Advertisement

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 002


المجلد الثاني
القسم الثالث: في الطور الثالث للفقه وهو طور الكهولة
مدخل
...
القسم الثالث: في الطور الثالث للفقه وهو طور الكهولة
تطور الفقه في طور الكهولة من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته، ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكن لم يسرع إليه الهرم، ولا وصل إلى طور الانحلال، بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين بسبب ما ظهر فيه من الحفاظ، والمجتهدين الكبار، والتآليف العظام.
وفي هذا العصر اختلط فيه المجتهدين بغيرهم، فكان يوجد أهل الاجتهاد المطلق، ولكن غلب التقليد في العلماء، ورضوا به خطة لهم، ولا يزال في هذا العصر يزيد التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذلك، وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها.
وبذلك نشأت سدود بين الأمة، وبين نصوص الشريعة ضخمت شيئا فشيئا إلى أن تنوسيت السنة، ووقع العبد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم لا أقوال النبي، الذي أرسل إليهم، وصار الذي له القوة على فهم كلام الإمام، والتفريع عليه مجتهدا مقيدا، أو مجتهد المذهب، وتنوسي الاجتهاد المطلق.
حتى قال النووي في "شرح المذهب" بانقطاعه من رأس المائة الرابعة، فلم يمكن وجوده، وهو كلام غير مسلم.
وحتى قال عياض في "المدراك": إن لفظ الإمام يتنزل عند مقلده بمنزلة ألفاظ الشارع.
(2/7)

بل قال عبيد الله الكرخي1 ومن الحنفية: إن كل آية أو حديث يخالف ما عليه الأصحاب مؤولة أو منسوخة فكأنه جعل نصوص مذهبه هي الجنس العالي، والأصل الأصيل، حاكمة على نصوص السنة والتنزيل معيارا يعرض عليه كلام رب العالمين والرسول الأمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ودونك جزئية تريك ما وراءها يقول الحنفية: إن الفاتحة ليست فرضا في الصلاة؛ لعدم وجود قاطع يدل على ذلك2، ولكن لما ثبت في السنة "لا صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة" 3 فهي واجبة يأثم بتركها، ولا تبطل الصلاة.
قال في "فتح الباري": ولا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فليصلي صلاة يريد أن يتقرب إلى الله بها، ولو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره أهم.
ومن أقوال متعصبيهم: إن المهدي المنتظر إذا ظهر بل عيسى بن مريم إذا نزل آخر الزمن، فإنهما يقلدان أبا حنيفة، ولا يخالفانه في شيء. فسدوا بهذه الأفكار التي تحكمت من نفوس العلماء والأمراء باب النظر في الكتاب والسنة، ومراجعة أقوال المذاهب عسى أن يكون فيها خطأ إلى هنا انتهى بهم الانحطاط في الرضى بخطة التقليد.
وهذا التقليد بعدما كان قليلا في المائة الثالثة، صار غالبا في الرابعة، بل أصبح جل علمائها مقلدين متعصبين مع أن الكل يعلم أن لكل إمام هفوة
__________
1 انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق، وهو من المجتهدين في المسائل من مؤلفاته "المختصر" و"شرح الجامع الصغير" و"شرح الجامع الكبير" وكلمته هذه إن صحت عنه تعد زلة من عالم لا يعول عليها ولا يقتدى بها. توفي سنة 340هـ. انظر "طبقات الحنفية" "ص108، 109" للكنوي، و"لسان الميزان" "4/ 98، 99".
2 وجهة نظر الحنفية أن الله تعالى أمر بقراءة مطلق القرآن في الصلاة {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} والسنة أمرت بقراءة الفاتحة، فعملوا بدليلي القرآن والسنة، فقالوا بوجوب قراءتهما في الصلاة، وعدوا من يترك قراءة أحدهما عمدا آتيا بمكروه تحريما يوجب إعادة الصلاة ما دام في الوقت.
3 رواه البخاري 2/ 199، 200، ومسلم رقم "394" وأبو داود "822"، والترمذي "247" والنسائي 2/ 137، 138، وابن ماجه "837"، والشافعي 1/ 75.
(2/8)

وسقطة، بل سقطات، فما من إمام وقد ثبت عنه قول أو فعل خفي عليه فيه السنة والخطأ به في الاجتهاد.
قال بعض العلماء: لا يجوز لنا أن نقلد المكيين ولا الكوفيين في المتعة1 والدرهم بالدرهمين، وشرب أقل مما يسكر من النبيذ، ولا بعض المدنيين في مسألة إتيان النساء في أدبارهن2، ولا الشاميين والمدنيين في حلية المعازف3 ولا الشافعي في قول له بإباحة تزوج الرجل ببنته من الزنى، ولا الحنفي في أن من تزوج أمه لا حد عليه، فإن أحمد يقول: إن من تزوج بنته من زنى قتل.
وقال علماء الحديث: من شرب النبيذ المختلف فيه، حد، وعند المالكية تسقط شهادته.
وهذا كله باعتبار الغالب، وإلا فقد كان يوجد في علماء الأمة من
__________
1 كان نكاح المتعة مباحا في أول الإسلام، ثم نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه عام الفتح، وحرمه إلى يوم القيامة كما ثبت في صحيح مسلم رقم "1406" "21" من حديث عبد الله بن سبرة، وقد اتفق العلماء على تحريمه وهو كالإجماع بين المسلمين.. "فتح الباري 9/ 148.
2 ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحادث صحاح وحسان شهيرة رواها غير واحد من الصحابة كلها متواترة على تحريم وطء الرجل زوجته في دبرها، فعن خزيمة بن ثابت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" أخرجه أحمد 2/ 213، والطحاوي 2/ 25، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان "1299"، ووصفه الحافظ في الفتح 8/ 143 بأنه من الأحاديث الصالحة الإسناد، وأخرج أحمد، "9731" وأبو داود "2162" وابن ماجه "1923" بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ملعون من أتى امرأة في دبرها" وللترمذي "1165" من حديث ابن عباس مرفوعا "لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في الدبر" وسنده حسن، وصححه ابن حبان "1302" وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه "1923" وأخرج الطحاوي 2/ 23، والطبري "4329" بسند صحيح أن ابن عمر سئل عن إتيان المرأة في الدبر؟ فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟! وقد اتفق أهل العلم على أن إتيان الرجل امرأته في دبرها حرام، وأن فاعله يعزر إذا كان عالما بالتحريم، فلا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه المسائل على الأقوال الشاذة الضعيفة المخالفة للنصوص الصحيحة الصريحة.
3 هي آلات الملاهي، أخرج البخاري في "صحيحه" 10/ 48، بشرح الفتح تعليقا ووصله غيره بسند صحيح من حديث أبي عامر أبو أبي مالك الأشعري مرفوعا "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف".
(2/9)

يجتهد كأبي القاسم الداركي الشافعي1 وابن ميسر2 والطحاوي3 كما تراه في تراجمهم، بل كان في عوام تلك القرون من ينتقد ويستدل قال الشعراني في "الميزان": إن مغنيا كان عند الخليفة العباسي، فدخل بعض أهل العلم، وأنكر ذلك، فقال: إن مالكا يمنع سماع الغناء، فقال المغني: ما تعبدنا الله بقول مالك، ولا أوجب علينا تقلده، فهات دليلا من الكتاب أو السنة، فالله يقول: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} 4 فانقطع العالم، ولم ينكر عليه الخليفة، قال الشعراني: فهذا دليل ما كان لهم من التعلق بكتاب الله وسنه بينه -صلى الله عليه وسلم- وإبائتهم التقليد حتى في المغنين. ا. هـ.
وذكر في "المدارك" في ترجمة 204 محمد بن عبد الله بن يحيى المعروف
__________
1 هو عبد العزيز بن عبد الله الداركي من القرن الرابع انتهى التدريس إليه ببغداد، قال الخطيب البغدادي في "تاريخه": وسمعت عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني يقول: كان عبد العزيز الداركي إذا جاءته مسألة يستفتى فيها، تفكر طويلا، ثم أفتى فيها، وربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكذا وكذا، والأخذ بالحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة إذا خالفاه. "تهذيب الأسماء واللغات" ص"263، 264".
2 هو أحمد بن ميسر بن محمد بن إسماعيل القرطبي، قال ابن فرحون في "الديباج المذهب" "ص34": كان يميل إلى النظر والحجة، وربما أفتى بمذهب مالك، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب بلدنا فكذا، وأما الذي أراه فكذا. توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
3 هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي المحدث الفقيه كان يقتدي بأبي حنيفة في التفقه، ويرى منهجه أمثل المناهج إلا أنه لم يمنعه ذلك من مخالفته وترجيح ما ذهب إليه غيره من الأئمة قال ابن زولاق: سمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول وذكر فضل أبي عبيد حربويه وفقهه، فقال: كان يذاكرني في المسائل، فأجبته يوم في مسألة، فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي أوكل ما قاله أبو حنيفة أقول به! قال: ما ظننتك إلا مقلدا، فقلت له: وهو يقلد إلا عصبي، فقال لي: أو غبي، قال فطارت هذه بمصر حتى صارت مثلا، وحفظه الناس. توفي رحمه الله سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ترجمته في "الفوائد البهية" ص"31، 32" و"الحاوي في سيرة الطحاوي" للكوثري.
4 سورة الزمر الآية: 55.
(2/10)

بابن عيسى قاضي قرطبة المتوفى سنة 339 تسع وثلاثين وثلاثمائة أنه كان مارا في موكب حافل بمدينة ألبيرة أيام قضائه بها، إذ رأى فتى يتمايل سكرا، فلما شعر بالقاضي أراد الفرار، فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط، وأطرق، فلما دنا منه القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول:
ألا أيها القاضي الذي عم عدله ... فأضحى به في العالمين فريدا
قرأت كتاب الله ألفين مرة ... فلم أر فيه للشروب حدودا
فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا ... صبورا على ريب الزمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منَّة ... تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت اخترت الحدود فإن لي ... لسانا على هجو الرجال حديدا
فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه، ولم يأمر باستنكاهه، ومضى لشأنه كأن لم يره.
فانظر إلى هذا الفتى كيف دافع عن نفسه بأن حد الشارب ليس في القرآن وإن كانت شبهة داحضة لثبوته بالسنة، ولحصول الإجماع من الصحابة على الحد إجمالا وإن اختلفوا في قدره كما تقدم لنا في وقوع النسخ بالسنة إلا ما روي عن ابن عباس كما سبق.
وقال ابن العربي في "الأحكام": كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، فكانت الرسائل تأتي إليه من بلده، ويقطعها في صندوق، ولا يقرأ منها شيئا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه، ويقطعه عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، قضى غرضا من الطلب، وعزم على الرحيل، شد رحله منها يقرؤها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله تعالى، وخرج إلى باب الحلبة طريق خرسان، وتقدمه الكري بالدابة، فوقف على فامي1 يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه، إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما سمعت الواعظ يقول: إن ابن عباس يجوز الاستثناء في اليمين
__________
1 الفامي بائع الخبز أو غيره نسبة إلى الفوم على غير قياس، والسفرة بالضم: طعام المسافر.
(2/11)

ولو بعد سنة لقد اشتغل بالي بذلك، وظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحا، لما قال الله لأيوب عليه السلام {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} 1 وما الذي منعه من أن يقول له: قل: إن شاء الله2 قال المراغي: قلت لنفسي: بلد يكون الفاميون به من العلم بهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبدا، واقتفى الكري، وحلله من الكراء، وصرف رحله، وأقام بها حتى مات رحمه الله فهذه وأمثالها دليل أن الاجتهاد. لم يمت دفعة واحدة، وإنما كان ذلك تدريجيا بكثرة الجهل، وتراكم الفتن على الإسلام، وكثرة الدول والانقسام الموجب للتأخر والانحطاط، ولنتكلم في هذا القسم على بقية المجتهدين أصحاب المذاهب المدونة، وهم خمسة بعد تقديم ما يتعلق بالتاريخ السياسي إجماليا.
__________
1 الصافات الآية: 38.
2 قوله وما الذي منعه: يقال عليه: لعله لم يكن الاستثناء شريعة له وأنه من خصائص شرعنا لكن الخصوصية لا بد لها من دليل. ا. هـ. "المؤلف".
(2/12)

مجمل التاريخ السياسي للمائة الثالثة والرابعة:
إن في أول المائة الثالثة كانت دولة بني العباس في عنفوانها وعلى رأسها الخليفة المأمون بن الرشيد فتى العلم، والمؤسس لنهضته العامة في الإسلام ولم يلحقه خليفة في الولوع بالعلم ونشره، وهو الذي نشط العلماء للإكثار من ترجمة كتب فلاسفة اليونان والروم والهند، وابنتى المدارس، والمستشفيات للطب والحكمة، وشيد المراصد للنجوم، وظهرت في زمنه الفلسفة العقلية في الإلهيات والنبوءات التي أدت إلى حدوث انشقاق في علماء الأمة زيادة عما كان من انشقاق الخوارج والشيعة، فقد انحلت طائفة الخوارج إلى مذهب الاعتزال، وأيدهم المأمون لكونهم ضد الشيعة في كثير من مبادئهم وخرافاتهم، ليقلل من قيمة الشيعة التي كانت للعلويين ضد بني العباس، فأدخلوا في العقائد التي يجب اعتقادها في حق الله وحق الرسل الفلسفة العقلية التي اقتبسوها من الكتب المترجمة عن الأفكار اليونانية والرومانية، وتجرءوا على الكلام في ذلك بما أتوا من المهارة في الفلسفة المذكورة، وكشفوا القناع للكلام فيما كان السلف لا يتجرءون عليه، ويقفون عند حد التسليم والتفويض.
وأهم المسائل التي خالف بعض المعتزلة فيها هي القول بنفي القدر، وأن الله لا يعلم الأشياء قبل إيجادها، ولا يقدرها وأن الأمر أنف1.
والثانية2: القول بخلق القرآن أما الأولى، فحدثت قبل هذا التاريخ
__________
1 أي: مستأنف لم يتقدم فيه قدر ولا مشيئة، يقال: روضة أنف: إذا لم ترع.
2 قال عبد الرحيم بن محمد الخياط المعتزلي في كتاب الانتصار له: ليس يستحق أحد اسم الاعتزال حتى يجمع القول الأصول الخمسة التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ا. هـ. منه مؤلف.
(2/13)

بالبصرة قالها معبد الجهني وهي مكفرة لمن قالها بلا نزاع، ولم يقل بها المأمون بل انقرض القائلون بها، وإنما الذي حدث أيام المأمون القول بخلق العبد أفعال نفسه، وهي بنت المقالة السابقة، ولم يقلها المأمون أيضا.
نعم قال بخلق القرآن، وبسبب ذلك تشعبت مذاهبهم، وكثر الجدال وظهر التعصب المذهبي حتى أدى لسب السلف الصالح، وصار لكل فرقة فقه وأحكام لا تقول بما يخالفها، فجاء المتوكل بعده، وانتصر للسنة، وأوقع المحن بالمعتزلة، وقضى على مذهبهم، ولو أن الخليفتين تركا الحرية التامة لأهل العلم، فأطلقوا عنان أفكارهم في البحث عن الحق لظهر، ورجعت الطائفتان إلى وفاق، فتداخل أهل السياسة في أمثال هذا هو سدل لجلباب الليل على الحقائق، وسد حاجز عن تقدم العلم، كذلك بداخل العوام مع العلماء في هذه الميادين، كما أن العلماء لا يستعينون بالخلفاء أو العامة إلا إذا قصرت خطاهم، وخافوا ظهور خطئهم.
وفي أيام المأمون بدأ انحلال العصبية العربية، وكمل ذلك في عهد الواثق الذي لم يبق في ديوان جنده جندي عربي، وصارت العصبية فارسية؛ إذ كان المأمون معاشرا لنشأة فارسية مع أن هذا بدا في أول دولتهم؛ إذ كانت العصبية التي اعتمدت عليها في قلب الدولة الأموية هي الفرس بخراسان وغيرها تحت إمرة أبي مسلم الخراساني كما هو معلوم.
ثم في أيام أخيه المعتصم بعده تحولت إلى عصبية الموالي من الترك، واستولى الترك على المملكة العربية، فزاد اختلاط اللغة وهو أعظم سبب في انحطاط الفقه وإن بقي للعرب انتشار اللغة المختلطة والرئاسة الدينية للخلفاء، ولم يبق بيد الخليفة إلا الأمور الرسمية، وأبهة الخلافة والقصر في القصر، وتم ذلك في دولة المنتصر الخليفة الحادي عشر منهم، وكان حصر افتراق آخر أيام الرشيد قبل ذلك حيث اعترف بدولة بني أمية في الأندلس، وأعطى الاستقلال الداخلي لبني الأغلب اختيارا منه بل زرع جذور دولتهم بيده، وجعل الإمارة فيهم وراثية حيث عجز عن اخضاع خوارج أفريقية.
(2/14)

ففي العشرة الثامنة من القرن الثاني بدأ انفصال المماليك الأفريقية والأندلس عن المملكة الشرقية بظهور دولة الأدارسة في المغرب، وبنى مدرار في سجلماسة، وبنى رستم في القطر الجزائري، وبنى أمية في الأندلس ثم بنى الأغلب بالقيروان.
ثم ظهرت في أيام المأمون الدولة الطاهرية بخراسان، ثم العلوية بطبرستان، والدولة السامانية فيما وراء النهر، ثم بعد الدولة الزيارية بجرجان، والدولة الصفارية بفارس. وفي أيام المتوكل بن المعتصم بن الرشيد سنة سبع وأربعين ومائتين ضعفت الخلافة الإسلامية بل الوحدة الملية، وظهرت سياسة التغلب في ولاة الأقاليم، وصار الإسلام إلى ملوك طوائف أشبه منه بخلافة، فتغلبت الدولة الطولونية بمصر والشام، ثم دولة بني بويه الديلم بالعراق التي امتدت إلى أن استولت على نفس بغداد، كما أنه في آخر المائة الثالثة ظهرت دولة الشيعة بأفريقية، واستولت على المغرب الأقصى والجزائر، ثم امتدت إلى مصر والحرمين والشام وزاحمت بني العباس حتى في العراق وبني أمية دولة الأندلس التي كانت قد عظمت جدا في آخر الثالث وفي الرابع، وتسمي أميرها بأمير المؤمنين.
فصارت الخلافة الإسلامية في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو العباس الذين هم تحت سيطرة الديلم في بغداد، والشيعة في مصر وأفريقيا والحجاز والشام، وبنو أمية في الأندلس وكل هذا مؤثر على الفقه كما لا يخفى على كل لبيب لانقطاع الصلات بين هذه الأقطار بالحروب وأنت تعلم أن العلم كان ناميا بالراحلة وحصول السباق بين علماء أقطار الإسلام، فتحول ذلك إلى النزاع السياسي، وانتحل كل خليفة من الخلفاء الثلاثة مذهبا يخالف غيره، فأصبح الفاطميون1 يوجهون دعاتهم من الشيعة لنشر مبادئهم ضد بني العباس وبني أمية وكانوا يجعلون قاضي القضاة بمصر على مذهبهم الذي هو مذهب
__________
1 ويعرفون بالعبيدين نسبة إلى جدهم عبيد الله المهدي المتوفى سنة 322هـ وراجع في تحقيق نسبهم ما كتبه الكوثري في رسالته "من عبر التاريخ".
(2/15)

الإسماعيلية يقسم المواريث، يعقد الأنكحة وغيرها، كذلك جعلوا مرتبات لمن يدسه وينشره قصدا لنشر الدعوة، وقد أضافوا إلى ذلك عمل داعي الدعاة وأعوانه ليجذبوا الجمهور إلى التمذهب بمذهب الإسماعيلية ضد مذهب مالك الذي عليه بنو أمية وأبي حنيفة والشافعي الذي كان عليه بنو العباس: وكان عملهم كله هباء؛ لأن هذه المذاهب حلت من قلب الجمهور في سويدائه، كان محمود بن سبكتكي1 ونظام الملك2 في العراقيين على مذهب الشافعي، ينشرانه، ويتعصبان له، وعلماء الأندلس بل وعلماء القيروان وأفريقيا مع كونهم تحت قهر الشيعة ينشرون مذهب مالك وعلماء هذه المذاهب دائبون على نشرها لم تؤثر عليهم تلك العوامل سوى التفرقة والنفرة والبغضاء، وأصبح بنو أمية وبنو العباس يطعنون في نسب الفاطميين، ويحكمون بابتداعهم، بل بكفرهم وتوجيه الدعاة ونشر الدعوة موجب لقطع الصلاة، موجب لتفرق آراء العلماء وتدابرهم، وكل ذلك مؤثر على الفقه تأثيرا عظيما، ومن التعصب السياسي نشأ التعصب المذهبي، وبه تأيد وتأبد.
__________
1 الغزنوي فاتح الهند، وأحد كبار القادة امتدت سلطته من أقاصي الهند إلى نيسابور، وكانت عاصمتهم غزنة، كان حازما، صائب الرأي، يجالس العلماء ويناقشهم وله التصانيف في الفقه والحديث والخطب والرسائل وله شعر جيد، ومن تصانيفه كتاب "التفريد" على مذهب أبي حنيفة مشهور في بلاد غزنة وهو في غاية الجودة وكثرة المسائل.. مات سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فيما ذكره الذهبي في وفاته "الجواهر المضية" 2/ 157.
2 هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي من جلة الوزراء، كان مجلسه عامرا بالقراء والفقهاء أنشأ المدارس بالأمصار ورغب في العلم، وسمع الحديث وأسمعه توفي سنة 485هـ ترجمته في "وفيات الأعيان" 2/ 128، 131، وطبقات الشافعية 3/ 135، 145.
(2/16)

حدوث مادة الكاغد وتأثيره على الفقه:
اعلم أنه زمن الدولة العباسية اخترع الفضل بن يحيى البرمكي أوراق الكاغد أو الكاغيط، وكان استعماله في الرسائل الرسمية أيام الخليفة المأمون العباسي، وفي أيامه كتبت فيه الكتب، وكان من أعظم التسهيلات لنشر العلم وتدوينه، ولذلك كانت المائة الثالثة زمن ظهور الدواوين الكبار في الإسلام ذات
(2/16)

المائة مجلد، بل المئات في مختلف العلوم تاريخيا وحديثا وفقها وغيرها، وما كانوا قبل ذلك قادرين على شيء من ذلك، لقلة المواد، فاختراع الكاغد مما أعان على ضخامة الفقه وعظمة تآليفه، والتوسع في أصوله وفروعه وخلافياته، ومما يتعلق بالآلة الموصلة إليه، كالحديث والنحو وغيرهما، وما دخلت صناعة الورق لأوروبا إلا بعد ذلك بقرون، فأول ما عرف بها في القرن الحادي عشر المسيحي الموافق للخامس الهجري، ولقد كان حدوث الطباعة أواسط القرن الخامس عشر المسيحي الموافق لأواسط القرن التاسع الهجري من أعظم العوامل على ترقية العلوم كافة في المعمور كله وانتشارها، ولقد سبقونا للمطبعة عند تأخرنا، كما سبقناهم للكاغد، فلم تستعمل الطباعة عندنا إلا بعدهم بأربعة قرون، لكن لا سبيل إلى الانتفاع بها لولا هذا الاختراع المهم الذي هو أعظم رقي قديم وحديث، فلولا الكاغد ما انتشرت الكتب والعلوم في الأقطار، ولا تبودلت الأفكار، فالفضل كل الفضل للفضل البرمكي، قالوا وكانت صناعة الكاغد معروفة في الصين قبل المسيح بسنين 1700، لكن الصين كان مغلقا لم ينتفع غيره منه بشيء فالفضل في انتشار هذه الصناعة للإسلام والعرب، وقد انتشرت عندهم سريعا، وجعلوا له المعامل في بغداد والشام ومصر وفاس والأندلس في شاطبة وبلنسية وطليطلة، ومن الأندلس دخلت صناعته لأوروبا بعد ظهوره عند العرب بأحقاب ويوجد الآن في مكتبة ليدن كتاب "غريب الحديث" يظن أنه كتب أوائل القرن الثالث الهجري في الكاغد.
(2/17)

الأئمة المجتهدون أصحاب المذاهب المدونة في هذا العصر:
وتقدم في العصر قبله ثمانية:
262- تاسعهم الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر التميمي الحنظلي 1 المروزي:
أبو محمد أو أبو يعقوب الملقب بابن راهويه بضم الهاء وفتح الياء أو فتح الهاء والواو، نزيل نيسابور وعالمها، بل أحد أئمة الدين وأعلام المسلمين، وهداة المؤمنين، الجامع بين التقوى والفقه والحديث، الحفظ والصدق والورع والزهد.
روى عن ابن عيينة، والدراوردي، ومعتمر بن سليمان، وابن علية، أحمد، وابن معين من أقرانه، وخلق بالحجاز، الشام والعراق وخراسان.
وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، وأخرجوا له جميعا إلا ابن ماجه، وروى عنه خلق كثير، منهم يحيى بن آدم من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وخلق كثير، آخرهم موتا أبو العباس السراج.
وثناء الفضلاء عليه كثير قال فيه الإمام أحمد: لا أعلم لإسحاق نظيرا
__________
1 ترجمته في تهذيب ابن عساكر 2/ 409، "وتهذيب التهذيب" 1/ 216 "وحلية الأولياء" 9/ 234، وتاريخ بغداد 6/ 345.
(2/18)

إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، وإذا حدثك أمير المؤمنين، فتمسك به، وقال: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثله، وقال: لا أعرف له بالعراق نظيرا.
وقال ابن حجر في الفصل الأول من "مقدمته": هو أمير المؤمنين في الفقه والحديث، وتناظر مع الشافعي في مسائل انظرها في ترجمته من "الطبقات" قال الخفاف: أملى علينا من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها في كتاب، فما زاد ولا نقص، وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند1 كله من حفظه. وقال البخاري: توفي بنيسابور سنة 238 2 ثمان وثلاثين ومائتين عن سبع وسبعين سنة.
263- عاشرهم الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد بن اليمان:
الكلبي البغدادي الفقيه أحد الأئمة المجتهدين3 روى عن ابن عيينة، وابن مهدي، والشافعي، ووكيع، وعنه الإمام مسلم خارج الصحيح، وأخرج له في الصحيح بواسطة، كما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
وقال الذهبي في كتاب "العلو": أخذ عنه سفيان بن عيينة والكبار، قال أحمد: هو عندنا في مسلاخ4 الثوري أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة وكفى بهذا شهادة.
قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا وخيرا ممن صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، وقمع مخالفيها.
قال الخطيب: كان أولا يتفقه بالرأي حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف
__________
1 يعني مسنده هو.
2 جاء في ترجمته في "طبقات الحنابلة" ص68: ولادته سنة 166، ووفاته سنة 243.
3 ترجمته في "تذكرة الحفاظ" 2/ 87، وتاريخ بغداد 6/ 65، وتهذيب التهذيب 1/ 118، وطبقات الشافعية 1/ 118، 119، وشذرات الذهب 2/ 93، ولسان الميزان 1/ 35.
(2/19)

إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث. وقال ابن عبد البر: كان ثقة فيما يروي، وحسن النظر إلا أنه له شذوذا خالف في الحديث، بل في مسائل الفقه التي أغرب فيها. وقوله: وقد عدوه. هو جار مجرى الاعتذار عنه فيما شذ فيه، وأنه بحيث لا يعاب عليه الاجتهاد وإن أغرب فيه، فإنه أحد أئمة الفقهاء.
ومن جملة شذوذ قوله بتقديم الوصية على الدين في التركة لتقدمها في القرآن قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} 1 وخالف في ذلك سائر الأئمة وقوفا مع ظاهر الآية من غير التفات إلى المعنى. وذكر له في "الطبقات السبكية" مسائل أخرى توفي ببغداد سنة 240 أربعين ومائتين وقد عده السبكي على عدته من المقلدين للشافعي، والذي صرح به غير واحد أنه كان مجتهدا مستقلا، فنسبته إليه نسبه المتعلم للمعلم لا المقلد للمقلد، فقد كان له مذهب مدون وأتباع كما قال في "المدارك" قال في "الديباج": إن أصحابه لم يكثروا، ولا طالت مدتهم، وانقطوا بعد ثلاثمائة.
264- حادي عشرهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل:
العدناني الشيباني المروزي2 البغدادي الإمام الشهير الجليل المنفرد في زمانه بغاية الورع والزهادة، والمبرز على أقرانه بحفظ السنة النبوية، والذب عنها، جمع شتاتها، يدل على ذلك تلاميذه الذين تخرجوا به، وكتبه الكثيرة، وأشهرها "المسند" الذي اعتمده معاصروه ومن بعده بحيث إن الحديث إذا لم يوجد له أصل في "المسند" فلا صحة له غالبا، وجميع أصحاب المذاهب محتاجون إليه، معولون عليه.
__________
1 سورة النساء الآية: 11.
2 المروزي نسبة إلى مرو الشاهجان وهي إحدى كراسي خراسان الأربعة: نيسابور، وهرات، وبلخ، وهناك مرو الروذ النسبة إليها مرو المروذي بخلاف مرو، فالنسبة إليها مروزي بزيادة الزاي، كما زادوها في الري، فقالوا: الرازي للفرق، والله أعلم. من ابن خلكان 1/ 27 و69 بتصرف.
(2/20)

رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام والجزيرة، وروى عن هشيم، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبد الحميد، وعمرو بن عبيد، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد الرزاق، وابن علية، والوليد بن مسلم: ووكيع وابن مهدي، والقطان، وابن عيينة وخلائق، وروى عنه البخاري في باب ما يحل من النساء وما يحرم، وفي المغازي بواسطة، وكأنه لم يكثر عنه؛ لأن البخاري في رحلته الأولى لقي أشياخه، فاستغنى عنه بهم، وفي الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فروى عن أقرانه ابن المديني، وأكثر عنه فمن دونه. وروى عنه ولداه السيدان الحفاظان صالح وعبد الله، ومسلم، وأبو داود وغيرهم، بل روى عنه الشافعي، وابن مهدي، الأسود بن عمر، ويزيد بن عمر من شيوخه، وابن معين، وابن المديني من أقرانه، وأبو زرعة، والأثرم، والكوسج وخلق آخرهم موتا أبو القاسم البغوي.
وقد أفردت ترجمته ومناقبه بالتصنيف قال أبو زرعة: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، والذي له في المسند نحو ثلاثين ألف حديث، وفي التفسير مائة وعشرون ألفا. قال أبو زرعة: حزرت كتب أحمد يوم مات، فكانت اثني عشر حملا وعدلا، وكل ذلك يحفظه عن ظهر قلب. قال عبد الله ولده، قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك عن الإسناد، أو عن الإسناد حتى أخبرك عن الكلام.
ولد أحمد سنة 164 أربع وستين ومائة، وامتحن في رمضان سنة 220 عشرين ومائتين، وتوفي ببغداد سنة 241 إحدى وأربعين ومائتين رحمه الله.
ثناء الناس عليه:
أما ثناء الناس عليه، فكثير: قال في "المدارك": وأما زهده وورعه فأشهر من أن يذكر، وقد حاز هو والثوري في ذلك قصب السبق، ومزيد الشهرة، وإن كان لبقية الأئمة من ذلك الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من ابن حنبل.
(2/21)

محنته وظهور حزبه:
قال ابن المديني: إن الله أعز الإسلام برجلين: أبي بكر يوم الردة وابن حنبل يوم المحنة، وكفاك بابن المدين شاهدا عدلا، قال بشر الحافي قام أحمد مقام الأنبياء قد تداولته أربعة من الخلفاء بالضراء تارة، وبالسراء، أخرى، وهو معتصم بربه: المأمون، والمعتصم، والواثق، بالضرب والحبس وبعضهم بالإخافة والإرهاب، فما ترك دينه لشيء من ذلك، وبذلك صار زعيم حزب عظيم من أحزاب الإسلام حتى إن العلم إذا وضعه أحمد، لم يرتفع، وإذا رفعه، لم ينحط، وإذا قال في علم: نعم، صار مقبولا محبوبا ثم امتحن في أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسط الدنيا، فما ركن إليها، ولا انتقل عن حالته الأولى، وذلك أنه امتحن محنة عظيمة ليقول بخلق القرآن ثمانية وعشرين شهرا وهو في العذاب ثابت محتسب، وكان ثباته سببا في الإفراج عنه وعن المسلمين.
جاءه المروذي يوما، وقال: يا أستاذ هؤلاء قدموك للضرب، والله يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فقال: يا مروذي اخرج وانظر قال: فخرجت ونظرت في رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقا كثيرا، والصحف والأقلام في أيديهم، فقلت: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد، فنكتبه، فرجع إلى أحمد وأخبره، فقال: يا مروذي أضل هؤلاء، كلا بل أموت ولا أضلهم، قال المروذي: رجل هانت عليه نفسه في الله.
وقد ناظر ابن أبي دؤاد وهو في قيوده، فغلبه بالحجة، فانكشفت بسببه تلك الظلمة عن علماء السنة رحمهم الله، على أن محنته فيما يظهر كانت سياسية أكثر منه دينية، فإنها بإشارة من ابن أبي دؤاد الذي كان قاضيا، وله الحظوة التامة عند الخلفاء الثلاثة الأول، فلما كانت أيام المتوكل وغضب عليه وعلى ولده، وعزله عن القضاء والمظالم، وصادر ماله، أفرج عن أحمد، وبمراجعة ترجمة ابن أبي دؤاد في ابن خلكان1 وغيره يظهر لك ما قلناه.
__________
1 1/ 81، وانظر تاريخ بغداد 4/ 141، 156، ولسان الميزان 1/ 17.
(2/22)

وقد تولى المتوكل نشر مذهب أهل السنة، ونصره وإيقاع المصائب بالمعتزلة أكثر مما أوقع سلفه بأهل السنة، فالمسألة كانت سياسية أكثر منها دينية بدليل أن الخلاف الذي هولوا به في مسألة الكلام تبين أنه لفظي؛ إذ الصفة القائمة بذاته تعالى قديمة، والمعتزلة لا يقرون بقيام الصفات بالقديم فرارا من تعدد القدماء والحروف والأصوات التي ننطق بها نحن حادثة وتعصب بعض المنتسبين لابن حنبل، فقالوا بقدمها، بل قالوا: إن الجلد وغلاف المصحف أزليان وهو جهل أو عناد، ومثله لا يعد في آراء أهل العلم. فتبين أنه لا خلاف إلا في إثبات قيام الصفات به تعالى، وهكذا جل الخلاف المنسوب للمعتزلة وأهل السنة آيل إلى هذا فهي مسائل حزبية سياسية لا مذهبية دينية1.
ومن أعجب ما يراه الناظر المتبصر في هذه المسألة أن ابن حنبل وحزبه تحرجوا أن يقولوا: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم، ولا عن السلف الصالح وأنعم وأكرم بالوقوف عند حد ما ورد، لكنهم أنفسهم لم يقفوا عند حد ما ورد، بل قالوا: إنه غير مخلوق، وإنه قديم، وكلا اللفظين لم يردا أيضا، فكان الاعتراض مشترك الإلزام، بل ورد في القرآن: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} 2 الآية، ولعمري أنه لا فرق بين محدث ومخلوق، بل الذي يقول: إنه قديم، وإنه غير مخلوق هو الذي بظاهر كلامه يناقض الوارد وإن كان قصده صحيحا؛ لأنه يريد المعنى القديم الذي هو صفة الحق سبحانه وهي قديمة كما أن من قال: مخلوق ومحدث يريد الأصوات والحروف، وعلى كل حال كل من كان حر الضمير واللسان يقف باهتا كيف وقع هذا الخلاف، وسفكت لأجله دماء، واستبيحت أعراض في لا شيء ما ذاك إلا أنها مسائل سياسية طليت
__________
1 بل دينية أولا. فإن المعتزلة زعموا أن صفات الله تعالى غير ذاته، وسواه سبحانه مخلوق، فقالوا تبعا لهذا الزعم: إن القرآن وهو كلام الله مخلوق، وأهل السنة قائلون: إن صفات الله تعالى قديمه بقدمه سبحانه ومن تلك الصفات الكلام فنقول تبعا لهذا: إن القرآن هو كلام الله قديم غير مخلوق، وهو الحق.
2 سورة الأنبياء: 3 قال القرطبي: محدث يريد في النزول تلاوة جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية. تفسير القرطبي: 11/ 266.
(2/23)

بطلاء الدين تمويهًا على المغفلين.
عقيدته:
قد رموه هو وأصحابه بالحلول وبالتجسيم وبالجهة حيث قال بالفوقية والعلو الواردين في النصوص والاستواء، ونسبوا إليه القول بقدم الحروف والأصوات، وكل ذلك غير صحيح، وإنما هم سلفيون يقتصرون على الوارد، ولا يخوضون في علم الكلام، ولا التأويل، بل يفوضون ويعتقدون في نحو الاستواء واليد والعلو أنها صفات لا نعلم كنهها مع كمال التنزيه عن سمات الحدوث.
وهذا محض التوحيد الحق، فإن القدر الوارد في الكتاب والسنة القطعية من صفات الباري يجب أن يكون حدا مانعا يوقف عنده ويفوض في فهمه، ولا يتطلع إلى ما سواه، فاجناب أعظم من أن يقاس {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1 نعم حملتهم على الأشعرية وعلماء الكلام من أهل السنة، وتنديد من ندد بهم منهم كالذهبي حملة غير مستحسنة، فالحنابلة رأي استصوبوه لا يسوغ لهم التنديد بأعلام الأمة فيما سلكوه من التأويل الذي لم يجزموا بأنه مراد، بل طرقوه احتمالا، لا سيما تنديدهم بهم في ذبهم عن عقائد السنة بالبراهين القطعية، وهدم بناء الاعتزال بالأسلحة التي بها كان بناؤه، ولولا ذلك لبقي سائدا إلى اليوم، فإن جمود الحنابلة لم يكن مفيدا في هدم قواعد الاعتزال، والذي أفاد في هدمها هو الإمام الأشعري الذي فل الحديد بالحديد كما يأتي لنا في ترجمته، نعم إن جهلة الحنابلة أداهم الجمود على الظاهر إلى بعض معتقدات فاسدة ففي تاريخ ابن العبري إن الخليفة الراضي العباسي لما وقع تشغيب من الحنابلة خرج توقيع بما يقرأ عليهم، ومنه: إنكم تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، تذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين الذهب والشعر القطط والنزول إلى الدنيا، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات ما أغواه إلخ ... انظر عدد 283 منه وإلى هذه المعتقدات
__________
1 سورة الشورى: الآية: 11.
(2/24)

يشير الزمخشري في نظم رمز فيه إلى ما تلمز به المذاهب الأربعة، وهو:
لئن سألوا عن مذهبي لم أبح به ... وأكتمه كتمانه لي أسلم
فإن حنفيا قلت قالوا بأنني ... أبيح الطلا وهو النبيذ المحرم
وإن مالكيا قلت قالوا بأنني ... أبيح لهم أكل الكلاب وهو هم
وإن شافعيا قلت قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ... ثقيل حلولي بغيض مجسم
تحيرت من هذا الزمان وأهله ... ولا أحد من أهله قط يسلم
وعلى كل حال فالإمام أحمد والجلة من أصحابه براء من تلك المعتقدات الزائغة1.
قواعد مذهب ابن حنبل في الفقه:
مبدؤه قريب من مبدإ الشافعي؛ لأنه تفقه عليه حتى إن الشافعية يعدونه شافعيا، ولكن الحق أنه مذهب مستقل وأن نسبته للشافعي كنسبة أبي يوسف لأبي حنيفة غير أن مذهب أبي يوسف ألف مع مذهب أبي حنيفة، فامتزجا بخلاف أحمد، فقد ألف مذهبه مستقلا. قاله الدهلوي.
قال في "إعلام الموقعين": فتاوى أحمد بن حنبل مبنية على خمسة أصول أحدها:
النصوص القرآن والحديث المرفوع، فإذا وجده، أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس2 وساق أمثلة من ذلك، قال: وهذا كثيرا جدا،
__________
1 يحسن مراجعة "دفع شبه التشبيه" لابن الجوزي في هذا الباب.
2 هو في صحيح مسلم 2/ 1118 رقم "46" ولفظه عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ثم أخذ الأسود كفا من حصى، فحصبه، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر: لا نترك كتاب الله، وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} .
(2/25)

ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا، ولا قياسا، ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الصحيح، وكذا الشافعي في رسالته الجديدة ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف، فليس إجماعا قال: ونصوص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل عند أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، لو ساغ، لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم خلافا أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص.
الأصل الثاني: فتاوى الصحابة، فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف لها مخالفا منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، ولا يقدم على هذا عملا ولا رأيا ولا قياسا.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة، تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول، ويأتي عنه أنه قد يقدم قول الصحابي على الحديث المرسل.
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد عنده بالضعيف الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، بل هو عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه، كان
(2/26)

العمل به أولى من القياس، ولا أحد من الأئمة إلا وهو موافقة على هذا الأصل في الجملة، ثم ضرب أمثلة من كلام الشافعي وأبي حنيفة ومالك.
الأصل الخامس: القياس وهو عنده مستعمل للضرورة بحيث إذا لم يجد حديثا، ولا قول الصحابي، ولا مرسلا ولا ضعيفا قال به.
فهذه الأصول الخمسة من فتاويه، وعليها مدارها، ويتوقف إذا تعارضت الأدلة، وكان شديد الكره والمنع للفتوى في مسألة ليس فيها أثر عن السلف، ويسوغ إفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمتنع من إفتاء من يعرض عن الحديث. ا. هـ. منه.
وليست أصول أحمد محصورة فيما ذكر، بل من أصوله سد الذرائع الذي هو أحد أرباع التكليف كما قال ابن القيم نفسه في عدد "136" من الجزء الثالث وأطال في الانتصار له، واستدل له بتسعة وتسعين دليلا، فانظره، وله أصول أخرى تقدمت الإشارة إليها في مبحث الاستدلال أول الكتاب ومن أصوله إبطال الحيل إلا ما خلص من المحارم، ولم يوقع في المآثم، وتقدمت الإشارة إليه.
هل يعتد بمذهب أحمد في الخلافيات:
لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل وكان يقول إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن ذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات كالطحاوي والدبوسي1 والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي والفراهي2 الحنفي أحد علماء المائة السابعة في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل" والغزالي في "الوجيز" وأبو البركات النسفي في "الوافي" ولم يذكره
__________
1 بتخفيف الباء كما في حاشية الكمال على المحلى في القياس قال نسبة إلى دبوس قرية من قرى سمرقند. ا. هـ. مؤلف.
2 اسمه مسعود بن أبي بكر بن حسين توفي سنة 640هـ مترجم في "الجواهر المضية" 2/ 172.
(2/27)

ابن قتيبة في "المعارف" وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء، واعتبره كثير من المتقدمين كالإمام الترمذي في جامعه، فإنه مع عدم ذكره لأبي حنيفة وصاحبه إلا نادرا أو في جملة عموم الكوفيين ينص على مذهبه بالخصوص، واعتبره كثير من المتأخرين أيضا منهم ابن هبيرة الحنبلي في كتابه "الإشراف في مذاهب الأشراف" الذي ألفه في مسائل الخلاف بين الأئمة الأربعة وغيره.
وقال في "المدارك" إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه عكس أستاذه الشافعي.
لكن أصحابه لا يسلمون ذلك، بل يعتبرون من الرعيل الأول في الفقه والاستنباط قال في "إعلام الموقعين": جمع الخلال نصوص أحمد في "الجامع الكبير" فبلغ عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن قال: وكتب من كلامه وفتاويه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله علينا بأكثرها فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاويه، ويعرفون حقها وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتاويه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة رأي الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان حتى إنه ليقدم فتاويهم على الحديث المرسل.
أتباع أحمد:
قال الغزالي: كان سفيان وابن حنبل من أشهر الأئمة بالورع وأقلهم أتباعا، وأما الآن بعد الخمسمائة، فمذهب سفيان متروك، وقد أجمع المسلمون على الأربعة المعلومين الذين منهم أحمد بن حنبل. يعني إلا ما كان من زيدية اليمن والشيعة بفارس، وعلى كل حال فلم يزل أتباعه أقل من أتباع بقية الأربعة إلى الآن، ولو لم يكن له الفضل إلا جمعه السنة المتفرقة في الأقطار وتدوينها في
(2/28)

مسند لكفاه شرفا، فجزاه الله عن المسلمين خيرا.
265- ثاني عشرهم الإمام أبو سليمان داود بن علي 1 بن خلف:
الأصبهاني الأصل البغدادي الدار، المشهور بداود الظاهري نسبة إلى ظاهر الكتاب والسنة لتمسكه به، أحد أئمة المسلمين وهداتهم كان ورعا ناسكا زاهدا، روى عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وغيرهما. انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد في وقته، قيل: كان يحضر مجلسه أربعمائة طليلسان أخضر، ووصفه في "المدارك" بما وصف به أحمد من معرفته الحديث وإن فاقه أحمد فيه دون الإمامة في الفقه وإلى جودة النظر في مأخذه؛ إذ لم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما لظاهر السنة، لكن داود نهج اتباع الظاهر ونفي القياس قائلا: إن في عمومات الكتاب والسنة ما يفي بما في الشريعة من وجوب وحرمة وغيرها، وما لم نجد نصا على حكمه ظاهرا، فقد تجاوز الله عنه.
قال الشهرستاني في "الملل": إنه لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام قائلا: إن الأصول الكتاب والسنة والإجماع فقط ومنع أن يكون القياس أصلا من الأصول، وقال: أول من قاس إبليس. ا. هـ. فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء: إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين، وأنكر عليه إسماعيل القاضي أشد إنكار، وقال إمام الحرمين: إن المحققين لا يقيمون للظاهرية وزنا، وخلافهم لا يعتبر.
قال التاج السبكي: ومحمله عندي على ابن حزم وأمثاله من نفاة القياس،
__________
1 أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني: أبو سليمان الظاهري الأصبهاني البغدادي ت"270".
ديوان الضعفاء "1331"، الميزان "2/ 14"، الأنساب "9/ 129"، نسيم الرياض "4/ 492"، لسان الميزان "1/ 422"، البداية والنهاية "11/ 47"، تاريخ بغداد "8/ 369"، سير النبلاء "13/ 97"، ضعفاء ابن الجوزي "1/ 266".
(2/29)

وأما داود، فمعاذ الله أن يقول إمام الحرمين أو غيره: إن خلافة لا يعتبر، فلقد كان جبلا من جبال العلم والدين، له من سداد الرأي والنظر، وسعة العلم ونور البصيرة ما يعظم وقعه، وقد دونت كتبه، وكثرت أتباعه، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقاته" من الأئمة المتبوعين، وقد كان مشهورا في زمن إمام الحرمين وبعده بكثير لا سيما في بلاد فارس شيراز وما والاها إلى ناحية العراق، وفي بلاد المغرب الأندلس.
كان داود من عقلاء العالم حتى قال فيه ثعلب: عقله أكثر من علمه، ومن كلامه: خير الكلام ما دخل الأذن من غير إذن.
ولد بالكوفة سنة 200 مائتين، وتوفي ببغداد سنة 270 سبعين ومائتين في رمضان، وكان له أتباع في بغداد وشيراز وما والاها يقال لهم: الظاهرية، ووصل مذهبه إلى الأندلس، ثم انقرضوا بعد الخمسمائة.
أصول مذهب الظاهرية:
مبدؤهم هو التمسك بظواهر آيات القرآن والسنة، وتقديمها في التشريع على مراعاة المصالح والمعاني التي لأجلها وقع تشريع الحكم. وأصلهم هذا قد خالفوا فيه جمهور أهل المذاهب الأربعة الذين أخذوا بالقياس وغيره من بقية الأصول السابقة، فإن الجمهور لم يقطعوا النظر عن روح التشريع، ومراعاة المعاني، ولم يجمدوا على الظواهر، بل نظروا إلى المقاصد، ورأوا أن ألفاظ الشرع وسائل لتلك المعاني وإن اختلفت مراتبهم في ذلك حتى إن منهم من يقدم القياس على خبر الواحد كما سبق، فكان الظاهرية ضدهم جميعا إلا أن الضدية اشتدت بينهم وبين الحنفية المغرقين في القياس، ثم المالكية، ثم الحنابلة، ثم الشافعية، ولا شك أن مذهب أهل القياس أقرب إلى الترقيات العصرية، وتطورات الزمان والمكان، والحال بخلاف مذهب الظاهرية، فإنه مخالف لناموس العمران والمكان، والاجتماع البشري المبني على النظر للمصالح العامة، متباعد عن اعتبار الحكم التي شرعت الشريعة لأجلها وحقائق روح التشريع في
(2/30)

الأحكام.
ومن أصول داود الظاهري ما نص عليه في رسالة الأصول ونصها: الحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز، ثم قال: ولا يجوز1 أن يحرم النبي -صلى الله عليه وسلم، فيحرم محرم غير ما حرم؛ لأنه يشبهه إلا أو يوقفنا على علة من أجلها وقع التحريم مثل أن يقول: حرمت الحنطة؛ لأنها مكيلة، واغسل هذا الثوب؛ لأن فيه دما، واقتل هذا لأنه أسود يفهم بهذا أن الذي أوجب الحكم من أجله هو ما وقف عليه، وما لم يكن كذلك، فالتعبد فيه ظاهر، وما جاوز ذلك، فمسكوت عنه، داخل في باب ما عفي عنه. ا. هـ. نقله في "الطبقات" فهو على هذا لا يسلم من القياس إلا ما كان منصوص العلة نصا صريحا على أن الذي يظهر من كلامه أنه مع النص على العلة لا يجب العمل به، وإنما يجوز فتأمل ذلك.
قال ابن السبكي: والذي صح عند الشيخ الإمام الوالد أنه لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون، وإنما ينكر الخفي منه، ومنكر القياس مطلقا الخفي والجلي طائفة من أصحابه زعيمهم ابن حزم، وفي الاعتداد بخلاف الظاهرية في الفروع.
ثالثها: ما لا يخالف القياس الجلي انظر الطبقات غير أن ما نقله عن والده ليس هو أول من قاله، بل وجدت نحوه للغزالي في "المستصفى"، ونصه: فلا يظن بالظاهري المنكر القياس إنكار المعلوم والمقطوع به من هذه الإلحاقات، لكن لعله ينكر المظنون منه، ويقول: ما علم قطعا أنه لا مدخل له في التأثير، فهو كاختلاف الزمان والمكان، والسواد والبياض، والطول والقصر، فيجب حذفه
__________
1 مراده بهذه الجملة المنع من قياس الشبه بمعنى أنه إذا ورد نص بتحريم الحمر الأنسية فلا يجوز لنا أن نقيس عليها بتحريم البغال لشبهها بها إلا أن يوقفنا على العلة التي من أجلها وقع تحريم الخمر بأن تكون العلة منصوصة نصا صريحا، فهو يقر بالقياس في الجملة، ولكن لا يثبت من مسالكه إلا مسلك النص دون الإيماء أو المناسبة أو الشبه مثلا هذا حاصل كلامه وعلى هذا فمن نسب إليه القول بنفي القياس مطلقا لم يصب، وكذا من قال: إنه يقول بقياس الأحرى. ا. هـ. "مؤلف".
(2/31)

عن درجة الاعتبار، أما ما يحتمل، فلا يجوز حذفه بالظن.
قال الغزالي: وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن، كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العلم؛ لأن المسائل التي اختلفوا فيها، واجتهدوا كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية. ا. هـ. منه "عدد 276 من جزء الثاني".
ومن أصولهم عدم العمل بخبر الواحد؛ لأنه ظني زاعمين أنهم لا يعملون بدليل ظني وقد خالفهم الجمهور من الأمة فعملوا بالدلائل الظنية في الفروع.
تصوير مناظرة الظاهرية وغيرهم:
قد عاب أصحاب المذاهب الأربعة مذهب الظاهرية كثيرا وأنحوا عليهم باللائمة، ورموهم بالجمود وعدم النظر للمعاني المقصودة من روح التشريع كما تقدم لنا بعض ذلك في الكلام على القياس، وفي ترجمة أبي حنيفة، ومن جملة ما استدلوا به عليهم قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 1 فإذا كان الله ينعى على الكفار اقتصارهم على فهم ظواهر الدنيا، فكيف بمن اقتصر على ظواهر الشريعة.
وقال تعالى: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} 2 وقال الظاهرية: إن القصد من الشريعة هو التعبد، وظهور سر الامتثال، أما التعمق في القياس والعلل، فيخرجها من حد التشريع الإلهي إلى التشريع الوضعي البشري.
ولا ننكر أن هناك عللا ومصالح للأحكام إذا نص عليها، أو قطع بعدم الفارق، أما عند عدم ذلك، فتطلعنا وتكلفنا لاستخراج الخفي منها يخرجها إلى أن تكون ألغازا ومحاجاة، فمن أين يستفاد أن العلة في تحريم الربا هي الاقتيات والادخار أو الطعمية أو الكيل والوزن كما يقول أهل القياس.
__________
1 سورة الروم الآية: 7.
2 سورة الرعد الآية: 33.
(2/32)

ومن أين يفهم وجوب الدم على من قطع من جسده ثلاث شعرات من قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 1.
ومن أين تدل الآية على ذلك، ومن أين يستفاد من قوله عليه السلام: "الولد للفراش" 2 أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد قوله: قبلت ومع هذا لو كانت له أمة يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له، ولو أتت بولد، لم يلحقه إلا أن يدعيه ويستلحقه مع أن حديث "الولد للفراش" ورد في الأمة.
ومن أن يفهم من قوله عليه السلام: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة" 3 أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها، فلا حد عليه، وأنه في معنى الشبهة التي تدرأ الحد وهي الشبهة في المحل، أو الفاعل، أو الاعتقاد، ولو عرض هذا على فهم من عرض عليه من العالمين، لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه، وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين، فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وبتحريم الله لذلك، ويفهم هذا كله من "ادرءوا الحدود بالشبهات".
__________
1 سورة البقرة الآية: 196.
2 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
3 رواه ابن ماجه "3545" بلفظ "ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم لها مدفعا"، وفي سنده إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف أما في الكتاب فرواية الترمذي "1424" من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيدن بن زياد. ويزيد ضعيف وأسند في العلل عن البخاري: يزيد منكر الحديث ذاهب، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي به، قال: والموقوف أقرب إلى الصواب، انظر فتح القدير شرح الهداية "4-116".
(2/33)

وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره وننكر أن يكون في كلام الله دلالة على فهمه بوجه من الوجوه ومن أين يفهم من قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} 1، ومن قوله: {فَاعْتَبِرُوا} 2 تحريم بيع الكشك باللبن، وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 3 ولم يقل إلى آرائكم وأقيستكم، ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} 4 فإنما منعهم من الخيرة إذا كان حكم لله أو لرسوله لا أقيسة القياسين. هذه عيون ألة الظاهرة وهي كثيرة.
الردود عليهم:
قال القياسيون: أما قوله تعالى: {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} فلا حصر فيه على أن القياس على كلام الله وكلام رسول الله في معنى حكم الله وشرعه وإن كنا لا نقول فيه: قال الله، لعدم تنصيصه عليه بالخصوص، وقد أمر الله بحكم الصيد في أقل قليل في الدرهم والدرهمين، وحكم الزوجين فكيف بالأمور العظام، فإذا وقعت الفأرة، نجست ما حولها، وإذا وقع خنزير، فكيف لا نقيسه على الفأرة، وكيف لا نقيس البنتين على الأختين في استحقاق الثلثين مع تنبيه الله لنا على علة الإرث بقوله {آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} 5 والقرآن لم يصرح بالثلثين، بل سكن عن حكم البنتين حيث قال: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} 5 وظاهرة أن الاثنتين لهما أقل من الثلثين، فلو أخذنا بهذا الظاهر، لكان الأختان أقرب من البنتين وأمثال هذا كثير.
فالنظر إلى المقاصد التي هي اللب واجب وراجع ما تقدم لنا في ترجمة
__________
1 سورة النحل الآية: 66.
2 سورة الحشر الآية: 2.
3 سورة الشورى الآية: 10.
4 سورة الأحزاب الآية: 36.
5 سورة النساء الآية: 11.
(2/34)

"هل أحكام الشرع معقولة المعنى".
وأما ما اعترضوا به من التمحلات في الأحكام لسابقة، فهو وارد على تمحل في بعض تلك الجزئيات، ولا يلزم من عدم إصابة البعض في بعض جزئيات القياس بطلان القياس كليا، وقد مهد الناس مسالك التعليل، وبينوا المقبول من المردود، والصحيح من الفاسد، وبينوا القوادح كذلك بما تكفلت به كتب الأصول، فذلك ميزان الاعتدال يفيد المقبول قوة وغيره ضعفا، وعلى حال المجازفة برد القياس أو غير الجلي منه لا يقبله من له إمعان في موارد الشريعة، وما كان عليه السلف الصالح في طرق اجتهادهم، وإن شئت بسطا في ذلك، فانظر أول المجلد من "إعلام الموقعين".
وعلى كل حال، فإن مذهب الظاهرية أثار في هذه المدة حربا عوانا تلاطمت أمواج حججة بين أهل القياس والظاهرية، وقد ارتفع عجاج المعترك إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق، وأتى كل حزب بما لا يسعه المجال هنا من الحجج التي تتضاءل لها أفكار النظار الكبار على أننا قدمنا الإشارة إلى أنها وإن كانت في الظاهر خلافا في المبدإ، لكنها ترجع إلى الخلاف في المسائل والجزئيات، وإلا فالقياس لا بد منه وذلك مبني على أصل نبينه:
هل لله في كل مسألة حكم؟ وهل النصوص وافية بالأحكام؟
قد انقسم المجتهدون في هاتين المسألتين ثلاثة أحزاب: حزب القياسيين يقولون: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعضهم فقال: ولا بعشر معشارها، قالوا: وكل مسألة لا بد من حكم لله فيها وعليه، فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، وحجتهم أن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي محال، لكن لا نسلم أن الحوادث غير متناهية؛ إذ هي داخلة الوجود حالا أو استقبالا، وكل ما كان كذلك فهو متناه، سلمنا عدم التناهي في الأفراد، لكنها تنضبط بالأنواع، فيحكم لكل نوع بحكم تندرج فيه الأفراد غير المتناهية مثلا المنكوحات من
(2/35)

الأقارب نوعان: بنات العم والعمة والخال والخالة وهذا مباح، وما سواهن من القريبات حرام، وما ينقض الوضوء محصور بالعد، فما سواه لا ينقض، وما يفسد الصوم وما يوجب الغسل، وما يوجب العدة، وما يمنع المحرم وأمثال ذلك، وإذا كان أرباب المذاهب يحصرونها بضوابط وجوامع تحيط بما يحل أو يحرم، أو يباح إلخ مع قصور بيانهم، فالله الذي بعث رسوله بجوامع الكلم أولى بذلك وأقدر سبحانه عن أن تكون هناك مشاركة في قدرة أو علم.
وكم جاء في الكتاب والسنة من كلمات جامعة وهي قواعد عامة لأنواع من المسائل، وتدل دلالتين: دلالة طرد، ودلالة عكس، كما سئل -صلى الله عليه وسلم- عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر، فقال: "كل مسكر حرام" 1 و "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" 2 و"كل قرض جر نفعا فهو ربا"3 و "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل" 4 و "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" 5 و"كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين"6 وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية جامعة فاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} 7 وقال تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} 8 فدخل كل طيب مطعوم أو مشروب
__________
1 أخرجه البخاري "10/ 35"، ومسلم "2001" من حديث عائشة، وأخرجه مسلم "2003" من حديث ابن عمر بلفظ "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، وأخرج أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر مرفوعا "ما أسكر كثيره، فقليله حرام" وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسنده حسن.
2 أخرجه أحمد "6/ 270"، والبخاري "5/ 221"، ومسلم "1718" "18"، وفي رواية لمسلم "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد".
3 أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث علي وفي سنده سوار بن مصعب وهو متروك كما قال أحمد والدارقطني، ولذا قال السخاوي: إسناده ساقط.
4 أخرجه مالك "2/ 780، 781" والبخاري "4/ 315"، ومسلم "1504".
5 أخرجه مسلم "2563" و"2564".
6 أخرجه البيهقي من حديث حبان الجمحي، وقال الذهبي في "المهذب": لا يصح لانقطاعه.
7 أخرجه البخاري "8/ 558"، ومسلم "987" من حديث أبي هريرة.
8 المائدة الآية: 4.
(2/36)

أو منكوح، ودخل في قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} 1 الآية كل فاحشة ظاهرة أو باطنة.
الحزب الثاني الظاهرية الذين قالوا: إن النصوص وافية الأحكام، ونفوا القياس، وأنكر غلاتهم كابن حزم حتى الجلي منه، فقالوا: كل قياس باطل محرم، وفرقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة، ونفوا تعليل أوامره ونهيه، وجزموا بأنه يفرق بين المتماثلين، ويقرن بين المختلفين، فكما أن فعله وخلقه منزه عن العلة والغرض والغاية كذلك تكاليفه وأوامره.
ولما أغلقوا على أنفسهم باب التعليل والتمثيل، واعتبار المصالح والحكم الإلهية الراجعة منافعها إلينا، ضاقت عليهم النصوص، ولم توف لهم بحاجة النوازل، فوسعوا الظاهر والاستصحاب، وحملوها أكثر مما هو ممكن، ومع كونهم أحسنوا في الاعتناء بنصوص السنة ونصرتها، والمحافظة عليها، والبحث عنها، فقد وقع لهم فساد كبير، فإنهم مهما فهموا من النص حكما أثبتوه، ولم يبالوا وراءه، وحيث لم يفهموه، ادعوا استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، أو استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، وقالوا: ما لم نجد عليه نصا؛ فقد تجاوز الله عنه، لما ورد في2 حديث أحمد وغيره "إن الله فرض
__________
1 الأعراف الآية: 33.
2 هذا الحديث أخرجه الترمذي أيضا بمعناه عن سلمان مرفوعا في كتاب اللباس قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه" قال: وفي الباب عن المغيرة وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفا، قال البخاري: وسيف بن هارون البرجمي الراوي عن سليمان التيمي مقارب الحديث، وشيخ الترمذي فيه هو إسماعيل بن موسى الفزار يقال: حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحديث قلت: وإسماعيل بن موسى أخرج له أصحاب السنن عدا النسائي، قال فيه: ليس به بأس، وقال ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع. قلت: والحديث المذكور مع الحديث الذي أخرجه أحمد قصاري أمرهما خبر آحاد، وإجماع الصحابة ومن بعدهم على الاجتهاد والبحث عن حكم كل مسألة أقوى منهما، على أن هذا القسم السكوت عنه في الحديث يمكن حمله على المشتبهات التي ذكرت في الحديث فلا متمسك للظاهرية في الحديث والله أعلم. "المؤلف".
(2/37)

عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"1 قال الله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} 2 فإذا استعملنا القياس بطل القسم الثالث المعفو عنه، ويكفينا التمسك باستصحاب البراءة الأصلية، فإذا اعتبرتم هذا هو حكم الله في المسألة، فذاك وإلا، فلا دليل يصرح بأن لله في كل مسألة حكما، وهذا الحديث ناطق بأن هناك قسما قد عفا عنه، ولم يبينه، بل سكت عنه رحمة غير نسيان.
وقد عاب جمهور الأمة عليهم أمورا، وشنعوا عليهم فيها.
الأول: رد القياس الصحيح لا سيما المنصوص على علته التي يجري عليها مجرى النص على التعميم، فكيف يتوقف عاقل أن قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} 3 أنه نهى عن كل رجس، فيدخل شحمه وبعره وشعره كما لا يستريب مسلم أن قوله عليه الصلاة والسلام في الهرة "ليست بنجس، إنها من الطوافين عليهم والطوافات" 4 أن ما كان من
__________
1 حديث حسن أخرجه الدارقطني ص205، والحاكم 4/ 15، والبيهقي 10/ 12، 13 من طرق عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة ألا إن مكحول لا يصح له سماع منه، لكن يشهد له حديث أبي الدرداء بلفظ "الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه" ثم تلا هذه الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي 10/ 12، وقال الهيثمي في "المجمع" 7/ 75، بعد أن عزاه للبزار: ورجاله ثقات، وحديث سلمان الفارسي عند الترمذي "1726" وابن ماجه "3367" والحاكم 4/ 115، والبيهقي "9/ 320، 10/ 12" قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهذا مما عفا عنه"، وسنده ضعيف.
2 سورة المائدة الآية: 101.
3 سورة الأنعام الآية: 145.
4 أخرجه مالك 1/ 23، وأحمد 5/ 303، وأبو داود "75" والترمذي "92" والنسائي 1/ 55، وابن خزيمة، وابن حبان "121"، والحاكم 1/ 159، 160، ونقل البيهقي تصحيحه عن البخاري والدارقطني.
(2/38)

الطوافين؛ فليس بنجس، وهل يستريب أحد أن الطبيب إذا قال: لا تأكل هذا الطعام فإنه مسوم، ولا تشرب هذا فإنه مسكر، إنه نهاه عن كل طعام مسموم، وكل شرب مسكر.
وهذا إنما يرد على ابن حزم وغلاتهم، وإلا فجمهورهم أخذ بالقياس الجلي كما سبق، بل قالوا بالقياس في مواضع لم يقل به غيرهم فيها، فقد نقل أبو عمر بن عبد البر في "الاستذكار" عنهم أنهم أجازوا مسائل في الإجازة منعها غيرهم، كإعطاء دابة لرجل يسقي عليها بنصف ما يرزق بسعيه عليها، وأن يعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء مما يحصل من غلته كل يوم، وأمثال هذا من المجهولات في الإجارة قياسا على القراض والمساقاة، وعلى ما أباحه الله من إجارة المرضع، وما يأخذ الصبي من لبنها مجهول لاختلاف أحوال الصبي ولبن المرضع، والقرآن أجازه، نقله المواق في أول الإجارة، فها أنت تراهم قاسوا على المرضع والقراض والمساقاة، أما غيرهم، فلم يقس على ذلك، ورآها رخصة لا تتعدى محلها، وهم لم يروها رخصة، بل رأوها أصلا يقاس عليه لقطعهم بنفي الفارق، فيرونه قياسا جليا رغما عما يرونه من أن الأصل في العقود الفساد، فهذا يرونه أصلا خالف الأصل وهو من الغريب.
الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته، لحصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهم غلاتهم كابن حزم من قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 1 ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة أف فقصروا في فهم كتاب الله، كما قصروا في اعتبار ميزانه الذي هو القياس.
الثالث: أنهم حملوا الاستصحاب فوق ما يستحق، وجزموا بموجبه لعدم علمهم بالناقل، ولا يلزم من عدم علمهم به عدم وجوده، وليس عدم العلم
__________
1 سورة الإسراء الآية: 23.
(2/39)

علما بالعدم، ولا يجوز الاعتماد على الاستصحاب إلا إذا قطع المستدل بعدم الناقل، كالقطع ببقاء شريعة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا الكلام على أقسام الاستصحاب، فارجع إليه.
الرابع: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل، استصحبوا بطلانه، فأفسدوا كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بدون برهان من الله بناء على هذا الأصل الذي أصلوه، وجمهور أهل الاجتهاد على خلاف هذا، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشرع أو نهى عنه، ولا شك أن حكمهم بالبطلان حكم بالحرمة والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} 1 فكما أن الأصل في العبادات هو البراءة حتى يقوم دليل على الأمر والتكليف؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فكذلك الصلة في المعاملات الصحة حتى يقوم دليل على خلافها؛ لأن البطلان والتأثيم تكليف واستبعاد، والأصل انتفاؤه إلى أن يرد شرعه على لسان رسوله، فإذا لم يرد، فهو من قسم ما سكت عنه رحمة منه تعالى غير نسيان كما تقدم في الحديث، كيف والله صرح بأنها على الإباحة فقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 2 وفي السنن مرفوعا "المسلمون عند شروطهم" 3 وأما حديث "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن شرط مائة شرط" 4 فمراده بكتاب الله حكمه، كقوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بدليل أن الحديث في الولاء، وكون الولاء لمن أعتق ليس هو في القرآن، وإنما
__________
1 سورة يوسف الآية: 4.
2 سورة المائدة الآية: 1.
3 حديث قوي أخرجه الترمذي "1352" وابن ماجه "2352" من حديث عمرو بن عوف، وفي سنده كثير بن عبد الله وهو ضعيف عند الأكثر إلا أن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره، للحديث شاهد من حديث أبي هريرة بسند حسن عند أحمد 2/ 366، وأبي داود "3594" والحاكم 2/ 49، وصححه ابن حبان "1199"، وفي الباب عن عائشة وأنس عند الحاكم.
4 تقدم تخريجه.
(2/40)

هو في السنة، فالشرط المناقض لما أصله الكتاب والسنة باطل كشرط الولاء لبائع العبد الذي جعلته السنة لمن أعتق، وما سوى ذلك، فعلى البراءة الأصلية بدليل قوله في آخر الحديث "شرط الله أحق وأوثق".
الخامس: أن عدم تسليمهم أن لله في كل حادثة حكما معينا مبني على تصويب المجتهدين كلهم فيما لا قاطع فيه، وقد برهن على ضعفه في الأصول.
الحزب الثالث الذين توسطوا، فتمسكوا بالنصوص ظاهرها وإشاراتها وإيماءاتها واقتضاءاتها ومفاهيمها، فإذا لم يجدوا دلالة من الدلالات، تمسكوا بالقياس أو غيره من بقية الأدلة السابقة، فعملوا بكل الأدلة القوية التي عضدتها القرائن واللغة وموارد كلام العرب، وطريق الصحابة في استدلالاتهم وفهمهم وأحكامهم، لا يخرجون عن ذلك، ولا يغرقون في القياس، ولا يتناقضون فيه، ولا يغرقون في التمسك بالظاهر والجمود عليه.
وهذه الطريقة عليها سير الجمهور من أئمة المذاهب الثلاثة والمعتدلين من الحنفية إلا أنه افترقت أفكارهم في تطبيقها على الحوادث والمسائل، ولكل وجهة ولو شاء الله ما اختلفوا، وهذا الحزب يقول أيضا: لكل مسألة حكم، وفي النصوص كثير من الأحكام، ولا غنى عن القياس، وبقية الأدلة لكن عند عدم النص، واستدلوا على أن لله في كل مسألة حكما بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 1 وبقوله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 2 وقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} الآية3 {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} 4 وأن الصحابة كانوا يسألون عن كل ما يقع لهم، وبأن رسالته عليه السلام عامة، فلتكن شريعته عامة. وهذه كلها أدلة إقناعية والله أعلم.
__________
1 سورة الأنعام: 38.
2 سورة الشورى: 10.
3 سورة النساء: 82.
4 سورة النحل: 89.
(2/41)

وقد رأيت يوما في المنام أني استدل على أن لله في كل مسألة حكما بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} 1 الآية فإن الآية نصت على الأعضاء المذكورة، وسكتت عن غيرها، والأمة مجمعة على ترك غسل ما سواها فتأمله، وما كان خطر لي هذا في اليقظة قط.
تصانيف الإمام داود الظاهري:
صنف كتبا كثيرة في أبواب الفقه على عادة السلف في تخصيصهم كل باب بكتاب مستقل، فله كتاب "إبطال القياس" وكتاب "خبر الواحد" وكتاب "الخبر الموجب للعلم" وكتاب "الحجة" وكتاب "الخصوص والعموم" وكتاب "المفسر والمجمل" وكتاب "إبطال التقليد" وله كتب غيرها.
بعض الفوائد عنه:
حكى داود الظاهري قال: حضر مجلسي أبو يعقوب الشريطي من أهل البصرة وعليه خرقتان، فتصدر وجلس إلى جانبي من غير أن يرفعه أحد، وقال لي: سل يا فتى عما بدا لك، فكأني غضبت منه، فقلت له مستهزئا: أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب، ثم روى طريق "أفطر الحاجم والمحجوم" 2 ومن أرسله ومن أسنده، ومن وقفه، ومن ذهب إليه من الفقهاء، ثم روى طريق احتجام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتجم بقرن وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل "ما مرت بملإ من الملائكة" 3 ومثل "شفاء أمتي في
__________
1 سورة النساء: 6.
2 أخرجه الشافعي 1/ 257، وأبو داود "2369" والدارمي 2/ 4، وابن ماجه "168" وعبد الرازق "7520" والطحاوي من 249 والحاكم 1/ 428، والبيهقي 4/ 262 وإسناده صحيح، وصححه غير واحد من الأئمة، لكن ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نسخه بخبر أبي سعيد وغيره انظر "نصب الراية" "2/ 472، 473" وفتح الباري "4/ 153، 156"، وتلخيص الحبير "2/ 191، 194".
3 حديث صحيح أخرجه الترمذي "2053" من حديث ابن مسعود مرفوعا أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يمر على ملإ من الملائكة إلا أمروه أن مر أمتك بالحجامة، وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه "3479"، وآخر من حديث ابن عباس عند الحاكم، وثالث من حديث ابن عمر عند البزار.
(2/42)

ثلاث" 1 وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله عليه السلام: "لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا"2 ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطلب في الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيه، ثم ختم كلامه بأن قال: وأول ما خرجت الحجامة من أصفهان3 فقلت: والله لا أحقرن بعد أحدا. نقله ابن خلكان4.
فهذا مثال يريك محاورة أهل تلك القرون وما كان لهم من ملكة الاستحضار في الفقه والحدي.
266- أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني5:
قاضي أصفهان وحافظها، وصاحب التصانيف الشهيرة، منها كتاب السنة الكبير، وله في ثلاثيات شيخ الظاهرية بأصفهان، كما أن داود شيخهم بالعراق روى عن أصحاب شعبة وحماد بن سلمة مات سنة 287 سبع وثمانين ومائتين أدرك جده لأمه موسى بن إسماعيل التبوذكي، ولم يلحق جده أبا عاصم النبيل قاله الذهبي في كتاب "العلو" قال: وبنته عاتكة فقيهة عالمة تروي عنه.
__________
1 أخرجه البخاري "10/ 116" من حديث ابن عباس بلفظ "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي".
2 في سنن أبي داود "3862" بسند ضعيف عن أبي بكر، أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا يرقأ وراجع "فتح الباري" "10/ 126".
3 فيه تنكيت لطيف لأن داود الظاهري أصبهاني "المؤلف".
4 "2/ 256، 257".
5 ترجمته في "تذكرة الحفاظ" ص"640، 641" وسير أعلام النبلاء "9/ 101، 103" وشذرات الذهب "2/ 195، 196"، والبداية والنهاية "11/ 84".
(2/43)

بعض أصحاب داود الظاهري:
261- فمنهم ولده أبو بكر محمد 1:
ممن نشر مذهبه وألف فيه جلس في حلقة أبيه بعده، واستصغروه، فدسوا له من سأله عن السكر ما هو؟ فقال: "إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم" فاستحسن ذلك منه وعلم موضعه من العلم، وله شعر رائق وهو القائل:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
ومن تآليفه "الوصول إلى معرفة الأصول" توفي سنة 297 سبع وتسعين ومائتين.
262- أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم 2:
الأندلسي الإمام العلم الأشهر وحيد دهره، صاحب الكتب العظيمة التي منها "المحلى" ذكر فيه مسائل الظاهرية قال ابن بشكوال: ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، ألف في علم الحديث والمسندات كثيرا، وألف في فقه الحديث "الإيصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع" وكتاب "إبطال القياس والرأي" وكتاب "الإجماع ومسائله على أبواب الفقه" وله غيرها من النفائس قال ولده: إنها نحو أربعمائة مجلد في ثمانين ألف ورقة بخطه، وكان ورعا شديد التمسك
__________
1 أبو بكر محمد: ترجمته في تاريخ بغداد "5/ 256"، وشذرات الذهب "2/ 226"، ووفيات الأعيان "4/ 259، 261".
2 أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: الشهرة علي بن حزم اليزيدي الأندلسي الظاهري، توفي سنة 450:
صيانة صحيح مسلم ص"47، 82"، التمييز والفصل "2/ 810"، التبصرة والتذكرة "1/ 20، 278"، الصمت وآداب اللسان ص"276".
(2/44)

بالدين كان أولا شافعيا، ثم صار ظاهريا إلا أنه أكثر الوقيعة والتشنيع على علماء عصره انتصارا لمذهب الظاهرية الذي لم يكن مقبولا لديهم، وكانت فيه حدة، ولسان ماض مع وفرة المادة وطغيان العلم، فكان سببا لنبذ الناس له, ونبذه للناس في بادية لبلة بالأندلس إلى أن توفي سنة 456 ست وخمسين وأربعمائة وهو القائل مفتخرا بمذهبه:
ألم ترأني ظاهري وأنني ...
على ما بدا حتى يقوم دليل
وقد عده في "مطمح الأنفس" من فحول شعراء الأندلس، ولم تكن له رحلة، ومع ذلك حصل هذه الدرجة، فلذلك عدوه نادرة وقته. وأصحاب داود أكثر من أن نحيط بعدهم على قلة عددهم وقد شذ هو وأصحابه في مسائل مذكورة في كتب الفقه والخلاف، وقد انقرضوا وانقرض الآن مذهبهم.
269- ثالث عشرهم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري 1:
ثم الآملي بضم الميم أحد أئمة الدنيا علما ودينا حتى إن الإمام ابن خزيمة على جلالته كان يحكم بقوله ويرجع لرأيه لمعرفته وفضله، وقال فيه: ما أعلم أحدا على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. قال الخطيب البغدادي: وجمع من العلوم ما لم يشاركه فيه غيره، كان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بمعانيه، فقيها بأحكامه، عالما بالسنة وأحكامها وصحيحها وسقيمها، وبالناسخ والمنسوخ وأقوال الصحابة ومن بعدهم، يدل لذلك تفسيره الكبير الذي لم يؤلف مثله، وقد طبع.
__________
1 أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري: أبو جعفر الطبري القمي الأملي، الشهرة ابن جرير الطبري، ولد سنة "220" أو "224"، أو "225" ومات سنة "310":
جامع الرواة "2/ 82"، المعين رقم "1216"، الوافي بالوفيات "3/ 284"، الميزان "3/ 498، 499"، الأنساب "9/ 39"، نسيم الرياض "4/ 138"، لسان الميزان "5/ 100، 103"، البداية والنهاية "11/ 145"، تاريخ بغداد "2/ 162"، سير النبلاء "14/ 267".
(2/45)

عارفا بأيام الناس وبسيرهم وأحوالهم يدل لذلك تاريخه العديم النظير، وقد طبع أيضا. طاف البلاد في طلب العلم حتى فاق الأقران، بل الشيوخ، وصار من أعلام أهل المعرفة والرسوخ مع الزهد التام، سمع من أناس كثيرون كابن وهب وأشهب، فلذلك ذكره في "المدارك" من أصحاب مالك وكيونس بن عبد الأعلى الذي سمع من ابن عيينة، وعن الشافعي، ولذا عده في "الطبقات السبكية" من الشافعية كما أنه أخذ فقه العراقيين عن أبي مقاتل بالري والتحقيق أنه مجتهد مطلق، وكان له أتباع انقطعوا بعد الأربعمائة كما في "الديباج" ومن أصحابه المتفقهين على مذهبه:
270- علي بن عبد العزيز الدولابي: مؤلف كتاب الرد على ابن المغلس الظاهري.
271- وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الثلج 1.
272- وأبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم المتكلم: مؤلف كتاب "المدخل في إلى مذهب الطبري".
273- وأبو الحسن الدقيقي الحلواني.
274- وأبو الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني: مصنف الكتب العديد على مذهبه وغيرهم.
وفي إتقان السيوطي بعدما تكلم على طبقات المفسرين، وذم تفاسير منها: فإن قلت: أي تفسير ترشد إليه؟ قلت: تفسير الإمام الطبري أجمع العلماء المعتبرون أنه لم يؤلف في التفسير مثله.
وفي "المنح البادية" قال أبو حامد الإسفراييني: لو رحل إلى الصين في
__________
1 أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الثلج: الشهرة الكاتب الثلجي ابن أبي الثلج، يقال محمد بن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل، ولد سنة
"238"، مات سنة "322 أو 325": تاريخ بغداد "1/ 338"، الأنساب "3/ 145"، معجم الثقات "101"، دائرة معارف الأعلمي "26/ 159"، جامع الرواة "1/ 63"، معجم المؤلفين "9/ 9"، والحاشية تنقيح المقال "10346".
(2/46)

تحصيله لم يكن كثيرا، وله في فن الحديث كتاب "تهذيب الآثار" لم يؤلف مثله في بابه، وهو موجود في مكتبة الآستانة، وله كتاب "اختلاف الفقهاء وجد منه شيء يسير في المكتبة الخديوية طبع في برلين سنة 1320 موافقة سنة 1902.
وأول كتاب صنف في الخلاف المجرد كتاب "المحرر في النظر".
275- لأبي علي الحسين بن القاسم الطبري الشافعي:
المتوفى سنة 305 خمس وثلاثمائة ببغداد قاله ابن خلكان: فهو قابل كتاب الطبري هذا الذي هو سبب محنته، وذلك أنه ذكر فيه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، ولم يذكر أحمد بن حنبل قيل: إنه سئل عن ذلك، فقال: لم يكن أحمد فقيها إنما كان محدثا، وما رأيت له أصحابا يعول عليهم.
فأساء ذلك الحنابلة، ورموه بالرفض بسبب قوله بالمسح على القدمين وهو قول رافضي، وقيل إنه يقول بالمسح والغسل معا، وأهاجوا عليه العامة يوم دفنه، فمنعوا دفنه نهارا، ومنعوا الناس من الدخول إليه في حياته وقيل: إنهم سألوه عن حديث الجلوس على العرش؛ فقال: إنه محال وأنشد:
سبحان من ليس له أنيس ... ولا له في عرشه جليس
فمرموه بمحابرهم وكانوا ألوفا، فدخل داره، فرموه بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات الألوف من الجند يمنع العامة، ووقف على بابه إلى الليل، وأمر برفع الحجارة عنه، وكان كتب على بابه البيت السابق، فمحاه نازوك، وكتب أبياتا في مدح ابن حنبل، فخلا بداره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر مذهبه واعتقاده، ولم يخرج كتابه اختلاف الفقهاء حتى مات، فوجوده مدفونا في التراب، فأخرجوه ونسخوه. وأما الإلحاد الذي نسبوه إليه فهو أنه قال في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} 1
__________
1 سورة المائدة: 64.
(2/47)

يداه نعمتاه، فنسبوه لمذهب جهم قال في "منتخب تاريخ البرزالي" ولذا دفن بداره، وحاشاه من كل ما نسب إليه، فقد كان أحد أئمة الإسلام، وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو" عنه عقيدة سلفية كعقيدة الحنابلة.
وقال السبكي في "الطبقات": إن ابن جرير أجل من أن يمنعه الحنابلة الخروج للناس على قلتهم وإنما هو اعتزل بنفسه.
قال جامعه: وهذا يرده ما في تاريخ "مختصر الدول" لابن العبري1 وغيره أنه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة عظم أمر الحنابلة ببغداد، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوه مغنية ضربوها، وكسروا آلة الغناء، فأرهجوا بغداد ... إلخ ما في عدد 283 منه، فانظره توفي في آخر شوال سنة 310 عشرة وثلاثمائة رحمه الله.
الطبري أحرز قصب السبق في التصنيف كثرة في إتقان مع عموم النفع:
ذكر أبو محمد الفرغاني في كتاب "الصلة" الذي وصل به تاريخ ابن جرير الكبير: أو قوما من تلاميذه لخصوا أيام حياته من لدن بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة، وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بكرم وعناية الباري سبحانه وتأييده. قاله في تاريخ "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" وفي "المنح البادية" أنه مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة، ونحوه في كتاب "العلو" للذهبي.
وقد خلف في مصنفاته ما يقرب من ثلاثمائة ألف ورقة وخمسين ألف ورقة، وهذه أغنى التركات العلمية فيما بلغنا، فتبارك الله أحسن الخالقين، فبذلك حاز المعلى والرقيب2 فلم يكن أحد من المتقدمين يبلغ مداه في الكثرة مع الإتقان وعموم النفع لوقتنا هذا، فلم يتفق هذا لغيره فيما أظن فيصح أن يقال: إنه أعظم مؤلف في الإسلام.
__________
1 وفاته "685هـ" واسمه غريغوريوس بن هارون الملطي من نصارى اليعاقبة مؤرخ حكيم لاهوتي. انظر الأعلام "5/ 308، 309.
2 المعلى: سابع سهام الميسر، والرقيب: الثالث.
(2/48)

استطراد بعض المكثرين من التأليف:
قالوا: إن الإمام أبا الفرج ابن الجوزي جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. قال في "جلاء العينين": وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل، ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله وأوصى أن يسخن له بها الماء الذي يغتسل به فكفت، وفضل منها.
وقد عدت مؤلفات جمال الدين الحافظ، وقسمت على عمره، فبلغ كل يوم تسع كراريس كما في ابن خلكان. ويأتي لنا في ترجمة إسماعيل القاضي بيان بعض مؤلفاته العجيبة، وأنه من أعلى طبقة المؤلفين.
وفي "الديباج" أن القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني كان ورده كل ليلة عشرين ترويحة، ولا ينام حتى يكتب خمسا وثلاثين ورقة من حفظه تصنيفا.
وترك ابن أبي الدنيا ألف تأليف، وابن عساكر ألف تاريخه في ثمانين مجلدا، ويوجد منه بمكتبة ابن يوسف بمراكش سبعة وعشرون مجلدا من تجزئة نيف وثلاثين ضخمة، وقفت عليه بنفسي هذا أحد تواليفه.
وقال السيوطي: منتهى التصانيف في الكثرة ابن شاهين صنف ثلاثمائة وثلاثن مصنفا منها التفسير في ألف جزء، والمسند خمسة عشر مائة، والتاريخ مائة وخمسون مجلدا، ومداد التصانيف ألفا قنطار وثمانمائة قنطار وسبعة وسبعون قنطارا. قال السيوطي: وهذه من بركات طي الزمان كالمكان من وراثة الإسراء وليلة القدر. نقله في "المنح البادية" ومثله في "فهرسة الأمير" إلا أن التاريخ قال: إنه مائة وخمس مجلدات، ولعل هناك تصحيفا في عد قناطير
(2/49)

المداد، أو لعلها أرطال، بل أواق.
وقد ترك الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم عدة كتب في الفقه والحديث والتاريخ منها كتابه المسند في ألف جزء ذكره في "الطبقات السبكية" وألف أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيع ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء منها تخريج الصحيحين "والعلل" و"الأمالي" و"فوائد الشيوخ" و"المستدرك" على الصحيحين وغيرها.
وبلغت كتب الإمام الأشعري خمسين بين كبير وصغير، وأكثرها في الرد على الطوائف الضالة، وهذا من أصعب شيء في التأليف يحتاج إلى زمن كثير.
وألف الإمام تقي الدين ابن تيمية ثلاثمائة مؤلف في فنون مختلفة ضمن نحو خمسمائة مجلد، وتلميذه الإمام ابن قيم الجوزية نحو الخمسين مجلدا بين ضخم ولطيف، وبلغ كتاب "الفنون" الذي ألفه أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي أربعمائة مجلد، وقيل: ثمانمائة.
وألف الإمام البيهقي ألف جزء كلها تآليف محررة نادرة المثال، كثيرة الفوائد، وأقام يصوم ثلاثين سنة.
وترك محمد بن سحنون الأفريقي الشهير كتابه الكبير في مائة جزء في الفقه والسير والتاريخ وفنون من العلم، وكتاب "أحكام القرآن" أيضا وغيره من الكتب.
وألف الإمام أبو بكر بن العربي المعافري دفين فاس تفسيره الكبير في ثمانين جزءا، وله تآليف أخرى كشرح الترمذي، و"الموطأ"، "وأحكام القرآن" الكبرى، والصغرى، "والقواصم والعواصم"، و"المحصول في الأصول"، كلها تصانيف من أعلى طبقه. وهذا غريب الوجود.
وألف الإمام أبو جعفر الطحاوي تآليف كثيرة، وكتب في مسألة واحدة
(2/50)

وهي: هل كان حجة على الإسلام بقران أو إفراد أو تمتع ألف ورقة، وكم لذها من نظير في علماء الإسلام. وقد بلغت تآليف أبي عبيدة مائتين في علوم مختلفة وبلغت مؤلفات ابن سريج أربعمائة.
276- والقاضي الفاضل مائة واحدة، وبلغت مؤلفات عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس ألف كتاب. ذكره في "نفخ الطيب" وكانت تواليفهم تحوي مجلدات، فكتاب "مرآة الزمان" في التاريخ لسبط.
277- ابن الجوزي أربعون مجلدا "وتاريخ بغداد" للخطيب أربعة عشر، والأغاني عشرون مجلدا.
278- وكامل ابن الأثير12.
وشرح النبات 279- لأبي حنيفة الدينوري بلغ ستين مجلدا.
وبلغت تآليف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب 280- في الفلسفة والطب والهندسة وعلوم كثيرة، لكن مجلداتهم تختلف من عشر ورقات إلى مائة هذا مع صعوبة نيل مواد الكتابة في تلك الأزمان، أما المتأخرون، فتوفرت المواد لديهم، ومع ذلك لم يبلغ مبلغ من تقدم مثل الحافظ ابن حجر صاحب "الفتح" و"الإصابة" وغيرهما والذهبي والسيوطي الذي نافت تآليفه على أربعمائة، فإن جلها صغير الحجم إلى الورقة والورقتين وأكثر من الشيخ أبو الفيض محب الدين محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي نزيل مصر، وكفى بشرحه القاموس، وشرح الإحياء دليلا على ذلك، وقد عم نفعهما، ووقع إقبال العالم الإسلامي عليهما مع تحرير وإتقان وأكثر أهل عصرنا تأليفا فيما أظن الشيخ فريد وجدي المصري صاحب "دائرة المعارف" و"كنز العلوم واللغة" وغيرهما والله يحفظه فقد افتخرت به مصر على غيرها.
استنتاج حالة الفقه في المدة الماضية:
قد كان خمس من المجتهدين المستقلين من الذين دونت مذاهبهم في مائة
(2/51)

سنة تقريبا، ولم يصل إلى أول المائة الرابعة إلا الأخير كما رأيت، فكانت المائة الثالثة مزادنة بالأئمة الكبار على قلتهم بالنسبة للمائة قبلها بخلاف الرابعة التي فشا فيها التقليد، وصار العلماء للجدال في أي المذاهب أفضل، وأيها يرجح وأن المجتهدين مع كونهم في المائة الثانية أكثر وأوفر كانوا أجل وأعظم، فمثل جلالة مالك العلمية والرحلة إليه من أطراف الدنيا، واتجاه الرأي العام الإسلامي من جميع المعمور إليه لم يوجد في هذه الثالثة، كل ذلك تصديق لقوله: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" 1.
ففي القرن الثالث كان آخر المجتهدين اجتهادا مستقلا مطلقا ولم يصل للرابع إلا قليل. وكانوا في هذه القرون الثلاثة على ترتيب القرون الثلاثة في الحديث لكثرة وجلالة كما سبق.
فهذه إشارة هذا الحديث ومعجزته الظاهرة، وذلك أن الاجتهاد في نظري هو كنور الشمس النافع الذي به حياة الأرض وما فيها، والتقليد هو كنور القمر الذي يحكي نور الشمس فقط، ونفعه قليل الجدوى، إذ القمر كوكب ميت كما يقولون، ومظلم لا نور له، نعم هو صقيل كالمرآة إذا قابل نور الشمس، انعكست منه الأشعة على الأفق كالمرآة ترتسم فيها أنوار الشمس، وتنعكس منها أشعة قليلة الجدوى، فالمقلد وإن بلغ من العلم ما بلغ، إنما هو كنوز القمر، لكونه مقيدا مغلولا عن الوصول إلى الدليل من الكتاب والسنة ومسالك التعليل، ولذلك اعتبره الأئمة عاميا ولا يقال: عالم إلا لمجتهد.
وحدث في هذه المدة قول الظاهرية بنبذ القياس أو غير الجلي منه، كما تقدم وهو قول وإن كان موجودا من قبل لكنه لم يقل به إلا نزريسير، وكان النزاع في تقديم بعض الأدلة على بعض كتقديم الحنابلة الحديث على الإجماع مخالفين في ذلك للمالكية وغيرهم، وتقديم مذهب الصحابي على القياس مخالفين للحنفية
__________
1 أخرجه البخاري "5/ 191" ومسلم "2535" من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ "خير الناس قرني" وبلفظ: "خير أمتي" ولهما من حديث عمران بن حصين بلفظ "إن خيركم قرني ... ".
(2/52)

وغيرهم1.
وتقديم الحديث المرسل على القياس مخالفين للشافعية، وقد جعلوا القياس في آخر درجة من الأدلة ولم ينبذوه بخلاف الظاهرية فراجع ما تقدم من أصول أحمد والظاهرية.
ثم هناك أمر يوجب مزيد الاهتمام والاستغراب وهو أن هؤلاء الخمسة من المجتهدين قد ابتعدوا عن القول بالرأي، ومالوا إلى الظاهر، والعمل بالسنة رغما عن انتشار العلوم الفلسفية في الإسلام حتى دخلت في علوم المعتقدات ولكنها في الفقه لم تؤثر، بل زاد الفقهاء تباعدا بل جمودا مع أن المظنون عكس ذلك.
ولعل جمع السنة التي كانت متفرقة، وظهور العدد الكثير من الأحاديث تسبب عنها فكرة أن في المنقول ما يكفي عن المعقول، وفي نصوص الشريعة ما لا يحتاج معه إلى القياس والاستحسان، وما لم نجد له في النصوص حكما، فذلك مما عفي عنه، فليس لكل مسألة حكم على أنه لا غنى عن الرأي، ولا رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي.
وهناك سبب آخر في الابتعاد عن الرأي وهو ما ظهر في المعتزلة من التجرؤ على العقائد، والتكلم، في صفات الإله، وذاته المقدسة بسبب الفلسفة وما أدى إليه أمرهم من الفتنة في الدين، لذلك ترك السلف الفلسفة ظهريا، ولجئوا إلى التفويض، ونبذ طريق الفكر والعقل، وعلى هذا المذهب في العقائد كان مالك وأحمد بن حنبل وأتباعهم، فهذا سبب ضعف مذهب الرأي في تلك العصور إلى أن جاء الأشعري، وحارب المعتزلة بنفس السلاح الذي ظهروا به وهو الفلسفة،
__________
1 مذهب الحنفية تقديم قول الصحابي على القياس.
قال الإمام أبو حنيفة: آخذ بكتاب الله تعالى فإن لم أجد فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذت بقول الصحابة آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأمر وجاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب "وعدد رجالا" فقوم اجتهدوا فاجتهد كما اجتهدوا. ا. هـ. انتقاء لابن عبد البر ومناقب الموفق المكي "1-82".
(2/53)

فعند ذلك انتشرت الفلسفة حتى بين أهل السنة.
(2/54)

الاختلاف في مظنة الاتفاق:
ومن أعجب ما لاحظته في هذا العصر وبعض الذي قبله أنهم اختلفوا في أشياء لا يتصور الاختلاف فيها إلا مع التعجب الشديد، كاختلافهم في ألفاظ الأذان والإقامة، التي تتكرر كل يوم خمس مرات، وفي مسح الرأس في الوضوء هل يتكرر أم لا؟ وهل يعمم أم لا؟ على كثرة مشاهدة من يتوضأ كل يوم، وهل تجب النية في الوضوء أم لا؟ وهل يعمم أم لا؟ على كثرة مشاهدة من يتوضأ كل يوم، وهل تجب النية في الوضوء أم لا؟ وهل يجهر بها أم لا؟ وهل يجب الدلك في الغسل أم لا؟ وهل تقبض الأيدي وترفع في الركوع والرفع منه أم لا؟ وهل تجب البسملة أو تكره في الصلاة ولو جهرية أم لا؟ وهل يقرأ المأموم أم لا، وهل يقول المصلي: السلام عليكم ورحمة الله مرتين أو السلام عليكم مرة واحدة؟ إلى غير هذا مما يتحير الفكر فيه هل كان القوم يحضرون المساجد والجماعات، ويأخذون الأعمال بالمشاهدات أم لا، هذا في الأمور التي تتكرر كل يوم.
ثم انظر اختلافهم في النقل حال خروج الإمام للجمعة وبعد صلاتها، وفي كيفية الخطبة، وفي إثبات الصوم بعدلين أو عدل أو المستفيضة، وفي قدر زكاة الخضر ودفع البدل في زكاة الماشية والحبوب، وفي زكاة الفطر، وفي وقت وقوف عرفة الذي هو أهم أعمال الحج، وفي لزوم الأيمان بالطلاق، وفي النكاح، وفي البيوع كخيار المجلس وسائر أبواب الفقه في المسائل التي هي ضرورية الوقوع والتكرر، ولم يحصر الاتفاق إلا في الشيء اليسير نسبيا، ولا يعلم ما دندنا عليه إلا من له إلمام بالأصول والخلافيات على أن في الأقاويل المذهبية أنموذجا من ذلك.
ومع أن خلافهم في الفروع رحمة إلا أن وصوله لهذا الحد أحدث فرقة وشغبا وقلقا في النفوس. وقد يقال: إن الأمر كان فيه سعة، فضيقه المتأخرون بالتعصبات المذهبية، فألفاظ الأذان والإقامة مثلا التي وقع الخلاف فيها كلها
(2/54)

واردة، وكل أخذ بما صح في بلده، فجاء من بعده، فرجحوا أو اختاروا، ثم ضيقوا ومنعوا، لكن هناك فروع يصرح هذا الإمام بمنع ما يوجبه أو يجوزه الآخر، وذلك مرجعه الاجتهاد والرأي، وجله يرجع إلى اختلاف الأحاديث، أو عدم وضوح دلالة النصوص، فتختلف الأنظار في فهمها وكل هذه الأجوبة لا تزيل الحيرة والاستغراب، ولو شاء الله ما اختلفوا، ولكن الله يفعل ما يريد.
(2/55)

حدوث علم التصوف ومجمل تاريخه وأطواره:
التصوف: هو العلم بتجريد القلب لله وخلوه مما سواه بمعنى تصفية النفس من رعوناتها، والقيام بالورع في الدين، وترك ما يريب إلى ما لا يريب، مع الإكثار من العبادات والذكر، وعدم الغفلة عن الله، وصون الوقت أن يذهب إلا فيما يفيد، ومحاسبة النفس على الأنفاس، ومدار المقصود منه التخلق بأخلاق الأنبياء عليهم السلام. قال أبو الفتح البستي:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقا من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صفا فصوفي حتى لقب الصوفي
فهو زبدة العمل بالشريعة إذا خلا عن حظوظ النفس، وهذا قديم في الإسلام وهو طريق النبي -صلى الله عليه وسلم، والعلية من أصحابه خصوصا من اشتهر منهم بالزهد كسلمان الفارسي وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأصحاب الصفة وأمثالهم بل والخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبعدهم التابعون كأويس القرني سيدهم المتوفى في صفين مع علي، روى عمر مرفوعا "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم" 1.
وكان عمر يلتمس منه الدعاء، ثم في أتباع التابعين الثوري الذي سئل عن التصوف فقال: هو الموت الأحمر، ورابعة العدوية المتوفاة سنة 135 خمس وثلاثين ومائة أو خمس وثمانين وهي القائلة: استغفارنا يحتاج لاستغفار،
والقائلة: إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك.
__________
1 أخرجه مسلم في صحيحه "2542"، "224".
(2/55)

بعض تراجم الصوفية
مدخل
...
بعض تراجم الصوفية:
ثم 281- إبراهيم بن أدهم: المتوفى سنة 162 اثنين وستين ومائة، ثم الفضيل بن عياض المتوفى سنة 187 سبع وثمانين ومائة.
ثم 282- شقيق البلخي1: المتوفى سنة 195 خمس وتسعين ومائة.
ثم 283- معروف الكرخي2: بفتح فسكون المتوفى سنة 200 وهو القائل: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الناس، وكان أبواه نصرانيين يعلمانه النصرانية، فأبى، وأسلم، فأسلما.
وهذا أول ما عرفت أمثال هذه المقالات في الإسلام ثم "277" بشر بن الحارث الحافي3 المروزي المتوفى سنة 226 ست وعشرين ومائتين القائل للمحدثين: أدوا زكاة هذا الحديث قالوا: وما زكاته؟ قال: أن تعملوا بخمسة أحاديث من كل مائتي حديث.
ثم 284- أبو حاتم الأصم: المتوفى سنة 232 اثنين وثلاثين ومائتين.
ثم 285- ذو النون المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم: المتوفى سنة 245 خمس وأربعين ومائتين عن سن عالية أوحد أهل زمانه علما وورعا وأدبا وحالا شيخ الديار المصرية وواعظهم، روى "الموطأ" عن مالك وهو عبد نوبي من مصر، وله مناقب ومقالات، وذو النون المصري هو أول
__________
1 شقيق البلخي: عن إسرائيل، الميزان "2/ 279"، لسان الميزان "3/ 151".
2 معروف الكرخي: أبو محفوظ مات سنة "200 أو 204" الفيروزاني الكرخي. الأنساب "11/ 74"، العبر "1/ 335"، الثقات "9/ 206"، الحلية "9/ 360"، البداية والنهاية "11/ 13"، تاريخ بغداد "13/ 199"، وفيات الأعيان "5/ 231"، الأعلمي "28/ 34".
3 بشر بن الحارث الحافي المروزي: أبو نصر مات سنة "227" الحافي الزاهد المروزي البغدادي. دائرة المعارف الأعلمي، تقريب التهذيب "1/ 98"، تهذيب التهذيب "1/ 444" تهذيب الكمال "1/ 145" ميزان الاعتدال "1/ 328" التذهيب "1/ 125" مجمع الزوائد "5/ 7" ثقات "8/ 143".
(2/56)

من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء، كما في "المنح البادية".
286- وأبو تراب عسكر بن الحصين النخشبي1: شيخ عصره بلا مدافعة الذي روى كثيرا من الحديث والفقه، ثم تزهد وساح، وله مقامات، وكرامات وأحوال ظاهرة. وفي وقته حدثت مسألة التجلي وهو ما فوق المعرفة ولم يصل لرؤية العين توفي سنة 245.
ثم 278- سرى السقطي2: المتوفى سنة 251 وفي عصر هؤلاء في أواسط القرن الثالث دخلت فلسفة الفلاسفة اليونان الإشراقيين، وفلسفة الهنود في علم التصوف، فجاء الحارث المحاسبي شيخ الجنيد، وألف في التصوف التواليف العجيبة والكتب المشهورة كالرعاية التي نسج على منوالها الغزالي وغيرها وهو أول من تكلم في الصفات توفي سنة 243 ثلاث وأربعين ومائتين، وأنكر عليه الإمام أحمد3 كثيرا تكلمه في علم الكلام حتى اختفى ولم يحضر جنازته إلا أربعة، واختلف العلماء فيما كان يفسر به القرآن، فمنهم من قبله، ومنهم من أعرض عنه، وكذلك كتبه.
ثم 288- أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي4:
__________
1 أبو تراب عسكر بن الحصين النخشبي شيخ عصره: مات سنة "245"، الأنساب "13/ 61"، العبر "1/ 445"، أصبهان "23/ 146"، تاريخ بغداد "12/ 315"، دائرة الأعلمي "22/ 23".
2 سري السقطي: لم أجد إلا السقطي هذا: أبو الحسن السقطي البغدادي الزاهد مات سنة "253". لسان الميزان "3/ 13" تاريخ بغداد "9/ 187"، الحلية "10/ 116"، سير النبلاء "12/ 185"، الأعلمي "19/ 141".
3 مع أن أول ما عرف أذعان الفقهاء للصوفية إذعان ابن حنبل وشيخه الشافعي لشيبان الراعي حين سألاه عمن نسي صلاة لا يدري عينها فأجابهما هذا رجل غفل عن الله فجزاؤه أن يؤدب "مؤلف". قلت في ثبوت ذلك نظر فقد قال ابن تيمية فيما نقله عنه السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص"480": ما اشتهر من أن الشافعي وأحمد اجتمعا بشيبان الراعي وسألاه فباطل باتفاق أهل المعرفة؛ لأنهما لم يدركاه.
4 أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي: المشهور شيخ الصوفية وهو البسطامي الأصغر الزاهد=
(2/57)

المتوفى سنة 261 إحدى وستين ومائتين أو أربع وستين ومائتين.
289- ثم سهل بن عبد الله التستري البصري 1:
القائل: أصولنا التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى والتوبة، وأداء الحقوق. وهو القائل: إنما سمي الزنديق زنديقا؛ لأنه وزن دق الكلام بمخبول عقله، المتوفى سنة 283 ثلاث وثمانين ومائتين.
290 - ثم أبو سعيد أحمد بن عيسى البغدادي الخراز:
المتوفى سنة 286 ست وثمانين ومائتين وهو أول من تكلم في الفناء والبقاء، وعبر بعض الصوفية عن الفناء، فقال: أخذ مني أنا، فبقيت أنا بلا أنا، أي ما بقي إلا اسم أنا.
291- ثم حمدون القطار 2: شيخ الملامتية بنيسابور، وعنه اشتهر مذهبهم المتوفى سنة 291 إحدى وتسعين ومائتين.
292- ثم الإمام الجنيد 3: شيخ الطريقة وإمامها، كان ورده كل يوم ثلاثين ألف تسبيحة وثلاثمائة ركعة، وما نزع ثيابه للفراش أربعين سنة، ويأكل مرة في الأسبوع قيل له يوما: ممن استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي ربي ثلاثين سنة، وهو القائل: العارف من نطق عن سرك وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة.
ورئي يوما في يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يديك سبحة
__________
1 سهل بن عبد الله التستري البصري: أبو أحمد، توفي سنة "283":
المشتبه ص"76"، دائرة الأعلمي "19/ 296".
2 حمدون القصار شيخ الملامتين بيسابور: أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة بن رستم القصار النيسابوري. الأنساب "10/ 434"، الوافي بالوفيات "13/ 165".
3 الإمام الجنيد: ترجمته في وفيات الأعيان "1/ 373" والحلية "10/ 255" وتاريخ بغداد "7/ 241" وطبقات الشافعية "2/ 28، 37".
(2/58)

فقال: طريق وصلت بها إلى ربي1 لا أفارقها.
قال في "جوامع الجوامع" ونرى أن طريق الجنيد سيد الصوفية علما وعملا وصحبة طريق مقوم، فإنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض والتبرؤ من النفس ومن كلامه: الطريق إلى الله مسدود على الخلق إلا على المقتفين آثار الرسول، ومن كلامه أقرب ما تقرب به المتقربون عمل خفي بميزان وفي، ولا التفات لمن رماهم في جملة الصوفية بالزندقة عند خليفة السلطان حتى أمر بضرب أعناقهم فأمسكوا إلا الجنيد، فإنه تستر بالفقه.
__________
1 ويروى هذا الكلام عن علي، ولم يثبت بل ما عرف في الإسلام إشهار السبحة إلا في أيام الجنيد وقريب منها وكانت ولا تزال مستعملة عند رهبنة النصارى، فهي من البدع الإسلامية إلا أنها مستحسنة، وحيث ثبت في السنة تحديد بعض الأذكار بعد ثلاث وثلاثين، وبعضها بالمائة مثلا، فالسبحة نظام لهذه الأعداد، فلا تنكر على من استعملها في محل الذكر، أما من أشهره في عنقه، واتخذها شعارا في الأسواق تتميز بها طائفة دون أخرى، فلإنكارها عليه وجه وجيه؛ إذ لا يخلو عمله من رياء ظاهر أو خفي مع إحداث ما لم يكن في الصدر الأول، وتفريق الجامعة الإسلامية إلى غير ذلك. نعم قد روى الإمام أحمد بن محمد بن سليمان الروداني عالم الحرمين في المسلسلات من فهرست سلسلة السبحة إلى الجنيد عن سرى السقطي، عن معرو فالكرخي، عن بشر الحافي، عن عمر المكي، عن الحسن البصري وقد سئل عنها فقال: هذا شيء استعملناه في البدايات ما نتركه في النهايات أن أحب أن أذكر الله بقلبي ويدي ولساني قال أبو العباس الرداد: يتبين من قول الحسن أن السبحة كانت مستعملة زمن الصحابة لأن بداية الحسن من غير شك كانت معهم فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ورأى عثمان وعليا وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وأبا بكرة وأبا موسى وابن عباس وجابر وخلقا كثيرا من الصحابة، والخلاف في روايته عن علي مشهور. ا. هـ. كلام الروداني قلت الذي في ابن خلكان هو نسبة ما ذكر للجنيد وقد تكلم الأئمة في المسلسلات فالاستدلال بها من حيث السند غير ناهض على أن قول الحسن استعملناه في البدايات لا يلزم منه استعمالها وقت الصحابة، ولا تنهض حجة بذلك. وغاية ما يقال: إنها نظام الأعداد الواردة كما سبق.
وأما حديث الترمذي أن صفية دخل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين يديها أربعة آلاف نواة تسبح بها، فقال: "ألا أعلمك أكثر مما سبحت؟ " فقلت: علمني، فقال: "سبحان الله عدد خلقه". فهو حديث ليس إسناده بمعروف، وكذا ما رواه أيضا: "وأعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات" فقال فيه الترمذي: إنه غريب لا يعرف إلا من حديث هانئ بن عثمان. ا. هـ. "مؤلف".
(2/59)

وكان يفتي على مذهب أبي ثور شيخه، وبسط لهم النطع، فتقدم من آخرهم أبو الحسن النوري للسياف، فقال له: لم تقدمت؟ فقال أوثر أصحابي بحياة ساعة فبهت وأنهى الخبر للخليفة، فردهم إلى القاضي، فسأل النوري عن مسائل فقهية، فأجابه عنها، ثم قال: وبعد فإن لله عبادا إذا قاموا قاموا لله، وإذا نطقوا نطقوا بالله ... إلخ فبكى القاضي، وأرسل يقول للخليفة: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم، فخلى سبيلهم. توفي الجنيد سنة 297 سبع وتسعين ومائتين.
ومن تلاميذه:
293- أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج 1:
الزاهد المشهور الذي نقلت عنه2 مقالات أبيح بها دمه ببغداد سنة 309 تسع وثلاثمائية انظرها في "ذيل تاريخ الطبري" وابن خلكان. قال زروق: رمي جماعة بالقول بالحلول والظهور مع أنه كفر3 كالحلاج والشردي وابن أحلى وابن قسي وابن ذو سكين والعفيف التلمساني والعجمي الأيكي والأقطع
__________
1 ترجمته في طبقات الصوفية ص"307"، والبداية والنهاية "11/ 132"، ولسان الميزان "2/ 314"، ووفيات الأعيان "2/ 140"، وتاريخ بغداد "8/ 112، 141".
1 قال ابن حوقل في كتاب "المسالك والممالك": وقد انتحل قوم من الفرس ديانات خرجوا بها عن المذاهب المشهورة، فممن اشتهر وطار ذكره في الآفاق الحسين بن منصور الحلاج من أهل البيضاء، وكان حلاجا ينتحل النسك والتصوف، فما زال يرتقي بها طبقا عن طبق حتى انتهى به الحال أن زعم أن من هذب في الطاعة جسمه، وشغل بالأعمال الصالحة قلبه، وصبر على مفارقة اللذات، وملك نفسه بمنعها عن الشهوات، ارتقى إلى مقام المقربين، ومنازل الملائكة الكرام الكاتبين، ثم لا يزال يتردد في درجة المصافاة حتى يصفو عن البشرية طبعه، فإذا لم يبق فيه من البشرية نصيب. حل فيه روح الله الذي كان منه في عيسى بن مريم، فيصير مطالعا لا يريد شيئا إلا كان من جميع ما كان ينفذ فيه أمر الله تعالى. وأن جميع أفعاله حينئذ فعل الله وأمره. وكان يتعاطى هذا ويدعوه إلى نفسه بتحقيق ذلك كله حتى استمال جماعة من الوزراء وطبقات من حاشية السلطان وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة والجبال وما والاها. ا. هـ. "المؤلف".
3 انظر لتوضيح فكرة وحدة الوجود وإبطالها ومن يقول بها كتاب "وقف العلم والعالم" لشيخ الإسلام مصطفى صبري الجزء الثالث من الصفحة "85"، إلى الصفحة "315".
(2/60)

والششتري وابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين وآخرين ذكره بذلك أبو حيان. والظن بهم البراءة مما رموا به، ولكن ضاقت بهم العبارة عن حقائق صريح العلم، فأدت بظاهرة ما يتوهم أنه برآء منه. هذا معتقدنا فيهم وعند الله الموعد. ا. هـ.
وقال ابن خلدون: إن سلفهم كانوا مخالطين الإسماعيلية من الرافضة الدائنين بإلهية الأئمة وبالحلول، فظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، أي رأس العارفين الذي لا يساويه أحد، ويورث مقامه لعارف آخر، وقد أنكر ذلك ابن سينا في كتاب "الإشارات" وقال: جل أن يكون جناب الحق شرعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد، ولا دليل على معتقدهم، وإنما هو بعينه ما تقوله الرافضة في الإمام المعصوم، ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد القطب كما قال الرافضة في النقباء حتى إنهم لما أسندوا لباس الخرقة الذي جعلوه أصلا لطريقتهم، رفعوه إلى علي كرم الله وجهه، وفيه من الإشارة واقتفاء أثر الرفض ما لا يخفى، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بطريقة في لباس ولا حال، والصحابة كلهم أسوة في الزهد والمجاهدة، ومثله ما ملئوا به كتبهم عن الفاطمي ولم يكن في كلام الصوفية المتقدمين، وإنما هو عن الرافضة. ا. هـ. بخ لكن الأبدال وعدهم أربعون وارد في بعض أحاديث ذكرها في "المواهب" وشرحها ومجموعها يفيد أن لذلك أصلا في الجملة عن النبي -صلى الله عليه وسلم1.
أما وجود قطب يتصرف في الأكوان مقيد بشورى جمع يصرف الأوامر في ديوان، فلم نقف على أصله في السنة النبوية ولا ورد عن الصحابة والتابعين، ولعله خيال لبعض الإمامية أو الصوفية ينبهون بتمثيل روايته أفكار المسلمين في تلكم الأعصر إلى نظام ينبغي أن تكون عليه الحكومات الإسلامية، والله مستبد بملكه غني عن الشورى، وعمن يتصرف له في مملكته، بل قلوب الخلائق وخطراتهم في قبضته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقد أوسعنا الكلام في ذلك في كتابنا "برهان الحق" فانظره.
__________
1 وانظر طرقه في "المقاصد الحسنة" ص"8، 10".
(2/61)

والذي يمعن النظر في تاريخ الفقه والتصوف يرى أن الناس في القرن الثالث قد تضلعوا في الفقه واشتغلوا بالكماليات وهي التصوف كما هو شأن الأشياء التي تصل إلى عنفوان العمر الطبيعي كالدول التي تدخل في طور الرفه واتساع الحال، وذلك أن التصوف فلسفة كمالية لعلمي التوحيد والفقه منزل منهما منزلة علم البديع من علمي المعاني والبيان من جملة المكملات التحسينية، والأصل فيه حديث جبريل في سؤاله عن الإحسان الذي هو إتقان الإيمان والإسلام، فالتصوف عملي رياضي أكثر منه علمي.
قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة، فاستقامت. هذا أساس التصوف، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} 1 وقال عليه السلام: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" 2 والغاية منه إتقان العبادة، وإحسانها بالإخلاص فيها وتخليص النفس من رعونات النقائص، وتحليتها بالكمالات، وفهم أسرار العقائد والعبادات ودقائقها كما ينبغي، وبذلك يصل العارف إلى ربه، ومعناه أن يكون دائم الحضور لا تحصل له غفله حتى لا يخرج سياج الشريعة، ولا يخرج عن دائرة الامتثال كما قيل:
تركت للذات البهائم أهلها ... وهمت بما يعني به عالم المعنى
ثم هذه المجاهدة تنتج ذوقا في فهم كلام الله سبحانه، لكن بعد تحصيل الأدوات، وملازمة الخلوات، وتطهير القلب من الآفات، كما تنتج أيضا مشاهدة وكشفا عن عوالم غائبة، وذلك ما يعبرون عنه بالعلم اللدني أو علم الأذواق، أما إن لم تكن تقوى ولا اتباع طريق السنة والمجاهدة فإنما هي واردات ظلمانية،
__________
1 العنكبوت: 69.
2 قال ابن حجر في "تسديد القوس": هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة. ا. هـ. وقال العراقي: رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر ورواه الخطيب في "تاريخه" عن جابر بلفظ قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- من غزاة فقال -صلى الله عليه وسلم: "قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة العبد هواه" والمشهور على الألسنة "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" دون باقية فقيه اختصار. كشف الخفاء ص"42".
(2/62)

وشقاشق شيطانية.
لما ظهرت الحركة العلمية في العالم الإسلامي، دونوا علم التصوف في جملة ما دون من العلوم، وقد وضعوا في ذلك كتبا مهمة تعد مكملة للفقه والعقائد كرسالة القشيري.
و"قوت القلوب" للإمام أبي طالب 294- محمد بن علي المكي: المتوفى سنة 389 تسع وثمانين وثلاثمائة، ثم إحياء الغزالي وتأتي ترجمته في الشافعية.
وغنية الإمام شيخ الإسلام 295- وسيد الوعاظ أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح بن جنكي دوست الجيلاني الحنبلي: شيخ العراق، قال فيه عز الدين بن عبد السلام: ما نعرف أحدا كراماته متواترة مثله توفي سنة 561 إحدى وستين وخمسمائة. ومن كلام الجيلاني هذا: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي في روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعا للقدر، لا من يكون موافقا له نقله ابن تيمية في رسالته إلى نصر المنبجي.
وجميع الطرق الموجودة في وقتنا هذا ترجع إليه أو إلى 296- الشيخ الإمام أبي الحسن علي الشاذلي1: المغربي ثم المصري الإسكندري الضرير الزاهد الكبير المقدار تلميذ الإمام ابن مشيش وغيره صاحب الأحزاب العجيبة في التوحيد والفناء وذو الكرامات والفضائل العديدة المتوفى سنة 656 ست وخمسين وستمائة، أو إلى 297- الشيخ خواجه بهاء الدين نقشبند محمد بن محمد البخاري2: الذي ترجع إليه السلسلة النقشبندية المنتشرة بالمشرق والروم وما وراء النهر المتوفى سنة 791 إحدى
__________
1 أبو الحسن علي الشاذلي المغربي. وجدته في وفيات ابن منقذ "1/ 323".
2 خواجه بهاء الدين نقشبند محمد بن محمد البخاري: توفي سنة "120": ثبت الكزبري "60".
(2/63)

وتسعين وسبعمائة.
وكتب 298- الإمام أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري: المتوفى سنة 709 تسع وسبعمائة والإمام أحمد بن زروق الفاسي محتسب الطريقة وآخر من سلك فيها السنة وتأتي ترجمته.
وتراجم الصوفية كثيرة انظر اليسير منها في طبقات الشعراني وغيره، لكن غير هؤلاء توسعوا في ذلك بالتكلم عن مواجد القلوب وإشارات تفننوا في أخذها عن الكتاب والسنة، واقتبسوا من فلسفة الفلاسفة الإشراقيين، وفلاسفة الهنود كثيرا لما ترجمت كتبهم، وأسلم بعض من هو آخذ بها من رهبنة النصارى وغيرهم، وأكثر من الإشارات، وتلوين العبارات حتى إن الإمام ابن دقيق العيد قال: إني جلست مع:
299- ابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم الإشبيلي الرقوطي1: المتوفى بمكة سنة 669 تسع وستين وستمائة في ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته.
وتفوق عليه في ذلك 300- ابن عربي الخاتمي: المتوفى سنة 638 ثمان وثلاثين وستمائة كما يعلم من فتوحاته وفصوصه.
فالتصوف كان في مبدإه رياضة وزهدا وورعا وعملا وإكثارا من الذكر والعبادة وتصفية النفس، فصار فمن علم الرسوم والتلوينات وفلسفة اعتقادية ولسانية، وفصاحة وكلاما فيما وراء الحس.
وإن شئت بسطا في هذا المقام فانظر تفسيرنا لسورة الإخلاص. قال ابن
__________
1 ابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم الإشبيلي الرقوطي: أبو أحمد مات، المرسي العتكي المريوطي الغافقي سنة "669":
معجم المؤلفين "5/ 90"، فوات الوفيات "1/ 516"، والأعلمي "21/ 55"، لسان الميزان "3/ 392"، العقد الثمين "5/ 326".
(2/64)

خلدون في المقدمة: والحق أن الكلام مع المتصوفة في أربعة مواضع:
الأول: المجاهدات والمقامات، وما يحصل من الأذواق والمواجد في نتائجها، ومحاسبة النفس على التقصير في أسباب تلك الأذواق التي تصير مقاما، ويترقى منه إلى غيره، وهذا لا مدفع فيه لزحد، وأذواقهم فيه صحيحة، والتحقق بها عين السعادة.
والثاني الكرامات كالكشف والتصرفات في الأكوان بخوارق العادات، وهذا غير منكر وإنكار ليس من الحق، وقول الأستاذ الإسفراييني: إنه يلتبس بالمعجزة. فلا لبس؛ إذ الفرق هو التحدي، والوجود شاهد بوقوع الكثير من الكرامات للصحابة، وكثير من السلف، وإنكارها مكابرة.
الثالث: حقائق العلويات، وترتيب صدورها، والحقائق لمدركة من علم الغيب كالصفات الربانية، كل موجود غائب، وأكثر كلامهم فيه من نوع من المتشابه إذ هو وجداني عندهم، وفاقد الوجدان بمعزل عن أذواقهم فيه، واللغات لا تعطي دلالة على مرادهم؛ لأنها لم توضع إلا للمتعارف، وأكثره محسوسات، فينبغي أن يعامل كلامهم معاملة المتشابه.
الرابع: ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من كثير من أئمتهم يعبر عنها بالشطحات تدل على خلاف المعتقدات كالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، فأما من علمت إمامته وثبت فضله ومتانة دينه، فالإنصاف أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتى ينطقوا بما لا يقصدونه، فالمجبور معذور، والعبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد وأمثاله.
وأما من لم يعلم فضله، ولا اشتهر، فمؤاخذ بما يصدر عنه ما لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه، وكذلك من تكلم بمثلها وهو حاضر لم يملكه الحال ولو من أئمتهم وأفاضلهم فإنه مؤاخذ أيضا ولذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله، وسلف المتصوفة من أهل رسالة القشيري لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب وإنما همهم الاتباع والاقتداء ما
(2/65)

استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك، أعرض عنه ورآه من العوائق وفر منه، فلا ينطقون بما يدركون، ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم عن الخوض والوقوف عنده، بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف. ا. هـ. بخ.
لكن خلف من بعدهم خلف صار القصد عندهم هو هذه الأمور الثانوية التكلميلية، وقصروا في المقصد، فصار كشفهم ظلمانيا ووجدانهم شيطانيا مع كثرة الطرق وتشعبها حتى إنك إذا بحثت في أي مدينة أو قرية في غالب الممالك الإسلامية، تجد زواياها أكثر من مساجدها ومن المدارس.
ولا تكاد تجد عائلة إلا وهي آخذة طريقة من الطرق تتعصب لها برجالها ونسائها وصبيانها على أنه ربما تجد في العائلة طالبا واحدا للعالم ولا تجد فيها من يحسن الكتابة حتى التجأت الدولة الإسلامية أن تعتبر رؤساء الطرق بمنزلة الموظفين، وتسميهم كما تسمي موظفيها لتختار من لا يكون ضدها وفي بعض الأقاليم تجعل رئيسا عاما على جميع المشايخ تسمية شيخ المشايخ.
وأول من أحدث هذه الوظيفة السلطان صلاح الدين الأيوبي بمصر، وكان لا يولي عليها إلا أعاظم الرجال كابن حمويه مع ما كان له من الوزارة والإمارة وقيادة الجيش وتدبير الدولة، وذي الوزارتين ابن بنت الأعز.
وما زال الحال على ذلك إلى أن توحدت رئاسة الصوفية بمصر في القرن التاسع الهجري، فجعلت لشمس الدين البكري الذي وصفه الشعراء بأنه أعلم أهل زمانه، ولا تزال في البيت البكري إلى الآن.
وهذه وظيفة لم تكن في المغرب قط، نعم كان عندنا في المغرب شيوخ عظماء في عملهم وتدينهم معروف فضلهم إلا أن الذين أدركنا غالبهم لا يحسنون الأشقاشق وألفاظا نوعوها، وليس عندهم من الذوق إلا ذوق شيطاني ظلماني أعماهم الجهل، ونصبوا الشباك بالدين ليأكلوا أموال المغفلين، فصدق عليهم قوله تعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
(2/66)

وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 1 باعوا الملة والدين ببخس، والله يتولى الانتقام من كل دجال.
على أن حدوث التصوف وتطوراته أدخل وهنًا على الفقه كثيرا بل وعلى الفقهاء، وقد كان الإكثار من ذلك بعد القرن السابع من أسباب هرم الفقه؛ إذ خرجوا عن المقصود إلى ما ليس بمقصود، والزيادة في الشيء نقصان، تركوا الأصول والفروض الدينية إلى كثرة النوافل، والتظاهر بالزهد مع الحرص الباطني على الدنيا على أن جل من رأينا أجهل الناس بالدين، وأعرفهم بالتحيل في نصب الحبائل للدرهم والدينار، وجعل المخرقة شبكة للاصطياد يقع في شراكها المغفلون.
حتى صار الأمر إلى طرق صورية لا صوفية، لها رقص وغناء ولهو وشطحات وشطح، وتواجد اللسان، وجمود الجنان في كل واد يهيمون ويصفون ما هم عنه ببطونهم غائبون، ويقولون ما لا يفعلون، فرقوا دينهم وصاروا شيعا، وأفضى الحال اليوم إلى فساد كبير، فصار الآخذون به كسالى يزعمون أنهم متوكلون، وإنما هم متواكلون عالة على المسلمين كالعضو الأشل في جماعة المؤمنين يسلبون أموالهم باسم الدين، وما أبعدهم عن الدين.
قال الإمام أبو الطيب طاهر الطبري في آخر كتابه في ذم السماع: فمن حظه من التصوف الإلحاح في الطلب، وكثرة الأكل، وسهر الليل، وسماع الغناء، والفرقعة بالأصابع، ودق الرجل والطقطقة بالقضيب، فإنما هو راكب ظلماء، وخابط عشواء قد أسرته شهوته، وأهلكه هواه، وغلبته نفسه، وقطعته الغفلة عن الاهتمام بالدين وسياسة النفس، وكان من الهالكين إلا أن يتوب الله عليه. ولله در أبي الحسن علي بن عبد الرحيم إذ يقول:
أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقه
صار التصوف سبحة ... وتواجدا وخطبقة
__________
1 سورة التوبة: الآية 34.
(2/67)

مضت العلوم فلا علو ... م ولا قلوب مشرقة
كذبتك نفسك ليس ذا ... سنن الطريق الملحقة
حتى تكون بعين من ... عنه العيون محدقة
تجري عليك صروفه ... وهموم سرك مطرقه
غيره:
ليس التصوف لبسا لتصوف ترقعه ... ولا بكاؤك إذا غنى المغنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدينا
والطامة الكبرى هي أن جل من ينتسب للعلم من أهل زماننا يتسابقون للأخذ عن تلك الطرق البدعية، ويتحزبون لها، ويعضدونها، وهي تمدهم لا مجالة بنزر المتاع، ولكنها في الحقيقة هادمة لمجدهم الديني لانحرافها عن جادته، وذلك بسبب جهلهم بأصل الدين وسنة سيد المرسلين، ومن لم يأخذ عنهم، نظروا له شزرا، وعدوه بدعيا ظاهرا حتى فرقوا علماء الأمة إلى فرقتين: الفقهاء وهم أهل الظاهر أو أهل الرسول وهم أحق بذلك لم يبق إلا رسم الفقه، ومتصوفة وهم أهل الباطن، وإن حققت، قلت أهل بطون قال أبو مدين وهو من أهل القرن السادس:
واعلم بأن طريق القوم دراسة ... وحال من يدعيها اليوم وكيف ترى
وقال الحضرمي: قد انقطعت التربية بالاضطلاح من جميع بقاع الأرض سنة 824 أربع وعشرين وثمانمائة.
وقال تلميذه زروق محتسب الطائفتين: قد تتبعت الطرق في هذا الزمان فلم أجد طريقا حقيقيا ولا اصطلاحيا، وإنما مجرد النسبة وإذا شئت أن تعرف ما آلت إليه الطرق والتصوف منذ قرون فانظر كتاب "موازين القاصرين" للشعراني، ففيه كفاية، وكل ذلك أثر على الفقه وعلى الفقهاء، ولكل أجل
(2/68)

كتاب. وليكن آخر كلامنا في تاريخ التصوف نظم عز الدين بن عبد السلام الذي لا ينعقد إجماع دونه ونصه:
ذهب الرجال وحال دون مجالهم ... زمر من الأوباش والأنذال
زعموا بأنهم على آثارهم ... ساروا ولكن سيرة البطال
لبسوا الدلوق مرقعا وتقشفوا ... كتقشف الأقطاب والأبدال
قطعوا طريق السالكين وأظلموا ... سبل الهدى بجهالة وضلال
عمروا ظواهرهم بأثواب التقى ... وحشوا بواطنهم من الأدغال
إن قلت قال الله قال رسوله ... همزوك همز المنكر المتغالي
ويقول قلبي قال لي عن خاطري ... عن سر سري عن صفا أحوالي
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي ... عن جلوتي عن شاهدي عن حالي
عن صفو وقتي عن حقيقة حكمتي ... عن ذات ذاتي عن صفا أفعالي
دعوى إذا حققتها ألفيتها ... ألقاب زور لفقت بمحال
تركوا الشرائع والحقائق واقتدوا ... بطرائق الجهال والضلال
جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا ... شطحا وصالوا صولة الإدلال
وترصدوا أكل الحرام تخادعا ... كتخادع المتلصص المحتال
فهناك طاب المخلصون وأصبحوا ... متسترين بسورة الأنفال
فهم عباد الله أية يمموا ... والذاكرون الله في الآصال
القانتون الخاشعون لربهم ... الناطقون بأصدق الأقوال
التاركون حظوظهم ونفوسهم ... المؤثرون بخالص الأحوال
ما شأنهم في شأنهم دعوى ولا ... عملوا لقصد مراء أو لجدال
عملوا بما علموا وجادوا بالذي ... وجدوا وما بخلوا بفضل نوال
يمشون بين الناس هونا كلما ... صد الجهول بدوه بالإجمال
فإذا بدا ليل سمعت أنينهم ... وحنينهم بتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم ... مثل انهمال الوابل الهطال
متفاوتين بقربهم لحبيبهم ... كتفاوت العمال في الأعمال
(2/69)

في الليل رهبان لخدمة ربهم ... وتراهم في الحرب كالأبطال
تاهوا على كل الملوك وإنهم ... لهم الملوك بعزة الإقبال
ولرب أشعث حقرته دلوقه ... ولدى المليك هو العزيز الغالي
بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نورها المتلالي
خمص البطون وما بهم من فاقة ... شعث الرءوس لروعة الأهوال
لم تخل أرض منهم قد حكموا ... ذات اليمين بهما وذات شمال
مثواهم بين الثريا والثرى ... والفرش والعرش الرفيع العالي
لا ينظرون إلى سوى محبوبهم ... شغلوا به عن سائر الأشغال
فهم إليك وسيلتي يا سيدي ... إلا وصلت حبالهم بحبالي
وا خيبة الآمال إن اقصيتني ... عن بابهم وا خيبة الآمال
(2/70)

انقراض مذاهب المجتهدين "13" إلا أربعة منها:
اعلم أن تلك المذاهب الثلاثة عشر قد انقرضت كلها مع ما تقدم من تدوينها، ولم يبق إلا أتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل صار الناس إليها في جميع أقطار الأرض الإسلامية، وغلب كل مذهب منها على جهة من أقطار الإسلام.
قال الإمام عياض في "المدارك": قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط، أي: بعض الأئمة "13" السابقة وأتباعهم، ودرس مذاهبهم دون من قبلهم من مذاهب الصحابة والتابعين مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم على ما نذكره، فغلب كل مذهب على جهة.
فمذهب مالك بن أنس بالمدينة.
وأبي حنيفة والثوري بمصر.
(2/70)

وأحمد بن حنبل بعده ببغداد، وكان لأبي ثور هناك أتباع أيضا.
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري، وداود الأصبهاني، فألفا الكتب، واختاروا في المذاهب على رأي أهل الحديث، واطرح دواد منها القياس، وروى عن كل واحد منهم أتباع وسرت جميع هذه المذاهب.
فغلب مالك على أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة، وغلب في خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور أولا، وكان بها وبغيرها له أئمة ومدرسون، وكان ببلاد فارس، وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام.
وغلب مذهب أبي حنيفة على الكوفة والعراق، وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا، وظهر بإفريقية ظهورا كثيرا إلى قريب من أربعمائة سنة، فانقطع منها، ودخل منه شيء قديما بجزيرة الأندلس، وبمدينة فاس، وغلب مذهب الأوزاعي على الشام، وعلى جزيرة الأندلس إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع.
وأما مذهب الحسن والثوري، فلم يكثر أتباعهما، ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب.
وأما الشافعي رحمه الله، فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهب المالكية، ثم بالعراق وبغداد وغلب عليهما وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا هذا، ودخل وراء النهر وبلاد فارس، ودخل شيء منه إفريقية والأندلس بأخرة بعد ثلاثمائة سنة.
وأما مذهب أحمد بن حنبل، فظهر ببغداد، ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها، وضعف الآن.
وأما أصحاب الطبري وأبي ثور، فلم يكثروا ولا طالت مدتهم وانقطع
(2/71)

أتباع أبي ثور بعد ثلاثمائة سنة، وأتباع الطبري بعد أربعمائة.
أما أتباع داود الظاهري، فقد كثروا وانتشروا ببغداد وبلاد فارس، وقال به قوم قليل بأفريقية والأندلس وضعف الآن.
فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم، واتفق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وظاهرية. ا. هـ. بخ على نقل "الديباج" هذا كلام عياض عن انتشار المذاهب في القرن السادس.
وقد ابن سلطان: أول "شرح المشكاة": إن بلاد ما وراء النهر، وولاية الهند والروم لا يعرفون إماما غير أبي حنيفة، ولا يعلمون مذهبا سوى مذهبه، وأتباعه أكثر من أتباع جميع الأئمة بحيث يكونون ثلثي المؤمنين بالتثنية. ا. هـ. بخ.
أما الظاهرية الآن، فقد انقرضوا، وما بقي إلا المذاهب الأربعة أو الزيدية في اليمن فإفريقية بسودانها ملك لمالك عدا مصر فللشافعي، وبها المالكية وغيرهم قليل، وبالحجاز والشام كذلك، وفيه بعض الحنابلة وخصوصا بالقدس والجزيرة، وكذلك أهل نجد الوهابيون حنابلة وبعض العراق. أما بلاد الترك، فللحنفية مع بلاد العجم والهند، أما بلاد الأفغان فشافعية، وأما مملكة إيران الفارسية فشيعة. قال السيوطي في "فتاويه": إن انحصار المذاهب في الأربعة إنما كان بعد الخمسمائة بسبب موت العلماء، وقصور الهمم، وانقراض العارفين بغيرها نقله في "الأزهار" وقال في "الطبقات السبكية" قال أهل التجربة: إن هذه الأقاليم المصرية والشامية والحجازية متى كان اليد فيها لغير الشافعية خربت، ومتى قدم سلطانها غير شافعي زالت دولته سريعا، وكأن هذا السر فعل الله في هذه البلاد. وكما جعله لمالك في بلاد المغرب، ولأبي حنيفة فيما وراء النهر، ونقل عن الشيخ الإمام والده عن ابن المرجل أنه ما جلس على كرسي مصر غير شافعي إلا وقتل سريعا إلخ. ما ذكره في الورقة عدد 134 من الجزء الخامس. وما
(2/72)

قصدي صحة هذا الكلام أو بطلانه عقلا أو شرعا، وقد تبين أنها أوهام أوقعوها في عقول المغفلين، فقد كانت تلك البلاد بلادا قبل تلك المذاهب وبقيت بلادا عامرة لما حل الأتراك بها، وولوا الحنفية ولا وقع شيء مما كانوا يتوعدون أو يتطيرون، وإنما قصدي أن تعلم البلاد التي توجد فيها تلك المذاهب نافذة الأمر وأسباب نفوذها.
(2/73)

الزيدية في اليمن:
هم أتباع زيد بن علي1 زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وإمامهم زيد المذكور، أخذ عن واصل بن عطاء شيخ الاعتزال، فلذلك دخلت لهم بعض عقائدهم. وهم يقولون بإمامة أولاد علي من فاطمة، ويجوزون خروج إمامين في قطرين إذا استجمعا خصال الإمامة من علم وزهد، وشجاعة وسخاء، وبعضهم يزيد صباحة الوجه، ومن مبادئ زيدهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل لمصلحة أو تقية كإمامة أبي بكر وعمر مع وجود علي ورضاه، ولما بلغت مقالته الشيعة، رفضوه، فكل طوائف الشيعة روافض إلا الزيدية.
__________
1 ترجمته في تهذيب ابن عساكر "6/ 15"، والكامل "5/ 74"، والطبري في وفيات سنة "121 وسنة 122". وللشيخ الفاضل محمد أبي زهرة رحمه الله كتاب كبير في ترجمته وأخباره، وفقهه وآرائه.
(2/73)

بعض تراجم الزيدية:
قال 301- السيد الشريف: المتوفى سنة 816 ست عشرة وثمانمائة في "شرح المواقف" ما نصه: أكثر الزيدية في زماننا مقلدون يرجعون في أصول الدين إلى الاعتزال وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في قليل من المسائل. ا. هـ. ونقله في "الأزهار" وسلمه.
وقال بعضهم: أهل الأصول التي خالفوا فيها السنة أربعة: القول بإمامة زيد، ثم أولاد فاطمة، وبوجوب الخروج على الظلمة، وهذا أخذوه عن الخوارج والقول بالعدل والتوحيد بالمعنى المشهور عند المعتزلة، أما في الفقه، فالتحقيق أنهم لا يتقيدون بمذهب وأئمتهم يدعون الاجتهاد، ولكن لا يخرجون عن المذاهب الأربعة غالبا، فمذهبهم خليط بين اعتزال. وتشيع باعتدال.
(2/73)

قال في "صبح الأعشى": ومن أئمة الزيدية سلطانهم:
302- يحيى بن سعيد الزاهد بن القاسم الرسي 1:
بويع بالإمامة سنة 288، وتوفي بصعدة سنة 298، وله مصنفات في الحلال والحرام كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة وتآليف بين الشيعة مشهورة، قال ابن حزم: ولم يبعد في الفقه عن الجماعة كل البعد. ا. هـ.
ومن أئمتهم:
303- الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي: صنف الكتب على مذهب الزيدية، ويلقب بالإمام الناصر للحق.
ومنهم 304- الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي: وهو الذي ثار في طبرستان وملكها في سنة 250 خمسين ومائتين وتوفي سنة 270 له كتاب جامع في الفقه، وكتاب "البيان".
ومنهم 305- القاسم بن إبراهيم العلوي البرسي: صاحب صعدة، وإليه تنسب الزيدية القاسمية توفي سنة 280 ثمانين ومائتين ومنهم 306- أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي2: كان فقيها على مذهبهم مستبصرا في علم التأويل، ملك اليمن سنة 455 خمسة وخمسين وأربعمائة، ولكنه قتل سنة 743 ثلاث وسبعين وأربعمائة، ومنهم
__________
1 يحيى بن الحسين الزاهد بن القاسم الرسي: يحيى بن الحسين بن القاسم بن الحسن بن زيد بن علي. لسان الميزان "6/ 248"، دائرة معارف الأعلمي "30/ 89".
2 أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي: مات سنة "84" دمية القصر "1/ 51، 53"، الأنساب "8/ 87"، سير الأعلام "18/ 359"، المنتظم "8/ 165" اللباب "2/ 246"، الكامل "9/ 614" تاريخ ابن خلدون "4/ 214" البداية والنهاية "12/ 96" النجوم الزاهرة "5/ 58" المختصر "1/ 554، 557".
(2/74)

علامتهم المتفنن إمامهم المهدوي:
307- أحمد بن مرتضى الحسين المهدوي:
الذي بويع بإمامتهم العظمى لما مات صلاح الدين الأيوبي سنة 793 ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقد حبس بعد ذلك سبع سنين، فألف في أثنائها متن "الأزهار" وشرحه "الغيب المدرار" في فقه الزيدية، ثم خرج من السجن، وذهب إلى الإمام الهادي، واتفقا، وتم له الأمر بعده، قال المقبلي صاحب "العلم الشامخ" الإمام المهدي هو الذي أخرج مذهب الزيدية إلى حيز الوجود. ومن أئمتهم المقلدين:
308- أبو الحسن عبد الله بن مفتاح:
الذي شرح كتاب الأزهار بشرح سماه "المنتزع المختار من الغيث المدرار" انتزعه من شرح المصنف اعتنى فيه بتحقيق الراجح في مذهبهم، وبذكر خلاف علماء الأمصار كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل توفي سنة 877 سبع وسبعين وثمانمائة، ومنهم الإمام:
309- إسماعيل بن القاسم بن محمد:
ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن الحسن المثني، وهو المتوكل على الله الزيدي ولي اليمن بعد وفاة أخيه محمد المؤيد وخلع أخيه أحمد سنة 1055، وسار سيرة حسنة ودانت له أقاليم اليمن. كان عالما متضلعا أخذ عن كثير من علماء الزيدية والشافعية، وألف تواليف رائقة منها شرحه على جامع الأصول وجمع أربعين حديثا تتعلق بمذهب الزيدية، وشرحها شرحا مستوعبا، وله رسالة في التحسين والتقبيح العقليين، وكان باحثا مناظرا يعظم الشرع، ولا يخرج عن حكمه، ولكن ذكر بعضهم أنه استولى سنة 1070 على حضرموت فأمرهم أن يزيدوا في الأذان: حي على خير العمل، وترك الترضي على الشيخين، وكان شاعرا رقيقا توفي سنة 1087 سبع وثمانين وألف عن سبعين سنة. ا. هـ. بخ "خلاصة الأثر".
(2/75)

ومنهم:
310- الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني 1:
إمام علماء اليمن في القرن الثالث عشر حديثا وأصولا ومشاركة رواية ودراية، معروف بالتحرير، وجودة التأليف، قاضي القضاة موصوف عندهم بالاجتهاد، المستقل، وقد أنكروه عليه في أول أمره، ونازعوه فيه وحصلت من ذلك فتنة ولكن في آخر الأمر أذعنوا لعلمه وسعة اطلاعه، وله تآليف تدل على باع وحسن اطلاع ككتابه "نيل الأوطار" الذي شرح به أحاديث الأحكام التي جمعها الإمام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحراني الشهير بابن تيمية2 وهو مطبوع، وله شرح الأزهار في فقه الزيدية سلك فيه رد الفروع لأصلها مبينا أدلة الأقوال سالكا سبيل التعادل والتراجع على طريقة كتابه "نيل الأوطار" غير مقيد بمذهب وله كتاب "إرشاد الفحول" في علم الأصول مطبوع أيضا من أحسن مختصرات هذا الفن جمع فيه لبه في أسلوب لطيف غير أنه يميل للاعتزال3 إذ مذهب الزيدية مبني على ذلك، وله تآليف غير ذلك. حاصلة نادرة القرن الهجري الماضي ما أظن أنه كان فيه مثله. هذه كلمة حملني عليها الإنصاف توفي سنة 1250 خمسين ومائتين وألف، وللزيدية أئمة آخرون يطول بنا ذكرهم.
__________
1 محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني -إمام علماء اليمن: أبو عبد الله ولد سنة "1173"، مات سنة "1250":
الشوكاني الصنعاني الخولاني: التاج المكلل ص"43، 458"، معجم المؤلفين "11/ 53".
2 المتوفى سنة "653هـ" واسم كتابه "المنتقى من أخبار المصطفى" وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة" "2/ 249، 254" لابن رجب الحنبلي.
3 فيه نظر، فإنه رحمه الله كان على مذهب السلف كما يعلم ذلك من كتابه "التحف بمذهب السلف" وقد صرح في ترجمته نفسه في "البدر الطالع" "2/ 214، 225"، بأنه ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادا مطلقا غير مقيد.. هذا والحق أنه كان زيديا في أول أمره، ثم ترك المذهب كما يظهر في نيل الأوطار رحمه الله.
(2/76)

فقه الشافعية
...
فقه الشيعة:
قد ألف 311- يعقوب بن كلس: وزير العزيز الفاطمي بمصر كتابا يتضمن الفقه على ما سمعه من المعز لدين الله وابنه العزيز، وقد بوبه على أبواب الفقه، فبلغ حجمه نصف حجم صحيح البخاري حشاه فقه الطائفة الإسماعيلية، ولقد بذل الفاطميون جهدهم في نشره.
حتى كان الوزير المشار إليه يجلس بنفسه لقراءته على الطلبة وبين يديه الخواص والعوام وسائر الفقهاء والأدباء وجعله مرجع القضاء والفتوى، فأفتى الناس به، ودرسوه في جامع عمرو بن العاص.
ورغب خلفاؤهم الناس في حفظه ببذل العطاء، فأجرى العزيز الرزق على 35 فقيها ليحضروا مجلس الوزير وأكثر في هذا الباب بما يطول، ثم تعقب من يطالع غيره.
ولقد وجدوا "الموطأ" عند رجل يوما فضربوه وطافوا به تأييدا لهذه السياسة التي ربطوها بالدين.
ولقد كان يعقوب الوزير هذا يهوديا فأسلم، وأحسن في خدمة العزيز، وقد مرض يوما فعاده، وقال له: لو أنك تباع، لاشتريت حياتك بملكي، انظر ابن الأثير.
ولقد صار خلفاؤهم على هذا المنوال حتى إن الظاهر منهم قد أخرج المالكية من مصر سنة 411 وغيرهم من الفقهاء وشددوا على الناس في حفظ دعائم الإسلام ومختصر الوزير المذكور انظر المقريزي وغيره.
(2/77)

ومذهب الشيعة هو السائد في مملكة إيران بأرض فارس إلى وقتنا هذا، وفيهم علماء وفقهاء كثيرون، ولبعدهم عن أوطاننا وانقطاع الصلات العلمية وغيرها بيننا وبينهم لم نتعرض لتراجمهم، وليست مملكة إسلامية في المعمورة على هذا المذهب سواهم فيما أظن.
أما الإسماعيلية، فهم بنواحي الشام، ويعتبرهم العالم الإسلامي كفارا مارقين من الجامعة الإسلامية، ويسمون الملاحدة والباطنية من بقايا القرامطة، وأصحاب حسن بن صباح تغلبوا في أواسط القرن الخامس على حصون بقرب قزوين، وقوم منهم بسورية وجبال طرسوس وبقيت سلطتهم إلى أواسط القرن السابع ولا زالت منهم بقية إلى الآن.
(2/78)

تراجم المجتهدين في القرن الثالث والرابع
مدخل
...
تراجم المجتهدين في القرن الثالث والرابع غير ما تقدم:
312- الأول أبو نعيم الفضل بن دكين1: الحافظ العلم مولى آل طلحة بن عبيد الله الكوفي الملائي الأحول قال أحمد: ثقة يقظان، وقال الفسوي: أجمع أصحابنا أنه كان غاية في الإتقان توفي سنة "219" تسع عشرة ومائتين.
313- أبو أيوب سليمان بن داود بن علي2: ابن عبد الله بن عباس الهاشمي البغدادي الفقيه توفي سنة "219" تسع عشرة ومائتين.
__________
1 أبو نعيم الفضل بن دكين: ترجمته في تاريخ بغداد "12/ 346"، وتهذيب التهذيب "8/ 270، 276".
2 أبو أيوب سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عياش الهاشمي البغدادي الفقيه: الهاشمي العباسي توفي "219": التاريخ الكبير "4/ 10"، تاريخ بغداد "9/ 31"، الوافي بالوافيات "15/ 389"، العبر "1/ 376، 377"، دائرة الأعلمي "19/ 237".
(2/78)

314- أبو عثمان عفان بن مسلم 1 بن عبد الله الأنصاري: مولاهم البصري الصفار أحد الأئمة الأعلام. توفي سنة "220" عشرين ومائتين.
315- أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب2: القعنبي الحارثي المدني نزيل البصرة أحد الأعلام في العلم والعمل راوي "الموطأ" وقال الذهبي: من أئمة الهدى حتى تغالى فيه بعض الحفاظ، وفضله على مالك الإمام، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة.
316- أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي3 الواشحي بمعجمة فمهملة البصري قاضي مكة أحد الأعلام الحافظ، قال أبو حاتم: حضرت مجلسه ببغداد، فحزروا من فيه بأربعين ألف رجل توفي سنة "224" أربع وعشرين ومائتين.
__________
1 أبو عثمان عفان بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولاهم البصري الصغار: الباهلي البصري الأنصاري الصغار مات بعد سنة "219 أو 220":
تاريخ بغداد "12/ 269"، تاريخ الثقات "336"، الثقات "8/ 522"، تذكرة "1/ 379"، تقريب التهذيب "2/ 25"، تهذيب التهذيب "7/ 230"، تهذيب الكمال "2/ 941"، الخلاصة "2/ 234"، الكاشف "2/ 270"، شذرات "2/ 47"، سير النبلاء "10/ 242"، الأعلام "4/ 238"، دائرة الأعلمي "22/ 52"، لسان الميزان "7/ 306".
2 أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي المدني: التميمي وقيل: التيمي القعنبي الحارثي المدني البصري مات سنة "221":
تقريب التهذيب "1/ 451"، تهذيب التهذيب "6/ 31، 33"، تهذيب الكمال "2/ 742"، الخلاصة "2/ 100"، الجرح والتعديل "5/ 839"، الكاشف "2/ 131"، الديباج المذهب "1/ 411، 413"، الأنساب "1/ 468"، ثقات "8/ 353"، العبر للذهبي "1/ 382، 383"، تاريخ الثقات "9/ 21".
3 أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي الواشحي البصري الأسدي قاضي مكة:
تقريب التهذيب "1/ 322"، تهذيب التهذيب "4/ 178"، تهذيب الكمال "1/ 533"، الكاشف "1/ 391"، الخلاصة "4/ 410"، جامع المسانيد "2/ 474"، الأنساب "13/ 261"، تراجم الأحبار "2/ 36"، البداية والنهاية "10/ 291"، سير النبلاء "10/ 330".
(2/79)

317- أبو عبيد القاسم بن سلام 1:
الأزدي مولاهم البغدادي صاحب التصانيف وأحد أعلام الأئمة حديثا وفقها ولغة قال إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أفقه ومن الشافعي وأحمد أعلم، وقال الدارقطني: جبل إمام، وفي "أعلام الموقعين" أنه جبل نفخ فيه الروح علما وجلالة، ونبلا وأدبا وقال الذهبي في كتاب "العلو": إنه من أئمة الاجتهاد توفي سنة "224" أربع وعشرين ومائتين ولي قضاء طرسوس 18 سنة وهو أول من صنف في الغريب، وكتبه تنيف عن عشرين.
318- أبو زكريا يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي 2:
الحنظلي النيسابوري أخذ عن مالك وأقرانه "الموطأ" وغيرها، وعن خارجة بن مصعب والكبار، وعنه يرويها البخاري ومسلم، وهو غير يحيى بن يحيى الأندلسي السابق، له رحلة طويلة أثنى عليه العلماء كثيرا.
قال الذهبي: عالم المشرق، وإليه المنتهى في الإتقان والورع والجلالة بنيسابور قل أن ترى العيون مثله، وأهدى لمالك هدية عظيمة باع ورثته بقيتها بثمانين ألفا، كان من العلماء الأجواد الثقاة.
توفي سنة "226" ست وعشرين ومائتين.
__________
1 ابن سلام بتشديد اللام، ترجمته في تذكرة الحفاظ "417"، ووفيات الأعيان "4/ 60"، وتهذيب التهذيب "7/ 315".
2 أبو زكريا يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري: التميمي المنقري النيسابوري الحنظلي. سير النبلاء "10/ 512"، والحاشية تهذيب التهذيب "11/ 296"، الأنساب "12/ 460"، تهذيب الكمال "3/ 1524"، الجرح والتعديل "9/ 823"، الكاشف "3/ 271"، الخلاصة "3/ 163"، نسيم الرياض "2/ 12"، التاريخ الصغير "2/ 354".
(2/80)

319- أبو الوليد هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي 1:
البصري الإمام الحافظ الحجة قال أحمد: متقن وهو اليوم شيخ ما أقدم عليه أحدا من المحدثين، وقال أبو حاتم: كان إماما فقيها عاملا ثقة حافظا ما رأيت في يده كتابا قط توفي سنة "227" سبع وعشرين ومائتين.
320 - أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني 2 كان حافظا جوالا صنف السنن جمع فيها ما لم يجمعه غيره، قال حرب الكرماني: أملى علينا عشرة آلاف حديث من حفظه توفي سنة "227" سبع وعشرين ومائتين.
321- أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري 3:
كاتب الواقدي هو من موالي الحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب
__________
1 أبو الوليد هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي: الباهلي البصري الكوفي الطيالسي ولد سنة "133" توفي "227":
تقريب "2/ 319"، تهذيب التهذيب "11/ 45، 47"، الكاشف "3/ 223"، الخلاصة "3/ 15"، تهذيب الكمال "3/ 441"، الثقات "7/ 571"، الميزان "4/ 301"، تراجم الأحبار "1534"، الأنساب "3/ 449"، "9/ 114"، التاريخ الصغير "2/ 355".
2 أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخرساني: الخراساني الجورقاني المروزي الطالواني الجوزجاني: مات سنة "227" أو "229":
تقريب التهذيب "1/ 306"، تهذيب التهذيب "4/ 89"، الكاشف "1/ 373"، الميزان "2/ 159"، العبر "1/ 399"، لسان الميزان "7/ 232"، سير النبلاء "10/ 86"، الأعلمي "19/ 182".
3 أبو عبد الله محمد بن سعيد بن منيع الزهري "كاتب الواقدي": أبو عبد الله الأشجعي البصري الزهري كاتب الواقدي البغدادي الشهرة غلام الواقدي. مات "سنة 230":
تقريب التهذيب "2/ 163"، تهذيب التهذيب "9/ 182"، الكاشف "3/ 46"، تهذيب الكمال "3/ 1201"، الخلاصة "2/ 406"، تاريخ بغداد "5/ 321"، الجرح والتعديل "7/ 1433"، لسان الميزان "7/ 359"، سير النبلاء "10/ 664"، الأعلمي "26/ 275".
(2/81)

أحد الأئمة الأعلام النبلاء الأجلاء، صحب الواقدي زمنا، وكتب له، وعرف به، روى عن ابن عيينة وطبقته، وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره، وصنف كتابا في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته، فأجاد فيه وأحسن في نحو 15 مجلدا، وقد وقفت على ثلاثة أجزاء منها تجزئة ثمانية وهي الجزء الثالث والخامس والثامن طبعت في مدينة ليدن طبعها مدير المدرسة الشرقية في برلين سنة 1321 إلى 1322 هجرية، فلا أدري هل كملت كلها أم لا وهي مطبعة غاية الإتقان، وله طبقات صغرى، وكان ثقة مأمونا عمدة عند من أتى بعده بخلاف شيخه الواقدي، فقد تكلموا فيه حتى رموه بالكذب، وكان غزير العلم، كثير الكتب في الفقه والحديث وغيرهما، أثنى عليه الخطيب البغدادي وغيره.. توفي سنة "230" ثلاثين ومائتين.
322- يحيى بن معين بن عون المري البغدادي الحافظ 1:
المشهور كان إماما عالما حافظا متقنا قال الذهبي: هو سيد الحفاظ النجاد، حامل راية الحديث لا يحتاج إلى تعريف، كان أبوه على خراج الري، فترك له ألف ألف وخمسين ألف درهم، فأنفقها على الحديث، ونقل عنه قال: كتبت بيدي ستمائة ألف حديث، قال راوي هذا الخبر أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين كتبوا له ستمائة ألف حديث.
كان رفيق ابن حنبل وأليقه في الحديث، وأخذ عنه أمثال البخاري ومسلم وأبي داود وروى عنه ابن حنبل وأبو خيثمة من أقرانه، وقال فيه أحمد: كل حديث لا يعرفه، فليس بحديث قال ابن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى
__________
1 يحيى بن معين بن عون المري البغدادي الحافظ: أبو زكريا العطاني البغدادي المري. ولد سنة "158" توفي سنة "233" أو سنة "203" عن "77" سنة:
وفيات الأعيان "6/ 139"، معجم المؤلفين "13/ 232"، والحاشية تذكرة الحفاظ "2/ 16"، تاريخ الثقات "475"، تقريب التهذيب "2/ 358"، تهذيب التهذيب "11/ 280"، تهذيب الكمال "3/ 1519".
(2/82)

يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى إسحاق والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة، وبالكوفة إلى سفيان الثوري وابن عيينة، وبالحجاز إلى مالك، وبالشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة ووكيع، وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علما، وابن مهدي ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين، وقال ابن الرومي: ما رأيت أحدا يقول الحق في المشايخ غير يحيى بن معين، أما غيره، فكان يتحامل بالقول، وكان يحيى كثيرا ما ينشد:
المال يذهب حله وحرامه ... طرا ويبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلاهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي ويكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبيء لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه
توفي يحيى سنة "233" ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة المنورة.
323- أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي السعدي 1:
مولاهم البصري الحافظ إمام المحدثين قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا بين ابن المديني، وأكثر عنه في صحيحه، وكان ابن عيينة يسميه حية الوادي،
__________
1 أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي السعدي مولاهم البصري الحافظ: أبو الحسن البصري السعدي ابن المديني. مات سنة 234 أو 208:
تقريب التهذيب "2/ 39"، تهذيب التهذيب "7/ 349"، الكاشف "2/ 288"، تهذيب الكمال "2/ 978"، الخلاصة "2/ 251"، التحفة اللطيفة "3/ 23"، الميزان "3/ 138"، تاريخ بغداد "11/ 458"، تذكرة "2/ 428"، شذرات "2/ 81"، العبر "1/ 418"، تراجم الأحبار "3/ 79-192".
(2/83)

وقال القطان: كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا، وقد أجاب إلى القول بخلق القرآن ولذلك تكلم فيه أحمد والعقيلي، وأنت تعلم أن من وضعه أحمد سقط، إلا أنه رجع، على أنها قولة سياسية أكثر منها دينية، ولعله لذا لم يذكره مسلم في صحيحه. توفي سنة "234" أربع وثلاثين ومائتين.
324- أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير 1: مصغر الهمداني الكوفي الحافظ أحد الأعلام توفي سنة "234"، أربع وثلا ثين ومائتين.
325- أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي القضاعي 2: النفيلي الحراني عالم الجزيرة، الحافظ أحمد الأئمة، قال الذهبي: من أركان الدين يُنظر بابن حنبل، قال أبو داود، ما رأيت أحفظ منه، توفي سنة "234"، أربع وثلاثين ومائتين عن سن عالية.
326- أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة 3: العبسي بموحدة مولاهم الكوفي الحافظ أحد الأعلام صاحب
__________
1 أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير مصغر الهمداني الكوفي الحافظ: أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي المخارفي الإمام مات سنة 234:
المعرفة والتاريخ انظر الفهارس صفحة "756"، تهذيب التهذيب "2/ 180"، "9/ 282"، الكاشف "3/ 65"، التاريخ الكبير "1/ 144"، تراجم الأحبار "4/ 25"، نسيم الرياض "1/ 260"، سير النبلاء "11/ 455"، الأنساب "5/ 10".
2 أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي القضاعي النفيلي الحراني عالم الجزيرة:
تهذيب التهذيب "6/ 16، 18"، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن، دائرة الأعلمي "21/ 239".
3 أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة العبسي مولاهم الكوفي: الكوفي العبسي أبو بكر مات سنة 235:
المعرفة والتاريخ الفهارس صفحة "651"، تاريخ أسماء الثقات "689"، تقريب التهذيب "4/ 445"، رجال صحيح مسلم "1/ 385"، رقم "852"، تهذيب التهذيب "1/ 421"، العبر "1/ 421"، دائرة الأعلمي "21/ 226"، الميزان "2/ 490"، تراجم الأحبار "2/ 295"، البداية والنهاية "10/ 315".
(2/84)

"المصنف" مات سنة "235" خمس وثلاثين ومائتين.
327 - أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي 1:
الحزامي المدني أحد كبار العلماء المحدثين مات سنة "236" ست وثلاثين ومائتين.
328- أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة العصفري 2:
البصري المعروف بشباب، صاحب "الطبقات" الحافظ العارف بالتاريخ وأيام الناس، غير الفضل والعلم، شيخ البخاري وطبقته. قال ابن عساكر: توفي سنة "240" أربعين ومائتين، وقال غيره: سنة ثلاثين.
329- أبو محمد يحيى بن أكثم 3 بن محمد التيمي:
المروزي ثم البغدادي من ولد أكثم بن صيفي حكيم العرب، كان فقيها
__________
1 أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني: تهذيب التهذيب "1/ 166، 167".
2 أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة العصفري البصري: أبو هبيرة، العصفري الليثي الحافظ البصري، مات سنة 160:
تقريب التهذيب "1/ 227"، تهذيب التهذيب "3/ 161"، لسان الميزان "2/ 49"، الثقات "6/ 59"، التمهيد "8/ 365"، الجرح والتعديل "3/ 1727، 1726"، العبر "1/ 15".
3 أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد التيمي المروزي البغدادي: القاضي الخراساني، مات سنة 242، 243 عن 83 سنة:
ضعفاء ابن الجوزي "3/ 191"، تقريب التهذيب "2/ 342"، الكاشف "3/ 250"، تهذيب التهذيب "11/ 179"، تهذيب الكمال "3/ 1487"، الجرح والتعديل "9/ 549"، جامع الرواة "2/ 326".
(2/85)


عالما بصيرا بالأحكام محدثا سياسيا سنيا، روى عنه الترمذي وغيره عظمه أحمد وغيره، وتكلم فيه ابن معين وغيره حيث سمع من ابن المبارك وهو صغير، وقال إسماعيل القاضي: كان يحيى أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيء مما يرمى به، ولكنه فيه دعابة.
وقال ابن حبان: لا يشتغل بما يروى عنه أكثرها لا يصح. قال طلحة بن محمد: إنه أحد أعلام الدنيا، واسع العلم والأدب والفقه، حسن العارضة، قائم بكل معضلة.
ونقل الخطيب في تاريخه عن الإمام أحمد أنه ذكر له ما يرمونه به فقال: سبحانه الله من يقول هذا، وأنكر إنكارا شديدا.
ولي القضاء بالبصرة سنة "202" اثنين ومائتين.
قال محمد بن منصور: كنا مع المأمون في طريق الشام، فنادى بتحليل المتعة، فقال يحيى: لي ولأبي العيناء: بكرا إليه غدا، فإن رأيتما للقول وجها، فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن دخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جاهل حتى تنهى عما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأومأ أبو العيناء إلى ابن منصور يقول رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول كيف نكلمه، فجاء يحيى وجلس، فقال المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ فقال: لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال النداء بتحليل الزنى، قال: الزنى؟! قال: نعم، المتعة الزنى، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} 1 يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد
__________
1 سورة المؤمنون الآية: 1-7.
(2/86)

الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي كرم الله وجهه "أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فالتفت إلينا المأمون، وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم رواه جماعة منهم مالك بن أنس، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها.
قال أبو إسحاق وإسماعيل بن حماد القاضي: كان يحيى بن أكثم يوم في الإسلام لمن يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم.
وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين سماه "التنبيه"، وبينه وبين داود الظاهري مناظرات كثيرة، وكان يحيى من أدهى الناس، وأخبرهم بالأمور، ولا يعلم أحد غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم وأحمد بن أبي داود حتى لم يتقدمها أحد عنده، وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف حال يحيى وعلمه وعقله ما أخذ بمجامع قلبه حتى قلده قضاة القضاء، وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى.
قيل: إن المأمون استوزره، وقيل: إنما كان مستشارا، وقد قاد له الجيوش، وغزا معه الروم، فهو فقيه وقائد ووزير وقاض.
سئل بعض البلغاء عنه وعن ابن أبي داود؟ فقال: إن يحيى يهزل مع خصمه وعدوه، وابن أبي داود يجد مع ابنته وجاريته، ولم يقل يحيى بخلق القرآن، ولا بشيء من هوس المعتزلة.
ولما ولي قضاء البصرة كان ابن عشرين سنة، فجاء بعضهم إليه وقال: كم سن القاضي؟ فأجاب بديهة: ولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عتاب بن أسيد مكة أصغر مني، وأنا أكبر من معاذ لما وجهه إلى اليمن، ومن كعب بن سوار لما وجهه عمر قاضيا على البصرة، فكان جوابا وحجة، وولي قضاء مصر لما قدمها مع المأمون ثلاثة أيام وقد سخطه آخر عمره، وأوصى أخاه أن لا يركن إليه ولا يستوزره، وكان وجهه من مصر مغضوبا عليه كما في "مروج الذهب"، ولكن تولى قضاء
(2/87)

القضاة أيام المتوكل بعد محمد بن أحمد بن أبي داود، ثم عزل، وتوفي سنة "242" اثنين وأربعين ومائتين، بالربذة وقيل: ثلاث وأربعين.
انظر ابن خلكان وقد تنازع فيه الشافعية والحنفية، فكل يدعي أنه من مقلديهم.
وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
330- أحمد بن منيع البغوي 1: أبو جعفر الأصم صاحب "المسند" وروى عنه أئمة الصحيح كلهم.
توفي سنة "244" أربع وأربعين ومائتين عن سن تناهز 84.
331- أبو عبد الله أحمد بن نصر بن أبي زياد القرشي 2: النيسابوري المقرئ الزاهد الفقيه الحافظ أحد الأئمة الكبار، فقيه أهل الحديث في عصره، صاحب سنة.
توفي سنة "245" خمس وأربعين ومائتين عن 84 سنة. وهو غير 332- أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي3: الذي قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن سنة "231" إحدى وثلاثين ومائتين.
333- أبو بكر محمد بن بشار العبدي الملقب بندار 4: أحد أوعية السنة مجمع على فضله.
__________
1 أحمد بن منيع البغوي: ترجمته في تذكرة الحفاظ "2/ 481"، تهذيب التهذيب "1/ 84".
2 أبو عبد الله أحمد بن نصر بن أبي زياد القرشي: ترجمته في تهذيب التهذيب "1/ 85، 86".
3 أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي: ترجمته في تهذيب التهذيب "1/ 87"، وطبقات الحنابلة صفحة "45"، وتاريخ بغداد "5/ 173".
4 أبو بكر محمد بن بشار العبدي الملقب بندار: البصري، الشهرة: بندار: ولد سنة 167 مات سنة 252:
تقريب التهذيب "2/ 147"، تهذيب التهذيب "9/ 70"، تهذيب الكمال "3/ 1177"، الخلاصة "2/ 384"، الكاشف "3/ 23"، الجرح والتعديل "7/ 1187"، الميزان=
(2/88)

توفي سنة "252"، اثنين وخمسين ومائتين.
334- أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدرامي 1:
السمرقدني الحافظ أحد الأعلام صاحب "المسند" الذي هو أحق أن يعد من الكتب الستة والتفسير والجامع، روى عنه مسلم في الصحيح، والبخاري خارجه، وأبو داود والترمذي وغيرهم.
قال أحمد: إمام زمانه، قال ابن حبان: كان ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف وحدث وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذب عن محارمها، وقمع مخالفيها.
مات سنة "255" خمس وخمسين ومائتين والدارمي نسبة إلى دارم بطن من بني تميم كما قال التفتازاني على الأربعين النووية.
335- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري 2:
الجعفي مولاهم ولاء إسلام، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين الحافظ
__________
1 أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي السمرقدني: التميمي، ولد سنة 181، مات سنة 255:
معجم المؤلفين "6/ 71"، تقريب التهذيب "1/ 492"، تهذيب التهذيب "5/ 294"، تهذيب الكمال "2/ 703"، الكاشف "2/ 103"، الخلاصة "2/ 74"، مرآة الجنان "2/ 161"، العبر للذهبي "2/ 8"، تاريخ بغداد "10/ 92، 33، الإعلام "4/ 95، 96"، التاريخ "8/ 364"، الأعلمي "21/ 206".
2 أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري مولاهم ولاء إسلام: أبو عبد الله الجعفي، البخاري، ولد سنة 194، مات سنة "265:
تقريب التهذيب "2/ 144"، تهذيب التهذيب "9/ 47"، تهذيب الكمال "3/ 1169"،=
(2/89)

الحجة الذي كان يتوقد ذكاء، الورع التقي الكبير الشأن عديم النظير، المجمع على فضله وثقته وحفظه من الرأي العام الإسلامي من زمنه إلى الآن.
له رحلتان من خراسان إلى العراق والجزيرة والحجاز والشام وإلى مصر، كتب عن أكثر من ألف شيخ من نخبة علماء وقته. لقي مكي بن إبراهيم بخراسان، وأبا عاصم النبيل بالبصرة، وعبد الله بن موسى بالكوفة والمقرئ بمكة، والفريابي بالشام، وأحمد بن صالح بمصر.
وألف الجامع الصحيح الذي لا يحتاج في التنويه به إلى الزيادة على أكثر من ذكر اسمه الذي هو أعظم مواد الفقه، الحاوي لنفائس دقائقه، وبديع فلسفته، وبارع استنباطه، وأغزر موارده تفريقا وتأصيلا، انتخبه من زهاء ستمائة ألف حديث، فكان نحو ألفين وخمسمائة فقط، كلها مسندة متصلة دون ما فيه من التعاليق، وأقوال السلف وغيرها، وقد رواه عنه في حياته نحو تسعين ألفا من علماء الأقطار المتنائية.
أما ثناء العلماء عليه، وذكر مناقبه، فشيء كثير، وقد خصت بتآليف كيف لا وهو مفخرة من مفاخر الإسلام، وجامعه حجة الله في الأنام، اتفقت الأمة أنه أصح كتب الدين الإسلامي من بعد المصحف الكريم لا يقدم عليه أي كتاب غيره للثقة العامة الحاصلة بصاحبه.
قال فيه شيخه أحمد بن حنبل: هو فقيه هذه الأمة، توفي سنة "256" ست وخمسين ومائتين عن اثنين وستين سنة، وله تآليف عظام في التاريخ وغيره لا زالت حجة ومفخرة على مر الأيام منذ اثني عشر قرنا لم يتبدل فكر الأمة فيها.
336- أبو عبد الله الزبير بن بكار الأسدي 1: قاضي مكة
__________
1 أبو عبد الله الزبير بن بكار الأسدي: ترجمته في تاريخ بغداد "8/ 467"، ووفيات الأعيان "2/ 311، 312"، وفي مقدمة الأستاذ محمود شاكر لجمهرة نسب قريش ترجمة واسعة له.
(2/90)

وعالم أنساب قريش، وعمدة الناس في ذلك على كتبه، كان ذا فضل وعلم، روى عن ابن عيينة وغيره، ووثقه الدارقطني، والخطيب: وأخرج له ابن ماجه، وابن أبي الدنيا.
توفي بمكة وهو قاضيها سنة "256" ست وخمسين ومائتين، عن أربع وثمانين سنة.
337- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي 1:
النيسابوري الحافظ: أحد الأعلام الكبار إمام أهل خراسان بعد إسحاق بلا مدافعة، وكان رئيسا مطاعا، كبير الشأن، وهو الذي كان سببا في إخراج البخاري من بلده ووفاته مغتربا، ومع ذلك روى له في صحيحه، متفق عليه، له رحلة واسعة جمع أحاديث الزهري في مجلدين، توفي سنة 258 ثمان وخمسين ومائتين.
338- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري 2:
النيسابوري الحافظ الحجة أحد أئمة الإسلام، ومفخرة الأعلام، ويكفي
__________
1 أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي النيسابوري: أبو علي، الزهري، مات سنة 258 أو سنة 252 أو سنة 259:
معجم المؤلفين "12/ 105"، الأنساب "6/ 351"، حاشية الأنساب "8/ 194"، الوافي بالوفيات "5/ 186"، تقريب التهذيب "2/ 271، 218، 222"، تهذيب التهذيب "9/ 511"، تهذيب الكمال "3/ 1286"، الكاشف "3/ 107"، الخلاصة "2/ 467، 468"، نسيم الرياض "2/ 84"، تراجم الأحبار "4/ 79".
2 أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري: النيسابوري، ولد سنة 204، مات سنة 261:
تقريب التهذيب "2/ 245"، تهذيب التهذيب "10/ 162"، تهذيب الكمال "3/ 1342"، الكاشف "3/ 140"، الخلاصة "3/ 24"، العبر "1/ 547"، الجرح والتعديل "8/ 797"، الأنساب "10/ 426"، نسيم الرياض "1/ 345"، التقييد "2/ 250"، البداية والنهاية "11/ 33"، والأعلمي "72/ 264".
(2/91)

في ترجمته أن نقول: هو مسلم مؤلف الصحيح الذي هو توءم صحيح البخاري، وله كتاب "الطبقات" وغيرهها، أجمعت الأمة على قبول صحيحه كصحيح البخاري، والتدين بما فيهما، والتبرك بكتابيهما، وأنهما في الدرجة الثانية صحة وتشريعا بعد كتاب الله سبحانه، وتلقتهما بالقبول وكمال الثقة، واعتبارهما ركنين مكينين للشريعة المطهرة لا يتم تشريع لفقيه دونهما للثقة العامة الحاصلة لمؤلفيهما، لزيادة التحري والإتقان.
رحل مسلم إلى أقطار الأرض، وأخذ عن أعلام كيحيى بن يحيى النيسابوري والبخاري وعبد الله القعنبي، وأحمد، وابن راهويه، وقدم بغداد غيره مرة، فسمع منه أعلامها. قال محمد الماسرجسي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وقال أبو علي النيسابوري الحافظ: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وكان مسلم حر الضمير واللسان. ولما وقع من محمد بن يحيى الذهلي ما وقع في جانب البخاري حيث قال: إن لفظي بالقرآن حادث، وأمر الذهلي كل من يحضر مجلسه ألا يذهب إلى البخاري، قام مسلم من مجلس الذهلي، ووجه إليه بكل ما روى عنه، ولم يتخلف عن البخاري.
توفى سنة 261 إحدى وستين ومائتين عن سبع وخمسين سنة، وقال ابن خلكان: عن خمس وخمسين.
339- أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم المخزومي مولاهم الرازي 1
إمام أهل الحديث في زمانه الحافظ المشهور في أقطار الأرض أحد الأئمة
__________
1 أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم المخزومي مولاهم الرازي: أبو زرعة مولى عباس بن مطرف الأزدي، المخزومي، ولد سنة 200، مات سنة 264:
تاريخ بغداد "10/ 326"، تقريب التهذيب "1/ 536"، تهذيب التهذيب "7/ 30"،=
(2/92)

الأعلام. قال أحمد: ما عبر جسر بغداد أحفظ من أبي زرعة، وكان من الأبدال الذين تحفظ بهم الأرض، وقال: يحفظ هذا الشاب سبعمائة ألف حديث. نقله الذهبي في كتاب "العلو" وقال بعده: قلت: كان رأسا في العلم والعمل ومناقبه جمة. وقال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة، فليس له أصل، وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلف حديث في القرآن، وقال: ما سمع أذني شيئا من العلم إلا وعاه قلبي، توفي سنة 264 أربع وستين ومائتين.
340- أبو عبد الله محمد بن ماجه بن يزيد الربعي القزويني 1: إمام من أئمة المسلمين، متقن مقبول باتفاق، ألف السنن المعدودة من الكتب الستة عند كثير من المتأخرين. وله تفسير، رحل رحلة واسعة، توفي سنة 273 ثلاث وسبعين ومائتين.
341- أبو داود سليمان بن الأشعث 2 بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني:
نزل بغداد، ثم البصرة آخرا، الإمام الحافظ الحجة المجتمع على فضله وعلمه، الرحال، أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا، ونسكا وورعا وإتقانا،
__________
1 أبو عبد الله محمد بن ماجه بن يزيد الربعي القزويني: أبو عبد الله، حافظ قزوين:
المعين رقم "1177"، من أخطأ علي الشافعي ص"99".
2 أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني" السحزي، ولد سنة 202، مات سنة 275:
تقريب التهذيب "1/ 321"، تهذيب التهذيب "4/ 169"، تهذيب الكمال "1/ 530"، الكاشف "4/ 169"، الخلاصة "1/ 408"، نسيم الرياض "1/ 40"، والأنساب "7/ 84"، طبقات الحفاظ "26"، الجرح والتعديل "4/ 456"، التقييد "2/ 4"، التمهيد "1/ 216"، العبر "1/ 500".
(2/93)

كتابه السنن من كتب الحديث المقبولة عند الأمة، وهي في الرتبة الأولى بعد الصحيحين، ومن مواد الفقه العظيمة حيث خصصها بأحاديث الأحكام، لا يستغني عنها فقيه، بها نيف وأربعة آلاف حديث، عرضها على الإمام أحمد، فاستحسنها واستجادها. وكان يقول: كتبت خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته السنن توفي سنة 275 خمس وسبعين ومائتين عن تسع وثمانين سنة، ودفن بالبصرة.
342- أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي 1:
الحافظ الإمام المولود سنة 201 الزاهد المجاهد، حضر سبعين غزوة، وكان يختم القرآن في كل ليلة بثلاث عشرة ركعة، له مسند وتفسير وغيرهما. قال ابن حزم: ما ألف مثل تفسير بقي بن مخلد أصلا، توفي سنة 276 ست وسبعين ومائتين صح من "المنح".
343- أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي 2:
مولاهم الرازي الحافظ الكبير: قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، ومن كبار أئمة الأثر، أدرك أبا نعيم والأنصاري وطبقتهما، وحدث عنه
__________
1 أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي: أبو عبد الرحمن، القرطبي الأندلسي، ولد سنة 201، ومات سنة 273:
معجم طبقات الحفاظ "67"، نسيم الرياض "1/ 372"، بغية الملتمس "245"، البداية النهاية "11/ 56، 86"، الصلة "1/ 116"، الوافي بالوفيات "10/182"، الأعلام "2/ 23"، العبر "2/ 56"، المعرفة والتاريخ "3/ 273"، التمهيد "1/ 97، 4/ 254".
2 أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي: الحفظي، الغطفاني، الأزدي، ولد سنة 195، ومات سنة 277:
الفلاكة "82"، المعين "1120"، السابق واللاحق "323"، الجرح والتعديل "7/ 1133"، تقريب التهذيب "2/ 143"، تهذيب التهذيب "9/ 31"، تهذيب الكمال "3/ 1264"، الكاشف "3/ 18"، الخلاصة "2/ 378"، الثقات "9/ 137".
(2/94)

أبو داود والكبار، توفي سنة 277 سبع وسبعين ومائتين، وقال في "المدارك": ذكره الباجري في أئمة المالكية.
344- أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي 1:
الحافظ الضرير المولود أكمه سنة 209 تسع ومائتين. كان أحد الأئمة الأعلام، صاحب الجامع المعدود من الكتب الستة المتعمدة، والتي هي من مواد الفقه العظمى المقبولة لدى الأمة، جمع فيه فنونا من علوم الحديث التي تفيد الفقيه، فانفرد بها، فإنه يذكر الحديث وغالبه في أحكام الفقه، فيذكر أسانيده، ويعدد الصحابة الذين رووه، ويصحح ما صح، ويضعف ما ضعف، ويتكلم على الرجال والعلل، ويبين من أخذ بالحديث من الفقهاء ومن لم يأخذ به، فجامعه أجمع السنن لهذه الفوائد العظيمة وغيرها، وأنفعها للمحدث والفقيه، وله التفسير والشمائل وغيرها توفي سنة 279 تسع وسبعين ومائتين.
345- أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا 2:
القرشي الأموي مولاهم البغدادي حافظ الدنيا المشهور ذو التصانيف. قال أبو حاتم: صدوق، توفي سنة "281" إحدى وثمانين ومائتين.
قال في "المنح البادية": له ألف تأليف، وله الثلاثيات، وكان إذا جالس أحدا إن شاء أضحكه، وإن شاء أبكاه في آن واحد لتوسعة في العلم والأخبار.
__________
1 أبو عيسى محمد بن سورة السلمي الترمذي: أبو عيسى، الضرير البوغي الترمذي الضرير السلمي أو الضحاك أو السكي: عاش بصيرا ورحل وكتب وإنما أضر كما قال الخطيب آخر عمره وتوفي سنة 275:
الأنساب "2/ 361"، الثقات "9/ 153"، الميزان "3/ 678"، سير النبلاء "13/ 270"، الأعلمي "14/ 46"، الخلاصة "2/ 447"، تهذيب الكمال "3/ 1255"، جمع الزوائد "7/ 350"، لسان الميزان "7/ 371.
2 أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي الأموي: تاريخ بغداد "10/ 89"، وطبقات الحنابلة "1/ 192"، وتهذيب التهذيب "6/ 12"، وتذكرة الحفاظ "2/ 677".
(2/95)

346- أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي 1:
الخراساني القاضي الرحالة أحد الأئمة الحفاظ، وأئمة الإسلام المشهور اسمه وكتابه، صاحب السنن الكبرى والصغرى المسماة بالمجتبى2 المعدودة من الكتب الستة المعتمدة في السنة.
سمع من قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وخلق كثير من الأعلام، وروى عنه الدولابي وابن السني، وأبو القاسم الطبراني وخلق.
أثنى عليه الطحاوي، والدارقطني، وأبو علي النيسابوري بالإمامة والإتقان، وقال الذهبي: إنه أحفظ من الإمام مسلم، وقد نسب للتشيع، وامتحنوه، فمات مقتولا لتفضيله عليا على معاوية رضي الله عنهما.
ولد سنة "215" وتوفي سنة "304"، أربع وثلاثمائة وهو شافعي المذهب على ما قيل.
النسائي هو آخر أصحاب الكتب الستة موتا، وقد استوفيناهم، ويكفيهم فضلا بقاء شهرتهم منذ اثني عشر قرنا في أقطار الإسلام الشاسعة لا يزيدون إلا اشتهارا ورفعة، ولا يزالون كذلك إن شاء الله.
347- أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي 3: الحافظ الكبير، مسند العصر، لقي أبا عاصم الأنصاري، وعمر
__________
1 أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الخراساني القاضي: تذكرة الحفاظ "2/ 698"، ووفيات الأعيان "1/ 77، 78"، وطبقات الشافعية "2/ 83"، والشذرات "2/ 239".
2 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: ورقة 172: وجه أول تعليقا على قول ابن الأثير: وسأل أمير أبا عبد الرحمن عن سننه أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فاكتب لنا منه الصحيح، فجرد المجتبى: قلت: هذا لم يصح، بل المجتبى اختيار ابن السني تلميذ النسائي، وقال أيضا في ورقة 173 وجه أول: الذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب أبي بكر بن السني.
3 أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي: تذكرة الحفاظ "2/ 62، 621"، وشذرات الذهب "2/210".
(2/96)

دهرا، وألف السنن المعروفة توفي سنة "292" اثنين وتسعين ومائتين.
348- أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة 1 بن المغيرة النيسابوري:
الملقب بإمام الأئمة، وحافظ نيسابور وفقيهها. قال أبو علي النيسابوري: ما رأيت مثله، كان يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة. وقال الذهبي: كان رأسا في السنة، رأسا في الفقه، من دعاة السنة، وغلاة المثبتة، له جلالة عظيمة بخراسان، أخذ الفقه عن المزني قال في "أعلام الموقعين": لم يكن مقلدا، بل إماما مستقلا، له أصحاب ينتحلون مذهبه، كما ذكره البيهقي في "مدخله"، وكان مذهبه مؤسسا على الأثر.
ولد سنة "323" سمع في صغره من ابن راهويه، ومحمد بن حميد الرازي، وحدث عن خلق كمحمود بن غيلان، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، وروى عنه البخاري ومسلم خارج الصحيح وغيرهما، له رحلة عظيمة، وعلم واسع، وفضل كبير، وألف جامعا صحيحا مشهورا وغيره، تزيد تواليفه على مائة وأربعين تأليفا.
توفي سنة "311" إحدى عشرة وثلاثمائة عن "88" ثمان وثمانين سنة.
349- أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي 2: النيسابوري السراج من حفاظ الحديث، وصنف المسند على الأبواب، عمر دهرا
__________
1 أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري: أبو بكر، السلمي الخزيمي، النيسابوري، الشافعي إمام الأئمة، ولد سنة 223، 424، 222، مات سنة 311، 511:
الإكمال "3/ 243"، والأنساب "5/ 124"، المعين "1219"، ثقات "9/ 156"، سير النبلاء "14/ 365"، التقيد "1/ 16"، معجم المؤلفين "9/ 39، 40"، الوافي بالوفيات "2/ 196"، المنتظم "6/ 184"، الجرح والتعديل "7/ 1103".
2 أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي النيسابوري السراج: اسمه محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران، أبو العباس، السراج، الثقفي النيسابوري الحراساني، ولد سنة 216 أو 218، مات سنة 313:
السابق اللاحق "325"، تاريخ بغداد "1/ 248"، الوافي بالوفيات "2/ 187"، الأنساب "7/ 112"، المعرفة والتاريخ "3/ 338"، العبر "2/ 157"، طبقات السبكي "2/ 129"، سير النبلاء "14/ 188"، الأعلمي "26/ 166".
(2/97)

طويلا.
توفي سنة "313" ثلاث عشرة وثلاثمائة.
350- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري 1
نزيل مكة أحد أعلام الأمة وأحبارها، كان إماما مجتهدا حافظا ورعا، له التصانيف السائرة، ككتاب السنن، وكتاب الإجماع، وكتاب الإشراف في الاختلاف.
قال الذهبي: كان على نهاية من معرفة الحديث والأخلاق، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا.
وقال السبكي: المحمدون أربعة: محمد بن نصر، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، ومحمد بن خزيمة؛ بلغوا مراتب الاجتهاد، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي المخرجين على أصوله المتمذهبين بمذهبه، لو فاق اجتهادهم اجتهاده، بل ادعى من بعدهم من أصحابنا الخلص كالشيخ أبي علي أنه وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم، فتبعوه، ونسبوا إليه؛ لأنهم مقلدون فما ظنك بالأربعة فإنهم لم يخرجوا في أغلب المسائل.
توفي ابن المنذر بعد سنة "316" ست عشرة وثلاثمائة.
__________
1 أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري: أبو بكر، النيسابوري الكسائي، مات 309 أو 310:
نسيم الرياض "3/ 450"، العبر "3/ 30".
(2/98)

351- أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد 1: حافظ بغداد. من أئمة هذا الشأن، لحق أصحاب مالك، وحماد بن زيد، وصنف، وجمع. توفي سنة "318" ثمان عشرة وثلاثمائة، وله تسعون سنة.
352- أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي 2:
الوراق الرازي ممن يشار إليهم في الحديث والتاريخ. وله التصانيف المفيدة التي اعتمدها كل من بعده، أخذ عنه الطبراني وابن حبان وغيرهما.
توفي سنة "320" عشرين وثلاثمائة بالعرج.
والدولاب بضم الدال وفتحها: نسبة إلى قرية بالري، والعرج بفتح العين: عقبة بين مكة والمدينة.
353- أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الإسترابادي: أحد أئمة المسلمين فقها وحديثا، له رحلة واسعة، وصار يرحل إليه في الفقه والحديث، وهو غير أبي نعيم الأصبهاني
__________
1 أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد حافظ بغداد: أبو محمد، مولى أبي جعفر المنصور، الأشمي، البغدادي، ولد سنة 228، توفي سنة 318:
فهرست النديم "288"، جامع المسانيد "2/ 585"، العبر "2/ 173"، سير النبلاء "14/ 501"، الحاشية، طبقات الحفاظ "325"، السابق واللاحق "373"، التمهيد "3/ 230"، تاريخ بغداد "14/ 231".
2 أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي الرازي: أبو بشر، الدولابي، الحافظ والرازي، الوراق، الناسخ، من أهل الرأي والأنصاري بمصر، ولد سنة 224، مات سنة 310 أو سنة 320:
الميزان "3/ 459"، لسان الميزان "5/ 41"، المغني "5/ 525"، التاج المكلل "124"، معجم المؤلفين "8/ 255"، والحاشية، وفيات الأعيان "4/ 352، 642"، المعين "1230"، ميزان الاعتدال "3/ 17"، تذكرة الحفاظ "2/ 32"، سؤالات حمزة "83"، العبر "2/ 145"، سير النبلاء "14/ 903"، والحاشية، الأعلام "5/ 308"، والحاشية، نسيم الرياض "3/ 43"، طبقات علماء إفريقية وتونس ص97، دائرة معارف الأعلمي "26/ 147"، ديوان الضعفاء "3566"، الأنساب "5/ 413"، والوافي بالوفيات "2/ 36".
(2/99)

الآتي في تراجم الشافعية.
توفي سنة "323" ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
354- أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين 1: وبه شهر البغدادي، صاحب التواليف العظيمة، قال السيوطي: منتهى التصانيف في الكثرة ابن شاهين، صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا، منها التفسير في ألف جزء، والمسند خمسة عشر مائة، والتاريخ مائة وخمسون.
توفي سنة "335" خمس وثلاثين وثلاثمائة.
355- أبو بكر بن أحمد بن إسحاق الصبغي 2: النيسابوري عديم النظير في الفقه، بصير بالحديث، كبير الشأن.
توفي سنة "342" اثنين وأربعين وثلاثمائة.
356- أبو حاتم محمد بن حبان البستي 3: التميمي السمرقندي الإمام الحافظ الجليل، صاحب التصانيف الشهيرة في الحديث
__________
1 أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الإسترابادي: الحوال والفقيه، ولد سنة 242، ومات سنة 323، أو 320:
الأنساب "1/ 199"، الأعلام "4/ 162"، سير النبلاء "14/ 541"، البداية والنهاية "11/ 183"، تاريخ بغداد "10/ 428"، تذكرة "3/ 816"، شذرات "2/ 299"، مرآة الجنان "2/ 287"، طبقات الشافعية "3/ 335"، العبر "2/ 198"، النجوم "3/ 251".
2 أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين: البغدادي الواعظ، ولد سنة 297:
تاريخ بغداد "11/ 265، 268"، المنتظم "7/ 182، 183"، تذكرة الحفاظ "3/ 987، 990"، العبر "3/ 29، 30"، دول الإسلام "1/ 234"، مرآة الجنان "2/ 426"، البداية والنهاية "11/ 316، 317"، نهاية النهاية "1/ 588"، لسان الميزان "4/ 283، 285"، النجوم "4/ 172".
3 أبو حاتم محمد بن حبان البستي التميمي السمرقندي: أبو حاتم، التميمي، الحنظلي البستي، الدارمي الحباني ولي قضاء سمرقند. مات سنة 353 أو 354:
الميزان "3/ 506"، الأنساب "2/ 225"، "4/ 39ط، لسان الميزان "5/ 112"، المعين "1268"، المغني رقم "5378"، الأكمال "2/ 316"، "1/ 432"، التقييد "1/ 51"، در السحابة ص61، حاشية التجبير "1/ 147ط، المشتبه ص"112".
(2/100)

والجرح والتعديل، رحل من الشام إلى الإسكندرية، فكتب عن ألفي شيخ، بل أكثر، فصارت إليه الرحلة من أقطار الأرض.
كان ثقة نبيلا، وربما غلط الغلط الفاحش. ولي قضاء سمرقند، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الأثر، عالما بالنجوم والطب واللغة ومن عقلاء الناس، صنف الصحيح والضعفاء، والثقات، وفقه الناس بسمرقند.
توفي سنة "354" أربع وخمسين وثلاثمائة.
357- أبو بكر محمد بن الحسين الآجري 1: المحدث الأثري ذو التصانيف الحسان، ككتاب الشريعة في السنة، وجاور مدة بمكة.
توفي سنة "360" ستين وثلاثمائة.
358- أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني 2:
الإمام الشهير الحافظ، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثا وثلاثين سنة، وسمع الكثير من الحديث وعدد شيوخه ألف شيخ.
وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة الكبير، والأوسط، والصغير، وهي أشهر كتبه، روى عنه الحافظ أبو نعيم وخلق كثير
__________
1 أبو بكر بن الحسن الآجري الأثري: ترجمته في تذكرة الحفاظ "3/ 936"، وسير أعلام النبلاء "10/ 178"، وتاريخ بغداد "2/ 243"، ووفيات الأعيان "4/ 292"، والبداية "11/ 270"، طبقات الحنابلة "332"، طبقات الشافعية "2/ 150"، الشذرات "3/ 35".
2 أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني: أبو القاسم الأصبهاني الطبراني الشامي الشيباني اللخمي، ولد سنة "260" ومات سنة "360":
دايون الضعفاء "1725"، المغني "2557"، الميزان "2/ 195"، الأنساب "9/ 35"، نسيم الرياض "1/ 440"، لسان الميزان "3/ 73"، سير النبلاء "16/ 119"، معجم المؤلفين "4/ 253".
(2/101)

مولده بطبرية الشام سنة ستين ومائتين، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها سنة "360" ستين وثلاثمائة.
قال في "المنح البادية": كان ثقة صدوقا واسع الحفظ، بصيرا بالعلل، إليه المنتهى في كثرة الحديث.
تكلم ابن مردويه في أخيه، فأوهم أنه فيه، وليس فيه، بل هو ثبت، صنف المسند الكبير، ولم يذكر فيه مسند أبي هريرة، فإنه أفرده بمصنف، ويشتمل المعجم الكبير على ستين ألف حديث تجزئة اثني عشر مجلدا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر مسانيد الدنيا. ا. هـ. بخ.
وقال الذهبي في كتاب "العلو": إنه محدث الدنيا، وانتهى إليه علو الإسناد في الدنيا، عاش مائة سنة وأياما، وصنف كتبا كثيرة تدل على حفظه وبراعته وسعة روايته. ا. هـ. منه.
359- أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان:
بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت يلقب بأبي الشيخ1، له تواليف كثيرة، توفي سنة "367" سبع وستين وثلاثمائة عن ثلاث وسبعين سنة، كذا في "المنح البادية" وفي كتاب "العلو": إنه توفي سنة تسع وتسعين وهو في عشر المائة، وقال فيه: إنه محدث أصبهان، وكان إماما في الحديث، رفيع الإسناد، له كتاب السنة، وفضائل الأعمال، والسنة الكبير، وغير ذلك ككتاب "العظمة".
__________
1 أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان "ملقب بأبي الشيخ": الأصبهاني الحياني، ولد سنة "274"، مات سنة "369":
معجم المؤلفين "6/ 114"، والحاشية الأنساب "4/ 322، 323"، سير النبلاء "16/ 276"، العبر "2/ 351/ 352"، السابق واللاحق "77"، أصبهان "2/ 90"، التنكيل "129/ 308"، والوافي بالوفيات "17/ 485"، تذكرة الحفاظ "3/ 945، 947"، الأعلام "4/ 120"، الأكمال "5/ 95".
(2/102)

360- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي 1:
إمام أهل جرجان، قال الذهبي: كان من مشايخ الإسلام رأسا في الحديث والفقه، قال أبو إسحاق في "طبقات الشافعية": جمع بين الفقه والحديث، ورئاسة الدين والدنيا، وله تصانيف كثيرة، منها "المستخرج على الصحيح" و"المعجم"، وله مسند كبير في نحو مائة مجلد، قال الشيرازي: وهو يدل على غزارة علمه، فإنه على شرط البخاري، وله تصانيف على البخاري ومسلم.
توفي سنة "371" إحدى وسبعين وثلاثمائة عن أربع وستين سنة.
361- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده 2: العبدي الأصفهاني محدث الشرق له كتاب "معرفة الصحابة" وغيره من التصانيف الجيدة.
توفي سنة "395" خمس وتسعين وثلاثمائة عن بضع وثمانين سنة.
فهؤلاء بعض من حضرتني تراجمهم من المجتهدين وهم قل من جل، والإتيان على جميعهم أو جلهم يحتاج لأسفار، كما أننا لم يمكننا أن نوفيهم حقهم في التحلية والأوصاف، بل أسماؤهم كافية عن ذلك لشهرتهم، فهم
__________
1 أبو بكر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل: ترجمته في سير أعلام النبلاء "10/ 219"، والبداية "11/ 298"، وتذكرة الحفاظ "3/ 947"، وطبقات الشافعية "2/ 71"، والشذرات "3/ 75".
2 أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصفهاني: أبو عبد الله العبدي الأصبهاني الجوال، ولد سنة "311 أو 316" ومات سنة "395":
حاشية التحبير "1/ 86"، لسان الميزان "5/ 70"، سير النبلاء "17/ 28"، أصبهان "2/ 306"، الوافي بالوفيات "2/ 190"، الأعلام "6/ 29"، معجم المؤلفين "9/ 42، 43"، العبر "3/ 59"، وفيات الأعيان "6/ 168"، الأعلمي "26/ 169"، الميزان "3/ 479".
(2/103)

نخبة الأمة وقادتها.
وقد يقول قائل: إن بعضهم لم يشتهر كل الاشتهار بالفقه والفتوى، ومنهم من نسب إلى تقليد الشافعي أو غيره، لكن لما كانت لهم خدمة جليلة في الفقه بسبب خدمة الحديث الذي هو مادته أو التفسير كذلك، لذلك تعين إيرادهم، ونسبتهم للتقليد غير مضرة إما لعدم ثبوتها، أو لكونهم بلغوا ربتة الاجتهاد، فتقليدهم في بعض المسائل بمعنى موافقه الاجتهاد لا يعد تقليدا، والمقلدون الذين نسبوهم للتقليد يكثرون بهم سوادهم والله أعلم.
(2/104)

تراجم الحنفية في القرن الثالث والرابع:
أعني بعض المشاهير الذين نشروا مذهبه وبرزوا فيه أو دونوه وقاموا بنصرته.
362- إبراهيم بن رستم المروزي 1: مؤلف كتاب "النوادر" للحنفية المتوفى سنة "211"، إحدى عشرة ومائتين. تفقه على أسد البجلي، وروى عن محمد بن الحسن، وسمع من مالك وغيره.
363- عيسى بن أبان 2: القاضي المحدث. توفي سنة "221" إحدى وعشرين ومائتين. قال هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاض أفقه من عيسى، وله كتاب في الحج.
364- محمد بن سماعة 3: التميمي، له كتاب "النوادر" أيضا. توفي سنة "233" ثلاث وثلاثين ومائتين.
__________
1 إبراهيم بن رستم المروزي: ترجمته في "الفوائد البهية" ص"9، 10".
2 عيسى بن أبان القاضي: أبو موسى الفقيه القاضي القاساني، مات سنة "221": الميزان "3/ 310"، المشتبه "495"، تبصير المنتبه "3/ 1146"، الأنساب "1/ 304"، جامع المسانيد "2/ 526"، تاريخ بغداد "11/ 157"، دائرة الأعلمي "23/ 105".
3 محمد بن سماعة التميمي: أبو عبد الله التميمي الكوفي القاضي الحنفي، توفي "233 أو 223 أو 236": تهذيب التهذيب "2/ 167"، تهذيب التهذيب "9/ 204"، دائرة معارف الأعلمي "26/ 281"، الطبقات الكبرى "5/ 433"، العبر "1/ 284، 414"، الأعلام "6/ 153"، معجم المؤلفين "10/ 57"، سير النبلاء "1/ 646"، الوافي بالوفيات "3/ 139".
(2/105)

365- الوليد الكندي قاضي بغداد: المتوفى سنة "238" ثمان وثلاثين مائتين.
366- هلال بن يحيى بن مسلم الرأي 1: البصري أحد الذين رووا عن محمد بن الحسن كتبه.
توفي سنة "245" خمس وأربعين ومائتين وأخذ عن أبي يوسف، وزفر، له مصنف في الشرط وأحكام الوقف.
367 - أحمد بن عمر الخصاف 2: مصنف كتاب "الحيل"، وكتاب "الأوقاف"، وهو مشهور متداول وكتب غيره.
توفي سنة "261" إحدى وستين ومائتين عن نحو ثمانين سنة.
368- أبو بكرة بكار بن قتيبة 3: ابن أسد بن أبي بردعة الثقفي قدم مصر متوليا قضاءها من قبل المتوكل سنة "246"، وظهر من حسن سيرته، وجميل طريقته ما هو مشهور، كان من أفقه أهل زمانه في المذهب، وله كتب جليلة، وكان له مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر، فيتركها بختمها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل والد المعتضد من ولاية العهد، أبى، فاعتقله، ثم طالبه بجملة المبلغ السنوي، فأحضره بختمه ثمانية
__________
1 قيل له الرأي لسعة علمه وكثرة فهمه كما قيل: ربيعة الرأي كذا في الفوائد البهية للكنوي ص"223"، وهو مترجم في "الجواهر المضية" "2/ 207".
2 الخصاف بمعجمة فصاد مهملة وآخره فاء بوزن شداد كان يأكل من صنعته وخصفه النعال. ا. هـ. من "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" ص"29"، وترجمه أيضا صاحب الجواهر المضية "1/ 87".
3 أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أسد بن أبي بردعة الثقفي: أبو بكر البكراوي الثقفي البصري، توفي "270":
التمهيد "2/ 123"، وفيات الأعيان "1/ 279"، الثقات "8/ 152"، تراجم الأحبار "1/ 149"، العبر "2/ 275، 276"، سير النبلاء "12/ 99"، والحاشية العبر "2/ 44"، الأعلام "2/ 60، 61".
(2/106)

عشر كيسا، فاستحيي ابن طولون، وأمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري ففعل، فكان كخليفة عنه وهو في السجن مدة سنين، وشكى أصحاب الحديث انقطاع السماع بسجنه، فكان يحدث من طاق في السجن إلى أن توفي سنة "270" سبعين ومائتين.
كما أرخه السيوطي في "حسن المحاضرة" وبقيت مصر بلا قاض ثلاث سنين بعده.
369- أبو جعفر أحمد بن أبي عمران 1
قاضي مصر مؤلف كتاب "الحجج" تفقه بمحمد بن سماعة، وأخذ عنه أبو جعفر الطحاوي المحدث الشهير.
توفي سنة "280" ثمانين ومائتين، كذا في "الكفوي" وفي "حسن المحاضرة" سنة خمس وثمانين.
370- أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز 2 البصري القاضي بالشام والكوفة المتوفى سنة "292" اثنين وتسعين ومائتين له كتاب "المحاضرة" و"السجلات" و"أدب القاضي" و"الفرائض".
371- أبو سعيد أحمد بن الحسن البردعي 3 أخذ الفقه عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه عن جده، وعن أبي علي الدقاق، عن موسى بن نصير، عن محمد، وكانت له مناظرة مع داود الظاهري وغيره، ذهب للحج، فقتله القرامطة سنة "317" سبع عشرة وثلاثمائة.
__________
1 أبو جعفر بن أبي عمران: ترجمته في "الفوائد البهية" ص"14".
2 أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز البصري القاضي: أبو حازم السكوني البصري البغدادي الحنفي القاضي، توفي سنة "292":
جامع المسانيد "2/ 531"، تراجم الأحبار "2/ 509"، سير النبلاء "13/ 539"، تاريخ بغداد "11/ 62"، دائرة الأعلمي "21/ 58"، تلخيص المتشابه "702".
3 أبو سعيد أحمد بن الحسن البردعي: بكسر الباء وسكون الراء وفتح الدال: بلدة من أقصى بلاد أذربيجان. وانظر "الفوائد البهية" ص"20".
(2/107)

372- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي 1:
إمام جليل، ولد سنة "229" تسع وعشرين ومائتين، وتفقه على المزني تلميذ الشافعي؛ لأنه خاله ثم أحمد بن أبي عمران، وأبي حازم قاضي الشام، وغيرهم.
كان شافعيا، ثم بدل مذهبه، وصار حنفيا، كان إماما في الفقه والحديث، وكتبه فيهما شهيرة، فاق بها أهل عصره وعده ابن كمال باشا من طبقة2 من يقدر على الاجتهاد فيما لا رواية فيه عن الإمام، ولا يقدر على مخالفته في الفروع، ولا في الأصول.
قال صاحب "الفوائد البهية" في تعليقه: وهو منظور فيه، فإنه له درجة عالية خالف بها صاحب المذهب في كثير من الفروع والأصول. كما يدل له "شرح معاني الآثار" وغيره من مصنفاته، فالحق أنه من المجتهدين المنتسبين.
وبالجملة فهو من محاسن أهل المائة الثالثة انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، له تاريخ مهم، و"أحكام القرآن" و"اختلاف العلماء" و"معاني الآثار" و"الشروط" وغيرها من الكتب المفيدة.
توفي سنة "321" إحدى وعشرين وثلاثمائة.
373- أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي 3: إمام المتكلمين مصنف التصانيف الجليلة، والراد للعقائد الباطلة، ككتاب "التوحيد" وكتاب "أوهام المعتزلة" و"مآخذ الشرائع" في الفقه، و"الجدل" في أصول الفقه، وغير ذلك.
__________
1 الطحاوي بفتح الطاء نسبة إلى طحا قرية بمصر. ا. هـ. ابن خلكان.
2 كلام ابن كمال باشا في طبقات الفقهاء تعقبه الشهاب المرجاني في ناظوره الحق نقله عن الشيخ الكوثري رحمه الله في ترجمة أبي يوسف ص"101، 115". وهو تعقب جيد فيه من التحقيقات والفوائد ما يعز نظيره، فارجع إليه.
3 أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي: ترجمته في الفوائد البهية ص"195".
(2/108)

مات سنة "333" ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
وماتريدي بضم المثناة فوق: نسبة إلى محلة بسمرقند خلافا للكمال بن أبي شريف حيث ضبطها بالفتح. صح من "الفوائد البهية" وسنة وفاته قريبة من سنة وفاة الأشعري.
374- أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي 1:
رئيس الحنفية بالعراق معدود عندهم من المجتهدين، مؤلف "المختصر" و"شرح الجامعين" الكبير، والصغير، لمحمد بن الحسن.
توفي سنة "340" أربعين وثلاثمائة.
375- أبو أحمد بن علي البرازي الجصاص 2: البغدادي تلميذ الكرخي الحائز للرئاسة بعده، شرح مختصري الطحاوي والكرخي، وله كتب أخرى في الأصول وغيره.
توفي سنة "370" سبعين وثلاثمائة وقد عد من مجتهدي المذاهب3.
376- أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي 4: المشهور بإمام الهدى، له تصانيف وشروح وتفسير.
__________
1 أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي رئيس الحنفية بالعراق: الكرخي الحنفي. لسان الميزان "4/ 98".
2 الجصاص صيغة مبالغة من الجص نسبة إلى عمله قاله السمعاني وهو لقب له.
3 وتصنيف ابن كمال باشا له بأنه من أصحاب التخريج من المقلدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلا ظلم في حقه، وتزيل له عن محله، ومن تتبع تصانيفه، والأقوال المنقولة عنه علم أن الذين عدهم من المجتهدين كشمس الأئمة وغيره كلهم عيال عليه، فهو أحق بأن يجعل من المجتهدين في المذهب كما قال المؤلف رحمه الله.
4 أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي "إمام المهدي": أبو الليث السمرقندي الحنفي، توفي "373":
سير النبلاء "16/ 322"، والحاشية معجم المؤلفين "83/ 91"، والحاشية دائرة معارف الأعلمي "29/ 112"، المشتبه "143".
(2/109)

توفي سنة "373" ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
377- أبو عبد الله يوسف بن محمد الجرجاني 1: مؤلف "خزانة الأكمل" في ست مجلدات أحاطت بجل مصنفات الحنفية.
توفي سنة "398" ثمان وتسعين وثلاثمائة.
378- أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي 2: ثقة فقيه ما شاهد الناس مثله في التقوى وحسن التدريس، وقد عد من المجددين على رأس المائة، وكان لا يقبل من أحد برا ولا صلة.
توفي سنة "403" ثلاث وأربعمائة.
وغير هؤلاء من الحنفية بالأقطار الإسلامية كثيرة.
__________
1 أبو عبد الله يوسف بن محمد الجرجاني: ترجمته في "الفوائد البهية" ص"221".
2 أبو بكر بن موسى الخوارزمي: ترجمته في "الفوائد البهية" ص"201/ 202".
(2/110)

أشهر أصحاب مالك في المائة الثالثة والرابعة:
379- أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله 1:
ابن أبي سلمة الماجشون مولى قريش، والماجشون مثلث الجيم كلمة فارسية معناها: المورد، سمي بذلك جده أبو سلمة لحمرة في وجهه، وبيتهم بيت علم بالمدينة، كيعقوب بن أبي سلمة وولديه عبد العزيز ويوسف وعبد العزيز بن عبد الله، روى عبد الملك عن أبيه وإبراهيم بن سعد ومالك، وتفقه به وبأبيه وغيرهما.
كان فقيها فصيحا، دارت عليه الفتيا في أيامه إلى أن توفي، وعلى أبيه قبله بالمدينة، تأدب بالبادية في كلب أخواله. قال يحيى بن أكثم: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء، وأثنى عليه سحنون وفضله، وهم أن يرحل إليه ليعرض عليه "المدونة" وأثنى عليه ابن حبيب، وفضله في الفهم على كثير من أصحاب مالك.
وتفقه عليه خلق كثير، كأحمد بن المعذل، وسحنون، وابن حبيب،
__________
1 أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز عبد الله بن أبي سلمة الماجشون: أبو مروان صاحب مالك الماجشون المدني التميمي الفقيه، توفي سنة "213 أو 212 أو 214":
التحفة اللطيفة "3/ 85"، تقريب التهذيب "1/ 520، 522"، تهذيب التهذيب "6/ 407، 418"، تهذيب الكمال "2/ 857، 861"، الكاشف "2/ 211"، الخلاصة "2/ 178"، الميزان "2/ 658"، لسان الميزان "7/ 292"، نسيم الرياض "4/ 459"، تراجم الأحبار "2/ 525"، دائرة الأعلمي "21/ 266"، سير النبلاء "10/ 359"، العبر "1/ 363".
(2/111)

وغيرهم.
وروى عنه سليمان بن داود، والمهدي، وعمر بن علي، أخرج له النسائي وابن ماجه.
توفي سنة "212" اثني عشر ومائتين وهو ابن بضع وستين سنة.
380- عيسى بن دينار القرطبي 1:
فقيه الأندلس ومعلمهم الفقه، وكان أفقه من يحيى بن يحيى على جلالته وعظم قدره، أخذ عن ابن القاسم، وكان ابن القاسم يجله.
توفي بطليطلة سنة "212" اثنتي عشرة ومائتين، وله كتاب سماع.
381- أسد بن الفرات 2:
النيسابوري الأصل التونسي الدار سمع مع مالك موطأه وغيره، ورحل للعراق، فسمع من أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وتفقه بهم.
وأخذ عنه أبو يوسف "الموطأ" كما أخذ هو عنه فقه الحنفية مجردة، وذهب إلى ابن القاسم، فتلقى عنه أحكامها على مذهب مالك أو مذهبه، وسمع من أشهب وغيرهما وذلك هو أصل "المدونة" التي تجمع ستة وثلاثين ألف مسألة كما في "الديباج" في ترجمة ابن عبد الحكم، ورجع به للقيروان فنشرها.
وكان قاضيا هناك. ثم ولي أمير الجيش الذي وجهه ابن الأغلب لغزو صقلية، فمات هناك شهيدا محاصرا لسرقوسة سنة "213" ثلاث عشرة ومائتين.
__________
1 عيسى بن دينار القرطبي "فقيه الأندلس": أبو محمد القرطبي الغافقي. جذوة المقتبس "298"، ترتيب المدارك "3/ 16، 20"، العبر "1/ 363"، الديباج المذهب "2/ 64، 66"، تاريخ ابن الفرضي "1/ 331"، شذرات الذهب "2/ 28".
2 أسد بن الفرات: ترجمته في رياض النفوس "1/ 172، 189"، وقضاة الأندلس "54".
(2/112)

382- أبو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم 1:
ابن أعين بن الليث المصري مولى امرأة من موالي عثمان بن عفان رضي الله عنه.
أخرج له النسائي وسمع من مالك، والليث، وعبد الرزاق، والقعنبي، وابن عيينة، وغيرهم، وروى عنه ابن حبيب، وأحمد بن صالح، وابن نمير، وابن المواز، وغيرهم.
كان فقيها صدوقا، عارفا بمذهب مالك، عاقلا حليما، تفرد برئاسة مصر بعد أشهب، وقد نبه بيته بمصر، وبلغوا مجدا لم يبلغه أحدا وكان صديقا للشافعي، ونزل عليه لما ورد مصر، ومات بداره ودفن في مقبرته، وقد بالغ في بره وإكرامه.
وله "المختصر الكبير" اختصر فيه كتب أشهب، وفيه ثماني عشرة ألف مسألة.
وله "الأوسط" ويرى عنه أوسطان: أحدهما: من رواية ابنه محمد وسعيد بن حسان، والثاني: من رواية القراطيسي فيه زيادة الآثار على الأول وفي الأوسط أربعة آلاف مسألة.
وله "المختصر الصغير" قصره على علم الموطأ فيه ألف مسألة ومائتان.
فمن هذا التاريخ بدأت فكرة الاختصار، وظهر الملل وكلل في القرائح بسبب كثرة الفقه التقديري، وله كتب أخرى.
توفي سنة "214" أربع عشرة ومائتين عن ستين سنة. وأبوه:
383- عبد الحكم: روى عن مالك مسائل أيضا. وتوفي سنة "171".
__________
1 أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصري: ولد سنة 155:
تهذيب الكمال لوحة "701"، تبصرة المنتبه "3/ 1192"، تهذيب الكمال "702"، حسن المحاضرة.
(2/113)

384- مطرف بن عبد الله بن مطرف 1:
ابن سليمان بن يسار الهلالي اليساري، أبو مصعب المدني الفقيه، تفقه على خاله مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وروى عن البخاري في الصحيح، والذهلي، وأبو حاتم، وثقه الدارقطني، وغيره.
توفي سنة "220" عشرين ومائتين، فهو وابن الماجشون المتقدم إمامان جليلان أشهر من نشر علم مالك بالمدينة، ورحل الناس إليهما فيه، وهما المشهوران في كتب المذاهب بالأخوين.
385- أبو عبد الله أصبغ بن الفرج 2:
ابن سعيد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان سكن الفسطاط، روى عن الدراوردي ويحيى بن سلام وابن وهب، وأشهب، وكان فقيه البلد ماهرا في فقهه، طويل اللسان، حسن القياس، نظارا من أفقه هذه الطبقة، أجل أصحاب ابن وهب، وكان كاتبا له، صدوقا ثقة.
قال ابن وهب: لولا أن تكون بدعة، لسورناك كما تسور الملوك يا أصبغ.
وقال ابن الماجشون: ما أخرجت مصر مثله، قيل له: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم.
روى عنه البخاري وأبو حاتم وغيرهما، وتفقه عليه ابن المواز وابن حبيب وغيرهما.
__________
1 مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار الهلالي اليساري أبو مصعب المدني: أبو مصعب اليساري الأصم المدني النيسابوري الهلالي الحارثي، توفي 220:
الأكمال "7/ 443"، تهذيب التهذيب "10/ 175"، تقريب التهذيب "2/ 253"، تهذيب الكمال "3/ 1335"، الكاشف "3/ 150"، الخلاصة "3/ 34"، ثقات "9/ 183"، الميزان "4/ 1324"، الكامل "6/ 2375"، ديوان الضعفاء "4145"، نسيم الرياض "3/ 532، 405"، لسان الميزان "7/ 389"، الأعلمي "27/ 297".
2 أبو عبد الله أصبح بن الفرج: ترجمته في وفيات الأعيان "1/ 240"، والديباج المذهب ص"97"، وتهذيب التهذيب "1/ 361".
(2/114)

قيل لأشهب: من لنا بعدك؟ قال: أصبغ. وكان يستفتى معه ومع غيره من أشياخه، عارفا برأي مالك مسألة مسألة، وله تآليف حسان ككتاب "الأصول" في عشرة أجزاء، وسماعه من ابن القاسم اثنان وعشرون كتابا وغيرها.
توفي سنة "225" خمس وعشرين ومائتين. وأصبغ بغين معجمة بوزن أفضل.
386- عبد الله بن أبي حسان اليحصبي 1:
من أشراف أفريقية، صاحب فقه وأدب، رحل إلى مالك، وأخذ عنه، وعن ابن أبي ذئب، وابن عيينة.
ثقة روى عن سحنون، كان غاية في فقه مالك، وهو راوية أخبار إفريقيا وحروبها، وكان ذابا عن السنة.
توفي سنة "227" سبع وعشرين ومائتين.
387- يحيى بن يحيى بن كثير الليثي 2:
مولاهم البربري المصمودي من مصمودة طنجة الأندلسي القرطبي الفقيه أبو محمد، أحد الأعلام راوي "الموطأ عن مالك غير أبواب من الاعتكاف شك فيها، ورواها عن شبطون السابق.
قال ابن عبد البر: كان إمام أهل بلده، ثقة عاقلا، وقال غيره: انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس، وبسببه دخل المذهب المالكي إليه؛ إذ كان في زمن بني
__________
1 عبد الله بن أبي حسان اليحصبي "من أشراف إفريقية": أبو محمد اليحصبي ولد سنة 140، توفي سنة 226: طبقات علماء إفريقية وتونس ص"155"، معالم الإيمان "2/ 58"، رياض النفوس "1/ 199".
2 يحيى بن يحيى كثير الليثي "مولاهم البريري المصمودي": أبو محمد أو أبو عيسى أو أبو مروان البربري الليثي القرطبي المصمودي، توفي سنة 233 أو 234، عن 85 عام:
تقريب التهذيب "2/ 360"، تهذيب التهذيب "11/ 300"، الخلاصة "3/ 163"، الأكمال "7/ 141"، المعين "1034"، نسيم الرياض "2/ 12 و4/ 463"، الأنساب "12/ 296"، الوفيات "172".
(2/115)

أمية الذي يريدون تغيير رسوم بني العباس التي منها مذهب أهل العراق، فكان يحيى مستشارهم في تعيين القضاة، ولا يشير عليهم إلا بمن كان مالكيا، فانتشر المذهب بذلك.
توفي سنة "334" أربع وثلاثين ومائتين. وليس هو الذي يروي عنه البخاري ومسلم والموطأ، فذاك:
388- يحيى بن يحيى بن بكر الحنظلي التميمي الخراساني:
أجل من هذا في الحديث، وكانا في عصرنا واحد، ولا ذكر للمترجم في كتب الحديث لبعد بلده عن محل الرواية التي كان محلها الحجاز والعراق وخراسان والشام ومصر إذ ذاك.
قال الأمير في "فهرسته": قيل لهذا الليثي؛ لأن جده رسلان أسلم على يد يزيد بن عامر الليثي.
389- عبد الرحمن بن موسى الهواري 1: من أهل إستجه بالأندلس لقي مالكا وابن عيينة والأصمعي، وغيرهم، واستقضي ببلده كان إذا قدم قرطبة، لم يفت عيسى بن دينار، ولا يحيى بن يحيى، ولا سعيد بن حسان إجلالا له حتى يرحل.
386- عبد الملك بن حبيب بن سلميان السلمي 2: أصله من
__________
1 عبد الرحمن بن موسى الهواري "من أهل إستجه بالأندلس": أبو موسى الهواري الإستجي: تاريخ علماء الأندلس ص"258" دائرة الأعلمي "21/ 107".
2 عبد الملك بن حبيب بن سلمان السلمي "من طليطلة": أبو مروان الأندلسي القرطبي المرداسي السلمي، ولد سنة 170، توفي 236 أو 238:
تقريب التهذيب "1/ 518"، تهذيب التهذيب "6/ 389"، الخلاصة "2/ 175"، دائرة الأعلمي "2/ 175"، لسان الميزان "4/ 59"، الميزان "2/ 652"، نسيم الرياض "3/ 519، 461"، التمهيد "2/ 45"، نفح الطيب "2/ 7"، معجم المؤلفين "6/ 181، 182"، بغية الملتمس "377".
(2/116)

طليطلة، وانتقل جده لقرطبة، سمع مطرفا وابن الماجشون، وكان ذا علم واسع رتبة الأمير عبد الرحمن بن الحكم في طبقة المفتين بقرطبة، وانفرد بالرئاسة بعد يحيى بن يحيى، وهو مؤلف كتاب "الواضحة" أحد الكتب الجامعة في المذهب غير أنه مضعف في الحديث، له مؤلفات شتى.
قال ابن الفرضي: كان متفننا في ضروب من العلم فقيها مفتيا نحويا لغويا نسابة مؤرخا عروضا شاعرا محسنا مترسلا حاذقا مؤلفا متقنا.
ولما دنا من مصر في رحلته، وجد جماعة من العلماء يتلقون الرفقة على عادتهم كما أطل عليهم ذو هيئة، تفرسوا فيه حتى رأوه، وكان جميل المنظر، فقال قوم: فقيه، وقال آخرون: بل شاعر، وآخرون: بل طبيب، وآخرون خطيب، فتقدموا إليه وأخبروه بما قالوا، فقال لهم كلكم قد أصاب، وإني أحسن كل ذلك، والخبرة تكشف الحيرة، فجاءه أصحاب الفنون، فأجابهم عن كل ما سألوه، فأخذوه عنه، وعطلوا دروسهم حتى ارتحل تعظيما له.
توفي سنة "238" ثمان وثلاثين ومائتين.
391 - سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي 1:
صليبة من العرب الأفريقي، قدم أبوه في جيش حمص إلى القيروان، وسحنون اسم طائر جديد لقب له لحدته في المسائل.
أفردت ترجمته بالتأليف، أخذ العلم عن علماء القيروان إذ ذاك أبي خارجة، وبهلول، وعلي بن زياد، وابن أبي حسان المتقدم، وابن غانم، وابن أبي كريمة، وأخيه، وابن أشرس، ومعاوية الصمادحي، وأبي زياد الرعيني، أدرك مالكا، ومنعه الفقر من الوصول إليه، فسمع من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وطليب بن كامل، وعبد الله بن الحكم، وابن عيينة، ووكيع،
__________
1 سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي "صليبة": أبو سعيد أو أبو محمد سحنون قاضي أفريقية، توفي سنة 240:
الإكمال، ودائرة الأعلمي "21/ 120".
(2/117)

وابن مهدي، وحفص بن غياث، وأبي داود الطيالسي، وخلق من أهل ذلك العصر. كان ثقة حافظا، فقيه البدن اجتمعت خصال فيه قلما تجتمع لغيره الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهد في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة.
قال ابن القاسم، وأشهب وابن أبي الغمر: لم يقدم علينا من أفريقية من هو أفقه من سحنون أخذ "مدونة" أسد، وذهب بها إلى ابن القاسم، وصححه عليه، فرجع عن أشياء فيها، ثم قدم بها القيروان، ونشرها في تلك الأصقاع إلى الأندلس، وبها تم انتشار مذهب مالك، فنسخت مدونة أسد التي امتنع صاحبها من تغييرها، فتركها الناس، وفض سحنون حلق المخالفين لمذهبه من العراقيين، ولم يكن يقبل إلا فتوى المالكيين، وبه صارت أفريقية ملكا لمالك.
ولي القضاء بأفريقية على عهد بني الأغلب الذين كانوا مستقلين في داخليتهم عن المشرق، فصدع بالحق، وأقام قسطاس العدل على الأمير فمن دونه، وذلك سنة "234" أربع وثلاثين ومائتين، ولم يأخذ شيئا على القضاء قط، ولا يقبل من السلطان عطاء، ويأخذ مؤنة قضاته ونوابه وأعوانه من جزية أهل الكتاب، بل كان يعالج فلاحة بعض زيتونه بيده، ويأكل من كسبه فقط، ولا يأكل حتى من أملاكه، وكان سحنون من أيمن عالم دخل المغرب، كأنه مبتدأ عصره محا ما قبله، وكان أصحابه الذي أخذوا عنه مصابيح في كل بلد، وقد بلغوا سبعمائة. رأى الناس يوما يقبلون يد ابن الأغلب الأمير، فقال له: لم تعطيهم يدك لو كان هذا لقربك من الجنة ما سبقونا إليها.
توفي سنة "240" أربعين ومائتين عن ثمانين سنة رحمه الله وخلف ولده.
392- محمد بن سحنون 1: وله درجة عالية في الفقه والتآليف العظيمة في المذهب المالكي، والخصال الجليلة، ألف في فنون كثيرة كالحديث
__________
1 محمد بن سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي، أبو عبد الله التنوخي الفقيه المالكية القيرواني. رياض النفوس "1/ 345"، الديباج المذهب "234"، شجرة النور الزكية "700"، سير النبلاء "13/ 86"، الوافي بالوفيات "3/ 86".
(2/118)

والفقه والتاريخ، وأدب المناظرة والخلافيات التي ابتلي بها ذلك العصر، وقد ألف كتابه الكبير في مائة جزء.
توفي سنة "256" ست وخمسين ومائتين، ويقال في المذهب المالكي: المحمدان الأفريقيان له، ولمحمد بن عبدوس، والمحمدان المصريان: محمد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز، والجميع كانوا في عصر واحد، ولم يجتمع مثلهم في عصر لمذهب مالك.
وهؤلاء السادات أشهر من نشر علم مالك في أفريقية وصقلية رحمه الله.
393- أبو عمرو الحارث بن مسكين 1:
ابن محمد بن يوسف، مولى الأمويين قاضي مصر، سمع ابن القاسم، وأشهب وابن وهب، ودون أسمعتهم وبوبها، وبهم تفقه، وعد في أكابر أصحابهم، وله كتاب فيما اتفق عليه رأي الثلاثة.
روى عن ابن عيينة، ورأى الليث، حدث ببغداد ومصر، روى عنه أو داود والنسائي، ووثقه، وعبد الله بن الإمام أحمد، وابن وضاح، وأثنى عليه الإمام أحمد خيرا.
وقال ابن وضاح: هو ثقة الثقات، وأكثر عنه النسائي في سننه مع إقامة الحارث له عن مجلسه، كان فقيها نزيها ورعا، صادق اللهجة، عدلا في قضائه، محمود السيرة، وكان ابن أبي داود يحسن ذكره، ويعظمه جدا، ويكتب الوصاة به.
توفي سنة "250" خمسين ومائتين.
__________
1 أبو عمرو الحارث بن مسكين: ترجمته في تاريخ بغداد "8/ 216"، وتذكرة الحفاظ "2/ 514"، وتهذيب التهذيب "2/ 156".
(2/119)

394- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة 1:
العتبي مولى لآل عتبة بن أبي سفيان، قرطبي سمع من يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، ورحل، فسمع من أصبغ، وسحنون، كان حافظا جامعا للمسائل، له كتاب "المستخرجة" التي قال فيها ابن حزم: لها عند أهل أفريقية القدر العالي، والطيران الحثيث، وتكلم فيها محمد بن عبد الحكم قال: رأيت جلها كذبا ومسائل لا أصول لها.
توفي سنة "254" أربع وخمسين ومائتين.
395- أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم الأموي 2
مولاهم القرطبي، الشهير بأبي زيدن مؤلف الثمانية المشهورة في المذهب، وهي ثمانية كتب من أسئلة المدنيين سمع من يحيى بن يحيى، وابن الماجشون، ومطرف، وابن كنانة، وأصبغ، وأخذ عنه ابن لبابة وغيره.
توفي سنة "258" ثمان وخمسين ومائتين.
396- محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير 3:
أصله من العجم من موالي قريش، وهو من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته، وكان ثقة إماما في الفقه.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز: ترجمته في جذوة المقتبس ص"36، 37"، وشذرات الذهب "2/ 92"، والديباج المذهب ص"238".
2 أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم الأموي مولاهم القرطبي الشهير بأبي زيد: أبو زيد القرطبي. معجم المؤلفين "5/ 113، 114"، الإكمال "1/ 258".
3 محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير: أبو عبد الله. الإكمال "1/ 296"، شجرة النور الزكية "70"، رياض النفوس "10/ 3060".
(2/120)

قال ابن الحارث: "كان حافظا لمذهب مالك والرواة من أصحابه، إماما مبرزا فقيها في ذلك خاصة. غزير الاستنباط، جيد القريحة، ناسكا عابدا متواضعا، مستجاب الدعوة، وألف كتابا شريفا سماه "المجموعة" أعجلته المنية قبل إتمامه، وله كتب التفاسير فسر فيها أصولا من العلم كالمرابحة والمواضعة والشفعة، وله أربعة أجزاء في شرح مسائل من المدونة وغيرها من الكتب.
توفي سنة "260" ستين ومائتين.
397- أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم 1:
تفقه على أبيه، وأشهب، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم من أصحاب مالك، وصحب الشافعي، وروى عن أبي فديك، وأنس بن عياض، وحرملة، وغيرهم، وروى عنه ابن أبي حاتم، وابن جرير الطبري، وغيرهما، كان من العلماء الفقهاء مبرزا نظارا، وإليه الرحلة من الأندلس والمغرب، وانتهت إليه رئاسة مصر في فقه مالك، وكان ماهرا في مذهب الشافعي، فإذا تبينت له الحجة فيه، اختار قوله.
له كتب حسان كأحكام القرآن، والوثائق، والشروط، وكتاب الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة، وكتاب اختصار كتب أشهب، وكتاب النجوم، وكتاب المولدات، وغيرها.
توفي سنة "268" ثمان وستين ومائتين.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: أبو عبد الله المصري، توفي سنة "268 أو 269":
نسيم الرياض "3/ 451"، أربع رسائل "183".
(2/121)

398- أبو عبد الله بن إبراهيم الإسكندري 1:
المعروف بابن المواز، تفقه على أصبغ وهو عمدته، وعلى ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وغيرهم، كان راسخا في الفقه والفتيا، وكتابه المشهور بالموازية أجل كتاب ألفه المالكيون وأصحه وأوعبه، وأبسطه، رجحه القابسي على سائر الأمهات قائلا: إن صاحبه قصد بناء فروع المذهب على أصوله، وغيره إنما قصد جمع الروايات.
توفي بدمشق سنة "269" تسع وستين ومائتين.
399- أبو بكر محمد بن زكرياء الوقار 2:
بتخفيف القاف أخذ عن أصبغ، وابن عبد الحكم، وغيرهما، وله مختصران أكبرهما في سبعة عشر جزءا، وأهل القيروان يفضلون مختصره على مختصر ابن عبد الحكم. توفي سنة 269 تسع وستين ومائتين.
400- أبو الفضل أحمد بن المعذل 3:
"بالذال المعجمة" العبدي البصري، من الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره من أهل العراق، فقيه متكلم، تفقه بابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم، وعنه أخذ إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأخوه حماد، وعبد العزيز بن إبراهيم، وغيرهم.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الإسكندري المعروف بابن المواز: الإسكندراني المالكي، توفي سنة "281":
نسيم الرياض "3/ 451"، المعين "1188"، العبر "2/ 66".
2 أبو بكر محمد بن زكرياء الوقار: أبو بكر الوقار المصري المالكي، توفي سنة "269":
معجم المؤلفين "9/ 8" والحاشية.
3 أبو الفضل أحمد بن المعذل: ترجمته في سير أعلام النبلاء "8/ 138، 139"، وشذرات الذهب "2/ 95، 96".
(2/122)

أثنى عليه أبو حاتم، وقال أبو سليمان الخطابي: إنه يعد في زهاد البصرة وعلمائها، وقال غيره: كان فقيها بمذهب مالك، ذا فضل وورع ودين، نبيلا شاعرا أديبا فصيحا نظارا، غاية في الزهد فيما بأيدي الناس، لم يكن لمالك في العراق أرفع منه، ولا أعلى درجة، وأبصر بمذهب أهل الحجاز منه، ولم يذكر في "الديباج" وفاته، وإنما قال: توفي وقد قارب الأربعين سنة.
401- أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق 1: بن حماد بن زيد بن درهم بن لامك الجهضمي الأزدي
مولى آل جرير بن حازم كما تقدم لنا في ترجمة حماد. وأصل إسماعيل من البصرة، واستوطن بغداد، روى عن سليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، ومسدد، وابن المديني، وسمع من أبيه إسحاق، وأبي بكر بن أبي شيبة، وتفقه بابن المعذل السابق، وكان يقول: أفخر على الناس برجلين: ابن المعذل يعلمني الفقه، وابن المدين يعلمني الحديث.
وروى عنه ابنه أبو عمر القاضي، وأخوه، وأبو القاسم البغوي، وابن أخيه إبراهيم بن زيد، وعبد الله بن الإمام أحمد، وإبراهيم بن عرفة النحوي، وغيرهم، كالنسائي وخلق عظيم، وتفقه عليه أهل العراق من المالكية.
قال أبو بكر الخطيب: كان فاضلا عالما متفننا، فقيها في مذهب مالك، شرح مذهبه، ولخصه، واحتج له، وصنف المسند، وكتبا عديدة، من علوم القرآن، منها كتاب "أحكام القرآن" لم يسبق لمثله، وكتابه في القراءات كتاب جليل القدر، عظيم الخطر، وكتاب في معاني القرآن، وهذان كتابان شهد بتفضيله فيهما المبرد، وله إعراب القرآن في خمسة وعشرين جزءا، وله كتاب المبسوط في الفقه، ومختصره، وله كتب عديدة في أبواب من الفقه، وفي الرد
__________
1 أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق: ترجمته في سير أعلام النبلاء "9/ 79"، وتاريخ بغداد "6/ 284، 290"، وطبقات القراء "2/ 162"، وتذكرة الحفاظ "2/ 180، 181"، ومعجم الأدباء "6/ 129"، 140"، وشذرات الذهب "2/ 178".
(2/123)

على محمد بن الحسن والشافعي وأبي حنيفة، وله كتاب الموطأ، وكتاب شواهد موطأ مالك في عشر مجلدات، وله مسانيد في الحديث كثيرة، فهو معدود من أعلى طبقة في المؤلفين وجمع حديث مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وثابت البناني، وأبي هريرة.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان إسماعيل جمع القرآن، وعلوم القرآن والحديث، وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان، وكان من نظراء المبرد في علم كتاب سيبويه، وكان المبرد يقول: لولا اشتغاله برئاسة الفقه والقضاء، لذهب برئاستنا في النحو والأدب، وحمل من البصرة إلى بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك بالعراق. وكان ثقة صدوقا، وذكر الإمام الباجي من بلغ درجة الاجتهاد، وجمع العلوم فقال: ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل القاضي ومن شعره:
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
فاعجب لما هو كائن ... إن الزمان أبو العجائب
ولي قضاء بغداد، وجمعت له في وقت واحد، ولم تجمع لأحد قبله، وأضيف إليه قضاء المدائن والنهروانات، ثم ولي قضاء القضاة، فحاز المالكية قضاء عواصم الإسلام في القرن الثالث، إذ كان إسماعيل قاضي القضاء الأعلى ببغداد، والحارث بن مسكين بمصر، وسحنون قاضي القضاة بالقيروان، وممالك أفريقية، ويحيى بن يحيى مستشارا في تعيين قضاة الأندلس في عصر متقارب.
قال ابن الخطيب: أقام إسماعيل على القضاء نيفا وخمسين سنة ما عزل إلا سنتين وفي ذلك خلاف، كان عفيفا صلبا فهما فطنا، وأما سداده فيه، وحسن مذهبه، وسهولته عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشهير. ولد سنة مائتين وتوفي سنة 282 اثنين ومثانين ومائتين. ورث خطته من الإمامة في الدين بنو عمه، وعهد إلى ابنه الحسن وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق لكثرة رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث رؤساء نبهاء أصحاب سنة
(2/124)

وهدى ودين. روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة سنة من لدن جدهم حماد بن زيد وأخيه سعيد المولودين على نحو المائة إلى وفاة آخر من وصف منهم بالعلم وهو ابن أبي علي المتوفى قرب أربعمائة.
قال الفرغاني: لا نعلم أحدا بلغ ما بلغ آل حماد بن زيد، ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة، ونفاذ الأمر في جميع الأقطار، وحسبك أن لهم ببادرويا ستمائة بستان غير ما لهم بالبصرة وغيرها، وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وخير وأبهة وورع وعلم وفضل. فانظر وتأمل، رحمك الله كيف كانت بيوت العلم في الإسلام.
402- أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي 1:
الإمام العلم، أحد أوعية العلم، وذوي الاتساع فيه والفهم، طاف البلاد شرقا وغربا، ولقي الأعلام سمع بخراسان وما وراء النهر والعراق والشام والحجاز ومصر والجزيرة، ثم استوطن بغداد، قاضي الدينور. أخذ عن أيوب وابن المديني وابن أبي شيبة وغيرهم، وروى عنه ابن المبارك وطبقته، كان ثقة ثبتا حجة، له كتاب السنن، وكتاب مناقب مالك، وحزروا من يحضر مجلسه للسماع بثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر مستمليا، ويكتب الحديث في مجلسه عشرة آلاف دون من لا يكتب. توفي سنة 301 إحدى وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة صح من "الديباج" باختصار.
__________
1 أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي: أبو بكر الفريابي التركي، ولد سنة "217"، توفي سنة "301":
تذكرة "5/ 2/ 692"، العبر "2/ 119"، اللباب "2/ 211"، تاريخ بغداد "7/ 199"، طبقات الحفاظ "301"، المعين "1207"، الأنساب "10/ 129، 206"، الأعلام "2/ 128"، الوافي بالوفيات "11/ 146"، السابق واللاحق "170"، التمهيد "1/ 66".
(2/125)

403- أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي 1:
ثقة مأمون، كثير الرواية والكتب، أدخل لأفريقية كتبا غريبة من كتب المالكية ككتاب المغيرة بن عبد الرحمن، وكتاب ابن كنانة، وكتاب ابن دينار، ولم يكن في عصره أكثر كتبا منه في الفقه والآثار. توفي سنة 313 ثلاث عشرة وثلاثمائة بسوسة.
404- أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة القرطبي 2:
دارت عليه الأحكام نحن ستين سنة مع نزاهة وتصاون وتقشف وتواضع، وفصاحة، وحفظ للشعر وأخلاق جميلة، مأمونا ثقة. توفي سنة 314 أربع عشرة وثلاثمائة.
405- أبو عبد الله محمد بن فطيس 3: كان من حفاظ المذهب، وأعلم من كل من بعده. توفي سنة 319 تسع عشرة وثلاثمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن بسطام بن رجاء الضبي، أبو عبد الله الضبي السوسي البصري الأصل، توفي سنة "130":
طبقات علماء إفريقية وتونس ص"54".
2 أبو عبد الله محمد بن فطيس: ترجمته في الديباج المذهب ص"245".
3 أبو عبد الله محمد بن فطيس: أبو عبد الله الغافقي الأندلسي الألبيري، ولد سنة "229"، توفي سنة "319"، عن "90" سنة:
الأعلام "6/ 332"، التمهيد "1/ 80، 5/ 52"، تاريخ علماء الأندلس ص"40"، معجم المؤلفين "11/ 131"، سير النبلاء "15/ 79، العبر "2/ 177"، نفح الطيب "2/ 62"، الوافي بالوفيات "4/ 337".
(2/126)

406- أبو سلمة فضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهني 1:
مولاهم البجاني2 كان من أعلم الناس بمذهب مالك، وله مختصر المدونة، ومختصر الواضحة، زاد فيه من فقهه وتعقب فيه على ابن حبيب كثيرا من قوله، وهو أحسن كتب المالكيين، وله مختصر لكتاب ابن المواز، وكتاب جمع فيه مسائل المدونة والمستخرجة والمجموعة، وله جزء في الوثائق مفيد حسن. توفي سنة 319 تسع عشرة وثلاثمائة.
407- أبو عمر أحمد بن ميسر يعرف بابن الأغبش القرطبي 3:
كان ميالا للنظر والحجة، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه، فكذا. توفي سنة 328 ثمان وعشرين وثلاثمائة.
408- أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري 4:
البصري من ولد أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، كان هذا الإمام فقيها نظارا، وإماما حافظا مكثارا، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي في جامع المنصور ببغداد، ولهذا عده السبكي من الشافعية والذي عليه عياض وغيره أنه
__________
1 أبو سلمة فضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهني: أبو سلمة البجاني الجهني، توفي سنة "319"، وقيل "317":
حاشية الأنساب "2/ 87"، تاريخ علماء الأندلس "352"، شجرة النور الزكية "82".
2 البجاني نسبة إلى بجانة بنون كما في "المدارك" في غير ما موضع بلد في الأندلس "المؤلف".
3 أبو عمر أحمد بن ميسر القرطبي: ترجمته في الديباج المذهب ص"37".
4 أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري: أبو الحسن الأشعري، توفي سنة "334": شجرة النور الزكية "79"، وفيات الأعيان "3/ 284"، دائرة الأعلمي "22/ 225"، تاريخ بغداد "11/ 346".
(2/127)

مالكي المذهب، واستدل على ذلك انظر "المدارك" ولا بعد في أن يكون مجتهدا لا هو شافعي ولا مالكي لما كان عليه من العلم الواسع، والفكر الشاسع، ويبعد أن يكون مثله مقلدا في ذلك العصر.
كان أول أمره معتزليا، أخذ عن أبي علي الجبائي، وأقام على ذلك ثلاثين سنة وهو من فحولهم المناضلين عن شبههم المشهورين بذلك، ماهرا في فلسفتهم العقلية المقتبسة من كتب اليونان والهنود وغيرهم، والتي كانوا بها ظاهرين مفحمين لأهل السنة مدة قرن ونصف، غير أنه لسعة أفكاره وعدم اقتصاره على شبههم وتآليفهم وأقوالهم، بل كان ماهرا مطلعا على أقوال السنة وكتبها، عارفا بأصولها لم يكن ضيق الفكر مزرر القميص لا يخرج عما ألقي إليه في صغره، بل أجال فكره في السنة والاعتزال معا، فرأى أن السنة هي الحق، وأن الاعتزال سفسطة وضلال، فلما تبين له ذلك بالبراهين العظام فكر فكرا عظيما، وأسس مبدأ جسيما وهو هدم قواعد الاعتزال بالآلات التي بنيت بها، وقتال أهلها بسلاحها الذي كان به ظهورها وهو الفلسفة نفسها، والبراهين العقلية الصحيحة، وضمها إلى نصوص الشريعة خلاف ما كان السلف عليه من نبذ الفلسفة التي كانت سبب ضلال المعتزلة، والاقتصار على قتالهم بالنصوص، والوقوف عن الخوض في بحر الفكر والنظر، فإن ذلك وإن نفع في الجملة، لكن لم يحسم داءهم العضال، وانظر إلى مالك لما سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 أجاب بأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وسلك طريق التفويض، وهو أسلم.
أما أبو الحسن الأشعري، فإنه بفضل ما مهر فيه من علوم الشريعة والفلسفة معا اخترع لهم سلاحا من نوع ما غلبوا به، فصعد يوم الجمعة كرسيا بمسجد البصرة التي هي كرسي المعتزلة ومنبعهم، ونادى: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم.
__________
1 سورة طه الآية: 5.
(2/128)

قال ابن حزم: له خمسة وخمسون مصنفا في الرد عليهم وعلى الملاحدة والجهمية والرافضة والخوارج وسائر المبتدعين. قال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة رافعي رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجزهم في أقماع السمسم. يعني حيث قاتلهم بنفس سلاحهم، فاضمحلت بسببه شبهتهم، ولهذا اعترف له من بعده من السنيين بالفضل حتى إنهم انتسبوا إليه مع أن مذهب السنة كان ظاهرا، وكانوا قبله يسمون المثبتة.
صنف ابن عساكر مجلدا في مناقبه، وأثنى الأئمة عليه كثيرا كابن أبي زيد القيرواني، والقابسي، ولا يلتفت لكلام المعتزلة فيه من الحنفية، ولا لكلام الحنابلة الذين ليسوا على مذهبه كالإمام الذهبي، وقد رد عليه تلميذه السبكي كثيرا، وكابن حزم في بعض كتبه وإن أثنى عليه في كتابه "الفصل" كما أثنى عليه الذهبي في كتاب "العلو" كثيرا. حاصله طعن فيه من لا يرى رأيه وذلك معلوم.
ومن غريب ما في "الطبقات السبكية" أنه تردد أولا فيمن يعده من المجددين في المائة الثالثة هل الإمام الأشعري أو ابن سريج الشامي، ثم أداه التعصب المذهبي إلى أن قال: إن الأشعري وإن كان أيضا شافعي المذهب إلا أنه رجل متكلم، كان قيامه للذب عن أصول العقائد دون فروعها، وكان ابن سريج فقيها يذهب عن الفروع، فكان أولى بهذه المرتبة.
فتأمل قوله وإن كان شافعيا. كأن الدين الذي يجدد هو مذهب الشافعي، وما سواه لا عبرة به. وتأمل ما أدى إليه التعصب من تقديم الفروع على الأصول عكس المعقول والمنقول. وكم لهذا من نظير عنده على أننا لا نسلم عدم معرفته بالفروع، ففي "المنح البادية" عن عبد الله بن محمد بن طاهر الصوفي قال: رأيت أبا الحسن الأشعري وقد أبهت المعتزلة في المناظرة، فقال له بعض الحاضرين: قد عرفنا تبحرك في الكلام، فإنا نسألك عن مسألة ظاهرة في الفقه ما تقول في الصلاة بغير فاتحة الكتاب؟ فقال: ثنا زكريا بن يحيى السراج، ثنا عبد الجبار، ثنا سفيان، ثني الزهري، عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت مرفوعا "لا
(2/129)

صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، وحدثنا زكريا، ثنا بندار ثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن ميمون ثني أبو عثمان عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا أنادي في المدينة: "إنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" قال: فسكت السائل. فهذا يدل على مقامه في الحديث والفقه، وإن لم يكن بالمقلد البحت.
وإن شئت أن تعرف ما كان عليه الأشعري في المعتقد، فانظر ترجمته من كتاب "العلو" للذهبي وانظر كتاب "الإبانة" فكل منهما مطبوع، وبذلك تعلم أنه سلفي العقيدة وفيه مخالفة كثيرة لما في "السنوسية" "والمرشد المعين" الموضوعين في مذهب الأشعري. توفي سنة 334 أربع وثلاثين وثلاثمائة وقيل 333 ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ودفن بالبصرة.
409- أبو بكر محمد بن محمد بن وشاح 1 بن اللباد:
شيخ المالكية في وقته بالقيروان، مولى لموالي موسى بن نصير القائد الشهير، سمع من جميع شيوخ وقته كيحيى بن عمرو البغامي، وحمديس القطان، وأبي عمران البغدادي، ومحمد بن المنذر، وغيرهم وأخذ عنه ابن أبي زيد، والقابسي، ودارس بن إسماعيل، وغيرهم. أثنى عليه تلاميذه وغير واحد من الأفاضل كابن حارث، وابن العربي وغيرهم ووصفوه بالحفظ والإتقان والتقوى وسعة العلم والزهد.
وهو ممن امتحنه الشيعة في دولة بني عبيد، ولما أدخلوه السجن تلقاه المراودي فأعرض عنه حيث كان سجن لسب النبي -صلى الله عليه وسلم، فقال: والله إني لأبغضك يا أبا بكر قديما، فقال له: الحمد لله يا فاسق الذي لم يجعل في قلبك بغض النبي
__________
1 أبو بكر محمد بن محمد بن وشاح بن اللباد: أبو بكر القيرواني الشهرة ابن اللباد، توفي سنة "333":
شجرة النور الزكية "84".
(2/130)

-صلى الله عليه وسلم- وحبي ثم سرح، ولزم داره، فكان ابن أبي زيد وغيره من الطلبة يأتونه خفية، ويجعلون الكتب في أوساطهم حتى تبتل بعرقهم.
ومن كلامه: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، وقوله: ما قرب الخير من قوم قط إلا زهدوا فيه. توفي سنة 333 ثلاث وثلاثين وثلاثمائة صح ملخصا من "المدارك" وكان له أصحاب نشروا فقهه شبهوهم بأصحاب مالك، فمحمد بن نظيف القيرواني، ثم المصري بابن القاسم، وابن أبي زيد بأشهب، وابن أخي هشام بابن نافع، وابن التبان بابن بكير.
410- أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر أبو بكر الإسكندراني:
انتهت إليه الرئاسة بمصر بعد ابن المواز وهو راوي كتبه، وكان يوازيه في الفقه، ألف كتاب الإقرار والإنكار توفي سنة 339 تسع وثلاثين وثلاثمائة، وضبطه عياض ميسر بفتح السين كذا في "الديباج"1.
411- أبو محمد قاسم بن أصبغ 2 بن محمد بن يوسف المرواني:
ولاء القرطبي الشهير بالبياني نسبة إلى بيانة من عمل قرطبة. سمع من بقي بن مخلد والخشني وغيرهما، ورحل العراق وغيرها فسمع من إسماعيل القاضي وغيره، وانصرف للأندلس بعلم كثير، فكان له بقرطبة قدر كبير. وسمع منه عبد الرحمن الناصر، وولي عهده، وطال عمره، فلحق فيه الأصاغر بالأكابر،
__________
1 أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر أبو بكر الإسكندراني ص"37"، وهو مترجم أيضا في سير أعلام النبلاء "9/ 213"، وحسن المحاضرة "1/ 255".
2 أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف المرواني: ترجمته في تذكرة الحفاظ "853"، وبغية الوعاة ص"375"، والديباج المذهب ص"222"، ومعجم الأدباء "16/ 236"، ولسان الميزان "4/ 458".
(2/131)

وكانت الرحلة إليه بالأندلس. كان ثبتا صادقا مأمونا من أئمة المالكية، وله مصنفات في الحديث حسنة خمسة، منها "المصنف" المخرج على كتاب أبي داود، واختصاره المسمى "المجتبى" على نحو كتاب ابن الجارود "المنتقى" وكان قد فاته السماع منه فألف مصنفا على أبواب كتابه خرجه عن شيوخه، ومنها مسند حديثه عن غرائب مالك، ومسند حديث مالك رواية يحيى، وله أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ وغيرها توفي سنة 340 أربعين وثلاثمائة عن اثنين وتسعين سنة، وتغير ذهنه قبل وفاته بثلاث سنين.
412- محمد بن يحيى التمار 1 الأسواني أبو الذكر الفقيه: صاحب التصانيف في الأصول والفروع، نزل مصر، وبها توفي سنة 344 أربع وثلاثمائة.
413- بكر بن العلاء القشيري 2 أبو الفضل:
بصري وخرج عنها إلى مصر، فأدرك بها رئاسة عظيمة. أثنى عليه غير واحد، ألف كتبا جليلة، اختصر كتاب القاضي إسماعيل وزاد عليه، وله كتاب الرد على المزني وكتاب الأشربة، رد على الطحاوي، وكتاب أصول الفقه، وكتاب القياس، وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب الرد على القدرية، وغيرها.
توفي سنة 344 أربع وأربعين وثلاثمائة. ا. هـ. بخ من "المدارك".
414- أبو الحسن علي بن جعفر السلفاني: أحد مشيخة المالكية بمصر وكان أهل جزيرة أقرطيش "كريت" طلبوا من مصر أن يوجهوا لهم من يفقههم ويتقلد حكمهم، فوقع الاتفاق عليه، وأقام بها إلى أن دخلها الروم
__________
1 محمد بن يحيى التمار: ترجمة في نيل الابتهاج ص"227".
2 بكر بن العلاء القشيري أبو الفضل "بصري": أبو الفضل المصري القشيري البصري، توفي سنة "344":
شجرة النور الزكية "79" ترجمة "139".
(2/132)

سنة 350 خمسين وثلاثمائة، وملكوها، فأسر فيمن أسر، وذهب للقسطنطينية أسيرا ذكره في "المدارك"1 ولم يذكر وفاته، وذكر مناظرة وقعت بينه وبين ملكها فانظرها.
415- أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان العنسي 2:
من ولد عمار بن ياسر، أحفظ علماء وقته لمذهب مالك في مصر ورأس علمائها، متفنن في سائر العلوم إلا العربية وكان يلحن مع التدوين والورع. ألف كتاب الزاهي المشهور وغيره إلا أن له غرائب من أقوال مالك وأقوالا شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته لم يروها الثقاة. توفي سنة 355 خمس وخمسين وثلاثمائة، ووافق موته دخول العبيديين لمصر، وكان شديد الكره لمذهبهم الرافضي، فكان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم، فأجيبت دعوته وقد ناف الثمانين.
416- أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي 3:
مولاهم الطليطلي الأصل القرطبي الدار، كان حافظا لفقه مالك متقدما فيه، صدرا في الفتيا، يناظر في الفقه، ولم يكن له كبير علم بالحديث، متين الدين، بعيدا عن السلطان، لا تأخذه في الله لومة لائم، قدم للشورى إشارة من
__________
1 "3/ 295".
2 أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان العنسي من ولد عمار: أبو إسحاق، الشهرة ابن القرطبي المصري المالكي، توفي سنة "355":
الميزان "4/ 14"، المعتز "5913"، لسان الميزان "5/ 348"، التمهيد "2/ 181".
3 أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي: التجيبي نسبة إلى تجيب بصيغة المضارع من أجاب اسم امرأة أم قبيلة نسب إليها أولادها. ا. هـ. ابن خلكان، وترجمته في سير أعلام النبلاء "10/ 163"، والديباج المذهب ص"96".
(2/133)

ولي العهد الحكم بن الناصر الأموي، وبه كملت عدتهم ستة عشر مستشارا ولم يكن في عصره أكثر منه خيرا ولا أكمل ورعا.
له كتاب "النصائح" مشهور، وكتاب "معالم الطهارة" وكان صليبا قليل الهيبة للملوك، راوده الحكم المستنصر أن يأتيه يوما بولده أحمد وكان صغيرا، وعزم عليه في ذلك، فاعتذر إليه، وقال: لا يقول الناس هذا الشيخ المرائي استجلب بولده دراهم السلطان، فأعفاه من ذلك. وكان عند والده الناصر "أعذار" واحتفل في استدعاء وجوه الناس، ولم يتخلف إلا أبو إبراهيم، فساءه، وكتب إليه يعتبه ويطل بمنه وجه عذره.
فأجابه بما نصه: سلام على الأمير سيدي ورحمة الله قرأت أبقى الله الأمير سيدي كتابك وفهمته، ولم يكن توقفي لنفسي إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله ولسلطاته لعلمي بمذهبه وسكوني إلى تقواه، واقتفائه لأثر سلفه الطيب رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بها يشينها ويغض منها، ويطرق إلى تنقيصها يستعدون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعاياهم ومن يفد عليهم من قصادهم، فلهذا تخلفت، ولعلمي بمذهبه وفقه الله.
فلما قرأ الكتاب الحكم، أعلم أباه الناصر، فاستحسن اعتذاره. توفي أبو إبراهيم بطليطلة خرج مع الحكم غازيا سنة 355 اثنين أو أربع أو خمس وخمسين وثلاثمائة عن خمس وسبعين سنة، ولما علم الحكم بموته وكان فتح عليه حصن قال: لا أدري بأي الفرحتين أسر بأخذ الحصن، أو موت إسحاق؛ لخوفه منه، وطوع العامة له. ا. هـ. بخ "المدارك" فانظر رحمك الله كيف كان عز الورع وعز الصلابة في الدين، وخوف الخلفاء من العلماء.
417- أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الجراوي 1
الفاسي المشهور بالمحدث، كان فقيها حافظا للرأي، له رحلة للمشرق
__________
1 أبو ميمون دراس بن إسماعيل الجراوي الفاسي "المحدث": أبو ميمونة الفقيه الفاسي. حاشية الإكمال "7/ 81"، تاريخ علماء الأندلس "46".
(2/134)

فسمع من علي بن مطر بالإسكندرية كتاب ابن المواز، وأخذ بالقيروان عن أبي بكر بن اللباد، وقرأ عليه أبو الحسن القابسي، وابن أبي زيد وغيرهما، وتكرر دخوله للأندلس مجاهدا، وسمع منه فيها غير واحد، وهو الذي أدخل مذهب مالك إلى فاس، بل المغرب الأقصى، وكانوا قبله على مذهب الحنفية.
قال أبو بكر المالكي: كان من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين.
وفي "المدارك" لما طرأ القيروان، اطلع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى يقال: ليس في وقته أحفظ منه، وكان نزوله على ابن أبي زيد وأظهر تفسيره لعلماء القيروان، وشفوفه على كثير منهم. ا. هـ.
توفي سنة 357 سبع وخمسين وثلاثمائة على ما في ابن الفرضي، وفي تاريخ الأفارقة ثمان وخمسين، وقبره خارج باب الجيزيين بفاس مشهور وله مسجد بمصموده بفاس معروف إلى الآن من أقوم مساجدها قبلة.
418- أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني 1:
الأفريقي، ثم القرطبي وقد دخل سبتة وهو الذي حقق قبلة جامعها، وتولى ببجاية المواريث، له التآليف الحسنة ككتاب "الاتفاق والاختلاف" في مذهب مالك، وكتاب "رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه" وكتاب "طبقات المالكية" وتاريخ وصلت كتبه مائة ديوان. توفي سنة 361 إحدى وستين وثلاثمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني الأفريقي ثم القرطبي: أبو عبد الله الخشني القيرواني المغربي المحاسبي الشهرة ابن حارث، توفي سنة "371 أو 370":
سير النبلاء "16/ 165"، معجم طبقات الحفاظ ص"154"، تراجم المؤلفين التونسيين "2/ 205"، تاريخ علماء الأندلس ص"112"، العبر "2/ 324"، معجم المؤلفين "9/ 168".
(2/135)

419- أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي بن منصور بن أحمد بن حيون 1:
أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم بالفقه والدين والنبل، وله تصانيف منها كتاب "اختلاف أصول المذهب" وكتاب "الأخبار" في الفقه، وكتاب "الاقتصار" فيه أيضا، وكتاب "ابتداء الدعوة للعبيديين" وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية.
قال ابن زولاق في كتاب "أخبار قضاة مصر": إنه كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه، عالما بوجوه الفقه واختلاف الفقهاء والشعر، وأيام الناس مع العقل والإنصاف، وألف أهل البيت من الكتب آلافا من الأوراق بأحسن تأليف.
وله ردود على أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن سريج، وكتاب "اختلاف الفقهاء" وشعر لأهل البيت، وله القصيدة المنتخبة في الفقه، وكان ملازما صحبة المعز أبي تميم الفاطمي، قدم أفريقية معه كان قاضيه بها.
وتوفي سنة 363 ثلاث وستين وثلاثمائة وقد ولي القضاء بمصر ولده علي أشركه إياه المعز مع أبي طاهر محمد الذهلي، وزاد لعلي دار الضرب والنظر في الجامعين، ثم استقل بالقضاء وحده على الديار المصرية والشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز الفاطمي والخطابة والإمامة والعيار في الذهب والفضة والموازين والمكاييل، وبقي القضاء في بيتهم مدة طويلة، فتولى أخوه وولده وولد أخيه إلى آخر القرن الرابع.
وكان فيهم علم على ما كان من مذهب الإمامية الآخذين به، والناشرين له. انظر ابن خلكان.
__________
1 أبو حنيفة النعمان بن محمد: ترجمته في سير النبلاء "10/ 182"، ولسان الميزان "6/ 167"، وشذرات الذهب "3/ 47".
(2/136)

420- أبو بكر محمد بن عبيد الله المعيطي الأندلسي 1:
من أبناء الأشراف، كان حافظا للفقه، عالما بمذهب مالك، وكان الحكم الأموي أمير المؤمنين كلفه هو وأباه عمر الإشبيلي بإتمام كتاب "الاستيعاب" الذي كان ابتدأه بتأليف بعض أصحاب القاضي إسماعيل في العراق جعله ديوانا جامعا لقول مالك خاصة دون أصحابه، ولم يكمل منه إلا خمسة أجزاء، وفتح لهما خزائنه، فجمعا الأسمعة حيث كان من رواية المدنيين والمصريين والشاميين والعراقيين والأفريقيين، فأكملاه في مائة جزء، ولما رفعاه للحكم، سر به وأمر لهما بألفي دينار لكل واحد، وكسوة، وقدمهما للشورى.
قال في "المدارك": رحل المعيطي إلى المشرق وهو ابن ثلاثين وكان ورعا زاهدا، وفي آخر عمره تبتل ولبس الصوف، وتوسد الأرض، واعتزل امرأته باختيارها، فصار لا يجالس أحدا البتة بعد ما كان ذا رياسة في العلم والخير، وشور وعظم جاهه، وكان تبتله سبعة عشر شهرا مات فيها وهو ينيف على الأربعين فقط قبل أقرانه. وصلى عليه أبوه سنة 367 سبع وستين وثلاثمائة.
421- أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي 2:
السدوسي البغدادي، ولي قضاء بغداد وواسط ودمشق ومصر. دخلها
__________
1 أبو بكر محمد بن عبيد الله المعيطي الأندلسي: ترجمته في الديباج المذهب ص"266، 267".
2 أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي السدوسي البغدادي: يقال محمد بن أحمد بن عبد الله أبو الطاهر، الذهلي القاضي المالكي البجيري البغدادي، ولد سنة "279"، توفي سنة "367":
تاريخ بغداد "1/ 313"، الأنساب "2/ 97"، الوافي بالوفيات "2/ 45"، الإكمال "1/ 196"، سير النبلاء "16/ 204"، الأعلام "5/ 311"، التمهيد "8/ 286"، العبر "2/ 344".
(2/137)

سنة 340 أربعين وثلاثمائة، ولم يتول قضاءها أحد تولى قضاء بغداد غيره وغير يحيى بن أكثم اعتنى به أبوه في صغره، فسمع من عبد الله ابن الإمام أحمد وعلي بن محمد السمار وغيرهما.
وقال عن نفسه: إني كتبت العلم بيدي ولي تسع سنين، وسمع منه عامة أهل مصر، والحافظ الدارقطني، وأبو شامة الهروي، وخلائق. كان ثقة كثير السماع جليلا في الحديث والقضاء متفننا في علوم، وكان يذهب إلى قول مالك، ألف كتابا أجاب فيه عن مسائل مختصر المزني على مذهب مالك، وربما اختار خلافه كعدم الحكم بالشاهد واليمين، ويحكى أن أباه وإسماعيل القاضي كانا مالكيين، ولا يحكمان به.
ومما استحسن من كلامه أنه تلقى الخليفة المعز العبيدي ثم الفاطمي بالإسكندرية، وكان معه قاضيه النعمان بن محمد، فسأله المعز: كم رأيت من خليفة؟ قال: واحد فقال: ومن هو؟ قال: أنت والباقي كلهم ملوك، ثم قال له: أحججت؟ قال: نعم، قال: وزرت؟ قال: نعم، قال: سلمت على الشيخين، قال شلغني عنهما النبي -صلى الله عليه وسلم، كما شغلني أمير المؤمنين عن ولي عهده، فأرضى الخليفة وتخلص من ولي عهده؛ إذ كان لم يسلم عليه بحضرة الخليفة، فازداد الخليفة به عجبا، وخلع عليه، وأبقاه على ولايته التي كان ولاه إياه جوهر الكاتب، وأجازه بعشر آلاف درهم، وأقام قاضيا بها ست عشرة سنة، لكن أشرك معه أبا الحسن علي بن أبي حنيفة بن حيون القيرواني كما سبق.
ولد سنة تسع وسبعين ومائتين وهي سنة النجباء التي ولد بها جعفر بن الفرات، والحسن بن القاسم بن عبيد الله وغيرهما. توفي سنة 367 سبع وستين وثلاثمائة، ومن قصته هذه تعلم أخلاق القضاة في ذلك الزمان، وما كانوا يقاسونه في الضغط على الفكر من الأمراء الجائرين، وكيف يتخلصون.
(2/138)

422- عبد الله بن الحسن بن الجلاب 1:
وفي "المدارك" عبيد الله بالتصغير وكناه أبا القاسم أو أبا الحسين، وحكى عن الشيرازي أن اسمه عبد الرحمن، والصواب عبيد الله بصري تفقه بالأبهري، وكان من أحفظ أصحابه، وأخذ عنه أبو محمد عبد الوهاب بن نصر القاضي وغيره، له كتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع في المذهب مشهور. توفي سنة 378 ثمان وسبعين وثلاثمائة.
423- أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله الشهير بابن خويز منداد 2:
روى عن ابن أبي داسة، وتفقه بالأبهري، وأبو الحسن المصيصي، وغيرهم، وله كتاب كبير في الخلاف، وآخر في الأصول، وآخر في أحكام القرآن، وله أقوال في المذهب وآراء انفرد بها كقوله: إن التيمم يرفع الحدث، ولا يعتق على الرجل إلا آباوه وأبناؤه، ويقول في الأصول: إن خبر الواحد يوجب القطع، وإن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار، ومن أجل هذا قال عياض: إنه ليس بالقول في الفقه، ولم يذكر وفاته، نعم ذكره في أواخر القرن الرابع.
424- محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي 3:
قاضي إشبيلية وعالم الأندلس وإمام اللغة في وقته، كان مع حفظه في
__________
1 عبد الله بن الحسن بن الجلاب: "ملحوظة: في "المدارك" عبيد الله وكناه أبا القاسم". أربع رسائل "15"، وفيات ابن منقذ "234".
2 أبو بكر بن أحمد بن عبد الله الشهير بابن خويز منداد: أبو عبد الله أبو بكر، مات في حدود الأربعمائة. نسيم الرياض "14/ 141".
3 محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي قاضي إشبيلية: أبو بكر الزبيدي الإشبيلي، ولد سنة "316"، توفي سنة "379": معجم المؤلفين "9/ 198، 199"، والحاشية، وفيات الأعيان "4/ 372".
(2/139)

الفقه وإتقانه أعلم أهل زمانه باللغة والأدب والشعر. قال ابن حيان: لم يكن له في هذا الباب نظير في الأندلس مع افتتان في علوم كثيرة، من فقه وحديث وفضل واستقامة، وكان ابن زرب يقدمه ويفضله ويزوره، له كتاب الأبنية، وكتاب لحن العوام، ومختصر العين، وزيادة كتاب العين، وكتاب غلط صاحب العين، وله كتاب في الرد على محمد بن مسرة. توفي سنة 377 سبع وسبعين وثلاثمائة.
425- أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي 1:
نسبا القيرواني إمام المالكية في وقته، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله والمنتصر له، واسع العلم، فصيح القلم واللسان، شاعر متفنن مع الصلاح والعفة والورع.
كانت له الرحلة من الآفاق ونجب أصحابه، وملأت البلاد تآليفه، حتى قيل فيه: مالك الصغير. وهو وطبقته آخر المتقديم وأول المتأخرين، فكان تاريخ هذه الطبقة فاصلا بين التاريخين للفقه.
قال فيه حافظ المغرب أبو الحسن بن عبد الله القطان: ما قلدته حتى رأيت النسائي يقلده، واستجازه ابن مجاهد من بغداد وغيره، وقال فيه تلميذه القابسي: إنه إمام موثوق به في ديانته وروايته.
سمع من خلق كثير كابن اللباد والأبياني والقطان، وابن الأعرابي وخلق كثير، وعنه أبو بكر بن عبد الرحمن والبراذعي، وأبو بكر بن موهب وغيرهم من أهل أفريقية، والأندلس، والمغرب، له كتاب "النوادر" و"الزيادات على المدونة" أوعب فيه الفروع المالكية، فهو في المذهب المالكي كمسند أحمد عنه
__________
1 أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي: ترجمته في سير أعلام النبلاء "11/ 3"، وطبقات الفقهاء ص"139" للشيرازي، وتذكرة الحفاظ "3/ 211"، والديباج المذهب ص"136"، وشذرات الذهب "3/ 131".
(2/140)

المحدثين إذا لم توجد فيه المسألة فالغالب أن لا نص فيها، ينيف على المائة جزء، وله "مختصر المدونة" وعلى هذين معول المالكية في عصور بعده وفي عصره، وله "الرسالة" المتداولة الآن بين أيدي أهل المشرق والمغرب، وكتب أخرى كثيرة يطول عدها، فهو من الطبقة العالية في المؤلفين وعندي أنه أحق من يصدق عليه حديث "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" 1 هذا في أفريقيا وما قرب منها وفي المشرق القاضي أبو بكر الباقلاني لسان الفقهاء والمتكلمين، وقيل: الأستاذ سهل الصعلوكي، وقيل: أبو حامد الإسفراييني، وتقف على تراجم الكل في هذا المؤلف.
ولك أن تقول: إن ابن أبي زيد لم يصل إلى رأس المائة. قلنا: إلغاء الكسر معلوم في كثير من موارد الشريعة المطهرة، وما قارب الشيء يعطي حكمه على رأس المائة يحتمل أنه من المبعث أو الهجرة أو من الوفاة النبوية؛ لأن اصطلاح عد التاريخ من الهجرة إنما كان زمن عمر، ولا يحكم بالمتأخر على المتقدم والله أعلم. على أنه لا مانع أن يعد القيروان في قطره، والأصيلي في قطره، والقاضي عبد الوهاب في قطره، والباقلاني في قطره، وغيرهم، وعلى كل حال، فالذي يصلح لهذه المزية في هذه المائة كثيرون كالقاضي ابن محسود الهواري بفاس، وغيره، و"من" في الحديث تصدق بالواحد والجماعة. والله أعلم. توفي ابن أبي زيد سنة 386 ست وثمانين وثلاثمائة.
426- أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب 2: قاضي قرطبة، ومفتيها، الموصوف بسعة العلم والنظر والنزاهة والفضل، من
__________
1 أخرجه أبو داود "4291" من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ $"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" وإسناده صحيح، وصححه الحاكم والعراقي. قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم.
2 أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب: ترجمته في جذوة المقتبس "93"، والشذرات "3/ 101"، والديباج المذهب "268، 269".
(2/141)

أحفظ أهل زمانه لمسائل مالك، وكان القاضي بن السليم يقول له: لو رآك ابن القاسم لعجب منك، مشارك في الفنون العربية، ورع عفيف، له كتاب "الخصال" في الفقه عارض به كتاب "الخصال" الحنفي، فجاء غاية في الإتقان، ولما ولي القضاء، وجاء الناس لتهنئته، كشف لهم عن صندوق من المال، وقال لهم: إن فشا من مالي ما يناسب هذا، فلا لوم، وإن ظهر علي أكثر منه، وجب مقتي.
توفي سنة 381 إحدى وثمانين وثلاثمائة، وفي "الديباج" إحدى وثلاثين وهو تصحيف.
427- أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله 1:
ابن جعفر الأصيلي من كورة شذونة الأندلسي، ونشأ بأصيلا مرسى قرب طنجة من المغرب الأقصى، وطلب بها العلم، وأبوه من مسلمة أهل الذمة كما في "المدارك" وتفقه بقرطبة على اللؤلؤي وأبان بن عيسى وغيرهم، ورحل للمشرق، فلقي بأفريقية عبد الله بن أبي زيد، والأبياني، وبمصر ابن شعبان، وبمكة أبا بكر الآجري، ولقي بالعراق الأبهري وغيرهم ورجع للأندلس، فانتهت إليه رئاسة المالكية بها، وألف في المذاهب كتبا.
قال الدارقطني؛ لم أر مثله، وقال غيره: كان من حفاظ مذهب مالك والتكلم على الأصول وترك التقليد، ومن أعلم الناس بالحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله، وولي قضاء سرقسطة، وكان نظير ابن أبي زيد في القيروان،
__________
1 أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر الأصيلي بن كورة: أبو محمد الأصيلي الأندلسي الفقيه، توفي سنة "392":
الوافي بالوفيات "17/ 7"، تذكرة الحفاظ "3/ 1024"، العبر للذهبي "3/ 52"، تاريخ علماء الأندلس ص"249"، الديباج المذهب "1/ 433، 434"، شذرات الذهب "3/ 140"، نسيم الرياض "2/ 44"، معجم المؤلفين "6/ 18، 19"، بغية المقتبس ص"340"، حاشية الأنساب "1/ 296".
(2/142)

وعلى هديه لولا ضجره الشديد وقت غيظه.
ومن فتاويه لابن أبي عامر جواز الصلاة في العمارية التي كان يلزم الصلاة الفريضة فيها في أسفاره، وكان يصلي إيماء للنقرس الذي أصاب قدميه وهي إحدى روايتي ابن القاسم في "المدونة" ومنع ذلك حتى يباشر الأرض أرجح قاله في "المدارك" قال: وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده، ومن كراماته هو ولا ولده، وأمن من كان في المجلس، فأجيب دعاؤه. توفي سنة 392 اثنين وتسعين وثلاثمائة.
وتوفي ولده بعده بأعوام قبلها، وكان في سنة 400 من الفتن والمحن وخراب الأندلس ما كان.
428- أبو بكر محمد بن عبد الله التميمي الشهير بالأبهري 1:
البغدادي ذو التآليف الكثيرة في شرح مذهب مالك والاحتجاج له وناشره في العراق وراء النهر والجبل. أقام ستين سنة على الفتوى والتدريس بجامع المنصور ببغداد، ولم ينجب أحد بالعراق من المالكية بعد إسماعيل القاضي ما أنجب أبو بكر الأبهري، فقد روى عنه الدارقطني والباقلاني والأصيلي، وأجاز لابن أبي زيد وغيرهم، كما أنه لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار إلا سحنون في طبقتهما، بل هو أكثر، ثم أبو محمد بن أبي زيد في هذه الطبقة وكان من المقرئين المجودين، وله شرحان على المختصر، وكتاب الأصول، وكتاب إجماع أهل المدينة، وكتاب العوالي في الحديث والأمالي، وغيرها كثير.
ومن كلامه: الدين عز، والعلم كنز، والحلم حرز، والتوكل قوة.
__________
1 أبو بكر محمد بن عبد الله التميمي الشهير بالأبهري البغدادي: ثقات "7/ 425"، مجمع زوائد "3/ 98"، التاريخ الكبير "1/ 136"، الجرح والتعديل "7/ 1686"، لسان الميزان "5/ 238"، الميزان "3/ 612".
(2/143)

وعرض القضاء على الأبهري فامتنع، وبعد موته وتلاحق أصحابه به خرج القضاء عن المالكية إلى الشافعية والحنفية، وضعف مذهب مالك في العراق، وقل طالبه؛ لأن الناس تابعون لمذهب الحكومة. توفي الأبهري سنة 395 خمس وتسعين وثلاثمائة والذي في "المدارك" خمس وسبعون بالموحدة بعد السين والعين عن ثمانين ونحوها. ومن أقرانه أبو الفرج عمر بن محمد الليثي، وابن بكير، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم وطبقتهم.
429- أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي 1: الشهير بابن القصار صاحب كتاب "مسائل الخلاف" الذي لا أكبر منه عند المالكية، استقضي ببغداد وكانت وفاته سنة 398 ثمان وتسعين وثلاثمائة.
430- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين 2:
بفتح الزاي والميم وكسر النون المري البيري، من مفاخر غرناطة، وكبار المحدثين، والفقهاء الراسخين أجل أهل وقته فقها وحديثا، متفننا عارفا باختلاف العلماء، متضلعا في الأدب والأخبار والنحو وقرض الشعر، متبتلا متقشفا، دائم الصلاة والبكاء، كثير الصدقة مواسيا بجاهه وماله فصيحا، آخذا بالأفئدة حسن التأليف، له تفسير للقرآن، وشرح للمدونة واختصار لها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق، وله كتاب "المنتخب" في الأحكام شهير، واختصار شرح الموطأ لابن مزين، وأصول الوثائق، وكتب مهمة غيرها.
توفي بالبيرة سنة 399 تسع وتسعين وثلاثمائة عن خمس وسبعين، ولا
__________
1 أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي الشهير بابن القصار: البغدادي. إفادة النصيح "ص40"، الديباج المذهب "199".
2 أبو عبد الله محمد بن عبد بن عيسى بن أبي زمنين المري البيري: سير أعلام النبلاء "11/ 42، 43"، وجذوة المقتبس "53"، وشذرات الذهب "3/ 156"، والديباج المذهب "269".
(2/144)

يبعد عده من المجددين بقطره.
431- أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني 1
المعروف بابن الهندي، واحد عصره في علم الشروط، وأقر له بذلك فقهاء الأندلس طرا، وكتابه في ذلك مفيد جامع يحتوي على علم كثير، وعليه اعتمد حكام الأندلس والمغرب، سلك فيه الطريق الواضح، وتكلم فيه ابن حيان بأنه عديم المروءة، أحد من لاعن زوجته في الأندلس. وذكر في كتابه أشياء منكرة انظر "المدارك" توفي سنة 399 تسع وتسعين وثلاثمائة.
432- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن العطاء 2:
رئيس الموثقين، كان متفننا في علوم الإسلام، عارفا بالشروط، أملى فيها كتابا، عليه عول أهل زماننا اليوم، وكان يفضل الفقهاء بمعرفته اللسان والنحو، وكان يزري بأصحابه المفتين، ويعجب بما عنده إلى أن تمالئوا عليه بالعداوة، وحملوا قاضي قرطبة ابن زرب على سخطه بجميع أنواع الجراح، وأمضاها ابن أبي عامر، وأمره بملازمة داره، وقطع شوراه، فناله مكروه عظيم، ثم رده إلى الشورى، وأفرده في الشورى ما بين العمال والرعية. توفي في عقب ذي الحجة سنة 399 تسع وتسعين وثلاثمائة.
433- أبو محمد عبد الله بن محمد بن محسود الهواري:
قاضي فارس وإمامها الإمام الزاهد الذي يضرب المثل بورعه وعدله، أخذ عن ابن أبي زيد القيراوني، وأخرج زيادات مختصرة على المدونة وكان شديدا في
__________
1 أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني المعروف بابن الهندي: المغرب في حلي المغرب "112"، والديباج المذهب "38".
2 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله "ابن العطار": الوافي بالوفيات "2/ 53".
(2/145)

أحكامه، أقام الحدود القتل فما دونه. ومن ورعه لم يثبت أنه عامل أحدا بفاس، بل كان القمح يأتيه من بلده هوارة، والإدام يشترى له من مكناسة، وامرأته تغزل ثيابه، ولم يوجد في تركته سوى حصير الصلاة وإناء الوضوء ومصحف التلاوة.
وفي "الأنيس" أنه توفي سنة إحدى وأربعمائة 401 رحمه الله. وإني لأعده من المجددين على رأس المائة بقطره.
434- أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي 1:
الإشبيلي، مولى بني أمية شيخ الأندلس في وقته حتى صار فيها بمنزلة يحيى بن يحيى، واعتلى على الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه، لا يداهن السلطان، ولا يدع قول الحق، القريب والبعيد عنده سواء.
استفتاه ابن أبي عامر في قتل عبد الملك بن منذر البلوطي مستظهرا بكتاب بخط يده دال على مؤامرة على قتله، وأفتى بعض الفقهاء بالقتل، فقال ابن المكوي: رجل هم بسيئة ولم يعملها، ولم يجرد سيفا ولا أخاف سبيلا مع أنه ممن قال فيهم عليه السلام: "اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" 2 فلا أرى عليه شيئا ولما صلبه المنصور بن أبي عامر، انقبض ابن المكوي بداره شهرين عن الفتوى إنكارا لما جرى.
كان أحفظ الناس لقول مالك وأصحابه، وهو الذي جمع للحكم مع أبي
__________
1 أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي الإشبيلي: سير أعلام النبلاء "11/ 46"، وجذوة المقتبس "123"، والديباج المذهب "39"، وشذرات الذهب "3/ 161".
2 أخرجه أحمد "6/ 181"، وأبو داود "4375"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "3/ 129" عن عائشة، وأخرجه من طريق آخر البخاري في الأدب المفرد ص"456"، وابن حبان "1520"، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الخطيب في تاريخ بغداد "10/ 85، 86"، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" "2/ 234"، وآخر من حديث ابن عمر عند السهمي في تاريخ جرجان ص"122"، فالحديث صحيح.
(2/146)

بكر المعيطي كتاب "الاستيعاب". ابنه ابن الشقاق على قبره بقوله: رحمك الله، فلقد فضحت الفقهاء في حياتك بقوة حفظك، ولتفضحهم بعد مماتك أشهد أني ما رأيت أحفظ للسنة منك، ولا علم أحد من وجوهها ما علمت. وكان في ابتداء أمره بزازا بحانوته بسوق البزازين، فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا لفتواه، قلده الحكم الشورى برأي القاضي ابن السليم سنة خمس وستين، فانثال الناس عليه، وانقطع تجره، وضعفت حاله، فأخرج له الحكم ألف دينار.
توفي سنة 401 إحدى وأربعمائة.
435- أحمد بن نصر الداوودي الأسدي 1:
أبو جعفر مسيلي أو بسكري الأصل، وسكن طرابلس، ثم نزل تلمسان، وبها توفي، فقيه متقن فاضل مشارك في الحديث والنظر واللسان، له شرح الموطأ، والداعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على القدرية. توفي سنة 402 اثنتين وأربعمائة.
436- القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني 2
البصري المتكلم المشهور، كان على مذهب الإمام الأشعري، ناصرا طريقته، سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثير في علم أصول الدين وغيره، أوحد أهل زمانه، وانتهت إليه رياسة مذهبه، معروف بحسن الاستنباط وسرعة الجواب إذا كان في المناظرة كأنه خطيب، لم ير مثله في فصاحة اللسان، وقوة
__________
1 أحمد بن نصر الداوودي الأسدي أبو جعفر مسيلي: الديباج المذهب "35".
2 القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المعروف الباقلاني البصري "المتكلم": أبو بكر الباقلاني البصري المتكلم المعتزلي الأشعري، مات سنة "403"، وقيل سنة "393":
الأنساب "2/ 52"، نسيم الرياض "2/ 298، 4/ 149"، تاريخ بغداد "5/ 379"، سير النبلاء "17/ 190"، معجم المؤلفين "1/ 109، 110"، وفيات الأعيان "4/ 269"، الأعلمي "26/ 294".
(2/147)

الجنان، وسهولة التعبير عما في الضمير. قال ابن ناجي في "معالم الإيمان": إنه كان يقرئ المذاهب الأربعة، ويذكر كل مذهب وحجته، ثم يرجح مذهب مالك. ا. هـ. عدد 69 من الجزء الثالث توفي سنة 403 ثلاث وأربعمائة.
والباقلاني بكسر القاف، وفي لامه لغتان، فمن شددها، قصرها، فحذف الألف، ومن خففها، زاد الألف نسبة إلى الباقلاء قصرا ومدا، وزيادة النون في هذه النسبة شذوذ قيل قياس على صنعاني، وقد اعترضها الحريري في "درة الغواص" بأن زيادة النون في صناعني غير مقيس فانظره.
وفي فهرسة محمد بن محمد بن سليمان الروداني الحرمي إمام أهل المغرب والحرمين عن تذكرة الذهبي أن أبا الوليد الباجي قال لأبي ذر الهروي: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنك هروي؟ فقال: قدمت بغداد، فكنت ماشيا مع أبي الحسن الدارقطني، فلقينا القاضي الباقلاني، فالتزمه الدارقطني، وقبل وجهه وعينه، فلما افترقا، قلت: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين، والذاب عن الدين القاضي الباقلاني، وفي رواية، هذا سيف السنة، فمن ذلك الوقت تقربت إليه وتمذهبت بمذهبه. ا. هـ.
437- أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري 1:
القيرواني الشهير بابن القابسي، قال في "المدارك": ولم يكن قابسيا، بل هو قسرابي الأصل، وإنما كان عمه يشد عمامته شد القابسيين سمع مع أبي العباس الأبياني، ودارس بن إسماعيل الفاسي وطبقتهما، ورحل للمشرق، فسمع من أبي زيد المروزي وغيره كثير، وكان واسع الرواية عارفا بالحديث وعلله ورجاله، والفقه والأصول، متكلما مؤلفا مجيدا، صالحا متقيا، وكان أعمى،
__________
1 أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني الشهير بابن القابسي: أبو الحسن، المعافري القابس القروي الشهرة ابن الحسن، ولد سنة "324"، مات سنة "403":
إفادة النصح ص"83"، والأنساب "10/ 286"، طبقات الحفاظ "419"، نسيم الرياض "1/ 145، 4/ 342"، العبر "3/ 85"، سير النبلاء "17/ 158"، تذكرة "3/ 1079"، الأعلام "4/ 326"، وفيات الأعيان "3/ 320"، معجم المؤلفين "7/ 194، 195"، شجرة النور الزكية "97".
(2/148)

ومع ذلك كان من أصح الناس كتبا، وأجودهم ضبطا ضبط له سماعه البخاري من ابن أبي زيد رفيقه أبو محمد الأصيلي، أخذ عنه أبو عمران الفاسي وغيره، وجلس مجلس ابن شبلون بعد وفاته.
وكان في حياته أبي الفتوى، وسد بابه دون الناس، فقال لهم أبو القاسم بن شبلون: اكسروا عليه بابه؛ لأنه وجب عليه فرض الفتيا؛ لأنه أعلم من بقي بالقيروان، فلما رأى خرج إليهم وأنشد:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
له كتب عديدة كمخلص الموطأ، وكتاب "الممهد" في الفقه، و"أحكام الديانة" وكتاب "المنقذ من شبه التأويل"، و"المنبه للفطن عن غوائل الفتن" والرسالة المفصلة لأحوال المتقين، وكتاب "أحمية الحصون" وكتاب "رتب العلم وأحوال أهله" وغيرها. توفي سنة 403 ثلاث وأربعمائة عن تسع وسبعين.
(2/149)

بعض أصحاب الشافعي الذين نشروا مذهبه في القرنين الثالث والرابع:
438- أولهم أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي البويطي 1:
المصري الفقيه، صاحبه وخليفته في حلقته، روى عن ابن وهب، وعنه الربيع، وأبو حاتم، وقال: صدوق، قال الخطيب، حمل إلى بغداد ليقول بخلق القرآن، فامتنع، فحبس إلى أن مات، وكان صالحا متعبدا زاهدا، وهو صاحب المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي، وكان الشافعي يحيل عليه الفتيا إذا جاءته المسألة، وقد تخرج به جماعة نشروا مذهب الشافعي في الآفاق. توفي سنة 231 إحدى وثلاثين ومائتين.
439- أبو حفص حرملة بن يحيى 2 بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي المصري:
روى عنه الشافعي، وابن وهب قيل: إنه روى عنه مائة ألف حديث. روى
__________
1 أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي البويطي المصري: أبو يعقوب، القرشي البويطي المصري، توفي سنة "231" أو سنة "232":
تقريب التهذيب "2/ 383"، تهذيب التهذيب "11/ 327"، تهذيب الكمال "3/ 1563"، الكاشف "3/ 301"، الخلاصة "3/ 190"، العبر "1/ 411"، الجرح والتعديل "9/ 988".
2 أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي المصري: أبو عبد الله،=
(2/150)

عنه مسلم والنسائي وابن ماجه. تكلم فيه أبو حاتم وغيره، وأثنى عليه ابن معين وغيره. صنف "المبسوط" و"المختصر" توفي سنة 243 ثلاث وأربعين ومائتين.
440- أبو علي الحسين بن علي بن يزيد 1 الكرابيسي:
الفقيه البغدادي، أشهرهم بانتياب مجلس الشافعي وأحفظهم لمذهبه، وله تصانيف كثيرة، أجازه الشافعي بكتب الزعفراني. توفي سنة 245 خمس وأربعين ومائتين.
441- أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني 2:
البغدادي أثبت رواة القول القديم للشافعي الذي كان يذهب إليه في العراق، والكتاب العراقي منسوب إليه، كان قارئ الشافعي في مجلسه ببغداد. روى عن ابن عيينة وعبيدة بن حميد، ويحيى بن عباد وغيرهم، وروى عنه البخاري في "الصحيح" وأصحاب السنن الأربعة وثقه النسائي، وأبو الحسن بن المنادي، وذكره ابن حبان في "الثقاة" قال ابن مخلد: توفي سنة 260 ستين ومائتين.
__________
1 أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي الفقيه البغدادي: سير أعلام النبلاء "8/ 164"، تاريخ بغداد "8/ 64"، ووفيات الأعيان "2/ 132"، وتهذيب الأسماء واللغات "2/ 84"، وتهذيب التهذيب "2/ 359"، وطبقات الشافعية "1/ 251".
2 أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني البغدادي: وفيات الأعيان "2/ 73"، وتاريخ بغداد "7/ 407"، وتهذيب التهذيب "2/ 318"، وتذكرة الحفاظ "525"، وطبقات الشافعية "1/ 250".
(2/151)

442- أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري 1:
كان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا غواصا على الدقائق، إمام الشافعية وأعرفهم بأقوال إمامهم، مؤلف الكتب التي عليها مدار مذهب الشافعي، لكن الشافعية يعتبرونه مجتهدا مطلقا، ويعدون اختياراته خارجة عن المذهب على قلتها. توفي سنة 364 أربع وستين ومائتين.
443- أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص الصدفي 2:
المصري أحد الأعلام، روى عنه الشافعي الحديث والفقه، وابن عيينة، وابن وهب، وطائفة. روى عنه مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم. قال فيه يحيى بن حسان: ركن من أركان الإسلام، ولم يتكلم فيه أحد، ولا نقموا عليه إلا روايته عن الشافعي حديث "لا مهدي إلا عيسى"3 الذي تفرد به الشافعي عن شيخ مجهول وهو محمد بن خالد الجندي، وانفرد بإخراجه ابن ماجه عن يونس المذكور.
أقام يونس يشهد ستين سنة، وكان القاضي بكار صاحبا له، فسأله يوما من أين المعيشة؟ فقال: ومن وقف وقفة أبي، فقال بكار: أيكفيك؟ قال: تكفيت به. وقد سألني القاضي، فأريد أن أسأله، قال: سل، قال: هل ركب القاضي دين
__________
1 أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري: طبقات الشافعية "1/ 238"، ووفيات الأعيان "1/ 267".
2 أبو موسى يونس عبد الأعلى بن موسى بن ميسرى بن حفص الصدفي المصري أحد الأعلام: تهذيب التهذيب "11/ 440"، وغاية النهاية "2/ 406"، وطبقات الشافعية "1/ 279".
3 أخرجه ابن ماجه "4049"، عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس، ومحمد بن خالد الجندي مجهول، والحسن قد عنعن، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة يونس بن عبد الأعلى: انفرد عن الشافعي بحديث "لا مهدي إلا ابن مريم" وهو منكر جدا.
(2/152)

بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء؟ قال: لا، قال: فهل رزق ولدا أحوجه إلى ذلك؟ قال: لا ما نكحت قط، قال: فهل لك عيال كثيرة؟ قال: لا، قال: فهل أجبر كالسلطان، وعرض عليك العذاب وخوفك؟ قال: لا، قال: فقد ضربت أيها القاضي آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير ضرورة ولا حاجة، لا دخلت عليك أبدا فقال: يا أبا موسى أقلني، قال أنت بدأت المسألة، ولو سكت لسكتنا ولم يعد إليه. وقال الشافعي يوما: هل رأيت بغداد؟ قال: لا، قال له: ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس. توفي سنة 264 أربع وستين ومائتين.
444- أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي 1:
مولاهم المصري، مؤذن الفسطاط، وصاحب الشافعي، وراوي كتب الأمهات عنه، وعنه أبو داود والنسائي، وابن ماجه وهو أثبت عن الشافعية من المزني في نقل أقوال الشافعي على عظم مكانته؛ لأن الشافعي قال فيه: الربيع راويتي وما خدمني أحد ما خدمني الربيع. وكان يقول له: لو أمكنني أن أطعمك العلم، لأطعمتك، وهو آخر من روى عن الشافعي بمصر. توفي سنة 370 سبعين ومائتين.
445- أبو القاسم عثمان بن سعيد الأحول الأنماطي 2: من كبار الشافعية، كان السبب في نشاط الناس في كتاب الشافعي ببغداد وتحفظها. توفي سنة 288 ثمان وثمانين ومائتين.
__________
1 أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي مولاهم المصري: طبقات الشافعية "1/ 259"، ووفيات الأعيان "2/ 292".
2 أبو القاسم عثمان بن سعيد الأحوال الأنماطي: أبو القاسم، مات سنة "288"، ببغداد:
تاريخ بغداد "11/ 292، 293"، وفيات الأعيان "3/ 241"، عبر المؤلف "2/ 81"، طبقات الشافعية للسبكي "2/ 301، 302"، البداية والنهاية "11/ 285"، شذرات الذهب "2/ 198".
(2/153)

446- أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي 1: لم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع ولا أكثر تقللا سكن بغداد، وكان ثقة زاهدا. توفي سنة 295 خمس وتسعين ومائتين بعد أن اختلط.
447- أبو عبد الله محمد بن بن يحيى بن منده 2:
بفتح الميم العبدي الحافظ المشهور، صاحب كتاب "تاريخ أصبهان" أحد الثقاة الكبار، له الشهرة التي يستغنى بها عن التعريف. توفي سنة 301 إحدى وثلاثمائة، وليس هذا صاحب كتاب معرفة الصحابة، بل ذاك هو حفيد هذا، وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى وتقدمت ترجمته في المجتهدين.
448- أبو زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفي 3:
مولاهم قاضي دمشق، يقال إنه أول من أدخل مذهب الشافعي إلى دمشق، وأنه كان يهب لم يحفظ مختصر المزني مائة دينار، ولي مصر سنة
__________
1 أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي: أبو جعفر، الفقيه الشافعي الترمذي، ولد سنة "200"، مات سنة "295":
تاريخ بغداد "1/ 365"، الأنساب "3/ 44"، الوافي بالوافيات "2/ 70"، تهذيب الأسماء للنووي "683"، سير النبلاء "13/ 545"، وحاشية التاج المكلل "109"، وفيات الأعيان "4/ 195"، ودائرة معارف الأعلمي "26/ 163، 143".
2 أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي: أبو عبد الله، العبدي الأصبهاني، الشهرة ابن منده، مات سنة "301":
الأعلام "7/ 135"، الوافي بالوفيات "5/ 189"، أصبهان "2/ 222"، معجم طبقات الحفاظ ص"170"، التاج المكلل ص"118"، سير النبلاء "14/ 188"، معجم المؤلفين "12/ 111"، وفيات الأعيان "4/ 289"، العبر "3/ 120"، الأعلمي "8/ 564"، تبصير المنتبه "3/ 846"، الجرح والتعديل "8/ 564".
3 أبو زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفي: أبو زرعة، الثقفي الدمشقي - القاضي:
سير النبلاء "14/ 231"، والحاشية.
(2/154)

284، وكان يذهب إلى قول الشافعي، ويوالي عليه، وكان له مال كثير وضياع كبار بالشام. توفي سنة 302 اثنين وثلاثمائة.
449- أبو علي الحسن بن القاسم الطبري البغدادي 1: له كتاب "المحرر" في النظر، وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، وكتاب "الإفصاح" في الفقه، وكتاب "العدة" في عشرة أجزاء وكتاب في الأصول، وآخر في الجدل. توفي سنة 305 خمس وثلاثمائة.
450- أحمد بن عمرو بن سريج 2:
القاضي بشيراز ثم بغداد أحد عظماء الشافعية وأئمة الإسلام يقال له: الباز الأشهب، بلغت كتبه أربعمائة، تفقه على الأنماطي والزعفراني وأبي داود السجستاني، وتفقه عليه أبو القاسم الطبراني، وغيره، قال المطوعي: هو سيد طبقته بإطباق الفقهاء، وعده السكبي في "الطبقات" مجددا على رأس المائة.
وعندي أن أحق من يعد مجددا القاضي إسماعيل، والإمام أبو الحسن الأشعري، الأول في الفروق، والثاني في الأصول، راجع ترجمتهما؛ إذ كل منهما خدم الدين خدمة عامة تعود بالخير على جميع المذاهب الإسلامية، وقد اختار ابن عساكر شافعي أيضا، وعن ابن سريج: يؤتى يوم القيامة بالشافعي، وقد تعلق بالمزني يقول: رب هذا أفسد علومي فأقول أنا: مهلا بأبي إبراهيم، فإني لم أزل في إصلاح ما أفسده.
فتأمل هذا كيف يسوغ أن يقال: يؤتى بفلان يوم القيامة يقول كذا، ومثله لا يقال بالرأي، وكم من هذه الخرافات في "الطبقات" وأيضا منها تعلم ما وقع في
__________
1 أبو علي الحسن بن القاسم الطبري البغدادي: سير أعلام النبلاء "10/ 159 9"، ووفيات الأعيان "2/ 76"، وطبقات الشافعية "2/ 217"، وتاريخ بغداد "8/ 78"، وشذرات الذهب "3/ 3".
2 أحمد بن عمر بن سريج: سير أعلام النبلاء "9/ 189"، وتاريخ بغداد "4/ 287"، ووفيات الأعيان "1/ 66"، وطبقات الشافعية "2/ 87"، وتذكرة الحفاظ "811".
(2/155)

المذاهب في هذا القرن من الإفساد على قرب عهده بالمؤسس، وأصل الفساد الاختصار مع أن مختصر المزني الصغير يعول الشافعية في مذهبهم، كما أن مختصر البراذعي عند المالكية معتمد، وكل منهما قد أفسد مواضع بسبب الاختصار على أن اختصارهما تطويل بالنسبة لاختصار خليل.
توفي ابن سريج سنة 306 ست وثلاثمائة.
451- أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري 1:
ثم الإسفراييني، الحافظ صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم. كان من المحدثين العظام، والفقهاء الأعلام طاف الشام ومصر، والبصرة، والكوفة، وواسط، والحجاز، والجزيرة واليمن وأصبهان والري وفارس، وسمع من أعلامها كيونس بن عبد الأعلى والزعفراني والإمام مسلم، ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم، وأخذ عنه أعلام، أثنى عليه الإمام الحاكم وغيره.
قال عمر بن الصفار: إن أبا عوانة هو الذي أظهر مذهب الشافعي بإسفرايين، وبها توفي سنة 316 ست عشرة وثلاثمائة، وعوانة بفتح العين المهملة وبعد الألف نون قاله ابن خلكان.
452- أبو علي الحسين بن صالح بن خيران 2:
من أفاضل الشيوخ المتورعين عرض عليه قضاء بغداد فلم يقبل، فوكل الوزير أبو الحسن بن عيسى بداره مترسما من الجند، فقيل له: إن العلماء سواه
__________
1 أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري الإسفراييني: أبو عوانة، النيسابوري الإسفراييني المهرجان، توفي سنة "316":
الأنساب "1/ 223"، التاج المكلل ص"15"، التقييد "2/ 316"، در السحابة "828"، سير النبلاء "14/ 416"، والحاشية، الأعلام "8/ 196"، والحاشية، وفيات الأعيان "6/ 393"، معجم المؤلفين "13/ 242".
2 أبو علي الحسين بن صالح بن خيران: تاريخ بغداد "8/ 53".
(2/156)

كثير، فقال: قصدنا أن يقال: إن في زماننا من وكل بداره ليتولى القضاء فلم يقبل، وكان يعاتب ابن سريج على تولية القضاء، ويقول: هذا الأمر إنما كان في الحنفية. توفي سنة 320 وصحح الدارقطني والخطيب أنها سنة عشر وثلاثمائة، وخيران بفتح الخاء المعجمة.
453- أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري 1:
الإمام الحافظ راوية الإمام البخاري، وآخر من سمع منه، رحلوا إليه من أقطار الأرض. توفي سنة 320 عشرين وثلاثمائة عن تسع وثمانين سنة، وفربر بفتح الفاء والراء: بلدة على نهر جيجون مما يلي بخارى.
454- أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس بن المنذر 2:
ابن داود الحنظلي حافظ الري وابن حافظها، الإمام ابن الإمام، له المصنفات العظيمة مثل التفسير في أربع مجلدات، كله آثار مسندة، وكتاب الجرح والتعديل في مجلدات، وكتاب المسند في ألف جزء، وكتاب العلل، وله كتب أخرى في الفقه وغيره. انظر "الطبقات" كان مشهورا بالزهد والورع، والحفظ والإتقان، وله رحلتان استفاد فيهما علما عظيما، إحداهما مع أبيه. توفي سنة 327 سبع وعشرين وثلاثمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري: أبو عبد الله، الحمومي الغربوي الفريري: الأنساب "4/ 259، 10/ 170"، الإكمال "7/ 84"، عنوان الدراية "139"، التمهيد "2/ 65"، سير النبلاء "15/ 10"، المعين "1232"، حاشية التحبير "1/ 166"، وفيات الأعيان "4/ 290، 3/ 217"، التقييد "1/ 131"، الوافي بالوفيات "5/ 245"، الأعلمي "27/ 148".
2 أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس بن المنذر بن داود الحنظلي: تذكرة الحفاظ "3/ 46"، وفوات الوفيات "1/ 360"، وطبقة الحنابلة "2/ 55".
(2/157)

455- أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطخري 1:
كان من نظراء أبي العباس بن سريج وأقران ابن أبي هريرة، له مصنفات حسنة في الفقه، ككتاب "الأقضية" وتولي حسبة بغداد، وكان ورعا متقللا، استقضاه المقتدر على سجستان، فوجد معظم أنكحتهم بدون ولي، فأبطلها عن آخرها. توفي سنة 328 ثمان وعشرين وثلاثمائة والإصطخر بكسر الهمزة وسكون الصاد وفتح الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة من بلاد فارس.
456- أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي 2:
الإمام الأصولي كان يقال: إنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، تفقه على ابن سريج وغيره. ومن تصانيفه كتاب في الأصول عجيب، وشرح رسالة الشافعي، وكتاب الإجماع وغيره. توفي سنة 330 ثلاثين وثلاثمائة، وهو أول من صنف من الشافعية في علم الشروط يعني التوثيق.
457- الإمام محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي 3:
الإمام الجليل أحد أئمة الدهر، ذو الباع الواسع في العلوم، له مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول من صنف الجدل من الفقهاء يعني الشافعية،
__________
1 أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطرخي: تهذيب الأسماء "2/ 237"، ووفيات الأعيان "2/ 74"، وتاريخ بغداد "7/ 268"، وشذرات الذهب "2/ 312".
2 أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي الإمام الأصولي: تاريخ بغداد "5/ 449"، ووفيات الأعيان "4/ 199"، وطبقات الشافعية "2/ 169"، وتهذيب الأسماء "2/ 193".
3 محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي: أبو بكر، القفال الشاشي، الكبير الشافعي، ولد سنة "291"، مات سنة "663" أو "365" أو "371":
الأنساب "8/ 14، 10/ 470"، نسيم الرياض "4/ 546"، الوافي الوفيات "4/ 112"، التاج المكلل ص"110"، سير النبلاء "16/ 283"، معجم المؤلفين "10/ 308"، وفيات الأعيان "4/ 200"، الأعلمي "27/ 58".
(2/158)

وتقدم أن ابن سحنون أول من ألف فيه من المالكية قبله، وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر. سمع من عبد الله المدائني، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري، وأبي القاسم البغوي، وروى عنه ابن منده والحليمي كان معتزليا أولا، ثم صار سنيا أشعريا.
توفي سنة 336 ست وثلاثن وثلاثمائة والإمام الشاشي هو الذي أجاب عن القصيدة التي وردت من نقفور عظيم الروم بالقسطنطينية التي قول في أولها:
من الملك الطهر المسيحي رسالة ... إلى قائم بالملك من آل هاشم
إلى أن قال:
ملكنا عليكم حين جار قويكم ... وعاملتكم بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا جهارا قضاءهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس دراهم
شيوخكم بالزور طرا تشاهدوا ... وبالبز والبرطيل في كل عالم
فأجاب القفال بقصيدة فاخرة من أحسن ما يرد به، وقال مجيبا على القول المذكور:
وقلتم ملكناكم بجور قضاتكم ... وبيع أحكامهم بالدراهم
وفي ذاك إقرار بصحة ديننا ... وأنا ظلمنا فابتلينا بظالم
فانظر القصيدة الأصلية وجوابها في "الطبقات" السبكية ففيها عبرة، وبها تعلم ما كان الإسلام مبتلى به في القرن المذكور من الرشا والظلم والزور، وبيع المناصب، فإن الشاشي ما أجاب بالمنع، بل بالتسليم والاعتراف الصريح، وبتأملها تعلم ما كان الروم متصفين به من الغلظة وما كانوا المسلمون موصوفين به من الإنسانية وصدق اللهجة في تلك القرون.
(2/159)

458- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي 1:
إمام عصره في العراق بعد ابن سريج الذي هو شيخه أقام بالعراق دهرا طويلا على نشر المذهب الشافعي حتى أنجب من تلاميذه عدد كثير، وفي آخر عمره ارتحل لمصر. توفي سنة 340 أربعين وثلاثمائة.
459- أبو أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله 2: ابن أبي القاضي الإمام الكبير أخذ عن أبي إسحاق المروزي والصيرفي وبيته علم بخوارزم شهير، له كتاب "الحاوي" و"العمدة" القديمان في الفقه الشافعي وغيرهما، ولم يذكر في طبقة المحدثين. توفي سنة 340 أربعين وثلاثمائة.
460- أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد 3: كان بحرا واسعا في الفقه واللغة والغوص في المعاني الدقيقة والاستنباط، له كتاب الباهر، وكتاب أدب الأقضية، ولد يوم مات المزني. توفي سنة 345 خمس وأربعين وثلاثمائة.
461- أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة 4:
القاضي الإمام الجليل كان أحد شيوخ الشافعيين ببغداد. توفي سنة 345 خمس وأربعين وثلاثمائة، له شرح مختصر المزني، ومسائل في الفروع، وتخرج به
__________
1 أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي: وفيات الأعيان "1/ 26"، تاريخ بغداد "6/ 11".
2 أبو أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن أبي القاضي: طبقات الشافعية "2/ 159".
3 أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد: أبو بكر، الحداد، مات سنة "344":
المتظم "6/ 379"، سير أعلام النبلاء "10/ 110"، ووفيات الأعيان "4/ 197"، وطبقات الشافعية "2/ 112"، وشذرات الذهب "2/ 317".
4 أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة: وفيات الأعيان "2/ 75"، طبقات الشافعية "2/ 206"، وتاريخ بغداد "7/ 298".
(2/160)

خلق كثير.
462- أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى 1:
أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشافعية. توفي سنة 350 خمسين وثلاثمائة.
463- أبو حامد أحمد بن بشر العامري المروزي 2: أحد رفعاء المذهب الشافعي وعظمائه، وصدر من صدور الفقه من أصحاب أبي إسحاق، وله كتاب "الجامع" أحاط بالأصول والفروع، وهو عمدة من عمد المذهب. توفي سنة 362 اثنين وستين وثلاثمائة.
464- أبو سهل محمد بن سليمان العجلي 3:
المعروف بالصعلوكي الأصبهاني، النيسابوري الدار، فقيه مفسر متكلم شاعر جامع للمكارم، درس في البصرة سنين، ثم بأصبهان كذلك. ولما مات عمه أبو الطيب، ورد نيسابور، فجلس للعزاء، فحضر الرؤساء والفقهاء، وعقد مجلس المناظرة كالعادة، فلم يبق موافق ولا مخالف إلا وأذعن لفضله، وفضله أبو الوليد على أبي بكر القفال. توفي سنة 369 تسع وستين وثلاثمائة.
465- أبو زيد محمد بن أحمد المروزي القاشاني 4 من الأئمة الجلة له وجوه غريبة في المذهب. قال الخطيب: هو أجل من روى
__________
1 أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى: أبو السائب، الهمذاني:
تاريخ بغداد "12/ 320"، دائرة الأعلمي "21/ 316".
2 أبو حامد أحمد بن بشر العامري المروزي: وفيات الأعيان "1/ 69"، طبقات الشافعية "2/ 82"، وشذرات الذهب "3/ 40".
3 أبو سهل محمد بن سليمان العجلي "الصعلوكي الأصبهاني": الحنفي، النيسابوري، الشهرة الصعلوكي:
سير النبلاء "16/ 235" والحاشية، وفيات الأعيان "4/ 204"، حاشية التحبير "1/ 97"، دائرة معارفة الأعلمي "26/ 279".
4 أبو زيد محمد بن أحمد المروزي القاشاني: وفيات الأعيان "4/ 208"، تاريخ بغداد=
(2/161)

البخاري عن الفربري. توفي سنة 371 إحدى وسبعين وثلاثمائة.
466- أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الدراكي 1:
من كبار فقهاء الشافعية، وأبوه محدث أصبهان في وقته، نزل أبو القاسم نيسابور، ودرس فيها سنين، ثم بغداد إلى حين وفاته. أخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم كان يدرس، وله حلقة فتوى ونظر، وله وجوه جيدة في المذهب دالة على متانة علمه على ما يتهم به من الاعتزال.
قال أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت أفقه منه وكان إذا جاءته مسألته، فكر طويلا، ثم يفتي بها، وربما أفتى بما يخالف الإمامين الشافعي وأبا حنيفة، فيقال له في ذلك، فيقول الأخذ بحديث رسول الله أولى من الأخذ بقولهما. توفي سنة 375 خمس وسبعين وثلاثمائة وكان ثقة أمينا. والدارك بفتح الراء وبعدها كاف قال السمعاني: أظنها قرية بأصبهان، قاله ابن خلكان.
467- أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني 2:
الحافظ المشهور، والفقيه المحدث المنفرد بإمامة الحديث في وقته من غير منازع العارف باختلاف الفقهاء الحافظ لأشعار العرب، له كتاب "السنن"
__________
1 أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي: أبو القاسم، الفقيه الداركي، الشافعي، مات سنة "375":
المنتظم "7/ 129"، وفيات الأعيان "3/ 188"، العبر "2/ 370"، تاريخ بغداد "10/ 463"، دائرة الأعلمي "21/ 132"، الأنساب "5/ 277".
2 أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني: المقرئ، الشافعي، ولد سنة "306"، مات سنة "385":
معجم المؤلفين "7/ 157، 158"، وفيات الأعيان "3/ 297"، المنتظم "7/ 181، 183"، الأنساب "5/ 273"، تذكرة "3/ 991"، البداية والنهاية "11/ 317"، تاريخ بغداد "12/ 34"، نسيم الرياض "3/ 354، 361"، النجوم الزاهرة "4/ 172"، سير النبلاء "16/ 449"، شذرات "3/ 116".
(2/162)

و"المختلف والمؤتلف" وغيرهما، وخرج هو والحافظ عبد الغني بن سعيد مسندا ألفاه لابن خنزابة وزير كافر الإخشيدي، كان متفننا في علوم كثيرة، وإماما في علوم القرآن. توفي سنة 385 عن تسع وسبعين سنة. والدارقطني نسبة لدارقطن محلة بغداد.
468- أبو الحسن محمد بن علي الماسرجسي 1: أحد الأئمة بخراسان، وأعرفهم بالمذهب وترتبيه وفروعه، وكان يخلف ابن أبي هريرة في مجالسه ببغداد ودرس بنيسابور، وعنه أخذ فقهاؤها. توفي سنة 374 أربع وثمانين وثلاثمائة.
469- أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي 2 النيسابوري مفتيها وابن مفتيها، أخذ الفقه عن والده المعروف بالإمام متفق عليه، عديم النظر في علمه وديانته، جمع رئاسة الدين والدنيا. توفي سنة 387 سبع وثمانين وثلاثمائة.
470- أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري 3 حافظ المذهب، صاحب "الإفصاح" و"الكفاية" وغيرها. توفي سنة 386 ست وثمانين وثلاثمائة.
471- أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي 4 كان إماما في الفقه والحديث، له "معالم
__________
1 أبو الحسن محمد بن علي الماسرجسي: وفيات الأعيان "4/ 202"، وشذرات الذهب "3/ 110"، وعبر الذهبي "3/ 26".
2 أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي النيسابوري: العجلي الحنفي، مات سنة "387"، "404":
العبر "3/ 88"، سير النبلاء "17/ 207" والحاشية، وفيات الأعيان "2/ 435"، دائرة الأعلمي "19/ 297".
3 أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري: سير أعلام النبلاء "11/ 4"، والجواهر المضية "1/ 333"، وطبقات الشافعية "2/ 243".
4 أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي: أبو سليمان، الخطابي=
(2/163)

السنن" شرح أبي داود وغيره. توفي سنة 388 ثمان وثمانين وثلاثمائة.
472- أبو علي الحسين بن شعيب السنجي 1: عالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان شرح المختصر، وهو الذي يسميه إمام الحرمين المذهب الكبير. توفي سنة 403 ثلاث وأربعمائة، وقال ابن خلكان: سنة نيف ولاثين وأربعمائة.
473- القاضي يوسف بن أحمد بن كج الكجي 2:
بفتح الكاف الدينوري أحد أئمة الشافعية الذين يرحل إليهم من الآفاق، وله وجه في مذهبهم. قال له أبو علي السنجي بعد ما قدم من عند أبي حامد الإسفراييني ورأى علم يوسف: إن الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال له: ذاك رفعته بغداد، وحطتني الدينور. قتل بها عام 405 خمس وأربعمائة.
والدينور بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة وفتح النون والواو: بلدة من بلاد الجبل، وقال السمعاني: بفتح الدال، والأصح الكسر قاله ابن خلكان.
474- أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك 3:
بضم الفاء الإمام النظار، سيف السنة، وقامع المبتدعة، الأصولي المتكلم
__________
1 أبو علي الحسين بن شعيب السنجي: البداية "2/ 57"، وتهذيب الأسماء "2/ 261"، ووفيات الأعيان "2/ 135".
2 القاضي يوسف بن أحمد بن كج الكجي الدينوري: أبو القاسم، الدينوري الكجي الشهيد قتل سنة "405":
الأنساب "11/ 51"، وفيات الأعيان "7/ 65"، المشتبه ص"545".
3 أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك: أبو بكر، الأنصاري الأصبهاني الواعظ، النحوي الأديب المتكلم الفوركي، مات سنة "406":=
(2/164)

الأصبهاني، أقام ببغداد، ثم بالري، فسعت به المبتدعة، فالتمس منه أهل نيسابور أن يأتيهم، وبنوا له مدرسة ودارا، وأحيى الله به هناك علوما، بلغت مصنفاته في أصول الدين والفقه، ومعاني القرآن قريبا من مائة. ومات مسموما سنة 406 ست وأربعمائة، دفن بالحيرة بكسر الحاء.
475- أبو حامد أحمد بن محمد الإسفراييني 1:
شيخ طريقة العراق إمام المذهب، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد. قال ابن السبكي: ما جاء بعد أبي العباس بن سريج من اشتهرت كتبه، وكثرت تلاميذه، واتسعت أقواله وبعد عن القرين في زمنه كأبي حامد. وقال فيه القدوري: هو أفقه وأنظر من الشافعي نفسه. توفي سنة 408 ثمان وأربعمائة.
476- عبد الله بن أحمد المعروف بالقفال الصغير 2:
من كبار فقهاء خراسان طريقته أمتن طريقة وأكثرها تحقيقا في المذهب وهو بخراسان نظير أبي حامد الإسفراييني ببغداد. توفي سنة 417 سبع عشرة وأربعمائة وغيرهم كثير.
__________
1 أبو حامد أحمد بن محمد الإسفراييني: سير أعلام النبلاء "11/ 43"، ووفيات الأعيان "3/ 46"، والبداية "12/ 2"، وشذرات الذهب "3/ 178"، وتاريخ بغداد "4/ 368".
2 عبد الله أحمد المعروف بالقفال الصغير: وفيات الأعيان "3/ 46"، وطبقات السبكي "3/ 196".
(2/165)

أشهر أصحاب الإمام أحمد بن حنبل في القرن الثالث والرابع:
477- أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام التميمي الكوسج المروزي 1:
ثم النيسابوري الحافظ، صاحب مسائل الإمامين أحمد وإسحاق، رحال جوال واسع العلم، روى عن ابن عيينة خلق، وعنه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. قال الحاكم: هو أحد الأئمة المتمسكين بالسنة. مات سنة 251 إحدى وخمسين ومائتين.
478- محمد بن عبد الله بن إسماعيل البغدادي 2: صاحب الإمام أحمد، روى عنه البخاري والترمذي، وابن أبي حاتم وقال: صدوق. توفي سنة 257 سبع وخمسين ومائتين.
479- أبو الفضل صالح ابن الإمام أحمد الحنبلي 3: قاضي أصبهان المتوفى سنة 266 ست وستين ومائين عن ثلاث وستين سنة، وهو
__________
1 أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام التميمي الكوسج المروزي: طبقات الحنابلة "1/ 113".
2 محمد بن عبد الله بن إسماعيل البغدادي: تهذيب التهذيب "9/ 247".
3 أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد الحنبلي "قاضي أصبهان": أبو الفضل، الشيباني البغدادي، ولد سنة "203"، مات سنة "266" أو "265":
سير النبلاء "12/ 529"، العبر "2/ 30"، الإكمال "7/ 32"، أصبهان "1/ 348"، التمهيد "1/ 29"، تاريخ بغداد "9/ 317"، حاشية الإكمال "2/ 564"، دائرة الأعلمي "20/ 156".
(2/166)

ممن نقل فقه أبيه عنه.
480- أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل البغدادي الحافظ 1:
روى عن أبيه المسند والتفسير، وروى عن يحيى بن معين وخلائق، ولم يكتب عن أحد إلا بأمر أبيه، وعنه النسائي حديثين. وثقه الخطيب. توفي سنة 290 تسعين ومائتين عن تسع وتسعين سنة.
481- أبو علي حنبل بن إسحاق 2: توفي سنة 293 ثلاث وتسعين ومائتين.
482- أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي أو الكلبي 3: الأثرم الخراساني البغدادي الإسكافي الفقيه الحافظ أحد الأعلام، وصاحب السنن في الفقه على مذهب أحمد. روى عنه وعن أبي نعيم والقعنبي وخلق، وعنه النسائي. قال ابن حبان في الثقات: كان من خيار عباد الله. مات بعد السبعين ومائتين.
__________
1 أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل البغدادي: أبو عبد الرحمن، ولد، سنة "213":
الجرح والتعديل "5/ 7"، تاريخ بغداد "9/ 375، 376"، طبقات الحنابلة "1/ 180، 188"، المنتظر "6/ 39، 40"، تهذيب التهذيب "2/ 129"، تذكرة الحفاظ "2/ 665"، البداية والنهاية "11/ 96، 97".
2 أبو علي حنبل بن إسحاق: أبو علي، بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، ولد سنة "193"، مات سنة "273":
التبصرة والتذكرة "20/ 121" الموضوعات "1/ 214"، تاريخ بغداد "8/ 286"، البداية والنهاية "11/ 52"، تذكرة "2/ 600"، العبر "2/ 51"، طبقات الحنابلة "1/ 143"، سير النبلاء "13/ 51"، التقييد "1/ 314".
3 أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي أو الكلبي: تاريخ بغداد "5/ 110"، وتذكرة الحفاظ "2/ 135"، وشذرات الذهب "2/ 141".
(2/167)

483- أبو بكر المروزي 1: ممن نقل الفقه عن الإمام أحمد. توفي سنة 275 خمس وسبعين ومائتين.
484- أبو إسحاق إبراهيم الحربي 2: إمام في الحديث، له مصنفات كثيرة، وممن نقل فقه أحمد، توفي سنة 285 خمس وثمانين ومائتين.
485- أبو الحسين علي بن عبد الله الخرقي 3: توفي سنة 299 تسع وتسعين ومائتين.
486- أبو بكر أحمد بن هارون الخلال 4: له مصنفات كثيرة في الفقه، كالجوامع، توفي سنة 311 إحدى عشرة وثلاثمائة.
478 - أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد 5: كان يروي مسائل صالح. توفي سنة 313 ثلاث عشرة وثلاثمائة.
488- أبو بكر عبد الله بن أبي داود الأزدي السجستاني 6: إمام وابن إمام المحدثين من أكابر حفاظ بغداد، شارك أباه في
__________
1 أبو بكر المروذي: طبقات الحنابلة "1/ 56"، تاريخ بغداد "4/ 423"، والمنهج الأحمد ص"172".
2 أبو إسحاق إبراهيم الحربي: تاريخ بغداد "6/ 27"، ومعجم الأدباء "1/ 112"، وتذكرة الحفاظ "2/ 147"، طبقات الحنابلة "1/ 50"، وطبقات الشافعية "2/ 26".
3 أبو الحسين علي بن عبد الله الخرقي: طبقات الحنابلة "2/ 45"، والمنهج الأحمد "2/ 3".
4 أبو بكر أحمد بن هارون الخلال: طبقات الحنابلة "2/ 12"، وشذرات الذهب "2/ 261"، والعبر "2/ 148".
5 أبو الحسن علي بن محمد بن بشار: أبو الحسن، مات سنة "313":
طبقات الحنابلة أبو يعلى "320"، دائرة الأعلمي "22/ 303".
6 أبو بكر عبد الله بن أبي داود الأزدي السجستاني: ابن الأشعث، الإمام الحافظ شيخ بغداد: أخبار أصبهان "2/ 66، 67"، تاريخ بغداد "9/ 464"، طبقات الحنابلة "2/ 51، 55"، تاريخ ابن عساكر "9/ 185"، وفيات الأعيان "2/ 404، 405"، لسان الميزان "3/ 293"،=
(2/168)

أكثر شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد وغيرها. قال الذهبي: ما هو بدون أبيه. صنف التصانيف، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، وهو صاحب العقيدة المشهورة:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعا لعلك تفلح
انظرها في عدد 264 من كتاب "العلو" له، وكتاب المصابيح وغيره. قال الإمام ابن سليمان الروداني في فهرسته: كان بعض من عاصره يتكلم فيه بما لم يثبت، ولا التفات لذلك، ولقول والده فيه: إنه كذاب، وقد ذكره السبكي في الشافعية تبعا للعبادي وهو حنبلي فيما أظن قاله الشمس ابن طولون، قال: وله كتاب مسند عائشة. وقد احتج به من صنف في الصحيح كأبي على النيسابوري الحافظ، وابن حمزة الأصفهاني، توفي سنة 316 ست عشرة وثلاثمائة.
489- أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي البغدادي 1:
فقيه شديد الورع، له مصنفات كثيرة، وصاحب "المختصر" في مذهبهم، وله تخريجات في المذهب، خرج من بغداد لما ظهر سب السلف، وتوفي بدمشق سنة 334 أربع وثلاثين وثلاثمائة والخرقي بكسر الخفاء المعجمة نسبة إلى بيع الثياب، نص عليه في "الفوائد البيهية" في تراجم الحنفية عدد 92.
490- أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن يزداد 2:
__________
1 أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي البغدادي: أبو القاسم، الخرقي البغدادي الحنبلي، مات سنة "334":
معجم المؤلفين "7/ 282، 283"، وفيات الأعيان "3/ 441"، دائرة الأعلمي "23/ 27"، التمهيد "1/ 212، 6/ 406".
2 أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن يزداد: أبو بكر، الشهرة غلام الخلال الغلام، مات سنة "363":
الأعلام "4/ 15"، معجم المؤلفين "5/ 244"، مختصر طبقات الحنابلة ص"334"، دائرة=
(2/169)

صاحب الخلال، له مصنفات في الفقه. توفي سنة 363 ثلاث وستين وثلاثمائة.
491- أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي 1: توفي سنة 336 ست وثلاثين وثلاثمائة.
492- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بابن شاقلا 2: مات سنة 369 تسع وستين وثلاثمائة.
493- أبو الحسين علي بن عبد العزيز بن الحارث التميمي 3: توفي سنة 391 إحدى وتسعين وثلاثمائة.
494- أبو عبد الله الحسن بن علي بن مروان حامد 4: توفي سنة 403 ثلاث وأربعمائة.
ومن أصحابه أيضا:
495- القاضي أبو يعلى 5.
496- والقاضي أبو علي بن أبي موسى 6: شارح
__________
1 أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي: طبقات الحنابلة "2/ 3".
2 أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بابن شاقلا: طبقات الحنابلة "2/ 128"، شذرات الذهب "3/ 68".
3 أبو الحسين علي بن عبد العزيز بن الحارث التميمي: طبقات الحنابلة "2/ 139"، والمنهج الأحمد "2/ 66".
4 أبو عبد الله الحسن بن علي بن مروان حامد: طبقات الحنابلة "2/ 171"، والمنتظم "7/ 263"، وشذرات الذهب "3/ 166".
5 القاضي أبو يعلى: ترجمته في المذهب الأحمد "2/ 105"، والمنتظم "8/ 243"، العبر "3/ 243"، وشذرات الذهب "3/ 306".
6 أبو علي بن أبي موسى: ترجمته طبقات الحنابلة "2/ 182"، والمذهب الأحمد "2/ 95".
(2/170)

"الإرشاد"، وهذان كانا يدعيان رتبة الاجتهاد المنتسب بحيث لم يقلدان في حكم ولا دليل، وإنما سلكا طريقه في الاجتهاد كما في "إعلام الموقعين".
فهؤلاء العلماء الذين قدمنا تراجمهم من المذاهب الأربعة من أشهر من ألف تلك المذاهب ونشرها، واحتج لها كل لمذهبه في القرنين المذكورين.
(2/171)

صنعة التوثيق المسمى قديما عقد الشروط في هذا العصر
...
صنعت التوثيق المسمى قديما عقد الشروط في هذا العصر:
هو من فروع علم الفقه ودونك بعض أمثلة من وثائق هذا العصر، تتبين منها حاله. قال الإمام النسائي في سننه1: كتابة مزارعه على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله عز وجل منها:
هذا كتاب كتبه فلان بن فلان في صحة منه وجواز أمر، لفلان بن فلان إنك دفعت إلي جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة وهي الأرض التي تعرف بكذا، ويجمعها حدود أربعة يحيط بها كلها وأحد تلك الحدود بأسرة لزيق كذا والثاني والثالث والرابع دفعت إلى جميع أرضك هذه المحدودة في هذا الكتاب بحدودها المحيطة بها وجميع حقوقها وشربها وأنهارها وسواقيها أرضا بيضاء فارغة لا شيء فيها من غرس، ولا زرع سنة تامة أولها مستهل شهر كذا من سنة كذا، وآخرها انسلاخ شهر كذا من سنة كذا على أن أزرع جميع هذه الأرض المحددة في هذا الكتاب الموصوف موضعها فيه هذه السنة المؤقتة فيها من أولها إلى آخرها كلما أردت وبدا لي أن أزرع فيها من حنطة وشعير وسماسم وأرز وأقطان وأرطاب وباقلا وحمص، ولوبيا وعدس ومقاتي ومباطخ وجزر وسلجم وفجل وبصل وثوم وبقول ورياحين وغير ذلك من جميع الغلات شتاء وصيفا ببزورك وبذرك وجميعه عليك دوني على أن أتولى ذلك بيدي وبمن أردت من أعواني وأجرائي وبقري وأدواتي، وإلى زراعة ذلك وعمارته والعمل بما فيه نماؤه ومصلحته وكراب أرضه وتنقية حشيشه وسقي ما يحتاج إلى سقيه مما زرع،
__________
1 "7/ 51، 52 و54، 55، 58، 59".
(2/172)

وتسميد ما يحتاج إلى تسميده وحفر سواقيه وأنهاره، واجتناء ما يجتني منه والقيام بحصاد ما يحصده منه وجمعه، ودياسة ما يداس منه، وتذريته بنفقتك على ذلك كله دوني، واعمل فيه بيدي وأعواني دونك على أن لك جميع ما يخرج الله عز وجل من ذلك كله في هذه المدة الموصوفة في هذا الكتاب من أولها إلى آخرها فلك ثلاثة أرباعه بحظ أرضك وشربك وبذرك ونفقاتك، ولي الربع الباقي من جميع ذلك بزراعتي وعملي وقيامي على ذلك بيدي وأعواني، ودفعت إلى جميع أرضك هذه المحدودة في هذا الكتاب بجميع حقوقها ومرافقها، وقبضت ذلك كله منك يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، فصار جميع ذلك في يدي لك، لا ملك لي في شيء منه ولا دعوة، ولا طلبة إلا هذه المزارعة الموصوفة في هذا الكتاب في هذه السنة المسماة فيه، فإذا انقضت، فذلك كله مردود إليك، وإلى يدك ولك أن تخرجني بعد انقضائها منها، وتخرجها من يدي ويد كل من صارت له فيها يد بسببي أقر فلان وفلان وكتب هذا نسختين. ا. هـ. منه.
وبسنده إلى سعيد بن المسيب إذا دفع رجلا إلى رجل مالا قراضا، فأراد أن يكتب عليه بذلك كتابا كتب: هذا كتاب كتبه فلان بن فلان طوعا منه في صحة وجواز أمره لفلان بن فلان: إنك دفعت إلي مستهل شهر كذا من سنة كذا عشرة آلاف درهم وضحا جيادا وزن سبعة قراضا على تقوى الله في السر والعلانية وأداء الأمانة على أن أشتري بها ما شئت من كل ما أرى أن أشتريه، وأن أصرفها أو ما شئت منها فيما أرى أن أصرفها فيه من صنوف التجارات، وأخرج بما شئت منها حيث شئت وأبيع بما أرى أن أبيعه مما اشتريه بنقد رأيت أم بنسيئة، وبعين أم بعض على أن أعمل في جميع ذلك كله برأيي، وأوكل في ذلك من رأيت، وكل ما رزق الله في ذلك من فضل وربح بعد رأس المال الذي دفعته المذكور إلي المسمى مبلغه في هذا الكتاب، فهو بيني وبينك نصفين، لك منه النصف بحظ رأس مالك، ولي فيه النصف تاما بعملي فيه، وما كان فيه من وضيعة، فعلى رأس المال، فقبضت منك هذه العشرة آلاف درهم الوضح الجياد مستهل شهر كذا
(2/173)

في سنة كذا، وصارت لك في يدي قراضا على الشروط المشترطة في هذا الكتاب أقر فلان وفلان وإذا أراد أن لا يطلق له أن يشتري ويبيع بنسيئة، كتب وقد نهيتني أن أشتري أو أبيع بنسيئة. ا. هـ. منه.
فتأمل رعاك الله الوثيقة الثانية التي كانت من إملاء ابن المسيب الذي كان آخر القرن الأول والأولى من إملاء النسائي الذي كان آخر القرن الثالث لا تجد بينهما كبير فرق فالتوثيق مدة ثلاثة قرون لم يدخل عليه كبير تغيير.
وفي النسائي أيضا بعد ما تقدم قبيل كتاب عشرة النساء ما نصه: تفرق الزوجين عن مزاوجتهما، قال الله تبارك وتعالى: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} 1 الآية هذا كتاب كتبته فلانة بنة فلان بن فلان في صحة منها، وجواز أمر لفلان بن فلان أني كنت زوجة لك، وكنت دخلت بي، فأفضيت إلي، ثم إني كرهت صحبتك، وأحببت مفارقتك من غير إضرار منك بي، ولا منعي لحق واجب لك علي، وإني سألتك عندما خفنا أن لا نقيم حدود الله أن تخلعني، فتبينني منك بتطليقة بجميع ما لي عليك من صداقي، وهو كذا وكذا دينارا جيادا مثاقيل، وبكذا وكذا دينارا جيادا مثاقيل أعطيتكها على ذلك سوى ما في صداقي، ففعلت الذي سألتك منه، فطلقتني تطليقة بائنة بجميع ما كان بقي لي عليك من صداقي المسمى مبلغه في هذا الكتاب، وبالدنانير المسماة فيه سوى ذلك، فقبلت ذلك منك مشافهة لك عند مخاطبتك إياي به، ومجاوبة على قولك من قبل تصادرنا عن منطقنا ذلك ودفعت إليك جميع هذه الدنانير المسمى مبلغها في هذا الكتاب الذي خالعتني عليها وافية سوى ما في صداقي، فصرت بائنة منك مالكة لأمري بهذا الخلع الموصوف أمره في هذا الكتاب، فلا سبيل لك علي ولا مطالبة ولا رجعة، وقد قبضت منك جميع ما يجب لمثلي ما دمت في عدة منك، وجميع ما احتاج إليه بتمام ما يجب للمطلقة التي تكون في مثل حالي على زوجها الذي يكون في مثل حالك، فلم يبق لواحد منا قبل صاحبه حق ومن دعوى ومن طلبة بوجه من
__________
1 سورة البقرة، الآية: 229.
(2/174)

الوجوه، فهو في جميع دعواه مبطل، وصاحبه من ذلك أجمع بريء، وقد قبل كل واحد منا ما أقر له به صاحبه، وكل ما أبرأه منه مما وصف في هذا الكتاب مشافهة عند مخاطبته إياه قبل تصادرنا عن منطقتنا وافتراقنا عن مجلسنا الذي جرى بينننا فيه. أقرت فلانة وفلان. ا. هـ. منه.
وهي وثيقة قريبة الألفاظ والمعاني مما قبلها، وفيها دلالة أن النساء كن يكتبن بأيديهن، ويعقدن عقودهن بأنفسهن، وانظر فيه عقد الشركات والعتق وما يلحق به تجد ذلك متقاربا في ذلك العصر.
ثم نبغت نوابع من علماء ذلك العصر وما بعده في فن الشروط نقحوا وثائقهم من التطويل والتكرير، وزادوها احتياطا وإحكاما بنسبة ما تجدد من الأحوال المناسبة لوقتهم ودرجتهم من الرقي والرفه. ومن أول من ألف فيها في المذهب المالكي الإمام ابن أبي زمنين الأندلسي، وممن كان خصيصا فيها بعصره وبلده ابن العطار وابن الهندي وغيرهم، وفي المذهب الحنفي هلال الرأي وأبو حازم عبد الحميد وغيرهما، وهكذا بقية المذاهب.
(2/175)

استنتاج من حالة الفقهاء في المدة السالفة:
إذا أمعنت النظر في تراجم هؤلاء الرجال، علمت صدق ما قلناه من دخول الفقه مدة القرنين الثالث والرابع في طور الكهولة، ولا سيما في الرابع وذلك لأمور.
أولها: شيوع التقليد بين العلماء حتى اضمحل الاجتهاد المطلق من الأمة شيئا فشيئا آخر القرن الثالث، ولم يبق في جل الرابع مجتهد مطلق كما تقدم في كلام النووي وإن ادعاه أحد، أنكر عليه، ونوزع فيه وتقدم بسط ذلك أول هذا القسم.
الثاني: ظهور فساد الأخلاق، وراجع نظم عظيم القسطنطينية في ترجمة الققال الشاشي من الشافعية يتبين لك ما ظهر إذ ذاك من التكالب على الدنيا بالرشا والزور وضياع الحقوق، بل كانوا يضمنون القضاء بمعنى أنهم يولونه من يضمن أن يدفع قدرا من المال كل سنة أو كل شهر كما فعلوا في بقية الولايات، وأول من ضمن القضاء 497- عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب: سنة 350 أيام معز الدولة بن بويه سماه قاضي القضاة في بغداد على أن يؤدي مائتي ألف درهم كل سنة، ثم صار ذلك أمرا مألوفا، كما صاروا يضمنون الحسبة والشرطة، فمن هناك ابتدأ خراب الفقه، بل الإسلام، وفساد
(2/176)

الدين الطمع، وصلاحه الورع، وهاك قضية وقعت في الأندلس أيام الخليفة الثامن لبني أمية عبد الرحمن الناصر في القرن الرابع، وذلك أنه احتاج إلى تعويض أرض قبالة منزله يجعلها منتزها كانت حبسا توضع فيها الأزبال.
فراود الفقهاء في أن يعوضها بأحسن منها بكثير ثمنا وغلة، فامتنعوا كليا، فلما أيس منهم، بعث إليهم وقاضيه ابن بقي معهم الذي هو رئيسهم، وخرج إليهم بعض وزرائه موبخا لهم بقوله: يقول أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا أكلة أموال الأيتام ظلما، يا شهداء الزور، يا آخذي الرشا، وملقني الخصوم، وملحقي الشرور، وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لاتباع الشهوات تبا لكم ولآرئاكم، فهو -أعزه الله- واقف على فسوقكم قديما وخونكم الأمانة، مغض عنكم صابرا، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجته مرة في دهره، فلم يسع نظركم للتحليل عليه ما كان هذا ظنه فيكم، ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا.
فبدر منهم شيخ ضعيف المنة إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو والاستقالة والتوبة، فالتفت إليه كبيرهم محمد بن إبراهيم بن حيونة وكان ذا منة، فقال: عم تتوب يا شيخ السوء نحن براء إلى الله من مقامك، ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته على أمير المؤمنين مما نسبته إلينا، فهو صفتكم معاشر خدمته أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون ظلمهم بالإخافة، وتجيعون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق، أما نحن، فليست هذه صفاتنا ولا كرامة لا يقوله لنا إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة بنا يتحصن الإسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائش، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه لنا وقال بالغيظ ما قاله تأنيت بإبلاغنا، وسألته بأهون من إفحاشك، وعرضت لنا بإنكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب، فكنت تزين على السلطان، ولا
(2/177)

تفشي سره، وتستحيينا قليلا، فلا تقابلنا بما استقبلنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين أيده الله لا يتمادي على هذا الرأي فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحال التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده وحله من أوله خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا هذا ما عندنا والسلام.
ثم قام وتبعه أصحابه منصرفين، فوجه من ردهم وأكرمهم، وجبر خواطرهم، واعتذر عما فعله الوزير، وأمر لهم بكسوة وصلة لكل واحد علامة رضاه عنهم، وانصرفوا.
وكان أحد الفقهاء وهو محمد بن يحيى بن لبابة معزولا عن الشورى، فبعث للسلطان يقول: لو لم أكن معزولا لترخصت لمولانا وأفتيته بالجواز، وتقلدت ذلك، وناظرتهم بالحجة، فقد حجروا واسعا، فرده الناصر للشورى، ثم رفع إليهم مسألة ثانيا، فأصر الجميع على المنع، وتصدى ابن لبابة فقال: إن قول مالك هو الذي قاله الفقهاء، وأما العراقيون فلا يجيزون الحبس أصلا وهم علماء أعلام يهتدي بهم أكثر الأمة، وحيث دعت الحاجة أمير المؤمنين، فما ينبغي أن يرد عليه، وله في المسألة فسحة وأنا أقول بقول العراقيين، وأتقلد ذلك. فقال الفقهاء: سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه، واعتقدناه وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه، فقال ابن لبابة: ناشدتكم الله ألم تنزل بأحدكم ملمة بلغت بكم إلى الأخذ بقول غير مالك ترخصا لأنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فأمير المؤمنين أولى، فسكتوا فقال للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي، فجاء جوابه بتنفيذ فتوى ابن لبابة، وعوض بأملاك عظيمة القدر تزيد أضعافا، وتولى ابن لبابة خطة الوثائق، وعقد المعاوضة، وأمضى القاضي فتواه، وحكم بها، فلم يزل متقلدا خطتي الشورى والوثائق إلى أن مات رحمه الله سنة 336 ست وثلاثين وثلاثمائة ومنزلته كما هي لطيفة من السلطان. صح باختصار من "المدارك" لعياض.
(2/178)

وبهذه القضية وأمثالها يتبين أمامك ما آل إليه أمر الفقهاء، وتستنتج منها أحوال الأمراء إلا أن فقهاء الأندلس لم يقروا بخلاف فقهاء المشرق، فقد أقر الشاشي كل ما نسبه عظيم القسطنطينية لهم، وذلك لأن بني العباس كانوا في دور الانحطاط ببغداد بخلاف الأمويين بقرطبة، وما وقع من الناصر دليل أحوال ذلك الوقت، وإن السياسة غلبت الفقه، فصار تابعها لها على أنه أفضل من كل أمير بعده إلى زمن يوسف بن تاشفين اللمتوني.
وظهر في هذين القرنين أيضا كثرة الجدل بين علماء المذاهب لا بقصد إظهار الحق، ثم اتباعه، بل للاستطالة والحظوة أمام الحكام، فقد كانت المجالس تعقد لذلك في المساجد وأمام الوزراء والحكام بقصد التفاخر والتغالب والفلج.
وقد بسط حالهم الإمام الغزالي في "الإحياء" وبين آفات الجدل والمناظرة، وما المقصود منها في صدر الإسلام كزمن مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهم من إظهار الحق، ثم اتباعه؛ إذ لم يكونوا مقيدين بمذهب ملزمين به، بل لهم الحرية التامة في أفكارهم يميلون إلى الحق حيثما ظهر.
وقد صار الحال في التاريخ السابق إلى غير ذلك، وهو الانتصار للمذهب بأي طريقة كانت مع التقيد به، فكان العالم في بلاد المشرق من الشافعية، أو الحنفية غالبا إذا مات له قريبه، جلس بمسجد قريب من منزله، فيأتيه الناس للعزاء سبعة أيام يجتمعون عليه إما لتلاوة أو لمناظرة في المسائل، والانتصار لمذهب من المذاهب، فربما نشأ عن ذلك مشاجرات، بل لما كانوا يتناظرون في العقائد، كانت تقع مقاتلات، وتنشأ الحروب، فنبذوا ذلك، واقتصروا على المناظرة في المسائل الفرعية، لكن على الوجه المذكور.
ومن هنا نشأ علم المناظرة، وصار علما خاصا ويسمى بآداب البحث، وألفت فيه تآليف، وممن ألف فيه محمد بن سحنون في القرن الثالث، والقفال الكبير الشافعي في الرابع، كما سبق وغيرهما، وكان الملوك والوزراء يعقدون المجالس للمناظرة بحضرتهم ليعلموا حال علماء وقتهم ومن يستحق التقديم
(2/179)

منهم، ثم صار المقصود الافتخار بذلك ليقال: إن مجلس السلطان أو الوزير مجلس علم ومناظرة، ولله در خفاجة إذ يقول عن أهل وقته:
درسوا العلم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصة ... في أخذ مال مساجد وكنائس
وقال الإمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل.
ومن تتبع تاريخ مجالس المناظرات العلمية التي ينال صاحب الظهور فيها رياسة أو جائزة أو ظهورا، لا يجدها قط جاءت بفائدة إظهار الحق، ومحو الخلاف، بل تكون بالعكس، فبسببها يزداد الخلاف تصلبا وثبوتا؛ إذ الفصاحة والبلاغة لا تعد مناسجها إيجاد أثواب تغطي وجه الحق إذا دعمت بعيدان النفوذ، وطليت بطلاء السياسة.
ومتنت بأطناب الرياسة والأغراض، ولينظر العاقل للمجالس المحدث عنها ماذا كانت نتيجتها، وإلى المجالس التي كان المأمون العباسي يعقدها في إثبات خلق القرآن وغيرها وغيرها.
(2/180)

علم الخلافيات:
وعن الجدل نشأ علم الخلافيات، وممن ألف فيه ابن جرير الطبري حتى كان سبب محنته مع الحنابلة وغيره وغيره، راجع ترجمته.
وقد بين الإمام الغزالي آفات الاشتغال بعلم الخلاف وما يدخل به من الرزايا كالحسد والحقد والكبر والغيبة والتجسس بتتبع العورات والفرح لمساءة الناس والنفاق والرياء والاستنكاف عن الحق، لكونه ظهر على لسان الخصم والمخاتلة فيه مع تيقنه به إلى غير ذلك، وبين شروط جواز الاشتغال به وهي:
(2/180)

أن لا يترك ما هو أهم منه من فروض العين أو فروض الكفاية؛ إذ الفروض الكفائية تتفاوت بحسب حاجة الأمة إليها.
وأن يكون مجتهدا مطلقا حرا في فكره بحيث إذا ظهر له الحق، اتبعه أما إذا كان مقيدا بمذهب من المذاهب لا يخرج عنه، فلا فائدة فيه، وصار كالعبث، بل وبالا؛ لأنه يطلع على الحق، ولا يقدر أن يتبعه، ولكن هذا الشرط ليس بمسلم، فقد يعمل في خاصة نفسه إذا كان لا يقدر ألا يفتي للناس به.
وتقدم أن أحمد بن ميسر كان يقول في فتواه: إن الذي أذهب إليه كذا، وإن مذهب أهل بلدنا كذا؛ لأنهم مقيدون في الفتوى والحكم بمذهب معين لضياع الثقة، وظهور الرشا، فلم يكونوا يجعلون للحاكم أو المفتي حرية الاجتهاد؛ إذ ربما يجعلها في قضاء غرضه.
الشرط الثالث: أن يناظر في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع لا نادرة، ولا يشتغل بما لا يقع ويترك ما يقع.
الرابع: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، ولكنهم بالعكس، فإنهم في الخلوة لا يتناظرون وإنما تكون مناظرتهم أمام الملوك، وفي المجامع لتحصيل الشهرة ومعلوم ما في ذلك.
الخامس: أن يكون قصده طلب حق ولو على لسان خصمه، فيتبعه ويجازيه ولا يماريه، ولا يخاتله، وأن لا يمنعه من الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه أو قوي، بل يعينه.
السادس: أن يناظر من يتوقع منه الاستفادة. وقد ذكر الغزالي أن جل تلك الشروط كانت مفقودة في زمنه وعند الناس الذين أدركهم وفيما يقرب منه، فكيف بزماننا. وهذا أمر يقع كثيرا في العراق وفيما وراء النهر بين الحنفية والشافعية.
الأمر الثالث: أنه في القرن الرابع بدأت فكرة الاختصار والإكثار من جمع
(2/181)

الفروع بدون أدلة، وشرح تلك المختصرات، فبعد ما كانوا في القرن الثالث مصنفين مبتكرين كأسد بن الفرات وسحنون، وابنه، والبويطي، ومحمد بن الحسن، وأمثالهم، صار الحال في القرن الرابع إلى الشرح، ثم الاختصار والجمع، فانظر الفضل بن سلمة وابن أبي زمنين، وابن أبي زيد والبراذعي اختصروا "المدونة" في عصر متقارب، وهكذا نظراؤهم في عصرهم من المذاهب الأخرى كالمزني حيث اختصر مذهب الشافعي والاختصار لا يسلم صاحبه من آفة الإفساد والتحريف، فقد اعترض عبد الحق الإشبيلي مواضع من مختصر ابن أبي زيد القيرواني والبراذعي أفسدها الاختصار، وهكذا المزني اعترض عليه ابن سريج كما سبق في ترجمته.
ولا يخفى أن الاشتغال بإصلاح ما فسد هو غير الاشتغال بالعلم نفسه، فالرزية كل الرزية في الاشتغال بالمختصرات، فالاختصار والتوسع في جمع الفروع من غير التفات للأدلة هو الذي أوجب الكهولة بل القرب من الشيخوخة التي دخل فيها الفقه في القرون الآتية، فالفقه بقي مدة القرنين متماسكا كهلا قويا، ولله عاقبة الأمور.
وفي القرن الثاني والثالث ابتلي الفقه والفقهاء بداهية دهياء وهي التنافس المذهبي الناشء عن الخلافيات والجدل، وانتصار كل أهل مذهب لمذهبهم، كأنه دين مخالف لدين أهل المذهب الآخر.
يدلك على ذلك وقائع من التاريخ في المشرق والمغرب، وغالب ذلك له محرك، وهو التنافس على نوال الرياسة والقضاء.
ففي "معالم الإيمان" جزء في عدد 116 أن محمد بن عبدون لما ولي القضاء بعد موت سحنون بالقيروان، ضرب طائفة من أهل العلم والصلاح أصحاب سحنون، وطيف بهم على الجمال بغضا منه في مذهب مالك وأصحابه، منهم أبو إسحاق بن المضا، وأبو زيد بن المديني، فماتا على الجمال، وأحمد بن معتب وابن مفرج، وكان ابن عبدون حنفيا حتى قال الأمير إبراهيم:
(2/182)

لو ساعدته فيمن يشكوه لجعلت له مقبرة.
ثم في آخر القرن الرابع دهى الفقه المالكي في المغرب والقيروان داهية دهماء أدهى وأمر من كل ما مر وهي ظهور الشيعة الذين قتلوا أعيان علماء الملة الذين كانوا حاملين لواء العلم والدين، وحملوهم على الرجوع عن مذهب مالك وعن السنة، والتمسك بالرفض، فأبوا فقتلوهم شر تقتيل.
وانظر في "مدارك" عياض ترجمة أبي بكر بن هذيل وأبي إسحاق بن البرذون ومن عاصرهما كيف قتلا وسحبا في أذناب الدواب لعدم إفتائهما بمذهب جعفر بن محمد الذي سموه مذهب أهل البيت كسقوط طلاق البتة وإحاطة البنات بالميراث من أجل أن تكون سيدتنا فاطمة أحاطت بإرث أبيها مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأي فائدة في هذا بعد ذهاب أربعة قرون حتى يضرب العلماء ويقتلوا لأجله.
وكم فعلوا من أفاعيل في القيروان، ثم بمصر لما غلبوا عليها، قتلوا العلماء، ومنعوا من أبقوه من التحليق في المساجد، ونشر العلم والفتيا إلا بمذهبهم.
وقد قتلوا في وقعة أبي زيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان حول المهدية رحمهم الله، وجعلوا دعاة لمذهبهم فرقوهم في الآفاق، كل ذلك توصل للسياسة والرئاسة، فكان من يأخذ عن العلماء إنما يأخذ سرا وعلى حال رقبة وخوف.
ومع هذا الضغط لم يقضوا على المذهب المالكي، بل بقي سرا ينتشر؛ لأن إرادة الشعب كانت خلاف إرادة الدولة، ولما تمكنت الأمة من المناهضة، محت دولة الرفض مرة واحدة، وظهر المذهب المالكي أتم ظهور، لكن بعد مرور نصف قرن وهو في التأخر والنقصان، وفي طي الخفاء، وهكذا كل شيء تلقته الأمة عن كره لا يكون له دوام ولا قرار، فالانتصار والانتشار إنما هو في حرية الأفكار.
(2/183)

انتهاء تاريخ الفقه القديم:
إن آخر القرن الرابع يعد آخر العلماء المتقدمين، وأول المتأخرين، فهو الفاضل بين التاريخ القديم للفقه والتاريخ الجديد بدليل ما ذكروه في ترجمة ابن زيد القابسي أنهما أول المتأخرين، وآخر المتقدمين.
انتهى القسم الثالث من الكتاب، ويليه القسم الرابع أوله الطور الرابع للفقه طور الشيخوخة والهرم والحمد لله أولا وآخرا.
(2/184)

القسم الرابع: في الطور الرابع للفقه وهو طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم
مدخل
...
القسم الرابع: في الطور الرابع للفقه وهو طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم
هذا الطور مبدؤه من أول القرن الخامس إلى وقتنا هذا الذي هو القرن الرابع عشر، وذلك أنه وصل إلى منتهى قوته في القرون الأربعة السابقة، وتم نضجه، فزاد بعد حتى احترق، وذهبت عينه، ولم يبق إلا مرقه في القرن الخامس وما بعده إلى أن صار الآن أثرا بعد عين، وذلك لأسباب منها:
قصور الهمم عن الاجتهاد إلى الاقتصار على الترجيح في الأقوال المذهبية، والاختيار منها، ولله در سعيد بن الحداد الفقيه القيرواني إذ يقول: إن الذي أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم، وكانت وفاة هذا السيد الجليل سنة "330" ثلاثين وثلاثمائة كما في "المدارك" ثم قصروا عن ذلك في هذه الأزمان، واقتصروا على النقل عمن تقدم فقط، وانصرفت همتهم لشرح كتب المتقدمين وتفهمها، ثم اختصارها، وفكرة الاختصار ثم التباري فيه مع جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل هو الذي أوجب الهرم، وأفسد الفقه، بل العلوم كلها كما يأتي إيضاحه؛ إذ صاروا قراء كتب لا محصلي علوم، ثم في الأخير قصروا عن الشرح، واقتصروا على التحشية والقشور، ومن اشتغل بالحواشي ما حوى شيء.
(2/189)

مجمل التاريخ السياسي لهذه القرون:
في أول القرن الخامس كانت الدولة الإسلامية في حال افتراق كما أسلفناه من قبل، فبنو العباس وخليفتهم القادر بالله بن المقتدر ببغداد، لكن تحت سيطرة الديلم من بني بويه وسلطانهم بهاء الدولة، وكانت دولة بني بويه في حالة هرم، وبجانبها دولة السلجوقيين الأتراك الذين تغلبوا فيما بعد على بغداد سنة 447، وعلى كثير من بلاد الإسلام والروم ما بين البحر المتوسط إلى بلاد الهند، وكان في مصر الحاكم بأمر الله الفاطمي ذو المخرقة التي نقل التاريخ منها كثيرا عنه، حتى إنه ادعى الألوهية، وكانت أحواله متناقضة وهو الذي أسس المكتبة الشهيرة بمصر، دعاها دار العلم، واستجلب لها الكتب الثمينة من خزائن قصور المعمور عوض مدرسة بغداد، وبنى مدارس كثيرة، ثم خربها.
وكان في الأندلس آخر الدولة الأموية سليمان المستعين، ثم المهدي محمد بن هشام ثم هشام المؤيد ثلاثة من الخلفاء تولوا في سنة واحدة، والدولة الأموية في النزع في آخر رمق بعد تغلب الدولة العامرية عليها كما فعل الديلم في بغداد. وأعقب ذلك فتنة البربر في الأندلس التي أهلكت الحرث والنسل، وأخنت على ما كان تأسس هناك من معاهد علمية، وتقدم عظيم، وأعقبها ملوك الطوائف، وافتراق الأمة حتى صارت كل مدينة لها متغلب سمى نفسه ملكا أو خليفة، وكان ذلك الداء قد تأصل في الممالك الإسلامية في ذلك القرن الخامس، سواء في الأندلس أو الممالك الإفريقية والشرق بما يطول سرده، وبسبب ذلك سقطت جزيرة صقلية بيد النرمان، وذهب ما كان بها من التمدن العربي والحضارة الإفريقية والأندلسية سنة 464 أربع وستين وأربعمائة، وتفرق علماؤها في الأقطار، ومنها طمع النرمان في السواحل الإفريقية، واحتلوها بعد خراب
(2/190)

القيروان، واختلال دولة صنهاجة بها إلى أن استنقذها الموحدون، وهذه الفتن كلها موجبة لانقطاع الصلة بين علماء القطار والرحلة التي تعين على تبادل الأفكار، واحتكاك الأنظار.
ثم أحيا الله الدولة الإسلامية في المغرب الأقصى والأندلس بالخليفة الأعظم يوسف بن تاشفين اللمتوني الذي جمع شمل تلك الممالك، وأقام العدل، ونصر الدين، وأظهر الفقه، وكان مالكي المذهب، فصارت للفقهاء في وقته ووقت ولده "علي" من نصف القرن الخامس إلى الربع الأول من السادس الكلمة النافذة، وعاد للمذهب المالكي هناك شبابه إلا أنه سقط في القيروان، والقطر التونسي، ثم الجزائري سقوطا كليا باستيلاء المتبربرين من الأعراب الجفاة الذين صبهم الفاطميون من مصر على أفريقية كالصاغة سوط عذاب، فخربوا القيروان سنة "449" وجلا علماؤها إلى الأقطار، ومات منهم كثير. قال في "معالم الإيمان": وفي آخر القرن الخامس إلى انقضائه لم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية وتخريبها، وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين، وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك إلى أن مَنَّ الله بظهور دولة الموحدين، فوضحت بها معالم الدين، وسبل الحق، ورسوم الشرع، فظهر بظهورها بأفريقية العلماء والصلحاء، وذلك في سنة الأخماس سنة 555 خمس وخمسين وخمسمائة. ا. هـ.
وظهور الموحدين كان قبل ذلك بالمغرب، لكن الظهور الحربي، أما الظهور العلمي، ورجوع الحركة العلمية لمعتادها بأفريقية كان في التاريخ المتقدم حين استتب الأمر لعبد المؤمن بن علي، ثم ولده يوسف، ثم حفيده يعقوب المنصور وهو الذي حرق كتب المالكية، وترك الفروع، وألزم العلماء بالاجتهاد، فظهر في وقته حفاظ وعلماء ومجتهدون يلحقون الفرع بأصله، أو هم ظاهرية كما يأتي مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمرو، ومحيي الدين بن عربي الحاتمي نزيل دمشق وغيرهم. وبموت المنصور انطفأت تلك الجذوة، ثم بالإدالة بالدوة المرينية رجع الناس إلى فروع المالكية، ونسوا الأصول؛ إذ كان تخليهم عن الفروع
(2/191)

إلزاميا لا اختياريا، وكانت الهمم قد أصابها ما أصابها من القهقرى إلى وراء، والاقتناع بالتقليد وسرد الفروع فقط.
وبقي الحال في المغرب تأخرا إلى تأخر إلى وقتنا هذا الذي صار الفقه إلى ما هو عليه الآن، بل صار إلى فقهين، وإن شئت فقل ثلاثة: فقه المالكية الأصلي المذكور في "الموطأ" و"المدونة" وغيرهما، وفقه العمليات وهو ما حكم به القضاة مقلدين لقول ضعيف مخالفين للراجح والمشهور لأمر اقتضاه، ثم ازداد الآن فقه آخر وهو: ما يتأسس بالأوامر المولوية، والظهائر السلطانية بالعدلية وغيرها كما تأسس بالمجلة التونسية وقد صار هذا أيضا فقها يدرس في مدارس الحكومة، ولا يسمى فقها في عرف الشرع لعدم وجود شروطه التي سبقت لنا في تعريفه صدر الكتاب.
أما في الشرق، فقد دهمه في القرن الخامس ما دهم الغرب من الافتراق كما سبق، وكل جهة لها خليفة أو سلطان، وتسلط الصليبيون على الشام وبيت المقدس، وكانت هناك الحروب الهائلة التي سببها الحاكم بأمر الله الفاطمي لما خرب كنائس النصارى واليهود، ونقض ما كان معهم من العهود مع فساد اعتقاده، وفكره، وضعفت دولة الفاطميين بمصر، وذلك في القرن السادس لما كان الموحدون في المغرب ظاهرين منصورين والإسلام متقدم كما سبق.
وهذا من عجائب تاريخ الإسلام قلما تجده ينحط ويتقهقر في جهة إلا ويتقدم في أخرى، ففي وسط الخامس سقط في تونس، ونهض في المغرب الأقصى والأندلس، وفي وسط السادس نهض في جميعها، وسقط بمصر والشام إلى أن قيض الله صلاح الدين الأيوبي الذي أنقذ جل الشام من أيدي الصليبيين مع بيت المقدس، وطهر مصر من بقية الفاطميين الذين كانوا رافضة يسبون السلف، وتعصبوا بمذهب الباطنية الذي كان قد ظهر في تلكم النواحي، ثم ضعف أمرهم حتى لم يبق لهم إلا الخطبة التي كان قطعها من مصر على يد صلاح الدين سنة 567 سبع وستين وخمسمائة وصيرها باسم المستضيء العباسي.
(2/192)

أما العراق ودار الخلافة وهي بغداد، فبعد تسلط الديلم، وانقسام تلك الممالك إلى دول صغيرة في القرن الرابع كما تقدم قد نزلت بها الداهية الدهياء التي لم ينزل بالإسلام مثلها منذ نشأ إلى الآن وهو تسلط التتر على دار الخلافة، وقتل الخليفة المستعصم العباسي سنة 656 ست وخمسين واستولى أميرهم هولاكو على بغداد وما وراءها إلى الهند وما أمامها إلى دمشق الشام، وقتل الملايين من المسلمين، وفعل أفاعيل المتوحشين مما لا يقدر أي قلم على وصفه ولا أي ذهن على تحمل تصوره إلا أن تغلبه العبرة، وصارت الممالك العظيمة عبرة بعد ما كانت ملأى بالمدارس والمكاتب والمراصد والمستشفيات والمصانع، وذهب بذلك علم الإسلام وعلماؤه بالقتل، وكتبه وذخائره ورجاله بالحرق والغرق، وتمدنه وحضارته، وكان هولاكو وقومه مشركين، ولذلك يعتبر دخولهم بغداد فاصلا بين تاريخ الإسلام القديم والجديد، ولكنه لم تأت سنة 700 سبعمائة حتى أسلم ملك التتار قازخان بن طرخان بن هولاكو وأسلم معه مائة ألف مقاتل من التتر، لكن بعد ما خربوا مدن الإسلام من سمرقند وخراسان وخوارزم إلى دمشق الشام، وأذهبوا زهرة مدينة العرب والأتراك والفرس وغيرهم من الأجناس الإسلامية، فإذا أضفت ذلك إلى سقوط صقلية ومدنها بيد النولارمان، وخراب القيروان بيد البدو وكل منهما في أواسط القرن الخامس كما سبق، ودخول البربر لقرطبة في آخر القرن الرابع، وفيه ابتداء سقوطها الذي انتهى سنة 623 ثلاث وعشرين وستمائة بدخول إسبانيا لها، ثم بعدها إشبيلية، تعلم مقدار ما رزئ به الإسلام والفقه في هذه القرون الخامس والسادس والسابع، ثم في آخر القرن الثامن ظهر تيمورلنك من بقايا التتر المسلمين، ففتح جل آسيا كبلاد الهند وخراسان وإيران والعراق والشام وآسيا الصغرى وشرع في فتوح الصين، وملك نصف الدنيا، لكن خرب من معالم الإسلام ما بقي وفعل بدمشق الشام ما فعله سلفه ببغداد.
أما في المغرب، فضعفت الدولة الإسلامية الموحدية، وكثرت الفتن ما بين سقوطها وبين نهوض الحفصية بتونس والزناتية بتلمسان، والمرينية بالمغرب في
(2/193)

المائة السابعة. هذه الدول الثلاث كانت تتنازع البقاء بينها وكل منها يريد الاستحواذ على غيره، ثم سقوطها أيضا بعد ذلك، وذهاب دولة بني الأحمر التي كانت بقيت بسيف البحر في الأندلس، واستيلاء العدو على غرناطة وجميع الأندلس، وخروج الإسلام من جنوب أوربا الغربي، وذلك في القرن العاشر الهجري، ولم تأت سنة 1011 إحدى عشرة وألف حتى لم يبق في الأندلس إلا من تنصر جبرا، وأتلفت المدارس والمكاتب والمعاهد وكل آثار التمدن العربي حتى الكتب، فقد حرق الكردنيال كسمينس ثمانين ألف مخطوط عربي في ساحات غرناطة، وأصدر أمره بإبادة الكتب العربية في إسبانيا قاطبة، فبقي إتلافها مسترسلا مدة نصف قرن.
بهذه الحوادث الهائلة ذهبت علوم أهل إفريقيا والأندلس، لكن كانت دولة الأتراك قد ظهرت في أول القرن السابع بآسيا الصغرى، وصارت تعظم شيئا فشيئا إلى أن استولت على معظم آسيا تقريبا وممالك من شرق أوروبا وإفريقية إلى أن بلغت إلى حدود المغرب الأقصى بل كان المغرب تحت سيطرتها أيام السعديين في القرن العاشر.
واستجدت للإسلام عظمته التي فقدها منذ قرون، بل فتحوا القسطنطينية العظمى التي عجزت عنها دول الإسلام قبله من يد الروم الشرقية سنة 857 سبع وخمسين وثمانمائة، وفتحوا شرق أوربا كبلاد اليونان والبلغار والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكثير من بلاد الروس، وبلاد المجر، وهنكاريا، وكان لهم قدم عظيم في الفتح واتساع الممالك أنسى من قبلهم، وبنوا على أنقاض ممالك الإسلام الساقطة من التتر وغيره مملكة عظمى، ففتحوا الحجاز بما فيه مكة والمدينة، وصاروا حماة الحرمين الشريفين، وفتحوا العراق والشام واليمن ومصر، وتنازل لهم الخليفة العباسي الذي كان بها عن لقب الخلافة، فصار ملوكهم خلفاء الإسلام منذ سنة 923 ثلاث وعشرين وتسعمائة. ومن العجب أنه في السنة قبلها تم استيلاء الإسبان على الأندلس نهائيا ثم إن الأتراك فتحوا تونس والجزائر، وأحاطوا بالبحر الأبيض إحاطة الهلال بالنجم، فكان لهم
(2/194)

من اتساع الملك ما لم يكن لغيرهم قبلهم ولا بعدهم يبلغ ثلاثة أرباع العالم، وكان لهم الأسطول الضخم، والنظام الأتم، فكان الإسلام بينما هو يسقط في غرب أوربا إذا به يتقدم في شرقها، لكن لم يؤثر ذلك على الفقه بالتقدم، بل بالتأخر؛ لأن العواصم التي كانت مهد الفقه كبغداد وخراسان وسمرقند ودمشق ومصر والبصرة والكوفة والقيروان وتونس ومراكش وفاس وقرطبة وإشبيلية، ثم غرناطة، منها ما استولى عليه العدو أو الخراب، ومنها ما صارت ثانوية غير عواصم بل تابعة لدار الخلافة التي صارت هي القسطنطينية وأنت تعلم أن لسان الدولة المسيطرة هو التركية فلم يكن للعربية تقدم، بل تأخر، والفقه الإسلامي تابع للعربية في تقدمها وتأخرها؛ لأن مادته القرآن والسنة وهما عربيان، والعلماء الذين تصدروا للقضاء والإفتاء لسانهم أعجمي لا قبل لهم بفهم بلاغة القرآن والسنة، فلذلك لم يشتغلوا بالاجتهاد والاستنباط، بل بالتقليد والاقتصار على الشرح والتحشية، والاختصار لمؤلفات وجدوها سهلة، وجل ما ألفوه كانت اللكنة والصعوبة مستولية عليه كما يعلم ذلك بمطالعة كتب علماء هذه العصور. وقد جعلوا مركز مشيخة الإسلام في القسطنطينية وتمذهبوا بمذهب أبي حنيفة مقلدين، وكان القضاة والمفتون يتمذهبون به، فنال انتشارا عظيما أكثر مما كان زمن بني العباس؛ إذ لم يكونوا ملتزمين له كل الالتزام كما يعلم بمراجعة تراجم من تقدم في الطور الثالث قبله وفيما يأتي، وبقي الحال والإسلام على ذلك إلى أن رجع الترك القهقرى، وتسلط الروس والنمسا وغيرهما على بلاد الترك بالغزو والغارة، وانتزاع الممالك منهم، وفصل العناصر الأجنبية عنهم وغير الأجنبية، ثم أمم أوربا التي نهضت لمناهضتهم وهي أمم الاستعمار والفتح كالإنكليز وغيرهم، فصارت ممالك تركيا تنتهب، ويستقل البعض منها والباقي دخلته الفتن والثورات، وانفصمت العرى، وحلت المصائب بالبلاد الإسلامية فزاد الفقه والعلوم العربية تأخرا وهرما إلى وقتنا هذا الذي لم يبق فيه من الدين إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، ولله عاقبة الأمور. والله المسئول أن يجدد لهذه الأمة عصرا جديدا، وشرفا مجيدا آمين.
(2/195)

إحياء الاجتهاد على عهد الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس في القرن السادس:
اعلم أنه برقت بارقة على الفقه سنة 550 خمسين وخمسمائة تحرك بها حركة لكن كانت أشبه بحركة الموت، وذلك أن عبد المؤمن بن علي لما غلب المغرب ووجد العلماء انهمكوا في الفروع راضين خطة التقليد الذي يقضي على الفقه، فكر فكرة في إلزام العلماء الاجتهاد، وترك التقليد فقيل: إنه أبرزها إلى حيز العمل، فحرق كتب الفروع كلها، وأمر بوضع كتب أحاديث الأحكام ذكر ذلك في القرطاس وهو حجة ثبت وثقه ابن خلدون وغيره وأنكر ذلك التميمي في "المعجب" وقال: إن عبد المؤمن إنما فكر في ذلك، وإن الذي أبرزه هو حفيده أبو يوسف يعقوب المنصور المتوفى سنة 595 خمس وتسعين وخمسمائة قال: إن في أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب الفروع بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن، فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، والتهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، قال: لقد شهدت منها وأنا بفاس يومئذ يؤتى منها بالأجمال فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة وهي الكتب الخمسة والموطأ ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبة، وسنن
(2/196)

الدارقطني، وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة، فأجابوه لذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه على الناس بنفسه، ويأخذهم بحفظه، وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه الناس من العوام والخاصة، فكان يجعل الجعل السني من الكساء والأموال، وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك من المغرب جملة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا، يشهد لذلك عندي ما أخبرني به غير واحد ممن لقي أبا بكر بن الجد أخبرهم قال: لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المشعبة التي أحذثت في دين الله أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هو الحق، وأيها يجب أن يأخذ به المقلد، فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي داود عن يمينه، أو السيف، فظهر في أيامه ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده. ا. هـ.
وقال ابن خلكان: أمر يعقوب المنصور الموحدي برفض فروع الفقه، وأحرق كتب المذهب وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباط القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس، قال: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب1
__________
1 أبو الخطاب هو عمر بن الحسن بن علي يرفع نسبه إلى دحية الكلبي الصحابي الجليل وبقية النسب في ابن خلكان قال: إنه من بلنسية من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء أتقن فن الحديث وما يتعلق به من اللغة وأيام العرب وأشعارها، طلب الحديث في بلده الأندلس، ورحل منها إلى مراكش وأفريقيا والشام والعراق وخراسان وفازندران وأصبهان ونيسابور وهو في كل ذلك يطلب الحديث، ويؤخذ عنه، وقدم أربل سنة 604، فوجد مظفر الدين الملك المعظم صاحبها يحتفل للمولد، فعمل له كتابا سماه "التنوير في مولد السراج المنير" وهو أول ما ألف في الباب، ودفع له الملك ألف دينار، وله عدة تصانيف، وتوفي بالقاهرة=
(2/197)

بن دحية، وأخيه أبي عمر، ومحيي الدين بن عربي الحاتمي نزيل دمشق وغيرهم. ا. هـ.
ولا يخفى ما هناك من المخالفة بثني كلامي "لمعجب" "وابن خلكان"، فالأول يقتضي أنه ألزمهم بالظاهر، والثاني يقتضي حرية الاجتهاد حتى في العمل بالقياس، ويظهر لي أن الحق ما قاله صاحب "المعجب" لأنه حضر الوقعة وفي بلده كانت، فهو أحرى أن يحقق الواقع.
وعندي أنه لو أعطاهم حرية الاجتهاد، ما تركوه، ولا رجعوا للتقليد عند اضمحلال دولته، وأن الذي أوجب نبذهم لعمله هو أنه ألزمهم بالانتقال من تقليد مالك إلى تقليد الظاهرية في الحقيقة، وإن كان في اللفظ ألزمهم بالاجتهاد ولا معنى لإبدال مذهب يرون صوابيته، وعليه وجدوا آباءهم وأجدادهم إلى مذهب ظهر له وحده حقيته.
ويدل لما في "المعجب" ما قاله سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي
__________
= سنة 633، ثلاث وثلاثين وستمائة عن سبع وثمانين سنة 516، أما أخوه أبو عمر عثمان، فكان أسن منه حافظا للغة العرب قيما بها، وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث التي كان أنشأها بالقاهرة، ورتب مكانه أخاه أبا عمر، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة 634 أربع وثلاثين وستمائة. ا. هـ. ابن خلكان بخ 517 أبو بكر محمد محيي الدين بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي شهر بابن عربي ويزاد لام التعريف ولد بمرسية سنة 560 ثم طاف البلدان من الأندلس والمغرب والشام، ودخل بغداد، وحدث بها شيء من مصنفاته، ودخل بلاد الروم والمشرق، وله مؤلفات كثيرة كالتفسير والفتوحات المكية المشهورة في النوادي العلمية وتآليفه تدل على عقل وفلسفة عظيمة ومعرفة نادرة وخيال واسع وتمكن من العلوم والمعرفة إلا أن أرباب البصائر حذروا من الاشتغال بكتبه لما فيها من المقالات التي لا ينبغي أن يشتغل بها لمخالفتها ظاهرا لما عليه جمهور الأمة، توفي بدمشق سنة 638 ثمان وثلاثين وستمائة وله اختيارات في الفقفه شاذة لاجتهاده منها قوله بمسح الرجلين في الوضوء من غير خف، وجواز السجود في التلاوة إلى أي جهة، وجواز إمامة المرأة، والقول بإيمان فرعون، وعبور الجنب المسجد والإقامة فيه وقراءته القرآن، وأن الطهارة لا تشترط في صلاة الجنازة في احتيارات أخر يطول ذكرها والقول الفصل ما قال جلال السيوطي: اعتقاد ولايته، وتحريم النظر في كتبه وابن عربي نفسه حرم النظر فيها. ا. هـ. مؤلف. قلت: وراجع أيضا ما نقله الحصفكي في الدر المختار "3/ 303"، من معروضات أبي السعود العمادي من وجوب ترك مطالعة كتب ابن عربي، وقد صدر أمر سلطاني بذلك.
(2/198)

في تأليف له في بيوتات فاس ونصه: "إن مهدي الدولة الموحدية وأتباعه من ملوكها كانوا ينكرون الرأي، وانتحلوا مذهب الظاهرية، وهو العمل بظاهر القرآن والسنة، وحملوا الناس على ترك الفروع الفقهية، وحرقوا كتب الفروع كلها، ولم تزل كتب الفروع منبوذة عنده، وعند عبد المؤمن بن علي وأولاده، بل حرقوها ووضعوا في السنن أوضاعا، وأوقعوا المحن بذوي الفروع، وقتلوهم وضربوهم بالسياط، وألزموهم الأيمان المغلظة من عتق وطلاق على أن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه، ولما جاءت الدولة المرينية، نقضت ذلك كله، وجددت كل الفروع، فأملى الفقيه أبو الحسن علي بن عشرين "المدونة" من حفظه، ووجدوا نسخة قوبلت عليها النسخة التي أملاها، فلم تختلف إلا بواو أو فاء. ا. هـ.
وفي "نيل الابتهاج" أن عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي كتب "المدونة" من حفظه بعد أن أمر الموحدون بحرقها. ا. هـ.
وفي قوانين ابن جزي عند ذكره الخلفاء الموحدين: وكان المنصور أبو يوسف يعقوب عالما محدثا ألف كتاب الترغيب في الصلة، وحمل الناس على مذهب الظاهرية، وحرق كتب المالكية. ا. هـ. وهذا كله يؤيد ما ارتأيناه، فتبين أن لسرعة انهدام ما أسسه الموحدون أسبابا:
الأول: جعلهم ذلك إجباريا، وكل ما كان كذلك لا يقبل، ويسرع زواله ولو كان حقا لأنفه النفوس من كل ما تلزم به جبرا.
الثاني: أنهم سموه اجتهادا، وإنما هو إبدال الرأي بمذهب الظاهرية الذي هو جمود لم يستسحنه الجمهور، ومثل هذا وقع لابن حزم عاب على الناس تقليد مالك، وقلد داود الظاهري، وإن كان المفتي على مذهبهم لا بد له من اجتهاد، ورجوع للأصول من كتاب أو سنة، ولذلك استفاد الفقه من عمل الموحدين فائدة عظمى بظهور حفاظ وعلماء كبار تآليفهم تآليف مهمة في الحديث وغيره.
(2/199)

الثالث: انقضاء دولتهم وإتيان دولة أخرى تريد تخريب مجد ما قبلها لتشيد مجدا جديدا، ثم إن الداعي لما فعله الموحدون ليس نصرة مذهب ظهر لهم صوابيته فقط، بل مع الانتقام من الفقهاء المالكية الذين أدركوا شأوا بعيدا أيام لمتونة قبلهم فيما يظهر لي.
قال في "المعجب": قد أدرك الفقهاء في أيام علي بن يوسف بن تاشفين وهي الثلث الأول من القرن السادس مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكام كبيرها وصغيرها موقوفة عليهم طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول أبو جعفر بن البني الجياني:
أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم
إلى أن قال: ولم يكن يحظى عند أمير المسلمين إلا من علم علم الفروع على مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمن كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمن يعتني بهما كل الاعتناء. ا. هـ. المراد.
قال الخطابي في "معالم السنن" المتوفى سنة 388 ثمان وثمانين وثلاثمائة ما نصه: رأيت أهل العلم في زمننا قد انقسموا1 فرقتين: أصحاب الحديث، وأصحاب الفقه، وكل فرقة لا تنفك محتاجة إلى ما عند الأخرى؛ إذ الحديث
__________
1 بلغ بهم الأنقسام إلى التنازع والخصام ذكر عياض في مداركه أن عيسى بن سعادة الفاسي لما توفي سنة 355 تنازع فيه علماء فاس فيمن يصلي عليه الفقهاء والمحدثون كل يدعيه ويقول: إنه أحق بالصلاة عليه، وهذا نظير ما وقع بعد الصدر الأول من انسحاب القراء عن صف الفقهاء والمحدثين، وما وقع في هذا العصر من انفراد الصوفية عن الفقهاء وكثرة الفرق داعية إلى التلاشي والانحطاط ولله عاقبة الأمور. ا. هـ. مؤلف.
(2/200)

أساس، والفقه بناء، وكل بناء على غير أساس فمنهار، وكل أساس لا بناء عليه فخراب، وعلى ما بينهما من التداني، وشدة الحاجة بل الفاقة اللازمة لكل منهما إلى صاحبتها، فهما أخوان متهاجران على أنه يجب عليهما التناصر والتعاون، فأهل الأثر وكدهم الرواية، وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ الذي أكثره موضوع ومقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستخرجون ركازها وسرها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم قاصرون عن مبلغ العلم بالسنن، وآثمون بسوء القول.
وأما أهل الفقه، فإن أكثرهم لا يعرجون إلا على أقل قليل من الحديث، ولا يكادون يميزون بين سقيمه من صحيحه، ولا يعبئون أن يحتجوا بالسقيم إذا وافق آراءهم وقد اصطلحوا على قبول الضعيف والمنقطع إذا ما اشتهر عندهم، وتعاورته الألسنة من غير تثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة في الرأي وغبنا فيه، ولو حكي لهم عن أئمة مذاهبهم قول، لتثبتوا واستبرءوا له العهدة، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون إلا رواية ابن القاسم أو أشهب أو أضرابهما من نبلاء أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم، لم يكن عندهم طائلا، وترى أصحاب أبي حنيفة يتثبتون، ولا يقبلون إلا رواية محمد بن الحسن أو أبي يوسف والعلية من أصحابه، فإذا جاء عن الحسن بن زياد اللؤلئي وذوي روايته قول بخلافه، لم يقبلوه، وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها وهكذا كل فرقة من الفقهاء في مذهب أئمتهم لا يقتنعون1 إلا بالثقة الثبت، فإذا كان هذا في الفروع، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم وهو الرواية عن رسول رب العزة الواجب حكمه، اللازم طاعته، الذي يجب التسليم لأمره، والانقياد لحكمه حتى لا نجد في أنفسنا حرجا
__________
1 قوله: لا يقتنعون إلا بالثقة الثبت إلخ هذا مع وقوع الاختلاط في المذاهب، وكثرة الروايات والرواة، فأصحاب الشافعي البغدادي ينقلون أقوالا غير ما ينقله المصريون، وهكذا المالكية لهم طريقة العراقيين والحجازيين والمصريين والقرويين، نص على ذلك صاحب "المعيار" نقلا عن ابن مرزوق في نوازل الصلاة. ا. هـ. مؤلف.
(2/201)

مما قضاه؟ وإذا جاز للإنسان أن يتسامح في حق نفسه، فيقبض الزائف، ويغضي عن العيب، فلا يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان نائبا عنه كولي اليتيم الضعيف، ووكيل الغائب، فإذا فعل، كان خيانة للعهد، وإخفارا للذمة، ولكن قوما استوعروا طريق الحق، واستطابوا الدعة، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة عن معاني أصول الفقه سموها عللا، وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، واتخذوها جنة عند لقاء خصومهم، ونصبوها ذريعة للخوض والجدل يتناظرون بها.
هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة، فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلام، وصلواه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين، يتسع للمرء مذهب الخوض ومجال النظر، فصدق عليهم إبليس ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه إلا فريقا من المؤلفين. فيا للرجال ويا للعقول أين يذهب بهم وأين يخدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم والله المستعان. ا. هـ. بخ.
وقال ابن العربي في "القواصم والعواصم": عطفنا عنان القول إلى مصائب نزلت بالعلماء في طريق الفتوى لما كثرت البدع، وتعاطت المبتدعة منصب الفقهاء، وتعلقت أطماع الجهال به، فنالوه بفساد الزمان ونفوذ وعد الصادق -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" 1 وبقيت الحال هكذا، فماتت العلوم إلا عند آحاد الناس، واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، وذلك بقدر الله تعالى، وجعل الخلف منهم يتبع السلف حتى آلت الحال إلى أن لا ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلنمكة وأهل طليطلة، وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله، ثم نقلوه إلى
__________
1 أخرجه البخاري "1/ 174، 175"، ومسلم "2673" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2/202)

الأدب ثم إلى "الموطأ" ثم إلى "المدونة" ثم إلى وثائق ابن العطار، ثم يختمون له بأحكام ابن سهل، ثم يقال له: قال فلان الطيطلي وفلان المجتريطي وابن مغيث -لا أغاث الله ثراه، فيرجع القهقرى، ولا يزال يمشي إلى وراء، ولولا أن الله مَنَّ بطائفة تفرقت في ديار العلم، وجاءت بلباب منه كالقاضي أبي الوليد الباجي، وأبي محمد الأصيلي، فرشوا من ماء العلم على هذه القلوب الميتة، وعطروا أنفاس الأمة الذفرة، لكان الدين قد ذهب، ولكن تدارك الباري تعالى بقدرته ضرر هؤلاء بنفع هؤلاء، وربما سكنت الحال قليلا، والحمد لله. ا. هـ. نقله في "الاستقصا".
وقد وضعناه أمامك لتستفيد كيف كان تعلم أهل الأندلس في القرن الخامس والسادس، وتعلم أن رحلة العلماء من منعشات العلم، وتعلم أن الفقه إذ ذاك قد أخذ في دور التأخر.
وقال القرافي في الفرق الثامن والسبعين: يجب على أهل المذاهب أن يتفقدوا مذاهبهم، فكل ما وجوده على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم من المعارض يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه. قف على آخر كلامه.
وإن رمت التوسع في هذا المقام، فعليك بـ"إعلام الموقعين" فإنه أخنى بلائمة كثيرة على العلماء في تركهم الاجتهاد، وميلهم لظل التقليد وذكر في الطبقات السبكية في ترجمة الحافظ أبي طاهر السلفي الإسكندراني أن والد السبكي اعترض عليه في فتوى أفتاها بأن فنه الحديث، وليس من شأنه الإفتاء وإني لأعجب من شافعي يقرر في غير ما موضع أن إمامهم بنى مذهبه على الحديث، وأن أصلهم الأصيل هو الحديث، وأنه أوصاهم بأن الحديث هو مذهبه، ومع ذلك يعترض هذا الاعتراض، وكم لهذه القضية من نظير في تلك القرون.
وفي "إعلام الموقعين" عدد 457 من الجزء الرابع: لا يجوز أن ينسب
(2/203)

للشافعي قول يخالف الحديث، وأنه يجوز للمفتي أن يفتي من الصحيحين أو السنن أو غيرهما من كتب الحديث الموثوق بها فانظره.
فتبين لكم من هذا ما حصل في هذه الأزمان من استقلال الفقه عن الحديث، والحديث عن الفقه مع ما كانا عليه من التلازم في القرون الأولى، ففي آخر الشمائل الترمذية عن ابن المبارك: إذا ابتليت بالقضاء، فعليك بالأثر. وعن ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذهم.
وقد أراد الموحدون في أفريقيا والأندلس الرجوع إلى الأصل الأول، لكنهم لم ينجحوا، ولم يدم عملهم للأسباب التي بيناها لكم ولله عاقبة الأمور.
قال السبكي في "الطبقات" عدد 169 من الجزء الأول ما نصه: ثم أفضى الأمر إلى طي بساط الأسانيد رأسا وعد الإكثار منها جهالة ووسواسا، ولا يهون الفقيه أمر ما نحكيه من غرائب الوجوه، وشواذ الأقوال، وعجائب الخلاف قائلا: حسب المرء ما عليه الفتيا، فليعلم أن هذا هو المضيع للفقه أعني الاقتصار على ما عليه الفتيا، فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ لا يكون فقيها إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنما يكون ناقلا مخبطا حامل فقه إلى غيره لا قدرة له على تخريج حادث بموجود، ولا قياس مستقبل بحاضر، ولا إلحاق غائب بشاهد، وما أسرع الخطأ إليه، وأكثر تزاحم الغلط عليه، وأبعد الفقه لديه، ثم روى حديث: "نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه ثم وعاها وحملها، رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الحديث رواه الترمذي1 وغيره. ا. هـ.
فانظر رحمك الله تأفف أهل القرن الرابع إلى الثامن من مآل الفقه وترك السنة والاجتهاد والاشتغال بالفروع وهكذا بقيت الحال في نقصان واندحار إلى
__________
1 "2658" وأخرجه أحمد "5/ 83"، وابن ماجه "230"، والدارمي "1/ 75"، من حديث زيد بن ثابت، وصححه غير واحد من المحدثين، وأخرجه من حديث ابن مسعود الشافعي، "1/ 14"، والترمذي "2659"، وابن ماجه "232"، وإسناده صحيح، وأخرجه من حديث جبير بن مطعم أحمد "4/ 81"، وابن ماجه "1/ 75، 76"، وأخرجه من حديث ابن عباس الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص166.
(2/204)

وقتنا هذا، وربما حصلت حركة في بعض الأعصار لكن يعقبها سكون وجمود. ومما اشتغل به فقهاء هذه العصور تأليف مناقب أئمتهم، وتفاخروا في ذلك حتى صارت مناقب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد في مجلدات. انظر حرف الميم من "كشف الظنون".
(2/205)

تراجم الفقهاء في هذه العصور:
غير خفي أن عصر شيخوخة الفقه من أول المائة الخامسة إلى الآن عصر طويل كان فيه علماء جلة كثيرون لا يأتي العد على جمهورهم، ولا على القليل منهم، وإنما نأتي بمن استحضرناه على سبيل التمثيل:
فمن الحنفية:
498- أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري 1:
صاحب مختصر الحنفية المشهور الذي هو كمختصر ابن الحاجب عند المالكية وهو الذي شرح مختصر الكرخي، وصنف كتاب "التجريد" في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مجردا عن الأدلة، وكتاب التقريب الكبير، والصغير، وهو ممن كان يناظر أبا حامد الإسفراييني رأس الشافعية في وقته. توفي سنة 438 ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد.
499- أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي 2 السمرقندي:
هو أول من تكلم في الخلاف من الحنفية، له نظم في الفتاوى، وكان يضر به المثل في النظر، واستخراج الحجج، وله مناظرات ببخارى وسمرقند.
__________
1 أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري: سير النبلاء "11/ 128"، وتاريخ بغداد "4/ 377"، ووفيات الأعيان "1/ 78، 79"، وشذرات الذهب "3/ 223"، والجواهر المضية "1/ 93/ 94"، الفوائد البهية ص"30، 31".
2 أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي السمرقندي: سير النبلاء "11/ 115"، وفيات الأعيان "3/ 48"، والفوائد البهية ص"109"، والجواهر المضية "1/ 339".
(2/206)

توفي سنة 430 ثلاثين وأربعمائة ناظر بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه حجة، ضحك، فأنشد أبو زيد:
ما لي إذا ألزمته حجة ... قابلني بالضحك والقهقه
إن كان ضحك المرء من فقهه ... فالدب في الصحراء ما أفقهه
500- أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري 1: شيخ الحنفية في زمنه، ومن كبرائهم أيضا. توفي سنة 436 ست وثلاثين وأربعمائة.
501- شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلواني 2 البخاري: مصنف كتاب "المبسوط" إمام أهل بخارى. توفي سنة 448 ثمان وأربعين وأربعمائة، عده ابن كمال باشا من مجتهدي المسائل.
502- علي بن محمد البزدوي 3:
فقيه ما وراء النهر، وإمام الدنيا فروعا وأصولا، له كتاب "المبسوط" أحد عشرا مجلدا وهو صاحب كتاب أصول البزدوي المشهور، وتقدمت لنا إشارة إليه، وله كتب غيره. توفي سنة 482 اثنين وثمانين وأربعمائة.
503- أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني 4: انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد، وولي قضاءها، ولد بالدامغان سنة 400، وتوفي سنة 478 ثمان وسبعين وأربعمائة.
__________
1 أبو عبد الله بن الحسين بن علي الصيمري: الفوائد البهية ص"67"، الجواهر المضية "1/ 214".
2 عبد العزيز بن أحمد الحلواني البخاري: أبو أحمد، البخاري الحلواني:
المشتبه ص"244"، الإكمال "3/ 111".
3 علي بن محمد البزوي: الأنساب "2/ 188"، معجم البلدان "1/ 409"، اللباب "1/ 146"، الجواهر المضيئة "2/ 594"، مفتاح السعادة "2/ 184"، كشف الظنون "1/ 112"، الفوائد البهية "124، 125".
4 أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني: الفوائد البهية ص"182".
(2/207)

504- شمس الأئمة بكر بن محمد الزرنجري 1: إمام محقق أخذ عن الشمس الحلواني، توفي سنة 512 اثني عشرة وخمسمائة.
505- أبو محمد عمرو بن عبد العزيز 2 بن عمر بن مازه المعروف بالصدر الشهيد:
إمام الفروع والأصول من كبار الأئمة، له شرح الجامع، والفتاوى كبرى وصغرى، توفي شهيدا بسمرقند سنة ست وثلاثين وخمسمائة 536 عن ثلاث وخمسين.
506- أبو حفص عمر بن محمد النسفي 3:
مفتي الثقلين أحد الأئمة المشهورين، له نحو مائة مصنف في المصنف والحديث والتاريخ، نظم الجامع الصغير، وهو أول كتاب نظم في الفقه، وله تاريخ سمرقند في عشرين مجلدا، والتيسير في التفسير، توفي سنة 537 سبع وثلاثين وخمسمائة.
507- أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري 4 جار الله:
إمام عصره بلا مدافعة فقيها لغويا أديبا مناظرا من أكابر الحنفية والمعتزلة،
__________
1 بكر بن محمد الزرنجري: الزرنجري: المشتبه "379".
2 أبو محمد عمرو بن عبد العزيز بن عمر بن مازه: الصدر:
الفوائد البهية ص"149"، والجواهر المضية "1/ 56".
3 أبو حفص عمر بن محمد النسفي: أبو حفص، أبو الحسن، النسفي الحنفي السمرقندي، مات سنة "537":
التحبير "1/ 527"، لسان الميزان "4/ 327"، معجم المؤلفين "7/ 305، 306"، تبصير المنتبه "3/ 1217"، دائرة الأعلمي "23/ 44"، سير النبلاء "2/ 126".
4 أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري: بفتح الزاي وسكون الحاء وفتح الشين المعجمة قرية=
(2/208)

وقد اندثرت آثار المعتزلة إلا تفسيره الكشاف لم يقدروا على إعدامه لشدة الحاجة إليه. وله تصانيف غيرها كلها غرر. توفي سنة 538 ثمان وثلاثين وخمسمائة.
508- شمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي 1:
تلميذ شمس الأئمة الحلواني، عدوه من المجتهدين في المسائل بالمذهب الحنفي، أملى كتاب المبسوط نحو خمسة عشر مجلدا وهو مسجون في الجب بأوزجند، وأصحابه يكتبون في أعلى الجب من غير مطالعة كتاب، وسبب سجنه كلمة نصح بها الخاقان. ومبسوطة هذا شرح للكافي، وهو مطبوع في مصر، وأملى به أيضا شرح السير الكبير إلى باب الشروط فأفرج عنه، توفي أواخر القرن الخامس، وله تآلف أخرى.
509- طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري 2:
شيخ الحنفية بما وراء النهر، ومن أعلامهم مجتهديهم، مؤلف "خلاصة الفتاوى" وهو كتاب معتمد عند الحنفية، لخصه من كتابيه الواقعات وخزانة الواقعات. توفي سنة 542 اثنين وأربعين وخمسمائة ذكره ابن كمال باشا من طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته في الفروع والأصول ذكره في تعليق "الفوائد البهية".
510- أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفار 3: توفي ببخارى سنة 574 أربع وسبعين وخمسمائة.
__________
1 محمد بن أحمد السرخسي: الفوائد البهية ص"158".
2 طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري: الفوائد البهية ص"84".
3 أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفار: الفوائد البهية ص"7".
(2/209)

511- أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني 1:
-بالمهملة والمعجمة- الملقب بملك العلماء، مؤلف كتاب "البدائع" وهو شرح كتاب "تحفة الفقهاء" لشيخه علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، توفي سنة 587 سبع وثمانين وخمسمائة.
512- فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي 2 الفرغاني:
المشهور بقاضي خان إمام كبير من أئمة الحنفية، له الفتاوى المشهورة، والواقعات، والأمالي، والمحاضر، وشرح الزيادات وغيرها. معدود عندهم من مجتهدي المذهب الذين لهم الترجيح في الأقوال، وعده ابن كمال باشا من طبقة الاجتهاد في المسائل، قال قاسم بن قطلوبغا: من يصححه قاضي خان مقدم على تصحيح غيره؛ لأنه فقيه النفس. توفي سنة 592 اثنين وتسعين وخمسمائة.
513- علي بن أبي عبد الجليل المرغيناني 3 برهان الدين: مؤلف كتاب "الهداية" و"المنتقى" وغيرهما. توفي سنة 593 ثلاث وتسعين وخمسمائة والهداية كتاب من أجل كتب الحنفية وفيه قيل:
إن الهداية كالقرآن قد نسخت ... ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب
514- أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي 4 القزويني ركن الدين الطوسي: إمام فاضل محجاج
__________
1 أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني: الجواهر المضية "2/ 244"، وأعلام النبلاء "4/ 305".
2 فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني: الفوائد البهية ص"64، 65".
3 علي بن أبي عبد الجليل المرغياني: برهان الدين، الفوائد البهية ص"141"، وسير النبلاء "13/ 53"، والجواهر المضية "1/ 383".
4 أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي القزويني: مرآة الجنان "3/ 498".
(2/210)

ماهر في علم الخلاف له ثلاث تعاليق في الخلاق، وحلوا إليه إلى همذان وانتشر في الآفاق توفي سنة 600 ستمائة.
515- أبو حامد بن محمد العميدي 1 السمرقندي ركن الدين:
كان إماما في الخلاف خصوصا الجست2، وهو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وهو أحد الأركان الأربعة الذين أخذوا عن رضي الدين النيسابوري، كل منهم ركن الدين، وله "الإرشاد" الذي اعتنى به من بعده، وكتاب "النفائس" وغيرها، وانتفع به خلق كثير. توفي ببخارى سنة 615 خمس عشرة وستمائة والعميدي بفتح العين وبالدال المهملة.
516- عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي العبادي 3:
-بضم العين- نسبة إلى جده الأعلى عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- شيخ الحنفية بما رواء النهر وأحد من انتهى إليهم معرفة المذهب، عديم النظير في زمنه، له تصانيف ككتاب "الفروق" وشرح الجامع الكبير، وغيرهما يعرف بأبي حنيفة الثاني. توفي ببلده بخارى سنة ثلاثين وستمائة 630.
517- أبو المجاهد جمال الدين محمود بن أحمد البخاري التاجري 4 المعروف بالحصيري: لم يكن في عصره من
__________
1 أبو حامد محمد بن محمد العميدي السمرقندي "ركن الدين": سير النبلاء "13/ 35"، وابن خلكان "4/ 257"، وشذرات الذهب "5/ 64"، والجواهر المضية "2/ 128"، والفوائد البهية ص"200".
2 لفظة فارسية معناها: البحث، وقد أصبحت تطلق على نوع من فروع الخلاف.
3 عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي العبادي "نسبة إلى عبادة بن الصامت": العبر "5/ 120"، شذرات الذهب "5/ 137"، وتاريخ الإسلام "أيا صوفيا/ 3012".
4 أبو المجاهد جمال الدين محمود بن أحمد البخاري التاجري "الحصيري": أبو المجاهد، البخاري التاجر، محمود بن أحمد بن عبد الله السيد بن عنان بن نصر:=
(2/211)

يقاربه من الحنفية ببلده توفي سنة 636 ست وثلاثين وستمائة بدمشق.
518- الحسن بن محمد بن حيدر الصغاني 1
كان فقيها محدثا لغويا، ذا مشاركة تامة في جميع العلوم، له كتاب "مشارق الأنوار" في الحديث، و"العباب" في اللغة وغيرها، توفي سنة 650 خمسين وستمائة ببغداد، ونقل لمكة والصغاني أو الصاغاني بتخفيف الغين: اسم قرية بمرو.
519- يوسف بن فرغلي البغدادي 2 سبط الحافظ ابن الجوزي
كان على مذهب جده حنبليا، ثم رحل إلى الموصل ودمشق وتفقه على الحصيري فصار حنفيا، له "مرآة الزمان" تاريخ في أربعين مجلدا، وتفسير في تسعة وعشرين مجلدا وشرح الجامع الكبير وغيره، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة 654.
520- الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات حافظ الدين النسفي 3:
عديم النظير في زمنه، رأس في الفقه والأصول، بارع في الحديث، له
__________
1 الحسن بن محمد بن حيدر الصغاني: سير النبلاء "13/ 292"، ومعجم الأدباء "9/ 189"، وشذرات الذهب "5/ 250"، والجواهر المضية "1/ 201"، والبدر الطالع "1/ 210".
2 يوسف بن فرغلي البغدادي سبط الحافظ ابن الجوزي: الفوائد البهية ص"230".
3 عبد الله بن أحمد محمود أبو البركات حافظ الدين النسفي: الجواهر المضية "1/ 270"، والدرر الكامنة "2/ 247"، والفوائد البهية ص"101".
(2/212)

تصانيف معتبرة كمتن الوافي، وشرحه الكافي في الفروع، و"المنار" في الأصول وشرحه، و"المصفى" وشرح المنظومة النسفية، و"المدارك" في التفسير وغيرها. توفي بعد عشر وسبعمائة، عده ابن كمال باشا من المقلدين القادرين على تمييز القوي من الضعيف، وعده غيره من مجتهدي المذهب، وقال: إنه ختامهم، انظر تعليق الفوائد.
521- عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي العبادي 1:
نسبة إلى عبادة بن الصامت صدر الشريعة الإمام المتفق عليه، صاحب شرح الوقاية وغيرها، بارع في الأصول والفروع والخلاف والحديث والتفسير وغيرها. مات سنة 747 سبع وأربعين وسبعمائة، ودفن بمرقد أجداده ببخارى.
522- علي بن عثمان المارديني علاء الدين الشهير بابن التركماني 2: إمام في الفنون النقلية والعقلية، ذو التصانيف الكثيرة في الفقه والأصول والحديث والتاريخ وغيرها توفي بمصر سنة 750 خمسين وسبعمائة.
523 - السيد الشريف الجرجاني 3 علي بن محمد:
عالم بلاد المشرق قرن سعد الدين التفتازاني في مجلس تيمور لنك، والمحشي على شروحه، ذو التصانيف المفيدة، كشرح المواقف، وشرح تجريد نصير الدين
__________
1 عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي العبادي "نسبة إلى عبادة بن الصامت": الفوائد البهية ص"109".
2 علي بن عثمان المارديني علاء الدين الشهير بابن التركماني: المارديني التركماني، ولد سنة 683، مات سنة 750:
معجم المؤلفين "7/ 145، 246"، والحاشية.
3 السيد الشريف الجرجاني علي بن محمد "عالم بلاد المشرق": أبو الحسن، الجرجاني: سير النبلاء "17/ 421"، والحاشية.
(2/213)

الطوسي زادت مصنفاته على خمسين، توفي بشيراز سنة 816 ست عشرة وثمانمائة عن مائة واثنتي عشرة سنة من "بغية الوعاة".
524- محمد بن حمزة شمس الدين الفناري 1:
إمام كبير نحرير، مجتهد عصره في المذهب، أحد رؤساء الدين الذين انفرد كل منهم على رأس القرن الثامن بكثرة التصنيف، أو فن من الفنون، والفناري انفرد بالاطلاع على كل العلوم، له "فصول البدائع في أصول الشرائع" وغيرها توفي سنة 834 أربع وثلاثين وثمانمائة.
525- الشيخ الإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني المصري 2:
قاضي القضاة للحنفية بها، إمام علامة من العلوم العربية والفقه والحديث، له تآليف حسان، كشرح البخاري الكبير مطبوع، وشرح شواهد الرضي كبير وصغير، وكتب في السيرة والتاريخ والفقه وغيرها، عمر مدرسة قرب الأزهر، وحبس بها كتبه، ومآثره جمة، ولد بعين تاب سنة 762، وتوفي بمصر سنة 855 خمس وخمسين وثمانماية.
526- كمال الدين محمد بن عبد الواحد السكندري السيواسي 3:
الشهير بابن الهمام، إمام نظار، فقيه محدث أصولي، حافظ مفسر متفنن،
__________
1 محمد حمزة شمس الدين الفناري: بغية الوعاة ص"39"، والشقائق النعمانية "1/ 84"، والفوائد البهية ص"166"، ومفتاح السعادة "1/ 452".
2 بدر الدين محمد بن أحمد العيني المصري: أبو محمد أبو الثناء، العيني القاهرة، ولد سنة 762، مات سنة 855:
حاشية الأنساب "9/ 431"، والضوء اللامع، معجم المؤلفين "12/ 150، 151"، والحاشية.
3 كمال الدين محمد بن عبد الواحد السكندري السيواسي: ابن الهمام، السيواسي القاهري الحنفي، ولد سنة 790:
الضوء اللامع "8/ 127"، والبدر الطالع "2/ 201"، وشذرات الذهب "7/ 298"، وحسن المحاضرة "1/ 270"، الفوائد البهية ص"180".
(2/214)

له تصانيف معتبرة كفتح القدير والمسايرة والتحرير وغيرها، توفي سنة 861 إحدى وستين وثمانمائة.
527- المولى خسرو محمد بن فراموز 1: رومي الأصل قاضي القسطنطينية بحر زاخر في المنقول والمعقول، له الغرر في الأحكام الفقهية، وشرحها الدرر، و"مرقاة الأصول" وغيرها توفي سنة 885 خمس وثمانين وثمانمائة.
528- أبو العدل زين الدين قاسم بن قطلوبغا المصري 2:
إمام علامة قوي المشاركة في الفنون، واسع الباع في مذهبه، متقدم فيه، نظار مفحم لخصومه، تصانيفه كثيرة كشرحي المجمع، ومختصر المنار، وشرح المصابيح، والفتاوى وغيرها من تواليف مفيدة فقهية وحديثية. توفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة.
529- الإمام شمس الدين أحمد بن سيلمان بن كمال باشا 3:
شيخ الإسلام والمسلمين، ومفتي القسطنطينية، وسبب تولية الإفتاء كما
__________
1 المولي خسرو محمد بن فراموز: قاضي القسطنطينية "رومي الأصل"، الفوائد البهية ص"184".
2 أبو العدل زين الدين قاسم بن قطلوبغا المصري: الضوء اللامع "6/ 184"، والبدر الطالع "2/ 45"، وشذرات الذهب "7/ 326"، والفوائد البهية ص"99".
3 شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا: والفوائد البهية ص"21"، والشقائق النعمانية "1/ 420"، والكواكب السائرة "2/ 107".
(2/215)

في رحلة العياشي أن سلطان العثمانيين سليم الأول استفتى علماء وقته في السلطان الغوري الذي منعه من الميرة بمصر لما كان قاصدا غزو بلاد العجم، متعللا بالغلاء وهو في الحقيقة كان حليفا للعجم، فقال العلماء: لا وجه لغزوه وهو سلطان المسلمين، ولم يمنعك حقا هو لك، فقال ابن كمال باشا: بل تغزوه، وتفتح بلاده وذلك مأخوذ من القرآن، وبما أني أصغر القوم، فلا يمكنني أن أتقدمهم، فأمهلهم ثمانية أيام حتى يطالعوا.
فقالوا: ما لنا غير ما أجبنا به، فليتبين جوابك، فقال: لا أجيبك إلا بعد الأيام الثمانية ربما يفتح الله عليكم بشيء فبعد ثمانية أيام جمعهم، فقالوا: ما لنا غير الجواب الأول، فقام ابن كمال، وقال: إن القرآن يوجد فيه دخولك مصر فاتحا لها، فإن الله يقول: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} 1، فقوله: ولقد عدده هو مائة وأربعون مساوية للفظ سليم، فتكون إشارة الكلام سليم، وقوله: من بعد الذكر عدد ذكر بدون لام التعريف هو 920 عشرون وتسعمائة والأرض في الآية الكريمة هي مصر عند كثير من المفسرين، والعباد الصالحون هم جنودك إذ لا أصلح منهم في أقطار الأرض لإقامتهم سنة الجهاد، وفتحهم أكثر البلاد النصرانية، وهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وغيرهم من عساكر البلاد إما ممن فسدت عقائدهم كأهل العراق وأكثر اليمن والهند، وإما ممن ضعفت عزائمهم عن إقامة شعائر الإسلام كأهل المغرب، وإما ممن استولت عليهم الدنيا كأهل مصر، وبالغ في تقرير هذا المعنى.
وسر السلطان به، وسلم له العلماء الاستنباط ولطف الإشارة إلا أنهم قالوا: هذا لا يكفي في إباحة قتال من لم يخلع يدا من طاعة، ولا حارب أحدا من المسلمين وإن كانت الإشارة القرآنية تدل على أن هذا سيكون، فلا بد من إظهار وجه تعتمده الفتوى الفقهية.
فقال ابن كمال: أيها الأمير، قل للغوري: إني عزمت على أداء فريضة الحج، وليس لنا طريق ولا تزود إلا من بلدكم، فنريد أن نمر بها، ونتزود فإنه لا
__________
1 سورة الأنبياء: 105.
(2/216)

محالة مانعك وصادك، وصده محاربة تبيح قتاله، فاستحسن العلماء جوابه لجواز الحيل في مذهبهم الحنفي، فكتب سليم للغوري يطلب المرور والتزود فمنعه، وقال: لا سبيل إلا أن يمر على ظهور الموتى، فوقعت الحرب واستولى سليم على مصر سنة 923، وتم له النصر، وقتل كثيرا من العلماء والصلحاء حتى المجاذيب، وكان أمر الله قدرا مقدورا، واستولى على الخليفة المتوكل العباسي، فسلم إليه حقوقه في الخلافة، ومفتاح البيت الحرام، والآثار النبوية، فانتقلت الخلافة لدار السعادة، وبيت العثمانين الأتراك انتقالا شرعيا والملك لله يؤتيه من يشاء.
فقال لابن كمال: اطلب ما شئت من الولايات، فطلب الإفتاء بدار السعادة فوليها، وكان من نخبة العلماء وسادتهم له تآليف محررة شهيرة من أشهرها متن الإصلاح وشرح الإيضاح في الفقه، ومتن في الأصول، وقلما يوجد فن إلا وله فيه مصنف أو مصنفات تنيف مصنفاته على ثلاثمائة، ومنه التفسير الشهير. له في استنباطات ودقائق دالة على كمال فكره وأنه كمال ابن كمال، وقد بلغ فيه إلى سورة الصافات توفي سنة 940 أربعين وتسعمائة. انظر "رحلة العياشي" إلا أن قوله: انتقالا شرعيا غير خفي أن السيف والغلبة تضعف ذلك.
530- أبو السعود محمد بن محيي الدين محمد العمادي 1:
عالم نحرير ليس له في العجم ولا العرب نظير، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمنه، وكان يجتهد في بعض المسائل ويخرج ويرجح بعض الدلائل، وله في الأصول والفروع قوة كاملة قاضي القسطنطينية وغيرها، ثم ولي الإفتاء بها أكثر من ثلاثين سنة، له التفسير المسمى "إرشاد العقل السليم" مات سنة 982 اثنين
__________
1 أبو السعود محمد بن محيي الدين محمد العمادي: شذرات الذهب "8/ 398"، والبدر الطالع "1/ 261"، والفوائد البهية ص"81".
(2/217)

وثمانين وتسعمائة.
531- محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب التمرتاشي 1 الغزي الحنفي:
رأسهم في وقته، لم يبق في آخر أيامه من يساويه رحل لمصر، وأخذ عن أعلامها، وله تآليف مهمة متقنة كتنوير الأبصار تصنيف في الفقه عظيم القدر مشهور وشرحه ومنظومته وشرحها، ومعين المفتي، وفتاوى، وكتب أخرى كثيرة توفي سنة 1004 أربع وألف.
532- الملا علي بن محمد بن سلطان الهروي القاري 2 المكي:
علامة الزمان، وعالم بلد الله الحرام، له مصنفات كثيرة كشرح المشكاة الذي هو من مواد الفقه على أحاديث الأحكام، وشرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة، وشرح شفاء عياض، وشرح الشمائل، وشرح الشاطبية، وغيرها، وله تآليف لا تحصى كثرة وتآليفه في الفقه والحديث جيدة غاية. توفي بمكة سنة ألف وأربع عشرة 1014 ولما بلغ خبر موته علماء وقته بمصر، صلوا عليه صلاة الغائب في مجمع حافل جمع أربعة آلاف نسمة. ويعد مجددا على رأس الألف رحمه الله.
533- عبد الحليم بن محمد المعروف بأخي زادة 3: القسطنطيني المولد والمنشأ والوفاة أحد أفراد الدولة العثمانية وسراة علمائها متضلع من الفنون، ثاقب الذهن، درس في مدارس عالية بعد ما أخذ عن جلة
__________
1 محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب التمرتاشي الغزي الحنفي: خلاصة الأثر "4/ 18".
2 المنلا علي بن محمد بن سلطان الهروي القاري المكي: خلاصة الأثر "3/ 185"، والبدر الطالع "1/ 445".
3 عبد الحليم بن محمد المعروف بأخي زادة القسطنطيني المولد والمنشأ: خلاصة الأثر "2/ 322".
(2/218)

علماء الروم. ولي قضاء تخت الإسلام وغيرها، وله تآليف كثيرة، منها شرح الهداية، وتعليقات على شرح المفتاح، وجامع الفصولين، والدرر والغرر، والأشباه والنظائر، ورسالة تفسيرية، وله من الآثار العلمية ما لا يجد ولا يحصى، وعلى الخصوص فيما يتعلق بالحجج والصكوك.
قال القاضي محب الدين الحنفي: اتفق أهل الروم قاطبة على أنه ما نشأ في إستانبول من أولاد العلماء وغيرهم على رأس الألف أفضل من رجلين شابين أحدهما عبد الحليم هذا والثاني أسعد بن المولى سعد الدين واختلفوا في أيهما أفضل، وبلغني أن عبد الحليم أفقه، وأسعد أعلم بالمعقولات. وبالجملة ففضل عبد الحليم مسلم عند أهل الروم، وليس فيهم من ينكره توفي سنة 1013 ثلاث عشرة وألف عن خمسين سنة من "خلاصة الأثر" ملخصا.
534- صنع الله بن جعفر:
شيخ الإسلام1 ومفتي التخت العثماني الإمام الكبير الفقيه الحجة الخير، كان في وقته إليه النهاية في الفقه والاطلاع على مسائله وأصوله، وفتاويه مدونة مشهورة خصوصا في بلاد الروم يعتمدون عليها، ويراجعون مسائله في الوقائع، وكلهم متفقون على ديانته وتوثيقه واحترامه، وقد درس بالمدارس العلية حتى انتهى أمره إلى أن صار قاضي القسطنطينية في رجب سنة ألف، وتقلب في قضاء غيرها، وولي الإفتاء مرارا، وتوفي سنة إحدى وعشرين وألف 1021.
535- عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي 2:
إمام كبير، وأستاذ شهير، فقيه وصوفي وشاعر أديب، له "المقصود في وجدة الوجود" وربع الإفادات في العبادات مؤلف جليل في مجلد ضخم في فقه
__________
1 صنع الله بن جعفر شيخ الإسلام: مفتي التخت، خلاصة الأثر "2/ 256".
2 عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي: النابلسي، مات سنة 1143:
فهرس الفهارس "2/ 756"، سلك الدرر "3/ 30"، ونفحة الريحانة "2/ 137".
(2/219)

الحنفية، ومؤلفات كثيرة في فنون شتى، وديوان شعر أدبي وآخر صوفي حقائقي. توفي سنة 1143 ثلاث وأربعين ومائة وألف عن ثلاث وتسعين سنة.
536- شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي 1:
قاضي عسكر، إمام العلوم لا سيما الأدبية من غير منازع، شهرته طبقت الأرض والطول والعرض، له شرح الشفاء، وحاشية البيضاوي، وحاشية على فرائض الحنفية وغيرها. توفي سنة 1069 تسع وستين وألف.
537- يحيى بن زكريا بن بيرام:
شيخ الإسلام2 بدار الخلافة العظمى، وأوحد علماء الروم باتفاق الأعلام، واحد الزمان وثاني النعمان، درس بمدارس القسطنطينية إلى أن وصل إحدى الثمان منها وفي مدرسة والدة السلطان مراد الثالث بأسكندر، واستقضى في حلب ودمشق ومصر وبروسة وأدرنة ثم القسطنطينية، وقاضي العسكر بأناطولي ثم الروم إيلي، ثم الإفتاء السلطاني، وبنى مدرسته المعروفة قريبا من داره بمحلة جامع السلطان سليم، ولم يتفق لأحد قبله ما اتفق له من طول المدة والاحترام والجلالة، فهو أستاذ الأساتذة، وأعظم الصدور الجهابذة، وقد جمع شيخ الإسلام محمد البورسوي فتاويه التي وقعت في أيامه في كتاب سماه فتاوى يحيى مشهور متداول. وله شعر عربي جيد، وقد خمس البردة بتخميس بارع، انظر بعضه في "الخلاصة" توفي سنة 1053 ثلاث وخمسين وألف عن أربع وخمسين سنة، وقد أرخوا موته بقولهم: في جنة عالية.
__________
1 شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي قاضي عسكر: خلاصة الأصر "1/ 331"، وفهرس الفهارس "1/ 280".
2 يحيى بن زكريا بن بيرام شيخ: خلاصة الأثر "4/ 467".
(2/220)

538- عبد القادر قاضي العسكر الشهير بقدري 1:
هو صاحب الفتاوى المشهورة بفتاوى قدري، ويطلق عليها لفظ المجموعة، وهي الآن عمدة الحكام في أحكامهم، والمفتين في فتاويهم، وهي مجموعة نفيسة أكثر مسائلها وقائع كانت تقع أيام المفتي يحيى بن زكريا، وكان قدري هذا في خدمته موزع الفتاوى، وموزع الفتوى عندهم يجمع للفتاوى التي كتبت أجوبتها، ويفرقها يوم الثلاثاء من كل أسبوع يقف في مكان من دار المفتي، وينادي بأسمائهم التي كتبت على ظهر قرطاس الفتوى، وأمين الفتوى هو الذي يراجع المسائل في محالها، وينزل عليها الوقائع، وكان قدري موصوفا بالتقوى، وفيه صلاح وإنابة، فهو من خيار الموالي العظام، ولي قضاء القسطنطينية وغيرها، وكان عالما فاضلا وقورا عليه مهابة العلم والصلاح، توفي سنة 1083.
539- يحيى بن عمر المنقاري الرومي 2:
شيخ الإسلام، وعلامة العلماء الأعلام، أخذ فنون العلم بالروم عن شيخ الإسلام عبد الرحيم المفتي وغيره، وتمكن من التحقيق كل تمكن، ودرس بمدارس القسطنطينية، وولي المناصب العلية، منها قضاء مصر، وعقد بها درسا في تفسير البيضاوي، وحضره أكابر علمائها، وأذعنوا له، ومدحه شعرائها.
ثم تولى قضاء مكة، ودرس في المدرسة السليمانية، منها تفسير البيضاوي أيضا، وحضره أكثر العلماء، وطلب من الشمس البالي أن يحضر درسه هو وطلبته، فحضروا وأذعنوا لسعة ملكته وحسن تقريره.
وتولى قضاء القسطنطينية، وقضاء العسكر، ثم الفتوى سنة 1073، فكان تاريخها لفظ شيخ الإسلام، وسار أحسن سيرة، وكان دأبه المطالعة والمذاكرة، فلا يرى إلا مستعملا لها، وألف تآليف عديدة في فنون شتى كحاشيته على
__________
1 عبد القادر العسكر الشهير بقدري: صاحب فتاوى قدري، خلاصة الأثر "2/ 473".
2 يحيى بن عمر المنقاري الرومي: خلاصة الأثر "4/ 477".
(2/221)

البيضاوي وغيرها، وانتهت إليه رياسة العلم في وقته، وتوفي سنة 1088 ثمان وثمانين وألف وأرخوه.
فرحمة ربنا أرخ ... تؤم الحبر منقاري
540- محمد الشهير بالأنكوري 1:
شيخ الإسلام في القسطنطينية، وفقيه الروم وعالمها، وفي القضاء في عددة مدن مهمة كان كبير الشأن صلبا في الحق، مطلعا على النقول والتصحيحات، منقحا لما تشعب من الأقوال والتخريجات، شرح تنوير الأبصار بشرح نفيس انتقد فيه على التمرتاشي انتقادات أكثرها مسلم، أبان فيه عن فضل باهر، توفي سنة 1098 ثمان وتسعين وألف.
541- محمد بن عبد الرحمن بن تاج الدين التاجي 2: مفتي بعلبك الشام له الفتاوي التاجية، توفي شهيدا في بيته سنة 1114 أربع عشرة ومائة وألف.
542- أبو الحسن محمد بن عبد الهادي:
السندي3 الأصل والمولد، المدني الدار، نوار الدين الإمام العالم المحقق شهير بالفضل والذكاء والصلاح، محقق في الحديث والفقه والأصول والعربية مع زهد وورع، له حواش على الكتب الستة إلا حاشية الترمذي لم تكمل، وواحدة على مسند أحمد، وأخرى على فتح القدير وصل إلى باب النكاح، وأخرى على الزهراوين للملا علي القاري، وأخرى على البيضاوي، وأخرى على الآيات البينات حاشية شرح جمع الجوامع للعبادي وغير ذلك. توفي سنة
__________
1 محمد الشهير بالأنكوري: شيخ الإسلام في القسطنطينية، سلك الدر "4/ 52".
2 محمد بن عبد الرحمن بن تاج الدين التاجي: مفتي بعلبك، سلك الدرر "4/ 66".
3 أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المدني الدار: خلاصة الأثر "4/ 66"، وفهرس الفهارس "1/ 103".
(2/222)

1038 ثمان وثلاثين ومائة وألف.
543- محمد بن محمد الطيب التلافلاتي 1:
المغربي مفتي الحنفية بالقدس الشريف علامة عصره، وفائق أقرانه، ونادرة زمانه، فقيه كبير، وأديب شاعر شهير قرأ بالمغرب، ثم بمصر، ورحل للحج وهو صغير، فأسر وناظر الرهبان بمالطة وغلبهم، فأطلقوه انظر مناظرته في "سلك الدرر" وله نحو ثمانين تصنيفا في فنون شتى، توفي سنة 1191 أحد وتسعين ومائة وألف.
544- محمد مرتضى بن محمد بن عبد الرزاق 2:
الحسيني الهندي المولد الزبيدي: وبها طلب العلم، وبالنسبة إليها شهر، المصري الدار والوفاة طبق الآفاق علمه وحفظه وإتقانه، وعظم تواليفه، وسعة مروياته، وزهده وورعه وفضله، له شرح الإحياء والقاموس وغيرهما، وأنجب تلاميذ ملئوا الدنيا علما، وبمثله تجددت العلوم الدينية والعربية، وما أحقه أن يعد مجددا في عصره ومصره. توفي سنة 1205 خمس ومائتين وألف.
545- أبو الثناء شهاب الدين محمد أفندي الألوسي 3:
الحسيني الأب الحسني الأم مفتي الحنفية ببغداد، كشاف الحقائق، وفضاض المشكلات، صاحب التفسير الكبير المسمى روح المعاني الذي أغنى عن
__________
1 محمد بن محمد الطيب التلافلاتي المغرب: سلك الدرر "4/ 102"، وفهرس الفهارس "1/ 194".
2 محمد مرتضى بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الهندي المولد الزبيدي: فهرس الفهارس "1/ 398"، والجبرتي "2/ 196".
3 أبو الثناء شهاب الدين محمود أفندي الألوسي الحسيني: المسك الأذفر "1/ 5، 25"، وفهرس الفهارس "1/ 97"، وأعلام العراق ص"21"، والتاج المكلل ص"360".
(2/223)

كثير من التفاسير بجمعه وإتقانه، شرق وغرب ذكره، وله تآليف كثيرة. وقد بلغ رتبة الاجتهاد ألف ودرس وهو دون العشرين توفي سنة 1270 سبعين ومائتين وألف عن نحو ثلاث وخمسين سنة، وقد دلنا تفسيره المطبوع السائر في المعمور سير الأمثال على أنه مشارك في علوم الإسلام، متقدم في كثير منها، نادرة القرن الثالث عشر، وكل من يطعن في معتقده، فلا علم به بالكلام، ويعلم ذلك بتتبع تفسيره غير أن الرجل سلفي العقيدة، حر اللسان والجنان. رحمه الله وترجمته الواسعة في أول تفسيره مطبوعة، فلا نطيل بها.
546- محمد المهدي العباسي الحنفي 1:
مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر، وهو أول من تقلدها من الحنفية، فأحسن السيرة، وتقدمت كثيرا، وأثرى علماؤها، وأصلح من شأنها، وهو أول من سن امتحان المدرسين، وسن قانونه، وكانت توليته إياها سنة 1287، وقد انصرف عن المشيخة والإفتاء مرتين وعاد إليهما. ومن مؤلفاته "الفتاوى المهدية" المستعملة في أيدي القضاة والمفتين كثيرا. توفي سنة 1315 وقد رثاه كثير من أعلام مصر، ومنها في تاريخ الوفاة. جزاؤك يا مهدي في جنة الخلد، وذلك خمس عشرة وثلاثمائة وألف.
547- حسونة النواوي 2:
مفتي الحنفية وشيخ الأزهر بمصر، عالم كبير، ومصلح عظيم، قد تمم أعمال المصلحين قبله، وزاد عليها فسن قانونا لأهل الأزهر، وأسس مجلسا لإدارتها وكان من جملة أعضائه الشيخ محمد عبده الذي كان أكبر عامل فيه، وسن قانونا آخر لإدارته وانتظامه وكيفية التعليم فيه، ونظام المدرسين والمتعلمين
__________
1 محمد المهدي العباسي الحنفي: اكتفاء القنوع ص"495"، وتراجم أعيان القرن الثالث عشر ص"67"، والجبرتي "4/ 233".
2 حسونة النواوي: مفتي الحنفية وشيخ الأزهر بمصر، سبيل النجاح "2/ 67"، ومجلة الزهراء "2/ 485"، وتاريخ الأزهر ص"156".
(2/224)

وكيفية الامتحان وغير ذلك مما أدخل الأزهر في صف الكليات العظيمة ذات النظام المعتبر، ورقاها إلى أوج الفلاح، وأجرى بنفسه ذلك النظام، ورقى جرايات التدريس والمتعلمين، وأدخل علوما عصرية للأزهرية لم تكن تدرس فيها من قبل كالتاريخ والجغرافيا وغيرها، وجعل ستمائة جنيها مكافآت الناجحين سنويا، فتقدمت الأزهر والعلوم الإسلامية في أيامه تقدما عظيما بإعانة محمد عبد المذكور، وفي الحقيقة بإعانة الخديوي المتنور عباس حلمي باشا، وفي أيامه أنشئت الكتبخانة العمومية في الأزهر، وبنى الرواق العباسي، وزيد في مرتبات العلماء ومشايخ الأروقة من الأوقاف، ولكن في أيامه حصل حادث الشوام، فانصرف عن الإفتاء والمشيخة سنة 1317، وله من الكتب كتاب في الفقه الحنفي يدرس به في المدارس الأميرية ألفه على النسق المدرسي.
(2/225)

إصلاح القرويين:
بمناسبة تكلمنا على ابتداء إصلاح الأزهر، فلنقل كلمة عن أختها القرويين لما عسى أن يكون لهذا المعهد من التأثير على ارتقاء الفقه أو انحطاطه أثناء القرن الجاري؛ لأنه المعهد الأعظم في إفريقيا الشمالية للعلوم العربية والدينية والآداب الإسلامية، لا سيما بعد سقوط الأندلس، فهو الينبوع النمير لهاته العلوم، والقبس النير للدين الحنيف، ومادة حياة القومية المغربية العربية، وبه قوامها، وقائد رشدها، وشمس نورها، وقد بلغ صيت الرعيل الأكبر من المؤلفين المتخرجين منه أقصى المغارب، ولا تزال تآليفهم سراجا وهاجا في الأقطار الشاسعة، ومعاهدها الجامعة.
إن القرويين لم يزل على حالة القديم، فمع كونه مسجدا دينيا مقدسا هو محل تطوع مفتح الأبواب لإلقاء الدروس الدينية والعربية، وتلقيها من غير أن يكون به نظام، ولا ترتيب لسير دروسه، ولا للموظفين الدينيين المتخرجين منه.
(2/225)

ولم تزل رواتب المدرسين به تافهة على ما وقع في السكة النقدية من الانحطاط حتى صارت لا تسد خلة المدرسين، ولا تسل عن المتعلمين، فصار جل المدرسين يتعاطى حرفة يسد بها رمقه، فتعطلت دروس، وأهملت فنون كانت فيه زاهرة يانعة من قبل. وهكذا بقيت الحال أسيفة إلى أن هيأ الله توظيفي نائب الصدارة العظمى في المعارف والتعليم، وكنت أول من وظف بها إذ لم يكن لوزارة المعارف وجود في المغرب من قبل سنة 1330 ثلاثين وثلاثمائة وألف، فكان أمر القرويين أول ما أهمني قلبا وقالبا؛ لأنهما أمي وظئري، ومن ثديها العذب ارتضعت، وبها أمطيت عني التمائم، وبعد مجهودات صدر أمر شريف سنة 1332 اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف بإدخال نظام إليها تنهض به لائق بمنزلتها من قلب الأمة المغربية، بل الإفريقية، وأسند نظرها إلي فقدمت فاسا صحبة أحد أعضاء الكتابة العامة للدولة الحامية، وهو المستعرب الشهير الذائع الصيت لدى العلماء والعوام مسيو مرسي المكلف بتعضيدي في درس المسألة وإيجاد أسباب حلها إداريا.
ولما حللنا فاسا، جمعت علماءها الأعلام كلهم، وشرحت لهم الحال، ورغبتهم في تشكيل لجنة لتحسين حال القرويين من بينهم بالانتخاب على نسق انتخاب المجلس البلدي بفاس؛ إذ كان مرادنا الوقوف على أنظارهم وحاجاتهم، وأن نبدي لهم ما ظهر لي من إدخال نظام مفيد، وإصلاحات مادية مع إصلاحات أدبية في أسلوب التعليم أيضا، وإحياء علوم اندثرت منها كليا، وتتبادل الآراء على عين المكان، ونجعل قانونا أساسيا للقرويين يكفل حياتها ورقيها، ولا نبرم أمرا إلا بعد حصول موافقتهم، بل استحسانهم، فقبلوا ذلك بغاية الارتياح، وشكلوا لجنة من أماثلهم بأغلبية الأصوات تحت اسم مجلس العلماء التحسيني للقرويين تركبت من رئيس وستة أعضاء وثلاثة خلفاء يوم 21 جمادى الثانية عام 1332 وبعد ما وقع احتفال تسميتهم الرسمية بمحضر خليفة السلطان بقصر البطحاء، وأعيان المدينة شرعنا في العمل معهم، فكنا نجتمع يوميا فأطرح عليهم مسألة مما كنت أريد إدراجه من التنظيم والتحسين في القانون الأساسي للقرويين،
(2/226)

ثم التمس آراءهم، واسمع ملاحظاتهم، فيحرر كل واحد ما ظهر له، ويؤخر البت في المسألة إلى جلسة ثانية حتى يطلع المجلس على تلك التحريرات، ثم يقترع على الرأي المقبول، فيثبت في سجل التقريرات أصل المسألة وما أبداه كل واحد فيها، ثم ما وقع عليه رأي الجميع أو الأغلب عليه. وفي الجلسة التي بعدها يسرد عليهم محضر الجلسة قبلها حتى يسلموه، فيثبت في سجل القرارات، وعند ذلك نشرع في إملاء مسألة أخرى، وعلى هذه الخطة كان سيرنا إلى أن تجمع من تلك القرارات مائة مادة ومادتان 102 مقسمة على عشرة أقسام، وهي:
القسم الأول: وفيه 22 مادة في نظام المجلس الأساسي، وكيفية تكوينه، وبيان أوقات اجتماعه، وتحديد نظره وتصرفاته، وخصائص الرئيس والأعضاء وخلفائهم، وتكوين أمين صندوق له وكاتب وما يتبع ذلك.
الثاني: وفيه 7 مواد في ضابط العالمية وامتحان طالبها، وتنقيح قائمة العلماء التي كانت ملآنة بمن لا يستحق أن يدرج فيها وإدخال من حرم منها مع استحقاقه وطبقاتها المكونة إذ ذاك من 154 عالما ومقرئا.
الثالث: وفيه 7 مواد أيضا في كيفية امتحان المدرسين.
الرابع: وفيه 15 مادة في إحداث توظيف شيخ للقرويين وناظرين 2 معه، وتحديد نظرهم، وكيفية سير أعمالهم التي أهمها مراقبة الدروس، وسير النظام، وكيفية إدخال النظام التدريجي للدروس والمدرسين والتلاميذ.
الخامس: وفيه 27 مادة في ضابط التدريس وامتحان التلاميذ، وتنظيمهم طبقات ابتدائية وثانوية وعالية، وأن لا يقبل واحد في مرتبة إلا بعد نجاحه في امتحان التي قبلها شفاهيا وكتابة، ومدة القراءة في كل طبقة، والصفات التي تؤهل المدرس لنوال هذا الوظيف وشروط قبول المتعلمين الذين يندرجون في النظام.
السادس: وفيه 11 مادة في العطلة السنوية، والرخص الاعتيادية وغيرها وضوابط ذلك.
(2/227)

السابع: وفيه 5 مواد في المجازات على تأليف الكتب ولا سيما الدراسة، وكيفية امتحان التواليف التي يطلب أصحابها الجوائز.
الثامن: وفيه 4 مواد في ضابط التقاعد ومن يستحقه.
التاسع: وفيه 3 مواد في الأمور التأديبية لمن خالف الضوابط، أو أساء المعاملة، أو ارتكب ما يخل بناموس العلم والدين.
العاشر: يعرض هذا القانون على أنظار الجلالة اليوسفية لتصدق عليه أو تنقحه، ولا يكون قابل لتنفيذ إلا بعد ذلك، وكان الفراغ منه في 22 شعبان العام.
ويكفي اللبيب المنصف إمعان النظر في عنوان الأقسام العشرة ليعترف أنه منطبق على مبادئ الدين الحنيفة، والقومية العربية المغربة وشعارها أتم انطباق كيف لا وقد حصلنا على موافقة نخبة علماء فاس، بل المغرب الذين هم هيأه المجلس على الطريقة التي شرحناها آنفا بكل حرية وكل استقامة مما لا يمكن أن يتهمنا فيه أحد بتطرف أو ابتداع.
وأقول من غير تمدح أو تبجح: إن ذلك القانون لو خرج من حيز الخيال إلى حيز الأعمال، لكان محييا للقرويين، مجددا لهيئتها التدريسية تجديدا صحيحا متينا؛ إذ ليس له مرمى سوى ترميم ما انهار من هيكلها المشمخر باعثا لعلوم وفنون من أجداثها كان الإهمال أخفاها، وتطاول الأزمان عفاها، مرقيا ومحسنا لما فضل عن أيدي الأوهام والإهمال سائقا لمن تمسك به إلى العروج بذلك المعهد الخطير إلى مستوى نظامي عصري ديني، به يبلغ العلم والدين والثقافة أوج الكمال والفخار.
ولكن مع الأسف المكدر تداخل في القضية ذوو الأغراض الشخصية فبينما نحن نبني ونصلح، ونرمم بفاس، وقد شرعوا في الهدم والتخريب في الرباط بغير فاس، وما كدنا نختم القانون المشار إليه حتى صدر أمر شريف برجوعنا، ولم يبق من مشروعنا إلا أن راتب المدرسين ضعف أضعافا، فصار للطبقة الأولى فرنك
(2/228)

100 مائة شهرين وستين للثانية إلخ، هذا بعد المضاعفة، وبه تعلم ما كان قدره قبل التحسين في سالف القرون، وأبقى المجلس صوريا لا حياة له ولا ظهور إلا في الحفلات الرسمية والمقامات التشريفية، وهكذا يفعل التحاسب وحب الأثرة بين نبلاء المغاربة الذين أشربوا في قلوبهم حب إيثار الأغراض الشخصية على المصالح العمومية بل والدينية. أصلح الله القلوب والأحوال، والمتحصل من المسألة أن حالة القرويين لم تزل في جمود ولم تتحسن قط مع ما بذلناه من الجهود، وبل انحطاطها يزداد كل يوم غير أن المدرسين والطلبة قد شعروا الآن، فهم يبثون الشكوى في الإعلان والنجوى ولم تجد إلى يومنا هذا يدا مساعدة، وعسى أن يهيئ لها الحق سبحانه مستقبلا زاهرا، ونصيرا ظاهرا.
ولو قدر لها أن تسير على ذلك النظام، لارتقى الفقه عما هو عليه من الانحطاط الكلي عندنا حتى سقطت هيبته وهيبة حملته من القلوب.
وفي شرح الحال والتأسف على المآل يقول الشاعر الاجتماعي الإصلاحي الفذ في وقته صاحب التاريخ المشهور محمد السليماني رحمه الله:
سلا هل أرجت ريح الخزامي ... وهل سرب المها ألف المقاما
وهل شحرورهم يزهو ويشدو ... وينفث من محاسنه انسجاما
وهل زهر الخميلة باكرته ... سماء المزن فافتر ابتساما
وهل تلك المتالع في سماء ... بأعلا الدوح تنعش مستهاما
وهل سعد السعود أتى بشيرا ... بميعاد الأجلة والندامى
وهل غصن التمني عاد حقا ... نضيج التمر مخضلا قواما
وهل بيت الجعافرة السراة ... كرام العرب صونا واحتراما
على ما كان ملجأ للعفاة ... فسيح الرحب مقصودا دواما
بنى الحجوي الثقاة لقد أقاموا ... بأكمل وصف من صلى وصاما
وكهفهم الوزير أخي المعالي ... أخي الإصلاح همته تساما
(2/229)

أحلال المشاكل مهما عزت ... حماة الضيم تجعلها وئام
لأنت العارف المقدام مهما ... مسكت الصولجان غدا قواما
وأنت أخو العلوم إذا ادلهمت ... غيوم الجهل تحسبا قتاما
سبرت سناءها وفرجت عنها ... وكنت لها وكنت لها إماما
رحيب الصدر تنصف كل فرد ... وتقنعه إذا اجترأ اجتراما
فكم من دعوة أغنيت فيها ... وعند الصون تنتقم انتقاما
وكم من سائس يُدعى رئيسا ... خلبت نهاه واجتزت المراما
خدمت العلم حقا فاستضاءت ... معالمه وقوم فاستقاها
رددت إلى المعارف كل فخر ... بترتيب أنيق لا يساما
غزلت لهم غداة نصحت غزلا ... رقيقا عالجوه فما استقاما
وأيقظت النوام بزجر قال ... وتذكير فما فقهوا الكلاما
بدا من بعض أهل الزيغ طيش ... فسبب عن صنيعهم انخراما
رضوا بالبخس في سوق المعالي ... فظنوها لجهلهم اغتناما
رضوا بالطل عجزا ثم قالوا ... دعوا ما كان كيف جرى وداما
ألسنا العالمين لدى البرايا ... أتوقظنا وما كنا نياما
سبكت لهم سبائك من لجين ... ومن تبر تغالى أن تساما
فكان الطرف منهم بعد سبر ... ومعيار غثاء أو رغاما
على أن المعارف لا تداني ... أناسا طالما ألفوا عواما
فدعهم في غباوتهم ستبلى ... سرائرهم وسنصرموا انصراما
وهل تجدي معالجة لميت ... وهل يغني الصريخ لمن تعاما
أمير المؤمنين رآك أهلا ... حباك غداة طوقك الوساما
(2/230)

وقدمك افتخارا مستشارا ... لدولته وقلدك الحساما
فدم للعز والإقبال شهما ... كريما ماجدا فردا هماما
وحقق فيك ما يرجى بنصح ... لمن والوا لدلتنا احتراما
وشادوا مجدها وحموا حماها ... وساسوها اقتدارا واحتشاما
فاس في 5 ذي القعدة 1332 صديقكم محمد بن الأعرج السليماني الحسني.
هذا ولقد كان قال عند العزم على الشروع في التنظيم مهل جمادى الثانية من قصيدة طويلة نص الحاجة منها.
عطفا أخي لا تماطل إننا ... متعطشون إلى العلا وجماله
يسر لنا طرق النظام وكل ما ... فيه النجاة من الشقا وضلاله
ها قد خرجنا م الحوادث جملة ... فاعمد إلى نهج الصلاح وواله
إلخ وهي طويلة من غرر قصائده، وذلك كله دال على ما يعلقه فريق مهم من المفكرين على إصلاح ذلك المعهد العظيم.
ومن مستتعبات المسالة المتعلقة برقي الفقه ما سعى فيه العبد الضعيف مدة تكليفه السابق من إدخال اللغة العربية ومبادئ الدين من توحيد وفقه وأخلاق للمدارس الابتدائية الدولية والأهلية، ثم الثانوية، ووقعت المساعدة على ذلك من جانب المقيم العام الميرشال اليوطي الذي أنهض المغرب، وكان من الشغف بإحياء مآثر الإسلام بمكان رفيع لائق بما له من سعة المدارك، ونزاهة الأفكار الإصلاحية، فصارت تلك المدارس عربية فرنسوية بعد ما كانت فرنسوية فقط، ووقعت تسمية مدرسين عربيين لتلك العلوم مع معلمين للكتابة العربية والقرآن العظيم، وبسبب ذلك نجحت تلك المدارس نجاحا فوق ما كان يؤمل في تربية النشأة الجديدة المغربية على ثقافة فكرية متينة موافقة للدين والفكر المغربي، ولا عبرة بمن شذ، فأقبل عليها الأهالي حتى البوادي بعد نفورهم الشديد منها، وستكون تلك الناشئة سبب إسعاد بلادها، وتقدم وطنها، وبها سينتعش الفقه
(2/231)

والعلوم العربية التي هي في دور الاحتضار بهذه البلاد.
وقد نسج الأهالي على منوالنا لما رأوا من حسن نتائج المدارس الدولية في اللغة العربية لحسن نظامها وسهولة منزع تدريسها، وترتيبها، ففتحوا عدة مدارس على نفقتهم قرآنية تهذيبة عربية في فاس والرباط حول سنة 1338 ثم في سلا والدار البيضاء ومراكش.
ولكن واأسفاه، إن أمرها صار إلى التأخر، بل أغلق جلها لارتخاء عزائم الأهالي، وعدم فهم كثير من القائمين بها معنى النظام ما هو، وخطؤهم في استعماله على نهج لا هو قديم ولا حديث مع البخل بالمال الذي هو حياة المشاريع النافعة، وحصول منافسات وغايات مع أن هذه مسألة حياة لا مسألة منافسة أو مباهاة.
548- محمد عبده المصري:
مفتي الحنفية بالديار المصرية1 علامة جليل مشارك متبحر مصلح كبير، وأستاذ شهير حر اللسان والضمير، مؤسس نهضة مصر العربية، وصاحب الأيادي البيضاء، وأنفع من أدركنا من علماء الإسلام للإسلام، ترجمته قد خصها تلاميذه بتآليف؛ إذ هو من أشهر رجال الإسلام في العالم.
ولد بقرية شبرا بمصر سنة 1366 ست وستين، وشب في طلب العلم بإلزام من أبيه في طنطا، ثم في الأزهر على الشيخ جمال الدين الأفغاني الشهير، ولما تصدر للتدريس والتأليف، ونفع الطلاب، فألف شرحي مقامات البديع ونهج البلاغة، ورسالة في التوحيد وحواشي على الدواني، والإسلام والنصرانية والتفسير وغيرها.
وهو من أول من كتب في الجرائد من العلماء المعممين، فكتب في الجريدة الرسمية الوقائع المصرية إذ تولى رياسة قلم المطبوعات، فكان كل يوم يحرر فصلا
__________
1 محمد عبده المصري: تاريخ الأستاذ الإمام، وزعماء الإصلاح ص"280".
(2/232)

في موضوع اجتماعي أو أدبي أو علمي، وينتقد أعمال الحكومة ومنشوراتها لفظا ومعنى، فكان موقظا للنهضة القلمية في الديار المصرية، ولكنه اتهم بمشاركة في الثورة العرابية، فنفي للشام، ثم وقع العفو عنه، ووظف قاضيا، ثم كان كمستشار للخديوي عباس حلمي باشا ذي الأفكار الصائبة في إصلاح مصر ونهضتها، فسعى لديه في تشكل مجلس الأزهر، وانتظم في جملة أعضائه، وكان في الحقيقة هو مديره تحت رياسة الشيخ حسونة السابق، وسعى في تخصيص ألفي جنيه للأزهر من الميزانية وثلاثة آلاف من الأوقاف سنويا، وبذلك تسنى للأزهر أن يصير لما هو عليه الآن، ثم مفتيا للحنفية، ومن لوزامها شيخ رواقهم، فكان أكثر عنايته بالأزهر وبالتدريس فيه.
ونشر ما في كتاب الله من أنواع الإرشاد وإيقاظ العباد، وبذلك ظهرت بركة عظيمة علمية وقلمية في القطر المصري نشأت عنها حركة وطنية إصلاحية كان الشيخ محركها الأكبر، وبقي على مبدئه السامي إلى أن لقي مولاه يوم السبت 6 يوليو سنة 1905 موافق ثالث جمادى الأولى سنة 1323.
ومن فتاويه حل ذبيحة أهل الكتاب سماه بالفتوى الترنسفالية، وجواز لبس القبعة في بلاد لا يلبس فيها سواها، وخالفه فيها كثير من معاصريه، وشنعوا به، لكنه لم يلتفت.
549- عبد الرحمن البحراوي 1
المصري الأزهري العلامة الشهير ولد سنة 1235، وتصدر للتدريس سنة 1264، وألف عدة تآليف كتقريره على شرح العيني، وله كتابات على أغلب كتب المذهب الحنفي، وتخرج عليه كثير من علماء الأزهر، وتقلب في القضاء والإفتاء عدة مرات، وتولى رياسة المجلس الأول بالمحكمة الشرعية المصرية الكبرى، ثم الإفتاء بالحقانية وغير ذلك.
__________
1 عبد الرحمن البحراوي المصري الأزهري: الخطط التوفيقية "15/ 11"، تاريخ الأزهر ص"171، 172"، والأعلام الشرقية "2/ 121، 122".
(2/233)

550- محمد بخيت المطيعي 1:
الإمام العالم الشهير العلامة المحرر الكبير ولد بالمطيعة سنة 1281، واشتغل بالطلب في الأزهر سنة 1281، فأخذ عن عبد الرحمن الشربيني والبحراوي السابق، وجمال الدين الأفغاني، وغيرهم، ودرس سنة 1292، وتقلب في وظائف القضاء بالسويس وبورسعيد وغيرهما، ثم التفتيش في الحقانية، وقضاء الإسكندرية، ورياسة المجلس الشرعي الكبير، وغيرها، ولا زال حيا وقتنا هذا والحمد لله على وجود أمثاله المصلحين.
551- أحمد بيرم:
أخونا في الله شيخ الإسلام بتونس الآن لم يزل ما بين الشباب والكهولة، عالم جليل مشارك محرر متقن ممتع متفنن، حلو الشمائل، عذب المذاكرة منصف خلاب بفصاحته ولطف أخلاقه وخلقته ومنطقه، خطيب مصقع، وأديب لكل الفضائل مجمع، جم المزايا والمفاخر أثيل المجد، وافر السعد، وكلما تسمع عنه الأذن تصدقه عند لقي الأعين. أدام الله النفع به، وبأفكاره الراقية، وبارك للإسلام فيه، وفي ذلك البيت الرفيع العماد إلى يوم التناد وهو سابع من تولى من بيتهم مشيخة الإسلام بتونس حفظه الله. وهذه حفنة من رمل الدهناء، أو جرعة من ماء السمك بالنسبة للعلماء الحنفية اكتفينا بها كضرب مثال ممن عجز عن حد جامع لأولئك الرجال.
__________
1 محمد بخيت المطيعي: رياض الجنة "1/ 162"، وصفوة العصر "1/ 504"، وتاريخ الأزهر ص"172"، توفي سنة 1354هـ.
(2/234)

أشهر أصحاب الإمام مالك بعد القرن الرابع إلى الآن:
552- أولهم عبد الرحيم بن أحمد الكتامي 1:
أبو عبد الرحمن يعرف بابن العجوز الدار، فاسي الوفاة من قبيلة كتامة، ومن كتاب قومه كانت له ولأبيه فيهم وفي المغرب رياسة العلم، وإليه الرحلة من أقطاره، وعليه دارت الفتوى، وأعقب عقبا نجباء في العلم [ ... ] خمسة أئمة إمام ابن إمام، وهم ولده عبد الرحمن، ثم ابنه محمد، ثم ابنه عبد الرحمن وعن هذا أخذ عياض، وكان فيهم القضاء في عواصم المغرب بل والأندلس. وصل عبد الرحيم إلى الأندلس وأفريقية، وأخذ عن الإمام ابن أبي زيد، واختص به، وسمع منه كتبه النوادر، والمختصر، وجاء بهما وبغيرهما إلى سبتة، وعن دراس بن إسماعيل الفاسي والأصيلي، ووهب بن ميسرة الحجازي، وانتفع الناس به، وكان من حفاظ المذهب المالكي الناشرين له. توفي بفاس سنة 413 ثلاث عشرة وأربعمائة.
553- أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن بشكوال 2:
المعروف بالحافظ لقبا، ويعرف بابن الفخار قرطبي، كان حافظا للحديث،
__________
1 أولهم عبد الرحيم بن أحمد الكتامي أبو عبد الرحمن "ابن العجور": أبو عبد الرحمن، ابن العجوز، الكتامي، المالكي، سير النبلاء "17/ 374، الحاشية"، الديباج المذهب ص"153".
2 أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن بشكوال: الديباج المذهب ص"171".
(2/235)

عارفا بالحجة والنظر، رحل فاتسعت روايته، فكان أحفظ الناس وأحضرهم للعلم وسرعة الجواب، وأفقههم على اختلاف العلماء كان يحفظ المدونة والنوادر، ويوردها من صدره، آخر الحفاظ الراسخين العارفين بالكتاب والسنة، مجاب الدعوة1، وله اختصار نوادر ابن أبي زيد، رد عليه في مسائل، واختصاره المبسوط لا بأس به، وله رد على رسالة ابن أبي زيد تعسف فيه سماه التبصرة، ورد على وثائق ابن العطار، وله مذاهب أخذ بها في خاصته؛ إذ كان مجتهدا كصلاته الأشفاع خمسا، وتعجيل صلاة العصر جدا، وعدم غسل الذكر كله من المذي.
هجر قرطبة عند دخول البربر، وتنقل في الأندلس، وسكن بلنسية، فأقام بها مطاعا إلى أن توفي سنة 419 تسع وعشرة وأربعمائة. وبشكوال بباء أعجمية مخففة مضمومة ويقال: بشكال بألف مقحمة وبغير واو، وقد يكتب بواو ولام ليس بينهما ألف، ومعنى بشكوال عياد؛ لأنه ولد يوم عيد. ا. هـ. من "المنح البادية".
554- القاضي عبد الوهاب بن نصر التغلبي 2:
البغدادي مؤلف كتاب المعونة لمذهب عالم المدينة والتلقين، وهو على صغره من خيار الكتب وأكترها فائدة، وكتاب الإشراف على مسائل الخلاف، وكتاب النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، وشرح المدونة لم يكمل، وله شرح مختصر ابن أبي زيد، وشرح الرسالة، والإفادة في أصول الفقه، وله كتب بديعة في المذهب والخلاف والأصول.
قال فيه ابن بسام في "الذخيرة": كان فقيه الناس، ولسان أصحاب القياس، سمع أبا عبد الله العسكري وابن شاهين والأبهري، وقد رد في "المدارك" على من أنكر سماعه منه وكبار أصحابه كابن القصار، وابن الجلاب،
__________
1 فيه نظر لا يثبت إلا بوحي.
2 القاضي عبد الوهاب بن نصر التغلبي البغدادي: الديباج المذهب ص"159"، وفوات الوافيات "2/ 419"، وشذرات المذهب "3/ 223".
(2/236)

وسمع أبا بكر الخطيب وغيرهم، ولي قضاء الدينور وغيرها من أعمال العراق، ثم ابتلي بالفقر الذي ألجأه لمفارقة بغداد إلى مصر، وقد ودعه جملة موفورة من أعلامها، وطوائف كثيرة، فقال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم وأنشد:
لا تطلبن من المجبوب أولادا ... ولا السراب لتسقي منه ورادا
ومن يروم من الأرذال مكرمة ... كمن يروم من الأتبلن أوتادا
قال في "المدارك": ولعل سبب خروجه قصة جرت له لكلام قاله في الشافعي، فخاف على نفسه وطُلِبَ، فخرج فارا عنها. ا. هـ. وتوجه لمصر، فملأ أرضها وسماءها علما، وحمل لواءها، واستتبع سادتها وكبراءها، تناهت إليه الغرائب، وانثالت عليه الرغائب، وولي قضاء المالكية بها؛ إذ في عهد العبيديين صار بها قاضيان شيعي ومالكي، فمات لأول ما دخلها وهو الذي قال في مرض موته: لا إله إلا الله لما عشنا متنا.
وقضية القاضي هذه تدل على أن العبيديين لم يتمكنوا من إخضاع أفكار العلماء ولا العامة، وإن أخضعوا سيوف الدولة وقال في بغداد:
بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيهم مضاعا بين أظهرهم ... كأنني مصحف في بيت زنديق
توفي رحمه الله سنة 422 اثنين وعشرين وأربعمائة عن ثلاث وسبعين. وكما هو من عليه الفقهاء، فهو من أحسن الشعراء، ذكره ابن بسام في "الذخيرة" ومن شعره:
متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يوما ... على الرفعاء من إحدى الرزايا
(2/237)

إذا استوت الأسافر والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
555- أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي 1:
الفاسي بيتهم بفاس مشهور يعرفون ببني حاج، استوطن القيروان، وحصلت له رياسة ورحل إلى المشرق، وكانت له رواية واسعة.
قال في "المدارك" جمع من عوالي حديثه مائة ورقة، وقال عنه ابن عمار: إنه مقطوع بفضله وإمامته، أخذ عن الباقلاني وسمع من المستملي وأبي ذر وتفقه في قرطبة على الأصيلي وطبقته، وفي القيروان على القابسي، وكان من أحفظ الناس للحديث والمذهب المالكي، مجودا للقرآن بالسبع عارفا بالرجال، رحلوا إليه من الأندلس وأفريقية له تواليف في الحديث والفقه، وتعليق على المدونة لم يكمل، وكان ما بينه وبين أبي بكر بن عبد الرحمن نفرة، فطمع صاحب أفريقية أن يتوصل بذلك لتقليل نفوذهما على العامة بشهادة أحدهما على الآخر، فتقوم الحجة عليهما معا؛ إذ كانت العامة طوعهما، فلما اختبرها وجد دينهما أمتن مما يظن، وخاب ظنه. قاله في "المدارك".
ومن محاسن أجوبته في مسألة: هل الكفار يعرفون الله أم لا؟ التي وقع فيها نزاع عظيم بين العلماء، وتجاوزهم إلى العامة، وكثر التماري فيها حتى خرج عن حد الاعتدال إلى القتال، فقال قائل: لو ذهبنا إلى أبي عمران، لشفانا فجاءه أهل السوق بجماعتهم، وقالوا: نحب جوابا بينا على قدر أفهامنا، فأطرق ساعة، وقال: لا يكلمني إلا واحد، ويسمع الباقون، ثم التفت إلى واحد منهم، فقال: أرأيت لو لقيت رجلا، فقلت له: تعرف أبا عمران الفاسي؟ فقال: أعرفه، فقلت: صفه لي، فقال: هو رجل يبيع البقل والحنطة والزيت في سوق ابن هشام، ويسكن صبرة أكان يعرفني؟ قال: لا، قال: فلو لقيت آخر، فقلت:
__________
1 أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي الفاسي: أبو عمران: الغفجومي، حاشية الأنساب "10/ 68"، الديباج المذهب ص"344".
(2/238)

هل تعرف أبا عمران؟ فقال: نعم، فقلت له: صفه لي، فقال: هو رجل يدرس العلم، ويفتي الناس، ويسكن بقرب السماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم. قال: فهما مثال الكافر والمؤمن، فإن الكافر إذا قال: إن لمعبوده صاحبة وولدا، أو إنه جسم وقصد بعبادته من هذه صفته، فلم يعرف الله، ولم يصفه بصفته، ولم يقصد بعبادته إلا من هذه صفته وهو بخلاف المؤمن الذي يقول: إن معبوده الله الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا، فهذا قد عرف الله ووصفه بصفاته، وقصد بعبادته من يستحق الربوبية سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فقامت الجماعة وقالوا: جزاك الله خيرا من عالم، فقد شفيت ما بنفوسنا ودعوا له، ولم يخوضوا في المسألة بعد هذا المجلس. توفي سنة 430 ثلاثين وأربعمائة، وبإشارته توجه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء، فأنشأ دولة لمتونه، وإن شئت ذلك، فقف على تاريخنا لأفريقيا الشمالية.
556- أبو القاسم عبد الرحمن بن علي محمد الكتاني:
المعروف بابن الكاتب من فقهاء القيروان المشاهير وحذاقهم، تفقه في مسائل مشتبهة من المذهب، قال الطايثي: سألته عن فروق في مسائل مشتبهة من المذهب، وقد أعضل جوابها كل من لقيته من علماء العراق، فأجابني فيها ارتجالا على ماكان عليه من شغل البال بالسفر، وقد وقفت على جوابه في جزء منطو على أحد وأربعين فرقا، له كتاب في الفقه كبير مشهور في نحو مائة وخمسين جزءا ذكره في "المدارك" ولم يذكر له وفاة.
557- أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي 1:
المعافري أصله من طلمنكة بثغر الأندلس الشرقي، ونشأ بقرطب، فكان
__________
1 أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي المعافري: ابن الكاتب، سير النبلاء "11/ 126"، شذرات "3/ 243"، والديباج المذهب ص"243".
(2/239)

من أعلامها، اتسعت روايته وتفنن في علوم الشريعة، وغلب عليه القرآن والحديث، وألف تواليف نافعة كبار ومختصرة، ككتاب الدليل إلى معرفة الجليل نحو مائة جزء وله تفسير نحو هذا، وكتاب البيان في إعراب القرآن، وفضائل مالك ورجال الموطأ، وكتاب الرد على ابن ميسرة، وكتاب الوصول إلى معرفة الأصول، وغير ذلك، له فضائل حسنة أكثر من أن تحصى وكان سيفا على أهل البدع، توفي ببلده مرابطا سنة 429 تسع وعشرين وأربعمائة وقارب السبعين.
558- أبو إسحاق إبراهيم بن حسن التونسي 1:
إمام جليل فاضل صالح منقبض متبتل، عليه تفقه جماعة من الإفريقيين، وله شروح حسنة، وتعاليق مستعملة متنافس فيها على كتاب ابن المواز والمدونة، وفيه يقول عبد الجليل الديباجي:
حاز الشريفين من علم ومن عمل ... وقلما يتأتى العلم والعلم
وقد وقع له محنة عجيبة بسبب إفتائه بالحق، وإن الشيعة فرقتان غلاة زنادقة تحل دماؤهم، ومؤمنون معصوموا الدم يحل نكاحهم وهم من يفضل عليا على أبي بكر مخالفا في ذلك رأي العلماء والفكر العام من العام حيث تألبوه ضده، وألزموه أن يقر على نفسه بالخطأ، والرجوع عن فتواه في المنبر بحضور الجم الغفير، ففعل. انظر تفضيل ذلك في "المدارك" وغيرها توفي سنة 432 اثنين وثلاثين وأربعمائة.
559- أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أسد بن أبي صفرة التميمي 2:
سكن المرية من الراسخين في العلم، المتفننين في الفقه والحديث والنظر،
__________
1 أبو إسحاق إبراهيم بن حسن التونسي: الديباج المذهب "88/ 89".
2 أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أسد بن أبي صفرة التميمي: الوافي بالوفيات "26/ 117"، والصلة ص"567"، والديباج المذهب ص"368".
(2/240)

صحب الأصيلي، وتفقه معه، وكان صهره، ورحل، فسمع من شيوخ الأندلس والقيروان والمشرق. قال ابن الحذاء: كان أذهن من لقيت وأفهمهم وأفصحهم، وقال أبو الأصبع: به حيي كتاب البخاري بالأندلس، له كتاب "التصحيح في اختصار الصحيح" وعلق عليه شرحا حسنا مفيدا. توفي سنة 433 ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
560- أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الخولاني القيرواني
من الطبقة الثانية من أهل أفريقية شيخ فقهائها حافظ المذهب وزعيمه، حاز الذكر، ورياسة الدين مع صاحبه أبي عمران الفاسي حتى لم يكن لأحد معهما في المغرب اسم يعرف، وتفقه عليهما الخلق الكثير، توفي سنة 432 اثنين وثلاثين وأربعمائة.
561- أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي 1:
روى صحيح البخاري أخذ عنه الإمام الباجي وغيره، وروايته أتقن الروايات، وله كتابه المخرج على الصحيحين وغيره، وقد أخذ فقه مالك عن ابن القصار وأبي سعد الأبهري، وأخذ عن الباقلاني وابن فورك حظا من السنة، وله الرحلة والواسعة وجاور الحرمين إلى أن مات ناشرا للعلم. وقد سمع الحديث من الدارقطني والإمام الحاكم وأبي إسحاق المستملي وأبي محمد الحموي، وأبي الهيثم السرخسي، وغيرهم، وروى عنه أعلام كثيرون توفي سنة 435 خمس وثلاثين وأربعمائة عن تسع وسبعين سنة.
__________
1 أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي: أبو ذر، ابن السماك، الخراساني، المالكي، الهروي، الأنصاري، ولد سنة 255، مات سنة 434 أو 435:
فهرس الفهارس "1/ 157، 2/ 610"، المشتبه "486"، الأعلام "3/ 269"، معجم المؤلفين "5/ 65، 66"، التنكيل "15/ 336"، التقييد "2/ 170"، طبقات الحفاظ ص"425"، نسيم الرياض "1/ 431، 233"، التمهيد "6/ 64"، سير النبلاء "17/ 554"، تاريخ بغداد "11/ 141".
(2/241)

562- أبو محمد مكي بن أبي طالب 1:
واسمه محمد، ويقال: حموش بن مختار القيرواني نزيل قرطبة الإمام المقرئ الفقيه الأديب المتفنن في القراءات والتفسير اللغوي النحوي الراوية، ولي الشورى وصنف تصانيف جليلة في علم القرآن ومن أشهر تصانيفه الهداية في التفسير، والكشف في وجوه القراءات، واختصار الحجة للفارسي، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب الإيضاح في ناسخه ومنسوخه، وكتاب المأثور عن مالك في الأحكام والتفسير، والتبصرة، والموجز، واختصار أحكام القرآن، والإيجاز واللمع في الإعراب، وانتخاب نظم القرآن للجرجاني، والواعي في الفرائض، قال عياض: وأخبرني شيخنا أبو إسحاق بن جعفر أنه له تصنيفا في الفقه. توفي سنة 437 سبع وثلاثين وأربعمائة وقد نيف عن الثمانين.
563- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي 2:
المعروف باللبيدي مشهور من علماء أفريقية ومؤلفيها، وجه أبو الحسن القابسي لتفقيه أهل المهدية، فحاز رياسة العلم، وألف كتابا جامعا في المذهب أزيد من مائتي جزء كبار في مسائل المدونة وبسطها والتفريع عليها وزيادات الأمهات، ونوادر الروايات، واختصر المدونة، سماه الملخص، وله أخبار شيخه أبي إسحاق الجبنياني وكان شاعرا محسنا توفي سنة 440 أربعين وأربعمائة.
__________
1 أبو محمد مكي بن أبي طالب واسمه محمد ويقال: حموش بن مختار القيرواني: أبو محمد، القيس القرطبي القيرواني، مات سنة 437:
نسيم الرياض "3/ 386، 1/ 138"، المعين ص"1408"، إفادة النصيح ص"15"، وفيات الأعيان "5/ 274".
2 أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي: المعروف باللبيدي: الديباج المذهب ص"152".
(2/242)

564- أبو سعيد أو أبو القاسم خلف بن أبي القاسم الأزدي 1:
المعروف بالبراذعي من كبار أصحاب أبي محمد بن أبي زيد والقابسي، ومن حفاظ المذهب له تآليف، منها كتاب التهذيب مختصر المدونة تبع فيه طريقة ابن أبي زيد إلا أنه ساقه على نسق المدونة، وحذف ما زاده ابن أبي زيد، وقد حصل عليه الإقبال شرقا وغربا دراسة وشرحا، وتعليقا واختصارا من أئمة المالكية بالأندلس والمغرب، وتركوا به المدونة ومختصراتها، وتشغل دورا مهما قبل ظهور مختصرا ابن الحاجب الفرعي، وقد انتقد عليه عبد الحق الإشبيلي أشياء أحالها في الاختصار عن معناها.
قال عياض: وهو مقلد في ذلك لشيخه ابن أبي زيد، فله وقع الغلط، لكن هذا لا يدفع الاعتراض عنه، ولا يخففه كما هو معلوم. وله الشرح والتمامات من مسائل المدونة، واختصار الواضحة، ثم لفظته القيروان إلى صقلية لمناقضته لابن أبي زيد، أو لكونه من شيعة العبيديين، وفيها اشتهرت كتبه.
قال عياض: لم تبلغني وفاته، ولكن ذكره بعد اللبيدي وطبقته، فهو من الطبعة الثامنة، وذكر من "معالم الإيمان" أنه مات في صقلية أو القيروان وقد وقفت على نسخة عتيقة من التهذيب ذكر البراذعي أولها أنه روى المدونة عن أبي بكر محمد بن أبي عقبة عن جبلة بن حمود عن سحنون، وأنه فرغ من تأليفه سنة 372 اثنين وسبعين وثلاثمائة، وهذه النسخة من أحباس خزانة قسنطينة أو الجزائر.
__________
1 أبو سعيد أو أبو القاسم خلف بن أبي القاسم الأزدي "البراذعي": أبو القاسم، الأزدي القرطبي الأندلسي، ولد سنة 325، مات سنة 393:
الوافي بالوفيات "13/ 364"، تاريخ علماء الأندلس "1/ 136"، شذرات "3/ 144"، طبقات القراء "1/ 272"، سير النبلاء "17/ 113، 241"، الأعلام "12/ 311"، معجم المؤلفين "4/ 107 والحاشية".
(2/243)

565- خلف بن مسلمة بن عبد الغفور 1:
فقيه حافظ ألف كتاب الاستغناء في أدب القضاء والحكام، نحو خمسة عشر جزءا، كثير الفائدة والعلم. توفي نحو سنة 440 أربعين وأربعمائة.
566- أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري 2:
يعرف بابن اللحام أصلهم من قرطبة، وخرجته الفتنة إلى بلنسية، أخذ عن أبي عمر الطلمنكي وطبقته، وألف شرحا على البخاري مشهورا كبيرا يتنافس فيه كثير الفائدة. وله كتاب في الزهد والرقائق، وكان نبيلا جليلا متصوفا، توفي سنة 444 أربع وأربعين وأربعمائة.
567- محمد بن محمد بن مغيث الصدفي 3:
من أهل طليطلة يكنى أبا بكر، روى عن محمد بن إبراهيم الخشني، وعبدوس بن محمد، وابن أبي زمنين، وأبي عمر الطلمنكي وغيرهم.
وكان من جلة الفقهاء، وكبار العلماء، ومقدما في الشورى، ذكيا فطنا قال ابن مظاهر: أخبرني من سمع محمد بن عمر بن الفخار يقول مرات: ليس بالأندلس أبصر من محمد بن مغيث بالأحكام.
وتوفي سنة 444 أربع وأربعين وأربعمائة. ا. هـ. من صلة ابن بشكوال.
__________
1 خلف بن مسلمة بن عبد الغفور: الصلة "1/ 169"، الديباج المذهب ص"113".
2 أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري "ابن اللحام": أبو الحسن، البكري القرطبي البلسي، مات سنة 444، أو 449:
التاج المكلل ص"296" عنوان الدراية ص"260"، سير النبلاء "18/ 47"، معجم المؤلفين "7/ 87"، الحاشية، شجرة النور الزكية ص"115"، العبر "3/ 219"، دائرة الأعلمي "22/ 260".
3 محمد بن محمد بن مغيث الصدفي: من أهل طليطلة، الصلة "2/ 533".
(2/244)

568- أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي 1:
نسبا، الصقلي دارا كان فقيها إماما عالما فرضيا، ملازما للجهاد، موصوفا بالنجدة، مشهورا في المذهب المالكي. وهو أحد الأربعة الذين اعتمد الشيخ خليل ترجيحاتهم في مختصره. ألف كتابا جامعا لمسائل المدونة والنوادر، وعليه اعتمد من بعده وكان يسمى مصحف المذهب لصحة مسائله ووثوق صاحبه. توفي سنة 451 إحدى وخمسين وأربعمائة وقبره معلوم في مناستر بأفريقية زرته، وعليه بناء فخم2، وهو الذي يعني ابن عرفة بالصقلي.
569- عبد الله بن ياسين الجزولي 3:
مؤسس دولة لمتونة المرابطين بالمغرب، وناشر الدين في الأصقاع الصحراوية، وفي السودان، وناشر المذهب المالكي، والمقيم لدولة عظمى على أنقاض دول كثيرة متلاشية بالمغرب، هذا الرجل من أفضل من يتزين بذكره، ويتحلى بترجمته كتابنا هذا؛ لأنه مجدد للإسلام في إفريقيا الشمالية، ومنها وصل إلى الأندلس، وعنه انتشر النور بعد الظلمة التي أحاطت بهذه الأقطار، وأدخل الحضارة والحياة الإسلامية العربية إلى سكان القفار، وكون إنسانا متمدنا مسلما بشوشا من قوم كانوا وحوشا، ولم شعث الإسلام بعد فتن وافتراق، وكون وحدة أماطت الذل والشقاق. أما أعماله السياسية، فهي مبنية على الاختصار في تاريخنا لإفريقيا الشمالية، كان الرجل من أفضل علماء المغرب الأقصى، وأكثرهم تمسكا بالدين، وقياما بالحق والأمر بالمعروف، وعلى يديه تم إسلام الصحراء والسودان، والذي أشار علي لمتونة به هو شيخه أبو عمران
__________
1 أبو بكر بن عبد الله بن يونس التميمي: الديباج المذهب ص"274".
2 وقد ورد في ما غير حديث صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم النهي عن البناء فوق القبور، منها عن جابر رضي الله عنه رواه مسلم وغيره.
3 عبد الله بن ياسين الجزولي: المدارك "4/ 780، 781"، الاستقصا "2/ 7، 19".
(2/245)

الفاسي، وفي "المسالك والممالك" لأبي عبيد البكري إن ما شذ فيه ابن ياسين المذكور أخذه الثلث من الأموال المختلطة، وزعم أن ذلك يطيب باقيها.
قلت: وقد شطر سيدنا عمر مال بعض عماله قال البكري: وإذا دخل الرجل في دعوتهم، وتاب، أقاموا عليه الحدود تطهيرا له، فيضرب مائة حد الزنى وثمانين حد القذف، ومثلها حد الخمر، وربما زيد، ومن ثبت عليه القتل، قتل ولو جاء تائبا طائعا، ومن تخلف عن الجماعة، ضرب عشرين، ومن فاتته ركعة، ضرب خمسا في أشياء مثل هذه، وهي إن صحت مسائل سياسية إرهابية أكثر منها أحكاما فقهية؛ لأن الرجل كان يهذب أمة بلغت نهاية ما يتصور من التوحش والجفاء، فهو معذور في شذوذه، ولا يزيل التطرف في الإباحة، وخلع ربقة النظام الديني إلا التطرف في ضده، على أن الرجل نجح نجاحا باهرا في عمله العظيم وهداية تلك الأمة إلى النهج القويم.
توفي مجاهدا في البرغواطيين سنة 451 إحدى وخمسين وأربعمائة، ودفن بكريفلة قرب الرباط، وقبره يزار الآن بعد ما مهد الصحراء والسودان والمغرب الأقصى.
570- أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث التميمي 1:
المعروف بالسيوري، آخر طبقة من علماء أفريقية، وخاتمة أئمة القرويين أخذ عن أبي عمران الفاسي، وأبي بكر بن عبد الرحمن وطبقتهما، وكانت له عناية بالقراءات والحديث، وعلوم اللسان، وأصول الفقه وغيرها.
أفرد نفسه للدرس، فانتفع به عالم كبير كان من الحفاظ المعدودين يحفظ المدونة ودواوين المذهب حتى إن من ذكر له قولا غريبا يقول: هذا ليس في ديوان كذا ولا ديوان كذا يعدد أكثر الدواوين من كتب المذهب والمخالفين، وانعدمت
__________
1 أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث التميمي "السيوري": الديباج المذهب ص"158".
(2/246)

المدونة يوما من القيروان، فأملاها من حفظه. وكان له ورع شديد، فما كان يأكل ما فيه شبهة، ولما هجم العرب، وخربوا القيروان، واختلطت الأموال بالحرام، ترك أكل اللحم إلا من وحش، واحتذاء النعل إلا من جلد وحش، والكتابة والفتوى إلا في رق وحش، أورق قديم كذا ذكر في "معالم الإيمان" وهذا يدل على عدم وجود الكاغد إذ ذاك مع أنه اخترع في المشرق أيام الرشيد قبل ذلك فعله لم يكن يوجد في أفريقيا لقلة المواصلة، ولهذا لم يعرف له تأليف، وإنما يوجد كراسة تعليق على المدونة، وأما التعليق المنسوب إليه عليها، فإنما كتبه أصحابه عن درسه، ونسبوه إليه، وقد خالف مالكا في بعض المسائل اجتهادا منه.
منها جنسية القمح والشعير ألقى يوما لسنور لقمتين إحداهما: قمح، والأخرى: شعير، فشم الشعير وتركها، وأكل القمح، فقال: عجبا حتى الحيوان فرق بين الجنسين، وخالفه في التدمية إذ لم يذكر فيها أثر دم أو قيء، فلم يعول عليها. وقال بخيار المجلس لما قام عنده من الأدلة على رجحان قول المخالف، فحلف بالمشي إلا مكة أن لا يفتي بقول مالك فيها جميعا. توفي سنة ستين وأربعمائة.
571- أبو عمر أحمد بن محمد بن القطان 1:
مفتي قرطبة دارت الفتيا عليه وعلى ابن عتاب، كان متفننا فقيها نظارا أحفظ الناس للمدونة والمستخرجة، وأبصر الناس بالتهدي إلى مكنونهما، قائما بتغيير المنكر، وكسر آلات اللهو. وتوفي بباجة سنة 460 ستين وأربعمائة.
572- أبو عبد الله محمد بن عتاب 2:
شيخ المفتين بقرطبة الإمام الجليل، المتصرف في كل باب من أبواب العلم،
__________
1 أبو عمر أحمد بن محمد بن القطان مفتي قرطبة: شذرات الذهب "3/ 308".
2 أبو عبد الله محمد بن عتاب: أبو عبد الله، الجزامي الأندلسي، توفي سنة 402: سير النبلاء "18/ 328"، نسيم الرياض، المعين ص"1465"، الوافي بالوفيات "4/ 79"، العبر "3/ 250"، بغية الملتمس ص"115".
(2/247)

الحافظ النظار، البصير بالأحكام والعقود والحديث على سنن أهل الفضل، جزل الرأي، حصيف العقل على منهاج السلف، طلب للقضاء في بلده وغيرها. توفي سنة 463 ثلاث وستين وأربعمائة عن نيف وثمانين.
573- أبو عمر يوسف بن عمر بن عبد البر 1:
النمري بفتح الميم نسبة إلى النمرين قاسط بكسرها شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيها للسنة، وفاق فيها من تقدمه، وعظم شأنه بها تفقه علي بن المكوي، وابن الفرضي وغيرهما، وأخذ عنه عالم كثير كأبي عبد الله الحميدي، وأبي علي الغساني وغيرهما.
قال الباجي: إنه أحفظ أهل المغرب، لم يكن بالأندلس مثله، له كتاب "التمهيد" على الموطأ لم يتقدمه أحمد بمثله في عشرين مجلدا، قال ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه.
وهو مرتب على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وله كتاب الاستذكار بمذاهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار شرحها على نسق أبوابها، وكتاب التقصي لحديث الموطأ، وكتاب الإنباه على قبائل الرواة، وكتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم، وكتاب أسماء المعروفين بالكني في سبعة أجزاء، والاكتفاء في القراءات، وكتاب اختصار التمييز لمسلم، وكتاب الإنصاف فيما في بسم الله من الخلاف، انتصر فيه لمذهب الشافعي بأدلة كثيرة، وزيف أدلة المالكية، وهو عندي في كراستين، واختصار تاريخ أحمد بن سعيد، والإشراف في الفرائض، وله كتاب الاستيعاب مطبوع،
__________
1 أبو عمر يوسف بن عمر بن عبد البر النمير بن قاسط: الديباج المذهب ص"357"، وسير النبلاء "11/ 181"، ووفيات الأعيان "2/ 458"، وبغية الملتمس ص"476"، وجذوة المقتبس ص"344"، والبداية "12/ 104"، وتذكرة الحفاظ "3/ 306"، والشذرات "3/ 314".
(2/248)

وكتاب الكافي في الفقه المالكي، وكتاب جامع بيان العلم وفضله قد طبع مختصره1 وله كتب كثيرة في فنون عدة كان موفقا في التأليف، معانا عليه، وكان مستقل الفكر، بعيدا عن الجمود، مبغضا للتقليد، ناصرا للسنة، تعرب عن ذلك كتبه النافعة، جال في غرب الأندلس وشرقها، وتولى قضاء لشبونة وهي عاصمة البرتغال الآن "أجبوه" وشنترين، وسكن دانية وبلنسية وشاطبة. وبها توفي سنة 463 ثلاث وستين وأربعمائة ربيع الأخير عن خمس وتسعين سنة في السنة التي توفي فيها حافظ المشرق أبو بكر أحمد بن علي البغدادي، وقد رثى نفسه قبل موته بقوله:
تذكرت من يبكي على مداوما ... فلم ألف إلا العلم بالدين والخبر
علوم كتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله في صحة الأثر
وعلم الألى قرن فقرن وفهم ما ... له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر
فابن عبد البر كان من المجتهدين لزهرة الفقه والاجتهاد والأثر. رحمه الله.
قال أبو محمد بن حزم: وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف مسعود بن سليمان، ويوسف بن محمد بن عبد البر نقله في "إعلام الموقعين" عدد 30 من السفر الأول.
574- أبو حفص عمر بن عبد النور 2:
المعروف بالحكار الصقلي عالم فاضل، نظار محقق، حسن الكلام والتأليف، أديب شاعر مجيد، له على المدونة شرح كبير نحو ثلاثمائة جزء، وانتقد على التونسي ألف مسألة واختصر كتاب التمامات ذكره في "المدارك" ولم يذكر له وفاة.
__________
1 وطبع الأصل أيضا في مصر بالمطبعة المنيرية.
2 أبو حفص عمر بن عبد النور الحكار: المدارك "4/ 800".
(2/249)

575- عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي 1:
القرشي أصله من صقلية، ورحل للمشرق مرتين، له كتاب الاستدراك على تهذيب البراذعي، والنكت والفروق لمسائل المدونة، توفي بالإسكندرية سنة 466 ست وستين وأربعمائة، من كلامه:
أرى فتن الدنيا تزيد وأهلها ... يخوضون بالأهواء في غمرة الجهل
فما إن ترى من مخلص ذي بصيرة ... وما إن ترى من صادق القول والفعل
فيا سوء حالي حين أصبحت فارغا ... ولم ادخر زادا وما زلت في شغل
576- أبو الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي 2:
وإنما هو ابن بنت اللخمي، أصله من القيروان، ونزل صفاقص بسبب الفتنة، تفقه بابن محرز والتونسي والسيوري وغيرهم، وأخذ عنه المازري، وأبو الفضل بن النحوي وغيرهما، وكان متفننا في علوم الأدب والحديث والفقه، حسن الفهم، جيد الفقه والنظر، أبعد الناس صيتا في بلده، وبقي بعد أصحابه، فحاز رياسة إفريقية جملة، وصارت فتاويه كل مطار، مشهورا بالفضل وحسن الخلف، له تعليق على المدونة شهر بالتبصرة، حسن مفيد، لكن نقل المعيار عن
__________
1 عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي: المدارك "4/ 774".
2 أبو الحسن علي بن محمد الربعي "اللخمي": من القيروان، الديباج المذهب ص"203"، ومعالم الأيمان "3/ 246"، والحلل السندسية ص"143".
(2/250)

المقري أن اللخمي لم يحرره في حياته، فكان الشيوخ لا يستجيزون النقل منه كما يأتي في آخر الكتاب غير أنني رأيت في "جذوة الاقتباس" أن ابن النحوي لما أخذ عنه، طلب منه تبصرته، فقال له: تريد أن تحمل علمي على كفك إلى المغرب، فهذا يدل على تحريره لها، وأخذهم لها عنهم في حياته، وله اختيارات خالف فيها من تقدمه.
قال في "المدارك": وربما اتبع نظره، فخالف المذهب فيما ترجح عنده، فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب. ا. هـ. وقد ضرب به المثل كما قيل:
لقد هتكت قلبي سهام جفونها ... كما هتك اللخمي مذهب مالك
واللخمي أحد الأئمة الأربعة المعتمدة ترجيحاتهم في مختصر خليل حتى في اختياره من عنده رغما عما قاله عياض. توفي بصفاقص سنة 478 ثمان وسبعين وأربعمائة هكذا في الحطاب أول شرح المختصر، وفي "معالم الإيمان" وأما ما في "الديباج" من أنه توفي سنة ثمان وتسعين فلعله تصحيف.
577- أبو محمد عبد الحميد بن محمد المقري المعروف بابن الصائغ 1:
قيرواني، سكن سوسة أدرك صغيرا أبا بكر بن عبد الرحمن، وتفقه بالعطار وابن محرز والسيوري والتونسي وغيرهم، كان فقيها نبيلا فهما فاضلا أصوليا زاهدا نظارا، جيد الفقه، قوي العارضة، محققا له تعليق على المدونة أكمل به الكتب التي بقيت على التونسي، وبه تفقه المازري وغيره وأصحابه يفضلونه على اللخمي قرينه تفضيلا كثيرا. وأفتى في المهدية زمن قضاء ابن سعلان شرط ذلك عند توليه القضاء، فانتفع الناس به، وجرت عليه محنة حيث سجن تميم بن المعز ولده حتى أعطي مالا لفدائه باع فيه كتبه، فلذلك انقبض عن الفتيا، ورجع إلى سوسة ملازما بيته ستة أعوام لا ينتفع به أحد إلى أن احتل
__________
1 أبو محمد عبد الحميد بن محمد المقري: المعروف بابن الصائع، الديباج المذهب ص"159".
(2/251)

العدو المهدية، وأهين تميم، عند ذلك عاد عبد الحميد إلى الظهور، قاله في "المدارك" وإني لأعجب من انبساطه لا من انقباضه، ولقد فسدت أحوال وأخلاق ذلك الزمان، ولذلك كانت دولة أفريقيا في اضمحلال حيث صارت أفكار أكابر علمائها وأعمال أمرائها إلى ما سمعت. توفي المترجم سنة ست وثمانين وأربعمائة 486.
578- أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي 1:
-باجة الأندلس- التجيبي القاضي رحل إلى المشرق، فحج أربع حجج، ومكث فيه نحو ثلاثة عشر عاما في بغداد والموصل والشام والحجاز وغيرها، ودرس في كثير من عواصمها، وأخذ عن أبي ذر والخطيب البغدادي وغيرهما، ورجع للأندلس بعلم كثير، ألف تآليف طارت بها الركبان، وحصل بها على الشهرة واتساع الحال بعد ضيقه، فقد كان يؤاجر نفسه ببغداد على حراسة درب هناك، ولما رجع للأندلس كان يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق، وكان يخرج للإقراء وبيده المطرقة التي يخدم بها، ثم ولي القضاء في مدن هي دون قدره.
قال فيه ابن العربي في "القواصم": إن الله تدارك الأمة به وبالأصيلي حيث رحلوا وأفادوا وجاءوا بلباب العلم، فرشوا على القلوب الميتة، وعطروا الأنفاس الذفرة، وله تآليف منها، الاستيفاء على الموطأ لا يدرك ما فيه إلا من بلغ درجته، لم يكمل، وكتاب المنتقى عليها أيضا مطبوع، وله اختصاره واختصره أيضا في كتاب الإيماء قدر ربعه، واختصر المدونة وشرحها بشرح لم يتم، وله
__________
1 أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي التجيبي القاضي: أبو الوليد، الباجي، التجيبي القرطبي، ولد سنة 403، وقتل سنة 470:
نسيم الرياض "1/ 233"، طبقات الحفاظ ص"440"، المعين ص"1503"، الأنساب "2/ 14"، فوات الوفيات "2/ 64"، والوافي بالوفيات "15/ 372"، الصلة "1/ 187"، وفيات الأعيان "2/ 142"، العبر "3/ 280"، البداية والنهاية "12/ 122"، سير النبلاء "18/ 535".
(2/252)

كتاب في الخلافيات لم يتم، ومختصر المختصر في مسائل المدونة، وكتاب في التعديل والتجريح على صحيح البخاري، وكتابان في الأصول، وكتبه كثيرة مفيدة كما في "المدارك" وهو الذي تصدى لمناظرة ابن حزم الظاهري بعدما عجز أهل الأندلس عنه، وتبعه كثير على رأيه فأفحمه. وقد امتحن لما صدر منه القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب تمسكا بظاهر بعض الأحاديث، فعابوا عليه وكفروه.
وألف رسالة في ذلك بأن بها علمه وعذره، وقبله منه علماء جلة وإن كان القوم بعدم الكتابة أصوب ومذهب الجمهور، مولده سنة 403 ثلاث وأربعمائة، وتوفي سنة 494 أربع وتسعين وأربعمائة.
وفي "المدارك" سنة أربع وسبعين بتقديم السين ويؤيد صحتها ما قال: إنه جاء إلى المرية سفيرا بين رؤساء الأندلس يولفهم على نصرة الإسلام، ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملوك المغرب المرابطين على ذلك، فتوفي قبل تمام غرضه. وفي سنة 494 أربع وتسعين كابن ابن تاشفين استأصل جل رؤساء الأندلس كما يعلم من مراجعة التاريخ.
579- أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأزدي 1:
الحميدي الأندلسي الميورقي أصله من قرطبة إمام جليل أخذ عن ابن حزم، وابن عبد البر وغيرهما ورحل للمشرق فحج، ودخل الشام ومصر والعراق، واستوطن بغداد فظهر نبله وعلمه وإتقانه وورعه ونزاهته، له كتاب "الجمع بين الصحيحين" وتاريخ الأندلس "جذوة المقتبس" في سفر أملاه من حفظه.
توفي سنة 488 ثمان وثمانين وأربعمائة عن نحو سبعين سنة والحميدي مصغر نسبة إلى جدة حميد.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي: وفيات الأعيان "4/ 282"، وتذكرة الحفاظ ص"1218"، ونفح الطيب "2/ 112"، والصلة ص"530".
(2/253)

580- أبو علي الحسين بن محمد بن فيره 1:
ابن حيوان الصدفي المعروف بابن سكره السرقسطي إمام عصره ووحيد دهره، وآخر أئمة الأندلس من نوعه، حافظ للحديث وأسماء رجاله، إمام في الفقه قرأ على أبي عمرو الداني، ورحل للعراق، فأخذ عن أعلامه كأبي بكر الشاشي، وعلق عنه تعليقته الكبرى وأقام هناك خمس سنين، وسمع من ابن عبد البر والباجي والدولابي ونظراء هؤلاء بالأندلس ومصر والمشرق، وسمع من الحميدي السابق وطبقته وأبي المعالي والطرسوشي، وخلق كثير، وكان كثير الفوائد، غزير العلم، وسمع منه خلق كثير ببغداد والمغرب، واستقر بمرسية، فرحل أناس إليه من الأقطار قال هو يوما لبعض الناس: خذ الصحيح، واذكر أي متن أذكر لك سنده أو أي سند أذكر لك متنه.
سمع القاضي عياض، واعتمده في الشفاء وغيرها، وأخذ عنه صهره المتولي لشئونه أبو عمران موسى بن سعادة وعلى نسخته وعلى نسخته صحح وقابل النسخة المسماة في المغرب بالشيحة كما يأتي في ترجمة أبي عمران، كما أجاز أبا طاهر السلفي وابن بشكوال وغيرهم ولد سنة 452 اثنين وخمسين وأربعمائة، وقلد القضاء بطلب من أهل مرسية، فأجاد السيرة، وأقام الحق إلى أن عزل نفسه واختفى، فلم يوقف له على أثر، وفي "المنح البادية" وغيرها أنه توفى سنة 514 أربع عشرة وخمسمائة زاد الخفاجي في سادس ربيع الأول في غزوة كنترة ويقال قنترة بالقاف، واستشهد فيها من المسلمين المتطوعة نحو عشرين ألفا ولم يقتل من العسكر أحد، وكانت على المسلمين.
__________
1 أبو علي الحسين بن محمد بن فيره بن حيون الصدفي: فيره بكسر الفاء وضم الراء المشددة بعدها أصله الأسبان الحديد اسم لجده، وحيون فتح المهملة وضم الياء المثناة المشددة، وسكرة بضم السين المهملة وفتح الكاف مشددة، والصدفي قال شيخنا أبو العباس ابن سودج: بفتحتين نسبة إلى الصدف بفتح فكسر بن سهل وهي قبيلة من حمير كبيرة من خطه على نسخة الصلة لابن بشكوال. ا. هـ. مؤلف.
نفح الطبيب "2/ 90"، وتذكرة الحفاظ ص"1253"، وتهذيب ابن عساكر "4/ 359".
(2/254)

581- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي 1:
زعيم الفقهاء بالأندلس والمغرب، المعروف بصحة النظر، ودقة الفقه، وجودة التأليف مطبوعا عليه، حافظ المذهب، له المفزع في المعضلات، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية من أخذه منها بالحظ الأوفر، له كتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل من كتب المالكية الجليلة القدر المعتمدة عند كل من جاء بعده قال في أوله: ومن جمعه إلى كتابي المقدمات حصل على ما لا يسع جهله من أصول الديانات، وأحكم رد الفرع إلى أصله، وحصل على درجة من يجب تقليده إلخ واختصر المبسوطة، ولخص كتاب "مشكل الآثار" للطحاوي، وله أجزاء كثيرة في فنون مختلفة.
تولى قضاء قرطبة، ثم استعفى، وأكب على التأليف، وكانت الرحلة إليه من الأقطار. أخذ عنه القاضي عياض وغيره، وهو أحد الأربعة المعتمد ترجيحهم في مختصر خليل، وذكر عبد الرحمن الغرياني في حاشية المدونة عن الزغبي عن ابن عرفة أنه لا يجوز لأحد أن يقف في مسألة على نص ابن رشيد، ويأخذ فيها بكلام اللخمي، وقد بحث معه الشيخ أحمد بابا السوداني في ترجمة الغرياني المذكور من "نيل الابتهاج" بأن خليلا المبين لما به الفتوى ذهب في مسائل على قول اللخمي مع وقوفه على خلاف ابن رشد فيها. فانظره فالقضية أغلبية لا كلية عند من لا قدرة له على النظر في الأدلة.
توفي سنة 520 عشرين وخمسمائة رحمه الله.
__________
1 أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشيد القرطبي: أبو الوليد، الفقيه، القاضي، الماهي، مات سنة 520:
التكملة لوفيات النقلة "1/ 261"، والحاشية، إفادة التصحيح ص"63"، العنية ص"112".
(2/255)

582- أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي 1:
يعرف بابن أبي رندقة2 نشأ بطرطوشة -بضم الطاءين- ورحل لطلب العلم في أقطار الأندلس وصحب أبا الوليد الباجي بسرقسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف، وكان يميل إليها، وتفقه به، ثم رحل للمشرق، فدخل بغداد والبصرة، فأخذ عن أبي بكر الشاشي المستظهري وغيره، وسكن الشام مدة، ودرس بها، فبعد صيته وكان راضيا من الدنيا بالقليل لورعه، ثم سكن الإسكندرية.
وتزوج امرأة موسرة وهبت له دارا سكن أعلاها، وجعل أسفلها مدرسة للطلبة، وكان نزوله بالإسكندرية بعد قتل بني عبيد لعلمائها، فنشر العلم بها، وأحيا معالمه بعد ما تعطلت دروسه، وكان يقول: إن سألني الله عن المقام بالإسكندرية مع ما هي عليه من تعطيل الجمعة وغير ذلك من المناكر التي كانت أيام العبيديين أقول له: وجدت قوما ضلالا، فكنت سبب هدايتهم.
وهكذا ينبغي للعلماء، بل يجب عليهم القيام بهداية الخلق، ولا يجوز لهم الهجرة إلا إذا يئسوا الهداية، أو خافوا الفتنة على أنفسهم أو دينهم، وامتحنه العبيديون بإخراجه منها، وملازمة الفسطاط، وأن لا يأخذ عنه أحد، ثم ألف تواليف مهمة في الأصول ومسائل الخلاف، وله كتاب في البدع، وله سراج الملوك في السياسة.
توفي بالإسكندرية سنة عشرين وخمسمائة 520.
__________
1 أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي "ابن أبي رندقه" من طرطوشة: أبو بكر، القرشي، الفهري الأندلسي، الطرطوشي، المغرب، مات بعد سنة 516:
سير النبلاء "19/ 490"، المعين ص"1655"، الأنساب "19/ 69"، وفيات الأعيان "4/ 262"، التقييد "1/ 119"، ومعجم المؤلفين "12/ 96"، الأعلمي "27/ 132".
2 رندقة بفتح الراء وسكون النون، وفتح الدال المهملة والقاف: لفظة إفرنجية. ابن خلكان.
(2/256)

583- أبو بكر محمد بن خلف بن سلمان بن فتحون الأوريولي 1:
روى عن أبيه، وابن المفوز والصدفي، وأكثر عنه وعن غيرهم، اعتنى بالحديث كثيرا، له استلحاق على "الاستيعاب" في الصحابة في سفرين، واستمد منه صاحب "الإصابة" وغيره.
توفي سنة 520 عشرين وخمسمائة
584- أبو عمران موسى بن سعادة 2:
مولى سعيد بن نصر الذي هو مولى الناصر الأموي من أهل بلنسية، وخرج منها بعد "480" لما غلب عليها العدو، وتوطن مرسية. سمع أبا علي الصدفي، ولازمه وصاهره، تولى أشغاله، وله رحلة أخذ فيها عن الطرطوشي وغيره، وعني بالرواية، فكتب النسخة الشهيرة من صحيح البخاري رواية أبي ذر بخطه، ورواها عن صهره المذكور، قرأها عليه مرارا وهي في المغرب المسماة بالشيخة، رواها عن ابن أخيه محمد بن سعادة كما يأتي في ترجمته قال ابن الأبار: لم أقف لأبي عمران على خبر بعد عام 522 اثنين وعشرين وخمسمائة.
قال ابن الأبار في جزء "التكملة" المطبوع في الجزائر عدد 40: قرأت بخط أحمد بن خلف المازري شهادته على أبي عمران بن سعادة بتنفيذ وصية صهره الصدفي في صدر رجب من السنة المذكورة.
__________
1 أبو بكر بن خلف بن سليمان بن فتحون الأوريولي: أبو بكر، الأوريولي، مات سنة 519 أو سنة 520:
حاشية الأنساب "1/ 386، 387"، المعجم للقضاعي ترجم 93 ص"110"، الوافي بالوفيات "3/ 45، 46"، بغية المتلمس ص"73، معجم المؤلفين "9/ 284".
2 أبو عمران موسى بن سعادة مولى سعيد بن نصر: أبو عمران، المرسى مات سنة 514:
شجرة النور الزكية ص"148"، نفح الطيب "2، 221"، بغية الملتمس ص"456".
(2/257)

585- أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري 1:
الشهير بالإمام أصله من مازر بفتح الزاي وكسرها مدينة بصقلية، نزل المهدية سواحل أفريقية، فكان إماما لبلاد أفريقية، وهو آخر من اشتغل فيها بتحقيق العلم ورتبة الاجتهاد، ودقة النظر، أخذ عن اللخمي، وعبد الحميد السوسي المعروف بابن الصائغ وغيرهما. ومرض يوما فلم يجد من يداويه سوى طبيب يهودي، فأخذته الحمية واشتغل به، فكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتيا. شرح صحيح مسلم، والبرهان لإمام الحرمين، والتلقين لعبد الوهاب في الفقه، وله كتاب "إيضاح المحصول في برهان الأصول" أخذ عنه عياض بالإجازة وغيره، ولم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه، ولا أقوم لمذهبه منه. وله مشاكل في علوم كثيرة كالحساب والأدب، فكان أحد رجال الكمال إلى حسن الخلق، وأنس المجلس، وكان قلمه أبلغ من لسانه، وأناف سنة على الثمانين، وتوفي سنة 536 ست وثلاثين وخمسمائة، وهو أحد الأربعة الذين اعتمد خليل ترجيحهم، بل وأقوالهم، ومع إدراكه رتبة الاجتهاد، فلم يكن يفتي الناس إلا بالمشهور رحمه الله.
586- أبو بكر محمد بن عبد الله الشهير بابن العربي المعافري 2:
الإشبيلي العلم المتبحر الحافظ كان أبوه من فقهاء إشبيلية، وله حظوة عند
__________
1 أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري "الإمام": أبو عبد الله، التميمي، المازري، المالكي، مات سنة 536:
التاج المكلل ص"116"، سير النبلاء "20/ 104"، الحاشية، معجم المؤلفين "11/ 32"، وفيات الأعيان "4/ 285"، المشتبه ص"565"، نسيم الرياض "4/ 202"، الأعلمي "27/ 67"، والوافي بالوفيات "4/ 151".
2 أبو بكر محمد بن عبد الله "ابن العربي المعافري الإشبيلي: وفيات الأعيان "4/ 296"، والديباج المذهب ص"281"، وتذكرة الحفاظ ص"1294"، والوافي "3/ 330"، وشذرات الذهب "4/ 141".
(2/258)

ملوك بني عباد بها، فلما انقضت دولتهم رحل للمشرق بعدا من ولاة لمتونة المستولين بعدهم الذين حجزوا أملاكه، ويقال: إنه ذهب في سفارة من يوسف بن تاشفين اللمتوني بالبيعة لخليفة بغداد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فرحل معه ولده أبو بكر هذا وهو ابن سبع عشرة سنة بعدما تأدب، وقرأ القراءات، فلقي بمصر والشام وبغداد والحجاز أعلاما كبارا كالغزالي والطرطوشي، والصيرفي والأكفاني والشاشي وغيرهم، فاتسع في رواية الحديث والفقه والخلافيات والأصول والأدب والشعر، وكان معدودا من الشعراء المجيدين ومن شعره قوله:
من لي بمن يثق الفؤاد بوده ... وإذا ترحل لم يزغ عن عهده
يا بؤس نفسي من أخ لي باذل ... حسن الوفاء بقربه لا بعده
يولي الصفاء بنطقه لا خلقه ... ويدس صابا في حلاوة شهده
فلسانه يبدي جواهر عقده ... وجنانه تغلي مراجل حقده
لا هم إني لا أطيق مراسه ... بك أستعيذ من الحسود وكيده
ورجع من رحلته، فمات أبوه بالإسكندرية سنة 493 ثلاث وتسعين وأربعمائة. قال ابن بشكوال: وفيها عاد أبو بكر إلى الأندلس، فقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يأت به أحد ممن كان له رحلة إلى المشرق؛ إذ كان متفننا في العلوم مستبحرا فيها، ثاقب الذهن، واسع الجمع، مقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على نشرها مع أدب أخلاق، وكرم نفس، وثبات ود، فجلس للوعظ والتفسير، وتولى الشورى، ثم القضاء ببلده، فكان سيفا للحق صارما.
وصنف تصانيف شهيرة، فشرح الموطأ شرحين، وله "عارضة الأحوذي شرح الترمذي" طبع في الهند وأحكام القرآن الكبرى، طبع بمصر وله الصغرى أيضا والقواصم والعواصم، والمحصول في أصول الفقه وتفسيره، بالغ ثمانين جزءا قال هو: إنه ألفه في عشرين سنة ثمانين ألف ورقة، وله كتاب السياسيات، وكتاب المسلسلات، وكتاب النيرين على الصحيحين، وكتاب مشكل القرآن
(2/259)

والسنة، والإنصاف في مسائل الخلاف، عشرون مجلدا، وكتاب أعيان الأعيان، وغير ذلك من التآليف المفتخرة فهو من الطبقة العليا من مؤلفي الإسلام، وله جود البحر يقال: إنه بنى سور إشبيلية بلده بالآجر والجير من ماله الخاص.
أخذ عنه القاضي عياض، والإمام السهيلي، وابن باذش، وابن خليل وابن النعمة، وابن حبيش، وغيرهم، وآخر من حدث عنه بسماع أبو بكر بن حسنون وبإجازة أبو الحسن الغافقي الشقوري نزيل قرطبة، وجاء في وفد البيعة لعبد المؤمن الموحدي لمراكش، فتوفى عند منصرفه منها قيل مسموما ولا يبعد ذلك إذا صح أنه بنى سور مدينته من ماله؛ لأن استبداد الملوك يأبى ذلك، ويورث الغيرة. ودفن بفاس وقبره بها مشهور إلى الآن، وذلك سنة 543 ثلاث وأربعين وخمسمائة وعمره خمس وسبعون سنة رحمه الله.
وقال ابن خلدون: إن وفاته كانت سنة اثنين وأربعين، وذلك بعد ما قتل ولده عبد الله في هيعة دخول الموحدين إلى إشبيلية من غير قصد، فضاعف الله له الأجر، والأول أصح لأنه ذكره ابن بشكوال الذي لقيه وأخذ عنه، ونقله عنه ابن خلكان وسلمه.
587- أبو الفضل عياض -بكسر العين- بن موسى بن عياض 1
ابن عمرون بن موسى اليحصبي -بضم الصاد- قبيلة من حمير كان أصلهم من الأندلس وانتقلوا لفاس ثم سبتة، وجده عمرون هو الذي انتقل من فاس لسبتة، فهو سبتي الدار والمولد فاسي الأصل، كان مقدم وقته في الحديث والتفسير والأدب والشعر والأصول والفقه والعلوم العربية، مشاركا له الرحلة من الأقطار، وله الرياسة في بلده فتيا وقضاء، خطيبا بليغا شاعرا مجيدا كامل الأخلاق، حليما كريما صلبا في الحق، طلب العلم بالمغرب، ورحل للأندلس سنة سبع وخمسمائة، فأخذ عن أعلامها كأبي علي الصدفي، وابن رشد، وابن
__________
1 أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى اليحصبي: وفيات الأعيان "3/ 483"، والديباج المذهب "168"، وتذكرة الحفاظ ص"1204"، والإحاطة "2/ 167"، وشذرات الذهب "4/ 138".
(2/260)

العربي وغيرهما، واستقضى بقرطبة، وحمدت سيرته في ولايته كلها.
وله تآليف حسنة شهيرة كالشفا في التعريف بحقوق المصطفى، طار ذكرها والإقبال عليها مشرقا ومغربا، وانتقد عليه فيها تساهله في أحاديثها كثيرا، وأجيب بأن ذلك من باب المناقب، قيل: وله فيها ما هو موضوع، ويظهر أنه لم ينقحها مع ما فيها من الإطناب.
وقال ابن تيمية: فيه غلو وهو كتاب مع ذلك جليل القدر، عظيم الصيت في الإسلام، ولا يخلو كبير من قادح، قد سلموا له مزية السبق فيه، واستفاد منه الناس مشرقا ومغربا، وله غيرها في الفقه والحديث واللغة وغيرها كمشارقه على الصحيحين، والموطأ، وله شرح مسلم، وكتاب التنبيهات على المدونة، وهو من كتب المالكية المعتمدة إلى الآن، وله كتاب ترتيب المدارك في طبقات أصحاب مالك نقلنا عنه كثيرا في هذا الكتاب تراجم المالكية مباشرة وبواسطة، وقواعد الإسلام وغيرها من تآليف جليلة القدر، عظيمة الخطر.
ومن الناس من يعتبره رأس علماء المغرب في الإسلام صدق علمه شهرته داخل المغرب وخارجه، أصابته محنة سياسية بيناها في تاريخنا فراجعها، فغرب من سبتة إلى مراكش فتوفي بها سنة 544 أربع وأربعين وخمسمائة عن ثمان وأربعين سنة، وقبره بها مشهور رحمه الله.
588- عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي 1:
قاضي المرية بالأندلس، له تفسير وكان مشاركا في الفقه والأحكام والحديث والأدب. توفي سنة 546 ست وأربعين وخمسمائة، وفي الصلة سنة
__________
1 عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي "قاضي المرية": أبو محمد، المحابي، ولد سنة 481، مات سنة 542، وقيل سنة 446:
التكملة لوفيات النقلة "1/ 122"، والمعين رقم "1732"، سير النبلاء "19/ 587"، بغية الملتمس ص"389"، الإحاطة في أخبار غرناطة "3/ 539"، الأعلمي "21/ 55"، نفح الطيب "2/ 526".
(2/261)

اثنين وأربعين.
589- عمر بن محمد بن واجب القيسي البلنسي 1:
صاحب الأحكام تفقه بأبي محمد بن سعيد، قاضي بلنسية، ولازمه طويلا، وعرض تهذيب البراذعي أربعة عشرة مرة، آخر حفاظ المسائل بشرق الأندلس، محسنا للفتوى، مقدما في الشورى، وأخذ عنه الفقه، ونوظر فيه مع تواضع ونزاهة غلب عليه الفقه دون الحديث. توفي سنة 557 سبع وخمسين وخمسمائة، وبيت بني واجب فيهم علماء كثيرون بالأندلس تجدهم في الصلة وفي ذيلها.
590- علي بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حرزهم 2:
إمام فاس وعالمها، وصالحها ومتصوفها، وفقيهها ومحدثها، ومسندها الحافظ المدرس النفاع الزاهد الشيخ الواعظ، الدال على الله، المرشد لطريقه، غلب التصوف على فقهه وتبحره، فتاب على يده كثير، وتزهد على يده أمير الوقت، وكيف لا هو بنفسه خرج عن ماله لله لأخيه، فأبى أخوه من قبوله، فقال له: إن لم تقبله، تصدقت به على الجذمى، واقتدى في عمله بقوله عليه السلام لأبي طلحة الأنصاري لما تصدق ببستانه بيرحاء جعلها في الأقربين، وقد قال أبو مدين الغوث: كل ما كنت أسمعه من غير علي بن حرزهم لا أنتفع به، وما كنت أسمعه منه يتعلق بقلبي فأنتفع به، فسألته عن ذلك، فقال: إن الكلام إذا خرج عن صدق من القلب، صادف القلب، فانتفع به. قال: ولازمته، فانتفعت به وكذلك أبو عبد الله التاودي وغيرهما، وقد كثرت أتباعه وتلاميذه، وانتفع الخلق به وبتهذيبه وإصلاحه القلوب. توفي سنة 559 تسع وخمسين وخمسمائة.
__________
1 عمر بن محمد بن واجب القيس البلنسي: نيل الابتهاج ص"194".
2 علي بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حرزهم: نيل الابتهاج ص"198".
(2/262)

591- أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة 1:
مولى سعيد بن نصر مولى عبد الرحمن الناصر، الجامع بين العلم والرواية، والتفنن في المعارف، وكان مائلا إلى التصوف، مؤثرا له، حسن الهدي والسمت والوقار تاليًا لكتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، كثير الخشوع في الصلاة، لا يفتر عنها دائما، له حظ من الصوم لا يزال عليه راتبا، سمع من أبي علي الصدفي، واختص به، وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق وإسماع كتبه الصحاح لصهر كان بينهما، وألف كتاب "شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم" لم يسبق إلى مثله، وكانت عنده أيضا أصول حسان بخط عمه أبي عمران موسى مع الصحيحين بخط الصدفي في سفرين قال ابن عباد، ولم أر عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، توفي أول يوم من سنة 566 ست وستين وخمسمائة وولد سنة 496. ست وتسعين وأربعمائة روى عن عمه أبي عمران موسى بن سعادة صاحب الرواية والنسخة الشهيرة المعتمدة المسماة بالشيخة، كانت من أحباس القرويين وهي بخط أبي عمران المذكور، عليها خط أبي علي الصدفي شاهد بأن أبا عمران قرأها عليه، وقد ضاع السدس الأول منها، قال في "نفخ الطيب": ونسخ صحيح البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما فنسخة الشيخة ليست من قبيل الوجادة، بل رواية متصلة إلى الصدفي من طريق أبي عمران وولد أخيه المترجم معا إلى البخاري خلافا للتاجمعوعتني.
592- علي بن عبد الله المتيطي 2:
وبه شهر نسب إلى قرية من أحواز الجزيرة الخضراء بالأندلس، وبها توطن قرأ بفاس، ومهر في كتاب الشروط والوثائق، وقد ألف الوثائق المشهورة التي تنسب إلى ناب في أحكام إشبيلية، وولي قضاء شريش، توفي سنة 570 سبعين
__________
1 أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة مولى سعيد بن نصر مولى عبد الرحمن الناصر: نفح الطيب "2/ 158"، والتكملة ص"505".
2 علي بن عبد الله المتيطي: نيل الابتهاج ص"199".
(2/263)

وخمسمائة.
593- أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال 1:
القرطبي إمام حافظ لا سيما في الحديث والتاريخ، له كتاب الغوامض والمبهمات في اثني عشر جزءا على نسق كتاب الخطيب البغدادي، وله كتاب "الصلة" نقلت عنه هنا كثيرا وهو مطبوع بأوروبا وغيره. توفي سنة 578 ثمان وسبعين وخمسمائة عن أربع وثمانين سنة.
494- أبو محمد عبد الحق بن عبد العزيز بن عبد الله الأزدي 2:
الإشبيلي، ويعرف بابن الخراط نزل بجاية عند الفتنة الواقعة في إشبيلية على انقراض دولة لمتونة بها، فنشر علمه، وصنف، وولي الخطابة والإمامة بجامعها الأعظم. وكان فقيها حافظا عالما بالحديث وعلله ورجاله، زاهدا عابدا ناسكا ملازما للسنة، والتقلل من الدنيا مشاركا في فنون كثيرة كالأدب والشعر، صنف الأحكام الصغرى والكبرى والوسطى في أحاديث أصل الفقه؛ إذ كان في زمن الموحدين الذين ألزموا الناس بالاجتهاد، واتباع الظهر من الكتاب والسنة، وترك القياس، وقد استمد من كتاب أبي القاسم الزيدوني، وزاد عليه العلل كما ذكر ذلك في أول الأحكام، وقد سبقه إلى صنيعه أبو العباس بن أبي مروان
__________
1 أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن موسى بشكوال القرطبي: الديباج المذهب ص"114"، ووفيات الأعيان "2/ 240".
2 أبو محمد عبد الحق بن عبد العزيز بن عبد الله الأزدي الإشبيلي "ابن الخراط": أبو محمد، الأزدي، الإشبيلي، الأندلسي، الشهرة ابن الخراط، ولد سنة 510، مات سنة 581، وقيل سنة 582:
عنوان الدراية ص"41"، التاج المكلل ص"161"، أربع رسائل "115، 116"، الديباج ص"175"، شذرات الذهب "4/ 271"، مرآة الجنان "3/ 422"، تذكرة "4/ 1350"، بغية الملتمس ص"178"، سير النبلاء "21/ 198"، الأعلام "3/ 281".
(2/264)

الشهير بلبلة، فحظى عبد الحق بإقبال الخلق على أحكامه دونه، وقد تعقب عليه بعض أحاديثه حافظ المغرب أبو الحسن بن القطان بكتاب سماه "الوهم والإيهام" ولكن رد عليه كثيرا منها ابن المواق، ولعبد الحق كتب كثيرة؛ إذ كان محظوظا في التأليف، مبارك له فيه، فله كتاب تعقب فيه على تهذيب البراذعي أشياء أحالها في الاختصار عن معناها، وله كتب كثيرة في الحديث يطول سردها. انظرها في "الديباج".
وعلى كل حال هو من الطبقة العليا في التصنيف المفيد، وأحكامه من الكتب التي ينبغي طبعها، ولا تغني عنها المصابيح ولا المشكاة، ولا ما ألف بعدهما، وقد ظفرت بنحو النصف من أول أحكامه وأظنها الوسطى بلغت إلى وسط كتاب الجهاد كتبت بإتقان، وتصحيح متين بخط مشرقي في سفر ضخم ذكر كاتبها آخرها أنها كملت عام 737 سبع وثلاثين وسبعمائة، وأن السفر الذي يليها أوله باب في التحصر وحفير الخندق، ولو ظفرت بالنصف الثاني لطبعتها. ولعله في الخزانة الخديوية بمصر، وعثرت على بعض أجزاء الصغرى في مكتبة مراكش الحبسية، وله كتب في الوعظ وآخر في اللغة معهم، وفي الأنساب وغيرها من الفنون.
تولى القضاء لبني غانية في بجاية، ونالته محنة بعد احتلال الموحدين لها، وعصمه الله منهم؛ إذ كان المنصور نذر دمه فتوفى سنة 582 اثنين وثمانين وخمسمائة كما كان مرقوما على رخامة قبره، وشاهده صاحب "عنوان الدارية" عن سن يبلغ اثنين وسبعين رحمه الله. وأشهر من يسمى عبد الحق في المالكية المغاربة من أهل هذه الطبقة هذا لاشتهار كتبه وخصوصا الأحكام فإذا أطلق هذا الاسم، فإليه ينصرف، وتقدم لنا عبد الحق بن محمد بن هارون الصقلي، وهناك عبد الحق آخر أقل شهرة منهما، وهو عبد الحق بن غالب المحاربي الغرناطي وتقدم.
595- أحمد بن محمد بن أحمد الهلالي الشهير بابن المناصف الغرناطي: يكنى أبا جعفر توفي سنة 585 خمس وثمانين وخمسمائة.
(2/265)

596- أبو القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفي 1:
الإشبيلي أصله من حوف مصر بيت علم وعدالة، فقيه حافظ، ذاكر للمسائل، بصير بالشروط والتوثيق، فرضي ماهر، له في الفرائض تصانيف كبير ووسط ومختصر، وكل بلغ في الإجادة الغاية، استقضى بإشبيلية مرتين، فحمدت سيرته نزاهة وجزالة وشدة على أهل الشر، ويقال: إنه [ما] أخذ مرتبا على القضاء، بل كان يصطاد الحوت مرة في الأسبوع يقتات بثمنه حتى خلصه الله من القضاء توفي سنة 588 ثمان وثمانين وخمسمائة.
597- أبو محمد القاسم بن فيره بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي 2:
الضرير المقرئ كان آية في القراءات والحديث واللغة وغيرها من الفنون. كان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من فيه، ويملي النكت على المواضع التي تحتاج إليها وله نظم "حرز الأماني في القراءات" ألف بيت ومائة بيت وثلاثة وسبعون بيتا، أبدع فيها كل الإبداع، سواء من جهة الفن، أو من جهة الأسلوب والرموز التي لم يسبق إليها، وهي عمدة القراء في مشارق الأرض ومغاربها حتى أصبح حفظها قرينا لحفظ القرآن العظيم في مكاتب الإسلام، ومن حفظها وفهم رموزها حصل القراءات السبع من زمنه إلى الآن. سمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة، وأبي الحسن علي بن هذيل وأقرانهما، وانتفع بالأخذ عنه عالم كبير في المشرق والمغرب. كان يجتنب فضول الكلام، ولا ينطق إلا فيما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على وضوء على هيئة حسنة وتخشع واستكانة.
__________
1 أبو القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفي الإشبيلي: الديباج المذهب ص"54".
2 أبو محمد القاسم بن فيره بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير المقرئ: وفيات الأعيان "4/ 71"، والتكملة رقم "1973"، وغاية النهاية "2/ 20"، والديباج المذهب ص"224"، ومعجم الأدباء "16/ 293"، طبقات الشافعية "4/ 297".
(2/266)

وكان يقول عن نفسه: إنه يحفظ وقر بعير من أوراق العلم. توفي بمصر سنة 590 تسعين وخمسمائة.
598- أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الحفيد 1:
قاضي الجماعة بقرطبة روى عن أبيه أبي القاسم استظهر عليه الموطأ حفظا، وعن المازري وابن بشكوال وغيرهم، وأخذ الطب عن ابن جريول، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، وله من معرفة الرواية ما يندر في غيره، وله المشاركة في الأصول والكلام ولم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا، وعلى شرفه كان أشد الناس تواضعا مع شدة حرص على العلم قيل: لم يدع النظر إلا يوم وفاة والده وليلة بنائه بأهله. كثير التصنيف، سود فيما صنف أو ألف نحوا من عشرة آلاف ورقة، وكانت له الإمامة في علوم الأوائل دون أهل عصره يفزع إليه في الفتوى في الطب كالفقه مع العربية والأدب، حافظا لأشعار العرب، له بداية المجتهد المطبوعة المتداولة دالة على باع وكمال اطلاع على اختصارها وبدايته نهاية غيره، وكتاب الكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول، والضروري في العربية، تنيف تواليفه على الستين، محمود السيرة في القضاء، لم يصرف وجاهته عند الملوك في ترفيه حاله، بل في مصالح بلاده، ونالته محنة زمن يعقوب المنصور بسبب مهارته في العلوم الفلسفية حيث عادة أهل الأندلس إذاية من خاضها كائنا من كان، ولكن لم يلبث المنصور أن راجع فيه بصيرته، فقربه وأخذها عنه.
توفي سنة 595 خمس وتسعين وخمسمائة عن خمس وسبعين سنة رحمه الله.
__________
1 أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الحفيد قاضي الجماعة: أبو الوليد، الصلة "2/ 553"، قضاة الأندلس ص"111"، والتكملة "1/ 269"، والمعجب ص"442"، وشذرات الذهب "4/ 320".
(2/267)

599- أبو محمد يسكر بن موسى الجورائي ثم الغفجومي 1:
من قبيلة بتادلا الفاسي، أحد أشياخ المغرب في الدين والفضل، والزهد والورع والمجاهدة، والتقشف والإيثار، حامل لواء الفقه المالكي في وقته، وله حاشية على المدونة، غزير العلم، لا يتناول مما في أيدي الناس، يتحرى الحلال، فلا يأكل إلا من نتاج غنمه وبلده التي ورثها من أبيه.
توفي سنة 598 ثمان وتسعين وخمسمائة.
600- أحمد بن هارون بن أحمد بن عات النفزي الشاطبي 2:
من كبار الحفاظ الجامعين بين الفقه والحديث والأدب، وهو بالحديث أشهر متوسط الطبقة في حفظ فروع الفقه، أما الحديث، فيسرد المتون والأسانيد، عدل ثقة مأمون كان أهل شاطبة يفخرون به وبابن عبد البر؛ إذ كان على سنن الصالحين نزاهة ومتانة دين، وتقشفا وخشونة ملبس كان يستظهر عدة كتب.
وقال ابن نذير: حضرته في الموطأ والبخاري يقرأ منهما كل يوم نحو عشرة أوراق من لفظه عرضا لا يتوقف في شيء من ذلك، مجيدا للنظم والنثر، مهيب وقور، له تصانيف.
وفقد رحمه الله في وقعة العقاب بناحية جيان غازيا سنة 609 تسع وستمائة.
__________
1 أبو محمد يسكر بن موسى الجورائي الغفجومي: نيل الابتهاج ص"160".
2 أحمد بن هارون بن أحمد بن عات النفزي الشاطبي: تذكرة الحفاظ ص"1389"، ونفح الطيب "2/ 601".
(2/268)

601- أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاش الجذامي السعدي 1:
الفقيه الشهير صاحب "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة" كتاب جليل فصيح العبارة صنفه على ترتيب وجيز الغزالي، وقد تسرقه طريقته، فيدخل بعض أقوال الشافعية في المذهب المالكي، ومع ذلك، فهو كتاب من أحسن ما صنف المالكية، وكان من أبناء الأمراء توفى مجاهدا في دمياط سنة 610 عشر وستمائة.
602- أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني 2:
أصله من جيان بالأندلس، ويعرف بابن أبي ركب قاضي جيان، ثم استوطن فاس ورحل الناس إليه في طلب العلم، ولا سيما في الحديث والعربية. له شرح غريب سيرة ابن إسحاق وغيره، وكان على سنن السلف، توفي سنة 604 أربعمائة وستمائة.
603- أبو الحسن علي بن إسماعيل الأبياري 3:
بفتح الهمزة وسكون الباء بعدها الإسكندري من الأئمة الأعلام، برع في
__________
1 أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاشي الجذامي السعدي الفقيه: التكملة للخندري "2" الترجمة "1677"، وفيات الأعيان "3/ 61، 62"، العبرة "5/ 61، 62"، دول الإسلام "2/ 90"، البداية النهاية "13/ 86"، الديباج المذهب "1/ 443"، عقد الجمان للعيني "17/ 399"، حسن المحاضرة "1/ 214"، شذرات الذهب "5/ 69"، شجرة النور "165".
2 أبو ذر مصعب بن مسعود الخشني "من جيان": أبو ذر، الخشني، إفادة النصيح "109"، المشتبه "217"، كتاب الصلة "2/ 700"، حاشية الإكمال "3/ 263".
3 أبو الحسن علي بن إسماعيل الأبياري الإسكندري، أبو الحسن، البياري الربعي، مات سنة 518:
حاشية الإكمال "1/ 143"، دائرة الأعلمي "3/ 37"، تبصير المنتبه "1/ 34"، المشتبه ص"8".
(2/269)

علوم كثيرة خصوصا الفقه والأصول، ومنهم من فضله فيه على الفخر الرازي، له كتاب "سفينة النجاة" على نسق الإحياء، فضلها بعض الفضلاء على الإحياء، وله تكملة حسنة على كتاب مخلوف الذي جمع فيه بين التبصرة والجامع لابن يونس والتعليقة لأبي إسحاق تدل على قوته في الفقه وأصوله. توفي سنة 616 ست عشرة وستمائة.
604- أبو الحسن علي بن عبد الملك بن يحيى الكتامي الحميدي 1:
من أهل فاس يعرف بابن القطان قرطبي الأصل، شارح أحكام عبد الحق، والمتمم لتحقيق ما يتعلق بنقد أحاديثها والجواب عن بعض ما انتقده عبد الحق منها، وهو صاحب كتاب الإقناع في مسائل الإجماع، وكتاب أحكام النظر، وصاحب كتاب النزاع في القياس، وله مقالات في الأوزان وغيرها من أبصر الناس بالحديث، وأحفظهم لرجاله، وأشدهم به عناية مع تفنن ودراية. أخذ عن أبي ذر الخشني، وعن أبي عبد الله بن الفخار وأكثر عنه وغيرهما، وخدم السلطان بمراكش، ونال دنيا عريضة. وتوفي بسجلماسة قاضيها سنة 628 ثمان وعشرين وستمائة.
605- أبو عمرو عثمان بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب 2:
الرويني المصري الدمشقي ثم الإسكندري الكردي جمال الدين وكان أبوه حاجبا للملك عز الدين موسك الصلاحي، مشارك في العلوم العربية وأتقنها أي
__________
1 أبو الحسن علي بن عبد الملك بن يحيى الكتامي الحميدي "من أهل ناسي": سير النبلاء "13/ 191"، وتذكرة الحفاظ "4/ 192، 193"، الابتهاج "200، 201".
2 أبو عمرو عثمان بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب الرويني المصري: سير النبلاء "13/ 287"، ووفيات الأعيان "1/ 195"، وطبقات القراء "1/ 508"، وشذرات الذهب "5/ 381"، وبغية الوعاة "323".
(2/270)

إتقان بدليل مصنفاته السائرة فيها سير الشعاع ككافيته في النحو، وشافيته في الصرف، وألف في القراءات والعروض وغيرها، والمختصرين له في الأصول، وبرع في مذهب مالك، وصنف فيه مختصره الشهير الذي نسخ ما تقدمه، وشغل دورا مهما وأقبل عليه الناس شرقا وغربا حفظا وشرحا إلى أن ظهر مختصر خليل، وأثنوا عليه ثناء جما منهم نصار الدين المشذالي البجائي، فهو أول من أدخله للمغرب، ورغبهم فيه، فشرحه ثلاثة من أعلام التونسيين في عصر واحد، وهم ابن راشد القفصي، وابن عبد السلام وابن هارون، لكن الأول هو الشارح الحقيقي على أنه استعان بابن دقيق العيد؛ لأنه شيخه، أما الأخيران، فإنما سارا في ضوء نبراسه، لكن أتقن بالشرح شرح ابن السلام الهواري، ثم شرحه بقرب التاريخ الشيخ خليل بمصر مستعينا بابن عبد السلام وصنيع ابن الحاجب في التأليف الذي هو الاختصار وتنافس فيه من بعده، واستحسنوه هو الذي كان سببا في هرم العلوم العربية التعقيد، وتطويل الشروح، وضياع وقت الطالب في المسألة الواحدة زمنا طويلا، ويأتي مزيد بسط لذلك.
وابن الحاجب هو الذي مزج النحو بعلم البيان والمعقول، فزاد صعوبة أيضا، وكان حجة ثبتا ورعا ذا أخلاق عالية، ركنا من أركان العلم والعمل. توفي سنة 646 ست وأربعين وستمائة.
606- أبو محمد صالح الهسكوري 1:
من أهل فاس بيتهم بيت صلاح وجلالة يضرب به المثل في العدالة، وبه مثل ابن عرفة للمبرز فيها لمزيد شهرته علما ودينا، أخذ عنه أبو الفضل راشد الوليدي وأبو إبراهيم الأعرج الورياغلي صاحب الطرر على المدونة وغيرهما. كان شيخ المغرب علما وعملا، له تقييد على الرسالة توفي سنة 653 ثلاث وخمسين وستمائة، ودفن بفاس وليس هو دفين آسفي، فإن هذا قرشي مخزومي، وقيل: أموي صميم أو مولى، وقيل: دكالي ماجري. ترجمة حفيده صاحب المنهج الواضح في تحقيق كرامات أبي محمد صالح، فالأول من رجال
__________
1 أبو محمد صالح الهسكوري من أهل فاسي: أبو محمد، تنقيح المقال "5653"، جامع الرواة "1/ 404"، دائرة الأعلمي "20/ 155".
(2/271)

العلم، والثاني من أهل التصوف والصلاح، فلا تغتر بما في "الديباج" توفي الثاني هذا سنة 631 إحدى وثلاثين وستمائة.
607- عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المعري 1:
الأصل الشارمساحي المولد الإسكندري، ثم البغدادي بحر علم لا تدركه الدلاء، ولي تدريس المستنصرية ببغداد، وكان يحضره جميع المدرسين، وألقى بعض العلماء عليه مسألة من بيوع الآجال، فقال: أذكر فيهما ثمانين ألف وجه، فاستغرب ذلك فقهاء بغداد، فشرع يسرد عليهم إلى أن انتهى إلى مائتي وجه، فاستطالوها وأضربوا عنها، وأذعنوا لفضله وسعة علمه، له اختصار المدونة على وجه غريب سماه نظم الدرر طابق مسماه، وشرحه بشرحين، وكتاب الفوائد، وكتاب التعليق، وهذا في علم الخلاف، وشرح آداب النظر، وشرح الجلاب وغير ذلك. توفي سنة 669 تسع وستين وستمائة.
608- أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم التيمي القرشي 2:
الشهير بابن بزيزة التونسي الإمام المشهور في الفقه والحديث والتفسير وأحد رجال المذهب الذين اعتمد خليل ترجيحهم في توضيحه، له الإسعاد في شرح الإرشاد، وشرح الأحكام الصغرى لعبد الحق، وله تفسير جمع فيه بين الزمخشري وابن عطية، وشرح التلقين، ومنهاج العارف، بين فيه أكثر المشكلات، ومختصره إيضاح السبيل إلى مناهج التأويل، توفي سنة 673 ثلاث وسبعين وستمائة.
__________
1 عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المعري: نيل الابتهاج "178".
2 أبو محمد عبد الغزيز بن إبراهيم التميمي القرشي "ابن بزيز التونسي": أبو فارس، التميمي، القرشي، الشهرة ابن بزيزة، ولد سنة 616، مات سنة 662:
تراجم المؤلفين التونسين "1/ 127".
(2/272)

609- أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي 1:
نسبة إلى بني وليد قبيلة قرب فاس الفاسي، إمام جليل فقها وعلما لم يكن في وقته أتبع للحق منه، لا تأخذه في الله لومة لائم، له كتاب الحلال والحرام، وطرر على المدونة، وله الفتاوى، أخذ عن أبي محمد صالح السابق وغيره، وأخذ عنه أبو الحسن الصغير وغيره.
ومن كلامه في كتاب الحلال والحرام مما سمعه من أبي محمد عبد الله بن موسى الفشتالي: لا يجوز اليوم اتخاذ شيوخ لسلوك طريق المتصوفة أصلا، فإنهم يخوضون في فروعها، ويتركون شرط صحتها وهو باب التوبة، ولو وجدت تواليف القشيري والغزالي لألقيتها في البحر، ولأتمنى على الله أن أكون معهما في المحشر، بل مع ابن أبي زيد، بل مع أبي محمد يسكر، وكان يقرئ بفاس، فإذا رجع إلى بني وليد يحرث بيده، فيضع ابن يونس على رأس المرجع واللخمي على الطريق الآخر، ويقرأ مسألة من كل واحد إذا وصل يتأملها وقت الحراثة. وانظر في المعيار كثيرا من فتاويه. توفي سنة 675 خمس وسبعين وستمائة.
610- أبو العباس أحمد بن إدريس شهاب الدين 2:
الصنهاجي الشهير بالقرافي أحد الأعلام المشهورين في المذهب المالكي وقد انتهت إليه الرياسة وقته فيه وفي العلوم وله التواليف المهمة كالذخيرة والفروق، وشرح التهذيب، وشرح الجلاب في الفقه، والتنقيح في الأصول، وشرح محصول الرازي، وغيرها من الكتب العجيبة الصنع العظيمة الوقع وذكر شمس الدين بن عدلان أنه حرر ثمانية علوم في أحد عشر شهرا أو أحد عشر عاما في ثمانية أشهر. توفي سنة 684 أربع وثمانين وستمائة.
__________
1 أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي: نيل الابتهاج "117".
2 أبو العباس أحمد بن إدريس شهاب الدين الصنهاجي الشهير بالقرافي: الديباج المذهب "67"، والمنهل الصافي "1/ 215"، والوافي "5/ 119".
(2/273)

611- أحمد بن محمد بن منصور ناصر الدين 1:
الشهير بابن المنير الجذامي الإسكندري إمام بارع في الفقه والأصلين والعربية وفنون شتى ذو الباع الطويل في المناظرة والبلاغة والإنشاء، متبحر في العلوم، موفق فيها خصوصا في التفسير والقراءات ولي الأحباس، وديوان النظر والقضاء والخطابة.
روى عن عز الدين قال: الديار المصرية تفتخر برجلين: ابن دقيق العيد، وابن المنير، له تفسير وحواشي الكشاف، ومختصر التهذيب وحاشية على البخاري، وديوان شعر وغير ذلك. توفي سنة 683 ثلاث وثمانين وستمائة. ومنير بضم الميم وفتح النون وكسر الياء المشددة مثناة تحت.
612- علي بن يحيى الصنهاجي الجزيري 2:
نزيل الجزيرة الخضراء، فنسب إليها، ودرس بها، وعقد الشروط، وولي قضاءها، له مختصر في الوثائق مفيد جدا سماه المقصد المحمود في تلخيص العقود. توفي سنة 685 خمس وثمانين وستمائة.
613- أبو محمد محمد بن أبي الدنيا 3:
حافظ الدنيا وراويتها الفقيه المالكي الشهير ولد بطرابلس الغرب، وبها نشأ، ورحل للمشرق واستقضي بتونس، وبها نشر علمه، وله تصانيف كحل الالتباس في البرد على نفاة القياس وغيره. توفي سنة 684 أربع وثمانين وستمائة.
__________
1 أحمد بن محمد بن منصور ناصر الدين: الشهير بابن المنير الجذامي الإسكندري:
فوات الوفيات "1/ 72"، وبغية الوعاة "168"، وشذرات الذهب "5/ 318"، والديباج المذهب "327".
2 علي بن يحيى الصنهاجي الجزيرة: نيل الابتهاج "200".
3 أبو محمد محمد بن أبي الدنيا: أعلام من طرابلس "65"، وإيضاح المكنون "1/ 416".
(2/274)

614- أبو أحمد بن أبي بكر بن مسافر الشهير بابن زيتون 1:
ويكنى بأبي الفضل تونسي، ورحل للمشرق، فاستفاد علما عظيما، واستقضي بتونس، وقد ذكر في "المعيار" أنه أدرك رتبة الاجتهاد، وكان إليه المفزع في الفتيا. توفي سنة إحدى وتسعين وستمائة 691 رحمه الله وهو أول من أظهر كتب الفخر الرازي الأصولية بأفريقية.
615- أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة 2:
الشهير بالعارف، له حواشي على صحيح البخاري مشهورة، وكان إمام سنة صلبا في دينه، بارعا في الفقه والحديث. توفي شهيدا بالأندلس بلده سنة 695 خمس وتسعين وستمائة.
616- أبو الحسن علي بن محمد بن منصور الشهير بابن المنير 3:
زين الدين الجذامي الإسكندري بحر علم تفيض أمواجه وغيث سماح لا تغيض لجاجه، ذو المآثر السنية والمفاخر، شرح البخاري شرحا لا نظريا له في تدقيقات مناسبات تراجيمه، وتحرير فقهه وغير ذلك من عجائبه، وهو من مفاخر الإسكندرية. توفي سنة 695 خمس وتسعين وستمائة، وشرحه هذا من أعظم المواد التي استمد منها الحافظ ابن حجر وغيرها، كما استمد من حاشية أخيه السابق.
__________
1 أبو أحمد بن أبي بكر بن مسافر: نيل الابتهاج "140".
2 أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة "العارف": الرواة من الإخوة والأخوات "643".
ويوجد عبد الله بن حمزة آخر: الزبيدي، مدني، التحفة اللطيفة "2/ 314".
3 أبو الحسن علي بن محمد بن منصور الشهير بابن المنير زين الدين الجزامي الإسكندري: الإسكندراني، الكنى للقمي "1/ 429"، الوافي "12/ 190"، ونيل الابتهاج "203"، المشتبه "507".
(2/275)

617- أبو محمد بن أبي عبد الله محمد بن عمران الشريف الكركي 1:
شيخ المالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية في وقته قال القرافي: إنه تفرد بثلاثين فنا وحده، وشارك الناس في علومهم. مولده بفاس، وبها أخذ المذهب المالكي عن الشيخ أبي محمد صالح المتقدم، وقدم مصر محصلا للمذهب، فصحب عز الدين بن عبد السلام، وتفقه عليه في مذهب الشافعي، وعنه أخذ القرافي. توفي سنة 698 ثمان وتسعين وستمائة.
618- أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المصري 2:
المشهور بتقي الدين بن دقيق العيد المالكي الشافعي، وصفه السبكي بأنه المجتهد المطلق قال: ولم يختلف الشيوخ أنه المبعوث على رأس السبعمائة تفرد بالمشاركة في العلوم والرسوخ في علم الحديث والأصول والعربية، رحل للحجاز والشام، وسمع من كثير، وألف تآليف مهمة كشرح العمدة، وكتاب الإلمام في أحاديث الأحكام، وشرحه شرحا عظيما لم يكمل، وشرح مختصر ابن الحاجب في الفقه لم يكمل، وهو أول من افتض بكارته وغيرها. وأبوه كان شيخ المالكية، وله مزية في إزالة النفرة بين المذاهب حيث كان يفتي على مذهب مالك والشافعي معا جزاه الله خيرا. توفي سنة 702 اثنتين وسبعمائة.
__________
1 أبو محمد بن أبي عبد الله بن محمد بن عمران الشريف الكركي: الديباج المذهب "332".
2 أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المصري تقي الدين: أبو الفتح، القشيري، المنفلوطي القوصي، المصري، الشهرة: ابن دقيق المالكي الشافعي، ولد سنة 625، مات سنة 702:
الوافي بالوفيات "4/ 193"، الوفيات "328"، طبقات الحفاظ "513"، المعين "2325"، التاج المكلل ص"461"، الطالع السعيد "567"، معجم طبقات الحفاظ ص"164"، البدر الطالع "2/ 229"، الدرر الكامنة "4/ 210"، فوات الوفيات "2/ 484"، معجم المؤلفين "11/ 70".
(2/276)

619- أبو القاسم القاسم بن أبي بكر اليمني التونسي 1:
عرف بابن زيتون مفتي أفريقية والمنظور إليه بها وقطب أصولها وفروعها المرجوع إليه في أحكامها غير مدافع ولا منازع، كلامه كلام ممارس للعلم غير هيوب ولا فرق، طلبه شرقا وغربا وخدمه من لدن شب إلى أن دب، غلبت عليه المسائل، فشغلته عن الرواية، أي الإكثار منها، وإلا فقد ذكر ابن مرزوق وغيره أنه ممن أدرك رتبة الاجتهاد. توفي سنة 703 ثلاث وسبعمائة.
620- أبو الربيع سليمان الونشريسي 2:
الفاسي الإمام المقرئ بجامع الأندلس منها كان يقرأ "التفريع" لابن الجلاب و"المدونة" يقوم عليهما أتم قيام، ومن جملة من يحضر مجالسه الإمام خلف الله المجاصي الذي كان يحفظ المقدمات والتحصيل والبيان لابن رشد، وفي بعض دروس الشيخ سليمان نسب مسألة من المسح على الخفين لابن رشد من التقييد والتقسيم، فقال خلف الله: والله ما قال هذا ابن رشد قط. ولحسن خلق الشيخ ما غضب ولا أحمر، بل نزل عن كرسيه وهو يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحق القيوم، وترك القراءة يومين، وفي اليوم الثالث اجتمع عليه طلبته، وكانوا كل يوم يجتمعون، ويتركون الكلام في ذلك إعظاما له، فقال لخلف الله: يا أبا سعيد تكذبني في النقل نصحتك أعواما كثيرة فما جزائي إلا هذا، فقال: يا سيدي إن ابن رشد ما تكلم على الخفين في مقدماته، ولا ذكر ذلك في بيانه، فأخذ الشيخ الجزء الذي وسمه ابن رشد بالتقييد والتقسيم، ودفعه إليه حتى رأى فيه ما نقله عنه، فقبل حينئذ يده، واعتذر، فقبل عذره. فانظر كيف كان فقهاء المغرب وأخلاقهم توفي سنة 705 خمس وسبعمائة.
__________
1 أبو القاسم بن أبي بكر اليمني التونسي: عنوان الدراية "56".
2 أبو الربيع سليمان الونشريسي الفاسي: أبو الربيع، الجرح والتعديل "4/ 661/ 662"، التاريخ الكبير "9/ 38"، نيل الابتهاج "119".
(2/277)

621- الحسين بن أبي القاسم المعروف بالنبلي 1:
عز الدين قاضي القضاة ببغداد الإمام الصدر في العلوم وخصوصا الفقه واللغة مدرس الطائفة المالكية بمستنصرية بغداد بعد سراج الدين الشارمساحي، وكان يدعى قاضي قضاة المماليك، صارما مهيبا شهما، له تآليف مفيدة كالهداية في الفقه واختصر كتاب ابن الجلاب، وله كتاب مسائل الخلاف، والإمهاد في أصول الفقه، وكتاب في الطب. توفي سنة 712 اثنتي عشر وسبعمائة، والنبلي بكسر النون نسبة إلى قرية بالعراق.
622- أبو الحسن علي بن عبد الحق الزرويلي 2:
الشهير بالصغير مصغرا ومكبرا، الشهير عند أهل إفريقيا بالمغربي، بيتهم مشهور بفاس انتهت إليه رياسة الفقه بها والأصول، أحد الأقطاب الذين دارت عليهم الفتيا، ولي القضاء بتازا، ثم بفاس، فأقام الحق على الكبير والصغير حتى أمراء بني مرين، ووجد الدين متضعضعا فأقامه، وشدد عليهم كثيرا، ومن تشديداته التي عيبت عليه وهو مذعور فيها أنه نصب من يثق به لاستنكاه وريح الخمر من أفواه من يتهم بشربها، فأقام العدل وقمح الفسق، له شرح على التهذيب للبراذعي قال ابن مرزوق: ونسخه مختلفة جدا، ويقال: إن الطلبة الذين كانوا يحضرون مجلسه هم الذين كانوا يقيدون عنه ما يقوله في كل مجلس، فكل له تقييد، وهذا سبب الاختلاف الموجود في نسخ التقييد والشيخ لم يكتب شيئا بيده وأكثر اعتماد أهل المغرب على تقييد الفقيه الصالح أبي محمد عبد العزيز القروي، فإنه من خيار طلبته علما ودينا. ا. هـ. من نوازل الصلاة "المعيار"، ينسب له شرح على الرسالة قيده عنه تلاميذه أيضا مطبوع.
وقال ابن مرزوق فيه: إنه شيخ الإسلام ما عاصره مثله ولا كان مثله فيما قارب عصره وبمقامه في الفقه يضرب المثل قد جمع بين العلم والعمل رحمه الله.
__________
1 الحسين بن أبي القاسم المعروف بالنبلي: الديباج المذهب "106".
2 أبو الحسين علي بن عبد الحق الزرويلي "الصغير": الديباج المذهب "212".
(2/278)

وقال أيضا تواترت عدالته وأمانته وأنه بالمنزلة العليا من الثقة في مكانه وزمانه وإليه انتهت رياسة الفقه بالمغرب الأقصى في زمانه وهو حامل رايته. نقله في "المعيار" في نوازل الصلاة ولا غرابة إذ عد مبعوثا في رأس القرن السابع بقطره. توفي سنة 719 تسع عشرة وسبعمائة.
623- أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي 1:
عرف بابن البناء لحرفة أبيه، إمام فقيه مشارك متفنن في علوم نقلية وعقلية، مبرز في علم التعاليم من حساب وهيئة ونجوم وفلك، مرحولا إليه من شاسع الأقطار، بلغ في تلك العلوم غاية قصوى، ورتبة عليا، تواليفه سارت مسير الشمس في الآفاق، ذكر له في "نيل الابتهاج" عدة تواليف في الفقه وغيره من العلوم الشرعية والتعليم يطول سردها كحاشية الكشاف وتفسير الكوثر والعصر، وتفسير الباء من البسملة، وكتاب التقريب في أصول الدين، ومنتهى السول في علم الأصول، وشرح تنقيح القرافي، ورسالة في الرد على مسائل فقهية ونجومية، وكتاب عمل الفراض وشرح بعض مسائل الحوفي، والروض المربع في صناعة البديع، ومراسم الطريقة في علم الحقيقة، وشرحه، تأليفان لم يُسبق لمثلهما ومقالة في الإقار والإنكار وأخرى في المدبر، وكتاب في الفلاحة وآخر في المساحة ورسالة في المكاييل، وأخرى في الإسطرلاب وأخرى في الأنواء فيه صور الكواكب وقانون في معرفة الأوقات بالحساب، وكتب عديدة في النجوم والهيئة والحساب وغير ذلك من الفنون، فلا يكاد يكون علم مهم إلا ألف فيه. مولده بمراكش سنة 654 أربع وخمسين وستمائة، وتوفي سنة 721 إحدى وعشرين وسبعمائة.
624- وهناك أبو العباس بن البناء مراكشي آخر قاضي أعمات. توفي سنة 724 أربع وعشرين وسبعمائة أدون من هذا.
__________
1 أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي: الدرر الكامنة "1/ 287"، ونيل الابتهاج "65"، البدر الطالع "1/ 108".
(2/279)

625- وثم أيضا ابن البناء أبو بكر محمد العبيدي: كاتب مشهور إشبيلي توفي بسبتة سنة 646 ست وأربعين وستمائة.
626- عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين 1:
البغدادي مدرس المدرسة المستنصرية، مشهور بالفقه والزهد والعبادة، له التصانيف المفيدة، منها كتاب المعتمد في الفقه غزير العلم اقتصر فيه على المشهور من الأقوال غالبا، وكتاب العمدة، وكتاب الإرشاد، أبدع فيه كل الإبداع جعله مختصرا وحشاه بمسائل قل أن توجد في المطولات مع إيجاز بليغ وهو الذي شرحه أحمد زروق الفاسي، وله تواليف في الحديث وغيره. توفي سنة 732 اثنين وثلاثين وسبعمائة.
627- قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط 2:
الأنصاري السبتي أبو القاسم والشاط اسم جده، كان طوالا نسيج وحده في أصالة الرأي ونفوذ الفكر، وجودة القريحة، وتسديد الفهم، وحسن الشمائل، مقدم موصوف بالإمامة في الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتب مرسل، ريان من الأدب، له نظر في العقليات، وفي الحلل السندسية قال الحافظ ابن راشد: ما رأيت عالما في المغرب إلا رجلين ابن البناء بمراكش، وابن الشاط بسبتة، وله تواليف منها أنوار البروق في تعقب الفروق، للقرافي مطبوع بتونس، ولي عليه تعقبات كتبتها عليه عند إقرائه. نسأل الله تمامها، وغنية الرائض وتحرير الجواب في توفير الثواب، وفهرسة حافلة توفي سنة 723 ثلاث وعشرين وسبعمائة عن ثمانين سنة.
__________
1 عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين البغدادي: الديباج المذهب "151"، والدرر الكامنة "2/ 344".
2 قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط الأنصاري السبتي أبو القاسم: الديباج المذهب "226"، وفهرس الفهارس "2/ 413".
(2/280)

628- إبراهيم بن حسن عبد الرفيع الربعي 1:
التونسي قاضيها وفقيهها النظار من الأئمة الكبار نادرة زمانه، له تواليف كثيرة منها معين الحكام كتاب مشهور غزير العلم كأنه اختصر المتيطية، واختصار أجوبة ابن رشد، والرد على ابن حزم، توفي سنة 734 أربع وثلاثين وسبعمائة.
629- أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري 2:
الفاسي الأصل، القاهري الدار، الإمام العلم الشهير بالزهد والوقوف مع السنة له طريق في التصوف شهيرة أخذها عن العارف أبي محمد بن أبي جمرة، وينكر على الطرق ما ابتدعوه من البدع التي لا تعلق لها بالسنة، إمام في الفقه، له كتاب المدخل وغيره. توفي سنة 737 سبع وثلاثين وسبعمائة.
630- علي بن محمد بن محمد بن محمد -ثلاثا- بن يخلف المنوفي 3:
المصري نور الدين صاحب التصانيف الكثيرة كعمدة السالك على مذهب مالك، ومختصرها، وتحفة المصلي وشرحها، وستة شروح على الرسالة، وشرح القرطبية، وشرح المختصر، لكن لم يكمل بل شرحان، وأربعون حديثا، وشرح البخاري، وشرح مسلم، وشرح ترغيب المنذري، وتواليف أخرى انظر أسماءها في نيل الابتهاج توفي سنة 739 تسع وثلاثين وسبعمائة.
__________
1 إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي: الوافي "5/ 26"، والديباج المذهب "89"، المنهل الصافي "1/ 45".
2 أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري الفاسي: الدرر الكامنة "4/ 237"، والديباج المذهب "327".
3 علي بن محمد بن محمد بن محمد -ثلاثا- بن يخلف المنوفي المصري نور الدين: ولد سنة 857، مات سنة "939":
معجم المؤلفين "7/ 230" والحاشية.
(2/281)

631- أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي 1:
الغرناطي وبيتهم بها، ثم بفاس مشهور بالعلم، كان حافظا قائما على التدريس، مشاركا في الفنون العربية والحديث والتفسير، جامعا للكتب، ملوكي الخزانة، جميل الأخلاق ألف كثيرا في فنون شتى كتهذيب صحيح مسلم، وكتاب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية، وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول، وله كتاب الأنواع السنية في الألفاظ السنية، جمع فيه جملة من الأحاديث الصحاح في الأحكام وغيرها في نحو أوراق 36 مخطوط عندي جعله على نسق القضاعي وغيرها. توفي سنة 741 إحدى وأربعين وسبعمائة.
632- أبو زيد بن عبد الرحمن بن عفان الجزولي 2:
الفاسي دارا وقرارا حافظ المذهب، وحجته شيخ الرسالة والمدونة المشهور بالعلم والصلاح معا، أعلم الناس بمذهب مالك وأورعهم وأصلحهم، يحضر مجلسه أكثر من ألف فقيه، معظم يستظهر المدونة، قيد الطلبة عنه ثلاثة تقاييد على الرسالة، أحدها المشهور بالمسبع في سبعة أسفار، والمثلث في ثلاثة، وصغير في سفرين، وكلها مفيدة انتفع الناس بها إلا أن أهل المذهب حذرا من النقل عنها، لعدم تحريره لها بيده، وقالوا: إنها تهدي ولا تعتمد، وقد عمر طويلا ولم يقطع التدريس. توفي سنة 741 إحدى وأربعين وسبعمائة ومن ترجمة الرجل تعلم ما كان عليه العلم بفاس في القرن الثامن فلو فرضنا أنه لم يكن بفاس إلا ألف فقيه وهم الذين يحضرون درسه لكان كافيا في الدلالة على تقدم الحالة الفكرية العلمية في ذلك العصر بالنسبة لعصرنا الذي لا يبلغ علماء
__________
1 أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي: الدرر الكامنة "30/ 365"، ونفح الطيب "3/ 270"، والديباج المذهب "295"، وفهرس الفهارس "1/ 244".
2 أبو زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي الفاسي: أبو زيد، الجزولي، مالكي، الفاسي، الوفيات "531"، نيل الابتهاج "165، 166".
(2/282)

القرويين المائتين، ولا أظن أنه يوجد في المغرب كله ثلاثمائة فقيه الآن فسبحانك يا مقدم ويا مؤخر.
633- أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله عرف بابن الإمام التلمساني 1:
العلامة الجليل المجتهد الكبير، هو وأخوه أبو موسى عيسى مشهوران بالرسوخ في العلم والاجتهاد شرقا وغربا، حافظان جامعان رحلا على المشرق، ودخلا الشام، وناظرا ابن تيمية، وظهرا عليه على ما كان له من سعة العلم والظهور على كل من ناظره، وكانا يذهبان إلى الاجتهاد وترك التقليد، وأن يكون العالم مستقل الفكر لا يجرفه تيار التقليد إن كانت له مقدرة، وكانا على جانب من التقوى والاستقامة. ولما أراد أبو الحسن المريني أن يطلب معونة للجهاد، قال له أبو زيد: لا يصلح هذا حتى تكنس بيت المال وتصلي فيه كما فعل علي بن أبي طالب، ولأبي زيد شرح على فرعي ابن الحاجب. توفي سنة 743 ثلاثي وأربعين وسبعمائة. وتوفي أخوه أبو موسى سنة تسع وأربعين بعدها.
634- أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف 2:
الهواري قاضي الجماعة بتونس كان إماما حافظا متقنا للعلوم العربية، فصيح اللسان صحيح النظر، عالما بالحديث ممن أدرك رتبة مجتهد الفتوى، فكانت له قوة الترجيح من الأقوال. اعتمد ترجيحه خليل معاصره وغيره، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، أخذ عنه ابن عرفة وأقرانه، توفي سنة 749 تسع وأربعين وسبعمائة.
__________
1 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن الإمام التلمساني: تعريف الخلف "1/ 201".
2 أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري "قاضي الجماعة بتونس": أبو عبد الله، الهواري التونسي المنستيري، معجم المؤلفين "10/ 171 الحاشية".
(2/283)

635- أبو عبد الله محمد بن علي الرصاع فقيه القيروان ومفتيها المتوفى في السنة المذكورة.
636- أبو فارس عبد العزيز بن محمد القروي 1:
الفاسي: الفقيه المدرس النفاع المفتي الصالح الأحوال، أكبر تلاميذ أبي الحسن الصغير، وهو الذي جمع تقييد شيخه المذكور على المدونة بخطه وحبسه بفاس، وهو أحسن تقاييد تلاميذه وأصحها، وقع النقل عنه في "المعيار" في غير ما موضع، وأما التقييد الكبير، فجمعه رجل من صدور الطلبة يقال له: اليحمدي، قال السلطان أبو الحسن المريني للمترجم: وليناك مع عامل الزكاة، فقال له: أما تستحيي من الله تأخذ لقبا من ألقاب الشريعة، وتضعه على مغرم من المغارم، فضربه السلطان بسكين مغمد كان يعتاد حمله بيده، ثم تحلل منه، فسامحه، توفي سنة 750 خمسين وسبعمائة.
637- محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الشهير بالأبلي 2:
نسبة إلى أبلة بالأندلس تلمساني الأصل، فاسي الدار، إمام علامة، مجمع على علمه وإمامته قال فيه المقري: هو عالم الدنيا، وأثنى عليه ابن خلدون كثيرا، وقال: قيل فيه: إنه أعلم العالم في عصره بفنون العلم رحل إلى الحرمين والشام والعراق، ولقي علماء جلة، وأخذ عنه أكابر علماء عصره، طلب للقضاء بتلمسان، ففر إلى فاس، واختفى، وبها قرأ علوم التعاليم، ثم ذهب إلى مراكش، فأخذ عن ابن البناء التعاليم أيضا والحكمة، ثم رجع لفاس، فعظم بها صيته، واجتباه أبو الحسن المريني بمجلسه الخاص، فكان رأسه وحضر معه وقعة طريف في الأندلس، ووقعة القيروان، وهناك أخذ عنه علماء أفريقية كابن
__________
1 أبو فارس عبد العزيز بن محمد القروي الفاسي الفقيه: نيل الابتهاج "179".
2 محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الشهير بالأبلي تلمساني الأصل فاسي الدار: نيل الابتهاج "245".
(2/284)

عرفة، وابن خلدون، ولد سنة 681 إحدى وثمانين وستمائة، وتوفي بفاس سنة 757 سبع وخمسين وسبعمائة.
638- أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي 1:
الفاسي عالمها ومفتيها وإمام القرويين وخطيبه، ذو ورع وزهد وتقشف ومراقبة، وكمال فضل، عظيم الصيت، شهير الذكر في الأقطار الأفريقية، نشر العلم، فانتفع به الخلق، له تقييد على الرسالة قيده عنه الطلبة من أحسن التقاييد وأنفعها، قال زروق: لا يعتمد ما كتبه على الرسالة؛ لأنه إنما هو تقييد قيده الطلبة زمن الإقراء وفي معناه ما قيد عن شيخه عبد الرحمن بن عفان الجزولي، فذلك يهدي ولا يعتمد، وقد سمعت أن بعض الشيوخ أفتى بأن من أفتى من التقاييد يؤدب، قال الخطاب: يريد إذا ذكروا نقلا يخالف نص المذهب وقواعده. نقله في "تكميل الديباج".
639- عبد الله الوانغيلي 2: الضرير مفتي فاس وعالمها، انفرد في وقته بفهم مختصري ابن الحاجب الفرعي والأصلي والمدونة، له في المعيار فتاوى كثيرة وأثني عليه فيه.
توفي سنة 779 تسع وسبعين وسبعمائة.
640- عبد الله بن محمد الأوربي 3: الفاسي الصدر العالم المفتي قاضيها، ماهر في العلوم الفقهية والتاريخية والأنساب، فتاويه في "المعيار" أيضا.
توفي سنة 782 اثنين وثمانين وسبعمائة.
__________
1 أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي الفاسي: البستان "297، 299".
2 عبد الله بن الوانغيلي الضرير مفتي فاس: نيل الابتهاج "149".
3 عبد الله بن محمد بن الأوربي الفاسي الصدر: نيل الابتهاج "243".
(2/285)

641- أبو الضياء خليل بن إسحاق الكردي المصري 1:
الشهير بالجندي وكان من جند الحلقة يلبس زيهم الثياب القصيرة متقشفا زاهدا عالما محيطا بالمذهب المالكي مشاركا، متفننا صدرا في علوم الشريعة واللسان شرح فرعي ابن الحاجب شرحا حافلا سماه التوضيح في ست مجلدات انتقاه من ابن عبد السلام عصريه، وزاد فيه عزو الأقوال، وقد اعتمد اختياراته وأنقاله لعلمه بفضله، وكثيرا ما يرد الفرع لأصله، ثم اختصر ابن الحاجب، وسلك فيه طريق الحاوي عند الشافعية، فجمع الفروع الكثيرة من كتب المذاهب حتى قالوا: إنه حوى مائة ألف مسألة منطوقا ومثلها مفهوما، وإنما ذلك تقريب وإلا ففيه أكثر من ذلك بكثير، بل قال الهلالي: فيه المسألة الواحدة التي تجمع ألف ألف مسألة مع أن مختصر ابن الحاجب قال ابن دقيق العيد: إنه جمع أربعين ألف مسألة.
وقال في "المنح البادية": إن ابن الحاجب جمع ستا وتسعين ألف مسألة، وإن تهذيب البراذعي ستة وثلاثون ألف مسألة، وإن في رسالة ابن أبي زيد أربعة آلاف مسألة هذا وقد اقتصر في مختصره على ما به الفتوى من الأقوال، وترك بقيتها، ولم يخرج من المسودة إلا ثلثه الأول إلى النكاح، والباقي أخرجه تلاميذه، ومع ذلك أقام في تأليفه خمسا وعشرين سنة مع أن البخاري أتم تحرير الجامع الصحيح في ست عشرة سنة فقط، والسبب هو أن خليلا بالغ في اختصاره حتى عد من الألغاز، وقد شرحه ربيبه وتلميذه بهرام، واستعان على شرحه بالتوضيح المذكور، وشرحه بثلاثة شروح، كما شرحه البساطي، والسنهوري، والتتائي، والحطاب، والشيخ علي الأجهوري، وتلاميذه الشيخ عبد الباقي الزرقاني، والسيد محمد الخرشي، وشرحه من أهل فاس ميارة وجسوس وابن غازي، وابن عاشر وابن رحال، وحشاه العارف الفاسي والجنان، ومن أهل تلمسان ابن مرزوق وغيرهم، واعتنى الناس مشارقة ومغاربه
__________
1 أبو الضياء خليل بن إسحاق الكردي المصري "الجندي": الدرر الكامنة "2/ 86"، وحسن المحاضرة "1/ 262"، والديباج المذهب "115"، ونيل الابتهاج "112".
(2/286)

به اعتناء زائدا، وقصروا همتهم عليه لكثرة ما فيه من الفروع التي لا تكاد توجد في غيره، فكأنه قد استقصى الصور الخيالية، وهيهات أن تستقصى. ويوجد عليه من الشروح والحواشي ما يزيد على الستين كما قال ابن غازي، هذا في زمنه، فكيف بما زيد بعده. ثم إن الذي أدخل مختصر خليل المغرب هو محمد بن عمر بن الفتوح التلمساني المكناسي سنة 805 خمس وثمانمائة كما في "الروض الهتون" فبعد ذلك حصل إقبال المغاربة عليه، ثم على شرح الزرقاني لما فيه من زيادة فروع والاختصار في الشروح الذي هامت به عقول أهل القرون الوسطى من علماء الإسلام وشدة الاختصار موقعة في الخلل لا محالة، ومع ذلك فمختصر خليل أكثر المؤلفات الفقيهة صوابا رغما عن كون مؤلفه إنما خرجه إلى النكاح كما سبق، وقد وقع للزرقاني أغلاط في النقل وغيره، فاعتنى المغاربة، بتصحيحه، ووضعوا عليه حواشي مستمدة من حواشي الشيخ مصطفى الرمصاي على التتائي وغيرها، منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسن بناني، وشيخ شيوخنا سيدي محمد بن المدني جنون اختصر حاشية الرهوني، والكل مطبوع وأكثر الشروح تحريرا شرح الشيخ أبي عبد الله الحطاب، وشرح أبي عبد الله محمد المواق، وقد طبعا بمصر سنة 1338. وحاصله أنه من زمن خليل إلى الآن زادت العقول فترة والهمم ركودا، وتخدرت الأفكار بشدة الاختصار والإكثار من الفروع التي لا يحاط بها والصورة النادرة، فاقتصروا على خليل وشروحه، حتى قال الناصر اللقاني: إنما نحن خليليون إن ضل ضللنا. قال أحمد السوداني: وذلك دليل دروس الفقه وذهابه، فقد صار الناس من مصر إلى المحيط الغربي خليليين لا مالكية إلى هنا انتهت الحالة.
ولو اقتصرنا على ترجمة خليل، ولم نزد أحدا بعده ما ظلمنا جل الباقي؛ لأن غالبهم تابعون له، فمن زمن خليل إلى الآن تطور الفقه إلى طور انحلال القوى، وشدة الضعف، والخرف الذي ما عده إلا العدم، وسيأتي في ترجمة القباب قول الشاطبي وابن خلدون أن ابن شاس، وابن بشير، وابن الحاجب أفسدوا الفقه فإذن خليل أجهز عليه، لكن في الحقيقة أن الذي أجهز عليه هم الذين جعلوه ديوان دراسة للمبتدئين والمتوسطين وهو لا يصلح إلا للمحصلين
(2/287)

على صاحبه قال في أوله مبينا له به الفتوى، ولم يقل جعلته لتعليم المبتدئين، فلا لوم عليه. توفي الشيخ خليل سنة 776 ست وسبعين وسبعمائة وقيل: تسع وستين، وقيل: تسع وستين، وقيل: سبع وستين والأول صححه السوداني، وأما ما في "الديباج" من أنه توفي سنة 749 تسع وأربعين وسبعمائة، فإنما ذلك تاريخ وفاة شيخه المنوفي قاله الخطاب.
642- أبو عبد الله محمد بن هارون الكناني التونسي 1:
وصفه ابن عرفه تلميذه بأنه ممن أدرك الاجتهاد المذهبي له شرح على ابن الحاجب الفرعي والأصلي، واختصره المتيطية، وله المشاركة والنزاهة، توفي سنة 570 خمسين وسبعمائة، وفي "درة الحجال" سنة تسع وأربعين.
643- أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي 2:
نسبة لقبيلة قرب فاس أحد أعلام فاس، بل أعلام أفريقيا كلها مشاركة وتفننا وإتقانا، وحفظا وضبطا، أثنى عليه ابن خلدون، له شرح على المدونة، وشرح على الحوفية وتعليق على جواهر ابن شاس فيما خالف فيه المذهب وغير ذلك. مات غريقا قرب بجاية لما ركب في أسطول أبي الحسن المريني وهو ممن أصيب المغرب بفقده في جملة الأعلام نخبة المغرب غرقوا، وضاعت معهم نفائس الكتب، ورزيء المغرب في أنفس أعلاقه، وأنفس أعلامه، وبموتهم ظهر نقصان بين، وفراغ شاسع في عمارة سوق العلم، وبه أصبحت دياره بلاقع، وأقفرت المدارس والجوامع، وذلك سنة 750 خمسين وسبعمائة أو تسع وأربعين على ما في "درة الحجال".
__________
1 أبو عبد الله محمد بن هارون الكناني التونسي: نيل الابتهاج "239"، والحلل السندسية في الأخبار التونسية "338"، وشجرة النور "311".
2 أبو عبد الله بن سليمان السطي: نيل الابتهاج "243".
(2/288)

644- أبو عبد الله محمد بن الصباغ الخزرجي المكناسي 1:
من مكناسة الزيتون ذكره ابن خلدون من تلاميذه وابن غازي أيضا، كان حافظا متقنا لا سيما في علم الفقه، أملى على حديث "يا أبا عمير ما فعل النغير" أربعمائة فائدة في مجلس واحد، وهو الذي أورد على ابن عبد السلام أربعة عشر اعتراضا، فلم ينفصل عن واحد منها على جلالته وحفظه، رحمهم الله جميعا. توفي غريقا في السنة المذكورة.
645- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي العلواني 2:
الشريف التلمساني: إمام المغرب المتفنن الجامع الذي صرح عصريه ابن مرزوق الجد الخطيب ببلوغه درجة الاجتهاد، أقام بفاس مدة، وبها اشتهر علمه وفتاويه، أخذ عنه علماء أفريقية وأفاضلها، ألف كتاب المفتاح في أصول الفقه، وهو كتاب مختصر لطيف، وشرح جمل الخونجي، خصصت ترجمته بالتأليف توفي سنة 771 إحدى وسبعين وسبعمائة عن 61 سنة.
646- أبو عبد الله محمد بن عمر الشهير بابن رشيد مصغرا الفهري 3 السبتي: ثم الفاسي العلامة الحافظ عالم المغرب ومسنده صاحب الرحلة الواسعة، توفي في المحرم سنة 721 إحدى وعشرين وسبعمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن الصباغ الخزرجي المكناسي: نيل الابتهاج "243".
2 أبو عبد الله بن محمد بن أحمد بن علي العلواني الشريف التلمساني إمام المغرب: أبو عبد الله، العلواني التلمساني، مات سنة "842":
تعريف الخلف "1/ 110"، نيل الابتهاج "255"، والبستان "164".
3 أبو عبد الله محمد بن عمر الشهير بابن رشيد الفهري السبتي ثم الفاسي: أبو عبد الله، الشهرة ابن رشيد الفهري السبتي ولد سنة "657"، مات سنة "721":
فهرس الفهارس "1/ 443"، شجرة النور الزكية "216"، الديباج المذهب "310".
(2/289)

647- أبو عمر محمد بن عثمان الشهير بابن المرابط 1 الغرناطي، ثم الدمشقي: مات سنة 752 اثنتين وخمسين وسبعمائة.
648- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق العجيسي 2:
التلمساني شمس الدين الملقب بالجد نادرة زمانه علما وعملا وحفظا وإتقانا ونبلا، رحل واستفاد، وبلغ من العلوم الإسلامية كل مراد، شرح البخاري، والشفا، وعمدة الأحكام، ترجمته عند الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر" وغيره واسعة، توفي سنة 781 إحدى وثمانين وسبعمائة على ما في "كفاية المحتاج".
649- أبو العباس أحمد بن قاسم القباب الفاسي 3:
إمام المغرب بل أفريقية في وقته، انتهت إليه رياسة الفتيا والتوثيق والمشاركة في الفنون مليء "المعيار" من فتاويه، وبها ابتدأ، وله تآليف في فنون كشرح قواعد عياض، وبيوع ابن جماعة، واختصار أحكام النظر، لابن القطان، وله مباحث مع أبي إسحاق الشاطبي شيخ الأندلس، ولما لقي ابن رفعة، وأطلعه
__________
1 أبو عمرو محمد بن عثمان الشهير بابن المرابط الغرناطي ثم الدمشقي: أبو عمرو، الغرناطي، ولد سنة 680"، مات سنة "752":
معجم طبقات الحفاظ "162"، طبقات الحفاظ "527"، الدرر الكامنة "3/ 163". الديباج المذهب "305". وشذرات الذهب "6/ 271".
2 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق العجيسي التلمساني شمس الدين "الجد": أبو عبد الله العجيسي النحوي شمس الدين التلمساني، الشهرة الحفيد الخطيب ابن مرزوق، ولد سنة 766، ومات سنة 842 أو 781، وقيل: مات بعد 920:
فهرس الفهارس "1/ 523"، والحاشية، الإحاطة في أخبار غرناطة "3/ 103"، دائرة معارف الأعلمي "26/ 161"، أعلام الجزائر، "141، 145"، تعريف الخلف "1/ 141".
3 أبو العباس أحمد بن قاسم القباب الفاسي: الديباج "41"، ونيل الابتهاج "72، 73".
(2/290)

على مختصره قال له: ما صنعت شيئا إذ لا يفهمه المبتدي، ولا يحتاج إليه المنتهي، وذلك ما حمله على بسط العبارة وتليين الاختصار في آخره، وهذا كما قال أبو إسحاق الشاطبي: إن ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب أفسدوا الفقه، ونحوه لابن خلدون في المقدمة، وبالجملة كان القباب كما قال أحمد بابا من أكابر علماء المذهب حفظا وتحقيقا وتقدما وجلالة، وممن يتحرى أكل الحلال، استقصى أول أمره بجبل طارق، ثم أعفي، وأقبل على نفع العباد، ثم ألزم بقضاء فاس فاختفى إلى أن أعفي، ثم ظهر فأكب على نشر العلم. وله مناظرات مع إمام تلمسان العقباني ألفها العقباني، وسماها "لب اللباب في مناظرات القباب" نقلها الونشريسي في نوازله وغيرها. توفي سنة 779 تسع وسبعين وسبعمائة، وقيل: سنة سبع وتسعين.
650- أبو سعيد فرج بن قاسم بن لقب الثعالبي 1:
بالعين المهملة كما في "المنح البادية" شيخ شيوخ غرناطة، ومن انتهت إليه رياسة فتوى الأندلس في وقته، له تآليف مفيدة وفتاويه في المعيار وغيره ذات اعتبار، وكان بينه وبين عصريه ابن عرفة مراجعات فتاو وأحاكم بين غرناطة وتونس. وبالجملة فهو أحد أئمة الأندلس النظار. توفي سنة 783 ثلاث وثمانين وسبعمائة عن إحدى وثمانين سنة.
651- أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الدار الشهير بالشاطبي 2:
الإمام الحافظ الجليل المجتهد من أفراد المحققين الأثبات، وأكابر المتفننين فقها وأصولا وعربية وغيرها، له كتاب "الموافقات" في أصول الفقه طبع بتونس، وكتاب "الاعتصام" في إنكار البدع، يطبع في مصر، وشرح بيوع صحيح
__________
1 أبو سعيد فرج بن قاسم بن لب الثعلبي: شيخ شيوخ غرناطة: الديباج المذهب "220"، وشذرات الذهب "6/ 282"، وبغية الوعاة "372".
2 أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الدار الشهير بالشاطبي: نيل الابتهاج "46، 50"، وفهرس الفهارس "1/ 134".
(2/291)

البخاري وغيره، وكان شديدا على أهل البدع وله فتاو مهمة مذكورة في "المعيار" وغيره. وكان يناظر ابن عرفة وابن لب، ويظهر عليهما في فتاويه. توفي سنة 790 تسعين وسبعمائة.
652- أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عباد النفزي 1:
المشهور بابن عباد الرندي الأصل، الفاسي الدار الفقيه، الصوفي الزاهد الخطيب المتفنن كان كما قال عصريه ابن الخطيب القسمطيني: على صفة البدلاء الصادقين النبلاء، ومثله يعظ الناس لاتعاظه في نفسه، له أجوبة في مسائل العلم نحو مجلدين، وله الرسائل الكبرى والصغرى، ونظم الحكم العطائية وشرحها، وتآليف في الحديث، وكان له باع في الفقه وغيره من العلوم يقوم على مختصر ابن الحاجب والرسالة وغيرهما. وأحواله أحوال الكمل الأول لم ير بعده مثله كان يخدم نفسه، ولم يملك خادما ولباسه في داره مرقعة يسترها إذا خرج بثوب آخر. توفي سنة 792 اثنتين وتسعين وسبعمائة عن ثلاث وخمسين سنة رحمه الله.
653- عبد الله بن محمد بن أحمد الشريف التلمساني 2:
الإمام ابن الإمام الحجة النظار الأعلم من أكابر علماء وقته صاحب الصيت الكبير، نشر العلم ببلده وبالأندلس فقها وحديثا وتفسيرا، وبيتهم بين علم خصت تراجمهم بالتآليف. له فتاو في "المعيار" معروفة. توفي غريقا منصرفه من غرناطة لبلده عام 792 اثنتين وتسعين وسبعمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عباد النفزي: نيل الابتهاج "279، 281"، ونفح الطيب "5/ 341، 350".
2 عبد الله بن محمد بن أحمد الشريف التلمساني: نيل الابتهاج "150".
(2/292)

654- أحمد بن عمر بن علي بن هلال الربيعي 1:
الإسكندري ثم الدمشقي إمام متفنن في علوم كالفقه والعربية والأصول والحديث. وله رواية واسعة، وتواليف عديدة، منها شرح ابن الحاجب الفقهي في ثمانية أسفار كبار، وكان شرحه شرحا مطولا، ثم تركه وله على مختصره الأصلي شرحان وغيرها. توفي سنة 795 خمس وتسعين وسبعمائة.
655- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي 2:
الإمام حامل لواء المالكية ببغداد، كان متفننا في المعقول والمنقول، ولي قضاء بغداد وحسبتها، له الهيبة العظيمة والأخلاق العالية، والهمة السرية مدرس مدرسة المستنصرية، له تآليف كشرح الإرشاد من تآليف والده في مذهب مالك، وشرح مختصر ابن الحاجب الفرعي والأصلي، وله تفسير كبير، وله تعليقه في علم الخلاف، لم يذكر ابن فرحون وفاته، وذكر وفاته أخيه قاضي قضاة المالكية بالشام المصري سنة 796 ست وتسعين وسبعمائة.
656- أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة 3:
الورغمي التونسي: خطيبها ومفتيها المحقق المتفنن النظار، انتهت إليه رياسة المذهب المالكي بالديار الأفريقية آخر عمره، تواليفه سارت مسير الأمثال كمختصره في الفقه محرر الأنقال، شغل دورا مهما بعد ظهوره درسه بنفسه في بلده، وفي المشرق لما حج، وطريقته فيه معروفة وهو في سبعة أسفار، إلا أنه اختصره كثيرا وسلك فيه اصطلاحا خاصا به لا سيما في نصفه الأول صعب على الناس فهمه حتى إنه في آخر عمره صار يصعب عليه هو نفسه بعض المواضع منه
__________
1 أحمد بن عمر بن علي بن هلال الربيعي الإسكندري: الديباج المذهب "82، 83".
2 أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي: الديباج المذهب "333".
3 أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي: الضوء اللامع "9/ 240"، وشذرات الذهب "7/ 38"، وبغية الوعاة "98"، والبدر الطالع "2/ 255".
(2/293)

كما وقع له في تعريف الإجارة، ولذلك بسط عبارته في نصفه الأخير نوعا ما، وكان استغلال عبارته مع كثرة الأقوال المذهبية، داعيا لتركه، وإقبال الناس على مختصر خليل من بعده، وله غيره في المنق والأصول والقراءات وغيرها كثير العبادة والذكر شاغلا لوقته بما يعينه توفي سنة 803 ثلاث وثمانمائة.
657- أبو زكرياء يحيى بن أحمد بن محمد بن حسن المعروف بالسراج 1:
النفزي الحميري الرندي الأصل، الفاسي الدار والمولد: الفقيه الرحالة الراوية انتهت إليه رياسة الرواية والحديث بالمغرب قلما تجد كتابا يشار إليه في المغرب ليس عليه خطه وله فهرسة وسماع عظيم، ومع ذلك فهو فقيه صوفي له مع ابن عباد مراسلات، وإليه كان يكتب رسائله المشهورة من سلا، وبيتهم بيت علم ورياسة ونبل في الأندلس شهير مدة طويلة بفاس، ولا زال نسلهم موجودا إلى وقتنا هذا، ولهم نباهة واعتبار توفي سنة 805 خمس وثمانمائة ودفن مع ابن عباد بالباب الحمراء من فاس.
658- أبو البقاء بهرام بن عبد الله الدميري 2:
تاج الدين قاضي القضاة بمصر برع في المذهب، وألف "الشامل" في الفقه، وشرح المختصر الخليلي ثلاثة شروح، ومختصر ابن الحاجب الأصلي، وشرح الإرشاد وهو أجل من تكلم على مختصر خليل علما ودينا وتأدبا وتفننا، بل الذي افتض بكارته هو والأقفهسي، وله غير ذلك توفي سنة 805 خمس وثمانمائة.
__________
1 يحيى بن أبي بن حسن "السراج" النفري الحميري: أبو زكريا النفري الحميري الأندلس الفاسي، توفي سنة "805":
فهرس الفهارس "2/ 993"، الحاشية، معجم المؤلفين "1/ 184، 185"، دائرة معارف الأعلام "3/ 85".
2 أبو البقاء بهرام بن عبد الله الدميري "تاج الدين": الضوء اللامع "3/ 19"، وحسن المحاضرة "1/ 263"، ونيل الابتهاج "101".
(2/294)

659- محمد بن علي بن علاق 1:
وبه يعرف الغرناطي حافظها ومفتيها وقاضيها سبط الإمام ابن جزي، له شرح على مختصر ابن الحاجب الفرعي في عدة أسفار، وشرح فرائض ابن الشاط، وله فتاو في "المعيار" مذكورة. توفي سنة 806 ست وثمانمائة.
660- أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون 2:
الحضرمي الإشبيلي الأصل التونسي المولد إمام المؤرخين وسيد الأخباريين وصدر الفقهاء والكتاب والشعراء والمتفننين الحافظ الثقة الحجة المحدث الفيلسوف مخترع الفلسفة التاريخية وقدوتها، مؤلف التاريخ الكبير والمقدمة التي سارت مثلا في الآخرين، ترجمت إلى سائر اللغات، وأجمعت على استحسانها سائر الأمم، ولخص كثيرا من كتب ابن رشد، وشرح البردة للإمام البوصيري شرحا دل على مقدرته في الأدب والعلوم العربية، وألف في المنطق تأليفا دل على كرامة تصوره ودقة أفكاره، ولخص محصول الفخر الرازي في أصول الفقه، وألف في الحساب وغيره، وله الشعر الرائق والنثر البديع الفائق ذو أسلوب في الإنشاء مطبوع عليه، وكل تاريخه بل تواليفه إنشاء بديع عربي خالص، وكفى بتاريخه آية على فضله، وإحاطة إدراكه بالتواريخ الإسلامية وغيرها، والأنساب العامة والخاصة. هذا مع تقلبه في وظائف مهمة بتونس وفاس والأندلس. حسده عليها معاصروه بما أدى به للجلاء إلى مصر فولى بها قاضي القضاة، ومات بها فجأة سنة 808 ثمان وثمانمائة عن ست وسبعين سنة.
__________
1 محمد بن علي بن علاق "له شرح فرائض ابن الشاط": نيل الابتهاج "281، 282".
2 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي الأصل: أبو زيد، الحضرمي، الإشبيلي، التونسي، ولد سنة "732"، توفي سنة "807":
شجرة النور الزكية "227"، الضوء اللامع "4/ 145"، شذرات الذهب "7/ 76"، ونفح الطيب "6/ 171"، ونيل الابتهاج "169"، والبدر الطالع "337".
(2/295)

661- محمد بن علي بن محمد الأنصاري الشهير بالحفار 1: الغرناطي، إمامها ومحدثها ومفتيها الشيخ المعمر ملحق الأحفاظ بالأجداد، له فتاوٍ في "المعيار" مشهورة. توفي سنة 810 عشر وثمانمائة.
662- سعيد بن محمد العقباني 2 التلمساني: إمامها وعلامتها وقاضيها وقاضي بجاية وسلا ومراكش، فقيه متفنن صدر مشهور له شرح على الحوفية لا نظير له، وشرح ابن الحاجب والخونجي وبعض سور من القرآن، وأخذ عنه أئمة كبار. توفي سنة 811 إحدى عشرة وثمانمائة.
663- أبو مهدي عيسى بن أحمد الغبريني 3:
التونسي قاضي تونس وفقيهها، وحافظ المذهب بها، انتهت إليه رياستها بعد ابن عبد السلام وابن عرفة، قال ابن ناجي: إنه ممن يظن به حفظ المذهب بلا مطالعة وبالغ في الثناء عليه في غير موضع، وقال تلميذه الأمير أبو عبد الله المدعو الحسن شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني ممن يجتهد في المذهب، ولا يحتاج للدليل على ذلك؛ إذ العيان شاهد بذلك. توفي سنة 815 خمس عشرة وثمانمائة.
644- محمد بن خلفة الوشناني 4:
التونسي الشهير بالأبي بضم الهمزة وكسر الموحدة مشددة، إمام مدقق بارع رحالة حافظ من أعيان أصحاب ابن عرفة، له إكمال الإكمال شرح مسلم وهو فقهي فروعي، وشرح المدونة، توفي سنة 828 ثمان وعشرين وثمانمائة
__________
1 محمد بن علي بن محمد الأنصاري الشهير بالحفار الغرناطي: نيل الابتهاج "282".
2 سعيد بن محمد العقباني التلمساني: توفي سنة 811:
الديباج المذهب "124، 125"، ونيل الابتهاج "125، 126".
3 أبو مهدي عيسى بن أحمد الغبريني التونسي قاضي تونس: نيل الابتهاج "193".
4 محمد بن خليفة الوشتاني التونسي: أبو عبد الله، التونسي، الوشتاني، مات سنة 828:
معجم المؤلفين "9/ 287"، والحاشية، البدر الطالع "2/ 169"، ونيل الابتهاج "287".
(2/296)

وخلفة بوزن نعمة وقبضة.
665- عبد الله بن مقداد الأقفهسي 1: القاضي جمال الدين من تلاميذ خليل انتهت إليه رياسة المذهب بمصر، شرح المختصر بشرح كشرح بهرام في ثلاثة مجلدات ضخام، توفي سنة 823 ثلاث وعشرين وثمانمائة.
666- أبو مهدي عيسى بن علال المصمودي 2:
مصمودة الهبط، ويقال: الكتامي الفاسي شيخ الجماعة بها وفقيهها وقاضيها، له تعليق على مختصر ابن عرفة الفقهي، ويقال: له استدراكات عليه. وله رحلة وسماع وزهد وورع إمام القرويين وخطيبها، توفي 823 ثلاث وعشرين وثمانمائة.
667- أبو القاسم محمد بن عبد العزيز التازغدري 3:
مفتي فاس وخطيبها الإمام الفقيه النظار أكثر ابن غازي من النقل عنه في كتبه، وله تعليق على تقييد أبي الحسن الصغير على المدونة وفتاو كثيرة، ذكر في "المعيار" بعضها، قتل غدرا سنة 832 اثنتين وثلاثين وثمانمائة.
668- أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي: قاضيها، له مشاركة في الفنون، وكتب مفيدة، منها رجزه في الفقه المسمى "تحفة الحكام في الأحكام" مشهور متداول شرحه المشارقة
__________
1 عبد الله بن مقداد الأقفهسي القاضي جمال الدين: الضوء اللامع "5/ 17"، شذرات الذهب "7/ 160"، ونيل الابتهاج "155".
2 أبو مهدي عيسى بن علال المصمودي ويقال: الكتامي الفاسي: الضوء اللامع "6/ 155"، ونيل الابتهاج "193".
3 أبو القاسم محمد بن عبد العزيز التازغدري: الضوء اللامع "1/ 140".
(2/297)

والمغاربة، وأقبلوا عليه لسهولة لفظه ورقة أسلوبه، وله غيره من التآليف، توفي سنة 829 تسع وعشرين وثمانمائة.
669- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي 1:
الفاسي: ثم التونسي الإمام الحافظ المتقن الجامع المتفنن الذي اعترف حفاظ وقته بأنه أحفظ أهل الأرض، وأوسع العلماء علما في الطول والعرض، حامل لواء المذهب في وقته شيخ الإسلام، وابن شيوخ الإسلام بيت اشتهر بفاس فضله، وسلم له الأئمة الأعلام، قد أعجب به علماء تونس وأمراؤها لما ورد عليهم، وعطلت دروس جامع القصر وقت تدريسه، وصار جميع العلماء يحضرون إلقاءه، ويستفيدون منه مدة نحو عشرين سنة. وكان كتب لهم ابن مرزوق الحافظ يقول لهم: يرد عليكم حافظ المغرب، فكان كما قال، بل عجبوا منه، ولا سمعوا بمثله لا في تونس، ولا في بجاية ولا غيرهما، فكان البرزلي مبرزا على أقرانه في حفظ الفقه بتونس، وكان المشذالي في بجاية، وما كان أحد منهما يشبهه فضلا عن أن يدانيه، قال أبو عبد الله الزلديوي المفتي بتونس: تركت درسي، وحضرت درسه، فرأيت شيئا لا يدرك إلا بعناية ربانية، موقوف على من رزقه الله الحفظ، ينفق منه كيف يشاء، قال: لازمناه حضرا وسفرا، وعلمنا طريقه تفكرا ونظرا، فلا يقدر على طريقه إلا من حاز فطنة كاملة الاستواء ممدة من جميع القوى، فمن طريقه إذا قرأ المدونة فاستمع لما يوحى: يبتدئ على المسألة من كبار أصحاب مالك، ثم ينزل طبقة حتى يصل إلى علماء الأقطار من المصريين والأفريقيين والمغاربة والأندلسيين وأئمة الإسلام وأهل الوثائق والأحكام حتى يمل السامع، وينقطع عن تحصيله المطالع، وكذا انتقل إلى الثانية وما بعدها، هذا بعض طريقه في المدونة، وأما إذا ارتقى إلى كرسيه في التفسير، فترى أمرا معجزا ينتفع به من قدر له النفع من الخاصة والعامة يبتدئ بأذكار وأدعية مرتبة لذلك يكررها كل صباح يحفظها الناس، ويأتونها من كل فج عميق
__________
1 عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي الفاسي التونسي: نيل الابتهاج "179".
(2/298)

يتسابقون في حفظها وبعد ذلك يقرأ القارئ آية، فلا يتكلم بشيء منها إلا قليلا، ثم يفتتح فيما يناسبها من الأحاديث النبوية وأخبار السلف، وحكايات صوفية، وسير شريفة نبوية وصحابية وأخبار التابعين وتابعيهم، ثم بعدها يرجع للآية، وربما أخذ في نقل الأحاديث فيقول: الحديث الأول كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، إلى المائة فأزيد حتى يختمها، ثم كذلك في المائة الثانية، ونشك في المائة الثالثة، ويأتي في نظر ذلك ونقلها بأمر خارق للعادة هكذا فعل في مسجد القصر وغيره، وكان الناس يتسابقون إلى المواضع قبل الصبح رجالا ونساء يتزاحمون عليها، وفي خارج المسجد أكثر مما في داخله وصوته جهير يسمع الكل، ومنع السلطان من يخلط عليه ويحيره من الطلبة.
وإلا فطلبة تونس لا يردهم ذلك عمن لا يشاركهم في علومهم يأتونه من قبلها، وما تصدى لمعارضته إلا شيخنا أبو العباس المعقلي حرض الطلبة تحريضا عاما، ويقول: إنا لله خلت تونس حتى صار هذا يتكلم فيها بما يشتهي، ولكن خافوا من السلطان رحمه الله، وهذه الطريق قالوا إن ابن أخيه عبد الله يفعلها بفاس بالقرويين وعملها بمصر، فتعجبوا من حفظه ونقله المتين من الأحاديث وثباته عليها وترتيبه، وتكلموا فيه في العربية، فقرأ لهم ألفية ابن مالك، فسلك مسلكه في المدونة بدأ بالنقل عن أصحاب سيبويه، ثم نزل إلى السيرافي وشراح الكتاب، وطبقات النحويين حتى مل الحاضرون وأذعنوا.
ويقال: إنه دخل يوما على البرزلي وكان أعمى، فلما تكلم العبدوسي قال له البرزلي: أهلا بواعظ بلدنا، فقال له العبدوسي: قل وفقيهها، فسكت البرزلي، فعد ذلك من إقدام العبدوسي وسرعة جوابه رحمهم الله نقل هذا في "نيل الابتهاج" باختصار قال: ونقل عنه الإمام أبو زيد الثعالبي في شراح ابن الحاجب وابن ناجي في حواشي المدونة.
ومن لطائفه سئل يوما عن الشافعي ومالك فقال: أين قبر مالك، فقالوا: في المدينة، وأين قبر الشافعي، فقالوا: بمصر، فقال: بينهما ما بين قبريهما توفي سنة 837 سبع وثلاثين وثمانمائة.
(2/299)

قلت: قد ذكرتني ترجمة هذا الحافظ الكبير ترجمة الإمام أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي البغدادي التي بسطها عن عيان الرحالة ابن جبير الأندلسي في رحلته فلتنظر ولا بد.
هذا وما وقع للعبدوسي بتونس لا يستغرب لأن أهل القطر التونسي موصوفون بالإنصاف، ولين العريكة، ومحبة علماء المغرب وتعظيمهم وإكرامهم، وكم من عالم من المغرب ذهب إليهم، فأحسنوا القرى، وأخذوا عنه، وأعظموا جانبه، وقد قدمت لتونس سنة 1336، فاجتمع جماعة من سادتهم، وطلبوا مني إملاء درس تفسيري على نسق دروسي بفاس حيث كان بعضهم حضر دروسي التفسيرية وأعجب بها، ولولا الأدب معهم، لقلت: الحق أنهم قد استسمنوا ذا ورم، وتعينت إجابتهم لما أعلم من حسن قصدهم على ما في الباع من القصر، ولقد أهديت التمر لهجر، فوافق أنني كنت وصلت في التفسير إلى أول سورة قد أفلح المؤمنون، فأمليت بجامع الزيتونة عند باب الشفا درسا في العشر الآي الأول من السورة المذكورة فسرتها من حيث ثمانية عشر علما، وقد حضر أعلامهم الشيوخ العظام مثل رئيس أهل الشورى بالمجلس الشرعي السيد/ أحمد الشريف، والقاضيين المالكي والحنفي، وأهل الإفتاء على كبر سنهم وصغر سني وقلة بضاعتي، وأظهروا من الإجلال للعلم وأهله ما هم أهل له، ثم طلبوا مني أن أكتب لهم الدرس المذكور، فكتبت ما علق بفكري منه، وطبعوه ووزعوه تمتينا للروابط العلمية بين القطرين على علماء تونس والمغرب، وقرظوه ومدحه الأديب الأريب الفاضل العلامة المتفنن سيدي محمد الناصر الصدام بقصيدة ارتجالية هناك، وحين أكملت الدرس استأذنني في إملائها، فقلت له: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن لحسان أن ينشد شعره في المسجد النبوي، فأنشدها وأظهر كل من حضر ما هم له أهل من كمال التجلة والإعظام والإعجاب مما أعلم أني دونه بمراحل. جزاهم الله خيرا آمين والقوم ذوو أخلاق شريفة عالية ونهضة علمية عربية وآداب سامية أنجح الله نهضتهم، وحقق آمالهم.
(2/300)

670- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي 1:
أصلا المكي الحافظ سبط قاضي القاضي كمال الدين النويري قاضي المالكية بمكة المشرفة ومؤرخها تقي الدين. له ترجمة واسعة في "ذيل طبقات الحفاظ" لابن فهد، وله مصنفات في التاريخ والفقه وغيرهما. توفي سنة 832 اثنين وثلاثين وثمانمائة.
671- أبو الفاضل قاسم بن عيسى بن ناجي 2:
الفقيه الحافظ الزاهد الورع، له تفقه عظيم، وقيام على المدونة والرسالة واستحضار للفروع ولي قضاء باجة وجربة وقيروان، وله شرح على الرسالة مطبوع، وشرح على المدونة شتوي في أربعة أسفار وصيفي في سفرين. توفي سنة 837 سبعة وثلاثين وثمانمائة. وله الزيادات على معالم الإيمان في رجال القيروان مطبوع أيضا.
672- أبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي 3:
التلمساني الشهير بالحفيد الحجة الحافظ المتفنن ذو التآليف والفتاوى السائرة
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد علي الحسني الفاسي: ذيل طبقات الحفاظ لابن فهد ص"291، 297".
2 أبو قاسم بن عيسى بن ناجي: نيل الابتهاج "223".
3 أبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق العجيسي التلمساني: أبو عبد الله، العجيسي، المالكي، التلمساني، ولد سنة 766، مات سنة 842:
معجم المؤلفين "8/ 317، 318 الحاشية" دائرة معارف الأعلمي "26/ 157"، الضوء اللامع "7/ 50".
(2/301)

المذكورة في "المعيار" وغيره، وله شرح على "التهذيب"، وشرح على مختصر خليل لم يكملا، وله أراجيز في علم النحو والحديث والقراءات والميقات وغيرها، وشرح على بردة البوصيري، وشرح على صحيح البخاري، وغيره وبيتهم شهير بالعلم في تلمسان وترجمته خصت بالتآليف.
توفي سنة 842 اثنتين وأربعين وثمانمائة ووهم في "كشف الظنون" فقال: سنة 781 وهي سنة وفاة جده وقد تقدم.
673- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل 1:
البلوي القيرواني ثم التونسي الشهير بالبرزلي فقيهها ومفتيها وحافظها صاحب النوازل التي هي من كتب المذهب الأجلة، أجاد فيها ما شاء الله، كان إماما نظارا بحاثا مستحضرا للفقه عارفا بصنعة الفتوى انتهت إليه رياستها في وقته بعد الغبريني وابن عرفه الذي كان ملازما له نحو أربعين سنة، وأخذ عن غيره من شيوخ أفريقية ومصر، فكان شيخ الإسلام في وقته علما وإتقانا.
توفي سنة 844 أربع وأربعين وثمانمائة.
674- أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن 2 زاغو المغراوي:
التلمساني، الإمام المحقق المتفنن العابد، له شرح على التلمسانية في الفرائض، وتفسير على الفاتحة، كثير الفوائد وفتاو في أنواع العلوم، نقل في "المعيار" و"المازونية" جملة منها. توفي سنة 845 خمس وأربعين وثمانمائة.
__________
1 أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي القيرواني التونسي "البرزلي": نيل الابتهاج "226"، والبستان "150، 152".
2 أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن زاغو المغراوي التلمساني: نيل الابتهاج "78".
(2/302)

675- أبو القاسم محمد بن محمد بن سراج الغرناطي 1:
مفتيها وقاضيها حافظ المذهب، وحامل رايته البارع في الفتوى له شرح على مختصر خليل، وأكثر المواق من النقل عنه، وله فتاوٍ كثيرة في "المعيار" توفي سنة 848 ثمان وأربعين وثمانمائة.
676- عمر بن محمد بن عبد الله الباجي 2:
باجة تونس، ثم التونسي عرف بالقلشاني قاضي الجامعة بتونس العلامة المحقق النظار الحافظ الإمام المطلع الجليل ممن قل سماح الزمان بمثله علما وجلالة، ومع تبحره في الفقه كان طبيبا أخذه عن الشريف الصقلي وهو صنو أبي العباس القلشاني شارح الرسالة، شرح الطوالع شرحا حسنا وصل فيه إلى الإلهيات، وله شرح عظيم على فرعي ابن الحاجب في غاية الحسن والاستيفاء والجمع مع تحقيق بالغ ينقل كلام ابن عبد السلام ويذيله بكلام غيره كابن راشد وابن هارون والمشذالي وخليل وابن عرفة، وابن فرحون وغيرهم مع البحث معهم.
ويطرزها بنقل فحول أهل المذهب كالنوادر، وابن يونس، والباجي، واللخمي، وابن رشد، والمازوني، وابن بشير، وسند، وابن العربي وغيرهم، مع البحث في ألفاظ المتن إفرادا وتركيبا مما يدل على سعة علمه وقوة إدراكه وجودة نظره وإمامته في العلوم، نقل المازوني والمعيار جملة من فتاويه.
توفي سنة 848 ثمان وأربعين وثمانمائة.
__________
1 أبو القاسم محمد بن محمد بن سراج الغرناطي: نيل الابتهاج "308".
2 عمر بن محمد بن عبد الله الباجي "القاشاني" بن "باجة": الضوء اللامع "6/ 137"، ونيل الابتهاج "196، 197".
(2/303)

677- عبد الله بن محمد بن موسى بن معطي العيدروسي 1:
الفاسي الإمام الحافظ مفتي فاس وخطيبها وعالم الديار المغربية، ومحدثها وصالحها، ولي فتوى فاس والمغرب، وخطابة القرويين، كان رساخ الباع في الحفظ والإتقان، عريق المجد والسخاء، إماما في نصح الأمة، أزال كثيرا من البدع، وأصلح أحوال أهل وقته، أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأقام الحدود والحقوق، وكان أكثر علمه فقه الحديث، واسع الأخلاق، وكان أقوى من جده في العمل، وجده أقوى من في العلم، كان يعمل الخوض خفية، ويعطيه لمن لا يعرف أنه له يبيعه، فيتقوت منه في رمضان، ولم يخلف يوم مات إلا ستة أثواب أو ثلاثة لضروري ملبوسه، وكان يشترط في نكاحه العزل فرارا من الولد لفساد الزمان، ولا تفارق كمه الشمائل، وله نظم حسن في شهادة السماع وفتاو كثيرة في "المعيار" وغيره.
ومناقبه خصت بالتأليف، وهو من العبادسة بني معطي أعقاب أبي عمران موسى العبدوسي، منهم ولده المحدث الحافظ أبو القاسم الفقيه، وولده الفقيه أبو عبد الله والد صاحب الترجمة، وهم بيت كبير من بيوت العلم أقام العلم ورياسته فيهم زمنا طويلا حتى في نسائهم، وآخرهم أم هانئ العبدوسية وأختها أختا صاحب الترجمة. توفي سنة 849 تسع أو ثمان وأربعين وثمانمائة.
687- محمد بن عمر أقيت المسوفي الصنهاجي 2:
قاضي تنبكت أبو الثناء عالم التكرور وصالحها، ومدرسها وفقيهها، وإمامها بلا مدافع، ولي القضاء، فأظهر العدل، وأنصف الرعية من أولي الأمر، وكان السلاطين يزورونه، فلا يقوم إليهم ولا يلتفت إليهم أحيا العلم بتلك
__________
1 عبد الله بن محمد بن موسى بن معطي العيدروسي الفاسي: أخبار مكناس "4/ 502، 503".
2 محمود بن عمر أقيت المسوفي الصنهاجي قاضي تنبكت أبو الثناء: شجرة النور "278".
(2/304)

الأصقاع، وكان أكثر ما يقرئ المدونة والرسالة، وهو أول من أظهر خليلا بتلك النواحي، وقيد عنه تقاييد أخرجوها شرحا في سفرين. توفي سنة 855 خمس وثمانمائة عن سبع وثمانين سنة.
679- أبو القاسم وأبو الفضل قاسم بن سعيد بن محمد العقباني 1:
التلمساني الإمام شيخ الإسلام، ومفتي الأنام الفرد العلامة الحافظ القدوة العارف المجتهد المعمر ملحق الأحفاد بالأجداد الرحال، له اختيارات خارجة عن المذهب نازعه عصريه ابن مرزوق الحفيد في كثير منها، وقال فيه القلصادي في فهرسته: مرتقي درجة الاجتهاد بالدليل والبرهان، ولي قضاء تلمسان في صغره، ورأى أمله من ذريته في كبره، ودرس وأفاد الجهابذة النقاد، روى عن الحافظ ابن حجر والبساطي وغيرهما، له تعليق على فرعي ابن الحاجب وأرجوزة تتعلق باجتماع الصوفية على الذكر. وبيتهم بيت علم أبوه ووالده وحفيده. توفي عن سن عالية سنة 854 أربع وخمسين وثمانمائة.
680- أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري 2:
بفتح الميم والقاف المشددة وتخفف القرشي التلمساني الأصل، الفاسي قاضيها، له مشاركة تامة في العلوم، وله كتاب "القواعد" اشتمل على ألف ومائتي قاعدة للمذهب المالكي هي أصوله التي بني عليها، وله كتب في فنون شتى وقال فيه ابن مرزوق: إنه وصل درجة الاجتهاد المذهبي والتخيير والتزييف من الأقوال. توفي سنة 858 ثمان وخمسين وثمانمائة.
__________
1 أبو القاسم وأبو الفضل قاسم بن سعيد بن محمد العقباني التلمساني: الضوء اللامع "6/ 181"، ونيل الابتهاج "223/ 224".
2 أبو عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد المقري القرشي التلمساني الأصل الفاسي: نيل الابتهاج "249".
(2/305)

681- أم هانئ بنت محمد العبدوسي 1:
فقيهة فاس الصالحة الأحوال أخت الإمام الحافظ عبد الله العبدوسي هي آخر فقهاء هذا البيت الذي رفع العلم عماده. توفيت سنة 860 ستين وثمانمائة ولها أخت مثلها اسمها فاطمة العبدوسية يشار إليها بالفقه والصلاح.
682- أبو العباس أحمد بن عمر المزجلدي 2:
بجيم معقودة بعد الزاي قبيلة بجبال عمارة إمام علم شهير من أئمة فاس كان يحفظ المدونة، ويمليها حفظا، ويملي ألفاظ شراحها كذلك من غير تكلف، ويبين مآخذهم وأنهم إنما شرحوا أولها بآخرها، وآخرها بأولها، ويقول: ما نزل حكم من السماء إلا وهو في المدونة كان نزها زاهدا مهيبا، صلبا في الحق ولا يبالي بالدنيا وأبنائها. توفي سنة 864 أربع وستين وثمانمائة.
683- أبو العباس أحمد بن سعيد التيحميسي 3:
الشهير بالحباك المكناسي أصلا، الفاسي الفقيه الإمام الخطيب علامة شاعر متصوف نظم بيوع ابن جماعة التونسي محررة بما وضع عليها الإمام أحمد القباب. توفي سنة 870 سبعين وثمانمائة.
684- سالم بن إبراهيم الصنهاجي المغربي:
قاضي القضاة بالشام والقدس مولده بالمغرب، وبه قرأ العلم، أسره الكفار ثم أنجاه الله، ولما ولي الشام سار بسيرة حسنة باحترام وعفة ونزاهة. توفي سنة 873 ثلاث وسبعين وثمانمائة عن نحو مائة سنة.
__________
1 أم هانئ بنت محمد العبدوسي: نيل الابتهاج "348".
2 أبو العباس أحمد بن عمر المزجلدي: نبل الابتهاج "81".
3 أبو العباس أحمد بن سعيد التيجميسي "الحباك" أخبار مكناس "1/ 313، 315".
(2/306)

685- أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي 1:
الجعفري الهاشمي الزينبي الجزائري الإمام العلم الزاهد القدوة الكامل صاحب الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وروضة الأنوار في الفقه، قدر المدونة جمع فيها لباب نحو ستين دواوين المالكية المعتمدة من حصل عليه حصل على خزانة مالكية فقهية، وشرح ابن الحاجب الفرعي في سفرين مع جامع كبير ختمه به في جزء، وجامع الأمهات في أحكام العبادات وغيرها تآليف كثيرة. توفي بالجزائر سنة 875 خمس وسبعين وثمانمائة عن نحو تسعين سنة.
ونسبة الثعالبي إلى الثعالبة بوطن الجزائر قبيلة شهيرة به من عرب معقل والجعفري إلى جعفر بن أبي طالب الطيار شهيد مؤته، وينسب أيضا زينبي نسبة إلى زينب بنت علي بن أبي طالب، وفاطمة البتول زوجة عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم، وقد بسط القول في هذا النسب الأطهر العلامة أحمد بن خالد الناصري في كتابه "طالع المشتري في النسب الجعفري" فانظره، فإنه مطبوع بفاس. وإلى قبيلة الثعالبة المذكورين ينتسب قبيلنا من حجاوة قال الناصري المذكور: والثعالبة جعافرة صرحاء في النسب المذكور ويأتي في ترجمة أبي مهدي عيسى الثعالبي أنه من هذا القبيل، صرح بذلك في الصفوة وغيرها كما صرح بذلك من ترجموا لأبي زيد المذكور، ويأتي في ترجمة الإمام أبي بكر الحجوي قريبا أنه منهم.
686- أبو عبد الله محمد بن قاسم 2:
اللخمي نسبا المكناسي دارا، ثم الفاسي الشهير بالقوري بفتح القاف،
__________
1 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجعفري الهاشمي الزينبي الجزائري: أبو زيد، الثعالبي، الجزائري، ولد سنة 786، توفي سنة 875:
شجرة النور الزكية "264"، الضوء اللامع "4/ 152"، ونيل الابتهاج "173، 175"، وفهرس الفهارس "2/ 131، 132".
2 أبو عبد الله محمد بن قاسم اللخمي نسبا المكناس دارا: أخبار مكناس "3/ 595، 597".
(2/307)

وتقديم الواو على الراء الإمام المتبحر المفتي، المشاور الحجة الأنزه، آخر حفاظ المدونة بفاس، كان ينقل في درسه لها كلام المتقدمين والمتأخرين وذكر مواليدهم ووفياتهم، وضبط أسمائهم، ويشبع الكلام على الأحاديث التي يستدلون بها، له شرح في مختصر خليل، توفي بفاس سنة 872 اثنين وسبعين وثمانمائة.
687- علي بن عبد الله نور الدين شهر بالسنهوري 1:
نسبة إلى قرية من قرى مصر شيخ المالكية بمصر، وكانت حلقته من أجل حلق العلم بها شرح المختصر بشرح جليل لم يكمل، وشرح الآجرومية، وله تعليق على التلقين على ما قيل قال تلميذه زروق: كان حافظا للفقه، عارفا بالنحو والأصول، وقال المنوفي: إنه رأس محقق زمانه. توفي سنة 889 تسع وثمانين وثمانمائة.
688- أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الحفيد 2: الشهير بابن رشد السجلماني قاضي حلب، ومن انتهت إليه رياستها توفي سنة 789 تسع وثمانين وسبعمائة.
689- علي بن محمد بن محمد بن علي القرشي البسطي 3:
نزل غرناطة الشهير بالقلصادي الفقيه العالم المشارك الفرضي الرحلة
__________
1 علي بن عبد الله نور الدين بالسنهوري: أبو الحسن، ولد سنة 814، مات سنة "889":
شجرة النور الزكية "258"، الضوء اللامع "5/ 249، 251"، نيل الابتهاج "168".
2 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الحفيد "ابن رشد السلجماني قاضي الحلب": أبو زيد، أبو المحاسن، الدمشقي، الشافعي، الكزبري الصغير، أو الكزبري الحفيد، مات سنة "1262":
فهرس الفهارس "1/ 484"، معجم المؤلفين "5/ 177، 178"، ثبت الكزبري ص"58، 120".
3 علي بن محمد بن محمد بن علي القرشي البسطي الشهير "القلصادي: أبو الحسن، القرشي البسطي، الأيدلسي، ولد سنة "815"، مات سنة "891":
معجم المؤلفين "7/ 230"، شذرات الذهب "6/ 308"، ونيل الابتهاج "168".
(2/308)

الحيسوبي من أئمة الأندلس المشهورين بكثرة التأليف، هاجر عن غرناطة لما نزلت بها المصيبة العظمى إلى أفريقية، وكان على قدم عظيم في الاجتهاد ومداومة التدريس ونشر العلم والتأليف، من تواليفه "أشهر المسالك إلى مذهب مالك"، وشرح مختصر خليل، والرسالة، والتلقين، و"هداية الأنام شرح مختصر قواعد الإسلام"، و"هداية النظار في تحفة الأحكام والأسرار" و"كشف الأسرار عن علم الغبار"، و"كشف الجلباب عن علم الحساب" وشرحان عن التلخيص و"كليات الفرائض"، وشرحها، وشرحان على التلمسانية، وشرح ألفية ابن مالك، والخزرجية في تواليف كثيرة بين شرح وتصنيف، بين بعضها في "نيل الابتهاج" فانظره. توفي بباجة أفريقية سنة 891 إحدى وتسعين وثمانمائة والقلصادي بفتح القاف واللام والصاد المهملة كما في "المنح البادية" وغيرها.
690- أبو عبد الله محمد بن موسى بن محمد بن سند اللخمي1: المصري، ثم الدمشقي، حافظ متقن، وإمام متفنن، له عدة كتب في الحديث وغيره. توفي سنة 792 اثنين وتسعين وسبعمائة.
691- أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الشهير بحلولو2: اليزليتني الطرابلسي له شرحان على المختصر وآخران على جمع الجوامع، واختصر فتاوى البرزلي وغير ذلك. قال السخاوي: كان حيا سنة 895 خمس وتسعين وثمانمائة.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن موسى بن محمد بن سند اللخمي المصري ثم الدمشقي: حسن الحاضرة "1/ 203"، والدرر الكامنة "4/ 270"، وشذرات الذهب "6/ 326"، وتذكر الحفاظ "177، 368".
2 أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الشهير بحلولو: الضوء اللامع "2/ 260، 261"، ونيل الابتهاج "83، 84".
(2/309)

692- أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر السنوسي 1:
وبه شهر التلمساني، ونسبته إلى قبيلة قربها من البربر، وأم أبيه شريفة حسنية عالم تلمسان ولسان متكلميها إمام مشهور تواليفه في العقائد على مذهب متأخري الأشعرية، كالكبرى والوسطى والصغرى وشرحها، مع صلاحه وزهده واشتهاره بذلك في الأقطار، ألف تلميذه الملالي تأليفا في التعريف به وبمناقبه وقد لخصه أحمد بابا السوداني في "نيل الابتهاج" قال: وبلغني أنه شرح فرعي ابن الحاجب، وله شرحان على الحوفية، وفتاو وأراجيز، وله تواليف كثيرة في فنون. توفي سنة 895 خمس وتسعين وثمانمائة عن نيف وستين سنة.
693- أبو محمد عبد الله الورياجلي 2:
الفاسي علامة مشارك الصدر الأوحد ممن بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد، وكان من فحول علماء الدنيا الذين تشد إليهم رحال طلاب العلم يقرئ المذاهب الأربعة، ينتصر لمذهب مالك كأنه المازري، ومن طالع أجوبته يقضي بصحة ذلك؛ إذ لا يذكر إلا الخلاف الكبير، ومن عادته أن يشتغل بالتدريس في فصلي الربيع والشتاء، ويخرج في فصلي الصيف والخريف للرباط، وحراسة ثغور القبائل الهبطية، ونشر العلم بها، وفضائله جمة، تولى رياسة العلم بفاس، وبها استقر إلى أن مات، وما كانت ترفع إليه إلا المعضلات المهمات.
توفي سنة 894 أربع وتسعين وثمانمائة، وقيل: في العشر الأولى من القرن العاشر.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر السنوسي: السنوسي، التلمساني، الحسيني، ولد سنة "832"، مات سنة "895":
معجم المؤلفين "12/ 132، الحاشية".
2 أبو محمد عبد الله الورياجلي الفاسي: نيل الابتهاج "159".
(2/310)

694- أبو مهدي عيسى بن أحمد بن محمد الماواسي البطوئي 1:
الفاسي بيتهم بيت علم وجلالة بها، وهو فقيهها ومفتيها وعالمها، أقام يخطب بفاس الجديد نحو ستين سنة، وله فتاوٍ نقل بعضها في "المعيار" تدل على كماله، وولي خطة الفتوى بعد الإمام القوري، ورقي أعلا درجاتها، وكان حافظا محققا من جلة الفقهاء وكبار العلماء توفي سنة 896 ست وتسعين وثمانمائة عن سن عالية.
695- أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق 2:
الغرناطي حضر استيلاء الإسبان على غرناطة، له شرح على مختصر خليل شرحه بنقل كلام الفقهاء الذي يؤيده، وما لم يجد له عاضدا سكت عنه، وهو صنيع لطيف يرجع بنا لاستحضار كلام الأقدمين، وقد طبع بمصر سنة 1328 توفي سنة 897 سبع وتسعين وثمانمائة.
696- أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى زروق 3:
بوزن تنور البرنسي4 بضم النون الفاسي الإمام الفقيه المحدث الصوفي المشهور في العالم الإسلامي الرحالة، ذو التصانيف العديدة المفيدة، والمناقب
__________
1 أبو مهدي عيسى بن أحمد بن محمد الماواسي البطوئي الفاسي: نيل الابتهاج "194".
2 أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق الغرناطي: نيل الابتهاج "324، 325"، والضوء اللامع "10/ 98"، شجرة النور "262".
3 أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى زروق: نيل الابتهاج "84، 87"، والبستان "45، 50"، وسلوة الأنفاس "3/ 183، 184".
4 البرنسي نسبة إلى البرانس قبيلة بربرية قرب فاس، وزروق يقال لأزرق العينين، ثم صار علما. ا. هـ. "المؤلف".
(2/311)

الحميدة، والزهد والورع، والانكباب على العلم والهداية، له شرحان على الرسالة، وآخر على مختصر خليل، وشرح على إرشاد ابن عسكر، وابن القرطبية، والوغليسية، والغافقية والعقيدة القدسية للغزالي ونيف وعشرون شرحا على الحكم، والنصيحة الكافية، وكتابه القواعد في التصوف، مطبوع، وكتاب عدة المريدين فيه ما أحدثه الصوفية العالية في المؤلفين، بل والمنصفين والمرشدين، ذابا عن السنة، قوالا للحق، وهو آخر المحققين الجامعين بين الفقه والتصنيف، المحتج به عند الطائفتين، أخذ عن شيوخ المشرق والمغرب، وأخذوا عند كذلك. توفي سنة 899 تسع وتسعين وثمانمائة، ودفن بتكرين من أعمال طرابلس الغرب، وقبره هناك مشهور، وله طريقة خاصة في التصوف وأتباع رحمه الله.
697- أبو العباس أحمد بن محمد بن زكري المانوي 1:
التلمساني علامتها ومفتيها، وحافظها المتفنن الأصولي الفروعي، المفسر الأبرع، له تآليف في مسائل القضاء والفتيا، وشرح عقيدة ابن الحاجب، والمنظومة الكبرى في علم الكلام تنيف عن ألف وخمسمائة بيت شرحها أئمة أعلام، وله فتاوٍ كثيرة منقولة في "المعيار" توفي سنة 899 تسع وتسعين وثمانمائة.
698- أبو الحسن علي بن قاسم بن محمد التجيبي 2:
الشهير بالزقاق الفاسي مؤلف نظم المنهج المنتخب في اصول المذهب،
__________
1 أبو العباس أحمد بن محمد بن زكري المانوي التلمساني: نيل الابتهاج "87، 88"، وفهرس الفهارس "4/ 438، 439".
2 أبو الحسن علي بن قاسم بن محمد التجيبي "الزقاق" الفاسي": أبو الحسن، التجيبي، ولد سنة "625":
وادي أشي "65"، الاستقصا "2/ 182"، شجرة النور "274".
(2/312)

ولاميته أيضا شهيرة في أحكام فقهية في مسائل جرى بها عمل فاس، ويكثر حدوثها، ويحتاج القضاة لمعرفتها. توفي سنة عالية سنة 912 اثنتي عشرة وتسعمائة.
699- أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد الوانشريسي 1:
التلمساني الأصل، الفاسي الدار، حامل لواء المذهب المالكي بالديار الأفريقية في وقته، وصاحب كتاب المعيار المشتمل على فتاوى فقهاء المغرب والأندلس وأفريقية جمع فأوعى، وهو من التآليف ذات الشأن عند فقهاء الوقت على ما فيه من ضعف بعض الفتاوى طبع بفاس واشتهر في العالم، وله تعليق على مختصر ابن الحاجب، وكتاب في القواعد الفقهية سماه "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك" جمع نحو مائة قاعدة فقهية بني عليها الخلاف المالكي، ولكن كلها أو جلها مختلف فيها. وعن الاختلاف فيها نشأ الاختلاف في فروعها، فهو كفلسفة مفيدة وله وثائق، وكتاب في الفروع، وشرح وثائق الفشتالي وغيرها. توفي سنة 914 أربع عشرة وتسعمائة وفي "دوحة الناشر": في آخر العشرة الأولى في القرن العاشر إلا أن صاحب الدوحة لا يحرر الوفيات.
700- أبو عبد الله بن عبد الله بن محمد اليفرني 2:
الشهير بالقاضي المكناسي نسبة إلى قبيلة مكناسة الفاسي قاضيها وإمامها الفقيه الشهير، مكث في قضائها بضعا وثلاثين سنة لعدله وسياسته وكفاءته،
__________
1 أبو العباس أحمد بن يحيى بن عبد الواحد الوانشري التلمساني: نيل الابتهاج "87، 88"، وفهرس الفهارس "4/ 438، 439".
2 أبو عبد الله بن عبد الله بن محمد اليفرني الشهير بالقاضي المكناسي: جذوة الاقتباس "151"، وأخبار مكناس "3/ 599".
(2/313)

بيتهم بيت علم ووجاهة بفاس، وصار عليها سمة ابن القاضي وهو شيخ صاحب "المعيار"، وينقل فتاويه فيه وأحكامه، له تواليف، منها مجالس القضاة والحكام في سفر متوسط، وهو عمدة القضاء إلى الآن والتنبيه والإعلام فيما أفتاه المفتون، وحكم به القضاة من الأوهام، وكان لا يولي أحدا الشهادة إلا بعد اللتيا والتي، ويقول: من طلبها لي، فكأنما خطب ابنتي، وأصاب في ذلك، فإن بعض القضاة كان يقول للشهود: أنتم القضاة ونحن المنفذون، وهكذا كان شأن الشهادة إلى أن تولى عبد الرحمن الطرون، فإنه كسر الباب، وأدخل لها الغث والسمين. توفي سنة 917 سبع عشر وتسعمائة. عن ثمان وسبعين سنة.
701- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي العثماني 1:
المكناسي الأصل مكناسة الزيتون ثم الفاسي شيخ الجماعة بها والذي انتهت إليه رواية السنة بأفريقية، وفهرسته خير دليل على ذلك، واجتماع علماء المغرب على الأخذ عنه وتوثيقه وقبول روايته، الإمام الحافظ المشارك في الفنون العقلية والنقلية صدرا في القراءات والتجويد، عارفا بوجوهه، وصدرا في الحديث ورجاله، والتفسير والفقه، ورياضي كبير، وكانت إليه الرحلة في الأقطار الإفريقية، غزا بنفسه غير ما مرة، وكان يحرض عليه في خطبه، جامع أشتات الفضائل، ذو التصانيف العجيبة في القراءات والحديث والعربية والحساب والعروض والفقه، خطيب القرويين وإمامها، له تقييد على البخاري، وله شفاء الغليل شرح مختصر خليل، وتكميل التقييد على المدونة، وحل مشكل كلام ابن عرفة، وله المنية منظومة في الحساب وشرحها متداولة بين الناس في سفر ضخم، تدل على أن العلوم الرياضية كانت بالمغرب زاهرة في القرن العاشر، وتآليف أخرى كلها غرر توفي شهيدا ذهب للحراسة بنفسه على شيبته في الثغور المغربية، فمرض وجيء به لفاس عليلا فتوفي سنة 919 تسع عشرة وتسعمائة عن ثمان وسبعين سنة، فقد كان مجددا رحمه الله، وكانت له اليد الطولى في إنقاذ بلده من
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي العثماني المكناسي الفاسي: نيل الابتهاج "333"، وشجرة النور "267"، وفهرس الفهارس "1/ 210".
(2/314)

الاحتلال البرتغالي والتسلط الأجنبي.
702- أبو عبد الله محمد بن أبي الهبطي الصماتي 1:
الفاسي الإمام الفقيه النحوي الفرضي الأستاذ المقرئ وهو الذي يقرأ أهل المغرب بالوقف الذي جعله في القرآن الكريم منذ زمنه إلى الآن مطبقين عليه، وهو أخذه عن الإمام ابن غازي شيخه، وإن كان في بعضه نظر، وإن تلقاه قراء المغرب بالقبول. توفي سنة 930 ثلاثين وتسعمائة.
703- أبو الحسن علي بن هارون المطغري 2:
مطغرة تلمسان أصله منها، وانتقل جده إلى فاس إمام علامة مفتي فاس، وحامل راية المذهب بها، راوية فحل من فحولها، جلس إلى الإمام ابن غازي يأخذ عنه الفقه تسعة وعشرين سنة، وإلى الإمام الونشريسي صاحب "المعيار" وغيرهما، وانتهت إليه رياسة الفقه والإفتاء بعدهما والتدريس، ونفع العباد، ونشر الدين والخطابة بالقرويين، وصار شيخ الجماعة في وقته، تشد إليه الرحال، واقرأ المدونة في حياة ابن غازي، وممن أخذ عنه سيدي رضوان الجنوي والمنجور وغيرهما. توفي سنة 951 إحدى وخمسين وتسعمائة، وقد أناف على الثمانين.
704- أبو محمد عبد الواحد بن الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي 3:
الزناتي الفاسي إمام وقته في الفقه من غير مدافع، متضلع في الأدب
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أبي الهبطي الصماتي الفاسي: الصماتي بضم المهملة نسبة إلى صماته قبيلة جبلية بالمغرب الشمالي والهبطي بفتح أوله نسبة بلاد الهبط معروفة هناك. ا. هـ. "المؤلف".
2 أبو الحسن علي بن هارون المطغري مطغرة تلمساني: نيل الابتهاج "212".
3 أبو محمد عبد الواحب بن الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي الزناتي الفاسي: نيل الابتهاج "188".
(2/315)

والأصول مشارك في الفنون محقق للجميع مع طلاقة لسان، وحسن بيان وثبات جنان، ولطف وحسن شمائل، وجودة فهم وخط، وشعر لا يقارع فيه، صحيح الدين، متين الورع، معيب وقور، متقدم في الإنشاء وعقد الشروط مجلسه يحضره أكابر العلماء.
تولى القضاء ثمان عشرة سنة، ثم الفتيا بعد شيخه ابن هارون، وهو في ذلك مداوم على الدروس، عدل في أحكامه، أخذ عن والده صاحب المعيار وابن غازي وغيرهما، ومن تواليفه نظم قواعد مذهب مالك بن أنس لخص فيه إيضاح المسالك لوالده، وزاد عليه زيادات رائقة، وشرح مختصر ابن الحاجب الفرعي في أربعة أسفار، وشرحه على الرسالة مطول عجيب، ونظم تلخيص ابن البناء في الحساب، وله تعليق حسن على البخاري لم يكمل، وله أزجال وموشحات لرقة طبعه، ومن قوته في الدين أن السلطان أبا العباس المريني أبطأ في الخروج لصلاة العيد حتى حان الظهر، وبعد خرجوه رقي المنبر، فقال: الله آجركم في صلاة العيد، ثم أمر المؤذن أن يؤذن للظهر، فصلى بهم الظهر، وانصرف، ولم يراع سلطان ولا غيره. توفي قتيلا شهيدا سنة 955 خمس وخمسين وتسعمائة عن نحو سبعين سنة.
705- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن اليسيتني 1:
بفتح التحتانية وكسر السين المشددة نسبة إلى قبيلة بربرية الفاسي عالمها ومفتيها الفقيه المشارك المتقدم في العلوم، رحل للأقطار، وأتى بعلوم كانت اندثرت من الديار الأفريقية فأحياها، له شرح مختصر خليل إلى النواقض، وجزء في حقوق السلطان على الرعية وحقوقها عليه، وآخر في الرد على البلبالي في إنكاره القول بطهارة بول المريض الذي صارت له أوصاف الماء بحيث باله كما
__________
1 أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن اليسيتني الفاسي: نيل الابتهاج "338، 339"، وسلوة الأنفاس "3/ 59، 60".
(2/316)

شربه وتواليف أخرى في علم الكلام وغيره. توفي سنة 959 تسع وخمسين وتسعمائة.
706- أبو زيد عبد الرحمن بن علي سقين 1، 2:
السفياني العاصمي الفاسي، الفقيه الخطيب، المحدث الراوية الرحالة، لقي بمصر جماعة، منهم برهان الدين القلقشندي، وزكريا الأنصاري القاضي، وابن فهد بمكة، والسخاوي كلهم عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، وعنه أخذ المنجور، وأبو راشد البدري ورضوان الجنوي وغيرهم، كل ذلك مبين في أسانيدنا. توفي سنة بفاس سنة 956 ست وخمسين وتسعمائة عن ثلاث وثمانين سنة.
707- عمر بن محمد الكماد الأنصاري القسطنطيني:
الفقيه العالم الكبير المتفنن المحقق الراسخ، الصالح الأحوال ألف كتاب البضاعة المزجاة على طريق الطوالع والمواقف في غاية التحقيق والإيضاح، وفتاوى في الفقه وتعليقا على قول "خ": وخصصت نية الحالف، وكتابا حفيلا في الرد على الشبوبية أصحاب المرابط عرفة القيرواني وغيرها توفي سنة 960 ستين وتسعمائة.
708- أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المدعو خروف التونسي الأنصاري:
الملقب جار الله الإمام الفقيه الأصولي المحدث الأديب المشارك المتبحر، قرأ
__________
1 سقين مصغر مشدد القاف كما في "المنح البادية".
2 أبو زيد عبد الرحمن بن علي سقين السفياني العاصمي الفاسي: أبو زيد، العاصمي، السفياني، العصري الفاسي، الشهرة سقي، سقير، توفي سنة "956":
فهرس الفهارس "2/ 987"، شجرة النور الزكية "279".
(2/317)

بأفريقية ومصر، وأسر، ففداه السلطان أحمد الوطاسي، فاستوطن فاسا، فدد بها سند العلوم المعقولية، وعنه أخذ على الحقيقة، وكان له على المنقولات أيضا سند عال، وهو ممن ضمت فهرستنا سنده الكريم، أخذ بفاس عن سقين وعلي بن هارون، وعبد الواحد الونشريسي وغيرهم، وأخذ عنه سيدي رضوان والمنجور، والقصار، وسيدي يوسف الفاسي وغيرهم.
توفي سنة 966 ست وستين وتسعمائة.
709- القاضي حسين المكي 1: نشر العلم بها وفيمن يرد إليها، ويحسن لطلبتها وفقرائها، وعين لقضاء القضاة في المدينة المنورة، ثم صار شيخ الإسلام وناظر المسجد الحرام، وخطيب الموقف. توفي سنة 990 تسعين وتسعمائة.
710- أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي 2:
الفاسي الفقيه المحدث، أورع أهل زمانه وواحد وقته علما وعملا، شريف الخلال، لطيف الصفات، شديد الاتباع للشروع وآداب السنة، لا يذكر غائب بحضرته إلا بما اقتضاه العلم، ولا يترك أحدا يقبل يده، ويقول: ما مد يده إلا مأذون أو مجنون أو طرمون، ولست بواحد منهم قال فيه الإمام القضار: رضوان الرجل الصالح لو أدركه أبو نعيم لجعله في "الحلية" وقد ألف في مناقبه تلميذه أحمد بن موسى المرابي تحفة الإخوان في مجلد، والشيخ رضوان قد ألف كتابا في الفقه، وله نظم الحلية لأبي نعيم، وتقاييد كثيرة.
توفي سنة 991 إحدى وتسعين وتسعمائة عن تسع وسبعين سنة، ولم يخلف بعد تجهيزه ما يورث عنه سوى حصير الصلاة، وخيط يشمر به أكمامه للوضوء لزهده وورعه، وأعجب من ذلك أنهما بيعا بسبعين مثقالا، وحين
__________
1 حسين المكي "القاضي": شذرات الذهب "8/ 419".
2 أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي الفاسي: اليواقيت الثمينة "1/ 151، 152"، وفهرس الفهارس "1/ 325، 326".
(2/318)

رفعت لابنته التي لم يترك وارثا سواها أبت من قبولها، وقالت: إنهما لا يساويان هذا القدر، فاشتروا بها بقعة وبنوا بها زاوية هي باسمه إلى الآن بفاس.
والجنوي نسبة إلى جنوة بلد بإيطالية أسلم أبوه بها لما رأى فرسه راث ليلا بكنيسة، فجاء الرهبان صباحا وباعوا الروث بمال عظيم بدعوى أن المسيح أتى للكنيسة فراث فرسه، فهجر دينا خرافيا وجاء للمغرب، فأسلم وتزوج يهودية أسلمت، فولد لهما سيدي رضوان رحمه الله.
711- أبو العباس أحمد بن علي المنجور 1:
الفاسي الإمام المحصل المشارك عارف بالرجال والحديث والفقه والعربية والتعاليم وله تآليف، منها نظم الفوائد في الكلام، وشرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب في الفقه وغيرها، وله شعر رائق. توفي سنة 995 خمس وتسعين وتسعمائة.
712- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحطاب الرعيني 2:
المغربي الأصل المولود بمكة، له شرح على المختصر الخليلي جليل استمد منه كل من شرحه بعده، وهو أكثر الشروح تحريرا وإتقانا، وعليه اعتمد البناني وابن سودة والرهوني في كثير من تعقباتهم على الزرقاني، وله غيره من المؤلفات الحسنة.
توفي سنة 954 أربع وخمسين وتسعمائة.
__________
1 أبو العباس أحمد بن علي المنجور الفاسي: أخبار مكناس "1/ 319، 332"، وسلوة الأنفاس "3/ 60"، نيل الابتهاج "95، 98".
2 أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحطاب الرعيني المغربي الأصل: نيل الابتهاج "337، 338".
(2/319)

713- محمد بن عبد الله الوجديجي الملقب شقرون 1:
التلمساني وفد على السلطان بفاس، فأكرمه، وولاه الفتوى بمراكش وسائر أقطار المغرب فكان يتردد لنشر العلم بينها وبين فاس وأخذ عنه أعيانهما كان مفننا عارفا بالأصلين والمعقول والحساب والفرائض نافذا في الفروع الفقهية منطبعا معها يحسن النوازل ويقوم على مختصر ابن الحاجب أتم قيام، له شرح على التلمسانية في الفرائض، فكان عالم الزمان وفارس المنابر وعروس الكراسي طلق اللسان منفسح الصدر كثير المعرفة يحضر مجلسه أعيان الفقهاء والسلطان بنفسه وانتفع به العموم. توفي سنة 983 ثلاث وثمانين وتسعمائة عن خمس وسبعين.
714- أبو العباس أحمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون 2:
الزجلي3 باللام الشفشاوني بلد بشمال المغرب قاضيها وعالمها، وفقيهها، له كتاب اللائق في الوثائق حسن في بابه، وآخر في الأنكحة مجلد ضخم.
توفي سنة 992 اثنين وتسعين وتسعمائة، وكان أبوه أبو علي الحسن فقيها أيضا له أجوبة في الفقه تؤذن باتساعه في العلم وتأتي ترجمة أخيه أبي عبد الله عرضون.
__________
1 محمد بن عبد الله الوجديجي الملقب شقرون التلمساني: نيل الابتهاج "340"، البستان "261".
2 أبو العباس أحمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون الزجلي: اليواقيت الثمينة "1/ 18".
3 الزجلي نسبة إلى أزجل على غير قياس مدينة مهمة كانت قرب وزان بجبال الهبط من المغرب الأقصى، فخربت بالفتن، ولا زالت آثارها وهي الآن مدثر. ا. هـ. "المؤلف".
(2/320)

715- يحيى بن محمد الحطاب المكي 1:
فقيه مكة وعالمها، متفنن بارع مؤلف، له تواليف في الفقه والمناسك والعروض، منها الالتزامات، كتاب مطبوع وغيرها. توفي بعد ثلاث وتسعين وتسعمائة، وهو حفيد الحطاب السابق.
716- إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون 2:
وبه شهر برهان الدين اليعمري الجياني الأصل، المدني المولد والدار، قاضيها وعالمها، جامع للفضائل، ومشارك في الفنون، واسع العلم، فصيح القلم، كثير العبادة، زاهد، رحل إلى مصر والشام وغيرها، وتولى قضاء المدينة المنورة، فأحسن السيرة فيها، لم تأخذه في الله لومة لائم، مات في بيت الكراء وعليه دين كثير. ألف تواليف مهمة كشرح ابن الحاجب، و"درر الخواص"، وهي ألغاز في الفقه لم يسبق لمثله، و"تبصرة الحكام" و"الديباج المذهب في رجال المذهب"، ولخصت عنه كثيرا من التراجم في هذا المجموع وغيرها من التواليف الحسان. انظر ترجمته الحفيلة في "نيل الابتهاج"، توفي سنة 999 تسع وتسعين وتسعمائة.
717- الشيخ محمد بن محمد التبنبكتي 3:
عرف ببغيغ بباء موحدة مفتوحة فغين معجمة فياء مثناة مضمومة، فعين مهملة، الفقيه الصالح العابد الناسك من العلماء العاملين قال في "تكميل الديباج" لا يبعد عندي أن يكون هو العالم المبعوث على رأس هذا القرن، وذكر
__________
1 يحيى بن محمد بن الحطاب المكي: حاشية الأكمال "3/ 165"، نيل الابتهاج "360".
2 إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون: الدرر الكامنة "1/ 48"، ونيل الابتهاج "30، 32"، وشذرات الذهب "6/ 357".
3 محمد بن محمد التبنبكتي "عرف ببغيغ": الونكري، التنبكي، ولد سنة "796"، مات سنة "835":
معجم طبقات الحفاظ ص"169"، طبقات الحفاظ "545"، الأعلمي "2/ 128".
(2/321)

الرهوني في فصل المباح من الطعام أن علماء السودان يزعمون أنه المبعوث على رأس الألف في نظرهم. ونقل عن أبي العباس المقري أنه رأى له حاشية على المختصر وشراحه تدل على سعة تبحره.
وذكر في الصفوة أنه توفي سنة 1002 اثنتين وألف. وقد ترجمه في "تكميل الديباج" و"خلاصة الأثر" وغيرهما.
718- أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الحميدي:
مصغيرا إمام كبير وعلم شهير، حامل لواء المذهب المكالي بفاس بوقته، بل بالمغرب مع المشاركة في كثير من الفنون، مفتي فاس وقاضيها الذي طالت ولايته أزيد من ثلاثين سنة لم تطل لغيره إلا القاضي المكناسي اليفرني والقاضي بوخريص إلا أن هذا أعفي في آخر عمره، وقد أكثر علماء فاس من نقل العمليات عنه، ووصفه جمهور المؤرخين بالعدل وحسن السيرة، ولا يلتفت لما لمزه به في "الجذوة" نخرج به علماء كثيرون، وزثنوا عليه وعلى أحكامه وقضاياه، وبيتهم بيت علم وجلالة بفاس.
توفي سنة 1003 ثلاث وألف.
719- أبو القاسم بن قاسم بن محمد أبي القاسم بن سودة المري الغرناطي الأصل الفاسي
العلامة المتفنن المفتي القاضي بتازة، ثم مراكش المشارك وهو ممن نقل عنه أصحاب العمليات وغيرهم، ولعله أول من اشتهر من هذا البيت بفاس، ونشر العلم في المغرب، وأخذ عنه الجمع الكثيرون وهو أخذ عن الحميدي السابق، توفي سنة 1004 أربع وألف.
(2/322)

720- يحيى بن محمد بن محمد بن محمد السراج النفزي الحميدي الأندلسي:
حفيد يحيى السراج الكبير، علم الأعلام مفتي فاس وخطيبها من العلماء المبرزين المشاركين في الفقه والتفسير، والأصول العارفين المتقنين للنحو والفقه، يعرف المدونة ويدرسها يحفظ مختصر خليل، وله به عناية حتى ألف عليه حاشية، ولما ولي الفتوى، اجتهد وحرر النقول، وتحرى الحق، لا يخرج عن المشهور له تعرف له هفوة قط من صغره.
توفي سنة 1007 سبع وألف وما كان يتخذ مأكولا مخصوصا ولا ملبوسا كأبناء جنسه رحمه الله بل يقنع بأقل ما تيسر.
721- بدر الدين محمد بن يحيى المصري الشهير بالقرافي 1:
القاضي المالكي بها، له شرح على المختصر، وآخر على القاموس، وتعليق على أوائل ابن الحاجب، وذيل ديباج ابن فرحون في طبقات المالكية ذكر فيه ما ينيف على ثلاثمائة شخص في أربعة كراريس أو خمسة، وشرح الموطأ والتهذيب بين فيه مشهور ما فيه من الخلاف. توفي سنة 1009 تسع وألف.
722- أبو العباس أحمد بن محمد الذهبي 2:
المنصور سلطان المغرب والسودان وجوهرة عقد دولة السعديين اليتيمية، كان من أهل العلم والسياسة والكياسة والرياسة، قد ترجمه غير واحد من المؤرخين، ووصفوه بالعلم وحسن التدبير والسياسة، ولنقتصر على نظم منسوب
__________
1 بدر الدين محمد بن يحيى المصري "القرافي" القاضي المالكي: توفي سنة 1009:
خلاصة الأثر "4/ 258، 262"، ونيل الابتهاج "342".
2 أبو العباس أحمد بن محمد الذهبي المنصور: الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى "3/ 42، 95"، وخلاصة الأثر "1/ 222".
(2/323)

للإمام أبي عبد الله محمد القصار مفتي فاس الشهير ونصه:
ولم نجد من جدد الدين سوى ... إمامنا المنصور فالكفر توى
بخيله وناره1 أحيا العلوم ... وأهلها وكتبها على العموم
في كل يوم جوده على الشريف ... ثم الأسير والفقيه والتريف
أما المساجد فكالجنات ... حسنا وتدريسا على الساعات
أبقاه ربنا لإحيا الدين ... في قوة وغلب متين
وكفى بشهادة مثل هذا الإمام أن جعله مجددا. توفي سنة 1012 اثنتي عشرة وألف.
723- أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي الغرناطي 2:
الشهير بالقصار عالم بفاس بل المغرب ومفتيه ورحلته ومحدثه ومعقوليه، وهو الذي أحيا المعقول بفاس هو والإمام المنجور بعدما كان اندثر، واقتصروا على النحو ونحوهما وكذلك رحل ليسيتني، فجاء بشيء من ذلك، فأخذ عنهما المنجور والقصار ونفعا من بعدهما، وإليهما مرجع شيوخ المغرب دراية ورواية، وبقي القصار بعد المنجور، فكان النفع به أكثر.
توفي سنة 1012 اثنتي عشرة وألف.
__________
1 أشار بقوله -وناره- لاستعمال الأسلحة النارية البارودية مكاحل ومدافع. ا. هـ. "المؤلف".
2 أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي الغرناطي الشهير بالقصار: أبو عبد الله، القصار، الغرناطي، الفاسي، القيسي، المتوفي سنة 1012:
فهرس الفهارس والحاشية "2/ 965"، شجرة النور الزكية "295".
(2/324)

724- أبو عبد الله محمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون الزجلي الشفشاوني 1:
قاضيها وعالمها، متبحر مشارك في العلوم، وكان له شعر رائق، له تواليف حسنة كشرح الرسالة، وشرح حفيدة السنوسي، والممتع المحتاج في آداب الزواج، انتقل لفاس، وبها توفي سنة 1012 اثنتي عشرة وألف.
725- أبو المحاسن يوسف بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفاسي الفهري: العالم الإمام النظار، له آثار جليلة توفي سنة 1013 ثلاث عشرة بعد الألف.
726- أبو النجا سالم بن محمد السنهوري 2:
شيخ المالكية بمصر في وقته، له حاشية على المختصر لخصها من الخطاب. توفي سنة 1016 ست عشرة وألف عن نحو سبعين خريفا.
727- محمد بن علي بن محمد الشبراملسي 3:
المصري إمام المالكية في وقته المتضلع من العلوم، صرف وقته في التحصيل والتأصيل والتفريع، وله مشاركة في العلوم العقلية وألف مؤلفات كثيرة. قال في الخلاصة: كان سنة 1021 إحدى وعشرين وألف موجودا وفي "الصفوة".
توفي سنة 1087 سبع وثمانين وألف.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون الزجلي الشفشاوني: هدية العارفين "2/ 265".
2 أبو النجا سالم بن محمد السنهوري: توفي سنة "1016":
خلاصة الأثر "2/ 204"، واليواقيت الثمينة "1/ 155"، ونيل الابتهاج "126".
3 محمد بن علي بن محمد الشبراملسي المصري: خلاصة الأثر "4/ 44".
(2/325)

728- محمد بن علي بن إبراهيم الإسترابادي 1:
نزيل مكة الحافظ صاحب كتب الرجال الثلاثة المشهورة، وله مؤلفات كثيرة، منها شرح آيات الأحكام، وفضله شهير. توفي سنة 1028 ثمان وعشرين وألف.
729- الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي 2:
النقشبندي من علماء الهند. ذكر النبهاني في "جواهر البحار" أنه المجدد على رأس الألف يعني بقطرة توفي سنة 1034 أربع وثلاثين وألف.
730- أبو العباس أحمد بن أحمد المدعو بابا السوداني 3:
من مدينة تمبكتو صنهاجي مسوفي، بيتهم بيت علم من نحو خمسمائة سنة، ألف نحو أربعين كتابا، منها شرح على المختصر، لم يكمل وحاشية على المختصر، أيضا تامة في سفرين، و"نيل الابتهاج" ذيل الديباج في طبقات المالكية، مطبوع كانت له مشاركة في فنون، وامتحن بالأسر، وضياع خزانة كتبه التي كانت تنيف على ألف وستمائة مجلد على أنه أقل عشيرته كتبا لما استولى أحمد المنصور السعدي على بلده، ثم سرح، فنشر العلم بمراكش، وأقبل عليه طلابه بها، بل قضاتها وأعيان علمائها واشتهر ذكره من سوس إلى بجاية ثم عاد لبلاده مسرحا.
توفي سنة 1036 ست وثلاثين وألف.
__________
1 محمد بن علي بن إبراهيم الإسترابادي: الميوزا، مات سنة 1028:
معجم المؤلفين "10/ 298"، خلاصة الأثر "4/ 96"، دائرة الأعلمي "27/ 54، 69".
2 الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي النقشبندي: سبحة المرجان "47".
3 أبو العباس أحمد بن أحمد المدعو بابا السوداني: خلاصة الأثر "1/ 170، 172".
(2/326)

731- عبد الرحمن بن محمد الفهري القصري 1:
الشهير بالعارف الفاسي، إمام جليل، أخذ عن أبي المحاسن أخيه والقصار والمنجور وغيرهم، وقد أفرد ترجمته سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر بتأليف، له شرح السنوسية، وحاشية على خليل، وأخرى على البخاري، وغيرها. توفي سنة 1036 ست وثلاثين وألف.
732- عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري 2:
الفاسي منشأ ودارا، عالم محقق مشارك غزا في سبيل الله، وألف تواليف مفيدة، منها نظمه المسمى "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين" يحفظه ولدان المغرب، وألف محاذات مختصر خليل، والجمع بين أصول الدين وفروعه، وشرحا على المختصر، التزم نقل لفظ ابن الحاجب والتوضيح لم يكمل، وله حاشية على التتائي، وغير ذلك. توفي سنة 1040 أربعين وألف.
733- أبو علي الحسن بن رحال المعدني 3:
المكناسي الأصل، الفاسي الدار، قاضي فاس العليا إمام محقق نقاد فقيه، مفتي فاس حافظ للمذهب المالكي، له على مختصر خليل حاشية في عدة أسفار، وله شرح عليه لم يكمل، وحاشية على شرح ميارة على "تحفة الحكام" مطبوعة بمصر، وله غيرها. توفي سنة 1040 أربعين وألف.
__________
1 عبد الرحمن بن محمد الفهري القصري الشهير "بالعارف" الفاسي: اليواقيت الثمينة "1/ 191"، وخلاصة الأثر "2/ 378، 379".
2 عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري الفاسي: ريحان الأدب "8/ 88".
3 أبو علي الحسن بن رحال المعداني المكناسي الأصل الفاسي الدار: اليواقيت الثمينة "1/ 135"، 137"، وأخبار مكناس "3/ 7، 9".
(2/327)

734- أبو العباس أحمد بن محمد المقري 1:
شهاب الدين مفتي فاس الرحالة الشهير التلمساني الأصل، الحافظ المتقن، الأديب المؤرخ، أقام مفتيا بفاس 13 سنة، ورحل للمشرق، فحج مرارا، ونشر العلم بمصر والشام والحجاز وبيت المقدس، له كتاب "نفح الطيب" و"زهر الرياض في أخبار عياض"، وغيرهما. توفي بمصر سنة 1041 إحدى وأربعين وألف، وهذا من الرجال الذين خصت تراجمهم بالتأليف.
735- أبو العباس أحمد وعلي ومحمد السوسي 2:
والواو في لغة البربر بمعنى ابن فأبوه علي، وجده محمد وهو بو سعيدي هشتوكي صنهاجي أحد الأعلام الزهاد المجتهدين والأئمة المهتدين بارع في العلوم، مشارك زاهد متقشف، ومن زهده كان لا دار له يأوي إليهما، بل في مدرسة المصباحية ثواؤه، وله بلدة وهبها له بعض أهل الخير والدين يحرثها بيده، ويجمع زرعها، فلا يأكل إلا منه يجعله قرصة، ويشويه على النار، وكانت تجبى إليه العطايا من الآفاق لشهرة أمره، فلا يلتفت إليها لئلا تفتنه، ولا يتوسع اقتصارا على الضرورة، وإلا فقد قبل البلد التي كان يحرث فيها للضرورة لتحققه بأصلها، ولما فرش بعض الولاة صحن القرويين بالآجر، ترك المرور به تورعا، وربما داوى الأمراض بدقيقة الذي يتقوت به، ويقول: إن الحلال ترياق الأمراض الصعبة.
ولما جاءه تلميذ الشيخ مياره بشرح المرشد الكبير ليكتب عليه، عاب عليه كونه لم يتعرض لشيء من أحوال الآخرة. وإذا عرف بأحد من أشياخه يقول: القطب العارف بالله الزاهد وهذه أمور خفية فمن أين لنا أن نشهد بها وكتب في
__________
1 أبو العباس أحمد بن محمد المقري شهاب الدين: خلاصة الأثر "1/ 302، 311"، وسلافة العصر "589"، فهرس الفهارس "2/ 13، 15"، وريحانة الألبا "293".
2 أبو العباس أحمد وعلي ومحمد السوسي: اليواقيت الثمينة "1/ 31، 32"، فهرس الفهارس "1/ 179".
(2/328)

ذلك رسالة ذكرها ميارة بحروفها آخر الشرح المذكور قائلا: ينبغي للمؤرخ أن يقتصر في أوصاف من يؤرخهم على ما هو ظاهر كالعلم وحسن الإدراك والإتقان ونحو هذا. قلت: ولهذا تجنبت كثيرا من تلك الأوصاف الباطنة إلا إن كانت صادرة عن ثقة أو مشاهدة في نحو الوصف بالزهد والورع، أما الولاية ومراتبها، فتلك أمور لا سبيل لنا لقبول قول قائل فيها، فوكلناه إلى الله سبحانه تحريا للصدق المتعين على أمانة المؤرخ لأنها مشترطة بحسن الخاتمة {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ومن أين لنا الاطلاع على ذلك كما قال الشيخ المذكور، وللمترجم تواليف "وصلة الزلفي" و"بذل المناصحة" وتأليف في التعريف بالعشرة المبشرين، وبآل بدر، وغالب كلامه في الزهد والورع. توفي سنة 1046 ست وأربعين وألف عن ست وخمسين سنة رحمه الله.
736- إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني 1:
له سعة اطلاع في الفقه والفتوى والحديث، وله التآليف المفيد كمنظومته في العقائد، وحاشيته على مختصر خليل، وغيرها في فنون شتى، متفق على جلالته ولم يكن أحد من أهل عصره مثله تلاميذ. توفي سنة 1041 إحدى وأربعين وألف.
737- أبو بكر بن مسعود المراكشي مفتي المالكية بدمشق:
ولد بمراكش، وقرأ بمصر، له مشاركة، وتولى تدريس الغزالية. توفي سنة 1032 اثنين وثلاثين وألف.
738- أبو القاسم بن محمد السوسي 2:
المغربي نزيل دمشق، ومفتي المالكية بها، فريد عصره في الفتوى، شهم
__________
1 إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المصري: خلاصة الأثر "1/ 6، 9"، واليواقيت الثمينة "1/ 85، 86"، وفهرس الفهارس "1/ 90".
2 أبو القاسم بن محمد السوسي المغربي: خلاثة الأثر "1/ 145"، واليواقيت الثمينة "1/ 100".
(2/329)

غيور على الدين، مهاب لدى الحكام، مرجوع إليه في المشورة، حدث بالجامع الأموي، فانتفعوا به مع معرفته بالقراءات، له شرح على الشاطبية وعلى النشر. توفي سنة 1038 ثمان أو تسع وثلاثين وألف.
739- أبو الحسن علي بن عبد الواحد بن محمد بن أبي بكر الأنصاري 1
ينسب إلى سعد بن عبادة السجلماني الأصل السلوي الدار، ثم الجزائري نشأ بسجلماسة، وقرأ بفاس، ورحل للمشرق، فأخذ عن علماء مصر، واستوطن سلا، وبها نشر علمه، وألف تآليف كاليواقيت الثمينة نظم في قواعد المذهب، ونظائر الفقه على نسق منهج الزقاق، وقد من الله عليه بتملكه مخطوطا مع شرح أبي القاسم بالرباطي عليه بخط مؤرخ الرباط الضعيف، وشرح على المنهج المذكور، وتفسير لم يكمل، ونظم في السير، وشرح على التحفة، ونظم في الطب والتشريح والأصول، وغير ذلك وأثنى عليه في الصفوة، ونفح الطيب، والبدور الضاوية، وغيرها، وفي آخر أمره استوطن الجزائر.
قال العياشي: وهو عمدة أبي مهدي الثعالبي، وعنه أخذ كثيرا، وتوفي بها بالطاعون سنة 1054 أربع وخمسين وألف.
740- أبو مهدي عيسى السكتاني المراكشي 2:
مفتيها وقاضيها علامة نظار، خاتمة الكبار، أوحد علماء عصره قال تلميذه محمد بن محمد بن سليمان في فهرسته: إنه مجدد هذا القرن، وإنما ستر الله مقامه بالقضاء، درس التفسير، وجاء العلماء للأخذ عنه من أقطار بعيدة، له
__________
1 أبو الحسن علي بن عبد الواحد بن محمد بن أبي بكر الأنصاري السجلماسي: أبو الحسن، السجلماسي، الجزائري، الأنصاري، مات سنة 1057:
شجرة النور الزكية "308"، خلاصة الأثر "3/ 173".
2 أبو مهدي عيسى السكتاني المراكشي: خلاصة الأثر "3/ 235، 236".
(2/330)

مؤلفات، منها حواشيه على أم البراهين للسنوسي. توفي سنة 1062 اثنتين وستين وألف وقد أناف على المائة.
741- أبو الحسن علي الأجهوري 1:
المصري أحد شيوخ الفقه والتصوف، والعلوم العربية شيخ المالكية في الدنيا بوقته، بذاك وصفه العياشي في رحلته. شرح مختصر خليل بشرح حفيل، استمد منه كل من جاء بعده على ما فيه من أغلاط اعتنى المغاربة بتصحيحها، وحاشية عليه لطيفة في نحو عشر كراريس من الله علي بملكها. وله شرح على الرسالة في تآليف أخرى. توفي سنة 1066 ست وستين وألف عن نحو مائة سنة.
742- سعيد قدورة بن إبراهيم التونسي 2:
الأصل الجزائري المولد والدار، عالم القطر الجزائري في وقته وإمامه، ومسنده ونحريره، وخاتمة محققيه ومحدثيه، يدل لذلك ما في فهرسة تلميذه محمد بن محمد بن سليمان الواسعة، وله عدة مؤلفات منها شرحه على السلم مطبوع. توفي سنة 1066 ست وستين وألف.
743- أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة 3:
بفتح الميم وتشديد المثناة تحت، الفاسي دارا وقرارا، فقيه متفنن ألف كتبا مفيدة كشرحيه على المرشد المعين، وشرح التحفة لابن عاصم، ولامية الزقاق، وهي مطبوعة بفاس، وبعضها بمصر، واختصر شرح الحطاب على المختصر وبدأ
__________
1 أبو الحسن علي الأجهوري المصري: خلاصة الأثر "4/ 157، 160"، وفهرس الفهارس "2/ 171، 173".
2 سعيد قدورة بن إبراهيم التونسي: تعريف الخلف "1/ 62"، واليواقيت الثمينة "1/ 162، 163".
3 أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة الفاسي الدار: معجم المؤلفين "9/ 14".
(2/331)

في آخر مطول، فلم يكمل، وله تكميل منهج الزقاق، وتآليفه محررة سهلة فصيحة مقبولة لدى الفكر العام المغربي وغيره. توفي سنة 1072 اثنتين وسبعين وألف.
744- أبو مهدي عيسى بن محمد الجعفري 1:
الثعالبي الهاشمي الزينبي المغربي الجزائري: نزيل مكة هو من نسب سيدي عبد الرحمن الثعالبي السابق، وعندي إجازة بخطه نسب نفسه هكذا الثعالبي الجعفري، وقال في الصفوة: الثعالبي نسبة إلى وطن الثعالبة من عماله الجزائر، الجعفري نسبة لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، إمام الحرمين، وعالم المغربين والمشرقين.
ولد بزواوة2 وبها نشأ، وقرأ بها، وفي الجزائر على سيدي سعيد قدورة وغيره، وأخذ بمصر عن أعلامها، وأخذوا عنه وكذا بالحرمين وتونس وغيرها، وشارك في العلوم الكثيرة وقد أثنى عليه العلماء كثيرا من أقرانه وتلاميذه، منهم العياشي في رحلته حتى قال: لو قيل إن أشياخه كانوا يستفيدون منه أكثر مما يفيدونه ما بعد، وله مؤلفات توفي بمكة سنة 1080 ثمانين وألف.
745- أبو العباس أحمد الحارثي بن أبي بكر الدلائي 3:
من آل أبي بكر الصديق، وبيت الدلائيين بيت علم وسياسة أصحاب ملك
__________
1 أبو مهدي عيسى بن محمد الجعفري الثعالبي الهاشمي الزينبي المغربي الجزائري: أبو المهدي، الجعفري، الهاشمي، الثعالبي، الجزائري، المغربي، جار الله، ولد سنة 1020، مات سنة 1080:
أعلام الجزائر ص"127"، معجم المؤلفين "8/ 33"، خلاصة الأثر "3/ 240"، تعريف الخلف "1/ 82"، شجرة النور الزكية "311".
2 زواوة: قبيلة من أكبر قبائل البربر ما بين الجزائر وبجاية جبلية وبها قرى كثيرة. ا. هـ. المؤلف.
3 أبو العباس أحمد الحارثي بن أبي بكر الدلائي: اليواقيت الثمينة "1/ 33".
(2/332)

المغرب وزوايتهم بتادلا، وكم كان فيهم من عالم ماهر. كان هذا السيد عالما كبيرا له شرح على مختصر ابن الحاجب وفتاوٍ وغيرها. توفي بفاس بعد الثمانين وألف 1080.
746- أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي 1:
الفاسي الإمام الرحال، صاحب الرحلة المشهورة، ذات الفوائد المشكورة، أخذ عن شيوخ في المغرب ومصر والحجاز، له مؤلفات كمنظومته في البيوع وشرحها، وكتاب الحكم بالعدل والإنصاف في المقلد، وغير ذلك ورحلته مطبوعة بفاس دالة على فضله وباعه. توفي سنة 1090 تسعين وألف.
747- محمد بن سعيد المرغتي 2:
السوسي3 نزيل مراكش وإمام جامع المواسين بها، إمام عالم محدث مفسر، عارف بالعربية وغيرها والتنجيم والفلك، بحر لا ساحل له، انتهت إليه رياسة العلم ببلده وزمانه، مكثر من قراءة كتب الحديث، وتخرج عليه عدد لا يحصى، وله كرامات وأحوال طيبة، له منظومة في الفقه، وأخرى في النحو، وأخرى في التنجيم، وأخرى في التصوف، وأخرى في الوفق المخمس الخالي الوسط، وله منظومة وشرحها بشرحين في التوقيت وشهور العام، لها شهرة في المغرب.
ومن فتاويه التي شذ فيها أن القبور التي بداخل أسوار المدن لا حرمة لها،
__________
1 أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياش الفاسي: اليواقيت الثمينة "178"، وفهرس الفهارس "2/ 211".
2 محمد بن سعيد المرغتي السوسي: المرغتي، ولد سنة "1007"، مات سنة "1089":
فهرس الفهارس "2/ 554"، والحاشية.
3 المرغتي نسبة إلى مرغتة، بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة مداشر في عداد الأخصاص بسوس الأفضل قاله في "الصفوة".
(2/333)

ويجوز نبشها؛ لأن المدينة حبس على الأحياء، وأنى له أن يثبت هذه المقدمة. كان شاعرا منشئا. توفي بالطاعون سنة 1090 تسعين وألف، وفي الصفوة سنة 1089.
748- أبو محمد عبد القادر بن علي الفهري 1:
الفاسي شهرة ودارا علامة المغرب، وشيخ مشايخه، ومسنده مشارك محقق، انتهت إليه رياسة الفتوى بالديار المغربية مع نزاهة وتمسك بالسنة، وبعد الصيت إلى الشموخ المجد في العلم وتأثل المكانة فيه، ورثوه وأورثوه عن الآباء للأبناء الأحفاد، له فقهية وعقيدة شهيرة، وتأليف مختصر في الأصول، وفتاوي وحواشي على الصحيح، الكل مطبوع بفاس. توفي سنة 1091 إحدى وتسعين وألف.
749- محمد بن محمد بن سليمان السوسي الروداني 2:
نزيل الحرمين، الإمام الجليل، المحدث المتفنن في كل علم كان بوقته، بل فرد الدنيا في العلوم المالك لمجهولها ومعلومها كذا حلاه في "الخلاصة" وأطنب في وصفه ولد بتارودانت عام 1037 سبعة وثلاثين وألف، وأخذ العلم بالمغرب والجزائر وتونس ومصر والحرمين والشام، وله رحلة واسعة وأسانيد عالية بينها في فهرسته العجيبة، رتب الكتب التي رواها على حروف المعجم، وهي عندي من أعجب الفهارس في مجلد بخط ولده سماها "صلة السلف بموصول الخلف" وبمطالعتها يعلم فضل الرجل.
__________
1 أبو محمد عبد القادر بن علي الفهري الفاس علامة المغرب: أبو السعود، الفاسي، الفهري، ولد سنة "1007"، مات سنة "1091":
فهرس الفهارس "2/ 763"، معجم المؤلفين "5/ 295".
2 محمد بن محمد بن سليمان السوسي الروداني: السوسي، الروداني، المغربي، المالكي، مات سنة "1094":
خلاصة الأثر "4/ 304".
(2/334)

ولقد أوتي خيرا كثيرا، وعليها اعتمد من أتى بعده من أصحاب الفهارس الممتعة، وله الجمع بين الكتب الخمسة والموطأ على طريق ابن الأثير إلا أنه استوعب الروايات ومختصر التحرير لابن الهمام في أصول الحنفية وشرحه، ومختصر تلخيص المفتاح وشرحه، ومختصر في الهيئة، وحاشية التسهيل، وحاشية التوضيح، وجدول جمع فيه العروض، ومنظومة في الميقات وشرحها، واخترع كرة فلكية عظيمة فاقت السكرة القديمة، وقد أشبع القول في وصفها أبو سالم العياشي في رحلته، وأعجب باختراعها، وذكر بعض رسالة المترجم في كيفية العمل بها، وما هو مصور فيها من الدوائر والرسوم.
وذكر أنه كان صناعا يتقن عدة صنائع بيده يتقوت منها، فلا يأكل إلا الحلال كالطرز العجيب والتسفير والخرازة والصياغة وجبر قوارير الزجاج المكسرة، وعمل الإسطرلاب وغيرها، وله في علوم الأدب النهاية، وكان في المنطق والحكمة والطبيعي والإلاهي الأستاذ الذي لا تنال مرتبته بالاكتساب، ويتقن الرياضيات كإقليدس والهيئة والمجسطي والمخروطات والمتوسطات وأنواع الحساب والمقابلة والإرتماطيقي وطريق الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها أحد إلا في ظواهرها دون الدقائق والحقائق، وله في التفسير وأسماء الرجال والعربية يد طولى مع حفظ التواريخ وأيام العرب وأشعارهم والمحاضرات، وكان في الرمل والأوفاق وعلم سر الحرف والسيميا والكيميا حاذقا أتم الحذق، وحصل له في الحرمين شهرة عظيمة حتى عد إمامهما ومع ذلك نفس عليه أمير مكة، فأخرجه منها إلى المدينة المنورة ثم أخرج منها أيضا للشام وبها توفي سنة 1094 أربع وتسعين وألف ورثاه علماء وقته. انظر الخلاصة والصفوة ورحلة العياشي.
ومن فتاويه التي شذ فيها أن مصنوعات الصوف التي تجلب من الروم جوخا رائقا شبيها بالحرير في نعومته نجس لا تصح به الصلاة، وهو لباس علماء المشرق إذ ذاك محتجا بأنه استيقن الخبر من أهل البلد المجلوب منه أنه منتوف من الغنم وهي حية، وأن ذلك سبب نعومته وحسن لونه، فيكون نجسا، وراجعه علماء
(2/335)

عصره، فصمم على ذلك فكان سبب وحشة حصلت له منهم ومن غيرهم.
750- أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفهري 1:
الفاسي حافظ وقته، المتفنن في المعقول والمنقول لقبه والده بسيوطي زمانه، له تواليف كثيرة تنيف عن مائة في فنون شتى منها الأقنوم، أتى فيه بحدود نحو مائة وخمسين علما، وله جزء نظم فيه النوازل التي جرى بها عمل فاس بالحكم بقول ضعيف نحو ثلاثمائة مسألة، وأقبلوا عليه على ما فيه في بعض المواضع من عدم التحرير وشرحه هو بنفسه، ثم شرحه أبو القاسم بن سعيد العميري وغيره توفي سنة 1096 ست وتسعين وألف.
751- يحيى بن محمد بن محمد النائلي الملياني 2:
الجزائري علامة القطر الجزائري الرحلة هو في الفقه إمامه وفي الأصول والعربية والبيان والتفسير وغيرها تتقدم الأعلام أعلامه، ولد بمليانة، وتربى بالجزائر، وقرأ بهما على أعلامها كسعيد قدوره وغيره الحديث والفقه وغيرهما، وعن علماء مصر كالبابلي والشبراملسي وغيرهما، وتصدر بالأزهر، فانتفع به أهلها، وكذا في الشام ثم في الروم، وحضر الدرس الذي تجتمع فيه العلماء للبحث بحضرة السلطان العثماني، فاشتهر علمه، ثم رجع لمصر، واشتغل بالتأليف فألف مؤلفات في الفقه وغيره كشرح أم البراهين، وشرح التسهيل، ومؤلف في النحو لطيف وغيرها، وسافر آخر أمره للحج، فمات بالطريق سنة 1096 ست وتسعين وألف، وبعد دفنه حمل لمصر وأقبر بها رحمه
__________
1 أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفهري الفاسي: أبو زيد، الفاسي، الفهرين المالكي، ولد سنة "1040"، مات سنة "1096":
معجم المؤلفين "5/ 145"، التقاط الدرر "1/ 230".
2 يحيى بن محمد بن محمد النائلي الملياني الجزائري: خلاصة الأثر "4/ 486، 488"، وفهرس الفهارس "2/ 446".
(2/336)

الله.
752- الشيخ عبد الباقي بن يوسف الزرقاني 1:
بيتهم بيت علم بمصر شهير أبوه وجده وولده وغيرهم، له تواليف مفيدة أجلها شرحه مختصر خليل، الذي نسخ ما قبله من الشروح، ولخصها وبالغ في الاختصار، وجمع الفروع، ولم ينقحه من كثير من الأغلاط، لذلك اعتنى به المغاربة وتتبعوه. توفي سنة 1099 تسع وتسعين وألف.
753- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي 2:
المعروف بيتهم بأولاد صباح الخير، فقيه صالح فاضل مصري شهير، أول من تولى مشيخة الأزهر، وانتهت إليه رياسة مصر حتى لم يبق بها إلا تلاميذه، واشتهر في بلاد الإسلام كلها لصلاحه وورعه، له شرحان على المختصر طبع أصغرهما بفاس وبمصر، واعتنى المغاربة والمشارقة بالتحشية عليه، وله غيرهما. توفي رحمه الله سنة 1101 إحدى ومائة وألف، وفي "الصفوة" اثنتين ومائة وألف.
754- الشيخ أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي 3:
نسبة إلى "آيت يوسي" قبيلة بربرية قرب فاس، إمام فقيه أصولي لغوي أخباري أديب شاعر نظار مشارك ماهر في الفنون، انتهت إليه الرياسة الكبرى في
__________
1 عبد الباقي بن يوسف الزرقاني: توفي سنة "1099":
خلاصة الأثر "2872"، اليواقيت الثمينة "1/ 238، 239".
2 أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي: أبو عبد الله، الخراشي، البحيري، المصري المالكي، مات سنة "1110":
معجم المؤلفين "10/ 210، 211"، والحاشية.
3 أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي: فهرس الفهارس "2/ 464، 470"، واليواقيت الثمينة "1/ 133، 135".
(2/337)

العلم في زمنه، وله شهرة ذائعة في المغرب والمشرق كشهرة تواليفه التي منها القانون في العلوم، وحواشي على مختصر السنوسي في المنطق، وأخرى على السنوسية، والمحاضرات، الكل مطبوع، وله ديوان شعر طبع أيضا دال عارضة واتساع فكر واطلاع. ترجمه في صفوة من انتشر وغيرها، وله فتاوٍ فقهية كثيرة، وشرح على جمع الجوامع في الأصول لم يكمل وتواليف في فنون. توفي رحمه الله الله سبنة 1102 اثنين ومائة وألف، ويعتبر مجددا على رأس المائة الحادية عشرة.
755- أبو عبد الله محمد فتحا بن عبد القادر الفاسي 1:
إمام نقاد مشارك في العلوم بالغ فيها رتبة الكمال، ناشر لها تدريسا وتأليفا، له شرح مختصر "الحصن الحصين" وغيره، توفي سنة 1116 ست عشرة ومائة وألف.
756- محمد بن عبد الباقي الزرقاني 2:
المصري الأزهري الإمام الفقيه المحدث صاحب شرح الموطأ، والمواهب، وغيرهما علامة متقن نحرير توفي سنة 1128 ثمان وعشرين ومائة وألف.
757- أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة 3:
الأندلسي ثم الفاسي مولدا ووفاة علامة مشارك شيخ الجماعة بها مشار إليه بالتحقيق والإتقان تولى القضاء والفتيا، والنظارة على الأحباس بها مرارا،
__________
1 أبو عبد الله محمد فتحا بن عبد القادر الفاسي إمام نقاد: دليل مؤرخ المغرب "96، 97".
2 محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري الأزهري: أبو عبد الله، الزرقاني المالكي، المصري، ولد سنة "1055"، مات سنة "1112":
فهرس الفهارس "1/ 456"، والحاشية، ومعجم المؤلفين "10/ 124، 125"، والحاشية، شجرة النور الزكية "317".
3 أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة الأندلسي ثم الفاسي: دليل مؤرخ المغرب "490".
(2/338)

وكان موصوفا بالنزاهة والعدل في الأحكام، ممن كان يدرس المدونة وخليلا والبخاري وغيرها، له أجوبة فقهية دالة على اتساع معلوماته. توفي سنة 1133 ثلاث وثلاثين ومائة وألف.
758- أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي 1:
البكري الدلائي الفاسي دارا شيخ الإسلام وشيخ الجماعة، الإمام الصدر الكبير المبرز في المعقول والمنقول الذي سارت فتاويه في المغرب كالمثل السائر، جمعها الفقيه ابن إبراهيم مع فتاوي شيخه محمد بن عبد القادر الفاسي، وله رسالة سماها نصرة القبض أبدأ فيها وأعاد، ولخص بعضها بناني في حواشي الزرقاني على أن كثيرا من حاشيته هذه وحاشية التاودي مأخوذة من طرر المسناوي هذا، وله تواليف أخرى في فنون، وهو ممن نسب إليه أنه ادعى الاجتهاد، وأنه لحقيق به في وقته، وبيت الدلائيين شهير في المغرب لكثرة من تخرج منهم من الأئمة الكبار، ولكن لما دخل بيتهم الرياسة السياسية قضت على آثارهم بذهابها فقضى من خلفهم على سلفهم. توفي سنة 1136 ست وثلاثين ومائة وألف.
759- أحمد بن أحمد بن محمد الشدادي 2:
الفاسي متبحر في العلوم فقها وحديثا وعربية، مرجوع إليه في المشكلات والنوازل تصدى للتدريس بفاس وغيرها من حواضر المغرب وبواديه، وتولى قضاء فاس وغيرها، وله فتاوٍ، وشرح لامية الزقاق، وقيد على التحفة. توفي سنة 1140 أو ست أوربعين ومائة وألف.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي البكري الدلائي الفاسي: دليل مؤرخ المغرب "105، 106".
2 أحمد بن أحمد بن محمد الشدادي الفاسي: أخبار مكناس "1/ 341، 343"، واليواقيت الثمينة "1/ 46".
(2/339)

760- أبو بكر بن عبد الرحمن الحجوي القندوسي:
هذا السيد الجليل هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد ضما بن محمد فتحا بن علي بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن الحجوي الجعفري الزينبي القندوسي هكذا بخطه في إجازته للعلامة التهامي بن المكي الرحموني الفاسي، قال الرحموني في كناشته: ولد شيخنا المذكور سنة 1113 ثلاث عشرة ومائة وألف منسلخ محرم، وذكر في الإجازة المذكورة أنه رحل في طلب العلم في المغرب والمشرق مراكش وفاس وسوس وذرعة وسجلماسة والجزائر وتونس ومصر والحرمين الشريفين والشام واليمن وإستامبول والترك والعراق والبصرة وواسط، فأخذ عن أعلامها وأكابر أئمتها، وحصل على علوم جمة من نحو وعربية وأدب، وفقه وحديث وتفسير، وبيان ومنطق وكلام، وأصول وعروض وسير، وتصوف وتاريخ ونسب وطب وغير ذلك، فصار في البلاد مقصودا، وبلسان أهل العلم محمودا ومن الأئمة الأعلام معدودا، ومد الله له في الأجل، فأدرك سنا عالية، فقصده الأعلام للاستفادة والإجازة، وممن استجازه الرحموني المذكور، وذكر نص إجازته في كناشته، وأوقفني عليها منقولة في كناشته أخونا في الله النابغة البحاث الشيخ عبد الحي الكتاني نقلها من خط الرحموني وأصلها عنده.
وقد ترجمه الرحموني بما سبق، وقال: إنه توفي منتصف محرم سنة 1244 أربعين وأربعين ومائتين وألف عن إحدى وثلاثين ومائة، وأفادني الشيخ محمد الأعرج رئيس زاوية محمد بن بوزيان القندوسي وآخره محمد المصطفى مكاتبة أن والد الشيخ المذكور وهو عبد الرحمن الذي دخل من ذرعة إلى القنادسة في القرن الحادي عشر آخره، وبقي للقرن الثاني عشر حيث أناف على التسعين.
أخذ الطريق عن الشيخ محمد بن بوزيان، عن مبارك بن عزي الينبوعي ثم السجلماسي عن محمد بناصر الذرعي كان عالما عابدا موصوفا بالخير، مشهورا بالصلاح نشر طريقته بتلك الأصقاع، ولا زالت زاويته هناك مشهورة بزاوية
(2/340)

الحجوي إلى الآن، ثم سلك ولده أبو بكر المترجم طريق والده في نشر العلم والدين والإرشاد، وسلوك الطريق، وكان مثله صالح الأحوال، زكي الخصال، دءوبا على فعل الخيرات، مقصودا لنفع العباد إلى أن توفي، ولا زال قبره مشهورا يزال والعامة تقصده للاستشفاء من الحمى ليومنا هذا على عادتهم1.
وقد خلف ولدا وهو محمد بن حسين، وهذا عقب من ولده أبي بكر، وكل منهما كان في سنن أسلافه في صلاح الحال والإرشاد، ونفع العباد، وكان أبو بكر الحفيد هذا مقرئا كبيرا مقصودا في الأصقاع الصحراوية لأخذ القرآن، وعنه تخرج الجم الغفير من القراء إلى أن توفي، وخلف أولاده الذين هم قائمون بالزاوية المذكورة لهذا العهد على سنن أسلافهم الأطهار.
هذا مضمون الكتابة المذكورة وقوله في النسب الجعفري نسبة إلى جعفر الطيار بن أبي طالب شهيد مؤتة صنو علي كرم الله وجهه، والزيبني نسبة إلى زينب بنت علي وفاطمة أخت الحسين وهي زوج عبد الله بن جعفر المذكور، وقد بين ذلك الشيخ أحمد بن خالد الناصري السلوي في كتابه "طالع المشتري في النسب الجعفري" كما سبق.
فالمترجم هو من قبيلتنا حجاوة النازلين بالصقع الصحراوي من الثعالبة وهؤلاء منهم الثعالبة من عرب معقل قال الناصري: هم جعفرة صرحاء من ذرية جعفر المذكور، وقد رد بحجج قاطعة على ابن خلدون الذي زعم أن الطالبيين
__________
1 وهي بدعة منكرة، وواجب العلماء أن يبينوا نبوها عن الإسلام، وأن الاستشفا إنما يكون من الله تعالى بدعائه بأسمائه الحسنى واللجوء إليه، والاستعانة به وبتعاطي الدواء الذي هو سبب الشفاء، فقد أخرج البخاري في صحيحه "10/ 113"، بشرح "الفتح" من حديث أبي هريرة مرفوعا: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" وخرج مسلم "2204" من حديث جابر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله" وفي حديث أسامة بن شريك مرفوعا: "تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد هو الهرم" أخرجه أحمد والبخاري في "الأدب المفرد" وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وهو كما قالوا.
(2/341)

والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة، ولا شك في سقوط هذه الحجة، فكم من أهل حضر صاروا بدوا وبالعكس، ولا زلنا نعاين ذلك بوقتنا هذا لا سيما مع الحوادث التي أوجبت عليهم ذلك زمن بني أمية وبني العباس، وعلى كل حال الناس مصدقون في أنسابهم، وأن هذه الفرقة وهم الثعالبة من عرب معقل ينتسبون إلى جعفر وإلى زينب سبطة الرسول عليه السلام.
قال في "زهر البستان في أخوال المولى زيدان" نقلا عن ابن خلدون: لما غلب أبو الحسن المريني على ممالك بني عبد الواد بتلمسان وأرض الجزائر نقل منه الثعالبة الذين كانوا ببسيط متيجة من عمالة الجزائر إلى المغرب ما بين فاس ومكناسة. ا. هـ. بخ وعند دخولهم تفرقوا ففرقة ذهبت لذرعة، وفرقة توجد بدواخل الصحراء بأرض الملثمين لهذا العهد، وفرقة ذهبت ما بين فاس ومكناسة، ولكن محلها الآن هو ضفة نهر سبوا بمشرع الحجر الواقف مقابل أرض الشراردة، ونسبتهم الثعالبة مشهورة لا يعرفون إلا بها، ولا ينازعون في ذلك، ومنهم الإمام أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، والإمام أبو مهدي عيسى الثعالبي دفين مكة، وقد تقدم ذلك في ترجمتيهما.
وأسلافنا قد انتقلوا قديما من الصحراء إلى فاس، وتوطنوا بها، ثم رحلهم المولى إسماعيل إلى تازة لفتنة كانت بفاس، ثم رجع الجد رحمه الله ثانيا إلى فاس حول 1280.
761- أبو عبد الله محمد يعيش بن الرغاي:
بتشديد المعجمة وسكون الياء آخره الشاوي أصلا الفاسي دارا وقرارا، فقيهها وقاضيها، إمام شهير مشارك حافظ للمذهب نقاد، سارت فتاويه سير الشعاع في البلاد، ولي قضاء تازا وإفتاء زرهون وتدريسها، ثم قضاء فاس، وخطابة القرويين، وحمدت سيرته وعدله، له تآليف، منها حواشيه على شرح مياره على التحفة، وكان صلبا في الحق، وبسبب ذلك دخل اللصوص عليه منزله بالدوح، وقتلوه وهو يقاتلهم عن حريمه إذ كان الزمن زمن فتنة سنة 1150
(2/342)

خمسين ومائة وألف.
762- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد التماق الأندلسي الغرناطي أصلا الفاسي:
منشأ ودارا يلقب أهله قديما بأولاد السراج، وبيتهم بالأندلس من أشهر البيوتات في العلم والرياسة، علامة فهامة يتقد ذكاء وفطنة، محقق مالك أزمة التعبير عما يريد، واعية محرر جامع لأشتات العلوم، لا يأكل إلا من عمل قلمه، وألزم بالتدريس ونفع العامة عن إكراه، ثم ولي القضاء والخطابة بعد طول امتناع، فأظهر العدل والتحري والورع والمشاورة، وأخر من سنته من غير ريبة، له حواشي على شرح الحصن الحصين، و"إزالة الدلسة عن أحكام الجلسة" وهي ما يسمى بالكراء على التبقية، ويقال: الزينة والجزاء، و"جمع الأقوال في لبس السروال" وله أسئلة مشتملة على مباحث شريفة رفعها لأشياخه وأجوبة ما كان يرفع إليه أكابر الأشياخ وأخرى من نجباء وقته، وأبحاث على التحفة، واللامية، والعمليات لشيخه أبي زيد الفاسي، وكان يدرس هذه المنظومات والموطأ والرسالة وغير ذلك. توفي سنة 1151 إحدى وخمسين ومائة وألف.
763- أحمد بن مبارك:
وبه عرف ابن محمد بن علي السجلماسي1 اللمطي الصديقي إمام متبحر نظار صرح بنفسه أنه أدرك الاجتهاد، وله تآليف، منها الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ، انتقدت عليه فيه أمور، كما حرر فيه مسائل لا يستهان بها، لكني وقفت له على ثبت أجاز فيه أحمد المكودي شيخ الإفتاء بتونس ذكر فيه تواليفه، ولم يذكر الإبريز مؤرخ سنة 1143 ثلاث وأربعين توفي سنة 1155 خمس وخمسين ومائة وألف، وفي تاريخ الضعيف سنة 1156 بالوباء.
__________
1 أحمد بن مبارك وبه عرف بن محمد بن علي السجلماسي: اليواقيت الثمينة "1/ 47، 51"، وسلوة الأنفاس "2/ 203، 205".
(2/343)

764- أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني 1:
الفاسي دارا وقرارا، إمام محقق مشارك، مفتي فاس وأديبها وعالمها، له شرح على الاكتفاء للكلاعي في ستة أسفار، وشرح لامية الزقاق في الفقه، واختصار الشهاب على الشفاء، وشرح حزب الشاذلي، وقفت عليه وآخر على المشيشية، وآخر على خطبة مختصر خليل، وشرحان على منظومة أبي زيد الفاسي في الإسطرلاب عندي أحدهما، وتكميل شرح حدود ابن عرفة في الفقه، وشرح على خطبة الألفية وقفت عليه، وفهرسة لشيوخه وفتاوٍ وغير ذلك، ولم تقم له الفتوى ولا التدريس بضرورياته، فإنه رحل عام المسغبة لتطوان. فرتب له عاملها مرتبا، فاشتغل فيها بالتدريس، ثم رجع لفاس، وتوفي سنة 1163 ثلاث وستين ومائة وألف عن نحو ثمانين سنة، وما ذكره الضعيف من كونها سنة اثنين وتسعين غير محرر، وقوله: إنه المحشي على الزرقاني ليس بصواب.
765- أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالي 2:
الفرجي مفتي فاس وخطيبها، له شرح على مختصر خليل وآخر على نظم ابن عاشر، وغير ذلك، وكان ينوب عن شيخه يعيش الرغاي في الفضاء توفي سنة 1175 خمس وسبعين ومائة وألف.
766- أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي 3:
السجلماسي دفين مدغرة قرب سجلماسة، النظار المتبحر الفقيه اللغوي،
__________
1 أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني الفاسي: أبو عبد الله، البناني، الفارسي، المالكي، مات سنة "1163":
معجم المؤلفين "10/ 168"، فهرس الفهارس "1/ 224".
2 أبو عبد الله بن محمد بن عبد الصادق الدكالي الفرجي: معجم المؤلفين "10/ 72".
3 أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي: اليواقيت الثمينة "19، 20"، فهرس الفهارس "2/ 421".
(2/344)

له مشاركة في الفنون، وله شرح على المختصر لم يكمل طبع ما وجد منه لو كمل لأغنى عن غيره، وله شرح على خطبة القاموس واصطلاحه، وله رسائل في مسائل علمية، ومن أجل تآليفه شرحه لمنظومة القادري في المنطق طبع بفاس قل أن يكون له نظير استقى من بحره من أتى بعده.
توفي سنة 1175 خمس وسبعين ومائة وألف.
767- أبو العباس أحمد بن حسن بن محمد المكودي:
المعروف بالورشاني شهاب الدين الفاسي نزيل تونس، ورئيس إفتاء المالكية بها وعالمها ومسندها، أخذ عن أحمد بن مبارك اللمطي بفاس، وبه تخرج، وعندي إجازته له، وثبته المشتمل على أسانيده سنة 1143 وقد حلاه فيها بقوله: الفقيه الوجيه المدرس النزيه صاحب الفهم الغواص الذي يعجز عنه كثير من الخواص، وقال: إنه تردد لدروسه الزمن الطويل إلى أن قال: كامل القريحة والهمة، محصلا لأسباب تحصيله المهمة مع جودة الفطنة، وثقوب الفهم، وسلامة الإدراك من غلبة الوهم العارضة لأهل الطيش والخفة الذين يعتمدون أول ما يتلمح لهم، فيخطفون المسائل خطفة فيخطئون أكثر مما يصيبون، ويفسدون أكثر مما يصلحون إلخ.
وقد كان المذكور من أعيان المدرسين بتونس وممن يرجع إليهم في مهمات المسائل، عارفا بالعلوم الشرعية التي أهلته لنيل أعلى مقام في رياسة الديوان الشرعي المالكي بتونس، وكان من مهرة العلوم العربية درس مغني ابن هشام والشمسية بشرح القطب، والتسهيل بشرح الباشي، وغير ذلك.
توفي سنة 1169 تسع وستين ومائة وألف.
(2/345)

768- أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس 1:
الفاسي أصلا ودارا فقيه محقق مشارك له شرح على المختصر في تسعة أسفار، وشرح على الرسالة مطبوع بفاس، وآخر على شمائل الترمذي مطبوع بمصر، وشرح على توحيد ابن عاشر مطبوع بفاس وله غيرها. توفي سنة 1182 اثنتين وثمانين ومائة وألف.
769- أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي 2:
الحسيني الحافظ، وأحد أركان الدين المتبحرين، وأعلم أهل وقته بصنعة الحديث، وله فيه التآليف المفيدة كمستدركه على الجامع الكبير للسيوطي اشتمل على نيف وخمسة آلاف حديث، وشرح الشمائل، وشرح الثلث الأخير من الصغاني، وغيرها، وله طرر على هوامش كتب الحديث كالجامع الكبير والشفاء والقضاعي وغيرها، أخذ عن والده وعن علي الحرشي وغيرهما. قال فيه أبو حفص الفاسي: إنه أحفظ من ابن حجر العسقلاني، وأثنى عليه أشياخه كأحمد بن المبارك، ومحمد جسوس وغيرهم. توفي سنة 1183 ثلاث وثمانين ومائة وألف.
770- أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر بن يوسف الفاسي 3:
الفهري إمام نظام، وفقيه مكثار، له الاطلاع الواسع وإتقان العلوم بغير
__________
1 أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس الفاسي: مات سنة "1182":
سلوة الأنفاس "1/ 330، 331".
2 أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني الحافظ: فهرس الفهارس "2/ 199، 205"، واليواقيت الثمينة "1/ 96، 97"، وسلوة الأنفاس "1/ 141، 143".
3 أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر بن يوسف الفاسي الفهري: سلوة الأنفاس "1/ 337،=
(2/346)

مدافع، وأظن أنه أعلم وأتقن علماء هذا البيت الفاسي الرفيع العماد، الكثير الأفراد، الذين خدموا العلم خدمة يشكرها لهم التاريخ على مر الأزمان مع عرفوا به من متانة الدين، الترسم برسوم الصالحين رحمه الله، له شرح على التحفة مهم عديم النظير دل على باعه وسعة اطلاعه، وشرح على الزقاقية، وفتاوٍ مهمة للعويصات المدلهمة، وله درجة عالية في الأدب ومشاركة نادرة وهو ممن وصف بالاجتهاد. توفي سنة 1188 ثمان وثمانين ومائة وألف.
771- الشيخ علي العدوي الصعيدي 1:
المصري عالم فاضل زكي الأحوال، له حواش كثيرة على الخرشي، وأبي الحسن المصري2 المنوفي على الرسالة وغيرها، أول من تولى مشيخة المالكية بالأزهر، وكان على قدم السلف في التقوى ونشر العلم. توفي سنة 1189 تسع وثمانين ومائة وألف.
772- أبو عبد الله محمد بن الحسن البناني 3:
الفاسي أصلا ودارا خطيب الضريح الإدريسي بها وإمامه، فقيه محقق مشارك، له حاشية على الزرقاني متقنة، وشرح على السلم في المنطق، الكل مطبوع دل على خبرة تامة، وقلم صارم مقوم، وله غيرها. توفي سنة 1194 أربع وتسعين ومائة وألف تاريخه: أدخله الله لجنته، وأرخوه أيضا بقولهم: جلال العلم غاب.
__________
1 علي العدوي الصعيدي المصري: لم يوجد عدوي إلا هذا، الشعراني الشروطي الصالحي العلوي البارع العدوي [ابن الكاكري] ولد سنة "646" مات "726".
الوافي الوفيات "22/ 105"، تنقيح المقال "2/ 1500" الدر الكامنة "3/ 188".
2 وما تقدم لنا في ترجمة أبي الحسن الصغير المغربي من أن له شرحا على الرسالة مطبوع هو غلط. فالشرح المطبوع هو لأبي الحسن علي بن محمد ثلاثا بن خلف المنوفي بلدا المصري مولدا المتوفي سنة "857": كما في حاشية الصعيدي. ا. هـ. "المؤلف".
3 أبو عبد الله محمد بن الحسن البناني الفاسي: سلوة الأنفاس "1/ 161، 164".
(2/347)

773- أبو العباس أحمد الشريف الثعالبي الجعفري:
الشهير بالبرانسي أحد الأعلام، المفتين في المذهب المالكي بالقطر الجزائري من ذرية الإمام عبد الرحمن صاحب التفسير دفين الجزائر كان من المتبحرين تبحر الراسخين، سالكا نهج المهتدين، رئيس المفتين، عفيف لا تأخذه في الله لومة لائم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر غير مكترث بأحد.
توفي سنة 1197 سبع وتسعين ومائة وألف.
774- عبد الكريم بن علي اليازغي أصلا الفاسي 1:
مفتي فاس وفقيهها في عصره، سارت فتاويه سير الشعاع، وله في ذلك شهرة ذائعة ومشاركة واطلاع، وصلابة في الحق، لا يزحزحه عن الحق شيء.
توفي سنة 1199 تسع وتسعين ومائة وألف.
775- أحمد بن محمد بن أحمد العدوي الشهير بالدردير 2:
شيخ الإسلام بمصر، وشيخ مشايخها، إمام في العلوم العقلية والنقلية، له شرح على المختصر، ومتن في الفقه أيضا، وشرحه وتآليف أخر في فنون، وله أخلاق علية وصراحة في الحق.
توفي سنة 1201 إحدى ومائتين وألف.
__________
1 عبد الكريم بن علي اليازغي الفاسي: أبو محمد، الذهني. مات سنة "1199":
فهرس الفهارس "2/ 115" والحاشية.
2 أحمد بن محمد بن أحمد العدوي: فهرس الفهارس "1/ 293" واليواقيت الثمينة "1/ 56، 57".
(2/348)

776- الأمير أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل 1:
العلوي سلطان المغرب الأقصى، عالم السلاطين، وسلطان العلماء في وقته، إمام جليل، وجهبذ نبيل، أحيا من العلم مآثره، وجدد الدولة العلوية بعد أن كانت داثرة، جال بنفسه في المغرب، وتقرى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين قد كان أن يذهب من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفه على نسق رسالة ابن أبي زيد تسهيلا على العوام، ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام، وهي عندي موجودة ومن ذخائري معدودة.
كما ألف بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تأليف الإمام الحطاب، وله كتاب في الفقه مبسوط أيضا، وكتاب حديثي انتقى فيه من الأحاديث التي أخرجها الأئمة الأربعة في2 مسانديهم مالك أبو حنيفة الشافعي أحمد بن حنبل، ولم يستوعب كل ما فيها، وإنما اختار منها ومن الصحيحين والموطأ ما ظهر له من الأحاديث المتعلقة بالأحكام غالبا، فكان مجلدا متوسطا، وقال: إنه أول من أدخل المسانيد الأربعة للمغرب من الحرم الشريف يعني ما عدا الموطأ، وافتتحه بعقيدة رسالة ابن أبي زيد، وأتى بنخبة مما اتفق عليه الصحيحان، وخاتمه بمناقب آل البيت والخلفاء الراشدين وبقية العشرة، فذلك دليل ما كان له من الاعتناء بإحياء مراسم الدين وسنة جده سيد المرسلين مع ما كان عليه من حفظ الأوطان وتأييد علم الإيمان، كفتحه ثغر الجديدة، وتشييده ثغر السويرة، وسد الثغور، وإظهار الدولة في مظهر العز، وعدم الاتكال على الغرور.
وبالجملة، فقد كان من درر هذه الدولة الفاخرة وأنجمها الزاهرة، وقد كان سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة، كما صرح بذلك في تآليفه، وغير خفي أن
__________
1 الأمير أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي سلطان المغرب: الاستقصا "4/ 91، 122".
2 مسند مالك قال في "كشف الظنون" هو للإمام النسائي، وتقدم ما يتعلق بمسند أبي حنيفة والشافعي في ترجمتيهما. ا. هـ. مؤلف.
(2/349)

الحنابلة من أئمة السنة كالأشعرية والفرق قريب بينهما، وأهمه أن الحنابلة لا يخوضون بحر التأويل بل يفوضون في غالب المتشابه، ومن مآثره أنه كان يحض على قراءة كتب المتقدمين، وينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة، ولو عملوا برأيه، لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال، وترجمته واسعة، ومحاسنه شاسعة، منها بناؤه مدرسة باب عجيسة بفاس، ومساجد وقناطر وغير ذلك. توفي رحمه الله سنة 1204 أربع ومائتين وألف.
777- أبو عبد الله التاودي بن الطالب بن سودة 1:
المري القرشي الأندلسي الأصلا، الفاسي دارا ومنشأ، فقيه محقق كبير مشارك، انتهت إليه رياسة العلم في المغرب إقراء وإفتاء، ألحق الأبناء بالآباء، وانفرد بعلو الإسناد حتى صار شيخ الشيوخ، والمحرز على قصب السبق في ميدان الرسوخ، وكثير من أسانيدنا في العلوم تدور عليه له رحلة إلى المشرق أخذ عن أعلام في مصر والحجاز، وأخذوا عنه، وله فهرسة جمعت أسماءهم وأسانيدهم، وله حاشية على الزرقاني المتقدم، وحاشية على صحيح البخاري، وشرح على تحفة الحكام لخصه من شرح ميارة وغيره، وشرح على لامية الزقاق في الأحكام كذلك أيضا، وشرح على جامع خليل، الكل مطبوع بفاس إلا الرحلة، وحاشية الزرقاني، وله غير ذلك. توفي سنة 1209 تسع ومائتين وألف.
778- أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماني ثم الرباطي 2:
صاحب شرح العمل الفاسي الذي حصل إكباب المفتين والقضاة عليه، وشرح "اليواقيت الثمينة" وغيرهما، وكان فقيها محررا نقادا، وكتبه تدل على
__________
1 أبو عبد الله التاودي بن الطالب بن سودة المري القرشي الأندلسي أصلا: عجائب الآثار "2/ 242".
2 أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي ثم الرباطي: "صاحب شرح العمل".
(2/350)

باعه وواسع اطلاعه. توفي في أبي الجعد بالوباء يوم السبت حادي عشر شوال سنة 1214 أربع عشرة ومائتين وألف.
779- أبو عبد الله محمد بن أحمد بنيس 1:
فقيه متفنن متقن، له شرح على فرائض المختصر، وشرح على الهمزية. توفي بفاس سنة 1214 أربع عشرة ومائتين وألف.
780- أبو محمد عبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون 2:
الفاسي علم راسخ، ومجد شامخ، وتحقيق وتدقيق ومشاركة في كل طريق، فضاض كل مشكل، ونور كل معقل. قاضي سجلماسة وفاس، حسن السيرة. توفي سنة 1219 تسع عشرة ومائتين وألف.
781- أبو عبد الله محمد الطيب بن عبد المجيد بن كيران 3:
عالم محقق نقاد، حامل لواء العلوم المعقولية في المغرب وقته، وحافظ متقن تفرد في وقته بالجمع بين علمي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، يعرف أكثر الفنون على أنه مجتهد فيها لا مقلد، وهو ممن حصل رتبة الاجتهاد في زمنه كما وصفه بذلك في "الروض المعطار" وغيره أخذ عن التاودي بن سودة
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد بنيس: معجم المطبوعات "593".
2 أبو محمد عبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون الفاسي: لم يوجد إلا "الكوهن الفارسي" هذا أبو محمد، الشهرة الكومن، مات سنة "1253".
فهرس الفهارس "1/ 490" معجم المؤلفين "5/ 1253".
3 أبو عبد الله محمد بن الطيب بن عبد المجيد بن كيران: أبو عبد الله، الفاسي، ولد سنة "1172"، مات سنة "1227":
معجم المؤلفين "10/ 109" والحاشية.
(2/351)

وبناني وأنظارهما، وأخذ عنه الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحجرتي الذي هو شيخ بعض شيوخنا له تآليف مفيدة، كالتفسير الذي ليس له نظير من سورة النساء إلى حم غافر، وشرح توحيد المرشد، الذي حشى عليه شيخنا القادري، وشرح الخريدة في المنطق، وحاشية على توضيح ابن هشام، وشرح على حكم العطائية. تواليفه كلها تحقيقات وتحريرات ودرر وغرر، وهي أشهر بين طلبة المغرب من قام زيد.
توفي سنة 1227 سبع وعشرين ومائتين وألف عن خمس وخمسين سنة.
782- أبو العلاء إدريس بن زيان العراقي الحسيني الفاسي:
الحافظ المشارك سيبويه زمانه، أخذ عن الشيخ التاودي وطبقته وهو مذكور من رجال أسانيدنا الثقاة الجلة. توفي سنة 1228 ثمان وعشرين ومائتين وألف.
783- أبو عبد الله محمد فتحا بن أحمد الحاج الرهوني 1:
بضم الراء نسبة لرهونة قبيلة بجبال غمارة من المغرب الوزاني قرارا، أخذ العلم بفاس، وكان حافظا متقنا فقيها متفننا، له حاشية على الزرقاني لخص فيها ما زادته حاشية التاودي على بناني، ولكن لم يستوعب التلخيص، ويقال: إن نسخها مختلفة، واستعان أيضا بطرر شيخه أبي عبد الله محمد بن الحسن الجنوي الحسني الوزاني ثم التطواني، المتوفى بمراكش سنة 1200 مائتين وألف.
وهذه الطرر كانت له على الزرقاني والحطاب والمواق والشيخ مصطفى الرماصي والشيخ بناني، فلخصها الرهوني في حاشية المذكورة، وللرهوني تآليف أخرى غيرها، ولكن أهمها الحاشية دلت على فضله وتمكنه من علم الفقه.
__________
1 أبو عبد الله محمد فتحا بن أحمد الحاج الرهوني الوزاني: أخبار مكناس "4/ 181، 186".
(2/352)

فضل تمكن، فلقد أجاد فيها كل الإجادة، وزاد على شيخيه المذكورين كثيرا، فأحسن الإفادة، وسلك في التحقيق طريقا صريحا، ومهيعا صحيحا، ينقل كلام المتقدمين الذي هو الأصل بلفظه مما دل على نشاطه في الاطلاع، وثقوب حفظه، وبسب ذلك فضح أغلاطا كثيرا وقعت لمن قبله في الاختصار والتلخيص أفسدوا بهما كلام المتقدمين، وغيروا الفقه عن مواضعه، فهي مما ادخره للمتأخرين، فكانت حجة على المتقدمين.
فجزاه الله خيرا عن عمله وحرية فكره، ووضوح طريق نقده، وأعانه على ذلك ما عثر عليه من الكتب المهمة في المذهب التي لم يظفر بها الأجاهرة ولا من ناقشهم كالرماصي وبناني والتاودي وأمثالهم، غير أن الحاشية طالت، فجاءت في ثمان مجلدات، لكونها تجلب في المعارك الكبرى نصوص المتقدمين بالحرف الواحد، ولذلك جاء شيخ شيوخنا الحاج محمد جنون، واختصرها بحذف النصوص، وحلاها بفوائد يأتي بغالبها أول الأبواب كأصل الباب من السنة أو الكتاب أو نحو هذا مما لا يخلو من فائدة، وقرب على المطالع ما عسى أن يطول عليه من استيعاب نقول الرهوني.
وقد طبع الاختصار بهامش الأصل. كان الرهوني من فقهاء وقته النظار، وممن تفتخر به الأعصار، دارت الفتيا عليه في المغرب، وكان ملجأ الملمات في النوازل والأحكام، توفي سنة 1230 ثلاثين ومائتين وألف.
784- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي 1:
المصري محقق عصره ووحيد دهره بالديار المصرية ذو الحواشي البديعة الفصيحة على الدردير شرح المختصر، وعلى السعد شرح التلخيص، وغيرهما. توفي سنة 1230 ثلاثين ومائتين وألف.
__________
1 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المصري: عجائب الآثار "4/ 231".
(2/353)

785- أبو العباس أحمد بن التاودي بن سودة المري:
قاضي فاس ومفتيها ومن جلة علمائها، وهو من رجال سندنا في الحديث وغيره، له اليد الطولى في العلوم والصرامة في الحق وقد فوض إليه السلطان محمد بن عبد الله في جميع قضاة المغرب، فكان كقاضي القضاة. توفي سنة 1335 خمس وثلاثين ومائتين وألف عن اثنتين وثمانين سنة.
786- أبو محمد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد السنباوي 1:
الشهير بالأمير المغربي الأصل المصري الإمام الشهير، ذائع الصيت، كبير القدر، مشارك في العلوم له التآليف النافعة كمجموعه الذي حاذى به مختصر خليل وشرحيهما وغيرهما، وكان يدرس فقه مالك الذي هو مذهبه، وفقه الحنفي والشافعي، وله فهرسة جامعة بأسانيده، وهو من رجال سندنا في المصريين.
توفي سنة 1232 اثنتين وثلاثين ومائتين وألف.
787- الأمير سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي 2:
سلطان مغربنا يتيمة عقد الدولة علما وديانة وورعا، موصوف بذلك لدى المؤرخين، وتدل لذلك آثاره العلمية، فله حاشية على الخرشي، وعندي تأليف
__________
1 أبو محمد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد السنباوي: عجائب الآثار "54/ 284"، وفهرس الفهارس "1/ 92".
2 الأمير مولانا سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي سلطان مغربنا: الاستقصا "4/ 129، 172"، وفهرس الفهارس "2/ 328"، وشجرة النور "380".
(2/354)

له في التجمير بعود الطيب1 في رمضان، ومن خطبة خطبته في ردع رعيته عن بدع المواسم التي تجعل للصالحين نقلتها بلفظها في كتاب برهان الحق، وكان شديد الإنكار لمثل هذه البدع، واقفا مع السنة، شديد التحري. وانظر حوادث أيامه وسيرته في تاريخنا المناظر الجمالية. توفي سنة 1238 ثمان وثلاثين ومائتين وألف.
788- أبو محمد عبد السلام بن أبي زيد بن الطيب الأزمي:
بفتح الزاي الحسني السباعي، حامل راية المذهب ومفتي الديار المغربية حافظ مطلع نفاع أحيا الله به الفقه في المغرب ونفع به الجم الغفير من أهل وقته ممن تشد إليه الرحال من أهل العلم والتقشف والزهد والورع والانقباض والعبادة. توفي سنة 1241 إحدى وأربعين ومائتين وألف.
789- أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم المشترائي:
شهر بابن إبراهيم، شيخ الإفتاء بالمغرب، وحافظ المذهب بوقته، مفتي فاس وقاضيها، واستقضي بعد أبي العباس بن سودة نحو السنة سارت فتاويه في داني البلاد وقاصيها، وسلم له الرياسة فيها معاصروه. توفي سنة 1241 إحدى وأربعين ومائتين وألف.
790- أبو الفداء إسماعيل التميمي التونسي:
شيخ المفتين المالكيين بها، فقيه متبحر، أدرك رتبة الاجتهاد المذهبي، وهو الترجيح كما أخبر عن نفسه، ولم ينكروه. توفي سنة 1248 ثمان وأربعين
__________
1 هذه المسألة تكلم عليها ابن أبي زيد في مختصره، ونقل عن عيسى بن سعادة الفاسي عن ابن الجزار، عن ابن لبابة الكراهة نقله في "المدارك" عن أبي عمران في ترجمة عيسى بن سعادة المذكور في الطبقة الرابعة. ا. هـ. المؤلف.
(2/355)

ومائتين وألف.
791- إدريس بن عبد الله بن عبد القادر الودغيري 1:
الملقب بالبكراوي حامل راية القراء بفاس وآخر محرريهم، إمام له فيه وفي غيره من العلوم تآليف كحاشية الجعبري، وشرح دالية أحمد بن مبارك السجلماسي، والتوضيح والبيان في مقرئ نافع بن عبد الرحمن، ورجز في الفرائض، وطرر في فرائض خليل، تبلغ تآليفه 18، وكان خطيبا فصيحا، توفي سنة 1257 سبع وخمسين ومائتين وألف.
792- أبو الحسن علي بن عبد السلام الدسولي 2:
قاضي فاس وتطوان الأعدل، متبحر، حافظ المذهب، وحامل لوائه، جامع للعلوم له شرح الشامل لبهرام في عدة أسفار، وشرح التحفة، وحاشية شرح الزقاقية، وفتاوٍ في سفرين وغيرها.
توفي سنة 1258 ثمان وخمسين ومائتين وألف.
793- أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الشهير ببو نافع 3:
الفاسي من أهل فاس العليا وبها دفن، الفقيه الحافظ المحدث، المتفنن
__________
1 إدريس بن عبد الله بن عبد القادر الودغيري: اليواقيت الثمينة "1/ 97"، وسلوة الأنفاس "2/ 343، 345".
2 أبو الحسن علي بن عبد السلام قاضي فاس: الاستقصا "4/ 94".
3 أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الشهير ببو نافع الفاسي: فهرس الفهارس "1/ 84، 85"، واليواقيت الثمينة "1/ 70".
(2/356)

النحرير الأديب الضابط المتقن النزيه يذكر عنه أنه كان يقول: عندي أربعة وعشرون علما لم يسألني عنها أحد، واعترف له أعلام فاس بالإجادة والتحصيل، كشيخنا أبي العباس أحمد السودي الذي قرأ عليه صحيح البخاري مرتين، وذكر عنه أنه قرأه هو على شيخ المغرب التاودي السودي أزيد من ثمان عشرة مرة، وسنده إلى البخاري معلوم في فهرسته.
وللمترجم شرح الألفية، وفهرسته لمشيخته وغير ذلك.
توفي فجأة سنة 1260 ستين ومائتين وألف عن سن عالية.
794- أبو عبد الله محمد بن أحمد بناني الشهير بفرعون:
مدرس نفاع موثق، مفتي مؤلف الوثائق الفرعوينة التي عليها عمل مؤلفي المغرب الآن، وشرحها شيخنا الهواري. توفي عن سن عالية سنة 1261 إحدى وستين ومائتين وألف.
795- عبد الله المدعو الوليد بن العربي بن الوليد العراقي الحسيني 1:
نادرة وقته في الحديث وعلمي المعقول والمنقول حافظ ضابط مشارك كثير الإقراء، شديد الزهد والعبادة، كثير الصمت لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وله عدة تآليف كالدر النفيس في تاريخ العراقيين بفاس.
توفي سنة 1265 خمس وستين ومائتين وألف.
__________
1 عبد الله المدعو الوليد بن العربي بن الوليد العراقي الحسيني: أبو محمد، العراقي الحسيني المعقولي، ولد سنة "1209" مات سنة "1265":
معجم المؤلفين "6/ 82" والحاشية.
(2/357)

796- بدر الدين محمد بن الشاذلي الحمومي:
الفقيه الصالح الأحوال المعمر، مشارك في علوم شتى، وله شرح على "المرشد المعين في الضروري من علوم الدين" وغيره، أخذ عن الشيخ التاودي السودي، وعنه أخذ شيخنا ابن سودة المتقدم، فهو من رجال أسانيدنا العالية، فليس بيني وبين التاودي إلا واستطان من طريقه وطريق بو نافع السابق، وهذا أعلى ما يوجد من الأسانيد في المغرب في عصرنا. توفي رحمه الله سنة 1266 ست وستين ومائتين وألف عن تسع وثمانين.
797- أبو إسحاق إبراهيم بن عبد القادر بن إبراهيم الرياحي التونسي:
شيخ المالكية بها، إمام جليل، جامع بين التبحر في العلوم والأدب ومكارم الأخلاق، وجمع شتات المعالي، مدرس مؤلف نفاع، له حاشية على الفاكهي، ونظم في النحو، وعدة رسائل في نوازل وقتية، وزار فاسا سنة 1216 ست وعشرة ومائتين وألف في بعثة من لدن باي تونس لطلب إعانة في مسغبة كانت بتونس، محصل له اشتهار وإقبال من عملاء فاس، ونجح في سفارته، ووصل رحم المملكتين. توفي سنة 1266 ست وستين ومائتين وألف ببلده عن ست وثمانين سنة.
798- أبو عبد الله محمد التهامي بن المكي بن عبد السلام بن رحمون الإدريسي الحسني الفاسي:
الفقيه الجلي العدل، الحسيب الأصيل، فارس علم الرواية، ومن له بالسنة النبوية أتم عناية، سيد عصره وقطره، بهجة علماء الدهر، وفخار أهل العصر. توفي بفاس سنة 1263 ثلاث وستين ومائتين وألف.
(2/358)

799- أبو عبد الله محمد الطالب بن حمدون بن الحاج السلمي 1:
الفقيه النظار اللغوي المتفنن قاضي مراكش وفاس، نزيه ورع، له حاشية على شرح المرشد في الفقه والتوحيد، و"الأزهار الطيبة النشر في المبادئ العشر" وغيرها. توفي سنة 1273 ثلاث وسبعين ومائتين وألف.
800- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي:
الإمام المشارك النظار، فارس الفقه المغوار، ومن انتهت إليه رياسة العلم بهذه الديار، شيخ الجماعة بفاس ومفتيها، وزاهدها وناشر العلم في نواديها، أخذ عن عبد السلام الأزمي، وبدر الدين الحمومي، وأبي عبد الله الزروالي، والشيخ الطيب بن كيران، وسيدي حمدون بن الحاج وغيرهم، وعنه أخذ شيخاي سيد أحمد بن الخياط، وسيدي جعفر الكتاني وغيرهما، وجل علماء المغرب، لكونه طال عمره، وانفرد برياسة العلم، عرض عليه القضاء بفاس والإمامة في مسجد الأبارين، فأبى لورعه، وله حواش على الخرشي وغيرها. توفي سنة 1275 خمس وسبعين ومائتين وألف.
801- عبد السلام بن الطائع بن حم بن السعيدي بن عبد الواحد شهر بوغالب الحسني الجوطي:
عالم مشارك متفنن، أديب جامع لأشتات المكارم، ذو لطف في طبعه
__________
1 أبو عبد الله محمد بن الطالب بن حمودن ابن الحاج السلمي: فيه أسميين محمد بن حمدون [أبو عبد الله] ولكنه لم يكتب بجواره السلمي، أبو عبد الله ولد بعد سنة 1200:
شجرة النور الزكية "401".
وفيه محمد بن حمدون، مكتوب بجواره السلمي النيسابوري، ولكن مكتوب بجواره أبو بكر.
العبر "3/ 236".
(2/359)

وتقوى وورع، أخذ عنه بعض أشياخنا كأحمد بن الخياط وجعفر الكتاني وغيرهما، وكان معدودا من علماء المعقول، بل من الأئمة الفحول، وكان له ولوع بالموسيقى متقن لألحانها.
عرض عليه القضاء فامتنع، وقطعت عنه مرتباته، فصبر واحتسب لورعه وزهده. وفضائله جمة، أخذ عن أبي عبد الله الزروالي، وعليه جل قراءته، وعن حمدون بن الحاج، فسندنا من جهته عال أيضا وفي آخر عمره غلبت عليه أحوال الجذب، فترك التدريس.
توفي سنة 1290 تسعين ومائتين وألف أو تسع وثمانين كما في ثبت تلميذه إبراهيم التادلي عن ولده رشيد قائلا وولادته سنة سبع ومائتين وألف.
802- محمد بن أحمد عليش المصري 1:
شيخ المالكية بالديار المصرية، بل شيخ مشايخها وعالمها وفقيهها ذو التآليف النافعة كشرح المختصر، والفتاوى، وعليه تخرج جل أهل الأزهر، وكانت له جلالة تهابها الأسود، وكلمة نافذة لتقواه وورعه، فهو نظير الشيج جنون عالم المغرب ومعاصره لا تأخذهما في الله لومة لائم، ونظيرهما الشوكاني في اليمن، والألوسي في العراق. توفي سنة 1299 تسع وتسعين وألف.
803- محمد بن العربي بو حجر:
عالم تازة وإمامها ومفتيها، كان فقيها ماهرا في الفروع عارفا بتطبيقها، معروفا بسعة الاطلاع، تأتيه الفتاوى من أقاصي الديار المغربية، فيحسن جوابها، مبرزا على أقرانه متقن متفنن.
توفي سنة 1295 خمس وتسعين ومائتين وألف، وهو آخر أهل العلم المشاهير بتازا، وبعده قفرت من العلم إلى الآن.
__________
1 محمد بن أحمد عليش المصري: خطط مبارك "4/ 41"، ومرآة العصر "196" وإيضاح المكنون "1/ 271".
(2/360)

804- أبو السبطين محمد صديق حسن خان بهادر:
أمير بهويال الهندي عمدة المسندين، وخديم سنة سيد المرسلين عند غيره فيها، له تآليف طبعت أسماءها مع ترجمته الواسعة ومآثره العلمية المتكاثرة في مفتتح "نيل الأوطار" للشوكاني، وقد خدم السنة النبوية خدمة تذكر له فتشكر في القرن الثالث عشر، وطبع الكثير من تواليفه، وكان من جلة الأمراء المصلحين.
ومن تآليفه "حسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة" خصه بالأحكام الخاصة بالنسوة في الشريعة الإسلامية، وله تفسير "فتح البيان" توسط فيه بين المنقول والمعقول، و"لقطة العجلان فيما تمس إليه معرفة الإنسان" قال بيرم في رحلته: هذا العالم الملك من نوادر هذا العصر، فإنه مع اشتغاله بمهام السياسة التي تقلدها بالنيابة عن زوجته سلطانة تلك المملكة قد تبحر في الفنون العلمية سيما الشرعية وآلتها وفصاحته في نسج تآليفه يحمده عليها أهل اللغة العربية، وعلى الخصوص في هذا الزمن الذي كادت أن تتلاشى فيه اللغة والعلوم من الأمة الإسلامية. وعلى كل حال، فهو من مفاخر الأمة في القرن الماضي. ولد سنة سنة 1248 ثمان وأربعين ومائتين وألف، وكان حيا سنة 1301 واحد بعد ثلاثمائة وألف، ولم أقف على وفاته الآن1.
805- أبو عبد الله محمد بن المدني جنون 2:
المستاري أصلا، الفاسي مولدا وقرارا، من بيت بني جنون، الرفيع العماد، الأصيل التلاد ينتسبون في رسومهم القديمة إلى قبيلة بني مستارة حوز
__________
1 أبو السبطين محمد صديق حسن خان بهادر أمير بهو بال الهندي: توفي سنة 1307هـ وانظر ترجمته في "التاج المكلل" "381"، وفهرس الفهارس "1/ 269"، وجلاء العينين "30".
2 أبو عبد الله محمد بن المدني جنون المستاري الفاسي: أبو عبد الله المستاوي، مات سنة "1302":
الأعلام "7/ 94" والحاشية.
(2/361)

وزان، وفيها فرقة بني جنون الأشراف الأدارسة لهذا العهد، وقد ملئت تواريخ المغرب بزخبار دولتهم وللنسابين في ذلك مقال، والناس مصدقون في أنسابهم، وقد أخبرني من أثق به من الطلبة في وزان أن كل بني جنون في بني مستارة أشراف بغير خلافم.
هذا الشيخ من أكبر المتضلعين في العلوم الشرعية الورعين، المعلنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخاتمهم في المغرب شيخ شيوخنا، وشيخ شيوخ جل المغرب رأس علمائه في القرن الثالث عشر بلا منازع، كان مفتيها محدثا نحويا لغويا معقوليا مشاركا محققا نزيها، قوالا للحق، مطبوعا على ذلك، غير هياب ولا جل، نزيها مقداما مهيبا، عالي الهمة، دءوبا على نشر العلم والإرشاد، والنهي عن المناكر والبدع والتي تكاثرت في أيامه لا يخشى في الحق لومة لائم يحضر مجلسه الولاة والأمراء أبناء الملوك وغيرهم، وهو يصرح بإنكار أحوالهم وما هم عليه مبين لهناتم غير متشدق، ولا متصنع، بل تعتريه حال ربانية، ولكلامه تأثير على سلطان النفوس رزق في ذلك القبول والهيبة على نحول جسمه، ووصلته بذلك أذاية وسجن، لكن بمجرد سجنه اعتصب الطلبة وقامت قيامة العامة فأطلق سبيله لذلك.
فهو أحق من يقال في حقه: مجدد لكثرة المنافع به، وانتشار العلم عنه، وعن تلاميذه، وقيامه بالنهي عن مناكر وقته، وكان شديدا على أهل الطرق وما لهم من البدع التي شوهت جمال الدين والمتصوفة أصحاب الدعاوى التي تكذبها الأحوال، وما كان أحد يقدر على الرد عليه مع شدة إغلاظه عليهم وعلى غيرهم وسلوكه في ذلك مسلك التشديد، بل التطرف في بعض المسائل، ومع ذلك هابه علماء وقته ولم يجرءوا على انتقاده؛ لأنه كان يتكلم بالحال لا المقال، وتحققوا خلوص نيته ومطابقة سره لعلانيته.
وذكر لي بعض الثقاة أنه سمع من الفقيه أحمد جسوس الرباطي أحد تلاميذه أنه أصبح جنبا، ولما استيقظ، وجد وقت القراءة، فلم يقدر على التخلق خوفا من الشيخ؛ لأنه كسي مهابة وجلالة انعدمت من علماء المغرب بعده،
(2/362)

فذهب للدرس، فما دام جالسا والشيخ ما التفت إلى جهته يقول علنا: أعوذ بالله من وجوه الجنابة، وذلك ما يدل على ما كان له من الكشف الصادق والفراسة النافذة، ولله در من قال: إذا لم يكن العلماء أولياء الله، فليس لله من ولي.
وقريب من هذه القصة وقعت لعبد الرحمن بن أحمد التاجنوزي انظرها في "نيل الابتهاج" وله مناقب جمة كان يحكيها لي الوالد رحمه الله. الذي كان ملازما دروسه. وقد حكى لي شيخي أحمد بن الخياط وغيره أن دروس الشيخ كانت أفضل بكثير مما يكتب في تآليفه، وحكى لي هو أيضا أنه سمع منه فوائد ما سمعها من غيره ولا رآها في كتاب قط مما يدل على اطلاع عظيم، له تآليف مفيدة كحاشيته على موطأ مالك، واختصاره لحاشية الرهوني السابق، وتقدم وصفه، وله تآليف كثيرة في مواضع متنوعة، وكثيرا ما ألف في البدع وما نزلت نازلة مهمة إلا وقد خصها بتأليف. وقد طبع بعضها بفاس. توفي رحمه الله على رأس المائة الثالثة عشرة 1302.
806- حسن العدوي الحمزاوي 1:
عالم مصر ومفتيها، ذو تآليف مفيدة، كتبصرة القضاء في المذاهب الأربعة، وحاشية البخاري، وأخرى على الشقاء وغيرها. توفي سنة 1303 ثلاث بعد ثلاثمائة وألف.
807- أبو العباس أحمد بن أحمد بناني المقلب بكلا:
فقيه علامة مشارك، ولا سيما في علوم اللسان والمعقول والحديث والأصول. قد انتهت إليه الرياسة في ذلك بفاس ونواحيها، وأخذ عنه أعلامها وجل أشياخنا، وأدركته وهو شيخ هرم لا يقدر على الدرس، نعم صليت وراءه
__________
1 حسن العدوي الحمزاوي "تبصرة القضاة في المذاهب الأربعة": الخطط التوفيقية "14/ 37" واليواقيت الثمينة "1/ 126".
(2/363)

بالزاوية التيجانية إذ لم يتأخر عن الإمامة فيها في الفخر وغيره إلى أن عجز آخر عمره. وقد أثنى عليه أشياخنا كمحمد الوزاني والحاج محمد جنون، ومحمد القادري وغيرهم، وكلهم يروي عنه سماعا وإجازة، وكان قد حج معه سنة نيف وتسعين أنه كان يراه قائما متهجدا بكلام الله وهو المركب، والأمواج تلعب بهم، وربما سقط في الركعة الواحدة عدة مرات بميد البحر. توفي سنة 1306 ست وثلاثمائة وألف عن سن عالية.
808- عبد الله بن حمدون بناني 1:
فقيه موثق نحوي شهير بفاس. ولي قضاء طنجة وغيرها، ومات فقيرا، فربح الثواب الفاخر، والثناء العاطر، توفي سنة 1307 سبع وثلاثمائة وألف.
809- خفاجي سيف الله بن إبراهيم:
عالم الإسكندرية ومسندها، ومن انتهت إليه رياسة العلم فيها وقته، وهو شيخ لكل من بقي بها إلى الآن وفضله عليهم، وخلف أنجالا علماء أفاضل. توفي سنة 1310 عشر وثلاثمائة وألف.
810- أبو عبد الله محمد بن التهامي الوزاني أصلا الفاسي دارا:
صدر الصدور الجلة، وعلم أعلام الملة، ركن العلم المحجوج، وبرهانه غير المحجوج، الفارس المجلي في كل ميدان، والمشار إليه بكل بنان، جهبذ راض العلوم الصعاب، وسلك السهول والشعاب، فتملك نواصيها بأوثق الأسباب. ولثقوب ذهنه الرحيب، فلا يرمي إلا بالسهم المصيب، خدم الرجال ذوي الحكمال، وركض في كل مجال، فأحرز المعالي بالعوالين وأصبح تاج الرءوس،
__________
1 عبد الله بن حمدون بناني: أبو عبد الله النديم الكاتب.
الكنى للقمي "1/ 267" تنقيح المقال "3/ 42"، ريحانة الأدب "7/ 479".
(2/364)

المفدى بالنفوس، برز على غيره في علوم كالنحو والبيان والفقه توجيه القراءات، فكان فيها لا سيما النحو إذا وطئت أقدام فحوله الثرى، جاوز الثريا يملي تحقيقات دروسه من غير احتياج لكتاب ويشرح متن الألفية أولها بآخرها، ويملي من حفظه قواعدها وشواهدها، ثم شارك في بقية العلوم الإسلامية نقلية وعقلية مع ما أوتي من سهولة التعبير عما في الضمير، ولم يكن له في ذلك نظير، فكانت العويصات لديه ضروريات، فلا يقوم الطالب من درسه إلا محصلا، وبرع في تحصيل قواعد الفنون بشواهدها من كتاب وسنة، متعمق في استنتاج دقائقها العلمية، تارك لكثرة الأبحاث الفارغة اللفظية، جماع للنوادر، مطلع ماهر، يمازج درسه الزاهر بفكاهات تمازح الأفكار، وتذهب بالسآمة، وتصقل الأنظار، إلى لطف أخلاق وهيبة الاستقامة، فكثر النفع به في الأصقاع المغربية حضر وبوادي، وعمرت بمآثره النوادي، فملأت تلاميذه الكراسي والمنابر، وله الفضل على جميع أصحاب المحابر.
ولقد كان بطلا لا ترد شباة نقده، ولا تحل مبرمات عقده، بحر زخار نقاد نظار، إن قيل في غيره فضة، فهو النضار، درسه أعظم درس أدركنا، وأمتع ما رأينا، لازمت دروسه نحو خمسين سنين، وكرعت من بحوره الزاخرة باليمين، عربية وفقها وبيانا وفرائض وحسابا وتوحيدا، ومنطقا وحديثا وغيرها. وأول يوم جلست بين يديه كساني نوره، فوجدت من نفسي إدراكا وتحصيلا لم أجده قبله، فكان ذلك اليوم من أسعد أيامي انتقلت فيه من طور إلى طور، كأني كنت حيوانا فصرت إنسان أو كنت نائما، فأصبحت يقظانا، وأمسيت نشيطا جذلانا، اتخذته عمدتي، وأعددته عدتي والله يجازيه خيرا.
أما قدمه في الورع والزهد والتبتل والعبادة، ففي المكانة التي ما وراءها وراء، ولم أره مدة ملازمتي له إلا ناشرا للعلم، أو تاليا لكتاب الله بحرف أبي عمرو البصري، أو ذاكرا يقوم الليل تهجدا، وفي النهار تراه في نشر العلم ومطاردة الجهل مجاهدا.
تولى قضاء الصويرة، فكان مثال العدل والعفة والاستقامة مع دءوب على
(2/365)

نشر العلم، ولشغفه به، لم يلبث بها إلا قليلا، واستعفى فأعفي، فرجع لفاس طاهرا، وللعلم ناشرا، وله فتاوٍ قليلة، وكان من أهله الشورى في الأحكام، فلم تحفظ له في ذلك فلتة، بل الذكر الجميل، والفخر الجزيل.
وقد خرج من الدنيا فقيرا في بيت بالكراء مع تجمل ظاهره، وإظهار النعمة عليه ولعكوفه على ثلاثة دروس يومية فأكثر، قلت نفثات أقلامه، ومع ذلك، فله مؤلفات لا تخلو من فائدة كتأليفه في إيمان المقلد وغيره، وبالجملة تدارك الله به هيكل العلم الذي كان قد انهار بموت العلامة جنون السابق، فكان خير خلف له في اجتهاد في نشره، وبث روح الحياة في أهله، وعند أخذ، وعن بناني كلا السابق وغيرهما. وتوفي بضعف أصابه من كثرة اجتهاد في ليلة 12 شعبان وهو يتلو قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} برواية البصري سنة 1311 إحدى عشرة وثلاثمائة وألف عن نحو ستين سنة، ولم نر مثل جنازته، ورثاه تلاميذه وأقرانه بقصائد عديدة، وكان المصاب به جليلا، ودفن بالقباب خارج باب الفتح رحمه الله، ولم يعقب ذكرا، ولكن عقبه في العلم لا ينقطع.
811- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد التادلي:
شيخ الجماعة في الرباط في وقته، فقيه حيسوبي، فرضي علامة مشارك، وصفه بذلك تلاميذه، نشر العلم بالرباط بعدما كان صفرا، وصيره زهرا بعدما كان قفرا، طلب العلم بفاس، وأخذه عن شيوخ كعبد السلام بوغالب، والفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحجرتي الفلالي شيخ الجماعة بها وغيرهما، وله تآليف كثيرة كشرحي الألفية، والمختصر، وشرح الرسالة، وشرح المرشد، وغيرها وقد أخبرني مفتي الرباط الفقيه ابن إبراهيم أن الرباط ما كان به من يستحق أن يقال له: عالم قبله، وإنهم كانوا قبل عام 1300 إذا مات أحد لم يعرف عدوله قسم تركته، وإنما يقسمها لهم الطبجية حتى نشره فيهم المذكورة. هكذا قال. توفي سنة 1311 إحدى عشر وثلاثمائة وألف، وما ماتت سمعته الطيبة إلى الآن بالرباط.
(2/366)

812- عبد القادر بن عبد الكريم الورديغي 1:
الشفشاوني الخيراني المغربي الأصل المصري الدار، عالم بارع فقيه مدقق قرأ العلم بفاس، وسكن مصر، له مؤلفات منها "سعد الشموس والأقمار، وزبدة شريعة النبي المختار" في المذاهب الأربعة، وهذا هو عين كتاب "القوانين" لابن جزي زاد ذكر آيات وأحاديث صدر التراجم، ولم يعزها لمخرجها، وفيها ما لا يصح الاستشهاد به، أو لم يطابق المرجم له، وختمها برسالة مالك للرشيد، و"المشتاق لأصول الديانة والأذواق" و"نهاية سير السباق" وقد طبعا بمصر في مجلد واحد، وله كتاب "شمس الهداية" في القضاء على المذاهب الأربعة، وغيرهم، وله تواليف أخرى. توفي بمصر سنة 1313 ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف.
813- الهاشمي بن محمد بن الهاشمي الحجوي الرباطي الدار:
كان علامة دراكة محققا مدرسا، نفاعا ناشرا للعلم، عاكفا عليه جل علماء الوقت بالرباط تلاميذه، وعنه أخذوا، وبه تخرجوا، عالي الهمة، متين الإدراك، نزيه النفس، زكي الأحوال كأبيه وجده رحمهم الله. أخذ عن الفقيه سيدي إبراهيم التادلي وغيره. توفي سنة 1315 خمس عشرة وثلاثمائة وألف.
814- أبو محمد جعفر بن إدريس الكتاني 2:
الحسني الفاسي شيخنا الإمام الفقيه العلامة الورع الناسك الواعظ الدال
__________
1 عبد القادر بن عبد الكريم الورديغي الشفشاوي الخيراني المغربي الأصل المصري: اليواقيت الثمينة "1/ 218، 219".
2 أبو محمد جعفر بن إدريس الكتاني الحسني الفاسي: أبو المواهب، أبو الفضل، الكتاني الحسني، توفي سنة 1323:
فهرس الفهارس "1/ 186" والحاشية، معجم المؤلفين "3/ 133، 134"، شجرة النور الزكية "433".
(2/367)

على الله بحاله ومقاله، النزيه في أحواله كان ناشرا للعلم متحريا في دينه، متقشفا في عيشه عاكفا على نفع الخلف، صارما في قول الحق من أهل الشورى، المتفق على نزاهته وفضله. أخذ عن شيوخ أشار لهم في كتابه "الشرب المحتضر في بعض أهل القرن الثالث عشر" وله فتاوٍ وتآليف كشرح خطبة شرح ميارة على المرشد المعين، وغيره وقد كان من القوم الذين إذا رُءوا ذكر الله. وبالجملة كان من خيرة من أدركنا نزاهة ودينا عصمه الله من فتنة الدنيا وزخرفها، فأنعم الله عليه بأنجال علماء جلة كسيدي محمد1 الذي رحل إلى المشرق أخينا في الله ونعم الأخ وشهرته كافيه عن إطرائه، وأخيه أحمد وعبد العزيز وعبد الرحمن كلهم من خيار علماء وقتهم وقد توفي الأخيرون رحمهم الله. توفي المترجم سنة 1323 ثلاث وعشرين عن نيف وسبعين، ولما نعوه في مكة صلوا عليه صلاة الغائب، ولم يكن بها أحد من قرابته لماله من طيب الذكر رحمه الله.
815- أبو العباس أحمد بن خالد الناصري 2:
السلوي دارا وقرارا ينتهي نسبه إلى الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي صاحب زاوية درعة الشهيرة بالمغرب. وهذا الشيخ هو من عرب معقل الداخلين للمغرب في القرن الخامس من فرقة منتمية إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من زوجه زينب بنت علي وفاطمة عليهم السلام، ولذلك ينتسبون جعفريين زينبيين، كما حققه المترجم في كتابه "طالع المشتري في النسب الجعفري" رادا على من قال من حفدة الشيخ المذكور: إنهم مقدايون؛ لأن مقداد بن الأسود لم يعقب، ورادا على ابن خلدون الذي اضطرب كلامه في انتساب عرب معقل إلى عبد الله بن جعفر، وقد رد عليه أحسن رد بحجج دامغة، واستدل بأن منهم الثعالبة وهم قبيلنا كما سبق لنا في ترجمة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، وهم جعفريون صرحاء كما أثبت ذلك غير واحد من النسابين لما تكلموا على الشيخ
__________
1 توفي ولده سيدي محمد بفاس في 16 رمضان سنة 1345 خمس وأربعين، وقبله أخوه مولاي أحمد سنة أربعين 1340 رحمهم الله.
2 أبو العباس أحمد بن خالد الناصري السلوي: الاستقصا "4/ 50"، وشجرة النور "432".
(2/368)

المذكور، وعلى نسب أبي مهدي عيسى الثعالبي شيخ الحرم المكي. وهو تأليف جيد من أحسن تآليف المترجم، استوفى فيه الكلام على النسب المذكور، وعلى الشيخ بناصر وأولاده وأحواله رضي الله عنه.
كان المترجم علامة عصره، مشاركا متفننا حافظا، دراكة، بعيد الغور، عالي الهمة، حسن الأخلاق، له مكارم جمة تنبئ عن شرف أصله، وكرم فضله. له التاريخ الشهير المسمى بـ"الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى" وهو مطبوع، وشهرته تغني عن إطرائه.
وله القيام بإنكار البدع والرد على الطرق فيما خرجوا فيه عن السنة، وذلك في تاريخه، وفي رسالة له، تعظيم المنة بنصرة السنة، ولا بدع في ذلك، فإن آل بناصر من المشهورين بنصرة السنة، والوقوف عندها وعلى ذلك أسست زاويتهم، كما أفصح بذلك اليوسي وغيره، وكان للشيخ مشاركة في الفقه، واطلاع ينبئ عن ذلك ما تكلم عليه من النوازل في التاريخ المذكور، وله إلمام بالأدب والشعر يدل على مقداره فيه شعره في التاريخ المذكور، وشرحه البديع لقصيدة ابن الونان المسمى بـ"زهر الأفنان" وهو مطبوع وله غير ذلك، ولولا اشتغاله في التوظف بخطة عدالة في الكمارك المغربية بالمراسي، لخلف أكثر من ذلك، ولما كان موظفا بفاس، كان يدرس المختصر درسا أعجب به من أدركه وصناعته في الدرس صناعة نافعة جدا، أخبرني بذلك من قرأ عليه. توفي ببلده سنة 1315 خمس عشرة وثلاثمائة وألف.
816- أبو العباس أحمد بن الطالب السودي 1:
القرشي ثم المري الفاسي، شهاب العلم، وقبس التحصيل والفهم، زعيم الفئة، ويتيمة عقد هذه المائة، بقية السلف، وزينة الخلف، شيخ الجماعة بالمغرب، وشيخ أملاكه والبدر في أفلاكه، بحر العلوم العقلية والنقلية الزاخر، وفلكها الدائر، وشمسها التي أخفت النجوم الزواهر إلى المجد الأثيل الباذخ
__________
1 أبوالعباس أحمد بن الطالب السودي القرشي المري الفاسي: إتحاف أعلام الناس "1/ 456".
(2/369)

المؤسس على أساس العلم السانح إذ بيت بني سودة بيت علم أصيل ومجد أثيل، حملوا المحابر، فحملوا على المنابر، ومع ذلك فالشيخ عصامي لا يتكل على مجد عظامي، لذلك حاز قصب السبق على الأقران، وجلي في الميدان، فكان في التحقيقات البدر المنير إذا أدلهم مشكل، أو ناب معضل، إلى كرم نفس، وإصابة حدس، ورقة طبع دونه النسيم، وخلق كريم يسلي الكليم، حليته الإنصاف شأن الأشراف مع فصاحة سحبانية، وكف حاتمية، وذهن وقاد، وقلم سيال نقاد، كثير المطالعة، واسع الاطلاع، معتن بجمع الفوائد والشوارد، وقيد الأوابد.
وقفت على جملة من كتبه، فلا تجد واحدا منها إلا وعليه خطه وملاحظته القيمة، جاعلا لها فهارس مقربة، فهو شيخ النحارير النظار في عصره، ولم ندرك في بيتهم من يساويه، ولا في حلبته من يساميه، وكان مع ترأسه مجالس الملك الحديثية قاضي مكناس مدة طويلة إلى أن توفي قاضيا. أخذت عنه بفاس صحيح البخاري وشمائل الترمذي، ولازمت درسه فيهما إلى الختم رواية ودراية، وله سند عال بينته في الفهرس، فكان يأتي بالعجائب البينات، ويصير معضلات العلم بحسن ذوقه، وثاقب فهمه، وحسن أسلوبه في التعبير من الواضحات.
كان كثير التقييد يكتب درسه، ويمليه محررا من كراسته، تفرد بهذا العمل لكبر سنه ونحولة جسمه، لكن فكره الوقاد لم يتقمص معه في قميص شيخوخته، بل بقي في عنفوان الشباب يفحم الشباب، ويأتي بفصل الخطاب، راجعته في مسألة كتابة وشفاها، فكان مثال التحقيق والإنصاف بعيدا عن جبروت الولاية والاعتساف. وله عدة تواليف فقهية وحديثية منها حاشية على البخاري، لو طبعت، لكان لها طيران حثيث، ولد سنة 1241 إحدى وأربعين ومائتين وألف. وتوفي عاشر رجب سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف بفاس رحمه الله.
(2/370)

817- أبو سالم عبد الله الكامل الأمراني العلوي الحسني 1:
بيت المجد الصميم، والفضل العميم، رضع ثدي المعارف على الشيخ جنون الكبير، وطبقته، فكان من الناجحين في حلبته، إلى أخلاق عاليه، ونفس في المكرمات سامية، وتحقيقات للمسائل العلمية بادية، حضرت دروسه الفقهية، فكانت آية الآيات تتضاءل لديه المعضلات مع مشاركة واسعة، وتقوى الله لذلك نافعة، للأدب والتواضع فيه انطباع يجذب الطباع مع رحب باع، وحسن اطلاع، وتحرير عميق يشنف الأسماع، ينثر في درسه الجواهر التي تزري بالزواهر، جلس للدرس بعد وفاة الشيخ الوزاني السابق، فركض في الميدان وجلي، وكان النهار إذا تجلى فلم ينشب أن اقتطفته المنون كهلا سنة 1321 إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
818- شيخ الإسلام سليم البشري 2:
المصري، علامة دراكة جهبذ فاضل محقق، تولى رياسة الأزهر سنة 1317، وكانت ولادته سنة 1248، وأخذ عن الشيخ البيجوري، والشيخ عليش وغيرهما، ودرس وتخرج عليه خلق كثير، وهو معدود من المصلحين، فقد رتب بسعيه سبعة من المدرسين بالجامع الزينبي مدة مشيخته به حتى صار قطعة من الأزهر، وتولى مشيخة المالكية بعد عليش، ولما تولى مشيخة الأزهر أكثر من امتحان طالبي التدريس، فكان سببا في كثرة المدرسين، وقد سار الأزهر في أيامه سير انتظام، وتقدم، وأصبح جل مدرسي الرياضيات متخرجين من الأزهر، وله جملة مؤلفات في التوحيد وغيره، أكثرها حواش كما هي عادة أهل وقته وبلده.
__________
1 أبو سالم عبد الله الكامل الأمراني العلواني الحسني: دائرة معارف الأعلمي "21/ 214".
2 سليم البشري المصري [علامة دراكة] : الكنز الثمين "1/ 106"، ومرآة العصر "2/ 465"، كانت وفاته سنة "1332" هـ.
(2/371)

819- أبو عبد الله محمد فتحا بن محمد بن عبد السلام جنون:
المستاري أصلا الفاسي مولدا وقرارا، من بيت بني جنون الشهير بفاس، وتقدم هذا السيد تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء علما وبراعة، رواية ودراية، تقوي واستقامة، وسمتا وهداية نشأته سحبت من العفاف ذيلا، وغضت الطرف حتى عن الطيف ليلا، شاب نشأ في العبادة والإكباب على العلم، والتكفي بما خلفه أسلافه ذوو المجادة، فلم يزل خدن الصيانة، صلب الديانة في عفاف واستكانة، حافظا لناموس العلم، عالي الهمة، مترفعا عن كل ما لا يليق بذوي الأقدار، حتى يظنه الظان متكبرا معجبا، فإذا فاتحه الكلام، أدهشه ما يجده من تواضع، ومكارم أخلاق، فأيقن أنه فيلسوف حكيم، عرف أهل زمانه ففر بدينه، وأقبل على ما يبقى، وأشاح عما يفنى، وقنع بالكفاف، نظر إلى الدنيا نظر استخفاف. عكف على العلوم، وأعطى كليته إليها، ولم ترض همته إلا باقتنائها والغوص على جواهرها وانتقائها، ومع حداثة سنه حصل على ما عجز عنه الشيوخ، ووسم بمقام الرسوخ، وأعانه صفاء مرآة فكره التي ما كدرها اهتمام بمعيشة، ولا هم رياسة، أو خوض حمأة السياسة، فكان حافظا واعية، ضابطا متقنا، بارعا في سائر العلوم الموجودة في زمنه، بحر لا تساجل لجته، وبرهان لا تراجع حجته، مستقيمة محجته، أمعن في العلوم كل الإمعان، وتمكن من صياصيها تمكن العوائد من طبع الإنسان تحسبه في كل فن واضعه، ولا ينزل عويص إلا كان فارعه.
تجلت فيه المواجب الإلهية بأبهى مجاليها، فكنت إذا أردت الموازنة بين دروسه الحديثية والتفسيرة والتجويدية والفقهية إلخ. هل غلب عليه فن منها، فلا تجده إلا بارعا في الكل سواء براعة فحوله العظام وأئمته الأعلام، وذلك ما لم أره في غيره؛ إذ كل من رأينا يغلب عليه فن من الفنون، وهذا لفضل ذكائه، وقوة عارضته واقتداره، لا تجد براعته في واحد منها تنقص عن سواه، فسبحان
(2/372)

من هو على كل شيء قدير.
بلغ غاية الغاية في التحقيق، والفهم الدقيق، فكأنه ينظر للغيب من ستر رقيق، بل لا ستر بينه وبين المعارف إلا أن يلتفت إليها، فتتدلى له الأغصان بالقطائف، ولا يجتني إلا اللطائف إلى فصاحة تترك سحبان لو رآه باهتا، وقسا لاستحيائه ساكتا، إذا مررت بدرسه، ترى خطيبا بدون منبر، وبحرا يقذف أنفس الدرر، لم تحفظ عنه لحنة في دروسه الكثيرة في أنواع الفنون، فما كان ينتابها إلا المنتهون والنبهاء والمدرسون، لذلك أقول عن تحقيق: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه فيما أظن حفظا وإتقانا لكل علم توجه إليه، وفصاحة وثبات جنان وطلاقة لسان، وتصرفا في العلوم وورعا واستكانة وعزوفا عن بهرجة الحياة. هذا مع نحول جسمه، ولطافة شكله، وخفة روحه ومهابته، وحسن بزته، وعمارة الوقت بعد نشر العلم بالأذكار والعبادة، قد لازمته بعد موت الوزاني مدة طويلة إلى أن أقعده المرض لم أتمالك على التخلف عن دروسه ومجالسته ومذاكرته، فانتفعت به كثيرا. فجزاه الله أحسن الجزاء فلا أحفظ أني رأيته إلا في عبادة.
كانت علوم اندرست أو ضعفت فأحياها، ونفخ روحا جديدة في طلابها، فابتهج محياها، درس علم التجويد بعدما درس، وأحيا قراءة التلخيص بمطول السعد بعدما بعد عهد هذه الديار بتهاطل تلك الأمطار، وذلك كله عطل بموته، وأحيا قراءة التفسير بالبيضاوي، لكن القاصرين لِمَ لَمْ يرق ذلك في أعينهم، فزعموا أنه يتسبب عنه موت السلطان، فشغلوه بولاية قضاء أسفى، ويا أسفي على العلم قضى عليه الحسد، وأذهب الروح وترك الجسد، لكن لم يلبث إلا نحو سنة، ثم استعفى فاعفي مشوقا إلى ما تعود من نشر العلم، طاهر الذيل، قائما بحقوق العدل، فرجع لدروسه تاركا التفسير في دروسه.
ولإكباب المترجم على الدروس الكثيرة، وإقبال التلاميذ عليها بإلحاح حيث انتهج في الإلقاء نهج الحفاظ الكبار إملاء كالبحر في مده، وتصرف بديع في التحصيل والبيان، وتبليغ مع تفيهم بليغ، كل من جلس في درسه لا يقدر
(2/373)

على مفارقته، إلا أن يكون قصارا عن فهمه، غير عاشق للعلم، ولا تطربه الفصاحة والبلاغة، لذلك لم تيسر له تواليف مهمة تناسب علمه مع اقتطاف المنون له في زهرة الشباب، ومع ذلك فله تواليف لا تخلو من أهمية كشرحه لخطبة المطول، وتأليفه في البسملة في الصلاة وغيرهما.
وكان أكثر أخذه وتخرجه بالفقيه محمد بن العباس العراقي كما أخذ عنه أحمد بناني كلا السابق ونسيبه جنون والوزاني وغيرهم، وأجازه عدة مشارقة في وجهته للحج، كما أشار لبعض ذلك في ثبته الذي أجازني به، وقد ذكرته في الفهرس، وبينه وبين البخاري من بعض الطرق أحد عشر شيخا، وبينه وبين مالك أربعة عشر، وقد بقي على حاله الموصوف إلى أن نزلت به سكتة ألزمته الفراش مدة، ثم وجد بعض الراحة غير تامة، فبقي بين اعتلال وإبلال إلى أن توفي سنة 1326 ست وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن بضريح أبي غالب برأس القليعة من فاس، وانقرض عقبه من الذكور رحمه الله، إلا أن عقبه العلمي لا ينقطع، إذ جل من يشار إليهم في الوقت مستمدون منه، نعم بموته انطفأت تلك النهضة العلمية العربية، والله يعيدها لأحسن ما كانت.
820- أبو محمد عبد السلام بن محمد الهواري:
فقيه نقاد، مشارك نفاع، من أساطين العلم الكبر، وأنجمه الدرر، أغر البيان، وبرهانه العيان، فخم مفخم في تدريسه المرتل ألذ من إيقاع المثاني في إلقائه الذي لا يمل، تكسوه جلاله عند الإلقاء لم تكن عند اللقاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، استقضى بقصر كتامة ثم السويرة، ثم صار قاضي فاس، أخذت عنه حظا من الفقه والبيان والحديث وغيره وله حواش على شرح لامية الزقاق لابن سودة السابق، وشرح على الوثائق البنانية الكل مطبوع.
توفي رحمه الله في أواخر جمادى الثانية عام 1328 ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف.
(2/374)

821- أبو محمد الحسن بن العربي الحجوي:
هو الحسن بن العربي بن محمد بن أبي يعزى بن عبد السلام بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري الزينبي التازي مولدا الفاسي دارا وقرارا ووفاة، والدي وعمدتي، وأول شيخ أخذت عنه أول مسألة فقهية، وغذاني بمعارفه، وأسبغ علي برد مطارفه، كما أخذت عنه السير والتاريخ كثيرا وغيرها، وبأدبه تأدبت، وتحت شعاع نوره أدلجت، فلم لو أذكر ترجمته، لكان من إضاعة الحقوق، القريب من العقوق، لكني أختصر، وعلى بعض ما علمت سعد أقتصر، وإلا فلا سبيل أن أوفيه حقه، ولا أذكر إلا ما تيقنت صدقه.
نسبه تقدم لنا الكلام عليه في ترجمة أبي زيد عبد الرحمن الثعالبي، دفين الجزائر وأبي بكر الحجوي دفين القنادسة قريبا، نشأ في ظلال والده مترددا بين مصادر العلم وموارده، من نعمة يتفيؤ وارفها، إلى طهارة يسحب مطارفها، وأبوه كجدوده قطب بلده الذي عليه مدارها، ومقام حجها واعتمارها، فسلك للعلم الحزون والسهول، وبز في حداثته الكهول إلى أن تحلى بكل كمال، وبلغ ما تقصر عنه الرجال، من علم وفضل وتقوى، ومكارم طابق سرها النجوى، ونفس زكية سهلة، تريك كامل السراوة لأول وهلة، ما شئت من أخلاق محمدية زلال، وخلال آمنة من الاختلال، يتمنى رقتها النسيم، وسماحة متلقاة دعواها بالتسليم، شهير الإيثار، بعيد عن جمع الاستكثار، محب للمساكين، وآل البيت الطيبين، والعلماء العاملين، مع صحبة الصالحين، وعبادة المخلصين، وإنابة المخبتين، سليم الباطن، مغض عن الأعراض الموجبة للضغائن، متفق على فضله من القاطن والظاعن، صادق اللهجة، دائم البشر، واسع الصدر، ثاقب الفكر، وإنه لحسنة من حسنات الدهر، متواصل الأحزان على أحوال المسلمين المتأخرة في هذه الأزمان، ناصح لكل من اجتمع به منهم، دال على الخير، متمسك لأثر السلف الصالح عملا واعتقادا، لا ينام من الليل إلا قليلا، ولكمال سيرته، وصفاء سريرته، ومطابقة سره لعلانيته، رزق فراسة صادقة ينظر فيها بنور الله، ودعاء مستجابا شأن كل أواه يعرف ذلك من أحواله كثيرون ممن كانوا ينتابون
(2/375)

مجالسه التي لا تؤبن فيها الحرم، ويعدونه له كشفا صادقا كنار على علم، ولو شئت، لذكرت من ذلك قضايا عجيبة كثيرة، لكني أكتفي بعلم كثيرين بها وهم أحياء لغاية كتب هذه الأحرف كي لا يقال: مادح أبيه مادح نفسه.
قرأ القرآن على شيخ المقرئين بتازة الذي له الفضل على كل من يمسك القلم بها الأستاذ السيد علال بن كيران، والفقه وغيره على مفتيها بوحجاز السابق لنا ترجمته والمقدم الشاهد، والرجل الصالح الحسن بن حنيني وغيرهم من أعلام تازة، ثم لما حدثت بعض الفتن بمسقط رأسه، ومنبت غرسه، انتقل والده بجميع العائلة الكريمة لفاس في حدود الثمانين من القرن الماضي عائدا لمقر أسلافه الكرام التي نقلوا منها على عهد الدولة الإسماعيلية العلوية، وهناك لازم الفقيه الكبير الحاج محمد بن المدني جنون، والشيخ أحمد بن أحمد بناني كلا، ثم أخذ عن محمد بن قاسم القادري الحديث والسير، وعن غيره من أقرانه، كان آية في الحفظ والاستحضار حكى لي قاضي تازة السيد محمد الخصاصي نزيل طنجة الآن، قال: كان أبوك يحضر مجلس وعظي، فكان يعيد لي كل ما يسمع مني عن ظاهر قلب بالحرف.
وفي المدة التي خاض فيها التجارة عرف لغتين الإسبانية والإنكليزية، وتشرف بالرحلة الحجازية أول ما لبس من الحجازية، ولقي مشرقا ومغربا رجالا عارفين فاغترف من بحرهم المعين، وتلقى راية الاختصاص باليمن، ولقد ظهر فضله، وكمل نبله، واستحصل في كل كمال رتبة قصوى، وله في السير والتاريخ اليد البيضاء، وفي علوم الاقتصاد والاجتماع مكانة عليا يعرفها أهلها، ولقد كان أكبر من الزمان وبنيه، وعدم روضه من يجتنيه، درة مغفلة، وخزانة على اللطائف مقفلة، أنظاره في السياسة بعيدة، وأفكاره ذات سهام سديدة، عرضت عليه وظائف مهمة فأبى، ورآها بالنسبة لحرية لسانه كالهبا، ولاستقلال فكره النضيج وحرية ضميره البهيج كان أكره شيء إليه التوصل إلى الدنيا الخسيسة بالدين الشريف، فكان يؤثر في تكسبه التجارة بعدما قضى من الطلب أوطاره، اقتدى بآبائه في الأخذ بالحظين والإرث بالسهمين، فكان محظوظا
(2/376)

شاكرا ملحوظا بعين المهابة والتجلة، مقصودا للملهوفين، محبوبا من أهل الدنيا والدين، وقلبه مع مولاه باطنا، وفي الأسباب ظاهرا، تحلى من الإنصاف بما يحمد به الإنصاف، حتى كان يظهر لمجالسة الأمية، ويخفض لأهل العلم جناح التواضع حتى يظفر بكل أمنية.
ومن فوائده المبسوطة على أطراف موائده ذاكرته يوما فيما يقوله بعض المالكية في حكم التجارة بأرض الحرب حيث كان هو يتجر في أوربا، فقال لي: لا جامدا على قول الفروعيين، فإن التجارة المذكورة في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} 1 كانت بالشام وهي أرض حرب إذ ذاك، وأقرهم عليها القرآن، والنبي -صلى الله عليه وسلم، وقد أتجر عليه السلام بها قبل البعثة بنفسه الكريمة وهو معصوم من المحرم ومن كل ما يقدح في العدالة قبل البعثة وبعدها، على أن أوروبا لم تبق دار حرب، بل هي الآن دار سلام منذ سلم المغرب أصطوله وعقد معها المعاهدات، وتحقق أمن المسلم فيها على دينه وماله وعرضه، وقد أذن الإمام في التجارة بها، وأطال رحمه الله بأدلة لصراحة حكم الجواز بأدلة، وهكذا كانت أجوبته طيب الله ثراه.
ولد نعمه الله بتازة سنة 1259 تسع وخمسين ومائتين وألف حسبما أخبرني به، وفي سنة 1320 ترك الاشتغال بالدنيا عن اختيار، وطلقها حال إقبالها بالبتات إلى الممات، وانزوى في بيته، وأقبل على مولاه بكليته من مطالعة إلى تلاوة إلى ذكر إلى مجاهدة ومشاهدة نحو تسع سنين، إلى أن استأثر به من له البقاء المنزه عن التغير والفناء بعد انحراف مزاجه أسبوعا في 21 ربيع النبوي عام 1328 ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف، وسبحان من حجب الفضائل بالتراب، والنجوم بالسحاب، وجعل الحياة كلمع السراب، ومضجعه المنور بزاوية الصقليين أحبابه بباب عجيسة، وعند الله أحتسب مصيبتي به، فإنها أعظم مصاب، وأسأل له الفوز في دار المآب.
__________
1 سورة الجمعة الآية: 11.
(2/377)

822- أبو عبد الله محمد فتحا بن قاسم القادري 1:
الحسني الفاسي، الإمام النحرير النقاد، والعلم الذي تتضاءل له الأطواد الفقيه الأصولي المعقولي المشارك في العلوم، وقد تسنم منها الذري التي تقصر عنها الفهوم إذا أظلم ليل عويصه واحتلك، كان فكره شمسا تمحو ذلك الحلك، وهبه الله ذهنا متوقدا، وفكرا متيقظا مهما خطا لا يعرف الخطأ، إلى زهد وعفاف، ورضى بالكفاف، بل طلق الدنيا بالبتات، ووأدها وأد البنات، وقد عين لقضاء السويرة، فاحترم بحرم زرهون تاركا الدنيا لمن رضي بالدون، واعتكف هناك على نشر العلم في بلد كان منه قفرا، فأصبح كروض هتون، إلى أن أعفي، فرجع لفاس متوجا بتاج الزهد الصحيح، والعز الصحيح، وبقي سائر عمره ثابتا في ذلك المقام ما مال قط إلى الحطام، ولا احترف بحرفة أمثاله شهادة ولا فتيا إلى أن جاءه الحمام وقد تجرع من قلة ذات اليد مضاضة ولم تكن عليه فيه غضاضة، وربما سأل ذوي اليسار متعففا شاكرا، ودأب طول عمره للعلم ناشرا، فكان أحد أساطين القرويين العظام الذي عمروها بالروس والتآليف الجسام.
أما الثقة به، فكلمة إجماع فهما ودينا من غير نزاع، لازمته مدة طويلة في دروسه المتنوعة فقها وأصولا، وحديثا وسيرا وتوحيدا وغيرها، وناولني بعض تواليفه الممتعة، وسمعت عليه مرتين إلا قليلا حاشيته على شرح ابن كيران على توحيد المرشد البديعة، وله "رفع العتاب والملام عمن قال إن العمل بالضعيف حرام" وتأليف في إيمان المقلد وآخر في السدل وغير ذلك. وقد ترك الدرس بعض أعوام من آخر عمره إلا قليلا لضعف أصابه في جسمه، وكان جسيما ولد سنة 1259 تسع وخمسين ومائتين وألف كما أخبرني به مشافهة.
وتوفي سنة 1331 إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف.
__________
1 أبو عبد الله محمد فتحا بن قاسم القادري الحسني الفاسي: رياض الجنة "1/ 52، 55"، وفهرس الفهارس "2/ 292، 293".
(2/378)

824- أبو عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الخضر العمراني 1:
نسبا الوزاني أصلا الفاسي دارا وقرارا الحسني، هو الرجل فقها وفروعا، وأحفظ أهل وقته للمذهب المالكي، وقد ظاهر منه دروعا مع مشاركة في العربية والبيان وغيرهما. علم من الأعلام البادية، وشهاب من الشهب الهادية، أخلاقه روض تضوعت نسماته، وبشره صبح تألقت بسماته يقرط أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، دءوب على نشر العلم بدروس عامرة، وتواليف متكاثرة هو أكثر من أدركنا بالمغرب تأليفا وتصنيفا، له المعيار الكبير في عدة أسفار والصغير، والفتاوى، وجل المفتين والقضاة يلجئون إلى هذه التواليف. وله حاشية على شرح مصطلح الحديث، وأخرى على شرح الجمل، وأخرى على شرح الآجرومية، وأخرى على شرح الاستعارة، إلى غير ذلك. وقد ملأت المغرب فتاويه ودروسه وطروسه، وانتفع به خلق كثير والله يعينه ويسدده2.
825- سالم بو حاجب آل سيدي مهذب 3:
التونسي، عالمها ومفتيها وخطيبها، وشيخ الجماعة بها ملحق الأحفاد بالأجداد، والمتفرد فيها بالبرعة وسعة الذكر وعلو الإسناد، ذو الإدراك الدقيق، والطبع الرقيق، والناظر للغيب بسليم إدراكه من ستر رقيق، الغواص النقاد، والمشارك النظار، وشيخ المالكية بهاتيك الديار، طأطأت له رءوس أهل زمانه، وكل من هو الآن بتونس ونواحيها فتلاميذه أو تلاميذ تلاميذه، وإنه لمن المعممين المنورين المفكرين فيما يصلح الدنيا والدين، ومثله قليل في هذا الحين، وله إلمام
__________
1 أبو عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الخضر العمراني: دليل مؤرخ العرب "461".
2 قد توفي رحمه الله آخر يوم من المحرم سنة 1342 اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف نحو السبعين فيما أظن، وحصل له فتور آخر عمره. ا. هـ. "المؤلف".
3 سالم بو حاجب آل سيدي مهذب التونسي: شجرة النور "426"، والأعلام الشرقية "2/ 109".
(2/379)

باللغة الإيطالية إذ جلس هناك مدة ليست بالقصيرة في مأمورية دولية، فاستفاد كثيرا، ووقف على غلطنا الكبير الذي ابتليت به الأمة من قديم وهو جهلنا بما عند غيرنا، لذلك كان يرى تعين تعليم علم الأوروبيين وقدم أولاده لذلك، فأنجب منهم أفراد كانوا قدوة لسواهم حصلوا على معلومات قدمتهم لإحراز النصر في معترك الحياة، ونال بهم حظوة كما نالوها، وانتفع بهم وطنهم أي انتفاع، فمنهم ولده الأكبر خليل بوحاجب الذي هو الآن شيخ مدينة تونس، وهذا السيد على جانب عظيم من المزايا والمكارم، له أخلاق أرق من نسيم السحر لقلب من أسحر صيفا، أو مريض ظفر بالشفا، له مائدة حاتمية ومعالي عصامية، تحلى بوقار وسكينة فحل من النفوس بمكانة مكينة، وله معلومات أهلته لنوال منصبه الرفيع يتكلم باللغتين العربية والفرنسية، ويخطب باللسانين، ونال حظوة الدولتين، وله السمعة العاطرة بين قومه، محبوب في عشيرته، ومستقبله أزهر من ماضيه، والله يحفظه ويكثر من أمثاله. وبداره اجتمعت بوالده المذكور مع جملة من أعلام تونس العظام وغيرهم وفرهم الله، وحصلت مذاكرة علمية فاح شذاها، فعطرت النواحي الذفرة، وأحيت القلوب الميتة، وكان ذلك غرة قعدة الحرام عام 1336، وقد أجازني إجازة عامة وخاصة، وناولني جزءا له مطبوعا جمع فيه خطبة الجمعية التي كان يخطب بها بتونس على النسق العصري النافع، حضا لأمته على النهوض، ونفض غبار الخمول، كما هو المفروض.
وسألني: هل لا زال خطباؤكم على النسق القديم في خطبهم مقتصرين فيها على من صام رمضان وأتبعه بست من شوال غير مبالين بإنذار قومهم بمن يتهددهم من البوار، وإرشادهم لما فيه صلاح دنياهم التي بها صلاح دينهم وأخراهم؟
فأجبته: لا زال خطباؤنا على الطرز القديم تماما وهم في نومهم كأمتهم تحسبهم جامدين، فتأسف كثيرا. وقال لي: لا ينبغي ولا يحمد من مثلك السكوت، بل يجب عليك إيقاظ قومك فقلت له: والله لقد بذلت ما في الوسع في دروسي وغيرها، ولكن ماذا ينتفع إيقاظ من لا حياة له، إذ تناديه ودور النوم لا زال لم يتم في الأمتين، وأخاف أن لا يستيقظوا إلا وقد فات الإبان الذي تنفع
(2/380)

فيه اليقظة؛ إذ علماء أمتنا أغرق في النوم من عامتنا، نعم علينا الثبات في مبدئنا من غير ملل، وبينما هو يذاكرني، وينثر درر العلوم ودقائق الفهوم إذ هو يتهم فكره بالخرف والهرم، فقلت له: كلا إن فكرك أصح وأدق من فكر كثير من الشبان، ولا زال فكرك في ثوب الشباب القشيب، لم يتقمص معك في شكل الشيخوخة والمشيب لما عليه الشيخ من النزاهة والتقوى، ونشأته البدوية الصحيحة التربية. وقد كان إذ ذاك في عقد التسعين، وعندي إجازة أجاز فيها الشيخ محمد بن عثمان السنوسي مؤرخه 1290 سنة تسعين ومائتين وألف، حفظه الله وبارك في أنفاسه العاطرة1.
826- أبو العباس أحمد بن محمد بن الخياط الزكاري الحسني الفاسي الدار:
بل هو مقلتها التي بها تبصر، ولسانها البليغ يسهب أو يختصر، إمام أهل الورع والتقوى، والمشار إليه في المغرب بإتقان العلوم والفتوى والعضو في الشورى، ومبرز ذوي المكانة الدينية العليا، أستاذ الفقهاء والمحدثين، وحامل لواء المفسرين والمحققين والصوفية والمدرسين والمؤلفين، شيخنا وقدوتنا فضاض المشكلات، وبدر المدلهمات، فارس الفقه المجلي، وجامع جوامع أصوله وإمامه المحلي، كشاف التفسير بالسنة، وإضاءة التوحيد في الدجنة، زيد الفرائض، ورافع الحجاب عن علم الحساب، وفائق التوثيق وجنيد المتصوفين من غير ارتياب، ذو التواليف النافعة، والتلاميذ المالئة للأقطار الشاسعة، محظوظ في العلم بالسهمين درسا وتأليفا على تعجب كان يحصل له في الإلقاء، وطالما حضر شورى النوازل القضائية، فنال من العلوم ثناء منيفا، ولقد فشت فتاويه في ديار
__________
1 لقد ورد نعي الشيخ سالم أخيرا بعدما ترقى لرتبة باش مفتي المالكية وهي أعلى رتبة ينالها عالم مالكي بتونس يعني رئيس المجلس الشرعي المالكي، فانتقل من الرتبة الراقية إلى رحمة الله الباقية يوم الأربعاء 3 ذو الحجة عام 1342 اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف عن ست وتسعين سنة رحمه الله كما أن ولده سيدي خليل ترقى لأعلى منصب إسلامي هناك وهو الصدارة العظمى وحق له ذلك، فإنه من الرجال الذين يعول عليهم تلك البلاد حقق الله الرجاء فيه وفي بلاده، وأبقاه لها عدة، وفسح له المدة. ا. هـ. "مؤلف".
(2/381)

المغرب، وكان فيها لسان الشريعة المعرب، وما حفظ عنه أنه تناول أجرا على فتوى أو حكم، أو لمز بما يصم، بل ورعه لا تقرب الشبهات حماه، واجتهاد لا يبلغ مرماه، إلى تواضع وخفض جناح، وأخلاق تتأرج منها البطاح.
له تصنيف مختصر في التوحيد، وآخر في القلم الفاسي المصطلح عليه عند الموثقين، وحواش على شرح المصطلح الحديثي، والكل مطبوع. وغير ذلك. وقد تناول شيئا من التجارة في أول أمره، ثم تجرد على طريق الصوفية الدرقاوية، ثم رجع لنشر العلم والعكوف على نفع الخلق إلى الآن، قرأ على شيوخ كبار كالشيخ محمد بن المدني جنون وهو عمدته وغيره ممن ذكرته في الفهرسة، وأخذ عنه عموم علماء المغرب المحققين مرحولا إليه، مؤتمن جليل القدر، عظيم الخطر، قرأت عليه كثيرا من الفقه والحديث والتفسير والأصول والسير وغيرها، وانتفعت به، ولازمته أعواما، وإنه لمن أهل الورع والدين المتين الذين أدركنا والحمد لله.
ولقد ذاكرته وراجعته في عدة مسائل وقد أجازني إجازة عامة وخاصة شفاهيا، ثم أجازني ثانيا كتابة، وأجاز فيها ولدى محمد وعلي أصلح الله حالهما تجد نصها في الفهرسة، ولما نظمت المجلس العلمي بالقرويين، انتخب هو عضوا أول فيه، وخليفة الرئيس، وقد وازرني فيه بأفكاره الصائبة، ثم لما أستعفيت من رياسته، رشح لها كما سبق لنا ذلك، ولا زال رئيسه إلى الآن، وبمثله تشرف المناصب العظام.
أخبرني أنه ولد1 في 16 شعبان عام 1252 اثنتين وخمسين ومائتين وألف والله يزكي عمره للإسلام.
__________
1 قد توفي شيخنا ابن الخياط المترجم بعدما عجز عن الدرس نحو خمس سنين يوم الاثنين 12 رمضان عام 1343 ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف، وكان الرزء به عظيما رحمه الله. ا. هـ. "المؤلف".
(2/382)

827- أبو العباس أحمد بن الجيلاني الأمغاري الحسني
كما رأيته بخطه، الفاسي دارا وقرارا، لا أدري كيف أقول في تعريفه وهو العلم وفضله أظهر من أن يطويه القلم؛ إذ هو شيخ فقهاء الوقت الأعلام، والمحقق الضرغام، فارس معقول ومنقول، وأحد النظار الفحول، شهير في كل مصر، وبصير بحال أهل العصر، مشهور العلم والنزاهة والكياسة النباهة، فيلسوف الفقهاء، وشيخ النبلاء، وفقيه المتصوفين، وبقية العاملين والصالحين المتصفين المنصفين، ولسان المناطقة والمتكلمين، ثاقب الفهم، واسع الفكر، بادي البشر، مشارك في الفنون محققها والمعقول والتصوف أغلب عليه ولا سيما علم المنطق، فإنه أعرف أهل المغرب به غير مدافع، قرأته عليه مرات، فكان في لسانه كالحديد في يد داود عليه السلام، كما لازمته في النحو والفقه والكلام وغيرها مدة طويلة، وانتفعت به كثيرا جزي خيرا.
تولى عضوية الشورى من لدن الدولة السابقة، فكان مثال النزاهة، طاهر الذيل، ثم انتخب عضوا ثانيا في المجلس العلمي بالقرويين، فكان لي كالعضو الأول مؤازرة، ثم صار خليفة للرئيس السابق، فكان هو المتصرف في أكثر مدته، ثم تولى الرياسة بعده ولا زال شاغلا لهذا المركز المهم في نظر الأمة المغربية، وإنه لحقيق به؛ إذ هو من أجل الشيوخ فضلا، وأكثرهم نفعا، وللمكارم جمعا، وفضل الشيخ كثير، وبحره كبير أنى يفي به قلم العاجز القصير.
أخذ عن الشيخ جنون الكبير وطبقته، وبعض تلاميذه كمحمد بن التهامي الوزاني، وقد شاركته في كثير من شيوخه، وأجازني إجازة خاصة وعامة مشافهة، ولا زال والحمد لله بقيد الحياة بمنصبه الرفيع، مواظبا على درسه الفقهي الخليلي، وهو في عقد السبعين فيما أظن، بارك الله في أنفاسه، وأطال في العافية برد لباسه.
(2/383)

أشهر مشاهير الشافعية بعد المائة الرابعة إلى الآن:
828- أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي 1 الجرجاني:
أحد أئمة الشافعية بما وراء النهر. توفي سنة 403 ثلاث وأربعمائة.
829- أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي 2:
المصري حافظها ألف كتاب "المؤتلف والمختلف" وكتاب "المشتبه" قيل للدارقطني: هل رأيت أحدا يرجى علمه في الحديث؟ قال: شاب بمصر كأنه شعلة من نار، يقال له: عبد الغني. ولما بكى لفراقه المودعون عند خروجه من مصر، قال لهم: قد تركت لكم خلفا، توفي سنة 409 تسع وأربعمائة عن سبع وسبعين.
830- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم المعروف بابن البيع 3:
الضبي الطهماني النيسابوري: كان حافظا جليلا، قال السبكي: اتفق
__________
1 أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الجرجاني: الرسالة المستطرفة "44".
2 أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري: أبو محمد، الأزدي، المصري الحجري العامري الحافظ المعدل. ولد سنة "332"، مات سنة "409 أو نيف سنة "410".
الأنساب "1/ 181"، طبقات الحفاظ "411"، البداية والنهاية "12/ 7"، تذكرة "3/ 1047"، العبر "3/ 100"، وفيات الأعيان "3/ 223"، معجم المؤلفين "5/ 273، 284"، المنتظم "7/ 291"، دائرة الأعلمي "21/ 142".
3 أبو عبد الله محمد بن عبد الله محمد بن حمدويه الحاكم "ابن البيع": أبو عبد الله، الضبي النيسابوري، العلهماني الحاكم، الشافعي، الشهرة ابن البيع، ولد سنة "321"، مات سنة "405".
الأنساب "2/ 400"، المنتظم "7/ 274"، إفادة النصح ص"128"، طبقات الحفاظ "409"، تاريخ بغداد "5/ 473"، التقييد "1/ 64"، لسان الميزان "25/ 232"، نسيم الرياض "3/ 471"، الأعلمي "26/ 312، 27/ 43"، العلل المتناهية "1/ 122".
(2/384)

الأئمة أنه أعظم الأئمة الحفاظ الذين حفظ الله بهم الدين. ا. هـ. وهو صاحب التصانيف الكثيرة بلغت ألفا وخمسمائة جزء، وفي "المنح البادية" إن تواليفه بلغت خمسمائة، ولا منافاة؛ إذ الأول عدد الأجزاء، والثاني عدد التواليف كتاريخ نيسابور أعود التواريخ على الفقهاء بفائدة، و"علوم الحديث" و"الإكليل" و"مزكي الأخبار" وله "المستدرك" على الصحيحين إلا أنه تركه في المسودة، فلذلك لم تتفق نسخه.
وقال الذهبي: إنما فيه جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع صح سنده وإن كان فيه علة، ونحو الربع مناكير وواهيات لا تصح، وفي ذلك موضوعات.
وقال في "المناح البادية": وقصد بالمستدرك ضبط الزوائد على الصحيحين مما هو على شرطهما، أو شرط أحدهما وقد أدخل فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما التعصب لما رمي به من التشيع وإما غيره فضلا عن الضعيف وغيره، بل يقال: إن السر في ذلك أنه ألفه في آخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغيير، وأنه لم يتيسر له تحليله وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في خمسه الأول قليل جدا بالنسبة لباقيه، ولذلك لا يعتمد الحفاظ أحاديث "المستدرك" إلا ما سلم تصحيحه وتحسينه مثل الذهبي أو الحافظ ابن حجر.
وله رحلتان مهمتان وشيوخه بنيسابور وحدها نحو ألف شيخ. فانظر رعاك الله ما وصل إليه الإسلام من عدد العلماء. وسمع بغيرها من نحو ألف آخر، وكان مرحولا إليه لسعة علمه، واتفاق الناس على فضله، تولى القضاء مرة بعد مرة، وتولى الوزارة والسفارة، ولقب بالحاكم لتقليده القضاء. توفي بنيسابور سنة 405 خمس وأربعمائة عن أربع وثمانين سنة. والبيع بكسر الياء المشددة
(2/385)

بوزن قيم.
831- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني 1:
إمام من أئمة الشافعية بما وراء النهر، له التصانيف الجليلة ككتابه الكبير الذي سماه "جامع الحلي" في أصول الدين والرد على الملحدين، أخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري، وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور، وهو أحد من بلغ حد الاجتهاد، لتوفر شرط الإمامة والتبحر فيه، توفي سنة 418 ثمان عشرة وأربعمائة.
832- أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي 2:
البغدادي: إمام كبير كثير العلم لا يساجل في الفقه وأصوله والفرائض والكلام والحساب اشتهر صيته، وعنه أخذ العلم أكثر أهل خراسان، صنف في العلوم، ودرس في سبعة عشر فنا، توفي بإسفرايين بلده سنة 429 تسع وعشرين وأربعمائة، وكان ذا مال وثروة أنفقها في العلم، ولم يكتسب من العلم شيئا.
883- أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني 3:
الحافظ الصوفي، الإمام الجليل جمع الله له علوم الرواية والنهاية في الدراية، له التصانيف العظيمة في الحديث والتاريخ كمستخرج الصحيحين، و"الحلية" وغيرها مرحولا إليه من الآفاق، توفي سنة 430 ثلاثين وأربعمائة.
__________
1 أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرييني: وفيات الأعيان "1/ 28"، طبقات الشافعية "3/ 111، 114"، والبداية "12/ 24".
2 أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي: وفيات الأعيان "3/ 203"، وطبقات الشافعية "3/ 238"، وتبيين كذب المفتري "253".
3 أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ الصوفي: سير النبلاء "11/ 99"، ووفيات الأعيان "1/ 91، 92"، وتذكرة الحفاظ "1092"، وميزان الاعتدال "1/ 52"، والشذرات "3/ 9245".
(2/386)

834- أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري 1:
انتهت إليه رياسة العلم ببغداد، كان ثقة فاضلا صادقا أديبا ورعا، واسع العلم، وكان له شعر على طريق الفقهاء، ومساجلة مع المعرى، وكان قاضيا بربع الكرخ ورعا.
ذكر السمعاني في ترجمة أبي إسحاق علي بن أحمد اليزي أنه كان له قميص وعمامة بينه وبين أخيه إذا خرج قعد هذا في البيت. قال السمعاني: وسمعته يوما يقول، وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغرنوي الواعظ داره، فوجدناه عريانا متأزرا بمئزر، فاعتذر من العري، وقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيب:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل
عاش الطبري مائة سنة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات. تفقه بشامل، ثم ارتحل لنيسابور، ثم بغداد، وعنه أخذ العراقيون، له كتب كثيرة عديمة النظير في الخلاف والمذهب والجدل، وله مناظرات مع القدوري والطالقاني الحنفيين. توفي سنة 450 خمسين وأربعمائة.
835- أبو الحسن علي بن محمد الماوردي 2:
البصري ثم البغدادي: كان واسع التبحر في العلوم سيما الفقه والأصول، والتاريخ والسياسة والأدب، له تآليف نادرة المثال كـ"الحاوي" في الفقه في عشر
__________
1 أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري: أبو الطيب، القاضي الطبري الفقيه الشافعي، ولد سنة 348، مات سنة 450.
الأنساب "9/ 42"، المعين رقم "441"، تاريخ بغداد "9/ 358"، التقييد "2/ 36"، العبر "3/ 222"، المنتظم "8/ 198"، وفيات الأعيان "2/ 512"، روضات الجنات "8/ 304" دائرة معارف الأعلمي "20/ 275".
2 أبو الحسن علي بن محمد الماوردي البصري ثم البغدادي: أبو الحسن، الماوردي القاضي البصري.
الإلماع للقاضي عياض "99، 103".
(2/387)

مجلدات، و"الأحكام السلطانية" مثل فيه الهيئة الاجتماعية من الخليفة إلى الوزارة والعمال إلى طبقات العامة فقاس وعلل، وتفلسف ما شاء مما دل على سعة مداركه إلا أن الخيال أغلب عليه من الحقائق، وله قانون الوزارة وسياسة الملك، وأدب الدين والدنيا، متداول، ولي القضاء ببلدان كثيرة، ثم ببغداد، ولم يظهر تصانيفه في حياته، بل دسها على جودتها إلى ما بعد وفاته. وله تفسير مهم توفي سنة 450 خمسين وأربعمائة.
836- أبو عبد الله الحسين بن نصر المعروف بابن خميس 1:
الكعبي الموصلي تاج الإسلام، مجد الدين، صاحب التصانيف الكثيرة، توفي ببلده الموصل سنة 452 اثنتين وخمسين وأربعمائة.
837- أبو عاصم محمد بن أحمد الهروي 2:
العبادي مؤلف "المبسوط" و"الزيادات" و"الهادي" معروف بتعويض العبارة كأستاذه أبي إسحاق الإسفرايين، وهناك ابتدأ هرم العلوم، توفي سنة 458 ثمان وخمسين وأربعمائة.
838- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي 3:
النيسابوري: أحد أئمة المسلمين، الحافظ الكبير، الناشر للسنة، القانع من الدنيا بالقليل، الذاهب على سيرة السلف، القائم بنصرة مذهب الشافعية فروعا وأصلا، كان جبلا من جبال العلم، روى عن الإمام الحاكم وغيره، له رحلة مهمة، وعلم واسع، ورواية كثيرة، وكتب منتشرة كـ"السنن" و"المعرفة"
__________
1 أبو عبد الله الحسين بن نصر المعروف بابن خميس الكعبي الموصلي: سير النبلاء "12/ 211"، ووفيات الأعيان "2/ 139"، وطبقات الشافعية "4/ 217".
2 أبو عاصم محمد بن أحمد الهروي العبادي: أبو عاصم. الهروي.
تبصير المنتبة "3/ 981".
3 أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي النيسابوري: وفيات الأعيان "1/ 75، 76"، والمنتظم "8/ 342"، وطبقات الشافعية "3/ 3، 7"، وتذكرة الحفاظ "1132".
(2/388)

و"المبسوط" نصوص الشافعي، وقد بلغت كتبه ألف جزء كلها غرر، ولا سيما السنن الكبرى والصغرى، و"معرفة السنن والآثار" فهي من الكتب المهمة في الحديث والفقه.
قال إمام الحرمين: كل الشافعية للشافعي منه عليهم إلا البيهقي، فله منة على الشافعي. جمع نصوص الشافعي في إحدى عشرة مجلدة، ولد سنة 384، وتوفي سنة 458 ثمان وخمسين وأربعمائة. رحمه الله.
839- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوارني 1:
المروزي: صاحب التصانيف كـ"العمدة" و"الإبانة" شيخ أهل مرو، توفي سنة 461 إحدى وستين وأربعمائة.
840- أبو علي الحسين بن محمد المروزي 2 الشهير بقاضي حسين:
كان إماما كبيرا صاحب وجوه غريبة في المذهب، له تعليقة في الفقه شهيرة ومهما قال إمام الحرمين والغزالي: القاضي، فإنما عيناه، أخذ عن القفال وغيره، وصنف في الأصول والفروع والخلاف. توفي سنة 462 اثنتين وستين وأربعمائة.
841- أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي 3:
الحافظ الكبير، أحد أعلام الإسلام، ومهرة الحديث، صاحب التصانيف
__________
1 أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني المروزي: وفيات الأعيان "3/ 132"، وتهذيب الأسماء واللغات "2/ 280"، وطبقات الشافعية "3/ 225"، ولسان العرب "3/ 433".
2 أبو علي الحسين بن محمد المروروذي: وفيات الأعيان "2/ 134"، وتهذيب الأسماء واللغات "1/ 164، 165"، وطبقات الشافعية "3/ 155".
3 أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي الحافظ الكبير: سير النبلاء "11/ 208"، ووفيات الأعيان "1/ 92"، ومعجم الأدباء "4/ 13"، وطبقات الشافعية "3/ 12"، وتذكرة الحفاظ=
(2/389)

المنتشرة. قال فيه شيخه أبو إسحاق الشيرازي: إنه نظير الدارقطني، كانت له ثروة طائلة، وكرم حاتمي، وقف جميع كتبه وماله عند موته. كان حنبليا ثم انتقل شافعيا، توفي سنة 463 ثلاث وستين وأربعمائة.
842- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري 1:
إمام جليل جمع بين علم الفقه والتصوف والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة، جامع بين الشريعة والحقيقة أصله من العرب الذين قدموا خراسان رحل إلى نيسابور، فأخذ التصوف عن أبي علي الدقاق وصناعة الوعظ، وأخذ الأصول عن ابن فورك، وأخذ الفقه عن أبي بكر الطوسي، وأبي إسحاق الإسفراييني، وجمع بين طريقتي الإسفراييني وابن فورك، وبرع في العلوم، وصنف التفسير الكبير أجود التفاسير، والرسالة المشهورة المطبوعة في رجال التصوف، وسمع الحديث ببغداد والحجاز، وكانت له مجالس وعظ ومجالس سماع الحديث، وكان ثقة مأمونا، أشعريا شافعيا، توفي سنة 465 خمس وستين وأربعمائة.
وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إماما كبيرا، أشبه أباه في علومه ومجالسه، ومن شعر أبي القاسم:
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق
843- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي 2:
الشيرازي يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة، ويشبهونه بابن سريج
__________
1 أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري: أبو القاسم. القشيري النيسابوري، الخراساني الصوفي. ولد سنة "376"، مات سنة "465".
التاج المكلل "75" الأنساب "10/ 427"، نسيم الرياض "2/ 431"، سير النبلاء "18/ 227"، الوفيات "252"، التقييد "2/ 131"، علل "1/ 122"، وفيات الأعيان "3/ 205"، تاريخ بغداد "11/ 83"، دائرة الأعلمي "21/ 152".
2 أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي: سير النبلاء "11/ 201"، وطبقات=
(2/390)

في تأصيل الفقه وتفريعه ويحاكيه في انتشار التلاميذ، له مناظرات مع الدامغاني الحنفي، ولاه نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس بها. ألف "التنبيه" و"المهذب" في الفقه. و"النكت" في الخلافيات، و"اللمع" وشرحها، و"التبصرة" في الأصول، و"المعونة" في الجدل، وله الشعر الحسن وفيه يقول عاصم شاعر بغداد:
تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسم النحيل
وكان في غاية من الورع والتشدد في الدرس، وعاش فقيرا صابرا، ومع هذا فهو حسن المجالسة، طلق المحيا، ومحاسنه أكثر من أن تحصى، توفي سنة 476 ست وسبعين وأربعمائة.
844- أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ 1:
فقيه العراقيين في وقته أول من درس بنظامية بغداد، وبعد عزله منها تولى أبو إسحاق السابق ثم بعد موت أبي إسحاق أعيد لها، وكان يضاهيه وتقدم عليه في معرفة المذهب، وكانت الرحلة إليه من البلاد ثقة حجة صالح كما في ابن خلكان، وانتهت إليه رياسة الشافعية ببغداد، ألف "الشامل" وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلا وأثبتها أدلة، و"الكامل" و"عدة العالم"، و"الطريق السالم"، و"كفاية السائل" وغيرها. توفي سنة 477 سبع وسبعين وأربعمائة.
__________
1 أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ: أبو نصر، البغدادي الشافعي. مات سنة "477".
المعين "1512"، وفيات الأعيان "30/ 217"، العبر "3/ 287"، نسيم الرياض "1/ 55"، دائرة الأعلمي "21/ 123"، حاشية التحبير "2/ 355".
(2/391)

845- أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني 1:
المعروف بإمام الحرمين إمام نيسابور، بل إمام المشرق كله في الفقه والكلام والأصول، جاور بمكة أربع سنين، ومن هنا تلقب بإمام الحرمين، ولما عاد إلى نيسابور بنى له نظام الملك المدرسة النظامية، ألف "البرهان" في الأصول و"النهاية" في الفقه، قال ابن السبكي: لم يؤلف مثلها في المذهب. أثنى عليه معاصره أبو إسحاق الشيرازي وغيره. توفي سنة 478 ثمان وسبعين وأربعمائة.
846- أبو سعد عبد الرحمن بن محمد المتولي 2:
صاحب التتمة أحد أئمة رفعاء الشأن، بعيد الصيت، له مصنفات، توفي سنة 478 ثمان وسبعين وأربعمائة.
847- أبو المظفر منصور بن أحمد بن عبد الجبار التميمي المعروف بابن السمعاني 3:
كان إماما جليلا، ونوه به الشافعية كثيرا خصوصا حيث كان حنفيا يناضل عن مذهبه ثلاثين سنة، ثم رجع شافعيا، وبرجوعه رجعت العائلة السمعانية كلها شافعية، وعلى كل حال، فهو رفيع القدر، طبق ذكره الآفاق، فقيه محدث له
__________
1 أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني "إمام الحرمين": أبو المعالي، الجويني النيسابوري إمام الحرمين الضياء. ولد سنة "419"، مات سنة "478".
الأنساب "3/ 430"، سير النبلاء "18/ 468"، التحفة اللطيفة "3/ 86"، المعين "1515"، العقد الثمين "5/ 507"، وفيات الأعيان "3/ 167"، طبقات الشافعية للسبكي "3/ 249"، حاشية التحبير "1/ 81"، حاشية الإكمال "2/ 362"، المشتبه "139".
2 أبو سعد عبد الرحمن بن محمد المتولي "صاحب التتمة": سير النبلاء "11/ 282"، ووفيات الأعيان "3/ 133"، وطبقات الشافعية "3/ 223"، والشذرات "3/ 358".
3 أبو المظفر منصور بن أحمد بن عبد الجبار التميمي المعروف بابن السمعاني: نسبة إلى سمعان بطن بن تميم، وترجمته في طبقات الشافعية "4/ 21"، ووفيات الأعيان "3/ 211".
(2/392)

تفسير حسن، و"القواطع" في الأصول، و"البرهان" في الخلاف، به نحو ألف مسألة وغيره وكان رجوعه عن مذهب الحنفية بمحضر أئمة الفريقين في دار والي البلد ملكانك سنة 468، وحصل تشويش للعامة، وأغلق باب الجامع الأقدم، وترك الشافعية الجمعة إلى أن خرج عن مرو إلى نيسابور، فاستقبلوه فيها استقبالا حسنا، وأنزلوه في عزو وتكرمة، ثم بعد سكون الهيعة، عاد إلى مرو، وجلس للتدريس في مدرسة الشافعية، وعلا شأنه، وكان يقول: ما حفظت شيئا فنسيته. توفي سنة 489 تسع وثمانين وأربعمائة.
848- أبو الفتح سهل بن أحمد بن علي الأرغياني 1:
الإمام الكبير المقدار علما وزهدا، قرأ على القاضي حسين حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله، وعلى إمام الحرمين، وناظر في مجلسه، وارتضى كلامه. وتقلد قضاء أرغيان بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة، ناحية بنيسابور، ورحل للحجاز والعراق والجبال، وسمع شيوخنا عدة، وسمعوا منه، وأشار عليه الشيخ العارف الحسن السمناني بترك المناظرة، فتركها وعزل نفسه عن القضاء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولا بالتصنيف والعبادة، توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
849- أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني 2:
يضرب به المثل في الحفظ، وكان نظام الملك يعظمه كثيرا، ألف البحر
__________
1 أبو الفتح سهل بن أحمد بن علي الأرغياني: ألباني الأرغياني.
الأنساب "2/ 68"، حاشية الأكمال "1/ 576".
2 أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني: أبو المحاسن. الروياني. ولد سنة "415". قتل شهيدا سنة "502".
الروياني "بضم الراء وسكون الواو مثناة تحت نسبة إلى بطبرستان.
الأنساب "6/ 198"، إفادة النصح ص"28"، وفيات الأعيان "3/ 198"، حاشية التحبير "1/ 251"، المشتبه ص"327"، دائرة الأعلمي "21/ 276".
(2/393)

جمع فيه فروع الحاوي للماوردي مع فروع تلقاها عن أبيه وجده، قتله الملاحدة ببلد آمل سنة 502 اثنتين وخمسمائة.
ويحكى عنه أنه قال: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي.
850- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي 1:
حجة الإسلام، وأشهر الأعلام، برع في المذهب والخلافيات، والجدل والأصلين والمنطق، والحكمة والفلسفة، وصفه شيخه إمام الحرمين بأنه بحر يقذف، تولى تدريس النظامية ببغداد، له في المذهب "البسيط" و"الوسيط"، و"الوجيز" و"الخلاصة"، وفي الأصول "المستصفى" وهو من أحسن ما ألف فيه، حسن الأسلوب، فصيح العبارة وقد طبع، وله فيه أيضا "المنخول" و"بداية الهداية" و"المآخذ" في الخلافيات، و"شفاء الغليل في بيان مسائل التعليل" ومن أفضل مؤلفاته "إحياء علوم الدين" بل من أحسن ما ألف في الإسلام في بابه، وهي في فلسفة علوم الدين.
وله كتب غيرها، وقد زهد في آخر عمره، وتجرد للعبادة سنة 488 وحج وذهب للشام، فاشتغل بالدروس، ثم انتقل لبيت المقدس، ثم الإسكندرية، ثم إلى طوس، ثم عاد إلى نيسابور، للتدريس بالنظامية، ثم تزهد في آخر عمره إلى أن مات.
ولم يجئ بعده في الإسلام، جامع لأشتات العلوم مثله إلا ما كان من علم الحديث، فلم يكن فيه بالمكانة التي تناسب قدره، ولو أنه لم يتساهل في أحاديث الإحياء، لما وجد الطاعنون إليها سبيلا، ولد بطوس سنة 450 وتوفي بالطابران سنة 505 خمس وخمسمائة.
__________
1 أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي: وفيات الأعيان "4/ 216"، وطبقات الشافعية "4/ 101"، والمنتظم "9/ 168"، وتبيين كذب المفتري "291، 306".
(2/394)

851- أبو الحسين علي بن محمد الطبري عماد الدين الكيا الهراسي 1:
مدرس النظامية ببغداد، كان إماما نظارا محدثا يستعمل الحديث في مناظراته، ويقول: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رءوس المقاييس في مهاب الرياح، له باع واطلاع، أخذ عن إمام الحرمين، وكان رفيق الغزالي في الطلب، بل فضلوه عليه علما، توفي سنة 504 أربع وخمسمائة عن نحو مائة سنة، والكيا بكسر الهمزة والكاف وسكون اللام وآخره مقصور، والهراسي كالعبادي بسين مهملة.
852- أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي 2:
المعروف بالمستظهري الإمام الكبير، ولد بميا فارقين، وكان حافظا للمذهب، ورعا زاهدا، له تصانيف كـ"الشافعي" شرح مختصر المزني و"المستظهري" و"المعتمد" وغيره. توفي سنة 507 سبع وخمسمائة.
853- أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي 3:
الحافظ المشهور المعروف بابن القيسراني، كان أحد الرحالين في طلب
__________
1 أبو الحسين علي بن محمد الطبري عماد الدين الكيا الهراسي: أبو الحسن. الهراسي. مات سنة "504":
المعين "161"، شذرات "4/ 8".
2 أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي "المستظهري": أبو بكر. مات سنة "507".
المعين رقم "1615".
3 أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي "ابن القيسراني": أبو الفضل. المقدسي الأثري الطاهري، الصوفي الشيباني الحافظ، الشهرة نوباذان. ولد سنة 448. مات سنة "507":
التاج المكلل ص"117"، الأنساب "13/ 189"، سير النبلاء "19/ 361"، الميزان "3/ 587"، الأعلام "6/ 171"، التقييد "1/ 56"، الوافي بالوفيات "3/ 166"، الأعلمي "16/ 292"، وفيات الأعيان "4/ 287".
(2/395)

العلم، والحديث لأقطر الأرض، ثم استوطن همذان، له مصنفات غزيرة المادة كـ"الأطراف" التي له على الكتب الستة، وكتاب "الأنساب"، وهو الذي ذيله أبو موسى المدني، وكان له معرفة بالتصوف وتفنن وتأليف فيه. وله الشعر الحسن، أخذ عنه حفاظ وقته، توفي سنة 507 سبع وخمسمائة ببغداد عن تسع وخمسين سنة.
854- أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء 1 البغوي:
محيي السنة، مؤلف "المصابيح" في أحاديث الأحكام، و"شرح السنة"، وهما من مواد الفقه العامة، وفي ما قرب من هذا التاريخ ألف أبو القاسم الزيدوني في الأندلس كتابه في أحاديث الأحكام، وأبو العباس بن أبي مروان، ثم تلاهما عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة 582، ولعل البغوي أسبق لهذه المزية في المتأخرين، وله "التهذيب" و"الفتاوى" وغيرها. كان إماما جليلا فقيها محدثا مفسرا، جامعا بين العلم والعمل، سالكا سبيل السلف، توفي سنة 516 ست عشرة وخمسمائة. وفي "المنح" سنة عشر وخمسمائة عن ثمانين سنة بمرو الروذ محل إقامته. رحمه الله.
855- أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي 2:
الحافظ سبط القشيري النيسابوري خطيبها، له "المفهم لشرح غريب مسلم"
__________
1 أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي: الفراء نسبة إلى عمل الفراء وبيعها، والبغوي بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة نسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهرات يقال لها بغفشور بفتح الموحدة وسكون المعجمة وضم الشين المعجمة نسبة على غير قياس وترجمته في وفيات الأعيان "2/ 136"، وطبقات الشافعية "4/ 214".
2 عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي: أبو الحسن، الفارسي النيسابوري، ولد سنة 451، مات سنة "529".
البداية والنهاية "12/ 235"، شذرات الذهب "4/ 93"، طبقات الشافعية "7/ 171"، التقييد "2/ 102"، وفيات الأعيان "3/ 225"، تذكرة "4/ 225"، مرآة الجنان "3/ 259" سير النبلاء=
(2/396)

العلم، والحديث لأقطر الأرض، ثم استوطن همذان، له مصنفات غزيرة المادة كـ"الأطراف" التي له على الكتب الستة، وكتاب "الأنساب"، وهو الذي ذيله أبو موسى المدني، وكان له معرفة بالتصوف وتفنن وتأليف فيه. وله الشعر الحسن، أخذ عنه حفاظ وقته، توفي سنة 507 سبع وخمسمائة ببغداد عن تسع وخمسين سنة.
854- أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء 1 البغوي:
محيي السنة، مؤلف "المصابيح" في أحاديث الأحكام، و"شرح السنة"، وهما من مواد الفقه العامة، وفي ما قرب من هذا التاريخ ألف أبو القاسم الزيدوني في الأندلس كتابه في أحاديث الأحكام، وأبو العباس بن أبي مروان، ثم تلاهما عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة 582، ولعل البغوي أسبق لهذه المزية في المتأخرين، وله "التهذيب" و"الفتاوى" وغيرها. كان إماما جليلا فقيها محدثا مفسرا، جامعا بين العلم والعمل، سالكا سبيل السلف، توفي سنة 516 ست عشرة وخمسمائة. وفي "المنح" سنة عشر وخمسمائة عن ثمانين سنة بمرو الروذ محل إقامته. رحمه الله.
855- أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي 2:
الحافظ سبط القشيري النيسابوري خطيبها، له "المفهم لشرح غريب مسلم"
__________
1 أبو القاسم وأبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي: الفراء نسبة إلى عمل الفراء وبيعها، والبغوي بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة نسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهرات يقال لها بغفشور بفتح الموحدة وسكون المعجمة وضم الشين المعجمة نسبة على غير قياس وترجمته في وفيات الأعيان "2/ 136"، وطبقات الشافعية "4/ 214".
2 عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي: أبو الحسن، الفارسي النيسابوري، ولد سنة 451، مات سنة "529".
البداية والنهاية "12/ 235"، شذرات الذهب "4/ 93"، طبقات الشافعية "7/ 171"، التقييد "2/ 102"، وفيات الأعيان "3/ 225"، تذكرة "4/ 225"، مرآة الجنان "3/ 259" سير النبلاء=
(2/397)

وكانت وفاة أبي جعفر بن هبة الله الراوي عن أبي الوقت وفي بغداد سنة 621 إحدى وعشرين وستمائة.
858- أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر 1:
الحافظ الشهير ومن أعيان فقهاء الشافعية له رحلة واسعة جمع فيها ما لم يتفق لغيره، رفيق أبي سعد السمعاني في الرحلة خرج التخاريج وصنف التصانيف، له تاريخ دمشق في ثمانين جزءا، ويوجد منه في خزانة المواسين بمراكش سبعة وعشرون جزءا كبارا من تجزئة نيف وثلاثين. عاينته بنفسي، توفي سنة 571 إحدى وسبعين وخمسمائة عن اثنتين وسبعين.
859- أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل الإربلي 2:
الفقيه العارف بالمذهب الشافعي، بنى له الأمير مدرسة بإربل سنة 533، وهو أول من درس بإربل، ونشر فيها المذهب. له تصانيف حسنة في التفسير والفقه، وجمع خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت ستا وعشرين خطبة مسندة، وانتفع بعلمه خلق كثير على ورعه وعبادته وزهده وتقلله، توفي سنة 567 سبع وستين وخمسمائة.
860- أبو المعالي مسعود بن محمود بن مسعود النيسابوري 3:
الطريثيثي الملقب قطب الدين. تفقه بنيسابور ومرو، وقدم بغداد ووعظ
__________
1 أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر: أبو القاسم، الدمشقي.
تكملة الأكمال حاشية ص"152".
2 أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيلي الإربلي: وفيات الأعيان "2/ 237"، وطبقات الشافعية "4/ 218"، والشذرات "5/ 86".
3 أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الطريثيثي "قطب الدين": أبو المعالي، النيسابوري. توفي سنة 578".
تكملة الكمال الإكمال "83"، وفيات الأعيان "5/ 196"، المشتبه "289"، دائرة الأعلمي "27/ 244".
(2/398)

بها، ودمشق كذلك، ثم تولى التدريس في حلب وهمذان، وتفرد برياسة الشافعية، له كتاب "الهادي" اقتصر فيه على المشهور وما به الفتوى، وجمع عقيدة لصلاح الدين الأيوبي، كان يحفظها ويعلمها أولاده، توفي سنة 578 ثمان وسبعين وخمسمائة.
861- أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر المديني الأصبهاني 1:
الحافظ المشهور، إمام عصره في الحفظ والمعرفة، له في الحديث وعلومه تواليف مفيدة، وكتاب "المغيث" في مجلد كمل به كتاب "الغربيين" للهروي، واستدرك عليه وهو كتاب مهم رحل رحلة مهمة، ورجع إلى أصبهان بعلم كثير. توفي سنة 581 إحدى وثمانين وخمسمائة عن ثمانين سنة.
862- أبو بكر محمد بن موسى أبي عثمان الحازمي الهمداني 2:
زين الدين الحافظ المتقن، العبد الصالح، روى عن أبي الوقت عبد الأول المتقدم وطبقته، ورحل في طلب العلم إلى أقطار بعيدة، وغلب عليه الحديث،
__________
1 أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر المديني الأصبهاني الحافظ: أبو موسى، المديني الأصبهاني الشافعي. ولد سنة "501"، مات سنة "581".
التكملة لوفيات النقلة "1/ 150"، والحاشية، الأعلام "6/ 313"، والحاشية تذكرة الحفاظ "4/ 128"، الوافي بالوفيات "4/ 246"، التقييد "1/ 78"، البداية والنهاية "12/ 318"، غاية النهاية "2/ 215" طبقات الحفاظ "475"، سير النبلاء "21/ 152".
2 أبو بكر محمد بن موسى أبي عثمان الحازمي الهمداني زين الدين: أبو بكر، الهمداني. ولد سنة "548"، توفي سنة "584".
التكملة لوفيات النقلة "1/ 146"، وفيات الأعيان "4/ 294"، معجم طبقات الحفاظ "169"، دائرة الأعلمي "27/ 521"، الوافي بالوفيات "5/ 88"، وسير النبلاء "21/ 167"، معجم المؤلفين "12/ 64"، حاشية الإكمال "4/ 294".
(2/399)

فصنف فيه كتبا مفيدة كـ"الناسخ والمنسوخ" في الحديث، وكتاب "الفيصل في مشتبه النسبة" و"العجالة" في النسب، وكتاب "ما اتفق لفظه وافترق معناه في الأماكن" و"البلدان المشتبهة في الخط" وغير ذلك واستوطن بغداد وتوفي بها سنة 584 أربع وثمانين وخمسمائة عن ست أو سبع وثلاثين سنة في شبابه رحمه الله، وقد فرق كتبه على أصحاب الحديث.
863- أبو عمرو عثمان بن عيسى الماراني 1:
ضياء الدين من أعلمهم بالمذهب والأصول، شرح المذهب في عشرين مجلدا ولم يكمله، سماه "الاستقصاء" لم يسبق لمثله، وشرح "اللمع" وغيرها، توفي سنة 602 اثنتين وستمائة.
864- أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري 2:
فخر الدين الإمام الرازي ابن خطيب الري ذو الشهرة الذائعة، والتصانيف البارعة التي هجرت بها كتب المتقدمين، ذو اليد الطولى في العلوم الفلسفية والفقهية والعربية والوعظ باللسانين العربي والعجمي، ورجع بسببه خلق كثير من الكرامية وغيرهم إلى السنة، شدت إليه الرحلة من الآفاق، له التفسير الكبير العديم النظير و"المطالب العالية" و"نهاية العقول" و"المحصول" وشرح "وجيز" الغزالي، و"سقط الزند" لأبي العلاء المعري، وغيرها في الطب والحكمة والعربية وغير ذلك، وهو ممن يفتخر به الإسلام توفي سنة 606 ست وستمائة بمدينة
__________
1 أبو عمر عثمان بن عيسى الماراني ضياء الدين: أبو عمرو، المازاني الشافعي المنعوت الضياء. مات سنة "602".
التكملة لوفيات النقلة "3/ 137" والحاشية، دائرة الأعلمي "21/ 327"، وفيات الأعيان "3/ 242".
2 أبو عبد الله محمد بن عمرو بن الحسن التيمي البكري فخر الدين الإمام الرازي ابن خطيب الري: أبو عبد الله، القدسي التيمي البكري. مات سنة "606":
الوفيات "308"، معجم المؤلفين "11/ 79، 80"، وفيات الأعيان "4/ 248".
(2/400)

هرات عن اثنتين وستين سنة، وهو مخترع الترتيب الموجود في كتبه.
865- أبو السعادات مجد الدين المبارك محمد بن محمد الشهابي الجزري المعروف بابن الأثير 1:
عالم محقق له تواليف خدم بها الإسلام والفقه، كـ"جامع الأصول" جمع فيه ما في الكتب الستة و"النهاية في شرح الغريب، وكتاب "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" للثعلبي والزمخشري، وشرح مسند الشافعي، كان رئيس ديوان صاحب الموصل عز الدين، تثم إنه أقعد في آخر أيامه، وباشر طبيب مغربي علاجه حتى ظهر له الشفاء غير أنه في الآخر أبى من إتمام العلاج، وصرف الطبيب وأرضاه فلما لامه أخوه. قال: إن المرض أعزني إذ كان لي عذرا عن الوقوف بباب الأمراء، فصاروا يأتونني إن احتاجوا إلي، ولو كنت صحيحا لذهبت إليهم، فالعز مع المرض خير من الذل والعافية، وهو أول من سمعت أنه عمل برنامجا لكتابه "جامع الأصول" على حروف الهجاء، وأتقنه أي إتقان، وذلك أعظم مسهل للانتفاع بالكتب، توفي سنة 606 ست وستمائة2.
866- أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة عماد الدين 3:
إمام وقته في الفقه والأصول والخلاف، وكان له صيت عظيم، قصده
__________
1 أبو السعادات مجد الدين المبارك محمد بن محمد الشهابي الجزري المعروف بابن الآثير: وفيات الأعيان "3/ 289"، وطبقات الشافعية "5/ 153"، ومعجم الأدباء "17/ 71"، والشذرات "5/ 22"، الوعاة "386".
2 وابن الآثير ثلاثة أخوة أحدهم، هذا فقيه محدث، والثاني: أبو الحسن علي عالم مؤرخ صاحب "الكامل" وغيرها، والثالث: أبو الفتح نصر الله وكلهم وزراء كتاب. ا. هـ. "المؤلف".
3 أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة عماد الدين: أبو حامد، الأربلي الموصلي. ولد سنة "535". ماتة سنة "608".
التكملة لوفيات النقلة "3/ 368"، وفيات الأعيان "4/ 253".
(2/401)

الفقهاء من أقطار شاسعة، وتخرج عليه الأئمة. له "المحيط" وشرح "الوجيز" وغيرها انتهت إليه رياسة الشافعية بالموصل، وهو سبب انتقال نور الدين أتابك الموصلي عن الحنفي إلى الشافعي، توفي سنة 608 ثمان وستمائة.
867- أبو حامد محمد بن إبراهيم السهلي 1:
الجاجرمي معين الدين: إمام متقن، له "الكفاية" من أحسن كتبهم، و"إيضاح الوجيز" وغيره. توفي سنة 613 ثلاث عشرة وستمائة.
868- أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي 2:
له تآليف مفيدة كـ"فتح العزيز في شرح وجيز الغزالي"، وهو عند الشافعية لا مثل له وله كتاب المحمود في الفقه. وصل إلى الصلاة فقط في ثمان مجلدات، وشرح مسند الشافعي وغيره، وصل درجة الاجتهاد، توفي سنة 623 ثلاث وعشرين وستمائة.
869- أبو عمرو عثمان بن الصلاح 3:
الكردي الموصلي ثم الدمشقي تقي الدين: أحد أئمة المسلمين فقها وحديثا وتفسيرا ودينا. وله تآليف مفيدة مشهورة منها كتاب علوم الحديث وغيره. توفي سنة 643 ثلاث وأربعين وستمائة له الفتاوى المسددة، والمشاركة التامة.
__________
1 أبو حامد محمد بن إبراهيم السهلي الجاجري معين الدين: وفيات الأعيان "4/ 256"، وطبقات الشافعية "5/ 19"، والشذرات "5/ 56".
2 أبو القاسم عبد الكريم بن محدم القزويني الرافعي: أبو القاسم الرافعي القزويني.
معجم المؤلفين "6/ 3"، المعين "2058".
3 أبو عمرو عثمان بن الصلاح الكردي الموصلي الدمشقي تقي الدين: أبو عمرو، النصري، الحافظ.
حاشية الإكمال "1/ 396، 395".
(2/402)

870- أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري 1:
زكي الدين: حافظ وقته حديثا وفقها، ونخبتهم زهدا وعملا، ذو التصانيف، والعلم الواسع، كان مفتي مصر، فلما دخلها عز الدين بن عبد السلام، قال: لا حاجة للناس في الفتوى، ولا أتقدم أمامه، كما أنا ابن عبد السلام كان يحضر مجلسه لسماع الحديث، توفي سنة 656 ست وخمسين وستمائة.
871- أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن السلام السلمي 2:
شيخ الإسلام المقدسي، ثم الدمشقي، ثم المصري، الملقب سلطان العلماء الذي قال فيه ابن عرفة: لا ينعقد الإجماع دونه يعني في وقته، وهي شهادة له بالاجتهاد، مطلع على حقائق الشريعة ودقائقها، عارف بمقاصدها، آمر بالمعروف، نهاء عن المنكر، أزال كثيرا من البدع، كدق السيف على المنبر الذي كان الخطباء يفعلونه، وصلاتي الرغائب والنصف من شعبان، ومنع منهما، ولما استعان سلطان وقته بالفرنج وأعطاهم صيدا، أسقطه من الخطبة، وكذلك فعل أبو عمر بن الحاجب، وخرجا من دمشق إلى مصر سنة 609 تسع وستمائة، فأكرمه سلطانه نجم الدين أيوب، وولاه قضاءها، ثم استقال، ولزم بيته، وكل ممتثل الأمر وقضاياه في النهي عن المنكر معه كثيرة في "الطبقات" وغيرها،
__________
1 أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري زكي الدين: أبو محمد، المنذري، المصري الشامي [زكي الدين المنذري] . ولد سنة 581، مات سنة 656.
فوات الوفيات "1/ 610"، معجم المؤلفين "5/ 264، 265"، التاج المكلل "165"، الأعلام "4/ 30"، فهرس الفهارس "2/ 562"، شذرات الذهب "5/ 277"، العبرة "5/ 232"، حسن المحاضرة "1/ 355"، البداية والنهاية "13/ 212"، سير النبلاء "23/ 319".
2 أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي المقدسي ثم الدمشقي المصري: البداية "13/ 235، 236"، والنجوم الزاهرة "7/ 208"، والشذرات "5/ 301"، وفوات الوفيات "1/ 287".
(2/403)

وبتدبير هزم التتار، وقضيته في بيع المماليك الذين كانوا ملوك مصر الغربية ولما امتنعوا خرج من مصر يريد الشام فتبعه أهلها علماؤهم وكبارهم وصغارهم ونساؤهم حتى تبعه السلطان ورده، وباعهم، وفرق ثمنهم في وجوه الخير، وهذا مما أظنه لم يقع لغيره له تآليف كـ"القواعد الكبرى" واختصارها و"مجاز القرآن" والتفسير، و"الأمالي" في أدلة الأحكام، و"الجمع بين الحاوي والنهاية" و"الفتاوى"، توفي سنة 660 ستين وستمائة.
872- أبو سعد أو أبو سعيد عبد الكريم بن أبي المظفر السمعاني 1:
المروزي، واسطة عقد البيت السمعاني، وعينهم الباصرة، ويدهم الناصرة، وبه كملت سيادتهم ورياستهم، رحل إلى شرق الأرض وغربها في طلب العلم، بل شمالها وجنوبها، وأخذ عن أعلامها وجالسهم، واقتدى بهم، تزيد شيوخه على أربعة آلاف، صنف التصانيف المفيدة توفي بمرو سنة 562 اثنتين وستين وخمسمائة.
وكان أبوه كذلك محدثا فقيها نظارا له عدة تصانيف، توفي سنة عشر وخمسمائة وتقدمت ترجمة جده أبي المظفر.
873- أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله الشهير بابن أبي عصرون 2:
التميمي الموصلي: نزيل دمشق، وقاضي القضاة بها، له "صفوة
__________
1 أبو سعد أو أبو سعيد عبد الكريم بن أبي المظفر السمعاني المروزي: أبو سعد، أبو سعيد، التميمي، السمعاني، الخراساني المروزي.
المعين "181"، التاج المكلل "76"، التقييد "2/ 132"، سير النبلاء "20/ 456"، التكملة لوفيات النقلة "1/ 78"، الأعلام "4/ 55"، معجم المؤلفين "6/ 4"، دائرة الأعلمي "21/ 147"، وفيات الأعيان "3/ 209".
2 أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله الشهير بابن أبي عصرون: أبو سعد، التميمي الموصلي، الحديثي الأصل، الدمشقي الدار الشافعي بدمشق. ولد سنة 492. مات سنة 585.
التكملة لوفيات النقلة "1/ 200" والحاشية، وفيات الأعيان "3/ 53".
(2/404)

المذهب" و"الانتصار"، و"المرشد"، و"الذريعة في معرفة الشريعة" وهو غير كتاب "الذريعة إلى مكارم الشريعة" فهو لأبي القاسم الراغب الأصبهاني، وله كتاب "التيسير" في الخلاف وغيره، توفي سنة 585 خمس وثمانين وخمسمائة.
874- أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد التغلبي سيف الدين الآمدي 1:
الأصولي المتكلم، كان أول اشتغاله حنبليا، ثم رجع شافعيا قرأ ببغداد، ثم بالشام ولم يكن في زمنه أحفظ منه للمعقول. ثم نزل بمصر، ونشر فيها علمه، قال فيه عز الدين: ما علمنا قواعد البحث إلا منه، وقال: لو ورد على الإسلام متزندق يشكك، ما تعين لمناظرته غير الأمير، ومع ذلك أخرجوه من مصر، وسبب إخراجه أن بعض أهل حرفته العلمية حسدوه، فكتبوا محضرا بزندقته، ثم وضعوا خطوطهم عليه، ولما وصل لبعض الفضلاء الأحرار كتب عليه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كتبه فلان، ولما رأى ذلك سيف الدين، خرج مستخفيا إلى حماة، وبها نشر علمه، وله نحو عشرين مؤلفا كـ"الإحكام في أصول الأحكام" من أحسن ما ألف في أصول الفقه و"أبكار الأفكار" في الكلام وغيرهما، وذكر له ابن أبي أصبعية في "طبقات الأطباء" كتبا غريبة لم يذكرها ابن خلكان، فانظرها، ثم رتب في المدرسة العزيزية بدمشق، ثم عزل عنها لسبب اتهم فيه، وبقي منعزلا في بيته إلى أن توفي في دمشق سنة إحدى وثلاثين وستمائة 631 عن نحو ثمانين سنة، وتآليفه سارت بها الركبان، والآمدي نسبة لآمد بكسر الميم مدينة كبيرة
__________
1 أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد التغلبي سيف الدين الآمدي الأصولي: أبو الحسن، التغلبي الآمدي الحنبلي الشافعي. ولد سنة 551. مات سنة 631.
معجم المؤلفين "7/ 155"، وفيات الأعيان "3/ 293"، لسان الميزان "3/ 134".
(2/405)

بديار بكر.
875- أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي 1:
محيي الدين: وإمام المسلمين المولود بنوى سنة 631 إحدى وثلاثين وستمائة، أدرك درجة عالية في الحديث والفقه واللغة، وله التصانيف المفيدة كشرح صحيح مسلم، ومختصر الرافعي، وهو "الروضة" و"الأذكار"، ومختصر الروضة وهو "المنهاج" وله أحزاب وتآليف مهمة في الدين، وقد أدرك رتبة اجتهاد الفتوى وهو الترجيح في الأقوال، كانت وفاته في القرن السابع لم يذكرها في الطبقات.
876- أبو الخير عبد الله بن عمر البيضاوي 2:
ناصر الدين: إمام متكلم أصولي فقيه مشارك، مؤلف "الطوالع"، و"المصباح" في أصول الدين، و"الغاية القصوى" في الفقه، و"أنوار التنزيل ,أسرار التأويل"، وزاد على الكشاف علما جما، وشرح "المصابيح" للبغوي في أحاديث الأحكام، ولي قضاء القضاة بشيراز، فكانت له سمعة عالية، ونزاهة كاملة لزهده وورعه، توفي سنة 698 ثمان وتسعين وستمائة.
877- أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة 3:
الإمام نجم الدين الشافعي زمانه، صاحب التصانيف، له شرح "الوسيط"
__________
1 أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي محيي الدين: أبو زكريا، الحزامي الحوراني الشافعي. ولد سنة "631"، توفي سنة "676".
الفلاكه "120"، معجم طبقات الحفاظ "187"، المعين "2243"، طبقات الحفاظ "510"، معجم المؤلفين "13/ 202، 203"، والحاشية، دائرة معارف الأعلمي "3/ 110"، الإكمال بالمشكاة "1042"، البداية والنهاية "13/ 278/، 279".
2 أبو الخير عبد الله بن عمر البيضاوي ناصر الدين: طبقات الشافعية "5/ 59"، والبداية "3/ 309"، وبغية الوعاة "286"، ومفتاح السعادة "1/ 436".
3 أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة: الدرر الكامنة "1/ 284"، والشذرات "6/ 22"، وطبقات الشافعية "5/ 178" والبدر الطالع "1/ 115".
(2/406)

و"الكفاية"، في شرح "التنبيه" وغيرهما، ومن فتاويه المشددة لما زينت القاهرة سنة 702، حرم النظر إلى تلك قائلا: لأن المقصود منها النظر، توفي رحمه الله سنة 710 عشر وسبعمائة.
878- محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي 1:
بها ولد ثم سكن تبريز، وكان يتقن فنونا حتى الشعبذة، وصنف شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي، وشرح "المفتاح" وكلمات ابن سينا في الحكمة وغيرها، توفي سنة 710 عشر وسبعمائة.
879- إبراهيم بن محمود بن إبراهيم الشهير برضي الدين الطبري 2: المكي، شيخ الإسلام مسند الحجاز، وإمام الشافعية ببيت المقدس، مات بمكة سنة 722 وعشرين وسبعمائة.
880- محمد بن علي بن عبد الواحد كمال الدين الزملكاني 3:
قاضي القضاة الإمام العلامة، قال فيه الذهبي: عالم العصر من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، له التصانيف وتخرج به الأصحاب توفي سنة 727 سبع وعشرين وسبعمائة، انتهت إليه رياسة الشافعية في وقته.
__________
1 محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين شيراز: الفاسي الشيرازي الشافعي. ولد سنة "634"، مات سنة "710".
الدرر الكامنة "5/ 108".
2 إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الشهير برضي الدين الطبري المكي: البداية "14/ 103"، المنهل الصافي "1/ 150"، والشذرات "6/ 56".
3 محمد بن علي بن عبد الواحد كمال الدين الزملكاني [قاضي القضاة] : الدرر الكامنة "4/ 74" وطبقات الشافعية "5/ 251"، والبداية "14/ 131"، والوافي "4/ 214"، والشذرات "6/ 78".
(2/407)

881- أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي 1:
علم الدين الإشبيلي: ثم الدمشقي إمام محدث، مؤرخ مسند وقته، له تاريخ جليل صلة لتاريخ أبي شامة، له نحو ثلاثة آلاف شيخ في رحلته، وكثير منهم أخذ عنه إجازة، توفي في خليص بين الحرمين سنة 739 تسع وثلاثين وسبعمائة.
882- محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني 2:
الحموي ثم المصري: بدر الدين شيخ الإسلام، وقاضي قضاة بمصر والشام، متميز على معاصريه فقها وتفسيرا، وعني بالرواية، وشارك في العلوم، فتبحر فيها وصنف، وبعد صيته، وحمدت في القضاء بالقطرين سيرته توفي سنة 733 ثلاث وثلاثين وسبعمائة عن أربع وتسعين سنة.
883- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الفارقي الأصل الدمشقي المشهور بالذهبي 3:
شمس الدين: شيخ المحدثين، وقدوة الحفاظ والقراء، محدث الشام
__________
1 أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي علم الدين الإشبيلي: الدرر الكامنة "3/ 237"، وطبقات الشافعية "6/ 246"، والدارس "1/ 112"، والبدر الطالع "2/ 51"، والشذرات "6/ 122".
2 محمد إبراهيم سعد الله بن جماعة الكناني الحموي ثم المصري بدر الدين شيخ الإسلام: أبو عمر، الكناني الحموي، الشافعي الكناني، الشهرة ابن جماعة.
معجم المؤلفين "8/ 201، 202"، والحاشية، فوات الوفيات "2/ 353"، دائرة معارف الأعلمي "26/ 121"، حسن المحاضرة "1/ 359" التاج المكلل "296"، وادي أس "43".
3 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الفارقي الأصل الدمشقي "الذهبي": أبو عبد الله "شمس الدين"، الذهبي، التركماني، الفارقي، المقري، الدمشقي، المتعصب الشافعي. ولد سنة 673، مات 748 "742".
الأعلام "5/ 326"، فهرس الفهارس "1/ 417"، الوفيات للسلامي ترجمة "289"، الدرر الكامنة "3/ 426"، حاشية الإكمال "3/ 398"، الوافي بالوفيات "2/ 163"، معجم المؤلفين "8/ 289"، والأعلمي "26/ 152"، البداية والنهاية "14/ 225".
(2/408)

ومؤرخه أخذ عن أزيد من ألف ومائتين من الأعلام، ذكرهم في معجمه الكبير، وعدل وجرح وصحح وعلل، واستدرك وأفاد، وانتقى واختصر كثيرا من كتب المتقدمين، وصنف الكتب المفيدة كـ"تاريخ الإسلام"، و"الميزان"، ومصنفاته تقارب المائة سارت بها الركبان، توفي سنة 748 ثمان وأربعين وسبعمائة.
884- أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي 1:
صلاح الدين الدمشقي: العلامة الحافظ، النادر المثال حفظا وإتقانا وتأليفا، صاحب التواليف والمصنفات في الحديث والفقه، قف على أسمائها في "ذيل تذكرة الحفاظ" للحسيني، توفي ببيت المقدس سنة 761 إحدى وستين وسبعمائة.
885- أبو الحسن علي بن أيوب بن منصور بن وزير المقدسي 2:
علاء الدين الشافعي: شهر بعليان حافظ متقن فقها وحديثا وعربية، أحد فقهاء الشافعية، ومدرس القدس الشريف بالصالحية، اختلط قبل موته بمدة، توفي سنة 748 ثمان وأربعين وسبعمائة، وقد أناف على الثمانين.
__________
1 أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي صلاح الدين الدمشقي العلامة الحافظ: أبو سعيد، الشافعي العلائي. ولد سنة "694"، مات سنة "761".
طبقات الحفاظ "528"، الوافي بالوفيات "13/ 41"، الدرر الكامنة "2/ 179"، شذرات "6/ 190"، النجوم "1/ 337"، الأعلام "2/ 321"، البدر الطالع "1/ 245".
2 أبو الحسن علي بن أيوب بن منصور بن وزير المقدسي علاء الدين الشافعي: أبو الحسن، المقدسي. ولد سنة "666"، مات سنة "748".
لسان الميزان "4/ 207"، الدرر الكامنة "3/ 99"، دائرة الأعلمي "22/ 154".
(2/409)

886- أبو حفص عمر بن مظفر بن محمد الوردي 1:
الحلبي الملقب زين الدين: كان متقنا في العلوم، شاعرا من الطبقة العليا، له تصانيف كثيرة.
توفي سنة 749 تسع وأربعين وسبعمائة.
887- الحسن علي بن عبد الكافي السبكي 2:
المصري الشامي: تقي الدين الفقيه المحدث الأصولي النظار، ترجمه ولده عبد الوهاب في "الطبقات" بورقات، والسيوطي وغيره، وله تآليف وأقوال في المذهب وهو ممن أقر له الفضلاء بالعلم والفضل، ولي قضاء الشام.
وتوفي بمصر سنة 756 ست وخمسين وسبعمائة.
888- عضد الدين عبد الرحمن بن عبد الغفار الإيجي 3:
العلامة المشهور ذو التلاميذ الكبار كالسعد والضياء الجامي، والتآليف المهمة، كشرح ابن الحاجب الأصلي، "والمواقف" وغيرها، مات سجينا سنة 756 ست وخمسين وسبعمائة.
__________
1 أبو حفص عمر بن مظفر بن محمد الوردي الحلبي الملقب زين الدين: الدرر الكامنة "2/ 90، 92"، والنجوم الزاهرة "10/ 337"، والدارس "1/ 59، 64"، والشذرات "6/ 190"، وطبقات الشافعية "6/ 104"، والبدر الطالع "1/ 245".
2 أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي المصري الشامي تقي الدين الفقيه: أبو الحسن، السبكي الأنصاري، ولد سنة "683". مات سنة "756".
الوفيات للسلامي ترجمة "685"، شذرات "6/ 180"، المشتبه "389"، تذكرة "39، 352"، دائرة الأعلمي "22/ 276"، حسن المحاضرة "1/ 321"، الدرر الكامنة "3/ 134"، البداية والنهاية "14/ 252"، طبقات المفسرين "1/ 412" فهرس الفهارس "2/ 1022".
3 عضد الدين عبد الرحمن بن عبد الغفار الإيجي: الدرر الكامنة "2/ 323"، وطبقات الشافعية "6/ 108"، والشذرات "6/ 174، 175"، والبدر الطالع "1/ 326".
(2/410)

889- أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد شهر بابن الزملكاني عماد الدين:
الصدر الكبير، والعلم الشهير الدمشقي، توفي سنة 762 اثنتين وستين وسبعمائة.
890- أبو عمر عبد العزيز بن بدر الدين بن جماعة الكناني 1:
المشهور بالعز بن جماعة، قاضي القضاة المصري، صنف التصانيف الكثيرة، وانتفع الناس به تدريسا وإفتاء وقضاء، له "المنسك الكبير" على المذاهب الأربعة، توفي سنة 768 سبع وستين وسبعمائة.
891- أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي اليماني اليافعي 2:
الرجل الصالح، صاحب المصنفات العديدة، والنظم الكثير، توفي بمكة سنة 767 سبع وستين وسبعمائة.
892- تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي 3:
قاضي القضاة، ولد بمصر، وقرأ بالشام على والده وعلى المزي والذهبي وله تآليفه مهمة كشرح "المختصر" و"المنهاج" و"جمع الجوامع" في
__________
1 أبو عمر عبد العزيز بن بدر الدين بن جماعة الكناني المشهور بالعز بن جماعة: الدرر الكامنة "2/ 378"، وذيل تذكرة الحفاظ ص"41".
2 أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي اليماني اليافعي: أبو طالب، اليافعي اليمني المكي. مات سنة "768".
دائرة الأعلمي "21/ 171"، الدرر الكامنة "2/ 352"، الوفيات للسلامي ترجمة "845".
3 تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي قاضي القضاة: أبو نصر، السبكي، ولد سنة "728"، مات سنة "770".
الوفيات للسلامي ترجمة "904"، الدرر الكامنة "3/ 39".
(2/411)

الأصول، وجرت عليه محن كثيرة من سجن ونفي، ورمي بالكفر والزندقة، ثم تداركه اللطف على يدي الإسنوي، ولم يجر على قاض من المحن ما جرى عليه، توفي سنة بالطاعون سنة 771 إحدى وسبعين وسبعمائة.
893- عبد الرحيم بن1 الحسن بن علي الأرموي جمال الدين أبو محمد الإسنوي 2:
الفقيه الأصولي النحوي العروضي، ذو التآليف البديعة كالمبهمات على "الروضة" وشرح الرافعي، و"الهداية إلى أوهام الكفاية" وشرح "المنهاج" لم يكمل، وأحكام الإخنائي، وشرح منهاج البيضاوي في الأصول، وغيرها في العلوم الثلاثة، توفي سنة 772 اثنتين وسبعين وسبعمائة.
894- جمال الدين محمد بن عيسى اليافعي 3:
قاضي عدن وعالمها وإمامها، توفي سنة 775 خمس وسبعين وسبعمائة.
895- عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير4 البصري ثم الدمشقي:
الحافظ الكبير المحدث البارع، حافظ المتون جمع وصنف، وبالفتاوي شنف الأسماع، وبها استهدف، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير، وله تاريخ "البداية والنهاية" وجمع
__________
1 وفي ذيل طبقات الحفاظ ص155 لابن فهد: ابن الحسي مصغرا. ا. هـ. "المؤلف".
2 عبد الرحيم بن الحسن بن علي الأرموي جمال الدين أبو محمد الإسنوي: أبو محمد، الإسنوي، الأموي. ولد سنة "704"، مات سنة "772".
الدرر الكامنة "2/ 254"، وبغية الوعاة "304"، والشذرات "6/ 223"، والبدر الطالع "1/ 159".
3 جمال الدين محمد بن عيسى اليافعي قاضي عدن: مات سنة "775".
ذيل تذكرة الحفاظ "159".
4 عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري ثم الدمشقي: الدرر الكامنة "1/ 373"، والنجوم الزاهرة "11/ 123"، والشذرات "6/ 31"، والبدر الطالع "1/ 153".
(2/412)

المسانيد العشرة وهي الكتب الستة ومسند أحمد، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، و"طبقات الشافعي"، والسيرة، وشرح قطعة من البخاري أخذ عن ابن تيمية، وأخذ عنه الحافظ ابن حجر وقال فيه: أحفظ من أدركنا لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه استنفدت منه، وقد أفتى برأي ابن تيمية في الطلاق فامتحن، توفي سنة 774 أربع وسبعين وسبعمائة بدمشق.
896- سعد الدين التفتازاني 1:
مسعود بن عمر: الإمام العلامة في العلوم اللسانية والعقلية والأصلين والبيان وغيرها، الذي سارت تآليفه مسرى النور في الظلمة، له شرح "التلويح على التنقيح" في الأصول، وشرح الأربعين النووي، وشرحاه المطول والمختصر على "تلخيص المفتاح" وغيرها، مات بسمرقند سنة 791 إحدى وتسعين وسبعمائة.
897- أبو حفص عمر بن رسلان سراج الدين البلقيني 2:
الكناني العسقلاني: الإمام الشهير شهد له السيوطي وغيره بالإمامة في الفقه على رأس المائة الثامنة، وعده مجددا، ووصفه بالاجتهاد، وقال فيه
__________
1 سعد الدين التفتازني مسعود بن عمر الإمام العلامة: توفي سنة 797.
في عدة من فقهاء الشافعية نظر، فقد ولي قضاء الحنفية، وله في الفقه الحنفي تآليف مذكورة في ترجمته في "الفوائد البهية" "135"، وقد صرح في كتابه "التلويح" بانتسابه إلى المذهب الحنفي في غير ما موضع انظر "1/ 41، 146، 162، 196، 2/ 61، 75، 101، 104، 111، 112، 125". وانظر ترجمته في الدرر الكامنة "4/ 350"، وبغية الوعاة "391" والشذرات "6/ 319"، والبدر الطالع "2/ 303".
2 أبو حفص عمر بن رسلان سراج الدين البلقيني الكناني العسقلاني "شهد له السيوطي": أبو حفص، الكناني الشافعي، العسقلاني البلقيني ولد سنة 724. مات سنة 805 أو 815.
الأعلام "5/ 46"، الوفيات "380"، حاشية الأنساب "2/ 317"، طبقات الحفاظ "538"، معجم المؤلفين "7/ 284"، حسن المحاضرة "1/ 329"، الضوء اللامع "6/ 85".
(2/413)

عصرية ابن خلدون في "المقدمة": هو اليوم أكبر الشافعية بمصر، بل أكبر العلماء من أهل العصر، وتولى القضاء شام مدة، له "التدريب" في الفقه لم يتمه، وشرح "المنهاج" وغيرهما.
توفي سنة 805 خمس وثمانمائة.
898- أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين الشهير بالحافظ العراقي 1:
كردي الأصل ولد برازنان من عمل إربل، ونبغ في مصر، ورحل للشام والحجاز، له تآليف كـ"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" الألفية في علوم الحديث، ونظم السيرة وغير ذلك.
توفي بمصر سنة ست وثمانمائة 806 عن نيف وثمانين.
899- سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشهير بابن الملقن 2
أصله من وادي آش بالأندلس ومولده ووفاته بالقاهرة، له نحو ثلاثمائة مصنف في الحديث والتاريخ والفقه وغيرها كشرحه على البخاري، و"وإكمال التهذيب" في الرجال، و"خلاصة الفتاوى" وغيره.
توفي سنة 804 أربع وثمانمائة.
__________
1 أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين الشهير بالحافظ العراقي كردي الأصل: أبو الفضل. الكردي، الرازي، المهراني، العراقي المصري. ولد سنة 725، مات سنة 806.
بعلبك في التاريخ ص"372"، حسن المحاضرة "1/ 360"، تذكرة "370"، الضوء اللامع "4/ 171"، شذرات "7/ 55"، طبقات الحفاظ "538"، الأعلام "3/ 344، 345"، معجم المؤلفين "5/ 204"، البدر الطالع "1/ 354".
2 سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشهير بابن الملقن أصله وادي آش: الأنصاري الأندلسي الشهرة ابن الملقن. ولد سنة 723، مات سنة 804.
معجم المؤلفين "7/ 297، 298"، الضوء اللامع "6/ 100".
(2/414)

900- أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي 1:
المصري الإمام الأوحد الزاهد الحافظ، نور الدين، له زوائد مسند أحمد والبزار وأبي يعلى، والمعجمين، والمعجم الكبير ثم جمع الكل في كتاب واحد محذوفة الأسانيد مع التصحيح والتعليل سماه "مجمع الزوائد"، وله "موارد الظمآن لزوائد ابن حبان" وزوائد الحارث، وغير ذلك، توفي سنة 807 سبع وثمانمائة عن نيف وستين.
901- أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي المكي 2:
جمال الدين حافظ الحجاز، والمشار إليه بالإتقان والحفظ على الحقيقة دون مجاز، له التصانيف الممتعة في الفنون، توفي سنة 817 سبع عشرة وثمانماية.
902- محمد بن يعقوب الفيروزبادي 3
مجد الدين: مؤلف كتاب "القاموس" وغيره من التآليف الجامعة، مجده طبق الخافقين وترجمته واسعة، توفي بزبيد وهو قاضيها 20 شوال عام 817 سبعة عشرة وثمانمائة عن نيف وثمانين.
__________
1 أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي المصري الإمام الأوحد: أبو الحسن، الهيثمي الشافعي الحافظ. ولد سنة 735، مات سنة 807.
التاج المكلل ص"397" طبقات الحفاظ "541"، معجم طبقات الحفاظ ص"130"، تذكرة "372"، حاشية الأنساب "5/ 381"، أنباء العمر "2/ 307، 309"، معجم المؤلفين "7/ 45" الضوء اللامع "5/ 200"، البدر الطالع "1/ 441"، حسن المحاضرة "1/ 362".
2 أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي المكي جمال الدين حافظ الحجاز: أبو حامد، الجمال المخزومي المكي الشافعي. ولد سنة 751، مات سنة 817.
معجم المؤلفين "10/ 221"، الضوء اللامع "8/ 92"، العقد الثمين "2/ 53"، بعلبك في التاريخ ص"385"، طبقات الحفاظ "542"، أنباء الغمر "2/ 45"، معجم طبقات الحفاظ ص"159".
3 محمد بن يعقوب بن الفيروزبادي مجد الدين مؤلف القاموس: الضوء اللامع "1/ 79"، وبغية الوعاة "117"، والشذرات "7/ 126"، والبدر الطالع "2/ 28".
(2/415)

903- أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي المرتضي بن الفضل بن المنصور عرف بابن الوزير 1:
اليمني: من كبار حفاظ الحديث، ومن العلماء المجتهدين، ولم نذكره هنا إلا تبعا وإلا فهو مجتهد بإطلاق، له كتاب "إيثار على الخلق" في رد الخلافات إلى المذهب الحق، مطبوع، وكتاب "العواصم من القواصم" في الرد على الزيدية، واختصره، ولد سنة 765، وتوفي سنة 816 ست عشرة وثمانمائة.
904- أبو محمد عبد الله بن إبراهيم شهربان الشرايحي الزبيدي، السنجاري الأصل 2:
البعلبكي المولد الدمشقي، كان أميا لا يكتب، ولكنه آية الله في الحفظ والضبط فقها وحديثا، له ترجمة واسعة في "لحظ الإلحاظ"3 كان فقيها فرضيا أوحد الحفاظ المفيدين، أقام بالقاهرة مدة، ثم رجع دمشق إلى أن توفي سنة 820 عشرين وثمانمائة.
905- أبو الحزم خليل بن محمد الأفقهسي 4:
الإمام الحافظ الأوحد صلاح الدين الأشقر المصري، توفي سنة 820
__________
1 أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي المرتضي بن الفضل بن المنصور "ابن الوزير" اليمني: أبو عبد الله ولد "775" أو "765"، ت"840" التاج المكلل ص"240"، فهرس الفهارس "2/ 1124"، والحاشية.
2 أبو محمد عبد الله بن إبراهيم شهربان الشرايحي الزبيدي السنجاري: أبو محمد التغلبي الزبيدي السنجاري الدمشقي الشهرة ابن الشرايحي، ولد "748"، ت "820" أو "819" أو "821". بعلبك في التاريخ ص"309"، معجم طبقات الحفاظ "114"، تذكرة "374" الضوء اللامع "5/ 3"، طبقات الحفاظ "542"، فهرس الفهارس "2/ 1088"، دائرة الأعلمي "21/ 155".
3 لحظ الألحاظ "ص268، 272"، وحسن المحاضرة "1/ 206".
4 أبو الحزم خليل بن محمد الأفقهسي. الإمام الحافظ الأوحد صلاح الدين الأشقر المصري: ولد سنة "763"، ت "821"، حسن المحاضرة "1/ 363".
(2/416)

عشرين وثمانمائة.
906- أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي 1:
الكردي الرازياني: ثم المصري ولي الدين، حافظ عصره بدون مدافع، رحل في الطلب، وسمع من خلق كثير، وصنف كتبا مهمة كذيل "الكاشف"، و"الأجوبة المرضية" و"تحرير الفتاوي" وغير ذلك، توفي سنة 826 ست وعشرين وثمانمائة.
907- محمد بن موسى المراكشي 2:
المكي الحافظ شمس الدين المتوفي سنة 823 ثلاث وعشرين وثمانمائة.
908- شمس الدين محمد بن أبي بكر القيسي 3:
الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين حافظ الشام بلا منازع، له مصنفات كـ"افتتاح القاري لصحيح البخاري"، و"عقود الدرر في علوم الأثر" وغيرها، توفي سنة 842 اثنتين وأربعين وثمانمائة.
909- شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني 4:
شهاب الدين المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، ربي يتيما، واحترف التجارة وهو مع ذلك مغري بالعلم والأدب، فرحل إلى الشام والحجاز واليمن، وجاور بمكة مرارا حتى حصل ضالته التي ينشدها من العلم، وصار أمير المؤمنين
__________
1 أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي: الضوء اللامع "1/ 336"، والشذرات "7/ 173"، والبدر الطالع "1/ 72"، وحسن المحاضرة "1/ 206".
2 محمد بن موسى المراكشي: لحظ الألحاظ "272، 281".
3 شمس الدين محمد بن أبي بكر القيسي: لحظ الألحاظ "317"، والشذرات "7/ 243"، والضوء اللامع "8/ 103"، والبدر الطالع "4/ 198".
4 شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني: التبر المسبوك "230"، والضوء اللامع "2/ 36"، والبدر الطالع "1/ 87"، وبدائع الزهور "2/ 32".
(2/417)

في الحديث، وأجمع جمهور الأمة على أنه أبو الفضل حافظ الإسلام، وحجة الله على الأنام، صاحب التآليف التي تفتخر بها مصر على غيرها، كشرحه صحيح البخاري والمسمى "فتح الباري"، و"الإصابة" في الصحابة، وتواليف في التاريخ كـ"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" و"التقريب" و"نزهة النظر" وغيرها في الفنون، رحل إليه الناس من أقطار الأرض لاقتفائه آثار السلف، فكان زينة الخلف، وهو من عجائب الدهر، فقد كان رأسا في علوم الحديث بأنواعها، متفننا فيها لمتونها ورجالها، عارفا بالعلل والنقد والإتقان في أعلى درجة مع الثقة التامة والتثبيت والضبط، وكذلك هو في فقه الشافعية وفي العلوم العربية واللغة والأدب معدود من الشعراء النوابغ، والكتاب البارعين ومن شعره.
ما زلت في سفن الهوى تجري بي ... لا نافعي عقلي ولا تجريبي
وهو من قضاة العدل النزهاء، والعلماء الذين خدموا الدين والأدب خدمة جلي، وبرزوا على الأقران التبريز المعترف به من محب ومعاندي، وأن شئت قبول هذا عن برهان، فتتبع "فتح الباري" وغيره من كتبه.
ولد سنة 773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وتوفي سنة 852 اثنتين وخمسين وثمانمائة وعسقلان بلد بساحل الشام، وانظر استيفاء ترجمته في "لحظ الألحاظ" وغيره.
910- محمد بن أحمد المحلي 1:
المصري علامة ماهر، دقيق النظر في التصنيف ودقائق العبارة، آية في الذكاء والفهم دون الحفظ، وكان يقول: فهمي لا يقبل الخطأ، ورع، شديد على الظلمة، لا يلتفت إليهم، له شرح على "جمع الجوامع" شهير، ونصف التفسير.
توفي سنة 864 أربع وستين وثمانمائة عن ثلاث وسبعين.
__________
1 محمد بن أحمد المحلي: الضوء اللامع "7/ 39"، والبدر الطالع "2/ 115"، وحسن المحاضرة "1/ 252"، والشذرات "7/ 303".
(2/418)

911- محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف 1:
كمال الدين، علامة محقق نقاد، له حواش على "جمع الجوامع" وغيرها، توفي سنة 903 ثلاث وتسعمائة.
912- أبو زيد عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 2:
جلال الدين المصري: الفقيه الحافظ المحدث، ذو الباع الطويل في العلوم لا سيما العربية، له التواليف الكثيرة قيل: بلغت نحو ستمائة بين مطول في أسفار، ومختصر في ورقتين، والجل من الصغار، وجل تأليفه ملخصه عمن تقدمه، فالتضارب بين