Advertisement

الكافي شرح البزودي 001



الكتاب: الكافي شرح البزودي
المؤلف: الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (المتوفى: 711 ه)
المحقق: فخر الدين سيد محمد قانت (رسالة دكتوراه)
الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1422 ه - 2001 م
عدد الأجزاء: 5 (في ترقيم مسلسل واحد)
أعده للشاملة/فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله بارئ البرايا، ومعطي العطايا، مشرِّعُ شوارع الشرع، ومُظهر قواعد الأصل والفرع، ملةٌ مرضية، وسنةٌ سنية أحمده على ما أقدرني على الحمد بالتوفيق، وأستوفقه على مزيد الطاعات وتكثير التحقيق، وأشهد علمه على إيماني وإسلامي، وأسترحمه عند مضيق حالي وإسلامي، مستشفعًا بنبي الرحمة، وكاشف الغمة محمد -صلى الله عليه- وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار.
وبعد:
فإن الإقدام في مثل هذا الأمر الذي أنا بصدده شأو بطين حصن حصين، لا يفتحه إلا من كثر جثوه عند مهرة هذه الصنعة من أولى الألباب، وقرعت مسامعه مرة بعد أخرى بفوائد هذا الكتاب، وكان مع ذلك ذا طبيعة منتجة، وقريحة مبهجة، وكلما وقع في مضيق خرج فيه وجهًا رائعًا،
(1/137)

وأصلا فارعًا لا ممن يحار فيه بالسكوت ولا يهتدي، أو ممن يفرط بالكلام ويعتدي، بل يتكلم مستقيم تقبله الأصول وترتضيه العقول، وكان قد لازم آونة من اختص بتخريج مصنفات فخر الإسلام، وقد بقي أزمنة باستكشاف معضلاته بين أئمة الأنام، راجعًا ومرجعًا، وصادرًا ومصدرًا، وها أنا قد تصديت لشرح هذا الكتاب، وفسر ما يؤتيه بفصل الخطاب بتوفيق الله الملك الوهاب، وهو الكتاب المنسوب إلى الإمام الزاهد المحقق والحبر المدقق ذي البركات الباهرة والكرامات الظاهرة فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد بن الحسين البزدوي -رحمه الله-.
وقد بلغتني رواية هذا الكتاب بالأستاذين المذكورين في «النهاية في شرح الهداية».
(1/138)

مع زيادة أن صاحب الهداية)) يرويه عن الشيخ الإمام الزاهد الحافظ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، وهو عن المصنف -رحمهم الله- وكان يكثر اقتراح المحكّمين والتماس الملتمسين إياه.
وأنا لا أقبله بل آباه لما أنه هو الغاية القصوى، والطامة الكبرى، فلذا لم أتجاسر
(1/139)

في التارت الأول وأحيان جزائل النبل التي قدمتها من الشروح، وما حوت من الفوائد التي هي متقاربة الخطي في الوضوح وأما هذا الشرح فليس من القبيل، فإن الخابط فيه كثير لا قليل لكن المتطلعين على «الوافي» و «النهاية» أحسنوا الظن بي، واستدلوا بهما على حصول مرادهم على الكفاية حتى اقر نبعوا في الاقتراح على الغاية، فأنينما توجهت إلى البلدان الشاسعة والأسفار الجازعة تضامت كبراؤهم في الاحتكام هنالك، كأنهم تساروا في التواصي على ذلك مع تباين مسافاتهم النازحة، وتباعد طرقهم الطالحة.
قلت: ليس هذا إلا أمرًا قد أراد الله فيه خيرًا، حيث استحسنوه على اللزن «وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»، ولو لم يكن فيه إلا ما
(1/140)

التمس به أخي في الله الإمام البارع، الورع، الرباني، العالم، الزاهد، الصمداني، سابح بحار الفقه ولحجها وشارح أدلة الشرائع وحججها، منبع عيون الرواية ومشرع متون الدراية، النابذ لأمور الدنيا بحوافها ولذاتها، والمقبل على أمور العقبى بمشاقها وكراتها، الأخ الصديق العطوف، والحب الشفيق برهان الدين أحمد بن أسعد بن محمد الخريف عني البخاري أدامه الله، وشكر مساعيه، وزاد توفيقه في الدين ومعاليه لكان الواجب على التلقي بالاستجابة، والإقبال بالاستطابة، فإن -سلمه الله تعالى- كان يوصيني به مرارًا، ويكرمني بالالتماس به سرًا وجهارًا، فأجبته في ذلك بأمره مؤتمرًا، ولمودته مزدهرًا.
(1/141)

ثم اعلم: أني ضمنت فيه أن أجمع بين نسختي الفوائد:
إحداهما: الفوائد الصادرة من الإمام السابق في البيان الفائق، صاحب الأصول والفروع، ومعدن المعقول والمسموع مولانا بدر الدين محمد بن محمود بن عبد الكريم الفقيهي الشحنوي الكردري -رحمه الله-.
والثانية: الفوائد الصدرة من الإمام، العالم، الرباني، العامل، الصمداني، حبر الأمة، محي السنة مولانا حميد الدين الضرير على بن محمد ابن علي الرامُسي البخاري -رحمه الله- مع اختلاف نسخ له فيه، وزدت عليهما ما ليس فيهما مما يقتضيه المشروح بعد الاستحكام، وما يلتجي إليه ذلك الموضوع المنعوت بالاستبهام، واكتفيت عن ذكر المناسبات والانحصارات وسائر ما يعاد ذكره من البينات إلا ما تمس إليه الحاجة من الشرح «الكافي» بما ذكرته في «الوافي» اختيارًا لما يضبط أمره في التبيين، وهو حسبي ونعم المعين.
(1/142)

قال الإمام مولانا بدر الدين الكردري -رحمه الله-:الأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره. ثم قال ناقلًا عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردري -رحمه الله-: فأهل الجاهلية عند الحلول والارتحال كانوا ينشدون الأشعار، فرفعت الشريعة ذلك، وشرعت ذكر اسم الله -تعالى- مكانه، فقالوا: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، فعلى هذا كان في (بسم الله)
(1/143)

محذوف، إما في الأول، أي أبدأ أو ابتدائي بسم الله، أو في الآخر أي بسم الله أبدأ أو ابتدائي. وفي (الرحمن) مبالغة، حتى شمل المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي، كالعطشان، والغضبان. وفي (الرحيم) دوام، كالجليس والأنيس والنديم، وهذا في حق المؤمن.
قوله -رحمه الله-: (الحمد لله خالق النسم، ورازق القسم).
اعلم: أن المصنف -رحمه الله- راعي في هذه الألفاظ ما هو المقُول في شرط التصنيف، وهو أن ذكر التحميد متضمنًا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، وهذا كذلك، وذلك أن هذا الكتاب صُنف لبيان أصول الفقه.
والفقه: معرفة النفس مالها وما عليها، وهو المنقول عن أبي حنيفة -
(1/144)

رحمه الله- فلما كان الفقه معرفة النفس بدأ الشيخ -رحمه الله- كتابه بقوله: (خالق النسم)، فإن النَّسم جمع نسمة، وهي الإنسان. كذا في الصحاح. ثم أعقبه بقوله: (ورازق القسم) أي الأعطية، لما أن النَّسم محتاجة إلى الأرزاق للبقاء، فكان فيه ذكر ابتداء وجود الأناسي وذكر بقائهم، وهو المرادون في خلق العالم، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}، فكان في ذكر ابتداء خلق الأناسي
(1/145)

وذكر بقائهم عند ابتداء ذكر كتاب أصول الشرائع التي هي مشروعة على الأناسي مناسبة ظاهرة.
ثم إن الله تعالى لما خلق هذا النَّسم على طبائع مختلفة، وأهواء متشتتة، وخلق متفاوتة، بخصائص ولوازم لا تدخل تحت الحصر والوهم، ولا تنضبط في الفهم، من موجبات الحكمة كان مبدعًا للبدائع.
فلذلك قال: (مبدع البدائع)، ثم لما جُبلت هذه البدائع التي هي الأناسي على طبائع متبائنة تهيجهم الشهوة وتزعجهم الغضبة على حسب مألوف طبعهم، ومن جراه يقع بينهم التجاذب، والتضاغن، والتقاتل بحيث يقع به الإفناء. كانوا محتاجين إلى الدين المانع من تلك المخالفة، والجامع على الألفة والموافقة. وهو شرع الشارع الشرائع، فقال: (وشارع الشرائع).
ثم ذكر الوصف الحميد للشرائع؛ لترغيب الطلبة في اكتساب المفاخر الدنيوية وإحراز السعادات العُقبوية، فقال: (دينا رضيًا، ونورًا مضيًا، وذكرًا للأنام، ومطية إلى دار السلام).
فإن قوله: (وذكرًا للأنام) أي وشرفًا، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي شرفكم، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} أي لشرف لك.
(1/146)

وقيل في قوله: (ونورًا مضيًا): صنعة التخيل، كأنه تخيل بهذا قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} فالسراج: الشمس، وهي ضياء كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً}، فكأنه جعل الدين شمسًا أي في غاية الظهور والوضوح، وقمرًا أيضًا أي فيه نوع خفاء مع ذلك، فإن الدين في نفسه بين واضح جلي لا يستتر على ذي عينين، وبين خفي مبهم مشكل لا يكاد ينجلي إلا لذي لب متأمل يدرك بتأمله، كالقمر لا يرى فيه شيء إلا بتكلف وتبصر.
ثم انتصاب قوله: (دينًا رضيًا ونورًا مضيًا) على الحال من قوله: (الشرائع) والعامل فيه شارع.
فإن قلت: وشرط الحال أن يكون فيهما معنى الصفة أو تأويل معنى الصفة، وليس هو في قوله: (دينًا) ولا في قوله: (نورًا) فلا يصح انتصابهما على الحال لعدم الشرط.
قلت: فيهما معنى الصفة؛ لوجود معنى الصفة في صفتهما، وهو قوله: (رضيًا، ومضيًا) فكأنه قال: وشرع الشرائع في حال كونها دينًا رضيًا، أي
(1/147)

منعوتًا بالرضا. فكان هذا عين نظير ما ذكر في ((الكشاف)) في أول حم السجدة في قوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}. وقال: هو نصب على الحال؛ أي فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا.
وكذا ذكر أيضا في سورة الزمر في قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرآنًا عَرَبِيًّا} وهو حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلًا، فأوقع قوله: {قُرآنًا} حالًا مع أنه غير صفة لكونه موصوفًا بصفة، فكأنه قيل: موصوفًا بالعربية، فكذلك هنا.
ولما وصف الله تعالى بكونه خالق النِسم، ورازق القسم، ومُبدع البدائع كان مستوجبًا للحمد، فقال: (أحمده على الواسع والإمكان). وإنما خص الوسع والإمكان؛ لأن الحمد لله تعالى على قدر ما يستحقه الله تعالى ليس في وسع البشر ولا في وسع غيره.
ثم ذكر الإمكان مع الوسع؛ لأن الإمكان أعم من الوسع فكانا متغايرين، فصح عطف أحدهما على الآخر، وهذا لأن الوسع عبارة عن القدرة على الشيء والطاقة فيه، فربما كان الشيء ممكنًا في نفسه لكن لم يكن هو مقدورًا
(1/148)

له عليه في الحال كالألوف المنقودة من الدنانير والصباح الممسودة من الجواري مثلًا، فإنها ليست في مقدورك وإن كانت ممكنة في نفسها.
(الرضوان): الرضا.
قوله -رحمه الله-: (وأصلي عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى الأنبياء، والمرسلين).
فإن قلت: سلمنا أن نبينا عليه السلام أفضل الأنبياء، فتقديمه على الأنبياء كان أمرًا مستحقًا، فأما الصحابة فليسوا بمفضلين على الأنبياء؛ لما أن الولي -وإن جل قدره- لا يساوي درجة النبي، فكيف الفضل عليها؟ ثم مع ذلك كيف قدم الشيخ -رحمه اله- ذكر الآل والأصحاب على ذكر الأنبياء والمرسلين في ذكر الصلاة عليهم؟!
(1/149)

قلت: ليس هذا من قبيل تفضيل الولي على النبي، بل من قبيل تتميم الصلاة على نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
فإن تقديم نبينا عليه السلام على سائر الأنبياء لما كان أمرًا مسلَّما كان تقديم وتتميم الصلاة عليه على سائر الأنبياء أيضًا وجب أن يكون أمرًا مسلمًا.
قوله: (العلم نوعان). فقوله: (العلم) مبتدأ، و (نوعان) خبره، فمن شرط المبتدأ أن يكون أخص من الخبر أو مساويًا له ليفيد فائدته، وأما أن يكون المبتدأ أعم من الخبر فلا، فلذلك لا يقال: الحيوان إنسانٌ، ولكن يقال: الإنسان حيوان أو حيوان ناطق.
ثم العلم عام؛ لأنه يتناول علم الفقه والنحو والنجوم غير ذلك.
وقوله: (نوعان) خاص، لما أن العلم أنواع لا نوعان فحسب، فلا يستقيم هذا من حيث الظاهر، لكن المصنف -رحمه الله- أراد من هذا العلم الخاص بدلالة حاله؛ لأنه في بيان الصول، وبيان ما هو للكلف، وما هو عليه، فكان تقديره: العلم الذي نحن بصدده نوعان، أو العلم الذي ابتلينا به نوعان، أو العلم المنجيء نوعان، فكان المبتدأ مساويًا للخبر.
(علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم -أي العلم الذي اُبتلي بتعلُّمه- على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى
(1/150)

أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف -رحمه الله- إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضًا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم -على ما قررنا في صدر ((الوافي)) -فوجب تقديمه على غيره.
التوحيد: يكي دانستن، ويكي كفتن، ويكي اعتقاد كردن.
(والصفات) أي العلم بأن لله تعالى صفات؛ من العلم والقدرة، والحياة، وغيرها من صفات الكمال. والله تعالى قديم بجميع صفاته. فيعلم بهذا أنه من المثبتة لا من المعطلة كالمعتزلة.
(1/151)

(وعلم الشرائع) أي العلم بالمشروعات من السبب، والعلة، والشرط، والعلامة، والفرض، والواجب، والسنة وغير ذلك من المشروعات، فكان الشرائع أعم من الفقه والأحكام؛ لأن الفقه هو: الوقوف على المعنى الخفي وعلى الدلائل الشرعية، والحكم هو: الأثر الثابت بالعلة، فكانا أخص من الشرائع كما ترى، ولكن الأحكام هي المقصودة منها، فأفردها بالذكر.
(والأصل في النوع الأول التمسك بالكتاب والسنة). أي الأصل في علم التوحيد والصفات التمسك بالكتاب.
فإن قلت: لا نسلم أن الأصل فيه التمسك بالكتاب والسنة؛ لأنه لو كان
(1/152)

فيه الأصل الكتاب، لما كان أهل الفترة مؤاخين بالتوحيد، بل هم مؤاخذون به بدليل قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}، هذا تنصيص على أن أهل الجاهلية كانوا مؤاخذين بالإيمان قبل نزول الكتاب إليهم. إلى هذا أشار في ((التأويلات)).
قلت: نعم كذلك، إلا أن ما ذكره المصنف -رحمه الله- في حق أهل التوحيد تدينا، بدليل ما ذكره في النظير من أهل الاعتزال والخوارج، إلا أن بعضهم بسبب الأهواء والبدع ربما أفضى مذهبهم إلى القول بالاشتراك مع أنهم ينزهون أنفسهم عنه، كقول أهل الاعتزال بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، فكانوا قائلين بإشراك العباد في الخلق لله تعالى، فقال المصنف في مثل هذا: إن الأصل في نفي الإشراك وإثبات التوحيد التمسك بالكتاب والسنة،
(1/153)

ففي الكتاب دليل على أن أفعال العباد ليست بمخلوقة لهم لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، وأفعال العباد شيء، فكان الله خالقا لها أيضًا، وكذلك في الصفات.
وأما قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ}، ففي حق أهل الكفر من أهل الجاهلية صريحًا، ولم يكن لهم الكتاب، فكان عليهم أن يتأملوا في التوحيد فيؤمنوا بالله وحده؛ لوضوح الدلائل عليه على ما قال القائل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد

فلما لم يتأملوا في التوحيد حتى بقوا على الإشراك كانوا مؤاخين لذلك، ولأن كل واحد من أهل الحق والباطل يدَّعي أن الذي قلته هو موجب العقل لا موجب الهوى، فلا بد من حاكم يحكم بأن الذي قاله هذا الصواب، وهو
(1/154)

موجب العقل لا موجب الهوى، وأما الذي قاله الآخر فهو موجب الهوى وهو باطل، وذلك الحاكم هو الكتاب والسنة، فلما تم الحكم بالكتاب والسنة صار كأن الأصل الكتاب وما يتبعه فيه؛ لأن العبرة للمتمم لا للمبتدئ، فلذلك أضاف الأصالة في التمسك في التوحيد إلى الكتاب والسنة.
(ومجانبة الهوى والبدعة). فالهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ إليه الطبع من غير دليل شرعي على شرعيته، والبدعة هي: الأمر المحدث الذي لم يكن هو من فعل الصحابة ولا من التابعين ولا ما اقتضاه الدليل الشرعي، فكان الهوى على هذا التفسير بالنسبة إلى نفسه، والبدعة بالنسبة إلى غيره.
(ولزوم طريق السنة). أي عقيدة الرسول عليه السلام (والجماعة) أي عقيدة الصحابة.
(أدركنا مشايخنا) أي أستاذينا كالإمام أحمد الطواويسي،
(1/155)

والإمام شمس الأئمة الحلواني للمصنف -رحمهم الله-
(وعامة أصحابهم). وإنما قيد به لما أن بعض أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- كان موسومًا بالبدعة والهوى كبشر المريسي.
(1/156)

(كتاب الفقه الأكبر) سماه أكبر لما أن كبارة العلم وشرفه بحسب كبارة المعلوم، فلما كان المعلوم منه ذات الله تعالى وصفاته، لا يكون علم أكبر من ذلك العلم، فلذلك استحق أن يسمى بالفقه الأكبر.
(وكتاب الرسالة) وهو كتاب بعثه أبو حنيفة -رحمه الله- إلى عثمان البتي -رحمه الله- وهو من أصحابه. (وأن ذلك كله بمشيئة الله) وقد
(1/157)

حكي أن محمودًا المتكلم -من المعتزلة- ناظر مع ابن فورك وهو من أهل السنة، فقال محمود: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
وقال ابن فورك: سبحان من لا يجري في ملكه خلاف ما يشاء.
(1/158)

(وقال: لا يكفر أحد بذنب). أي إذا لم يقصد بذلك خلاف أمر الله، بل فعل ذلك لغلبة شهوة أو غضبة حملته إليه، لا على قصد المخالفة أو الاستهانة بالمعصية. فبهذا يعلم أنه لم يكن على مذهب الخوارج، فإن عندهم من عصى كفر سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.
(ولا يخرج به من الإيمان). يعلم بهذا أنه لم يكن على مذهب أهل الاعتزال، فإن عند المعتزلة من أذنب كبيرة يخرج به من الإيمان.
(ويترحم له) أي يبقى هو محلًا للرحمة، فإن صاحب الكبيرة إن مات من غير توبة من كبيرته كانت عاقبة أمره الجنة مرحمة عليه، ولا يخلد في النار. ويقال له أيضًا: رحمه الله.
(إمامًا صادقًا) أي كان هو مقتدي الأمة في العلوم الإسلامية على
(1/159)

التحقيق، ويحتمل أن المصنف -رحمه الله- إنما قال هذا جوابًا لاعتراض معترض عسى أن يقول: إن أبا حنيفة -رحمه الله- إنما قال هذه الأحكام في مصنفه هكذا -من إثبات الصفات وغيره -لا عن علم به وتبصر، فإنه كان مشتغلًا بتخريج المسائل الفقهية الشرعية، لا في أصول الدين؛ فإنه لم يكن له حظ منه. فرد هذا الاعتراض بقوله: وكان في أصول الدين إمامًا صادقًا لا كما يظنه جهلة أهل البدع.
(أن من قال بخلق القرآن). أي القرآن الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى.
وأما القرآن الذي هو مكتوب في مصاحفنا، ومحفوظ في صدورنا، ومقروء بألسنتنا، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة أنه مخلوق.
(1/160)

(فهو كافر)؛ لأن فيه إنكار الشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما، وهذا لأنه لما كان مخلوقًا لم يكن صفة لله تعالى، ولم يكن الله تعالى آمرًا ولا ناهيًا؛ لما أن أمره ونهيه إنما عُلما بالقرآن، فكان فيه القول بارتفاع الشرائع وبطلانها بمرة، وهو كفر صريح -نعوذ بالله من ذلك.
(وصح هذا القول عن محمد -رحمه الله-).
قال الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردي -رحمه الله-: وصل هذا القول إلينا عنهم بطريق الآحاد، وأما المشهور منهم فإنهم قالوا: لا تكفروا أهل قبلتكم.
(ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا).
(1/161)

منها: قوم صلوا بجماعة في ليلة مظلمة، فصلى كل واحد منهم إلى جهة، فمن علم منهم حال إمامه فسدت صلاته؛ لأن الإمام عنده مخطئ، فلو كان كل مجتهد مصيبًا في اجتهاده لما فسدت صلاته، كما إذا صلوا في جوف الكعبة.
ومنها: ما ذكر في كتاب الإيمان: رجل قال: إن لم آتك غدًا إن استطعت فامرأته كذا. يقع على سلامة الآلات والأسباب. فإن قال: عنيت به حقيقة
(1/162)

الاستطاعة وهي القدرة المقارنة للفعل -صدق ديانة.
فعلم بهذا أنهم قالوا بوجود القدرة المقارنة للفعل، وفيه رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: أن من حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبًا أو ليمسَّنَّ السماء. قال: انعقدت يمينه، وحنث عقيبها؛ لأن ذلك متصور بطريق الكرامة، وفيه أيضا رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: ما قالوا: إن القاضي إذا قضى بشهادة الفُسَّاق نُفَّذ قضاؤه بناء على أن المؤمن -وإن ارتكب كبيرة- يبقى مؤمنا، وفيه رد قول أهل الاعتزال.
وكذلك قالوا: إن اجتنب الكبائر قُبلت شهادته وإن ألم بمعصية
(1/163)

صغيرة، وفيه رد قول الخوارج.
ومنها ما ذكر في ((الجامع الصغير)) محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة -رحمهم الله- في ميراث رجل قسم بين غرمائه، قال: لا آخذ من الغريم كفيلًا ولا من الوارث، هذا شيء احتاط به بعض القضاة، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- خلافًا لهما.
وقوله: ((ظلم))، أي ميل عن سواء السبيل، وبهذا يعلم أن أبا حنيفة -رحمه الله- كان يعتقد أن المجتهد يخطئ ويصيب؛ لأن الأصل في القاضي
(1/164)

أن يكون مجتهدًا خصوصًا في ذلك الزمان، ومع ذلك نسب قضاء بعض القضاة إلى الظلم، فكان مخطئًا في قضائه لا محالة، فكان أبو حنيفة -رحمة الله عليه- معتقدًا أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: كل مجتهد مصيب.
ومنها: ما ذكر في كراهية (الجامع الصغير)): يكره أن يقول الرجل في دعائه: أسالك بمعقد العز من عرشك، أو بمقعد العز من عرشك. أجمعوا على أنه لا تجوز العبارة الثانية وهي من القعود؛ لأنها توجب حدوث صفة الله تعالى، والله تعالى بجميع صفاته قديم.
ومنها: أنهم بنوا مسائل كثيرة على الفعال الاختيارية من العباد، كما في الحدود والقصاص والغصوب، فعُلم بهذا أنهم لم يكونوا من المجبرة.
(1/165)

(حتى قال أبو حنيفة -رحمه الله- لجهم) وهو جهم بن صفوان الترمذي رأس الجبرية، ومن مذهبه: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار، وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله تعالى، وأن العباد فيما ينسب إليهم من الفعال كالشجرة تحركها الريح، والإنسان مجبر في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار. كذا في ((المغرب))، وهكذا أيضًا في ((تبصير الأدلة)).
(على ما نطق به الكتاب والسنة). نحو قوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} وقوله تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} الآية، وقوله عليه
(1/166)

السلام: ((الصراط جسر ممدود على وجه جهنم)).
وما روي عن النبي عليه السلام: أنه مر بقبرين جديدين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير؛ أما أحدهما فإنه كان لا يستتره البول، والآخر كان يمشي بالنميمة)).
(هذا فصل يطول تعداده) أي النوع الأول وهو علم التوحيد والصفات
(والنوع الثاني علم الفروع وهو الفقه) أي علم الفقه فرع على علم أصول الدين، وهو علم التوحيد والصفات، فأصالة أصول الدين إنما تكون باعتبار إثبات حدوث العالم، فعلم إثبات حدوث العالم أصل جميع العلوم الإسلامية، وقد ذكرنا وجهه في ((الوافي)).
(1/167)

(علم المشروع بنفسه) أي علم المبَّين حكمه، وهو علم الجواز والفساد، والحلال، والحرام.
(وهو معرفة النصوص بمعانيها) أي مع عللها، والسلف لم يستعملوا لفظ العلل، بل استعملوا المعاني مكان العلل، كما في قوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث)). أي إلا بإحدى علل، والدليل عليه تأنيث الإحدى، وكما في لفظ ((القدوري)): والمعاني الناقضة.
(1/168)

ثم نظير ما ذكر من معرفة النصوص بمعانيها هو أن يعرف معنى قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}، أن المراد به انتقاض الطهارة بالخارج من السبيلين؛ بسبب أنه نجس خارج من بدن الإنسان، ويقيس عليه الفصد والحجامة بهذه العلة الجامعة بينهما. وهكذا أيضًا نظير (ضبط الصول بفروعها). أو نقول: هو أن يعرف أن الحقيقة مع المجاز لا تجتمعان، وهذا أصل، وفرعه وهو: أن يعرف أن المس لا يكون حدثًا في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} لأن المجاز -وهو الجماع- تعين مرادًا بهذا النص، فلا تبقى الحقيقة مرادة.
(والقسم الثالث وهو العمل به)؛ لأن العلم وسيلة، والمقصود العمل. قال عليه السلام في دعائه: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)) وفسره بعلم لا يعمل به.
(1/169)

(حتى لا يصير نفس العلم مقصودًا)؛ لأن المقصود من هذه المشروعات الابتلاء، والابتلاء إنما يتحقق بالعمل والعلم لا بالعلم فحسب، ولا يقال: كيف جعل العمل من قسم العلم بقوله: ((والقسم الثاني علم الفروع وهو الفقه، وهو ثلاثة أقسام ....)) إلى آخره. مع أن العمل مغاير للعلم حدا وحقيقة، فكيف جعل العمل من قسم العلم؟
لأنا نقول: إن جعل العمل من قسم العلم حصل من تأويلنا للقسمة الأولى التي قسمها المصنف بقوله: ((العلم نوعان))، أي العلم المنجيء من العقاب نوعان، والعلم إنما يكون منجيًا من العقاب أن لو كان العمل مقرونًا بذلك العلم.
(فإذا تمت هذه الوجوه كان فقيهًا). ذُكر أن أعرابيا دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: علمني يا رسول الله سورة من القرآن، فعلمه سورة {إِذَا زُلْزِلَتِ} حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} فقال الأعرابي: حسبي يا رسول الله، فقال عليه السلام: ((فقه الرجل)). سماه فقيهًا حين علم منه أنه يضم العمل إلى العلم.
(وقد دل على هذا المعنى) أي على ما ادعينا من أن الفقه عبارة عن إتقان المعرفة بالشيء مع العمل به.
(1/170)

(والحكمة): صواب كاري كردن دركردار ودر كفتار.
وقيل: الحكمة: هي العلم مع العمل؛ لأنه إنما يسمى الفعل حكمة إذا كان ذلك الفعل عن علم، ثم إنما يسمى الرجل العالم حكيمًا إذا عمل بما علم؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه كان سفيهًا لا حكيمًا. والتنكير في قوله: {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي خير كثير. يعني هو غاية في الخيرية والكثرة، كما تقول: مررت برجل أي رجل. أي كامل في الرجولية.
(وقد فسر ابن عباس -رضي الله عنهما- الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام). فتفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- جنس الحكمة المذكورة في
(1/171)

القرآن بعلم الحلال والحرام لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون العمل مقرونًا بذلك العلم، أو يكون المراد منه مجرد العلم بدون العمل، والثاني منتف بقرينة الخير الكثير، فإن ذلك عبارة عن حفظ النفس عن الآفات في الدنيا، ودفع العقوبات في العقبى، ولن يكون العلم كذلك إلا بالعمل به؛ فلذلك كانت الحكمة متضمنة لهذا العلم مع العمل، فحصل من هذا أن تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- الحكمة بعلم الحلال والحرام، والفقه عبارتان عن معبر واحد؛ فلذلك كان تفسير الحكمة بهذا تفسيرًا للفقه أيضًا.
أو نقول: فيتفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- للمحكمة: يُعلَم العلم؛ لأنه فسر الحكمة أولا بعلم الحلال والحرام، وبتفسير أهل اللغة الحكمة: يُعلم العمل، ثم فسر ابن عباس ثانيًا الحكمة بالفقه، فبمجموع هذين التفسيرين يُعلم أن الفقه عبارة عن العلم مع العمل؛ لأن ابن عباس -رضي الله عنهما- جعل الفقه تفسير الحكمة، وهي عبارة عن العلم مع العمل، فكان تفسيره أيضًا كذلك، وغلا لا يكون تفسيرًا له. وكان شيخي -رحمه الله- يقول: الفقه من له رواية، ودراية، وعمل.
(1/172)

وقوله: {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. قيد الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن الحكمة حسنة أينما كانت، وإلا لا تكون حكمة.
وأما الموعظة فقبيحة في غير موضعها.
(قال الشاعر) وهو رؤبة، ونسب هذا القول في ((أساس البلاغة)) إلى عطاء السندي، وقال فيه: (أرسلت فيها مقرما ذا تشمام).
(1/173)

(أرسلت فيها) أي في النوق. (قرمًا) أي فحلًا، فإن القَرْمَ: البعير المكرم الذي لا يحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قَرْم.
(ذا إقحام): در اوردن جيزي در جيزي بعنف.
(طبًا) أي فحلًا ماهرًا بالضراب الضراب: كشتي كردن شتر.
(بذوات الأبلام): الأبلام -بفتح الهمزة-: جمع بلمة بتحريك اللام، يقال: ناقة بها بلمة شديدة إذا اشتدت ضبعتها. الضبعة -بقتح الباء-: بكشتي آمدن شتر. يقال: أبلمت الناقة إذا ورم محياؤها من شدة الضبعة، ورأيت شفتيه مبلميتين إذا ورمتا.
فوجه التمسك بهذا البيت هو أنه وصف القرم أولًا بالإقحام وهو عبارة عن العمل، وبالطب ثانيًا، وهو عبارة عن العلم، ثم أطلق عليه اسم الفقه، فعلم بهذا أن الفقه عبارة عن العلم والعمل به لغة.
فإن قيل: فعل الإرسال يتعدى إلى المفعول الثاني بكلمة ((إلى)) كما في
(1/174)

قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} فكيف عُدي هاهنا بكلمة في؟
قلت: ذكر ((في)) هاهنا ليس لبيان التعدية إلى المفعول الثاني، بل لإعلام المحل وبيان كون النوق موضعًا للإرسال، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ}.
(فمن حوى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا)، وهو المراد بقوله عليه السلام: ((ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)).
{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} جرابيرون نمي آيد ازهر كروهي يك كس. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الطائفة تقع على الواحد
(1/175)

فصاعدًا، أي فلولا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة، وللآية تأويلان:
أحدهما: أن النبي -عليه السلام- إذا خرج للغزو كان المسلمون كلهم يرغبون في الخروج معه، فورد النهي عن الخروج جملة حفظًا لأهاليهم عن العدو؛ لأن العدو عسى أن يسبي أهاليهم عند غيبيتهم ويأخذ أموالهم.
والثاني: أن النبي -عليه السلام- إذا قعد في المدينة وبعث السرايا إلى الآفاق كان يرغب المسلمون في الخروج مع السرايا جملة، فورد النهي عنه؛ لأنهم إذا خرجوا جملة لو نزل على رسول الله -عليه السلام- شيء من الحكام لم يكن معه أحد يبلِّغه هو إلى من غاب وخرج إلى الغزو، فأمر بأن ينفر طائفة ويبقى طائفة؛ ليبلِّغ الشاهد الغائب ما نزل إليهم من القرآن.
فإن قيل: في هذه الآية نهى الكل عن أن ينفروا مع رسول الله -عليه السلام- إلى الجهاد على ما ذكر في التأويل الأول، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} وقال: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ}، وقال: {فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا}.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
(1/176)

أحدها: أن هذه الآية نسخت الآيات التي توجب الخروج جملة.
والثاني: أمروا بنفر الكل عند قلة المؤمنين، فلما كثر المسلمون أُمروا بنفر البعض دون البعض.
والثالث: أُمروا بنفر الكل عند النفير، وأمروا بنفر البعض دون البعض في غير حال النفير.
(والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل)، فهذا دليل على أن الفقه العلم والعمل؛ لأنه إنما يدعو الخلق بما عنده؛ حتى لا يصير من الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم مندوبون إلى الإنذار، وإنما يكون مندوبًا إذا عمل بما عَلم.
((إذا فقهوا)) فقه من باب شرُف للطبع، يقال: كرم الرجل إذا كان الكرم طبيعة له، وهنا أيضًا إنما يقال: فقه إذا صار الفقه طبيعة له وفقه من
(1/177)

باب علم، وذلك لا يكون للطبع، بل يقع ذلك أحيانًا، كما أن بخل كذلك، أي لا يكون للطبع، بل يكون أحيانًا كما قال الشاعر:
ولربما بخل الجواد وما به ... بخل ولكن ذاك نحس الطالب
ولربما جاد البخيل وما به ... جُود ولكن ذاك سعد الطالب

(هم السابقون في هذا الباب) أي لم يتقدمهم أحد في باب الفقه والاجتهاد الذي هو بذل المجهود. (ولهم الرتبة العليا والدرجة القصوى)
فالعليا: تأنيث الأعلى، والقصوى: تأنيث الأقصى وهو الأبعد.
فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين العليا والقصوى بالياء والواو مع أن كلًا منهما فُعلى -بضم الفاء-، وكل منهما واوي؛ لأنهما من عَلوت وقصوت؟
قلت: العليا جاءت على الأصل الذي اقتضته العربية دون القصوى، فإنها جاءت شاذة بالواو، وذلك أن الكلمة إذا ثنيت على فُعلى -بضم الفاء- وهي من بنات الواو تُقْلَب واوها ياء في الاسم كما في الدنيا، ولا تقلب
(1/178)

ياء في الصفة، بل يبقى على أصلها واوية كما في الغزوي تأنيث الأغزي.
وإنما فعلوا هكذا للفرق بين الاسم والصفة، وتخصيص الياء بالاسم حملًا للأخف على الأخف، فعلى هذا لكان من حق القصوى أن يقال: القصيا في جميع اللغات كما جاء في بعض اللغات القصيا أيضًا؛ لأنها عوملت معاملة الاسم كالدنيا، فكانت هي شاذة في ورودها بالواو، وفيها وجيه أيضًا في ورودها بالواو مع ذلك، وهو أن القصوى قد تستعمل مع الموصوف نحو قولك: الغاية القصوى، فكان فيها معنى الصفة باقية؛ فلذلك جاز بالواو، وحق هذا الكلام مقضي مع ما يناسبه ويواخيه في ((الموصل في شرح المفصل)).
(وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة). الرباني: مرد عالم وخداى شناس. منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للتأكيد كالحياني، والنوراني، والرقياني -بفتح الراء -والقياس فيه ربي، وأما كسرها وضمها فمن تغييرات النسب.
وقيل في تفسيره: إنه يُعلم صغار العلم قبل كباره.
(القدوة) بمعنى الاقتداء، كالأسوة بمعنى الائتساء وزنًا ومعنى. ثم معنى قوله: (وملازمة القدوة) أي أنهم يأخذون الأحكام من الكتاب أولًا ثم من الأحاديث، ثم من الإجماع، ثم من قول الصحابة، ثم يستعملون الرأي على ترتيب الفروع على الأصول، ولا يحطون رتبة النصوص عن منزلتها ولا يرفعونها عن منزلتها أيضًا.
(1/179)

(وهم أصحاب الحديث والرأي). يقال: رأي رأيا: بدل ديد، ورأي رؤيا: بخواب ديد، ورأي رؤية: بجشم ديد.
(فقد سلّم لهم العلماء)، فرُوي أن الشافعي قال: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة -رضي الله عنه- في الفقه. وبلغ ابن سريج وكان مقدَّمًا
(1/180)

من أصحاب الشافعي -رحمه الله- أن رجلًا يقع في أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فدعاه فقال: يا هذا، أتقع في رجل سلَّم له جميع الأمة ثلاثة أرباع العلم، وهو لا يسلَّم لهم الربع .... إلى آخره. كذا في ((المبسوط)).
(المراسيل): جمع مُرسل وهو المطلق، ففي الحديث: هو الذي أطلق عن ذكر الإسناد؛ أي لم يُذكر فيه الراوي الأعلى الذي سمعه من النبي عليه السلام فالسنة أعم من الحديث؛ لأن السنة تتناول القول والفعل.
(1/181)

والحديث لا يتناول إلا القول، فجمع بينهما في قوله: (تمسكا بالسنة والحديث) لئلا يتوهم أنه من هذا العموم يريد الخصوص، فلذلك ذكر الخصوص بعد العموم.
(وعمل بالفروع بتعطيل الأصول) أي عمل بالرأي وهو القياس مع تعطيل الأصول وهي المراسيل من السنة أصل والرأي فرع، ومن شرط صحة العمل بالفرع أن يكون مقَّرر للأصل لا معطلا له.
(وقدموا رواية المجهول) المراد من المجهول هو المجهول في الرواية بأن لم يُعرف في رواية الحديث إلا بحديث أو حديثين.
وذكر في ((شمائل النبي عليه السلام)): أن أبن أبي طارق لم يرو إلا حديثًا واحدًا. وكذلك حطان السدي. وذكر في الكتاب من جملتهم
(1/182)

معقل بن سنان.
فكان معنى قوله: ((وقدموا رواية المجهول على القياس))، أي قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في وجوب مهر المثل في مسألة المفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول على القياس، وهي في حديث بروع بنت واشق الأشجعية على ما يأتي بيانه في باب خبر الواحد في السنة -إن شاء الله تعالى-.
(وقدموا قول الصحابي) لاحتمال أنه من الرسول، وهو قول أبي سعيد البردعي -رحمه الله- وهو الأصح، وذلك مثل عمل أصحابنا في إفساد
(1/183)

شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقوله عائشة -رضي الله عنها- وهذا فيما لا يدرك بالقياس باتفاق بين أصحابنا.
وأما فيما يدرك بالقياس فقد خالف الكرخي أبا سعيد فقال: لا يجب تقليد الصحابي إلا فيما لا يدرك بالقياس.
(1/184)

وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم.
وقوله: (لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث).
قال على -رضي الله عنه-: ((العلم نوعان: مسموع ومطبوع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوعا)). فمعنى قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي))، أي لا يستقيم العمل بالحديث إلا بمعنى فقهي، ونظير ذلك ما لو سُئل واحد: أن صبيين لو اجتمعا في شرب لبن شاة واحدة، هل يثبت بينهما حرمة الرضاع أم لا؟
فقال: نعم، نظرًا إلى ظاهر قوله -عليه السلام-: ((كل صبيين اجتمعا
(1/185)

على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر)). وهذا ليس بمذهب لأحد، وإنما وقع في هذا صاحب الحديث لعدم رأيه.
وكذلك لا يستقيم الرأي بدون الحديث، فنظير ذلك ما لو سئُل واحد أن التقيؤ هل هو مفسد للصوم أم لا؟
فقال: لا. لما أن الشيء إنما ينتفي بوجود منافيه، والتقيؤ ليس بمناف للصوم؛ لأن الصوم: عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع مع شرائطه، ولم يوجد واحد من هذه الأشياء، فلم يفسد الصوم؛ وهذا لأن الأكل شغل الباطن، وهذا تفريغ الباطن، فكان هذا ملائمًا للصوم لا منافيًا، وهذا الرأي صحيح في نفسه إلا أنه خلاف النص، وهو قوله عليه السلام: ((من استقاء فعليه القضاء)).
فعُلم أن العمل بالحديث لا يحسن بدون الرأي، ولا العمل بالرأي بدون معرفة الحديث.
فإن قلت: ظاهر قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم
(1/186)

الرأي إلا بالحديث)) يقتضي الدور وهو ظاهر، وكل شيء كان مبناه على الدور فهو لا يوجد أصلًا؛ لتوقف وجود كل واحد منهما على وجود صاحبه، فحينئذ لا يوجد الحديث ولا الرأي، والكلام سيق لترغيب الطلبة إلى تحصيلهما جميعًا، وفي هذا الذي ذكره لا يوجد واحد منهما، فكيف يوجدان هما جميعًا؟! فما وجهه؟
قلت: وجهه هو أن المراد من هذا الكلام اجتمعهما كما في العلة ذات وصفين من القرابة والملك في العتق، فإن القرابة هناك لا تعمل بدون الملك ولا الملك بدون القرابة، فكان المراد منه اجتماعهما في حق العتق، فكذا هنا المراد منه في حق اجتهاد المجتهد اجتماع استقامة الحديث والرأي. لا أن كان كل واحد منهما موقوفا على وجود الآخر.
أو نقول: هو أن فيه نفي استقامة كل واحد منهما بدون استقامة الآخر لا وجودهما، واستقامة الشيء عبارة عن العمل به على وجه الصواب، والعمل بكل واحد منهما مغاير للعمل بالآخر، فكان أصل وجود كل واحد منهما غير مفتقر إلى الآخر، فحينئذ لا يتنافيان في وجود استقامتهما، فإن معناه: لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالعمل بالرأي على وجه الصواب، ولا يستقيم العمل بالرأي على وجه الصواب إلا بعلم الحديث، فلا منافاة في
(1/187)

هذا؛ لأنه يجوز أن يكون العلم بالحديث موجودًا واستقامة العمل بالحديث لم تكن موجودة.
فعلم بهذا أن وجود علم الحديث نفسه كان صحيحًا بدون وجود الرأي؛ لما أن هذا يتعلق بذاك بغير الوجه الذي يتعلق ذاك بهذا، وفي مثل هذا لا يتأتى التنافي ولا الدور. ونظير هذا بعينه في صناعة النحو قوله تعالى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا} فإن قوله: {أَيًّا} منصوب ب {تَدْعُوا}، وقوله: {تَدْعُوا} مجزوم ب
{أَيًّا}. ومن حيث الظاهر ذاك أنفى من هذا؛ لأن في ذاك حال عمل هذا، في ذاك عمل ذاك في هذا، فكان هذا عاملًا فيه حال كونه معمولا له، فالعمالية تقتضي النقد، والمعملية تقتضي التأخر الشيء الواحد بالنسبة إلى غيره لا يكون متقدمًا عليه ومتأخرًا عنه في حالة واحدة، ولكن عمل هذا في ذاك غير عمل ذاك في هذا؛ فإن عمل هذا في ذاك باعتبار الشرطية، وعمل ذاك في هذا باعتبار المفعولة، والمفعولة غير الشرطية، فلا يتنافيان في الوجود، وإن كان اقتضاء التقدم والتأخر لكل واحد منهما موجبًا للتنافي، وهذا واضح بحمد الله تعالى.
وكان شيخي- رحمه الله- يقول: وإن كان كل واحد منهما محتاجًا إلى الأخر، لكن الاكتفاء بالرأي أكثر صورًا من الاكتفاء بالحديث.
ألا ترى أن الضلال الذين ضلوا بسبب الاكتفاء بالرأي من الفلاسفة
(1/188)

وغيرهم أكثر من الذين اكتفوا بمجرد ظاهر الحديث.
(وملأ كتبه) أي محمد- رحمة الله-
(ومن استراح) أي اكتفى وطلب راحة نفسه عن مشقة طلب المعاني (بظاهر الحديث)، فإن قولك: استراح الرجل من الراحة، وفي الصادر: الاستراحة: بر أسودن.
(النكول): ازدشمن ياأز سوكند باز استأذن من حد نصر ..
(لبيان النصوص بمعانيها) أي مع معانيها بأن يبين معنى الخاص والعام وغيرهما إلى الأقسام الثمانين.
(وتعريف الأصول بفروعها) أي مع فروعها بأن يعرف أن معنى النص هذا أي الوصف المؤثر في هذا النص هذا، وهذا الوصف المؤثر موجود في ذلك الفرع، فيجب أن يثبت مثل ذلك الحكم في الفرع، كما تقول في قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} أن المعنى المؤثر الذي هو مناط الحكم في النص خروج النجاسة من بدن الإنسان؛ لأن انتقاض الطهارة
(1/189)

المستفاد من هذا النص لم يخل إما أن كان متعلقًا بالخارج المخصوص أو بالمخرج المخصوص أو بهما جميعًا فلا جائز أن يكون متعلقًا بالخارج المخصوص وهو البول والغائط لانتقاض الطهارة بخروج الدم منه ولا جائز بالمخرج المخصوص للزوم انتقاض الطهارة أبدا، أو لعدم حصول الطهارة أبدا لوجود المنافي للطهارة، ولا جائز أن يتعلق الانتقاض بهما جميعًا لانتقاض طهارة من طعن تحت سرته وخرجت العذرة منه عند الخصم أيضًا مع انعدام مقاربة بين الخارج المخصوص والمخرج المخصوص.
فعلم بهذا انتقاض الطهارة فيما إذا خرج البول أو الغائط من السبيلين لوجود خروج النجاسة من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت ما إذا خرج الدم من غير السبيلين بسبب الفصد أو الحجامة أو غيرهما، وأما إذا خرج الدم من السبيلين فتنتفض الطهارة في القصد والحجامة كما تنتقض الطهارة فيما إذا خرجت النجاسة من السبيلين.
(التوكل): إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان.
أناب إلى الله أقبل عليه بوجهه. كذا في الصحاح.
(1/190)

(والأصل الرابع هو القياس). والقياس أصل بالنسبة إلى الأحكام التي لا توجد في الكتاب والسنة والإجماع نصًا، ولكن مع ذلك إنه فرع لهذه الأصول الثلاثة؛ لأنه مستخرج عنها، وهذا لأن القياس لم يكن لإثبات الحكم ابتداء، بل القياس هو إبانة حكم أحد المذكورين بمثل علته في الأخر بالمعنى المستنبط، فالقياس يشمل العقلي والشرعي، فلذلك قيد بقوله: (بالمعنى المستنبط)، حتى يخرج القياس العقلي من البين؛ لأن الذي نحن يصدده القياس الشرعي.
نظيره ما قلنا في الجص والنورة: فإنا استنبطنا المعنى الذي في الأشياء الستة هو القدر والجنس، ووجدناه فيهما فعدنياه إليهما، كما هو الحكم في العلة المنصوص، وهي الطواف في الهرة، لما وجدناه علة متعدية إلى غيرها. وهو سائر سواكن البيوت من الفارة والحية- عدنياه إلى غيرها، فأثبتنا فيه حكمًا مثل الحكم الذي في الهرة.
وأما القياس العقلي فهو أن يقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، فكان العالم حادثًا كما في سائر الحوادث المحسوس حدوثها من حدوث البناء
(1/191)

والحركة والسكون، ثم نظير المستنبط من الكتاب فقولنا: إن اللوظة حرام لقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}. والمعنى فيه أنه مخالط للأذى أي النجاسة ومخالطة الأذى حرام لقوله تعالى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}. وهذا المعنى موجود في اللواط؛ لأن المعنى الداعي إلى حرمة القربان في حالة الحيض مخالطة النجاسة، وهي موجودة في اللواط. وكذلك القول بوجوب العدة بثلاثة أقراء على الحرة ذات الإقراء في فرقة بغير طلاق، كما في خيار البلوغ وخيار العناق، مستنبط من قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}. للمعنى الجامع بين الفرقة الثابتة بالطلاق، وبين الفرقة الثابتة بغير الطلاق، وهو تعرف براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح بعد الدخول.
ونظير المستنبط من السنة هو ما ذكرنا أنفًا من استنباط المعنى الذي في الأشياء الستة في مسألة الربا، ونظيره أيضًا قولنا: تجب الكفارة على المرأة في الجماع؛ لما أن الكفارة على الرجل إنما تجب باعتبار كون الجماع جناية على الصوم لا باعتبار نفس الجماع، وقد شاركت المرأة الرجل في هذا المعنى، ولهذا فسد صومها.
(1/192)

ونظير المستنبط من الإجماع هو ما ذكره في "المبسوط" في باب الحدث بقوله: "إن قدم القوم رجلًا- يعني فيما إذا أحدث الإمام- قبل خروج الإمام من المسجد فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديم القوام إياه كاستخلاف الإمام الأول، قياسًا على الإمامة العظمى؛ فإن ثم استخلاف أبي بكر.
رضي الله عنه- ثبت بالإجماع باستخلاف الناس لحاجاتهم إلى الإمام، فكذا هاهنا يصح استخلاف القوم لحاجتهم إلى الإمام في أتمام صلاتهم، وكذلك عدم جواز النكاح المؤقت بالقياس على نكاح المتعة.
(1/193)

(الدليل الأول: الكتاب)
(المنقول عنه نقلًا متواترًا) هذا احتراز عن مثل قراءة عبد الله بن مسعود وأبي- رضي الله عنهما- مثل قوله تعالى: {فاقطعوا أيمانهما}
(1/194)

وغير ذلك مكتوب في مصحفهما، إلا أنه لم ينقل إلينا نقلًا متواترًا، فلذلك لم يثبت كونه قرآنًا، وقوله: (بلا شبهة) احترازًا عن قول بعض العلماء الذي جعل المشهور أحمد قسمي المتواتر، فتفسير المشهور والمتواتر بأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
(وهو الصحيح). قيل: لفظ الأصح يقتضي أن يكون غيره صحيحًا، ولفظ يقتضي أن يكون غيره غير صحيح.
(1/195)

= أ- أن أبا حنيفة- رحمه الله- لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في حق جواز الصلاة خاصة؛ لأنه لا يريد بالنظم إلا الإعجاز بل اعتبر المعنى، وأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى، والنظم العربي معجز بليغ، فلعله لا يقدر عليه، أو لأنه أن اشتغل بالعربي ينتقل الذهن منه إلى حسن البلاغة والبراعة ويلتذ بالأسجاع والفواصل، ولم يخلص الحضور مع الله تعالى، بل يكون هذا النظم حجابًا بينه وبين الله تعالى.
ب- وأن بناء النظم على التوسعة والتيسير في الصلاة وغيرها. أما في الصلاة فلقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} إذا حمل على ظاهره.
ج- وذكر بعض المراجع دليلًا آخر وهو: أن القرآن أنزل بلغه قريش؛ لأنها أفصح اللغات، فلما تعسرت قراءته بتلك اللغة نزل التخفيف بدعاء النبي عليه السلام، وإذن بتلاوته بسائر اللغات، وسقط وجوب رعاية تلك اللغة، واتسع الأمر حتى جاز لكل فريق منهم أن يقرءوا بلغتهم ولغة غيرهم، فلما جاز للقرشي أن يترك لغة نفسه ويقرأ بلغه بني تميم مع كمال قدرته على لغة نفسه جاز لغير العربي ترك لغة العرب مع قصور قدرته عليها.
انظر: كشف الأسرار للبخاري 1/ 74 - 77، كشف الأسرار للنسفي 1/ 20، نور الأنوار 1/ 20.
لكن الترخص كان في اللهجات دون اللغات؛ لآن لغة قريش وبني تميم و ... لغة واحدة، واللهجات مختلفة، فالدليل الثالث ربما يكون في غير محله، وكذلك الدليل الأول والثاني؛ لأن أبا حنيفة- رحمه الله- نفسه رجع عن قوله إلى قول الصاحبين والجمهور كما ثبت ذلك عنه. حتى إن ابن العز شارح العقيدة الطحاوية قال: "قال الشيخ حافظ الدين ألنسفي- رحمه الله- في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى، وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة- رحمه الله:- أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزاه، فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية إما أن يكون مجنونًا فيداوي، أو زنديقًا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل ينظمه ومعناه، كما نقل الملا على القاري في شرح الفقه الأكبر نفس العبارة من ابن أبي العز.
لكن راجعت المنار وبعض شروحه مثل: كشف الأسرار للنسفي، ونوار الأنوار لملا جيون، وجامع الأسرار لمحمد بن محمد أحمد الكاكي فلم أقف عليها. وهذا =
(1/196)

(في حق جواز الصلاة خاصة).
قال الشيخ الإمام جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في "شرح الجامع الصغير" في باب تكبيرة الافتتاح: جواز الصلاة حكم يختص بقراءة القرآن، فيتعلق بالمنزل على رسول الله عليه السلام- وهو النظم والمعنى- قياسًا على قراءة القرآن في حق الجنب والحائض. يعني أن حرمة التلاوة تتعلق بالنظم والمعنى جميعًا حتى لو قرأ الحائض أو الجنب بالفارسية جاز.
قال الإمام مولانا حميد الدين الضرير- رحمة الله: فبهذه الرواية تعرف فائدة تقييد قوله في الكتاب: "في حق جواز الصلاة خاصة"، وإن كان فيه رواية أخرى: أنها تحرم. ذكرها شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده.
(1/197)

رحمة الله.
ولا يرد علينا وجوب سجدة التلاوة بالتلاوة بالفارسية؛ لأنها ملحقة بالصلاة.
(ركنًا زائدًا يحتمل السقوط) أي في حق المكره الكامل إكراهه وفي حق من لم يجد وقتًا يتمكن فيه من الأداء وصدق بقلبه، وكان مختارًا في ذلك بأن لم يكن إيمانه إيمان البائس كان مؤمنًا بالإجماع.
علم بهذا أنه كان يحتمل السقوط فكان زائدًا في الركنية.
وأما من صدق بقلبه وترك البيان من عذر لم يكن مؤمنًا، وهو مذهب الفقهاء على ما يأتي ببيانه علم بهذا أنه ركن في أصله.
وقوله: (على ما يعرف في موضعه) أي في هذا الكتاب في موضعين: أحدهما- في باب صفة الحسن للمأمور به.
والثاني- في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط. أو أراد بقوله: في موضعه أصول الكلام، فإن ذلك مستقصى فيه.
(1/198)

(وإنما تعرف أحكام الشرع) أي الأحكام التي ثبتت بالقرآن (بمعرفة أحكام النظم والمعنى)؛ لأن معرفتها بالكتاب وهو القرآن، والكتاب منقسم إلى هذه الأقسام في حق الأحكام؛ فلذلك كانت معرفة تلك الأحكام مرتبة على معرفة أقسام النظم والمعنى.
(وذلك أربعة أقسام) فوجه الانحصار هو أن يقول: إن أقسام نظم الكلام ومعناه لا تخلو إما أن كانت بحسب المتكلم فلا تخلو إما أن تكون في المفرد أو في المركب، فإن كانت في المفرد فهي القسم الأول، وإن كانت في المركب فلا يخلو إما أن كانت للبيان أو لا، فإن كانت للبيان فلا يخلو إما أن كان كونها بيانًا لمعنى في ذاتها أو لمعنى في غيرها أقترن بها، فالأول القسم الثاني، والثاني القسم الثالث.
وأما المركب الذي ليس هو للبيان فليس من بابنا، وإن كانت بحسب السامع فهو القسم الرابع، وبهذا الانحصار يعلم أيضًا أن أقسام النظم ثلاثة، وقسم المعنى واحد وهو الذي يتعلق بالسامع، وإنما ذكرنا هذا الانحصار دون غيره؛ لأن ما ذكرناه من الانحصار في هذا الموضع في "الوافي" غير متضح مثل اتضاح هذا.
(فيما يرجع إلى معرفة أحكام الشرع) إنما قيد بهذا؛ لأن فيه عبرًا، وقصصًا، وأمثالًا، وأخبار الأمم الماضية فيما لا يتعلق به حكم من أحكام الشرع من حيث المعنى ظاهرًا، فلم تكن هي فيما كان هو يصدده، ولذلك لم
(1/199)

يكن الكلام فيها.
(القسم الأول- في وجوه النظم صيغة ولغة) إنما قدم هذا القسم؛ لأن ذلك من قسم المفردات، والمفردات أبدًا مقدمة على المركبات كمل في الحسيات، فإن الواحد قبل الأتنين في الوجود، فكذا في ترتيب البيان طلبًا للمناسبة بقدر الإمكان، ثم الصيغة فعلة من الصوغ: زكي كدرن بمعني المفعول، يعني كيف وضع اللفظ، ماض أو مستقبل، أو نهي، اسم أو فعل، فكانت الحروف الدالة عليه صيغة.
وأما اللغة فهي ما يفهم من مدلول أصل هذا التركيب الذي هو موجود في جميع الصيغ كدلالة الضرب مثلًا على مدلول، وهو إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، وذلك المدلول موجود في الألفاظ المشتقة من اللفظ الدال عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما، كجوهر الذهب مثلًا في المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات منه كالسوار والخاتم والتاج والخلخال والإبريق، فكذلك ها هنا معنى اللغة موجود في الصيغ المختلفة الدالة عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما أو نقول وهو الأرفق لمحل الكلام: المراد من قوله: صيغة ولغة، هو أن يقال هذه الصيغة تدل على معنى الخاص، وهذه الصيغة تدل
(1/200)

على معنى العام، وكذا في المشترك والمؤول، ثم أعقبه القسم (الثاني) الذي يتعلق بالبيان؛ لأنه من قبيل المركبات؛ لأن البيان يكون بالمركب لكن البيان يحتمل التزايد، وهذا لأن الظاهر يحتمل المجاز فيزاد البيان فيه على وجه لا يحتمله. كقوله: جاءني زيد. يحتمل مجئ خبره أو كتابه فيقطع ذلك الاحتمال بالزيادة في البيان في البيان بقوله: نفسه، وهذا الظاهر المؤكد بالنفس لو كان عامًا يحتمل أن يراد به الخصوص فيزاد في البيان بما يقطع ذلك الاحتمال وهو كلمة كل، ثم هو مع ذلك محتمل للبيان بزيادة الوضوح؛ لأنه يحتمل التفرق فيزداد في البيان بما يقطع هذا الاحتمال بالجميع، فلذلك قال (في وجوه البيان) بلفظ الجمع؛ لأن البيان له طرق.
والقسم الثالث أربعة أوجه أيضًا: الحقيقة، والمجاز، والصريح، والكناية. يعني أن استعمال هذه الألفاظ في باب البيان إما أن أريد بها ما وضع له هذا اللفظ وهو الحقيقة، أو أريد بها غير ما وضع له هذا اللفظ لمناسبة بينهما وهو المجاز، أو استعمل اللفظ في باب البيان مع كثرة الاستعمال ووضوح البيان ظهورًا بينًا وهو الصريح حقيقة كان مجازًا، أو استعمل مع استتار معناه وهو الكناية حقيقة كان مجازًا.
فالحاصل أن هذا القسم على وفق ما ذكرنا بأن القسم الثاني في نفس البيان.
(والقسم الثالث- في كيفية استعمال الألفاظ) في باب البيان.
(1/201)

(والرابع- في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعنى) أي كيف يقف المجتهد على ثبوت الحكم بطريق العبارة أو الإشارة على حسب الوسع والإمكان. قال علي- رضي الله عنه: جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه إفهام الرجال.
يعني ومن يأخذ منه ما هو المقصود عنده إنما يأخذه بقدر وسعه وإمكانه.
وأما جميع العلوم الدينية فموجودة فيه، وعليه دل قوله تعالى: {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}، وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (وإنما تتحقق معرفة هذه الأقسام بأربعة أخرى في مقابلتها) وإنما ذكر المقابل لهذا القسم دون القسم الأول والثالث؛ لأن الأقسام في دينك القسمين بعضها يتضاد البعض؛ فإن الخصوص يتضاد العموم، والحقيقة تضاد المجاز، فلا يحتاج إلى بيان القسم المقابل ليتضح المراد زيادة إيضاح، بخلاف
(1/202)

أقسام القسم الثاني، فإن كلها للبيان والإظهار، ولا بضاد الإظهار بدليل أن الأقوى في البيان في تلك الأقسام يتضمن الأدنى فيه، فإن النص يتضمن الظاهر، والمفسر يتضمن النص، والمتضمن لا يكون مضادًا للمتضمن.
(معرفة مواضعها) أي معناها من حيث اللغة (وترتيبها) أي ترتيب هذه الأقسام عند التعارض، أي أيها يقدم وأيها يؤخر نحو: المحكم فإنه يقدم على المفسر، والمفسر على النص، والنص على الظاهر.
(ومعانيها) أي معانيها شرعًا، كما تقول في معنى الخاص والعام من حيث الحد والحقيقة شرعًا.
الخاص: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد.
والعام: هو كل لفظ ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
(وأحكامها) أي الأحكام المطلوبة من هذه الأقسام من الحل والحرمة.
(وأصل الشرع هو الكتاب والسنة) وإنما خصهما بالذكر ها هنا مع أنه
(1/203)

قال: أصول الشرع ثلاثة؛ لأن هذه الأقسام كلها تأتي في الكتاب والسنة دون الإجماع، أو نقول: الإجماع يجوز أن يكون بناء عليهما ولا يجوز عكسه، فكانا أصلين من كل وجه بخلاف الإجماع؛ فلذلك خصهما بالذكر.

[تعريف الخاص]
(أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد) هذا حد صحيح جامع مانع يدخل فيه خصوص الجنس والنوع والعين؛ لأن الإنسان معناه واحد على الانفراد، وكذلك الرجل، وكذلك العين. إلا أن خصوص العين واحد على وجه لا يشارك في مفهومه شيء ولا كذلك الإنسان والرجل، فإن في مفهومها شركة، فصار خصوص العين مغايرًا لهما مغايرة قوية، فأفرده بالذكر لا أنه غير داخل في الحد، والصحيح ما ذكرناه في
(1/204)

"الوافي"، والحد الجامع لأنواع الخصوص هو ما ذكره بعد هذا يقوله: (فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة)، وقوله ها هنا: " ويقطع الشركة" وقوله فيما قبله: وانقطاع المشاركة" بعد قوله: "على الانفراد" تصريح بلازم ما ذكر قبله. لا أن يكون ذلك محتاجًا إليه في الحد؛ لما أن اللفظ لما كان موضوعًا لمعنى واحد على الانفراد يلزم منه انقطاع المشاركة لا محالة، ومع ذلك كان ذكره لتصريح لازمه المذكور قبله لا من تتمه الحد؛ لأنه غير محتاج إليه فيه.
(1/205)

[تعريف العام]
(ثم العام بعده) إنما قال بعده؛ لأن الخاص بمنزلة الجزء، والعام بمنزلة الكل، فيكون الجزء مقدمًا على الكل في الوجود، فكذا في الترتيب في الذكر، (ومعنى قولنا: من الأسماء يعني من المسميات)، وبهذا يحترز عن التسميات؛ لأن التسميات غير المسميات بالإجماع، وبقوله: (هنا) يحترز عن قولنا: إن لله تعالى أسماء الحسنى، فإن المراد منها التسميات لا المسميات، فإن الله تعالى غير متعدد، بل تسميته بالأسماء متعدد، وكذلك في قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}
وقوله: (وهو تفسير الانتظام) إنما ذكر هذا؛ لئلا يظن أنه من تتمة
(1/206)

الحد، ولا يستقيم ذكر كلمة "أو" في ذكر الحد؛ لأنها وضعت لتناول أحد المذكورين، فإن دخلت في الخبر أفضت إلى الشك، ومقام ذكر الحد مقام الخبر، والحد وضع لتعريف الماهية بدون الشك، فكان موضوع الحد على خلاف موضوع كلمة "أو" فلذلك لم يستقم ذكرها في موضع ذكر الحد.
أو نقول: تستعمل هي لتقسيم الأفراد، والتقسيم أيضًا ضد التحديد على ما هو المعروف، فلا يليق ذكرها في موضع الحد.
وقوله: (ونحوهما) كقوم، ورهط.
(انتهت إلى صفة العمومة) يعني أن الأول الزوجية كما كان لأدم عليه السلام، ثم قرابة الأبوة والنبوة، ثم قرابة العمومة، ثم حل النكاح بعدها، فكانت القرابة المحرمة للنكاح منتهية إلى صفة العمومة.
فإن قلت: في هذا سؤالان: أحدهما: لا نسلم أن العمومة منتهى القرابات، بل أولاد الأعمام أيضًا من الأقرباء، ولئن سلمنا أن المراد منه القرابة المقيدة بالحرمية لا نسلم تعين العمومة حينئذ لذلك، وهو السؤال
(1/207)

الثاني، فإن القرابة المقيدة بالحرمية كما تنتهي بالعمومية فكذلك تنتهي بالخؤولة، فلما تكن العمومية مستعينة في ذلك كيف قال: "انتهت إلى صفة العمومة"؟
قلت: المراد من قوله: "والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة القرابة المحرمة للنكاح على ما ذكرنا، فلا يدخل حينئذ في هذا أولاد الأعمام.
وأما ما ذكرته أن أولاد الأعمام من الأقرباء أيضًا، فقلنا: لا نسلم ذلك شرعًا بدليل أن من أوصى لأقاربه فهي للأقارب من ذي رحم محرم منه، ولا يدخل فيه غير المحرم- أي على قول أبي حنيفة- رحمة الله.
فعلم بهذا أن القرابة مقيدة في الشرع بالمحرم من الأقارب.
وأما اختيار العمومة دون الخؤولة في حق انتهاء القرابة مع أنهما مستويتان في المحرمية؛ فلكون العمومة من أنساب الآباء. والاعتبار في النسب لجانب الآباء لما عرف في تقدير مهر المثل أن المعتبر فيه جانب الآباء لذلك.
(وهو كالشيء اسم عام)، ولا يقال: إن العام يتناول أفرادًا متفقة الحدود، وليس كل الأشياء متفقة الحدود بل فيها المتغايرات والمتضادات كالعرض، والجوهر، والحركة، والسكون، والحيوان، والجماد، فكان كل واحد منها مخالفًا للأخر حدًا وحقيقة، فكيف يكون اسم الشيء عامًا؟
(1/208)

لأنا نقول: إن كل الأشياء متفقة الحدود باعتبار قيام معنى الشيئية وهو الوجود في الجميع، فإن اسم الشيء يتناول الجوهر باعتبار الوجود لا باعتبار الجوهرية، فحينئذ كان متناولًا للعرض أيضًا؛ لأن العرض موجود، فكذلك سائر الأشياء موجودة، وإن كانت مختلفة في حقيقتها فيتناولها اسم الشيء على وجه العموم لاتحاد كلها في معنى الوجود، فكانت أفرادها متفقة الحدود؛ لأن معنى الوجود موجود في كل الأشياء، غير إن اسم الشيء كما يطلق على المخلوقات يطلق على ذات القديم لما عرف إلا أنه يطلق على المخلوقات بمعنى المشي، ويطلق على الله تعالى بمعنى الشائي؛ لأنه مصدر بصيغته، يقال شاء يشاء شياء ومشيئة، والمصدر يقع إطلاقه على اسم الفاعل، وعلى اسم المفعول.
(وهذا سهو منه أو مؤول؛ لأن المعاني لا تتعدد)، وهذا التعليل تعليل
(1/209)

لقوله: "سهو" يعني أن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلاف تلك المعاني كما في أفراد المشترك؛ وهذا لأن أفراد المعنى الواحد وإن كانت كثيرة لا تكون معاني، كالعلم مثلًا، فإنه معنى واحد هو كونه نافيًا للجهل، والظن، والشك عمن قام هو به، وهذا معنى واحد، وإن كان له أفراد من علم الكلام، والفقه، والنحو، وغيرها.
فإن قيل: لفظ العرض يتناول الحركة، والسكون، والبياض، والسواد، وغير ذلك، وإنها معان، فعلى هذا يصح قوله: "أو المعاني"، قلنا: لفظ العرض لا يتناولها باعتبار كونها معاني، بل باعتبار معنى واحد، وهو معنى العرضية؛ لأن في الكل معنى العرض قائم.
(وتأويله أن المعنى الواحد لما تعدد محالة سمى معاني مجازًا) باعتبار تعدد المحال، فكأنه أراد من المعاني محال المعاني بطريق المجاز، لما أن إطلاق اسم الحال على المحل جائز مجازًا، كما في قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} أي خذوا ثيابكم، ففيه إطلاق اسم الحال على المحل؛ لأن محل الزينة الثوب كما جاز عكسه، وهو في قوله تعالى: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي عند كل صلاة، والمسجد محل الصلاة (لكن كان ينبغي أن يقول: والمعاني)؛ لأن المعاني حينئذ كانت معاني تلك الأسماء التي قال: ما ينتظم جمعًا من الأسماء".
(1/210)

ومعاني تلك الأسماء بحسب اختلاف المحل صارت كأنها جمع، ولكن لما لم تنفك تلك المعاني عن تلك الأسماء كان حقها أن يقال: والمعاني؛ لأن هذه المعاني ليست غير معاني تلك الأسماء، والواو للجمع، فلما لم تنفك معاني تلك الأسماء عن تلك الأسماء كان جمعًا بينهما، فكان حقها أن تذكر بالواو، وفي كلمة أو دلالة انفكاك المعاني عن أساميها، فلا يصح استعمال أو لذلك. (والصحيح أنه سهو)؛ لأن في التأويل تغيير كلمة "أو" على ما ذكرنا.

[تعريف المشترك]
(وأما المشترك) أي المشترك فيه، وهو أن يشترك مثلًا لفظ الشمس، ولفظ الينبوع، ولفظ الذهب في لفظ العين، فكانت هذه الألفاظ مشتركة ولفظ العين مشتركًا فيه، ثم اشتراك الأسامي في العين هو أن يقال: إن العين
(1/211)

إن كانت موضوعة لأسم الشمس ولأسم الينبوع ولأسم الذهب كان نظير اشتراك الأسامي، وإن كانت موضوعة لمعاني هذه الأسامي كان ذلك نظير اشتراك المعاني، هذا قول قيل به.
وأما الأوجه والأولى فهو أن يقال: المراد من اشتراك المعاني هو اشتراك الصفات والأفعال، مثل البائن حيث يشترك فيه البينونة والبيان والبين، وقد صرح به الإمام الأرسابندي- رحمه الله- في"مختصر التقويم".
أو نقول: إن قوله: أنت بائن. يحتمل الصفات المختلفة، فإن كل واحد منها معنى من المعاني، وهي، البينونة من النكاح، والخيرات، والسرور، والأفعال الحميدة، والأفعال الذميمة، وغير ذلك، وكذلك النهل اشترك فيه الري والعطش، فكان فيه اشتراك المعاني، وإنما قلنا هذا أولى مما ذكر أولًا استدلالًا بتصريح الإمام الأرسابندي بهذا، وإشارة الإمام السر خسي. رحمهما الله. إليه، ولأن الاشتراك في الوجه الأول كان اشتراكًا في الأسامي لا غير، وذلك لأن لفظ الشمس مع معناها الذي هو لفظ: أفتاب ولفظ: كن بمنزلة الأسماء المترادفة.
فقلنا: بأن هذا الذي ذكرناه ثانيًا أولى ليبقى اسم المعنى على حقيقته؛ لأن اسم المعنى إنما يطلق على الاسم الذي ليس لمسماه جثة وهذا كذلك، فكان هذا أولى.
(1/212)

وقوله: (والقرء من الأسماء) إنما قال: من الأسماء؛ احترازًا عن القرء الذي هو مصدر؛ لأن ذلك ليس بمشترك، بل هو موضوع للجمع، وكذلك الفعل المشتق منه ليس بمشترك، يقال: ما قرأت الناقة سلا قرء قط. أي لم تجمع في رحمها ولدًا جمعًا، وقال الشاعر:
هجان اللون لم تقرأ جنينًا
أي لم تجمع جنينًا، والهجان من الإبل: البيض، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، يقال: بعير هجان، وناقة هجان.
(ولا عموم لهذا اللفظ) أب للفظ المشترك قيل هذا في موضع الإثبات.
(1/213)

........................................
(1/214)

كما في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}
وأما في موضع النفي فله عموم، كما في قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} فالنهي واقع على العقد والوطء ولفظ النكاح مشترك بينهما، وكذلك لو حلف لا يكلم مولى فلان. يقع على ناصر فلان، ومعتقه، ومعتقه، وابن عمه.
وقيل: ذلك لا عموم في النفي أيضًا، بل لعدم رجحان أحدهما على الأخر.
وأما في موضع الإثبات فلا كلام فيه أنه لا عموم له؛ لأن اللفظ بمنزلة الكسوة والمعنى بمنزلة المكتسي، ولا يمكن أن يكتسي الشخصان كسوة واحدة في زمان واحد.
أو نقول: اللفظ بمنزلة القالب، والمعنى بمنزلة اللبن فيه، ولا يمكن يضرب أللبنان بملبن واحد.
أو نقول: اللفظ بمنزلة الراكب، والمعنى بمنزلة المركب، ولهذا يقال:
(1/215)

الأسماء المترادفة، وهي تنبئ عن أن يكون اللفظ راكبًا؛ لأن الرديف ما يردف الراكب والشخص الواحد لا يركب من مركبين دفعه واحده، فكذلك ها هنا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد معنيان مختلفان بدفعة واحدة، بخلاف العام؛ لأن كل أفراد العام بمنزلة مكتس واحد، ولبنة واحدة، ومركب واحد، فكان اللفظ واحدًا والمعنى واحدًا فيجوز.
قوله: (يرجحان بعض وجوهه) ما قلنا في قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}
يرجح بعض وجوهه وهو الحيض بالتأمل في لفظه؛ لأن القرء في الأصل هو الجمع، وذلك إنما يتأتى حقيقة في الدم؛ لأنه هو المجتمع في الرحم، وباقي لتقرير ينظر في "الوافي".
(1/216)

وقوله: (أما المجمل) فذكر المجمل ها هنا وقع اتفاقًا لا قصدًا، بل وقع ذلك لإتمام بيان المشترك.
ألا ترى أن يذكر تفسير المجمل بعد هذا أيضًا (فما لا يدرك لغة المعنى زائد ثبت شرعًا) كالصلاة والزكاة والربا وغير ذلك، فإنه زيد على المعاني اللغوية في هذه الألفاظ في الشرع شيء أخر، فإن الصلاة لغة: عبارة عن الدعاء، والزكاة: عن الطهارة، والربا: عن الزيادة، ثم نفس الدعاء والطهارة والزيادة غير مراده ها هنا، بل المراد منها هذه المعاني مع شيء أخر زيد عليها شرعًا لا يدرك ذلك الشيء لغة.
ألا ترى أن الربا في اللغة: عبارة عن الزيادة، ونفس الزيادة غير مراده بقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} فإن البيع ما وضع إلا للاستثمار وزيادة المال، علم أن المراد منه الزيادة المكيفة، وذلك لا يدرك لغة.
(أو لانسداد باب الترجيح لغة) مثل قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ
(1/217)

حَصَادِهِ} فإن الحق مجمل لا يدري أنه خمس أو عشر أو غير ذلك، وكذلك إذا أوصى رجل بثلث ماله لمواليه وله معتقون ومعتقون وأبناء العم وأنصار، فإنه مجمل يرجع فيه إلى بيانه، فإن مات بطلت الوصية؛ لفوات البيان وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس فيه دلالة على أن المراد من هو؟ فإن في كل واحد منهم معنى يقتضى أن تكون الوصية له، ففي المعتقين إنعامهم عليه، وهو يقتضي أن تكون لهم جزاء لإنعامهم، وفي المعتقين إنعامه عليهم وهو يقتضي أن تكون الوصية لهم إتمامًا لذلك الإنعام؛ لقوله عليه السلام: "من أتى بالمبرة فليتمم". وفي أبناء العم صلة قرابتهم، وفي الناصرين جزاء نصرتهم، فهذا شيء لا يدرك بالعقل واللغة أن يكون المراد ما هو.

[تعريف المؤول]
(وأما المؤول) فهو مفعول فعل المؤول. دخل المؤول في أقسام النظم، وإن كان تبين المراد منه بالاجتهاد؛ لأن المجتهد يبين باجتهاده أن المراد من هذا النص هذا، ثم بعد ذلك أضيف الحكم إلى النص، فسار كأن النص ورد في هذا مع الاحتمال، والحكم جاز أن يثبت بنص فيه ضرب احتمال كالنصوص المحتملة للمجاز، ونص العام الذي خص منه البعض.
(1/218)

(فما ترجح من المشترك) وكذلك لو ترجح (بعض الوجوه) الخفي والمشكل (بغالب الرأي) يسمي مؤولًا والذي وقع تقيده من المشترك إنما وقع لسبق ذكر المشترك، لا لأن ذلك القيد لازم في تفسير المؤول، وقوله: " بغالب الرأي" قيد به؛ لأنه لو ترجح بعض وجوه المشترك وما في معناه بدليل قطعي كان مفسرًا لا مؤولًا على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: (وليس هذا كالمجمل إذا عرفت بعض وجوهه ببيان المجمل، فإنه يسمى مفسرًا؛ لأنه عرف بدليل قاطع)، وليس هذا حكمًا مختصًا بالمجمل، بل كل مشتبه أمره إذا عرف بعض وجوهه بدليل قاطع يسمى مفسرًا.
وقيل السفر: كشف الظاهر، ومنه المسفرة، وهي المكنسة؛ لأنها تكشف ظاهر البيت، والمفسر: كشف الباطن، ومنه التفسرة، وهي الدليل
(1/219)

الذي يعرض على الطبيب؛ لأنها تحكي عما في الباطن، (فيكون هذا اللفظ مقلوبًا من التفسير)، ومثل هذا الكلام جائز، يقال: جذب وحبذ هذا على اختيار الفقهاء.
وأما صاحب "الكشاف" فإنه لا يجوز أن يكون أحدهما مقلوب الأخر؛ لاستوائهما في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد منهما بناء على حياله، فكان كل واحد منهما أصلًا برأسه. ذكره في تفسير قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ}. ومن هذا الجنس ما ذكره في كتاب "أدب الكتاب": قولهم: اضمحل، وامضحل. أي ذهب. ثنت اللحم ونثت بتأخير النون وتقديمه أي أنتن. وكذلك الصاعقة، والقاصعة، وغرسه،
(1/220)

ورغسة وأبنضت القوس، أنبضتها إذا أنت جذبت وترها، ثم أرسلته فصوت، وما أطيبه، وما أيطبه.
(وهذا معنى قول النبي- عليه السلام:- "من فسر القرآن برأيه")
يعني قال النبي- عليه السلام-: "من فسر القرآن برأيه". ولم يقل: من أول القرآن، برأيه، فإن المؤول غير مستحق لهذا الوعيد، بل المفسر برأيه هو مستحق لهذا الوعيد، يعني لما علمت أن المفسر هو مكشوف المعنى بلا شبهة، كان المفسر هو الذي يقول في كلام الله بأن مرد الله تعالى من هذه الآية هذا لا غير، فإن ذلك مكشوف بلا شبهة قاله ذلك برأيه، ومن قال ذلك في الآيات المؤولة برأيه كان جاعلًا نفسه بمنزلة صاحب الوحي في العلم بمراد الله تعالى برأيه وهو كفر، فلذلك "يتبوأ مقعدة من النار"؛ لأن النار معدة للكافرين.
لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} التبرؤ: جاي كرفتن. وقوله: {فليتبوأ مقعده من النار} أي فمقعده النار، فكان هذا أمرًا في معنى الخبر، بخلاف قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} فإن ذلك خبر في معنى الأمر، أي ليتربصن.
(1/221)

(وفي هذا إبطال قول المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب)، فإن عندهم لما كان كل مجتهد مصيبًا لم يتصور الخطأ في الاجتهاد، فحينئذٍ من فسر القرآن برأيه أيضًا كان مصيبًا، والمصيب في اجتهاده لا يستحق الوعيد، وقد أوعد النبي عليه السلام على المفسر بالاجتهاد برأيه.
علم أن المجتهد يكون مخطئًا، فكان فيه إبطال لقولهم: إن كل مجتهد مصيب. وإنما وقعوا في هذا لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى على ما ذكره المصنف- رحمه الله- في باب معرفة أحوال المجتهدين من هذا الكتاب.
(1/222)

[تعريف الظاهر والنص]
{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} أي ما حل لكم {مِنَ النِّسَاءِ} وإنما قيد بهذا؛ لأن من النساء ما حرم نكاحهن كاللاتي في آية التحريم، وأريد بالطيب الحل؛ لأن الطيب هو المطلق شرعًا والمستلذ طبعًا، وهذا التأويل أولى من قولهم: أي ما أدركت من النساء؛ إذ لا فائدة في القيد بالإدراك لجواز نكاح الصغائر.
(ويسمى مجلس العروس منصة) - بفتح الميم- قال في المغرب: يقال: الماشطة تنص العروس- أي ترفعها- فتقعدها على المنصة- بفتح الميم- وهي كرسيها؛ لترى من بين النساء.
(1/223)

(لأنه سيق الكلام للعدد)؛ لأنه جعل العدد أصلًا وغير العدد كالخلف منه حيث قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} بعد ما ابتدأ بقوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} ولأن نفس جواز النكاح كانت معلومة قبل نزول هذه الآية بفعل النبي عليه السلام وبآيات أخر توجب جواز النكاح، ثم إن أحتمل تقدم هذه الآية على تلك الآيات فلا تحتمل تقدمها على فعل النبي عليه السلام، فإن نكاح خديجة رضي الله عنها- كان قبل البعثة وقرر عليه، فكان هو بمنزلة النص الصريح في حق البيان بأنه جائز، فلم يكن جواز العدد مبينًا بغير هذه الآية، وفعله بتزوج التسع كان
(1/224)

هو مخصوصًا به، فلم يصلح فعله بيانًا للعدد في النكاح في حق الأمة، فتعين كون نزول هذه الآية لبيان العدد، فكان نصًا في حق بيان العدد بهذا الطريق لا محالة، وكانت الحاجة ماسة إلى علمه.
(نص للفص بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجله). بدليل سباق الآية وسياقها فقال في سباق الأيه: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ}؛ لأنه بين الوعيد بما فعلوا وبما قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} فرد الله تعالى تسويتهم البيع بالربا حيث بين التفرقة بينهما بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فأني يتساويان. يعني أن الحرمة مع الحل ضدان، والتسوية بين الضدين في الحكم مستحيلة.
وأما سياق الآية فقوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} أي يذهب ببركة
(1/225)

الربا فكان الربا مذمومًا بكل حال لحرمته، ثم إن الكفرة القائلين بتسوية البيع مع الربا في الحل جعلوا الربا بمنزلة الأصل في الحل، والبيع بمنزلة التبع في الحل حيث جعلوا الربا المقياس عليه في الحل والبيع بمنزلة المقياس فيه، فكان الربا في الحل أبلغ من البيع في اعتقادهم حيث قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، وكان هذا منهم غاية العناد والمكابرة، فإنهم يعلمون حرمة الربا في الأديان الماضية، ومع ذلك قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} مبالغين في حل الربا بالنسبة إلى حل البيع، فكان ذلك منهم معاندة، وإنما قلنا: إنهم كانوا يعلمون حرمة الربا؛ لأن حرمته كانت مشهورة في الأديان الماضية بدليل قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ}
وكان شيخي- رحمه الله- يقول: في هذه الآية دليل على أن القياس حجة؛ لأن الله تعالى رد عليهم وجود شرط صحة قياسهم، وهو المماثلة، ولم يرد قياسهم، فقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} يعني فأنى يتساويا، فقد نفي المساواة التي هي شرط صحة القياس، ولم يقل: قالوا إنما البيع مثل الربا فقد قاسوا، والقياس ليس بحجة.
(1/226)

[تعريف المفسر]
(سواء كان بمعنى في النص) أي سواء كان ورود ازدياد الوضوح بسبب المعنى الخفي الذي كان في النص بأن كان لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا لكن المعنى خفي لكون اللفظ غريبًا كالهلوع. (أو بغيره) أي كان ورود ازدياد الوضوح بسبب الاحتمال الذي هو في غير النص، وهو إرادة المتكلم من العموم الخصوص يعني أن صيغة العموم موضوعة لإرادة العموم، ومع ذلك يجوز له أن يريد منها الخصوص، فكان إرادة المتكلم من صيغة العموم الخصوص معنى في غير النص؛ إذ النص موضوع للعموم، فكان قوله: (بأن كان مجملًا) نظير الأول، وهو قوله: بمعنى في النص.
وقوله: (أو كان عامًا) نظير الثاني، وهو قوله: أو بغيره. والباء في قوله: "بمعنى في النص"، وفي قوله: "أو بغيره" للسببية، فنظير الأول قوله تعالى:
(1/227)

{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} هذا مجمل، فجاء البيان بقوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جذوعا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}.
ونظير الثاني قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} على ما ذكر في الكتاب.
وذكر في التأويلات" قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} إلى قوله: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} تفسير قوله: {فَمَنْ اضْطُرَّ} يعني أن المضطر: هو الذي يكون غير باغ ولا عاد في أكله.
(1/228)

وكذلك قوله تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} فكان قوله: {غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} تفسير لقوله: {مُحْصِنِينَ}.
فقوله: بأن كان مجملًا فلحقه بيان قاطع، فانسد به باب التأويل.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا والمجمل غير قابل للتأويل، بل الطريق فيه الرجوع إلى المجمل بالاستفسار على ما يجئ بعد هذا؟
قلنا: المراد من التأويل هنا الاحتمالات الوهمية في الذهن بسبب ازدحام المعاني، كما لو قال رجل مثلًا: لفلان على شيء. هذا مجمل يرد فيه على السامع احتمالات وهمية بأن يفسره بدرهم أو بدرهمين أو بغير ذلك، فانقطعت تلك الاحتمالات بقوله: ذلك عشرة دراهم مثلًا أو غير ذلك.

[الخفي]
(لكل ما اشتبه معناه) أي معنى ذلك اللفظ كما في السرقة، فإن
(1/229)

معناها لغة اشتبه في حق النباش والطرار، أهي موجودة في حقهما أم لا؟ وحكم هذا النظر فيه. ليعلم أن اختفاءه- أي اختفاء معنى ذلك اللفظ في حق الطرار والنباش- لمزي أو نقصان؟ أي لزيادة على معنى النص أو نقصان منه، فيظهر المراد.
بيان هذا النص أوجب القطع على السارق، ثم اجتاح السامع إلى معرفة حكم النباش والطرار؛ لأنهما اختصا بأسم أخر غير اسم السارق. إذ تغير الاسم دليل على تغير المعنى، فخفي لذلك مراد المتكلم على السامع وهو وجوب القطع عليهما بعارض غير الصيغة، وهو اختصاصهما بأسم النباش والطرار، فنظرنا في معناهما فوجدنا معنى السرقة موجودًا في الطرار على الكمال وزيادة؛ لأن الطر: اسم لقطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه، وهذه السارقة في غير الكمال، فكانت داخلة تحت قوله تعالى:
(1/230)

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ونظرنا في معنى النباش، فوجدنا معنى السرقة فيه قاصرًا؛ لأن اسم السرقة يدل على كون المأخوذ خطيرًا؛ لأن السرقة قطعة من الحرير، والنبش يدل على هوان المنبوش؛ لأن النبش بحث التراب من نبشت البقل والميت، فكان معنى السرقة فيه قاصرًا، فلم يدخل تحت قوله تعالى:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}
(1/231)

[المشكل]
(لا ينال بالطلب) أي بالطلب وحده (وهذا الغموض في المعنى) مثل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} فصار هذا مشكلًا في حق داخل الفم والأنف، فهما دخلا في أشكالهما، وهي ظاهر البشرة وباطنها،
(1/232)

والتطهر غسل جميع البدن، فما كان ظاهر البدن داخل فيه، وما كان باطنه غير داخل فيه، فوجدنا باطنهما مشابهًا بالباطن من وجه ومشابهًا بالظاهر من وجه؛ لأنه إذا فتح فاه كان ظاهرًا، وإذا ضم شفتيه كان باطنًا، وكذا في حق الحكم، فإن الصائم إذا ابتلع بزاقه لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه أيضًا، فلما كان كذلك ألحقناهما بالظاهر في حق الجناية؛ لأن قوله: {فَاطَّهَّرُوا} للمبالغة، فكان مقتضاه غسل ما يمكن تطهيره، وداخلهما مما يمكن تطهيره فيدخل، وألحقناهما بالباطن في حق الحدث؛ لأن مطلق المواجهة لا يتناول باطنهما، فكان فيما قنا عمل بالشبهين بقدر الإمكان.
وكذلك قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شيءتُمْ} فكلمة "أني" تجئ بمعنى كيف، كما في قوله تعالى: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وتجئ بمعنى من أين، كما في قوله تعالى:
{أَنَّى لَكِ هَذَا} فلو نظرنا إلى المعنى الأول لا يحل دبر المرأة المنكوحة، فكان هو بيان الصفة في حق أحوال المرأة من الاستلقاء والاضطجاع، ولو نظرنا إلى المعنى الثاني يحل؛ لأنه يعم المواضع، فتأملنا، وقلنا: إنها بمعنى كيف، فيحرم الدبر لقرآن قوله: {فَاتُوا حَرْثَكُمْ} لأن موضع حرث الولد هو القبل لا
(1/233)

غير وكذلك قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فإن فيه خفاء؛ لأن ألف شهر من السنين، وفي كل سنة ليلة القدر، فكان فيه تفضيل الشيء على نفسه في حق الجزء.
قلنا: معناه أنها خير من ألف شهر لم يكن فيه ليلة القدر. أو لاستعارة بديعة، مثل قوله تعالى:
{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} فالقارورة من الزجاج تكون لا من الفضة، فتأملنا فقلنا: إن تلك الأواني لا تكون من الزجاج، ولا بد من الفضة، بل لتلك الأواني حظ منهما، فإن للزجاج صفاء ليس هو للفضة وهو أن يجلي عما في باطنه، والفضة لها بياض ليس هو للزجاج، فكان لتلك الأواني صفاء الزجاج وبياض الفضة، وهما الصفتان الحميدتان لهما، فانتهت عنها الصفات الذميمة التي لهما.
وكذلك قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ} حيث يستفاد شدة العذاب من الإذاقة؛ إذ الشيء المر يعلم مرارته عند الذوق أكثر مما يعلم عند استمرار الشرب، ويستفاد اشتمال العذاب من اللباس، فكان قال: عذبها الله بعذاب هو مؤلم شامل.
(1/234)

[المجمل]
(ثم الطلب ثم التأمل) هذا الذي ذكره في بعض المجملات بأن لم يكن بيان المجمل شاملًا لكل أنواع المجمل، كما في مسألة الربا والصلاة والزكاة. وأما إذا كان البيان من المجمل على وجه لم تبق فيه شبهة لم يكن فيه الطلب والتأمل، كما إذا قال رجل: لفلان على شيء ثم بين ذلك الشيء بقوله: وهو درهم، أو درهمان. لم يبق فيه الطلب والتأمل أو نظير ما ذكر في الكتاب.
قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} فإنه ورد البيان في الأشياء السته، وهو غير مكشوف كشفًا بلا شبهة بالنسبة إلى أفراد الربا، فصار بمنزلة المشكل بعد هذا البيان، وحكم المشكل: الطلب، ثم التأمل، فيطلب المعنى الذي
(1/235)

تثبت به الحرمة، ثم يتأمل فيه في أنه صالح لإضافة الحكم إليه لسلامته مما يمنعه، وذلك المعنى إنما هو القدر والجنس عند البعض والاقتيات والادخار عند البعض، وقد عرف في موضعه.
(وكذلك الصلاة) لما ورد البيان بفعل رسول الله- عليه السلام- يطلب المعنى الذي جعلت الصلاة لأجله صلاة أهو التواضع والخشوع، أم الأركان المعهودة؟ ثم يتأمل أنه هل يتعدى هذا إلى صلاة جنازة فيمن حلف لا يصلي؟ وعلى هذا أيضًا وقع الاختلاف في أن تعديل الأركان فرض أم لا؟ وكذلك في الزكاة ورد البيان بقوله- عليه السلام- "ليس عليك شيء في الذهب الحديث" ثم يطلب المعنى الذي وجب الزكاة لأجله؛ أهو ملك نصاب كامل فارغ عن الدين أم مشغول به؟
ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟ وفي وجوب الزكاة في الإبل والبقر: أيشترط الإسامة أم لا؟ وكذلك في العشر لما ورد البيان بقوله- عليه السلام-: "أما سقته السماء فقيه العشر" الحديث. يطلب المعنى الذي يجب به العشر: أيتعلق بمجرد الخارج أم بوصف أخر معه؟ وهو أن يبلغ
(1/236)

النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟
(وهو مأخوذ من الجملة) أي من الجملة التي بمعنى الشمول والإبهام، يقال: أجمل أي أبهم.

[المتشابه]
(سمي متشابهًا) قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: سمي متشابهًا عند بعضهم؛ لاشتباه الصيغة وتعارض المعاني فيها، وهذا غير صحيح، فالحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل التفسير، وليس فيها هذا المعنى، ولكن المتشابهة: ما يشبه لفظه ما يجوز أن
(1/237)

يوقف على المراد فيه. وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه، وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم، كما قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ}
وقول شمس الأئمة: "ما يشبه لفظه ما يجوز أن يوقف على المراد فيه وهو بخلاف ذلك" نظير ذلك قوله تعالى: {يَدِ اللَّهِ} فبالنظر إلى اليد يعلم أن المراد منها الجارحة، ثم هذا الموضع لا يحتمل ذلك، فكان على خلاف المراد الذي يعلم من ظاهر الكلام؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فتشابه موجب السمع وموجب العقل.
(بخلاف المجمل فإن طريق دركه متوهم)؛ لأن ذلك مرجو البيان لما أن عامة المجملات إنما وردت في العمليات كما في الربا وغيره، فكان البيان فيه مرجوًا.
(وطريق درك الشكل قائم) فإن المجتهد يدرك حكم المشكل الذي عنده باجتهاده.
(وأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم) هذا في حق الأمة، وأما
(1/238)

في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه يعلم معنى المتشابهة بإعلان الله تعال. كذا ذكره المصنف- رحمه الله- في هذا الكتاب في باب تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام.
(فيقتضي اعتقاده الحقية قبل الإصابة) أي قبل يوم القيامة، وإنما قال هذا؛ لأن المتشابهات تنكشف يوم القيامة.
(وعندنا لاحظ للراسخين) أي وعندي وهو مذهب السلف، فإن المصنف- رحمه الله- اختار مذهب السلف، فإنهم لم يشتغلوا بتأويل المتشابهة، بل قالوا: نؤمن بتنزيله، ولا نشتغل بتأويله، ونفوض أمره إلى الله، ونقول: ما أراد الله به فهو حق.
وأما مذهب الخلف فالاشتغال بالتأويل على وجه يوافق التوحيد، وإنما اشتغلوا بتأويله ردًا لتأويل الخصوم، فإن الخصوم استدلوا بالمتشابهات لإثبات مذاهبهم الباطلة، فوقع الخلف في تأويل المتشابهة لضرورة دفع تمسك الخصوم به، وإلا كان من حق المتشابه أن لا يتمسك به.
ألا ترى أن الله تعالى كيف ذم المتبعين للمتشابه بقوله: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}
(1/239)

(وأن الوقف على قوله: {إِلاَّ اللَّهُ} واجب) فكان قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ابتداء كلام، والوافي {وَالرَّاسِخُونَ} لحسن نظم الكلام لا للعطف الذي يوجب الشركة بما قبله.
والدليل على هذا ما ذكره الإمام الأندرابي- رحمه الله- في "الإيضاح في علم القراءة" بقوله: والوقف فيه واجب، وهو قول أكثر أهل العلم. ثم
(1/240)

قال: ويقوي هذا المذهب أنه في حرف عبد الله رضي الله عنه: {إن تأويله إلا عند الله الراسخون في العلم}. وفي حرف أبي- رضي الله عنه:- {ويقول الراسخون في العلم أمنًا به}.
(وأهل الإيمان على طبقتين) جواب إشكال يرد على إنزال المتشابه بأن يقال: إنزال الكتاب إنما هو للتدبير والتذكر في آياته؛ لقواه تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}. ولن يكون ذلك إلا بعد الوقوف على معناه، ولو لم يوقف على معنى المتشابه أصلًا لم يبق لإنزال المتشابه فائدة.
فقال في جوابه: إن أهل الإيمان على طبقتين، فمنهم من هو موصوف بنوع من الجهل فابتلى بالإمعان في الطلب أي بالتباعد في طلب العلم والمبالغة فيه؛ لكي ينكشف له ما هو مستور عليه قبل مبالغته في طلب الكشف، ومنهم من هو موصوف بذكاء من الطبع، ومكرم بفهم دراك، فيدرك ما سمعه.
(1/241)

(فأنزل المتشابه تحقيقًا للابتلاء) في حقه فكان ابتلاؤه في التوقف عن الطلب.
(وهذا أعظم الوجهين بلوى) يعني أن الابتلاء في الوقف عن الطلب أعظم من ابتلاء في الطلب بالمبالغة في السير؛ لأن الابتلاء في الوقف أن يسلم ذلك إلى الله تعالى ويفوضه إليه، فكان هذا أقوى من الابتلاء بالطلب؛ لأن هذا ينشأ من العبودة، والابتلاء بالإمعان في السير ينشأ من العبادة، والعبودة أقوى من العبادة؛ لأن العبودة الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى له الرب من العبادات، فالأول أشق فكان أفضل؛ وهذا لأن العبودة أن لا يرى العبد متصرفًا في الحقيقة إلا الله، فيفوض أمره إليه في كل حال أفقره، أو أغناه، أبهجه، أو أشجاه أسمنه، أو أضناه ألبسه، أو أعراه، أمانه، أو أحياه. ضره، أو نفعه، جوعه، أو أشبعه. فإن المتصرف في الحقيقة هو الله تعالى، فإنه خالق كل شيء، فيجب على العبد التسليم في كل حال؛
(1/242)

ولأن العبادة قد تسقط، والعبودة لا تسقط في الدارين.
أو نقول: إن هذه الدار دار ابتلاء. قال الله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} والابتلاء من الله إظهار ما علم من المكلف، والبليات أنواع بعضها فوق بعض، وأهل الإيمان كذلك، قال النبي- عليه السلام-:- "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" فلما كان المكرم بالعلم والاجتهاد أفضل ممن كان مبتلي بالجهل كان ابتلاؤه أعظم أيضًا.
أو نقول: إن في هذا الابتلاء ابتلاء للقلب خاصة، والقلب رئيس الأعضاء، فكان عمله أيضًا رئيس الأعمال؛ لأن تفاصيل الأعمال بحسب تفاضل العاملين.
والدليل على أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح أنه لو ترك عمل القلب فيما يجب الاعتقاد فيه يكفر، ولو ترك العمل فيما يجب فيه العمل بالجوارح لا يكفر، علم بهذا أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح.
أو نقول: في المتشابه نهي للمكلف عن الطلب، وحجر عنه بطريق
(1/243)

الابتلاء، وفي حق من يطالب بالإمعان في السير في حق الطلب أمر بالإمعان فيه بطريق الابتلاء، والابتلاء بالنهي أشد من الابتلاء بالأمر، فكان ثواب الانتهاء أكثر من ثواب الائتمار، فكان الانتهاء أولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله- عليه السلام-: "لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين" وهذا لأن العامل بالانتهاء مقيم للفرض أبدًا؛ لأن الانتهاء فرض ممتد بخلاف المتمثل بأمر العبادات من الصلاة والزكاة، فإنه فيما وراء الفرائض مقيم للتطوع، وثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع، فكان الانتهاء أولى لذلك.
(وأعمها نفعصا وجدوى) أي من حيث الثواب؛ لأن الابتلاء بالمتشابه لما كان أشد بهذه الوجوه الأربعة من الابتلاء بغيره كان الثواب الحاصل به أكثر وأعم، ولأن حكم هذا الابتلاء الصبر، والصبر على البلاء أكثر ثوابًا من غيره، ولهذا وعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
قال الأستاذ الكبير العلامة مولانا شمس الدين الكر دري- رحمه الله- في الحديث: "إن الله تعالى خلق في الجنة منازل في الهواء غير معلقة بشيء، لا يسكنها أحد لصلاته ولا لصيامه! قالوا: ومن يسكنها؟ قال: أهل البلاء. قالوا: وكيف يدخلونها؟ قال: وكما يطير الطير".
(1/244)

(وهذا يقابل المحكم) إذ المحكم لما بلغ غايته في البيان والإظهار كان ضده المتشابه بلغ غايته في الإشكال والإجمال، أو أن المحكم لما كان مأمون النسخ كان ضده المتشابه ميئوس الوقوف، فكل منها غاية فيما هو فيه.
(ومثاله إثبات رؤية الله تعالى) أي إثبات جواز رؤية الله تعالى في الاعتقاد بالدليل بالإبصار (عيانًا)، وقوله "عيانًا" مخصوص ذا الكتاب في بعض النسخ.
(وأن يكون مرئيًا لنفسه ولغيره من صفات الكمال)؛ لأن الذي لا
(1/245)

يُرِي نفسه في الشاهد إما لنقصان فيه أو لعجز به، فإن من يستتر عن أعين الناس إنما يتستر لحقارته ودناءته وكونه مئوفًا بالعيوب؛ لئلا يقصدوه بقتل أو غيره.
وهو لا يقدر على مقاومتهم ومدافعتهم، والله تعالى موصوف بصفات الكمال بحيث لا يقدر أحد أن يبلغ كنه صفة من صفاته، لما أن صفات العبد متناهية، وصفات الله -تعالى- غير متناعية، وهو أجمل من كل جميل منزه عن كونه مئوفًا، وهو أيضًا قاهر كل شيء، وغال عليه؛ إذ له القدرة الشاملة على جميع المقدرات، وليس له خوف من أحد، وفي الشاهد من كان موصوفًا بصفات الكمال ولا يخاف من الرائين فإنه لا يستتر، بل يتجلى بالبروز والظهور، وجل ربنا عن النقصان إذ له الكماليات أجمع، عز العجز؛ لأنه الموصوف بالقدرة الأزلية.
(لكن إثبات الجهة ممتنع)؛ لأنه لا جهة له؛ لأنه يوجب كونه محددًا
(1/246)

مقطرًا متناهيًا، وهو آية الحدث، وإذا ثبت أن الله تعالى قديم لا يكون محدودًا متناهيًا، فلا يكون هو في جهة، فكانت الجهة ممتنعة، والرؤية في الشاهد تستدعي الجهة؛ لأنه ما من مرئي في الشاهد إلا هو في الجهة إما بذاته كالجوهر أو بمحله كالعرض، فبالنظر إلى أصل الرؤية وكونه ثابتًا بالنص. قلنا بوجوب أصل الرؤية، وبالنظر إلى استدعاء الرؤية الجهة في الشاهد كانت الرؤية ممتنعة، فكان القول بجواز الرؤية متشابهًا من حيث الوصف وثابتًا، بل
(1/247)

واجبًا من حيث الأصل، ولا يصح إبطال الأصل لتشابه في الوصف؛ لأن الوصف تبع فلا يصح إبطال الأصل لبطلان التبع، والقاطع للشغب ها هنا هو أن نقول: إن الأصل إذا ثبت بالدليل في الغائب لا يصح إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف لا يعقل وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، وإن كنا لم نشاهد ذلك الأصل في الشاهد بدون تلك الأوصاف.
ألا ترى أنا لم نشاهد موجودًا ما إلا أن ذلك الموجود كان جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، ثم أجمعنا واتفقنا مع الخصوم في أن الله تعالى موجود وليس هو موصوف بواحدة من صفة الجوهرية والجسمية والعرضية، ولم يدل عدم هذه الصفات في حقه على ذاته مع أنا قطعنا على استحالة وجود شيء في الشاهد وهو غير موصوف بواحدة من هذه الصفات، فعلمنا أن أصل وجود الشيء إذا ثبت بالدليل في الغائب ثم امتنعت صفة وجود ذلك في حقه في الشاهد أن ذلك لا يدل على امتناع أصله في الغائب، فكذا فيما نحن فيه لما ثبت أصل جواز رؤية الله تعالى في دار الآخر بالدليل القطعي لا ينتفي ذلك الأصل بسبب أوصاف يستحيل وجود تلك الأوصاف في حق ذلك الأصل.
أو نقول: إن الرؤية تزيد الكشف في المعلوم، والله تعالى موصوف بكونه ظاهرًا، وثبت ظهوره لنا بالدلائل العقلية والسمعية، وثبت أيضًا بالآيات التي هي خارجة عن قوى البشر، كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية وغير ذلك، ولا شك في أنه بظهور هذه الآيات يزداد العلم بالله تعالى،
(1/248)

والرؤية من أسباب العلم أيضًا، فجاز أن تثبت لزيادة الكشف في المعلوم.
والمؤمن أهل لذلك؛ وإنما ذكر هذا؛ لأنه رب شيء يكون ممكنا في نفسه لكنه غير واقع لعدم الأهل، والمؤمن أهل لاستحقاق الكرامات التي سوى هذه الكرامة من المحبة، والولاية، والإيحاء إليه، والكلام معه، فتستدل بهذا على أن المؤمن أهل لذلك.
(فصار متشابهًا بوصفة فوجب تسليم علم المتشابهة) إلى الله تعالى، يعني أن كونه مرئيًا ثبت بالدليل، ولكن ذلك يقتضي الجهة؛ لأن الرؤية في الشاهد تقتضي كون المرئي في جهة من الرائي، والشاهد دليل الغائب، والله تعالى لا جهة له، فكان متشابهًا فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتًا بالنص، فيجب تسليم علمه إلى الله تعالى، ولا يشتغل بأن كون المرئي في جهة الشاهد من القرائن اللازمة أم من الأوصاف الاتفاقية؟ بل يجب التسليم، وهذا طريق بعض المحققين في المتشابه.
وأما المتبحرون من علماء أهل السنة والجماعة فيقولون: كون المرئي ذا جهة في الشاهد من القرائن اللازمة، بل إنما كانت في الشاهد في جهة؛ لأنه ذو جهة فيرى كذلك.
وأما الله تعالى فليس بذي جهة فيرى كذلك؛ لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو.
(1/249)

والدليل على هذا: أن الله تعالى يرانا ولسنا بجهة منه، فعلم أن كون المرئي في جهة ليس من القرائن اللازمة للرؤية، بل من الأوصاف الاتفاقية، ككون الباني في الشاهد محدثًا ولحمًا ودمًا وذا صورة، ولا نقول في الغائب كذلك لكون هذه الصفات للباني في الشاهد من الأوصاف الاتفاقية بالإجماع، فكذلك فيما نحن فيه.
(وكذلك إثبات الوجه واليد حق عندنا معلوم بأصله)؛ لأن الله تعالى نص في القرآن به في حقه، وكيفية ذلك من المتشابه؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فلا نبطل الأصل المعلوم بسبب ذلك التشابه.
فإن قيل: لما ثبت أصل ذكر الوجه واليد في حق الله تعالى: هل يصح إطلاق معنى الوجه واليد في حق الله تعالى بغير العربية بأن يقال: دست خداي، وروي خداي، أم لا؟
قلنا: قد ذكر الإمام الأجل المتقن مولانا جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في كتاب العتاق من كتاب "الفروق في بيان الفرق" بين قوله: يا أزاد. وبين قوله: يا حر أن الفارسية إذا عربت تكون أصلح وأوفق، أما العربية إذا فرست فسدت.
ألا ترى أنه يقال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ولا يقال: دست خداي زير
(1/250)

همه دستهاست. ولو قال به كفر.
(ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف)؛ لما فيه من إبطال الأصل بسبب الوصف، وذلك لا يجوز؛ لما ذكرنا أن الأصل إذا ثبت في حق الله تعالى بالدليل القطعي لم يجز إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف ذلك الأصل الذي لا يعقل في الشاهد وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، فلا يصح أن يقال: وتلك الأوصاف لا يصح ثبوتها في حق الله تعالى فيجب ألا يصح الأصل الثابت بالدليل القطعي أيضًا، كما لا يصح أن يقال: إن موجودًا ما لا يتصور ثبوته في الشاهد بدون أن جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، وهذه لا تتحقق في حق الله تعالى فلا يصح وجود الله تعالى لما فيه من إبطال الأصل بسبب أن وصف ذلك الأصل لا يتحقق في حقه وهو لا يجوز فكذا هنا. وكذلك أيضًا في الشاهد لا يجوز إبطال الأصل بسبب الجهل بوصفه كمن كان على شط نهر كبير لا يتصور في ذهنه العبور من هذا النهر، ثم رأي شخصًا فيما وراء النهر من الشط ثم رآه في هذا الجانب الذي فيه، فلا يشك في ثبوت عبوره وتحققه وإن جهل هو طريق العبور، لما أنه ثبت له كونه
(1/251)

في هذا الجانب بالدليل القطعي، وهو رؤيته ذلك في هذا الجانب، فكذلك ها هنا لما ثبت صفة الكمال لله تعالى بالدلائل القطعية لم يجز إبطالها بسبب الجهل بطريق الثبوت، وفي هذا حكاية، وهي أن جهنم بن صفوان الترمذي كان يدعو الناس إلى مذهبه الباطل، وهو أن الله تعالى عالم لا علم له، قادر لا قدرة له، وكذا في سائر الصفات. وكان جلس يومًا يدعو الناس إلى هذا المذهب، وحوله أقوام كثيرة إذ جاء أعرابي، ووقف حتى سمع مقالته، فأرشده الله تعالى إلى علم بطلان هذا المذهب، فأنشأ يقول:
ألا إن جهمًا كافر بان كفره ... ومن قال يومًا قول جهم فقد كفر
لقد جن جهنم إذ يسمى إلهه ... سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر
عليمًا بلا علم، رضيًا بلا رضا ... لطيفًا بلا لطف، خبيرًا بلا خبر
أيرضيك أن لو قال يا جهم ... قائل: أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر
مليح بلا ملح بهي بلا بها ... طويل بلا طول يخالفه القصر
حليم بلا حلم، وفي بلا وفا ... فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر
جواد بلا جود، قوي بلا قوى ... كبير بلا كبر، صغير بلا صغر
أمدحًا تراه أم هجاء وسبة ... وهزءًا كفاك الله يا حمق البشر
فإنك شيطان بعثت لأمة ... تصيرهم عما قريب إلى سقر
(1/252)

فألهمه الله تعالى حقيه مذهب أهل السنة والجماعة، وأراه بطلان مذهبه، فرجع كثير من الناس ببركة أبياته، وكان عبد الله بن المبارك- رحمه الله- يقول: إن الله- تعالى- بعث الأعرابي رحمة لأولئك، فيجب على كل أحد أن يعلم معنى هذه الأبيات لأولاده وعبيده، ذكرت هذه الجملة في "أصول الدين" لأبي عصمة- رحمة الله-
(فصاروا معطلة) أي صاروا غير قائلين بالصفة لله- تعالى- فإن العطل- بفتحتين- يستعمل في الخلو من الحلي في الأصل ذكره في الصحاح، واستعير ها هنا لعدم الصفة، ألا ترى أن الصفة تسمى حلية.
(1/253)

[الحقيقة والمجاز]
(وتفسير القسم الثالث). هذا باعتبار أصل التقسيم، وفي نسخة وتفسير القسم الرابع، وهو باعتبار ذكر المقابل.
(ولا تسقط عن المسمى أبدًا) يعني: إن اللفظ الحقيقي لا يسقط عما وضع له، كالأسد لا يسقط عن الهيكل المخصوص أبدًا.
واعلم أن الحقيقة والمجاز من أوصاف اللفظ دون المعنى. يقال: لفظ حقيقة، ولفظ مجاز، لما أن الحقيقة سميت حقيقة؛ لأنه حق لها أن يراد بها ما وضعت هي له، وهذا يأتي في اللفظ دون المعنى، والمجاز لما كان مأخوذًا من الجواز وهو التعدي ورد في اللفظ؛ لأن التعدي يتأتي في اللفظ دون المعنى مستقر في كلًا المحلين؛ ولأن الفاصل بين الحقيقة والمجاز استقامة نفي المجاز عن محل المجاز، والمعنى لا يستقيم نفيه.
(والمجاز ينال بالتأمل في طريقه) أي في طريق المجاز. بأن يتأمل أن صحة المجاز بأي وجه، وبأي طريق يصح المجاز، وذلك ستة أشياء:
(1/254)

المستعار، والمستعير، والاستعارة، والمستعار له، والمستعار عنه، وما تقع به الاستعارة. يعني عند وجود هذه الأشياء يعلم طريق المجاز، فحينئذٍ ينال المجاز في طريقه (ويحتذي بمثاله) أي يجعل المجاز مقتديًا بمثاله وهو الحقيقة. يعني ينظر أن في الحقيقة ما هو مخصوص به ومشهور فيه ثم وجد المجاز نظيرًا لتلك الحقيقة في حق ذلك الوصف المخصوص المشهور فيه، فاحتذى المجاز بذلك المثال وهو الحقيقة، فأطلق اسم تلك الحقيقة على هذا المجاز الذي أحتذي بها. أي جعل المجاز مقتديًا بتلك الحقيقة، يقال: احتذي مثاله. أي اقتدي به. كذا في الصحاح.
(ومثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص).
بيان هذا أن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص، كالموضوع له يثبت باللفظ، ثم يتأمل في معاني النص في المحل المنصوص عليه لاستخراج المعنى الذي تأثير في استدعاء هذا الحكم لتعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه، فإذا وجد مثل هذا المعنى في غير المنصوص عليه ألحق به. يعني يثبت مثل ذلك الحكم في هذا المحل، وكذلك يتأمل في معاني محل الحقيقة، أعني المعاني اللازمة للحقيقة المشهورة فيها لا كل معنى كما في النص لما في اعتبار كل
(1/255)

معنى للنص إسقاط الأبنتلاء.
ألا ترى أن العرب تسمي الشجاع أسدًا للاشتراك في المعني الخاص اللازم المشهور له لا في كل معنى، فإذا وجد مثل ذلك المعنى في محل آخر استعير هذا اللفظ كما قلنا في القياس مع النص، إلا أن التفاوت بين الحقيقة والمجاز وبين النص والقياس هو اعتبار المعاني اللغوية في الحقيقة والمجاز، واعتبار المعاني الشرعية في النص والقياس.

[الصريح والكناية]
(وأما الصريح)، فإن قيل: ما الفرق بين الظاهر والصريح مع أن المراد بكل واحد منهما ظهور المراد؟
قلنا: الفرق أن الصريح ينضم إليه كثرة الاستعمال فيسمى صريحًا، ولا يشترط ذلك في الظاهر. كذا ذكر في: "ميزان الأصول".
وفرق آخر أن الظاهر قد يكون بطريق الإشارة، والصريح قط لا يكون بطريق الإشارة.
(1/256)

وفرق آخر وهو أن الظاهر لا يكون مرادًا بسوق الكلام، والصريح هو المراد بسوقه، ثم لا يشترط في الصريح كونه حقيقة، بل قد يكون حقيقة كما في قوله: بعت، واشتريت، وقد يكون مجازًا كالمجاز المتعارف كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان، فإنه صار صريحًا في حق الدخول في العرف وهو مجاز.
(القذور): اسم امرأة، وهي التي تتقذر أي تتنزه عن الأقذار.
المصارحة: باكسي رويا روي كاري كردن، واستعملها هنا بمعني التصريح الذي هو خلاف التعريض، وتقرير الكناية قوله تعالى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} تعريض للحدث بالمكان المطمئن من الأرض.
فإن قيل: هذا مجاز. قلنا: لا تنافي بينهما؛ إذ الكناية لا تختص
(1/257)

بالحقيقة على ما عرف في "التقويم" وقال الإمام مولانا بدر الدين الكر دري- رحمه الله-: والفرق بين المجاز والكناية: أن المجاز مع الحقيقة لا يجتمعان، والكناية قد تجتمع مع الحقيقة؛ لأن الحقيقة مراده في موضع الكناية مع ما كني له، والحقيقة ليست مراده في موضع المجاز، بل تنحى الحقيقة إذا أريد المجاز، ولا تنتحي الحقيقة إذا أريد الكناية. بيانه في كثير الرماد عند إرادة الجود به، فإن كثرة الرماد تراد ويفهم مع ما أريد به الجود، فإنه إذا كان كثير الرماد كان كثير الإيقاد، وكان كثير الطبخ، وكان كثير القرى، وكان جوادًا، فأريد كثرة الرماد لا لذاته ولكن لإثبات الجود، وكذلك في طويل النجاد.
وأما في قوله: علي أسد الله. لا يثبت منه الهيكل المخصوص البتة، ولا
(1/258)

تثبت الحقيقة أصلًا لكن الكناية فيها استتار المراد، وهذا الاستتار يجوز أن يكون في موضع الحقيقة، كما لو قال لامرأته: أنت حرام، ونوى به الطلاق يثبت به الطلاق البائن فكان كناية في موضع الحقيقة أو في موضع المجاز، كما في قولته تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} فهو كناية عن الحدث في محل المجاز بطريق اسم المحل على الحال.

[2 - إشارة النص]
(والاستدلال بإشارة النص هو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النظم)
فعلى هذا لا فرق بين الإشارة والظاهر من حيث إن الكلام لم يسق لهما، ولكن يفترقان من حيث إن الإشارة قد تقع خفية فتحتاج إلى نوع تأمل بخلاف الظاهر، فإنه ظاهر كاسمه لا يخفي على أحد، ولهذا خفي على الشافعي حكم الإشارة في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} حيث قال بعدم زوال أملاكهم عما خلفوا في دار الحرب.
(1/259)

(وليس بظاهر من كل وجه) فمن حيث إنه لم يسق الكلام له ليس بظاهر، ومن حيث أنه يعلم المراد به ويثبت الحكم بالنظم ظاهر، وإنما سيق النظم أي قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} (لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما سبق) أي على سبيل البيان والبدل لما سبق، وهو قوله تعالى:
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} إلى قوله: {وَلِذِي الْقُرْبَى} وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ} بدل من
{وَلِذِي الْقُرْبَى} إلى أخره، ففي هذا البدل زيادة تشريف لهم للتخصيص بعد التعميم، أو قوله:
{لِلْفُقَرَاءِ} معطوف على الأول بغير واو، وهو جائز، كما يقال: هذا المال
(1/260)

لزيد ولعمر، ولبكر.
(إلى إن النسب إلى الآباء)؛ لأنه ذكر بحرف اللام، واللام للاختصاص.
يقال: المال لزيد. أي مختص به، ولو لم يكن كل النسب إليه، يكون حينئذٍ بعض المولود له فلا اختصاص فيه.
(وإلى قوله- عليه السلام- "أنت ومالك لأبيك") أي في الآية إشارة إلى أن النسب إلى الآباء، وإشارة أيضًا إلى عبارة قوله- عليه السلام- وإلى ما هو المفهوم منه، وهو قوله- عليه السلام-: "أنت ومالك لأبيك" لكن لا يتحقق الملك في ذاته؛ لأنه ابنه فصرف إلى النسب، وكذلك لا يتحقق ملك الرقبة في ماله؛ لأن ملك الرقبة في جميعه ثابت للابن فصرف إلى جواز تملك أبيه عند الاحتياج.
ونظير هذا أي في أن الثابت بإشارة الكتاب ثابت بعبارة الحديث سقوط
(1/261)

النجاسة عن سؤر هرة، لكن فيه دلالة الكتاب قامت مقام إشارته ها هنا، وذلك أن سقوط النجاسة عن سؤر الهرة ثابت بدلالة الكتاب الذي أجب سقوط استئذان في غبر أوقات الثلاثة لعلة ضرورة الطواف في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إلى أن قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} فإن هذا الحكم بعينه ثابت بعبارة الحديث حيث قال: " الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين والطوافات عليكم"
(وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إذا رفعت مدة الرضاع) لأنه قال في آية أخرى:
{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فبقى للحمل ستة أشهر،
(1/262)

وهي أدنى مدة يتصور فيها وضع الولد، فكان هذا في الحقيقة من قبيل بيان الضرورة، كما في قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} فإنه لما رفع الثلث للأم كان الباقي- وهو الثلثان- للأب؛ لأنه لا وارث غيرهما، فكذا ها هنا لما رفعت مدة الرضاع من ثلاثين شهرًا لعامين بقي للحمل ستة أشهر.
وروى: أن امرأة ولدت لستة أشهر يعني من وقت التزوج، فرفع ذلك إلى عمر- رضي الله عنه- فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا- رضي الله عنه- فقال: لا رجم عليها، فبلغ عمر قول علي- رضي الله عنه- فأرسل إليه فسأله عن ذلك فقال: قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وقال أيضًا: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} فستة أشهر وحولان ثلاثون شهرًا، فخلى سبيلها
(1/263)

كذا في "التيسير".
ثم روى مثل هذه الحكاية بين عثمان وابن عباس- رضي الله عنهم- وهذا التمسك بهذه الآية في أن تقسم مدة الثلاثين بين الحمل والفصال بطريق الاشتراك فيها على مضاد التمسك بهذه الآية في تعليل أبي حنيفة- رضي الله عنه- في "الهداية" حيث جعل هذه المدة لكل منهما على الكمال، ثم ظهر المنقص في أحدهما وهو الحمل فبقي الباقي وهو الفصال على حاله بمدة ثلاثين
(1/264)

شهرًا كالأجل المضروب للدينين. يعني إذا ظهر المنقض في أحدهما يبقى الباقي على حاله بكمال المدة.

[3 - دلالة النص]
(وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة) أي كل من يعرف اللغة العربية يعرف الحكم الثابت بدلالة النص، فكان ذلك الحكم ثابتًا من حيث اللغة، فمعرفته غير متوقفة على الرأي والاستنباط.
(فالاجتهاد) بذل المجهود- وهو الطاقة- لنيل المقصود.
(1/265)

(والاستنباط): استفعال من النبط، وهو الركية التي أخرجها الحافز بكد عظيم، والعلم منه بمنزلة الماء؛ لأن فيه حياة الدين كما أن الماء حياة الأرض.
سمي الاجتهاد استنباطًا؛ لأن الوقوف على المعنى المؤثر متعسر، وهذا من ترشيح الاستعارة؛ لأن العلم لما كان ماء بطريق الاستعارة سمي استخراج المعنى المؤثر من النص استنباطًا ترشيحًا للاستعارة.
ألا ترى أن موضع التعليل يسمى مورد التعليل، وهو موضع ورود الماء من الوارد، وهم الذين يردون الماء. وكذلك سمي نقل العلم رواية، إلا أن رواية العلم من حد ضرب، والري في الماء من حد علم، وهما يشتركان في اسم الفاعل حيث يقال لكل منهما: راوٍ، والاشتراك في الحروف يوجب
(1/266)

الاشتراك في تقارب المعنى لما عرف في حروف الربح والكناية، وعن هذا أيضًا شبه النبي- عليه السلام- العالم بالعين الفوارة في قوله: "إنما مثل العالم كالحمة تكون في الأرض يأتيها البعداء ويتركها الأقرباء، فبينا هم كذلك إذ غار ماءها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون" الحمة: -بفتح الحاء- عين حارة الماء يستشفى بها المرضى والإعلاء، يتفكهون: أي يتندمون ويتعجبون من شأن أنفسهم، وما فرطوا فيه من طلب حظهم مع إمكانه
(1/267)

وسهولة مأخذه.
(فهذا فعل معلوم بظاهرة) وهو قوله: {أُفٍّ} مفهوم بمعناه أيضًا وهو الأذى، فإنه إنما كان حرامًا لكونه أذى فكان الأذى منهيًا عنه بمعنى النص بطريق اللغة، فصار من حيث المعنى كأنه قال: فلا تؤذهما، ولو قال هكذا كان الضرب والشتم حرامًا لوجود الإيذاء بهما، فكذا هنا من حيث المعنى. (كمعنى الإيلام من الضرب) يعنى لو قيل: لا تضرب كان يعلم منه النهي عن الإيلام، كما لو قال: لا تؤلم.
ألا ترى أنه لو حلف لا يضرب امرأته فنخنقها أو عضها أو مد شعرها حنث، كما لو حلف لا يؤلم امرأته.
(1/268)

وحاصله أن نص التأفيف أوجب حكمتين:
أحدهما- بظاهرة أي بعبارة النص، وهو حرمة التأفيف، فإن العبارة نطقت به.
والثاني- بدلاته، وهو حرمة الضرب والشتم، وكذلك قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} أوجب حكمين: أحدهما- بعبارته، والثاني- بإشارته، حتى شارك فيه غير الفقهاء أهل الرأي والاجتهاد.
فإن قلت: والشافعي لم يعمل بوجوب الكفارة في الأكل العمد مع أن ذلك ثابت بدلالة النص؛ إذ القياس لا يجري في الكفارات، ففي هذا إخراج الشافعي عن كونه من أهل الاجتهاد، بل عن كونه من أهل اللغة فكان هو غير مدرك لدلالة النص مع كونه من أهل الاجتهاد ومن أهل اللغة، فما وجهه؟
قلت: قد أسلفت جواب هذا وما يشاكله في "الوافي".
(1/269)

وحاصل ذلك أنا لما أثبتنا فيه وجه دلالة النص وبينا المساواة بين وجوب الكفارة بالجماع وبين وجوب الكفارة بالأكل العمد والشرب العمد بحيث لم يبق لمنصف شبهة. بعد ذلك لم يضرنا خلاف من يخالفنا فيه، وإن كان هو من أهل الاجتهاد، فكان التقصير من قبله لا في حق ثبوت دلالة النص.

[4 - اقتضاء النص]
(وأما الثابت باقتضاء النص) أي الحكم الثابت باقتضاء النص (فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه) أي فما لم يعمل النص وهو المقتضي إلا بشرط وهو المقتضي تقدم عليه أي تقدم اشرط على النص، وهو المقتضي.
قوله: (وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه) أي وأما الحكم الثابت باقتضاء النص فهو الحكم الذي لم يعمل النص فيه إلا بشرط تقدم على ذلك النص، وحذف الضمير الراجع إلى الحكم الموصوف
(1/270)

كان نظير حذف الضمير الراجع إلى الموصوف في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ} أي لا تجزي فيه نفس؛ لأن المقتضى هو الذي ثبت زيادة على النص شرطًا لصحة المقتضى، فكان المقتضى ثابتًا ضرورة صحة النص؛ إذ لا صحة للنص بدونه، فتثبت المقتضى شرطًا لصحة لمقتضى بمنزلة الشروط، والمقتضى بمنزلة الشرط؛ إذ لا صحة للمشروط بدون الشرط، فكان المقتضى تبعًا للمقتضي كالشرط تبع للمشروط، فيبثث بقدر ما يصبح النص، ولهذا قلنا: إن المقتضى لا عموم له؛ لأن ثبوته بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الزائد على الخصوص، فلا يثبت العموم جريًا على الأصل؛ لأن الأصل أن ما لا يكون مذكورا لا يكون مذكورًا، وهو معنى قول المشايخ: ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، فإذا ثبت أن ثبوت المقتضى لصحة المقتضي يثبت بما هو يصلح تبعًا لا أصلًا.
ولهذا قال علماؤنا- رحمهم الله:- إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع؛ إذ لو كان الكافر مخاطبًا بالشرائع يكون الإيمان ثابتًا بطريق الاقتضاء، والإيمان لا يصلح أن يكون تبعًا لما هو تبعه؛ لأن جميع الأحكام الشرعية من العبادات تبع للإيمان، الشيء لا يصلح أن يكون تبعًا لما هو تبعه.
ولهذا قلنا: إن المولى إذ دفع رقبة إلى عبده وقال: كفر عن كفارة يمينك بإعتاق هذا العبد. لم يثبت عتق العبد المخاطب بهذا الكلام، وإن كان هذا
(1/271)

الكلام مقتضيًا عتقه ضرورة؛ لما أن العبد لا يصير مالكًا للتكفير بالإعتاق إلا بعد عتقه أولًا، فلا يثبت العتق بمقتضي قوله: كفر عن كفارة يمينك بإعتاق هذا العبد؛ لأن الأهلية للإعتاق إنما تثبت بعد حرية نفسه أولا وهي أصل، فلا يجوز أن تثبت تبعًا لما هو تبعه وهو التكفير بالإعتاق، وإذا ثبت أن المقتضى تبع للمقتضى كان المنظور إليه الأصل وهو المقتضى لا المقتضى، فلذلك يثبت المقتضى بوصف المقتضى لا بوصف نفسه حتى لا يشترط في التمليك الثابت بطريق الاقتضاء ما يشترط في التمليك ألقصدي من الإيجاب والقبول، وكذلك لو كان الأمر بالإعتاق منه في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم. ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام، فكان الاعتبار للمتبوع وهو المقتضي لا للتبع وهو المقتضي، فإذا ثبت هذا لا يفترق الحال بين أن يكون التبع مقدورًا أو مصروحًا كان الاعتبار للمتبوع لا للتبع.
ألا ترى أن الحيوانات وغيرها مما يقع به القوام خلقت للآدمي، فكان الآدمي أصلًا وغيره تبعًا، فلذلك كان العبرة له لا لها.
(فصار هذا) أي فصار حكم المقتضي (مضافًا إلى النص بواسطة المقتضي)، فلذلك كان كالثابت بالنص؛ لأنه صار المقتضي حكمه حكمًا للنص، فكان كالعتق الثابت للقريب بالشراء، فإن العتق هناك حكم حكم الشراء؛ لأن حكم الشراء الملك، وحكم الملك في القريب العتق، فالملك بحكمه مضاف إلى الشراء، فلذلك قيل: شراء القريب إعتاق بهذا الطريق لا أن يكون الشراء موضوعًا للإعتاق؛ لأن الشراء موضوع لإثبات الملك لا
(1/272)

لإزالته، فيستحيل أن يكون ما هو موضوع للإثبات موضوعًا للإزالة.
وأما المحذوف: فما ثبت حذفه من الكلام بطريق الاختصار، وهو ثابت لغة؛ لأن الكلام يتنوع إلى مختصر ومطول، والمختصر مثل المطول في إفادة المراد.
ألا ترى أنه لا فرق بين قولهم: اضرب. وبين قولهم: افعل فعل الضرب، وكذلك لا فرق بين قولهم: لفلان علي تسعمائة. وبين قولهم: لفلان علي ألف إلا مائة. فثبت أن المحذوف من باب اللغة، ولهذا يكون عامًا بلا خاف حتى إنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك. ونوى به الثلاث يصح؛ لأن ذلك مختصر قوله: افعلي فعل الطلاق، وذلك يصلح للعموم فكذا هنا، وتقرير هذا في قوله تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ} إن الأهل محذوف ولا مقتضى؛ إذ لو كان مقتضى لكان المسئول هو القرية لا الأهل لما ذكرنا أن المقتضى هو الأصل، والحكم مضاف إلى الأثل، والمسئول هو الأهل هنا دون القرية، فلما لم تصلح القرية أن تكون مسئولة لم يفترق الحال بين أن يكون الأهل محذوفًا أو مصارحا في أن السؤال يتحقق من الأهل لا من القرية، إلا
(1/273)

أنه إذا كان محذوفًا أضيف السؤال إلى القرية بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك في قوله- عليه السلام-: "رفع الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
(1/274)

وفي قوله- عليه السلام-: "الأعمال بالنيات". الحكم محذوف فيهما لا مقتضى؛ إذ لو كان مقتضى لكان المرفوع هو الخطأ والنسيان لما عرف أن المثبت هو المقتضى، وذلك غير مستقيم؛ إذ الخطأ والنسيان واقعان، فكان الحكم محذوفا لا مقتضى، والمحذوف هو الأصل في باب الحذف، والمقتضى تبع في باب الاقتضاء، فكانا على طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى تبع في باب الاقتضاء، فكانا على طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى لصحة المذكور وصلاحه لما أريد به، فيكون الصالح لما أريد به من الحكم المقتضي المذكور لا المقتضى المقدر، والمحذوف هو الصالح لما أريد به من الحكم لا المذكور، كالأهل في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فإن الصالح لما أريد به من الحكم وهو الاستعلام والاستخبار هو الأهل لا القرية، وكذلك الصالح لما أريد به من الحديث الحكم لا الخطأ والنسيان، وهو معنى ما قال في الكتاب.
(وعلامته) أي وعلامة المقتضى المقدر (أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره، ويصلح لما أريد به)، يعني أن المقتضى إذا صرح يكون المقتضي.
(1/275)

المذكور صحيحًا كما كان قبل تصريح المقتضى، وهو صالح لما أريد به مع تصريح المقتضى، والمحذوف إذا صرح ينقطع ما أضيف إلى المذكور على ما ذكرنا.
فإن قيل: لما جمع المصنف- زحمة الله- هذه الألفاظ، وهي قوله: أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره، ويصلح لما أريد به، وهذه قضيات متلازمة؛ إذ يستفاد من واحدة منها ما يستفاد من الأخريين؟
قلنا: لا نسلم؛ لأن لكل واحدة منها فائدة غير الفائدة التي من الأخرى، والتي استفيدت من إحداها لا تستفاد من الأخرى. بيان ذلك هو أن الشيء إذا كان صحيحًا في نفسه لا يلزم أن يكون صالحا لما أريد به لا محالة، بل قد لا يصلح لما أريد به وإن كان صحيحا في نفسه، وكذلك عكسه غير لازم أيضًا، أعني يجوز أن يكون الشيء صاللحًا لما أريد به، وهو غير صحيح في نفسه.
ألا ترى أن من صلى مراءاة للناس عند استجماع شرائط جواز الصلاة كانت صلاته صحيحة مع أنها غير صالحة لما أريد منها من الحكم، وهو ابتغاء مرضاة الله تعالى وثواب الخير في الآخرة، وكذلك في عكسه الملازمة غير ثابتة أيضًا، فإن من توضأ بماء نجس وهو لا يعلم بنجاسته مع أنه لم يقصر في الطلب وصلى كانت صلاته صالحة؛ لما أريد بها من ثواب الخير في الآخرة وصلاته غير صحيحة.
علم بهذا أن الصحة مع الصلاحية لما أريد به من الحكم غير متلازمين، ولأنه أراد بقوله: ويصلح لما أريد به. الملك؛ فإنه صالح للإعتاق بخلاف ما
(1/276)

قدر فيه غير الملك، كالنكاح والطلاق مثلا لا يكون هو صالحا للإعتاق.
وأما قوله: "ولا يلغى عند ظهوره" فهو غير مذكور في بعض النسخ، فلا يلزم السؤال حينئذ، ولئن ثبت فالمراد به القصد إلى الفرق بينه وبين المحذوف بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح أقوى في البيان، ومقام الفرق بين المتساويين مقام اختيار أقوى البيانين لإزالة الالتباس بينهما بآكد الوجوه.
أو نقول: على تقدير التسليم بأن هذه قضيات متلازمة إن ذكر هذه القضيات المتلازمة لبيان خاصية المقتضى لا لبيان تنويع المقتضى بأنه نوعان أو أنواع كما في قوله تعالى: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} هذا لبيان خاصية الإشراك بالله أن لا يقوم على صحته حجة لا لبيان أنه نوعان، وكما في قوله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} هذا بيان خاصية الطائر لا أن الطائر نوعان، فكذا ها هنا كان معناه أن خاصية المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهور ويصلح لما أريد به لا بيان أنه نوعان.
(لم يتحقق في القرية ما أضيف إليها) وهو السؤال؛ لأن الأهل إذا صرح به ينتقل السؤال المضاف إلى القرية إلى الأهل الذي صرح به، فلما لم يبق الكلام على حاله بعد التصريح، علم أنه كان من باب الحذف والإضمار
(1/277)

لا من باب اقتضاء.
(الأمر بالتحرير للتكفير مقتض للملك ولم يذكر) أي الملك لم يذكر ولو ذكره بقوله: فتحرير رقبة مملوكة بقى قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} كما كان أي كان صالحا لما أريد به. فكذا إذا قدر مذكورا بقى قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} صالحًا لما أريد به وهو التفكير.
ثم اعلم أن ما أثبت الحكم بصيغة النص مع سوق الكلام له فهو عبارة النص، والحكم الثابت به ثابت بعبارة النص، فقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} عبارة عفي إيجاب النفقة، ووجوب النفقة حكم ثابت بعبارة النص، وكذلك في غيره على هذا النسق.
(والفصل الرابع في بيان أحكامها) أي الرابع من تقسيم قوله: هذا لبيان معرفة هذه الأصول لغة، وتفسير معانيها، وبيان ترتيبها، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، أي أيها راجح، وأيها مرجوح، وأيها يقدم على البعض، وقوله: في أحكامها؛ أي في الآثار الثابتة بها شرعًا، والله أعلم.
(1/278)

[باب في معرفة أحكام الخصوص]
(اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعًا) أي المراد بالخاص قطعًا. أي بحيث يقطع الشبهة ويقينًا أي بحيث يستقر اعتقاد القلب عليه، فكان قوله: (بلا شبهة) مؤكدًا لقوله: يقينًا؛ بذكر لازمه كقوله تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} (لما أريد به من الحكم) أي اللفظ الخاص بتناول المخصوص لأجل ما أريد بالمخصوص من الحكم بيان ذلك أن (قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}) خاص يتناول مخصوصه وهو الأفراد الثلاثة لما أريد به من انقضاء العدة، وكذلك (قوله تعالى: {ارْكَعُوا} يتناول الميلان لما أريد به من جواز الصلاة.
(لا يخلو الخاص عن هذا) أي عن تناول المخصوص قطعًا، (وإن
(1/279)

احتمل التغير عن أصل وضعه).
فإن قيل: يجب ألا يثبت الحكم به قطعًا؛ لأنه محتمل لغير ما وضع له على ما قال في الكتاب.
قلنا: بلى محتمل، لكن الاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل فهو غير معتبر؛ لأنه مجرد احتمال إرادة الخصوص من المتكلم وذلك غيب عنا، ولا يكلف درك الغيوب فلا تبقى له عبرة أصلًا فألحق بما ليس محتملًا في نفسه، فلذلك يثبت الحكم به قطعًا. يقرره أن الله تعالى تعبدنا بأوامره ونواهيه، فالعبادة واجبة علينا قطعًا، وإن كان احتمال غير الوجوب ثابتًا.
ألا ترى أن العقلاء بأسرهم لم يتحرزوا عن احتمال لم ينشأ عن دليل، حتى أنهم دخلوا في المسقف مع أن احتمال السقوط ثابت جزمًا، لكنه لما لم ينشأ عن دليل فلم يعتبروه.
(لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينًا لما وضع له) فكان في القول بالتصرف فيه بطريق البيان لزوم بيان المبين، وهو إثبات الثابت أو نفي المنفي وهو نفي الخفاء مع أن الخفاء منتف وهو مستحيل.
(لأنا إذا حملنا على الأطهار انتقص العدد عن الثلاث)؛ لأنه إذا طلقها في لآخر طهرها تحتسب هذه البقية عنده من العدة، فتكون العدة طهرين وبعض الثالث، فلا يكون عدد الثلاث كاملًا.
(1/280)

فإن قيل: قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} والمراد به شهران وبعض الثالث وهو عشر ذي الحجة، فجاز أن يكون ها هنا هكذا أيضًا.
قلنا: لفظة الثلاثة غير منصوصة هناك، بل فيه ذكر الأشهر وهو ليس باسم لعدد معلوم بل هو اسم عام، فيجوز أن يذكر العالم ويراد به البعض، ولا يجوز في العدد ذلك وهو أن يذكر عدد معلوم ويراد به بعضه؛ رأيت رجالا، وهو قد رأى رجلين، ولا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، وهو رأى رجلين.
فإن قيل: مسمى ثلاثة أطهار موجود في القرأين وبعض الثالث.
قلنا: ليس المراد من قوله: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} مسمى الطهر، بل المراد منه كمال الطهر وهو ما كان بين الدمين؛ لأنه لو كان المراد منه مسمى ثلاثة أطهار يلزم أن تنقضي العدة في ظهر واحد، بل في ثلاثة أيام، بل في ثلاثة ساعات؛ لما أن في كل يوم وفي كل ساعة مسمى الطهر موجود بدليل جواز إطلاق الطهر عليه، وحيث لم تنقض به بالاتفاق علم أن المراد به الطهر الكامل على قول من جعله أطهارًا، وبعض الطهر لا يكون طهرًا كاملًا.
(1/281)

(كالفرد لا يحتمل العدد) خلا أن الفرد قد يكون اعتباريا كاسم الجنس فإنه فرد باعتبار أنه جنس واحد بالنسبة إلى سائر الأجناس، كاسم الماء وغيره، فإنه يتناول جميع المياه باعتبار اتحاد الجنسية، حتى لو حلف لا يشرب الماء ونوى جميع المياه صدق فلا يحنث أبدًا، فإن اسم الماء اسم فرد من حيث اتحاد الجنس، وقد يكون الفرد حقيقيًا وهو القطرة من الماء، حتى أنه يحنث فيما إذا حلف لا يشرب الماء بشرب قطرة منه إذا لم يكن له نية الجميع ولا يحتمل عددا من القطرات، ولهذا لو نوى قطرتين أو أكثر منهما من القطرات لا يصدق؛ لأن ذلك اسم فرد، وما نواه عدد، والفرد لا يحتمل العدد، ثم قوله: (كالفرد لا يحتمل العدد، أعلم من قوله: (والواحد لا يحتمل المثنى)؛ لأنه لم يتعرض لعدد من
(1/282)

الأعداد، فكان متناولًا لجميع الأعداد بخلاف المثنى، (فكان هذا بمعنى الرد والإبطال) أي فكان حمل الشافعي قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} على الأطهار بمعنى رد خاص الكتاب وإبطاله.
(فلا يكون إلحاق التعديل به) أي بالركوع.
وقوله: (بيانًا صحيحًا) متصل بقوله: (فلا يكون) على انه خبره، (بل يكون رفعا لحكم الكتاب) وهو جواز الصلاة بمجرد الركوع الذي هو عبارة عن الميلان بما يقطع اسم الاستواء من غير إلحاق التعديل به.
فإن قيل: لم لا يجعل ورود ذلك للبيان الشرعي حتى يتوقف تمام الركوع إلى الإتيان بالتعديل شرعًا؟
قلنا: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. وقوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فكان ما ورد من البيان بيانًا شرعيًا؛ لأنه لا يمكن العمل به إلا بذلك البيان بخلاف ما نحن فيه، فإنه يمكن العمل به بمجرد اسم الركوع، ونحن مأمورون بامتثال ما علمنا من البيان من القرآن. قال الله
(1/283)

تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقوله: "بخبر الواحد" أراد به قوله- عليه السلام-: "قم فصل فإنك لم تصل" قال لأعرابي أخف الصلاة (لكنه يلحق به) أي يلحق التعديل بالركوع.
(فلا يصح بخبر الواحد) أي لا يصح النسخ بخبر الواحد، وهو قوله- عليه السلام-: "الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق".
على الوصف الذي ذكرنا أي إلحاق الفرع بالأصل.
(1/284)

فإن قيل: يشكل بالتيمم، فإنه لفظ خاص لمعنى خاص ويزاد عليه النية.
قلنا: لا يزاد بل شرط النية في التيمم مستفاد من لفظة التيمم؛ لأن الأم القصد والقصد هو النية.
فإن قلت: زيادة النية في الوضوء أيضًا مستفادة من نظم القرآن؛ لما أن قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} خرج جزاء للشرط المذكور قبله، وهو قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} فكان تقديره حينئذ: فاغسلوا وجوهكم للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، فكانت النية موافقة للنظم.
ألا ترى أن قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} اشتراط النية عند تحرير رقبة مؤمنة للقتل الخطأ لم يكن زيادة على النص لهذا فكذا هنا.
قلت: نعم كذلك لكن اشتراط النية في جزاء الشرط فيما إذا كان ذلك الجزاء للشرط المذكور كما في آية الكفارة.
وأما إذا كان ذلك الجزاء جزًاء للشرط المذكور وشرطًا لمشروط آخر كما في
(1/285)

آية الوضوء لا تشترط النية في أن يكون هذا الشرط شرطًا لمشروطه؛ لما أن الشرط يراعي وجوده لتحقق المشروط لا وجوده قصدًا كما في اشتراط اللباس واستقبال القبلة للصلاة لا تشترط النية فكذا هنا.
قوله: "بل نسخًا محضًا"؛ لأن الكتاب اقتضى جواز الطواف بالحدث؛ لما أن الطواف ليس إلا الدوران حول البيت، فلو قلنا بأنه تفترض الطهارة يلزم نسخ الكتاب كما أن العالم الذي يتناول أفرادًا إذا جاء الناسخ لبعض الأفراد كان ذلك نسخًا محضًا. كذلك ها هنا بل أولى؛ لأن هاهنا لا يبقى الطواف أصلًا إذا وقف جواز الطواف إلى وجود الطهارة عن الحدث إذا طاف بالحدث، ولا يلزم فصل الجنابة؛ لأنا أوجبنا الإعادة باعتبار النقصان لا باعتبار الجواز، ولهذا لو رجع يحتسب به، ويجب البدنة باعتبار النقصان، كسجدة السهو في الصلاة، ووجوب الإعادة لا يدل على عدم الجواز كالصلاة إذا أديت مع الكراهة ولو لم يكن جائزًا لما سمي الثاني إعادة بل يسمى ابتداء الصلاة والطواف.
وقوله: (ليثبت الحكم بقدر دليله) لما أن الحكم نتيجة السبب فمهما كان السبب أقوى كان الحكم أقوى، ومهما كان السبب أضعف كان الحكم أضعف.
(1/286)

(وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية) وتفسير الولاء هو: أن يجمع بين هذه الأعضاء في الغسل في موضع واحد ولا يشغل في وسط الوضوء بعمل آخر. كذا في "المغني". واشتراط الولاء مذهب مالك،
(1/287)

والترتيب مذهب الشافعي، والتسمية مذهب أصحاب الظواهر تمسكًا بقوله عليه السلام: (لا وضوء لمن لم يسم).
فإن قيل: ينبغي أن يكون الولاء والترتيب والتسمية واجبة كما قلتم في التعديل مع الركوع والسجود.
قلنا: هذا لا يمكن؛ لأنا لو قلنا بوجوبها يلزم مساواة فرع التبع فرع الأصل، يعني لو أوجبنا الولاء والترتيب والتسمية في الوضوء كما أوجبنا التعديل في أركان الصلاة يلزم الاستواء في التبعَين مع التفرقة في الأصلين،
(1/288)

وهو أن الوضوء فرض غير مقصود؛ لأنه شرط، والركوع فرض ركن وركن الشيء أقوى من شرطه، فلذلك جعل تبع الركوع وهو التعديل واجبًا، وتبع الوضوء وهو النية وأختاها سنة؛ كيلا يلزم مساواة التبعين مع عدم مساواة الأصلين، وهو غير مستقيم، فإن غلام الوزير لابد أن يكون أدنى حالًا من غلام الملك، ولا يجوز أن يقال: ينبغي أن يكون الوضوء واجبًا لا فرضًا إظهارًا للتفاوت بين الأصل والفرع؛ لأنا نقول: عملنا بموجب هذا مرة حيث جعلناه شرطًا، وشرط الشيء تبعه، ثم لا يجوز أن يكون الواجب شرطًا لفرض؛ لأن شرط الشيء ما يتوقف عليه ذلك الشيء أي لا يكون ذلك الشيء معتبرًا بدون ذلك الشرط، فلذلك لم يصلح أن يكون واجبًا؛ لأن للفرض وجودًا بدون الواجب.
أو نقول: إن الأحاديث التي اقتضت وجوب الولاء والترتيب والتسمية لم تبلغ درجة الحديث الذي اقتضى وجوب التعديل والفاتحة في الصحة؛ فلذلك لم تقل بوجوب هذه الأشياء، وقلنا بوجوب التعديل والفاتحة.
(1/289)

(فصار مذهب المخالف غلطًا من وجهين)؛ لأن الكتاب يجب أن يكون فوق خبر الواحد، فلما سواهما (حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته) وخبر الواحد يجب أن يكون دون الكتاب فلما سواهما في الرتبة (رفع خبر الواحد فوق منزلته) وهو باطل كما أن منزلة العالم فوق منزلة الجاهل، ومن سواهما في الرتبة كان ذلك منه غلطًا من وجهين.
فإن قلت: بل هذا الذي ذكره غلط من وجه واحد لا من وجهين؛ لأن حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته بمقابلة خبر الواحد مستلزم رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته، وكذلك رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته حط لمنزلة الخاص من الكتاب عن رتبته، فلماذا قال: صار غلطًا من وجهين؟
قلت: نعم ذلك، إلا أن من أخذ أي طرف منهما كان المنظور إليه ذلك لا الذي يلزم منه، فإنه إذا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته كان المنظور إليه والملتفت له ذلك لا رفع حكم خبر الواحد، وكذلك إذا رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته كان المنظور إليه ذلك لا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته، وبهذا الطريقة كان ذلك غلطًا من وجهين.
(1/290)

(لم يكن ذلك عملًا بهذه الكلمة)؛ لأن الغاية لا أثر لها في إحداث الحل الجديد، بل لها أثر في انتهاء المغيا عنده لا غير، كما إذا حلف لا يكلم فلانًا اليوم، وبعد مضي اليوم حل التكلم ليس بمضاف إلى اليوم، بل لما انتهى اليوم عمل الحل السابق عمله، فكذلك هاهنا انتهت الحرمة بتزوج الزوج الثاني وإصابته، وكونها محللة له بالنكاح مضاف إلى السبب السابق وهو كونها أنثى من بني آدم ليست من المحرمات.
(1/291)

(لأنها ظاهرة فيما وضعت له) وهو كون كلمة "حتى" موضوعة للغاية فحسب، (والغاية بمنزلة البعض لما وصف بها) من حيث إنه هو، كما لا وجود لبعض الشيء بدون كله، كذلك لا وجود للغاية بدون المغيا؛ ولأن الغاية صفة للمغيا.
ألا ترى أنه يقال: حرمة مغياة بغاية، وحرمة مؤبدة، والصفة لا تنفك عن الموصوف، (وبعض الشيء لا ينفصل عن كله)، إذ لو انفصل لا يكون بعضه؛ إذ لا وجود للبعض بدون الكل، ولا للكل بدون البعض، فإن وجود بعض الشيء يقتضي وجود كله، كالواحد من العشرة لما كان بعضًا للعشرة لم يتصور وجود الواحد من العشرة بدون العشرة، ولو تصور واحد بدون العشرة لا يكون هذا واحدًا من العشرة؛ لما أن وجود بعض الشيء ولا شيء محال، وإذا كان كذلك كان وجود الزوج الثاني وإصابته قبل وجود المغيا وعدمهما بمنزلة. لما أن الغاية لا عبرة لها قبل المغيا على ما يجيء في مسألة الاستشارة.
قوله: (لكنها تكون غاية)؛ للابتداء لا للاستدراك. (فتلغو قبل وجود الأصل) أي تلغو الغاية، وهي نكاح الزوج الثاني قبل وجود المغيا، وهو الطلقات الثلاث، فصار نكاح الزوج الثاني وعدمه في مسألة الهدم
(1/292)

سواء، وهذا كمن حلف لا يكلم فلانًا في رجب حتى يستشير أباه، فاستشار أباه قبل دخول رجب، ثم كلم فلانًا في رجب قبل أن يستشير أباه فيه يحنث؛ لأن استشارته أباه غاية لانتهاء اليمين، فكان استشارته أباه وعدمها قبل دخول رجب سواء، فكذلك هاهنا كان تزوج الزوج الثاني وإصابته بها قبل وجود المغيا وعدم تزوجها سواء، ولو تزوجها قبل تزوج الزوج الثاني أو قبل إصابة الزوج الثاني كانت عنده بما بقي من التطليقات فكذلك هنا.
ثم حقيقة الغاية أن ينتهي بها المغيا من غير أن تكون للغاية أثر في إثبات ما بعد الغاية من الحكم على ما ذكرنا. كما إذا حلف لا يكلم فلانًا حتى تطلع الشمس، فطلعت الشمس انتهت اليمين وبقي الكلام غير ممنوع بالإباحة الأصلية؛ لأن الغاية تبيح الكلام، فكذلك ههنا إن الحرمة الغليظة إذا انتهت بنكاح الزوج ثبت الحل الأصلي بالسبب السابق على ما ذكرنا. لا أن يكون الزوج الثاني أثبت فيها حلًا جديدًا.
(الجواب أن النكاح يذكر ويراد به الوطء وهو أصله) إلى آخره.
فإن قلت: كان الواجب على أبي حنيفة- رحمه الله- وأبي يوسف إثبات أن الزوج الثاني مثبت للحل فلماذا ابتدأ مطلع نكتتيهما هذه بأن النكاح يذكر ويراد به الوطء حيث لا مناسبة لدعواهما بهذا المطلع؟
(1/293)

قلت: بل فيه مناسبة قوية، وهي أنهما يثبتان بهذا أن شرط الدخول في الزوج الثاني لإثبات الحل للأول لم يثبت أصلا بالكتاب لا أصله ولا صفته، وإنما المذكور في الكتاب النكاح لا غير، والمراد به العقد هاهنا لا الوطء، فكان الكتاب غير متعرض للوطء أصلًا، وشرط الوطء إنما ثبت بالسنن والأحاديث، ثم أينما ثبت شرط الدخول في السنة ثبت بوصف التحليل، وهم (أي محمد والشافعي ومن تابعهما) تركوا العمل بذلك الوصف الذي أثبتته السنة المشهورة، ونحن عملنا بذلك مع جعل الزوج الثاني غاية، فإن من الغايات قد تكون غاية للمغيا مع أنها تثبت حكمًا آخر، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) فالاغتسال هاهنا منه للجنابة ومثبت لحل القربان إلى الصلاة، فكذلك هاهنا أن الزوج الثاني إذا وطئ كان منهيًا للحرمة الغليظة ومثبتًا للحل الجديد في حق الزوج الأول، ولما ثبت كونه مثبتًا للحل الجديد يثبت علمه أينما وجد شرعًا، فلذلك أثبت الحل الجديد فيما جون الثلاث أيضًا؛ لأن وطء الزوج الثاني موصوف بهذه الصفة، والصفة لا تفارق الموصوف، فأينما ثبت الموصوف ثبتت صفته.
والدليل على هذا الذي ذكرته بما ذكر المصنف من مطلع النكتة هذا بيان أن شرط الدخول لم يثبت بالكتاب أصلًا ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- في "أصول الفقه" بقوله: ولا خلاف بين العلماء أن الوطء من
(1/294)

الزوج الثاني شرط لحل العودة إلى الأول بهذه الآثار، فنحن عملنا بما هو موجب أصل هذا الدليل بصفته، فجعلناه موجبًا للحل، وهم أسقطوا اعتبار هذا الوصف من هذا الدليل استدلالًا بنص ليس فيه بيان أصل هذا الشرط يعني الدخول، ولا صفته. يعنى التحليل، فيكون هذا ترك العمل بالدليل الواجب له لا عملًا بكل خاص فيما هو موضوع له لغة.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- قالا: إن إصابة الزوج الثاني بنكاح صحيح تلحق المطلقة بالأجنبية بالحكم المختص بالطلاق كما بعد التطليقات الثلاث.
وبيان هذا أن بالتطليقات الثلاث تصير محرمة ومطلقة، ثم بإصابة الزوج الثاني يرتفع الوصفان جميعًا، وتلحق بالأجنبية التي لم يتزوجها قط، فبالتطليقة الواحدة تصير موصوفة بأنها مطلقة، فيرتفع ذلك بإصابة الزوج الثاني.
(وأما فعل الوطء فلا يضاف إليها مباشرته أبدًا) أي بطريقة الحقيقة؛ (لأنه لا تحتمل ذلك).
فإن قيل: يحتمل أن فعل النكاح بمعنى الوطء أضيف إليها مجازًا لوجود
(1/295)

التمكين إليه كما أضيف الزنا غليها كذلك.
قلنا: لو ترك الحقيقة في موضوع باعتبار عدم إمكان الحمل على الحقيقة لا يلزم أن تترك الحقيقة عند إمكان الحمل عليها، ففي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} لم يمكن العمل بحقيقته فحمل على مجازه، وأما هاهنا فالعمل بحقيقة النكاح الذي هو الوطء بأن أضيف فعل النكاح الذي هو الوطء إلى الزوج، وأضيف مجاز النكاح الذي هو العقد- لأنه سببه- إلى المرأة ممكن؛ فلذلك أضفنا حقيقة النكاح إلى الزوج.
(ثم نكحت بعبد الرحمن بن الزبير) - بفتح الزاي- فعيل من الزبر وهو: الزجر، والمنع. كذا في المغرب. وبخط الإمام تاج الدين الزربوخي- رحمه الله-: الزبير- بفتح الزاي- من يهود قريظة.
(1/296)

وأسلم ابنه عبد الرحمن بن الزبير، روى عنه ابنه الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، فاسم ابنه بالضم، واسم أبيه بالفتح.
("لا حتى تذوقي من عسيلته") العُسيلة: تصغير العَسلة، وهي القطعة من العسل، وقد ضرب ذوقها مثلًا لإصابة حلاوة الجماع ولذته، وإنما صغرت إشارة إلى القدر الذي تحل يعنى تلك الحلاوة، وإن قلت تثبت الحل. ذكره في "المغرب".
(وفي ذكر العود دون الانتهاء) أي وفي ذكر رسول الله- عليه الصلاة السلام- لفظ العود وتركه لفظ الانتهاء الذي هو مدلول الكتاب بقوله: {حَتَّى تَنكِحَ} إشارة إلى ذوق العسيلة يعني لم يقل النبي- عليه السلام: تريدين أن تنتهي تلك الحرمة التي تثبت في الكتاب مغياة إلى إصابة الزوج الثاني؟ لما
(1/297)

أنه لو ذكره كذلك لما علم كون الزوج الثاني مثبتًا حلًا جديدًا. بل علم انتهاء تلك الحرمة بدخول الزوج الثاني لا غيرن ولما ذكر العود وغيا عدمه إلى غاية الذوق علم أن الزوج الثاني محلل؛ لأنه غيا عدم العود إلى ذوق العسيلة فينتهي عدم العود بالذوق ويجيء العود لا محالة، والعود هو الرجوع إلى الحالة الأولى، والعود الآن ثبت فيكون ثابتًا به أي بذوق العسيلة بخلاف أصل الحل؛ لأنه كان ثابتًا قبل الحرمة الغليظة، وسبب ذلك كونها من بنات آدم- عليه السلام- ليست من المحرمات إلا أن حكمه تخلف باعتراض الحرمة الغليظة، فإذا انتهت الحرمة الغليظة أمكن أن يقال: يثبت الحل بالسبب السابق، وهو كونها من بنات آدم ليست من المحرمات.
فأما العود فلم يكن ثابتًا قبل ذلك وثبت الآن، فيكون حادثًا به أي بذوق العسيلة.
(لعن الله المحلل والمحلل له) سمي الزوج الثاني محللًا، والمحلل من
(1/298)

يثبت الحل كالمحرم من يثبت الحرمة، والمبيض من يثبت البياض، فأينما وجد الزوج الثاني ثبت له هذه الصفة وهي التحليل.
فإن قيل: الحل ثابت للزوج فيما دون الثلاث، فكيف يثبت الزوج الثاني الحل إذ في إثباته الحل إثبات الثابت وهو ممتنع كنفي المنفي؟
قلنا: لا كذلك؛ لأن في هذا يثبت شيئًا لم يكن هو ثابتًا قبل هذا، وهو أن الزوج الأول يملك الطلقات الثلاث بهذا التحليلن وكان يملك قبل هذا التطليقتين، فعلم بهذا أن هذا الحل غير الحل الذي كان قبل التحليل.
وذكر في "الأسرار": التطليقة الواحدة إن لم توجب حرمة فهي بغرض أن توجب، ولأنهما يقولان: إن الوطء لما رفع الحرمة الثابتة بالحرمة الغليظة منع ثبوتها إذا قارن سبب ثبوت الحرمة بالطريق الأولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع.
أو نقول: إن إثبات الثابت إنما لم يعتبر إذا لم يفد شيئًا، أما إذا أفاد كان معتبرًا.
ألا ترى أن شراء الإنسان ماله بماله لا يصح؛ لأن فيه إثبات الثابت وهو غير مفيد، ثم إذا اشترى ماله من المضارب يصح وإن كان فيه شراء ماله بماله؛ لأنه بالشراء هذا يحصل ملك التصرف لنفسه في ذلك المال، وكذلك إذا ضم عبده مع عبد غيره واشتراهما، فإنه يصح البيع والشراء حتى انقسم
(1/299)

الثمن عليهما لما أنه مفيد في جواز العقد في الآخر، فكذلك هاهنا إثبات الثابت في هذه الصورة مفيد؛ لأن الحل قبل هذا كان يزول بالطلقة أو بالطلقتين، وبعد الزوج الثاني هاهنا لا يزول الحل إلا بالثلاث، فكان مفيدًا فيصح.
وقال الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله- في جواب هذه الشبهة: إن الحل وإن كان ثابتًا فهو ناقص بدليل أنه لا يمكن أن يورد عليها العقد الثلاث وكانت فيما قبل محلًا للعقد الثلاث، دل أن الحل انتقص فكان كحل الأمة، فإنها لما لم تكن محلًا لإيراد العقد الثلاث عليها قلنا: إن حلها ناقص عن حل الحرة، وإذا كان كذلك فالزوج الثاني يتم هذا الحل الناقص، فثبت أن الزوج الثاني لا يثبت الثابت، بل يثبت ما ليس بثابت.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يرد عليها خمس تطليقات؛ لأن التطليقتين كانتا ثابتتين، وتثبت ثلاث تطليقات بالحل الجديد.
قلنا: نعم كذلك، لكن التطليقتين عملتا عمل أربع تطليقات، وبقيت تطليقة واحدة كالمعتدة إذا تزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني ثم فارقها بعد ما مضى حيضة من العدة الأولى تجب عليها ثلاث حيض أخر، وبقيت حيضتان من العدة الأولى، فكانت خمس حيض. إلا أنها إذا حاضت حيضتين انقضت العدة الأولى واحتسبت من العدة الثانية أيضًا فبقى عليها حيضة أخرى لإتمام العدة الثانية.
(1/300)

وقوله: (ومن صفته التحليل) أي ومن صفة الدخول (وأنتم أبطلتم هذا الوصف).
بيان هذا أن الكتاب يقتضي انتهاء الحرمة الغليظة، ولا يتعرض أن هذه الغاية- وهي ذوق العسيلة- هل هي مثبته للحل أم لا؟ فنعمل بموجب الغاية وهو انتهاء الحرمة الغليظة، ونثبت للغاية صفة الإثبات على وجه لا يتعرض الكتاب، وجاز أن تكون الغاية منهية ومثبتة- كما في قوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} فيكون الاغتسال منهيًا الجنابة ومثبتًا الطهر. دل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} فكذلك هاهنا ذوق العسيلة منه ومثبت للحل بدليل آخر لا يمكن رده، فإذا عملنا بما عملتهم وأثبتنا شيئًا آخر وهو إثبات الحل الجديد الذي سكت عنه الكتاب فلم يكن ما ذكرنا معارضًا للكتاب، وما ذكرتم ترك لما ذكرنا من الدليل وهو نص الخاص فإذن التارك للخاص أنتم لا نحن، وهذا لأن الدخول ثبت زيادة على كتاب الله تعالى بالإجماع بالحديث المشهور ومن صفته التحليل، فكان ما قاله محمد والشافعي إبطالًا لحكم الحديث؛ لأن الحديث يقتضي أن يكون الزوج الثاني محللًا، وهما أبطلا هذا الحكم عملًا بما هو ساكت عنه نص الكتاب، وأبطلا وصف التحليل عن دليله الذي هو الدخول؛ لأن الحديث المشهور اقتضى أن يكون وصف التحليل ثابتًا بدخول الزوج الثاني أينما وجد، وهما
(1/301)

ذلك.
وقوله: (ووصفته جميعًا) أي التحليل.
ومن ذلك قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} أي ومن العمل بالخاص على قولنا: وترك العمل به على قول الشافعي حكم هذه الآية، وهو: أن الخلع عندنا طلاق، وعند الشافعي فسخ لا طلاق، فمثمرة الفسخ هي ثبوت الفرقة بين الزوجين من غير نقصان العدد في الطلاق بخلاف الطلاق، وقوله
(1/302)

تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، فكان قوله: {مَرَّتَانِ} أي دفعتان مرة بعد أخرى، فإن من أعطى إلى آخر درهمين بمرة واحدة لم يجز أن يقال: إعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين.
وقيل: قوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}؛ لأنه لو حمل على الخبر يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى؛ لأن الطلاق قد يوجد على وجه الجمع، فدل أن المراد منه الأمر كأنه قال: طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق والآية حجة لنا على الشافعي في كراهة الجمع؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق. كذا في "شرح التأويلات".
وقال في "مهذب الترجمان": {الطَّلاقُ} أي الطلاق الذي يملك فيه الرجعة {مَرَّتَانِ} في الجملة.
وقوله: (ذكر الطلاق مرة ومرتين) أي مرة قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} ومرتين بهذه الآية ليس المراد أنه ذكر مرة في الآية الأولى، ثم ذكر المرتين في الآية الثانية؛ لأنه حينئذ يلزم أن تكون ثلاث تطليقات، وبعد التطليقات لا تصح الرجعة، والرجعة مذكورة هاهنا. بل المراد ذكر الطلاق مرتين في الجملة.
يقال بالفارسية: يكبار كفتمت، ودوبار كفتمت يعني مجموع وي
(1/303)

دوبارست فمعنى قوله: الطلاق مرة مرتين؛ وأعقبهما بذكر الرجعة هو: أن الله ذكر الطلاق مرة بقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ}.
وذكر عقيبه الرجعة بقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} ثم ذكر الطلاق ثانيًا بقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} وذكر أيضًا عقيبه الرجعة بقوله: {فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} وإنما ذكر هكذا ليعلم أن الرجعة كما تكون بعد الطلاق الواحد كذلك تصح بعد الطلاقين.
(ثم أعقب ذلك الطلاق بالخلع بقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} بدأ بذكر فعل الزوج) في أول الآية (وهو الطلاق)؛ إذ الطلاق اسم فعله وزاد في آخر الآية فعل المرأة بقوله: {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وتجب إفراد المرأة بالافتداء بالمال تخصيصها بالمال وهذا لأنها هي التي تشتري بضعها من الزوج، فكان الثمن على المشتري.
وقوله: (وتقرير فعل الزوج على ما سبق) أي على الوصف الذي سبق وهو الطلاق؛ لما أن الخلع يوجد منهما؛ لأن المرأة لا تستبد به، وقد ذكر فعل
(1/304)

المرأة وسكت عن فعل الزوج، فكان تقريرًا على ما سبق من فعل الزوج على الطلاق.
فإن قيل: قال الله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ثم قال في حق الخلع {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ثم قال بعد ذلك: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ} ولو جعلنا الخلع طلاقًا صارت التطليقات أربعًا، ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث؛ فلذلك حمل الشافعي الخلع على الفسخ دون الطلاق، ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم الكفاءة وخيار العتق وخيار البلوغ، فيحتمل الفسخ بالتراضي في الخلع أيضًا.
قلنا: أما الجواب عن الأول؛ فإن الله تعالى ذكر التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، فبهذا لا يصير الطلاق أربعًا. كذا في "المبسوط" فكان الخلع هو الطلقة الثالثة، فكان طلاقًا بالمال، أو الطلقة الثالثة مكان الخلع وهو الطلقة بلا مال، فعلى هذا لا يصير الطلاق أربعًا.
(1/305)

أو نقول: على تقرير هذا الكتاب هو أن الله تعالى ذكر الافتداء بالمال ولم يذكر فعل الزوج، فلابد من تقرير فعل الزوج؛ لأن الخلع يوجد منهما وفعل الزوج قد سبق في صدر الآية، فصار الطلاق نوعين: طلاقًا بمال وطلاقًا بغير مال، فوصل الطلقة الثالثة بالطلاق بالمال، فكانت التطليقات ثلاثًا لا أربعًا.
أو نقول: المراد بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} بيان شرعية الرجعة بعد الطلاقين لا وقوعهما، يعني لو وقع الطلاقان ثبتت الرجعة كما لو وقع طلاق واحد، فكان هذا إخبارًا عن شرعيته لا إخبارًا عن وقوعه، وكذلك من ذكر الخلع بيان شرعية الخلع وكونه طلاقًا، وكذلك من قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَه} بيان الحرمة الغليظة بعد الطلقات.
والدليل عليه أنه ذكر حكم الطلاق في مواضع أخر، فلو كان المراد منه الوقوع كان زائدًا على الثلاث لا محالة.
وأما الجواب عن الثاني فنقول: النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه.
ألا ترى أنه لا ينفسخ بالهلاك قبل التسليم، وأن الملك الثابت به ضروري لا يظهر إلى في حق الاستيفاء، وأما الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع عن الإتمام، وكذلك في خيار العتق والبلوغ.
وأما الخلع فيكون بعد تمام العقد والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال، فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازًا، وذلك إنما يكون بالطلاق، وفائدة هذا الاختلاف أنه لو خالعها بعد
(1/306)

التطليقتين عندنا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وعنده له أن يتزوجها.
يقوله: (لا يكون عملًا به) أي بخاص الكتاب وهو الطلاق المذكور في الآية.
(فأوجب صحته بعد الخلع) أي صحة الطلاق بعد الخلع. أنما قيد بقوله: بعد الخلع؛ لأن عنده يصح الطلاق بعد الطلاق على مال، فمن (وصله بالرجعى) أي ومن وصل قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ} بقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} لا بقوله: {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} لا يكون هو عاملًا بموجب الفاء التي في قوله تعالى: {فَإن طلقَهاَ} وهي للتعقيب مع الوصل.
(1/307)

فإن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} بعد قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وبعد الحرمة الغليظة ليس للزوجين أن يتراجعا، فلابد أن يكون هذا متصلًا بما قبله، وهو قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} فكان في هذا ترك العمل بالخاص الذي هو موجب الفاء حيث ترك وصله بما يليه.
قلت: لا كذلك، بل هذه الآية متصلة بما يليها، وهو قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ} فإن المراد من قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} الزوج الثاني أي فإن طلق الزوج الثاني بعد الدخول بها {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي فلا إثم على الزوج الأول والمرأة. كذا في "التيسير".
علم بهذا أن الفاء معمولة هاهنا أيضًا بحقيقتها وهي الوصل بما يليها.
(1/308)

{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} ذكر عقيب المحرمات بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} أي ابتغاؤكم بالمال، والباء للإلصاق، فأينما وجد الطلب يكون المال ملصقًا به.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- حمه الله- فالابتغاء موضوع لمعنى معلوم وهو الطلب بالعقد، والباء للإلصاق فيثبت به اشتراط كون المال ملصقًا بالابتغاء تسمية أو وجوبًا، والقول بتراخيه عن الابتغاء ألى وجود حقيقة المطلوب- وهي الوطء كما قاله الخصم- في المفوضة إنه لا يجب المهر لها إلا بالوطء يكون ترك العمل بالخاص فيكون في معنى الفسخ له، ولا يجوز المصير إليه بالرأي.
(عن الطلب الصحيح) أي عن النكاح الصحيح، وهو احتراز عن الطلب الفاسد، وهو النكاح الفاسد؛ لأنه لا يجب فيه بنفس العقد بالإجماع، بل إذا وجد الدخول في مسألة المفوضة- بكسر الواو- وهي اختيار صاحب "المغرب" وهي: التي فوضت بضعها إلى زوجها أي زوجته نفسها بلا مهر. فإنه لا يجب المهر عند الشافعي إذا ماتت قبل الوطء مع وجود العقد
(1/309)

الصحيح وهو خلاف النص.
وقوله: (وأن تقدير العبد امتثال به) أي بإيجاب الله تعالى وتقديره، فيحتمل أن يكون هذا جواب شبهة ترد على قوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} بان يقال: الله تعالى أسند الفرض- وهو التقدير- إلى العباد، وأنتم تقولون: تقدير المهر مفوض إلى الله تعالى، ولا يجوز تقديره للعبد، فكان هذا مخالفة للنص.
(1/310)

فأجاب عنه وقال: ذلك التقدير الذي يقدره العبد امتثال منه لتقدير الله تعالى وإيجابه. يعني إن مهور النساء مقدرة معلومة عند الله تعالى وباصطلاح الزوجين على مقدر يظهر ما كان مقدرًا معلومًا عند الله تعالى لأن العباد يقدرون ما ليس بمقدر، وعلى هذا قيم الأشياء، فإن قيم الأشياء معلومة مقدرة عند الله تعالى يظهر ذلك لنا بتقويم المقومين للأشياء على مقدر، وهذا نظير كفارة اليمين، فإن ما يأتي به العبد بأحد الأشياء الثلاثة كان امتثالًا لما كان واجبًا عليه ثابتًا عند الله تعالى.
(فمن جعل إلى العبد اختيار الإيجاب) يعني من فوض إثبات المهر وتركه والتقدير فيه على أن يقدر كيف شاء وأي قدر شاء كان مبطلًا للنص الخاص، ويتفرع عن هذا أن من تزوج امرأة بخمسة دراهم كان ذلك مهرًا عند الخصم، وعندنا تجب عشرة دراهم؛ لأن المهر مقدر عندنا بتقدير الله تعالى، وأدناه عشرة دراهم؛- لقوله عليه السلام-: (لا مهر أقل من عشرة دراهم).
(1/311)

فإن قلت: على هذا التقرير وقعتهم في الذي أبيتم، وهو: أنكم تأبون الزيادة بخبر الواحد على مطلق الكتاب فتقولون: الزيادة على الكتاب نسخ كما قلتم ذلك في الزيادة على قوله تعالى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} بقوله- عليه السلام-: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) لما أن القرآن يطلق على القليل والكثير فلا تصح زيادة تعيين الفاتحة عليه بخبر الواحد، فيجب أن يكون هاهنا كذلك؛ لأن اسم المال في قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} يقع على القليل والكثير، فلا تصح الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنه نسخ وذلك لا يجوز بخبر الواحد.
قلت: لا كذلكن فإن الله تعالى أشار في موضع آخر إلى أن ذلك المال مقدر. وأشار أيضًا إلى أن ذلك التقدير شرعي بقوله {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} فيعلم التقدير بالفرض وكونه شرعيًا بضمير (نا) في {فَرَضْنَا}، ولكن ذلك التقدير مجمل فوقع هذا الخبر وهو قوله- عليه
(1/312)

السلام-: (لا مهر أقل من عشر دراهم) بيانًا لمجمل الكتاب، فيصح أن يقع خبر الواحد بيانًا لمجمل الكتاب بخلاف قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} فإنه لا إجمال فيه، فكانت الزيادة هناك مستلزمة للنسخ، وأما هاهنا فلان ولأن البضع من وجه في حكم النفوس حتى لا يسقط حكم الفعل فيه بالبذل، فبذل النفس لا يحصل بمجرد المال بل بمال له خطر فكذا فيما هو في حكمة؛ ولأن اشتراط الفرض فيه شرعًا لإظهار حظر البضع، وهذا المقصود لا يحصل بأصل المال؛ لأن اسم المال يتناول الحقير والخطير، وإظهار الحظر إنما يحصل بمال له خطرن وهو عشرة دراهم كما في نصاب السرقة فقدر بها.
ومن ذلك قوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} أي ومن العمل بالخاص قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} حكي عن الأصمعي أنه قال:
(1/313)

كنت أمشي في البادية، فاستقبلني أعرابي له هيبة، فخفت منه سلب مالي، فقال ليك من أنت؟ قلت: فقيه. فقال: أتحفظ شيئًا من القرآن؟ قلت: نعم. فتذكرت قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فقرأت هذه الآية كي يخاف لو كان قاصدًا لمالي، وقرأت في آخر هذه الآية: (والله غفور رحيم).
فقال الأعرابي: القرآن ما هكذا، فتأملت، فتذكرت، فقرأت: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال: القرآن هكذا، وخلى سبيلي.
قال الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- رحمه الله-: بدأ هاهنا بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ} وبدأ في آية الزنا بقوله: {الزانية} والحكمة فيه- والله أعلم-: أن الأصل في السرقة الرجال، وفي الزنا النساء.
(الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة فعل العبد)؛ لأن الله تعالى هو المطاع في أوامره ونواهيه لذاته؛ لأنه هو المخترع لجميع الأشياء، فترك الأمر والنهي على الإطلاق واقع على حقه فيجب الجزاء له على العبد.
(1/314)

فأما غير الله تعالى فليس بمطاع على الإطلاق، بل هو مطاع لغيره وهو أن الله تعالى أمرنا بإطاعته، ولهذا لو أمر غير الله إنسانًا بشيء فيه معصية الله فلا إطاعة لأحد فيه، وإذا كان كذلك فلم يفهم من ذكر الجزاء مطلقًا ما يجب للعبد على العبد، بل يفهم منه ما يجب لله تعالى على العبد، فدل ذلك على كون الجناية واقعة على حق الله تعالى على الخصوص، ومن ضرورته ألا يبقى معصومًا حقًا للعبد؛ لأنه لو بقي معصومًا حقًا للعبد لا يجب القطع؛ لأنه حينئذ يكون حرامًا لغيره، وذلك لا يوجب القطع، كما لو غصب مال إنسان لا يجب القطع لبقائه معصومًا حقًا للعبد، ولا يقال: يجوز أن يبقى الشيء معصومًا حقًا للعبد، ومع ذلك هو معصوم حقًا لله تعالى حتى يجب القطع لكونه معصومًا حقًا لله تعالى، والضمان لكونه معصومًا حقًا للعبد
(1/315)

كما لو قتل محرم صيدًا مملوكًا لآخر يجب الجزاء؛ لكونه جناية على الإحرام وهو حق الله تعالى، والقيمة باعتبار كونه حقًا للعبد؛ لأنا نقول: لا وجه إلى ذلك؛ لأن كونه معصومًا حقًا لله تعالى يقتضي كونه حرامًا لعينه، وكونه معصومًا للعبد يقتضي كونه حرامًا لغيرهن فلو كان كذلك لا يجب القطع؛ لأنه يصير شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات بخلاف قتل المحرم صيدًا مملوكًا؛ لأن الجزاء لا يتعلق بكون الصيد معصومًا.
ألا ترى أنه لو قتل صيدًا غير مملوك يجب الجزاء أيضًا، وإن لم يكن معصومًا ولا مملوكًا، فيجب الضمان لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه جناية على إحرامه.
ألا ترى أنه يجب الجزاء أيضًا لو قتل صيد نفسه لهذا المعنى فاختلف الموجب أما هاهنا فإنما يجب الجزاء وهو القطع لكن المسروق معصومًا مملوكًا فلابد من تحول العصمة لما بينّا.
والدليل أيضًا على انتقال العصمة إلى الله تعالى أن الله تعالى أوجب هو الجزاء بمقابلة سرقة عشرة دراهم، ولو كان لحق العبد ما كان قطع اليد التي قيمتها خمسمائة دينار بمقابلة عشرة دراهم؛ لما أن ضمان العدوان مقيد بمصل. كما في الغضب بقوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
(1/316)

عَلَيْكُمْ} فإن قيل: لو انتقلت العصمة لكان المال المسروق بمنزلة الخمر، ولو أنه سرق الخمر لا يجب القطع. قلنا: إنما لا يجب القطع هناك لكون الخمر غير معصوم حقًا للعبد.
فإن قيل: لو كانت الجناية واقعة على حق الله لما اشترطت خصومة العبد كما في الزنا وشرب الخمر؟ قلنا: خصومة العبد إنما اشترطت لتظهر السرقة لا لكون الجناية واقعة على حقه، ولهذا يقطع بخصومة المكاتب ومتولي الوقف باعتبار ظهور السرقة لا باعتبار كون الجناية عليهما؛ لأنه ليس لهما ملكن والعصمة في حق العبد باعتبار الملك، وعلى هذا يخرج شرب المسلم خمر الذمي؛ لأن وجوب الحد لا يتعلق بكونه معصومًا ومملوكًا لغيره.
ألا ترى أنه لو شرب خمره يجب الحد أيضًا، بل في وقع جنايته في معصوم الله تعالى الذي هو موجب للحد على المباشر، والضمان إنما وجب لأن دياتهم صارت دافعة عدم التقوم بحكمة عقد الذمة.
(ومن ضرورته تحويل العصمة) أي ومن ضرورة وقوع الجناية على حق الله تعالى تحويل العصمة.
فإن قيل: متى تحولت العصمة إلى الله تعالى؟ إن قلتم: قبل السرقة، ففيه سبق الحكم على السبب؛ لأن السبب للانتقال، والتحول ليس على السرقة.
وإن قلتم: بعد السرقة، فهذا غير مفيد؛ لأن السبب صادف محلًا محترمًا للمالك.
(1/317)

وإن قلتم: مع السرقة، فهو باطل أيضًا؛ لأن السرقة وقت الوجود ليست بموجودة، فكيف تثبت الحكم وقت الوجود؟
قلنا: تحولت العصمة إلى الله تعالى قبيل السرقة متصلًا بالسرقة لتنعقد السرقة موجبة للقطع، ويجوز سبق الحكم على السبب إذا كان ذلك الحكم شرط صحة ذلك السبب، كما في المقتضى أي في قوله: أعتق عبدك عني على ألف. فقال: أعتقت. يثبت الملك مقتضى العتق قبيل قوله: "أعتقت ضرورة صحة العتق، وكذلك في مسألة استيلاد الأب جارية الابن ينتقل الملك من الابن إلى الأب قبيل الوطء لضرورة صحة الاستيلاد، فكذا هنا. إلى هذا أشار في "كشف الأسرار"، وقد أوردناه في "النهاية"
(1/318)

ونظائره، وحاصله أن الجزاء لما كان واجبًا لله تعالى لزم أن تكون الجناية واقعة على حقه؛ لأن الجزاء إنما يجب لمن وقعت عليه الجناية، فإذا كانت الجناية واقعة على حق الله تعالى لزم أن يكون محل الجناية وهو العصمة منتقلة إليه، وإذا انتقلت إليه صار المسروق كالخمر، ولو أتلف خمر مسلم أو غصب فاستهلكها أو هلكت لا يجب ضمانها لما أنها معصومة لله تعالى لا للعبد، ولو كانت باقية لزم الرد؛ لأنه ماله فكذا هاهنا.
(ولأن الجزاء يدل على كمال المشروع لما شرع له) أي لأجل ما شرع له يعني يدل على أن ما هو الجزاء وهو القطع مشروع من جميع الوجوه (مأخوذ من جزي أي قضى) والقضاء: الإتمام والإحكام.
قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما
(1/319)

(وجزاء- بالهمزة- أي كفى)، فالإتمام والكفاية يقتضيان أن يكون الجزاء مشروعًا من جميع الوجوه وكاملًا في شرعيته، وإذا كان الجزاء كاملًا في نفسه وجب أن تكون الجناية كاملة وجناية من جميع الوجوه، وإنما تكون الجناية جناية من جميع الوجوه أن لو كانت الجناية واقعة على حق الله تعالى لما أن الله تعالى واجب التعظيم لذاته، فكانت الجناية في حقه جناية من كل الوجوه.
وأما الجناية على حق العبد فلم تكن جناية من كل وجه لما أن مال العبد بالنظر إلى ذاته مباح.
قال الله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} فلا يكون أخذ ماله بالنظر إلى ذاته جناية، وإنما يكون جناية باعتبار حق المالك، فحينئذ لم تكن الجناية كاملة فلا يقع الجزاء الكامل بمقابلتها، فمن ضرورة هذا تحويل العصمة إلى الله تعالى، وإنما يظهر ذلك بالقطع يعني عند القطع يتبين أن الجناية وقعت
(1/320)

على حق الله تعالى حيث وقع القطع جزاء له، ومن هذا يظهر انتقال العصمة قبيل السرقة على ما ذكرناه حتى تكون الجناية واقعة على حقه؛ لأنه يكون حرامًا لمعنى في غيره وهو حق العبد، فتكون الحرمة حينئذ ناقصة فلا تكمل الجناية، فلا يجب الجزاء المطلق الكامل في نفسه بمقابلته.
(ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا)؛ لأن شرط وجوب القطع أن يكون المسروق مملوكًا معصومًا حقًا للعبد، وإنما ينتقل من العبد إلى الله تعالى ضرورة وجوب القطع لما بينا من ذكر الجزاء المطلق إلى آخره، ولا يلزم من بطلان العصمة في حق العبد بطلان الملك؛ لأن الموجب لانتقال العصمة قد وجد، ولم يوجد ما هو موجب لبطلان الملك؛ لأنه يمكن أن يكون مملوكًا للعبد وإن لم يكن معصومًا له ويجب الحد مع ذلك، كما أن شرب الخمر مملوكًا لإنسان يجب الحد' ولا يصير كونه مملوكًا شبهة في درء الحد كما إذا شرب خمره فلا ضرورة في بطلان الملك، ثم قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا"؛ يتراءى أنه ينتقض بما إذا سرق مالًا موقوفًا يجب فيه القطع، وقد ثبت كونه معصومًا مع أنه غير مملوك.
علم بهذا أن قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا" مما لا يصح.
قلنا: لا ينتقض؛ لأن الموقوف مملوكًا عند بعض العلماء للموقوف عليه.
أو نقول: إنه يبقى على ملك الواقف حكما، ولهذا يرجع الثواب به.
(1/321)

وقيل: إن علة الوقف إن كانت للذي هو أهل للملك تصير مملوكة له، وإن كانت للذي لم تكن أهلًا كالمسجد وغيره يبقى على ملك الواقف تبعًا لأصلها.
(حتى إذا وجد الخصم بلا ملك) أي بلا ملك المدعي وهو الحافظ، وقوله: ونحوهما كسدنة الكعبة، وكالعبد المستغرق بالدين.
(فلذلك تحولت العصمة دون الملك) أي دون المملوكية.
وقوله: (ألا ترى أن الجناية تقع على المال) بيان انه لم يلزم من انتقال العصمة انتقال الملك لما أن الجناية إنما تقع على مال معصوم مملوك.
(وأما الملك الذي هو صفة للمالك) غير قابل للجناية لما أن المالك من قام به الملك، وهو غير قابل للجناية ولو تصور وقوع الجناية عليه كيف ينتقل وأنه غير مشروع لما أن الانتقال إنما يتحقق أن لو لم يكن له الملك وجميع العالم مملوك له، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
(1/322)

وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.
والدليل على هذا أنه لا يقال هذا مملوك للعبد لا لله لما أن العبد وما في يده لمولاه، فلم يتصور نقل الملك، وأما نقل العصمة فمشروع كالخمر، فإنه قبل أن يصير خمرًا كان عصيرًا معصومًا للعبد فإذا تخمر كان معصومًا لله تعالى، وكيف ينتقل وهو غير مشروع؟ لأنا عهدنا في الشرع انتقال العصمة عند وجود الدليل.
فأما انتقال الملك عنه وهو حي إلى غيره بدون صنع منه فلم يعهد في الشرع، فلذلك بطل القول بانتقال الملك كما قلنا في العصير المملوك: تنتقل العصمة بالتخمر مع بقاء كونه مملوكًا لله تعالى.
فأما يجوز أن يكون الشيء معصومًا حقًا للعبد لا لله تعالى، ولا يمكن القول بانتقال الله تعالى عقلا؛ لأن كل الأشياء مملوكة لله تعالى، ويجوز أن يكون معصومًا حقًا لله تعالى لا للعبد، فأمكن القول بتحول العصمة دون الملك.
وذكر في "المبسوط" في هذا الموضع: ولا يدخل على هذا الملك، فإنه يبقى للمسروق منه حتى يرد عليه؛ لأن وجوب القطع باعتبار المالية والتقوم في المحل.
(1/323)

فأما الملك بصفة المالك والفعل يكون محرم العين مع بقاء الملك.
ألا ترى أن فعله في شرب خمر نفسه يكون محرم العين مع بقاء ملكه وليس من ضرورة انعدام المالية والتقوم في حقه انعدام الملك كالشاة إذا ماتت بقي ملك صاحبها في جلدها، وإن لم تبق المالية والتقوم وإذا ثبت أن المالية والتقوم صار حقًا لله تعالى خالصًا فلو وجب الضمان إنما يجب لله تعالى، وقد وجب القطع لله تعالى ولا يجمع بين الحقين لمستحق واحد كالقصاص مع الدية.
قوله: (ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.
(1/324)

باب الأمر
(فإن المراد بالأمر) أي سواء كان وجوبًا أو ندبًا أو غيره، وقوله: "فإن المراد" صورة المسألة لا أنه تعليل لقوله: "ومن هذا الأصل".
(ليس المراد بالأمر" وهو الوجوب (صيغة لازمة) أي بل يحصل ذلك المراد بالفعل كما يحصل الأمر.
(أن أفعال النبي عليه السلام عندهم موجبة كالأمر) يعني إذا نقل إلينا
(1/325)

أن رسول الله- عليه الصلاة والسلام- فعل كذا عندهم يصح أن يقال: أمر رسول الله عليه السلام بكذا، وعندنا لا يصح.
فالحاصل أن فعل النبي- عليه الصلاة والسلام- عندهم أمر على الحقيقة، وعندنا ليس بأمر.
(ولو لم يكن الأمر مستفادًا بالفعل لما سمي) به أي لما سمي الفعل بالأمر؛ لأنه حينئذ يكون تسميته بلا معنى وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى؛ لأن الكلام نوعان: حقيقة ومجاز، ولا وجه للمجاز هاهنا؛ لأن طريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين محل المجاز والحقيقة صورة أو معنى، ولا اتصال بين الأمر والفعل صورة بلا شبهة، ولا اتصال بينهما معنى؛ لأن معنى الأمر هو الاستدعاء إلى الشيء، والفعل لتحقيق الشيء فلا اتصال بينهما فيما هو المعنى.
فعلم بهذا أن الله تعالى أطلق اسم الأمر عليه حقيقة.
(صلوا كما رأيتموني أصلي) جعل فعله موجبًا حيث قال: (كما رأيتموني أصلي).
(1/326)

فإن قيل: الوجوب بالأمر.
قلنا: لا تنافي بينهما فيحتمل أن في فعله وجوبًا، وقد دل الدليل عليه؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام- متبوع فيكون موجبًا كما قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) وفعله أيضًا مما آتاهم الرسول فكان موجبًا.
(ولا يجوز قصور العبادات عن المعاني) يعني: روا نباشد كه عبارات از معاني كوتاه آيد يعني معنى نبود كه وي را لفظ نيايند كه وضع كنند از بهروي. لأن المهملات أكثر من المستعملات، فكيف يجوز قصور العبارة عن معنى؟ وقد وضع لمعنى واحد أسماء كثيرة، وهي الأسماء المترادفة، والمشترك ليس من قبيل قصور العبارة عن المعنى، بل هو من كمال العبارة؛ لأن لكل معنى اسمًا على حدة على الخصوص والاسم المشترك زائد على ذلك، فلم يكن قاصرًا بل كان تطويلًا وإنما وضع المشترك ابتلاء لحكمة داعية إلى ذلك أو لغفلة من الواضع، فلم يكن من باب القصور.
(مثل الماضي والحال) فنظير الحال ليفعل، فالمقصود بالأمر كذلك يجب
(1/327)

أن يكون مختصًا بالعبارة، ولا يقال: إن المعنى الواحد يفهم بألفاظ كثيرة، وهي الأسماء المترادفة، فلا يكون المعنى مختصًا بعبارة؛ لأنا نقول: بل هو مختص بالعبارة؛ إذ هو لا يفهم بغير العبارة من الفعل وغيره، والمدعى أن المقصود بالأمر مختص بالعبارة لا بالفعل، ولا نعني به أنه مختص بعبارة واحدة.
ألا ترى أن الله تعالى يسمي غلهًا باللغة العربية، ويسمى خداي باللغة الفارسية، ويسمى تنكري باللغة التركية، ويسمى في كل لسان بلغة على حدة، فلا يقال إنه غير مختص بالعبارة.
(وهذا المقصود) وهو الوجوب (من أعظم المقاصد) لما أن الابتلاء يحصل به.
(1/328)

(وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام) - إلى أن قال:- (منكرًا عليهم: "ما لكم خلعتم نعالكم")، فدل ذلك أن فعله ليس بموجب؛ إذ لو كان موجبًا للأمر لم يكن لإنكاره معنى. كما لو أمر مثلاُ بخلع النعال فخلعوا لم يصح إنكاره بقوله: "ما لكم خلعتم نعالكم" لأنهم يقولون: إنك أمرتنا فكذلك في الفعل لو كان موجبًا لما صح إنكاره.
("يطعمني ربي ويسقيني") فيحتمل أن الله تعالى يطعمه طعامًا معنويًا يخالف الأطعمة المعروفة، كما حكي عن بعض الأولياء أنه قال:
(1/329)

شراب المحبة خير الشراب- وكل شراب سواه سراب
كذا أورده الإمام المفسر علاء الدين الزاهد في تفسير قوله: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}.
(لأن الفعل يجب به) أي بالأمر (فسمي به مجازًا) باعتبار إطلاق اسم السبب على المسبب، وهو نظير المشابهة بين الصور في الحسيات كما أن المطر يسمى سماءً؛ لأن السماء سببه فكذلك في الشرعيات اتصال السبب بالمسبب نظير الاتصال بين الشيئين من حيث الصورة (والنبي عليه الصلاة والسلام دعا إلى الموافقة بلفظ الأمر بقوله: "صلوا") لأنه لو كان مجرد فعله موجبًا لما قال: "صلوا".
فأن قلت: ما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول، فقالوا فيه: أوامر، وبين جمع الأمر الذي هو الفعل، فقالوا: أمور، وفي التفريق بين الجمعين دلالة على أن كل واحد منه حقيقة، فكان اسمًا مشتركا، فإنه حقيقة في كل فرد أريد به، وقد يفرق بين جمعي نوعي المشترك
(1/330)

لكونه حقيقة فيهما، كما قال الشافعي: إن القرء الذي هو بمعنى الطهر جمعه قروء، والقرء الذي هو بمعنى الحيض جمعه أقراء. كذا ذكر في "مختلف الرواية".
قلت: أما ما ذكره الشافعي فمردود عليه بقول الشاعر:
يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض
وبالحديث، وهو ما قال رسول الله- عليه الصلاة والسلام- لفاطمة بنت قيس:
(1/331)

"إذا أتاك قروؤك فدعي الصلاة" فعلم بهذا أن القروء تجيء جمعًا للقرء الذي بمعنى الحيض.
وأما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمعي الأمرين، فقلنا: إن هذا الكلام في مخرجه باطل؛ لأن الأمر الذي هو لطلب الفعل غير الأمر الذي بمعنى الفعل وهو الشأن، ولا يطلق اسم احدهما على الآخر إلا مجازًا، وكلامنا في الأمر الذي هو طلب الفعل، وهو لا يتناول الأمر الذي هو الشأن أصلًا، وإنما يطلق اسم الأمر على الشأن بسبب أن الشأن يجب بالأمر الذي هو لطلب الفعل، فكان فيه إطلاق اسم السبب على المسبب بطريق المجاز، فكان الافتراق في الجمعين باعتبار أن كلًا منهما حقيقة في موضعه لا أن يكون الأمر الذي نحن بصدد حقيقة الأمر الذي هو بمعنى الشأن، ومن ذلك أي ومن الخاص.
(1/332)

[باب موجب الأمر]
لأنه لما ثبت أن المراد بالأمر مختص بصيغة خاصة ثبت أن المراد بهذه الصيغة واحد على الخصوص أيضًا، وهو الوجوب؛ لكي تكون الصيغة مختصة بموجب الأمر، والموجب مخصوصًا بها أيضًا؛ لئلا يكون القصور من الطرفين جميعًا هذا في أصل الوضع.
أما إذا الدليل على الندب أو الإباحة أو التقريع أو غيرها كانت صيغة الأمر محمولة عليه مجازًا، كما هو الحكم في سائر الحقائق، فلم يكن ذلك موجبًا لها.
(1/333)

....................................................
(1/334)

(التقريع): سر زنش كردن، (والتوبيخ): التهديد فإن الله تعالى بقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ) يقرعه ويظهر عجزه وعدم تسلطه في حق الجميع إلا في حق من اتبعه لا غير بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ).
وأما في قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) تهديد
(1/335)

للكافرين بسياق هذه الآية بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} فصار كأنه قال- والله أعلم-: إنا أظهرنا الحجج وكشفنا البينات فيما يكون للمؤمن من المثوبات العلية والدرجات السنية، وما على الكافر من العقوبات المؤلمة المثلات المعدة في الآخرة على وجه لم يبق لمسترشد شبهة، ولا لمعاند ريبة.
قال الله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} وقال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، فبعد ذلك جعلنا الاختيار في يده إن شاء مال إلى الطاعة واستحق ثواب النعيم، وإن شاء مال إلى المعصية واستحق عذاب الجحيم، فسيرى الكافر إلى ما يصير أمرة من وخيم العاقبة: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} وهذا تهديد كما ترى، وهو ظاهر.
وذكر شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- لنظير التقريع قوله تعالى: {فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} وهو أراد بالتقريع التعجيز، وذكر لنظير التوبيخ
(1/336)

قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} لما أن التوبيخ متضمن للتهديد، والتقريع متضمن للتعجيز: {اسْتَفْزِزْ} أي استخفف.
وقيل: استحمل {بِصَوْتِكَ} أي بوسوستك.
وقيل: هو صوت كل داع إلى المعصية.
وقيل: بالغناء {وَأَجْلِبْ} أي اجمع وصح بهم مستعينا: {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أي بكل راكب وماش في المعصية.
(ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض) يعني أن وضع الكلمات لإفهام السامع مراد المتكلم بكلامه، والاشتراك يضاد ذلك الغرض من وضع الكلام، فلم يكن الاشتراك أصلًا.
وطريق ثبوت الاشتراك أن تضع قبيلة لفظًا لمعنى، وتضع قبيلة أخرى ذلك اللفظ لمعنى آخر، ولم يعلموا باصطلاح تلك القبيلة، فلما اجتمعت القبيلتان في مرعى وعلم كل واحد منهما ما يستعمله صاحبة وجروا على ذلك الاستعمال أي على استعمال ذلك اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فكان العارض حينئذ جهل كل قبيلة بوضع الأخرى.
وقيل: العارض غفلة من الواضع يعني غفل الواضع عن وضع هذا اللفظ بإزاء معنى، ووضع ذلك اللفظ أيضًا لمعنى آخر يخالف المعنى الأول،
(1/337)

وهذا إنما يستقيم إذا كان الواضع مخلوقًا.
وقيل: العارض أثر الحكمة التي دعت الواضع الحكيم إلي وضع هذا اللفظ لمعنى آخر للابتلاء.
(ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب من الدليل المغير) يعني أن موجب الأمر واحد علي الخصوص وهو الوجوب ثم يستعمل الأمر في غير موجبه لضرب من الدليل المغير كاستعمال الأمر للندب علي قول من قال موجبه الوجوب بضرب من الدليل المغير بدليل تفصيلي أنه لا يراد به الوجوب أو استعمال الأمر للإيجاب علي قول من قال: موجبه الندب بضرب من الدليل المغير عما هو موجبه، وهو أن يثبت بالدليل أن المراد به الوجوب لا الندب (كسائر ألفاظ الخصوص) كقولهم: جاءني زيد، فإن موجبه واحد علي الخصوص، وهو مجيء نفس زيد، ويحتمل التغير عن ذلك بدليل مغير بأن يكون المضاف محذوفا أي جاءني خبر زيد أو كتابه أو غلامه، فاستعمالهم لذلك اللفظ لتلك المعاني لضرب من الدليل المغير وهو ثبوت عند مجيئه يقينا، فلذلك الدليل المغير اضطررنا إلي تغييره عنا هو موجبه وهو العارض، وكذلك في استعمال الأسد في حق الرجل الشجاع إنما كان ذلك بدليل مغير عن حقيقته المخصوصة به بأن قال: رأيت أسدا يرمي، وكذلك في غيره كما في قوله: أنت حر،
(1/338)

وأنت طالق ما هو الموضوع له مراد علي الخصوص إلا إذا قرن به دليل مغير غيره عن موضوعه الذي هو ثبوت العتق والطلاق في الحال وهو ذكر الشرط بأن قال: أنت حر إن دخلت الدار، وكذلك في قوله: أنت طالق لو قرن بآخره إن دخلت الدار يتغير الكلام عن موضوعه علي الخصوص.
وقوله: "ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب الأمر لمعان مختلفة مع أن صيغة الأمر للوجوب حقيقة لا غير، والمشترك في الاصطلاح إنما يستعمل فيما إذا استعمل لفظ واحد لمعنيين مختلفين فصاعدا بطريق الحقيقة.
علم بهذا أنه لم يرد بهذا الاشتراك ما هو المفهوم من اللفظ المشترك، بل أراد به استعمال لفظ الأمر فيما هو حقيقة فيه وفيما هو مجاز فيه.
قوله: (قالوا: إن ما ثبت أمرًا كان مقتضيًا لموجبه)، إنما قيد بقوله: إن ما ثبت أمرًا؛ احتراز عن التفريغ والتوبيخ والدعاء فإن صيغة الأمر في حق هذه الأشياء لا للأمر بالإجماع؛ لأن حقيقة الأمر طلب الفعل الصادر من الأعلى إلي الأدنى.
(فيثبت أدناه وهو الإباحة) يعني أن أدنى ما يصح أن يثبت الأمر من الوجوب والندب والإباحة والإرشاد إلي الأوثق الإباحة، فثبتت هي بدون القرينة، كما إذا وكل رجل رجلا في ماله يثبت به الحفظ؛ لأنه أدنى ما يراد بهذا اللفظ، فيثبت هو لكونه متيقنا، وهذا لأن الإباحة تثبت من ضرورة الأمر؛ لأن الحكيم لا يأمر بالقبيح، فلذلك يثبت بمطلقه ما هو من ضرورة
(1/339)

هذه الصيغة، وهو التمكين من الإقدام عليه، وهو الإباحة.
قلنا: هذا فاسد؛ لأن الإباحة تثبت بالإذن والإباحة، وهذه الصيغة موضوعة لمعنى خاص وهو طلب الفعل، فلابد أن يثبت بمطلقها فوق ما يثبت بالإذن والإباحة ويعتبر الأمر بالنهي، فكما أن مطلق الأمر يقتضي حسن الأمور به علي وجه يجب الائتمار.
(قالوا: لابد مما يوجب ترجيح جانب الوجود)، وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام وقد يكون بالندب، فيثبت أقل الأمرين؛ لأنه المتيقن به حتى يقوم الدليل علي الزيادة.
(إلا أن هذا فاسد). يعني كون موجب الأمر الندب بهذا الدليل فاسد لأن الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب؛ لأنه (لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم)، فإنه مفترض الطاعة يملك الإلزام، فكان الكمال هو الأصل، ولأنه لو كان للندب لا يكون لطلب الفعل من كل وجه؛ لأنه من حيث إنه لا يكون معاقبًا علي تركه لا يأتي به، ومن حيث إنه يثاب علي عله يأتي به فلا يكون مطلوبًا من جميع الوجوه، فينبغي أن يكون
(1/340)

مطلوبًا من جميع الوجوه؛ لأنه لا قصور في ولاية المتكلم ولا في العبارة. أو نقول: إن صيغة الأمر لا تخلو إما أن تكون حقيقة فيهما لا جائز أن تكون حقيقة في الندب مجازًا في الإيجاب؛ لأن ذلك يؤدي إلي تصويب قول من يقول: إن الله تعالى لم يأمر بالإيمان ولا بالصلاة، وهو باطل؛ لأنهما مفروضان لا مندوبان، والمفروض غير المندوب، فكان استعمالها في غير موضوعها مجازًا لا محالة، فبقي الوجهان الآخران، فالحمل علي الإيجاب في كل واحد منهما أولي.
أما إذا كانت الصيغة حقيقة في الإيجاب فلكون الصيغة معمولة في حقيقتها.
وأما إذا كانت حقيقة فيهما جمعا كان الحمل علي الإيجاب أولي أيضًا لتضمن الإيجاب الندب وبل زيادةً بخلاف العكس، وما قالوه من أن الحمل علي أقل الأمرين عمل بالتيقن باطل بلفظ العام، فإنه يتناول الثلاثة فما فوق ذلك ثم عند الطلاق لا يحمل علي المتيقن وهو الأقل، وإنما يجمل علي الجنس لتكثير الفائدة به فكذلك صيغة الأمر، ولو لم يكن في القول بما قالوا إلا ترك الأخذ بالاحتياط لكان ذلك كافيا في وجوب المصير إلي ما قلنا، فإن المندوب يستحق بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب، والواجب يستحق بفعله الثواب وبتركه العقاب، فالقول بأن مقتضي مطلق الأمر الإيجاب فيه معني الاحتياط من كل وجه، فكان هو أولى.
(1/341)

وقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ} يوهم أن المعدوم شيء وليس كذلك، بل إنما سمي شيئًا باعتبار ما يؤول إليه؛ لأن الله تعالى يحول المعدوم شيئًا لا أن يكون شيئًا قبل الوجود؛ لأن إثبات الثابت محال.
(وهذا عندنا) أي عندي وعند أقراني لا أن يراد به ما يقال هذا عند علمائنا الثلاثة- أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله- لأن عند عامة المتكلمين وبعض الفقهاء منهم الشيخ أبو منصور والقاضي الإمام أبو زيد- رحمهما الله- أنه مجاز عن سرعة الإيجاد (علي أنه أريد به ذكر الأمر بهذه الكلمة) أي بمدلول هذه الكلمة الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى فكان {كُن} كلاما لله تعالى حقيقة أى مدلول {كُن}.
(1/342)

(من غير تشبيه) أي من غير أن يقال إنه تعالى متكلم بالكاف والنون، حتى يلزم تشبيه كلامنا أي لله تعالى كلام، لكن لا يشبه كلامه كلامنا؛ لأن كلامنا يحدث فينا، والله تعالى يتعالى عن أن يحدث في ذاته شيء وقوله: من غير تشبيه؛ نفي قول الكرامية، فإن عندهم كلام الله حادث في ذاته.
وقوله: (ولا تعطيل) نفي لقول المعتزلة، فإنهم يقولون: الله تعالى ليس بمتكلم في الأزل، وإنما صار متكلما بخلق هذه الحروف والأصوات في محالها فقولهم ذلك يؤدي إلي التعطيل عن صفة الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف بصفة قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف بصفة
قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام قائمًا بذات الله تعالى لم يكن متكلما به فبطل قولهم؛ لأن الله تعالى متكلم بالإجماع.
(وقد أجري سنته في الإيجاد بعبارة الأمر) وهو خطاب {كُن}.
فإن قلت: هذا الذي ذكره هو عين مذهب الأشعرية، فإنهم يقولون
(1/343)

إن تكون العالم بخطاب {كن} فكان قوله {كن} تكوينا للعالم.
قلت فبقوله: وقد أجري سنته؛ وقع الاحتراز عن قول الأشعرية؛ لأن عن الأشعرية تكون العالم بخطاب {كن} علي طريق الجزم والبتات علي وجه لا يجوز التخلف عنه كالعلل العقلية عن معلولاتها كقيام الحركة للتحرك، والكسر للانكسار، فعند المصنف- رحمه الله- أن تكون العالم بخطاب {كن} علي طريق إجراء السنة أي كان علي جواز أن لا يكون كذلك؛ لأن إجراء السنة إنما يستعمل فيما يغلب وجوده علي ذلك المجري يإجراء الله تعالى، وقد تخلف عن ذلك المجري بإرادة الله تعالى خلقه، كما أن الله تعالى أجري سنته علي أن تكون النار محرقة والماء مغرقا ولم يجعلهما علي تلك الصفة في حق الخليل والكليم- عليهما السلام-، وقد كان يحتمل أن يوجد شيء بدون الأمر، فإن عند أهل السنة والجماعة التكوين أزلي قائم بذات الله تعالى، وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجودة لا أنه يوجد عنده كاف ونون عند عامة المتكلمين من أصحابنا.
وعند فخر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهما خطاب مدلول {كن}
(1/344)

موجود على الحقيقة عند إيجاد كل شيء فالحاصل أن عند فخر الإسلام ومن تابعه في إيجاد شيء شيئان: الإيجاد، وخطاب {كن} أي مدلوله.
فإن قيل: فإذا حصل وجود العالم بالتكوين فما الفائدة في خطاب {كن} عند الإيجاد؟
قلنا: وردت الآيات في هذا في كثير من المواضع منها ما ذكر هاهنا، ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} زمنها قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فقلنا بموجبها ولا نشتغل بطلب الفائدة كما قلنا في الآيات المتشابهة، ولا نشتغل بسوي ذلك علي ما هو المختار عند كثير من السلف مع اعتقاد أن ما يوجب نقيضه غير مراد بالآيات المتشابهة، فكذلك هاهنا نقول بوجود خطاب {كن} عند الإيجاد من غير تشبيه ولا تعطيل؛ ولأن فيه بيان إظهار عظمته وكمال قدرته كما أن الله تعالى يبعث من في القبور، يبعثه ولكن بواسطة نفخ الصور، وكذلك هاهنا خلق الأشياء بواسطة الأمر.
(1/345)

فإن قيل: الخطاب بالأمر المعدوم كيف يصح؟
قلنا: هذا أمر يكون مطالبة الفعل من المخاطب حتى يشترط فيه وجود المخاطب وعلي أمر التكوين يترتب ما هو المقصود منه وهو الوجود، فلما تحقق ما هو المقصود من ذلك الأمر استقام هو كما استقام الأمر للموجود، ولأن كلام الله تعالى أزلي وكذلك التكوين، وكل أزلي يستحيل العدم فيبقي كل منهما إلي وقت وجود المخاطبين، فلم يخل عن العاقبة الحميدة، فكان حكمه بخلاف الكلام المحدث فإنه مستحيل البقاء، فإذا وجد به الخطاب في حال عدم المخاطب لم يبق الخطاب إلي وقت وجود المخاطب، فلا تتعلق به العاقبة الحميدة، فلذلك كان هو سفها، وما نحن فيه حكمة إلي هذا أشار في «تبصير الأدلة».
(1/346)

(ولو لم يكن الوجود مقصودًا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد) أي مقرونة للإيجاد. فعيله بمعني مفعولة أي لما استقام الأمر قرينة للإيجاد لأنه حينئذ يكون تعليل ما ليس بعلة وذلك لا يجوز خصوصًا من الحكيم الذي لا يسفه. كما لا يجوز أن تقول: سقيته فأشبعته، أو أطعمته فأرويته؛ لأن الفاء في مثل هذا الكلام إنما تدخل في حكم ما سبق، لأن العرب تقول: سقاه فأرواه، وأطعمه فأشبعه أي حكما للسقي والإطعام. ولهذا قال علماؤنا- رحمهم الله- في الحديث: [إن رسول الله صلي الله عليه وسلم سها فسجد] يكون وجود السجود حكما للسهو فلا يجب بالعمد فكذلك هاهنا كون الشيء لو لم يصلح أن يكون أثرًا للأمر لا يستقيم القران به، ثم الإيضاح في وجه التمسك بهذه الآية علي أن الأمر للوجوب هو أن الله تعالى جعل أمره لشيء علة لوجود ذلك الشيء، فكان أمره للمكلف بشيء
(1/347)

من العبادات وغيرها يجب أن يكون كذلك. يعني لو أراد وجود المأمور به من المكلف يأمره به فيوجد المأمور به ضرورة، كما في هذه الآية أخبر انه لو أراد وجود شيء من العالم يأمره بوجود فيوجد، وفي حق المكلف أيًا وجد امر الله تعالى بإتيان المأمور به، فكان علي ذلك النسق ينبغي أن يوجد المأمور به من المكلف من غير اختيار من المكلف كما في إيجاد شيء من العالم أنه يوجد ذلك الشيء من غير اختيار منه بمجرد الأمر. إلا أنا لو قلنا ذلك يلزم الجبر علي المكلف ويسقط الاختيار، وللعبد اختيار في إتيان الطاعة والمعصية لتحقيق الابتلاء.
قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} وقال تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فعدلنا لذلك من الوجود إلي الوجوب لا إلي الندب والإباحة؛ لما ان الوجوب أكثر إفضاء إلي الوجود من الندب والإباحة. أعني لما لم يكن الوجود مرادًا من الأمر الوارد علي المكلف لضرورة نفي الخبر منه اضطررنا إلي أن نحمل ذلك الأمر إلي الشيء الذي هو أقرب للوجود وأكثر إفضاء إليه وهو الوجوب، وكذلك في الآية الثانية، فالمراد من القيام الوجود كما في قولهم: الأعراض قائمة بالأعيان، فقد نسب القيام أي الوجود إلي الأمر، فعلم بهذا أن الأمر علة الوجود، ثم العدول من الوجود إلي الوجوب للمعني الذي ذكرناه آنفًا.
(1/348)

{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} الله تعالى حذر المخالفين عن أمر {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والحذر إنما يجب عند وجوب المأمور به؛ لأنه لو لم يكن واجبا لم يكن الحذر واجبًا؛ لأن حد غير الواجب هو أن لا يكون العقاب علي تقدير الترك.
(وكذلك دلالة الإجماع حجة) يعني أن الإجماع في مثل صورة المتنازع يدل علي ثبوت المدعي هاهنا، وهو أن العقلاء أجمعوا عند إرادة فعل من شخص لم يكن في وسعهم أن يطلبوا إلا بلفظ الأمر وهذا في المخلوقين، فالإجماع علي ذلك هناك دليل علي أن الأمر الصادر من الشارع أيضًا يدل علي الوجوب. بل كان هذا أولي في اقتضاء الوجوب من أمر المخلوقين؛ لأن الله تعالى مفترض الطاعة علي الإطلاق، وهو المراد بالإجماع فيما ادعينا؛ لأن المسألة ليست بمجمع عليها، إلا أن دلالة الإجماع مثل الإجماع؛ لأن الدلالة تعمل عمل الصريح عند عدم الصريح بخلافه، فلذلك أطلق عليه اسم الإجماع فيما سبق.
(1/349)

وكان هذا نظير ما قال علماؤنا- رحمهم الله-: إن سؤر الكلب نجس بدلالة الإجماع يعني أن الإجماع منعقد علي وجوب غسل الإناء من سؤره، فدل ذلك علي نجاسة سؤره بالإجماع، فكذلك هاهنا لم يكن في وسعه أن يطلبه إلا بلفظ الأمر.
فإن قبل: بل كان في وسعه أن يقول: أوجبت عليك أن تفعل كذا.
قلنا: إنه أمر معني أيضًا؛ لأن تقديره: أوجبت عليك لأني أمرتك بكذا، فكان قوله ذلك إخبارًا عن الأمر، فيكون الوجوب بالأمر، وهذا لأن قوله: افعل. فعل فعل الضرب في الزمان الماضي، فالمطول والمختصر بمنزلة الاسمين المترادفين.
(كسائر العبارات) أي في الأسامي، مثل: رجل، وجدار، وإبل، وفرس وغير ذلك، ولا يلزم الأسماء المشتركة؛ لأنها علي خلاف الأصل، فصار معني المضي للماضي حقًا لازمًا لا يتغير عما وضع له إلا بدليل كقوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} وهذا القول منهم في الجنة عبر عنه بعبارة الماضي لتحققه، وكونه كائنًا لا محالة فكأنه قد تحقق ومضى.
(1/350)

وكذلك قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا} وقوله: ل {وسيق الذين اتقوا} وغيرها.
وقوله: (ألا تري أن الأمر فعل معتمد) يتصل بقوله: فيكون حقا لازما به؛ يعني أن الأمر متعمد لازمه ائتمر أي الائتمار حكم لفعل الأمر، فيثبت الائتمار عند ثبوت الأمر كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجبا بالعلة تراخي عنها بمانع أم اتصل بها. كذا في "التقويم".
أو نقول: وكان من حق الأمر أن يوجد المأمور به ضرورة وجود الأمر؛ لأنه فعل متعد ولا يوجد الفعل المتعدي إلا والمفعول موجود كالكسر مع الانكسار، فإن الانكسار بمنزلة المفعول له؛ لأنه أثر ذلك الفعل وهذا في الفعل المتعدي المضاف إلي المفعول ثابت متحقق حيث لا يوجد الفعل غلا والمفعول موجود كما نقول: الله تعالى خالق العالم إذا اتصل أثر الخلق بالعالم، ولا
(1/351)

نقول: الله تعالى خالق العالم في الأزل؛ لأن ذلك يؤدي علي قدم العالم، بل نقول: الله تعالى خالق في الأزل من غير إضافة، الله تعالى خالق في الأل من غير إضافة، وفي الإضافة لابد من وجود العلقة بينهما، فكذا فيما نحن فيه، نقول: الله تعالى في الأزل آمر ناه، ولا نقول: في الأزل آمر يد وناهيه؛ لأنه لم يكن زيد فيه، وإنما نقول: آمر زيدًا إذا اتصل أثر الأمر بزيد، وإذا ثبت هذا فنقول: كلامنا في الأوامر المضاف إلي المأمورين؛ لأنا نتكلم في الأوامر إلا والمأمور به موجود؛ لأنه متعد لازمه ائتمر، لكن لو قلناه علي وفاق ما ذكرناه من الفعل المتعدي ومطاوعه يلزم الجبر ويذهب الاستبعاد والاختيار، فالجبر منتف بالضرورة، والاستبعاد واقع بالعلم القطعي، والاختبار لنا ثابت ضرورة، ولما كان كذلك أقيم الوجوب علينا مقام وجود المأمور به؛ لئلا يلزم الجبر ويتعطل الفعل المتعدي المضاف إلينا، فقضيته الأمر لغة أن يثبت إلا بالامتثال؛ لأن الامتثال وهو الائتمار لازم الأمر كالانكسار لازم الكسر فكما لا وجود للكسر بدون الانكسار فكذلك لا وجود للأمر بدون الائتمار لغة.
فإن قلت: لا نسلم أن الائتمار لازم الأمر خاصة كالانكسار للكسر، بل له لازم آخر وهو العصيان.
ألا تري أنه كما يصح أن يقال: أمرته فائتمر، كذلك يصح أن يقال: أمرته فعصى. علم بهذا أن الائتمار ليس نظير الانكسار لغة في خصوصية اللزوم.
(1/352)

قلت: بل هما أي الانكسار والائتمان نظيران لغة في خصوصية اللزوم لفعليهما المتعديين إلا أنه صح أيضا أمرته فعصي لضرورة بقاء اختيار المكلف.
أعني أن صحة ذلك إنما نشأت من قبل بقاء اختيار المأمور، ولو لم يكن له اختيار لوجد الائتمار ضرورة وجود الأمر كوجود الانكسار ضرورة وجود الكسر، وهذا لأن لازم المشتق منه الائتمار لا العصيان، فكان الائتمار نظير الانكسار لا العصيان، فلذلك كان إلحاق الائتمار بالانكسار أولي من إلحاق العصيان بالانكسار، وهذا واضح بحمد الله تعالى.
(وإن كان ضروريًا) أى وإن كان الاختيار ضروريًا، وهذا ليس بتناقض؛ لأن المراد به أن هذا الوصف اختياري، وهذا ليس بتناقض؛ لأن المراد به أن هذا الوصف اختياري، والعبد في كون هذا الفعل اختياريًا له مضطر؛ لأنه ليس في يده دفع الاختيار عن نفسه فكان مضطرًا فيه إلا أن اختيار أحد الضدين علي الآخر نوع تصرف واختيار منه، فينتفي به الجبر.
(فنقل حكم الوجود) أي حكم الأمر وهو وجود الائتمار لغة علي ما بينا إلي الوجوب لا أن الحكم شيء آخر، والوجود شيء آخر، بل هوهو، كقولنا: علم الطب أى علم هو الطب يعني فنقل حكم وجود الائتمار إلى
(1/353)

الوجوب لا إلى شيء آخر؛ لأن الوجوب يفضي إلي الوجود في الغالب؛ لأن العقل والديانة يحملانه علي ذلك؛ لأن العقل لا يجوز الوقوع في العقوبة بخلاف الندب والإباحة؛ لأنهما لا يفضيان إلي الوجود إفضاء الوجوب ولو وجب التوقف في حكم الأمر لوجب في النهي؛ لأن التوقف في الأمر لكونه مستعملا لمعان مختلفة علي ما ذكر في أول هذا الباب.
وهذا المعني موجود في النهي؛ لأن النهي استعمل أيضًا لمعان مختلفة منها: نهي تحريم، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}، وقوله: {لا تَاكُلُوا الرِّبَا}.
ونهي تنزيه كما في قوله تعالى: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} نهي كراهة كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، ونهي شفقة كالنهي عن المشي في
(1/354)

نعل واحد، واتخاذ الدواب كراسي، وكالاستنجاء علي الجدار.
ونهي ندب كالنهي عن الاستنجاء في الحوض الذي يشرب منه، (فيصير حكمهما) وهو التوقف (واحدًا وهو باطل) إذ حكم أحد الضدين حكمهما واحدا؛ هذا غير مسلم لأن المفارقة بين الوقف في الأمر وبين الوقف في النهي ثابتة، فكيف يصير حكمهما واحدا؟ وهذا لأنه لو توقف في النهي حصل به المقصود وهو الانتهاء ولا يحصل المقصود بالتوقف في الأمر.
فعلم بهذا أن المفارقة بين الوقفين ثابتة، فكيف يثبت اتحاد حكمهما مع وجود مثل هذه المفارقة التي هي بين النفي والإثبات؟
قلت: لا يحصل المقصود بالتوقف في الانتهاء أيضًا وهذا لأن المقصود
(1/355)

إنما يحصل إذا توقف علي الوجه الذي نهي عنه لا علي خلافه. بيان ذلك أن أحدا لو لم يأكل الربا لكن اعتقد إباحته صار كافرا وإن امتنع عن أكله لما انه لم ينته علي الوجه الذي نهاه الشارع، فإن هذا النهي يقتضي وجوب الانتهاء فعلا واعتقادًا وهو لم ينته كذلك.
فعلم بهذا أنه لم يحصل المقصود بالتوقف في النهي أيضًا كما لا يحصل بالتوقف في الأمر.
فإن قلت: لو ثبت في الأمر والنهي صيرورة حكمهما واحدا بسبب اتحاد التوقف لوجب أن يكون صيرورة حكمهما واحدا أيضًا بسبب اتحاد الوجوب؛ لأنا أجمعنا واتفقنا علي أن حكم كل واحد منهما الوجوب غير أن في الأمر وجوب الائتمار وفي النهي وجوب الانتهاء، وبهذا لا يقع الفرق؛ لأن مثل هذا أيضًا موجود في التوقف؛ لأن التوقف في الأمر توقف الائتمار وفي النهي توقف الانتهاء؟
قلت: ليس كذلك؛ لأنا نقول في الأمر وجوب الائتمار الذي هو مقتض وجود الفعل، وفي النهي وجوب الانتهاء الذي هو مقتض عدم الفعل، فكيف يكون المقتضي للوجود مع المقتضي للعدم بابا واحدًا وهما علي طرفي نقيض.
وأما التوقف الذي قلت فهو عبارة عن عدم الفعل فهو شامل للتوقف في الائتمار وفي الانتهاء، فكان التوقف فيهما جميعًا شيئًا واحدا، فصح قوله: "فيصير حكمهما واحدا".
(1/356)

(يبطل الحقائق كلها)؛ لأنا لو اعتبرنا ما قاله الواقفية أدي ذلك إلي تعطيل النصوص وأحكام الشرع. بيانه هو أن من النصوص ما يحتمل النسخ والخصوص والمجاز فلو اعتبرنا وصف الاحتمال في حق إيجاب التوقف يؤدي إلي هذا، وهذا مما لا وجه له.
وكان الأستاذ الكبير شمس الدين الكردي- رحمه الله- يقول في هذا المقام: أنا الشخص الذي كنت أمس بلا شك وشبهة، وإن كان في قدرة الله تعالى إعدامي وخلقه مثلي بعيني وسني، ومع ذلك لا يشك أحد في كوني أنا ذلك الشخص الموجود في الأمس، وكذلك قولهم: جاء زيد، ورأيت فلانا، وكلمت فلانا يفهم منه ما وضع هذه الألفاظ له، وإن كان يحتمل غير ذلك إلا انه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر، وكذلك العقلاء لا يحترزون عن الجلوس تحت المسقف واحتمال السقوط ثابت، إلا أنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر ذلك، وكذلك قوله تعالى: {{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} وغير ذلك من الآيات يعلم يقينا أن رافع القواعد إبراهيم
(1/357)

وإسماعيل عليهما السلام، فلو اعتبر مجرد الاحتمال لوجب التوقف في الكل وذلك باطل بالاتفاق.
ألا تري أنا لا ندعي أن الأمر محكم في موجبه هذا يحتمل غيره، فبقولنا هذا وفينا موجب الاحتمال حيث لم نقل إنه محكم (لأن اسم الحقيقة لا يتردد بين النفي والإثبات) يعني مما ينفي عما وضع له مرة ويثبت أخري، بل يثبت أبدا لما وضع له يعني لا يسقط عن المسمي أبدًا كاسم الأسد لا ينفى عن الهيكل المخصوص أبدًا، وغير متردد بين النفي والإثبات بخلاف الأسد إذا قيل للإنسان الشجاع يثبت مرة بطريق المجاز وينفى عنه بطريق الحقيقة.
[الأمر بعد الحظر]
(استدلالًا بأصله) يعني أن مطلق الأمر للوجوب في الأصل، وكذلك صيغته أيضًا مستعملة في الإيجاب لما ذكرنا أنه لا قصور في الصيغة فيتناول
(1/358)

على ما يحتمله من طلب الفعل وهو الوجوب.
(ومنهم من قال بالندب) فنظير الندب بعد الحظر قوله تعالى: {وَذَرُوا
(1/359)

الْبَيْعَ} ثم قال: {{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} قيل: ابتغاء فضل الله طلب الرزق.
(لكن ذلك عندنا بقوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}) أي وصيد ما علمتم لا أن الإباحية ثبتت بقولة: {فاصطادوا} ابتداء لوروده بعد الحظر.
ألا تري أن الأمر بقتل المرتد، والأمر بالرجم، والأمر بقتل قاطع الطريق جاءت بعد الحظر وهي للإيجاب.
وفي قوله تعالى: {فاصطادوا} قام الدليل علي أنه ليس للإيجاب وهو الإجماع، ومن حيث العقل أيضًا، وهو أن الاصطياد شرع حقا للعبد، ولو وجب لصار حقا عليه، فيعود الأمر علي موضوعه بالنقض وذلك باطل.
ومن هذا الأصل الاختلاف في الموجب يعني أن لفظ الأمر خاص وله موجب خاص، ثم اختلفوا بعد ذلك أن موجبه علي الخصوص أو على العموم.
(1/360)

[باب موجب الأمر في معنى العموم والتكرار]
والفرق بين العموم والتكرار هو في قوله: طلق امرأتي، فإن العموم في ذلك أن يطلقها ثلاث تطليقات بدفعة واحدة، لأن العموم عبارة عن الشمول، والشمول فيه هو أن يملك ثلاث تطليقات بدفعة واحدة،
التكرار هو أن يطلقها واحدة بعد واحدة.
(قال بعضهم: صيغة الأمر توجب العموم والتكرار).
(وقال بعضهم: لا بل تحتمله) والفرق بين الموجب والمحتمل: أن
(1/361)

الموجب أصل موضوع الكلام حتى
يراد ذلك من غير قرينة والمحتمل لا يراد به غير قرينة، كما في قولهم: جاءني زيد، فموجبه مجئ زيد ومحتمله مجئ خبره أو نائبه أو غلامه، وذلك إنما يثبت عند قرينة دالة عليه وهي أن يقال ذلك عند شهرة مجئ خبره أو نائبه، وكذلك جميع أسماء الحقائق فما وضع له الألفاظ موجب لها وما أريد من المجاز فهو محتمل فيحتاج إلي قرينة دالة عليه إلا إذا صارت الحقيقة مهجورة فحينئذ تصير الحقيقة بمنزلة المجاز،
(1/362)

والمجاز بمنزلة الحقيقة. يعني لا يفهم بذلك اللفظ حقيقته إلا بقرينة.
(وعند الشافعي يحتمل الثلاث والمثني) حتى أن الثلاث والمثنى يقع بالنية ولا يحتاج في وقوع الواحدة موجبة والمثنى والثلاث محتملة.
(أن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر)؛ لأن معنى قوله: طلقي نفسك؛ افعلي فعل التطليق علي نفسك (واسم الفعل) أي المصدر، إطلاق اسم الفعل علي المصدر حائز كما ذكره في "المفصل" بقوله: وربما سماه الفعل أي سمى سيبوبه المصدر الفعل.
(فوجب القول بعمومه كسائر ألفاظ العموم) - يعني- إن إرادة التكرار في الأمر بمنزلة إرادة العموم من اللفظ العام فكما أن موجب العام العموم حتى يقوم الدليل علي الخصوص، فكذلك هاهنا موجب الأمر التكرار حتى يقوم الدليل علي أن المراد به المرة لا المرات، واعتبروا أيضًا الأمر بالنهي فكما أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه عاما فكذلك الأمر يوجب إيجاده عاماً حتى
(1/363)

يقوم دليل الخصوص وذلك يوجب التكرار.
(وجه قول الشافعي ما ذكرنا) وهو قوله: إن لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بالمصدر؛ (غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الإثبات فأوجب الخصوص علي احتمال العموم)، فالخصوص باعتبار أن المصدر اسم لجنس الفعل، فيصلح أن يكون اسم الجنس متناولا لأنواعه، فوقعه نكرة في موضع الإثبات غير مانع لاحتماله العموم والتكرار.
ألا تري إلي قوله تعالى: {وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} فقد وصف الثبور بالكثرة مع أنه وقع نكرة في موضع الإثبات.
علم أن المصدر محتمل للكثرة والتكرار، وإن كان في موضع الإثبات وهو نكرة باعتبار أنه مصدر.
ألا تري أنك لو قلت: رأيت رجلًا كثيرًا لا يصح، وإنما صح هاهنا باعتبار
(1/364)

أنه مصدر، وهو محتمل للتكرار والعموم، ثم إنما جعلنا الواحد موجبا والزائد عليه محتملا: لأن الأمر لطلب الفعل، وطلب الفعل يفتقر إلي واحد بحيث لا يتحقق ولا يوجد بدونه، فكان الواحد هو المتيقن من كل وجه فلذلك كان هو أولى بكونه موجبًا.
وأما ما زاد عليه فصالح لأن يكون مرادا باعتبار أن المصدر اسم لجنس الفعل، ولكن غير مفتقر إليه في وجود الفعل، فلذلك كان هو أولى لأن يكون محتملا، وحاصلة أن الشافعي يحتج بمثل ما احتج به الأولون ولكن علي وجه يتبين به الفرق بين الأمر والنهي ويثبت به الاحتمال دون الإيجاب، وذلك أن قوله: افعل. يقتضي مصدرا علي سبيل التنكير أي افعل فعلا، وكذلك في طلق أي طلق طلاقا.
أما اقتضاؤه المصدر، فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، ولأن كل فعل مشتق من مصدره فلابد من إدراج المشتق منه عنه ذكر المشتق.
أما اقتضاؤه التنكير؛ لأن ثبوته بطريق الحاجة إلي تصحيح الكلام وبالمنكر يحصل هذا المقصود، فأثبتناه لكونه متيقنا؛ لأن النكرة في موضع الإثبات تقع علي الواحد كما في قوله تعالى: {فَتَحْرِير رَقَبَة} لكن احتمال العدد والتكرار باق بدليل استقامة قران العدد والتكرار به علي وجه التفسير في قوله: طلقها ثنتين أو ثلاثا، فلو لم يكن اللفظ محتملًا للعدد لما استقام تفسيره بخلاف النهي، فإن صيغة النهي عن الفعل تقتضي أيضًا مصدرًا علي سبيل التنكير أي لا تفعل فعلا، ولكن النكرة في النفي تعم،
(1/365)

فلذلك كان العموم في موضع النفي موجبا وفي الأمر محتملا.
(وجه القول الثالث الاستدلال بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة).
أما الكتاب: فما ذكره في الكتاب.
وأما السنة: فمثل قوله عليه السلام: "الوضوء من كل دم سائل" وكذلك قوله- عليه السلام: "إنما الوضوء علي من نام مضطجعًا".
قال الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا، فإن من قال لامرأته: إذا دخلت الدار
(1/366)

فأنت طالق لم تطلق بهذا اللفظ غلا مرة وغن تكرر منها الدخول، ولم تطلق إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك، وهذا لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، وهذه الصيغة لا تحتمل العدد بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، وهذه الصيغة لا تحتمل العدد والتكرار عند التنجيز، فكذلك عند التعليق بالشرط إذا وجد الشرط، وإنما يحكي هذا الكلام عن الشافعي، فإنه أوجب التيمم لكل صلاة، واستدل بقوله تعالى:
{فَتَيَمَّمُوا}.
وقال: ظاهر هذا الشرط يوجب الطهارة عند القيام إلي كل صلاة. غير أن النبي- عليه السلام- لما صلي صلوات بوضوء واحد ترك هذا في الطهارة بالماء لقيام الدليل، وبقي حكم التيمم علي ما اقتضاه أصل الكلام وهذا سهو، فالمراد بقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} أي وأنتم محدثون. عليه اتفق أهل التفسير، وباعتبار إضمار هذا السبب يستوي حكم الطهارة بالماء والتيمم، وهذا الجواب عما يستدلون به من العبادات والعقوبات فإن تكررها ليس بمطلق صيغة الأمر ولا بتكرار الشرط، بل بتجدد السبب الذي جعله الشرع سببا موجبًا له، ففي قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أمر
(1/367)

بالأداء، وبيان للسبب الموجب، وهو دلوك الشمس، فقد جعل الشرع ذلك الوقت سببا موجبا للصلاة إظهارا لفضيلة ذلك الوقت بمنزلة قول القائل: أد الثمن للشراء والنفقة لنكاح. يفهم منه الأمر بالأداء والإشارة إلي السبب الموجب لما طولب بأدائه.
فعلم بهذا كله أن تكرر وجوب الصلاة بسبب نكرر سببها لا باعتبار أن الأمر أو التعليق بالشرط يقتضي التكرار.
فلو لم يحتمل اللفظ لما أشكل عليه. يعني لو لم يكن الموجب هو التكرار لما أشكل عليه؛ لأن المفهوم من الألفاظ موجبتها خصوصا عند قيام الدليل علي أن التكرار غير مراد؛ لأن فيه حرجًا عظيمًا، وإنما أشكل عليه لكونه موجبا له فسأل كي يتضح الأمر عليه لاحتمال أن الموجب ليس بمراد، وعن هذا خرج الجواب عما يقال فيه: إن كان اللفظ يوجب التكرار لما أشكل عليه وهو من أهل اللسان؟
قلنا: إنما سأل ليعرف أن الموجب مراد أو أن غير موجبه مراد يعارض؛ لأن فيه حرجًا، فلهذا سأل لا أن يكون موجبه غير هذا.
(1/368)

فإن قيل: ما فائدة إعادة هذا الاحتجاج بحديث الأقرع بن حابس بعد ما أقام الدليل علي مدعي كل واحد من الفرق الثلاث؟
قلنا: هذا احتجاج للفرق الثلاث علينا، فإنا ننكر احتمال التكرار، والفرق كلهم قائلون بالاحتمال، فإن الذي يدعي الوجوب يدعي الاحتمال لا محالة، والذي يدعي الوجوب في المعلق بالشرط يدعي الاحتمال أيضًا، والشافعي قائل بالاحتمال صريحًا، فقام الدليل للكل علي زعمهم علي إبطال مذهبنا وهو أنه غير محتمل وإن لم يكن دليلًا للكل علي إثبات مذهبهم.
فإن قيل: فعلي هذا ينبغي ألا يذكر الاستدلال بحديث الأقرع في وجه قول الشافعي؛ لأن الاستدلال الثاني به عين الاستدلال للأول به؛ لأنه في كلا
(1/369)

الموضعين يستدل به علي أن التكرار محتمل الأمر.
قلنا: لا كذلك، بل الاستدلال الأول غير الاستدلال الثاني، فإن الشافعي ثمة استدل به علي أن الأمر غير موجب للتكرار، فإنه لو كان موجبًا له لما سأل عنه، وفي الثاني احتج كلهم به علي إثبات الاحتمال، فجاز أن يكون الشيء ... غير موجب للتكرار وغير محتمل له أيضًا إلي إثبات أنه محتمل للتكرار وإن لم يكن موجبًا له.
(وهما اسمان فردان) أي الطلاق والتطليق، (وبين الفرد والعدد تناف)؛ لأن العدد مركب من فردين أو أفراد، والفرد غير مركب، (فكما لا يحتمل العدد معني الفرد لم يحتمل الفرد معني العدد)؛ لأن أحد الضدين لا يتناول الضد الآخر في الاحتمال.
(فالبعض منه) أي الذي أقله فرد حقيقة وحكمًا، ولما كان هو فردًا حقيقة وحكمًا وقع أمره علي الواحدة بدون النية.
وأما إذا كان فردًا حكما إنما يقع أمره علي الثلاث عند النية لقصوره في وصف الفردية عن الأول من حيث الحقيقة.
(1/370)

(ألا ترى أنك إذا عددت الأجناس) أي من التصرفات الشرعية تقول: النكاح، والطلاق، والعتاق، والوكالة، والمضاربة، وغيرها يقع الطلاق بمجموعة مقابلة تلك الأفراد في عد الأجناس؛ فلذلك كان الطلاق بأجزائه واحدًا.
فأما بين الأقل والكل فعدد محض ليس بفرد حقيقة ولا حكمًا، فلذلك لم تعمل نية الثنتين أصلًا في الأمر بالطلاق؛ لأن الثنتين من الطلاق ليست بفرد حقيقة ولا حكمًا، فلم يكن لذلك من
محتملات الكلام أصلًا فلم تعمل النية.
(1/371)

(وكذلك سائر أسماء الأجناس إذا كانت فردًا صيغة) كالماء والطعام إذا حلف لا يشرب ماءً ولا يأكل طعامًا، (أو دلالة) كما في قوله: والله لا أتزوج النساء (أنه يقع علي الأقل ويحتمل الكل).
فأما قدر من الأقدار المتخللة كمن أو منين من الماء أو الطعام إذا نوى ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صفة الفردية صورة ومعني فلا تعمل النية؛ لأن النية وضعت لتعيين بعض ما احتمله اللفظ، فلما لم يحتمله لفظه ذلك لم تعمل نيته.
وقوله: (وبني آدم) في اقتضاء الجنسية بمنزلة العبيد؛ لأن العبيد محلي بالألف واللام والتي هي للجنس والإضافة هاهنا قائمة مقام الألف واللام؛ لأن معني قولهم: لا أكلم بني آدم، ومعني قولهم: لا أكلم الناس أو الآدميين، واحد، وإنما لم يذكر فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام في الإضافة المعنوية تتعاقبان.
(إن ذلك يقع علي الأقل) حتى إنه يحنث بتزوج امرأة واحدة وبشراء عبد واحد، وفي الطعام يحنث بأكل أدني ما يتناوله اسم الطعام.
(1/372)

(ويحتمل الكل) أي كل النساء في العالم وكل العبيد في العالم، وكل بني آدم وكل الثياب في العالم حتى إذا نوى الكل في يمينه لا يحنث أبدا؛ لأنه لا يتصور تزوج جميع نساء العالم ولا شراء كل العبيد في العالم.
وكذلك لو قال: إن تزوجت النساء، أو اشتريت العبيد، أو كلمت الناس يحنث بالواحد عند الإطلاق، إلا أن يكون المراد الجميع فحينئذ لا يحنث قط ويدين في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" في فصل ألفاظ العموم.
فإن قلت: ففي قوله: إن تزوجت النساء، أو إن اشتريت العبيد، أو إن كلمت الناس، أو لا أشرب ماء، أو الماء ينبغي ألا تنعقد يمينه عند إرادته الجميع علي قول أبي حنيفة ومحمد- كما في مسالة الكوز، وهي قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق، وليس في الكوز ماء لم يحنث؛ لأن من شرط انعقاد اليمين وبقائها التصور؛ لأن
(1/373)

اليمين إنما تعقد للبر فلابد من تصور البر ليمكن إيجابه، وشرب الماء المعدوم غير متصور فلذلك لم تنعقد اليمين، فكذلك هاهنا تزوج جميع نساء العالم، أو اشتراء جميع عبيد العالم، أو شرب جميع المياه في العالم غير متصور للواحد، فينبغي أن لا تنعقد يمينه، وأن تلغو إرادته الجميع لعدم تصورها، فتبقي يمينه هذه خالية عن النية فعند ذلك يقع الواحد علي ما ذكرت.
قلت: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما\ أن نيته هاهنا صادفت حقيقة كلامه، والحقيقة حقيق بأن تراد، فبعد ذلك لم يعتبر التصور وعدم التصور بخلاف مسألة الكوز، فإن يمينه هناك لم تصادف حقيقة كلامه؛ لأنه لا حقيقة لشرب الماء المعدوم كلامه من الأصل.
والثاني- إن لكلامه هنا محملًا متصور البر وهو الحمل علي الأقل، فصح يمينه كذلك لتصوره، فبعد ذلك عند إرادته الجميع لا تلغي يمينه بعد صحتها ولأنه لا يتفاوت الحكم بين أن تصح يمينه أو لا تصح؛ لأن علي تقدير الصحة لا يحنث أيضًا لما أن نيته الجميع صادفت حقيقة كلامه فلا يحنث في يمينه؛ لأنه بر في يمينه حيث لم يتزوج جميع نساء العالم، ولم يشتر جميع العبيد في العالم كما هو نيته.
وأما في مسالة الكوز فليس ليمينه محل آخر متصور الوجود حتى تنعقد يمينه باعتباره، فلذلك لغت يمينه من الأصل ولم ينعقد؛ لأنا إذا بقيناه جمعا لغا حرف العهد أصلا يعني اجتمع هاهنا شيئان متعارضان: صيغة الجمع.
(1/374)

وحرف العهد، فاعتبار صيغة الجمع يلغي حرف العهد؛ لأنه لا معهود في صيغ الجموع؛ لأن الجمع ما وضع لعدد معين بل هو شائع كاسم النكرة، واعتبار الجنس يخالف اعتبار الجمع، والأصل في التعارض الجمع ثم الترجيح ثم التهاتر، وهاهنا لا يمكن القول بالملخص فوجب الجمع بينهما؛ لأن المصير إلي الترجيح يوجب إهدار أحدهما لا محالة فكان الجمع أولي، وفيما قلنا جمع بينهما أي عمل بالدليلين؛ لأنا إذا جعلناه للجنس حصل العمل بحرف العهد؛ لأنه يتناول المعهود من ذلك الجنس بخلاف معني الجمع فإنه لم يوجد جمع معهود من الجموع أولي من غيره، فلذلك جعلناه للجنس؛ لأن كل جنس معهود، وفيه معني الجمع أيضًا؛ لأن في الجنس أفرادا إما تحقيقًا وإما تقديرًا، فاكن المصير إلي الجنس أولي.
فإن قلت: لا نسلم أن جمعا من الجموع لم يوجد أنه أولي من غيره، بل وجد وهو الثلاث بدليل وجوب الصرف إليه عن عراء لفظ الجمع عن حرف العريف، فلما كانت أولوية الثلاث عن غيره كان هو أولي من غيره، فصلح أن يكون هو معهودا في الجموع فيصرف إليه مع الألف واللام أيضًا لكونه معهودا.
قلت: لا كذلك، فإن عند ذلك يلزم إلغاء حرف التعريف لاستواء الحكم مع وجود حرف التعريف وعدمه حينئذ، ولأن تعينه عند عدم حرف التعريف
(1/375)

لا باعتبار أن ذلك الجمع جمع معهود، بل باعتبار أن ذلك الجمع أول الجموع الذي لا يزاحمه غيره، فكان متيقنا فكان الصرف إليه باعتبار أنه متيقن لا باعتبار أنه معهود.
أو نقول: إن معني الجمع مراعي في الجنس من وجه وليس في الجمع معني الجنس أصلًا؛ وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معني الجمع فيه موجودا وهو الثلاث فصاعدًا فيصير معني الجمع مراعي من كل وجه.
وأما إذا أريد به الجمع لا يراعي فيه معني الجنس أصلًا؛ لأن الجنس ما يتناول الواحد ويحتمل الكل، وهذا المعني غير موجود في الجمع؛ لأنه لا يكون الواحد فيه مرادا بطريق الأصالة فلا يكون معني الجنس علي هذا التقدير موجود أصلًا؛ لأن الموصوف لا يبقي موصوفا بدون صفته، وعن هذا خرج الجواب لسؤال من سأل بقولهم: فإن قيل: العمل بالجمع يوجب العمل بالجنس أيضًا من وجه وهو أنه إذا أريد بالجمع الثلاث فصاعدًا كان الجنس الأدنى وهو الواحد مرادًا.
قلنا: إن الواحد لما لم يرد هناك بطريق الأصالة صار كأنه لم يرد أصلًا خصوصًا عل أصل أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو المذهب المنصور أن الرجل إذا قال لامرأته: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لهذا المعني؛ لأنها أتت بغير ما فوض إليها.
(1/376)

وقوله: (فكان الجنس أولي) إلي آخره.
فإن قيل: يشكل علي ذلك صرف الأيام إلي عشرة أيام عند أبس حنيفة- رحمه الله- وإلي أيام الأسبوع.
عندهما فيمن حلف لا يكلمه الأيام حيث لم يصرف هاهنا إلي الجنس، بل إلي الجموع علي حسب ما اختلفوا فيه
قلت: جواب هذا مذكور في أول " النهاية" مشبعًا فينظر هناك
وقوله: (فصار هذا وسائر أسماء الجنس سواء) أي فصار هذا الجنس وهو صيغة الجمع مع حرف الجنس الذي ليس علي صيغة الجمع مع حرف الجنس كالمرأة سواء.
(وإنما أشكل علي الأقرع؛ لأنه اعتبر ذلك بسائر العبادات) أي اعتبر
(1/377)

الحج بالصوم والصلاة وغيرهما، فأشكل عليه يعني أن سائر العبادات متعلقة بأسباب تتكرر بتكررها، فأشكل عليه أن الحج ملحق بسائر العبادات فيحتمل أنه يتكرر لتعلقه بما يتكرر وهو أشهر الحج، ويحتمل انه لا يتكرر لتعلقه بما لا يتكرر وهو البيت فأشكل عليه لهذا المعني؛ لا أن الصيغة تحتمل التكرار (وعلي هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل علي المصدر لغة) أي فيما إذا لم يكن لقبًا لشخص فغن هناك لا يدل اسم الفاعل علي المصدر اسم جنس يتناول الواحد ويحتمل الكل كما في سائر الأجناس والكل هاهنا أي (في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} غير مراد بالإجماع فصار الواحد مرادًا)؛ لأن ما بين الواحد والكل عدد محض واللفظ الفرد لا يحتمل العدد المحض لما بينهما من التنافي، فإذن صار المراد السرقة الواحدة بهذة الآية من كل سارق فلا يجوز أن يراد بهذه الآية اليد اليسري بالسرقة الثالثة؛ لأن المراد بالأيدي الأيمان. يؤيده قراءة من قرأ: "فاقطعوا أيمانهما" فورودها علي صيغة الجمع من قبيل قوله تعالى:
(1/378)

{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فإن قيل: هذا الأصل الذي أصلتموه في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}
منقوض في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} فإن كل الزاني غير مراد بالإجماع، فكان الواحد مرادا فيجب ألا يكون ما بين الكل والواحد مرادًا لما أن اسم الفاعل يدل علي الصدر وهو اسم جنس فلا يتناول العدد ومع ذلك يجب علي كل واحد منهما حد بعدد ما يوجد.
قلنا: ليس هذا من قبيل اقتضاء الجنس العدد، بل هو من قبيل تكرر الحكم بتكرر السبب عند قبول المحل ذلك التكرر؛ لأنه لما وجد زنا من شخص فجلد، ثم لو زنا تجدد السبب فيجلد أيضًا لتجدد السبب واحتمال المحل ذلك الحكم بخلاف السرقة، فإن المراد من الأيدي الأيمان وليس كل واحد من الأشخاص إلا يمين واحدة فبعد ذلك لم يبق المحل ينبغي أن لا يجب علي السارق في المرة الثانية شيء سوي التعزيز وليس كذلك بل
(1/379)

يقطع رجله اليسرى في المرة الثانية بالإجماع
قلت: ذاك بالإجماع الذي ذكرته وهذا من قضية الدليل الظاهر ألا يقطع في الثانية شيء من السارق، كما قلنا: أنه لا يجب في الثالثة بظاهر اسم الأيدي بقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} كما هو قول الشافعي؛ لأن في المرة الثانية لا تقطع يده اليسري بالإجماع ومع بقاء المنصوص لا يجوز العدول عنه إلي غيره، فلو كان النص متناولًا لليد اليسرى لما جاز قطع الرجل مع بقاء اليد.
علم بهذا أن المراد من الأيدي الأيمان لا اليد اليمني مع اليسرى.
إلي هذا أشار في "المبسوط".
(وموجب الأمر علي ما فسرنا وهو الوجوب يتنوع نوعين):
أحدهما- في صفة قائمة في الموجب، والثاني- في صفة قائمة في غير الموجب.
ثم الأول يتنوع نوعين: أداء وقضاء، وهذه صفة راجعة إلي نفس الموجب.
وكذلك الثاني يتنوع نوعين أيضًا: وغير مؤقتة.
(1/380)

باب يلقب ببيان صفة حكم الأمر
(فالأداء علي ثلاثة أنواع)، فوجه الانحصار ظاهر؛ لأن الأداء لا يخلو إما أن كان كاملًا أو قاصرًا أو مختلطًا. وقوله: (أداء محض) احتراز عن أداء فيه شائبة القضاء كما في اللاحق، وقوله: (كامل) احتراز عن أداء لمنفرد؛ لأن الأداء الكامل هو الأداء بالجماعة.
(وقد يدخل في الأداء قيم آخر، وهو النفل)، حتى يصح أن يقال: أدى النفل، فكان النفل داخلًا في قسم الأداء، وإنما ذكر هذا لرد صورة نقض ترد علي ما ذكره من حد الأداء، أن (الأداء اسم لتسليم نفس الأمر الواجب بالأمر.
(1/381)

بأن يقال: ينتقض هذا بقولهم: أدي النفل، فإن الأداء يستعمل في النفل، مع أنه ليس بتسليم نفس الواجب بالأمر، بل هو مندوب إليه لا مأمور به؛ لما ذكرنا أن حقيقة الأمر في الإيجاب.
فقال في جوابه: هذا قسم آخر، وذاك قسم آخر، فكان الأداء بعد الأنواع الثلاثة علي قسمين:
أحدهما: تسليم نفس الواجب بالأمر.
والثاني: تسليم عين ما ندب إليه، فلم يكن هذا نقض بل كان هذا قسمًا آخر غير القسم الأول، فأحد القسمين لا يكون نقضًا للقسم الآخر.
(فأما القضاء فلا يحتمل هذا الوصف)، يعني لا يحتمل النفل وصف القضاء، فلا يدخل القضاء في النفل؛ لأن القضاء يعتمد بوجوب الأداء، والنفل ليس بواجب بالإجماع.
فأما ذا شرع في النفل ثم قطع يجب القضاء؛ لأن ذلك مثل ما وجب أداؤه بالشروع.
وقوله: (قال الله تعالى: {إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات} هذا يتصل بقوله: "والأداء اسم لتسليم نفس الواجب بالأمر"؛ لبيان أن الذي ذكرته من تفسير الأداء أنه اسم لتسليم نفس الواجب صحيح يؤيده قوله تعالى:
(1/382)

{إنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَات}؛لأن أداء الأمانة لا يقع لا علي عين الشيء ونفياه لا علي مثله، فلذلك استعمل لفظ الأداء في حق الأمانة.
ولهذا ذكر الأمم شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- هذه الآية متصلًا بما ذكره من تفسير الأداء، وذكر في "التقويم" وأنه في تسليم أعيانها إلي أربابها ولا قضاء الأمانات.
ثم لما أدي الواجب في وقته من الصلاة سمي أداء، فأعطي للواجب الذي في ذمة المكلف حكم العين كما في أداء عين الأمانة؛ إما لأنه ليس في وسع المكلف عند شدة رعايته في تسليم عين الواجب إلا هذا، فلما أداه في وقته كان مراعيًا حقه بأقصى رعايته في تسليم الواجب فكان أداء، أو لما سمي الله تعالى للذي أوجَب علي الآدميين أمانة في قوله تعالى: {إنَّا عَرَضَنْاَ الأَمَاَنَةَ عَلَي السَّمَوَات وًالأَرْضِ وَاَلْجبِالِ فَأَبيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ} كان تسليمه لشدة الرعاية الذي هو أداؤه في الوقت بمنزلة تسليم عين الأمانة فكان أداء، وإذا قصر في رعاية كمال التسليم حتى فات الوقت كان بمنزلة الخيانة في الأمانة فكان قضاءً؛ لأنه إذا خان في الأمانة يجب الضمان، وأداء الضمان إنما يكون قضاءً حقيقة لا أداء.
(1/383)

(وقد تدخل إحدى العبارتين في قسم العبارة الأخرى).
أما استعمال لفظ القضاء في الأداء مجازًا فلما فيه من إسقاط الواجب، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيتْمُ مَّنَاسِكَكُمْ}.
وأما استعمال لفظ الأداء في القضاء مجازًا فلما فيه من التسليم كما في قولهم: أدى الدين أي قضي، لأن الديوان تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فكان حقيقة القضاء لاء.
لأن القضاء لفظ متسع) -بكسر السين- لأن الاتساع لازم- فراخ شدن- ليس له صيغة اسم المفعول، وإنما قال: إنه يستعمل في معني نفسه وفي معني اسم المفعول، وإنما قال: إنه متسع؛ لأنه يستعمل في معني نفسه وفي معني الأداء استعمالًا غالبًا كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضيَتُم مَّنَاسِكَكُمْ} أي أديتم، وكذلك في قوله تعالى: {{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا}، وكذلك في قوله عليه السلام: "وما فاتكم فاقضوا". والمراد
(1/384)

منها الأداء، فعلم بهذا أن لفظ القضاء لفظ متسع يستعمل في الأداء استعمالًا ظاهرًا، وإنما ذكر لفظ الاتساع هاهنا لمقابلة ما لفظ الأداء، فإن استعمال الأداء مكان القضاء تضيق حتى لم يذكر في معني القضاء، فإنه يستعمل في معني الأداء استعمالًا ظاهرًا، وهذا لأن معنى القضاء لغة: الإلزام، والإتمام، والإحكام، والإسقاط، وهذه المعاني موجودة في الأداء، فجاز استعمال القضاء في الأداء حتي يجوز بنية الأداء في الأصح، دل عليه ما ذكره محمد- رحمه الله في رجل اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى فوقع تحريه علي شهر أنه رمضان، فصامه ثم تبين بعد مضي ذلك الشهر أنه غير رمضان، قال: إن كان قبل رمضان لا يجوز؛ لأن الأداء قبل السبب لا يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وإن كان بعد رمضان يجوز، وهذا قضاء بنية الأداء. كذا في " فتاوي قاضي خان".
(وقد يستعمل الأداء في القضاء مقيدًا) حيث يصرح بالدين، فيقال:
(1/385)

أدى ما عليه من الدين، فإذا قرنه بالدين علم أن المراد منه القضاء، لضرورة أن أداء الدين بحقيقته لا يتصور، لأن الأداء: اسم لتسليم نفس الواجب، والدين وصف في الذمة يظهر أثره عند المطالبة، وما أداه المديون عين وليس بوصف، فلم يكن ما سلمه عين ما هو في ذمته.
فعلم بهذا أن الأداء الذي استعمل فيه لم يكن علي حقيقته، بل كان هو بمعني القضاء الذي هو اسم لتسليم مثل الواجب، علي معني أن المديون لما سلم الدراهم إلي ري الدين وجب في ذمته دين للمديون بسبب أخذه الدراهم من المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون، ثم التقي ما في ذمة المديون الأول وما في ذمة المديون الثاني وهو رب الدين قصاصًا لعدم الفائدة في الأخذ ثم التسليم ثانيًا، فكان هو تسليم مثل الواجب بهذا الطريق لا محالة فكان قضاء بحقيقته. إلا إنه استعمل الأداء مجازًا لالتقائهما في معني إسقاط الواجب؛ لأن كلا من القضاء والأداء متضمن إسقاط الواجب من الذمة، وعن هذا قالوا: إن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول.
وأما إذا لم يصرح بقران الدين عن استعمال الأداء يحمل الأداء حينئذ علي حقيقته وهي تسليم نفس الواجب، كما لو قيل: أدي ما عليه من وجوب الصلاة والصوم. يراد به أنه أداهما في وقتهما، وكذلك في أداء الأمانات والغصوب يحمل الأداء على حقيقته.
(1/386)

(الذنب يأدو). الأدو والأدي: فريفتن، والغابر يفعل ويفعل، فيقال: أدوات له، وأديت له أي ختلته، والأداء علي فعال مصدر المنشبعة لباب التفعيل وهو وارد فيه ورودًا ظاهرًا كالكلام والسلام والبيان، وهذا مثل يضرب في مقاساة المرء في الشيء، ومعاناته لرجاء نفع يعود إليه في عاقبته، وأصله: الذئب يأدو للغزال- أي يختله- ليأكله"
وقوله: (أيجب بن مقصود)؛ أي بسبب مقصود عرفه النص أنه سبب له
(1/387)

وقد أوفينا تقرير هذه المسألة في " الوافي".
(لأن القربة عرفت قربة بوقتها، فإن فاتت عن وقتها ولا يعرف لها مثل إلا بالنص)؛ لأن العقل لا مدخل له في معرفة كيفيات العبادات وكمياتها والكلام في عبادة مكيفة وهي شرعيتها في هذا الوقت فأداؤها في هذا الوقت أفضل من القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها مثل إلا بالنص.
(وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه. وحاصل ذلك إن الذي ورد فيه القضاء في غيره، والضمان يعتمد المماثلة وقد فاتت، فلا يعرف لها مثل إلا بالنص.
(وبيان ذلك)؛ أي وبيان ما ذكرنا من صورة المتنازع فيه.
وحاصل ذلك أن الذي ورد فيه القضاء من الصوم والصلاة بالنص ورد موافقًا للقياس أم مخالفًا له؟.
فعند العامة: ورد موافقًا له فصح تعليله، وتعدية حكمه إلي ما لا نص فيه من المنذورات المتعينة من الصوم والصلاة بالقياس.
وقال البعض: لا يصح تعليله؛ لأنه ورد النص فيما لا يدرك بالعقل،
(1/388)

فلذلك لم يكن بد من ورود النص مقصودًا بأن هذا جائز له قضاء، فورد النص بتجويز القضاء في الصوم المفروض والصلاة المفروضة، فلا يقاس عليهما غيرهما في جواز القضاء.
(قلنا نحن: وجب القضاء في هذا بالنص ...) إلى آخره. يعني أن الأداء كان مستحقًا عليه في الوقت بأمره، ومعلوم أن المستحق لا يسقط عن المستحق عليه إلا بإسقاط من له الحق أو بتسليم المستحق عليه، ولم يوجد واحد منهما، فبقى عليه بعد خروج الوقت؛ لأن خرج الوقت ولم يسلم فقد ترك الامتثال وترك الامتثال لا يجوز أن يكون مسقطًا، بل هو يقرر عليه ما وجب عليه؛ لأنا نعلم يقينًا أن الوقت ليس هو المراد، بل المراد هو العبادة، ومعناها: العمل بخلاف هوى النفس لتعظيم أمر الله تعالى، وذلك لا يختلف باختلاف الأوقات، وإنما يسقط فضل الوقت باعتبار العجز عن تحصيل تلك الفضيلة، وما هو المقصود وهو العبادة مقدور عليه له (لكون النفل مشروعًا له من جنسه)، فيبقى هو مطالبًا بإقامة (ما له مقام ما عليه)، وهذا لأن حقيقة الأداء تسليم حق الغير إليه، وحقيقة القضاء تسليم حقه إلى صاحب الحق، فيوجد هذا في حق النقل؛ لأنه قادر عليه فيطالب بصرف ماله إلى ما عليه.
(1/389)

(فسقط فضل الوقت) بلا ضمان للعجز عنه، ولا يسقط أصل الواجب قضاء للقدرة عليه.
ألا ترى أن الأمر هكذا في حقوق العباد؛ فإن من غضب المثلي يؤدي المثل صورة ومعنى، فإذا عجز عن تسليم الصورة تسقط عنه للعجز بلا ضمان وتجب عليه القيمة، وإن لم تكن مثلًا له من كل وجه؛ لأنه يجب عليه ما له القدرة عليه، فلأن يسقط عنه ما لا يقدر هو عليه لعجزة في حقوق الله تعالى أولى.
ألا ترى أن النسيان يصلح عذرًا في حقوق الله تعالى ولا يصلح عذرًا في حقوق العباد، فلما صلح العجز عن فصل الوصف عذرًا في حقوق العباد أولى أن يصلح عذرًا في حقوق الله تعالى، لأنه أكرم وأرحم.
وقوله: ((وقال عامتهم: يجب بذلك السبب))؛ أي بالسبب الذي يوجب الأداء.
فإن قيل: وجب القضاء في الصوم والصلاة بالنص فكان وجوب القضاء مضافًا إلى النص، ثم كيف يستقيم قولكم: يجب القضاء بالسبب الذي أوجب الأداء؟
قلنا: النص الموجب للقضاء يقرر ما قلنا؛ لأنه يبين أنه لم يسقط ما عليه بسبب خروج الوقت حتى وجب القضاء، فكان النص مثبتًا وجوب المطالبة، فإضافة وجوب المطالبة إلى النص لا تقدح فيما قلنا.
ألا ترى أن يجب على المشتري الثمن في الذمة بالشراء، ويجوز أن يطالب بأداء ما عليه بالسبب السابق وهو الشراء، فكذا هاهنا يجوز أن يجب
(1/390)

القضاء بالسبب السابق وهو السبب الذي يوجب الاداء، ثم يطالب بذلك الأمر الموجب للقضاء.
أو نقول: يضاف وجوب القضاء إلى النص الموجب للقضاء لكونه متيقنًا، وما ذكرنا معقول فيصار إليه عند عدم النص، كما قلنا في المعنى المؤثر للحكم: إن الحكم يضاف إلى النص، وعند عدم النص يضاف إلى المعنى المؤثر.
وقوله: (للعجز) متصل بقوله: ((وسقط)).
(وهذا أقيس وأشبه بمسائل أصحابنا) - رحمهم الله- فإنهم قالوا: لو أن قومًا فاتتهم صلاة من صلوات الليل فقضوها بالنهار بالجماعة جهر إمامهم بالقراءة بخلاف ما إذا قضى منفردًا، ولو فاتتهم صلاة من صلوات النهار فقضوها بالليل لم يجهر إمامهم بالقراءة، ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة صلى ركعتين، ولو فاتته حين كان مقيمًا فقضاها في السفر صلى أربعًا. ففي هذه المسائل كلها اعتبر أصحابنا صفة كانت حال بقاء الوقت وبقيت بتلك الصفة، وبقاء ما ثبت لا يفتقر إلى دليل جديد بل يضاف إلى
(1/391)

الموجب السابق.
وقوله: (ولهذا قلنا في صلاة فاتت ...) إلى آخره. إيضاح لقوله: ((وسقط فضل الوقت للعجز))، فكذلك سقط لتكبير من الصلوات التي فاتت عن أيام التشريق للعجز عن الإتيان بالتكبير.
فإن قيل: ينبغي ألا يسقط أصل التكبير عنه سرًا لقدرته عليه، ويسقط وصف الجهر لعجزه عنه، كما قلتم بوجوب قضاء الصلوات للقدرة عليها وسقوط التكبير للعجز عنه.
قلنا: لا يصح ذلك أيضًا؛ لأن شرعية التكبير جهرًا في أدبار الصلوات في أيام التشريق مخصوصة بتلك الأيام، مخالفة القياس وهو الفصل بين الفرض والسنة بالتكبير في صلاة الظهر والمغرب والعشاء مع الجهر به، والفصل بين الفرض والسنة غير مشروع، وهو وإن قدر على التكبير سرًا لكن ليس هو بقادر على الفصل بينهما شرعًا، فلذلك سقط التكبير عنه سرًا وجهرًا لعجزه عنه؛ (لأنه لا تكبير عنده) أي عن المفوت بطريق الجهر.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: لأن الجهر بالتكبير دبر
(1/392)

الصلاة غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير، بل هو منهي عنه لكونه بدعة، فبمضي الوقت يتحقق الفوات فيه فسقط، وأصل الصلاة مشروع له بعد أيام التكبير فيبقى الواجب باعتباره.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي ألا تقضى صلاة المغرب إذا فاتت عن وقتها؛ لأنه ليس عند المفوت نفل بثلاث ركعات، والقضاء إنما ينفعل بصرف ما له إلى ما عليه على ما ذكر في سقوط تكبير التشريق إذا فات عن وقته بقوله: ((لأنه لا تكبير عنده)).
قلت: القياس يقتضي ذلك، لكن عموم قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) يتناول صلاة المغرب كما تناول غيرها، ولا مدخل للقياس عند ورود نص يخالفه، ولأن الوتر نفل عندهما وهي مشروعة بثلاث ركعات، وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وإن كانت واجبة فآثار النفلية فيها ظاهرة من وجوب القراءة في الركعات كلها، وعدم استبدادها بوقت على حدة، وعدم الأذان والإقامة فيها، فكان الاحتياط في
(1/393)

القضاء لكون النفل في ملكته في الجملة.
فإن قلت: ما وجه القضاء بالجماعة إذا فاتت صلاة واحدة عن جماعة فقضها بالنهار بالجماعة على ما ذكت، مع أنه غير قادر على أداء النفل بالجماعة في النهار؟ وكذلك سقوط القراءة في الأخريين في قضاء ما فاته من فرائض ذات أربع مع أنه ليس عند المفوت أربع ركعات من نفل لا يقرأ في الأخريين منه، فلم يكن القضاء في هاتين المسألتين صرف ما له إلى ما عليه؟
قلت: كلاهما كان لاعتبار رعاية وصف الأداء في القضاء على ما ذكرنا، فلما كانت الصلاة التي فاتت عن وقتها موصوفة بهاتين الصفتين في حال الأداء بقيت كذلك في حال القضاء؛ لأن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، ولأن إطلاق قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) مقتض رعاية هذين الوصفين في القضاء كما في حال الأداء، فإن الضمير في ((فليصلها)) راجع إلى الصلاة التي فوتها بجميع صفاتها، ومن صفاتها الكاملة في حال الأداء الجماعة وترك القراءة في الأخريين، فكذا في حال القضاء.
(ويتفرع من هذا الأصل)، أي: ويتفرع وجه التخريج من هذا الاختلاف.
(1/394)

(والتفويت سبب مطلق عن الوقت)؛ يعني هو سبب عن وجوب القضاء من غير أن يعين وقتًا دون وقت فيجب، عليه قضاء الاعتكاف الصوم مطلقًا عن الوقت، ولو وجب كذلك لا يتأدى في شهر رمضان كما إذا قال: لله علي أن أعتكف شهرًا لا يجوز أن يعتكف في رمضان، وهو معنى قوله: (فصار كالنذر المطلق بالقياس على ما قلنا) أي من أن القضاء يجب بالسبب الذي يجب به الأداء لا يسبب آخر، والذي قلناه قضاء الصلاة والصوم.
(ألا ترى أنه يجب بالفوات مرة) بأن فات عنه الاعتكاف لسب أنه لم يقدر على صوم رمضان بسبب المرض أو السفر.
(وبالتفويت أخرى) بأن لم يعتكف ولم يصم من غير عذر به. هذا استدلال على أن القضاء يجب بما وجب به الأداء حيث وجب القضاء فات أو فوت، إذ لو كان كما قالوا لا يجب القضاء بالفوات؛ لأن الفوات لا يوجب الضمان إذا تعلق وجوب الضمان التفويت، كالعبد الجاني إذا مات لا يجب الضمان على المولى، ولو هلك الخارج من الأرض العشرية لا يجب العشر،
(1/395)

وكذلك مال الزكاة، فعلم به أنه إنما يحب عند الفوات بالسبب الموجب للأداء لا بالتفويت كما قالوا؛ لأنه لو كان سبب الضمان هو التفويت لما وجب بالفوات؛ لأنه لم يوجد فعل منه حينئذ يوجب الضمان، كما إذا فاتت الوديعة بدون تقصير المودع في الحفظ، وقد ساعدونا في وجوب القضاء عند الفوات فكان ذلك حجة عليهم.
وقوله: ((للاعتكاف أثر في إيجابه)) - بدون الواو على تقدير الصفة للنكرة، وهي صومًا- أي يقتضي الاعتكاف الواجب بالنذر صومًا موصوفًا يكون وجوب بسبب الاعتكاف الواجب لا بسبب آخر، هذا هو الأصل، ولكن ترك هذا الأصل فيمن نذر بالاعتكاف في شهر رمضان فصامه واعتكف يجوز عن منذوره، مع أن ذلك الصوم إنما وجب بسبب شهود شهر رمضان لا بسب الاعتكاف الواجب بالنذر.
فأجاب عنه وقال: (وإنما جاء هذا النقصان) أي جواز الاعتكاف بدون صوم واجب بالاعتكاف (بعارض شرف الوقت) يعني أن جواز الاعتكاف بهذه الصفة بعارض شرف الوقت، وهو اتصال الاعتكاف بشهر رمضان وله فضيلة على غيره من الشهور فكان الاعتكاف فيه أقوى من الاعتكاف في
(1/396)

غيره على ما قاله عليه السلام: ((من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه)) فكان الاعتكاف فيه أفضل، فاكتفى بصوم غير واجب به باعتبار هذه الفضيلة؛ يعني أن الاعتكاف لما أدي في رمضان حصل له زيادة شرف، فانجبر بتلك الزيادة ما كان له من النقصان في شرطه وهو عدم وجود الصوم القصدي.
أو نقول: لصوم رمضان فضل وشرف على سائر الصيامات، فقام بذلك الصوم بسبب شرفه مقام الصوم القصدي، فاكتفى الاعتكاف الموجود في شهر رمضان بذلك الصوم لزيادة شرف ذلك الصوم.
فإن قلت: فعلى هذين الوجهين يلزم أن يجوز الاعتكاف الواجب بالنذر مطلقًا في شهر رمضان لقيام شرف ذلك الصوم مقام الصوم القصدي، وهو لا يجوز بالاتفاق.
قلت: لا يلزم؛ لما أن الشرف الحاصل من القصد يزداد أثره على الشرف
(1/397)

الحاصل من المتضمن وإن جل خطره.
ألا ترى أن النفل بتحريمه مبتدأة مقصودة أفضل وأكمل من نفل حصل في ضمن تحريمة الفرض، حتى إن مصلي الظهر إذا قعد في الرابعة ثم قام إلى الخامسة ساهيًا وسجد ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، ويسجد للسهو لنقصان تمكن في النفل عند أبي يوسف؛ لأنه دخل في النفل لا على الوجه المسنون وهو التحريمة المبتدأة.
فإن قلت: الأصل في الشرط أن يعتبر وجوده لتحقيق المشروط لا وجوده قصدًا، حتى إن من توضأ للتبرد أو للتعليم أو لمعنى من المعاني تجوز به الصلاة، وكذلك لو لبس الثوب لستر عورته عن الناس أو للحر أو للبرد يجوز به صلاته، والصوم شرط جواز الاعتكاف الواجب، فلم اشترط في صوم الاعتكاف وجوده لأجل الاعتكاف قصدًا حتى لم يصح اعتكافه في شهر رمضان عن اعتكاف أوجب على نفسه مطلقًا لعدم صوم مقصود للاعتكاف؟
قلت: ذاك الأصل فيما إذا لم يكن الشرط عبادة مقصودة في وقت من الأوقات كما في تلك النظائر، وعن هذا اشترط الشافعي- رحمه الله- النية في الوضوء باعتبار أنه عبادة مقصودة عنده بخلاف سائر شروط الصلاة.
وأما الصوم فإنه ركن من الأركان الخمسة في الدين، فلما كان شرطًا للاعتكاف بالدليل اشترط القد فيه أيضًا؛ ليقع الفرق بينه وبين سائر
(1/398)

الشروط.
(ولم تثبت القدرة) أي: على اكتساب شرف الوقت (فسقط) أي: فسقط وجوب القضاء في الرمضان الثاني للعجز؛ لأن ذلك وقت مديد يستوي فيه الحياة والموت فسقط جوبه على ذلك الوجه لذلك؛ لأن الحياة والموت إذا تعارضا تساقطا، فصارت القدرة كالساقط حقيقة.
فإن قيل: الموت موهوم، والحياة متحققة في الحال، فكانت القدرة ثابتة نظرًا إلى استصحاب الحال.
قلنا: العجز ثابت في الحال، فلا تثبت له القدرة باستصحاب الحال أيضًا، وإذا فات شرف الوقت وتحقق العجز عن إدراكه (بقى الاعتكاف مضمونًا بإطلاقه) فيجب بالصوم القصدي (فكان ذلك أحوط الوجهين)؛ أي الوجه الذي قيل بأن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء أحوط من الوجه الذي قيل بأن القضاء يجب بسبب آخر وهو التفويت؛ لأنه لو أضيف إلى السبب الآخر يقتضي أن لا قضاء عليه عند الفوات، وما قلناه بوجوب القضاء عند الفوات والتفويت، فكان ما قلناه أحوط الوجهين.
لأن ما ثبت بشرف الوقت من الزيادة احتمل السقوط؛ أي الزيادة الثابتة بسبب شرف الوقت، يعني أن صوم رمضان أفضل من سائر الصيامات، والاعتكاف فيه أفضل من سائر الاعتكافات احتمل السقوط، فإنه إذا مضى
(1/399)

شهر رمضان ولم يصم ولم يعتكف فقضى اعتكافه بصوم قضاء رمضان وهو جائز بالإجماع مع أن ذلك الصوم صوم ناقص بالنسبة إلى صوم رمضان أداء، فالنقصان والرخصة الواقعة الرف لأن يتحمل السقوط والعود إلى الكمال أولى؛ يعني أن النذر بالاعتكاف يوجب صومًا قصديًا، وإنما اجز في شهر رمضان مع انعدام الصوم القصدي وهو نقصان ورخصة، فجوازه باعتبار شرف الوقت، فإذا صام ولم يعتكف يجب القضاء بالصوم القصدي ويسقط ذلك النقصان والرخصة ويعود إلى الكمال ان أولى أن يجوز؛ وهذا لأن الموجب لوجوب الصوم القصدي وهو الكمال كان موجودًا ولكن لم يظهر لمانع، فإذا زال المانع يعمل الموجب عمله، وبيان الأولوية أن هذا نقصان يعود إلى الكمال، والأول كمال يعود إلى النقصان، فلما جاز عود العزيمة إلى الرخصة؛ فلأن يجوز عود الرخصة إلى العزيمة بالطريق الأولى.
(وإذا عاد لم يتأد في الرمضان الثاني) أي لما عاد إلى الصوم القصدي بسبب أنه لم يعتكف في شهر رمضان وفات الاعتكاف عن وقته عاد إلى الصوم القصدي، فبعد ذلك لا يعود إلى الصوم الضمني في الرمضان الثاني؛ لانه لما فات عن وقته ثبت في ذمته اعتكاف واجب مطلقًا، والاعتكاف الواجب مطلقًا لا يؤدي في شهر رمضان، فكذا هنا فكان هذا بمنزلة أضحية واجبة في ذمته إذا انتقلت إلى الصدقة بفوت وقتها لا تعود هي إلى إراقة الدم بعود وقتها في القابل، وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين حق العبد؛ فإنه إذا غضب المثلي واستهلكه وجب عليه ضمان مثله صورة ومعنى، ثم إذا انقطع أوانه ينتقل الضمان من الصورة إلى المعنى فتجب القيمة، ثم إنه إذا لم يؤد القيمة حتى جاء أوانه عاد عليه ضمان مثله صورة ومعنى؛ لكون ضمان المثل
(1/400)

صورة ومعنى هو الأصل هناك، فلذلك لما قدر على الأصل بطل حكم الخلف على ما هو الأصل.
وأما هاهنا فالأمر بخلافة، فإن الصوم القصدي هو الأصل، فلما وجب الاعتكاف بالصوم القصدي لم يتحول الحكم إلى الصوم الضمني بتحول الوقت.
(والأداء في العبادات يكون في المؤقتة في الوقت)، قوله: (في المؤقتة في الوقت)؛ خبر المبتدأ؛ أي تحقق الأداء في العبادات المؤقتة إنما يكون في الوقت لا في غير الوقت، كالصلاة والصوم؛ لأنها إذا أديت في غير الوقت يكون قضاء لا أداء.
وأما في غير المؤقتة كان أداء في جميع الوقت كالزكاة والكفارات والحج، فعلى هذا كان قوله: (أبدا) خر المبتدأ، وهو قوله: والأداء (في غير المؤقتة).
(والمحض) منه؛ أي الكامل من الأداء، والدليل على أن المراد من المحض الكامل ذكر القصور في مقابلته.
(ألا ترى أن الجهر عن المنفرد ساقط) فوجه الاستدلال بسقوط وجوب الجهر عن المنفرد على قصور صلاته هو أن الجهر لما وجب على الإمام فيما يجهر كان هو من علامات الأداء الكامل وهو الجماعة، وإذا سقط وجوب الجهر عن المنفرد كانت علامة الكمال منه ساقطًا، فيستدل به على قصوره
(1/401)

لذلك، والدليل على كمال صلاة الجماعة ما روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي عليه السلام أنه قال: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة)).
أو نقول: إن الجهر بالقراءة عزيمة؛ لأنه أمر أصلي لم يثبت بعارض عذر منا، فالمصير إلى ترك العزيمة مع كون العزيمة مشروعة كان نقصانًا.
(فهذا مود) أي بالنظر إلى بقاء الوقت (أداء يشبه القضاء)؛ لأنه يقضي ما فاته من صلاته مع الإمام.
ثم قوله: (ألا ترى أنهم قالوا في مسافر ...) إلى آخره، إيضاح
(1/402)

جانب القضاء.
قوله: (ولو تكلم صلى أربعًا) إيضاح الأداء.
(أو نوى الإقامة وهو في غير مصره والوقت باق فإنه يصلي ركعتين)، والأصل فيه أن نية اللاحق الإقامة وهو في قضاء ما عليه وقد فرغ الإمام من صلاته ساقطة وإن كان الوقت باقيًا؛ لأنه فيما يتم مقتد بالإمام فنيته في مثل هذه الحالة كنية إمامه، ونية إمامه الإقامة لا تلزمه إتمام هذه الصلاة؛ يعني بعدما فرغ منها وكذلك نيته.
فإن قيل: نية المقتدي معتبرة في حقه مل لم يخرج من حرمة الصلاة، وفي حق الإمام إنما لم تعتبر لخروجه عن حرمة الصلاة.
قلنا: المقتدى تبع فيجعل كالخارج من الصلاة حكمًا لخروج إمامه منها، وكذلك لو دخل مصره فإن دخول موضع الإقامة ونية الإقامة في الحكم سواء، ونية المسبوق في قضاء ما عليه الإقامة أو دخوله مصره تلزمه الإتمام؛ لأن المسبقو فيما يقضي كالمنفرد، ونية المنفرد الإقامة مغيرة فرضه في
(1/403)

الوقت. كذا في ((المبسوط))، وهذا الذي ذكره في اللاحق مذهبنا.
وقال زفر: ((تتغير صلاته بالمغير ما دام الوقت باقيًا؛ لأن اللاحق مقتد)).
قلنا: إن اللاحق مع كونه مقتديًا ليس بمؤد من كل وجه؛ لأنه يستحيل أن يجعل مقتديًا خلف الإمام ولا إمام، بل هو قاض شيئًا فاته مع الإمام، فجعلناه كأنه خلف الإمام تقديرًا لا حقيقة؛ لأن العزيمة فيحقه أن يؤدي مع الإمام؛ لأنه تحرم معه، لكن الشرع جوز الأداء بعد فراغ الإمام إذا أخر الأداء بعذر وجعل أداءه في هذه الحالة كالأداء معه، وهذا تفسير القضاء بأن يؤدي شيئًا بمثل ما وجب عليه قبل القضاء، فصار اللاحق بمنزلة القاضي بهذا الطريق. إلى هذا أشار في ((مبسوط فخر الإسلام)).
(أن هذا مؤد) أي اللاحق، (فإذا لم يتغير الأداء) أي صلاة إمامه بنية الإقامة (لم يتغير القضاء) أي صلاة اللاحق بعد فراغ الإمام بنية الإقامة.
(1/404)

(فقد بطل معنى القضاء)؛ لأنه صار ابتدائيًا فيتغير بالمغير لانعدام شبهة القضاء.
(بخلاف المسبوق أيضًا) يعني أن المسبوق يؤدي أربع ركعات إذا وجدت نية الإقامة أو دخول المصر منه سواء تكلم أو لم يتكلم، وإنما قال: أيضًا؛ لأن اللاحق انقلب ركعتاه إلى الأربع بوجود التكلم عند نية الإقامة أو دخول المصر، كذلك المسبوق أيضًا انقلب ركعتاه إلى الأربع وإن لم يتكلم.
وقوله: (لما بينا) يتصل بقوله: (ولهذا قلنا في اللاحق لا يقرأ). (أنه قاض) أي أن اللاحق قاض.
(وأما القضاء، فنوعان) أي القضاء الحقيقي نوعان.
وأما القضاء الذي هو بمعنى الاداء فليس هو بقضاء حقيقي، فلم يتناوله التقسيم.
(إما بمثل معقول فكما ذكرنا) أي قضاء الصلاة للصلاة، والصوم للصوم، وفي حقوق العباد المال للمال (وإما بمثل غير معقول) أي غير مدرك بالعقل؛ بمعنى لا ندركه بعقولنا لقصور فينا لا أن يكون هو خلاف العقل
(1/405)

في الواقع؛ لأن العقل حجة من الله تعالى على عبده كالسمعيات، ومحال أن تتناقض حججه، إذ هو من أمارات الجهل، لكنا لا نردك المماثلة بين الصوم والفدية؛ إذ الصوم تجويع النفس، والفدية تشبيع الجائع، وكذا بين النفقة فإنها مال عين، وبين أفعال الحج فإنها أعراض وصفات، ونقول: نعتقد بينهما مماثلة يعلمها الشارع، حتى أقام الفدية والنفقة مقام الصوم وأفعال الحج.
(فمثل الفدية في الصوم). قيل: ورد في الحديث إضافة الله تعالى الصوم إلى نفسه حيث قال: ((الصوم لي))، ثم إذا عجز المكلف عن الصوم أوجب عليه الفدية بنصف صاع من بر وكذا وكذا؛ ليتبين أن ما يعطيهم بمقابلة الصوم الذي قيمته نصف صاع من بر من الثواب الجزيل كان بفضله وكرمه؛ لأن الكريم من يستكثر قليل غيره ويستقل كثير نفسه.
ألا ترى أن الله تعالى سمى أفضل الجنان التي أعطاها المؤمنين نزلًا وهو ما يهيأ للضيف عند النزول، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا}. ثم استكثر فعل العباد بقوله: ((الصوم لي))،
(1/406)

وبقول النبي عليه السلام: ((التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها))، مع أن التكبيرة الاولى ليست من نفس الصلاة وأركانها، فما ظنك فيما هو من أركان الصلاة، ثم جميع الصلاة إذا فاتت يؤمر بنصف صاع لما ذكرنا من المعنى لبيان أنها قليل القيمة في نفسها، ومع ذلك يعطى بمقابلته ما يعطى من الثواب الجزيل، وهو فعل الكريم. كما قال الشاعر:
وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير
(وهذا مختصر بالإجماع) أي بإجماع أهل التفسير. كذا في ((مبسوط المصنف))، يعني تقديره: لا يطيقونه. وإنما قلنا: إنه مختصر بهذا الطريق؛
(1/407)

لأن سياق الآية وهو قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وسياقها وهو قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} لإيجاب الصوم، ثم لو أجرى قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} على الظاهر يلز أن يكون وجوب الفدية على المطيقين على الصوم، ووجوب الصوم غير المطيقين على الصوم، وهذا عكس المعقول ونقص الأصول مع ما فيه من لزوم إرادة العسر الذي لا نهاية في عسره، والله تعالى نفى ذلك عن ذاته في آخر الآية بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
وهذا التقرير فيما إذا لم تحمل الآية على النسخ. أما إذا حملت على النسخ فالنظم على ظاهرة مقرر من غير اختصار.
قال في ((الكشاف)): {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} نصف صاع من بر، ثم قال: وكان ذلك في بدء الإسلام، فرض عليهم الصوم، ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
(1/408)

{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
(وثبت في الحج الخثعمية) وهي أسماء بنت عميس من المهاجرات، كذا في ((المغرب)). (أفيجزئني) أصله بالهمز. يقال:
(1/409)

أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئ عن هذا/ أي يقضي أو ينوب عنه. وحكي عن علي بن عيسى أنه قال: يقال: هذا الامر يجزئ عن هذا، فيهمز ويلين.
(1/410)

وقوله: (أن أحج) على صيغة بناء إخبار النفس من الثلاثي لا من الإحجاج. هكذا وجد مصححًا بتصحيح الثقة، وهو فاعل يجزئني، فكان معناه: الحج الذي أحج بنفسي عن أبي هل يكفيني ذلك عما يهمني بسبب إدراك فريضة الحج على أبي؟ وفي الحديث دليل على أن أباها أمرها بالحج حيث قال رسول الله عليه السلام عقيب قولها: ((نعم، فدين الله أحق)) أي أحق أن يقبل، قاس رسول الله عليه السلام قبول الحج بقبول الدين، وإنما كان كذلك في الدين إذا كان من عليه الدين أمر بقضاء الدين؛ لأن من له الدين إنما يجبر على القبول إذا كان ذلك بأمر من عليه الحق.
وأما إذا كان بغير أمره فمن له الدين الخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، فدل على أن أباها أمرها.
وقوله: ((فدين الله أحق)) لأنه أكرم وأرحم.
وقوله: (ولهذا قلنا: أن ما لا يعقل مثله يسقط) إيضاح لإثبات ثمرة غير المعقول في القضاء من أحكام الشرع، فكان هذا جوابًا لتقدير سؤال سائل
(1/411)

يسأل ويقول: ما فائدة بيان أحكام القضاء الذي هو غير معقول؟
فقال في جوابه: فائدته بيان انحصار الحكم فيما ورد الشرع به ولا تجوز تعدية حكمه إلى غيره؛ لأن من شرط التعدية أن يكون المنصوص عليه معقول المعنى، فإذا ورد حكم النص غير معقول المعنى لم يكن له مثل في موضع آخر حتى تعدى الحكم منه غليه، ولهذا قلنا: إن ما يعقل مثله يسقط؛ لأن الواجب إذا فات عن البعد وليس له مثل لا يمكن تداركه يسقط عنه من غير ضمان؛ لأن الشيء إنما يضمن المثل إما صورة أو معنى، ولما لم يكن للفائت مثل لا صورة ولا معنى يسقط عن العبد إلا بالإثم إن كان عامدًا، وهذا لأنه لما لم يكن له مثل معقول ولم يرد فيه نص بشريعة القضاء يسقط لا محالة.
والدليل على هذا الذي ذكرته ما ذكره شمي الأئمة السرسخي- رحمه الله- هذه المسألة بهذا الطريق، فقل: لا مماثلة بين الصوم والفدية صورة ولا معنى، وكذلك لا مماثلة بين دفع المال إلى من ينفق على نفسه في طريق الحج وبين مباشرة أداء الحج، وما يكون بهذه الصفة لا يتأتى تعدية الحكم فيه إلى الفروع فيقتصر على مورد النص، ثم قال: ولهذا قلنا: إن النقصان الذي يتمكن في الصلاة بترك الاعتدال في الأركان لا يضمن بشيء سوى الإثم؛ لأنه ليس لذلك الوصف منفردًا عن الأصل مثل صورة ولا معنى.
وإنما قلنا: إن النقصان الذي يحصل بسبب عدم تعديل الأركان ليس له مثل جابر يجبر ذلك النقصان، فإنه بعد فراغه من الصلاة لو أتى بتعديل
(1/412)

الأركان إما أن يأتي به بدون أن يأتي بسائر الأركان فحينئذ يربو القضاء على الأداء، فغن الفائت عنه تعيل الأركان لا غير، والقضاء إنما يكون بحسب الأداء؛ فلذلك لا تجوز زيادة القضاء على الأداء.
(لأن الجودة لا يستقيم أداؤها بمثلها صورة) يعني لا يمكن تسليم الجودة منفصلة عن العين؛ لأنها عرض يستحيل قيامها بذاتها، فلا يمكن فصل العرض عن العين. (ولا بمثلها قيمة) يعني لا يستقيم أداء الجودة بالقيمة؛ لأن الجودة لا قيمة لها في الأموال الربوية على ما عرف.
(واحتاط محمد- رحمه الله- في ذلك الباب) أي في باب الزكاة.
ثم اعلم: أن هذا الاختلاف بينهم فيما إذا أدى خمسة دراهم زيوف مكان خمسة دراهم جياد حيث يصح عندهما خلافًا لمحمد.
أما إذا أدى الدينار مكان خمسة دراهم جياد تعتبر قيمة الجودة بالاتفاق؛ لأن عند اختلاف الجنس تعتبر القيمة، فلابد من أداء الفصل. كذا في نوادر زكاة ((المبسوط)).
(1/413)

(ولهذا قلنا: إن رمي الجمار لا يقضى) يعني أن الحاج إذا لم يرم الجمار في وقتها حتى مضى وقت الرمي فلا يقضى بعد ذلك بل يسقط؛ لأنه ليس له مثل معقول لا صورة ولا معنى، فإنه لم يشرع فربة للعبد في غير ذلك الوقت.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا وقد أوجبتم الدم عليه باعتبار ترك الرمي؟
قلنا: إيجاب الدم عليه لا بطريق أنه مثل للرمي قائم مقامه، بل لأنه جبر لنقصان تمكن في نسكه بترك الرمي، وجبر نقصان النسك معلوم بالنص. قال الله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
(1/414)

(والصلاة نظير الصوم بل أهم منه)؛ لأن الصلاة حسنة لمعنى في ذاتها، والصوم حسن لمعنى في غيره وهو قهر النفس، فكانت شرعية الصوم لتصير النفس مرتاضة إلى عبادة الله تعالى وتعظيمه، فإذن فيه جهة الوسيلة، وفي الصلاة جهة المقصودية؛ لأنها لتعظيم الله تعالى بلا واسطة، فالمقصود من العبادة أقوى من الوسيلة إليها، ولأن الصوم لا يجب على المرء بمجرد الإيمان، حتى لو آمن رجل في شوال لا يتوجه عليه خطاب الصوم حتى يمضي عليه أحد عشر شهرًا، ولو آمن في أول يوم يتوجه عليه خطاب الصلاة في ذلك اليوم خمس مرات، فكان أمر الصلاة أهم من الصوم؛ لأن لاشتمال أكثر الأوقات في العبادات تأثيرًا في إثبات القوة له، كالإيمان فإنه لما كان أشمل للأقوات من سائر العبادات كان هو أقوى من غيره فكذا هنا، وإذا ثبت هذا فنقول: لما وجبت الفدية في الصوم مع قصوره عن الصلاة فلأن تجب الفدية في حق الصلاة بالطريق الأولى، فتذكر هاهنا ما ذكرناه في ((الوافي)) من السؤال والجواب؛ فإنه يرشدك إلى تفريع فروع كثيرة، وثمرات غزيرة.
(1/415)

فإن قيل: لما كان لسلوك طريق الاحتياط مدخل في حكم نص ثبت بخلاف القياس لم لم نقل لانتقاض الطهارة بالقهقهة خارج الصلاة بطريق الاحتياط؟
قلنا: إن خارج الصلاة دون الصلاة، فلا يكون ذلك نظير ما قلنا من الصلاة والصوم.
(1/416)

فإن قيل: فلما ثبت وجوب الفدية في الصلاة بدلالة وجوب الفدية في الصوم وجب أن يثبت وجوب الفدية في الصلاة كثبوت وجوب الكفارة بالأكل والشرب في الصوم؛ يعني على القطع والبتات لا على رجاء القبول.
قلنا: لا يصح هاهنا مثل ذلك؛ لأن دلالة النص هي أن يعرف حكم دلالة النص من يعرف لسان العرب، كما قلنا في الصوم: إن الأعرابي لما قال: هلكت وأهلكت عرف كل عربي أنه سأل عن الجناية التي وقعت على الصوم، والجناية على الصوم موجودة بالأكل والشرب كما توجد الجناية بالوقاع، ولا كذلك هاهنا؛ لأن الله تعالى لو أوجب علينا الصوم لا يعرف عربي من ذلك أن الصلاة واجبة عليه أيضًا، فإذا لم توجد الدلالة في الأصل فكذلك لا توجد في الخلف، فلهذا لم نقل بوجوب الفدية في الصلاة بطريق الدلالة، حتى تثبت الفدية في الصلاة كثبوتها في الصوم على القطع والبتات.
(ثم لم نحكم بجوازه مثل حكمنا به ...) إلى آخره.
(1/417)

فعلم بهذا أن هذا ليس بقياس؛ لأن القياس إثبات مثل حكم المنصوص في حق قطع الحكم بالجواز، وفي هذا رجاء الجواز، فلا يكون قياسًا.
(وروجونا القبول) أي الجواز.
(فقط أوجبتم بعد فوات وقتها التصدق بالعين أو بالقيمة) يعني أن من وجب عليه الأضحية إذا لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان فقيرًا تصدق بها حية، وإن كان غنيًا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها واجبة على الغني، ويجب على الفقير بالشراء بنية التضحية، ثم إنما يجب التصديق بعد مضي وقتها؛ لأنه إذا مضت أيام النحر فقط سقط معنى التقرب بإراقة الدم؛ لأنها لا تكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو في زمان مخصوص وهو أيام النحر، ولكن يلزمه التصدق بقيمة الأضحية إذا كان ممن يجب عليه الأضحية؛ لأن تقربه في أيام النحر كان باعتبار المالية فيبقى بعد مضيها، والتقرب في المال في غير أيام النحر يكون بالتصديق، ولأنه كان يتقرب بشيئين: إراقة الدم، والتصدق باللحم، وقد عجز عن أحدهما وهو قادر على الآخر، فيأتي بما يقدر عليه. كذا في ((المبسوط)) و ((الهداية)).
(1/418)

وحاصل الجواب عن مسألة الأضحية: إنما أوجبنا التصدق باعتبار كونه أصلًا لا باعتبار كونه مثلًا لها.
(وهو نقصان في المالية)، أي فعل التضحية نقصان في المالية، لأنه لم يبق صالحًا للذر والنسل، يعني لابد من مشقة تلحق المكلف في القربة، وتلك المشقة في التضحية نقصان المالية (على ما نبين في مسألة التضحية) أي في ((المبسوط)).
(أيمنع الرجوع في الهبة أم لا؟) فعند محمد- رحمه الله- لا يمنع؛ لأن عنده التضحية نقصان في المالية، والنقصان لا يمنع الرجوع في الهبة. وعند أبي يوسف- رحمه الله- يمنع؛ لأن الإزالة عن ملكة تمنع الرجوع في الهبة. وكشف هذا مذكور في باب العطية من هبة ((المبسوط))، قال: وإن وهب له شاة فذبحها كان له أن يرجع فيها؛ لأن الذبح نقصان في العين، فإن عمله في إزهاق الروح، فإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي يوسف، وقال محمد: يرجع فيها، وتجزئ الأضحية والمتعة للذابح، وقيل: قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- مثل قول أبي يوسف.
وأما محمد- رحمه الله- فيقول: ملك الموهوب له لم يزل عن عينها، والذبح نقصان فيها، فلا يمنع الرجوع فيما بقي كالشاة للقصاب؛ وهذا لأن
(1/419)

معنى القربة في نيته وفعله دون العين، فالموجود في العين قطع الحلقوم والأوداج سواء كان على نية اللحم أو نية القربة، والذي حدث في العين أنه تعلق به حق الشرع من حيث التصديق به، وذلك لا يمنع الرجوع كوجوب الزكاة في المال الموهوب في يد الموهوب له، بل أولى؛ لأن التصديق هاهنا ليس بحتم حتى يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء بخلاف الزكاة، وأبو يوسف- رحمه الله- يقول في التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه التضحية: جعلها الله تعالى خالصة، وقد تم ذلك فلا يرجع الواهب فيه بعد ذلك كما لو كان الموهوب أرضًا فجعلها مسجدًا، وبيان قولنا: ((تم)) أن التقرب بإراقة الدم وقد حصل ذلك.
ألا ترى أن لو سرق المذبوح أو هلك كان مجزءًا عنه، وإباحة التناول منه بإذن من له الحق بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا}.
ألا ترى أن لا يجوز أن يتصرف فيها على غير الوجه المأذون وهو بطريق التجارة، ويمنع من ذلك، ولو فعله كان ضامنًا، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به، فيكون نظير هذا من الزكاة ما إذا أداه الفقير بنية الزكاة وليس للواهب أن يرجع فيه بعد ذلك، وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب، ولكن في المعنى والحكم غيره، ولا تعتبر الصور.
ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم والمجوسي، والتضحية لا تتحقق إلا من أهل التسمية، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح. ثم عند محمد- رحمه الله- رجوع
(1/420)

الواهب لا يبطل التضحية؛ لأن رجوعه في القائم دن ما تلاشى منه، والرجوع ينهي ملك الموهوب له، فإنما انعدم ملكه بغير اختياره، وهو في حقه نظير ما لو هلك بعد الذبح.
وقوله: (فنقل إلى هذا) أي فنقل التصديق إلى نقصان في المالية بإراقة الدم، أو إلى نقصان في المالية بإراقة الدم وإزالة التمويل عن الباقي (تطيبًا للطعام)؛ لأنه إذا ذبح العبد الأضحية بنية القربة تنتقل آثامه إلى الدم لكونه آلة لسقوط ذنوبه فيبقى اللحم طيبًا، والناس أضياف الله تعالى يوم العيد، ولهذا كره الأكل في أول النهار قبل صلاة العيد؛ لأن ذلك إعراض عن ضيافة الله تعالى.
وأما مال الصدقة بالتصديق فتنتقل آثام المتصدق إليه فيصير من أوساخه؛ لكونه آلة لسقوط الذنوب، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}. والمطهر إذا استعمل فيما هو متدنس بالذنوب
(1/421)

صار خبيثًا، كما في الماء المستعمل. يعني يحتمل أن يكون التصديق بعين الشاة أو قيمتها أصلًا، لكن الانتقال منه إلى إراقة الدم لهذه الحكمة، فيجب أن يعمل بالأصل عند مضي وقت الأضحية.
وقوله: (يحتمل أن تكون التضحية أصلًا) جواب لشبهة ترد على هذا التقرير، وهو أن يقال، لو كان التصديق أصلًا في التضحية لكن لحكمة انتقل الحكم من التصديق إلى إراقة الدم لوجب أن يعتبر الأصل في أيام التضحية أيضًا حتى يخرج عن وجوب الأضحية بالتصديق، وإن كان هو مأمورًا بإراقة الدم لتلك الحكمة، كمن وجب عليه الجمعة لو صلى الظهر في منزله يقع ذلك عن فرض الوقت، وإن كان هو مأمورًا بأداء الجمعة لكون الظهر أصلًا؟
فأجاب عنه بهذا، وقال: يحتمل أن يكون إراقة الدم أصلًا أيضًا، فلذلك لم يعتبر ذلك الموهوم، وهو أصالة التصديق في أيام التضحية؛ لأن خروج العبد عن وجوب التضحية في أيامها متيقن بالنص، وهذا موهوم بالرأي، والموهوم لا يعارض المتيقن، بخلاف صلاة الظهر يوم الجمعة، فإنه قد قام لنا دليل بالنص على أصالة الظهر فكان الظهر، أصلًا وإن كان العبد مأمورًا لإسقاطه بأداء الجمعة.
(والدليل على أنه كان بهذا الطريق لا أنه مثل للأضحية) أي الدليل
(1/422)

على أن التصدق بعين الشاة أو قيمتها بعد مضي أيام التضحية كان بطريق احتمال أن الأصل هو التصدق في وجوب الأضحية، لا أن التصديق مثل للأضحية بطريق القضاء عنها، وإنما لم يجز إراقة الدم في غير أيام التضحية؛ لأنه لم يقدر علي مثله (أنه إذا جاء العام القابل لم ينتقل الحكم إلى الأضحية) وإن قدر على مثل الإراقة، فلو كان جواز نقصان الواجب في القضاء بسبب أنه لم يقدر على الإراقة لوجب ذلك عند قدرته عليها، كما في غضب المثلي إذا انقطع من أيدي الناس فيحول من ضمان المثل إلى القيمة، ثم لو لم ترد القيمة حتى جاء أوانه يجب عليه ضمان المثل صورة ومعنى، لكونه هو الأصل ولم يجب ذلك بالاتفاق هاهنا.
علم بهذا أن الإراقة لم تكن أصلًا في التضحية.
وقوله: (هذا وقت) أي يوم الأضحية في العام القابل الذي أدركه وقت (يقدر فيه على مثل الأصل) أي على مثل الإراقة التي وجبت عليه في العام الماضي (فيجب أن يبطل الخلف) وهو التصديق كما في الفدية، فيجب عليه قضاء الصوم من (الوجه الذي بينا)؛ وهو كون التصدق أصلًا لم ينتقض
(1/423)

بالشك؛ لأنه وجب وتأكد بإيجاب الشارع فلا يسقط بعد ذلك بالقدرة على الفائت، كما في المثلي إذا انقطع عن أيدي الناس وقضى القاضي بالقيمة، أو أدى هو بدون القضاء ثم قدر على مثله لا يعود حقه إليه، فكذلك المثل في حقوق الله تعالى.
بخلاف الفدية في حق الشيخ الفاني حيث يجب الصوم إذا قدر عليه، وإن كان فدى حالة العجز؛ لما أن الفدية عن صوم الشيخ الفاني إنما تكون خلفًا بشرط استمرار العجز إلى الموت، وإذا قدر على الصوم كان قادرًا على الأصل قبل تمام الحكم بالخلف؛ لعدم شرط جواز الخلافة على التأبيد، فلذلك بطل حكم الفدية.
(لأن الركوع يشبه القيام) أي حقيقة وحكمًا.
أما حقيقة فلأن النصف الأسفل من الراكع مستو كما في حالة القيام، وهو ما يقع به الفصل بين القيام والقعود فيبقى شبهة القيام.
(1/424)

وأما حكمًا فلأن من أدرك الإمام في الركوع يصير مدركًا لتلك الركعة.
(وهذا الحكم قد يثبت بالشبهة)؛ أي تكبيرات العيد تثبت بشبهة القيام.
ألا ترى أن تكبير الركوع في صلاة العيد ملحق بتكبيرات العيد، ولهذا يجب بترك تكبير الركوع ساهيًا سجدة السهو، وإن لم يجب بتركه في غير صلاة العيد سجدة السهو، ثم تكبير الركوع مشروع في حالة الانتقال فجاز أن يلحق به نظائره حالة العجز احتياطًا لهذه الشبهة؛ لأن أداء التكبير عبادة فيحتاط في الإتيان بها.
فإن قيل: إن استواء النصف الأعلى أحد شقي القيام، فلما لم يثبت باستواء النصف الأعلى شبهة القيام- كما في حالة القعود- وجب ألا يثبت أيضًا باستواء النصف الأسفل شبهة القيام.
قلنا: القيام مع القعود متضادان، والمفارقة للقائم من القاعد إنما ثبت باستواء النصف الأسفل، فلذلك اعتبر استواء النصف الأسفل لا استواء النصف الأعلى، ولأن شبهة الشيء إنما تكون عند اتصالها به لا عند انقطاعها عنه، والركوع متصل بحقيقة القيام، والقعود منقطع عنها، فثبت لركوع مشاركة القيام في أحد شقيه مع اتصال به، فلذلك ثبت للركوع شبهة القيام لا للقعود.
(1/425)

(لأن موضع القراءة جملة الصلاة) رجوعًا إلى قوله عليه السلام: ((لا صلاة إلى بالقراءة)). حتى إنه إذا استخلف الإمام في الشفع الأخير أميًا فسدت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- وإن أدى فرض القراءة.
(إلا أن الشفع الأول تعين بخبر الواحد)، وهو ما روى جابر بن عبد الله وأبو قتادة الأنصاري- رضي الله عنهما-: ((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي
(1/426)

الأخريين بفاتحة الكتاب)). كذا في ((مبسوط المصنف)). وروي عن علي رضي الله عنه ((القراءة في الأوليين قراءة الأخريين)) أي تنوب عنها.
(وقد بقى للشفع الثاني شبهة كونه محلًا)، لأن محل أداء ركن القراءة القيام الذي هو ركن الصلاة. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله-.
(وإن كان قضاء في الحقيقة) لفوات محل العمل بحكم خبر الواحد الذي يوجب تعيين الأوليين للقراءة.
(ولهذا لو ترك الفاتحة سقطت). هذا استدلال على أن قراءة السورة في الأخريين باعتبار شبهة الأداء؛ لأنه لما لم يكن القول بقراءة الفاتحة الفائتة عن الأوليين باعتبار شبهة الأداء سقطت.
(1/427)

(إنما شرع احتياطًا) أي واجب احتياطًا (فلم يستقم صرفها إلى ما عليه) يعني أن قراءة الفاتحة في الأخريين واجبة عليه أداء. هذا على رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمه الله-فلم يمكن صرف ما عليه إلى ما عليه. بخلاف قراءة السورة؛ لأنها ليست هي عليه فيصح قضاؤها في محل شبهة الأداء.
وذكر المصنف- رحمه الله- في ((شرح الجامع الصغير)) روى الحسن عن أبي حنيفة- رحمه الله- أن قراءة فاتحة الكتاب في الأخريين واجبة، حتى أنه لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو فلم يملك صرفها إلى ما عليه، وإنما يملك صرف ما له إلى ما عليه. وكذلك على ظاهر الرواية لا تقضى الفاتحة أيضًا، فإن قراءة الفاتحة إنما وجبت علينا بخبر الواحد، وما وجبت إلا بصفة ترتيب السورة عليها. ألا ترى أن من نسي الفاتحة فذكرها قبل الركوع أنه يقرؤها ويعيد السورة، فإذا انتقل إلى السجود فقد تم الانتقال وفات المشروع بخبر الواحد، والثابت بخبر الواحد ثابت عملًا، فإذا تعذر عمله على ما شرع سقط العمل. فأما السورة فإنما شرعت مرتبة على الفاتحة، وقد قدر على ذلك؛ لأن المتراخي مرتب لا محالة فلم تسقط عنه.
(1/428)

(ولم يستقم اعتبار معنى الأداء). هذا جواب شبهة ترد على قوله: (فلم يستقم صرفها إلى ما عليه) أي قضاء، بأن يقال: لما تستقم قراءة الفاتحة في الأخريين قضاء عن الأوليين لما ذكر أن فيه صرف ما عليه إلى ما عليه فينبغي ألا تجب عليه قراءة الفاتحة في الأخريين أداء كما في السورة، فإن قراءتها في الأخريين إنما كانت باعتبار شبهة الأداء.
فأجاب عنه، وقال قراءة الفاتحة في الأخريين مشروعة أداء، ثم لو قرأها ثانيًا أيضًا أداء يلزم تكرار الفاتحة في ركعة واحدة فإنه غير مشروع.
فإن قيل: إن لم يصح تكرار الفاتحة أداء فلم يصح تكرارها مع صرف إحداهما إلى القضاء، فلم يكن حينئذ تكرارًا في ركعة واحدة من حيث المعنى لذهاب إحداهما إلى محل الأداء تقديرًا كما صرف بعض العلماء قول محمد- رحمه الله- فيما قضى السورة في الأخريين وجهر إلى السورة باعتبار أنها مصروفة إلى محلها فلم يكن جمعًا بين الجهر والمخافتة في ركعة من حيث المعنى.
قلنا: لا يصح ذلك، لما أن رعاية الصورة واجبة أيضًا، وعن هذا كان ظاهر الرواية فيما إذا ترك السورة في قول محمد- رحمه الله- وجهر مصروفًا إلى الفاتحة والسورة جميعًا؛ لئلا يلزم الجمه بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة صورة، فوجوب رعاية الصورة ثابت في هذا وفي النحو أيضًا، فإن
(1/429)

اللام التي بمعنى الاسم الموصول في قولهم: الضارب أباه زيد، اختير دخولها في اسم الفاعل لا في عين الفعل، وإن كان الاسم الموصول يدخل الفعل لما أن هذه اللام تشبه لام التعريف صورة، وهي لا تدخل على الفعل فكذا ما يشبهها لا يدخل على الفعل أيضًا رعاية للصورة.
وقوله: (وأداء الدين). مثل: أداء ثمن المبيع وتسليم المسلم فيه، وذكر أداء الدين في قسم الأداء الكامل، وإن كانت الديون تقضى بأمثالها؛ لأنه لا طريق لأداء الدين سوى هذه وهذا في بدل الصرف والمسلم فيه واضح، فإن الاستبدال فيهما حرام كحرمة استبدال العين المعين مثل عين المبيع والوديعة، فجعل المقبوض عين ما استحق بالعقد حكمًا وإن كان غيرا حقيقة؛ لأن الواجب بالعقد دين والمقبوض عين والعين غير الدين.
فإن قيل: على هذا التقرير ينبغي أن يكون أداء يشبه القضاء اعتبارًا للحقيقة والحكم.
قلنا: لا يمكن ذلك خصوصًا في باب الصرف والسلم؛ لأن الاستبدال فيه حرام، فاعتبار شبهه بالقضاء يوجب الحرمة، واعتبار شبهه بالأداء لا يوجب، فكان حرامًا ترجيحًا لجانب الحرمة على ما هو الأصل خصوصًا في باب الربا في الصرف؛ لأن الشبهة فيه ملحقة بالحقيقة وليس هو بحرام بالإجماع.
فعلم أنه من قسم الأداء الكامل، ولم يقل أيضًا: أنه أداء قاصر؛ لأنه أدى ما عليه من الجياد.
وأما الأثمان في سائر البيوع فيجب أن يكون تسليمها قضاء على هذا التقرير؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، والاستبدال فيها غير حرام، ولكن ذلك أيضًا من قسم الأداء الكامل لوجهين:
(1/430)

أحدهما: أن الأداء تسليم عين ما وجب بالعقد فيكون تسليم ما وجب بالعقد أداء حكمًا، ولو كان مثلًا لكان بدلًا عن الأداء، وفي الاستبدال يشترط التراضي، والمشتري إذا أتى بما وجب يجبر البائع على القبول، فعلم أنه عين ما استحق بالعقد.
والثاني: أن القضاء يبتني على الأداء، فإذا لم يمكن الأداء لم يمكن القضاء؛ لأن القضاء خل الأداء، فإذا لم يكن الأصل ممكنًا لا يكون الخلف ممكنًا؛ لأن شرط صحة الخلف إمكان الأصل فاعتبر هذا بوجوب الكفارة فيمن حلف ليمس السماء وعدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس وفي
(1/431)

مسألة الكوز؛ لأن الأصل- وهو البر- ممكن في الأول دون الثاني.
ولما ثبت هذا قلنا: لو جعل أداء الدين قضاء ينبغي أن يكون الأداء ممكنًا حتى يكون هذا القضاء خلفًا عن ذلك الأداء وليس للدين ذلك، بل لقضاء الدين طريق واحد.
فعلم أنه جعل أداء كاملًا حكمًا، ولا يشكل على هذا قضاء الصوم للحائض، فإن الصوم من الحائض لم يكن ممكنًا أداء، ومع ذلك صح القضاء الذي هو خلف عن الأداء؛ لانا نقول: إن الأداء ممكن هناك في الأصل قياسًا؛ لأن الحيض لا يمنع صحة الصوم كالجنابة إلا أنه لم يجز أداؤه مع الحيض بخلاف القياس، فكان الأداء قياسًا، فيبتنى القضاء على الأداء الممكن قياسًا، فيجوز القضاء عنه.
فإن قيل: إذا كان دين بدل الصرف والمسلم فيه أداء كاملًا فما القاصر فيهما؟
قلنا: القاصر فيهما هو أداؤه زيفًا ورديئًا، فالأداء باعتبار أن الزيف من جنس الدراهم، والردئ من الحنطة من جنس الحنطة، والقصور باعتبار فوات
(1/432)

صفة الجودة التي تقع عليها مطلق العقود.
(والقاصر مثل أن يغضب عبدًا فارغًا ثم يرده مشغولًا بالجناية) بان يقتل غيره أو يقطع طرفه أو (بالدين) بأن استهلك مال الغير، أو كان مأذونًا فلحقه دين وكذلك في المبيع، ومعنى القصر فيه أنه أداه لا على الوصف الذي استحق عليه التسليم.
وتقرير هذا أنه أداء؛ لأنه رد عين ما غضب، ورد عين ما باع، لمنه قاصر بسبب ما ذكرنا أنه لم يرده على الوصف الذي استحق عليه، فلوجود أصل الأداء إذا هلك عند المغصوب منه قبل الدفع إلى ولي الجناية تم التسليم ولا يلزم على الغاصب شيء، وإذا دفع إلى ولي الجناية انتقض التسليم حتى وجب عليه القيمة اعتبارًا للمعنيين.
وكذلك البائع إذا سلم المبيع وهو مباح الدم فهو أداء قاصر؛ لأنه سلمه على غير الوصف الذي هو مقتضى العقد، فإن العقد يقتضى سلامة المبيع، فإن هلم في يد المشتري لزمه الثمن لوجود أصل الأداء.
وإن قتل بالسبب الذي صار مباح الدم به، رجع بجميع الثمن عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لأن الأداء كان قاصرًا، فإذا تحقق الفوات بسبب مضاف إلى ما به الأداء قاصر جعل كأن الأداء لم يوجد.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- الأداء قاصر لعيب في المحل.
(1/433)

فإن حل الدم في المملوك عيب، وقصور الأداء بسبب العيب يعتبر ما بقي المحل قائمًا.
وأما إذا فات بسبب عيب حدث عند المشتري وهو قتل ولي الجناية لم ينتقض به أصل الأداء، وقد تلف هاهنا بقتل أحدثه القاتل عند المشتري باختياره ولكن أبو حنيفة- رحمه الله- قال: استحقاق هذا القتل كان بالسبب الذي به صار الأداء قاصرًا، فيحال بالتلف على أصل السبب.
قوله: (وما أشبه ذلك) كالغاصب إذا غصب المغصوب صحيحًا ورده مريضًا أو مشجوجًا أو حاملًا لو كان المغصوب أمة.
(وأداء الزيوف في الدين أداء بأصله)، ولكنه قاصر باعتبار فوات وصف الجودة. وتحقيقه أنه وجب على المديون دراهم جياد لاقتضاء مطلق العقد وصف السلامة عن العيب، فإذا أدى زيوفًا فمن حيث أنه أدى جنس الدراهم كان مؤديًا، ومن حيث إنه لم يؤد الجياد كان الأداء قاصرًا، فإذا كان قائمًا في يد من له الدين كان له أن يفسخ الأداء ويأخذ ما كان عليه من الجياد إحياء
(1/434)

لحقه، وإذا هلك عنده بطل حقه في الجناية؛ لأنه لا يتوصل إلى الجياد إلا بفسخ الأداء، ولا يتمكن من فسخ الأداء لهلاك الدراهم، ولا يتمكن أيضًا من أن يرد إلى المديون مثل ما قبض، للزوم الضمان عليه بمثل ما قبض؛ لأنه لا يضمن المرء لنفسه، فإن ذلك غير معهود في الشرع، فبطل القول به.
فإن قلت: حاصر هذا راجع إلى أن يضمن المرء ملك نفسه، وليس ببعيد أن يكون الشيء ملك الرجل ومع ذلك هو مضمون عليه.
ألا ترى أن كسب المأذون له المديون ملك المولى وهو مع ذلك مضمون عليه، وكذلك المرهون مضمون على الراهن، وإن كان ملكًا باعتبار الفائدة، وفي التضمين ههنا فائدة، وهي إحياء حقه في صفة الجودة.
قلت: ليس ما ذكرته نظير ما قلنا؛ لأن كلامنا فيما إذا كان الضمان له مع أن مضمون عليه، وأما ما ذكرته من المسألتين فالضمان هناك يجب للغرماء فلا منافاة فيه. إلى هذا أشار في ((الفوائد الظهيرية)).
(1/435)

والفرق لأبي يوسف بين هذا وبين ما إذا أدى خمسة زيوفًا عن خمسة جياد في الزكاة: أن الفقير لا يرد مثل المقبوض ليأخذ الجياد؛ لأنه أخذ ذلك بحكم الكفاية على ما قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} فيكون آخذًا من الله تعالى حكمًا، ولهذا لو كانت قائمة لا يتمكن من ردها وأخذ الجياد، ولا كذلك ههنا.
والفرق لمحمد- رحمه الله- بين هذا وبين الزكاة أن ههنا لو أوجبنا قيمة الجودة يتحقق الربا، وثم لا يتحقق الربا؛ لأنه في العبادات لا في البياعات، والربا مخصوص بالبياعات، ولأنه لا ربا بين المولى وعبده.
وقوله: (وبطل الوصف) أي وصف الجودة؛ (لأنه لا مثل له صورة)؛ لأنه لا يمكن انفكاك الوصف عن الموصوف، فلا يكون صورة وصف بلا موصوف (ولا معنى)؛ لأن القيمة غير معتبرة في الأموال الربوية.
(وهو أن يتزوج رجل امرأة على أبيها وهو عبد) سواء كان ذلك عبدًا للغير أو للزوج.
(1/436)

(فإن لم يقض بقيمته) أي لم يقض القاضي على الزوج بقيمة الأب للمرأة (لزمه تسليمه إلى المرأة؛ لأنه عين حقها).
فإن قيل: ينبغي أن لا يجب تسليمه على الزوج؛ لأنه ظهر أن العبد ملك غير فلم تكن التسمية صحيحة.
قلنا: كون المسمى الغير لا يمنع صحة التسمية.
ألا ترى أنه لو تزوج امرأة على عبد الغير صحت التسمية، حتى إذا عجز عن تسليمه يصار إلى قيمته ولا يصار إلى مهر المثل، فلو لم تصح التسمية لصير إلى مهر المثل، ما إذا تزوجها ابتداء على قيمته، فثبت أن كون المسمى ملك الغير لا يمنع صحة التسمية.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين البيع والمسألة بحالها، وهي: أنه إذا باع عبدًا واستحق في يد المشتري، ثم اشتراه البائع كان له أن يمنع من دفعه ولا يلزمه تسليمه إلى المشتري، وهنا لزم الزوج تسليمه إلى المرأة؟
قلت: الفرق بينهما إنما جاء من قبل عدم انفساخ النطاح ووجود انفساخ البيع، وهذا لان الموجب للدفع البيع، والبيع قد انفسخ بخلاف النكاح، فإنه لم ينفسخ بالاستحقاق، فكان الموجب للدفع- وهو النكاح- باقيًا فيثبت موجبه وهو الدفع. إلى هذا أشار في ((الجامع الكبير)) للصدر الشهيد- رحمه الله-.
(1/437)

(لأن تبدل الملك أوجب تبدلًا في العين حكمًا) بدليل قصة بريرة رضي الله عنها ((فكار رسول الله عليه السلام دخل على بريرة، فأتت بريرة بتمر، ووضعت بين يدي رسول الله عليه السلام، والقدر كان تلغي باللحم، فقال - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: ألا تجعلين لنا نصيبًا من اللحم؟ فقالت: هو لحم تصدق به علي يا رسول الله! قال عليه السلام: هي لك صدقة، ولنا هدية)).
فثبت بهذا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكمًا، وهذا لأن تبدل الملك صفة له، وتتبدل الصفة بتبدل العين شرعًا، وإن كانت العين واحدة في أصلها.
(1/438)

ألا ترى أن الخمر إذا تخللت كيف تحل بعد الحرمة؟
فإن قيل: طيف تحل الصدقة لبريرة وهي كانت مكاتبة عائشة- رضي الله عنها- ومولى القرشي بمنزلة القرشي في حرمة الصدقة؟
قلنا: يحتمل أن لتك الصدقة كانت صدقة التطوع، وكونها لحمًا دليل عليه؛ لأن العادة في الزكاة المفروضة أن تكون من النقدين، وصدقة التطوع يجوز صرفها إلى بني هاشم ومواليهم.
أو يحتمل أن يكون ذلك حال كتابتها، ويجوز دفع الزكاة إلى مكاتب الهاشمي لإطلاق قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ}.
(ثم ملكه الزوج أن حقها لا يعود إليه). يعني أن القاضي لو قضى لها بالقيمة قبل أن يمتلكه الزوج ثم ملكه فسلمه إليها لم يكن ذلك أداء مستحقًا بالتسمية، ولكن يكون مبادلة بالقيمة التي تقرر حقها فيه، حتى أنها إذا لم
(1/439)

ترض بذلك لا يكون للزوج أن يجبرها على القبول بخلاف ما قبل القضاء لها بالقيمة. كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
وذكر المصنف- رحمه الله- في ((شرح الجامع الكبير)) فإن استحقه رجل فقضي به له بطل ملكها وبطل عتقه وعلى الزوج قيمته، فإن اشتراه الزوج من المستحق أو ملكه بوجه من الوجوه فأراد أن يدفعه إليها فأبت فإنها تجبر على أخذه، وإن طلبت هي فأبى فإنه يجبر على تسليمه إليها.
ثم هاهنا ثلاث كلمات الإيضاح بقوله: ولهذا قلنا: ((إن الزوج إذا ملكه لا يملك أن يمنعها إياه)) إيضاح دليل الأداء، والأخريات هما قوله: ((ولهذا قلنا أنهلا يعتق)) وقوله: ((ولهذا قلنا إذا اعتقه الزوج إلى قوله: ((صح)) إيضاح دليل القضاء.
(ويتصل بهذا الأصل) أي بأصل الأداء (أن من غصب طعامًا فأطعمه المالك) بأن يكون طعامًا يؤكل من غير تغيير بأن كان خبزًا أو لحمًا مطبوخًا، وإنما قيدنا لهذا لأنه لو كان دقيقًا فخبزه ثم أطعمه المالك لا يبرأ عن الضمان بالاتفاق، ثم إنما قيد بقوله: ((فأطعمه المالك)) ليظهر موضع الخلاف؛ لأنه إذا جاء المالك إلى بيت الغاصب، فأكل ذلك الطعام المغصوب من غير إطعام الغاصب يبرأ الغاصب عن الضمان بالاتفاق وإنما الخلاف في إطعام الغاصب.
(1/440)

وقال (الشافعي) - رحمه الله- في أحد قوليه: (لا يبرأ)؛ لأنه ما أتى بالرد المأمور به (فإنه غرور)؛ لأنه أقدم على الأكل بناء على خبره أنه أكرم ضيفه، ولو علم أنه ملكه ربما لم يأكله وحمله إلى عياله (ولو) فأكله معهم، وهكذا الخلاف أيضًا فيمن غصب ثوبًا، ثم كسا الغاصب الثوب رب الثوب، فلبسه حتى تحرق ولم يعرفه، فلا شيء له على الغاصب عندنا خلافًا له. كذا في ((المبسوط)).
(ولو كان قاصرًا لتم بالهلاك) يعني إذا أدى الزيوف مكانا لجياد ولم يعلم القابض فهلك في يده يتم الأداء، (فكيف لا يتم ههنا وهو كامل؟) من حيث إن عين ماله من غير تغيير وصل إليه ثم هلك في يده، ولأن أكثر ما في
(1/441)

الباب ألا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به، ولكن تناول المغصوب منه العين المغصوبة كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب، وقد ذكرنا أن المغصوب منه إذا جاء إلى بيت الغاصب، وأكل ذلك الطعام بعينه وهو يظن أنه ملك الغاصب برء الغاصب من الضمان.
(والجهل لا يبطله) أي لا يبطل الأداء (وكفى بالجهل عارًا! فكيف يكون عذرًا) فإن هذا جهل المالك، ولو تصرف المالك في ملكه ولم يعلم أنه ملكه فإن ذلك لا يمنع صحة تصرفه.
ألا ترى أن من اشترى عبدًا ولم يقبضه فقال البائع للمشتري: اعتق عبدي هذا- وأشار إلى المبيع- فأعتقه المشتري، ولم يعلم أنه عبده صح إعتاقه، ويجعل قبضًا، ولزمه الثمن؛ لأنه أعتق ملكه وجهله بأنه ملكه لا يمنع صحة ما وجد منه، فكذلك هاهنا.
(والعادة المخالفة للديانة الصحيحة) هذا جواب عن قوله: إذ المرء لا يتحامى في العادات عن غير مال غيره؛ وقيد بالصحيحة؛ لأن الموضع موضع الإباحة فلا يكون تناول مال الغير مخالفًا للديانة مطلقًا في موضع الإباحة، بل كان ذلك مخالفًا لعادة من يتقى ويحترز عن الشبهة غاية الاتقاء والتحرز رجوعًا إلى قول - صلى الله عليه وسلم -: ((كل من كد يمينك)) وهذا لأنه لا يعلم يقينًا عدم شبهة
(1/442)

الحرمة في مال غيره ويعلمه فيما اكتسبه بنفسه، فذلك كان من عادة المتقين غاية الاتقاء ألا يكتفوا بظاهر الحل شرعًا، بل يتفحصون غاية التفحص، ويتحرزون مما فيه وهم شبهة الحرمة، وذلك ايحصل في تناول مال الغير بمجرد الإباحة، فلذلك كان تناول مال الغير بمجرد الإباحة مخالفًا للديانة الصحيحة أي للتقوى القوية؛ لأن الديانة القوية تقتضي أن يتحرز عن مال الغير أكثر مما يتحرز من مال نفسه؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل بمال الغير ما لا يفعل بمال نفسه، والعادة إنما تعتبر إذا لم تكن مخالفة للديانة، إذا كان كذلك لا يكون مثل هذه العادة مبطلًا للأداء الواجب الذي هو الأداء الكامل؛ (لأن عين) حق صاحب الحق (وصل إلى يده) من غير تغير، وما كان واجبًا في الإيصال يصرف إلى الواجب، وإن أوصله بأي طريق كان.
(وفي باب القروض)، وإنما قال باب القروض؛ لأن قضاء الدين من باب الأداء الكامل على ما مر لأنه لا يمكن فيه سوى القضاء، فقام القضاء مقام الأداء الكامل ضرورة.
وأما في باب القروض فالأداء الكامل ممكن بأن يرد عين ما قبض، وأما
(1/443)

إذا أنفق ثم قضى مثله كان قضاء، وهذا المعنى لا يتصور في الديون فكان أداء.
ولا يقال إن القرض إعارة فكان ما سلمه إلى المقرض عين ما أقرضه حكمًا، ضرورة أن لا يجري الربا في النقد بالنسيئة؛ لأنا نقول: إن ذلك حكم، وما ذكرناه حقيقة، فلذلك ذكر في أنواع القضاء.
فإن قيل: ينبغي أن يكون قضاء القرض يشبه الأداء؛ لأنه قضاء من حيث الحقيقة وأداء من حيث الحكم لسلوك طريق الإعارة فيه حتى لم يجر الربا فيه بالنسيئة بمقابلة النقد فكان عينه من حيث الحكم، فكان بمنزلة رجل أدرك الإمام في العيد راكعًا فإنه قضاء يشبه الأداء بهذا الطريق، وكذلك فيما إذا فاتت السورة عن الأوليين وقرأها في الأخريين.
قلنا: التكبير في الركوع أداء من وجه؛ لان محل الأداء باق من وجه، وكذلك في قضاء السورة في الأخريين، فلهذا قلنا: فيه معنى الأداء، فأما هاهنا ففات محل الأداء من كل وجه فلم يكن له شبه الأداء، فلهذا ذكره في أنواع القضاء بخلاف ما إذا تزوج امرأة على أبيها، فإن ثم أداء حقيقة قضاء حكمًا؛ لانا بينا أن تبدل الملك يوجب تبدل العين حكمًا من غير ضرورة داعية إلى ذلك، فكان أداء من وجه قضاء من وجه.
(1/444)

فأما في باب القرض فهو قضاء حقيقة، وإنما جعل عين ما قبض حكمًا لضرورة قضاء حاجات الناس، وما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة فلم يظهر في كونه أداء. (فكان سابقًا) أي على أقسامه من القضاء.
(إذا انقطع مثله) كالرطب وفيما لا مثل له نحو الحيوان.
وقوله: (ولهذا قال أبو حنيفة) يتصل بقوله: فكان سابقًا؛ يعني أن المثل الكامل وهو المثل صورة ومعنى مقدم على المثل معنى، ولهذا المعنى قال أبو حنيفة- رحمه الله- إلى آخره.
(ألا ترى أن القتل قد يصلح ما حيا أثر القطع) فكان قتله بمنزلة البرء من القطع من حيث إن المحل يفوق به فلا تصور للسرية بعد فوات المحل فيجعل كالبرء من هذا الوجه، حتى إذا كان القاتل غير القاطع كان القصاص في النفس على الثاني خاصة.
(1/445)

وقال في ((مختصر الحاكم)) فلو كان لكل واحد منا لجنايتين جان على حدة، وهما جميعًا عمد أو خطأ، أو أحدهما عمد والآخر خطأ أخذ كل واحد منهما بجنايته، وأثر المحو ثابت في غير هذا أيضًا، فإنه إذا رمى إنسان إلى الصيد يدون التسمية وجرحه ثم أدركه حيًا وذكاه يحل.
فعلم أن الفعل الثاني ماح أثر الفعل الأول ولو لم يمح لما حل بالتذكية، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} فالشارع جعل التذكية ماحية لأكل السبع وجرحه؛ لأنها لو كانت محققه للأول ههنا لحرم أكله (كما يصلح محققًا، فإن القتل بعد القطع يكون إتمامًا للفعل الاول؛ لان قطعه يحتمل أن يسري فيموت مقطوع اليد من قطعه، فكان قتله بعد القطع تحقيقًا لتلك السراية، وهذا لا يحتملان يكون مراد القاطع القتل فكان قتله بعد ذلك محققًا لموجب القطع، فكانت الجنايتان متحدة من هذا الوجه، وعلى تقدير محو أثر القطع كانت الجناية متعددة.
فلذلك (خيرنا) الولي (بين الوجهين) إن شاء مال إلى وجه التعدد فيقطعه ثم يقتله، وإن شاء مال إلى وجه الاتحاد فيقتله ابتداء من غير سابقة القطع.
(1/446)

وقوله: (ولهذا قلنا: لا يضمن المثلي) يتعلق أيضًا بقوله: فكان سابقًا وكذلك قوله: (ولهذا) قلنا (لا تضمن منافع الأعيان) يتعلق به أيضًا؛ لأنه لما لم يكن للمنافع مثل لا صورة ولا معنى لم تضمن في عصبها أو إتلافها عندنا لعدم إمكان الضمان بالمثل، والشارع شرط المثل في باب العدوان بقوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
اعلم أن للمسألة صورتين: غصب المنافع، وإتلاف المنافع، فغصب المنافع هو: أن يغصب عبدًا ويمسكه أيامًا ولم يستغله ثم رده إلى مولاه.
وأما إتلاف المنافع فهو: أن يستخدمه ويستغله ثم يرده إلى مولاه، فعندنا لا يضمن شيئًا في الصورتين، وعند الشافعي يضمن فيهما، ولكن بينهما تفاوت عنده في موضع آخر، فغنه إذا غصب الحر وأمسكه أيامًا لم يضمن منافعه؛ لأن الحر في يد نفسه، وأما إذا استخدمه فأتلف عليه ضمن، وفي
(1/447)

العبد يضمن في الصورتين.
اعلم أن هذه المسألة مبنية على أصلين مختلف فيهما بيننا وبينه.
أحدهما: أن المنافع زوائد تحدث في العيد شيئًا فشيئًا، وفد بينا أن زوائد المغصوب لا تكون مضمونة على الغاصب عندنا وتكون مضمونة عند الشافعي.
والثاني: أن الغصب الموجب للضمان عنده يحصل بإثبات اليد، واليد على المنفعة تثبت كما تثبت على العين، وعندنا لا يتحقق إلا بيد مفوته ليد المالك، وذلك لا يتحقق في المنافع؛ لأنها لا تبقى وقتين فلا يتصور كونها في يد المالك ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يد الغاصب مفوته يد المالك، فلذلك لا تضمن المنافع بالغصب عندنا. كذا في ((المبسوط)) وغيره، فتذكر ههنا ما ذكر في ((النهاية)) من شبهات الخصم وجوابها فإنه الكبريت الأحمر والجربل الأوفر.
وفي هذا نسخ مختلفة، ولكن بعضها تقارب البعض في المعنى، وقالوا
(1/448)

في إتلاف المنافع: إن المنافع لا تضمن بالأعيان كما لا تضمن الأعيان بالمنافع، فلو كانت الأعيان مثلًا للمنافع لكانت المنافع مثلًا للأعيان وهي ليست بمثل للأعيان بالإجماع، فكذا في عكسها.
وقوله: (وأما جواز العقد فبناء على قيام العين مقام المنفعة) هذا جواب إشكال مقدر وهو أن يقال: كيف يجوز العقد والمنافع معدومة غير متقومة على ما قلتم؟
والجواب: لا نسلم أن المعقود عليه هو المنافع حتى أنه إذا أضاف العقد إلى المنافع بأن يقول: أجرتك منافع هذا الدار شهرًا بكذا تفسد الإجارة، بل
(1/449)

الدار خلف عن المنافع في حق صحة العقد فكان المعقود عليه موجودًا وقت العقد، ولهذا إذا وجدت المنفعة انتقلت الإضافة إليها كالانتقال من الخلف إلى الأصل، ولا يلزم أنها تقومت في باب العقود وليس إلى التقوم حاجة إذ الاستبدال صحيح من غير التقوم. يعني لو قال الخصم: إن المنافع متقومة قبل ورود العقد عليها لا أنها لم تكن متقومة فتقومت في باب العقود بطريق الحاجة والضرورة؛ لأنه لا ضرورة في جعلها متقومة لتصحيح الاستبدال منها؛ لأن الاستبدال صحيح من غير التقوم كبدل الخلع وكبدل العين التي أعماها وغير ذلك، وحيث تقومت في باب العقود بالإجماع علم أنها متقومة من غير ورود العقد عليها؛ لأن ما ليس بمال لا يصير مالًا بورود العقد عليه كالخمر والخنزير والميتة والدم.
فالجواب عنه: أنها صارت متقومة في باب العقود لا في غيره؛ لان تقوم الأشياء إنما يكون بالإحراز بعد الوجود، والإحراز يفتقر إلى البقاء، ولا بقاء للمنافع فلا يثبت التقوم، وإنما ثبت التقوم لها في باب العقود بخلاف القياس عند التراضي، وليس في الغصب تراض فلا يثبت التقوم، ولا يلزم علينا الاستبدال في الخلع مع عدم التقوم؛ لأن ذلك ثابت بالنص بخلاف القياس أيضًا عند التراضي بخلاف الغصب، وكذلك لا يلزم علينا أروش الأطراف وديات النفوس؛ لأن الآدمي مكرم مصون في نفسه وأطرافه، فكان ذلك
(1/450)

من ضرورة وجوب الصيانة لا من باب التقوم، ولأن وجوب البدل هنالك بمقابلة العين لا بمقابلة المنافع فلا يرد علينا نقضًا.
وقوله: وليس إلى التقوم حاجة؛ ليس كذلك بل إلى التقوم حاجة فتقومت في باب الإجارة من غير معنى يعقل. والدليل على هذا أن الله تعالى شرع ابتغاء الأبضاع بالمال فقال: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} فالإحلال موصوف بهذه الصفة، فتكون هذه الصفة شرطًا، والمشروط لا وجود له بدون الشرط. كما لو قيل: أعط هذا الدرهم لرجل طويل لا يتمكن من دفعه إلى رجل غير طويل، والشرع جوز ابتغاء
(1/451)

البضع بالمنافع كما إذا تزوج امرأة برعي غنمها سنة جاز وصار ذلك مرهًا. قال تعالى: {عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}.
فعلم أنها تقومت في باب العقود، ولو لم يتقوم لما جاز رعي الغنم مهرًا. إذ شرعيته بالمال المتقوم؛ لأن للرضا أثرًا في باب الأصول أي المبيع، والفصول أي الثمن، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف تقع به المفارقة بين الفرع والأصل باطل، وههنا الوصف الذي تقع به المفارقة التراضي يعني أن التراضي موجود في باب العقود، فلذلك تقومت المنافع هناك ولم يوجد التراضي في باب الغصب فلا تتقوم لذلك. وهذا مثل قول لعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث؛ لأنه مس الفرج فكان حدثًا كما إذا مسه وهو يبول.
وكذلك قولهم: هذا مكاتب فلا يصح التكفير بإعتاقه كما إذا أدى بعض بدل الكتابة وهذا ليس بتعليل لا طردًا ولا تأثيرًا على ما يجيء بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
(1/452)

(ولهذا قلنا: إن المال غير مشروع مثلًا) إيضاح لقوله: إن ضمان غير المال المتقوم بالمال المتقوم قضاء بمثل غير معقول؛ وقيد بقوله: مثلًا؛ احترازًا عن شرعيته صلحًا، فإن ولي القصاص يأخذه صلحًا؛ لأن (القصاص مثل للأول صورة) وهي حز الرقية (ومعنى) وهي إزهاق الروح (وهو) أي القصاص (إلى الإحياء الذي هو المقصود) أي بالنص لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ومعنى الإحياء في القصاص من حيث الشرعية ومن حيث الاستيفاء.
وقد ذكر المصنف- رحمه الله- وجه الإحياء في القصاص في باب القياس من هذا الكتاب.
(فلك يجز أن يزاحمه) أي أن يزاحم القصاص (ما ليس بمثل صورة) ولا معنى وهو المال. فيه نفي لقول الشافعي، فإن في القتل العمد يجب القصاص عينًا عندنا إلا أن للولي أن يصالح القاتل على المال، وللشافعي قولان:
في قول: موجب القتل العمد أحد الشيئين: إما المال، وإما القصاص،
(1/453)

ويتعين أحدهما باختيار الولي.
وفي القول الآخر: موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية من غير رضا القاتل، وعندنا لا يجوز للولي أخذ شيء من الدية إلا برضا القاتل، ولما كان المال عنده أحد موجبي القتل العمد لم يصح عفوًا المريض مرض الموت في حق المال؛ لأن العند عنده يوجب المال ولا وصية للقاتل، وأما في حق القصاص فصحيح. كذا في ((المبسوط)). (وإنما شرع) أي المال (عند عدم المثل) وهو فيما إذا قتل خطأ.
قوله: (ولهذا قلنا نحن خلافًا للشافعي) إيضاح لقوله: إن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقول (إن القصاص لا يضمن لوليه بالشهادة الباطلة على العفو). يعني إذا قتل رجل رجلًا عمدًا فادعى القاتل أن ولي المقتول قد عفا عنه، وشهد الشهود بذلك، وقضى القاضي بذلك حتى بطل القصاص، ثم رجع الشهود فقالوا: كذبنا في شهادتنا فإنهم لا يضمنون
(1/454)

عندنا وعنده يضمنون.
(أو بقتل القاتل) وهو إضافة المصدر إلى المفعول يعني لو قتل رجل أجنبي من عليه القصاص لا يضمن لمن له القصاص وهو ولي القتيل الأول.
(وإنما شرعت الدية) أي في القتل الخطأ، وإنما أعاد هذا لإعادة قوله: فلم يكن له مثل صورة ومعنى؛ لتعليل مسألة أخرى ذكرها.
وقوله: (والعفو عن القصاص مندوب إليه) جواب شبهة ترد على ما ذكر قبله، وهي أن يقال: لما صين الدم عن الهدر ينبغي ألا يصح العفو؛ لأن في العفو هدرًا، فأجاب عنه بهذا.
(ولهذا قلنا: إن ملك النكاح) يتصل هذا أيضًا بمثله لإيضاح قوله: أن تضمين غير المال المتقوم بالمال المتقوم غير معقل (لا يضمن بالشهادة بالطلاق بعد الدخول) يعني ثم الرجوع يعني إذا شهد الشهود على رجل أنه طلق امرأته ثلاث تطليقات أو طلاقًا بائنًا بعد الدخول، وقضى القاضي به، ثم رجعوا لا يضمنون للزج شيئًا، وكذلك إذا قتل رجل منكوحة رجل لا
(1/455)

يضمن للزوج شيئًا بسبب إبطال النكاح، وكذلك إذا ارتدت المرأة حتى بطل النكاح لا تضمن للزوج شيئًا.
(لأنه ليس بمال متقوم) أي لأن ملك النكاح ليس بمال متقوم؛ لأن الملك عبارة: عن القدرة، والشد، والربط، والاختصاص بالمطلق الحاجز، وكيف ما كان الملك صفة قائمة بالمالك فلا يكون مالًا، فلذلك لا يضمن بالمال؛ لأن المال ليس بمثل له لا صورة ولا معنى، ومثل هذا لا يضمن بالمال على ما ذكرنا في غصب المنافع (وإنما يقوم بالمال بضع المرأة تعظيمًا لخطره) أي لعظمته يعني كان ينبغي ألا يجب المال المتقوم عند النكاح أيضًا؛ لأن الآدمي وجميع أجزائه ليس بمال متقوم، فإيجاب المال الذي هو ليس بمثل له لا صورة ولا معنى غير معقول على ما ذكر قبله، ولكن إنما وجب المال عند النكاح إظهارًا لعظمة البضع الذي هو جزء الحرة صار مملوكًا للزوج، فكانت الصيانة للبضع
(1/456)

جبرًا لنقصانه لكونه مملوكًا لا للملك الوارد عليه وهو حل الاستمتاع؛ لأن الملك لم ينتقض بشيء فلا يحتاج إلى الانجبار بالمال، وما كان كذلك لم يجب الضمان على من أبطل ذلك الملك الذي هو غير متقوم بالمال المتقوم.
(حتى صح إبطاله بغير شهود) فإن إبطال ذلك الملك بالطلاق غير محتاج إلى الشهود هذا لبيان أن الملك الوارد على البضع لا خطر له، (ولهذا لم يجعل له) أي للبضع (حكم التقوم عند الزوال) أي لا يجب المال عند الطلاق. هذا لبيان أن المال الذي وجب على الزوج عند النكاح إنما كان لجبر نقصان حل بالبضع بكونه مملوكًا، فلذلك لم يجب عند زوال الملك عنه؛ لأنه لم ينتقض بذلك بوجه بل هو إطلاق له فلا يحتاج إلى الجابر.
(ولا يلزم الشهادة بالطلاق قبل الدخول فغنها عند الرجوع توجب ضمان نصف المهر) هذه المسألة ترد إشكالًا على أصلنا وأصل الشافعي. أما على أصلنا فظاهر، وهو: أن البضع لما لم يكن له قيمة عند الزوال، حتى إن الشهود لا يضمنون بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال بعد الدخول وجب ألا يضمنوا أيضًا.
(1/457)

بالشهادة الباطلة بشهادتهم على الزوال قبل الدخول.
وأما على أصل الشافعي- رحمه الله- فإن ملكا لنكاح ملك متقوم عنده ينبغي أن يلزم تمام المهر على الشهود بشهادتهم الباطلة.
(لم يجب مهر المثل تامًا كما قال الشافعي)، فإنه يقول: لا يجب مهر المثل تامًا على الشهود كما هو قولنا إلا أن نقول: إن وجو نصف المهر على الشهود لم يكن باعتبار قيمة البضع بل باعتبار إتلافهم نصف المهر على الزوج، وأما الانفصال للشافعي عما ورد الإشكال على أصله حيث لم يقل هنا بوجوب قيمة البضع تامًا على الشهود مع أنهم أبطلوا ملك النكاح وهو متقوم عنده، فيقول: إن المهر بتمامه سلم للزوج ههنا؛ لأن بالشهادة بالطلاق قبل الدخول سلم له براءة نصف المهر بالنص، ويرجع أيضًا على الشهود بالنصف الذي ضمن فيسلم الكل.
وقوله: ألا ترى أنه لم يجب مهر المثل تامًا؛ إيضاح لقوله: إن ضمان نصف المهر على الشهود لم يكن لقيمة البضع بل لإتلافهم ذلك على الزوج؛ على ما ذكرنا. لما أن جبر النقصان يعتمد القيمة لا الثمن.
(1/458)

فإن من غصب عبدًا مثلًا فقمته ألف درهم وكان استراه مولاه بمئة درهم، فعلى الغاصب عند الهلاك يجب الألف لا المائة باعتبار أنه يجب عليه قيمة العبد لا المسمى، وههنا أيضًا كذلك لو كان ما وجب على الشهود باعتبار قيمة البضع لوجب عليهم مهر المثل تامًا؛ لأن قيمة البضع.
(لكن المسمى الواجب بالعقد لا يستحق تسليمه) أي تسليم المسمى الواجب بالعقد يعني أن المعقود عليه إذا فات قبل القبض لا يجب شيء، كالمبيع إذا هلك قبل القبض لا يجب على المشتري شيء بل ينتقض البيع، وكذلك في باب النكاح إذا فات المعقود عليه وهو حل بضع المرأة بسبب ليس هو من قبل الزوج لا يجب على الزوج شيء أيضًا، كما إذا مكنت ابن زوجها أو ارتدت- والعياذ بالله- وههنا فات المعقود عليه عن الزوج قبل التسليم إليه بسبب ليس هو من قبل الزوج، ينبغي ألا يجب عليه شيء، لكن وجب عليه نصف المهر بشهادة الشاهدين؛ لأنهما أثبتا على الزوج شببًا مفوتًا جاء من قبله
(1/459)

بالنكاح فهمًا بالإضافة إليه صار كالملزمين عليه نصف الصداق حكمًا، أكأنهما فوتا على لزوج يده في ذلك النصف بعد فوات تسليم البضع، فيكونان بمنزلة الغاصبين في حقه، فيجب عليهما ضمانه، وهذا لأنهما لما رجعا عن شهادتهما زعما أنهما قصرا يده عن هذا المقدار من المال، فيجب عليهما ضمانه، وقيمة الشيء قضاء له لا محالة؛ لأنها مثله في المالية ويخرج بها عن عهدة ضمانه، والقضاء إسقاط الواجب بمثل من عنده.
(وصح تسليمه) أي تسليم العبد باعتبار أنه معلوم من وجه بالصرف إلى الوسط في جنس العبيد، (فصارت القيمة مزاحة للمسمى) أي كان للقيمة جهة الإصالة أيضًا (من هذا الوجه) كالمسمى يعني كما كان المسمى أصلًا كانت القيمة أيضًا أصلًا، فلذلك تجبر المرأة على القبول إذا أتى الزوج بأيهما كان، ولكن لما كانت قيمة الشيء مثله كان في تسليمها جهة القضاء أيضًا، لوجود حد القضاء فيه، فلما كان حد القضاء فيه موجودًا من هذا الوجه كان جانب حقيقة القضاء فيه راجحًا، فلذلك كان قضاء في حكم الأداء لا أداء في حكم القضاء. بخلاف العبد العين أو المكيل أو الموزون إذا كان موصوفًا أو
(1/460)

معينًا؛ لأن المسمى معلوم بعينة وصفته، فتكون القيمة بمقابلته قضاء ليس في معنى الأداء، فلا تجبر على القبول إذا أتاها به إلا عند تحقق العجز عن تسليم ما هو المستحق كما في ضمان الغصب. كذا ذكره الغمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(ومن قضية الشرع) أي ومن مقتضى حكمة الأمر (في هذا الباب) أي باب الأمر (أن حكم الأمر موصوف بالحسن عرف ذلك بكونه مأمورًا به) أي لم يعرف كون المأمور به حسنًا، لا من حيث اللغة، فإن صفة الأمر كما يجيء من أمن يؤمن كذلك يجيء من كفر يكفر، ولا من حيث (العقل)، فإن العقل غير موجب لحسن الشيء ولا لقبحه عندنا خلافًا للمعتزلة، بل هو معرف على ما يجيء بل عرف حين المأمور به من قضية حكمة الآمر في الشرع؛ لأن الشارع حكيم، والحكيم لا يأمر بالقبيح، وهذا الذي ذكر إنما ذكره لمناسبة الباب.
(1/461)

باب بيان صفة الحُسن للمأمور به
(ضرب لا يحتمل سقوط هذا الوصف) أي وصف الحسن لان حسنه لذاته فلا يسقط عنه هذا الوصف لعدم سقوط المأمور وهو يدر مع المأمور به كالتصديق بالقلب في الإيمان بالله تعالى.
(1/462)

(وضرب يقبله) أي يقبل السقوط. يعني يسقط عن المكلف التكليف به لا أن حسنة يسقط عنه؛ لأن حسنه لذاته، فلا يتصور الانفكاك عنه، لكنه يحتمل سقوط التكليف به بعارض الجنون والإغماء وهو الصلاة.
(وضرب منه ملحق بهذا القسم) كالزكاة والصوم والحج، وقوله: بهذا القسم؛ أي بالذي حسن لمعنى في نفسه.
(وما حسن لغيره وذلك الغير قائم بنفسه مقصودًا) وهو الصلاة بعد الوضوء قائمة بنفسها مقصودة (لا تتأدى بالذي قبله بحال) أي لا تتأدى
(1/463)

الصلاة بفعل المأمور به الذي قبلها وهو الوضوء في كل حال، وهذا احتراز عن الضرب الذي بعده وهو الجهاد وصلاة الجنازة، فإنهما صارا حسنين بسبب قهر الكفرة وقضاء حق المسلمين، فغنهما يتأديان بفعل نفس المأمور به وهو الجهاد وصلاة الجنازة.
(وضرب منه حسن لحسن في شرطه بعد أن كان حسنًا لمعنى في نفسه أو غيره) يعني يكون المأمور به حسنًا باعتبار أنه مأمور به صدر من حكيم، ويكون ذلك المأمور به حسنًا أيضًا باعتبار شيء آخر غيره، وهو كون القدرة الممكنة شرطًا له، ويجوز أن يكون الشيء حسنًا لمعنى في نفسه وحسنًا أيضًا لمعنى في غيره كما إذا قال: والله لأصلين ظهر هذا اليوم. كان الظهر حسنًا باعتبار أنه مأمور به، وحسنًا أيضًا باعتبار معنى في غيره وهو البر في يمينه تعظيمًا لاسم الله تعالى.
ولهذا أيضًا نظير في الحسيات كامرأة حسناء في نفسها خلقة ثم إذا لبست أثوابًا فاخرة رائقة وزينت نفسها مع ذلك بأنواع من الزين كانت هي حسنة في نفسها حسنة لمعنى في غيرها.
(وهذا القسم يسمى جامعًا)؛ لأنه يجمع النوعين مع ضروبهما، ثم إنما أورد هذا القسم في النوع الثاني مع أنه جامع للنوعين لحصل الزائد من الغير
(1/464)

فكان مناسبًا للنوع الثاني؛ إلا أن هذا الغير لا يختص بالنوع الثاني، بل يشمل النوعين فسمي جامعًا. (وهو ركن لا يحتمل السقوط) أي سقط وصف الحسن.
(حتى إذا تبدل بضده بعذر الإكراه لم يعد كفرًا) يعني إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان (لأن اللسان ليس معدن التصديق)؛ لأنه لو كان اللسان معدنًا للتصديق يلزم أن يكون إقرار المنافق إيمانًا؛ لأنهم {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} قال الله تعالى في مقابلة شهادتهم {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.
فعلم أن اللسان ليس معدن التصديق (فكان ركنًا دون الأول) أي كانت ركنية الإقرار أحط رتبة من ركنية التصديق في ماهية الإيمان؛ لسقوط وصف الحسن عن الإقرار في وقت من الأوقات، وهو وقت الإكراه وعدم سقوط وصف الحسن عن التصديق في كل الأوقات، ولكن مع ذلك فوات الإقرار من غير عذر يدل على فوات الإيمان، فكان الإقرار أدنى درجة من التصديق وأعلى درجة من سائر العبادات، فكان التصديق والإقرار ركنين في ماهية
(1/465)

الإيمان إلا أن التصديق أعلى الركنين والإقرار أدناهما، فصار كالقيام مع القراءة في حق الصلاة، فكان الإقرار مع ذلك ركن الإيمان وجودًا وعدمًا، فإن وجوده يدل على وجود الإيمان، فواته في حالة الاختيار- أي تبديله بغيره- يدل على فوات الإيمان.
وقوله: (فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنًا) هذا الذي ذكره هو مذهب المحققين من الفقهاء، وأما عند أهل الكلام فهو مؤمن عند الله تعالى.
وقال في ((الكفاية)) وقال المحققون من أصحابنا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان شرط إجراء الاحكام في الدنيا، حتى إن من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى لوجود التصديق غير مؤمن في أحكام الدنيا لعدم الإقرار.
(1/466)

(من لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من البيان) بان كان معتقل اللسان (فكان مختارًا في التصديق) أي قبل ظهور البأس وقبل أن يرى ملائكة العذاب (كان مؤمنًا إن تحقق ذلك) وإنما ذكر تحققه بحرف الشرط لندرة ذلك التحقق.
وقوله: (وكالصلاة) وهو نظير القسم الثاني من النوع الاول بدليل إعادة كلمة التشبيه كما في قوله: فنحو الإيمان؛ وأما الإقرار فهو أحد نوعي القسم الأول من النوع الأول، فكان التصديق والإقرار معًا نظير القسم الأول من النوع الأول (حتى سقطت بأعذار كثيرة) كالجنون والإغماء والحيض والنفاس.
(إلا أنها ليست بركن في الإيمان) أي عندنا حتى أن فوتها وتفويتها مع الاختيار لا يدل على فوات الإيمان، إذا كان الاعتقاد مع فرضيتها موجودًا بخلاف الإقرار، فإن ذلك دليل التصديق وجودًا وعدمًا.
وأما الصلاة فلا تكون دليل التصديق وجودًا وعدمًا، وقد تدل على ذلك إذا أتى بها على هيئة مخصوصة، ولهذا قلنا إذا صلى الكافر بجماعة المسلمين يحكم بإسلامه.
(1/467)

(فإن الصوم صار حسنًا لمعنى قهر النفس، والزكاة لمعنى حاجة الفقير) - إلى أن قال- (إلا أن هذه الوسائط غير مستحقة لأنفسها)؛ لانها كانت بخلق الله تعالى إياها على هذه الصفة، فلذلط كانت الزكاة والصوم والحج في المعنى من النوع الذي هو حسن لمعنى في عينه لكون هذه الوسائط مما لا اختيار له.
فإن قلت: لم جعلت هذه الوسائط وسائط حتى جعلت هذه المأمور بها وهي الزكاة والصوم والحج من القسم الثالث، ولم جعل الصلاة من جملتها مع أن واسطة القبلة موجودة فيها أيضًا، وتلك الواسطة مما لا اختيار لها كما في هذه الوسائط أيضًا، ومع ذلك جعلت الصلاة نظير القسم الثاني من النوع الأول على ما ذكرت؟
قلت: جواب هذا مع ما يتلاحق به موفى في ((الوافي)).
(1/468)

(فصار هذا كالقسم الثاني) أي صار القسم الثالث وهو الزكاة ونحوها كالقسم الثاني وهو الصلاة حتى (شرطنا لها أهلية كاملة) من العقل والبلوغ؛ لأن ما لم يكن عبادة خالصة يجوز أن يجب على الصبي والمجنون وما كان عبادة خالقة كالصلاة والزكاة لا يجب عليهما فشرطت الأهلية الكاملة في العبادات الخالصة ابتلاء بخلاف حقوق الناس حيث يجب عليهما عند وجود سببها؛ لأن وجوب ذلك لم يكن ابتلاء بل لإحياء حققهم وجبر ما نقص من حاجاتهم.
(وقط لا يتأدى به الجمعة) أي لا تتأدى الجمعة بالسعي نفسه بل بفعل مقصود بعده وهو إقامة الجمعة، بخلاف الجهاد حيث يتأدى المقصود الذي هو المحسن وهو إعلاء كلمة الله تعالى بالجهاد نفسه.
(1/469)

وقوله: (وكذلك الوضوء عندنا) أي ليس هو بفرض مقصود، وبين ذلك بقوله: (ليست بعبادة مقصودة).
(ولا يتأدى به الصلاة بحال) أي لا يسقط فرض بمجرد الوضوء.
(وتستغني عن صفة القربة في الوضوء) أي وتستغني الصلاة عن وجود النية في الوضوء.
(أن الصلاة تستغني عن هذا الوصف) أي عن وصف النية في الوضوء بان يكون الوضوء منويًا.
(لكنه خلاف الخبر) وهو قوله عليه السلام: ((الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال)) كذا في ((المصابيح)).
(1/470)

(ولما كان المقصود يتأدى بالمأمور به بعينه كان شبيها بالقسم الأول)
أي لما كان المقصود وهو إعدام الكفر وقضاء حق الميت يتأدى بنفس الجهاد ونفس الصلاة على الميت كان نفس الجهاد ونفس الصلاة على الميت شبيهًا بالذي هو حسن لمعنى في نفسه كالإيمان والصلاة. بخلاف الوضوء مع الصلاة، ف'ن الصلاةً لا تتأدى بنفس الوضوء.

(وأما الضرب الثالث فمختص بالأداء) أي الضرب الذي هو حسن لحسن في شرطه وهو الضرب الجامع للنوعين. يشترط وجود ذلك الشرط في حق الأداء (دون قضاء) أي يبقى القضاء واجبًا في ذمة المكلف بدون ذلك الشرط الذي هو (عبارة عن قدرة يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه وذلك شرط الأداء) أي شرط لتحقق الأداء، وذلك لأن القدرة مقارنة للفعل؛ لأن الفعل لا يتصور بدون تلك القدرة فيتوقف الفعل على تلك القدرة.
(1/471)

فأما كون الفعل مأمورًا به وكونه واجبًا عليه فلا يتوقف على تلك القدرة بل يتوقف ذلك على سلامة الآلات وصحة الأسباب، فتكون القدرة الحقيقية شرطًا لوجود الفعل لا لكون الفعل مأمورًا به، فإن المأمور به يؤمر به قبل أن توجد تلك القدرة.

ومعنى قوله: (وذلك شرط الأداء دون الوجوب) أي شرط تحقق الأداء لا شرط نفس الوجوب بالدليل وجوب الصلاة على النائم والمغمى عليه فيما إذا أغمي دون يوم وليلة.

وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمة الله- فإن الواجب أداء ما هو عبادة، وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن اختيار ليكون معظمًا فيه ربه فينال الثواب، وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة. غير أنه لا يشترط وجودها وقت الأمر لصحة الأمر؛ لأنه لا يتأدى المأمور به بالقدرة الموجودة وقت الأمر بحال، وإنما يتأدى بالموجود منها عند الأداء وذلك غير موجود سابقًا على الأداء، فإن الاستطاعة لا تسبق الفعل وانعدامها عند الأمر لا يمنع صحة الأمر، ولا يحرجه من أن يكون حسنًا بمنزلة انعدام المأمور، فإن النبي عليه السلام كان رسولًا إلى الناس افة. قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ)؛ وقال: (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ) ولا شك أنه أمر جميع من أمرسل إليهم بالشرائع، ثم صح الأمر في
(1/472)

حق الذين وجدوا بعده، ويلزمهم الأداء الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنوا من الأداء. قال الله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) فكما يحسن الأمر قبل وجود المأمور يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من الأداء، ولن يشترط التمكن عند الأداء.

ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا يعدم صفة الحسن في الأمر، فإن المريض ي} مر بقتال المشركين إذا برأ، فيكون ذلك حسنًا. قال الله تعالى: (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي إذا آمنتم من الخوف فصلوا بلا إيماء ولا مشي.

(وهو نوعان) أي الضرب الثالث الذي هو عبارة عن القدرة نوعان:

(مطلق وكامل) المراد من المطلق: القدرة الممكنة وهي أدنى ما يتمن به المأمور من أداء ما لزمه.

ومن الكامل: القدرة الميسرة وهي زائدة على الأولى بدرجة، (وهذا فضل ومنة من الله تعالى عندنا).

فإن قلت: إن نفس الأداء لا يتحقق بدون هذه القدرة. إذا الأمر بدون هذه
(1/473)

القدرة كان تكليف ما ليس في الوسع، وقد تبرأ الله تعالى عنه بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) فاشترط هذه القدرة حينئذ كان عدلًا لا فضلًا فكيف سماه فضلًا؟

قلت: إنما قال هذا فضل من الله تعالى؛ لأن الله تعالى يعطي ما يعطي لعباده لا عن وجوب عليه، فكيف فضلًا من هذا الوجه، ولا تنافي بين العدل والفضل عند اختلاف الجهة، فكان ما أعطى العبد من القدرة فضلًا منه من حيث إنه لا يجب عليه شيْ لما أن الأصلح على الله تعالى ليس بواجب وعدلًا وحكمة من
(1/474)

حيث إنه لا يتأتى هذا الفعل من العبد بدونه كما ذكره في (التقويم).

ولكن ما ذكره المصنف - رحمه الله - أحسن في العبارة ليكون إشارة إلى مذهبنا بأن الله تعالى متفضل بكل ما أعطى العبد من النعم، ولأن العدل إنما يستعمل في عقوبة الجاني بقدر جنايته لا زائد عليها، ولما كان ذر الفضل ذكرا يختص بمذهبنا خلافًا للمعتزلة لما عرف في مسألة الأصلح.

قال عندنا، (حتى أجمعوا أن الطهارة بالماء لا تجب على العاجز عنها ببدنه) وتأويله إذا لم يجد من يعينه فإن وجد من يعينه إن كان ذلك حرا يجوز التيمم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه عاجز عن الطهارة بالماء ببدنه ولا يجب على الحر إعانته، وعندهما لا يجوز التيمم؛ لأنه قادر على التوضيء
(1/475)

أصله الأعمى إذا وجد قائدًا هل يجب عليه الجمعة، فإن وجد مملوكًا بعينه؟ فعندهما لا يجوز التيمم بالطريق الأولى، وعند أبي حنيفة - رحمة الله - يجوز له التيمم في رواية ولا يجوز له في أخرى؛ لأن مملوكه بمنزلة يديه.

(إلا بنقصان يحل) به بأن اشتد مرضه (أو بماله في الزيادة) بأن يكون على ضعف قيمته بأن كان في موضع، ثمن ماء يتوضأ به درهم وهو لا يجد إلا بدرهمين فإنه يتيمم، ولو وجده بدرهم ونصف فإنه يشتريه. كذا ذره في (المبسوط).

وقوله (وفي مرض) معطوف على قوله: في الزيادة؛ أي لا تجب الطهارة بالماء من عجز عن استعمال الماء إلا بنقصان يحل بماله في حق الزيادة على ثمن مثله أو بنقصان يحل ببدنه في حق مرض (يزداد به) أي بسبب استعمال الماء، وحاصله أن الله تعالى كما نفى تكليف ما ليس في الوسع بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) كذلك نفي الحرج بقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فما يوجب الحرج في نفسه أو ماله كان منفيًا.
(1/476)

(لا يجب أداؤها إلا بهذه القدرة) وهي القدرة الممكنة.
وحاصل هذا أن من كان مأمورًا بفعل في زمان كالإيمان بالله تعالى في دار الدنيا، زكالأضحية في أيام العيد، أو في مكان كذبح الهدايا في الحرم وغيرها لا بد أن يكون المأمور قادرًا على تحصيل المأمور به على الحقيقة؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع ليس بحكمة؛ لأن التكليف ابتلاء وإنما يحصل الابتلاء بقدرة المكلف. إن أتى بالمأمور به يثاب وإن تركه يعاقب.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يؤمر المقعد بالمشي والأعمى بالإبصار بالعين، والآدمي بالطيران؛ لأن كلًا منهم ليس بقادر على تحصيل ما أمر به.
إذا عرف هذا فنقول: من كان مأمورًا بالإيمان لم يكن له بد من القدرة على اكتساب الإيمان، وتلك القدرة تعتمد سلامة الآلات وصحة الأسباب، فكان التكليف دائرًا بتلك القدرة لا بالقدرة الحقيقية التي تقارن الفعل إذ لو كان كذلك ينبغي ألا يكون أحد مأمورًا بالفعل قبل وجود الفعل؛ لأن تقديم المشروط على الشرط محال وهذا لا يجوز؛ لأنه مأمور بالإيمان قبل حصول تلك القدرة بالإجماع، وكذلك من كان مأمورًا بالطهارة بالماء لا بد له من القدرة على تحصيل الطهارة بالماء وذلك بسلامة الآلات والأسباب، وذلك من كان مأمورا بأداء ركعتين أو أزيد منه في الوقت لم يكن بد من القدرة على تحصيل ما أمر به وذلك بسلامة الآلات والأسباب وكذلك في غيرها.

وقال زفر - رحمه الله - لما كان هذا الأصل مستقرًا إذا أسلم الكافر في آخر الوقت أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون، ولم يبق من الوقت إلا مقدار تسع فيه
(1/477)

التحريمة فقط لا قضاء عليهم؛ لأنهم لم يقدروا على تحصيل ما أمروا به في الوقت، والقضاء خلف الأداء، فإذا لم يكن الأداء مقدورًا لهم لم يثبت القضاء كما وجد هذه الأشياء بعد انقضاء الوقت.
لكن أصحابنا قالوا: القياس ما ذكرت إلا أنا استحسنا وجوب القضاء عليهم؛ لأن القدرة الحقيقية التي هي المقارنة للفعل ليست بشرط لوجوب القضاء عليهم بالاتفاق فبعد ذلك نقول: لما لم تكن القدرة المقارنة شرطًا لوجوب القضاء وقد وجد هنا سبب أصل الوجوب وهو جزء من الوقت وأصل الوجوب لا يفتقر لإلى القدرة ووجوب الأداء مفتقر إلى القدرة لكون الأداء مطلوبًا منه، وما ذكرت من القدرة شرط لتكليف الأداء في الوقت، وهؤلاء لم يخاطبوا بالأداء في الوقت لعدم القدرة على ذلك، ولكن توهم القدرة كاف لوجوب الأداء ليظهر أثره في حق وجوب القضاء، والقدرة على هذا التفسير متوهمة؛ لأن الله تعالى قادر على أن يوقف الشمس فيمتد الوقت فيؤدي هو في الوقت إلا أنه لما كان المأمور عاجزًا عن الأداء في الوقت في الحال لم يخاطب بالأداء في الوقت، وتعتبر هذه القدرة في حق وجوب القضاء؛ لأن القضاء خلف وشرط الخلف عدم الأصل في الحال مع إمكان الأصل في الجملة وقد وجد هنا، وهذا أصل واضح لعلمائنا فإنهم قالوا: إذا حلف ليمس السماء أو ليقبلن هذا الحجر ذهبًا انعقدت اليمين للبر وهو الأصل، لكنه لما كان عاجزًا في الحال وجب القول بوجوب الخلف وهو الكفارة؛ لأن الأصل ممكن.
(1/478)

ألا ترى أن الأصل إذا لم يكن ممكنًا وهو البر لم يثبت الخلف وهو الكفارة كما في اليمين الغموس، فصارت القدرة على هذا التقرير نوعين:
قدرة ثبتت للمكلف على تحصيل ما كلف به وهي عند سلامة الآلات وصحة الأسباب وهذه القدرة ثبت أثرها في لزوم الأداء في الوقت فإذا فات يجب القضاء.
وقدرة متوهمة غير مقدوره للعبد على ما هو العادة فتعتبر هذه القدرة في حق وجوب الأداء ليثبت ذلك الوجوب في حق الخلف، والشيء قد يثبت تقديرًا وإن لم يثبت تحقيقًا.
ألا ترى أن القادر على استعمال الماء حقيقة يقدر عاجزًا تقديرًا كما في الماء المعد لدفع العطش، وكالنائم يعد قادرًا على الأداء تقديرا حتى يظهر أثر ذلك في حق وجوب القضاء، بخلاف ما إذا انقضى الوقت ثم وجد ما ذكرنا من الإسلام وغيره؛ لأن القدرة في الحال في الزمان الماضي من المستحيلات فلم يمكن أن يعد قادرا، ثم ما ذكرنا من نوعي القدرة ليس بشرط في وجوب القضاء.
ألا ترى أنه في النفس الأخير من العمر يلزمه تدارك ما فاته وليس هو بقادر على تحصيل ما أمر به في القضاء ولهذا يبقى عليه بعد الموت، وليس ذلك كالجزء الأخير من الوقت في حق الأداء؛ لأنا اعتبرنا تلك القدرة ليظهر أثرها في حق الخلف ولا خلف للخلف، فلم تعتبر وقد بقيت الفوائت عليه.
(1/479)

فعلم أن القدرة مختصة بالأداء.
قوله: (لأن تمكن السفر المخصوص به) أي بالحج (لا يحصل بدون) الزاد والراحلة (في الغالب) فلذلك كانت القدرة الممكنة في الحج القدرة على الزاد والراحلة، ولا يقال بل دون هذه القدرة قدرة أدنى منها قد يتمكن المرء من أداء الحج وهي صحة البدن التي يقدر بها على تحصيل الزاد في الطريق بالاكتساب ويقدر أيضا على المشي حتى صح النذر به، وقد نرى وجود الحج بهذه الطريقة، والقدرة الممكنة هي أدنى ما يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه فينبغي أن يجب الحج على الصحيح البدن المكتسب؛ لأنا نقول: لا يجب الحج على من لا يملك الزاد والراحلة. إذ لو قلنا بوجوبه على من هذا صفته يقع الناس في غاية الحرج، والله تعالى نفى ذلك بنص كتابه بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) والذي اعتبرناه في الصلاة من توهم القدرة وإن كان لا يتحقق الأداء من مثل ذلك القادر غالبا ليظهر أثره في خلفه وهو القضاء لا لعين الأداء، فإن عين الأداء منه غير مطلوب.
وأما في صورة الحج فلا يمكن مثل هذا القول؛ لأنه لا خلف هناك ينتفي الحرج عند مباشرة ذلك الخلف.
(حتى إذا هلك النصاب بعد الحول قبل التمكن سقط الواجب بالإجماع)
(1/480)

هذا إيضاح ما ذكره بقوله: فأدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه بدنيا ان أو ماليا (وهذا في المالي؛ لأنه لما لم يتمكن من أداء ما لزمه وهلك المال قبل التمكن لم يحصل له من القدرة أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه، فلذلك سقط الواجب، أي لم يجب عليه ما له عرضية الوجوب، وإنما قلنا هذا؛ لأن عندنا لا يجب عليه الواجب إلا عند وجود القدرة الممكنة وهي لم تحصل له، وكذلك عند الشافعي فإن عنده لا تجب الزكاة إلا بثلاث شرائط: كمال النصاب، وحولان الحول، والتمكن من الأداء كذا ذكره في (المبسوط).

وصورة ذلك في ابن السبيل إذا كان له نصاب في بيته وحال الحول عليه فوجب عليه أداء الزكاة إذا بلغه، وإذا هلك النصاب قبل البلوغ إليه سقط الواجب بالإجماع.

(ولهذا قال زفر في المرأة تطهر من حيضها أو نفاسها) إلى آخرة هذا إيضاح أيضا لما ذكر أن أدنى ما يتمكن به المأمور من أداء ما لزمه من القدرة شرط خطاب الأداء، وهؤلاء لما لم يدركوا وقتا صالحا للأداء غالبا لم يخاطبوا به فلذلك لم يلزمهم قضاؤه لانعدام الشرط وهو التمكن من الأداء غالبا لا نادرا ولكن علماؤنا قالوا: يلزمهم أداء الصلاة استحسانا؛ لأن السبب
(1/481)

الموجب جزء من الوقت وشرط وجوب الأداء كون القدرة على الأداء متوهم الوجود لا كونها متحقق الوجود.

وقوله: (بعد تمام الحيض) أي بعد العشرة أي تشترط حقيقة الطهر في جزء من الوقت بأن يكون أيامها عشرة (أو دلالة انقطاعه) بأن يون أيامها دون العشرة، فينقطع الدم، والباقي من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتتحرم للصلاة.

وذر المصنف - رحمه الله - في كتاب حيض له مفرد: إن مدة الاغتسال من الحيض إذا كانت أيامها دون العشرة، ويتفرع عن هذا الأصل مسائل: أن الزوج إذا راجعها في تلك المدة في الحيضة الأخيرة من العدة تصح، ولا يجوز للزوج قربانها في تلك المدة، وإذا كانت أيامها عشرة ليس كذلك، حتى يجوز للزوج قربانها في تلك المدة ولا تصح الرجعة.

وقوله: (قبل تمامه) أي تمام الحيض وتمامه بالعشرة، وهذا لأن في أوامر العباد صفة الحسن ولزوم الأداء يثبت بهذا القدر من القدرة، فإن من قال لعبده: اسقني ماء غدا يون أمرا صحيحا موجبا للأداء فلا يتعين للحال بأنه
(1/482)

يقدر على ذلك في غد لجواز أن يموت قبله أو يظهر عارض يحول بينه وبين التمكن من الأداء، فكذلك في أوامر الشرع وجوب الأداء يثبت بهذا القدر.

(وكذلك في سائر الفصول) أي في فصل الصبي، وفصل الكافر، وفصل المسافر بأن بلغ وأسلم وأقام.

وقوله: (لكن توهم القدرة) أي القدرة الممكنة (يكفي لوجوب الأصل) أي لوجوب الأداء.
(والأمر المطلق في اقتضاء صفة الحسن يتناول الضرب الأول من القسم الأول) أي يحمل على أن المأمور به حسن لعينه، ولا يحمل على أنه
(1/483)

حسن لغيره، ولكن يحتمل أن يكون حسنا لغيره على ما ذكر.

فإن قلت: في أي موضع صورة هذه المسألة؟

إن قلت: في العبادات، فقد ذكر قبيل هذا بطريق التفصيل أن هذا من قبيل الحسن لمعنى في عينه كالإيمان، وأن هذا من قبيل الحسن لمعنى في غيره كالسعي إلى الجمعة وغيره.

وإن قلت: في غير العبادات فتعليله في الكتاب بقوله: وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى يرد ذلك.
قلت: الكلام مجرى على إطلاقه فيدخل تحته العبادات وغيرها، وما ذكره أولا بطريق التفصيل كان جزئيا وهذا كلي والكلي غير الجزئي خصوصا عند احتمال غير ذلك.
ألا ترى أن مثل هذا مذكور في حق الوجوب فإن صور الواجبات في العبادات مذكورة بطريق التفصيل أن هذا العبادات واجبة أي فريضة كالصلوات الخمس وواجبة عملا لا علما كالعمرة والأضحية وهذه العبادات غير واجبة كالنوافل، ثم ذكر أن مطلق الأمر يحمل على الوجوب باعتبار هذا المعنى أن هذا كلي وذاك جزئي والكلي غير الجزئي، والعلم بالجزئي لا يون علما بالكلي وكذا في عكسه، فإن النادبين والمبيحين والواقفين في الأمر المطلق يعرفون وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم وهي جزئية، ولا
(1/484)

يعرفون وجوب الأمر المطلق وهو كلي، وكذا في عكسه أن كل أحد كان يعرف وجوب شكر المنعم وحظر الكفران، وكان لا يعرف بطريق التفصيل قبل ورود الشرع أن الصلاة والزكاة وغيرهما من قبيل شر المنعم أم لا؟ ونكاح المحارم وسائر المحرمات من النساء من حظر الكفران أم لا؟
وكذلك كل أحد يعرف بطريق الإجمال أن جواب الفتوى إما أن يكون نعم أم لا، ولكن لا يعلم بطريق التفصيل أن جواب هذه الفتوى المعينة نعم أم لا؟ إلا بعد زيادة المجاهدة في التحصيل، وترك أمر الدنيا في التعطيل، ولأن المرء قد يحتاج في التمسك في مسألة من المسائل بمطلق الأمر إلى معرفة أن هذا حسن لمعنى في عينه؛ لأن هذا ثابت بمطلق الأمر، ومطلق الأمر يقتضي ذلك كما نقول مثل ذلك في التمسك بالوجوب.
وقوله: (لأن كمال الأمر) والأمر إنما يكمل بحسب كمال ولاية الآمر، ولا آمر أمل ولاية من الشارع، فكان أمره أكمل الأوامر يقتضي كمال صفة المأمور به، وصفة المأمور به إنما تكمل إذا كان حسنه لمعنى في عينه، وإن شيءت معرفته فتأمل في كمال صفة الإيمان مع غيره من المأمور بها كيف ترجح الإيمان على غيره من العبادات، وما ذاك إلا باعتبار أن حسنه ذاتي بحيث لا ينفك عنه أصلا، وكذلك كونه عبادة يقتضي هذا المعنى وهو معنى كون المأمور به حسنا لعينه، وهذا لأن العبادة عبارة عن نوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه. كذا ذكره في (التقوي).
(1/485)

لو تعظيم من هو مستحق التعظيم لمعنى في عينه.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - والأصح عندي أن بمطلق الأمر يثبت حسن المأمور به لعينه شرعا فإن الأمر لطلب الإيجاد وبمطلقه يثبت أقوى أنواع الطلب وهو الإيجاب، فيثبت أيضا أعلى صفات الحسن لأنه استعباد فإن قوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وقوله: (اعْبُدُونِي) هما في المعنى سواء، والعبادة لله تعالى حسنة لعينها.
(ويحتمل الضرب الثاني) وهو كون المأمور به حسنا لمعنى في غيره كما في أمر الوضوء، وهذا لأن ثبوت هذه الصفة بطريق الاقتضاء؛ لأن حسنه إنما ثبت لضرورة أن الآمر حكيم، والثابت بطريق الاقتضاء إنما يثبت ما هو الأدنى في ذلك الباب، والأدنى هو الحسن لمعنى في غيره.
(وعلى هذا قال الشافعي وهو قول زفر) أي وعلى كون الأمر المطلق مقتضيا صفة الحسن لمعنى في عينه.
(دل على صفة حسنه) أي على صفة حسن الجمعة لعينها، ومن ضرورته لم يكن الظهر مشروعا في وقتها لمن وجبت عليه الجمعة.
(1/486)

(حتى قالا: لا يصح أداء الظهر من المقيم مالم تفت الجمعة) إلا أنهما اختلفا في تحقق فوات الجمعى، فعند زفر يتحقق فوتها بفراغ الإمام من صلاة الجمعة، وعند الشافعي بخروج الوقت، واختلافهما هذا بناء على أصل وهو أن السلطان شرط عند زفر - رحمه الله - لإقامة الجمعة، وعند الشافعي ليس بشرط، فكان فوات الأصل وهو الجمعة بخروج الوقت.
(صار الظهر حسنا) أي صار حسنا لمعنى في عينه على وجه ينفي حسن غيره؛ لأن حسن الشيء لعينه يقتضي الكمال والكمال في أن يكون هو متعينا لا يزاحمه غيره إذ عند المزاحمة لا يبقى الكمال.
فلذلك إذا أدوا صلاة الظهر ثم أدوا صلاة الجمعة لا تنقض ظهرهم بأداء الجمعة فكان المريض والعبد والمسافر بمنزلة من صلى الظهر في بيته، ثم أدرك الجماعة كان فرضه ما أدى في بيته فكذلك ههنا؛ لأن هذا اليوم في حقهم كسائر الأيام، ولو اكتفوا أيضا بأداء الجمعة لا يخرجون عن عهدة فرض الوقت، ولكنا نقول: الجمعة أقوى من الظهر، ولا يظهر الضعيف بمقابلة القوي، وإنما فارق المريض الصحيح في الترخص بترك السعي إلى الجمعة،
(1/487)

فإذا شهدها فهو والصحيح سوا، فيكون فرضه الجمعة كما في الصحيح. كذا في (المبسوط).
(قلنا نحن: لا خلاف في هذا الأصل) وهو أن المقيم الصحيح مأمور بعد الزوال يوم الجمعة بأداء الجمعة. (لن الشأن في معرفة كيفية الأمر بالجمعة) يعني على طريق نسخ حسن الظهر كما هو مذهب الزفر والشافعي - رحمهما الله - أو على تقرير حسن الظهر كما هو مذهبنا.
(فصار ذلك مقررا لا ناسخا) أي صار الأمر بأداء الجمعة مقررا للظهر لا ناسخا له.
(وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه.
(1/488)

(وأمر بنقضه بالجمعة كما أمر بإسقاطه بالجمعة) أي الصحيح المقيم أمر بنقض الظهر عنه بأداء الجمعة كما أمر بإسقاط الظهر عنه بأداء الجمعة قبل أدائه.
(وإنما وضع عن المعذور). هذا جواب عن قولهما بأن المريض والعبد والمسافر لم يخاطبوا بالجمعة على وجه المنع. لا نسلم أنهم لم يخاطبوا بالجمعة بل خوطبوا بها؛ لأن قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) عام متناول للجميع، ولكن سقط عنهم وجوبها رخصة وترفيها في حقهم، فإذا أدوا الجمعة عملوا بالعزيمة فيصح.
وقوله: (فلا يبطل به العزيمة) أي فلا يبطل بأداء الظهر وهو الرخصة، العزيمة التي هي الجمعة.
(وإنما قلنا إن الضرب الثالث من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه.
(حكما لتقصيره) أي زجرا لتقصيره.
(فضلا من الله تعالى) كيلا يكون تكليف العاجز (فلم يشترط لبقاء الواجب)
(1/489)

كالشهود في باب النكاح فإنه شرط لصحة انعقاد النكاح لا لبقائه، وهذا لأن القدرة الممكنة شرط وجوب الأداء لئلا يكون بدونها التكليف ما ليس في الوسع، فلما وجب الأداء عند وجود هذه القدرة التي هي أدنى ما يتمكن به المرء من أدائه بقي ذلك الواجب قضاء في ذمة المكلف وإن لم يبق تلك القدرة؟ لما أن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان الواجب في القضاء عين ذلك الواجب الذي كان في الأداء فلا يتكرر الشرط في مشروط واحد، فلما كان كذلك كان وجوب الصلاة بالقدرة الممكنة في أصله، فلم يشترط في حال القضاء ما شرط في حال الأداء حتى أنه إذا ترك الصلاة في عنفوان شبابه ثم كبر وانحنى وبم يقدر على قضائها قائما فصلى القضاء قاعدا أو بإيماء يجزيه، لأن الأداء ما وجب في أصله بقدرة ميسرة بل بقدرة ممكنه من الفعل قيبقى كذلك فيخرج عن عهدة القضاء إذا قضاها بالقدرة الناقصة.
أو نقول: فلم تشترط القدرة لبقاء الواجب؛ لأن بقاء الشيء غيره بدليل صحة إثباته مع نفي بقائه بأن يقال وجد ولم يبق، فلو كان بقاء الشيء عين ذلك الشيء لما صح ذلك، كما لا يصح قولك وجد ولم يوجد ولما كان بقاء الشيء غير ذلك الشيء فكان اشتراط القدرة التي شرط الوجوب ابتداء لم يكن شرطا لبقاء ذلك الوجوب؛ لأن الشيء إذا كان شرطاً لشيء لا
(1/490)

يلزم أن يكون شرطا لغيره، ولا يقال يلزم حينئذ تكليف ما ليس في الوسع في حق حال البقاء؛ لأنا نقول: لم نقل بالتكليف ابتداء، بل نقول التكليف الذي وجب ابتداء بشرطه وإنما بقي على عهدته ذلك الواجب بسبب تقصيره وإن لم تبق له قدرة وعدم بقاء القدرة لو كان مسقطا للواجب ينبغي أن تسقط الواجبات عن ذمته بالموت؛ لأنه لا عجز أقوى من الموت، وقد بقيت الواجبات في ذمته بعد الموت في حق الإثم بالإجماع.
علم أن العجز غير مسقط للواجب وإن لم تبقى القدرة.
(لا تسقط بهلاك المال كما ذكرنا) وهو قوله: لأن هذه القدرة كانت شرطا لوجوب الأداء إلى آخره.

(وأما الكامل من هذا القسم) أي من الذي حسن لمعنى في شرطه (وهي زائدة على الأولى) أي في اليسر (بدرجة) وهي درجة التغيير والتيسير، فإن الواجب بالقدرة الميسرة أينما وجب، وجب متغيرا عن أصل القدرة إلى قدرة اليسر فيبقى كذلك على صفة اليسر؛ لأن التغير باليسر صفة له لا شرط، فلا يبقى الموصوف بدون الصفة؛ لأنه حينئذ لا يكون موصوفا بها فيشترط دوامها ليكون موصوفا بها بخلاف القدرة الممكنة فإنها شرط وجوب الأداء لئلا يكون التكليف بدونها تكليف ما ليس في الوسع، وقد وجد الوجوب حال وجود
(1/491)

الممكنة، ثم بعد ذلك لا يشترط بقاء الشرط كما في شهود النكاح إذا ماتوا يبقى النكاح صحيحا وإن لم يبق الشهود لما ذكرنا أن الشرط لا يتكرر في واجب واحد؛ لأن الوجوب في القضاء لم يتكرر فكذا لا يتكرر شرطه هذا هو الفرق الواضح بينهما.
(وفرق ما بين الأمرين) أي بين القدرة الممكنة وبين القدرة الميسرة (وهذه لما كانت ميسرة غيرت صفة الواجب).
فإن قيل: لم يكن ذلك الواجب واجبا قبل وجود القدرة الميسرة فكيف يصح قوله: غيرت صفة الواجب؟
قلنا: كان لذلك الشيء صلاحية أن يكون واجبا قبل وجود القدرة الميسرة كما في الواجبات بالقدرة الممكنة فسمى لتلك الصلاحية صفة الواجب، أو معنى قوله: غيرت صفة الواجب (الوجوب الذي ثبت بها ابتداء بطريق اليسر والسهولة فسمى لوجوبه بطريق السهولة ابتداء اسم التغيير، (فجعلته سمحا سهلا لينا) وهذا لأن الواجب عند القدرة الممكنة لم يكن بطريق اليسر بل بطريق أنه لا وجود لهذا الفعل إلا عند وجود هذه القدرة، وفيما نحن فيه الله تعالى لطف بعباده وتفضل عليهم حيث لم يوجب عليهم بالقدرة الممكنة مع صلاحية الوجوب بها كما في الواجبات بالقدرة الممكنة بل لم يجب فيما نحن فيه بتلك القدرة، فكان ذلك الواجب في نفسه متغيرا من العسر إلى اليسر
(1/492)

للتسهيل والتليين. ولا يلزم أن النصاب شرط لابتداء الوجوب. وجه الورود هو أنه جعل وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة فكان بقاء القدرة شرطا لبقاء الواجب حتى إذا لم تبق تلك القدرة لم يبق الواجب أيضا.
فقال: (ولهذا قلنا: الزكاة تسقط بهلاك النصاب) إلى آخره، فورد عليه بقاء وجوب الزكاة بقدرة عند نقصان النصاب، فلو كان وجوب الزكاة بالقدرة الميسرة لما بقي وجوبها عند نقصان النصاب. كما لا يجب ابتداء بنقصان النصاب.
فأجاب عنه بهذا، وقال: إن اشتراط النصاب في ابتداء الوجوب كان من القدرة الممكنة؛ لأن هذه القدرة وهي قدرة ملك النصاب لا تغير صفة الواجب من العسر إلى اليسر، فلم تكن تلك القدرة ميسرة بل ممكنة فلذلك بقي الواجب بقدر ما يبقى من النصاب.
فإذا قلت: النصاب سبب وجوب الزكاة وهو معروف فكيف قال هاهنا: النصاب شرط لابتداء الوجوب؟
(1/493)

قلت: لا نسلم أن النصاب سبب، بل السبب هو المال مطلقا عند وجود شرطه وهو كون المال مقدرا بمقدار النصاب وناميا وغير ذلك على ما عرف، وذلك لأن السببية إنما تعرف بالإضافة، والإضافة إنما توجد في حق المال مطلقا من غير تغرض لوصف فيقال: زكاة المال، ولا يقال: زكاة النصاب.
فعلم بهذا أن معنى قوله: (النصاب شرط لابتداء الوجوب) أي المال المقدر بمقدار النصاب وكون المال مقدرا بمقدار النصاب شرط لوجوب الزكاة لا سبب ككونه ناميا، وهو شرط بالاتفاق فكذا هنا.
(فصار ذلك شرطا للوجوب) يعني أن شرط النصاب بمنزلة القدرة الممكنة في حق الصلاة؛ لأن المعنى من القدرة الممكنة أن يثبت للمكلف أصل المكنة وبدونها لا يتمكن من الفعل وهاهنا كذلك؛ لأن النصاب قدرة ممكنة إذ الإغناء لا يتصور من غير الغني فكان الغنى شرطا للإغناء، والغنى إنما يكون بكثرة المال، وليس للكثرة حد تعرف به، فقدر الشرع بحد واحد وهو النصاب، فلم يحصل الغنى بما دون النصاب ولم يحصل الإغناء شرعا أيضا ممن لا يملك
(1/494)

النصاب. إذًا الإغناء من غير الغني لا يتصور كالتعليم من غير العالم، فكان قدر النصاب للإغناء قدرة على هذا الوجه إذ لم يتصور الإغناء ممن يملك شرعا لما لم يتصور وجوب أداء الصلاة بدون القدرة الممكنة، فلذلك لم يشترط دوام النصاب لدوام وجوب الزكاة (لما كان أمرا زائدا على الأهلية الأصلية)، فالأهلية الأصلية لوجوب العبادات: الإسلام والبلوغ عن عقل وزيد على ذلك في الزكاة الغنى، فصار الغنى لوجوب الزكاة شرطا أيضا كالإسلام والبلوغ والعقل لما أن المزيد إنما يكون من جنس المزيد عليه، فلما كان المزيد عليه شرطا للوجوب كان المزيد أيضا شرطا له، أو نقول:: إن الغنى الذي الذي يحصل بملك النصاب لما كان من قبيل القدرة الممكنة في الزكاة كان ذلك بمنزلة القدرة الممكنة في الصلاة، وتلك القدرة في الصلاة شرط وجود الصلاة على العبد، فكذا هذه القدرة كانت شرط وجوب الزكاة على العبد؛ لأن كلا منهما زائد على الأهلية الأصلية التي تحصل بالإسلام والبلوغ عن عقل، وقد ذكرنا أن الذي وجب بشرط شيء ابتداء يبقى واجبا بدون ذلك الشرط كما في القدرة الممكنة في الصلاة، فلذلك بقي وجوب الزكاة وإن لم يبق النصاب كاملا.
فإن قيل: هذا الذي ذكرته يقتضي أن يبقى وجوب الزكاة بعد هلاك النصاب أيضا كما هو الحكم في القدرة الممكنة كذلك، والحكم بخلافه هاهنا.
قلنا: إنما يلزم هذا الإشكال علينا أن لو شرطنا بقاءه باعتبار القدرة الممكنة، وإنما شرطنا بقاءه باعتبار قيام صفة النماء وهي القدرة الميسرة،
(1/495)

فشرطنا بقاءه للقدرة الميسرة وهي النماء لا القدرة الممكنة وهي النصاب، والدليل عليه أنه إذا هلك بعض النصاب يبقى بعض الواجب ببقاء ذلك البعض ولا يبقى كل الواجب.
(وشرط الوجوب) أي وشرط وجوب الأداء وهو الغنى بالنصاب، (حقا لصاحب الحق) وهو الفقير.
(فعد) أي فعد المال (قائما)، واستهلا النصاب هو: أن ينفقه في حوائج نفسه أو يتلفه مجانة لأن هذا النصاب كله حق لصاحب الحق في حق الواجب فصار بالاستهلاك متعديا على صاحب الحق فصار ضامنا كمولى العبد الجاني فإنه يخاطب بالدفع أو بالفداء، فإذا هلك العبد من غير منع عن المولى لا يجب على المولى شيء، فصار هلاك النصاب هنا بمنزلة العبد الجاني إذا هلك، وإذا أعتقه المولى أو باعه أو فعل فعلا آخر يتعذر الدفع به يطالب المولى بالفداء؛ لأنه صار جانيا على حق صاحب الحق فصار كأن العبد باق وهو يختار الفداء، فكذلك هاهنا جعل النصاب قائما عند الاستهلاك، فيطالب بأداء الزكاة كما لو كان النصاب قائماً حقيقة.
(1/496)

(والتخيير تيسير)؛ لأن التخيير يثبت الاختيار للمكلف، وإنما يثبت الاختيار شرعا ليترفق بما هو الأرفق له، ويختار ما هو الأهون والأيسر عليه؛ لأنه إذا لم يكن مخيرا ووجب عليه شيء واحد عينا ربما يشق عليه ذلك، ولا يجد شيئا آخر شرعا يقوم مقامه فيعجز، فيبقى في عهدة التكليف ولا يخرج عن عهدة الواجب إلا بمشقة وليس في التخيير بين الشيئين أو الأشياء كذلك وهو ظاهر، ولا يرد على هذا التخيير في صدقة الفطر مع أن ذلك من القدرة الممكنة لا من الميسرة؛ لأنا نقول: إن ذلك تخيير صدقة الفطر صورة لا معنى، فإن قيمة نصف صاع من بر وقيمة صاع من تمر عندهم واحدة فصار كأنه لا تخيير. بخلاف التخيير في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة، فإن كل واحد منها يخالف الآخر صورة ومعنى، فأوجب التخيير التيسير لا محالة.
(ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال)؛ لان ما كان متعلقا بعدم فعل وهو غير مؤقت يتعلق بالعدم.
ألا ترى أن من قال إن لم آت البصرة فامرأته كذا، أو لم أكلم فلاناً
(1/497)

يتعلق الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة يتعلق الجزاء بالعدم في جميع العمر حتى لا يحنث، وإن لم يأت البصرة سنين كثيرة، وكذل عدم القدرة على الصوم على الصوم في حق الشيخ الفاني مستدام.
(وتقديره بالعمر يبطل أداء الصوم)؛ لأنه حينئذ يلزم أن يصوم بعد الموت، وكان شيخي - رحمه الله - يقول ناقلا عن الأستاذ العلام' - رحمه الله - هذا اللفظ اكر عجز مستدام را اعتبار كنيم روزه در كور أفتد.
(وكذلك في طعام الظهار) أي المعتبر هو العجز الحالي.
فإن قيل قوله: ولم يعتبر ما يعتبر في عدم سائر الأفعال وهو العدم في العمر ليس بمجري على عمومه، فكم من عدم في الشرع هو غير مستغرق للعمر.
ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (فإن لم تستطع فقاعداً) أو استغراق
(1/498)

عدم الاستطاعة العمر ليس بشرط.
قلنا: عدم الاستغراق هناك إنما علم بمحل الكلام؛ لأن النبي عليه السلام ذكر تفاوت أحكام الشرع على وجه التيسير بحسب أحوال المريض في مرضه، فمرض المريض غير مستغرق لعمره غالبا بل يتفاوت حالا فحالا، فكذلك الأحكام المترتبة على حسب تلك الأحوال، فلذلك لم يوجب الاستغراق.

وأما عدم الأفعال في نفسه إذا لم يكن مقيدا بشيء فموجب للاستغراق في العمر كما لو قال: لا أكلم فلانا أو لا أفعل كذا.
والدليل على جواز التكفير بالصوم عند عدم المال من غير انتظار إلى وجوده فيما يستقبل من الزمان جواز التكفير بالصوم ممن له مال غائب وليس عنده مال فحنث في يمينه؛ لأنه قال في (المبسوط).
وإن كان للرجل الحانث في يمينه مال عنه غائب أو دين وهو لا يجد ما يطعم ولا يكسو ولا ما يعتق أجزأه أن يصوم؛ لأن المانع قدرته على التكفير بالمال وذلك لا يحصل بالملك دون اليد. إلا أن يكون في ماله الغائب عبد فحينئذ لا يجزيه التكفير بالصوم؛ لأنه متمكن من التكفير بالعتق، فإن نفوذ العتق باعتبار الملك دون اليد فلما جاز الصوم هنا مع وجود الملك حقيقة من
(1/499)

غير انتظار إلى أن يصل إلى ماله فلأن يجوز الصوم في حق من ليس له المال أصلا من غير انتظار إلى أن يحصل له المال بالطريق الأولى، (ولهذا ساوى الاستهلاك الهلاك) أي في جواز الصوم بأيهما كان، حتى إن من وجب عليه التكفير بالمال إذا أتلف المال يجوز له التكفير بالصوم كما لو هلك المال؛
(لأن الحق لما كان مطلقا عن الوقت) يعني أن الكفارات لما كانت غير مؤقتة بوقت ولم يكن المال متعينا للكفارة.
(لم يصر الاستهلاك تعديا) لعدم تعلق الحق بالمال، ولو كان مؤقتا يحتمل أن يضمن بالتفويت عن الوقت وإن لم يكن المال متعينا.
(وصارت هذه القدرة على هذا التقدير نظير استطاعة الفعل التي لا تسبق الفعل) يعني كما أن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل ولا تسبقه فكذلك القدرة على التكفير لا تسبق حالة الأداء بل يعتبر فيه حال الأداء. يعني إذا كان وقت التكفير معسرا يجب التكفير بالصوم، وإن كان موسرا يجب بالمال، ولا تعتبر حالة الحنث كما في الزكاة بعد ما حال الحول على النصاب يعتبر وقت الأداء، فإن كان النصاب وقت الأداء ناقصا وجب ناقصا، وإن كان هالكا لا تجب عليه الزكاة فكذا هنا.
فعلم بهذا أن التكفير من قبيل الزكاة من حيث إن كلا منهما متعلق بالقدرة الميسرة.
(1/500)

وقوله: (ولهذا بطل وجوب الزكاة بالدين) إيضاح لقوله: وأما قيام المال بصفة النماء إلى قوله: فشرطنا دوامه في أن وجوب الزكاة متعلق بالقدرة الميسرة على وجه المقارنة فلو بقى اليسر بقى الجواب وإلا فلا.
وقوله: (لأنه قال في كتاب الإيمان) هذا جواب عما ورد شبه بطريق المنع, فوجه ورود الشبهة هو أنه لما أثبت أن وجوب الكفارة من قبيل القدرة الميسرة كالزكاة يجب أن يراعى في التكفير اليسر كما في الزكاة, ولا يراعى في التكفير اليسر.
ألا ترى أن الدين لا يمنع وجوب الكفارة بالمال, يعني تجب الكفارة بالمال على المديون بل جواب هذه المسألة غير مذكور في كتاب الأيمان نصًا فيحتمل أن
(1/501)

يجب عليه الكفارة بالصوم لا بالمال فحينئذ لا تَرِد الشبهة لأنها حينئذ كانت الكفارةُ بمنزلة الزكاة من كل وجه, فكما لا يجتمع وجوب الزكاة مع الدين كذلك لا يجتمع وجوب التكفير بالمال مع الدين كما هو قول بعض المشايخ على ما ذكر في الكتاب.
وجعلَ هذا القولَ أصحَ في ((المبسوط)) فقال: والأصحُّ أنه يجزيه التكفير بالصوم. كما أشار إليه في الكتاب في قوله: ألا ترى أن الصدقة تحل لهذا, وفي هذا التعليل لا فرق بين ما كان قبل قضاء الدين وبعده, وهذا لأن المال الذي في يده مستحق بدينه فيُجعل كالمعدوم في حق التكفير بالصوم. كالمسافر إذا كان معه ماء وهو يخاف العَطَشَ يجوز له التيمم؛ لأن الماءَ مستحقِ لعَطَشِهِ فيُجعل كالمعدوم في حق التيمم. إلى هذا لفظ ((المبسوط)) من غير تغيير.
وبعضهم فرَّق بين الزكاة وبين التكفير بالمال, فجَعل الدين مانعًا من وجوب الزكاة ولك يجعله مانعًا من وجوب التكفير بالمال, فقال: لأن المعتبر ها هنا الوجودُ دون الغنى ولمّا لم يقض دينه بماله فهو واجد للمال فلا يجوز عنه التكفير بالصوم بل يجب التكفير بالمال بخلاف الزكاة, فإن وجوبها بالغنى
(1/502)

والدين ينافي الغنى فلا يجب, فكان هذا جوابًا للشبهة على طريق التسليم والفرق.
(أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) وإن كان هذا النص ورد في صدقة الفطرِ لكن المعنى فيه سَدَّ خَلةُ الفقير وهذا المعنى بعينه موجود في الزكاة فكان الإغناء واجبًا, فيكون معنى الإغناء في الزكاة ثابتًا بدلالة النص بل الزكاة أقوى في استدعاء الغنى من صدقة الفطر؛ لأن وجوب صدقة الفطر بالقدرة الممكنة ووجوبَ الزكاة بالقدرة الميسرة.
(فشرط الكمال في سببه) أي في سبب وجوب الشكر وهو المال (والدين يسقط الكمال) أي كمال ملك المال للمديون باعتبار أن ربَّ الدين لو ظَفِر بجنس حقه له أن يأخذه من غير مرضاه المديون فصار كأن المديون فصار كأن المديون غير
(1/503)

ملك له, فلما أسقط الكمال لم تجب الزكاة. (ولا يُعدم أصله) أي أصل ملك المال للمديون؛ لأن محل الدين الذمة سعة, فكان المال خاليًا عن أن يكون مشغولًا بالدين من هذا الوجه.
وقوله: (ولهذا حلَّت له الصدقة) إيضاح قوله: ((والدين يسقط الكمال)) فلما أسقط كمال ملك المال للمديون كان نافيًا لصفة الغنى عن المديون.
(ولهذا لا تتأدى الزكاة غلا بعين متقومة) هذا إيضاح لقوله: (إن الزكاة وجبت لمعنى الإغناء) بخلاف الكفارة فإنها تتأدى بالصوم والصومُ ليس بعين متقوم, وإنما شُرط في الزكاة أداؤها بعين متقومة؛ لأنها شرعت للإغناء, وذلك إنما يحصل بالعين المتقومة لا بالعين غير المتقومة.
ألا ترى أنه إذا أسكن الفقيرَ بيته سنة بنية الزكاة لا يجوز؛ لأن المنفعة ليس بعين متقومة ولا تتأدى الزكاة بالإباحة؛ لأنه لا يحصل به الغنى؛ لأن المباحَ له يأكل مال الغير وبمال الغير لا يحصل الغنى.
(ألا ترى أنها شُرعت ساترة أو زاجرة) أي لا للإغناء وهو إيضاح أنها لم تشرع للإغناء, فإن الستر والزجر غيرُ محتاجَين إلى الإغناء بالمال كما في الحدود.
(1/504)

وقوله ((ساترة)) أي للذنب بعد الحنث؛ لأن الإنسان إذا حنث في يمينه بقى عُريان؛ لأنه بحنثه كان خارقًا لباس تقواه فيحتاجُ إلى ساترٍ يسترهُ فيستر نفسه بالكفارة, أو زاجرة عن الذّنب؛ أي قبل الحنث.
وقيل: ساترةٌ في حق المكفِّر, وزاجرةٌ في حق غيره, وإنما رَدَّد بينهما السَتْر؛ لأن الستر لا يقع إلا بعد وجوب الكفارة وربما لا تجب على رجلٍ كفارة أصلًا لا يحتاج إلا الستر.
(لا أمرًا أصليًا) أي لم تُشرع الكفارةُ بطريق الأصالة للإغناء بل الأصل فيها الستر ُأو الزجرُ.
(وما يقعُ به كفايةَ الفقير) كأنه جواب إشكال يرد على قوله: ((إلا أنها لم تشرعَ للإغناء)) بأن يقال قوله: ((إلا أنها لم تشرع للإغناء)) منقوض بالكفارة بالإطعام فإن فيه إغناءٌ للفقير عن الطعام.
فأجاب عنه, وقال: شرعيةُ الإطعام لا باعتبار الإغناء بل باعتبار أن الإطعامَ يصلحُ سببًا للثواب كالصوم فيصلح أن يكون سببًا لما هو المقصود من شرعية الكفارة, وهو: الستر أو الزجر, ثم قُدِّم الساترة على الزاجرة؛ لأن دلالةَ الكفارة على الستر أوضحُ وأظهرُ من دلالتها على الزجر. إذا الكَفْرُ هو
(1/505)

الستر لغة.
(لم تشترط صفة الغنى في المخاطب بها) أي بالكفارة, وحاصلة:
أن الكفارة أوجبت ساترةً أو زاجرةً, وما أوجبت شكرا للنعمة, فلا تشبه الزكاة من هذا الوجه, فإنها أوجبت شكر للنعمة والغنى, ولهذا يُشترط لإيجابها أتمُّ وجوه الغنى وذلك بالمال النامي, وحاجته إلى قضاء الدين بالمال تُعدم تمام الغنى بملكه ولا تُعدم معنى حصول الثواب له إذا تصدّق به ليكون ذلك ساترًا لإثم لحقه بارتكاب محظور اليمين وهو المقصود بالكفارة. قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله-.
(لأن القدرة على أداء العشر تستغني عن قيام تسعة الأعشار) يعني أن
(1/506)

القدرة على أداء جزء واحد لا تفتقر إلى وجود أجزاء أخرى في الابتداء؛ لأنه لو أوجب الخارج كله لكان المخاطبُ متمكنًا من أدائه ولم يوجب على ذلك الوجه, بل أوجب الجزء الواحد من الأجزاء العشرة, فكان الإيجاب بهذا الطريق كان بالقدرة الميسرة لا بالمكنة.
فإن قيل: العُشر لا يتحقق بدون قيام تسعة الأعشار, فكيف قال: إن أداءَ العشر يستغنى عن قيام تسعة الأعشار؟
قلنا: المراد منه أن القدرة على أداء القليل تستغني عن قيام الكثير إلا أن الكثير قُدِّر بتسعة الأعشار؛ لأن الواجبَ عليه إعطاءّ بعض الخارج, ثم ذلك البعض قُدِّر بالعُشر.
(فشرط قيامه) أي قيام الخارج وهو وجودُه, فإن العشر إنما يجيب إذا وُجد الخارج من الأرض حقيقة.
(وكذلك الخراج) أي هو واجب أيضًا بالقدرة الميسرة كالعشر.
ألا ترى أن الخارجَ إذا لم يُسَلَّم لصاحب الأرض لا يجب الخراج كالعشر مع وجود السبب فيهما وهو الأرض. غيرَ أن الخارجَ تارة يكون بطريق التحقيق وهذا لا يشكل, وتارة يكون بطريق التقدير إذا كان متمكنًا من الزراعة, ولم يَزرع يُجعل الخارجُ سالّما لربِّ الأرضِ تقديرًا حكمًا لتقصيره, ولا يمكن هذا التقدير في العشر لكون الواجب من جزء الخارج فإذا لم يكن
(1/507)

الخارج تحقيقًا لا يُتصوَّر الجزء منه.
وقد أمكن الخارج ولا يمكن هذا التقدير في العُشر لكون الخراج من غير جنس الخارج بدليل وجوب الدراهم في الأراضي الخراجية فإنه يجب في جريب الكرم عشرة دراهمَ وفي جريب الرطبة خمسة دراهم, فجُعلت القدرة الميسرة موجودةٌ تقديرًا, وهذا بخلاف ما إذا زرع ثم أصابت الزرعَ آفةٌ حيث يسقُط الخراج؛ لأن وجوبه بالقدرة الميسرة فيُشترط دوامها تحقيقًا للواجب بالقدرة الميسرة.
(ألا ترى أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج) يعني لا يجب الخراج؛ لأنه لو كان أقل من الخراج لا يُسلَّم له الخارجُ.
وقوله: (بدليل أن الخارج) معطوف على قوله: ((ألا ترى)) من حيث المعنى كأنه قال: بدليل أنه لا يجب إلا بسلامة الخارج, وبدليل أن الخارج إذا
(1/508)

(قلَّ) يعني أن الخراجَ كلُّه إنما يجب إذا لم يكن أكثر من نصف الخارج فإذا كان أكثر من نصفَ الخارج فإذا كان أكثر من نصف الخارج يجب نصفَ الخارج ولا يجب الخراج أي كاملًا حتى إذا كان الخراج مَثَلًا دينارين والخارج من الأرض يساوي دينارًا يجب نصف الخارج وهو نصف دينار.
(ألا ترى أنها وجبت بسبب رأس الحر) من أولاده الصغار (ولا يقع به الغنى)؛ لأن رأس الحر ليس بمال بخلاف الزكاة, فإن الزكاة إنما تجب في مالٍ يقعُ به الغني, وصدقه الفطر تجب بمال آخر يحققه أن في باب الزكاة ما هو سبب لوجوب الزكاة يقع به الغني, وما هو سبب لوجوب صدقة الفطر وهو رأس يمونه ويلي عليه, وقد لا يقعُ به الغني إذا كان ذلك الرأس حرا. دلّنا ذلك على أن الزكاة وجبت بصفة اليسر حيث لم تجب بالغني بشيء آخر, وصدقة الفطر تجب بالغنى بشيء آخر لأجل شيء آخر فلم يكن يُسرا.
فإن قيل: لماذا يشترط الغني بالنصاب لأهلية الإغناء؟
قلنا: لما ذكرنا أن الإغناء يقتضي كونُه غنيًا والغنى بكثرة المال شرعًا وعرفًا؛ لأنه إذا كان مالكًا مقدار ما يتمكن به من إغناء الفقير عن المسألة فهو غني عن المسألة بهذا المقدار إلا أنه لا يعتبر هذا فيما نحن فيه إذا لو اعتبر عاد
(1/509)

الأمر على موضوعه بالنقض؛ لأنه وجب الإغناء عن المسألة, فلو وجب الدفع إلى الفقير لصار هو محتاجًا إلى المسألة وهذا لا يجوز؛ لأن الدفعَ إلى نفسه أولى من الدفع إلى غيره لما عرف.
ألا ترى أنه إذا كان مالكًا لمقدار من الطعام وهو محتاج إليه وغيره أيضًا محتاج إليه فلو دفع إلى غيره يموت لا يجوز الدفع إلى غيره, وكذلك هذا في الماء وغيره.
فعلم أن الغني المعتبر هو الغنى الشرعي؛ لأن النبي عليه السلامُ بعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق, ورأيت بخط شيخي -رحمه الله- ولا يقال:
إن النبي عليه السلام قال: ((أُغنوهم عن المسألة)) فغني الفقير بالاستغناء عن المسألة, فكذلك غنى المعطي ينبغي ألا يشترط فيه النصاب؛ لأنا نقول:
إن النبي عليه السلام قَيَّدَ جانب الفقير بالغني عن المسألة فيبقى الغني في جانب المؤِّدي مطلقًا فيتصرف إلى ما عرف شرعًا وهو من يملك النصاب.
(ووجد الغني بثياب البذلة) أي بثياب الابتذال والامتهان التي تُلبس يوم إذا كانت زائدة عن الحاجة الأصلية, وفي ((المحيط)) البذلة من الثياب ما
(1/510)

يلبس فلا يصان.
(ولا يلزم أنها لا تجب عند قيام الدَين) هذا وارد على قوله؛ ((لأنها لم تجب بصفة اليسر)) أي لا يقال لو كان وجوبُ صدقة الفطر بالقدرة الممكنة لا بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدَينُ مانعا وجوبُ صدقة الفطرِ بالقدرة الممكنة لا بالميسرة ينبغي أن لا يكون الدَينُ مانعًا وجو صدقة الفطر؛ لأنه أمكن أداؤها مع الدين.
قلنا: الدين وإن كان لا يعدم أصل القدرة لكن يعدم شرط الوجوب وهو الغنى؛ لأن وجوبَ صدقةُ الفطر لا يُتصور بدون الغني فيصير الغنى بمنزلة القدرة المطلقة فلا يجب إلا به, والدّين يعدمه بدليل حل الصدقة له.
(بخلاف الدَين على العبد) بأن أتلف مالَ الغير. وجه الورود أن الدّينَ لمَّا كان معدمًا للغني كان ينبغي ألا يجب صدقةَ الفطرِ بسبب العبد المديون كما لا تجب الزكاةَ بسببه إذا كان عليه دينِ لما أن الغني فيهما شرط.
(1/511)

فأجاب عنه على وجع الفرق بينهما بقوله: (فإنه لا يمنع) أي فإن دين العبد لا يمنع وجوبَ صدقة الفطر عن ذلك العبد.
وقال الإمام شمس الأئمة _رحمه الله- فإن كان الدَينُ على العبد الذي هو عبدٌ للخدمة فعلى المولى أن يؤدي عنه صدقةَ الفطر؛ لأنه صفةَ الغنى ثابتة له بما يملك من النصاب سوى هذا العبد, وأصل المالية غير معتبر فيمن يجب الأداء عنه, ولهذا تجب عن ولده الحرّ.
وكذلك الغني به غير معتبر فإنه يجب الأداء عن المدبَّر وأم الولد وإن لم يكن هو غنيّا فيهما, فكذلك إذا كان مشغولًا بالدين؛ لأن ذلك الدَينَ على العبد يوجب استحقاق ماليته فيخرج المولى من أن يكون غنيًا به, فلو كان هذا العبدُ المديونُ للتجارة لم يجب على المولى أن يؤدي عنه زكاة التجارة؛ لأن الغني بالمال الذي يجب أداء الزكاة عنه شرط ليكون الأداء بصفة اليسر وذلك ينعدم بقيام الدّين على العبد.
وحاصلة أن في صدقة الشرطُ هو أن يوجد وصف الغنى بأيّ مال كان فلما وُجد غني صاحب العبد المديون بمال آخر تجب عليه صدقة فطرة لوجود السبب والشرط.
وأما في الزكاة فيُتعين النصابُ ويُشرط غناهُ بذلك المصاب بعينه في حق
(1/512)

زكاة ذلك النصاب حتى لو كان له نصابُ غنمٍ ونصابُ ذهبٍ وانتقص نصاب الذهب وفي الغنم فضل على نصابه لا ينجبر بذلك الفضل ما انتقصَ من نصاب الذهب فلا تجب زكاة نصابهما بل تجب زكاة النصاب الكامل وهو الغنم, ولا تجب زكاة النصاب الناقص وهو الذهب, فكذلك ها هنا لم تجب زكاة العبد المديون وإذا كان هو للتجارة لنقصان ذلك النصاب بسبب دين فيه (هذا الذي ذكرنا هو في تقسيم صفة حكم الأمر) وهو الأداء والقضاء؛ لأن حكم الأمرِ الوجوبُ وبالأمر يجب الأداء.
إذ بالسبب يجب أصل الصلاة وبالأمر الأداء, وقد قلنا قبل هذا إن القضاء يجب بالسبب الذي به وجب الأداء فكان الأداء والقضاء صفتي حكم الأمر, وقد انقسم صفة الحكم إلى أداء وقضاء ثم انقسم بعد ذلك إلى صفة المأمور به من الحسن لعينه ولغيره, ثم انقسم كل واحد منهما إلى أنواع ثلاثة على ما مر.
فلآن ينسقم حكم الأمر إلى صفةٍ قائمةٍ بغيره وهو الوقت؛ لأن كونَ العبادة مؤقتة صفة للمأمور به أيضًا لكن راجع إلى الوقت؛ لأن فعل المكلف لا يوجد بدون الوقت, فيكون الوقت داخلًا في حكم الأمر.
(1/513)

(فلابد من ترتيب هذا الباب على الدرجة الأولى) وهي الأداء؛ لأن هذا الباب لبيان الوقت, وهو المختص بوقت على وجه يفوت الأداء بمضي الوقت, أو أريد بالدرجة الأولى والقضاء؛ لأن القضاء مؤقت أيضًا لقوله عليه السلام: ((فإن ذلك وقتها)) وإنما قال: فلابد من ترتيبه على الدرجة الأولى يعني أن الدرجة الأولى في صفة حكم الأمر وهي الأداء والقضاء, وهذا الباب أيضًا في صفة حكم الأمر وهي المؤقتةُ وغير المؤقتة, فكان البابان متناسبين من حيث اتحادهما في صفة حكم الأمر بخلاف الباب الثاني فإن ذلك في صفة المأمور به والمأمورُ به غيرُ الحكم, فلذلك كان ترتيب هذا الباب بحسب ترتيب الباب الأول أولى من ترتيبه على حسب ترتيب الباب الثاني.
والدليل على تناسب ذينك البابين أم الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه لله- أورد هذا الباب قبيل الباب الأول الذي هو بيان الأداء والقضاء ووصل ذلك الباب بهذا الباب لهذه المناسبة, والله أعلم.
(1/514)

[باب بيان تقسيم المأمور به في حكم الوقت]
قوله: (وأما المطلقة فنوع واحد)؛ لأن تنويعها بكون الوقت ظرفًا لها وسببا لوجوب وشرط للأداء أو معيارا أو مشكلا إنما ينشأ من كونها مؤقتة, وأما إذا لم تكن مؤقتة فلم تأت هذه الأشياء ولم يأت التنويع, بل كان في جميع الوقت أداء, ولم يكن الوقت سببا لها ولا ظرفًا ولا معيارًا ولا شرطًا للأداء.
قوله: (ظرفًا للمؤَّدي وشرطا للأداء).
فإن قيل قوله: شرطًا للأداء؛ مستغنى عنه؛ لأنه يُستفاد ذلك بقوله:
ظرفًا للمؤدي؛ فما فائدة ذكره؟
(1/515)

قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: شرطًا للأداء يغاير ظرفًا للمؤدَّي في المعنى؛ لأنه ظرف للمؤدَّي, والمؤدَّي غير الأداء فكانا غيرين.
والثاني- رُبَّ شيء يكون ظرفًا لشيء ولا يكون شرطًا لذلك الشيء, كالوعاء ظرف لما فيه وليس بشرط لوجوده؛ لأن يوجد بدون هذا الظرف فلا يلزم أن يكون شرطًا له, وبين هاهنا أن الوقت ظرفٌ للمؤدَّي وشرط للأداء, والأداءُ يختلف باختلاف صفة الوقت.
فإن قيل: أثر الوقت في نفس الوجوب لا في الأداء, وهذا لا يدل على كون الوقت سببًا.
قلنا: نعم إلا أنه لما خرج بالأداء الناقص عن العهدة. عُلم أن الوجوب قد صار ناقصًا بنقصان في موجبة وهو الوقت. ألا ترى أنه لو نذر, وقال: لله علىَّ أن أعتق رقبة, فأعتق رقبة مؤوفه بالزمانة أو بالعمى لا يخرج عن عهدة النذر. ولو قال: لله علىَّ أن أعتق هذه الرقبة وهي زَمنى أو عمياء فأعتقها يخرج من عهده النذر؛ لأنه أدَّاها كما أوجبها على نفسه.
فعلم أن الخروجَ بالناقص إنما كان لنقصانٍ في السبب, فكان دليلًا على
(1/516)

سببية الوقت.
(ويفسد التعجيل قبله) فإن قيل: ما فائدة هذا الوصف إذ في هذا الوصف يشترك السبب والشرط, فكيف ينهض للدلالة على السببية على الخصوص؟
قلنا: فيه فائدة التأكيد لقوله: يختلف باختلاف صفة الوقت, وهو وإن لم ينهض للدلالة على السببية بانفراده وهو مع ما ذكر قبله وهو قوله: والأداء يختلف باختلاف صفة الوقت؛ ينهضان للدلالة على السببية, والأولى فيه هو ما استوفيناه في ((الوافي))
وقوله: (وهذا القسم) إشارة إلى قوله: نوع جُعل الوقت ظرفا للمؤدي وشرطًا للأداء وسببًا للوجوب؛ وهو وقت الصلاة.
(نوع منها ما يضاف إلى الجزء الأول) أي تضاف السببية إلى الجزء الأولى على عرضية الانتقال لا على القرار بخلاف الجزء الأخير من الوقت والدليل على السببية أنه لو أدى الصلاة في أول الوقت يخرج عن عهده فرض الوقت.
وأما إذا لم يؤدّ فيه تنتقل السببية إلى الجزء الذي يليه, وكذا إلى الآخر, وعند الشافعي -رحمه الله- تتعين السببية في الجزء الأول على
(1/517)

وجه لا تسقط عن المكلف سببيته.
حتى إن المرأة إذا خاضت بعد ما مضى من الوقت قدر ما يسع فيه فرضيته.
(1/518)

لم يسقط عنها قضاؤه وعندنا إذا خاضت في الوقت سقط عنها فرضه وإن بقي شيء قليل, وهذا بناء على أصل وهو أن الخطاب بالأداء يتعجل في أول الوقت عند الشافعي, وأما عندنا فهو أن الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب, فإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحةُ أداء الواجب.
وهذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع - رحمه الله- أن الصلاة تجب
(1/519)

بأول جزء من الوقت وجوبا موسَّعا وهو الأصح, وأكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا, ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت, ثم قال بعضهم: ما أدَّاه في أول الوقت نفل يمنع لزوم الفرض إياه في آخر الوقت كالوضوء قبل الوقت.
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- وهذا غلط بين؛ لأنه لا تتأدَّى هذه الصلاة إلا بينة الظهر, والظهر اسم للفرض دون النفل, ولو نوى النفل لم يصح نيته في حق أداء الفريضة.
(والثاني - ما يضاف إلى ما يلي ابتداء الشروع) أي بطريق انتقال السببية من الجزء الأول إلى الثاني. يعني إن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السببَ وإلا تنتقل السببيةُ إلى الجزء الثاني, ثم إلى الثالث إلى آخره.
(ونوع آخر ما يضاف إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت وفساده) وهو الجزء الذي تتعين فيه السببية؛ لأنه لم يبق بعده من آخر الوقت ما يحتمل انتقال السببية إليه.
(والنوع الرابع - ما يضاف إلى جملة الوقت) وهو في حالة القضاء.
(1/520)

(أن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها وظرفًا لأدائها) إلى آخره.
فإن قيل: ما فائدة ذكر قوله: وظرفًا لأدائها؛ هاهنا مع أن مراد المصنف من هذا التقرير بيان أن الجزء من الوقت سبب لوجوب الصلاة لا كل الوقت، وهو يحصل بقوله: إن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًان فعلم بهذا أنه لا فائدة في ذكر قوله: وظرفًا؛ هاهنا؟
قلت: بل في ذكره فائدة، وهي: أن وجوب الاقتصار على أدنى الأجزاء من أجزاء الوقت للسببية إنما نشأ من كون الوقت ظرفًا أيضًا للصلاة.
إذ لو لم يراع فيه جانب الظرفية لوجب أن يقال: إن وجوب الصلاة على المكلف إنما يتحقق بعد وجود الوقت بتمامه كما هو الأصل في سائر الأسباب. وهو في حالة القضاء لم يبق الوقت حينئذ ظرفًا للأداء.
فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر كون الوقت شرطًا للأداء أيضًا كما ذكر قبله هو أن الأداء يفوت بفواته.
قلت: أغنى عن ذكره ذكر الظرف، فإن كلًا منهما يقتضي أن يوجد المؤدى في الوقت.
(1/521)

(لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأن ذلك يوجب تأخير الأداء عن وقته أو تقديمه على سببه).
بيان هذا أن الوقت سبب لما ذكر، وأن الوقت ظرف، فلو روعي فيه جهة السببية يلزم تأخير الأداء عن وقته؛ لأنه لا يتحقق المسبب ما لم يتحقق السبب بتمامه. لما أن المراد من السبب هنا العلة في حق العباد، فلما لم توجد العلة لا يوجد حكمها، وتمام السبب هنا إنما يكون بمضي الوقت، فلو روعي فيه جهة الظرفية حتى يحصل الأداء في الوقت يلزم تقديم الحكم على السبب؛ لأنه ليس لبعض السبب حكم السبب، فيكون الحكم متقدمًا على السبب حينئذ.
(وليس بعد الكل جزء مقدر) أي بعد ما خرج كل الوقت من أن يجعل سببًا لابد من اعتبار البعض، وليس البعض بأولى من البعض لعدم الأولوية، ولم يرد من الشارع جزء مقدر كالربع والثلث والنصف وغير ذلك بأنه سبب بدليل جواز الأداء قبل مضي الربع أو غيره، فوجب الاقتصار على الأدنى إذ
(1/522)

هو المراد بكل حال لصلاحيته للسببية، ولا دليل على الزائد على الجزء الواحد فتعين هو للسببية، فلذلك إذا أدى بعد مضي جزء من الوقت صح، وإن قل ذلك الجزء.
قوله: (الحائض إذا طهرت وأيامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا أدركت شيئًا من الوقت قليلًا) ولا تشترط قدرتها على أن تغتسل وتدرك شيئًا من الوقت.
بخلاف ما إذا كانت أيامها دون العشرة، وانقطع الدم عنها وأدركت شيئًا من الوقت إن أدركته بعد القدرة على الاغتسال، ثم بالإدراك تجب صلاة ذلك الوقت عليها وإلا فلا ولهذه الفائدة قيد بقوله: "وأيامها عشرة".
(لكنه لم يوجب الأداء للحال) خلافًا للشافعي فإن عنده يجب الأداء في الحال حتى ظهر أثره في حق الحائض، وقد ذكرناه.
(1/523)

(لأن الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد)، وهذا تعليل لنفي لزوم الأداء في الحال، ولإثبات قوله: أفاد الوجوب بنفسه. بيانه أن أصل وجوب الشيء اشتغال الذمة به، ولا يراد به الفعل في الحال بدليل الوجوب على النائم والمغمى عليه والمجنون إذا انقطع الجنون والإغماء دون يوم وليلة.
ولا يجب الأداء عليهم إذ لو وجب لافتقر إلى القدرة التي يفتقر إليها الفعل، ولا قدرة لهؤلاء ولا فهم، وخطاب من لا يفهم بالأداء قبيح، وهذا لأن نفس الوجوب لشغل الذمة، ووجوب الأداء لتفريغ الذمة.
وتفريغ الذمة يستدعي ثبوت شغل الذمة، إذ تفريغ ما ليس بمشغول محال، فلذلك كان الخطاب بتفريغ الذمة حال تشغل الذمة محالًا كالرفع يقتضي سابقة الوضع، فالرفع حالة الوضع محال.
ولهذا قلنا فيمن قال: أنت طالق مع نكاحك، ثم تزوجها لم تطلق؛ لأن الطلاق رفع القيد والنكاح إثبات القيد، فرفع القيد حال ثبوت القيد محال، بل الرافع إنما يصح حال بقاء القيد، فكذلك هاهنا الخطاب بتفريغ الذمة إنما يصح في حال بقاء الشغل لا حال وجود الشغل.
ونفس الوجوب لما كان لشغل الذمة ولم يرد بها الفعل لم يقتض قدرة؛ لأن القدرة لتحصيل الفعل وليس في نفس الوجوب لزوم الفعل.
(1/524)

ألا ترى أن ابن يوم أهل لنفس الوجوب وليس بأهل للزوم الفعل.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وقلنا نحن: الأداء إنما يجب بالطلب.
ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره والثوب ملك لصاحبه، ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه؛ لأن حصوله في حجره كان بغير صنعه، فكذلك هاهنا الوجوب تسببه كان جبرًا لا صنع للعبد فيه، فإنما يلزمه أداء الواجب عند طلب من له الحق، قد خيره من له الحق في الأداء ما لم يتضيق الوقت. يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة، فإن البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال. إذ لو كان وجوب الثمن متأخرًا إلى مضي الأجل لم يصح البيع؛ لأنه حينئذ يكون البيع بلا ثمن.
فعلم أن نفس الوجوب ثابت في الحال، ووجوب الأداء يكون متأخرًا إلى حلول الأجل، فهاهنا أيضًا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة.
وقوله: (ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء) أي تعجل وجوب الأداء. هذا تقرير لما ذكرنا من بيان انفصال نفس الوجوب عن وجوب الأداء، وبيان أنهما لا يتلازمان (بل الأداء متراخ) أي بل وجوب الأداء متراخ بدليل ثبوت الثمن والمهر في ذمة ابن يوم، ولا خطاب ولا لزوم للفعل عليه.
(1/525)

(فأما الوجوب فبالإيجاب) أي الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه. كذا في "التقويم".
(ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل) أي لأجل ما ذكرنا من المعنى وهو أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، فكما أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته، كذلك وجوب الأداء لا يفتقر إلى وجود الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل، فنفس الوجوب ينفصل عن وجوب الأداء.
كذلك وجوب الأداء ينفصل عن وجود نفس الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن الوجود من وجوب الأداء غير مراد عند أهل السنة والجماعة. إذ لو كان مرادًا لوجد الإيمان من جميع الكفرة؛ لأنه يستحيل تخلف المراد عن إرادة الله تعالى، وتخلف المراد عن الإرادة عجز واضطرار، والله تعالى متعال عنه،
(1/526)

والكفار كلهم مخاطبون بالإيمان، ولم يوجد الإيمان منهم حال كفرهم.
وكذلك العبادات المفروضة على المؤمنين فإنهم مخاطبون بها ثم قد لا يوجد منهم، فثبت أن وجود الفعل غير مراد من وجود الخطاب، فحصل
(1/527)

من هذا كله أشياء ثلاثة: نفس الوجوب، ووجوب الأداء، ووجود الفعل، فنفس الوجوب بالسبب، ووجوب الأداء بالخطاب، ووجود الفعل بإرادة الله تعالى، لكن عدم الفعل من العبد بعد توجه الخطاب؛ لعدم إرادة الله تعالى إياه لا يكون حجة للعبد لأن ذلك غيب عنه، فكان العبد ملزمًا محجوبًا عليه بعد توجه الخطاب عليه عند سلامة الآلات وصحة الأسباب.
والتكليف يعتمد هذه القدرة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق القدرة الحقيقية عند إرادة العبد الفعل ومباشرته إياه، ووجود الفعل يفتقر إلى هذه القدرة الحقيقية، فكان قوله: "ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل" يتصل بقوله: "ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء" لأن الاستطاعة مقارنة للفعل الذي يوجد من المكلف، فلو كان نفس الوجوب يوجب تعجل الأداء لكانت الاستطاعة مقارنة لنفس الوجوب.
وقوله (كثوب هبت به الريح) احتراز عن الغصب، (وفي مسألتنا لو يوجد المطالبة بدلالة أن الشرع خيره في وقت الأداء فلا يلزمه
(1/528)

الأداء. يعني أن التخيير ينافي المطالبة بالأداء.
فإن قلت: يشكل على هذا إذا حال الحول على نصاب رجل فإنه يطالب بالأداء مع أنه مخير في الأداء، حتى إذا فرط في الأداء ولم يؤد الزكاة حتى هلك النصاب كله سقط عنه الزكاة.
فبهذا يعلم أن التخيير لا ينافي المطالبة بل يجتمعان.
قلت: بل ينافي المطالبة بالأداء؛ لأن التخيير إثبات الخيار للمخاطب في أي وقت شاء يؤدي فيه، والمطالبة بالأداء إلزام على المخاطب بالأداء في أول الوقت الذي خاطبه بالأداء غير أن محل الواجب في الزكاة النصاب، والحق لا يبقى بعد فوات محله، كالعبد الجاني والعبد المديون إذا ماتا، والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرًا بطل خطاب المولى بالدفع أو الفداء وبطل حق الشفعة.
بخلاف ما نحن فيه، فإن الواجب على الذمة فكان ما نحن فيه كصدقة الفطر والحج، فإن محل الواجب فيهما ذمته لا ماله، وذمته باقية بعد هلال المال فيبقى الواجب لبقاء محله، فكذا فيما نحن فيه حتى إن في الزكاة إذا
(1/529)

مات المخاطب بعد حولان الحول قبل الأداء يبقى إثم التأخير أيضًا، لتحقق تقصيره خصوصًا على قول الكرخي، فإن وجوب الأداء في الزكاة بعد حولان الحول على الفور عنده، وفي رواية عن أبي يوسف- رحمه الله- أيضًا.
(وتبين أن الوجوب حصل بأول الجزء خلافًا لبعض مشايخنا) وهو ما ذكرت قبل هذا أن أكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا، ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت، وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، ويستدلون على ذلك بما لو حاضت المرأة في آخر الوقت، فإنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
ولكنا نقول: إن الوجوب يحصل بأول جزء من الوقت، لكن سببية ذلك الجزء لوجوب الصلاة على سبيل الزوال والانتقال لا على سبيل التقرر، وإنما يتقرر السببية للجزء الأخير من الوقت للمعنى الذي ذكرنا، وفائدة سببية الجزء الأول إنما تظهر في حق صحة الأداء، وعدم لزم القضاء على تلك المرأة، إنما كان لانعدام إدراكها للجزء المتقرر سببيته، وهي طاهر عن الحيض.
(1/530)

وقوله: (وأن الخطاب بالأداء) معطوف على قوله: إن الوجوب حصل بأول الجزء".
(ثم إذا انقضى الجزء الأول انتقلت السببية إلى الجزء الثاني ثم) وثم إلى الآخر؛ لأن الجزء الثاني جزء من الوقت كالجزء الأول، فيكون سببًا لعدم ما يزاحمه كالجزء الأول، فإنه كان سببًا لعدم ما يزاحمه.
ثم الجزء الأول حال وجود الجزء الثاني معدوم، والمعدوم لا يعارض الموجود، فإذا صار الجزء الثاني موجودًا قلنا بانتقال السببية غليه؛ لأن كون الجزء الأول سببًا كان بطريق الضرورة وهو عدم المزاحم، فإذا وجد المزاحم كان هو للسببية أولى لوجوده وعدم المزاحم.
ولعلمنا بأن كل جزء من الوقت صالح للسببية، ولأنه لو لم تنتقل السببية عن الجزء الأول إلى الثاني لا يخلو إما أن يضم إليه الجزء الثاني والثالث ويجعل الكل سببًا لا يجوز هذا؛ لأن المعدوم لا يجوز أن يكون جزءًا
(1/531)