Advertisement

القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة 002


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة
أ. د. محمد مصطفى الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الجزء الثاني
(2/681)

الباب الخامس
القواعد الكلية في المذهب الشافعي
هذه بعض القواعد الكلية في المذهب الشافعي مع بعض فروعها وتطبيقاتها، وإن كثيراً منها يتفق مع القواعد الكلية في المذهب الحنفي والمالكي مما نص عليه ابن نجيم في كتابه (الأشباه والنظائر)
وأفردناها لبيان الطابع الخاص لها في المذهب الشافعي.
وكثير منها في العبادات، وبعضها في سائر أبواب الفقه، واعتبارها من المذهب الشافعي لأن علماء الشافعية نصوا عليها، وصرحوا بها.
(2/683)

القاعدة: [166]
ما حرم استعماله حرم اتخاذه
التوضيح
كل ما حرمه الشرع في الاستعمال، يحرم اقتناؤه واتخاذه قنية في البيت، والملك، لأنه قد يكون مدعاة لاستعماله المحرم، أو يعتبر تعطيلاً للمال مع عدم استعماله.
التطبيقات
1 - يحرم اتخاذ آلات الملاهي، لأنه يحرم استعمالها فيحرم اتخاذها.
(اللحجي ص 81) .
2 - يحرم اتخاذ أواني النقدين من المذهب والفضة، لأنه يحرم استعمالها كما ثبت في الحديث.
(اللحجي ص 81) .
3 - يحرم اتخاذ الكلب لمن لا يصيد، ولغير الحراسة، لأنه نجس ويحرم استعماله إلا في الصيد والحراسة للضرورة.
(اللحجي ص 81) .
4 - يحرم اتخاذ الخنزير والفواسق، لأنه يحرم استعمالها وأكلها والانتفاع بها.
فيحرم اتخاذها.
(اللحجي ص 81) .
5 - يحرم اتخاذ الخمر واقتناؤه، لأنه يحرم شربه واستعماله، فيحرم اتخاذه.
(اللحجي ص 81) .
6 - يحرم اتخاذ واقتناء الحرير والحلي للرجال، لأنه يحرم استعماله كما ثبت في الحديث الصحيح.
(اللحجي ص 81) .
(2/685)

المستثنى
1 - مسألة: الباب (في الجدار) ممن لا ممر له من أصحاب الدور، فإنه يحرم
استعماله، ومع ذلك فإن الأصح أن له فتح الباب إذا سمره.
وعلة الاستثناء بأن أهل الدرب يمنعونه من الاستعمال، فإن ماتوا فورثتهم، أما متخذ الإناء ونحوه فليس عنده من يمنعه، فربما جره اتخاذه إلى استعماله.
قال الشارح: وفي هذا الفرق توقف، والأحسن الفرق بأن هذا ليس ممنوعاً من الفتح ابتداء لأن له نقض الجدار كله، فأولى بعضه فهو متصرف في ملكه، فإبقاؤه على هذه الصورة استصحاب لمباح بخلاف الأواني، لأن صورتها محرمة لذاتها، فلا أصل فيها يستصحب اهـ..
(اللحجي ص 181) .
(2/686)

القاعدة: [167]
يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد
التوضيح
الأحكام الشرعية بعضها مقاصد، أي مقصودة لذاتها، وبعضها وسائل لغيرها، ولذلك يتم التساهل في الوسائل أكثر من التساهل في المقاصد.
التطبيقات
1 - جزم العلماء بمنع توقيت الضمان، وجرى في الكفالة خلاف، وإن كان
الأصح منع توقيتها، لأن الضمان التزام للمقصود وهو المال، والكفالة التزام
للوسيلة، وهي: إحضار المكفول الذي هو وسيلة لأداء الحق، ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.
(اللحجي ص 90) .
2 - لم نَحتلف الأمة في إيجاب النية في الصلاة، واختلفوا فِى الوضوء.
(اللحجي ص 91) .
3 - عدم حرمة السفر ليلة الجمعة، لأن السفر ليلة الجمعة وسيلة لترك الجمعة، ويغتفر فِى الوسائل ما لا لِغتفر في الممَاصد.
(اللحجي ص 91) .
4 - عدم حرمة بيع مال الزكاة قبل الحول، لأن البيع وسيلة لترك الزكاة فاغتفر فيه.
(اللحجي ص 91) .
5 - عدم حرمة حيلة بطلان الشفعة، لأنها وسيلهَ، فاغتفر فيها.
(اللحجي ص 91) .
(2/687)

6 - عدم حرمة الحيلة الخلصة من الربا، إلا أنها مكروهة في ساثر أنواع الربا، كما قاله ابن حجر.
(اللحجي ص 91) .
7 - عدم وجوب قبول ثمن الماء في الطهارة، ولو من أصله وفرعه، لأن الثمن وسيلة، والمقصود هو الماء، فإذا وهب له وجب قبوله، لا قبول ثمنه.
(اللحجي ص 91) .
المستثنى
1 - تحريم التثليث في الوضوء عند ضيق الوقت مع جواز الاشتغال بالسنن في
الصلاة إذا شرع فيها، وقد بقي من الوقت ما يسعها فقط.
(اللحجي ص 91) .
2 - وجوب استعارة الدلو والرشا للماء، ووجوب فعل النزح للماء، أي
استقاؤه من البئر، وكلها وسائل، ولا يغتفر تركها إذا ضاق الوقت عن طلب الماء، لأنه حينئذ يعد واجداً للماء.
(اللحجي ص 91) .
3 - تحريم أكل نحو ثوم بقصد إسقاط الجمعة.
(اللحجي ص 91) .
(2/688)

القاعدة: [168]
يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصدًا
الألفاظ الأخرى
- يغتفر في العقود الضمنية، ما لا يغتفر في الاستقلال.
التوضيح
يغتفر ويتسامح ويتساهل في الأمور الثابتة ضمناً وداخلاً لشىٍء آخر ما لا يتسامح في الأمر المقصود أصلاً، لأنه يشترط توافر جميع الشروط الشرعية فيما قصده العاقد أو الشرع أصلاً.
أما الأمور الضمنية فلا مانع من التساهل فيها، لأنها ليست
مقصوداً شرعاً، أو عقداً، أو تصرفاً.
وهذه القاعدة قريبة من قاعدة
"يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في المتبوع " (م/ 54) .
وكلتا القاعدتين تدخلان في قاعدة "التابع تابع " (م/47) .
التطبيقات
1 - إن نضح المسجد بالماء المستعمل حرام، وفي الوضوء يجوز.
(اللحجي ص 61) .
2 - يثبت رمضان بعدل، ويتبعه شوال من حيث الفطر، فيثبت بعدل، لأن الفطر ضمناً لثبوت شوال وهو المراد قصداً، ولا بد فيه من عدلين.
(اللحجي ص 61) .
3 - البيع الضمني يغتفر فيه ترك الإيجاب والقبول، ولا يغتفر ذلك في البيع
المستقل.
(اللحجي ص 61) .
(2/689)

4 - الوقف على نفسه لا يصح، ولو وقف على الفقراء، ثم صار منهم استحق في الأصح تبعاً.
(اللحجي ص 62) .
5 - لا يثبت النسب بشهادة النساء، فلو شهدن بالولادة على الفراش ثبت النسب تبعاً.
(السيوطي ص 134) .
(2/690)

القاعدة: [169]
يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل
الألفاظ الأخرى
- يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
التوضيح
يغتفر ويتسامح ويتساهل فيما يأتي ثانياً أكثر مما يأتي أولاً، فلا يغتفر في
الأوائل؛ لأنها مقصودة أصلاً، أما الثواني فقصودة تبعاً.
وقد يعبر عن هذه القاعدة بقولهم:
"أوائل العقود تؤكد بما لا يؤكد به أواخرها"
قال السيوطي: "والعبارة الأولى أحسن وأعم "
ويقصد "يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره".
وهذه القاعدة تدخل في قاعدة
"يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع " (م/ 54) .
وكلتاهما تدخلان في قاعدة "التابع تابع " (م/47) .
التطبيقات
1 - لو حضر القتال أعمى لم يُسْهَم له بسهم في الغنيمة، فإن عمي في أثنائه أُسِهم له.
(اللحجي ص 62) .
2 - إن نكاح المحرم لا يصح، وتصح رجعته.
(اللحجي ص 62) .
(2/691)

3 - من تزوج أمة بشرطه فيجب توافر الشروط فيه، وإن فُقد شرط بعد ذلك فلا يضر.
(اللحجي ص 162) .
(2/692)

القاعدة: [170]
يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام
الألفاظ الأخرى
- يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في البقاء.
التوضيح
قد يتسامح ويتساهل في ابتداء الأمر وعند إنشائه، ما لا يتسامح في بقائه ودوامه وخلاله.
وهذه القاعدة عكس قاعدة
"يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" (م/ 55) .
التطبيقات
1 - الجنون لا يمنع ابتداء الأجل، فيجوز لوليه أن يشتري له شيئاً بثمن مؤجل، ويمنع الجنون دوامه، على قول صححه في "الروضة"
فيحل عليه الدين المؤجل إذا جُن، ولكن المعتمد خلافه.
(اللحجي ص 116) .
2 - إذا طلع الفجر، وهو مجامع، فنزع في الحال صح صومه، ولو وقع مثل ذلك في أثناء الصوم أبطله.
(اللحجي ص 116) .
3 - الفطرة لا يباع فيها المسكن والخادم، قال الأصحاب: هذا في الابتداء، فلو ثبتت الفطرة في ذمة إنسان بعنا خادمه ومسكنه فيها، لأنها بعد الثبوت التحقت بالديون.
(اللحجي ص 116) .
(2/693)

4 - إذا مات للمحرم قريب، وفي ملكه صيد، ورثه على الأصح، ثم يزول ملكه عنه على الفور.
(اللحجي ص 116) .
5 - الوصية بملك الغير، الراجح صحتها، حتى إذا ملكه بعد ذلك أخذه الموصى له، ولو أوصى بما يملكه، ثم أزال الملك فيه بطلت الوصية، كذا جزموا به.
قال الإسنوي: "وكان القياس أن تبقى الوصية بحالها، فإن عاد إلى ملكه أعطيناه الموصى له، كما لو لم يكن في ملكه حال الوصية، بل الصحة هنا أولى"
وعلى ما جزموا به قد اغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام.
(اللحجي ص 116) .
6 - إذا حلف بالطلاق: لا يجامع زوجته، لم يمنع من إيلاج الحشفة على
الصحيح، ويمنع من الاستمرار لأنها صارت أجنبية.
(اللحجي ص 116) .
(2/694)

القاعدة: [171]
إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام
الألفاظ الأخرى
- إذا اجتمع حظر وإباحة غُلِّب جانب الحظر.
- إذا اجتمع جانب الحلال والحرام، أو المبيح والمحرّم غُلِّب جانب الحرام.
- إذا اجتمع الحظر والإباحة كان الحكم للحظر.
التوضيح
الحلال ما أحله الله تعالى، والحرام ما حرمه الله تعالى، فإذا اجتمع الحلال
والحرام في شيء واحد يرجح جانب التحريم، لأنه محظور، ولأن الحرام ممنوع في جميع حالاته، ويمكن تحصيل الحلال من مصدر آخر.
والأصل في هذه القاعدة حديث شريف، ولفظه:
"ما اجتمع الحلالُ والحرامُ إلا غلب الحرامُ الحلال "
قال الحافظ العراقي: "ولا أصل له "
وقال السبكي في (الأشباه والنظائر) نقلاً عن البيهقي:
"هو حديث " رواه جابر الجعفي رجل ضعيف
عن الشعبي عن ابن مسعود، وهو منقطع.
قال السيوطي: "وأخرجه من هذا الطريق
عبد الرزاق في "مصنفه " وهو موقوف عن ابن مسعود لا مرفوع "
ثم قال السبكي:
"غير أن القاعدة في نفسها صحيحة"
قال الجويني في (السلسلة) : "لم يخرج عنها إلا ما ندر".
(2/695)

التطبيقات
1 - إذا نعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم، والآخر يقتضي الإباحة، قدم التحريم في الأصح، ومن ثم قال عثمان لما سُئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين: "أحَلتهما آية، وحرمتهما آية، والتحريم أحب إلينا "
وكذلك حديث:
"لك من الحائض ما فوق الإزار"
وحديث: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح "
فإن الأول يقتضي تحريم ما يين السرة والرغبة.
والثاني يقتضي إباحة ما عدا الوطء.
فيرجح التحريم احتياطاً.
(اللحجي ص 54) .
2 - لو اشتبهت محرم باجنبيات محصورات لم تحل.
(اللحجي ص 54) .
3 - قاعدة مُدّ عَجْوة ودرهم، وهو أن يبيع مدَّ عجوة ودرهم بدرهم، أو أن يبيع درهماً بمدّ عجوة ودرهم، فاجتمع البيع الحلال، والزيادة كرباً حرام، فيحرم.
(اللحجي ص 54) .
4 - من أحد أبويها كتابب والآخر مجوسي أو وثني، لا يحل نكاحها ولا ذبيحتها تغليباً لجانب التحريم.
(اللحجي ص 54) .
5 - عدم جواز وطء الجارية المشتركة.
(اللحجي ص 54) .
6 - لو اشتبه لحم مُذكى بلحم ميتة، أو لبن بقر بلن أتان، أو ماء وبول، لم يجز تناول شيء منها.
(اللحجي ص 54) .
المستثنى
خرج عن هذه القاعدة فروع منها:
1 - الاجتهاد في الأواني والثياب المتنجس بعضها، فإنه يجوز، ولا يجب اجتنابها.
(اللحجي ص 54)
(2/696)

2 - الثوب المنسوج من حرير وغيره يحل إن كان الحرير أقل وزناً، وكذا إن استويا في الأصح، بخلاف ما إذا زاد وزناً.
(اللحجي ص 54) .
3 - لو رمى سهماً إلى طائر، فجرحه ووقع على الأرض فمات، فإنه يحل إن لم يصبه شيء عند سقوطه على الأرض، وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض، لأن ذلك لا بدَّ منه فعفي عنه.
(اللحجي ص 54) .
4 - معاملة من أكثر ماله حرام باعتبار عقيدة المعامل، فإنها لا تحرم على الأصح إذا لم يعرف عين الحرام، لكن يكره.
(اللحجي ص 54) .
5 - الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام في يده، قال في (شرح المهذب) :
"إن المشهور فيه الكراهة لا التحريم خلافاً للغزالي ".
(اللحجي ص 54) .
6 - لو اعتلفت الشاة مثلاً علفاً حراماً لم يحرم لبنها ولحمها.
ولكن تركه ورع.
(اللحجي ص 54) .
7 - أن يكون الحرام مستهلكاً أو قريباً منه، وتحته صور:
أ - لو أكل المحرِم شيئاً قد استهلك فيه الطيب، فلا فدية.
ب - لو مزج لبن امرأة بحيث استهلك فيه، بأن زالت أوصافه الثلاثة من ريح وطعم ولون لم يُحَرَّم إن شرب البعض، لا إن شرب الكل، وكان يمكن أن يُسقى من اللبن خمس رضعات، وقد انفصل في خمس مرات فإنه يُحَرم.
جـ - لو اختلطت محرمة بعدد غير محصور، كنسوة قرية كبيرة، فله النكاح منهن إلى أن يبقى محصوراً.
د - لو اختلط حَمَامٌ مملوك بمباح غير محصور، جاز الاصطياد، ولو كان المملوك غير محصور أيضاً في الأصح.
(اللحجي ص 54) .
8 - تفريق الصفقة (المبيع) : وهي بأن يجمع في عقد واحد بين حرام وحلال، ويجري في أبواب، وفيها غالباً قولان أو وجهان، أصحهما: الصحة في الحلال،
(2/697)

والبطلان في الحرام، واختلف في علته، والصحيح أنها الجمع بين الحلال والحرام فغلب الحرام في قسمه، وبقي الحلال صحيحاً.
ومن أمثلة ذلك: أن يبيع خلاً وخمراً، أو شاة وخنزيراً، أو عبداً وحراً، أو عبده وعبد غيره، أو مشتركاً بغير إذن شريكه، والأظهر الصحة في القدر المملوك بحصته من المسمى باعتبار قيمتها، وفي النكاح أن يجمع من لا تحل له الأمة بين حرة وأمة في
عقد فالأظهر صحة النكاح في الحرة، وكذا لو جمع في عقد بين مسلمة ووثنية، أو أجنبية ومَحرَم، أو خلية ومعتدة أو مُزَوَّجة.
(اللحجي ص 55) .
(2/698)

فوائد
الفائدة الأولى: ضبط العدد المحصور
من المهم ضبط العدد المحصور، فإنه يتكرر في أبواب الفقه، وقل من بيَّنه، قال في (زوائد الروضة) :
"قال الغزالي: وإنما يضبط بالتقريب، فكل عدد لو اجتمع في
صعيد واحد لعسر على الناظرين عدُّه بمجرد النظر كألف ونحوه، فهو غير محصور، وما سهل كالعشرة والعشرين محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه الشك استُفْتيَ فيه القلب،، وفي (التحفة) : إن المئة عدد محصور.
الفائدة الثانية: شروط تفريق الصفقة
ذكروا لجريان الخلاف في تفريق الصفقة ثمانية شروط:
الأول: ألا يكون التفريق في العبادات، فإن كان فيها صح قطعاً، فلو عجل زكاة عامين، صح لعام واحد قطعاً، ولو نوى حجتين، انعقدت واحدة قطعاً، ويستثنى من هذا الشرط صور، منها:
1 - لو نوى في رمضان صوم جميع الشهر، بطل فيما عدا اليوم الأول.
وفيه وجهان أصحهما: الصحة.
2 - ادعى على الخارص الغلط بما يبعد، لم يقبل فيما زاد على القدر المحتمل، وفي المحتمل وجهان، أصحهما القبول فيه.
3 - مسح على الخف، وهو ضعيف، ووصل البلل إلى الأسفل القوي.
وقصدهما، لم يصح في الأعلى، وفي الأسفل وجهان، أصحهما: الصحة.
(2/699)

الشرط الثاني: ألا يكون مبنياً على السراية والتغليب، فإن كان كالطلاق والعتق بأن طلق زوجته وغيرها، أو طلقها أربعاً، أو أعتق عبده وغيره، نفذ فيما يملكه إجماعاً.
الشرط الثالث: أن يكون الذي يبطل فيه معيناً بالشخص أو الجزئية، مثال المعين بالشخص: الخمر والخنزير والحر، ومثال المعين بالجزئية: العبد المشترك إذا بيع بغير إذن الشريك.
وخرج بهذا الشرط ما إذا لشرط الخيار أربعة أيام، فإنه يبطل في الكل، ولم يقل أحد بأنه يصح في ثلاثة، وغلط نجم الدين البرلسي في (شرح التنبيه) حيث خرجها على القولين.
وخرج به أيضاً ما إذا عقد على خمس نسوة، أو أختين معاً، فإنه يبطل في الجميع، ولم يقل أحد بالصحة في البعض، وكلط صاحب (الذخائر) مُجَلى بن جميع بتخريجها، ولو جمع من تحل له الأمة بين حرة وأمة في عقد فإنه يبطل في الأمة قطعاً، كما في (التحفة)
ويصح في الحرة، وفرق بأن الحرة أقوى، بخلاف إحدى الأختين ليس فيهما أقوى.
الشرط الرابع: إمكان التوزيع، ليخرج ما لو باع أرضاً مع بذر أو زرع لا يفرد بالببع فإنه بيطل في الجميع على المذهب.
الشرط الخاص: ألا يخالف الإذن، ليخرج ما لو استعار شيئاً ليرهنه بعشرة.
فرهنه بأكثر، فالمذهب البطلان في الحال، لمخالفة الإذن، ولو أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين، بطل الكل على الصحيح.
الشرط السادس: أن يورد على الجملة، ليخرج ما لو قال: أجرتك كل شهر بدرهم، فإنه لا يصح في سائر الشهور قطعاً، ولا في الشهر الأول على الأصح.
الشرط السابع: أن يكون المضموم إلى الجائز مما يقبل العقد في الجملة، فلو قال: زوجتك بنتي وابني، أو بنتي وفرسي، صح نكاح البنت على المذهب، لأن المضموم لا يقبل النكاح فلغا.
(2/700)

القاعدة: [172]
إذا اجتمع في العبادة جانب الحضر وجانب السفر
غُلِّب جانب الحضر
التوضيح
تدخل هذه القاعدة في قاعدة "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ".
لأنه اجتمع في العبادة المبيح للرخصة والمحرِّم لها، فغلب المحرِّم، ويغلب جانب الحضر لأنه الأصل.
التطبيقات
1 - لو مسح حضراً ثم سافر، أو عكس، أتم مسح مقيم.
(اللحجي ص 57) .
2 - لو أحرم قاصراً، فبلغت سفينته دار إقامته، أتم.
(اللحجي ص 57) .
3 - لو قضى فائتة سفر في الحضر، أو عكسه، امتنع القصر.
(اللحجي ص 57) .
4 - لو أصبح صائماً في الإقامة، فمسافر في أثناء النهار، أو في السفر فأقام أثناءه، حرم الفطر على ألصحيح.
(اللحجي ص 57) .
5 - لو أقام بين الصلاتين بطل الجمع، أو قبل فراغهما في جمع التأخير، صارت الأولى قضاء.
(اللحجي ص 57) .
وخالف الحنفية في ذلك، فقال ابن نجيم: "وليس من القاعدة ما إذا اجتمع في العبادة جانب الحضر وجانب السفر، فإننا لا نغلب جانب الحضر".
(2/701)

القاعدة: [173]
الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال
التوضيح
هذه القاعدة عكس قاعدة "إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام "
فإذا اجتمع حرام وحلال، فالحرام لا يحرم الحلال، ويبقى حلالاً.
وهذه القاعدة لفظ حديث أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر بن الخطاب مرفوعاً، ورواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها.
التطبيقات
1 - من اشتبه عليه درهم حلال بدرهم حرام، حل له الاجتهاد.
(اللحجي ص 58) .
2 - لو ملك أختين فوطئ واحدة، حرمت عليه الأخرى، فلو وطئ الثانية لم تحرم عليه الأولى، لأن الحرام لا يحرم الحلال.
وفي وجه: إذا أحبل الثانية حلت، وحرمت الأولى.
قال في (الروضة) : وهو غريب.
(2/702)

القاعدة: [174]
الإيثار في القُرَبِ مكروه
التوضيح
إن اختيار الغير وتقديمه على النفس في الأمور المتقرب بها إلى الله تعالى مكروه، وقد يستدل لها بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح:
"لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى".
أما غير القرب فالإيثار بها محبوب.
قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) .
قال سلطان العلماء الشيخ عز الدين: "لا إيثار في القربات. . لأن الغرض
بالعبادات التعظيم والإجلال، فمن آثر به فقد ترك إجلال الله وتعظيمه ".
وقال الخطيب البغدادي في (الجامع) : "والإيثار بالقرب مكروه. . "
وقد جزم بذلك النووي في (شرح المهذب) وقال في (شرح مسلم) :
"الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى، وإنما يستحب في حظوظ النفس وأمور الدنيا"
وقال الزركشي:
"وكلام الإمام ووالده أبي محمد الجويني رحمهما الله تعالى يقتضي أن الإيثار بالقرب حرام "
فحصل ثلاثة أوجه: الكراهة، وخلاف الأولى، والحرمة.
(2/703)

وذكر السيوطي تفصيلاً حسناً حاصله
"أن الإيثار إن أدى إلى ترك واجب كماء الطهارة وساتر العورة، ومكان الجماعة، الذي لا يمكن أن يصلي فيه أكثر من
واحد، ولا تنتهي النوبة لآخرهم إلا بعد خروج الوقت، وأشباه ذلك، فهو حرام، وإن أدى إلى ترك السنة، أو ارتكاب مكروه، فهو مكروه، مثال ترك السنة: الإيثار بسد فرجة في الصف الأول، ومثله الإيثار بالصف الأول بالقيام منه لغيره، كذا قالوه، وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين الأفضل وغيره، ومثال ارتكاب المكروه:
التطهر بالماء المشمس، ويؤثر غيره بغير المشمس، وإن أدى إلى ارتكاب خلاف الأولى، مما ليس فيه نهي مخصوص، فخلاف الأولى، قال: وبهذا يرتفع الخلاف".
التطبيقات
1 - لا إيثار بماء الطهارة، ولا بستر العورة، ولا بالصف الأول.
(اللحجي ص 58) .
2 - يكره إيثار الطالب غيره بنوبته في القراءة، لأن قراءة العلم والمسارعة إليه قربة، والإيثار بالقرب مكروه.
(اللحجي ص 58) .
المستثنى
من جاء ولم يجد في الصف فرجة فإنه يجر شخصاً بعد الإحرام، ويندب للمجرور أن يساعده، وهذا يفوت على نفسه قربة، وهي أجر الصف الأول.
وسبب الاستثناء: أن فضيلة المعاونة على البر جبرت نقص فوات الصف الأول، كما أشار إليه ابن حجر في (فتح الجواد) حيث قال:
"يسن للمجرور مساعدته لينال فضيلة المعاونة على البر والتقوى، وذلك يعدل فضل ما فاته من الصف الأول "، وفي
(2/704)

(التحفة) : "وليساعده المجرور ندباً، لأن فيه إعانة على البر، مع حصول ثواب صنعه، لأنه لم يخرج منه إلا لعذر".
(اللحجي ص 59) .
(2/705)

القاعدة: [175]
الحدود تسقط بالشبهات
الألفاظ الأخرى
- الحدود تدرأ بالشبهات.
التوضيح
الحدود: جمع حد، وهو عقوبة مقدرة شرعاً حقاً لله تعالى.
ويضاف الحد إلى سببه، كحد الزنى، وحد السرقة، وحد الخمر، وحد الحرابة، وحد القذف، وحد الردة، وحد البغي.
والشبهات: جمع شبهة، وهي ما يشبه الثابت وليس بثابت، فإذا طرأت شبهة على الحد فإنه يسقط، ولا يقام، ويمكن معاقبة الفاعل تعزيراً.
وأصل هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ادرؤوا الحدود بالشبهات "
أي ادفعوا، أخرجه ابن عدي في جزء له من حديث ابن عمر.
وأخرج ابن ماجة من حديث أبي هريرة "ادفعوا الحدود ما استطعتم "
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم من حديث عائشة
"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة،.
(2/706)

والشبهة ثلاثة أنواع:
1 - شبهة الفاعل: كمن وطئ امرأة ظنها حليلته.
2 - شبهة المحل: بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة، كالأمة المشتركة.
والمكاتبة، وأمة ولده، ومملوكته المحرَم.
3 - شبهة الطريق: وهي الجهة التي أباح بها مجتهد، أي أن يكون حلالاً عند قوم حراماً عند آخرين، كنكاح المتعة، وكالنكاح بلا ولي ولا شهود، كما في (الروضة)
واعتمده جمع محققون كابن زياد وغيره، وإن خالفهم الشيخ ابن حجر حيث قال في (التحفة) : بوجوب الحد في النكاح بلا ولي ولا شهود.
وكذا كل نكاح مختلف فيه، كالنكاح بلا ولي، وكالنكاح بلا شهود لشبهة خلاف أبي حنيفة في الأولى، وشبهة خلاف مالك في الثانية.
والشبهة بأنواعها الثلاثة تسقط الحد، ونقل ابن نجيم الإجماع على ذلك فقال: "أجمع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات.
والحديث المروي في ذلك متفق عليه، وتلقته الأمة بالقبول ".
التطبيقات
1 - يسقط الحد بقذف من شهد أربعة بزناها، وأربع أنها عذراء، لاحتمال صدق بينة الزنى، واحتمال أنها عذراء لم تزل بكارتها بالزنى، وسقط عنها الحد لشبهة الشهادة بالبكارة.
(اللحجي ص 63) .
2 - لا قطع بسرقة مالِ أصلهِ وفرعه وسيده، وأصل سيده وفرعه، لشبهة
استحقاق النفقة.
(اللحجي ص 63) .
(2/707)

3 - لا قطع بسرقة ما ظنه ملكه، أو ملك أبيه، أو ابنه، ولو ادعى كون المسروق ملكه سقط القطع، نص عليه، للشبهة، وهو اللص الظريف، لكن الشبهة لا تسقط التعزير.
(اللحجي ص 63) .
4 - تسقط الكفارة لو جامع ناسياً في الصوم، أو الحج، فلا كفارة للشبهة.
(اللحجي ص 64) .
5 - لو وطئ على ظن أن الشمس غربت، أو أن الليل باق، وبان خلافه، فإنه يفطر ولا كفارة، قاله القفال.
(اللحجي ص 64) .
6 - يسقط الإثم والتحريم إن كانت الشبهة في الفاعل، دون المحل.
(اللحجي ص 64) .
المستثنى
1 - لا تسقط الفدية بالشبهة، لأنها تضمنت غرامة بخلاف الكفارة، فإنها تضمنت عقوبة، فالتحقت في الإسقاط بالحد.
(اللحجي ص 64) .
2 - الشبهة تسقط الحد إذا كانت قوية، وإلا فلا أثر لها.
قال التاج السبكي:
"ونعني بالقوة ما يوجب وقوت الذهن عندها، وتعلق ذي الفطنة بسبيلها، لا
انتهاض الحجة، فإن الحجة لو انتهضت بها لما كنا مخالفين لها".
ولهذا يحد بوطء أمة أباحها السيد، ولا يراعى خلاف عطاء في إباحة الجواري
للوطء، ومن شرب النبيذ يحد، ولا يراعى خلاف أبي حنيفة.
(اللحجي ص 64) .
(2/708)

القاعدة: [176]
الحر لا يدخل تحت اليد
الألفاظ الأخرى
- الحر لا يدخل تحت اليد والاستيلاء.
التوضح
الحر هو الإنسان غير المملوك، واليد: قرينة على الملك، أو السلطة على التصرف.
فالحر لا يدخل في ملك آخر، ولا يقع تحت سلطته وتمرفه، بخلاف العبد فيكون تحت اليد والملك.
التطبيقات
1 - لو حبس شخص حراً شهراً فلا يضمن منفعته بالفوات، بل بالتفويت.
بخلاف العبد، فإنه تضمن منافعه بفواتها.
2 - لو وطئ حرة بشبهة فأحبلها، وماتت بالولادة، لم تجب ديتها في الأصح، ولو كانت أمة وجبت القيمة.
3 - لو نام عبد على بعير، فقاده آخر وأخرجه عن القافلة قطع، أو حر فلا في الأصح.
4 - لو وضع صبياً حراً في مسبعة فأكله السبع فلا ضمان في الأصح، بخلاف ما لو كان عبداً.
(2/709)

5 - لو كانت امرأة تحت رجل، وادعى آخر أنها زوجته، فالصحيح أن هذه
الدعوى عليها لا على الرجل، لأن الحرة لا تدخل تحت اليد، ولو أقام كل بينة أنها زوجته لم تقدم بينة من هي تحته، لما ذكرنا.
(2/710)

القاعدة: [177]
الحريم له حكم ما هو حريم له
التوضيح
الحريم: هو ما يحيط بالشيء ويتبعه، ويتوقف انتفاع الشيء به، ولذلك يأخذ الحريم حكم ما هو حريم وتابع له.
والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات
لا يعلمهن كثير من الناس، فن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يُوشك أن يرتع فيه. . "
الحديث، أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما.
قال الزركشي: "الحريم يدخل في الواجب والحرام والمكروه".
وكل محرم له حريم يحيط به، والحريم هو المحيط بالحرام، كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى، وحريم الواجب ما لا يتم الواجب إلا به، ومن ثمَ وجب غُسل جزء من الرقبة والرأس، مع الوجه ليتحقق غسله، وغسل جزء من العضد مع الذراع، وجزء من الساق مع الكعب، وستر جزء من السرة والركبة مع العورة، وجزء من الوجه مع الرأس للمرأة، وحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة في الحيض لحرمة الفرج.
(2/711)

التطبيقات
1 - حريم المعمور فهو مملوك لمالك المعمور في الأصح، ولا يملك بالإحياء قطعاً.
(اللحجي ص 65) .
2 - حريم المسجد حكمه حكم المسجد، ولا يجوز الجلوس فيه للبيع ولا للجنب على ما قاله السيوطي.
وقال ابن حجر وغيره: "إن حريم المسجد، وهو ما يهيأ لإلقاء
نحو همامته، ليس كالمسجد، وهو المعتمد، وأما الرَحَبة - بفتحتين - فالجمهور على عدَّها من المسجد، وهي ما حجر عليه لأجله، أي تبنى لأجل المسجد، ويحوط عليها، وتتصل بالمسجد مع التحويط، سواء علم وقفيتها مسجداً، أم جهل أمرها، عملاً بالظاهر، وهو التحويط عليها".
(اللحجي ص 65) .
المستثنى
كل محرم فحريمه حرام إلا حريم دبر الزوجة، وهو ما يكون بين إليتيها، فإنه لا يحرم التلذذ به، كما لا يحرم التلذذ بظاهر الدبر، وإن حرم الوطء في الدبر، كما في (التحفة) و (فتح الجواد) .
(2/712)

القاعدة: [178]
إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما.
دخل أحدهما في الآخر غالبًا
التوضيح
إن بعض العبادات المتعددة تكون من جنس واحد، وكذلك بعض الأفعال
المتنوعة تكون من جنس واحد، فإذا كانت الأمور المتعددة من جنس واحد، وكان القصد منها واحداً، فيدخل حكم أحدهما في الآخر غالباً.
التطبيقات
1 - اجتمع حدث وجنابة كفى الغسل على المذهب، كما لو اجتمع جنابة
وحيض، فيكتفى بنية الجنابة عن الحيض والجنابة، وعكسه.
2 - اجتمع غسل جمعة وعيد، فيكتفى بنية غسل العيد عن نية غسل الجمعة.
(اللحجي ص 65) .
3 - لو باشر المُحْرِم فيما دون الفرج لزمته الفدية، فلو جامع بعد ذلك، دخلت في كفارة الجماع على الأصح.
(اللحجي ص 65) .
4 - لو اجتمع حدث ونجاسة حكمية كفت لهما غسلة واحدة في الأصح عند
النووي.
(اللحجي ص 66) .
(2/713)

5 - لو دخل المسجد وصلى الفرض، دخلت فيه التحية.
(اللحجي ص 66، ابن نجيم ص 147) .
6 - لو طاف القادم عن فرض أو نذر، دخل فيه طواف القدوم، بخلاف ما لو طاف للإفاضة لا يدخل فيه طواف الوداع، لأن كلاً منهما مقصود في نفسه، ومقصودهما مختلف، وبخلاف ما لو دخل المسجد الحرام فوجدهم يصلون جماعة فصلاها، فإنه لا يحصل له تحية البيت، وهو الطواف، لأنه ليس من جنس الصلاة.
(اللحجي ص 66) .
7 - لو تعدد السهو في ألصلاة لم يتعدد السجود، بخلاف جبرانات الإحرام لا تتداخل، لأن القصد بسجود السهو رغم أنف الشيطان، وقد حصل بالسجدتين آخر الصلاة، والمقصود مجبرانات الإحرام: جبر هتك الحرمة، فلكل هتك جبر، فاختلف المقصود.
(اللحجي ص 66) .
8 - لو زنى بكر مراراً؛ أو شرب خمراً مراراً، أو سرق مراراً، كفى حد واحد.
ولو زق وسرق وضرب فلا تداخل لاختلاف الجنس.
(اللحجي ص 66) .
9 - لو قذفه مرات كفى حد واحد أيضاً في الأصح.
(اللحجي ص 66) .
10 - لو وطئ في نهار مضان مرتين لم يلزمه بالثاني كفارة، لأنه لم يصادف
صوماً، بخلاف ما لو وطئ في الإحرام ثانياً، فإن عليه بدنة في الوطء الأول، وفي الثاني شاة، ولا تدخل في الكفارة، لمصادفته إحراماً لم يحل منه.
(اللحجي ص 66) .
11 - لو لبس المحرِم ثوباً مطيباً، فرجح الرافعي لزوم فديتين، وصحح النووي واحدة، لاتحاد الفعل، وتبعية الطب.
(اللحجي ص 66) .
12 - لو قتل المحرِم صيداً في احرء لزمه جزاء واحد، وتداخلت الحرمتان في حقه، لأنهما من جنس واحد، كالقارن إذا قتل صيداً لزمه جزاء واحد، وإن كان قد هتك حرمة الحج والعمرة.
(اللحجي ص 66) .
13 - لو تكرر الوطء بشبهة واحدة تداخل المهر، بخلاف ما إذا تعدد جنس
الشبهة، ولو وطئ بشبهة بكراً وجب أرش البكارة مع المهر، ولا تداخل، لاختلاف
(2/714)

الجنس والمقصود، فإن أرش البكارة يجب إبلاً، والمهر نقداً، والأرش للجناية، والمهر للاستمتاع.
(اللحجي ص 66) .
ويظهر من الفروع الاحتراز بالقاعدة "من جنس واحد"
ولم يختلف مقصودهما.
وبكلمة "غالباً".
(2/715)

القاعدة: [179]
الدفع أقوى من الرفع
الألفاظ الأخرى
- الدفع أقوى من الرفع غالباً.
التوضيح
دفع الشيء: منع التأثير بما يصلح له لولا ذلك الدافع، والرفع إزالة موجود
لمانع، فالموجود يكون أقل تأثراً وأسهل إلغاء من التأثير الأولي للشيء.
وقال الشيخ ابن حجر في "تحفته":
"الدفع أقوى من الرفع غالباً"
وخرج "بغالباً" ما يرد في الاستثناء.
التطبيقات
1 - الماء المستعمل إذا بلغ قلتين في عوده طهوراً وجهان، وإن كان الأصح أنه طهور، ولو استعمل الشخص القلتين ابتداء لى يصر مستعملاً بلا خوف.
والفرق أن الكزة في الابتداء دأفعة ة وفي الأثناء رافعة، والدفع أقوى من الرفع.
(اللحجي ص 70) .
2 - وجود الماء قبل الصلاة للمتيمم يمنع الدخول فيها، وفي أثنائها لا يبطلها
حيث تسقط به.
(اللحجي ص 70) .
3 - اختلاف الدين المانع من النكاح يدفعه ابتداء ولا يرفعه في الأثناء فوراً، بل يوقف إلى انقضاء العدة.
(اللحجي ص 70) .
(2/716)

4 - الفسق يمنع الإمامة ابتداء، ولو عرض في الأثناء لم ينعزل.
(اللحجي ص 70) .
المستثنى
1 - الطلاق يرفع النكاح ولا يدفعه لحل الرجعة، وعكسه: الإحرام، وعدة الشبهة، فالطلاق أقوى تأثيراً منهما، يعني أن الإحرام وعدة الشبهة لا يرفعان النكاح، وإنما يرفعان حل الاستمتاع.
(اللحجي ص 70) .
2 - وهناك قسم ثالث يقال له فاعل الأمرين، بمعنى أنه يدفع ويرفع، وذلك
كالرضاع، فإنه يدفع حل النكاح، ويرفعه إذا طرأ عليه، كما إذا تزوج برضيعة فأرضعتها زوجته الكبيرة فإنه ينفسخ النكاح.
(اللحجي ص 70) .
(2/717)

القاعدة: [180]
الخروج من الخلاف مستحب
التوضيح
المقصود من الخلاف هر الاختلاف الواقع بين المذاهب الفقهية، ومراعاته بترك قول المذهب، والأخذ بالمذهب الآخر، فإنه مستحب ويندب لأنه نيه عوناً على الجماعة وعدم التفرق.
ولمراعاة الخلاف شروط، فإن لم تتوفر فلا يراعى الخلاف، وهذه الشروط هي:
أحدها: ألا توقع مراعاته في خلاف آخر.
الثاني: ألا يخالف سُنَّة ثابتة صحيحة أو حسنة.
الثالث: أن يقوى مَدرَكُه أي دليله الذي استند إليه المجتهد.
قال التاج السبكي:
" فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدوداً من الهفوات والسقطات، لا من الخلافيات، ونعني بالقوة: وقوف الذهن عندها، وتعلق ذي الفطنة بسبيلها، لا انتهاض الحجة بها، فإن الحجة لو انتهضت لما كنا مخالفين لها"، وقد قال إمام الحرمين في هذه المسألة:
"إن المحققين لا يقيمون لخلاف أهل الظاهر وزناً"
قاله السيوطي تبعاً للنووي التابع لإمام الحرمين، واعتمده ابن حجر الهيثمي رحمهم الله تعالى آمين.
(2/718)

وتشتهر هذه القاعدة كثيراً في المذهب المالكي بعنوان "مراعاة الخلاف "
أو "من أصول المالكية مراعاة الخلاف ".
التطبيقات
إن فروع هذه القاعدة كثيرة جداً لا تكاد تحصى، منها:
1 - استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات، وترك صلاة الأداء خلف القضاء، والقصر في سفر يبلغ ثلاث مراحل، وتركه فيما دون ذلك، وتركه للملاح الذي يسافر بأهله وأولاده، وترك الجمع، وكتابة العبد القوي الكسوب، ونية الإمامة، واجتناب استقبال القبلة واستدبارها مع الساتر حال قضاء الحاجة، وقطع المتيمم الصلاة إذا رأى الماء، خروجاً من خلاف من أوجب ذلك.
(اللحجي ص 68) .
2 - كراهة الحيل في باب الربا، ونكاح المحلل خروجاً من خلاف من حرمه.
(اللحجي ص 69) .
3 - كراهة صلاة المنفرد خلف الصف خروجاً من خلاف من أبطلها.
(اللحجي ص 69) .
4 - كراهة مفارقة الإمام بلا عذر، والاقتداء في خلال الصلاة خروجاً من خلاف من لم يجز ذلك.
(اللحجي ص 69) .
المستثنى
1 - إن الفصل في الوتر أفضل من وصله، لحديث: "لا تشبهوا الوتر بالمغرب "
ولم يراع خلاف أبي حنيفة القائل بمنع الفصل، لأن من العلماء من لا يجيز الوصل،
(2/719)

قال السيوطي، وقال التاج السبكي:
"وبفرض تجويز كلهم يلزم منه ترك سنة".
وكذا ما لو تقدم على إمامه بالفاتحة، أو التشهد، بأن فرغ من ذلك قبل شروع الإمام فيه لم يضره، ويجزئه، لكن تستحب إعادته خروجاً من خلاف من أوجبها، وقدمت مراعاة هذا الخلاف لقوته على مراعاة الخلاف في البطلان بتكرير الركن القولي، كما قال ابن حجر.
وهذا الاستثناء يتفق مع الشرط الأول من شروط مراعاة الخلاف.
وهو ألا يوقع مراعاته في خلاف آخر.
(اللحجي ص 69) .
2 - يسن رفع اليدين في الصلاة، ولم يراع خلاف من قال بإبطال الصلاة من الحنفية، لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواية نحو خمسين صحابياً، وهذا يتفق مع الشرط الثاني، وهو ألا يخالف سنة ثابتة صحيحة أو حسنة.
(اللحجي ص 69) .
3 - الصوم في السفر أفضل لمن لم يتضرر به، ولم يراع قول داود الظاهري أنه لا يصح من المسافر، وهذا يتفق مع الشرط الثالث: أن يقوى مدركه أي دليله الذي استند إليه المجتهد.
(اللحجي ص 69) .
(2/720)

القاعدة: [181]
الرخص لا تناط بالمعاصي
الألفاظ الأخرى
- الرخص لا تستباح بالمعاصي
التوضيح
إن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء نظر في ذلك الشيء، فإن كان تعاطيه في نفسه حراماً امتنع فعل الرخصة، وإلا فلا، وبهذا يظهر الفرق بين المعصية بالسفر، والمعصية في السفر، فالعبد الآبق، والناشزة والمسافر للمكس ونحوه، عاص بالسفر، فالسفر نفسه معصية، والرخصة منوطة به، أي معلقة به، ومترتبة عليه
ترتب المسبب على السبب، فلا تباح فيه الرخص، ومن سافر مباحاً فشرب الخمر في سفره فهو عاص فيه أي مرتكب المعصية في السفر المباح، فنفس السفر ليس معصية، ولا هو آثم به، فتباح فيه الرخص، لأنها منوطة بالسفر، وهو في نفسه مباح، ولهذا جاز المسح على الخف المغصوب بخلاف المحرم، لأن الرخصة منوطة باللبس، وهو للمحرم معصية، وفي المغصوب ليس معصية لذاته، أي لكونه لبساً، بل للاستيلاء
على حق الغير، ولذا لو ترك اللبس لم تزل المعصية بخلاف المحرم قاله السيوطي، فعلم أن العاصي بسفره لا يستبيح شيئاً من رخص السفر كالقصر، والجمع، والفطر، والمسح ثلاثاً، والتنفل على الراحلة، وترك الجمعة وأكل الميتة.
وطرد الاصطخري القاعدة في سائر الرخص، فقال: إن العاصي بالإقامة لا
يستبيح شيئاً منها، لكن ذهب عامة أصحاب الشافعي إلى أن يستبيحها، وفرقوا بأنَّ
(2/721)

الإقامة نفسها ليست معصية، لأنها كف، وإنما الفعل الذي يوقعه في الإقامة معصية، بخلاف السفر فإنه في نفسه معصية.
التطبيقات
1 - لو استنجى بمطعوم أو محقرم أي له حرمة، كالذي كتب عليه اسم معظم، أو علم شرعي، لا يجزئه الاستنجاء في الأصح، لأن الاقتصار على الحجر رخصة فلا يناط بمعصية.
(اللحجي ص 71) .
2 - لو جُن المرتد وجب قضاء صلوات أيام الجنون، بخلاف ما إذا حاضت المرتدة لا تقضي صلوات أيام الحيض، لأن سقوط القضاء عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة، والمرتد ليس من أهل الرخصة.
(اللحجي ص 72) .
3 - لو لبس المحرِم الخف، فليس له المسح، لأن المعصية هنا في نفس اللبس، ذكرها الإسنوي.
(اللحجي ص 72) .
فائدة: الاختلاف في قاعدة حكم الترخص في المعصية
اختلف الفقهاء فيها فأقرها الشافعية والحنابلة، محتجين في ذلك بقوله تعالى:.
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) .
فالرخصة لا يصحبها بغي ولا عدوان، فإن صحبها سقطت إلى أن يتوب، قال الشافعي رحمه الله تعالى:
"ومن خرج عاصياً لم يحل له شيء مما حرم الله عز وجل بحال؛ لأن الله تبارك وتعالى إنما أحل ما حرّم بالضرورة، على شرط أن يكون المضطر غير باغ ولا عاد ولا متجانف لإثم ".
(2/722)

وأبطل الحنفية هذه القاعدة بالمرة، ولم يروا مسوغاً للعمل بها، واحتجوا بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) .
قال الجصاص رحمه الله تعالى:
"ومن امتنع عن المباح حتى مات كان قاتلاً نفسه، متلفاً لها عند جميع أهل العلم، ولا يختلف في ذلك عندهم حكم العاصي والمطيع، بل يكون امتناعه عند ذلك من الأكل زيادة على عصيانهاً، وأيد ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى في رأي له في بعض الحالات.
وفصل المالكية، فقالوا في الصحيح: إن كانت الرخصة يبيحها السفر، بأن كانت خاصة به، كالفطر والقصر فلا يجوز للعاصي الأخذ بها، وإن كانت الرخصة ليست خاصة بالسفر كالتيمم ومسح الخف وأكل الميتة للمضطر، جاز فعلها للعاصي.
واختلف علماء المالكية، فمنهم من قال بمنع الترخص في المعصية، ومنهم من
قال بالجواز، ومنهم من فصل.
فالذين قالوا بالمنع احتجوا بنفس حجج الشافعية والحنابلة، وتحمس لهذا
القول ابن العربي رحمه الله تعالى، فقال:
"ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر. ..
والصحيح أنها لا تباح بحال؛ لأن الله تعالى أباح ذلك عوناً.
والعاصي لا يحل له أن يعان، فإن أراد الأكل فليتب ويأكل، وعجباً ممن يبيح ذلك له مع التمادي على المعصية، وما أظن أحداً يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعاً".
وأجاز القرطي ذلك، وعقب على ابن العربي بقوله: "والصحيح خلاف هذا،
(2/723)

فإن إتلاف المر نفسه في سفر المعصية أثر معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال، فتمحو
التوبة عنه ما كان".
وفصل ابن خويز منداد المالكي في ذلك فأجاز الرخصة في الأكل للمضطر.
والتيمم، وعدم الرخصة في الفطر والقصر، وقال:
"فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء؛ لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر (للضرورة)
وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم، بل أسوأ حالة من أن يكون مقيماً، وليس كذلك الفطر والقصر؛ لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر، فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه؛ لأن هذه الرخصة تختص بالسفر، ولذلك قلنا: إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية؛ لأن التيمم في الحضر والسفر سواء.
وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها، وفي ترك الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة، أيجوز أن يقال: ارتكبت معصية فارتكب أخرى؟!
أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازن؟! وللزاني:
اكفر، أو يقال لهما: ضيعا الصلاة" وهذا هو الذي قرره القاضي عبد الوهاب بكلام مثل هذا أو قريب منه، وهو المشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
وهذا ما أكده القرافي رحمه الله تعالى وحققه، مبيناً سبب الترخيص للعاصي في
أكل الميتة، دون القصر والفطر، بكون المعصية سبباً للرخصة، وكونها مصاحبة لها، فقال:
"فأما المعاصي فلا تكون أسباباً للرخص، ولذلك: العاصي بسفره لا يقصر.
ولا يفطر؛ لأن سبب هذين السفر، وهو في هذه الصورة معصية، فلا يناسبه
الرخصة، لأن ترتيب الرخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعاً، كما يجوز
(2/724)

لأفسق الناس وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء، وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم، والجلوس إذا أضر به القيام، ويقارض وشحاقي، ونحو ذلك من الرخص.
ولا تمنع المعاصي من ذلك، لأن أسباب هذه الأمور غير معصية، بل هي عجزه عن الصوم ونحوه، والعجز ليس معصية، فالمعصية هنا مقارنة للسبب لا سبب، وبهذا يبطل قول من قال: إن العاصى بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها، لأن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره ".
وهذا قريب من تفريق الشافعية بين سفر المعصية، والمعصية في السفر، ويترتب على الرأي الأخير أن القصر والفطر يتعلقان بالعبادة، وعدم الأخذ بالرخصة فيهما لا يسبب ضرراً للعاصي، أما أكل الميتة فيتعلق بالعادات، وعدم الأخذ فيه بالرخصة يسبب ضرراً للعاصي.
وينبني على هذا التفريق أن المسافر العاصي إذا قصر الصلاة، أو أفطر في
رمضان، فعمله باطل، وعليه القضاء في الصلاة، والكفارة في الصيام، وإلا فلا معنى لهذا التفريق.
(2/725)

القاعدة: [182]
الرخص لا تُناط بالشك
التوضيح
الرخصة هي ما خفف الشارع فعله من العزيمة لسبب وعذر، وهذا التخفيف لا يرتبط بالشك، بل لا بدَّ من كلبة الظن أو اليقين، وهذه القاعدة ذكرها الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وقررها أهل الفروع.
التطبيقات
1 - وجوب غسل الرجلين لمن شك في جواز المسح.
(اللحجي ص 72) .
2 - وجوب الإتمام لمن شك في جواز القصر، وذلك في صور متعددة.
(اللحجي ص 72) .
المستثنى
خرج عن القاعدة مسائل، منها:
1 - الشك في نية إمامة القصر، إذا علق نية القصر على ما يفعله إمامه، فتصح نيته ويقصر المأموم إن قصر الإمام، كما تقدم في قاعدة
"الأمور بمقاصدها" (م/ 2) .
2 - لو شك في المرحلتين اجتهد وقصر وجمع إذا ظن أنه القدر المحتبر في القصر، مع أن القصر رخصة، وهو شاك.
(اللحجي ص 72) .
(2/726)

القاعدة: [183]
الرضا بالشيء رضاً بما يتولد منه
الألفاظ الأخرى
- المتولد من مأذون فيه لا أثر له.
التوضيح
إن من يرضى بأمر يكون رضاؤه شاملاً لكل ما ينتج عنه، وإن الإذن بالشيء يفيد الإذن بالأمر الناشئ عنه، ولا يتحمل آثاره.
وهذه القاعدة تشبه قاعدة الحنفية
"الجواز الشرعي ينافي الضمان " (م/ 91) .
التطبيقات
1 - رضي أحد الزوجين بعيب صاحبه، فزاد العيب، فلا خيار له على الصحيح، لأن الزائد ناشئ من أصل العيب، فلما رضي بالعيب صار راضياً بالزائد منه.
(اللحجي ص 72) .
2 - أذن المرتهن للراهن في ضرب العبد المرهون، فهلك بالضرب، فلا ضمان، لأنه تولد من مأذون فيه.
(اللحجي ص 72) .
3 - إذا أذن المرتهن للراهن في الوطء، فحبلت، انفسخ الرهن، لتولده من مأذون فيه.
(اللحجي ص 72) .
(2/727)

4 - لو سبق ماء المضمضة والاشنشاق إلى الجوف بلا مبالغة فلا يفطر، لأنه تولد من مأذون فيه بغير اختياره، بخلاف ما إذا جعل الماء في أنفه، أو في همه، لا لغرض، أو سبق ماء غسل تبرد، أو ماء المرة الرابعة من المضمضة والاستنشاق، أو بالغ فيهما، فإنه يفطر في جميع ذلك، لأنه غير مأمور به، بل منهي عنه في الرابعة، وفي غير المضمضة والاستنشاق.
(اللحجي ص 72) .
5 - لو قُطع قصاصاً أو حداً، فسرى، فلا ضمان.
(اللحجي ص 73) .
6 - قال مالك أمره: اقطع يدي، ففعل، فسرى، فهدر على الأظهر.
(اللحجي ص 73) .
المستثنى
يستثنى من ذلك ما كان مشروطاً بسلامة العاقبة، منها:
1 - إذا ضرب الزوج زوجته ضرباً غير مبرح على امتناعها من التمكين، وأفضى إلى الهلاك، فإنه يضمن بدية شبه العمد.
(اللحجي ص 73) .
2 - الوالي في التعزير إذا مات المعزَّر فيضمنه عاقلة الوالي.
(اللحجي ص 73) .
3 - المعلم فإنه مأذون له في تأديب المتعلم منه، لكن بإذن ولي المحجور، وهو مشروط بسلامة العاقبة، فإذا تلف المتعلم ضمنه المعلم.
(اللحجي ص 73) .
قال الشبراملسي:
"ومثل المعلم الذي له تأديب المتعلم الشيخ مع الطلبة، فله تأديب من حصل منه ما يقتضي تأديبه فيما يتعلق بالتعلم".
(2/728)

القاعدة: [184]
العمل المتعدي أفضل من القاصر
الألفاظ الأخرى
- المتعدي أفضل من القاصر
التوضيح
يتناسب الثواب مع شيوع الخير وانتشاره وكثرة المستفيدين منه، فإذا كان الفعل يتعدى صاحبه إلى غيره فيكون ثوابه أكثر من الفعل الذي يقتصر أثره على صاحبه فقط، ويعني بالمتعدي: الذي يعم نفعُه صاحبه وغيره.
التطبيقات
1 - قال الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين وأبوه:
"للقائم بفرض الكفاية مزية على فرض العين، لأنه أسقط الحرج عن الأمة".
(اللحجي ص 77) .
2 - قال الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة".
(اللحجي ص 77) .
المستثنى
أنكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا الإطلاق، وقال:
"قد يكون القاصر أفضل كالإيمان وقد قدّم النبى - صلى الله عليه وسلم - التسبيح عقب الصلاة على الصدقة"
وقال: "خير
(2/729)

أعمالكم الصلاة، وسئل: أيُّ العمل أفضل؟
فقال: "إيمان بالله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور ".
وهذه كلها قاصرة.
ثم اختار تبعاً لحجة الإسلام الغزالي في (الإحياء) أن أفضل الطاعات على قدر
المصالح الناشئة عنها.
(2/730)

القاعدة: [185]
ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً
التوضيح
الثواب والفضل في الدين بحسب الأفعال، وكلما كثرت الأفعال كان الثواب
أكثر، وكان الفعل أفضل.
وأصل هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها:
"أجْرُكِ على قدْرِ نَصَبِكِ ".
ويؤيد الحنابلة هذه القاعدة، وأن العمل الأكثر فعلاً أفضل ويرجح.
التطبيقات
1 - إن فصل الوتر أفضل من وصله، لزيادة النية ونكبيرة الإحرام والسلام.
(اللححي ص 75) .
2 - صلاة النفل قاعداً على النصف من صلاة القائم، ومضطجعاً على النصف من القاعد.
(اللححي ص 75) .
3 - إفراد النسكين: الحج والعمرة، أفضل من القران.
(اللحجي ص 75) .
4 - صلاة طويلة بركعتين، وصلاة أربع ركعات في زمن واحد، فالمشهور أن الكثرة أفضل.
(ابن رجب 1/ 131) .
(2/731)

5 - هدى بدنة عينة بعشرة، أو بدنتين بعشرة أو بأقل، فالثنتان أفضل.
(ابن رجب 1/ 132) .
6 - رجل قرأ بتدبر وتفكر سورة، وآخر قرأ في تلك المدة سوراً عديدة سرداً، فالثاني إذا صور الحرف كاملاً أفضل، لأن أجر قراءة الحرف بعشر حسنات.
(ابن رجب 133/1)
واختار ابن تيمية تفضيل قراءة التفكر، لأن تفكر ساعة خير من قيام
ليلة، وهو المنصوص صريحاً عن الصحابة والتابعين.
(ابن رجب 1/ 135) .
7 - عتق رقبة نفيسة بمال، وعتق رقاب متعددة بنفس المال، فالرقاب أفضل (ابن رجب 1/ 140) .
المستثنى
1 - القصر أفضل من الإتمام إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر.
(اللحجي ص 75) .
2 - الضحى أفضلها ثمان، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة، والأول أفضل تأسياً بفعله - صلى الله عليه وسلم -..
(اللحجي ص 75) .
3 - قراءة سورة قصيرة في الصلاة أفضل من بعض سورة، وإن طال البعض، كما قاله المتولي لأنه المعهود من فعله - صلى الله عليه وسلم - غالباً، وقيل: السورة أفضل من البعض المساوي للسورة الكاملة.
واعتمده الرملي في (النهاية) والشارح.
4 - الصلاة مرة في الجماعة أفضل من فعلها وحده خمساً وعشرين مرة.
كذا ذكره الزركشي في (قواعده) وتابعه عليه السيوطي.
وضعفه الشيخ ابن حجر في (التحفة) فقال:
"ولا يصح، لأن إعادة الصلاة لغير وقوع خلاف في صحتها لا يجوز".
(اللحجي ص 75) .
5 - صلاة الصبح أفضل من سائر الصلوات غير العصر، مع أن الصبح أقصر من غيرها، قال في (التحفة) :
"لعصر أفضل، ثم الصبح، ثم العشاء، ثم الظهر، ثم المغرب".
فيما يظهر من الأدلة، ونظمها الشيخ العلامة جمال الدين السيد محمد بن
عبد الرحمن بن حسن عبد الباري الأهدل (ت 352 هـ) رحمه الله تعالى فقال:
(2/732)

وأفضل من كل الفرائض جمعة. . . فعصر لها فالعصر للغير يا خلي
فصبح عشاء ثم ظهر ومغرب. . . كذا رتبوا فاحفظ هديتك للكل
6 - ركعة الوتر إذا اقتصر عليها أفضل من ركعتي الفجر على الجديد، بل من التهجد في الليل وإن كثرت ركعاته، ذكره في (المطلب) .
(اللحجي ص 76) .
7 - تخفيف ركعي الفجر أفضل من تطويلهما لما ورد في ذلك في السنة.
(اللحجي ص 76) .
8 - صلاة العيد أفضل من صلاة الكسوف، مع كونها أشق وأكثر عملاً، لأن صلاة العيد فرض كفاية على قول بخلاف الكسوف.
(اللحجي ص 76) .
9 - الجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات أفضل من الفصل بست
غرفات، لورود التصريح بأفضلية الثلاث في رواية البخاري.
وإنما فضل الجمع لصحة أحاديثه على أحاديث الفصل لعدم صحة أحاديثه، قاله في (التحفة) ..
(اللحجي ص 76) .
10 - الفصل بغرفتين أفضل منه بست غرفات.
(اللحجي ص 76) .
11 - التصدق بالأضحية بعد أكل لقم منها يتبرك بها أفضل من التصدق بجميعها.
(اللحجي ص 76) .
12 - الإحرام من الميقات أفضل منه من دويرة أهله في الأظهر.
(اللحجي ص 76) .
13 - الحج والوقوت راكباً أفضل منه ماشياً، تأسياً بفعله - صلى الله عليه وسلم - في الصورتين.
(اللحجي ص 76) .
14 - تحية المسجد ركعتان أفضل من أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة.
(اللحجي ص 76) .
15 - الاستعاذة بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أفضل من زبادة: كـ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
(اللحجي ص 77) .
(2/733)

16 - قِسْ عليه كل ما دل الدليل على أفضلية القليل فيه على الكثير كصلاة في أحد المساجد الثلاثة أفضل من الكثير في غيرها.
(اللحجي ص 77) .
(2/734)

القاعدة: [186]
الفرض أفضل من النفل
التوضيح
الفرض هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه.
والنفل هو المندوب الذي طلب الشارع فعله طلباً غير جازم، ويثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، والفرائض هي الأساس والأهم في الدين، لذلك كان ثوابها أفضل من النوافل.
والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكيه عن ربه:
"وما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم.
رواه البخاري.
قال إمام الحرمين: "قال الأئمة: خص الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإيجاب أشياء لتعظيم ثوابه، فإن ثواب الفرض يزيد على ثواب المندوبات بسبعين درجة، وتمسكوا بما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن رسول الله على قال في شهر رمضان:
"من تقرَّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه "
فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فرضاً في غيره، فأشعر الفحوى أن الفرض يزيد على النفل سبعين
(2/735)

التطبيقات
قال التاج السبكي: "وهذا أصل مطرد لا سبيل إلى نقضه بشيء من الصور"
فصلاة الفرض أفضل من صلاة النفل، وصيام رمضان أفضل من صيام غيره.
والزكاة أفضل من الصدقة، وحج الفريضة أفضل من حج التطوع، وهكذا.
(اللحجي ص 78) .
المستثنى
يستثنى من هذه القاعدة صور، وبعضها فيه نظر لبعض العلماء، منها:
1 - إبراء المعسر فإنه أفضل من إنظاره، وإنظاره واجب، وإبراؤه مستحب، ونظر فيه السبكي "بأنه لم يفضل مندوب واجباً، بل الإبراء مشتمل على الإنظار".
وقرره الشيخ ابن حجر في (التحفة) في باب النفل.
2 - ابتداء السلام فإنه سنة، والرد واجب، والابتداء أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم - "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ".
وقرر هذا الاستثناء الشيخ ابن حجر في (التحفة) في باب الأذان، لكن خالف
ذلك في باب النفل، فقال:
"وزعم أن المندوب قد يفضله كإبراء المعسر، وإنظاره.
وابتداء السلام ورده، مردود بأن سبب الفضل في هذين اشتمال المندوب على مصلحة الواجب وزيادة، إذ بالإبرأء زال الإمهال، وبالابتداء حصل الأمن أكثر مما في الجواب، واعترضه ابن قاسم، ورده أبو قشير.
(اللحجي ص 78) .
3 - الأذان، فإنه سنة على الأصح، وهو أفضل من الإمامة، وهي فرض كفاية أو عين، ونازع في ذلك الرافعي، وظاهر كلام ابن حجر في (التحفة) رد منازعته.
(اللحجي ص 78) .
(2/736)

4 - الوضوء قبل الوقت سنة، وهو أفضل منه في الوقت، صرح به القُمُولي في (الجواهر) وإنما يجب الوضوء بعد دخول الوقت.
(اللحجي ص 78) .
(2/737)

القاعدة: [187]
الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها
التوضيح
ترتبط العبادات غالباً بأمكنة معينة، وأزمنة، وفيها أركان وشروط وأفعال
للفضيلة فيها وزيادة الأجر، كما أن العبادة تكون في أماكن معينة، فالعمل الوارد في نفس العبادة أفضل من المكان الذي ارتبطت به العبادة.
قال النووي رحمه الله في (شرح المهذب) :
"هذه قاعدة مهمة صرح به جماعة من أصحابنا، وهي مفهومة من كلام الباقين "، ويتخرج عليها مسائل مشهورة.
التطبيقات
1 - الصلاة في جوف الكعبة أفضل من الصلاة خارجها، فإن لم يرج فيها
الجماعة، وكانت خارجها، فالجماعة خارجها أفضل.
(اللحجي ص 78) .
2 - صلاة الفرض في المسجد أفضل منها في غيره، فلو كان مسجد لا جماعة فيه، وهناك جماعة في غيره، فصلاتها مع الجماعة خارجه أفضل من الانفراد في المسجد.
(اللحجي ص 78) .
3 - الصلاة في الصف الأول في المسجد النبوي أفضل من الصلاة في الروضة
الشريفة.
(اللحجي ص 79) .
(2/738)

4 - صلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد، لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها، فإنها سبب لتمام الخشوع والإخلاص وأبعد من الرياء وشبهه، حتى إن صلاة النفل في بيته أفضل منها في المسجد النبوي لذلك.
(اللحجي ص 79) .
5 - القرب من الكعبة في الطواف مستحب، والرَمَل مستحب، فلو منعته الزحمة من الجمع بينهما ولم يمكنه الرمل مع القرب، وأمكنه مع البعد، فالمحافظة على الرمل مع البعد أولى من المحافظة على القرب بلا رمل لذلك.
(اللحجي ص 79) .
المستثنى
خرج عن القاعدة صور، منها:
1 - الجماعة القليلة في المسجد القريب أو البعيد إذا خشي التعطيل لو لم يحضر فيه أفضل من الجماعة الكثيرة في غيره.
(اللحجي ص 79) .
2 - الجماعة في المسجد أفضل منها في غيره وإن كثرت، صرح به الماوردي، لأن اعتناء الشارع بكثرة إظهار شعار الجماعة في المساجد أكثر.
(اللحجي ص 79) .
(2/739)

القاعدة: [188]
الواجب لا يترك إلا لواجب
الألفاظ الأخرى
- الواجب لا يترك لسنة.
- ما لا بدَّ منه لا يترك إلا لما لا بدَّ منه.
- جواز ما لو لم يشرع لم يجز، دليل على وجوبه.
- ما كان ممنوعاً إذا جاز وجب.
التوضيح
الواجب هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه، فلا يجوز تركه، ولكنه يترك لواجب آخر، وهذا الترك مقيد بما إذا شرعا في محل واحد، فيتخير بينهما، كستر بعض عورته بيده، يتخير بينه وبين وضع يده حال السجود.
التطبيقات
1 - ستر بعض عورته بيده يتخير بينه وبين وضع يده حال السجود.
(اللحجي ص 79) .
2 - قطع اليد في السرقة لو لم يجب لكان حراماً.
(اللحجي ص 79) .
3 - إقامة الحدود على ذوي الجرائم، وجوب أكل الميتة للمضطر.
(اللحجي ص 79) .
(2/740)

4 - الختان لو لم مجب لكان حراماً لما فيه من قطع عضو، وكشف العورة والنظر إليها.
(اللحجي ص 79) .
5 - العود من قيام الثالثة إلى التشهد الأول يجب لمتابعة الإمام لأنها واجبة، ولا يجوز للإمام والمنفرد، لأنه ترك فرض لسنة، وكذا العود إلى القنوت.
(اللحجي ص 79) .
6 - التنحنح بحيث يظهر حرفان إن كان لأجل القراءة فعذر، لأنه لواجب، أو للجهر فلا، لأنه سنة.
(اللحجي ص 79) .
المستثنى
1 - سجود السهو وسجود التلاوة لا يجبان، ولو لم يشرعا لم يجوزا.
(اللحجي ص 80) .
2 - النظر إلى المخطوبة لا يجب، ولو لم يشرع لم يجز.
(اللحجي ص 80) .
3 - الكتابة لا تجب إذا طلبها الرقيق الكسوب، وقد كانت قبلها ممنوعة، لأن السيد لا يعامل عبده.
(اللحجي ص 80) .
4 - رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، فإنها لا تبطل الصلاة على المعتمد
عند الرملي تبعاً للسيوطي وغيره، خلافاً للشيخ ابن حجر في (تحفته) .
(اللحجي ص 80) .
5 - قتل الحية مع توالي الضرب، ومع الانحناء في الصلاة لا تبطل به الصلاة
لمشروعيته فيها، لو لم يشرع لكان مبطلاً للصلاة مع أنه ليس بواجب، بل سنة.
(اللحجي ص 80) .
6 - زيادة ركوع في صلاة الكسوف لا يجب، ولو لم يشرع لم يجز.
(اللحجي ص 80) .
(2/741)

القاعدة: [189]
ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا يوجب أهونهما بعمومه
التوضيح
إذا وجب حكم شرعي أعظم بسبب أمر مخصوص، فيدخل فيه الأمر العام.
ويقتصر على الخاص.
التطبيقات
1 - لا يجب على الزاني التعزير بالملامسة والمفاخذة، فإن أعظم الأمرين، وهو الحد، قد وجب فدخل فيه حكم الملامسة.
(اللحجي ص 80) .
2 - زنى المحصن لم يوجب أهون الأمرين، وهو الجلد بعموم كونه زنى يوجب
الرجم خلافاً لابن المنذر.
(اللحجي ص 80) .
3 - خروج المني لا يوجب الوضوء على الصحيح بعموم كونه خارجاً، فإنه قد أوجب الغسل الذي هو أعظم الأمرين.
(اللحجي ص 80) .
4 - الشين الحاصل بسبب الموضحة، فإنه لا يجب أرشه، لأن هذه الموضحة قد أوجبت أعظم الأمرين، وهو القصاص، فلا توجب الأرش الأهون.
(اللحجي ص 80) .
المستثنى
1 - الحيض والنفاس والولادة فإنها توجب الغسل، مع إيجابها الوضوء أيضاً.
(اللحجي ص 80) .
(2/742)

2 - من اشترى فاسداً ووطئ لزمه المهر وأرش البكارة، ولا يندرج في المهر.
(اللحجي ص 80) .
3 - لو شهدوا على محصن بالزنى، فرجم، ثم رجعوا اقتُصَّ منهم، ويُحَدُّون للقذف أولاً.
(اللحجي ص 80) .
4 - من قاتل من أهل الكمال، وهو البالغ العاقل الحر، أكثر من غيره، حتى فعل نكاية لا العدو، فإنه يُرضخ له مع سهمه، ذكره الرافعي عن البغوي وغيره.
(اللحجي ص 80) .
5 - الجماع في رمضان وفي الحج يوجب القضاء مع الكفارة.
(اللحجي ص 80) .
(2/743)

القاعدة: [190]
ما ثبت بالشرع مقدم عد ما ثبت بالشرط
التوضيح
إن الشرع. أوجب أحكاماً، وشرط شروطاً، فإذا أوجب الشخص على نفسه ما أوجبه الشرع فيقع بحسب ما أوجبه الشرع، وإن شرط شرطاً شرطه الشرع فيقع عن شرط الشرع ويلغو شرطه.
التطبيقات
1 - لا يصح نذر الواجب كالجمعة والصلوات الخمس.
(اللحجي ص 81) .
2 - لو قال: طلقتك بألف على أن لي عليك الرجعة، سقط قوله: بألف، ويقع رجعياً، لأن المال ثبت بالشرط، والرجعة ثبتت بالشرع، فكانت أقوى.
(اللحجي ص 81) .
3 - لا يصح تدبير المستولدة، لأن عتقها بالموت ثابت بالشرع، فلا يحتاج معه إلى التدبير.
(اللحجي ص 81) .
4 - لو اشترى قريبه، ونوى عتقه عن الكفارة، لا يقع عنها، لأن عتقه بالقرابة حكم قهري والعتق عن الكفارة يتعلق بإيقاعه واختياره.
(اللحجي ص 81) .
5 - من لم يحج إذا أحرم بتطوع ونذر وقع عن حجة الإسلام، لأنه يتعلق بالشرع، ووقوعه عن التطوع والنذر متعلق بإيقاعه عنهما، والأول أقوى.
(اللحجي ص 81) .
6 - لو نكح أمة موروثه، ثم قال: إذا مات سيدك فأنت طالق، فمات السيد،
(2/744)

والزوج يرثه، فالأصح أنه لا يقع الطلاق، لأنه اجتمع المقتضي للانفساخ ووقع الطلاق في حالة واحدة، والجمع بينهما ممتنع، فقدم أقواهما، وهو الانفساخ، لأنه حكم ثبت بالقهر شرعاً، ووقوع الطلاق حكم تعلق باختياره، والأول أقوى.
(اللحجي ص 81) .
(2/745)

فائه ة:
إسقاط ما هو حق الشرع باطل
يقرب من هذه القاعدة ما قرره السرخسي الحنفي رحمه الله بقوله:
"إسقاط ما هو حق الشرع باطل"
لأنه حق لله تعالى، فلا يجوز لإنسان إسقاطه، ولا العفو عنه.
لأن العباد لا يملكون حق إسقاط ما هو حق لله تعالى.
وأمثلته كثيرة، وخاصة في الحدود كحد الزنا، وحد السرقة، وحد الشرب، وحد الردة، وكذلك حقوق الله في غير الحدود في الأحكام المقررة للشرع كحق السكنى للمطلقة، وحق المخالعة، فهما حقان للشرع، ولا يجوز للزوج أسقاطهما باشتراط ذلك على المرأة.
(2/746)

القاعدة: [191]
المشغول لا يُشْغَل
الألفاظ الأخرى
- شغل المشغول لا يجوز، بخلاف شغل الفارغ.
التوضيح
إن العين أو الشيء المشغول بحكم، أي الذي يتعلق به حكم شرعي، لا يقبل أن يَرِدَ عليه حكم آخر من جنسه، أو يتنافى مع الأول، لأن المحل لا يحتمل حكمين من جنس واحد.
قال السيوطي رحمه الله تعالى:
"واعلم أن إيراد العقد على العقد ضربان:
أحدهما: أن يكون قبل لزوم الأول وإتمامه، فهو إبطال للأول إن صدر من
البائع، كما لو باع المبيع في زمن الخيار، أو أجره، أو أعتقه، فهو فسخ، أو إمضاء للأول إن صدر من المشتري بعد القبض.
الثاني: أن يكون بعد لزومه، وهو ضربان:
الأول: أن يكون مع غير العاقد الأول، فإن كان فيه إبطال لحق الأول لغا، كما لو رهن داره، ثم باعها بغير إذن المرتهن، أو أجرها مدة يحل الدين قبلها، وإن لم يكن فيها إبطال للأول صح، كما لو أجر داره، ثم باعها لآخر، فإنه يصح، لأن مورد البيع العين، ومورد الإجارة المنفعة، وكذا لو زوج أمته، ثم باعها.
الثاني: أن يكون مع العاقد الأول، فإن اختلف المورد صح قطعاً، كما لو أجر
(2/747)

داره، ثم باعها من المستأجر، صح، ولا تنفسخ الإجارة في الأصح، بخلاف ما لو تزوج بأمة ثم اشتراها، فإنه يصح وينفسخ النكاح، لأن ملك اليمين أقوى من ملك النكاح، فسقط الأضعف بالأقوى، وكذا عللوه، واستشكله الرافعي بأن هذا التعليل موجود في الإجارة، فالأولى أن يقال: إنما ينتقل إلى المشتري ما كان للبائع.
والبائع حين البيع لا يملك المنفعة بخلاف النكاح، فإن السيد يملك منفعة بضع أمته المزوجة، بدليل أنها لو وطئت بشبهة كان المهر للسيد، لا للزوج.
وقد يجاب بأن الإشكال لا يرد المنقول، ولو رهنه داراً ثم أجرها منه جاز ولا يبطل الرهن، جزم به الرافعي، قال: وهكذا لو أجرها ثم رهنها منه يجوز، لأن أحدهما ورد على محل غير الآخر، فإن الإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة.
وإن اتحد المورد كما لو استأجر زوجته لإرضاع ولده، فقال العراقيون: لا يجوز، لأنه يستحق الانتفاع بها في تلك الحالة، فلا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر يمنع استيفاء الحق، والأصح أنه يجوز، ويكون الاستئجار من حين يترك الاستمتاع، ولو استأجر إنساناً للخدمة شهراً، لم يجز أن يستأجره تلك المدة لخياطة ثوب أو عمل آخر، ذكره الرافعي في (النفقات) .
التطبيقات
1 - لو رهن رهناً بدين ثم رهنه بآخر لم يجز في الجديد.
(اللحجي ص 83) .
2 - لا يجوز الإحرام بالعمرة للعاكف بمنى، لاشتغاله بالرمي والمبيت.
(اللحجي ص 83) .
3 - لا يجوز إيراد عقدين على عين في محل واحد، كما لو رهن داره، ثم أجرها من غير المرتهن.
(2/748)

القاعدة: [192]
المُكبَّر لا يُكبَّرُ
التوضيح
إذا ورد حكم شرعي مشدداً لعلة معينة، فلا يزاد عليه شيء مما يمكن زيادته
وتضعيفه على الأحكام العدلية.
التطبيقات
1 - لا يشرع التثليث في غسلات نجاسة الكلب، وهذا ما اعتمده السيوطي تبعاً لجماعة، واعتمده المحقق جمال الدين محمد الرملي في "نهايته " وتبعهم الباجوري.
وخالف المحقق الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي، فاعتمد سنية التثليث.
وقال الزركشي: "إنه أقرب إلى القواعد"
والتثليث المذكور يكون بزيادة غسلتين بعد الطهر
بسبع، لأن السبع تحسب واحدة، وقيل: التثليث بزيادة سبعتين.
قال بعضهم: وكل من القولين ضعيف، والمعتمد ما عليه الرملي هنا.
(اللحجي ص 84) .
2 - لا يشرع التغليظ في أيمان القسامة، وهي خمسون يميناً، وتغليظ اليمين يكون باللفظ والزمان، والمكان.
(اللحجي ص 74) .
3 - لا يشرع التغليظ في دية العمد، وشبهه، ولا الخطأ إذا غلظت بسبب، وتغليظ الدية يكون بالفورية، وبنوع الإبل: أربعون خَلِفَة، وثلاثون جَذَعة، وثلاثون حُقَّة، ولا يزاد التغليظ بسبب آخر ككونه في الحرم، ومن المحرم، وأشهر الحرم.
(اللحجي ص 84) .
(2/749)

4 - إذا أخذت الجزية باسم زكاة، وضعفت، لا يضعف الجبران في الأصح، لأنا لو ضعفناه لكان ضعف الضعف، والزيادة على الضعف لا تجوز.
(اللحجي 84) .
(2/750)

القاعدة: [193]
النفل أوسع من الفرض
التوضيح
النفل: هو المندوب الذي طلبه الشارع طلباً غير جازم، ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والفرض: هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهو الأهم، ولذلك يشترط نيه ما لا يشترط في النفل، وتجب به بعض الأحكام التي لا تجب في مثيله من النفل.
التطبيقات
1 - لا يجب القيام في صلاة النفل، وتصح مع القعود ولو بدون عذر، والفرض لا يصح إلا بالقيام، ويجب فيه القيام إلا لعذر.
(اللحجي ص 86) .
2 - لا يجب الاستقبال في صلاة النفل في السفر، ويجب في الفرض في السفر.
(اللحجي ص 86) .
3 - لا يجب تجديد الاجتهاد في القبلة عند صلاة النفل أكثر من مرة، ويجب تجديد الاجتهاد عن كل فرض.
(اللحجي ص 86) .
4 - لا يجب تكرير التيمم عند أداء نفل آخر، ويجب تكريره لكل فرض.
(اللحجي ص 86) .
5 - لا يجب تبييت النية في صيام النفل من الليل، وتصح بعد الفجر، وبعد طلوع
(2/751)

الشمس حتى قبل الزوال، ويجب تبييت نية الصيام من الليل قبل الفجر في الفرض والنذر.
(اللحجي ص 86) .
6 - لا يلزم النفل بالشروع، ويجوز تركه بعد الشروع، ولا يجب إتمامه، أما الفرض فيلزم بالشروع فيه ولا يجوز تركه بدون عذر، لقوله تعالى:.
(وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) ..
(اللحجي ص 86) .
المستثنى
قد يضيق النفل عن الفرض في صور، ترجع إلى قاعدة
"ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها " (م/ 22) .
وله صور:
1 - وجوب الفرض على فاقد الطهورين، ولا يجوز له النفل.
(اللحجي ص 86) .
2 - العاري يجب عليه صلاة الفرض فقط، ولا يصلي النفل.
(اللحجي ص 86) .
3 - الجنب الذي لم يجد الطهورين لا يقرأ غير الفاتحة، فتجوز له قراءة الفاتحة لأنها فرض، ولا يقرأ سورة أو آية لأنها نفل.
(اللحجي ص 86) .
(2/752)

القاعدة: [194]
النية في اليمين تخصص اللفظ العام
وتقصره على بعض أفراده، ولا تعمم الخاص من اللفظ
التوضيح
اللفظ العام يراد به جميع أفراده إلا إذا ورد ما يخصصه فيقصره على بعض الأفراد، والمخصصات كثيرة للألفاظ، منها التخصيص بالنية التي تقصر اللفظ العام، وتخصصه بحسب المنوي، ولكن النية لا تقلب اللفظ الخاص إلى عام، ويبقى اللفظ الخاص خاصا وإن نوى المتكلم التعميم، فلا يعمم.
التطبيقات
1 - حلف وقال: والله لا أكلم أحداً، ونوى زيداً قصر اليمين عليه، فلا يحنث إلا بتكليم زيد لا بتكليم غيره، وهذا مثال للشطر الأول.
(اللحجي ص 26) .
2 - مثال الشطر الثاني أن يمنَّ عليه رجل بما نال منه، فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عَطَشي، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطشي خاصة، ولا يحنث بطعامه ولا ثيابه.
وإن نوى أنه لا ينتفع منه بشيء، وإن كانت المنازعة تقتضي ذلك، لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نواه بجهة يتجوز بها، وخالف الإسنوي، وقال: "وفي ذلك نظر، لأن
فيه جهة صحيحة، وهي إطلاق اسم البعض على الكل ".
(اللحجي ص 26)
(2/753)

القاعدة: [195]
مقاصد اللفظ على نية اللافظ
التوضيح
إن مقاصد الألفاظ كاليمين، والاعتكاف، والنذر، والحج، والصلاة.
والطلاق، والعتق وغيرها تحمل على نية اللافظ، أي أنه لا يعتبر في النية إلا نية صاحبها المتلفظ بمضمونها، ومستند ذلك الحديث المشهور:
"إنما الأعمال بالنيات "
أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، ولذلك يجوز التورية في الكلام والأيمان، بأن يقصد المتكلم من كلامه غير المعنى المتبادر من الألفاظ، أو ينوي فيه خلاف الظاهر، أو يقصد تخصيص اللفظ العام، وقصره على بعض أفراده، ولما رواه سويد بن حنظلة أنه
كان مع وائل بن حُجْر فأخذه عدو له، فحلف سويد: إنه أخي، فخلي عنه، فقال رسول الله: " أنت كنت أبرَّهم وأصدقهم، صدقت، المسلمُ أخو المسلم "
أخرجه الحاكم وصححه، وأبو داود بسند صالح، وابن ماجة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:.
(إن في المعاريض لمندوحة من الكذب".
أخرجه ابن عدي، والبيهقي، وعنون به البخاري في صحيحه.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"اليمين على نية المستحلف"
أي في القضاء واليمين الواجبة فقط، وعلى نية الحالف في غيرها.
(2/754)

التطبيقات
1 - حلف ألا يدخل دار زيد، فإنه يحنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب، إلا أن يريد مسكنه فيحنث بالمعار وغيره، ويحنث بما يملكه ولا يسكنه، إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه.
(اللحجي ص 26) .
2 - نوى الاعتكاف وأطلق، ثم خرج من المسجد، فإن كان خروجه بعد العزم على العود فلا يجب التجديد، وإن كان بدون العزم على العود فيجب التجديد.
(اللحجي ص 26) .
3 - نذر لله أن يفعل كذا، فإن نوى اليمين يلزمه إن حنث كفارة يمين.
(اللحجي ص 26) .
4 - أحرم بالحج مطلقاً في أشهر الحج، فإنه يصرفه قبل العمل بالنية إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قِران.
(اللحجي ص 26) .
5 - قال لزوجته: يا طالق، واسمها طالق، فإن قصد الطلاق حصل، وإن قصد النداء فلا.
(اللحجي ص 26) .
6 - قال لأمته: يا حرة، واسمها حرة، فإن قصد العتق وقع، وإن قصد النداء فلا.
(اللحجي ص 26) .
المستثنى
اليمين عند من له ولاية التحليف كالقاضي والمحكم، فإن النية على نية القاضي دون الحالف، فلا تعتبر نيته، وإلا ضاعت الحقوق، سواء أكان موافقاً للقاضي في مذهبه أم لا في شفعة الجوار والبراءة من الدين.
(اللحجي ص 26) . لحديث " اليمين
على نية المستحلف " وفي رواية
"يمينك على ما يصدقك به صاحبك ".
(2/755)

القاعدة: [196]
الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود
التوضيح
إن الأعمال والأحكام المطلوبة شرعاً لها مقاصد محددة، وأوقات خاصة أحياناً، فإن اشتغل الشخص بشيء غير مقصود شرعاً من الفعل، فهذا يدل على إعراضه عن المقصود المطلوب، ويتحمل نتائج تصرفه.
التطبيقات
1 - لو حلف لا يسكن هذه الدار، ولا يقيم فيها، فتردد ساعة حنث، وإن اشتغل بجمع متاعه والتهيؤ لأسباب النقلة فلا.
(اللحجي ص 89) .
2 - لو قال طالب الشفعة للمشتري عند لقائه:
اشتريت رخيصاً، سقط حقه.
(اللحجي ص 89) .
(2/756)

القاعدة: [197]
لا ينكر المُخْتلف فيه، وإنما ينكر المُجمَع عليه
الألفاظ الأخرى
- لا ينكر إلا ما أجمع على منعه.
التوضيح
المختلف فيه هو ما يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، فلا يجب إنكار المختلف فيه؛ لأنه يقوم على دليل، وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه، لأنه لا دليل عليه.
وإن الإنكار المنفي في القاعدة مراد به: الإنكار الواجب فقط، وهو لا يكون إلا لما أجمع على تحريمه، وأما ما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره على الفاعل لاحتمال أنه حينئذ قلد من يرى حله، أو جهل تحريمه، كذا في (التحفة) .
وهذه قاعدة عظيمة متفرعة عن أصل عظيم، لأن نسبة المختلف فيه إلى المحرم
ليست بأولى من نسبته إلى المحلل، وهذا باعتبار استصحاب العدم الأصلي، وباعتبار الإنكار الواجب.
ويشترط في وجوب الإنكار أيضاً ألا يؤدي إلى فتنة، فإنه علم أنه يؤدي إلى فتنة لم يجب، بل ربما كان حراماً، بل يلزمه ألا يحضر المنكر، ويعتزل في بيته لئلا يراه، ولا يخرج إلا للضرورة، ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة إلا إذا كان عرضة للفساد.
قال في (التحفة) : "والكلام في غير المحتسب، أما هو فينكر وجوباً على من أخل
(2/757)

بشيء من الشعائر الظاهرة، ولو سنة، كصلاة العيد والأذان، فيلزمه الأمر بهما، ولكن لا يقاتلهم".
التطبيقات
كل ما يدخل تحت الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.
المستثنى
1 - أن يرفع الأمر لحاكم يرى التحريم، كما إذا رفع له حنفي شارب نبيذ، فإنه يحده، إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.
(اللحجي ص 89) .
2 - أن يكون للمنكِر فيه حق، كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ إذا كانت تستحله هي، وكذلك الذمية على الصحيح.
(اللحجي ص 89) .
3 - إذا كان مأخذ المجوِّز لهذا المنكر بعيداً، بجث ينقض فيه قضاء القاضي، فينكر حينئذ على الذاهب إليه وعلى مقلده، كوطء المرهونة، إذ يقول عطاء بحله، فيجب الحد على المرتهن إذا وطئها، ولا ينظر لذلك.
(اللحجي ص 90) .
4 - أن يكون الفاعل معتقداً للحظر، أي المنع والتحريم لذلك الفعل كواطئ
رجعيته، فيعزر.
(اللحجي ص 90) .
(2/758)

القاعدة: [198]
يدخل القوي على الضعيف، ولا عكس
التوضح
القوي: هو الفرض والواجب، والحكم الأصلي، والضعيف: هو المندوب
والمباح والرخصة، فالقوي يدخل على الضعيف أحياناً، ولكن الضعيف لا يدخل على القوي إلا استثناء.
التطبيقات
1 - يجوز إدخال الحج على العمرة قطعاً، لا عكسه على الأظهر، أي فلا تدخل العمرة على الحج، إذ لا يستفيد به شيئاً.
(اللحجي ص 90) .
2 - لو وطئ أمة، ثم تزوج أختها ثبت نكاحها، وحرمت الأمة، لأن الوطء
بفراش النكاح أقوى من ملك اليمين، إذ يتعلق بفراش النكاح الطلاقُ والظهار والإيلاء وغيرها، قال في (المغني) : "فلا يندفع الأقوى بالأضعف، بل يرفعه ".
(اللحجي ص 90) .
3 - لو تقدم النكاح حرم عليه الوطء بالملك، لأنه أضعف الفراشين، قال علي
الشبراملسي: "أي ما دام النكاح باقياً، فإن طلق المنكوحة حلت الأخرى" أي في الصورتين.
(اللحجي ص 90) .
المستثنى
إذا نوى صوم نفل ثم أراد في أثنائه الفرض لم يصح، وهل يصح عكسه: وهو ما
(2/759)

لو نوى في أثناء شوال صوم غد عن القضاء، ثم في أثنائه شرك معه بنية صوم الست مثلاً؟
القياس: نعم، أي تصح، ويحصل كل من الفرض والنفل، بناء على ما اعتمده الشهاب الرملي، كغيره من أن الصوم في شوال لقضاء وغيره يحصل به ما نواه مع ست شوال أيضاً، قاله بعضهم.
(اللحجي ص 90) .
(2/760)

القاعدة: [199]
الميسور لا يسقط بالمعسور
الألفاظ الأخرى
- لا يسقط الميسور بالمعسور.
- المتعذر يسقط اعتباره، واليمكن يستصحب فيه التكليف.
التوضيح
أي إن المأمور به إذا لم يتيسر فعله على الوجه المطلوب، بل تيسر فعل بعضه، لا يسقط بالمعسور، أي بعدم القدرة على فعل الكل، فيجب البعض المقدور عليه.
قال التاج السبكي: "وهذه القاعدة من أشهر القواعد المستنبطة من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وذكر الإمام: "أن هذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة".
ويؤيد ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ".
(2/761)

وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
وهذه القاعدة لها تطبيقات وفروع عند المالكية والحنابلة
التطبيقات
1 - من قدر على الإيماء بالركوع والسجود وجب.
(اللحجي ص 92) .
2 - من قدر على غسل بعض أعضاء الوضوء، كان قطع بعض الفرض من اليدين والرجلين، فإنه يجب غسل ما بقي منه.
(اللحجي ص 92، (ابن رجب 49/1) .
3 - من قدر على نصف صاع في الفطرة وجب عليه إخراجه في الأصح.
(اللحجي ص 92) ، وهو الأصح عند الحنابلة.
(ابن رجب 49/1) .
4 - القادر على بعض الفاتحة ياتب به بلا خلاف.
(اللحجي ص 92، (ابن رجب 1/ 48) .
5 - لو انتهى في الكفارة إلى الإطعام، فلم يجد إلا طعام ثلاثين مسكيناً، فالأصح وجوب إطعامهم.
(اللحجي ص 92) .
6 - من ملك نصاباً بعضه عنده، وبعضه غائب، فالأصح أنه يخرج عما في يده في الحال.
(اللحجي ص 92) .
7 - العاجز عن المراءة في الصلاة يلزمه القيام، لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضاً مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة.
(ابن رجب 48/1) .
8 - من عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر منه؛ لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل بعض أعضاء الوضوء.
(ابن رجب 48/1) .
9 - من تعذرت عليه الطهار - بالماء للعدم أو للضرر في جميع الطهارة أو بعضها عدل إلى التيمم، ومن عجز عن سترة الصلاة الواجبة، أو عن الاستقبال، أو عن
(2/762)

توقي النجاسة، سقط عنه ما عجز عنه، وكذلك بقية شروط الصحلاة وأركانها وشروط
الطهارة (السيوطي ص 159) .
10 - من عليه نفقة واجبة، وجب عليه ما يقدر عليه منها، وسقط عنه ما عجز عنه.
(السدلان ص ا32) .
11 - إذا قدر المصلي على بعض السترة، فعليه ستر القدر اليمكن.
المستثنى
1 - واجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
(اللحجي ص 92) ، لأن جزء الرقبة ليس في نفسه عبادة.
(السدلان ص 321، ابن رجب 46/1) .
2 - القادر على صوم بعض يوم دون كله لا يلزمه إمساكه، لأنه ليس بصوم شرعي (اللحجي ص 92، السدلان ص 320، (ابن رجب 1/ 5 4) .
3 - إذا وجد الشفيع بعفثمن الشِقْص، لا يأخذ قسطه من الشِقْص.
(اللحجي ص 92) .
4 - إذا أوصى بثلثه، يشترى به رقبة، فلم يف بها، لا يشترى شقص، بل تلغو الوصية، ويرجع المال للورثة.
(اللحجي ص 92، السدلان ص 321) .
5 - إذا اطلع على عيب، ولم يتيسر له الرد، ولا الإشهاد، لا يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح.
(اللحجي ص 92) .
6 - عند الحنابلة: إذا عجز المصلي عن وضع جبهته على الأرض، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح؛ لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له (السدلان ص 321) .
7 - إذا وجد الإنسان من الماء ما لا يكفيه، فهو عذر في الجميع، فلا يستعمله، ويتيمم في قول للشافعي، وعند مالك، وأبي حنيفة النعمان (المقري ص 329)
(2/763)

وحقق أبو حنيفة ومالك كون الماء وسيلة فأسقطا استعماله لتعذر المقصود، ورآه الشافعي في الراجح عنده مقصوداً، ولو لاستباحة التيمم.
(2/764)

القاعدة: [200]
ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله.
وإسقاط بعضله كإسقاط كله
التوضيح
إن بعض الأحكام الشرعية لا تتبعض، فإما أن تقبل كلاً، وإما أن تسقط كلاً، لعدم إمكان التجزؤ.
ولكن وقع خلاف في جعل اختيار البعض اختياراً للكل، هل هو بطريق السراية إلى الباقي عن ذلك البعض؛ بمعنى أنه يقع على الجزء، ثم يسري إلى باقي الأجزاء، أو لا يكون بطريق السراية، بل اختياره للبعض نفس اختياره للكل، بمعنى أنه عبر بالبعض عن الكل.
ووقع خلاف مشهور في تبعيض الطلاق والعتق، فقال إمام الحرمين:
"إنه من باب التعبير بالبعض عن الكل "
وقضية كلام الرافعي "أنه من باب السراية"
قال في (التحفة) : وهو الأصح.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلق واحدة ونصفاً، تقع ثنتان على القولين، ويستحق ثلثي الألف على قول الإمام، ويستحق نصفه على قول الرافعي، وهو الأصح، اعتباراً بما أوقعه، لا بما سرى عليه.
قال السيد عمر البصري:
"وقد يقال: ينبغي أن يكون محل الخلاف صورة الإطلاق.
أما إذا أراد به حقيقته فن السراية قطعاً، أو الكل فمن التعبير بالبعض
قطعاً، بخلاف ما إذا أطلق، فإن المتبادر الحقيقة".
(2/765)

وهذه القاعدة عند الشافعية تشبه القاعدة الكلية السابقة
"ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كلِّه ".
التطبيقات
1 - إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو بعضُك طالق، طلقت طلقة.
(اللحجي ص 92) .
2 - إذا عفا مستحق القصاص عن بعضه، أو عفا بعض المستحقين، سقط كله.
(اللحجي ص 92) .
3 - إذا عفا الشفيع عن بعض حقه، فالأصح سقوط كله.
(اللحجي ص 92) .
4 - عتق بعض الرقبة، أو عتق بعض المالكين نصيبه، وهو موص، عتق كله.
(اللحجي ص 92) .
5 - إذا قال: أحرمت بنصف نسكٍ، انعقد بنسك، كالطلاق، كما في "زوائد الروضة" ولا نظير لها في العبادات.
(اللحجي ص 92) .
6 - إذا اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيباً لم يجُز إفراده بالرد، فلو قال: رددت المعيب منهما، فالأصح أنه لا يكون رداً لهما.
(اللحجي ص 92) .
المستثنى
لا يزيد البعض عن الكل إلا في مسألة واحدة، وهي إذا قال: أنت علي كظهر أمي، فإنه صريح في الظهار، ولو قال: أنت علي كأمي، لم يكن صريحاً، بل كناية.
فإن نوى أنها كظهر أمه في التحرير، كان ظهاراً، وإن قصد كرامة، فلا يكون ظهاراً، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل في الكرامة والإعزاز.
(اللحجي ص 92) .
(2/766)

الباب السادس
القواعد الكلية في المذهب الحنبلي
تكاد أن تكون القواعد الكلية الخاصة بالمذهب الخبلي قليلة، لأن المذهب الحنبلي يأخذ، ويطبق، ويعتمد القواعد الكلية الأساسية الخمسة التي قال بها سائر المذاهب، وذكرنا الفروع والتطبيقات من المذهب الحنبلي في هذه القواعد الأساسية، والقواعد المتفرعة عنها.
كما يؤيد ويوافق ويعتمد - غالباً - القواعد الكلية المشتركة في المذاهب الأربعة.
وأثبتنا الفروع الفقهية والتطبيقات العملية من المذهب الحنبلي في هذه القواعد.
ويظهر فيها اهتمام الحنابلة بالعقود والتصرفات المالية، والتوسع فيها بالمقارنة مع بقية المذاهب.
ونعرض في هذا الباب القواعد الكلية التي انفرد بها علماء المذهب الحنبلي.
ونتبعها بالفروع والتطبيقات، والاستثناءات لها.
ويظهر في قواعد الحنابلة ما يلفت النظر من الواقعية وفتح المجال أمام المستجدات والمسائل المستحدثة والأحوال الجديدة، وتطور الحياة، وخاصة في فكر ابن تيمية رحمه الله تعالى، وفي القواعد المبثوثة في كتبه.
ومما يلفت النظر أن ابن النجار الفتوحي الحنبلي عقد فصلاً للقواعد الفقهية في كتابه الأصولي القيم (شرح الكوكب المنير) .
وهذا مما انفرد به عن غيره من مصنفي كتب أصول الفقه.
وكأنه اعتبرها شبه أدلة أو من الأدلة الكلية للفقه والمسائل الفقهية.
فقال: "فوائد: تشتمل على جملة من قواعد الفقه، تشبه الأدلة، وليست
(2/767)

بأدلة، لكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي، فلما كانت كذلك ناسب ذكرها في باب الاستدلال " ثم يقول مباشرة:
"من أدلة الفقه ألا يرفع يقين بشك "، ثم يقول:
"من أدلة الفقه أيضاً زوال الضرر بلا ضرر".
ثم يقول: "من أدلة الفقه أيضاً قول الفقهاء:
درء المفاسد أولى من جلب المصالح " وهكذاً.
ويأتي بالأدلة على صحة القاعدة ومشروعيتها.
ثم يذكر بعض الأمثلة والتطبيقات لكل منها.
(2/768)

القاعدة: [201]
الأصل في العبادات الحظر، وفي العادات الإباحة
الألفاضل الأخرى
- الأصل في العبادات التوقيف.
- الأصل في العبادات البطلان.
- الأصل في العادات الإباحة.
التوضيح
لا يكلف الإنسان بعبادة إلا بعد تشريعها من الله تعالى، وبيان كيفيتها، ولذلك يحظر القيام بعبادة إلا بعد بيانها من الشرع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله، ولذلك كانت العبادات توقيفية، أي يتوقف الإنسان فيها حتى يأتي البيان والكيفية من الشارع مباشرة، ولا يقاس عليها. والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"صلوا كما رأيتموني أصلي "
وقوله عليه الصلاة والسلام:
"خذوا عني مناسككم ".
ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يتوقفون في أداء العبادات حتى يسألوا عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لا يشرع من العبادة إلا ما شرعه الله ورسوله.
والإباحة هي الإطلاق والإذن، وشرعاً: تخيير المكلف: بين الفعل والترك.
والعادة: هي الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وتصبح بتكرارها ومعاودتها معروفة مستقرة في النفوس والعقول، ومتلقاة
(2/769)

بالقبول، ويعتبر الأصل في العادات الإباحة إلا إذا خالفت نصاً، أو ورد عليها الحظر والمنع والإبطال، فتلغى.
التطبيقات
1 - الصلوات المحدودة باوقاتها وأعدادها وهيئاتها، والزكاة المحدودة بأنواعها ونصابها ومقاديرها ومواقيتها، والصيام المحدود بزمانه وكيفينه، والحج كذلك، والأضاحي، والكفارات.
ويلحق بذلك أحكام التوارث، والعقوبات المحددة المسمّاة بالحدود، وكل ما ورد فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة مما لا حظ للاجتهاد فيه، ولا في تبديله وتغييره مهما تغيرت الأحوال والعصور.
وهذه الأمور التعبدية هي شعار العقيدة وعنوانها، وهي جديرة بأن تسمى
تكاليف شرعية وشعائر إسلامية، ولا مجال لغرائز النفس واختيار العقل، لذا كان الأصل فيها الحظر، وهو المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"كل ما ليس عليه أمرنا فهو رد".
ويعتبر ذلك ابتداعاً في الدِّين، وبدعة منهياً عنها.
(السدلان ص 154، 156) .
2 - الأمور التي يعتادها الناس لتأمين مصالحهم وحاجاتهم وعلاقاتهم
الاجتماعية، مما لا يتعارض مع الشرع، ويعتادون عليها، فالأصل فيها
الإباحة، كعادات الطعام، والاحتفالات، والاجتماعات، والأفراح، والحفلات، والزيارات، وغيرها، وتصبح عادة خاصة، أو عرفاً عاماً، أو تعارفاً خاصاً في بلدة، أو فئة، أو تخصص.
ولهذا قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
وهو المبسوط في قاعدة " العادة محكمة، وما يتفرع بها، ويرد في أحكام العرف والعادة.
(السدلان ص 156) .
(2/770)

القاعدة: [202]
جعل المعدوم كالموجود احتياطًا
التوضيح
إن الأشياء الموجودة يسبقها فترة تكون فيها معدومة، ويتوقع وجودها بعد ذلك، أو تكون على خطر الوجود، ولذلك وضع الشرع بعض الأحكام للأمور المعدومة، واعتبرها كالموجود احتياطاً، ورتب لها آثاراً.
التطبيقات
1 - دية القتيل تورث عنه، وهي في الواقع تجب بموته، والتركة لا تورث عن الإنسان إلا إذا دخلت في ملكه قبل موته، فيقدر دخولها قبل موته، وتعتبر موجوداً في تركته احتياطاً، ليتم نقلها إلى ورثته.
(الفتوحي 453/4) .
2 - إن الجنين تنفخ فيه الروح بعد ستة أسابيع، أو بعد ستة عشر أسبوعاً، وقبل ذلك لا توجد فيه روح، ومع ذلك يعتبر الجنين موجوداً، وإنساناً، لانتهاء العدة، والإرث والوصية له، والوقف عليه.
(2/771)

القاعدة: [203]
يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشَّرين
التوضيح
هذه القاعدة ترشد إلى حل التعارض إذا وقع، فإن تعارض خير وخير وتزاحما، ولم يمكن الجمع بينهما، فيقدم خير الخيرين، أي أكثر الخير نفعاً ومصلحة للناس.
وإذا تزاحم شران في مسألة فيدفع شر الشرين، أي أكثرهما ضرراً، وهذا الشطر الثاني يدخل في قاعدة
"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف " (م/ 27)
وقاعدة "يختار أهون الشرين " (م/ 19)
وقاعدة "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً
بارتكاب أخفهما" (م/ 28)
وسبق بيان هذه القواعد، ولذلك نقتصر هنا على الشطر
الأول من القاعدة التي تدخل في فقه الموازنات أولاً، ثم في فقه الأولويات لاختيار خير الخيرين، ودفع شر الشرين.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كاذ تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناها، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع".
والأدلة الشرعية على هذه القاعدة كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى:.
(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .
(2/772)

التطبيقات
1 - يغزى مع كل أمير، براً كان أو فاجراً، إذا كان الغزو الذي يفعله جائزاً، فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد، أو الخوراج، قتالاً مشروعاً، قوتل معه..
والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور، فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون، فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد، فإما أن يتعطل، وإما أن ينفرد به الفجار، فيلزم من ذلك استيلاء الكفار، أو ظهور الفجار، وهو ضرر أشد ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم..
(ابن تيمية، الحصين 1/207) .
2 - من العلم والعدل، المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم؛ لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة.
وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ، أو غير سائغ، فلا يجوز لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم.
(ابن تيمية، الحصين 1/208)
3 - إذا كانت الولاية غير واجبة، وهي مشتملة على ظلم، وتولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة
بنية دفع ما هو أشد منها جيداً.
(ابن تيمية، الحصين 1/209)
4 - الواجب في كل ولاية: الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود،
(2/773)

والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين، ويدفع شر الشرين.
(ابن تيمية (الحصين 1/ 259) .
5 - يجب تقديم الذين المطالب به على صدقة التطوع، وتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين، وتقديم نفقة الوالدين عليه، وتقديم الجهاد على الحج، كما في الكتاب والسنة، متعين على متعين، ومستحب على مستحب، وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان، وذلك لتقديم خير الخيرين.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 215) .
6 - يستحب ترك المستحبات إذا كان في تركها تأليف للقلوب، لأن مصلحة تأليف القلوب أعظم من مصلحة هذه المستحبات..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 211) .
7 - الشارع لا يحرم ما يحتاج إليه الناس من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كبيع القاثي والفجل والجزر في الأرض، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما..
(ابن تيمية (الحصين 1/ 529) .
(2/774)

القاعدة: [204]
إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما
الألفاظ الأخرى
- الشارع يعتر المفاسد والمصالح، فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة.
التوضيح
على العالم والمجتهد والمفتي أن ينظر إلى المصلحة والمفسدة معاً في الأعمال
والتصرفات، فينظر إلى ما في المحرم من مفسدة تقتضي تركه، وإلى ما في الواجب من مصلحة تقتضي فعله، ثم ينظر إلى الراجح منهما، ويجب ترجيح الراجح منها؛ لأن الأمر والنهي وإن كان متضمناً مصلحة ودفع مفسدة فيجب النظر إلى المعارض له.
فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، كالصيام للمريض، والطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت؛ لأنه إذا كان في السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة، بل تكون حسنة، وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة، بل تكون سيئة.
فالعبد إذا تعين عليه فعل واجب، وكان هذا الواجب لا يمكن فعله إلا بارتكاب محرم، فينظر: إن كانت المفسدة الحاصلة بارتكاب المحرم أعظم من المصلحة الحاصلة بفعل الواجب فعليه الامتناع عن هذا المحرم، وإن تضمن ترك واجب، وإن كانت المصلحة الحاصلة بفعل الواجب أعظم من المفسدة الحاصلة بارتكاب المحرم وجب عليه فعل الواجب، وإن تضمن ارتكاب محرم، وهذا يؤكد أن الشريعة جاءت
(2/775)

لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها ما أمكن، وأنه يختلف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو العكس بحسب الأحوال والوقائع.
وهذه القاعدة تقابل القاعدة الكلية العامة السابقة:
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح "
وقد يكون تقديم الأرجح أكثر قبولاً واتفاقاً مع مقاصد الشريعة، ويكون
ميزان التقدير للمصالح والمفاسد هو الكتاب والسنة والآثار العملية للفحل، فإن تساوت المصالح والمفاسدكان درء المفاسد أولى.
والأدلة على صحة هذه القاعدة كثيرة في القرآن والسنة.
فمن القرآن قوله تعالى:.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ، فالخمر والميسر فيهما منافع تحقق بعض المصالح
للناس، وفيهما إثم كبير، وفساد عريض، ولذلك حرمهما الله تعالى لتقديم المفسدة الراجحة على المصلحة المرجوحة.
وقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) .
فالقتال فيه قتل الأنفس وإزهاقها، وإتلاف المال، وهذا مفسدة، ولكن فيه خير كثير في نشر الدعوة، والدفاع عن الدِّين والنفس والأرض والعرض، فشرع لأن المصلحة الراجحة مقدمة على المفسدة المرجوحة، ومثل ذلك القتال في المسجد الحرام، والقتال في الشهر الحرام، ففيه
مصلحة راجحة.
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إياكم والجلوس بالطرقات " قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: "إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"
قالوا: وما حقه؟
قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ".
فالجلوس بالطريق فيه أذى ومفسدة، ولكن
(2/776)

فيه مصلحة وحاجة للناس، فأباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن المصلحة راجحة على المفسدة، مع الالتزام بآدابه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، لندبه أولاً إلى ترك الجلوس، مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق ".
التطبيقات
1 - الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها، من جهاد العدو وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل، كان فعلها واجباً، فإذا كان ذلك مستلزماً لتولية بعض من لا يستحق، وأخذ بعض ما لا يحل، وإعطاء بعض ما لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك، صار هذا (مع المفسدة فيه) من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فيكون واجباً أو مستحباً، إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 248)
2 - الأمر أو النهي، وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد، أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته كثر من مصلحته، وعلى هذا:
إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه.
وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 248، 257) .
(2/777)

3 - مقارنة الفجار ومجالستهم، إنما يفعلها المؤمن في موضعين.
أحدهما: أن يكون مكرهاً عليها.
والثاني: أن يكون في ذلك مصلحة دينية راجحة
على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه.
فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 249)
4 - إذا كان لا يتأتى فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب، فإذا لم يمكن إلا ذلك فهنا لا يبقى سيئة؛ لأن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فهو واجب أو مستحب، ثم إن كانت مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظوراً، كأكل الميتة للمضطر، ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات كلبس الحرير في البرد..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 250) .
5 - أجاز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صفوف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 255) .
6 - إكراه الباعة البيع بقيمة المثل لما يحتاج الناس إليه من تلك المبيعات، فالإكراه مفسدة، ولكن مصلحة الناس بالبيع، وبقيمة المثل مصلحتان جليلتان.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 257) .
7 - التكسب من مال فيه شبهة أو دناءة كالحجامة مثلاً، خير من التورع عنه والبقاء عالة على الناس يستجديهم ويسألهم، ويضيِّع حقوقاً عليه واجبة لأمر مشتبه فيه، وجميع الخلق عليهم واجبات من نفقات أنفسهم وأقارجهم وقضاء ديونهم وغير ذلك، فإذا تركوها كانوا ظالمين ظلماً محققاً، وإذا فعلوها بشبهة لم يتحقق ظلمهم.
فكيف يتورع المسلم عن ظلم محتمل بارتكاب ظلم محقق، ويجب أداء الواجبات، وان لم تحصل إلا بالشبهات..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 259) .
(2/778)

القاعدة: [205]
جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه
الألفاظ الأخرى
- جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات.
- أداء الواجب أعظم من ترك المحرم.
- الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية.
- مصلحة أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم.
التوضيح
الجنس هو ما له اسم خاص يشمل أنواعاً، فكل لفظ عم شيئين فصاعداً فهو
جنس لما تحته، سواء اختلف نوعه أو اً يختلف، فالأمر جنس وتحته أنواع من
الفرائض، والنهي جنس ويشمل أنواعاً من المحرمات، والإنسان جنس ويشمل الذكور والإناث.
وإن الشارع اعتنى بفعل الأوامر وأداء الطاعات أشد من اعتنائه بترك المنهيات واجتناب المحرمات، فجنس الظلم مثلاً بترك الحقوق الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود.
وهذه القاعدة تعبر عن مرتبة من مراتب المصالح والمفاسد، إذ عند التعارض يقدم جنس فعل الواجب على جنس ترك المحرم.
وهذا التفضيل في الجنس فقط، وهذا لا يمنع من وجود أفراد من المنهي عنه يكون
(2/779)

تركها أفضل من فعل بعض المأمور به، كما إذا فضل الذكر على الأنثى، والإنسي على الملَك، فالمراد الجنس، لا عموم الأعيان.
وهذه القاعدة محل اختلاف، فيرى آخرون أن درء المفاسد أولى من جلب
المصالح؛ لأن عناية الشارع بالمنهي عنه أعظم من عنايته بالمأمور به، كما سبق في شرح هذه القاعدة.
ويستدل ابن تيمية على صحة القاعدة بأدلة كثيرة بلغت ثلاثين وجهاً، منها:
1 - إن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله، وأعظم السيئات الكفر.
والإيمان أمر وجودي، ولا يكون الرجل مؤمناً حتى يقر بقلبه بذلك، فينتفي عنه الشك ظاهراً وباطناً، مع وجوب العمل الصالح.
والكفر عدم الإيمان، سواء اعتقد الرجل نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم، والإيمان مأمور به ولو اقترن به فعل منهي عنه من التكذيب، أو لم يقترن به شيء، فكان جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه.
2 - إن ذنب إبليس ترك المأمور به، وهو السجود، وذنب آدم فعل المنهي عنه، وهو الأكل من الشجرة، فكان ذنب إبليس أكبر وأسبق.
3 - إن الحسنات التي هي فحل المأمور به، تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التي هي فعل المنهي عنه، وإن فاعل المنهي عنه يذهب إثمه بالتوبة، وهي حسنة مأمور بها، وبالأعمال الصالحة المقاومة، وهي حسنات مأمور بها، وبدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وبشفاعته.
وبدعاء المؤمنين وشفاعتهم، وبالأعمال الصالحة التي تُهدى إليه، وكل ذلك من الحسنات المأمور بها، وما من سيئة هي فعل منهي عنها إلا ولها حسنة تذهبها، هي فعل مأمور به، حتى الكفر، سواء كان وجودياً أو عدمياً، فإن حسنة الإيمان تذهبه،
(2/780)

وأما الحسنات فلا تذهب السيئاتُ ثوابَها مطلقاً، ولذلك يثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهي عنها.
4 - إن مباني الإسلام الخمس المأمور بها، لكان كان ضرر تركها لا يتعدى
صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضاً عند كثير منهم أو أكثر السلف، وأما فعل المنهي عنه، الذي لا يتعدى ضرره صاحبه، فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة، ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان لفوات الإيمان وكونه مرتداً أو زنديقاً، فثبت أن الكفر والقتل لزك المأمور به، أعظم منه لفعل المنهي عنه.
5 - إن فعل الحسنات يوجب ترك السيئات، وليس مجرد ترك السيئات يوجب فعل الحسنات، فصار فعل الحسنات يتضمن الأمرين فهو أشرف وأفضل.
التطبيقات
1 - طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، فيشترط لصحتها النية، وطهارة الخبث من باب التروك، فلا يشترط لزوالها النية..
(ابن تيمية، الحصين 1/267) .
2 - إذا صلى بالنجاسة جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه؛ لأن النجاسة ترك من باب المنهي عنه، وما كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسياً أو مخطئاً فلا إثم عليه..
(ابن تيمية، الحصين 1/267) .
أما إذا ترك مأموراً به، ولو ناسياً أو جاهلاً كالركوع أو السجود، فتجب الإعادة.
3 - ما فعله العبد ناسياً أو مخطئاً من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسياً، والأكل ناسياً، والطيب ناسياً..
(ابن تيمية، الحصين 1/267)
أما لو ترك مأموراً به، ناسياً أو مخطئاً، بطلت العبادة، أو فسدت، أو نقصت واحتاجت إلى جبر.
(2/781)

4 - إذا تعارض واجب ومحرم، فإن مصلحة الواجب تغمر مفسدة المحرم، فيفعل الواجب، وإن أفضى إلى فعل محرم، هذا إذا لم تكن مفسدة المحرم أكثر من مصلحة الواجب فتطبق القاعدة السابقة في تعارض المصلحة والمفسدة وتقديم الأرجح.
(ابن تيمية، الحصين 1 / 279) .
5 - قد يعرض الوجوب في المعاملات المالية، مثل إذا ترتب على ترك البيع
والشراء والمتاجرة التقصير في نفقة واجبة، كنفقة الأولاد وتضييعهم وتركهم عالة يتكففون الناس، أو كان عليه دين لم يمكن أداؤه إلا بأن يسعى في الأرض بيعاً وشراء، أو ترتب على الترك سيطرة الكفار أو الفجار على أسواق المسلمين، وأن تكون التجارة بأيديهم، فيتسلطون بذلك على المسلمين، ويستضعفونهم، ويخضعونهم لما يريدون، فهنا يجب البيع والشراء، إما فرض عين أو فرض كفاية.
فإذا كان في المعاملات شبهة، أو اختلطت بمحرم، ولم يمكن فعل الواجب إلا عن طريقها، ولم يكن ثمة طريق آخر سالم من الشبه، فإن مصلحة الواجب تغمر مفسدة المحرم، وفعل الواجب أعظم من ترك المحرم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 279) .
(2/782)

القاعدة: [206]
ما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة
الألفاظ الأخرى
- النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
- ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة.
- ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
التوضيح
الذريعة: الوسيلة، أو السبب إلى الشيء، وهي في الشرع: ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، وصارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم.
وسد الذريعة: حسم وسائل الفساد عن طريق المنع منها، فهي في ظاهرها مباح، ولكنها وسيلة إلى فعل المحرم، أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلاً، كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط الأنساب، أو كان الشيء نفسه فساداً كالقتل والظلم فهذا ليس من باب سد الذريعة، وإنما تحرم لكونها في نفسها فساداً، وهي ضرر لا منفعة فيه، أو منفعة ظاهراً وتفضي إلى ضرر أكثر منها فتحرم لذاتها.
ودأب الشريعة تحريم الأفعال المفضية إلى مفاسد كثيرة، كالوقوع في المحرمات، أو إهمال بعض الواجبات، وإن كانت تلك الأفعال ليست ضارة بذاتها، أو فيها نفع مغمور في جانب ما تفضي إليه من الفساد، فإذا كان في شيء من هذه الأفعال مصلحة
(2/783)

ترجح على ما تففيى إليه من المفسدة فإن الشارع يبيح ذلك الفعل، ويأذن فيه، جلباً للمصلحة، وإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت.
التطبيقات
1 - يحرم النظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، وسفرها بلا محرم، لما يفضي إليه ذلك من الفساد، فإذا كان في فعل شيء من ذلك تحقيق مصلحة، كأن ينظر الطبيب للمرأة لعلاجها، أو الخاطب ليكون أحرى لاستمرار العشرة بينهما، أو يخشى ضياع المرأة إذا لم تسافر إلا مع محرم، أو نحو ذلك، فإنه يباح ذلك كله، فيباح النظر والخلوة والسفر، لأن ما كان منهياً عنه سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
(ابن تيمية، الحصين 1 / 286) .
2 - تجوز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، لأن النهي إنما كان لسد
الذريعة، وما كان لسد الذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، فالصلاة في نفسها من أفضل الأعمال وأعظم العبادات فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب يقارن الشيطان الشمس، ويسجد لها الكفار حينئذ، فالمصلي يتشبه بهم في جنس الصلاة وإن لم يعبد الشمس، ولا يقصد مقصد الكفار، لكن يشبههم في الصورة، فنهي عن الصلاة في هذين الوقتين سداً للذريعة، حتى ينقطع التشبه بالكفار، وألا يتشبه بهم المسلم في شركهم، فإن توفرت المصلحة الراجحة كإعادة
الصلاة مع الإمام، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة وغيرها
فتصلى، وتكون مفسدة النهي ناشئة مما لا سبب له، فلا تفوت بالنهي عنها مصلحة راجحة من العبادة والطاعة وتحصيل الأجر والثواب، والمصلحة العظيمة في الدِّين..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 287) .
(2/784)

3 - حرّم بيع الغرر لما يفضي إليه من النزاع والخصام، والعداوة والبغضاء، وأكل المال بالباطل، كبيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإن كانت الحاجة ماسة إلى بيع ما فيه غرر كبيع الباقلاء، والجزر، والجوز، واللوز، والحب في سنبله والمقاثي ونحو ذلك.
فتباح؛ لأن الغرر يسير، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، ويترتب على تحريم هذه المعاملات ضرر على الناس، فتباح؛ لأن الشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 289) .
4 - إن بذل المال في المسابقة بالخيل والإبل والأقدام، والرمي بالسهام ونحوها، والمصارعة بالأيدي، محرم لا يجوز فعله، لأنه من اللهو، ومن تضييع المال في ما لا ينفع في الدين والدنيا، ولكن يجوز فعل ذلك لما فيه من تحقيق مصلحة شرعية من تدريب على الجهاد، والكر والفر، وإجادة الرماية، وتقوية البدن ونحو ذلك من الفوائد الشرعية..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 290) .
5 - تباح العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر كيلاً، استثناء من المزابنة الممنوعة (وهي شراء الثمر والحب بخرص، تحرزاً من الربا)
لأن ما حرم سدًّا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
ثم أجاز الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى العرايا في جميع الثمار والزرع، وهو قول القاضي الفراء، خلافاً للراجح في المذهب.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 295) .
6 - يجوز بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، بالتحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك، لأن ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وتحريم ربا الفضل إنما حرّم سداً للذريعة إلى ربا النسيئة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 296) .
7 - يجوز بيع حلية الفضة بالدراهم، وبيع حلية الذهب بالدنانير، إذا لم يكن المقصود من الحلية الثمنية، بل ما فيها من الصناعة؛ لأن تحريم ربا الفضل إنما كان لسدّ الذريعة عن ربا النسيئة، وما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، لأن بيع الصوغ مما يحتاج إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابلة الصنعة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 297) .
(2/785)

القاعدة: [207]
المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان
الألفاظ الأخرى
- الأصل في بدل المتلفات أن يكون من جنس المتلف.
- جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان.
- الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان.
التوضيح
المثل لغة: المشابه والمماثل، والمثل ما جُعل مقداراً لغيره يحذى عليه، والمماثلة:
التشابه بين الشيئين في الجنس والصفة، فهذا يساوي هذا.
وفي الاصطلاح: هو تحديد الشيء الذي يمكن ضبط صفاته بحيث يمكن إيجاد مثل له لا تختلف قيمته عنه، فالمثل: هو ما يساوي غيره في قيمته وصفاته، ويتوفر في الأسواق، فإن اختلفت القيمة، أو الصفات، أو فقد من السوق فهو القيمي الذي تثبت قيمته عند الإتلاف.
ويضبط المثلي بالكيل والوزن والمعدود المتقارب بشرط وجود مثله في السوق بدون تفاوت يعتد به، بأن تتماثل أفراده، وتتساوى قيمته، ويتوفر في السوق.
والمضمون هو المال الذي يضمنه متلفه، ويتحمل تبعة هلاكه، وبالتالي فالأموال المثلية إذا أتلفت فيجب ضمانها بالمثل بحسب الإمكان، فن أتلف شيئاً لغيره، أو استهلكه، وجب عليه ضمان مثله لصاحبه إذا أمكن بأن يكون له مثل في السوق،
(2/786)

فإن تعذر يصار إلى ضمان قيمته، فيضمن المكيل بمثله، والموزون بمثله، والعددي المتقارب بمثله، وهو مذهب الأئمة الأربعة مع اختلاف في بعض الفروع والمسائل؛ لأن المثل أقرب إلى العدالة والمساواة وإعادة المال المثلي المتلف إلى صاحبه، لقوله تعالى فيمن قتل صيداً وهو محرم:.
(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) .
ولقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، وقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) .
وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) .
والقصاص: هو المساواة والمماثلة.
وفي السنة وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمثلة كثيرة بالحكم بالمثل والمساوي والمشابه.
التطبيقات
1 - من هدم دار غيره، فإنه يعيد بناءها كما كانت؛ لأن المثل يجب في كل
مضمون بحسب الإمكان، وإعادة البناء ممكنة، وهي أمثل وأقرب إلى حق المضمون له، فكانت أعدل..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 307) .
2 - المقرض يستحق مثل قرضه، فإذا أقرض حيواناً، وكان الواجب على المقترض أن يرد حيواناً مثله في الوصف والقيمة؛ لأن المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 313) .
3 - يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يوماً، ويحصد الآخر معه يوماً، أو يسكنه داراً، ليسكنه داراً بدلها، لأن المثل يمكن في هذه الحالة فيجب.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 313) .
ومثل ذلك اتفاق الزملاء أن يركبوا كل يوم في سيارة أحدهم
للذهاب إلى العمل والعودة منه، ومثله اتفاقهم في جمعية جمع النقود، وإقراضها لأحدهم كل شهر، حتى يعم الجميع.
(2/787)

4 - إذا غصب ثوباً، أو آنية، أو حيواناً، فهلك في يده، فيجب عليه مثله من كل وجه، وإن تعذر نعليه مثله بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، وهو أعدل من إيجاب قيمة مخالفة لجنس المتلف.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ويضمن المغصوب بمثله مكيلاً، أو موزوناً، أو غيرهما، حيث أمكن، والا فالقيمة "..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 313) .
(2/788)

القاعدة: [208]
الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة
الألفاظ الأخرى
- كل ما خالف قصد الشارع فهو باطل.
- من ابتغى في تكاليف الشريعة ما لم تشرع له فعمله باطل.
التوضيح
الإرادة هي طلب فعل الشيء والسعي في حصوله، والمراد بها هنا هو نفس المعنى للنية والقصد.
ومقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح العباد، ودفع المفاسد عنهم، والمؤمن يتحرك في الحياة بحسب الأوامر الإلهية لتحقيق المقاصد الشرعية، ولذلك يجب أن يقصد بفعله مراعاة مقاصد الشارع، وأن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الشارع في التشريع، وأن يتجنب ما يناقض ويضاد المقاصد الشرعية، فإن قصد بفعله ذلك
كانت أعماله باطلة، فلا يتوصل بها إلى مقصوده المحرم.
وهذه القاعدة فرع من قاعدة "الأعمال بالنيات ".
ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) .
فالإرادة التي تناقض مقصود الشارع في شرعه لأحكام ولا تطابقه، تعتبر.
مشاقة ظاهرة للرسول من حيث قصد غير ما قصد، وطلب بشرعه غير ما شُرع له،
(2/789)

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"
فإن أراد المكلف غير ما شرعت الشريعة، وخالف مقاصدها وناقضها، فقد عمل ما ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردوداً على صاحبه، لأنه في الحقيقة يكون فاعلاً لما لم يؤمر به، تاركاً لما أمر به.
التطبيقات
1 - من نكح بقصد تحليل المرأة لمطلقها ثلاثاً، فنكاحه باطل؛ لأنه لم يقصد النكاح الذي قصد الشارع من الألفة والسكن والمودة والرحمة والدوام والاستمرار، وإنما قصد أثر زوال النكاح وهو الحل للمطلق، فلا تتفق إرادة الشارع والمحلل على واحد من الأمرين، والإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 376) .
2 - من خالع بقصد أن تنحل يمينه لا يكون خلعه صحيحاً، بل باطلاً، لأن
الشارع جعل الخلع موجباً للبينونة، ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، بأن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيك، فإذا خالع ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحلّ اليمين إنما جاء تبعاً لحصول البينونة لا مقصوداً به، فتصير البينونة لأجل حل اليمين، وحل اليمين لأجل البينونة، فلا يصير واحد منهما مقصوداً، فلا يشرع، لأنه تصرف ليس بمقصود في نفسه، ولا مقصوداً لما هو مقصود في نفسه من الشارع، فيكون عبثاً وباطلاً..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 367) .
3 - بيع العينة باطل، لأن مقصود الشرع بالبيع أن يحصل ملك الثمن للبائع، ويحصل ملك البيع للمشتري لينتفع به، وبيع العينة يقصد منه المشتري ثمن السلعة،
(2/790)

ولم يكن مقصوده السلعة، لأنه احتاج إك دراهم، فاشترى سلعة بثمن مؤجل، ليبيعها ويستفيد من ثمنها، وكذلك البائع ل يكن قصده الانتفاع بالثمن، بل أن تعود إليه السلعة، وأن يدفع للمشتري ألفاً، لتعود له ألفاً وزيادة بعد سنة مثلاً، فلم يكن مقصودهما مطابقاً لمقصود الشارع من إباحة البيع والشراء، فيكون بيعهما باطلاً؛ لأن الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 385) .
4 - يحرم الغش والخداع والتغرير والتلبيس في العقود، لأن مقصود الشارع فيها إقامة العدل بين الناس في التعامل، وقصد الغش وغيره لا يطابق مقصود الشارع، فلا تعتبر الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع، ويثبت لمن وقع عليه الغش وغيره الخيرة بين الإمضاء والرد..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 381) .
5 - القرض إذا جر نفعاً فهو حرام، لأن الشارع شرع القرض لمن قصد أن
يسترجع مثل قرضه فقط، ولم يبحه لمن أراد الاستفضال، فإن أقرضه مالاً لأجل أن يحابيه في بيع، أو إجارة، أو ليعطيه هدية ونحو ذلك من أنواع الاستفادة بسبب القرض، فقد قصد بالعقد خلاف ما شرع الشارع له، فلا يوافق مقصوده، والإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 381) .
(2/791)

القاعدة: [209]
كل حيلة تضمنت إسقاط حق أو استحلال محرم فهي محرمة
التوضيح
أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، والحيلة ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما في تعاطيه حكمة.
ومعناها العام اصطلاحاً ما يكون مَخْلصاً شرعاً لمن ابتلي بحادثة دينية، ومعناها الخاص هنا أن يقصد بها الشخص سقوط الواجب، أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له، أو ما شرع له، فصاحب الحيلة يباشر سبباً لا يقصد به ما جعل ذلك السبب له، وإنَّما يقصد به استحلال أمر آخر، وبذلك يغير الأحكام الشرعية، ويفعل الأسباب لما ينافي قصده قصد حكم السبب، فيصير بمنزلة من طلب
ثمرة الفعل الشرعي ونتيجته، وهو لم يأت بقوامه وحقيقته، فهو خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله، فتصبح الحيلة محرمة، ويجب إبطال هذا القصود الفاسد على صاحبه، بألَّا تترتب على فعله ثمرته القررة شرعاً.
ولكن ليس كل ما يسمى حيلة في اللغة، أو يسميه الناس حيلة حراماً، بل يعتريها بقية الأحكام، فالحيل منها ما هو محرم، ومنها ما هو جائز، بل واجب ومستحب أو مكروه ومباح، وتنحصر الحيلة المحرمة بما فيه إسقاط حق، أو استحلال محرم.
ودليل ذلك قوله تعالى في ذم النافقين (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) .
وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) .
وندد القرآن الكريم بحيلة اليهود للصيد يوم السبت.
(الأعراف: 163 - 166) .
(2/792)

وحديث "إنما الأعمال بالنيات"
أصل في إبطال الحيل، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوا".
والأدلة كثيرة
التطبيقات
1 - يعدُّ الربا من أكثر المعاملات تحايلاً على استحلاله، والحيل التي يُتوسل بها إليه لها صورتان، الأولى: أن يضم المتعاقدان إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود، مثل مسألة مد عجوة، وصورتها أن يبيع مالاً ربوياً بجنسه، ومعهما، أو مع أحدهما، ما ليس من جنسه، فالغرض بيع فضة بفضة مثلاً متفاضلاً، فيضم إلى الفضة القليلة عوضاً آخر، فيبيع مثلاً ألف دينار في منديل بألفي دينار، أو مد عجوة ودرهم بدرهم، وهو حرام عند مالك والشافعي وأحمد وكذلك قدماء الكوفيين، ويسوّغه من يجوّز الحيل من الكوفيين، كما يسوّغه مالك وأحمد إذا كان المقصود بيع غير ربوي مع غير ربوي، كبيع سيف فيه فضة يسيرة بسيف.
الثانية: بيع العينة، وهو أن يبيع سلعة بثمن كبير إلى أجل، ثم يبتاعها بثمن أقل من ذلك نقداً، وهذا عين الربا، لأن القصد المال، وأظهر المعاملة حيلة، ومثله مسألة التورق، بأن يشتري سلعة إلى أجل، ثم يبيعها في السوق بأقل من قيمتها نقداً، فهنا مقصود المشتري الدراهم، وليس له غرض في السلعة إلا للتحايل على الربا، لأن غرضه الورِق لا السلعة، فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء.
ومثله أن يقرن بالقرض مثلاً محاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة، كان يقرضه ألفاً، ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمئتين، أو يكريه داراً تساوي ثلاثين بخمسة..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 446) .
2 - أن يدَّعي البائع أنه كان محجوراً عليه، لكي يفسخ البيع، فهذه حيلة محرمة بالوسيلة والمقصود، فالوسيلة كذب، والكذب حرام، والمقصود إبطال حق المشتري في نفوذ البيع ولزومه، وهذا حرام أيضاً..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 448) .
(2/793)

3 - الاحتيال على إسقاط حق الشريك في الشفعة، بأن يكون ثمن البيع ألفاً، فيتفق البائع مع المشتري على عقده بألفين، ثم يقبض منه تسع مئة، ويصارفه عن الألف ومئة بعشرة دنانير، فيتعذر على الشفيع الأخذ..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 448) .
4 - من سافر في الصيف ليتأخر عنه الصوم إلى الشتاء، لم يحصل له غرضه، بل يجب عليه الصوم في هذا السفر..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 441) .
المستثنى
إن الاحتيال قد يكون من واحد، وقد يكون من اثنين فأكثر، فيظهر الأثر
والبطلان في جهة، ويبقى صحيحاً في جهة ثانية استثناء من القاعدة.
1 - أن ينوي التحليل ولا يظهره للزوجة، أو يهب ماله ضراراً لورثته، فتكون هذه العقود باطلة بالنسبة له وإلى من علم غرضه، وصحيحة لغيرهم، فلا يحل له وطء المرأة، ولا يرثها إن ماتت، أما الزوجة فلا إثم عليها، وترثه إن مات.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 441) .
2 - إذا طلق المربض مرض الموت زوجته، صُحح الطلاق بزوال ملك البضع، فإن ماتت فلا يرثها، ولم يُصحح بالنسبة لها فترثه إن مات..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 441) .
من وطن امرأة أبيه، او ابنه، ليفسخ نكاحه، فهذه الحيلة بمنزلة الإتلاف
للملك بقتل أو غصب، فلا يمكن إبطالها، وتحرم المرأة لأن هذا حق لله.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 441) .
4 - من قتل رجلاً ليتزوج امرأته، أو ليزوجه صديقاً له، فهنا تحل المرأة لغير من قصد تزوجها به، ولا تحل للقاتل، ولا لمن قصد تزوجها به، كمن يخلل الخمر بنقلها من موضع إلى موضع من غير أن يلقي فيها شيئاً، فالصحيح أنها لا تطهر.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 441) .
(2/794)

5 - الحلال إذا صاد صيداً، وذبحه لمحرم، فإنه يحرم على ذلك المحرم، ويحل للحلال..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 442) .
6 - ذبح شخص شاة مغصوبة للغاصب، فهي حرام على الغاصب، حلال لغيره.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 443) .
(2/795)

القاعدة: [210]
كل لفظ بغير قصد من المتكلم لا يترتب عليه حكم
التوضيح
القصد: هو النية القترنة بالتوجه العقلي نحو المراد، وهو إرادة المتكلم مع إدراك معنى الكلام وما يترتب عليه من التزامات، لأن الألفاظ تعبر وتدل على ما في النفس، لتترتب الأحكام عليها.
فإذا لم يرد المتكلم معنى الألفاظ، أو لم يحط بها علماً، فلا يثبت الأثر والحكم
المترتب على مجرد اللفظ، لأن الله تعالى تجاوز للأمة عما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به، وتجاوز عما تكلمت مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به حتى تكون مريدة لمعنى ما تكلمت به، وقاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، وإلا كان اللفظ بغير قصد من المتكلم لا قيمة له، ولا يترتب عليه حكم، ولذلك كان كلام المجنون والطفل غير المميز لغواً في الشرع.
وكذلك النائم إذا تكلم في منامه، فأقواله كلها لغو.
وهذه القاعدة متفرعة على قاعدة
"الأمور بمقاصدها" أو قاعدة "الأعمال بالنيات"
وسبق بيانهما، ويتأكد الاستدلال على هذه القاعدة بقوله تعالى ".
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
لأن ما يصدر عنهم كان بغير قصد فلا يترتب عليه حكم.
ويتأكد ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(2/796)

"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق".
لأن الإرادة والقصد من هؤلاء الثلاثة مفقود أو غير معتبر.
التطبيقات
1 - من سبق لسانه بالطلاق الثلاث من غير قصد، وإنما قصد واحدة، لم يقع بها إلا واحدة، ولو أراد أن يقول طاهر، فسبق لسانه بطالق لم يقع به الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى..
(ابن تيمية، الحصين 455/1) .
2 - من طلق في حالة الغضب الشديد، يحيث بلغ إلى الأمر ألا يعقل ما يقول، كالمجنون، لم يقع به شيء..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 455) .
3 - إذا طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً، وعندما حضر الشهود للشهادة قال له بعضهم، قل: طلقتها على درهم، فقال ذلك معتقداً أنه يقر بذلك الطلاق الأول، وأنه لا يريد إنشاء طلاق آخر، لم يقع به غير الطلاق الأول، ويكون رجعياً، لا بائناً.
(ابن تيمية، الحصين 1 / 455) .
4 - السكران لا يترتب على تصرفاته القولية حكم، فلو باع أو اشترى أو وهب أو أعار، ونحو ذلك، فكل هذه التصرفات باطلة لا يترتب عليها حكم، ولا يقع طلاقه، لقوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) .
فإن لم يعلم ما يقول لم يكن صادراً عن القلب، ويجري مجرى اللغو..
(ابن تيمية، الحصين 1 / 459) .
5 - من سبق لسانه بلفظ البيع أو غيره، أو أخطأ في التعبير بأن أراد شيئاً، ونطق بغيره، فلا يلزمه شيء، ولا يترتب على ذلك صحة البيع ولا غيره، بل تكون ألفاظه لغواً..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 461) .
(2/797)

القاعدة: [211]
دلالة الحال تغني عن السؤال
الألفاظ الأخرى
- دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة، وتقوم مقام إظهار النية.
- الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار نية.
- الكناية إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر.
التوضيح
إن دلالة الحال هي الأمارة والعلامة القائمة التي تصاحب الإنسان وتدل على أمر من الأمور، فتكون الأحوال والقرائن المصاحبة لتصرفات الإنسان من الأقوال والأفعال لها دلالة تمكن من معرفة قصد المتصرف أو المتحدث، ولو لم يصرح بنيته ومراده، وتجعل دلالة الحال اللفظ المجمل أو المشترك أو المبهم بيناً ظاهراً، فلا يُحتاج - مع هذه القرائن - لسؤال المتكلم عن مراده ومقصوده، حتى إن الأحوال والقرائن
تدلان على المراد ولو لم يكن هناك لفظ، لا صريح ولا كنائي.
لكن دلالة الحال تختلف قوة وضعفاً بحسب الأحوال المصاحبة، فتصل تارة إلى
درجة اليقين وتارة إلى غلبة الظن، أو مجرد الظن أو دون ذلك، ويعمل بها كلها ما لم يوجد ما هو أقوى منها.
ويؤيد ذلك ما ورد في قصة يوسف عليه السلام، قال تعالى:.
(إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) .
(2/798)

فأيقن السيد صدق يوسف من دلالة شق القميص.
وكذلك ما ورد عن سليمان عليه السلام عندما اختصم إليه امرأتان في ادعاء الولد فطلب أن يشقه بينهما بالسكين، فقالت الصغرى:
"لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى".
فاستدل من شفقة الصغرى، وقسوة الكبرى التي وافقت على
شقه، صدق الصغرى وحكم لها به.
التطبيقات
1 - إذا ادعى خصم حقاً أمام القاضي، ولم يسألِ الحاكمَ سؤالَ المدعى عليه
الجواب، فالصحيح أن الحاكم يسأل المدعى عليه، ولا يحتاج إلى السؤال من
المدعي؛ لأن دلالة الحال تغني عن السؤال، فالمدعي إنما رفع دعواه لذلك (ابن تيمية، الحصين 1/467) .
2 - ينعقد النكاح بغير لفظ الإنكاح أو التزويج الصريحين في الدلالة على المراد؛ لأن دلالات الأحوال في النكاح معروفة من اجتماع الناس لذلك، والتحدث بما اجتمعوا له، فإن قال بعد ذلك: ملكتها لك بألف درهم، علم الحاضرون بالاضطرار أن المراد به الإنكاح..
(ابن تيمية، الحصين 1/467) .
3 - الرضا أو التراضي من الطرفين ركن العقود، والرضا أمر باطن، ولا بدَّ من شيء في الظاهر يدل عليه، ولا يقتصر على اللفظ وحده، بل الحالة التي يتم فيها العقد تدل على ذلك دلالة بينة قاطعة للتراع كالتعاطي..
(ابن تيمية، الحصين 1/475) .
4 - إن الأحوال المصاحبة لمن يريد الاحتيال بعقد من العقود على ما حرَّم الله، تدل دلالة واضحة على مراده من العقد، ولو لم يصرح بذلك، فيجب العمل بهذه الأحوال، دون حاجة إلى سؤاله عن مقصوده من العقد، كالقرض، مع البيع بثمن
(2/799)

بخس، فالمقترض إنما رضي بالبيع لأجل القرض، والمقرض إنما أراد بهذا البيع تحصيل ربح قرضه، ومثله إبطال نكاح التحليل، لأنه يظهر منه أن باطنه مخالف لظاهره، وخاصة من تيس من التيوس المعروف بكثرة التحليل، وهو من سقاط الناس ديناً وخلقاً ودنيا، مع صداق قليل لا يناسب المرأة، والتعجيل بالطلاق أو بالخلع، مما يعلم قطعاً وجود التحليل، فيكون باطلاً..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 470) .
(2/800)

القاعدة: [212]
كل ما أمر الله به أو نهى عنه فإن طاعته فيه بحسب الإمكان
الألفاظ الأخرى
التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل.
الحجة على العباد يقوم بالتمكن من العلم والقدرة على العمل به.
الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل.
التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل.
لا نكلَّف إلا بما نعلمه ونقدر عليه.
الوجوب مشروط بالقدرة.
مناط الوجوب هو القدرة.
التكليف يتبع العلم.
المجهول كالمعدوم.
المعجوز عنه ساقط الوجوب، والمضطر إليه غير محظور.
التوضيح
التكليف هو الإلزام بمقتضى خطاب الشرع، أو هو الخطاب بأمر أو نهي.
انظر ما سبق في قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات ".
(2/801)

والتكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، أو العاجز والمريض في الطهارة والصلاة والصوم والحج وغيره، وتسقط عنه، أو تخفف، ولا يجب عليه إلا ما يقدر على فعله، وما يتمكن من معرفته، بدون مضرة راجحة، بشرط ألا يكون عدم التمكن من العلم، أو عدم القدرة عليه بسبب تفريط من العبد أوقعه في ذلك، لقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) .
فيشترط عدم البغي وعدم العدوان.
والأدلة على القاعدة كثيرة، منها قوله تعالى:.
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .
وقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) .
وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) .
والأحاديث التعليمية كثيرة، منها حديث المسيء صلاته، وقال:
"والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني، فعلمه ".
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
وغيرها كثير.
التطبيقات
يندرج تحت هذه القاعدة قواعد كثيرة وفروع عديدة في العقيدة والفقه في مختلف الأبواب، في الطهارة والعبادات والمعاملات، مما لا يحصى كثرة، وقد يقع الناس في المعاملات المالية في المحرم جهلاً، وقد يشق عليهم بعض الواجبات، أو يحتاجون إلى استباحة بعض المحرمات، ولذلك شرع الله أحكاماً خاصة بهذه الحالات، ولذلك يدخل تحت هذه القاعدة قواعد أخرى متفرعة عنها، منها التكليف يتبع العلم،
(2/802)

والمجهول كالمعدوم، لأنه لا يمكن تطبيق المجهول، والمعجوز عنه ساقط الوجوب لعدم الإمكان، والمضطر إليه غير محظور، لخروجه عن الإمكان، والأمثلة كثيرة، منها:
1 - من ترك واجباً من واجبات الصلاة لم يعلم وجوبه، أو فعل محظوراً لم يعلم أنه محظور، كمن ترك الطمأنينة في الصلاة، أو تكلم فيها، أو ترك الوضوء من لحم الإبل، أو كان يصلي في أعطان الإبل (مبارك الإبل) أو نحو ذلك، فلا إعادة عليه بعد تعلمه هذه الأحكام؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهذا لم يكن عالماً حتى يثبت في حقه خطاب الشارع..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 499) .
2 - إذا لم يثبت دخول شهر رمضان إلا في أثناء النهار وجب الإمساك، ولا يجب القضاء سواء كان قد أكل قبل علمه بثبوت الشهر أو لا؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهم لم يعلموا وجوب ذلك عليهم، فلا يؤمرون بالقضاء..
(ابن تيمية، الحصين 1/500)
3 - إذا عامل المسلم معاملة يعتقد جوازها بتأويل - اجتهاد أو تقليد - وكانت من المعاملات التي تنازع فيها المسلمون كالحيل الربوية، ثم تبين له الحق بعد ذلك، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه في تلك المعاملة، ولا يجب عليه إخراج المال الذي كسبه بتأويل سائغ؛ لأن الحكم إنما يثبت مع التمكن من العلم، وهذا لا يعلم بالتحريم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 501) .
4 - ما فعله المسلم من العقود المحرمة من رباً أو ميسر، والتي لم يبلغه تحريمها، ثم علم تحريمها، وتاب منها، فإنه يقر على ما قبضه منها، وتجوز معاملته فيها، لأنه لم
يكن عالماً بالتحريم، والحكم إنما يثبت في حق العالم دون الجاهل..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 501) .
5 - الشريك، والوصى، والناظر على الوقف أو بيت المال، ونحو ذلك إذا احتاط في البيع والشراء، ثم ظهر غبن، أو عيب، لم يقصر فيه، فهو معذور.
وكذا الناظر، أو الوصى، أو الإمام، أو القاضى، إذا باع أو أجر، أو زارع، أو ضارب، ثم تبين أنه بدون القيمة، بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفاً ثم تبين الخطأ
(2/803)

فيه، مثل أن يأمر بعمارة أو غرس ونحو ذلك، ثم تبين أن المصلحة كانت بخلافه، فكل واحد من هؤلاء مأمور بفعل الأصلح مما يعلمه، وما لا يعلمه فإنه لا يكلف فعله لتعذره عليه..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 501) .
6 - إذا تصرف الوكيل، بعد أن عزله الموكل، وقبل علمه بذلك، فلا ضمان عليه في تصرفه؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهو لم يعلم بالعزل..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 502) .
7 - إذا اعتقد المشتري أن الذي مع البائع ملكه، فاشتراه منه على الظاهر، لم يكن عليه إثم في ذلك، وإن كان في الباطن قد سرقه البائع لم يكن على المشتري إثم ولا عقوبة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، والضمان والدرك (التبعة) على الذي غرَّه وباعه، وإذا ظهر صاحب السلعة فيما بعد ردّت إليه سلعته، ورد على المشتري ثمنه،وعوقب البائع الظالم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 502) .
8 - من غاب غيبة انقطع فيها خبره، فإنه يجعل كالمعدوم، فيجوز للحاكم أن يفرق بينه وبين زوجته، وأن تتزوج، ويعدُّ هذا تصرفاً نافذاً؛ لأن المجهول كالمعدوم، وهذا مجهول لا يعلم وجوده، فيصير في حكم المعدوم، فإذا حضر هذا الزوج الغائب
فهو مخير بين إمساك زوجته، أو أن يأخذ تعويضاً عن المهر الذي دفعه لها.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 506) .
9 - إذا حصل قتال بين طائفتين، وجهل مقدار المال المتلف، أو عدد القتلى، فيجعل المجهول كالمعدوم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 506) .
10 - ما قبضه الملوك ظلماً محضاً، إذا اختلط ببيت المال، وتعذر رده إلى صاحبه،فإنه يصرف في مصالح المسلمين؛ لأن المجهول كالمعدوم..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 506) .
11 - ما حصل بيد الإنسان من الأموال التي اكتسبها عن طريق ظلم الآخرين، بأن كان يغش في المعاملة، أو يجحد الودائع أو العواري، ثم تاب من ذلك، وجَهِل أصحاب هذه الأموال، فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين
(2/804)

الشرعية، أو يسلمها إلى قاسم عادل يضعها في مصالح المسلمين، وذلك لأن المجهول كالمعدوم، وأصحاب هذه الأموال مجهولون، أو اختلطت أموالهم ولا يمكن التمييز بينها، فيجعل المجهول كالمعدوم، ثم إذا تبين أصحابها كان لهم الحق في مطالبة المتصرف فيها.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 509) .
12 - ما يوجد في السوق من الطعام والشراب والثياب ونحوها قد يكون في نفس الأمر مسروقاً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان المجهول كالمعدوم، يجوز له أن يبيع ويشتري بلا حرج..
(ابن تيمية، الحصين 1/ 509) .
13 - تجوز معاملة الظالم الذي ئعلم بأن الأموال التي بيده تحضل عليها عن طريق الظلم، من غصب أو غيره، خصوصاً عند وجود الحاجة إلى ذلك، إذا كان أصحاب هذه الأموال لا يمكن معرفتهم، أو أن أموالهم اختلط بعضها ببعض، بحيث لا يمكن تمييزها؛ لأن المجهول كالمعدوم، ويبقى ضمان هذه الأموال على الظالم.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 509) .
14 - قد يجوز التصرف في حقوق الآخرين بالعقد والقبض، بما فيه مصلحة إذا جهل وجود المستحق، أو تعذر استئذانه، وذلك أن المجهول كالمعدوم.
(ابن تيمية، الحصين 1/ 510) .
(2/805)

القاعدة: [213]
الأصل إذا ما يحصل به المقصود قام بدله مقامه
الألفاظ الأخرى
- بدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده.
- البدل يقوم مقام المبدل.
- البدل قائم مقام المبدل.
- الحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل.
- يقوم البدل مقام المبدل، ويس مسدَّه، ويبنى حكمه على حكمه.
التوضيح
إن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح، والموازنة بينها، وتقديم المصلحة العظمى على ما دونها، وتقوم على رفع الحرج، ودفع المشقة، وعدم تكليف ما لا يسع العبد فعله.
فإذا تعذر فعل الأمر الأصلي، أو وجدت مشقة وجهد للقيام به، أو لا تتحقق المصلحة المرجوة من الأمر به، بحيث تقل أو تنعدم، فإن الشرع سوغ الانتقال منه إلى البدل الذي يقوم مقامه، ويسد مسده، ويحقق المصلحة المقصودة، ويبنى حكمه على حكم الأصل، فيقوم حكم البدل مقام المبدل منه، كالتيمم والوضوء، ومسح الخفين بدل غسل القدمين.
ويكون الانتقال إلى البدل لوجود ضرورة أو حاجة، أو لوجود مصلحة راجحة
(2/806)

يتوفر فيها النفع الأكثر، أو الصلاح الأولى، ولذلك شرع الإسلام التيمم في الطهارة بدل الوضوء والاغتسال، وشرع الصيام في كفارة الحج بالعمرة بدل الهدي، وغير ذلك كثير.
التطبيقات
1 - إذا تعذر استعمال الماء في الطهارة فيقوم التيمم بدله..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 16) .
2 - إذا تعذر وجود المأكول المذكى لسد الجوع في الخمصة فيسوغ الانتقال إلى الميتة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 17) .
3 - الظن يقوم مقام العلم عند تعذره، فيقوم الخرص في الزكاة مقام الكيل.
وتقوم القرعة لتعيين الحق عندما يلتبس نصيب كل واحد بالآخر.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 17) .
4 - يجوز إخراج القيمة في الزكاة عند الحاجة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه، أو زرعه، فيجزئه إخراج عُشر الدراهم، ولا يكلف أن يشتري تمراً أو حنطة، وإذا وجبت عليه شاة في زكاة خمس من الإبل، وليس عنده شاة، فيكفي إخراج القيمة، ولا يكلف السفر لشراء شاة، كما يجوز إخراج القيمة في الزكاة للمصلحة إذا طلب المستحقون القيمة لكونها أنفع لهم..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 17، 18) .
5 - إبدال الهدي والأضاحي بخير منه لأنه أنفع وأصلح.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 17، ابن رجب 3/ 75) .
6 - إذا بني مسجد في مكان، ثم انتقل الناس إلى مكان آخر هو أصلح لأهل
البلد، فينقل المسجد..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 17) .
(2/807)

7 - إذا وقف داراً أو حانوتاً أو بستاناً، وانتاجه قليل، فله إبداله بما هو أنفع للوقف..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 18) .
8 - الخرص يقوم مقام الكيل في العرايا، وفي المقاسمة، لتعذر الكيل مع الحاجة للبيع والقسمة، فيقوم البدل مقام الأصل..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 23) .
9 - إذا تصرف الفاصب في العين المغصوبة بما أزال اسمها، أو أنزل قيمتها.
فالمالك مخير بين أخذ العين وتضمين النقص، وبين المطالبة بالبدل لتعذر المبدل (ابن تيمية، الحصين 2/ 23) .
10 - إذا أتلف مالاً مثلياً كالعارية، وتعذر المثل وجبت القيمة وهي الدراهم
والدنانير بدلاً من المثل..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 23) .
11 - تثبت الولاية على المعاوضة شرعاً عند الحاجة، كما لو مات شخص في موضع ليس فيه وارث ولا وصي ولا حاكم، فتثبت الولاية للرفقة في السفر، ويبيعون المال ويحفظونه دون التوقف على إجازة الورثة لثبوت الولاية الشرعية لهم عند الحاجة بدلاً من الورثة أو من ينيبه الإمام..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 23) .
12 - إذا مسح على الخف، ثم خلعه، فإنه يجزئه غسل قدميه على إحدى
الروايتين، ولو فاتت الموالاة؛ لأن المسح كمّل الوضوء وأتمه وقام مقام غسل
الرجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقبه غسل القدمين فالوضوء كالمتواصل.
(ابن رجب 3/ 73) .
13 - لو وجد ما يكفي لغسل بعض أعضاء الحدث الأصغر، فاستعمله، ثم تيمم للباقي، ثم وجد الماء بعد فوات الموالاة، لم يلزمه إلا غسل باقي الأعضاء.
(ابن رجب 3/ 73) .
14 - إذا حضر الجمعة أربعون من أهل وجوبها، ثم تبدلوا في أثناء الخطبة أو
الصلاة بمثلهم، انعقدت الجمعة وتمت بهم.
(ابن رجب 3/ 74) .
(2/808)

15 - لو أبدل نصاباً من أموال الزكاة بنصاب من جنسه، بنى على حول الأول على المذهب، ولو أبدله من غير جنسه استأنف إلا في إبدال أحد النقدين بالآخر فإن فيه روايتين.
(ابن رجب 3/ 74) .
16 - لو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من آلاته، جاز، نعق عليه، لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
(ابن رجب 3/ 75) .
(2/809)

القاعدة: [214]
المعصية لا تكون سببًا للنعمة
الألفاظ الأخرى
- الفعل المحرم لا يكون سبباً للحل والإباحة.
- لا تثبت النعمة بالفعل المحرم.
- المعصية لا تكون سبباً للاستحقاق والحل.
- المحرمات لا تكون سبباً محضاً للإكرام والإحسان.
- الأصل في المعاصي أنها لا تكون سبباً لنعمة الله ورحمته.
التوضيح
سبق توضيح هذه القاعدة "الرخص لا تناط بالمعاصي "، لأن المعصية تكون
سبباً للعقوبة، ولا تكون طريقاً إلى رحمة الله ونعمته وطيباته وفضله في الترخيص والتساهل وسائر نعمه.
وهذه القاعدة شاملة لكل فعل يكون معصية، فلا تكون سبباً
للنعمة سواء كانت هذه النعمة رخصة أو غيرها.
التطبيقات
1 - الخمر إذا تخللت بفعل الله طهرت، أما إذا تخللت بفعل الآدمي لم تطهر، كما
(2/810)

لو اقتنى الخمر بقصد التخليل؛ لأن اقتناء الخمر محرم، والفعل المحرم لا يكون سبباً للحل والإباحة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 32) .
2 - إذا ذكى الحيوان تذكية محرمة بالذبح في غير الحلق، مع قدرته على التذكية في الحلق، أو بأمر وثني بالتذكية، فإنه لا يباح؛ لأن حل الأكل نعمة، وهذه التذكية محرمة، والفعل المحرم لا يكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 28) .
3 - العقود المشتملة على ما حرم الله، كالغرر، والربا، لا تكون سبباً لإباحة الآثار المترتبة عليها؛ لأن المنهي عنه معصية، والمعاصي لا تكون سبباً لنعمة الله ورحمته، والإباحة نعمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 35) .
4 - إذا تواطأ المتعاقدان على الربا في بيعتين، كالعينة، فإنه يحكم بفساد هذين العقدين، ولا يترتب عليهما الأثر في حل المال للبائع، لأن الحلال نعمة، والاحتيال على المحرم معصية، فلا تكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 35) .
5 - إذا دلس البائع في بيعه على المشتري، فباعه شيئاً معيباً، فالبيع غير نافذ ولا حلال، بل موقوف على إجازة المشتري ورضاه؛ لأن التدليس محرم، ونفاذ البيع نعمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 35) .
6 - لا يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع شيء يستعان به على معصية الله، ويكون البيع باطلاً؛ لأن إباحة البيع نعمة، وترتب آثار البيع نعم، فلا تثبت بالمعصية.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 35) .
7 - إذا باع شيئاً محرماً، واستوفى ثمنه، أو استؤجر على فعل محرم، كصناعة خمر أو غناء، ونحو ذلك، فالواجب عليه التصدق بهذا المال، ولا يعاد لصاحبه الذي أخذ منه؛ لأنه أخرجه في معصية الله، وقد استوفى العوض، فلا يعان على المعصية بإعادة الثمن إليه، فالمعصية لا تكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 36) .
(2/811)

القاعدة: [215]
الأصل في العادات عدم التحريم
الألفاظ الأخرى
- الأصل في العادات ألا يحظر منها إلا ما حظره الله.
- ما اعتاده الناس في دنياهم، الأصل فيه عدم الحظر.
- العادات، الأصل فيها عدم الحظر.
- الأفعال العادية، الأصل فيها عدم التحريم.
التوضيح
العادة هي ما اعتاده الناس مما يحتاجون إليه في حياتهم وتصرفاتهم في القول
والفعل، والمأكل والمشرب، والملبس، والذهاب، والمجيء، والكلام، وغيره.
فهذه العادات معفو عنها، ورفع الشارع الحرج عن المكلف في فعلها وتركها، ما لم يرد فيها دليل خاص بها، وإلا يستصحب الحل فيها، وللناس أن يتكلموا، ويأكلوا، ويشربوا، ويتبايعوا وشتاجروا كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة، وعدم التحريم ليس تحليلاً؛ لأن التحليل يحتاج لدليل، وإنما هو عفو، واستصحاب للأصل.
ولا يعمل بهذه القاعدة إلا بعد البحث التام في الأدلة ونصوص الشريعة للتأكد من عدم رفع هذا الأصل في الاستصحاب.
وهذه القاعدة خاصة بالعادات من الأقوال والأفعال، أما القاعدة السابقة
(2/812)

"الأصل في الأشياء الإباحة"
فهي عامة وتشمل الأقوال والأفعال والأعيان والمنافع
والمضار وغيرها.
ودليل ذلك ما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عن
السمن والجبن والفراء، فقال:
" الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه.
وما سكت عنه فهو عفو".
التطبيقات
1 - قصد الشارع في لباس النساء فرقه عن الرجال، وستر المرأة.
وما وراء ذلك من عادات لباس النساء فالأصل فيه عدم التحريم.
وإن اختلف عما كان في عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - أو اختلف من بلد إلى آخر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 78) .
2 - عادات بعض البلدان في طريقة الأكل والشرب والليس - إذا خلت من
المحرمات، وتوفرت الشروط الشرعية المعتبرة في مثلها - فهى على أصل الإباحة، فكل إنسان يطعم ما يجده في أرضه، ويلبس ما يجده في بلده، ويركب ما يجده مما أباحه الله..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 79) .
3 - الأصل في العقود هو الحل؛ لأن العقود من العادات التي يفعلها المسلم
والكافر، فلا يحرم العقد ما لم يرد عن الشارع نص بتحريمه، أو يقاس قياساً صحيحاً على ما حرم..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 85) .
4 - الأصل في الشروط هو الحل ما لم ينافِ مقصود العقد بحل الحرام أو تحريم الحلال الثابتين بنص أو إجماع، لأن العقود والشروط من باب الأفعال العادية،
(2/813)

والأصل في الشروط الصحة واللزوم، إلا ما دل الدليل على خلافه.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 85) .
5 - ألفاظ العقود، وهي كل ما اعتاده الناس من المصطلحات في البيع والشراء والاستئجار وغيرها من أنواع المعاملات يصح العقد بها، ولا يشترط فيها لفظ معين، لأن هذا من العادات، والأصل في العادات عدم التحريم، وكل لفظ دل على قصد المتكلم في المعاملات وغيرها فهو معتبر، وتصح العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عدّه الناس بيعاً وإجارة فهو بيع وإجارة، وكذا الهبة، وتجهيز الزوجة، والركوب في السفن، وعلى الدواب، والدفع إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة، أو الدفع لطباخ أو شواء ليطبخ أو يشوي، فيصح؛ لأنها من العادات.
والأصل فيها عدم التحريم.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 86) .
(2/814)

القاعدة: [216]
الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة
الألفاظ الأخرى
- الأصل في العقود الإباحة.
- الأصل في الشروط الصحة واللزوم.
- الأصل جواز الشروط في العقود.
التوضح
إن الأصل في العقود والشروط التي يقوم بها الناس هو الإباحة والجواز
والصحة، وأن المستصحب فيها الحل وعدم التحريم، وتكون صحيحة يترتب عليها أثرها، ولا يحرم منها، أو يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله بالنص أو بالقياس، وهذا يوجب البحث والتقصي عن الأدلة الشرعية، فإن ثبت دليل يحرم تغيَّر هذا الاستصحاب.
وهذه القاعدة مختلف فيها على قولين.
الأول: الأصل في العقود الحظر، وهو قول الجمهور.
وهو ما صرح به ابن حزم، وتدل أصول أبي حنيفة وكثير من أصول
الشافعي، وطائفة من أصحاب مالك وأحمد على ذلك، ويتوسع بعضهم أكثر من الآخر.
والقول الثاني: الصحة، والجواز، وهو ما صرح به ابن تيمية وابن القيم.
ويجري عليه أكثر أصول أحمد المنصوصة، وللإمام مالك ما يقرب منه، وظاهر كلام الشافعي، والجصاص الحنفي، والفخر الرازي الشافعي، والشاطبي المالكي، حتى نسبه ابن القيم للجمهور، ونسبه بعضهم للحنابلة خاصة.
(2/815)

والدليل على القاعدة النصوص العامة، مثل قوله تعالى:.
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وقوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) .
وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) .
وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) ، وغيرها كثير، مع الأحاديث الواردة في صفات المنافق بنقض العهد.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن أحق الشروط أن يُوفى به: ما استحللتم به الفروج ".
مع النهي عن نقض العهد، وعن الغدر والخيانة.
ويتفرع قاعدة أخرى، وهي: "الأصل حمل العقود على الصحة ".
وذلك عند اختلاف الطرفين في توفر الأركان والشروط أم لا.
التطبيقات
إن تطبيقات هذه القاعدة تنحصر في غير العقود والشروط التي ورد فيها نص في الكتاب والسنة، كالعقود الجديدة والشروط الجديدة، والمستجدات مع تطور الأحداث، وحاجة الناس إليها، فن ذلك:
1 - - يجوز بيع الثمار ذي الأجناس المختلفة إذا بدا صلاح بعضها لحاجة الناس إلى ذلك، ولعدم الدليل المحرم، والنهي عن بيع الثمر قبل بدوّ صلاحه ليس عاماً عموماً لفظياً في كل ثمرة في الأرض، ولكنه عام لكل ما عهده المخاطبون وما في معناه، وما عداه فيبقى على الحل..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 166) .
2 - تجوز المزارعة، وهي استئجار الأرض بمقدار شائع مما يخرج منها كالشطر
(2/816)

والثلث ونحو ذلك؛ لأن الأصل في العقود الحل، ولير هناك ما يدل على التحريم.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 166) .
3 - إذا تصرف رجل في حق غيره بغير إذنه، أو عقد عقداً تتوقف صحته على وجود شرط، وهذا الشرط لا يوجد إلا في المستقبل، كأنه يشتري شيئاً لم يره، على أنه بالخيار إذا رآه، فيقع العقد صحيحاً وموقوفاً على إجازة من له الحق، وعلى تحقيق هذا الشرط، فإن أجازه، أو توفر الشرط، صح العقد، وإلا لم يصح، وهو وقف العقود على الإجازة، وهو متفق على جوازه مع الاختلات في حالاته.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 166) .
4 - يجوز لكل من أخرج عيناً من ملكه بمعاوضة كالبيع، والخلع، أو تبرع
كالوقف، أن يستئني بعض منافعها، فإن كان مما لا يصلح فيه الغرر كالبيع فلا بدَّ من أن يكون المستثنى معلوماً، وإن لم يكن كذلك كالوقف فله أن يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 170) .
5 - الاستفادة من القاعدة عند استحداث معاملة لم تكن معروفة من قبل، وفي المعاملات الحديثة التي أوجدها غير المسلمين، فيقبل منها ما ليس فيه مصادمة للشرع نصاً أو قياساً، وقد يعدل بعضها، ويرفض بعضها عند المخالفة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 172) .
(2/817)

القاعدة: [217]
الأصل في العقود رضا المتعاقدَين.
وموجبها ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد
الألفاظ الأخرى
- العقود تتبع رضا المتعاقدين.
- لا بد في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشارع.
- الأصل في العقود المالية بناؤها على التراضي.
التوضيح
إن المعتبر في حل العقد وجوازه، وفي نفوذه ولزومه، وفي انعقاده وشروطه، هو الرضا من الطرفين، لأن الشارع ربط حل المعاملة برضا المتعاقدين، ورغبتهما في إنشاء العقد، والالتزام بموجبه ومقتضاه، أي بآثاره والتزاماته ووصفه، وكل ذلك يتحدد بحسب ما تراضى عليه الطرفان، لأن لهما الحرية في تحديد ما يجب لكل منهما بحسب الشروط، وصدور الرضا منهما بذلك.
وتتحدد آثار العقود أحياناً بالشرع فيما رتبه على العقد من آثار، وألزم بها
المتعاقدين، ولا يجوز لهما الإخلال بها، كالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان في عقد النكاح، ومثل سلامة المبيع والقدرة على تسليمه في عقد البيع، وأحياناً بألفاظ المتعاقدين بما يشترطانه في العقد، ويلتزمان به، فيلزمهما بناء على تراضيهما عليه.
وأحياناً بالعرف وقرائن الأحوال المصاحبة للعقد، وكل ذلك بشرط ألا يكون
(2/818)

التراضي والعرف على حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إسقاط ما أوجبه الله، وألا يكون مناقضاً ومخالفاً لمقصود العقد، وألا يوجد سبب قوي يقتضي إهدار رضا المتعاقدين.
والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) .
وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا مجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه ".
وأجمع العلماء على اشتراط الرضا.
التطبيقات
1 - يجوز ضرط الخيار في كل العقود، ويعقد على وجه الجواز دون اللزوم؛ لأن موجَب العقد ومقتضاه ما تراضى به المتعاقدان، وهما قد رضيا بذلك.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 178) .
2 - تجوز المعاوضة بلا تقدير عوض، وتكون صحيحة، ثم إن تراضيا بعوض
معلوم معين نفذت، وإلا تُردُّ السلعة، فإن فاتت العين وجبت قيمتها، كشراء سيارة دون تحديد ثمنها حال الشراء..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 178) .
3 - إذا لم يتحقق للعاقد شرطه الذي شرطه في العقد، أو لم يحصل له كما رضي به، فله فسخه، لأن الأصل في العقود الرضا، وهو لم يرض إلا بتحقق شرطه الذي وقع عليه التعاقد، فإذا فقد فقد الرضا..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 178) .
4 - لا يلزم في العقد أن يكون القبض عقبه مباشرة (إلا في الأموال الربوية) بل يجوز أن يكون متأخراً عنه، ويجوز أن يكون عقبه، كالبيع وقبض المبيع، فيجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة، وإن تأخر بها القبض على الصحيح، ويجوز بيع
(2/819)

العين المؤجرة، ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع، وإن تأخر معه كمال القبض، ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد، لأن القبض هو موجَب العقد، فيجب في ذلك ما أوجبه المتعاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 179) .
5 - إذا كره البيعان على العقد فهو باطل، ولا يكون العقد لازماً؛ لأن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، والمكره ليس براض..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 179) .
(2/820)

القاعدة: [218]
الأصل في العقود جميعها العدل
الألفاظ الأخرى
- المعاملة مبناها على العدل.
- المعاوضة مبناها على المعادلة والمساواة بين الجانبين.
- الأصل في المعاوضات والمقابلات هو التعادل بين الجانبين.
- المبايعة والمشاركة مبناها على العدل بين الجانبين.
- المشاركة والمعاملة تقتضي العدل من الجانبين.
التوضيح
إن الله بعث الرسل وأنزل الكتب لإقامة العدل، فهو جماع الذين والحق والخير كله، وحرم الظلم قليله وكثيره، وحذر منه، لذلك قصد الشارع تحقيق العدل بين المتعاقدين في التعاقد، وفي التعامل بين أطراف المجتمع كله، فلا يبغي أحد على أحد ولا يظلمه، ولا يجعله على خطر في معاملته من حيث تحقق مقصوده وعدمه، ولذلك يجب مراعاة العدل في كل عقد، ويحكم على ما كان متضمناً للظلم بالتحريم، وما خلا عنه فهو حلال، فإن حصل في بعض العقود، هل هي من العدل أم لا؟
فيجب الرجوع إلى هذا الأصل.
والدليل على هذه القاعدة ما ورد من آيات كثيرة تأمر بالعدل، وتحث عليه، وتنهى عن الظلم، وتحرمه، وترهب منه، وكذلك الأحاديث الشريفة، مع قول جرير
(2/821)

رضي الله عنه: "بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم ".
والنصح يقتضي العدل.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من غشَّ فليس منا ".
لأن الغش ظلم وينافي العدل.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ".
فالصدق والبيان عدل، والكتمان للعيب والكذب ظلم.
وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"اهذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله.
اشترى منه عبداً أو أمة، بيع المسلم للمسلم، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة" فبيان العيب عدل، وكتمانه ظلم، ولأن الشريعة مبناها على جلب المصالح وتكميلها.
ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا يحقق العدل.
التطبيقات
1 - إذا ساقاه أو زارعه على أن نتاج جزء معين من الأرض له لم يجز؛ لأن المشاركة تقتضي العدل من الجانبين، فيشتركان في المغنم والمغرم، فإذا اشترط أحدهما زرعاً معيناً احتمل أن ينتج هذا، ولا ينتج هذا، أو العكس، فيحصل لأحدهما ربح دون الآخر، فيكون ظلماً..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 186) .
2 - لو اشترط في المضاربة مالاً معيناً لأحدهما، لم يجز، لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، كالسابق، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم وفي المغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 186) .
(2/822)

3 - قريب مما سبق في الوقت الحاضر إصدار الأسهم الممتازة، والتي يكون لها أولوية في تحصيل الأرباح، أو ضمان لنسبة معينة من الربح، أو تقديمها على غيرها من الأسهم عند توزيع الأرباح أو عند التصفية، وأفتى مجمع الفقه - الإسلامي بعدم جواز إصدار أسهم ممتازة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 186) .
4 - يحرم بيع الغرر، وهو مجهول العاقبة، أو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجوداً أو معدوماً، لأنه متردد بين أن يحصل مقصوده بالبيع، وبين ألا يحصل، مع أنه يأخذ العوض على التقديرين، فإذا لم يحصل كان قد أكل ماله بالباطل، وكان هذا ظلماً، والعقود مبنية على العدل، فيحرم بيع ما هو غرر، أو ما يكون غرراً ابن
تيمية (الحصين 2/ 187) .
5 - موجب العقد المطلق هو السلامة من العيوب، وأن يكون ظاهر المعقود عليه كباطنه، فلا يجوز لأحد المتعاقدين أن يكتم عن الآخر عيباً في السلعة، لو علمه لم يبايعه؛ إذ الأصل في المعاملات العدل، وهذا يقتضي الصدق من الجانبين، وكتمان العيب ليس صدقاً، إذا هو مخالف للظاهر، ولأن سكوته عليه دليل عدم وجود العيب، فكان سكوته كذباً، لا صدقاً، وفيه ظلم، والأصل في العقود العدل.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 187) .
6 - إذا امتنع التجار من البيع إلا بثمن يزيد عن ثمن المثل، أو امتنع العمال أو الصُنّاع من العمل والصناعة إلا بأجر يزيد عن أجر المثل، مع حاجة الناس إلى البيع والشراء، والاستئجار والصناعة، أو حاجة الدولة لذلك، فإنه مجب إلزامهم بالبيع والعمل، وإلزامهم بثمن المثل، وهو التسعير، بلا زيادة تضر بالمشتري، ولا نقص يضر بالتاجر، لأن الأصل في العقود العدل، والامتناع عن البيع والشراء، ورفع الثمن على المشتري ظلم، ولا غنى للأمة عن إ أسبيع والشراء، فيجب أن يلزموا بالعدل
الذي يتضمن حفظ حقوق كل من البائع والمشتري..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 187) .
7 - إذا تلف المعقود عليه قبل التمكن من قبضه لم يجب على العاقد من مشترٍ أو مستأجر، ونحوهما، دفع الثمن أو الأجرة، وهذا ما يسمى بوضع الجوائح؛ لأن الأصل في العقود العدل من الجانبين، واستلام كل منهما ما عاقد عليه،
(2/823)

فإذا يحصل لأحدهما ما عاقد عليه لم يكن للآخر أن يأخذ منه العوض بلا مقابل.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 189) .
8 - إذا كان المشتري جاهلاً بقيمة المبيع، فإنه لا يجوز تغريره والتدليس عليه، مثل أن يسام سوماً كثيراً خارجاً عن العادة، ليبذل ما يقارب ذلك، بل يباع البيع المعروف غير المنكر؛ لأن استغلال جهل المشتري بالقيمة الحقيقية بزيادة سعرها عليه ظلم، وهو لا يجوز، بل الأصل في العقود العدل من الجانبين..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 189) .
9 - إذا كان المشتري مضطرأ إلى الشراء، ولا يجد حاجته إلا عند هذا البائع، فإنه لا يجوز للبائع أن يستغل حاجته، بل يجب أن يبيعه بالقيمة المعروفة، وكذلك إذا كان البالع مضطراً إلى البيع.
فلا يجوز للمشتري استغلال هذه الضرورة ببخسه حقه.
وأخذ السلعة منه بدون القيمة المعروفة؛ لأن ذلك كله ظلم، وهو محرم، والواجب العدل بين المتعاقدين..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 190) .
10 - إذا باع شيئاً إلى أجل، فإن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن، فليس المبيع حالا كالمبيع المؤجل، بل تختلف قيمة هذا عن قيمة هذا، وهو البيع الموجل، أو البيع بالتقسيط، فيزاد في قيمة السلعة بنسبة معينة مقابل التأخير في سداد الثمن، أو دفعه على أقساط معلومة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 190) .
(2/824)

القاعدة: [219]
الأصل حمل العقود على الصحة
الألفاظ الأخرى
- الظاهر حمل العقود على الصحة.
- الأصل في العقود الصحة.
- الأصل في عقود المسلمين الصحة.
- إن مطلق العقود الشرعية محمول على الصحة.
التوضيح
إذا تم عقد بين المسلمين، ثم وقع خلاف بين المتعاقدين في صحته أو فساده.
وليس ثمة ما يؤيد أصل القولين على الآخر، فإن الغالب، والظاهر، في عقود المسلمين جريانها على حكم الصحة، أما الفساد فهو طارئ على العقد، والأصل عدم وجوده، فيكون حمل العقد على الصحة أولى من حمله على الفساد، وهكذا في كل معاملة جارية بين المسلمين.
وفرق هذه القاعدة عن قاعدة "الأصل في العقود الجواز والصحة"، أن هذه
القاعدة عند عدم الخلاف والتنازع بين المتعاقدين.
فإن حصل شك أن العقد ورد عن الشارع ما يدل على تحريمه أم لا، فهو صحيح جائز شرعاً، وبعد ذلك إن حصل
خلاف في صحة العقد وفساده فإنه يحمل على الصحة.
(2/825)

وهذه القاعدة نص عليها الحنابلة والشافعية.
التطبيقات
1 - إذا ادعى الموجر فساد العقد، وأنكر المستأجر ذلك، فالقول قوله؛ لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 193) .
2 - إذا ادَّعى أحد المتعاقدين أنه لم يكن رشيداً عند تصرفه، بل كان سفيهاً أو محجوراً عليه، وأنكر ذلك المتعاقد الآخر، ولا بينة لأحدهما، لم يقبل قول مدعي الفساد بمجرد دعواه إلا ببينة تشهد له؛ لأن الأصل صحة التصرف (ابن تيمية، الحصين 2/ 193) .
3 - يجوز بيع الدراهم التي تكون الفضة فيها نحو الثلثين، بدراهم تكون فضتها نحو الربع، أو أقل أو أكثر، إذا لم يكن المقصود بيع فضة بفضة متفاضلاً، وكان كل من الفضة والنحاس الوجود معها مقصودين للمتبايعين؛ لأن الأصل حمل العقود على الصحة، وقد جرى العمل بها من غير وجود مفسدة الربا..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 193) .
4 - إذا باع رجل قمحاً فبذره المشتري في الأرض، فتلف، فطلب المشتري من البائع ضمانه، فلا يقبل، ويستحق عليه جميع الثمن إلا إذا أثبت به عيباً أو تدليساً، لأن العقود تحمل على الصحة، والمشتري يدعي البطلان، فلا يقبل قوله.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 193) .
(2/826)

القاعدة: [220]
تنعقد العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل
الألفاظ الأخرى
- العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل.
- العقود تنعقد بما دل على مقصودها من قول أو فعل.
- كل لفظ دل على قصد المتكلم في المعاملات وغيرها معتبر.
التوضيح
لابد في العقد من رضا الطرفين مع القصد له وإدراك مقصوده، وهذا أمر باطني لا يمكن التعرف عليه إلا بدليل عليه في الظاهر من قول أو فعل، فكل ما دل على مقصود المتعاقدين من قول أو فعل فإنه يصلح أن ينعقد به العقد، ولا يشترط للدلالة على القصد لفظ معين، أو صيغة معينة، لا ينعقد العقد ولا يصح إلا بها، ولا مانع من اختلاف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال، لأنه لا يوجد حد مستمر لا في الشرع ولا في اللغة.
ويختلف العلماء في ذلك فقال الشافعية، وهو قول في مذهب أحمد: لا تصح
العقود إلا بالصيغة بإيجاب وقبول، وقال الحنفية وهو قول في مذهب أحمد، ووجه في مذهب الشافعي: إنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال، وأما الأموال الجليلة فلا يصح فيها، والغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد وهو قول عند الحنفية: أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل.
(2/827)

ودليل القاعدة أن القرآن الكريم اكتفى بالتراضي في البيع، وبطيب النفس في
التبرع، ولم يشترط لفظاً معيناً، ومن المعلوم ضرورة من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، وهو مجرى الفطرة السليمة للناس، وعلق الله تعالى على التراضي وطيب المس أحكاماً شرعية، ولم يحدد لفظاً لذلك، فيرجع فيه للعرف، وإن العبادات حددها الشرع، أما العادات والمعاملات فهي بحسب ما اعتاده الناس، والأصل فيه عدم الحظر، فيتعاملون كما يشاؤون فيما لم تحرمه الشريعة، ويأكلون ويشربون كما يشاؤون فيما لم تحرم
الشريعة، ورسول الله جَمرَز لم يأمر أصحابه بصيغة معينة.
بل علق الأحكام على الأفعال.
التطبيقات
1 - يجوز ركوب الدابة، ودخول الحمام، والشراء من البائع، دون تلفظ بالبيع أو الاستئجار أو تحديد للثمن، بل يتحدد كل ذلك بفعل كل واحد منهما، ويكون العرف القائم كافياً في تحديد الثمن والأجرة، ويكفي الفعل في الدلالة على رضا الطرفين، وهو المعاطاة، ولا يشترط لصحة ذلك لفظ معين؛ لأن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 213) .
2 - تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على ذلك..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 213) .
3 - إظهار الصفات في المبيع وغيره بالأفعال بمنزلة إظهارها بالأقوال، ويلزم
العقد بناء على هذه الصفات، وكان العاقد صرح بهذه الصفات، واشترطها في المبيع، فإذا فاتت على أحد المتعاقدين كان له الحق في الرجوع على من غزه ودلّس عليه بإظهار صفات ليست حقيقية، كمن اشترى شاة كبيرة الضرع، ثم تبين أنها ليست حلوباً، أو تحلب القليل، لأن البائع ربط ثديها ليدلس بها..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 213) .
(2/828)

القاعدة: [221]
إذا حرّم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة
الألفاظ الأخرى
- الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه.
التوضيح
إن الله تعالى إذا حرم الانتفاع بشيء من الأشياء، على وجه من الوجوه، فإنه لا يجوز أخذ مال في مقابلة هذا الشيء المحرم، أو المنفعة المحرمة، لا ببيع وشراء، ولا استئجار وكراء، ونحو ذلك من أنواع المعاوضة.
وما يحرم الانتفاع به نوعان، أحدهما: ما يحرم الانتفاع به مطلقاً في جميع
الحالات، أو الغالب فيه أنه لا ينتفع به إلا في المنفعة المحرمة كالأصنام، والخمر، والخنزير، فهذا لا يجوز أخذ ثمن في مقابله مطلقاً.
والثاني: ما يحرم الانتفاع به في حال دون حال، وفي صورة دون صورة، فيجوز أخذ الثمن في مقابل المنفعة المباحة دون المنفعة المحرمة، مثل الحمر الأهلية، والطيور الجارحة التي يصاد بها.
فيجوز بيعها للمنفعة المباحة دون المحرمة.
والدليل على القاعدة ما رواه ابن عباس رضى الله عنه قال:
رأيت رسول الله جالساً عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء.
فضحك، فقال:
"لعن الله اليهود - ثلاثاً - إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حرَّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ".
وفي رواية: "كان الله إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه ".
(2/829)

ولأن البدل يقوم مقام المبدل ويسد مسده، فإذا حرم الله الانتفاع
بشيء، فالانتفاع ببدله انتفاع بعين المحرم حقيقة، فلم يكن هناك فرق بين المحرم أو بدله، بل هما في الحكم سواء.
التطبيقات
1 - لا يجوز بيع الحرير للرجال المسلمين، إذا علم البائع أو غلب على ظنه أن مشتريه سوف يلبسه هو، ولا يجوز أن يأخذ أجرة على خياطة ثوب من الحرير ليلبسه رجل، لكن يجوز بيعه للنساء وللكفار، ونسج ثياب الحرير كذلك لهم؛ لأن هذا ليس بمحرم الجنس، بل هو محرم على الذكور المسلمين، وما كان حلالاً في حال دون حال جاز بيعه لمن حل له..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 270) .
2 - لا يجوز بيع العصير لمن يتخذه، خمراً.
سواء علم أنه سيتخذه كذلك أو ظنه.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 270) .
3 - لا يجوز أن يؤجر الإنسان نفسه لعمل محرم كالزنا، واللواط، والغناء، وحمل الخمر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 270)
4 - لا يجوز عمل الصليب لا بأجرة، ولا بغير أجرة، ولا بيعه صليباً، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 270) .
(2/830)

القاعدة: [222]
من أدى عن غيره واجباً رجع عليه وإن فعله بغير إذنه
التوضح
إذا قام الشخص باداء واجب مالي عن آخر، ولم يستأذنه في ذلك، وقد نوى
الرجوع عليه ليستوفي منه ما دفعه عنه، كان له الحق في ذلك، ووجب على المدفوع عنه أن يؤدي إليه ما دفعه، وهذا ما يسمى في القانون
"الإثراء على حساب الغير"
وهو أحد مصادر الالتزام.
ويشترط أن يكون المؤدَّى واجباً على الغير، وألا ينوي المؤدي عند أداء الواجب عن غيره التبرع، وأن يكون الواجب دنيوياً لا يحتاج فعله إلى نية كاداء الدَّين والإنفاق على دابة، وهذا رأي المالكية والحنابلة، ويشترط الحنفية والشافعية للرجوع أن يكون المؤدّي مضطراً للدفع عه وإلا فلا يرجع.
والدليل على القاعدة قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
وقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
فأوجب الله أجرة المرضعة على المولود له بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقداً ولا إذناً، ويؤيد ذلك قوله تعالى:.
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) .
فمن أحسن لآخر فعليه أن يكافئه بالإحسان.
(2/831)

التطبيقات
1 - إذا كان الابن في حضانة أمه، فأنفقت عليه، تنوي بذلك الرجوع على الأب، فلها أن ترجع..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 296، 301) .
2 - من خلص مالاً من قطاع، أو من عسكر ظالم، أو متول ظالم، ولم يخلصه إلا بما أدى عنه، فإنه يرجع بذلك، وهو محسن إليه بذلك، ولو لم يكن مؤتمناً على ذلك المال، ولا مكرهاً على الأداء عنه، فإنه عسن إليه بذلك..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 301) .
3 - إذا أنفق المرتهن على الرهن نفقة واجبة على الرهن، كان يكون حيواناً فيطعمه ويسقيه، خشية أن يموت، ولم ينو التبرع، بل نوى الرجوع على الراهن، فإنه يرجع؛ لأنه أدى عنه واجباً، فإن استغل المرتهن الرهن في مقابل ما أنفق كان ذلك جائزاً، وقد استوفى حقه..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 301) .
4 - إذا افتدى شخص رجلاً من الأصل جاز له مطالبته بالفداء؛ لأن الافتداء من أيدي الكفار واجب، فإذا قام به غيره، ينوي الرجوع عليه، وجب أن يدفع إليه ما أداه عنه..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 302) .
5 - إذا توفي رجل في الجهاد، فجمع صاحبه تركته مدة طويلة، فإن عمل ما يجب غير متبرع فيجب له الأجر على الأظهر..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 302) .
(2/832)

القاعدة: [223]
الأصل في الشروط الصحة واللزوم
الألفاظ الأخرى
- الأصل جواز الشروط في العقود.
- اشتراط نفع أحد المتعاقدين في العقد قد يكون صحيحاً وقد يكون باطلاً.
التوضيح
إن الأصل الثابت والقاعدة المطردة في الشروط أنها جائزة، ويصح كل شرط لم يرد عن الشارع ما يدل على تحريمه، كما سبق في قاعدة
"الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة".
وإذا اشترط أحد المتعاقدين شرطاً فإنه يلزم تنفيذه من قِبَل من
التزم به، ولا يجوز له مخالفته.
والدليل على جواز الشروط ما سبق بيانه في قاعدة العقود، والدليل على لزوم الشروط آيات كثيرة تدل على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، وتحريم الغدر، فمن شرط شرطاً ثم نقضه فقد غدر، وقوله عليه الصلاة والسلام:
"أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج "
وهذا يقتضي وجوب الوفاء بالشروط مطلقاً، لكن بعضها أهم وأحق من بعض كشروط النكاح أحق بالوفاء، وقول عمر
هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وسبق بيانه.
(2/833)

رضي الله عنه دامقاطع الحقوق عند الشروط " فإن الحقوق تلزم عندما يكون هناك شرط بفعلها.
ويتصل بهذه القاعدة قواعد غيرها.
التطبيقات
1 - البيع المعلق على شرط في المستقبل، إذا قال: بعتك إن جئتني بكذا، أو إن رضي زيد، صح البيع والشرط..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 311) .
2 - لو باع سيارة، وشرط على المشتري إن باعها، فهو أحق بها بالثمن، صح البيع والشرط..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 311) .
3 - يجوز خيار الشرط في جميع العقود، بحيث يعقد العقد على أنه بالخيار، ولو طالت المدة..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 311) .
فرع: الاشتراط لمنفعه
إن القاعدة الأصلية ليست مطلقة، وإنما وردت قاعدة أخرى مقيدة لها، وهي
"ااشتراط نفع أحد المتعاقدين في العقد قد يكون صحيحاً، وقد يكون باطلاً" فليس كل شرط في العقد صحيحاً، فإن كان الشرط استئجاراً، له مقابل بعوض، فيصح الشرط على ظاهر المذهب، كاشتراط المشتري على البائع خياطة الثوب، أو قصارته.
أو حمل الحطب ونحوه، ولذلك يزداد الثمن.
كان كان الشرط إلزاماً لما لا يلزمه بالعقد، بحيث يجعل له ذلك من مقتضى العقد ولوازمه مطلقاً، ولا يقابل بعوض، فلا يصح، وله أمثلة.
(2/834)

835
1 - اشتراط مشتري الزرع القائم في الأرض حصاده على البائع، فلا يصح، ويفسد به العقد، لأن حصاد الزرع قد يتوهم أنه من تمام التسليم الواجب على البائع، وفي فساد الشرط وجهان.
(ابن رجب 2/ 62) .
2 - اشتراط أحد المتعاقدين في المساقاة أو المزارعة على الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد، فلا يصح، وفي فساد العقد به خلاف.
قال (ابن رجب:
"ويتخرج صحة هذه الشروط أيضاً من (صحة) الشروط في النكاح وغيرها، وهو ظاهر كلام أكثر المتأخرين، ولذلك استشكلوا مسألة حصاد الزرع (السابقة) ".
(ابن رجب 2/ 63) .
3 - شرط إيفاء المسلَم فيه في غير مكان العقد، وفي صحته روايتان، والمنصوص عن أحمد فساده، لأن اشتراط ذكر مكان يوهم أن ذلك من جنس ذكر زمانه، وأنه مستحق بنفس العقد، بخلاف غيره من البيوع الي لا يذكر في عقودها شيء من ذلك.
(ابن رجب 2/ 63) .
(2/835)

القاعدة: [224]
كل شرط لا يرضي الرب ولا ينتفع به المخلوق
فهو باطل في جميع العقود
الألفاظ الأخرى
- ما كان حراماً بدون الشرط فالشرط لا يبيحه.
التوضيح
إن الشرط لا يكون صحيحاً لازماً، كما جاء في القاعدة السابقة، إلا إذا كان مشتملاً على منفعة في الدين أو في الدنيا، وكان غير مناقض لما جاءت به الشريعة من أوامر أو نواه، فالشرط لا يبيح ما حزمه الله، ولا يحرم ما أباحه الله، وإلا كان باطلاً ولا يجب الوفاء به، بل قد يحرم الوفاء به، ويجب نقضه، ويبقى العقد صحيحاً.
والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله.
ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق "
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً، والمسلمون على شروطهم "
ولأن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا وإلا كان تضييعاً له وتبذيراً، فيكون الشرط باطلاً.
(2/836)

التطبيقات
1 - إذا استأجر عاملاً، وشرط عليه ألا يصلي الصلوات التي تتخلل فترة عمله، أو ألا يصوم شهر رمضان، حال قيامه بالعمل، فالشرط فاسد، لا يجب الوفاء به؛ لأنه يتضمن إسقاط ما أوجبه الله تعالى..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 317) .
2 - إذا باعه سلعة بشرط ألا يسلمها له، فالشرط باطل؛ لأن مقصود البيع تسليم العين المبيعة، فإذا شرط عليه عدم تسليمها، فقد شرط شرطاً ينافي مقصود العقد، فيكون باطلاً..
(ابن تيمية، الحصين 2/ 317) .
3 - إذا قيل للولي: تصرف كيفما تشاء، فإنه مقيد بما يكون في تصرفه مصلحة، وإلا كان شرطاً باطلاً، لمخالفته الشرع، إذ التصرف الذي لا مصلحة فيه لا يجوز فعله.
(ابن تيمية، الحصين 2/ 317) .
(2/837)

القاعدة: [225]
العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها.
ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب
التوضيح
السبب: هو ما ارتبط به غيره وجوداً وعدماً، فيلزم من وجوده وجود الحكم.
ومن عدمه عدم الحكم، فالسبب هو الموجب للحكم، ولذلك لا تصح العبادات كلها، سواء كانت بدنية، أو مالية، أو مرغبة منهما، قبل وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، فدخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، فلا تصح قبل وقتها، وملك النصاب هو سبب وجوب الزكاة، فلا يصح تقديم الزكاة قبل أن يتم النصاب.
والشرط: هو ما ارتبط به غيره عدماً لا وجوداً، فإذا عدم الشرط عدم الحكم، لكن إن وجد الشرط قد يوجد الحكم وقد لا يوجد، فالوضوء شرط للصلاة، فإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إن وجد الوضوء فقد توجد الصلاة وقد لا توجد، ولذلك يجوز تقديم الشرط وهو الوضوء عن الصلاة، فيقدم الوضوء علي إرادة الصلاة، مع أن الوضوء لا يجب إلا بعد إرادة الصلاة لقوله تعالى:.
(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ، واليمين سبب للكفارة، والحنث شرط لها، فلا يصح تقديم الكفارة على الحلف، ويجوز تقديمها على الحنث، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير، أو: الذي هو خير، وكفرت عن يميني "
(2/838)

وكذلك يجوز إخرات انزى ة بعد ملك النصاب، وقبل حولان الحول.
التطبيقات
1 - الطهارة: سبب وجوبها الحدث، وشرط الوجوب فعل العبادة المشترط لها الطهارة، فيجوز تقديمها على العبادة، ولو بالزمن الطويل.
(ابن رجب 1/ 25) .
2 - الصلاة: يجوز تقديم صلاة العصر إلى وقت الظهر، وصلاة العشاء إلى وقت المغرب، لأن الشارع جعل الزوال سبباً لوجوب الصلاتين عند العذر دون عدمه، ولهذا لو أدرك جزءاً من وقت الزوال، ثم طرأ عليه عذر، لزمه قضاء الصلاتين على إحدى الروايتين، ولو زال العذر في آخر وقت العصر لزمه الصلاتان بلا خلاف عندنا، فعلم أن الوقتين قد صارا في حال العذر كالوقت الواحد، لكنه وقت جواز بالنسبة إلى إحداهما ووجوب بالنسبة إلى الأخرى.
(ابن رجب 1/ 25) .
3 - صلاة الجمعة: فإن سببها اليوم، لأنها تضاف إليه، ووقتها بعد الزوال، فيجوز فعلها بعد زوال وقت النهي من أول اليوم، وإن كان الزوال هو وقت الوجوب.
(ابن رجب 1/ 26) .
4 - زكاة المال: يجوز تقديمها من أول الحول بعد كمال النصاب.
(ابن رجب 1/ 26) .
5 - كفارات الإحرام: إذا احتيج إليها للعذر، فإن العذر سببها، فيجوز تقديمها بعد العذر وقبل فعل المحظور.
(ابن رجب 1/ 26) .
(2/839)

6 - صيام التمتع والقران، فإن سببه العمرة السابقة للحج في أشهره، فبالشروع في إحرام العمرة قد وجد السبب، فيجوز الصيام بعده، وإن كان وجوبه متأخراً عن ذلك.
(ابن رجب 1/ 27) .
7 - كفارة أليمين: يجوز تقديمها على الحنث بعد عقد اليمين، مالية كانت أو بدنية، لكن أصح الروايتين لا يجوز تقديم الكفارة البدنية كالصيام.
(ابن رجب 1/ 28) .
8 - إخراج كفارة القتل أو الصيد بعد الجرح، وقبل الزهوق.
(ابن رجب 1/ 28) .
9 - النذر المطلق: نحو إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ أن أتصدق بكذا، فله أن يتصدق في الحال.
(ابن رجب 1/ 29) .
10 - تطبيقات أخرى من غير العبادات
ويلحق بهذه القاعدة مما يجوز تقديمه على شرط وجوبه بعد وجود سببه من غير العبادات: الإبراء من الدية بين الجناية والموت، فالجناية سبب وجوب الدية، وشرطها الموت، وأما من القصاص ففيه روايتان، وكتوفية المضمون عنه للضامن الدين بين الضمان والأداء، وفيه وجهان، وكعفو الشفيع عند الشفعة قبل البيع.
وفيه روايتان، فإن سبب الشفعة الملك وشرطها البيع، وأما إسقاط الورثة حقهم من وصية المورث في مرضه، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يصح.
(ابن رجب 1/ 29) .
(2/840)

القاعدة: [226]
إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد تداخلت أفعالهما.
واكتفي فيهما بفعل واحد
التوضيح
قد تجتمع عبادتان من جنس واحد في وقت واحد، دون أن تكون إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا عن طريق التبعية للأخرى في الوقت، فتتداخل أفعالهما، ويكتفى فحهما بفعل واحد، وأما بالنسبة لنية فهي على ضربين:
الضرب الأول: أن يحصل للشخص بالفعل الواحد العبادتان جميعاً، فيشترط أن ينويهما معاً على المشهور، ولذلك صور وتطبيقات.
الضرب الثاني: أن يحصل للشخص إحدى العبادتين بيتها، وتسقط الأخرى
عنه، ولذلك أمثلة وتطبيقات.
تطبيقات الضرب الأول
1 - إذا اجتمع حدئان أصغر وأكبر، فالمذهب أنه يكفيه أفعال الطهارة الكبرى إذا نوى الطهارتين جميعاً جها، ولو كان عادماً للماء، فتيمم تيمماً واحداً ينوي به رفع الحدثين أجزأه عنهما بغير خلاف.
(ابن رجب 1/ 143) .
(2/841)

2 - القارن إذا نوى الحج والعمرة، كفاه لهما طواف واحد، وسعي واحد على المذهب الصحيح.
(ابن رجب 1/ 144) .
3 - إذا اجتمع كُسلا الجمعة والجنابة، أو غسل الجنابة والحيض، يكفى غسل واحد مع النية لهما.
(ابن رجب 1/ 144. حاشية) .
4 - إذا نذر الحج من عليه حج الفرض، ثم حج حجة الإسلام بنية الفريضة، أجزأته عنهما في رواية، والمشهور: لا تجزئه إلا عن نية أحدهما، ولو قدم حج النذر صح.
(ابن رجب 1/ 146) .
5 - إذا نذر صوم شهر يقدم فيه فلان، فقدم في أول رمضان، فصامه، أجزأه عنهما في رواية، إذا نواهما، والمشهور: لا يجزئه عنهما (1) .
(ابن رجب 1/ 148) .
6 - لو نذر الصدقة بنصاب من المال وقت حلول الحول، فتجزئه الصدقة عن النذر والزكاة إذا نواهما.
7 - لو طاف عند خروجه من مكة طوافاً واحداً ينوي به طواف الزيارة الركن وطواف الوداع أجزأه عنهما إذا نواهما.
(ابن رجب 1/ 149) .
8 - لو أدرك الإمام راكعاً، فكبّر تكبيرة ينوي بها تكبيرتي الإحرام والركوع، فتجزئه عنهما في رواية إذا نواهما لدخول تكبيرة الركوع وهي سنة، في تكبيرة الإحرام وهي واجب.
(ابن رجب 1/ 151) .
تطبيقات الضرب الثاني
وهو أن يحصل للشخص إحدى العبادتين بنيتها، وتسقط عنه الأخرى، ولذلك أمثلة:
__________
.
(1) وقال المحقق: الصواب أنه يجزئه صوم رمضان عن النذر؛ لأنه صدق عليه أنه صام شهراً وقت فدومه، يجزئه عند النذر؛ لأن الإمام أحمد يراعي المعاني في مسائل الأيمان.
(2/842)

1 - إذا دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة فصلى معهم، سقطت عنه التحية.
(ابن رجب 1/ 153) .
2 - لو جمع سجدتين معاً، فيكتفي بواحدة في قول، قياساً على الاكتفاء بسجدة الصلاة عن سجدة التلاوة، وهنا أولى، والمنصوص أنه يسجد سجدتين.
(ابن رجب 1/ 153) .
3 - إذا قدم المعتمر مكة فإنه يبدأ بطواف العمرة، ويسقط عنه طواف القدوم، وقياسه إذا أحرم بالحج من مكة ثم قدم يوم النحر أنه يجزئه طواف الزيارة عنه (1) .
وكذا لو أحرم من الميقات ثم ذهب إلى منى، ثم عرفة، ثم مزدلفة، ثم منى، ثم دخل يوم العيد في طواف الإفاضة، فيجزئه طواف الإفاضة عن طواف القدوم.
(ابن رجب 1/ 153) .
4 - إذا صلى عقب الطواف مكتوبة، فتسقط عنه ركعتا الطواف في رواية.
والرواية الأقيس أنها لا تسقط.
(ابن رجب 1/ 154) .
5 - لو أخر طواف الزيارة إلى وقت خروجه فطافه، فيسقط عنه طواف الوداع في رواية منصوصة.
(ابن رجب 1/ 155) .
6 - إذا أدرك الإمام راكعاً، فكبر للإحرام، فتسقط عنه تكبيرة الإحرام في رواية، والمنصوص: تجزئه.
(ابن رجب 1/ 155) .
7 - إذا اجتمع في يوم جمعة وعيد، فأيهما قدم أولاً في الفعل سقط به الثاني، ولم يجب حضوره مع الإمام في رواية، وفي رواية يشترط حضور الإمام حتى تنعقد الأولى.
(ابن رجب 1/ 156) .
8 - إذا اجتمع عقيقة وأضحية، فتجزي الأضحية عن العقيقة في رواية، وكذا إذا
__________
.
(1) قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "والمنصوص ها هنا أنه يطوف قبله للقدوم، وخالف فيه صاحب المغني وهو الأصح"، تقرير القواعد 1/ 153، وانظر: المغني 3/ 228 رقم 2558.
(2/843)

اجتمع هدي وأضحية، واختار الشيخ تقي الدين أنه لا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي.
(ابن رجب 1/ 156) .
9 - اجتماع الأسباب التي تجب بها الكفارات وتتداخل في الأيمان والحج والصيام والظهار وغيرها، فإذا أخرج كفارة واحدة عن واحد منها معين، أجزأه، وسقطت سائر الكفارات وإن كان مبهماً، فإن كانت من جنس واحد أجزأه وجهاً واحداً.
وفي قول: فيه وجهان، كان كانت من جنسين فوجهان في اعتبار النية.
(ابن رجب 1/ 156) .
10 - إذا اجتمعت الأحداث الموجبة للطهارة من جنس أو من جنسين موجبهما واحد، فيتداخل موجبهما بالنية بغير إشكال، وإن نوى أحدهما فالمشهور أنه يرتفع الجميع.
(ابن رجب 1/ 157) .
(2/844)

القاعدة: [227]
إمكان الأداء ليس بشرط في استقرار الواجبات بالشرع في
الذمة على ظاهر المذهب
التوضيح
شرع الله للواجبات أسباباً، فإذا وقع السبب وجب الحكم في الذمة، ولا يتوقف استقراره في الذمة على إمكان أداء الواجب على ظاهر المذهب، لأنه إذا وجب السبب وجب المسبب.
التطبيقات
1 - الطهارة: إذا وصل عادم الماء إلى الماء، وقد ضاق الوقت، فعليه أن يتطهر ويصلي وإن خرج الوقت، وفي قول: يصلي بالتيمم.
(ابن رجب 1/ 159) .
2 - الصلاة: إذا طرأ على المكلف ما يسقط تكليفه بعد الوقت، وقبل التمكن من الفعل، فقد استقرت الصلاة في ذمته، وعليه القضاء في المشهور.
(ابن رجب 1/ 160) .
3 - الزكاة: إذا تلف النصاب قبل التمكن من الأداء، فعليه أداء زكاته على المشهور، إلا المعشرات من الحبوب والثمار إذا تلفت بآفة سماوية، لكونها لم تدخل تحت يده، فهي كالدين الثاوي قبل قبضه، وفي وجه: تسقط مطلقاً (1) .
(ابن رجب 1/160
__________
.
(1) قال المحقق: " والصحيح سقوط الزكاة مطلقاً شرط ألا يحصل تفريط من المالك بالمماطلة والتأخير".
(تقرير القواعد. 1/160) .
(2/845)

4 - الصيام: إذا بلغ الصبي مفطراً في أثناء يوم من رمضان، أو أسلم فيه كافر، أو طهرت فيه حائض، لزمهم القضاء في أصح الروايتين (1) .
(ابن رجب 1/ 161) .
5 - الحج: لا يشترط لثبوت وجوبه في الذمة التمكن من الأداء كالمريض، والمرأة
بدون محرم، على أظهر الروايتين، وإنما يشترط لِلزُومِ أدأئه بنفسه.
(ابن رجب 1/ 161) .
المستثنى
1 - قضاء العبادات: اعتبر الأصحاب له إمكان الأداء، فمن أخر قضاء رمضان لعذر ثم مات قبل زواله، فإنه لا يُطعم عنه، وإن مات بعد زواله والتمكن من القضاء، أطعم عنه.
(ابن رجب 1/ 162) .
2 - قضاء المنذورات: يشترط التمكن من الأداء في وجه، وفي وجه لا يشترط التمكن من الأداء، فلو نذر صياماً أو حجاً، ثم مات قبل التمكن منه، فيقضى عنه في وجه، ولا يقضى عنه في وجه.
(ابن رجب 1/ 162) .
__________
.
(1) قال المحقق: الصحيح أن الصبي والكافر لا يلزمهما القضاء، ويلزمهما الإمساك فقط لتأخر وجود السبب، والمرأة يلزمها القضاء دون الإمساك، لأن الحيض مانع، والسافر إذا قدم فلا يلزمه الإمساك.
(تقرير القواعد 1/ 161) حاشية) .
(2/846)

القاعدة: [228]
النماء المتولد من العين حكمه حكم الجزء، والمتولد من
الكسب بخلافه على الصحيح
التوضيح
إذا نمت العين وزادت، فإن كان النماء من ذات العين فيُعدّ كالجزء منها، ويأخذ حكمها ويكون تابعاً لها، وأما المتولد بالكسب والسعي والعمل فلا يُعدُّ جزءاً من العين، ويأخذ حكماً مستقلاً.
التطبيقات
1 - زكاة الأنعام: لو كان عنده دون النصاب من الأنعام، فكمل نصابه بنتاجه، ففيها روايتان، والصحيح أن ابتداء الحول من حين بلغت النصاب، وفي قول من تاريخ ملك الأمهات؛ لأن النتاج جزء من الأمهات، إلا أن تكون دخلت ملكه وهي حوامل فكأنها في حكم الموجود من تاريخ تملك الأمهات، فإن كانت حوائل ثم حملت بعد، فالصحيح أنه لا يعتبر، ويبدأ النصاب من تاريح الولادة.
(ابن رجب 1/164) .
2 - زكاة النقد: لو كان له مئة وخسون درهماً، فاتجر بها حتى صارت مئتين، فحولُها من حين كملت بلا خلاف، لأن الكسب متولد من خارج، وهو رغبات الناس، لا من نفس العين.
(ابن رجب 1/164) .
(2/847)

3 - تعجيل الزكاة: لو عجل الزكاة عن نماء النصاب قبل وجوده، ففيه ثلاثة أوجه، لا يجزئه، ويجزئه، والثالث يفرق بين كون النماء نصاباً فلا يجزئ، لاستقلاله بنفسه في الوجوب، وبين أن يكون دون نصاب فيجزئ لتبعيته للنصاب في الوجوب.
(ابن رجب 1/ 165) .
4 - لو اشترى شيئاً، فاستغله ونما عنده، ثم رده بعيب، فإن كان نماؤه كسباً لم يرده معه بغير خلاف لقاعدة "الخراج بالضمان"
وإن كان متولداً من عينه كالولد واللبن والصوف
الحادث وثمر الشجر ففيه روايتان، والصحيح أنه للمشتري.
(ابن رجب 1/ 166) .
5 - المقارضة: لو قارض المريض في مرض الموت، وسمى للعامل أكثر من تسمية مثله صح، ولم يحتسب من الثلث، ولو ساقى، وسمى للعامل أكثر من تسمية المثل فوجهان، أشهرهما أن تعتبر الزيادة على تسمية المثل من الثلث، لحدوث الثمر من عين ملكه.
(ابن رجب 1/ 166) .
6 - لو فسخ المالك المضاربة قبل ظهور الربح، لم يستحق المضارب شيئاً، ولو فسخ المساقاة قبل ظهور الثمرة، استحق العامل أجرة المثل؛ لأن الربح لا يتولد من المال بنفسه، وإنما يتولد من العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر متولد من عينالشجرة، وقد عمل على الشجر عملاً مؤثراً في الثمر، فكان لعمله تأثير في حصول الثمر، وظهوره بعد الفسخ.
(ابن رجب 1/ 166) .
7 - المشاركة بين اثنين بمال أحدهما، وعمل الآخر، إن كانت المشاركة فيما ينمو من العمل كالربح جاز كالمضاربة، وكمن دفع دابته إلى من يعمل عليها بشيء من كسبه، فإنه يجوز على الأصح، وإن كانت المشاركة فيما يحدث من عين المال، كدر الحيوان ونسله ففيه روايتان، والأكثر على المنع، لأن العامل لا يثبت حقه في أصل العين، والمتولد من العين حكمه حكمها، واستثنى أبو الخطاب ثمر الشجر.
وأما الإجارة المحضة فتجوز فيما يتتفع باستغلاله وإجارته من العقار وغيره، ولا يجوز فيما ينتفع بأعيانه إلا فيما استثني من ذلك للحاجة، كالظئر ونحوها، وقال الشيخ تقي الدين: إن الأعيان التي تستخلف شيئاً فشيئاً فحكمها حكم المنافع فيجوز استيفاؤها بعقد الإجارة، كما تستوفى بالوقف والوصية.
(ابن رجب 1/ 168) .
(2/848)

القاعدة: [229]
من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه.
وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه
التوضيح
إن ضمان المتلفات مقرر في الشرع، وكذلك دفع الأذى عن النفس والمال
والعرض، فمن أتلف مالاً لدفع الأذى عنه لم يضمن، وإن أتلفه لحاجة أو مصلحة تعود عليه ضمن.
التطبيقات
1 - لو صال عليه حيوانُ آدمي، أو بهيم، فدفعه عن نفسه بالقتل لم يضمنه، ولو قتل حيواناً لغيره في مخمصة ليحيى به نفسه ضمنه.
(ابن رجب 1/ 106) .
2 - لو صال عليه صيد في إحرامه فقتله دفعاً عن نفسه لم يضمنه على الأصح، وإن أضطر لقتله في المخمصة ليحيى به نفسه ضمنه.
(ابن رجب 1/ 107) .
3 - لو حلق المحرم رأسه لتأذيه بالقمل والوسخ، فداه؛ لأن الأذى من غير
الشعر، ولو خرجت في عينه شعرة فقلعها أو نزل الشعر على عينيه فأزاله، لم يَفْدِه.
(ابن رجب 1/ 107) .
4 - لو أشرفت السفينة على الغرق فألقى متاع غيره ليخففها ضمنه، ولو سقط
(2/849)

عليه متاع غيره فخشي أن جهلكه، فدفعه فوقع في الماء لم يضمنه.
(ابن رجب 1/ 107) .
5 - لو وقعت بيضة نعامة من شجرة في الحرم على عين إنسان، فدفعها فانكسرت، فلا ضمان عليه، بخلاف ما لو احتاج إلى أكلها لخمصة.
(ابن رجب 1/ 108) .
6 - لو قلع شوك الحرم لأذاه لم يضمنه، ولو احتاج إلى إيقاد غصن شجرة ضمنه.
والصواب جواز قطع الشوك في الحرم للنص عليه.
(ابن رجب 1/ 108) .
(2/850)

القاعدة: [230]
من أتلف نفساً، أو أفسد عبادة، لنفع يعود إلى نفسه، فلا ضمان
عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان
التوضيح
إن حماية النفس والدفاع عنها، وحفظها من مقاصد الشريعة، فإذا تعرضت
النفس لأذى، أو شغلت بعبادة ترتب عليها مشقة، فيرخص للشخص الفعل أو الترك ولا ضمان عليه، وإن كان النفع من الفعل يعود إلى غيره، فعليه الضمان.
وهذه القاعدة قريبة من القاعدة السابقة.
التطبيقات
1 - الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما فلا فدية عليهما، وإن أفطرتا خوفاً على ولديهما، فعليهما الفدية في المشهور.
(ابن رجب 1/ 209) .
2 - لو نجَّى غريقاً في رمضان، فدخل الماء في حلقه، وقلنا: يفطر به، فعليه الفدية، وإن حصل له بسبب إنقاذه ضعف في نفسه فأفطر فلا فدية.
(ابن رجب 1/210) .
3 - لو دفع صائلاً عليه بالقتل لم يضمنه، ولو دفعه عن غيره بالقتل ضمنه في قول.
(ابن رجب 1/ 210) .
(2/851)

4 - لو أكره على الحلف بيمين لحقّ نفسه، فحلف دفعاً للظلم عنه لم ينعقد يمينه.
ولو أكره على الحلف لدفع ظلم عن غيره فحلف، انعقدت يمينه في قول، والأظهر لا تنعقد.
(ابن رجب 1/ 210) .
(2/852)

القاعدة: [231]
كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب الضمان في فاسده.
والعكس بالعكس
التوضيح
إن العقد الصحيح إذا كان موجباً للضمان كالبيع والإجارة والنكاح، فالعقد
الفاسد كذلك، وعقود الأمانات كالمضاربة والشركة والوكالة والوديعة وعقود التبرعات كالهبة، وكذلك الصدقة، فإنه لا يجب الضمان فيها مع الصحة، فكذلك مع الفساد.
ولكن وقع خلاف في المذهب الحنبلي في حالة الضمان في العقد الفاسد، هل
يضمن بما سمي فيه، أو بقيمة المثل؟.
التطبيقات
1 - البيع الصحيح يجب فيه ضمان العين بالثمن، وكذلك المقبوض بالبيع الفاسد يجب فيه ضمان الثمن على المذهب.
(ابن رجب 1/ 335) .
2 - الإجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها سواء انتفع بها المستأجر أو لم ينتفع، وفي الإجارة الفاسدة روايتان، الأولى تجب الأجرة.
والثانية لا تجب إلا بالانتفاع وهي الأشبه، وكذلك الأمر في ضمان منفعة المبيع.
(ابن رجب 1/ 335) .
(2/853)

3 - النكاح الصحيح، يستقر فيه المهر بالخلوة بدون وطء، وفي النكاح الفاسد روايتان.
(ابن رجب 1/ 336) .
4 - المبيع المقبوض بدون تسمية ثمن لا يضمن؛ لأنه على ملك البائع، والعمل في المذهب على خلافه.
(ابن رجب 1/ 336) .
5 - المبيع في العقد الفاسد: المذهب ضمانه بالقيمة لا بالثمن المسمى فيه، وفي قول: يضمن بالمسمى واختاره الشيخ تقي الدين
وقال: إنه قياس المذهب.
(ابن رجب 1/ 337) .
6 - الإجارة الفاسدة؛ ضمانها بأجرة المثل في المذهب، وفي قول بالأجرة المسماة.
(ابن رجب 1/ 339) .
7 - النكاح الفاسد: يستقر بالدخول فيه وجوب المهر المسمى في الرواية المشهورة عن أحمد، وهي المذهب، لأن النكاح مع فساده منعقد، ويترتب عليه أكثر أحكام النكاح الصحيح، من وقوع الطلاق ولزوم عدة الوفاة، والاعتداد بعد المفارقة، ووجود المهر فيه بالعقد، وتقرره بالخلوة، ولذلك لزم المهر المسمى فيه كالصحيح؛ ولأن ضمان المهر في النكاح الفاسد ضمان عقد، كضمانه في الصحيح، بخلاف البيع، فضمان البيع الفاسد ضمان تلف، وفي البيع الصحيح ضمان عقد.
وفي رواية؛ الواجب مهر المثل.
(ابن رجب 1/ 340) .
8 - عقود المشاركات إذا فسدت، كالشركة والمضاربة، فيها خلاف في ضمان المسمى فيها، أو أجر المثل، وهذه العقود لا ضمان فيها على القابض وإنما يجب له فيها العوض بعمله، إما المسمى، أو أجرة المثل، على خلاف فيه.
(ابن رجب 1/346) .
(2/854)

القاعدة: [232]
كل من ملك شيئاً بعوض، مُلك عليه عوضه، في آن واحد
التوضيح
تتم المعاوضات بين الأطراف ليقوم كل طرف بتقويم العوض عما يحصل عليه، فإنْ مُلِك العوضُ بعقد ما فيترتب فوراً انتقال العوض المقابل للطرف الآخر في آن واحد، حتى لا يتم اجتماع البدلين، أو العوضين في طرف واحد، ويطرد ذلك في البيع والسلم والقرض والإجارة، أما التسليم فهو أثر من آثار العقد، وقد يتم بعد العقد، وقد يتأخر، وقد يكون مؤجلاً.
وإذا كان أحد العوضين مؤجلاً فلا يمنع ذلك المطالبة بتسليم الآخر.
وإن كانا حالين ففي البيع يجب إقباض البائع أولاً في المذهب، لأن حق المشتري تعلق بعين، فيقدم على ما تعلق بالذمة.
ولا يجوز للبائع حبس المبيع عنده على الثمن على المنصوص؛ لأنه صار في يده أمانة، فوجب رده بالمطالبة كسائر الأمانات.
وفي قول له الحبس حتى يقبض.
وفي الإجارة لا يجب تسليم الأجرة في المذهب إلا بعد تسليم العمل العقود عليه، أو العين.
(2/855)

التطبيقات
1 - الإجارة: يملك المستأجر المنافع، ومملك المؤجر الأجرة بنفس العقد.
(ابن رجب 1/347) .
2 - النكاح: يملك الزوج منفحة البُضع بالعقد، وتملك المرأة به الصداق كله في ظاهر المذهب.
(ابن رجب 1/347) .
وكذلك الخلع على مال.
3 - المعاوضات القهرية، كأخذ المضطر طعام الغير.
فيثبت الضمان للمالك في آن واحد.
(ابن رجب 1/347) .
4 - الشفعة: يأخذ الشفيع الشقص، ويثبت الثمن للمشتري
في آن واحد.
(ابن رجب 1/347) .
(2/856)

القاعدة: [232]
الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد.
ولا ينقطع بالتفرق اليسير
التوضيح
إذا طلب الشرع فعلاً ما، فقد يحتاج لبعض الوقت حتى يكتمل، فإن حصل
انقطاع يسير في أثناء الفعل، وكان الاتصال معتاداً، فلا ينقطع بالتفرق اليسير، ويعتبر فعلاً واحداً.
التطبيقات
1 - مكاثرة الماء القليل النجس بالماء الكثير، يعتبر له الاتصال المعتاد، دون صبِّ القلتين دفعة واحدة.
(ابن رجب 2/ 406) .
2 - الموالاة في الوضوء لا يقطعها التفرق اليسير بحسب العرف أو جفاف
الأعضاء.
(ابن رجب 2/ 407) .
3 - الصلاة: يجوز البناء عليها إذا سلَّم منها ساهياً مع قرب الفصل، ولا تبطل بذلك.
(ابن رجب 2/ 409) .
4 - المسافر: إذا أقام مدة يومين فهو سفر واحد، ينبني بعضه على بعض، وإن زاد لم يبن.
(ابن رجب 2/ 409) .
(2/857)

5 - إذا ترك العمل في المعدن الترك المعتاد أو لعذر، ولم يقصد الاهمال، ثم عاد إلى الاستخراج ضم الثاني إلى الأول في النصاب للزكاة.
(ابن رجب 2/ 409) .
6 - الطواف إذا تخلله صلاة مكتوبة أو جنازة يبني عليه، سواء قلنا: الموالاة فيه سنة، أو شرط على أشهر الطريقين للأصحاب.
(ابن رجب 2/ 409) .
7 - لو حلف لا أكلت إلا أكلة واحدة في يومي هذا، فأكل متواصلاً، لم يحنث، وإن تفرق التفرق المعتاد على الأكلة الواحدة، ولو طال زمن الأكل، وإن قطع، ثم عاد بعد طول الفصل، حنث.
(ابن رجب 2/ 410) .
8 - لو أخرج السارق من الحرز بعض النصاب، ثم دخل وأخرج باقيه، وكل منهما بانفراده لا يبلغ نصاباً، فإن لم يطل الفصل بينهما، قطع، وإن طال ففيه وجهان.
(ابن رجب 2/ 410) .
9 - إذا ترك المرتضع الثدي بغير اختياره، ثم عاد إليه قبل طول الفصل، فهي رضعة واحدة، وكذا لو قطع باختياره لتنفس أو إعياء يلحقه، ثم عاد، ولم يطل الفصل، فهي رضعة واحدة، وإن انتقل من ثدي إلى آخر، ولم يطل الفصل فهي رضعة واحدة، وفي رواية تكون رضعتين في جميع ذلك.
(ابن رجب 2/ 411) .
(2/858)

القاعدة: [234]
ينزل المجهول منزلة المعدوم
التوضيح
إن الشيء إذا كان مجهولاً، أو أصبح مجهولاً، فإنه ينزل منزلة المعدوم، مع أنه كان الأصل بقاءه، وذلك متى يُئس من الوقوف عليه أو شق الوقوف عليه، لرفع الحرج والمشقة عن الناس، وهذه القاعدة قريبة من القاعدة السابقة "لا عبرة للتوهم (م/74) .
التطبيقات
1 - الزائد على ما تجلسه المستحاضة من أقل الحيض، أو غالبه، إلى منتهى أكثره، حكمه حكم المعدوم، ويحكم للمرأة بأحكام الطهارات كلها؛ لأن مدة الاستحاضة تطول، ولا غاية لها تنتظر.
(ابن رجب 2/ 432) .
2 - اللقطة بعد الحول، فإنها تملك لجهالة ربها وما لا يتملك منها يتصدق به عنه على الصحيح، وكذلك الودائع، والغصوب، ونحوها.
(ابن رجب 2/ 432) .
3 - امرأة المفقود لغيبة ظاهرها الهلاك فيما بعد أربع سنين تباح للأزواج.
وكذلك يقسم ماله بين ورثته، كالميت، ويحكم له بأحكام الموتى بعد المدة في الأظهر.
(ابن رجب 2/ 433) .
4 - مال من لا يعلم له وارث، فإنه يوضع في بيت المال، كالضائع، مع أنه
(2/859)

لا يخلو من بني عم أعلى عصبة له، إذ الناس كلهم لبني آدم، ولكنه مجهول، فلم يثبت له حكم، وجاز صرف ماله في المصالح.
وفي رواية ينتقل إرثاً إلى بيت المال.
ومثله مسألة اقتصاص الإمام من قتل من لا وارث له.
(ابن رجب 2/ 433) .
5 - إذا طلق واحدة من نسائه، وأنسيها، فإنها تميز بالقرعة، ويحل له وطء البواقي على المذهب الصحيح المشهور.
(ابن رجب 2/ 435) .
6 - إذا أحرم بنسكه، وأنسيه، ثم عينه بقران، فإنه يجزئه عن الحج، وفي إجزائه عن العمرة وجهان، أشهرهما لا يجزئه، لاحتمال أن يكون أحرم بحج أولاً، ثم أدخل عليه العمرة بنية القِران، فلا تصح عمرته، والثاني: تجزئه، لعدم العلم تنزيلاً للمجهول كالمعدوم، فكأنه ابتدأ بهما من حين التعيين.
(ابن رجب 2/ 435) .
(2/860)

القاعدة: [235]
المنع أسهل من الرفع
التوضيح
إن العمل الذي يمنع الحكم أسهل من رفع الحكم بعد وقوعه، وهذه القاعدة تشبه القاعدة السابقة عند الشافعية "الدفع أقوى من الرفع".
وهو قريب من القاعدة الصحية "الوقاية خير من العلاج "
وقاعدة "درهم وقاية خير من قنطار علاج "
وهذا مشاهد في الحياة في جوانب عدة.
وكان الشروع في الفعل يعَويه ويجعل نقضه صعباً.
التطبيقات
1 - منع تخمر الخل ابتداءً، بأن يوضع فيها خل يمنع تخمرها، مشروع، وتخليلها بعد تخمرها ممنوع.
(ابن رجب 3/ 23) .
2 - ذبح الحيوان المأكول يمنع نجاسة لحمه وجلده، وهو مشروع، ودبغ جلده بعد نجاسته بالموت لا يفيد طهارته على ظاهر المذهب.
(ابن رجب 23/3) .
3 - السفر قبل الشروع في الصيام يبيح الفطر، ولو سافر في أثناء يوم من رمضان، ففي استباحة الفطر روايتان، والإتمام أفضل بكل حال.
(ابن رجب 3/ 23) .
4 - إن الرجل يملك منع زوجته من حج النذر والنفل، فإن شرعت فيه بدون إذنه، ففي جواز تحليلها روايتان.
(ابن رجب 3/ 24) .
(2/861)

5 - إن وجود الماء بعد التيمم، وقبل الشروع في الصلاة يمنع الدخول فيها
بالتيمم، ولو دخل فيها بالتيمم ثم وجد الماء، ففي بطلانها روايتان، وكذلك الخلاف في القدرة على نكاح الحرة بعد نكاح الأمة، ففي بطلانها روايتان، ويمنع ابتداء قولاً واحداً، وكذا القدرة على كفارة الظهار بالعتق بعد الشروع في الصيام لا يوجب الانتقال على الصحيح، وفي رواية يوجبه، وقبله يجب.
(ابن رجب 3/ 24) .
6 - إن المرأة تملك منع نفسها حتى تقبض صداقها، فإن سلمت نفسها ابتداءً قبل قبض الصداق ففي ذلك وجهان، وكذلك في البيع: إن البائع يملك الامتناع عن تسليم المبيع حتى يقبض ثمنه، فإذا سلَّمه، لم يملك استرجاعه، ومنع المشتري من التصرف فيه والحجر عليه مستند إلى هذه القاعدة.
(ابن رجب 3/ 24) .
7 - اختلاف الدّين المانع من النكاح يمنعه ابتداء، ولا يفسخه في الدوام على الأشهَر، بل يقف الأمر على انقضاء العدة فيه.
(ابن رجب 3/ 25) .
8 - الإسلام يمنع ابتداء الرق، ولا يرفعه بعد حصوله.
(ابن رجب 3/ 25) .
(2/862)

الباب السابع
القواعد المختلف فيها في فروع المذهب المالكي
وردت معظم القواعد في المذهب المالكي مختلفاً فيها، ولذلك جاءت بصيغة
الاستفهام، للإشارة إلى الاختلاف فيها، وهي قواعد كثيرة، وبعضها ضوابط في باب فقهي، ولذلك نختار أهم القواعد المختلف فيها.
(2/863)

القاعدة: [236]
الغالب هل هو كالمحقق أم لا؟
الألفاظ الأخرى
- الظن الغالب ينزل منزلة التحقيق.
- الظن في الأحكام الشرعية كالقطع، وفي أسبابها لا.
التوضيح
المراد بذلك وجود الظن الغالب، وهو إدراك الطرف الراجح مع طرح مقابله
وهو الوهم.
والظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض.
والظن الغالب أقوى من مجرد الظن.
فالظن الغالب: إدراك الطرف الراجح مع طرح مقابله، وهو الوهم.
وغالب الظن عند الفقهاء ملحق باليقين، وتبنى عليه الأحكام العملية، ويجب
العمل به باتفاق إذا لم يوجد دليل قاطع من النصوص، ولا معارض له أرجح منه، كالظن الحاصل عند سماع البينات والمقومين والمفتين والرواة والأحاديث والأقيسة الشرعية، ومن لم يعمل بغلبة الظن عطَّل أكثر الأحكام، ولذلك ينزل الغالب منزلة المحقق في الرأي المشهور عند المالكية، ولا ينزل في رأي آخر، مع التنبيه لقاعدة العبرة للغالب الشائع لا للنادر، وما يرد فيها من تطبيقات واستثناءات.
(2/865)

التطبيقات
1 - سؤر ما عادته استعمال النجاسة إذا لم تر النجاسة في فيه ولم يعسر الاحتراز منه، كالطير والسباع والدجاج المخلاة، وكذلك سؤر الكافر وما أدخل يده فيه.
وسؤر شارب الخمر، هل كل ذلك نجس لأن الغالب نجاسته، والغالب كالمحقق؛ أو لا يكون نجساً تغليباً للأصل، إذ الأصل أن كل حي طاهر.
اختار ابن رشد الطهارة، والمشهور إراقة الماء دون الطعام، لجواز طرح الماء
بالشك لسهولته على النفس، بخلاف الطعام فلا يطرح بالشك لحرمته.
(الغرياني ص 14، المقري 1/ 241) .
2 - لباس الكافر وغير المصلي، المشهور أنه لا يصلى فيه، ويحمل على النجاسة، تقديماً للغالب وجعله كالمحقق.
(الغرياني ص 14) .
3 - إذا اضطرب الكلب الجارح أو الصقر الجارح على صيد، وتحفز له، فأرسله الصائد دون أن يرى الصيد، فادركه منفوذ المقاتل، وظن أنه المقصود، فإنه يوكل بناء على أن الغالب كالمحقق، إذ الغالب أن الجارح إنما وقع على ما اضطرب عليه، لا على غيره.
والقول الآخر أنه لا يؤكل إلا إذا تحقق الصاند أن الجارح وقع على ما
اضطرب عليه.
(الغرياني ص 14) .
4 - من علق طلاق امرأته على الحيض أو الحمل، فيقع الطلاق عليه ناجزاً في الحال، ولا يؤجل إلى وفوع الحمل أو الحيض، لأنه يغلب على الظن الوقوع إن كانت المرأة ممن تحيض وممن يتوقع منها الحمل وهو يطؤها تنزيلاً للغالب منزلة المحقق، وهو الراجح.
وقال أشهب: لا ينجز عليه الطلاق إلى أن تحيض، وهو مبني
على أن الغالب ليس كالمحقق.
(الغرياني ص 15) .
المستثنى
1 - لا يلتفت إلى غلبة الظن إذا أمكن اليقين، كالمكي الذي يقدر على استقبال عين الكعبة، فلا يصح منه الاجتهاد بغلبة الظن.
(الغرياني ص 15) .
(2/866)

2 - لا تقبل غلبة الظن بالاجتهاد مع وجود الدليل القاطع.
(الغرياني ص 15) .
لأنه لا اجتهاد في مورد النص
3 - المشهور أنه لا يعمل الظان على ظنه في استباحة الصيد إذا اشترك جارح
المعلم مع غيره، وظن أن المعلم هو القاتل، ويعمل بظنه في الصلاة إذا ظن الفراغ منها، لأن الظن في الصلاة تعلق بعين الحكم الشرعي فهو كالقطع، وفي الصيد تعلق بسببه فلا يعمل به.
(الغرياني ص 16) .
4 - إذا أكل حيوان يستعمل النجاسة من طعام، أو أكل منه غير مسلم، فالمشهور أنه لا يعمل بقاعدة الغالب كالمحقق، فلا يطرح لحرمته بخلاف الماء.
(الغرياني ص 16) .
(2/867)

القاعدة: [237]
المعدوم شرعًا هل هو كالمعدوم حسًّا أم لا؟
الألفاظ الأخرى
- النهي هل يصير المنهي عنه مضمحلاً كالعدم أم لا؟
- النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟
- المشهور من مذهب مالك أن المعدوم شرعاً كالمعدوم حقيقة.
التوضيح
الأمر إما أن يكون له وجود حسي وشرعي فهو سليم لا غبار عليه كالصلاة
بشروطها وأركانها، والبيع بشروطه وأركانه، وإما أن يكون له وجود حسي في الخارج، ولكنه ليس له وجود شرعي لفقد الأركان والشروط، فلا يعتد به الشرع.
ويعتبر غير موجود، وكانه معدوم حسًّا ولو كان ماثلاً للعيان، فهو كالعدم، وقد تختلف الأقوال فيه.
التطبيقات
1 - من حلف ليطأن زوجته، فوطئها وهي حائض أو صائمة، هل يبر بوطئه أو لا؟ قولان،
(2/868)

وذلك أن الوطء في الحيض والصوم حرام، فهو معدوم شرعاً، فإن نزل
منزلة المعدوم حسًّا لم يبرَّ، وإلا برَّ.
(الغرياني ص 18) .
2 - وطء الزوجة وهي حائض لا يحلل المبتوتة، ولا يكون به الزوج محصناً، بل يجلد حدَّ البكر، ولا تحصل به الرجعة للمطلقة إن نوى به الزوج الترجيع في العدة، ولا تحصل به الفيئة من الزوج المولي، وكذلك لا تحصل الفيئة بنكاح المولي في الصوم، أو الإحرام على المشهور، لأن الوطء محرم شرعاً، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسًّا، فكأنه لم يكن.
(الغرياني ص 18، القري 1/ 334) .
3 - الحاضر الصحيح إذا فقد الماء لا يتيمم للجمعة ولا للجنازة في المشهور عند المالكية، لكون الحاضر ممنوعاً من التيمم بالشرع، فصار كفاقد الطهورين الذي لم يجد ماء ولا تراباً، وفاقد الطهورين فيه خلاف، بأن تسقط عنه الصلاة، أو يصلي ولا يقضي، أو يصلي ويقضي، أو يقضي ولا يصلي، وبناء على القاعدة فإنه لا يصلي حتى يتطهر بالماء.
(الغرياني ص 19) .
4 - من حلف: ليتزوجن، فتزوج زواجاً فاسداً، أو ليبيعن، فباع بيعاً فاسداً، أو ليأكلن الطعام، ففسد ثم أكله، أو حلف على معصية كشرب الخمر، وتجرأ وشرب.
فلا يبر في ذلك كلِّه، لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حسًّا.
(الغرياني ص 19) .
5 - من جار في القسم بين زوجاته، فأقام عند واحدة أكر من غيرها، وأراد أن يرجع إلى العدل، فلا يُحاسب من غاب عنها الأيام التي جار فيها عند الأخرى، لأن أيام الجور غير معتدٍّ بها شرعاً، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسًّا.
(الغرياني ص 19، المقري 1/ 334) .
6 - المبيع بيعاً فاسداً لا ينقل ضمانه إلى المشتري إلا إذا قبضه المشتري على وجه يمكنه فيه الانتفاع به، فلو لم يقبضه أصلاً، أو قبضه على وجه الوديعة والأمانة وضاع، فلا ضمان عليه؛ لأن العقد الفاسد يعد معدوماً شرعاً فيكون كالمعدوم حقيقة، فلا يكون سبباً للضمان إلا إذا صحبه قبض ضمان.
(الغرياني ص 20) .
7 - لو صاد محرم صيداً فهو ميتة لا يجوز أكله، لا للمحرم ولا لغيره، لأن الصيد
(2/869)

وقت الإحرام منهي عنه، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسّاً.
(الغرياني ص 20، المقري 1/ 334) .
المستثنى
من حلف لا يفعل كذا، فأكره عليه، فإنه إذا فعله بعد ذلك مختاراً حنث لعدم حنثه أولاً، فالمعدوم شرعاً ليس كالمعدوم حسًّا هنا؛ لأن صورة الفعل حصلت أولاً مع الإكراه، فانحل اليمين ولو أنه فعل غير معتد به.
(الغرياني ص 20) .
(2/870)

القاعدة: [238]
الموجود شرعًا هل هو كالموجود حقيقة، أم لا؟
الألفاظ الأخرى
- الموجود شرعاً كالموجود حقيقة.
- الموجود حكماً هل هو كالموجود حقيقة، أم لا؟
التوضيح
إن الاعتداد في الأمور إنما هو بالشرع لا بالحس، هما كان مشروعاً فهو موجود حقيقة، وإن لم يكن موجوداً حسًّا، وهي عكس القاعدة السابقة، فمن كان ضالاً فهو أعمى وإن كان يبصر، ومن اهتدى فهو بصير وإن كان لا ينظر، وهذا من تنزيل الموجود شرعاً كالموجود حقيقة، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حقيقة، مع الاختلاف في ذلك.
التطبيقات
1 - إذا صلى الإمام الراتب وحده في المسجد كان له حكم الجماعة، فلا يعيد بعد ذلك في جماعة أخرى، ولا تعاد الجماعة بعده في مسجده، لأن صلاته وحده بمنزلة
(2/871)

الجماعة في تقدير الشرع، والموجود شرعاً كالموجود حقيقة، وإذا صلى الإمام وحده خارج المسجد ثم وجد جماعة أعاد، وتعاد الجماعة بعده في المسجد، لأن صلاته وحده ليست جماعة حسًّا.
(الغرياني ص 22، المقري 2/ 455) .
2 - ما ترتب في الذمة من النقد لا يعرف بعينه، وكان حال الدفع كنقد مسكوك عند الغاصب، أو سبائك ذهب، يجوز للمغصوب منه أن يصارفه مع الغاصب وإن لم يكن الذهب حاضراً في مجلس العقد، لأنه موجود حكماً بوجوده حاضراً في الذمة.
وقيل: لا يجوز لعدم وجوده حسًّا.
(الغرياني ص 22) .
3 - صرف ما في الذمة من الدين هل يصح؛ لأنه موجود حكماً، أو لا لعدم حضور النقدين، أو أحدهما حسًّا في المجلس، كأن يكون لشخص في ذمة آخر ذهب أو فضة أو نقود من دين، فتصرفها منه بنقد آخر ناجز، فإن كان الدين الذي في الذمة حالاً كما في مسألة الغصب، فالمشهور الجواز، وقيل: لا يجوز لعدم التقابض الحسي، ووجه الجواز براءة الذمة وحلول ما فيها من الدين، وكأنه على الحقيقة حاضر، فقد حصل التناجز صورة ومعنى، فإن كان ما في الذمة من الدَّين غير حالٍّ.
فالمشهور أنه لا يجوز صرفه؛ لأن ذمة المدين تبقى عامرة به إلى الأجل، وبصرفه إياه قبل الأجل يكون كالمسلف له نظير ما في ذمته، لأن من عجل ما أجَّل عدَّ مسلِّفاً.
فإذا حل الأجل يقدر كأنه قبض من نفسه ما كان عجله، فيكون من الصرف المؤخر، ومن باب أولى في المنع إذا كان الدينان معاً مؤجلين، لأنه من الصرف المؤخر.
(الغرياني ص 22) .
(2/872)

القاعدة: [239]
انقلاب الأعيان هل له تأثير في الأحكام أم لا؟
الألفاظ الأخرى
- استحالة الفاسد إلى فساد لا تنقل حكمه، وإلى صلاح تنقل، مع خلاف.
- استحالة الفاسد إلى صلاح تنقل حكمه إلى طهارة.
التوضيح
إذا تحولت النجاسة إلى مادة جديدة عن طريق المعالجة الصناعية، أو تحولت
بنفسها، بحيث زال عنها عنصر الاستقذار، بأن فقدت كل خصائصها الأولى ذات الخبث، واكتسبت خصائص جديدة لها صفة الطهورية، فهل هذا التحول يؤثر في حكمها، وتصير المادة المتحولة طاهرة، ولا يلتفت إلى ما كانت عليه قبل الاستحالة.
أو لا تكتسب الطهارة بتحولها، ويبقى وصف النجاسة ملازماً لها، ولو ظاهر حالها الطهارة، نظراً لأصلها؛ فيه خلاف في المذهب المالكي، والراجح الأول، لأن الله تعالى إنما حرم الخبائث، وما تحول إلى طاهر لم يعدَّ من الخبائث، قال تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، ولأن المادة تحولت إلى غيرها، واستحالت إلى طاهر، وصارت من الطيبات.
قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) .
فاستحالت المادة إلى صلاح.
(2/873)

التطبيقات
1 - لبن الحيوان الآكل للنجاسة (الجلالة) ولحمه وبوله وعرقه وبيضه يكون
طاهراً، بناء على أن انقلاب أعراض النجاسة يؤثر في الأحكام.
(الغرياني ص 24) .
2 - لبن المرأة الشاربة للخمر طاهر.
(الغرياني ص 24) .
3 - الزروع والبقول والثمار التي تسقى بالنجاسة.
(الغرياني ص 24) .
4 - عسل النحل الآكلة للعسل المتنجس.
(الغرياني ص 24) .
5 - ما يتساقط من سقف الحمَّام من بخار، ولا يخلو أصله من أشياء نجسة، وذلك لما يوقد في تسخين مائه من الروث ودخانه، وكذلك قطرة الحَمام (الطير) وخرؤه إذا كان يأكل النجاسة.
(الغرياني ص 24) .
6 - الخمر إذا تحولت إلى خلٍّ، أو تحجر فصار جامداً، وفقد صفة الإسكار.
(الغرياني ص 24) .
7 - رماد الميتة والمزبلة بعد حرقها.
(الغرياني ص 25) .
هذه الأشياء كلُّها تعدُّ طاهرة بناء على أن انقلاب أعراض النجاسة يؤثر في
الأحكام، وهو الراجح، لأنه استحال إلى صلاح وصار طيباً.
وفي قول فهي باقية على أصل النجاسة بناء على عدم التأثير.
أما إذا استحالت إلى فساد كالروث والبول، فهو نجس، لأنه باقٍ على الخبث.
المستثنى
المسك الذي تحول من دم فاسد نجس فهو طاهر بالإجماع، أي بدون خلافا.
(الغرياني ص 25) .
(2/874)

القاعدة: [240]
المخالط المغلوب هل تنقل عينه إلى عين الذي خالطه، أو لا
تنقل، وإنما خفي عن الحسِّ فقط؟
الألفاظ الأخرى
- استهلاك العين يسقط اعتبار الأجزاء.
- المخلوط المغلوب تنقلب عينه إلى عين الذي خالطه.
التوضيح
إذا اختلط المائع أو الطعام بشيء آخر أكثر منه حتى غلب عليه، فهل يعدُّ المغلوب كالعدم لا حكم له، وتنقلب عينه، ويعطى الحكم للغالب، أو يبقى للمغلوب حكمه، ويعد موجوداً، وإنما خفي عن الحس فقط.
اختلف العلماء في ذلك، والمشهور عند المالكية الثاني بأن يبقى للمغلوب
حكمه.
التطبيقات
1 - إذا خالطت النجاسة الماء ولم تغيره يبقى طاهراً؛ لأن الماء لا ينجسه شيء إلا إذا تغيرت أوصافه، لأنه باق على طهارته حيث لم يتغير، وهو المشهور، وإنما يكره استعماله استقذاراً.
(الغرياني ص 27) .
(2/875)

2 - لبن الأم إذا اختلط بمائع آخر حتى غلب عليه، لا تنقلب عينه، ويبقى للبن الأم حكمه وإن خفي، فتنتشر به الحرمة.
وهو قول أشهب من المالكية.
وقال ابن القاسم: تنقل عينه إلى عين الذي خالطه، ويعد كالعدم، ولا تنتشر به الحرمة، ولا يصير من شرب منه أخاً من الرضاع.
(الغرياني ص 27) .
3 - من حلف: لا يأكل سمناً، فأكله بعد أن استهلك بلته في سويق، حنث، لأنه يمكن استخلاصه بالماء.
(الغرياني ص 27) .
المستثنى
1 - إذا خالط قليل النجاصة لطعام كثير مائع انقلبت عينه إلى الذي خالطه.
ويصير الطعام نجساً عند المالكية.
(الغرياني ص 27) .
2 - من حلف: لا يأكل الخل، فأكل مرقاً طبخ بخلٍّ، فلا يحنث، إلا إذا أراد ألا يأكل طعاماً دخله الخلُّ.
وفرق ابن القاسم بين السمن والخل، لأن السمن الملتوت
بالسويق هو على حالته، وإنما ألزق بالسويق إلزاقاً، ويقدر على استخراجه بالماء الحار، لأنه يصعد فوقه فيجمع، ولا يقدر على استخراج الخل أبداً.
(الغرياني ص 27) .
(2/876)

القاعدة: [241]
العلة إذا زالت هل يزول الحكم بزوالها، أم لا؟
التوضيح
إذا كاتَ العلة منصوصاً عليها من الشارع، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت ".
أو كانت مجمعاً عليها، كئحريم الخمر للإسكار، ولم تكن
في أمر تعبدي صرف، فإن الحكم يزول بزوال العلة ويبقى ببقائها، كان كانت في أمري تعبدي صرف فقد تزول العلة ويبقى الحكم، كما في الرَّمَل في الطواف، زال سببه وهو إظهار قوة المسلمين للمشركين عند فتح مكة، فبقي حكم الرمل بالإجماع.
فإن لم تكن العلة منصوصاً ولا مجمعاً عليها، فزوال الحكم بزوالها محل اجتهاد، وفيه قولان حسب هذه القاعدة الخلافية.
التطبيقات
1 - الماء المتنجس إذا زال تغيره من عند نفسه دون إضافة ماء مطلق إليه، هل يصير طاهراً؛ مقتضى قول مالك: يصير طاهراً؛ لأن العلة في نجاسته تغيره بالنجاسة، وقد زالت، وفي قول: لا يصير طاهراً، لأن الأصل في إزالة النجاسة إنما يكون بالماء.
وإزالة تغيره لم تكن بسبب إضافة الماء، فهو باقٍ على نجاسته.
(الغرياني ص 29) .
(2/877)

2 - المريض مرضاً مخوفاً لا يصح نكاحه، ويفسخ إن وقع، والعلة في فسخه المرض.
فإن صح المريض قبل أن يفسخ النكاح، فهل يصح النكاح، لأن علة فسخه هي المرض، وقد زالت فيزول الحكم بزوالها، أو يبقى العقد على فساده ولو زالت علته؛ خلاف مبني على هذه القاعدة، وبنى ابن الحاجب القولين على قاعدة أخرى، وهي أن الفساد هل هو لحق الورثة، فيصحح النكاح لشفاء الناكح، أو للعقد نفسه ووقوعه فاسداً، فلا ينقلب
صحيحاً بعد ذلك، ولو صح الناكح..
(الغرياني ص 29) .
3 - - ضامن الوجه الذي يلتزم بإحضار الدين لدائنه عند الأجل، إذا تأخر في إحضاره حتى حكم عليه بالغرم، ثم أحفره قبل أن يغرم، فهل يلزمه الغرم؛ لأنه حكم مضى فيجب تنفيذه، أو لا يلزمه وعلى الدائن أن يتبع غريمه؛ لأن العلة في غرم الضامن عدم إحضار الدين، وقد زالت بإحضاره للدائن، فلا سبيل للدائن عليه.
قولان، والمشهور أن الدائن مخير في اتباع أيهما شاء.
(الغرياني ص 29) .
4 - المضطر إلى أكل الميتة، هل يقتصر في أكله على سدًا لرمق؛ لأن العلة في إباحتها هي الاضطرار وخوت الموت، وقد زال بسد الرمق، فلا يجوز له أكثر منه؛ لأن العلة إذا زالت زال الحكم بزوالها، أو له أن يأكل من الميتة حتى يشبع؛ قولان.
والمشهور أن له الشبع؛ لأن الاضطرار صيَّرها مباحة في حقه، والمباح لا تقييد فيه.
(الغرياني ص 30) .
5 - المحجور عليهم لأجل غيرهم، وهم المريض، والزوجة، والمفلس، والعبد، إذا تصرفوا في المال بما لا يجوز لهم، ولم يُطّلع على تصرفهم إلا بعد زوالط الحجر، فهل يصح تصرفهم؛ لأن العلة في رده الحجر، وقد زال، فيزول الحكم بزوالها، أو يكون تصرفهم باطلاً دواماً؛ لأنه وقع باطلاً ابتداء؛ المشهور إمضاء تصرفهم؛ لأن العلة في رده قد زالت.
(الغرياني ص 30) .
(2/878)

6 - تسقط الشفعة ببيع الشريك الشقص الذي يستشفع به بعد علمه بيع شريكه؛ لأن موجب الشفعة هي الشركة في العقار، وقد زالت ببيع الشقص، فيزول الحق بزوالها.
(الغرياني ص 30) .
7 - إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً، وأراد أن يرده، فلم يتم ذلك حتى زال العيب.
فلا يجوز له الرد، ويمضي البيع؛ لأن العلة في الرد هو العيب قد زالت، وهذا محل اتفاق إذا كان العيب من العيوب التي لا ترجع عادة، كذهاب بياض العين في الحيوان، وموت الولد في بطن أمة اشتريت فوجدت حاملاً.
(الغرياني ص 31) .
واختلفوا في العبد يشتريه من لا يعلم نكاحه، وعند العلم بنكاحه ماتت الزوجة أو طلقت، هل يكون ذلك عيباً في العبد يرد به لوجود أصل النكاح أو لا يكون عيباً؛ لأن العلة في رده وجود امرأة في عصمته، وقد زالت بالموت أو بالطلاق؛.
(الغرياني ص 31) .
8 - ركوب الهدي للعاجز عن المثي جائز للعذر، فإذا زال العذر بعد الركوب، وقدر الراكب على المشي، فهل يجب عليه النزول؛ لأن العلة وهي العذر بالعجز قد زالت فيزول الإذن بزوالها، أو له أن يستمر في الركوب، وهو المشهور، وإنما يندب له النزول
استحباباً، لأنه ابتدأ الركوب بوجه جائز؛ خلاف مبني على القاعدة " الغرياني ص 31) .
المستثنى
1 - إذا ذهبت رائحة الطيب فلا يباح بعد الإحرام بالاتفاق، ولم يجرِ فيه الخلاف المبني على القاعدة؛ لأن حكم المنع قد ثبت فيه، والأصل استصحابه.
(الغرياني ص 31) .
(2/879)

2 - نكاح المحرِم فاسد يجب فسخه، ولا يصححه زوال الإحرام، لأن المنع فيه لعين الإحرام، لا لأمر بأن عدمه، فالنهي عن النكاح في الإحرام يستلزم صفة ملازمة للعقد، وهي الدخول في الرفث المنافي للإحرام.
(الغرياني ص 32) .
وكذلك العقد الواقع وقت نداء الجمعة يجب فسخه؛ لأن المنع فيه أيضاً لعين
الوقت، لأنه يستلزم صفة ملازمة للعقد، وهي التشاغل عن الجمعة المأمور بالسعي إليها.
(الغرياني ص 32) .
(2/880)

القاعدة: [242]
هل يغلب حكم الظاهر على حكم الباطن؟
الألفاظ الأخرى
- الواجب الاجتهاد أو الإصابة.
- الحكم هل يتناول الظاهر والباطن أم لا يتناول إلا الظاهر فقط؟
وهو الصحيح.
التوضيح
إذا حكم القاضي أو غيره بأمر بناء على توفر الأركان والشروط التي طلبها
الشارع، فالحكم ظاهره الصواب والحق، ثم تبين في الباطن اختلال تلك الشروط التي بني عليها، فالحكم في الباطن والحقيقة خطأ، فهل يغلب حكم الظاهر وتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن وترد الأحكام.
في الجواب قولان، الأول: ينظر إلى الظاهر، لأن الشارع أمرنا أن نحكم
بالظاهر، وهو مبلغ علمنا، ولم نكلف بخفايا الأمور، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إني لم أؤمر أن أَنْقُب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم ".
ولأن الحكم يستند إلى وجه مشروع، فلا وجه لنقضه.
والثاني: أن الحكم يجب نقضه، لتبين خلل ما بني عليه، ولأن ما تبين
حقيقة الخطأ فيه لا يجوز التمسك بظاهره، ويختلف الحكم في المسائل، والصحيح أنه يتناول حكم الظاهر فقط.
(2/881)

التطبيقات
1 - المفقود إذا شهدت بينة بموته، فبيع ماله وتزوجت امرأته، ثم قدم حيًّا، ففي المسألة تفصيل، فإن كان للشهود وجه يعذرون به حين شهدوا بموته بما يدفع عنهم تعمد الكذب، كان رأوه في المعركة مع القتلى فظنوا أنه مات، فهذا تردُّ إليه زوجته، ويأخذ ما وجده من متاعه، وما بيع يأخذه بالثمن إن وجده قائماً، وما فات رجع بثمنه على البائع، وإن لم يكن للشهود وجه يعذرون به، كان كانوا متعمدين شهادة الزور، فترد إليه زوجته أيضاً، وما بيع من متاعه يخير بين أخذه مجاناً، أو أخذ الثمن الذي بيع به، وإن فات أخذ ثمنه من البائع.
(الغرياني ص 38) .
2 - عدالة الشهود، إذا حكم الحاكم بشهادة من ثبتت عدالتهم عنده، ثم تبين جرحهم، فينقض الحكم نظراً لباطن الأمور، وهو الظاهر الذي مشى عليه خليل في المختصر.
(الغرياني ص 38) .
3 - الدين على الغائب، إذا باع القاضي متاع غائب في دين، وأقبض الثمن لمن أثبت الدَّين على الغائب، ثم حضر الغائب فأثبت أنه قضى الدين، فإنه يأخذ المتاع بغير ثمن على الصحيح.
(الغرياني ص 39) .
4 - دفع الزكاة، إذا دفع شخص الزكاة، والكفارة، وفدية الأذى في الحج لمن ظنه مستحقاً لها، فتبين أنه غني، أو غير مسلم، وتعذر استرجاعها منه، فقال ابن القاسم: تجزيه، وقال في رواية ثانية: لا تجزيه، وهذا قياس مالك في كفارة اليمين.
والخلاف في الزكاة إذا دفعها صاحبها وتعذر عليه ردها، أما إن دفعها الإمام
فإنها تجزئ ولا كرم على صاحبها، لأنه محل اجتهاد، واجتهاد الإمام ماض نافذ.
(الغرياني ص 40) .
5 - الخارص: إذا أخطأ الخارص في تقدير الزكاة، فقدرها خمسة أوسق مثلاً، فلا زكاة في الزائد على الخرص، لأنه حكم مضى، ويستحب زكاة الزائد ولا يجب،
(2/882)

والصحيح: تجب الزكاة لأن الواجب الإصابة، والعبرة للحقيقة والواقع.
(الغرياني ص 40) .
6 - الصلاة إلى القبلة: من أخطأ فصلى إلى غير القبلة بعد أن اجتهد ففي قول تلزمه الإعادة، ولكن لا تلزمه الإعادة في الصحيح، وتستحب فقط مراعاة للخلاف.
(الغرياني ص 41) .
7 - جزاء الصيد: إذا حكم عدلان بجزاء الصيد في الحرم؛ بأن حكما بان
الواجب عليه التصددتى بشاة مثلاً، ثم تبين أن الواجب عليه بدنة، أو العكس، فينقض الحكم على الصحيح، وفي قول: لا ينقض؛ لأنه حكم مضى، والواجب الاجتهاد، وقد حصل.
(الغرياني ص 41) .
8 - المأموم: إذا خرج المأموم لغسل دم الرعاف، فظن فراغ الإمام، فأتم صلاته مكانه، ثم تبين أن الإمام لم يفرغ من الصلاة، فالمشهور أن صلاته صحيحة، ولا تجب عليه الإعادة، لأن الواجب في حقه الاجتهاد.
(الغرياني ص 41) .
9 - الأضحية: من كان له إمام لم يبرز أضحيته إلى الصلى يوم العيد، فتحرى مقدار ذبح الإمام، وذبح، ثم تبين أنه ذبح قبله، فلا تجزئه إن كان ممن يسن في حقه حضور العيد، بأن كان على ثلاثة أميالط من البلد، لأن الواجب في حقه الإصابة.
(الغريأتي ص 41) .
10 - نقض القضاء، إذا قضى للمطلقة بالنفقة لظن الحمل، ثم تبين أنْ لا حمل، ففي نقض القضاء قولان، ومن أوصي له بنفقة عمره، فدفعت له نفقة سبعين سنة بالتعمير، ثم زاد عليها عمره، ففي نقض القضاء والرجوع على الورثة أو أهل الوصايا قولان؛.
(الونشريسي: ص 400، 451) .
(2/883)

القاعدة: [243]
النسيان الطارئ هل هو كالأصلى، أم لا؟
التوضيح
إذا نسي الإنسان شيئاً ثم بعد أن ذكره نسيه مرة ثانية، فهل يكون النسيان الثاني عذراً كالنسيان الأول؛ لأنه يسمى نسياناً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" إنَ الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
أو لا يكون النسيان الثاني عذراً، لأن من تذكر
ولم يبادر حتى نسي ثانياً لا يخلو من تفريط.
والمفرط يقع عليه اللوم لتقصيره؟
في الجواب قولان مأخوذان من مسألتين في المدونة.
التطبيقات
1 - النجاسة: من رأى نجاسة في الصلاة ثم نسيها بطلت صلاته على المشهور؛ لأن النسيان الطارئ ليس كالأصلي.
وقال ابن العربي: لا تبطل.
(الغرياني ص 42) .
2 - الموالاة: من ذكر الموالاة ثم نسيها في الوضوء أو الغسل، لا يعذر بالنسيان الثاني، ويجب أن يستأنف الوضوء أو الغسل؛ لأن النسيان الطارئ ليس كالأصلي.
(الغرياني ص 42) .
3 - الصيام المتتابع: من أفطر ناسياً في صيام يجب تتابعه فإنه يقضيه ويصله بآخر
(2/884)

صومه، فإن لم يصله ولو سهواً ابتدأ من جديد، وهو الظاهر، لعدم عذره بالنسيان الثاني.
(الغرياني ص 43) .
4 - مسح الرأس: من صلى خمس صلوات، كل صلاة بوضوء، ثم تذكر أنه لم يمسح رأسه من وضوء إحداها، فعليه أن يمسحه ويعيد الخمس، فإن أعاد الخمس ناسياً لمسح رأسه، فإنه يمسحه ويعيد العشاء فقط بناء على أن النسيان الطارئ ليس كالأصلي في العذر.
(الغرياني ص 43) .
المستثنى
من رأى نجاسة قبل الدخول في الصلاة، ثم صلى ونسي أن يغسلها، فهو كمن لم يرها بالاتفاق، وذلك لضعف أمر النجاسة، لأن إزالتها عن المصلي فضيلة، وأنه لا يجب غسلها على الفور عند رؤيتها، بخلاف من نسي في الموالاة شيئاً، فيجب أن يبادر إلى غسله فور تذكره ليصح الوضوء.
(الغرياني ص 43) .
(2/885)

القاعدة: [244]
هل تبطل المعصية الترخص أم لا؟
الألفاظ الأخري
- العصيان هل ينافي الترخيص، أم لا؟
التوضيح
اختلف المالكية في الرخصة، أهي معونة فلا تتناول المعاصي، أم هي تخفيف
فتتناوله، فإن كانت معونة من الله تعالى لمن وجد في حقه سبب الترخيص، فلا يجوز لمن كان عاصياً أن يترخص بها؛ لأن العاصي لا يعان، بل يجب أن يعاقب على المعصية بمنعه من الرخصة، إذ لا يستعان بنعم الله على معاصيه، وإنما يستعان بنعمه على شكره.
فإن قيل: إن المنع من الرخصة، كالتيمم مثلاً، فيه تكثير بترك الصلاة.
فإن العاصي متمكن من التوبة، فعليه أن يتوب ويترخص، فهي معصية يمكنه رفعها لو أراد فلا أثر لها، وقال بهذا القول ابن العربي رحمه الله تعالى وتشدد فيه.
وإن كانت الرخص تخفيفاً، فإنها تتناول كل مسلم: العاصي وغيره، لأن
التخفيف ورفع الحرج عام في الشريعة.
وقال بهذا القرطي، ورد على ابن العربي.
فقال: "قلت: الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشر معصية مما هو فيه، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) .
وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حالٍ، فتمحو التوبة عنه ما كان ".
(2/886)

والصحيح المشهور عند المالكية التفصيل، وهو ما قاله ابن خويز منداد والقاضي عبد الوهاب والقرافي، فإن كان السفر (مع المعصية) سبباً للرخصة فلا تباح الرخصة للعاصي بسفره كالفطر والقصر، وإن كانت المعاصي مقارنة لأسباب السفر فلا تمنع من الرخصة كالتيمم.
التطبيقات
1 - المسافر العاصي بسفره لقطع طريق، أو إخافة سبيل، أو عقوق، فلا حق له في قصر الصلاة والفطر على الصحيح، ويجوز له التيمم ومسح الخف (الروقي: ص 311، الغرياني ص 48) .
2 - المسافر العاصي بسفره إذا اضطر إلى أكل الميتة يرخص له في الصحيح، حفظاً للنفس، حتى عدوا الأكل عزيمة، وترك الأكل معصية.
(الغرياني ص 49) .
3 - المحرِم لا يجوز له لبس الخف، فإن عمى ولبسه، فلا يمسح لعصيانه؛ لأن المحرِم مخاطب في طهارته بالغَسْل، فإذا لم يات بما خوطب به فلا تحصل له حقيقة الطهارة المطلوبة لفعله غير ما أمر به.
(الغرياني ص 48) .
4 - السفر المكروه، كالسفر لصيد اللهو، والسفر لأرض العدو، يمنع الترخيص، وهو الصحيح؛ لأن المكروه ملحق بالعصيان من حيث إنه مطلوب بالكف، وقيل:
تباح الرخصة لصاحب المكروه.
(الغرياني ص 49) .
(2/887)

القاعدة: [245]
الأصغر هل يندرج في الأكبر، أم لا؟
التوضيح
الأصل في الأحكام عدم التداخل، لأن كل سبب يترتب عليه مسبّبه، لا غيره، ولما في عدم التداخل من تكثير العبادة، ولما في التداخل من التشريك في النية.
والتشريك مفسد للعمل، كما مرَّ في قاعدة " الأمور بمقاصدها".
لكن أجمعت الأمة على التداخل في الجملة، ووقع ذلك للمالكية في عدة مواضع، كالطهارة برفع الحدث، وتحية المسحجد، وصيام الاعتكاف، واندراج العمرة في الحج للقارن، والحدود المتماثلة من نوعين كالقذف والشرب، لأن موجبها واحد وهو ثمانون جلدة.
والحد الواحد إذا تكرر كمن سرق مراراً، أو قذف جماعة فيحدُّ حدًّا
واحداً، ودية الأعضاء تدخل في القصاص في النفس، واتحاد الصداق في تعدد الوطء بشبهة واحدة، وتداخل العدد بوضع الحمل، إلى غير ذلك.
التطبيقات
1 - غسل الرأس في الوضوء بدل مسحه، فإنه يجزئ في وضوء الغسل باتفاق، وفي غير وضوء الغسل يكفي الغسل عن المسح على المشهور مع الكراهة، لأن الغسل مسح وزيادة، وقيل: لا يجزئ، لأن حقيقة الغسل غير حقيقة المسح.
(الغرياني ص 57) .
(2/888)

2 - من اغتسل الغسل الواجب أجزأه عن الوضوء؛ لأن الأصغر يندرج في
الأكبر.
(الغرياني ص 57) .
3 - من كان له ض من الإبل يجب أن يخرج عنها شاة في الزكاة، فإن أخرج عنها بعيراً بدل الشاة أجزأه على الصحيح؛ لأن الأصغر يندرج في الأكبر، وقيل: لا يجزئ.
(الغرياني ص 58) .
4 - اندراج أفعال العمرة في أفعال الحج للقارن.
(الغرياني ص 58) .
5 - من لزمه قصاص في الأطراف كيد أو رجل، ثم لزمه قصاص في النفس، فإذ الأطراف تندرج في النفس، ولا يقتص منه في الأطراف.
(الغرياني ص 58) .
6 - من لزمته حدود كالخمر والسرقة، ثم لزمه ما يأتي على النفس، كالزنا مع الإحصان، فإن ما دون النفس من الحدود يندرج في النفس من اندراج الأصغر في الأكبر.
(الغرياني ص 59) .
7 - من شفع الإقامة غلطاً، قيل: تجزئه، لأنه أتى بالمطلوب وزيادة، فهو من اندراج الأصغر في الأكبر، والمشهور عدم الإجزاء.
(الغرياني ص 59) .
8 - من ذبح فقطع الرأس أجزأه على الصحيح ولو تعمد الذابح ذلك، وما روي عن مالك أنها لا تؤكل، فهو على وجه الاستحباب.
(الغرياني ص 59) .
9 - من أخرج زكاة الفطر بالمد الأكبر، وهو مدّ هشام بن إسماعيل بن المغيرة، عامل عبد الملك بن مروان على المدينة، وقدره مدان بمدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: مدًّا وثلثان، وكان أهل المدينة اتفقوا على أن مدّ هشام موضوع للنفقات الموسعة كنفقات الزوجات، أجزأه، بناء على أن الأصغر يندرج في الأكبر، وقيل لمالك: أترضى بالمدِّ الأكبر؟
قال: لا، بل بمدِّه - صلى الله عليه وسلم -، فإن أراد خيراً فعلى حِدة، وذلك من مالك سدًّا لذريعة تغيير المقادير الشرعية.
(الغرياني ص 59) .
(2/889)

المستثنى
1 - من فرضه التيمم، فتجشم المشقة وتوضأ أو اغتسل بالماء، تجزئه الطهارة بالاتفاق، ولا يدخله الخلاف المبني على القاعدة.
(الغرياني ص 60) .
2 - من كانت له رخصة في الفطر لمرض مثلاً، فتجشم المشقة وصام، يجزئه الصوم بالاتفاق، على خلاف القاعدة " الغرياني ص 60) .
3 - من كان له عذر يبيح له الصلاة بالا*كلاء، فتجشم المشقة وسجد على جبهته، يجزئه السجود عن الإيماء بالاتفاق، خلافاً للقاعدة.
وقيل: لا؛ لأن المكلف كان منهياً عما فعله من تجشم المشقة.
والمنهي عنه لا يجزئ عن المأمور.
(الغرياني ص 60) .
(2/890)

القاعدة: [246]
ما قرب من الشيء هل له حكمه أم لا؟
التوضيح
اختلف المالكية في إعطاء ما قرب من الشيء حكمه أو بقائه على أصله؛ كاختلاف الشافعية في ذلك، لأن الأصل أن كل شيء يعطى حكم نفسه لا حكم غيره، لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
أما إعطاؤه ما قاربه فهو محل خلاف.
فإن كان ما قارب الشيء مما لا يتم إلا به.
كإمساك جزء من الليل لتصحيح صوم النهار
فهذا يتجه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإن كان غير ذلك فيحتمل، ويحتج له بحديث "مولى القوم منهم ".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -.
(المرء مع من أحب ".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -
"الخالة بمنزلة الأم".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ابن أخت القوم منهم ".
ويختلف الحكم حسب الفروع.
(2/891)

التطبيقات
1 - الأصل وجوب مقارنة النية لبداية العمل في العبادة، كالوضوء والصلاة
والحج، فلو قدمت على ذلك بيسير، فهل تجزئ أم لا؟
خلاف، والمختار عدم الإجزاء، وأنه لا فرق في عدم الإجزاء بين تقدمها عن محلها أو تأخرها عنه.
(الغرياني ص 62) .
2 - النجاسة القريبة من محل الاستنجاء، هل يكفي فيها الاستجمار بالحجارة؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: لا بدَّ من غسلها بالماء؛ لأن الرخصة في
الاستنجاء بالحجارة قاصرة على محل الاستنجاء، دون ما قرب منه.
(الغرياني ص 62، المقري 1/ 313) .
3 - صحة عقد النكاح الذي تقدم على إذن المرأة أو الولي بالزمن اليسير.
والمشهور صحة العقد إن وقع الإذن بالقرب من العقد.
(الغرياني ص 62، المقري 1/ 313) .
4 - يجوز تسلف أحد المصطرفين في المجلس ما يصارف به، بعد إبرام عقد
الصرف، لقربه من العقد، بخلاف استلافهما معاً بعد العقد، فلا يصح لطول الأمر فيه غالباً، وهذه المسألة تعرف بمسألة الصرف على الذمة.
(الغرياني ص 62، المقري 1/ 313) .
5 - يجوز تقديم الزكاة قبل الحول بيسير، بناء على أن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
(الغرياني ص 63) .
6 - تجاوز المدة بيسير في بيع الثنيا لا يفوت المبيع على البائع، فإذا قال المشتري
(2/892)

للبائع: متى جئت بالثمن إلى شهر مثلاً فالبيع رد عليك، فجاءه بعد الشهر بالقرب، فهل يكون المبيع للبائع أم لا؟
قولان، وكذا عهدة الثلاث، وعهدة السنة (1) ، فإذا
حدث العيب بعد انقضائها بالقرب، فهل يرد به المبيع أم لا؟.
(الغرياني ص 63) .
7 - المكتري للدابة أو السيارة بالمسافة إذا تجاوزها بيسير، وهلكت الدابة أو السيارة، فهل يكون ضامناً بالتجاوز اليسير أم لا؟
المشهور أنه يضمن.
(الغرياني ص 64) .
8 - من أرسل الجارح على صيد بقرب الحرم، فقتله، فهل يجب عليه الجزاء أم لا؟
فيه خلاف، والمشهور أن عليه الجزاء.
9 - تأجيل رأس مال المسلم ليومين أو ثلاثة جائز؛ لأنه في حكم الحال، وأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وكذلك تأخير قبض المبيع المعين إلى ثلاثة أيام جائز، لأنه في حكم الحال.
(الغرياني ص 64) .
10 - المكتري يدَّعي دفع الكراء بحد انقضاء الوجيبة (وهي المدة التي يتفاضى المالك الكراء في نهايتها، كالمشاهرة أو المساناة) بالقرب، هل يصدق أم لا؟
فيه تفصيل، فإن القول قول المكري عند التنازع في قبض الأجرة بيمينه أنه لم يقبض إذا كان ذلك عند انقضاء الأجل أو قريب منه، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، أما فيما بَعُد وانقضى من المدة فإن الفول قول المكتري بيمينه عند التنازع في الدفع؛ لأن المكري لو لم يقبض ما سكت المدة الطويلة.
(الغرياني ص 65) .
11 - الشريك في الزرع إذا ادعى الدفع لشريكه، فالقول قول منكر الدفع بيمينه أنه لم يقبض حصته، إذا كان ذلك عند تصفية الزرع والحصاد أو بعده بقليل؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
(الغرياني ص 65) .
__________
.
(1) العهدة: هي الضمان أو الكفالة للمبيع في عصرنا الحاضر، وهي مسؤولية البائع عن العيب الحادث خلال ثلاثة أيام، وتسمى عهدة الثلاث، أو خلال سنة، رذلك تختلف باختلاف السلعة (تطبيقات القواعد الفقهية ص 64) .
(2/893)

12 - الصانع إذا ادعى عدم قبض الأجرة، فإن القول له إن كان قوله عند رذ
المصنوع لربه أو قربه كاليومين.
(الغرياني ص 65) .
13 - الوكيل إذا ادعى أنه دفع لموكله ما قبضه له من ديون ونحوها، لا يصدق، فإن القول للموكل أنه لم يقبض إن كان النزاع حصل عند توكيله بالقبض أو قريباً منه، وإن كان بعد مدة طويلة فالقول قول الوكيل، والمشهور أن القول قول الوكيل في الدفع مطلقاً؛ لأنه مؤتمن، إلا أن يقبض ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة.
(الغرياني ص 65) .
14 - الوكيل يشتري السلعة لموكله، فإن ادعى زيادة يسيرة في ثمنها عند تسليمها للموكل، فإنه يصدق، وكذلك إن ادعاه بالقرب.
(الغرياني ص 66) .
15 - الوكيل يشتري سلعة لموكله، فيجد الموكل بها عيباً، فالشراء لازم للموكل إن كان العيب يسيراً يغتفر مثله، وكان نظراً وفرصة.
(الغرياني ص 66) .
16 ً - مشتري الشقص (الحصة من عقار مشترك) يحط عنه البائع جزءاً من الثمن لعيب في المبيع، أو مكارمة وصنيعة، فإذا أخذ الشقص بالشفعة، فإن الشفيع يُحط عنه أيضاً من الثمن ما حط عن المشتري لزوماً، إذا كان ما حُط عن المشتري هو القدر اليسير المتعارف عليه بين الناس، وإلا لم يلزمه أن يحط إن كان كثيراً غير متعارف عليه.
(الغرياني ص 66) .
17 - المراهق الذي قارب البلوغ يلزمه الطلاق، وأقامة الحد عليه، وقتله
قصاصاً، والحكم بإسلامه إذا أسلم، والإسهام له من الغنيمة، وصحة توليه النكاح عن غيره على مبدأ أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ويعامل في ذلك معاملة البالغ، ولا يعتد بشيء من ذلك على مبدأ أن ما قارب الشيء يعطى حكم نفسه، فلا يعتبر بالغاً.
(الغرياني ص 63) .
18 - استحقاق القليل من المبيع إذا كان مقؤماً لا يوجب الفسخ، بل يرجع
المشتري بقيمته على البائع، بخلاف استحقاق الكثير فإنه يوجب الفسخ، فاستحقاق الأكثر كاستحقاق الجميع، وهذا بخلاف استحقاق ما كان من المثليات، فإنه
(2/894)

باستحقاق الأكثر يخير المشتري بين التمسك يما ينوبه من الثمن، أو رد المبيع.
(الغرياني ص 66) .
19 - قطع اليسير من أذن الأضحية أو ذنبها مغتفر، وعدّوا اليسير في الأذن الثلث فأقل، وفي الذنب ما دون الثلث، والثلث من الذنب من الكثير.
(الغرياني ص 67) .
20 - من أنكر شيئاً طُلب منه، فصالح المدعي بمال دفعه إليه، ثم استحق المال من يد المدعي بالقرب من زمن الصلح، فإن الصلح ينقض، وترجع الدعوى كما كانت؛ لأن الاستحقاق بالقرب يجعل الصلح كان لم يكن.
فإن حصل الاستحقاق بعد طول مدة، رجع المدعي بقيمة ما استُحق منه على ا، ررعى عليه إن كان المستحَق مقوماً.
وبمثله إن كان مثلياً، لكن الراجح الرجوع بالقيمة مطلقاً سواء حصل الاستحقاق عن قرب أو بعد، ولا يرجع إلى الخصومة، لأن الرجوع إلى الخصومة رجوع إلى مجهول.
(الغرياني ص 67) .
21 - المرأة تعطي مالاً لزوجها رجاء أن يحسن عشرتها ولا يطلقها، أو يتزوج عليها، فإن طلقها بالقرب من إعطاء المال، وهو ما دون السنتين، كان لها الرجوع فيما أعطته، وإن كان الطلاق بعد سنين فليس لها الرجوع.
(الغرياني ص 67) .
22 - ناظر الأيتام يدَّعي الدفع إليهم بعد الترشيد بالزمن اليسير فإنه لا يُصدق، لأنه ادعى الدفع إلى غير من ائتمنه؛ ولأن الأصل عدم الدفع؛ لأن الله تعالى اشترط على الأولياء الإشهاد عند الدفع إلى المحاجير، فدل على أنهم لا يصدقون، قال تعالى:.
(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) .
فما قارب الشيء أعطي حكمه.
23 - يجوز شرط ما قل من عمل على العامل خارجاً عن العقد في القراض
والمساقاة والمغارسة، وأخذ شيء من طريق المسلمين لا يضر بها، واغتفار يسير الغرر في البيع.
(الغرياني ص 68) .
24 - يجوز شراء ما لحق من ثمار لم ييد صلاحها بعد شراء ما بدا صلاحه، وخلفة
(2/895)

تحصيل ونحوه بعد شراء الأصل، إن وقع شراء المتجدد بعد العقد على الأصل بيسير.
(الغرياني ص 68) .
25 - ذات الزوج تتبرع بثلث مالها، ثم تتبرع بثلث آخر، إن قرب ما بينهما منع، لأنهما كالتبرع الواحد، وإلا جاز.
(الغرياني ص 68) .
26 - من سرق مراراً أقل من النصاب، والمجموع نصاب، هل يقطع أم لا؟
إذا قرب ما بين المرات، فإن قلنا: ما قارب الشيء يعطى حكمه وجب القطع، وإلا فلا.
(الغرياني ص 68) .
المستثنى
إذا أعطت المرأة مالاً لزوجها على ألا يتزوج عليها، وتزوج، فلها أن ترجع عليه في الراجح، سواءكان الزواج بقرب أو بعد.
(الغرياني ص 69) .
(2/896)

القاعدة: [247]
هل النطر إلى المقصود، أو إلى الموجود؟
التوضيح
إذا حصل اختلاف بين ما يقصد إليه المكلف من خطأ أو صواب، وحلال أو
حرام، ومصلحة أو مفسدة، وبين واقع الحال الذي آل إليه فعله من صلاح أو غيره.
فإن العلماء اختلفوا في الاعتداد بالمقصود.
فقال بعضهم: يُبْنى الحكم وفقاً لما قصده، بأن يبرأ ويثاب إن قصد الصواب والمصلحة وإن خالف الواقع.
ويلام ويبطل عمله إن قصد الفساد والخطأ.
وإن وافق عمله واقع الحال الذي آل إليه فعله
من صلاح وغيره (1) .
وقال آخرون: يكون الاعتداد بما آل إليه الفعل في واقع الأمر
من صلاح وفساد، فيمدح إن كان الفعل الحاصل صلاحاً.
ولو قصد صاحبه الخطأ فيه، ويذم إن كان الفعل فساداً.
ولو قصد به صاحبه الإصلاح بداية (2) .
ويختلف الحكم في الفروع، فأحياناً يرجح القصد
على الموجود بمرجحات خارجية.
وأحياناً يكون العكس.
__________
.
(1) قال العز بن عبد السلام: "من فعل واجباً فتبين أنه محرم، أثيب على قصده، ولا إثم عليه إذا فعل مفسدة يظنها مصلحة"..
(2) قال الشاطبي: "لو أن أحداً قصد مخالفة الشرع، فشرب جِلاباً على أنه خمر، فعليه درك الإثم في قصده المخالف ".
(2/897)

التطبيقات
1 - من ظن فراغ الإمام بعد أن خرج لغسل دم الرعاف، فأتمَّ مكانه، ثم تبين خطؤه، فقيل: تصح صلاته نظراً إلى قصده، وهو الصحيح.
وقيل: لا تصح، نظراً إلى ما انكشف وتبين
من أنه خرج من الصلاة قبل إمامه.
(الغرياني ص 118) .
2 - المحرِم إذا أرسل كلبه فقتل صيداً، أو وضع شَرَكاً لسبع، فوقع فيه صيد.
فقيل: يجب عليه الجزاء نظراً إلى الموجود، وهو الإرسال الذي أدى إلى قتل الصيد.
وهو المشهور، وقيل: لا جزاء عليه نظراً إلى المقصود، وهو السبع.
3 - من قصد إلى الزواج بخمر جعله صداقاً، فتبين أنه خل، ففي صحة النكاح خلاف، بالنظر إلى المقصود أو إلى الموجود.
وفصل المالكية في ذلك، فقالوا: يثبت النكاح إن رضي الطرفان بالخل، فإن لم يرضيا فسخ قبل الدخول بطلاق، وبعده يثبت بصداق الكل.
ويتوقف ثبوت النكاح على رضاهما في مسألة الخمر هذه، ولا يتوقف على رضاهما فيمن نكح امرأة على أنها في العدة فظهر انقضاؤها؛ لأن المرأة المعتدة هي العين التي وقعت عليها المعاوضة.
وإنما ظُن تعلق حق الله تعالى بها فبان خلافه، وهي محل العقد، وفي مسألة الخمر فالعقد لم يقع عليها.
(الغرياني ص 119) .
4 - من افتتح الصلاة متيقناً الطهارة، ثم حصل له الشك في أثنائها، وتمادى
عليها، ثم تبين أنه متطهر، ففي قول: تجزئه صلاته، وهو الصحيح، نظراً للموجود.
وفي قول: لا تجزئه، لأنه صلى على شك.
(الغرياني ص 119) .
5 - من افتتح الصلاة شاكاً في دخول الوقت، ثم تبين أنه أوقعها في الوقت.
فالصحيح أنها لا تجزئه؛ لأنه صلاها غير عالم بوجوبها عليه، ولتردد النية وعدم التيقن من براءة الذمة، وقيل: تجزئه، نظراً للموجود، وهو صلاتها في الوقت.
(الغرياني ص 120) .
6 - من افتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام، ثم شك فيها، وتمادى حتى أكمل، ثم تبين
(2/898)

أنه أصاب، ففي صحة صلاته خلاف، بناء على المقصود لا تصح، وعلى: الموجود صلاته صحيحة.
(الغرياني ص 120) .
7 - من قام إلى خامسة عمداً في صلاة رباعية، فإذا به قد فسدت عليه ركعة يجب قضاؤها، ففي قول تجزئ صلاته، والمشهور أنها لا تجزئه؛ لأنه متلاعب، فنظر إلى المقصود.
(الغرياني ص 120) .
8 - من سلَّم شاكاً في إكمال صلاته، ثم تبين الكمال، ففي قول: صلاته فاسدة؛ لأنه قاصد إبطالها، والجاري على القاعدة الخلاف في صحة صلاته.
(الغرياني ص 120) .
9 - من انحرف عن القبلة عامداً، ثم تبين أنه مستقبلها.
قال الباجي: صلاته فاسدة، فنظر إلى المقصود.
(الغرياني ص 120) .
10 - من حلف على ما لا يتيقنه، ثم تبين الصدق، فلا شيء عليه، وهو من النظر إلى الموجود دون المقصود، قال ابن الحاجب: وفيها من حلف على ما يشك فيه، فتبين خلافه، فغموس، وإلا فقد سَلِم.
قال ابن الحاجب وغيره: والظاهر أن الظن كذلك.
(الغرياني ص 120) .
11 - من أفطر يوم ثلاثين من رمضان جرأة، ثم ثبت أنه العيد، فلا كفارة عليه؛ لأن اليوم لم يكن من رمضان بالنظر إلى الموجود، ولا قضاء، وفي قول فيه خلاف على مقتضى القاعدة.
(الغرياني ص 121) .
12 - من اشترى عنباً على أن يعصرها خمراً، فصرفه إلى غير الخمر من خل أو زبيب، أو أكرى داراً ممن يبيع فيها الخمر، فلم يبع حتى انقضت المدة، أئم بقصده.
وهو أحد قولين في المذهب.
ومن نظائرها:
منع بيع الدار وكرائها لمن يتخذها كنيسة.
وبيع الخشبة لمن يعملها صليباً، وبيع السلاح لمن يعلم أنه يريد قطع الطريق.
أو إثارة الفتنة.
والمذهب في "هذا سدّ الذرائع، وهو النظر إلى المقصود.
(الغرياني ص 121) .
13 - من له زوجتان واحدة حفصة، والأخرى عمرة، فنادى عمرة، فأجابته
(2/899)

حفصة، فقال: أنت طالق، وقال: حسبتها عمرة، فتطلق عليه عمرة؛ لأنه قصد طلاقها، وفي طلاق حفصة خلاف، قيل: تطلق عليه نظراً للموجود لوقوع الخطاب عليها ظاهراً، وقيل: لا تطلق، نظراً للقصد.
(الغرياني ص 122) .
14 - لو مرت امرأة برجل في ظلام، فوضع يده عليها يظنها زوجته.
وقال لها: أنت طالق إن وطئتك الليلة، ووطئها، فإذا هي غير امرأته.
فقيل: تطلق عليه زوجته لقصده، وقيل: لا تطلق عليه، نظراً للموجود؛ لأن اليمين لم تقع عليها في الخارج.
وإنما وقعت على امرأة أجنبية.
(الغرياني ص 122) .
المستثنى
1 - من تزوج امرأة يظنها معتدة، فتبين أنه عقد عليها بعد خروجها - من العدة، فهل يفسخ النكاح نظراً لقصده، أو لا يفسخ نظراً لحقيقة الحال؟ هذا هو مقتضى القاعدة.
والمشهور: أن من نكح امرأة على أنها في العدة، فظهر انقضاؤها، ثبت
النكاح، ولا خيار لواحد منهما، وقيل: إنه غَرَّ وسلِم.
(الغرياني ص 122) .
2 - من تزوج امرأة وزوجها غائب لم يعلم بموته، وكان الواجب فسخ هذا
النكاح، لكنه لم يفسخ حتى ثبت أن الزوج الغائب مات بالفعل، وأن امرأته خرجت من العدة قبل أن يعقد عليها الزوج الثاني، فمقتضى القاعدة الخلاف في صحة النكاح نظراً للمقصود أو للموجود.
ولكن نقل العلماء: صحة النكاح ولم يذكروا خلافاً.
(الغرياني ص 123) .
3 - من دخل خلف من يصلي الظهر، فإذا هو يصلي العصر، فمقتضى القاعدة أن صلاته مختلف في صحتها، ولكن المنقول: أنه يقطع فور علمه، ويستأنف الصلاة خارج المسجد للظهر والعصر، وهو الراجح.
وفي قول: إنه يتمادى فيخرج عن شفع، وأنه إذا عقد الثالثة شفعها بأخرى، دون ذكر لصحة صلاته، وذلك لاختلاف النية.
(الغرياني ص 123) .
4 - من صام يوم الشك احتياطاً، فإذا هو رمضان، فمقتضى القاعدة الخلاف في صحة صيامه، لكن الإمام مالك قال في (المدونة) : إن من صامه احتياطاً أو تطوعاً، ثم ثبت أنه من رمضان، فليقضه.
(الغرياني ص 123) .
(2/900)

القاعدة: [248]
الحياة المستعارة هل هي كالعدم، أو لا؟
التوضيح
اختلف أهل العلم في الذي حكم عليه الطب بالموت بسبب إنفاذ مقاتله، أو لموت دماغه، ولا تزال به مظاهر للحياة مستعارة، كالتنفس أو بعض الحركة بمساعدة أجهزة الإنعاش أو بغيرها، هل يعامل معاملة من مات بالفعل.
وهل يُعدُّ قاتله حقيقة من أجهز عليه وهو بتلك الصورة، أو أن قاتله من أوصله إلى تلك الحال الميؤوس منها بإنفاذ مقاتله؟
فعلى أن الحياة المستعارة تعد كالعدم، يكون القاتل له من
أنفذ مقاتله، وعلى الاعتداد بالحياة المستعارة يكون القاتل من أجهز عليه، والراجح أن الحياة المستعارة كالعدم على الأصح.
التطبيقات
1 - من أنفذت مقاتله في المعركة، ثم مات بعد المعركة، فهو شهيد، ولا يصلى عليه، بناء على أن الحياة المستعارة كالعدم، ولا يقتص ممن قتله في هذه الحالة، لأنه كالميت، وعلى أن الحياة معتد بها يصلى عليه، وهو الصحيح عند المالكية، إلا المغمور
وهو من بقي به رمق، وبقي في غمرة الموت ولم يفق منها حتى مات، فإنه لا يصلى عليه.
(الغرياني ص 164، المقري 2/ 482) .
2 - الحيوان المتردي الذي أصيبت مقاتله، وبقي فيه أثر حياة، لا تفيد فيه
(2/901)

الذكاة، بناء على أن الحياة المستعارة كالعدم، فلا يؤكل، وهو مذهب مالك، وعلى أن حياته معتد بها، فإنه يذكى ويؤكل، وهو مذهب آخر.
(الغرياني ص 165، المقري 2/ 482) .
3 - من أنفذ مقاتل رجل بضربه متعمداً، ثم أجهز عليه آخر، فعلى أن الحياة المستعارة كالعدم، يقتص من الأول، ويعاقب الثاني تعزيراً، وعلى أن الحياة المستعارة معتد بها، يكون القصاص من الذي أجهز عليه، وهما قولان لابن القاسم.
(الغرياني ص 165) .
4 - يؤكل من غير ذكاة ما لا يعيش في البر من دواب البحر إلا لمدة قليلة.
كالأربعة الأيام ونحوها، لأن حياته غير مستقرة، فهي كالعدم، فإن كان يعيش أطول من ذلك، فلا يؤكل إلا بذكاة.
(الغرياني ص 165) .
6 - الجنين لا يصلى عليه، ولا يورث إلا باستهلال، أو بما يدل من التنفس مع الحركة المتكررة على قوة الحياة، أما ما دون ذلك من مظاهر الحياة المشعارة، كمجرد التنفس، فكالعدم، وإن صُلِّي عليه احتياطاً، فحسن (الغرياني ص 165، المقري 2/ 482) .
المستثنى
1 - من أنفذ مقاتل رجل، وأجهز عليه آخر، وكان الإمام قال: من قتل قتيلاً فله سلبه، فإن السلب يكون للأول دون الثاني بالاتفاق، ولا يجري فيه الخلاف على القاعدة، لصيرورته بإنفاذ مقاتله أسيراً، فالثاني يكون قد قتل أسيراً، ولا سلب لمن قتل أسيراً.
(الغرياني ص 166) .
2 - منفوذ المقاتل من البشر معدود في حكم الموتى على ما صوبه ابن يونس، ولو كان فيه بقية نفس، فلا يرث من مات من أهله، وهو بتلك الحياة المستعارة التي في حكم العدم، بل يكون هو الموروث؛ لأنه في عداد الموتى (الغرياني ص 185) .
(2/902)

القاعدة: [249]
إذا تعارض القصد واللفظ أيهما يقدم؟
التوضيح
إذا كان اللفظ له مدلول عرفي ناقل للفظ عن مدلوله اللغوي؛ بحيث صار لا يتبادر عند الإطلاق غيره، دون حاجة إلى ترينة، فتقديم المدلول العرفي على المدلول اللغوي محل اتفاق بين أشهب وابن القاسم.
وإنما يختلفان في فروع هذه القاعدة، فيما يعدُّ ناقلاً للفظ عن مدلوله اللغوي وما لا يعدُّ ناقلاً، فقد يستعمل أهل العرف اللفظ استعمالاً عرفياً غالباً، لكن إن لم يصل إلى الغاية الموجبة للنقل، فابن القاسم حينئذ يقدم المدلول اللغوي، وأشهب يقدم المدلول العرفي، فهذا هو محل النزاع في تحقيق المناط.
وهذا يدخل في تعارض العرف مع اللغة الذي سبق في قاعدة
"العادة محكَّمة".
التطبيقات
1 - من حلف لا يأكل لحماً أو رؤوساً أو بيضاً، لا يحنث بأكل لحوم أو رؤوس أو بيض الحيتان؛ لأنها لا تراد من اللفظ عرفاً، ولو أن اليمين تدل عليها لفظاً، وهو قول أشهب وابن حبيب، ويحنث عند ابن القاسم تقديماً لظاهر اللفظ على القصد.
(الغرياني ص 174) .
2 - من حلف لا يجلس على بساط، لا يحنث بجلوسه على الأرض، لأنها لا تسمى
(2/903)

بساطاً عرفاً، ولو أنها تسمى كذلك لغة، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) .
وذلك نقديماً للقصد على اللفظ.
(الغرياني ص 174) .
3 - من حلف بلفظ دلالته العرفية على الطلاق، ودلالته اللفظية على غير
الطلاق، لزمه الطلاق، تقديماً للقصد على اللفظ، وذلك كما لو جرى عرف بعض البلاد من أن الحلف بصيغة "عليَّ اليمين" أو "عليَّ الحرام "
هي عندهم يقصد بها الطلاق، فمن حلف بها لزمه الطلاق، تقديماً للقصد العرفي على اللفظ، فإن تنوسي القصد العرفي مع طول الزمن.
ولم ينوِ المتكلم من اليمين شيئاً، بل أجراه على لسانه
من غير قصد، فعلى الخلاف في اليمين المجردة عن النية.
قيل: تلزم، وقيل: لا تلزم.
(الغرياني ص 174) .
4 - من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي قاصداً بذلك الطلاق، والمشهور عند المالكية أن صريح لفظ الظهار يقدم فيه اللفظ على القصد، فينصرف إلى الظهار، ولا تقبل فيه النية المخالفة، أما ما كان من كنايات الظهار، كانت على كيد أمي، أو ظهر فلانة الأجنبية، فإن القصد يقدم فيه على الطلاق، فإن نوى به الطلاق لزمه.
وإن نوى به الظهار لزمه.
(الغرياني ص 175) .
5 - من نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم نهاراً، والناذر مفطر، فمن قدَّم اللفظ على القصد، قال: لا يلزمه قضاء ذلك اليوم؛ لأن دلالة اللفظ هو صيام يوم قدوم فلان، وقد تعذر صيامه، ومن قدَّم القصد أوجب عليه القضاء؛ لأن قصد الناذر الشكر لله تعالى بصوم يوم، فلما تعذر بقدوم فلان وجب قضاؤه.
(الغرياني ص 175) .
6 - من نذر صوم شهر، فمن قدم اللفظ، يكفيه صيام تسحة وعشرين يوما؛ لأن الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، ومن قدَّم القصد أوجب عليه صوم ثلاثين يوماً؛ لأن الناذر قاصد للتشديد على نفسه، والتشديد يتحقق بالثلاثين.
(الغرياني ص 175) .
7 - من حلف ألا يأكل عسلاً، فأكل عسل الرطب، أو حلف لا أدخل عليه بيتاً، هل يحنث بدخوله عليه في المسجد أو لا؛ أو حلف لا أكلم فلاناً، فسلم عليه في
(2/904)

الصلاة، ففي ذلك خلاف في الحنث على القاعدة، فيحنث إن قدمنا المدلول اللفظي، وهو قول ابن القاسم، ولا يحنث إن قدمنا القصد، وهو قول أشهب.
(الغرياني ص 176) .
8 - من وكَّل أحداً ليشتري له ثوباً، فاشترى الوكيل ما لا يليق بالموكل، فقال ابن القاسم غير لازم للموكل، فقدَّم المدلول العرفي، وقال أشهب: يلزمه قبوله، فقدَّم اللفظ، فراعى ابن القاسم العرف في الوكالة دون الأيمان، وعكس أشهب.
(الغرياني ص 176) .
9 - من حلف ليتزوجنَّ، فتزوج امرأة ليست كفئاً له، فعلى مراعاة اللفظ يكون قد برَّ بيمينه، وعلى مراعاة القصد لا يحصل له برٌّ.
(الغرياني ص 176) .
(2/905)

القاعدة: [250]
الأتباع هل يعطى لها حكم متبوعاتها، أو حكم نفسها؟
الألفاظ الأخرى
- اختلفوا في كون الأتباع مقصودة، أم لا؟
- المشهور من مذهب مالك أن الأقل يتبع الأكثر.
التوضيح
سبقت القاعدة العامة " التابع تابع " (م/47)
وأن التابع ينسحب عليه حكم المتبوع.
ولكن اختلف الحكم عند المالكية في بعض الفروع.
وأن فيها قولين، لكن "المشهور من مذهب مالك أن الأقل يتبع الأكثر، ولذلك تشترك هذه القاعدة في بعض فروعها مع القاعدة المتقدمة المختلف فيها عند المالكية "ما قرب من الشيء هل له حكمه، أم لا؟ "
وذلك إذا كان للأمر جانبان، جانب يشمل معظمه وأكثره.
وله حكم يخصه، وجانب آخر لا يشمل إلا جزءاً قليلاً منه.
وله حكم آخر يخصه لو استقل بنفسه.
فهل بانضمام القليل إلى الأكثر يفقد الأقل اعتباره، ويسري عليه
حكم الأغلب؟ وهو المشهور، أو يبقى للأقل حكمه الخاص به، ولا ينظر إليه إلا في نفسه، دون اعتبارِ لغيره؟
(2/906)

التطبيقات
1 - من كان له مالان، أحدهما يتاجر به تجارة (مدير) وهو الذي يعرض سلعته للبيع والشراء طوال العام، والآخر يتاجر به تجارة محتكر، لا يعرض السلعة بليتربص بها غلاء الأسعار، وأحد المالين أكثر من الآخر، فعلى أن الأقل يعطى حكم الأكثر، يزكيان معاً عند وجوب زكاة الأكثر، وهو قول ابن الماجشون، وهو الأعدل، وعلى أن الأتباع لا تعطى حكم متبوعاتها يزكى كل مال على سنته، وهو القياس.
(الغرياني ص 188) .
2 - المصحف المحلى بأحد النقدين إذا كانت حليته قليلة تبعاً لغيرها، فإنه يجوز بيعه بنقد من صنف الحلية، يداً بيد على المشهور.
ومنع ابن عبد الحكم بيعه كذلك، إعطاء للأتباع حكم أنفسها.
ومثل المصحف المحلى بيع السيف المحلى، والخاتم المحلى.
والثوب المحلى بأحد النقدين الذي لو سبك لخرج منه عين.
(الغرياني ص 188) .
3 - استعمال الذهب في خاتم الرجال ممنوع؛ فإن كان المذهب قليلاً تبعاً لغيره، فإنه يجري على القاعدة.
(الغرياني ص 189) .
4 - بيع حلي متبوع بصنف التابع، كسوار ثلثه ذهب وثلثاه فضة، يباع بذهب.
منعه مالك في المدونة، والجواز أقيس، إذ لا فرق بين الحلي والسيف.
(الغرياني ص 189) .
5 - الخنثى الذي له فرج رجل وفرج امرأة إذا بال من المحلين، ينظر إلى الأكثر منهما فيحكم له به بناء على هذه القاعدة.
(الغرياني ص 189) .
6 - تكره الأجرة على الإمامة وحدها، لأن الإمامة صلاة، والصلاة متعينة على المكلف، ولا يجوز أخذ الأجرة على ما تعين عمله ديانة، وتجوز الأجرة على الأذان وحده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا محذورة صرة من فضة بعد أن علمه الأذان وأمره به.
وتجوز على الإمامة مع الأذان؛ لأنها تبع للأذان.
(الغرياني ص 190) .
7 - يجوز في المسالَاة أن يترك للعامل البياض من الأرض الذي لا غرس فسِه
يغرسه لنفسه، ولا يأخذ المالك منه عليه شيئاً، وذلك إذا كان البياض قليلاً
(2/907)

لا يتجاوز الثلث؛ لأنه قليل وتبع، ويجوز كذلك إدخاله في عقد المساقاة تبعاً للسواد إذا لم يتجاوز الثلث على القاعدة.
(الغرياني ص 190) .
8 - الدية على العاقلة من أهل البادية مئة من الإبل، وعلى أهل المدن ألف دينار ذهباً، فإن كان بعض العاقلة بالبادية، وبعضها بالحاضرة، أعطي للأقل حكم الأكثر، ولا تلفق الدية، على قول، وفي قول ينظر في الدية إلى محل الجناية.
وقيل: تجب في نوع من كان الجاني مقيماً بينهم.
(الغرياني ص 190) .
(2/908)

القاعدة: [251]
الإقالة هل هي حَلٌّ للبيع الأول، أو ابتداء بيع ثانٍ؟
التوضيح
هذه القاعدة تشبه قاعدة الشافعية "الإقالة هل هي فسخ أو بيع؟!
واختلف المالكية في فروعهم في الإقالة، فقيل: تعذُ الإقالة حَلاُّ للبيع الأول ونقضاً له، وكان شيئاً لم يكن، فالبائع يسترد سلعته، والمشتري يسترد الثمن الذي بذله، والمشهور أن الإقالة تعدُّ بيعاً جديداً، بمعنى أن البيع الأول ترتبت عليه آثاره، وملك به المشتري المبيع.
والبائع الثمن، وبالإقالة ينشئ العاقدان بيعاً جديدأيملك به كل ما عند صاحبه، ولا يستثنى من ذلك إلا ثلاثة أشياء، تكون الإقالة فيها حَلاَّ للبيع بالاتفاق.
التطبيقات
1 - من باع ثمراً بعد زهوه وطيبه، فجذه المشتري، وبعد يبسه أقال منه، فالإقالة تجوز بناء على أنها حل للبيع؛ لأن كل واحد رجع إليه عوضه الذي بذله من غير زيادة ولا نقص، وعلى أن الإقالة ابتداء بيع لا تجوز، لأنها بيع طعام واقتضاء غيره من جنسه لم تتحقق مماثلته، لأن البائع أعطى بسراً، وأخذ عنه تمراً يابساً، والثمن لغو.
لكن لو بعدت التهمة جاز، كان أفلس المشتري قبل أن يدفع الثمن، فإنه يجوز للبائع أخذ التمر اليابس بدل النقد اتفاقاً.
(الغرياني ص 381) .
2 - الأرض المطبلة هي التي وضع عليها قدر معلوم من الخراج بعد إحيائها،
(2/909)

وتسمى بأرض الطبل والوظيف، قال ابن القاسم: لا يجوز بيعها، للجهل بالثمن، وعليه فلا تجوز الإقالة فيها بناء على أن الإقالة بيع، وتجوز بناء على أنها حل للبيع.
(الغرياني ص 381) .
3 - العهدة واجبة في بيع الرقيق، وهي وضع البيع عند أمين حتى تتبين سلامته، فهي تعلق المبيع بضمان البائع على وجه مخصوص مدة معلومة، واختلف هل تجب العهدة في الإقالة أم لا؟
فعلى أن الإقالة ابتداء بيع تجب فيها العهدة، واعترض على
ذلك بأن الإقالة مقصود بها المعروف، فلا نكون فيها عهدة، كما تجب في العقود المقصود بها المكايسة والمعاوضة، وعلى أن الإقالة حَلّ للبيع فلا تجب فيها عهدة اتفاقاً.
(الغرياني ص 381) .
المستثنى
1 - الإقالة في بيع المرابحة ليست ابتداء بيع، وإنما هي حَلّ للبيع الأول بالاتفاق، خلافاً للقاعدة، ولذا قالوا فيمن أراد أن يبيع السلعة مرابحة، وكان باعها قبل ذلك، ثم رجعت إليه بالإقالة: إنه يجب عليه أن يبين ذلك، بخلاف ما لو باعها ثم ملكها بشراء جديد.
(الغرياني ص 381) .
2 - الإقالة في بيع الطعام تعذُ نقضاً للبيع الأول بالاتفاق؛ لأنها لو عدت ابتداء بيع لمنعت، لما يترتب عليها من بيع الطعام قبل قبضه.
(الغرياني ص 302) .
3 - الإقالة في الأخذ بالشفعة ليست ابتداء بيع، ولا حَلّ بيع، بل تعد ملغاة، فمن باع شقصاً ثم أقال من مشتريه فلا يعتد بإقالته، والشفعة ثابتة للشريك بالثمن الذي أخذ به المشتري الأول، والعهدة عليه، ولو كانت الإقالة حَلّ بيع لما ثبتت للشريك الشفعة، لأن البيع لم يتم.
وليست الشفعة ابتداء بيع؛ لأنها لو كانت كذلك لخيِّر الشفيع في الأخذ بأي
البيعتين، وتكون العهدة على من أخذ ببيعه، فيكون مخيراً فيها أيضاً، كما لو تعدد البيع من غير البائع، فالإقالة في الأخذ بالشفعة ملغاة، ولا يحكم لها بأنها ابتداء بيع، ولا حَلّ بيع، بل لها حكم مستقل.
(الغرياني ص 302) .
(2/910)

القاعدة: [252]
القسمة هل هي تمييز حق، أو بيع؟
التوضيح
القسمة عند المالكية تمييز للحصص المشتركة بين الشركاء على الصحيح؛ لأنه يجبر عليها من أباها، ولو كانت بيعاً ومعاوضة لما صح فيها الجبر، والقول بأنها تمييز للحصص مبني على أن الجزء المشاع في الشركة يتميز ويتعين قبل القسمة والفرز.
وعلى أنها تمييز حق فإن كل شريك يكون قد أخذ بالقسمة ما تقرر له بالشركة بالأصالة، دون معاوضة لحصته بحصة شريكه.
وقيل: إن القسمة بيع من البيوع؛ لأن تمييز الحصص المشتركة بين الشركاء لا يتم للشريك إلا بعد أن يعاوض حصة شريكه بحصته؛ لأن الأصل أن حصة كل شريك موزعة في المال كله، فلا يتم اختصاصه بشيء إلا بعد أن يبيع منابه في غير الجزء الذي آل إليه، بمناب شريكه في الحصة التي حازها، وهذا الخلاف إنما يجري في القسمة الجبرية، وهي قسمة القرعة، وفي قسمة المراضاة التي تتم بعد التقويم والتعديل، لأنها تشبه القرعة.
أما قسمة المراضاة بغير تعديل وتقويم فلا خلاف في أنها بيع من
البيوع، وليست تمييز حق.
(2/911)

التطبيقات
1 - إذا كان في التركة ذهب وفضة وحلي، وأراد أحد الورثة أن يشتري الحلي بحصته في الميراث، ويكتبه لنفسه قبل القسمة، بأن يقول لباقي الورثة مثلاً: أبيع لكم منابي في التركة كلها، وآخذ عن ذلك الحلي، فإن ذلك جائز على أن القسمة تمييز حق على الصحيح.
وقيل: لا يجوز بناء على أنها بيع، لأن المحاسبة تتأخر إلى وقت القسمة.
وفي ذلك بيع للحلي بالنقد مع التأخير، ولأنه لو تلف باقي التركة لرجع عليه الورثة فيما أخذ من الحلي، وهم قد بذلوا نقداً مقابل الحلي، فيكون الرجوع بالحلي من الصرف المؤخر.
(الغرياني ص 342، والونشريسي ص 381) .
2 - من مات بعد ذبح أضحيته، فإنه يجوز للورثة قسمة أضحيته بناء على أن القسمة تمييز حق، وقيل: لا تجوز قسمتها، وإنما ينتفعون بها شركة، وهو مبني على أن القسمة بيع، وبيع لحم الأضحية لا يجوز.
(الغرياني ص 342، الونشريسي ص 381) .
3 - معدن الذهب والفضة المشترك، يجوز قسمة ترابه كيلاً، بناء على أن القسمة تمييز حق، لأنه لا بيع يخاف التفاضل فيه في النقد، ولا يجوز قسمته كيلاً بناء على أن القسمة بيع؛ لأنه قد يصفو لأحدهما من الذهب بعد تخليصه من التراب أكثر مما يصفو للآخر، فيكون من بيع الذهب بالذهب متفاضلاً.
(الغرياني ص 342) .
4 - إذا اقتسم الشركاء ثماراً على رؤوس الأشجار، فأصابت حصةَ أحدهم
جائحةٌ، فإنها لا توضع، ولا يعوض عنها من وقعت في حصته، وذلك بناء على أن القسمة تمييز حق، وعلى أن القسمة بيع توضع الجائحة عمن وقعت في حصته، ويعوضه شريكه عنها، وهو ظاهر قول ابن القاسم.
(الغرياني ص 343) .
5 - إذا قُسمت أصول الثمار بين الشركاء، ثم قسمت الثمار، فوقعت ثمرة بعضهم في أصل غيره، فعلى أن القسمة تمييز حق، يكون سقي الأصول على صاحب الثمرة.
وهو قول سحنون، وعلى أنها بيع يكون السقي عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
(الغرياني ص 343) .
(2/912)

6 - إذا اقتسم الشريكان ما ملكاه من معدن الذهب أو الفضة كيلاً، فإن قلنا: هي بجع من البيوع فيحاذر فيه الوقوع في الربا؛ لأنه قد يصفو لأحدهما من الذهب أكثر مما يصفو للآخر، أو أقل.
وإن قلنا: بأنها تمييز حق فيتساهل في ذلك.
(الونشريسي ص 382) .
(2/913)

القاعدة: [253]
العادة هل هي كالشاهد، أو كالشاهدين؟
التوضيح
هذه القاعدة فرع للقاعدة الكلية الأساسية الكبرى "العادة محكَّمة" (م/ 36) ؛ لأن الرجوع إلى الأعراف والعادات أحد قواعد الفقه، وأحد الأسس التي يعتمد عليها الفقهاء والقضاة في تفسير مدلولات الألفاظ في العقود، والأيمان، والوقف، والوصية، والمقادير، والمكاييل، والموازين، والنقود، ويرجع إليها الناس في القلة والكثرة في الحيض والطهر، والأفعال غير المنضبطة التي تبنى عليها الأحكام وتتحدد بها حقوق الأطراف، ويرجعون إليها أيضاً في مهر المثل، والكفاءة، وعند التداعي والخصام مع فقد البينات أو تعادلها كوضع الخشب على الجدران، ووجوه الجدران في
البناء، وربط الحبال، والنزاع في أثاث البيت بين الزوجين، إلى غير ذلك.
لكن اختلف فقهاء المالكية في العادة إذا شهدت لأحد المتنازعين، فهل تكون
دلالتها كالشاهد الواحد، فلا يحكم بها من غير يمين، أو تكون في حكم الشاهدين، ويحكم بها من غير يمين؛ وبنيت المسائل على كلا القولين.
التطبيقات
1 - مسألة الابن الساكت، وهو أن يعقد الأب النكاح لابنه البالغ، وهو جالس ساكت لا ينكر ولا يعترض، حتى إذا فرغ الأب قام الابن يعترض في الحين، فإن
(2/914)

الابن يصدق في عدم رضاه بيمينه، فإن لم يحلف، فإن كانت العادة كشاهدين، وهو المشهور في هذه المسألة، لزمه النكاح، وعليه نصف الصداق، كان كانت العادة كشاهد واحد لم يلزمه النكاح، فإن العادة تدل على أن من فعل لى أمره، وهو ساكت حاضر، يكون راضياً به.
(الغرياني ص 357، الونشريسي ص 392) .
2 - إذا تنازع الزوجان عند الطلاق في أثاث البيت، ولا بينة لأحدهما، فإنه يقضى للزوجة بما تشهد العادة أنه لها، فإن جعلنا العادة كالشاهدين حكم لها من غير يمين.
وإن جعلناها كالشاهد الواحد لزمها اليمين، وهو المشهور، أما ما يعرف أنه للرجال فإنه يقضى به لهم بإيمانهم؛ لأنه حكم بالأصل، لا بالعادة، والقياس أنه بين الرجل والمرأة بأيمانهما.
(الغرياني ص 358) .
3 - عند النزاع في الجدار، بقضى به لمن وجه الجدار ومغارز الخشب إلى جهته؛ لأن العادة في الجدار أن يكون لمن وجه إليه، فعلى أن العادة كالشاهد تلزمه اليمين، وهو المشهور، وعلى أنها كالشاهدين، يقضى له به من غير يمين.
(الغرياني ص 358، الونشريسي ص 392) .
4 - معرفة العفاص والوكاء (1) في اللقطة يقوم مقام الشاهدين، فيقضى لمن عرفهما باللقطة بلا يمين على المشهور، وإن قلنا: إحهما كالشاهد الواحد لزمه اليمين، ويرجح الأول أن المدعي للقطة لا مكذب له، فلم يحتج في دعواه إلى يمين.
(الغرياني ص 358) .
5 - عند النزاع بين الزوجين في المسيس، فالقول للزوجة مع اليمين على المشهور، فيجب لها الصداق في خلوة الاهتداء، وكذلك إذا كانت هي الزائرة؛ لأن الرجل إذا خلا بامرأته أول خلوة مع تشوقه إليها، قل ما يفارقها قبل أن ينال منها، ولو جعلت العادة هنا كشاهدين لحكم لها بالصداق من غير يمين.
(الغرياني ص 359، الونشريسي ص 392) .
__________
.
(1) العفاص: هو الوعاء من الجلد أو الخرقة أو غير ذلك يكون فيه زاد الراعي، والوكاء: الخيط الذي يشد به رأس القربة أو المرة أو الكيس، المعجم الوسيط 2/ 611. 1055.
(2/915)

6 - عند اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الدَّين يُحكم لمن شهد له الرهن بيمينه، وتعتبر العادة كالشاهد في الراجح، فإن كانت قيمته يوم الحكم والتداعي مثل دعوى المرتهن فأكثر صدق المرتهن بيمينه؛ لأن العادة أن صاحب الدَّين لا يقبل في الرهن أنقص من دينه، ولو جعلت العادة كالثاهدين لصُدِّق من غير يمين، وإن كان الرهن
يساوي ما قاله الراهن فأقل صُدِّق الراهن بيمينه في الراجح، وتكون العادة كشاهد واحد.
(الغرياني ص 359، الونشريسي ص 393) .
7 - البكر إذا وجدت تبكي متعلقة برجل، وهي تُدمي، فإنه يتقرر لها الصداق، قيل بيمين، بناء على أن العادة كالشاهد، وقيل: بغير يمين، واستحسنه اللخمي، بناء على أن العادة تحكم بأن المرأة لا تفضح نفسها بتعلقها برجل تدَّعي أنه نال منها لو لم تكن صادقة، وثبت الصداق، ولم يثبت الحدّ؛ لأن الشرع جعل إثبات الحقوق المالية
أخفّ من إثبات الزنا.
(الغرياني ص 9 35، الونشريسي ص 393) .
8 - وضع اليد بالحيازة حيازة شرعية، مع مجرد الدعوى من غير بيِّنة لأحد
المتداعيين، قرينة على الملك عادة، فلا ينزع من حائز، فإن كانت العادة كالشاهد، فيحلف واضع اليد، وهو المشهور، وإن كانت كالشاهدين فلا يطالب باليمين.
وكذلك إذا تكافأت بينتاهما، وتساقطتا، فالعادة تشهد لواضع اليد، فيبقى الشيء بيده، ويحلف؛ لأن العادة كالشاهد فيحلف معها، ولأنه لما سقطت البينتان وبقيت الدعوى، وجبت اليمين على المنكر.
(الغرياني ص 360، الونشريسي ص 393) .
(2/916)

القاعدة: [254]
الرخصة هل تتعدى محلها إلى مثل معناها، أو لا؟
التوضيح
إذا رخص الشارع في أمر، فهل يقاس عليه كل ما كان في معناه، أم أن الرخصة قاصرة ولا تتعدى محل ورودها؛ لأن الرخصة استثناء من القاعدة، ولا يقاس على الاستثناء، وهذا الخلاف إنما يجري فيما كان في معنى الرخصة المنصوص عليها، أما ما كان أحرى بثبوت الحكم نيثبت له الترخيص، وما كان أدون فلا يثبت له تعدي الرخصة اتفاقاً.
التطبيقات
1 - ثوب الظئر (وهي المرضعة لولد غيرها) إذا أصابه بول الرضيع، فهل يعفى عنه في الصلاة للمشقة، قياساً على ثوب الأم؛ الصحيح العفو إن اضطرت إلى الإرضاع، أو لم يقبل الولد غيرها، بشرط أن تجتهد في التوقي، كالأم.
(الغرياني ص 432) .
2 - الجزار والكناف، وكل من يزاول الدواب، وتصيبه النجاسات في مهنته، فإنه يعفى عما أصاب ثوبه للمشقة، قياساً على المرضع.
(الغرياني ص 432) .
3 - صاحب السلس يعفى عنه في نفسه للمشقة، فهل له أن يؤم غيره، أم أن الرخصة خاصة به؛ الصحيح أنه يجوز له أن يؤم غيره مع الكراهة، إلا إذا كان من أهل الصلاح والفضل فلا كراهة.
(الغرياني ص 433) .
(2/917)

القاعدة: [255]
نوادر الصور هل يعطى لها حكم نفسها، أو حكم غالبها؟
الألفاظ الأخرى
- اختلف المالكية في حكم النادر في نفسه، أو إجراء حكم الغالب عليه.
- النادر هل يلحق بالغالب؟
التوضيح
إن الصور المتشابهة التي ترجع إلى أصل واحد، تعطى حكماً واحداً، لمراعاة
الأوصاف والعلل الغالبة في أكثر مسائلها، ولذلك قال القرافي:
"إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب ".
ولكن بعض الصور التي ترجع إلى الأصل الواحد لا تتحقق فيها كامل الأوصاف والعلل التي بني عليها الحكم في عامة المسائل، فتكون نادرة.
واختلف المالكية في حكم هذه الصور النادرة، فقالوا - أحياناً - تعطى حكم
غالب المسائل، وإن اختلفت عنها، لأن النادر لا حكم له، وقالوا - أحياناً - تعطى حكماً خاصاً بهها، مخالفاً لحكم الغالب، وتكون مستثناة من الغالب.
(2/918)

التطبيقات
1 - النفقة على الابن تنتهي بالبلوغ، لأن الغالب في البالغين أن يكونوا قادرين على الكسب، فلو بلغ الابن وهو معاق غير قادر على الكسب فإن نفقته لا تلزم أباه، بناء على أن نوادر الصور تعطى حكم غالبها، فإن أعطيت حكم نفسها فتستمر النفقة على الأب، لأن سببها عدم القدرة، وهو غير قادر، وهو الصحيح.
أما إن بلغ صحيحاً، ثم أعيق فلا تعاد إليه النفقة على الصحيح.
(الغرياني ص 196) .
2 - العنب الذي لا يخرج منه زبيب، أو الرطب الذي يؤكل أخضر، ولا ييبس، ولا يخرج منه تمر، هل يجري فيه الربا، وتجب فيه الزكاة، ويعطى حكم الغالب؛ أم يكون مستثنى، ويعطى حكم نفسه فلا يكون ربوياً، لعدم وجود العلة فيه، وهي الادخار؛ فيه قولان.
(الغرياني ص 196) .
3 - علة الربا في النقدين: الذهب والفضة كوخهما ثمناً للأشياء، أما الفلوس فإنها مصنوعة من معدن آخر، استعماله في الثمنية قليل، لأنها تكسد وتفسد، فمن راعى الصورة الغالبة أجرى الربا في الفلوس لوجود الثمنية فيها في الجملة، ولو في بعض الأوقات، وهو الصحيح، ومن أجرى عليها حكم نفسها لم يجر فيها الربا لعدم التثمين بها غالباً.
وقيل: يكره الربا في الفلوس ولا يحرم لموضع الشبهة.
(الغرياني ص 197) .
4 - حيوان البحر الذي تطول حياته بالبر، كالسلحفاة والضفاع، لا تجب ذكاته، بناء على أن الصور النادرة تعطى حكم الغالب، وتجب ذكاته بناء على أنها تعطى حكم أنفسها.
(الغرياني ص 197، المقري 1/ 244) .
5 - المرأة التي تلد يجب عليها غسل النفساء لنزول الدم بعد الولادة، فإن ولدت بغير دم، فهذا نادر، ولكنها تلحق بالغالب ويجب عليها غسل النفساء؛ لأن الصورة النادرة لها حكم الغالب.
وقيل: لا يجب عليها الغسل، لأن لها حكم نفسها لعدم الدم.
(الونشريسي ص 257) .
(2/919)


المستثنى
1 - لو صاد المحرِم فعليه الجزاء، لأن الصيد هو الغالب، ولكن لو عمَّ الجراد المسالك أمام المحرم فصاده، فلا جزاء عليه، مع أنه نادر، ويعطى حكم نفسه، ولا يجري فيه الخلاف.
(الونشريسي ص 257) .
2 - إذا مات الزوج، أو طلق زوجته ثم جاءت زوجته بولد بعد ذلك لأقصى مدة الحمل، وهو خمس سنين عند مالك، (وقيل: أربع، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقيل: إلى سبع، وكلها روايات عن الإمام مالك رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إلى سنتين) .
"فإن هذا الحمل الآتي بعد خمس سنين دائر بين أن يكون من الوطء
السابق. من الزوج".
وبين أن يكون من الزنا، ووقوع الزنا في الوجود أكثر وأغلب من
تأخر الحمل. - هذه المدة، فقدم الشارع هنا النادر على الغالب قولاً واحداً، وكان المقتضى أن يجعل زناً ولا يلحق بالزوج عملاً بالغالب، لكن الله تعالى يشرع لحوقه بالزوج لطفاً بعباده، وستراً عليهم، وحفظاً للأنساب، وسدًّا لباب ثبوت الزنا.
(القرافي: 3/ 203، 4/ 104) .
(2/920)

القاعدة: [256]
السكوت على الشيء هل هو إقرار به، أم لا؟
وهل هو إذن فيه، أم لا؟
التوضيح
إن السكوت لا يعتبر رضاً، إذ قد يسكت الإنسان عن إنكار ما يرى، وهو غير راض، ولكن الخلاف: هل يعتبر السكوت إذناً؟
لكن إذا صدر أمام الشخص فحل بحضرته، أو قيل قول، وسكت، ولم يجب بنفي ولا إثبات، فهل يعدُّ سكوته إذناً وإقراراً به، أو لا يدل سكوته على الإذن، فلا يؤخذ منه حكم.
اختلف المالكية في ذلك، والصحيح عندهم أنه لا يعدُّ إذناً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في البكر: "إذنها صماتها".
فدل بصريحه أن ذلك خاص بها، ودل بمفهومه أن الثيب
بخلاف ذلك، فلا يكون صماتها إذناً، وهذا إجماع في النكاح، فيقاس غيره عليه، إلا فيما يعلم بالعرف والعادة أن الساكت عنه لا يكون إلا راضياً به، كالذي يرى حمل امرأته، وهو ساكت فلا ينفيه، فإن أنكره بعد ذلك فلا يقبل منه؛ لأن سكوته السابق يعتبر رضا به.
(2/921)

التطبيقات
1 - إذا أخذ شخص سلعة ليقلبها بدون إذن البائع، ولكنه ساكت، ولم يمنعه من التقليب، فوقعت منه وانكسرت، وكسرت ما تحتها، فالصحيح أنه ضامن؛ لأن سكوت البائع لا يعدُّ إذناً.
وكذلك سقوط المكيال من يد المشتري إذا أخذه بغير إذن البائع، لكنه حاضر ساكت، فالمشتري ضامن حيث لم يؤذن له، ولأن الكيل على البائع، فإن أذن له فلا ضمان.
(الونشريسي ص 373، الغرياني ص 331) .
2 - من بنى في أرض غيره أو غرس، وهو ساكت، ثم أراد المالك المنع، فله ذلك على الصحيح، وللمالك الخيار في دفع قيمة الغرس والبناء مقلوعاً ومنقوضا، أو يأمره بهدم البناء وقلع الغرس، وهذا بناء على أن السكوت ليس إقراراً، فإن اعتبر إقراراً فليس للمالك الأمر بهدم البناء وقلع الغرس، وإنما يعطيه قيمته قائماً لوجود الشبهة، كالمرتفق بالعارية المبهمة في الجدار أو الساحة التي لم يبيق للمستعير أمد استعمالها، فيبني عليها أو يغرس، فإنه يعطي قيمة البناء منقوضأ، والغراس مقلوعاً
عند الأجل.
(الغرياني ص 331، الونشريسي ص 374) .
المستثنى
1 - اتفق المالكية على أن السكوت كالإقرار فيمن قال لزوجته في العدة: قد راجعتك فتسكت، ثم تدعي من الغد أن عدتها كانت قد انقضت، فلا يسمع قولها، ويعدُّ سكوتها إقراراً منها بأنها لا تزال في العدة.
(الغرياني ص 332، الونشريسي ص 374) .
2 - من حاز شيئاً يعرف لغيره، فباعه، وهو يذعيه لنفسه، والآخر عالم ساكت لا ينكر بيعه، فذلك يقطع دعواه، ويعدُّ سكوته إقراراً.
(الغرياني ص 332، الونشريسي ص 374) .
3 - من يأتي ببينة على رجل، فيقول: اشهدوا أن لي عنده كذا وكذا، وهو حاضر
(2/922)

ساكت ولم يعترض، فيعد سكوته إقراراً.
(الغرياني ص 332، الونشريسي ص 374) .
4 - مسألة الأيمان والنذور، فمن حلف لزوجته ألا يأذن لها إلا في عيادة مريض، فخرجت إلى عيادة مريض بإذنه، ثم مضت بعدها إلى حاجة أخرى، لا يحنث، وكذلك لا يحنث إذا خرجت بغير إذنه إلى مكان آخر، إلا أن يراها ويتركها فيحنث؛ لأن سكوته إذن بخروجها إلى المكان الآخر.
(الغرياني ص 332، الونشريسي ص 374) .
5 - من رأى حمل زوجته، فلم ينكره، ثم نفاه بعد ذلك، فإنه يحد ولا يلاعن؛ لأن سكوته إقرار بأن الولد منه.
(الغرياني ص 332، الونشريسي ص 374) .
6 - مسألة كراء الدور والأرضين، فيمن زرع أرض رجل بغير إذنه، وهو عالم، ولم ينكر ذلك عليه، فالسكوت إقرار (الونشريسي ص 374) .
7 - إذا اتَّجر العبد بمعرفة مولاه وعلمه، ولا يغير ذلك ولا ينكره، فالسكوت إقرار منه (الونشريسي ص 357) .
8 - إذا علم الأب والوصي بنكاح من في نظرهم، وسكتوا، فإن سكوتهم إقرار بالنكاح.
(الغرياني ص 333، الونشريسي ص 357) .
9 - إذا رأى غرماء الميت الورثة يقتسمون تركته، وسكتوا، ولا مانع يمنعهم من المطالبة، فإن سكوتهم إقرار بترك حقهم.
(الغرياني ص 333، الونشريسي ص 357) .
(2/923)

القاعدة: [257]
اختلاف الأصل والحال
التوضيح
الأصل في الأشياء هو ما تكون عليه طبيعتها وتكوينها وخلقتها، ويكون الحكم عليها، فإذا تغير الأصل، وصارت حاله مختلفة عما سبق، فقد اختلف المالكية بما يُعتبر منهما، لأنه يختلف حكم الشيء بالنظر إلى أصله، أو بالنظر إلى حاله، ففيها قولان.
التطبيقات
1 - السلحفاة والضفادع الأصل أنهما حيوانان بحريان وتطول حياة كل منهما في البر، وميتة البحر طاهرة، واختلف المالكية في حكم ميتة السلحفاة والضفدع.
فالمروي عن مالك أن ميتتهما حلال، ولا تحتاجان إلى تذكية، وقال ابن نافع: حرام نجس إن ماتتا حتف أنفسهما.
(المقري 1/ 257) .
2 - الملح غير مطهر في الأصل، فإذا ذاب في الماء، فللمالكية ثلاثة أقوال.
الأول: التطهير بناء على الأصل للماء.
والثاني: حكمه حكم الطعام فلا يتطهر به.
والثالث: التفريق بين كون ذوبأنه بصنعة فلا يتطهر به، وكونه بلا صنعة فيتطهر به،.
(المقري 1/ 257) .
(2/924)

3 - أطراف القرون والأظلاف للحيوان فيها قولان، والمشهور أنها نجسة إذا كان البدن نجساً كالميتة.
(المقري 1/ 257) .
4 - مسح باطن الأذنين في الوضوء، فيه قولان، المشهور أنه سنة، وفي قول: إنه فرض، ومنشأ الخلاف النظر إلى الحال أو إلى الأصل، فإن أصل الأذن في الخلقة
كالوردة سم تنفتح.
(المقري 1/ 257) .
5 - النجس في أصله، إذا زال تغيره بنفسه فيه قولان، والمعتمد عدم الطهورية.
(المقري 1/ 258) .
المستثنى
1 - البيض واللبن أصلهما دم وفرث نجسان، وانتقل حالهما وأعراضهما من
النجاسة إلى"صلاحْ وما هو طاهر، فهما طاهران قولاً واحداً.
(المقري 1/ 257) .
2 - العينان، حالهما من الوجه، ولكن حفظ أصلهما لعدم ارتفاعه بالكلية، فلم يعارض بحال لازمة، فلا يجب غسلهما في الوضوء، مع توقع الضرر بغسل باطنهما.
(المقري 1/ 257) .
3 - النجس إذا زالت نجاسته بالماء، فيقدم الحال قولاً واحداً، ويصبح طاهراً.
(المقري 1/ 258) .
(2/925)

الباب الثامن
القواعد المختلف فيها عند الشافعية
وهي قواعد مختلف فيها في المذهب الشافعي غالباً، ولا يطلق الترجيح فيها
لاختلافه في الفروع التي تدخل تحتها، كما قاله السيوطي.
ولكن المتأخرين رجحوا أحد الشقين في كثير من هذه القواعد، فيكون الراجح تطبيقاً للقاعدة، والمرجوح مما خرج عن هذه القاعدة يعتبر مستثنيات لها، كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً عند ذكر كل قاعدة.
(2/927)

القاعدة: [258]
هل الجمعة ظهر مقصورة؛ أو صلاة على حيالها؟
التوضيح
صلاة الجمعة ركعتان بعد خطبة الجمعة، ولكن هل تعتبر ظهراً مقصورة، أم
صلاة مستقلة بذاتها، قولان، ويقال: وجهان.
قال النووي رحمه الله في (شرح المهذب) :
"ولعلهما مستنبطان من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فيصح تسميتهما قولين، ووجهين، والترجيح فيهما مختلف
في الفروع المبنية عليهما، كما قاله السيوطي.
أي لأن قولهم: إن الخطبتين تنزلان منزلة الركعتين.
وقولهم: لو خرج الوقت، وهم فيها، وجب الظهر بناء، كلاهما يؤيد كونها ظهراً مقصورة.
وقولهم: لو اقتدى مسافر بمصل صلاة الجمعة لزمه الإتمام، وقولهم: ليست
الخطبتان منزلتين منزلة ركعتين على المعتمد، كلاهما يوبد كونها صلاة على حيالها.
والأصح، كما قال شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي في (التحفة) :
"إنها صلاة على حيالها، أي وغالب الفروع تنبني على هذا القول "
وقال الخطيب الشربيني:
"والجديد أن الجمعة ليست ظهراً مقصورة. . بل صلاة مستقلة".
وأما الفروع التي لا تدخل في القاعدة فمستثنيات.
(2/929)

التطبيقات
من فروع القاعدة:
1 - لو خرج الوقت، وهم فيها، فإنهم يتمونها ظهراً بناءً، وإن قلنا: إنها صلاة على حيالها.
2 - هل له جمع العصر إلى الجمعة لو صلاها وهو مسافر؛ الأصح الجواز، وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة.
(2/930)

القاعدة: [259]
الصلاة خلف المحدث المجهول الحال.
هل هي صلاة جماعة أو انفراد؟
التوضيح
الصلاة خلف المحدث المجهول الحال صحيحة على القول الأصح، ولكن هل تعتبر صلاة جماعة بحسب الظاهر، أو انفراد؟
في المسألة وجهان، ويختلف الترجيح في الصور والحالات.
والمرجوح في هذه القاعدة أنها تكون جماعة، والحكم لغالب
الفروع، ولا يرد خروج بعضها، بل تكون من المستثنيات.
التطبيقات
يرجح أنها صلاة جماعة في فروع:
1 - لو كان إماماً في الجمعة، وتم العدد بغيره، إن قلنا صلاتهم جماعة صحت، وإلا فلا، والأصح الصحة.
2 - حصول فضيلة الجماعة، والأصح تحصل.
3 - لو سها الإمام أو سَهَوْا، ثم علموا حدثه قبل الفراغ، وفارقوه.
إن قلنا: صلاتهم جماعة سجدوا لسهو الإمام، لا لسهوهم.
وإلا فبالعكس، والأصح الأول.
المستثنى:
يرجح أنها انفراد في فروع، منها: إذا أدركه المسبوق في الركوع.
إن قلنا: صلاة
(2/931)

جماعة حسبت له الركعة، وإلا فلا، والصحيح عدم الحسبان لعدم القراءة من
المسبوق، وعدم صحة قراءة الإمام المحدث..
(اللحجي: ص 96) .
(2/932)

القاعدة: [260]
من أتى بما ينافي الفرض دون النفل بطل فرضه.
وهل تبقى صلاته نفلاً أم تبطل؟
التوضيح
إذا أتى المكلف بفعل ينافي الفرض، ولا ينافي النفل، في أول الفرض أو أثنائه، بطل فرضه، وهل تبقى صلاته نفلاً أو تبطل؟
فيه قولان، والترجيح مختلف في الفروع.
ورجح العلماء في هذه القاعدة أنها تنقلب نفلاً مطلقاً إذا كانت غير كسوف
بالكيفية الكاملة.
التطبيقات
يرجح الأول وتكون نفلاً، في فروع:
1 - إذا أحرم بفرض، فأقيمت جماعة، فسلم من ركعتين ليدركها، فالأصح
صحتها نفلاً.
2 - إذا أحرم بالفرض قبل وقته جاهلاً، فالأصح الانعقاد نفلاً.
(اللحجي: ص 96) .
3 - إذا أتى بتكبيرة الإحرام، أو بعضها في الركوع جاهلاً، فالأصح الانعقاد نفلاً.
(2/933)

القاعدة: [261]
النذر، هل يسلك به مسلك الواجب أو الجائز؟
التوضيح
إذا نذر إنسان نذراً فهل يطبقه ويسلك في تطبيقه مسلك الواجب في الشرع، أم مسلك الجائز له؟
فيه قولان، والترجيح مختلف في الفروع، كذا قاله السيوطي.
والمرجح في هذه القاعدة أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع غالباً، كما صححه النووي في (باب النذر) ، لكنه في باب (الرجعة) اختار أنه لا يطلق ترجيح أحد من القولين، بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل.
التطبيقات
يرجح أن النذر يسلك فيه مسلك واجب الشرع، وذلك في فروع:
1 - نذر الصلاة، والأصح فيه الأول، أي إنه يسلك به مسلك واجب الشرع فيلزمه ركعتان، ولا يجوز القعود مع القدرة على القيام، ولا فعلهما على الراحلة، ولا يجمع بينها وبين فرض أو نذر آخر بتيمم.
2 - نذر الصوم والأصح فيه الأول، وهو الصوم الشرعي الواجب، فيجب فيه التبييت.
3 - نذر الخطبة في الاستسقاء ونحوه، والأصح فيها الأول، وتصبح الخطبة
واجبة، حتى يجب فيها القيام عند القدرة.
(2/934)

4 - نذر أن يكسو يتيماً، والأصح فيه الأول، وتصبح الكسوة واجبة، فلا يخرج عن نذره بيتيم ذمي.
5 - نذر الحج، والأصح فيه الأول، ويصبح الحج واجباً، فلو نذره معضوب لم يجز أن يستنيب صبياً أو عبداً.
6 - نذر إتيان المسجد الحرام، والأصح فيه الأول، فيصبح الإتيان واجباً، فلزم إتيانه بحج أو عمرة.
المستثنى
يرجح الثاني، وهو أن النذر يصبح جائزاً، وليس واجباً، وذلك في فروع:
1 - العتق إن نذره، والأصح فيه الثاني، ويكون النذر جائزاً، فيجزئ عتق كافر ومعيب.
2 - لو نذر أن يصلي ركعتين، فصلى أربعاً بتشهد أو بتشهدين، والأصح فيه الثاني، وهو الجواز فيجزئه.
3 - نذر التشهد الأول، وتركه، والأصح فيه الثاني، وهو عدم الوجوب، فلا يعود إلى القعود، لأن الواجب بالشرع مقدم على الواجب بالشرط.
4 - لو نذر صوم يوم معين، والأصح فيه الثاني، وهو عدم الوجوب، فلا يثبت له خواص رمضان من الكفارة بالجماع فيه، ووجوب الإمساك لو أفطر فيه، وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة، بل لو صامه عن قضاء أو كفارة، صح، والفرق عن الصلاة أن رمضان له قدسية خاصة وأحكام مميزة، فلا يقاس عليه غيره، ولو كان الصيام واجباً، وأن الصلاة بالواجبة تكون ركعتين كالفجر، وتكون أربعاً كالظهر.
5 - الطواف المنذور، والأصح فيه الثاني، وهو الجواز، فتجب فيه النية، كما تجب في النفل، ولا تجب النية في الفرض لشمول نية الحج والعمرة له، وهذا المعنى منتفٍ في النفل والنذر.
(2/935)

6 - وخرج النذر عن النفل والفرض معاً في صورة، وهي ما إذا نذر القراءة، فإنه تجب نيتها، كما نقله القمولي في (الجواهر) مع أن قراءة النفل لا نية لها، وكذا القراءة المفروضة في الصلاة.
قال الشارح: "قلت: ويلحق بها الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم.
(2/936)

القاعدة: [262]
العين المستعارة للرهن.
هل المغلب فيها جانب الضمان أو جانب العارية؟
الألفاظ الأخرى
- العين المستعارة للرهن هل المغلب فيها ضمان أو عارية؟
التوضيح
يجوز إعارة العين لرهنها مقابل دين، فلو قال له: أعرني هذا لأرهنه، هل المغلب فيها جانب الضمان في الرهن، أو جانب العارية وضمان العارية؟ قولان.
قال في (شرح المهذب) : "والترجيح مختلف في الفروع"
قاله السيوطي ثم قال:
"وعبر كثير بقولهم: هل هو ضمان أو عاربة؟ "
وقال الإمام: "العقد فيه شائبة من هذا، وشائبة من هذا، وليس القولان في تمحض كل منهما، بل هما في أن المغلب منهما ما هو؛ فلذلك عبرت به في القواعد الآتيات " انتهى كلام السيوطي.
قال الشارح تبعاً للنووي وغيره: "والأظهر أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء بشرط ذكر جنس الدين وقدره وصفته، أي يكون الاشتراك مبنياً على قول تغليب جانب الضمان، وأما على قول جانب العاربة فلا يشترط، لأن ضمان العارية يختلف عن ضمان الرهن.
(2/937)

التطبيقات
1 - هل للمعير الرجوع بعد قبض المرتهن؟
إن قلنا: عارية، نعم، وأن قلنا: ضمان، فلا، وهو الأصح.
2 - هل للمعير إجبار المستعير على فكّ الرهن؟
إن قلنا: له الرجوع، فلا، وإن قلنا: لا، فله ذلك على القول بالعارية، وكذا على القول بالضمان إن كان حالًّا بخلاف المؤجل، كمن ضمن ديناً مؤجلاً لا يطلب الأصيل بتعجيله لتبرأ ذمته.
3 - إذا حل الدين، وبيعت العين فيه، فإن قلنا: عارية، رجع المالك بقيمتها.
وإن قلنا: ضمان، رجع بما بيعت به سواء كان أقل أو أكثر، وهو الأصح.
4 - لو جنى المرهون، فبيع في الجناية، فعلى قول الضمان: لا شيء على الراهن، وعلى قول العارية، يضمن.
المستثنى
لو تلف المعار تحت يد المرتهن، ضمنه الراهن على قول العارية، ولا شيء على قول الضمان، لا على الراهن ولا على المرتهن، والأصح في هذا الفرع أن الراهن يضمنه، كذا قال النووي: إنه المذهب، فقد صحح هنا قول العارية، قاله السيوطي.
(2/938)

القاعدة: [263]
الحوالة: هل هي بيع أو استيفاء؟
التوضيح
الحوالة من شخص لشخص على آخر لاشلام الدين، هل هي بيع للدين، أم أنها استيفاء للدين؛ فيه خلاف، قال النووي في (شرح الهذب) :
"والترجيح مختلف في الفروع ".
وقال ابن حجر في (التحفة) :
"والأصح أنها بيع دين بدين جُوّز للحاجة، لأن كُلاً ملك بها ما لم يملكه قبل، فكأن المحيل باع المحتال ما له في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته، أي الغالب عليها ذلك، ومن خلاف الغالب قد
تكون من باب الاستيفاء، فتكون من المستثنيات ".
التطبيقات
1 - لو أحال على من لا دين عليه برضاه، فالأصح بطلانها.
بناء على أنها بيع.
والثاني: يصح بناء على أنها استيفاء.
2 - في اشتراط رضا المحال عليه إن كان عليه دين، وجهان، إن قلنا: بيع، لم يشترط، لأنه حق المحيل، فلا يحتاج فيه إلى رضا الغير.
وإن قلنا: استيفاء، اشترط لتعذر إقراضه من غير رضاه، والأصح عدم الاشتراط.
3 - لو أحال أحد المتعاقدين الآخر في عقد الربا، وقبض في المجلس، فإن قلنا:
(2/939)

استيفاء جاز، وإن قلنا: بيع، فلا يجوز، والأصح البيع، كما نقله السبكي في (تكملة شرح المهذب) عن النص والأصحاب.
المستثنى
1 - ثبوت الخيار في الحوالة، والأصح لا يثبت بناء على أنها استيفاء.
وقيل: نعم، بناء على أنها بيع.
2 - الثمن في مدة الخيار في جواز الحوالة به وعليه وجهان.
إن قلنا: استيفاء، جاز، وإن قلنا: بيع، فلا كالتصرف في المبيع في زمن الخيار، والأصح الجواز.
3 - لو خرج المحال عليه مفلساً، وقد شرط يساره، فالأصح لا رجوع له بناء على أنها استيفاء، والثاني: نعم، بناء على أنها بيع.
(2/940)

القاعدة: [264]
الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك؟
التوضيح
إبراء الدائن للمدين هل يُعَدُّ إسقاطاً للدين، أم أنه تمليك، ويشترط فيه شروط التمليك؛ قولان، ومثل الإبراء: الترك والتحليل كما في (التحفة) واعتمد في (التحفة) أن الإبراء تمليك للمدين، أي الغالب جانب التمليك، فما غلب فيه جانب الإسقاط من المسائل يعد من المستثنيات.
التطبيقات
1 - الإبراء مما يجهله المبرئ، والأصح فيه التمليك، فلا يصح.
2 - إبراء المبهم، كقوله لمدينَيْه: أبرأت أحدهما، والأصح فيه التمليك، فلا يصح، كما لو كان له في يد كل واحد عين، ققال: ملكت أحدكما العين التي في يده، لا يصح.
3 - تعليق الإبراء، والأصح فيه التمليك، فلا يصح.
المستثنى
1 - اشتراط القبول في الإبراء، والأصح فيه الإسقاط، فلا يشترط.
2 - ارتداد الإبراء بالرد، والأصح فيه الإسقاط، فلا يصح.
(2/941)

3 - لو عرف المبرئ قدر الدين، ولم يعرفه المبرأ، والأصح فيه الإسقاط، كما في (أصل الروضة) في الوكالة، فيصح.
(2/942)

القاعدة: [265]
الإقالة هل هي فسخ أو بيع؟
التوضيح
تتم الإقالة من العقد السابق الصحيح لإنهائه.
وهل تعتبر الإقالة فسخاً أو بيعاً؟
قولان، والترجيح مختلف في الفروع، ففي بعضها كعدم ثبوت الخيار فيها ما يقتضي أنها فسخ، وفي بعضها اعتبار المقوم التالف بأقل قيمة من العقد إلى القبض، كما قاله الشيخان الرافعي والنووي ما يقتضي أنها بيع.
لكن قال في (شرح العباب) :
"إنه ليس مبنياً على الضعيف، إنها بيع، بل هي فسخ، لكنها تشبه البيع من بعض الوجوه، فغلبوا شبه الفسخ تارة، وهو الأكثر، وشبه البيع أخرى، وهو الأقل، كما هنا، وما ذكره من أن الأكثر كونها فسخاً هو المعتمد، كما في (الإرشاد) وغيره، كما قاله الشارح.
التطبيقات
أ - إن الإقالة تجوز قبل القبض، إن قلنا: فسخ، وهو الأصح، وإن قلنا: بيع فلا.
(اللحجي: ص 151) .
2 - إذا تقايلا في عقود الربا يجب التقابض في المجلس، بناء على أنها بيع، ولا يجب التقابض على أنها فسخ، وهو الأصح.
3 - لو تقايلا بعد تلف المبيع جاز، إن قلنا: فسخ وهو الأصح، ويرد مثل المبيع أو قيمته، وإن قلنا: بيع فلا يجوز.
(2/943)

4 - لا يتجدد حق الشفعة في الأصح، بناء على أنها فسخ.
والثاني: نعم، يتجدد بناء على أنها بيع.
5 - لو اشتري عبدين، فتلف أحدهما، جازت الإقالة في الباقي، ويستتبع التالف على قول الفسخ، وهو الأصح، وعلى مقابله لا.
6 - إذا تقايلا، واستمر المبيع في يد المشتري نفذ تصرف البائع فيه على قول الفسخ، وهو الأصح، ولا ينفذ على قول البيع.
7 - لو استعمله بعد الإقالة، فإن قلنا: فسخ، فعليه الأجرة، وهو الأصح، وإن قلنا: بيع، فلا.
المستثنى
هو القول الثاني المرجوح في الفروع السابقة، وتكون الإقالة بيعاً
فرع: حكم الإقالة والوعد
يسن إقالة النادم على العقد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من أقال مسلماً (نادماً) أقال الله عثرته يوم القيامة ".
وخاصة إذا وعده بذلك، فلا يخلف وعده، حذراً من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ".
ولا يجب الوفاء بالوعد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي له، فلم يفِ فلا إثم عليه ".
(2/944)

والحاصل: أنا، وإن اطلعنا على أنه عازم على عدم الوفاء، كان أقر مثلاً.
وحكمنا بإثمه، ونزلناه منزلة المنافقين، لا يجبر على الإقالة، ولم يروَ عن أحد من السلف وجوب الوفاء بالوعد، إلا ما نقل عن عمر بن عبد العزيز، وأصبغ المالكي، قال البخاري: "وقضى ابن الأشوع بالوعد، وفعله الحسن البصري، ونقل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب، أي: فمن قال لآخر: تزوج، ولك كذا، فتزوج لذلك، وجب الوفاء به ".
قال الحافظ ابن حجر:
" قرأت بخط والدي رحمه الله تعالى في (إشكالات على الأذكار للنووي) :
لم يذكر جواباً عن الآية والحديث، يعني بالآية قوله تعالى:.
(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) .
والحديث: "آية المنافق ثلاث "
والدلالة للوجوب منهما قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع
الوعيد الشديد؛ وينظر هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف، ولا يجب الوفاء، أي يأثم بالإخلاف، وإن كان لا يلزمه وفاء ذلك؟ ".
فالحاصل: أن الله تعالى أمر بإنجاز الوعد، وحمله الجمهور على الندب.
قال المهلب: "إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(2/945)

القاعدة: [266]
هل الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض
مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟
التوضيح
إذا عين الزوج صداقاً معيناً للزوجة، وبقي في يده، فهل يكون مضموناً ضمان عقد أو ضمان يد؟
قولان، والترجيح مختلف في الفروع، والأصح كما في (المنهاج)
وغيره: أنه مضمون ضمان عقد، وضمان العقد: هو ما يضمن بالمقابل، وهو هنا مهر المثل، وضمان اليد: هو ما يضمن ببدله، وهو مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً.
التطبيقات
1 - الأصح لا يصح بيعه قبل قبضه، بناء على ضمان العقد، والثاني: يصح بناء على ضمان اليد.
2 - الأصح انفساخ الصداق إذا تلف أو أتلفه الزوج قبل قبضه والرجوع إلى مهر المثل، بناء على ضمان العقد، والثاني: لا، ويلزمه مثله أو قيمته بناء على ضمان اليد.
3 - المنافع الفائتة في يده لا يضمنها على الأصح، بناء على ضمان العقد.
ويضمنها بناء على ضمان اليد.
(2/946)

المستثنى
1 - لو أصدقها نصاب سائمة، وقصدت السوم، ولها حول من الإصداق، ولم تقبضه، وجبت عليها الزكاة في الأصح، بناء على ضمان اليد كالمغصوب ونحوه، وفي وجه لا تجب بناء على ضمان العقد كالمبيع قبل القبض، فقد صحح هنا قول ضمان اليد.
(اللحجي: ص 105) .
2 - لو كان ديناً جاز الاعتياض عنه على الأصح، بناء على ضمان اليد، وعلى ضمان العقد لا يجوز، كالمسلم فيه، فهذه صورة أخرى صحح فيها قول ضمان اليد.
(2/947)

القاعدة: [267]
الطلاق الرجعي هل يقطع النكاح أو لا؟
الألفاظ الأخرى
- الرجعة: هل هي ابتداء نكاح أو استدامته؟
التوضيح
الطلاق الرجعي هل يقطع النكاح أو لا؟
قولان، قال الرافعي: التحقيق أنه لا يطلق ترجيح واحد منهما لاختلاف الزجيح في الفروع.
قال الشارح: "لكن المعتمد أن المغلب فيه جانب القطع ".
وفي القاعدة قول ثالث، وهو الوقف.
فإن لم يراجعها حتى انقضت العدة تبينا انقطاع النكاح بالطلاق.
وإن رجع تبينا أنه لم ينقطع.
التطبيقات
1 - لو وطئها في العدة وراجع، فالأصح وجوب المهر بناء على أنه ينقطع.
2 - لو مات عن رجعية فالأصح أنها لا تغسله، والثاني تغسله كالزوجة.
3 - يجزم بالأول في تحريم الوطء والاستمتاعات كلها والنظر والخلوة ووجوب استبرائها لو كانت رقيقة واشتراها.
(2/948)

المستثنى
1 - لو خالعها، فالأصح الصحة بناء على أنها زوجته.
2 - لو قال: نسائي طوالق، أو زوجاتي طوالق، فالأصح دخول الرجعية فيهن، لأن الرجعية كالزوجة في خمسة أحكام، وهي: التوارث، وصحة الطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
"الرجعية زوجة في خمس آيات من كتاب الله تعالى أي الآيات التي تشملها وغيرها، وهي قوله تعالى:.
(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .
وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) .
وقوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) .
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) .
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) .
فالنساء والزوجات يشمل الرجعيات، لا البوائن.
وليس المراد أنها نص فيها، بل ظاهر".
3 - جزم بالثاني في ثبوت الإرث إذا مات الزوج في العدة، وفي لحوق الطلاق، وصحة الظهار، والإيلاء، واللعان، ووجوب النفقة.
يعبر عن القاعدة بعبارة أخرى، فيقال: الرجعة: هل هي ابتداء نكاح أو
استدامته؛ قال في (التحفة) : "الأصح أنها استدامة".
وصحح ابتداء النكاح فيما إذا طلق المولي في المدة ثم راجع، فإنها تستأنف ولا تبني.
وصحح الاستدامة في أن العبد يراجع بغير إذن سيده، وأنه لا يشترط فيها
الاشهاد، وأنها تصح في الإحرام.
(2/949)

القاعدة: [268]
الظهار: هل المغلب فيه مشابهة الطلاق
أو مشابهة اليمين؟
التوضيح
الظهار: هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، فتحرم عليه كالطلاق أحياناً، وتجب عليه الكفارة للعودة عن قوله أحياناً، فهل المغلب فيه مشابهة الطلاق أو مشابهة اليمين؟
فيه خلاف في الفروع، والأصح الأول، كما في (التحفة) أي إن
المغلب فيه مشابهة الطلاق.
التطبيقات
1 - إذا ظاهر من أربع نساء بكلمة واحدة، فقال: أنتن عليَّ كظهر أمي، فإذا أمسكهن لزمه أربع كفارات على الجديد، تغليباً لشبه الطلاق، فإنه لا يفرق فيه بين أن يطلقهن بكلمة أو كلمات.
والقديم: تجب كفارة واحدة تشبيهاً باليمين، كما لو
حلف لا يكلم جماعة، لا يلزمه إلا كفارة واحدة.
2 - هل يصح الظهار بالخط؛ الأصح نعم كما يصح به الطلاق، صرح به
الماوردي، وأفهمه كلام الأصحاب، حيث قالوا:
"كل ما استقل به الشخص فالخلاف فيه كوقوع الطلاق بالخط، وجزم القاضي حسين بعدم الصحة في الظهار كاليمين فإنها لا تصح إلا باللفظ".
(2/950)

3 - إذا كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة على الاتصال، ونوى الاستئناف فالجديد يلزمه بكل كفارة، كالطلاق، والثاني: يلزمه كفارة واحدة كاليمين.
4 - لو كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة، وتفاصلت، وقال: أردت التأكيد، هل يقبل منه؛ الأصح أنه لا يقبل تشبيهاً بالطلاق، والثاني: نعم كاليمين.
المستثنى
ومن خلاف الغالب يعتبر فيه شبه اليمنِ في مسائل، منها:
1 - لو ظاهر مؤقتاً، فالأصح الصحة مؤقتاً كاليمين.
والثاني: لا، كالطلاق.
2 - التوكيل في الظهار، والأصح المنع كاليمين، والثاني: الجواز كالطلاق.
3 - لو ظاهر من إحدى زوجتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى
الظهار، فقولان أحدهما: يعتبر مظاهراً من الثانية أيضاً، كما لو طلقها، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى الطلاق.
والثاني لا يعتبر مظاهراً من الثانية كاليمين، وهو الراجح.
(2/951)

القاعدة: [269]
فرض الكفاية هل يتعين بالشروع؟
الألفاظ الأخرى
- فرض الكفاية هل يلزم بالشروع؟
التوضيح
فرض الكفاية هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً من مجموع المكلفين، وإذا
فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعاً، فإذا شرع فيه إنسان فهل يتعين عليه بالشروع؛ أي يصير فرض عين، أي مثله في حرمة القطع، ووجوب الإتمام أو لا يتعين.
فيه خلاف، رجح في (المطلب) الأول، ورجح العلامة هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في (التمييز) الثاني، قال في (الخادم) :
"ولم يرجح الرافعي والنووي شيئاً، لأنها عندهما من القواعد التي لا يطلق فيها الترجيح، لاختلاف الترجيح في فروعها ".
التطبيقات
1 - صلاة الجنازة: الأصح تعيينها بالشروع، لما في الإعراض عنها من هتك حرمة الميت.
(اللحجي: ص 107) .
2 - الجهاد، لا خلاف أنه يتعين بالشروع، نعم، جرى خلاف في صورة منه،
(2/952)

وهي ما إذا بلغه رجوع من يتوقف غزوه على إذنه، والأصح أنه تجب المصابرة، ولا يجوز الرجوع.
(الزركشي 2/ 243) .
3 - إذا شرع في إنقاذ غريق، ثم حضر آخر لإنقاذه، جاز قطعه قطعاً (الزركشي 2/244) .
المستثنى
العلم: فمن اشتغل به، وحصل منه طرفاً، وأنس منه الأهلية، هل يجوز له تركه، أو يجب عليه الاستمرار؟
وجهان، الأصح الأول، ويجوز تركه، ووجهه بأن كل
مسألة مستقلة برأسها، منقطعة عن غيرها.
(2/953)

القاعدة: [270]
فرض الكفاية هل يعطى حكم فرض العين
أو حكم النفل؟
التوضيح
هذه القاعدة أعم من قاعدة "فرض الكفاية هل يتعين بالشروع "
وفي إعطائه حكم فرض العين أو حكم النفل خلاف، والترجيح مختلف.
قال الشارح كغيره: "المعتمد ما في (التحفة) من أنه يحرم قطع فرض الكفاية الذي هو جهاد، أو نسك، أو صلاة جنازة، كفرض العين، وجزم جمع بتحريمه مطلقاً إلا الاشتغال بالعلم، لأن كل مسألة مستقلة بنفسها، وصلاة الجماعة لأنها وقعت صفة تابعة، وهذا رأي ضعيف، وإن أطال التاج السبكي في الانتصار له، وإلا لزم حرمة قطع الحِرَف والصنائع، ولا قائل به".
واختلف العلماء في تفضيل فرض الكفاية على فرض العين، أو عكسه.
وفيه تفصيل في ذلك.
التطبيقات
1 - الجمع بينه وبين فرض آخر بتيمم، فيه وجهان، والأصح الجواز.
2 - صلاة الجنازة قاعداً مع القدرة على القيام، وعلى الراحلة، فيه خلاف،
(2/954)

والأصح المنع، وفرق بين المسألتين، بأن القيام معظم أركانها فلم يجز تركه مع القدرة، بخلاف الجمع بينها وبين غيرها بالتيمم.
3 - هل يجبر عليه تاركه حيث لم يتعين؛ فيه صور مختلفة، فالأصح إجباره في
صورة الولي والشاهد إذا دعي للأداء مع وجود غيره، والأصح عدم الإجبار فيما إذا دعي للتحمل، وفيما إذا امتغ عن الخروج معها للتغريب، وفيما إذا طلب للقضاء فامتنع.
(2/955)

القاعدة: [271]
الزائل العائد، هل هو كالذي لم يزل.
أو كالذي لم يعد؟
التوضيح
إذا زال الشيء - بطل حكمه، فإن عاد الزائل، فهل يعتبر كالذي لم يزل ويستمر حكمه السابق، أو يعتبر كالذي لم يعد، لأن الساقط لا يعود؟
فيه خلاف، والترجيح مختلف في الفروع.
التطبيقات
أولاً: رجح الأول في فروع منها:
1 - إذا طلق قبل الدخول، وقد زال ملكها عن الصداق وعاد، تعلق حقه بالعين في الأصح.
2 - إذا طلقت رجعياً، عاد حقها في الحضانة.
3 - إذا تخمر المرهون بعد القبض ثم عاد خلاً، يعود رهناً في الأصح.
4 - إذا باع ما اشتراه، ثم علم به عيباً، ثم عاد إليه بغير رد، فله رده في الأصح.
5 - إذا خرج المعجل له الزكاة في أثناء الحول عن الاستحقاق، ثم عاد، تجزي في الأصح.
6 - إذا فاتته صلاة السفر، ثم أقام، ثم سافر، يقصرها في الأصح.
(2/956)

7 - إذا زال ضوء الإنسان أو كلامه أو سمعه أو ذوقه أو شمه، أو أفضاها، ثم عاد، يسقط القصاص والضمان في الأصح.
ثانياً: رجح الثاني، وكان الزائل العائد، لم يعد، في فروع، منها:
1 - لو زال الموهوب عن ملك الفرع، ثم عاد، فلا رجوع للأصل في الأصح.
2 - لو زال ملك المشتري، ثم عاد وهو مفلس، فلا رجوع للبائع في الأصح.
3 - لو أعرض عن جلد ميتة أو خمر، فتحول بيد غيره، فلا يعود الملك في
الأصح.
4 - لو رهن شاة فماتت، فدبغ الجلد، لم يعد رهناً في الأصح.
5 - لو جُن قاض، أو خرج عن الأهلية، ثم عاد، لم تعد ولايته في الأصح.
6 - لو قلع سن مثغور، أو قطع لسانه، أو إليته، فنبت، أو أوضحه أو أجافه فالتأمت لم يسقط القصاص والضمان في الأصح.
7 - لو عادت الصفة المحلوف عليها، لم تعد اليمين في الأصح.
8 - لو هزلت المغصوبة عند الغاصب، ثم سمنت، لم يجبر، ولم يسقط الضمان في الأصح.
9 - إذا قلنا: للمقرض الرجوع في عين القرض ما دام باقياً بحاله، فلو زال وعاد، فهل يرجع في عينه؛ وجهان في (الحاوي)
قال السيوطي: "قلت: ينبغي أن يكون الأصح لا يرجع".
ثالثاً: جزم بالأول بأن الزائل العائد كالذي لم يزل قولاً واحداً في صور، منها:
1 - إذا اشترى معيباً وباعه، ثم علم العيب، ورد عليه به، فله رده قطعاً.
(2/957)

2 - إذا فسق الناظر، ثم صار عدلاً، وولايته بشرط الواقف منصوص عليها، عادت ولايته بغير إعادة، أفتى به النووي، ووافقه ابن الرفعة، والنظر في مدة فسقه.
قال ابن الرفعة: "لمن بعده " وقال بعضهم: "للحاكم ".
رابعاً: جزم بالثاني بأن الزائل العائد كالذي لم يعد قولاً واحداً، في صور، منها:
1 - إذا تغير الماء الكثير بنجاسة، ثم زال التغير عاد طهوراً، فلو عاد التغير بعد زواله، والنجاسة غير جامدة لم يعد التنجيس قطعاً، قاله النووي في (شرح المهذب) .
(اللحجي: ص 109) .
2 - لو زال الملك عن العبد قبل هلال شوال، ثم ملكه بعد الغروب لا تجب عليه فطرته قطعاً.
3 - لو سمع بينته، ثم عزل قبل الحكم، ثم عادت ولايته، فلا بد من إعادتها قطعاً.
4 - لو قال: إن دخلت دار فلان، ما دام فيها، فأنت طالق، فتحول، ثم عاد إليها، لا يقع الطلاق قطعاً، لأن إدامة المقام التي انعقدت عليها اليمين قد انقطعت، وهذا عود جديد وإدامته إقامة مستأنفة، نقله الرافعي.
5 - لو وقف على امرأة ما دامت عزباً، فتزوجت، ثم عادت عزباً، فاختلف فيها.
والأكثرون على أنه لا يعود لها الاستحقاق لانقطاع الديمومة.
قال الزركشي: "والضابط: ما كان المعلَّق فيه شرعياً، إذا عاد، فهو كالذي لم يزل، كالمفلس إذا حجر عليه قبل إقباض الثمن، وكان قد خرج عن ملكه ثم عاد، وإن كان وضعياً فكالذي لم يعد، كما لو علق طلاقها على الدخول، ثم أبانها، ثم تزوجها، فعادت، لا يقع في الأصح ".
(2/958)

فائدة: التقارب بين الشافعية والحنابلة
قال الحنابلة قريباً من قول الشافعية، فقال.
(ابن رجب رحمه الله تعالى:
"القاعدة الأربعون: الأحكام المتعلقة بالأعيان بالنسبة إلى تبدل الأملاك واختلافها عليها.
نوعان، أحدهما: ما يتعلق الحكم فيه بملك واحد، فإذا زال الملك سقط الحكم.
النوع الثاني: ما يتعلق الحكم فيه بالعين نفسها من حيث هي تعلقاً لازماً فلا يختص تعلقه بملك دون ملك ".
تطبيقات النوع الأول
1 - الإجارة: فمن استأجر شيئاً مدة، فزال ملك صاحبه عنه بتملك قهري يشمل العين والمنفعة، ثم عاد إلى ملك المؤجر والمدة باقية، لم تعد الإجارة.
(ابن رجب 1/ 279) .
2 - الإعارة: فلو أعاره شيئاً، ثم زال ملكه عنه، ثم عاد، لم تعد الإعارة.
(ابن رجب 1/ 279) .
3 - الوصية تبطل بإزالة الملك، ولا تعود بعوده.
(ابن رجب 1/ 279) .
4 - الهبة قبل القبض وسائر العقود الجائزة، كالوكالة وغيرها، إذا زال الملك، ثم عاد، فلا تعود.
(ابن رجب 1/ 279) .
تطبيقات النوع الثانى
1 - الرهن: إذا رهن عيناً رهناً لازماً، ثم زال ملكه عنها بغير اختياره، ثم عاد، فالرهن باق بحاله؛ لأنه وثيقة لازمة للعين، فلا تنفك بتبدل الأملاك.
(ابن رجب 1/ 280) .
2 - لو تخمر العصير المرتهن، ثم تخلل، فإنه يعود رهناً كما كان، وكذلك يعود
(2/959)

الرهن بعد زواله، وإن كان ملك الراهن باقياً عليه في الصور الآتية.
(ابن رجب 1/285) .
3 - لو صالحه من دين الرهن على ما يشترط قبضه في المجلس، صح الصلح، وبرئت ذمته من الدَّين، وزال الرهن، فإن تفرقا قبل القبض بطل الصلح وعاد الدَّين والرهن بحاله.
(ابن رجب 1/ 285) .
4 - إن أعاد الرهن إلى الراهن بطل الرهن، فإن عاد إليه عاد رهناً كما كان.
(ابن رجب 1/281) .
5 - الأضحية المعينة، فإن الحق ثابت في رقبتها لا يزول بدون اختيار المالك، فإذا تعيبت خرجت عن كونها أضحية، فإذا زال العيب عادت أضحية كما كانت.
(ابن رجب 1/281) .
6 - رجوع الزوج في نصف الصداق بعد الفرقة فإنه يستحقه، سواء كان قد زال ملك الزوجة عنه، بم عاد، أو لم يَزُل؛ لأن حقه متعلق بعينه.
(ابن رجب 1/ 282) .
7 - عروض التجارة إذا خرجت عن ملكه بغير اختياره، ثم عادت، فإنه لا ينقطع الحول بذلك، كما إذا تخمر العصير ثم تخلل.
(ابن رجب 1/ 282) .
8 - صفة الطلاق تعود بعود النكاح، وسواء وجدت في زمن البينونة، أو لم توجد على المذهب الصحيح.
(ابن رجب 1/ 282) .
9 - الرَّد بالعيب لا يمتنع بزوال الملك إذا لم يدل على الرضا.
(ابن رجب 1/ 283) .
10 - رجوع الأب فيما وهبه لولده إذا أخرجه الابن عن ملكه، ثم عاد إليه، ورجوع غريم المفلس في السلعة التي وجدها بعينها، وكان المفلس قد أخرجها عن ملكه ثم عادت إليه، في المسألتين ثلاثة أوجه:
أحدها: لا حق لأحدهما فيها، لأن حقهما متعلق بالعقد الأول المتلقى عنهما، والثاني: لهما الرجوع نظراً إلى أن حقهما ثابت في العين، وهي موجودة فاشبه الرد بالعيب.
والثالث: إن عاد بملك جديد سقط حقهما، وإن عاد بفسخ العقد فلهما الرجوع؛ لأن الملك العائد بالفسخ تابع للملك الأول.
فإن الفسخ رفع للعقد الحادث من أصله على قول.
فيعود الملك كما كان.
(ابن رجب 1/ 283) .
(2/960)

القاعدة: [272]
هل العبرة بالحال أو بالمآل؟
الألفاظ الأخرى
- الطارئ هل ينزل منزلة المقارن؟
- المشرف على الزوال هل يعطى حكم الزائل؟
- المتوقع هل يجعل كالواقع.
التوضيح
إذا علق شخص تصرفه على زمن، فهل يسري حكمه من الحال، أو من المآل، أي المستقبل؛ فيه خلاف، والترجيح مختلف في الفروع.
ويعبر عن هذه القاعدة بالألفاظ السابقة الأخرى.
التطبيقات
1 - إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف غداً، فأتلفه قبل الغد، فهل يحنث في الحال، أو حتى يجيء الغد؛ وجهان، أصحهما الثاني.
2 - لو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع، ولا تظهر عند القيام، فهل تنعقد صلاته؛ ثم إذا ركع تبطل، أو لا تنعقد، أصلاً؟
وجهان، أصحهما الأول.
(2/961)

3 - لو لم يبق من مدة الخفّ ما يسع الصلاة، فأحرم بها، فهل تنعقد؟
فيها وجهان، الأصح نعم، نظير الأول.
وفائدة الصحة في المسألتين صحة الاقتداء به، ثم مفارقته، وفي المسألة الأولى
صحتها إذا ألقى على عاتقه ثوباً قبل الركوع، قال صاحب (المعين) : "وينبغي القطع بالصحة فيما إذا صلى على جنازة، إذ لا ركوع فيها".
4 - من عليه عشرة أيام من رمضان، فلم يقضها حتى بقي من شعبان خمسة أيام، فهل يجب فدية ما لا يسعه الوقت في الحال، أو لا يجب حتى يدخل رمضان؟
فيه وجهان، أصحهما لا يلزم إلا بعد مجيء رمضان.
5 - لو أسلم فيما يعم وجوده عند المحل، فانقطع قبل الحلول، فهل يتنجز حكم الانقطاع، وهو ثبوت الخيار في الحال، أو يتأخر إلى المحل؟
وجهان، أصحهما: الثاني.
6 - لو نوى في الركعة الأولى الخروج من الصلاة في الركعة الثانية، أوعلق
الخروج بشيء يحتمل حصوله في الصلاة، فهل تبطل في الحال، أو حتى توجد الصفة؟
وجهان، أصحهما: الأول.
7 - هل العبرة في مكافأة القصاص بحال الجرح أو الزهوق؛ الأصح: الأول.
8 - هل العبرة في الإقرار للوارث بكونه وارثاً حال الإقرار أو الموت؟ وجهان.
أصحهما: الثاني.
9 - هل العبرة في الكفارة المترتبة بحال الوجوب أو الأداء؟
قولان، أصحهما: الثاني.
10 - لو حدث في المغصوب نقص يسري إلى التلف، بأن جعل الحنطة هريسة، فهل هي كالتالف؛ أو لا، بل يرده مع أرش النقص؟
قولان، أصحهما: الأول.
(2/962)

المستثنى
1 - جزم باعتبار الحال في مسائل، منها:
إذا وهب للطفل من يعتق عليه، وهو معسر، وجب على الولي قبوله، لأنه لا يلزمه نفقته في الحال، فكان قبول هذه الهبة تحصيل خير، وهو العتق بلا ضرر، ولا ينظر ما لعله يتوقع من حصول يسار للصبي، أو إعسار لهذا القريب، لأنه غير متحقق أنه آيل، وجزموا بعدم جواز بيع جلد الميتة القابل للدباغ قبل دباغه، نظراً إلى الحال.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 112) .
2 - جزم باعتبار المآل في مسائل، منها: بيع الجحش الصغير جائز، وإن لم ينتفع به حالاً لتوقع النفع به مآلاً، ومنها: جواز التيمم لمن معه ماء يحتاج إلى شربه في المآل، لا في الحال.
3 - بيع الزيت المتنجس، والدهن المتنجس بعارض، ففي رأي يجوز؛ لأنه يمكن تطهيره، باعتبار المآل، ومثله الثوب المتنجس، نظراً إلى المآل، والأصح: المنع.
وفصل إمام الحرمين فقال: إن يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا ففي بيعه قولان مبنيان على جواز الاستصباح به.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 111، 258) .
4 - بيع الماء المتنجس، إذا فرعنا على بيع الماء في الجملة، وفيه وجهان، الأول: الجواز؛ لأن تطهيره بالمكاثرة يمكن، باعتبار المآل، والثاني: الجزم بالمنع، لأنه ليس بتطهير، ولكنه ببلوغه قلتين يستحيل من صفة النجاسة إلى صفة الطهارة، كالخمر يصير خلاً.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 258) .
5 - بيع ما لا ينتفع به حئاً أو شرعاً كبيع السباع التي لا تصلح للاصطياد بها
نظراً إلى توقع الانتفاع بجلدها في المآل، وكذلك الحمار الزمن، قولان، والصحيح: أنه لا يصح، وكذلك بيع آلات الملاهي مما له رضاض فيه مالية، وكذلك بيع الأصنام والصور المتخذة من الذهب ونحوه، الأصح المنع، نظراً للحال في سلب المنفعة بها شرعاً في الحال.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 259) .
6 - بيع السمك إذا كان في بركة كبيرة مسدودة المنافذ، لكن لا يمكن أخذه إلا
(2/963)

بمعاناة وتعب شديد، الأصح: المنع، لتعذر التسليم في الحالي، ومشقته في المآل.
والحمام في البرج الكبير كالسمك.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 260) .
7 - البيع بثمن مجهول القدر في الحال، ويمكن معرفته في المآل، كقوله: بعتك بما باع به فلان فرسه.
والأصح: البطلان، لما فيه من الغرر الحالي.
(ابن خطيب الدهشة: 1/ 261) .
(2/964)

القاعدة: [273]
تنزيل الاكتساب منزلة المال الحاضر
التوضيح
إن ما بكتسبه الشخص أمر متجدد في الحاضر والمستقبل، ومع ذلك ينزل
الاكتساب منزلة المال الحاضر، وهذه القاعدة ملحقة بقاعدة: هل العبرة بالحال أو بالمآل؛ وفيها تفصيل.
التطبيقات
1 - في الفقر والمسكنة: قطعوا بأن القادر على الكسب كواجد المال.
(اللحجي: ص 111) .
2 - سهم الغارمين، هل ينزل الاكتساب فيه منزلة المال؛ فيه وجهان، الأشبه لا.
3 - المكاتب إذا كان كسوباً، هل يعطى من الزكاة؛ فيه وجهان، الأصح: نعم كالغارم.
4 - إذا حجر عليه بالفلس، أنفق على من تلزمه نفقته من ماله إلى أن يقسم، إلا أن يكون كسوباً.
5 - من له أصل وفرع، ولا مال له، هل يلزمه الاكتساب للإنفاق عليهما؛ وجهان، أحدهما: لا، كما لا يجب الاكتساب لوفاء الدين، والأصح: نعم، لأنه يلزمه إحياء نفسه بالكسب، فكذلك إحياء بعضه.
(2/965)

6 - المنفق عليه من أصل وفرع، لو كان قادراً على الاكتساب.
فهل يكلف به، أو لا تجب نفقته؟
أقوال: أصحها لا يكلف الأصل لعظم حرمة الأبوة، فتجب بخلاف
الفرع.
(2/966)

القاعدة: [274]
ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟
الألفاظ الأخرى
- ما قارب الشيء أعطي حكمه.
التوضيح
كل أمر في الوجود له حكم شرعي، وقد يختلف الحكم حسب الأزمان
والأماكن، فهل يعطى الشيء المقارب حكم ما قاربه.
وجمهور الفقهاء يقولون بالإيجاب، وأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، وذلك في المذاهب الأربعة، ولذلك
ذكرها الأكثر بصيغة: (ما قارب الشيء أعطي حكمه أو فهو في حكمه ".
هذه القاعدة أعم من قاعدة "هل العبرة بالحال أو بالمآل؟ ".
التطبيقات
1 - الديون المساوية لمال المفلس، هل توجب الحجر عليه؛ وجهان، الأصح لا.
وفي المقاربة للمساواة الوجهان، وأولى بالمنع.
2 - الدم الذي تراه الحامل حال الطلق ليس بنفاس على الصحيح.
3 - لا يملك المكاتب ما في يده على الأصح، ووجه مقابله أنه قارب العتق.
4 - قال الشارح: "ومن فروعها تحريم مباشرة الحائض قريباً من الفرج، ومسائل الحريم فيما يظهر، لأنها من هذا القبيل.
(2/967)

القاعدة: [275]
إذا بطل الخصوص فهل يبقى العموم؟
التوضيح
إذاكان الفعل مقصوداً به أمر خاص، ففقد ركناً من أركانه، أو شرطاً من
شروطه، فهل يبقى صحيحاً في أمر عام، أم يبطل؟
فيه خلاف، والترجيح مختلف في الفروع.
التطبيقات
1 - إذا تحرم بالظهر مثلاً، فبان عدم دخول وقته، بطل خصوص كونه ظهراً، ويبقى نفلاً في الأصح.
2 - لو نوى بوضوئه الطواف، وهو بغير مكة، فالأصح الصحة إلغاء للصفة.
3 - لو أحرم بالحج في غير أشهره، بطل، وبقي أصل الإحرام فينعقد عمرة في الأصح.
4 - لو علق الوكالة بشرط فسدت، وجاز للوكيل التصرف لعموم الإذن في الأصح.
5 - لو تيمم لفرض قبل وقته، فالأصح البطلان وعدم استباحة النفل به.
6 - لو وجد القاعد خفة في أثناء الصلاة فلم يقم، بطلت، ولا يتم نفلاً في
الأظهر.
(2/968)

المستثنى
1 - جزم ببقائه في صور:
أ - إذا أعتق معيباً عن كفارة بطل كونه كفارة، وعتق جزماً.
ب - لو أخرج زكاة ماله الغائب، فبان تالفاً وقعت تطوعاً قطعاً.
2 - جزم بعدمه في صور:
أ - لو وكله ببيع فاسد، فليس له البيع قطعاً، لا صحيحاً، لأنه لم يأذن فيه، ولا فاسداً لعدم إذن الشرع فيه.
ب - لو أحرم بصلاة الكسوف، ثم تبين الانجلاء قبل تحرمه بها، لم تنعقد نفلاً
قطعاً، لعدم نفل على هيئتها حتى يندرج في نيته.
(2/969)

القاعدة: [276]
الحمل هل يعطى حكم المعلوم أو المجهول؟
التوضيح
الحمل في بطن أمه له أحكام خاصة، ويعتبر معلوماً من جهة وجزءاً مستقلاً.
ويعتبر مجهولاً وجزءاً من أمه من جهة، ولذلك اختلف في إعطائه حكم المعلوم أو المجهول على قولين، ففيه خلاف، والترجيح مختلف في الفروع.
التطبيقات
1 - بيع الحامل إلا حملها، فيه قولان، أظهرهما لا يصح، بناء على أنه مجهول، واستثناء المجهول من المعلوم يصير الكل مجهولاً.
2 - بيع الحامل بحُرٍّ، وفيه وجهان، أصحهما البطلان، لأنه مستثنى شرعاً، وهو مجهول.
3 - لو قال: بعتك الجارية، أو الدابة، وحملها، أو بحملها، أو مع حملها، وفيه وجهان، الأصح أيضاً البطلان لما تقدم.
4 - لو باع الدابة بشرط أنها حامل، ففيه قولان، أحدهما: البطلان، لأنه شرط معها شيئاً مجهولاً، وأصحهما الصحة بناء على أنه معلوم، لأن الشارع أوجب الحوامل في الدية.
5 - الإجارة للحمل، والأظهر، كما قال العراقي، الجواز، بناء على أنه معلوم.
(2/970)

المستثنى
1 - جزم بإعطاء الحمل حكم المجهول فيما إذا بيع وحده، فلا يصح قطعاً.
2 - جزم بإعطائه حكم المعلوم في الوصية له، أو الوقف عليه، فيصحان قطعاً.
(2/971)

القاعدة: [277]
النادر هل يلحق بجنسه او بنفسه؟
الألفاظ الأخرى
- النادر هل يلحق بالغالب؟
- النادر هل يعتبر بنفسه أم يلحق بحنسه؟
التوضيح
إذا كان الشيء نادراً، فهل يلحق في الحكم بأحكام جنسه، أو يكون له حكم مستقل؛ فيه خلاف، والترجيح مختلف في الفروع.
التطبيقات
1 - مس الذكر المبان، فيه وجهان، أصحهما أنه ينقض، لأنه يسمى ذكراً.
2 - لمس العضو المبان من المرأة، فيه وجهان، أصحهما عدم النقض، لأنه لا يسمى امرأة، والنقض منوط بلمس المرأة.
3 - النظر إلى العضو المبان من الأجنبية، وفيه وجهان، أصحهما التحريم، ووجه مقابله ندور كونه محل الفتنة، والخلاف جار في قلامة الظفر.
4 - لو حلف لا يأكل اللحم، فأكل الميتة، ففيه وجهان، أصحهما عند النووي عدم الحنث، ويجريان فبما لو أكل ما لا يؤكل كذئب وحمار.
5 - الأكساب النادرة كالوصية واللقطة والهبة، هل تدخل في المهايأة في العبد المشترك؟
وجهان، الأصح نعم.
(2/972)

6 - جماع الميتة يوجب عليه الغسل والكفارة عن إفساد الصوم والحج، ولا يوجب الحد ولا إعادة غسلها على الأصح فيهما، ولا المهر.
7 - يجزئ الحجر في المذي والودي على الأصح.
8 - يبقى الخيار للمتبايعين إذا داما أياماً على الأصح.
9 - جريان الربا في الفلوس إذا راجت رواج النقود، وجهان، أصحهما: لا.
10 - ما يتسارع إليه الفساد في شرط الخيار، فيه وجهان، أصحهما: لا يجوز.
المستثنى
1 - جزم بالأول، ويعطى النادر حكم جنسه في صور:
أ - من خُلق له وجهان لم يتميز الزائد منهما، يجب غسلهما قطعاً.
ب - من خُلقت بلا بكارة لها حكم الأبكار قطعاً.
جـ - من أتت بولد لستة أشهر ولحظتين من الوطء، يلحق به قطعاً، وإن كان نا دراً.
2 - جزم بالثاني، ويعطى النادر حكماً مستقلاً في صور:
أ - الأصبع الزائدة لا تلحق بالأصلية في الدية قطعاً.
ب - كذا سائر الأعضاء، لا تلحق بالأصلية في الدية قطعاً.
(2/973)

القاعدة: [278]
القادر على اليقين، هل له الاجتهاد والأخد بالظن؟
التوضيح
الأصل أن يعمل الإنسان باليقين، ويلجأ إلى الاجتهاد عند الظن، والاجتهاد
ظني، فإذا قدر على اليقين، فهل له الاجتهاد والأخذ بالظن؟
فيه خلاف، والترجيح
مختلف في الفروع.
التطبيقات
1 - من معه إناءان، أحدهما نجس، وهو قادر على يقين الطهارة بكونه على البحر، أو عنده ثالث طاهر، أو يقدر على خلطهما، وهما قلتان، والأصح أن له الاجتهاد.
2 - لو كان معه ثوبان، أحدهما نجس، وهو قادر على طاهر بيقين، والأصح أن له الاجتهاد.
3 - من شك في دخول الوقت، وهو قادر على تمكين الوقت، أو الخروج من البيت المظلم لرؤية الشمس، والأصح أن له الاجتهاد.
4 - الصلاة إلى الحجر، الأصح عدم صحتها إلى القدر الذي ورد فيه أنه من
البيت، وسببه اختلاف الروايات، ففي لفظ "الحِجر من البيت "
وفي لفظ "سبعة أذرع " وفي آخر "ستة" وفي آخر "سبعة".
والكل في (صحيح مسلم) فعدلنا عنه إلى
اليقين، وهو الكعبة، قاله السيوطي.
(2/974)

5 - الاجتهاد بحضرته - صلى الله عليه وسلم -، وفي زمانه، والأصح جوازه.
المستثنى
1 - جزم بالمنع فيما إذا وجد المجتهد نصاً فلا يعدل عنه إلى الاجتهاد جزماً، وفي المكي لا يجتهد في القبلة جزماً، وفرق بين القبلة والأواني بأن في الإعراض عن الاجتهاد في الآنية إضاعة مال، وبأن القبلة في جهة واحدة، فطلبها في غيرها مع القدرة عليها عبث، والماء جهاته متعددة.
2 - وجزم بالجواز في الاجتهاد والأخذ بالظن فيمن اشتبه عليه لبن طاهر
ومتنجس، ومعه ثالث طاهر بيقين، ولا اضطرار، فإنه يجتهد بلا خلاف، نقله في (شرح المهذب) .
(2/975)

القاعدة: [279]
المانع الطارئ هل هو كالمقارن؟
التوضيح
إذا طرأ شيء على تصرف أو على شيء، فهل يأخذ المانع الطارئ حكم المقارن للأصل؟
فيه خلاف، والترجيح مختلف فيه، ويعبر عن أحد شقي هذه القاعدة
بقاعدة " يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" (م/ 55) .
التطبيقات
1 - طريان الكثرة على الاستعمال، والشفاء على المستحاضة في أثناء الصلاة، والردة على الإحرام، وقصد المعصية على سفر الطاعة، وعكسه، والإحرام على ملك الصيد، وأحد العيوب على الزوجة، والحلول على دَين المفلس الذي كان مؤجلاً، وملك المكاتب زوجة سيده، والوقف على الزوجة أي إذا وقفت زوجته عليه.
والأصح في الكل أن الطارئ كالمقارن، ويؤثر مثله، ويعطى حكم المقارن.
فيحكم للماء بالطهورية، وللصلاة والإحرام بالإبطال، وللمسافر بعدم الترخص في الأولى، وبالترخص في الثانية، وبإزالة الملك عن الصيد، وبإثبات الخيار للزوج، وبرجوع البائع في عين ماله، وبانفساخ النكاح في شراء المكاتب والموقوفة، كما لا يجوز نكاح من وقفت عليه ابتداء.
2 - طَرَيَانُ القدرة على الماء في أثناء الصلاة، ونية التجارة بعد الشراء، وملك الابن على زوجة الأب، والعتق على من نكح جارية ولده، واليسار ونكاح الحرة على حرٍّ نكح أمة، وملك الزوجة لزوجها بعد الدخول قبل قبض المهر، وملك الإنسان
(2/976)

عبداً له في ذمته دين، والإحرام على الوكيل في النكاح، والاسترقاق على حربي استأجره مسلم، والعتق على عبد آجره سيده مدة.
والأصح في الكل أن الطارئ ليس كالمقارن، ولا يؤثر نهائياً، فلا تبطل الصلاة ولا تجب الزكاة، ولا ينفسخ النكاح في الصور الأربع، ولا يسقط المهر والدين عن ذمة العبد، ولا تبطل الوكالة، ولا تنفسخ الإجارة في الصورتين.
المستثنى
1 - جُزِم بأن الطارئ كالمقارن في صور، ويعطى حكمه قولاً واحداً، منها:
طَرَيانُ الكثرة على الماء النجس، والرضاع المحرم، والردة على النكاح، ووطء الأب، أو الابن، أو الأم، أو البنت بشبهة، وملك الزوج الزوجة وعكسه، والحدث العمد على الصلاة، ونية القنية على عروض التجارة، وأحد العيوب على الزوج.
2 - وجزم بخلافه، وأن الطارئ ليس كالمقارن قولاً واحداً في صور، منها:
طريان الإحرام، وعدة الشبهة، وأمن العنت على النكاح، والإسلام على السبي فلا يزيل الملك، ووجدان الرقبة في أثناء الصوم، والإباق، وموجب الفساد على الرهن، والإغماء على الاعتكاف، والإسلام على عبد الكافر، فلا يزيل الملك، بل يؤمر بإزالته.
(2/977)

فوائد:
الفائدة الأولى: المسائل المفتى فيها على القول القديم
ذكر المسائل التي يفتى فيها على القول القديم، وهي أربع عشرة مسألة على ما ذكرها النووي، رحمه الله تعالى، في (شرح المهذب) ، وهي:
1 - مسألة التثويب في أذان الصبح، القديم استحبابه.
2 - التباعد عن النجاسة في المال الكثير، القديم أنه لا يشترط.
3 - قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين، القديم: لا يستحب.
4 - لمس المحارم، القديم لا ينقض الوضوء.
5 - تعجيل الحشاء، القديم أنه أفضل.
6 - الاستنجاء بالحجر فيما جاوز المخرج، القديم جوازه.
7 - وقت المغرب، القديم امتداده إلى غروب الشفق الأحمر.
8 - المنفرد إذا نوى الاقتداء في أثناء الصلاة، القديم جوازه.
9 - أكل الجلد المدبوغ، القديم تحريمه.
10 - تقليم أظافر الميت، القديم كراهته.
11 - شرط التحلل من التحرم بمرض ونحوه، القديم جوازه.
12 - الجهر بالتأمين للمأموم في صلاة جهرية، القديم استحبابه.
(2/978)

13 - من مات وعليه صوم، القديم يصوم عنه وليه.
14 - الخط بين يدي المصلي إذا لم تكن معه عصا، القديم استحبابه
(2/979)

الفائدة الثانية: المذهب القديم
قال الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري رحمه الله تعالى بعد ذكر مسائل القديم ما
نصه: "المراد بالقديم ما صنفه الشافعي رضي الله عنه ببغداد، واسمه (كتاب الحُجة) الذي رواه عنه الحسن بن محمد الزعفراني، وقد رجع عنه الشافعي بمصر، وغسل كتبه فيه، وقال:
"لا أجعل في حل من روى عني القول القديم"
قال الإمام في باب الآنية من (النهاية) : "معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت، لأنه جزم في الجديد - بخلافها، والمرجوع عنه لا يكون مذهباً للراجع، وهذا يقتضي أن المرجوع عنه في القديم ما جزم بخلافه في الجديد".
وبذلك صرح النووي، وقال:
"أما قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة فيه، فإنه مذهب
الشافعي، واعتقاده، ويعمل به، ويفتى عليه، فإنه قاله، ولم يرجع عنه، وإطلاقهم أن القديم مرجوع عنه، ولا عمل به إنما هو بالنظر إلى الغالب" ذكره العلائي في (قواعده) .
وقال أيضاً: "لا ينبغي لمقلد مذهب الشافعي أن ينسب المذهب القديم إليه، ولا لمن يسأل عن مذهبه أن يفتي به لصحة رجوعه عنه، ومخالفته إياه في الجديد، بل ينظر في ذلك القول، فإن كان موافقاً لقواعد الجديد عمل به، لا لذاته، بل لاقتضاء قواعد الجديد إياه، أو دل عليه حديث صحيح، مع قول الشافعي:
"إذا صح الحديث فهو مذهي "
وقوله أيضاً:
"كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي"
وبذا عمل كثير من أصحابنا، فكان من ظفر منهم بحديث، ومذهب الشافعي بخلافه، عمل بالحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادراً.
وليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما رآه من الحديث، لأنه قد يكون الشافعي اطلع على هذا الحديث وتركه عمداً على علم منه بصحته، لمانع اطلع عليه، وخفي على غيره، كما قال أبو الوليد موسى بن أبي الجارود، روى عن الشافعي أنه قال:
"إذا صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث، وقلت قولاً بخلافه، فإني راجع عنه، قائل بذلك"
(2/980)

قال أبو الوليد: وقد صح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) . فرُد على أبي الوليد بأن الشافعي تركه مع صحته، لكونه منسوخاً عنده، وقد بيَّنه، والله أعلم".
(2/981)

الفائدة الثالثة: مضي الزمان
هناك صور يقوم فيها مضي الزمان مقام الفعل، جمعها المحب الطبري في.
(شرح التنبيه) وهي بضع عشرة مسألة، أكثرها على ضعف، وهي:
1 - مضي مدة المسح، يوجب النزع، وإن لم يمسح.
2 - مضي زمن المنفعة في الإجارة، يقرر الأجرة، وإن لم ينتفع.
3 - إقامة زمن عرضها على الزوج الغائب، مقام الوطء، حتى تجب النفقة.
4 - مضي زمن يمكن فيه القبض، ويكفي في الهبة والرهن، وإن لم يقبض.
5 - إقامة وقت الجداد مقامه عند من يرى أن لا ضم.
6 - دخل وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، يمسح مسح مقيم في وجه.
7 - الصبي والعبد إذا وقفا بعرفة، ثم دفعا بعد الغروب، ثم كملا قبل الفجر، سقط فرضهما عند ابن سريج.
8 - إذا انتصف الليل، دخل وقت الرمي، وحصل التحلل عند الإصطخري.
9 - 10 - إقامة وقت التأبير، وبُدُوِّ الصلاح، مقامهما في وجه.
11 - إقامة وقت الخَرْص مقامه، إن لم يشترط التصريح بالتضمين، وهو وجه.
12 - خروج الوقت يمنع فعل الصلاة على قول.
13 - إذا سافر بعد الوقت، لا يقصر على وجه.
(2/982)

الباب التاسع
القواعد المختلف فيها في المذهب الحنبلي
هذه القواعد مستنبطة من تتبع آراء الإمام أحمد وعلماء المذهب الحنبلي في الفروع الفقهية والمسائل المتعددة، وأن الحكم مختلف فيه لرأين أو أكثر، ولذلك جاءت بصيغة الاستفهام، وقد يكون أحد الأقوال راجحاً في المذهب، أو مشهوراً، فيشار إليه باعتباره القول المعتمد في المذهب، وقد يكون القول راجحاً في باب فقهي، وغيره راجحاً في باب آخر.
كما يظهر أن معظم هذه القواعد هي مجرد ضوابط، أي قاعدة كلية في باب واحد من أبواب الفقه، كما يظهر من صيغتها.
(2/983)

القاعدة: [280]
ما يدركه المسبوق في الصلاة، هل هو آخر صلاته أو أولها؟
التوضيح
المسبوق في الصلاة هو الذي اقتدى بالإمام بعد الركوع في الركعة الأولى، وما يليه، ويجب عليه متابعة الإمام حتى يسلم، ثم يقوم ليأتي بما فاته من ركعة أو أكثر، فالإمام مثلاً يكون في الركعة الثانية، والمسبوق بدأ بالركعة الأولى، فهل الركعة الأولى له تعتبر ثانية كالإمام، وما يأتيه بعد تسليم إمامه ركعة أولى، أم تعتبر الركعة الأرلى له ركعة أولى، وما يأتيه فيما بعد مرتباً عليها؟
في المسألة روايتان عن الإمام أحمد، الأولى: أن ما يدركه آخر صلاته، وما يقضيه أولها، والثانية: عكسها.
التطبيقات
يترتب على هذا الاختلات فوائد:
1 - محل الاستفتاح: فعلى الأولى يستفتح في أول ركعة يقضيها، إذ هي أول صلاته، وعلى الثانية: يستفتح في أول ركعة أدركها، لأنها الأولى له.
2 - التَّعوذ: فعلى الأولى يتعوذ إذا قام للقضاء خاصة، وعلى الثانية يتعوذ في أول ركعة يدركها، وهذا بناء على القول: إن التعوذ يختص بأول ركعة، فان قلنا: إنه مشروع في كل ركعة فتلغى هذه الفائدة.
(2/985)

3 - هيئة القراءة في الجهر والإخفات: فإذا فاتته الركعتان الأوليان من المغرب أو العشاء، جهر في قضائهما من غير كراهة، نص عليه الإمام أحمد في رواية الأثرم.
وإن أمَّ فيهما، وقلنا بجوازه، سنَّ له الجهر، وهذا على الرواية الأولى، وعلى الرواية الثانية لا جهر ها هنا.
4 - مقدار القراءة: وللأصحاب طريقان: أحدهما: أنه يقرأ في المقتضيتين بالحمد وسورة معها بلا خلاف، وهو قول الأئمة الأربعة، والطريق الثاني حسب الروايتين.
فإن قلنا: ما يقضيه أول صلاته فكذلك يقرأ الحمد وسورة، وعلى الرواية الثانية يقتصر على الفاتحة.
5 - قنوت الوتر: إذا أدركه المسبوق مع الإمام، فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته فلا يقنت ثانية، لأن القنوت مع الإمام وقع في محله ولا يعيده.
وإن قلنا: أولها: أعاده في آخر ركعة يقضيها.
6 - تكبيرات العيد الزوائد: إذا أدرك المسبوق الركعة الثانية من العيد، فإن قلنا: هي أول صلاته، كبر خمساً في المقضية، وإلا كبر سبعاً.
7 - إذا سبق في بعض تكبيرات صلاة الجنازة: فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته تابع الإمام في الذكر الذي هو فيه، ثم قرأ الفاتحة في أول تكبيرة يقضيها.
وإن قلنا: ما يدركه أول صلاته قرأ فيها بالفاتحة.
8 - محل التشهد الأول في حق من أدرك من المغرب أو الرباعية ركعة، ففي المسألة روايتان، إحداهما: أن ما يقضيه آخر صلاته، فيتشهد عقب ركعة، لأنها ثانيته، وهي الأرجح.
والثانية: أن ما يقضيه أول صلاته، ويتشهد عقب ركعتين.
ويتفرع على الاختلاف في القاعدة أمران لم يرد فيهما نقل، وهما تطويل الركعة الأولى على الثانية، وترتيب السورتين في الركعتين.
(2/986)

القاعدة: [281]
الزكاة هل تجب في عين النصاب أو ذمة مالكه؟
التوضيح
اختلف علماء المذهب الحنبلي في ذلك على طرق:
إحداها: إن الزكاة تجب في العين، الثانية: إن الزكاة تجب في الذمة، الثالثة: إنها تجب في الذمة، وتتعلق بالنصاب، والرابعة: إن في المسألة روايتين: تجب في العين، وتجب في الذمة، والرواية الأولى هي الأرجح.
قال البهوتي: "وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة".
- التطبيقات
يزتب على الاختلاف في محل تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة فوإئد كثيرة، منها:
1 - إذا ملك نصاباً واحداً، ولم يودِّ زكاته أحوالاً، فإن كانت الزكاة في العين وجبت زكاة الحول الأول دون ما بعده، نص عليه أحمد واختاره أكثر الأصحاب؛ لأن قدر الزكاة زال الملك فيه على قول أو ضعف الملك فيه لاستحقاق تملكه، والمستحق في حكم المؤدى، فنقص النصاب في الحول الثاني ولا زكاة فيه، وإن كانت الزكاة في الذمة وجبت لكل حول، إلا إذا قلنا: إن دين الله عز وجل يمنع الزكاة.
وهذا الاختلاف إذا كانت زكاته من جنسه، فإن كانت من غير جنسه كالإبل
(2/987)

المزكاة بالغنم فتتكرر زكاته لكل حول قولاً واحداً، لأن الملك لا يزال تاماً في النصاب.
2 - إذا تلف النصاب أو بعضه بعد تمام الحول، وقبل التمكن من أداه الزكاة، فالمذهب المشهور أن الزكاة لا تسقط بذلك، إلا زكاة الزروع والثمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع فتسقط زكاتها اتفاقاً لانتفاء التمكن من الانتفاع بها.
وعن أحمد رواية ثانية بالسقوط.
3 - إذا مات من عليه زكاة دين، وضاقت الزكاة عنهما، فالمنصوص عن أحمد أنهما يتحاصان، إما لتعلق التركة في الذمة أو العين سواه، وإما لتعلق الزكاة بالذمة، فقط لاستوائهما في محل التعلق، وفي قول تتعلق بالنصاب فقط وتقدم الزكاة لتعلقها بالعين، كدين الرهن.
4 - إذا كان النصاب مرهوناً ووجبت فيه الزكاة، فهل تؤدى زكاته منه؟ فيه حالتان، إحداهما: ألا يكون له مال غيره يؤدي منه الزكاة، فيؤدي من عين النصاب المرهون؛ لأن الزكاة ينحصر تعلقها بالعين، أما دين الرهن فيتعلق بالذمة والعين، فيقدم عند التزاحم ما اختص تعلقه بالعين، أو لأن تعلق الزكاة قهري، وتعلق الرهن اختياري، والقهري أقوى، أو لأن تعلق الزكاة بسبب المال وتعلق الرهن بسبب خارجي، والتعلق بسبب المال يقدم، إلا على القول بتعلق الزكاة بالذمة خاصة
فلا تقدم على حق المرضهن لتعلقه بالعين، كما تقدم الزكاة على الرهن لأن النصاب سبب دين الزكاة فيقدم دينها عند مزاحمة غيره من الديون في النصاب، كما يقدم من وجد عين ماله عند رجل أفلس، وتقدم الزكاة على هذا التعليل سواء تعلقت الزكاة بالذمة أو بالعين.
الحالة الثانية: أن يكون له مال يؤدي منه زكاته غير الرهن، فليس له أداء الزكاة منه بدون إذن المرتهن على المذهب؛ لأن تعلق حق المرتهن مانع من تصرف الراهن في
(2/988)

الرهن بدون إذنه، والزكاة لا يتعين إخراجها منه، وإن كانت الزكاة تتعلق بالعين، فله إخراجها من الرهن؛ لأنه تعلق قهري وينحصر بالعين.
5 - التصرف في النصاب أو بعضه بعد الحول ييع أو غيره، والمذهب صحنه، سواء قلنا: إن الزكاة في العين أو في الذمة، وقيل: إن تعلقت الزكاة بالعين لم يصح التصرف في مقدار الزكاة، وعلى المذهب إن باع النصاب كله، تعلقت الزكاة بذمته حينئذ بغير خلاف، كما لو تلف، فإن عجز عن أدائها ففي طريق تتعين في ذمته كسائر الديون بكل حال، وفي طريق لم يفسخ البيع إن تعلقت الزكاة بالذمة، كما لو وجب عليه دين لآدمي وهو موسر، فباع متاعه ثم أعسر، ويفسخ البيع في قدرها إن
تعلقت الزكاة بالعين، تقديماً لحق المساكين لسبقه.
6 - لو كان النصاب غائباً عن مالكه، ولا يقدر على إخراج الزكاة منه، لم يلزمه إخراج زكاته حتى يتمكن من الأداء منه؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يلزم أداؤها قبل التمكن من الانتفاع بالمال المواسى منه، ومثله من وجبت عليه زكاة ماله فأقرضه، فلا يلزمه أداء زكاته حتى يقبضه؛ لأن عوده مرجو، بخلاف التالف بعد الحول.
وهذا يرجع إلى القول بوجوب الأداء على الفور، وفي قول: يلزمه أداء زكاته قبل قبضه؛ لأنه في يده حكماً، رلهذا يتلف من ضمانه، وهذا بناء على محل الزكاة، فإن كان في الذمة، لزمه الإخراج عنه من غيره، لأن زكاته لا تسقط بتلفه بخلاف الدين.
وإن كان في العين، لم يلزمه الإخراج حتى يتمكن من قبضه، والصحيح الأول، ولا تجب الزكاة عن الغائب إذا تلف قبل قبضه.
7 - إذا أخرج رث المال زكاة حقه من مال المضاربة منه، فهل يحسب ما أخرجه من رأس المال ونصيبه من الربح، أم من نصيبه من الربح خاصة.
والجواب على وجهين بناء عل الخلاف في محل التعلق، فإن كان بالذمة فهي
محسوبة من الأصل والربح، لقضاء الديون، وإن كان محل التعلق بالعين، حسبت من الربح كالمؤونة؛ لأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، فيحسب من نمائه.
(2/989)

وينبني على هذا الأصل الوجهان في جواز إخراج المضارب زكاة حصته من مال المضاربة، فإن تعلقت الزكاة بالعين فله الإخراج منه، والا فلا.
وأما حق ربِّ المال فليس للمضارب تزكيته بدون إذنه، إلا أن يصير المضارب شريكاً، فيكون حكمه حكم سائر الخلطاء.
(2/990)

القاعدة: [282]
المستفاد بعد النصاب في أثناء الحول، هل يضم إلى النصاب أو
يفرد عنه؟
التوضيح
إذا استفاد المسلم مالاً زكوياً من جنس النصاب في أثناء حوله، فإنه يفرد بحول عند الحنابلة كالشافعية، ولكن هل يضمه إلى النصاب في العدد، أو يخلطه به، ويزكيه زكاة خلطة، أو يفرده بالزكاة كما أفرده بالحول؟
فيه ثلاثة وجوه:
أحدها: إنه يفرده بالزكاة، كما يفرده بالحول، وهذا الوجه مختص بما إذا كان المستفاد نصاباً أو دون النصاب، ولا يغير فرض النصاب، أما إن كان دون نصاب وتغير فرض النصاب، لم يتأتَّ فيه هذا الوجه؛ لأنه مضموم إلى النصاب في العدد، فيلزم حينئذ جعل ما ليس بوقص في المال وقصاً، وهو ممتنع، ويختص هذا الوجه أيضاً بالحول الأول دون ما بعده؛ لأن ما بعد الحول الأول يجتمع فيه مع النصاب في الحول كله، بخلاف الحول الأول.
الوجه الثاني: إنه يزكي زكاة خلطة، كما لو اختلط نفسان في أثناء حول، وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد فيه دون صاحبه.
الوجه الثالث: إنه يضم إلى النصاب، فيزكى زكاة ضم، وتكون الزيادة كنصاب منفرد في وجه، أو تعتبر مع الكل نصاباً واحداً في وجه.
(2/991)

التطبيقات
تظهر فائدة اختلاف هذين الوجهين في ثلاثة أنواع:
1 - النوع الأول: أن يكون تتمة فرض زكاة الجميع أكر من فرض المستفاد
بخصوصه، مثل أن يملك خمسين بقرة، ثم ثلاثين بعدها، فإذا تم حول الأولى فعليه مُسِنة، فإذا تم حول الثانية، فعليه مُسِنة أخرى على الوجه الثاني، وهو الأظهر، وعلى الأول يمتنع الضم هنا، لئلا يؤدي إلى إيجاب مسنة عن ثلاثين، ويجب إما تبيع على وجه الانفراد، أو ثلاثة أرباع مسنة على وجه الخلطة.
2 - النوع الثاني: أن تكون تتمة الواجب دون فرض المستفاد بانفراده، مثل أن يملك ستاً وسبعين من الإبل، ثم ستاً وأربعين بعدها، فإذا تم حول الأولى فعليه ابنتا لبون، فإذا تم حول الثانية، فعلى الوجه الثاني يلزمه تمام فرض المجموع، وهو بنت لبون، وعلى الأول يمتنع ذلك.
3 - النوع الثالث: أن يكون فرض النصاب الأول الخرج عند تمام حوله من غير جنس فرض المجموع أو نوعه، مثل أن يملك عشرين من الإبل، ثم خمساً بعدها، فعلى الوجه الأول يمتنع الضم ها هنا، لتعذر طرح الخرج عن الأول من واجب الكل.
وعلى الثاني، وهو الأظهر، يجب إخراج تتمة الزكاة، وإن كان من غير الجنس، لضرورة اختلاف الحولين، وعلى هذا الوجه فقد تفق وجه الخلطة ووجه الضم على هذا التقدير، حيث لم تكن زكاة الخلطة مفضية إلى زكاة الفرض أو نقصه، وقد يختلفان، حيث أدى الاتفاق إلى أحد الأمرين.
والمال المستفاد لا يخلو من أربعة أقسام:
1 - القسم الأول: أن يكون نصاباً مغيراً للفرض، مثل أن يملك أربعين شاة، ثم إحدى وثمانين بعدها، ففي الأربعين شاة عند حولها، فإذا تم حول الثانية فوجهان:
أحدهما: فيها شاة أيضاً، وهو متخرج على وجهي الضم والانفراد.
والثاني: فيها شاة واحدة، وأربعين جزءاً من أصل مئة وواحد وعثرين جزءاً من
(2/992)

شاة، وهو وجه الخلطة؛ لأنه حصة المشفاد من الثاتين الواجبتين في الجميع.
2 - القسم الثاني: أن تكون الزيادة نصاباً لا يغير الفرض، كمن ملك أربعين شاة، ثم أربعين بعدها، ففي الأولى إذا تم حولها شاة، وإذا تم حول الثانية فثلاثة أوجه:
أحدها: لا شيء فيها، وهو وجه الضم، لأن الزيادة بالضم تصير وقصاً.
والثاني: فيها شاة، وهو وجه الانفراد.
والثالث: فيها نصف شاة، وهو وجه الخلطة.
3 - القسم الثالث: أن تكون الزيادة لا تبلغ نصاباً، ولا تغير الفرض، كمن ملك أربعين من الغنم، ثم ملك بعدها عشرين، ففي الأولى إذا تم حولها شاة، فإذا تم حول الثانية فوجهان:
أحدهما: لا شيء فيها، وهو متوجه على وجهي الضم والانفراد.
والثاني: فيها ثلث شاة، وهو وجه الخلطة.
4 - القسم الرابع: ألا تبلغ الزيادة نصاباً وتغير الفرض، كمن ملك ثلاثين من البقر، ثم عشراً بعدها، فإذا تم حول الأولى ففيها تبيع، وإذا تم حول الزيادة فيجب فيها ربع مسنة بلا خلاف؛ لأن وجه الانفراد متعذر، وكذا وجه الضم، لأنه يفضي على أصله إلى استثناء شيء وطرحه من غير جنسه، وهو طرح التبيع من المسنة، وهو متعذر، فتعين وجه الخلطة.
(2/993)

القاعدة: [283]
الملك في مدة الخيار، هل ينتقل إلى المشتري أم لا؟
التوضيح
يتم العقد مع شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما، ويكون العقد غير لازم أي قابل للفسخ بإرادة صاحب الخيار، فكيف يكون مصير ملك العقود عليه، هل للبائع أم للمشتري؟
في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد:
أشهرهما: انتقال الملك إلى المشتري بمجرد العقد، وهي المذهب.
والثانية: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، فعلى هذه يكون الملك للبائع، وفي قول: يخرج الملك عن البائع، ولا يدخل إلى المشتري، وهو قول ضعيف.
التطبيقات
يترتب على هذا الخلاف فوائد عديدة:
1 - وجوب الزكاة، فإذا باع نصاباً من الماشية بشرط الخيار حولاً، فزكاته على المشتري على المذهب، سواء فسخ العقد أو أمضى، وعلى الرواية الثانية: الزكاة على البائع إذا قيل: الملك باق له، وهو الراجح.
(2/994)

2 - لو كسب المبيع في مدة الخيار كسباً، أو نما نماء منفصلاً، فهو للمشتري، فسخ العقد أو أمضي، وعلى الثانية: هو للبائع.
3 - مؤنة الحيوان المشترى بشرط الخيار تجب على المشتري على المذهب، وعلى البائع على الثانية.
4 - إذا تلف المبيع في مدة الخيار، فإن كان بعد القبض، فهو من مال المشتري على المذهب، وعلى الثانية من مال البائع.
5 - لو تعيب المبيع في مدة الخيار، فعلى المذهب: لا يرد بذلك إلا أن يكون غير مضمون على المشتري لانتفاء القبض، وعلى الثانية: له الرد بكل حال.
6 - تصرف المشتري في مدة الخيار، فلا يجوز إلا بما يحصل به تجربته إلا أن يكون له الخيار وحده، والمنصوص أن له التصرف فيه بالاستقلال، وعلى الرواية الثانية: يجوز التصرف للبائع وحده، لأنه مالك ومملك الفسخ، فإن الخيار وضع لغرض الفسخ دون الإمضاء.
فأما حكم نفوذ التصرف وعدمه فالمشهور في المذهب أنه لا ينفذ بحال، ونقل عن أحمد أنه موقوف على انقضاء مدة الخيار.
هذا إذا كان الخيار لهما، فإن كان للبائع وحده، فكذلك في تصرف المشتري
الروايتان، وإن كان الخيار للمشتري وحده صح تصرفه، لانقطاع حق البائع هاهنا، فلو تصرف المشتري مع البائع والخيار لهما صح.
وهذا كله تفريع على المذهب، وهو انتقال اللك إلى المشتري، فأما على الرواية الأخرى، فإن كان الخيار لهما، أو للبائع وحده، صح تصرف البائع مطلقاً؛ لأن
(2/995)

الملك له، وهو بتمرفه مختار للفسخ، بخلاف تصرف المشتري، فإنه يختار به
الإمضاء، وحق الفسخ تقدم عليه.
7 - الأخذ بالشفعة، فلا يثبت في مدة الخيار على الروايتين عند كثر الأصحاب.
لأن الملك لم يستقر بعد، أو لأن الأخذ بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فلذلك
لم تجز المطالبة بها في مدته، فعلى هذا التعليل الثاني لو كان الخيار للمشتري وحده
لثبتت الشفعة.
8 - إذا باع أحد الثريكين شقصاً بشرط الخيار، فباع الشفيع حصته في مدة
الخيار، فعلى المذهب: يستحق المشتري الأول انتزاع شقص الشفيع من يد مشتريه.
لأنه هو شربك الشفيع حالة بيعه، وعلى الثانية: يستحقه البانع الأول، لأن الملك
باقٍ له.
9 - لو باع الملتقط اللقطة بعد الحول بشرط الخبار، ثم جاء ربها في مدة الخيار.
فإن قلنا: لم ينتقل الملك فالرد واجب، وإن قلنا: بانتقاله، فوجهان، والمجزوم به
الوجوب.
10 - لو باع صيداً في مدة الخيار، ثم أحرم في مدته، فإن قلنا: انتقل الملك عنه.
فليس له القسخ؛ لأنه ابتداء ملك على الصيد، وهو ممنوع منه، وإن قلنا: لم ينتقل الملك عنه، فله ذلك، ثم إن كان في يده المشاهدة، أرسله، وإلا فلا.
11 - لو باعت الزوجة قبل الدخول الصداق بشرط الخبار، ثم طلقها الزوج في المدة، فإن قلنا: الملك انتقل عنها، ففي لزوم استردادها وجهان، وإن قلنا: لم يزل، لزمها استرداده وجهاً واحداً.
(2/996)

القاعدة: [284]
الإقالة: هل هي فسخ أو بيع؟
التوضيح
الإقالة: إنهاء للعقد السابق الصحيح، وهل تعتبر فسخاً أو بيعاً؛ فيه روايتان
منصوصتان، واختار الأكثرون أنها فسخ كالشافعية، وفي قول: إنها بيع.
التطبيقات
1 - إذا تقايلا قبل القبض فيما لا يجوز بيعه قبل قبضه، فيجوز على القول: هي فسخ، ولا يجوز على الثانية إلا على رواية: إنه يصح بيعه من بائعه خاصة قبل القبض.
(ابن رجب 3/ 310) .
2 - هل تجوز الإقالة في المكيل والموزون بغير وزن؛ إن قلنا: هي فسخ، جازت كذلك، وإن قلنا؛ هي بيع فلا، وهذه طريقة الأكثرين، وحكي أنه لا بد فيها من كيل ثان على الروايتين، كما أن الفسخ في النكاح يقوم مقام الطلاق في إيجاب العدة.
(ابن رجب 3/ 310) .
3 - إذا نقايلا بزيادة على الثمن أو نقص منه أو بغير جنس الثمن.
فإن قلنا: هي فسخ، لم يصح؛ لأن الفسخ رفع للعقد، فيترادان العوضين على وجههما، كالرد بالعيب وغيره.
وإن قلنا: هي بيع، فوجهان، أحدهما يصح، والثاني: لا يصح،
(2/997)

وهو المذهب، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى ماله، فلم يجز بأكثر من الثمن، كان كانت بيعاً كبيع التولية، وكره أحمد الإقالة في البيع الأول بزيادة في كل حال، ولم يجوِّز الزيادة، إلا في بيع مستأنف، أو إذا تغيرت السوق فتجوز الإقالة بنقص في مقابلة نقص السعر، أو إذا تغيرت صفة السلعة.
وفي رواية الكراهة مطلقاً معللاً بشبهة مسائل العينة.
وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في جواز الخلع بزيادة على المهر.
(ابن رجب 3/ 315) .
4 - تصح الإقالة بلفظ الإتالة والمصالحة إن قلنا: هي فسخ، وإن قلنا: هي بيع لم ينعقد البيع (وهو الإقالة هنا) بذلك، لأن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل، فلا ينعقد البيع بلفظ الإقالة، ولا الإقالة بلفظ البيع.
وظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
(ابن رجب 3/314) .
5 - توفر شروط البيع، إذا قلنا: الإقالة هي فسخ، لم يشترط لها شروط البيع من معرفة المُقال فيه، والقدرة على تسليمه، وتميزه عن غيره، ويشترط ذلك على القول بأنها بيع.
ولو تقايلا مع غيبة أحدهما، بأن طلبت منه الإقالة، فدخل الدار وقال على
الفور: أقلته، فإن قلنا: هي فسخ صح، وإن قلنا: هي بيع لم يصح، لأن البيع يشترط له حضور المتعاقدين في المجلس.
وقيل: لا تصح الإقالة في غيبة الآخر على الروايتين، لأنها في حكم العقود لتوقفها على رضا المتبايعين، بخلاف الرد بالعيب والفسخ للخيار.
(ابن رجب 3/ 314) .
6 - الإقالة مع تلف السلعة: فيها طريقان، أحدهما: لا يصح على الروايتين، والثاني: إن قلنا: هي فسخ صحت، وإلا لم تصح، والطريق الثاني قياس المذهب.
(ابن رجب 3/ 315) .
7 - هل تصح الإقالة بعد النداء للجمعة؟
فمن قلنا: هي بيع، لم تصح، وإلا صحت.
(ابن رجب 3/ 316) .
(2/998)

8 - إذا نما المبيع نماءً منفصلاً ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة بيع، لم يتبع النماء بغير خلاف.
وإن قلنا: فسخ، فالنماء للمشتري، وينبغي تخريجه على وجهين، كالرد
بالعيب، والرجوع للمفلس.
(ابن رجب 3/ 316) .
9 - باعه نخلاً حائلاً ثم تقايلا وقد أطلع، فإن قلنا: الإقالة بيع، فالثمرة إن كانت مؤبرة فهي للمشتري الأول، وإن لم تكن مؤبرة، فهي للبائع الأول، وإن قلنا: هي فسخ، تبعت الأصل بكل حال، سواء كانت مؤبرة أو لا؛ لأنها نماء متصل.
(ابن رجب 3/ 316) .
10 - هل يثبت في الإقالة خيار المجلس؟
إن قلنا: إنها فسخ، لم يثبت الخيار.
وإن قلنا: هي بيع، فيثبت الخيار، ويحتمل ألا يثبت أيضاً، لأن الخيار وضع للنظر في الحظ، والمقيل قد دخل على أنه لا حظ له، وإنَّما هو متبرع، والمستقيل لم يطلب الإقالة بعد لزوم العقد إلا بعد تروٍّ ونظر، وعلم بأن الحظ له في ذلك، وندم على العقد الأول، فلا يحتاج بعد ذلك إلى مهلة لإعادة النظر.
(ابن رجب 3/ 317) .
11 - هل ترد الإقالة بالعيب؛ إن قلنا: هي بيع، ردت به.
وإن قلنا: هي فسخ، فيحتمل ألا ترد به، لأن الفسخ لا يفسخ.
ويحتمل أن يرد به، كفسخ الإقالة، والرد بالعيب يأخذ الشفيع، وأفتى الشيخ تقي الدين ابن تيمية بفسخ الخلع بالعيب في
عوضه، وبفوات صفة فيه، وبإفلاس الزوجة به.
(ابن رجب 3/ 317) .
12 - الإقالة في المسلم فيه قبل قبضه: فيها طريقان.
أحدهما: بناؤها على الخلاف، فإن قلنا: هي فسخ، جازت.
وإن قلنا: بيع لم تجز.
والثانية: جواز الإقالة على الروايتين، وهي طريقة الأكثرين.
ونقل فيها الإجماع على ذلك.
(ابن رجب 3/ 318) .
13 - باعه جزءاً مشاعاً من أرضه ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة فسخ، لم يستحق المشتري ولا من حدث له شركة في الأرض قبل المقايلة شيئاً من الشقص بالشفعة،
(2/999)

وإن قلنا: هي بيع، ثبتت لهم الشفعة، وكذلك لو باع أحد الشريكين حصته، ثم عفا الآخر عن شفعته، ثم تقايلا، وأراد العاني أن يعود إلى الطلب، فإن قلنا: الإقالة فسخ، لم يكن له ذلك، وإلا فله الشفعة.
(ابن رجب 3/ 318) .
14 - اشترى شقصاً مشفوعاً، ثم تقايلاه قبل الطلب، فإن قلنا: هي بيع، لم تسقط، كلما لو باعه لغير بائعه، وإن قلنا: فسخ، فقيل: لا تسقط أيضا؛ لأن الشفعة استحقت بنفس البيع، فلا تسقط بعده، وقيل: تسقط، وهو المنصوص عن أحمد.
(ابن رجب 3/ 319) .
15 - هل يملك المضارب أو الشريك الإقالة فيما اشئراه؛ فيها طريقان، أحدهما: إن قلنا: الإقالة بيع، ملكه، وإلا فلا؛ لأن الفسخ ليس من التجارة المأذون فيها.
والثانية: أنه يملكها على القولين مع الصحة، وهو رأي الأكثرين، كما يملك الفسخ بالخيار.
(ابن رجب 3/ 319) .
16 - هل يملك المفلس بعد الحجر المقايلة لظهور المصلحة؟
إن قلنا: هي بيع، لم يملكه، وإن قلنا: هي فسخ، فالأظهر أنه يملكه، كما يملك الفسخ بخيار قائم أو عيب، ولا يتقيد بالأحظ على الأصح؛ لأن ذلك لشى بتصرف مستأنف، بل من تمام
العقد الأول ولواحقه.
(ابن رجب 3/ 319) .
17 - لو وهب الوالد لابنه شيئاً، فباعه، ثم رجع إليه لإقالة، فإن قلنا: هي بيع، امتنع رجوع الأب فيه، وإن قلنا: هي فسخ، فوجهان، وكذلك حكم المفلس إذا باع السلعة ثم عادت إليه بإقالة ووجدها بائعها عنده.
(ابن رجب 3/ 320) .
18 - لو حلف ألا يبيع، أو ليبيعن، أو علق على البيع طلاقاً، ثم أقال، فإن قلنا: هي بيع، ترتبت عليه أحكامه من البر والحنث، وإلا فلا، وقد يقال: الأيمان تنبني على العرف، وليس في العرف أن الإقالة بيع.
(ابن رجب 3/ 320) .
(2/1000)

19 - تقايلا في بيع فاسد، ثم حكم الحاكم بصحة العقد ونفوذه، فهل يؤثر
حكمه؟
إن قلنا: هي بيع، فحكمه بصحة العقد الأول صحيح؛ لأن العقد باقٍ.
وقد تأكد بترتب عقد عليه، وإن قلنا: هي فسخ، لم ينفذ حكم القاضي، لأن العقد ارتفع بالإقالة، فصار كأن لم يوجد، ويحتمل أن ينفذ وتلغى الإقالة؛ لأنها تصرف في بيع فاسد قبل الحكم بصحته، فلم ينفذ، ولم يؤثر فيه شيئاً.
(ابن رجب 3/ 321) .
20 - لو باع ذمِّي ذمِّيًّا آخر خمراً، وقبضت دون ثمنها، ثم أسلم البائع وقلنا: يجب له الثمن، فأقال المشتري فيها، فإن قلنا: الإقالة بيع، لم يصح، لأن شراء المسلم الخمر لا يصح، وإن قلنا؛ هي فسخ، احتمل أن يصح، فيرتفع بها العقد ولا يدخل في ملك المسلم، فهي في معنى إسقاط الثمن عن المشتري، واحتمل ألا يصح، لأنه استرداد لملك الخمر، كما في المحرم: إنه لا يسترد الصيد بخيار ولا غيره، فإن رد عليه
بذلك صح الرد ولم يدخل في ملكه، فيلزمه إرساله.
(ابن رجب 2/ 321) .
21 - الإقالة هل تصح بعد موت المتعاقدين؛ ذكر القاضي أن خيار الإقالة يبطل بالموت، ولا يصح بعده، وذكر في موضع آخر: إن قلنا: هي بيع صحت من الورثة، وإن قلنا: فسخ، فوجهان.
(ابن رجب 3/ 322) .
(2/1001)

القاعدة: [285]
النقود: هل تتعين بالتعيين في العقد أم لا؟
التوضيح
في المسألة روايتان عن أحمد، أشهرهما أنها تتعين بالتعيين في عقود المعاوضات.
وفي رواية: لا تتعين.
التطبيقات
يترتب على هذا الخلاف فوائد كثيرة، أهمها:
1 - يحكم بملك النقود للمشتري بمجرد التعيين، فيه لك التصرف فيها، وإذا تلفت تلفت من ضمانه على المذهب.
وعلى الرواية الأخرى: لا يملكها بدون القبض.
فهي قبله ملك البائع، وتتلف من ضمانه.
(ابن رجب 3/ 323) .
2 - لو بأن الثمن مستحَقاً، فعلى المذهب الصحيح يبطل العقد؛ لأنه وقع على ملك الغير، فهو كما لو اشترى سلعة فبانت مستحَقة، وعلى الثانية: لا يبطل، وله البدل.
(ابن رجب 3/ 323) .
3 - إذا باع النقد المعين معيباً، فله حالتان: إحداهما: أن يكون عيبه من غير جنسه، فيبطل العقد من أصله؛ لأنه زال عنه اسم الدينار والدرهم بذلك، فلم يصح العقد عليه، كما لو عقد على شاة فبانت حماراً، ويحتمل أن يبطل العقد ها هنا لمعنى آخر، وهو أن البائع لا يمكن إجباره على قبول هذا، وإنما باع بدينار كامل،
(2/1002)

والمشتري لا يجبر على دفع بقية الدينار، لأنه إنما اشترى بهذا الدينار المتعين، فبطل العقد، ويحتمل أن يصح البيع بما في الدينار من الذهب بقسطه من المبيع، ويبطل في الباقي، وللمشتري الخيار لتبعض المبيع عليه.
والحالة الثانية: أن يكون عيبها من جنسها، ولم ينقص وزنها، كالسواد في
الفضة، فالبائع بالخيار بين الإمساك والفسخ، وليس له البدل، لتعيين النقد في العقد، ومتى أمسك فله الأرش إلا في صرفها يحنسها.
وهذا كله على رواية تعيين النقود، فأما على الأخرى فلا يبطل العقد بحال إلا أن يتفرقا والعيب من غير الجنس، لفوات قبض المعقود عليه في المجلس، ولا فسخ بذلك، وإنما يثبت به البدل دون الأرش؛ لأن الواجب في الذمة دون المعين.
(ابن رجب 3/ 324) .
4 - إذا باعه سلعة بنقد معين، فعلى المشهور أن النقد يتعين بالتعيين، لا يجبر واحد منهما على البداءة بالتسليم، بل ينصب عدل يقبض منهما، ثم يقبضهما، لتعلق حق كل منهما بعين معينة، فهما سواء، وعلى الروإية الأخرى أن النقد لا يتعين بالتعيين.
فهو كما لو باعه بنقد في الذمة، فيجبر البائع على التسليم لتعلق حق المشتري بالعين دونه.
(ابن رجب 3/ 327) .
5 - لو باعه سلعة بنقد معين، وقبضه البائع من المشتري، ثم أتاه به، فقال: هذا الثمن، وقد خرج معيباً، وأنكر المشتري، ففيه طريقان:
إحداهما: إن قلنا: النقود تتعين بالتعيين، فالقول قول المشتري، لأن البائع يدعي على المشتري استحقاىَ الرد، والأصل عدمه.
وإن قلنا: لا تتعين، فوجهان: الأول؛ القول قول المشتري أيضاً.
لأنه أقبض لا الظاهر ما عليه.
والثاني: قول القابض؛ لأن الثمن في ذمته.
والأصل اشتغالها به، إلا أن يثبت براءتها منه.
والطريقة الثانية: إن قلنا: إن النقود لا تتعيين.
فالقول قول البائع وجهاً واحداً؛ لأنه قد ثبت اشتغال ذمة المشتري بالثمن، ولم يثبت براءتها منه، وإن قلنا: تتعين
فوجهان مخرجان من الروايتين، أحدهما: القول قول البائع؛ لأنه يدعي سلامة
(2/1003)

العقد، والأصل عدمه، ويدعي عليه ثبوت الفسخ، والأصل عدمه.
والثاني: قول القابض؛ لأنه منكر التسليم المستحق، والأصل عدمه، وجزم ابن قدامة والمجد بأن القول قول البائع إذا أنكر أن يكون المردود بالعيب هو المبيع.
(ابن رجب 3/ 328) .
(2/1004)

القاعدة: [286]
المضارب، هل يملك الربح بالظهور أو لا؟
التوضيح
المضارب هو الشريك العامل في المضاربة الذي يقدم العمل، فإن حصل ربح من التجارة والمضاربة، فهل يملك المضارب حصته من الربح بمجرد ظهور الربح، أم بعدالقسمة؟
قال بعضهم: يملكه بالظهور رواية واحدة.
وقال الأكثرون: في المسألة روايتان.
إحداهما: يملكه بالظهور، وهو المذهب المشهور.
والرواية الثانية:: لا يملكه بدون القسمة، ويستقر الملك بربح المضاربة بالمقاسمة، أو بالمحاسبة التامة.
التطبيقات
نتج عن هذا الاختلاف فوائد، منها:
1 - انعقاد الحول على حصة المضارب من الربح قبل القسمة.
فإن قيل: لا يملكها بدون القسمة، فلا ينعقد الحول قبلها.
وإن قيل: يملكها بمجرد الظهور، ففي انعقاد
الحول عليها قبل استقرار الملك فيها أو بدون استقراره طرق:
إحداها: لا ينعقد الحول عليها قبل الاستقرار بحال من غير خلاف، وتستقر بالقسمة أو بالمحاسبة التامة، فينعقد الحول عندهما وهو المنصوص عن أحمد، والطريقة الثانية: إن قلنا: يملكه بالظهور، انعقد عليه الحول من حينه، وإلا فلا.
والطريقة الثالثة: إن قلنا: لا يثبت الملك قبل الاستقرار
(2/1005)

لم ينعقد الحول، وإن قلنا: يثبت بدونه ففي وجه ينعقد
قبله، والراجح عدم الانعقاد.
وأما ربّ المال فعليه زكاة رأس ماله مع حصته من الربح، وينعقد الحول عليها بالظهور، وأما بقية الربح (الخاص بالمضارب) فلا يلزم ربّ المال زكاته.
(ابن رجب 3/ 353) .
2 - لو اشترى العامل لنفسه من مال المضاربة، فإن لم يظهر ربح صح، نص عليه أحمد، لأنه ملك لغيره، وكذلك إن ظهر ربح وقلنا: لا يملكه بالظهور، وإن قلنا: يملكه فهو كشراء أحد الشريكين من مال الشركة، والمذهب أنه يبطل في قدر حقه، لأنه مِلكه، فلا يصح شراؤه له، وفي الباقي روايتا تفريق الصفقة، وفي رواية يصح في الحل تخريجاً على الرواية التي يخير فيها لرب المال أن يشتري من مال المضاربة؛ لأن علاقة حق المضارب به صيَّرته كالمنفرد عن ملكه، فكذا المضارب مع رب المال، وأولى.
(ابن رجب 3/ 356) .
3 - لو اشترى العامل شقصاً للمضاربة، وله فيه شركة، فهل له الأخذ بالشفعة؟
فيه طريقان، إحداهما: فيه وجهان: ففي وجه لا يملك الأخذ؛ لأنه متصرف لرب المال، فامتنع أخذه كما يمتنع شراء الوصي والوكيل مما يتوليان بيعه، وفي وجه له الأخذ تخريجاً على وجوب الزكاة عليه في حصته، فإنه يصير حينئذ شريكاً يتصرف لنفسه ولشريكه، ومع تصرفه لنفسه تزول التهمة، ولأنه يأخذ بمثل المأخوذ به، فلا تهمة، بخلاف شراء الوصي والوكيل، وكل ذلك مقيد بحالة ظهور الربح.
والطريقة الثانية: إذا لم يملك العامل الربح بالظهور، سواء كان للمال ربح أم لا، فله الأخذ بالشفعة؛ لأن الملك لغيره، فله الأخذ منه.
وإذا قلنا: يملك العامل الربح بالظهور، وكان فيه ربح، ففيه وجهان بناء على ثراء العامل من مال المضاربة بعد ملكه من الربح على ما سبق.
(ابن رجب 3/ 357) .
4 - لو أسقط العامل حقه من الربح بعد ظهوره، فإن قلنا: لا يملكه بالظهور، لم يسقط، وإن قلنا: يملكه بدون قسمة فوجهان.
(ابن رجب 3/ 358) .
(2/1006)

5 - لو قارض المريض مرض الموت غيره، وسمى للعامل فوق تسمية المثل.
فالراجح: يجوز، ولا يحسب من الثلث، لأن ذلك لا يؤخذ من ماله، وإنما يستحقه بعمله من الربح الحادث، ويحدث على ملك العامل دون المالك، وهذا يتجه على القول بأنه يملكه بالظهور، وإن كان لا يملكه بدون القسمة احتمل أن يحتسب من الثلث، لأته خارج من ملكه، واحتمل ألا يحتسب منه، وهو الظاهر؛ لأن المال الحاصل لم يفوت عليهم منه شيئاً، وإنما زادهم فيه ربحاً.
(ابن رجب 3/ 358) .
(2/1007)

القاعدة: [287]
الموقوف عليه؛ هل يملك رقبة الوقف أم لا؟
التوضيح
الوقف مشروع بقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر رضي الله عنه:
"حبّس الأصل، وسبّل الثمرة".
والوقف تبرع من الواقف لوجه اللاً تعالى، واختلفت الروايات في مالك الوقف، وأشهرها: أنه ملك الموقوف عليه، والثانية: أنه ملك للوا قف، والثالثة: أنه ملك لله تعالى.
التطبيقات
يترتب على هذا الاختلاف مسائل كثيرة، أهمها:
أ - زكاة الوقف، إذا كان ماشية موقوفة على معين، فهل يجب عليه زكاتها؟
فيه طريقتان:
إحداهما: بناؤه على هذا الخلاف، فإن كان الملك للموقوف عليه، فعليه زكاتها، وإن كان لله تعالى، فلا زكاة، وإن كان الملك للواقف فعليه زكاته، ونص أحمد على أن من وقف على أقاربه، فإن الزكاة عليه، بخلاف من وقف على المساكين.
(2/1008)

الطريقة الثانية: لا زكاة فيه على الروايات، لقصور الملك فيه.
أما الشجر الموقوف فتجب زكاته في ثمره على الموقوف عليه وجهاً واحداً، لأن ثمره ملك للموقوف عليه، وفي رواية لا زكاة فيه.
(ابن رجب 3/ 359) .
2 - إذا جنى الوقف، كما لو جنى العبد على غيره، فضمان الجناية على الموقوف عليه إذا قيل: إنه مالكه؛ لأنه امتنع من تسليمه، فيلزمه فداؤه، وإن قيل: هو ملك لله تعالى، فالأرش من كسب الدابة، وقيل: من بيت المال، وفيه وجه: لا يلزم
الموقوف عليه الأرش على القولين؛ لأن امتناعه من التسليم بغير اختياره، إذ لا قدرة له عليه على التسليم بحال.
(ابن رجب 360/3) .
3 - نظر الواقف، إذا لم يشرط له ناظر، فعلى القول بملك الموقوف عليه، له النظر فيه، وعلى القول بأن ملكه لله تعالى فنظره للحاكم، وظاهر كلام أحمد أن نظره للحاكم، وفي قول: ينظر فيه الحاكم، ولو كان الملك للموقوف عليه، لعلاقة حق من يأتي بعده.
(ابن رجب 3/ 361) .
4 - هل يستحق الشفعة بإثركة الوقف؟
الجواب فيه طريقان، أحدهما: البناء على أنه هل يملكه الموقوف عليه.
فإن قيل: يملكه، استحق به الشفعة، وإلا فلا.
والطريق الثاني: فيه وجهان بناء على قولنا: يملكه؛ لأن الملك قاصر.
(ابن رجب 3/ 361) .
5 - لو زرع الغاصب في أرض الوقف، فهل للموقوف عليه تملكه بالنفقة؛ إن قيل: هو المالك، فله ذلك، وإلا فهو كالمستأجر ومالك المنفعة، ففيه تردد.
(ابن رجب 3/ 362) .
6 - نفقة الوقف، وهي في كلته، ما لم يشرط غيرها، فإن لم يكن له غلة.
فوجهان، أحدهما: نفقته على الموقوف عليه.
والثاني: من بيت المال، وقيل: هما
(2/1009)

مبنيان على انتقال الملك إليه وعدمه، وقد يقال: بالوجوب عليه، وإن كان الملك لغيره كما نقول بوجوبها على الموصى له بالمنفعة على وجه.
(ابن رجب 3/ 362) .
7 - لو فضَّل بعض ولده على بعض في الوقف، فالمنصوص الجواز، بخلاف الهبة، فقيل: هو بناء على أن الملك لا ينتقل إلى الموقوف عليهم.
فإن قلنا: بانتقاله، لم يجز كالهبة.
وقيل: يجوز على القولين، لأنه لم يخصه بالملك، بل جعله ملكاً لجهة متصلة
على وجه القربة، وجعل الولد في بعض تلك الجهة.
(ابن رجب 3/ 363) .
فائدة: وشبيه بهذا وقف المريض على وارثه، هل يقف على الإجازة كهبته؛ أم ينفذ من الثلث، لأنه ليس تخصيصاً للوارث، بل تمليك لجهة متصلة، الوارث بعض أفرادها؛ وفيه روايتان.
8 - الوقف على نفسه، وفي صحته روايتان مبنيتان على هذا الأصل.
فإن قلنا: الوقف ملك للموقوف عليه، لم يصح وقفه على نفسه، لأنه لا يصح أن يزيل الإنسان ملك نفسه إلى نفسه، وإن قلنا: دته تعالى، صح.
(ابن رجب 3/ 363) .
9 - الوقف المنقطع، هل يعود إلى ورثة الموقوف عليه، أو إلى ورثة الواقف؛ فيه روايتان، والمنصوص عن أحمد وغيره أنه يعود إلى ورثة الموقوف عليه، وظاهر كلامه أنه يعود إليهم إرثاً، لا وقفاً، وهذا متنزل على القول بأنه ملك للموقوف عليه.
ولذلك شبه الإمام أحمد الوقف المنقطع بالعمرى والرقبى، وجعلها لورثة الموقوف عليه، كما ترجع العمرى والرقيى إلى ورثة المعطى، وقال الشيخ مجد الدين: إنما يرجع وقفاً على الورثة، فلا يستلزم ملك الموقوف عليه.
(ابن رجب 3/ 363) .
(2/1010)

القاعدة: [288]
إجازة الورثة، هل هي تنفيذ للوصية، أو ابتداء عطية؟
التوضيح
الوصية مشروعة بالثلث، لكسب الثواب والأجر للموصي، ورعاية لحق الورثة في الثلثين، فإن زاد الموصي على الثلث كانت الوصية بالزائد موقوفة على إجازة الورثة، فإن منعوها بطلت، وإن أجازها نفذت.
واختلفت الرواية عن أحمد في حقيقة ذلك.
ففي رواية: الإجازة تنفيذ للوصية، وفي رواية: الإجازة ابتداء عطية
من الورثة للموصى له، والأشهر أنها تنفيذ.
التطبيقات
1 - لا يشترط في الإجازة شروط الهبة من الإيجاب والقبول والقبض، فتصح
بقوله: أجزت وأنفذت، ونحو ذلك، وإن لم يقبل الموصى له في المجلس.
وإن قلنا: هي هبة، افتقرت إلى إيجاب وقبول.
وقيل: على وجهين:
الأول تقبل الهبة بلفظ الإجازة هنا، وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا تقبل.
(ابن رجب 3/ 366) .
(2/1011)

2 - هل يشترط أن يكون المجاز في الوصية معلوماً للمجيز؟
والجواب: لا يشترط ذلك، فلو قال: ظننت المال قليلاً فإنه يقبل قوله، ولا تنافي بين قوله والإجازة لوجهين:
الأول: أن صحة إجازة المجهول لا تنافي ثبوت الرجوع فيه إذا تبين فيه ضرر
على المجيز، لم يعلمه استدراكاً لظلامته، كمن أسقط شفعته لمعنى، ثم بأن بخلافه، فإن له العود إليها، وكذلك إذا أجاز الجزء الموصى به يظنه قليلاً، فبان كثيراً فله الرجوع بما زاد على ما في ظنه.
والوجه الثاني: إنه إذا اعتقد أن النصف الموصى به مئة وخمسون
درهماً، فبان ألفاً، فهو إنما أجاز مئة وخمسين درهماً، لم يجز أكثر منها، فلا تنفذ إجازته في غيرها، وهذا بخلاف إذا أجاز النصف كائناً ما كان، فإنه يصح، ويكون إسقاطاً لحقه من المجهول، فينفذ كالإبراء، لكن ابن قدامة قال: إن الإجازة لا تصح بالمجهول.
وهل يصدق في دعوى الجهالة؛ على وجهين.
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ صحت بالمجهول، ولا رجوع.
وإن قلنا: هبة، فوجهان.
(ابن رجب 3/ 366) .
3 - لو وقف على وارئه، فأجازه.
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ، صح الوقف ولزم.
وإن قلنا: هبة، فهو كوقف الإنسان على نفسه.
(ابن رجب 3/ 368) .
4 - لو كان المجيز أباً للمجاز له، كمن وصى لولد ولده الصغير، فأجازه والده، فليس للمجيز الرجوع فيه إن قلنا: هو تنفيذ.
وإن قلنا: عطية: فله ذلك، لأنه وهب لولده مالاً.
(ابن رجب 3/ 368) .
5 - لو حلف: لا يهب فأجاز، فإن قلنا: هي عطية، حنث، وإلا فلا.
(ابن رجب 3/ 369) .
6 - لو قبل الموصى له الوصية المفتقرة إلى الإجازة قبل الأجازة، ثم أجيزت، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ فالملك ثابت له من حين قبوله أولاً (1) .
وإن قلنا: عطية، لم يثبت الملك إلا بعد الإجازة.
(ابن رجب 3/ 369) .
__________
.
(1) هذا على قول الحنابلة أن الوصية من تاريخ القبول فقط، بينما قال الجمهور: تنتقل من وقت الموت مستندة بأثر رجعي، انظر: كشاف القناع 4/ 384، المغنى 8/ 419، وكتابنا: الفرائض والمواريث
والوصايا ص 514 مع المصادر الواردة في الهامش 1، ص 515 لسائر المذاهب، وسيرد ذلك في القاعدة التالية.
(2/1012)

7 - إن ما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز، هل يزاحم بالزائد ما لم يجاوزه.
ومثاله: إذا كانت معنا وصيتان، إحداهما مجاوزة للثلث، والأخرى لا تجاوزه، كنصف وثلث، وأجاز الورثة الوصية المجاوزة للثلث خاصة.
(وهي الوصية بالنصف) .
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ، زاحم صاحب النصف صاحب الثلث بنصف
كامل، فيقسم الثلث بينهما على خمسة، لصاحب النصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خمساه، ثم يكمل لصاحب النصف نصفه بالإجازة.
وإن قلنا: عطية، فإنما يزاحمه بثلث خاصة، إذ الزيادة عليه عطية محضة من الورثة لم تتلق من الميت، فلا يزاحم بها الوصايا، فيقسم الثلث بينهما نصفين، ثم يكمل لصاحب النصف ثلث بالإجازة.
(ابن رجب 3/ 369) .
8 - لو أجاز المريض في مرض موته وصية مورثه، فإن قلنا: عطية، فهي معتبرة من ثلثه.
وإن قلنا: تنفيذ، فطريقان، أحدهما: القطع بأنها من الثلث أيضاً تشبيهاً بالصحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار، ثم مرض في مدة الخيار، فإن محاباته تصير من الثلث؛ لأنه تمكن من استرداد ماله إليه، فلم يفعل، فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه من المرض.
ونظيره لو وهب الأب لولده شيئاً ثم مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
والطريق الثاني: إن المسألة على وجهين منزلين على أصل الخلاف في حكم الإجازة، وقد يتنزلان على أن الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به، أم تمنع الوصية الانتقال؛ وفيه وجهان.
فإن قلنا: ينتقل إليهم، فالإجازة من الثلث؛ لأنه إخراج
مال مملوك، وإلا فهي من رأس المال، لأنه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه، وإنما تعلق به حق ملكه، بخلاف محاباة الصحيح إذا مرض، فإن المال كان على ملكه، وهو قادر على استرجاعه.
(ابن رجب 3/ 371) .
9 - إجازة المفلس للوصية الزائدة، وهي نافذة، وهو منزل على القول بالتنفيذ.
وقاله صاحب (المغني) في السفيه، معللاً بأنه ليس من أهل التبرع.
(ابن رجب 3/ 372) .
(2/1013)

القاعدة: [289]
الموصى له، هل يملك الوصية حين الموت، أو من حين قبولها؟
التوضيح
الوصية تبرع بإيجاب من الموصي، وقبول من الموصى له المعين، ويشترط في القبول أن يكون بعد الموت، فإن كان عقب الموت مباشرة فلا إشكال، وينتقل الموصى به للموصى له عند الموت، فإن تأخر القبول شهراً مثلاً، فيحصل خلاف في وقت ملك الوصية حين الموت أو حين القبول، على وجهين، وعلى القول الراجح: بأن الموصى له يملكها حين قبوله.
فهل هي قبله على ملك الميت أو على ملك الورثة؟
فيه وجهان، والاكثر على أنها ملك للموصى له وهو منصوص أحمد.
التطبيقات
1 - حكم نماء الموصى به بين الموت والقبول.
فإن قلنا: هو على ملك الموصى له، فلا يحتسب عليه من الثلث.
وإن قلنا: هو على ملك الميت، فتوفر به التركة، فيزداد الثلث.
وإن قلنا: على ملك الورثة فنماؤه لهم خاصة.
وأكد القاضي أبو يعلى أن ملك الموصى له لا يتقدم القبول.
وأن النماء قبله للورثة، مع أن العين باقية على حكم ملك الميت، فلا يتوفر به الثلث، لأنه لم يكن ملكاً له حين الوفاة.
(ابن رجب 3/ 373) .
(2/1014)

2 - لو نقص الموصى به في سعر أو صفة، فإن قلنا يملكه بالموت، اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدق صفاته من يوم الموت إلى القبول؛ لأن الزيادة حصلت في ملكه، فلا يحتسب عليه، والنقص لم يدخل في ضمانه، بل هو من ضمان التركة، وأما نقص الأسعار فلا يضمن عندنا، وإن قلنا: يملكه من حين القبول، اعتبرت قيمته يوم القبول سعراً وصفهَ، لأنه لم يملكه قبل ذلك.
والمنصوص عن أحمد أنه يعتبر قيمته يوم الوصية، فظاهره أنه يعتبر بيوم الموت على الوجوه كلها؛ لأن حقه تعلق بالموصى به تعلقاً قطع تصرف الورثة فيه، فيكون ضمانه عليه.
(ابن رجب 3/ 374) .
3 - لو وصى لرجل بأرض، فبنى الوارث فيها، وغرس قبل القبول.
ثم قبل، فإن كان الوارث عالماً بالوصية قلع بناؤه وكرسه مجاناً، وإن كان جاهلاً فعلى وجهين.
وهو متوجه على القول بالملك بالموت أو بعد القبول.
فإن قيل: هي قبل القبول على ملك الوارث فهو كبناء مشتري الشقص المشفوع وكرسه فيكون محزماً يتملك بقيمته.
(ابن رجب 3/ 376) .
4 - لو بيع شقص في شركة الورثة والموصى له قبل قبوله.
فإن قلنا: الملك له من حين الموت فهو شريك للورثة في الشفعة، وإلا فلا حق له فيها.
(ابن رجب 3/ 376) .
5 - جريان الملك من حيث الموت في حول الزكاة، فإن قلنا: ملكه للموصى له، جرى في حوله.
وإن قلنا: للورثة، فهل يجري في حولهم، حتى لو تأخر القبول سنة
كانت زكاته عليهم، أم لا، لضعف ملكهم فيه
وتزلزله وتعلق حق الموصى له؛ فيه قولان.
(ابن رجب 3/ 377) .
(2/1015)

القاعدة: [290]
الدَّين، هل يمنع انتقال التركة إلى الورثة أم لا؟
التوضيح
إذا مات الإنسان انتقلت أمواله إلى الورثة، ولكن يتعلق بها أولاً أداء الدَّين، فإن كان على الميت دين، وتعلق بالتركة، فهل تنتقل التركة إلى الورثة، أم لا؟
في المسألة روايتان: أشهرهما: الانتقال، وهي المذهب.
ونص أحمد أن المفلس إذا مات، سقط حق البائع من عين ماله، لأن اللك انتقل إلى ورثته.
والرواية الثانية: لا ينتقل، ولا فرق بين ديون الله عز وجل وديون الآدميين، ولا بين الديون الثابتة في الحياة والمتجددة بعد الموت بسبب منه يقتضي الضمان، كحفر بئر ونحوه.
وهل يعتبر كون الدَّين محيطاً بالتركة أم لا؟
وهو الدين المستغرق، فيه قولان، وعلى القول
بالانتقال فيتعلق حق الغرماء بها جميعاً، وإن لم يستغرقها الدين، وهل تعلق حقهم بها تعلق رهن أو جناية؛ فيه قولان.
التطبيقات
1 - هل يتعلق جميع الذين بالتركة، وبكل جزء من أجزائها، أم يتقسط؛ إن كان الوارث واحداً تعلق الدين بالتركة وبكل جزء من أجزائها، وإن كان الوارث متعدداً انقسم الدَّين على قدر حقوقهم، وتعلق بحصة كل وارث منهم قسطها من الدين، وبكل جزء منها.
(ابن رجب 378/3) .
(2/1016)

2 - هل يتعلق الدَّين بعين التركة مع الذمة؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى ذمم الورثة.
والثاني: هو باقٍ في ذمة الميت، وهو ظاهر كلام الأصحاب في ضمان
دين الميت.
والثالث: يتعلق باعيان الزكة فقط، وردّ بلزوم براءة ذمة الميت منها
بالتلف، وينزتب على هذا الاختلاف الفوائد التالية.
(ابن رجب 3/ 379) .
3 - هل يمنع تعلق الدين بالتركة من نفوذ التصرف ببيع أو غيره من العقود؛ إن قلنا بعدم انتقال الذين إلى ذمة الورثة فلا إشكال في عدم النفوذ، وإن قلنا بانتقال الدَّين إلى ذمة الورثة فوجهان:
أحدهما: لا ينفذ.
والثاني: ينفذ، وهو المذهب.
وإنما يجوز التصرف بشرط الضمان.
(ابن رجب 3/ 378) .
4 - نماء الزكة: فإن قلنا: لا ينتقل الدين إلى الورثة، تعلق حق الغرماء بالنماء كالأصل.
وإن قلنا: ينتقل إليهم، فهل يتعلق حق الغرماء بالنماء؛ على وجهين.
حسب قاعدة النماء.
(ابن رجب 3/ 383) .
5 - لو مات رجل وعليه دين وله مال زكوي، فهل يبتدئ الوارث حول زكاته من حين موت مورثه أم لا؟
إن قلنا: لا تنتقل التركة إلى الوارث مع الدَّين، فلا إشكال
في أنه لا يجري حوله حتى تنتقل إليه.
وإن قلنا: ينتقل، انبنى على أن الدَّين هل هو مضمون في ذمة الوارث أو هو في ذمة الميت خاصهَ؟
فإن قلنا: الدَّين في ذمة الوارث، وكان مما يمنع الزكاة، انبنى على أن الدَّين المانع هل يمنع انعقاد الحول من ابتدائه، أو يمنع الوجوب في انتهائه خاصة؛ فيه روايتان، والمذهب أنه يمنع الانعقاد، فيمتنع انعقاد الحول على مقدار الذين من المال.
وإن قلنا: إنما يمنع وجوب الزكاة في آخر الحول، منع الوجوب ها هنا إلى آخر الحول في قدره أيضاً، وإن قلنا: ليس في ذمة
الوارث شيء، فالظاهر أن تعلق الدَّين بالمال مانع أيضاً.
(ابن رجب 3/ 382) .
6 - لو كان له شجر، رعليه دين، همات، فها هنا صورتان.
إحداهما: أن يموت قبل أن يثمر، ثم أثمر قبل الوفاء، فينبني على أن الدين هل يتعلق بالنماء أم لا؟
فإن قلنا: يتعلق به، خرج على الخلاف في منع الدَّين الزكاة في
الأموال الظاهرة، وإن قلنا: لا يتعلق به، فالزكاة على الوارث بناء على انتقال الملك
(2/1017)

إليه، أما إن قلنا: لا ينتقل، فلا زكاة عليه فيه إلا أن ينفك التعلق قبل بدو الصلاح.
الصورة الثانية: أن يموت بعدما أثمرت، فيتعلق الدين بالثمرة، ثم إن كان موته بعد وقت الوجوب، فقد وجبت عليه الزكاة، إلا أن نقول: إن الدين يمنع الزكاة في المال الظاهر، وإن كان موته قبل وقت الوجوب.
فإن قلنا: تنتقل التركة إلى الورثة مع الدين، فالحكم كذلك، لأنه مال لهم تعلق به دين، ولا سيما إن قلنا: إنه في ذممهم.
وإن قلنا: لا تنتقل التركة إليهم فلا زكاة عليهم.
وهذا يدل على أن النماء المنفصل يتعلق به حق الغرماء بلا خلاف.
(ابن رجب 3/ 383) .
7 - لو كانت التركة حيواناً، فإن قلنا بالانتقال إلى الورثة، فالنفقة عليهم، وإلا فمن التركة، وكذلك مؤنة المال كأجرة المخزن ونحوه.
(ابن رجب 3/ 384) .
8 - لو مات المدين وله شقص، فباع شريكه نصيبه قبل الوفاء، فهل للورثة الأخذ بالشفعة؛ إن قلنا بالانتقال إليهم فلهم ذلك، وإلا فلا.
ولو كان الوارث شريك الموزث، وبيع نصيب المورث في دينه.
فإن قلنا بالانتقال، فلا شفعة للوارث، لأن البيع وقع في ملكه؛ فلا يملك استرجاعه، وإن قيل بعدمه، فله الشفعة، لأن المبيع لم يكن في ملكه، بل في شركته.
(ابن رجب 3/ 384) .
9 - لو أقرَّ لشخص، فقال: له في ميراثي ألف، فالمشهور أنه متناقض في إقراره.
وفي قول: يحتمل أن يلزمه، إذ المشهور أن الدَّين لا يمنع الميراث، فهو كما لو قال: له في هذه التركة ألف، فإنه إقرار صحيح، لكن إذا قلنا: يمنع الدَّين الميراث، كان تناقضاً بغير خلاف.
(ابن رجب 3/ 385) .
10 - لو مات وترك ابنين وألف درهم، وعليه ألف درهم دين، ثم مات أحد الابنين وترك ابناً، ثم أبرأ الغريم الورثة، فعلى القول بانتقال الدَّين إلى ذمم الورثة، فإن ابن الابن يستحق نصف التركة بميراثه عن أبيه، وهو الراجح؛ لأن التركة تنتقل مع الدَّين للورثة، فأنتقل ميراث الابن إلى ابنه، وعلى القول بمنع الانتقال يختص به ولد الصلب، لأنه هو الباقي من الورثة، وابن الابن ليس بوارث معه،
(2/1018)

والتركة لم تنتقل إلى أبيه، وإنما انتقلت بحد موته، كالوصية إذا مات الموصى له، وقبل وارثه، فإنه يملكه هو دون مورثه على القول الراجح بملك الوصية من حين القبول.
(ابن رجب 3/ 386) .
11 - رجوع بائع المفلس في عين ماله بعد موت المفلس، ينبني على هذا الخلاف.
فإن قلنا: ينتقل إلى الورثة، امتنع رجوعه، وبه علله الإمام أحمد.
وإن قلنا: لا ينتقل: رجع به، لا سيما والحق هنا متعلق في الحياة تعلقاً أكيداٌ.
(ابن رجب 3/ 386) .
12 - ولاية المطالبة بالتركة إذا كانت ديناً ونحوه.
هل هو للورثة خاصة، أم للغرماء والورثة؟
يفهم من كلام أحمد أن للغرماء ولاية المطالبة والرجوع على المودعَ إذا سلَّم الوديعة إلى الورثة، لكن القاضي حمله على الاحتياط؛ لأن التركة ملك للورثة، ولهم الوفاء من غيرها، والظاهر إن قلنا: التركة ملك لهم، فلهم ولاية الطلب والقبض.
وإن قلنا: ليست ملكاً لهم، فليس لهم الاستقلال بذلك.
(ابن رجب 3/ 389) .
(2/1019)

القاعدة: [291]
نفقة الحامل، هل هي واجبة لها أو لحملها؟
التوضيح
تجب النفقة شرعاً بسببين؛ النكاح والقرابة.
والمرأة الحامل قد تكون زوجة، وتجب نفقتها على زوجها بالشرع بسبب النكاح، ونفقة القرابة لا تثبت إلا بحكم القاضي.
فإن كانت المرأة حاملاً تجب لها النفقة إما بسبب النكاح وهذه لا خلاف فيها، وإما بسبب الحمل.
ولكن هل تستحق المرأة الحامل النفقة لنفسها، أو لحملها؟
في المسألة روايتان مشهورتان، وأصحهما أنها للحمل، وينبني على هذا الاختلاف فوائد.
التطبيقات
1 - إذا كان الزوج معسراً، فإن قلنا: النفقة للزوجة وجبت عليه، وثبتت في ذمته، وإن قلنا: للحمل، لم تجب؛ لأن نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزوجة.
(ابن رجب 3/ 398) .
2 - لو مات الزوج، فهل يلزم أقاربه النفقة؛ إن قلنا: هي للحمل، لزمت
الورثة، وإن قلنا: هي للزوجة، لم يلزمهم بحال.
(ابن رجب 3/ 399) .
3 - لو غاب الزوج، فهل تثبت النفقة في ذمته؟
فيه طريقان، أحدهما: إن قلنا:
(2/1020)

هي للزوجة، ثبتت في ذمته ولم تسقط بمضي الزمان على المشهور من المذهب، وإن قلنا: هي للحمل، سقطت، لأن نفقة الأقارب لا تثبت في الذمة، والثاني: لا تسقط بمضي الزمان على الروايتين؛ لأنها مصروفة إلى الزوجة، ويتعلق حقها بها، فهي كنفقتها، ويشهد لذلك قول الأصحاب: لو لم ينفق عليها يظنها حائلاً، فبانت حاملاً لزمه نفقة الماضي.
(ابن رجب 3/ 399) .
4 - إذا اختلعت الحامل بنفقتها، فهل يصح جعل النفقة عوضاً للخلع؟
ففي قول: إن قلنا: النفقة لها، صح، وإن قلنا: للحمل، لم يصح، لأنها لا تملكها.
وقال الأكثرون: يصح على الروايتين، لأنها مصروفة إليها، وهي المنتفعة بها (ابن رجب 3/ 400) .
5 - لو نشزت الزوجة حاملاً، فإن قلنا: نفقة الحامل لها، سقطت بالنشوز، وإن قلنا؛ للحمل، لم تسقط به.
(ابن رجب 3/ 400) .
6 - الحامل من وطء الشبهة أو نكاح فاسد، هل تجب نفقتها على الواطئ؛ إن قلنا: النفقة لها، لم تجب؛ لأن النفقة لا تجب للموطوءة بشبهة ولا نكاح فاسد؛ لأنه لا يتمكن من الاستمتاع بها، إلا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصيناً لمائه، فيلزمها ذلك، وتجب لها النفقة حينئذ.
وإن قلنا: النفقة للحمل، وجبت؛ لأن النسب لاحق
بهذا الواطئ، ونص عليه أحمد في وجوب النفقة لها.
(ابن رجب 3/ 400) .
(2/1021)

7 - لو كان الحمل مومراً، بأن يوصى له بشيء، فيقبله الأب.
فإن قلنا: النفقة له، سقطت نفقته عن أبيه، وإن قلنا: لأمه، لم تسقط.
(ابن رجب 3/ 402) .
8 - لو دفع إليها النفقة، فتلفت بغير تفريط، فإن قلنا: النفقة لها، لم يلزم بدلها، وإن قلنا: للحمل، وجب إبدالها؛ لأن ذلك حكم نفقة الأقارب.
(ابن رجب 3/ 402) .
9 - فطرة المطلفة الحامل، إن قلنا: النفقة لها، وجبت لها الفطرة.
وإن قلنا: للحمل، ففطرة الحمل على أبيه غير واجبة على الصحيح إلا بعد الولادة إن كانت قبل غروب الشمس من ليلة العيد.
(ابن رجب 3/ 402) .
10 - هل تجب السكنى للمطلقة الحامل؛ إن قلنا: النفقة لها، فلها السكنى أيضاً، وإن قلنا: للحمل، فلا سكنى لها.
(ابن رجب 3/ 402) .
11 - نفقة المتوفى عنها إذا كانت حاملاً، في وجوبها روايتان بناهما بعضهم على هذا الأصل، فإن قلنا: النفقة للحمل، وجبت من التركة، كما لو كان الأب حياً.
وان قلنا: للمرأة، لم تجب، وهذا البناء لا يصح؛ لأن نفقة الأقارب لا تجب بعد الموت، والأظهر أن الأمر بالعكس، وهو إن قلنا: للحمل، لم يجب للمتوفى عنها لهذا المعنى.
وإن قلنا: للمرأة، وجبت لها النفقة؛ لأنها محبوسة على الميت لحقه.
فتجب نفقتها من ماله.
(ابن رجب 3/ 402) .
12 - البائن في الحياة بفسخ أو طلاق إذا كانت حاملاً، فلها النفقة، وحكي في رواية: أنه لا نفقة لها، كالمتوفى عنها، وخصها بعضهم بالمبتوتة بالثلاث، بناء على أن النفقة للمرأة، والمبتوتة لا نفقة لها، وإنما تستحق النفقة إذا قلنا: هي للحمل، وهذا متوجه في القياس، إلا أنه ضعيف مخالف للنص في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وللإجماع، ووجوب النفقة للمبتوتة الحامل يرجح القول بأن النفقة للحمل.
(ابن رجب 3/ 403) .
(2/1022)

13 - لو وطئت الرجعية بشبهة أو نكاح فاسد، ثم بأن بها حمل، يمكن أن يكون من الزوج والواطئ، فيلزمها أن تعتد بعد وضعه عدة الواطئ.
فأما نفقتها في مدة العدة، فإن قلنا: النفقة للحمل، فعليهما النفقة عليها حتى تضع؛ لأن الحمل لأحدهما يقيناً، ولا نعلم عينه، ولا ترجع المرأة على الزوج بشيء من الماضي.
وإن قلنا: النفقة للحامل، فلا نفقة لها على واحد منهما مدة الحمل؛ لأنه يحتمل أنه من الزوج، فيلزمه النفقة، ويحتمل أنه من الآخر، فلا نفقة لها، فلا تجب بالشك، فإذا وضعته، فقد علمنا أن النفقة على أحدهما، وهو غير معين، فيلزمهما جميعاً النفقة للولد، حتى ينكشف الأب منهما، وترجع المرأة على الزوج بعد الوضع بنفقة أقصر المدتين من مدة الحمل، أو قدر ما بقي من العدة بعد الوطء الفاسد، لأنها تعتد عنه
بأحدهما قطعاً، ثم إذا زال الإشكال وألحقته القافة بأحدهما بعينه عمل بمقتضى
ذلك، فإن كان معها وفق حقها من النفقة، وإلا رجعت على الزوج بالفضل.
ولو كان الطلاق بائناً، فالحكم كما تقدم في جميع ما ذكرنا، إلا في مسألة واحدة، وهي أنه لا ترجع المرأة بعد الوضع بشيء على الزوج.
سواء قلنا: النفقة للحمل، أو للحامل؛ لأن النفقة لا تستحق مع البينونة إلا بالحمل، وهو غير متحقق هنا أنه منه، بخلاف الرجعية فلها النفقة.
(ابن رجب 3/ 404) .
(2/1023)

القاعدة: [292]
القتل العمد، هل موجبه القود عينًا، أو أحد الأمرين؟
التوضيح
إن القتل العمد يوجب القصاص عن القاتل، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ثم قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) ، ثم قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) .
وقال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) .
فإذا قتل شخص عمداً، استحق وليه المطالبة بالقصاص، أو بطلب الدية، ولكن هل الواجب الأصلي القود عيناً، أو التخيير بين القود أو الدية؟
فيه روايتان معروفتان عن الإمام أحمد، ويتفرع عليهما ثلاث قواعد في استيفاء القود، والعفو عنه، والصلح عنه، مع الأحكام الفرعية لكل قاعدة.
القاعدة الأولى: في استيفاء القود: يتعين حق المستوفى فيه بغير إشكال، ثم إن
قلنا: الواجب القود عيناً، فلا يكون الاستيفاء تفويتاً للمال، وإن قلنا: أحد
(2/1024)

الأمرين، فهل هو تفويت للمال أم لا؟
على وجهين، ويتفرع عليهما مسائل تتعلق
بالقاتل العبد، مما لا حاجة لسردها بعد إلغاء الزنى وزواله من التطبيق.
القاعدة الثانية: في العفو عن القصاص، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقع العفو عنه إلى الدية، وفيه طريقتان:
إحداهما ثبوت الدية على الروايتين.
والثانية: بناؤه على الروايتين.
فإن قلنا: موجبه أحد الشيئين، ثبتت الدية.
وإلا لم يثبت شيء بدون تراضِ منهما.
ويكون القود باقياً بحاله؛ لأنه لم يرضَ بإسقاطه إلا بعوض، ولم يحصل له.
الحالة الثانية: أن يعفو عن القصاص، ولا يذكر مالاً، فإن قلنا: موجبه
القصاص عيناً، فلا شيء له، وإن قلنا: أحد الشيئين، ثبت المال.
الحالة الثالثة: أن يعفو عن القود إلى غير مال مصرحاً بذلك.
فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً، فلا مال له في نفس الأمر.
وقوله هذا لغو، وإن قلنا: الواجب أحد
شيئين، سقط القصاص والمال جميعاً.
فإن كان ممن لا تبرع له، كالمفلس والمحجور عليه والمريض فيما زاد عن الثلث والورثة، مع استغراق الديون للتركة، فوجهان، أحدهما: لا يسقط المال بإسقاطهم، وهو المشهور، لأن المال وجب بالعفو عن القصاص، فلا يمكنهم إسقاطه بعد ذلك، كالعفو عن دية الخطأ.
والثاني: يسقط، وهو المنصوص عليه؛ لأن المال لا يتعين بدون اختياره له أو إسقاط القصاص وحده، أما إن أسقطهما في كلام واحد متصل، سقطا جميعاً من غير دخول المال في ملكه، ويكون ذلك اختياراً
منه لترك التملك، فلا يدخل المال في ملكه.
إذا تقرر هذا، فهل يكون العفو تفويتاً للمال؟
إن قلنا: الواجب القود عيناً، لم يكن العفو تفويتاً للمال، فلا يوجب ضماناً، وفي قول: يجب الضمان، وفي قول: على وجهين.
(2/1025)

التطبيقات
يتخرج على هذا الأصل مسائل، منها:
1 - عفو المفلس عن الجناية الموجبة للقود مجاناً، فالمشهور أنا إن قلنا: الواجب القود عيناً، صح، دران قلنا: الواجب أحد الأمرين، لم يصح العفو عن المال، وعلى الوجه الآخر الذي قيل: إنه المنصوص، يصح.
(ابن رجب 3/ 41) .
2 - عفو الورثة عن القصاص مع استغراق الديون، وحكمه حكم المفلس السابق.
(ابن رجب 3/ 41) .
3 - عفو المريض عن القصاص، وحكمه فيما زاد عن الثلث كذلك.
(ابن رجب 3/ 41) .
4 - العفو عن الوارث الجاني في مرض الموت عن دم العمد، إن قلنا: الواجب القود عياً، فهو صحيح، دران قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فكذلك، ويتوجه فيه وجه آخر بوقوفه على إجازة الورثة.
(ابن رجب 3/ 42) .
تنبيه أول
لو أطلق العفو عن الجاني عمداً، فهل يتنزل على القود والدية، أو على القود وحده؛ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو المنصوص، أنه ينصرف إليهما جميعاً.
والثاني: ينصرف إلى القود وحده، إلا أن يقر العافي بإرادة الدية مع القود.
والثالث: يكون عفواً عنهما، إلا أن يقول: لم أرد الدية، فيحلف ويقبل منه، وفي قول: إن قلنا: الواجب القود وحده، سقط، ولا دية، وإن قلنا: أحد شيئين، انصرف العفو إلى القصاص في أصح الروايتين.
والأخرى: يسقطان جميعاً.
(2/1026)

تنبيه ثانٍ.
لو اختار القصاص، فله ذلك، وهل له العفو عنه إلى الدية؟
إن قلنا: القصاص هو الواجب عيناً، فله تركه إلى الدية.
وإن قلنا: الواجب أحد شثين، فعلى وجهين:
أحدهما: نعم، لأن أكثر ما فيه أنه تعين له القصاص.
فيجوز له تركه إلى مال، كما إذا قلنا: هو الواجب عيناً.
والثاني: لا، لأنه أسقط حقه من الدية باختياره.
فلم يكن له الرجوع إليها، كما لو عفا عنها وعن القصاص.
وفارق ما إذا قلنا: هو الواجب عيناً؛ لأن المال لم يسقط بإسقاطه، ويجاب عن هذا بأن الذي أسقطه هو الدية الواجبة بالجناية، والمأخوذ هنا غيره، وهو مأخوذ بطريق المصالحة عن القصاص.
القاعدة الثالثة: الصلح عن موجب الجناية، فإن قلنا: هو القود وحده، فله
الصلح عنه بمقدار الدية، وبأقل، وأكثر منها، إذ الدية غير وإجبة بالجناية، وكذلك إذا اختار القود أولاً، ثم رجع إلى المال، وقلنا له ذلك، فان الدية سقط وجوبها.
وإن قلنا أحد شئين، فهل يكون الصلح عنها صلحاً عن القول أو المال؛ على وجهين.
التطبيقات
1 - هل يصح الصلح على كثر من الدية من جنسها، أم لا؟
في قول: لا يصح؛ لأن الدية تجب بالعفو والمصالحة، فلا يجوز أخذ أكثر من الواجب من الجنس، ويصح على غير جنس الدية، ولا يصح على جنسها إلا بعد تعيين الجنس، من إبل، أو بقر، أو غنم، حذاراً من ربا النسيئة وربا الفضل، وقال الأكثرون: بجواز الصلح
(2/1027)

بأكثر من الدية من غير تفصيل، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، لأن القود ثابت، فالمأخوذ عوض عنه، وليس من جنسه، فجاز من غير تقدير كسائر المعاوضات الجائزة، وأما القود، فقد يقال: إنما يسقط بعد صحة الصلح وثبوته، وأما مجرد المعاوضة في عقد الصلح، فلا توجب سقوطه، فإنه إنما يسقطه بعوض، فلا يسقط بدون ثبوت العوض.
(ابن رجب 3/ 45) .
2 - لو صالح عن دم العمد بشقص، هل يوخذ بالشفعة أم لا؟
إن قلنا: الواجب القود عيناً، فالشقص مأخوذ بعوض غير مالي، فلا شفعة فيه على أشهر الوجهين.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، فهو مأخوذ بعوض مالي، إذ هو عوض عن الدية لتعينها باختيار الصلح.
(ابن رجب 3/ 46) .
(2/1028)

القاعدة: [293]
المرتد: هل يزول ملكه بالرِّدة أم لا؟
التوضيح
المرتد: هو الخارج عن الإسلام باعتقاد أو قول أو عمل، ويترتب على الردة
إحباط العمل، واستتابة المرتد، فإن أصرَّ أقيم عليه حدُّ الردة، وتبطل تصرفاته في قول.
وفي زوال ملكه روايتان، إحداهما: لا يزول ملكه، بل هو باقٍ عليه، كالمستمر على عصمته، والثانية؛ يزول ملكه، وفي وقت زواله ثلاث روايات، إحداها: من حين موته مرتداً.
والثانية: من حين ردته، فإن أسلم أعيد إليه ماله ملكاً جديداً.
والثالثة: أنا نتبين بموته مرتداً زوال ملكه من حين الردة، أي لا يزول بمجرد الردة إلا إذا مات عليها، ويترتب على هذا الاختلاف فوائد كثيرة، وتطبيقات.
التطبيقات
1 - لو ارتد في أثناء حول الزكاة، فإن قلنا: زال ملكه بالرِّدة، انقطع الحول بغير تردد، ونص عليه أحمد، وإن قلنا: لا يزول، فالمشهور أن الزكاة لا تجب عليه، وإن عاد إلى الإسلام، فينقطع الحول أيضاً؛ لأن الإسلام من شرائط وجوب الزكاة، فيعتبر وجوده في جميع الحول.
وفي رواية: تجب الزكاة إذا عاد إلى الإسلام لما مضى من الأحوال.
(2/1029)

وإن ارتد بعد الحول لم تسقط عنه إلا إذا عاد إلى الإسلام، وقلنا: إن المرتد لا يلزمه قضاء ما تركه قبل الرِّدة من الواجبات، والصحيح من المذهب خلافه، ويلزم القضاء.
(ابن رجب 3/ 408) .
2 - لو ارتد المعسر، ثم أيسر في زمن الرِّدة، ثم عاد إلى الإسلام وقد أعسر، فإن قلنا: إن ملكه يزول بالرِّدة، لم يلزمه الحج باليسار السابق.
وإن قلنا: لا يزول ملكه، فهل يلزمه الحج بذلك اليسار؛ ينبني الجواب على حكم وجوب العبادات عليه في حال الرِّدة وإلزامه قضاءها بعد عوده إلى الإسلام، والصحيح: عدم الوجوب، فلا يكون بذلك مستطيعاً.
(ابن رجب 3/ 408) .
3 - حكم تصرفات المرتد بالمعاوضات والتبرعات وغيرها.
فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهي صحيحة نافذة.
وإن قلنا: يزول بموته، أقز المال بيده في حياته.
ونفذت معاوضاته، ووقفت تبرعاته المنجزة والمعلقة بالموت.
فإذا مات ردَّت كلها، وإن لم تبلغ الثلث؛ لأن حكم الرِّدة حكم المرض الخوت، وإنما لم تنفذ من ثلثه؛ لأن ماله يصير فيئاً بموته لبيت المال.
وإن قلنا: يزول ملكه في الحال، جعل في بيت
المال، ولم يصح تصرفه فيه بحال، لكن إن أسلم ردَّ إليه ملكاً جديداً.
وإن قلنا: موقوف مراعى، حفظ الحاكم ماله، ووقفت تصرفاته كلها، فإن أسلم، أمضيت، وإلا تبينا فسادها.
ولو تصرف لنفسه بنكاح، لم يصح، لأن الرِّدة تمنع الإقرار على النكاح، وإن زوج موليته لم يصح لزوال ولايته بالرِّدة.
(ابن رجب 3/ 409) .
4 - لو باع شقصاً مشفوعاً في الرِّدة، فإن حكمنا بصحة بيعه، أخذ منه الشفعة، وإلا فلا، ولو بيع في زمن رذته شقص في شركته.
فإن قلنا: ملكه باقي، أخذ بالشفعة وإلا فلا.
(ابن رجب 3/ 410) .
(2/1030)

5 - لو حاز مباحاً أو عمل عملاً بأجرة، فإن قلنا: ملكه باق، ملك ذلك، وإن قلنا: زال ملكه، لم يملكه، فإن عاد إلى الإسلام بعد ذلك فهل يعود ملكه إليها، فيه احتمالان.
(ابن رجب 3/ 410) .
6 - الوصية له، في صحتها وجهان، بناء على زوال ملكه وبقائه، فإن قلنا: زال ملكه، لم تصح الوصية له، وإلا صحت.
(ابن رجب 3/ 410) .
7 - ميراثه، فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهو لورثته من المسلمين، أو من أهل دينه الذي اختاره على روايتين، وإن قلنا: يزول ملكه من حين الرِّدة أو بالموت، فماله فيء ليس لورثته منه شيء.
(ابن رجب 3/ 410) .
8 - نفقة من تلزمه نفقته، فإن قلنا: ملكه باقٍ ولو في حياته أو مراعى، أنفق عليهم من ماله مدة الرِّدة، وإن قلنا: زال بالرِّدة، فلا نفقة لهم منه في مدة الرِّدة، لأنه لا يملكه.
(ابن رجب 3/ 411) .
9 - قضاء ديونه، وهو كالنفقة، فيقضي ديونه على الروايات كلها، إلا على رواية زوال ملكه من حين الرِّدة، فلا تقضى منه الديون المتجددة في الرِّدة، وتقضى منه الديون الماضية، فإنه إنما يكون فيئاً ما فضل عن أداء ديونه ونفقات من يلزمه نفقته؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، فتؤخذ من ماله، ويصير الباقي فيئاً.
(ابن رجب 3/ 411) .
(2/1031)

القاعدة: [294]
الكفار هل يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها؟
التوضيح
إذا استولى الكفار على أموال للمسلمين، سواء كان ذلك بالحرب والقتال، أم بالاغتصاب والاستيلاء، والقهر، فهل تعتبر يدهم يد ملك عليها؛ وتزول ملكية صاحبها المسلم عنها؟
اختلفت الآراء في المذهب الحنبلي.
فقال القاضي: إنهم يملكونها من غير خلاف.
وقال أبو الخطاب: إنهم لا يملكونها، وإنها ترد إلى من أخذت منه من المسلمين على كل حال، ولو قسمت في المغنم وتعرف عليها صاحبها، أو أسلم الكافر وهي في يده، فترد إلى صاحبها، وأيد ذلك ابن القيم بقوة، وقال بعضهم: فيها روايتان، وصححوا عدم الملك.
وقال ابن تيمية: يملكونها ملكاً مقيداً لا يساوي أملاك
المسلمين من كل وجه، وترتب على هذا الحلاف فوائد وأحكام.
التطبيقات
1 - إن من وجد من المسلمين عين ماله قَبْل القسمة، أخذه مجاناً بغير عوض، وإن وجده بعد القسمة، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يأخذه بغير عوض، وهل يسقط حقه منه بالكلية، أو يكون أحق به بالثمن؛ على روايتين، واختار أبو الخطاب أنه أحق به مجاناً بكل حال، وأن أحمد قال: هذا هو القياس، لأن اللك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، وقال غيره: لا حق له.
(ابن رجب 3/ 412) .
(2/1032)

2 - إذا غُنِمت أموال المسلمين، ولم يعلم أربابها، وقلنا: يملكها الكفار، فإنه بِحوز قسمتها والتصرف فيها.
وإن قلنا: لا يملكونها، فالقياس: أنه لا يجوز قسمتها.
ولا التصرف فيها، بل توقف كاللقطة، وأما ما عرف مالكه من المسلمين، فإنه لا تجوز قسمته، بل يرد إليه على القولين، ونص عليه أحمد في رواية الكثيرين.
(ابن رجب 3/ 413) .
3 - إذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين، فهي لهم نص عليه أحمد.
وفي رواية: ليس بين الناس اختلاف في ذلك، وهذا متنزل على القول بالملك، فإن قيل: لا يملكونها، فهي لربها متى وجدها، وأكد ابن قدامة القول الأول، لأن الشارع ملّك الكافر بإسلامه ما في يده من أموال المسلمين بقوله: من أسلم على شيء فهو له، فهذا تمليك جديد يملكونها به، لا بالاستيلاء الأول، وهذا يرجع أيضاً إلى أن كل ما قبضه
الكفار من الأموال وغير ها قبضاً فاسداً، يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من النفوس والأموال بالإجماع.
(ابن رجب 3/ 414) .
4 - لو استولى العدو على مال مسلم، ثم عاد إليه بعد حول أو أحوال، فإن قلنا: ملكوه، فلا زكاة عليه لما مضى من المدة بغير خلاف.
وإن قلنا: لم يملكوه، ففي زكاته روايتان بناء على زكاة المال المغصوب والضائع من ربه.
(ابن رجب 3/ 415) .
5 - لو استولى الكفار على أرض مؤجرة، فالقياس أنه تنفسخ الإجارة، لأنهم أخذوا الرقبة والمنفعة.
أما لو استولوا على زوجة حرة فلا ينفسخ النكاح بسَبْيها، لأنهم لا يملكون الحرة بالسبي، وفي رواية: ينفسخ بالسبي، لأن منافع الحر في حكم الأموال، ولهذا تضمن بالغصب على رأي، فجاز أن تملك بالاستيلاء، بخلاف عينه، لا سيما والاستيلاء سبب قوي يملك به ما لا يملك بالعقود الاختيارية، ولهذا يملكون به المصاحف، فجاز أن يملكوا به منفعة بضع الحرة، ولا يلزم من ذلك إباحة وطئها لهم؛ لأن تصرفهم في أموال المسلمين لا يباح لهم وإن قيل: إنهم يملكونها.
(ابن رجب 3/ 416) .
(2/1033)

القاعدة: [295]
الغنيمة: هل تملك بالاستيلاء المجرد.
أم لا بد معه من نية التملك؟
التوضيح
الغنيمة هي ما يأخذه المسلمون من أموال الكفار أثناء الحرب والقتال، والغنيمة من حق المقاتلين المسلمين الغانمين، ولكن هل تدخل في ملك المسلمين بمجرد الاستيلاء ووضع اليد عليها؛ أم لا بدَّ من نية التملك لها؟
المنصوص عن أحمد وعليه كثر الأصحاب أنها تمللث بمجرد الاستيلاء بإزالة
أيدي الكفار عنها، وهل يشترط مع ذلك فعل الحيازة كالمباحات أم لا؟
على وجهين، وفي قول؛ لا تملك بدون احتياز التملك، مع التردد في الملك قبل القسمة، هل هو باقٍ للكفار، أو أن ملكهم انقطع عنها؛ وينبني على هذا الاختلاف فوائد وأحكام.
التطبيقات
1 - جريان حول الزكاة، فإن كانت الغنيمة أجناساً، لم ينعقد عليها حول بدون القسمة وجهاً واحداً؛ لأن حقَّ الواحد منهم لم يستقر في جنسٍ معين، وإن كانت جنساً واحداً فوجهان، أحدهما: ينعقد الحول عليها بالاستيلاء، بناء على حصول
(2/1034)

الملك به، والثاني: لا ينعقد، بناء على أن الملك لا يثبت فيها بدون اختيار التملك لفظاً، وهذا بعيد، أو لأن استحقاق الغانمين ليس على وجه الشركة المحضة، ولذلك لا يتعين حق أحدهم في لشيء مثها بدون حصوله له بالقسمة، فلا ينعقد الحول قبلها، كما لو كانت أصنافاً.
(ابن رجب 3/ 421) .
2 - لو أتلف أحد الغانمين شيئاً من الغنيمة قبل القسمة، فإن قلنا؛ الملك ثابت فيها، فعليه ضمان نصيب شركائه خاصة، ونص عليه أحمد، وإن قلنا: لم يثبت الملك فيها، فعليه ضمان جميعها.
(ابن رجب 3/ 423) .
3 - لو أسقط الغانم حقه قبل القسمة، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه مبني على الخلاف.
فإن قلنا: ملكوها، لم يسقط الحق بذلك، وإلا سقط.
والثاني: يسقط على القولين، لضعف الملك وعدم استقراره.
(ابن رجب 3/ 424) .
4 - لو مات أحد الغانمين قبل القسمة والاحتياز، فالمنصوص أن حقه ينتقل إلى ورثته.
وفي قول: إن قلنا: لا يملك بدون الاحتياز، فمن مات قبله، فلا شيء له ولا يورث عنه، كحق الشفعة، ويحتمل أن يقال على هذا: يكتفي بالمطالبة في ميراث الحق، كالشفعة.
(ابن رجب 3/ 424) .
5 - لو شهد أحد الغائمين بشيء من المغنم قبل القسمة.
فإن قلنا: قد ملكوا، لم يقبل، كشهادة أحد الشريكين للآخر.
وإن قلنا: لم يملكوا، قبلت، ولكن في قبولها نظر، لأنها شهادة تجر نفعاً، والأظهر: لا تقبل شهادة أحد الغانمين بمال الغنيمة مطلقاً.
(ابن رجب 3/ 424) .
(2/1035)

القاعدة: [296]
القسمة: هل هي إفراز أم بيع؟
التوضيح
إذا اقتسم الشريكان الال المشترك بينهما، وأخذ كل منهما حصته من الشركة، فهل يعدُّ ذلك عزلاً وفرزاً وتمييزاً لحصة كل منهما، أم يعدُّ ذلك مبادلة وبيعاً، لأن كل جزء من المال المشترك يملكه الشريكان، فيبيع أحدهما حصته في الجزء، ليأخذ مقابله حصة شريكه في جزء آخر، ويترتب على تكييف العملية بأنها إفراز أو بيع نتائج.
والمذهب عند الحنابلة: أن قسمة الإجبار، وهي ما لا يحصل فيها رد عوض من أحد الشريكين، ولا ضرر عليه، إفراز لا بيع.
وفي قول: إنها كالبيع في أحكامه.
وقيل: فيها روايتان، أما ما كان فيه رد عوض، فهي بيع.
وقيل: إنها بيع فيما يقابل الرد، وإفراز في الباقي، قياساً على قسممة الطلق عن الوقف: إذا كان فيها رد من جهة صاحب الوقف، جاز، لأنه يشتري به الطلق، وإن كان من جهة صاحب الطلق، لم يجز.
(2/1036)

التطبيقات
يتفرع على الاختلاف في كونها فرزاً أو بيعاً فوائد كثيرة، منها:
1 - لو كان بينهما ماشية مشتركة، فقسماها في أثناء الحول، واستداما خلطة الأوصاف، فإن قلنا: القسمة إفراز، لم ينقطع الحول بغير خلاف، وإن قلنا: بيع، خرج على بيع الماشية بجنسها في أثناء الحول، هل يقطعه أم لا؟.
(ابن رجب 3/ 426) .
2 - إذا تقاسما وصرحا بالتراضى واقتصرا على ذلك، فهل يصح؟
إن قلنا: هي إفراز، صحت، وإن قلنا: هي بيع فوجهان، وكان مأخذهما الخلاف في اشتراط الإيجاب والقبول، والظاهر أنها تصح بلفظ القسمة على الوجهين، ويتخرج ألا تصح بناء على الرواية باشتراط لفظ البيع والشراء في البيع.
(ابن رجب 3/ 426) .
3 - لو تقاسموا ثمر النخل والعنب على الشجر، أو الزرع المشتد في سنبله.
خرصاً، أو الربويات على ما يختارونه من كيل أو وزن.
فإن قلنا: هي إفراز جاز.
ونص عليه أحمد في جواز القسمة بالخرص، وإن قلنا: هي بيع، لم يصح، وكذلك لو تقاسموا الثمر على الشجر قبل صلاحه بشرط التبقية، فيجوز على القول بالإفراز دون البيع.
(ابن رجب 3/ 427) .
4 - لو تقاسموا أموالاً ربوية، جاز أن يتفرقوا قبل القبض على القول بالإفراز، ولم يجز على القول بالبيع.
(ابن رجب 3/ 427) .
5 - لو كان بعض العقار وقفاً، وبعضه طلقاً، وطلب أحدهما القسمة، جازت إن قلنا: هي إفراز، وإن قلنا: بيع، لم يجز، لأنه بيع للوقف، وهو ممنوع إلا للضرورة والمصلحة، فأما إن كان الكل وقفاً، فهل تجوز قسمته؛ فيه طريقان، أحدهما: أنه كإفراز الطلق من الوقف سواء، وجزم به المجد، والثاني: أنه لا تصح القسمة على الوجهين جميعاً على الأصح، وعلى القول بالجواز، فهو مختص بما إذا كان وقفاً على جهتين، لا جهة واحدة.
(ابن رجب 3/ 427) .
(2/1037)

6 - قسمة المرهون كله أو بعضه مشاعاً، إن قلنا؛ هي إفراز، صحت، وإن قلنا: بيع، لم تصح، ولو استضر بها المرتهن، بأن رهنه أحد الشريكين حصته من بيت معين من دار، ثم اقتسما، فحصل البيت في حصة شريكه، فقيل: لا يمنع منه على القول بالإفراز، وقيل: يمنع منه.
(ابن رجب 3/ 428) .
7 - إذا اقتسم الشريكان أرضاً، فبنى أحدهما في نصيبه وغرس، ثم استحقت الأرض فقُلع كرسُه وبناؤه، فإن قلنا: هي إفراز، لم يرجع على شريكه.
وإن قلنا: هي بيع، رجع عليه بقيمة النقص إذا كان عالماً بالحال.
وجزم القاضي بالرجوع عليه مع قوله: إن القسمة إفراز.
(ابن رجب 3/ 429) .
8 - ثبوت الخيار فيها، وفيه طريقان، أحدهما: ينبني على الخلاف.
فإن قلنا: إفراز، لم يثبت فيها خيار، وإن قلنا: بيع، ثبت، وقيل: يختص الخلاف بخيار المجلس، فأما خيار الشرط فلا يثبت على الوجهين، والثاني: يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشرط على الوجهين جميعاً؛ لأن ذلك جعل للارتياء فيما فيه الحظ، وهذا المعنى موجود في القسمة.
(ابن رجب 3/ 429) .
9 - ثبوت الشفعة جمها، وفيه طريقان، أحدهما: بناؤه على الخلاف، فإن قلنا: إفراز، لم تثبت، وإدط قلنا: بيع، ثبتت.
والثاني: لا يوجب الشفعة على الوجهين؛ لأنه لو ثبتت لأحدهما على الآخر، لثبتت للآخر عليه فيتنافيان، ومنها قسمة المتشاركين في الهدي والأضاحي اللحم، فإن قلنا إفراز، جازت.
وإن قلنا: بيع لم تجز، وهذا الظاهر.
(ابن رجب 3/ 433) .
(2/1038)

10 - لو حلف ألا يبيع فقاسم، فإن قلنا: القسمة بيع، حنث، وإلا فلا، وقد يقال: الأيمان محمولة على العرف، ولا تسمى القسمة بيعاً في العرف، فلا يحنث بها، ولا بالحوالة، ولا بالإقالة.
وإن قيل: إنها بيوع وسبق مثل ذلك في الإقالة.
(ابن رجب 3/ 433) .
11 - لو اقتسم الورثة التركة، ثم ظهر على الميت دين أو وصية، فإن قلنا: هي إفراز، فالقسمة باقية على الصحة، وإن قلنا: بيع، فوجهان بناء على الخلاف في بيع التركة المستغرقة بالدين، وقد سبق.
(ابن رجب 3/ 434) .
12 - لو ظهر في القسمة كبن فاحش، فإن قلنا: هي إفراز، لم يصح لتبين فساد الإفراز، وإن قلنا: بيع، صحت وثبت فيها خيار الغبن في البيع.
(ابن رجب 3/ 434) .
13 - لو اقتسما داراً نصفين، ثم ظهر بعضها مستحقاً، فإن قلنا: القسمة إفراز، انتقضت القسمة لفساد الإفراز.
وإن قلنا: بيع، لم تنتقض، ورجع على شريكه بقدر
حقه في المستحق إذا قلنا بذلك في تفريق الصفقة، كما لو اشترى داراً فبان بعضها مستحقاً.
وقال المجد: إن كان المستحق معيناً وهو في الحصتين فالقسمة بحالها، ولم
يحكِ خلافاً.
(ابن رجب 3/ 434) .
14 - إذا مات رجل وزوجته حامل، وقلنا: لها السكنى، فأراد الورثة قسمة المسكن قبل انقضاء العدة من غير إضرار بها بأن يعلموا الحدود بخط أو نحوه من غير نقص ولا بناء، فيجوز ذلك، مع أنه لا يجوز بيع المسكن في هذه الحال، لجهالة مدة الحمل المستثناة فيه حكماً، وهذا يدل على أن مثل هذا يغتفر في القسمة على الوجهين، ويحتمل أن يقال: متى قلنا:
القسمة بيع، وإن بيع هذا المسكن لا يصح، لم تصح القسمة.
(ابن رجب 3/ 436) .
(2/1039)

15 - قسمة الدين في ذمم الغرماء، فإن قلنا: إن القسمة إفراز، صحت، وإن قلنا: بيع، لم تصح.
(ابن رجب 3/ 437) .
16 - قبض أحد الشريكين نصيبه من المال المشترك المثلي مع غيبة الآخر، أو امتناعه من الإذن وبدون إذن الحاكم.
فإن قلنا: القسمة إفراز، فوجهان.
وإن قلنا: هي بيع، لم يجز وجهاً واحداً.
فأما غير المثلي فلا يقسم إلا مع الشريك، أو مع من
يقوم مقامه، كالوصي والولي والحاكم.
(ابن رجب 3/ 441) .
17 - لو اقتسما داراً، فحصل الطريق في نصيب أحدهما، ولم يكن للآخر منفذ يتطرق منه، فتبطل القسمة، وفي وجه آخر: تصح، ويشتركان في الطريق، من نص أحمد على اشتراكهما في مسيل الماء.
ويتوجه أن يقال: إن قلنا: القسمة إفراز، بطلت.
وإن قلنا: بيع، صحت ولزم الشريك تمكينه من الاستطراق، بناء على
القول: إذا باعه بيتاً من وسط داره ولم يذكر طريقاً صح البيع، واستتبع طريقه، ولو اشترط عليه الاستطراق في القسمة، صح.
(ابن رجب 3/ 441) .
18 - لو حلف لا يكل مما اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعاماً مشاعاً.
وقلنا: يحنث بالأكل منه، فتقاعاه، ثم أكل الحالف من نصيب عمرو، فلا يحنث؛ لأن القسمة إفراز لا بيع.
وإن قلنا: بيع: يحنث، وقال القاضي: قياس المذهب أنه
يحنث مطلقاً، لأن القسمة لا تخرجه عن أن يكون زيدٌ اشتراه، ويحنث قطعاً بأكل ما اشتراه زيد، ولو انتقل الملك عنه إلى غيره، ويحتمل ألا يحنث ها هنا، وعليه يتخرج أنه لا يحنث إذا قلنا: القسمة بيع.
(ابن رجب 3/ 442) .
(2/1040)

القاعدة: [297]
التصرفات للغير بدون إذنه، هل تقف على إجازته أم لا؟
التوضيح
يعبر عنها بتصرف الفضولي، وهو أن يبيع شخص مثلاً مال آخر بدون إذنه، وهو ستة أقسام، وفي كل قسم أحكام واختلاف، وهي:
القسم الأول: أن تدعو الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، ويتعذر
استئذانه، إما للجهل بعينه، أو لغيبته ومشقة انتظاره، فهذا التصرف مباح جائز موقوف على الإجازة، وهو في الأموال غير مختلف فيه في المذهب، وغير محتاج إلى إذن حاكم على الصحيح، وفي الأبضاع مختلف فيه، غير أن الصحيح من المذهب جوازه أيضاً، وفي افتقاره إلى الحاكم خلاف، فأما الأموال، فكالتصدق باللقطة التي لا تملك، وكالتصدق بالودائع والغصوب التي لا يُعرف ربها، أو انقطع خبره.
ويكون ذلك موقوفاً، فإن أجازه المالك وقع له أجره، وإلا ضمنه التصرف، وكأنه أجره له، صرح بذلك الصحابة رضي الله عنهم.
وأما الأبضاع، فتزويج امرأة المفقود إذا كانت غيبته ظاهرها الهلاك، فإن امرأته تتربص أربع سنين، ثم تعتد وتباح للأزواج، وفي توقف ذلك على الحاكم روايتان.
واختلف في مأخذهما، فقيل: لأن أمارات موته ظاهرة، فهو كالميت حكماً، وقيل: بل لأن انتظاره يعظم به الضرر على زوجته، فيباح لها فسخ نكاحه، كما لو ضارها بالغيبة وامتنع من القدوم مع المراسلة.
(2/1041)

وعلى هذين المأخذين ينبني أن الفرقة هل تنفذ ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط؛ وينبني الاختلاف في طلاق الولي لها، وله مأخذ ثالث، وهو الأظهر، وهو أن الحاجة دعت هنا إلى التصرف في حقه من بضع الزوجة بالفسخ عليه، فيصح الفسخ وتزوجها بغيره ابتداءَ للحاجة، فإن لم يظهر، فالأمر على ما هو عليه، وإن ظهر كان ذلك موقوفاً على إجازته، فإذا قدم، فإن شاء أمضاه وإن شاء رده.
القسم الثاني: ألا تدعو الحاجة إلى هذا التصرف ابتداء، بل إلى صحته وتنفيذه، بأن تطول مدة التصرف، وتكثر، ويتعذر استرداد أعيان أمواله، فللأصحاب فيه طريقان، أشهرهما: إنه على الخلاف الآتي ذكره.
والثاني: إنه ينفذ ها هنا بدون إجازة، دفعاً للضرر بتفويت الربح، وضرر المشترين بتحريم ما قبضوه بهذه العقود.
القسم الثالث: ألا تدعو الحاجة إلى ذلك ابتداء ولا دواماً، فهذا القسم في بطلان التصرف فيه من أصله، ووقوفه على إجازة المالك وتنفيذه، روايتان معروفتان.
واعلم أن لتصرف الشخص في مال غيره حالتين:
إحداهما: أن يتصرف فيه لمالكه، فهذا محل الخلاف الذي ذكرناه، وهو ثابت في التصرف في ماله بالبيع والإجارة ونحوهما.
وأما في النكاح فللأصحاب فيه طريقان، أحدهما: إجراؤه على
الخلاف، وهو ما قاله الأكثرون.
والثاني: الجزم ببطلانه قولاً واحداً.
ونص أحمد على التفريق بينهما، فعلى هذا لو زوِّج المرأة أجنبي، ثم أجازه الولي، لم ينفذ بغير خلاف، كما لو زوجت نفسها، نعم لو زوِّج غير الأب من الأولياء الصغيرة بدون إذنها، أو زوج الولي الكبيرة بغير إذنها، فهل يبطل من أصله، أو يقف على إجازتها؛ على روايتين.
الحالة الثانية: أن يتصرف فيه لنفسه، وهو الغاصب، ومن يتملك مال غيره
لنفسه، فيجيزه له المالك، فأما الغاصب ففي قول أن جميع تصرفاته الحكمية فيها روايتان، إحداهما: البطلان، والثانية: الصحة، وسواء في ذلك العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والحج والعقود كالبيع والإجارة والنكاح.
وفي قول: إطلاق الخلاف غير مقيد بالوقف على الإجازة.
وفي قول: مقيد بها، فإن أريد بالصحة من غير وقف على الإجازة وقوع التصرف عن المالك وإفادة ذلك للملك له، فهو الطريق
(2/1042)

الثانية في القسم الثاني الذي سبق ذكره، وإن أريد الوقوع للغاصب من غير إجازة، ففاسد قطعاً إلا في صورة شرائه في الذمة إذا فقد الماء من المغصوب، فإن الملك يثبت له فيها، ولا ينافي ذلك قولنا: إن الربح للمالك؛ لأنه فائدة ماله وثمرته، فيختص به، وإن كان أصل الملك لغيره.
تطبيقات
1 - من فروع ذلك في العبادات المالية: لو أخرج الزكاة عن ماله من مال حرام، فالمشهور أنه يقع باطلاً، وحكي عن أحمد أنه إن أجازه المالك، أجزأته، وإلا فلا.
(ابن رجب 3/ 447) .
2 - لو تصدق الغاصب بالمال، فإنه لا تقع الصدقة له ولا يثاب عليه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول ".
ولا يثاب المالك على ذلك أيضاً لعدم تسببه إليه.
ومن الناس من قال: يثاب المالك عليه، ورجحه بعض المشايخ، لأن هذا البر تولد من مال اكتسبه، فيؤجر عليه وإن لم يقصده، كما
يؤجر على المصائب التي تولد له خيراً، وعلى عمل ولده الصالح، وعلى ما ينتفع به الناس والدواب من زروعه وثماره.
(ابن رجب 3/ 449) .
3 - لو غصب شاة فذبحها لمتعته أو قرانه بالحج مثلاً، فإنه لا يجزئه، صرح به الأصحاب، ونص عليه أحمد، لأن أصل الذبح لم يقع قربة من الابتداء، فلا ينقلب قربة بعده، كما لو ذبحها للحمها ثم نوى بها المتعة.
وفي رواية بوقفه على إجازة المالك، ونص أحمد على الفرق بين أن يعلم أنها لغيره فلا تجزئه، وبين أن يظنها لنفسه
(2/1043)

فتجزئه في رواية، وسوى كثير من الأصحاب بينهما، ولا يصح.
(ابن رجب 3/450)
القسم الرابع: التصرف للفير في الذمة دون المال بغير ولاية عليه، فإن كان بعقد نكاح ففيه الخلاف السابق، وإن كان ببيع ونحوه مثل أن يشتري له في ذمته، فطريقان، أحدهما: إنه على الخلاف أيضاً، والثاني: الجزم بالصحة ها هنا قولاً واحداً، ثم إن أجازه المشترى له ملكه، وإلا لزم من اشتراه، وهو قول الأكثرين.
وفي قول: يصح بغير خلاف، لكن هل يلزم المشتري ابتداء أو بعد رد المشترى له؛ على روايتين.
واختلف الأصحاب: هل يفترق بين أن يسمى المشترى له في العقد أم لا؟
فمنهم من قال: لا فرق بينهما، ومن قال: إن سماه في العقد فهو كما لو اشترى له بعين ماله.
(ابن رجب 3/ 451) .
القسم الخاص: التصرف في مال الفير بإذنه على وجه تحصل فيه مخالفة الإذن، وهو نوعان:
النوع الأول: أن تحصل مخالفة الإذن على وجه يرضى به عادة، بأن يكون
التصرف الواقع أولى بالرضا به من المأذون به من المأذون فيه، فالصحيح أن يصح اعتباراً فيه بالإذن العرفي.
التطبيقات
1 - ما لو قال له: بعه بمئة، فباعه بمئتين، فإنه يصح، وكذا لو قال له؛ اشتره بمئة، فاشتراه بثمانين.
(ابن رجب 3/ 451) .
2 - لو قال له: بعه بمئة درهم نسيئة، فباعه بها نقداً، فإنه يصح.
(ابن رجب 3/ 453) .
3 - لو قال له: بعه بمئة درهم، فباعه بمئة دينار، فإنه يصح على الصحيح، وفيه وجه: لا يصح للمخالفة في جنس النقد.
(ابن رجب 3/ 453) .
4 - لو قال: بع هذه الثاة بدينار، فباعها بدينار وثوب، أو ابتاع شاة وثوباً
(2/1044)

بدينار، فإنه يصح، وهو المذهب، مع احتمال أنه يبطل في الثوب بحصته من الشاة، لأنه من غير الجنس.
(ابن رجب 3/ 453) .
5 - لو أمره أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى شاتين بالدينار، تساوي إحداهما أو كل واحدة منهما ديناراً، فإنه يصح لذلك، فإن باع إحداهما بدون إذنه، ففيه طريقان، أحدهما: إنه يخرج على تصرف الفضولي.
والثاني: إنه صحيح وجهاً واحداً، وهو المنصوص عن أحمد، لخبر عروة بن الجعد، ولأن ما فوق الشاة المأمور بها لم يتعين فصار موكولاً إلى نظره وما يراه.
(ابن رجب 3/ 454) .
النوع الثاني: أن يقع التصرف مخالفاً للإذن على وجه لا يرتضي به الآذن عادة، مثل مخالفة المضارب والوكيل في صفة العقد دون أصله، كان يبيع المضارب نسأَ على القول بمنعه منه، أو يبيع الوكيل بدون ثمن المثل، أو يشتري بأكثر منه، أو يبيع نسأ أو بغير نقد البلد، وكل ذلك سواء في الحكم، وللأصحاب ها هنا طرق:
أحدها: إنه يصح، ويكون المتصرف ضامناً؛ لأن التصرف مستند أصله إلى إذن صحيح، وإنما وقعت المخالفة في بعض أوصافه، فيصح العقد بأصل الإذن، ويضمن المخالف بمخالفته في صفته، مع تفصيل في بعض الحالات، وفي قول: إنه يبطل العقد مع مخالفة التسمية، لمخالفة صريح الأمر، بخلاف ما إذا لم يسمَّ، فإنه إنما خالف دلالة العرف، وفي قول فيه تفصيل.
الطريقة الثانية: إن في الجميع روايتين، إحداهما: الصحة والضمان.
والثانية: البطلان، ويكون تصرفه كتصرف الفضولي سواء.
الطريقة الثالثة: إن في البيع بدون ثمن المثل وغير نقد البلد إذا لم يقدر له الثمن، ولا عين النقد، روايتين، البطلان كتصرف الفضولي، والصحة، ولا يضمن الوكيل شيئاً، وهذه الطريقة بعيدة جداً لمخالفتها التطبيقات التالية، والتي تعتبر استثناءات لها.
(2/1045)

الاستثئاءات من الطريقة الثالثة
1 - المخالفة في المهر: لو أذنت المرأة لوليها أن يزوجها بمهر سمته، فزوجها بدونه، فإنه يصح ويضمن الزيادة، نص عليه أحمد، وفي رواية أخرى: إنه يسقط المسمى ويلزم الزوج مهر المثل، وكذا لو لم يُسم المهر، فإن الإطلاق ينصرف إلى مهر المثل.
ويستثنى من ذلك الأب خاصة، فإنه لا يلزم في عقده سوى المسمى، ولو لم تأذن فيه، أو طلبت تمام المهر، نص عليه أحمد.
(ابن رجب 3/ 460) .
2 - المخالفة في عوض الخلع: إذا خالف وكيل الزوجة بأكثر من مهر المثل، أو وكيل الزوج بدونه، ففيه ثلاثة أوجه، البطلان، والصحة، والبطلان بمخالفة وكيله، والصحة بمخالفة وكيلها، ومع الصحة يضمن الوكيل الزيادة والنقص.
وهذا الخلاف: من الأصحاب من أطلقه مع تقرير المهر وتركه، ومنهم من خصه بما إذا وقع التقدير، فأما مع الإطلاق فيصح الخلع وجهاً واحداً.
وفيه وجهان آخران:
أحدهما: يبطل المسمى ويرجع إلى مهر المثل، والثاني: يخير الزوج بين قبول العوض ناقصاً ولا شيء له غيره ويسقط حقه من الرجعة، وبين رده على المرأة ويثبت له الرجعة، وفي مخالفة وكيل الزوجة وجه آخر: إنه يلزمها أكثر الأمرين من المسمى ومهر المثل.
(ابن رجب 3/ 461) .
القسم السادس: التصرف للغير بمال المصرف، مثل أن يشتري بعين ماله لزيد سلعة، ففي قول يقع باطلاً رواية واحدة، ومن الأصحاب من خرجه على الخلاف في تصرف الفضولي، وهو أصح؛ لأن العقد يقف على الإجازة، وتعيين الثمن من ماله يكون إقراضاً للمشترى له، أو هبة له، فهو كمن أوجب لغيره عقداً في ماله، فقبله
الآخر بعد المجلس، ونص أحمد على صحة مثل ذلك في النكاح، والصحيح في توجيهها أنها من باب وقف العقود على الإجازة، فعلى هذا لا فرق بين عقد وعقد، فكل من أوجب عقداً لغائب عن المجلس، فبلغه، فقبله، فقد أجازه وأمضاه، ويصح على هذه الرواية.
وفي رواية أخرى: أنه لا يصح إلا في مجلس واحد.
(2/1046)

القاعدة: [298]
الصفقة الواحدة: هل تتفرق فيصح بعضها دون بعض أم لا.
فإذا بطل بعضها بطل الكل؟
التوضيح
الصفقة: هي العقد الذي يتضمن أمرين، أحدهما جائز وصحيح.
والثاني باطل وممنوع، وهنا يأتي تفريق حكم الصفقة حسب الأمرين، أم تبطل بكاملها.
وفيها روايتان، أشهرهما: أنها تتفرق، ويترتب على ذلك فروع.
التطبيقات
1 - أن يجمع العقد بين ما يجوز العقد عليه، وما لا يجوز بالكلية، إما مطلقاً، أو في تلك الحال، فيبطل العقد فيما لا يجوز عليه العقد بانفراده.
وهل يبطل في الباقي؟
على الروايتين، ولا فرق في ذلك بين عقود المعاوضات وغيرها، كالرهن والهبة والوقف، ولا بين ما يبطل بجهالة عوضه، كالبيع، وما لا يبطل كالنكاح.
وقيل: فيه تفصيلات واختلافات أخرى.
(ابن رجب 3/ 463) .
2 - أن يكون التحريم في بعض أفراد الصفقة ناشئاً من الجمع بينه وبين الآخر، فهنا حالتان:
إحداهما: أن يمتاز بعض الأفراد بمزية، فهل يصح العقد فيه بخصوصه، أم يبطل في الكل؛ فيه خلاف، والأظهر: صحة ذي المزية.
تقرير القواعد.
(ابن رجب 3/ 463) .
(2/1047)

التطبيقات لهذه الحالة
أ - إذا جمع في عقد بين نكاح أم وبنت، فهل يبطل فيهما، أم يصح في البنت لصحة ورود عقدها على عقد الأم من غير عكس، على وجهين.
(ابن رجب 3/ 463) .
ب - أن يتزوج حرّ خائف للعنت غير واجد للطّوَل حرّة تعفه بانفرادها وأمة في عقد واحد، وفيه وجهان، أحدهما: يصح نكاح الحرة وحدها؛ لأن الحرة تمتاز على الأمة بصحة ورود نكاحها عليها فاختصت به.
والثاني: يصح فيهما معأ؛ لأن له في هذه الحال قبول نكاح كل واحدة منهما على الانفراد، فيصح الجمع بينهما، كما لو
تزوج أمة ثم حرّة، والأول: أصح؛ لأن قدرته على نكاح الحرة تمنعه من نكاح الأمة، فمقارنة نكاح الحرة أولى بالمنع.
(ابن رجب 3/ 467) .
الحالة الثانية: ألا يمتاز بعض الأفراد عن بعض بمزية، فالمشهور البطلان في
الكل، إذ ليس بعضها بأولى من بعض بالصحة، مثل أن يتزوج أختين في عقد، أو خمساً في عقد، فالمذهب البطلان في الكل.
وفي رواية عن أحمد: إذا تزوج أختين في عقد يختار إحداهما.
وتأولها القاضي على أنه يختار بعقد مستأنف، وهو بعيد، وخرج
القاضي على الرواية الثانية فيما إذا زوج الوليان من رجلين ووقعا معاً، إنه يقرع بينهما، فمن قرع فهي زوجته.
(ابن رجب 3/ 469) .
3 - أن تجمع الصفقة شيئين يصح العقد فيهما، ثم يبطل العقد في أحدهما قبل
استقراره، فإنه يختص بالبطلان دون الآخر، رواية واحدة؛ لأن التفريق وقع هنا دواماً لا ابتداء، والدوام أسهل من الابتداء، لكن حكي فيما إذا تفرق المتصارفان عن قبض الصرف، أنه يبطل العقد فيما لم يقبض، وفي الباقي روايتا تفريق الصفقة.
وهذا تفريق في الدوام، إلا أن يقال: القبض في الصرف شرط لانعقاد العقد، لا لدوامه، وأن العقد مراعى بوجوده، فيكون التفريق في الابتداء، غير أن القاضي حكى الخلاف في تفريق الصفقة في السلم والصرف مع تصريحه في المسألة بأن القبض شرط للدوام دون الانعقاد، وهذا يقتضي - ولا بد - تخريج الخلاف في تفريق الصفقة دواماً قبل استقرار العقد.
(2/1048)

وذكر بعضهم أن مال الزكاة إذا بيع ثم أعسر البائع بالزكاة، فللساعي الفسخ في قدرها، فإذا فسخ في قدرها، فهل ينفسخ في الباقي؛ يخرج على روايتي تفريق الصفقة.
وهذا تصريح بإجراء الخلاف في التفريق في الدوام، فإن الفسخ ها هنا بسبب سابق على العقد، فلا يستقر العقد معه.
وهذا في البيع ونحوه، وأما في الكاح، فإن طرأ ما يقتضي تحريم إحدى المرأتين
بعينها، برذة أو رضاع، اختصت بانفساخ النكاح وحدها بغير خلاف، وإن طرأ ما يقتضي تحريم الجمع بينهما، فإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى، بأن صارتا أختين بإرضاع امرأة واحدة لهما انفسخ نكاحهما، وإن كان لإحداهما مزية بأن صارتا أماً وبنتاً بالارتضاع، فروايتان، أصحهما يختص الانفساخ بالأم وحدها إذا لم يدخل بها، لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، فهو كمن أسلم على أم وبنت لم يدخل بهما.
فإنه يثبت نكاح البنت دون الأم.
(ابن رجب 3/ 470) .
(2/1049)

القاعدة: [299]
الماء الجاري، هل هو كالراكد.
أو كل جرية منه لها حكم الماء المنفرد؟
التوضيح
الماء الذي يجري كالنهر والساقية إذا وقعت فيه نجاسة، فما حكمه؛ هل يتنجس كله كالماء الراكد؛ أم يعتبر كل جرية أي كل دفعة منه بمثابة ماء جديد مستقل ومنفرد، فتتنجس الجرية التي وقعت فيها النجاسة، ويعدُّ ما قبلها، وما بعدها طاهراً؟
وهذا فيه خلاف في المذهب، فإن كانت كل جرية بحكم المنفرد، فإنه ينجس
بمجرد الملاقاة ما يحيط بالنجاسة فقط، وينجس بالتغير بلونه أو طعمه أو ريحه، وإذا كان الماء الجاري كالماء الراكد، فإن كان قليلاً أي أقل من قلتين، حوالي 254 كيلو غرامات أو ليترات) فإنه ينجس كله، وإن كان كثيراً، أي أكثر مت قلتين، فلا ينجس إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، وينبني على الخلاف مسائل وفروع.
التطبيقات
1 - لو وقعت في الماء الجاري نجاسة، فهل يعتبر مجموعه؟
فإن كان كثيراً لم ينجس بدون تغيير، وإلا نجس، أو تعتبر كل جرية بانفرادها، فإن بلغت قلتين لم تنجس،
(2/1050)

وإلا نجست؛ فيه روايتان، والراجح: أن الماء يعتبر شيئاً واحداً، والصحيح: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير.
(ابن رجب 1/5) .
2 - لو غمس الإناء النجس في ماء جار، ومرت عليه سبع جريات، فهل ذلك غسلة واحدة أو سبع غسلات؛ على وجهين، وظاهر كلام الأصحاب أن ذلك غسلة واحدة، وكلام أحمد يدل عليه، وكذلك لو كان ثوباً ونحوه، وعصره عقب كل جرية.
وصورته: لو كان مع رجل إناء نجس، وأراد أن يطهره بماء جار.
فإن قلنا: كل جرية غسلة منفردة، فمتى مرَّ عليه سبع جريات صار طاهراً؛ لأن كل جرية غسلة.
والجرية تباشر الشيء فإذا مرَّ عليه الماء سبع مرات طهر، وإذا قلنا: إن الجاري كالراكد، فلا بدَّ أن يخرج الإناء من الماء ثم يعيدها، ثم يخرجها ثم يعيدها، حتى تتم سبع مرات، كان كان ثوباً نجساً فلا بد على القول الثاني من إخراجه ثم عصره خارج الماء، وهذا كله مبني على أنه لا بد من سبع غسلات، والصحيح أنه لا يجب سبع غسلات إلا في سؤر الكلب.
(ابن رجب 1/6) .
3 - لو انغمس المحدث حدثاً أصغر في ماء جارٍ للوضوء، ومرت عليه أربع
جريات متوالية، فهل يرتفع بذلك حدثه أم لا؟
عل وجهين، أشهرهما عند
الأصحاب: أنه يرتفع حدثه، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنه لا يرتفع حدثه؛ لأنه لم يفرق بين الجاري والراكد، بل نص أحمد على التسوية بينهما، وأنه إذا انغمس في دجلة، فإنه لا يرتفع حدثه حتى يخرج حدثه مرتباً لكل عضو من أعضاء الوضوء.
(ابن رجب 3/ 8) .
(2/1051)

4 - لو حلف لا يقف في هذا الماء، وكان جارياً، لم يحنث عند أبي الخطاب
وغيره؛ لأن الجاري يتبدل ويستخلف شيئاً فشيئاً، فلا يتصور الوقوف فيه، وقياس المنصوص أنه يحنث، لا سيما والعرف يشهد له، والأيمان مرجعها إلى العرف.
(ابن رجب 3/9) .
(2/1052)

القاعدة: [300]
من قدر على بعض العبادة، وعجز عن باقيها.
هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها، أم لا؟
التوضيح
هذه القاعدة المختلف فسها عند الحنابلة تشبه القاعدة السابقة عند الشافعية "الميسور لا يسقط بالمعسور" وسبق بيانها، مع بعض الأمثلة، ونبين هذا الخلاف والتفصيل عند الحنابلة، وأن العبادة على أربعة أقسام، وهي:
القسم الأول: أن يكون المقدور عليه ليس مقصوداً في العادة، بل هو وسيلة
محضة إليها، كتحريك اللسان في القراءة، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق، والختان لمن ولد مختوناً، فهذا ليس بواجب، فيسقط، لأنه إنما وجب ضرورة للقراءة، وللحلق وللقطع، وقد سقط الأصل، فسقط ما هو من ضرورته.
القسم الثاني: ما وجب تبعاً لغيره، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان وجوبه احتياطاً للعبادة ليتحقق حصولها، كغسل المرفقين في
الوضوء، فإذا قطعت اليد من المرفق، فيجب غسل رأس المرفق على الأشهر، وفي قول: يستحب.
(2/1053)

الثاني: ما وجب تبعاً لغيره على وجه التكميل واللواحق، مثل رمي الجمار.
والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه، لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها.
(ابن رجب 1/ 44) .
ومن أمثلة ذلك المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على
بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له.
(ابن رجب 1/ 45) .
القسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفرإده، أو هو غير مأمور به لضرورة، فا لأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه، وعجز عن إتمامه، فلا يلزمه بغير خلاف.
والثاني كعتق بعض رقبة في الكفارة.
فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل.
(ابن رجب 1/ 45) .
القسم الرابع: ما هو جزء من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه، فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بلا خلاف، وفيه مسائل:
1 - العاجز عن القراءة يلزمه القيام في الصلاة؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضاً مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة، فالقدور لا يسقط بالمحسور.
(ابن رجب 1/ 48) .
2 - من عجز عن بعض الفاتحة، لزمه الإتيان بالباقي.
(ابن رجب 1/ 48) .
3 - من عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر منه؛ لأن تخفيف الجنابة مشروع، ولو بغسل بعض أعضاء الوضوء، كما يشرع الوضوء للجنب إذا أراد النوم أو الوطء أو الأكل، ويستباح بالوضوء اللبث للجنب في المسجد عندنا.
(ابن رجب 1/ 48) .
4 - الحدث إذا وجد بعض ما يكفي بعض أعضائه، ففي وجوب استعماله
وجهان، ففي وجه لا يجب استثناء من القاعدة، لأن الحدث الأصغر لا يتبعض رفعه، فلا يحصل به مقصود، أو أنه يتبعض لكنه يبطل بالإخلال بالموالاة فلا يبقى له
(2/1054)

فائدة، أو أن غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب، وفي وجه يجب وهو المذهب، كالجبيرة، تطبيقاً للقاعدة.
(ابن رجب 1/ 49) .
5 - إذا قدر على بعض صاع في صدقة الفطر، ففي رواية لا يجب، لأنه كفارة بالمال فلا يتبعض، كما لو قدر على التكفير بإطعام بعض المساكين، والصحيح الوجوب، ويفرق عن الكفارة أن الكفارة بالمال تسقط إلى بدل وهو الصوم بخلاف الفطرة، وأن الكفارة لا بد من تكميلها لأن المقصود بالتكفير بالمال حصول إحدى المصالح: وهي العتق أو الإطعام أو الكسوة، وبالتلفيق يفوت ذلك، وفي الفطرة لا تبرأ الذمة منها بدون إخراج الموجود.
(ابن رجب 1/ 50) .
(2/1055)

القاعدة: [301]
العين المنغمرة في غيرها، إذا لم يظهر أثرها.
فهل هي كالعدومة حكمًا، أو لا؟
التوضيح
إذا وقعت عين في سائل آخر، ولم يظهر أش ها في تغيير اللون أو الطعم أو
الرائحة، فاختلف العلماء في حكمها، هل هي كالمعدومة فلا تؤثر فيه، أم تغير حكمه؟
التطبيقات
1 - الماء إذا استهلكت فيه النجاسة، فإن كان كثيراً، سقط حكمها بغير خلاف، وإن كان يسيراً نفيه رواية بسقوط حكمها؛ لأن الماء أحالها؛ لأن له قوة الإحالة فلا يبقى لها وجود، بل الموجود غيرها، فهو عين طاهرة، وفي رواية أن النجاسة موجودة وينجس الماء.
(ابن رجب 1/ 172) .
2 - اللبن المشوب بالماء المنغمر فيه، ففي وجه يثبت به حكم تحريم الرضاع، وإنما يحرَّم إذا شرب الماء كله، ولو في دفعات، ويكون رضعة واحدة، وفي وجه لا يثبت به تحريم الرضاع، واختاره صاحب (المغني) وقال: إن هذا ليس برضاع، ولا في معناه.
(ابن رجب 1/ 173) .
(2/1056)

3 - لو خلط خمراً بماء، واستهلك فيه، ثم شربه، لم يحد، هذا هو المشهور، وسواء قيل بنجاسة الماء أو لا، وفي وجه عليه الحذ سراء استهلك أو لم يستهلك.
(ابن رجب 1/ 173) .
4 - لو خلط زيته بزيت غيره على وجه لا يتميز، ففي وجه أنه استهلاك ويجب لصاحبه عوضه، وفي وجه أنه اشتراك بينهما، وهو المنصوص.
(ابن رجب 1/ 175) .
5 - لو وصى له برطل من زيت معين، ثم خلطه بزيت آخر، ففيه الوجهان
السابقان، فإن كان استهلاكاً بطلت الوصية، وإن كان اشتراكاً لم تبطل الوصية.
(ابن رجب 1/ 177) .
6 - لو حلف: لا يأكل شيئاً، فاستهلك في غيره، ثم أكله، فلا يحنث بلا خلاف؛ لأن مبنى الأيمان على العرف، ولم يقصد الامتناع عن مثل ذلك، وقد يخرج فيه وجه بالحنث.
(ابن رجب 1/ 177) .
7 - لو اشترى ثمرة، فلم يقبضها حتى اختلطت بغيرها، ولم تتميز، فهل ينفسخ البيع؛ فيه وجهان.
(ابن رجب 1/ 178) .
8 - لو حلف: ألا يأكل حنطة، فأكل شعيراً فيه حبات حنطة، ففي حنثه
وجهان، والراجح يحنث بلا خلاف، لأن الحب متميز لم يستهلك، بخلاف ما لو طحنت بما فيها فاستهلكت فإنه لا يحنث.
(ابن رجب 1/ 178) .
9 - لو اختلطت دراهمه بدراهم مغصوبة، فالمنصوص عن أحمد إن كانت الدراهم قليلة، كثلاثة فيها درهم حرام، وجب التوقف عنها حتى يعلم، وإن كانت كثيرة، كثلاثين فيها درهم حرام، فإنه يخرج منها درهماً ويتصرف في الباقي، وفي وجه يحرم الجميع.
(ابن رجب 1/ 178) .
10 - لو خلط الوديعة، وهي دراهم، بماله، ولم تتميز، فالمشهرر الضمان، لعدوانه حيث فوت تحصيلها، وفي رواية لا ضمان عليه؛ لأن النقود لا يتعلق الغرض باعيانها، بل بمقدارها.
(ابن رجب 1/ 180) .
(2/1057)

القاعدة: [302]
عقود الأمانات، هل تنفسخ بمجرد التعدي فيها، أم لا؟
التوضيح
إن عقود الأمانات المحضة، أو العقود التي تتضمن الأمانة، كالوديعة والوكالة
والشركة والمضاربة والرهن والإجارة والوصاية، تعتمد على الثقة بواضع اليد، وأن يده على مال غيره ستكون بمثابة يد المالك، ولذلك إذا تلفت العين تحت يده بدون تعدٍّ فإنه لا يضمن باتفاق، كأنها تلفت في يد مالكها، والمالك لا يضمن.
لكن إذا تجاوز الأمين ما هو مطلوب منه ومفروض عليه، وتعدى على مال الغير، فيصبح ضامناً بسبب التعدي، ولكن هل ينفسخ العقد بين الطرفين؟
في المسألة خلاف وتفصيل فإن كانت الأمانة محضة، فإنها تبطل بالتعدي لمنافاتها لمقصودها الأساسي، وإن كانت الأمانة متضمنة لأمر آخر فلا تبطل على الصحيح، وفي قول تبطل.
التطبيقات
الوديعة: إذا تعدى في الوديعة بطلت، ولم يجز له الإمساك، ووجب الرد على الفور؛ لأنها أمانة محضة، وقد زالت بالتعدي، فلا تعود بدون عقد متجدد، هذا هو المشهور وفي قول إذا زال التحدي وعاد إلى الحفظ لم تبطل.
(ابن رجب 1/ 323) .
2 - الوكالة: إذا تعدى الوكيل، فالمشهور أن وكالته لا تنفسخ، بل تزول أمانته
(2/1058)

ويصير ضامناً، فلو باع بدون ثمن المثل صح، وضمن النقص؛ لأن الوكالة إذن في التصرف مع ائتمان، فإذا زال أحدهما لم يزل الآخر، هذا هو المشهور.
وفي قول: إن المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة، لا بطلانها، فيفسد العقد، ويصير متصرفاً بمجرد الإذن، وفي وجه تبطل كالوديعة.
(ابن رجب 1/ 324) .
3 - الشركة والمضاربة: إذا تعدى فيهما، فالمعروف من المذهب أنه يصير ضامناً، ويصح تصرفه لبقاء الإذن فيه، وفي وجه تصرفه كالوكالة.
(ابن رجب 1/ 325) .
4 - الإجارة: إذا استأجره لحفظ شيء مدة، فحفظه في بعضها ثم ترك، ففيها وجهان، الأصح: لا تبطل الإجارة، بل يزول الاستئمان، ويصير ضامناً، وفي وجه؛ يبطل العقد، فلا يستحق شيئاً من الأجرة.
(ابن رجب 1/ 325) .
5 - الوصاية: إذا تعدى الوصي في التصرف، ففي بطلان الوصاية احتمالان.
أحدهما: لا تبطل، بل تزول أمانته، ويصير ضامناً كالوكيل.
والثاني: تبطل؛ لأنه خرج من حيز الأمانة بالتفريط، فزالت ولايته بانتفاء شرطها، كالحاكم إذا فسق.
(ابن رجب 1/ 326) .
(2/1059)

القاعدة: [303]
الواجب بالنذر، هل يلحق بالواجب بالشرع، أو بالمندوب؟
التوضيح
الواجب إما أن يجب بالشرع، وله أحكامه وآثاره، وإما أن يوجبه المكلف على نفسه بالنذر.
فإذا أوجب المكلف نفسه بشيء، فيختلف الحكم في آثار المنذور، هل يكون
كالواجب بالشرع، أم يعامل كالمندوب؛ فيه خلاف عند الحنابلة.
التطبيقات
1 - الأكل من أضحية النذر، فيه وجهان، والصحيح الجواز كالأضحية المندوبة التي يجوز له الأكل منها.
(ابن رجب 2/ 394) .
2 - فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي، فيه وجهان، أشهرهما الجواز.
(ابن رجب 2/ 394) .
3 - نذر الصيام أيام التشريق، فيه وجهان، والراجح المنع كنذر المعصية؛ لأن الالتزام بالنذر هو التطوع المطلق، وليس المعصية.
(ابن رجب 2/ 395) .
4 - لو نذر صلاة، فهل يجزئه ركعة كالوتر، أو لا بدَّ من ركعتين؛ على روايتين، والظاهر أنه يلزمه ركعتان، لأنه المتبادر للذهن.
(ابن رجب 3/ 395) .
(2/1060)

5 - لو نذر صوم شهر، فجنَ فيه، لم يلزمه قضاؤه على الأصح، وليس كذلك إذا جن جميع رمضان.
(ابن رجب 2/ 396) .
6 - لو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان، فقدم في أثناء النهار، وهو ممسك.
فصامه، أجزأه على الأصح كالمندوب، وفي رواية يلزمه قضاؤه.
(ابن رجب 2/ 396) .
(2/1061)

القاعدة: [304]
من خُيِّر بين شيئين، وأمكنه الإتيان بنصفيهما معًا.
فهل يجزئه، أم لا؟
التوضيح
خير الشرع في القرآن والسنة بين حكمين فأكثر، والمكلف يختار الفعل الأول، أو الثاني، كالخيار في كفارة اليمين بين إطعام عثرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فإن فعل نصف الأول ونصف الثاني، فهل يجزئه ذلك؟
فيه خلاف عند الحنابلة.
التطبيقات
1 - أعتق في الكفارة نصفي رقبتين، فيها وجهان، وقيل: إن كان باقيها حرًّا أجزأ وجهاً واحداً لتكميل الحرية به.
(ابن رجب 2/ 398) .
2 - لو أخرج في الزكاة نصفي شاتين، أو أهدى للحرم نصفي شاتين، فالراجح الجواز، لأن المقصود من الهدي اللحم، ولهذا أجزأ فيه شقص من بدنة.
(ابن رجب 2/ 398) .
3 - لو أخرج الجبران في زكاة الإبل شاة وعشرة دراهم، ففيه وجهان.
(ابن رجب 2/ 398) .
(2/1062)

4 - لو كفر بيمينه بإطعام خمسة مساكين، وكسوة خمسة مساكين، فإنه يجزئ على المشهور، وفيه وجه في زكاة الفطر.
(ابن رجب 2/ 398) .
5 - لو أخرج في الفطرة صاعاً من جنسين، فالمذهب الإجزاء.
(ابن رجب 2/ 398) .
6 - لو كفر في محظورات الحج بصيام يوم وإطعام أربعة مساكين، وذلك في فدية الأذى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) ، فالصيام ثلاثة أيام، والإطعام لستة مساكين، فالأظهر منعه.
(ابن رجب 2/ 399) .
المستثنى
لو أخرج عن أربع مئة من الإبل أربع حقاق، وخمس بنات لبون، جاز بغير
خلاف، لأنه عمل بمقتضى
"في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"
ففي مئتين أخرج الحقاق، وفي مئتين أخرج بنات لبون.
(ابن رجب 2/ 400) .
(2/1063)

القاعدة: [305]
الرضا بالمجهول قدرًا، أو جنسًا، أو وصفًا.
هل هو رضًا معتبر لازم؟
التوضيح
إذا رضي شخص، أو عزم على أمر مجهول، من ناحية القدر، أو الجنس، أو الوصف، وكان الالتزام بعقد أو فسخ، صح الإبهام بالنسبة إلى الأنواع، أو الأعيان التي ترد عليه، وصح الرضا به ولزم بغير خلاف، وإن كان غير ذلك ففيه خلاف.
التطبيقات
1 - أن يحرم بمثل ما أحرم به فلان، أو بأحد الأنساك، صح.
(ابن رجب 2/ 413) .
2 - إذا طلق إحدى زوجاته، صح، وتعين بالقرعة على المذهب.
(ابن رجب 2/ 413) .
3 - إذا أعتق أحد عيده، صح، ريعين بالقرعة على الصحيح.
(ابن رجب 2/ 413) .
4 - إذا طلق بلفظ أعجمي من لا يفهم معناه، والتزم موجبه عند أهله، ففي لزوم الطلاق وجهان، والمنصوص أنه لا يلزمه.
(ابن رجب 2/ 414) .
(2/1064)

5 - إذا قال لامرأته: أنت طالق مثل ما طلق فلان زوجته، ولم يعلم عدده، فهل يلزمه مثل طلاق فلان بكل حال، أو لا يلزمه أكثر من واحدة؟
فيه وجهان.
(ابن رجب 2/ 414) .
6 - البراءة من المجهول تصح مطلقاً في أشهر الروايات، سواء جهل المبرئ قدره أو وصفه، أو جهلهما معاً، وسواء عرفه المبرئ أو لم يعرفه.
(ابن رجب 2/ 416) .
7 - إجازة الوصية المجهولة، في صحتها وجهان.
(ابن رجب 2/ 417) .
8 - البراءة من عيوب المبيع إذا لم يعين منها شيء.
فيها وجهان، الأشهر لا يبرأ.
(ابن رجب 2/ 417) .
(2/1065)

الباب العاشر
القواعد المختلف فيها في فروع المذهب الحنفي
لم يذكر علماء الحنفية هذا العنوان للقواعد المختلف فيها بين علماء المذهب
الحنفي، ولم يتنبه لها العلامة ابن نجيم رحمه الله تعالى، ولكن ورد مضمونها في كتاب (تأسيس النظر) للإمام عبيد الله بن عمر الدَّبُّوسي الحنفي، وهو يتكلم على أصول مسائل الخلاف، وسر منشأ الخلاف، ومعرفة مأخذ أدلة الأئمة لاستنباط الأحكام، وعرضها بعنوان (الأصل) ولذلك أخرناها إلى الباب العاشر، وقسَّمها إلى ثمانية أقسام، خمسة منها لبيان الخلاف بين أئمة الحنفية، وثلاثة لبيان الخلاف بين الحنفية وسائر المذاهب.
(2/1067)

ونقتبس بعض هذه القواعد، بعنوان (الأصل) ، ونذكر بعض التطبيقات
الفقهية والفروع لها، وغالبها ضوابط كل منها في باب واحد من أبواب الفقه، كالصلاة، والحج، والطهارة وغيرها.
(2/1068)

القاعدة: [306]
الأصل أن ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخره
التوضيح
إن الفرض له أعمال كثيرة، وفي مقدمتها النية، ويكون العمل حسب النية، فإن تغيرت النية تغير العمل، فإن حصل تغيير النية في آخر العمل، فإنه يتغير عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه أبىِ يوسف ومحمد، مثل نية الإقامة للمسافر، واقتداء المسافر بالمقيم، وينبني على ذلك مسائل كثيرة.
التطبيقات
1 - المتيمم: إذا أبصر الماء في آخر صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم فاته تفسد صلاته عنده؛ لأنه لو حصلت الرؤية في أول الفرض غيره، فكذلك إذا حصلت فِى آخره، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 6) .
2 - العريان: إذا أصاب ثوباً، أو مقدار ما يستر عورته بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم، فسدت صلاته عند أبي حنيفة، كالمتيمم، وعندهما لا تفسد صلاته، لأنه يكون بحكم المنتهي.
(الدَّبُّوسي ص 6) .
3 - المرأة: إذا قامت بجنب الرجل في آخر صلاته أفسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 7) .
(2/1069)

4 - الخف: إذا انقضت مدة المسح على الخفين، أو سقط الخف من رجله ولو بغير فعله، بعدما قعد قدر التشهد، وقبل أن يسلم، فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 7) .
5 - العاجز: إذا قدر على الركوع والسجود بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم، فتفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 7) .
6 - المرأة: إذا حاضت بعدما قعدت قدر التشهد فسدت صلاتها عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 7) .
7 - من كان في صلاة الفجر، وطلعت عليه الشمس بعدما قعد قدر التشهد وقبل أن يسلم فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
(الدَّبُّوسي ص 7) .
(2/1070)

القاعدة: [307]
الأصل أن المحرم إذا أخر النسك عن الوفت المؤقت له
أو قدَّمه لزمه دم
التوضيح
إن كثيراً من مناسك الحج مؤقتة بوقت محدد، فإذا أخرها المحرم عن وقتها المحدد، أو قدَّمها لزمه دم عند أبي حنيفة، كمن جاوز الميقات بغير إحرام، ثم أحرم، وعند الصاحبين لا يلزمه دم، وفيه مسائل.
1 - إذا أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة؛ لأنه أخر النسك عن الوقت المؤقت له، وعندهما لا دم عليه.
(الدَّبُّوسي ص 8) .
2 - من ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر حتى يطلع الفجر من اليوم الثاني من أيام النحر، لزمه دم عند أبي حنيفة، وعندهما لا دم عليه.
(الدَّبُّوسي ص 8) .
3 - إذا أخر المحرم الحلق عن أيام النحر، لزم عليه دم عند أبي حنيفة، وعندهما لا دم عليه.
(الدَّبُّوسي ص 8) .
(2/1071)

4 - من أخر إراقة دم المتعة أو القران حتى مضت أيام النحر، لزمه دم لتأخيره عن وقت التقديم، لا التأخير، عند أبي حنيفة، وعندهما لا دم.
(الدَّبُّوسي ص 8) .
(2/1072)

القاعدة: [308]
الأصل أن الشيء إذا غلب عليه وجوده فيجعله كالموجود حقيقة
التوضيح
إن الأخذ بالغالب معهود بالشرع، فإذا كان الشيء يغلب وجوده في حالات
فيجعل كالموجود حقيقة عند أبي حنيفة، وإن لم يوجد، كالحدث من النائم المضجع؛ لأنه كلب وجوده، فجعل كالموجود وإن لم يوجد، وعندهما لا يعتبر موجوداً حتى يوجد حقيقة، ولذلك مسائل.
التطبيقات
1 - من صلى في السفينة، وهو يخاف على نفسه دوران رأسه جازت صلاته جالساً عند أي حنيفة لهذا المعنى؛ لأن الغالب من السفينة دوران الرأس، فجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد، وعندهما لا تجوز صلاته جالساً إلا إذا وجد فى وران الرأس.
(الدَّبُّوسي ص 9) .
2 - إن الغلام إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، ولم يؤنس منه الرشد، فإنه يدفع إليه ماله حتى يتصرف فيه عند أبي حنيفة، وعندهما لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد، لقوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) ..
(الدَّبُّوسي ص 9) .
(2/1073)

3 - إن الغلام إذا لم يحتلم يحكم ببلوغه، في ظاهر الرواية، إذا بلغ تسع عشرة سنة، وفي الجارية سبع عشرة سنة، لأن الغالب أن من كان من أهل الاحتلام احتلم إذا بلغ هذه المدة، فإذا لم يبلغ يجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد عند أبي حنيفة.
وفي رواية إذا بلغ ثماني عشرة سنة لهذه العلة والجارية سبع عشرة سنة، وعندهما ببلوغهما خمس عشرة سنة.
(الدَّبُّوسي ص 9) .
4 - إن الزوجين إذا ماتا، واختلف ورثتهما في بقاء المهر، فلا يقضى بشيء على ورثة الزوج عند أبي حنيفة، لأن الغالب أن المهر لا يبقى في ذمة الزوج إلى ما بعد موتهما، ولكن تحصل البراءة منه بوجه من الوجوه، فيجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد، وعندهما يقضى بمهر المثل.
(الدَّبُّوسي ص 9) .
5 - إذا باشر المتوضئ زوجته مباشرة فاحشة بانتشار، ولم يحصل منه شيء من البلل انتقض وضوءه؛ لأن الظاهر أن المرء إذا بلغ هذا المبلغ، ولم يكن بينهما حاجز، يخرج منه شيء، ويوجد منه وديّ، فيجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا ينقض حتى يوجد منه شيء.
(الدَّبُّوسي ص 9) .
6 - قدروا مدة للمفقود بمئة وعشرين سنة من وقت مولده عند أبي حنيفة؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعيش أكثر من هذا، فيجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد، وقدره أبو يوسف ومشايخ بلخ بمئة سنة.
(الدَّبُّوسي سنة 9) .
7 - قدروا مدة الآيسة بستين سنة، لأن الغالب أن المرأة إذا بلغت ستين سنة فإن العادة الشهرية تنتهي، فيجعل كالموجود حقيقة، وإن لم يوجد.
(الدَّبُّوسي سنة 10) .
(2/1074)

القاعدة: [309]
الأصل متى عرف ثبوت الشيء فهو على ذلك ما لم يتيقن خلافه
التوضيح
هذا الأصل عند أبي حنيفة كالقاعدة السابقة " اليقين لا يزول إلا بيقين "
فمتى عرف ثبوت الشيء عن طريق الإحالة والتيقن لأي معنى كان فهو على ذلك ما لم يتيقن خلافه، كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو على طهارته، وكمن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث ما لم يتيقن الطهارة وفيه مسائل كثيرة.
التطبيقات
1 - إن القول في بيان خروج وقت الظهر عند أبي حنيفة أنه لا يحكم بخروجه
ودخول وقت العصر ما لم يصر ظل كل شيء مثليه، لأنا عرفنا يقيناً كون الوقت مستحقاً للظهر، وشككنا في خروج وقته ودخول وقت العصر، فلا يحكم إلا بيقين، ولا يقين إلا بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه، وعندهما إذا صار ظل كل شيء مثله يحكم بخروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، وهو قول الشافعي للحديث الصحيح.
(الدَّبُّوسي سنة 10)
(2/1075)

2 - من طلق امرأته، وله منها أبن، وانقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، فحبلت من الثاني، ثم أرضعت صبياً، فالرضاع يحصل من الزوج الأول عند أبي حنيفة، لأنه عرف كون الابن من الزوج الأول من طريق الإحاطة واليقين، فلا نحكم بانقطاعه إلا بيقين مثله، ولا يقين هها إلا بعد ولادتها من الثاني، وعند أبي يوسف إذا ازداد اللبن من الحبل فهو من الثاني، ويحكم بانقطاعه من الأول، وإذا لم يزد اللبن فهو من الأول، وعند محمد يكون منهما جميعاً.
(الدَّبُّوسي سنة 10)
3 - من تزوج امرأة على ألف درهم أو ألفين، ومهر مثلها ألف وخمس مئة فلها مهر مثلها عند أبي حنيفة؛ لأن العقد يوجب مهر المثل من طريق الإحاطة واليقين، فلا يحط عنه إلا بيقين مثله، ولا يقين هنا؛ لأن كلمة (أو) للشك أو للتخيير ممن له الخيار وهو مجهول، وعند أبي يوسف: الخيار إلى الزوج يعطيها أي المالين شاء.
4 - إذا قال لامرأته: أنت طالق إذا لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك فأنت طالق، ولم يكن له نية، فيقع الطلاق عند أبي حنيفة في آخر جزء من أجزاء الحياة بلا فصل؛ لأن كلامه يحتمل أن يكون عبارة عن الوقت احتمالاً على السواء، وقد تيقنا بقاء ملكه عليها من طريق الإحاطة واليقين، ووقع الشك في زوال اللك في الحال، فلا يحكم بزواله إلا بيقين مثله، ولا يقين في زوال اللك، فيقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء
حياته يقيناً، وعندهما "إذا" للوقت فيقع الطلاق للحال، كما إذا قال: أنت طالق متى لم أطلقك، ومتى ما لم أطلقك.
(الدَّبُّوسي سنة 11)
5 - إذا قال: لفلان عينَ من درهم إلى عشرة دراهم، فلا يلزمه إلا تسعة عند أبي حنيفة؛ لأنا تيقنا كون العاشر مملوكاً له، وشككنا في الزوال، وعندهما يلزمه عشرة دراهم، وتدخل الغايتان جميعاً عندهما.
(الدَّبُّوسي ص 12) .
6 - إن العصير إذا غلى أدق غليان، ولم يقذف بالزبد، فإنه يحل شربه عند أبي حنيفة؛
(2/1076)

لأنا تيقنا كونه حلالاً، ولا يترك اليقين بالشك، وعندهما لا يحل شربه.
(الدَّبُّوسي ص 13) .
7 - إن الخمر إذا دخلها حموضة لا يحل شربها عند أبي حنيفة، لأنا تيقنا كونها حراماً، وشككنا في ثبوت الحل، فلا يترك اليقين بالشك، وعندهما يحل شربها، لأن الحموضة دليل أنها صارت خلاً.
(الدَّبُّوسي ص 13) .
(2/1077)

القاعدة: [310]
الأصل أن العقد إذا دخله فساد قوي مجمع عليه
أوجب فسادَه شاع في الكل
التوضيح
يتضمن العقد الصحيح أركاناً وشروطاً، وقد يطرأ فساد على أحد شروطه، فإن كان قوياً متفقاً عليه وأنه يوجب فساد العقد، فإن الفساد يشيع في الكل عند أبي حنيفة، كما لو باع سيارتين في صفقة واحدة بألف درهم، ثم ظهر أن إحدى السيارتين تالفة، فسد العقد كله لهذا المعنى، وعند صاحبيه يجوز في حصة السيارة، وفيه مسائل، وهذا يشبه تفريق الصفقة التي سبق بيانها عند الشافعية، وأن الأصح فيها التفريق كالصاحبين.
التطبيقات
1 - إذا أسلم الرجل حنطة في شعير وزيت لم يجز عند أبي حنيفة هذا السلم في الكل؛ لأن فساد سلم الحنطة في الشعير قوي مجمع عليه، فثاع في الكل، وعندهما يجوز في حصة الزيت.
(الدَّبُّوسي ص 16) .
2 - إذا اشترى الرجل حلياً فيه جواهر يمكن امتيازه من غير ضررِ بدينار نسيئة، فالعقد فاسد في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما جاز في حصة الجوهر.
(الدَّبُّوسي ص 16) .
(2/1078)

3 - خرج الفقهاء على قول أبي حنيفة: فيمن باع درهماً على أن يأخذ بنصفه فلوساً وبنصفه نصفاً إلا حبة، فسد الكل عند أبي حنيفة في الكل، وعندهما جائز في حصة الفلوس.
(الدَّبُّوسي ص 16) .
4 - إذا اشترى خاتماً، وفيه فص من جوهر يمتاز من غير ضرر بدينارِ نقد ونسيئة، فالعقد فاسد في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما جائز في حصة الجوهر.
(الدَّبُّوسي ص 17) .
5 - لو باع شاتين مسلوختين، إحداهما متروك التسمية عمداً، فسمى لكل واحد منهما ثمناً، فسد العقد في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما يصح في الحصة التي سمى عليها، ولا يجوز في حصة الآخر.
(الدَّبُّوسي ص 17) .
6 - إذا اشترى عشرة أقفزة من الحنطة، وعشر من الغنم، كل قفيز وكل شاة بعشرة، فوجد الغنم تسعاً، لم يجز البيع في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في تسعة أقفزة وتسع من الغنم.
(الدَّبُّوسي ص 17) .
7 - إذا باع الرجل من الرجل داراً بفنائها، لم يجز البيع في الكل عند أبي حنيفة، لأنه فسد في حصة الفناء، فشاع في الكل، وعندهما جائز في الدار.
(الدَّبُّوسي ص 17) .
8 - إذا دفع الرجل أرضاً إلى رجلين مزارعةً على أن الخارج بين رب الأرض
وبينهما أثلاثاً، وعلى أن لأحد العاملين على رب الأرض مئة درهم، فعلى قياس قول أبي حنيفة لا يجوز، وعندهما جائزة بينه وبين الذي لم يشترط له الدارهم.
(الدَّبُّوسي ص 18) .
المستثنى
لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثاً على ألف درهم، وهي في عدة منه في تطليقة رجعية، فإنه يقع تطليقتان عند أبي حنيفة، لأنها أضافت الألف إلى ما يقبل البدل وإلى ما لا يقبل البدل، فالعبرة لما يقبل البدل.
(الدَّبُّوسي ص 18) .
(2/1079)

القاعدة: [311]
الأصل أن من جمع في كلامه بين ما يتعلق به الحكم.
وما لا يتعلق به الحكم، فلا عبرة لما لا يتعلق به الحكم
التوضيح
هذه القاعدة تجمع بين أمرين، وهي كحالة تفريق الصفقتين، لكن الحكم فيها
كالاستثناء من القاعدة السابقة، فيعطى الكل لما يتعلق به الحكم، عند أبي حنيفة.
والعبرة لما يتعلق به الحكم، وما لا يتعلق به الحكم فكأنه لم يذكر في الكلام، وعندهما يفرق الكلام على الأمرين ويوزع الحكم على القسمين، فيصح في جانب ويبطل في جانب، وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا قال لفلان عليَّ ألف درهم ولهذا الحائط، لزمه الألف كلها عند أبي
حنيفة؛ لأن الكلام لم يتناول الحائط، وعندهما يلزمه النصف.
(الدَّبُّوسي ص 18) .
2 - لو أوصى بثلث ماله لحي وميت، فالثلث كلُّه للحي عنده، وتابعه محمد، سواء علم بموته أو لم يعلم، وقال أبو يوسف: إن علم بموته فكذلك، وإن لم يعلم فله نصف الثلث.
(الدَّبُّوسي ص 18) .
(2/1080)

3 - إذا قال لفلان في كثر حنطة وكثر شعير، إلا كر حنطة وقفيز شعير لم يصح استئناؤه في قفيز الشعير عنده، لأنه لم يتعلق بقوله إلا كرّ حنطة، فصار بمنزلة السكتة، وعندهما يصح استئناؤه في قفيز الشعير.
(الدَّبُّوسي ص 19) .
4 - إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، أو واحدة إن شاء الله، لا يصح
استئناؤه، اويقع الطلاق عند أبي حنيفة، وعندهما لا يقع.
(الدَّبُّوسي ص 19) .
(2/1081)

القاعدة: [312]
الأصل أن ما يعتقده أهل الذمة ويدينون عليه يتركون عليه.
وعندهما لا يتركون
التوضيح
أمر الله ترك أهل الذمة على عقيدتهم، وعلى الأمور التي يتدينون عليها، فالأصل أن يتركوا كذلك عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين لا يتركون في غير أمور العقيدة على ما يدينون عليه إذا كان مخالفاً للشريعة الإسلامية.
التطبيقات
1 - إذا تزوج الذمي امرأة ذمية في عدة زوج ذمي فيتركان عند أبي حنيفة، وعندهما يفرق بينهما.
(الدَّبُّوسي ص 19) .
2 - إذا تزوج الذمي ذات رحم مَحْرَم منه، فلا يفرق بينهما ما لم يترافعا إلى حاكم المسلمين عند أبي حنيفة، وعندهما إذا رفع أحدهما يفرق.
(الدَّبُّوسي ص 19) .
3 - إذا تزوج المجوسي أمه ودخل بها ثم أسلم وقذفه إنسان بالزنا يحدُّ قاذفه عند أبي حنيفة، لأنهما عنده كانا يقران على ذلك، فلم يكن الدخول بها زناً، فيحد قاذفه، وعندهما لا يحد.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
4 - إذا تزوج المجوسي ذات رحم محرم منه لزمته النفقة عنده؛ لأنهما يقران على
(2/1082)

ذلك، وعندهما لا نفقة عليه؛ لأنهما لا يقرإن على ذلك العقد.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
5 - إذا تزوج الذمي ذمية على أن لا مهر لها جاز العقد عند أبي حنيفة، ولا مهر لها، وإن أسلما، وعندهما يجب لها مهر مثلها إذا أسلما، وأن طلقها قبل الدخول وجب لها المتعة.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
(2/1083)

القاعدة: [313]
الأصل أن من أخبر بخبر، ولصدق خبره علامة، لا يقبل قوله إلا
ببيان تلك العلامة، فإنه يؤمر بإظهارها
التوضيح
إن الخبر يحتمل الصدق والكذب، ولذلك يحتاج إلى دليل أو دعم أو قرينة ترجح جانب الصدق لقبوله، فإذا كان الخبر يعتمد على علامة فلا يقبل إلا إذا بين صاحبه تلك العلامة، كمن ادعى على آخر شخه، فإنه يؤمر بإظهار تلك الشجة، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم.
ولكن اليمين على المدعى عليه"
وفي رواية "ولكن البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر"
ولذلك يحتاج البيان إلى دليل وحجة ليقبل.
وفي ذلك مسائل مختلف فيها بين الإمام وصاحبيه.
التطبيقات
1 - إن ولي الصغير أو الصغيرة إذا أخبر بنكاح سابق، لا يقبل قوله عند أبي حنيفة رحمه الله إلا بالبينة، لأن لصدق خبره علامة، وهي البينة، ولا يقبل قوله ما لم تثبت تلك العلامة، وعندهما يقبل قوله من غير بينة.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
(2/1084)

وكذلك وكيل الرجل، أو دليل المرأة، إذا أخبر بنكاح سابق، والموكِل منكر، لا يقبل قوله عد أبي حنيفة إلا ببينة، وعندهما يقبل.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
2 - إذا شهد شاهدان على رجل يشرب الخمر فلا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ما لم يوجد منه رائحة الخمر، لأن لصدق خبرهما علامة، وعند محمد تقبل بدون اشتراط وجود رائحة الخمر، ويحد.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
3 - إذا قال صاحب المال: دفعت الزكاة إلى مصدق غيرك، وكان في تلك السنة مصدق آخر غيره، لا يقبل قوله في رواية عند أبي حنيفة، حتى يأتي بالعلامة؛ لأنه إخبار، فيكون لصدق خبره علامة، وهي البراءة، وفي ظاهر الرواية يقبل قوله من غير براءة.
(الدَّبُّوسي ص 20) .
(2/1085)

القاعدة: [314]
الأصل أن سبب الإتلاف متى سبق ملك المالك فإنه لا يوجب
الضمان على المتلف لمن حدث الملك له
التوضيح
إن الإتلاف للضمان على المتلِف لتعويض المالك، فإن كان سبب الملك متأخراً، وسبب الضمان سابقاً له، فلا يضمن المتلِف لمن حدث الملك له لاحقاً عند أبي حنيفة، كمن تطع يد عبد، فباعه المالك، ثم ص ى الجرح إلى النفس في يد المشتري بسبب القطع السابق، فلا ضمان على الجاني لا للبائع، ولا للمشتري.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا اشترى رجلان ابن أحدهما فإنه يعتق على الأب، ولا يضمن الأب عند أبي حنيفة؛ لأن سبب الإتلاف سبق ملك المشترى فيه، وهي القرابة، وعندهما يضمن، وكذلك إذا وهب لهما ابن أحدهما، أو أوصي لهما بابن أحدهما، فيحتق ولا يضمن الأب عند أبي حنيفة، ويضمن عندهما.
(الدَّبُّوسي ص 21) .
2 - إذا باع رجل نصف عبده من أب العبد، فيعتق عليه، ولا ضمان على الأب عند أبي حنيفة؛ لأن سبب الضمان سبق ملك الأب فيه، وهي القرابة، وعندهما يضمن نصف قيمته إن كان موسراً.
(الدَّبُّوسي ص 21) .
(2/1086)

3 - إذا غصب رجلان ابن أحدهما، وغرما القيمة، فإنه يعتق، ولا ضمان على الأب عند أبي حنيفة، لأن سبب الإتلاف سبق ملك المالك فيه، وعندهما يضمن.
(الدَّبُّوسي ص 21) .
(2/1087)

القاعدة: [315]
الأصل أن الإذن المطلق إذا تعرَّى عن التهمة والخيانة لا يختص بالعرف
التوضيح
إذا كان الإذن بالتصرف مطلقاً؛ وغير مقيد بمقدار، أو بزمان، أو بمكان، فيبقى على إطلاقه عند أبي حنيفة، ولا يخصص بالعرف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما يخصص بالعرف.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - الوكيل وكالة مطلقة إذا باع بما عز وهان، وبأي ثمن كان، جاز عند أبي حنيفة؛ لأن الإذن مطلق، والتهمة منتفية، فلا يختص الثمن بالعرف، وعندهما يختص بأن يكون الثمن حسب العرف العتاد.
(الدَّبُّوسي ص 21) .
2 - المودع إذا سافر بالوديعة جاز له ذلك عند أبي حنيفة إذا كان الطريق آمناً، سواء كان للوديعة حمل ومؤنة أم لم يكن لها، وعندهما: إن لم يكن لها حمل ومؤنة له ذلك، وإن كان لها حمل ومؤنة لم يجز له ذلك.
(الدَّبُّوسي ص 21) .
(2/1088)

3 - إذا وكل الرجل وكيلاً لشراء جارية له، وحمى له جنساً، ولم يسم له ثمنها وصفتها، فاشترى عمياء، أو مقطوعة اليدين أو الرجلين بثمن يساوي ذلك، جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولو أنه اشترى جارية مقطوعة إحدى اليدين أو إحدى الرجلين جاز بالاتفاق.
(الدَّبُّوسي ص 22) .
4 - إذا وكل المطلوب بالقصاص وكيلاً بالصلح، ولم يسم له شيئاً، فصالح وزاد على الدية جاز الصلح على القليل أو الكثير عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا أن يكون النقص بمقدار يتغابن الناس بمثله.
(الدَّبُّوسي ص 22) .
وكذا لو وكل الطلوب بالقصاص وكيلاً بالصلح فصالح وزاد على الدية، فإن ضمن جاز، وإن لم يضمن لم يجز.
(الدَّبُّوسي ص 22) .
5 - إن الوكيل بالنكاح إذا زاد في مهر المرأة زبادة لا يتغابن الناس في مثلها جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا بما يتغابن الناس في مثلها، وكذا الوكيل بالخلع.
(الدَّبُّوسي ص 23) .
6 - إن الوكيل بالنكاح وكالة مطلقة إذا زوَّج من الموكِل امرأة لا تليق فيه، جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز.
(الدَّبُّوسي ص 23) .
7 - إذا أعار أحد المتفاوضين في شركة المفاوضة متاعاً لآخر ليرهنه، جاز عند أبي حنيفة عليهما، وعنده يجوز عليه خاصة.
(الدَّبُّوسي ص 23) .
8 - إذا كفل أحد المتفاوضين آخر، فتجوز كفالته على نفسه وعلى شريكه عند أبي حنيفة، وعندهما لا تجوز على شريكه.
(الدَّبُّوسي ص 23) .
(2/1089)

9 - وكل شخص وكيلاً بأن يؤاجر داره مطلقاً، فأجرها الوكيل لمدة عشر سنين أو أكثر، جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز.
(الدَّبُّوسي ص 23) .
10 - إذا باع الشريك المضارب، أو أحد شريكي العنان أو المفاوضة بمحاباة قليلة أو كثيرة جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز إلا بما يتغابن الناس في مثله، لكن إن اشترى بغبن فاحش لا يتغابن الناس في مثله فلا يجوز بالاتفاق، وكذا إذا باع الوصي أو الأب أو الجد أو القاضي مال اليتيم بأقل من قيمته، أو اشترى له بأكثر من قيمته مما لا يتغابن الناس بمثله لفحشه، فلا يجوز بالاتفاق.
(الدَّبُّوسي ص 24) .
11 - إذا اشترى الوصي مال اليتيم لنفسه بأكثر من قيمته، أو باع مال نفسه من الصبى بأقل من قيمته جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولو باع مال اليتيم من نفسه بمثل قيمته أو أقل لم يجز بالاتفاق.
(الدَّبُّوسي ص 24) .
(2/1090)

القاعدة: [316]
الأصل أن ما حصل مفعولاً بإذن الشرع كان كأنه حصل
مفعولاً بإذن من له الولاية من بني آدم
التوضيح
هذه القاعدة تشبه قاعدة "الجواز الشرعي ينافي الضمان" (م/ 91)
وسبق بيانها.
وقال بهذا الأصل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: يسقط الضمان بشرط السلامة، كما لو رمى الصيد فإنه مأذون فيه بشرط السلامة، حتى لو أصاب إنساناً فيضمن باتفاق.
وعلى ذلك مسائل.
التطبيقات
1 - إذا كسر سائر المعازف والملاهي فلا يضمن عندهما، لأنه حصل مفعولاً بإذن الشرع، فصار كأنه حصل مفعولاً لإذن من له الولاية عندهما.
وقال أبو حنيفة: إن إذن الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرط السلامة من غير أن يتلف مالاً، فإنه أتلفه ضمن.
(الدَّبُّوسي ص 25) .
2 - إذا علق الرجل من غير أهل المسجد قنديلاً فيه، أو بسط الحصير، فتولد منه الهلاك، لم يضمن عندهما؛ لأنه فعل بإذن الشارع.
وعند أبي حنيفة يضمن؛ لأن السلامة فيه شرط.
وكذا إذا قعد الرجل في المسجد غير منتظر للصلاة فعثر به إنسان
(2/1091)

فتلف، لم يضمن عندهما، لأن الشرع أذن فب الدخول في المسجد، وعند أبي حنيفة يضمن؛ لأن السلامة فيه شرط.
(الدَّبُّوسي ص 25) .
3 - إذا وجب القصاص على رجل في نفسه، فقطع الولي يد القاتل، ثم عفا عن القصاص، فلا يضمن أرش اليد عندهما؛ لأن الشارع أباح له إتلاف يده، فصار كأنه هو أباح نفسه، فقال: اقطع يدي فقطعها، ولو كان كذلك لا يضمن فكذا هنا.
وعند أبي حنيفة يضمن دية اليد إذا عفا عن القصاص.
(الدَّبُّوسي ص 26) .
4 - إذا وجب القصاص عل رجل في يده، أو في رجله، أو في عينه، فاستوفى القصاص منه من له الحق، فمات من ذلك القصاص، فلا يضمن القاطع عندهما، وتضمن عاقلة القاطع عنده، لأن حقه مقرر بشرط السلامة، بخلاف الإمام إذا قطع يد السارق فسرى إلى النفس، فلا ضمان عليه باتفاق، لأنه مكلف به، ولا يجوز للسارق أن يشترط السلامة عليه في العاقبة، وقال أبو حنيفة في حالة القصاص:
يجوز اشتراط السلامة في العاقبة؛ لأن من له الحق مخير في القطع.
وقال الصاحبان:
إن الشرع أذن له في القطع فصار كأنه هو الذي أذن له بنفسه أن يقطع يده.
(الدَّبُّوسي ص 26) .
5 - الملتقط إذا ترك الإشهاد، فهلكت اللقطة في يده، فلا يضمن عند أبي يوسف، لأنه أخذ بإذن الشرع، وعند أبي حنيفة ومحمد يضمن؛ لأن الشرع أذن له في الأخذ بشرط السلامة.
(الدَّبُّوسي ص 26) .
(2/1092)

القاعدة: [317]
الأصل إذا صحت التسمية لا يعتبر مقتضاها، وإذا لم تصح يعتبر
المقتضى
التوضيح
إن الأسماء لها دلالة صريحة، وقد تتضمن معاني في مقتضاها، وتفهم من
موجَباتها، فإن كانت تسمية الأشياء صريحة فلا يصح اعتبار المقتضى والموجَب، كالحقيقة الصريحة فلا يعمل المجاز، فإن لم تصح التسمية فيلجأ إلى المقتضى والموجَب عند أبي حنيفة.
وفيها مسائل.
التطبيقات
1 - إذا باع الرجل قطيعاً من الغنم، كل شاة منها بعشرة، ولم يسمِّ جماعتها، كعشرين أو مئة، فالعقد لا يصح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأن التسمية لم تصح، فاعتبر فيها المقتضى، وهو الجهالة.
ولو قال: اشتريت منك هذا الغنم، وهي مئة شاة، كل شاة بعشرة، وجملة الثمن ألف درهم، فإذا هي تسعرن شاة، فالبيع صحيح؛ لأن التسمية قد صحت، فلم يعتبر المقتضى، ولم يحكم بفساد العقد وإن كان فيه جهالة (الدَّبُّوسي ص 26) .
2 - لو أوصى رجل بثلث ماله لرجل، وبنصف ماله لرجل آخر، فإنهما يشتركان في الثلث، لأن تسمية النصف لم يصح عند أبي حنيفة، فصار كأنه أوصى بثلث ماله،
(2/1093)

وللآخر بألف درهم مرسلة، وثلث ماله ست مثة درهم، قسمت الست مئة بينهما أثلاثاً؛ لأن تسمية الألف في الظاهر صحيحة، فلم يعتبر المقتضى (الدَّبُّوسي ص 27) .
(2/1094)

القاعدة: [318]
الأصل أن تعتبر التهمة في الأحكام
التوضيح
قال الإمام أبو حنيفة: تعتبر التهمة في الأحكام، ويعتد بها، وتؤثر على
التصرفات، وإن كل من فعل فعلاً، وتمكنت التهمة في فعله حكم بفساد فعله، خلافاً للصاحبين.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا باع الوكيل بالبيع ممن لا يجوز شهادته له كأبويه، فلا يجوز بيعه عند أبي حنيفة، لأنه متهم في بيعه من أبيه وأمه وأولاده وزرجته، وعندهما يجوز، وكذلك الوكيل بالسلم إذا أسلم ممن لا تجوز شهادته له، لا يجوز عنده، ويجوز عندهما.
(الدَّبُّوسي ص 27) .
2 - إذا قال المريض لامرأته: قد كنت طلقتك في الصحة، وانقضت عدتك، فصدقته، ثم أوصى لها بوصية، أو أقر لها بدين، فإن لها عند أبي حنيفة الأقل من الميراث ومن الوصية أو من الإقرار؛ لأنه متهم في فعله، لجواز أنه لما عرف أنه لا يصيبها إلا الربع أو الثمن، احتال بهذه الحيلة حتى يصل لها أكثر من حقها.
وعندهما: الإقرار لها جائز، والوصية لها جائزة، كما جاز لسائر الأجنبيات.
وكذا إذا باع المريضى ماله من وارثه باضعاف قيمته لم يجز عند أبي حنيفة؛ لأنه
(2/1095)

متهم، لجواز أنه أراد إيثاره على سائر الورثة بعين من أعيان ماله.
وعندهما يجوز.
(الدَّبُّوسي ص 27) "
3 - إذا اشترى الرجل من أبيه، أو ممن لا تقبل شهادته له، يكره بيعه مرابحة من غير بيان عند أبي حنيفة، لأنه متهم بأن يجري بينه وبين هؤلاء من الحط والأغماض ما لا يجري بينه وبين غيرهم، وعندهما يجوز بيعه من غير البيان مرابحة.
(الدَّبُّوسي ص 28) .
4 - إذا باع الرجل شيئاً وسلم ولم يقبض الثمن، ثم اشتراه أبوه أو ابنه بأقل من الثمن الأول، فلا يجوز شراؤه عنده، لأنه حيلة للعينة، وعندهما يجوز (الدَّبُّوسي ص 28) .
5 - إذا أقرَّ لوارثه ولأجنبي بدين، فأنكر الأجنبى الشركة، وقال: ليس للوارث معي شركة، أو جحد الواؤرث الدين، وقال: ليس له عنده دين، فسد الإقرار في الكل عند أبي حنيفة وأيى يوسف، وعند محمد يجوز الإقرار في حق الأجنبي ولو جحد الوارث الشركة، ولو صذق الأجنبى لم يجز إقراره بالاتفاق.
(الدَّبُّوسي ص 28) .
6 - إذا شهد الوصي للوارث الكبير بدين على الميت لا تجوز شهادته، بخلاف ما لو شهد الأجنبى، عند أي حنيفة، وعندهما تقبل شهادة الوصي.
(الدَّبُّوسي ص 28) .
7 - إذا زوَّج غير الأب والجد الصغير أو الصغيرة، ثم أدركا، فلهما الخيار عند أبي حنيفة ومحمد، لأن العقد صدر ممن هو متهم في عقده، فثبت لهما الخيار.
وقال أبو يوسف: لا خيار لهما.
(الدَّبُّوسي ص 28) .
8 - إذا وضعت المرأة نفسها في كفء، وقصرت عن مهر مثلها، فللأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة؛ لأنها متهمة في حق حط المهر، فالحق ذلك هواناً وعاراً بالأولياء، فثبت لهم حق الاعتراض، وعند أبي يوسف لا اعتراض لهم، وعند محمد لا يتصور ذلك.
(الدَّبُّوسي ص 28) .
(2/1096)

9 - إذا قال الرجل لامرأته في صحته: إذا فعلت كلذا فأنت طالق، ولا بدَّ لها من ذلك الفعل، وفعلت ذلك في مرض الزوج، ثم مات الزوج من ذلك المرض، فإذن ترث عند أبي حنيفة، وتابعه أبو يوسف؛ لأنه قصد الإضرار بها حين علق الطلاق بفعل لا بدَّ لها منه، ودام على ذلك حتى مات فصار متهماً، وعند محمد لا ترث.
(الدَّبُّوسي ص 29) .
10 - إذا أقر المريض بدين لامرأته، ثم طلقها قبل الدخول بها، ثم تزوجها بعدما بانت منه، ثم مات من ذلك المرض.
فقال أبو يوسف: لا يجوز إقراره لها.
وقيل: إن قول أبي حنيفة مثل قوله؛ وإانما لم يجز هذا الإقرار لأنه لحقته تهمتان، لأنها كانت وارثة قبل الإقرار، ثم صارت وارثة قبل الموت، فلزمه وقت الموت، والحيلة فيما بينهما موهومة.
وعند محمد جاز إقراره لها.
(الدَّبُّوسي ص 29) .
11 - إذا كره الرجل على أن يقر بألف درهم، فقال المكرَه: له ولفلان الغائب في ألف درهم، وأنكر الغائب الشركة، لم يجز إقراره للغائب؛ لأنه متهم، لجواز احتياله بهذه الحيلة، ليكون المال بينهما نصفان.
وعند محمد جاز كما في الإقرار من غير إكراه.
(الدَّبُّوسي ص 29) .
12 - إذا وكل الرجل رجلاً يشتري له عبداً، بغير عينه، بألف درهم، فاشتراه وهو قائم في يده، وقال: اشتريته لك، وقال الموكِل: بل اشتريته لنفسك، والثمن غير منقود، فالقول قول الموكِل عند أبي حنيفة؛ لأنه متهم لجواز أنه اشتراه لنفسه، فلم ترض به نفسه، فأراد إلزامه على موكله، وعندهما: القول قول الوكيل.
(الدَّبُّوسي ص 29) .
(2/1097)

القاعدة: [319]
الأصل أن ملك المرتد يزول بنفس الردة زوالاً موقوفًا
التوضيح
إذا ارتد شخص عن الإسلام فيستحق القتل، وتزول أهليته عن أمواله، وقال أبو حنيفة: يزول ملكه بنفسى الردة زوالاً موقوفاً على عودته أو قتله، وعندهما لا يزول ملكه ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب، ويترتب عل الاختلاف نتائج.
وله مسائل.
التطبيقات
1 - إن المال المكتسَب في حال إسلامه يكون ميراثاً لورثته عند أبي حنيفة، لأنه بنفس الردة زالت أملاكه إلى ورثته، وهو مسلم، فحصل توريث المسلمين من المسلم، والمكتسَب في حال ردته يكون فيئاً؛ لأن الردة أزالت العصمة عن دمه، فكذلك العصمة عن ماله.
وعندهما: المالان جميعاً لورثته؛ لأن القاضي لم يقض
بلحوقه بدار الحرب، فلم يُزل ملكه عنه.
وعند الشافعي: المالان جميعاً لبيت المال.
(الدَّبُّوسي ص 30) .
2 - إذا قتل المرتد إنساناً خطأ، وله مال اكتسبه في حال إسلامه، ومال اكتسبه في حال ردته، فتجب الدية عند أبي حنيفة في المال الذي اكتسبه في حال إسلامه، في رواية الجامع الصغير، وفي الرواية الأخرى: تجب الدية في المال المكتسب في حال
(2/1098)

ردته؛ لأن الكسب الذي كان حاصلاً في حال إسلامه زال عنه بنفس الردة بنوع زوال، وعندهما يجب في المالين جميعاً؛ لأن حقه باق على ملكه، ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب.
(الدَّبُّوسي ص 30) .
3 - إن عقود المرتد موقوفة عند أبي حنيفة؛ لأنه زال ملكه بنفس الردة زوالاً موقوفاً فوقفت عقوده بحسب توقف ملكه، وعندهما لا تتوقف، لأن ملكه لم يزل، ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب.
(الدَّبُّوسي ص 31) .
(2/1099)

القاعدة: [320]
الأصل أن الحقوق إذا تعلقت بالذمة وجب استيفاؤها من العين.
فإذا ازدحمت في العين، وضاقت عن إيفائها، قسمت العين على
طريق العول، وإذا كانت الحقوق متعلقة بالعين قسمت بينهم
عن طريق المنازعة
التوضيح
إن الديون والحقوق تتعلق بالذمة، ولا تتعلق بالأعيان التي يملكها المدين، فإذا حكم القاضي مثلاً بالوفاء، فتتعلق بالعين، فإذا ازدحمت الديون في العين، بأن كانت الديون أكثر من قيمة العين، وضاقت العين على الإلفاء، فتقسم العين على طريق المحاصصة والعول بحسب نسبة الديون لبعضها، ولكن إذا تعلقت الحقوق بالعين.
وازدحمت فتقسم عن طريق المنازعة عند أبي حنيفة، وعندهما فيها تفصيل فإن كل عين تضايقت عن الحقوق نظر فيها، هما كان منها لو انفرد صاحبه لا يستحق العين كلها.
فإن العين تقسم عن طريق المنازعة كرأي الإمام، وما كان منها لو انفرد صاحبه استحق الكل، وإنما ينفصه انضمام غيره إليه فإنه يقسم عن طريق العول.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا كانت دار واحدة في يد رجل، ويدعي آخر كلها، ويدعي ثالث نصفها،
(2/1100)

وأقاما جميعاً البينة، فإنها تقسم بينهما عن طريق المنازعة عند أبي حنيفة، وتقسم أرباعاً؛ لأن النصف متنازع فيه فيقسم بينهما، والنصف الآخر غير متنازع عليه فيسلم لصاحب البينة الأولى، فيأخذ ثلاثة أرباع، وعندهما تقسم بينهما على طريق العول أثلاثاً.
(الدَّبُّوسي ص 34) .
2 - إذا أوصى رجل بسيف لرجل، وأوصى بنصف السيف لرجل آخر، والسيف يخرج من الثلث، فإنه يقسم بينهما أثلاثاً على طريق العول عند أبي حنيفة، وعندهما أرباعاً على طريق المنازعة.
(الدَّبُّوسي ص 35) .
3 - إذا اجتمعت الوصايا في المال، وكانت أكثر من الثلث، فأجازت الورثة، فإن المال يقسم على طريق العول عند أبي حنيفة، وعندهما على طريق المنازعة، مثل إذا أوصى الرجل لرجل بكل ماله، ولآخر بنصف ماله، فأجازت الورثة، قسم المال بينهما على طريق العول عند أبي حنيفة، وعندهما على طريق المنازعة.
(الدَّبُّوسي ص 35) .
(2/1101)

القاعدة: [321]
الأصل أن كل من لا يقدر بنفسه، فوسِع غيره، لا يكون وسعًا له
التوضيح
إن التكاليف الشرعية تكون بحسب قدرة الإنسان ووسعه، ولا يكلف بما لا يقدر عليه، أو أكثر من وسعه، فإن كان عاجزاً بنفسه، وقادراً بغيره، فلا يكلف به، ولا يكون وسعاً له عند أبي حنيفة، وعندهما إذا استطاع عن طريق غيره كلف به.
وفي ذلك مسائل.
التطبيقات
1 - إن المريض إذا لم يقدر عل أن يحول وجهه للقبلة بنفسه، وهناك من يحول وجهه إلى القبلة، فصلى ولم يحول وجهه إلى القبلة، جازت صلاته عند أبي حنيفة.
وعندهما لا تجوز، لأن وسع غيره يكون وسعاً له.
(الدَّبُّوسي ص 37) .
2 - إذا كان المريض على فراش كلس، وهناك فراش طاهر، وهناك من يحوله، فصلى على مكانه، جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز.
(الدَّبُّوسي ص 37) .
(2/1102)

3 - إذا كان المريض لا يقدر أن يتوضأ بنفسه، وهناك من يوضئه، وصلى في مكانه ولم يتوضأ جاز عنده، وعندهما لا يجوز، وكذا الأعمى إذا لم يقدر على السعي بنفسه إلى الجمعة، وهناك من يقوده، لا تكون الجمعة فرضاً عليه عند أبي حنيفة.
وعندهما الجمعة فرض عليه؛ لأن وسع غيره يكون وسعاً له.
(الدَّبُّوسي ص 37) .
(2/1103)

القاعدة: [322]
الأصل أن فساد أفعال الصلاة لا يوجب فساد حرمة الصلاة
التوضيح
إن الصلاة لها أفعال لتصح، فإذا فسدت أفعال الصلاة كالقراءة، فهذا لا يؤدي إلى فساد التحريم في الصلاة، فتبقى المباشرة صحيحة، ووجب القضاء كاملاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر تفسد الحرمة، ويقضى الأوليين فقط.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا قرأ المصلي في إحدى الركعتين الأوليين، وقرأ في إحدى الأخريين في التطوع، وجب عليه قضاء الأربع عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الأفعال وإن فسدت فالحرمة باقية فصحت المباشرة في الأخريين، فلما صحت المباشرة وجب عليه القضاء لما حصل من فساد، وعند محمد وزفر يجب عليه تضاء الركعتين الأوليين، ولا يجب عليه قضاء
الأخريين، لأن الحرمة قد فسدت بفساد الأفعال.
(الدَّبُّوسي ص 38) .
2 - لبر ترك المصلي القراءة في الأوليين، وقرأ في الأخريين، فذلك جائز، لأن التحريم باق، فصح بناء الأخريين على الأوليين، وعند محمد وزفر الأخريان غير جائزين.
(الدَّبُّوسي ص 38) .
(2/1104)

3 - إذا كان الإمام في الجمعة، فخرج الوقت قبل فراغها بعدما قعد مقدار
التشهد، ثم قهقه، فلا وضوء عليه، لأن القهقهة التي تنقض الوضوء يجب أن تكون في الصلاة.
وقيل: هذا قول محمد، وعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف لزمه
الوضوء لصلاة أخرى.
(الدَّبُّوسي ص 38) .
(2/1105)

القاعدة: [323]
الأصل أن كل عقد امتنع عن الفسخ بالإقالة فلا تحالف ولا
تراد إلا إذا اختلفا في البدن كالعتق
التوضح
إذا اختلف المتعاقدان في أحكام العقد، فإنهما يتحالفان، ويترادان، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا، وترادا".
لكن إن امتنع العقد عن الفسخ بالإقالة، فيمنع التحالف والتراد عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد يتحالفان ويترادان القيمة.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إن هلاك المعقود عليه يمنع الفسخ، فيمتنع التحالف والتراد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن العقد امتنع عن الفسخ بالإقالة.
وعند محمد يتحالفان ويترادان القيمة.
(الدَّبُّوسي ص 38) .
2 - من اشترى جارية فازدادت قيمتها عند المشتري، أو ولدت ولداً، ثم اختلف
(2/1106)

مع البائع في الثمن، فلا يتحالفان ولا يترادان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه يمتنع الفسخ في هذه الحالة.
وعند محمد يتحالفان.
(الدَّبُّوسي ص 38) .
3 - لو اشترى عبدين فهلك أحدهما في يده، ثم اختلفا في الثمن، إنهما لا
يتحالفان فيهما إلا أن يرضى البائع أن يأخذ الحي، ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً عند أبي حنيفة، لأن هلاك بعض المبيع يمنع فيه الإقالة.
وعند أبي يوسف يتحالفان في حصة الحي.
وعند محمد يتحالفان فيهما، ويرد الحي وقيمة الهالك إذا تحالفا.
(الدَّبُّوسي ص 39) .
(2/1107)

القاعدة: [324]
الأصل أن كل إخبار لا يلزم القاضي القضاء بغير مخبره.
ولا يتوصل إلى القضاء إلا به، فالعدالة من شرطه.
وليس العدد من شرطه
التوضيح
الأصل في الشهادة أمام القاضي أن تكون من اثنين، فإذا قضى القاضي بخبر ما،ولا مجال فيه لغيره، فيشترط في المخبر العدالة، ولا يشترط العدد، ويحكم القاضي بقول الواحد، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإذا قضى بالشهادة على رجل بعينه في حادثة بعينها، كان قضاء عليه بالبينة، أو بالإقرار، أو بالنكول، ولا يكون قضاؤه
عليه بذلك الخبر، وإن كان لا يتوصل إلى القضاء بتلك الحجة إلا بهذا الخبر، وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إن تزكية الواحد مقبولة عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن القاضي لا يقضي بتزكيته، وإنما يقضي بقول الشهود.
وعند محمد لا بدَّ أن تكون التزكية من اثنين.
(الدَّبُّوسي ص 39) .
2 - إن ترجمة الواحد العدل مقبولة؛ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن القاضي
(2/1108)

لا يقضي بترجمته، وإنَّما يقضي بقول الشهود، وعند محمد لا بد أن يكون اثنين.
(الدَّبُّوسي ص 39) .
3 - إن رسول القاضى يجوز أن يكون واحداً عند أبي حنيفة، وعند محمد لا بدَّ أن يكون اثنين.
(الدَّبُّوسي ص 39) .
4 - إن شهادة القابلة على الولادة وحدها جائزة إن كانت عدلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه يحكم بثبوت النسب بالفراش، لا بشهادتها، والفراش ثابت قبل شهادتها، ولكن من حيث أنا نعلم أن الولادة بقولها جعلنا العدالة من صفتها.
ومن حيث أنه لا يتعلق الحكم بشهادتها لم يشترط العدد، وليس كالشهادة في حق الإحصان، لأن تلك الشهادة على أحكام تتعين في الشهود عليه يقضي بها القاضي.
وهو كونه مسلماً، أو كونه حراً.
وهذه من الأحكام التي يحتاج القاضي إلى القضاء بها.
فلا بدَّ من العدد، وتابعهما محمد في هذه المسألة.
(2/1109)

القاعدة: [325]
الأصل أن كل عصمير استخرج بالماء فطبخ أوفى طبخة.
فالقليل منه غير المسكر حلال
التوضيح
يرى الحنفية أن الخمرة المحرمة بقليلها وكثيرها هي المستخرجة من العنب.
أما ما استخرج من غير العنب، فلا يحرم إلا إذا أسكر، ووجد له
"حدّ السكر".
وإن عصير العنب إذا طبخ طبخاً كاملاً، وكان القليل منه غير مسكر فهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف في قوله الأخير، كالدبس والرب المصنوعين من العنب والزبيب.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إن نقيع الزبيب، ونبيذ التمر إذا طبخ أدق طبخ جاز شربهما للتداوي
ولاستمراء الطعام عند أبي حنيفة وأبي يوسف في قوله الأخير، وعند محمد لا يحل شربه إذا اشتد للتداوي واستمراء الطعام.
(الدَّبُّوسي ص 40) .
2 - إن عصبر العنب إذا طبخ، وذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، أو ذهب ثلثه، ثم صبَّ عليه الماء، ثم أغلي بالنار أو لم يغل، واكتفى بالنار الأولى، ثم اشتد، جاز شربه للتداوي واستمراء الطعام عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد لا يحل شربه.
(الدَّبُّوسي ص 40) .
(2/1110)

3 - إن قشور العنب بعد سيلان عصيرها إذا رشَّ عليها الماء بعد استخراج
عصيرها بالماء، وطبخ بالنار، ثم ترك حتى اشتد وغلى، فإن القليل غير المسكر حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد حرام كله.
(الدَّبُّوسي ص 40) .
(2/1111)

القاعدة: [326]
الأصل أنه إذا لم يصح الشيء لم يصح ما في ضمنه.
وعند الطرفين يصح
التوضيح
إن كثيراً من الأشياء تتضمن أموراً تدخل فيها، فإذا لم يصح الأصل فلا يصح
الفرع الذي يدخل في الأصل ضمناً عند أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يثبت ما في ضمنه، وإن لم يصح.
وقال محمد في أكثر هذه المسائل كقولى أبي حنيفة.
وعلى هذا مسائل.
التطبيقات
1 - إذا أودع الرجل صبياً محجوراً عليه مالاً، فاستهلكه الصبى، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه صح تسليط الصبي على الإتلاف.
وإن لم يصح به عقد الوديعة.
وعند أبي يوسف يضمن؛ لأن التسليط لو صح يصح في ضمن عقدا
الوديعة، والعقد لا يصح، فلا يصح ما في ضمنه وهو التسليط على الاستهلاك، فيكون الصبى متعدياً فيضمن.
وكذلك لو باع من الصبى المحجور عليه مالاً، وسلمه إليه، واستهلكه الصبى، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف يضمن، وكذلك الاختلاف لو
(2/1112)

أقرض صبياً محجوراً عليه ألف درهم، فاستهلكها، فلا يضمن عندهما، ويضمن عنده.
(الدَّبُّوسي ص 40) .
2 - لو تزوج امرأة في السر على ألف درهم، وفي العلانية على ألفي درهم، فالمهر مهر السر عند أبي يوسف على كل حال؛ لأن تسمية العلانية لو صحت لصحت في ضمن العقد الثاني، والعقد الثاني لم يصح، فلا يصح ما في ضمنه، وعند أبي حنيفة ومحمد المهر مهر العلانية، فلو أنه أشهد على أن المهر مهر السر لكان المهر مهر السر.
والثاني رياء وسمعة، وعند ابن أبي ليلى المهر مهر العلانية على كل حال (الدَّبُّوسي ص 41) .
3 - إذا مات رجل، وترك سيارة، فجاء رجلان، وادعى كل فهما أن الميت رهن هذه السيارة عنده، وأقاما البينة، فلا تقبل شهادتهما، ولا تباع السيارة في دينيهما عند أبي يوسف؛ لأن البيع في الدين لو ثبت لثبت في ضمن عقد الرهن، وعنده الرهن لا يثبت في المشاع، فلا يثبت ما في ضمنه، وعند أبي حنيفة ومحمد تباع.
(الدَّبُّوسي ص 41) .
4 - لو أن رجلاً جاء إلى امرأة، وقال لها: إن زوجك طفقك، وأرسلني إليك، وأمرني أن أزوجك منه، فزؤجها منه، وضمن لها المهر، ثم جاء الزوج وأنكر التوكيل والطلاق، فيضمن الوكيل لها نصف المهر في قول أبي يوسف الأخير وقرل زفر.
وعلى قول أبي يوسف الأول لا يضمن لها شيئاً، لأنه لو وجب الضمان لوجب في ضمن عقد النكاح، والنكاح لم يصح فلم يصح ما في ضمنه (الدَّبُّوسي ص 41) .
5 - إذا باع درهماً بدرهمين في دار الحرب، لم تقع للإباحة عند أبي يوسف؛ لأنها لو وقعت لوقعت في ضمن العقد، والعقد لم يثبت فلم يثبت ما في ضمنه، وعند أبي حنيفة ومحمد تقع للإباحة.
(الدَّبُّوسي ص 41) .
(2/1113)

6 - إذا زاد في ثمن الصرف، أو حط منه شيئاً، صح ذلك، وفسد العقد عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يبطل العقد؛ لأنه لا يثبت الزيادة، ولا يبطل العقد الذي كان بطلانه لأجله.
(الدَّبُّوسي ص 41) .
7 - لو اصطلح الرجلان، فقالا لرجل ذمي: إن أسلمت فأنت الحكم بيننا، فأسلم، لم يكن حكماً عند أبي يوسف، لأن التحكيم ثبت في ضمن الصلح، وتعليق الصلح في مثل هذا الخطر لا يجوز، فلا يجوز ما في ضمنه، وعند محمد يجوز التحكيم وإن لم يجز ما في ضمنه، ولم يظهر قول لأبي حنيفة في مثل هذه المسألة.
وقيل: إن قوله مع قول محمد.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
8 - لو زاد المسلم إليه في السلم لم تجز هذه الزيادة، ويرد المسلم إليه بإزاء تلك الزيادة من رأس المال عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يرد، لأن حكم الرد يثبت ضمناً لصحة الزيادة، والزيادة لم تصح، فلم يصح ما في ضمنه، وتابعه محمد في هذه المسألة.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
9 - إذا اشترى الرجل مكتباً بألف درهم، ثم زاد المشتري أرطالاً من خمر، فسد البيع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يفسد، لأنه لو فسد لفسد ضمناً لصحة الزيادة، وهذه الزيادة لم تصح، فلا يصح ما في ضمنها، ووافقه محمد في هذه المسألة.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
10 - إذا ادعى نسب من لا يولد لمثله، وهو عبده، عتق عليه عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف لا يعتق، لأنه لو عتق إنما يعتق ضمناً لثبوت النسب، والنسب لا يثبت، فلا يثبت ما هو ضمن له، وتابعه محمد في هذه المسألة.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
(2/1114)

القاعدة: [327]
الأصل أن اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه.
فإن لم تنعقد فلا كفارة فيها
التوضيح
تنعقد اليمين بالحلف بالله تعالى على محلوف عليه كالطعام والقيام والسفر وغيره، فإن لم يذكر الحالف معقوداً عليه فلا تنعقد اليمين، وبالتالي فلا كفارة لها، عند أبي حنيفة، لأن العقد صفة فلا بدَّ للصفة من الموصوف، وعند أبي يوسف تنعقد اليمين.
وإن كان المعقود عليه فائتاً كطعام قد أكل سابقاً.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - من حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز، وهو لا يعلم أنه لا ماء فيه، فلا كفارة عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عليه الكفارة.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
2 - إن من حلف ليقتلن فلاناً، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته، فلا كفارة عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عليه الكفارة.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
3 - من حلف ليشربن الماء الذي في الكوز اليوم، فانصب الماء قبل غروب
الشمس، فلا كفارة عليه عند أبي حنيفة ومحمد، لأن اليمين تتأكد بآخر الوقت، وقد
(2/1115)

جاء آخر الوقت والمعقود عليه فائت معدوم، فلم يتأكد اليمين فلا كفارة عليه، وعند أبي يوسف عليه الكفارة عند مضي اليوم.
(الدَّبُّوسي ص 42) .
4 - قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف لا كفارة في اليمين الغموس، لأنها لم
تعقد، إذا لو انعقدت لتأتي فيها الانحلال، وإذ لم يترتب فيها بر، فلا حنث
لاستحالة الانحلال، وإذا استحال الانحلال استحال أن يوصف بالانعقاد.
(الدَّبُّوسي ص 43) .
(2/1116)

القاعدة: [328]
الأصل أن الشروط المتعلقة بالعقد بعد العقد كالموجود لدى العقد
التوضيح
قد يشترط المتعاقدان شروطاً بعد انتهاء العقد، فتعتبر كأنها موجودة في العقد، وتلحق به عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد لا تجعل كالموجودة في العقد.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إذا أسلم في كر حنطة وسطاً، فجاء باجود منها في الصفة، وقال: خذ هذه، وأعطني درهماً، أو جاء بارداً منه في الصفة، وقال: خذ هذا واطرح درهماً، جاز عند أبي يوسف، ويلحق هذا الشرط بأصل العقد، فيجعل كان العقد وقع في الابتداء على هذا.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لم يجز ذلك في ظاهر الرواية.
(الدَّبُّوسي ص 43) .
وكذا لو أسلم في ثوب وسط، فجاء بارداً منه في الصفة، أو أنقص منه في
المقدار، وطلب عوضه جاز عنده، ولم يجز عندهما.
(الدَّبُّوسي ص 43) .
2 - إذا تزرج امرأة ولم يفرض لها مهراً، ثم فرض لها مهراً بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول بها، فإن لها نصف المفروض بعد العقد عند أبي يوسف في قوله الأخير،
(2/1117)

ويجعل المفروض بعد العقد كالمفروض عند العقد.
وفي قوله الآخر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد لها المتعة"..
(الدَّبُّوسي ص 43) .
3 - إذا كفل عن رجل بمال، والطالب غائب، فبلغه الخبر، فأجاز الكفالة، جاز عند أبي يوسف، ويجعل الإجازة في الانتهاء كالخطاب في الابتداء، وكذلك لو قالت المرأة: زوجت نفسي من فلان وهو غائب، فبلغه الخبر فأجاز، جاز عند أبي يوسف، ويجعل الإجازة عند الانتهاء كالاذن في الابتداء، وعند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز في المسألتين جميعاً
إذا لم يكن ثمة مخاطب عن الغائب.
(الدَّبُّوسي ص 43) .
(2/1118)

القاعدة: [329]
الأصل أن الشيء يجوز أن يصير تابعًا لغيره.
وإن كان له حكم نفسه بانفراده
التوضيح
إن بعض الأمور لها أحكام خاصة عند انفرادها، وقد تصير تابعاً لغيرها في
حالات، عند أبي يوسف، وعند محمد إذا كان له حكم نفسه فلا يصير تابعاً لغيره.
وأبو حنيفة مع أبي يوسف في أكثر مسائل هذا الأصل.
وعلى هذا مسائل.
التطبيقات
1 - إذا ورثت الجدة من وجهين تبعت إحدى الجهتين الأخرى عند أبي يوسف، وعند محمد وزفر لا تصير تابعاً، وترث من الحالين جميعاً.
(الدَّبُّوسي ص 44) .
2 - إذا ذبح الرجل شاة، وقطع بعض العروق وترك البعض، فلا يجوز أكلها عند محمد ما لم يقطع من كل عرق أكثره؛ لأن كل عرق يقوم بنفسه فلا يصير تابعاً لغيره.
وعند أبي يوسف إذا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين جاز وإلا فلا، لأن
الودجين هما من جنس واحد، فجاز أن يصير أحدهما تبعاً للآخر.
وعند أبي حنيفة إذا قطع الثلاثة، أي ثلاثة كان كفى.
(الدَّبُّوسي ص 44) .
(2/1119)

3 - إذا أوجب الرجل المشي على نفسه لبيت الله الحرام، ثم حج من عامه ذلك حجة الإسلام، سقط ما وجب بإيجابه عند أبي يوسف.
وعند محمد لا يسقط؛ لأن إيجاب الرجل يقوم بنفسه، فلا تصير تبعاً لغيره.
(الدَّبُّوسي ص 44) .
4 - إذا ملك المسلم ثمانين من الغنم، فهلك منها أربعون بعد الحول، فالواجب عند أي حنيفة وأبي يوسف شاة؛ لأن عندهما الزكاة في النصاب دون العفو، وليس كل واحد من الأربعين أصلاً، وعند محمد وزفر الواجب في الكل شاة شائعأ؛ لأن كل واحد من الأربعين تصير أصلاً بنفسها، فلا تصير تبعاً لغيرها، فوجب الشاة في الكل، فإذا هلك منه شيء بعد الحول سقط بقدره، فبقي عليه نصف شاة.
(الدَّبُّوسي ص 44) .
5 - إذا ملك المسلم ثمانين من الغنم، فالواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، في إحدى الأربعين شاة، وعند محمد وزفر الواجب في الكل شاة؛ لأن كل واحدة من الأربعين تقوم بنفسها فلا تصير تبعاً، بدليل قوله تعالى:.
(إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) .
(الدَّبُّوسي ص 44) .
6 - إن المهر يدخل في الدية في مسألة الإفضاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يدخل، لأن كل واحد منهما له حكم نفسه، فلا يصير تابعاً لغيره، فلا يدخل فيه.
(الدَّبُّوسي ص 45) .
7 - إن الخف إذا أصابته نجاسة متجسدة فجفت، ثم حكها بالأرض، طهرت عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا تطهر، ولا تصير البلة تابعة للجسومة؛ لأنها لو انفردت لا يجوز المسح بالأرض، فكذلك إذا كانت مع غيرها.
(الدَّبُّوسي ص 45) .
8 - إذا قرأ آية سجدة في ركعتين في صلاة واحدة لا يلزمه عند أي يوسف إلا سجدة واحدة، وعند محمد يلزمه لكل مرة سجدة؛ لأن السجدة من موجَب التلاوة، والتلاوة في إحدى الركعتين لا تقوم مقام الأخرى.
(الدَّبُّوسي ص 45) .
(2/1120)

9 - إذا أطعم في كفارة ظهارين ستين مسكيناً، كل مسكين صاعاً واحداً في يوم واحد، فيجزيه عن إحداهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يجزيه عن الكفارتين جميعاً؛ لأن كل كفارة من الكفارتين تقوم بنفسها، فتسشقل بذاتها، فلا تصير تابعة لغيرها، كما لو كانت من جنسين مختلفين، وكذلك في كفارة يمينين لو أطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً في يوم واحد، فهو على هذا الاختلاف.
(الدَّبُّوسي ص 45) .
10 - إن إقامة الجمعة بمنى تجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا
تجوز؛ لأن منى تقوم بنفسها فلا تصير تابعة لمكة.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
11 - إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق واحدة أو لا شيء، فلا يقع شيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وتقع واحدة عند محمد، لأنها تقوم بنفسها فاعتبر حكمها بنفسها، وكذلك لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً أو لا شيء، فهو على هذا الخلاف.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
12 - لو حلف الرجل ألا ينام على هذا الفراش، فبسط فوقه فراشاً آخر، ثم نام عليه، حنث عند أبي يوسف، وعند محمد لا يحنث؛ لأن الأعلى يقوم بنفسه فلا يصير تابعاً للأسفل، فلا يكون نامْماً على الفراش المحلوف عليه، فلا يحنث.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
13 - إذا باع رجلان من رجل شيئاً، ثم مات أحد البائعين، والآخر وارثه ثم إن المشتري وجد به عيباً، فأراد أن يرده على الحي، فأنكر الحي أن يكون به عيب، فأراد استحلافه، حلف يميناً واحدة على البتات، ويكفيه ذلك عند أبي يوسف.
وعند محمد يحلف على النصف الذي باعه على البتات.
وفي النصف الآخر على العلم؛ لأنهما قائمان بأنفسهما، وحكمهما مختلف، فاعتبر كل واحد منهما على حدة.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
14 - إذا أجنبت المرأة، ثم حاضت، وطهرت واغتسلت، فيكون الغسل من
(2/1121)

الأول عند أبي يوسف، وعند محمد يكون منهما جميعاً؛ لأن كل واحد منهما يقوم بنفسه فاعتبر كل واحد منهما بحاله.
وفائدة هذه المسألة تظهر في اليمين، فلو حلفت أن لا تغتسل من هذه الجنابة، ثم حاضت واغتسلت بعد الطهر، فتحنث عند أبي يوسف.
ولا تحنث عند محمد.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
15 - إذا قتل أحد الأسيرين صاحبه في دار الحرب فلا شيء عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا الكفارة؛ لأنه تبع لهم.
فصار كواحد من أهل دار الحرب.
وعند محمد تجب عليه الدية؛ لأن له حكماً بنفسه فاعتبر حكمه على حدة.
(الدَّبُّوسي ص 46) .
16 - لو وجد قتيل في محلة، فقال أهل المحلة قتله فلان، فيحلفون بالله ما قتلوه ولا يزيدون على هذا عند أبي يوسف، وتدخل يمين العلم في يمين البتات.
وعند محمد يحلفون بالله ما قتلوه وما علمنا له قاتلاً سوى فلان.
ولا تدخل إحدى اليمينين في الأخرى.
(الدَّبُّوسي ص 47) .
17 - إذا اختلف الطالب والمطلوب في رأس المال، وهو ما لا يتعين، فأقاما جميعاً البينة، فيقضى بسلم واحد عند أبي يوسف، لأن رأس المال من جنس واحد، ويدخل أحدهما في الآخر، وعند محمد يقضى بسلمين؛ لأن كل واحدة من البينتين تفيد حكماً بنفسها إذا انفردت، فإذا اجتمعتا اعتبرت كل واحدة منهما على حدة.
(الدَّبُّوسي ص 47) .
18 - إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف، فربح فيها ألفاً، وصارت ألفين، ثم دفع إليه ألفاً أخرى مضاربة بالثلث، وقال: اعمل فيها برأيك، فخلط المضارب خس مئة من الألف الثانية بالألف الأولى وربحها، ثم هلك منها شيء، فعند أبي يوسف يكون الهلاك من الربح؛ لأن العقد من جنس واحد، والمال لواحد، فصار المال الثاني تابعاً لماله الأول.
وعند محمد الهلاك من ربح المال الأول ومن رأس المال الثاني، لأن كل واحد من العقدين يقوم بنفسه فلم يصر تابعاً لغيره،
(2/1122)

فيصير حكم كل واحد منهما على حدة، كما لو دُفِع إلى رجلين.
(الدَّبُّوسي ص 47) .
ْ19 - لو خلط عثرة أرطال من لبن امرأة، ورطلاً من لبن أخرى، فأُرضع بذلك صبي، فقال أبو يوسف: تحرم صاحبة العشرة، وصار الرطل تابعاً للعشرة.
وقال محمد: تحرمان معاً؛ لأن كل واحدة منهما لو انفرد كان له حكمه بنفسه، فإذا اجتمعا لم يكن أحدهما تابعاً لصاحبه.
(الدَّبُّوسي ص 47) .
20 - إذا قال الرجل لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق وعبده حر، فعند أبي
يوسف يتعلق الأمرأن جميعاً بالتزويج، لأنه عطف العتق على الطلاق فيتبعه في
حكمه، وعند محمد يقع العتق في الحال؛ لأنه يقوم بنفسه، فلا ضرورة في تعليقه بالتزويج، فاعتبر حكم كل واحد منهما على حدة، وليس كالطلاق؛ لأنه لا يقوم بنفسه، فيتعلق بالشرط.
(الدَّبُّوسي ص 47) .
(2/1123)

القاعدة: [330]
الأصل أن العارض في العقد الموقوف قبل تمامه كالموجود لدى العقد
التوضيح
إذا كان العقد موقوفاً فلا تنفيذ لآثاره، وتبقى كما كانت قبل العقد، فإذا طرأ عارض يتعلق بالعقد قبل تمامه وإقراره فيكون كالموجود لدى العقد عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف لا يجعل العارض في العقد الموقوف كالموجود لدى العقد، كمن تزوج امرأة بغير إذنها، فاعترضتها عدة قبل الإجازة، ارتفع العقد عند أبي حنيفة ولا تعمل الإجازة.
وعلى هذا مسائل.
التطبيقات
1 - إن الوكيل بالبيع إذا باع بمثل قيمته على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم زاد المعقود عليه حتى صار يساوي ألفين، فالوكيل بالخيار عند أبي حنيفة؛ لأنه يملك استئناف العقد في هذه الحالة.
وعند أبي يوسف إذا مضت مدة الخيار تم البيع ولا يجعل
العارض كالموجود لدى العقد، وإن أجاز ذلك قصداً منه لم يجز.
وعند محمد ينفسخ العقد ويجعل العارض كالموجود لدى العقد.
(الدَّبُّوسي ص 48) .
2 - إذا باع مال ولده الصغير على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فادرك الابن قبل ثلاثة أيام، فالإجازة للابن الذي بلغ عند محمد، ويجعل العارض كالموجود لدى العقد،
(2/1124)

فصار كأنه باع ملك ولد بالغ، فيوقف على إجازته، وكذلك هذه.
وعند أبي يوسف يسقط خيار الأب، ويتم البيع؛ لأنه سقطت ولايته، فأشبه موت الأب.
(الدَّبُّوسي ص 48) .
3 - إذا بلغ الصبي، وقد باع له الوصي شيئاً، أو اشترى له شيئاً، وشرط فيه الخيار، فيضم البيع ويبطل الخيار عند أبي يوسف، وعند ابن حماعة لا يملك الوصي إجازة البيع إلا برضاء اليتيم بعد بلوغه، وله نقض البيع إذا لم يرضَ به، ولو مات الصبى فالخيار للوصي، وينفذ بيعه بمضي المدة قبل البلوغ وبعده.
وفي رواية عن محمد أن الصبي إذا بلغ في مدة الخيار لم يجز البيع بمضي المدة ما لم يجز، مثل من باع مال غيره بغير أمره، وشرط الخيار فيه، لم يجز ذلك العقد بمضي المدة ما لم يجز البيعَ المالكُ، وهذه الرواية توافق رواية الجامع الكبير في الأب إذا باع مال ولده الصغير بشرط الخيار، فأدرك الابن فلا بدَّ من إجازة الولد.
(الدَّبُّوسي ص 48) .
4 - إذا اشترى الرجل عصيراً، فصار خمراً تبل القبض، انتقض البيع.
وقيل بأن هذا قول محمد، وروي عن أبي يوسف أن البيع لا يبطل.
(الدَّبُّوسي ص 49) .
5 - إذا باع شيئاً بشرط الخيار، فهلك بعضه، والمبيع مما يتفاوت، انتقض البيع في الباقي عند محمد؛ لأنه لو جاز البيع في الباقي لتعلق بإجازته تمليك ما بقي بحصته من الثمن مجهولة، ولا يجوز تمليكه بثمن مجهول، وجعل كأنه باع في الابتداء الحصة
مجهولة، وليس كما إذا كان المعقود عليه مما لا يتفاوت، فإن حصة الباقي معلومة.
(الدَّبُّوسي ص 49) .
(2/1125)

القاعدة: [331]
الأصل أن البقاء على الشيء يجوز أن يعطى حكم الابتداء
التوضيح
إذا بقي شيء من حال إلى حال فالأصل أن يعطى البقاء حكم الابتداء عند محمد.
وفضل أبو يوسف فقال: لا يعطى له حكم الابتداء في بعض المواضع.
وفيه مسائل.
التطبيقات
1 - إن الرجل إذا تطيب قبل الإحرام بطيب بقيت رائحته بعد الإحرام، كُره ذلك عند محمد، وجعل البقاء عليه كابتداثه، وعند أبي يوسف لا يكره.
(الدَّبُّوسي ص 50) .
2 - إذا قال الرجل لامرأته: إذا جامعتك فأنت طالق، فجامعها، فقال أبو
يوسف: إذا أولج وقع الطلاق، فإن أخرج ثم أوج صار مراجعاً، وقال محمد: إذا أولج ومكث هنيهة على ذلك صار مراجعاً، فجعل البقاء عليه كابتدائه، وعند أبي يوسف لا يصير مراجعاً إلا أن يتنحى عنها، وكذلك إذا قال لامرأته: إن لمستك فأنت طالق، فلمسها، فإذا رفع يده عنها وأعادها ثانية صار مراجعاً عند أبي يوسف، وعند محمد إذا لمسها ومكث هنيهة فلم يرفع يده صار مراجعاً.
(الدَّبُّوسي ص 50) .
(2/1126)

3 - إذا حلف الرجل لا يلبس هذا الثوب فألقاه عليه إنسان وهو نائم، فقال
محمد: أخشى عليه أن يحنث في يمينه، فجعل البقاء على اللبس كابتدائه.
(الدَّبُّوسي ص 50) .
(2/1127)

القاعدة: [332]
الأصل أن إيجاب الحق لله تعالى في الغير يزيل ملك المالك
التوضيح
إن جعل المالك حقه في الملك لله تعالى فإن ذلك يزيل الملك عنه عند أبي يوسف، وعند محمد لا يزيله.
وعلى هذا مسائل.
التطبيقات
1 - إذا اتخذ المشتري الدار التي اشتراها مسجداً، ثم جاء الشفيع فله أن ينقض المسجد بالشفعة عند محمد.
وفي رواية لأبي يوسف: ليس له أن ينقض المسجد؛ لأنه
لما اتخذها مسجداً فقد زال ملكه عنها، وصارت ملكاً لله تعالى.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
2 - إذا وهب الرجل شاة لرجل، فضحى جمها، فليس للواهب الرجوع فيها عند أبي يوسف، وعند محمد له أن يرجع فيها.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
3 - إذا وهب الرجل شاة فأوجب الموهوب له على نفسه أن يهدى بها لفقراء الحرم، فليس له أن يرجع فيها عند أبي يوسف، وعند محمد له ذلك، وكذلك لو جعلها هدي متعة أو جزاء صيد فهو على هذا الخلاف، وكذلك لو كانت بقرة أو بعيراً فجعلها بدنة لله تعالى، فإنه ينقطع حق الرجوع فيها.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
4 - إذا وهب لرجل دراهم، فاوجب الموهوب له على نفسه أن يتصدق بها فليس له أن يرجع فيها عند أبي يوسف، وعند محمد له ذلك.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
(2/1128)

5 - إذا كانت له شاة، فأوجب على نفسه أن يهدى بها لفقراء الحرم، جاز له بيعها عند محمد، وروي عن أبي يوسف أنه ليس له أن يبيعها، لأنه أوجب لئه تعالى حقاً فيها، فصارت في الحكم كأنها زائلة عن ملكه.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
6 - إذا خرب المسجد، ولم يبق له أهل، فلا يعود ميراثاً عند أي يوسف، وعند محمد يعود ميراثاً.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
7 - إذا قال الرجل لرجل: داري هذه موقوفة، ولم يزد على هذا، صارت وقفاً عند أبي يوسف، وشبهه بالعتق، وعند محمد لا تصير وقفاً.
(الدَّبُّوسي ص 51) .
(2/1129)

فوائد
إلى هنا ننتهي من القواعد المختلف فيها عند الحنفية، وسبق بياني مثل ذلك في المذهب المالكي، والشافعي، والحنبلي، ونلاحظ ما يلي:
1 - تظهر ميزة كل مذهب من خلال مسائله، وقواعده، وفروعه، وتعليلاته.
كما يظهر الفكر الذي يحمله أئمته وعلماؤه، والاهتمام الذي يولونه في العبادات أو المعاملات، وفي السعة والانفتاح، وفي المرونة، والتطبيقات.
2 - تبين القواعد المذكورة في المذاهب حقيقة المنهج الفقهي في احترام الأئمة
والعلماء بعضهم لبعض، وفتح المجال أمام الاجتهاد، وإبداء الرأي، والمخالفة، وسعة الأفق، وعدم الحجر على الفكر والتفكير والاجتهاد، مما يكشف حقيقة التعصب والمتعصبين، وأنهم أنصاف علماء، بل أقل من ذلك، وأن باب الحوار والجدال والمناقشة مفتوح على مصراعيه، ويرحب بكل عالم ومفكر ما دام له رأي ودليل عليه.
3 - إن دراسة القواعد الفقهية تؤكد ما ذكرناه في الباب التمهيدي في أهمية القواعد وفوائدها في تكوين الملكة الفقهية للباحث والدارس، وتعطيه ثروة فقهية زاخرة، وتحقق جانباً من الفقه المقارن في أصوله ومناهجه وأدلته ومسائله وفروعه.
4 - تظهر سمة الفقه المقارن، ومنهجه في القواعد، وذلك بتحرير محل النزاع، وبيان المسائل والأحكام المتفق عليها، ثم بيان الأحكام والمسائل المتفق عليها، وتحديد سبب الخلاف ومنشئه وتعليله.
(2/1130)

خاتمة
هذا عرض موجز لأهم القواعد الفقهية في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي
والحنبلي، مع توضيح القاعدة، وبيان بعض تطبيقاتها من الفروع الفقهية، وذكر المستثنيات إن وجدت، مع توشيحها بالفوائد الفقهية، والتنبيهات التي يستفيد منها القارئ عامة، والطالب خاصة.
وهي مساهمة متواضعة في عرض القواعد، لتسهيل دراستها على الطلاب.
وعرضها بأسلوب واضح، وليس الغاية من هذا الكتاب استعراض جميع القواعد الفقهية، واستقصاء الفروع والجزئيات، وإنَّما الهدف كما بيَّنت في المقدمة توفير كتاب للطالب يجمع بين المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، بدلاً من أن يضطر إلى دراسة قواعد كل مذهب منفردة في كتاب خاص.
ولم نقصد استيعاب القواعد الفقهية في المذاهب الأربعة، وإنَّما ذكرنا المهم منها، وكثير من هذه القواعد متفق عليها بين المذاهب، حتى ما ورد أنه خاص بمذهبا معين، ولكن تختلف الفروع المندرجة تحت القاعدة في كل مذهب.
وأسال الله تعالى النفع والفائدة، وتحقيق المقصد والغاية، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.
(2/1131)