Advertisement

القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة 001



الكتاب: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة
المؤلف: د. محمد مصطفى الزحيلي.
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الناشر: دار الفكر - دمشق
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة
المؤلف: د. محمد مصطفى الزحيلي.
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الناشر: دار الفكر - دمشق
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(1/4)

مقدمة
الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وأتم لنا الدّين، وفتح أمامنا أبواب الهداية، وبصرنا طرق الاجتهاد، وإعمال العقل، وبذل الجهد، واعتبر ذلك عبادة وتفقهاً وذخراً ليوم الدين.
والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين، البشير النذير، الهادي إلى الحق والصراط المستقيم، والباعث على التفكر والبحث وإعمال الذهن للوصول إلى اليقين.
ورضي الله عن الآل والأصحاب، ورحم الله العلماء والفقهاء والدعاة، وجزى الله الجميع خيراً، وعوض المسلمين عنهم خيراً على الدوام.
وبعد:
فإن القواعد الفقهية من أهم العلوم الإسلامية، وهي مرحلة متطورة للتأليف في الفقه، وضبط فروعه، وإحكام ضوابطه، وحصر جزئياته، ولها فوائد جمة، ومنافع كثيرة، سوف نتطرق إليها بمشيئة الله تعالى.
وقد وُجِدت البدور الأولى للقواعد الفقهية في القرآن والسنة، ثم اعتمد عليها ضمنياً الصحابة والعلماء والفقهاء والأئمة عند الاجتهاد والاستنباط، دون أن تكون مدونة، ثم تفطن العلماء لجمعها، وتحريرها، في القرن الرابع الهجري، وبدأت تنتشر وتشيع في المؤلفات الخاصة، وفي ثنايا كتب الفقه عامة، وعلم الخلاف (الفقه المقارن) خاصة، ثم ظهرت فيها المؤلفات، والمجلدات في المذاهب الفقهية، وكثر التأليف فيها من القرن السابع إلى القرن العاشر، وتم تحرير القواعد، وصياغتها.
وجمعها مع فروعها في كتب خاصة، وسنذكر أهمها في التقديم التالي.
ثم تبلورت مشخصة ومقننة لأول مرة في مجلة الأحكام العدلية التي وضعت سنة
(1/5)

1286 هـ وطبقت فعلاً كقانون سنة 1293 هـ/ 1876 م، وتداولها القضاة والمحامون أولاً، ثم أولاها العلماء والفقهاء وشراح المجلة ثانياً، وأفردها الشيخ أحمد الزرقا بكتاب مستقل، ورعاها ابنه أستاذنا العلامة الشيخ مصطفى الزرقا (1999 م) في المدخل بدراسة متميزة مع تبويبها، وتصنيفها، والإشادة بها في كتابه القيم الفريد.
(المدخل الفقهي العام) الذي ألفه سنة 1947 م، ثم نال عليه جائزة الملك فيصل العالمية.
وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين الميلادي، ومطلع القرن الخامس عشر الهجري، اتجهت الأنظار في العالم العربي والإسلامي للعناية الفائقة بالقواعد الفقهية، وظهرت فيها الأنشطة المتعددة، وتبوأت المكانة السامية في الرعاية والعناية، وتتجلى في النقاط التالية:
1 - تدريس القواعد الفقهية في المعاهد الدينية، أو المعاهد الإسلامية، أو
الثانويات الشرعية، ثم في الكليات والجامعات، وأصبحت مادة القواعد الفقهية مساقاً مقرراً في كليات الشريعة، وصارت أحد المواد الفقهية المعتمدة للتدريس، وكانها علم مستقل.
2 - ونتج عما سبق ظهور التصانيف والمؤلفات العديدة، الكبيرة والصغيرة في القواعد الفقهية، وتم التعريف بعلم القواعد الفقهية، وبيان موضوعه، ومسائله، ومباحثه، وفوائده، والحاجة إليه، وأهدافه، وبيان نشأته، وضبط حدوده، والتفريق بينه وبين علم أصول الفقه وقواعده، وصلته بالأشباه والنظائر، وعلاقته بالفروق، وعلم الخلاف، وبيان الصلة بينه وبين الضوابط وما يمكن أن يشتبه به، وسنشير إلى بعضها لاحقاً في التقديم التالي.
3 - رافق الجهد السابق كشف الغطاء، وتسليط الأضواء على المؤلفات السابقة في القواعد الفقهية في تراث الفقه الإسلامي العظيم، وإن اختلفت العناوين: القواعد، القواعد الفقهية، الأشباه والنظائر، الفروق، وغير ذلك، وسنشير إليها باختصار في التقديم التالي.
(1/6)

4 - نتج عما سبق تشمير السواعد لإحياء التراث الإسلامي في القواعد الفقهية.
وإخراج الكتب القديمة إلى النور، بالدراسة والتحقيق، وتم نشر كتب كثيرة في القواعد الفقهية، سواء بجهد مستقل، أو في رسائل بنية الحصول على شهادة الماجستير والدكتوراه في الجامعات الإسلامية، وتولت مراكز البحث العلمي وإإحياء التراث، ودور النشر المختلفة طباعة هذه الكنوز الفقهية، بعد التحقيق العلمي المتميز، والإخراج الفني الأصيل.
5 - رافق المرحلة السابقة جهود مباركة في التأليف والتصنيف في القواعد الفقهية، وبيان مناهج المؤلفين القدامى في ذلك، وكيفية ترتيبهم للقواعد، واختلاف طرقهم ومسالكهم فيها، وعرض جوانب من أعمالهم.
6 - ظهرت في هذه الفترة دراسات جانبية وبحوث مستقلة، بإفراد بعض القواعد بدراسة مستقلة، لشرحها وبيان معناها.، وأدلتها الشرعية، وعرض أهم الفروع الفقهية والمسائل الواقعية التي تندرج تحتها، مع دراسات عن أهمية القواعد، ومدى الاعتماد عليها في الاستدلال.
7 - قام بعض الباحثين باستقراء كتب الفقه في المذاهب لاستخراج القواعد
الفقهية الموجودة فيها، والمبثوثة في جنباتها، وترتيبها، وشرحها، وبيان الفروع والأحكام الفقهية التي سيقت لأجلها، مثل القواعد الفقهية من (الأم) للشافعي،
(1/7)

ومن (المغني) لابن قدامة، ومن (بدائع الصنائع) للكاساني، ومن (فتح القدير)
للكمال بن الهمام، و (المدونة) للإمام مالك، و (المعيار) للونشريسي.
و (زاد المعاد) لابن القيم، و (إعلام الموقعين) لابن القيم، وغير ذلك كثير.
8 - اتجه التأليف والتصنيف بعد ذلك لكتابة الموسوعات في القواعد الفقهية التي تجمع بين مختلف المذاهب، وتستمد مادتها من مجموع الكتب السابقة، منها (موسوعة القواعد الفقهية) للبورنو، و (جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية) للندوي.
9 - بلغ الاهتمام بالقواعد الفقهية الذروة والقمة بإنشاء معلمة القواعد الفقهية التي تبناها مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، لجمع كل النشأطات السابقة في أكبر موسوعة وعمل علمي دولي للقواعد، مع تحرير نصوص القواعد، والألفاظ المختلفة للقاعدة، والاستدلال لها، وبيان تطبيقاتها الفقهية، والتمثيل عليها بأمثلة عصرية، وذكر المستثنيات الفقهية لكل قاعدة من مختلف المذاهب، وبالاعتماد على الكتب الخاصة بالقواعد والأشباه والنظائر التراثية، ثم أمهات كتب الفقه في المذاهب.
وكان لي شرف المساهمة في هذا الخصوص، فكتبت بحثاً عن القواعد الفقهية (في مجلة البحث العلمي، جامعة أم القرى، العدد الخامس سنة 1499 / 1979 م) ، ثم شاركت بمؤتمر في إسلام آباد (تشرين الأول/ أكتوبر 1998 م) عن القواعد الفقهية في المذهب الحنفي، وعرضت القواعد الفقهية باختصار في كتابي (النظريات الفقهية) .
وشاركت باستخراج القواعد الفقهية من كتاب (الأم) للشافعي و (زاد المعاد) لابن القيم لمعلمة القواعد الفقهية، وألفت مرجعاً بعنوان.
(القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي) لجامعة الكويت، وكلفت بتحكيم عدة بحوث علمية عن القواعد الفقهية.
وأردت إكمال المشوار، وإتمام العمل بهذا الكتاب عن.
(القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة) التزاماً بالخطة المذكورة في التقديم التالي، والمنهج المبين فيه، مع إضافة القواعد الكلية، والقواعد المختلف فيها في المذهبين المالكي والحنبلي، وبيان التطبيقات الفقهية في هذين المذهبين في القواعد الكلية الأساسية
والقواعد الكلية المشتركة في المذاهب الأربعة.
(1/8)

ونتج عن هذا الجمع والمزج في القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، نتج ما يشبه الفقه المقارن، لبيان القواعد المتفق عليها في المذاهب الأربعة.
والتطبيقات الفقهية المتماثلة للقاعدة في المذاهب الأربعة، وتحررت القواعد التي انفرد فيها كل مذهب مع تطبيقاتها، وبيان الاختلاف في أدلة القواعد، وتعليل الأحكام، وتحرير محل النزاع، ولم يبق من منهج الفقه المقارن إلا مناقشة الأدلة والترجيح وهما مما وقف القلم عنهما، لأن ذلك يخرج عن دراسة القواعد وأسسها وتطبيقاتها.
ونسال الله العون والتوفيق، ونرجو منه القبول والثواب، وندعوه أن ينفع به
لكسب الأجر والثواب، وأن يدخره لنا ليوم الحساب والجزاء، وأن يُعيننا على إتمامه مع التمتع بالصحة والعافية، والرضا وحسن المآب، وأن يجزي الله زوجتي وأولادي الثواب على صبرهم علي بالتأليف، وأن ينفعهم بهذا العمل قبل غيرهم، وأن يحفظهم في دينهم وأهلهم وأولادهم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشارقة
في 18 / 3 / 1426 هـ 17 / 4 / 2005 م
أبو أيمن
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعه الشارقة
وكيل كلية الشريعة للشؤون العلمية - جامعة دمشق - سابقاً
(1/9)

تقديم
الحمد لله حق حمده، الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، الحمد لله رب العالمين الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) .
وقال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) .
والصلاة والسلام على رسول اللهء، معلم الناس الخير، ومنقذ البشرية.
وهادي الإنسانية، المبعوث رحمة للعالمين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، واجعلنا من الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ومن الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، ومن الذين ورد فيهم قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) .
وبعد:
فإن علم الفقه من أشرف العلوم، وفيه معرفة الحلال والحرام، ويتبلور فيه تطبيق الشريعة، وأحكام الله تعالى في الحياة، ولذلك قال فيه رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - " من يُردِ الله به خيراً يفقهه في الدين " (1) .
ولذلك انكب عليه الصحابة والتابعون، ثم الأئمة المجتهدون، حتى نشأت المذاهب، وانتشرت، وشاعت، وكثر العلماء فيه، وانبرى
المفتون للإفتاء في بيان حكم الله تعالى للناس في جغ شؤون الحياة، لتحقيق أهداف الشريعة ومقاصدها، وتأمين الخير والسعادة والراحة والعدل في الدنيا قبل الآخرة.
__________
.
(1) رواه الإمام أحمد في المسند 3/ 94، 1/ 306، والبخاري 1/ 38، ومسلم 7/ 128 عن معاوية - رضي الله عنه - مرفوعاً.
(1/10)

ومن ضمن التأليف في علم الفقه، والتحصيل فيه، والتخصص به، نشأ علم
قواعد الفقه، وهو فن عظيم، تجمع فيه الأحكام الفرعية العديدة، والمسائل الجزئية المتناثرة في عبارات وجيزة، وجمل مصقولة، وتراكيب عامة وشاملة، تضبط علم الفقه، وتنسق أحكامه وعلله، وتقربه للأذهان، وتجعله سهل الحفظ والضبط، وتبعده عن النسيان، وتساعد في تكوين الملكة الفقهية، فكان الاعتناء بالقواعد الفقهية محل الإجلال والاحترام، بل والمنافسة في وجوه الخير، فصنفت فيه المؤلفات العدة في كل مذهب، وظهر مع مرور الأيام أهمية علم القواعد، والتأليف فيه، حتى تبوأ مرحلة التنظيم والتقنين، ثم تضافرت الجهود لإنشاء أعظم موسوعة للقواعد
باسم " مَعْلَمة القواعد الفقهية "، وتقرر تدريس القواعد الفقهية في الكليات
والدراسات العليا.
مشكلة البحث
إن وضع القواعد أولاً، والتأليف فيها ثانياً، ودراستها وتدريسها ثالثاً، وشرحها ووضع الأمثلة والتطبيقات لها، والاستثناءات رابعاً، كانت تعتمد على المنهج المذهبى، وتقتصر على نطاق مذهب واحد، من المذاهب الفقهية العديدة، وكنا نجد الصعوبة والمتاعب عند التدريس والاعتماد على كتاب ومذهب، وتكثر الأسئلة والاستفسارات عن قواعد المذهب الآخر، وفروعه وأحكامه.
هدف البحث
أردت أن أجمع بين أهم قواعد المذهب الحنفي، وأهم قواعد المذهب المالكي، وأهم قواعد المذهب الشافعي، وأهم قواعد المذهب الحنبلي، في كتاب واحد، فعزمت على تصنيف هذا الكتاب، لأضع القاعدة الفقهية، وبيان أحكامها وفروعها من المذاهب الأربعة، بقدر الإمكان، وهي المذاهب التي يكز انتشارها في البلاد العربية، ويكثر اجتماعها في معظم المدن والأقطار، وتكثر فيها المؤلفات في القواعد.
وإن جمع التطبيقات من المذاهب يحقق منفعة مهمة للقاعدة، فيدل على عمومها
(1/11)

وشمولها وقبولها، مع بيان فروعها في كتب الفقه المتنوعة وأبوابه المختلفة في المذاهب الأربعة.
واعتمدت في ذلك على الكتب القديمة، وهي كتب القواعد والأشباه والنظائر في المذاهب الأربعة، كما اعتمدت أولاً على عدة كتب معاصرة، وهي:
1 - شرح القواعد الفقهية، للشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا.
2 - القواعد الفقهية، للأستاذ عزت عبيد الدعاس، وفيها ترتيب للقواعد.
وتقسيمها إلى قواعد أساسية، وقواعد متفرعة عنها.
وهذان مختصان بقواعد " مجلة الأحكام العدلية " المأخوذة من المذهب الحنفي.
وعددها 99 قاعدة حصراً، مع أمثلتها وأحكامها ووردت فيهما بعض القواعد الكلية عَرَضاً في الشرح، فتضاف إلى القواعد السابقة، وهي في مجملها مستمدة من الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي.
3 - إيضاح القواعد الفقهية، للشيخ عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي الحضرمي الشحاري.
وقد اقتبس اللحجي قواعده من كتاب "الأشباه والنظائر في الفقه الشافعي "
للسيوطي، مع أمثلتها، وقام الفقيه عبد الله بن سليمان الجَرْهَزي اليمني الزبيدي (1201 هـ) وشرح منظومة في القواعد، فاعتمد اللحجي على كتاب السيوطي، وشرح الجَرْهَزي، وهو المقصود عنده باصطلاح الشارح، وذكر الأمثلة والأحكام والفروع والمسائل في المذهب الشافعي حصراً، وقمت بالجمع بين المذهبين، ونقلت
(1/12)

العبارات مع التصرف، وزيادات قليلة، وتعديلات طفيفة إذا احتاج الأمر، ثم أضفت قواعد المذهب المالكية وقواعد المذهب الحنبلي.
4 - القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، للدكتور محمد الروقي، وفيه كثير من القواعد الفقهية في المذهب المالكي.
5 - تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، للأستاذ الدكتور الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، الذي جمع معظم القواعد الفقهية، ثم بيّن تطبيقاتها الفقهية عند المالكية، ثم ألحق بها الضوابط وأمثلتها الفقهية.
6 - القواعد والضوابط الفقهية للمعاملات المالية عند ابن تيمية، للأستاذ عبد السلام بن إبراهيم بن محمد الحصين، وهي في المذهب الحنبلي غالباً.
7 - إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، لأبي العباس أحمد بن يحى الونشريسي، (914 هـ) تحقيق أحمد بوطاهر الخطابي.
8 - القواعد، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري (758 هـ) تحقيق الدكتور أحمد بن عبد الله بن حميد.
9 - تقرير القواعد وتحرير الفوائد - القواعد ل (ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ) تحقيق أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان.
15 - الفروق، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (684 هـ) .
11 - القواعد الكلية، والضوابط الفقهية، ليوسف بن الحسن بن عبد الهادي الحنبلي.
12 - مختصر من قواعد العلائي وكلام الإسنوي، محمود بن أحمد الحموي، المعروف بابن خطيب الدهشة (834 هـ) .
وغير ذلك من الكتب مثل موسوعة القواعد الفقهية لبورنو، وجمهرة القواعد
الفقهية للندوي، والقواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين، وغيرها مما سيرد في الحواشي وقائمة المصادر.
(1/13)

منهح البحث
1 - وضعت القاعدة الفقهية في الأول، ثم كتبت الألفاظ الأخرى إن وجدت، فإن اتفقت العبارة في إيراد القاعدة فقد حصل المقصود، ثم قمت بتوضيح معنى القاعدة، وبيان المقصود منها، وتحديد المراد من ألفاظها بشكل عام ومشترك، مع بيان الأدلة ومستند القاعدة، ثم ذكرت جميع الأمثلة الواردة في كتاب، أو اثنين، أو ثلاثة، ثم أثبتُ الاستثناء كذلك، مع بيان الرجع لكل فرع أو مسألة أو مثال من المصدر الذي أخذ منه لتحديد المذهب لكل فرع، ثم أضع مرجع القاعدة من سائر الكتب والمصادر.
2 - اقتصر غالباً على بعض الأمثلة والتطبيقات والأدلة، وأثبتُ في نهاية كل مثال المصدر الذي أخذ منه، وذلك في الصلب وليس في الهامش، لمساعدة القارئ في المتابعة حتى لا يتشتت نظره، وفي نهاية التوضيح والأمثلة، والتطبيقات والمستثنى أحدد مصادر الشرح والتطبيق والاستثناء أيضاً.
3 - نظراً لأثر "مجلة الأحكام العدلية" العظيم على تقنين القواعد وتنظيمها في مواد، حتى تبعها في ذلك عدد من القوانين المعاصرة، واختارت 99 قاعدة في 99 مادة، ولأن المجلة أول تقنين معاصر للفقه الإسلامي، فقد أحلنا إلى قواعد المجلة خاصة، ومواد المجلة عامة.
ووضعنا الإحالة بين قوسين (م/. . .) .
4 - اكتفيت بعزو الآيات إلى السورة ورقمها، ورقم الآية، ثم بعزو الأحاديث إلى من خرجها من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، مع الإحالة التفصيلية للجزء والصفحة.
5 - إن القواعد الخمس الرئيسة متفقة بين المذاهب الأربعة، مع اختلاف أحياناً في الفروع والمسائل والجزئيات التي تدخل تحتها، ولذلك جاءت هذه القواعد في الأول.
(1/14)

6 - إن القواعد الكلية الأربعين عند السيوطي يتفق بعضها مع قواعد المجلة، وقواعد المذهبين المالكي والحنبلي، فكنت أجمع بينها في الشرح والتطبيق والاستثناء مع تحديد المرجع والمصدر، لتحديد الحكم من المذاهب الأربعة أو من بعضها.
7 - انفرد كل مذهب ببعض القواعد الفقهية الكلية، ولكن كثيراً من هذه القواعد تتفق في مضمونها ومدلولها ومعظم تطبيقاتها مع المذهب الثاني، وخاصة القواعد التي انفردت بها المجلة، مثل قاعدة " المرء مؤاخذ بإقراره " (م/ 79) ، وقاعدة "الثابت بالبرهان كالثابت بالبيان " (م/ 75) ، وقاعدة " البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر" (م/ 75) ، وقاعدة " البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة" (م/178، وقاعدة "البينة لإثبات خلاف ظاهر واليمين لإبقاء الأصل " (م/ 77)
وقاعدة "لا حجة مع التناقض لكن لا يختل معه حكم الحاكم " (م/ 85) ، وقاعدة " جناية العجماء جُبار" (م/ 94) ، وقاعدة " الغُرْم بالغُنْم " (م/ 85) ، وقاعدة "إذا تعذر إعمال الكلام يهمل " وغيرها فإنها ثابتة في المذاهب الأخرى.
وكذلك القواعد التي انفرد بها المذهب الشافعي تتفق في مضمونها وأحكامها مع المذهب الحنفي، ولذلك نص عليها ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" وأشرت إليها، وكذلك مع المذهب المالكي والمذهب الحنبلي.
ولذلك كانت دراسة بعض القواعد في مذهب واحد، مع أنها متفق عليها، تدل على الطابع الخاص لدراسة قواعد كل مذهب، فقواعد الحنفية - هنا - أكثرها من مجلة الأحكام العدلية المختصة بالمعاملات المالية والإثبات، أما قواعد الشافعية الخاصة فأكثرها في العبادات وبعضها في أبواب الفقه الأخرى، وبعضها مختلف فيه في التطبيقات والفروع في المذهب الشافعي نفسه، كما سترى، والقواعد عند المالكية والحنابلة متنوعة أيضاً.
8 - أثبتُ الفوائد والتنبيهات الواردة في نهاية القاعدة المتصلة بها، وذلك لأهميتها، وفائدتها، وما فيها من علم، ثم وضعت عناوين جانبية لكثير من التنبيهات والفوائد التي وردت بعد القواعد؛ ليعرف القارئ مضمون التنبيه من عنوانه.
9 - كنت أود حذف جميع الأمثلة التي تتعلق بالعبيد والرق والعتق، لعدم وجود
(1/15)

تطبيق عملي لها في الحياة، وإلغاء الرق عالمياً، ولكن اضطررت لذكر أقل قدر من ذلك لأنها واردة في المراجع السابقة من جهة، ولتعلق القاعدة بها من جهة ثانية، ولوجودها في كتب الفقه الأصلية من جهة ثالثة.
خطة البحث
وضعت تمهيداً لتعريف القواعد، ونشأتها، وأهميتها، ومصادرها، وأهم كتب القواعد في المذاهب الفقهية الأربعة، واهتمام المجلة والعلماء بالقواعد في عصرنا الحاضر.
ثم خصصت القواعد الخمس بباب مستقل مع بيان القواعد المتفرعة عنها، ثم
ذكرت القواعد الكلية المتفق عليها في المذاهب: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ثم القواعد الكلية الواردة في المذهب الحنفي، ثم القواعد الكلية الواردة في المذهب المالكي حصراً، ثم القواعد الكلية الواردة في المذهب الشافعي حصراً، ثم القواعد الكلية الواردة في المذهب الحنبلي، ثم القواعد المختلف فيها في المذهب المالكي، ثم المذهب الشافعي، ثم المذهب الحنبلي، ولذلك جاء الكتاب في باب تمهيدي، وتسعة أبواب، كما يلي:
الباب التمهيدي: في تعريف القواعد الفقهية وفوائدها وأهميتها وكتبها.
الباب الأول. في القواعد الخمس الرئيسية الأساسية وما يتفرع عنها من قواعد.
الباب الثاني: في القواعد الكلية المتفق عليها في المذاهب الحنفي والمالكي
والشافعي والحنبلي.
الباب الثالث: في القواعد الفقهية التي وردت في المذهب الحنفي.
الباب الرابع: في القواعد الفقهية الكلية في المذهب المالكي.
الباب الخامس: في القواعد الفقهية الكلية التي وردت في المذهب الشافعي.
الباب السادس: القواعد الفقهية الكلية التي وردت في المذهب الحنبلي.
(1/16)

الباب الثامن: في القواعد المختلف فيها في المذهب الشافعي.
الباب التاسع: في القواعد المختلف فيها في المذهب الحنبلي.
الباب العاشر: في القواعد المختلف فيها في المذهب الحنفي.
الخاتمة، والفهارس.
وأسال الله تعالى أن يبارك لي في هذا العمل، وأن يكتب لي فيه الأجر والثواب، وأن يتقبله مني، ويجعله في ميزان الحسنات، وأن ينفع به، ليبقى ذكراً في الدنيا، وذخراً للآخرة.
(1/17)

الباب التمهيدي
تعريف القواعد الفقهية وفوائدها وأهم كتبها
أولاً: نبدة تاريخية عن ظهور القواعد الفقهية
بدأ التشريع الإسلامي في العهد النبوي، ومع نزول القرآن الكريم، وبيانه في السنة النبوية، لمعرفة أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة.
ثم بدأت الحركة الفقهية بالظهور بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الصحابة والتابعون، ومن بعدهم الأئمة والمجتهدون والعلماء والفقهاء باستنباط الأحكام الفقهية من المصادر الشرعية.
وشمروا عن سواعدهم لاستخراج حكم المسائل والقضايا من الكتاب الكريم.
والسنة الشريفة، والاجتهاد بواسطة بقية المصادر، لاعتقادهم أن لكل قضية أو أمر من أمور الدنيا حكماً لله تعالى، وأنهم المكلفون ببيان هذه الأحكام، ومسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك.
فإذا حدث أمر، أو طرأت حادثة، أو أثيرت قضية، أو وقع نزاع، أو استجد بحث، رجع الناس والحكام إلى العلماء والفقهاء والمجتهدين لمعرفة حكم الله تعالى في ذلك، وأحسَّ العلماء بواجبهم نحو هذه الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، فنظروا في كتاب الله، فإن وجدوا فيه نصاً صريحاً بينوه للناس، وإن لم يجدوا رجعوا إلى السنة دراسة وبحثاً وسؤالاً، فإن وجدوا فيها ضالتهم المنشودة أعلنوها ووقفوا عندها، وإن لم يجدوا نصاً في كتاب ولا سنة شرعوا في الاجتهاد وبذل الجهد والنظر في الكتاب والسنة وما يتضمنان من قواعد مجملة، ومبادئ عامة، وأحكام أصيلة.
ومن إحالة صريحة أو ضمنية إلى المصادر الشرعية الأخرى، ويعملون عقولهم في فهم
(1/19)

النصوص وتفسيرها، وتحقيق مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة، ليصلوا من وراء ذلك إلى استنباط الأحكام الفقهية وبيان الحلال والحرام، ومعرفة حكم الله تعالى.
وتكوَّن من عملهم مجموعة ضخمة من الأحكام الشرعية والفروع الفقهية، وقاموا بواجبهم أحسن قيام في مسايرة التطور، ومواكبة الفتوح، ورسم المنهج الإلهي في حياة الفرد والمجتمع والدولة، لتبقى مستظلة بالأحكام الشرعية في كل صغيرة أو كبيرة.
ويظهر من ذلك أن الفقه الإسلامي بدأ من الفروع والجزئيات، واستمر على هذا المنوال طوال القرن الهجري الأول، وظهر خلال القرن الثاني عوامل جديدة، وطرق مختلفة، وتطورات ملموسة، منها ظهور الفقه الافتراضي الذي اتجه إلى مسابقة الزمن، واستباق الحوادث، وافتراض القضايا، وما يستجد من المسائل، لبيان أحكامها الشرعية، كما ظهر أئمة المذاهب الذين دونوا أحكامهم، وتميزت اجتهاداتهم.
وتحددت قواعدهم وأصولهم في الاستنباط والاجتهاد، واستقل كل مذهب بمنهج معين في بيان الأحكام، معتمدين على القواعد والأصول التي يسيرون عليها.
وهنا برزت للوجود ثلاثة أنواع من القواعد، وهي:
1 - قواعد الاستنباط والاجتهاد، وهي السبل التي يعتمد عليها المجتهد، ويستعين بها في معرفة الأحكام من المصادر، وهي قواعد علم أصول الفقه.
2 - قواعد التخريج، التي وضعها العلماء لرواية الأحاديث، وتدوين السنة، وضبط الروايات، وقبول الأسانيد، والحكم عليها بالصحة أو الضعف، والجرح والتعديل، للاعتماد على الصحيح في الاجتهاد والاستنباط، وترك الضعيف، وتجنب الواهي، والحذر من الموضوع، وهذه القواعد هي: مصطلح الحديث، أو أصول الحديث، أو قواعد التحديث.
(1/20)

3 - قواعد الأحكام، وهي القواعد التي صاغها العلماء، وبخاصة أتباع الأئمة ومجتهدو المذاهب، لجمع الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، وبيان أوجه الشبه بينها، ثم ربطها في عقد منظوم، يجمع شتاتها، ويؤلف بين أجزائها، ويقيم صلة القربى في أطرافها، لتصبح عائلة واحدة، وأسرة متضامنة، وهي القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، أو القواعد الفقهية.
يحدثنا الإمام القرافي عن وجود هذه القواعد فيقول:
"إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهي في غالب أمره ليس فيها إلا قواعد
الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ
والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم. . إلخ.
والقسم الثاني: قواعد كلية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن كان يشار إليها هناك على سبيل الإجمال، ويبقى تفصيله لم يتحصل. . ".
وهذه القواعد التي أشار إليها القرافي، وبيَّن نشأتها هي مناط البحث في هذه
الدراسة لتعريفها، وبيان فائدتها، وأهم كتبها، وعرض أنواعها وما يتفرع عنها.
ثانياً، تعريف القواعد الفقهية
القواعد: جمع قاعدة، والقاعدة لغة: الأساس، ومنه قواعد البناء وأساسه.
قال الله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) .
والقاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع
(1/21)

جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع
والمسائل من الأبواب المتفرقة.
والقاعدة إما أن تطبق على جميع الفروع التي تدخل تحتها، كما سبق في التعريف.
وإما أن تشمل غالبَ الجزئيات أو أكثرها، ويخرج عنها بعض الفروع والجزئيات التي تعتبر استثناءات، وقد تطبق عليها قاعدة أخرى، ولذلك عرفها الحموي في (حاشيته على الأشباه والنظائر) بأنها:
"حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته ".
وقد اخترنا التعريف الأول الذي يفيد انطباق القاعدة على جميع الجزئيات، لأن الأصل فيها أن تكون كذلك، وأن خروج بعض الفروع عنها لا يضر ولا يؤثر، وتكون استثناء من القاعدة، لأن كل قاعدة أو مبدأ أو أصل له استثناء، وهذا الاستثناء لا يغير من حقيقة الأصل أو المبدأ، وقد صرحت مجلة الأحكام العدلية بهذا فقالت في المادة الأولى منها:
"ثم إن بعض هذه القواعد، وإن كان بحيث إذا انفرد
يوجد من مشتملاته بعض المستثنيات، لكن لا تختل كليتها وعمومها من حيث المجموع، لما أن بعضها يخصص ويقيد بعضاً ".
ثالثاً: الفرق بين القاعدة والضابط
القاعدة: بمعنى الضابط في الأصل، لكن يميز العلماء بين القاعدة والضابط
عملياً وفي القرون الأخيرة بأن القاعدة تحيط بالفروع والمسائل في أبواب فقهية مختلفة، مثل قاعدة " الأمور بمقاصدها" (م/ 2) فإنها تطبق على أبواب العبادات، والجنايات، والعقود، والجهاد، والأيمان، وغيرها من أبواب الفقه.
(1/22)

أما الضابط فإنه يجمع الفروع والمسائل من باب واحد من الفقه، مثل
"لا تصوم المرأة تطوعاً إلا بإذن الزوج أو كان مسافراً "
ومثل "أيما إهاب دُبغ فقد طَهُر"
وهو نص حديث شريف، ومثل "كل ماء مطلق لم يتغير فهو طهور"
ومثل "الكفار مخاطبون بفروع الشريعة" عند الشافعية.
ومثل "الإسلام يجبُّ ما قبله في حقوق الله.
دون ما تعلق به حق آدمي كالقصاص وضمان المال ".
يقول السيوطي: " لأن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعَ بابِ واحد".
ويقول أبو البقاء بعد تعريف القاعدة: "والضابط يجمع فروعاً من
باب واحد".
وإن هذا التفريق بين القاعدة والضابط عند معظم العلماء فقط، كما أنه ليس
تفريقاً حتماً جازماً، فقد يذكر كثير من العلماء قواعد فقهية، وهي في حقيقتها مجرد ضابط، كما سيمر معنا.
رابعاً: الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية
رأينا أن العلماء وضعوا قواعد أصولية للاستنباط والاجتهاد، وكان تدوينها
مبكراً وسابقاً على القواعد الفقهية، وأول من دونها وجمعها في كتاب مستقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (ت 204 هـ) في كتا به (الرسالة) ثم تطورت وتوسعت وانتشرت وعمت المذاهب.
(1/23)

كما وضع الأئمة والعلماء قواعد فقهية لجمع الأحكام المتشابهة، والمسائل
المتناظرة، وكانت مبعثرة في الكتب والأبواب الفقهية، وتأخر تدوينها وجمعها بشكل مستقل، كما سنرى.
وصرح القرافي بالنوعين السابقين، وميز بينهما، لكنه جمع في كتابه (الفروق) بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وكذلك فحل السيوطي الشافعي، وابن نجيم الحنفي، وابن اللحام الحنبلي، في كتابه (القواعد والفوائد الأصولية) وغيرهم.
ويمكن التمييز بين النوعين بما يلي:
1 - إن القواعد الأصولية ناشئة في أغلبها من الألفاظ العربية، والقواعد العربية، والنصوص العربية، كما صرح القرافي سابقاً، أما القواعد الفقهية فناشئة من الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية.
2 - إن القواعد الأصولية خاصة بالمجتهد، يستعملها عند استنباط الأحكام
الفقهية، ومعرفة حكم الوقائع والمسائل المستجدة في المصادر الشرعية، أما القواعد الفقهية فإنها خاصة بالفقيه، أو المفتي، أو المتعلم الذي يرجع إليها لمعرفة الحكم الموجود للفروع، ويعتمد عليها بدلاً من الرجوع إلى الأبواب الفقهية المتفرقة.
3 - تتصف القواعد الأصولية بالعموم والشمول لجميع فروعها، أما القواعد الفقهية فإنها، وإن كانت عامة وشاملة، تكثر فيها الاستثناءات، وهذه الاستثناءات تشكل أحياناً قواعد مستقلة، أو قواعد فرعية، وهذا ما حدا بكثير من العلماء لاعتبار القواعد الفقهية قواعد أغلبية، وأنه لا يجوز الفتوى بمقتضاها.
4 - تتصف القواعد الأصولية بالثبات، فلا تتبدل ولا تتغير، أما القواعد الفقهية فليست ثابتة، وإنَّما تتغير - أحياناً - بتغير الأحكام المبنية على العرف، وسد الذرائع، والمصلحة وغيرها.
(1/24)

5 - إن القواعد الأصولية تسبق الأحكام الفقهية، وأما القواعد الفقهية فهي
لاحقة وتابعة لوجود الفقه وأحكامه وفروعه.
خامساً: الفرق بين القواعد والنطريات
قلنا: إن الفقه الإسلامي بدأ بالفروع والجزئيات في التدوين، ثم انتقل إلى التقعيد بإقامة الضوابط الفقهية والقواعد الكلية.
وهذه الضوابط والقواعد مرحلة ممهدة لجمع القواعد المتشابهة، والمبادئ العامة، لإقامة نظرية عامة في جانب من الجوانب الأساسية في الفقه، ولكن الظروف التي مرت بالأمة الإسلامية، وأحاطت بالاجتهاد والمجتهدين والعلماء، أوقفت العمل عند مرحلة القواعد، إلى أن ظهرت في هذا القرن النهضة الفقهية والدراسات المقارنة، وشرع العلماء في صياغة النظريات الأساسية في الفقه الإسلامي، مثل: نظرية العقد، ونظرية الملكية، ونظرية الأهلية، ونظرية الفساد، ونظرية البطلان، ونظرية الشروط المقترنة بالعقد، ونظرية العقد الموقوف، ونظرية الضرورة، ونظرية
الضمان، ونظرية الإثبات، ونظام الحكم في الإسلام، ونظام المال في الإسلام، ونظرية التكافل الاجتماعي، ونظام الجهاد، وغيرهما، مما يتيح للباحث أو الدارس أن يحصل على منهج الإسلام العام، وآراء الفقهاء في كل جانب من جوانب التشريع الأساسي في الإسلام.
والفرق بين القواعد الفقهية وبين النظريات أن القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تجمع الفروع والجزئيات، ويعتمد عليها الفقيه والمفتي في معرفة الأحكام الشرعية.
أما النظريات الفقهية فهي دساتير ومفاهيم كبرى تشكل نظاماً متكاملاً في جانب كبير من جوانب الحياة والتشريع، وأن كل نظرية تشمل مجموعة من القواعد الفقهية.
(1/25)

كما تقوم النظرية على أركان وشروط ومقومات أساسية، وكثيراً ما تخلو من بيان الأحكام الفقهية، أما القواعد فلا يوجد لها أركان وشروط، وتنطوي على عدد كبير من الأحكام الفقهية والفروع والمسائل.
مثال القواعد " الفقهية " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني "
التي تفسر صيغة العقد، وموضوعه، لتحديد الآثار المترتبة عليه.
ومثال النظريات الفقهية (نظرية العقد) التي تتناول جميع العقود الشرعية في مختلف أحكامها وأطرافها من التعريف والأركان والشروط والآثار، وموقع العقد بين مصادر الالتزام الأخرى.
والخلاصة: أن القواعد واسطة بين الفروع والأصول، أو هي واسطة بين
الأحكام والنظريات.
ونشير هنا إلى أهم تطور للفقه الإسلامي في العصر الحاضر، وذلك بتقنين أحكامه في قانون أو نظام في مجال معين، واختيار الآراء فيه من مختلف المذاهب الفقهية.
والتزام القضاة العمل بموجبه، ويختلف ذلك سعة وضيقاً، وشمولاً وحصراً من بلد إلى آخر، وكان أقدم قانون (مجلة الأحكام العدلية) في الدولة العثمانية التي سنشير إليها، وآخرها قانون العقوبات في الفقه الإسلامي الذي صدر بالسودان، والتقنين مستمر.
سادساً: فوائد القواعد الفقهية وأهميتها
بيَّن لنا العلامة القرافي أهمية القواعد وفوائدها فقال:
"وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر
الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، ومن جعل يخرّج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، واحتاج إلى حفظ
(1/26)

الجزئيات التي لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر
الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد - عنده ما تناقض عند غيره، وتناسب ".
وقال العلامة ابن نجيم مبيناً فوائد القواعد:
"الأول: في معرفة القواعد التي تُردُّ إليها، وفرعوا الأحكام عليها، وهي أصل الفقه، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد، ولو بالفتوى".
وممكننا أن نلخص فوائد القواعد وأهميتها بما يلي:
1 - إن دراسة الفروع والجزئيات الفقهية يكاد يكون مستحيلاً، بينما يدرس الطالب والعالم قاعدة كلية تنطبق على فروع كثيرة لا حصر لها، ويتذكر القاعدة ليفرع عليها المسائل والفروع المتشابهة والمتناظرة، ولذلك سمي هذا العلم أيضاً: علم الأشباه والنظائر.
يقول العلامة السيوطي:
"اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على
حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مرِّ الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر".
فهي تسهل ضبط الأحكام الفقهية، وحصرها، وحفظ المسائل الفرعية وجمعها.
2 - إن دراسة الفروع والجزئيات، إن حفظت كلها أو أغلبها، فإنها سريعة
النسيان، ويحتاج الرجوع إليها في كل مرة إلى جهد ومشقة وحرج.
أما القاعدة الفقهية فهي سهلة الحفظ، بعيدة النسيان، لأنها صيغت بعبارة جامعة
(1/27)

سهلة تبين محتواها، ومتى ذكر أمام الفقيه فرع أو مسألة فإنه يتذكر القاعدة، مثل قاعدة " لا ضرر ولا ضرار"، أو "الضرر يزال "، أو " يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام "، أو "الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة".
3 - إن الأحكام الجزئية قد يتعارض ظاهرها، ويبدو التناقض بين عللها، فيقع الطالب والباحث في الارتباك والخلط، وتشتبه عليه الأمور حتى يبذل الجهد والتتبع لمعرفة الحقيقة.
أما القاعدة الفقهية فإنها تضبط المسائل الفقهية، وتنسق بين الأحكام المتشابهة، وترد الفروع إلى أصولها، وتسهل على الطالب إدراكها وأخذها وفهمها.
4 - إن القواعد الكلية تسهل على رجال التشريع غير المختصين بالشريعة فرصة الاطلاع على الفقه بروحه ومضمونه وأسسه وأهدافه، وتقدم العون لهم لاستمداد الأحكام منه، ومراعاة الحقوق والواجبات فيه، وهذا ما حققته القواعد الفقهية في مجلة الأحكام العدلية، والتي انتقلت إلى العديد من القوانين المعاصرة.
5 - تكوِّن القواعد الكلية عند الطالب ملكة فقهية تنير أمامه الطريق لدراسة
أبواب الفقه الواسع، ومعرفة الأحكام الشرعية في المسائل المعروضة عليه، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة، والمشأكل المتكررة، والحوادث الجديدة.
6 - تساعد القواعد الكلية في إدراك مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة؛ لأن مضمون القواعد الفقهية يعطي تصوراً واضحاً عن المقاصد والغايات، مثل "المشقة تجلب التيْسير"، أو "الرخص لا تناط بالمعاصي "، أو "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"، وغير ذلك من الفوائد والمنافع الي تحصل من دراسة القواعد الفقهية.
(1/28)

سابعاً: مصادر القواعد الفقهية
إن القواعد الكلية في الفقه الإسلامي - بصيغتها الأخيرة - هي من وضع الفقهاء وصياغتهم وترتيبهم، وقد فعلوا ذلك على مر العصور، وحتى العصر الحاضر.
أما أصلها ونشأتها فمستقاة من ثلاثة مصادر، هي:
1 - القرآن الكريم
لقد جاء القرآن الكريم بمبادئ عامة، وقواعد كلية، وضوابط شرعية، في آياته ونصوصه، لتكون مناراً وهداية للعلماء في وضع التفاصيل التي تحقق أهداف الشريعة، وأغراضها العامة، وتتفق مع مصالح الناس، وتطور الأزمان، واختلاف الببئات.
وقد حققت هذه المبادئ العامة في القرآن الكريم هدفين أساسيين.
الأول: تأكيد الكمال في دين الله تعالى الذي ورد في قوله تعالى:.
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
والثاني: بيان ميزة المرونة في التشريع الإسلامي لمسايرة جميع العصور والبيئات، ليبقى صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان.
وهذه المبادئ العامة في القرآن الكريم كانت مصدراً مباشراً للأئمة والفقهاء في صياغة القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، وإرشادهم إلى المقاصد والغايات من الأحكام، والاستعانة بها لتشمل جميع الفروع التي تدخل تحتها، مثل قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) .
فالآية تصف المؤمنين بالتشاور في جميع الأمور، سواء كانت عائلية أو اجتماعية أو إدارية أو سياسية، وتركت كيفية التنفيذ
ووسائله بحسب الأحوال والأزمان، ومثل قوله تعالى:.
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
(1/29)

التي تحتبر قاعدة عامة لتحديد الحقوق والواجبات بين الزوجين.
ومثل قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ، التي تقرر مبدأ التراضي في العقود والتصرفات، واحترام سلطان الإرادة.
وسترد أمثلة أخرى، كما سترى أن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها إلى آيات الذكر الحكيم.
2 - السنة النبوية
لقد أعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، وكان عليه الصلاة والسلام ينطق بالحكمة القصيرة التي تخرج مخرج المثل، وتكون قاعدة كلية.
ومبدأ عاماً، ينطوي على الأحكام الكثيرة، والمسائل المتعددة، والفروع المتكررة.
مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون على شروطهم ".
وقوله: "إنما الأعمال بالنيات ".
وقوله: (الدين النصيحة "، وقوله: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ "، وقوله: " الخَرَاج بالضَّمَان، وقوله عليه الصلاة والسلام:
" الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن ".
(1/30)

وسترد أمثلة أخرى كثيرة، وسترى أن بعض القواعد الفقهية هي نص حديث
نبوي شريف، وأن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها واستنباطها إلى
الأحاديث الشريفة.
3 - الاجتهاد
وذلك باستنباط القواعد الكلية من الأصول الشرعية السابقة، ومن مبادئ اللغة العربية، ومسلمات المنطق، ومقتضيات العقول، وتجميع الفروع الفقهية المتشابهة في علة الاستنباط، فالعالم الفقيه يرجع إلى هذه المصادر، ويبذل جهده فيها، ويجمع بين الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، ويستخرج قاعدة كلية منها، تشمل كل ما يدخل تحتها أو أغلبه، وكما فعل علماء الأصول في وضع القواعد الأصولية، سار الفقهاء في القواعد الفقهية.
مثل قاعدة "الأمور بمقاصدها" المأخوذة من مجموعة أحاديث في النية، أهمها
حديث "إنما الأعمال بالنيات "، ومثل قاعدة "الضرر يزال " المأخوذة من حديث " لا ضرر ولا ضرار"، ومثل قاعدة "المرء مؤاخذ بإقراره "
المأخوذة من قوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) .
ومثل قاعدة "السؤال معاد في الجواب " المأخوذة من مبادئ اللغة العربية، ومثل قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة "
المأخوذة من اللغة العربية، وقاعدة "التابع تابع " المأخوذة من مسلمات المنطق، ومثل قاعدة "إذا تعذر إعمال الكلام جهمل ".
وقاعدة "إذا زال المانع عاد الممنوع " المأخوذة من
لوازم التفكير ومبادئ العقل.
ثامناً: أنواع القواعد الفقهية
إن تعريف القاعدة السابقة يشمل جميع القواعد، ولكن القواعد الفقهية على
(1/31)

درجات في العموم والشمول، والاتفاق عليها بين المذاهب الفقهية عامة، أو
الاختلاف فيها بين المذاهب، ولكنها شاملة في المذهب الواحد، وبعضها قواعد مختلف فيها في المذهب الواحد، لذلك كانت القواعد الفقهية على أنواع هي:
1 - القواعد الفقهية الأساسية الكبرى، التي تدور معظم مسائل الفقه حولها، حتى رد بعض العلماء الفقه كله إليها، وهي متفق عليها بين جميع المذاهب، وهي:
أ - الأمور بمقاصدها.
ب - اليقين لا يزول بالشَّك.
جـ - المشقة تجلب التيسير.
د - الضرر يزال.
هـ - العادة مُحكمة (1) .
2 - القواعد الكلية: وهي قواعد كلية مُسَلَّم بها في المذاهب، ولكنها أقل فروعاً من القواعد الأساسية، وأقل شمولاً من القواعد السابقة، مثل قاعدة: "الخراج بالضمان "، وقاعدة "الضرر الأشد يُدفَعُ بالضرر الأخف ".
وكثير من هذه القواعد تدخل تحت القواعد الأساسية الخمس، أو تدخل تحت قاعدة أعم منها، ومعظمها نصت عليها مجلة الأحكام العدلية، وقد يدخل تحتها قواعد فرعية أيضاً، وأكثرها متفق عليها بين المذاهب.
3 - القواعد المذهبية: وهي قواعد كلية في بعض المذاهب دون بعض، وهي
قسمان، الأول: قواعد مقررة ومتفق عليها في المذهب، والثاني: قواعد مختلف فيها
__________
.
(1) نظم بعض الشافعية القواعد الخمس الأساسية في أبيات من الشعر، فقال:
خمس مقررة قواعدَ مذهب. . . للشافعي فكن بهن خبيرا
ضَرَرٌ يُزالُ وعادة قد حُكمت. . . وكذا المشقةُ تَجْلِبُ التيسيرا
والشكَ لا ترفع به مُتيقناً. . . والقصدَ أخلِص إنْ أردتَ أجورا
(1/32)

في المذهب الواحد، مثل قاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني " فإنها أغلبية في المذهب الحنفي والمالكي، ولكنها قليلة التطبيق في المذهب الشافعي، وقاعدة " من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه " فهي كثيرة التطبيق في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، نادرة التطبيق عند الشافعية.
ومثل قاعدة " الزُخص لا تُنَاط بالمعاصي " فإنها شائعة عند الشافعية والحنابلة، دون الحنفية، وفيها تفصيل عند المالكية.
4 - القواعد المختلف فيها في المذهب الواحد، فتطبق في بعض الفروع دون بعض، وهي مختلف فيها في فروع المذهب الواحد.
مثل: قاعدة "هل العبرة بالحال أو بالمآل "؟!
فهي قاعدة مختلف فيها في المذهب الشافعي، ولها أمثلة كثيرة، ولذلك تبدأ
غالباً بكلمة " هل؛ "، وقاعدة "هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود "؟!
عند المالكية، وقاعدة "القسمة، هل هي إفراز، أم بيع؛ "
عند الشافعية والحنابلة.
وقد راعى العلماء هذا التنويع للقواعد في تقسيم الدراسة.
وتصنيف القواعد.
وسوف يكون هو المعيار الأساسي في تقسيم القواعد التي سندرسها إن شاء الله تعالى.
تاسعاً: مؤلفات القواعد الفقهية
بدأت صياغة القواعد الفقهية في عصر متقدم، وذلك منذ القرن الثاني الهجري، ولكنها لم تُفرد في التأليف والتصنيف والتدوين بشكل مستقل إلا بعد قرنين تقريباً.
وكانت المذاهب الفقهية قد نضجت وتبلورت، فأخذ تأليف القواعد طابع
المذاهب الفقهية، واتجه علماء كل مذهب لكتابة القواعد في مذهبه، ولكن جاءت صياغة القواعد غالباً عامة وواحدة ومشتركة بين المذاهب، وتختلف الفروع التي تدخل تحتها.
(1/33)

وأول من بدأ في تدوين القواعد - فيما وصلنا - أبو طاهر الدَّباس إمام الحنفية فيما وراء النهر، وردَّ قواعد مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، وسافر إليه العلماء لأخذها عنه.
ولما بلغ ذلك القاضي حسين إمام الشافعية في زمانه ردَّ جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد؛ ثم استمر التصنيف والإضافة والزيادة على هذه القواعد، وانتقل العمل إلى بقية المذاهب، وظهرت القواعد بعدة أسماء، مثل: كتب الأشباه والنظائر، وكتب الفروق، وكتب القواعد، وهذه إشارة لبعضها في كل مذهب.
أ - كتب القواعد الفقهية في المذهب الحنفي
1 - أول من بدأ التصنيف في القواعد - فيما نعلم - أبو طاهر الدَّباس الذي جمع سبع عشرة قاعدة في الفقه الحنفي، وصار يكررها كل ليلة في مسجده، ويعيدها ويصقلها، ولم تذكر كتب التراجم تاريخ وفاته، ولكن كان ذلك في القرن الرابع الهجري.
2 - أخذ أبو الحسن الكرخي (المتوفى سنة 340 هـ) عن أبي طاهر الدباس، وكان معاصراً له، وزاد على قواعده، ودونها في رسالة (الأصول) التي جمع فيها فروع المذهب الحنفي.
3 - ثم جاء أبو زيد الدَّبُوسىِ (وهو عبيد الله بن عمر بن عسيى 430 هـ) وألف كتاب (تأسيس النظر في الأصول) وضمنه القواعد الكلية للفقه، مع الضوابط الفقهية، وبين أساس الاختلاف بين الأئمة.
(1/34)

4 - ثم جاء بعد ذلك نجم الدين عمر النسفي (المتوفى سنة 537 هـ) وتناول قواعد الكرخي، وذكر الأمثلة والشواهد لكل قاعدة من القواعد، وما تشتمل من الفروع الفقهية، والأحكام المستنبطة على المذهب الحنفي.
5 - وصنف الإمام أبو المظفر أسعد بن محمد الكرابيسي (570 هـ) كتاب (الفروق) بحسب الأبواب الفقهية، ورتبه على بحوث، واشتمل كل بحث على مسألتين في الغالب، أو أكثر، وبين الفرق بين المسألتين أو المسائل المذكورة، ورد الخلاف في بعضها إلى الخلاف في القواعد الفقهية التي تندرج تحتها، فذكر القواعد الكلية عرضاً.
6 - وانتقلت هذه القواعد مع شواهدها وأمثلتها من كتاب إلى آخر، حتى جاء العلامة إبراهيم بن نجيم المصري (975 هـ) وألف كتابه (الأشباه والنظائر) الذي جمع فيه القواعد الكلية، ورتبها، وصنفها، وقسمها، وبين الفروع التي تشتمل عليها، ثم ذكر أصل القاعدة، والمسائل التي تستثنى منها، ورتب كتابه على سبعة فنون، الأول: في معرفة القواعد، وأنها أصل الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد، ولو في الفتوى، والثاني: فن الضوابط، وهو أنفع الأقسام للمدرس والمفتي والقاضي. إلخ.
وصرح في مقدمة الكتاب أنه يريد أن يحاكي كتب الشافعية في القواعد، فقال
"وإن المشايخ الكرام قد ألفوا لنا ما بين مختصر ومطَوَّل من متون وشروح وفتاوى، واجتهدوا في المذهب والفتوى، إلا أني لم أر لهم كتاباً يحاكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي، مشتملاً على فنون في الفقه. ..
فألهمت أن أصنع كتاباً على النمط السابق ".
(1/35)

7 - مجامع الحقائق، للفقيه الحنفي أبي سعيد محمد الخادمي (1155 هـ) وهو في أصول الفقه؛ ولكن المؤلف ضمنه القواعد الفقهية في أربع وخمسين قاعدة في نهاية الكتاب، ثم جاء مصطفى محمد الكوز الحصاري، وشرح هذه القواعد في كتابه (منافع الدقائق) وسار الخادمي في كتابه على طريقة الزركشي الشافعي (794 هـ) في كتابه.
8 - ثم جاء مفى دمشق، في عهد السلطان عبد الحميد، الشيخ محمود حمزة
الدمشقي الحنفي (1305 هـ) وألف كتاباً في القواعد باسم (الفوائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية) وصنف القواعد بحسب أبواب الفقه، وذكر لكل قاعدة مصدرها الفقهي، وفروعها التي تدخل تحتها.
أما القواعد الفقهية في (جملة الأحكام العدلية) فسوف نفصل الكلام عنها في فقرة مستقلة، مع بيان شروحها.
9 - وفي العصر الحاضر قام أستاذنا الجليل، العلامة المحقق المدقق، الشيخ
مصطفى أحمد الزرقا، بدراسة معمقة عن القواعد الفقهية في المذهب الحنفي في الباب السادس من كتابه القيم النافع الفريد (المدخل الفقهي العام) فعرض القواعد الفقهية
(1/36)

الواردة في مجلة الأحكام العدلية، وصنفها تصنيفاً علمياً مفيداً، ورتبها ترتيباً مميزاً، وقسمها إلى أساسية وفرعية، فبلغت الأساسية أربعين قاعدة، واندرجت سائر القواعد التسع والتسعين تحت الأربعين، وقدم دراسة، لم يسبق إليها، عن تاريخ نشأة القواعد، وأطوار صياغتها، وقدم شرحاً موجزاً ومختصراً ومركزاً لمفاهيمها.
وذكر أدلتها، وبعض الأمثلة الفقهية لكل قاعدة، ثم وضع فهرسة خاصة لقواعد المجلة مرتبة ترتيباً أبجدياً، وفهرسة خاصة للمصطلحات الفقهية الواردة في قواعد المجلة.
ثم أردف ذلك بقواعد يحسن إلحاقها بالقواعد السابقة، جمعها من مناسباتها المختلفة في الكتب الفقهية، وبعضها عبارات مأثورة عن بعض الأئمة الفقهاء، وبلغت 31 قاعدة، ورتبها على حروف المعجم بحسب أوائل كلماتها.
ب - كتب القواعد الفقهية في المذهب المالكي
1 - أصول الفتيا، لأبي عبد الله محمد بن حارث الخشني القيروافي (361هـ) ، وهو يتضمن أصولاً مالكية، ونظائر في الفروع، وبعض الكليات، ورتبه المؤلف على أبواب الفقه، ثم أضاف إليه أبواباً أخرى، وكان يفتتح غالب أبوابه بأصل فقهي من أصول المالكية، وهو كقاعدة فقهية، كقوله في باب حد الزنى: "من أصول هذا الباب قوله: "الحدود تُدْرَأ بالشبهات، ولا يقام مع الرجم شيء من الحدود ولا من القصاص ".
2 - الفروق، للقرافي شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المالكي المتوفى سنة 684 هـ جمع فيه المؤلف القواعد الكلية والضوابط الفقهية، وقارن بينها، وذكر أوجه الشبه بين كل قاعدتين، أو ضابطين، أو أصلين، أو مصطلحين، وذكر أوجه الافتراق بين كل ذلك، وعليه
(1/37)

(تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية) للشيخ محمد علي بن الشيخ حسين، مفتي المالكية بمكة المكرمة.
3 - ادرار الشروق على أنواء الفروق، لأبي القاسم، قاسم بن عبد الله الأنصاري، المعروف بابن الشاط، المتوفى سنة 723 هـ، تعقب فيه القرافي في قواعده، ورجح بعض الأقوال، وصحح بعض الحالات، لكن الحق مع القرافي في كثير من المسائل.
4 - القواعد، للمَقَّري، أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني، قاضي الجماعة بفاس، المتوفى سنة 758 هـ.
واشتمل الكتاب على ألف ومئتي قاعدة.
قال العلامة الشيخ محمد بن محمد مخلوف عنه:
" وهو كتاب غزير مفيد، لم يسبق إليه أحد ".
5 - إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للونشريسي، أبي العباس أحمد بن يحيى، المتوفى سنة 914 هـ، وهو كتاب قيم ومفيد، اشتمل على 118 قاعدة، وهي غير مرتبة، بدأها بقاعدة مختلف فيها وهي " الغالب هل هو كالمحقق "، وختمها بقاعدة " كل ما أدى إثباته إلى نفيه فنفيه أولى ".
وهو أشهر ما ألف في قواعد المذهب المالكي.
(1/38)

6 - شرح المنهج المنتخب، لأحمد بن علي المنجور المالكي (995 هـ) ، حققه الشيخ محمد بن الشيخ محمد الأمين، ونشرته دار عبد الله الشنقيطي، وهو شرح لمنظومة (المنهج المنتخب) لأبي الحسن علي بن قاسم الزفاق المالكي (912 هـ) وبلغ عدد أبياتها.
(443) بيتاً، مرتبة على الأبواب الفقهية، واستخلص القواعد من كتب السابقين من علماء المالكية، وخاصة من قواعد المقري (758 هـ) ، وجاء شرح المنهج المنتخب للمنجور مطولاً، ونال شهرة عند المالكية، وصنفت كتب كثيرة حول المنظومة
والشرح، منها (الإسعاف بالطلب مختصر شرح المنهج على قواعد المذهب) ، لأبي القاسم بن محمد بن أحمد التواني من علماء المالكية المعاصرين، وطبع للمرة الأولى في المطبعة الأهلية في بنغازي سنة 1395 ص/1975 م.
جـ (كتب القواعد الفقهية في المذهب الشافعي)
قلنا: إن القواعد بدأت بالظهور في القرن الثاني الهجري، وكانت على قسمين "
أصولية، وقواعد فقهية، وكان الإمام الشافعي أول من وضع القواعد الأصولية ودونها، أما القواعد الفقهية فسبق فيها علماء الحنفية، وإن أقدم من وضع القواعد الفقهية وصاغها ودونها في الفقه الشافعي - فيما نعلم - القاضي حسين (المتوفى سنة 462 هـ) وكان إماماً كبيراً، وصاحب وجه في المذهب، وصنف في الأصول والفروع
والخلاف، وإذا أطلق لفظإ القاضي " في الفقه الشافعي فهو المراد.
ثم صار مذهب الشافعية أكثر المذاهب اهتماماً وتأليفاً في القواعد الفقهية.
وصنفت كتب مستقلة بذلك على المذهب الشافعي، منها:
1 - الفروق، لوالد إمام الحرمين، أبي محمد الجويني، عبد الله بن يوسف بن محمد
(1/39)

ابن حيوية (438 هـ) ، أظهر الفرق بين المسائل بتعمق، ورتبه على أبواب الفقه، ووضع كل مجموعة من المسائل بعنوان تندرج تحته.
2 - قواعد في فروع الشافعية، للجاجرمي، معين الدين، أبي حامد محمد بن إبراهيم الشافعي المتوفى سنة 613 هـ، وقد أكثر الناس من الاشتغال بها في عصره، كما يقول العلامة ملاجلبي.
3 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام
أبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (660 هـ) .
وتسمى القواعد الكبرى في فروع الشافعية، وله القواعد الصغرى، وكان من تلامذته القرافي المالكي صاحب (الفروق) ، واعتبر العز أن الأحكام كلها ترجع إلى قاعدة واحدة، وهي "جلب المصالح ودرء المفاسد" أو إلى
"درء المفاسد" فقط.
(1/40)

4 - الأشباه والنظائر، لابن الوكيل، صدر الدين محمد بن عمر بن الوكيل
الشافعي المتوفى سنة 716 هـ، جمع فيه قواعد المذاهب الشافعي، وذكر معظم مسائله من كتاب (فتح العزيز) للرافعي (ت 623 هـ) شيخ الشافعية، ومحقق المذهب مع النَّووي، لكن الكتاب غير مرتب، لأن مؤلفه مات قبل أن ينقحه، ويحتوي على قواعد فقهية وأصولية وضوابط فقهية، ثم جاء ابن أخيه زين الدين بن المُرَحِّل (738 هـ) فنقحه، وتبعه العلماء في تنقيحه.
5 - المجموع المُذْهَبُ في قواعد المذهب الشافعي، للعلائي، صلاح الدين بن خليل كَيْكَلدي العلائي الشافعي الحافظ الدمشقي المتوفى سنة 761 هـ) وقال عنه ملاجلبي:
"وهي أجود القواعد، اختصرها الشيخ محمد بن عبد الله الصرخدي المتوفى سنة 792 هـ) ، وفيه أحاديث كثيرة وقواعد أصولية عديدة أيضاً.
6 - الأشباه والنظائر، لابن السبكي، تاج الدين، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة 771 هـ) وهو الكتاب المشهور الذي اعتمد عليه السيوطي في (الأشباه والنظائر) ، وأراد ابن نجيم أن يحاكيه بوضع كتاب مثله في المذهب
(1/41)

الحنفي، وهو من أحسن الكتب لما يمتاز به مؤلفه من دقة واحاطة بالفقه والأصول وغيرهما، مع حسن الترتيب.
7 - الأشباه والنظائر، للأسنوي، جمال الدين عبد الرحيم بن حسن الإسنوي الشافعي المتوفى سنة 772 هـ) ولكن ابن السبكي يقول عنه: " فيه أوهام كثيرة، لأنه مات عن مسودة ".
8 - القواعد في الفقه، أو المنثور في القواعد، للزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله، المتوفى سنة 794 هـ) وهو كتاب فريد في منهجه، عميق في أسلوبه، رتبه على حروف المعجم، وشرحه سراج الدين العبادي في مجلدين، واختصر الأصل الشيخ عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة 973 هـ في مجلد.
9 - القواعد، للغزي، شرف الدين علي بن عثمان الغزي المتوفى سنة 799 هـ) وصنفه على طريقة ذكر القاعدة، وما يستثنى منها، ثم أدخل الألغاز فيها.
10 - نواظر النظائر، لابن المُلَقن، سراج الدين عمر بن علي، المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804 هـ) وهو مختصر الأشباه والنظائر لابن السبكي.
(1/42)

11 - الأشباه والنظائر، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر
السيوطي الشافعي، المتوفى سنة 911 هـ) وهو من أحسن كتب القواعد، وأجمعها، وأشلها، استفاد السيوطي ممن قبله، وبخاصة التاج السبكي والحافظ العلائي والزركشي، وأحال على السبكي والزركشي دون العلائي، وأضاف إلى ذلك خلاصة علمه ودرايته في الفقه والأصول والعربية، ورتبه على سبعة كتب، أهمها الأول في شرح القواعد الخمس، والثاني في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، والثالث في القواعد المختلف فيها.
وقال السيوطي: " أول من فتح هذا الباب شيخ الإسلام ابن عبد السلام في.
(قواعده الكبرى) ، فتبعه الزركشي في (القواعد) وابن الوكيل في (أشباهه) وقد قصد ابن السبكي بكتابه تحرير كتاب ابن الوكيل، وذلك بإشارة والده ".
12 - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية والضوابط والقواعد الكلية.
للسقاف، السيد علوي بن أحمد السقاف، ثم اختصره المؤلف في كتابه (مختصر الفوائد المكية) .
د - (كتب القواعد الفقهية في المذهب الحنبلي)
(1/43)

يقول الشيخ محمد حسن الشطي الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 1307 هـ في مقدمة (توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية) :
"إن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وقد أوصلها
فقهاء الحنابلة إلى نحو ثمان مئة قاعدة ".
وإن أهم كتب القواعد على المذهب الحنبلي - التي وصلت إلى علمنا - هي
1 - الفروق، للسامري، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري
الحنبلي، المعروف بابن سُنَيْنة، مجتهد المذهب (616 هـ) ، ذكر فيه المسائل المشتبهة صورة، المختلفة أحكامها وأدلتها وعللها، وسبب الفرق من حديث أو من القواعد الأصولية ".
2 - الرياض النواضر في الأشباه والنظائر، للصرصري، سليمان بن عبد القوي ابن عبد الكريم الطوفي (المتوفى سنة 710 هـ وقيل 716 هـ) ، ويسمى كتابه (القواعد الكبرى في فروع الحنابلة) .
وللمؤلف (القواعد الصغرى) أيضاً.
3 - القواعد النورانية الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، المتوفى سنة 728 هـ، وهي قواعد موزعة على أبواب العبادات ثم المعاملات، ويورد في أثناء البحث بعض القواعد الفقهية، ويمتاز بالمقارنة مع بقية المذاهب، مثل القاعدة الثالثة في العقود، والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما صح منها ويفسد، ومسائل هذه القاعدة كثيرة جداً، والذي يمكن ضبطه فيها قولان:
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك:
" الحظر إلا ما ورد الشرع بإجازته. . "، ويطنب ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذلك
(1/44)

كعادته، ويبحث الموضوع من مختلف جوانبه، والواقع أن هذه القاعدة أقرب إلى النظرية العامة في الشروط أكثر من القواعد الكلية.
4 - القواعد، لابن قاضي الجبل، أحمد بن الحسن بن عمر المقدسي، المتوفى سنة 771 هـ، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية.
5 - القواعد، ل (ابن رجب، الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ، وسماها المؤلف (تقرير القواعد وتحرير الفوائد)
لكنه مشهور باسم (القواعد) في الفقه الإسلامي، قال ملاجلبي عنه:
"وهو كتاب نافع من عجائب الدهر ".
ويتألف الكتاب من مئة وستين قاعدة، وإحدى وعشرين مسألة، تتضمن فوائد فقهية جمة، وأحكاماً شرعية كثيرة، وفيها القواعد الفقهية والضوابط، والقواعد الأصولية، وفروع فقهية، ولكن بأسلوب خاص، ومنهج يقرب من الفقه أكثر من القواعد.
6 - القواعد والفوائد الأصولية، وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية، لابن
اللحام علي بن عباس البعلي الحنبلي المتوفى سنة 803 هـ)
وهذا الكتاب يحتوي على القواعد الأصولية، وما يتفرع عنها من فروع فقهية، مع المقارنة بين المذاهب، ويضم
(1/45)

بين دفتيه بعض القواعد الفقهية مع ذكر الضوابط والمسائل والأحكام الشرعية التي تدخل تحتها.
7 - كتاب القواعد الكلية والضوابط الفقهية، تصنيف الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الحنبلي (909 هـ)
حققه وعلق عليه جاسم ابن سليمان الفُهيد الذوسري، وطبعته دار البشائر الإسلامية، بيروت - ط 1، 1415 هـ / 1994 م)
وهذا الكتاب لا يتضمن القواعد الفقهية الكلية إلا نادراً.
وأغلبه ضوابط مختصة بابواب محدّدة، وأحكام فرعية جزئية على صيغة حكم عام.
8 - رسالة في القواعد الفقهية، تأليف عبد الرحمن السعدي، أبي عبد الله عبد الرحمن بن ناصر عبد الله السعدي الحنبلي، ولد بعنيزة سنة 1357) وصار عالم القصيم، وتوفى سنة 1376 هـ) ، وهي منظومة من 47 بيتاً، ثم شرحها المؤلف شرحاً وجيزاً، دون أن يذكر لذلك الفروع الفقهية الي تندرج تحتها إلا في بعض الأمثلة الإجمالية.
وللمؤلف كتاب بعنوان (الرياض الناضرة) ذكر فيه فصلاً عن
"التنبيه على أصول وقواعد وضوابط جامعة نافعة"
ذكر تحته 74 قاعدة وضابطاً.
هـ - (القواعد الكلية في مجلة الأحكام العدلية)
سارت القواعد الفقهية شوطاً ممتازاً، وتقدمت خطوة جيدة في العصر الحديث، وذلك من حيث الصياغة والتطبيق والشهرة، والاعتماد عليها في الإطار التشريعي
(1/46)

والقضائي، فقد رأت اللجنة المكلفة بوضع مجلة الأحكام العدلية في المعاملات المالية من الأحكام الشرعية في الخلافة العثمانية، رأت اللجنة أن تتوج عملها بوضع مقدمة لمواد المجلة بذكر القواعد الكلية، في أولها، للرجوع إليها، والاعتماد عليها، فأخذت القواعد التي جمعها ابن نجيم، وأضافت إليها بعض القواعد الأخرى، وعدلت في الصياغة والأسلوب.
وصدرت المجلة عام 1286 هـ، وبدأ العمل بها عام 1293 هـ / 1876 م، وفي أولها تسع وتسعون قاعدة، كل قاعدة في مادة مستقلة، من المادة الثانية إلى المادة المئة، ولكنها جاءت غير مرتبة، بحسب الحروف أو الأبواب الفقهية، وإنما ذكرت بشكل عشوائي.
ونصت على الهدف والغرض من القواعد الكلية في نهاية المادة الأولى، فقالت: "إلا أن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وتلك القواعد مسلمة، معتبرة في الكتب الفقهية، تتخذ أدلة لإثبات المسائل وتفهمها في بادئ الأمر، فذكرها يوجب الاستئناس بالمسائل، ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان، فلذا جُمعَ تسعٌ وتسعون قاعدةً فقهية. . ".
ثم قالت: "ثم إن بعض هذه القواعد، وإن كان بحيث إذا انفرد يوجد من
مشتملاته بعض المستثنيات، لكن لا تختل كليتها وعمومها من حيث المجموع، كما أن بعضها يخصص ويقيد بعضاً".
وتولى شراح المجلة البدء بشرح هذه القواعد، وبيان أهميتها، ودلالاتها، والفروع الفقهية التي تدخل تحتها، والمسائل الجزئية التي تتناولها، والمستثنيات التي تخرج منها، وكثير من هذه الشروح باللغة التركية، وترجم بعضها أحياناً، ووضعت شروح مستقلة باللغة العربية، منها:
(1/47)

1 - شرح المجلة، للشيخ محمد خالد الأتاسي، والشيخ محمد طاهر الأتاسي، والشرح مكون من ستة أجزاء، وخصص الجزء الأول منها للقواعد الكلية.
2 - درر الحكام شرح مجلة الأحكام، تأليف علي حيدر، وتعريب فهمي الحسيني، جزءان.
3 - شرح المجلة، سليم رستم باز اللبناني، وهو مجلد ضخم يقع في 1288
صفحة، ومطبوع في جزأين أيضاً، وفي أوله شرح القواعد الفقهية.
4 - مرآة المجلة، يوسف آصاف، جزءان.
5 - شرح مجلة الأحكام العدلية، للأستاذ محمد سعيد المحاسني، ثلاثة أجزاء.
6 - شرح القواعد الفقهية، للشيخ أحمد بن محمد الزرقا الحلبي (ت 1357 هـ) .
وهو شرح خاص بالقواعد الفقهية الواردة في مجلة الأحكام العدلية، بمنهج سديد، وذلك بتوضيح معنى القاعدة لغة، مع شرح مصطلحاتها، وبيان معناها والمراد منها.
ثم ذكر المسائل التطبيقية لها من فروع الحنفية حصراً، ثم بيان المستثنيات من القاعدة، وإضافة الفوائد الفقهية، والتنبيهات الضرورية التي لها صلة بالقاعدة، مع نسبة الآراء والأقوال والنصوص إلى الكتب المقتبسة منها، لكن المؤلف لم يرتب هذه القواعد، بل عرضها كما جاءت في المجلة بدون ترتيب.
(1/48)

7 - القواعد الفقهية، مع الشرح الموجز، للأستاذ الشيخ عزت عبيد الدعاس، وهو كتاب صغير في 90 صفحة، فيه مقدمة عن القواعد الفقهية، ثم عرض لقواعد المجلة، مع ترتيبها وتقسيمها إلى قواعد أساسية، وقواعد متفرعة عنها، وهو شرح موجز كما رحمه المؤلف لتوضيح معنى القاعدة باختصار، وبيان أصلها أحياناً.
وذكر بعض الفروع التطبيقية، وإيراد بعض المستثنيات.
ويحسن الإشارة هنا إلى أن مجلة الأحكام العدلية كانت تمثل القانون المدني
للمعاملات في ظل الدولة العثمانية، وكانت تطبق عل جميع الأقطار التي كانت تظلها الدولة العثمانية، ثم ألغيت المجلة بالتدريج في تركية وسورية والعراق والكويت، ولم تطبق أصلاً في مصر، ووضع مكانها القوانين المدنية الأجنبية المستمدة من القانون المدني الفرنسي (قانون نابليون) وغيره، مع تطعيمها بالفقه الإسلامي أحياناً، وظلت المجلة مطبقة إلى عهد قريب في الأردن وفلسطين المحتلة وبعض الإمارات العربية، ثم صدر في الأردن قانون مدني مستمد من الفقه الإسلامي المحض، وهو أول قانون مدني إسلامي، ثم حذا حذوه قانون المعاملات في الإمارات العربية والسودان واليمن، وكانت جميع هذه القوانين متوجة في أولها بالقواعد الفقهية السابقة، كما اعتمدت هذه القواعد، وهذه القوانين على أنها أوراق عمل
أصلية، في مشروع القانون المدني الموحد في إطار الجامعة العربية، ولكنه لم يصدر حتى الآن، كما وُضعت هذه القواعد سابقاً في صدر القانون المدني العراقي.
أما - المملكة العربية السعودية فإنها تعتمد في المعاملات المدنية، والمالية والقضائية على القول المعتمد في المذهب الحنبلي في المحاكم الشرعية، وعلى الأنظمة الخاصة بالمجالات المتعددة الأخرى.
ونضيف لما سبق أربعة أمور ظهرت حديثاً قبل نهاية القرن العشرين وفي مطلع
القرن الخاص عر الهجري، وهي:
1 - القواعد الفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، أدلتها،
(1/49)

مهمتها، تطبيقاتهاً، لعلي أحمد الندوي، وهي رسالة حصل بها المؤلف على شهادة الماجستير في الفقه الإسلامي، وهي دراسة قيمة ونافعة ومفيدة عن القواعد الفقهية.
2 - كثر الاهتمام بتحقيق كتب. القواعد الفقهية، وكتب الأشباه والنظائر في مختلف المذاهب، وتقرر تدريسها في المعاهد الدينية، وكليات الشريعة، والدراسات العليا، ثم اتجهت الأنظار إلى استخراج القواعد الفقهية المبثوثة في كتب الفقه المذهبي، أو كتب الفقه العام، منها رسالة.
(القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية) للطالب سعيد جمعة، في المعهد العالي لأصول الدين
بمدينة الجزائر، ونوقشت في أيار (مايو) 1996 م، للحصول على الماجستير، ثم رسالة السيد علي أحمد الندوي، السابق، عن استخراج القواعد الفقهية من كتاب (التحرير) للحصيري في الفقه الحنفي، وحصل بها على شهادة الدكتوراه، ومثل ذلك كثير والحمد لله، ولا تزال الجهود متجهة للعناية بالقواعد الفقهية والاستفادة منها.
3 - مَعْلَمَة القواعد الفقهية: وهو مشروع مهم وكبير يقوم به مجمع الفقه
الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، وهو خطوة جبارة وشاملة لجمع القواعد الفقهية من أمهات كتب الفقه الإسلامي في المذاهب الثمانية، مع القواعد الفقهية الموجودة في كتب القواعد.
ويشارك في هذا العمل عدد من العلماء من مختلف البلاد العربية والإسلامية.
وقد كلفت شخصياً باستخراج القواعد الفقهية من كتاب (الأم) للإمام الشافعي، وأنجزت العمل وسلمته في صيف 1996 م، كما تم استخراج القواعد الفقهية من
(1/50)

كتاب (المغني) لابن قدامة، و (المبسوط) للسرخسي، وغيرها، ونأمل إنجاز هذا العمل المبارك الخير، لجمع أكبر موسوعة في القواعد الفقهية، ليعود النفع للناس جميعاً، ثم كلفت بمراجعة وتتبع القواعد والضوابط التي استخرجها أحد الباحثين من كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن قيم الجوزية (751 هـ) والتي بلغت 183 قاعدة وضابطاً، وأكملت العمل واستخرجت زيادة عما سبق 163 قاعدة وضابطاً في نهاية سنة 2003 م، مع شرح كل قاعدة، وبيان دليلها وتطبيقاتها والاستثناءات
منها.
4 - ظهرت حديثاً عدة كتب في القواعد، وتحرك التأليف والتصنيف في ذلك في مختلف المذاهب، إما للحصول على شهادة علمية كالماجستير والدكتوراه، وإما لمجرد المشاركة في هذا المجال المهم، فمن ذلك:
أ - القواعد الفقهية من خلال كتاب (الإشراف) للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، بقلم الدكتور محمد الروقي، أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط - المغرب، ونشرتها دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي، في سلسلة الدراسات الفقهية رقم 10، الطبعة الأولى 1424 هـ / 2003 م.
ونال المؤلف بها درجة دبلوم الدراسات العليا في
الدراسات الإسلامية (الماجستير) عام 1989 م من جامعة محمد الخامس بالرباط، المغرب، وتقع في 458 صفحة.
ب - تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية من خلال كتابي (إيضاح المسالك)
للونشريسي، و (شرح المنهج المنتخب) للمنجور، إعداد الأستاذ الدكتور الصادق بن عبد الرحمن الغِرياني، ونثرتها دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي، في سلسلة الدراسات الأصولية رقم 7، الطبعة الأولى 1423 هـ / 2002 م)
وتقع في 567 صفحة، وقسمها الباحث إلى قسمين، الأول: القواعد (132 قاعدة) ، والثاني: الضوابط (14 ضابطا) ، ثم الفهارس، وإن كثيراً من القواعد هي مجرد ضوابط فقهية لباب فقهي خاص.
جـ - القواعد الفقهية، المبادئ - المقومات - المصادر - الدليلية - التطور، دراسة
(1/51)

نظرية، تحليلية، تأصيلية، تاريخية، للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الأستاذ بجامعة الإمام - محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، طبعتها مكتبة الرشد، وشركة الرياض، بالرياض، الطبعة الأولى 1418 هـ / 1998 م، وذلك في سبعة فصول وخاتمة وفهارس في 479 صفحة.
د - القواعد الفقهية الكبرى، وما تفرع عنها، للدكتور صالح بن غانم السدلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ونشرتها دار بلنسية بالرياض، الطبعة الثانية 1420 هـ /
1999 م، ورتب المؤلف القواعد ترتيباً ألفبائياً، وترتيباً موضوعياً تضمن القواعد الكلية الكبرى وما يندرج تحت كل منها
من قواعد فرعية، والقواعد الكلية غير الكبرى، ويقع الكتاب في 557 صفحة.
هـ - القواعد الكلية والضوابط الفقهية، تصنيف جمال الدين يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الحنبلي (909 هـ) تحقيق وتعليق جاسم بن سليمان الفُهيد الدوسري، نشرتها دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى 1415 هـ / 1994 م، وتتضمن مقدمة التحقيق (5 - 42) ثم الكتاب (43 - 111) ثم فهرس الموضوعات (113 - 117) وبلغت القواعد مئة، ولكن معظمها ضوابط فقهية.
وأحكام عامة، وعناوين فقهية.
و الفروق الفقهية، للقاضي عبد الوهاب المالكي وعلاقته بفروق الدمشقي، تحقيق ودراسة محمود سلامة الغرياني، نشر دار البحوث والدراسات الإسلامية وإحياء التراث - دبي، سلسلة الدراسات الفقهية رقم 12، الطبعة الأولى 1424 هـ / 2003 م، ويقع في 215 صفحة، وهو بيان للفرق بين كل مسألتين متشابهتين، وموزع على أبواب الفقه.
ز - الفروق، للقاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، بعناية جلال القذافي
الجهاني، نشر دار البحوث والدراسات الإسلامية وإحياء الزاث، دبي، سلسلة الدراسات الفقهية رقم 11، الطبعة الأولى 1424 هـ /2003 م، ويقع في 121 صفحة، وهو الكتاب السابق نفسه، ومقسم على أبواب الفقه.
(1/52)

ح - الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية، للأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1، 1422 هـ / 2001 م، ويتضمن مئة قاعدة، أكئرها من قواعد مجلة الأحكام العدلية، ويبين الباحث معنى القاعدة.
ثم يعرض أهم الفروع والتطبيقات الفقهية لها، ويقع الكتاب في 232 صفحة.
ط - جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية، للدكتور علي أحمد الندوي، ونشرتها شركة الراجحي المصرفية للاستثمار بالرياض - الطبعة الأولى 1421 هـ / 2000 م، في ثلاثة مجلدات، خصص المؤلف الجزء الثالث لفهرس القواعد الفقهية الواردة في القسم الثاني من (الجمهرة) ورتبه حسب جذور المصطلحات والألفاظ الأساسية التي وردت في القواعد.
ي - موسوعة القواعد، تأليف وجمع وترتيب وبيان الشيخ الدكتور محمد صديق بن أحمد البورنو، أبو الحارث الغزي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم - بريدة، بالسعودية، طبع مكتبة التوبة، الرياض، الطبعة الثانية
1418 هـ / 1997 م، ومنهجه ترتيب القواعد ترتيباً ألفبائياً بحسب الحرف الذي تبدأ به القاعدة، ثم شرح القاعدة، ثم الأمثلة لها، وظهر من الموسوعة أربعة مجلدات، الأول في المقدمات وبعض القواعد المبدوءة بحرف الهمزة، والثاني في تتمة القواعد المبدوءة
بحرف الهمزة، والثالث والرابع في القواعد المبدوءة بحرف الباء، والتاء، والثاء، وقال الباحث في آخر الجزء الرابع: "ويتلوه قريباً إن شاء الله تعالى القسم الثالث، ويشمل قواعد حروف الجيم، والحاء، والخاء، والدال، والذال، والراء والزاي ".
ك - القواعد والضوابط الفقهية للمعاملات المالية عند ابن تيمية، جمع ودراسة عبد السلام بن إبراهيم بن محمد الحصين، من الإحساء بالسعودية، نشر دار التأصيل - القاهرة، الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م، مجلدان، يقع الأول في 552 صفحة.
ويقع الثاني في 512 صفحة، وهما للحصول على درجة الماجستير في أصول الفقه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وأشار في المقدمة لبحث الدكتور ناصر بن عبد الله الميمان، للحصول على درجة الماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بعنوان (القواعد والضوابط الفقهية عند شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابي
(1/53)

الطهارة والصلاة) وطبعت من قبل مركز الدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى سنة 1416 هـ / 1997 م.
عاشراً: فوائد
هذه فوائد أخرى من كتاب (الأشباه والنظائر) للسيوطي، ومن غيره، رأينا
إثباتها مع تصرف يسير.
الفائدة الأولى: نشأة القواعد الفقهية
قال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: حكى القاضي أبو سعيد الهروي: أن بعض أئمة الحنفية بهراة بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر ردَّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فسافر إليه، وكان أبو طاهر ضريراً أعمى، وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه، فالتفَّ الهروي بحصير، وخرج الناس، وأغلق أبو طاهر المسجد، وسرد من تلك القواعد سبعاً، فحصلت للهروي سعلة، فأحس به أبو طاهر، فضربه، وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه، وتلا عليهم تلك السبع.
قال أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسيناً ذلك ردَّ جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد:
الأولى: اليقين لا يزول بالشك.
الثانية: المشقة تجلب التيسير.
الثالثة: الضرر يزال.
الرابعة: العادة محكمة.
(1/54)

قال بعض المتأخرين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه كله، نظر، فإن غالبه لا يرجع إليها إلا بواسطة تكلف.
وضمَّ بعض الفضلاء إلى هذه قاعدة خامسة، وهي "الأمور بمقاصدها"
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات ".
وقال: (بُني الإسلام على خمس " والفقه على خمس.
قال العلائي: وهو حسن جداً، فقد قال الإمام الشافعي: " يدخل في هذا الحديث ثلث العلم " يعني حديث "إنما الأعمال بالنيات ".
وقال الشيخ تاج الدين السبكي: (التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى خمس بتعسف وتكلف وقول جملي (غير تفصيلي) فالخامسة داخلة في الأولى، بل رجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، بل قد يرجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها، ويقال على هذا: واحدة من هؤلاء الخمس كافية، والأشبه أنها الثالثة، وإن أريد الرجوع بوضوح فإنها تربو
على الخمسين، بل على المئتين ".
الفائدة الثانية: طرق وضع القواعد
للعلماء في وضع القواعد طريقتان:
الأولى: أن يضع القواعد التي تعين المجتهد على استنباط الأحكام من مصادرها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذا هو المسمى: بأصول الفقه.
وكان أول من وضع خطة البحث فيه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فصنف كتابه (الرسالة) وتبعه كل من جاء بعده من علماء المذاهب الأخرى.
الطريقة الثانية: استخراج القواعد العامة الفقهية لكل باب من أبواب الفقه
ومناقشتها وتطبيق الفروع عليها، فيستنتج أي يستنبط قواعد البيع العامة مثلاً، ويبين مسلك التطبيق عليها، وهي الضوابط، ثم عمم ذلك على مختلف العقود، فصارت قواعد.
(1/55)

الفائدة الثالثه: تاريخ القواعد الفقهية عند الشافعية
أول من فتح هذا الباب سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام
حيث رجع الفقه كله إلى قاعدة واحدة، وهي اعتبار المصالح ودرء المفاسد، وألف في ذلك كتابين يدعى أحدهما بالقواعد الصغرى، والآخر بالقواعد الكبرى، كما قاله السيوطي في (الأشباه والنظائر النحوية) .
ثم جاء العلامة بدر الدين محمد الزركشي فتبعه في (القواعد) وألف كتاباً ضمنه القواعد الفقهية، وقبله كان الشيخ صدر الدين محمد بن عمر المعروف بابن الوكيل المتوفى سنة 716 هـ رحمه الله تعالى ألف كتاباً في.
(الأشباه والنظائر) تبع فيه ابن عبد السلام.
ثم جاء التاج السبكي فحرر كتاب ابن الوكيل في ذلك بإشارة من والده التقي السبكي، وجمع أقسام الفقه وأنواعه، ولم يجتمع ذلك في كتاب سواه.
ثم جاء العلامة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804 هـ) فألف كتاباً في (الأشباه والنظائر) ، والتقطه خفية من كتاب التاج السبكي رحمه الله تعالى.
ثم جاء الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي فنقح جملة من القواعد في كتابه (شوارد الفوائد في الضوابط والقواعد) ثم عَمد إلى كتاب أوسع يضم جملة من العلوم الفقهية، يقال لمجموعها (الأشباه والنظائر) .
الفائدة الرابعة: المبادئ العشرة لعلم لمقواعد الفقهية
ينبغي لكل طالب في أي علم أن يتصوره حتى يكون على بصيرة ما في تطلبه، أو على بصيرة تامة، وذلك بمعرفة مبادئه العشرة التي نظمها العلامة الصبان في قوله:
إن مبادي كل فن عشرةْ. . . الحَدُّ والموضوع ثم الثمرة
وفضله ونسبةٌ والواضعْ. . . والاسمُ، الاستمدادُ؛ حكمُ الشارعْ
مسائل، والبعض بالبعض اكتفى. . . ومن درى الجميع حاز الشرفا
(1/56)

1 - فحدُّ هذا العلم: قانون تعرف به أحكام الحوادث التي لا نص عليها في كتاب أو سنة أو إجماع.
2 - وموضوعه: القواعد، والفقه من حيث استخراجه من القواعد.
3 - وثمرته: السهولة في معرفة أحكام الوقائع الحادثة التي لا نص فيها، وإمكان الإحاطة بالفروع المنتشرة في أقرب وقت، وأسهل طريق على وجه يؤمن معه التشويش والاضطراب.
4 - وفضله: أنه أشرف العلوم بعد علم التوحيد، كما شهد به - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:
"من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين "
ومعنى ذلك: التفقه في الفروع المحتاج إليها.
وبالقواعد، إذ التفقه في الفروع كلها من لدن بعثة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر الزمان عسير جداً، حيث إن الوقائع تتجدد بتجدد الزمان كما لا يخفى، فالمراد إذن التفقه ببعض
الفروع، والإحاطة بالقواعد.
5 - ونسبته: أنه نوع من أنواع الفقه، وفرع من علم التوحيد، وبقية العلوم المباينة.
6 - وواضعه: الراسخون في الفروع، إلا أنه كان منتشراً خلال الأسفار (الكتب) وعلى أفواه الرجال، حتى جاء الإمام أبو طاهر الدَّباس، والقاضي حسين، فاعتنيا به، وأشاعاه، وابن عبد السلام فألف فيه.
7 - واسمه: علم القواعد الفقهية، وعلم الأشباه والنظائر.
8 - واستمداده: من الكتاب والسنة وآثار الصحابة وأقوال المجتهدين.
9 - وحكمه: الوجوب الكفائي على أهل كل بلدة، والعيني على من ينتصب للقضاء.
10 - ومسائله: وهي قضاياه أي القواعد الباحثة عن أحوال الفروع من حيث التطبيق والاستثمار،
(1/57)

الفائدة الخامسة: القواعد والضوابط وا، ررارك
قال التاج السبكي في (قواعده) : القاعدة: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه
جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها، ومنها ما لا يختص بباب، كقولنا: "اليقين لا يزول بالشك "، ومنها ما يختص، كقولنا: "كل كفارة سببها معصية فهي على الفور ".
والغالب فيما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى: ضابطاً،
(1/58)

وإن شئت قلت: ما عمَّ صوراً فإن كان المقصود من ذكره القدر المشترك الذي به اشتركت الصور في الحكم فهو المُدرَك، وإلا فإن كان القصد ضبط تلك الصور بنوع من أنواع الضبط من غير نظر إلى مأخذها فهو الضابط، وإلا فهو القاعدة.
(1/59)

الباب الأول
القواعد الفقهية الأساسية
إن بعض القواعد الفقهية أعم وأكل من بعضها الآخر، وإن قسماً منها يدخل
تحت قاعدة أخرى، ولذلك تقسم القواعد إلى صنفين:
قواعد أصلية، وقواعد فرعية
تنضوي تحت القواعد الأصلية.
والقواعد الأصلية قسمان:
الأول: قواعد أساسية بالنسبة إلى غيرها لعمومها وشمولها، وأهميتها.
وحاول بعض الفقهاء إرجاع جميع الفروع إليها، وتبناها جميع الفقهاء في مختلف المذاهب ووضعوها في كتبهم المذهبية، وهي:
1 - الأمور بمقاصدها.
2 - اليقين لا يزول بالشك.
3 - المشقة تجلب التيسير.
4 - الضرر يزال.
5 - العادة محكمة.
والقسم الثاني: قواعد أصلية كلية تأتي في الدرجة الثانية بعد الخمس الأولى.
ونبدأ بالقواعد الفقهية الأساسية، ونخصص لها هذا الباب، ونذكر تحت كل
قاعدة ما يتفرع عنها من قواعد كلية عامة، وقواعد مختلف فيها، ليكون الموضوع متكاملاً.
(1/61)

القاعدة الأساسية الأولى:
الأمور بمقاصدها
الألفاظ الأخرى
- الأعمال بالنيات.
- العبرة بالقصد والمعنى لا اللفظ والمبنى.
- لا ثواب إلا بنية.
- كل ما كان له أصل فلا ينتقل عن أصله بمجرد النية.
- الأيمان مبنية على الألفاظ والمقاصد.
- مقاصد اللفظ على نية اللافظ.
- إدارة الأمور في الأحكام على قصدها.
- المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات.
التوضيح
الأمور: جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ، وقوله تعالى: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) .
وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) .
أي ما هو عليه من قول أو فعل.
والكلام على تقدير مقتضى، أي أحكام الأمور بمقاصدها، لأن علم الفقه إنما
(1/63)

يبحث عن أحكام الأشياء لا عن ذواتها، ولذا فسرت المجلة القاعدة بقولها: "يعني أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر.
فالأمور بمقاصدها أي الشؤون مرتبطة بنيّاتها، وأن الحكم الذي يترتب على فعل المكلف ينظر فيه إلى مقصده فعلى حسبه يترتب الحكم تملكاً وعدمه، ثواباً وعدمه، عقاباً وعدمه، مؤاخذة وعدمها، ضماناً وعدمه ".
والأصل في هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" إنما الأعمال بالنيات "
وهذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وتواتر النقل عن الأئمة في تعظيم حديث النية، وأنه لا شيء أجمع، وأغنى، وأكثر فائدة منه، وأنه ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً في الفقه.
والنية محلها القلب في كل موضع، وحقيقتها: قصد الشيء مقترناً بفعله، ووقتها في أول العبادة غالباً، والفعل عامة، وتختلف كيقيتها باختلاف الأبواب، ويشترط فيها: التمييز، والعلم بالمنوي مطابقاً للواقع، وعدم المنافي، ويزيد في النية العبادات الإسلامية، ويعتبر المقصد والنية على نية اللافظ في اليمين، والاعتكاف، والنذر، والحج، ونحوها إلا
في اليمين الواجبة عند القاضي فتكون على نية القاضي.
وقال العلماء: "مقاصد
(1/64)

اللفظ على نية اللافظ إلا في موضع واحد، وهو الحَلِف، فإنه على نية المستحلِف ".
وقال ابن خطيب الدهشة: "المقصود الأعظم بالنية الإخلاص. .، والإخلاص إنما يكون بلإفراد العبادة لله وحده ".
التطبيقات
هذه القاعدة تجري في المعاوضات والتمليكات المالية، والإبراء، والوكالات، وإحراز المباحات، والضمانات والأمانات والعقوبات.
1 - أما المعاوضات والتمليكات المالية: كالبيع والشراء والإجارة والصلح
والهبة، فإنها كلها عند إطلاقها - أي إذا لم يقترن بها ما يقصد به إخراجها عن إفادة ما وضعت له - تفيد حكمها، وهو الأثر المترتب عليها في التمليك والتملك.
لكن إن اقترن بهذه المعاوضات ما يخرجها عن إفادة هذا الحكم كالهزل.
والاستهزاء، والمواضعة، والتلجئة، فإنه يسلبها إفادة حكمها المذكور.
وإذا أراد بألفاظها النكاح مثلاً كانت نكاحاً، لكن يشترط في الإجارة أو الصلح أن تكون المرأة بدلاً ليكون نكاحاً، فلو كانت في الإجارة معقوداً عليها لا تكون نكاحاً، وفي الصلح لو كانت مصالحاً عنها، بأن ادعى عليها النكاح، فأنكرت، ثم صالحت المدعي على مال دفعته له ليكف عنها، صح وكان خلعاً، ومن باع أو شرى وهو هازل فإنه لا يترتب على عقده تمليك ولا تملك.
2 - أما الإبراء: فكما لو قال الطالب للكفيل، أو قال المحال للمحتال عليه: برئت من المال الذي كفلت به، أو المال الذي أحلت به عليك، أو قال: برئت إلي منه، وكان الطالب أو المحال حاضراً، فإنه يرجع إليه في بيان قصده من هذا اللفظ،
(1/65)

فإن كان قصد براءة القبض والاستيفاء منه، كان للكفيل أن يرجع على المكفول عنه لو كانت الكفالة بالأمر، وكان للمحال عليه أن يرجع على المحيل لو لم يكن للمحيل دين عليه، وإن كان قصد من ذلك براءة الإسقاط فلا رجوع لواحد منهما.
أما إن كان الطالب أو المحال غير حاضر، ففي قوله: "برئتَ إليَّ " لا نزاع في أنه يحمل على براءة الاستيفاء، وكذلك في قوله: "برئتَ " عند أبي يوسف، فإنه جعله كالأول، وهو المرجح.
3 - أما الوكالات: فلو وكل إنسان غيره بشراء فرس معين، أو نحوه، فاشترى الوكيل فرساً، ففيه تفصيل، إن كان نوى شراءه للموكل، أو أضاف العقد إلى دراهم الموكل، فيقع الشراء للموكل، وإن نوى الشراء لنفسه، أو أضاف العقد إلى دراهم
نفسه، فيقع الشراء لنفسه، وكذا لو أضاف العقد إلى دراهم مطلقة، فإذا نوى بها دراهم الموكل يقع الشراء للموكل، وإن نوى بها دراهم نفسه يقع لنفسه، وإن تكاذبا في النيَّة يحكَّم النقد، فيحكم بالفرس لمن وقع نقد الثمن من ماله، لأن في النقد من أحد المالين دلالة ظاهرة على أنه أراد الشراء لصاحبه.
4 - أما الإحرازات: وهي استملاك الأشياء المباحة، فإن النية والقصد شرط في إفادتها الملك، فلو وضع إنسان وعاءً في مكان، فاجتمع فيه ماء المطر، ينظر: فإن كان وضعه خصيصاً لجمع الماء يكون ما اجتمع فيه ملكه، كان وضعه بغير هذا القصد، هما اجتمع فيه لا يكون ملكه، ولغيره حينئذ أن يتملكه بالأخذ، لأن الحكم وهو الملك لا يضاف إلى السبب الصالح إلا بالقصد.
وكذلك الصيد، فلو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه ينظر: فإن كان نشر الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما فإن الصيد ملكه، وليس لأحد أن يأخذه، وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها، أو حفر الحفرة لا لأجل الاصطياد، فإنه لا يملكه، ولغيره أن يستملكه بالأخذ (م/1303) .
(1/66)

5 - وأما الضمانات والأمانات فمسائلها كثيرة:
أ - منها اللقطة: فإن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها كانت أمانة، لا تضمن إلا بالتعدي، وإن التقطها بنية أخذها لنفسه كان تلفها عليه، والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا.
وكذا لو التقطها ثم ردها إلى مكانها، فإن كان التقطها للتعريف لم يضمن بردها لمكانها، سواء ردها قبل أن يذهب بها أو بعده، وسواء خاف بإعادتها هلاكها أو لا.
وإن كان التقطها لنفسه لا يبرأ بإعادتها لمكانها ما لم يردها لمالكها.
ب - ومنها الوديعة، فإن المودع إذا استعملها ثم تركها بنية العود إلى استعمالها لا يبرأ عن ضمانها، لأن تعديه باق، وإن كان تركها بنية عدم العود إلى استعمالها يبرأ، ولكن لا يصدق في ذلك إلا ببينة، لأنه أقر بموجب الضمان، ثم ادعى البراء.
وهذا إذا كان تعديه عليها بغير الحجر أو المنع عن المالك، فإن كان بأحد هذين، فإنه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك، وإن أزال تعديه بالاعتراف بها.
وكذلك كل أمين من قبل المالك إذا تعدى ثم أزال التعدي بنيته (ألا يعود إليه) فإنه يبرأ عن الضمان، فلو لم يكن مسلطاً من قبل المالك أصلاً، أو كان مسلطاً في مدة معينة وانتهت ثم تعدى ثم أزال تعديه وعاد إلى الحفظ لا يبرأ، كما لو كان مأموراً بحفظ شهر، فمضى شهر، ثم استعمل الوديعة ثم ترك الاستعمال، وعاد إلى الحفظ لا يبرأ.
جـ - الوكيل بالبيع لو خالف بأن استعمله، أو دفع الثوب إلى قصار ليقصره حتى صار ضامناً، فلو عاد إلى الوفاق يبرأ كمودع، والوكالة باقية في بيعه.
(1/67)

واستثنوا من الأمناء: المستعير لأجل الانتفاع، والمستأجر، والأجير، فإن كلاً منهما لو عاد إلى الوفاق لا يبرأ، فإذا تعدوا على العين المستعارة أو المستأجرة، ثم تركوا التعدي بنية عدم العود إليه لا يبرؤون عن الضمان إلا بالرد على المالك، ومثل ذلك كل أمين كانت يده يد استحفاظ من المالك، كوارث المودع، ومن ألقت الريح ثوباً في داره.
6 - وأما العقوبات، فكالقصاص، فإنه يتوقف على قصد القاتل، وتقام الآلة المفرقة للأجزاء مقام قصد القتل، لأن هذا القصد لا يمكن الوقوف عليه، ودليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه، ويتوقف على أن يقصد قتل نفس المقتول لا غير، فلو لم يقصد القتل أصلاً، أو قصد القتل، ولكن أراد غير المقتول، فأصاب المقتول، فإنه لا يقتص منه في شيء من ذلك، بل تجب الدية، ويكون القتل خطأ.
سواء كان ما قصده مباحاً، كما لو أراد قتل صيد، أو إنسان مباح الدم، فأصاب آخر محترم الدم، أو كان ما قصده محظوراً، كما لو أراد قتل شخص محترم الدم فأصاب آخر مثله.
7 - من قال: خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرع بها كان هبة، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة.
8 - من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، ينظر إلى نيته، فإن نوى الظهار فمظاهر، وإن نوى الكرامة، كانت كرامة، وإن نوى الطلاق كان طلاقاً؛ لأن اللفظ يحتمل كل ذلك.
9 - العبادات، والنية أساس فيها للتقرب، ولتمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات، كالوضوء أو الغسل يتردد بين التنظيف والتبرد والعبادة، والإمساك
(1/68)

عن المفطرات قد يكون للحمية والتداوي، أو لعدم الحاجة إليها، أو لفقدان الطعام، والجلوس في المسجد قد يكون للاستراحة، فشرعت النية لتمييز العبادة والقربة من غيرها، ولذلك قال العلماء:
" لا ثواب ولا عقاب إلا بنية".
والوضوء، والغسل، والصوم، ونحوها قد يكون فرضاً ونذراً ونفلاً، والتيمم قد يكون عند الحدث، أو الجنابة، والصورة واحدة، فشرعت النية لتمييز رتب العبادات بعضها من بعض.
10 - قال لزوجته: أنت عليَّ حرام وبنوي الطلاق والظِّهار، فالأصح أنه يخير بينهما هما اختاره ثبت.
11 - أحيا أرضاً بنية جعلها مسجداً فإنها تصير مسجداً بمجرد النية.
12 - حلف ألا يسلم على زيد، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناه بالنية، فإنه لا يحنث.
13 - المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها إذا كان نيته حضورها لولا العذر يحصل له ثوابها، والأحاديث الصحيحة تدل لذلك.
14 - إن الرجل إذا اشترى أو استأجر، أو اقترض، ونوى أن ذلك لموكله، أو لموليه، كان له، وإن لم يتكلم به في العقد، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد، وكذا لو تملك المباحات من الصيد والحشيش وغير ذلك، ونوى أنه لموكله وقع الملك له عند أكثر الفقهاء، فإذا كان القول والفعل الواحد، يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية، ثبت أن للنية تأثيراً في التصرفات..
(ابن تيمية، الحصين 359/1) .
(1/69)

15 - لو قضى عن غيره ديناً، أو أنفق عليه نفقة واجبة، ونحو ذلك، ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل، وإن لم ينو فله الرجوع إن كان قد عمل بإذنه وفاقاً، وبغير إذنه على خلاف فيه، فصورة الفعل واحدة، وإنَّما اختلفا، هل هو من باب المعاوضات، أو من باب التبرعات بالنية؛..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 359) .
16 - إن الله سبحانه حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالاً ربوياً بمثله على وجه
البيع، إلا أن يتقابضا، وجوّز الدفع على وجه القرض، وقد اشتركا في أن هذا يقبض دراهم، ثم يعطي مثلها بعد العقد، وإنَّما فُرق بينهما للمقاصد، فإن مقصود المقرض إرفاق المقترض ونفعه، وليس مقصوده المعاوضة والربح (..
(ابن تيمية، الحصين 359/1) .
17 - لو باعه درهماً بدرهمين كان رباً محرماً، ولو باعه درهماً بدرهم، ووهبه درهماً هبة مطلقة، لا تعلق لها بالبيع ظاهراً ولا باطناً، كان ذلك جائزاً، فالذي يميز بين هذا التصرف وهذا، هو القصد والنية، فلولا مقاصد العباد ونياتهم لما اختلفت هذه الأحكام..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 360) .
18 - عقود المكرَه وأقواله مثل بيعه، وقرضه، ورهنه، ونكاحه، وطلاقه.
ورجعته، ويمينه، ونذره، وشهادته، وحكمه، وإقراره، وردته، وغير ذلك من أقواله، فإن هذه الأقوال كلها منه ملغاة مهدرة بالإجماع، فالمكرَه أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت حكم اللفظ؛ لأنه لم يقصده، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه.
فصار عدم الحكم لحدم قصده وإرادته بذلك اللفظ، وكونه إنما قصد به شيئاً آخر غير حكمه، فعلم أن نفس اللفظ ليس مقتضياً للحكم إلا بالنية والقصد، فالأسماء تتبع المقاصد، فإذا اختلفت المقاصد اختلفت أحكام الأسماء..
(ابن تيمية، الحصين 1 /361) .
19 - إن المقاصد معتبرة في التصرفات من العقود وغيرها، وهذا إبطال للحيل التي يراد بها التوصل إلى المحرمات؛ لأن المحتال لا يقصد بالتصرف مقصوده الذي جعل لأجله، بل يقصد به استحلال محرم، أو إسقاط واجب، أو نحو ذلك..
(ابن تيمية، الحصين 366/1) .
(1/70)

20 - إن الهدية إذا كانت مقبوضة بسبب من الأسباب كانت مقبوضة بحكم ذلك السبب، فإذا أهدى العامل في المضاربة إلى المالك شيئاً، فالمالك مخير بين الرد، وبين القبول والمكافأة عليها بالمثل، وبين أن يحسبها له من نصيبه؛ لأنه إنما أهداه لأجل المعاملة التي بينهما، وليس مقصوده التبرع، وإذا وهب واهب لأحد شيئاً يقصد
بذلك العوض ولم يحصل له فله الرجوع على من وهبه، وإذا أهدى المقترض إلى المقرض شيئاً قبل الوفاء، لم يحل له قبولها، إلا أن يحتسبها من الدين؛ لأنه إنما أهدى إليه لأجل ما بينهما من المعاملة، ولكي يُؤخر الاقتضاء..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 366) .
21 - إذا كان الابن في حضانة أمه، فأنفقت عليه تنوي بذلك الرجوع على الأب، فلها أن ترجع على الأب في أظهر قولي العلماء..
(ابن تيمية، الحصين 368/1) .
22 - لا يجوز البيع لمن يستعين به على المنكر، كالبيع في أعياد النصارى أو
غيرهم، للمسلمين الذين يعلم أنهم يستعينون بهذا الشراء على مشابهة الكفار في العيد، وكذلك لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً، ولا ثوباً، ولا يعارون دانة، ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم..
(ابن تيمية، الحصين 368/1) .
23 - إذا علم المشتري أن العين المبيعة مغصوبة، وأراد أن يشتريها، فإن قصد بشرائها تملكها لم يجز له ذلك، وإن قصد استنقاذها لتصرف في مصارفها الشرعية، فتعاد إلى صاحبها إن أمكن، وإلا صرفت في مصارف المسلمين، جاز له الشراء..
(ابن تيمية، الحصين 368/1) .
24 - إذا أعطى الرجل زوجته مالاً زائداً عن النفقة، فإن كان على وجه التمليك لها فقد ملكته، وليس له إن طلقها هو ابتداء أن يطالبها بذلك، وإن كان قد أعطاها لتتجمل به، لا على وجه التمليك للعين، فهو باق على ملكه، فله أن يرجع فيه متى شاء، سواء طلقها أولم يطلقها..
(ابن تيمية، الحصين 368/1) .
25 - إذا عمل أحد الشركاء أكثر من غيره، فإن عمل ذلك تبرعاً فهم سواء في
(1/71)

الأجر والربح، وإن لم ينو التبرع بذلك فله حق المطالبة، إما بما زاد في العمل، وإما بإعطائه زيادة في الأجر أو الربح بقدر عمله..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 369) .
26 - النبات الذي ينبت بغير فعل الآدمي، كالكلأ ينبته الله في ملك الإنسان ونحوه.
لا يجوز بيعه في أحد قولي العلماء، لكن إن قصد صاحب الأرض تركها بغير زرع، لينبت فيها الكلأ، فبيع هذا أسهل؛ لأنه بمنزلة استنباته (..
(ابن تيمية، الحصين 369/1) .
المستثنى
1 - إن هذه القاعدة لا تجري بين أمرين مباحين، لا تختلف بالقصد صفتهما، كما لو وقع الخلاف في كون المبيع صدر هزلاً، أو مواضعة مثلاً، لأن اختلاف القصد بين الهزل والمواضعة لا يترتب عليه ثمرة؛ إذ كل منهما لا يفيد تمليكاً ولا تملكاً.
بل تجري القاعدة بين أمرين مباحين تختلف صفتهما بالقصد، كما لو دار الأمر بين البيع المراد حكمه، وبين بيع المواضعة ونحوه، وتجري بين مباح ومحظور، كاللقطة بنية حفظها لمالكها مباح، وبنية أخذها لنفسه محظور، ولبس ثوب الوديعة ثم نزعه، فإن العود إلى لبسه محظور، وعدم العود إلى لبسه مطلوب.
2 - لا تشترط النية في عبادة لا تكون عادة، أو لا تلتبس بغيرها، كالإيمان باللَّه تعالى، والخوف، والرجاء، والنية، وقراءة القرآن، والأذكار، لأنها متميزة بصورتها.
(اللحجي، ص 14، السدلان، ص 54، 90) .
3 - لا تشترط النية في التروك، كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة، وغيرها، فإن الترك لا يحتاج إلى نية لحصول المقصود منها، وهو اجتناب المنهي عنه بكونه لم يوجد، وإن لم يكن نية.
(1/72)

لكن الترك يحتاج إلى نية في حصول الثواب المترتب على الترك..
(اللحجي.
ص 14) ، لأنه لا ثواب ولا عقاب إلا بنية.
(السدلان، ص 69) القرافي 118/1) .
4 - الخطأ في النية لا يَضر أحياناً، وضابطه: ما يجب التعرض له في النية جملة، ولا يشترط تعيينه، فإن عينه فلا يضر، كما لو نوى رفع حدث النوم مثلاً، وكان حدثه غيره كمس المرأة، أو نوى رفع جنابة الجماع، وجنابته باحتلام وعكسه، أو رفع حدث الحيض وحدثها الجنابة أو عكسه، خطأ، لم يضر، وصح الوضوء والغسل في الأصح.
(اللحجي، ص 15، السدلان، ص 62) .
وسبب الاستثناء والخروج على القاعدة أن النية في الوضوء والغسل ليست
للقربة، بل للتمييز بين العبادة والعادة، ولأن الأحداث وإن تعددت أسبابها.
فالمقصود منها واحد، وهو المنع من الصلاة، ولا أثر لأسبابها من نوم أو غيره..
(اللحجي، ص 15) .
5 - نوى المحدث غسل أعضائه الأربعة عن الجنابة غلطاً ظاناً أنه جنب صح
وضوءُه.
(اللحجي، ص 15) .
6 - ذبح أضحية لله تعالى، وللصنم، فتحرم الذبيحة بانضمام النية للصنم، لأنه تشريك في نية عبادة مع ما ليس بعبادة فيبطلها، ولا يضر التشريك في النية في صور كثيرة كما لو نوى الوضوء أو الغسل والتبرد صح الوضوء والغسل، أو نوى الصوم والحمية أو التداوي صح صومه، أو نوى الصلاة ودفع غريمه صحت صلاته، أو نوى الطواف وملازمة غريمه أو السعي خلفه صح طوافه، أو قرأ في الصلاة آية وقصد بها القراءة والتفهيم فإنها لا تبطل، ولو قال له إنسان: صَل الظهر ولك دينار، فصلى بهذه النية تجزئه صلاته، ولا يستحق الدينار.
(اللحجي، ص 16) .
7 - كبَّر المسبوق، والإمام راكع، تكبيرة واحدة، ونوى بها التحرم والهوي إلى الركوع لم تنعقد الصلاة أصلاً للتشريك، وكذا إذا نوى بصلاته الفرض والراتبة لم تنعقد أصلاً.
(اللحجي، ص 17) .
8 - لا تكفي النية أحياناً، ويشترط معها التلفظ باللسان بالمنوي، فلو نوى أصل
(1/73)

الطلاق، أو عدداً منه، ولم يتلفظ بذلك فلا وقوع، ولو نوى النذر بقلبه ولم يتلفظ به لم ينعقد، ومن اشترى شاة بنية الأضحية، أو الإهداء للحرم، فلا تصير أضحية ولا هدياً على الصحيح حتى يتلفظ بذلك، وإذا باع سلعة بألف، وفي البلد نقود لا غالب فيها، فقبل المشتري، ونويا نوعاً لم يصح في الأصح حتى يبيناه لفظاً.
ولو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إن شاء الله، لم يقبل حتى يتلفظ بذلك، ومن همَّ بقول معصية ولم يتلفظ به لم يأثم ما لم يقل، فإن قال بعد الهم أثم بها أيضاً.
(اللحجي، ص 19) .
9 - لا تؤثر نية قطع العبادات أحياناً، لمن نوى قطع الفاتحة، ولم يسكت لا تبطل صلاته، ومن نوى الإقامة وقطع السفر، فإن كان سائراً لم يؤثر؛ لأن السير يكذبها.
ولو نوى بمال القُنْية التجارة لم يؤثر في الأصح، ولا تجب زكاة التجارة إلا إذا شرع بها في هذه الحالة، ومن نوى قطع الصوم والاعتكاف لم يبطلا في الأصح، ومن نوى الأكل والجماع في الصوم لم يضره، ومن نوى فِعْل منافِ في الصلاة كالأكل والعمل الكثير لم تبطل قبل الشروع فيه، ومن نوى قطع الحج والعمرة لم يبطلا بلا خلاف، لأنه لا يخرج منهما بالفساد.
ومن نوى الخيانة في الوديعة لم يضمن على الصحيح.
إلا أن يتصل به نقل من الحرز.
(اللحجي، ص 23) .
10 - تصح النية مع التردد والتعليق في صور، كمن اشتبه عليه ماء وماء ورد لا يجتهد ويتوضأ بكل مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة كمن عليه صلاة من الخمس فنسيها، فصلى الخمس ثم تذكرها، لا تجب الإعادة، ومن عليه صوم واجب لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً أجزأه، ويُعْذَرُ في عدم جزم النية للضرورة.
ومن صور التعليق: ما إذا علق إحرامه على إحرام صاحبه، كأن يقول: إن كان زيد محرماً فقد أحرمتُ، فإن تبين إحرام صاحبه انعقد إحرامه، وإلا فلا، ولو أحرم ليلة الثلاثين من رمضان وهو شاك، فقال: إن كان من رمضان فإحرامي بعمرة، وإن كان من شوال فإحرامي بحج، فكان من شوال صح، ومن شك في قصر إمامه، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، فبان قاصراً قصر، وإن اختلط موتى مسلمون بكفار، أو شهداء، وصلى على كل واحد منهم بنية الصلاة عليه إن كان مسلماً أو
(1/74)

غير شهيد صح، ومن عليه فائتة وشك في أدائها، فقال: أصلي عنها إن كانت، وإلا فنافلة، فتبين أنها عليه، أجزأه، ومن نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً لم يتلف، وإلا فعن الحاضر، فبان باقياً أجزأه عنه، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر، ومن أحرم بصلاة الجمعة في آخر وقتها، فقال: إن كان باقياً فجمعة، وإلا فظهر، فبان بقاؤه، صحت الجمعة.
(اللحجي، ص 24) .
11 - ذهب جمهور الفقهاء إلى لزوم نكاح الهازل وطلاقه ورجعته وعتقه مع أنه لا يقصد ذلك، وأجاز بعض الفقهاء تصرفاته المالية، لأنه أتى بالقول وإن لم ينو الالتزام بحكمه، لأن ترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد (الروقي، ص 264) ..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 361) .
12 - يدخل في الاستثناءات ما تشمله القاعدة التي وضعها.
(ابن رجب رحمه الله تعالى عند الحنابلة بقوله: "النية تعمُّ الخاص، وتخصِّص العام بغير خلاف فيهما، وهل تقيد المطلق، أو تكون استثناء من النص؟
على وجهين فيهما، فهذه أربعة أقسام "
وعرض صوراً كثيرة لكل قسم.
فرع 1: ضوابط ما يحتاج إلى نية من الأعمال وما لا يحتاج عند
المالكية:
1 - كل ما تمحض للتعبد، أو غلبت عليه شائبته، فإنه يفتقر إلى النية، كالصلاة والتيمم، وما تمحض للمعقولية، أو غلبت عليه شائبته، فلا يفتقر، كقضاء الدين،
(1/75)

فإن استوت الشائبتان فقيل كالأول يلحق بحكم العبادة، وقيل كالثاني يلحق بحكم الأصل، وإعمال الشائبتين أرجح من إلغاء إحداهما، كالدليلين.
(الغرياني، ص 447، المقري 1/ 265) .
2 - كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية، كغسل النجاسة.
(الغرياني، ص 447) .
3 - القربات التي لا لبس فيها، كالذكر والنية، لا تفتقر إلى نية.
(الغرياني.
ص 447، المقري 1/ 1266.
4 - النيَّة في العبادات للتمييز والتقرب، وفي غيرها للتمييز.
(الغرياني، ص 447) .
5 - ما يطلب الكف عنه فتركه يُخرج من عهدته، وإن لم يقصد المكلف ولم يشعر به.
(الغرياني، ص 447) .
6 - الفعل إن اشتمل على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله صحت فيه النيابة، ولم تشترط فيه النية، وإن لم يشتمل إلا مع النظر إلى فاعله لم تصح، واشترطت.
(الغرياني، ص 447) .
7 - كل ما تصح فيه النيابة لا تشترط فيه النية.
(الغرياني، ص 448) .
8 - كل ما تشترط فيه النية لا تصح فيه الاستنابة.
(الغرياني، ص 448) .
التطبيقات
1 - قضاء الديون، وردّ الودائع، والغصوب، وإزالة النجاسة، ونفقات
الزوجات، والأقارب، وعلف الدواب، كل ذلك لا تشترط فيه النية، فلو فعله إنسان دون أن يشعر به، غافلاً عن التقرب، لأجزأه، ولا يفتقر إلى إعادته، ويجوز أن ينيب غيره ليفعله عنه، لأن صورته كافية في تحصيل مصلحته، واستحضار النية فيه يعظم الأجر.
(الغرياني، ص 449) .
2 - الصلاة والوضوء والغسل والصيام، وكل ما كان عبادة محضة، لا يقبل
(1/76)

النيابة، والنية شرط في صحته، لأن صورته وحدها غير كافية في تحصيل مصلحته، بل حتى ينضم إليها الخضوع لله تعالى والذلّة والاستكانة.
(الغرياني، ص 449) .
3 - ما كان فيه شبه بكل من القسمين السابقين، كالزكاة والكفارات والطهارة، تجوز فيه النيابة، واختلف في اشتراط النية في صحته، والصحيح اشتراطها؛ لأن جانب التعبد فيه أظهر.
(الغرياني، ص 449) .
4 - ترك المنكرات كترك الغيبة والنميمة والكف عن أذى الناس، وترك المعاصى بأنواعها، لا تحتاج من المكلف إلى نية، فلو تركها دون أن يشعر لكان ممتثلاً خارجاً من عهدتها، ولكن إذا نوى بتركها التقرب إلى الله تعالى كان مأجوراً.
(الغرياني، ص 450) .
المستثنى
1 - الحج عبادة تفتقر إلى النية، وجازت فيه النيابة للعاجز على خلاف القاعدة، رخصة ورفقاً بالعباد، لورود حديث الخثعمية بالحج عن أبيها.
(الغرياني، ص 450) .
2 - تشرع النية في غير المأمور به على خلاف العادة، كالمباحات، إذا قصد به التقوي على أمر مطلوب، كمن يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل، وبالأكل التقوي للطاعة، وتشرع له النية، ويثاب عليه.
(الغرياني، ص 451) .
فرع:2 ضوابط ما يحتاج إلى نية عند الحنابلة
تدخل النية في العبادات جميعها، ومنها: الوضوء والتيمم والغسل، والصلاة: فرضها ونفلها، عينها وكفايتها، والزكاة، والصيام، والاعتكاف، والحج؛ فرضه ونفله، والأضحية والهدي والنذور، والكفارات والجهاد والعتق والتدبير والكتابة.
بمعنى أن حصول الثواب في هذه المسائل الأربعة الأخيرة يتوقف على قصد التقرب
(1/77)

إلى الله تعالى، وشري هذا إلى سائر المباحات، إذا قصد بها التقوّي على طاعة الله سبحانه وتعالى، أو التوصل إليها، كالأكل والنوم، واكتساب المال، والنكاح، والوطء فيه، وفي الأمة إذا قُصد به الإعفاف، أو تحصيل الولد الصالح، أو تكثير الأمة، أما التروك فلا تحتاج إلى نية
(1/78)

فوائد
الفائدة الأولى: التشريك في النية أقسام
القسم الأول: أن ينوي مع العبادة ما ليس بعبادة، فقد يبطلها، كما إذا ذبح الأضحية لله وللصنم، فانضمام الصنم يوجب حرمة الذبيحة، وقد لا يبطلها.
وفيها صور:
1 - لو نوى الوضوء أو الغسل مع التبرد، صح الوضوء والغسل.
2 - لو نوى الصوم والحمية أو التداوي، صح صومه.
3 - لو نوى الصلاة ودفع غريمه صحت صلاته.
4 - لو نوى الطواف وملازمة غريمه، أو السعي خلفه، صح طوافه إذا أفرده بنية، ولا ينسحب حكم النية في أصل النسك عليه، لوجود الصارف، وهو قصد ملازمة الغريم.
5 - إذا قرأ في الصلاة آية، وقصد بها القراءة والتفهيم، فإنها لا تبطل.
6 - من قال له إنسان: صَل الظهر، ولك دينار، فصلى بهذه النية، فإنه تجزئه صلاته، ولا يستحق الدينار، ولم يَحْكِ النووي فيها خلافاً.
وما صححوه من الصحة في هذه الصور هو بالنسبة إلى الإجزاء، وأما الثواب
فصرح ابن الصباغ بعدم حصوله في مسألة التبرد، ومسألة الصلاة والطواف أولى بذلك.
القسم الثاني: أن ينوي مع العبادة المفروضة عبادة أخرى مندوبة، وفيه صور:
(1/79)

1 - ما لا يقتضي البطلان، ويحصلان معاً، كمن أحرم بصلاة ونوى بها الفرض والتحية، صحت، وحصلا معاً، قال النووي في (شرح المهذب) : "اتفق عليه أصحابنا، ولم أر فيه خلافاً بعد البحث الشديد سنين ".
قال الشمس الرملي: "السنن التي تندرج (تدخل) مع غيرها: تحية السجد.
وركعتا الوضوء والطواف، والإحرام، وسنة الغفلة، والاستخارة، وصلاة الحاجة، وركعتا القدوم من السفر، وركعتا الخروج له ".
ومنه: نوى بغسله الجنابة والجمعة حصلا جميعاً على الصحيح، ومن نوى بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين، حصلا، ومن نوى حج الفرض وقرنه بعمرة تطوع أو عكسه حصلا، ومن نوى بصلاته الفرض وتعليم الناس جاز للحديث.
2 - ما يحصل الفرض فقط، كمن نوى بحجه الفرض والتطوع، وقع فرضاً، لأنه لو نوى التطوع انصرف إلى الفرض، عند الشافعية.
3 - ما يحصل النفل فقط، كمن أخرج خمسة دراهم، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، لم تقع زكاة، ووقعت صدقة تطوع بلا خلاف، ومن عجز عن القراءة فأنتقل إلى الذكر، فأتى بالتعوذ ودعاء الاستفتاح قاصداً به السنة والبدلية، لم يحسب عنه الفرض، كما جزم به الرافعي، ومن خطب بقصد الجمعة والكسوف لم يصح للجمعة، لأنه تشريك بين فرض ونفل، - جم به الرافعي.
4 - ما يقتضي البطلان في الكل، كمن كبر، وهو مسبوق والإمام راكع، تكبيرة واحدة، ونوى بها التحرم والهوي إلى الركوع، لم تنعقد الصلاة أصلاً للتشريك، ومن نوى بصلاته الفرض والراتبة، لم تنعقد أصلاً.
القسم الثالث: أن ينوي مع المفروضة فرضاً آخر، قال ابن السبكي:
"لا يجزئ ذلك إلا في الحج والعمرة" وقال السيوطي: "بل لهما نظير آخر، وهو أن ينوي الغسل والوضوء معاً، فإنهما يحصلان على الأصح ".
القسم الرابع: أن ينوي مع النفل نفلاً آخر، فيحصلان من ذلك، كما لو نوي
(1/80)

الغسل للجمعة والعيد، فإنهما يحصلان، ومنه ما لو نوى صوم يوم عرفة والاثنين مثلاً، فيصح، لأنهما سنتان.
القسم الخامس: أن ينوي مع غير العبادة شيئاً آخر غيرها، وهما مختلفان في
الحكم، ومن فروعه: أن يقول لزوجته: أنت عليَّ حرام، وينوي الطلاق والظهار، فالأصح أنه يخير بينهما، هما اختاره ثبت، وقيل: يثبت الطلاق لقوته، وقيل: الظهار، لأن الأصل بقاء النكاح.
الفائدة الثانية، محل النية
محل النية القلب في كل موضع، وفي ذلك أصلان:
الأول: لا يكفي التلفظ باللسان دون القلب، ويتفرع عليه أنه لو اختلف اللسان والقلب، فالعبرة بما في القلب، فلو نوى بقلبه الظهر، وبلسانه العصر، أو بقلبه الحج، وبلسانه العمرة، أو عكسه، صح له ما في القلب، ومنها أنه إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد، فلا تنعقد، ولا تتعلق به كفارة.
الثاني: لا يشترط مع القلب التلفظ، ومن فروعه: مسائل العبادات كلها، ومنها إذا أحيا أرضاً بنية جَعْلها مسجداً، فإنها تصير مسجداً بمجرد النية، ومنها: لو حلف لا يسلم على زيد، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناه بالنية، فإنه لا يحنث.
وخرج على هذا الأصل صور، يشترط فيها التلفظ بالمنوي، منها: الطلاق، فلو نوى أصل الطلاق، أو عدداً منه، ولم يتلفظ بذلك فلا وقوع، ومنها: النذر، فلو نواه بقلبه ولم يتلفظ به لم ينعقد، ومنها: أن يشتري شاة بنية الأضحية أو الإهداء للحرم، فلا تصير أضحية ولا هدياً على الصحيح حتى يتلفظ بذلك، ومنها: إذا باع سلعة بألف، وفي البلد نقود لا غالب فيها، فقبل ونويا نوعاً لم يصح في الأصح حتى
(1/81)

يبيناه لفظاً، ومنها: لو قال: أنت طالق، ثم قال: "أردت إن شاء الله " لم يقبل حتى يتلفظ بذلك، قال الرافعي: والمشهور أنه لا يُديَّن، ومنها: من همَّ بقول معصية، ولم يتلفظ به، لم يأثم ما لم يقل، فإن قال بعد الهمِّ أثم بها أيضاً.
الفائدة الثالثة: زمن النية
أي وقتها، فهو أول العبادات ونحوها، ففي الوضوء عند غسل الوجه، وفي
الصلاة بالهمزة من التحرم، ويستمر إلى تمام التحرم، والمختار أنه تكفي المقارنة العرفية بأن يُوجد النية كلها، أو بعضها في أول التكبير، أو آخره، بحيث يعد مستحضراً للصلاة، قال السبكي: ومن لم يقل به وقع في الوسواس المذموم.
وخرج عن ذلك صور لا تجب فيها مقارنة النية لأول العبادة، أي فتصح النية قبل الشروع في العبادة.
1 - الصوم: يجوز تقديم نيته على الفجر لعسر مراقبته، ثم سرى ذلك إلى أن وجب، فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح.
قال الزركشي: "ليس لنا ما يمتنع مقارنته، ويجب تقديمه إلا الصوم، والصحيح أنه عَزْم قام مقام النية ".
2 - الزكاة: تصح نيتها قبل الشروع في الدفع للفقراء في الأصح للعسر قياساً على الصوم، وكذلك الكفارة، والفرق بينهما وبين الصلاة حيث لا تجزئ إلا في أولها.
أنه يجوز تقديمها عن وقت وجوبها، فجاز تقديم نيتهما بخلاف الصلاة.
3 - جمع الصلاتين في السفر؛ حيث تكون نية الجمع في أولاهما، ولو كانت في
(1/82)

أول العبادة لكانت في أول الصلاة الثانية، لأنها المجموعة، وإن جعلت الأولى أول العبادة فهو مما جاز فيه التأخير عن أولها، لأن الأظهر جواز نية الجمع في أثنائها، ومع التحلل منها.
4 - الأضحية: يجوز نية التضحية بالشاة مثلاً قبل الشروع في ذبحها، ولا يجب اقترانها به في الأصح، وتجوز عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.
وفي زمن "طية تنبيهان
التنبيه الأول: ما أوله من العبادات ذِكْرٌ وجب اقترانها بكل اللفظ، وقيل: يكفي بأوله:
1 - فمن ذلك الصلاة، ومعنى اقترانها بكل التكبير أن يوجد جميع النية المعتبرة عند كل حرف منه، ومعنى الاكتفاء باوله أنه لا يجب استصحابها إلى آخره.
ونظير ذلك نية كناية الطلاق فإنه يشترط مقارنة النية لجميع اللفظ على خلاف فيه.
2 - من ذلك الإحرام: فينبغي أن يقال بمقارنة النية للتلبية، وهو ظاهر.
3 - ومن ذلك الخُطْبة إن أوجبنا نيتها، والظاهر وجوب اقترانها بقوله: "الحمد لله " لأنه أول الأركان "
التنبيه الثاني: قد يكون للعبادة أول حقيقي وأول نسبي، فيجب اقتران النية بهما.
1 - من ذلك التيمم، فيجب اقتران نيته بالنقل، لأنه أول المفعول من أركانه، وبمسح الوجه، لأنه أول الأركان المقصودة، والنقل وسيلة إليه.
2 - ومن ذلك: الوضوء والغسل، فيجب للصحة اقتران نيتهما بأول مغسول من
(1/83)

الوجه والبدن، ويجب للثواب اقترانها بأول السنن السابقة ليثاب عليها، فلو لم يفعل لم يثب عليها في الأصح، لأنه لم ينوها.
3 - وفي نظيره من نفل الصوم، لو نوى في أثناء النهار حصل له ثواب الصوم من أوله.
وقرر المقري المالكي قاعدتين عند المالكية في ذلك، وهما:
الأولى: شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر ما لا يقطع ذلك من
تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير؛ لأن فائدتها تخصيصه بالجهة المرادة.
الثانية: الأصل مقارنة النية للفعل إلا أن يتعذر أو يتعسر، كما في الصوم فتتقدم، ولا تتأخر.
وأضاف المقري قاعدتين أيضاً تتعلقان بالنية:
الأولى: الأصل استصحاب ذكر النية، نتكون مصاحبة للفعل كالصلاة من أولها إلى آخرها، والوضوء من أوله إلى آخره.
الثانية: تعين الوقت لا يفني عن تعين وصف النية، فلا بدَّ في رمضان من نية
الفرض عند مالك والشافعي.
(1/84)

الفائدة الرابعة، كيفية النية
تختلف النية باختلاف الأبواب:
1 - نية الوضوء: فإنها "قصد رفع الحرمة الناشئة من الحدث، وفي اشتراط مقصد الفعل (وهو الفعل الخصوص ويعني: قصد غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين) خلاف بين الأصحاب، رجح الشيخ ابن حجر في (حاشيته على فتح الجواد) الاشتراط، وهو مشكل، وفي بعض كتب الأئمة من أصحابنا عدم اشتراط قصد الفعل في الطهارة، فالمنقول خلاف ما بحثه.
2 - نية الصلاة، فإنها: "قصد أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة ".
3 - نية الحج، فإنها: "قصد الدخول في شيء معنوي يقتضي قصد الدخول فيه تحريم أشياء كانت حلالاً قبل "، وهناك تعريفات أخرى مدخولة.
4 - نية الصيام، فإنها "قصد إمساك مخصوص ".
5 - نية الزكاة، فمانها "قصد إخراج شيء مخصوص عن مال مخصوص على وجه مخصوص ".
6 - الظاهر من مذهب مالك أن الموَسْوس في الوضوء أو الصلاة يلغي الشك، ويرجع إلى الأصل.
الفائدة الخامسة، شروط النية، أربعة:
الشرط الأول - الإسلام، ومن ثم لا تصح العبادات من الكافر، أصلياً كان أو مرتداً على الراجح، حتى في غسله على الراجح أيضاً، وخرج عن ذلك صور:
(1/85)

1 - الذمية تحت المسلم: يصح غسلها من الحيض ليحل لحليلها وطؤها بلا
خلاف للضرورة، ويشترط نيتها، فإن امتنعت أجبرها عليه واستباحها، وإن لم تنو للضرورة، كما تجبر المسلمة المجنونة.
2 - الكفارة: تصح من الكافر، ويشترط منه نيتها، لأن المغلب فيها جانب
الغرامات، والنية فيها للتمييز، لا للقربة.
3 - الزكاة: إذا أخرجها المرتد حال ردته، فتصح وتجزئه.
4 - إذا نوى سفر القصر، وهو كافر، اعتبرت نيته، فإذا أسلم في أثناء المسافة قصر على الأرجح.
5 - إذا أسلم الكافر مع طلوع الفجر، ووافق آخر إسلامه الطلوع، فهو مسلم حقيقة، ويصح منه صوم النفل، وأما الفرض فلا يصح منه والحالة هذه، لأن التبييت شرط.
الشرط الثاني - التمييز: فلا تصح عبادة صبي لا يميز، ولا عبادة مجنون.
الشرط الثالث - العلم بالمنوي مطابقاً للواقع، فلو اعتقد أن الوضوء أو الصلاة سنة لم يصح، ولو اعتقد أن فيهما فروضأ وسنناً، ولم يميز، صح حتى من العالم.
ولو أتى بالأفعال، ولم يعتقد شيئاً، وكان يخفى عليه مثل ذلك، فالقياس الصحة.
وإن كان قولهم: لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، يقتضي خلافه.
الشرط الرابع - عدم المنافي: بألا يأتي بما ينافيها دواماً وابتداء، أي في أثناء
العبادة وفي أولها، فلو ارتد في أثناء الصلاة، أو عند تحرمها لم تصح، وكذا لو ارتد في أثناء الصوم أم الحج أو التيمم بطل أيضاً، أو في أثناء الوضوء أو الغسل لم يبطلا، لأن أفعالهما غير مرتبطة ببعضها، ولكن لا يحسب المغسول في زمن الردة.
ويحتاج إلى استئناف النية، ولو ارتد بعد الفراغ فالأصح أنه لا يبطل الوضوء
والغسل، ويبطل التيمم لضعفه، ولو وقعت الردة بعد فراغ الصلاة أو الصوم أو الحج أو أداء الزكاة لم تجب عليه الإعادة، وأما الأجر فإن لم يعد إلى الإسلام فلا يحصل له؛ لأن الردة تحبط العمل، وإن عاد إلى الإسلام فظاهر النص أنها تحبط
(1/86)

أيضاً، والذي في كلام الرافعي وغيره أنها إنما تحبط العمل إذا اتصلت بالموت، لقوله تعالى: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) .
وهذا هو المعتمد.
ومن المنافي نية القطع، وفي ذلك فروع، وهي قسمان:
القسم الأول: يؤثر فيه نية القطع، وهي:
1 - نوى قطع الإيمان، والعياذ بالله تعالى من ذلك، صار مرتداً في الحال.
2 - نوى قطع الصلاة في أثنائها، بطلت بلا خلاف، لأنها شبيهة بالإيمان.
3 - نوى قطع الجماعة، بطلت، وفي الصلاة قولان، أصحهما لا تبطل.
4 - نوى قطع الفاتحة، فإن كان مع سكوت يسير بطلت القراءة في الأصح، وإلا فلا.
5 - نوى الإقامة وقطع السفر، فإن كان سائراً لم يؤثر، لأن السير يكذبها، وإن كان نازلاً انقطع.
6 - نوى الإتمام في أثناء الصلاة امتنع عليه القصر.
7 - نوى بمال التجارة القنية انقطع حول التجارة، ولو نوى بمال القنية التجارة لم يؤثر في الأصح حتى يبدأ بالتجارة فعلاً.
8 - نوى بالحلي المحرم استعمالاً مباحاً بطل الحول، ونوى بالحلي المباح محرماً أو كنراً ابتدأ حول الزكاة.
القسم الثاني: المنافي الذي لا يؤثر فيه نية القطع، وفيه صور:
1 - نوى قطع الطهارة في أثنائها لم يبطل ما مضى، لكن يجب تجديد النية لما بقي.
2 - نوى قطع الصوم والاعتكاف لم يبطلا في الأصح، والفرق بينهما وبين
الصلاة أن الصلاة أشد احتياطاً من غيرها، وهي مخصوصة من بين سائر العبادات بجوه من الربط ومناجاة العبد ربه.
(1/87)

قال الشارح: " وكان القياس أن التيمم يبطل بنية القطع، ولم أر فيه نقلاً".
3 - نوى الأكل والجماع في الصوم لم يضر.
4 - نوى فِعل منافٍ في الصلاة كالأكل والعمل الكثير، لم تبطل قبل الشروع فيه.
5 - نوى قطع الحج والعمرة، لم يبطلا بلا خوف، لأنه لا يخرج منها بالفساد.
6 - نوى الخيانة في الوديعة لم يضمن على الصحيح، إلا أن يتصل به نقل من
الحرز، كما في قطع القراءة مع السكوت.
ومن المنافي عدم القدرة على المنوي إما عقلاً وإما شرعاً، فمن الأول: نوى
بوضوئه أن يصلي صلاة، وألا يصليها، لم يصح لتناقضه.
ومن الثاني: نوى به الصلاة في مكان نجس لم يصح الوضوء لعدم قدرته شرعاً، وإن قال بعضهم: الظاهر الصحة.
ومن المنافي التردد وعدم الجزم، وفيه فروع:
1 - تردد هل يقطع الصلاة أم لا؟
أو علق إبطالها على شيء، بطلت، وكذا في الإيمان.
2 - تردد في أنه نوى القصر أو لا، وهل يتُم أو لا؟
لم يقصر.
3 - تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فاحتاط وتطهر، ثم بأن أنه محدث، لم يصح، وعليه الإعادة في الأصح.
4 - نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ عن رمضان إن كان منه، فكان منه، لم يقع عنه، بخلاف ما لو وقع ذلك ليلة الثلاثين من رمضان لاستصحاب الأصل.
5 - عليه فائتة فشك: هل قضاها أو لا؟
فقضاها ثم تيقنها، لم تجزئه.
6 - هَجَم، فتوضأ بأحد الإناءين، لم يصح وضوءُه، وإن بأن أنه توضأ بالطاهر.
7 - شك في جواز المسح على الخف، فمسح، ثم بأن جوازه، وجب إعادة المسح، وقضى ما صلى به.
(1/88)

8 - تيمم أو صلى أو صام شاكاً في دخول الوقت، فبان في الوقت، لم تصح.
9 - تيمم بلا طلب للماء، ثم بانَ أن لا ماء، لم يصح.
10 - صلى إلى جهة شاكاً أنها القبلة، فإذا هي هي، لم تصح.
11 - قصر شاكاً في جواز القصر، لم يصح، وإن بأن جوازه.
12 - صلى على ميت شاكاً أنه من أهل الصلاة عليه، فبان أنه من أهلها، لم تصح.
13 - صلى خلف خنثى، فبان رجلاً، لم يسقط القضاء في الأظهر.
14 - قال: هذه زكاة أو صدقة، لم تقع زكاة للتردد.
15 - قال: أصوم غداً إن شاء زيد، لم يصح وإن شاء زيد، أو قال: أصوم غداً إن نشطت، لم يصح.
وخرج عن ذلك صور يصح فيها النية مع التردد أو التعليق.
فمن صور التردد:
1 - اشتبه عليه ماء وماء ورد لا يجتهد، بل يتوضأ بكل مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة.
2 - من عليه صلاة من الخمس، فنسيها، فصلى الخمس، ثم تذكرها، لا تجب الإعادة.
3 - من عليه صوم واجب، لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً، أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس، ويعذر في عدم جزم النية للضرورة.
ومن صور التعليق:
1 - إذا علق إحرامه على إحرام صاحبه، كان يقول: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن تبين إحرام صاحبه انعقد إحرامه، وإلا فلا.
2 - لو أحرم ليلة الثلاثين من رمضان، وهو شاك، فقال: إن كان من رمضان
(1/89)

فإحرامي بعمرة، أو من شوال فإحرامي بحج، فكان من شوال، صح، كما نقله، في (شرح المهذب) .
3 - شك في قصر إمامه، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، فبان قاصراً قصر.
4 - اختلط موتى مسلمون بكفار، أو شهداء، وصلى على كل واحد منهم بنية الصلاة عليه إن كان مسلماً أو غير شهيد، صح.
5 - عليه فائتة، وشك في أدائها، فقال: أصلى عنها إن كانت، وإلا فنافلة، فتبين أنها عليه، أجزأه، نقله في (شرح المهذب) عن الدارمي.
6 - نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً لم يتلف، وإلا فعن الحاضر، فبان باقياً أجزأه عنه، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر.
7 - أحرم بصلاة الجمعة في آخر وقتها، فقال: إن كان باقياً فجمعة، وإلا فظهر، فبان بقاؤه، صحت الجمعة على ما اعتمده الشهاب الرملي وتبعه ولده الجمال الرملي رحمهما الله تعالى.
الفائدة السادسة: النية ركن أم شرط
اختلف أصحابنا الشافعية، هل النية ركن في العبادة أو شرط؟
فاختار الأكثر أنها ركن، لأنها داخل العبادة، وذلك شأن الأركان، واختار القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنها شرط وإلا لافتقرت إلى نية أخرى.
والشيخان الرافعي والنووي عداها في الصلاة ركناً، وقالا في الصوم: النية شرط الصوم، والمعتمد الأول، أي أنها ركن لا شرط.
نعم أجرى العلماء النية مجرى الشروط في المسألة، وهي ما لو شك بعد الصلاة في
(1/90)

تركها أو ترك الطهارة، فإنه تجب الإعادة، بخلاف ما لو شك في ترك ركن، قال في (شرح المهذب) والفرق أن الشك في الأركان يكثر لكثرتها بخلاف الشروط.
الفائدة السابعة: مقاصد اللفظ
قال العلماء: مقاصد اللفظ على نية اللافظ، والمعنى أن مقاصد اللفظ كاليمين.
(كمن حلف لا يدخل دار زيد، فإنه يحنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب، إلا أن يريد مسكنه، فيحنث بالمعار وغيره، ويحنث بما يملكه ولا يسكنه إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه)
والاعتكاف (كان يقول أَعتكفُ، ويطلق، ثم يخرج من المسجد، فهل يجدد النية إذا عاد أم لا؟
فإن كان خروجه بعد العزم على العود فلا يجب التجديد، وإن كان بدون العزم على العود فيجب التجديد) والنذر (كأن يقول: نذرت لله لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين يلزمه إن حنث كفارة يمين)
والحج (كأن يحرم مطلقاً في أشهر الحج، فإنه يصرفه قبل العمل
بالنية إلى ما شاء من حج وعمرة، وقِران) ونحوها من الصلاة وغيرها (كالطلاق والعتق بأن يقول لزوجته، واسها طالق، أو أمته، واسمها حرة؛ يا طالق أو يا حرة.
فإن قصد الطلاق أوالعتق حصلا، أو النداء باسمها فلا) .
فكل تلك محمولة على نية اللافظ أي أنه لا يعتبر في النية إلا نية صاحبها المتلفظ بمضمونها إلا في صورة واحدة، وهي: اليمين عند من له ولاية التحليف كالقاضي والمحكَم فإنها على نية
القاضي ونحوه، دون الحالف فلا تعتبر نيته، وإلا ضاعت الحقوق، سواء كان موافقاً للقاضي في مذهبه أم لا، فإذا ادعى حنفي على شافعي شفعة الجوار، والقاضي حنفي يعتقد إثباتها، فليس للمدعى عليه أن يحلف على عدم استحقاقها عليه عملاً باعتقاده، فلو حلف أثم، اعتباراً بنية القاضي، ومحله ما إذا صدق المدعي في دعواه.
دون ما إذا كذب بأن ادعى بدين قد أبرأ منه، أو أداه، ولا بيِّنة مثلاً، فإنه في هذه الحالة تنفع التورية من المدعى عليه.
(1/91)

وهذه الفائدة نص قاعدة مستقلة، وإنَّما عرضناها ثانية للتوضيح والأمثلة
والشرح.
الفائدة الثامنة، النفل والفرض
إن النفل لا يقوم مقام الفرض، ولا يجزئ عنه، وخرج عن هذا الأصل صور
يتأدى فيها الفرض بنية النفل، وهي:
1 - أغفل المتطهر لمعة، وانغمست بنية التكرار في الثانية أو الثالثة أجزأه في
الأصح، بخلاف ما لو انغمست في التجديد.
2 - لو تذكر في قيامه ترك سجدة، وكان جلس بنية الاستراحة، كفاه عن جلوس الركن في الأصح.
3 - لو جلس للتشهد الأخير، وهو يظنه الأول، ثم تذكر أجزأه.
4 - لو نوى الحج أو العمرة أو الطواف تطوعاً، وعليه الفرض، انصرف إليه بلا خلاف.
تنبيه: المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها إذا كانت نيته حضورها لولا العذر، يحصل له ثوابها، قال السيوطي: "والأحاديث تدل لذلك ".
الفائدة التاسعة، الأعمال بالنيات
إن الأعمال لا يترتب عليها ثواب أو عقاب إلا على حسب نية الفاعل وقصده.
وهذا يشمل أمرين:
(1/92)

الأمر الأول - العمل تابع للنية والقصد: وبناء عليها يوزن العمل، وعلى أساسها تكون الديانة والقضاء في الفتوى والحكم، ويكون العمل عبادة أو غير عبادة.
ويكون طاعة أو معصية، ويكون حلالاً أو حراماً، ويكون صحيحاً أو فاسداً، ويكون إيماناً أو كفراً، سواء كان العمل فعلاً أو قولاً.
والأدلة على كون الفعل تابعاً للنية قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) ، فإذا قصد الرجل بالرجعة الصلاح جازت، وإن قصد بها الضرار لم تجز، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) .
فالفعل واحد وهو ارتجاع الرجل زوجته التي طلقها، ولكن يختلف الحكم فيه
بحسب النية والقصد، وقوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) ، فصورة الصلاة والإنفاق واحدة، ولكن
الحكم يختلف بحسب النية والقصد، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
فالقتال في كل الحالات واحد، ولكن الجزاء
يختلف باختلاف نية المقاتل وقصده.
والأدلة على كون القول تابعاً للنية والقصد كثيرة، منها حديث ركانة الذي طلق امرأته ألبتة، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم -
فقال له: "ما أردت؟!
قال: واحدة، قال: "آلله!
قال: آلله.
قال: "هو ما أردت ".
فالحكم يختلف باختلاف نية المتلفظ بها أو قصده.
وحلف ركانة الذي تلفظ بكلمة "ألبتة" أنه قصد منها طلقة واحدة، وليس ثلاثة، فردَّ له - صلى الله عليه وسلم - زوجته بناء على هذا القصد والاعتقاد، لا على العبارة التي تلفظ بها.
الأمر الثاني: الأعمال العارية عن القصد لا يتعلق بها تكليف، ولا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولذلك يسقط التكليف عن النائم والغافل والناسي والمجنون والمغمى عليه والجاهل والمخطئ والمكره، وأدلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى:
(1/93)

(إِلَّا مَنْ أُكْرِه وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة:
عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يكبر".
فالمدار في الأقوال والأفعال على المقاصد والنيات، لا على ذات الألفاظ، لذلك فإن الأقوال والأفعال إذا عريت عن القصد لم يترتب على صاحبها العقاب، وإن الأقوال والأفعال الموجبة للثواب إذا عريت عن القصد لم يكتب لصاحبها الثواب.
الفائدة العاشرة، فائدة النية
إن النية شرعت لأجل التمييز بين ما هو عبادة وما هو عادة من الأقوال
والأفعال، والتفريق في العبادات بين ما هو واجب وما هو غير واجب، وفي
العادات بين الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والفاسد.
والحلال والحرام.
الفائدة الحادية عشرة، تعاقب النيتين
إن العمل الواحد إذا تعاقب عليه نيتان، فإن الحكم للأولى، وهو المراد من
قاعدة: "كل ما كان له أصل فلا ينتقل عن أصله بمجرد النية" فمن اشترى عَرَضاً بنية القنية، ثم نوى بهها التجارة من بعد، فلا زكاة عليه عند المالكية والشافعية، لأن إيجاب الزكاة بنية مستأنفة يعني إيجاب الزكاة بخية مجردة، وذلك غير جائز، كالذهب والفضة إذا نوى الرجل أن يجعلهما حلياً لزوجته للبس فلا يكفي مجرد النية، ومن
(1/94)

أمثلته: أن من سلَّم في الظهر من اثنتين ظاناً أنه أتم، فتنفل بعدهما بركعتين، ثم تذكر أنه لم يتم، فإنهما تجزياه عن ركعتي الفريضة على مذهب مالك.
الفائدة الثانية عشر: التخصيص والتقييد بالنية
إن النية تخصص العام وتقيّد المطلق، وأكثر ما يكون ذلك في الطلاق والعتق
واليمين، كان ينشئ طلاقاً أو يميناً بلفظ عام، ويقصد بقلبه قصره على بعض أفراده.
مثل أن يقول: نسائى طوالق، وينوي استثناء واحدة منهن، أو ينشئ شيئاً من ذلك بلفظ مطلق، ويقصد بقلبه تقييده بصفة أو شرط، مثل أن يقول لزوجته: أنت طالق، وهو ينوي أنها طالق إن خرجت من داره، فهذا مقبول ديانة عملاً بقاعدة "الأعمال بالنيات " أما من جهة القضاء والحكم فمنعه المالكية والشافعية وبعض الأحناف، والحنابلة في إحدى الروايات، وأجازه البعض الآخر من الأحناف والحنابلة في الرواية الثانية.
(1/95)

القاعدة الأساسية الثانية:
اليقين لا يزول بالشك (م/4)
الألفاظ الأخرى
- اليقين لا يزال بالشك.
- من شك هل فعل شيئاً أو لا، فالأصل أنه لم يفعله.
- من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير عمل على القليل، لأنه المتيقن.
- الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله.
- اليقين لا يرفع بالشك.
- ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
- ما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين مثله.
- لا يرفع يقين بشك.
التوضيح
اليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، أي الاستقرار، وهذا هو المراد من
القاعدة، وليس ما يقوله علماء المعقول بأنه الاعتقاد الجازم، المطابق للواقع.
الثابت، لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر، وقد يكون الأمر في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، ويحكم به القاضي.
مع أن شهادة الشهود هي مجرد خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب، ومع ذلك
(1/96)

فإن هذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً، لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله، ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر، فاليقين هو الجزم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه.
والشك: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر، أو هو التردد في وقوع الشيء وعدم وقوعه على السواء، وبينه وبين اليقين الظن، أو الظن الغالب.
وهو ترجيح أحد الطرفين على الآخر بدليل ظاهر يبني عليه العاقل أموره، لكن لم يطرح الاحتمال الآخر، ويقابل الظنَّ الوهمُ، وهو الجانب المرجوح لدليل أقوى منه، والفقهاء يريدون بالشك مطلق التردد سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحاً، وعلماء الأصول يفرقون بين الشك والظن.
ومعنى القاعدة: أن الأمر المتيقن بثبوته لا يرتفع بمجرد طروء الشك، ولا يحكم بزواله بمجرد الشك؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، ولا يعارضه إلا إذا كان مثله أو أقوى، فاليقين لا يُرفع حكمه بالشك أي بالتردد باستواء أو رجحان (أي بالظن) ، وهذا ما يؤيده العقل؛ لأن الأصل بقاء المتحقق.
ومستند هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه.
أخرج منه شيء أم لا؟
فلا يخْرُجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فالمتوضئ إذا شك في انتقاض وضوئه فهو على وضوئه السابق المتيقن، وتصح به صلاته حتى يتحقق ما ينقضه، ولا عبرة بذلك الشك.
وأخرج الحديث أيضاً ابن ماجة والترمذي.
وقوله على عن عبد الله بن زيد قال: شُكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يُخيل إليه أنه
(1/97)

يجدُ الشيء في الصلاة؛ قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والنسائي وابن ماجة وأحمد.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً؛ فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن "
أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
التطبيقات
إن هذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية، وتدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر، ويتفرع عنها أو يندرج تحتها عدة قواعد فقهية، ستأتي.
وجميع الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية للقواعد الفرعية تدخل غالباً في هذه القاعدة الأساسية الرئيسة، ونذكر التطبيقات المباشرة لها:
1 - المفقود: وهو الذي غاب عن بلده، ولا يحرف خبره أنه حي أو ميت، تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، فلا يُورث، ولا تبين زوجته؛ لأن حياته حين تغيبه متيقنة، وموته قبل المدة المضروبة شرعاً، بموت جميع أقرانه، مشكوك، فيدخل تحت قاعدة "اليقين لا يزول بالشك ".
(الدعاس ص 11، السدلان ص 106،..
(ابن تيمية، الحصين 53/2) .
2 - من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث.
(الدعاس ص 11، اللحجي ص 28، السدلان ص 104،
(1/98)

الفتوحي 4/ 441،..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 52،..
(ابن عبد الهادي ص 109)
وخالف المالكية فقالوا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث فالمشهور أنه يعيد الوضوء مع تفصيل فيه.
(الروقي ص 274 - 275) .
3 - الخنثى: عدم نقض الوضوء بمس الخنثى، أو لمسه.
(اللحجي ص 28) .
4 - العقد: إذا ثبت عقد بين اثنين ووقع الشك في فسخه فالعقد قائم.
(الدعاس ص 12) .
5 - الدَّيْن: إذا تحقق الدين على شخص ثم مات، وشككنا في وفائه، فالدين باق.
(الدعاس ص 12) .
6 - الوديعة: إذا هلكت الوديعة عند الوديع، وشككنا في أنها هلكت بتعديه عليها أو تقصيره، أو قضاء وقدراً، فهو غير ضامن، لأن صفة الأمانة هي المتيقنة عند العقد، فلا تزول بالشك في حصول التعدي أو التقصير.
(الدعاس ص 12) .
7 - النفقة: تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة.
فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاؤها في ذمته وهو يقين، وعدم أدائها.
(اللحجي
ص 28) .
8 - الماء: اشترى ماءً، ثم ادعى نجاسته ليرده، فالقول قول البائع، لأن الأصل المتيقن طهارة الماء.
(اللحجي ص 28) .
9 - الطهر: ادعت المطلقة الرجعية امتداد الطهر، وعدم انقضاء العدة، صدقت، ولها النفقة؛ لأن الأصل المتيقن بقاؤها.
(اللحجي ص 28) .
10 - الدَّيْن: إذا كان إنسان يعلم أن زيداً مدين لعمرو بألف مثلاً، فإنه يجوز له أن يشهد على زيد بالألف، وإن خامره الشك في وفائها أو في إبراء الدائن له منها، إذ لا عبرة للشك في جانب اليقين السابق.
(الزرقا ص 82) .
11 - الملك: إذا كان الشخص يعلم أن العين الفلانية كانت ملك زيد، ثم نازعه فيها أحد، فإنه يجوز أن يشهد لزيد بأن العين ملكه، وإن كان يحتمل أنه باعها لمن ينازعه.
(الزرقا ص 82) .
(1/99)

12 - الإبراء: لو ادعى زيد على عمرو ألفاً مثلاً، فأقام عمرو بينة على الأداء أو الإبراء، فأقام زيد أيضاً بينة على أن له عليه ألفاً، فإن بينة زيد هذه لا تقبل من غير أن يبرهن أن الألف المشهود عليها هي غير تلك الألف التي ادعى عمرو أداءها أو الإبراء عنها، لأن فراغ ذمة عمرو بعد البينة التي أقامها أصبح يقيناً، والألف التي أقام زيد عليها البينة مطلقة، فيحتمل أن تكون هي المرادة أو المبروء عنها، فلا تشغل ذمة عمرو بمجرد الشك، بعد التيقن بفراغها، ولأن الموجب والمسقط إذا اجتمعا
يعتبر المسقط متأخراً، إذ السقوط بعد الوجوب.
(الزرقا ص 83) .
13 - الإقرار: لو أقر شخص أنه لا حق له فيما بيد فلان، ثم برهن على شيء في يد فلان أنه غصبه منه، لم يقبل حتى يشهد بغصبه بعد إقراره؛ لأن الإبراء يعمل فيما قبله لا فيما بعده، ولا يعمل فيما بعده إلا في مسألة، وهي: إذا شرط البائع في البيع البراءة من كل عيب في المبيع دخل العيب القديم والحادث بعد البيع قبل القبض عند الحنفية.
(الزرقا ص 83) .
14 - العيب: لو اشترى أحد شيئاً، ثم ادعى أن به عيباً، وأراد رده، واختلف التجار أهل الخبرة، فقال بعضهم: هو عيب، وقال بعضهم: ليس بعيب، فليس للمشتري الردُّ؛ لأن السلامة هي الأصل المتيقن، فلا يثبت العيب بالشك، وكذا لو وجد العيب عند البائع ثم عند المشتري، لكن اشتبه فلم يُدر أنه عين الأول أو غيره، فإنه لا يُردُّ.
(الزرقا ص 83) .
15 - الغصب: لو ردَّ الغاصب العين المغصوبة على من في عيال المالك، فإنه لا يبرأ، لأن الردّ على من في عياله ردّ من وجه دون وجه، والضمان كان واجباً بيقين، فلا يبرأ بشك.
(الزرقا ص 83) .
16 - الرضاع: لو طلق الرجل زوجته، وكانت ذات لبن، وتزوجت بآخر بعد عدتها، فحملت منه، وأرضعت طفلاً في مدة الحمل، فإن لبنها لم يزل معتبراً من الزوج الأول، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له؛ لأنه كان متيقناً أن اللبن منه، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشك الحاصل بسبب حبلها من الزوج الثاني، فإذا ولدت يحكم حينئذ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني.
(الزرقا ص 84) .
(1/100)

17 - من شك هل طلق امرأته، أو لا، فلا يقع الطلاق؛ لأن الأصل أنه لم يفعله.
(اللحجي ص 29، الروقي ص 277، القرافي 2/ 223، الفتوحي 4/ 1 44) .
18 - - الماء: إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، أو تيقن نجاسته، وشك في طهارته، فالتيقن لا يزول بالشك..
(ابن عبد الهادي ص 109، السدلان ص 104) .
19 - الوقت: إذا شك في دخول الوقت في الصلاة والصوم، أو إذا شك في خروجه، فاليقين لا يزول بالشك..
(ابن عبد الهادي ص 109) .
20 - العدد: إذا شك في عدد الطواف بنى على اليقين.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك.
وإذا شك في عدد الطلاق أخذ باليقين وهو
الأقل..
(ابن عبد الهادي ص 109) .
21 - الطلاق: إذا تيقن الزوجية وشك في الطلاق، أو تيقن الطلاق وشك في الحِل، بنى على اليقين..
(ابن عبد الهادي ص 110) .
وقال المالكية: من شك هل طلق زوجته أم لا؟
يحكم ببقاء زوجته في عصمته، ومن شك هل طلق إحدى زوجاته أم لا؟
فإنهم يحكمون ببقاء جميع زوجاته في عصمته، لكن إن تيقن أنه طلق زوجته، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة؟
فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه وشك في عينها، فنساؤه كلهن طوالق، للاحتياط الشرعي.
(الروقي ص 277 - 278، القرافي 2/ 23 2) .
22 - النجاسة: إذا استيقن في ثوب نجاسة، بحيث لا يدري مكان النجاسة.
يغسل الثوب كله، لأن الشك لا يرفع المتيقن قبله ابن نجيم ص هـ 6، السدلان ص 103) ، وكذلك إذا تيقن نجاسة الماء.
ثم شك هل زالت أم لا؟
بنى على يقين النجاسة.
(السدلان ص 104) .
23 - لو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، وهو منفرد، بنى على اليقين، إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته.
(السدلان ص 104) .
وكذلك إذا شك هل طاف ستاً أو سبعاً، أو رمى ست حصيات أو سبعاً، بنى على اليقين.
(السدلان ص 104) .
(1/101)

وكذلك إذا شك في عدد الرضعات بنى على اليقين.
(السدلان ص 105) .
وكذلك زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: " أجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام ".
(السدلان ص 105 عن الإجماع ص 61) .
24 - لو شك الصائم في غروب الشمس، لم يجز له الفطر، اعتباراً بالأصل
المتيقن، وهو بقاء النهار، ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل؛ لأن الأصل بقاء الليل.
(السدلان ص 104، ابن نجيم ص 63، السيوطي ص 52) .
25 - لو شك في امرأة هل تزوجها، أم لا؟
لم يكن له وطؤها، استصحاباً لحكم التحريم إلى أن يتحقق تزوجه بها اتفاقاً (الفتوحي 4/ 441) .
26 - لو شك: هل طلق واحدة أو ثلاثاً؟
الأصل الحل (الفتوحي 4/ 441) .
27 - لو شك في طهارة الماء أو نجاسته، أو أنه متطهر أو محدث، أو شك في عدد الركعات أو الطواف، أو غير ذلك مما لا يحصر، فلا يلتفت إلى الشك (الفتوحي 4/ 1 44،.
(ابن رجب 97/1) .
28 - إذا شك في خلق الجنين وقت موت مورّثه، بنى على اليقين، وهو العدم ابن تيمية، (الحصين 53/2) .
29 - لو حلف على شيء أنه كذا، فلم يتبين له كيف هو؟
لم يحنث بمجرد الشك..
(ابن تيمية، الحصين: 2/ 53) .
30 - الأصل في العقود الحل والإباحة، ما لم يرد عن الشارع نص في حرمة شيء منها، أو لم تشتمل على شيء مما حرمه الشارع، ولا يحل لأحد أن يحرم منها شيئاً بالظن، وبلا دليل من كتاب الله وسنة نبيه لمج..
(ابن تيمية، الحصين 57/2) .
31 - الشروط الأصل فيها الصحة والإباحة، فيجوز لكل من المتعاقدين أن
يشترطا في العقد ما يرانه محققاً لمصلحته، ما لم يكن محلاً لحرام، أو محرماً لمباح.
ويستصحب المسلم هذين الأصلين ما لم يرد عن الشارع نص بخصوصه، ولا
ينتقل عن ذلك إلا بيقين آخر..
(ابن تيمية، الحصين 57/2) .
(1/102)

32 - الأصل فيما بيد المسلم أن يكون ملكاً له، فهذا أصل متيقن، فلا يزال عنه إلا بيقين مثله، ولا يجب على المشتري أن يسأل البائع عما في يده، هل هو ملك له، أو هل هو مغصوب أو مسروق، سواء كان هذا البائع برّاً أم فاجراً..
(ابن تيمية، الحصين 57/2) .
33 - كل احتمال لا يستند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه، كالشبهة التي تعرض للمسلم في بيعه وشرائه، والاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب..
(ابن تيمية، الحصين 58/2) .
34 - الأصل صحة تصرف المكلف، وأنه غير محجور عليه، ولا سفيه، فمتى صدرت منه معاملة في بيع أو شراء، ونحو ذلك من التصرفات المالية، تم ادَّعى عدم صحة تصرفه لحجر عليه أو سفه أو نحوهما مما لا دليل عليه، فالأصل صحة تصرفه ونفوذه، ولزومه، ما لم يقم دليل يفيد خلاف ذلك..
(ابن تيمية، الحصين 58/2) .
فائدة، عموم هده القاعدة
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى:
"ولا تختص هذه القاعدة بالفقه.
بل الأصل في كل حادث عدمُه حتى يتحقق، كما نقول: الأصل: انتفاء الأحكام عن المكلفين حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم، والأصل بقاء العموم حتى يُتحقق ورود المخصص، والأصل بقاء حكم النص حتى يرد الناسخ ".
ثم قال: " ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة" ثم قال: "ومما ينبني على هذه القاعدة ألا يطالبَ بالدليل، لأنه مستند إلى الاستصحاب، كما أن المدّعى عليها في باب الدعاوى لا يطالب بحجة على براءة ذمته، بل القول في الإنكار قولُه بيمينه) .
(1/103)

المستثنى
يستثنى من قاعدة "اليقين لا يزول بالشك " أمور، يزول حكم اليقين فيها بالشك.
وهي:
1 - دفع الثمن: إذا ادعى المشتري عيباً في المبيع موجباً لردّه على البائع، بعد قبضه المبيع، فإنه لا يجبر على دفع الثمن للبائع حتى تنتهي الخصومة في العيب، فدفع الثمن يقين، وزال ها هنا للحال، بمجرد الشك في أصل العيب، وقدم العيب، المحتملين الثبوت وعدمه، فقد يكون الشيء الذي يزعمه المشتري عيباً ليس بعيب بالنسبة لهذا
المبيع، فالواجب عند ادعاء العيب إثبات كونه عيباً أولاً، ثم الانتقال إلى البحث في قِدمه كما هو معلوم، فإن ثبت أصل العيب، وثبت قدمه عند البائع يفسخ القاضي البيع، فإن عجز المشتري عن الإثبات يجبر على دفع الثمن حينثذ.
(الزرقا ص 185) .
2 - شك ماسح الخف هل انقضت المدة أم لا؟
فيحكم بانقضاء المدة بهذا الشك.
(اللحجي ص 35) .
3 - شك هل مسح في الحضر أم في السفر؛ يحكم بانقضاء المدة للحفر.
(اللحجي ص 35،.
(ابن رجب 2/ 12) .
4 - شك مسافر: أوصل بلده أم لا؟
فلا يجوز له الترخيص بالقصر والجمع وغيرهما.
(اللحجي ص 35) .
5 - شك هل نوى الإقامة أم لا؟
يحكم عليه بالإقامة، ولا يجوز له الترخص.
(اللحجي ص 35)
6 - أحرم المسافر بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر هو أم مقيم؟
لم يجز له القصر لهذا الشك.
(اللحجي ص 35) .
7 - بال حيوان في ماء كثير، ثم وجده متغيراً.
ولم يدر أتغير بالبول أم بغيره؟
فهو نجس لهذا الشك.
(اللحجي ص 35) .
8 - المستحاضة المتميزة يلزمها الغسل عند
كل صلاة شكت في انقطاع الدم قبلها.
(اللحجي ص 35) .
(1/104)

9 - تيمم ثم رأى شيئاً لا يدري أسراب هو أم ماء؟
بطل تيممه، وإن بانَ سراباً.
(اللحجي ص 35) .
10 - رمى صيداً فجرحه، ثم غاب، فوجده ميتاً، وشك هل أصابته رمية أخرى من حجر أم غيره؟
لم مجل أكله، وكذا لو أرسل عليه كلباً.
(اللحجي ص 35) .
11 - من أصابته نحاسة في ثوبه أو بدنه، وجهل موضعها، يجب غسل كله.
(اللحجي ص 35) .
12 - المستحاضة أو سلس البول إذا توضأ.
ثم شك هل انقطع حدثه أم لا؟
فصلى بطهارته لم تصح صلاته.
(اللحجي ص 35) .
13 - إذا شك الناس في انقضاء وقت الجمعة فإنهم لا يصلون الجمعة، وإن كان الأصل بقاء الوقت.
(اللحجي ص 35) .
14 - إذا توضأ وشك: هل مسح رأسه أم لا؟
فيه وجهان، الأصح صحة وضوئه، ولا يقال: الأصل عدم المسح.
(اللحجي ص 35) ، وفي الوجه الثاني يعتبر الشك ولا يصح وضوءُه.
15 - لو سلم من صلاته، وشك: هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؛ الأظهر أن صلاته مضت على الصحة.
(اللحجي ص 35) ، وفي القول الآخر يعمل بالشك وأنه صلى ثلاثاً، ويعيد.
16 - الأصل أن الهرة فمها نجس، فترك لاحتمال ولوغها في ماء كثير، وهو شك.
(اللحجي ص 35) .
17 - من رأى منياً في ثوبه، أو فراشه الذي لا ينام فيه غيره، ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل في الأصح، مع أن الأصل عدمه.
(اللحجي ص 36) .
18 - من شك بعد صوم يوم من الكفارة، هل نوى؟
لم يؤثر على الصحيح، مع أن الأصل عدم النية، والشك فيها، فيقدم الشك على الأصل.
(اللحجي ص 36) .
19 - من عليه فائتة، شك في قضائها، لم يلزمه مع أن الأصل بقاؤها.
(اللحجي ص 36) .
(1/105)

20 - عند المالكية: من تيقن أنه طلق زوجته، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة؛ فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه، وشك في عينها، فنساؤه كلهن طوالق، والحجة في ذلك هو الاحتياط الشرعي.
(الروقي ص 278، القرافي 2/ 223) .
21 - إذا كان متطهراً وشك في الحدث بعد الطهارة فيجب الوضوء عند مالك فاعتبر الشك (القرافي 2/ 223) .
22 - لو توضأ شاكاً في الحدث، أو صلى مع غلبة الظن بدخول الوقت ونوى الفرض، إن كان محدثاً، أو الوقت قد دخل، وإلا فالتجديد، أو النفل، يجزئه ذلك؛ لأن هذا حكمه، ولو لم ينوه، فإذا نواه لم يضره.
(ابن رجب 13/2) .
23 - لو كان له مال حاضر وغائب، فأدى زكاته، ونوى أنها عن الغائب إن كان سالماً، وإلا فتطوع، فبان سالماً، أجزأه.
(ابن رجب 2/ 13) .
(1/106)

فوائد
1 - اليقين والظن من الأحكام
سبق بيان المراد من اليقين والظن، وأن الظن معتبر شرعاً بمنزلة اليقين في بناء
الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستنداً إلى دليل معتبر، وذلك كما لو رأى إنسان عيناً في يد آخر يتصرف بها تصرفاً يغلب على ظن من يشاهده أنها ملكه، وكان مثله يملك مثلها، ولم يخبر الرائي عدلان بأنها ملك غيره، فإنه يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكها.
ولكن هناك بعض المسائل لا يعتبر فيها الظن أو غلبة الظن، ولابد فيها من اليقين
فمن ذلك:
أ - عقد النكاح على أختين؛ فلو عُقد لشخص عقد نكاح على أختين بعقدين متعاقبين فالأول صحيح، والمتأخر باطل، فلو نسي الأول منهما فإنه يفرق بينه وبين الأختين ويبطل العقدان، لأنه لا يجوز ترجيح الأولية لأحدهما دون الآخر بغلبة الظن، ولا بدَّ من العلم واليقين، لأن التحري لا يجري في مسائل الفروج، ولأن الأصل في الأبضاع التحريم.
ب - طلاق إحدى نسائه: لو طلق رجل زوجة معينة من نسائه، ثم نسيها، فلا يجوز له أن يطأ واحدة منهن إلا بعد العلم بالمطلقة، ولا يكفي التحري وتغليب الظن، ولا يستطيع الحاكم أن يخلي بينه وبين نسائه حتى يتبين، لأن التحري إنما يجوز فيما يباح عند الضرورة والفروج لا تباح عند الضرورة.
(1/107)

جـ - الحبل: لم يعتبر الفقهاء ظهور علامات الحبل دليلاً جازماً على وجود
الحمل، ولم يرتبوا عليه الأحكام الجازمة، مع أنه يغلب على الظن أن المرأة حامل.
ولذلك لا تصح الوصية للحمل أو الوقف عليه إلا إذا ولد لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف، حتى يتيقن وجوده وقتها فالولادة لأقل من ستة أشهر يقين على وجوده، ويأخذ حكم هذه الولادة لو كان الأب ميتاً قبل الوصية له والوقف.
فيصحان ولو ولدت بعد مدة أطول، كما تشترط الولادة لأقل من ستة أشهر أو موت الأب لثبوت الشفعة له في البيع الذي يجري، وتشرع فيه الشفعة.
لكن الفقهاء اعتبروا ظهور علامات الحبل أمارة ترجح قول المرأة أنها ولدت إذا أنكر الزوج الولادة، ووقفوا بعلامات الحبل الميراث للحمل.
وإذا علم اليوم وجود الحمل قبل الوصية أو الوقف بأحد الوسائل العلمية الحديثة بالمشاهدة بواسطة التنظير، أو بواسطة الأشعة المخترعة حديثاً، المسماة "أشعة رونتجن " وكانت المشاهدة بطريق مشروع كالتداوي، ثم ولدته لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف أو الشفعة أو موت المورث، فالظاهر عدم اعتباره، ولا بد من الولادة لأقل من ستة أشهر، لا شكاً فيما أظهرته الأشعة، بل لأنها إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر ولا يتيقن حينئذ بأن المولود هو الحمل الذي شوهد بالأشعة.
لجواز أن المشاهَد أسْقط، ثم حصل بعده حمل جديد،.
(الزرقا ص 8) .
وهذا إذا كان الحمل الثاني ممكناً، فإن لم يكن الحمل الثاني ممكناً، بأن ولدت
بعد ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو خمسة، فتعتبر أمارات الحمل السابق وعلاماته على وجود الحمل في عصرنا الحاضر.
2 - الظن الغالب يجري مجرى اليقين
إن الأحكام الشرعية تبنى على الظاهر، وإن الوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، لذلك جوَّز الشرع الاعتماد على الظن، واعتباره في الاجتهاد والعمل والتطبيق وقبول الأحكام.
ولكن الظن على درجات، وقد ترتقي درجة الظن بكثرة الأدلة والأمارات،
(1/108)

فيسمى الظن الغالب الذي يقرب من اليقين، وعرّفه المقّري فقال: "الظن الغالب:
هو الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب "
وقرر الفقهاء أن الظن الغالب ينزل منزلة اليقين، وأن اليقين لا يزول بالشك بل لا بدَّ من يقين مثله أو ظن غالب، كمن سافر في سفينة مثلاً، وثبت غرقها، فيحكم بموت هذا الإنسان؛ لأن موته ظنّ غالب، والظن الغالب بمنزلة اليقين.
أما إذا كانت غلبة الظن غير مستندة إلى دليل فلا كلام في عدم اعتبارها مطلقاً، وتكون مجرد وهْم، ولا عبرة للتوهم، كما لو غلب على ظن الغاصب حل العين المغصوبة له بناء على احتمال جعل المالك إياه في حل منها، وكما لو ظفر إنسان بمال الغير فأخذه بناء على احتمال أن مالكه أباحه لمن يأخذه، فإنه يكون ضامناً، ولا تعتبر غلبة الظن هذه مهما قويت، ولذلك وجدت أحكام اللقطة، ووجب التعريف سنة، لأن ظنه السابق غير مستند إلى دليل، لأنه من مجرد الوهم، ولا عبرة بالتوهم..
(م/ 74) .
3 - اليقين السابق والشك الطارئ
الشك لا يؤثر على اليقين، ولا يزيله، سواء كان اليقين مقتضياً للحظر فلا يزول الحظر بالشك، أم كان اليقين السابق مقتضياً للإباحة، فلا يمنع بالشك، والعمدة على اليقين في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك فيهما.
مثال القسم الأول: لو غاب إنسان غيبة منقطعة بحيث لا يعلم موته ولا حياته، فإن المعتبر اليقين السابق، وهو حياته، إلى أن يعلم موته بالبينة، أو بموت أقرانه، كان كان احتمال موته قائماً في كل لحظة، فلا يجوز قبل ذلك قسمة ماله بين الورثة،
(1/109)

ولو كان له وديعة عند آخر فيجب على المستودع حفظها، فلو أعطاها للورثة يكون ضامناً..
(م/ 785) .
(الزرقا ص 82) .
ومثال القسم الثاني: الفروع المذكورة تطبيقات لقاعدة
"اليقين لا يزول بالشك ".
والشك الطارئ لا يؤئر على اليقين السابق، سواء طرأ على أصل محرم فيبقى
محرماً، أم شك طرأ على أصل مباح فيبقى مباحاً، أو شك لا يعرف أصله فتبقى الإباحة الأصلية.
مثال الأول: أن يجد المسلم شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم، لأن أصلها حرام (بأن تؤكل حية)
وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب فيها المسلمون جاز الأكل عملاً بالغالب المفيد للظهور.
ومثال الثاني: أن يجد الشخص ماءً متغيراً، واحتمل تغيره بنجاسة أو بطول
المكث، فيجوز التطهر به عملاً بأصل الطهارة، ولا يغير الشك حكمه.
ومثال الثالث: معاملة من أكثر مالِهِ حرامٌ، فتجوز معاملته، ولا تحرم، لإمكان الحلال، وعدم تحقق التحريم، لكن يكره خوفاً من الوقوع في الحرام.
(اللحجي ص 36) .
والثابت هو اليقين شرعاً وغير هـ شكٌ، ويعتبر اليقين سواء في براءة الذمة أو شغل الذمة، فالأصل براءة الذمة لأنه اليقين الثابت، حتى يثبت ما يشغلها، فإن ثبت ما يشغل الذمة صار يقيناً فلا تبرأ حتى يثبت الأداء والوفاء.
وذكر فقهاء الشافعية بضع عشرة مسألة يزول فيها اليقين بالشك، كالشك في مدة المسح على الخفين، والشك في نية المسافر، والمستحاضة المتميزة، وسلس البول، والتيمم إذا رأى سراباً فظنه ماء، وفي الصيد، وغيرها.
(1/110)

4 - الظن والشك
إن الظن والشك عند الفقهاء بمعنى واحد، وهذا باعتبار الغالب، ولذلك قال النووي: "اعلم أن مراد أصحابنا (الفقهاء) بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحاً، فهذا معناه في استعمال الفقهاء وفي كتب الفقه.
أما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا بين ذلك، وقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، وإن كان أحدهما راجحاً فالراجح ظن.
والمرجوح وهم ".
5 - الاستصحاب والأصل
إن القواعد المتفرعة عن القاعدة الرئيسية "اليقين لا يزول بالشك " (م/ 4) يعبر عنها بالأصل، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل في الأمور العارضة العدم، الأصل براءة الذمة، الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، الأصل في الكلام الحقيقة، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل العدم.
ويعبر عن الأصل في جميع ذلك بالاستصحاب، وهو استصحاب الماضي إلى
الحاضر، أي نقل الحكم الثابت في الماضي إلى الوقت الحاضر حتى يثبت غيره.
نماذج عامة معتبرة للأصل
1 - الأصل بقاءما كان على ما كان.
2 - الأصل براءة الذمة.
3 - الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، إلا إن دل دليل للحظر فيعمل به.
4 - الأصل في الأبضاع التحريم.
(1/111)

5 - الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم.
6 - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
7 - الأصل في العبادات الحظر، وفي العادات الإباحة.
8 - الأصل في الكلام الحقيقة.
نماذج معتبرة للأصل عند المالكية
1 - الأصل في الأعيان الطهارة.
2 - الأصل البراءة قبل ثبوت التكليف وعمارة الذمة.
3 - الأصل عدم البراءة بعد ثبوت التكليف وعمارة الذمة.
4 - الأصل الإيسار حتى يثبت العدم.
5 - الأصل الصحة دون المرض.
6 - الأصل الطوع دون الإكراه.
7 - الأصل في العقود الصحة.
8 - الأصل في الناس الرشد.
9 - الأصل في الإقرارات ألاَّ يقبل الرجوع عنها؛ لأنها على خلاف الطبع.
10 - الأصل في الناس التجريح حتى تثبت العدالة.
11 - الأصل الحرية حتى يثبت الرق.
12 - الأصل الكفاءة.
13 - الأصل البلوغ.
14 - الأصل التساوي حتى يثبت الرجح.
15 - الأصل الظهور دون التأويل.
16 - الأصل الطهورية حتى يتحقق الناقل عنها.
(1/112)

17 - الأصل في العقود اللزوم.
18 - الأصل ألا يجمع للشخص بين العوضين.
19 - الأصل في المتبايعين المعرفة بالشيء حتى يثبت الجهل.
20 - الأصل عدم الإذن.
6 - الاستصحاب المعكوس أو المقلوب
وأما استصحاب الحاضر إلى الماضي فهو الاستصحاب المقلوب أو المعكوس ولم
يقل به الأصحاب في المذهب الشافعي إلا في مسألة واحدة، وهي: ما إذا اشترى شيئاً، فادعاه مُدَّعٍ، وانتزعه منه بحجة مطلقة، فإنهم أطبقوا على ثبوت الرجوع له على البائع بالثمن، بل لو باع المشتري أو وهب كان للمشتري الأول الرجوع أيضاً، فهذا استصحاب في الماضي، لأن البينة لا تنشئ الملك، ولكن تظهره، والملك سابق على
إقامتها، ويحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوه مقلوباً، وهو عدم الانتقال فيما مضى.
لكن قال بالاستصحاب المعكوس الحنفية في عدة مسائل، وله أمثلة كثيرة، منها:
أ - لو كان للابن الغالب مال عند أبيه، فأنفق منه الأب على نفسه، ثم اختلفا، فقال الابن للأب: إنك أنفقت على نفسك منه وأنت موص، وقال الأب: أنفقت وأنا معسر، ولا بينة لأحدهما، فإنه يُحكَّم الحال، فلو كان حال الخصومة معسراً
فالقول له، وإن كان موسراً، فالقول لابنه، ولو برهن كل من الأب والابن على دعواهما تقدم بينة الابن لأنه المدعي فجعل الإعسار أو اليسار القائم في الحاضر منسحباً مع الماضي، وإنما لم مجعل القول قول مدعي الإعسار مطلقاً مع أنه الصفة الأصلية في الإنسان، والأصل اعتبار بقائه، لأن بقاء ما كان على ما كان إنما هو عند عدم قيام دليل على خلافه، ولما كان قيام صفة اليسار حين الخصومة أمارة ظاهرة في
(1/113)

تأييد كلام مدعيه طرح ذلك الأصل لقيام الدليل على خلافه، واعتبر القول لمدعي اليسار.
(الزرقا ص 89) .
ب - لو ادعى المستأجر سقوط الأجرة بزعم أن المأجور غصب منه ففات الانتفاع به، وأنكر المؤجر ذلك، فإنه يُحكَّم الحال وينظر، إن كان المأجور في يد الغاصب حين الخصومة فالقول للمستأجر، وإن لم يكن في يد غاصب فالقول للمؤجر، سواء كان في يد المستأجر الآن، أو ليس في يد أحد.
(الزرقا ص 95) .
جـ - لو باع الأب مال طفله ثم بلغ، فادعى - بعد بلوغه - على المشتري أن البيع كان بغبن فاحش، والمشتري ينكر ذلك، فإنه يُحكَّم الحال، بشرط أن تكون المدة بقدر ما لا يتبدل به السعر.
(الزرقا ص 90) .
د - إذا اختلف موجر الطاحون ومستأجرها في أصل انقطاع مائها، فإن يُحكَّم الحال (م/ 1776) وكذ! إذا اختلف شخصان في حدوث طريق الماء الذي يجري إلى دار إنسان وقدمه (م/ 1777)
فيُحكَّم الحال.
(الزرقا ص 90) .
7 - تعارض أصلين
إذا تعارض أصلان رُجح الأقوى منهما، قال إمام الحرمين:
"وليس المراد بتعارض الأصلين تقابلهما على وِزان واحد في الترجيح، فإن هذا كلام يتناقض، بل المراد التعارض بحيث يتخيل الناظر في ابتداء نظره تساويهما، فإذا حقق فكره رجح.
ثم تارة يجزم بأحد الأصلين، وتارة يجري الخلاف، ويرجح بما عضده من ظاهر أو غيره "
وقال ابن الرفعة: "لو كان في جهة أصل، وفي جهة أصلان جزم بذي
الأصلين، ولم يجر الخلاف ".
ومثال تعارض الأصلين مع الجزم بأحدهما: من نوى، وشك هل كانت نيته قبل
(1/114)

الفجر أو بعده؛ لم يصح صومه، لأن الأصل عدم النية قبل الفجر.
قال النووي:
"ويحتمل مجيء وجه أنه يصح؛ لأن الأصل بقاء الليل ".
(اللحجي ص 34) .
ومثال تعارض أصلين مع تعضيد أحدهما بظاهر: ما إذا ادعى العنين الوطء في
المدة المضروبة من القاضي، وهو سليم الذكر والأنثيين، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فيرجح هذا الأصل على أصل عدم الوطء، لاعتضاد الأصل الأول بسلامة ذكره؛ لأن سليمه لا يكون عنيناً في الغالب.
(اللحجي ص 34) .
ومثال تعارض أصلين مع اعتضاد أحدهما بشيء غير ظاهر؛ ما لو وقعت في الماء نجاسة، وشك، هل هو قلتان أو أقل؛ فوجهان، أحدهما: يتنجس، وبه جزم الماوردي وآخرون، لتحقق النجاسة، والأصل عدم الكثرة، والوجه الثاني: أنه لا يتنجس، وصوبه النووي، لأن الأصل الطهارة، وشككنا في تنجسه، والأصل عدمه، ولا يلزم من النجاسة التنجس، ورجح السبكي مفالة النووي، وهو الأظهر عند الحنابلة.
ومثال تعارض الأصلين مع الرجوع إلى باب الترجيح: إذا هلكت السلعة قبل القبض، ووقع النزاع بين المتبايعين، هل هلكت قبل القبض أو بعده؟ فمن جهة أن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فيكون الأصل المستصحب هو سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، ومن جهة أخرى فإن ذمة المشتري الأصل فيها أنها بريئة من الضمان إلى أن يرد دليل على انشغالها.
(الروقي ص 290)
قاعدة تعارض الأصلين عند المالكية
وضع المالكية قاعدة فقهية في تعارض الأصلين، فقالوا: "إذا اختص الفرع بأصل أجري عليه إجماعاً، فإن دار بين أصلين حمل على الأولى منهما، وقد يختلف فيه"
(1/115)

وفي لفظ آخر "إذا دار الفرع بين أصلين غلب أرجحهما إن تعذر الجمع، وقد يُختلف في ذلك "، لأن الفرع إذا لم يكن له إلا أصل واحد يرجع إليه، فالواجب إجراؤه على ذلك الأصل من غير خلاف؛ لأنه المتعين.
فإن تجاذبته أصول متعددة، وقواعد مختلفة، فالواجب الجمع بينهما، وذلك
بترجح الفرع إلى أحد الأصلين على وجه من الوجوه، وترجيعه إلى الأصل الآخر على وجه آخر، خروجاً من التعارض، والواجب إلحاق الفرع بأرجح الأصلين وأقواهما به شبهاً؛ لأن العمل بالراجح واجب، وقد تغلب الشائبتان في الفرع، فيبقى للأصلين أثر في الفرع، ويكون الترجيح محل اجتهاد.
التطبيقات
أ - حكم من تيقن الوضوء وشك في الحدث تجاذبه أصلان، الأول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنه لا ينتقل عن الأصل - الذي هو الطهارة هنا - إلا بيقين أو ظن غالب، وعليه فلا يجب الوضوء على من شك في الحدث، وبهذا أخذ الجمهور وبعض المالكية.
والأصل الثاني: هو أن عمارة الذمة بعد التكليف، وهي الصلاة هنا، ولا يُبرأ منها إلا بيقين، وأن الشك في الشرط، وهو الطهارة، شك في المشروط، وهو الصلاة، والذمة لا يُبرأ منها بالشك، فيجب الوضوء في الحدث، وهو المشهور عند المالكية.
(الغرياني ص 443) .
ب - عامل القراض له شبه بالشريك، وشبه بالأجير، فمن رجح شبهه بالشريك، قال بملك العامل لحصته بالظهور وتحقق الربح، وبوجوب الزكاة عليه حينئذ، بشرط أن تتحقق شروط الزكاة فيه وفي رب العمل، وترجح شبه العامل بالشريك عند القائلين بهذا القول بتساويه مع رب المال في زيادة الربح ونقصه، وبأن حقه يتعلق بعين المال، ولا يتعلق بذمة رب المال.
(1/116)

ومن رجح إلحاق العامل بالأجير، قال: لا يملك العامل حصته إلا بالقسمة، ولا تجب الزكاة على العامل إلا إذا توفرت شروط الزكاة في حق رب المال وحده، دون نظر إلى العامل؛ لأنه أجير، وترجّح شبه العامل عندهم بالأجير، لاختصاص رب المال بالغرم، دون العامل إذا ضاع رأس المال، ولو كان شريكاً لغرم معه، ولأن القراض معاوضة على عمل، فهو كالإجارة.
وأعمل ابن القاسم الشبهين، فقال بلزوم توفر شرط الزكاة في كليهما، للشبه بالشركة، وقال بسقوط الزكاة عن العامل إن سقطت عن رب المال، للشبه بالإجارة.
(الغرياني ص 443) .
جـ - من تردُّد الفرع بين أصلين أن الحر إذا قتل عبداً، فإن عليه قيمته وإن زادت على دية الحر، إلحاقاً له بالحر، لشبهه به في الإنسانية، وقيل عليه قيمته ما لم تزد على دية الحر، إلحاقاً له بالدابة والياقوتة في المالية والتصرف بالملك، والمشهور هو الأول.
(الغرياني ص 444) .
8 - تعارض الأصل والظاهر
حرر ابن الصلاح الضابط في ذلك، فقال: "إذا تعارض أصلان، أو أصل
وظاهر، وجب النظر في الترجيح، كما في تعارض الدليلين، فإن تُرُدد في الراجح فهي مسائل القولين، وإن ترجح دليل الظاهر حكم به بلا خلاف، وإن ترجح دليل الأصل حكم به بلا خلاف " فالأقسام أربعة.
الأول: ما يرجح فيه الأصل جزماً، كمن شك: أصلى ثلاثاً أم أربعاً، فإن
الأصل عدم الزيادة، والظاهر أنها أربع لكثرة الركوع والسجود مثلاً وطول الزمن، بحيث إنه خالف عادة نفسه في فعلها، وكمن ظن طلاقاً أو عتقاً، فإن الأصل فيهما العدم، والظاهر المظنون وقوعهما.
(1/117)

الثاني: ما يرجح فيه الظاهر جزماً، وضابطه أن يستند إلى سبب منصوب شرعاً، أو سبب معروف عادة، أو يكون معه ما يعضد به.
(اللحجي ص 32،.
(ابن رجب 3/163) .
ومثال السبب المنصوب شرعاً: الشهادة تعارض وضع اليد وبراءة الذمة، فيعمل بالشهادة، وإخبار الثقة بنجاسة الماء والأصل طهارته، وإخبار الثقة بدخول الوقت والأصل عدم دخوله، ونحو ذلك.
ومثال السبب المعروف عادة: استعمال السرجين في أواني الفخار فيحكم
بالنجاسة قطعاً، ومثله الماء الهارب من الحمام، لاطراد العادة بالبول فيه، فيحكم بالنجاسة، قاله الزركشي في " قواعده ".
ومثال ما يعتضد به الظاهر: مسألة بول الظبية إذا بالت، ووجد الماء عقب بولها متغيراً فيحكم بنجاسته،.
(اللحجي ص 33) .
ويقدم الظاهر على الأصل، لأن الظاهر أمر عارض على الأصل ويدل على
خلافه، ولأن الأصل إذا اعترض عليه دليل خلافه بطل، ولذلك أمثلة:
أ - القضاء بالنكول: فإن اعتباره في القضاء ليس إلا رجوعاً إلى مجرد القرينة
الظاهرة، فقدمت على أصل براءة الذمة.
(الزرقا ص 110) .
ب - مسألة العنّين: إذا ادعى الوصول إلى زوجته التي تزوجها بكراً، وأنكرت الوصول إليها، وقال النساء: إنها ثيب، فإن الوصول إليها من الأمور العارضة، فالأصل عدمه، لكن لما عارضه الظاهر، وهو الثيوبة، قُدم عليه، فكان القول للزوج.
(الزرقا ص. 11) .
جـ - إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر، فيكون مهر المثل شاهداً لقول الزوجة، ويكون الأصل، وهو عدم الزيادة التي تدعيها الزوجة، شاهداً للزوج، ولكن لما عارضه الظاهر، الذي هو شهادة مهر المثل المؤيدة لدعوى المرأة بالزيادة، قُدم عليه، فكان القول قولها.
(الزرقا ص 110) .
(1/118)

د - لو أشهد المشتري أنه يشتري هذا الشيء لفلان، ثم بعد أن اشتراه ادعى فلان أن شراءه كان بأمره، وأراد أخذه، وأنكر المشتري كونه بأمره، فالقول لفلان، فإن الأصل عدم الأمر من فلان، ولكن رجحت دعواه الأمر حيث أيدها الظاهر، وهو إشهاد المشتري على أنه يشتري له.
(الزرقا ص 110) .
هـ - لو دفع الوكيل بشراء شيء غير معين الثمن من دراهم الموكل، أو أضاف العقد إليها، فإن كلاً منهما ظاهر في نية الشراء للموكل، فإن تكاذبا في النية يكون القول قول من يشهد له هذا الظاهر من بائع أو مشتر.
(الزرقا ص 111) .
و لو اشترى دابة ثم اطلع على عيب قديم فيها، فركبها وجاء ليردها، فقال البائع: ركبتها لحاجتك، وقال المشتري: بل ركبتها لأردها، فإن القول للمشتري، وذلك لأن الظاهر من حاله لما جاء وابتدأ ردها راكباً، أن يكون الركوب لأجل الرد.
(الزرقا ص 111) .
الثالث: ما يرجح فيه الأصل على الأصح، وأمثلته لا تكاد تنحصر، كالشيء الذي لا يقين بنجاسته، ولكن الغالب فيه النجاسة، كثياب الخمارين والجزارين والكفار المتدينين بالنجاسة، والطرق التي يغلب نجاستها، والمقبرة المنبوشة التي لا يستيقن بنجاستها، بأن يحصل النبش في أطرافها، والغالب على الظن انتشار النجاسة فيها، وفي جميع ذلك قولان، أصحهما الحكم بالطهارة في الكل استصحاباً للأصل.
ونعلم أن الضعف هنا بالنسبة إلى قوة الأصل، وإلا فالظن الحاصل في هذه المسائل قوي من حيث هو..
(اللحجي ص 33) .
الرابع: ما يرجح فيه الظاهر على الأصح، وذلك إذا كان سبباً قوياً منضبطاً، وفيه فروع: منها لو شك بعد السلام في ترك ركن غير النية وتكبيرة الإحرام فإنه لا يؤثر على المشهور من القولين، لأن الظاهر مضيها على الصحة، والشرط كالركن على الأصح في عدم تأثير الشك فيه بعد السلام، أما الشك في النية وتكبيرة الإحرام فيؤثر على المعتمد أي فتلزمه إعادة الصلاة لشكه في أصل الانعقاد، ورجح بعضهم أن النية وغيرها سواء أي في عدم تأثير الشك بعد السلام.
(1/119)

وإذا تعارض أصل وظاهر فللمالكية قولان في المقدم منهما، ويختلف الأمر
باختلاف المسائل.
تعارض الأصل والظاهر عند المالكية
إذا تعارض أصل وظاهر فللمالكية في المقدم منهما قولان، ويتفق ذلك مع
تعارض الأصل والغالب، وفيهما مسائل:
أ - المشتري إذا وجد بالمبيع عيباً ظاهراً، وادّعى عدم العلم به وقت العقد، قُبل قوله في الرد بالعيب على قول مالك، تقديماً للأصل على الظاهر، لأن الأصل عدم العلم بالعيب، وقال ابن حبيب: لا يقبل قوله في الجهل بالعيب، تقديماً للظاهر على الأصل، لأن الغالب في العيب الظاهر أن يعلمه المشتري عند العقد، وعلمه به يُسقط حقه في الرد.
(الغرياني ص 74) .
ب - إذا تنازع بزاز ودباغ في جلد، أو قاض وجندي في رمح، أو عطار ونجار في مسك، أو حداد وعالم في كتاب، ولا بينة لواحد منهما على الآخر، قُضي بالجلد للدباغ، وبالرمح للجندي، وبالمسك للعطار، وبالكتاب للعالم، تقديماً للظاهر.
وهل بيمين أو بلا يمين، فيه خلاف بناء على قاعدة "العادة هل هي كالشاهد أو كالشاهدين؟ "
فإن عُدّت كالشاهد لزمت معها اليمين، وإلا فلا.
(الغرياني ص 74) .
جـ - الصلاة في المقبرة القديمة، فيها قولان، ففي قول تجوز بناء على تقديم الأصل وهو الطهارة، وفي قول لا تجوز، بناء على الظاهر؛ لاختلاط جثث الموتى بأجزاء الأرض.
(المقري 1/ 264) .
(1/120)

9 - الأصل والظاهر
إذا تنازع الخصمان اختلفت مزاعمهما نفياً وإثباتاً، ويحتاج القاضي في فصل
الخصومة إلى مرجح يرجح به، في مبدأ الأمر، زعم أحدهما على زعم الآخر، وإن وجوه الترجيح الأولية كثيرة منها: الأصل والظاهر، وهذا يقتضي التوضيح والبيان لكل منهما:
أولاً: الأصل
الأصل في اللغة: أسفل الشيء، ويطلق في الاصطلاح على معان عدة.
كالراجح، والدليل، وما يقابل الفرع، وبمعنى القاعدة التي تبنى عليها المسائل.
والمراد هنا بالأصل القاعدة المستمرة أو الاستصحاب.
والأصل له أنواع كثيرة، منها: براءة الذمة، وكون اليقين لا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، والأصل فيما جهل قدمه وجدته أن يعتبر قديماً إذا كان في ملك خاص، وحادثاً إذا كان في ملك غيره، والأصل في الكلام الحقيقة، والأصل في الصفات العارضة العدم، وفي الصفات الوجودية الوجود، والأصل في البيع أن يكون باتاً قطعياً.
والأصل في العقود - غير الزارعة بعد وجودها - أن تكون صحيحة، فلو
اختلف العاقدان في صحة البيع أو فساده، فالقول لدعي الصحة، أما المزارعة فالقول فيها قبل المزراعة لمدعي الفساد، وبعدها لرب البذر، سواء ادعى الصحة أو الفساد، والبينة لمدعي الصحة.
والأصل في الوكالة والعارية الخصوص، وفي المضاربة والشركة العموم.
والأصل فيما لا يعلم إلا من جهة أحد الخصمين، أو كان أحدهما أدرى من
الآخر، أن يقبل قوله فيه بيمينه، ولذا قبلوا قول المرأة في انقضاء عدتها، والمدة
(1/121)

تحتمل، أو عدم انقضائها، بيمينها، لكون ذلك لا يعلم إلا من جهتها، وقبلوا قول المملِّك في بيان جهة التمليك، وقول الدافع في بيان جهة الدفع، لأنهما أدرى بها ممن تلقى الملك أو القابض، فلو ادعى المملك القرض، وادعى الآخر الهبة مثلاً.
فالقول قول المملِّك، وكذا لو كان عليه دينان، وبأحدهما رهن أو كفيل، فدفع له مبلغاً من المال، ثم اختلفا، فطلب الدافع ردَّ الرهن عليه بزعم أن ما دفعه عن دين الراهن، أو زعم براءة الكفيل، وأن ما دفعه إنما دفعه عن دين الكفالة، وزعم الدائن أنه عن الدين الآخر، فالقول قول الدافع بيمينه؛ لأن المملك والدافع أدرى بجهة التمليك والدفع.
والأصل في البيع هو الجد لا الاستهزاء، فلو اختلف المتعاقدان فيهما فالقول
لمدعي الجد، لأنه الأصل.
والأصل في مطلق الشركة التنصيف، فلو أقر بأن هذا الشيء مشترك بيني وبين فلان، أو هو لي ولفلان، أو هو بيني وبينه، فهو على المناصفة، فيكون القول قول من يدعيها، لأنها الأصل، ومن يدعي خلافها فعليه البرهان، إلا إذا بين المقر خلاف المناصفة موصوفاً بإقراره، كقوله: هو مشترك بيني وبينه أثلاثاً، ثلثاه لي، وثلثه له مثلاً، صدق، والظاهر أنه يصدق بيمينه.
والأصول يعسر استقصاؤها في كل عقد أو تصرف، أو عبارة، وإن هذه الأصول يتداخل بعضها في بعض، لأن بعضها فرع عن الآخر، كفرعية
"بقاء ما كان على ما كان " وفرعية "اليقين لا يزول بالشك "
وفرعية "براءة الذمة" عن "الأصل في الصفات العارضة العدم ".
ومتى تنازع شخصان، وكان أحدهما يشهد له أصل من هذه الأصول يترجح قوله حتى يقوم دليل على خلافه، لقولهم: إن القول قول من يشهد له الأصل.
ثانياً: الظاهر
وهو الحالة القائمة التي تدل على أمر من الأمور، وهو قسمان:
القسم الأول: هو ما لم يصل في الظهور إلى درجة اليقين، وهو قسيم الأصل، ويقع به الترجيح في الابتداء، وتحته نوعان:
(1/122)

النوع الأول: وهو تحكيم الحال الذي يتوصل به إلى الحكم بوجود أمر في الماضي، بأن يجعل ما في الحاضر منسحباً على الماضي، وهو الاستصحاب المعكوس.
النوع الثاني: وهو دلالة الحال التي ليس فيها سحب ما في الحاضر على الماضي، بل يستأنس بها، ويعتمد عليها في ترجيح أحد الزعمين على الآخر، وهذه أمثلته:
أ - وضع اليد: فلو ادعى شخصان ملك عين، وهي في يد أحدهما، فإن القول قول ذي اليد.
ب - الحمولة على الجدار، واتصال التربيع فيه، فإنه يترجح به زعم من يشهد له أحدهما من الخصمين على الآخر.
جـ - تأييد مهر المثل لقول أحد الزوجين، فيما لو اختلفا في مقدار المهر المسمى، فادعى الزوج الأقل، وادعت الزوجة الأكثر، فإن القول لمن يشهد له مهر المثل بيمينه، فإن كان كما قال أو أقل فالقول قوله، وإن كان كما قالت أو أكثر، فالقول قولها في الزيادة.
د - تأييد نقصان الثمن المسمى عن ثمن المثل فيما لو تبايعا عقاراً، ولم ينصَّا على البتات، ثم اختلفا فادعى أحدهما أن البيع كان باتاً، والآخر أنه كان وفاءً، فإن القول لمدعي البتات، لأنه الأصل في البيع، إلا إذا كان الثمن المسمى ناقصاً عن ثمن المثل، فإن القول حينئذ لمدعي الوفاء، لأن الظاهر شاهد له.
هـ - تأييد قرائن الحال فيما إذا كان رجلان في سفينة مشحونة بالدقيق، فادعى كل واحد السفينة وما فيها، وأحدهما يعرف ببيع الدقيق، والآخر يعرف بأنه ملاح، فإنه يحكم بالدقيق للذي يعرف ببيعه، وبالسفينة للذي يعرف بأنه ملاح، عملاً بالظاهر من الحال.
و لو بعث الزوج إلى زوجته شيئاً، ثم اختلفا، فقالت: أرسلته هدية، وقال: أرسلته من المهر، فالقول قول الزوج بيمينه في غير المهيأ للأكل، لأن الهدية تبرع، والمهر واجب في ذمته، والظاهر أنه يسعى في إسقاط الواجب عن ذمته.
(1/123)

ويجري هذا الحكم بين كل دائن ومدين وقع بينهما نظير هذا الاختلاف، يؤيد ذلك أن المدين إذا كان له كفيل، وقد كفله بأمره، فدفع له الدين، فإن كان دفعه له على وجه قضاء الدين، ثم أراد استرداده منه فإنه ليس له ذلك؛ لأنه ملكه بالدفع.
وإن كان دفعه له على وجه الرسالة، ليدفعه إلى الطالب.
ثم أراد استرداده منه فله الاسترداد، لأنه أمانة في يد الكفيل، وإن أطلق المدين عند الدفع للكفيل ولم يبين أنه على وجه القضاء أو الرسالة، فإنه يقع عن القضاء فلا يملك استرداده، فقد حمل عند الإطلاق على جهة القضاء لما عيه من الدين، لكون القضاء فيه تفريغ الذمة.
وإسقاط الواجب، والأليق بالمدين أن يكون ساعياً وراء ذلك.
ز - ظهور الثيوبة أو البكارة، كما لو تزوج العنين بكراً، ثم طلبت التفريق بدعوى عدم وصوله إليها، وادعى هو الوصول، فأراها الحاكم للنساء، وقلن إنها ثيب أو بكر، فإن القول لأحدهما لمن يشهد له الحال من الثيوبة والبكارة.
ح - اللقطة: يجب دفعها إلى واصفها، نص عليه أحمد، وإن وصفها اثنان فهي لهما، وقيل: يقرع بينهما.
(ابن رجب 2/ 386) .
ط - الأموال المغصوبة، والمنهوبة، والمسروقة، كالموجودة مع اللصوص وقطاع الطريق ونحوهم، يكتفى فيها بالصفة.
(ابن رجب 2/ 386) .
ي - تداعى الموجر والمستأجر دفناً في الدار، فهو لواصفه منهما.
(ابن رجب 2/ 387) .
ك - اللقيط: إذا تنازع اثنان أيهما التقطه، وليس في يد أحدهما، فمن وصفه منهم، فهو أحق به.
(ابن رجب 387/2) .
ل - من وجد ماله في الغنيمة قبل القسمة فإنه يستحقه بالوصف ونحوه مما يدل على أنه له.
(ابن رجب 387/2) .
م - الأصل في باب الخصومات، أو عند المنازعة، أن القول قول من يشهد له الظاهر (السرخسي 5 1/ 6 1، 88، 6 1/ 9 1) .
(1/124)

ن - إذا ادعى الأمين رد الوديعة على مودعها أو أنها تلفت عنده بغير تعد أو
تقصير، وأنكر المودع الرد أو التلف، ولا بينة للمودع ولا الأمين، فالقول هنا للأمين مع يمينه، لأنه متمسك بأصل ظاهر وهو براءة ذمته من الضمان، والمودع يدعي شغل ذمته، فالظاهر شاهد للأمين، فيكون القول قوله (البورنو 2/ 50) .
فهذه مقتضيات الترجيح الأولية التي يتقوى بها زعم أحد المتنازعين على الآخر، والتي يجمعها كلمتا: الأصل والظاهر.
القسم الثاني: وجوه الترجيح الثانوية، غير اليقينية، وهي حجج الشرع الثلاث:
البينة، والإقرار، والنكول عن اليمين، وكذا القرينة القاطعة المذكورة في المادة 1741 من المجلة، ويزاد عليها فرع العيب الذي لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة
والخَيَف، فهي من فروع الأمارة القاطعة التي ذكرت في هذه القاعدة.
فإذا تعارض أحد هذه المرجحات الثانوية مع أحد المرجحات الأولية التي هي
الأصل والظاهر، فإنه يتقدم عليها، ويترك الأصل والظاهر، لأن الترجيح بهما إنما كان استئناساً حتى يقوم دليل أقوى على خلافهما، فإذا قام عليه أحد الأدلة الأربعة القوية، التي هي في نظر الشرع تعتبر بمنزلة اليقين، يتبع ويحكم بمقتضاه دون الأصل والظاهر.
وإذا وصل المرجح الظاهر في الظهور إلى درجة اليقين القطعي فإنه يترجح على البينة، حتى لا تقام على خلافه، وله أمثلة:
أ - إذا ادعى الوصى أنه أنفق على اليتيم، أو على عقاره مبلغاً معيناً، فإن كان مبلغاً لا يكذبه فيه الظاهر، فالقول قوله بيمينه، وإن كان مبلغاً يكذبه فيه الظاهر فإنه
(1/125)

لا يقبل قوله فيه، ولو أراد أن يقيم على ذلك بينة لا تقبل بينته أيضاً.
(الزرقا ص 112) .
ب - لو ادعى رجل دابة في يد آخر، وذكر أنها ملكه، ومنتوجة عنده، وأقام بينة شهدت بذلك، وأرخت النتاج بتاريخ تنافيه سن الدابة وتكذبه، ترد الشهادة، وتترك الدابة في يد من هي في يده.
ولو تنازع رجلان الدابة التي هي في يد ثالث، وكل منهما يدعي ملكه لها.
ونتاجها عنده، وأقام كل منهما بينة شهدت له بالملك والنتاج، وأرخت البينتان النتاج بتاريخين مختلفين، وكانت سن الدابة توافق أحد التاريخين دون الآخر، يحكم بالدابة لمن وافقت سنها التاريخ الذي أيد بينته.
وإن رد الشهادة المخالفة لسن الدابة لما أرخته البينة دليل على أنه لو بئين المدعي في دعواه تاريخاً للنتاج، وظهر مخالفة سن الدابة للتاريخ الذي ذكره ترد دعواه من أصلها، ولا يكلف إقامة البينة.
(الزرقا ص 112) .
ص - لو أقر شخص بنسب ولد مجهول النسب وهو في سنه، أو أكبر منه، أو في سن قريبة منه، فلا يقبل هذا الإقرار ولا يثبت به النسب، لأن ظاهر الحال يكذبه، فلا يولد مثله لمثل المقر، فيبطل الإقرار، ولا تقبل عليه البينة بالأولى، لأن الإقرار قد بطل، مع أنه أقوى من البينة، حتى لو أقر الخصم في دعوى، بعد إقامة البينة، فقضى الحاكم عليه، يعتبر القضاء قضاء بإقراره لا بالبينة، إلا في سبع مسائل يقضي فيها بالبينة دون الإقرار، ستمر في قاعدة "لا ضرر ولا ضرار ".
(م/ 19) .
(الزرقا ص 113) .
ولذلك يقول الفقهاء: "إن البينات تقام لإثبات خلاف الظاهر"
والمراد من الظاهر النوع الأول الذي يعتبر قسيم الأصل، ويقع به الترجيح في الابتداء حتى يثبت خلافه، ولا يراد النوع الثاني الذي وصل في الظهور إلى درجة يطرح معها احتمال خلافه.
وإن ترجيح زعم أحد المتخاصمين على زعم الآخر في الابتداء
يكون بشهادة الأصل أو الظاهر حتى يقوم دليل من المرجحات الثانوية على خلافه، فإذا كان الأصل شاهداً
(1/126)

لجهة، والظاهر لجهة يرجح زعم من يشهد له الظاهر غالباً، وإذا عارض الأصلَ أو الظاهرَ شيءٌ من المرجحات الثانوية يقدم عليهما، وهذا في النوع الأول من الظاهر، أما النوع الثاني فإنه لا تقام بينة على خلافه، لأن احتمال خلافه معدوم.
وبهذا يظهر أن القول الراجح هو قول من يتمسك ببراءة ذمته؛ لأنه يشهد له
الأصل، وهو عدم شغلها، حتى يقوم دليل على خلافه.
(الزرقا ص 113) .
وكل ذلك يدخل تحت القاعدة الفقهية "الأصل براءة الذمة".
(م/8) وهي متفرعة عن القاعدة الرئيسية "اليقين لا يزول بالشك " (م/ 4) والبراءة الأصلية يقين مبدئياً حتى يثبت خلافه بدليل.
10 - تعارض الأصل والغالب
الأصل هو القاعدة المستمرة أو الاستصحاب، كما سبق.
والغالب: هو رجحان الظن بما يخالف الأصل، وقد يُعبر عنه بالظاهر.
فإذا تعارض الأصل، وهو البراءة الأصلية مع الغالب، وهو رجحان الظن بما
يخالف الأصل، فأحياناً يقدم الأصل على الغالب بالإجماع، كما في دعوى الدَّين.
فمن ادعى ديناً، دعوى مجردة عن بينة، فلا تقبل دعواه، ولو كان أصلح أهل زمانه مع أن الغالب صدقه، لأن الأصل براءة ذمة المدين، فلا ينقل عن البراءة الأصلية إلا بدليل، ويدل لذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بينتك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذلك ".
وأحياناً يقدم الغالب بإجماع، كما في العمل بالبينة إذا شهدت، فإن الغالب
صدقها، والأصل براءة ذمة المشهود عليه، فمن كان له بينة حكم له بها على خلاف البراءة الأصلية.
(1/127)

وأحياناً يكون التعارض بين الأصل والغالب محل اجتهاد، فيغلّب الأصل تارة، لترجّحه بالظواهر وقرائن الأحوال، وتارة يقدم الغالب لقواعد أخرى في الشريعة، كاعتبار العادة بشاهدين في قول، فيقدم الغالب على الأصل، وقاعدة الغالب كالمحقق في قول، فيقدم على الأصل، كما في القول بنجاسة لباس الكافر وغير المصلي، تغليباً على الأصل بطهارتهما.
11 - أقسام الاشتباه
الاشتباه ثلاثة أقسام:
الأول: يوجب المنع من الكل، فيما إذا اشتبهت الميتة بالمذكاة، والطاهر
بالنجس، والمباح نكاحها بالمحرَّم، والطاهر من المآكل بالنجس.
الثاني: ما يوجب استعمال الكل، وهو: فيما إذا اشتبه الطاهر بالطهور.
والثياب الطاهرة بالنجسة.
الثالث: ما يوجب التحري والاجتهاد، وهو فيما إذا اشتبهت القبلة، وإذا
اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة وكثر عدد النجس.
وقال المالكية: الحكم عند الاشتباه التحري، ما لم يتيسر اليقين على الأصح، فإذا تيسر اليقين امتنع التحري، بأن كان معه ما تتيقن طهارته، أو كان قريباً من شط نهر، فلا يجوز له التحري حينئذ، فإن تعذر التحري فطلب البراءة ما لم يعارض ساقط الحرج على الأصح، وفي التيمم للوقت عند الاشتباه في الأواني.
واشترط قوم في التحري نفي البدل، واشترط آخرون غلبة المجزئ.
ويتفرع على القاعدة الأساسية عدة قواعد فرعية، وهي القواعد الآتية، وعددها خمس عشرة قاعدة.
(1/128)

القاعدة: [3]
1 - الأصل بقاء ما كان على ما كان (م/5)
الألفاظ الأخرى
- القديم يترك على قدمه.
- الأصل عدم المسقط والأصل بقاء ما وجب.
- ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.
التوضيح
سبق البيان أن الأصل في اللغة: أسفل الشيء، ويطلق في الاصطلاح على معان كثيرة، منها أنه يستعمل بما يقابل الفرع، وبمعنى الراجح، وبمعنى المستصحب، وبمعنى الدليل، وبمعنى القاعدة التي تبنى عليها المسائل، والمنطبقة على جزئياتها.
وهذا المعنى الأخير هو المراد هنا.
وتعني القاعدة: أن الواقع أو الحكم الذي ثبت في الزمان الماضي، ثبوتاً أو نفياً، يبقى على حاله، ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره، أو أن الأس والمعيار في الأمور المتأخرة أن تبنى على الأمور المتقدمة، فإذا جهل في وقت الخصومة حال الشيء، وليس هناك دليل يُحكم بمقتضاه، وكان لذلك الشيء حال سابقة معهودة، فإن الأصل في ذلك أن يحكم ببقائه واستمراره على تلك الحال المعهودة التي كان عليها حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، فيصار حينئذ إليه (1) .
__________
.
(1) قال ابن خطيب الدهشة رحمه الله تعالى:
"استصحاب الحال حجة على الصحيح".
مختصر من قواعد العلائي والإسنوي 2/ 432، 451، 29 اً.
(1/129)

ويعتمد الدليل المخالف على أحد أربعة أشياء: البينة، والإقرار، والنكول.
والأمارة الظاهرة، إلا أن النكول يرجع إلى مجرد القرينة الظاهرة.
وهذه القاعدة مع القواعد الآتية من فروع القاعدة الرئيسية
"اليقين لا يزول بالشك " وداخلات تحتها، وتدخل فروعها في اليقين والشك.
كما تشير هذه القاعدة إلى مبدأ الاستصحاب، وهو دليل شرعي مختلف في حجيته كما قرر علماء الأصول.
التطبيقات
أ - من تيقن الطهارة، وشك في الحدث فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو محدث، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
(اللحجي ص 28) .
خلافاً للمالكية الذين قالوا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث، فالمشهور أنه يعيد الوضوء.
(الروقي ص 274، الغرياني ص 483) .
2 - إذا مس الرجل الخنثى، او لمسه، فلا ينتقض وضوءُه، لأنه كان متطهراً، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
(اللحجي ص 28) .
3 - أحرم بالعمرة، ثم بالحج، وشك هل كان أحرم بالحج قبل طواف العمرة فيكون صحيحاً، أم بعده فيكون باطلاً؟
حكم بصحة إحرامه، وكذا إذا أحرم بالحج، وشك هل كان في أشهر الحج أم قبلها؟ كان حجاً.
(اللحجي ص 28) .
4 - أكل آخر النهار بلا اجتهاد، وشك في الغروب، بطل صومه، لأن الأصل بقاء النهار، ولو أكل آخر الليل، وشك في طلوع الفجر، صح صومه، لأن الأصل بقاء الليل، ولو نوى الصوم.
وشك هل طلع الفجر أم لا؟
صح صومه بلا خلاف..
(اللحجي ص 28) .
(1/130)

5 - تعاشر الزوجان مدة مديدة، ثم ادعت عدم الكسوة والنفقة، فالقول قولها، لأن الأصل بقاؤهما في ذمته وعدم أدائهما.
(اللحجي ص 28، الزرقا ص 88) .
6 - اشترى ماء، وادعى نجاسته، ليرده، فالقول قول البائع، لأن الأصل طهارة الماء.
(اللحجي ص 28، الغرياني ص 482) .
7 - ادعت الرجعية امتداد الطهر، وعدم انقضاء العدة، صدقت، ولها النفقة، لأن الأصل بقاؤها.
(اللحجي ص 28، الزرقا ص 88) .
8 - المفقود، وهو الغائب غيبة منقطعة، أي انقطع خبره، ولا تعلم حياته ولا موته، فإنه يعتبر حياً إلى أن يثبت موته حقيقة بالبينة، أو حكماً بأن يقضي القاضي بموته بعد موت جميع أقرانه، أو بلوغه التسعين سنة من عمره، وإلا يحكم أنه حي بحكم هذا الأصل، فلا يقسم، قبل ذلك، ماله بين ورثته، ولا تفسخ إجارته، ولا تؤخذ وديعته من مودعه.
ولا تتزوج امرأته بآخر.
(الزرقا ص 91، الدعاس ص 13) .
9 - ولو مات مسلم، وله امرأة نصرانية، فجاءت مسلمة بعد موته، وقالت: أسلمت قبل موته، وقال الورثة: أسلمت بعد موته، فالقول قول الورثة عملاً بالاستصحاب إلا أن تثبت إسلامها قبل موته بالبينة..
(الدعاس ص 13، الزرقا ص 91) ويشهد لهم ظاهر الحدوث أيضاً، حيث يضيفون إسلامها الحادث لأقرب أوقاته.
10 - المدين: لو ادعى المستقرض دفع الدَّيْن إلى المقرض، أو ادعى المشتري دفع الثمن إلى البائع، أو ادعى المستأجر دفع بدل الإجارة إلى المؤجر، وأنكر المقرض والبائع والمؤجر القبض، فالقول قولهم، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان وهو مبلغ القرض، والثمن، والأجرة، بعد ثبوتها في الذمة.
(الزرقا ص 88، الدعاس ص 13) .
لأن هذه الديون تعتبر باقية في ذمم الملتزمين بها، ما لم يثبتوا الدفع، لأنها
كانت مستحقة بيقين، ولهم تحليف أصحابها اليمين على عدم القبض، فإذا حلفوا قضي لهم.
(الدعاس ص 13) .
11 - لو باع إنسان شيئين صفقة واحدة، فهلك أحدهما عند المشتري، وجاء
(1/131)

بالآخر ليرده بعيب فيه على البائع بحصته من الثمن، فاختلفا في قيمة الهالك، فالقول للبائع، لأن الثمن جميعه ثابت في ذمة المشتري، فالأصل بقاء القدر المختلف فيه في ذمته، حتى يبرهن على دعواه.
(الزرقا ص 88) .
12 - يوافق قاعدة الاستصحاب ما ذكره الأصوليون
"أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نص بخلافه ".
(الدعاس ص 14) .
13 - إذا اختلف المتبايعان في قبض الثمن.
فالقول قول البائع أنه لم يقبض؛ لأنه متمسك بالأصل.
وإذا اختلف المتبايعان في قبض المبيع، فالقول قول المشتري؛ لأنه
متمسك بالأصل، إلا أن تكون هناك عادة فيعمل بها.
وإذا اختلفا في انقضاء أجل الخيار فالقول لمشترط الخيار، لترجح جانبه بأنه الطالب له، والأصل الاستمرار والبقاء على الخيار.
(الغرياني ص 355، الونشريسي ص 386) .
14 - إذا اختلف المتبايعان في تاريخ انعقاد البيع، وادعى المشتري أن العيب
بالمبيع قديم قبل العقد، وخالفه البائع، فادعى أنه حادث بعد العقد، فقيل القول للمشتري، استصحاباً لحال عدم انعقاد البيع، لأن الأصل عدمه، وقيل القول للبائع، استصحاباً لكون البيع منعقداً، فلا ينقض بالدعوى.
(الغرياني ص ا35)
15 - من اشترى سلعة على رؤية متقدمة، فادعى أن المبيع قد تغير عن حالته التي رآه عليها، وأن البيع منحل، فقال ابن القاسم: القول قول البائع؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقال أشهب: القول قول المشتري، لأن الأصل براءة ذمته من الثمن.
(الغرياني ص ا35، الونشريسي ص 388) .
16 - من ادُّعي عليه بشيء من غير بيِّنة لا يلزمه، لأن الأصل براءة الذمة.
(الغرياني ص 482) .
المستثنى
1 - لو مات نصراني مثلاً، فجاءت امرأته مسلمة: وقالت: أسلمت بعد موته، فلي الميراث، اعتماداً على القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فكانت
(1/132)

نصرانية، وتبقى كذلك حتى الموت، فترث، ثم أسلمت، فلا يقبل قولها، لأن الورثة يقولون: أسلمت قبل موته، فلا ميراث لها، فالقول قول الورثة لا المرأة.
فالمرأة تريد التمسك بالاستصحاب الحقيقي، وهو استمرارها إلى ما بعد موت زوجها على دينه الذي كانت تدين به، فهذا الاستصحاب لا يكفي حجة للاستحقاق، والورثة يدفعونها عن استحقاق الإرث، لقاعدة: "يضاف الحادث إلى أقرب أوقاته". (م/ 10)
ويتمسكون بالاستصحاب المعكوس، وهو انسحاب مانع
الإرث القائم بالمرأة حين الخصومة، يعني؛ إسلامها، إلى ما قبل موت الزوج، والاستصحاب يكفي حجة للدفع، فكان القول قولهم.
(الزرقا ص 91) .
2 - إن المفقود لا يستحق الميراث من غيره، ولا يستصحب حال حياته، بل يعتبر ميتاً في جانب الاستحقاق من غيره، لأن استصحاب حياته السابقة لا يكفي حجة للاستحقاق، فلا يرث من غيره، بل يوقف نصيبه من المورث، فإن ظهر حياً أخذه.
وإن ثبت موته حقيقة أو حكماً أعيد النصيب إلى ورثة ذلك المورث..
(الزرقا ص 91) .
وفي المثالين السابقين تمسك الحنفية بمبدأ أن الاستصحاب يصلح حجة للدفع، لا للاستحقاق، وإنَّما كان الاستصحاب غير حجة في الاستحقاق؛ لأنه من قبيل الظاهر، ومجرد الظاهر لا ينتهض حجة في إلزام الغير، ولما كان الاستحقاق على الغير إلزاماً له لم يكتف فيه بالظاهر، ولذلك قال الكرخي في " أصوله ": "الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق، ولا يوجب الاستحقاق " وقال النسفي في شرح ذلك:
"من مسائل هذا الأصل أن من كان في يده دار، فجاء رجل يدعيها، فظاهر يده يدفع استحقاق المدعي، حتى لا يقضى له إلا بالبينة، ولو بيعت دار لجنب هذه الدار فأراد أخذ الدار المبيعة بالشفعة بسبب الجوار لهذه الدار، فأنكر المدعى عليه أن تكون هذه الدار الي في يده مملوكة له، فإنه بظاهر يَدِه لا يستحق الشفعة ما لم يثبت أن هذه الدار ملكه ".
(الزرقا ص 92) .
3 - إذا ادعى المودَع عنده ردّ الوديعة، أو هلاكها، والمالك ينكر، فالقول للمودع عنده، مع أن الأصل بقاؤها عنده، وذلك لأن كل أمين ادعى رد الأمانة إلى
(1/133)

مستحقها فالقول قوله بيمينه، لأن الاصل براءة الذمة، وعدم التعدي والتقصير.
(الزرقا ص 93) .
4 - لو ادعت المرأة مضي عدتها في مدة تحتمل ذلك، صدقت بيمينها، مع أن الأصل بقاء العدة بعد وجوبها، وذلك لأن مضي العدة من الأمور التي لا تعلم إلا منها، فإذا لم يقبل قولها في مضيها لا يمكن ثبوت مضيها أصلاً، فقبل قولها في ذلك ضرورة.
(الزرقا ص 93) .
5 - المفقود الذي رئى في المعترك، فالأصل بقاء حياته، والغالب فيه موته بسبب القتال والقتل، ويحكم بموته.
(الروقي ص 290) .
(1/134)

القاعدة: [4]
2 - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه
ما لم يقم الدليل على خلافه (م/10)
الألفاظ الأخرى
- ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.
- القديم يترك على قدمه.
التوضح
إن وجود الشيء في الماضي يعتبر باقياً باستصحاب الحال، سواء كان ثبوت الملك الماضي بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، ويعتبر ذلك أصلاً يعتد به، ما لم يوجد ما يغيره، فإذا وجد ما يغيره فهو اعتراض على الأصل ودليل على خلافه فيبطله، ويعمل بالثاني.
وهذه القاعدة قريبة من قاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان" (م/ 5)
حتى يثبت ما يغيره ويزيله، فيحكم بما ثبت خلافاً للأصل.
والأخذ بالقاعدة يفيد في استقرار الأمور وثبوتها حتى يثبت ما يغيرها ويزيلها.
التطبيقات
أ - إذا ثبت في زمان ملك شيء لأحد، يحكم ببقاء الملك له ما لم يوجد ما يزيله، سواء كان ثبوت الملك الماضي بالبينة أو بإقرار المدعى عليه.
(الزرقا ص 121) .
(1/135)

2 - تقبل الشهادة بالملك المنقضي، أي الماضي، ويقبل الإقرار به أيضاً.
(الزرقا ص 121) .
3 - ادعى أحد ديناً في ذمة حي أو ميت، وشهد به الشهود، يكفي ولا حاجة أن يُتبينوا أن هذا الدين باق في ذمته إلى حين وفاته.
(الدعاس ص 14) ، وتقبل الشهادة، ويحكم بها.
(الزرقا ص 122، المجلة م/ 1694) .
4 - ادعى اثنان عيناً، مالاً أو عقاراً، وأقام كل واحد منهما بينة أنها ملكه، وقد أرخا تاريخاً، ينظر إلى الأسبق تاريخاً، فمن كان أسبق تاريخاً ترجحت بينته؛ لأنها أظهرت له الملك في وقت لا ينازعه فيه الخصم، فيحكم ببقاء الملك له إلى أن يثبت الخصم سبباً مزيلاً ليحكم له.
(الدعاس ص 14) .
5 - أن يدعي شخص ملكاً خالياً عن الأسناد إلى الماضى، بأن يقول: العين التى بيد المدعى عليه هي ملكي، سواء بين سبباً للملك أو لا، ويشهد الشهود له بالملك في الماضي، فيقولون: إنها كانت ملكه، أي في صورة ما إذا أطلق المدعي الملك، أو يقولون: إنها كانت ملكه بالسبب الذي ادعاه، أي في صورة ما إذا بيِّن المدعي سبباً للملك، فتصح الدعوى من المدعي، وتقبل من الشهود، ويحكم القاضى للمدعي بالملك؛ لأنه لما ثبت ملكه في الزمن الماضى فالأصل أن يحكم ببقائه، حيث لم يقم
دليل على خلافه إلى أن يوجد ما يزيله.
كأن يقيم المدعى عليه بينة على الشراء منه مثلاً.
(الزرقا ص ا12) .
المستثنى
1 - أن يدّعي شخص ملكاً ماضياً، فيقول: إنها كانت ملكي، ويشهد الشهود بالملك المطلق الآن، فإن الدعوى غير صحيحة، وشهادة الشهود المترتبة عليها غير مقبولة أيضاً، لأن إسناد المدعي ملكه إلى الماضي يدل على نفي الملك في الحال؛ إذ لا فائدة للمدعي في إسناده مع قيام ملكه في الحال، بخلاف الشاهدين لو أسندا ملكه إلى الماضي؛ لأن إسنادهما لا يدل على النفي في الحال؛ لأنهما قد لا يعرفان بقاءه إلا بالاستصحاب.
(الزرقا ص 121 - 122) .
(1/136)

2 - أن يدعي شخص ملكاً ماضياً، ويشهد الشهود بالماضي أيضاً.
فلا يحكم له؛ لأن دعوى المدعي غير صحيحة، وشهادة الشهود المترتبة عليها غير مقبولة أيضاً، لأنه أثبت ملكه في الماضي.
وهذا يدل على نفي ملكه في الحال.
(الزرقا ص 121)
(1/137)

القاعدة: [5]
3 - الأصل في الصفات العارضة العدم (م/9)
الألفاظ الأخرى
- الأصل في الأمور العارضة العدم.
- الأصل في الصفات العارضة العدم.
كما أن الأصل في الصفات الأصلية
الوجود حتى يقوم الدليل على خلافه.
- الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم.
- الأصل العدم.
التوضيح
الصفات بالنسبة إلى الوجود والعدم على قسمين:
الأول: الصفات التي يكون وجودها في الشيء طارئاً وعارضاً، بمعنى أن الشيء بطبيعته يكون خالياً عنها غالباً، وهذه تسمى الصفات العارضة، والأصل فيها العدم، ومثل هذه الصفات غيرها من الأمور التي توجد بعد العدم كسائر العقود والأفعال، فما كان عدمه هو الحالة الأصلية أو الغالبة، فيكون أمراً عارضاً، ويكون العدم هو المتيقن، لأنه هو الحالة الطبيعية، ويكون تغيره إلى الوجود عارضاً مشكوكاً فيه.
الثاني: الصفات التي يكون وجودها في الشيء مقارناً لوجوده، فهو مشتمل عليها بطبيعته غالباً، وتسمى الصفات الأصلية، والأصل فيها الوجود والبقاء حتى يثبت
(1/138)

إزالتها، كالبكارة، وسلامة المبيع من العيوب، والصحة في العقود بعد انعقادها.
ويلحق بالصفات الأصلية الصفات العارضة التي ثبت وجودها في وقت ما، فإن الأصل فيها حينئذٍ البقاء بعد ثبوت وجودها.
التطبيقات
1 - اختلف العاقدان في سلامة المبيع من العيوب وعدم سلامته كالمرض، أو في صحة البيع مثلاً وفساده، فالقول لمن يتمسك بسلامة المبيع، وصحة العقد، لأنه يشهد له الأصل، بخلاف ما لو اختلف المتعاقدان في صحة البيع وبطلانه، فإن القول قول من يتمسك بالبطلان، لأن الباطل غير منعقد، فهو ينكر وجود العقد، والأصل عدمه.
(الزرقا ص 117، الدعاس ص 15) .
2 - لو اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعدمه، فالقول قول المضارب بيمينه، والبينة على رب المال لإثبات الربح.
(الدعاس ص 15، الزرقا ص 118، ابن نجيم ص 83، السدلان ص 143) .
والمضاربة: عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين والعمل في الجانب الآخر، والمضارب: من يستحق الربح بعمله وتعبه.
3 - لو زعم ورثة عاقد أن مورثهم كان حين التعاقد مجنوناً فاقداً لأهلية الأداء، فعقده باطل، وأنكر الخصم، اعتبر العاقد عاقلاً حتى يثبت جنونه، لأن الجنون آفة عارضة، والفطرة الأصلية الغالبة هي العقل السليم.
(الدعاس ص 15) .
4 - لو قال الوصى: لم أتجر في مال اليتيم، أو اتجرت ولم أربح أصلاً، أو ما
ربحت إلا كذا، فالقول قوله؛ لأن الأصل العدم.
(الزرقا ص 118) .
5 - لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم الرضيع، ولم يعلم هل دخل اللبن في حلقه أو لا، فإن النكاح لا يحرم؛ لأن الأصل عدم المانع الذي هو دخول اللبن..
(الزرقا ص 118) .
(1/139)

6 - لو اختلف البائع والمشتري في قبض المبيع أو الثمن، أو اختلف المؤجر
والمستأجر في قبض المأجور أو بدل الإجارة، فالقول لمنكر القبض في جميع ذلك؛ لأن الأصل عدمه.
(الزرقا ص 118) .
7 - لو اختلف البائع والمشتري في شرط الخيار، فالقول لمنكره، لأنه صفة عارضة.
(الزرقا ص 118) .
8 - لو دفع إنسان لآخر شيئاً، ثم أراد استرداده مدعياً أنه دفعه له عارية، وقال القابض: إنك كنت بعتني إياه، أو وهبتني إياه، فالقول للدافع في كونه عارية؛ لأن الأصل عدم البيع والهبة.
(الزرقا ص 119) .
9 - لو قال رجل لامرأته: إن لم أدفع لك نفقتك اليوم فأنت طالق، ثم مضى اليوم، فاختلفا، فقال: دفعتها لك، وقالت: لم تدفعها لي، فالقول قولها، ويترتب عليه وقوع الطلاق.
بخلاف ما لو قال لها: إن لم أدخل الدار اليوم فأنت طالق، ثم اختلفا، فقال:
دخلتُ، وقالت: لم تدخل، فإن القول قوله، وإن كان الأصل عدم الدخول، وذلك لأن الشرط المعلق عليه إذا كان مما يصح التنازع فيه لذاته بقطع النظر عن التعليق، كوصول النفقة وعدمه، فينظر حينئذ إلى صورة التنازع، فيكون القول قول منكره.
وهو هنا الزوجة، لأن الأصل عدم وصول النفقة إليها، وأما إذا كان الشرط مما لا يصح التنازع فيه لذاته، كدخول الدار وعدمه، فإنه لا ينظر إلى صورة التنازع، لأنه غير يمكن، بل ينظر فيه إلى المقصود منه، وهو وقوع الطلاق أو عدمه، ولما كان مقصود الزوج بدعواه الدخول إنكار وقوع الطلاق، كان القول قوله؛ لأن الأصل عدم الوقوع، وأمثلة ذلك كثيرة في الفروع.
(الزرقا ص 119) .
وإذا قام دليل على خلاف ذلك الأصل، بأن كان الظاهر معارضاً له، فإن الأصل يترك، ويترجح جانب الظاهر، كما قالوا في زوجة العنين لو ادعت عليه عدم وصوله إليها، وادعى هو الوصول، وكانت بكراً حين العقد، فإن الحاكم يريها حين الخصومة للنساء، فإن قلن إنها بكر فالقول قولها، وإن قلن إنها ثيب فالقول قوله في
(1/140)

الوصول إليها، مع أن الأصل عدم الوصول، لأن ظهور ثيوبتها مؤيد لدعواه، فترك به الأصل، وهذا من تعارض الأصل والظاهر، وترجيح الظاهر.
(الزرقا ص 119) .
15 - إذا نوى ليلة الشك إن كان غداً من رمضان فهو فرض، وإلا فهو نفل، لم يجزئه؛ لأنه لم يجزم بالتعيين، مع اشتراط نية التعيين لرمضان في المشهور.
(ابن رجب 2/ 14) .
المستثنى
1 - لو تصرف الزوج في غلات زوجته، ثم ماتت، فادعى أن تصرفه كان بإذنها، وأنكر الورثة، فإن القول قوله بيمينه، مع أن الأصل عدم الإذن.
(الزرقا ص 120) .
2 - لو أراد الواهب الرجوع في هبته، فادعى الموهوب له هلاك الموهوب، فالقول قوله، ولا يمين عليه؛ لأنه حكى أمراً يملك استئنافه.
(الزرقا ص 120) ، وهو هلاك الموهوب، مع أنه أمر طارئ،.
(السدلان ص 140) .
3 - لو اختلف الزوجان في هبة المهر، فقالت الزوجة: وهبته لك بشرط ألا
تطلقني، وقال الزوج: بغير شرط، فالقول قولها، مع أن الشرط من العوارض، والأصل عدمه.
(الزرقا ص 120) .
4 - لو جاء المضارب بمبلغ، وقال: هو أصل وربح، وقال رب المال: كله
أصل، فالقول قول المضارب، مع أن الأصل عدم الربح.
(الزرقا ص 120) .
والربح أمر طارئ، والأصل عدمه، ومع ذلك يقبل هنا.
5 - لو طلبت المرأة نفقة أولادها الصغار بعد أن فرضها القاضي لهم، فادعى
الأب أنه أنفق عليهم، فالقول قوله مع اليمين، مع أن الأصل عدم الإنفاق.
(الزرقا ص 120) ، وهو أمر طارئ، فيستثنى من القاعدة، لأن العادة أن ينفق الأب على أولاده.
(1/141)

القاعدة: [6]
4 - الأصل براءة الذمة (م/8)
الألفاظ الأخرى
- الأصل البراءة قبل التكليف وعمارة الذمة.
التوضيح
الذمة لغة: العهد، واصطلاحاً: وصف يصير الشخص به أهلاً للإيجاب له أو
عليه، والإنسان يولد، وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه.
والأصل أن يولد الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء عليه، وكونه مشغول
الذمة بحق خلاف الأصل، حتى يثبت ذلك بدليل مقبول، لأن الذمم خلقت بريئة غير مشغولة بحق من حقوق الغير.
ويرجح قول من يتمسك ببراءة ذمته، لأن يشهد له الأصل، وهو عدم شغلها، حتى يقوم دليل على خلافه، فالقاعدة المستقرة في الذمم عدم اشتغالها بشيء حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك.
ومستند هذه القاعدة أنها مأخوذة من الحديث الثريف الذي رواه البخاري
ومسلم "ولكن اليمين على المدعى عليه "
وفي رواية البيهقي الأكثر صراحة ودلالة هنا
" البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
(1/142)

فإذا ثبت شغل الذمة فلا تبرأ إلا بالأداء، أو الإبراء، وإذا شغلت الذمة بيقين فلا تبرأ إلا بيقين، وهو ما عبر عنه الونشريسي بقوله:
"الذمة إذا عُمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين "
كالشك في قضاء الدَّين الثابت، والشك في أداء الزكاة على الغني، فإن
انشغال الذمة بذلك متيقن، لذلك فلا تفرغ منه إلا بيقين.
التطبيقات
يتفرع على هذه القاعدة مسائل شتى من أبواب متنوعة، كالبيع، والإجارة.
والعارية، والوديعة والضمانات، والغصب، والقرض، والإقرار، وغير ذلك، ولها أمثلة كثيرة، وهي قاعدة مطردة.
1 - اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن بعد هلاك المبيع، أو خروجه عن ملكه مثلاً، أو اختلف المؤجر والمستأجر في مقدار بدل الإجارة بعد استيفاء المنفعة.
فإن القول قول المشتري والمستأجر، والبينة على البائع والمؤجر، لإثبات الزيادة، أما لو كان اختلافهما قبل هلاك المبيع أو خروجه عن ملكه مثلاً في البيع، وقبل استيفاء المنفعة في الإجارة، ولا بينة لأحدهما، فإنهما يتحالفان (المادة/ 778 1، 779 1 من المجلة) لما ورد في السنة:
"إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، تحالفا وترادا".
(الزرقا ص 114،..
(ابن تيمية، الحصين 167/2) .
2 - إذا ادعى المستعير رد العارية، فإن القول قوله؛ إذ الأصل براءة ذمته، وكذا لو ادعى الوديع ردَّ الوديعة.
(الزرقا ص 114) .
3 - إذا أتلف إنسان مال آخر، واختلفا في مقداره، فإن القول للمتلف بيمينه، لأنه ينكر ثبوت الزيادة في ذمته، والأصل براءة الذمة، والبينة على صاحب المال
(1/143)

لإثبات الزيادة، وكذا لو غصب إنسان شيئاً وهلك في يده، ثم اختلف المالك والغاصب في قيمة المغصوب، فالقول للغاصب، وعلى المالك إثبات الزيادة، وكذلك لو جاء الغاصب ليردَّ عين المغصوب، فاختلف هو والمالك في مقداره، فالقول للغاصب.
(الزرقا ص 114، الدعاس ص 116) .
4 - لو أقر إنسان لآخر بمجهول، بأن قال: لفلان علي شيء أو حق، فإنه يصح ويلزمه تفسيره، أي بيانه، ويقبل منه أن يبينه بما له قيمة، وبما يتفق مع عبارته السابقة، فلو بينه وادعى المقَر له أكثر مما بينه المقِر، فإن القول للمقر، وعلى المدعي إثبات الزيادة، أما لو بينه بما لا قيمة له فلا يقبل بيانه، لأنه بقوله: "له عليَّ " أخبر عن الوجوب في ذمته، وما لا قيمة له لا يجب في الذمة، فيكون بيانه رجوعاً عن الإقرار، والرجوع عنه لا يصح، إلا في الحدود باعتباره شبهة.
(الزرقا ص 114) .
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أصل ما أبني عليه الإقرار أني اعمل اليقين.
وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة" وهذه قاعدة مطردة في الإقرار، ومرجعها إلى أن الأصل "براءة الذمة ".
5 - إذا اختلف الموكل مع الوكيل بالبيع، في بيعه قبل علمه بالعزل أو بعده، فالقول قول الوكيل، لأن الأصل براءة ذمته.
(الزرقا ص 115) .
6 - وهكذا، كل من ادعى على غيره التزاماً، أو حقاً بدين أو بعمل، مهما كان سببه من عقد أو إتلاف، أو أي سبب آخر من أسباب الضمان، فعليه هو الإثبات، إذا أنكر الخصم، لأن هذا الخصم يتمسك بحالة أصلية، فيكون ظاهر الحال شاهداً له ما لم يثبت خلافه.
(الدعاس ص 16، الغرياني ص 482،..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 67) .
7 - اختلف شخصان في قيمة المتلَف، حيث تجب قيمته على مُتْلِفه، كالمستعير، والمستام، والغاصب، والمودع المعتدي، فالقول قول الغارم، لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.
(اللحجي ص 29) .
(1/144)

8 - توجهت اليمين على المدعى عليه، فنكل، فلا يقضى بمجرد نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمته، بل تعرض على المدعي، وهي اليمين المردودة عند الشافعية.
(اللحجي ص 29) .
9 - إذا اختلف شخصان في القرض، بأن قال أحدهما: مَلَّكتكه على أن ترد بدله، ثم اختلفا في ذكر البدل، فالقول قول الآخذ، لأن الأصل براءة ذمته.
(اللحجي ص 29) .
10 - لو قال الجاني: هكذا أوضحت، وقال المجني عليه: أوضحت موضحتين، وأنا رفعت الحاجز بينهما، صدق الجاني، لأن الأصل براءة ذمته.
(اللحجي ص 29) .
11 - من قتل صيداً خطأ وهو محرم فلا فدية عليه؛ لأن الله حض المتعمد بإيجاب الجزاء بقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) .
وهذا يقتضي أن المخطئ لا جزاء عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته، والنص أوجب على المتعمد، فبقي المخطئ على الأصل..
(ابن تيمية، الحصين 65/2) .
12 - من اتهم بقتل أو سرقة، وليس ثمة بينة، لم يحكم عليه بشيء؛ لأن الأصل براءة الذمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 66) .
13 - إذا ثبت شغل الذمة بحق، واختلف في مقدار ما شغلت به من دين أو قيمة متلف، أو غير ذلك، فالقول قول من ينكر الزيادة بيمينه؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد، فلا ينتقل عنه إلا بدليل..
(ابن تيمية، الحصين 67/2) .
(1/145)

القاعدة: [7]
5 - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته (م/11)
الألفاظ الأخرى
- الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن.
- إنما يحال بالحادث على أقرب الأوقات.
التوضيح
الأصل في الصفات العارضة العدم، فإذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر فإنه ينسب إلى أقرب الأوقات حتى يثبت الأبعد، فإن ثبتت نسبته إلى الزمن البعيد يحكم بذلك، لأن الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الحادث فيه، وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك، فوجود الأقرب متيقن وفي الأبعد مشكوك، واليقين لا يزول بالشك.
هذا إذا كان الحدوث متفقاً عليه، وإنما وقع الاختلاف في تاريخ حدوثه، أما إذا كان الحدوث غير متفق عليه، بأن كان الاختلاف في أصل حدوث الشيء وقدمه، كما لو كان في ملك أحد مسيل لآخر، ووقع بينهما اختلاف في الحدوث والقدم، فادعى صاحب الدار حدوثه، وطلب رفعه، وادعى صاحب المسيل قدمه، فإن القول لمدعي القدم، والقديم يترك على قدمه، فإن أقام مدعي الحدوث بيِّنة قبت (م/ 1768)
لأن بينته تثبت ولاية النقص، وهي أولى من بينة مدعي القدم إن قدم بينة.
لأن مدعي القدم منكر، ومتمسك بالأصل، والبينة تقدم على الأصل والظاهر.
واعتبار هذه القاعدة مقيَّد بألاَّ يؤدي إلى نقض ما هو ثابت مقرر، لأن الحكم
(1/146)

بحدوثها لأقرب ما ظهر ثابت باستصحاب الحال، لا بدليل أوجب الحدوث للحال، والثابت باستصحاب الحال لا يصلح لنقض ما هو ثابت، كما سيظهر من مستثنيات هذه القاعدة.
التطبيقات
1 - ماتت امرأة بعد أن وهبت مهرها لزوجها، فقال الزوج: وهبت حال
صحتها، وقال الورثة: حال مرضها، فالقول للورثة، لأن الهبة حادثة، فتضاف لأقرب الأوقات من الموت، وهو حال المرض.
(الدعاس ص 116) .
2 - لو تبين في المبيع عيب بعد القبض، وأراد المشتري رده مدعياً أنه كان موجوداً فيه عند البائع، وزعم البائع أنه حدث بعد القبض عند المشتري، وكان العيب مما يحدث مثله، فإن القول قول البائع، ويعتبر العيب حادثاً عند المشتري، وليس له الفسخ حتى يثبت أنه قديم عند البائع، لأن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته.
(الزرقا ص 128، الدعاس ص 17، الروقي ص 288.
السدلان ص 149) .
أما إذا كان العيب مما لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة في العبد، والخَيَف في
الفرس، وهو أن تكون إحدى عينيها سوداء، والأخرى زرقاء، فإن البائع يلزم به.
(الزرقا ص 128) .
3 - إذا طلق رجل زوجته طلاقاً بائناً، ثم مات قبل أن تنقضي عدتها، فادعت الزوجة أنه أبانها، وهو في مرضه، فصار بذلك فاراً فترث هي منه، وقال الورثة: إنه أبانها في صحته، فلم يكن فاراً فلا ترث، فإن القول قول الزوجة، والبينة على الورثة، لأن الزوجة تضيف الحادث، وهو الطلاق، إلى أقرب الأوقات من الحال، وهو زمن المرض.
(الزرقا ص 126، ابن نجيم ص 64، السدلان ص 149) .
4 - لو مات رجل مسلم، وله امرأة نصرانية، فجاءت امرأته بعد موته مسلمة، وقالت: أسلمت قبل موته، فأنا وارثة منه، وقال الورثة: إنك أسلمت بعد موته فلا ترثين منه لاختلاف دينيكما عند موته، فالقول للورثة، والبينة على الزوجة، ويتفق
(1/147)

ذلك مع قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان (م/5)
حتى يثبت ما يغيره، وهو الاستصحاب للحال الأولى.
(الزرقا ص 126، السدلان ص 148) .
5 - لو أقر الإنسان لأحد ورثته بعين أو دين، ثم مات، فاختلف المقر له مع
الورثة، فقال المقر له: أقر لي في صحته، فالإقرار نافذ، وقال الورثة: أقر لك في مرضه، فالإقرار غير نافذ، فإن القول للورثة، والبينة على المقر.
(الزرقا ص 126) .
وكذا الحكم فيما لو وهب إنسان شيئاً لأحد ورثته ثم مات، فاختلف الموهوب له وبقية الورثة، فتضاف الهبة الحادثة إلى أقرب الأوقات، وهو مرض الموت.
(الزرقا ص 127) .
6 - اشترى إنسان شيئاً بالخيار، ثم بعد مضي المدة للخيار، جاء المشتري ليرده على البائع، قائلاً: إنه فسخ قبل مضي مدة الخيار، وقال البائع: فسخت بعد مضي مدة الخيار فلا يصح فسخك، فإن القول قول البائع، لإضافة الفسخ إلى أقرب أوقاته من الحال.
(الزرقا ص 127) .
7 - باع الأب مال ابنه بحكم الولاية، ثم اختلف المشتري والابن، فقال المشتري: كان ذلك قبل بلوغك، والبيع نافذ، وقال الابن: كان بعد بلوغي، فالبيع غير نافذ، فإن القول للابن على الأصح.
(الزرقا ص 127) .
وكذا لو قال المحجور: بعت وتصرفت بعد الحجر علي، فتصرفي غير صحيح، وقال الخصم: قبل الحجر، فالقول للمحجور، والبينة على الخصم، ولو أطلق من حجره فاختلف مع المشتري، فقال المحجور: بعت منك قبل فك الحجر، وقال المشتري: بعده، فالقول للمشتري.
(الزرقا ص 127) .
8 - لو قال الوكيل بالبيع بعد عزله: بعت وسلمت قبل العزل، وقال موكله: إنك بعت وسلمت بعد العزل، وكان المبيع قائماً غير مستهلك، فإن القول للموكل الذي يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته، وأما إذا كان المبيع مستهلكاً، فإن القول للوكيل استثناء كما سيأتي.
(الزرقا ص 127) .
9 - رأى في ثوبه منياً، ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل على الصحيح، ولا يعيد إلا
(1/148)

من آخر نومة نامها، نص عليه في (الأم) لأن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته.
(اللحجي ص.3، السدلان ص 148) .
10 - ضرب بطن حامل فانفصل الولد حياً، وبقي زماناً بلا ألم، ثم مات، فلا ضمان، لأن الظاهر أنه مات بسبب آخر، ويضاف الموت إلى أقرب أوقاته.
(اللحجي ص 30، السيوطي ص 59، السدلان ص 148) .
11 - فتح قفصاً عن طائر، فطار في الحال ضمنه، وإن وقف ثم طار، فلا يضمن، إحالة إلى اختيار الطائر.
(اللحجي ص 30) .
12 - إذا ادَّعى المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور قد
حصل بعد صدور الحكم بحجره، وطلب فسخ البيع، وادّعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ الحجر، فالقول للمحجور أو وصيه، لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري إثبات خلاف الأصل، وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر.
(السيوطي 59، السدلان ص 149) .
13 - لو باع الأب مال ولده، وادعى الولد على والده أنه باع ماله بعد بلوغه، وأن البيع غير صحيح لهذا السبب، وأنكر الأب وقوع البيع منه بعد البلوغ، وادّعى حصوله قبل البلوغ، فبما أن البلوغ أقرب زمناً من قبل البلوغ، فالقول للابن، وعلى الأب إثبات خلاف الأصل.
(درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية ص 25، السدلان ص. 15) .
14 - لو اشترى شخص شيئاً على أنه بالخيار مدة معينة، ثم جاء برده بعد انقضاء مدة الخيار زاعماً أنه قد فسخ البيع قبل انقضائها، وزعم البائع أن المدة قد انقضت وهو ساكت ولَزِم البيع، وأنه قد فُسخ بعد انقضائها، فالمعتبر في هذا قول البائع، ولا يحق للمشتري الرد ما لم يثبت للمشتري. بالبينة حصول الفسخ في مدة الخيار، فيحكم له
بموجب البينة؛ لأنه حينئذ يكون قد أثبت خلاف الأصل.
(المدخل الفقهي العام 2/ 972، السدلان ص. 15) .
(1/149)

15 - إذا ادعت المرأة أن زوجها أبانها في مرضه، وادعى الورثة أنه أبانها في
صحته، أضفنا الطلاق إلى أقرب أوقاته، وهو وقت المرض، لأنه محل اتفاق بين الطرفين (المطلقة والورثة) فهو متيقن، أما قبل المرض فهو مشكوك فيه، لذلك يصار إلى المتيقن، وإلى أقرب الأوقات، حتى يرد دليل خلافه.
(الروقي ص 288) .
المستثنى
خرج عن هذه القاعدة مسائل تقيدها بألا تؤدي هذه الإضافة إلى نقض أمر
ثابت، فلا يعمل بها، فمن ذلك:
أ - لو قال الوكيل بالبيع بعد عزله: بعت وسلمت قبل العزل، وقال موكله: إنك بعت وسلمت بعد العزل، وكان المبيع مستهلكاً، فإن القول قول الوكيل، بخلاف ما لو كان المبيع قائماً فالقول للموكل.
والفرق بين الحالتين أنه في حالة هلاك المبيع يكون مقصود الموكل إيجاب الضمان في ذمة الوكيل، والوكيل ينكر الضمان، فالقول قوله، لأن الأصل براءة الذمة.
وأما في حالة قيام المبيع فإن إرادة التضمين غير ممكنة، وإنَّما يدعي الوكيل حينئذ انتقال العين من ملك الموكل إلى ملك الآخر المشتري، والموكل ينكر الانتقال، فالقول قوله، لأن الانتقال من الأمور العارضة، فالأصل عدمها، ويضاف الحادث الى أقرب أوقاته.
(الزرقا ص 127 - 128) .
2 - ادعى الأجير على الحفظ أن العين هلكت بعد تمام المدة المعقود عليها.
فيستحق كل الأجرة، وقال المستأجر: هلكت قبل تمام المدة بكذا أياماً، فالقول للمستأجر بيمينه، وذلك لأن من المقرر الثابت فراغ ذمة المستأجر على الحفظ من الأجرة، وإنما تثبت الأجرة في ذمته بمقدار المدة التي يوجد فيها الحفظ من الأجير فعلاً، فلو جُعل القول للأجير في حدوث هلاك العين بعد تمام المدة بناء على إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته يلزم منه نقض الأمر الثابت المتقرر، وهو فراغ ذمة المستأجر، لأنه لم يثبت بالمقدار الزائد الذي يدعيه الأجير، وإضافة الحادث إلى أقرب أوقاته إنما تعتبر إذا لم يؤد اعتبارها إلى نقض ما هو ثابت، فكان القول قول
(1/150)

المستأجر، ولأن إضافة الحادث، وهو الهلاك هنا، إلى أقرب الأوقات من قبيل الظاهر، والظاهر لا يكفي حجة للاستحقاق.
(الزرقا ص 128) .
3 - لو اشترى إنسان شيئاً ثم جاء ليرده على البائع بعيب فيه، بعد أن استعمله استعمالاً يفيد الرضا به معيباً، فقال البائع له: إنك استعملته بعد اطلاعك على العيب، فسقط حقك في الرد، وقال المشتري: استعملته قبل الاطلاع على العيب، فالقول للمشتري بيمينه.
ووجه كون القول للمشتري في أن استعماله كان قبل الاطلاع على العيب لا بعده أن خيار العيب في الصورة المذكورة قد ثبت للمشتري حين الشراء لا محالة، فيتقرر بقاؤه إلى أن يوجد المسقط يقيناً؛ لأن ما ثبت بزمان فالأصل بقاؤه حتى يقوم الدليل على خلافه، فدعوى البائع سقوط الخيار الثابت للمشتري تكون على خلاف الأصل المتقرر، فلو حكمنا بأن القول قوله بناء على إضافة الحادث لأقرب أوقاته يلزم منه
نقض ذلك الأمر الثابت الذي لم نتيقن بإزالته، فلذلك كان القول للمشتري في بقاء خياره.
ولا يقضى للمشتري بالرد بالعيب إلا بعد أن يحلفه الحاكم أنه لم يرضَ بالعيب
قولاً أو دلالة، وهو قول أبي يوسف المفتى به، وإن لم يدَّع عليه البائع أنه رضي به، ولم يطلب تحليفه (م/1746) .
وهذه الاستثناءات تدل على أن قاعدة "إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته "
إذا تعارضت مع قاعدة "الأصل براءة الذمة" أو "الأصل بقاء ما كان على ما كان " تترك قاعدة "إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته "
ويعمل بهاتين القاعدتين دونها، لأنهما أقوى.
(الزرقا ص 129) .
فإنهما تعتمدان على أصل ثابت، وهو براءة الذمة.
واستصحاب الحال.
4 - اشثرى انسان شيئاً ثم جاء ليردّه على البائع بخيار الرؤية، فقال البائع له: إنك رضيت بالمبيع بعدما رأيته، فسقط خيارك، وقال المشتري: رضيت قبل أن أراه، فلم يسقط خياري، فالقول للمشتري.
(الزرقا ص.13) .
(1/151)

5 - لو مات ذمي فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: إنني أسلمت بعد موته فأرثه، وقال الورثة: إنك أسلمت قبل موته فلا إرث لك، فالقول لهم، مع أن إسلام الزوجة أمر حادث، وهي تضيفه إلى أقرب أوقاته، وهو ما بعد موت الزوج، وذلك لأنها اعترفت بسبب الحرمان من الإرث، وهو اختلاف الدين، وتمسكت بالظاهر الذي هو إضافته إلى أقرب الأوقات، لكي تستحق الإرث بذلك، والظاهر لا يكفي حجة للاستحقاق.
(الزرقا ص.13، السدلان ص 151) .
ولا يرد على هذا ما سبق: أن امراة الميت إذا ادعت أنه أبانها في مرض موته، وقال الورثة: في صحته، فالقول قول الزوجة وتستحق الإرث، فلا يقال: كيف استحقت الإرث هنا بالظاهر، وهو إضافتها البينونة الحادثة إلى أقرب الأوقات الذي هو زمن المرض؟
والجواب أن بينهما فرقاً، وذلك أن امرأة الذمي اعترفت باختلاف الدينين.
واختلاف الدين مانع من الإرث، ولا يجتمع معه في حال بيقين، فتمسكها بالظاهر، وهو إضافته إلى ما بعد الموت، يلزم منه نقض ذلك اليقين الثابت، وأما مسألة المبانة فعلى العكس، لأن إرثها بسبب الزوجية ثابت بيقين، والبينونة لا تجانب الإرث في جميع الأحوال، بل تجتمع معه في حال دون حال، فإن إبانة الزوج زوجته في مرض موته لا يمنع الزوجة من الإرث، وهي إنما اعترفت بوجود البينونة التي لا تمنع من الإرث، لحصولها في المرض.
وأما احتمال كون البينونة صدرت من الزوج في زمن
الصحة الأبعد فليس إلا مجرد شك، وارثها بالزوجية ثابت بيقين، فلا يزول بهذا الشك، بل يبقى إلى أن يقوم دليل أقوى على خلافه.
(الزرقا ص.13) .
6 - لو تزوج رجل بامرأة، ثم جاءت بولد، واختلفا، فقال الزوج: إنك ولدت قبل أن يتم لعقد النكاح ستة أشهر، فالولد ليس بثابت النسب مني، وقالت الزوجة: ولدت بعد أن تم للعقد ستة أشهر فالولد ثابت النسب منك، فالقول قول الزوجة بيمينها، ولو أراد الزوج أن يقيم بينة على دعواه لا تقبل أيضاً، لأن بينته تقوم في المعنى على النفي، وهو عدم تمام ستة أشهر من حين العقد إلى حين الولادة، والبينة على النفي لا تقبل.
(الزرقا ص 131) .
(1/152)

7 - لو اشترى داراً، فاستحقت عَرَصَتها، ونقض البناء، فادعى بقيمته على بائعه، فاختلفا فيه، فقال البائع: بعتها مبنية، وقال المشتري: أنا بنيتها - أي بعد الشراء - ولي الرجوع، فالقول للبائع، فجعل القول قول البائع مع أنه يضيف الحادث، وهو البناء، إلى أبعد الأوقات، وهو ما قبل البيع.
(الزرقا ص 131) .
8 - لو دفع لآخر ألفاً مثلاً ليشتري له شيئاً بعينه، فاشتراه، وهلكت الدراهم في يده، ثم اختلفا، فقال الآخر: هلكت قبل الشراء، أي وبطلت الوكالة بهلاكها، فوقع الشراء للوكيل، وقال المأمور: هلكت بعد الشراء أي فيكون الشراء للآمر، ويكون للمأمور الرجوع عليه بمثلها.
فالقول للآمِر بيمينه.
(الزرقا ص 131) .
9 - لو ادَّعى شخص على حاكم معزول أنه أخذ منه بعد عزله مبلغاً من المال، قدره كذا، جَبْراً، ولكن المدعى عليه إذعى أنه أخذ منه ذلك المبلغ في أثناء ما كان حاكماً بعد أن أجرى محاكمته، وأنه أعطى المبلغ للمحكوم له، فإذا كان المبلغ المدفوع تلف في يد المدفوع إليه فالقول للحاكم المدعى عليه؛ لأنه يضيف فعله لزمن منافٍ للضمان، ويدّعي براءة ذمته.
(ابن نجيم ص 65، السدلان ص 151) .
10 - لو قال شخص لغيره: قطعت يدك وأنا صغير، فقال المقَر له: بل قطعتها وأنت كبير، كان القول للمقِر؛ لأنه ينفي الضمان، مع أن المقَر له يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته.
(درر الحكام شرح المجلة ص 26، السدلان ص 152) .
(1/153)

القاعدة [8]
6 - لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح (م/13)
الألفاظ الأخرى
- اعتبار الصريح أولى من اعتبار الدلالة عند تعارضهما.
التوضيح
الدلالة بفتح الدال في المعقولات، وبكسرها في المحسوسات، وهي كون الشيء بحال يفيد الغير علماً، ودلالة التصريح يقينية، ودلالة الحال والقرائن محل الشك، واليقين لا يزول بالشك، والتصريح أقوى من الدلالة، فإذا تعارض التصريح مع الدلالة فلا عبرة بالدلالة مقابل التصريح، لأنها دونه في الإفادة وهو فوقها، فيقدم الأقوى.
ولا يدخل بالدلالة هنا الدلالة اللفظية، وهي دلالة الألفاظ على ما وضعت له، لأنها تصريح، ولا يدخل الدلالة العقلية كدلالة اللفظ على وجود اللافظ، ودلالة المصنوعات على وجود الصانع، لأنه يوجد تلازم بين الدلالة العقلية ومدلولها.
والمراد بالدلالة ثلاثة أمور، وهي:
1 - الدلالة اللفظية الطبيعية، كما إذا قبل الرجل التهنئة بعد تزويج الفضولي له، فيكون ذلك إجازة منه للعقد طبعاً، ولكن إذا وقع ردّه قبل ذلك صريحاً ارتد.
2 - الدلالة غير اللفظية الوضعية، مثل المحاريب، والأعلام، والأميال، والحفر، والأغلاق، والستور التي تتخذ وتنصب بإزاء ملك الغير من أرض أو بستان أو
(1/154)

حانوت لتدل على الإذن بالدخول، أو على عدم الإذن، فإنها تعتبر، ويعتمد عليها، ولكن إذا وجد التصريح بخلافها تلغى تلك الدلالة.
3 - الدلالة الطبيعية غير اللفظية، كدلالة الحمرة على الخجل، والصفرة على الوجع، ومثل دلالة ضحك البكر بلا استهزاء عندما بلغها خبر تزويج الولي، فإنه يعتبر إجازة، لكن إذا وجد قبله أو معه تصريح بالرد فتلغى تلك الدلالة.
وعند عدم التعارض يعمل بالدلالة لأنها في حكم التصريح، فإذا وجد التصريح يعمل به بشرط يأتي قبل عمل الدلالة، فإذا جاء التصريح بعد أن عملت الدلالة عملها فتعتبر الدلالة دون التصريح، كما لو قام أحد العاقدين من المجلس قبل القبول فيبطل الإيجاب، لأن القيام دليل الرجوع، وتعمل الدلالة عمل الصريح، فإن قال بعد القيام: قبلت: ووجد الصريح فلا يعتبر، لأنه وجد بعد عمل الدلالة عملها، فلا يعارضها.
التطبيقات
1 - إذا دخل إنسان دار آخر بإذنه ليشرب من إنائه، فوقع الإناء من يده، وهو يشرب فلا ضمان عليه؛ لأن المالك لم يصرح بالنهي عن الشرب، فهو مأذون شرعاً بالدلالة، والجواز الشرعي ينافي الضمان، بخلاف إذا نهاه صاحب الدار عن الشرب، ثم أخذه ليشرب به، فوقع من يده فانكسر فإنه يضمن قيمته، ففي التصريح بالنهي
تنعدم الدلالة، فلا حكم لها في مقابلته.
(الدعاس ص 17، السدلان ص 175) .
2 - يحق للبائع حبس المبيع لقبض الثمن، فلو قبضه المشتري، ورآه البائع.
وسكت، كان سكوته إذناً بالقبض دلالة، فيسقط حقه في الحبس، ولو نهاه عن القبض فلا يسقط، لأن التصريح أقوى من الدلالة.
(الدعاس ص 17، الزرقا ص 142) .
(1/155)

3 - يستدل على مصارف الوقف بتعامل القوَّام السابقين، ولكن إذا وجد كتاب الواقف الموثوق به، فلا عبرة لتعامل القوام على خلافه.
(الزرقا ص 142) .
4 - إذا باع عقاراً بيعاً صحيحاً شرعياً، ثم ادعى أن البيع كان وفاء، وقال
المشتري: إنه بات قطعي، ينظر، فإن كان هناك دلالة على الوفاء ككون الثمن دون ثمن المثل بغَبْن فاحش، تسمع دعوى الوفاء من البائع، ويكون القول قوله.
(الزرقا ص 142) .
ولكن إذا وجد التصريح بالبتات فلا يعمل بتلك الدلالة، ولا تسمع
دعوى الوفاء حينئذ (م/1658) .
5 - إذا قبض الموهوب له الهبة بحضرة الواهب، ولم ينهه صح قبضه وتمت الهبة، ولا يملك الاسترداد منه بدون قضاء أو رضاء، ولو نهاه صريحاً لم يصح قبضه، وله استرداده (م/ 57) .
(الزرقا ص 143، السدلان ص 178) .
6 - لو زوج الأب ابنه الصغير، وضمن عنه المهر، ثم دفعه عنه، أو كان دفعه بلا ضمان، فإنه لا يرجع على الصغير إلا إذا أشهد عند الضمان أو عند الدفع أنه يدفع ليرجع، وعلة عدم الرجوع في الأولى إنما هو لجريان العادة بأن يتحمل الأب مهر ابنه الصغير، بلا طمع في الرجوع، فيكون متبرعاً دلالة، ولكن إذا شرط الرجوع صريحاً
تنتفي الدلالة؛ لأن الصريح يفوقها.
(الزرقا ص 143) .
7 - لو اشترى إنسان حماراً، ثم جاء ليردَّه بطريق الإقالة، فصرَّح البائع له بأنه لا يقبله، واستعمل البائعُ الحمارَ أياماً، فطالبه المشتري، بردّ الثمن، فامتنع عن ردّه، وعن قبول الإقالة، كان له ذلك، لأنه لما رفض الإقالة صريحاً بطل كلام المشتري فلا تتم الإقالة باستعماله إياه، فقد لَغَتْ دلالة استعمال البانع للحمار على الإقالة في مقابلة تصريحه برفضها.
(الزرقا ص 143) .
8 - لو وضع شخص الدراهم وأخذ المبيع، وذهب به، والبائع يصيح: لا أعطيها بهذا الثمن، وكان معلوماً أن مراده تطييب قلب المشتري بذلك، لا عدم الرضا، فإنه لا ينعقد البيع.
(الزرقا ص 143) .
9 - لو عقد على أختين متعاقباً، وني العقد الأول، ثم دخل على إحداهما، اعتبر
(1/156)

دخوله بها بياناً لكونها هي السابق نكاحها، فإذا صرح بعد دخوله بها أن تلك
الأخرى هي السابق نكاحها يعتبر تصريحه بذلك؛ إذ الدلالة لا تعارض التصريح.
وقد يبدو أن التصريح بعد أن عملت الدلالة عملها، والحقيقة أن تبين ذات
النكاح السابق أمر تابع للواقع ونفس الأمر، لا للبيان، فوطء الزوج لإحداهما لا يجعلها هي ذات النكاح السابق في نفس الأمر، بل يجعل بياناً ضرورة حمل فعله على الصلاح، فإذا صرح بعده بأن الأخرى هي السابق نكاحها كان تصريحه فوق البيان الذي صير إليه ضرورة، وأقوى من الدلالة على الواقع ونفس الأمر.
(الزرقا ص 144 - 145) .
10 - لو تنازع شخصان شيئاً في يد أحدهما، وكل منهما يزعم ملكه بالشراء من شخص ثالث، ولم يذكرا تاريخاً للشراء، أو ذكره أحدهما فقط، وأقام كل منهما البينة على دعواه، ترجح بينة ذي اليد، لأن تمكنه من قبضه دليل على سبق شرائه.
لكن لو ادعى الخارج أن شراءه قبل شراء ذي اليد، وأقام بينة شهدت له بذلك يحكم له، لأن تصريح الشهود يفوق دلالة اليد على سبق الشراء.
(الزرقا ص 144) .
11 - لو تنازع رجلان في امرأة، فكل منهما يدير أنها زوجته، وأقاما بينتين على ذلك، ولم يبينا تاريخاً للنكاح، ينظر: فإن لم يكن أحدهما دخل بها، أو نقلها إلى منزله، ترد البينتان، لعدم إمكان الاشتراك في النكاح، ويحكم بنكاحها لمن تصدقه هي منهما، وإن كانت في بيت أحدهما، أو كان دخل بها تُرجح بينته، ولا يلتفت إلى تصديقها لخصمه الآخر، لأن تمكنه من نقلها أو الدخول بها هو دلالة على سبق عقده، إلا إذا برهن الآخر على أنه تزوجها قبله، فيكون حينئذٍ هو أولى بها؛ لأن التصريح يفوق الدلالة.
(الزرقا ص 144) .
وإذا كانت المدعى نكاحها ميتة، وأقام كل منهما البينة، ولم يؤرخا، أو أرخا تاريخاً متحداً، فإنه يقضى بالنكاح بينهما، وعلى كل منهما نصف المهر، ويرثان منها ميراث زوج واحد، لأن المقصود من دعوى النكاح بعد موتها هو الإرث، فكانت الدعوى دعوى مال، ولا مانع من اشتراكهما في المال، لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.
(الزرقا ص 65، 144) ، كما سيأتي.
(1/157)

12 - لو قبض الأب مهر ابنته البالغة من الزوج فسكتت كان سكوتها إذناً
بالقبض دلالة، ويبرأ الزوج؛ لأن ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من قبيل
الدلالة، ولو صرحت بالنهي لا يجوز قبض الأب عليها، ولا يبرأ الزوج.
(السدلان ص 178) .
المستثنى
1 - قد تكون الدلالة في بعض الأوقات أقوى من التصريح، فيثبت بها ما لا يثبت به في مسألة منصوص عليها، وهي أن الحاكم ليس له أن يستنيب آخر عنه إلا إذا كان مفوضاً له بالاستنابة صراحة، كـ "وَلِّ من شئت " ونحوه، أو مفوضاً له دلالة: كـ جعلناك قاضي القضاء، فإذا كان التفويض له صريحاً بما ذكر فإنه يملك الاستنابة.
ولا يملك عزل النائب، أما إذا كان التفويض له دلالة فإنه يملك الاستنابة والعزل، فعملت الدلالة ههنا ما لا يحمله الصريح، ويثبت بها ما لا يثبت به.
(الرزقا ص 145) .
2 - اشترى شيئاً ثم اطلع على عيب فيه، فاستعمله استعمالاً يدل على الرضا
بالعيب، وهو يصرح بعدم الرضا به، فإنه يلزمه المبيع، ولا يقبل منه تصريحه بعدم الرضا.
(الزرقا ص 146) .
3 - لو بنى المتولي، في عقار الوقف، أو غرس فيه، ولم يشهد أنه لنفسه، ثم اختلف مع المستحقين، فقال: فعلته لنفسي، وقالوا: بل للوقف، فالقول قولهم، ترجيحاً للدلالة بكونه متولياً، وبناؤه وغرسه لنفسه غير جائز، ويعدُّ خيانة منه، والأصل عدمه، فتقدم الدلالة على تصريحه بأنه فعل لنفسه.
(الزرقا ص 146) .
4 - لو اشترى إنسان حيواناً، ثم قال لمن يساومه عليه: اشتره فلا عيب به، ولم يتم بينهما البيع، ثم وجد به عيباً، فله رده على بائعه، ولا يمنعه إقراره السابق لمن ساومه بأنه لا عيب فيه، لأن كلامه ذلك مجاز عن الترويج، لظهور أنه لا يخلو عن عيب، فيتيقن بأن ظاهر إقراره غير مراد، إلا إذا كان عين نوع العيب، فقال: لا شلل به، أو لا عور مثلاً، فإنه لا يردّه بعد ذلك بهذا العيب الذي نفاه، لأنه يحيط
(1/158)

العلم به فيعتبر إقراره، ويحكم بأن هذا العيب حدث عنده بعد إقراره بعدمه.
(الزرقا ص 146) .
5 - إن دلالة الشرع أقوى من صريح كلام الإنسان، فيعمل بدلالة الشرع في أن الولد للفراش، وهي أقوى في ثبوت النسب من صريح منكر جماع المطلقة رجعياً، أو أنه راجعها في العدة، بقوله: لم أجامعها، أو لم أراجعها، فيعمل بدلالة الشرع لعدم احتمالها الكذب، وينسب الولد إليه إذا أتت به لستة أشهر أو أقل، ويبطل صريح إقراره بعدم الوطء؛ لأن دلالة الشرع أقوى من صريح كلام العبد..
(السدلان ص 179) .
(1/159)

القاعدة: [9]
7 - لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.
(م/67)
الألفاظ الأخرى
- لا ينسب لساكت قول.
- لا ينسب إلى ساكت قَوْل، ولكن السكوت
في معرض الحاجة إلى البيان بيان.
- السكوت في معرض الحاجة إقرار وبيان.
التوضيح
هذه القاعدة مكونة من قسمين مختلفين، ولكل قسم تطبيقاته، ومستثنياته.
وشرحه.
أولاً: لا ينسب إلى ساكت قول
والمراد من الساكت هنا القادر على التكلم، وليس كائناً في معرض الحاجة إلى بيان، ولا مستعملاً الإشارة لتفسير لفظ مبهم في كلامه، فلا يقال لهذا الساكت إنه قال كذا، أما غير القادر على التكلم، والمستعين بالإشارة فيأتي حكمهما في قاعدة "الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان" (م/ 70)
كما سيأتي، وإن كان الشخص في معرض الحاجة إلى بيان فسيأتي في الشطر الثاني من هذه القاعدة الذي سنشرحه، وبالتالي فإن أكثر المعاملات المرتبطة بالألفاظ الصريحة والعقود لا يعد السكوت فيها قولاً، وهذا القسم من القاعدة هو عبارة الشافعي رحمه الله تعالى.
(1/160)

تطبيقات القسم الأول
1 - سكتت زوجة العنين سنين، فلا يكون سكوتها رضاً مسقطاً حقها في التفريق القضائي بينها وبين زوجها.
(الزرقا ص 238، الدعاس ص 18، السدلان ص 185) .
2 - لو سكن أحد داراً غير معدَّة للإيجار، وصاحب الدار ساكت، فلا يعدَّ
سكوته إيجاراً فليس له حق في طلب الأجرة.
(الدعاس ص 18، السدلان ص 185.
3 - لو رأى أجنبياً يبيع ماله فسكت، لا يكون سكوته إجازة، بخلاف ما لو قبضه المشتري بعد ذلك بحضرته، وهو ساكت، فإنه يكون إجازة كما سيأتي في الشطر الثاني.
(الزرقا ص 337، السدلان ص 184) .
4 - لو رأى القاضي الصبي أو المعتوه يبيع ويشتري، فسكت، لا يكون سكوته إذناً بالتجارة، ولو لم يكن لهما ولي.
(السيوطي ص 142، السدلان ص 185) .
5 - لو رأى غيره يتلف ماله، فسكت، لا يكون سكوته إذناً بإتلافه.
(الزرقا ص 337، السدلان ص 185) .
6 - لو تزوجت المرأة غير كفء، فسكت وليها عن طلب التفريق، لا يكون سكوته رضاً على ظاهر المذهب ما لم تلد، فلو ولدت فليس للولي التفريق، حفظاً للولد عن التشتت من الزوج.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أن العقد لا يجوز.
وعلى روايته الفتوى.
(الزرقا ص 1338) .
7 - لو سكت السيد عن وطء أمته لا يسقط المهر.
(اللحجي ص 174.
8 - لو سكت الشخص عن تطع عضو منه، أو إتلاف شيء من ماله، مع القدرة على الدفع، لم يسقط ضمانه بلا خلاف، بخلاف ما لو أذن في ذلك صراحة.
(اللحجي ص 74، السمدلان ص 186) .
9 - لو سكتت الئيب عند الاستئذان في النكاح، لم يقم سكوتها مقام الإذن قطعاً، لأنه لا ينسب للساكت قول.
(اللحجي ص 74، السدلان ص 186) .
(1/161)

10 - لو علم البائع بوطء المشتري الجارية في مدة الخيار.
لا يكون إجازة في الأصح.
(اللحجي ص 74) .
11 - لو حُمل البائع من مجلس الخيار، ولم يمنع من الكلام، لم يبطل خياره في الأصح، لأنه لا ينسب للساكت قول.
(اللحجي ص 74) .
قال ابن نجيم رحمه الله: "وخرج عن هذه القاعدة " القسم الأول " مسائل كثيرة يكون السكوت فيها كالنطق " أي ينطبق عليها القسم الثاني من القاعدة، وعدَّد سبعاً وثلاثين مسألة.
ثانياً: السكوت في معرض الحاجة بيان
إن السكوت من القادر على التكلم في معرض الحاجة إلى الكلام كلام وبيان، بشرط أن يكون هناك دلالة عرفية من حال المتكلم، أو يكون هناك ضرورة لدفع الغرر والضرر، يعني أن السكوت فيما يلزم التكلم به إقرار وبيان، وهذا القسم الثاني يعتبر بمثابة قيد واستثناء للقسم الأول.
تطبيقات القسم الثانى
وهي نوعان:
أ - يتفرع على دلاللا حال المهحلم مسائل:
1 - لو سكتت الفتاة البكر عند استئذان وليها بالتزويج، أو زوجها الولي دون استئذانها، ثم بلغها العقد، فسكتت، اعتبر سكوتها إذناً وإجازة لدلالة الحال، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفتاة البكر البالغة إذا استاذنها وليها في عقد نكاحها:
"إذنها صماتها"
أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن.
لأن حالتها (وهي استحياؤها من إظهار الرغبة في الرجال، لا من إظهار عدمها) تدل على أن سكوتها مع إمكان
(1/162)

تصريحها بالرد والحياءُ يمنعها، بيان وإفصاح، ففي الأولى: يكون العقد لازماً، وفي الثانية: ينبرم ويلزم بعد وجوده موقوفاً.
(الزرقا ص 338، الدعاس ص 19، اللحجي
ص 74،..
(ابن عبد الهادي ص 08 1، السدلان ص 88 1) .
2 - لو باع شيئاً فاسداً، وسلمه للمشتري، ثم عتب البائع المبيع، ينفسخ العقد، ويصير بتعييبه له مسترداً، حتى لو هلك عند المشتري من غير أن يمنعه عن البائع، هلك على حساب البائع، لأن العقد الفاسد معصية يجب على كل من العاقدين رفعُها بالفسخ، فاللائق بحال البائع أن يكون ساعياً وراء رفعها، فاعتبر فعله التعييب استيلاء على المبيع واختياراً لفسخ العقد، رفعاً للمصلحة، فإن المبيع الفاسد إذا وصل إلى البائع
من جهة المشتري بأي وجه، يعتبر فسخاً.
(الزرقا ص 338) .
3 - إن سكوت المالك عند قبض الموهوب له، والمتصدَّق عليه، والمرتهن.
والمشتري قبل نقد الثمن، إذن؛ لأن حالته من إقدامه على العقد الموضوع لإفادته حكمه، ثم سكوته عند القبض، مع قدرته على النهي، تدل، كصريح القول، على الإذن، وهذا بالنسبة إلى الشراء مقيد بأن يكون البيع باتاً، أما لو كان البيع وفاء، وهو البيع الجائز في بعض الكتب، فلا يكون القبض قبل نقد الثمن جائزاً قياساً واستحساناً، حتى كان له أن يسترده.
(الزرقا ص 339) .
ومثله يقال في سكوت أحد المتبايعين في بيع التلجئة إذا قال لصاحبه: قد بدا لي أن أجعله بيعاً صحيحاً فإنه يصير كما قال.
(الزرقا ص 339) .
4 - ومن ذلك عقود التعاطي، وسكوت الساكن عند قول المالك: فرِّغها، وإلا فأجرتها كل يوم كذا، فسكت الساكن، فهذه دلالة حال على قبوله الإجارة والأجرة..
(الزرقا ص 339،..
(ابن عبد الهادي ص 108) .
5 - إذا سئل المزكي عن الشاهد، فسكت، فهو تعديل إذا كان المزكي عالماً؛ لأن حالته الدينية تدل على أنه لو لم يكن عدلاً لما سكت عنه.
(الزرقا ص 339) .
6 - لو اشترت الأم للصغير ما لا يحتاج إليه فلا ينفذ عليه إلا إذا اشترت له من
(1/163)

أبيه أو منه ومن أجنبي، فإن إقدام الأب على البيع، أو اشتراكه في البيع مع أجنبي، إذن للأم بالشراء من الأجنبي.
(الزرقا ص 339) .
7 - لو اشترى سلعة من فضولي، وقبض المشتري المبيع بحضرة صاحب السلعة فسكت، يكون رضاً.
(الزرقا ص 339) .
8 - لو سئل شخص عن مجهول النسب: هل هو ابنه؛ فأشار بالإقرار به ثبت نسبه؛ لأن إشارته هذه مع حرصه على صيانة النسب، وتمكنه من النفي، يقوم مقام القول.
(الزرقا ص 354) .
9 - إذا دفعت الأم في جهاز بنتها أشياء من أمتعة الأب، والأب يعلم ذلك وهو ساكت، فليس له الاسترداد من بنته.
(الزرقا ص. 34) .
10 - إن إنفاق الأم في جهاز بنتها من مال الأب ما هو معتاد، والأب ساكت، إذن منه، ولا تضمن الأم.
(الزرقا ص. 34) .
11 - لو قبض المشتري السلعة بحضرة البائع.
وسكت البائع، فيكون إذناً بالقبض.
(السيوطي ص 142، السدلان ص 188) .
12 - سكوت المأموم لاستماع قراءة الإمام
يقوم له مقام القراءة.
(ابن عبد الهادي ص 108) .
فائدة: ضوابط الاعتداد بالسكوت
يمكن وضع ضوابط للتصرفات التي يعتد فيها بالسكوت في الحالات التالية:
1 - الحالات التي تمحض فيها السكوت لمنفعة من وُجّه إليه، ويدخل في ذلك سكوت المتصدَّق عليه، وسكوت المفوَّض، وسكوت الموقوف عليه، وسكوت الموصى له، وسكوت المكفول له، وسكوت المدين عند إبراء الدائن له.
(1/164)

2 - الحالات التي يتوافر فيها تعامل سابق بين المتعاقدين، ويتصل الإيجاب بهذا التعامل.
وقد يكون هذا التعامل السابق عقداً سابقاً لم يترتب عليه أثر كالرهن والهبة
اللفظيين اللذين لم يفترق فيهما الطرفان بالقبض، فإذا قبض المرتهن المرهون بعد العقد، واقترن هذا القبض بسكوت الراهن، اعتبر هذا السكوت إذناً بالقبض، وكذا الحال في الهبة.
وقد يكون التعامل السابق عقداً ولَّد أثراً، كالبيع الذي يملك البائع فيه حق
الحبس على الشيء المبيع، فإذا قبض المشتري بعد ذلك، وسكت البائع، اعتبر سكوته إذناً بالقبض.
ويدخل في هذه الحالات أيضاً سكوت أحد المتبايعين في بيع التلجئة عن
الاعتراض على تصحيح الآخر بقوله: قد بدا لي أن أجعل هذا العقد صحيحاً.
3 - الحالات التي يستلزم فيها مبدأ العدالة اعتبار السكوت رضاً، كسكوت المولى حين يرى عبده يبيع ويشتري، فإنه يجعل إذناً له في التجارة، دفعاً للضرر عمن يعامل العبد.
4 - الحالات التي يستلزم فيها العرف اعتبار السكوت رضاً، كحالة سكوت البكر قبولاً للخاطب.
ب - يتفرع على ضرورة دفع الغرر والضرر مسائل
1 - لو سال القاضى المدعى عليه عما يقول في دعوى المدعي، فاصر على
السكوت، فإنه يعتبر منكراً للدعوى، ويكلف المدعي الإثبات، دفعاً للضرر عن المدعي.
(الزرقا ص 354، الدعاس ص 18، السدلان ص 188) .
2 - إذا عجز المدعي عن الإثبات، وطلب التحليف، فعرضت اليمين على المدعى عليه، فسكت دون أن يحلف أو ينكل، اعتبر نأكلاً عن اليمين، ويقضى عليه بالنكول عند الحنفية والحنابلة، وبرد اليمين عند الشافعية والمالكية؛ لأن توقف سير المحاكمة
(1/165)

على كلامه يضر المدَّعي (م/ 1822) .
(الزرقا ص 340، الدعاس ص 18، اللحجي ص 74.
ابن عبد الهادي ص 108) .
3 - إذا سكت الشفيع حين علم بالبيع، فإنه تسليم للشفعة، لأنه إذا لم يجعل تسليماً كان تغريراً للمشتري وإضراراً به، إما بامتناعه عن التصرف، أو بنقض الشفيع تصرفه إذا تصرف.
(الزرقا ص. 34، السدلان ص 188) .
4 - إذا وضع رجل متاعه عند رجل وهو يراه، فسكت، صار مودعاً، دفعاً للضرر (الرزقا ص 340) .
5 - إذا اشثرى ما يتسارع إليه الفساد، وغاب قبل القبض، ولم ينقد الثمن، وأبطأ، فللبائع بيعه، لرضاه بالفسخ دلالة، ولدفع الضرر عن البائع، لأنه يتلف عليه، وإذا نقص الثمن لا يرجع على المشتري.
(الزرقا ص. 34) .
6 - لو اطلع على عيب في المبيع فقبضه، أو دفع ثمنه، فإن ذلك إسقاط منه لحق الرد بخيار العيب.
(الزرقا ص ا34) .
7 - لو آجر الأرض للزراعة، ولم يبين ما يزرع فيها، فالعقد فاسد، فإذا زرع المستأجر فيها وعلم المؤجر بما زرعه، وسكت، انقلب العقد صحيحاً، ولزمت الإجارة، ولم يبق للمؤجر حق الفسخ.
(الزرقا ص 341) .
8 - لو نقض بعض أهل الذمة العهد، ولم ينكر الباقون بقول أو فعل، بل سكتوا، انتقض فيهم أيضاً.
(اللحجي ص 74) .
9 - لو رأى السيد عبده يتلف ما لغيره، وسكت عنه ضمنه، والصغير والمجنون كالعبد في ذلك.
(اللحجي ص 74) .
10 - إذا سكت المحرم على حلق الحلال لرأسه مثلاً، مع القدرة على منعه، لزمه الفدية في الأصح؛ لأن الشعر في يده بمنزلة الوديعة، فيلزمه دفع مهلكاتها.
(اللحجي ص 74) .
11 - لو باع رجل العبد البالغ وهو ساكت، صح البيع، ولا يشترط أن يعترف
(1/166)

بأن البائع سيده في الأصح؛ لأن السكوت في معرض الحاجة إلى بيانٍ بيانٌ.
(اللحجي ص 74) .
12 - القراءة على الشيخ وهو ساكت ينزل منزلة نطقه في الأصح.
قال إمام الحرمين: بشرط أن لو عرض من القارئ تصحيف أو تحريف لرده.
(اللحجي ص 75) .
13 - ذكر القاضي جلال الدين البلقيني مسائل أُخَر، أكثرها مبني على القول الضعيف، وبعضها اقترن به فعل قام مقام النطق، وبعضها فيه نظر.
(اللحجي ص 75) .
14 - جمع العلامة الجعبري شيئاً في هذه المسألة في منظومته، منها قوله:
قاعدة سكوتُ ذي التكليف. . . ليس رضاً في شرعنا الشريف
فيما سوى مسائل فمنها. . . صَمْتُ رسول الله عن أن يَنْهى
عما جرى يا ذا النهى بحضرته. . . والمجمعين بعده من أمته
والبكر في التكاح حين تُجْبَرُ. . . فإذْنُها صماتها لا يُنْكَرُ
كذا التي ليست بذي إجبارِ. . . سكوتها رِضاً على المختارِ
فأضاف إلى أن اعتبار السكوت بيان أمرين: سكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر صدر أمامه فلم ينكر عليه، فيكون سكوته إقراراً، وهو السنة التقريرية، وسكوت علماء الأمة في الإجماع، وهو المعروف بالإجماع السكوتي، فهو حجة عند الجمهور.
وليس بحجة عند الشافعي رحمه الله تعالى، وكما لا ينسب إلى ساكت قول، فلا ينسب له فعل أيضاً.
(1/167)

15 - لو باع المالك العين المغصوبة من الغاصب، وهي في يده، يكون بيعها له مسقطاً لحق حبسها بالثمن، فليس له استردادها ليحبسها بالثمن.
(الزرقا ص 341) .
16 - إذا سكتت البكر عند قبض المزوِّج لها - أباً كان أو غيره - مهرَها، كان ذلك إذناً منها بقبضه ما لم تنهه.
(الزرقا ص 341، السدلان ص 184) .
المستثنى
يستثنى من هذه القاعدة في الشطر الثاني، ويعتبر تطبيقاً للشطر الأول من
القاعدة:
1 - إن الزوجين لو شرطا في عقد النكاح تأجيل كل المهر، ولم يشترطا الدخول قبل حلول الأجل، فللزوجة أن تمنع نفسها على الزوج إلى أن تقبض المهر استحساناً، وبه يفتى، وعلته أن الزوج لما طلب تأجيل كل المهر رضي بإسقاط حقه في الاستمتاع.
فعذوه مسقطاً حقه في الاستمتاع بدون قول منه.
(الزرقا ص 341) .
2 - إذا سكت القريب أو أحد الزوجين إذا رأى قريبه أو زوجه يبيع شيئاً، فإنه اعتراف منه بأنه لا حق له فيه مع أنه ليس هناك دلالة من الحال، ولا ضرورة لدفع الغرر والضرر، وهذا هو الاستحسان، قطعاً للتزوير اليمكن بين الأقارب أكثر من غيرهم، فهو تطبيق للجملة الثانية، والقياس فيه ألا يكون السكوت اعترافاً، وهو تطبيق وتفريع للجملة الأولى.
(الزرقا ص 344) .
3 - قد ينسب إلى الساكت قول في غير معرض الحاجة للبيان، أو ضرورة دفع الضرر والغرر، وذلك فيما يبنى من الأحكام على العرف، كمسائل الأيمان.
فمن ذلك: ما لو حلف: لا يظهر سرَّ فلان، أو ليكتمنه، أو حلف: لا يدل على فلان، فسئل: هل كان سرُّه كذا؟ أو هل فلان بمكان كذا؟ فأشار برأسه - أي: نعم - حنث في يمينه.
وكذا لو حلف: لا يستخدم فلاناً، فأشار إليه بشيء من الخدمة، حنث في يمينه، سواء خدمه أو لم يخدمه.
(1/168)

والحنث في جميع ذلك لأن الأيمان تبنى على العرف، وهو في العرف يكون بذلك مفشياً سرَّ فلان، ومُعْلِماً به، ومستخدماً له.
(الزرقا ص 344) .
(1/169)

القاعدة: [10]
8 - لا عبرة للتوهم (م/74)
التوضيح
التوهم: هو إدراك الطرف المرجوح من طرفي أمر متردد فيه.
والمراد من التوهم:
الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول، وهذا لا يبنى عليه حكم شرعي، ولا يمنع القضاء، ولا يؤخر الحكم، لأن الأمر الموهوم يكون نادر الوقوع، ولذلك لا يعمل به في تأخير صاحب حق؛ لأن الثابت قطعاً ويقيناً أو ظاهراً لا يُؤخر لأمر موهوم.
ولا تكرار بين هذه القاعدة وقاعدة "لا عبرة بالظن البيق خطؤه " (م/ 72) ؛ لأن الظن هو إدراك الطرف الراجح، والوهم: إدراك المرجوح، ولكن يمكن أن يقال:
إن حكم هذه القاعدة يفهم من تلك بالأَوْلى، وليس كذلك؛ لأن قاعدة
"لا عبرة بالظن البيّن خطؤه " موضوعة فيما إذا تبين خطأ الظن، فجزم بعكسه، فلا يفيد حكم الوهم بالأَوْلى.
ولا عبرة للتوهم في الأحكام بخلاف المتوقع، فإنه كثير الوقوع، فيعمل بتأخير الحكم، كما جوزوا للحاكم تأخير الحكم للمدعي بعد استكمال أسبابه لرجاء الصلح بين الأقارب، لأن ذلك متوقع بخلاف غيرهم، وإذا ادعى شخص ديناً على ميت بمواجهة أحد الورثة فأقرَّ الوارث، او ادعى ديناً بوكالة أو وصاية، فأقرَّ المدعى عليه بالوكالة أو الوصاية، أو ادعى المستحق على المشتري العين المبيعة أنها ملكه، فأقرَّ المشتري له بالملك، جاز تأخير الحكم إلى إقامة البينة، دفعاً للضرر المتوقع بإنكار الوكل الوكالة، أو الوارث الوصاية، ولأجل التعدي في الإقرار على المدعى عليه من المدينين، ولأجل التعدي في الإقرار لبقية الورثة في دعوى الدين على الميت،
(1/170)

وللتعدي للبائع وتمكن المشتري من الرجوع عليه في دعوى الاستحقاق، لأن الإنكار متوقع.
ويقرب من هذه القاعدة قاعدة أخرى عند الحنابلة
"ينزل المجهول منزلة المعدوم "
كما سيأتي.
التطبيقات
1 - لو أثبت الورثة إرثهم بشهود، وانحصار الإرث بهم، وقالوا: لا نعلم له وارثاً غيرهم، فيقضى لهم بالإرث، ولا عبرة لاحتمال ظهور وارث آخر يزاحمهم؛ لأن ذلك موهوم فلا يعوق القضاء.
(الزرقا ص 363، الدعاس ص 19، الروقي
ص 289، السدلان ص 92 1،.
(ابن رجب 2/ 432) .
2 - إذا شهد الشهود الثقات المعدلون على أحد بحق وجب الحكم بشهادتهم فوراً، ويفسق الحاكم بتأخيره، ولا عبرة لاحتمال خطئهم أو كذبهم؛ لأنه من المحتمل كذب الشهود والمعدلين.
لأن هذا الاحتمال مجرد توهم لا دليل عليه.
(الزرقا ص 364، الدعاس ص 9 1، الروقي ص 289، السدلان 195) .
3 - لو اشتبهت عليه القبلة، فصلى إلى جهة بدون تحرٍ واجتهاد، لا تصح صلاته، لابتنائها على مجرد الوهم، بخلاف ما لو تحرى وصلى مع غلبة الظن فإنه تصح صلاته وإن أخطأ القبلة.
(الدعاس ص 19، السدلان ص 193) .
4 - لو أثبت الغرماء ديونهم بشهود قالوا: لا نعلم له غريماً غيرهم، فإنه يقضى لهم في الحال، ولا عبرة لما عسى أن يظهر من الديون، لأنه وهم مجرد.
(الزرقا ص 363) .
5 - لو كان للدار المبيعة شفيعان، غائب وحاضر، وطلب الحاضر الشفعة، فإنه يقضى له بها عند تحققها، ولا يتأخر حقه لما عسى أن يحدث من طلب الشفيع الآخر عند حضوره؛ لأنه موهوم..
(الزرقا ص 363، السدلان ص 193) .
(1/171)

6 - لو كان لزيد جدار ملاصق لدار جاره، فأراد أن يفتح فيه كوة فوق قامة الرجل، فله ذلك، وليس لجاره منعه عن فتحها بحجة أنه يطل على مقر نسائه إذا استعلى على شيء، لأنه موهوم.
(الزرقا ص 363) .
7 - لا يجوز الرهن بالدَّرك؛ لأن استحقاق المبيع أمر موهوم، بخلاف الرهن
بالدين الموعود، فإنه صحيح، ويضمن ضمان الرهن، لأن الدَّين الموعود ليس موهوماً بل متوقع الحصول، وكذلك المشتري بخيار لو أعطى الثمن رهناً جاز؛ لأن الإجازة متوقعة الحصول لا متوهمة.
(الزرقا ص 363) .
8 - يكتفى في تعريف المشهود عليه إن كان غائباً عن مجلس الحكم بذكر اسمه واسم أبيه وجده، واحتمال مشاركة سواه في اسمه واسم أبيه وجده مجرد توهم لا عبرة له.
(الزرقا ص 364) .
9 - لو دفع ماله مضاربة لرجل جاهل جاز
أخذ ربحه ما لم يعلم أنه اكتسب الحرام.
(الزرقا ص 356) .
10 - لو ادعى ثمنين، أوثلاثة أثمان، بسبب بيع هذا الشيء منه، لا يجب إلا ثمن واحد، وإن احتمل أنه باع، فإنه لا يعتبر هذا الاحتمال.
(الزرقا ص 356) .
11 - إذا توفي المفلس تباع أمواله، وتقسم بين الغرماء، وإن تُوهم أنه ربما ظهر غريم آخر جديد، والواجب ألا تقسم محافظة على حقوق ذلك الدائن المجهول، ولكن لا اعتبار للتوهم، وتقسم الأموال على الغرماء، فإن ظهر غريم جديد يأخذ حقه منهم حسب الأصول الشرعية.
(السدلان ص 192) .
12 - إذا كان لدار شخص نافذة على أخرى لجاره تزيد على طول الإنسان، فجاء الجار طالباً سدَّ تلك النافذة بداعي أنه من اليمكن أن يأتي صاحب النافذة بسُلّم، ويشرف على مقر النساء، فلا يلتفت لطلبه، وكذا لا يلتفت لطلبه إذا وضع جاره في غرفة مجاورة له تبناً، وطلب رفعه بداعي أنه فمن المحتمل أن تعلق به النار فتحترق داره.
(السدلان ص 193) .
13 - إذا جرح شخص آخر، ثم شفي المجروح من جرحه تماماً وعاش مدة ثم
(1/172)

توفي، فادعى ورثته بأنه من الجائز أن يكون والدهم مات بتأثير الجرح فلا تسمع دعواهم.
(السدلان ص 193) .
14 - إذا غاب الشهود أو ماتوا بعد أداء الشهادة في المعاملات، فللحاكم أن يزكيهم ويحكم بشهادتهم، ولا يؤخر الحكم لتوهم رجوعهم عن شهادتهم.
(السدلان ص 193) .
15 - إذا ولدت المرأة ونفست، ثم طهرت قبل الأربعين، اغتسلت وصلت بناء على الظاهر؛ لأن معاودة الدم موهوم، فلا يترك المعلوم بالموهوم.
(السدلان ص 194) .
16 - لو أقرَّ المريض بدين لوارثه، فخاصمه الوارث في ذلك، أمره القاضي بأن يوفيه حقه؛ لأن السبب الموجب للمال عليه ظاهر، والمبطل له وهو موته من مرضه موهوم، والموهوم لا يعارض المعلوم.
(السرخسي 25/ 50) .
المستثنى
خرج عن القاعدة مسائل:
1 - لو استأجر مُبَانتَه لإرضاع ولده منها، ثم تزوجها، لا تبطل الإجارة، وإن كانت لم يبق لها فائدة متيقنة، وذلك لأن حكم العقد، وهو هنا لزوم الأجر للمستأجر، وإن كان لا يثبت ابتداء بوهم ثبوت فائدة لها، لكنه يبقى ما بقي توهم الفائدة، وتوهم الفائدة هنا ثابت بأن يطلقها بعد ذلك، فتظهر فائدتها.
(الزرقا ص 365) .
2 - لو انهدم بناء الدار المأجورة كله فإن الإجارة لا تبطل وإن سقطت الأجرة؛ لأن توهم الفائدة بإعادة البناء ثابت، حتى لو بناها المؤجر والمدة باقية لم تنقض بعد ظهور فائدتها، ولزمت المستأجر الأجرة لما بقي من المدة.
(الزرقا ص 356) .
ويتفرع عليها لو آجر مشاعاً فإنه لا يصح سواء كان يقبل القسمة أو لا، ولكن لو طرأ الشيوع بعد العقد بأن آجر عقاراً بتمامه، ثم استُحِق جزء منه شائع، أو
(1/173)

تفاسخ العاقدان الإجارة في بعض شائع منه، تبقى الإجارة في الباقي، وإن كان شائعاً.
(الزرقا ص 366) وهذا يدخل في قاعدة
"يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء " (م/ 53) .
3 - لو دفع المشتري من الفضولي الثمن له على رجاء إجارة المالك، ثم أراد
استرداده منه لم يملك استرداده قبل أن يفسخ المالك البيع، فيمنع من استرداد الثمن مع أن الإجازة موهومة الحصول.
(الزرقا ص 366) .
4 - يمنع أن يرجع الباعة بعضهم على بعض الثمن إذا ظهر المبيع مستحقاً، قبل أن يفسخ المستحق البيع، أو يقضي القاضي بالرجوع بالثمن؛ لأنه بالاستحقاق ظهر أن عقود الباعة كانت بالفضول، وأنها تقبل الإجازة، وفي عقد الفضولي لو دفع المشتري الثمن له لا يملك الاسترداد قبل انفساخ العقد، هما لم ينتف احتمال الإجازة بفسخ
المستحق أو بقضاء القاضي بالرجوع لا يرجع الباعة بالثمن، وإجازة البيع توهم واحتمال بعيد.
(الزرقا ص 366) .
5 - لو دفع المدين الدَّين إلى فضولي على رجاء أن يجيز المالك، فليس له أن يسترده منه لاحتمال الإجازة، لأن الفضولي قبض فضولاً عن الدائن رجاء الإجازة منه لقبضه، ولم يقبض بطريق الوكالة عن المديون ليدفع إلى الدائن، ولو كان قبضه بطريق الوكالة عنه لم يكن فضولياً، فحيث كان قبضه عن الدائن رجاء الإجازة لم يكن للدافع حق استرداد ما دفع إليه.
(الزرقا ص 366) .
(1/174)

القاعدة: [11]
9 - لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل (م/73)
الألفاظ الأخرى
- لا حجة مع الاحتمال.
التوضيح
لا حجة أي لا برهان مقبول، ولا احتجاج مسموع، مع قيام الاحتمال وانتصابه
على أن ما قامت عليه الحجة ليس خالياً من التهمة، فإن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله، بشرط أن يكون هذا الاحتمال ناشئاً عن دليل.
أما إذا لم يكن ذلك الاحتمال ناشئاً ولا منبعثاً عن دليل، بل عن مجرد توهم
وحدس، فلا يقاوم الحجة، ولا يقوى على معارضتها؛ إذ لا عبرة بالاحتمال إذا لم يكن ناشئاً عن دليل، لأنه توهم، ولا عبرة بالتوهم (م/ 74)
كما إذا كان الإقرار لأحد الورثة واقعاً في حال الصحة، فإنه يجوز، واحتمال إرادة المقر حرمان سائر الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم، فلا يمنع حجية الإقرار.
التطبيقات
1 - لا تقبل شهادة الزوجين، وشهادة الأصول والفروع بعضهم لبعض لاحتمال الميل الناشئ عن القرابة، ولا تقبل شهادة الأجير الخاص لمستأجره، لتمكن التهمة الناشئة عن علاقة قد تدفع إلى تحزب مريب يجب أن تتجرد الشهادة عنه.
(الدعاس ص. 2، السدلان ص 210) .
(1/175)

2 - لو كان رجلان في سفينة بها دقيق، فادعى كل واحد السفينة وما فيها.
وأحدهما يعرف ببيع الدقيق، والآخر يعرف بأنه ملاح، فالدقيق للذي يعرف ببيعه، والسفينة لمن يعرف بأنه ملاح، عملاً بالظاهر.
(الدعاس ص 20) .
3 - لو أقر أحد لأحد الورثة بدين أو عين، فإن كان في مرض موته فلا يصح ما لم يصدقه باقي الورثة، ولو في حياة المورث، أو يجيزوه بعد موته، وذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان سائر الورثة مستند إلى دليل، وهو كونه في المرض.
(الزرقا ص 361) .
4 - لو وكل آخر بشراء شيء، فشراه، ولم يبين أنه شراه لنفسه أو لموكله، ثم بعد أن تلف المشري بيده، أو حدث به عيب قال: إني ذريته لموكلي، فلا يصدق، لوجود احتمال صرفه لموكله وهذا الاحتمال ناشئ عن دليل، وهو الإتلاف، أو العيب.
(الزرقا ص ا36) .
5 - لو باع الوكيل بالشراء ماله لموكله، أو اشترى الوكيل بالبيع مال موكله لنفسه، لا يصح فيهما، وهو بيع النائب لنفسه، لوجود احتمال الغبن، ومستند إلى ميل الإنسان لنفسه.
(الزرقا ص 361) .
6 - لو باع الوكيل مال موكله، ولو بثمن المثل، ممن لا تقبل شهادتهم له كأبويه وأولاده وزوجته بدون تفويض من الموكل لا يصح كذلك.
(م 486 1، 488 1، 496 1، 497 1 من المجلة) .
وكل ذلك لتمكن احتمال التهمة في فعل الوكيل، وقيام الدليل على ذلك
الاحتمال، وهو أن يكون الحامل له في المثال الرابع على طرحه على الموكل هلاك المبيع أو تعيبه، وفي بقية الأمثلة بحب الأثرة الحامل على المحاباة لنفسه، أو لمن لا تقبل شهادته له.
(الزرقا ص ا36 - 362) .
7 - لو باع المريض مرض الموت ماله من وارثه، ولو بأضعاف قيمته، لم يجز عند أبي حنيفة إلا أن يجيز الورثة، لأنه متهم، لجواز أنه أراد إيثاره على سائر الورثة بعين من أعيان ماله.
(الزرقا ص 362) .
(1/176)

8 - لو أقر المريض لامرأته بأنه كان طلقها في صحته، وانقضت عدتها، وصدقته المرأة، ثم أوصى لها بوصية، أو أقر لها بدين، ثم مات، فلها الأقل من الميراث ومبلغ الوصية أو الدين المقر به عند أبي حنيفة، لاحتمال التهمة في إقراره.
(الزرقا ص 362) .
9 - لو باع شيئاً وسلمه، وقبل أن يقبض ثمنه اشتراه من لا تقبل شهادته له من المشتري بأقل من الثمن الأول، لا يجوز شراؤه عند إب حنيفة، لقيام دليل التهمة في ذلك.
(الزرقا ص 362) .
10 - لو شهد الوصى الوارث الكبير بدين على الميت لا تقبل شهادته عند أبي حنيفة لمكان التهمة (الرزقا ص 362) .
(1/177)

القاعدة: [12]
10 - لا عبرة بالظن البينِّ خطؤه (م/72)
التوضيح
"لا عبرة" أي لا اكتراث، ولا مبالاة "بالظن البين خطؤه " بل يلغى، ويجعل كأن لم يكن، سواء أكان الخطأ ظاهراً ومبيناً للحال، أم كان خفياً ثم ظهر بعد، فإذا بني حكم أو استحقاق عن ظن، ض تبين خطؤه، كان باطلاً، ويجب الرجوع إلى حكم الشرع، لأن الظن اليجوز للعمل إذا بأن خلافه باليقين بطل ذلك العمل، وصار غير معتد به غالباً، لأنه صار باطلاً، وكل ما بني على باطل فهو باطل، بخلاف ما إذا أخلف الظن إلى أكثر منه فلا يبطل ذلك العمل.
التطبيقات
1 - لو دفع المدين الدين، ثم دفعه عنه وكيله، أو كفيله، جاهلاً أداء الأصيل، وكذا العكس، يسترد الدافع الثاني ما ادفع، وإذا كل من دفع شيئاً على ظن وجوبه.
أو صالح عن حق مدعى به عليه، ثم تبين أن لا حق عليه، ولم يكن أقرَّ به، فله استرداد ما دفع، أما إذا كان الدفع لا على ظن الوجوب بل بقصد التبرع والصدقة، فإنه يجري عليه حكم الهبة والصدقة، ولو كان الدفع لا على سبيل التمليك كان وديعة فيسترد، لأن الأمور بمقاصدها (م/ 2) .
فكل من دفع ما ليس بواجب عليه على ظن وجوبه، فله استرداده قائماً، أو
اسزداد مثله أو قيمته هالكاً كالأمثلة السابقة، وكذا لو دفع الكفيل الدَّين، ثم تبين له فساد الكفالة فإنه يرجع بما دفع، وذلك كما لو كان لاثنين على آخر دين مشترك،
(1/178)

فكفل أحدهما لصاحبه نصيبه من الدين لم تجز تلك الكفالة، فلو دفع نصيب صاحبه فإنه يرجع عليه، وكذا لو كفل وكيل البيع الثمن لموكله لم تجز تلك الكفالة، فلو دفع الثمن لموكله، رجع عليه به.
(الزرقا ص 358، الدعاس ص 21، الروقي ص 289) .
2 - لو أقر بالطلاق بناء على إفتاء المفتي له بالوقوع.
ثم تبين عدمه، لم يقع ديانة.
(الزرقا ص 357) .
3 - لو تكلمت زوجته، فقال: هذا كفر، وحرمت عليَّ، ثم تبين أن ذلك اللفظ ليس بكفر لا تحرم.
(الزرقا ص 357) .
4 - لو ادعى أن له عليه ديناً أو حقاً فصالحه عنه على بدل، ثم تبين أن الدين لم يكن عليه، أو أن الحق لم يكن ثابتاً، كان له أن يسترد البدل، ولكن يشترط في ذلك أن يكون الصلح لا عن إقرار، وأن يكون تبيَّن عدم ثبوت الدين أو الحق بغير إقرار
المدعي قبل الصلح، بأنه لا حق له قبله، فلو كان الصلح عن إقرار، أو أثبت المدعى عليه أن المدعي كان أقر قبل العقد (الصلح) أنه ليس له على المدعى عليه دين أو حق، فإنه لا يبطل الصلح، ولا يسترد المدعى عليه البدل، لأنه يحتمل أنه لم يكن موجوداً عند الإقرار، ثم وجد وصولح عنه، ويطبق عليه هنا قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك، (م/ 4) .
(الزرقا ص 357) .
5 - لو ظن أن للآخر عليه ديناً فقضاه إياه، ثم تبين له عدمه، رجع بما دفع.
(الزرقا ص 358) .
6 - لو دفع نفقة فرضها القاضي عليه، ثم تبين عدم وجوبها، رجع بها.
(الزرقا ص 358) .
ولو أنفق على البائن ظاناً حملها فبانت حائلاً استرد.
(اللحجي ص 188)
وفي رواية عند الحنابلة كذلك.
(ابن رجب 368/2) .
7 - لو ادعى عليه ألفاً مثلاً، فقال المدعى عليه للمدعي: إن حلفت أنها لك عليَّ أدَّيتها لك، فحلف، فأداها له المدعى عليه ظناً منه أنها لزمته بحلف المدعي استردها منه.
(الزرقا ص 358، السدلان ص 1203.
8 - لو أتلف مال غيره يظنه ماله ضمنه (م 914) .
(الزرقا ص 358) .
(1/179)

9 - لو دفع القصار إلى المالك ثوب غيره، فأخذه على ظن أنه له، ضمن، لأن من أخذ ثوباً بلا أمر ربه ضمنه، والجهل فيه ليس بعذر، وكذا لو طلب ثوبه من قصار، فقال: دفعت ثوبك إلى رجل ظننت أنه ثوبه، ضمن القصار، كثيابي حمام سلم إليه رجل ثيابه ليحفظها، فقال الثيابي: خرج رجل، ولبس ثيابك، فظننت أنها له، ضمنه.
(الزرقا ص 359) .
10 - لو ظن المكلف في الواجب الوسع أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه الوقت، فلو لم يفعله، ثم عاش وفعله، فأداء على الصحيح.
(اللحجي ص 88، السدلان ص 201) .
11 - لو صلى بالاجتهاد في الوقت، أو الماء، أو القبلة، ثم تبين الخطأ، لم تصح صلاته.
(اللحجي ص 88) .
12 - لو ظن أن إمامه مسلم، أو رجل، أو قارئ، فبان كافراً، أو امرأة، أو أمياً، لم تصح الصلاة.
(اللحجي ص 88) .
13 - لو ظن بقاء الليل، أو ظن غروب الشمس، فأكل، ثم بأن خلافه، بطل صومه.
(اللحجي ص 88، السدلان ص ا20) .
14 - لو دفع الزكاة إلى من ظنه من أهلها، فبان خلافه، لم تحز.
(اللحجي ص 88)
ولو ظنه ليس من أهلها ثم تبين له أنه من أهلها أجزأه استثناء من القاعدة. (السدلان ص 251) وسيرد رأي الحنابلة.
15 - لو رأوا سواداً فظنوه عدواً، فصلوا صلاة شدة الخوف، فبان خلافه، قضوا في الأظهر.
(اللحجي ص 88) .
16 - لو استناب على الحج ظاناً أنه لا يرجى برؤه فبرئ لم يسقط الفرض عليه، ووجب عليه الحج بنفسه.
(اللحجي ص 88، السدلان ص 201) خلافاً للحنابلة.
فإنه يجزئه على المذهب، لأنه فعل الواجب عليه في وقته.
(ابن رجب 36/1) .
17 - إذا حكم الحاكم بشهادة عدلين في الظاهر، ثم تبين فسقهما، ففي النقض روايتان، والمشهور النقض، لتعلق حق الغير به، وهذا تطبيق للقاعدة، والرواية
(1/180)

الثانية استثناء من القاعدة فلا ينقض حكمه لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، لكن حكمه في الباطن غير نافذ بالاتفاق.
(ابن رجب 1/522) .
18 - لو باع شخص ملك أبيه الغائب بغير إذنه، ثم تبين أن أباه كان قد مات قبل ذلك، ولا وارث له سواه، ففي صحة تصرفه وجهان.
وقيل: روايتان.
(ابن رجب 1/522)
19 - لو طلق امرأة يظنها أجنبية، فتبينت زوجته، ففي وقوع الطلاق روايتان، والمذهب أن الطلاق واقع، لأنه واجهها بالطلاق وهو استثناء، وفي الرواية الأخرى لا تطلق لعدم العبرة بالظن.
(ابن رجب 1/522) .
20 - لو أبرأه من مئة درهم مثلاً معتقداً أنه لا شيء له عليه، ثم تبين أنه كان له في ذمته مئة درهم، وفيها وجهان.
(ابن رجب 1/523) .
21 - لو جرحه جرحاً لا قصاص فيه، فعفا عن القصاص وسرايته، ثم سرى إلى نفسه، ففي سقوط القصاص وجهان.
(ابن رجب 1/523) .
22 - لو تزوج امرأة المفقود قبل الزمان المعتبر، ثم تبين أنه كان ميتاً قبل ذلك بمدة تنقضي فيها العدة، أو أنه طلقها قبل تلك المدة، ففي صحة النكاح وجهان، ورجح ابن قدامة عدم الصحة هنا، لفقد شرط النكاح في الابتداء، كما لو تزوجت المرتابة قبل زوال الريبة.
(ابن رجب 1/ 524) .
23 - إذا نادى امرأة له، فاجابته امرأته الأخرى، فطلقها ينوي المناداة، فإنها تطلق المناداة وحدها، ولا تطلق المواجهة، في الباطن أي ديانة، وفي الظاهر روايتان.
(ابن رجب 1/ 525) .
والرواية الثانية في المسائل السابقة يعمل بالظن، ويكون استثناء من القاعدة.
كالمسائل التالية في المستثنى.
24 - إذا وهب الغاصب المغصوب من مالكه، وأقبضه إياه، ظاناً براءته منه، فالمشهور لا يبرأ، لأنه يحمل منته، وربما كافأه عليه، وفي قول يبرأ، فإن قدمه إليه
(1/181)

فأكله، فلا يبرأ باتفاق، لأنه أباحه له، ولم يملكه إياه، فلم يعده إلى سلطنته وتصرفه.
(ابن رجب 2/6) .
25 - أن يشهد شاهدان بموت زيد، فيقسم ماله بين ورثته، ثم تبين بطلان
الشهادة بقدومه حياً، فنص أحمد: أنهما يضمنان المال، ويحتمل أن يغرم الورثة، ولا ضمان على الحاكم، لأنه ملجأ إلى الحكم من جهة الشهود..
(ابن رجب 359/2)
وعدم ضمان الحاكم استثناء من القاعدة.
26 - لو حكم الحاكم بمال، ثم رجع الشهود وصرحوا بالخطأ أو التعمد بشهادة الزور، فإن الضمان يختص بهم لاعترافهم، أخذاً بالقاعدة، ولا ينقض الحاكم بمجرد ذلك، ولا يرجع على المحكوم له بشيء.
استثناء من القاعدة.
(ابن رجب 2/360) .
27 - لو دفع زكاة ماله، أو كفارته، إلى من يظنه فقيراً، فبان أنه غني، فالأصح عند الحنابلة أن لا ضمان، وفي رواية: يجب الضمان عليه، وكذلك لو كان الدافع هو العامل، أما الإمام فلا يضمن بغير خلاف، لأنه أمين، ولم يفرط، لأن هذا لم يمكن الاحتراز منه.
(ابن رجب 2/368) .
المستثنى
خرج عن هذه القاعدة صور ومسائل:
1 - لو صلى خلف من يظنه متطهراً فبان حدثه صحت صلاته.
(اللحجي ص 88) .
2 - لو رأى المتيمم ركباً فظن أن معهم ماءً توجه عليه الطلب، وبطل تيممه.
(اللحجي ص 88) .
3 - لو خاطب امرأته بالطلاق، وهو يظنها أجنبية وقع الطلاق، أو خاطب عبده بالعتق وهو يظنه لغيره، نفذ العتق.
(اللحجي ص 88)
وهو المذهب عند الحنابلة عملاً بالظن، وفي رواية لا تطلق.
(ابن رجب 1/ 522) .
4 - لو وطئ حرة يظنها زوجته الرقيقة فالأصح أنها تعتد بقرأين اعتباراً بظنه، أو
(1/182)

وطئ أمة يظنها زوجته الحرة فالأصح أنها تعتد بثلاثة أقراء اعتباراً بظنه أيضاً.
(اللحجي ص 88) .
5 - دخل رجل الحمام، وقال للحمامي: احفظ الثياب، فخرج ولم يجد ثيابه، فقال الحمامي: إني رأيت أحداً رفع ثيابك إلا أني ظننت أن الرافع أنت، لا يضمن، إذ لم يترك الحفظ لما ظن أن الرافع هو، وهو قول مرجوح، والأصح أن عليه الضمان.
(الزرقا ص 359) .
6 - إذا اشترى شخص منقولاً، فجاءه آخر وطلبه بالشفعة، وظن المشتري أن الشفعة تجري في المنقول فدفعه له، وقبض الثمن، ثم علم أن الشفعة لا تجري في المنقول لا يملك استرداده، وانعقد بيعاً بالتعاطي.
(الزرقا ص 359) .
7 - لو أعطى زكاته من ظنه مصرفاً لها، ثج تبين أنه غني، أو ابنه، أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد، ولم يجزئه عند أبي يوسف، ولكن لو تبين انه عبده أو مكاتبه أو حربي لم يجزئه اتفاقاً ابن نجيم ص 161) .
8 - لو خاطب امرأته بالطلاق، وهو يظنها أجنبية، لا يقع عليها الطلاق، نفذ طلاقه، ولا عبرة بخطأ ظنه.
(السدلان ص 205) .
9 - إذا أدى زكاته إلى من يظنه فقيراً، فبان أنه غني، فإنها تسقط على أصح
الروايتين عند الحنابلة.
(ابن رجب 37/1) .
10 - إذا صلى المسافر بالاجتهاد إلى القبلة، ثم تبين خطؤه، فإنه لا إعادة عل الصحيح.
(ابن رجب 37/1) .
11 - إذا كفر العاجز عن الصيام بالإطعام للإياس من برئه، ثم عوفي، فإنه لا يلزمه قضاء الصوم.
(ابن رجب 37/1) .
12 - إذا ارتفع حيضها، ولا تدري ما رفعه، فإنها تعتد عندنا سنة، فإذا اعتدت سنة، ثم رأت الحيض، لم يلزمها الاعتداد به.
(ابن رجب 37/1) .
(1/183)

13 - إذا صلى الظهر من لا جمعة عليه لأجل العذر، ثم زال العذر قبل تجميع الإمام، فإنه لا يلزمه إعادة الجمعة مع الإمام.
(ابن رجب 37/1) .
14 - لو تصرف شخص مستنداً إلى سبب ظنه صحيحاً، ثم تبين خطؤه، فالتصرف صحيح، مثل أن يتطهر من حدث يظنه ريحاً، ثم تبين أنه نوم، أو استدل على القبلة بنجم يظنه الجدي، ثم تبين له أنه نجم آخر.
(ابن رجب 2/ 5) .
15 - اشترى شيئاً ثم تصرف فيه، ثم تبين أن الشراء كان فاسداً، وأنه ورث تلك العين، فهو صحيح.
(ابن رجب 2/ 5) .
16 - لو باع عيناً، أو وهبها، أو أقر بها لرجل، شم أقر بها بعد ذلك لآخر، فإنه لا يقبل إقراره على الأول، ويضمن للثاني..
(ابن رجب 2/ 360) .
17 - إذا وصى إلى رجل بتفريق ثلثه، ففعل، ثم تبين أن عليه ديناً مستغرقاً للتركة، ففي ضمانه روايتان، رواية يضمن تطبيقاً للقاعدة، وفي رواية لا يضمن استثناء من القاعدة..
(ابن رجب 2/ 362) .
18 - لو وصى لشخص بشيء، فلم يُعرف الموصى له، وصرفه الوصي أو الحاكم فيما يراه من أبواب البر، فإن جاء الموصى له وأثبت ذلك، ففي رواية يضمن المفرق، والأظهر: لا ضمان عليه.
(ابن رجب 2/ 362) .
19 - إذا دفع القصار ثوب رجل إلى غيره خطأ، فتصرف فيه المدفوع إليه، ففي رواية يضمن، وفي ظاهر كلام أحمد أنه لا يضمن.
(ابن رجب 2/ 364) .
20 - لو دفع الوديعة إلى من يظنه صاحبها، ثم تبين الخطأ، فقال الأصحاب: يضمن لتفريطه، ولو دفع الملتقط اللقطة إلى واصفها، ثم أقام غيره البينة أنها له، فإن كان الدفع بحكم الحاكم فلا ضمان على الدافع، وإن كان بدونه ففي وجه عليه الضمان، وفي وجه لا ضمان لوجوب الدفع عليه، فلا ينسب إلى تفريط..
(ابن رجب 2/ 366) .
21 - لو قبضت المطلقة البائن النفقة، يظن أنها حامل، ثم بانت حائلاً، ففي
الرجوع عليها روايتان.
(ابن رجب 2/ 368) .
(1/184)

22 - لو غاب الزوج، فأنفقت الزوجة من ماله، ثم تبين موته، ففي الرجوع عليها بما أنفقته بعد موته روايتان.
(ابن رجب 368/2) .
(1/185)

القاعدة: [13]
11 - من شك هل فعل شيئًا أولا فالأصل أنه لم يفعله
التوضيح
هذه القاعدة فرع عن قاعدة "اليقين لا يزول بالشك " (م/ 4) ؛ لأن الأمر المتيقن ثابت، والشك لا يزيله، ولا يؤثر عليه، فيبقى الشيء في ذمة الإنسان، ويعتبر أنه لم يفعله وعليه أداؤه وفعله.
التطبيقات
1 - من شك في طلاق امرأته، هل طلق أم لا، فلا يقع الطلاق؛ لأن الأصل أنه لم يفعله.
(اللحجي ص 29 هامش) .
2 - شك في ترك مأمور به في الصلاة كالقنوت، سجد للسهو، أو شك في
ارتكاب منهي عنه كركوع زائد، فلا يسجد؛ لأن الأصل عدم فعلهما.
(اللحجي ص 29) .
3 - من سها وشك: هل سجد للسهو؛ يسجد.
(اللحجي ص 29) .
4 - من شك في أثناء الوضوء أو الصلاة أو غيرهما من العبادات في ترك ركن وجبت إعادته.
(اللحجي ص 29) .
(1/186)

القاعدة: [14]
12 - من تيقن الفعل، وشك في القليل أو الكثير، عمل على
القليل، لأنه المتيقن
الألفاظ الأخرى
- ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين.
التوضيح
إن اليقين يبقى معمولاً به، ويبقى ثابتاً ولازماً، فمن شك في عمل القليل منه أو الكثير، فالقليل هو المتيقن فيعمل به، وهذه القاعدة فرع عن قاعدة " اليقين لا يزول بالشك " (م/ 4)
وتعتمد القاعدتان على نفس الأدلة والمستندات، ومتى شغلت الذمة
بالأصل، فلا تبرأ إلا بيقين.
التطبيقات
1 - شك المتوضئ هل غسل ثنتين أو ثلاثاً، بنى على الأقل، وأتى بالثالثة.
(اللحجي ص 29) .
2 - شك المصلي: هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؛ بنى على الأقل.
(اللحجي ص 29) .
3 - شك هل طلق واحدة أو أكثر؛ بنى على الأقل، ولا يخفى الورع.
(اللحجي ص 29) .
4 - من كان عليه دين، وشك في قدره، لزمه إخراج القدر المتيقن، ويبقى الورع والاحتياط بإخراج الأكثر.
(اللحجي ص 29) .
(1/187)

5 - من ثبت عليه دين، وانشغلت ذمته به، وشك في مقدار الأداء، فلا يبرأ إلا بما تيقن أداءَه.
(اللحجي ص 29) .
6 - من نسي صلاة من الصلوات الخمس، ولم يتيقن عينها، فتلزمه الصلوات الخمس لتبرأ ذمته بيقين من الصلاة التي نسيها، والباقي نوافل.
(اللحجي ص 29) .
(1/188)

القاعدة: [15]
13 - الأصل العدم
التوضيح
إن الأصل الثابت في الحقوق العدم، ولا يلزم الشخص بشيء للغير؛ لأن الأصل براءة الذمة (م/8) .
التطبيقات
1 - القول قول عامل القراض (المضاربة) في قوله: لم أربح، لأن الأصل عدم الربح، أو لم أربح إلا كذا، لأن الأصل عدم الزائد، وفي قوله: لم تنهني عن شراء كذا، لأن الأصل عدم النهي، والقول قول عامل القراض في قدر رأس المال، لأن الأصل عدم دفع الزيادة.
(اللحجي ص 30) .
2 - لو ثبت على شخص دين بإقرار أو بينة، فادعى الأداء أو الإبراء، فالقول قول غريمه؛ لأن الأصل عدم ذلك.
(اللحجي ص 30) .
3 - لو اختلف الجاني والولي في مضي زمن يمكن فيه الاندمال، فالمصدق الجاني، لأن الأصل عدم المضي.
(اللحجي ص 35) .
4 - أكل طعام غيره، وقال: كنتَ أبحته لي، وأنكر المالك، صُدق المالك، لأن الأصل عدم الإباحة.
(اللحجي ص 30)
(1/189)

القاعدة: [16]
14 - الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم
عند الجمهور، وعند أبي حنيفة: الأصل فيها التحريم حتى يدل
الدليل على الإباحة
الألفاظ الأخرى
- الحلال عند الشافعي ومالك وأحمد ما لم يدل الدليل على تحريمه، وعند أبي
حنيفة: الحلال ما دل الدليل على حله، وقال كثير من علماء الحنفية: الأصل في الأشياء الحل.
- الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم أو الوقف
- الأصل في الأشياء الإباحة.
التوضيح
إن الله تعالى أباح أشياء كثيرة، وحرَّم بعض الأشياء، وهذا متفق عليه، وسكت الشارع عن أشياء فلم يرد نص بإباحتها ولا تحريمها، وظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، فعلى قول الجمهور " هو من الحلال "، وعلى قول أبي حنيفة "هو من الحرام ".
ويعضد قول الجمهور ويقويه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ".
أخرجه البزار والطبراني والبيهقي من حديث أبي الدرداء بسند حسن، وروى
(1/190)

الطبراني أيضاً من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه:
"إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها.
(فلا تفعلوها) ، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"
وفي لفظ: "وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها، رحمة لكم فاقبلوها"
وروى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان أنه على سئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ".
وفصل الزركشي هذه القاعدة فيإ قواعده " فقال: "الأصل في الأشياء الإباحة، أو التحريم، أو الوقف، أقوال بناها الأصوليون على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، على تقدير التنزل لبيان هدم القاعدة بالأدلة السمعية، وحينئذ فلا يستقيم تخريج فروع الأحكام على قاعدة ممنوعة في الشرع ".
التطبيقات
يخرج على هذه القاعدة كثير من المسائل المشكل حالها:
1 - الحيوان المشكل أمره، وفيه وجهان، أصحهما الحل كما قال الرافعي.
(اللحجي ص 31، السدلان ص 133) .
2 - النبات المجهول تسميته فالأقرب للمحكي عن الشافعي في التي قبلها الحل.
(اللحجي ص 31) .
3 - المكولات والمشروبات والملبوسات والتصرفات مما لم يرد فيه دليل يحل أو
(1/191)

دليل يحرم، فمن قال الأصل الإباحة اكتفى فأحل، ومن قال الأصل التحريم اكتفى فحرم، ومن قال بالوقف توقف (البورنو 2/ 116) .
4 - الفيل والزرافة حيث لم يرد عن الله تعالى، ولا عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - حكم نصي فيهما، فحكم أكلهما حسب الأقوال السابقة (البورنو 2/ 116) .
المستثنى
الأصل في الأبضاع التحريم، وهو نص قاعدة أخرى ستأتي بعد هذه القاعدة.
والأصل في العبادات التوقيف، والأصل في العقود الصحة إلا ما أبطله الله
ورسوله، والأصل في المائعات الطهارة، والأصل في الحيوانات التحريم، والأصل في الأطعمة الإباحة ما لم يرد التحريم، والأصل في الذبائح التحريم، والأصل في اللهو واللعب الإباحة عند الشافعي، خلافاً لمالك، إلا ما قام الدليل على حرمته.
والأصل في الماء الطهارة، والأصل في الثوب الطهارة.
(1/192)

القاعدة: [17]
15 - الأصل في الأبضاع التحريم
الألفاظ الأخرى
- الأصل تحريم الأبضاع
التوضيح
إن حفظ العرض أحد الضروريات الخمس التي حرص الشارع على إقامتها.
وبيان الأحكام لرعايتها، وتأمين الحماية لها، ومنع الاعتداء عليها، والعرض هو ما يمدح به الإنسان ويُذم، ومحله المرأة، فهي في الأصل محرَّمة على الرجال في الوطء والاستمتاع إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين.
ومستند هذه القاعدة: قوله تعالى في آيات التحريم:.
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) .
فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة، ولذلك تطبيقات.
(1/193)

التطبيقات
1 - إذا اختلطت محرمة بنسوة محصورات، فيحرمن، وبمتنع الاجتهاد، لأنه ليس أصلهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد باستصحابه.
(اللحجي ص 31، (ابن رجب 2/ 445)
2 - وكل إنسان شخصاً في شراء جارية، ووصفها، فاشترى الوكيل جارية
بالصفة، ومات قبل أن يسممها للموكل، لم يحل للموكل وطؤها، لاحتمال أن الوكيل اشتراها لنفسه، وإن كان شراء الوكيل الجارية بالصفات المذكورة ظاهراً في الحل، ولكن الأصل التحريم حتى يُتيقن سببُ الحل.
(اللحجي ص 31) .
3 - المعتمد في الإماء المجلوبات من الحبشة إن علم أنهن من غنيمة خمست، سباهن مسلم أو كافر، ولم يسلمن في بلادهن، الحل، وإن لم يعلم فالعبرة باليد، أي يد من هي في يده، أو علم عدم التخميس، فالحرمة.
(اللحجي ص 32) .
4 - إذا طلق إحدى نسائه بعينها ثلاثاً، ثم نسيها، يتوقف حتى يتبين، وعند أحمد قولان، الأول: أنها تعين بالقرعة، ويحل له البواقي؛ لأن القرعة قامت مقام الشاهد والخبر للضرورة، والثاني: لا يقرع، بل يتوقف حتى يتبين، واختار ابن قدامة الثاني، وجمهور الحنابلة الأول.
(السدلان ص 139، ابن رجب 3/ 222) .
المستثنى
اختلطت محرمة بنسوة غير محصورات، فيجوز النكاح منهن، رخصة من الله
ئعالى، لئلا يَنْسَدَّ عليه باب النكاح.
(1/194)

القاعدة: [18]
16 - الذمة إذا عمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين
التوضيح
هذه القاعدة فرع عن قاعدة "اليقين لا يزول بالشك " (م/ 4) ؛ لأن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، ولأن اليقين ثابت فلا يلغى إلا بمثله، ومن ذلك إذا شغلت الذمة بيقين في مقتضى حكم شرعي، أو بحق من الحقوق، فلا تبرأ من ذلك إلا بيقين يثبت براءة الذمة، وهو ما سبق تقريره والاستدلال عليه في القاعدة الأصلية، والقواعد المتفرعة عنها، وهي مماثلة لقاعدة الشافعية السابقة "من تيقن الفعل، وشك في القليل أو الكثير، عمل على القليل، لأنه المتيقن "، وتتفق مع بقية القواعد.
التطبيقات
وردت هذه القاعدة والتطبيقات عليها في فروع المالكية، وهي:
1 - من شك في عدد ركعات ما صلى، أو في عدد الأشواط في الطواف، أو السعي، بنى على الأقل، طرحاً للشك، واستصحاباً لليقين في تعمير الذمة، لأن المعتد به في إتمام العبادة هو اليقين، أو الظن الغالب الذي تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، فلا تبرأ الذمة مما عمّرت به إلا بيقين.
(الغرياني ص 93) .
(1/195)

2 - من شك في إخراج ما عليه من الزكاة، أو الكفارات، أو قضاء رمضان، أو الهدي، أو أداء ما عليه من الصلاة، أو الدَّين، فالواجب عليه الأداء، وطرح الشك، لأن ذمته عمرت بهذه المأمورات بيقين، فلا تبرأ منها إلا بيقين، ويلغى الشك استصحاباً للحال.
(الغرياني ص 93) .
3 - الأب إذا قتل ابنه لا يقتص منه؛ لأن شرط القصاص القتل العمد العدوان، والعداوة في قتل الأب مشكوك فيها، لما جُبل عليه الأب من الرأفة والشفقة، فحصل الشك في الشرط فلا يترتب المشروط.
(الغرياني ص 94) .
4 - من شك في شاة هل هي ميتة أو مذكاة، لا تحرم عليه بالشك، لأن الشك في المانع لا تأثير له.
(الغرياني ص 94) .
5 - من شك هل سها في صلاته أو لا، طرح الشك، ولا يلزمه سجود.
استصحاباً للأصل.
(الغرياني ص 94) .
6 - من شك هل طلق أو ظاهر من امرأته، لا يلزمه الطلاق ولا الظهار، لأنهما مانعان من الحل، والشك في المانع لا تأثير له.
(الغرياني ص 94) .
7 - من شك في دخول الوقت لا تجب عليه الصلاة.
استصحاباً للحال الأول.
(الغرياني ص 95) .
8 - من شك في رضاعه مع امرأته، لا تحرم عليه؛ لأن الرضاع مانع، والمانع لا يثبت بالشك.
(الغرياني ص 95) .
المستثنى
1 - من شك في الحدث وجبت عليه الطهارة في المشهور عند المالكية استثناء من القاعدة، وقال بعضهم: لا يجب الوضوء، تطبيقاً للقاعدة؛ لأنه شك في المانع من الصلاة فلا تأثير له.
(الغرياني ص 97، 94) .
2 - من شك في نجاسة ثوبه أو حصيره الذي يصلي عليه، وجب عليه أن ينضحه بالماء، لحديث أنس رضي الله عنه قال: "فقمت إلى حصير لنا، قد اسودَّ من طول ما
(1/196)

لُبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله على. . . فصلى لنا ركعتين ".
وذلك إعمال للشك في نجاسته.
(الغرياني ص 95) .
3 - يعتد بالشك في باب المنهيات، احتياطاً للتحريم، لمن كان سالم الخاطر غير موسوس، خصوصاً إذا استند إلى سبب وأصل، فمن حلف ألا يفعل شيئاً، وشك هل فعله أو لا، كفر احتياطاً على أحد القولين.
(الغرياني ص 95) ..
ومن طلق وشك في عدد الطلاق لزمه الثلاث على مذهب المدونة، فاعتد
بالمشكوك فيه من الطلاق احتياطاً للتحريم.
(الغرياني ص 95)
4 - الشك في الزيادة في عقود الصرف، وما يجري فيه الربا، كتحقق الزيادة، فاعتدوا بالشك فيها، احتياطاً للتحريم، ولذا قالوا فِى باب الربا: "الشك في التماثل كتحقق التفاضل ".
(الغرياني ص 96) .
5 - من شك هل غسل أعضاء وضوئه ثلاثاً أو اثنتين، المشهور أنه يبني على
الأكثر، ولا يزيد غسلة؛ لأن الزيادة إما أن تكون مندوبة إن كانت في الواقع هي الغسلة الثالثة، وإما أن تكون مكروهة إن كانت في الواقع هي الرابعة، والمكروه يقدم على المندوب عند التعارض لقاعدة
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ".
(الغرياني ص 96) .
6 - من شك في أداء ما عليه من الدَّين، له أن يحلِّف رب الدين أنه ما قبض دينه، وذلك بناء على ما قام في نفسه من الشك؛ لأن الشك في الأداء شبهة تبرر تحليف الدائن، وقيل: ليس له تحليفه.
(الغرياني ص 96) .
7 - تحريم الواجب غير المعين بالشك، فالميتة محرمة، والأخت من الرضاع محرمة، فإذا اختلطت الميتة بشاة مذكاة، أو اختلطت الأخت بأجنبية، أو طلق الرجل إحدى نسائه ولم يعينها، أو قال لنسائه: الطلاق يلزمني، ولم يعين واحدة منهن، أو قال: الأيمان تلزمني، ولم يعين طلاقاً، فالأصل أن الذي يجب عليه هو اجتناب واحدة من
(1/197)

النساء في الطلاق، وواحدة من المرأتين في الرضاع، وواحدة من الشاتين، وواحد من أيمان الطلاق، لكن بالشك فيها لكونها غير معينة يجب عليه اجتناب الجميع في المحرم، وتجب الأيمان كلها في الحلف، فعم المنع احتياطاً للتحريم.
(الغرياني ص 98) .
8 - من شك في جهة القبلة، وجب عليه أن يصلي إلى الجهات كلها، ومن شك في صلاة من خمس صلوات لا يعلمها على التعيين، فإنه يصلي خمس صلوات، وسبب ذلك هو الشك.
(الغرياني ص 99) .
(1/198)

القاعدة الأساسية الثالثة: [19]
لا ضرر ولا ضرار (م/19)
التوضيح
الضرر: إلحاق مفسدة بالغير، والضرار مقابلة الضرر بالضرر، فلا يجوز لأحد أن يلحق ضرراً ولا ضراراً بآخر، وسبق ذلك بأسلوب نفي الجنس ليكون أبلغ في النهي والزجر.
وهذه القاعدة لفظ حديث شريف حسن، رواه ابن ماجة والدارقطني وأحمد
والحاكم مسنداً، ورواه مالك في (الموطأ) مرسلاً، بلفظ
"لا ضرر ولا إضرار"
وتكملته في المستدرك: "من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه ".
واستغراق النفي في الحديث الشريف يفيد تحريم سائر أنواع الضرر في الشرع، لأنه نوع من الظلم، ونفي الضرر يفيد دفعه قبل وقوعه بطريق الوقاية الممكنة، ورفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيله، وتمنع تكراره، كما يفيد الحديث اختيار أهون الشرين لدفع أعظمهما، لأن في ذلك تخفيفا للضرر عندما لا يمكن منعه منعاً باتاً.
لكن هذه القاعدة مقيدة إجماعاً بغير ما ثبت بالشرع، كالقصاص والحدود ومعاقبة المجرمين، وسائر العقوبات والتعازير، وإن ترتب عليها ضرر بهم، لأن فيها عدلاً
(1/199)

ودفعاً لضرر أعم وأعظم، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأنها لم تشرع في الحقيقة إلا لدفع الضرر أيضاً.
والمقصود بمنع الضرار هو نفي الازدياد في الضرر الذي لا يفيد سوى التوسع في دائرته، لأن الإضرار، ولو على سبيل المقابلة، لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً، وطريقاً عاماً، وإنما يلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أنفع منه، وقد ثبتت فروع فقهية كثيرة وشرعت توقياً من وقوع الضرر.
شمول هذه القاعدة لأبواب الفقه
يشمل تطبيق هذه القاعدة، أو هذا المبدأ، كثيراً من أبواب الفقه، أهمها:
1 - الرد بالعيب، لإزالة الضرر عن المشتري.
2 - الخيارات، كخيار الشرط، واختلاف الوصف المشروط، والتغرير، وإفلاس المشتري.
3 - الحجر بأنواعه، للمحافظة على مال غير القادر على التصرف السليم، ولحماية الغرماء.
4 - الشفعة التي شرعت للشريك لدفع ضرر القسمة، وللجار لدفع ضرر الجار السوء.
5 - القصاص، لدفع الضرر عن أولياء القتيل.
6 - الحدود، لدفع الضرر عن المجتمع، وعمن لحق به الضرر.
7 - الكفارات، لإزالة سبب العصية.
8 - ضمان المتلف، لإزالة الضرر اللاحق بمن أتلف له.
9 - القسمة، لرفع الضرر عن أحد الشريكين أو كليهما.
10 - نصب الأئمة والقضاة، لمغ الضرر عن الأمة، ليقيموا الحدود، ويمنعوا الجرائم، ويستأصلوا شأفة الفساد.
(1/200)

11 - دفع الصائل عن النفس والعرض والمال، لإبعاد ضرره.
12 - قتال المشركين، لنشر الدعوة وإظهار الحق، ودحر فتنة الباطل، وصدّ الدعاة.
13 - فسخ النكاح بالعيوب، أو الإعسار، أو الإضرار، لإزالة الضرر عن الزوج أو الزوجة.
وفروع هذه الأبواب والمسائل كثيرة، ونذكر بعض التطبيقات لها.
التطبيقات
1 - من أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله، لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة المتلَف، فإنه فيه نفعاً بتعويض المضرور، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي.
(الدعاس ص 23) .
لأن مقابلة الإتلاف بالإتلاف لا تنفع المعتدى عليه، ولا تعوض عليه قيمة
ضرره، وفي الوقت نفسه لا ترح المعتدي، لأنه سيان عنده إتلاف ماله أو إعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول، فأصبحت مقابلة الضرر بالضرر، والإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة ليس إلا..
(الدعاس ص 23) .
2 - لو أعار أرضاً للزراعة، أو آجرها لها، فزرعها المستعير أو المستأجر، ثم رجع المعير، أو انتهت مدة الإجارة، قبل أن يستحصد الزرع، فإنها تترك في يد المستعير أو المستأجر بأجر المثل إلى أن يستحصد الزرع، توقياً من تضرره بقلع الزرع قبل أوانه، وهو بقل.
(الزرقا ص 167، الدعاس ص 24، السدلان ص 503،.
(ابن رجب 2/ 106) .
3 - لو باع لآخر شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل قبضه وقبل نقد الثمن، وأبطأ وخيف فساد المبيع، فللبائع أن يفسخ البيع، ويبيع من غيره توقياً من تضرره بفساده، دفعاً لضرره، ولا يرجع على المشتري بشيء لو نقص الثمن الثاني عن الأول.
(الزرقا ص 167، الدعاس 24، السدلان 503) .
(1/201)

4 - يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد، حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين قضائياً، دفعاً لشرهم، لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون، فيملؤون الأرض فساداً، ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق القضاء.
(الدعاس ص 24، الزرقا 173) دفعاً لضررهم عن العباد بعد استفاضة دعارتهم.
5 - اتخاذ السجون، وجعلها مضجرة، حتى يعلم أهل الفساد والدعارة أن مثل هذا السجن واقف لهم بالمرصاد، فيرتدعوا، ويكفوا عن أذى الناس، كما أن السجن يقي المجرم من إضرار الحاكم به إذا عاقبه في وقت غضبه من جرمه، فيرفعه إلى الحبس ريثما يسكن غضبه فيعاقبه حينئذٍ بما يستحقه من العدل (الزرقا ص 166) .
6 - شرع خيار الشرط وخيار الرؤية، لدفع الضرر عن المشتري وحاجته إلى التروي لئلا يقع في ضرر الغبن، أو بدفع الضرر بدخول ما لا يلائمه في ملكه.
(الزرقا 166، السدلان ص 502، الندوي 1/ 156) .
7 - شرع الحجر توقياً من وقوع الضرر العائد تارة لذات المحجور، وتارة لغيره، فإن من وجب حجره إذا ترك بدون حجر يضر بنفسه، وقد يضر بغيره.
(الزرقا ص 167، السدلان ص 502) .
8 - شرعت الشفعة توقياً من ضرر جار السوء.
(الزرقا ص 167، السدلان ص 502 (الحصين 189/1.
الندوي 1/ 152) .
9 - يجبر الشريك على العمارة إذا كان وصي يتيم، أو متولي وقف، وعند ضرورة تعذر القسمة، توقياً من تضرر الصغير والوقف والشريك عند تداعي العقار للخراب.
(الزرقا 167) .
10 - يحبس الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على أولاده أو قريبه المحرم، ويجوز ضربه في الحبس إذا أصر على الامتناع، توقياً من وقوع الضرر بأولاده أو قريبه الفقراء، ببقائهم بلا نفقة.
(الزرقا ص 167) .
11 - تمنع الظئر من فسخ الإجارة ولو حدث لها في أثناء مدة الإجارة عذر يسوغ لها فسخ الإجارة، إذا كان الصغير لم يعد يأخذ ثدي غيرها، ولم يستغن بالطعام، توقياً من حصول ضرر للصغير.
(الزرقا ص 167) .
(1/202)

وكذا إذا انتهت مدة الإجارة للظئر، والصغير لا يأخذ ثدي غيرها، ولم يستغن بالطعام، فإنها تجبر على إرضاعه بأجر المثل توقياً من ضرر الصغير.
(الزرقا ص 168) .
12 - مشروعية الخيار للبائع في فسخ البيع إذا كان يتضرر في غير ما باعه، كما لو باع جذعاً مثلاً من سقف، أو باع حصة شائعة من زرع مملوك له غير مستحصد، وطالبه المشتري بالقسمة قبل استحصاد الزرع توقياً من تضرره فيما لم يبعه، وهو بقية الزرع، إذ لا تمكن القسمة إلا بقلع الكل.
(الزرقا ص 168، السدلان ص 502، الندوي 153/1، 156) .
13 - لو اشترى شيئاً فآجره، ثم اطلع على عيب قديم فيه، فله نقض الإجارة ليرده بالعيب، لأن الإجارة تفسخ بالأعذار.
(الزرقا ص 169) .
14 - لو أعار شيئاً ليرهنه المستعير، فرهنه بدين عليه، ثم أراد المعير استرداده، فله أن يدفع الدين للمرتهن ويأخذ العين المرهونة، ولا يعد متبرعاً، بل يرجع بما دفع على الراهن المستعير، وكذا لو رهن الأب بدين عليه مال ولده الصغير الذي تحت ولايته، فبلغ الصغير، فله أن يقضي دين أبيه، ويفك الرهن، ولا يكون متبرعاً، بل يرجع على أبيه بجميع ما قضاه عنه.
(الزرقا ص 169) ، لدفع ضرر حبس ملكه عنه.
15 - لو باع الموجر المأجور من أجنبي بإذن المستأجر، وغاب البائع، فأدى
المشتري من الثمن بدل الإجارة للمستأجر ليسلم له المبيع المستأجر، لا يكون المشتري متبرعاً، لأنه مضطر للأداء في حال غيبته، لتخليص ملكه.
(الزرقا ص 169) .
16 - إذا وجد المستأجر بالمأجور عيباً قديماً، أو حدث فيه عيب وهو في يده، فإنه يستقل بفسخ الإجارة إذا أراد، بلا حاجة إلى رضا المؤجر أو قضاء القاضي، سواء في ذلك أكان قبل قبض المأجور أم بعده، لأنه لو كلف انتظار رضا المؤجر أو قضاء القاضي لتفرر بجريان الأجرة عليه في أثناء ذلك.
(الزرقا ص 170) فدفعاً للضرر عنه كان له الانفراد بالفسخ.
17 - لو أمر غيره بشراء شيء معلوم بألف مثلاً، فشراه ولم يقبضه ولم يدفع الثمن إلى البائع حتى أعطى الآخر الثمن للمأمور ليدفعه إلى البائع، فأتلف المأمور الثمن،
(1/203)

وهو معسر، فللبائع أن يحبس المبيع إلى أن يأخذ الثمن، فإذا دفع الآخر الثمن إلى البائع كان عليه أن يسلمه المبيع، وللآخر أن يرجع على المأمور بالثمن، لأنه مضطر في قضائه، فهو كمصير الرهن.
(الزرقا ص 170) .
18 - لو اشترى اثنان شيئاً قيمياً، وغاب أحدهما، فللحاضر دفع كل ثمنه وقبضه وحبسه عن شريكه إذا حضر حتى ينقد له الثمن لحصته؛ لأنه مضطر، ويجبر البائع على قبول كل الثمن من الحاضر، ودفع كل المبيع له، لدفع ضرر حبس ملكه عنه.
(الزرقا ص 170) .
أما إذا كان المبيع مثلياً كالبرِّ ونحوه مما يمكن قسمته فلا جبر على دفع الكل، بل يقسم ويأخذ الحاضر حصته منه.
(الزرقا ص 170) .
19 - إذا استقرض بالمرابحة إلى أجل معلوم، ثم حل الذين بموت المدين، أو وفاة المديون قبل حلول الأجل، فليس للدائن من المرابحة إلا بقدر ما مضى من الأيام.
(الزرقا ص 171) .
20 - يبطل إقرار ذي اليد لشخص ثالث بالعين المدعى بها قبل الحكم بعد أن أقام المدعي شاهداً واحداً أو شاهدين، ويبطل بيعه العين المدعى بها من شخص ثالث بعد أن برهن عليه المدعي قبل أن يحكم له، وذلك دفعاً لضرر هذا الإقرار، وضرر هذا البيع من ذي اليد على المدعي.
(الزرقا ص 171) .
21 - إذا أحدث الغاصب في العين المغصوبة ما يقطع حق المالك في استردادها، كما لو كان المغصُوب قماشاً فقطعه وخاطه ثوباً، أو كان حديداً فصنعه سلاحاً مثلاً، أو كان نحاساً فصنعه آنية، ثم مات الغاصب، أو حجر عليه، وكان له غرماء، فإن المالك يجعل أحق بالعين المغصوبة من سائر الغرماء حتى يأخذ حقه منها.
وإذا هلكت هذه العين المحبوسة لحق المغصوب منه، قبل أن يستوفي منها حقه فتكون مضمونة على الغاصب، ولا تكون مضمونة على المغصوب منه ضمان الرهن، وإن كانت محبوسة لحقه، دفعاً للضرر عن المغصوب منه.
(الزرقا ص 171) .
22 - إذا قال لآخر: بايع فلاناً، وما بعته فعلي، كان كفيلاً بثمن ما يبيعه إياه،
(1/204)

ولكن له أن يرجع عن هذه الكفالة قبل أن يبايعه، فإذا قال للمكفول له: رجعت عن كفالتي، بطلت، وذلك لما عساه يلحقه من الضرر من هذه الكفالة، إذ المرء لا يجبر على تحمل الضرر، وإن رضي به، وليس في رجوعه قبل المبايعة ضرر على المكفول له.
(الزرقا ص 171) .
23 - لا يحق للوكيل بشراء شيء معين أن يشتريه لنفسه من غير أن يُعلم الموكل بأنه يريد أن يشتريه لنفسه، وذلك دفعاً للضرر عن الموكل، إذ عساه أن يتضرر من عدم الحصول على مقصوده، ليسد حاجته.
(الزرقا ص 172) .
24 - يمنع شراء الحبوب صهاخراجها من بلدة يضر بأهلها، لأن أهل البلدة يمنعون من الشراء للحكرة، وهذا أولى.
(الزرقا ص 172) .
25 - لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة دنيوية، ويجب فسخ حكم الحاكم إذا كان بين المحكوم عليه والحاكم، أو بينه وبين ابنه، أو بينه وبين أبويه، عداوة دنيوية بينة، لئلا يصل إلى المشهود عليه، أو المحكوم عليه، ضرر من هذه العداوة، لأنها تحمل الشاهد على المجازفة في شهادته، وتحمل الحاكم على التحامل عليه غالباً.
(الزرقا ص 172) .
26 - إن المدعي إذا انكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه، أي يعمد البُطل فيها، فإنه يؤدبه، وأقل ذلك الحبس، ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد.
(الزرقا ص 173) .
27 - لا يصح عزل الوكيل ببيع الرهن، فيما لو وكله ببيعه وإيفاء الدين من ثمنه إذا لم يؤدّ الدين عند حلول الأجل، ولا يصح عزل وكيل الخصومة إذا كان توكيله بطلب المدعي عند إرادة المدعى عليه السفر، لأن عزل الوكيل في الصورتين يضر بحق المرتهن، وبحق المدعي، ومثله إذا اشترى شيئاً بخيار للمشتري، وأخذ وكيلاً من البائع ليردَّ عليه المبيع بحكم الخيار إذا غاب البائع، فلا يملك الموكل عزله؛ لأن عزله يضر بالمشتري.
(الزرقا ص 173) .
28 - لو كانت الفلوس (وهي المتخذة من غير النقدين، وجرى الاصطلاح على استعمالها استعمال النقدين) النافقة ثمناً في البيع، أو كانت قرضاً.
(مما يثبت بالذمة)
(1/205)

فغلت أو رخصت بعد عقد البيع، أو بعد دفع مبلغ القرض، فعد أبي يوسف تجب عليه قيمتها يوم عقد البيع، ويوم دفع مبلغ القرض، ورجحه الكثيرون، دفعاً للضرر عن المشتري والمستقرض، وأوجبوا قيمتها كذلك في صورة ما إذا كسدت، دفعاً للضرر على البائع والمقرض.
ويظهر أن الورق النقدي معتبر من الفلوس الرائجة، وما قيل فيها من الأحكام السابقة، يقال فيه، ومن يدعي تخصيص الفلوس النافقة بالمتخذ من المعادن فعليه البيان.
(الزرقا ص 174) .
أما لو كانت الفلوس النافقة معقوداً عليها ومدفوعة في عقد تعتبر فيه أمانة في يد القابض كالمضاربة، فالمضارب يسترد مثل رأس ماله لا غير، من غير نظر إلى غلاء أو رخص، أو يأخذ قيمة رأس ماله عند القسمة بقيمته يوم القسمة لا يوم الدفع.
(الزرقا ص 174 - 175) .
29 - لا يجوز تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 185) .
30 - ليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس (الذي ينقص الثمن) بسعر، ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس، أو من هو جاهل بالسعر، بأكثر من ذلك السعر، لما فيه من ضرر المشترين..
(ابن تيمية، الحصين 186/1) .
31 - الاحتكار لما يحتاج الناس إليه محرم، وذلك أن المحتكر يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، مضار لهم..
(ابن تيمية، الحصين 186/1) .
32 - لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، لمنع الضرر..
(ابن تيمية، الحصين: 1/ 186) .
33 - إذا احتاج الناس إلى صناعة، مثل أن يحتاجوا إلى فلاحة قوم، أو
نساجتهم، أو بنايتهم، فإنه يصير هذا العمل واجباً عليهم، ويجبرهم ولي الأمر عليه
(1/206)

إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يُمكِّن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، وهذا من التسعير الواجب، لمنع الضرر..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 187) .
34 - تثبت الشفعة فيما يقبل قسمة الإجبار (وهو ما يمكن قسمته دون ضرر) باتفاق الأئمة، وكذلك تئبت فيما لا يقبل القسمة على القول الصحيح؛ لأن الشفعة شرعت لتكميل الملك على الشفيع، لما في الشركة من الضرر، فإذا ثبتت فيما يقبل القسمة، فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه، لأن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه
بالمقاسمة، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد، فتشرع الشفعة لرفع الضرر..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 189، الندوي 1/ 152، عن المازري المالكي) .
35 - قسمة العين المشتركة إذا لم يكن تفريقها وتبعيضها مضراً بأحد الشركاء فهي قابلة للقسمة، ولا تجري القسمة (الجبرية) في العين المشتركة إذا كان تبعيضها وقسمتها يضر بكل واحد من الشركاء (الندوي 2/ 154 عن مجلة الأحكام العدلية، وعن الباجي المالكي) .
المستثنى
يجوز معاقبة المجرمين، وإن ترتب على العقوبة ضرر بهم، لأن فيها عدلاً، ودفعاً لضرر أعم وأعظم..
(الزرقا ص 175، الدعاس ص 23) .
ولذلك يرد قيد على القاعدة وهو نفي الضرر إن كان بغير حق.
ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد فرعية أخرى، تبلغ إحدى عشرة قاعدة وهي الآتية:
(1/207)

القاعدة: [20]
1 - الضرر يدفع بقدر الإمكان (م/31)
التوضيح
الضرر لا يقره الشرع نهائياً، ويجب دفعه قبل وقوعه ما أمكن، لأن الوقاية خير من العلاج، كما يدفع الضرر بقدر الإمكان كلياً إن أمكن، وإلا فبقدر ما يمكن، بأن كان يجبر بعوض فيجبر به، أما إذا لم يمكن دفعه بالكلية، ولا جبره فإنه يترك على حاله.
التطبيقات
1 - شرع الإسلام الجهاد لمقاومة الأعداء، ودفع الضرر منهم.
(الدعاس ص 25) .
2 - أوجب الشرع العقوبة على الجاني لقمع الإجرام، فيكون عبرة لغيره.
(الدعاس ص 25) .
3 - أقر الشرع حق الشفعة منعاً لضرر الجار أو الشريك.
(الدعاس ص 25)
4 - عفا بعض أولياء القتيل عن القصاص فينقلب نصيب الباقين دية لدفع الضرر عنهم.
(الزرقا ص 207) .
5 - يجب ردّ المغصوب عيناً إذا كان سليماً لدفع الضرر عن المالك، فإن ذهبت عينه يجبر الضرر برد مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان قيمياً، سواء كان ذهاب العين حقيقياً كالطعام إذا أكله الغاصب، أو حكمياً كما إذا كان شاة فذبحها وطبخها، أو حنطة فطحنها.
(1/208)

وإن كان المغصُوب غير سليم وأصابه عيب فاحش فوت بعض منافعه فإن لم يكن المال ربوياً فيتخير المالك في جبر الضرر بين أخذه وتضمين الغاصب ما نقص بالعيب، أو طرحه عليه وتضمينه القيمة، وإن كان ربوياً يتخير بين أخذه معيباً بلا ضمان النقصان، أو طرحه عليه وتضمينه مثله أو قيمته من خلاف جنسه، وإن كان العيب غير فاحش، وهو ما فوت الجودة ونقص المالية كالحرق اليسير فإن جبر الضرر يتعين بأخذه، وتضمين النقصان إلا في الربوي فيكون حكمه ما سبق.
(الزرقا ص 257) .
6 - الحجر على المفلس، منعاً للضرر عن الدائنين.
(السدلان ص 510) .
7 - لو امتنع الأب عن الإنفاق على ولده القاصر أو العاجز يحبس لدفع ضرر الهلاك عن الولد.
(السدلان ص 510) .
8 - منع القاضي للمدين من السفر بناء على طلب الدائن أو يوكل وكيلاً بالخصومة.
(السدلان ص 511) ..
المستثنى
إذا لم يمكن دفع الضرر بالكلية، ولا جبره فإنه يترك على حاله، كما إذا أخرج المشتري المبيع عن ملكه، ولم يكن حدث عنده ما يمنع الرد، ثم اطلع على عيب قديم فيه فإنه لا يرجع بنقصان العيب، للقاعدة الفقهية الأخرى " تبدل سبب الملك كتبدل الذات " (م/97) .
أما لو هلك بيده أو وقفه فإنه يرجع بنقصان العيب.
(الزرقا ص 257 - 208) .
(1/209)

القاعدة: [21]
2 - الضرر يُزال (م/30)
الألفاظ الأخرى
- الضرر المُزَال.
التوضيح
الضرر يجب إزالته، لأن الأخبار في كلام الفقهاء للوجوب، فيجب رفع الضرر بعد وقوعه، وهذه إحدى) لقواعد بشأن الضرر، من حظر وقوعه، ووجوب إزالته بعد الوقوع.
وأصل هذه القاعدة أنها استنبطت من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا ضرر ولا ضرار"
وهو حديث حسن.
قال السيوطي: "اعلم أن هذه القاعدة يبنى عليها كثير من أبواب الفقه. . ويتعلق بها قواعد".
التطبيقات
1 - من سلط ميزابه على الطريق العام بحيث يضر بالمارين فإنه يزال، ويضمن المتلف عوض ما أتلف للضرر الذي أحدثه.
(الدعاس ص 25) .
(1/210)

2 - لو استقرض من الفلوس النافقة مبلغاً، فكسدت، فعليه قيمتها عند
الصاحبين، ورجح قولهما، ثم إنهما اختلفا، فقال محمد: عليه قيمتها في آخر أيام
رواجها، وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم القبض، وعليه الفتوى، وبأنه أنظر للمقرض من قول محمد، وأيسر، لأن ضبط قيمته يوم الانقطاع عسر، وكما رجحوا قول أبي يوسف في كساد الفلوس رجحوا قوله أيضاً فيما لو غلت أو رخصت بأنه تحب قيمتها يوم البيع لو كانت ثمناً ويوم القبض لو كانت قرضاً.
(الزرقا ص 179) .
3 - لو استقرض طعاماً بالعراق، فأخذه المقرض بمكة مثلاً، وقيمة الطعام فيها أغلى أو أرخص، فعليه قيمة الطعام يوم القرض في بلد المقرض عند أبي يوسف، وقوله الراجح.
فإيجاب قيمة الفلوس يوم صيرورتها ديناً في الذمة بالقبض أو بالبيع، وإيجاب قيمة الطعام في بلد القرض مع أنهما مثليان أيضاً، إزالة للضرر عن المقرض والبائع فيما إذا رخصا، وعن المستقرض والمشتري فيما إذا غلوا.
(الزرقا ص 180) .
4 - مشروعية خيار التغرير القولي في البيع إذا كان معه غبن فاحش، سواء كان التغرير من البائع للمشتري، أو من المشتري للبائع، أو كان من الدلال لأحدهما، فإن المغرور يخير بين إمضاء البيع أو فسخه واسترداد ماله من مبيع أو ثمن.
(الزرقا ص 180) .
5 - مشروعية ضمان التغرير، فإن الغار يضمن للمغرور ما تضرر بسبب تغريره له، وذلك في ثلاث مسائل:
أ - أن يكون التفرير واقعاً في ضمن عقد المعاوضة، ولو كان فاسداً، أو كان غير مالي كعقد النكاح، فلو باع مال غيره فضولاً، وقبض ثمنه، فهلك في يده ولم يجز المالك بيعه، وكان المشري حين دفع الثمن له لا يعلم أنه فضولي، فإنه يضمن له الثمن.
وكذا لو زوجه امرأة على أنها حرة، فولدت منه، ثمَّ ظهرت أمة، واستحقت، وضمنه المستحق قيمة الولد، لأن ولد المغرور حر بالقيمة، رجع على المزوِّج.
(1/211)

وكذا لو قال رجل لآخر: "بايع ابني هذا"، أي أضافه لنفسه، وأمره بمبايعته، " فقد أذنت له بالتجارة! فبايعه، ثم ظهر أنه ابن الغير، فإن المأمور يرجع على الآمر بثمن ما باعه.
وكما لو اشترى داراً مثلاً، ثم بنى فيها، ثم استحقت، وقلع بناءه، فإن له أن يسلم النقض لبائعه ويرجع عليه بقيمة البناء مبنياً يوم تسليمه، سواء كانت أكثر من قيمته يوم بناه، أو أقل، وقولهم: "شرى داراً ثم بنى فيها. . " للاحتراز عما إذا بنى الدار، ثم اشترى أرضها، فاستحقت، فإنه لا يرجع والحالة هذه بقيمة البناء، لكون البناء قبل الشراء، فلم يكن في ضمن المعاوضة.
ثم إذا رجع المشتري المغرور على البائع الغارّ بقيمة البناء إذا سلمه النقض، فإنما يرجع بما يمكن نقضه وتسليمه، وله قيمة، فلا يرجع بما لا قيمة له بعد النقض كتطيينها، وكما لا يرجع في ذلك لا يرجع فيما غرمه المستحق لقاء منفعة استوفاها.
كما لو نقصت الأرض المستحقة بزراعة لها، وضمّنه المستحق نقصانها، فإنه لا يرجع على بائعه بما ضَمِنه لنقصانها، وكما لو ظهرت الدابة المشتراة وقفاً، أو ليتيم أو معدة للاستغلال، فضمّنه المستحق بدل منفعتها عن المدة الماضية عنده، فإنه لا يرجع على بائعه بما ضمِنه من البدل، لأنه كان لقاء منفعة استوفاها، بالزراعة في الأولى، وبالسكنى بالفعل، أو بالتمكن منها، في الثانية.
ب - أن يكون التغرير في ضمن قبض يرجع نفعه إلى الدافع، كوديعة وإجارة، فلو هلكت الوديعة أو العين المأجورة، ثم استحقت، وضمن المستحق الوديع أو المستأجر رجع بما ضمنه على الدافع من مودِع أو مؤجر.
ومثل الوديعة والإجارة المذكورين الرهنُ، فلو رهنه عيناً، ثم هلكت في يده ثم استحقت وضمنها المستحق للمرتهن، رجع على الدافع، وهو الراهن، بما ضمن.
جـ - إذا ضمن الغار للمغرور صفة السلامة نصاً، كما إذا قال لآخر: "اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، وإن سلكته وأخذ مالك فأنا ضامن "
فسلكه وأُخذ مالُه فإنه يضمن.
(الزرقا ص 180 - 182) .
(1/212)

وإن ضمان التغرير ليس محصوراً في المسائل الثلاث المذكورات.
وهناك مسائل أخر، منها:
أ - إذا أعار لغيره أرضاً مدة معلومة للبناء أو للغراس، فبنى المستعير فيها أو
غرس، ثم رجع المعير قبل انتهاء المدة المضروبة، فإن له أن يكلفه قلع البناء والغرس، ويضمن المعير للمستعير ما نقص البناء والغرس بالقلع، وذلك بأن يُقوَّم قائماً إلى نهاية المدة، ويقوَّم مقلوعاً - أي مستحقاً للقلع في الحال - فيضمن فرق ما بينهما بسبب تغريره له بالتوقيت، ثم رجوعه قبل انتهاء الوقت، فلو قُوِّم مستحق القلع بخمسة مثلاً، وقوم مستحق البقاء إلى نهاية المدة بعشرة، يضمن للمستعير فرق ما بينهما وهو خمسة.
(الزرقا ص 182) .
ب - لو أمر غيره بالحفر في جدار دار، وهو ساكن فيها، وهي لغيره، فحفر، فضمّن المالك الحافر، فإنه يرجع بما ضمن على الآمر إذا كان لا يعلم أن الدار لغيره، لأنه غرَّه، وكذا يرجع عليه لو لم يكن ساكناً في الدار، ولكن قال له: احفر لي، فإنه يعدّ مغروراً من قبله، فيرجع عليه.
(الزرقا ص 182) .
ص - إن شهود القيمة أو القسمة إذا قوموا أموال اليتامى والأوقاف بغبن فاحش، وهم يعلمون، أو غبنوا الوقف في الاستبدال، أو أخبروا بوجود المسوغ، ولم يكن هناك مسوغ، وهم عالمون بذلك، فإنهم يضمنون النقص.
وكون المال المقوم وقفاً أو ليتيم غير قيد، بل خرج مخرج الغالب المعتاد من
التساهل في مالهما، وإلا فغير الوقف ومال اليتيم كذلك.
وعرف الحنفية الغبن الفاحش بأنه: ما لا يدخل تحت تقويم المقومين من أهل
الخبرة، فلو قوّم السلعة أحدهما بمئة درهم، وقومها الثاني بخمسة وتسعين، وقومها الثالث بتسعين مثلاً، فبيعها بما بين التسعين والمئة فيه غبن يسير، وبالتسعين مما دونها غبن فاحش للبائع، وبالمئة فما فوقها غبن فاحش للمشتري، ثم حدد المتأخرون من الفقهاء الغبن الفاحش، للتيسير في الفتوى والقضاء والتطبيق بأنه ما بلغ خمس
(1/213)

القيمة في العقار، وعشرها في الحيوان، ونصف العشر في العروض وسائر
المنقولات، وأخذت بهذا مجلة الأحكام العدلية (م/ 165) .
(الزرقا ص 182) .
6 - لو قال الطحان لرب البُرِّ: اجعل البُرَّ في الدلو، فجعله فيه، فذهب من الثقب إلى الماء، والطحان عالم به، يضمن، إذ غره في ضمن العقد، وهو يقتضي السلامة.
وهذا يفيد أن الغرور الموجب للرجوع في ضمن عقد المعاوضة لا يشترط فيه أن يكون في صلب العقد، بل يكفي أن يكون مترتباً عليه.
(الزرقا ص 183) "
(1/214)

القاعدة: [22]
3 - الضرر لا يزال بمثله (م/25)
الألفاظ الأخرى
- الضرر لا يزال بالضرر
- زوال الضرر بلا ضرر
التوضيح
هذه القاعدة قيد لقاعدة "الضرر يزال" (م/ 20)
أي أن الضرر يزال في الشرع إلا إذا كانت إزالته لا تتيسر إلا بإدخال ضرر مثله على الغير، فحينئذ لا يرفع ولا يزال بضرر مثله، ولا بما هو فوقه بالأوْلى، ولا بما هو دونه، فلا يزال ضرر امرئ بارتكاب ضرر امرئ آخر، لأن الخلق كلهم عيال الله، فساوى بينهم في الاحترام.
وفي هذه الحالة يجبر الضرر بقدر الإمكان، فإن لم يمكن جبره فإنه يترك على حاله، فيجب إزالة الضرر شرعاً من غير أن يلحق بإزالته ضرر آخر.
التطبيقات
1 - لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره.
(الدعاس ص 25) .
2 - لا يجوز للإنسان أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره.
(الدعاس ص 25) .
3 - لا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر، ولا أن يأكل بدن آدمي (الدعاس ص 25، الزرقا ص 196، اللحجي ص 44، السدلان ص 512) .
(1/215)

4 - إذ اطلع المشتري على عيب قديم، وقد تعيب البيع عنده امتنع الرد، ورجع المشتري على بائعه بما يقابل الثمن، إلا إذا رضي البائع بأخذه معيباً، فيأخذه، ويرجع جميع الثمن.
(الزرقا ص 195، السدلان ص 512) .
5 - إذا انهدم البناء، وأراد صاحب العلو بناء السفل المهدم ليضع عليه علوه، وأي الآخر، فلا يجبر الآبي على العمارة، ولكن ينفق صاحب العلو من ماله على البناء، وبمنع صاحبه من الانتفاع إلى أن يدفع له ما أنفقه على البناء إن كان بناه بإذنه، أو بإذن الحاكم، وإلا فحتى يدفع له قيمة البناء يوم بناه.
(الزرقا 195) .
6 - إذا امتنع الراهن عن الإنفاق على العين المرهونة، فإنه لا يجبر على الإنفاق، لأن الإنسان لا يجبر على الإنفاق على ملكه، ولكن الحاكم ياذن للمرضهن بالإنفاق عليها، ليكون ما ينفقه ديناً على الراهن، لأن حق المرتهن تعلق بمالية المرهون وحبس عينه، ولا يمكن ذلك بدون الإنفاق عليه لتبقى العين.
(الزرقا 195) .
7 - إذا تعسرت ولادة المرأة، والولد حي يضطرب في بطنها، وخيف على الأم، فإنه يمنع تقطيع الولد لإخراجه، لأن موت الأم به أمر موهوم.
(الزرقا ص 196) .
8 - عدم وجوب العمارة على الشريك في الجديد.
(اللحجي ص 44) .
9 - عدم إجبار الجار على وضع الجذوع لجاره.
(اللحجي ص 44) .
10 - عدم إجبار السيد على نكاح الأمة التي لا تحل له.
(اللحجي ص 44) .
11 - لا يجوز للمضطر أن يقتل ولده أو عبده ليأكله، ولا يجوز له أن يقطع فلذة من نفسه إن كان الخوف من القطع كالخوف من ترك الأكل أو أكثر.
(اللحجي ص 44) .
12 - لا يجوز قطع السَّلعة الخوفة من الرأس.
(اللحجي ص 44) .
13 - لو سقط إنسان على جريح، فإن استمر قتله، وإن انتقل قتله، كفاه أن يستمر، لأن الضرر لا يزال بالضرر.
(اللحجي ص 44) .
(1/216)

14 - لو كانت الزوجة ضيّقة الفرج لا يمكن وطؤها إلا بإفضائها، فليس له الوطء.
(اللحجي ص 44) .
15 - لا يحوز لمن أكره على القتل بالقتل أن يقتل، إذ كان قتله مسلماً بغير وجه حق.
(السدلان ص 512، (ابن تيمية، الحصين 195/1) .
16 - الطلول التي يجني منها النحلُ العسل، لا يحق لصاحب الأرض أن يأخذ عليها مالاً، لكن إن كان لصاحب الأرض نحل، فنحله أحق به، وإذا كان جني تلك النحل يضر به فله المنع من ذلك؛ لأن الضرر الواقع على صاحب النحل لعدم السماح لنحله بالجني من الطلول لا يزال بإحداث ضرر على صاحب الأرض..
(ابن تيمية، الحصين 196/1) .
17 - من استأجر أرضاً، وغرس فيها غراساً وأثمر، وانتهت مدة الإيجار، فليس لأهل الأرض قلع الغراس، بل لهم المطالبة بأجر المثل، أو تملك الغراس بقيمته، أو ضمان نقصه إذا قلع، وما دام باقياً فعلى صاحبه أجرة مثله، لأن الضرر الواقع عليه ببقاء زرعه في أرضه لا يزال بإحداث ضرر على المستأجر بإفساد زرعه..
(ابن تيمية، الحصين 196/1) .
18 - نص أحمد في فسخ البائع أنه لا ينفذ بدون رد الثمن.
واختار ابن تيمية ذلك، وقد يتخرج مثله في سائر المسائل؛ لأن التسليط على انتزاع الأموال قهراً - إن لم يقترن به دفع العرض، وإلا حصل به ضرورةً - فسادٌ، وأصل الانتزاع القهري إنما
شرع لدفع الضرر، والضرر لا يزال بالضرر.
(ابن رجب 1/ 360، ابن تيمية، الحصين 197/1) .
المستثنى
يستثنى من القاعدة ما لو كان أحدهما أعظم ضرراً، ولا بدَّ من فعل أحدهما، فإنه يرتكب أخف الضررين، وله فروع:
1 - شرع القصاص، والحدود، وقتال البغاة، وقاطع الطريق، ودفع الصائل، لأن الضرر الواقع خاص، وأخف بكثير من الضرر العام.
(اللحجي ص 44) .
(1/217)

2 - يجوز شق جوف المرأة الميتة إذا رُجي حياة الجنين.
(اللحجي ص 44) .
3 - يجوز النكاح والوطء على ضرر إزالة البكارة.
(اللحجي ص 44) .
4 - شرع الفسخ بعيب المبيع، وبالإعسار عن دفع الثمن.
(اللحجي ص 44) .
5 - يجوز إجبار المدين على قضاء الديون.
(اللحجي ص 44) .
فائدة: شمول هذه القاعدة وأهميتها
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى: "وهذه القاعدة
"زوال الضرر بلا ضرر"
فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفه.
فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي حفظ الدين والنفس والنسب والمال والعرض "
ثم قال: "وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها لا ثم قال: "ومما يدخل في هذه القاعدة
"الضرورات تبيح المحظورات " ثم عرض الأمثلة التطبيقية.
(1/218)

القاعدة: [23]
4 - الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف (م/27)
الألفاظ الأخرى
- يختار أهون الشرين (م/ 29) .
- يختار أهون الشرين أو أخف الضررين.
- يدفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما.
- إذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر الأكبر.
- يدفع شر الشرين.
التوضيح
إن الضرر ليس على درجة واحدة، وإنما يتفاوت في ذاته، وفي آثاره، والضرر يجب رفعه لقاعدة: الضرر يزال (م/ 19) وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار. (م/ 18)
ولكن إذا لم يمكن إزالة الضرر نهائياً، وكان بعضه أشد من بعض، ولا بدَّ من ارتكاب أحدهما، فتأتي هذه القاعدة: الضرر الأشد يزال ويرفع ويتجنب بارتكاب الضرر الأخف.
وذلك لعظم الأول على الثاني، وشدته في نفسه، أو لأن الضرر الأول عام يعمُّ أثره، والضرر الثاني خاص وينحصر أثره، فتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة (1) .
__________
.
(1) قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها
بقدر الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً (مجموع الفتاوى 23/343) .
(1/219)

والأدلة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) .
والقتال في المسجد الحرام [البقرة: 217/2] وقتال الفئة الباغية حتى ترجع
[الحجرات: 49/ 9] وحديث بول الأعرابي في المسجد والأمر بتركه ثم إلقاء الماء عليه.
التطبيقات
1 - الطلاق فيه ضرر، ومع ذلك يرتكب وتطلق الزوجة للضرر والإعسار؛ لأنه ضرر أشد.
(الدعاس ص 25) .
2 - يجوز للمضطر تناول الميتة، مع أن أكل الميتة فيه ضرر، ولكن ضرر الهلاك أشد.
(الدعاس 26، الونشريسي ص 230) .
3 - يجوز للمضطر أكل مال الغير بدون إذنه، لأن ضرر الهلاك أشد من ضرر الغير بأكل ماله، لكنه يضمن.
(الدعاس 26) .
4 - إذا عجز مريد الصلاة عن ستر العورة أو استقبال القبلة، فإنه يصلي كما قَدِرَ..
(الدعاس 26) .
5 - تجب النفقة في مال الموسرين لأصولهم وفروعهم، لكن لا يشترط في نفقة الأبوين اليسار، بل إذا كان كسوباً ضمهما إليه، كما تجب نفقة الأرحام المحارم من النسب المحتاجين.
(الزرقا ص 199، السدلان ص 532) .
6 - يحبس من وجبت عليه النفقة إذا امتنع عن أدائها، ولو نفقة ابنه، ويجوز ضربه في الحبس إذا امتنع عن الإنفاق.
(الزرقا ص 119) .
7 - إذا بنى شخص بناء، أو غرس في العرصة لسبب شرعي، كما لو ورث إنسان أرضاً فبنى فيها، أو غرس، ثم استحفت فإنه ينظر إلى قيمة البناء أو الغراس مع قيمة
(1/220)

العرصة، فأيهما كان أكثر قيمة يتملك صاحبه الآخر بقيمته جبراً على مالكه.
(الزرقا ص 119، السدلان ص 531، (ابن رجب 119/2) .
8 - البيع الفاسد يجب رذُه درءاً للفساد، فإذا فات بالتصرف فيه، أو بيعه، أو تغيره، وجب إمضاؤه بالقيمة، وصار له حكم آخر، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 159) .
9 - المحتكر الذي يجمع السلع من السوق وقت قلتها، ليبيعها وتت الغلاء، تؤخذ منه السلع جبراً، وتباع للناس، ويعطى رأس ماله فقط، ارتكاباً لأصغر الضررين بدفع أعظمهما.
(الغرياني ص 159، الونشريسي ص 370) .
10 - يجبر جار المسجد، وجار الطريق، وصاحب ممر الماء، على بيع أرضه أو داره، إذ ضاق المسجد، أو انهدمت الطريق، أو ممر الماء، لتوسعة المسجد والطريق وإصلاح ممر الماء، إذا تعين ولم يوجد غيره، تحصيلاً للمصلحة العامة، ودفعاً للضرر الأكبر بارتكاب أخف الضررين.
(الغرياني ص 159، الونشريسي ص 357) .
11 - يجبر صاحب الماء على بيع الماء لمن به عطش يخاف الموت إذا كان معه ثمن، وإلا بذله مجاناً، ارتكاباً لأخف الضررين، وكذلك بيعه لمن له زرع تعطلت بئره ويخاف هلاكه ومعه الثمن.
(الغرياني ص 160، الونشريسي ص 370) .
12 - يجوز للحكمين في الإصلاح بين الزوجين أن يحكما بخلع تدفعه المرأة إلى
الزوج ليطلقها؛ إذا كانت الإساءة منها، أو كانت مشتركة، وعجزا عن الإصلاح، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 165، الونشريسي ص 371) .
13 - يجبر من كان له أسير كافر على بيعه، أو فدائه بأسير مسلم في يد الكفار، إذا شرطوه لإطلاق سراح المسلم الذي بأيديهم، لأن ضرر بقاء المسلم أسيراً لدى الكفار، أعظم من ضرر جبر المسلم على بيع ما تحت يده من أسارى الكفار، لما في الأول من المذلّة للمسلمين، والضرر في الدِّين.
(الغرياني ص هـ 16، الونشريسي ص 371) .
14 - إذا وقع دينار في محبرة غير صاحب الدينار، ولم يمكن استخراجه إلا
(1/221)

بكسرها، فإن صاحب القيمة الأقل منهما يجبر على البيع لصاحب القيمة الأكثر، ارتكاباً لأخف الضررين، ومثله لو لقطت دجاجة فصّاً لغير مالكها، أو ثور تعرضت قرونه بين غصني شجرة لمالك آخر، ولم يمكن تخليصه إلا بذبحه أو قطع الغصنين، فإنه ينظر إلى صاحب الأقل قيمة، فيجبر على البيع، وقيل: إن كانت قيمة الثور أقل ذبح، ومصيبته على صاحبه، وإن كانت قيمة الغصنين أقل قطعا، وعلى صاحب الثور قيمتهما.
(الغرياني ص. 6 1، الونشريسي ص 371، (ابن رجب 2/ 119) .
15 - لو أن كبشاً أدخل رأسه في قِدْر لغير صاحبه، لا لسبب من أحد مالكيهما، لم يضمن أحدهما شيئاً، وهو من جُرح العجماء، إلا أن تكون قيمة أحدهما أكبر من الآخر، فيجبر صاحب القليل على البيع لصاحب القيمة الأكبر، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 161، الونشريسي ص 371، (ابن رجب 2/ 119) .
16 - لو أن جملين اجتمعا في مكان ضيق، ولم يمكن نجاة أحدهما إلا بعقر الآخر، فإنه ينحر أقلهما قيمة، ويشترك صاحبهما في القيمة، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص ا16، الونشريسي ص 371) .
17 - لو تعين نجاة من في السفينة بإلقاء بعض ما فيها من المتاع في البحر، فإنه يرمى منها ما تكون به نجاتها، ارتكاباً لأخف الضررين، ويتقاعه أصحابها بقيمة ما معهم من المتاع.
(الغرياني ص ا16، الونشريسي ص 371) .
18 - لو كان بالدار حيوان صغير فكبر، أو خوابي وأزيار، ولم يقدر بائع الدار على إخراجها إلا بكسر الباب، قال ابن عبد الحكم: لا يجبر صاحب الدار المشتري لها على كلسر بابه، ويذبح البائع حيوانه، ويكسر جراره، وقالط أبو عمران الفاسي:
القياس أن يهدم الباب، وبناؤه على بائع الدار صاحب الحيوان.
(الغرياني ص 163، (ابن رجب 2/ 119) .
19 - من غصب خيطاً لربط جرح، أو دواء لعلاج مريض، كان للمالك رده إن كان لا يستلزم إتلاف عضو آدمي محترم، أو حدوث مرض مخوف، بسبب ردّه، فإن استلزم ذلك أجبر على أخذ القيمة، ارتكاباً لأخف الضررين، فإن استلزم تأخير البرء دون إتلاف عضو مختلف فيه.
(الغرياني ص 162) .
(1/222)

20 - إذا أمكن لإنسان ألا يُقدّم مُظهِراً للمنكر في الإمامة وجب ذلك، لكن إذا ولاّه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهره من المنكر، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 209) .
21 - إذا لم يمكن منع المظهر للبدعة رالفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والعيدين والجماعة إذا لم يكن هناك إمام غيره، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فساداً من الاقتداء فيهما
بإمامٍ فاجر، لاسيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 209)
22 - لم تكن من عادة السلف على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس. .، والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم خير القرون.
وينبغي للمطاع ألا يقر ذلك مع أصحابة، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له، إلا في اللقاء المعتاد، ولكن إذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه، أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك إصلاح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس له في ترك ذلك إيذاء له، وجماع ذلك الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم، والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك، ولم
يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة، فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 210) .
23 - العقوبة إذا أمكن ألا يُتعدى بها الجاني كان ذلك هو الواجب، ومع هذا فإن كان الفساد في ترك عقوبة الجاني أعظم من الفساد في عقوبة من لم يجن، دُفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، وهذا معنى قول السلف: لئن أخطئ في العفو، أحب إلي من أن أخطئ في الظلم..
(ابن تيمية، الحصين 211/1) .
(1/223)

24 - بيع الغرر نهي عنه لما فيه من الميسر والقمار المتضمن لأكل المال بالباطل.
فإذا كان في بعض الصور من فوات الأموال وفسادها ونقصها على أصحابها بتحريم البيع أعظم مما فيه من حله، لم يجز دفع الفساد القليل بالتزام الفساد الكثير..
ومن أمثلة ذلك بيع المغيبات في الأرض كالجزر واللفت، وبيع المقاثي كالبطيخ فيجوز مع الغرر؛ لأن الضرر فيه أخف من منعه..
(ابن تيمية، الحصين 218/1) .
25 - إذا كان الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لا تُباع السلعُ إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع ذلك غيرهم منع، فهاهنا يجب التسعير عليهم لما في ذلك من الفساد، ويجبرون على البيع بقيمة المثل، والشراء بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد العلماء..
(ابن تيمية، الحصين 222/1) .
26 - من كان في ماله شبهة، أو في بعض موارده شيء محرم، أو مشتبه بمحرم، فإنه يجعل الحلال الطيب لأكله وشربه، ثم الذي يليه للناس، ثم الذي يليه لعلف الجمال والدواب، لأن الله تعالى يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
فعلى كل إنسان أن يتقي الله ما استطاع، وما لم يمكن إزالته من الشَّر يخفف بحسب الإمكان..
(ابن تيمية، الحصين 223/1) .
27 - لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة، فتوسط رجل منهم محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقسطها بينهم على قدر طاقتهم، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعطاء كان محسناً؛ لأن ما لا يمكن إزالته من الشر يخفف بقدر الإمكان..
(ابن تيمية، الحصين 1/224) .
28 - لو باع داراً فيها ناقة لم تخرج من الباب إلا بهدمه، فإنه يهدم، ويضمن للمشتري النقص.
(ابن رجب 118/2) .
29 - لو حمل السيل إلى أرضه غرس غيره، فنبت فيها، فقلعه مالكه، فعليه تسوية حفره.
(ابن رجب 2/ 119) .
(1/224)

المستثنى
1 - لو غصب إنسان أرضاً فبنى فيها أو غرس، ثم طلبها مالكها فإن الغاصب يؤمر بقلع البناء أو الغرس مهما بلغت قيمته، ولو كان الضرر أشد عليه، إلا إذا كان قلعهما يضر بالأرض، فإن المالك يتملكهما بقيمتها مستحقين للقلع (م/906) .
(الزرقا ص 119) ..
(ابن تيمية، الحصين 1/196، (ابن رجب 2/109) .
2 - من غصب حجراً، أو خشبة وبنى عليها بناء، أو لوحاً وسمَّره في سفية، فقيل: يخير المغصوب منه بين نقض البناء وأخذ حجره أو خشبه، وبين أن يتركه ويأخذ قيمته، لأن الآخر غاصب، وهو أحق بالتشديد عليه، استثناء من القاعدة.
وقيل: يجبر المغصوب منه على أخذ القيمة ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 162) .
3 - لو غصب فصيلاً وأدخله داره، وكبر وتعذر إخراجه بدون هدمها، فإنها تهدم من غير ضمان لتفريطه، وكذلك إذا غصب غراساً وغرسه في أرضه، فإنه يقلع ولا يضمن حفره.
(ابن رجب 2/ 119) .
4 - لو غصب ثوباً فصبغه، ثم طلب قلع صبغه، فعليه ضمان نقص الثوب
بذلك، كما لو غرس الأرض التي غصبها، ثم قلع غرسه.
(ابن رجب 2/ 119) .
(1/225)

القاعدة: [24]
5 - يُختار أهون الشَّرين (م/19)
الآلفاظ الأخرى
- الضرر الأشد، يزال بالضرر الأخف (م/ 27) .
- يدفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما.
- إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (م/ 28) .
- تحتمل أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.
- إذا اجتمع مكروهان، أو محظوران، أو ضرران، ولم يمكن الخروج عنهما
وجب ارتكاب أخفهما.
التوضيح
إن الشريعة جاءت لمنع المفاسد، فإذا وقعت المفاسد فيجب دفعها ما أمكن، وإذا تعذر درء الجميع لزم دفع الأكثر فساداً فالأكثر، لأن القصد تعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فإذا اضطر إنسان لارتكاب أحد الفعلين الضارين، دون تعيين أحدهما، مع تفاوتهما في الضرر أو المفسدة، لزمه أن يختار أخفهما ضرراً ومفسدة.
لأن مباشرة المحظور لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة، والضرورة تقدر بقدرها.
ومراعاة أعظم الضررين بإزالته، لأن المفاسد تراعى نفياً، والمصالح تراعى إثباتاً.
ومستند هذه القاعدة قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
(1/226)

فبين الله تعالى أن مفسدة أهل الشرك في الكفر بالله، والصد عن هداه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه وفتنة أهله، أكبر عند الله، وأعظم مفسدة من قتالهم في الشهر الحرام، فاحتملت أخف المفسدتين لدفع أشدهما وأعظمهما.
وكذلك في صلح الحديبية فإن ما فيه من ضيم على المسلمين، استشكله عمر رضي الله عنه، أخفُّ ضرراً ومفسدة من قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا متخفين بدينهم في مكة، ولا يعرفهم أكثر الصحابة، وفي قتلهم مَعَرَّة عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحة احتمال أخف الضررين لدفع أشدهما، وهو ما أشار إليه قوله عز وجل:.
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) .
التطبيقات
1 - جواز أخذ الأجرة على ما دعت إليه الضرورة من الطاعات، كالأذان.
والإمامة وتعليم القرآن والفقه.
(الزرقا ص 251) .
2 - جواز السكوت عن إنكار المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم.
(الزرقا ص 201، الدعاس ص 26، السدلان ص 532) .
3 - جواز طاعة الأمير الجاثر، إذا كان يترتب على الخروج عليه شر أعظم.
(الزرقا ص 201) .
4 - جواز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته.
(الزرقا ص 202، الدعاس ص 26، الغرياني ص 158، السدلان ص 351) .
5 - إذا وقع إنسان بين أمرين: أحدهما أهون من الآخر، كما إذا هُدد بالقتل على أن يرمي نفسه من مكان مرتفع عن الأرض مقدار ثلاثة أمتار، يجب عليه رمي نفسه لاحتمال النجاة، فيختار أهون الأمرين.
(الدعاس ص 26) .
(1/227)

6 - إذا هدد شخص بالقتل على أن يرمي نفسه من مكان عالٍ كالمنارة فله الخيار، لكون المفسدتين متساويتين.
(الدعاس ص 26) .
7 - إذا اجتمع مصلون عراة في الضوء ليس لهم ما يستر عوراتهم، قيل؛ يصلون جلوساً بالإيماء، تقليلاً لمفسدة النظر إلى العورات ما أمكن، بمقتضى القاعدة.
وقيل: يصلون بالقيام ويغضون أبصارهم.
تحصيلاً لمصلحة أداء الصلاة على وجهها.
(الغرياني ص 158، الونشريسي ص 235) .
8 - إذا ماتت الأم، وفي بطنها جنين ترجى حياته، أو مال نفيس، جاز بقر
بطنها، فارتكبت مفسدة انتهاك حرمة الميت تحصيلاً لمصلحة أعظم.
(الغرياني ص 158) .
9 - المضطر إذا لم يجد ما يأكله إلا ميتة الآدمي، وخاف الموت المحقق إذا لم يأكل، جاز له أن يأكل ما يمنعه من الموت، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 158، الونشريسي ص 236) .
10 - صحح المالكية نكاح الزوج الثاني إذا بنى بالمرأة التي وكلت وكيلين، وعقدا لها معاً، دون أن يعلم أحدهما بإنكاح الآخر؛ لأن إمضاء النكاح الذي صحبه الدخول أو التلذذ بالمرأة أقل مفسدة من إمضاء النكاح الذي لم يصحبه دخول.
(الغرياني ص 158) .
11 - تصحيح النكاح الذي فسد صداقه - لكونه خمراً أو مجهولاً - بصداق المثل إذا حصل معه دخول، ارتكاباً لأخف الضررين.
(الغرياني ص 159) .
12 - يفسخ نكاح المرأة الشريفة، التي يتولى نكاحها بالولاية العامة أحد المسلمين مع وجود قريب لها غير مجبر كالأخ، قبل الدخول، فإذا حصل دخول، وطال الأمر كمضي ثلاث سنين أو ولادة ولدين، أقر النكاح ارتكاباً لأخف الضررين ما داء صواباً.
(الغرياني ص 159، الونشريسي ص 236) .
13 - امتنع القصاص من الأب في قتل ابنه، لأن شرط القصاص في قتل العمد أن يكون عدواناً، وهذا الشرط منتف في حق الأب، لما جبل عليه طبعه من الشفقة
(1/228)

والمحبة المغروزة فيه خلقةً، إلا إذا أفصح عن ذلك بأن أضجعه وذبحه بالسكين، وفيما سوى ذلك من ضروب العمد في جانب الأب فهو محمول على التأديب، لا على العدوان، الذي هو شرط القصاص، وبانتفائه ينتفي المشروط، وهو القصاص.
(الغرياني ص 163) .
(1/229)

القاعدة: [25]
6 - إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (م/28)
الألفاظ الأخرى:
- إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (م/28)
- إذا تقابل مكروهان أو محظوران أو ضرران، ولم يمكن الخروج عنهما، وجب ارتكاب أخفهما.
- تحتمل أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.
- يختار أهون الشرين (م/ 29) .
- ارتكاب إحدى المفسدتين لدفع أعلاهما (1) .
- تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة ولا تترك لها.
- دفع أعلى المفاسد بأدناها
التوضيح
جاءت الشريعة لتحقيق مصالح الناس بجلب النفع لهم، ودرء المفسدة عنهم.
__________
.
(1) قال (ابن رجب رحمه الله تعالى: "القاعدة الثانية عشر بعد المئة: إذا اجنمع للمضطر محرمان، كل منهما لا يباح بدون الضرورة، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها.
فلا تباح" تقرير القواعد، له 2/ 463.
(1/230)

فيجب دفع المفاسد كلها ما أمكن، فإن عرضت المفاسد، ولا يمكن دفعها كلها، فيجب اختيار المفسدة الأخف، وارتكابها، ودفع المفسدة الأعظم والأشد، ومراعاة أعظم المفسدتين تكون بإزالته، لأن المفاسد تراعى نفياً، والمصالح تراعى إثباتاً، لأن مقصود الشريعة تعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، واختيار المفسدة الأخف ضرراً تساعد على تجنب الأشد ضرراً، لأن مباشرة المحظور لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة.
قال ابن النجار الفتوحي:
"فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا واضح، يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولو العلم ".
ومستند هذه القاعدة قوله تعالى:.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
فبين تعالى أن مفسدة أهل الشرك من الكفر بالله، وسبيل هداه، والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وفتنة المؤمنين بالسعي لإرجاعهم إلى الشرك، أعظم من مفسدة قتال المشركين في
الشهر الحرام، فاحتملت أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، كقاعدة
"يختار أهون الشرين " (م/ 29) ، فيجوز ارتكاب إحدى المفسدتين لدفع أعلاهما.
ودليلها أيضاً حديث بول الأعرابي في المسجد، ونهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُزْرموه، لأن ذلك ضرر أعظم من تطهير محل البول.
التطبيقات
نفس تطبيقات قاعدة " يختار أهون الشرين " (م/ 29)
وهي كثيرة، منها:
1 - جواز أخذ الأجرة على ما دعت إليه الضرورة من الطاعات كالأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه.
(الزرقا ص 201) .
(1/231)

2 - جواز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم.
(الزرقا 251، الدعاس ص 26) .
3 - جواز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شر أعظم.
(الزرقا ص 201) .
4 - جواز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته.
(الزرقا ص 202، الدعاس ص 26، الغرياني ص 158، المقري 2/ 457) .
5 - إذا طرأ فسق السلطان فلا يخرج عليه؛ لأن في الخروج شراً أعظم.
(اللحجي ص 44) .
6 - إذا سَعّر الإمام فإنه ينفذ ويرتكب التسعير، ولا يخالف الإمام، لأن الخلاف أعظم ضرراً.
(اللحجي ص 44) .
7 - يجوز التزوج من الأمة مع عدم الطول إذا خاف الزنا ابن عبد الهادي
ص. 10، (ابن رجب 3/ 465) .
8 - يجوز الاستمناء باليد إذا عجز عن الزواج، ونكاح الأمة، وخاف الزنا..
(ابن عبد الهادي ص 100، (ابن رجب 3/ 465) .
9 - جواز الوطء للزوجة في صوم رمضان إذا خاف من الشَّبَق أن يشق أنثييه..
(ابن عبد الهادي ص 100) فيباح له الفطر لشبقه، وعدم إمكانه الاستمناء، واضطراره إلى الجماع في الفرج، فله ذلك.
(ابن رجب 3/ 465) .
10 - جواز الخروج للمعتكف إذا خاف من الوقوع في فتنة.
(ابن عبد الهادي ص 100) (1) .
11 - إذا وجد المحرِم صيداً وميتة، فإنه يأكل الميتة، نص عليه أحمد؛ لأن في أكل
__________
.
(1) قال ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى: "وهذه القاعدة يطَّرد فيها أكثر من ألف فرع من فروع الفقه" القواعد الكلية، له ص 100) .
(1/232)

الصيد ثلاث جنايات: صيده، وذبحه، وأكله، وأكل الميتة فيها جناية واحدة.
(ابن رجب ص 464) .
12 - إذا ألقي في السفينة نار، واستوى الأمران في الهلاك: المقام في النار، وإلقاء النفوس في الماء، فيجوز له إلقاء النفوس في الماء أو لزوم المقام على روايتين، يصنع كيف شاء.
(ابن رجب 468/3) .
13 - يجوز شق بطن الميت رجاء الولد، أو المال النفيس (المقري 2/ 457) .
14 - يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي (المقري 2/ 457) .
15 - القطط إذا عميت، وفرغ من منفعتها، وكذلك الحيوانات الصغيرة إذا قل طعام أمهاتها، يجوز ذبحها، وكذلك كل ما أيس من منفعته من الحيوان لكبر أو عيب، أو كان بسبب ضرراً، جاز ذبحه بارتكاب أخف الضررين.
(الغرياني ص 162) .
16 - إذا كان بالبلد دواب اشتهرت بالعدو في زروع الناس وإفسادها، فإنها تباع على أصحابها بموضع لا زرع يخاف عليه منها، لنفي الضرر الأكبر بالضرر الأصغر.
فإن تعذر طلب من أصحابها أن يتولوا حفظها، وإلا ضمنوا ما أفسدته.
(الغرياني ص 162) .
17 - ينبغي للإمام أن يمنع من عرف بإصابة العين من مخالطة الناس، وأن يلزمه بيته، ويكف أذاه عنهم، وإن كان فقيراً أجرى عليه ما يكفيه، لأن ضرره أشد من ضرر آكل الثوم الذي منع من المسجد، ومن ضرر الدواب العادية في الزرع التي أمر بتغريبها وبيعها.
(الغرياني ص 163) .
18 - مشروعية القصاص، والحدود، وقتال البغاة، وقاطع الطريق، ودفع
الصائل ولو أدى إلى قتله، ففي هذه الأمرر شرع الإسلام ارتكاب أخف المفسدتين.
(السدلان ص 533) .
19 - الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع، لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، وهذه قاعدة الشريعة، وهي تحصيل أعظم المصلحتين
(1/233)

بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما..
(ابن تيمية، الحصين 1/529)
20 - الاحتكار والتسعير مع تقدير الظروف والملابسات فيهما، فيجبر المحتكر على البيع بثمن المثل، وهو التسعير الخاص والعام عند الحاجة (الندوي 1/ 165) .
(1/234)

القاعدة: [26]
7 - يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (م/26)
التوضيح
يجب رفع الضرر، لقاعدة: الضرر يزال (م/ 19)
وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار (م/ 18) .
ولكن قد يصعب رفع الضرر نهائياً.
وهنا يتفاوت الضرران قطعاً، ويكون أحد الضررين لا يماثل الآخر، في حقيقته، أو في آثاره، فيزال الأعلى بالأدق.
وقد يكون عدم المماثلة لخصوص أحدهما، وعموم الآخر، فيرتكب الضرر الخاص، ويتحمله صاحبه، لدفع الضرر العام الذي
يؤثر على المصلحة العامة؛ لأن المصلحة العامة مقدمة
على المصلحة الخاصة.
التطبيقات
1 - يُحجر على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن، والمكاري المفلس، وإن تضرروا بذلك لدفع ضررهم على الجماعة في أرواحها ودينها ومالها (الزرقا ص 198، الدعاس ص 26، السدلان ص 535) .
2 - تزال الغرفة الوطية البارزة، والجناح الداني، والمسيل المضر، إذا كان في طريق العامة وإن كانت قديمة.
(الزرقا ص 197، الغرياني ص 159) .
3 - يجب نقض الحائط المتوهن على صاحبه إذا كان في الطريق، دفعاً للضرر العام.
(الزرقا ص 197) .
4 - يجب قتل قاطع الطريق إذا قتل بأي كيفية كانت بدون قبول عفو عنه من ولي القتيل، دفعاً للضرر العام.
(الزرقا ص 197) .
(1/235)

5 - يجب حبس العائن، وقتل الساحر إذا أُخذا قبل التوبة، وقتل الخَنَّاق إذا تكرر منه ذلك، ويجب قتل كل مؤذٍ لا يندفع أذاه إلا بالقتل.
(الزرقا ص 197) .
6 - يجوز التسعير إذا تعدى أرباب القوت في بيعه بالغبن الفاحش.
(وفُسر هنا بضعف القيمة) وهذا مفرع على مقابل الصحيح؛ لأن الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، كالخمس.
(الزرقا ص 198، الغرياني ص 159، السدلان ص 535) .
7 - يجوز بيع الفاضل من طعام المحتكر عن قوته وقوت عياله إلى وقت السعة.
(الزرقا ص 198، السدلان ص 535) .
8 - يمنع الشخص من اتخاذ حانوت للطبخ أو للحدادة مثلاً بين البزازين.
(الزرقا ص 198) .
9 - يجوز تخريب العقارات المجاورة للحريق لمنع السريان بإذن الإمام.
(م/ 919)
فلو هدمها بغير إذن الإمام ضمن قيمتها معرضة للحريق.
10 - يجوز المرور في ملك الغير لإصلاح النهر العام كالفرات، لأن فيه دفع
الضرر العام بارتكاب الضرر الخاص.
(الزرقا ص 198) .
11 - يجبر صاحب الملك في أعلى الجبل على بيعه إذا احتاج الناس إليه لأمنهم، أو لمصلحة أخرى للأمة، وكذلك صاحب الجارية، أو الفرس يحتاج إليهما السلطان العادل، فيؤمر ببيعها، ويجبر على البيع إن أبى؛ لأن الضرر على الأمة بمنع السلطان أشد من الضرر الخاص الواقع على البائع.
(الغرياني ص 160) .
12 - العراف، والضارب على الحظ، والساحر الذي لم تتوفر في حقه من البينة ما يقام به عليه الحد، يؤدبون ويعاقبون بالحبس، أو بالنفي إلى مكان لا يقدرون فيه على خداع الناس، حماية للعامة من أذاهم.
(الغرياني ص 163) .
13 - جواز الرمي إلى كفار تترسوا بأسارى المسلمين، إذ المفسدة الحاصلة عن قتل عدد معين محصور من المسلمين أقل من الضرر الذي ينتج عن تقوية الكافرين وانتصارهم وقتلهم عدداً أكثر من المسلمين إن لم يكن جميعهم.
(السدلان ص 536) .
(1/236)

14 - تقطع يد السارق، وتقطع أعضاء الجناة، ويقتلون، ويصلبون، ويعزرون، ويعاقبون، ويتم جرح الشهود عند الحكام؛ لأنه تترجح في ذلك المصلحة العامة، ويدفع الضرر عن الجماعة، وإن لَحِقَ الأذى والضرر الأفراد.
(السدلان ص 536) .
(1/237)

القاعدة: [27]
8 - درء المفاسد أولى من جلب المنافع (م/30)
الألفاظ الأخرى
- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
- عناية الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح.
التوضيح
الأصل أن الشريعة جاءت لجلب المنافع، ودرء المفاسد، فإذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم دفع المفسدة غالباً؛ لأن الشرع حريص بدفع الفساد، ويعتني بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.
والأصل في هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم "
رواه الإمام النووي في (الأربعين) وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " رواه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(1/238)

ويشترط في تقديم درء المفسدة ألا يؤدي إلى مفسدة أخرى، فيلغى التقديم (1) .
التطبيقات
1 - لا يجوز للمالك أن يتصرف بملكه بما يضر الغير كاتخاذ معصرة أو فرن
يؤذيان الجيران.
(الزرقا ص 225، الدعاس ص 27) .
2 - يمنع الشخص من الاتجار بالمحرمات من خمر ومخدرات ولو أدت إلى ربح.
(الدعاس ص 27، السدلان ص 522) .
3 - يمنع الاحتكار والتعدي في الأسعار، ولوكان فيها مصلحة لصاحبها.
(الدعاس ص 27) .
4 - يمنع الشخص أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره ضرراً بيناً، كاتخاذ داره
طاحوناً مثلاً يوهن البناء، أو فرناً يمنع السكنى بالرائحة والدخان، أو أن يفتح كوة تشرف على مقر نساء جاره، أو أن يتخذ كنيفاً أو بالوعة أو ملقى قمامات يضر بالجدار، فلصاحب الجدار أن يكلفه إزالة الضرر (م/ 1200) وإذا كان الضرر لا يزول إلا برفعه بالمرة، فإنه يرفع (م/ 1212) .
وإن كان لمحدثه منفعة في إبقائه، لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع.
(الزرقا ص 205) .
5 - يمنع الشخص من اتخاذ حانوت للطبخ أو الحدادة بين البزازين (م/ 25) .
6 - إذا كانت المفسدة عائدة على الغير فتمنع كمسألة العلو والسفل إذا تهدم البناء، فلا يجبر صاحب السفل على البناء، ولو كانت المنفعة تربو كثيراً على المفسدة.
(الزرقا ص 206) .
7 - يشرع التخلف عن الجماعة والجمعة بسبب المرض والخوف وتمريض الضائع ونحو ذلك.
(اللحجي ص 45) .
__________
.
(1) عبر ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ذلك فقال: "الشريعة مبناها على تحصيل الصالح وتكميلها، وتعطيل المفاشد وتقليلها، بحسب الإمكان"
وكررها كثيراً في مواطن عدة، انظر: القواعد والضوابط الفقهية
عند ابن تيمية 1/139) .
(1/239)

8 - تكرره الغسلة الثالثة في الوضوء إذا شك بأنها رابعة، تقديماً للمكروه، وهي كونها رابعة، على المندوب بأنها ثالثة.
(الغرياني ص 133) .
9 - يُكره صوم يوم عرفة إذا شك فيه بأنه عيد، تقديماً للنهي عن صوم يوم العيد.
(الغرياني ص 133) .
10 - الصدقة على القريب أفضل من الصدقة على البعيد، وهي مندوب إليها، لكن يقابل ذلك أن في إعطاء القريب زكاته إلى قريبه اتهامه بأنه يوفر بها ماله، حتى لا يعطي قريبه الفقير تطوعاً، فيحابيه بها ليعود عليه نفعها، ولو بالمدح والثناء، لذاكره.
المالكية إعطاء الزكاة للقريب، تقديماً للمكروه على المندوب.
(الغرياني ص 133) .
11 - كره المالكية القصد إلى قراءة آية السجدة في الصلاة للإمام خوف التشويش على المأموم، ثم كرهوها للمنفرد حسماً للباب، تقديماً للمكروه على المندوب، والحق تقديم المندوب، للحديث، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ سورة السجدة في صبح الجمعة.
(الغرياني ص 133) .
12 - يكره صلاة التراويح في البيوت إذا أدت إلى تعطيل المساجد، تقديماً لدرء المفسدة، وهي تعطيل المساجد على تحصيل المصلحة وهي صلاتها في البيوت.
(الغرياني ص 133) .
13 - يُكره ترك العمل يوم الجمعة، لئلا يُعظّم تعظيم اليهود للسبت درءاً للمفسدة.
(الغرياني ص 134) .
14 - كره المالكية إظهار إتباع رمضان بصيام ست من شوال متصلة ممن يقتدى به، وإن صح به الخبر، خشية اعتقاد العامة وجوبها، وأنها من رمضان، والحق ندب صيامها، لما جاء في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن صيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر.
(الغرياني ص 137) .
(1/240)

15 - من لم يجد سترة ترك الاستنجاء، ولو على شط نهر؛ لأن النهي عن كشف العورة راجح على الأمر بإزالة النجاسة.
(السدلان ص 523) .
16 - المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة، وتكره للصائم تقديماً لدرء مفسدة إفساد الصيام على جلب مصلحة سنية المضمضة والاستنشاق.
(السدلان ص 523) .
17 - إذا وجب الغسل على المرأة، ولم تجد سترة من الرجال، تؤخر الغسل؛ لأن في كشف المرأة على الرجال مفسدة وأي مفسدة.
(ابن نجيم ص 90، السدلان ص 524) .
18 - لو اشتبهت مَحْرمة بأجنبيات عصورات لم يحل الزواج بإحداهن.
(ابن نجيم ص 90، السدلان ص 524) .
19 - قطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة بقطعها.
(ابن نجيم ص 91، السدلان ص 524) .
المستثنى
يجوز تقديم المصلحة على المفسدة إذا كانت المصلحة أعظم.
ولها أمثلة كثيرة (1) :
1 - يجوز الكذب بين المتعادين للإصلاح، فهو تقديم للمنفعة حين تربو على
المفسدة وكانت المفسدة تعود على نفس الفاعل.
(الزرقا ص 206، اللحجي ص 45) .
2 - يجوز الكذب على الزوجة لإصلاحها، وهذان الاستثناءان يرجعان إلى
ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة.
(اللحجي ص 45) .
3 - التلفظ بكلمة الكفر مفسدة محرمة، لكنه جائز بالحكاية والإكراه إذا كان قلب
__________
.
(1) عدَّ العز بن عبد السلام رحمه الله تعال ثلاثة وستين مرضعاً، وكلها ترجح يخها جلب المصالح على درء المفاسد (القواعد الكبرى 1/ 136 محققة حماد، ضميرية، طبع دار القلم 421 اص/ 0 0 20 م) وبعضها
يباح، وبعضها يجب، وبعضها يستحب، وبعضها مختلف فيه.
وقال المقري: " عناية الشارع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح"
القواعد، له. 2/ 443) .
(1/241)

المكره مطمئناً بالإيمان؛ لأن حفظ النفس أكمل مصلحة من مفسدة التلفظ بكلمة الكفر التي لا يعتقدها الجنان.
(السدلان ص 525) .
4 - الصلاة إلى غير القبلة مفسدة محرمة، فإن تعذر استقبال القبلة بصَلْب أو عجز أو إكراه، وجب عليه على الأصح أن يصلي إلى الجهة التي حُوّل وجهه إليها، لئلا تفوت مقاصد الصلاة بفوات شرط لا تتناسب مصلحته مع مصالح مقاصدها.
(السدلان ص 525) .
5 - نبش القبور مفسدة محرمة لما فيه من انتهاك حرمة الأموات، لكنه واجب إذا دفنوا بغير غسل، أو وُجّهوا إلى غير "القبلة، بشرط ألا تمضي مدة تتغير فيها أجسادهم، لأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة أعظم من توفيرهم بترك النبش.
(السدلان ص 525) .
6 - الحجر على المفلس مفسدة في حقه، لكنه ثبت تقديماً لمصلحة الغرماء على مفسدة الحجر.
(السدلان ص 525) .
7 - إذا اختلط موتى المسلمين والكفار وجب غسل الجميع والصلاة عليهم، مع أن غسل الكافر والصلاة عليه محرم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 241) .
8 - يحرم على المرأة ستر الوجه في الإحرام، ولا يمكن إلا بكشف شيء من
الرأس، وستر الرأس واجب في الصلاة، فإذا صلّت راعت مصلحة الواجب (ابن تيمية، الحصين 241/1) .
9 - لو أسلمت المرأة وجب عليها الهجرة إلى دار الإسلام، ولو سافرت وحدها، كان كان سفرها وحدها حراماً..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 241) .
(1/242)

فرع: تحقيق المصالح ودرء المفاسد
إن مقاصد الشريعة العامة تنحصر في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وذلك بجلب النفع للناس، ودفع الضرر عنهم، حتى اعتبر العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى وغيره أن الأحكام الشرعية كلها تنحصر في هذه القاعدة "تحقيق المصالح ودرء المفاسد"
لأن كل حكم فرعي فرع أصلاً إما لجلب مصلحة، أو لدرء مفسدة على
الإنسان، وهذا ما تؤكده النصوص الشرعية في القرآن والسنة، ويبينه العلماء في الاستصلاح، وفي مقاصد الشريعة، وأن اعتبار المصالح من الأدلة الشرعية الكلية والفرعية ضمن ضوابط دقيقة وقواعد محكمة، سواء كانت المصالح ضرورية، أو حاجية، أو تحسينية، أو تكميلية، أو مجرد منافع وزينة.
وإن كثيراً من القواعد الفقهية وضعت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ونكتفي بالإشارة لها هنا، ونذكر توضيحها، وتطبيقاتها، وأمثلتها في مكانها، فمن ذلك:
1 - إذا ضاق الأمر اتسع، أو الأمر إذا ضاق اتسع.
2 - إذا اتسع الأمر ضاق، وكان هذه القاعدة تكملة وتتمة للسابقة، أو استدراك لها.
3 - الضرورات تبيح المحظورات.
4 - الميسور لا يسقط بالمعسور.
وجاء ابن تيمية رحمه الله تعالى وأكد ما قاله العز، وأن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، وتكررت عباراته وأمثلته لهذه القاعدة المهمة.
(1/243)

القاعدة: [28]
9 - إذا تعارض المانع والمقتضي يُقدَّم المانع (م/ 41)
الألفاظ الأخرى
- إذا تعارض المقتَضِي والمانع قُدّم المانع.
التوضيح
إذا كان للشيء الواحد، أو العمل الواحد، محاذير تستلزم منعه، وكان له دواع تقتضي تسويغه، فقد تعارضا، ويرجح منعه، لما فيه من درء المفسدة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المنافع، لأن حرص الشارع على منع المنهيات أكثر من حرصه على تحقيق المأمورات، واعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.
ومستند هذه القاعدة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم "
رواه النووي في (الأربعين) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " رواه البخاري، ومسلم.
والمراد من تقديم المانع على المقتضي رعايته والعمل به دون المقتضي، فهو مقدم في الرتبة والاعتبار لا في الزمن، ولا يصح أن يلاحظ ذلك التقديم والتأخير بينهما في الزمن، وُيرَجَّح اعتبار قيام المانع وانتفاء المقتضي ولو كان وجود المقتضي أسبق زمناً
(1/244)

من المانع، كما لو وقعت شهادة بنكاح المرأة، وبينة بالطلاق أو الخلع قبل الموت، والرجل ميت، وتطلب المرأة الإرث، فيرجح اعتبار الطلاق، أو الخلع قائماً عند وفاة الزوج، وهذا مانع للإرث، على بينة النكاح المقتضي لثبوت الإرث، مع أن النكاح أسبق زمناً من الطلاق، أو الخلع، المانع للإرث.
ولا فرق في تقديم المانع على المقتضي بين أن يجيئا معاً، كأكثر الفروع والتطبيقات، أو أن يطرأ المانع على المقتضي قبل حصول المقصود من المقتضي، فإنه يقدم المانع، كما لو شهد لامرأة أجنبية عنه، ثم تزوجها قبل القضاء بشهادته، أو شهد وليس بأجير، ثم صار أجيراً خاصاً قبل القضاء بشهادته، بطلت شهادته في المسألتين.
ويستثنى من ذلك إذا كان جانب المصلحة أعظم (المقتضي) فإنه يقدم، كما لو تعارض واجب وحرام فتقدم مصلحة الواجب.
وتجري القاعدة في العبادات والمعاملات وغيرها، ويتفرع عليها مسائل كثيرة.
التطبيقات
1 - تمنع شرعاً التجارة في المحرمات من خمر ومخدرات وغير ذلك، ولو أن فيها ربحاً.
(الدعاس ص 27) .
2 - يمنع صاحب الدار من اتخاذ فرن أو محرك يؤذيان الجيران بالدخان أو اهتزاز الجدران، أو تشويش في الأصوات، ويمنع صاحب الدار من اتخاذ نوافذ تطل على جاره، ولو كان فيه منفعة، وهو يوافق النظرية المعروفة
"منع التعسف في استعمال الحق ".
(الدعاس ص 28) .
3 - يحجر على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن، ويمنع الاحتكار، والتعدي في الأسعار.
(الدعاس ص 28) .
(1/245)

4 - تمنع النساء من المساجد لصلاة الجماعة إذا حصلت مفسدة.
(الدعاس ص 28) .
5 - إذا استشهد الجُنُبُ فالأصح أنه لا يغسل، لأن الشهادة تمنع الغسل، والجنابة توجبه، فيقدم المانع.
(اللحجي ص 57) .
6 - لو ضاق الماء أو الوقت عن سنن الطهارة حرم فعلها.
(اللحجي ص 57) .
7 - جرح الجاني جرحين عمداً وخطأ، أو مضموناً وهدراً، ومات بهما، فلا قصاص، لأن الخطأ والهدر يمنعان القصاص.
(اللحجي ص 57) .
8 - لو كان ابن الجاني ابن عم لم يعقل، فلا يشارك في دفع الدية.
(اللحجي ص 57) .
9 - يمنع الزوج من قربان زوجته الحائض، فالحيض يمنع، والزوجية القائمة تقتضي الإتيان، فيقدم المانع (الدعاص ص 28) .
10 - يمنع الراهن من بيع الرهن ما دام في يد المرتهن، لأن ملكية الراهن تقتضي نفاذ بيع الرهن، وتعلق حق المرتهن يمنع نفاذ البيع بدون رضا المرتهن، وقد تعارضا، فيقدم المانع.
(الدعاس ص 28) .
11 - يمنع أحد صاحبي الطوابق السفل أو العلو في الأبنية من عمل يضر بالآخر دون إذنه، لأن حقه التصرف بملكه، وهو مقتضٍ، وتعلق حق الجار مانع، فيقدم.
(الدعاس ص 28، الزرقا ص 244) .
12 - أقر المريض مرض الموت لوارثه ولأجنبي بدين أو عين مشتركاً على الشيوع بطل فيهما.
(الزرقا ص 244) .
13 - لو ضمَّ ما لا يحل بيحه كالخنزير إلى ما يحل بيعه في صفقة واحدة يفسد البيع (الزرقا ص 224) .
14 - يمنع الموجر من التصرف في العين المأجورة بما يمسُّ حق التاجر، تقديماً
للمانع، وهو حق المستأجر.
(الزرقا ص 244) .
(1/246)

15 - بطلان كل القضاء وكل الشهادة إذا بطل بعضهما، كما لو قضى القاضي، أو شهد الشاهد، لمن تقبل شهادته له، ولمن لا تقبل، بطل في كليهما.
(الزرقا ص 244) .
16 - لو حطَّ البائع كل الثمن عن المشتري فإنه يصح حطُّه، ولكن لا يلتحق بأصل العقد، بل يعتبر بمنزلة هبة مبتدأة، وذلك تقديماً للمانع عن التحاقه به، وهو تأديته إلى بطلان العقد، لفقد ركنه بخلو العقد حينئذ عن الثمن، على المقتضي للإلحاق، وهو المحطوط ثمناً، وهو من متعلقات البيع وناشئ عنه.
(الزرقا ص 244) .
وهذا بخلاف ما لو حطَّ البائع بعض الثمن، فإنه يلتحق بالحط بالعقد، لعدم المانع حينئذ من التحاقه، ولو باعه بعد الحط مرابحة فتقع على ما بقي من الثمن بعد الحط، ويأخذ به الشفيع أيضاً.
(الزرقا ص 244) .
17 - لو تصارفا ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، ثم حطَّ أحدهما عن الآخر بعض البدل، أو زاده في البدل وقبل الآخر، فإنَ الحطَّ يصح عند محمد، ولا يلتحق بالعقد، بل يجعل كهبة مبتدأة، والزيادة تبطل عند الإمام أبي حنيفة، تقديماً للمانع، لأن التحاق الحط، وتصحيح الزيادة، يؤديان إلى فساد العقد لعدم التساوي في البدلين، على المقتضي، وهو كون المتصرف بالحط والزيادة يتصرف في خالص ملكه.
وظاهر كلام بعضهم يفيد ترجيح قول محمد، حيث علله ووجهه ولم يوجه قول غيره.
(الزرقا ص 245) .
18 - لا تنعقد الهبة بالبيع بلا ثمن، ولا العارية بالإجارة بلا بدل، تقديماً للمانع على المقتصي، وذلك لأن الأمر فيهما دائر بين البيع والإجارة الفاسدين، وذلك مانع، وبين الهبة والإعارة الصحيحتين، وهو مقتضي، فقدم المانع.
(الزرقا ص 245) .
19 - إذا تعارض الجرح للشاهد وتعديله، فإنه يقدم الجرح على التعديل.
(الزرقا ص 246) .
25 - تقدم بينة الطلاق قبل الموت على بينة أنه مات وهي امرأته، وتقدم بينة الخلع على بينة النكاح.
(الزرقا ص 245) .
(1/247)

المستثنى
1 - إذا سكن أحد الشريكين العقار المشترك في غيبة شريكه فإنه يجوز، وللشريك الغائب أن يسكن بعد عودته نظير ما سكن شريكه.
(الزرقا ص 247) .
2 - اختلط موتى المسلمين بالكفار أو الشهداء بغيرهم، فيجب غسل الجميع والصلاة، وإن كانت الصلاة على الكفار والشهداء حراماً، ودليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلَّم عليهم.
(اللحجي ص 58، ابن تيمية، الحصين 1/ 241) .
3 - يجوز للمستأجر على العمل في عين أن يستأجر غيره للعمل فيها، ويدفعها له، وللمستعير أن يعير لغيره، ويدفع العين له فيما لا يختلف استعماله، مع أن العين وديعة في أيديهما، والمودع لا يوح لغير من في عياله أو من يحفظ به ماله، وهذا مانع ولم يعمل عمله هنا، بل قُدّم المقتضي، وهو كون المستعير ملك المنافع، فملك تمليكها، وكون المستأجر للعمل يعمل بنفسه وبأجيره، وذلك لأن الإيداع ثبت ضمناً لا قصداً.
(الزرقا ص 247) .
4 - لو كان كرم مشترك بين حاضر وغائب، أو بالغ ويتيم، فأدرك ثمره، فباعه وأخذ حصته، ووقف حصة الغاثب يسعه ذلك.
(الزرقا ص 247) .
5 - يحرم على المرأة ستر جزء من وجهها في الإحرام، ويجب ستر جزء منه مع الرأس للصلاة، فتجب مراعاة الصلاة.
(اللحجي ص 58 (الحصين 1/ 241) .
6 - يجوز لأحد الشريكين تعمير البناء المشترك بدون إذن الشريك وبدون إذن القاضي، ويرجع بقيمة البناء عند تعذر قسمته وامتناع الجبر على العمارة، كحمام، ورحى، وجدار لا يقسم، فهنا قُدّم المقتضي على المانع، كما هو ظاهر.
(الزرقا ص 247) .
(1/248)

7 - لو ادعى رجل على ذي اليد أن العين التي في يده كانت ملك فلان الغائب، وأنه كان اشتراها منه، وأنه ملكها بذلك الشراء، وأقام الحجة على ذلك على الرغم من إنكار المدعى عليه، قضي له بذلك، وكان حكماً على الغائب بالبيع، فلو حضر وأنكر البيع لا يسمع منه، فهنا قُدّم المقتضي، وهو دعوى المدعي وبينته القائمة.
وإحياء حقه، على المانع، وهو كون المالك الأول المقضي عليه بالبيع غائباً، مع أنه لا يقضى على غائب ولا له إلا بحضور نائب عنه.
(الزرقا ص 247) .
8 - لو أقام شخص بينة على آخر أنه اشترى هذه الدار من فلان الغائب، وأنه شفيعها، فقضي له بذلك، صار المالك الأول مقضياً عليه بالبيع، وإن كان غائباً، فلو حضر وأنكر لا يعتبر إنكاره.
(الزرقا ص 248) .
9 - لو أقام الكفيل بالأمر بينته على الأصيل أنه أوفى الطالب دينه، والطالب غائب، يقضى له، ويصير الطالبُ مقضياً عليه بالاستيفاء، ولو حضر وأنكر الإيفاء لا يسمع منه، ولا حاجة إلى إعادة البينة بمواجهته في جميع ذلك.
(الزرقا ص 248) .
10 - قد يتعارض المانع والمقتضي، ولا يقدم أحدهما على الآخر، بل يعمل في كل منهما بما يقتضيه، كما لو قال رجل لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثاً فأنت طالق، ثم أراد ألا يطلقها ولا يصير حانثاً، فالحيلة أن يقول لامرأته في اليوم: أنت طالق ثلاثاً على ألف درهم، فتقول المرأة: لا أقبل، فإذا مضى اليوم كان الزوج باراً بيمينه ولا يقع الطلاق، لأنه طلقها في اليوم ثلاثاً، وإنما لم يقع الطلاق لردِّ المرأة، وهذا لا يخرج كلام الزوج أن يكون تطليقاً، فعمل بالمقتضي، وهو اعتبار الزوج موقعاً للطلاق الثلاث عليها على ألف، فلذا لم يحنث في يمينه، وعمل بالمانع من وقوع
الثلاث، وهو رد المرأة وعدم قبولها.
(الزرقا ص 250) .
11 - إنما يقدم المانع على المقتض إذا وردا على محل واحد، أما إذا لم يردا على محل واحد، فإنه يعطى كلّ منهما حكمه، كما لو جمع بين من تحل له ومن لا تحل له في عقد واحد صح في الحل وبطل في الأخرى، وكما لو جمع بين وقف وملك وباعهما صفقة واحدة: صح في الملك بحصته من الثمن، وكما لو جمع بين ماله ومال غيره وباعهما صفقة واحدة، فإنه يصح في ماله، ويتوقف في مال الغير على إجازة المالك،
(1/249)

وكما لو أوصى لأجنبي ووارث، أو لأجنبي وقاتل، فللأجنبي نصفها وتبطل في حق الآخر على تقدير عدم الإجازة، لأنه لا تعارض بين المانع والمقتضي، ويمكن مراعاة المقتضي بدون أن يلزم المانع.
(الزرقا ص 246) .
12 - الهجرة على المرأة من بلاد الكفر واجبة، وإن كان سفرها وحدها حراماً، فتجب الهجرة إذا أمنت على نفسها أو كان خوف الطريق دون خوف الإقامة.
(اللحجي ص 58، ابن تيمية، الحصين 1/ 241) .
(1/250)

القاعدة: [29]
10 - القديم يُترك على قدمه (م/6)
التوضيح
القديم هو الذي لا يوجد مَنْ يعرف أوله (م/ 166)
ويكون له وجه شرعي، فإنه يترك على قدمه إلا إذا قام الدليل على خلافه (م/ 1224) ، فإذا كان التنازع فيه قديماً فتراعى حالته التي هو عليها من القديم، بلا زيادة ولا نقص، ولا تغيير ولا تحويل.
ولا يجوز تغييره عن حاله أو رفعه إلا بإذن صاحبه؛ لأنه لما كان من الزمن القديم على هذه الحالة المشاهدة فالأصل بقاؤه على ما كان عليه، ولغلبة الظن بأنه ما وضع إلا بوجه شرعي، لحسن الظن بالمسلمين، وعلى هذا صا كان في أيدي الناس وتصرفاتهم قديماً من أشياء ومنافع ومرافق مشروعة في أصلها، يبقى لهم كما هو، ويعتبر قدمه دليلاً على أنه حق موضوع بطريق مشروع، فلا ينزع شيء من يد أحد إلا بحق ثابت معروف.
ولو ادعى أحد الخصمين الحدوث، وادعى الآخر القدم، فالقول قول من يدعي القدم، والبينة بينة من يدعي الحدوث، والمراد بالقديم الشيء المشروع، أما القديم غير المشروع، فإنه يزال حسب القاعدة الأخرى
"الضرر لا يكون قديماً" (م/7) .
التطبيقات
1 - لو كان لدار أحدٍ ميزاب على دار غيره، أو كان لداره مسيل ماء، أو بالوعة أقذار في أرض الغير، أو كان له ممر إلى داره مثلاً في أرض الغير، أوكان بعض غرف بيته راكبة على جدران جاره من القديم، ولا يعرف أحد من الحاضرين مبدأ
(1/251)

لحدوثه، أو كان لأحد جناح في داره ممدود على أرض الغير، فأراد صاحب الدار أن يمنع الميزاب، أو المسيل، أو البالوعة، أو المرور في أرضه، أو يغير ركوب الغرف، أو يحول المسيل أو الممر عن حاله القديم، فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه، بل يحق لصاحبه إبقاؤه ولو لم يعرف بأي وجه وضع، لأن قدمه دليل مشروعية وضعه، إما بطريق القسمة، أو لقاء عوض، أو بإذن المالك القديم، تحسيناً للظن بالمسلمين، فمنعه ضرر لصاحبه لا مسوِّغ له، ولو ساغ ذلك لأدى إلى إهدار معظم الحقوق بعد تقادم عهدها.
(الزرقا ص 95، الدعاس ص 29) .
2 - ليس لصاحب الحق القديم نفسه أن يحوّله من جهة إلى جهة، أو يصرف الممر مثلاً إلى دار أخرى له، إلا إذا أذن له الآخر، وللآذن ولورثته من بعده الرجوع عن هذا الإذن، وتكليف صاحب الحق بإعادته إلى الحالة الأولى.
(الزرقا ص 96) .
3 - لو كان لرجل نهر يجري في أرض غيره لسقي أراضيه، وهو في يده يكريه ويغرس في حافتيه الأشجار مثلاً، فأراد صاحب الأرض ألا يجري النهر في أرضه فليس له ذلك، بل يترك على حاله؛ لأن من هو في يده يستعمله بإجراء مائه ونحوه.
فعند الاختلاف القولُ قولُه، فلو لم يكن في يده، ولم يكن جارياً وقتَ الخصومة، فإن كان يدعي رقبة النهر فعليه أن يثبت أنه له، وإن كان يدعي حق الإجراء في النهر فعليه أن يثبت أنه كان يجري من القديم لسقي أراضيه، فيحكم له حينئذ بملك رقبة النهر في الصورة الأولى، وبحق الإجراء في الصورة الثانية.
المستثنى
إذا كان الشيء غير مشروع، وفيه ضرر، فإنه يزال؛ لأن الضرر لا يكون قديماً (م/7)
ولا فرق بين قديم وحديث؛ إذ العلة الضرر ولا عبرة لقدمها.
(الدعاس ص 29) .
1 - كان للدار ميزاب، أو مجرى أقذار على الطريق يضر بالعامة، يزال مهما تقادم، لأنه غير مشروع الأصل، إذ الشرع لا يقر لأحد بوجه ما حقاً يضر بالأمة، والطريق العام هو الذي ليس مملوك الرقبة لقوم، وللعامة فيه حق، والسكة المختطة
(1/252)

من الأصل فحكمها حكم طريق العامة، ولو غير نافذة، إذ هي ملك العامة، بدليل أنه يحق للناس أن يدخلوها عند الزحام.
(الزرقا ص 97، الدعاس ص 29) .
2 - إذا كان لأحد أدوات مدفأة بارزة على المارة، وتلحق بهم الأضرار، أو كان لأحد نافذة وطيئة تطل على مقر نساء جاره، فإنها تزال ولو كانت قديمة، إلا أن تكون دار الجار هي المحدثة تحت المُطل.
(الدعاس ص 30) .
(1/253)

القاعدة: [30]
11 - الضرر لا يكون قديمًا (م/7)
الألفاظ الأخرى
- القديم المخالف للشرع لا اعتبار له. (م/ 1224) .
التوضيح
الشرع لا يقرّ الضرر، ويوجب رفعه تأكيداً للقاعدة الفقهية "الضرر يزال " (م/ 25) ، وقاعدة "الضرر لا يكون قديماً"
قيد واستثناء لقاعدة "القديم يترك على قدمه " (م/ 6)
فالضرر القديم كالضرر الجديد في الحكم، فلا يراعى قدم الضرر.
ولا يعتبر، بل يجب إزالته، لأن العلة الضرر، ولا عبرة لقدمها.
لأن القديم إنما اعتبر لغلبة الظن بأنه ما وضع إلا بوجه شرعي، فإذا كان مُضراً فيكون ضرره دليلاً على أنه لم يوضع
بوجه شرعي؛ لأن الشرع لا يجيز الإضرار بالغير.
ومستند هذه القاعدة ما ورد من أدلة تمنع الإضرار مطلقاً، كالحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني مسنداً، ومالك مرسلاً، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار".
وهو حديث حسن، ويجب إزالة الضرر سواء كان عاماً أم خاصاً، متى كان الضرر بيّناً فاحشاً.
(1/254)

التطبيقات
1 - كان للدار مسيل ماء أو أقذار على الطريق العام يضر بالعامة المارين، أو غرفة بارزة وطيئة تمنع الناس من المرور تحتها لتسفلها، فإن ذلك الضرر يزال مهما كان قديماً، لأنه غير مشروع الأصل؛ إذ الشرع لا يقر لأحد بوجه ما حقاً يضر بالأمة.
(الزرقا ص 101، الدعاس ص 29) .
2 - إذا كان لأحد أدوات مدفأة بارزة على المارة، وتلحق بهم الضرر، أو كان لأحد نافذة وطيئة تطل على مقر نساء جاره، فإنها تزال ولو كانت قديمة.
(الدعاس ص 30) .
3 - إذا كان لرجل مسيل ماء أو أقذار يجري في دار آخر من القديم، وكان يوهن بناء الدار، أو ينجس ماء برْها، فإن لصاحب الدار أن يكلف الرجل بإزالة هذا الضرر بصورة تحفظ البناء من التوهين والماء من التنجيس بأي وجه كان.
(الزرقا ص 102) .
4 - بالوعة لرجل على شفة نهر يدخل في سكة غير نافذة فإن صاحبها يؤمر
برفعها، ولا عبرة للقديم والحديث في هذا، فإن لم يرفعها طلب من قاضي الحسبة أن يأمره برفعها.
(الزرقا ص 102) .
5 - إذا كان داران قديمتان، ولإحداهما مطل أو شباك من القديم على مقر الناس في الدار الأخرى، فإن صاحب المطل أو الشباك يجبر على إزالة هذا الضرر، فلو كانت الدار التي فيها المطل أو الشباك هي القديمة فجاء آخر فأحدث بجانبها داراً بحيث صار المطل أو الشباك مشرفاً على مقرِّ النساء فيها، فإن صاحب الدار الحديثة هو الذي يكلف حينئذ بإزالة هذا الضرر عن نفسه، لأنه هو مُحْدِثُه، والمتعرض له.
(م/ 1207) (الزرقا ص 102) .
المستثنى
1 - إذا كان الضرر الخاص غير فاحش، بأن كان يمكن أن يستحق على الغير بوجه
(1/255)

من الوجوه الشرعية، فيراعى القدم، كما لو كان لدار رجل حق إلقاء القمامات، والثلوج، أو حق التسييل في أرض الغير، أو في طريق خاص، فإذا كان من القديم فيعتبر قدمه، ويراعى، ولا يجوز تغييره أو تبديله بغير رضا صاحب الحق؛ لأن القديم يترك على قدمه (م/6) لأنه يمكن لصاحبه أن يكون مستحقاً لذلك بوجه من الوجوه الشرعية.
2 - حق المرور والمسيل في أرض الغير، وحق وضع الجِذْع على جدار الغير، ومدّ الجناح أو الغرفة البارزين الواطئين في ملك الغير والطريق الخاص، فلا يزال هذا الضرر، لأنه يمكن أن يستحقه الإنسان على الغير بوجه شرعي، كاقتسام الدار الشائعة على هذه الصورة بشرط بقاء الحقوق المذكورة له، أو باعها صاحبها واشترط المشتري إبقاء هذه الحفوق له في الدار المبيعة على الأخرى.
(الزرقا ص 153) .
(1/256)

القاعدة الأساسية الرابعة: [31]
المشقة تجلب التيسير (م/17)
التوضيح
إن المشقة تجلب التيسير لأن فيها حرجاً وإحراجاً للمكلف، والحرج مرفوع شرعاً بالنص، وممنوع عن المكلف.
والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
وفي لفظ " رُفع عن أمتي "
رواه (بن ماجة عن ابن عباس، وقال عليه الصلاة والسلام:
" بُعثت بالحنيفية السمحة"
أي السهلة، أخرجه الإمام أحمد، وقال أيضاً:
"إنما بُعثتم مُيَشرين، ولم تبعثوا مُعَسِّرين "
رواه البخاري وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة وغيره، وقال أيضاً:
" إن دين الله يسر ثلاثاً"
رواه الإمام أحمد وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
"ما خُير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين
(1/257)

أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً "
رواه البخاري ومسلم.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
ويشترط في المشقة التي تجلب التيسير أمور، وهي:
1 - ألا تكون مصادمة لنص شرعي، فإذا صادمت نصاً روعي دونها.
2 - أن تكون المشقة زائدة عن الحدود العادية، أما المشقة العادية فلا مانع منها لتأدية التكاليف الشرعية، كمشقة العمل، واكتساب المعيشة.
3 - ألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها العبادة غالباً كمشقة البرد في الوضوء، والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر في الحج.
4 - ألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها التكاليف الشرعية كمشقة الجهاد، وألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة.
فهذه المشقات الأربع: لا أثر لها في جلب التيسير ولا التخفيف، لأن التخفيف عندئذ إهمال وتضييع للشرع.
وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى المتفق عليها في كل المذاهب، ولذلك قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته.
وقال السيوطي:
"فقد بان أن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه ".
(1/258)

التطبيقات
إن أسباب التخفيف في المشقة التي تجلب التيسير سبعة أنواع، نذكر كل نوع
وبعض الأمثلة له.
أولاً السفر، وتيسيراته كثيرة، منها:
1 - جواز تحميل الشهادة للغير في غير حد ولا قود.
(الزرقا ص 157) .
2 - جواز بيع الإنسان مال رفيقه وحفظ ثمنه لورثته بدون ولاية ولا وصاية إذا مات في السفر ولا قاضي ثمة.
(الزرقا ص 157) .
3 - جواز فسخ الإجارة بعذر السفر.
(الزرقا ص 157) .
4 - جواز تزويج الولي الأبعد للصغيرة عند عدم انتظار الكفء الخاطب استطلاع رأي الولي الأقرب المسافر.
(الزرقا ص 158) .
5 - جواز إنفاق المضارب على نفسه في السفر من مال المضاربة.
(الزرقا ص 158) .
6 - جواز كتابة القاضى إلى القاضي في بلد المدعى عليه شهادة شهود المدعي عنده.
(الزرقا ص 158) .
7 - جواز الإفطار في رمضان للمسافر.
(الدعاس ص 31، اللحجي ص 37) .
8 - سقوط صلاة الجمعة عن المسافر.
(الدعاس ص 31، اللحجي ص 38) .
9 - قلة عدالة الشهود وقبول الأمثل فالأمثل في السفر.
(الدعاس ص 31) .
10 - جواز قصر الصلاة الرباعية في السفر.
(اللحجي ص 37) .
(1/259)

11 - جواز المسح على الخفين أكثر من يوم وليلة في السفر.
(اللحجي ص 37) .
12 - جواز أكل الميتة للضرورة في السفر.
(اللحجي ص 38) .
13 - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(اللحجي ص 38، الفتوحي 4/ 447) .
14 - جواز التنفل على الدابة في السفر.
(اللحجي ص 38) .
15 - جواز التيمم للصلاة في السفر عند فقد الماء.
(اللحجي ص 38، الفتوحي 4 / 446)
ثانياً: المرض، وتيسيراته كثيرة، منها:
1 - جواز تحميل الشهادة، كما مر في السفر.
(الزرقا ص 158) .
2 - تأخير إتامة الحد على المريض إلى أن يبرأ، غير حد الرجم.
(الزرقا ص 158) .
3 - عدم صحة الخلوة مع قيام المرض المانع من الوطء، سواء كان في الزوج أم في الزوجة.
(الزرقا ص 158) .
4 - جواز تأخير الصيام في شهر رمضان للمرض.
(الدعاس ص 31، اللحجي ص 38) .
5 - قلة عدالة الشهود، وقبول الأمثل فالأمثل بسبب المرض.
(الدعاس ص 31) .
6 - جواز التيمم عند مشقة استعمال الماء.
(اللحجي ص 38) .
7 - عدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه.
(اللحجي ص 38) .
8 - جواز القعود في صلاة الفرض وخطبة الجمعة وفي النافلة مطلقاً.
(اللحجي ص 38، الفتوحي 4/ 447) .
(1/260)

9 - جواز الاضطجاع في الصلاة والإيماء فيها والجمع بين الصلاتين في وجه
اختاره المحققون (اللحجي ص 38) .
10 - جواز التخلف عن الجمعة، والجماعة، مع حصول الفضيلة.
(اللحجي ص 38، الفتوحي 4/ 447) .
11 - جواز الخروج من المعتكف، وقطع التتابع المشروط في الاعتكاف.
(اللحجي ص 38) .
12 - جواز الاستنابة في الحج، وفي رمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية.
(اللحجي ص 38) .
13 - جواز التداوي بالنجاسات، وإباحة النظر للعلاج حتى للعورة والسوءتين.
(اللحجي ص 38، الفتوحي 4/ 444) .
ثالثاً: الإكراه، وهو التهديد ممن هو قادر على الإيقاع بضرب مبرح، أو
بإتلاف نفس أو عضو، أو بحبس أو قيد مَدِيدَين مطلقاً، أو بما دون ذلك لذي جاه، ويسمى إكراهاً ملجئاً، وبما يوجب غماً يعدم الرضا، وما كان بغير ذلك يسمى غير ملجئ.
وهو بقسميه إما أن يكون في العقود، أو في الإسقاطات، أو في المنهيات.
والعقود والإسقاطات إما أن يؤثر فيها الهزل أو لا، والمنهيات إما أن تكون مما يباح عند الضرورة أو لا، وما لا يباح عند الضرورة إما أن يكون جناية على الغير كقتل محقون الدم، أو قطع عضو محترم، أو لا يكون جناية على الغير كالردة، ويكون تأثير الإكراه كما فى:
1 - العقود والإسقاطات التي يؤثر فيها الهزل، كالبيع والإجارة والرهن والهبة
(1/261)

والإقرار والإبراء يؤثر فيها الإكراه، فإذا أكره عليها بملجئ أو بغير ملجئ ففعلها، ثم زال الإكراه، فله الخيار، إن شاء فسخ وإن شاء أمضى.
(الزرقا ص 158) .
2 - العقود والإسقاطات التي لا يؤثر فيها الهزل، كالنكاح والطلاق والعفو عن دم العمد، فلا تأثير للإكراه فيها، فلا خيار للمكرَه بعد زوال الإكراه، بل هي ماضية على الصحة، ولكن له أن يرجع على المكرِه له على الطلاق، فلو كانت الزوجة هي المكرِهة سقط المهر عن الزوج.
(الزرقا ص 158) .
3 - المنهيات التي تباح عند الضرورة، كإتلاف مال الغير، وشرب المسكر، فإنها تحلّ بل تجب بالملجئ، لا بغير الملجئ، وضمان المال المتلف على المكرِه.
(الزرقا ص 159، اللحجي ص 38) .
4 - المنهيات التي لا تباح عند الضرورة، وهي جناية على الغير كالزنى والقتل، فإنها لا تحل حتى بالإكراه الملجئ، ولو فعلها فموجبها القصاص على المكرِه بالكسر.
(الزرقا ص 159، اللحجي ص 38) .
5 - المنهيات التي ليست جناية على الغير، وليست في معنى الجناية، وهي الردة، فإنه يرخص له أن يجري كلمتها على لسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، وُيوَرِّي وجوباً إن خطر بباله التورية، فإن لم يُورِّ يكفر وتبين زوجته.
(الزرقا ص 159، اللحجي ص 38) .
رابعاً: النسيان، وهو عدم تذكر الشيء عند الحاجة إليه، واتفق الفقهاء على أنه مسقط للعقاب والإثم، للحديث السابق، وهو مشقة تجلب التيسير، فمن ذلك:
1 - إذا وقع النسيان فيما يوجب عقوبة كان شبهة في إسقاطها.
(الزرقا ص 159) .
(1/262)

2 - إذا نسي المدين الدَّين حتى مات، والدين ثمن مبيع أو قرض، لم يؤاخذ به، بخلاف ما لو كان غصباً.
(الزرقا ص 159) .
3 - من جامع في نهار رمضان ناسياً للصوم فلا كفارة عليه، ولا يبطل صومه.
(اللحجي ص 38) .
4 - من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم عامداً لظنه إكمال الصلاة فلا تبطل صلاته.
(اللحجي ص 38) .
خامساً: الجهل؛ وهو عدم العلم ممن شأنه أن يعلم، وهو قد يجلب التيسير.
ويسقط الإثم، ومن تيسيراته:
1 - لو جهل الشفيع بالبيع فإنه يعذر في تأخير طلب الشفعة.
(الزرقا ص 160) .
2 - لو جهل الوكيل أو القاضى بالعزل، أو المحجور بالحجر، فإن تصرفهم
صحيح إلى أن يعلموا بذلك.
(الزرقا ص 160) .
3 - لو باع الأب أو الوصي مال اليتيم، ثم ادعى أن البيع وقع بغبن فاحش.
وقال: لم أعلم، تقبل دعواه.
(الزرقا ص 160) .
4 - لو جهلت الزوجة الكبيرة أن إرضاعها لضرتها الصغيرة مفسد للنكاح، فلا نضمن المهر.
(الزرقا ص 160) .
5 - إذا قضى الوكيل بقضاء الدين بعد ما وهب الدائن الدين من المديون، جاهلاً بالهبة، لا يضمن.
(الزرقا ص 160) .
(1/263)

6 - لو أجاز الورثة الوصية، ولم يعلموا ما أوصى به الميت، لا تصح إجازتهم.
(الزرقا ص 160) .
7 - لو كان في المبيع ما يشتبه على الناس كونه عيباً، واشتراه المشتري عالماً به، ولم يعلم أنه عيب، ثم علم أنه عيب، فإن له ردّه، ولا يُعَدُّ اطّلاعه عليه حين الشراء رضاً بالعيب.
(الزرقا ص 160) .
8 - العفو عن التناقض في الدعوى فيما كان سبجه خفياً، كالتناقض في النسب والطلاق، كما لو ادعى أحد على آخر أنه أبوه، فقال المدعى عليه: إنه ليس ابني، ثم قال: هو ابني، يثبت النسب، لأن سبب البنوة العلوق منه، وهو خفي.
(الزرقا ص 160) .
9 - لو اختلعت المرأة من زوجها على بدل، ثم ادَّعت أنه كان طلقها ثلاثاً قبل الخلع، وبرهنت، فإنها تسترد البدل، ويغتفر تناقضها الواقع في إقدامها على الاختلاع، ثم دعواها الطلاق، لأن الطلاق فعل الغير، فإن الزوج يستبد به بدون علمها، فكانت معذورة.
(الزرقا ص 160) .
10 - من أسلم في دار الحرب، ولم تبلغه أحكام الشريعة، فتناول المحرمات جاهلاً حرمتها، فهو معذور.
(الزرقا ص 160) .
11 - من أتى بمفسد للعبادة جاهلاً كالأكل في الصلاة والصوم فلا تفسد العبادة.
(اللحجي ص 38) .
12 - إذا فعل ما ينافي الصلاة من كلام قليل وغيره جاهلاً بالحكم لم تفسد صلاته.
(اللحجي ص 38) .
13 - إذا فعل ما ينافي الصوم كالجماع جاهلاً بالحكم لم يفسد صومه.
(اللحجي ص 38) .
14 - من ابتدأ صيام شهرين يجب تتابعهما، ككفارة الظهار أو القتل، تتخللهما أيام الأضحى جاهلاً أن تخلل أيام الأضحى يفسد التتابع، فإنه يفطرها ويقضيها متصلة بصومه في الصحيح عند المالكية.
(الغرياني ص 138) .
(1/264)

سادساً: العسر وعموم البلوى، والعسر أي عسر تجنب الشيء (1) ، وله تيسيرات
1 - تجويز بيع الوفاء والمزارعة والمساقاة والسلم والإجارة على منفعة غير
مقصودة، لعدم تحقق العسر والبلوى.
(الزرقا ص 161) .
2 - إباحة نظر الطبيب، والشاهد، والخاطب، للأجنبية.
(الزرقا ص 161) .
3 - العفو عما يدخل بين الوزنين في الربويات.
(الزرقا ص 161) .
4 - جواز الصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدماميل والبراغيث والقيح والصديد وطين الشارع.
(اللحجي ص 38) .
5 - العفو عن أثر نجاسة عَسُر زواله.
(اللحجي ص 39) .
6 - العفو عن زَرْق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف.
(اللحجي ص 39) .
7 - العفو عما لا يدركه الطرف، وما لا نفس له سائلة، وريق النائم.
(اللحجي ص 39) .
ومن أمثلة اليسر والتخفيف بسبب العسر وعموم البلوى ما يلي:
1 - جواز كثير من العقود؛ لأن لزومها يشق، ويكون سبباً لعدم تعاطيها.
(اللحجي ص 39) .
2 - إباحة النظر عند الخطبة والتعليم، وعند الإشهاد والمعاملة.
(اللحجي ص 39) .
3 - إباحة نكاح أربع نسوة تيسيراً على الرجال والنساء أيضاً لكثرتهن.
(اللحجي ص 39) .
__________
.
(1) البلوى: هي الاختبار بالخير أو الشر، وعموم البلوى هو الحرج الذي لا قدرة للإنسان في التخلص منه، وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 86، المجموع المذهب 1/ 352، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 85، القواعد الفقهية، الروقي ص 295) .
(1/265)

4 - مشروعية الطلاق، لما في البقاء على الزوجية من المشقة عند التنافر.
(اللحجي ص 39) .
5 - مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيراً على المكلفين.
(اللحجي ص 39) .
6 - مشروعية التخيير بين القصاص والدية تيسيراً على هذه الأمة.
(اللحجي ص 39) .
7 - مشروعية الكتابة ليتخلص العبد من الرق.
(اللحجي ص 39) .
8 - مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط منه في حالة الحياة.
(اللحجي ص 39) .
9 - إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن.
(اللحجي ص 39) .
سابعاً: النقص؛ وهو ضد الكمال، فإنه نوع من المشقة يتسبب عنها التخفيف، إذ النفس مجبولة على حب الكمال وكراهة النقص، فشرع التخفيف في التكاليف عند وجود النقص كعدم تكليف الصبي، والمجنون، وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال، وفيه أمثلة:
1 - الصغر والجنون يجلبان التخفيف لعدم تكليفهما أصلاً فيما يرجع إلى خطاب التكليف في الوجوب والحرمة.
(الزرقا ص 161، اللحجي ص 39) .
2 - الأنوثة سبب للتخفيف، بعدم تكليف النساء بكثير مما كلف به الرجال، كالجهاد، والجزية، وتحمل الدية إذا كان القاتل غيرها، والجمعة، وإباحة لبس الحرير، وحلي الذهب.
(الزرقا ص 161، اللحجي ص 39) .
3 - عدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار، ككونه على النصف من الحر في الحدود والعدة.
(اللحجي ص 39) .
(1/266)

ثامناً: الاضطرار: كأكل الميتة عند من اضطره الجوع إليها، وشرب جرعة من الخمر عند الغصة، وسيرد المزيد من الأمثلة في قاعدة
"الضرورات تبيح المحظورات".
المستثنى
1 - لا تأثير للنسيان على الحنث في التعليق، فلو علق على فعل شيء، ثم فعله ناسياً التعليق فإنه يقع، كما لو علق الطلاق على دخوله بيتاً، فدخله ناسياً فإنه يقع.
(الزرقا ص 159) .
2 - إن التخفيف بسبب النقص لا يؤثر في خطاب الوضع، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بكون الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً، ولذلك يجب العشر والخراج فيما خرج من أرض الصغير والمجنون، وتجب نفقة الزوجية والأقارب، وضمان المتلفات في مالهما، إلا ما قبضاه قرضاً أو وديعة أو عيناً اشترياها وتسلماها بدون إذن وليهما.
فإنهما لا تلزمهما في الجميع، لأنه مسلطان عليها بإذن المالك، وكذلك تجب عليهما الدية في القتل، وإقامة التعزير، وهذا في السبب، والقتل يمنع من الميراث، ولو كان من غير مكلف عند الشافعية.
وكذا في الشرط كما إذا عقد الصغير مع مثله عقداً فاقداً لشرط الصحة، فإنه يعتبر فاسداً، ويجب على الحاكم فسخه عليهما إن لم يفسخاه.
(الزرقا ص 161 - 162) .
3 - ويستثنى من كون العقود جائزة، لأن لزومها يشق، ما لو تقاسم الورثة
التركة، ثم ادعى أحدهم أنها ملكه، وأراد نقض القسمة، لا تسمع دعواه.
(الدعاس ص 31) .
وكذاً لو باع شيئاً أو اشترى، ثم ادَّعى أنه كان فضولياً عن شخص آخر، ولم يقبل بعقده، لا يسمع منه هذا الادعاء، لأن في ذلك نقضاً لما تمَّ.
(الدعاس ص 31) .
(1/267)

4 - ويستثنى من القاعدة ما له مساس بحق قاصر، أو وقف، أو بحقوق الجماعة، فالغبن الفاحش مثلاً في بيع مال القاصر، أو إيجار عقار الوقف لا ينفذ، فلو باع الأب أو الوصي مال القاصر، أو أجر المتولي عقار الوقف، ثم ادّعوا وقوع غبن فاحش فيه تسمع الدعوى منهم.
وكذا لو اشترى شخص أرضاً، ثم ادعى بأن بائعها كان وقفها مسجداً أو مقبرة، تسمع دعواه، صيانةً لحقوق القاصرين والجماعة، وإذا ثبت ذلك ينقض العقد.
وهذا استثناء من قاعدة أخرى "من سعى في نقض ما تمّ من جهته فسعيه مردود عليه ".
(م/99) .
فوائد مهمة
الفائدة الأولى: في ضبط المشاق المقتضية للتخفيف
قال السيوطي: المشاق على قسمين:
القسم الأول: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً، كمشقة البرد في الوضوء.
والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل الجناة، فلا أثر لهذه في إسقاط العبادات والأحكام في كل الأوقات.
القسم الثاني: المشقة الي تنفك عنها العبادات غالباً، وهي على مراتب:
الأولى: مشقة عظيمة فادحة (شديدة) كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف،
(1/268)

ومنافع الأعضاء، فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً، لأن حفظ النفوس، والأطراف، لإقامة مصالح الدين، أولى من تعريضها للفوات في عبادة، أو عبادات يفوت بها أمثالها.
الثانية: مشقة خفيفة لا وقوع لها، كأدنى وجع في إصبع، وأدنى صداع في الرأس، أو سوء مزاج خفيف، فهذه لا أثر لها، ولا التفات إليها؛ لأن تحصيل مصالح العباد أولى من دفع هذه المفسدة التي لا أثر لها.
الثالثة: متوسطة بين هاتين المرتبتين، فمما دنا من المرتبة العليا، أوجب التخفيف، أو من الدنيا، لم يوجبه، كحمى خفيفة، ووجع الضرس اليسير، وما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه، ولا ضبط لهذه المراتب إلا بالتقريب.
وأشار الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى أن الأوْلى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد، ثبتت الرخصة.
الفائدة الثانية: أنواع تخفيفات الشرع
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تخفيفات الشرع ستة أنواع:
الأول: تخفيف إسقاط، كإسقاط الجمعة والحج والعمرة والجهاد بالأعذار.
الثاني: تخفيف تنقيص، أي نقص من الواجب الأصلي، كالقصر في السفر، بناء على أن الفرض أربع ركعات.
(1/269)

الثالث: تخفيف إبدال، كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وكإبدال القيام في
الصلاة بالقعود والاضطجاع والإيماء، وكإبدال الصيام بالإطعام.
الرابع: تخفيف تقديم، كجمع التقديم في السفر والمطر مطلقاً إذا لم يتخذ عادة عند جمع من المجتهدين وغيرهم، وكتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر في رمضان، والكفارة على الحنث.
الخامس: تخفيف تأخير، كجمع التأخير في السفر، وتأخير رمضان للمريض
والمسافر، وتأخير الصلاة في حق مشتغل بإنقاذ غريق، أو نحوه من أعذار الصلاة.
السادس: تخفيف ترخيص، كصلاة المستجمر مع بقية النجو، وشرب الخمر
للغصة، وأكل النجاسة للتداوي، وإباحة اليتة للضرورة للترخيص في الأمور التي كانت صعبة ثم سهلها الشارع.
السابع: استدركه العلائي، وهو تخفيف تغيير، كتغيير نظم الصلاة في الخوف.
وقد يقال: هو داخل في النقص، لأنه نقص عن نظمها الأصلي، أو داخل في الترخيص، وحينئذ فلا زيادة.
قال ابن النجار الفتوحي رحمه الله تعالى:
"ومن التخفيفات أيضاً أعذار الجمعة والجماعة، وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات والمعاملات والمناكحات
والجنايات، ومن التخفيفات المطلقة فروض الكفاية، وسننها، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع على اليقين ".
(1/270)

الفائدة الثالثة، الرخص أقسام
الأول: ما يجب فعلها، كأكل الميتة للمضطر الذي غلب على ظنه الهلاك.
وكالفطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش وإن كان مقيماً صحيحاً، وكإساغة الغُضة بالخمر.
الثاني: ما يندب، كالقصر في السفر إذا بلغ ثلاث مراحل، وكالفطر لمن يشق عليه الصوم، في سفر أو مرض، وكالإبراد بالظهر، وكالنظر إلى الخطوبة.
الثالث: ما يباح، كالسَّلم، والصلح، والإجارة، باعتبار أصولها، لا باعتبار ما يطرأ عليها، فإنها قد تكون واجبة كإجارة القاضي أموال المفلس.
الرابع: ما الأولى تركها، كالمسح على الخف، والجمع، والفطر لمن لا يتضرر، وكالتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه.
الخامس: ما يكره فعلها، كالقصر في أقل من ثلاث مراحل خروجاً من خلاف أبي حنيفة.
قال المقري: "لا يُكره الأخذ بالرّخص الشرعية كالتعجيل في يومين، كما لا
تكون أفضل من غيرها من حيث هي رخص، لكن يُكره تتبعها له، لئلا يؤدي إلى ترك العزائم، ويستحب تركها حيث قيل في محالِّها بالتحريم، خشية الرعي حول الحمى، ويجب فعلها، ويُندب إليه جث دلّ الدليل عليه ".
ويتفرع عن هذه القاعدة الأساسية الرابعة عدة قواعد فرعية، وهي القواعد
الآتية.
(1/271)

القاعدة: [32]
1 - الأمر إذا ضاق اتَّسع (م/ ما)
الألفاظ الأخرى
- إذا ضاق الأمر اتَّسع.
- إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.
- كل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده.
التوضيح
إذا ظهرت مشقة في أمر فإنه يرخص فيه ويوسع، وهذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة: المشقة تجلب التيسير (م/ 17) ومتفرعة عنها.
والأصل فيها قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فإذا حصلت ضرورة عارضة للشخص أو الجماعة، وأصبح معها الحكم الأصلي محرجاً ومرهقاً حتى يجعل المكلف في حرج وضيق فإنه يخفف ويوسع عليه حتى يسهل.
وإذا دعت الضرورة والمشقة إلى اتساع الأمر فإنه يتسع إلى غاية اندفاع الضرورة
(1/272)

والمشقة، فإذا اندفعت الضرورة الداعية عاد الأمر إلى ما كان عليه قبل نزوله، وهو معنى الشق الثاني " وإذا اتسع ضاق "، ويجمع بين القاعدتين بقول (كل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده) .
وهذه القاعدة في معنى القاعدة الأخرى " الضرورات تبيح المحظورات".
(م/ 21)
وتقرب من القاعدة الأخرى "الضرورة تقدر بقدرها " (المادة/ 22) .
وهذه القاعدة من عبارات الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأشار عز الدين بن عبد السلام إليها فقال:
"هذه الشريعة مبنية على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت ".
التطبيقات
هذه القاعدة من جزئيات القاعدة "المشقة تجلب التيسير" (م/17)
ويجتمع تحتها من مسائلها كل ما كان التيسير فيه مؤقتاً.
ويتفرع عنها فروع أخرى:
1 - جواز دفع السارق والباغي ما أمكن إلى أن يندفع شره ولو بالقتل، فإن اندفع فلا يجوز الاعتداء عليه؛ لأن الأمر إذا اتسع ضاق، ولذا قال سيدنا علي، كرم الله وجهه: لا تتبعوا مولياً، ولا تجهزوا على جريح؛ لأن القصد من القتال كان دفع الضرر، وقد حصل بهربه أو جرحه، فلا يجوز الزيادة عليه، لأن " ما جاز لعذر امتنع بزواله " (م/ 23) .
(الزرقا ص 163، السدلان ص 5 27) .
2 - جواز طعن المزكي في الشهود، وطعن المحدث في الرواة.
(الزرقا ص 164) .
4 - جواز قبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأحسن فالأحسن، عند عدم وجود الشهود العدول، وعند فقد العدالة أو ندرتها.
(الزرقا ص 164، الدعاس ص 32) .
5 - عدم وجوب الخروج على الإمام الجائر إذا كان متغلباً، وفي الخروج عليه مفسدة.
(الزرقا ص 164) .
(1/273)

6 - يباح للمتوفى عنها زوجها الخروج من بيتها أيام عدتها إذا اضطرت للاكتساب.
(الدعاس ص 32، السدلان ص 270) .
7 - يجوز الإجارة على الطاعات كتعليم القرآن والأذان حفظاً للشعائر الدينية من الضياع، كما أفتى به المتأخرون، فإن وجد المتبرع لذلك منع الاستئجار، لأن الأمر إذا اتسع ضاق.
(الدعاس ص 32، السدلان ص 270) .
8 - يجوز كل الميتة، أو من مال الغير عند الاضطرار، على أن يضمنه، حفظاً للحياة.
(الدعاس ص 32) .
9 - إذا فقدت المرأة وليها في سفر، فولت أمرها رجلاً فذلك يجوز.
(اللحجي ص 41) .
10 - يجوز الوضوء في أواني الخزف المعمولة بالسرجين.
(اللحجي ص 41) .
11 - يعفى عما يحمله الذباب على رجله من النجاسة.
(اللحجي ص 41) .
12 - يسامح في قليل العمل في الصلاة لما كان يشق اجتنابه.
لكن كثيره لم يسامح به لما لم يكن به حاجة، لأن الأمر إذا ضاق اتسع.
وإذا اتسع ضاق، وكل ما تجاوز عن حدّه انعكس إلى ضده.
(اللحجي ص 41 - 42) .
13 - إذا كان المدين معسراً، ولا كفيل له بالمال، يترك إلى وقت الميسرة، وإذا لم يقدر على إيفاء الدَّين جملة يساعد على تاديته مقسطاً.
(السدلان ص 270) .
14 - الأعذار الموجبة لفسخ الإجارة دفعاً للضرر عن المستأجر أو المؤجر.
(السدلان ص. 127.
15 - يتسامح في قليل من النجاسات والدم مما يشق الاحتراز عنه.
(السدلان ص 270) .
16 - قبول شهادة القابلة وحدها على الولادة عند الحنفية ضرورة حفظ الولد ونسبه.
(السدلان ص 270) .
17 - اعتبار عرف الناس في كثير من المواطن، ما دام لا يصادم أسس الشريعة.
(1/274)

لأن في عدم رعاية العرف وعدم اعتبار سلطانه حرجاً عظيماً على الناس.
(السدلان ص 271) .
18 - تغير مياه الأبار بروث الأنعام في البادية، لو حكمنا بفساده لضاق الأمر على أهل البادية، وما ضاق أمره اتسع حكمه. (دراش 234)
19 - قبول شهادة النساء والصبيان في الحمامات والمواضع التي لا يحضرها
الرجال، دفعاً لحرج ضياع الحقوق (دراش 238) .
(1/275)

القاعدة: [33]
2 - الضرورات تبيح المحظورات (م/21)
التوضيح
هذه القاعدة من فروع قاعدة "المشقة تجلب التيسير" (م/ 17)
وقاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع " (م/ 18)
وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" (م/ 19) .
لأن ما تفرع على هذه القاعدة يمكن أن يتفرع على القواعد الثلاث الأخرى، كما تتفرع هذه القاعدة عن قاعدة
"الضرر يزال " (م/ 25) .
والضرورة هي بلوغ الحد الذي إذا لم يتناول معه
الممنوع حصل الهلاك للمضطر أو قريب منه، كفقد عضو أو حاسة من الحواس، فهذه هي الضرورة الشرعية (1) .
ويشترط في هذه القاعدة نقصان المحظورات عن الضرورات، فإن لم ينقص المحظور فلا يباح.
والأصل في هذه القاعدة ما ورد في القرآن الكريم من استثناء حالات الاضطرار الطارئة في ظروف استئنائية، كقوله تعالى بعد تعداد طائفة من المحرمات: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ، وقال تعالى أيضاً: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) .
__________
.
(1) عبر ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ذلك بعدة عبارات، منها: الواجب بالشرع قد يرخص عند الحاجة، الواجبات الشرعية تسقط بالعذر، الواجبات تسقط للحاجة، الواجبات كلها تسقط بالعجز.
المحظورات لا تباح إلا في حال الاضطرار، انظر: القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية 1/ 513) .
(1/276)

التطبيقات
1 - جواز إتلاف مال الغير إذا أكره عليه بملجئ.
(الزرقا ص 185) كما تقدم.
2 - جواز أخذ الدائن مال المدين الممتنع عن الأداء إذا ظفر به.
وإن كان من خلاف جنس حقه في زماننا.
(الزرقا ص 185) .
3 - يجوز كشف الطبيب عورات الأشخاص إذا توقفت عليه مداواتهم.
(الدعاس ص 33 الغرياني ص 321) .
4 - يجوز للمضطر أكل الميتة ولحم الخنزير دفعاً للهلاك.
(الدعاس ص 33، الغرياني ص 321) .
5 - يجوز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله.
(اللحجي ص 42، الغرياني ص 321، الفتوحي 4/ 444) .
6 - يجوز إتلاف شجر الكفار وبنائهم لحاجة القتال وللظفر بهم، وكذا الحيوان الذي يقاتلون عليه.
(اللحجي ص 42، الغرياني ص 321) .
7 - يجوز نبش الميت بعد دفنه للضرورة، بأن دفن بلا غسل.
أو لغير القبلة، أو في أرض أو ثوب مغصوبين.
(اللحجي ص 42، الغرياني ص 321) .
8 - يجوز غصب الخيط لخياطة جرح حيوان محترم.
(اللحجي ص 42) .
9 - يجوز أكل مال الغير للمضطر.
(الغرياني ص 321) .
10 - اختلف في التلفظ بكلمة الكفر للمكرَه.
(الغرياني ص 321) .
11 - التداوي بالنجاسة للمضطر (الغرياني ص 321) .
12 - اختلف علماء المالكية في إباحة الضرورة للربا، من ذلك مسألة المسافر يأتي إلى دار الضرب، فيعطي ذهباً تبراً (غير مصنَّع) ، ويأخذ وزنه دنانير مضروبة، ويزيد أجرة الضرب، فهذه الصورة في التعامل من صور الربا؛ لأنها من استبدال الذهب
(1/277)

بالمذهب متفاضلاً، ولكن اختلفوا في إباحتها للمسافر المضطر الذي لا يقدر على الانتظار حتى يتم تصنيع ذهبه وضربه دنانير، والراجح المنع.
(الغرياني ص 322) .
13 - السفاتج، وهي أن يتسلف الرجل في بلد، ويكتب لوكيله في بلد آخر، ليدفع للمقرض دينه في البلد الآخر لخوف الطريق، الصحيح فيها الجواز، لأن المنفعة ليست للمقرض وحده، وإنما للمقترض أيضاً.
(الغرياني ص 322) .
14 - جواز دخول المنازل بغير إذن أصحابها في حالات الضرورة، كالدخول لقتال العدو، أو لأخذ متاع ساقط فيها، أو لإصلاح مجرى ماء له حق في إمراره منها، أو لإلقاء القبض على المفسدين أو المجرمين المختفين فيها، وذلك إذا لم تكن هناك سلطة منصفة.
(السدلان ص 263) .
15 - جواز دفع الصأكل حيواناً كان أو إنساناً إذا هجم على الشخص، حتى ولو أدى إلى قتله.
(السدلان ص 263) .
16 - جواز إتلاف شجر الأعداء، وتخريب ديارهم، وتحريقهم، وتغريقهم، وضربهم بوسائل القتل الثقيلة إذا اقتضت الضرورة أو الحاجة الحربية لذلك، لدفع عدوانهم أو الظفر بهم.
(السدلان ص 263) .
17 - جواز اتخاذ وسائل منع الحمل لتنظيم النسل، وذلك من أجل المحافظة على حياة الأم وصحتها، أو عدم إهمال تربية الأولاد وعدم العناية بهم، ويكون ذلك بعد الرجوع إلى أهل العلم الشرعي، واستشارة ذوي الاختصاص من الأطباء، ورضا الزوجين بذلك.
(السدلان ص 263) .
18 - جواز إساغة اللقمة بالخمر وبالبول عند الضرورة.
(الفتوحي 4/ 444) .
19 - جواز قتل المحرم الصيد دفعاً عن نفسه إذا صال عليه، ولا يضمن (الفتوحي 4/ 444) .
20 - العفو عن أثر الاستجمار (الفتوحي 4/ 444) .
21 - يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم، لأن الواجب فعل المقدور، والمعجوز عنه ساقط الوجوب..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 527) .
(1/278)

22 - إذا اضطر الناس إلى شراء نوع من الطعام أو اللباس أو السلاح ونحو ذلك، وامتنع التجار، أو من توفرت عنده هذه السلع من بيعهم، جاز لهم أخذها منهم بالثمن بلا رضاهم، ويجب على السلطان إجبارهم على البيع، أو بيعها عليهم.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 534) .
23 - الاضطرار إلى منفعة مال الغير، فإنه يجب بذلها، ويجبر على ذلك إذا امتنع..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 534) .
المستثنى
يستثنى من القاعدة ما ورد قيداً عليها، بألا تنقص الضرورة عن المحظور، فإذا نقصت فإنه لا يباح المحظور، وبعبارة أخرى: بشرط نقصان المحظور عن
الضرورات، ولذلك يخرج على القاعدة فروع:
أ - إذا دار الأمر بين السنة والبدعة فتركه أولى، وإذا دار بين الواجب والبدعة ففعله أولى.
(الزرقا ص 185) .
2 - لو دفن الميت بلا كفن فلا ينبش؛ لأن هتك حرمته أشد من تركه بلا كفن، وقام الستر بالتراب مكانه.
(الزرقا ص 185، اللحجي ص 42 - 43) .
3 - لو كان الميت نبياً فإنه لا يحل أكله للمضطر، لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر.
(اللحجي ص 42) .
4 - لو أكره شخص على القتل أو الزنا فلا يباح واحد منهما بالإكراه، كما
(1/279)

تقدم، لما فيهما من المفسدة التي تقابل حفظ مهجة المكره، أو تزيد عليه.
(اللحجي ص 42، الروقي ص 301) .
ويؤيد هذه المستثنيات القواعد التالية:
1 - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما.
(م/ 28) .
2 - يجوز اختيار أهون الشرين (م/ 29) .
3 - درء المفاسد أولى من جلب المصالح (م/ 35) .
(1/280)

القاعدة: [34]
3 - الضرورات تَقَدَّر بقَدْرِها (م/33)
الألفاظ الأخرى:
- ما أبيح للضرورة يُقدرُ بقَدْرِها.
- ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها.
- ما ثبت للضرورة يقدر بقدرها.
- الضرورة تقدر بقدرها.
- الثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة.
التوضيح
هذه القاعدة قيد لقاعدة
" الضرورات تبيح المحظورات " (م/ 21)
للتنبيه على أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظور إنما يرخص منه
القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب.
فإذا اضطر الإنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور.
بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط.
فالاضطرار إنما يبيح المحظورات بمقدار ما يدفع الخطر.
ولا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر.
وأصل هذه القاعدة ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى:
"كل ما أحل من محرّم في معنى لا يحل إلا في ذلك المعنى خاصة.
فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم،
(1/281)

مثلاً: الميتة المحرَّمة في الأصل المحلَّة للمضطر، فإذا زالت الضرورة عادت إلى أصل التحريم ".
وهذا يؤكد القاعدة السابقة: "إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق " وذلك يتفرع أيضاً عن قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات "
وكل هذه القواعد تدخل تحت القاعدة الأساسية
"المشقة تجلب التيسير"
وتدخل معظم الفروع المذكورة فيها تحت كل منها.
ووضع المالكية قاعدة مماثلة فقالوا:
"الأصل ألا تكون الإباحة في ثابت المنع عند
الحاجة إليه إلا على قدر المبيح إلا بدليل ".
التطبيقات
1 - إذا احتاج الإنسان لمداواة العورة فيكشف الطبيب بمقدار ما يحتاج إلى كشفه فقط.
(الدعاس ص 33) .
2 - إن مداوة عورة المرأة لا يجوز أن يطلع عليه رجل إذا وجدت امرأة تحسن ذلك، لأن اطلاع الجنس على جنسه أخف محظوراً.
(الدعاس ص 23) .
3 - إن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سدّ الرمق، ولا يشبع إلا إذا كانت لديه مسافة بعيدة لا يقطعها إلا بالشبع فلا بأس.
(اللحجي ص 43) .
هذا في المذهب الشافعي، وفي المذهب المالكي قولان في الحد الأدنى، فقيل: هو سد الرمق، وقيل يجوز بقدر الشبع، والقول الثاني استحسنه الإمام مالك قال: "إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة أنه يأكل منها حتى الشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها" قال في (الموطأ) : "وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة".
(الموطأ ص 309 ط الشعب، الإشراف 2/ 257، القواعد الفقهية، الروقي ص 310.
المقري 1/ 331) .
(1/282)

4 - متى استشير الإنسان في خاطب، واكتفى بالتعريض، كقوله:
"لا يصلح لك " لم يعدل إلى التصريح.
(اللحجي ص 43) .
5 - يجوز أخذ نبات الحرم لعلف البهائم، ولا يجوز أخذه لبيعه لمن يعلف.
(اللحجي ص 43) .
6 - يعفى عن محل استجمار الإنسان، ولو حمل المصلي مستجمراً بطلت الصلاة.
(اللحجي ص 43) .
7 - يعفى عن ميت لا نفس له سائلة، فإن طرح قصداً ضر.
(اللحجي ص 43) .
8 - لا يجوز تزوبج المجنون أكثر من واحدة لاندفاع الحاجة بها.
(اللحجي ص 43) .
9 - عند القول بجواز تعدد الجمعة لعسر الاجتماع في مكان واحد لم يجز إلا بقدر ما يندفع، فلو اندفع بجمعتين لم يجز ثالثة.
(اللحجي ص 43) .
10 - إن المشتري إذا ادعى بالمبيع عيباً لا يطلع عليه إلا النساء، فإنه يقبل فيه، لأجل توجيه الخصومة فقط، قول الواحدة العدل، واثنتان أحوط، فإن قالت واحدة أو ثنتان؛ إن العيب المدعى به قائم، يحلف البائع، ولا يثبت حق الرد بشهادة النساء وحدهن؛ لأن ثبوت العيب بشهادتهن ضروري، ومن ضرورته ثبوت توجيه الخصومة دون الرد، فيحلف البائع، فإن نكل تايدت شهادتهن بنكوله، فيثبت الرد.
(الزرقا ص 187) .
11 - إن من اضطر لأكل مال الغير، فإن الضرورة تقتصر على إباحة إقدامه على أكل ما يدفع به الضرورة بلا إثم فقط، ولكن لا تدفع عنه الضمان، لقاعدة أخرى
"الاضطرار لا يبطل حق الغير" (م/33) .
(الزرقا ص 188) .
12 - من أكره على اليمين الكاذبة فإنه يباح له الإقدام على التلفظ مع وجوب التورية والتعريض فيها إن خطرت على باله التورية والتعريض، فإن في المعارضة مندوحة.
(الزرقا ص 188) .
13 - للخاطب أن ينظر لخطوبته بقدر الحاجة.
(السدلان ص 277) .
14 - يجب على المدافع عن نفسه، أن يستخدم من وسائل الدفاع الأخف
(1/283)

فالأخف، فيبدأ بالوعيد والتهديد، ثم بالضرب العادي، ثم بالجرح، ثم بالقتل حسب جسامة الخطر ومقدار التعدي، وبما يكفي لصدّ العدوان.
(السدلان ص 278) .
15 - يحكم القاضي بسد المنافذ المطلة على مقر نساء الجار بقدر ما يمنع الضرر وأذى النظر عنه بوضع حاجز خشي ونحوه، لا بسدّ النافذة كلياً.
(السدلان ص 278) .
16 - يباع من مال المدين جبراً عنه بواسطة القاضي بقدر ما يفي بالديون الحالة إذا كان له مال ظاهر من جنس الدَّين باتفاق الفقهاء (السدلان ص 278) .
17 - يجوز لولي اليتيم أن يأخذ من مال اليتيم عند الحاجة بقدر عمله، إلا أن يفرض له الحاكم شيئاً فيجوز له أخذه كاملاً.
(السدلان ص 279) .
18 - لا يتيمم المصلي قبل الوقت، ولا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد (المقري 1/ 331) .
المستثنى
خرج عن هذه القاعدة صور، ويباح فيها المحظور بأكثر من مقدار الضرورة.
1 - العرايا: أبيحت في الأصل للفقراء للضرورة، ثم جازت للأغنياء في
الأصح.
(اللحجي ص 43) .
2 - الخلع: فإنه أبيح مع المرأة على سبيل الرخصة، ثم جاز مع الأجنبي.
(اللحجي ص 43) .
(1/284)

3 - اللعان: إنما جوز حيث تعسرت إقامة البيِّنة على زناها، ثم جاز حيث تمكن على الأصح.
(اللحجي ص 43)
فائدة: مراتب المصالح
إن مراتب المصالح خمس: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول.
فالضرورة: بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، وهذا يبيح المحرم كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو ترك هلك أو تلف منه عضو.
والحاجة: وصوله إلى حالة بحيث لو لم يأخذ الممنوع لم يهلك، كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام، ويبيح الفطر في الصوم.
والمنفعة: وهي ما كان اشتهاء، كمن يشتهي خبز البُرِّ، ولحم الغنم، والطعام الدسم.
والزينة: وهي ما كان القصد به التفكه، كالمشتهي الحلوى المتخذ من اللوز
والسكر، والثوب المنسوج من حرير وكتان.
والفُضُول: بضم الفاء والضاد المعجمتين، وهو التوسع بأكل الحرام، أو الشبهة، كمن يريد استعمال أواني الذهب والفضة.
(1/285)

القاعدة: [35]
4 - الاضطرار لا يبطل حق الغير (م/33)
التوضيح
هذه القاعدة قيد على قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات" (م/ 21)
وتؤيد قاعدة " الضرورات تقدر بقدرها" (م/ 22) .
وذلك أن الاضطرار، وإن كان يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة والترخيص، فإنه لا يبطل حق الغير، وإنما هو عذر في
إسقاط الإثم، سواء أكان الاضطرار بأمر سماوي كالمجاعة والحيوان الصائل، أم غير سماوي كالإكراه الملجئ، لكن في صورة الإكراه الملجئ يقع الضمان على المكرِه، وفي غير الملجئ فالضمان على الفاعل، ولا ضرورة لإبطال حق الغير، لأن الضرر لا يزال بالضرر، فيحافظ المضطر على حياته مثلاً لكنه يضمن المال لصاحبه، لأن أموال الناس مصونة شرعاً.
التطبيقات
1 - يجوز للمضطر أدن يأكل من مال الغير ما يدفع به الهلاك عن نفسه جوعاً، ويدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل، ويضمن في المحلين، وإن كان مضطراً، فإن الاضطرار يظهر في حل الإقدام، لا في رفع الضمان وإبطال حق الغير، ولو لم يضمن لكان من قبيل إزالة الضرر بالضرر، وهذا منافٍ وغير جائز، ويتعارض مع قاعدة
"الضرر لا يزال بمثله " (م/ 5 2) .
(الزرقا ص 213، الدعاس ص 33) .
2 - إذا ورد الإكراه الملجئ على إتلاف مال الغير، فإن المكرِه (بالكسر) يضمنه، أما الإكراه غير الملجئ، فإنه لا يبيح الإقدام على الإتلاف، ولو أقدم فإن الضمان
(1/286)

يقع على الفاعل، لا على المكرِه؛ لأن الاضطرار لا يتحقق في غير الملجئ بالنسبة لمال الغير.
(الزرقا ص 213) .
والظاهر أن ضمان المكرِه (بالكسر) لا يختص بما إذا كان المكرَه على إتلافه مال الغير، بل مثله ما إذا كان مال المكرَه (بالفتح) ، بدليل ما نصوا عليه من أنه لو أكره على أكل طعام نفسه، وكان غير جائع، فإن المكرِه يضمنه.
(الزرقا ص 213) .
3 - لو انتهت مدة الإجارة أو العارية، والزرعُ بَقْل لم يُحْصَد بعد، فإنه يبقى إلى أن يستحصد، ولكن بأجر المثل؛ لأن اضطرار المستأجر والمستعير لإبقائه لا يبطل حق المالك، فتلزم الأجرة.
(الزرقا ص 214) .
4 - لو انتهت مدة إجارة الظئر، وقد صار الرضيع لا يأخذ ثدي غيرها، ولم يستغن بالطعام، فإنها تجبر على إرضاعه، ولكن بأجر المثل.
(الزرقا ص 214) .
5 - لو علق طلاق زوجته على فعل نفسه الذي لا بدَّ منه، وكان التعليق في
الصحة، والشرط في المرض، يكون فاراً وترث، لأن اضطراره إلى فعل ما لا بدَّ منه لا يبطل حق زوجته في الإرث، فترث.
(الزرقا ص 214) .
6 - لو أشرفت سفينة على الغرق، فالقى الملاح متاع غيره ليخفف حمولتها ضمنه.
(السدلان ص 358) .
(1/287)

القاعدة: [36]
5 - الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة.
(م/32)
الألفاظ الأخرى
- الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة في إباحة المحظور.
- الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس.
التوضيح
الضرورة هي الحالة الملجئة إلى ما لا بدَّ منه، والضرورة أشدُّ درجات الحاجة
للإنسان، ويترتب على عصيانها خطر، كخشية الهلاك جوعاً، والإكراه الملجئ، والمحتاج إذا لم يصل إلى حاجته لا يهلك، ولا يفقد عضواً من أعضائه، ولكنه يكون بسبب فقدها في جهد ومشقة شديدة.
والحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيراً أو تسهيلاً لأجل الحصول على المقصود، فهي دون الضرورة، وإن الحكم الثابت لأجلها مستمر.
والثابت للضرورة مؤقت، ويترتب على عدم الاستجابة إلى الحاجة عسر وصعوبة.
والحاجة تتنزَّل، فيما يحظره ظاهر الشرع، منزلة الضرورة، عامة كانت أم
خاصة، وتنزيلها منزلة الضرورة في كونها تثبت حكماً، وإن افترقا في كون حكم
(1/288)

الحاجة مستمراً، وحكم الضرورة مؤقتاً بمدة قيام الضرورة؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها" (م/ 22) .
ومعنى كونها عامة: أن يكون الاحتياج شاملاً جميع الأمة.
ومعنى كونها خاصة: أن يكون الاحتياج لطائفة منهم، كأهل بلد، أو حرفة، وليس المراد من كونها خاصة أن تكون فردية إلا نادراً.
وكيفما كانت الحاجة فالحكم الثابت بسببها يكون عاماً بخلاف الحكم الثابت
بالعرف والعادة، فإنه يكون مقتصراً وخاصاً بمن تعارفوه، وتعاملوا عليه.
واعتادوه؛ وذلك لأن الحاجة إذا مست إلى إثبات حكم تسهيلاً على قوم لا يمنع ذلك من التسهيل على آخرين، ولا يضر، بخلاف الحكم الئابت بالعرف والعادة، فإنه يقتصر على أهل ذلك العرف؛ إذ ليس من الحكمةِ إلزام قوم بعرف آخرين وعادتهم ومؤاخذتهم بها.
ومعنى هذه القاعدة أن التسهيلات الاستثنائية في الشرع لا تقتصر على حالات الضرورة الملجئة، بل تشمل التسهيلات حاجات الجماعة أيضاً مما دون الضرورة.
ولكن إنما يضاف الحكم إلى الحاجة فيما يظهر إذا كان تجويزه مخالفاً للقياس، وإلا كانت إضافته للقياس أولى، ويدخل تحت الأصل والحكم العام.
والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يظهر فيما ورد فيه نص يجوزه، أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره وارداً فيه.
كما في بيع الوفاء، فإن مقتضاه عدم الجواز؛ لأنه إما من قبيل الربا؛ لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة، كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مست الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز ذلك على وجه أنه رهن أبيح الانتفاع بثمراته ومنافعه كلبن الشاة وثمر الشجرة، والرهن على هذه الكيفية جائز.
أو كان الفعل لم يرد فيه نص يجوِّزه، أو تعامل، ولم يرد فيه نص يمنعه، ولم يكن له
(1/289)

نظير جائز في الشرع يمكن إلحاقه به، ولكن كان فيه منفعة ومصلحة، كما وقع في الصدر الأول من تدوين الدواوين، وضرب الدراهم، والعهد بالخلافة، وغير ذلك مما لم يأمر به الشرع، ولم يَنْهَ عنه، ولم يكن له نظير قبل، فإنه دعت إليه الحاجة، وسَوَّغته المصلحة، بخلاف الضرورة؛ فإن ما يجوز لأجلها لا يعتمد شيئاً من ذلك.
أما ما لم يرد فيه نص يسوِّغه، ولا تعاملت عليه الأمة، ولم يكن له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وليس فيه مصلحة عملية ظاهرة، فإن الذي يظهر عندئذ عدم جوازه، جرياً على ظواهر الشرع، لأن ما يتصور فيه أنه حاجة، والحالة هذه، يكون غير منطبق على مقاصد الشرع، وقد ذكر ابن الهمام أن نفي المدرك الشرعي يكفي لنفي الحكم الشرعي.
وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظُنت فيه
مصلحة؛ لأنها حينئذ وهم.
والفرق بين الحاجة والضرورة في الأحكام أمران:
1 - إن الضرورة تبيح المحظور سواء كان الاضطرار للفرد أو للجماعة، والحاجة لا تبيح المحظور إلا للجماعة، والحاجة إذا عمَّت كانت كالضرورة.
2 - الحكم الثابت بالضرورة ينتهي بانتهاء الاضطرار؛ بخلاف الحكم الثابت
بالحاجة، فهي تثبت بصورة دائمة، يستفيد منها المحتاج وغيره، وهي لا تصادم النص، إنما تخالف القواعد العامة والقياس.
التطبيقات
1 - تجويز الإجارة، فإنها جوزت بالنص على خلاف القياس، للحاجة إليها؛ لأن عقد الإجارة يرد على المنافع، وهي معدومة، وتمليك المعدوم قبل وجوده يستحيل، ولا يمكن جعل العقد فيها مضافاً إلى زمن وجود المنفعة؛ لأنَّ التمليكات لا تقبل الإضافة.
(الزرقا ص 211، اللحجي ص 45) .
(1/290)

2 - تجويز السلم، وهو بيع معدوم، وإن جُوِّزَ بالنص على خلاف القياس لحاجة الكثير إليه.
(الزرقا ص 211، الدعاس ص 34) .
3 - تجويز الجعالة، وهو عقد مع غير معلوم، ففيه جهالة، وجوزت للحاجة إليه (اللحجي ص 45) .
4 - تجويز الحوالة، وهو بيع الدين بالدين، وجوّزت لعموم الحاجة إلى ذلك.
(اللحجي ص 45) .
5 - تجويز ضمان الدَرَك (1) ، فإنه جوّز با لإجماع، على خلاف القياس؛ وذلك لأن الكفالة من جهة المطلوب، وهو المكفول عنه، بمنزلة الطلاق والعتاق لا تتوقف على قبوله، ومن جهة الطالب، وهو المكفول له، بمنزلة البيع؛ لأنها تملكه حق مطالبة الكفيل، فتستدير التنجيز كسائر التمليكات، وضمان الدرك عبارة عن ضمان
الثمن للمشتري عند استحقاق المبيع، فهو كفالة مضافة، والقياس يأباها؛ لأنها تمليك للطالب كما ذكرنا، والتمليكات لا تقبل الإضافة، لكنها جوِّزت بالإجماع، لمكان التعامل، ولقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) ..
(الزرقا ص 211) .
6 - تجويز استئجار السمسار على أن له في كل مئة كذا، فإن القياس يمنعه.
ويوجب له أجر المثل، ولكن جوَّزوه للتعامل لحاجة الناس إليه.
(الزرقا ص 211) .
7 - تجويز استئجار الظئر للإرضاع، على القول بأن العقد يرد على اللبن، والخدمة تثبت تبعاً، فإنه جوز للحاجة، بالتعامل، وبقوله تعالى:.
(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، وإلا فالقياس يأباه، لأنه وارد على استهلاك العين.
والإجارة إذا وردت على استهلاك العين مقصوداً لا تجوز.
(الزرقا ص 211) .
8 - تجويز الاستصناع فيما فيه التعامل، على الصحيح، من أن الاستصناع بيع.
__________
.
(1) وهو أن يضمن البائع المبيع للمشتري إذا أدركه آخر وطالب باستحقاق المبيع، فيرد البائع الثمن للمشتري.
(1/291)

لا عِدَة، فإن القياس يأباه؛ لأنه بيع المعدوم، لكن جوَّزوه استحساناً بالإجماع للحاجة بسبب تعامل الناس عليه، وما فيه من الخلاف فليس في أصل جوازه، بل في أنه بيع أو عدة.
(الزرقا ص 212) .
9 - تجويز دخول الحمام بأجر، فمقتضى القياس عدم جوازه، لأنه وارد على استهلاك الأعيان وهو الماء الحار، ومع ذلك فإن ما يستوفيه كل من الآخر مجهول، لكنه جوّز لحاجة الناس، بالتعامل، مع جهالة المدة، وكمية الماء، للحاجة، وله نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وهو جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها، فإن ما يستوفيه كل من المؤجر والمستأجر من صاحبه مجهول، وهذا النظير (يعني استئجار الظئر بطعامها وكسوتها) هو من السوابق الشائعة من صدر الإسلام بلا نكير.
وجوازه مروي عن أبي حنيفة نفسه.
(الزرقا ص 212، الدعاس ص 35) .
10 - تجويز الوصية، فإن القياس يأباها؛ لأنها تمليك مضاف لما بعد الموت.
والتمليكات لا تقبل الإضافة، وأيضاً بالموت ينتقل الملك إلى الوارث، فلم يبق للمورث بعد الموت حتى يملك تمليكه، ولكن جوزت بنص الكتاب العزيز، للحاجة.
(الزرقا ص 212) .
11 - بيع الثمار التي تتلاحق في الظهور متى بدأ بعضها، نظراً للحاجة.
(الدعاس ص 35) .
12 - بيع الوفاء (1) ، جاز للحاجة، ولتعامل الناس به كما سبق، وينطبق عليه
قاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني " (م/3) .
(الدعاس ص 35) .
13 - تضبيب الإناء (1) بالفضة يجوز للحاجة، ولا يعتبر العجز عن التضبيب
__________
.
(1) بيع الوفاء: أن يبيع شخص عقاراً لآخر، ويشترط عليه أنه إذا أعاد له الثمن ووفاه، فيفسخ البيع، ويسترد العقار..
(2) التضبيب: هو وضع الضُبَّة وهي القطعة لإصلاح الإناء ولحمه.
(1/292)

بغير النقدين، فإن العجز يبيح إصلاح الإناء منهما قطعاً، بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى الزينة كإصلاح موضع الكسر، وكالشذ والتوثق، وهذا مثال للحاجة الخاصة..
(اللحجي ص 45) .
14 - جواز لبس الحرير لحاجة دفع القمل والحكة، فيجوز لبسه لذلك بنص
الحديث الشريف، وهذا مثال آخر للحاجة الخاصة.
15 - إذا عمَّ الحرام بلداً بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً، فإنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الحرام للضرورة؛ لأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، ولا يتوسع في الحرام من احتاج إليه، ولا يتبسط فيه كما يتوسع في الحلال، من وثير المركوب والمفروش، والأثاث والملبس، والتنعم بفواكه الطعام ولذائذه، لأن الضرورة أو الحاجة التي تنزل مترلتها تقدر بقدرها.
(الغرياني ص 321) .
16 - جواز الصلح مع أن الصلح إنقاص للحق، ويترتب عليه أخذ مال الغير بدون وجه مشروع، إلا أنه أجيز بنصوص شرعية للإصلاح بين المتنازعين، وتسوية الخلاف، ولما يترتب عليه من مسامحة وتطييب النفوس.
(السدلان ص 293) .
17 - جواز طائفة من الخيارات في العقد، وهو أن يكون للمتعاقد الحق أو
الاختيار بين إمضاء العقد وفسخه وإبطاله، ويكون العقد غير لازم، مع أن الأصل في العقود أن تكون لازمة لا يجوز فسخها، وأجيز الخيار للحاجة الماسة حتى لا يطغى أحد على مصلحة أحد بدون تحقق رضاه، ولا يستغل عاقد حسن نية العاقد الآخر فيغبنه، وليتمكن كل عاقد من تفحص المعقود عليه، أو اكتشافه أثناء الخبرة والتجربة، أو ليتهيا له فرصة للتروي والتثبت والمشورة لموازنة حقه مع التزامه.
(السدلان ص 294) .
18 - يجوز للجنب والحائض وكل حامل لنجاسة دخول المسجد بدون كراهة إذا كانت هناك حاجة أو عذر يقضي بذلك، وهي حاجة خاصة.
(السدلان ص 295) .
(1/293)

19 - يدخل في هذه القاعدة جميع الأحكام التي قرر الفقهاء تبديلها لتغير الزمان أو فساده، فتقرّر الأحكام الجديدة وتتبدل تبعاً للحاجة، واعتبار العرف عاماً كان أو خاصاً استجابة لداعي الحاجة.
(السدلان ص 295) .
20 - جواز المعاملات وضروب الشركات التي تحدث بين الناس، وتقتضيها
تجارتهم، إذا قام البرهان، ودل الاستقراء على أنها صارت حاجياً للناس بحيث ينالهم الحرج والضيق إذا حرّمت عليهم، فتباح لهم، وإن كان فيها مجهول، أو معدوم، أو محظور، بمقدار ما يرفع الحرج عنهم..
(السدلان ص 294) .
21 - جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز عن فعلها، كالقيام، والقراءة، والجماعة، والاصطفاف، وغير ذلك من واجبات الصلاة..
(ابن تيمية، الحصين 1/256)
22 - يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم؛ لأن الواجب إنما هو فعل المقدور..
(ابن تيمية، الحصين 1/257) .
23 - إذا تعذر ضرب المحدود في القذف أو الزنا أو غير ذلك مفرقاً، لمرضه أو ضعفه، فإنه يجوز ضربه ضرباً مجموعاً غير مفرق..
(ابن تيمية، الحصين 1/257) .
24 - يفرق فيما يحرِّم من الرضاعة بين أن يقصد رضاعة أو تغذية، فمتى كان المقصود الثاني لم يحرِّم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس، وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها.
(ابن تيمية، الحصين 1/257) .
25 - العرايا (وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر كيلاً)
يلحق بها ما كان في معناها، لعموم الحاجة إلى ذلك، وحسب القاعدة السابقة "ما حرم لسدّ الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة "..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 531) .
26 - ما يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدوماً إذا لم يمكن بيعه إلا على تلك الحال، فيجوز بيع المقاثي كالبطيخ والخيار والقثاء دفعة واحدة في البستان، وإن كان
(1/294)

بعضها معدوماً لم يوجد بعد؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ويتعذر أو يتعسر بيعها لَقْطة لَقْطة..
(ابن تيمية، الحصين 1/531) .
27 - يجوز استئجار الأرض المشتملة على أشجار وأرض تصلح للزراعة، بأجرة معلومة، فيزرعها المستأجر، ويسقيها، وينتفع بثمرتها، ويعطي المؤجر أجرة معلومة في الشهر أو السنة، سواء أكان الشجر كثيراً يزيد عن الثلث، والباقي أرض بيضاء، أم كان قليلاً؛ لأن الحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة، ولا يمكن استئجار الأرض المشتملة على أشجار إلا باستئجار الشجر معها..
(ابن تيمية، الحصين 1/532) .
28 - جواز شراء وبيع أسهم الشركات التي تقترض بربا، أو تودع جزءاً من أموالها في بنوك ربوية، إذا كانت في أصل تعاملها قائمة على الحلال، وذلك أن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات لاستثمار مدخراتهم التي لا يستطيعون استثمارها وحدهم، وهم غير قادرين على منع هذه الشركات من مثل هذه المعاملات، وفي المنع من المشاركة فيها لأجل هذا القليل من الحرام من الضيق والحرج ما لا تأتي به هذه الشريعة الكاملة، ويتحرى المساهم بإخراج هذا المال المحرم
والتخلص منه حين يستلم أرباحه (الحصين 1/533) .
(1/295)

القاعدة: [37]
6 - كل رخصة أبيحت للضرورة والحاجة لم تستبح قبل وجودها
التوضيح
إن الضرورات والحاجات التي تبيح الأحكام لتكون من الرخص والتخفيفات، إنما تكون مباحة للمكلف عند قيام الضرورة وانتهاضها عذراً شرعياً، أما قبل ذلك فلا.
التطبيقات
1 - إن كل الميتة إنما يجوز عند قيام العذر المبيح، وهو الجوع وانعدام الطعام.
(الروقي ص 311) .
2 - إن التيمم عند وجود العذر إنما يكون عند دخول وقت الصلاة أما قبلها فلا، عند المالكية والشافعية، لأنه قبل دخول الوقت مستغن عن التيمم، وينبني على ذلك وجوب التيمم لكل فرض.
(الروقي ص 311) .
(1/296)

القاعدة: [38]
7 - يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها
هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات "
فإن الأمور المحظورة فرعاً تجوز حالة الضرورة، ولا تجوز عند عدم الضرورة.
وهناك حالات تباح للضرورة ولا تباح للحاجة، وذلك عندما يكون الإقدام على المحرم بلا ضرورة أضر من تركه، ولكن حال الضرورة يزيد ضرر ترك المحرم على ضرر الإقدام عليه، والميزان في ذلك كله ميزان الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، والموازنة بين المصالح والمفاسد، فيرجح أعظمهما نفعاً، ويدفع أعظمهما شراً.
التطبيقات
1 - يجوز تسليم اللقطة لصاحبها عند ظهوره من غير إقامة بينة على ذلك عند المالكية، لأن البينات تترتب في الأصل على حسب الأحوال المشهود فيها وما تدعو الحاجة إليه، وفي هذا الموضع تدعو الضرورة إلى ذلك؛ لأن البينة لا تقوى على ما يضيع، ولا على صفة أموالهم في كل حال، فلو كلفناهم البينة لأدى إلى ترك انتفاع الناس بأموالهم.
(الروقي ص 309) .
2 - الحائض لا تمنع مما يمنع منه الجنب مع حاجتها إليه، ولهذا لا تمنع من قراءة القرآن إذا احتاجت إليه، ولا من الطواف..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 527) .
(1/297)

القاعدة الأساسية الخامسة: [39]
العادة مُحَكَّمة (م/36)
التوضيح
إن القاعدة تعني أن العادة عامة كانت أم خاصة تُجعل حكماً لإثبات حكم شرعي لم يُنص على خلافه بخصوصه، فلو لم يرد نص يخالفها أصلاً، أو ورد ولكن عاماً، فإن العادة تعتبر.
وأصل هذه القاعدة قول ابن مسعود، رضي الله عنه:
"ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح "
وهو حديث موقوف حسن، وإنه وإن كان موقوفاً عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه.
ورواه الإمام أحمد في (كتاب السنة) وأخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في (الحلية) والبيهقي في (الاعتقاد) عن ابن مسعود أيضاً.
وعقد الإمام البخاري في كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما
يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، وقال شريح للغزالين: سنتكم بينكم ربحاً.
وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد: لا بأس، العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحاً، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند:
(1/298)

(خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
وقال تعالى: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ) ، واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حماراً، فقال: بكَم؟ قال: بدانقين، فركبه، ثم جاء مرة أخرى، فقال: الحمارَ الحمارَ، فركبه ولم يشارطه، فبعث إليه بنصف درهم أي كالأجرة السابقة التي تعارفا عليها) .
وساق البخاري رحمه الله تعالى ثلاثة أحاديث في ذلك، وعقب عليها ابن حجر رحمه الله تعالى فقال: (مقصوده بهذه الترجمة إثباته الاعتماد على العرف، وأنه يُقضى به على ظواهر الألفاظ".
وقال النووي رحمه الله تعالى في فوائد حديث هند رضي الله عنها.
"ومنها اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي ".
وحدد ابن النجار الفتوحي رحمه الله تعالى الضابط للرجوع إلى العرف والعادة، فقال: وضابطه: كل فعل رُتب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع، ولا في اللغة، كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعدُّ قبضاً، وإيداعاً، وإعطاء، وهدية، وغصباً، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة، وأمثال هذه كثيرة لا تنحصر".
والعادة في اللغة مأخوذة من المعاودة، بمعنى التكرار، فهي بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفرس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية.
(1/299)

والعادة أيضاً: هي الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وهي المرادة بالعرف العملي.
والمراد بها حينئذ ما لا يكون مغايراً لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم، ولا
منكراً في نظرهم، والمراد من كونها عامة: أن تكون مطردة أو غالبة في جميع البلدان.
ومن كونها خاصة: أن تكون كذلك في بعضها، فالاطراد والغلبة شرط لاعتبارها سواء كانت عامة أو خاصة، وهو ما جاء في القاعدة: "إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت" (م/ 41)
وقاعدة "العبرةُ للغالب الشائع لا النادر" (م/ 42) .
وإذا لم يرد نص مخالف يشملها فلا كلام في اعتبارها، فقد نقل ابن عابدين أن العادة إحدى حجج الشرع فيما لا نص فيه، ونقل أيضاً أن البناء على العادة الظاهرة واجب، وهو ما قرره السرخسي والحصيري الحنفيان.
أما إذا ورد فإما أن يكون نصاً في مخالفتها فلا كلام في اعتباره دونها مطلقاً، عامة كانت أم خاصة، لأن النص أقوى من العرف، فالعمل بها حينئذ عبارة عن ردّ النص ورفضه للعادة، وهو لا يجوز، كتعارف الناس الكثير من المحرمات كشرب الخمر، والربا، وسفور المرأة وغيرها.
وإما أن يكون عاماً، ويكون المعتاد جزئياً من جزئياته، وهنا يفرق بين حالتين، إما أن تكون عامة فتصلح أن تكون مخصصة لعمومه اتفاقاً، عملية كانت أم قولية.
وإما أن تكون خاصة، واختلف في أنها هل تصلح مخصصة للنص العام بالنسبة لمن اعتادها أم لا، والمذهب أنها لا تصلح، وعليه مشى أبو بكر البلخي وأبو جعفر الحنفي.
(1/300)

ولكن أفتى كثير من مشايخ الحنفية في بلخ باعتبارها مخصصة بالنسبة لمن اعتادها، وعليه فروع كثيرة أفتوا بجوازها، كشراء الكتاب على شرط أن يَشْرُزَه، والقفل على أن يسمره، أو الفروة على أن يخيط بها الظهارة، أو القبقاب على أن يضع له سَيْراً، أو النعل على أن يُشرِكه، فىِ محل تعارفوا فيه ذلك، وغير ما ذكر مما لا يحصى من الفروع.
وإذا كان الشرع يقتضي الخصوص، واللفظ يقتضي العموم، فالمعتبر الخصوص، فلو أوصى لأقاربه، لا يدخل الوارث اعتباراً لخصوص الشرع، لكن هذا ليس بظاهر، لأنه من قبيل مصادمة العمل للنص المخالف له بخصوصه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:
"لا وصية لوارث ".
وإنما تعتبر العادة إذا كانت سابقة، فلا عبرة بالعرف الطارئ.
وعليه فلو كان الوقف سابقاً على ما تعورف من البطالة في الأشهر الثلاثة لا يعتبر ذلك العرف.
وكذلك لو كان التعليق سابقاً على العرف فلا يقيد العرف لفظ التعليق المطلق.
وللعادات والأعراف سلطان على النفوس، وتحكم في العقول، لهذا اعتبرت من ضروريات الحياة، ولهذا قالوا: "العادة طبيعة ثانية"
وفي نزع الناس من عاداتهم حرج شديد.
والعرف قسمان: عام، وخاص.
والعرف الخاص: هو ما كان مخصوصاً ببلد، أو مكان دون مكان آخر، أو بين فئة من الناس دون أخرى، كعرف التجار فيما يُعَدّ عيباً، وكعرفهم في بعض البلاد أن يكون ثمن البضاعة مقسطاً إلى عدد معلوم من الأقساط، وغير ذلك.
(1/301)

والعرف العام: هو ما كان فاشياً في جيع البلاد بين الناس كالاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم، وكتأجيل جانب من مهور النساء في البلاد الإسلامية، وغير ذلك.
والعرف إن صادم النص من كل الوجوه فهو العرف المردود كما سبق، وإن لم يخالفه من كل وجه كان له تأثير في بناء الأحكام الشرعية عليه، فيترك به القياس، ويخصص به العام كدخول الحمام، والاستصناع، وغيرهما من المسائل الفقهية الكثيرة، ولذلك قال ابن عابدين:
والعرف في الشرع له اعتبارُ. . . لذا عليه الحكمُ قد يُدار
والقاعدة المذكورة من جملة القواعد الخمس الأساسية، ويتفرع عليها قواعد
كثيرة، وإن اعتبار العرف والعادة رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعدّ كثرة، وتعسر الإحاطة بها.
التطبيقات
1 - لو بعثه إلى ماشيته، فركب المبعوث دابة الباعث، برئ لو كان بينهما انبساط، وإلا ضمن.
(الزرقا ص 221) .
2 - يجوز التقاط الثمار التي يتسارع إليها الفساد من البساتين والرساتيق، على المعتمد، ما لم توجد دلالة المنع.
(الزرقا ص 221) .
(1/302)

3 - اعتبار الكيل أو الوزن فيما تعورف كيله أو وزنه، مما لا نص فيه من الأمور الربوية، كالزيتون وغيره، وأما ما نص عليه فلا اعتبار للعرف فيه عند الطرفين.
(الزرقا ص 221) .
4 - اعتبار عرف الحالف أو الناذر إذا كان العرف مساوياً للفظ أو أخص، فلو حلف لا يأكل رأساً، أو لا يركب دابة، أو لا يجلس على بساط، لا يحنث برأس عصفور، ولا بركوب إنسان، ولا بجلوسه على الأرض؛ لأن العرف خص الرأس بما يباع للأكل في الأسواق، والدابة بما يركب عادة، والبساط بالمنسوج المعروف الذي يفرش ويجلس عليه.
(الزرقا ص 221) ..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 131، (ابن رجب 2/ 557) .
5 - أقل الحيض والنفاس والطهر، وغالبها وأكثرها حسب العرف وعادة النساء، (اللحجي ص 45،..
(ابن عبد الهادي ص 99) .
6 - يجوز استعمال الذهب أو الفضة في الضئة إذا كانت قليلة، وتحرم الكثيرة، والضابط في القلة والكثرة العادة والعرف.
(اللحجي ص 45) .
7 - الأفعال المنافية للصلاة إذا كانت قليلة فلا تؤثر، وإن كانت كثيرة فتبطلها، والعبرة في ذلك العادة والعرف.
(اللحجي ص 45) .
8 - يُعفى عن النجاسات القليلة دون الكثيرة، والعبرة في ذلك العرف والعادة (اللحجي ص 45) .
9 - يجوز البناء في الصلاة في الجمع لفاصل قليل، ويمنع الكثير، وكذا في الخطبة، والجمعة، والعبرة في ذلك العرف والعادة..
(اللحجي ص 46، (ابن رجب 2/ 409) .
10 - لا يؤثر الفاصل القليل بين الإيجاب والقبول، ويؤثر الكثير، والعبرة للعادة (اللحجي ص 46) .
11 - لا قطع في السرقة إلا إذا أخذ المال من الحرز، والعبرة في حرز المال العرف والعادة (اللحجي ص 46) .
(1/303)

12 - إن العبرة في ردّ ظرف الهدية وعدمه للعرف والعادة.
(اللحجي ص 46) .
13 - العبرة في الأموال الربوية بالوزن أو الكيل، فيما جهل حاله في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يراعى فيه عادة بلد البيع في الأصح.
(اللحجي ص 46) .
14 - لا يجوز صوم يوم الشك إلا لمن كان له عادة في صوم مثله، وذلك بحسب العادة.
(اللحجي ص 46) .
15 - يحرم قبول القاضي للهدية، إلا ممن له عادة في إهدائه.
(اللحجي ص 46) .
16 - إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق، فالقول قول المرتهن إلى قيمة
الرهن عند المالكية، وقال أبو حنيفة والشافعي: القول قول الراهن من كل وجه، واستند المالكية إلى قاعدة العرف والعادة، بأن العرف يرجع إليه في التخاصم إذا لم يكن هناك ما هو أولى منه، والعرف جار بأن الناس لا يرهنون إلا ما يساوي ديونهم أو يقاربها، فمن ادعى خلاف ذلك فقد خرج عن العرف.
(الروقي ص 317) .
17 - إذا اختلف الواهب والموهوب له في الهبة، هل هي للثواب؟.
(للمقابلة والعوض) فادّعى الواهب أنها للثواب، وادّعى الموهوب له أنها ليست للثواب، فيرجع حينئذ للفصل بينهما إلى العرف الجاري عندهم.
(الروقي ص 318) .
18 - اختلاف الزوجين في قبض المهر أو عدم قبضه، فيحسم هذا الخلاف
بالرجوع إلى العرف الجاري في بلدهما في هذه المسألة، فإن كان العرف جارياً بأن الزوج ينقد الصداق قبل الدخول، ثم اختلفا في قبضه بعد الدخول، فالقول للزوج احتكاماً للعرف.
(الروقي ص 318) .
19 - الأجرة في دخول الحمام حسب العادة..
(ابن عبد الهادي ص 99) .
20 - العادة في ركوب سفينة الملاح أنها بأجرة، وكذا العادة في أجرة الدابة (ابن عبد الهادي ص 99) .
(1/304)

21 - هدية المقترض جائزة إذا كانت العادة بها، فإن كانت بعد الوفاء فهي جائزة على الأصح، وإن كانت قبل الوفاء لم تجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض.
(ابن عبد الهادي ص 99) .
22 - يلزم حفظ الوديعة فيما تحفظ فيه عادة..
(ابن عبد الهادي ص 99) .
23 - الاستصناع؛ أجازه جمهور الفقهاء، لأنه تعارفه الناس، وجرى عليه
التعامل فجاز استحساناً مبنياً على العرف.
(السدلان ص 378) .
24 - بيع الوفاء: أجازه التأخرون من الحنفية من باب الاستحسان اعتباراً
للعرف ولحاجة الناس إليه فراراً من الربا، ومنعه الجمهور.
(السدلان ص 380) .
25 - هدايا الخطبة التي يقدمها الرجل لخطيبته من الهدايا العينية وغير العينية، المستهلكة وغير المستهلكة، ثم يقع العدول عن الخطبة لسبب ما، فقال بعض الفقهاء في أحكام الهدايا بالرجوع إلى العرف والعادة، فإن كان العدول من الرجل فيمنع من استرداد ما أهداه إليها، وإن كان العدول منها فله حق استرداد ما طدمه إليها إن كان قائماً بعينه، فإن كان مستهلكاً استرد مثله أو قيمته، ويرجع في ذلك إلى العرف، ويتبع عادة الناس ما لم يكن هناك شرط.
(السدلان ص 383) .
26 - جواز وقف المنقول مستقلاً عن العقار إن جرى العرف بوقفه.
(السدلان ص 386) .
27 - الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد، ولا ينقطع بالتفرق اليسير، كالوضوء، والصلاة، والسفر، والطواف، والأكل، والرضاع، والإخراج من الحرز.
وسيأتي تفصيل ذلك في قاعدة كلية خاصة عند الحنابلة.
(ابن رجب 2/406) .
28 - إن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم، كما أن السؤال والجواب يمضي على ما عمَّ وغلب، لا على ما شذ وندر.
(1/305)

المستثننى
1 - العرف الزائد على اللفظ لا عبرة به، كما لو قال لأجنبية: إن دخلتُ بكِ فأنتِ كذا، فنكحها ودخل بها لا تطلق، وإن كان يراد في العرف من هذا اللفظ دخوله بها عن ملك النكاح؛ لأن هذه زيادة على اللفظ بالعرف، والعرف لا يجعل غير الملفوظ ملفوظاً، فقد قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: "بالعرف يخصّ، ولا يُزاد".
(الزرقا ص 222) .
لكن هذا إذا لم يجعل اللفظ في العرف مجازاً عن معنى آخر، ولم يهجر المعنى
الأصلي، فإن هجرت حقيقته، واستعمل في معناه المجازي، كمسألة وضع القدم، ففي مثلها يعتبر المعنى العرفي دون الحقيقي اللفظي.
(الزرقا ص 222) .
2 - الموصي والواقف يحمل كلام كل على لغته وعرفه، وإن خالف لغة الشرع وعرفه، إلا في مسائل استثناها ابن نجيم في (الأشباه) فالعمل فيها على عرف الشرع.
وهي: لو حلف لا يصلي، أو لا يصوم، أو لا ينكح فلانة وهي أجنبية، فإنه لا يحنث إلا بالصلاة والصوم الشرعيين، وفي النكاح بالعقد، وهذا في الحقيقة لا استثناء فيه، فإن العرف فيها موافق للشرع.
(الزرقا ص 222) .
3 - قال الزركشي الشافعي رحمه الله تعالى: لم يعتبر الشافعي العادة في صورتين:
الأولى: استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بأجرة.
قال الشافعي: إذا لم يجر استئجار لهم لا يستحقون شيئاً.
(اللحجي ص 46) .
الثانية: عدم صحة البيع بالمعاطاة على المنصوص، وإن جرت العادة بعد الشافعي بفعل المعاطاة، وإن كان المختار خلافه في الصورتين.
(اللحجي ص 46) .
فالمعاطاة على أصل المذهب لا يصح البيع بها، ولو اعتبرت، ولكن النووي قال:
(1/306)

المختار الراجح دليلاً الصحة؛ لأنه لم يصح في الشرع اعتبار لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره.
ومن أمثلة الحالة الأولى: أن يدفع ثوباً إلى خياط ليخيطه، أو قصار ليقصره، أو جلس بين يدي حلاق فحلق رأسه، أو دخل سفينة بإذن، وسار إلى الساحل، فلا يستحقون شيئاً إذا لم يشرط عليه شيئاً من المال، وإن جرت عادتهم بالعمل بالأجرة.
والمختار خلافه كما قاله الشارح رحمه الله تعالى.
(اللحجي ص 46، 50) .
(1/307)

فوائد
يتعلق بقاعدة "العادة مُحكَّمة) (م/ 36) عدة مباحث، وهي:
المبحث الأول: فيما تثبت به العادة
وذلك يختلف، فتارة تثبت بمرة، كما في الاستحاضة، وكما في زنى المبيع وإباقه وسرقته، وكما في العادة في الإهداء للقاضي قبل الولاية.
وتارة تثبت العادة بثلاث كالقائف.
وتارة لا بدَّ من تكرار يغلب على الظن أنه عادة، كالجارحة في الصيد لا بدَّ من تكراره حتى يحصل غلبة الظن بالتعليم، وكاختبار الديك للأوقات، كما قال الزركشي، وكاختبار حال الصبي قبل البلوغ بالمماكسة في البيع ونحوه، فيختبر حتى يغلب على الظن رشده.
المبحث الثانى في اطراد العادة
إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت، فإن اضطربت فلا، وفي ذلك فروع، منها: باع دراهم وأطلق، نزل على النقد الغالب؛ فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان، وإلا يبطل البيع.
ومنها: إذا غلبت المعاملة بجنس من العروض، أو نوع منه.
انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح كالنقد.
(1/308)

المبحق الثالث في تعارض العرف مع الشرع
والمراد بالعرف عرف الاستعمال من الناس لشيء، والمراد بالشرع لفظه، بأنه ورد في الكتاب أو السنة ذلك الشيء فيه، وتعارضهما على نوعين:
أحدهما: ألا يتعلق باللفظ الشرعي حكم، فيقدم عليه عرف الاستعمال، فلو حلف لا يأكل لحماً، لم يحنث بالسمك، وإن عاه الله لحماً، أو حلف لا يجلس على بساط، أو تحت سقف، أو في ضوء سراج، لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطاً، ولا تحت السماء، وإن سماها الله سقفاً، ولا في الشمس وإن سماها الله سراجاً، أو حلف لا يضع رأسه على وتد، لم يحنث بوضعه على جبل، وإن سماه الله وتداً، أو حلف ألا يأكل ميتة أو دماَ، لم يحنث بالسمك والجراد، والكبد والطحال.
فقد سماها الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
ميتتان ودمان.
فقدم العرف في جميع ذلك؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم
وتكليف.
النوع الثاني: أن يتعلق به حكم، فيقدم على عرف الاستعمال، فلو حلف لا يصلي، لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو حلف لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك، أو حلف لا ينكح، حنث بالعقد لا بالوطء، أو قال:
إن رأيتِ الهلال فأنت طالق، فرآه غيرها، وعلمت به طلقت حملاً له على الشرع، فإنها فيه بمعنى العلم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا رأيتموه فصوموا ".
ولو كان اللفظ يقتضي العموم، والشرع يقتضي التخصيص اعتبر
خصوص الشرع في الأصح، فلو حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بالميتة، أو أوصى لأقاربه لم تدخل ورثته، عملاً بخصوص الشرع، إذ
"لا وصية لوارث ".
(1/309)

المبحث الرايع في تعارض العرف مع اللغة
نقل السيوطي وجهين في المقدَّم منهما:
أحدهما: المقدم الحقيقة اللفظية، عملاً بالوضع اللغوي، وإليه ذهب القاضي
حسين.
والثاني: المقدم الدلالة العرفية؛ لأن العرف يحكم في التصرفات لا سيما الأيمان، وعليه البغوي، فلو دخل دار صديقه، فقدم إليه طعاماً، فامتنع، فقال: إن لم تأكل فامرأتي طالق، فخرج ولم يأكل، ثم قدم في اليوم الثاني، فقدم إليه ذلك الطعام فأكل، فعلى الأول لا يحنث، وعلى الثاني يحنث.
ونقل عن الرافعي في "الطلاق ": إن تطابق العرف والوضع فذاك، وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع، فإمام الحرمين والغزالي يريان اعتبار العرف، وقال في " الأيمان " ما معناه: إن عمت اللغة قدمت على العرف.
وقال غيره: إن كان العرف ليس له في اللغة وجه ألبتّة فالمعتبرُ اللغة، وإن كان له فيه استعمال ففيه خلاف، وإن هجرت اللغة حتى صارت نسياً منسياً قُدِّم العرف.
ومن الفروع المخرجة على ذلك: ما لو حلف لا يسكن بيتاً، فإن كان بدوياً حنث بالمبني وغيره؛ لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة؛ لأن الكل يسمونه بيتاً، وإن كان من أهل القرى فوجهان، بناءً على الأصل المذكور، فإن اعتبرنا العرف لم يحنث، والأصح الحنث.
ومنها: لو حلف لا يشرب ماء، حنث بالمالح، وإن لم يُعتد شربه، اعتباراً
بالإطلاق والاستعمال اللغوي.
ومنها: حلف لا يأكل الخبز، حنث بأكل خبز الأرز، وإن كان من قوم لا
يتعارفون ذلك؛ لإطلاق الاسم عليه لغة.
(1/310)

تنبيه أول
نقل السيوطي عن الشيخ أبي زيد المروزي (371 هـ) :
لا أدري على ماذا بنى الشافعي رحمه الله تعالى مسائل الأيمان، إن اتبع العرف فأهل القرى لا يعدون الخيام بيوتاً.
قال الرافعي: الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة، وذلك عند ظهورها وشمولها.
وهو الأصل، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد.
وقال العزُّ بن عبد السلام: قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة.
تنبيه ثانٍ
إنما يتجاذب الوضع اللغوي والعرف في العربي، أما العجمي فيعتبر عرفه قطعاً؛ إذ لا وضع يحمل عليه، فلو حلف على البيت بالفارسية لم يحنث ببيت الشعر، ولو أوصى لأقاربه لم يدخل قرابة الأم في وصية العرب، ويدخل في وصية العجم.
المبحث الخامس في تعارض العرف العام والعرف الخاص
والضابط: أنه إن كان الخصوص محصوراً لم يؤثر، كما لو كانت عادة امرأة في الحيض أقل من عادة النساء، كيوم دون ليلة، ردَّت إلى الغالب في الأصح، وقيل: تعتبر عادتها، وإن كان الخصوص غير محصور اعتبر، كما لو جرت عادة أهل بلد بحفظ مواشيهم نهاراً، وإرسالها ليلاً، فهل العبرة بالعرف الخاص أم بالغالب؟
الأصح الأول، وينزل ذلك منزلة العرف العام، خلافاً للقفال، ويقال مثل ذلك على حفظ السيارات اليوم بحسب البلدان.
(1/311)

المبحث السادس: العادة المطَّردة
هل تنزل العادة المطردة في ناحية منزلة الشرط أم لا؟
وغالب الترجيح في الفروع
أنها لا تنزل منزلة الشرط، وفي ذلك صور:
1 - لو جرت عادة قوم بقطع الحصرم قبل النضج، فهل تنزل عادتهم منزلة الشرط حتى يصح بيعه من غير شرط القطع؛ الأصح لا.
وقال القفال: نعم.
2 - لو عمَّ في الناس اعتياد إباحة منافع الرهن للمرتهن، فهل ينزل منزلة شرطه حتى يفسد الرهن؛ قال الجمهور: لا، وقال القفال: نعم.
3 - لو جرت عادة المقترض بردّ زيادة مما اقترض، فهل ينزل منزلة الشرط.
فيحرم إقراضه؟!
الأصح لا.
4 - لو بارز كافر مسلماً، وشرط الأمان، لم يجز للمسلمين إعانة المسلم، فلو لم يشرط، ولكن اطردت العادة بالمبارزة بالأمان، فهل هو كالمشروط؛ الأصح نعم، فهذه صورة مستثناة.
5 - ومثلها الأوقات، فإن العادة فيها تنزل منزلة الشرط، كما إذا اعتيد البطالة من المدرسين في الأشهر الثلاثة والأعياد، أو اعتيد الاستنجاء والوضوء من المال المسبل للشرب.
المبحث السابع: العرف المقارن والسابق
العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق للتصرف، دون المتأخر، أي أن المعتبر هو العرف المقارن، أي الذي كان موجوداً حال تكلم المتكلم، حتى ينزل كلامه عليه، إذ كان مأخذه سابقاً على وقت اللفظ، دون العرف المتأخر.
(1/312)

ومن الفروع المخرجة على ذلك ما تقدم في مسألة البطالة، فإذا استمر عرفُ وقف بها في أشهر مخصوصة حمل عليه ما بعد ذلك، لا ما وقف قبل هذه العادة.
المبحث الثامن: ضبط الأحكام في العرف والشرع
قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة؛ يُرْجَع فيه إلى العرف، وذلك كالحرز في السرقة، والتفرق في البيع لخيار المجلس إلى التفرق بالأبدان، والقبض في العقود، وإحياء الموات، والتعريف في اللقطة، والمسافة بين الإمام والمأموم.
وقالوا في الأيمان: إنها تبنى أولاً على اللغة، ثم على العرف، وخَرَّجوا عن ذلك في مواضع لم يعتبروا فيها العرف، مع أنها لا ضابط لها في الشرع، ولا في اللغة.
1 - منها المعاطاة: فعلى أصل المذهب لا يصح البيع بها ولو اعتيدت، ولكن النووي قال: المختار الراجح دليلاً الصحة؛ لأنه لم يصح في الشرع اعتبار لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره.
2 - ومن أمثلة ذلك: أن يدفع ثوباً إلى خياط ليخيطه، أو قصار ليقصره، أو جلس بين يدي حلاق فحلق رأسه، أو دخل سفينة بإذن وسار إلى الساحل، فلا يستحقون شيئاً إذا لم يشترط عليهم شيئاً من المال، وإن جرت عادتهم بالعمل بالأجرة، والمختار خلافه.
ويتفرع عن هذه القاعدة الخامسة الأساسية عدة قواعد فرعية، وهي القواعد
الثلاث عشرة الآتية.
(1/313)

القاعدة: [40]
1 - كل اسم ليس له حد في اللغة، ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف
الألفاظ الأخرى
- ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف.
- ما أطلقه الشارع يعمل بمقتضى مسماه ووجوده.
ولم يَجْرِ تقديره وتحديده بمدة.
التوضيح.
إن الله تعالى أنزل شرعه في الحلال والحرام بنصوص اللغة العربية ومفرداتها.
وبعض الأسماء والكلمات لها دلالة لغوية محددة كالشمس والقمر والسماء والأرض والبر والبحر، ويقف العلماء عند دلالتها اللغوية، وبعضها حدد الشرع لها معنى ودلالة خاصة، وهي الألفاظ الشرعية أو المصطلحات الشرعية كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والأيمان، والإسلام، والتقوى، والكفر، والنفاق، وهذا ما بينه الله ورسوله فيجب الالتزام بدلالتها الشرعية، وبعض الألفاظ والكلمات يرجع
الناس في دلالتها إلى العادة والعرف، كالبيع، والنكاح، والقبض، والدرهم، والدينار، فليس لها حدّ في الشرع، ولا حد واحد في اللغة، ويختلف الناس في قدرها وصفتها باختلاف عاداتهم في الزمان والمكان، ولذلك تبقى دلالتها بحسب العرف والعادة، ويرجع في تحديد معناها إلى العرف الذي هو عادة جمهور قوم في قول أو فعل.
(1/314)

والدليل على ذلك هو الأدلة الواردة في القاعدة الأصلية "العادة محكمة"
مما يؤكد الاعتماد عليها من القرآن والسنة.
التطبيقات
1 - الأذى، والسب، والشتم، يرجع فيه إلى العرف، فما عدَّه أهل العرف سبًّا وانتقاصاً، أو عيباً أو طعناً، ونحو ذلك فهو من السب..
(ابن تيمية، الحصين 2/106) .
2 - عموم الولايات وخصوصها، وما يستفيده المتولي بالولاية، يتلقى من
الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، ولا في اللغة، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب، أو وزارة أخرى، في زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة، وولاية المال، وإثبات الأهلة، والنظارة على الوقف..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 156) .
3 - تنعقد العقود بما دل على مقصودها من قول أو فعل، فما عدّه الناس بيعاً فهو بيع، وما عدُّوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدُّوه وقفاً فهو وقف، وما عدُّوه ضماناً فهو ضمان، ولا يعتبر في ذلك لفظ معين، وليس له حد مستمر في الشرع ولا في اللغة، بل يتنوع بحسب عادات الناس وعرفهم، وينعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه من الصيغ والأفعال، وهذا عام في جميع العقود، لأن
الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حداً معيناً، بل ذكرها مطلقة، وليس لها حد في اللغة منضبط، فيرجع في تحديدها إلى عرف الناس وعاداتهم..
(ابن تيمية، الحصين 2/110) .
4 - المرجع في الأجور والأثمان إلى العرف، فيجوز البيع بثمن المثل، وبما يبيع به الناس، ويجوز الشراء بالعوض المعروف، والاستئجار بالعوض المعروف، دون تحديد سعر معين، ويرجع في تقدير العوض إلى العرف، وذلك لأن الله لم يشترط في
(1/315)

البيع إلا التراضي، ولم يحد له حداً يرجع الناس إليه، فكان مرجع ذلك إلى عرف الناس، وغالب الناس يرضون بالسعر العام، وبما يبيع به عموم الناس (ابن تيمية، الحصين 2/ 111) .
5 - أجرة المثل ليست شيئاً محدداً، كانما هي ما يساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة، وهي تختلف باختلاف الأحوال، والبلدان، والعادات، والمهن، والأعمال..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 111) .
6 - القبض في العقود يرجع في تحديده إلى عرف الناس، فما عدّه الناس قبضاً فهو قبض، وما لم يعدوه قبضاً فليس بقبض..
(ابن تيمية، الحصين 113/2) .
7 - العقد المطلق يحمل على عرف الناس وعاداتهم، ويرجع في موجَبه إلى العرف إذا لم يكن هناك تحديد لفظي من الطرفين، كالالتزامات الناشئة عن العقد، يرجع في تحديدها، ومن تجب عليه إلى العرف، كنفقة المضارب، وأجرة السمسار، وكتابة الصك، وأجرة إخراج البضاعة المبيعة من مستودعها، وأجرة كيلها أو وزنها من أجل تسليمها، كل ذلك يرجع إلى عرف المتبايعين إذا لم يكن هناك تحديد لفظي من
قبلهما، والعقد المطلق يقتضي السلامة من العيوب في الثمن والمثمن بحسب العرف، فإذا اكتشف أحد المتبايعين في نصيبه عيباً كان له الحق في الرجوع على صاحبه.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 112) .
8 - الجائحة التي ينفسخ العقد بحدوثها يرجع في تقديرها إلى عرف الناس
وعاداتهم كالجراد، أو ما يأكله الطير من الزرع..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 113) .
9 - رؤية المبيع، ليس من شرط المبيع أن يرى جميعه، بل ما جرت العادة برؤيته، مما يتعرف به على المبيع، - بحيث يتمكن المشتري من تصور المعقود عليه تصوراً سليماً، ويرجع في ذلك إلى العرف..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 113) .
(1/316)

القاعدة: [41]
2 - العقد العرفي كالعقد اللفطي
الألفاظ الأخرى
- العقد المطلق يحمل على عرف الناس وعادتهم.
- العقد المطلق يرجع في موجبه إلى العرف.
التوضيح
إن العقد العرفي عقد مطلق من كل قيد أو شرط، فيحمل على عرف الناس، لأن العقد المتعارف عليه يعقد بناء على أمر تقرر عند الطرفين العلمُ به، بحيث يعرف كل منهما مقصود صاحبه من العقد، وأنه ليس بمطلق، بل مقيد بأشياء متعارف عليها في هذا العقد، فتكون في قوة المنطوق في تحديد المراد به، فإن العرف كاللفظ، ويتقيد العقد بما جرى عليه العرف.
وهذه القاعدة فرع عن قاعدة "تنعقد العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل " وتلتقي جزئياً مع القاعدة الآتية "العروف عرفاً كالمشروط شرطاً".
وهذا يدل على سلطان العرف والعادة في تحديد موجبات العقود، والرجوع لهما عند عدم النص المخالف، وعند الاختلاف.
(1/317)

التطبيقات
1 - إذا ضارب شخص بمال شخص آخر، ثم أهدى العامل لمالك المال هدية، أو عمل له عملاً آخر - غير ما اتفقا عليه من المضاربة - بلا أجر، أو بأجرة زهيدة لا تساوي قيمة العمل (وهو ما يجري كثيراً اليوم)
فإن هذا العقد يكون رباً، ويكون عقد المضاربة محرماً، لأنه اشتمل على عقدين في عقد واحد، وهما وإن لم يصرحا بذلك، لكن العامل إنما أهدى الهدية لأجل المال الذي عنده، وقبل الآخر بذلك.
والعقد العرفي كالعقد اللفظي..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 217) .
2 - يجوز بيع الشيء بقيمته وبسعره الذي استقر عليه وبرقمه (وهو السعر المكتوب عليه) وإن لم يعلمه المشتري حال الشراء، لأن العقد العرفي كاللفظي، وموجب العقد المطلق في العرف البيع بثمن المثل، فإن الناس في العادة يرضون به، وإذا حصل غبن في ثمن المبيع كان له الخيار في الفسخ والإمضاء..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 217) .
3 - إذا قدم شخص لأحد الأكابر هدية، والعادة جارية أنه إذا قدم يُعطى ثمنه أو نظير الثمن، والعادة جارية على التعويض، وإنما أعطاه على هذا الشرط، فإنه يستحق أحد الأمرين: إما التعويض، وإما الرجوع في الموهوب..
(ابن تيمية، الحصين 2/218) .
4 - الإجارة المطلقة تحمل على المنفعة المعتادة، هما تناوله لفظ الإجارة، أو العرف المعتاد كان للمستأجر؛ لأن العقد العرفي كاللفظي، فإذا تعارفا على شيء، وعقدا العقد مطلقاً من قيد أو شرط، تقيد بالمتعارف بينهم، كإجارة الأرض لينتفع بها انتفاع مثله بمثلها..
(ابن تيمية، الحصين 2/218) .
(1/318)

القاعدة: [42]
3 - الممتنع عادة كالمتنع حقيقة (م/38)
التوضيح
الممتنع حقيقة: هو الذي لا يمكن وقوعه، كاجتماع النقيضين، فهذا لا يقبل
الادعاء به، ولا تسمع الدعوى فيه، ولا تقام البينة عليه، بل يرد، للتيقن بكذب مدعيه، كمن ادعى لمن يساويه سناً أنه ابنه أو أبوه، وكقوله لمن لا يولد مثله لمثله: هذا ابني.
والممتنع عادة: هو الذي لا يعهد وقوعه، وإن كان فيه احتمال عقلي بعيد.
كدعوى معروف بالفقر على آخر أموالاً جسيمة لا يعرف أنه أصاب مثلها بإرث أو غيره، فلا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته، ما لم يثبت مصدراً لهذا المال.
التطبيقات
يدخل في هذه القاعدة كل شيء مستبعد في العادة، وهو كثير، ومنه:
1 - لو ادعى المتولي أو الوصي أنه أنفق أموالاً عظيمة على عقار الوقف، أو
القاصر، كذبه فيها ظاهر الحال، فلا يصدق ولا تقبل بينته.
(الزرقا ص هـ 22، الدعاس ص 21) .
2 - إذا ادَّعت الزوجة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر فلا تصدق؛ لأن العادة أنها لا تُسلم نفسها قبل قبضه.
(الدعاس ص 21) .
3 - إذا ادَّعى المدعي إقرار المدّعى عليه بعد أن طالت الخصومة بينهما فلا تقبل دعواه (الزرقا ص 225) .
(1/319)

4 - لو ادَّعى القريب أو أحد الزوجين ملك ما باعه وسلمه الآخر باطلاعه، أو أن له حصة فيه، فلا تقبل دعواه.
(الزرقا ص 225) .
5 - لو ادَّعى الأجنبي على المشتري أن المبيع ملكه، أو أن له فيه حصة بعدما رآه يتصرف في المبيع تصرف الملاك في أملاكهم بالهدم أو البناء أو الغراس، فلا تسمع دعواه.
(الزرقا ص 225) .
6 - لو ادعى الولد الذي في عائلة أبيه، وصنعتهما واحدة أن الذي تحت يد والده ملكه أو له فيه حصة فلا يسمع له.
(الزرقا ص 225) .
فكل ذلك، وكذا تكذيب التواتر، لا تسمع الدعوى بشيء منه، ولا تقام البينة عليه..
(الزرقا ص 226) .
(1/320)

القاعدة: [43]
4 - استعمال الناس حجَّة يجب العمل بها (م/37)
التوضيح
الظاهر أن المراد باستعمال الناس هو نفس المراد من العادة، وهو أحد قولين في تفسير الاستعمال، ومعناه: أن عادةَ الناس إذا لم تكن مخالفة للشرع حجةٌ ودليل يجب العمل بها؛ لأن العادة مُحكَّمة (م/36) .
وقيل: الاستعمال: هو نقل اللفظ عن موضعه الأصلي إلى معناه المجازي شرعاً وغلبة استعماله فيه، ولا تظهر إرادته هنا، لأنه لا يتصثى إلا على قول الصاحبين المرجوح من أنه إذا كانت الحقيقة مستعملة، والمجاز أكثر استعمالاً منها، يراد باللفظ معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز، ولم يرجح قولهما، لقاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة" (م/ 12) .
وإذا لم يرجح يكون المعمول به قول الإمام، وحملها على المرجوح
بدون داع إليه غير موافق.
وإذا أريد بالاستعمال العرف العملي يكون موضوع القاعدة غير داخل تحت
الخلاف وهو أولى، وحينئذٍ فتكون القاعدة المذكورة تأكيداً لقاعدة
"العادة محكمة" (م/36)
وما قيل في تلك يقال في هذه.
وإذا تعارض العرف مع الشرع قدم عرف الاستعمال خصوصاً في الأيمان، لأن مبنى الأيمان على العرف والعادة، لا على نفس إطلاق الاسم، كالفراش والبساط والبيت، مع أن الله سمى الكعبة والمسجد بيتاً.
(1/321)

التطبيقات
1 - لو قال شخص لأحد من أهل ااصنالع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشاً، وقبل الصانع ذلك، انعقد البيع استصناعاً.
(الدعاس ص 36) .
2 - لو تقاول مع نجار لصنع زورق، وبين الطول والعرض وباقي الأوصاف، وقبل النجار، انعقد ذلك استصناعاً.
(الدعاس ص 37) .
3 - لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة، حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بلا خلاف.
(ابن رجب 2/ 570) .
4 - لو استعان شخص بآخر على شراء عقار أو سيارة، وبعد وقوع البيع طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر إلى تعامل الناس، فإن كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ الأجرة فللمستعان به أخذ أجرة المثل وإلا فلا.
(السدلان ص 359) .
5 - إعطاء الأجرة لأصحاب المكاتب العقارية من السماسرة والدلالين والسعاة، فقد جرى العرف والعادة في بعض البلاد على إلزام البائع بالأجرة، وفي بعض البلاد يلتزم المشتري بدفع الأجرة، وفي بعض البلاد تؤخذ من الطرفين.
وقد يختلف العرف والعادة بحسب المبيع في بلاد أخرى.
فيعمل بما جرت عليه عادة الناس.
(السدلان ص 395) .
(1/322)

القاعدة: [44]
5 - إنما تُعتبر العادة إذا اطردت أو غَلَبت (م/41)
الألفاظ الأخرى
- تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت.
- إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا.
التوضيح
هذه القاعدة قيد لقاعدة "العادة محكَّمة" (م/ 36)
وقيد لقاعدة "استعمال الناس حجّة يجب العمل بها" (م/37)
لأن ظاهر القاعدتين أن العادة مرعية على الإطلاق، فجاءت هذه القاعدة لتفيد التقييد بما إذا اطردت العادة أو غلبت، أما إذا
ساوت أو ندرت فلا تراعى.
فالعادة المعتبرة التي تبنى عليها الأحكام الشرعية إنما هي المطردة أو الغالبة، وإن الشيوع في الأكثر كافٍ؛ إذ لا عبرة للأقل، والعادة المعتبرة تنزل منزلة الشرط، وقد يعبر عن الاطراد بالعموم والشيوع بين الناس، ولو بالأغلبية، ولا يضر انخراقها أحياناً.
ولا تراعى العادة النادرة؛ لذلك أفتى الأكابر من فقهاء الحنفية بفساد الإجارة
المتعارفة عند خواص أهل بخارى فيما لو استقرض ألفاً مثلاً، واستأجر المقرض
لحفظ ملعقة أو ما شاكلها مدة معلومة بأجرة تزيد على قيمة الملعقة، توصلاً لحل المرابحة في القرض، وذكر بعضهم أن فسادها هو الصواب، وعلله بأن هذا الشيء لم تعرفه عامتهم، بل تعارفه خواصهم، والعرف لا يثبت بهذا القدر.
(1/323)

ولهذا قال السيوطي رحمه الله تعالى: "إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا".
التطبيقات
أ - لو باع بدراهم، أو بدنانير، وكانت مختلفة في المالية والرواج، ينصرف البيع إلى أغلبها رواجاً، وإذا كانت متساوية في الرواج، والمسألة بحالها، فسد العقد؛ لأنه يؤدي إلى التنازع.
(الزرقا ص 223) .
2 - لو باع التاجر في السوق شيئاً بثمن، ولم يصرح بحلول أو تأجيل، وكان المتعارف قيما بينهم أن البائع يأخذ الثمن كل جمعة قدراً معلوماً، انصرف إليه بلا بيان، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
(الدعاس ص 37) .
3 - لو جهز الأب ابنته جهازاً ودفعه لها، ثم ادعى أنه عارية، ولا بينة، فإن كان العرف أن الأب يدفع ذلك ملكاً لا عارية، لم يقبل قوله.
(الدعاس ص 37) .
4 - من أوقف على درس الحديث، ولم يعرف مراد الواقف، هل هو من يدرس مصطلح الحديث، أو يقرأ الحديث، فيتبع اصطلاح البلد وعُرْفه.
(الدعاس ص 38) .
(1/324)

القاعدة: [45]
6 - العبرة للغالب الشائع لا للنادر (م/43)
الألفاظ الأخرى
- للأكثر حكم الكل.
- الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر.
- الأقل يتبع الأكثر.
- الحكم للأغلب.
- إذا دار الشيء بين الغالب والنادر فإنه يلحق بالغالب.
- الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر.
- العبرة بالغالب الشائع، لا بالقليل النادر.
التوضيح
إذا بني حكم شرعي على أمر غالب وشائع فإنه يبنى عاماً للجميع، ولا يؤثر على عمومه واطراده تخلف ذلك الأمر في بعض الأفراد، أو في بعض الأوقات، وهذه القاعدة وثيقة الصلة بالقاعدة السابقة
"إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت"
ولأن الأصل اعتبار الغالب في الفقه الإسلامي.
ولا تبنى الأحكام على الشيء النادر القليل، بل تبنى على الغالب الشائع الكثير، إلا في بعض الحالات استثناء، وسيرد الخلاف عند الشافعية والمالكية في حكم النادر، فهل يلحق يحنسه أو بنفسه، وهل يلحق بالغالب؟
(1/325)

التطبيقات
1 - إن قصر الصلاة في السفر هو رخصة مشروعة، والحكمة في ذلك دفع مشقة السفر، ولكنها لم تنضبط لاختلافها بحسب الأشخاص والأحوال والأزمان، فأقيم السفر علة مقامها بحيث متى وجد السفر وجد القصر؛ لأن السفر يلازم المشقة غالباً، وتخلفها في بعض المترفين لا عبرة له؛ لأن الحكم يراعى في الجنس لا الأفراد، فيجوز قصر الصلاة في حقهم؛ لأن العبرة للغالب الشائع لا للنادر.
(الدعاس ص 38) .
2 - جوّز المتأخرون للدائن في هذا الزمن استيفاء دينه من غير نجس حقه، لغلبة العقوق وأكل الحقوق.
(الزرقا ص 235) .
3 - ليس للزوج أن يجبر زوجته على السفر من وطنها إذا كان نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها، لغلبة الإضرار في الأزواج، في العصور المتأخرة.
(الزرقا ص 235) .
4 - قال المتأخرون: ليس للقاضي أن يقضي بعلمه، لفساد حال القضاة غالباٌ.
(الزرقا ص 235) .
5 - صحح المتأخرون الاستئجار على الإمامة والأذان والتعليم، لتكاسل الناس عن القيام بها مجاناً غالباٌ.
(الزرقا ص 235) .
6 - قدر الفقهاء في الحضانة استغناء الصبي بالسبع، وحد الشهوة للأنثى بالتسع، لأنه الغالب.
(الزرقا ص 235) .
وأصبح الغالب في عصرنا التقدير بأكثر من ذلك.
7 - منع العلماء من سماع دعوى الزوجة بكل المهر المعجل على زوجها بعد
الدخول بها، بل يقال لها: إما أن تقري بما تعجلت، وإلا قضينا عليك بالمتعارف تعجيله، والقول للورثة في قدر ذلك، والقول للزوجة فيما زاد على المعجل إلى تمام مهر مثلها، وذلك لأنها لا تسلم نفسها عادة من غير أن تقبض.
(الزرقا ص 235) .
وقد تغيرت هذه العادة في عصرنا فيجب مراعاة ما استقر وشاع في ذلك.
8 - قدّر الفقهاء مدة الإياس من الحيض للمرأة بخمس وخمسين سنة لأجل أن
(1/326)

تعتد؛ لأن المرأة إذا بلغت هذه السن ففي الغالب ينقطع حيضها.
(الزرقا ص 236) .
وعند الشافعية الأشهر أن سن الياس اثنتان وستون سنة، والراجح الأظهر أنه يعتبر أقصى يأس نساء العالم، وإليه ميل الأكثرين، وقيل: يعتبر إياس أقاربها.
وجعل الفقهاء كلل ذلك أحكاماً عامة، مع أنه لا شك لا التخلف في بعض
الأفراد وفي بعض الأوقات، ولكن لم ينظروا له، وجعلوا العبرة للكثير الغالب.
(الزرقا: ص 236) .
9 - إن الغالب على الأطفال عدم جودة الصرف، فلا يصح منهم التصرف، وإن وجد من بعضهم جودة التصرف فهو نادر.
(السدلان ص 401) .
10 - إن سباع البهائم الغالب فيها الناب، وما وجد منها لا ناب له فهو نادر.
(السدلان ص 401) .
11 - إن الغالب على الناس أن من منع الطعام والشراب عشرة أيام يموت، وما وجد بخلاف ذلك فهو نادر.
(السدلان ص 401) .
12 - إن سن البلوغ كما قدره الفقهاء خمس عشرة سنة للذكر، وتسع سين
للأنثى؛ لأنها السن الذي يبلغ الأولاد فيها غالباً، فمن شذ منهم عن هذه السن كان نادراً لا عبرة له.
(السدلان ص 401) .
13 - قدر الفقهاء سنّ الإياس من الحيض للمرأة خمسين سنة، أو ستة وخمسين سنة، لأجل أن تعتد، لأن المرأة إذا بلغت هذه السنّ ففي الغالب ينقطع عنها الحيض عند الحنابلة.
(السدلان ص 402) .
14 - يحكم بموت المفقود لمرور تسعين سنة من عمره، لأنه الشائع الغالب بين الناس، مع أن البعض يعيش أكثر من ذلك إلا أنه نادر، والنادر لا حكم له.
(السدلان ص 402) .
(1/327)

15 - لو باع بدراهم وأطلق حمل على النقد الغالب، ولو اضطربت العادة في البلدة وتعددت النقود وجب البيان، وإلا بطل البيع.
(السدلان ص 402) .
16 - يصح الاستئجار على الأذان والإمامة وتعليم القرآن لقعود همم الناس عن القيام بها مجاناً في الغالب الشائع، مع وجود من يقوم بها محتسباً، لكنه نادر، والنادر لا حكم له عند الحنابلة.
(السدلان ص 403) .
17 - يعمل بغلبة الظن في الحكم بطهارة الماء الساقط من بيوت المسلمين.
(الغرياني ص 382) .
18 - تحمل عقود المسلمين على الصحة؛ لأن الغالب فيها كذلك.
(الغرياني ص 382) .
19 - الغالب في السفر المشقة، فتقصر فيه الصلاة، ويفطر الصائم في السفر، عملاً بالغالب، دون الالتفات إلى النادر كسفر الملك المرفه.
(الغرياني ص 382) .
20 - ترد شهادة العدو على عدوه، والصديق الملاطف لصديقه؛ لأن الغالب في الأول الحَيْف وعدم الإنصاف، وفي الثاني الميل والمحاباة، وقد لا يكون في شهادة العدو حيف، ولا في شهادة الصديق ميل، لكن ألغي لندرته وعمل بالغالب.
(الغرياني ص 383) .
21 - إذا نُظم الحلي بالجواهر، وكان في نزعه فساد، فالمشهور من مذهب مالك أن الأقل يتبع الأكثر، والزكاة بحسب الأكثر بزكاة النقد أو عروض التجارة، وقيل لكل حكم نفسه.
(المقري 2/ 511) .
22 - المرأة إذا وُجدت حبلى، ولم يكن لها زوج، ولم تدّع شبهة، فاحتمال أن تكون حملت مكرهة، أو بوطء شبهة، احتمالات نادرة، واحتمال أن تكون حبلت بزقً هو الأغلب والأكثر، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، دون النادر، فيحكم عليها بالحد..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 92) .
23 - المستحاضة إذا لم يكن لها عادة، ولا تمييز، فإنها تجلس كالب عادة النساء ستة أيام، أو سبعة، لأن الست أو السبع أغلب الحيض، فيلحق المشتبه به بالغالب،
(1/328)

إذ الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، دون النادر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 92) .
24 - إذا اختلف الزوجان في قبض المهر، فالمتوجه إن كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان، كما كان في سابق الأيام، فالقول قول من يوافق العادة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 92) .
25 - يغتفر ما قد يوجد في المعاملة من كرر يسير، إذا كان الغالب فيها السلامة من ذلك، لأن علة تحريم الغرر هو ما قد ينشأ عنه من نزاع وخصام، وأكل للمال بالباطل، فإذا كان الغرر يسيراً فاحتمال وقوع النزاع نادر، فيجري الحكم على الأغلب؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر، كما سنفصله في المثالين التاليين..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 95) .
26 - جواز بيع ثمر النخل إذا بدا صلاح بعضه، فإنه بعد بدو الصلاح يأمن من العاهة في الغالب، وإن كان احتمال إصابته بالعاهة وارداً، لكنه نادر، فيبنى الحكم على الأعم الأغلب دون النادر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 95) . -
27 - يجوز بيع المغيبات في الأرض، كالجزر واللفت وغيره، وإن كان باطنها لا يرى؛ لأن أهل الخبرة يستدلون بظاهرها على باطنها، وصدق هذا الاستدلال غالب، واحتمال عدم التوافق بين الظاهر والباطن نادر، فيلحق الفرد بالأعم الأغلب..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 95) .
28 - جواز اقتراض ما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه، ويثبت في الذمة مثله تقريباً، فوجود مثل الحيوان من كل وجه متعذر، لكن الاتفاق في أكثر الصفات يمكن، وهو الغالب، واحتمال وجود حيوان لا مثيل له نادر، فيلحق الحكم بالأعم الغالب دون النادر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 96) .
29 - يجوز بيع الأعيان الغائبة بالصفة، إذا وصفت وصفاً كافياً مشتملاً على ما تختلف القيمة باختلافه، وذلك أن المعتبر في معرفة المعقود عليه هو التقريب، واحتمال عدم القدرة على إعطاء الوصف المطلوب نادر، فبلحق الحكم بالأغلب..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 96) .
(1/329)

30 - الأصل فيما بيد المسلم أنه ملكه، وأنه حلال، وهذا بناء على أن الغالب كذلك، والا فقد يوجد بيد المسلم ما ليس ملكاً له، وما ليس بحلال، لكن ذلك نادر، رالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 96) .
31 - الغالب في أموال المسلمين أنها حلال، والحرام الموجود فيها من مغصوب أو رباً، أو نحو ذلك فهو قليل، لذلك يجوز البيع والشراء دون حاجة إلى بحث وسؤال، هل هذا المال مأخوذ بطريق حلال، أو أنه مأخوذ بطريق محرمة لأن الغالب في الأموال الحل، والحرام قليل، فيبنى الحكم على الأعم الأغلب.
وتجوز معاملة من في ماله حلال وحرام، إذا كان الغالب على أمواله الحل، وإن كان الورع ترك معاملته..
(ابن تيمية، الحصين 97/2) .
المستثنى
قد يقدم النادر على الغالب في الفقه لأمر يقتضي ذلك، كطلب التيسير على العباد، أو الرحمة بهم، أو التخفيف عليهم، ودفعاً للمشقة ورفع العنت، أو إبقاءً لمصالحهم وحفظاً على حقوقهم، أو صوناً لكرامتهم وحفظاً لأنسابهم، أو لدفع الرعب عن نفوسهم، أو أخذاً باليقين وعدم اعتبار الأمر الطارئ لقلته، أو عدم إمكان التحرز وهذا يعني أن العمل بالنادر أحياناً لا يتم جزافاً، ولا يكون مصادفة، وليس هو مما يوكل إلى رغبة الإنسان ويساير هواه، بل وفق قواعد شرعية معتبرة وضوابط معروفة، فمن ذلك:
(1/330)

1 - تصح صلاة من يمشي حافياً أو لابساً خفاً أو منتعلاً، مع أنه يغلب على
الطرقات مصادفة النجاسات، فيقدم النادر، وهو الطهارة، على الغالب، وهو النجاسة.
(السدلان 406) .
2 - رجح أكثر العلماء جواز صلاة من حمل صبياً، مع أن الصبيان الصغار لا يتحرزون عن النجاسات، والغالب على ملابسهم ملامسة النجاسات، ويندر أن تسلم منها.
(السدلان ص 406) .
3 - اتفق العلماء على صحة صلاة من أصاب ثوبه أو بدنه شيء من وحل الشوارع إذا كان يسيراً يعفى عنه، مع أن الغالب على هذا الوحل النجاسة، إذ الشوارع تدوسها الدواب، ويلعب فيها الأطفال، وذلك توسعة ورحمة بالعباد فتجوز الصلاة عن غير غسل الثوب أو البدن.
4 - يباح استعمال أواني الكفار التي يستعملونها، مع أن الغالب عدم تحرزهم عن النجاسات وكثرة مخالطتهم لها.
ورجح أكثر العلماء استعمال أوانيهم، والصلاة في ثيابهم التي يستعملونهما.
وتصل للمسلمين عن طريق التبرعات بواسطة هيئة الإغاثة الدولية، أو عن طريق الغنائم، أو عن طريق الشراء من الأسواق، والنادر طهارتها، إلا إذا علمت نجاستها فلا تصح الصلاة فيها.
ويلحق بذلك حكم الصلاة في ثياب الفساق من المسلمين كشاربي الخمر، ما لم يعلم إصابة الخمر لثيابهم.
(السدلان ص 457) .
5 - أجاز الشارع كل طعام أهل الكتاب توسعة على العباد ورحمة، إذ يندر طهارة ما يصنعونه بأيديهم وفي أوانيهم، ويغلب عليهم ملابسة النجاسات من الخمر والخنزير والميتة.
ويلحق بهذا جواز أكل طعام وذبائح بعض المسلمين الذين لا يحتاطون عن
ملامسة النجاسات والقاذورات، ويغلب عليهم عدم التحفظ منها كالصبي والمجنون والسكران على الراجح من قولي العلماء.
(السدلان ص 459) .
(1/331)

6 - إذا أقام رجل صالح دعوى على رجل فاجر، فإن القاضي يطالب المعروف بالصلاح بالبينة، ويكتفي من الفاجر باليمين، مع أن الغالب صدق الصالح، وكذب الفاجر.
(السدلان ص. 41) .
7 - طلب الشرع الزواج بقصد الإنجاب والذرية مع أن الغالب على الأولاد
الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي، والنادر صلاحهم.
(السدلان ص 416) .
8 - منع جمهور الفقهاء إقامة الحد على السارق بناء على القرائن وشواهد الأحوال دون الإقرار الصحيح أو البيِّنة المعتبرة، مع أن الغالب مصادفة القرائن للصواب والنادر مخالفتها له، صوناً للأعراض والأطراف عن القطع (القرافي 4/ 110) .
والأمثلة على ذلك كثيرة.
9 - الغالب على المرأة أن تلد بعد تسعة أشهر، فإذا ولدت المرأة بعد الطلاق بخمس سنين على أقصى تقدير، أو ولدت بعد زواجها بستة أشهر، جاز أن يكون الولد من زنا، وهو الغالب، أو من وطء الزوج، وهو نادر، فألغي الغالب، وألحق الولد بالزوج، رحمة بالعباد، تحصيلاً للستر، وصوناً للأعراض من الهتك..
(الغرياني ص 383، القرافي 3/ 3 5 2، 4/ 4 0 1) .
10 - الطين ومياه الطرقات المختلطة التي تصيب الثياب والنعال، الغالب
نجاستها، لما يصيبها من أرواث الدواب ومياه المراحيض، والنادر سلامتها، فألغي الغالب، وحكم بطهارتها، رفعاً للحرج.
(الغرياني ص 383، القرافي 4/ 105) .
11 - لباس الصبيان، وما يصنعه الكفار من الثياب والأطعمة، وكذلك ما
يصنعه المسلمون الذي لا يصلون، والحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما لُبِست وابتذلت، الغالب فيها النجاسة؛ لأن الصبيان والكفار والذين لا يصلون لا يتوقون النجاسة، ولا يحسنون التطهر، والنادر سلامتها من النجاسة، فحكم بطهارتها تغليباً للنادر، توسعة ورحمة بالعباد، أما ما يلبسه الكافر وغير المصلي
(1/332)

فلا تجوز الصلاة فيه، لما جاء في قاعدة "هل الغالب كالمحقق ".
(الغرياني ص 384، القرافي 4 / 105، 106)
12 - المتهمون ممن اشتهروا بالسرقة والإجرام، لا يجوز أخذهم بالتهمة دون بينة أو إقرار، مع أن الغالب صواب اتهامهم، والنادر عدمه، فألغي الغالب صوناً للأعراض والدماء.
(الغرياني ص 384) .
13 - ليس للحاكم أن يحكم لمن أتاه متظلماً باكياً شاكياً من خصم مشهور بالفساد والظلم دون بينة، مع أن الغالب في حاله الصدق، فألغي الغالب سداً لباب التهاون في الأحكام دون بينات، ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه.
(الغرياني ص 384) .
14 - الغالب على من وجد مع امرأة متجرداً في لحاف واحد أنه قد أولج، والنادر عدمه، وألغي الغالب، فلا يثبت الزنا. بمجرد ذلك، بل لا بدَّ من رؤية الإيلاج، حفاظاً على الأعراض.
(الغرياني ص 358) .
15 - الاشتغال بالعلم مأمور به، مع أن الغالب في الناس الرياء، والنادر
الإخلاص، ومقتضى الغالب النهي، لأن وسيلة المعصية معصية، فلم يعتبر الشارع الغالب، وأثبت حكم النادر.
(الغرياني ص 358، القرافي 4/ 106) .
16 - المتداعيان أحدهما كاذب قطعاً، والغالب أن أحدهما يعلم كذب نفسه، والنادر أن يكون قد وقعت له شبهة فلا يعلم، وعلى التقدير الأول يكون تحليف أحدهما لصاحبه سعياً في يمين فاجرة، فيكون حراماً، وقد ألغي هذا الغالب، فجاز تحليفه عملاً بالنادر، لطفاً بالعباد في تخليص حقوقهم، وهذا مثال استثنائي لقاعدة
" ما حرم فعله حرم طلبه ".
(الغرياني ص 358، القرافي 4/ 107) .
17 - شهادة العدل لنفسه، أو لولده، أو والده، أو على خصمه، أو حكم الحاكم العدل بعلمه، أو شهادته على فعل نفسه بعد عزله، الغالب في ذلك كله الصدق.
وقد ألغاه الشارع احتياطاً للحقوق، وسداً لباب التساهل في الأحكام.
(الغرياني ص 386) .
(1/333)

18 - أهمل الغالب والنادر معاً، فلم يؤخذ بهما في كثير من مسائل الشهادة
والرواية، ومنها شهادة الصبيان في الأموال، وشهادة الجمع الكثير من النساء في الحدود، وشهادة الجمع الكثير من الفسقة في الأموال وغيرها، وشهادة ثلاثة عدول في الزنا، ومنها عدم قبول رواية الحديث من الجمع الكثير الذي لم يبلغ حد التواتر ممن يغلب على الظن صدقهم، وعدم استحلالهم الكذب إما تديُّناً كالرهبان المعتقدين لتحريم الكذب، وإما طبعاً كالفسقة والعصاة الذين رأسهم أقوامهم وعرفوا بتوقيهم الكذب عادة، فلم تقبل شهادةُ ولا رواية مَنْ ذكر، مع أن الغالب
عليهم الصدق، والنادر الكذب، سدّاً لباب قبول المجروحين في الشهادة والرواية، حفظاً للشريعة، ورحمة بالعباد أن تنالهم دعاوى الكذَّابين، وقد ألغي النادر هنا أيضاً، ولو عمل به لحكم على من ذكر بأنه شاهد زور، ويؤدب، لكن ألغيت شهادتهم وروايتهم دون الحكم عليهم بذلك، فهو من إلغاء الغالب والنادر معاً، وجلد الثلاثة في شهادة الزنا ليس لأنهم شهود زور، وإنما للقذف..
(الغرياني ص 385، القرافي 4/ 109) .
(1/334)

القاعدة: [46]
7 - الحقيقة تترك بدلالة العادة (م/40)
الألفاظ الأخرى
- يحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم.
- تخصيص العموم بالعرف.
- يخص العموم بالعادة.
التوضيح
إن الأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز خلف عنه، وعند عدم القرينة ينصرف
اللفظ إلى معناه الحقيقي، إلا إذا تعذر إرادة المعنى الحقيقي، أو كان مهجوراً عادة وعرفاً فيأخذ حكم المتعذر، فتترك الحقيقة ويصار إلى العرف والعادة.
والحقيقة اللغوية تترك بدلالة العادة والعرف؛ لأن الاستعمال والتعارف يجعل
إطلاق اللفظ على ما تعورف استعماله فيه حقيقة بالنسبة إلى المستعملين، ويجعل إطلاقه على معناه الوضعي الأصلي في نظرهم مجازاً.
ومن المعلوم أن الأمر إذا دار بين الحقيقة والمجاز تترجح الحقيقة، وهي هنا العرف والعادة، ويترك المجاز، وهو المعنى الوضعي الأصلي، لقولهم:
"مطلق الكلام محمول على المعتاد".
وفائدة هذه القاعدة، بعد قاعدة " العادة محكمة" (م/ 36)
وقاعدة "استعمال
(1/335)

الناس حجّة يجب العمل بها" (م/37)
دفع ما عساه يتوهم من أن تحكيم العادة.
والعمل باستعمال الناس إنما يكونان حيث لم تعارضهما الحقيقة، وذلك بأن لم يكن بإزائهما حقيقة أصلاً، كمسألة التقاط الثمار الساقطة، المتقدمة تحت قاعدة "استعمال الناس حجة "، أو كان بإزائهما حقيقة، ولكنها كانت موافقة لهما، وأما إذا كانت مصادمة لهما فلا يكونان معتبرين، فنبه العلماء بهذه القاعدة على أن تحكيم العادة والعمل باستعمال الناس لا تقوى الحقيقة اللغوية على معارضتها، بل يعمل بهما دونها، وذلك كمسألة وضع القدم، ومسألة ما لو حلف لا يأكل رأساً، ولا يركب دابة، الواردتين في قاعدة "استعمال الناس حجة".
فظهر بهذا أن المراد بالحقيقة المذكورة في لفظ هذه القاعدة الحقيقة المهجورة، وإلا فإن الحقيقة المستعملة هي المعتبرة عند الإمام أبي حنيفة دون المجاز، وإن كان استعماله أكثر من استعمالها، ورأيه هو الراجح، ولذلك تعتبر هذه القاعدة مكملة لقاعدة
"استعمال الناس حجّة " (م/ 37) .
التطبيقات
1 - حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فينصرف إلى ثمرها إن كان لها ثمر، وإلا فلثمنها، صوناً لكلام العاقل عن الإلغاء؛ لأنه يتعذر إرادة المعنى الحقيقي (الدعاس ص 38) .
2 - لو حلف ألاَّ يضع قدمه في دار فلان، فينصرف إلى الدخول بأي وجه كان، راكباً، أو ماشياً، أو حافياً أو منتعلاً؛ لأنه هو المتعارف لا المعنى الحقيقي، وهو مباشرة القدم، دخل أم لم يدخل؛ لأنه مهجور عرفاً، والعرف قاضٍ على الوضع حتى لو تكلف ووضع قدمه ولم يدخل لا يُعدّ شيئاً، ولا يحنث؛ لأنه لم يتعذر المعنى الحقيقي هنا، لكنه مهجور عرفاً وعادة، فيأخذ حكم المتعذر، وتترك الحقيقة، ويصار إلى العرف والعادة.
(الدعاس ص 38) .
(1/336)

3 - كتبت شخص على قرطاس بخطه أن الدين الذي لي على فلان أبرأته منه، فيقبل ويسقط الدين؛ لأن الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان (م/ 1606) .
4 - أمر شخص آخر بكتابة سند بدين عليه لفلان بكذا، وأمضاه وختمه، كان ذلك حجة عليه عند الحاكم، لأنه من قبيل الإقرار بالكتابة، والأمر بكتابة الإقرار إقرار حكماً.
(م/ 1607) .
5 - القيود التي هي في دفاتر التجار المعتد بها هي من قبيل الإقرار بالكتابة، فلو كتب التاجر في دفتره أنه مدين لفلان بكذا، فتعتبر كتابته كإقراره الشفاهي (م/ 1608) .
6 - إن سند الدين الذي يكتبه الرجل، أو يستكتبه، ويعطيه لآخر ممضىً بإمضائه أو مختوماً بختمه يعتبر إقراراً بالكتابة، ويكون معتبراً ومرعياً كتقريره الشفاهي (م/ 1609) .
7 - من كتب سنداً، أو استكتبه، وأعطاه ممضى، أو مختوماً، إذا أقر بأنه له، ولكنه أنكر الدين الذي حواه فلا يعتبر إنكاره، ويلزمه أداء ذلك الدين (م/ 1610) .
8 - إذا أعطى إنسان سند دين، ثم توفي، يلزم ورثته قضاء الدين من التركة إذا أقروا بأن السند للمتوفى، لأنه حجة عليه (م/ 1611) .
9 - إذا ظهر في تركة المتوفى كيس مملوء بالنقود، وقد كتب علبه بخط الميت: إن هذا الكيس مال فلان، وهو عندي أمانة، يأخذه ذلك الرجل من التركة، ولا يحتاج إلى الإثبات بوجه آخر (م/ 1612) .
(الزرقا: ص 349) .
10 - الأيمان تنصرف إلى ما يعرفه الخاطب بلغته، وإن كان اللفظ يستعمل في غيره حقيقة أيضاً، كما إذا حلف؛ لا يأكل الرؤوس، فإما أن يراد رؤوس الأنعام، أو رؤوس الغنم، أو الرأس الذي يؤكل في العادة، وكذلك لفظ البيض الذي يعرفونه.
فأما رأس النمل والبراغيث ونحو ذلك فلا يدخل في اللفظ، ولا يدخل بيض
السمك، في اليمين..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 131، (ابن رجب 2/ 555، 558) .
11 - إذا تزوج امرأة على ألف دينار، وكانت العادة جارية بتنصيف الصداق،
(1/337)

وجعل بعضه معجلاً، وباقيه مؤخراً، فإنه يحمل كلامهم على ما جرت به عادتهم، فيجوز للزوج أن يؤخر نصف الصداق (1) ..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 132) .
12 - البيع بعشرة دراهم أو دنانير، ينصرف عند الإطلاق إلى ما يعرفه الناس من مسمى الدرهم، أو الدينار..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 137) .
13 - إذا شرط الواقف للناظر أو غيره ستة، والريع مئة، فإن العادة إذا زاد ريع وإيراد الوقف أن تزيد أجرة الناظر، ويحمل كلامه على ما جرت به عادة الناس.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 137) .
14 - إذا وكله بشراء دابة، وكان معروفاً بينهم أنه الفرس، أو ذات الحوافر، لم ينصرف هذا المطلق إلا إلى المتعارف بينهم..
(ابن تيمية، الحصين 137/2) .
15 - حلف ألا يأكل شواء، اختصت يمينه باللحم المشوي دون البيض وغيره مما يشوى، وكذا لفظ الدابة والسراج والوتد.
(ابن رجب 2/ 555) .
16 - حلف لا يأكل اللحم، فأكل لحم سمك، فلا يحنث.
(ابن رجب 2/ 559) .
17 - حلف لا يتكلم، فقرأ، أو سبح، فالمشهور أنه لا يحنث.
(ابن رجب 2/ 562)
18 - لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من
الزمان دون غيره بلا خلاف.
(ابن رجب 2/ 570) .
__________
.
(1) يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: " من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب عل اختلاف عرفهم وعوائدهم، وأزمنتهم وأمكنتهم، وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم، على اختلاف بلادهم وعوائدهم، وأزمنتهم وطبائعهم.
بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضَّر على أديان الناس وأبدانهم " أعلام الموقعين 3/ 89) .
(1/338)

القاعدة: [47]
8 - الكتابُ كالخطاب (م/69)
الألفاظ الأخرى
- البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان.
- البيان بالكتاب كالبيان باللسان.
التوضيح
إن الكتابة بين الغائبين كالنطق بين الحاضرين؛ لأن القلم أحد اللسانين، وقد
كان - صلى الله عليه وسلم - مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغهم مرة بالكتاب، ومرة بالخطاب، والقرآن أصل الذين، وقد وصل إلينا بالكتاب.
ويشترط في الكتابة حتى تثبت بها الأحكام شرطان:
أ - أن تكون الكتابة مستبينة، أي مكتوبة على شيء تظهر وتثبت عليه، فلا عبرة بالكتابة على سطح الماء أو في الهواء، ونحو ذلك.
ب - أن تكون الكتابة مرسومة، أي مكتوبة بالطريقة المعتادة بين الناس في الخط والخطوط عليه، ليخرج غيرها.
أما الطريقة المعتادة في الخط فبان يكون مُعَنْوناً ومُصَدَّراً باسم المرسل والمرسَل
إليه، كقوله: من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، وأن يكون مختوماً أو موقعاً عليه من المرسِل المتكلم، والظاهر في زماننا أنه يكفي أن يكون مذيلاً بإمضائه أو ختمه، كما تفيده المجلة (م/1609)
وأن ذلك يغني عن تصديره بقوله: من فلان.
(1/339)

وأما الطريقة المعتادة في الخطوط عليه فبأن يكون كاغداً، فلو كتب على الجدار أو ورق الشجر، أو على الكاغد لا على وجه الرسم، فإنه لا يكون حجة إلا بالإشهاد عليه أو الإملاء على الغير ليكتبه، وفي زماننا أن تكون الكتابة على قرطاس وورق كتابة، لا على نحو ألواح عظام، أو ورق شجر ونحوها.
والتقييد بالغائب لإخراج الحاضر، فإن كتابته لا حكم لها، إلا لحاجة
كالأخرس، ويختلف أثر الكتابة وتحديد وقتها بحسب العقود والتصرفات.
التطبيقات
1 - إذا كانت الكتابة في العقود التي تتوقف على علم الآخر ورضاه، كالبيع والإجارة والشركة والزواج، فلا تأخذ الكتابة مفعولها من بدء الكتابة، بل من بدء وصول الكتاب، وعقد قراءته، وعندها يعتبر الموجب والقابل، فيعتبر مجلس بلوغ الكتاب، ولا يظهر أثر الخط إلا على القبول.
(الزرقا ص 349، الدعاس ص 39) .
2 - وكذا الحكم في الكتابة في التفويض بالطلاق، فإنه يقتصر على المجلس، وبعتبر فيه مجلس بلوغ الكتاب (الزرقا ص 349) .
3 - إذا كان التصرف يتوقف على العلم فقط كالوكالة فلا يظهر تقييده بالمجلس، ويكفي فيه الاطلاع على ما في الكتاب.
(الزرقا ص 349) .
4 - إن التصرفات التي لا تفتقر إلى إطْلاع الطرف الثاني، مما يستقل به الإنسان كالاقرار، والطلاق، والعتاق، والإبراء، كما إذا كتب: امرأته طالق، أو عبده حر (بالإضافة إلى ياء المتكلم فيهما) فإنه لا حاجة في ذلك إلى الإطلاع، بل ولا إلى الإرسال، ولا يتقيد بالغيبة، ويقع الطلاق، والعتاق، والإبراء، والإقرار، بمجرد الكتابة نوى أو لم ينو، إذا كان الخط مرسوماً، وكذلك لو كتب: إنَّ الدَّين الذي لي على فلان ابن فلان أبرأته عنه صح، وسقط الدين، وظاهره أنه يسقط بمجرد الكتابة أيضاً.
(الزرقا ص " 35، الدعاس ص 40) .
5 - من أراد أن يخطب امرأة وبتزوجها فكتب إليها بالخطبة والزواج، فإذا بلغ
(1/340)

المرأة الكتاب، وأحضرت الشهود، وقرأته عليهم، وقالت: زوجت نفسي منه، انعقد النكاح وصح (الدعاس ص 40) .
6 - إن القاضي يعمل بما وجده في أيدي القضاة الماضين، وله رسوم في دواوينهم أي سجلات.
(الدعاس ص 40) .
(1/341)

القاعدة: [48]
9 - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان (م/70)
الألفاظ الأخرى
- الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان.
- إشارة الأخرس كعبارة الناطق.
- إشارة الأخرس المفهمة كالنطق.
- إشارة الأخرس أقيمت مقام العبارة.
التوضيح
إن الإشارة المعهودة أي المعلومة المعتادة للأخرس الأصلي، بعضو من أعضائه، كيده، أو رأسه، أو عينه، أو حاجبه، معتبرة كالبيان باللسان، وهي بمنزلة نطقه فتعتبر.
وهذا استحسان ضرورة، كما أن الشرع اعتبر ذلك منه في العبادات، فإذا حرك لسانه بالتكبير والقراءة ونحوها كان صحيحا، ولو لم يعتبر ذلك منه مات جوعاً وعطشاً، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بالإشارة بقوله: " الشهر هكذا وهكذا
.
(1/342)

وهكذا، وخنس إصبعه في الثالثة، يعني تسعاً وعشرين، وثلاثين "
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد.
ويشترط لصحة اعتبار إشارة الأخرس أن تكون مفهومة ومعهودة يفهمها كل من وقف عليها كالتحريك برأسه طولاً للموافقة وعرضاً للرفض.
ولا يشترط لاعتبار إشارة الأخرس عدم علمه بالكتابة على المعتمد، فإذا كان عالماً بالكتابة ولم يشهد، أو أشار ولم يكتب، فإنه يكون معتبراً، ولكن شرطوا لإيقاعه الطلاق أن يكون مقروناً منه بتصويت.
والاحتراز بالأخرس عن القادر عن التكلم، فإن إشارته لا تعتبر إذا كانت
مستقلة، إلا في مسائل: منها: الإسلام، والكفر، والنسب، والإفتاء، وأما إذا لم تكن مستقلة بأن استعان بها على تفسير لفظ مبهم في كلامه فتعتبر، كما لو قال لزوجته: أنت طالق هكذا (وأشار بثلاث مثلاً) .
فيقعن بخلاف ما لو قال: أنت طالق (وأشار بثلاث) فإنه يقع واحدة.
والاحتراز بالأخرس الأصلي عن العارض، وهو معتقل اللسان، فإنه لا تعتبر
إشارته إلا إذا اتصل بعقلته الموت، أو دامت سنة، فحينئذ تعتبر إشارته المعهودة، وإلا فلا.
التطبيقات
1 - إشارة الأخرس في النكاح، والطلاق، والعتاق، والبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والإبراء، والإقرار، والنكول، والقصاص في إحدى الروايتين معتبرة.
(الزرقا ص 351، الدعاس ص 40) .
2 - تصح إشارة الأخرس في الحلف، وكيفية تحليفه أن يقول له القاضي: عليك
(1/343)

عهد الله وميثاقه إن كان كذا، فإذا أومأ برأسه: نعم، يصير حالفاً، ولا يقول له: بالله إن كان كذا؛ لأنه لو أشار برأسه بنعم يكون مقرًّا بالله، لا حالفاً به، والظاهر أنه لا بدَّ في تحليفه من إشارة مع اللفظ من القاضي، أو جلوازه، تُفْهِمه أن ذلك تحليف.
(الزرقا ص 351) .
المستثنى
1 - لا تقبل إشارة الأخرس في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات.
(الزرقا ص 351) .
2 - لا تقبل إشارة الأخرس في الشهادة؛ لأنها تعتمد على لفظ أشهد.
(الزرقا ص 351) .
3 - لا تقبل إشارة الأخرس في القصاص في إحدى الروايتين.
(الزرقا ص 351) .
4 - يشترط لقبول إشارة الأخرس في الطلاق أن تكون مقرونة منه بتصويت.
(الزرقا ص 351) .
5 - لا بدَّ في تحليف الأخرس من إشارة مع اللفظ من القاضي أو جلوازه، تفهمه أن ذلك تحليف.
(الزرقا ص 351) .
(1/344)

القاعدة: [49]
10 - المعروف عرفًا كالمشروط شرعًا (م/43)
الألفاظ الأخرى
- المشروط عرفاً كالمشروط شرعاً.
- العرف كالشرط.
- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
- الإذن العرفي كالإذن اللفظي.
- كل ما دل على الإذن فهو إذن.
- الثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النص.
- الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو بالشرط.
- الثابت بالعادة كالثابت بالنص.
- الثابت عرفاً كالثابت شرطاً.
- المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص.
التوضيح
إن المعروف المعتاد بين الناس، وإن لم يذكر صريحاً، فهو بمنزلة الصريح لدلالة
العرف عليه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً، وفي كل محل يعتبر ويراعى فيه، شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بألَّا يكون مصادماً للنص بخصوصه، إذا
(1/345)

تعارفه الناس، واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح، فهو مرعي، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح؛ لأن العادة محكمة (م/ 36) .
وهذا رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة.
أما إذا كان الشرط المتعارف الصريح غير معتبر شرعاً، وذلك بأن كان مصادماً للنص بخصوصه، فلا يكون معتبراً إذا تعارف الناس العمل عليه بدون اشتراط، فلو تعارف الناس مثلاً تضمين المستعير والمستأجر ما تلف من العين المعارة أو المأجورة بدون تعدٍ ولا تقصير منه، لا يعتبر ذلك التعارف ولا يراعى، لأنه مضادّ للشارع.
وإنَّما قيد الشرط بالمتعارف، لأن غير المتعارف لا يعتبر إلا إذا كان شرطاً يقتضيه العقد، كاشتراط حبس المبيع لاستيفاء الثمن، أو يلائمه، كاشتراط كفيل حاضر ورهن معلوم، فهو غير ما نحن فيه.
التطبيقات
1 - إن توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود تحمل على عادة كل بلد، كالإجارة ونحوها.
(الدعاس ص 41) .
2 - لا تسمع الدعوى بخلاف ما تعورف واعتيد العمل به بدون شرط، كما لا تسمع الدعوى بخلاف ما شرط صريحاً مما تعورف، ولذا قالوا: لو ادَّعى نازل الخان، وداخل الحمام، وساكنُ المعَدِّ للاستغلال، الغصب، ولم يكن معروفاً به، لم يصدق في ذلك، ويلزمه الأجر، كما لو استخدم صانعاً في صنعة معروف بها، وبها قوام حاله ومعيشته، ولم يعين له أجرة، ثم طالبه بالأجر، فادعى أنه استعان به مثلاً، فإنه لا يسمع منه، ويلزمه أجر مثله.
(الزرقا ص 237) .
3 - لو جهز الأب ابنته بجهاز، ودفعه لها، ثم ادعى أنه عارية، ولا بيِّنة، فإنه ينظر إن كان العرف مستمراً أن مثل ذلك الأب يدفع ذلك الجهاز عارية أو ملكاً، فإنه
(1/346)

يتبع، ويكون القولُ قولَ من يشهد له العرف، والبينة بينة الآخر، وإن كان العرف مشتركاً فالقول قول الأب، والبينة بينة البنت.
(الزرقا ص 238) .
4 - لو اختلف البائع والمشتري في دخول البرذعة، أو الإكاف في البيع، فإنه يُحكم العرف.
(الزرقا ص 238)
ويقال مثل ذلك فيما يدخل مع السيارة عند بيعها اليوم.
5 - لو دفع الأب ابنه إلى الأستاذ مدة معلومة ليعلمه الحرفة، ثم اختلفا، فطلب كل منهما من الآخر الأجر، فإنه يحكم بالأجر لمن شهد له عرف البلدة.
(الزرقا ص 238) .
6 - يعتبر العرف في أن الحمال يُدخِل المحمول إلى داخل الباب أو لا.
(الزرقا ص 238) .
7 - لو أجر رجل عاملاً عنده من غير تحديد الأجرة فيجبر صاحب العمل على دفع الأجرة المتعارف عليها.
(السدلان ص 456) .
8 - لو سكن رجل داراً معدَّة للإيجار من غير أن يتفق مع صاحبها على أجرة، فيجب عليه دفع الأجرة المماثلة المتعارف عليها.
(السدلان ص 456) .
وكذا لو ركب سيارة أجرة، أو باصاً، أو قطاراً، فيجب عليه دفع الأجرة
المتعارف عليها.
9 - لو استأجر رجل دابة للحمل فإن له تحميلها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر عليها منه، ولا يجوز أن يحملها أكثر من طاقتها المعتادة، وكذا لو استأجر سيارة شحن فليس له أن يزيد في الحمولة عما هو مقرر معتاد، وكذا سيارة الركوب تستعمل بحسب العرف، وإلا كان معتدياً وضامناً.
(السدلان ص 456) .
10 - عقود التعاطي، والشراء من الجمعيات، والدكاكين التي تضع السلع
مسعرة، وعليها الثمن، ثم يدفع المشتري ذلك عن طريق الصندوق والمحاسب بحسب ما تعارف الناس عليه.
(السدلان ص 457) .
(1/347)

ولا يأخذ الشافعية بهذه القاعدة، وذكر السيوطي رحمه الله تعالى أن الأصح في رأيه تنزيل العادة منزلة الشرط، وهو الموافق لرأي الجمهور.
(1/348)

القاعدة: [50]
11 - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص (م/45)
الألفاظ الأخرى
- المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص.
- الثابت عرفاً كالثابت نصاً أو نطقاً أو ذكراً.
- الثابت بالعادة كالثابت بالنص.
التوضيح
المراد من النص نص القرآن أو الحديث، ويعرف النص في أصول الفقه: بأنه هو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره، ويطلق في الفقه الشافعي على ما نصَّ عليه الشافعىِ في كتبه، وفي الفقه الحنبلي ما نص عليه الإمام أحمد.
ومعنى هذه القاعدة أن أي حكم يترتب على التعيين بمريح النص، يترتب على التعيين بالعرف والعادة، وهذه القاعدة بمعنى قاعدة
"الممتنع عادة كالممتنع حقيقة" (م/38)
وقاعدة "استعمال الناس حجة يجب العمل بها " (م/37)
وقاعدة " المعروف عرفاً كالمشروط شرطأ" (م/ 43)
وقاعدة "المعروف بين التجار كالمشروط بينهم " (م/ 44) .
وتنطبق الأمثلة نفسها في هذه القواعد.
التطبيقات
1 - من قال: عليَّ الطلاق، قد أصبح هذا اللفظ في حقه: كأنتِ طالق؛ لأن العرف سوى بينهما في الاستعمال.
(الدعاس ص 41) .
(1/349)

2 - من حلف: لا يأكل لحماً، لا يحنث بأكل السمك، إذا كان اللحم المتعارف عليه في بلده هو لحم الضأن.
(الدعاس ص 41) .
3 - لو استأجر داراً أو حانوتاً بلا بيان من يسكن، أو بلا بيان ما يعمل فيه، فله أن ينتفع بجميع أنواع الانتفاع، غير أنه لا يسكن، ولا يُسكن حداداً ولا قصاراً، ولا طحاناً، من غير إذن المؤجر.
(الزرقا ص 241) .
4 - لو استأجر حانوتاً في سوق البزازين مثلاً، فليس له أن يتخذه للحدادة أو الطبخ أو نحو ذلك مما يؤذي جيرانه.
(الزرقا ص 241) .
(1/350)

القاعدة: [51]
12 - المعروف بين التجار كالمشروط بينهم (م/44)
التوضيح
هذه القاعدة في معنى القاعدة "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (م/43)
ولا تفترق عنها إلا أن تلك القاعدة في مطلق العرف، وهذه خاصة في عرف التجار، كما أن هذه القاعدة دَاخلة في قاعدة
"التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " (م/ 45)
ولكن العلماء ذكروا هذه القاعدة للاهتمام بشأن المعاملات التجارية، هما يقع بين التجار من المعاملات والعقود ينصرف عند الإطلاق إلى العرف والعادة عندهم، ما دام هذا العرف لا يصادم نصًّا شرعياً، فإن صادمه كان العرف لاغياً.
فإذا وقع التعارف والاستعمال بين التجار على شيء غير مصادم للنص فإنه يتبع وينصرف إليه عند الإطلاق، ولا تسمع دعوى إرادة خلافه.
التطبيقات
1 - لو تبايع تاجران شيئاً، ولم يصرحا في صلب العقد أن الثمن نقد أو نسيئة، فلو تعارفوا تأدية الثمن بعد أسبوع، أو غيره، لا يلزم المشتري أداء الثمن حالاً، وينصرف إلى عرفهم وعادتهم.
(الدعاس ص 42) .
2 - لو باع التاجر شيئاً، وقد جرى العرف على أن يكون بعض معلوم القدر من الثمن حالاً، أو على أن دفع كل الثمن يكون منجماً على نجوم معلومة، يكون ذلك العرف مرعياً بمنزلة الشرط الصريح، ولا تسمع دعوى إرادة خلافه.
(الزرقا ص 239) .
(1/351)

3 - لو اشترى رجل بضاعة مثلاً من بلد أجنبى على أن تشحن له إلى ميناء معين، ولم يوضح في العقد على من تكون أجرة الشحن، فيُتَبع العرف المشهور بين التجار، ويُحكّم كأنه شرط متفق عليه سلفاً.
(السدلان ص 460) .
4 - العمل بالسفتجة، والحوالات المصرفية، والسند المعروف بين التجار.
والشيكات وغير ذلك، فيجرى بينهم على عرفهم.
(السدلان ص 461) .
(1/352)

القاعدة: [52]
13 - لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان (م/39)
التوضيح
قد يكون بعض الأحكام الشرعية يبنى على عرف الناس وعاداتهم، فإذا اختلفت العادة عن زمان قبله، تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم، وأما ما أصله على غير ذلك فلا تتغير..
فالأحكام الشرعية الاجتهادية تنظم ما أوجبه الشرع الذي يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية، فكم من حكم كان تدبيراً نافعاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو يفضي إلى عكسه، وعلى هذا أفتى كثير من الفقهاء في شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم الأولون.
قال ابن عابدين: كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله
لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان أولاً، للزم المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، ولهذا نرى مشايخ المذهب (الحنفي) خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به، أخذاً من قواعد مذهبه. أهـ.
(1/353)

فلا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، أي بتغير عرف أهلها وعادتهم، فإذا كان عرفهم وعادتهم يستدعيان حكماً ثم تغيرا إلى عرف وعادة أخرى فإن الحكم يتغير إلى ما يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعادتهم.
وإن ذلك مقرر ومسلم وثابت في الشرع، وهو سنة الله سبحانه في تشريعه لعباده، فإنه تعالى حين بدأ خلق الإنسان، وكان الحال ضيقاً لقلة عدد الذرية أباح نكاح الأخت لأخيها، ووسع في أشياء كثيرة، وبقي ذلك إلى أن حصل الاتساع، وكثرت الذرية، فحرم ذلك في زمن بني إسرائيل، وحَرّم عليهم السبت والشحوم ولحوم الإبل وأموراً كثيرة، وكانت توبة الإنسان بقتله، وإزالة النجاسة بقطعها، إلى غير ذلك من التشديدات، ثم لما جاء آخر الزمن، وضعف التحمل، وقلّ الجلد، لطف الله سبحانه بعباده، وخفف عنهم بإحلال تلك المحرمات، ورفع تلك التكليفات
وقبول التوبات، كل ذلك بحسب اختلاف الأحوال والأزمان، سنة الله الجارية في خلقه.
وقيل: تغير الأحكام إحداثها وابتداء سنّها بعد أن لم تكن، كما فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وإذا ادُّعي اختلاف الأحوال إلى تغير بعض الأحكام، أو إثبات أحكام، فلا بدَّ أن تكون تلك الأحكام المسنونة بحال تشهد لها قواعد الشرع بالاعتبار، أو تكون بحال إذا لم تشهد لها بالاعتبار لا تشهد عليها بالإبطال، كان تكون من المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها، ولوحظ فيها جهة منفعة، فإنها يجوز العمل بها، وإن لم يتقدمها نظير في الشرع يشهد باعتبارها، كما وقع لسيدنا الصديق في توليته عهد الخلافة لعمر رضي الله عنهما، وكترك الخلافة شورى بين ستة، وكتدوين الدواوين، وضرب السكة، واتخاذ السجون، وغير ذلك كثير مما دعا إلى سنّه تغير الأحوال والأزمان، ولم يتقدم فيه أمر من الشرع، وليس له
(1/354)

نظير يلحق به، ولوحظ فيه جهة مصلحة، كما تقتضي القاعدة الأخرى "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" (م/ 32) .
ولكن ما الأحكام التي يجب تغييرها بتغير الزمان؟ وما الأحكام التي لا يجوز
تغييرها بتغير الزمان؟
والجواب: أنه اتفقت كلمة المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية التي بُنيت على القياس ودواعي المصلحة.
فإذا أصبحت لا تتلاءم وأوضاع الزمان ومصلحة الناس وجب تغييرها، وإلا كانت عبثاً وضرراً، والشريعة منزهة عن ذلك، ولا عبث فيها.
أما الأخكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى، والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل
الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال.
ولكن وسائل تحقيقها، وأساليب تطبيقها، قد تتبدل باختلاف الأزمنة
والمحدثات، فوسيلة حماية الحقوق مثلاً، وهو القضاء كانت محاكمه تقوم على
أسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية، فيمكن أن تتبدل إلى أسلوب محكمة الجماعة، وتعدد الدرجات للاحتياط، فالتبدل في الحقيقة في مثل هذه الأحكام، ما هو إلا تبدل الوسائل للوصول إلى الحق، والحق ثابت لا يتغير.
والحقيقة أن الأحكام الشرعية التي تتبدل بتبدل الزمان، المبدأ الشرعي فيها
واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدل الأحكام إلا تبدل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإن تلك الوسائل والأساليب في
(1/355)

الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً، وأنجح في التقويم علاجاً.
والضابط في هذه القاعدة أن الأحكام المبنية على المصلحة والعرف تتغير بتغير
مصالح الناس وأعرافهم وعوائدهم مع تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال.
التطبيقات
أ - لما كان لون السواد في زمن الإمام أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، يعدّ عيباً قال بان الغاسب إذا صبغ الثوب بالسواد يكون قد عيبه، ثم بعد ذلك لما تغير عرف الناس، وصاروا يعدونه زيادة، قال الصاحبان: إنه زيادة.
(الزرقا ص 227) .
2 - لما كانت الدور تبنى بيوتها على نمط واحد، قال المتقدمون غير زفر: يكفي لسقوط خيار الرؤية رؤية بيت منها، ولما تبدلت الأزمان، وصارت بيوت الدور تبنى على كيفيات مختلفة، واختلف طراز الإنشآءات وصارت الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم رجح المتأخرون قول زفر من أنه لا بدَّ من رؤية كل البيوت ليسقط الخيار، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان.
(الزرقا ص 227، الدعاس ص 43) .
3 - قال المتقدمون: إن الدائن ليس له استيفاء دينه من مال المدين حال غيبته إلا إذا كان من جنس حقه، لما كان في زمانهم من انقياد الناس إلى الحقوق، ثم لما انتقلت
(1/356)

عادة الناس إلى الجحود، قال الفقهاء: للدائن استيفاء دينه ولو من غير جنس حقه.
(الزرقا ص 227) .
3 - قال المتقدمون: على الزوجة أن تتابع زوجها بعد الفائه لها معجل مهرها حيث
أحبّ، لما كان في زمانهم من المودة والوفاء، ثم لما انتقلت عادة الناس إلى العقوق والإضرار، قال المتأخرون: لا تجبر الزوجة على متابعة الزوج إلى غير وطنها الذي
نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها لتغير حال الناس إلى العقوق.
(الزرقا ص 227) .
4 - لما ندرت العدالة، وعزت في هذه الأزمان المتأخرة قالوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأقل فجوراً فالأقل.
(الزرقا ص 229) .
فالشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهي المحافظة على الواجبات الدينية
والمعرفة بالصدق والأمانة، إلا أن الكثير من الفقهاء المتأخرين لاحظوا ندرة العدالة الكاملة لكزة الفساد وضعف الذمم والوازع الديني، فإذا تطلب القضاة دائماً العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم، حيث تقل العدالة، ومعنى الأمثل فالأمثل أي الأحسن فالأحسن حالاً من الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي.
أي أنهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسجية.
(الدعاس ص 44) .
5 - وقالوا مثل ذلك في القضاة وغيرهم، إذا لم يوجد العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً، لئلا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق والأحكام، فقد حسن ما كان قبيحاً، واتسع ما كان ضيقاً، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان، فإن خيار زماننا هم أراذل أهل العصر الأول، وولاية الأراذل فسوق.
(الزرقا ص 229) .
6 - جوز الفقهاء تحليف الشهود عند إلحاح الخصم، وكذا إذا رأى الحاكم ذلك لفساد الزمان.
(الزرقا ص 229) .
(1/357)

7 - جوزوا أيضاً إحداث أحكام سياسية لقمع الدعار وأرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان، وأول من فعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
(الزرقا ص 229) .
8 - ومما يتفرع على القاعدة: منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل إلا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مطلقاً لهم، لما رأى من تغير حالهم.
(الزرقا ص 229) .
9 - القيام بالواجبات الدينية، لا يجوز أخذ الأجر عليها، كالإمامة وخطبة
الجمعة، وتعليم القرآن. . إلخ.
بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً، لأنه واجب شرعي، غير أن المتأخرين من الفقهاء لاحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات.
فأفتوا بجواز أخذ الأجرة عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم، وإقامة الشعائر الدينية بين الناس.
(الدعاس ص 43) .
15 - إن المدين - في أصل المذهب الحنفي - تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية.
ثم لما فسدت ذمم الناس، وكثر الطمع وقلَّ الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنفي والحنبلي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
(الدعاس ص 44) .
11 - ورد في "صحيح البخاري " وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ضالة الإبل: هل يلتقطها من يراها لتعريفها وردّها على صاحبها متى ظهر؛ (كضالة الغنم ونحوها من الأشياء الصغيرة التي يخشى عليها) فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التقاطها؛ لأنها لا يخشى عليها
(1/358)

ما يخشى على غيرها من الضياع، وأمر بتركها ترد الماء، وترعى الكلأ حتى يلقاها ربها، فاستثنى الإبل من حكم التقاط الضالة.
فلما كان عهد عثمان بن عفان أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها، كبقية الضوال، على خلاف ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - واستثناه، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها.
وروى ذلك مالك عن ابن شهاب الزهري؛ لأن عثمان رأى أن الناس قد دبَّ إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبير أصون لضالة الإبل، وأحفظ لحق صاحبها، خوفاً من أن تنالها يد سارق أو طامع.
فهو بذلك - وإن خالف أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر - إنما هو موافق لمقصوده.
إذ لو بقي العمل على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان لآل إلى عكس مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صيانة الأموال، وكانت نتيجته ضرراً.
(الدعاس ص 46) .
12 - ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه:
"من كتب عني غير القرآن فليمحه ".
إلا ما ثبت استثناء من كتابة بعض الصحابة.
واستمر الصحابة والتابعون غالباً يتناقلون السنة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري عملاً بهذا النهي.
ثم انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني إلى تدوين السنة النبوية بأمر الخليفة
العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى؛ لأنهم خافوا ضياعهم بموت حفظتها، ورأوا أن سبب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابتها إنما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلما عَمَّ القرآن، وشاع حفظاً وكتابة ولم يبق
هناك خشية في اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنة، بل أصبحت كتابتها واجبة، لأنها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع، والحكم يدور مع علته ثبوتاً وانتفاءً.
(الدعاس ص 46) .
(1/359)

ويمكن أن يقال مثل ذلك في حفظ السنة الآن وتدوينها وجمعها بالحاسوب.
والطباعة الحديثة، وأجهزة التسجيل، ونشرها بأجهزة الإعلام حتى التلفاز
والإنترنت.
13 - جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا وذلك صيانة للمسجد عن العبث والسرقة؛ لأن وظيفة معظم المساجد اليوم اقتصرت على الصلاة، وغابت عنها وظائف المسجد ورسالته المقررة شرعاً.
(السدلان ص 436) .
14 - الأصل أن تنفذ تصرفات المدين بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، ما دام لم يحجر عليه؛ لأن الديون تتعلق بذمته، وتبقى أعيان أمواله حرة فينفذ فيها تصرفه.
ولكن لما فسد الزمان، وخربت الذمم، وكثر الطمع، وقل الورع، وأصبح
المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به ليعيدها فيما بعد، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية، والحنابلة في وجه عندهم، وهو ظاهر مذهب المالكية بعدم جواز وعدم نفاد هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
(السدلان ص 437) .
15 - ومن الأمثلة على تطور الزمان اختلاف بناء الدور والبيوت والفلل
والعمارات، واختلاف الأعراف في الحجرات والمرافق والكسوة، فتبع ذلك
اختلاف كيفية رؤية المبيع، والحاجة لرؤية جميع المبيع اليوم، لأن رؤية البعض لا يكون دليلاً على المقصود.
(السدلان ص 1438.
16 - وجوب تسجيل النكاح لدى المأذون وتوثيقه من القاضي أو نائبه في المحكمة وضبطه في السجلات لتغير أعراف الناس، وأحوالهم، وتطور أساليب حياتهم، وحفظاً على الأعراض ونسب الأولاد، وحقوق الزوجين.
(السدلان ص 439) .
17 - وجوب تسجيل السيارات، وعمل ترخيص لها، والتأمين الشرعي عليها، لتحقيق مقاصد عديدة، والحفاظ على المصالح المتجددة.
(السدلان ص 439) .
18 - إنشاء المدارس، ومراحل التعليم، وفتح الجامعات، ومنح الشهادات المتنوعة لما
(1/360)

يترتب على كل منها من حقوق، وكذلك فتح المحاكم على درجات، وتجدد أحكام القضاة وأصول المحاكمات بما يحقق مصالح الناس، وينظم أمورهم.
(السدلان ص 440) .
تنبيه: الأصل في الشريعة ثبات الأحكام:
إن لفظ الأحكام الوارد في القاعدة ليس عاماً، ولذلك تعتبر القاعدة خاصة
واستثناء، مع التذكير بما يلي:
1 - إن الأحكام الأساسية الثابتة في القرآن والسنة والتي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم، وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح
الزمان والأجيال، وتتغير وسائلها فقط.
2 - إن أركان الإسلام، وما علم من الدين بالضرورة، لا يتغير ولا يتبدل.
ويبقى ثابتاً كما ورد، وكما كان في العصر الأول، لأنها لا تقبل التبديل والتغيير.
3 - إن جميع الأحكام التعبدية التي لا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد، لا تقبل التغيير ولا التبدل بتبدل الأزمان والأماكن والبلدان والأشخاص.
4 - إن أمور العقيدة أيضاً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولا تقبل الاجتهاد، وهي ثابتة منذ نزولها ومن عهد الأنبياء والرسل السابقين، حتى تقوم الساعة، ولا تتغير بتغير الأزمان.
وإلى هنا تتثهي القواعد الفقهية الأساسية الخمس، وهي متفق عليها بين
المذاهب، وألحقنا بها القواعد الفقهية المتفرعة عنها ليكتمل الموضوع، ولتكون واضحة في مكان واحد.
(1/361)

الباب الثاني:
القواعد الكلية المتفق عليها
وهي القواعد الفقهية الكلية التي يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
ويدخل تحت بعضها قواعد فقهية أخرى، تُذكَر بعدها، ليكون الموضوع متكاملاً في مكان واحد.
وهذه القواعد الكلية بعضها متفق عليه بين المذاهب، وبعضها - مختلف فيه، لذلك نحدد مصادر الفروع والجزئيات والمسائل المتفرعة من القاعدة، وبحسب المذهب المعين.
ونخصص هذا الباب للقواعد الكلية المتفق عليها بين المذاهب الأربعة:
الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، مع ذكر الفروع والمسائل لها.
ثم نضيف القواعد المتفرعة عنها.
سواء كانت القواعد المتفرعة متفقاً عليها أم لا.
(1/363)

القاعدة: [53]
إعمال الكلام أولى من إهماله (م/60)
التوضيح
إن إعمال الكلام بما يمكن إعماله بحمله على معنى أولى من إهماله، لأن المهمل
لغو، وكلام العاقل يصان عنه، فيجب حمله ما أمكن على أقرب وأولى وجه يجعله معمولاً به من حقيقة ممكنة، وإلا فمجاز، طالما يمكن استعماله في معنى يناسبه؛ لأن الكلام الصادر من العاقل يحمل على الحقيقة ما أمكن، فإذا تعذرت يصار إلى المجاز، لتصحيح كلامه إلا إذا تعذر فيلغو.
ومحل هذه القاعدة أن يستوي الإعمال والإهمال بالنسبة إلى الكلام، أما إذا بعد الإعمال عن اللفظ، وصار بالنسبة إليه كاللغز الخفي، فلا يصير راجحاً بل الإهمال مقدم.
ويتفرع عن هذه القاعدة عدة قواعد، سنذكرها لاحقاً.
التطبيقات
1 - لو وقف أحد على أولاده، أو أوصى لأولاده، فيتناول أولاده الصلبية فقط إن كانوا، لأنه الحقيقة، فإن لم يكن له أولاد من الصلب تناول أولادهم حملاً عليهم بطريق المجاز، صوناً للفظ عن سقوطه؛ لأن إعمال الكلام أولى من إهماله.
(الزرقا ص 315، الدعاس ص 48، اللحجي ص 67) .
2 - كذلك لو أوصى أو وقف على مواليه الأعلين أو الأسفلين، فإن كان له موالٍ استحقوا، وإلا فلموالي مواليه.
(الزرقا ص 315) .
(1/365)

3 - لو حلف لا يأكل من هذه النخلة فأكل من ثمرها، أو الدبس الذي يستخرج منها، فإنه يحنث؛ لأن النخلة لا يتاق أكل عينها، فحُمِل على ما تولَّد منها.
(الدعاس ص 48) .
4 - لو قال لزوجته وحمار: أحدكما طالق، فإنها تطلق، بخلاف ما إذا قال ذلك لها ولأجنبية، وقصد الأجنبيية، يقبل في الأصح لكون الأجنبية قابلة في الجملة.
(اللحجي ص 67) .
5 - لو أوصى بطبل، وله طبل حرب، وطبل لهو، فتصح الوصية على طبل الحرب لجواز استعماله، وإعمال الكلام فيه.
(اللحجي ص 67) .
المستثنى
1 - لو قال لزوجته الثابت نسبها من غيره: هذه بنتي، فهذا لغو، لأنه تعذر حمله على الحقيقة.
(الدعاس ص 48) .
2 - لو أوصى بعود من عيدانه، وله عيدان لهو، وعيدان قسي، فالأصح بطلان الوصية تنزيلاً على عيدان اللهو، لأن اسم العود عند الإطلاق ينصرف له، واستعماله في غيره مرجوح، وليس كالطبل لوقوعه على الجميع وقوعاً واحداً، كذا فرق الأصحاب بين المسألتين.
(اللحجي ص 67) .
3 - لو قال: زَوَّجْتُك فاطمة، ولم يقل بنتي، لم يصح على الأصح لكثرة الفواطم.
(اللحجي ص 67) .
ويتفرع عن هذه القاعدة عدة قواعد فقهية، وهي ثمانية قواعد، وسترد الآن.
(1/366)

القاعدة: [54]
1 - الأصل في الكلام الحقيقة (م/13)
الألفاظ الأخرى
- الأصل في الألفاظ الحقيقة عند الإطلاق.
- الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد يصرف إلى المجاز بالنية.
التوضيح
الحقيقة لغة: من حقّ الشيء إذا ثبت، وهو ما وضعت له ولم تتجاوزه، وفي
الاصطلاح: اللفظ المستعمل فيما وضع له، أي تعين له بحيث يدل عليه بغير قرينة، سواء أكان التعيين من جهة واضع اللغة أو غيره في الشرع أو العرف أو الاصطلاح.
مثال الحقيقة اللغوية: كالأسد للحيوان المفترس، والحقيقة الشرعية: كالصلاة للعبادة المخصوصة، والحقيقة العرفية كالدابة لما يركب.
والحقيقة الاصطلاحية كالكلمة للفظ المفرد عند النحاة.
ويقابل الحقيقة المجاز، وهو الكلمة المستعملة في غير ما وضحت له لعلاقة مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الموضوع له.
ولا يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى المجازي إلا عند عدم الإمكان، بأن
تعذرت الحقيقة، أو تعسرت، أو هجرت، فيصار إلى المجاز، ويحمل الكلام على المعنى المجازي ضرورة عدم إهمال كلام العاقل، وتطبق قاعدة
"إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز". (م/ 61) .
(1/367)

فهذه القاعدة فرع عن قاعدة لا إعمال الكلام أولى من إهماله " (م/ 60) وفرع عن قاعدة " اليقين لا يزول بالشك" (م/ 4)
لأن الحقيقة يقين، والمجاز شك، واليقين لا يزول بالشك إلا لسبب أو علة.
والحقيقة أصل في الكلام، والمجاز فرع فيه وخلف عنها، ولكونها أصلاً قدمت على المجاز، وكان العمل بها أولى من العمل به، ما لم يوجد مرجح له فيصار إليه.
والمراد بهذه القاعدة أنه إذا كان للفظ معنيان متساوٍ استعمالهما، معنى حقيقي، ومعنى مجازي، وورد مجرداً عن مرجح يرجح أحد المعنيين على الآخر، فيراد به حينئذ المعنى الحقيقي لا المجازي؛ لأن المجاز خلف عن الحقيقة، فترجح هي عليه في نفسها.
وهذه القاعدة تكملها قاعدة "إذا تعذَّرت الحقيقة يُصار إلى المجاز" (م/ 61)
وقاعدة: " إذا تعذَّر إعمال الكلام يُهمل " (م/ 62) .
التطبيقات
1 - لو وقف على أولاده، أو أوصى لهم، لا يدخل في ذلك ولد الولد في الأصح، إن كان له ولد لصلبه، لأن المعنى الحقيقي للولد هو الولد الصلبي.
(الدعاس ص 49، اللحجي ص 32) .
2 - لو قال لآخر: وهبتك هذا الشيء، فأخذه الخاطب، ثم ادَّعى الواهب أنه أراد بالهبة البيع مجازاً، وطلب الثمن، لا يقبل قوله، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وحقيقة الهبة تمليك بلا عوض، بخلاف ما إذا قال: وهبتك بدينار، فإن ذلك قرينة على إرادة المجاز، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة (م/ 61) .
(الدعاس ص 49، الروقي ص 289) .
3 - لو حلف لا يبيع، أو لا يشتري، أو لا يضرب عبده، فوكّل في ذلك لم يحنث، حملاً للفظ على حقيقته.
(اللحجي ص 32) .
4 - لو قال؛ وقفت على حفّاظ القرآن لم يدخل فيه من كان حافظاً ونسيه؛ لأنه لا يطلق عليه حافظ إلا مجازاً باعتبار ما كان.
(اللحجي ص 32) .
(1/368)

5 - لو وقف على ورثة زيد، وهو حي، لم يصح، لأن الحي لا ورثة له.
(اللحجي ص 32) .
6 - لو أوصى أو وقف على أولاده، دخل أولاد البنات على الراجح، لأن ولد بنت الإنسان ولد ولده حقيقة.
(الزرقا ص 136) .
7 - لو خلف بطلاق زوجته ألا يفعل الشيء الفلاني، فوكل غيره، ففعله الوكيل، لا يحنث إذا كان فعل ذلك الشيء لا يقبل التوكيل به أصلاً، أو كان يقبل التوكيل، ولكنه كان من الأفعال التي لا يلزم الوكيل حين فعله لها أن يُضيفها إلى الموكل.
(الزرقا ص 136) .
وما لا يقبل التوكيل كالأفعال الحسية كالأكل والشرب والدخول والخروج
والنوم وما شاكلها، وما يقبل التوكيل ولا يلزم الوكيل حين فعلها أن يضيفها إلى الموكل سبعة، وهي: البيع، والشراء، والإيجار، والاستئجار، والقسمة، والخصومة، والصلح عن مال بمال.
(الزرقا ص 136) .
(1/369)

القاعدة: [55]
3 - إذا تعذَّرت الحقيقة يُصار إلى المجاز (م/61)
التوضيح
إن المجاز خلف عن الحقيقة، فإذا تعذرت الحقيقة، أو تعسرت، أو هجرت.
يصار إلى المجاز، لأنه عندئذ يتعين طريقاً لإعمال الكلام واجتناب إهماله، وهذه القاعدة فرع عن القاعدة السابقة.
التطبيقات
1 - إن تعذر الحقيقة يكون لعدم إمكانها أصلاً، لعدم وجود فرع لها في الخارج، كما لو وقف على أولاده، وليس له إلا أحفاد، انصرف الوقف إليهم، لتعذر الحقيقة، ولأن الحفدة يُسمون أولاداً مجازاً.
(الزرقا ص 317، الدعاس ص 50) .
2 - وإن تعذُّر الحقيقة يكون لعدم إمكانها شرعاً، كالوكالة بالخصومة، فإن
الخصومة هي التنازع، وهو محظور شرعاً، قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا) .
فتحمل على المعنى المجازي لها، وهو إعطاء الجواب إقراراً وإنكاراً.
(الزرقا ص 317) .
3 - وإن تعسر الحقيقة يكون بعدم إمكانها إلا بمشقة، كما لو حلف: لا يأكل من هذا القِدْر، أو من هذه الشجرة، أو هذا البُر، فإن الحقيقة، وهي الأكل من عينها
(1/370)

ممكنة، ولكن بمشقة، فيصار إلى الأكل من ثمرة الشجرة إن كان، وإلا فمن ثمنها، أو الأكل مما في القدر، أو مما يتخذ من البرّ.
(الزرقا ص 317) .
4 - وكذا لو حلف لياكُلَنَّ من هذه الشجرة، كان المراد من ثمرها، لا من عين خشبها، لتعذر ذلك.
(الدعاس ص 50) .
5 - وإن هَجَرَ الحقيقة مثل أن يحلف: لا يضع قدمه في هذه الدار، فإن الحقيقة ممكنة فيه، ولكنها مهجورة، والمراد من ذلك في العرف: الدخول، فلو وضع قدمه فيها بدون دخول لا يحنث، ولو دخلها راكباً حنث.
(الزرقا ص 317) .
6 - ومثله لو قال له: أشعل القنديل، الفنار، فإنه مصروف إلى الشمعة فيه عرفاً، فلو أشعله نفسه فاحترق، يضمن.
(الزرقا ص 317) .
(1/371)

القاعدة: [56]
3 - إذا تعذر إعمال الكلام يُهمل (م/62)
التوضيح
إذا تعذر إعمال الكلام، بأن كان لا يمكن حمله على معنى حقيقي له يمكن، لتعذر الحقيقة بوجه من وجوه التعذر، أو لتزاحم المتنافيين من الحقائق تحتها ولا مرجح، ولا يمكن حمله على معنى مجازي مستعمل، أو كان يكذبه الظاهر من حس أو ما في حكمه من نحو العادة، فإنه يهمل حينئذ، أي يُلغى ولا يعمل به، وكذلك إذا تعذر إعمال الكلام شرعاً.
وهذه القاعدة قيد على قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله " (م/ 65) وقاعدة "إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز" (م/ 61) .
أي يعمل بالكلام ما أمكن حقيقة أو مجازاً، فإن تعذر ذلك فإنه يُهمل، ولذلك جمع بعضهم بين القاعدتين الأخيرتين
بقوله: إعمال الكلام أولى من إهماله ما لم يتعذر.
التطبيقات
1 - مثال تزاحم المتنافيين كما لو أوصى لمواليه، أو وقف عليهم، وكان له موالٍ مُعْتَقون، وموال مُعْتِقون، فإن الوصية والوقف لغو.
(الزرقا ص 319) .
2 - وكذا إذا كفل بالعهدة، فإن الكفالة لا تصح؛ لأن العهدة اسم مشترك يقع على الصك القديم، وعلى العقد، وعلى حقوق العقد، وعلى الدرك، وعلى خيار الشرط.
(الزرقا ص 319) .
(1/372)

3 - وكذا لو كفل، ولم يعلم أنها كفالة نفس أو مال، فإنها لا تصح.
(الزرقا ص 319) .
4 - ومن هذا: ما لو قال لرجل: ادفعوا هذه الدار والثياب لفلان، ولم يقل: فإنها له، ولا قال: هي وصية، قالوا: هذا باطل، إذ ليس بإقرار ولا وصية..
(الزرقا ص 319) .
5 - ومثال لتعذر الحقيقة وعدم إمكان الحمل على المعنى المجازي لكونه غير
مستعمل، كما لو قال لمعروف النسب: هذا ابني، فإنه كما لا يصح إرادة الحقيقة منه لثبوت نسبة من الغير، لا تصح أيضاً إرادة المجاز، وهو الإيصاء له بإحلاله محل الابن في أخذ مثل نصيبه من التركة، لأن ذلك المجاز غير مستعمل، والحقيقة إذا لم تكن مستعملة لا يصار إليها، فالمجاز أولى.
(الزرقا ص 319 - 320) .
6 - ومثال لتكذيب الحسّ: كدعوى قتل المورث، وهو حي، أو قطع العضو، وهو قائم، وكدعوى الدخول بالزوجة وهو مجبوب.
(الزرقا ص 320) .
7 - ومثال لما في حكم الحسّ: كدعوى البلوغ ممن لا يحتمله سنّه أو جسمه، وكدعوى صرف المتولي أو الوصي على الوقف أو الصغير مبلغاً لا يحتمله الظاهر، فإن كل ذلك يلغى، ولا يعتبر، ولا يعمل به، وإن أقيمت عليه البيِّنة.
(الزرقا ص 320) .
8 - لو أوصى لأولاد خالد مثلاً بشيء من الأموال، ثم تبين أنه ليس لخالد المذكور أولاد، ولا أولاد أولاد، فهنا تعذرت الحقيقة والمجاز، فلذا يُعَدّ الكلام ملغى، وتبطل الوصية هذه.
(الدعاس ص 54) .
9 - لو ادعى أحد في حق من هو أكبر منه سناً، أو معروف النسب من الغير، أنه ابنه فهو لغو، لظهور كذبه عقلاً.
(الدعاس ص 54) .
10 - إذا قال لإحدى زوجتيه: أنت طالق أربعاً، فقالت: الثلاث تكفيني.
فقال: أوقعت الزيادة على فلانة - زوجته الأخرى - فلا يقع على الأخرى شيء؛
(1/373)

لأنه لمّا لم تصح الرابعة على "الأولى"، أصبحت لغواً، فلم تقع على "الأخرى"؛ لأن الشرع لم يوقع الطلاق بأكثر من الثلاث.
(السدلان ص 171) .
11 - من ادَّعى على إنسان أنه قطع يده، وهي سليمة غير مقطوعة، أو اعترف بأنه قطع يد غيره، وإذا باليد في الحالتين قائمة مشهودة، فهنا تعذر صحة الكلام حساً.
(السدلان ص 171) .
12 - من أقر بأن أخته ترث ضعفي حصته من تركة أبيه، فهذا متعذر شرعاً، فيلغى، بخلاف ما لو اعترف لها أنها تستحق مقداراً من المال في التركة مساوياً لحصته أو أكثر منها، ولم يعين أنه من طريق الإرث، فهذا إقرار صحيح ملزم، لأن الأخت قد تستحق ما أقر لها به باسباب كثيرة مشروعة كالإقراض لوالدها.
(السدلان ص 172) .
(1/374)

القاعدة: [57]
4 - ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله (م/63)
الألفاظ الأخرى
- ما لا يتجزأ فوجود بعضه كوجود كله.
- ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله.
- ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله.
التوضيح
إن ذكر بعض ما لا يتجزأ على وجه الشيوع كنصفه مثلاً، كذكر كله، لأنا إذا لم نقل بذلك، والموضوع أن المحدَّث عنه لا يتجزأ، يلزم إهمال الكلام بالمرة، والحال أن إعمال الكلام ما أمكن إعماله أولى من إهماله.
التطبيقات
1 - لو قال لامرأة: تزوجت نصفك، صح العقد على المفتى به عند الحنفية.
(الزرقا ص 321) .
2 - لو طلق ثلث امرأته، أو نصفها، طلقت كلها، أو طلقها نصف طلقة، أو ربع طلقة، وقع عليها طلقة كاملة رجعية؛ لأنها مما لا يتجزأ.
(الزرقا ص 321، الدعاس ص 51، السيوطي 178) .
(1/375)

3 - لو أضاف كفيل النفس الكفالة إلى جزء شائع من المكفول، كربع الشخص، أو نصفه مثلاً، كان كفيلاً بالنفس؛ لعدم التجزئة.
(الزرقا ص 221، الدعاس ص 951) .
4 - لو قال وليُّ القتيل: عفوت عن ربع القصاص، أو خمسه مثلاً.
سقط كله.
(الزرقا ص 221) .
5 - لو سلم الشفيع حقه عن نصف الشفعة مثلاً سقطت كلها.
(الزرقا ص 221) ..
6 - لو ألزم نفسه بركعة لزمه ركعتان؛ لأن ذلك لا يتبعض، فذكر إحداهما كذكر كليهما، وهذا عند الحنفية؛ لأن أقل الصلاة عندهم ركعتان، ويكفي ركعة عند الشافعية كالوتر بواحدة.
(الدعاس ص 51) .
المستثنى
1 - إنما قيد ذكر بعض ما لا يتجزأ بأن يكون على وجه الشيوع احترازاً عما إذا لم يكن كذلك، بأن كان على وجه التعيين، كما لو أضاف الطلاق إلى عضو من أعضاء المرأة، فإن كان عضواً يعبر به عن كلها كالرأس والرقبة، وأضافه إليها وقع الطلاق، تطبيقاً للقاعدة، فلو لم يضفه إليها، بأن قال الرأس منك، أو الرقبة منك، طالق، أو كان عضواً لا يعبر به عن الكل كالظفر والشعر، لم يقع فيهما.
(الزرقا ص 221) .
2 - لو قال رجل لدائن آخر: كفل لك نصفي أو ثلثي مثلاً لم يكن كفيلاً.
(الزرقا ص 322) ..
3 - لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن شئت، فقالت: شئت نصف واحدة، لم يقع شيء.
(الزرقا ص 322) .
4 - الكفالة بالمال، فلو كفل يحزء من الدين، كنصفه، أو خمسه، لم يكن كفيلاً بأكثر، لأنه مما يتجزأ.
(الدعاس ص 51) .
(1/376)

5 - لو أبرأ الدائن مدينه عن جزء فقط من الدين برئ عن ذلك الجزء فقط، لأنه مما يتجزأ.
(الدعاس ص 51) .
وسيأتي مزيد من التطبيقات لذلك في القاعدة رقم 200 عند الشافعية، وهي ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله.
ملاحظة: ذكر الكل والجزء
قد يزيد حكم البعض على الكل في مسائل:
1 - ما لو خَتَنَ صبياً بإذن وليه، فقطع حشفته، فإن مات فعليه نصف الدية، وإلا فعليه الدية كلها.
(الزرقا ص 322) .
2 - لو خرج رأس المولود، فقطع إنسان أنفه، فخرج حياً وعاش، فعليه الدية، ولو قطع رأسه والحالة هذه فعليه الغرّة، لأنه لم تثبت حياته إلا بولادته جماملاً، أو أكثره،.
(الزرقا ص 322) .
3 - لو قطع الإصبعين عيبان، فيضمن العيبين، ولو قطع الأصابع مع الكف
عيب واحد يلزمه ضمان عيب واحد.
(الزرقا ص 322) .
4 - إذا قال: أنت علي كظهر أمي فإنه ظهار صريح، ولو قال: أنت علي كأمي فهو ظهار غير صريح، وهنا زاد البعض على الكل.
(السيوطي ص 179، ابن نجيم ص 189) .
(1/377)

القاعدة: [58]
5 - المطلق يجري على إطلاقه
ما لم يقم دليل التقييد نصا أو دلالة (م/64)
التوضيح
المطلق: هو ما دل على الماهية بلا قيد، أي الماهية المستحضرة في الذهن بلا قيد وجودها في ضمن الأفراد، فهو على هذا مرادف لعلم الجنس.
أو هو: ما دل على شائعٍ في جنسه، أو اللفظ الشائع في جنسه بلا شمول ولا
تعيين، مثل: (أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) فيصدق على أي بقرة، فهذا مرادف للنكرة، وهذا الذي اختاره الكمال ابن الهمام، وجرى عليه السعد في
"حواشي التلويح" وأيده البناني، بأن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالماهية باعتبار وجودها في ضمن الأفراد، لا باعتبار أنها مفهومات كلية وأمور عقلية كما يفيد التعريف الأول.
والمقيد: هو اللفظ الدال على الذات بصفة زائدة، إما نصاً أي لفظاً، بأن يكون مقروناً بنحو صفة، أو حال، أو إضافة، أو مفعول، أو نهي، أو شرط، أو استثناء.
وإما دلالة بما يدل عليه ظاهر الحال، أو العرف والعادة.
ولا فرق بين إطلاق المطلق والنكرة على الفرد الشائع، إلا أن بينهما عموماً
وخصوصاً من وجه، فيجتمعان في مثل (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
وتنفرد النكرة عن المطلق إذا كانت عامّة في سياق نفي أو غيره، وينفرد المطلق عنها إذا كان مقروناً باللام المراد بها الجنس في ضمن فرد ما من الحقيقة، فهو نكرة معنى، معرفة لفظاً نحو
"ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ".
(1/378)

التطبيقات
1 - لو وكّل شخص آخر بشراء فرس، فاشتراها له حمراء، فقال الموكل: إنما أردت بيضاء، يُلزم بما اشتراه الوكيل؛ لأن كلامه مطلق، فيجري على إطلاقه،.
(الدعاس ص 50) .
2 - لو قال له: اشتر فرساً حمراء، أو ثوباً هروياً، أو فرساً عربياً ونحو ذلك، فهذا تقييد للمطلق بالنص صفة، فيجب الالتزام به.
(الزرقا ص 323، (الدعاس ص 50) .
3 - لو قال شخص لآخر: بع هذا بكذا وكذا قبضاً، أو إن دخلت البلد راكباً مثلاً فكذا وكذا، فهذا تقييد للمطلق بالنص حالاً.
(الزرقا ص 323، (الدعاس ص 50) .
4 - لو قال للوكيل: اشتر لي فرس بكر مثلاً، فلا يصح شراء سواها، وهذا تقييد للمطلق بالنص إضافة.
(الزرقا ص 323) .
5 - لو قال شخص لآخر: بعه من فلان، فلا يبيع غير الفرس المعين، وهذا تقييد للمطلق بالنص مفعولاً.
(الزرقا ص 323) .
6 - لو قال شخص لوكيله: لا تبعه في سوق كذا، فإن باعه في هذا السوق لا يصح، وهذا تقييد للمطلق بالنص نهياً.
(الزرقا ص 323) .
7 - لو قال رجل لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا تطلق إلا إذا
دخلت، فإن دخلت الدار وقع الطلاق، وهذا تقييد للمطلق بالنص شرطاً.
(الزرقا ص 323)
فهو طلاق معلق.
8 - قال شخص: إن شفى الله مريضي صمت يوماً، فلا يجب عليه الصوم إلا إذا شفي المريض، وهذا تقييد للمطلق بالنص شرطاً، فهو نذر معلق.
(الزرقا ص 324) .
9 - قال شخص: لك يئ مئة إلا عشرة، أو قال: كفلت لك بمئة إلا خمسة
مثلاً، أو قال لزوجته: إن خرجت إلا بإذني فأنت كذا، وكل استثناء يقع في الأقارير
(1/379)

والعقود والتعاليق، فلا يقع الحكم إلا بعد الاستثناء، وكل ذلك تقييد لفظي يعمل عمله.
(الزرقا ص 324) .
10 - لو قال شخص فقير، أو متوسط الحال لآخر: اشتر لي بغلاً، أو بغلة، أو داراً أو سيارة، فاشترى له بغلة أو سيارة أو داراً، تصلح للأمراء أو الأغنياء، فلا ينفذ هذا الشراء على الموكل، وإن كان اللفظ مطلقاً، لأن حالته ودلالة الحال تنبئ أن المراد دار متواضعة، وسيارة رخيصة، تتفق مع حاله.
(الزرقا ص 324، الدعاس ص 50) .
11 - إذا قدم شخص بلدة، فقال لغيره: استأجر لي داراً، فاستأجرها له بعد سنة مثلاً، فإنه لا ينفذ فعل المأمور على الآمر؛ لأن الأمر يتقيد بدار يسدّ بها حاجته القائمة في الحال بالدلالة.
(الزرقا ص 324) .
12 - لو جاءت امرأة بغزلها إلى السوق، وأمرت رجلاً ببيعه، فباعه نسيئة، لم ينفذ عليها، وذلك لتقييده بالنقد حالاً بدلالة الحاجة.
(الزرقا ص 324) .
13 - لو كلف شخص غيره شراء أضحية، فاشتراها له بعد انقضاء العيد، فلا ينفذ الشراء عليه؛ لأن دلالة الحال تقضي شراءها قبل العيد أو في العيد.
(الدعاس ص 51) .
(1/380)

القاعدة: [59]
6 - الوصف في الحاضر لَغو، وفي الغائب معتبر (م/65)
الألفاظ الأخرى
- الوصف في الحاضر لَغو.
التوضيح
الوصف: هو أن تصف الشيء بصفة تميزه عن غيره، والصفة؛ هي الحالة القائمة بذات الموصوف، واللغو: ذكره وعدمه سيان.
والوصف في الشيء الحاضر المشار إليه في المجلس لغو، أي ساقط الاعتبار، لأن المقصود من الوصف التعريف وإزالة الاشتباه والاشتراك، وقد حصل في ذلك بالإشارة إلبه ما هو أعلى وأبلغ، فإن الإشارة تقطع الاشتراك بالكلية، والوصف يقلله، فإذا وجدت يُلْغَى معها ما هو دونها من الوصف الذي يقلل الاشتراك ولا يقطعه.
وهذا إذا كان المشار إليه من جنس المسمى الموصوف فالوصف في الحاضر لغو، إذا وصفه وهو مشار إليه، ووصفه غائباً معتبر، فإن لم يكن من جنسه، فلا عبرة للإشارة، بل للتسمية والوصف، والعبرة للجنس مطلقاً حاضراً مشاراً إليه أو غائباً، وهذا استثناء من القاعدة.
وأما إذا لم توجد الإشارة، بل كان التعريف بالتسمية والوصف فقط، فإن
الوصف معتبر حينئذ.
(1/381)

التطبيقات
1 - لو أراد البائع بيع فرس أشهب (أشقر بصفرة) حاضر في المجلس.
وقال في إيجابه: بعتك هذا الفرس الأدهم (الأسود) ، وقبل المشتري، صح البيع، ولغا وصف الأدهم، للقاعدة..
(الزرقا ص 331، الدعاس ص 52) .
2 - لو حلف لا يدخل هذه الدار، فدخلها بعدما انهدمت وصارت صحراء، يحنث، لأن الدار هي العرصة، والبناء وصف فيها، ففي حال الإشارة إليها يلغو الوصف لعدم إفادته، بخلاف ما لو حلف: لا يدخل داراً، فدخل داراً منهدمة، فإنه لا يحنث، لأنها عند عدم الإشارة من قبيل الغائب، فيعتبر فيها الوصف، كالأيمان.
(الزرقا ص 332) .
3 - لو باع فرساً كائباً، وذكر أنه أشهب، والحال أنه أدهم، لا ينعقد البيع لازماً، بل موقوفاً على رضا المشتري بالبيع.
(الزرقا ص 331، الدعاس ص 52) .
المستثنى
1 - إذا باع فصاً حاضراً، وأشار إليه على أنه ياقوت، فإذا هو زجاج، لا ينعقد البيع (م/ 258) ؛ لأن المبيع من غير جنس المشار إليه، فلا عبرة للإشارة، بل للتسمية والوصف.
(الزرقا ص 331) .
2 - لو قال: بعتك هذا الحجر من الألماس بكذا، وقبل المشتري، ثم تبين أنه زجاج، فالبيع باطل، لظهور أن المشار إليه من جنس آخر، فلا عبرة للإشارة حينئذ.
بل للجنس المعتبر، إذ العقد يتعلق بما سمَّاه، لا بما أشار إليه، بخلاف الغائب فلا تتأتى فيه الإشارة.
(الدعاس ص 52) .
3 - لو ادعى ثوباً، وبين طوله كذا، وبرهن بحضرة الثوب طبق مدعاه، فذرع الثوب، فظهر أن ذرعه أنقص مما بيّن، أو أزيد، لا تقبل بينته لظهور كذبها، لأن الوصف في الإشارة لغو في البيع والأثمان، لا في الدعوى والشهادة، ففي الشهادة إذا شهدوا بوصف، فظهر بخلاف ما شهدوا لا تقبل.
(الزرقا ص 332) .
(1/382)

4 - وكذا لو ادعى دابة، وقال هذه الدابة التي سنها أربع سنين ملكي، وشهدوا كذلك، فظهر أنها أزيد أو أنقص، لا تقبل لظهور كذبهم، لأن الشهادة تختل بالكذب.
(الزرقا ص 332) .
5 - وكذا لو ادعى دابة، ووصفها بأنها مشقوقة الأذن، أو مكوية في المحل
الفلاني، أو لونها كذا، فظهرت سليمة الأذن، أو لا كيَّ بها، أو أن لونها مخالف لما وصف مخالفة واضحة، وبين اللونين بعد ظاهر، لا تسمع، وكذلك الشهود، لو وقع مثل ذلك في شهادتهم، ترد.
(الزرقا ص 333) .
6 - لو استحضر المدعى به، فوجده مخالفاً لما وصفه به المدعي، ولكن لما أحضر قال: أدّعي هذا، ولم يقل: هذا الذي أدعيه، تسمع، كما لو ادعى قناً تركياً، وبين صفاته وطلب إحضاره، ليبرهن، فأحضر قناً خالف بعض صفاته بعض ما وصفه.
فقال المدعي: هذا ملكي، ولم يزد عليه، فتسمع دعواه، ويجعل كأنه ادعاه ابتداء.
فأما لو قال: هذا هو القن الذي ادّعيته أولاً، لا تسمع، للتناقض.
(الزرقا ص 333) .
7 - لو حلف ألا يأكل من هذا البُسْر، فأكله بعدما صار رطباً لا يحنث؛ لأن صفة البُشرِية داعية إلى اليمين على عدم أكله، وهذا تقييد قولهم "الوصف في الحاضر لغواً "
بما إذا لم يكن الوصف المذكور في الكلام هو الباعث على الالتزام، كاليمين مثلاً..
(الزرقا ص 333)
وهذا استثناء من القاعدة.
8 - وكذا لو حلف: لا يأكل من هذا الحصرم، فأكله بعدما صار عنباً، لأن صفة الحصرمية داعية إلى اليمين على عدم أكله.
(الزرقا ص 333) .
(1/383)

القاعدة: [60]
7 - السؤال مُعاد في الجواب (م/66)
التوضيح
إذا طرح سؤال مفصل، وورد الجواب بإحدى الأدوات المجملة، كنعم، وبلى، فيعتبر الجواب مشتملاً على ما في السؤال من تفصيل، لأن مدلول هذه الأدوات يعتمد على ما قبلها، ويكون جميع ما ورد في السؤال موجوداً في الجواب ولو لم يكرره.
والفرق بين نعم، وبلى، أن الجواب بنعم تصديق لما قبلها إثباتاً ونفياً، فإذا قيل: قام زيد؛ فتصديقه نعم، وتكذيبه: بلا، فبلى في جواب النفي للإثبات، كقوله تعالى:.
(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) .
ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في جواب قوله تعالى:.
(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) ، لو قالوا: نعم لكفروا، أي لأن " نعم " لتصديق الكلام مثبتاً أو منفياً، و " بلى " لإيجاب ما بعد النفي استفهاماً كان أو خبراً.
لكن المعتبر في أحكام الشرع العرف حتى يقام كل واحد منهما مقام الآخر.
خصوصاً وأن العامة لا تدرك دقائق العربية.
ومثل السؤال غيره من ألفاظ الإنشاء، فيكون الجواب شاملاً لما ورد قبله.
التطبيقات
1 - قال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) .
فجاءت "بلى" لإيجاب ما بعد النفي.
(الدعاس ص 53) .
(1/384)

2 - قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) .
فجاءت "بلى" لإيجاب ما بعد النفي أي يبعث الله من يموت،.
(الدعاس ص 53) .
3 - قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ) ، فجاءت " بلى " لإيجاب ما بعد النفي أي تأتي.
(الدعاس ص 53) .
4 - إذا سئل إنسان: هل لفلان عليك كذا وكذا بسبب كذا؛ فأجاب: نعم، كان مقرًّا بكل ما ورد في السؤال.
(الدعاس ص 53) .
5 - إذا سُئل إنسان؛ أليس له عليك كذا؛ فأجاب: بلى، كان مقرأ بجميع ما ورد في السؤال، ولو لم يكرره.
(الدعاس ص 53) .
6 - لو قيل لآخر: طلقت امرأتك؛ أو هل لفلان عليك كذا؛ إشارة لدين حماه، أو هل أوصيت بكذا؛ أو هل بعت الشيء الفلاني من فلان؛ أو هل آجرته دارك مثلاً؛ أو هل قتلت فلاناً؛ فقال مجيباً بنعم، فإنه يكون مقرًّا بما سئل عنه (الزرقا ص 353) .
7 - ومثل السؤال غيره من ألفاظ الإنشاء، كما لو قالت له امرأته: أنا طالق، فقال: نعم، طلقت، أو قال آخر: امرأة فلان طالق، إن دخل هذه الدار، أو قال: عليه المشي إلى بيت الله الحرام إن دخل هذه الدار، فقال فلان: نعم، كان حالفاً وناذراً، وكذا لو قال لآخر: أسرج لي دابتي هذه، أو جصص لي داري هذه، فقال:
نعم، كان إقراراً منه بالدابة والدار له.
(الزرقا ص 353) .
8 - لو قالت: طلقني بألف، فقال: طلقتك، وقع الطلاق بالألف، وإن لم يذكر المال في الأصح؛ لأن السؤال معاد في الجواب.
(اللحجي ص 73) .
9 - لو قال: بعتك بألف، فقال: اشتريت، صح بألف في الأصح.
(اللحجي ص 73) .
10 - لو قيل له على وجه الاستفهام: أطلقت زوجتك؛ فقال: نعم، كان إقراراً به، يؤخذ به في الظاهر، ولو كان كاذباً، ولو قيل ذلك على وجه التماس الإنشاء، فاقتصر على قوله: نعم، ففولان، أحدهما: أنه كناية لا يقع إلا بالنية، والثاني:
(1/385)

صريح، وهو الأصح، لأن السؤال معاد في الجواب، فكأنه قال: طلقتها.
(اللحجي ص 73) .
11 - مسائل الإقرار: فإذا قال: لي عندك كذا؛ فقال: نعم، أو قال: ليس لي عليك كذا؛ فقال: بلى، أو قال: أجل في الصورتين، فهو إقرار بما سأله عنه.
(اللحجي ص 73) .
المستثنى
1 - إذا قال: زوَّجتك بنتي، فقال: قبلت، لم يصح، حتى يقول: قبلت نكاحها أو تزويجها، لأن السؤال غير معاد في الجواب في باب النكاح، وهذا بخلاف ما لو قال: زوجتكها بألف فقال: قبلت نكاحها، فإنه يصح لكنه بمهر المثل.
قال العلامة الخطيب الشربيني: "وهذه حيلة فيمن لم يزوجها وليها إلا بأكثر من مهر المثل ".
وهنا يصح النكاح لأنه صرح بقوله: قبلت نكاحها، ولكن لا تثبت الألف، لأنه لم يذكرها، تطبيقاً للاستثناء أن هذه القاعدة لا تنطبق في باب النكاح.
(اللحجي ص 73) .
2 - قال الزركشي: "لهذه القاعدة قيد، وهو ألا يقصد بالجواب الابتداء، ولهذا لو قال المشتري: لم أقصد بقولي "اشتريت " جوابك، فالظاهر القبول، أي قبول قول المشتري، فلا يلزمه الألف، ولا يصح البيع ".
(اللحجي ص 74) .
3 - قال إمام الحرمين: لو قال: طلقتك، بعد قولها: طلقني بألف، ثم قال: أردت ابتداء طلاقها قُبل منه، وله الرجعة، ولها تحليفه على أنه لم يرد جوابها.
قال الخطيب الشربيني: لو سكت عن التفسير فالظاهر أنه يجعل جواباً.
(اللحجي ص 74) .
(1/386)

القاعدة: [61]
8 - التأسيس أولى من التأكيد
الألفاظ الأخرى
- التأسيس خير من التأكيد.
- إذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد تعين الحمل على التأسيس.
التوضيح
الأصل في الكلام أن يفيد فائدة مستأنفة غير ما أفاده سابقة، لأن الاستئناف
تأسيس، وإفادة ما أفاده الكلام السابق تأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد، فإذا دار اللفظ بينهما تعين حمله على التأسيس؛ لأن فيه حمل الكلام على فائدة جديدة، وهو خير من حمله على فائدة الأول.
وهذه القاعدة تدخل تحت قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله " (م/ 65) ، ويراد بالإهمال في القاعدة ما هو أعم من الإلغاء بالمرة، وإلغاء الفائدة المستأنفة بجعله مؤكداً، فيكون الإعمال مقدماً على الإلغاء الكامل، ومقدماً على التأكيد، ويكون إعمالاً جديداً بالتأسيس لمعنى جديد، أو حكم زائد.
التطبيقات
1 - لو أقر بألف في صك، ولم يبين سببها، ثم أقر بألف كذلك، فإنه يطالب بالألفين ليكون الإقرار الثاني تأسيساً وإقراراً جديداً، وليس تأكيداً للإقرار السابق.
(الزرقا ص 351) .
(1/387)

2 - لو قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو شيئاً من
التأسيس أو التأكيد، فالأصح الحمل على الاستئناف، ويقع طلقتان.
(اللحجي ص 67) .
3 - لو قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، طالق، طالق، وقع ثلاثاً قضاء، فإن ادَّعى أنه نوى التأكيد، فإنه يُديَّن (بتشديد الياء الثانية، من التديين أي ترك الأمر إلى نيته في حكم الديانة، وهو المعروف بالحكم الدياني، بمقابل الحكم القضائي)
وأنه أراد بالتكرار التأكيد لا التأسيس، أي تعدد الطلقات، وعندئذ يقع طلقة رجعية فقط، وله مراجعتها ديانة، أي فيما بينه وبين الله، أما في حكم القضاء الذي يبنى على الظاهر فإنه إذا رفع الأمر إلى القاضي فإنه يقضي عليه بوقوع ثلاث طلقات والبينونة الكبرى، ويحمل اللفظ على التكرار على قصد التأسيس، عملاً بالظاهر.
لأن الأصل في الكلام إعماله، بإفادة فائدة جديدة، وهذا معنى التأسيس.
(الزرقا ص 316) .
(1/388)

القاعدة: [62]
الاجتهاد لا ينقض بمثله (م/16)
الألفاظ الأخرى
- الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
- الظن هل ينقض بالظن؟
التوضيح
إن اجتهاد المجتهد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع لا ينقض باجتهاد مثله إجماعاً، أي في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد، لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بالثالث، لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار، ويلزم التسلسل.
فالاجتهاد السابق لا تنقض أحكامه الماضية بالاجتهاد اللاحق، فيصح ما فعله
بالاجتهاد الأول وتبرأ به ذمته.
فإذا اجتهد مجتهد في حادثة لإيجاد حكم لها، فأفتى أو قضى، ثم وقعت حادثة
أخرى مثلها فتبدل اجتهاده إلى حكم مخالف، فلا تنقض فتواه، أو قضاؤه السابقان.
فلو جاز إبطال العمل في الفتاوى والأحكام الاجتهادية كلما تبدل اجتهاد المجتهد فيها لما استقر حكم في حادثة، لأن الاجتهاد عرضة للتبدل دائماً بتبدل وجهات النظر في الأدلة.
وهذا في حق الماضي، فلو كان قضى قاض في حادثة باجتهاده، ثم تبدل اجتهاده فرفع إليه نظيرها، فقضى فيها باجتهاده الثاني، فلا ينقض الأول، ويكفي أن يُغير الحكم في المستقبل، لانتفاء الترجيح.
(1/389)

والأصل في هذه القاعدة إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما نقله ابن
الصباغ، وأن أبا بكر حكم في مسائل خالفه فيها عمر بن الخطاب، ولم ينقض حكمه، وعمر حكم في المشَّركة بعدم المشاركة ثم حكم فيها بالمشاركة بخلاف ما قضى في نظيرها قبلاً، ولم ينقض قضاءه الأول، وقال:
"تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي "، وقضى في الجد قضايا مختلفة.
وعلته أنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول، فيصح ما فعله بالاجتهاد
الأول، ويغير الحكم في المستقبل، وإلا فإنه يؤدي إلى ألا يستقر حكم، وذلك مشقة شديدة، فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض، وهلم جراً.
وهذا مبدأ قانوني أيضاً في محاكم النقض والإبرام والتمييز إذا تغير اجتهادها لا
يسري ذلك على الأحكام السابقة، ويسمى في اصطلاحهم "بعدم رجعية القوانين ".
وكذلك لا ينقض اجتهاد مجتهد بمجتهد آخر، بل كل مجتهد عليه أن يحترم اجتهاد الآخر لعدم المرجح بعد أن يستكمل المجتهد رتبة الاجتهاد في كل منهما.
وكذلك لو كان بين قاضيين، بأن قضى شافعي مثلاً في حادثة مجتهداً فيها بمذهبه، ثم رفعت لآخر حنفي مثلاً يرى فيها غير ذلك، لا يجوز له نقض قضاء الأول، بل يجب عليه تنفيذه، ويحكم في غيرها بما يراه.
وهذا، أي عدم جواز مخالفة قضاء القاضي السابق، فيما هو محل النزاع الذي ورد عليه القضاء، أما فيما هو من توابعه فلا يتقيد بمذهب الأول، فلو قضى شافعي بالبيع في عقار، فللقاضي الحنفي أن يقضي فيه بالشفعة للجار، وإن كان القاضي الأول لا يراها، وكذلك لو حكم قاض بصحة الوقف لا يكون حكماً بالشروط.
فلو وقع التنازع في شيء من الشروط عند من يخالف فيها، فله أن يحكم فيها بمذهبه، لأن ذلك ليس محل النزاع لدى القاضي الأول، كما لو حكم بالوقف ثم وقع التنازع
(1/390)

في رجوع الشرط المتأخر للجملة المتقدمة مثلاً كما هو مذهب الحنفية، أو للأخيرة
كما هو مذهب الشافعي، فإنه يقفبي القاضي الحنفي بمذهبه، ويقصي القاضي
الشافعي بمذهبه.
كذلك لو كان مقلد المجتهد في عمل، فاستفتى فأفتى فيها بمذهب مجتهد آخر يخالف اجتهاد المجتهد الأول، لا ينقض عمله السابق.
أما في حق المستقبل فلا يتقيد باجتهاده واستفتائه السابق أصلاً.
التطبيقات
1 - لو تغير اجتهاد المصلي في القبلة عمل بالثاني، ولو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بالاجتهاد صحت صلاته ولا قضاء عليه.
(الدعاس ص 55، اللحجي ص 51)
وعند المالكية قولان، والصحيح أنه لا يعيد بعد الوقت.
ويعيد في الوقت.
(الغرَياني ص 34) وبعد الوقت تستحب الإعادة.
(الغرياني ص 41) .
2 - لو اجتهد فظن طهارة أحد الإناءين فاستعمله وترك الآخر، ثم تغير ظنه، لم يعمل بالثاني، بل يُتمم.
(اللحجي ص 51، الغرياني ص 34) .
3 - لو ألحق القائف الولد بأحد المتداعيين، ثم رجع وألحقه بالآخر لم يقبل.
(اللحجي ص 51) .
4 - لو حكم الحاكم بشيء، ثم تغير اجتهاده، لم ينقض الأول، وإن كان الثاني أقوى، غير أنه في واقعة جديدة لا يحكم فيها إلا بالثاني.
(اللحجي ص 51، الغرياني ص 34) .
5 - إذا حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها، فلا ينقض حكمه، مثل الحكم
ببطلان خيار المجلس، والعرايا، ومنع القصاص في المثقل، وصحة النكاح بلا ولي، وثبوت الرضاع بعد حولين، وصحة نكاح الشغار، ونكاح المتعة، وجريان التوارث بين المسلم والكافر، وقتل الوالد بالولد، والحر بالعبد، فلا ينقض الحكم على ما صححه في أصل "الروضة " في الجميع.
(اللحجي ص 51 - 52) .
6 - إذا اجتهد المصلي باختيار أحد أثواب بعضها نجس، فإنه إذا صلى وتغير
اجتهاده في الطاهر منها، ففي إعادته قولان عند المالكية.
(الغرياني ص 34) .
(1/391)

المستثنى
1 - للإمام الحمى، وهو منع الرعي في قطعة من الأرض، ولو أراد من بعده
نقضه، فله ذلك في الأصح، لأنه قد يرى المصلحة في نقضه.
ولو حمى الخلفاء الأربعة فإنه يجوز نقضه، خلافاً لما في "الروضة" وكذا حمى سيدنا عمر رضي الله عنه خلافاً للأذرعي.
ومنع إمام الحرمين استثناء هذه الصورة، واعتمده المحققون المتأخرون، إذ المتبع هو المصلحة فلا نقض.
(اللحجي ص 52) .
2 - إذا قسم القاسم بين الشركاء قسمة إجبار، كقسمة المتشابهات، ثم قامت بينة بغلطه، أو حيفه وظلمه، انتقضت مع أن القاسم قسم باجتهاده.
(اللحجي ص 52) .
3 - إذا قوَّم المقومون، ثم اطلع على صفة نقص أو زيادة ككون الدابة حاملاً، أو كون الزجاجة ليست زجاجة، بل جوهرة مثلاً، بطل التقويم الأول.
قال السيوطي: "لكن هذا يشبه نقض الاجتهاد بالنص لا بالاجتهاد".
4 - لو أقام الخارج بينة، وحكم له بها وصارت الدار في يده، ثم أقام الداخل بينة، حكم له بها، ونقض الحكم الأول، لأنه إنما قضى للخارج لعدم حجة صاحب اليد، هذا هو الأصح، عند الرافعي.
قال ابن حجر: لكنه لا يكون من باب نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لأن الحكم إنما وقع بناء على أن لا معارض، فإذا ظهر عمل به، وكأنه استثنى من الحكم.
5 - إن عدم نقض قضاء القاضي في الماضي، والعمل بالاجتهاد الجديد في
المستقبل، إنما هو في القاضي المجتهد، أما القاضي المقلد الذي تقلد القضاء مقيداً بمذهب معين، فإنه يتقيد به، فلو حكم في المستقبل بخلافه ينقض حكمه، وإن وافق أصلاً مجتهداً فيه، ولذا لو أخطأ في تطبيق الحادثة على الحكم الشرعي، ثم ظهر أن النقل الشرعي بخلافه، فإن حكمه ينقض.
(الزرقا ص 156) .
6 - القاضي إذا قضى بالجور ثم ظهر له الحق، فإن كان قضى خطأ، فإما أن يكون
(1/392)

التدارك ممكناً، أو لا، فإن أمكن، كما إذا قضى بمال أو طلاق، ثم ظهر أن الشهود محدودون في قذف مثلاً، بطل القضاء، وعادت المرأة إلى زوجها، ورد المال إلى من أخذ منه، وإن لم يمكن التدارك كالقصاص إذا نفذ لا يقتل المقضي له بل تجب الدية في ماله.
هذا إذا ظهر خطؤه بالبينة أو بالإقرار من المقضي له، فلو كان ذلك بإقرار القاضي فلا يظهر أثره في حق المقضي له، حتى لا يبطل القضاء في حقه.
كل ذلك في حق الجد، أما في حق المولى سبحانه وتعالى، كحد الزنى والسرقة والشرب، إذا نفذ ثم ظهر خطؤه، فالضمان في بيت المال.
وإن كان القاضي قضى بالجور عمداً، وأقر به، فالضمان في ماله في الوجوه كلها، ويعزرَ، ويعزل عن القضاء.
(الزرقا ص 156) .
7 - ينقض قضاء القاضي إذا خالف نصاً أو إجماعاً، أو قياساً جلياً.
قال القرافي: أو خالف القواعد الكلية (1) .
وقال ابن حجر: أو كان حكماً لا دليل عليه قطعاً.
قال السبكي: وما خالف شرط الواقف، فهو مخالف للنص، وهو حكم لا دليل عليه سواء كان نصه في الوقف نصاً أو ظاهراً، كان وقف على مسجد أرضاً، فلا يجوز نقل غلتها لمسجد آخر.
(اللحجي ص 52، الغرياني ص 34، 36) .
__________
.
(1) مثال مخالفة النص: الحكم بعدم إقامة الحد على شارب النبيذ، وقبول شهادته، فإنه ينقض ويقام عليه الحد وترد شهادته، لتضافر النص والقياس على تحريمه (الغرياني ص 34) وكذلك الحكم بالشفعة للجار
فإنه ينقض؛ لأن الحديث جعل الشفعة للشريك دون الجار.
(الغرياني ص 35) .
ومثال مخالفة الإجماع: الحكم بحرمان الجد من الميراث وجعل الميراث كله للإخوة، لأن الأمة على قولين بجعل الميراث كله للجد، أو مقاحمته للإخوة، ولم يقل أحد بجعل الميراث كله للإخوة، فمتى حكم به حاكم نقض حكمه، ومن أفتى به لا يقلد في فتواه.
(الغرياني ص 35) .
ومثال مخالفة القياس: قبول شهادة النصراني، فمن حكم بشهادته نقض حكمه، لأن الفاسق لا تقبل شهادته، والكافر أشد منه فسوقاً، وأبعد عن المناصب الرعة في مقتضى القياس.
(الغرياني ص 35) .
ومثال مخالفة القواعدت المسألة السريجة نسبة لابن سريج الشافعي (306 هـ) وهي أن يقول الرجل لزوجته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، فلا يلزمه شيء، فهذا مخالف للقواعد، فمتى حكم حاكم بتقرير النكاح في حقه فينقض حكمه، لأنه يلزمه طلقة، ويتمم عليه الثلاث أو المعلق، فإذا ماتت أو
مات، وحكم حاكم بالتوراث بينهما نقض حكمه.
(الغرياني ص 35، 381) .
(1/393)

8 - يجوز مخالفة نص الواقف في حالة الضرورة في مسائل، منها: إذا فضل من غلة الموقوف على عمارته، ولم تتوقع العمارة عن قرب، فإنه يتعين أن يشتري به عقاراً، ومنها ما لو وقف أرضاً فتعذرت، وانحصر النفع في الغرس، أو البناء، فعل الناظر أحدهما، أو أجرها لذلك، وكذا يجوز مخالفة شرط الواقف المخالف للشرع، كشرط العزوبة في سكان المدرسة، فلا يصح، كما أفتى به البلقيني، وعلله بأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع من الحض على التزوج.
(اللحجي ص 53) .
9 - من التبست عليه القبلة، فاجتهد وصلى إلى إحدى الجهات، ظاناً أنها القبلة، ثم تغير اجتهاده بعد الصلاة، فهل يعيد الصلاة أم لا؟
قولان عند المالكية.
والصحيح: أنه يعيد في الوقت.
(الغرياني ص 34) .
فائدة
قال السبكي: وما خالف المذاهب الأربعة فهو كالمخالف للإجماع، وإنما ينقضه حكم الحاكم لتبين خطئه، والخطأ قد يكون في نفس الحكم بكونه خالف نصاً أو شيئاً مما تقدم، وقد يكون الخطأ في السبب، كان يحكم ببينة مزورة، ثم يتبين خلافه، فيكون الخطأ في السبب، لا في الحكم، وقد يكون الخطأ في الطريق، كما إذا حكم ببينة ثم بأن فسقها، وفي هذه الثلاثة ينقض الحكم بمعنى أنا تبينا بطلانه.
(اللحجي ص 53) .
(1/394)

القاعدة: [63]
ما جاز لعذر بطل بزواله (م/23)
الألفاظ الأخرى
- ما جاز لعذر بطل عند زواله.
- ما ثبت لعذر يزول بزواله.
التوضيح
أي إن الحكم الذي شرع لعذر معين، فإذا زال العذر امتنع الحكم؛ لأن جوازه كان بسبب العذر، فهو خَلَف عن الأصل المتعذر، فإذا زال العذر، وأمكن العمل بالأصل، لا يعمل بالخلف، ومعنى البطلان: سقوط اعتباره، فيصير في حكم العدم.
وهذه القاعدة قريبة من قاعدة " ما أبيح للضرورة يُقَدر بقدْرها، أو "الضرورة تقدر بقدرها" (م/ 22) ، فهي بقوة التقييد لها؛ لأن إباحة المحظور للضرورة مقيدة بمدة قيام الضرورة، أو إنها في قوة التعليل لها.
التطبيقات
1 - التيمم يبطل بوجود الماء؛ لأن التيمم جاز لفقد الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم.
(الدعاس ص 58، اللحجي ص 44)
وعند المالكية والشافعية والحنابلة يبطل التيمم بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، وعند الحنفية يبطل التيمم بوجود الماء
قبل الدخول في الصلاة، أو في أثناء الصلاة.
2 - لبس الحرير حرام على الرجال، وأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن به حِكَّة، فإذا زالت الحكَّة بطل الجواز، وعاد مُحرَّماً.
(الدعاس ص 58) .
(1/395)

3 - عذر السفر المؤدي إلى إباحة الفطر، وقصر الصلاة، وترك الجمعة، وأعذار الصغر والجنون والعته، فإذا زال العذر يرتفع ذلك عن الجميع.
(الدعاس ص 58) .
4 - المتوفى عنها زوجها يجوز لها الخروج من بيتها في العدة، إذا لم يكن لها نفقة، فإن توافرت النفقة بطل جواز الخروج.
(الدعاس ص 58) .
5 - لو وقع حريق في دار المودع عنده، ولديه أمانات في داره، فأخرجها وسلمها للجيران، أو لأجنبي، بسبب الحريق، لا يضمن إذا تلفت، فإذا فرغ من الحريق، ولم يستردها بعد الحريق، وهلك منها شيء، كان مقصِّراً ويضمن، إذ يجب عليه الاسترداد، لأن الإيداع عقد غير لازم، فكان لدوامه حكم الابتداء.
(الزرقا ص 189، الدعاس ص 59) .
6 - لو آلى من زوجته وهو مريض، فإن فيئه إليها بالقول، ولكن إذا مرضت الزوجة ثم برئ، وبقيت مريضة، فإن فيئه بالوطء، لا باللسان؛ لأن تبدل أسباب الرخصة يمنع من الاحتساب بالرخصة الأولى.
(الزرقا ص 189) .
7 - يجوز تحميل الشهادة للغير بعذر السفر أو المرض، فإذا زال العذر قبل أداء الفرع للشهادة بطل الجواز.
(الزرقا ص 189، اللحجي ص 44) .
8 - لو اشترى شيئاً فآجره، ثم اطلع على عيب قديم فيه.
فله فسخ الإجارة بعذر الرد بالعيب.
فإذا زال العيب امتنع حق الفسخ.
(الزرقا ص 189) .
9 - تجوز الشهادة على الشهادة لمرض وسفر، فإذا زال العذر، وحضر الأصل عند الحاكم قبل الحكم تبطل.
(اللحجي ص 44) .
10 - يجوز للمستأجر فسخ الإجارة لعيب حادث، فهذا عذر لِحَقِّهِ بالفسخ، فإذا أزال المؤجر العيب الحادث قبل فسخ المستأجر الإجارة، لا يبقى للمستأجر حق الفسخ لزوال السبب، فلم يوجد العيب فيها بعد فسقط الخيار (م/517) .
(الزرقا ص 189) .
11 - من اضطره الجوع إلى أكل الميتة، جاز له ذلك؛ فإن وجد طعاماً حلالاً صار أكل الميتة في حقه حراماً.
(الروقي ص 310) .
(1/396)

12 - من لم يجد ماء ولا صعيداً لا يصلي حتى يجد واحداً منهما، فإذا وجده لم يعد مضطراً إلى ألا يصلي.
(الروقي ص 351) .
13 - القادر على استعمال الماء لكنه لم يجده، فإنه يتيمم إلى أن يجده، فإن وجده زال عذره في التيمم.
(الروقي ص 311) .
14 - من أبيح له الفطر في رمضان بسبب السفر أو المرض ثم زال السبب، وجب عليه الصوم.
(السدلان ص 284) .
15 - من جاز له استعمال الرخص الشرعية كقصر الصلاة وترك الجمعة
والجماعة بسبب السفر أو المرض، ثم زال العذر، عاد إلى العزيمة لإتمام الصلاة، وأداء الجمعة والجماعة.
(السدلان ص 284) .
16 - من أذن له في إخراج الفدية عن رمضان بسبب الهرم أو العلة المزمنة، ثم زال السبب وجب عليه الصيام.
(السدلان ص 284) .
17 - من أبيح له التناول من المحظورات للاضطرار، ثم زال، حرمت عليه.
(السدلان ص 284) .
18 - من قبلت إشارته في المعاملات بسبب الخرس، ثم نطق، فلا تقبل.
(السدلان ص 284) .
19 - تنتهي الوكالة، وتبطل بمجرد علم الوكيل بعزل الموكل له.
(السدلان ص 285) .
25 - يمتنع على المعتدة التي جاز لها الخروج في أثناء العدة ضرورة الكسب أن تخرج متى صار لها مال تستغني به عن الخروج.
(السدلان ص 285) .
(1/397)

القاعدة: [64]
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه (م/ 34)
الألفاظ الأخرى
- ما حرم على الآخذ أخذه حرم على المعطي إعطاؤه.
التوضيح
إن الشيء المحرم الذي لا يجوز لأحد أن يأخذه ويستفيد منه يحرم عليه أيضاً أن
يقدمه لغيره ويعطيه إياه، سواء أكان على سبيل المنحة ابتداء، أم على سبيل المقابلة، كما حرم الأخذ والإعطاء حرم الأمر بالأخذ، إذ الحرام لا يجوز فعله، ولا الأمر بفعله، وذلك لأن الإعطاء تشجيع على أخذ المحرم، فيكون المعطي شريك الآخذ في الإثم، ولأن إعطاءه الغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم، أو الإعانة والتشجيع عليه، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام لا يجوز الإعانة والتشجيع عليه، لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) .
ويتفرع على هذه القاعدة قواعد أخرى "ما حرم فعله حرم طلبه " (م/ 35) "ما حرم استعماله حرم اتخاذه".
التطبيقات
1 - كما يحرم أخذ الربا يحرم إعطاؤه.
(الزرقا ص 215، الدعاس ص 59، اللحجي ص 82) .
(1/398)

2 - وكذلك الرشوة، ولا تملك بالقبض، ويجب ردُّها ولو كانت بغير طلب
المرتشي.
(الزرقا ص 215، الدعاس ص 59، اللحجي ص 82) .
3 - وكذلك: حلوان الكاهن، وأجرة المغني، والزامر، والنائحة، والواشمة، ومهر البغي، والواشرة، والمتوسطة لعقد النكاح، والمصلح بين المتخاصمين، وعسب التيس، وعلى سائر أموال الفسق، وأصحاب المعازف، والقرّاد، والمسخرة.
والقَصَّاص ولو بمغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان مشروطاً.
(الزرقا ص 215، الدعاس ص 59، اللحجي ص 82) .
المستثنى
1 - ما يدفع للشاعر والهجائين ونحوهم للتخلص من هجوهم وشرهم عند عدم السلطان الوازع.
(الزرقا ص 216، الدعاس ص 59، اللحجي ص 82)
فيجوز البذل ويحرم الأخذ.
2 - ما يدفعه المستقرض بالربا إذا كان محتاجاً.
(الزرقا ص 216) .
3 - ما يدفعه الوصي من بعض مال اليتيم لتخليص الباقي إذا لم يمكن تخليصه إلا بذلك للضرورة.
(الزرقا ص 216، الدعاس ص 59، اللحجي ص 82) .
4 - ما يدفعه الإنسان لتسوية أمره عند السلطان أو الأمير.
(الزرقا ص 216) .
5 - الرشوة للحاكم ليصل إلى حقه، فيجوز البذل، ويحرم الأخذ.
(اللحجي ص 82) .
6 - المال لفك المحبوس، فإذا بذل الشخص لمن يتكلم له عند الأمير في خلاصه مالاً حرم الأخذ، وجاز البذل عند الأكثر، وقال بعضهم إن الأخذ حلال على أنه جُعالة، كقول من حبس ظلماً لمن يقدر على خلاصه، وإن تعين عليه على المعتمد إن خلصتني فلك كذا بشرط أن يكون في ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفاً.
(اللحجي ص 82) .
ومثله في قول جواز البذل لمن يتحدث له في أمر جائز يقابل بأجرة عند ذي
سلطان، وإن كان المتحدث مترصداً لها، وعلى هذا القول: إن من يرى عدم جواز
(1/399)

الأخذ على شفاعة واجبة، وكذا مباحة
بشرط عوض إن جعل جزاء لها، فهو ضعيف.
(اللحجي ص 82) .
7 - إن للقاضي بذل المال على التولية، ويحرم على السلطان أخذه.
ولذلك قالوا: ولا يؤثر في العدالة وصحة التولية بذل مال على الطلب أي طلب القضاء إن تعين عليه، أو ندب، لكن الأخذ ظلم، فإن لم يتعين، ولا ندب له، حرم عليه بذله ابتداءً، لا دواماً لئلا ينعزل.
(اللحجي ص 82 - 183.
ففي جميع هذه الاستثناءات فإن ما دفع في هذه الوجوه يحرم على الآخذ، دون المعطي.
(الزرقا ص 216) .
(1/400)

القاعدة: [65]
ما حرم فعله حرم طلبه (م/35)
الألفاظ الأخرى
- يحرم طلب ما يحرم على المطلوب منه فعله.
التوضيح
إن ما حرم أخذه حرم الأمر بالأخذ، إذ الحرام لا يجوز، ولا يجوز الأمر بفعله، وكذا ما يكره فعله يكره طلبه؛ لأن السكوت على الحرام أو المكروه، والتمكين منه، حرام ومكروه، ولا شك أن طلبه فوق السكوت عليه والتمكين منه، فيكون مثله في أصل الحرمة بالأولى، وإن تفاوتت الحرمتان بالقوة.
وهذه القاعدة قريبة من قاعدة "ما حرم أخذه حرم إعطاوْه " (م/ 34) .
التطبيقات
1 - الرشوة يحرم أخذها، وإعطاؤها، ويحرم أيضاً طلبها من غيره إذا كانت
لإحقاق باطل، أو إبطال حق.
(الزرقا ص 217، الدعاس ص 59، اللحجي صر، 83) .
2 - كذلك شهادة الزور، واليمين الكاذبة، والظلم، وما شاكل ذلك يحرم
الفعل، والتوسط، والطلب.
(الدعاس ص 59)
3 - كذلك لا يجوز غش الغير، ولا خديعته، ولا خيانته، ولا إتلاف ماله،
(1/401)

ولا سرقته، ولا غصبه، ولا فعل ما يوجب حداً أو تعزيراً أو إساءة، ولا يجوز طلب شيء منها أن يفعله الغير.
(الزرقا ص 217) .
المستثنى
1 - لو ادعى دعوى صادقة، فأنكر الخصم، فيجوز طلب تحليفه اليمين، مع علمه بكذبه فيها، والعلة في هذا الجواز رجاء نكول المدعى عليه، فلا يحرم الطلب، وإن حرم الفعل، وفي الحقيقة لا استثناء في ذلك، لأن طلب اليمين لا لذاتها، وإنما لرجاء ظهور الحق بإقرار الخصم، أو بنكوله عن اليمين الكاذبة، لا رجاء الإقدام عليها.
(الرزقا ص 217، الدعاس ص 60، اللحجي ص 83) .
2 - إذا غصب أحد مال صبي، ولا بينة لوصيه عليه، ويعلم الوصي أن الغاصب يحلف كاذباً، فيجوز للوصي دفع شيء له من مال الصبي لاسترداد المغصوب، فالحرمة على الآخذ، لا المعطي والطالب للضرورة.
(الدعاس ص 60) .
3 - الجزية يجوز طلبها من الذمي مع أنه يحرم عليه إعطاؤها، لأنه متمكن من
إزالة الكفر بالإسلام فإعطاؤه إياها إنما هو على استمراره على الكفر وهو حرام.
(اللحجي ص 83، ابن نجيم ص 183) .
(1/402)

القاعدة: [66]
العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني (م/3)
الألفاظ الأخرى
العبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.
هل العبرة بصيغ العقود أي بألفاظها، أو بمعانيها؟.
الأصل في العقود بناؤها على قول أربابها.
المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات.
الاعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها.
الاعتبار في العقود بمعانيها.
الاعتبار بحقيقة العقود ومقاصدها التي تؤول إليها.
الاعتبار في العقود بالمعاني والمقاصد لا بمجرد اللفظ.
الاعتبار بمقاصد العقود وحقائقها لا باللفظ وحده.
التوضيح
العقود جمع عقد، والمراد أن جميع العقود، العبرة والعمل لمعانيها المقصودة منها.
وإنَّ تبدل الألفاظ لا يصرفها عن المقاصد التي وضعت لها بالوضع الشرعي.
والمراد من المقاصد والمعاني: ما يشمل المقاصد التي تعينها القرائن اللفظية التي
توجد في عقد، فتكسبه حكم عقد آخر كانعقاد الكفالة بلفظ الحوالة، وانعقاد الحوالة
(1/403)

بلفظ الكفالة إذا اشترط فيها براءة المدين عن المطالبة، أو عدم براءته، وما يشمل المقاصد العرفية المرادة للناس في اصطلاح تخاطبهم، فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود، لتصريح الفقهاء بأنه يحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه، وإن خالفت لغة الشرع وعرفه، فتنعقد بعض العقود بألفاظ غير الألفاظ الموضوعة لها، مما يفيد معنى تلك العقود في العرف، كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والعطاء (م/ 169، 172) ، وانعقاد شراء الثمار على الأشجار بلفظ "الضمان" في العرف الحاضر.
فالاعتبار في الكلام بمعناه لا بلفظه.
واختلاف الألفاظ والعبارات لا يؤثر في انعقاد
العقد إذا كان المعنى المقصود ظاهراً، لأن المقصود هو فهم مراد المتكلم.
وتعتبر هذه القاعدة كالجزئي من الكلي من قاعدة
" الأمور بمقاصدها" (م/ 2) .
فتلك عامة، وهذه خاصة، وتصلح أن تكون فرعاً منها.
ولفظ "العقود" في القاعدة جرياً على الغالب، ولا تفيد الحصر، فتجري القاعدة في غير العقود كالدعاوى وسائر التصرفات
كما جاء في اللفظ الآخر.
ويمكن التعرف على القصد بالعرف والقرائن والأحوال المصاحبة للعقد أو السابقة له، أو بالألفاظ المقارنة للعقد.
وأخذ بهذه القاعدة جمهور الفقهاء من المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الألفاظ إذا اختلفت عباراتها، والمعنى واحد، كان حكمها واحداً، ولو اتفقت ألفاظها، واختلفت معانيها.
كان حكمها مختلفاً.
وكذلك الأعمال، لو اختلفت صورها، واتفقت مقاصدها، كان حكمها واحداً في حصول الثواب في الآخرة، والأحكام في الدنيا".
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته. . .، فتجني عليه، وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه. . .، ففقيه النفس يقول: ما أردتَ؟ ونصف الفقيه يقول: ما قلت؟ ".
واعتبر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه القاعدة مختلفاً فيها، ووضع قاعدة بصيغة
(1/404)

الاستفهام الذي يشعر بالخلاف، فقال: "فيما إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها، فهل يفسد العقد بذلك، أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؛؟
فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى"
وعند الشافعية اختلاف في القاعدة، ولذلك وضعوها في صيغة الاستفهام.
واختلف الترجيح في الفروع، وأن الأصح عندهم أن العبرة بصيغ العقود غالباً، وفي خلاف الغالب العبرة بمعانيها، لذلك ستأتي أمثلة الشافعية في الاستثناء من القاعدة، وهذا قول لأصحاب الإمام أحمد.
التطبيقات
1 - الهبة إذا اشترط فيها العوض أخذت حكم البيع، مع تفصيل في ذلك، فإن قال الواهب: وهبتك هذا الكتاب بكذا درهم مثلاً، فالهبة بيع ابتداءً وانتهاءً، فيشترط فيها شروط البيع وأركانه، وتأخذ حكم البيع، فيرد الموهوب بالعيب إذا ظهر، ويثبت خيار الرؤية، وتؤخذ بالشفعة، ويشترط كون العوض معلوماً.
(م/855) .
وإن قال الواهب: وهبتك، بشرط التعويض، فتصح، وتعتبر هبة ابتداءً، وبيعاً انتهاء، فبالنظر لكونها هبة يشترط لصحتها شروط الهبة، فلا تصح من الصغير، ولا من وليه، ولو بعوض ما، ولا تصح في مشاع يحتمل القسمة، ولا فيما هو متصل بغيره اتصال الأجزاء أو مشغول بغيره، كما لو وهب الزرع دون الأرض، أو الأرض دون الزرع، أو الثمر دون الشجر، أو الشجر دون الثمر، لأن ذلك في المشاع، إلى غير ذلك من شروط الهبة.
وبالنظر إلى كونها بيعاً انتهاء لا يصح الرجوع فيها، ويجري فيها الرد بالعيب،
(1/405)

وخيار الرؤية، وتؤخذ بالشفعة، ويشترط كون العوض معلوماً (م/ 855) .
(الزرقا ص 61، الدعاس ص 10) .
2 - إن هبة المنفعة بشرط العوض إجارة.
(الزرقا ص 61) .
3 - تعتبر الهبة إقالة، كما إذا وهب المشتري المبيع المنقول من البائع قبل قبضه منه، فإذا قبل البائع الهبة كانت إقالة، ويسترد المشتري منه الثمن، لأن تصرف المشتري في المنقول قبل قبضه من البائع لا يجوز، فلا يمكن تصحيح الهبة، بل تعتبر مجازاً عن الإقالة، وكما لو وهب رب السلم المسلم فيه من المسلم إليه، وقبل الهبة.
كانت الهبة إقالة، لأن تصرف رب السلم في المسلم فيه قبل قبضه لا يصح، فكان مجازاً عن الإقالة.
(الزرقا ص 62) .
4 - يكون الشراء هبة، فإن اشترت الأم لطفلها على ألا ترجع عليه بالثمن جاز،وهو كالهبة استحساناً، وتكون الأم مشترية لنفسها ثم يصير هبة منها لولدها الصغير وصلة، وليس لها أن تمنع المشريّ عن ولدها الصغير.
(الزرقا ص 62) .
5 - تكون العارية إجارة، كما لو قال: أعرتك هذه الدار كل شهر بكذا، ويترتب عليها أحكام الإجارة.
(الدعاس ص 10، الزرقا ص 63، (ابن رجب 1/ 267) .
6 - تكون العارية بيعاً، كما لو قال: أعطيتك الدار بكذا، فهي بيع، ويترتب عليها أحكام البيع.
(الدعاس ص 10) .
7 - تكون الكفالة حوالة، لأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، فإذا اشترط فيها براءة المديون عن المطالبة، فتعتبر حوالة، ويشترط فيها حينئذٍ ما يشترط في الحوالة، ولا يطالب الدائن إلا الكفيل فقط، ولا يرجع على المكفول عنه إلا إذا تَوِي المال، أي هلك عند الكفيل، وذلك بأن يجحد الكفالة مع عجز الدائن عن إثباتها.
ويحلف عند تكليف الحاكم له اليمين، أو يموت الكفيل مفلساً، أو يفلسه الحاكم، فحينئذٍ يرجع الدائن على المدين المكفول.
(الزرقا ص 60، الدعاس ص 10) .
8 - تكون الحوالة كفالة؛ لأن الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال
عليه، فإذا اشترط فيها عدم البراءة للمحيل عن المطالبة تعتبر كفالة، فيشترط فيها ما
(1/406)

يشترط في الكفالة، وُيطالب المحال كلاً من المحيل والمحال عليه (م/148، 149)
وكذا إذا ادعى كفالة، وأقام شاهدين، شهد أحدهما بالكفالة، وشهد الآخر
بالحوالة، فتقبل الدعوى، وتثبت الكفالة، لأنها أقل، وجُعل اللفظان كلفظ واحد.
(الزرقا ص 61، الدعاس ص 10) .
9 - تعتبر القسمة هبة، كما لو أمر أولاده أن يقتسموا أرضه الفلانية بينهم، وأراد به التمليك، فاقتسموها وتراضوا على هذه القسمة، فيثبت لهم الملك، ولا حاجة أن يقول لهم جملة: ملكتكم هذه الأراضي، ولا أن يقول لكل منهم ملكتك هذا النصيب المفرز، وكما لو اقتسم الورثة التركة ذكوراً وإناثاً على السوية صح بطريق الهبة، لا الإرث.
(الزرقا ص 62) .
10 - المضاربة تعتبر قرضاً إذا شرط فيها أن يكون كل الربح للمضارب، فإذا تلف المال في يد المضارب يكون مضموناً عليه، وإذا شرط فيها أن يكون كل الربح لرب المال تعتبر بضاعة، وهي أن يكون المال وربحه لواحد، والعمل من الآخر، وبكون المال حينئذ في يد القابض أمانة.
(الزرقا ص 62، (ابن رجب 1/ 269) .
11 - يعتبر الصلح باقرب العقود عليه بحسب الشروط والاتفاق، فإن كان المدعى عليه مقرًّا، ووقع الصلح عن مال بمال يدفعه الدعى عليه فيعتبر الصلح بيعاً، فيجري في المدعى به الرد بالعيب، ويؤخذ بالشفعة إن كان عقاراً، وإن وقع الصلح عن مال بمنفعة يعتبر إجارة، وإن كان الصلح عن دعوى النكاح يعتبر خلعاً فتجري عليه أحكام الخلع.
وإن كان المدعى عليه منكراً، ثم تصالحا على بدل يدفعه المدعى عليه يكون ذلك في حقه صلحاً محضاً لقطع المنازعة، فلا يمكنه بعد عقد الصلح أن يرد المدعى به، أي المصالح عنه، بالعيب، ولا يؤخذ بالشفعة لو كان عقاراً، ويكون الصلح في حق المدعى عليه المنكر، وهو الذي قبض بدل الصلح، بيعاً، وسواء رجع عن إنكاره وصدق المدعي، أو لم يرجع، ولكن برهن المدعي على دعواه، وتترتب عليه أحكام
البيع من الرد بخيار الرؤبة والعيب والأخذ بالشفعة لو كان البدل عقاراً، وتطبق الأحكام بينهما كل بحسب زعمه، وبالنسبة للأجانب يعتبر كل واحد منهما بزعمه في
(1/407)

الشفعة، وإن دفع المدعي البدلَ كان صلحاً محضاً لقطع المنازعة.
(الزرقا ص 62، 66) .
12 - العارية والقرض: تعتبر العارية لفظاً؛ قرضاً حقيقة، كما إذا أعاره ما يجوز قرضه كالنقود والمثليات، ويعتبر القرض لفظاً؛ عارية حقيقة في كل ما لا يجوز قرضه كالقيمي، فيكون عارية ويجب رد عينه، لكن يملك بالقبض، ويكون مضموناً كالقرض المحض.
(الزرقا ص 63) .
13 - الإقالة والبيع: تكون الإقالة بيعاً، كما لو باع الموهوب له العين الموهوبة من آخر، ثم تقايل معه البيع، وعادت العين الموهوبة إلى يده، فليس للواهب الرجوع في الهبة، لأن تقايل الموهوب له البيع مع المشتري منه بمنزلة البيع الجديد، فكأنه اشتراه من مشتريه.
(الزرقا ص 63) .
14 - تعتبر الشفعة بيعاً، كما إذا اشترى منقولاً، فجاء آخر وطلبه بالشفعة، وظن المشتري أن الشفعة تجري في المنقولى، فدفعه له، وقبض منه الئمن، ثم علم أن الشفعة لا تجري في المنقول، فلا يملك استرداده، وانعقد بيعاً بالتعاطي.
(الزرقا ص 64، 359) .
15 - الإقرار يعتبر بيعاً، كالإقرار المقرون بالعوض فهو تمليك ابتداء، بأن قال لآخر: أقر لي بهذا، لشيء في يده، حتى أعطيك مئة مثلاً، فأقر كان بيعاً، حتى لو قال: إلى الحصاد، لم يجز، لأن البيع يفسد لتأجيل الثمن إلى أجل مجهول.
(الزرقا ص 64) .
16 - بيع الوفاء الذي جُوز للضرورة عند الحنفية، وهو بيع بشرط أن البائع متى ردَّ الثمن يردّ المشتري إليه المبيع، فهذا بيع، ولكنه في حكم الرهن، لأن ذلك هو مقصود العاقدين في بيع الوفاء، والدليل على أنه في حكم الرهن أن المشتري لا يستطيع أن يبيع ما اشتراه، فهو كالمرهون عنده.
(الدعاس ص 10، الزرقا ص 6 - 60، 76 - 78) .
17 - التعليق يعتبر حلفاً ويميناً عند الشافعية في الأصح، كما لو قال: إذا دخلتِ
(1/408)

الدارَ فأنتِ طالق، فهو حلف نظراً للمعنى، لأنه تعلق به منع، وفي وجه ليس بحلف نظراً للفظ، لكون "إذا، ليست من ألفاظ الحلف، لما فيه من التوقيت، بخلاف "إن ".
(اللحجي ص 99) .
18 - لو وقف على تبيلة غير منحصرة كبني تميم مثلاً، وأوصى لهم، فالأصح الصحة عند الشافعية اعتباراً للمعنى، ويكون المقصود الجهة لا الاستيعاب كالفقراء والمساكين، وفي قول: لا يصح اعتباراً باللفظ، فإنه تمليك لمجهول.
(اللحجي ص 99) .
19 - إن المودع عنده إذا طولب برد الوديعة، فقال: ردَدْتها عليك، فقال المودع: لم تردها، فالقول قول قابل الوديعة، مع أنه يدعي خلاف الظاهر بقوله: رددت.
وذلك لأن المقصود هو الضمان، وهو منكر له، فكان القول قوله، لأن الأصل أن يعتبر في الدعاوى مقصود الخصمين في المنازعة، دون الظاهر.
(الزرقا ص 64) .
20 - إن المودع عنده المأمور بدفع الوديعة لفلان، إذا قال: دفعتها له، وقال فلان: ما دفعها إليَّ، فالقول قول المودع في براءة نفسه، لا في إيجاب الضمان على فلان بالقبض، لأنه يعتبر في الدعاوى مقصود الخصمين في المنازعة دون الظاهر.
(الزرقا ص 64) .
21 - إذا ادعى رجلان نكاح امرأة ميتة، وأقام كل منهما البينة، ولم يؤرخا، أو أرخا تاريخاً متحداً، فإنه يقضى بالنكاح بينهما، وعلى كل منهما نصف المهر، ويرثان منها ميراث زوج واحد، لأن المقصود من دعوى النكاح بعد موتها الإرث، فكانت الدعوى دعوى مال، ولا مانع من اشتراكهما في المال.
(الزرقا ص 65) .
أما لو كانت حية، وأقام كل منهما البينة، ولا مرجح لإحدى البينتين بسبق
تاريخ، أو دخوله بالمرأة، أو غيره من المرجحات، فإنه لا يقضى لأحد منهما، وتسقط البينتان، لأن المقصود حينئذ نفس النكاح، ولا تكون فيه الشركة.
(الزرقا ص هـ 6، 144)
وسبقت المسألة في قاعدة "لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح ".
(م/ 13) ، القاعدة 8.
22 - لو ادَّعى اثنان عيناً، كل يدعي أن كلها رهن عنده من فلان بدينه، وفلان
(1/409)

ميت، وبرهنا، فإنه يقضى لكل منهما بنصفها رهناً عنده، سواء كانت في أيديهما أو في يد غيرهما، لأن دعواهما الرهن، والراهن ميت، يكون المقصود منه الاستيفاء من ثمن العين بالبيع، والشائع يقبله، بخلاف ما إذا كان الراهن حياً فإن المقصود حينئذٍ
حكم الرهن، وهو حبس العين، والشائع لا يقبله.
(الزرقا ص 65) .
23 - لو ادَّعى المتولي دفع الغلة للمستحقين من ذرية الواقف، وهم ينكرون، فالقول للمتولي مع أنه يدعي خلاف الظاهر، لأنه يدعي براءة ذمته، والأصل براءة الذمة.
(الزرقا ص 65) .
24 - لو قال الوكيل بالبيع بعد علمه بالعزل، والمبيع مستهلك: بعت وسلمت قبل العزل، وقال الموكل: بعد العزل، فالقول قول الوكيل مع أنه يدعي خلاف الظاهر بإضافة الحادث إلى أبعد أوقاته، لأن المقصود من الدعوى بعد هلاك العين تضمينه، وهو ينكر سبب الضمان.
(الزرقا ص 65) .
25 - سائر مستثنيات القاعدة الفقهية
"الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته " (م/ 11)
تعتبر فرعاً لقاعدة " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني ".
(م/3) ، لاعتبار المقصود من الدعوى فيها، دون اللفظ والمبنى.
(الزرقا ص 65.128 - 131) .
26 - تجوز المزارعة التي هي إجارة الأرض ببعض الخارج منها، سواء كان البذر من العامل أو من رب الأرض، وسواء عقدت بلفظ الإجارة أو الزارعة إذا كان المقصود واحداً..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 205، (ابن رجب 1/ 271) .
27 - يجوز بيع ما في الذمة حالاً بلفظ البيع أو السلم، إذا كان في ملكه؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها، وقد تبين أن المراد هو بيع الشيء في الذمة حالاً، فيجوز بأي لفظ كان..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 205) .
28 - الهدية إذا كانت بسبب ألحقت به، فإذا أقرضه مبلغاً من المال، ثم أعطى المقترضُ المقرضَ هدية، ولم يكن جرى بينهما تبادل للهدايا، كان ذلك رباً؛ لأنه لم يقصد بالهدية إلا أن يؤخر عنه موعد السداد، أو نحو ذلك، والعبرة في العقود
(1/410)

بمقاصدها التي تؤول إليها، هإذا أهدى لولي الأمر، ليفعل معه ما لا يجوز، كان حراماً على المهدي والمهدى إليه، وهذه هي الرشوة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 205) .
29 - العبرة للمعنى دون اللفظ في عقد البيع وغيره من العقود، وألفاظ الطلاق.
(ابن رجب 1/ 64) .
30 - إذا قال: أنت علي حرام، أعني به الطلاق، وقلنا: الحرام صريح في
الظهار، فهل يلغو تفسيره ويكون ظهاراً، أو يصح ويكون طلاقاً؛ على روايتين.
والصحيح أنه على ما نوى فيكون طلاقاً لا ظهاراً.
(ابن رجب 1/ 272) .
31 - لو قال له في دَيْن السَّلم: صالحني منه على مثل الثمن؛ فيصح ويكون إقالة في قول، وفي قول: لا يجوز بيع الدَّين في الغريم بمثله، لأنه نفس حقه، فيخرج في المسألة وجهان، التفاتاً إلى اللفظ أو العنى.
(ابن رجب 1/ 273) .
المستثنى -
1 - البيع بلا ثمن باطل، ولا ينعقد هبة، بلا خلاف عند الحنفية.
(الزرقا ص 76) .
2 - الإجارة بلا بدل لا تنعقد عارية في الأصح عند الحنفية إلا على قول عندهم.
(الزرقا ص 76) .
ووجه عدم الانعقاد في الفرعين السابقين أن الأمر فيهما دار بين عقد محظور.
وهو البيع بلا ثمن، والإجارة بلا بدل، وكلاهما فاسد، وهو محظور، وبين عقد مباح، وهو الهبة والعارية، فغلب الحظر، بخلاف التطبيقات السابقة على القاعدة، فإن الأمر دار في جميعها بين أمرين مباحين، فاعتبر فيهما القصد والمعنى.
(الزرقا ص 76) .
3 - إذا قال: استأجرتك لتتعهد نخلي بكذا من ثمرها، فالأصح أنه إجارة فاسدة عند الشافعية، نظراً إلى اللفظ، وعدم وجود شرط الإجارة، وفي قول يصح مساقاة نظراً للمعنى.
(اللحجي ص 98) .
4 - لو تعاقدا في الإجارة بلفظ المساقاة، فقال: ساقيتك على هذه النخيل مدة كذا
(1/411)

بدراهم معلومة، فالأصح أنه مساقاة فاسدة نظراً للفظ عند الشافعية، ولعدم وجود شرط المساقاة، إذ من شرطها ألا تكون بدراهم، وفي قول ثان تصح إجارة نظراً إلى المعنى.
(اللحجي ص 98) .
5 - لو عقد الإجارة بلفظ البيع، فقال: بعتك منفعة هذه الدار شهراً، فالأصح أنه لا ينعقد، نظراً إلى اللفظ عند الشافعية، وقيل: ينعقد نظراً إلى المعنى.
(اللحجي ص 98) .
6 - إذا قال: قارضتك على أن كل الربح لك، فالأصح عند الشافعية أنه قراض فاسد رعاية للفظ، وفي قول: قراض صحيح رعاية للمعنى.
(اللحجي ص 98)
ومثل ذلك عند الحنابلة.
(ابن رجب 1/ 1269) .
7 - البيع من البائع قبل القبض لا يصح في الأصح عند الشافعية نظراً إلى اللفظ، وقيل: يكون فسخاً اعتباراً بالمعنى.
(اللحجي ص 98) .
8 - إذا قال: وهبتك هذا بكذا، فالأرجح أنه هبة نظراً للفظ عند الشافعية، وقيل: هو بيع نظراً للمعنى.
(اللحجي ص 99) .
9 - قد يعتبر المقصد والمعنى في بعض العقود، ويحصل من اعتبارهما فيه فائدة من غير أن يكتسب العقد صفة عقد آخر، كما إذا أعطى الغاصب المغصوب منه رهناً بعين المغصوب، ثم تلفت العين المغصوبة في يد الغاصب، فإن الرهن يكون حينئذ ببدلها من مثل أو قيمة، وكما إذا أعطى المسلم إليه لرب السلم رهناً بعين المسلم فيه، ثم انفسخ عقد السلم بوجه ما، فإن الرهن يصير رهناً برأس المال الذي قبضه المسلم إليه، ولو هلك الرهن، والحالة هذه، في يد رب السلم يهلك بالمسلم فيه، فعلى رب السلم رد مثل المسلم فيه، وأخذ رأس ماله، وما ذاك إلا لأن المقصد من هذا الرهن
توثق المغصوب منه ورب السلم لسلامة حقهما وأمنه مما يلحقه من الضرر بهذا الغصب وعقد السلم.
(الزرقا ص 971) .
10 - إن اعتبار المقاصد والمعاني في العقود مقيد بما إذا لم يعارضه مانع شرعي يمنع اعتبار المقصد والمعنى، ويصرفه إلى جهة أخرى، فلو عارضه تعتبر تلك الجهة وإن
(1/412)

قصد غيرها، كالمشتري شراء فاسداً لو رد المبيع على بائعه انفسخ البيع السابق على أي وجه كان ردّه، سواء كان ببيع جديد، أو بهبة أو صدقة، أو عارية، أو وديعة.
لأن فسخ البيع الفاسد ورد المبيع واجب شرعاً، فعلى أي وجه ردّه يقع عن
الواجب، ويبرأ عن ضمانه، فقد ألغي القصد في هذه التصرفات، واعتبر تسليم المبيع للباخ رداً بحكم الفسخ للعقد الفاسد السابق.
(الزرقا ص 73) .
ومثل ذلك لو كان المهر ديناً في ذمة الزوج كالدراهم والدنانير، فوهبته الزوجة كله أو نصفه قبل أن تقبضه منه، أو كان المهر عرضاً معيناً، فوهبته منه، ولو بعد قبضها له، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، فإنه لا يرجع عليها بشيء، ويجعل ما وصل إليه بالهبة واصلاً إليه بحكم استحقاق نصف المهر بالطلاق قبل الدخول، وغاية الأمر
أنه اختلف سبب وصوله إليه، ولا يبالي باختلاف الأسباب بعد سلامة القصد.
(الزرقا ص 73) .
(1/413)

القاعدة: [67]
من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه (م/99)
الألفاظ الأخرى
- من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.
- من استعجل شيئاً قبل أوانه ولم تكن المصلحة في ثبوته عوقب بحرمانه.
- من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
- المعاملة بنقيض المقصود الفاسد.
- من تعجل حقه، أو ما أبيح له، قبل وقته، على وجه محرم، عوقب بحرمانه.
- المعارضة بنقيض المقصود.
- من استعجل ما أخره الشرع يجازى برده.
التوضيح
إن الذي يستعجل الشيء الذي وضع له سبب عام مطرد، وطلب الحصول عليه قبل أوانه، أي وقت حلول سببه العام، ولم يستسلم إلى ذلك السب الموضوع، بل عدل عنه، وقصد تحصيل ذلك الشيء بغير ذلك السبب قبل ذلك الأوان، فإنه يعاقب بحرمانه، ويحرم من النفع الذي يأتي منه عقاباً له، لأنه افتات وتجاوز، فيكون باستعجاله هذا أقدم على تحصيله بسبب محظور فيعاقب بحرمانه ثمرة عمله التي قصد تحصيلها بذلك السبب الخاص المحظور، وكذلك من احتال على تحليل الحرام أو تحريم
الحلال، فإنه يعامل بنقيض قصده عقوبة له.
(1/414)

وهذه القاعدة كثيرة الفروع والمسائل في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، وقليلة الفروع عند الشافعية حتى قالوا: إن الصورَ الخارجة عن القاعدة أكثر من الداخلة فيها، بل في الحقيقة لم يدخل فيها غير حرمان القاتل من الميراث، ولذلك زاد بعض الشافعية في القاعدة لفظاً لا يحتاج معه إلى الاستثناء، فقالوا: " من استعجل شيئاً قبل أوانه، ولم تكن المصلحة في ثبوته، عوقب بحرمانه". وقال الحنابلة بمضمون القاعدة قي أمثلة محصورة.
وهذه القاعدة من باب السياسة الشرعية في القمع وسد الذرائع وتحريم الحيل.
والأصل في هذه القاعدة أن الله تعالى لما حرَّم على اليهود الصيد يوم السبت.
وضعوا الشباك وأخذوا الصيد يوم الأحد، فسمَّى الله هذا العمل اعتداءً وجازاهم بنقيض قصدهم، بأن عاقبهم، قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"قاتل الله اليهود إن الله لما حرُّم عليهم شحوم الميتة جمَّلوه، ثم
باعوه، ثم أكلوا ثمنه ".
ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلَّل له، وسماه بالتيس المستعار، وما ذاك إلا أنه نوى بقصد النكاح التحليل، فاحتال على تحليل الحرام، ولذلك استحق اللعنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومثله المحلل له.
وقرَّر أهل العلم تحريم الحيل وعدُّوها تجرؤاً على الله، وإبطالاً لأحكام القرآن
(1/415)

والسنة، فالمحتال بالباطل يعامل بنقيض قصده شرعاً وقدراً، وأن من احتال على الشرع فأبطل الحقوق، وأحل الحرام، وحرم الحلال، فإنه يعامل بنقيض نيته وقصده جزاءً وفاقاً.
التطبيقات
1 - لو قتل إنسان مورثه، فيحرم القاتل من الميراث.
(الزرقا ص 472، الدعاس ص 60، اللحجي ص 85،..
(ابن عبد الهادي ص 158، الروقي ص 411،.
(ابن رجب 2/ 2 5 4، 4 0 4، الغرياني ص 273، السدلان ص 60) .
2 - لو قتل الموصى له الموصي يحرم من الوصية عند الحنفية والحنابلة.
(الزرقا ص 472، الدعاس ص 60،. (ابن عبد الهادي ص 158،.
(ابن رجب 2/ 2 0 4، 4 0 4، الغرياني ص 278)
خلافاً للشافعية كما سيأتي، وعند المالكية تفصيل في ذلك.
3 - لو طلق الزوج زوجته طلاقاً بائناً بلا رضاها، وهو في مرض موته، ثم مات وهي في العدة، فإنها ترثه في الاجتهاد الحنفي والمالكي والحنبلي، لدلالة مرض الموت على أن قصده حرمانها من الإرث، فيرد قصده عليه، وهذا يسمى: طلاق الضرار، أو طلاق الفارّ، رداً لعمله، فإن السبب العام الذي يمنع أحد الزوجين، لا على التعيين، من إرثه من الآخر هو تقدم موته، وهذا يحتمل وقوعه عليه أو عليها، فلما أراد الزوج التنصل من هذا السبب الموضوع بوجه عام، والخروج من دائرة احتمال
وقوعه عليه دونها، وعمل على حصر عدم الإرث من جانبها بهذا السبب الخاص المحظور استعماله لمثل هذا المقصد السيئ، عوقب برد عمله عليه، وحرمانه ثمرته بتوريثها منه.
(الزرقا ص 472، الدعاس ص 60، الروقي 411، الغرياني ص 273.
السدلان ص 60، (ابن رجب 2/ 401) .
(1/416)

4 - نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أفتى في المرأة التي يطلقها زوجها، فتزوج غيره قبل انقضاء عدتها، بأنها تحرم على هذا الزوج الثاني إن دخل بها حرمة مؤبدة، معاملة لها بنقيض مقصودها، بمقتضى السياسة الشرعية في المصالح المرسلة.
(الدعاس ص 60، (ابن رجب 2/ 404، الغرياني 277) .
5 - لو جاءت الفرقة من قبل الزوجة بسبب ردتها، فليس لها أن تتزوج بعد توبتها بغير زوجها، وبه يفتى، وتجبر على تجديد العقد على زوجها بمهر يسير، وعليه الفتوى، وذلك لرد عملها عليها، فإن السبب الموضوع لحل عقدة النكاح بالوجه العام منوط بالزوج الذي هو قوَّام عليها، والذي هو أحرى أن يكون مظنة استعمال الروية والحكمة وتوخي الصواب فيه، فلما استحصلت على حل هذه العقدة بهذا السبب الخاص المحظور، وهو المروق من الدين، عوقبت برد عملها هذا عليها بحرمانها ثمرته الخبيثة بما ذكرنا، حتى إن بعض مشايخ الحنفية قالوا: بعدم وقوع الفرقة أصلاً بردتها زجراً لها، وقال بعضهم: هو أولى، ثم لو ماتت في الردة فعلى
القول الأول بوقوع الفرقة يرثها الزوج إذا كانت ردتها في المرض، وماتت وهي في العدة لكونها فارة، فإن الضرار يتحقق من الزوجة كما يتحقق من الزوج، وعلى القول الثاني يرثها مطلقاً بلا قيد.
(الزرقا ص 471، السدلان ص 64) وسيأتي قريب من
ذلك عند المالكية.
6 - من صارت ثيياً بالزنا بقصد ألا تجبر على الزواج، فإنها تجبر عليه، معاملة لها بنقيض قصدها.
(الروقي ص 412، الغرياني ص 274) .
7 - إذا قتل المدبَّر سيده بطل تدبيره..
(ابن عبد الهادي ص 108، الغرياني ص 278)
خلافاً للشافعية، كما سيأتي.
8 - الغال من الغنيمة يحرم أسهمه منها على إحدى الروايتين.
(ابن رجب 2/404) .
(1/417)

9 - من تزوجت بعبدها فإنه يحرم عليها على التأبيد، كما روي عن عمر رضي الله عنه، نص عليه أحمد في رواية عبد الله.
(ابن رجب 2/ 454) .
10 - من اصطاد صيداً قبل أن يحل من إحرامه، لم يحل له وإن تحلل، حتى يرسله ويطلقه.
(ابن رجب 2/ 405) .
11 - إذا قتل الغريم غريمه فلا يحل له دينه في وجه.
(ابن رجب 2/ 405) .
12 - المرأة إذا ملكت زوجها، فسخ نكاحها، لتنافي أحكام سيادتها عليه، مع أحكام كونها زوجاً له، فإذا كان الزوج مملوكاً لغيرها، واشترته قاصدة فسخ نكاحها، عوملت بنقيض مقصودها، وثبت النكاح.
(الغرياني ص 274) .
13 - من حلف على زوجته بالطلاق ألا تخرج، فخرجت قاصدة إحناثه، قال أشهب: لا تطلق عليه معاملة بنقيفمقصودها.
(الغرياني ص 274) .
14 - منع الوصية للوارث، والوصية بازيد من الثلث، للنهي عن ذلك، وإذا حصلت تجعل ميراثاً للورثة، معاملة للموصي بنقيض مقصوده.
(الغرياني ص 274) .
15 - من عقد بيعاً فاسداً، وخاف أن يُردّ منه البيع، فقصد إلى تفويته، فباعه لغيره بيعاً صحيحاً بعد القيام عليه بردّه، فهو معتد ببيعه؛ لأن الواجب في البيع الفاسد أن يرد، ولذا قال عياضْ يجب أن يعامل بنقيض مقصوده، فلا يعتد ببيعه الصحيح، ولا يعد مفوّتاً.
(الغرياني ص 274) .
16 - من اشترى شراء صحيحاً فاستَغْلاه، وأبى البائع أن يقيله، فأراد تحويله إلى فاسد، فإنه يعامل بنقيض مقصوده، ويصحح البيع، كمن اشترى قصيلاً، أو ثمراً لم يبدُ صلاحه على الجذاذ، فاستغلاه، وأبى البائع إقالته، فترك القصيل حتى صار حباً، أو ترك الثمر ولم يقطعه قاصداً إفساد العقد لاشتماله على الغرر حينئذ، فإنه يعامل بنقيض مقصوده ولا يفسد البيع.
(الغرياني ص 275) .
17 - تأخير رأس مال السلم كثيراً إن كان عروضأ أو طعاماً أو حيواناً معيناً
يفسد البيع إن كان التأخير مشروطاً، وإن كان التأخير غير مشروط، وإنما هروب من أحدهما من تتميم البيع، فالبيع ماض، وكرهه مالك.
(الغرياني ص 275) .
(1/418)


18 - المشتري إذا أقال في السلم ثم ندم على الإقالة، فهرب قبل قبض رأس المال، ليبقى السلم إلى أجله، ويفوز به، فإنه يعامل بنقيض مقصوده، ويردّ إليه رأس المال.
(الغرياني ص 275) .
19 - من كانت له ماشية فخاف وجوب الزكاة فيها، فباعها قبل الحول بقليل ْكشهر ونحوه، واشترى بها ماشية أخرى فراراً من الزكاة، فإن الزكاة تجب عليه، وتؤخذ من المبدلة، ويعامل بنقيض مقصوده.
(الغرياني ص 275) .
20 - من وجبت عليه الدية ضمن العاقلة، فارتحل عنها إلى مكان آخر فراراً من الدية، أخذت منه حيثما كان معاملة له بنقيض مقصوده.
(الغرياني ص 275) .
21 - من باع قلادة ذهب بها خرز بدراهم، فلم ينقد المشتري الثمن حتى فصلت وحسب ما فيها من الخرز، وباع المذهب، فاستغلى المشتري الصفقة وأراد فسخها بحجة تأخير النقد في الصرف، فلا يجاب إلى ذلك، ويعامل بنقيض مقصوده؛ لأن البائع باع بالنقد ولم يرضَ بالتأخير.
فهو مغلوب على أمره.
(الغرياني ص 276) .
22 - من تُصدق عليه بصدقة، فطالب بحوزها، فمنعه المتصدق من الحوز.
فخاصمه المتصدق عليه، ولم يتم الحوز حتى مات المتصدق أو أفلس، فالصدقة صحيحة، ويقوم الخصام عليها مقام حوزها معاملة للمتصدق بنقيض مقصوده حيث أراد إبطالها بالمماطلة.
(الغرياني ص 276) .
23 - من تحايل على سرقة قدر النصاب في مرات، وهو يقدر على إخراجه دفعة واحدة حتى لا يقطع، عومل بنقيض مقصوده، وأقيم عليه الحد.
(الغرياني ص 276) .
24 - من لم تقدر على الخلاص من زوجها، فارتدت عن الإسلام قاصدة فسخ النكاح، فإنها تعامل بنقيض المقصود، ويثبت نكاحها، وتضرب ضرباً موجعاً، وترد إليه أحبت أم كرهت، وإنما تفارقه وتملك نفسها إذا ارتدت كراهية في الإسلام، وحرصاً على الدين الذي دخلت فيه.
وقيل: الردة تزيل العصمة كيفما كانت.
(الغرياني ص 276) .
ونقل ذلك عن الإمام أحمد (السدلان ص 64) .
25 - من ارتد في مرضه، وعُلم أنه قصد بذلك حرمان الورثة، لما عُرف من بغضه
(1/419)

إياهم، فإنه يُعامل بنقيض مقصوده، ويبقى ماله لورثته، وليس هناك أخسر منه.
(الغرياني ص 277) .
26 - من طلق امرأته في الحيض مستعجلاً لفراقها، قاصداً إضرارها، عومل
بنقيض مقصوده، وأجْبر على ترجيعها، كما دل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(الغرياني ص 277) .
27 - من خبَّب امرأة على زوجها - أي أفسدها عليه - حتى طلقها ليتزوجها، منع من زواجها، معاملة له بنقيض مقصوده.
(الغرياني ص 278) .
28 - الفار من الزكاة قبل تمام بتنقيص النصاب أو إخراجه عن ملكه، تجب عليه الزكاة، ولو أكثر صرف أمواله في تملك ما لا زكاة فيه كالعقار والحلي، فعلى وجهين
في تنزيله منزلة الفار عند الحنابلة.
(ابن رجب 2/ 401) .
29 - السكران بشرب الخمر عمداً يجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه في المشهور من المذهب الحنبلي، بخلاف من سكر من بنج ونحوه، أو أزال عقله بأن ضرب رأسه فجنّ، فإنه لا يقع طلاقه على المنصوص؛ لأن ذلك مما لا تدعو النفوس إليه، بل في الطبع وازع عنه، ولذلك لا يجب عليه قضاء الصلاة إذا جنّ في الحالة على الصحيح.
(ابن رجب 2/ 402) .
30- تخليل الخمر لا يفيد حلّه ولا طهارته على المذهب الصحيح.
(ابن رجب 2/ 402) .
31 - ذبح الصيد في حق المحرم لا يبيحه بالكلية، وذبح الحلال للمحرم لا يبيحه للمحرم المذبوح له، وفي حله لغيره من المحرمين وجهان.
(ابن رجب 2/ 452) .
32 - إذا ذبح الغاصب والسارق، فلا يترتب عليه الإباحة لهما، فإنه باق على ملك المالك، ولا إباحة بدون إذنه.
(ابن رجب 2/ 452) .
(1/420)

33 - الغال من الغنيمة يحرم أسهمه منها على إحدى الروايتين.
(ابن رجب 2/ 404) .
34 - من اصطاد صيداً قبل أن يحل من إحرامه، لم يحل له وإن تحلل، حتى يرسله ويطلقه.
(ابن رجب 2/ 405) .
المستثنى
يستثنى من هذه القاعدة، ويخرج منها مسائل كثيرة عند الشافعية، وقليل عند الحنفية والمالكية والحنابلة، منها:
1 - لو قتلت أم الولد سيدها عتقت قطعاً لئلا تختل قاعدة أن أم الولد تعتق
بالموت.
(اللحجي ص 85) .
2 - لو قتل المدبر سيده يعتق كذلك.
(اللحجي ص 85)
خلافاً للحنابلة والمالكية.
3 - لو قتل صاحب الدين المؤجل المدين حل في الأصح.
(اللحجي ص 85، الزرقاص 474، (ابن رجب 2/ 405) .
4 - لو قتل الموصى له الموصي استحق الموصى به في الأصح عند الشافعية.
(اللحجي ص 85) .
5 - لو أمسك زوجته مسيئاً عشرتها لأجل إرثها، ورثها في الأصح.
(اللحجي ص 85، الغرياني ص 281) .
6 - لو أمسك زوجته مسيئاً عشرتها لأجل الخلع، نفذ في الأصح.
(اللحجي ص 85، الغرياني ص 281) .
7 - لو ضربت دواء فحاضت، لم يجب عليها قضاء الصلاة قطعاً، وكذا لو نفست به.
(اللحجي ص 85) .
8 - لو رمى نفسه من شاهق ليصلي قاعداً، لا يجب القضاء في الأصح.
(اللحجي ص 85) .
(1/421)

9 - لو طلق امرأته في مرض موته فراراً من إرثها نفذ الطلاق، ولا ترث في
المذهب الجديد للشافعي لئلا يلزم التوريث بلا سبب ولا نسب.
(اللحجي ص 85) .
10 - لو باع المال قبل الحول فراراً من الزكاة صح جزماً، ولم تجب الزكاة لئلا يلزم إيجابها في مال لم يَحُلْ عليه الحول في ملكه، فتختل قاعدة الزكاة عند الشافعية.
(اللحجي ص 85) .
11 - لو شرب شيئاً ليمرض قبل الفجر، فأصبح مريضاً، جاز له الفطر، أو أفطر بالأكل متعمداً ليجامع، فلا كفارة.
(اللحجي ص 85) .
12 - لو جبَّت ذكر زوجها ثبت لها الخيار في الأصح.
(اللحجي ص 85) .
13 - لو هدم المستأجر الدار المستأجرة ثبت له الخيار.
(اللحجي ص 85) ..
14 - لو خلل الخمر بغير طرح شيء فيها كنقلها من الشمس إلى الظل وعكسه طهرت في الأصح.
(اللحجي ص 85) .
15 - لو قتلت الحرة نفسها قبل الدخول استقر لها المهر في الأصح.
(اللحجي ص 85) .
16 - إذا قتل الغريم غريمه فإنه يحل له دينه، كما لو مات، ولا يتهم بأنه قتله ليتعجل دينه.
(ابن رجب ص 0405، الغرياني ص 280) .
17 - من تصدق بجميع ماله لإسقاط الحج، فإنه يسقط عنه الفرض، ولا يعامل بنقيض مقصوده، لأن وقت الحج موسع.
(الغرياني ص 278) .
18 - من قصد السفر في رمضان لأجل الفطر، جاز له الفطر، ولا يعامل بنقيض مقصوده.
(الغرياني ص 279) .
19 - من أخّر الصلاة إلى أن يبدأ في السفر ليقصرها، أو أخرتها المرأة إلى نزول الحيض، لتسقط عنها، جاز ذلك، لأن الوقت موسع فهو مخيّر فيه.
(الغرياني ص 279) .
(1/422)

20 - من أخر قبض دينه فرأراً من الزكاة، لا تجب عليه الزكاة؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان من عدم الزكاة حتى يقبض المال.
(الغرياني ص 279) .
21 - من باع الماشية بعد الحول وقبل إخراج زكاتها، فراراً من زكاة عينها، زكى ثمنها في حينه، ولا شيء عليه؛ لأنه أدى الزكاة، وفعل ما يجوز له.
(الغرياني ص 279) .
22 - من صاغت الدنانير والدراهم حلياً للزينة سقطت زكاتها؛ لأنها فعلت ما يجوز لها.
(الغرياني ص 279) .
23 - المرأة ذات الزوج تتصدق بثلث مالها قاصدة الإضرار بزوجها في إمضاء صدقتها خلاف، والمشهور أنه ليس للزوج ردها.
(الغرياني ص 279) .
24 - لو قتلت المرأة نفسها، أو قتلت زوجها قبل الدخول، المشهور أنه يتكمل لها الصداق لضعف التهمة.
(الغرياني ص 280) .
قال السيوطي: "الصور الخارجة عن القاعدة أكثر من الداخلة فيها".
(1/423)

القاعدة: [68]
يُغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (م/55)
الألفامد الأخرى
- يعتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
- الدوام على الشيء هل هو كابتدائه، أو لا؟
- يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
التوضيح
"يغتفر" أي قد يتسامح ويتساهل في "البقاء" أي في خلال الأمر وفي أثنائه، ما لا يغتفر في الابتداء عند إنشائه، وذلك لأن "البقاء أسهل من الابتداء".
(م/56) .
وبتعبير آخر: ما لا يجوز في الابتداء يجوز بقاءً، أو ما لا يثبت قصداً وبالذات.
يجوز ثبوته ضمناً وتبعاً، لأن وجود الشيء ابتداء لا يخلو من شروط، وربما لا تبقى إلى الانتهاء لانعدامها، أو عرض ما ينافيها.
ولذلك كان الاستصحاب يكفي حجة للدفع، لا للاستحقاق، لأن الدفع عبارة عن استبقاء وتقرير ما كان على ما كان عليه، والاستحقاق: نزع وابتداء، ورفع الأول أسهل، فاكتفي فيه بالاستصحاب حجَّة، بخلاف الثاني فإنه أهملا فلا بد فيه من البينة، فقد قال أبو يوسف رحمه الله في كتاب " الخراج ": "لا ينزع الشيء من يد أحد إلا بحق ثابت معروف ".
وهذه القاعدة فرع لقاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" (م/ 56) .
وتنطبق الأمثلة
(1/424)

فيهما على كل منهما، وهذه القاعدة عكس قاعدة "يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام ".
وهذه القاعدة مختلف فيها عند المالكية، ولذلك وضعوها بصيغة الاستفهام
"الدوام على الشيء، هل هو كابتدائه، أو لا؟.
وفيها قولان عندهم بأن الدوام كالابتداء إذا كان ممنوعاً أو مفسداً للعمل، كابتداء الصلاة بالنجاسة وطروء النجاسة على المصلي في أثناء الصلاة كل منهما ممنوع ومفسد للعمل، والابتداء المسبب للكفارة أو الحنث، والدوام عليه سواء، ويشهد لقاعدة "الدوام كالابتداء"
حديث خلع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعليه في الصلاة حين أعلمه جبريل أن بهما قذراً.
وفي قول لا يكون الدوام كالابتداء، ويختلف الترجيح من مسألة إلى أخرى.
وكذلك يختلف الأمر عند الحنابلة.
وقال (ابن رجب رحمه الله تعالى:
"من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجداً له قبل الشروع لكان هو الواجب، دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه، أم يمضي ويجزئه؟ -
هذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون المتلبس به رخصة عامة شرعت تيسيراً على المكلف، وتسهيلاً عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، نهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل، كالمتمتع إذا عدم الهدي فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو موسر في بلده لم يلزمه، الضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية.
فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه ولو في أثناء التلبس بالبدل، كالعدة بالأشهر فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض، ولهذا تؤمر من ارتفع حيضها لعارض معلوم أن تنتظر زواله ولو طالت المدة، وإنما جوِّز لمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر، لأن حيضها غير معلوم، ولا مظنون، وسواء كانت هذه المعتدة مكلفة قبل هذا بالاعتداد بالحيض، كمن ارتفع حيضها لا تدري
(1/425)

ما رفعه فاعتدت بالأشهر، ثم حاضت في أثنائها، أو لم تكن مكلفة به، كالصغيرة إذا حاضت في أثناء العدة بالأشهر.
التطبيقات
1 - لو وهب حصة شائعة قابلة للقسمة فإنه لا يصح، ولكن إذا وهب عيناً
بتمامها ثم استحق جزء شائع منها، أو رجع الواهب في جزء منها شائع، لا تفسد الهبة في الباقي، وإن كان شائعاً يقبل القسمة.
(الزرقا ص 293) .
ويرى بعض الحنفية أن الشيوع بالاستحقاق شيوع طارئ، ولذا لا يؤثر، ويرى آخرون أنه شيوع مقارن يفسد الهبة، فالظاهر أن في المسألة روايتين.
(الزرقا ص 295) .
2 - لو آجر مشاعاً فإنه لا يصح، سواء كان يقبل القسمة أو لا، ولكن لو طرأ الشيوع بعد العقد بأن آجر عقاراً بتمامه، ثم استحق جزء منه شائع، أو تفاسخ العاقدان الإجارة في بعض شائع منه تبقى الإجارة في الباقي، وإن كان شائعاً.
(الزرقا ص 293) .
3 - إن الوكيل بالبيع لا يملك التوكيل بدون إذن موكله أو تفويضه، ولكن إذا باع فضولي عنه فبلغه فأجاز جاز، مع أن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، ولا يرد الوكيل بالشراء حيث لا تصح إجازته لشراء الفضولي؛ لأن الشراء لا يتوقف، فإنه إذا لم يجد نفاذاً على المعقود له نفذ على العاقد، وبعد نفاذه على العاقد، وهو هنا
الفضولي، ملكه، فلا ينتقل ملكه بإجازة الوكيل.
(الزرقا ص 294) .
4 - لو اعترفت المرأة بالعدة، فإنها تمنع عن التزوج، أما لو تزوجت ثم ادعت العدة فإنها لا يلتفت إليها، ويكون الفول قول الزوج.
(الزرقا ص 294) .
5 - لو طرأت العدة على المرأة بعد النكاح، كما لو وطئت بشبهة، لا يبطل نكاحها، بخلاف ما لو عقد عليها وهي معتدة فإن النكاح لا يصح.
(الزرقا ص 294) .
(1/426)

6 - لو أبق العبد بعد البيع، نإن البيع لا يفسد، بخلاف ما لو باعه وهو آبق، فإن العقد حينئذٍ غير صحيح.
(الزرقا ص 294) .
7 - لو اشترى داراً بخيار له، فدام على السكنى فيها لا يبطل خياره، ولو ابتدأ السكنى فيها بطل خياره.
(الزرقا ص 294) .
8 - إن البيع بالحصة ابتدأء لا يصح، أما بعد تمام العقد، فإنه يصح.
(الزرقا ص 294) .
9 - لو عقد البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول جهالة يسيرة كالحصاد والدياس لا يصح، ولو عقد خالياً عن الأجل، ثم أجله بعد العقد إلى الحصاد أو الدياس يصح (الزرقا ص 294) .
10 - إن الزوجة لا تملك حط المهر عن الزوج في ابتداء العقد، فلو عقدت معه النكاح على أن لا مهر لها لم يصح الحط، ووجب مهر المثل، ولو حطت المهر عن الزوج بعد العقد صح حطها، وبرئ الزوج عن المهر.
(الزرقا ص 294) .
11 - ما لو عقد المتبايعان البيع ابتداء بلا ثمن فسد البيع، ولو تعاقدا بثمن، ثم حط البائع عن المشتري صح حطه، ولا يفسد البيع.
(الزرقا ص 294) .
12 - من أحدث وهو يغتسل قبل تمام غسله وبعد تمام وضوئه، احتاج إلى نية جديدة في غسل أعضاء وضوئه في قول، بناء على أن الدوام كالابتداء، وفي قول لا يحتاج إلى نية جديدة، لأن الدوام ليس كالابتداء.
(الغرياني ص 51) .
13 - من حلف: لا أدخل الدار، وهو فيها، أو قال لزوجته: إذا حملت، أو حضت، أو طهرت، فأنت طالق، فوُجدت على الحال التي حلف عليها، ففي قول يحنث؛ لأن الدوام كالابتداء، وعلى قول - وهو المشهور - لا يحنث، لأن الدوام ليس كالابتداء، إلا بحصول ما حلف عليه مرة أخرى.
(الغرياني ص 51) .
14 - من حلف لا يركب الدابة وهو عليها، أو لا يلبس الثوب وهو لابسه، ففيه قولان، والمشهور أن عليه أن ينزل عن الدابة، ويترع الثوب، وإلا حنث؛ لأن الدوام فيها كالابتداء.
(الغرياني ص 51) .
(1/427)

15 - لو اقتدى مريض بمثله من جلوس، فصح المقتدي في أثناء الصلاة، قيل: يتم صلاته قائماً مأموماً، بناء على أن الدوام ليس كالابتداء، وقيل: مجب أن ينفرد ويتم صلاته فذًّا، بناء على أن الدوام كالابتداء.
(الغرياني ص 51) .
16 - من فاته الوقوف بعرفة بسبب خطأ في العدد أو مرض، أو خطأ الطريق، ولم يتحلل بعمرة، فإن بقي محرماً إلى أشهر الحج من قابل، فالواجب عليه ألا يتحلل، فإن تحلل، فعلى أن الدوام كالابتداء لا يمضي تحلله، لأن من أحرم في الموسم لا يتحلل من إحرامه بغير عذر، وعلى أن الدوام ليس كالابتداء يمضي تحلله.
والقول الثالث: أنه يمضي تحلله، ويعدّ متمتعاً.
(الغرياني ص 52) .
17 - من شرع في صيام كفارة ظهار أويمين، أو غيرهما، ثم وجد الرقبة، فالمذهب لا يلزمه الانتقال، لأن ذلك رخصة عامة، فهو كصيام المتمتع، وفيه وجه يلزمه الانتقال (ويكون استثناء من القاعدة) ، لأن الكفارات مشروعة للرح والزجر.
وفيها من التغليظ ما ينافي الرخصة المطلقة، ولهذا يلزمه شراء الرقبة بثمن في الذمة إذا كان ماله غائباً، ولو لم يجد من يبيعه رقبة بالدين وماله غائب، فهل يلزمه الانتظار، أو يجوز له العدول إلى الصيام للمشقة، أو يفرق بين الظهار وغيره؛ على أوجه ابن رجب 1/ 40) .
18 - المتيمم إذا شرع في الصلاة، ثم وجد الماء، ففي بطلانها روايتان، لأن التيمم من حيث كونه رخصة عامة، فهو كصيام المتمتع، ويكون حسب القاعدة فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ومن حيث كونه ضرورة يشبه العدة بالأشهر، فتبطل الصلاة في الصحيح، وهذا استثناء من القاعدة، وبيان الضرورة أنه تستباح معه الصلاة بالحدث، فإنه غير رافع له على المذهب، فلا يجوز إتمام الصلاة محدثاً مع وجود الماء الرافع له.
(ابن رجب 2/ 41) .
19 - إذا نكح المعسر الخائف للعنت أمة، ثم زال أحد الشرطين، فهل ينفسخ نكاحه؛ على روايتين، والنكاح فيه شوب عبادة، والصواب أنه لا ينفسخ، وذلك تطبيقاً للقاعدة، وفي رواية ينفسخ استثناء من القاعدة.
(ابن رجب 1/ 42) .
(1/428)

25 - شهادة النساء بالولادة يثبت بها النسب، ولا يثبت النسب بشهادتهن
استقلالاً.
(ابن رجب 3/ 15) .
21 - شهادة النساء على إسقاط الجنين بالفربة يوجب الغرة إن سقط ميتاً، والدية إن سقط حياً.
(ابن رجب 3/ 15) .
22 - شهادة امرأة على الرضاع تقبل على المذهب، ويترتب على ذلك انفساخ الطلاق.
(ابن رجب 3/ 15) .
23 - لو شهد واحد برؤية هلال رمضان، ثم أكملوا العدة، ولم يروا الهلال، فهل يفطرون أم لا؟
على وجهين، أشهرهما: لا يفطرون لئلا يؤدي إلى الفطر بقول
واحد، والثاني: بلى، ويثبت الفطر تبعاً للصوم.
(ابن رجب 3/ 15) .
24 - لو أخبر واحد بغروب الشمس جاز الفطر؛ لأن وقت الفطر تابع لوقت صلاة المغرب.
(ابن رجب 3/ 16) .
25 - صلاة التراويح ليلة الغيم تبعاً للصيام على أحد الوجهين، واحتمال ثبوت سائر الأحكام المعلقة بالشهر من وقوع الطلاق المعلق به، وحلول آجل الديون، وهو ضعيف.
(ابن رجب 3/ 16) .
26 - لو حلف بالطلاق على حديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قاله، فرواه واحد، يثبت الحديث به، وقع الطلاق، وإن كان الطلاق لا يثبت بخبر واحد.
(ابن رجب 3/16) .
27 - لو حلف بالطلاق أنه ما غصب شيئاً، ثم ثبت الغصب بشاهد ويمين، أو برجل وامرأتين، ففيه روايتان، بالوقوع وعدم الوقوع.
(ابن رجب 3/ 17) .
28 - لو علق الطلاق بالولادة، فشهد بها النساء حيث لم يقبل قول المرأة في
ولادتها، فالمشهور وقوع الطلاق، ونص أحمد: إذا قال لها: إذا حضت فأنت وضرتك طالق، فشهد النساء بحيضها.
تطلقان جميعاً، وفي وجه لا تطلق.
(ابن رجب 3/ 17) .
(1/429)

29 - إذا وقف وقفاً معلقاً بموته، فإنه يصح على المنصوص، وفي قول لا يصح، والأول أصح، لأنها وصية، والوصايا تقبل التعليق.
(ابن رجب 3/ 18) .
وكذا البراءة المعلقة بموت المبرئ تصح أيضاً لدخولها ضمناً في الوصية، وكذلك إبراء المجروح للجاني من دمه، أو تحليله منه يكون وصية معلقة بموته، وقيل: هي وصية للقاتل، والمذهب: ليست وصية، لأن الإبراء والعفو ليس وصية.
(ابن رجب 3/ 18) .
35 - صلاة الحاج مع غيره ركعتي الطواف تحصل تبعاً وضمناً للحج.
(ابن رجب 3/ 18) .
31 - إن الوكيل ووصي اليتيم لهما أن يبتاعا بزيادة على ثمن المثل ما يتغابن بمثلها عادة، ولا يجوز لهما هبة ذلك القدر ابتداءً واستقلالاً.
(ابن رجب 3/ 20) .
32 - لو طلق واحدة معينة من نسائه، ثم مات ولم يُعلم عينها، أقرع بينهن، وأخرجت المطلقة بالقرعة، ولم يجب عليها عدة الوفاة، بل تحسب لها عدة الطلاق من
حينه، لأن الطلاق لما ثبت بالقرعة تبعه لوازمه من العدة وغيرها.
(ابن رجب 3/ 22) .
المستثنى
يستئنى من هذه القاعدة مسائل اغتفر فيها في الابتداء ما لم يغتفر في البقاء.
ولذلك جاء في التوضيح "قد يغتفر" إشارة إلى أنَّ هذه القاعدة ليست مطردة، فالاستثناء تجوّز.
1 - إن الشيوع الطارئ في الرهن يفسده كالمقارن، ولم يغتفروا فيه في البقاء كما اغتفروا في الهبة والإجارة.
(الزرقا ص 295) .
2 - لو فوّض طلاق امرأته لعاقل، فجن، فطلق، لم يقع، ولو فوّض إليه مجنوناً فطلق وقع.
(الزرقا ص 295) .
3 - لو وكل عاقلاً في البيع، فجنَّ جنوناً يعقل معه البيع والشراء، فباع، لم ينفذ، ولو وكله، وهو بهذه الحالة من الجنون، فباع نفذ.
(الزرقا ص 295) .
(1/430)

4 - لو ولى السلطان قاضياً عدلاً ففسق، انعزل على قول، ولو ولاه فاسقاً صح.
(الزرقا ص 295) .
5 - لو أذن لعبده في التجارة فأبق، انحجر، ولو أذن له، وهو آبق، صح.
(الزرقا ص 295) .
6 - لو ارتد المسلم فإن وقفه الذي وقفه حال إسلامه يبطل، وأما لو وقف المرتد عقاره ابتداء في حال ردته، فإن كان امرأة صح وقفها، لأنها لا تقتل بالردة، وإن كان رجلاً يتوقف وقفه، فإن عاد مسلماً صح، وإن قتل أو مات بطل.
(الزرقا ص 296) .
7 - لو وقف على ولده، وليس له ولد، وله ولد ولد، صرف إلى ولد ولده، ولو كان له ولد وقت الوقف ثم مات، يصرف إلى الفقراء لا إلى ولد الولد. فاغتفر في هذا الفرع في الابتداء فصرف إلى ولد الولد عند عدم الولد، ما لم يغتفر في البقاء، إذ لم يصرف إلى ولد الولد عند موت الولد.
(الزرقا ص 296) .
8 - من طرأ عليه الحدث في الصلاة يجب أن يقطع ولا يبني عند الجمهور، ولا يجري فيه الخلاف بأن الدوام ليس كالابتداء، ويبني عند أبي حنيفة، وهو جار على أن الدوام كالابتداء.
(الغرياني ص 54) .
9 - من طرأ عليه الخبث في الصلاة غير الرعاف، يجب أن يقطع ولا يبني على المشهور عند المالكية، ويجوز له القطع والبناء في الرعاف، لأن الدوام ليس كالابتداء، لأنه رخصة، ولو جعلوه كالابتداء لألزموه بالقطع وعدم البناء.
(الغرياني ص 54) .
10 - من ألقت الريح الطيب عليه وهو محرم، وتراخى في إزالته، وجبت عليه الفدية قولاً واحداً؛ لأن الدوام كالابتداء في حقه.
(الغرياني ص 54) .
11 - من رأى مصحفاً في قذر ولم يرفعه فهو ردة باتفاق، لأن الدوام في حقه كالابتداء.
(الغرياني ص 54) .
12 - إذا أخذ الفقير الزكاة، ثم استغنى، فلا يجب عليه ردها باتفاق، لأن الدوام
(1/431)

ليس كالابتداء، ولو جعل الدوام كالابتداء لوجب عليه ردها.
(الغرياني ص 55) .
13 - من عجل زكاته قبل الحول بكثير، وبقيت في يد الفقير إلى حلول الحول، فلا تجزئ في المذهب المالكي باتفاق، ولم يجعلوا الدوام كالابتداء، ولو جعلوا الدوام كالابتداء فيها لأجزأت.
(الغرياني ص 55) .
14 - من أخذ الزكاة ليغزو بها في الجهاد، فجلس ولم يغزُ، فإنها تؤخذ منه، لأن الغزو في معنى المعاوضة، فإذا لم يوفِ به ردّت منه، لأن الدوام كالابتداء، وكذا من أخذ الزكاة بصفته ابن السبيل، لتحمله إلى بلده، فلم يفعل وأقام، فإنها ترد منه، لأن الدوام كالابتداء.
(الغرياني ص 55) .
15 - من احتاج إلى ركوب الهدي لمرض أو تعب، ثم زال العذر، فيلزمه النزول على أن الدوام كالابتداء، ولا يلزمه النزول على أن الدوام ليس كا لابتداء.
(الغرياني ص 52) .
16 - من تزوج أمة، لأنه لا يجد طولاً أن ينكح حرة، ثم وجد بعد النكاح، فيجب عليه أن يفارق الأمة بناء على أن الدوام كالابتداء، ولا يجب عليه فراقها بناء على أن الدوام ليس كالابتداء.
(الغرياني ص 52) .
17 - من وجد الماء بعد التيمم، بطل تيممه بناء على أن الدوام كالابتداء، ولا يبطل على أنه ليس كالابتداء، وقيل: يبطل ما لم يضق الوقت، فإن ضاق الوقت صلى بالتيمم.
(الغرياني ص 52) .
18 - من أحرم وفي يده صيد، وجب عليه إرساله بناء على أن الدوام كالابتداء، ويزول ملكه عنه، وهو مذهب المدونة، ولا يجب عليه إرساله على أنه ليس كالابتداء، ولا يزول ملكه عنه، وهو قول الأبهري وابن القصار.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا أتلفه أحد عليه، فلا ضمان عليه على القول الأول، لأن المحرم زال ملكة عنه، وعليه الضمان على القول الثاني، أما لو أحرم وفي بيته صيد فلا يزول عنه ملكه اتفاقاً.
(الغرياني ص 53) .
19 - ضمان المغصوب، وقيل: يضمن بأعلى قيمة يقوم بها، بناء على أن الدوام
(1/432)

كالابتداء، لأنه في كل حين كالمبتدئ للغصب، والمشهور أنه يضمن بقيمته يوم الغصب، بناء على أن الدوام ليس كالابتداء.
(الغرياني ص 53) .
20 - من أسلم وتحته مجوسية أو أمة كتابية، فيجب عليه فراقها بناء على أن الدوام كالابتداء، ولا يقر عليها؛ لأنه لا يجوز للمسلم نكاح المجوسية ولا الأمة الكتابية.
وفي قول يقر عليها بناء أن الدوام ليس كالابتداء.
(الغرياني ص 53) .
21 - إذا أخذ الغريم الزكاة، ثم استغنى قبل أدائها لأصحاب الديون، فقيل: تنزع منه بناء على أن الدوام كالابتداء، وقيل: لا تنزع منه، لأن في ردها إشكال، وبناء على أن الدوام ليس كالابتداء.
(الغرياني ص 53) .
22 - إن تطبيقات قاعدة "يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام"
هي مستثنيات لهذه القاعدة..
(اللحجي ص 116)
وستأتي إن شاء الله تعالى.
(1/433)

القاعدة: [69]
التابع تابع (م/47)
الألفاظ الأخرى
- التابع ينسحب عليه حكم المتبوع.
التوضيح
إن الشيء التابع لغيره في الوجود يتبعه في الحكم، فيسري عليه ما يسري على متبوعه، ولا ينفرد في الحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه.
والتابع هو ما كان جزءاً من غيره، ويضره التبعيض، كالجلد من الحيوان، أو كالجزء في الاتصال الخَلْقي كالجنين، والعضو من الحيوان، والفصّ للخاتم، أو كان وصفاً فيه، كالشجر والبناء القائمين في الأرض، أو كان من ضروراته، كالطريق للدار، وكالعجول للبقر الحلوب، والمفتاح للقفل، وكالجفن والحمائل للسيف.
فالشيء الذي جُعل تابعاً لشيءآخر لا بدَّ أن يكون تابعاً له في الحكم.
وقال بعض الشافعية: " والذي يظهر أن التعبير بأن: " التابع ينسحب عليه حكم المتبوع " أولى من " التابع تابع " لما لا يخفى على الفطن أن في قوله: "التابع تابع " إخبار عن الشيء بنفسه"
وعند الحنابلة اختلاف فيمن ثبت له ملك عين ببينة أو إقرار، ففي قول يتبعها ما يتصل بها، أو يتولد منها، وفي قول لا يتبعها، كالشجر مع الأرض، والعين في دار مستأجرة في التنازع بين المؤجر والمستأجر، والظرف مع المظروف.
(1/434)

وعند المالكية تفصيل واختلاف، ووضعوا قاعدتين مختلفاً في كل منهما، الأولى:
اختلف المالكية في قاعدة "الأتباع هل تُعطى حكم أنفسها، أو حكم متبوعها؟ "
كمالين أحدهما معدّ للتجارة، وآخر غير متخذ للتجارة، وأحدهما أكثر من الآخر، ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: العبرة للأكثر، والأقل تابع، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: إن كان الأكثر للتجارة زكي الجميع زكاة التجارة، وإن كان الأكثر ليس للتجارة زكي مال التجارة فقط كل عام، وهو قول ابن القاسم، والثالث: يزكى كل مال على حكمه، قال ابن رشد: وهذا هو القياس، وكبيع السيف المحلّى بالذهب (إذا كانت حليته تبعاً) بالنسيئة.
فالمشهور منعه، ويشترط التقابض، وأجازه سحنون.
وقيل: يستحب فيه النقد ويمضي التأجيل بالعقد.
والثانية: "الأتباع هل لها قسط من الثمن أو لا في الاستحقاق وغيره؟ "
كبيع الحلي الممزوج بصنف التابع، فيه روايتان عن مالك، وكبيع السيف الذي حليته تبع بنوعها ففيه الأقوال الثلاثة السابقة.
ويدخل في هذه القاعدة عدة قواعد تنطبق أمثلتها وتطبيقاتها عليها.
وسنذكر بعضها، بعد التطبيقات.
التطبيقات
1 - لو أقر شخص بخاتم، دخل فصُّه في الإقرار.
(الزرقا ص 253) .
2 - لو أقر شخص بسيف، دخل جفنه وحمائله فيه.
(الزرقا ص 253) .
3 - لو بيعت أمة في بطنها جنين، يدخل الجنين في بيع الأم تبعاً، ولو لم ينص عليه.
(الزرقا ص 253، الدعاس ص 62) .
4 - إذا بيعت الدابة، وفي بطنها حمل، يدخل في البيع تبعاً لأمه، ولا يجوز إفراده في البيع.
(الدعاس ص 63) .
(1/435)

5 - كل ما كان من ضروريات الشيء كالمفتاح للقفل فلا يفرد عن متبوعه، بل يدخل تابعاً له في المبيع بلا ذكر.
(الزرقا ص 253، الدعاس ص 63) .
6 - إذا بيعت شاة، دخل الصوف في البيع، ودخل اللبن في الضرع بالبيع.
(الدعاس ص 63) .
7 - إذا ضرب بطن امرأة فماتت، ثم بعد موتهها ألقت جنيناً ميتاً، فعلى الضارب دية الأم، ولا غرّة في الجنين، فقد اعتبرت غرته داخلة في دية الأم، لكونه تبعاً لها.
(الزرقا ص 253) .
8 - إذا بيعت الأرض، دخل الطريق في السكة غير النافذة الموصلة للطريق العام، في بيع الأرض، تبعاً وإن لم ينص عليه، بخلاف الطريق إذا كان في ملك الغير فإنه لا يدخل بلا تنصيص عليه أو على الحقوق والمرافق عند الحنفية.
(الزرقا ص 253)
وتدخل الحقوق والمرافق عند الشافعية تبعاً.
9 - لو بيعت الأرض، دخل البناء في البيع تبعاً.
(الزرقا ص 253) .
10 - إذا بيعت الأرض، تدخل الأشجار التي غرست للقرار، مثمرة كانت أو من غير ذات الثمر، صغيرة أو كبيرة، أما المثمرة فلا كلام في دخولها، وأما التي لا تثمر فتدخل لا الأصح بلا تفصيل بين الصغيرة والكبيرة.
(الزرقا ص 254، ابن رجب 2/ 149، 151) .
وأما الأشجار التي غرست لا للقرار، بل لتقطع بعد كبرها، كالحور ونحوه، فقد وقع فيها اضطراب، والأرجح أنها إذا كانت تقطع في كل ثلاث سنين، وكانت تقطع مع الأصل، فتدخل في البيع تبعاً، ولو كانت تقطع من وجه الأرض فلا تدخل، لأنها بمنزلة الثمرة، وكذلك تدخل في الوقف إذا كانت تقطع بعد عامين أو أكثر فإنها تدخل تبعاً، والمراد من "ثلاث سنين " استكمال سنتين ودخولها في الثالثة.
(الزرقا ص 254) .
11 - إن ما يدخل مما ذكر في البيع تبعاً يدخل في الرهن تبعاً للأصل، وتدخل
(1/436)

زوائد الرهن بالرهن كالولد والمرة، واللبن والصوف، وتكون رهناً.
(الزرقا ص 254) .
12 - إن زوائد المبيع إذا حدثت قبل القبض تدخل في المبيع وتكون للمشتري.
(الزرقا ص 254) .
13 - إن زوائد المغصوب تكون للمغصوب منه تبعاً لماله.
(الزرقا ص 255) .
14 - لو باع جداراً دخلت أرضه في البيع، وكذا لو اشترى نخلهَ دخلت أرضها عند الإمام محمد، وهو موافق للعرف إذا كان بيع الجدار للقرار، لا للنقض وأخذ الأبنية، وخالف أبو يوسف في دخول الأرض في بيع الجدار، وأنها لا تدخل.
(الزرقا ص 255) .
15 - المردود بالعيب إذا كان قد زاد زيادة متصلة كالسمن، وتعلم صناعة، فالمشهور أن الزيادة للبائع تبعاً لأصلها، ولا يستحق المشتري عليه شيئاً.
(ابن رجب 2/ 153) .
16 - المبيع إذا أفلس مشتريه قبل نقد الثمن، ووجده البائع قد نما نماء متصلاً، يرجع به، لأنه تابع، ولا شيء للمفلس.
(ابن رجب 2/ 155) .
17 - الموصى به إذا نما نماء متصلاً بعد الموت، وقبل القبول، فإنه يتبع العين إذا احتمله الثلث، وني قول: لا تحسب عليه؛ لأنها نماء ملكه عند القول بانتقال الملك
من حين الموت (2/ 171) .
18 - المستأجر، يكون النماء في يده أمانة كاصله، وليس له الانتفاع به؛ لأنه غير داخل في العقد، وله إمساكه بغير اسسّذان مالكه تبعاً لأصله، جعلاً للإذن في إمساك أصله إذناً في إمساك نمائه، في وجه، وفي وجه يحتاج للإذن.
(ابن رجب 2/ 187) .
19 - الإقالة، إذا قلنا: هي فسخ، وهو الراجح، فالنماء للبائع في وجه ويرده مع أصله.
(ابن رجب 2/ 191) .
20 - إذا فسخ البائع لإفلاس المشتري بالثمن، فالنماء المنفصل يتبع المبيع لأنه
(1/437)

تابع له، في الرواية الراجحة.
(ابن رجب 2/ 193) وهكذا أحكام النماء في اللقطة.
(ابن رجب 2/ 194) ، ورجوع الأب فيما وهبه لولده إذا نما نماء منفصلاً فيرده في وجه.
(ابن رجب 2/ 195) ، ومن وجد عين ماله الذي استولى عليه الكفار في المغنم قبل القسمة، وقد نما نماء منفصلاً، وقلنا لم يملكه الكفار، فهو له بنمائه، وإن قلنا: ملكوه، فيرجع إليه بنمائه في وجه.
(ابن رجب 2/ 251) وتركة من عليه دين إذا تعلق
بها حق الغرماء بموته، فإن قلنا: هي باقية على حكم ملك الميت، تعلق حق الغرماء بالنماء أيضاً كالمرهون.
(ابن رجب 2/ 253) ، والأمانات إذا تعدى فيها، ثم نمت.
فإن النماء يتبعها في الضمان.
(ابن رجب 2/ 206) وصيد الحرم والإحرام، يضمن
نماؤه المنفصل إذا دخل تحت اليد الحسية، تبعاً لضمان الصيد.
(ابن رجب 2/ 207) .
21 - إذا انتقل الملك عن النخل بعقد أو فسخ تتبع فيه الزيادة المتصلة دون
المنفصلة، كالطلع غير المؤبر.
(ابن رجب 2/ 212) .
ويدخل تحت القاعدة السابقة عدة قواعد، وهي الآتية.
(1/438)

القاعدة: [70]
1 - من ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته (م/49)
التوضيح
إن من ملك شيئاً، سواء كان ملك عين أو تصرف، ملك ما هو من ضروراته.
والمراد بالضرورة هنا الضرورة العقلية التي تحرك الفكر لإدراك الحكم للشيء بدون ذكر، لا الضرورة بمعنى الاضطرار.
التطبيقات
1 - إذا اشترى رجل داراً ملك الطريق الموصل إليها، بدون تنصيص عليه، ما لم يكن في ملك خاص.
(الزرقا ص 261، الدعاس ص 63) .
2 - لو اشترى رحى مبنية دخل المجرى الأعلى، أو قفلاً دخل مفتاحه، أو بقرة حلوبة لأجل اللبن، دخل عِجَّوْلُها.
(الزرقا ص 261) .
3 - من ملك أرضاً استتبع ملكه ملك ما فوقها وما تحتها، فيحفر الأعماق.
ويبني فوقها الطباق.
(الدعاس ص 63) .
4 - من اشترى داراً واقعة في سكة غير نافذة مشتركة بين عدة دور يملك بحكم التبعية حصة الدار من الطريق في هذه السكة، ولو لم ينص عليها في العقد، وكل ذلك أمثلة على ملك العين.
(الدعاس ص 63) .
5 - ومثال التصرف: لو عرض الدلال على رب الدكان متاعاً، وتركه عنده فهرب رب الدكان، وذهب به لم يضمن الدلال على الصحيح، لأنه أمر لا بدَّ منه في البيع،
(1/439)

فقد ملك الدلال تركه عند رب الدكان، لأنه من ضرورات الييع، ولا بدَّ منه فيه، فكان مأموراً به، بخلاف ما لو أخذه وكيل الشراء على سوم الشراء، فهلك في يده، وقد بين الثمن، فإنه يضمن ولا يرجع على موكله إذا لم يكن أمره بالأخذ على سوم الشراء، إذ الأمر بالشراء لم يكن أمراً بالقبض على سوم الشراء (الزرقا ص 261) .
(1/440)

القاعدة: [71]
2 - التابع لا يفرد بالحكم (م/48)
الألفاظ الأخرى
- التابع لا يفرد بالحكم ما لم يَصِرْ مقصوداً.
- التابع لا يفرد بالحكم، لأنه إنما جعل تابعاً.
التوضيح
المراد من التابع هنا التابع الذي هو من قبيل الجزء، أو كالجزء من غيره.
كالصوف على الغنم، لا يصلح أن يكون محلاً للعقود، بل وجوده تبع لوجود متبوعه، وكالجنين في بطن الحيوان.
ومن حيث تعلق الأحكام ينزل التابع منزلة المعدوم في عدم جواز إفراده بالحكم، فلا يصح بيع الجنين في بطن أمه منفرداً، ولا يجوز بيع عضو من الحيوان، وهو حي، ولو أمكن فصله بعد الذبح.
أما إذا صار التابع مقصوداً فإنه يُفرد بالحكم، وذلك كزوائد المغصوب المنفصلة المتولدة فإنها أمانة في يد الغاصب غير مضمونة عليه إلا بالتعدي عليها، أو منعها بعد الطلب، فإنه يضمنها حينئذ، لأنها صارت مقصودة.
التطبيقات
1 - الجنين الذي في بطن أمه لا يباع منفرداً عن أمه، ولا يرهن، كما لا يستثنى من البيع ولا من الرهن، واستثناؤه من بيع أمه يعتبر شرطاً مفسداً للبيع،
(1/441)

لأن ما لا يصح المراد العقد عليه منفرداً لا يصح استثناؤه من العقد، ولو استثني فسد البيع أو الرهن.
وكذلك لا يفرد بهبة، ولا يستثنى عن الهبة، ولو استثني صحت الهبة وبطل
الاستثناء.
وكذا لو استثني في الصدقة، أو المهر، أو النكاح، أو بدل الخلع، أو بدل الصلح عن دم العمد، صحت وبطل الاستثناء.
(الزرقا ص 257، الدعاس ص 64) .
2 - ومثل الجنين في الأحكام السابقة: كل ما كان اتصاله خلقة، كاللبن في
الضرع، واللؤلؤ في الصدف، والصوف على ظهر الغنم، والجلد على الحيوان، والنوى في الثمر.
(الزرقا ص 257، الدعاس ص 64) .
3 - لو أحيا شيئاً له حريم ملك الحريم في الأصح تبعاً، فلو باع الحريم دون الملك لم يصح.
(اللحجي ص 60) .
4 - الحمل يدخل في بيع الأم تبعاً، فلا يفرد بالبيع.
(اللحجي ص 60) .
5 - الدود المتولد من الفاكهة يجوز أكله معها تبعاً لا مفرداً في الأصح.
(اللحجي ص 60) .
6 - زوائد الرهن المنفصلة المتولدة تكون رهناً تبعاً، ولا يقابلها شيء من الدين، فلو هلكت لا يسقط شيء من الدَّين، ولكن إذا صارت مقصودة بالفكاك، بأن بقيت بعد هلاك الأصل تُفك بحصتها من الدين، فينقسم الدين على قيمتها يوم الفكاك.
وقيمة الأصل يوم القبض، ويسقط من الدين حصة الأجل، وتفتك الزوائد بحصتها.
(الزرقا ص 258) .
7 - زوائد المبيع المنفصلة المتولدة إذا حدثت قبل القبض تكون تبعاً للمبيع، ولا يقابلها شيء من الثمن لو تلفت، ولكن لو أتلفها البائع سقطت حصتها من الثمن، فيقسم الثمن على قيمة الأصل يوم العقد، وعلى قيمة الزيادة يوم الاستهلاك.
(الزرقا ص 258) .
(1/442)

8 - المرهون، نماؤه المنفصل كله رهن معه، لأنه تبع له فلا يفرد بالحكم، سواء كان متولداً من عينه، كالثمرة والولد، أو من كسبه، كالأجرة، أو بدلاً عنه كالأرش والعوض، وهو داخل في عقد الرهن، فيملك الوكيل في بيع الرهن بيعه معه، وإن كان حادثاً بعد العقد والتوكيل.
(ابن رجب 2/ 187) .
9 - الأجير، كالراعي ونحوه، يكون النماء في يده أمانة كاصله فيتبعه في الحكم، لكن لا يلزمه رعي سخال الغنم المعينة في عقد الرعي، لأنها غير داخلة فيه، بخلاف ما إذا كان الاستئجار على رعي غير معين، فإن عليه رعي سخالها، لأن عليه أن يرعى ما جرى العرف به مع الإطلاق.
(ابن رجب 2/ 187) ..
10 - الوديعة، يكون نماؤها وديعة في وجه، وفي وجه؛ أمانة محضة.
(ابن رجب 2/ 187) .
11 - المقبوضة على السوم إذا ولدت في يد القابض، فالولد حكمه حكم أصله، وفي ضمانه وجهان، ففي وجه أنه مضمون إن قلنا إن المقبوض على السوم مضمون، وفي وجه ليس بمضمون لولد العارية؛ لأن أمه إنما ضمنت لقبفتها بسبب الضمان والتمليك، والولد لم يحصل قبضه على هذا الوجه، وهنا يكون الحكم استثناءً من القاعدة.
(ابن رجب 2/ 189) .
12 - البيع في مدة الخيار إذا نما نماءً منفصلاً، تم فسخ البيع، ففي وجه راجح:
يرجع، لأن الفسخ بالخيار فسخ للعقد من أصله، لأنه لم يرض فيه بلزوم البيع، فيرجع بالنماء المنفصل في الخيار، بخلاف العيب.
(ابن رجب 2/ 191) .
13 - الحمل تابعٌ لأمه ويتبعها قبل انفصاله في أحكام، في عدم وجوب إخراج الفطرة عن الحمل في قول.
(ابن رجب 2/ 226) .
المستثنى
1 - لو ضرب بطن امرأة حامل فاسقطت جنيناً ميتاً، يضمن الضارب ديته التي تسمى (غُرّة) أي ما يعادل خمسين ديناراً، أي نصف عشر الدية، ولو كان تابعاً لأمه.
(الدعاس ص 64) .
(1/443)

2 - يجوز بيع المفتاح دون القفل، والرسن دون الدابة، وهكذا في كل تابع لا يكون جزءاً أو كالجزء.
(الدعاس ص 64) .
3 - إن الجنين يورث فتكون غرته بين ورثته.
(الزرقا ص 258) .
4 - يصح الايصاء بالجنين، وللجنين، إذا ولد لأقل مدة الحمل وقت الوصية، ويصح الإقرار له بالشرط المذكور، إذا بيَّن سبباً صالحاً لملك الحمل للمقَرِّ به، كإرث أو وصية، ويصح الإقرار به بدون أمه بالشرط نفسه، وإن لم يبين المقر سبباً صالحاً.
والفرق بين الإقرار له، والإقرار به، حيث يشترط لصحة الأول أن يبين المقر
سبباً صالحاً دون الثاني، فإن المقر له في الثاني أهل للتملك على الإطلاق بخلافه في الأول، فإن الحمل ليس بأهل للتملك على الإطلاق، وإذا بين سبباً صالحاً يصح.
(الزرقا ص 258) .
5 - لو أبطل المديون الأجل صح، وحل الدَّين، مع أن الأجل صفة له، والصفة تابعة للموصوف.
(الزرقا ص 258) .
6 - إن الدابة المبيعة إذا استحقت بالبينة، وكانت قد ولدت في يد المشتري، فإن ولدها يتبعها في الاستحقاق، وإن لم يدّعه المستحق، ولكن بشرط القضاء به، وهذا إذا سكت الشهود عنه، أما إذا بينوا أنه لذي اليد، أو سئلوا فقالوا: لا ندري، فلا يتبعها.
(الزرقا ص 258) .
7 - العارية: لا يرد عقد الإعارة على ولدها التابع لها، وليس للمستعير الانتفاع به، وهو مضمون، لأنه تابع لأصله في وجه، وفي وجه ليس بمضمون، لأن أصله إنما ضمن لإمساكه للانتفاع به، والنماء ممسوك لحفظه على المالك، فيكون أمانة.
(ابن رجب 2/ 188) .
8 - المقبوض بعقد فاسد مضمون بالأجرة، وفي ضمان زيادته وجهان، وأكد القاضي الفراء سقوط الضمان، بأنه إنما دخل على ضمان العين دون نمائها، وهو منتقض بتضمينه الأجرة.
(ابن رجب 2/ 189) ..
9 - من حلف ألا يأكل مما اشتراه فلان، فأكل من لبنه أو بيضه، لم يحنث، لأن
(1/444)

العقد لم يتعلق به، بخلاف ما لو حلف لا يأكل من هذه الشاة، فإنه يحنث بأكل لبنها، لأنه لا يؤكل منها في الحياة عادة إلا اللبن، فأما نتاجها ففيه نظر.
(ابن رجب 2/ 189) .
10 - إذا عجل الزكاة، ثم هلك المال، وقلنا: له الرجوع بها، فإنه يرجع جها، ولا يرجع بزيادتها المتصلة على الأظهر، وفي وجه يرجع.
(ابن رجب 2/ 190) .
11 - المبيع المعيب، إذا نما نماء منفصلاً، ثم فسخ البيع، ففي وجه راجح وهو الأشهر لا يرجع النماء كالكسب، وفي وجه يرجع.
(ابن رجب 2/ 191) .
12 - الإقالة: إذا قلنا: هي فسخ وهو الراجح، فالنماء للمشتري، ولا يرد مع المبيع.
(ابن رجب 2/ 191) .
13 - إذا عاد الصداق إلى الزوج، أو نصفه قبل الدخول، أو فسخ، وقد نما عند الزوجة نماءً منفصلاً، فلا يرجع به في المذهب، وفي قول: يرجع بالنصف (ابن رجب 2 / 196) .
14 - الحمل تابع لأمه، والصحيح من المذهب أن له أحكاماً مستقلة، وله أحكام كثيرة بالاتفاق، كالميراث، وصحة الوصية له، ووجوب الغرة بقتله، وتأخير إقامة الحدود واستيفاء القصاص من أمه حتى تضع، وإباحة الفطر لها إذا خشيت عليه، ووجوب النفقة لها إذا كانت بائناً، وإباحة طلاقها وإن كانت موطوءة في ذلك الطهر قبل ظهوره.
(ابن رجب 2/ 226) وفي وجوب النفقة للحمل على الأب، وإن كانت
أمه لا نفقة لها كالبائن بالاتفاق.
(ابن رجب 2/ 230)
وفي وجوب نفقة الأقارب على الحمل من ماله.
(ابن رجب 2/ 234) .
15 - الحمل تابع لأمه، ولكن إذا ماتت كافرة، وفي بطنها حمل محكوم بإسلامه، لم تدفن في مقابر الكفار لحرمة الحمل.
(ابن رجب 2/ 226) ، وكذا في استحباب
إخراج الفطرة عنه قولاً واحداً، وفي القول بوجوب إخراج الفطرة.
(ابن رجب 2/ 226)
وفي وجوب القضاء والكفارة على الحامل إذا أفطرت عند الخوف على جنينها
من الصوم.
(ابن رجب 2/ 226) .
(1/445)

16 - المنفعة تابعة للعين، ولكن قد يثبت ملك العين لشخص، ولا تتبعه المنفعة، وبالعكس، كالوصية بالمنافع لواحد، وبالرقبة لواحد، أو ترك العين للورثة، وملك المنفعة دون العين بالوصية بالمنافع، والوقف، والأرض الخراجية المقرّة في يد من هي في يده، والإجارة، ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدة معلومة، والعارية.
(ابن رجب 2/ 284 - 287) .
(1/446)

القاعدة: [72]
3 - يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع (م/54)
الألفاظ الأخرى
- يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها.
- يُغتفر في الشيء ضمناً ما لا يُغتفر فيه قصداً.
- يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل.
التوضيح
"يغتفر" أي يتسامح ويتساهل "في التابع "، أي ما اشتمل عليه غيره، سواء كان من حقوق المتبوع المشتمل، أو لوازمه، أو عقداً، أو فسخاً متضمَّناً له (بفتح الميم)
أو من حقوق عقد متعلق به، فيغتفر فيها ما دامت تابعة ما لا يغتفر فيها إذا صارت متبوعة، أي أصلاً معقوداً.
أي أن الشرائط الشرعية المطلوبة في محل التصرفات يجب توافرها جميعاً في المحل الأصلي، ويتساهل بها في توابعه، ولذلك ورد ما يقرب من ذلك بقاعدة ة التابع لا يفرد بالحكم " (م/48) .
وتقرب من قاعدة: "يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً".
التطبيقات
1 - لو باع عقاراً يدخل فيه غير ما كان في ملك خاص، أما ما كان تابعاً له في
(1/447)

ملك خاص فلا بدَّ من التنصيص عليه بخصوصه، أو على الحقوق والمرافق، ولو أورد العقد عليها قصداً لا يصح.
(الزرقا ص 291) .
2 - يشترط في الوقف أن يكون الموقوف مالاً ثابتاً، أي عقاراً، ولا يصح وقف المنقولات، إلا إذا تعورف، كوقف الكتب وأدوات الجنازة، لكن لو وقف عقاراً كقرية أو داراً بما فيها من منقولات صح الوقف في هذه المنقولات أيضاً تبعاً للعقار؛ إذ يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
ولو وقف العقار ببقره وأَكَرته يصح، ويغتفر دخول البقر والأكَّارين تبعاً، لأنهما من حوائج المتبوع ولوازمه، وعليه الفتوى، ولو ورد الوقف عليها منفردة لا يصح إلا عند محمد رحمه الله تعالى إذا كان فيها تعامل.
(الزرقا ص 291، الدعاس ص 64) .
3 - لو أعتق أحد الشريكين حصته من العبد المشترك، ثم اشترى حصة شريكه الساكت، فإنه لا يصح، ولا يملك الساكت نقل ملكه إلى أحد، ولكن إذا أدى المعتق الضمان لشريكه الساكت ملكه، واغتفر التمليك والتملاث، لأنه وجد ضمناً وتبعاً.
(الزرقا ص 292) .
4 - لو زوجه فضولي امرأة، ثم أراد الفضولي فسخ النكاح فإنه لا ينفسخ، ولكن لو وكل الرجلُ الفضولي أن يزوجه امرأة فزوجه إياها أو أختها انفسخ العقد الأول ضمناً.
(الزرقا ص 292) .
5 - لو وكل المشتري البائع في قبض المبيع فقبضه لا يصح قبضه عنه؛ لأن الواحد لا يصلح مسلماً ومتسلماً، حتى لو هلك في يده والحالة هذه، يهلك عليه لا على المشتري، أما لو أعطى البائع جوالقاً ليكيل ويضع فيه الطعام المبيع، فقبل صح التوكيل في ضمن الأمر بالكيل والوضع في الجوالق تبعاً، وكان ذلك قبضاً من المشتري.
(الزرقا ص 292) .
6 - إن من حقوق العقد المتعلق بالمتبوع أيضاً الوكيل بقبض المبيع إذا رآه فأسقط خيار رؤية موكله قبل أن يقبضه أو بعدما قبضه لا يسقط، ولكن لو قبضه وهو يراه
(1/448)

سقط خيار موكله عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى تبعاً لصحة القبض، خلافاً لهما.
(الزرقا ص 292) .
7 - الجنين في بطن أمه المذبوحة جاز أكله لتبعيته لها في الذبح.
(الدعاس ص 965) .
8 - الرمي على المسلمين للتوصل إلى المقصود، كما إذا تترس الكفار بهم، يجوز، مع أنه حرام قصداً، ويجوز تبعاً.
(الدعاس ص 65) .
9 - لو حلف لا يشتري صوفاً، فاشترى غنمة عليها صوف، جاز ولا يحنث، لأن الصوف دخل في البيع تبعاً للشاة لا قصداً، فاغتفر فيه، فإن دخل مقصوداً يحنث.
(الدعاس ص 65) .
10 - لو حلف لا يشتري خشباً أوآجراً، فاشترى داراً لم يحنث، لأن البناء يدخل تبعاً دون تسميته، فلم يكن مقصوداً في العقد.
(الدعاس ص 65) .
11 - حريم المسجد ليس له حكم المسجد في حرمة اللبث فيه للجنب.
(اللحجي ص 61) وهذا الحكم لم يذكره السيوطي في هذه القاعدة.
بل ذكر عكسه في قاعدة " الحريم له حكم ما هو حريم له "
فقال: " وحريم المسجد له حكم المسجد، ولا يجوز
الجلوس فيه للبيع ولا للجنب. . ".
12 - تثبت الشفعة في المنقول تبعاً للأرض.
(اللحجي ص 61) .
(1/449)

القاعدة: [73]
4 - إذا سقط الأصل سقط الفرع (م/50)
الألفاظ الأخرى
- الفرع يسقط إذا سقط الأصل.
- الفرع يسقط بسقوط الأصل.
- التابع يسقط بسقوط المتبوع.
- هل ينتفي الفرع بانتفاء الأصل، أم لا (1) ؟
التوضيح
إن الشيء الذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود يكون ذلك الفرع مبتنىً عليه، فإذا سقط الأصل سقط الفرع المبني عليه، ولا عكس، فلا يلزم من سقوط الفرع سقوط الأصل.
التطبيقات
1 - إن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل، فلو أبرأ الدائن ذمة مديونه الأصيل برئ الكفيل بالمال عن الكفالة تبعاً، بخلاف ما إذا أبرأ الكفيل فإنه لا يبرأ الأصيل ولا يسقط الدين.
(الزرقا ص 263، الدعاس ص 60، اللحجي ص 60) .
__________
.
(1) هذه القاعدة مختلف فيها عند المالكية، انظر: تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية ص 427.
(1/450)

2 - لو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين، أو وهبه له سقط ضمان الرهن، وانقلب أمانة، فإذا هلك في يد مرتهنه بلا حبسه يهلك أمانة، بخلاف ما بعد إيفاء الدين فإنه مضمون، وذلك لأنه بالإيفاء لم يسقط الدين؛ لأن الديون تقضى بأمثالها.
(الزرقا ص 263) .
3 - لو حلف ليقضين دينه غداً مثلاً، فابرأه الدائن عن الدين قبل مضي الغد، أو حلف ليشربن من ماء هذا الكوز اليوم، وكان فيه ماء، فصُبّ قبل مضي اليوم، بطلت اليمين، لكون بقائها فرعاً عن بقاء الدين وبقاء الماء.
(الزرقا ص 263) .
4 - إذا كان كفيل النفس قد كفل بنفس المدين وتسليمه للدائن لأجل هذا الدين فقط، ثم أبرأ الدائن المدين، أو أوفاه المدين الدين، فالظاهر سقوط الكفالة حينئذٍ.
(الزرقا ص 264) .
5 - من كانت عنده مئة دينار ذهباً، ربح منها نصاباً، عشرين ديناراً، وعليه مئة مدين بها، وليس له ما يقابلها من الأصول يبيعه ويسدد به، فلا زكاة عليه في المئة التي في يده؛ لأنه مدين بمثلها، فتسقط عنه الزكاة فيها، وتجب عليه الزكاة في العشرين التي ربحها منها، وهو المشهور، وقيل: لا تجب؛ لأنه لما سقطت الزكاة في أصلها سقطت الزكاة فيها، لأنها فرعها.
(الغرياني ص 427) .
6 - عامل القراض، ربحه فرع من ربح رب المال، فهل تسقط عنه الزكاة إذا سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه، أو لكفر؛ لأن الفرع ينتفي بانتفاء الأصل، أو لا تسقط عن العامل بسقوطها عن رب المال، وهو المشهور، لأنه مالك للنصاب، وهو مبني على قاعدة أخرى: أن العامل يملك حصته بالظهور، لا بقسمة المال، كما هو مشهور.
(الغرياني ص 428) .
المستثنى
1 - خرج عن هذه القاعدة مسألة سقط فيها الأصل
ولم يسقط الفرع، وهي:
ما إذا كفل بنفس المدين فأبرأه الطالب عن الدين
يسقط الدين، وتبقى كفالة
(1/451)

النفس، فيطالب الكفيل بإحضاره، إلا إذا قال الطالب: لا حق لي قِبَلَه - أي المدين - ولا لموكل لي، ولا لصغيرٍ أنا وليه أو وصيه، ولا لوقف أنا متوليه، فحينئذٍ يبرأ كفيل النفس.
(الزرقا ص 263، اللحجي ص 60) .
2 - كما يخرج عنها مسائل هي تطبيقات لقاعدة "قد يثبت الفرع دون الأصل ".
(م/ 81) الآتية.
(1/452)

القاعدة: [74]
5 - قد يثبت الفرع دون الأصل (م/81)
الألفاظ الأخرى
- قد يثبت تبعاً ما لا يثبت مقصوداً.
- الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعاً وحكماً وإن كان يبطل قصداً.
- قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل.
التوضيح
هذه القاعدة قد تبدو غريبة، غير معقولة في بادئ الأمر، لأنها تنافي السنن
الطبيعية، ولكن الأمور الحقيقية تؤثر فيها عوامل تختلف عن العوامل الطبيعية، فهذه القاعدة تعبر عن إثبات الحقوق أمام القضاء ولا تبحث عن نشوئها في الواقع.
فوجود الفرع يستلزم في الواقع وجود الأصل الذي تفرع عنه، ولكن إثبات
المسؤوليات الحقوقية قد تُفْقَد وسائله المثبِتة في حق الأصول، وتتوافر في حق الفروع.
فقد يوجد ويبقى الفرع مع عدم وجود الأصل، لأنه لا تلازم بين الأصل والفرع في الوجود، وقد يوجد الأصل بدون وجود الفرع، كالمدين إذا لم يكن له كفيل.
وهذا ظاهر، لأنه ليس كل أصل له فرع، وأما وجود الفرع بدون الأصل فله أمثلة كثيرة، وهي تطبيقات للقاعدة.
وكما لا تلازم بين الأصل والفرع في الوجود فلا تلازم بينهما في السقوط بعد
الوجود، لأن عدم سقوط الأصل بسقوط الفرع فذلك أمر ظاهر، إذ لا يلزم من
(1/453)

إبراء كفيل المال والنفس مثلاً براءة الأصيل، وأما عدم سقوط الفرع بسقوط الأصل فهو كالفرع المستثنى من القاعدة الأخرى "إذا سقط الأصل، سقط الفرع " (م/ 50)
وقاعدة "إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه " (م/52) .
وكما لا تلازم بين الأصل والفرع في الوجود فلا تلازم بينهما في الصلاحية
والسلطة، فكثير ما يملك الأصل ما لا يملكه الفرع، وذلك ظاهر، كالموكل يملك ما لا يملكه وكيله، وقد يملك الفرع ما لا يملكه الأصل، كالمريض إذا صار مديناً بما يحيط بماله، إذا باع في مرض موته وحابى فيه، ولو قليلاً، فإن محاباته لا تجوز وإن قلت، بينما يحق للدائن أن يقبل هذه المحاباة من المريض البائع، كما أن المشتري من المريض المدين الذي حاباه إذا لم يجز الدائن المحاباة، له الخيار، بأن يوفي الثمن إلى تمام القيمة، وإن شاء فسخ، وأما وصي المريض المدين بعد موته إذا باع تركته لقضاء ديونه، وحابى قدر ما يتغابن فيه، صح بيعه، ويجعل عفواً، فقد ملك الفرع (الوصي)
ما لا يملكه الأصل في هذا.
التطبيقات
1 - لو ادعى شخص على اثنين أن أحدهما استقرض منه مبلغا من المال، وأن الثاني قد كفله، فاعترف الكفيل، وأنكر الآخر، وعجز المدعي عن إثبات القرض عليه، يؤخذ من الكفيل، لأن المرء مؤاخذ بإقراره، فقد ثبت الفرع، ولم يثبت الأصل.
(الزرقا ص 411، الدعاس 66، اللحجي ص 60) .
2 - لو غصب إنسان شيئاً فباعه، ثم تداولته الأيدي بالبيع والشراء، فأجاز المالك أحد العقود، جاز ذلك العقد الذي أجازه خاصة، لا ما قبله، ولا ما بعده.
(الزرقا ص 411) .
3 - لو ادعى الزوج بدل الخلع على المرأة فأنكرت، بانت منه ولا يلزم المال الذي هو الأصل.
(الزرقا ص 411، اللحجي ص 60) .
4 - لو أقامت المرأة البينة على النكاح، والزوج غائب، يقضى بالنفقة لا بالنكاح، كما هو مذهب زفر المفتى به.
(الزرقا ص 412) .
(1/454)

5 - لو أوقع على إحدى زوجتيه طلاقاً مبهماً، ثم ماتت إحداهما قبل البيان تتعين الأخرى للطلاق، فلو قال: كنت عَنيت بالطلاق التي ماتت، لا يعتبر قوله، ولكنه يحرم بسببه الميراث.
(الزرقا ص 412) .
6 - إن الوكيل بقبض العين لو طلبها من ذي اليد فأقام ذو اليد البينة على أنها ملكه بالشراء أو الهبة من موكله، أو أنها رهن عنده منه، تسمع بينته، فتقصر يد الوكيل بدون أن يقضي بالشراء أو الهبة أو الرهن إلا إذا أُحضر الموكِل وأقيمت البينة بمواجهته.
(الزرقا ص 412) .
7 - إن الوكيل بنقل الزوجة أو العبد، إذا أقامت الزوجة أو العبد البينة على الطلاق، أو العتاق، تقصر يد الوكيل، ولا يقضى بأحدهما، فقد قضي بقصر يد الوكيل الذي هو فرع من غير أن يقضى بالمدعى به الذي هو الأصل.
(الزرقا ص 412) .
8 - لو ادعى مجهول النسب على آخر أنه ابنه، وبرهن، فأقام الآخر البينة على أن المدعي هو ابن فلان الآخر، تقبل في دفع بينة المدعي، لا في إثبات نسبه من فلان الآخر.
(الزرقا ص 412) .
9 - لو ولدت الأمة المتزوجة فادعى مولاها نسب ولدها فإنها لا تصح دعواه، بل يثبت النسب من الزوج، لكن يصير الولد حراً، وتصير الأمة أم ولد للمولى.
(الزرقا ص 413) .
10 - لو أقر شخص لأحد مجهول النسب أنه أخوه، فهذا الإقرار يمس حقوق الأب، لأن فيه تحميلاً للنسب على الأب، فإذا أنكر الأب بنوته، ولم يمكن إثباتها بالبينة لا تثبت بنوته للأب، لكن يؤاخذ المقر بإقراره أنه أخوه، فيقاسم ذلك الشخص حصته من ميراث الأب.
(الدعاس ص 66) .
11 - قال: بعت عبدي من زيد، وأعتقه زيد، فأنكر زيد، أو قال: بعته من نفسه، فأنكر العبد، عتق في المسألتين، ولم يثبت العوض.
(اللحجي ص 60 - 61) .
(1/455)

12 - ادَّعت المرأة الإصابة قبل الطلاق، وأنكر، فيجب عليها العدة في الأصح.
(اللحجي ص 61) .
13 - قال لزوجته المجهولة النسب: أنت أختي، وكذبته، انفسخ نكاحها في الأصح.
(اللحجي ص 61) .
14 - الجنين في بطن الذبيحة إذا كان تام الخلق، وخرج ميتاً بعد ذبح أمه، جاز أكله عند الأئمة الأربعة وغيرهم رضي الله عنهم، لتبعيته لأمه في الذبح، لأن ذكاة أمه ذكاة له، مع أنه لا يجوز أكله بدون ذبح لو ولدته حياً، أو أخرج من بطنها بعد ذبحها وهو حي.
(البورنو 2/ 41) .
المستثنى
يستثنى من هذه القاعدة جميع الفروع التي تدخل في قاعدة:
" إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه " (م/52) .
(1/456)

القاعدة: [75]
6 - إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه (م/53)
الألفاظ الأخرى
- المبني على الفاسد فاسد.
- إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن.
- الفرع يسقط إذا سقط الأصل.
التوضيح
إذا بطل الشيء من التصرفات غير العقود، أو فسد الشيء من العقود، فإنه يبطل ما يدخل فيه، وهو بمعنى قولهم: " إذا بطل المتضمِّن (بكسر الميم) بطل المتضمَّن (بفتحها) .
التطبيقات
1 - الصلاة المشتملة على واجبات وسنن إذا بطلت بطل جميع ما تضمنته.
(الدعاس ص 66) .
2 - إذا بطل عفد بطل ما تضمنه من شروط والتزامات، لأنها تبع له.
(الدعاس ص 67) .
3 - إذا بطل مضمون العفد يبطل أيضاً ما يبنى عليه، فلو تبايعا وتم التقابض في المبيع والثمن، فأبرأ كل منهما الآخر عن كل حق ودعوى تتعلق بهذا البيع، ثم
(1/457)

استحق المبيع من يد المشتري، فإنه يرجع بالثمن على البائع، لأنه لما بطل البيع باستحقاق المبيع بطل الإبراء المبني عليه.
(الدعاس ص 67) .
4 - لو أكره غير المسلم على الإقرار بالإسلام لا يحكم بإسلامه؛ لأن الإكراه يمنع الصحة.
(الدعاس ص 67) .
5 - لو أقر إنسان لآخر، أو أبرأه عاماً، وكان الإقرار أو الإبراء مترتباً على عقد كبيع أو صلح، ثم انتقض البيع أو الصلح بوجه ما، بطل الإقرار والإبراء، وذلك كما إذا اشترى شيئاً من آخر، فإن شراءه منه يتضمن إقراره له بالملك، أو شراه منه
وأقر له بوجوب الثمن في ذمته، ثم ظهر أن المبيع مستحق للغير، ولم يجز المستحق البيع، بطل البيع وبطل ما تضمنه أو ترتب عليه من الإقرار بالملك، أو بوجوب الثمن، ورجع المشتري على البائع بالثمن إذا كان دفعه له، ولا يمنعه إقراره من ذلك، لأنه بطل ببطلان البيع الذي تضمنه.
(الزرقا ص 273) .
6 - إذا صالح البائع المشتري عن دعوى العيب على مال دفعه له، ثم برأ المبيع بدون معالجة المشتري، بطل الصلح، ورجع البائع على المشتري بما دفعه له..
(الزرقا ص 274) .
7 - لو صالح المدعى عليه المنكرُ المدعيَ على مال دفعه له، ثم اعترف المدعي بعد الصلح بأنه لم يكن له عليه شيء، بطل الصلح ورجع الدعى عليه على المدعي بما دفعه له من البدل، ولا يمنعه من الرجوع ما تضمن عقد الصلح من اعتراف المدعى عليه بالمال المدعى به، لبطلانه ببطلان الصلح.
(الزرقا ص 274) .
8 - لو اشترى شيئاً، ثم أكره على البيع، وتصرف فيه المشتري تصرفاً يقبل
النقض، ثم زال الإكراه، فالبائع له نقض تصرفات المشتري.
(الزرقا ص 274) .
9 - لو باع بيعاً فاسداً بغير إكراه، ثم سلم البائع المبيع للمشتري، وسلم المشتري الثمن للبائع، لا ينعقد هذا بينهما بيعاً بالتعاطي.
وكذا لو اشترى ثوباً مثلاً شراء فاسداً، ثم لقي البائع بعد، فقال: قد بعتني ثوبك
(1/458)

هذا بكذا؛ فقال البائع: بلى، فخذه، فقال: قد أخذته، فهو فاسد ما لم يكونا تتاركا الأول.
وذلك لأنه في الصورتين مبني ومترتب على عقد فاسد، أما إذا كان فساده
بالإكراه، ثم سلَّمه بعد زواله نفذ البيع.
(الزرقا ص 274 - 275) .
10 - لو قال لآخر: بعتك دمي بكذا، فقتله، وجب القصاص، ولو اشترى من خصمه اليمين التي توجهت عليه بمال، لم يلزم المال، وكان للخصم أن يستحلفه.
لأنه لما بطل العقد في الصورتين بطل ما في ضمنه من الإذن بالقتل وإسقاط اليمين، بخلاف ما لو أمره بقتله، أو صالحه عن طلب اليمين على مال، أو افتداه منه به، حيث يسقط القصاص في الأولى.
واليمين في الثانية، ويلزم فيها المال.
(الزرقا ص 275) .
11 - لو استأجر الأرض ليترك الزرع قائماً عليها إلى أن يدرك، فسد العقد، ولم يطب له ما زاد الزرع، لفساد الإذن بإبقائه فيها لفساد عقد الإجارة، بخلاف ما لو استأجر الشجر لإبقاء الثمر.
(الزرقا ص 275) .
12 - لو كان له على آخر دين مؤجل، فاشترى منه به شيئاً، فإن الأجل يسقط، فإذا رده الدائن على البائع المدين بخيار عيب بحكم الحاكم انفسخ البيع، وعاد الدين مؤجلاً كما كان.
والظاهر أن هذا فيما إذا قبض المشتري المبيع، لأنه حينئذ يحتاج إلى القضاء ليكون فسخاً، ولو كان ذلك قبل القبض لا يحتاج إلى القضاء، بل يستقل المشتري به، ويكون فسخاً بدونه، كما نصوا عليه في خيار العيب.
والظاهر أنه حينئذٍ يعود الأجل أيضاً، بخلاف ما إذا رده بعد القبض بالتراضي
فإن الأجل لا يعود، وبخلاف ما لو رده بالإقالة فإنه لا يعود.
(الزرقا ص 275) .
13 - لو كانت النفقة المتراكمة على الزوج غير مستدانة بأمر القاضي، فأبان الزوجة لا بقصد إسقاط النفقة، بل بسبب آخر، أو مات عنها، فإن النفقة المتراكمة
(1/459)

عليه تسقط عن ذمته، كما نصوا عليه في النفقات، لأنه لما بطل النكاح بطل ما ترتب عليه من النفقة.
(الزرقا ص 276) .
ثم لا فرق في بطلان المتضمَّن (بفتح الميم) بين أن يكون متضمناً حقيقة للباطل، كمسألة بيع الإنسان دمه لآخر، ومسألة شرائه اليمين من خصمه، وبين أن يكون مترتباً عليه ترتباً بأن أفرده بذكره معه وقرنه به، كالإبراء والإقرار بعد عقد فاسد، وكتصرفات المشتري من المكره على البيع.
(الزرقا ص 276) .
المستثنى
خرج عن هذه القاعدة مسائل، منها:
1 - لو صالح الشفيع عن شفعته أو اشتراها منه بمال لم يصح الصلح، ولم يلزم المال، وسقطت شفعته، بخلاف ما لو صالحه عن دعوى الشفعة، فإنه يصح، ويلزم المال.
(الزرقا ص 276) .
2 - لو صالح الزرج زوجته الخيرة على مال لتختاره، ففعلت، واختارت زوجها لم يصح الصلح، ولم يلزم المال، وسقط خيارها.
(الزرقا ص 276) .
3 - لو جعل الكفيل بالنفس مالاً للمكفول له ليسقط عنه الكفالة، فأسقطها، سقطت، ولم يلزم المال.
(الزرقا ص 276) .
4 - لو اشترى ثمراً غير مدرك، ثم استأجر الأشجار ليبقى الثمر عليها إلى وقت الإدراك، فالإجارة باطلة، ولا يبطل ما في ضمنها من الإذن بإبقاء الثمر، فإذا أبقاه فزاد طابت لى الزيادة.
(الزرقا ص 267) .
5 - لو اشترى داراً، وقبل أن يراها بيعت دار بجانبها، فأخذها بالشفعة، ثم ردَّ الأولى بخيار الرؤية، تبقى الثانية التي أخذها بالشفعة له، فقد بطل شراؤه الذي ترتب عليه الأخذ بالشفعة، ولم يبطل الأخذ بها.
(الزرقا ص 276) .
6 - لو طلق إحدى زوجتيه طلاقاً مبهماً، ثم ماتت إحداهما قبل البيان، تتعين الأخرى الحية للطلاق، فلو قال: كنت قد عَنيت المتوفاة بالطلاق لا يعتبر قوله
(1/460)

ذلك، ولكن يحرم بسببه الميراث، فلم يعمل قوله عمله، ولكن لم يبطل ما ترتب عليه من حرمان الإرث.
(الزرقا ص 277) .
7 - لو طلق زوجته غير المدخول بها ثنتين، ثم قال: كنت طلقتها قبل ذلك
واحدة، لا يبطل عنه الثنتان، ويلزم بالتي أقر بها، ولا تحل له إلا من بعد زوج آخر.
فقد بطل هنا المتضمن والإقرار بالطلقة السابقة، ولم يبطل ما في ضمنه من الحرمة المغلظة.
(الزرقا ص 277) .
8 - لو كان له على آخر دين مؤجل، فشرى به منه شيئاً، فإن الأجل يسقط، فإذا تقايلا عقد البيع انفسخ البيع، ولا يعود الأجل، وصار دينه حالاً، فقد بطل المتضمن، وهو عقد البيع، ولم يبطل ما وقع في ضمنه، وهو سقوط الأجل وحلول الدين، لأن الإقالة لا تصح إلا بثمن حال قدره قدر الثمن الأول، لأنها فسخ في حق المتعاقدين، والفسخ يقتضي رفع البيع السابق بجميع صفاته، ولما كان الثمن في
البيع الأول حالاً فيبقى حالاً بعد الإقالة أيضاً.
(الزرقا ص 277) .
9 - لو أقر الوكيل بالخصومة على موكله في غير مجلس الحاكم، فإن إقراره لا يعتبر ولكن ينعزل به عن الوكالة (م/1517) فقد بطل الإقرار هاهنا ولم يبطل ما تضمنه من أنه لا يحق له مخاصمة المدعي فيما يدعي على موكله.
(الزرقا ص 277) .
10 - لو أقر متولي الوقف المدعي ملكية الموقوف، فإن إقراره لا يسري على الوقف، ولكن يخرج به عن الخصومة، لما صرحوا به من أن من أقر بشيء لغيره فكما لا يملك أن يدعيه لنفسه لا يملك أن يدعيه لغيره.
(الزرقا ص 277) .
11 - إذاً باع سلعة، وقبض ثمنها، ثم سلمها للمشتري، ثم وجد الثمن زيوفاً - أي مغشوشة وغشه مغلوب - فإنه ليس له استرداد السلعة وحبسها بالثمن، بل له رد الزيوف على المشتري، ومطالبته بالجيد فقط.
فقد ارتفع قبض البائع بردّ الزيوف ولم يبطل ما تضمنه من الإذن للمشتري بقبض المبيع، بخلاف ما لو وجد الثمن ستوقة - أي رصاصاً - فإنه يسترد السلعة ويحبسها بالثمن، لأنها ليست بدراهم أصلاً.
(الزرقا ص 278) .
(1/461)

12 - لو باع عقاراً بيعاً فاسداً، وسلمه للمشتري، فبنى فيه أو غرس، فإنه ينقطع حق الفسخ ولا يؤمر بنقض البناء أو قلع الغرس، لأنه كان بتسلط البائع، فقد فسد العقد، ولم يبطل ما تضمنه من التسليط على البناء والغرس.
(الزرقا ص 278) .
13 - لو اشترى شيئاً، وأعطى بثمنه رهناً، ثم ظهر أن البيع باطل، كما إذا كان المبيع شاة مذبوحة مثلاً، فظهر أنها ميتة، فإنه لا يبطل الرهن، بل يبقى على الصحة، ويكون مضموناً على البائع ضمان الرهن، فإذا هلك في يده يدفع للراهن قيمته إن كانت أقل من قدر الثمن، وبدفع له قدر الثمن إن كانت قيمته مثله أو أكثر.
(الزرقا ص 278) .
14 - لو دخل بالزوجة بعد نكاح فاسد قد سمَّى لها فيه مهراً، فإنه يجب لها مهر المثل لا يتجاوز به المسمى، لرضا الزوجة بالمسمى.
ومثله ما لو استوفى المنفعة في الإجارة الفاسدة فإنه يجب عليه أجر المثل لا يتجاوز به المسمى لو كان هناك مسمى، لرضا المؤجر بالمسمى أيضاً.
فقد فسد المتضمِّن، وهو النكاح والإجارة، ولم يفسد المتضمَّن، وهو الرضا
بالمسمى فيهما الذي تضمنه العقد.
أما في البيع الفاسد فلا يعتبر المسمى أصلاً، بل يجب على المشتري فاسداً قيمة المبيع بالغة ما بلغت إذا قبضه وهلك في يده، أو استهلكه من غير أن يقيدوه بألاَّ يتجاوز الثمن المسمى في العقد.
وبيان الفرق أن المهر في النكاح والبدل في الإجارة لم يجبا بمقابلة بدل مالي متقوم قياساً حتى تعتبر قيمته بالغة ما بلغت، فإن منفعة البضع التي هي حل الاستمتاع به، ومنفعة العين المأجورة ليست مالاً متقوماً، بل المنفعتان معدومتان حين العقد تحدثان بعده آناً فآناً، ومقابلة المعدوم ببدل باطل قياساً لاستحالته، وإنما جوز في النكاح والإجارة إظهاراً لخطر الفروج في الأول، ولحاجة الناس في الثاني، فاعتبر المسمى.
إذ المعقود عليه فيهما ليس مالاً متقوماً حتى تعتبر قيمته بالغة ما بلغت، بخلاف المبيع فاسداً فإنه مال متقوم قياساً فاعتبرت قيمته.
(الزرقا ص 287) .
(1/462)

15 - لو برهن أنه ابن عم الميت، وذكر النسب، فقبل أن يقضى له برهن خصمه أنه ابن عم فلان الآخر، أو أن جد الميت فلان غير ما بينه المدعي، يقبل في حق المدعي لا في إثبات النسب من الآخر، فقد بطل المتضمن هنا، وهو الشهادة بالنسب، فلم يقض به، ولكن لم يبطل المتضمَّن، وهو دفع دعوى المدعي، وعلة عدم القضاء بالنسب في هذا بأنه ليس بخصم في إثباته على الغير، ولو برهن الخصم بعد أن قضى القاضي فلا يقضى بشيء بالبينة الثانية.
(الزرقا ص 279) .
(1/463)

القاعدة: [76]
7 - التابع يسقط بسقوط المتبوع
الألفاظ الأخرى
- إذا فات المتبوع فات التابع.
التوضيح
التابع هو ما يعتبر من قبيل الجزء كالعضو، أو كالجزء من غيره كالصوف، فإذا سقط المتبوع، وهو الأصل، سقط التابع، وهو الفرع، لأن التابع لا يفرد بالحكم (م/14) .
وهذ القاعدة فرع عن القاعدة الأصلية "التابع تابع " (م/47)
فالتابع يتبع في الحكم ما يكون تابعاً له في الوجود، ويقرب من هذه القاعدة قاعدة "إذا سقط الأصل سقط الفرع " (م/ 50) .
التطبيقات
1 - من فاتته صلاة في أيام الجنون لا يستحب قضاء رواتبها، لأن الفرض سقط، فكذا تابعه، بخلاف ما إذا لم يسقط المتبوع بأن فُعل، فإنه يستحب قضاء تابعه، كالفرائض إذا فعلت، ولو كانت جمعة، وفاتت رواتبها، فإنه يستحب قضاؤها..
(اللحجي ص 60) .
2 - من فاته الحج، فتحلل بالطواف والسعي والحلق، لا يتحلل بالرمي والمبيت.
(1/464)

لأنها من توابع الوقوف، فإذا فات الأصل، وهو الوقوف، سقط التابع، وهو الرمي والمبيت.
(اللحجي ص 60) .
المستثنى
1 - محل التحجيل في الوضوء في نحو اليد.
فإنه يستحب غسله إذا قطع محل الفرض.
(اللحجي ص 60) .
2 - الغرّة إذا تعذر غسل الوجه لعلة به مثلاً، وكان ما جاوره صحيحاً، فإنه يستحب الإتيان بها على المعتمد عند ابن حجر.
(اللحجي ص 60) .
(1/465)

القاعدة: [77]
8 - التابع لا يتقدَّم على المتبوع
التوضيح
التابع لشيء بأن يكون جزءاً منه، أو كالجزء منه كالصوف، لا يتقدم على متبوعه الأصلي في الحكم؛ لأن التابع يتبع متبوعه، والفرع يتبع الأصل.
وهذه القاعدة فرع عن قاعدة "التابع تابع " (م/ 47) .
التطبيقات
1 - المزارعة على البياض بين النخل والعنب جائزة تبعاً للمساقاة بشروط: منها:
أن يتقدم لفظ المساقاة، فلو قدم لفظ المزارعة، فقال: زارعتك على البياض، وساقيتك على النخل على كذا، لم يصح، لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.
(اللحجي ص 61) .
2 - لو باع بشرط الرهن، فقدم لفظ الرهن على لفظ البيع، لم يصح؛ لأن الرهن تبع للبيع، ولا يتقدم التابع على المتبوع.
(اللحجي ص 61) .
3 - لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف، ولا في تكبيرة الإحرام، لأن المأموم تابع للإمام، ولا يتقدم التابع على المتبوع.
(اللحجي ص 61) .
4 - لو كان بين المأموم وبين الإمام شخص يحصل به الاتصال، ولولا هو لم تصح قدوته، ويقال له: الرابطة، لم يصح للمأموم أن يحرم قبل الرابطة، لأنه تابع له، كما أنه تابع لإمامه.
(اللحجي ص 61) .
(1/466)

المستثنى
1 - لو حضر الجمعة من لا تنعقد به كالمسافر والعبد والمرأة، فإنه يصح إحرامهم قبل إحرام من تنعقد به الجمعة على الأصح عند المحققين.
(اللحجي ص 61) .
2 - الغُرّة والتحجيل يصح فعلهما فبل غسل محل الفرض على الأصح عند ابن حجر، كان خالفه غيره؛ لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه.
(اللحجي ص 61) .
(1/467)

القاعدة: [78]
9 - يدخل تبعًا ما لا يدخل استقلالاً
الألفاظ الأخرى
- لا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع.
- يدخل في الفرد والعقود تبعاً ما لا يدخل استقلالاً.
- يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
التوضيح
هذه القاعدة أوردها الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكررها في الفتاوى.
ومنهاج السنة النبوية، وغيرها، وتعتبر فرعاً متمماً للقاعدة الكلية
"التابع تابع ".
وأكدها ابن رجب رحمه الله، وذكر أمثلتها، وغالبها تطبيق لقاعدة
" التابع تابع "
وقاعدة "يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ".
وتبين القاعدة أن المسائل والصور إذا كانت تابعة لغيرها فإنه يشملها حكم
متبوعها، ولا تفرد بحكم خاص، وتدخل فيه تبعاً، لأنها غير مقصودة بذاتها، بل المقصود غيرها، وهي تابعة لذلك الغير، فما كان تابعاً وغير مقصود فإنه يأخذ حكم المقصود.
ودليل هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن
(1/468)

يشترط المبتاع"، فالأصل أنه لا يجوز بيع الثمر المؤبر قبل أن يبدو صلاحه، ولكن إذا باع شخص نخلاً مؤبراً، واشترط المبتاع أن يشتري الثمر الذي على الشجر، فيجوز؛ لأنه تبع للشجر، وهو غير مقصود لذاته.
التطبيقات
1 - من أدرك ركعة من الجمعة، فإنه لا يجهر فيما يقضيه من الركعة الثانية، وإن كانت صلاة الجمعة يعتبر فيها الجهر، وذلك أنه مدرك للجمعة ضمناً وتبعاً، ولا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع..
(ابن تيمية، الحصين 8/2) .
2 - شهادة النساء بالولادة يثبت بها النسب تبعاً، ولا يثبت النسب بشهادتهن استقلالاً..
(ابن تيمية، الحصين 8/2، (ابن رجب 3/ 15) .
3 - شهادة النساء على إسقاط الجنين بالضربة يوجب الغرة إن سقط ميتاً، والدية إن سقط حياً.
(ابن رجب 3/ 15) .
4 - شهادة امرأة على الرضاع تقبل على المذهب، ويترتب على ذلك انفساخ النكاح.
(ابن رجب 3/ 15) .
5 - لو شهد واحد برربة هلال رمضان، ثم أكملوا العدة ولم يروا الهلال، فهل يفطرون أم لا؟
على وجهين: أشهرهما: لا يفطرون لئلا يؤدي إلى الفطر بقول
واحد، ويكون هذا استثناء من القاعدة، وعلى الوجه الثاني: بلى، ويثبت الفطر تبعاً للصوم.
(ابن رجب 3/ 15) .
6 - لو أخبر واحد بغروب الشمس جاز الفطر؛ لأن وقت الفطر تابع لوقت
صلاة المغرب.
(ابن رجب 3/ 16) .
7 - صلاة التراويح ليلة الغيم تبعاً للصيام على أحد الوجهين.
وذكر القاضي أبو يعلى
(1/469)

احتمالاً بثبوت سائر الأحكام المعلقة بالشهر من وقوع الطلاق المطلق به وحلول آجال الديون.
(ابن رجب 3/ 16) .
8 - إن شهد واحد برؤية هلال رمضان ثبت به الشهر، وترتبت عليه الأحكام المعلقة بالشهر تبعاً، وإن كانت لا تثبت بشهادة واحد ابتداء.
(ابن رجب 3/ 16) .
9 - لو علق الطلاق بالولادة، فشهد بها النساء حيث لم يقبل قول المرأة نفسِها في ولادتها، فالمشهور وقوع الطلاق، ومثله: إذا قال: إذا حضتِ، فأنت وضرتك طالق، فشهد النساء بحيضها، تطلقان جميعاً تبعاً، مع أنه لا تقبل شهادة النساء في الطلاق.
(ابن رجب 3/ 17) .
10 - إذا وقف وقفاً معلقاً بموته، فإنه يصح تبعاً للوصية في الأصح، والوصايا تقبل التعليق، أما الوقف فلا يقبل التعليق.
(ابن رجب 3/ 18) .
11 - صلاة الحاج عن غيره ركعتي الطواف تحصل تبعاً وضمناً للحج، وإن كانت الصلاة لا تقبل النيابة استقلالاً.
(ابن رجب 3/ 20) .
12 - إن الوكيل ووصي اليتيم لهما أن يبتاعا بزيادة على ثمن المثل ما يتغابن بمثله عادة، تبعاً للبيع، ولا يجوز لهما هبة ذلك القدر ابتداء.
(ابن رجب 3/ 25) .
13 - لو طلق واحدة معينة من نسائه، ومات لم يُعلم عينها، أقرع بينهن.
وأخرجت المطلقة بالقرعة، ولم يجب عليها عدة الوفاة، بل تحسب لها عدة الطلاق من حينه تبعاً، وعلى البواقي عدة الوفاة، لأن الطلاق لما ثبت بالقرعة لزمه توابعه من العدة وغيرها.
(ابن رجب 3/ 22) .
14 - لو حلف بالطلاق أنه ما غصب شيئاً، ثم ثبت عليه الغصب بشاهد ويمين، أو برجل وامرأتين، فيقع عليه الطلاق في وجه تبعاً، مع أن الطلاق في الأصل لا يثبت بذلك، وفي وجه لا يقع ويكون هذا الوجه استثناء من القاعدة.
(ابن رجب 3/ 17) .
15 - يجوز من الغرر اليسير ضمناً وتبعاً ما لا يجوز من غيره، فيجوز بيع العقار.
(1/470)

جملة وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ويجوز بيع الحيوان الحامل أو المرضع؛ وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن لأنه تبع..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 10) .
16 - يجوز بيع ثمر البستان المشتمل على عدد من أجناس الثمار إذا بدا صلاح بعض الأنواع، ولو لم يبدُ صلاح الجميع، فيجوز بيع الجميع، لأنه يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 10) .
17 - يجوز بيع ربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه، إذا كان المقصود غير ربوي مع ربوي، فيدخل المال الربوي ضمناً وتبعاً..
(ابن تيمية، الحصين 2/11)
18 - يجوز استئجار الأرض المشتملة على أشجار، ويدخل الشجر تبعاً، ولا يكون بيعاً للثمر قبل أن يخلق، لأنه لا يمكن استئجار الأرض إلا بشجرها.
(ابن تيمية، الحصين 2/11) .
19 - يجبر الشريك على البيع مع شريكه إذا كان في التفريق ضرر على الشريك، مع أنه لو كان وحده لم يجبر على ذلك..
(ابن تيمية، الحصين 1/11)
20 - يجوز تداول أسهم الشركات بيعاً وشراء إذا كانت هذه الشركات قائمة في أصل تعاملها على الحلال، وإن اشتملت هذه الشركات على نقود، أو كان عليها ديون في ذمم الغير، لأن هذه الأشياء تابعة وليست مقصودة بذاتها (الحصين 2/ 11) .
21 - يجوز بيع سهم أو شراؤه في شركة ألجأتها الحاجة إلى الاقتراض بربا، أو أودعت جزءاً من فائض أموالها في بنك ربوي للحاجة، وذلك أن هذا الجزء لا يساوي من قيمة السهم إلا شيئاً يسيراً يتعسر، أو يتعذر فصله ومعرفته، وهو ليس مقصوداً أصلاً، ولكنه وجد تبعاً لغيره.
(الحصين 2/ 12) .
22 - إذا مسح على الخف، ثم خلعه، فإنه يجزئه غسل قدميه على إحدى
الروايتين، ولو فاتت الموالاة، لأن الغسل هنا تبع فيتساهل به، وإذا وجد ما يكفي لغسل بعض أعضاء الحدث الأصغر، فاستعمله فيها، ثم تيمم للباقي، ثم وجد الماء بعد فوات الموالاة، لم يلزمه إلا كسل باقي الأعضاء.
(ابن رجب 3 / 73) .
(1/471)

القاعدة: [79]
الخراج بالضمان (م/85)
التوضيح
خراج الشيء: هو الغَلة التي تحصل من الشيء إذا كانت منفصلة عنه، وغير
متولدة منه، ككسب العبد، وسكنى الدار، وأجرة الدابة، ومنافع الشيء.
والضمان: هو التزام بتعويض مالي عن ضرر للغير، و"الخراج بالضمان " أي
بمقابلة دخوله في ضمان من سلم له خراجه، هما لم يدخل في ضمانه لم يسلم له خراجه، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن، رواه الطبراني عن حكيم بن حزام رضي الله عنه؛ ورمز السيوطي إلى حسنه.
وهذه القاعدة نص حديث نبوي صحيح أخرجه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي بعض طرقه ذكر السبب.
وهو أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده (مدة) ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فردّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استعمل غلامي؟
فقال: "الخراج بالضمان "، لأنه لو كان تلف في يده، قبل الرد، لكان من ماله.
(1/472)

قال أبو عبيد: " الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زماناً، ثم يعثر منه على عيب دلسه (أخفاه) البائع، فيرده، ويأخذ جميع الثمن، ويفوز بغلته كلها، لأنه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله "، وكذا قال الفقهاء: "معناه ما خرج من الشيء من غَلة ومنفعة وعين فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغَلة له، ليكون الغنم (المصلحة) في مقابلة الضمان ".
فخراج الشيء يستحقه من يكون هلاك ذلك الشيء على ضمانه، وحسابه، في مقابلة الضمان، وستأتي قاعدة "الغُرْم بالغنم " (م/ 87) .
التطبيقات
1 - لو رد المشتري المبيع بعد قبضه بخيار العيب، وكان قد استعمله مدة، لا يلزمه أجرته؛ لأنه لو كان قد تلف في يده قبل الرد لكان يتلف من ماله.
(الزرقا ص 429، اللحجي ص 68، الروقي 330،.
(ابن رجب 2/ 191) .
2 - لو اشترى المبيع، وآجره، فإن الأجرة تطيب للمشتري ولو ردَّ المبيع بعد ذلك.
(الزرقا ص 429، اللحجي ص 68، (ابن رجب 1/ 166) .
3 - لو اشترى شخص شاة، وولدت عنده، ثم ردها للبائع بعيب، فالولد
للمشتري.
(اللحجي ص 68، (ابن رجب 2/ 191) .
4 - لو وجد شخص ركازاً، واستعمله، أو آجره، ثم ظهر صاحبه، فلا ضمان على الواجد.
(اللحجي ص 68) .
5 - لو وهب شخص لآخر عيناً فاستعملها، أو استغلها وأجرها، بعد قبوله
وقبضه، ثم رجع الواهب عن هبته، فالغلة والخراج والثمرة للموهوب له.
(اللحجي ص 68) .
(1/473)

6 - لو شرطا في شركة الوجوه مناصفة المشتري، أو مثالثته، وشرطا الربح على خلاف ذلك، فالشرط باطل.
(الزرقا ص 430)
7 - لو استأجر داراً مثلاً ببدل، ثم آجرها بأكثر منه من جنس ذلك البدل، فإن الزيادة لا تطيب له إلا إذا أصلحها بإحداث ما تشاهد عينه فيها، كبناء وتجصيص، وجعل الخصاف كري النهر من ذلك، بخلاف كنس الدار وإلقاء التراب من الأرض ولو تيسرت الزراعة فيها.
(الزرقا ص 430)
8 - من فروع هذه القاعدة عند المالكية أن المبيع المتعين المتميز إذ ضاع قبل القبض فهو من ضمان المشتري، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي اللذين أوجبا الضمان على البائع، قال القاضي عبد الوهاب المالكي: "سائر المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها، كالعبيد والعروض وغيرهما مما يكال أو يوزن إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق توفية، فضمانها من المشتري قبل القبض.
وقال أبو حنيفة والشافعي: ضمانها من البائع حتى يقبضها، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان "
فجعل الخراج لمن يكون ضمانه منه، وقد ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض يكون للمشتري، فيجب أن يكون ضمانه منه، ولأنه مبيع متعين، لا يتعين به حق توفية، فخراجه للمشتري، فكان تلفه منه، أصله إذا قبض ".
9 - المفلس إذا اتَّجر بالعروض من أمواله، بعد الحجر عليه من الغرماء، فإن الربح له؛ لأن ضمانها عليه.
(الغرياني ص 440) .
15 - الغاصب إذا اتّجر بالمال المغصوب يكون ربحه له، لأنه في ضمانه، والخراج بالضمان.
(الغرياني ص 440) .
11 - المودع إذا اتجر بالمال المودع عنده يكون ربحه له؛ لأنه ضامن للمال بالتصرف فيه.
(الغرياني ص 440) .
12 - غَلة الرهن للراهن؛ لأن الضمان عليه.
(الغرياني ص 441) .
(1/474)

13 - تكون الغلة للمشتري في أربعة مواضع إذا رُدَّ منه المبيع؛ لأن ضمانه كان عليه، وهي:
أ - لا يرد المشتري الغلة إذا رد المبيع لفساد العقد، أو لعيب فيه إذا أزهت الثمرة؛ لأن الضمان عليه، ويردها قبل ذلك.
(الغرياني ص 441) .
ب - لا يرد المشتري الغلة للشفيع مع الشقص إذا يبست الثمرة؛ لأن الضمان كان عليه، ويردها قبل ذلك.
(الغرياني ص 441) .
جـ - لا يرد المشتري الغلة إذا استحق منه المبيع إن يبست الثمرة؛ لأن الضمان كان عليه، ويردها قبل ذلك.
(الغرياني ص 414) .
د - لا يرد المشتري الغلة إذا أفلس البائع، وأخذ منه المبيع إذا جذ الثمرة، وترد منه قبل ذلك.
(الغرياني ص 441) .
14 - يجوز للمستأجر أن يوجر العين بأكثر مما استأجرها به؛ لأن المنافع مضمونة على المستأجر، بمعنى أنه إذا سلَّم إليه العين المؤجرة، ولم ينتفع بالعين تلفت على ملكه، بخلاف ما إذا تلفت العين المؤجرة، فإن هذا بمنزلة تلف الثمر قبل صلاحه.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 261) .
15 - إذا وهب رجل لآخر فرساً، وبعد مدة طلب الواهب أجرتها، فعرض
الموهوب له ردّها، فامتنع الواهب من أخذها إلا مع الأجرة، فإن ردها الموهوب له فلا شيء غير ذلك، وليس للواهب المطالبة بالأجرة، لأن الموهوب له كان ضامناً لها، وكان يطعمها بانتفاعه بها مقابل ذلك..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 262) .
16 - إذا اشترى طعاماً، ومكنه البائع من قبضه، بأن ميّزه وأفرزه، ولم يقبضه المشتري، فهلك، فهو من ضمان المشتري، لأن خراجه له، فيكون ضمانه عليه.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 265) .
17 - المردود بالعيب إذا كان قد زاد زيادة متصلة كالسمن وتعلم صناعة، ففي رواية: الزيادة للمشتري، تطبيقاً للقاعدة، والمشهور أن الزيادة للبائع تبعاً لأصلها، ولا يستحق المشتري عليه شيئاً، وهذا استثناء من القاعدة ".
(ابن رجب 2 / 153، 192) .
(1/475)

18 - الإقالة، إذا قلنا: هي فسخ، وهو الراجح، فالنماء للمشتري في الراجح، مقابل الضمان، وفي وجه: أنه يرده مع أصله، فيكون ذلك استثناء.
(ابن رجب 2/ 191) .
المستثنى
1 - اختلف الفقهاء في المبيع قبل القبض إذا حدثت الزيادة المنفصلة غير المتولدة ثم رُدّ بالعيب، فعند محمد هي للمشتري بلا ثمن، وعندهما: هي للبائع، واتفقوا على أنها لا تطيب لمن هي له، لأن طيبها إنما يكون بالملك والضمان، وقبل القبض لم يجتمعا في أحدهما، بل الملك للمشتري، والضمان على البائع، حتى لو هلك المبيع.
والحالة هذه يهلك من ماله، فعلى قول محمد فالمثال استثناء، وعلى قول الشيخين فالمثال تطبيق القاعدة.
2 - لو أعتقت المرأة عبداً، فإن ولاءه (ميراثه) يكون لابنها، ولو جنى العبد جناية خطأ فالعقل (الدية) على عصبتها دونه، وقد يجيء مثله في بعض العصبات يعقل ولا يرث،.
(اللحجي ص 68) .
3 - يستثنى من هذه القاعدة عند المالكية ما ثبت بالنص في المصراة، وهي الشاة أو الناقة التي يجمع في ضرعها اللبن إيهاماً للمشتري أنها حلوب وكثيرة اللبن، فإذا ردّت للبائع فإنها تردّ مع صاع من تمر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تصرّواً الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمر".
وهذا الاستثناء محصور بالتصرية للحديث، دون سائر
العيوب فيها.
(الروقي ص 338) .
4 - مستأجر العين الذي يفرط فيها، فتضيع، فإنه يضمنها.
(الروقي ص 339) .
5 - يضمن الغاصب الغلة المتولدة من الشيء المغصوب إذا كانت على هيئته
(1/476)

وصورته، كنسل الحيوان.
(الغرياني ص 441) ، ويضمن العين المغصوبة مطلقاً ابن
رجب 3/ 334) .
6 - المار بغنمه على زرع غيره فتفسده، وهو معها، فإنه يضمنه.
(الروقي ص 339) .
7 - المبيع إذا أفلس مشتريه قبل نقد الثمن، ووجده البائع قد نما نماء متصلاً فيرجع به، ولا شيء للمفلس.
(ابن رجب 2 / 155) .
فائدة 1: ما لا يضمن بالاتلاف
قال ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى: "ما لا يضمن بالإتلاف أشياء: الخمر، وآلة اللهو، وألة الخمر إذا لم ينتفع بها في غيره،.
(ونص أحمد على إحراق بيت الخمر)
وكتب السحر والتنجيم والكلب ".
فائدة 2: أسباب الضمان عند المالكية
إن ضمان المتلفات عند المالكية يكون بأحد الأسباب الثلاثة، وهي:
1 - التفويت المباشر: كقتل الحيوان، وإحراق الثوب، وهدم الدار، وأكل
الطعام، وغير ذلك من صور إتلاف الأموال، لأنها اعتداء على مال الغير.
2 - التسبب للإتلاف: كحفر الطريق العامة التي يمر بها الحيوان، ووضع السم في الطعام، وايقاد النار قريباً من زرع الغير، وإغراء الظالم بسلب مال الغير، وتمزيق وثيقة تثبت حقاً مالياً أو غيره، أو غير ذلك من صور التسبب في إتلاف مال
(1/477)

الغير "، ويدخل هنا التفريط الذي هو موضوع القاعدة؛ لأن المفرط في الشيء متسبب في إتلافه.
3 - وضع اليد: سواء كان ذلك بالاعتداء كالسرقة والغصب والاختلاس، أو بغير اعتداء كقبض العين المبيعة، والمرهونة، والمقترضة، وغير ذلك.
فائدة 3: أسباب الضمان عند الشافعية
يجب الضمان بأربعة أشياء: اليد، والمباشرة، والتسبب، والشرط.
1 - الضمان باليد، كالغصب والأيدي الضامنة من غير كسب.
2 - الضمان بالمباشرة وهي إيجاد علة الهلاك، كالذبح والإحراق والإغراق وإيجاد السموم المذففة والحبس مع المنع من الطعام والشراب، والجراحات السارية.
3 - الضمان بالتسبب، وهو إيجاد علة المباشرة، كالإكراه على القتل، فالضمان على المكرِه، وشهادة الزور للقتل، والحكم الجائر بالقتل.
4 - الضمان بالشرط، وهو إيجاد ما يتوقف عليه الإتلاف، وليس بمباشرة ولا تسبب، كالممسك مع المباشر أو المتسبب، لأنه لم يصدر منه شيء من أجزاء القتل، وإنما هو ممكِّن للقاتل من القتل، ومثل تقديم الطعام المسموم إلى الضيف، وتقديم الطعام المغصوب للضيف.
(1/478)

فائدة 4: أسباب الضمان عند الحنابلة
أسباب الضمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف.
1 - الضمان بالعقد، كعقد البيع يُضمن به، وعقد الضمان، والكفالة يضمن بهما، وعقد الإجارة، وعقد العارية، وتسمى عقود الضمان.
2 - الضمان باليد، كاستيلاء الغاصب والسارق وغيرهما من الأيدي الضامنة بخيانة أو تفريط.
3 - الضمان بالإتلات في الأنفس والأموال، إما بفعل آدمي بأن يباشر الإتلاف بسبب يقتضيه، كالقتل والإحراق، أو ينصب سبباً عدواناً فيحصل به الإتلاف كحفر بئر في غير ملكه عدواناً، أو تأجيج نار في يوم ريح عاصف فيتعدى إلى إتلاف مال الغير، أو إزالة احتباس الماء، أو الزلق بما رماه، أو العثور بما وضعه.
(1/479)

القاعدة: [80]
إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر (م/90)
الألفاظ الأخرى
- إذا اجتمع السبب والمباشرة، أو الغرور والمباشرة قُدمت المباشرة.
- إذا اجتمع السبب والمباشرة سقط حكم السبب.
- إذا اجتمع إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب.
التوضيح
المباشر: هو الذي حصل التلف مثلاً بفعله بلا واسطة، والمتسبب: هو الذي لم يحصل التلف بمباشرته وفعله، بل كان فعله سبباً مفضياً إلى التلف.
وإذا اجتمع المباشر للفعل أي الفاعل له بالذات، والمتسبب له، أي المفضي
والموصل إلى وقوعه، فيضاف الحكم إلى المباشر، لأن الفاعل هو العلة المؤثرة، والأصل في الأحكام أن تضاف إلى عللها المؤثرة لا إلى أسبابها الموصلة، لأن تلك أقوى وأقرب، إذ المتسبب هو الذي تخلل بين فعله والأثر المترتب عليه، من تلف أو غيره، فعل فاعل مختار، والمباشر هو الذي يحصل الأثر بفعله من غير أن يتخلل بينهما فعل فاعل مختار، فكان أقرب لإضافة الحكم إليه من المتسبب، لأنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب فالمباشر مقدم، كالعلة وعلة الحلة، والحكم يضاف إلى العلة، لا إلى علة العلة، والسبب هو ما يضاف إليه الحكم أي يعتمد عليه ويستند إليه الحكم للتعلق به من حيث إنه معرف للحكم.
والغرور: إبداء ما ظاهره السلامة، ثم تخلف.
ولذلك قال بعض الفقهاء:
"الإضافة إلى المباشرة حقيقة، وإلى المسبِّب مجاز".
(1/480)

التطبيقات
1 - لو حفر رجل بئراً أو حفرة في الطريق العام، بدون إذن ولي الأمر، فألقى أحد حيوان شخص في البئر أو الحفرة، ضمن الذي ألقى الحيوان؛ لأنه العلة المؤثرة، ولم يتخلل بين فعله والتلف فعل فاعل مختار، دون حافر البئر، فيكون الملقي هو الضامن دون الحافر، لأن الملقي هو المباشر، فيضاف الفعل إليه لأنه ألصق به وأقوى من المتسبب السابق الذي كان فعله مفضياً وموصلاً إلى التلف، إلا أن التلف لم يحصل بفعله، بل تخلل بين فعله والتلف فعل فاعل مختار، وهو مباشر الإلقاء بلا واسطة، فكان الضمان عليه، حتى لو لم يتخلل بين فعله والتلف فعل فاعل مختار بأن تدهور فيه الحيوان بلا صنع أحد ضمن الحافر إذا كان معدياً بأن كان حفره بغير إذن
ولي الأمر (م/ 922، 924، 925) ، أما في الحالة الأولى فالملقي هو الضامن دون الحافر، لأن الملقي هو المباشر فيضاف الفعل إليه.
(الزرقا ص 447، الدعاس ص 80، (ابن رجب 2/ 598) .
2 - لو دل إنسان سارقاً على مال لآخر، فسرقه، أو دل كل القتل، أو قطع الطريق، ففعل، فلا ضمان على الدال، بل على السارق والقاتل وقاطع الطريق، لأنه المباشر، ولأنه فعل من مكلف مختار يصح إضافة الحكم إليه (الزرقا ص 448، الدعاس ص 80، الروفي ص 341) .
3 - لو دفع سكيناً إلى صبي مميز ليمسكها له، فقتل الصبي بها نفسه، فلا ضمان على الدافع المتسبب، لأنه تخلل بين فعله والتلف فعل فاعل مختار، وهو الصبي، لأنه ضرب نفسه باختياره، فلو لم يحصل التلف باختياره، بأن وقع السكين من يد الصبي، فجرحه، ضمن الدافع.
(الزرقا ص 448) .
4 - لو أكل المالك طعامه المغصوب جاهلاً به، فلا ضمان على الغاصب في
الأظهر، وكذا لو قدَّمه الغاصب للمالك على أنه ضيافة فأكله، فإن الغاصب يبرأ.
(اللحجي ص 93) .
5 - لو حفر بئراً فرداه فيها آخر، أو أمسكه فقتله آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر، فقدَّه، فالقصاص على المردي، والقاتل، والقاد فقط.
(اللحجي ص 94) .
(1/481)

6 - لو غُرَّ بامرأة معيبة أو رقيقة، ووطا، وفسخ نكاحها، فإذا غرم المهر لم يرجع على الغار.
(اللحجي ص 94) .
7 - إذا تعاون شخص مع ظالم ودلّه على آخر فقتله، أو حسّن له ظلم رجل، فالضمان على المباشر دون المتسبب المتعاون..
(ابن عبد الهادي ص 99) .
8 - إذا قال لرجل يعرف تحريم القتل؛ اقتل فلاناً، فقتله، فالضمان على المباشر.
(ابن عبد الهادي ص 99) .
9 - إذا أعاره سيفاً أو سكيناً أو نحو ذلك، فقتل به، فالضمان على المباشر (ابن عبد الهادي ص 99) .
10 - إذا دلّ شخص سارقاً على مال فسرقه، كان الضمان على السارق؛ لأنه مباشر، أما الدال فهو متسبب.
(الروقي ص 341) .
11 - إذا حرّض شخص إنساناً على غَصْب مال غيره كان الضمان على الغاصب؛ لأنه مباشر، أما المحرض فهو متسبب.
(الروقي ص 341) .
12 - لو فتح قفصاً عن طائر، فاستقر بعد فتحه، فجاء آخره فنفره، فالضمان على المنفِّر وحده.
(ابن رجب 2/ 598) .
13 - لو رمى معصوماً من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقدّه به، فالقاتل هو الثاني دون الأول.
(ابن رجب 2/ 598) .
المستثنى
1 - إذا كان السبب يعمل في الإتلاف إذا انفرد عن المباشر، كالسوق مع
الركوب، فإن المباشر والمتسبب يشتركان حيئذ في ضمان ما تتلفه الدابة، لأن السائق، وإن كان متسبباً، والراكب وإن كان مباشراً، فإن السبب هاهنا، وهو السوق، يعمل في الإتلاف إذا انفرد عن الركوب فيضمنان بالسوية.
أما الضمان على المباشر وحده دون السبب فهو إذا كان السبب لا يعمل في
الإتلاف إذا انفرد عن المباشرة، كحفر البئر، فإنه بانفراده لا يوجب التلف
(1/482)

ما لم يوجد الدفع الذي هو المباشرة، وإن كان لولا الحفر لا يتلف بالدفع.
(الزرقا ص 448) .
2 - لو حفر شخص حفرة، فسقط فيها حيوان من تلقاء نفسه، ولم يلقه أحد، فإن الحافر يضمن، لأنه انفرد بالسبب.
(الدعاس ص 80) .
3 - لو دل المودع نفسُه السارق على الوديعة فسرقها، فإنه يضمن لترك الحفظ، إلا إذا منعه حين الأخذ، فأخذها كرهاً فلا يضمن، بخلاف وارث المودع إذا دلّ السارق عليها فإنه لا يضمن، لأنها في يده أمانة محضة لم يلتزم الحفظ فيها.
(الزرقا ص 448) .
ويظهر أن مثل وارث المودع في عدم الضمان ما لو ألقت الريح ثوب الجار في
داره، فدل السارق عليه، لتصريحهم بأنه أمانة محضة، لا التزام للحفظ فيها.
(الزرقا ص 448) .
4 - إذا غصب شاة، وأمر قصّاباً بذبحها، وهو جاهل بالحال، - فقرار الضمان على الغاصب قطعاً.
(اللحجي ص 94) .
5 - إذا استأجره لحمل طعام فسلمه زائداً، فحمله المؤجر جاهلاً، فتلفت الدابة، ضمنها المستأجر الذي هو الغار، لأن يد المباشرة، والحالة هذه، كيد الغار، لأنه نائب عنه.
(اللحجي ص 94) .
6 - إذا أفتاه أهل الفتوى بإتلاف، ثم تبين خطؤه، فالضمان على المفتي، فإن لم يكن المفتي أهلاً فلا يضمن، لأن المستفتي مقصر.
وقال بعضهم: والمقرر في الفروع عدم الضمان مطلقاً لا على المجتهد، ولا على المفتي وإن لم يكن عالماً، لأن المباشرة
مقدمة على السبب، وعبارة "الروض وشرحه ":
"وإن تلف بفتواه ما استفتاه فيه، ثم بان أنه خالف القاطع، أو نص إمامه، لم يغرم من أفتاه، ولو كان أهلاً للفتوى، إذ ليس فيها إلزام ".
(اللحجي ص 94) .
7 - إذا قتل الجلاد شخصاً بأمر الإمام ظلماً، وهو جاهل، فالضمان على الإمام، بخلاف ما إذا كان عالماً بظلمه أو خطئه، فالضمان عليه.
(اللحجي ص 94) .
(1/483)

8 - لو وقف ضيعة على قوم، فصرفت غلتها إليهم، فخرجت مستحقة، ضمن الواقف لتغريره.
(اللحجي ص 94) .
9 - إذا شهد الشهود عمداً عند الحاكم بالقتل فقتل، ثم رجع الشهود، فالضمان على الشهود (1) ، لأنهم متسببون في القتل، دون الحاكم المباشر (ابن عبد الهادي ص 98، الروقي ص 342، (ابن رجب 2/ 599)
وكذلك إذا شهدوا عمداً، وثبتت شهادة الزور عليهم.
(الروقي ص 341) لأن التسبب أقوى من المباشرة فيغلب عليها.
والشاهد أولى بالضمان (القرافي 2/ 258) .
10 - إذا قال: أعتق عبدَك، وعليَّ ثمنه، ففعل، فالضمان والعتق على المسبب، وليس المباشر..
(ابن عبد الهادي ص 98) .
11 - إذا دلّ المحرِمُ المحرِمَ على الصيد، أو أشار إليه، أو أعاره سكيناً ونحوها، فالضمان على المباشر والمتسبب معاً..
(ابن عبد الهادي ص 99) .
12 - إذا كره شخص آخر على قتل غيره، فإن القصاص عند المالكية على المكرِه والمكرَه، لأن التسبب هنا له قوة المباشرة أو أكثر، فيعطى حكمها (الروقي 341) .
13 - لو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً وفيه حياة غير مستقرة، ففربه آخر
فمات، فالقاتل هو الأول، وعليه الغرة، ويعزر الثاني؛ لأن الضارب الأول ليس متسبباً فحسب، بل هو مباشر للقتل، فلذلك لزمه الضمان.
(ابن رجب 2/599) .
14 - لو رمى صيداً فأصاب مقتله، ثم رماه آخر فمات، فالقاتل هو الأول، فيباح الصيد بذلك، والثاني جانٍ عليه، فيضمن ما خرق من جلده، وهذا قول الأكثرين.
وفي قول: يضمن الثاني قيمته كاملة.
(ابن رجب 2/599) .
15 - إذا قدَّم إليه طعاماً مسموماً عالماً به، فأكله وهو لا يعلم بالحال، فالقاتل هو المقدِّم؛ لأنه متسبب، وعليه القصاص والدية، مع أن الآكل هو المباشر.
(ابن رجب 2/599)
__________
.
(1) قال الشافعية والحنابلة ورواية عند المالكية: يقتل الشهود، وقال الحنفية ورواية عند المالكية: لا يقتلون، وتلزمهم الدية (القواعد الفقهية، الروقي ص 342، تقرير القواعد 2/ 599) .
(1/484)

16 - المكرَه على إتلاف مال الغير، ففي الضمان وجهان، الأول: استثناء من القاعدة وهو على المكرِه وحده، لكن للمستحق مطالبة المتلف ويرجع به على المكرِه، لأن معذور في ذلك الفعل، فلم يلزمه الضمان، بخلاف المكرَه على القتل فإنه غير معذور فلهذا شاركه في الضمان.
والوجه الثاني: الضمان عليهما كالدية لاشتراكهما
في الإثم، فالإكراه لا يبيح إتلاف مال الغير.
(ابن رجب 2/ 602) .
17 - المكرَه على القتل، المذهب اشتراك المكرِه والمكرَه في القَوَد والضمان، لأن الإكراه ليس بعذر في القتل، وفي قول إن القود على المكرَه المباشر، تطبيقاً للقاعدة.
(ابن رجب 2/ 656) .
18 - لو حفر بئراً عدواناً في الطريق، فوضع آخر حجراً إلى جانبها، ففي رواية الضمان على الواضع حسب القاعدة، وفي رواية يشتركان فيه كالممسك والقاتل.
لكن لو كان الحافر غير متعد، فالضمان على الواضع وحده، لأنه المباشر تطبيقاً للقاعدة.
(ابن رجب 2/ 657) .
19 - لو دلّ المودع لصاً على الوديعة، فسرقها، فالضمان عليهما، كما لو دلّ المحرم محرماً آخر على صيد فقتله، ولو دلّ حلالاً، فالضمان على المحرم وحده.
(ابن رجب 2/ 607) .
20 - لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، وتمكن من إرساله، فلم يفعل حتى قتله محرم آخر، فالضمان عليهما، على الأول باليد، وعلى الثاني بالمباشرة في رواية، وفي رواية: الضمان على القاتل؛ لأن مباشر، والأول متسبب غير ملجئ، تطبيقاً للقاعدة.
(ابن رجب 2/ 607) .
(1/485)

القاعدة: [81]
الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة (م/59)
التوضيح
الولاية - بالفتح - لغة: النصرة، وبالكسر: السلطة والتمكن.
واستعملت الثانية شرعاً في نفوذ التصرف على الغير شاء أو أبى.
وتكون الولاية عامة أو خاصة.
فالولاية العامة: هي سلطة على إلزام الغير، وإنفاذ التصرف عليه بدون تفويض منه، وتكون في الدِّين، والدنيا، والنفس، والمال، وتتعلق بمرافق الحياة وشؤونها.
من أجل جلب المصالح للأمة ودرء المفاسد عنها، والولاية العامة لها مراتب
واختصاصات تتفاوت فيما بينها وتتدرج، من ولاية الإمام الأعظم إلى ولاية نوابه وولاته وقضاته، فإنه يلي على الجميع كتجهيز الجيوش، وسد الثغور، وجباية الأموال من حلها، وصرفها في محلها، وتعيين القضاة والولاة، وإقامة الحج والجماعات، وإقامة الحدود والتعازير، وقمع البغاة والمفسدين، وحماية بيضة الدين، وفصل الخصومات وقطع المنازعات، ونصب الأوصياء والمتولين ومحاسبتهم، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا ولي لهم.
وغير ذلك من صوالح الأمور.
وأما الولاية الخاصة فتكون في النفس والمال معاً، وفي المال فقط.
والولاية على النفس والمال معاً تتفاوت قوة وضعفاً، وتكون أربع مراتب:
1 - قوية في المال والنفس: مثل ولاية الأب، ثم الجد أب الأب، وإن علا.
فإنهما يملكان تزويج الصغار على هذا الترتيب، ومداواتهم، والتصرف في أموالهم
(1/486)

بشرط حرية وتكليف واتحاد في الدين، وغير الإسلام من الأديان بمنزلة دين واحد.
2 - ضعيفة في المال والنفس: مثل ولاية من كان الصغير في حجره من الأجانب، أو من الأقارب، وكان هناك أقرب منه له، فإن البعيد يلي على نفس الصغير وماله ولاية ضعيفة، فإنه يملك تأديبه وإيجاره ودفعه في حرفة تليق بأمثاله، ويشتري له ما لا بدَّ له منه، ويقبض له الهبة والصدقة ويحفظ له ماله.
3 - قوية في النفس ضعيفة في المال: مثل ولاية غير الأب والجد من العصبات وذوي الأرحام، فإنهم يملكون من التصرف في نفس الصغير والمجنون والمعتوه بالشروط السابقة ما يملكه الأب والجد عند عدمهما، وبشرط الكفاءة ومهر المثل في النكاح بالنسبة لغير الابن، أما الابن فلا يتقيد بالكفاءة ومهر المثل، لأن ولايته في النفس كولاية الأب والجد، بل هو مقدم عليهما، وإن كانت في المال ضعيفة بمنزلة
غيره من الأقارب.
ومملك هؤلاء الأولياء وأوصياؤهم شراء ما لا بد للصغير منه، وقبض الهبة
والصدقة له، وحفظ ماله دون التصرففيه، ولو موروثاً من قبل موصيهم.
4 - قوية في المال ضعيفة في النفس: مثل ولاية وصى الأب أو الجد أو القاضي على الصغار فإنه يتصرف في مالهم تصرفاً قوياً، ولكن تصرفه في أنفسهم ضعيف، كتصرف من كان الصغير في حجره من الأجانب.
وأما ولاية المال فقط فولاية متولي الوقف، وولاية الوصي في مال الكبير الغائب، فإنه يلي بيع غير العقار من التركة مطلقاً، وبيع العقار لدين أو وصية لا وفاء لهما إلا ببيعه، فيبيعه عليه ولو كان حاضراً إذا امتنع عن وفاء الدين.
وهذه الولاية ليست ناشئة عن نقص أهلية، ولا علاقة لها بالنفس أصلاً، وإنما هي ولاية مالية محضة، يُفؤَض صاحبها بحفظ المال الموقوف، والعمل على إبقائه صالحاً بحسب شرط الوقف.
ويضاف لذلك السلطة التي جعلها الشرع بيد أهل القتيل في استيفاء القصاص من قاتله، أو العفو عنه إلى الدية، أو مطلقاً ومجاناً.
(1/487)

وهذه الولاية الخاصة للأهل والأولياء والأوصياء والنظار تنتقل إلى السلطان
بمقتضى ولايته العامة عند عدمهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" السلطان ولي من لا ولي له "
فيمارسها السلطان بنفسه أو بواسطة أحد نوابه من ولاة وقضاة ونحوهم لمصلحة المولىَّ عليه.
وإن اجتمعت الولايتان الخاصة والعامة فإن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية
العامة، ولا تأثير للولاية العامة عند وجود الخاصة، وإن تصرف الولي العام عند وجود الولي الخاص فتصرفه غير نافذ، لأن كل ما كان أقل اشتراكاً كان أقوى تأثيراً أو امتلاكاً، أي تمكناً، وكلما كانت الولاية مرتبطة بشيء أخص مما فوقها بسبب ارتباطها به وحده، كانت أقوى تأثيراً في ذلك الشيء مما فوقها من العموم، وتكون الولاية العامة كأنها انفكت عما خُصصت له الولاية الخاصة، ولم يبق لها إلا الإشراف، إذ القوة بحسب الخصوصية لا الرتبة.
فمثلاً: متولي الوقف، ووصي اليتيم، وولي الصغير، ولايتهم خاصة، وولاية القاضي بالنسبة إليهم عامة، وأعم منها ولاية إمام المسلمين، فولاية المتولي وما عطف عليه أقوى من ولاية القاضي، وولاية القاضي أقوى من ولاية الإمام.
وهذا ما نقضي به الأصول المقررة في علم الإدارة والقوانين الإدارية الحديثة
اليوم، وفقاً لقاعدة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات ومبدأ التدرج.
فليس للموظف الرئيس أن يقوم هو بالعمل أو التوقيع العائد لمرؤوسه، ولكن إذا تمرد هذا الموظف المرؤوس عن عمله دون مسوّغ، يعزل، وينصب غيره، ليقوم بالعمل العائد إليه.
التطبيقات
1 - إن القاضي لا يملك التصرف في الوقف مع وجرد متولٍ عليه، ولو من قبله،
(1/488)

حتى لو تصرف بإيجار أو قبض أو صرف لا ينفذ.
(الزرقا ص 313، الدعاس ص 81) .
2 - إن القاضي لا ولاية له مع وجود الأب والجد.
(اللحجي ص 86) .
3 - إن القاضي لا يملك التصرف في مال الصغير مع وجود وصي الأب، أو وصي الجد، أو وصي القاضي، أما مع وصي غير من ذكر كوصي الأم ومن شاكلها ممن كانت ولايته ضعيفة في المال من الأقارب فإنه يملك التصرف.
(الزرقا ص 113، الدعاس ص 81) .
4 - إن القاضي لا يملك تزويج الصغار مع وجود الولي إلا بعد عضله.
(الزرقا ص 313) .
5 - لو أذنت للقاضي أن يزوجها بغير كفء، ففعل لم يصح على الأصح، ولو زوجها الولي الخاص صح.
(اللحجي ص 86) .
6 - يحق للولي الخاص استيفاء القصاص، والعفو عن الدية، والعفو مجاناً، وليس للإمام العفو مجاناً.
(اللحجي ص 86) .
7 - لو زوج الإمام لغيبة الولي، وزوجها الولي الغائب بآخر في وقت واحد، وثبت ذلك بالبينة، قدم الولي، لأن الأصح في هذه الحالة أن تزويج الحاكم كان بالنيابة عن الولي الغائب، بدليل عدم الانتقال إلى الأبعد.
وقيل إنه بطريق الولاية.
(اللحجي ص 86) .
المستثنى
1 - إذا وجد القاضي صاحب الولاية العامة خيانة أو تقصيراً من صاحب الولاية الخاصة، فللقاضي حق العزل، ويتصرف مكانه، لأن ولاية القاضي عامة، وصيانة هذه الأموال من الحق العام، فله التقدير فيه بمقتضى النظر العام، وإن كان ليس له أن يباشر العقود عنهم مع وجودهم أي الأولياء والأوصياء) .
(الدعاس ص 81) .
2 - أخرج بعضهم من القاعدة المذكورة ما نصوا عليه من أن الوصي لا يملك
(1/489)

استيفاء القصاص إذا قتل مورث الصغير الذي تحت ولايته، مع أن القاضي يملك استيفاءه، فتكون الولاية العامة هنا أقوى من الولاية الخاصة.
وفي الحقيقة لا استثناء؛ لأن ولاية استيفاء القصاص عن الصغير تابعة للولاية عن نفسه، ولا ولاية على نفسه للوصي، وما له من الولاية المتقدمة ضعيفة ولا تزيد على ولاية الأجنبى إذا كان الصغير في حجره.
(الزرقا ص 313) .
3 - إن المتولي لا يملك العزل والنصب لأرباب الجهات بدون أن يشترط الواقف ذلك له، وبملكه القاضي بدون شرط.
(الزرقا ص 313) .
4 - يملك القاضي إقراض مال الصغير، دون الأب والوصي.
(الزرقا ص 313) .
5 - يملك القاضي الاستقراض للوقف واستبداله بشروطه، وإيجاره مدة طويلة عند مسيس الحاجة إلى تعميره، ولا يملك المتولي ذلك.
(الزرقا ص 313) .
6 - يحق للقاضي التدخل مع الولي، والوصي، بالسبب العام، فإنه يحاسب
الأوصياء والأولياء والمتولين، ويعزل الخائن، وإن شرط الموصي أو الواقف عدم مداخلته.
(الزرقا ص 313) .
7 - يملك القاضي بالسبب العام إيجار عقار الوقف من المتولي، أو ممن لا تقبل شهادته للمتولي ولو لم يكن هناك خيرية، ولا يصح ذلك من المتولي نفسه.
(الزرقا ص 314) .
(1/490)

فوائد
الفائدة الأولى: ضابط الولاية
الولي قد يكون ولياً في المال والنكاح كالأب والجد، وقد يكون ولياً في النكاح فقط كسائر العصبة غير الأب والجد، وكالأب فيمن طرأ سفهها فإنه لا ولاية له إلا على البُضع على الأصح، وأما المال فالولاية فيه للقاضي، والجد كالأب في ذلك.
وقد يكون في المال فقط كالوصي، فلو أوصى إليه بأن يزوج بطلت الوصية.
الفائدة الثانية: مراتب الولاية
الولاية أربع مراتب:
الأولى: العليا: وهي ولاية الأب والجد، وهي عامة وثابتة شرعاً، بمعنى أن
الشارع فوض فيها التصرف في مال الولد لوفور شفقتهما، وذلك وصف ذاتي لهما.
فلو عزلا أنفسهما لم ينعزلا بإجماع، لأن المقتضي للولاية الأبوة والجدودة، وهي موجودة مستمرة لا يقدح العزل فيها، لكن إذا امتنعا من التصرف تصرف القاضي.
وهكذا ولاية النكاح لسائر العصبات.
الثانية: السفلى: وهي الوكالة، فالوكيل تصرفه مستفاد من الإذن، مقيد بامتثال أمر الموكل، فلكل منهما العزل، وحقيقته: أنه فسخ عقد الوكالة أو قطعه، والوكالة عقد من العقود قابل للفسخ.
الثالثة: بين المرتبتين، وهي الوصاية، فإنها من جهة كونها تفويضاً تشبه الوكالة، ومن جهة كون الموصي لا يملك التصرف بعد موته، وإنما جوزت وصيته للحاجة
(1/491)

لشفقته على الأولاد وعلمه بمن هو أشفق عليهم تشبه الولاية، وأبو حنيفة لاحظ الثاني، فلم يجوز له عزل نفسه، والشافعي لاحظ الأول، فجوز له عزل نفسه على المشهور من مذهبه.
الرابعة: ناظر الوقف: يشبه الوصي من جهة كون ولايته ثابتة بالتفويض، ويشبه الأب من جهة أنه ليس لغيره تسلط على عزله، والوصي يتسلط الموصي على عزله في حياته بعد التفويض بالرجوع عن الوصية، ومن جهة أنه يتصرف في مال الله تعالى.
فالتفويض أصله أن يكون منه، ولكنه أذن فيه للواقف، فهي ولاية شرعية، ومن جهة أنه إما منوط بصفة كالرشد ونحوه، وهي مستمرة كالأبوة، وإما منوط بذاته كشرط النظر لزيد، وهو مستمر فلا يفيد العزل، كما لا يفيد في الأب، بخلاف الوكيل والوصي، فإنه يقطع ذلك العقد، أو يرفعه، كذا نقله السيوطي عن السبكي رحمهما الله تعالى آمين.
(1/492)

القاعدة: [82]
التصرف على الرعية منوط بالمصلحة (م/78)
الألفاظ الأخرى
- تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
- منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم.
التوضيح
إن نفاذ تصرف الراعي على الرعية، ولزومه عليهم شاؤوا أو أبوا معلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه، دينية كانت أو دنيوية، فإن تضمن منفعة ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا ردّ، لأن الراعي ناظر، وتصرفه حينئذٍ متردد بين الضرر والعبث وكلاهما ليس من النظر في شيء.
والمراد من الراعي: كل من ولي أمراً من أمور العامة، عاماً كان كالسلطان
الأعظم، أو خاصاً كمن دونه من العمال، فإن نفاذ تصرفات كل منهم على العامة مترتب على وجود المنفعة في ضمنها، لأنه مأمور من قبل الشارع - - صلى الله عليه وسلم - أن يحوطهم بالنصح، ومتوعد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد.
وهذه القاعدة ترسم حدود الإدارات العامة والسياسة الشرعية في سلطان الولاة وتصرفاتهم على الرعية، فتفيد أن أعمال الولاة النافذة على الرعية يجب أن تبنى على المصلحة للجماعة وخيرها، لأن الولاة من الخليفة فمن دونه ليسوا عمالاً لأنفسهم،وإنما هم وكلاء عن الأمة في القيام بأصلح التدابير لإقامة العدل، ودفع الظلم، وصيانة الحقوق والأخلاق، وضبط الأمن، ونشر العلم، وتطهير المجتمع من الفساد، وتحقيق كل خير للأمة بأفضل الوسائل، مما يعبر عنه بالمصلحة العامة،
(1/493)

فكل عمل أو تصرف من الولاة على خلاف هذه المصلحة مما يقصد به استثمار أو استبداد، أو يؤدي إلى ضرر أو فساد، هو غير جائز.
والأصل في هذه القاعدة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية، يموت وهو غاش رعيته، إلا حرم الله تعالى عليه الجنة"
رواه البخاري ومسلم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم
كنصحه وجهده لنفسه، إلا لم يدخل معهم الجنة"
رواه مسلم والطبراني.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من استعمل رجلاً من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله
وخان رسوله وخان المؤمنين "
رواه الحاكم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "
رواه أحمد والحاكم.
ونص على هذه القاعدة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وقال:
"منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم "
وأصل ذلك ما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه "
عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال:
"أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، وإن أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت ".
التطبيقات
1 - لو عفا السلطان عن قاتل من لا ولي له لا يصح عفوه ولا يسقط القصاص، لأن الحق للعامة، والإمام نائب عنهم فيما هو أنظر لهم، وليس من النظر إسقاط حقهم مجاناً، وإنما له القصاص أو الصلح.
(الزرقا ص 309، الدعاس ص 82) .
(1/494)

2 - على الإمام أن يسوي في العطاء، فإذا فاضل فإنه يفاضل على حسب الغَنَاء، وهو النفع للدين والمسلمين، لا على حسب الهوى.
(الزرقا ص 310) .
3 - ليس لمتولي الوقف، ولا للقاضي إحداث وظيفة في الوقف بغير شرط
الواقف، وإن كان في الغَلة فضلة، فلو قرر فراشاً لم يشترطه الواقف لا يحل له الأخذ، لإمكان استئجار فراش بلا تقرير.
(الزرقا ص 310) .
4 - لو آجر المتولي عقار الوقف بغبن فاحش لا يصح.
(الزرقا ص 310) .
5 - لو زوّج القاضي الصغيرة من غير كفء، أو قضى بخلاف شرط الواقف، أو أبرأ عن حق من حقوق العامة، أو أجل الدين على الغريم بدون رضا الدائن لم يجز.
(الزرقا ص 310) .
6 - لو صالح الولي أو الوصي عن الصغير صلحاً مضراً به لا يصح، كما لو صالح الخصم قبل أن ينوي رد دعواه بالبينة، أو قَبِل الحوالة بدين الصغير على من ليس بأملأ - أي أغنى - من المحيل لا يصح.
(الزرقا ص 310) .
7 - لو دفع للوصي بمال اليتيم ألفاً، ودفع آخر ألفاً ومئة، والأول أملأ، يبيع الوصي من الأول، وكذا الإجارة يؤاجر بثمانية للأملأ، لا بعشرة لغيره، وكذا متولي الوقف.
(الزرقا ص 310) .
8 - ليس لولي الأمر أن يعفو عن عقوبات الحدود مطلقاً، ولا عن غيرها من
الجرائم أو العقوبات إذا كان في ذلك تشجيع على الإجرام واستخفاف بنتائجه، ولا أن يهدر الحقوق الشخصية للمجني عليهم بحال من الأحوال، ولا أن يبطل أقضية القضاة.
(الدعاس ص 82) .
9 - ليس لإمام أو أمير أو قاض أن يمنع محاسبة من تحت أيديهم أموال العامة أو القاصرين كالأوصياء والمتولين، ولا أن يسمح بشيء من المفاسد المحرمة شرعاً، كالفسق والخمر والقمار، ولو بحجة جباية الأموال والضرائب منها، ولا أن يولي غير أمين أو غير كفء عملاً من الأعمال العامة.
(الدعاس ص 82) .
10 - لا يجوز لأحد من ولاة الأمور أن ينصب إماماً للصلوات فاسقاً، وإن
(1/495)

صححنا الصلاة خلفه، لأنها مكروهة، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه.
(اللحجي ص 62) .
11 - إذا تخير الإمام في الأسرى بين القتل والرق والمن والفداء لم يكن له ذلك بالتشهي، بل بالمصلحة، حتى إذا لم يظهر وجه المصلحة يحبسهم إلى أن يظهر.
(اللحجي ص 62) .
12 - لو زوج بالغة بغير كفء برضاها لم يصح، لأن حق الكفاءة للمسلمين، وهو كالنائب عنهم فلا يقدر على إسقاطه في المعتمد، وخال