهم, وكيف لا يكون كذلك وقد خدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين في زمن التعليم؛ إذ كان ساعة استخدامه ابن عشر سنين، مات سنة تسعين أو بعدها, وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة1.
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر:
أسلم عام خيبر، وفيه هاجر، وشهدها، من أعلام الصحابة الذين حفظوا سنة رسول الله وشريعة الإسلام، له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، فهو أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، قال البخاري:
__________
1 أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي النجاري: ترجمة أنس في الإصابة "1/ 126"، والاستيعاب "1/ 108"، وأسد الغابة "1/ 127".
(1/306)

روى عنه من الثقات الحفاظ ثمانمائة نفس, فانتشر حديثه؛ إذ كان غالب مقامه بالمدينة, وكان مقصد الطلاب من الآفاق، ونقل عن أبي هريرة فتاوٍ وأحكام مذكورة في كتب الحديث والسير, فهو معدود من المفتين والفقهاء, وإن لم يكن مكثرًا في الفقه بل في الرواية, خلافًا لمن زعم من الحنفية أنه ليس من الفقهاء, ولا يضر الشمس أن لا يراها عليل.
وكان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة إذا عنَّ له سفر، توفي سنة "59" تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة1.
__________
1 أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر: ترجمة أبي هريرة في الإصابة "4/ 316"، والاستيعاب "4/ 176"، وأسد الغابة "5/ 315"، والمغني "6365".
(1/307)

ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ القرشي:
أسلم قبل أبيه, وكان من عبّاد الصحابة وعلمائهم وحفاظهم، له سبعمائة حديث، وقد ضاع كثير من علمه بمقامه بمصر التي لم تكن دار طلب العلم إذ ذاك، مع اشتغاله بالسياسة مع أبيه، وما دخلت السياسة في شيء إلّا أفسدته، قالت عائشة -رضي الله عنها- لعروة بن الزبير: يا ابن أختي, بلغني أن عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج, فالقه فاسأله, فإنه قد حمل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمًا كثيرًا. الحديث في الصحيحين1.
وعن أبي هريرة: إني أكثرهم حديثًا إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب2. توفي سنة "65" خمس وستين3.
__________
1 متفق عليه: البخاري ط1/ 36"، ومسلم، واللفظ له "8/ 60".
2 سبق تخريجه.
3 عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي القرشي: طبقات ابن سعد "2/ 373"، "4/ 261"، "7/ 494"، التاريخ الكبير "5/ 5"، المعرفة والتاريخ "1/ 251"، والجرح والتعديل "5/ 116"، والمستدرك "3/ 525"، الحلية "1/ 283"، تهذيب الأسماء واللغات "1/ 1/ 281"، تاريخ الإسلام "3/ 37"، تذكرة الحفاظ "1/ 39"، تهذيب التهذيب "2/ 169".
(1/307)

ترجمة أبي أيوب، أم المؤمنين ميمونة، سعد بن أبي وقاص:
أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري:
عقبي بدري، شهد المشاهد كلها مع النبي -صلى الله عليه وسلم, وبداره نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة, إلى أن بني منزله الشريف, وكان يأكل طعامه. له فتاوٍ وأقوال فقهية، معدود من أعلام الصحابة ومفتيهم، ورى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة وخمسين حديثًا، وتوفي سنة "52" اثنين وخمسين, ودفن خارج القسطنطينية غازيًا، وقبره بها معروف بهذا العهد1.
أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية:
آخر امرأة تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودخل بها, وفيها نزلت: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} .2 الآية، وهي التي عقد عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو محرم, كما في الصحيح, فقيل: إن ذلك خصوصية له, وقيل له ولغيره, مزيد كلام في الموضوع، توفيت سنة نيف وأربعين, وقيل غير ذلك3.
سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي:
سابع سبعة في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا, وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد قواد الإسلام وفوارسه المشهورين، وبطل القادسية, مبيد دولة الفرس, ومؤس الكوفة وفاتح العراق، هاجر قبل النبي -صلى الله عليه وسلم, وشهد بدرًا وما بعدها, لها مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا، وهو أحد الستة الذين جعل عمر الخلافة شوى بينهم، توفي سنة خمس وخمسين بعد ما كان اعتزل الفتنة في بيته مدة حرب علي ومعاوية4.
__________
1 أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري: في الإصابة "7/ 26"، والاستيعاب "4/ 1606"، وأسد الغابة "5/ 143".
2 الأحزاب: 50.
3 أم المؤمنين: ميمونة بنت الحارث الهلالية: الإصابة "8/ 126"، والاستيعاب "4/ 1914"، وأسد الغابة "5/ 550".
4 سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي: الإصابة "3/ 88"، والاستيعاب "2/ 606"، وأسد الغابة "2/ 290".
(1/308)

ترجمة سعيد بن زيد، الزبير بن العوام:
سعيد بن زيد العدوي القرشي:
ابن عم عمر بن الخطاب وصهره على أخته, كما أن عمر صهره على أخته، أسلم قبل عمر، وهو سبب إسلام عمر, فقد أسلم في بيته، كان من المهاجرين الأولين، لم يشهد بدرًا, ولكن ضُرِبَ له بسهم فيها، وشهد ما بعدها، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ولم يدخله عمر في ستة الشورى الذين جعل الخلافة بينهم لقرابته منه, كما رواه الطبري, أراد أن لا تصير الخلافة وراثية, بل تبقى شورية انتخابية بتمام الحرية، توفي سنة نيف وخمسين1.
الزبير بن العوام الأسدي القرشي:
حواريّ النبي -صلى الله عليه وسلم, وابن عمته، أحد العشرة المبشرين بالجنة، هاجر الهجرتين، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وهو أوّل من سلَّ سيفًا في سبيل الله.
والحواريون في الإسلام اثنا عشر رجلًا وهم: حمزة، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، والعشرة ما عد سعيد بن زيد، والزبير أحد لستة الذين جعل عمر الخلافة شورى بينهم, الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، وهو أحد المحظوظين, والأغنياء المشهورين الذين نفعوا الإسلام بمالهم وأمانتهم وصدقاتهم وبرهم.
له ثمانية وثلاثون حديثًا, توفى سنة "36" ست وثلاثين غدرًا بوادي السباع قرب البصرة, زمن حرب علي وعائشة2.
__________
1 سعيد بن زيد العدوي القرشي: الإصابة "3/ 103"، والاستيعاب "2/ 614"، وأسد الغابة "2/ 306".
2 الزبير بن العوام الأسدي القرشي: الإصابة "2/ 553"، والاستيعاب "2/ 510"، وأسد الغابة "2/ 196".
(1/309)

ترجمة طلحة بن عبيد الله، جابر بن عبد الله، عتبة بن غزوان
...
ترجمة طلحة بن عبد الله، جابر بن عبد الله، عتبة بن غزوان:
طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي:
ثامن من أسلم, وأحد العشرة المبشرين بالجنة, وأحد الستة الشوريين، لم يشهد بدرًا لعذر، فضُرِبَ له بسهم، وأبلى بلاءًا عظيمًا, وفدى النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه, وقد تعرَّض بيده لسهم ضربوا به النبي -صلى الله عليه وسلم, فكانت شلاءًا، وهو أحد الأغنياء المحظوظين الذي نفعوا الإسلام بأعمال البر وبالسيف معًا، توفي في وقعة الجمل سنة "36" ست وثلاثين.
وكانت غلته ألف درهم بغلي كل يوم، وكان جوادًا عظيمًا يضرب بجوده المثل حتى سمّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- طلحة الفياض, وطلحة الجود1.
جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري الخزرجي:
شهد العقبة الثانية، وغزا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- تسع عشرة غزوة، من علماء الصحابة وحفاظهم المكثرين, له ألف حديث وخمسمائة وأربعون حديثًا, وكانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم, توفي سنة "78"، ثمان وسبعين، عن أربع وتسعين وقد كُفَّ بصره2.
عتبة بن غزوان المازني:
كان سابع ستة في الإسلام، في السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وصلى للقبلتين، شهد بدرًا وغيرها، وهو الذي أسَّسَ البصرة زمن عمر وكان واليها، وخطبته فيها شهيرة, أشار لها في الشمائل, وفي الاستيعاب ومنها:
كنت سابع سبعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما نأكل إلّا ورق الشجر, حتى إن أحدنا ليطرح كما تطرح الشاة أو البعير, وما منا من أحد إلّا وهو أمير مصر من الأمصار, وستجربون الأمراء بعدنا ... إلخ. توفي سنة "17" سبعة عشر3.
__________
1 طلحة بن عبد الله التيمي القرشي: ترجمة طلحة في: الإصابة "3/ 5296"، والاستيعاب "2/ 264"، وأسد الغابة "3/ 59"، الجمع بين رجال الصحيحين رقم "859".
2 ترجمة جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري الخزرجي: أبو عبد الله -أبو عبد الرحمن- أبو الحمد، ت سنة 73، السلمي الأنصاري.
تصحيفات المحدثين: "657"، التاريخ الكبير "2/ 207"، تراجم الأخبار "1/ 217"، التاريخ الصغير "1/ 21، 115، 161، 190، 193", العبر "1/ 41، 193"، الأعلمي "14/ 220".
3 عتبة بن غزوان المازني: ثقات "5/ 250"، التاريخ الكبير "6/ 520"، الطبقات الكبرى "2/ 11"، "3/ 556"، "4/ 362"، البداية والنهاية "7/ 49"، تنقيح المقال "7727", العبر "1
(1/310)

ترجمة بلال، عقبة بن عامر:
بلال بن رباح الحبشي:
مؤذِّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمين نفقته، أوّل من أسلم من العبيد ومن الحبشة, ممن عذبته قريش في ذات الله على حجر مكة في الظهيرة وهو يبرّد لظاها بقوله: أحد أحد, حتى اشتراه منهم أبو بكر وأعتقه، من زهّاد الصحابة وعبّادهم، شهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم سكن دمشق غازيًا ومعلمًا.
قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا, وامتنع من الأذان بعد وفات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا مرَّةً قدم فيها المدينة, فلما أذّن علا الضجيج والبكاء فلم يتمها، توفي سنة "20" عشرين2.
عقبة بن عامر الجهني:
الصحابي المشهور، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة كابن عباس، كان قارئًا، أحد مَنْ جمع القرآن، وله مصحف على غير تأليف عثمان، وكان عالمًا بالفرائض والفقه، شاعرًا فصيح اللسان، كاتبًا بليغًا، تولى مصر زمن معاوية، وحضر فتوح الشام وأفريقية وغيرها، ومن كلامه في صحيح البخاري: تعلّموا قبل الضانين. يعني: الذين يتكلمون بالظي. توفي سنة "58" ثمان وخمسين3.
__________
1 بلال بن رباح الحبشي: الإصابة "1/ 362"، والاستيعاب "1/ 178", وأسد الغابة "1/ 206".
2 عقبة بن عامر الجهني: الإصابة "4/ 520"، والاستيعاب "3/ 1073"، وأسد الغابة "3/ 417".
(1/311)


ترجمة عقبة بن عمرو، عمران بن حصين، معقل بن يسار:
عقبة بن عمرو الأنصاري الخززجي:
أبو مسعود البدري، شهد العقبة وبدرًا على ما قال الزهري وأحدًا وما بعدها، سكن الكوفة واستخلفه عليٌّ عليها بعد خروجه لصفين، وهو معدود من أعلام الصحابة وفقهائهم. توفي سنة أربعين1.
عمران بن حصين الخزاعي أبو نجيد -مصغرًا:
أسلم أيام خيبر وشهد غزوات، وكان من علماء الصحابة وفقهائهم وقضاهم، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة وثلاثين حديثًا، بعثه عمر ليفقِّه أهل البصرة، ثم استقصاه زياد بها, ثم استعفى فأعفاه، قال ابن سيرين: لم يكن تقدَّم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة.
وهو ممَّن اعتزل الفتنة، توفي سنة "52" اثنين وخمسين2.
معقل بن يسار المزني أبو علي:
من أهل بيعة الرضوان, وممن استقصاه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما سبق3، روى أربعة وثلاثين حديثًا، روى عنه عمران بن حصين وغيره، نزل البصرة, وهو الذي حفر ترعة هناك يقال لها وادي معقل بأمر عمر.
__________
1 عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي: أبو مسعود البدري، الإصابة "4/ 524", والاستيعاب "3/ 1074"، وأسد الغابة "3/ 419".
2 عمران بن حصين الخزاعي أبو نجيد: أبو نجيد الخزاعي صاحب رسول الله: مسند أحمد "4/ 426"، التاريخ "ابن معين" "436"، طبقات ابن سعد "4/ 287", طبقات خليفة "106، 187"، التاريخ الكبير "6/ 408"، أخبار القضاة "1/ 291، 292"، الجرح والتعديل "6/ 296"، المستدرك "3/ 470"، سير النبلاء "2/ 508"، والعبر "1/ 57"، مجمع الزوائد "9/ 125".
3 سبق تخريجه.
4 معقل بن يسار المزني أبو علي: الإصابة "6/ 184"، والاستيعاب "3/ 1433"، وأسد العابة "4/ 398".
(1/312)

ترجمة أبي بكرة الثقفي:
أبو بكرة 1 نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي:
صحابي جليل, أول من نزل إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- من الطائف عند حصاره له، فكنَّاه أبا بكرة لذلك، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، من علماء الصحابة، قال الحسن البصري: لم يسكن البصرة أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة, وكان ممن اعتزل الفتنة، توفي سنة "51" إحدى وخمسين1.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: بكرة بفتح الباء، وسكون الكاف، ونفيع مصغر, وكلدة بثلاث فتحات.
2 أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي: مولى الرسول، صحابي، نفيع ويقال نافع بن الحارث بن كلدة، وهال ابن مسروح، أبو داود -أبو بكرة السبيعي: الأعمى الوارمي الكوفي النخعي القاضي.
تقريب التهذيب "2/ 303"، تهذيب "10/ 470"، تهذيب الكمال "3/ 1423"، الكاشف "3/ 208"، لسان الميزان "7/ 413"، التاريخ الصغير "8/ 2"، الضعفاء الكبير "4/ 306".
(1/313)

التابعون الذين اشتهروا بالفتوى أيام الخلفاء الراشدين وقريبا من ذلك
ترجمة القاضي
...
التابعون الذين اشتهروا بالفتوى أيام الخلفاء الراشدين وقريبًا من ذلك:
شريح القاضي:
منهم:
أبو أمية شريح بن الحارث الكندي 1:
مخضرم، استقصاه عمر على الكوفة، ثم عليّ من بعده، ولم يزل قاضيًا حتى زمن الحجاج مدة ستين سنة، وقال ابن خلكان: مدة خمس وسبعين, لم يتعطّل فيها سوى ثلاث سنين, امتنع فيها من الحكم في فتنة ابن الزبير, ثم استعفى الحجاج فأعفاه, ولم يقض بين اثنين إلى أن مات, وهذه مدة طويلة في الحكم لم يكن مثلها لقاضٍ بعده.
كان من جلة العلماء وأذكى العالم، سبب تولية عمر إياه أن عمر اشترى فرسًا من رجل على سوم فعطب, فخاصمه الرجل, فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا, فقال الرجل: إني أرضى شريحًا العراقي. فقال شريح: أخذته صحيحًا سليمًا فأنت له ضامن حتى ترده صحيحًا سليمًا, فأعجبه حكمه فوجَّهه قاضيًا وأوصاه قائلًا: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه, فإن لم يستبن لك في كتاب الله فمن السنة, فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك.
قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء، وكان أيضًا شاعرًا فصيحًا، وتقدَّم بعض ما كتب به عمر إليه2، كان يناظر الصحابة, وقد رجع عليّ إلى رأيه في بعض المسائل، وحكم يومًا بميراث أم الوليد لوالده مستدلًا بقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 3, فكتب إليه ابن الزبير وهو يرد عليه ويأمره يجعل الميراث لمولاها, فلم يرجع عن قضائه وقال: أعتقها جنين بطنها. رواه الطبري في آخر الأنفال من تفسيره.
ونزاهته وفضله شهير، توفي سنة "80" ثمانين, وقيل: سنة "87" سبع وثمانين، عن مائة سنة، وقيل غير ذلك4.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: الكندي: بكسر الكاف وسكون النون نسبة إلى كندة, قبيلة من قحطان.
2 في ترجمة عمر.
3 الأنفال: 75.
4 أبو أمية شريح بن الحرث الكندي: القاضي الكندي: دائرة الأعلمي "20/ 48".
(1/314)

ترجمة علقمة النخعي، مسروق:
علقمة بن قيس النخعي:
فقيه العراق، مخضرم، تفقَّه على ابن مسعود، وكان أنبل أصحابه، قال قابوس1: أدركت ناسًا من الصحابة يسألونه ويستفتونه، مات سنة "61" إحدى وستين، عن تسعين سنة2.
مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي:
الإمام القدوة، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم، هو راوية عمر, والناقل للكثير من فقهه وقضاياه، كان أعلم بالفتوى من شريح وكان يستشيره، توفي سنة "63" ثلاث وستين3.
__________
1 ابن أبي ظبيان.
2 علقمة بن قيس النخعي: أبو شبل النخعي الكوفي، مات سنة 60، أو 61، 70, بعد 42 سنة.
معجم طبقات الحفاظ "129"، تاريخ الثقات "339"، تاريخ بغداد "12/ 296"، تذكرة "1/ 48"، شذرات الذهب "1/ 586"، طبقات ابن سعد "6/ 75"، الحلية "2/ 98"، النجوم "1/ 175"، تراجم الأحبار "3/ 63" تبصير المنتبه "3/ 985".
3 مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفيّ, أبو عائشة الهمداني الوادعي الكوفي: توفي سنة 62. تقريب التهذيب "2/ 242"، تهذيب التهذيب "10/ 109"، تهذيب الكمال "3/ 1320"، الكاشف:"3/ 136"، الخلاصة "3/ 21"، الأنساب "13/ 427، 424"، تراجم الأحبار "3/ 330"، جامع المسانيد "2/ 550"، الحلية "2/ 95"، العبر "1/ 68"، الأعلمي "274/ 241".
(1/315)

ترجمة الأسود النخعي، عبد الرحمن بن غنم، أبي إدريس الخولاني، عبيدة السلماني:
الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي:
مخضرَم، أحد الفقهاء الكبار، أخذ عن ابن مسعود وغيره، وعنه إبراهيم1 وغيره، وثَّقه ابن معين وغيره، توفي سنة "74" أربع وسبعين2.
عبد الرحمن بن غنم الأشعري:
قيل: إن له صحبة, بعثه عمر إلى الشام ليفقِّه الناس, وقال ابن عبد البر: أفقه أهل الشام, وعليه تفقّه التابعون بها، توفي سنة "78" ثمان وسبعين3.
أبو إدريس الخولاني عائذ الله:
قاضي أهل الشام، ومن أشهر أعلامها، توفي سنة "80" ثمانين4.
عبيدة -بالفتح- بن عمرو السلماني 5:
مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في الطريق قادمًا إلى المدينة، أخذ عن عليّ وابن مسعود وغيرهما، قال ابن عيينة: كان يوازي شريحًا في القضاء والعلم, وكان قاضيًا لعلي, فقال له يومًا: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن, ثم رأيت بيعهن, فقال له عبيدة: رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة، مات سنة "72" اثنين وسبعين6.
__________
1 ابن يزيد النخعي.
2 الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي: حلية الأولياء "2/ 102"، وتذكرة الحفاظ "1/ 48"، وتهذيب التهذيب "1/ 342".
3 عبد الرحمن بن غنم الأشعري الشافعي الأشعري: صاحب معاذ، توفي سنة 78، أو 98. در السحابة "786"، تقريب التهذيب "1/ 494"، تهذيب التهذيب "6/ 250"، تهذيب الكمال "2/ 810"، الكاشف "12/ 18", الخلاصة "2/ 148"، المعرفة والتاريخ "2/ 309"، الثقات "5/ 78"، التاريخ الصغير "1/ 190", تراجم الأحبار "2/ 424"، البداية والنهاية "9/ 26".
4 أبو إدريس الخولاني عائذ الله: حلية الأولياء "5/ 122"، وتذكر الحفاظ "1/ 53"، وتهذيب التهذيب "5/ 85".
5 قال المؤلف -رحمه الله: عبيدة كنطيحة مكبره.
6 عبيدة بن عمرو السلماني: أبو عمرو, أبو مسلم السلماني- الكوفي - الهمداني- المرادي، أسلم ولم ير النبي -صلى الله عليه وسلم، مات قبل سنة 70، أو 72 أو بعدها. شذرات الذهب "1/ 78"، طبقات ابن سعد "6/ 62"، طبقات القراء "1/ 498"، العبر "1/ 89"، اللباب "1/ 552", التاريخ لابن معين "3/ 387"، تقريب التهذيب "1/ 547"، تهذيب التهذيب "7/ 84"، تهذيب الكمال "2/ 898"، الكاشف "2/ 242", الخلاصة "2/ 207"، تراجم الأحبار "3/ 17، 93".
(1/316)

ترجمة سويد بن غفلة، عمرو بن شرحبيل، عبد الله بن عتبة:
سويد بن غفلة الجعفي الكوفي 1:
أحد كبار التابعين وأعلامهم، قَدِمَ المدينة حتى نفضت الأيدي من دفنه -عليه السلام، روى عن الخلفاء الأربعة، وهي فضيلة عظمى، توفي سنة "80" ثمانين2.
عمرو بن شرحبيل الهمدني:
أبو ميسرة الكوفي, روى عن عمر وعلي وغيرهما، مات قديمًا3.
عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي:
أبو عبيد الله، له رؤية قال ابن سعد, كان ثقة فقيهًا، مات سنة "74" أربع وسبعين4.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: سويد مصغر, وغفلة بفتحتين, والجعفي بضم الجيم.
2 سويد بن غفلة الجعفي الكوفي: تهذيب التهذيب "4/ 278".
3 عمرو بن شرحيل الهمداني: أبو ميسرة - الهمداني الكوفي.
طبقات ابن سعد "6/ 106"، طبقات خليفة "ت1069"، تاريخ البخاري "6/ 341"، الجرح والتعديل القسم الأول المجلد الثالث "237"، الحلية "4/ 141"، تهذيب الكمال ص"1040"، تاريخ الإسلام "3/ 56"، تذهيب التهذيب "3/ 100" غاية النهاية "ت2453"، الإصابة "ت6488"، تهذيب التهذيب "8/ 456".
4 عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي: تراجم الأحبار "4/ 624"، تهذيب التهذيب "5/ 311".
(1/317)

ترجمة عمرو بن ميمون، زر بن حبيش، الربيع بن خيثم:
عمرو بن ميمون الأودي:
أبو يحيى الكوفي، أدرك حياة النبي -صلى الله عليه وسلم, ولم يثبت له صحبة، روى عن عمر ومعاذ، قال الذهبي في كتاب العلو: من كبار علماء الكوفة, حج مائة حجة وعمرة، وثَّقه ابن معين, واتَّفق عليه الستة, مات سنة "74" أربع وسبعين1.
زر بن حبيش -مصغر- الأسدي الكوفي:
مخضرم، روى عن الخلفاء عدا أبا بكر، وعن العباس وغيرهم، وثَّقه ابن معين، أخرج له الستة.
توفي سنة "82" اثنين وثمانين2.
الربيع بن خيثم:
بمعجمة مفتوحة فياء تحتية فمثلثة مفتوحة، الثوري الكوفي، مخضرم، كان لا ينام الليل كله، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحبك, توفي سنة "64" أربع وستين3.
__________
1 عمرو بن ميمون الأودي: طبقات ابن سعد "6/ 117"، طبقات خليفة "ت1050"، تاريخ البخاري "6/ 367"، الحلية "4/ 148"، تاريخ عساكر "13/ 322"، أسد الغابة "4/ 134"، تاريخ الإسلام "3/ 197"، النجوم "1/ 195"، سير النبلاء "4/ 158"، العقد الثمين "6/ 417"، تهذيب التهذيب "8/ 109"، الاستيعاب "ت1959".
2 زر بن حبيش الأسدي الكوفي: أبو مريم - الأسدي الكوفي القاضري، توفي سنة 81، 82، 83: تقريب التهذيب "1/ 259"، تهذيب الكمال "1/ 428"، تهذيب التهذيب "3/ 321"، الخلاصة "1/ 358"، جامع المسانيد "2/ 456"، الكاشف "1/ 321"، العبر "1/ 95"، نسيم الرياض "3/ 147"، تراجم الأحبار "1/ 447"، البداية والنهاية "9/ 66"، سير النبلاء "4/ 166".
3 الربيع بن خيثم: تهذيب التهذيب "3/ 242".
(1/318)

ترجمة عبد الملك بن مروان، الأسود بن هلال:
عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي:
الخليفة المشهور, مجدد الإسلام ووحدته، كان قبل خلافته معدودًا من الفقهاء المشار إليهم بالفتوى كما في أعلام الموقعين، وقال ابن سعد: كان قبل الخلافة من النساك.
توفي سنة "86" ستة وثمانين، وهو تابعي, روى عن أبي هريرة وأم سلمة، وروى عنه الزهري وعروة وغيرهما، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد1.
الأسود بن هلال المحاربي:
أبو سلّام الكوفي، الفقيه الجليل، مخضرم، روى عن عمر ومعاذ والمغيرة وغيرهم، مات سنة "84" أربع وثمانين2.
فهؤلاء المشاهير في كبار التابعين ومن دونهم كثير.
__________
1 عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي: أبو الوليد الأموي المدني القرشي الدمشقي، مات سنة 86. در السحابة "793"، التحفة اللطيفة "3/ 90"، الثقات "5/ 120"، التاريخ الكبير "5/ 429"، تقريب التهذيب "1/ 532"، تهذيب التهذيب "6/ 422"، تهذيب الكمال "2/ 862"، الخلاصة "2/ 180"، التاريخ لابن معين "3/ 375"، الميزان "2/ 664"، سير النبلاء "4/ 246"، دائرة الأعلمي "21/ 269"، العبر "1/ 518" فهرس.
2 الأسود بن هلال المحاري: تهذيب التهذيب "1/ 342".
(1/319)

ما تمّيز به فقه عصر الخلفاء الراشدين:
أولًا: بنزول نوازل لم تنزل في العهد النبوي, فأظهروا أحكامًا بالاستنباط, وذلك تابع لاتساع دائرة الإسلام, ودخول كثير من الأمم فيه, وابتداء عصر التمدُّن العربي, فكان الفقه تابعًا لذلك, فبذلك ابتدء التوسع في التفريع والاستباط.
ثانيًا: فروعهم التي فرَّعوها كانت أقل من فروع مَنْ بعدهم لزيادة توسع دائرة الأمة بعدهم، ثم لعدم فرضهم الصور العقلية كي يجتهدوا في استنباط أحكامها, وإ نما استنبطوا حكم ما ينزل من النوازل بالفعل, كما كان ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وكانوا يرون أن فرض الصور واستنباط أحكامها من التمحل في الدين وضياع الوقت النفيس.
ثالثًا: أن السياسة كانت تابعة للفقه، ولم يكن الفقه تابعًا للسياسة، كما وقع في الأزمان المتأخرة؛ لأن الأمة كانت شورية دستورية، فمهما نزلت نازلة فزعوا إلى الشورى, فلم تصدر الفتوى والحكم إلّا عن تبصر وحكمة، ولذلك قلَّّما يبقى الخلاف.
بخلاف الزمن النبوي الذي كان الخلاف فيه معدومًا، وبخلاف عصر مَنْ بعدهم الذي كثر فيه الخلاف لانعدام الشورى في غالبه، فمجلس أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ كان مجلس تشريع وفقه واستنباط ومشاورة، وخصوصًا الأولان منهم.
رابعًا: كان الفقه في زمن الخلفاء هو دستور الأمة، وللأمة نهاية ما يكون من السيطرة على مراقبة أتباعه وتنفيذ نصوصه, فكان للفقه والفقهاء من السيطرة ما ليس للحقوقيين الآن عند الأمم الراقية كما سبق.
خامسًا: وقوع الإجماع واتفاق الآراء في عصرهم غالبًا للأسباب التي
(1/320)

قدمنا وأهمها الشورى.
ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء بتعذّر الإجماع بعدهم, لافتراق الأهواء بالشيعة والخارجية وفرقهما، ثم بتفرق العلماء والصحابة في الأقطار الشاسعة، فصار الخلاف إذا وقع بعدهم استحكم ولا يزول، لانبنائه غالبًا على سياسة قطر أو عادته, أو مبدأ من مبادئ الفرق وأحوال السياسة، فكل فريق يتعصب لنظريته، وقلَّما يتنازل عنها، فلا تجتمع الكلمة ولا يزول الخلاف؛ إذ ليس المقصود تبين الحق وإظهار حكم الله في مسألة, ولكن هي السياسة, يريدون تطبيق الفقه والدين عليها, وتحوير الفقه لأجلها لا تطبيقها وتحويرها على الفقه.
وذلك لم يكن منه شيء زمن الخلفاء الراشدين، بل كان الفقه أصلًا وحكمًا, والسياسة فرع ومحكومة له.
ومما زاد الدين صيانةً والفقه صراحةً زمن عمر, أنه كان منع المهاجرين وكبار الصحابة الخروج والانتشار في الأقطار التي فتحت، كما رواه الطبري عن الشعبي1، فما كان يسمع لهم في مفارقتهم المدينة إلّا برخصة منه مؤقتة لضرورة, فكانوا أهل شوراه، وبسبب ذلك قلَّ الخلاف وتيسَّر الإجماع في كثير من المسائل، أما عثمان فرخَّص لهم في الانتشار, وبه بدأ الخلاف والنزاع في الدين والسياسة معًا.
ولا ندَّعي أنه لم يقع خلاف زمن الخلافة, وإنما كان قليلًا:
فقد خالف عمر أبا بكر في أشياء، كاسترقاق أهل الردة, فإن أبا بكر استرقَّهم, أما عمر فإنه رأى خلاف ذلك، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن إلّا ما ولدت لسيدها منهن نقض حكم أبي بكر في ذلك، ومن جملتهن خولة الحنفية, أم محمد بن علي, الذي يقال له محمد بن الحنفية.
وخالفه في أرض العنوة؛ إذ قسمها أبو بكر ووقفها عمر، وفي العطاء كان أبو بكر يقسمه سوية, وفاضل فيه عمر على حسب السابقية.
وقد استخلف أبو بكر عمر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستخلف, وفي الأمر سعة،
__________
1 تاريخ الطبري "4/ 397".
(1/321)

لكن عمر توسَّط فتركها شورى بين ستة, بمعنى أنه أوصى بها لواحد منهم, يسميه خمسة منهم بأغلبية الأصوات.
كما أن عثمان خالف عمر في مسائل، وعليًّا خالفهما في مسائل يطول جلبها, وربما بعضها جملًا اعتراضية إن شاء الله تعالى.
(1/322)

صورة وقوع الخلاف في عهد الخلفاء الراشدين:
وقع ذلك على أنواع:
الأول: أن يسمع صحابي حكمًا في قضية لم يسمعه الآخر فيجتهد برأيه، وهذا على وجوه:
منها: أن يقع اجتهاده وفق الحديث، ففي الصحيحين قضية ذهاب عمر إلى الشام, فسمع بوجود الطاعون وهو بسَرْغ, وأراد الرجوع بالمسلمين، فقال له أبو عبيدة: أتفِرّ من قدر الله، فقال له عمر: لو غيرك قالها، نعم نفِرُّ من قدر الله إلى قدره, أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة, أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وروى الحديث: "إذا كان في أرض فلا تقدموا عليها" الحديث فحمد الله عمر ثم انصرف1. وروى مثله أسامة، وسعد بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت، كما في صحيح مسلم2.
ورى الترمذي والنسائي وغيرهما: أن ابن مسعود سئل عن امرأة مات زوجها ولم يفرض لها صداقها، فقال: لم أر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقضي في ذلك.
فاختلفوا إليه شهرًا وألحول فاجتهد برأيه, وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط, وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك، ففرح ابن مسعود فرحة لم يفرحها قط3، وكان سيدنا علي يخالفه في
__________
1 متفق عليه: البخاري "8/ 168"، ومسلم "7/ 26".
2 متفق عليه أيضًا: البخاري "7/ 168"، ومسلم "7/ 26".
3 أخرجه الترمذي "3/ 441"، وأبو داود "2/ 237"، والنسائي "6/ 98"، وابن ماجه "1/ 609".
(1/323)

الصداق، ويقول: لا صداق لها, ولا نقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله، قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} 1، لكن الآية في الطلاق، فقاس عليه الموت, فقدَّم القياس على خبر الواحد كما هو مذهب الحنفية2.
ومنها: أن يكون عند صحابي علم بناسخ لم يكن عند الآخر: كتطبيق اليدين في الركوع, أخذ به ابن مسعود ولم يطَّلع على أنه منسوخ, واطَّلع سعد بن أبي وقاص على ناسخه فرواه, وأخذ به جمهور الفقهاء, والحديثان في الصحيح3.
ومنها: أن يقع بينهم المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن, فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع. منه: ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة كان يرى أنَّ من أصبح جنبًا لا صوم له, أخبرته بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف مذهبه فرجع4.
ومنه حديث البخاري عن هزيل -بالزاي- بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابن ابنة وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني, فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًَا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكلمة الثلثين، وما بقي فللأخت.
فأتينا أبو موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم5.
قال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلّا أبو موسى وسلمان بن ريبعة
__________
1 البقرة: 236".
2 انظر نيل الأوطار "6/ 172".
3 البخاري في الأذان: "1/ 189"، ولم أجده في مسلم.
4 البخاري "3/ 38"، من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولكن لفظه.. ".... كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أعلم ... ", ورواية أخرى: " ... وهن أعلم", وبينهما فرق شاسع، وقد حقّق ذلك الحافظ في الفتح فانظره "4/ 103".
5 البخاري "8/ 188".
(1/324)

الباهلي، وقد رجع أبو موسى، ولعل سلمان بن رجع كأبي موسى، وهو مختلف في صحبته, وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان، واستهشد في زمنه, فأخذ أبو موسى باجتهاده قبل البحث عن النص، ويؤخذ منه وجوب الرجوع لخبر الواحد بعد معرفته, وأن حكم الحاكم ينقض إذا خالف نصًّا، إلى غير ذلك.
ومنه ما وقع لعمر حيث قضى في دية الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين ناقة, حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حزم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى فيها بعشر عشر، فترك قوله ورجع إليه1.
وكذلك خفي عليه رجوع المستأذن إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، حتى أخبره به أبو موسى، وأبو سعيد وأُبَيّ بن كعب, كما في الصحيح2، وتقدَّمت أمثلة من هذا الباب في آخر اجتهاد عمر.
ومنها اختلاف أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة, هل يقَاتَلون أم لا، لقوله عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، أخذ عمر بعمومه, فقلب أبو بكر الحجة التي هي هذا الحديث نفسه على عمر, ورأى قياسهم على من امتنع من الصلاة فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة3.
وقتال الممتنعين من الصلاة كان معلومًا لعمر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سمع الأذان كفَّ عن القتال وإلا قاتل, وقال في المتخلفين عن الجماعة: "لقد هممت أن أحرّق عليهم بيوتهم" 4، وتحرق البيوت اعتادوا أن يكون في القتال, ولا يهم -صلى الله عليه وسلم- بما لا يجوز، ودلّ تسليم عمر لقياس أبي بكر أن القياس يخصِّص العموم، ويؤيد أبا بكر ظاهر القرآن أيضًا, قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} 5، فجعل إيتاء الزكاة شرطًا في عصمة الدم،
__________
1 انظر نيل الأوطار "7/ 57".
2 متفق عليه: وسبق تخريجه.
3 روى المناقشة أبو هريرة وحديثه في البخاري في الزكاة "2/ 131"، ومسلم في الإيمان "1/ 38".
4 متفق عليه: البخاري في الأذان "1/ 158"، ومسلم في المساجد "3/ 123".
5 التوبة: 11.
(1/325)

والأخوة في الدين، ومفهومه أن مانعها ليس كذلك، وفي الآية الأخرى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} 1، ثم ظهر حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما بزيادة: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، كما في الصحيح2، ولم يكن عمر يعلم هذه الزيادة, ولو علمها ما بقي محل للنزاع, ولو علمها أبو بكر ما استدل بها، فما وقع في النسائي من طريق أنس بإثباتها في مجادلتها غير محفوظ3، والمحفوظ ما في الصحيحين، وعلى ثبوتها أمارتان، فيكون دليلًا لمن أجاز من الأصوليين اجتماع دليلين على مدلولواحد؛ لأنهما أمارتان, ولمن أجاز اجتماع القياس والنص الموافق له.
ومنها: أن يبلغه الحديث ويجد له معارضًا من القرآن بحسب اجتهاده فيطعن فيه، ومنه ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب أنها كانت مطلقة الثلاث, فلم يجعل لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفقة ولا سكنى, فردّ شهادتها، وقال: لا نترك كتاب الله, أعني: قوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} 4 لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت لها النفقة والسكنى5.
وقالت عائشة: لا خير لها في ذكر هذا الحديث.
وفي مسلم قالت فاطمة: يا رسول الله, أخاف أن يقتحم علي. قال: "أخرجي" 6، وفي البخاري عن عائشة: كانت في مكان وحش فخيف عليها7، وقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} 8، أي: أمر يحدث بعد الثلاث9، فتبيَّن أن الآية في تحريم الإخراج, والخروج إنما هي في الرجعية وصدقت، وهكذا هو في الآية
__________
1 التوبة: 5.
2 متفق عليه: البخاري "1/ 14"، ومسلم "1/ 39".
3 النسائي "8/ 96".
4 الطلاق: 1.
5 مسلم "4/ 198".
6 مسلم "4/ 197".
7 البخاري: "7/ 74".
8 الطلاق: 1.
9 متفق عليه: البخاري "7/ 74، ومسلم واللفظ له "4/ 197".
(1/326)

الأولى بدليل آخرها وهو: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} 1، غير أن عمر رأى القياس على أصل القرآن القطعي مقدَّمًا على خبر الواحد, لكن ثبت ذلك أيضًا في المبتوتة من الآية الأخرى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} 2, وتبيَّن أن صراحة القرآن إنما هي في السكنى دون النفقة, ولذلك أوجب مالك السكنى للمطلقة مطلقًا, والنفقة للرجعية فقط دون البائن جمعًا بين الأدلة, إلّا إذا كانت حاملًا ما لم يمت المطلِّق, فلا نفقة ولا سكنى للرجعية في التركة لإرثها بخلاف البائن, فالسكنى لها دين في التركة, وتنقطع الحامل بالوضع أو الموت أو بلوغ أقصى الحمل.
ومن هذا المعنى حكم عثمان بأن المختلعة لا عدَّة عليها، وإنما تستبرأ بحيضة، ذاهبًا إلى أن الخلع فسخ لا طلاق، محتجًا بأن زوجة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت منه أمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تتربَّص حيضة واحدة كما في النسائي والترمذي وحسنه3، وفي الترمذي أيضًا أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, أو أمرت أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة4, ولعله يشير إلى ما رواه ابن سعد أن الذي أمرها عثمان في حصاره سنة خمسة وثلاثين5، أما من لا يرى تخصيص القرآن القطعي بالخبر الظني بل تقديم القرآن عليه, ويرى أن الخلع طلاق, فيفتي بلزوم العدة وهو مذهب المالكية، وهذا من المسائل التي قدَّم فيها مالك ظاهر القرآن، ورآه قادحًا في خبر الآحاد ويعضده حديث: "أتردين عليه حديقته" قالت: نعم، قال: "فطلقها طلقة واحدة" 6، ومهما كان طلاقًا لزمت العدة لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} 7.
ومن ذلك ما رواه الشيخان أن عمر كان يرى التيمم بدلًا عن الوضوء لا الغسل, فالجنب لا يتيمم, فروى عنده عمار بن ياسر أنه كان في سفر فأصابته جنابة
__________
1 الطلاق: 6.
2 الطلاق: 2.
3 أخرجه الترمذي في الطلاق "3/ 482"، وأما رواية النسائي فليس فيها أنه أمرها أن تتربص حيضة واحدة "6/ 140"، والحديث أصله في الصحيح. البخاري "7/ 60".
4 الترمذي "3/ 482".
5 طبقات ابن سعد.
6 أخرجه البخاري في الطلاق عن ابن عباس "7/ 60".
7 الطلاق:1.
(1/327)

ولم يجد ماء فتمعَّك في التراب, فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كان يكفيك تفعل هكذا, وضرب بيده الأرض, فمسح وجهه ويديه" فلم يقبل منه عمر، وقال له: نوليك من ذلك ما توليت1.
ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه من أن الملامسة في آية التيمم الملاعبة التي هي من نواقض الطهارة الصغرى, حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة, واضمحلَّ وهم القادح فأخذوا به.
النوع الثاني: أن لا يوجد نص فيختلفوا في الاجتهاد، كالزوج العبد إذا طلق الحرة طلقتين، قال عثمان، وزيد بن ثابت: لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره اعتبارًا بحال الزوج، وخالفهما عليٌّ فقال: لا تحرم حتى يطلقها ثلاثًا اعتبارًا بحال الزوجة، وترجّح الأول؛ لأن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح.
وقد يُستدل للثاني بأن الله وضع عن الرقيق نصف العذاب، وهذا زيادة عذاب فلا يقاس على الحد2.
ومنه فتوى عثمان بإرث الزوجة من الزوج الذي طلق في مرض الموت ولو انتقضت العدة، وروي عن عمر تقييده بما لم تنقض العدة.
النوع الثالث: اختلافهم في استعمال اللغة، فقد أفتى ابن مسعود ووافقه عمر بأن المطلقة لا تخرج من عدتها إلّا إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، وأفتى زيد ابن ثابت بخروجها بمجرد ما تحيض, فالأول مبني على أن القرء في الآية الطهر، والثاني: الحيض.
ومن ذلك قول أبي بكر: إن الجد أب, فأنزله في الميراث منزلته في كل الأحوال مستدلًا بنحو قوله تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي} 3, قال البخاري: ولم يذكر أن أحدًا خالفه في زمانه وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، قال: ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة, يعني: بعده، فرأوا أن إطلاق الأب عليه مجاز, ولو سلمنا بأنه حقيقة فلا يلزم من الإطلاق اللغوي استحقاق
__________
1 متفق عليه: البخاري "1/ 89"، ومسلم "1/ 193".
2 انظر نيل الأوطار "6/ 238".
3 يوسف: 38.
(1/328)

الإرث, والمسألة تراجع في محلها1.
النوع الرابع: اختلافهم في التمسُّك بأصل من الأصول، كتزوج مطلقة في العدة بغير الزوج المطلِّق, فقد حكم عمر بتأبيد الحرمة معاملة له بنقيض القصد, وزجرًا عن مخالفة أمر الله, ومحافظة على النسل, أخذًا بالمصالح المرسلة، وخالفه علي تمسكًا بالبراءة الأصلية, ولا نصَّ في القرآن لواحد منهما، وقد تقدَّم هذا.
كما تقدَّم استحسان عمر جعل الأرض العنوية حبسًا، وإيقاع الثلاث على من تلفَّظ بها في مرة واحدة أخذًا بالمصلح المرسلة2.
وروى الإمام أحمد عن سلامة بنت معقل قلت: كنت للحباب ابن عمرو ولي منه غلام, فقالت لي امرأته: الآن تباعين في دينه، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من صاحب تركة الحباب"؟ فقالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو, فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: " لا تبيعوها وأعتقوها, فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فائنوني أعوضكم" 3, ففعلوا, فاختلفوا بينهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فقال قوم أم الولد مملوكة لولا ذلك لم يعوضهم، وقال بعضهم: هي حرة حيث أعتقها, فمن ثَمَّ كان الاختلاف.
فهذه أمثلة من كيفية اجتهاد الخلفاء الراشدين ومخالفة من خالفهم, فهي الأصل الذي حذا حذوه المجتهدين والفقهاء بعدهم، وقد رأيت أن جلّ ما كان يقع من الخلاف يضمحل لمكان الشورى، وتوفر جمهور الصحابة لديهم, فتظهر السنة ويعتمدونها فيضحمل الخلاف، ويعلم ذلك بتتبع كتب الصحاح وممارسة كتب الفقه القديمة كموطأ مالك والمدونة والأم للشافعي ونحوها.
__________
1 البخاري "8/ 188".
2 سبق.
3 أحمد في مسنده "6/ 360".
(1/329)

عصر صغار وكبار التابعين بعد الخلفاء الراشدين إلى آخر المائة الأولى:
فلذلكة تاريخية:
تقدَّم أن الخلافة عام أحد وأربعين أفضت إلى معاوية، فقام بها أحسن قيام، وبموته افترقت الأمة على ولده يزيد الذي عهد له بالخلافة ولم يرضوه، فثار أهل المدينة، ولكن أخضعهم يزيد ونكّل بهم، فمات في وقعتها التي تسمَّى وقعة الحرة كثير من الصحابة من أهل بدر وغيرهم, وكان ذلك مؤثرًا على الفقه أيضًا، وقام سيدنا الحسين في العراق فقتله أيضًا، فحقدت الأمة أجمع على بني أمية بسبب قتل سبط الرسول، وزاد الشيعة تألبًا واحتدامًا، وثار ابن الزبير بمكة وبقي كذلك، ومات يزيد، فتولّى ولده معاوية، ثم مروان بن الحكم بن العاص، ثم ولده عبد الملك الإمام الداهية الفحل الذي به اجتمعت الأمة, ولكن بقوة واستبداد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أسرف في سفك الدماء وقتل كثيرًا من علماء التابعين، ثم تولّى ولده الوليد بن عبد الملك أعظم ملوك بني أمية, وأوسع ملوك الإسلام ممكلة على الإطلاق، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر ابن عبد العزيز بن مروان, الإمام العدل الذي رجع بالخلافة إلى أصلها وأحييى الشورى، ولكنه عاجلته المنية سنة "101" مائة وواحد.
(1/330)

الفقه زمن معاوية فمن بعده:
إن معاوية لم يؤسس خلافته على ما كانت مؤسسة عليه قبله من رابطة الشورى الحقيقية، بل أسسها على قاعدة العصبية والملك، وهي عصبية فريق من الأمة لا كلها، وذلك الفريق هم بنو عبد شمس من قريش ومواليهم الذين كان معاوية ولَّاهم ثغور الشام ومدنه وأوطنهم إياه, وجعل لنفسه هناك صنائع من غيرهم، والعصبية داعية إلى الأثرة والاستبداد، فتغيَّر الحال عَمَّا كان عليه من قبل، فبعد ما كانت قوة نفوذ الخليفة مستمدَّة من الجامعة الإسلامية قاطبة, ومن عموم الأمة الذي يجب عليه أن يرضيه بالمساوة والمشورة والاشتراك في الرأي، أصبحت مستمدَّة من فريق من الأمة, يجب عليه أن يؤثرهم ويرضيهم ولا عليه في الباقي، فتغيَّر الفقه عمَّا كان عليه من قبل، ولولا فضل معاوية وحسن سياسته لوقع القضاء على الأمة والفقه، إلا أن وقوع الاستبداد أثَّر على الفقه كثيرًا، وإليك مثالًا من ذلك:
كتب مروان إلى أسيد بن حضير الأنصاري وكان عاملًا على اليمامة, بأن معاوية كتب إليه أن الرجل الذي تسرق منه سرقة فهو أحق بها حيث وجدها، فكتب أسيد إلى مروان: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متَّهم يخيَّر سيدها, فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنه, وإن شاء اتبع سارقه, ثم قضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان, فبعث مروان بكتاب أسيد إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان علي, ولكني أقضي فيما وليت عليكما, فأنفذ ما أمرتك به, فبعث مروان بكتاب معاوية إلى أسيد فقال: لا أقضي ما وليت بما قال معاوية. رواها النسائي في البيوع1.
ومن تأمَّل هذه القصة يعلم مبدأ الاستبداد في أمر الأمة, وتغيُّر ما كانت عليه
__________
1 النسائي "7/ 275".
(1/331)

الحال من أمر الشوى, وإن كان جلالة أسيد وسابقيته، وبالأخص عصبيته الأنصارية وقفت دون الاستبداد, وفتحت له طريق التصلب في الحق، لكن لو كان والٍ غيره ليس له تلك الحيثية, فإنه يذهب مع التيار الأغلب, وهذا أمر لا شك أنه مؤثر على الفقه، وكلٌّ يعلم أن الاستبداد ماحٍ للاجتهاد موجب للتقليد.
ومن أسباب تغير الفقه تفرُّق الصحابة في الأقطار الإسلامية للفتح والغزو, ثم التعليم والتهذيب والاستيطان للحراسة والرباط، وكل صحابي كان يحضر ويشهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يحضره غيره, ولا يحضر بقية الأقضية والنوازل، فكان كل واحد يأخذ بما شهده, ويترك ما غاب عنه, فنشأ الاختلاف والمذاهب, وتعدَّدت الروايات عند العراقيين والحجازيين والشاميين واليمنيين والمصريين والخراسانين، وهلمَّ جرا, وتقدَّم أن انتشارهم كان زمن عثمان.
(1/332)

مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من الصحابة -رضي الله عنهم:
ترجمة ابن عباس:
هم كثيرون تقدَّم بعضهم بتراجمهم, ويأتي في الترجمة بعد هذه سرد عدد وافر منهم، وهنا نذكر تراجم أربعة منهم مشاهير على سبيل التبرك؛ لتعلم أن هذا العصر كان بهم مزدانًا, وهم أحق أن يقدموا قبل التابعين السابقين، بل الأولان منهم أحق أن يقدَّما على كثير من الصحابة السابقين, كما يعلم من تراجمهم, لكنا تسامحنا في الترتيب, وفي مثل ذلك لا يناقش لبيب.
الإمام أبو العباس عبد الله بن عباس:
فهو ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم, انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير بعد عصر الخلفاء ببركة دعائه -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"1، قال ابن حزم: هو أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق.
وقد جمع فتاويه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن الخليفة المأمون, أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث في عشرين مجلدًا2، وهو عندي أحق من يصدق عليه حديث: "عالم قريش الذي يملأ الأرض علمًا" وإن كان الحديث متكلمًا فيه3، وانظر إلى تلاميذه الذين تخرجوا به: كعكرمة مولاه4، وسعيد ابن جبير، ومجاهد5، وعطاء6، وكريب7 مولاه أيضًا،....
__________
1 متفق عليه: البخاري في الوضوء واللفظ له "1/ 47"، ومسلم في فضائل الصحابة "7/ 158".
2 ت سنة 342 هـ، انظر الأعلام للزركلي "7/ 339".
3 انظر المقاصد الحسنة للسخاوي "1/ 198".
4 عكرمة البربري أبو عبد الله المدني.
5 ابن جبر المكي أبو الحجاج.
6 ابن أبي رباح أبو محمد المكي.
7 ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم أبو رشدين.
(1/333)

وأبي الشعثاء1، وطاوس2، وسعيد بن المسيب، وكثير غيرهم.
كلهم ملأوا الأرض علمًا ونورًا وفقهًا وتفسيرًا, وكانوا صفوة أهل الأرض في زمنهم -رضي الله عنهم, وهو معدود أيضًا من المكثرين في رواية الحديث, فقد روى "1660" حديثًا, لكن الذي رواه منها سماعًا "25", والباقي عن الصحابة, كذا قال البزدوي3، ونوزع في ذلك.
وعلى كل حالٍ فإن جلّ مروياته عن كبار الصحابة كعمر وزيد وأمثالهما، قال ابن عباس: لما مات النبي -صلى الله عليه وسلم, قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ بنا نسأل الصحابة, فإنهم اليوم كثير، قال: واعجبًا لك, أترى الناس يحتاجون إليك؟ قال: فترك ذلك وأقلبت أسأل.
قال: إن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل, فأتوسَّد رداءي على بابه يسفي الريح علي من التراب, فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله, ما جاء بك, هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا, أنا أحق أن آتيك, فأسأله عن الحديث, فعاش الرجل الأنصاري حتى رأني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني.
ويعد أول من فسَّر القرآن, ولذلك يقال له ترجمان القرآن, وقد فسَّره غيره قبله كعمر وعلي, لكن في زمن ابن عباس بدأ اختلاط اللغة, واحتاج القرآن للمفسِّر، فتكلَّم في ذلك ابن عباس كثيرًا واستعان عليه بكثرة ما روى من السُّنَّة وأشعار العرب الذين نزل بلغتهم, وأظن أنه أوّل من أخذ تفسير القرآن من الشعر العربي وأمثالهم وخطبهم.
وروي عنه تفسير مطبوع بأسانيد معروفة في فهارس العلماء، قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن بإسناده إلى أحمد بن حنبل، قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة, لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا
__________
1 جابر بن زيد الأزدي.
2 ابن كيسان اليماني.
3 فخر الإسلام علي بن محمد بن الحسين، من أئمة الحنفية، ت سنة 482هـ.
(1/334)

ما كان كثيرًا.
قال في فتح الباري: وهذه النسحة كانت عند أبي صالح كاتب الليث, رواها عن معاوية بن صالح, عن ابن أبي طلحة, عن ابن عباس, وهي عند البخاري عن أبي صالح, وقد اعتمد عليها كثيرًا في صحيحه، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح, من أول سورة الحج.
فإذا أنصفنا جزمنا بأن ابن عباس هو واضع علم التفسير ومخرجه من العدم, وأول من ألّف فيه قبل مالك وغيره, فهو حَبْر الأمة، وهو ممن ظهر فيه النبوغ العربي في هذا العصر بأكثر معانيه علمًا وفصاحة وكمالًا.
وألمعيته يُضْرَبُ بها المثل، كما قال الحريري في المقالة السابعة: إذًا ألمعيتي ألمعية ابن عباس, وفراستي فراسة إلياس، قال عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس؛ أصحاب الفقه عنده, وأصحاب القرآن عنده, وأصحاب الشعر عنده, يصدرهم كلهم من وادٍ واسع، قال مسروق1: إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس, فإذا نطق قلت: أفصح الناس, فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.
قال ابن المديني2: إن ابن عباس وان مسعود وزيد بن ثابت كان لكلٍّ منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفيتاهم قولهم. نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي، وتوفي بالطائف حوالي سنة 68 ثمان وستين3.
__________
1 ابن الأجدع.
2 علي بن عبد الله.
3 الإمام أبو العباس عبد الله بن عباس: مروج الذهب "3/ 370"، وأسد الغابة "3/ 524"، تهذيب الأسماء "1/ 1/ 312"، تاريخ الإسلام "2/ 304"، والعبر "1/ 36"، وتهذيب التهذيب "2/ 265"، ومرآة الجنان "1/ 130"، والبداية والنهاية "8/ 90"، العقد الثمين "5/ 309".
(1/335)

ترجمة ابن عمر:
عبد الله بن عمر بن الخطاب:
من السابقين للإسلام, حتى قيل إنه أسلم قبل أبيه ولم يصح، شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الخندق وما بعدها, ولم يقبل في أحد لكونه لم يبلغ خمس عشرة من عمره إذ ذاك.
كان من زهَّاد الصحابة وعبَّادهم وأعلامهم وأجوادهم وعقلائهم, رشحه أبوه لرئاسة الشورى شرفيًا, وجعله فيها مستشارًا, ولم يجعل له صوتًا لئلّا تصيبه الخلافة, فكان فيها رئيسًا منفذًا.
أقام يفتي المسلمين نحو ستين سنة, فلو جمعت فتاويه لكانت مجلدًا ضخمًا، وعلمه وفضله أشهر من أن يذكر.
وهو من المكثرين في الحديث، وقد تخرّج به تلاميذه؛ كولده سالم، ومولاه نافع، وغيرهما, وعن مذهبه في الفقه تفرَّع مذهب المدنيين، ثم مالك وأتباعه كما ترى ذلك في الموطأ والمدونة، على قلة ما كان له من الاستنباط في الفقه؛ إذ كان تعويله فيه على لفظ الحديث, فهو في الرتبة الثانية من حيث الإكثار بعد ابن عباس من أهل هذه الطبقة، وعدّه ابن سلطان1 في شرح المشكاة من أهل الفتوى على العهد النبوي.
قال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس، وقال جابر: ما منا أحد إلّا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمر وابنه عبد الله، توفي سنة 73 ثلاث وسبعين، عن أربع وثمانين2.
__________
1 الملا علي بن سلطان القاري, ت سنة 1014. الأعلام "5/ 166".
2 عبد الله بن عمر بن الخطاب: الإصابة "4/ 181"، والاستيعاب "3/ 950",، وأسد الغابة "3/ 227".
(1/336)

ترجمة معاوية بن أبي سفيان الأموي:
الخليفة السادس في الإسلام, بويع البيعة العامَّة عام إحدى وأربعين، وكان إسلامه قبل الفتح, وإنما أظهره في الفتح، وكان من الكتبة الحسبة الفصحاء, حليمًا وقورًا ذا عقل رصين ودهاء مكين، وكفاه أن توصّل به وبجده وسابق القدر للخلافة, مع وجود علي وسعد بن أبي وقاص من أهل الشورى, وابن عمر وأمثالهم، وكان وجيهًا في الإسلام إذ كتب للنبي -صلى الله عليه وسلم, وولاه عمر الشام، ثم أقرَّه عثمان، ولم يبايع عليًّا بل حاربه, ثم استقلّ بالخلافة لما تنازل الحسن عنها له, ولمَّ شعث الإسلام وجمع الكلمة بعد الفرقة, وسكَّن الثائرة, وأعاد مجد الإسلام غزوًا وفتحًا وعظمة، عاش عشرين سنة خليفة، وعشرين سنة قبلها واليًا، ثم مستبدًا, ومن فقهه ما في الصحيح عن عكرمة, قلت لابن عباس: إن معاوية أوتر بركعة؟ قال: إنه فقيه1.
وخطب الناس بالمدينة فأمرهم بإخراج صدقة الفطر, وأفتاهم أن يخرجوا من القمح نصف صاع أو صاعًا من شعيرًا أو تمر2، وبه أخذ الحنفية فصارت زكان الفطر تُقوَّم عندهم.
قال ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحلى للملك من معاوية, وكان رزقه أيام عمر ألف دينار في كل سنة, فكان رزقه أعظم من رزق الخليفة وغيره بكثير، ومن أقبح ما يذكر في تاريخه سبَّه لعلي -رضي اله عنه, ولولا أنه في صحيح مسلم ما صدقت بوقوعه منه, وما أدري ما وجه اجتهاده فيه, حتى كانت سنة من بعده, والله يغفر له, وليست العصمة إلا للأنبياء.
وهو أوّل من صيَّر الخلافة ملكًا وراثيًّا, وسنَّ السلطة الشخصية في الإسلام؛ إذ جعل ولده ولي عهده، وما كانت قبله إلّا شورى بالاستحقاق، وكان الخليفة شوريًّا مقيدًا، فصار هو مطلقًا، فهو أول من سنَّ الإطلاق وهدم أساس الشورى التي كانت موجودة في الإسلام ولم يتم نظامها، فهدم مبادئ الديمقراطية وأسَّس بيت الملك بعدما كانت خلافة عن الرسول في إقامة العدل بمعونة الشورى، فصيرها عصبية استبدادية في بيت بني أمية, وأمات ما كان في الأمة من حياة الديمقراطية والشورى، وخدَّرها بسطوة الملك والعصبية، فبقيت به نائمة إلى الآن.
وهو الذي أسَّس دولة الأمويين العظمى التي هي أعظم دولة للإسلام في المشرق، وعنها تكونت دولة الأمويين في الأندلس التي هي أعظم دولة إسلامية في الغرب، ونال ذلك بفضله وعلمه وحلمه وفصاحته وجوده وحسن تدبيره وسياسته، ولا تنكر له فتوحات وخدمات في الإسلام -رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، توفي سنة "60" ستين3.
__________
1 البخاري في فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم, باب ذكر معاوية -رضي الله عنه "5/ 35".
2 رواه أبو سعيد الخدري، متفق عليه: البخاري "2/ 162"، ومسلم "3/ 69".
3معاوية بن أبي سفيان الأموي: الإصابة "6/ 151"، والاستيعاب "3/ 1416"، وأسد الغابة "4/ 385".
(1/337)

ترجمة عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي:
أول مولود وُلِدَ للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة, فهو من صغار الصحابة, هاجر في بطن أمه، والده ابن عمة رسول الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وربته عائشة في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وقد اكتنفته كنانة النبوة.
كان من أعلام الصحابة وفقهائهم ومفتيهم وشجعانهم، دعا لنفسه بعد موت معاوية، ثم بعد موت يزيد بالخلافة، فبايعه أهل الحجاز والعراق ومصر، عدا أهل الشام بايعوا مروان بن الحكم, إلى أن كان ما كان من قتل الحجاج له, واقتحام دخول مكة عنوة، كان صوامًا قوامًا فصيحًا لسنًا إلّا أنه نقصته بعض الخلال الأخلاقية الواجبة في الخليفة؛ كالحلم، والكرم، فتفرّق الناس عنه وخذلوه على فضله وعلمه ومجد آبائه وأمهاته.
ولذا قال مالك: إنه أولى بالأمر من مروان وابنه, فهذه أولوية شرعية, أما الأولية السياسية فهي ما قد علمت1، وكان قتله بالبيت الحرام سنة "73" ثلاث وسبعين، وبقي في الخلافة تسع سنين, وفي الملك ثلاث عشرة سنة, وهو آخر خليفة من الصحابة2.
__________
1 تفريق المؤلف في هذا المقام الأولوية الشرعية والأولوية السياسية مردود، فإن الأولى تتضمن الأخرى، فأبو ذر الغفاري الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم:$"ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر, شبه عيسى بن مريم -عليه السلام ... " الترمذي "5/ 669" لم يعتبره النبي -صلى الله عليه وسلم- لائقًا بالإمارة فقال له: "يا أبا ذر, إنك ضعيف, وإنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة, إلّا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها" وفي رواية: "إني أراك ضعيفًا, وإني أحب لك ما أحب لنفسي, لا تأمرنَّ على اثنين ولا تولين مال يتيم" أخرجه مسلم "6/ 7"، ولذلك لم يكتف العلماء في شروط الإمام بالعدالة والعلم حتى تتوفر فيه من الصفات ما تتحق به الأهلية السياسية, وتجد هذا المبحث في الأحكام السلطانية للماوردي، ولأبي يعلى، وفي غيرهما في المراجع. "عبد العزيز القارئ".
2 عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي: أبو بكر، الحميري، الأسدي، المكي، القرشي مات سنة 119، 219، أو 220.
تهذيب التهذيب "5/ 216، 215"، تهذيب الكمال "2/ 682"، تقريب التهذيب "1/ 415"، الكاشف "2/ 86"، الخلاصة "2/ 56"، جامع المسانيد "2/ 515"، تراجم الأحبار "1/ 293، 2/ 278"، الجرح والتعديل "5/ 264"، نسيم الرياض "3/ 539"، الثقات "8/ 341".
(1/338)

مراتب الصحابة في الإكثار من الفتوى:
فأكثرهم على الإطلاق عبد الله بن عباس كما سبق، ويليه خمسة وهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وإن كان عمر سيد الفقهاء وسيد أهل الفتوى على الإطلاق, لما له من الموفَّقيّة والمبتكرات في الاجتهاد.
فهؤلاء خمسة من الصحابة في رتبة واحدة من حيث كثرة الفتوى، هكذا نقل الشيخ الطالب بن الحجاج في الأزهار الطيبة, النشر عن ابن جزي -بجيم مضمومة وآخره ياء,1 وقد راجعت قوانين ابن جزي2 فلم أجد فيها ذلك, ولعله تصحيف عن ابن حزم -بالحاء المهملة المفتوحة وفي آخره ميم, ففي أول الإصابة ما نصه: أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة، فزاد عائشة.
قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم.
قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، معاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقاص، أبو هريرة، أنس بن مالك، عبد لله بن عمرو بن العاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد لله الأنصاري، أبو سعيد الخدري، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن حصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان، عبد الله بن الزبير، أم
__________
1 محمد الطالب بن حمدون الحاج، ت سنة 1273هـ، ترجم له المؤلف في القسم الرابع.
2 محمد بن أحمد. الدرر الكامنة "3/ 446".
(1/339)

سلمة, ويجمع من فتاوي كل واحد مجلد صغير.
قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا يروى عن الواحد منهم إلّا المسألة والمسألتان والثلاثة, ويمكن أن يجمع من فتياهم جميعهم جزء صغير بعد البحث؛ كأُبَيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وغيرهم، وسرد الباقين. وسردهم في أعلام الموقعين فزاد أبا اليسر، وأبا سلمة المخزومي، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبا مسعود البدري، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابني علي، والنعمان بن بشير، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا ذر الغفاري، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وأم حبيبة أم المؤمنين، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافعًا أخا أبي بكرة لأمه، وأبا السنابل بن بعكك، والجارود العبدي، وليلى بنت فانف، وأبا محذورة، وأبا شريح الكعبي، وأبا برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والحولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبا الغادية الجهني، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد الله بن جعفر الهاشمي، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أبي أوفى, وعبد الله بن سلام, وعمرو بن عبسة, وعتاب بن أسيد, وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبا قتادة، وعبد الله بن معمر العدوي، وعمي بن سعلة، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوني الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبا منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن ابن سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبا حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد الله البجلي، وجابر بن سمرة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وحبيب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبا أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن
(1/340)

الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبا حكيمًا، وشرحبيل1 بن السمط، وأم سليم، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قبيس بن الشماس، وثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم, والمغير بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبا حميد الساعدي، وأبا أسيد، وفضالة بن عبيد، ومسعود بن أوس -روينا عنه وجوب الوتر، وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلالًا المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن رواح أو روح بن سياه، والعباس بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعزًا، وأبا عبد الله البصري، فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
قال بن القيم: وما أدري بأي طريق عدَّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزًا, ولعله تخيَّل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزني من غير استئذان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو فتوى منهما لأنفسهما بجواز الإقرار, وقد أقرا عليها, فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال, أو لعله ظفر عنهما بفتيا في شيء من الأحكام.
قلت: وقد عدَّ سعد بن معاذ وعثمان بن مظعون وجعفر بن أبي طالب وغيرهم ممّن توفي في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, بناء على ما قدمناه من اجتهادهم في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ كاجتهاد سعد في حكمه على بني قريظة بإذنٍ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ولم أقف على الإصابة على عبد الله بن معمر العدوي، والتحقيق أنه أنقلب للناسخ, وأنه معمر بن عبد الله بن نضلة العدوين, ففي مسلم عن سعيد بن المسيب عنه, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحتكر إلا خاطيء" فقيل لسعيد: إنك تحتكر، فقال: إن معمر الذي كان يحدث بهذا الحديث كان يحتكر2, وهذا من اجتهاد معمر فلا إشكال، وكذلك عمي بن سعلة لم يذكره في الإصابة.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: شراحيل بوزن مفاتيح.
2 مسلم في المساقاة "5/ 75".
(1/341)

قلت: وفي ذكر أُبَيّ كعب، وأبي الدرداء، وعبد الله بن سلام وأمثالهم, فيمات لا تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر، وقد تقدَّم لنا أن بعضهم من أهل الطبقة التي قبل هذه، وبقي عليه كثير مثل: عقبة بن عامل الجهني, والفضل بن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن مغفل، والسائب بن يزيد، وعبد الرحمن بن سهل، وسهل بن حنيف، وأبي أمامة الأوسي، وإن كان هذا لم يدرك من الحياة النبوية إلا سنتين، ولم يصح له سماع, ولكنه من علماء وفقهاء كبار التابعين صحابي بالمولد، وأمثالهم ممن رويت عنه المسألة والمسألتان, أكثر ولم تكن رتبتهم في كثرة الفتوى على قدر رتبتهم في الرواية, فإن أبا هريرة له أحاديث "5374", وهو أقل فتوى من ابن عباس الذي ليس له من المرويات مباشرة إلا "25" حديثًا على ما قيل، حتى إن الحنفية لا يعدون أبا هريرة فقيهًا، وإنه لعجيب، ثم هؤلاء الصحابة تفرقوا في الأقطار التي فتحها الإسلام معلمين وولاة, فأفتوا وحكموا في النوازل التي تجددت, كل واحد على حسب ما سمع وحفظ من السنة, أو شاهد من أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم, ثم الخلفاء بعده، ومن لم يجد فيما حفظ نصًّا اجتهد برأيه في العلة التي أدار النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم عليها في منصوصاته, فطرد الحكم حيث وجدها، لا يألون جهدًا في موافقة غرض الشرع الشريف، مراعين في ذلك أحوال وقتهم ومكانهم وأعراف بلدانهم، فوقع الاختلاف بينهم على أنواع.
(1/342)

صور من الخلاف الواقع في هذا العصر:
منها: اختلافهم في تعارض عامَّين ما الذي يُقَدَّم منهما، ومثاله:
عدة الحامل إذا وضعت, هل تنتهي بالوضع أو لا بُدَّ من أقصى الأجلين, بحيث إذا وضعت ولم تتم أربعة أشهر وعشرًا فلا بُدَّ من إتمامها؟ لعموم آية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 1, وإذا مضت الأربعة وعشر وهي حامل بقيت معتدة حتى تضع. أفتى بهذا ابن عباس فخصَّص عموم آية سورة الطلاق بعموم آية البقرة, فبلغ ابن مسعود فقال: من شاء لاعنته ما أنزلت: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 2 إلّا بعد آية المتوفى عنها التي في البقرة, كأنه ذهب إلى النسخ فنسخ بعموم هذه الآية عموم البقرة لتأخرها, وأيضًا إن عموم: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ}
بالذات فيقدَّم, وعموم: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْن} بالعرض, وأيضًا الحكم في ذوات الأحمال معلل بخلافه في الأخرى فإنه تعبدي، والتحقيق أن لا نسخ وإنما هو تخصيص العموم الثاني بالأول لقوته، على أن حكمه -عليه السلام- في قضية سبيعة الأسلمية بأن العدة وضع الحمل أزال الخلاف, وبيَّن المخصَّص منهما، وهي في الصحيح وفي النسائي مبسوطة3.
ومنها: أن لا يصل الحديث الصحابي أصلًا:
أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن, فسمعت عائشة بذلك، فقالت: عجبًا لابن عمر, كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات4, وقد ردَّت عليه أيضًا لما قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر في رجب5، وقدموا نفيها على إثباته مع
__________
1 البقرة: 234.
2 الطلاق: 4.
3 البخاري في الطلاق "7/ 73"، ومسلم "4/ 201"، والنسائي "6/ 156".
4 مسلم "1/ 179".
5 متفق عليه: البخاري "3/ "، ومسلم "3/ 60".
(1/343)

أن المثبت مقدَّم لكونه سمع إنكارها, وسكت بعد ذلك رجوعًا منه، كما أنه أنكر أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر من الجعرانة، وغيره يثبت ذلك وهو الصحيح1، ومع كون ابن عمر أشهر الصحابة معرفة بالمناسك خطّؤوه فيهما.
ومن ذلك ما ذكره الزهري من أن هندًا لم تبلغها رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المستحاضة, فكانت تبكي لأنها كانت لا تصلي2.
ومنها اختلافهم في التمسك بظواهر النصوص أو بالمعني المقصود من تشريع الحكم:
فقد أخذ ابن عباس بالأول حيث قال: إذا هلكت هالكة عن زوج وأبوين, فللزوج نصف التركة, وللأم ثلثها, وللأب ما بقي، تمسكًا بظاهر قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} 3. وقال زيد وبقية أعلام الصحابة: لها ثلث ما بقي عن الزوج نظرًا للمعني؛ لأنها هي والأب ذكر وأنثى ورثا بجهة واحدة, فللذكر مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة، ولابن عباس أن يقول: إن جهة الأمومة غير الأبوة, بدليل الفروق الكثيرة بين الجدة والجدد, وبين الإخوة لأم والأشقاء, وبأن الأخوة لأم ليس للذكر منهم حظ أنثيين وقوفًا مع لفظ شركاء في القرآن, فكيف لا تقفون مع لفظ أصرح وهو فلأمه الثلث، ومع هذا فمذهب الجمهور خلافه، وقال ابن عباس أيضًا: إن الأم لا يحجبها من الثلث للسدس أخوان أو أختان, وإنما يحجبها ثلاثة لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس} 4، وقال غيره: بل الأخوان والأختان في معنى الثلاثة, بدليل قوله تعالى في آيتي الكلالة: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} 5, وقوله: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ} 6، والكل في الإخوة فلا
__________
1 عمرته -صلى الله عليه وسلم- من الجعرانة, رواها أبو داود "2/ 206", والترمذي "3/ 265" كلاهما عن محرش الكعبي، قال الترمذي: هذا حديث غريب ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير هذا الحديث. قلت: وفي ابن ماجه عن ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- اعتمر أربع عمرات، وذكر منها العمرة من الجعرانة، ابن ماجه "2/ 999"، وأما إنكار ابن عمر لها ففي الصحيحين: البخاري "3/ 3"، ومسلم "3/ 60".
2 مسلم: "1/ 181".
3 النساء: 11.
4 النساء: 11.
5 النساء: 12.
6 النساء: 176.
(1/344)

ومنها: اختلافهم في النسخ وعدمه.
كنكاح المتعة حيث رخَّص فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل خيبر, ثم نهى عنه في فتح مكة، ورخَّص فيه في أوطاس بعدها ثلاثة أيام، ثم نهى عنه، فاختلفوا في الجمع بين هذا الاختلاف, فقال ابن عباس: كانت الرخصة لضرورة, والنهي لانقضائها, والحكم باقٍ, فإذا تحقَّقَت الضرورة جاز.
وحمل الجمهور وذلكعلى النسخ وانمحاء حكم الرخصة بالكلية, كما محي حكم الربا وشرب الخمر وأكل الخنزير, تمسك المبتدعة القائلون بحليتها مطلقًا لضرورة وغيرها بقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} 1, وبقراءة ابن مسعود الذي زاد بعد قوله منهم: {إِلَى أَجَل} لكنها شاذة ولا يحتج بها إذ لم تثبت عنه, ويعارضها ما سيرد عليك مما هو أصح منها رواية، وإذا لم تصح فلا دلالة في الآية للمنع ولا للجواز.
ففي صحيح مسلم عن الربيع بين سبرة أن أباه غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتح مكة، قال: فأقمنا خمس عشرة فأذن لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال, وهو قريب من الدمامة2, مع كل واحد منا برد فبردي خلق، أما براد ابن عمي فبرد جديد غض، حتى إذا كنا بأسفل مكة أو بأعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة العطنطة3 فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا, قالت: وماذا تبذلان، فنشر كل واحد منا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها، فقال: إن يرد هذا خلق وبردي جديد غض، فتقول: برد هذا لا بأس به, ثلاث مرار أو مرتين, ثم استمتعت منها فلم أخرج حتى حرَّمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وفي مسلم عن سبرة أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إيها الناس, إني قد كنت
__________
1 النساء: 24.
2 قال المؤلف -رحمه الله: الدمامة بالمهملة أوله: الحقارة وقبح المنظر.
3 قال المؤلف -رحمه الله: البكرة: الفتية الشابة, والعطنطة: طويلة العنق وهي بفتح العين والطاء المهلمة بعدها نون فطاء, وفي رواية عيطاء بمعناها.
(1/346)

أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" 1.
وفي مسلم أيضًأ: أن ابن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، يعرِّض برجل2, فناداه فقال: إنك لجلف جاف, فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين -يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك, فوالله لئن فعلتها لأرجمنك باحجارك3.
وفي مسلم عن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر, حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث، وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن في المتعة ثلاثًا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتَّع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة, إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحلَّها بعد إذ حرمها4، 5.
وفي مسلم عن علي بن أبي طالب أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: مهلًا يا ابن عباس, فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنها يوم خيبر, وعن لحمم الحمر الإنسية6.
قيل: إن ابن عباس رجع لما قال له على ذلك، وعلى هذا مشى الترمذي، والتحقيق أنه رجع عن إباحتها مطلقًا, إلى إباحتها في حال الضرورة فقط, مستدلًّا بما وقع في عام الفتح الذي هو بعد خييبر بلا شك, ويدل على ثبات ابن عباس على
__________
1 مسلم في النكاح "4/ 131".
2 قال المؤلف -رحمه الله: هو ابن عباس وحاشاه، إنما هو اجتهاده منه لحجة ظهرت له, ولا نقص يلحقه في ذلك, ومقامه أجل من أن يقال فيه هذا, كما أن ابن الزبير كذلك, وإنما الواقع منهما جميعًا الغيرة على الدين.
3 مسلم "4/ 133".
5 ابن ماجه في النكاح "1/ 631"، وفي سنده أبو بكر بن حفض واسمه إسماعيل الإبائي.
6 قال المؤلف -رحمه الله: لم يأخذ المالكية بالرجم في المشهور عنهم لمكان الشبهة, وحملوا كلام عمر وابن الزبير على التغليظ.
7 مسلم في النكاح "4/ 134".
(1/347)

فكره, وأنه لم يرجع لقولٍ على ما وقع بينه وبين ابن الزبير, وكان ذلك بعد وفاة علي بكثير، وغير خفي أن محل المنع عند المالكية إذا صرَّح بالأجل في العقد, أما إذا لم يصرح به وإن نواه فالعقد ماض على ما صرّح به الزرقاني في شرح المختصر وسُلِّمَ له1.
ومنها: اختلافهم في الحكم, هل هو خصوصية أم لا:
مثل: النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، فقد ورد فيه حديث عام تشريعًا لعموم الأمة في الصحيح: "لا تستقبلوا القبلة ببول وغائط ولا تستدبروها" 2.
وروى جابر أنه رآه -عليه السلام- يبول قبل الوفاة النبوية بسنة مستقبل القبلة3.
فقال: إنه ناسخ لتأخره، وكذلك حديث ابن عمر الذي رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام, عليه ظهر بيت حفصة4، وذهب قوم إلى أن النهي مختص بالصحراء, بخلاف المراحيض التي رئي -صلى الله عليه وسلم- فيها مستقبلًا، وذهب قوم إلى أن فعله -عليه الصلاة والسلام- خصوصية له ليس ناسخًا، ولا مخصصًا, تقديمًا للتشريع العام على القضايا العينية، والتحقيق التخصيص جمعًا بين الأحاديث والنسخ والخصوصية لا بُدَّ لهما من دليل.
فعن هذه المسائل وأمثالها نشأ تشعب الفقه واختلاف الفقهاء, وتمسك أهل كل قطر بأصل يعتمدون عليه ومذهبٍ يتدينون به.
__________
1 عبد الباقي بن يوسف له ترجمة في خلافة الأثر للمحبي "2/ 287".
2 رواه أبو أيوب، متفق عليه البخاري "1/ 47"، ومسلم "1/ 154".
3 الترمذي "1/ 15".
4 متفق عليه: البخاري "1/ 48"، ومسلم "1/ 155".
(1/348)

صور من الخلاف الواقع في هذا العصر
...
فرق، ومن مثل هذا نشأ مذهبا الظاهرية، وأصحاب الرأي.
ومنها: ما رواه أصحاب الأصول من نزوله -عليه السلام- بالأبطح عند النّفر من الحج، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه من النسك, فجعلاه من سنن الحج، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أن كان اتفاقيًّا وليس من السنن, وهكذا الرمل في الطواف، كان ابن عباس يراه اتفاقيًّا لقول المشركين: حطمتهم حمى يثرب.
وليس من النسك, فذهب حكمه لزوال سببه, وذهب غيره إلى السنية.
ومنها: اختلاف الوهم:
مثاله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حج، فاختلفوا هل أفرد أو قرن أو تمتع، وفي هذا اختلاف عظيم بين الرواة الأثبات, ومعظم ذلك في الصحاح، حتى طعن بعض الملاحدة في السنة، لكن الذي مال لترجيحه الحافظ1، وابن القيم ما رواه بضعة عشر صحابيًّا, وهو أنه -عليه السلام- كان قارنًا، ورجَّح مالك أنه كان مفردًا حيث روته عائشة، ورحَّج ابن حنبل أنه متمتع، والمسألة فيها اختلاف عظيم كتب فيها الطحاوي2 ألف ورقة.
ثم اختلفوا: هل أهلّ من مسجد ذي الحُلَيْفَة أو حين استقلت به راحلته، أو على شرف البيداء، فقال ابن عباس: أهلَّ في تلك المواضع كلها، وكان الناس يتلاحقون, فمن سمعه أهلَّ في موضع ظنَّ أنه ابتدأ منه، وايم الله لقد أوجب في مصلاه بذي الحليفة, وإني لأعلم الناس بذلك. رواه أبو داود3.
ومنها: اختلافهم في علة الحكم، مثاله:
القيام للجنازة هل لتعظيم الملائكة فيخص بالمسلم, أو لهول الموت فيقام للمؤمن والكافر, أو لكونهم مروا بجنازة يهودي فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كراهية أن تعلو فوق رأسه فيكون القيام لها خاصًّا بالكافر.
__________
1 ابن حجر في الفتح.
2 أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر. الجواهر المضية "1/ 102".
3 أبو داود في المناسك "2/ 150".
(1/245)

هل كان الصحابة كلهم مجتهدين:
إلى هذا نحى البوصيري1 في همزيته إذا يقول: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد, وأبقاه الهيتمي2 وغيره على ظاهره, والذي يقتضيه كلام ابن خلدون في المقدمة, أن منهم من بلغ رتبة الاجتهاد ومنهم من لم يبلغها, فكان يقلد من بلغها؛ إذ كان منهم من لم يسمع منه -عليه السلام- إلّا الحديث الواحد، ومنهم من لم يسمع، ومنهم أهل البدو الذين كانوا بعيدين عن مركز العلم، وهو الذي صرّح به السيوطي في كتابه الرد على من أخلد إلى الأرض3، ونحوه قال السخاوي في شرح ألفية العراقي, نقلًا عن ابن المديني أن المذاهب المقلدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكلٍّ منهم أتباع في الفقه يدوّن علمهم وفتواهم وقولهم.
قلت: والصحابة من جملة من دخل في خطاب: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} 4، فيقضي أن بعضهم يسأل غيره من أهل الذكر, والمجتهد لا يقلد غيره, وذلك دليل أن فيهم من ليس مجتهدًا، وقال والد العسيف الذي زنى بامرأة مستأخره: وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. الحديث5، وقال عمر لأبي بكر: رأينا لرأيك تبع, وقال مسروق: كان ثلاثة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعون قولهم لقول ثلاثة، كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله
__________
1 هو محمد بن سعيد شرف الدين الصنهاجي المصري أبو عبد الله، ت سنة 696هـ، له ترجمة في فوات الوفيات "2/ 412".
2 أحمد بن أحمد بن محمد بن حجر شهاب الدين المصري الشافعي، له ترجمة في الكواكب السائرة "3/ 111".
3.... وجهل ان الاجتهاد في كل عصر فرض، هدية العارفين "5/ 539".
4 النحل: 43، والأنبياء 7.
5 سبق تخريجه.
(1/349)

لقول أُبَيّ بن كعب، وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد.
وقال عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر, واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" 1، وتقدَّم أن بعض الصحابة كانوا يفتون على عهد رسول الله2، وتقدَّمت أسماؤهم3، وذلك تقليد لهم من غيرهم.
ويظهر لي في وجه الجمع بين القولين أن مراد البوصيري بكونهم مجتهدين, أن من شأنهم ذلك في قوتهم واستطاعتهم لا أن الجميع مجتهد بالفعل، فالصحابة كانوا في عصرٍ لم تختلط فيه اللغة, فكانت قواعد الاجتهاد مرتكزة في نفوسهم, فلا يعوزهم إلّا حفظ نصوص الشريعة, أو كمال فقاهة النفس، إذ لا شك أن بعضهم لم يبلغها بدليل قوله -عليه السلام- لعدي بن حاتم لما جعل تحت وسادته خيطًا أبيض وآخر أسود: "إنك لعريض القفا, إنما هو الفجر والليل" 4، وقوله لآخر: "إنك لضخم" 5.
فمن كانت له فقاهة النفس ومزيد حفظ بلغ رتبة الاجتهاد بالفعل كالخلفاء، وزيد بن ثابت، وأمثالهم، ومن لم يكن معه اطلاع كان مجتهدًا بالقوة، بدليل أنه -عليه السلام- ولى عتاب بن أسيد إمرة مكة بمجرد إسلامه، وهو ابن عشرين سنة، وعمر بن العاص غزاة ذات السلاسل، وأسامة جيشًا فيه الشيخان وأبو عبيدة بمجرد إسلامه أيضًا، وأمثالًا لوجود صفة الاجتهاد فيهما, وان احتاجا للنصوص كان معهما القراء والحفاظ الحاملون لذلك، ومما لا نزاع فيه تفاوتهم
__________
1 الترمذي وابن ماجه.
2 سبق.
3 متفق عليه: البخاري في تفسير سورة البقرة "6/ 31"، ومسلم في الصوم "3/ 31".
4 الحديث في مسلم في صلاة المسافرين "2/ 174"، لكنه من كلام ابن عمر وليس مرفوعًا كما تفيد عبارة المؤلف.
5 إن كان يقصد بقوله -بمجرد إسلامه- عمرو بن العاص، فصحيح لأنه أسلم في صفر سنة ثمان ووجهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جمادى الآخرة من نفس السنة إلى السلاسل، على رأس ثلاثمائة, كما في الاستيعاب "3/ 1186"، وأما إن كان المقصود أسامة بن زيد, فقد ولد أسامة في الإسلام، وأمه أم أيمن مولاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وكان قد زوجها من زيد بن حارثة مولاه وحبه -صلى الله عليه وسلم.
(1/350)

في العلم, فليس العشرة، وأُبَيّ، وزيد, وعائشة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبادة، وسلمان، وأبو ذر, وأمثالهم ممن تقدَّمت لنا تراجمهم كغيرهم ممن تقدَّم لنا سرد أسمائهم في ترجمة مراتب الصحابة في الإكثار من الفتوى، ثم هؤلاء ليسوا كغيرهم ممن لم نذكر أسماءهم، وقد أشار الأبِّي1 في شرح مسلم في أحاديث فضل الشهادة, إلى أن علماءهم كانوا مجتهدين دون غيرهم، وقد أشرت لكل آنفًا إلى أن من لم يكن بلغ رتبة الاجتهاد فله قوة علية بشرط, وبهذا يزول الخلاف.
لكن التقليد لم يكن قط في الإسلام بمعنى تقليد إمام في جميع أقواله كأنه نبي معصوم، بل في الصدر الأول ما كان التقليد إلّا أن يأخذ بقول هذا الإمام تارة, وبقول هذا أخرى, ويأتي مزيد الكلام في الموضع إن شاء آخر الكتاب.
تنبيه: يستدل بعض الناس هنا بحديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" , ولا دلالة فيه للمقام, وقد روى ابن عبد البر بسنده عن البزار: هو كلام لا يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم2.
__________
1 هو محمد بن خلفة.
2 قال في كشف الخفاء، رواه البيهقي, وأسنده الديلمي عن ابن عباس "1/ 147"، وانظر جامع بيان العلم لابن عبد البر "2/ 90-92".
(1/351)

عدالة الصحابة:
وهي من متممات المسألة السابقة، قد اتفق الجمهور من أهل العلم على عدالتهم وصدقهم في كل ما نقلوه عن الرسول, سواء من خاض الفتنة أو اعتزلها إلّا من ارتدّ، لا طعن يلحقهم، ولا يحتاج إلى البحث عن أحوالهم, ولا إلى تعديلهم، مع تفاوتهم في وصف العدالة، كتفاوتهم على العلم على أوزان ما سبق، بخلاف التابعين ومن بعدهم؛ لأن الله عدَّلهم في القرآن في غير ما موضع، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} 1 الآية.
__________
1 الفتح: 29.
(1/351)

وقال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} 1 إلى غير هذا من الآيات المصرحة بالثناء عليهم وتعديلهم، لكن من كان منهم بهذه الصفات التي في القرآن.
ولا يشكل على ذلك قضية عائشة وحفصة اللتين تظاهرتا على النبي -صلى الله عليه وسلم, وقالتا له: نجد منك ريح مغافر ولم يكن فيه مغافر.
ولا قوله لهلال بن أمية لما لاعَنَ زوجته: "أحدكما كاذب"، وهو صحابي بدري، وإقامته الحد على حسان وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة البدري أيضًا لما خاضوا في الإفك، وحدُّ عمر لقدامة بن مظعون إذ شرب الخمر متأولًا وهو يدري أيضًا.
وحده لأبي بكرة ومن معه لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ورجع بعضهم, وكل ذلك في الصحيح، كذلك قضية كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم: "لعل الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" 2؛ لأن هذه القضايا نادرة, ولأنا لم ندع لهم عصمة فهم كغيرهم يصدر منهم الذنب ويتدراكهم الله بالتوبة، وكل هؤلاء ثبتت توبتهم وفضلهم فلا قدح، والشريعة معصومة, والله كلفهم بتبليغها إلينا, واختارهم وعدلهم وصدقهم وأذهب كل حرج من صدرونا نحوهم، فمحلهم الثقة والصدق والأمانة والحمد لله رب العالمين.
__________
1 الحشر: 8.
2 متفق عليه: البخاري في المغازي, باب: فضل من شهد بدرًا "5/ 99"، ومسلم في فضائل الصحابة "7/ 167".
(1/352)

مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من التابعين
ترجمة سعيد بن المسيب
...
مشاهير أهل الفتوى في هذه العصر من التابعين:
ترجمة سعيد بن المسيب:
فمنهم:
سعيد بن المسيب بن حزن 1:
المخزومي القرشي المدني, رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم وسندهم، ومن الطراز الأول، جمع الحديث إلى الفقه، والزهد والعبادة والورع، سمع من عمر وهو راويته وحامل علمه, كما في أعلام الموقعين، وحديثه عنه في السنن الأربعة، وروى عن علي، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وغيرهما من أعلام الصحابة، دخل على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمع منهن، وكان زوج بنت أبي هريرة, وحافظ المسند من حديثه، قال عراك1: أفقه أهل المدينة وأعلمهم بقضايا أبي بكر وعمر وعثمان, وأعلمهم بما مضى عليه الناس, وبقضايا رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وقال عليه عبد الله بن عمر: إنه أحد المفتين أو المقْتَدَى بهم, وقال فيه: لو رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- لسُرَّ به, وربما جاءه من يستفتي فبعثه إليه، وقال فيه ابن المديني2: لا أعلم أحدًا في التابعين أوسع من سعيد علمًا, هو عندي أجلّ التابعين. وكانت الفتوى إذا جاءت المدينة لا يزل عالم يردها لآخر إلى أن تصل إليه فيفتي.
وكان يقال له الجرئ لجرأته على الفتوى بسعة علمه وحفظه، وكان لا يقبل جوائز السلطان, دعي إلى نيف وثلاثين ألفًا ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: المسيب -بفتح الياء، فيما اشتهر، وكان سعيد يقول: سيب الله من سيب أبي، وحزن -بفتح الحاء المهملة وسكون لزاي. ابن خلكان.
1 ابن مالك الغفاري.
2 علي بن عبد الله.
(1/353)

بني مروان، وخطب ابنته عبد الملك ابن مروان ليزوجها لولده الوليد فأبى, وزوجها لأبي وداعة على درهمين أو ثلاثة دراهم، وألزمه عبد الملك أن يبايع لولي عهده الوليد ثم سليمان فأبى, وقال: نهى -صلى الله عليه وسلم- عن بيعتين, فأمر به فضرب بعد ما جُرِّدَ من ثيابه التي كانت من شعر, وصُبَّ عليه الماء في يوم بارد, وطيف به في أسواق المدينة, وعرض على السيف وهو على إبائه صابر محتسب.
قال الجاحظ في رسالته في التجارة: هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل, وقد كان تاجرًا يبيع ويشتري, وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاءًا إلّا وقد علمته.
وكان أعبر الناس للرؤيا, وأعلمهم بأنساب قريش, وكان يفتي والصحابة متوافرون، ولمَّ بعد علم بأخبار الجاهلية والإسلام، مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدمه على الجبارين، حج أربعين حجة، وما تخلف عن الصف الأول خمسين سنة، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص, صار الفقه في جميع أقطار الأرض إلى الموالي, فكان فقيه مكة عطاء بن أبي رباح, واليمن طاوس, واليمامة يحيى بن أبي كثير, والكوفة إبراهيم النخعي, والبصرة الحسن, والشام مكحول, وخرسان عطاء الخراساني, إلّا المدينة فإن الله خصَّها بقرشي سعيد بن المسيب غير مدافع. نقله في أعلام الموقعين. وكان الحسن البصري إذا أشكل عليه شيء كتب إليه يسأله، وهو جذيل المدنيين المحكك وعذيقهم المرجَّب، أصل أصولهم ومهد فروعهم، ومذهبه أصل مذهب مالك في المدينة، كما أن إبراهيم النخعي أصل مذهب الحنفية بالعراق، وتوفي سنة "93" ثلاث وتسعين, وهو أحد الفقهاء السبعة الذين نشروا الفقه والفتوى والعلم والحديث, واشتهروا في زمنهم بالحديث والفقه والورع من علماء المدينة المجموعين في قوله بعضهم:
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه1
__________
1 سعيد بن المسيب بن حزن: طبقات ابن سعد "5/ 88"، وحلية الأولياء "2/ 161"، وتهذيب التهذيب "4/ 84".
(1/354)

ترجمة عبيد الله بن عبد الله، عروة بن الزبير، القاسم بن محمد:
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
قال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: ابن المسيب وكان أفقه الناس، وعروة وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وعبيد الله, ولا تشاء أن تجد عنده طريقة من العلم لا تجدها عند غيره إلّا وجدتها. وقال أبو زرعة1: ثقة إمام مأمون, وقال العجلي2: كان جامعًا للعلم، توفي سنة "94" أو "98" أو "99"3.
عروة بن الزبير بن العوام الأسدي:
تفقَّه على خالته عائشة، حافظ ثبت، قال عراك4: أغزر الناس حديثًا, وهو ممن أجمع على جلالته، توفي سنة "94" أربع وتسعين5.
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق:
تفقَّه على عمته عائشة أيضًا، وهي التي ربته، وقال أبو الزناد6: ما رأيت فقيهًا أعلم من القاسم, وما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه, وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان لي من الأمر شيء استخلفته. توفي سنة "106" ست ومائة7.
__________
1 الرازي: عبيد لله بن عبد الكريم.
2 أحمد بن عبد الله بن صالح.
3 عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو عبيد الله بن عبد الله بن عباس الهذلي المدني الأعمش الأعمى أبو عبد الله، مات سنة 194، 99، 98. التحفة اللطيفة "3/ 120"، تقريب التهذيبل "1/ 535"، تهذيب التهذيب "7/ 23"، تهذيب الكمال "2/ 880"، الخلاصة "2/ 194"، الكاشف "2/ 228"، تراجم الأحبار "3/ 93، 154، 175"، الطبقات الكبرى "2/ 382، 383، 5/ 215، 334".
4 ابن مالك الغفاري.
5 عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله: الفقيه المدني الأسدي القرشي، ولد سنة 22، ومات سنة 94، 95، 99. البداية والنهاية "3/ 101"، معجم طبقات الحفاظ "127"، الجرح والتعديل "6/ 2207"، التحفة اللطيفة "3/ 183"، تقريب التهذيب "2/ 19"، الخلاصة "2/ 226" تهذيب التهذيب "7/ 180"، تهذيب الكمال "2/ 927"، الكاشف "2/ 262"، الأنساب "1/ 217".
6 هو عبد الله بن ذكوان المدني.
7 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: الجرح والتعديل "24/ 3ص118"، وحلية الأولياء "2/ 183"، وتهذيب "7/ 333".
(1/355)

ترجمة أبي بكر المخزومي، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد:
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي:
قال أبو الزناد: هو أحد الفقهاء السبعة, قال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين, وقال الواقدي: كان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث. توفي سنة "94" أربع وتسعين في الأصح1.
سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين:
قال النسائي: أحد الأئمة, وقال فيه الحسن بن محمد: إنه عندنا أفهم من ابن المسيب, ولم يقل أفقه ولا أعلم.
روى عن ابن عباس وأبي هريرة، وأم سلمة -رضي الله عنهم, وروى عنه الزهري وغيره من الأكابر، وكان المستفتي إذا أتى ابن المسيب يقول له: اذهب إلى سيمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم، توفي سنة "100" مائة2.
خارجة بن زيد بن ثابت:
أحد الفقهاء السبعة، أدرك زمن عثمان بن عفان، وقد علمت من هو والده صحبة وعلمًا، مات سنة "100" مائة3.
__________
1 أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزمي. خلاصة الخزرجي "444"ط. بولاق، وتهذيب التهذيب "12/ 30".
2 سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين -رضي الله عنها. خلاصة الخزرجي "155"، تهذيب التهذيب "4/ 228".
3 خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني النجاري، الوزير: ت سنة 100، أو 69، أو 99. تقريب التهذيب "1/ 210"، تهذيب التهذيب "3/ 74"، تهذيب الكمال "1/ 348"، الكاشف "1/ 265"، تراجم الأحبار "1/ 376"، الحلية "2/ 9189، نسيم الرياض "2/ 117"، التاريخ الصغير "1/ 42، 215"، التمهيد "2/ 260"، سير النبلاء "4/ 437".
(1/356)

ترجمة سالم بن عبد الله، أبي سلمة بن عبد الرحمن، إبراهيم النخعي:
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني:
الفقيه، أحد السبعة، وقيل: السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال أبو الزناد1: قال ابن إسحاق: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن ابن عمر. مات سنة "106" ست ومائة2.
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف:
أحد الأعلام، قال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث, ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد السبعة عن أكثر أهل الأخبار، مات سنة "94" أربع وتسعين, أو "104" أربع ومائة3.
إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي 4 الفقيه:
في مسند الإمام أحمد أنه كان يدخل على عائشة مع خاله الأسود بن يزيد النخعي, وكان للأسود معها إخاء وود، وقال ابن خلكان: لم يثبت له منها
__________
1 عبد الله بن ذكوان.
2 سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني: أبو عمرو - ابن عمرو - أو عبد الله، أبو عبد لله، القرشي العدوي المدني العمري، أبو المنذر، مات سنة 106، 107. تقريب التهذيب "1/ 280"، تهذيب التهذيب "3/ 436"، تهذيب الكمال "1/ 460"، الكاشف "3/ 344"، تهذيب تهذيب الكمال "6/ "، جامع المسانيد "2/ 464"، الثقات "4/ 35"، تراجم الأحبار "2/ 15"، الجرح والتعديل "4/ 797"، التاريخ الكبير "4/ 115"، البداية والنهاية "9/ 234".
3 أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: خلاصة الخزرجي "451" ط. بولاق، وتهذيب التهذيب "12/ 115".
4 قال المؤلف -رحمه الله: النخعي: نسبة إلى النخع -بفتح النون والخاء بعدها عين مهلمة- قبيلة كبيرة من مذحج باليمن. ابن خلكان.
(1/357)

سماع.
قلت: إذا لم يثبت له سماع فليس بتابعي, قال الشعبي1: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه, قال أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب: ولا الحسن ولا ببن سيرين, قال: ولا الحسن ولا ابن سيرين ولا من أهل البصرة ولا من الكوفة ولا من أهل الحجاز, وفي رواية: ولا الشام.
قال المغيرة2: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان الذي هو شيخ أبي حنيفة، وعن مذهب إبراهيم الأخذ بالقياس, تفرع مذهب الحنفية, فهو في العراق كسعيد بن المسيب في الحجاز، مات سنة "96" ست وتسعين, وله تسع أو ثمان وأربعون سنة3.
__________
1 عامر بن شراحيل.
2 ابن مقسم الضبي.
3 إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي الفقيه: طبقات ابن سعد "6/ 188"، وحلية الأولياء "4/ 219"، وتهذيب التهذيب "1/ 177"، وغاية النهاية للجزري "1/ 29".
(1/358)

ترجمة أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي 1 الحميري:
الإمام العالم، ولد لست خلت من خلافة عمر، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة, قال أبو مجلز2: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي.
وكان فقهه مؤسسًا على الآثار لا الرأي, فهو ضد إبراهيم النخعي مع عراقيته، قال ابن سيرين: لقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون, وقال ابن عيينة: الناس تقول ابن عباس في زمنه, والشعبي في زمنه. واستقصاه عمر بن عبد العزيز, قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة, والشعبي بالكوفة, والحسن بالبصرة, ومكحول بالشام. وكان الشعبي ضئيلًا نحيلًا، وقال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، توفي سنة "103" ثلاث بعد مائة3.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: شراحيل بوزن مفاتيح.
2 اسمه لاحق بن حميد.
3 أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري: مات سنة 103: تاريخ بغداد "12/ 227"، تهذيب التهذيب "5/ 65"، حلية الأولياء "4/ 310".
(1/358)

ترجمة أبي العالية، حميد الحميري، مطرف بن عبد الله:
أبو العالية البراء -مشددًا:
واسمه زياد بن فيروز البصري، روى عن ابن عباس وابن عمر وجماعة، موثّق، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، مات سنة "90" تسعين1.
حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري:
روى عن أبي هريرة وأبي بكرة, قال ابن سيرين: هو أفقه أهل البصرة, متفق عليه2.
مطرف بن عبد لله بن الشخير العامري البصري:
أحد سادات التابعين، روى عن علي وعثمان وأبي ذر وجماعة، قال ابن سعد: له فضل وعقل وورع وأدب, ومن كلامه: عقول الناس على قدر زمانهم، فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة, وخير دينكم الورع، مات سنة "95" خمس وتسعين3.
__________
1 أبو العالية البراء: خلاصة الخزرجي "453"، وتهذيب التهذيب "12/ 143".
2 حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري: الحميري البصري، ت سنة 100. تقريب التهذيب "1/ 203"، تهذيب التهذيب "3/ 46"، تهذيب الكمال "1/ 338"، الكاشف "1/ 257"، ديوان الضعفاء "1/ 117"، جامع المسانيد "2/ 423"، التاريخ لابن معين "3/ 137"، الأعلمي "17/ 75"، سير النبلاء "4/ 293".
3 مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري: أبو عبد الله العامري البصري الحرشي. تقريب التهذيب "2/ 253"، تهذيب التهذيب "10/ 173"، تهذيب الكمال "3/ 1335"، الكاشف "3/ 150"، الخلاصة "3/ 33"، الحلية "2/ 198"، تراجم الأحبار "3/ 325"، الثقات "5/ 430"، الأنساب "8/ 69"، التاريخ الكبير "7/ 396"، الجرح والتعديل "8/ 1446".
(1/359)

ترجمة زرارة بن أوفى، أبان بن عثمان، أبي قلابة:
زرارة بن أوفى الحرشي -بفتح المهملتين- البصري:
قاضيها، روى عن أبي هريرة والمغيرة وعبد الله بن سلام وغيرهم، متفق عليه، توفي سنة "93" ثلاث وتسعين1.
أبان بن عثمان بن عفان الأموي:
أبو عبد الله المدني, روى عن أبيه وزيد بن ثابت، قال القطان: فقهاء المدينة عشرة, وعدَّه منهم، أخرج حديثه الستة إلّا البخاري, ففي الأدب المفرد، موثَّق، توفي سنة "105" خمس ومائة2.
أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي:
بجيم وقلابة بكسر القاف، إمام البصرة في الفقه والفتوى وأحد الأعلام، نزل الشام، قال الذهي في كتاب العلو للعلي الغفار: وأين مثل أبي قلابة في الفضل والجلالة, هرب من تولية القضاء من العراق إلى الشام, ورى عن عائشة وأبي هريرة وحذيفة وغيرهم, قال أيوب3: هو من الفقهاء ذوي الألباب, وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث: مات سنة "104" أربع مائة، متفق عليه4.
__________
1 زرارة بن أوفى الحرشي البصري: أبو حاجب العامري الحرشي البصري, ت سنة 93. تقريب التهذيب "1/ 259"، تهذيب التهذيب "3/ 322"، تهذيب الكمال "1/ 428"، الكاشف "1/ 321"، الخلاصة "1/ 335"، نسيم الرياض "2/ 444", تراجم الأحبار "1/ 460"، البداية والنهاية "9/ 9، 93" حلية الأولياء "2/ 258", سير النبلاء "4/ 515".
2 أبان بن عثمان بن عفان الأموي. تهذيب التهذيب "1/ 79".
3 السختياني.
4 أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: أبو قلابة، أبو كلابة، البصري، الجرمي الأزدي، ت سنة 204، أو 104. تقريب التهذيب "1/ 417"، تهذيب التهذيب "5/ 224"، الكاشف "2/ 88"، الخلاصة "2/ 58"، تهذيب التهذيب "5/ 224"، الكاشف "2/ 88"، الخلاصة "2/ 58"، تهذيب الكمال "2/ 684"، الميزان "2/ 425، 426"، دائرة الأعلمي "21/ 193"، البداية والنهاية 9/ 231"، الثقات "5/ 2"، التاريخ الصغير "1/ 203"، الوافي بالوفيات "17/ 185".
(1/360)

ترجمة أبي الشعثاء، رفيع بن مهران، علي بن الحسين:
أبو الشعثاء جابر بن زيد:
من أصحاب ابن عباس, وقال فيه: إنه من العلماء, وقال فيه عمر بن دينار: ما رأيت أعلم بالفتيا منه، مات سنة "93" ثلاث وتستعين أو "103"1.
رفيع بن مهران -بالتصغير- الرياحي البصري:
مخضرم، إمام من أئمة المسلمين، ثقة, مجمَع على ثقته، توفي سنة "90"2.
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين المدني:
قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا أفضل منه, وما رأيت أفقه منه, وقال ابن أبي شيبة3: أصحّ الأسانيد الزهري عنه عن أبيه عن جده, وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه، توفي سنة "92" بعد أن قاسم الله ماله مرتين4.
__________
1 أبو الشعثاء جابر بن زيد: أبو الشعثاء اليحمدي، البصري الحرقي - الأعور- الأزدي - الجوفي، ت سنة 193 أو 200. تقريب التهذيب "1/ 122"، تهذيب التهذيب "2/ 38"، تهذيب الكمال "1/ 178", الكاشف "1/ 176"، تهذيب تهذيب الكمال "1/ 156"، الأنساب "4/ 130، 310" "1/ 222".
2 رفيع بن مهران الرياحي البصري, ت سنة 90 هـ. خلاصة الخزجي "119"، تهذيب التهذيب "2/ 38".
3 هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تهذيب التهذيب "6/ 2".
4 علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين المدني, أبو الحسن، زين العابدين، الهاشمي القرشي المدني الأكبر: أبو محمد أو أبو عبد الله، مات سنة 93، أو 94، أو 95 أو 92 أو 100.
تقريب التهذيب "2/ 35"، تهذيب التهذيب "7/ 304"، الكاشف "2/ 282"، تهذيب الكمال "2/ 961"، الخلاصة "2/ 245"، طبقات ابن سعد "5/ 156"، النجوم "1/ 229"، البداية والنهاية "9/ 103"، الثقات "5/ 160" ثلاثيات أحمد "2/ 648" المعرفة والتاريخ "1/ 360/ 544"، سير النبلاء "4/ 386".
(1/361)

ترجمة مجاهد بن جبر، عكرمة مولى ابن عباس:
مجاهد بن جَبَر مولى السائب بن أبي السائب:
المكي المقرئ الفقيه الإمام المفسر مؤلف تفسير مشهور، عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة "كذا في خلاصة التهذيب", وفي كتاب العلو عدد "246": قرأت على ابن عباس القرآن من أوله لآخره ثلاث مرات أقفه عند كل آية أسأله.
فهو أجل المفسرين في زمانه وأجلّ المقرئين, تلا عليه ابن كثير1، وأبو عمرو2، وابن محيصن3، مات وهو ساجد سنة "103" ثلاث ومائة4.
عكرمة مولى ابن عباس المغربي البربري:
الذي قال فيه الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله منه. وهو أحد الأئمة الأعلام, قال له ابن عباس: انطلق فأفت الناس. وما تمكله ابن عباس إلّا وهو والٍ بالبصرة لعلي، ولما مات تركه على الرق بعد إن علَّمه, ووصل لمقام الإفتاء، وباعه ولده علي بأربعة آلاف دينار, فأتاه وقال له: بعت علم أبيك، فاستقال من بيعه وأعتقه، وكان أفقه أهل وقته، ومن مشاهير القراء، والمعبِّرين، وكان جوالًا في الآفاق، رموه بأنواع من البداعة، لكن قال العجلي5: ثقة بريء مما يرميه الناس به, ووثَّقة أيوب السختياني وأحمد وأبو حاتم6 وابن معين7, ولذلك أخرج له جميع الستة وقرنه مسلم بآخر، مات سنة "105" خمس ومائة عن نيف وثمانين8.
__________
1 عبد الله.
2 ابن علالاء واسمه زبان.
3 محمد بن عبد الرحمن المكي.
4 مجاهد بن جبر مولى السائب بن أبي السائب: جامع التحصيل "336"، التاريخ الصغير "1/ 242، 245"، المستبين "275"، علل الحديث للمديني "20، 26، 48، 49، 54، 60"، حلية الأولياء "3/ 279"، تهذيب التهذيب "10/ 42"، وغاية النهاية "2/ 41".
5 أحمد بن عبد الله بن صالح.
6 الرازي محمد بن إدريس.
7 يحيى.
8 عكرمة مولى ابن عباس المغربي البربري: أبو عبد الله: القرشي الهاشمي البربري - المدني, مات سنة 107 أو 105. الخلاصة "2/ 240", تقريب التهذيب "2/ 30"، تهذيب التهذيب "7/ 263"، تهذيب الكمال "2/ 950"، الكاشف "2/ 276"، لسان الميزان "7/ 308"، الحلية "3/ 326"، سير النبلاء "5/ 12"، الضعفاء الكبير "3/ 373"، طبقات المفسرين "1/ 380"، وفيات الأعيان "1/ 319"، الكامل "5/ 1905"، وأصبهان "2/ 25"، جامع المسانيد "2/ 495".
(1/362)

ترجمة عطاء بن أبي رباح، سعيد بن جبير:
عطاء بن أبي رباح الجندي 1 اليماني:
نزل مكة، مولى قريش، أحد الفقهاء والأئمة، انتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون علي وفيكم عطاء, كان أعلم الناس بالمناسك حتى كان ينادي أيام الحج لا يفتي أحد إلّا عطاء.
وينقلون عنه أنه يقول: يجوز وطء الجواري بإذن مالكهن، ومنهم من يقول: إنه يجوز إعارتهن للوطء، وهذا شيء لا يصح عنه, وقد أنكره صاحب روح المعاني وغيره، صفته: كان أسود أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر ثم عمي، فالعبرة بالأرواح لا بالأشباح:
النفس أنفس ما لديك فهذبًا ... بالنفس أنت مسود لا بالشبح
توفي سنة "114" أربع ومائة عن نحو مائة سنة2.
سعيد بن جبير الواليي الكوفي:
الفقيه أحد الأعلام في الفقه والتفسير والدين، قال الألكائي3: ثقة إمام حجة، قتله الحجاج سنة "95" كهلًا4.
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: الجندي: بفتحتين نسبة إلى الجند عاصمة اليمن.
2 عطاء بن أبي رباح الجندي اليماني، ويقال: عطاء بن الزيات.
تقريب التهذيب "2/ 22"، خلاصة الخزرجي "266"، وتهذيب التهذيب "7/ 199".
3 هو أبو القاسم الطبري هبة الله بن الحسن. تاريخ بغداد "14/ 70".
4 سعيد بن جبير الوالبي الكوفي: أبو عبد الله محمد، الأسدي الكوفي الوالبي الفقيه، قُتِلَ سنة 195 ولم يكمل 50 سنة.
تقريب التهذيب "1/ 292"، تهذيب التهذيب "4/ 11"، تهذيب الكمال "1/ 479"، الكاشف "1/ 356"، الأنساب "12/ 274"، جامع المسانيد "2/ 467"، العبر "1/ 109، 112"، دائرة الأعلمي "19/ 168".
(1/363)

ترجمة الحسن البصري، محمد بن سيرين:
الحسن بن أبي الحسن سيار أو يسار:
بتقديم المثناة أو تأخيرها، البصري، مولى زيد بن ثابت، أو أم سلمة والربيع بنت النضر, الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة.
روى عن نحو مائة وعشرين من الصحابة منهم: عثمان، وحضر معه يوم الدار, وعلي على خلاف فيه, ورجَّح السيوطي في فتاويه سماعه منه، وأدرك سبعين بدريًّا أكثر لباسهم الصوف كما قال في الحلية, ألف ابن الجوزي في مناقبه كتابًا.
قال ابن سعد: كان إمامًا جامعًا رفيعًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا من أشجع أهل زمانه, وعدَّه عياض في المدارك من الأئمة أصحاب المذاهب المقلدة المدونة، قال في أعلام الموقعين: قد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة, وكانوا يرون أن ما ظهر عليه من غزارة العلم ببركة رضاعه من ثدي أم سلمة أمن المؤمنين -رضي الله عن الجميع, توفي سنة "110" عشر ومائة1.
محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك:
أبو بكر البصري، إمام وقته، أحد الفقهاء من أهل البصرة المشهورين بالورع، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم، وهو ممن أنكر القياس كما سبق، وقال أبو عوانة2: رأيته في السوق فما رآه أحد إلّا ذكر الله تعالى, وقال بكر المزني3: والله ما أدركنا أورع منه. روي عن أبي هريرة وابن عمر وابن الزبير وعمران بن حصين وأنس -رضي الله عنهم, وكان بزازًا، وحبس في دين كان عليه، وتوفي وعليه ثلاثون ألف درهم قضاها عنه ولده، وكان أنس بن مالك لما احتضر أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين, فلما مات أتوا الأمير فأذن له, فخرج وصلى عليه ثم رجع لسجنه كما هو، ولم يذهب لأهله وفاءا بحق الأمانة رحمه الله، توفي بعد الحسن بمائة يوم4.
__________
1 الحسن بن أبي الحسن سيار أو يسار: حلية الأولياء "2/ 131"، وتهذيب التهذيب "2/ 263".
2 اسمه: الوشاح بن عبد الله.
3 ابن عبد الله بن عمرو وأبو عبد الله.
4 محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك: أبو بكر الأنصاري البصري الأنسي مولى أنس بن مالك، مات سنة 110 أو بعدها: المعرفة والتاريخ "2/ 54"، والفهارس "751"، در السحابة "3/ 8"، المعين "327"، البداية والنهاية "9/ 267"، الوافي بالوفيات "3/ 146"، الكاشف "3/ 51", الخلاصة "2/ 412"، نسيم الرياض "2/ 408"، الطبقات الكبرى "9/ 174"، الثقات "5/ 349"، الأعلمى "26/ 283".
(1/364)

ترجمة الحكم بن عتيبة، قتادة السدوسي:
أبو عبد الله الحكم بن عتيبة -مصغرًا- الكندي:
مولاهم الكوفي، أحد الأعلام، ثقة ثبت، من فقهاء أصحاب إبراهيم1، صاحب سنة واتباع، توفي سنة "115" خمس عشرة ومائة2.
أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي 3 البصري:
الأكمه، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، قال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وهو معدود من صغار التابعين ومن كبار الفقهاء المفسرين المقرئين المحدثين المكثرين، قال أبو عبيدة4: ما كنا نفقد كل يوم راكبًا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة, فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر, وكان قتادة أجمع الناس، توفي سنة "117" سبع عشرة ومائة5.
__________
1 ابن يزيد النخعي.
2 أبو عبد الله الحكم بن عتيبة الكندي: خلاصة الخزرجي "89"، وتهذيب التهذيب "2/ 434".
3 قال المؤلف -رحمه الله: السدوسي: بفتح السين المهملة وضم الدال المهملة نسبة إلى سدوس بن شيبان قبيلة عربية, ودعامة بكسر الدال والمهملة.
4 معمر بن المثنَّى النحوي.
5 أبو الخطاب قتادة بن دعامة الدوسي البصري: تذكر الحفاظ "1/ 115".
(1/365)

ترجمة مكحول، رجاء بن حيوة، عمرو بن دينار:
مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شادل:
من أهل هرات1، الدمشقي، قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه منه.
وقال الزهري2: العلماء ثلاثة, وذكر مكحولًا منهم, قال تلميذه الأوزاعي:3 ما نسب إليه من التكلم في القدر باطل. توفي سنة "113" ثلاث عشرة ومائة4.
رجاء بن حيوة الكندي الفلسطيني:
أحد الأعلام، قال ابن سعيد: كان ثقة فاضلًا كثير العلم, وقال مطر الوراق5: ما رأيت شاميًّا أفضل منه إلا أنك إذا حركته وجدته شاميًّا، مات سنة "112" اثنى عشر ومائة6.
عمرو بن دينار الجمحي 7:
مولاهم، أبو محمد المكي الأثرم، أحد الأعلام وأئمة الإسلام، روى عن العبادلة8 وغيرهم، وعنه السفيانان، والحمادان9، وخلق، مات سنة "115" خمس عشر ومائة10.
__________
1 مدينة بخراسان.
2 محمد بن مسلم.
3 عبد الرحمن بن عمرو.
4 مكحول بن أبي مسلم، شهراب بن شادل: حلية الأولياء "5/ 177"، وتذكرة الحفاظ "1/ 101"، وتهذيب التهذيب "10/ 289".
5 ابن طهمان أبو رجاء الخراساني.
6 رجاء بن حيوة الكندي الفلسطيني, مات سنة 112. تذكرة الحفاظ "1/ 211", وحلية الأولياء "5/ 170".
7 قال المؤلف -رحمه الله: الجمحي: بضم الجيم وفتح الميم نسبة إلى جمح قبيلة عربية.
8 وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والتهذيب "3/ 265"، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
9 السفيانان: سفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة، والحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة.
10 عمرو بن دينار الجمحي: طبقات ابن سعد "5/ 479"، طبقات خليفة "281"، التاريخ الكبير "6/ 328"، التاريخ الصغير "169"، تاريخ الفسوي "2/ 1/، 207", الجرح والتعديل "6/ 231"، تذهيب التهذيب "3/ 97/ 2"، تاريخ الإسلام "5/ 114"، العقد الثمين "6/ 374"، طبقات القراء "1/ 60"، سير النبلاء "5/ 300".
(1/366)

ترجمة محارب بن دثار، عمر بن عبد العزيز:
محارب بن دثار 1 السدوسي أبو مطرف الكوفي:
مولاهم أبو محمد المكي الأثرم, أحد الأعلام أئمة الإسلام، روى عن العبادلة1 وغيرهم، وعنه السفيانان، والحمادان، وخلق، مات سنة "115" خمس عشرة ومائة2.
عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي:
الخليفة العدل، المجمَع على عدالته، الإمام الحافظ، أمير المؤمنين، قال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلّا تلامذة, قال الحسن البصري لما جاء نعيه: مات خير الناس.
كان رجاء بن حيوة الكندي يجالسه, فبات عنده ليلة فهمَّ السراج أن يخمد فقام إليه ليصلحه, فأقسم عليه عمر ليقعدنَّ وقام عمر فأصلحه, قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: قمت وأنا عمر وجلست وأنا عمر, قال: وأمرني أن أشتري له ثوبًا بستة دراهم فأتيته به فجسَّه وقال: هو ما أحب لولا أن فيه لينًا.
قال: فبكيت, قال: فما يبكيك؟ قال: أتيك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم فجسسته وقلت: هو ما أحب لولا أن فيه خشونة, وأتيك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت: هو ما أحب لولا أن فيه لينًا. فقال: يا رجاء, إن لي نفسًا تواقة, تاقت إلى الخلافة فأدركتها, وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: دثار بكسر الدال وفتح الثاء المثلثة.
2 الرازي عبيد الله بن عبد الكريم.
3 محارب بن دثار السدوسي أبو مطرف الكوفي، أو المطرف السدوسي الكوفي القاضي, مات سنة 116 أو 108.
المعرفة والتاريخ "2/ 674"، وفهارس "3/ 741"، سير النبلاء "2/ 230"، تهذيب التهذيب "10/ 49"، حاشية الإكمال "1/ 226"، الإكمال "7/ 345"، تهذيب الكمال "3/ 1306"، الجرح والتعديل "8/ 1899"، التمهيد "3/ 224"، الأعلمي "26/ 96".
(1/367)

شاء الله تعالى. قال: وقوّمت ثيابه وهو يخطب باثني عشر درهمًا, وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسروايل ورداء وخفين وقلنسوة.
ولزهد هذا الإمام وعلمه حق علينا أن نذكره في سلك هؤلاء الأعلام, وهو معدود أول العلماء والأمراء المجددين على رأس المائة كما عدَّه السيوطي وغيره، وحق له ذلك، ويأت لنا عمل هذا الإمام في ابتداء تدوين الفقه الذي به استحقّ أن يكون مجددًا, جزاه الله خيرًا، مات سنة "101" إحدى ومائة بعد سنتين من ولايته1.
__________
1 عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي: طبقات ابن سعد "5/ 330"، تاريخ خليفة "321، 322"، التاريخ الكبير "6/ 174", تاريخ الفسوي "1/ 568"، الطبري "6/ 565", الجرح والتعديل "6/ 122"، الأغاني "9/ 254"، حلية الأولياء "5/ 253"، فوات الوفيات "3/ 133"، طبقات ابن الجوزي "1/ 593"، تهذيب التهذيب "7/ 475"، سير النبلاء "5/ 114".
(1/368)

ترجمة مرثد اليزني، قيس بن أبي حازم:
مرثد بن عبد الله الحميري اليزني:
بفتح الياء وزاي وخفقة، المصري الفقيه، مفتي المصريين، توفي سنة "90" تسعين1.
قيس بن أبي حازم الأحمسي الكوفي:
أحد كبار التابعين وأعيانهم، مخضرم، أخذ عن الخلفاء الأربعة وهي فضيلة عظيمة، وتقدَّم أن سويد بن غفلة كذلك روى عنهم، مات سنة 98" ثمان وتسعين2.
__________
1 مرثد بن عبد الله الحميري اليزني: أبو الخير - اليزني البصري الحميري, ت سنة 90:
تقريب التهذيب "2/ 236"، تهذيب التهذيب "10/ 82، تهذيب الكمال "3/ 1314"، الكاشف "3/ 130"، الجرح والتعديل "8/ 1380"، الخلاصة "3/ 1314"، التاريخ الكبير "7/ 416"، تراجم الأحبار "3/ 428"، تذكرة الحفاظ "1/ 73"، الأنساب "13/ 497"، العبر "1/ 105"، الإكمال "7/ 229".
2 قيس بن أبي حازم الأحمسي الكوفي, مات سنة 98: تهذيب التهذيب "8/ 386"، خلاصة الخزرجي "317".
(1/368)

ترجمة شقيق بن سلمة، أبي بردة، طاوس:
شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي:
روى عن الخلفاء الأربعة أيضًا، وهو من سادة التابعين، تعلَّم القرآن في سنتين، قال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، مات حوالي سنة "100" مائة1.
أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري:
الفقيه التابعي الشهير، قاضي الكوفة بعد شريح، وكان أبوه قاضيًا, وقاضي البصرة كما سبق، وكان ولده بلال قاضي البصرة, فبلال قاضٍ ابن قاضٍ ابن قاضٍ، ثلاثة على نسق, كان أبو بردة ذا مكارم وفضائل كافية وكذلك ولده، توفي أبو بردة سنة "103" ثلاث ومائة2.
طاوس بن كيسان اليماني الجندي:
قيل من الأبناء وقيل مولى همدان، الإمام العلم، قيل اسمه ذكوان، قال: أدركت خمسين من الصحابة، قال ابن عباس: إني لأظن طاوسًا من أهل الجنة, وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله، مات سنة "106" ست ومائة بمكة3.
__________
1 شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي: أبو وائل، الشقيقي الأسدي الكوفي، ابن أسد خزيمة، وُلِدَ سنة 1، ت سنة 82، أو 99:
دائرة معارف الأعلمي "20/ 80"، الأنساب "8/ 134"، در السحابة "779"، تقريب التهذيب "1/ 354"، تهذيب التهذيب "4/ 317", تهذيب الكمال "2/ 587"، الخلاصة "1/ 452"، الكاشف "2/ 15"، جامع المسانيد "2/ 476"، سير النبلاء "4/ 161"، تاريخ بغداد "9/ 268"، التمهيد "5/ 73".
2 أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري: طبقات ابن سعد "6/ 268"، الجرح والتعديل "6/ 325"، تاريخ ابن عساكر "371، 392"، وفيات الأعيان "3/ 10، 12" تذكرة الحفاظ "1/ 95"، تهذيب التهذيب "4/ 199"، تاريخ الإسلام "4/ 216"، العبر "1/ 128"، الوافي بالوفيات "14/ 142"، تهذيب التهذيب "12/ 18"، النجوم "1/ 199، 252"، سير النبلاء "5/ 5".
3 طاوس بن كيسان اليماني الجندي: أبو عبد الرحمن، الأنبادي الخولاني الهزاني الجندي اليماني الحميري الفاسي اليمني, توفي سنة 106 أو 105 معجم طبقات الحفاظ "104"، الأنساب "3/ 351، 1/ 200", دائرة الأعلمي "20/ 272"، الأعلام "3/ 224", الجرح والتعديل "4/ 2203", سير النبلاء "5/ 38"، والحاشية، تقريب التهذيب "1/ 377"، تهذيب التهذيب "5/ 8"، تهذيب الكمال "2/ 632"، الكاشف "2/ 4"، الخلاصة "2/ 15".
(1/369)

ومن جملة من حمل نعشه عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم, حتى سقطت قلنسوة كانت على رأسه, ومزق رداؤه من خلفه, وما أمكنهم خروج جنازته إلّا بإعانة حرس والي مكة، وكان ولده عبد الله من الأعلام أيضًا, دخل يومًا على المنصور العباسي هو ومالك، فالتفت إلى ابن طاوس وقال له: حدثني عن أبيك, فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه, فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك المنصور ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفًا أن يصيبني دمه, ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة. ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لِمَ لَمْ تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب به معصية فأكون قد شاركتك فيها, فلما سمع ذلك قال: قوما عني, قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من يؤمئذ1.
__________
1 عبد الله بن طاوس بن كيسان: تهذيب التهذيب "5/ 267"، وفيه وفاته سنة 132، وقيل 131.
(1/370)

ترجمة أبي عبد الرحمن الحبلي، إسماعيل بن عبيد:
أبو عبد الرحمن الحبلي:
رئيس البعثة العلمية التي بعثها عمر بن عبد العزيز إلى أفريقية للتعليم والتهذيب، من فقهاء التابعين، مشهور بالعلم والفضل، شهد فتح الأندلس، وسكن القيروان، وكانت البعثة عشرة من علماء التابعين1.
إسماعيل بن عبيد:
المعروف بتاجر الله، توفي غازيًا في صقلية سنة "106" ست ومائة, وهو من البعثة المذكورة أيضًا2.
__________
1 أبو عبد الرحمن الحبلي: معالم الإيمان "1/ 180"، وتهذيب التهذيب "6/ 81".
2 إسماعيل بن عبيد: معالم الإيمان "1/ 191"، وتهذيب التهذيب "1/ 328".
(1/370)

ترجمة خالد بن معدان، مسلم بن خالد، عبد الرحمن بن رافع، عبد الله بن أبي زكريا:
خالد بن معدان الكلاعي:
أبو عبد الله الحمصي، من فقهاء التابعين وأعيانهم, قال: أدركت سبعين صحابيًّا، كان يسبح أربعين ألف تسبيحة في اليوم, وبقي يحرك أصبعه بعد موته سنة "103" ثلاث ومائة1.
مسلم بن خالد المخزومي:
مولاهم المعروف بالزنجي، إمام مكة في الفقه، شيخ الشافعي وغيره, وقد تكلَّم فيه في الحديث، توفي سنة "108" ثمان ومائة2.
عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري:
قاضي أفريقية، مات سنة "113" ثلاث عشرة ومائة3.
عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي:
أبو يحيى الشامي الفقيه، مفتي الشام، روى عن أبي الدرداء، وسلمان مرسلًا. قال أبو زرعة: لم يلق أحدًا من الصحابة. وعنه قال: ما حسبت دينارًا ولا درهمًا ولا اشتريت شيئًا ولا بعته قط, قال بن زياد: كان له إخوة يكفونه، مات سنة "117" سبع عشرة ومائة4.
__________
1 خالد بن معدان الكلاعي: أبو عبد الله، الكلاعي الحمصي الشامي, توفى سنة 103، أو 104:
قريب التهذيب "1/ 218"، تهذيب التهذيب "3/ 118"، تهذيب الكمال "1/ 363"، الكاشف "1/ 274"، تهذيب تهذيب الكمال "1/ 284"، الأنساب "11/ 186"، الموضوعات "3/ 5"، تذكرة الحفاظ "1/ 91"، تراجم الأحبار "1/ 377".
5 مسلم بن خالد المخزومي: أبو عبد الله أبو خالد، المخزومي المكي الزنجي, ت سنة 172 أو 180:
تقريب التهذيب "5/ 245"، تهذيب التهذيب "10/ 128"، تهذيب الكمال "3 "، الكاشف "3/ 140"، الخلاصة "3/ 24"، التاريخ لابن معين "3/ 561"، معرفة التاريخ "3/ 51، 354"، البداية والنهاية "10/ 177"، الكامل "6/ 2310".
3 عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري: أبو الجهم، التنوخي المصري, قاضي أفريقية, توفي سنة 113.
تقريب التهذيب "1/ 479"، تهذيب التهذيب "6/ 186"، تهذيب الكمال "2/ 785"، الكاشف "2/ 163"، رياض النفوس "2/ 131"، لسان الميزان "7/ 9"، ضعفاء ابن الجوزي "7/ 279"، الميزان "2/ 560"، المغني رقم "3562".
4 عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي: أبو يحيى الخزاعي الشامي الدمشقي, مات سنة 117: تقريب التهذيب "1/ 416"، تهذيب التهذيب "5/ 218"، الكاشف "2/ 87"، تهذيب الكمال "2/ 683"، الخلاصة "2/ 75"، الجرح والتعديل "5/ 285، 35", الوافي بالوفيات "17/ 181"، التاريخ لابن معين "3/ 308"، سير النبلاء "5/ 96".
(1/371)

ترجمة سليمان بن موسى، نافع مولى ابن عمر:
سليمان بن موسى الأموي الدمشقي:
الأشدق الفقيه، روى عن واثلة1 وغيره، توفي سنة "119" تسع عشرة ومائة2.
نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب:
أصابه مولاه من سبي الديلم، فعلَّمه وهذَّبه، سمع منه، ومن أبي هريرة وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، وكان من أعلام فقهاء المدينة, وهو أحد رجال السلسلة الذهبية التي قال البخاري فيها: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة "120" عشرين ومائة3.
ولنقتصر على هؤلاء السادة, فإنهم أشهر مَنْ كان في عصر صغار الصحابة, أعني: آخر القرن الأول من المفتين المجتهدين المشهورين بالفقه في الحجاز والعراق والشام ومصر واليمن وأفريقية الذين تجد أسماءهم غالبًا في كتب الخلافيات مهما ذكرت مسألة من مسائل الخلاف.
__________
1 ابن الأسقع.
2 سليمان بن موسى الأموي الدمشقي: أبو أيوب - أبو هاشم الأشدق الأسدي الأموي الدمشقي، مات سنة 195:
تقريب التهذيب "1/ 331"، تهذيب التهذيب "4/ 226"، تهذيب الكمال "1/ 547"، الكاشف "1/ 401", ترغيب "4/ 571"، الخلاصة "1/ 420"، مجمع الزوائد "4/ 107"، تراجم الأحبار "2/ 75"، الحلية "6/ 87"، لسان الميزان "7/ 238".
3 نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب, مات سنة 120: تهذيب التهذيب "4/ 226"، خلاصة الخزرجي "155".
(1/372)

الفرق بين هذا العصر والذي قبله:
إذا تأملت في العصر الذي قبله، أعني: عصر الخلفاء الراشدين, تجد الشهرة والكثرة هي للصحابة، أما التابعون الذين هم لهم الظهور معهم في العلم والفتوى فإنهم قليلون من تلاميذهم, وغالبهم مخضرمون أدركوا الجاهلية والإسلام، أما عصر صغار الصحابة فقد انعكس الحال, وصارت الغلبة والكثرة والشهرة للتابعين لقلة الصحابة وموت كباهم، واشتغال صغارهم بالسياسة؛ إذ كانوا يتبركون بتوليتهم ويقدمونهم لذلك على غيرهم, لشدة أمانتهم وعدلهم في أحكامهم وصرامتهم، وبقية الفروق تدركها من مراجعة الأمور الأربعة المبينة في ترجمة عصر صغار الصحابة وكبار التابعين, فعليك بها.
(1/373)

حالة الفقه في زمن صغار الصحابة وكبار التابعين -رضي الله عنهم:
افتراق الأمة إلى مذاهب الخوارج والشيعة وغيرهم, وظهور الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
إن افتراق الأمة إلى شيعة، وخوارج، وغيرهم، قد قدمنا الكلام عليه في التاريخ الإجمالي لعصر الخلفاء الراشدين، وإن كان معاوية سكَّن ثائرتهم بعصبيته وكرمه وحلمه ودهائه، لكنهم بقوا يدبرون الثورة سريًّا, وينشرون تعاليمهم، ووضع الشيعة أحاديث توافق مشربهم وتؤيد دعواهم، فنشأ عن ذلك الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم، وانتشار هذه الطائفة التي جلها ممن غُلِبَ على أمره من اليهود وفارس والروم ومن بقية الأمم التي قهرها المسلمون، فدبروا حيلة الدسائس الدينية وبناء مذهبهم على التمويه بالإصلاح الديني, وتغيير المنكر, والأمر بالمعروف, وجعل مبادئهم التي هي سياسة يراد بها قلب الدولة مذاهب دينية وضعوا لها أصولًا من الأحاديث المكذوبة, وتأولوا القرآن على حسبها؛ إذ كانوا يعلمون أنه قلَّما تقوم للعرب دولة إلا على دعوى دينية.
فقد قال المختار الثقفي لبعض أصحاب الحديث: ضع لي حديثًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كائن بعده خليفة مطالب بثأر ولده الحسين, وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم, فقال له: أما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا, ولكن اختر من شئت من الصحابة.
وقال حمَّاد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث ليفسدوا على
(1/374)

الناس شريعتهم.
وقال الحاكم أبو عبد الله1: كان محمد بن القاسم الطائكاني من رؤساء المرجئة يضع الحديث على مذهبهم.
وعن ابن لهيعة2 قال: سمعت شيخًا من الخوارج تاب, فجعل يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم, فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا. وأكثر الطوائف كذبًا الشيعة قاتلهم لله، وبسبب ذلك حصلت الريبة في النصوص بكذب الرواة وظهور التأويل.
ولذلك تصدَّى أعلام الأمة للتمحيص والتنقيب ونبذ الزائف وتحقيق الحق، وقد وجد الحال الكثير من الصحابة وأعلام الأمة متوافرين فناهضوهم بالحجة في الحين.
ففي صحيح مسلم في الزكاة قال معاوية: إياكم وأحاديث إلّا حديثًا كان في عهد عمر, فإن عمر كان يخيف الناس في الله -عز وجل. الحديث، قال محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلمَّا وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم, فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم, وينظر إلى أهل البدعة فيترك حديثهم.
وقال جرير بن عبد الحميد: لقيت جابر بن يزيد الجعفي, فلم أعتقد به لأنه كان يؤمن بالرجعة3. وقال سفيان4: سمعته يحدّث بنحو ثلاثين ألف
__________
1 محمد بن عبد لله النيسابوري.
2 اسمه عبد الله.
3 ابن عيينة.
4 قال المؤلف -رحمه الله: الرجعة: أول من انتحل هذه العقيدة وأدخلت للإسلام عبد الله بن سبأ, المدعو ابن السوداء, من يهود حمير, أظهر الإسلام زمن عثمان، وكان زعيم جمعية سرية تعمل لإفساد الإسلام، وإيقاد الفتن بين أهله, فبثَّ بين جهلة المسلمين القول بالرجعة والوصاية قائلًا لهم: العجب ممن يصدق برجعة عيسى ولم يصدق برجعة محمد -صلى الله عليه وسلم, وأن لكل نبي وصيًّا, ووصي محمد علي بن أبي طالب. بهذه المبادئ توصَّل لقلب خلافة عثمان وقتله, ولهذا لما سُئِلَ علي كما في الصحيح: هل أوصى لكم النبي -صلى الله عليه وسلم؟ أنكره، كما أنكرته عائشة وغيرها، ولما قُتِلَ علي قال لهم: لو أتيمونا بدماغه لم نصدق بموته, فلا بُدَّ أن يرجع ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا, هكذا انتشرت هذه الخرافات بين الضالين.
(1/375)

حديث, ما أستحلُّ أن أذكر منها شيئًا, ولو كان لي كذا وكذا.
وقيل: إن جابرًا له سبعون ألف حديث يرويها عن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي، ومثل جابر أبو داود الأعمي وأبو جعفر الهاشمي، في كثير من أمثالهم، أشار إلى هؤلاء المتهمين وفضحوا عُمْلتهم، وحذَّروا من كل واحد باسمه، ولم يقبلوا شيئًا مما حدثوا به, وبينوا أعيان الأحاديث التي وضعوها والأغراض التي حملتهم على ذلك، حتى سلَّم الله الشريعة من كيدهم، ولذلك جعلوا من جملة شروط قبول الحديث أن لا يكون فيه راوٍ بدعي داعٍ إلى بدعته، وأن لا يستحلّ الكذب، وأن لا تصل بدعته إلى حد الكفر، كما هو مقرر في مصطلح الحديث.
وهذا هو السبب في اعتناء المسلمين بتاريخ حياة الرجال, وكشف الستر عن سيرهم وأحوالهم, وهو ما يسمَّى علم الجرح والتعديل، وأول من تكلم فيه شعبة بن الحجاج، كذا قال بعض العلماء، والذي في مقدمة صحيح مسلم أن أيوب السختياني ممن انتقد الأسانيد وهو من أشياخه، بل جاء بشير العدوي إلى ابن عباس وجعل يحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه فقال له: ما لي أراك لا تسمع لحديثي؟ فقال له ابن عباس: إنا كنَّا إذا سمعنا رجلًا يحدِّث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابتدرته أبصارنا, وأصغينا إليه بآذاننا, فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلّا ما نعرف.
وأُتِيَ ابن عباس أيضًا بكتابٍ فيه قضاء علي, فجعل يكتب منه أشياء, ويمر بالشي فيقول: والله ما قضى بهذا إلّا أن يكون ضل, وبمثل ابن عباس وطبقته وتلاميذه وتلاميذهم ابتدأ نقد الرجل ونقد حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فأنقذ الله دينه وشريعته أن يقع فيها ما وقع في الشرائع قبلها.
وتسلسل ذلك في علماء الأمة، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة، ما دام أبو حامد بن الشرقي1 في الأحياء لا يتهيأ لأحد أن يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وعن ابن المبارك2 لما قيل له هذه الأحاديث المكذوبة قال: تعيش لها
__________
1 هو أحمد بن الحسن، انظر تاريخ بغداد "4/ 427".
2 عبد الله.
(1/376)

الجهابذة.
وكان الدراقطني1 يقول: يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحدًا يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا حي. وقد تكلم في الأسانيد أيضًا الحسن البصري، وطاوس3، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وإبراهيم النخعي3، والشعبي4، وسليمان التيمي، كما في الترمذي، وابن عون5، ومالك كما في مقدمة مسلم، وممَّن تكلَّم في الرجال السفيانان6، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وابن مهدي7، ثم ابن معين8، وابن المديني9، والشافعي، وابن حنبل، وهلم جرَّا، وانظر آخر جامع الترمذي، وقد ألفوا في ذلك تآليف مهمة في تاريخ الرجال وتعديلهم وجرحهم، ككتب ابن معين، وابن أبي حاتم10، والبخاري ومَن بعدهم، إلى الخطيب، ثم الذهبي، فابن حجر العسقلاني، وأضرابهم.
وعنه تولَّد تمحيص الأحاديث والحكم عليها بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع بحسب رواتها، وأقسام الكذَّابين وأسباب الكذب مبسوط في كتب علوم الحديث، كألفية العراقي وشروحها، وكتب ابن الصلاح، والنووي، وغيرهم، وإن شئت أن تعلم بعض ما وقع في هذا الباب فانظر: موضوعات ابن الجوزي، وتعقب السيوطي على البعض منها، تجدها مرتَّبة على أبواب الفقه، وكل ذلك يزيد وظيفة الفقه صعوبة وأهمية، ومزيد حفظ واطلاع وتبخر وتنقيب، ومع ذلك كله فقد أثَّر افتراق الأمة إلى طوائف: شيعة، وخوراج، وغيرهم، على الفقه كثيرًا، وأصبح لكل طائفة فتاوٍ وآراء وشعب وجدل، وأصبح الحق لا يتبيِّن إلا بتجشم مشاق.
__________
1 علي بن عمر.
2 ابن كيسان اليماني.
3 ابن يزيد.
4 عامر بن شراحيل.
5 عبد الله بن عون بن أبي عون.
6 وهما سفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة.
7 عبد الرحمن.
8 يحيى.
9 علي بن عبد الله.
10 أحمد محمد بن الحسن، انظر تاريخ بغداد "4/ 427".
(1/377)

افتراق الفقهاء إلى عراقيين وحجازيين:
إن ابن مسعود استوطن الكوفة، ونشر فيها علمه، وأفتى بما شهده من أقضية رسول الله -صلى الله عليه وسلم, أو سمعه من حديثه، فأصبح أهل العراق تابعين لرأيه وروايته, معتمد عليها، في حال أن هناك أقضية وأحاديث لم يشهدها، لكن أهل العراق يزعمون أن السنة هي ما عندهم.
فإن الكوفة والبصرة تمصَّرتا لأول خلافة عمر، وأول ما عظم جيش الإسلام بهما، وبهما كثر جمعهم، قال في إعلام الموقعين "آخر المجلد الثاني": انتفل أليهما نحو ثلاثمائة من الصحابة ونيف، وإلى مصر والشام قال: وأكثر علماء الصحابة صار إليهما وإلى الشام, فمنهما فتحت سائر الأمصار من خراسان وما وراءها.
وأول ما انتفلت الخلافة إلى العراق زمن علي بن أبي طالب، وكان فيها قبله ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وحذيفة، وعمران بن حصين، وكثير من الصحابة الذين كانوا من حزب علي ومعه كابن عباس، ولهذا لم يزاحم أهل الحجاز علي زعامة الفقه إلّا علماء العراق دون الشام ولا مصر ولا أفريقية أو غيرها.
إذ لم يقع لغير العراق من تلك الأمصار, فخالفوا أهل المدينة في كثير من الفقه زعمًا منهم أن السنة انتقلت إليهم، لكن الذي صار إلى العراق قل من جل، فالصحابة الذين بقوا في المدينة جمهورهم وأعلمهم كعمر بن الخطاب، وأبي بكر، وعلي في أول أمره، وعثمان، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وبقية الأزواج، وابن عمر، وأُبَيّ، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم، كما كان بحمص سبعون بدريًّا، وبمصر الزبير بن العوام، وأبو ذر، وعمرو بن العاص، وابنه، وفي الشام معاذ, وأبو الدرداء ومعاوية وكثير غيرهم، وفي أفريقية عقبة بن عامر
(1/378)

الجهني، ومعاوية بن حديج1 السكوني، وأبو لبابة، ورويفع بن ثابت الأنصاري، وغيرهم، هكذا أصحاب رسول الله تفرَّقوا في عواصم الإسلام المستجدة, معلمين مهذبين ناشرين للسنة والدين والفقه، وتقدَّم أن عثمان هو الذي رخَّص لهم في الانتشار في الآفاق, فأخذ أهل كل بلد برواية معلمهم من الصحابة وبرأيه، فكان ذلك أول تشعُّب الفقه، واختلاف البلدان والأقطار فيه، وتعصُّب كل قطر إلى فقههم، وما جرى به علمهم وحكم به قضاتهم, وأفتى به مفتوهم، وإن كانت المناظرة العظمى والمعركة الكبرى إنما حميت في هذا العصر بين العراقيين والحجازيين، أو قل الكوفيين، والمدنيين، وعلى كل حالٍ فالمدينة المنورة محل الجمهور من الصحابة وكبار التابعين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد رجوعة من حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها عشرة آلاف، وتفرَّق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره، وروى عنه ابن عبد الحكم1: إذا جاوز الحديث الحرتين2 ضعفت شجاعته.
وروى عنه ابن وهب2 قال: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى أهل الأمصار يعلمهم السنن والفقه, ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عمَّا مضى وأن يعلموه بما عندهم، كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن ويكتب بها إليه، فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبًا ولم يبعث بها إليه بعد، وكان أبو بكر هذا قاضيًا بالمدينة, ثم كان واليًا بها.
وقال: إذا رأيت أهل المدينة مجتمعين على أمر فلا شك أنه الحق, فكان أهل الحجاز يرون أن حديثهم مقدَّم على غيرهم, بل يرون أن حديث العراقيين أو الشاميين إذا لم يكن له أصل عند الحجازيين فليس بحجة، حتى قال قائلهم: نزِّلُوا حديث العراقيين منزلة حديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم.
وقيل لحجازي حديث سفين3 عن منصور4 عن إبراهيم5 عن علقمة6 عن
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: حديج بالحاء المهملة مصغر, والسكوني بفتح السين المهملة وتخفيف الكاف.
2 عبد الله.
3 قال المؤلف -رحمه الله: الحرتين: تشبه حره بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء, حجارة سود متراكمة خارج المدينة المنورة على ساكنها -أفضل الصلاة والسلام.
4 عبد الله بن وهب.
5 ابن سعيد الثوري.
6 ابن المعتمر أبو عتاب الكوفي.
7 ابن يزيد النخعي.
8 ابن قيس النخعي.
(1/379)

ابن مسعود -وهذا من أصح إسناد يوجد في العراق, فقال: إن لم يكن له أصل في الحجاز فلا.
ذلك لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء، وأن أحاديث العراقيين فيها اضطراب أوجب التوقف فيها.
وكان أبو العباس السفاح استعمل بالعراق ربيعة بين أبي عبد الرحمن وزيرًا ومشيرًا, غير أنه تأفَّفَ من ذلك واستعفاه كراهية لأهل العراق، فاعفاه وانصرف للمدينة، فقيل له: كيف رأيت العراق وأهلها؟ فقال: رأيت قومًا حلالنا حرامهم وحرامنا حلالهم، وتركت بها أكثر من أربعين ألفًا يكيدون هذا الدين، وقال: كأن النبي الذي بُعِثَ إلينا غير الذي بعث إليهم، وقال لأبي العباس: إن بلغك أني أفتيت بفتيا أو حدثت بحديث ما كنت بالعراق فاعلم أني مجنون.
وقال وكيع1: والله لكأنَّ النبي الذي بُعِثَ بالحجاز ليس بالنبي الذي بُعِثَ إلى أهل العراق. وقال في الكوفة: إنها دار الضرب, وقال عمر بن عبد العزيز لإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لما استأذنه في الخروج للعراق: أقرهم ولا تستقرهم, وعلمهم ولا تتعلم منهم, وحدثهم ولا تسمع حديثهم, وقال ابن شهاب2: يخرج الحديث من عندنا شبرًا فيعود في العراق ذراعًا.
ومثل هذا من المدنيين في ذم العراقيين كثير, لكنه محمول عندي على أهل الأهواء؛ لأنها دار الخوارج ومنبع الشيعة ومستقر البدع، أما أهل السنة ففيهم علم وفضل وسنة، ولذلك اتفق الجمهور على ترك التضعيف بهذا، فمتى كان الإسناد جيدًا كان الحديث حجة حجازيًّا أو عراقيًّا أو شاميًّا أو غيرها، وكم من حديث في الصحيحين المجمع على قبول ما فيهما كل رواته عراقيون، لكن أحاديث المدنيين أقوى.
قال في أعلام الموقعين: هي أم السنة, وهي أشرف أحاديث الأمصار, ولذلك تجد البخاري أول ما يبتدئ في الباب به ما وجدها كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، هذا, وإن أهل كل بلد أعلم بعوائد بلدهم, وأحوال سلفهم, وسنن آبائهم, وقضايا حكامهم, دون من
__________
1 ابن الجراح.
2 محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري.
(1/380)

سواهم من غير أهل بلدهم، وممن يأتي بعدهم هذا مما لا ينازع فيه منصف ولا تقوم بغيره حجة لمتكلف، فلذلك تمسك أهل كل بلد بما عندهم من سنة أو رأي أو قضاء, وأعرضوا عمَّا سواه، وكان الأمر بلغ شدة في آخر أيام بني أمية في الاختلاف، وتمسك كل بلد بما عندهم، وإصرار أهل العراق على الرأي وما روي عندهم من السنن، واشتد الخلاف بينهم وبين أهل الحجاز، فكان أهل الحجاز يطعنون فيهم بظهور المبتدعة في العراق، ووضع الزنادقة الأحاديث، ومنه ظهرت فتنة عثمان، وإن اشترك معهم فيها أهل مصر، وبه وقعت الملاحم العظام بين المسلمين في وقعة الجمل ثم صفين1, ومنه خرجت الخوارج, واعتزلت المعتزلة والجهمية، وبها كان المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، والحجاج بن يوسف مبيد العلماء والفضلاء، ومقتل الحسين، وتشيع الشيعة.
وبها كان مبدأ دين القرامطة مجوس هذه الأمة، وهذا كله بسبب الجمعيات السرية التي تألَّفت من أعداء الإسلام المغلوبين لأهله من فرس ويهود، وابتدأ ذلك في زمن عمر بن الخطاب، ففيه كان ظهور شهادة الزور حتى قال: والله لا يؤمر رجل من المسلمين بغير عدول.
وكثر الطعن منهم على الولاة الأخيار, فقد اشتكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص بأنه لا يحسن الصلاة، والحال أنه الذي علَّمها لهم, وهو من هو علمًا ودينًا, فعزله وأوصى به, وجعله من أهل الشوى المرشَّحين للخلافة بعده لما يعلم من براءته، ثم ولي عمَّار بن ياسر, وناهيك به، فشكوه وقالوا: إنه غير عالم بالسياسة, ولا كافٍ, ولا يدري على ما استعملته، فعزله وولّى أبا موسى الأشعري بعدما طلبوه منه, فما أقام إلا سنة وشكوه طالبين عزله وقالوا: إن غلامه تجر في حبسنا1، فعزله وأعياه أمرهم حتى قال: ممن عذيري من مائة ألف لا يرضون بوالٍ, ولا يرضى عنهم والٍ.
فولّى عليهم المغيرة بن شعبة وأوصاه بقوله: ليأمنك الأبرار وليخفك الأشرار, ثم كان من شأنهم ما هو معلوم معه حتى رموه بفعل الفاحشة، ثم كان منهم مع عثمان وولاية الوليد, ورميهم له أيضًا بشرب الخمر، إلى أن عزله ثم
__________
1 قال المؤلف -رحمه الله: صفين -بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء المكسورة: اسم موضع بين العراق والشام, وقعت فيه ملاحم عظيمة بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما.
2 في تاريخ الطبري.... في حشرنا "4/ 165".
(1/381)

حدَّه، ثم كان منهم ما كان من الثورة وقتل عثمان.
ثم لما خرج إليهم عليٌّ لقي من اختلافهم الشدائد, وافترقوا عليه إلى خوراج, وأنكروا عليه التحكيم بعد أن أجبروه عليه باختلافهم، وتخاذلوا عن نصرته, واستهانوا بخلافته, وضاق ذرعه بهم حتى كان يقول: اللهم أبدلني خيرًا منهم, وأبدلهم شرًّا مني, فأجاب الله دعاءه ونقله للرفيق الأعلى.
ثم قاموا ببيعة الحسن وعاهدوه, لكنهم لأول صيحة من الجيش نهبوا خباءه من غير وقوع قتال, حتَّى ألجأوه للتخلي لمعاوية عن الأمر، وصار أهل العراق تبعًا لأعدائهم أهل الشام.
ثم لما مات معاوية طلبوا سيدنا الحسين وبايعوه, وهم نحو عشرين ألفًا، ثم خذلوه وأسلموه وأهل بيته، فلما قُتِلَ وفات الأمر في نصرته أظهرو الندم والتحسُّر، فعادوا في طلب دمه, مع أنهم أولى من يطالب به، فقاموا مع المختار الكذاب، وفتحوا للبغي كل باب, إلى أن سلط الله عليهم الحجاج, فأقام فيهم عشرين سنة لا يراقب فيهم إلًّا ولا ذمَّة، يأخذهم بالظنة ويعاقب البريء بجريرة المذنب ولا يقبل من محسن, ولا يتجاوز عن مسيء, قتل الأخيار والعلماء والأبرار, وبقي على ذلك إلى أن أهلكه الله.
فهذه الفتن وأشباهها لا شك أنها توجب انحطاط العلم بذهاب العلماء، وإياها عني -صلى الله عليه وسلم بقوله: "الفتنة ها هنا حيث يطلع قرن الشيطان" كما في الصحيحين1 مشيرًا إلى جهة العراق، وذلك من أعلام نبوته، ثم في آخر زمن بني أمية ظهرت الشيعة من مكامنها أيضًا وكثرت الفتن، ومن تلك النواحي بدأت، حتى أقبل جيش خراسان الذي كان شيعة لبني العباس, وتغلَّب على الأمر في أول المائة الثانية, ولما أراد بنو العباس نقل عاصمة الملك إلى بغداد بالعراق لم يجدوا في العراق ما يكفي لنشر السنة إلّا بأن أتوا من المدينة بعلماء مهَّدوا السبيل، كربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن