Advertisement

الكافي شرح البزودي 002

للسبب الموجود، وإما أن لا يضم إليه الجزء الثاني لا يجوز هذا أيضًا؛ لأن جعل الموجود سببًا أولى من جعل المعدوم سببًا عند إمكان جعل الموجود سببًا؛ لأن المعدوم لا يعارض الموجود.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الجزء الأول سببًا، ثم بانقضائه لم تنعدم سببيته كما في كل الوقت إذا انقضى تبقى سببيته بعد انعدامه. علم بهذا أن انعدامه لا يمنع سببيته؟
قلت: ذاك إنما يكون في الجزء المتقرر سببيته كما في الجزء الأخير لا في الجزء الذي سببيته على عرضية الزوال كما في الجزء الأول، وهذا لأنه لو كانت سببية الجزء الأول باقية بعد انعدامه ولم تنتقل إلى الجزء الثاني يلزم أن يكون المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا، وبالإجماع أن أداءه لم يكن قضاء بل أداءً إذا وجد في الوقت.
علم بهذا أن سببيته قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني وكذلك إلى الآخر، وهذا هو الجواب عما يقال: إنه لما قيل بسببية الجزء الأول عند وجوده بعد ذلك لا يحتاج إلى انتقال السببية إلى الجزء الثاني؛ لأن بقاء الحكم يستغني عن بقاء السبب فلا يحتاج إلى الانتقال؛ لأنا نقول: لم لم ينتقل كان المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا لا مؤديًا.
كما قلنا عند عدم الانتقال عن الجزء الأخير بأن المؤدي خارج الوقت قاضٍ لا مؤد، وبالإجماع أن من أدى في الجزء الثاني هو مؤدٍ لا قاض. علمنا
(2/532)

أن السببية قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني.
فإن قلت: يحتمل أن يكون كونه أداء في الجزء الثاني باعتبار وجود شرط الأداء وهو بقاء الوقت؛ لأن لوقت الصلاة أوصافًا سببية الوجوب وشرطية الأداء وظرفيته، فكانت السببية متقررة للجزء الأول وإن انعدم، كما تكون متقررة له بعد انعدامه بجميعه.
قلت: لا كذلك بل السببية أيضًا انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني ثم وثم إلى الآخر كالشرط. بدليل تغيير أحوال من أدرك الجزء الثاني والثالث إلى الآخر من السفر والإقامة والحيض والطهر وغيرها.
وتغيير أحوال المدرك إنما هو عند قيام السبب لا الشرط، فلو كانت السببية متقررة للجزء الأول بعد انعدامه لما غيرت أحوال من أدرك الجزء الثاني إلى آخر الوقت فرضه كما لو صار قضاء محضًا لا يتغير حالة في حق القضاء وإن وجد المغير.
ثم لما وجب نقل السببية من الجزء الأول إلى الثاني لضرورة الأداء ينبغي أن يكون بعد وجود السبب كان الجزء الذي هو متصل بالأداء أولى بالاعتبار من غيره؛ لأن الجزء الواحد لما صلح للسببية وجب تقريرها للجزء الثاني الذي وجد الأداء بعيده متصلًا به أولى؛ لأنه لابد من تقدم السبب على وقت الأداء وكان ما يلي الأداء به أولى. إذ في ضم الجزء السابق على الأداء
(2/533)

إلى الجزء المتصل بالأداء تخط في السببية عن الجزء المتصل بالأداء الصالح للسببية بلا دليل، وثبوت المدلول بلا دليل لا يجوز.
(وإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية لما يلي الشروع في الأداء).
قال زفر- رحمه الله- إذا تضييق الوقت على وجه لا يفضل عن الأداء تتعين السببية في ذلك الجزء.
ألا ترى أنه ينقطع اختياره ولا يسعه تأخيره، فلذلك لا يتغير بعد ذلك بعارض من سفر أو حيض أو غيرهما وعندنا لا يتعين ذلك الجزء للسببية بل ينتقل إلى آخر جزء من الوقت، فيتغير بعارض حتى لو سافر في الجزء الأخير من الوقت يتغير فرضه من الأربع إلى الركعتين.
ومن اللزوم إلى السقوط إذا حاضت المرأة، وإنما لا يسعه التأخير لكيلا يفوت شرط الأداء، وهو الوقت على ما هو عليه الظاهر من عدم امتداد الوقت بعده، ولكن ما بعده من أجزاء الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيتحقق التفويت بمضيه.
فإن قلت: جعل تعين الأداء بطريق اللزوم دليلًا على استقرار السببية في
(2/534)

قوله: حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية؛ وليس كذلك بل ذلك إنما يصح على قول زفر، وأما عندنا فالسببية تنتقل من الجزء إلى الجزء بعد تعين الأداء بطريق اللزوم، فإن الأداء يتعين لازمًا في الوقت الذي لا يسع فيه إلا أربع ركعات لكي يقع ما أداه من صلاته أداءً لا قضاء حتى لو تكره باختياره يأثم، ومع ذلك انتقال السببية ثابت، حتى وإن فرض المقيم بالسفر يتغير من الأربع إلى الركعتين، وإن كان سفره بعد تعين الأداء، وقد ذكرت أن التغيير إنما كان عند قيام السببية، ثم كيف قال باستقرار السببية لذلك الوقت؟
قلت: معنى قوله "استقرت السببية" أي استقرت السببية في حق لزوم الأداء وفوت اختيار التأخير لا في حق انتقال السببية من الجزء إلى الجزء، وهذا لأن المكلف لما كان عاقلًا بالغًا مسلمًا كان الظاهر من حاله أنه يشرع في الأداء كي لا يقع في إثم التأخير، فكان هو معتقدًا لاستقرار السببية في حقه على وجه لا يجوز التأخير عنه.
فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا فاتته صلاة في المرض الذي يعجز فيه عن الركوع والسجود، ثم يقضيها في الصحة كان الواجب عليه قضاؤها قائمًا بالركوع والسجود، ولو فاتته صلاة في الصحة ثم يقضيها في المرض الذي لا يقدر على الركوع والسجود يقضيها بالإيماء حيث يعتبر فيهما حال القضاء لا حال الأداء الذي فاتت الصلاة عن وقتها، وبين هذه المسألة التي نحن فيها وهي ما إذا فاتت الصلاة عن المسافر أو عن المقيم حيث يعتبر فيهما حال الأداء
(2/535)

الذي فاتت الصلاة عن وقتها لا حال القضاء على ما ذكر في الكتاب؟
قلت: الفرق بينهما ظاهر وهو أن المرض لا تأثير له في إسقاط أصل الصلاة على ما عليه الصحيح من المذهب، بل له تأثير في الوصف لتكون الطاعة بحسب الطاقة، فكان وجوب القضاء فيه بحسب طاقته إذ لو اعتبر فيه حال وجوب الأداء ووجب القيام والركوع والسجود كان مخالفة للنص النافي للحرج، هو قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقد نص على هذا صاحب الشرع بقوله عليه السلام: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا) الحديث، ومثل هذا يقتضى الحصر بهذه الأحوال كما في آية الظهار في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وهو بإطلاقه يتناول المؤدي والقاضين فلذلك لم يعتبر فيه حال وجوب الأداء.
فعلم بهذا أنا لو اعتبرنا في المرض حال وجوب الأداء إما أن يلزم فيه مخالفة النص أو ترك إطلاق الحديث الذي يقتضي الحصر وهو أن يكون طاعته بحسب طاقته بخلاف السفر، فإن له تأثير في تغيير أصل الصلاة بحكم الحديث، وهو قوله عليه السلام: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته).
واعتبار التغيير هناك باعتبار الوقت على ما ذكر في الكتاب، وهو أن
(2/536)

الوقت سبب لوجوب الصلاة، والمغير إذا اتصل بسبب الوجوب عمل عمله فلا يتغير بعد ذلكن والفقه فيه هو: أن السفر إنما جعل مغيرًا للصلاة عند قيام الوقت من الكثرة إلى القلة حتى اعتبر فيه حال وجوب الأداء، ولو يجعل في المرض كذلك؛ لأن الرخصة في السفر متعلقة بمشقة متوهمة أقيم السبب الظاهر مقام المشقة، وكذلك دخول الوقت سبب ظاهر لوجوب الصلاة على المكلف فتناسب إلحاق الظاهر بالظاهر، فقرن كل واحد منهما بالآخر فلم يتغير بعد ذلك بحالة القضاء، وأما الرخصة في المرض فمتعلقة بمشقة حقيقية فاقتضت عجزًا حقيقيًا، وذلك إنما يكون حال فعل الصلاة خصوصًا على أصل قول أهل السنة والجماعة: إن الاستطاعة مقارنة بالفعل، فتناسب إلحاق الحقيقية بالحقيقية، فلم يعتبر لذلك فيه حال وجوب الأداء بل اعتبر فيه حال فعل وهو حال القضاء.
ووجه آخر في الفرق بينهما وهو الأوجه هو أن نقول: لا يمكننا القول في حق المريض بالاعتبار بحال وجوب الأداء أصلًا، فإنا لو قلنا بذلك إما أن نقول: إن المريض الذي هو غير قادر على القيام والركوع والسجود وهو مأخوذ عليه أن يؤدي الصلوات التي فاتته حال صحته بالقيام والركوع والسجود وهو محال؛ لأن ذلك تكليف ما ليس في الوسع، والله تعالى تبرأ عنه بقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وبقوله: {وَمَا جَعَلَ
(2/537)

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
وإما أن نقول: إن الصحيح الذي هو قادر على القيام والركوع والسجود هو غير مأمور في قضاء الصلوات التي فاتته حال مرضه بالقيام والركوع والسجود بل يقضيها بالإيماء، وذلك أيضًا باطل؛ لأن ذلك يوجب ترك العمل بإطلاق قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وغيرهما، وهذه الآية غير متعرضة لحال دون حال، فكان موجبها الإتيان بذلك الموجب إذا كان قادرًا على القيام والركوع والسجود فلا يجوز ترك ذلك الموجب، وأما المسافر في قضاء صلاة فائتة في حالة السفر تقررت عليه بركعتين فلا تتغير بعد ذلك وإن وجد المغير، حتى إن المسافر لو اقتدى بمقيم في قضاء الصلاة لا يجوز وإن كان الاقتداء مغيرًا في الجملة.
ألا ترى أنه لو اقتدى بمقيم في بقاء الوقت تتغير صلاته من الركعتين إلى الأربع، ومع ذلك لا يجوز اقتداؤه بالمقيم خارج الوقت لتقرر الصلاة عليه بركعتين وكذلك في عكسه إذا فاتت الصلاة عن مقيم تقررت عليه بأربع، فلا تتغير بعد ذلك بالسفر؛ لتقررها بالأربع بخلاف حال المرض على ما قلنا.
(2/538)

(وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا) أي ناقصًا؛ لأنه نص محمد- رحمه الله- أن الصلاة لا تفسد وقوله: (وهو فيها لم يتغير) أي لم يتغير من الكمال إلى النقصان فلذلك (لم يفسد).
وقوله: (ووجهه) إلى آخره. جواب للإشكال الذي ذكره بقوله: ولا يلزم "بخلاف حالة الابتداء" أي حالة ابتداء التطوع في الوقت الفاسد، فإنه لا يصح، فكان هذا تتمة رواية هشام.
(وهو ما ذكرنا من شغل الأداء) أي من شغل المصلي الصلاة بالأداء.
(2/539)

وقوله: وهو راجع إلى ما ذكره من بيان الضرورة، وذلك الشغل إنما يتحقق فيما إذا صلى في جزء من الوقت (فانتقل الحكم إلى ما هو الأصل) أي فلذهاب الضرورة عن جعل الجزء سببًا انتقل الحكم إلى ما هو الأصل وهو أن يكون كل الوقت سببًا، وإنما قلنا: إن الأصل ذاك لما أن الإضافة دليل السببية، والإضافة تكون بكل الوقت لا بجزئه حيث يقال وقت صلاة الظهر، ووقت صلاة العصر وغيرهما، فاسم وقت كذا اسم لكله لا لجزئه، فلذلك كان الأصل أن يكون كل الوقت سببًا.
وهذا التقرير جواب عما ورد شبهة على قوله: "فإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية" بأن يقال: لما استقرت السببية على الجزء الأخير من الوقت، وهو في وقت العصر وقت فاسد وجب أن يصح قضاء صلاة العصر في اليوم الثاني في مثل ذلك الوقت؛ لأنه وجب ناقصًا فيتأدى بصفة النقصان.
فأجاب عنه بهذا وقال: انتقال السببية من جزء إلى جزء إلى أن بلغ إلى الجزء الأخير لضرورة أن تقع صلاته في الوقت بصفه الأداء، وأما إذا ذهب
(2/540)

الوقت فاتت تلك الضرورة، فأضيف القضاء إلى جميع الوقت الذي ذهب، وأكثر أجزاء الوقت الذاهب كان صحيحًا لا فاسدًا، فصال كأن جميع الوقت كان صحيحًا، فلذلك لا يقضى في الوقت الناقص.
(فلم يجز أداؤها) أي أداء قضائها.
(ولا يلزم إذا أسلم الكافر في آخر الوقت) إلى آخره. ونقض المسألة إنما يتوجه على تقدير عدم الجواز. وجه الورود هو أنه لما ذكر قوله: "وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا انتقص الواجب فيؤدي بصفة النقصان" ورد عليه ما إذا اسلم الكافر في ذلك الوقت، ثم لم يؤد ذلك إلى أن جاء مثل ذلك الوقت الذي هو وقت الاحمرار فقضى تلك الصلاة التي وجبت عليه بصفة النقصان فإنه لا يجوز.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- في جواب هذا: وإنما يتأدّى بصفة النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينًا في الذمة. واشتغاله بالأداء يمنع صيرورته دينًا في الذمة، وأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق
(2/541)

التفويت بمضي الوقت، صار دينًا في ذمتهن فيثبت بصفة الكمال.
ثم قال: وهذا هو الانفصال عن الإشكال الذي يقال على هذا إذا أسلم الكافر بعد ما احمرت الشمس ولم يصل، ثم أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس فإنه لا يجوز؛ لأن مع تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب دينًا في ذمته بصفة الكمال.
وهذا لأن النقصان في الأداء متحمل بسبب شرف الوقت، فإذا فات الوقت لا يتحمل النقصان؛ لأنه لا جابر للنقصان في الفائت بخلاف ما إذا كان الوقت باقيًا، فإن فضيلة الأداء جابرة لذلك النقصان. ومثله من نذر اعتكاف رمضان هذه السنة أداء وقضاء على ما مر تقريره.
(لم يقبل التعين بتعيينه قصدًا ونصًا) بأن يقول: عينت هذا الجزء للسببية لا يتعين ويجوز الأداء بعده، وإنما يتعين ذلك بالفعل في ضمن الأداء كما في كفارة اليمين، فكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا، وهذا لأن تعيين الشرط أو السبب ضرب تصرف فيه، يعني لو عين العبد الجزء المعين
(2/542)

للسببية بالقول وتعين هو بتعيينه على وجه لا يبقى الجزء الذي بعده سببًا للوجوب، كان هو شركة للشارع في وضع الأسباب.
وبهذا خرج الجواب عما ورد شبهة على هذا القول من خرج إلى السفر باختياره كان واضعًا لسبب قصر الصلاة وفطر الصوم، ولم يكن ذلك شركة في وضع السبب فكيف يكون هذا شركة؟
والجواب عنها أن المسافر باشر السفر بقصده واختياره، والشارع جعل السفر سببًا للقصر والفطر فلم يكن المسافر واضعًا لسبب القصر والفطر، فلا يكون شركة، فكان هو نظير من لبس الخف فإنه يترخص بالمسح عليه، فلا يكون هو واضعًا سبب رخصة المسح بقصده؛ لأن قصده لبس الخف لا وضع سبب الرخصة. بل الشارع هو الذي وضع سببها، فكذا هنا.
(وإنما على العبد أن يرتفق بما هو حقه) أي للعبد أن ينظر إلى رفقه، فإن كان في أول الوقت، بأن كان له شغل في آخر الوقت يصلي في أول الوقت ويتعين للسببية أول الوقت حكمًا ضمنًا لفعله وطلب رفقه، وإن كان رفقه في الجزء الثاني من الوقت إلى الآخر فكذلكن وإن كان رفقه في آخر الوقت بأن كان له شغل في أول الوقت فصلى في أخر الوقت، ويتعين آخر الوقت للسببية ضمنًا لفعله إذ له الاختيار الضروري، وأما الاختيار الكلي ف لله تعالى وحده: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}.
(2/543)

(لأنه مشروع أفعالًا معلومة) هذا احتراز عن الصوم، فإنه شيء واحد مقدر بمقدار النهار.
(ومن حكمه: أن النية شرط ليصير ما له مصروفًا إلى ما عليه) أي ليصير ما له من حقه من منافع أفعاله التي كانت له بطريق العادة في قيامه وركوعه وسجوده مصروفًا إلى ما عليه من العبادة، وذلك إنما تكون العبادة بالنية، وهذا الذي ذكره من الحكم غير مختص بالصلاة، بل النية شرط في جميع العبادات في الصوم وغيره، ولعدم اختصاص هذا الحكم بالصلاة لم يورده في "التقويم" وذكر حكمًا آخر مكانه يختص بوقت الصلاة فقال: ومن حكمه أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض؛ لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت، وقد أدركه وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط لنفس الوجوب.
(ومن حكمه: أن تعيين النية شرط) أي أن يعين بقوله: صلاة الظهر،
(2/544)

أو صلاة العصر، وغيرهما.
(بالاسم المطلق) وهو اسم الصلاة. (لما لزمه التعيين لما قلنا لم يسقط) أي التعيين (بضيق وقت الأداء)، وهذا لأن وقت الصلاة في أصله كان ظرفًا فلا ينقلب من كونه ظرفًا إلى كونه معيارًا، وإن بقي وقت لا يسع فيه إلا أربع ركعات فرض الوقت، وإنما ذكر هذا لدفع شبهة ترد عليه، وهي صوم رمضان، فإنه لما قدر فرضه بوقته لم يحتج هناك إلى تعيين فرض الوقت كما في صوم رمضان، فكيف احتيج هنا إليه ولم يحتج في الصوم.
فأجاب عنها بقوله: (لأن التوسعة أفادت شرطًا زائداّ وهو تعيين النية) إلى آخره (فلا يسقط هذا الشرط) وهو تعيين النية (بالعوارض ولا بتقصير العباد) يعني أن تأخير الأداء إلى آخر الوقت لا يخلو إما أن يؤخر بالعوارض نحو النوم والإغماء، أو بتقصير من المكلف بأن يؤخره اختيارًا، فلا يصلح كل منهما أن يكون مسقطًا هذا الشرط.
أما العوارض فإنها لا تدخل تحت الأصول؛ لأن الأصل عدم العارض، فلا يغير ذلك العارض الحكم الثابت بالأصل إلا بنص من الشارع ولم يوجد.
وأما التقصير فإن سقوط شرط تعيين النية نوع رخصة وترفيه، فلا
(2/545)

يستوجب التقصير رخصة غير ثابتة في الأصل، فإن التقصير مستوجب للتغليظ لا للترفيه.
وقيل: لا يسقط الشرط الأصلي بالعوارض؛ لأن العوارض لا تعارض الأصول.
ألا ترى أن العصمة الثابتة بالإسلام والدار لا تبطل بعارض الدخول في دار الحرب حتى لو دخل مسلمان دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه تجب الدية، ولو بطلت العصمة بعارض دخول دار الحرب لما وجبت الدية. كما لو أسلما ثم ولم يهاجرا إلينا فقتل أحدهما الآخر، وهاهنا أيضًا باعتبار تعدد المشروع وجب عليه تعين الوصف فلا يسقط هذا بضيق الوقت؛ لأنه عارض، ولأن مشروعية غيره باقية بعد ضيق الوقت فكان المزاحم موجودًا، فيشترط تعيين النية.
(وإنما قلنا: إنه معيار له) أي أن الوقت معيار للصوم؛ لأنه (قُدر) أي لأن الصوم قٌدر بوقت الصوم وهو النهار حيث يطول ويقصر بقصره (وعرف به) أي عرف الصوم بالوقت. فقيل الصوم: عبارة عن الإمساك
(2/546)

عن الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية حيث دخل النهار في تعريف الصوم.
(لأن الشرع لما أوجب شغل المعيار به) أي بصوم شهر رمضان (وهو واحد).
فإن قيل قوله: وهو واحد "مستغنى عنه؛ لأن الشرع لما أوجب شغل الوقت به بعد ذلك لا يحتاج إلى قوله: وهو واحد"، لأن الشيء لما كان مشغولًا بشيء لا يتفاوت بعد ذلك أن يكون ذلك الشيء شيئًا واحدًا أو شيئين فلا يسع فيه غيره.
قلنا: ذكره لتأكيد قوله: "أوجب شغل الوقت" أو فيه بيان توحد المشروع في ركنه بخلاف الصلاة، فإن لها أركانًا مختلفة.
(فإذا ثبت له وصف) أي إذا ثبت للمعيار كونه مشغولًا بصوم رمضان انتفى غيره كالمكيل؛ لأن الله تعالى قال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} إلى قوله {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} بدأ الصوم من الخيط الأبيض ثم مده إلى الليل، والصوم عبادة شرعية فتراعى صيغة كلام الشرع، فلذلك كان
(2/547)

الواجب في صيرورة الصوم الشرعي صومًا شرعيًا شغل المعيار به، فإذا كان الصوم هكذا من الفجر إلى الليل يكون هو واحدًا في نفسه ضرورة، فإذا ثبت له وصف فرضية صوم رمضان من الله تعالى انتفى غيره من الأوصاف، فلم يبق غيره مشروعًا.
وهذا التعين لشهر رمضان إنما جاء من قبل محل الصوم وهو النهر، أما المنافع التي يتأدى بها الصوم فباقية على ملك مالكها كما كان قبل رمضان لا أن يستحق عليه منافعه؛ لأن ذلك يفضي إلى الجبر وهو منتف ضرورة، فلذلك احتيج إلى نية نفس الصوم ليقع عبادة.
(لأن شرع الصوم فيه عام) أي متناول للمقيم والمسافر.
(فانعدم فعله) أي انعدم فعل صوم المسافر لغير رمضان لعدم ما نواه أي لعدم الذي نواه من صوم غير رمضان كما في حق المقيم. يعني لو نوى المسافر واجبًا آخر لا يصح عندهما لعدم شرعية واجب آخر في رمضان كما في حق المقيم؛ لأن خطاب قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} عام
(2/548)

فيهما.
(وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- الوجوب واقع على المسافر) أي نفس الوجوب ثابت متقرر عليه لوجود كمال سببه وهو شهود الشهر، (ولهذا صح أداؤه بلا توقف) أي صح أداء المسافر صومه عن فرض الوقت بلا توقف، وهو دليل على تقرر فرض صوم الوقت الذي هو صوم رمضان عليه.
وهذا بخلاف المقيم إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة. هو على سبيل التوقف إن لم يؤد الجمعة بعده يقع ما صلى عن فرض الوقت، وإن سعى إلى الجمعة وأدى الجمعة بحسب ما اختلفوا فيه بطل ظهره، وكذلك لو أدى الزكاة في أول الحول هو على سبيل التوقف هل يبقى عند حولان الحول غنيًا كما كان أم لا؟ فإن لم يبق غنيًا انقلب ما أداه تطوعًا وإلا يقع عن الفرض.
(إلا أنه رُخِّص له الترك) إلى آخره، فحاصل اختلاف الطرفين راجع إلى الأصل الذي ذكرناه في "الوافي" وهو انتفاء صوم آخر، إنما نشأ عندهما باعتبار نفس شهود الشهر وفي هذا المقيم والمسافر سواء، وعند أبي حنيفة-
(2/549)

رحمه الله- إنما نشأ ذلك باعتبار وجوب الأداء وذلك لم يثبت في حق المسافر، فلا يثبت الانتفاء.
(وصار كونه ناسخًا لغيره) أي كون صوم رمضان ناسخًا في شهر رمضان لغيره من الصيامات، إنما يكون إذا أعرض عن الترخص وتمسك بالعزيمة وهو أن يصوم صوم رمضان. يعني أن صوم رمضان إنما يكون ناسخًا لسائر الصيامات على تقدير أن يصوم صوم رمضان. أما إذا ترخص بأن لم يصم صوم رمضان فلا، وله أي للمسافر ولاية الترخص ذلك، وهاهنا ترخص حيث لم يصم صوم رمضان فلم ينتف الصوم الذي هو غير صوم رمضان.
(فإذا لم يفعل بقي مشروعًا) أي إذا لم يصم صوم رمضان بقي صوم غير رمضان مشروعًا.
(والطريق الأول يوجب أن لا يصح النقل) وهو قوله: إلا أنه رخص له
(2/550)

الترك إلى آخره، وإنما لا يصح النفل على تقدير ذلك التعليل؛ لأن الترخص بصوم غير رمضان إنما ساغ له لصرف صومه إلى قضاء ما عليه وليس في صوم النقل قضاء ما عليه، فلا يجوز صوم النفل. بل يقع عن الفرض لوجود نفس الصوم، فصار هو بمنزلة من أطلق النية وهو يقع عن فرض الوقت على ما عليه الصحيح من الرواية.
(والثاني يوجب أن يصح) وهو قوله: "ولأن الأداء غير مطلوب منه" يعني أن أداء صوم رمضان الوقتي غير مطلوب من المسافر في الحال، فكان هذا الوقت في حقه بمنزلة شعبان في حق الكل من حيث إنه غير مطالب بصوم فرض الوقت، وصوم النفل في شعبان جائز من الكل، فكذا يجوز صوم النفل أيضًا من المسافر في شهر رمضان.
(لأن الترخص والترك) أي ترك العزيمة.
(بهذه العزيمة) أي بهذه النية المطلقة يعني لما لم يتحقق الترخص وهو الفطر لوجود نية الصوم تعين صوم الوقت؛ لعدم مزاحمة غيره من الصيامات
(2/551)

كصوم الوقت، وهذا لأن المطلق يتناول الذات فقط، فلما لم يتناول هذا الإطلاق واجبًا آخر؛ لاحتياج الواجب إلى التعين بقي صوم النفل وصوم الوقت، وإنهما يؤديان بمطلق النية غير أن صرف مطلق النية إلى صوم الوقت أولى من صرفه إلى النفل؛ إما لأن النفل لا يجوز، أو لأن صوم الوقت عزيمة والنفل رخصة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى.
وهذا هو الجواب عما لو قيل: ينبغي أن لا يصاب صوم الوقت بمطلق النية من المسافر؛ لأنه لم يتعرض لصوم الوقت لإطلاق النية؛ لأنا نقول: إن فرض الوقت يتعين بمطلق النية؛ لأنه وقته، والواجب الآخر لا يتأدى بمطلق النية في غير رمضان، فما ظنك في رمضان، فبعد ذلك بقي صوم لوقت وصوم النفل، فصرف مطلق النية إلى فرض الوقت أولى من صرفه إلى النفل لما ذكرنا.
(فوات شرط الرخصة) وهو حقيقة العجز. فيستوجب الرخص لعجز
(2/552)

مقدر أي لعجزه تقديرًا وإن لم يكن تحقيقًا، فوات شرط الرخصة وهو العجز التقديري يعني أن رخصة المسافر باعتبار سبب ظاهر- وهو السفر- قام مقام العذر الباطن، وذلك لا ينعدم بفعل الصوم فيبقى له حق الترخيص (فيتعدى) أي الحكم (بطريق التنبيه).
أي نبهنا الشارع بإباحة الفطر في هذا الوقت للمسافر على جواز الترخص له بأداء واجب آخر بالطريق الأولى؛ لأن الأول حاجة دنيوية والثاني حاجة دينية، وهي الأهم؛ لأن السعي في الحاجة الدينية سعي في تخليص نفسه عن عقوبة النار وهي أشد من مشقة تلحقه في السفر بسبب صوم القضاء؛ لأنه لو لم يصم صوم القضاء في سفره عسى هو لا يحيا إلى وقت الإقامة فيصوم فيه، فحينئذ يبقى في عقوبة ترك صوم القضاء وهي أدهى وأمر.
والتنبيه قد يكون إظهار العلة كما في قوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" فالنبي عليه الصلاة والسلام نبه بهذه العلة بأن الحكم منها متعد إلى غيرها من السواكن.
(وقال زفر- رحمه الله- ولما صار الوقت متعينًا) إلى آخره، هذه المسألة متصورة فيمن اعتاد الفطر في رمضان كالمريض والمسافر والمتهتك ثم لم يأكل ولم يشرب في يوم رمضان ولم يخطر بباله لا الفطر ولا الصوم، فعندنا لا
(2/553)

يصير صائمًا، وعند زفر يكون صائمًا، كذا ذكره فخر الإسلام في "شرح الجامع الصغير" وهذا لأنه لو نوى الفطر ثم لم يجد شيئًا يأكله لا يكون بهذا الإمساك صائمًا بالاتفاق؛ لأن نيته الفطر قطع إمساكه عن أن يكون صومًا.
وقال زفر: إن هذا الوقت صار متعينًا للفرض، ولم يشرع فيه غير صوم الوقت، فصارت منافعه مستحقة كفرض الوقت.
قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن منافعه لو استحقت لوقع الصوم منه من غير اختياره وذلك جبر، والمأمور به أبدًا يكون فعلًا اختياريًا؛ لأنه لتحقيق الابتلاء، وذلك إنما يكون في الفعل الاختياري، ولا يلزم من عدم شرعية غير الفرض استحقاق منافعه، كما ينعدم في الليل أصلًا ولا استحقاق ثَمَّ.
إذ لو كان العدم باعتبار استحقاق المنافع يلزم أن يكون عدم شرعية الصوم في الليل باستحقاق المنافع وليس كذلك؛ لأن المنافع في الليل للعبد، فيثبت أن عدم شرعية غير الفرض ليس باستحقاق المنافع بل باعتبار أنه لم يشرع، وإذا لم يستحق منافعه يكون مأمورًا بصرف ما له من المنافع إلى ما عليه، وعدم العزيمة ليس بشيء، فلم يحصل به صرف ما له على ما عليه.
(2/554)

فإن قيل: قد وجد الإمساك منه بطريق الاختيار؛ لأن الكلام فيمن يجد ما يؤكل ومع ذلك تمسك عن الأكل حتى إن من نوى الفطر، ثم لم يجد شيئًا يأكله، لا يكون صائمًا بالاتفاق وقد مر، ثم لما كان الإمساك هنا بطريق الاختيار لم يكن إمساكه جبريًا، فحينئذ لم يصح هنا دفع قول زفر: بأن هذا الإمساك منه جبري لا اختيارين فلا يصح أن يكون عبادة.
قلنا: من الإمساك ما لا يكون اختياريًا بأن كان لا يجد شيئًا إذا كان مريضًا أو مغمى عليه قبل دخول ليلة رمضان، وما كان فيه اختياريًا يحتمل أن يكون عادة أو حمية فلا يكون عبادة بدون النية لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} والإخلاص إنما يتحقق بالنية؛ لأن النية لتمييز العبادة من العادة، وذلك لا يكون بدون اختياره عبادة لله، فتشترط النية لذلك.
وقوله: (كصاحب النصاب إذا وهب من الفقير بعد الحول) أي يكون مؤديًا للزكاة، وإن لم ينو بهبته الزكاة لتعين قدر الزكاة في هذا النصاب للزكاة.
فإن قيل: تمليك النصاب من الفقير بأي وجه أدي لا يقع عن الزكاة عند زفر؛ لأن الغنى قارن الأداء، فكيف أورده نظيرًا، وهو على خلاف مذهبه؟
(2/555)

قلنا: إيراده للنظير من حيث أن المستحق لشيء إذا وجد صرفه إلى ذلك الشيء يقع عن المستحق بأي وجه صرفه إليه كما في هبة النصاب للفقير، والهبة غير الصدقة، ومع ذلك تنوب الهبة عن الصدقة لوصول الحق إلى المستحق، فبعد ذلك يحتمل أن يكون المراد منه الفقراء بأن فرق النصاب بلفظ الهبة إلى الفقراء، فلم يكن الغنى مقارنًا للأداء، ولو كان المراد منه الفقير الواحد يجب على أن يحمل أنه الفقير المديون، أو وهبه إليه متفرقًا بعد ما صرف هو بعضه إلى حوائجه.
أو قال: على قود مذهبكم (وكأجير الواحد يستحق منافعه) فإن أجير الواحد إذا فعل فعلًا للمستأجر بأي وجه يفعله بطريق الإعانة أو التبرع كان فعله واقعًا عن الفعل الواجب؛ لاستحقاق المستأجر منافع فعله.
(بل الشرع لم يشرع في هذا الوقت مما يتصور فيه الإمساك قربة إلا واحدًا، فانعدم غير الفرض الوقتي؛ لعدم كونه مشروعًا لا باستحقاق منافعه).
فإن قلت: كما أن صوم غير رمضان غير مشروع، فكذلك الإمساك لغير
(2/556)

الصوم أيضًا غير مشروع في رمضان، فينبغي أن يتعين مطلق إمساكه لصوم رمضان على هذا التقدير.
قلت: نعم كذلك إلا أن الصوم عبادة، وتلك إنما تكون بأداء منه عن اختيار، فلا يتحقق ذلك بدون النية؛ لأن العدم ليس بشيء والعبادة شيء، فلا يصلح العدم أن يكون محققًا للوجود.
وقوله: (لأن عدم العزيمة ليس بشيء) هذا احتراز عن مسألة الزكاة فإن فيها لفظ الهبة وهو موجود، فيصلح أن يكون هو مجازًا عن الصدقة بدلالة أن المصروف إليه فقير، فكان المبتغي بها وجه الله تعالى دون العوض، وهو معنى الصدقة، فلذلك لم يتمكن من رجوع الهبة التي وهبها للفقير.
وكذلك لو وهب عشرة دراهم للفقيرين يجوز بالإجماع استعارة الهبة من الصدقة بخلاف ما نحن فيه، فإن فيه عدم العزيمة، والعدم لا يصلح أن يكون مستعارًا عن العزيمة بخلاف أجير الواحد؛ لأن المنافع وإن كانت مستحقة عليه فذلك لا يمنع وجوب الأجرة، ولا تقتضي نية وقوع منافعه عما استحق عليه؛ لأنه ليس بعبادة، والعبادة هي التي تفتقر إلى الاختيار، وأما الفعل المستحق من العبد، فقد يكون اختياريًا وقد يكون جبريًا، أما العبادة فلا تتحقق إلا بالاختيار فافترقا.
(2/557)

(وقال الشافعي: لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين) في أصله ووصفه؛ لأن معنى القربة معتبر في الصفة، كما هو معتبر في الأصل إلى آخره.
(2/558)

فزفر- رحمه الله- غلا في القول بتعين صوم رمضان حتى أسقط النية أصلًا في الأصل والوصف، مع أن العبادة لا تتحقق بدون النية أصلًا.
والشافعي- رحمه الله- أيضًا غلا في القول بعدم تعينه حتى اشترط النية في الأصل والوصف، وذلك الغلو تقصير منه في الاجتهاد لا لغاية تعين الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل صوم رمضان متعينًا حيث لم يجز فيه صوم غير رمضان.
ونحن توسطنا بينهما. لما أن دين الله بين الغلو والتقصير حيث اشترطنا النية في أصل الصوم؛ لتمتاز العبادة عن العادة؛ لأنه ما لم يعزم على الصوم لا يكون صارفًا ما له إلى ما هو مستحق عليه، ثم لما تعينت جهة الصوم بنية أصل الصوم حتى امتازت العبادة عن العادة لم يحتج إلى تعيين وصفه، وهو تعيين فرض الوقت؛ لأنه لما لم يشرع فيه غير صوم رمضان لأي معنى يحتاج إلى تعيين صوم رمضان، بل اشتراطه كان اشتراطًا لتعيين المعين، وهو لغو؛ لأن التعيين إنما يصح في المتردد بين الشيئين وهاهنا بعد وجود أصل الصوم منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته؛ لأنه لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعًا، فلا يشترط التعيين في الصفة (فأصيب بمطلق الاسم) أي أصيب صوم رمضان بمجرد قوله: نويت أن أصوم (ولم يفقد بالخطأ في الوصف) أي لم يفقد صوم رمضان بل يوجد بخطئه في اسم صوم رمضان، بأن قال: نويت صوم التطوع أو واجب آخر، وهذا لأن صوم رمضان متعين في زمانه،
(2/559)

لعدم شرعية صوم غير رمضان، فكان مصابًا بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف. كالشخص المتعين في المكان بأن لم يكن في الدار إلى زيد مثلًا يصاب هو باسم جنسه بأن قيل: يا إنسان، وبالخطأ في الوصف بأن قيل: يا عمرو، فيجيبه زيد.
أو نقول: لو أخطأ في وصفه وقال لأبيض: يا أسود، أو يا أحمر يجب عليه الجواب.
فإن قيل: ليس هذا الذي ذكره من صورة الخطأ، فإن الخطأ هو الوقوع في غير صواب من غير قصد وهاهنا لو كان قاصدًا فيه أو غير قاصد يصيب بصومه هذا صوم رمضان.
قلنا: المراد من الخطأ هنا هو عدم الإصابة في النية، لكن يصيب صوم رمضان هنا لوجود نية أصل الصوم وهو كان هنا لإصابة صوم رمضان لتعينه.
فإن قلت: إصابة صوم رمضان بمطلق الاسم لو كانت باعتبار تعينه في زمانه بحيث لم يشرع في ذلك الوقت غير صوم رمضان ينبغي أن لا يصيب المسافر صوم رمضان إذا أطلق النية عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لأن عنده صوم غير رمضان مشروع في حقه، وقد نص المصنف- رحمه الله- في هذا
(2/560)

الكتاب: أن المسافر إذا أطلق النية يقع صومه عن رمضان هو الصحيح فما وجهه؟
قلت: صرف المطلق إلى المقيد هناك لا لاعتبار أن صوم غير رمضان غير مشروع عنده، بل باعتبار دلالة حال المسافر، فإنه لما اختار الصوم مع تحمل المشقة العظيمة، فالظاهر أنه أراد الفرض الوقتي لا النفل.
كما أن الواجب الآخر لا يصاب بمطلق النية، فلو أصيب في حق المسافر بمطلق النية إما أن يصاب النفل أو الفرض الوقتي، والفرض الوقتي أولى من صوم النفل فحمل على الفرض الوقتي بدلالة حالهن فكان هذا كدلالة إطلاق الحج على حجة الإسلام لظاهر حال المؤدي، وإن كان يصح غيرها عند التصريح به.
فإن لحمل المطلق على المقيد أسبابًا كما أن التعيين في الزمان أو المكان يصلح لذلكن فكذلك دلالة حال المؤدي تصلح له أيضًا، فكان هذا منا قولًا بموجب العلة.
والقول بموجب العلة هو التزام ما يلزمه المعلل بتعليله، وهاهنا كذلك؛ لأن الشافعي لما علل لتقرير مذهبه بقوله: لما كانت منافعه مملوكة لم يكن بد من تعيين النية في حق صوم رمضان ليمتاز هو من سائر منافعه؛ قلنا بموجب ذلك القول، ونقول: لابد من تعيين النية إذ هو عبادة، فلابد للعبادة من
(2/561)

النية لكن إطلاق النية منه تعيين له؛ لأن أن التعيين منه ساقط، وهذا لأن التعيين لا يخلو إما أن كان هو لتعيين غير المعين أو لتعيين المعين، فالأول غير ثابت هنا لتعينه في زمانه شرعًا حتى إن صوم غير رمضان غير مشروع في ذلك الوقت؛ لتعين هذا الوقت لصوم رمضان، والثاني لغو فلا يصح، فثبت بهذا أن التعيين فيه ثابت، فكان الإطلاق منه تعيينًا لا أن التعيين عنه ساقط.
(فإذا تراخى بطل) أي فإذا تراخى التعيين عن أول أجزاء الفعل بطل الفعل (فإذا اعترضت العزيمة) أي النية.
(2/562)

و (لأن إخلاص العبد) أي لأن نية العبد.
(وهذا بخلاف التقديم) وبهذا فرق الشافعي بين قوله هذا، وبين قولنا: لما يصح تقديم النية مع انفصاله عن الركن فلأن يصح التأخير، وهو متصل بالركن أولى.
(ولم يعترض عليه ما يبطله) أي لم يعترض على ما قدّم من النية على الصبح ما ينافيه ويبطله من الأكل في النهار وغير ذلك؛ لأن الشيء إنما يبطل بما يضادّه ولم يوجد؛ لأن الأكل والشرب والمباضعة في الليل لا ينافي الصوم؛ لأن من شرط المنافاة اتحادَ المحل، والليل ليس بمحل للصوم أصلًا، فالأكل وما يشبهه لا ينافي عزيمته (فبقي)؛ لان الشيء إذا ثبت لا يبطل إلا بما ينافيه ولم يوجد.
(فأما المعترض) أي المتراخى من النية من أول الصبح (لا يحتمل التقديم).
(وجب الفصل بين هذين الوجهين) أي بين وجهي التقديم والتأخير
(2/563)

يعني إذا قدم النية على الصبح في صوم القضاء يجوز، وإذا أخرّ النية عن الصبح لا يجوز، وهذا بالإجماع، فينبغي أن يكون فيما نحن فيه أيضًا على وفاق ذلك أن قدم النية يجوز وإن أخرّها لا يجوز.
(وهذا الإمساك واحد غير متجزئ صحة وفسادًا). بدليل أن المفسدَ إذا وُجد في آخر جزء من النهار يشيع في الكل، ولأن الإمساكات وإن كانت كثيرة فهي بمنزلة إمساكة واحدة لدخولها تحت خطاب واحد، وهو قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ}.
فإن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد كان الكل كشيء واحد، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} لّما ثبت بخطاب واحد جُعل جميع الأعضاء كعضو واحد في حكم جواز نقل البَلّة من عضو إلى عضو آخر، بخلاف أعضاء الوضوء، فإنما لَّما ثبتت بخطابات مختلفة جُعلت أشياءُ في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
فلم يجز نقل البلّة من عضو إلى عضو إلى آخر؛ وهذا لأن الألفاظ قوالب المعاني، ولا يُضرب لَبنان في ملبن واحد، ثم بالاتفاق لا يشترط اقتران النية بأداء جمعيه، فإنه لو لأغمي عليه بعد الشروع في الصوم تأدى صومه، ولا يشترط اقتران النية أيضًا بأول حال الأداء، فإنه لم قدم النية تأدى صومه وإن كان غافلًا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم، وكان ذلك لدفع الحرج،
(2/564)

وهذا الحرج لا يندفع بجواز تقديم النية في جنس الصائمين، ففيهم صبي يبلغ ومجنون يفيق في آخر الليل.
وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين أمر الصوم، ونية النفل عنده لا يتأدى بها إذا تبين، وإذا بقي معنى الحرج قلنا: لما صح الأداء بنية متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء، فلأن يصح بنية متأخرة لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى.
(والثبات على العزيمة حال الأداء) أي حال بقاء الأداء (ساقط بالإجماع)، حتى لم يجب عليه أن يقول: في جميع النهار نويت الصوم نويت الصوم إلى الآخر.
ألا ترى أنه إذا شرع في الصوم ثم أغمي عليه يصح الصوم منه وإنما قيد بقوله: "حال الأداء" أي حال الصوم احتراز عمن رجع عن نية الصوم في الليل، فإن رجوعه يصح.
وذكر في "الخلاصة" رجل نوى في الليل أن يصوم، ثم بدا له في الليل أن لا يصوم وعزم على ذلكن ثم أصبح من الغد وصام لا يكون صومه جائزًا؛ لأن عزيمته قد انتقضت بالرجوع.
(2/565)

(وصار حال الابتداء هاهنا) إلى آخره يعني أن ابتداء الصوم كبقاء الصلاة في أنه يتعذر اقتران النية بهما أو يتعسر، وصار بقاء الصوم بمنزلة ابتداء الصلاة في أنه لا يتعذر اقتران النية بهما.
(ثم هذا العجز أطلق التقديم) أي العجز عن النية حال ابتداء الصوم جوز تقديم النية عليه بالإجماع مع خلو اقتران النية مع ركن الصوم إلى آخره، وقد ذكرناه.
(ونقصان حقيقة الوجود عند الأداء) أي نقصان حقيقة وجود النية عند ابتداء أداء الصوم (على حد الإخلاص) يعني يشترط اقتران النية بالمنوي ليخلص لله تعالى. وذلك إنما يكون إذا كان محتملًا غيره؛ لأن النية تعيين بعض المحتملات، والإمساك في النهار قد يكون لله تعالى من حيث إنه قهر عدوه، وقد يكون لغير ذلك كحمية أو قلة اشتهاء أو غير ذلك، فلابد من النية ليتميز عن سائر المحتملات وهو حد الإخلاص.
(والعجز الداعي إلى التأخير موجود في الجملة).
فإن قيل: لو كان جواز التأخير باعتبار الحاجة والعجز الداعي إليه لاختص
(2/566)

ذلك بالمعذور، وعندكم القادر على تبييت النية لو ترك التبييت ونوى من النهار يجوز أيضًا.
قلنا: إنه لما لم يقدم النية وعجز عن التقديم فصار هو معذورًا أيضًا، ولأن الذي ذكره لا يقتضي الاختصاص بالمعذور، فإنه قال: العجز الداعي إليه في الجملة موجود، وليس يلزم من وجود العجز في الجملة وجوده على وجه العموم.
(ولهذا رجحان في الوجود) أي إذا أخَّر النية يوجد اقتران النية بالمنوي الذي هو فعل الصوم.
(وهو حد حقيقة الأصل)؛ لأن الأصل هو أن تنصل النية بالمنوي حقيقة، وحقيقة العارض أن تتصل النية بالمنوي تقديرًا، وهو فيما إذا نوى في أول الليل.
(ونقصان القصور عن الجملة بقليل يحتمل العفو)؛ لأن القليل يحتمل العفو في الجملة كالنجاسة وانكشاف العورة وغيرهما بخلاف الكثير.
يعني أن النية قاصرة في التأخير عن جملة الإمساكات؛ لأن النية عند ابتداء وجود الصوم لم تكن موجودة حقيقة.
(2/567)

فصار حاصل الكلام أن للتقديم فضلًا، ونقصانًا، وكذلك للتأخير فضل ونقصان، (فاستويا في طريق الرخصة) أي التقديم والتأخير كل منهما رخصة للمكلف، فيجب أن يكون كل منهما جائزًا، فرخصة التقديم ثابتة بالاتفاق فيجب أن تكون رخصة التأخير ثابتة؛ لأن الحكم إذا ثبت لأحد المتساويين يثبت للآخر ضرورة.
إذ لو يثبت لاختلفا حين استويا وهو محال، (بل هذا راجح)؛ لأن فيه شبه العزيمة؛ لأن العزيمة اقتران النية بالمنوي، وفيما ذكرنا بعض العزيمة موجود وهو اقتران النية بالمنوي، والمتقدم تمحض رخصة، وليس فيه شبه العزيمة لخلو جميع الصوم عن حقيقة النية، ومعنى الرخصة فيه هو بإقامة الأكثر مقام الكل، فكان في التقديم تمحض رخصة، وفي التأخير عمل بشيء من العزيمة، فكان هو أرجح.
فإن قيل: جعلت الدليل المجوز الذي هو دليل المساواة دليل الترجيح، وهذا لا يجوز؛ لأن أحد المتساويين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح لا بنفسه.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن دليل التسوية بينهما هو العجز؛ لأن العجز هو المجوز للتقديم والتأخير على ما ذكرنا، وأما ما ذكرنا من اقتران النية بالمنوي فشيء آخر سوى العجز فيثبت به الرجحان، ولئن سلمنا أن دليل الجواز فيهما هو المرجح لأحدهما. قلنا: يجوز ذلك إذا كان أحد الدليلين قويًا في ذاته.
(2/568)

ألا ترى أن أحد القياسين يجوز أن يترجح على الآخر لقوة فيه، كما قلنا في طول الحرة إنه لا يمنع الحر من نكاح الأمة، إنه نكاح يملكه العبد بإذن مولاه إذا دفع إليه مهرًا يصلح للحرة والأمة، وقال: تزوج من شيءت، فيملكه الحر كسائر الأنكحة، وهو أولى من قول الشافعي إنه يرق ماءه على غنية وذلك حرام عليه كالذي تحته حرة لقوة في تعليلنا على ما عرف، وكذلك المشهور يترجح على خبر الواحد كالآية راجحة على السنة، فعلم بهذا أن دليل المجوز يصلح أن يكون مرجحًا إذا كان قويًا في ذاته.
(وجب المصير إلى ما له حكم الكل من وجه خلفًا عن الكل من كل وجه) كما في المضمونات، إذا انقطع المثل صورة ومعنى أو ليس لها مثل يصار إلى الخلف وهو القيمة.
(ولا ضرورة في ترك هذا الكل الثابت تقديرًا فلم نجوزه بعد الزوال).
فإن قيل: لو أقام المسافر بعد الزوال أو أفاق المجنون بعد الزوال كان محتاجًا إلى النية بعد الزوال، فكانت الضرورة قائمة فيه أيضًا.
(2/569)

قلنا: لو اعتبرنا ذلك يلزم أن يوجد الصوم بدون النية، والصوم عبادة محتاجة إلى النية، فلابد أن تكون النية موجودة. إما في الكل الحقيقي أو في الكل التقديري لما أن العبادة لا اعتبار لها بدون نية العبادة، فكان القول بجواز العبادة بدون النية في الكل التحقيقي أو التقديري قولًا لا يخفى فساده.
فإن قيل: لما اعتبر الكل التقديري في هذا وجب أن يصح صومه إذا وجدت النية في ربع اليوم؛ لأن الربع قام مقام الكل في بعض الأحكام.
قلنا: لا كذلك لما أن القياس هو ما قاله الشافعي أن تكون النية بجميع المنوي، ثم لما عدل عنه بالدليل لم يكن بد من أن توجد النية في الذي يشبه الكل، ويقارنه من حيث الحقيقة وهو أكثر اليوم.
وأما الربع فليس له مقارنة بالكل الحقيقي إلى أنه ورد السمع بإقامته مقام الكل في بعض الأحكام، ولم يرد هنا سمع بإقامة الربع مقام الكل، فأجرينا الحكم على وفق القياس لذلك، فلم نقم الربع مقام الكل؛ ولأن الاحتياط هناك في إقامة الربع مقام الكل، والاحتياط هاهنا في إقامة الربع مقام الكل.
(وبطل الترجيح بصفة العبادة) يعني أن الشافعي يرجح مذهبه باعتبار الاحتياط في العبادة وهو أن الجزء الأول من النهار مفتقر إلى النية، فإذا خلا
(2/570)

منها فسد، وإذا وجدت النية بعد ذلك فقد اقترنت النية بأكثر النهار، فيجوز لاقتران النية بأكثر النهار فتعارض، فرجحنا جانب الفساد في العبادة احتياطًا.
قلنا: وهذا نوع ترجيح يرجع إلى حال الوجود؛ لأن الصحة والفساد للعبادة حال.
(والكثرة والقلة من باب الوجود) أي من باب وجود الموصوف؛ لأن المراد من الكثرة هو كثرة الأجزاء، والأجزاء إذا تكاملت كانت ذات الموصوف، فعلم بهذا أن الترجيح بالكثرة ترجيح بمعنى راجع إلى الذات.
فعند تعارض الترجيحين كان الترجيح بمعنى يرجع إلى الذات أولى من ترجيح بمعنى راجع إلى الحال لما يأتي بيانه (في أبواب الترجيح) أي في أنواع الترجيح؛ لأنه يذكر للترجيح إلا بابًا واحدًا لكن ذكر له أنواعًا.
(ولأن صيانة الوقت الذي لا درك له أصلًا على العباد واجبة)؛ لأ، الله تعالى فرض على عباده الأداء في هذا الوقت، ولا يمكن الأداء إلا في هذا الوقت، فيجب عليهم صيانة هذا الوقت ليتمكنوا من أداء العبادة، وصيانة
(2/571)

الوقت تكون تارة باقتران النية بجميع الإمساكات هو الأصل، فإذا لم يصن العبد هذا الوجه أمكنه صيانة هذا الوقت بوجه آخر، وهو أن تقرن النية بأكثره لما أن الأكثر بمنزلة الكل، فيصار إلى هذا احترازًا عن فوت العبادة عن وقتها أصلًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
فإن قلت: هذا كله إنما يصح أن لو كان للذي قلته من جواز تأخير النية عن أول العبادة له نظير في الشرع، وليس له نظير فيه لاستلزام ذلك كون النية المتأخرة متقدمة ولا نظير له في الشرع.
وأما ما قاله الشافعي من جعل النية المتقدمة متأخرة تقديرًا فله نظير في الشرع كما في الصلاة والزكاة إذا تقدمت النية على التكبير ثم كبر للصلاة من غير حضور النية عنده، ونوى الزكاة عند عزل مقدار الواجب ولم تحضره النية عند الأداء إلى الفقير يجوز، ولما كان كذلك كان من الاحتياط أن يقال بالفساد ليقضه بعد مضي شهر رمضان حتى يخرج عن عهدة الفرض بيقين.
قلت: لا كذلك، بل الاحتياط فيما قلنا؛ لأنه لما دل الدليل على الجواز، ومع ذلك لو لم يؤد الفرض في وقته على حسبان أن ذلك مفسد لصومه يبقى
(2/572)

في إثم التفويت عن وقته لم يكن ذلك عملًا بالاحتياط.
وأما الذي قلته من جعل النية المتأخرة متقدمة، فليس كذلك بل فيما قلناه انقلاب الإمساكات الموقوفة إلى صوم الوقت عند وجود النية في أكثره لتعين الوقت لصوم الوقت، فلما وجدت النية في أكثره انقلبت الإمساكات إلى صوم الوقت؛ لأن النية المتأخرة صارت متقدمة، ولا ينكر أن يكون الأمر موقوفًا في أوله إلى أحد الحالين الذي يظهر في عاقبته في الحسي والشرعي في العبادة وغيرها، ففي الحسي من رمى سهمًا إلى إنسان فإن أمره موقوف، فإنه يصيبه أم لا؟ فعلى حسب اختلاف حاله يختلف حكمهن وفي غير العبادات من الشرعي بيع الفضولي والتعليقات.
وأما العبادات فكسلام من عليه سجدة السهو، فإن أمره موقوف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- أنه يسجد أم لا؟ فإن سجد عاد إلى حرمة الصلاة وإلا فلان وعلى ذلك تُبتنى صحة اقتدى المقتدي عليه وعدم صحته.
وكذلك من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه هل يسعى إلى الجمعة بعده أم لا؟ فعلى ذلك بقاء ظهره صحيحًا وعدم بقائه، وهو كثير النظير كمن صلى الوقتية مع تذكر الفائتة عند قلة الفوائت على قول أبي حنيفة- رحمه الله- وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها وصلت صلوات، فأمر صلاتها موقوف إلى عود الدم، وعدم عوده بالفساد والصحة، ولما كان كذلك
(2/573)

كان ما قلناه من توقف الإمساكات إلى وجود النية منه في أكثر النهار لتعين الوقت لصوم الوقت طريقًا مسلوكًا في الشرع وغيره، فكيف يقال إنه غير معهود في الشرع!!
وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: "ولم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول مع احتمال الصحة" (إن أداء العبادة في وقتها مع النقصان أولى) خصوصًا في حق صوم رمضان، وقد جاء الحديث (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
وقوله: (فصار هذا الترجيح متعارضًا) أي صار ترجيح الشافعي مع ترجيحنا متعارضين فإن ترجيحنا بكون العبادة مؤداة في وقتها مع النقصان تقتضي الصحة مع النقصان، فيعارضه ترجيح الشافعي بقوله: إن الجزء الأول من النهار لما عري عن النية حكم بفساد العبادة فتعارضا؛ لأن كل واحد من الترجيحين راجع إلى حال وجود العبادة بخلاف ترجيحنا الأول، فإن ذلك ترجيح بمعنى راجع إلى ذات الوجود، وترجيح الشافعي راجع إلى حال الوجود، فترجح ترجيحنا هناك فلم يعارضه ترجيح الشافعي، فلذلك كان هو دالًا على وجوب الكفارة بخلاف الترجيح الثاني؛ لأنه ضعف
(2/574)

بالمعارض، فصار له شبهة عدم الصوم فلا تجب الكفارة.
قوله: (لم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول) جواب عما قاله الشافعي، وهو قوله: وجب التعيين من أوله، فإذا خلا عن النية فسد ونية العبد في النهار لا تظهر فيما مضى والجواب: إنا لا نقول بطريق الاستناد بأن توجد النية في الوقت الذي نوى من النهار، ثم يرجع قهقرى إلى أول النهار بأن تجعل النية المتأخرة متقدمة. بل نقول: إن نية العبد وإخلاصه كانت موجودة في أول النهار تقديرًا لتوقف إمساكات أول النهار إلى وجود النية في أكثر النهار، فلم يفسد الجزء الأول لذلك.
وعند النية في أكثره كان صومه صحيحًا؛ لوجود النية في بعضه تقديرًا وفي أكثره تحقيقًا، كما جعلت النية المتقدمة على الصبح موجودة عند الصبح تقديرًا، فكذا في عكسها إذا تأخرت النية ووجدت في أكثر النهار جعلت
(2/575)

موجودة مقترنة بجميع النهار تقديرًا إقامة للأكثر مقام الكل، وهذا لأن النية إذا وجدت حقيقة في أول النهار فهو في معنى تقدير النية من وجه؛ لأن النية إنما يحتاج إليها ليصير الإمساك قربة إذا وجد الإمساك على خلاف العادة، ولا يظهر قرته في أول النهار لقصوره؛ لأن القربة فعل يلحق بها إلى البدن مشقة ولا مشقة في أول النهار؛ لأن كل أحد يعتاد الإمساك في أول النهار فصار كونه قربة تقديرًا.
(وفاء لحق الصوم وتوفيرًا لحظه) أي مساويًا لحق الصوم وتكميلًا لنصيبه. يعني لما كانت القربة تقديرًا في أول النهار واحتاجت تلك القربة التقديرية إلى النية التقديرية لا زائدة عليها، فلذلك كان تجويز تلك القربة التقديرية بالنية التقديرية مناسب لحال تلك القربة فتجوز، وهذا معنى قوله: "فصار إثبات العزيمة فيه تقديرًا لا تحقيقًا وفاءً لحقه".
(وعلى هذا الأصل قلنا) أي من الأصل الذي ذكرنا بقولنا: وهذا
(2/576)

الإمساك واحد غير متجزٍ صحة وفسادًا.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وعلى هذا الأصل قلنا في صوم النفل إنه لا يتأدى بدون العزيمة قبل الزوال؛ لأن الركن الذي به يتأدى الصوم لا يتجزى وجودًا، ولا يتصور الأداء إلا بكماله، وصفة الكمال لا تثبت بالنية بعد الزوال حقيقة ولا حكمًا، وتثبت بالنية قبل الزوال حكمًا باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، ولا يرد على ما قلنا: الإمساك الذي يندب إليه المرء في يوم الأضحى إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم، وإنما حنُدب إليه لما ذكر في الكتاب.
ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد، فلهم حق التضحية بعد طلوع الفجر، وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة حتى فسد بوجود المنافي؛ من الأكل والشرق والحيض والنفاس.
(ومن هذا الجنس الصوم المنذور في وقت بعينه) أي من جنس إذا صار متعينًا للصوم؛ إما بشرع الشارع كرمضان أو بنذر العبد بإذن الشارع يصاب بمطلق النية ونية النفل، ويتوقف الإمساك في أول النهار لهذا المتعين أي إذا
(2/577)

نوى النفل أو أطلق النية كان ناويًا للمنذور؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى.
(لما انقلب بالنذر صوم الوقت)، وهو النفل لا يقبل وصفين متضادين، لأن النفل لا مؤاخذة فيه، وفي الوجوب مؤاخذة، فإذا ثبت الوجوب انتفى النفل ومع الخطأ في الوصف بأن نوى النفل.
(وولايته لا تعدوه)؛ لأن الولاية للعبد قاصرة.
(لحقه فلا) أي فلا يصح تعيينه لحق صاحب الشرع فاعتبر في احتمال ذلك العارض وهو القضاء والكفارة. (بما لم ينذر) يعني نذره لا يظهر في إبطال هذا الوقت من أن يكون محلًا للقضاء والكفارة؛ لأن ولايته لا تعدوه. إذ لو ظهر نذره في ذلك صار تبديلًا للمشروع، وذا لا يصح كمن سلم وعليه سجدتا السهو يريد به قطع الصلاة تبطل هذه العزيمة؛ لكونه مبدلًا للمشروع، فكذلك هاهنا.
(2/578)

(فمثل الكفارات المؤقتة بأوقات) أي المؤقتة بالنهر دون الليالي.
(والوقت فيها معيار لا سبب) فإن السبب نذره، (ومن حكمها أنها من حيث جعلت قربة لا تستغني عن النية) إلى آخره. اجتمع فيها الأمران؛ كونها قربة وكونها غير معينة، فمن حيث إنها قربة لا تستغني عن النية لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وذلك بالنية والفعل وذلك في أكثر الإمساك الذي له حكم الكل.
(ومن حيث إنها غير متعينة لا يتوقف الإمساك) على العارض من القضاء والكفارة، بل يتوقف على أصل المشروع (وهو النفل)؛ لأن الشيء إنما يتوقف على الأمر الأصلي لا على الأمر العارضي. (لأنه محتمل الوقت) - بفتح الميم على صيغة اسم المفعول- لأن الواجب محتمل الوقت لا موجبه (وإنما التوقف على الموضوعات الأصلية) أي الإمساك في أول الوقت بغير نية متوقف على نية النفل هو الموضوع الأصلي، (فأما إذا توقف على وجه) أي
(2/579)

على النفل في مسألتنا وعلى صوم رمضان.
(فهو المشكل منه) أي من النوع الرابع (وهو حج الإسلام)، فوجه الإشكال فيه من وجهين:
أحدهما- بالنسبة إلى سنة واحدة وهو أن أشهر الحج تشبه وقت الصلاة من حيث إن الوقت يفضل عن الأداء؛ لأن الحج أركان معلومة تؤدى في أزمنة متعينة وأمكنة متعينة فصار كوقت الصلاة، فصار الوقت ظرفًا له، وتشبه وقت الصوم من حيث إنه لا يسع فيها إلا حج واحد، فصار الوقت معيارًا له، وفي وقته اشتباه أيضًا، فالحج فرض العمر ووقته أشهر الحج من
(2/580)

سنة من سني العمر، فباعتبار أن أشهر الحج من السنين التي تأتي من عمره كان الوقت يفضل عن الأداء فكان موسعًا، ومن حيث إن ذلك من عمره محتمل في نفسه لا يفضل فصار مضيقًا، فلذلك صار أمره مشتبهًا.
(وأشهر الحج) من هذا العام بمنزلة يوم أدركه في حق قضاء رمضان يعني في حق عدم التعيين.
وقيل: للحج شَبَهٌ بأربعة أشياء: فإن له شبهًا بالظرف، وشبهًا بالمعيار، وشبهًا بالمطلق، وشبهًا بالمؤقت، فمن حيث إنه لم يستوعب أشهر الحج كان له شبه بالظرف، ومن حيث إنه لا يتأدى فيها إلا حج واحد كان له شبه بالمعيار، ومن حيث إن العمر وقته كان له شبه بالمطلق عن الوقت كالزكاة، ومن حيث إنه لا يتأدى إلا في وقت خاص كان له شبه بالمؤقت، فكان داخلًا في أشكاله لذلك فكان مشكلًا.
(ولا يصير كذلك إلا بشرط الإدراك)، في هذا نفي قول محمد-
(2/581)

رحمه الله- فإنه يقول: العام الثاني مزاحم للأول، وإن لم يدركه كاليوم الثاني مزاحم لليوم الأول في قضاء رمضان في حق عدم التعيين، فلا يتعين الذي يليه إلا بتعينه بطريق الأداء. يعني لا بطريق القول لتعين أحد الأشياء الثلاثة في باب كفارة يمين بالفعل دون القول، (ويصير الساقط بطريق التعارض
(2/582)

كالساقط في الحقيقة). يعني أن الحياة والممات في السنة الآتية سواء؛ لأن الموت في هذه المدة غير نادر كما أن الحياة غير نادر فاستويا فتعارضا فلا يثبت إدراك العام الثاني فسقط بتعارض الحياة والممات.
فصار الساقط حقيقة، يعني صار كأن أشهر الحج لا توجد بعد هذا قط ولو كان كذلك لا يحل له التأخير فكذلك هاهنا.
أو نقول: العام القابل معدوم، والعام الذي لحقه الخطاب به موجود، والمعدوم لا يعارض الموجود، فسقط بطريق التعارض يعني بسبب أنه لم يصلح معارضًا له، فسقط كخبر الواحد لما لم يصلح معارضًا للخبر المشهور فسقط، فصار كأن خبر الواحد لم يرد البتة بسبب أنه لا يثبت موجبه بمقابلة الخبر المشهور، ولا يقال: الحياة ثابتة في الحال، فتبقى كذلك عملًا بالاستصحاب؛
(2/583)

لأنا نقول: الانفصال عن السنة الثانية ثابت في الحال، فيبقى كذلك عملًا بالاستصحاب، فتعارض استصحاب الحال مع استصحاب الحال فتساقطا.
(فيصير كوقت الظهر في التقدير) يعني كما أن تأخير صلاة الظهر عن وقتها لا يحل، فكذلك تأخير الحج عن وقته لا يحل أيضًا. إلا أن هناك يكون قضاء وهنا يبقى أداء لبقاء وقته وهو وقت العمر، لكن في إثم التأخير صار كتأخير الصلاة عن وقتها، ثم يحتمل أن تكون فائدة تعيين الظهر- وإن كان سائر أوقات الصلوات كذلك هي أيضًا- هي أول صلاة فرضت على النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك افتتح محمد بن الحسن- رحمه الله- الجامع الصغير
(2/584)

بذلك لهذا.
(بخلاف الصوم) أي بخلاف أيام قضاء الصوم التي أدركها، فإنه لو أخر قضاءه عن اليوم الأول إلى الثاني من غير إثم، وهذا جواب عما قاله محمد- رحمه الله- بقوله: كصوم القضاء وإلى العبد تعيينه.
(والتعارض) للحال قائم يعني أن الأيام كلها موجودة، والكل سواء في كونها صالحة للقضاء فيها فتعارضت، وليس أحدها أولى من الآخر وإلى العبد تعيينه، وفي بعض النسخ والتعارض (للحال غير قائم) يعني أن الموت لا يعارض الحياة؛ لأن الموت في الغد من غير علامة نادر، فلم تتعارض الحياة والممات، فالحياة ثابتة في الأيام كلها، فالوجه الأول من النسخ يرجع إلى تعارض الأيام في الاستواء في المحلية، والوجه الثاني منها يرجع إلى الحياة والممات.
(ولا يلزم أن النفل بقي مشروعًا) فوجه الورود هو أن الحج في السنة الواحدة لا يؤتي به إلا مرة واحدة، فلو تعينت السنة الأولى لحج الإسلام على
(2/585)

ما ذكره أبو يوسف كان ينبغي أن لا يبقى النفل مشروعًا في السنة الأولى كصوم رمضان، لما تعين في شهر رمضان انتفت مشروعية النفل.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما اعتبرنا التعيين احتياطًا واحترازًا عن الفوت). يعني أن تعين حجة الإسلام في السنة الأولى إنما نشأ من جانب الاحتياط والاحتراز عن الفوت لا من تعيين صاحب الشرع. بخلاف تعين صوم رمضان في شهر رمضان. هو إنما نشأ من تعيين صاحب الشرع فاثر ذلك التعيين لعموم ولاية صاحب الشرع بالنفاذ في سائر الصيامات في شهر رمضان سوى صومه.
(فظهر ذلك في حق الإثم لا غير) أي تعين حج الإسلام في السنة الأولى إنما ظهر في حق الإثم أي يأثم بالتأخير لا في حق نفي النفل ولا في حق القضاء بالتأخير إلى السنة الثانية.
فإن قلت: إن كان التأخير عن السنة الأولى التي أدرك المكلف الخطاب إلى السنة الثانية موجبًا للإثم لما أخر النبي عليه الصلاة والسلام عن السنة الأولى التي أدركها الخطاب إلى أربع سنين، فإن فرضية الحج نزلت في سنة ست من الهجرة، وحج رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنة عشر منه.
(2/586)

قلت: منع بعض مشايخنا- رحمهم الله- تأخير النبي عليه الصلاة والسلام من السنة التي أدركه الخطاب، فقالوا: نزول فرضية الحج بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، وإنما النازل في سنة ست قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}.
وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيهن فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان يأمن من ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام للناس، والحج من أركان الدين، فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله.
ولأن تأخيره كان لعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويلبون تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنًا للعهد، حتى إذا تمت المدة بعث عليا- رضي الله عنه- حتى قرأ عليهم سورة براءة، ونادى أن: "لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان" ثم حج بنفسه.
(2/587)

ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده بل يحتاج إلى أصحاب يكونون معه، فلم يكن متمكنًا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرجوا معه فلهذا أخره. هذا كله مذكور في "المبسوط" في آخر باب الحج عن الميت وغيره.
(فأما أن يبطل اختيار جهة التقصير والمأثم فلا). ومعنى هذا أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري إذ لولا ذلك لما صلح أن تكون عبادة؛ لأن العبادة فعل لو أتى بها يثاب على ذلكن ولو تركنها وهي فرض يعاقب عليه، والفعل الجبري لا يصلح أن يكون عبادة.
ألا ترى أن وقت الظهر متعين لأداء الظهر بالإجماع ولا يبطل ذلك
(2/588)

باختياره جهة ترك الظهر فكذلك هاهنا، ولهذا لو اشتغل بالتطوع في آخر وقت الصلاة ولم يؤد الظهر جاز النفل، ويأثم بتأخير صلاة الظهر عن الوقت، فكذلك هاهنا أشهر الحج من العام الأول تتعين للحج وبقي الوقت صالحًا للنفل أيضًا ويأثم بتأخيره.
(ولا يلزم إذا أدرك العام الثاني). وجه الورود هو أن العام الأول لو تعين لحج الإسلام عند وجود استطاعته في العام الأول لما صار العام الثاني متعينًا له أيضًا عند التأخير إلى العام الثاني؛ لأن المتعين في وقت إذا فات وقته لا يبقى متعينًا على المكلف بالإتيان به إذا أدرك مثله في الزمان الثاني. كما أن صوم رمضان إذا فات وقته وأدرك في العام الثاني شهر رمضان، وكذلك مفوت الظهر إذا أدرك وقت الظهر من اليوم الثاني، وهاهنا يكون العام الثاني متعينًا أيضًا لأداء حج الإسلام.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما عينا الأول لوقوع الشك) أي في إدراك العام الثاني، (فإذا أدركه) ومثله من الشك موجود في العام الثاني يعني بأنه هل يدرك العام الثالث أم لا؟ فتعين العام الثاني له كتعين الأول. إذ موجب التعين هو الشك في الإدراك للعام الثاني وهو موجود فيه، فيثبت موجبه.
(2/589)

(وأن الحج أفعال عرفت بأسمائها) كالوقوف والطواف والسعي والرمي، (وصفاتها) ككيفية هذه الأفعال من صفة الوقوف والطواف والسعي والرمي وغيرها (لا بمعيارها) بخلاف الصوم، فإنه عرف بمعياره حتى عرف به، فقيل في جواب السائل ما الصوم؟ هو: عبارة عن الإمساك من المفطرات الثلاث نهارًا مع النية.
وأما الصلاة والحج فيعرفان بأسمائهما، فيقال في جواب ما الصلاة؟ هي عبارة عن قيم وركوع وسجود، ولا يقال هي صلاة الظهر أو صلاة العصر أو غيرهما وكذلك في الحج.
(وقال الشافعي- رحمه الله- لما عظم أمر الحج)؛ لأن الله تعالى قال: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} مقام قوله: ومن لم يحج وغيره من الوعيد (استحسنا في الحجر عن التطوع)، فإن عند الشافعي من لم يحج حج الإسلام إذا نوى النفل في الحج لا يقع عن النفل بل يقع عن حجة الإسلام.
(2/590)

فإن قلت: ما وجه الفرق له بين من نوى صوم النفل في شهر رمضان وبين من نوى حج النفل هاهنا، فهناك يلغو نيته ولا يجوز صومه لا عن الفرض ولا عن النفل، وهاهنا يقع عن الفرض ولا يقع عن النفل.
قلتك أما إلغاء نية النفل هاهنا، فبسبب ما ذكر في الكتاب هو معنى الحجر عن نية النفل؛ لأنه لم تحمل المشاق وحضر موضع الوقوف بعرفات، ونوى النفل مع أن عليه حج الإسلام في ذمته ولا يعلم حياته إلى السنة الآتية كان سفيهًا؛ لترك الشفقة على نفسه والسفيه يحجر عنده، فلما لغا نية النفل بسبب الحجر بقي مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض بالإجماع.
أو نقول: إنما ألغيت نية النفل؛ لأن النفل عبارة عن الزيادة في العبادة ولا يتصور ذلك قبل الأصل، فإذا لغت نية النفل بقي مطلق نية الحج وبه يتأدى الفرض، وهذا لأن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نية الحج؛ لان الصفة تنفصل عن الأصل في هذه العبادة.
ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام، فإن من فسد حجه يمضي في أفعاله كمن لم يفسد حجه.
أما الصوم فإن الصفة هناك لا تنفصل عن الأصل.
ألا ترى أنه بانعدام صفة الصحة ينعدم أصل الصوم، فلذلك لما بطلت هناك نية النفل وهو الوصف الأصلي بطل أصل الصوم، ولأن نية النفل لما
(2/591)

بطلت في صوم رمضان بسبب أن شهر رمضان لم يشرع فيه غير صومه بقي مطلق نية الصوم من غير تعيين صوم رمضان، وقد ذكرنا أن صوم رمضان لا يتأدى عنده بمطلق نية الصوم، لما أن تعيين النية في أصل الصوم ووصفه شرط عنده، ولأن الصوم لا يتأدى بدون العزيمة، والحج قد يتأدى من غير عزيمة، فإن المغمى عليه يحرم عنه أصحابه فيصير هو محرمًا.
وقوله: (ومثل هذا مشروع) أي الحجر في الحج مشروع، ثم أوضح الحجر فيه بقوله: (فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية)، والرجل يحرم عن أبويه فيصح، وإن لم توجد العزيمة منهما. إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(ولكنا نقول: الحجر عن هذا يفوت الاختيار، وهو ينافي العبادة) يعني أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري لأن ما لا اختيار للعبد فيه لا يصلح أن يكون طاعة أو عصيانًا؛ لأن المقصود من الابتلاء تكليف العبد ليجب عليه الفعل الاختياري، أو يجب عليه الانتهاء عن الفعل الاختياري
(2/592)

ليصير مطيعًا إذا أطاع فيثاب عليه، ويصير عاصيًا إذا لم يطع فيعاقب عليهن وهذا إنما يحصل إذا كان للعبد اختيار.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره، وجعله مجبورًا فيه، وهذا ينافي أداء العبادة، فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض.
يعني أن الشافعي يسعى بهذا القول إلى تحقيق العبادة على وجه لا يبقى عليه وجوب عبادة حجة الإسلام، فيلزم منه نقض العبادة، فيبقى في عهدة فرض حجة الإسلام.
وقوله: (فأما الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه) احتراز عن الشرط وهو الإحرام، يعني أن الأفعال وهي؛ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغيرهما لابد أن يجري تلك الأفعال على بدن المغمى عليه بان أحضر هو بعرفات وطيف به حول البيت بخلاف الإحرام، فإنه يكون محرمًا بإحرام
(2/593)

الغير عنه، لأن الإحرام شرط والشرط قد يتحقق بفعل الغير.
وأما المشروط وهو الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه، فإذا نوع النفل فقد صرح بأنه لم يحج عن الفرض، فإذا وقع عن الفرض وقع من غير اختياره فلا يقع مجزيًا عنه؛ لأنه لم توجد العبادة.
فإن قيل: إذا أغمي عليه، ووقفوه بعرفات وطافوا به حول البيت أجزاه، ولم يوجد منه الاختيار البتة؛ لأنه لا علم له ولا قدرة.
قلنا: إنما يجوز منه على أن له فيه اختيارًا لا على أنه فيه مجبور؛ لأن مرافقته أصحابه استعانة منهم أن يعينوه فيما يعجز هو عن تحصيله، وهذا منهم إعانة فصح بدلالة الأمر، فيكون اختيارًا تقديرًا.
ألا ترى أن الزكاة عبادة محضة وقد تتأدى بالنائب كالوكيل إذا أدى الزكاة والموكل مغمي عليه، والورثة يؤدون الزكاة بإيصاء المورث صح عنه وهو ميت ويكون فعلهم كفعله، وقوله: "بدلالة الأمر" وهو خروجه إلى سفر الحج مع رفقاء يريدون الحج.
وقوله: (لمعنى في المؤدِّي لا في المودَّي) بخلاف الإطلاق في الصوم، فإن فرض الوقت يتعين فيه بدلالة في المؤدَّى باعتبار أنه لا مزاحم له في وقته وفي إطلاق النية إلى حجة الإسلام لا إلى النفل لمعنى في المؤدِّي كما في (نقد البلد)، فإنه إذا كان في البلد نقود مختلفة ينعقد البيع على الأروج
(2/594)

عند الإطلاق لمعنى في المؤدِّي، وهو تيسر إصابتهن إلا إذا عين غيره صريحًا.
[الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم التراخي]
(وأما المطلق عن الوقت) مثل وجوب الزكاة وصدقة الفطر والعشر.
(على ما أشرنا إليه) أي قبل هذا بورق أو نحوه بقوله: وقال الكرخي وجماعة من مشايخنا: إن هذا يرجع إلى آخره.
(ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.
(2/595)

[باب النهي]
لأن النهي له صيغة معلومة ومعنى معلوم على الانفراد؛ لأن النهي هو المنع عن الشيء بأبلغ الوجوه كالأمر هو الدعاء إلى الشيء بأبلغ الوجوه على سبيل الاستعلاء قولًان والنهي ضد الأمر فيكون على خلاف هذا. وحكمه:
(2/596)

وجوب الانتهاء وبقاء المنهي عنه على العدم.
ويثبت القبح اقتضاء للنهي شرعًا لا لغة كالأمر يقتضي الحسن شرعًا لا لغة؛ لأن الأمر والنهي كل واحد منهما يجيء في الحسن بعينه والقبيح بعينه ومعلوم أن النهي عن الحسن بذاته ليس بحكمة وكذا الأمر بالقبيح ليس بحكمة، والشارع عليم حكيم لا يأمر إلا بالحسن، ولا ينهي إلا عن القبيح، واقتضاء الأمر الحسن والنهي القبح كان من حكمة الشارع لا من اللغة.
(2/597)

ثم هو الحجر لغة لكن الفرق بينهما في الاصطلاح هو أن في الحجر تصرف إنسان على غيره بالمنع على وجه لا يبقى لتصرفه اعتبار أصلًا. كالقاضي إذا حجر الغير عن تصرف البيع والشراء وغيرهما لا ينفذ تصرفه أصلًا.
وأما النهي فلا ينفي نفاذ تصرف المنهي عما نهي عنه، فبعد ذلك اختلف العلماء في كيفية نفاذ التصرف بحسب المحال التي وقع فيها النهي. وذكر المصنف- رحمه الله- هذا الباب لبيان ذلك فقال:
(النهي المطلق نوعان): أي النهي الذي لم يقيد بأن المنهي عنه قبيح لعينه أو لغيره نوعان: إذ المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، أو الفعل الذي يتصور فيه النهي ويتحقق نوعان:
(نهي عن الأفعال الحسية)، فالأفعال الحسية هي: ما يتوقف وجوده وعرفانه على الحس (كالزنا وشرب الخمر والقتل)، فإنها تتحقق حسًا ممن يعلم الشرع وممن لا يعلم، ولا يتوقف وجودها على الشرع.
(والأفعال الشرعية)، هي: ما يتوقف حصوله وعرفانه على الشرع (كالصلاة) وغيرها، فإنها لغة الدعاء ثم زيد عليه أشياء شرعًا، فصارت
(2/598)

صلاة عرف ذلك بالشرع، وكذلك (الصوم) فإنه لغة الإمساك وزيد عليه أشياء شرعًا من اشتراط النية والوقت والطهارة من الحيض والنفاس، وقوله: (وما أشبه ذلك) كالطلاق والعتاق والوكالة والمضاربة.
(فالنهي عن الأفعال الحسية دلالة على كونها قبيحة في أنفسها لمعنى في أعيانها بلا خلاف)؛ لأن النهي أضيف إلى الفعل الحسي، والنهي الصادر من الحكيم يقتضي قبحًا ضرورة على ما ذكرنا، ثم لو كان قبيحًا لغيره لكان القبيح ذلك الغير في الحقيقة لا هون فلا يجوز أن يكون ما لم يضف إليه النهي قبيحًا.
وما أضيف إليه النهي لا يكون قبيحًا بخلاف الأفعال الشرعية على ما نبين إن شاء الله تعالى.
(إلا إذا قام الدليل على خلافه) فحينئذ يقتضي القبح لمعنى في غيره كقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وقد علم أن النهي كان لمعنى مجاور للمحل لا لذاتهن وهو استعمال الأذى بدليل سباق الآية وهو قوله
(2/599)

تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} وكذلك قيل: لا يبطل به إحصان حد القذف، ويثبت به إحصان حد الرجم، ويثبت الحل للزوج الأول بهذا الوطء.
علم بهذه الأحكام أن هذا الوطء مشروع في نفسه ولكن القبح لمعنى في غيره.
وكذلك قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} وقوله: {فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} فالنهي في الأول باعتبار السفه، وفي الثاني باعتبار أن النشوز من جانب الزوج.
والدليل عليه إطلاق قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ} وكذلك (نهي النبي عليه السلام عن المشي في نعل واحد) لم يكن لقبح في عينه ولكن كان ذلك تعليمًا للأدب.
ونظيره في العرف ما إذا قال الطبيب للمريض: لا تأكل اللحم، وما لو
(2/600)

قيل: لا تأكل هذا اللحم، وقد عرف أنه مسموم، فحينئذ يكون الأكل قبيحًا لغيره.
(فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول) أي يجب إثبات محتمل النهي عند قيام الدليل على أن المراد به محتمل النهي لا موجبه وكذلك عند الشافعي. وأما في حق إثبات موجب النهي لا يحتاج إلى إقامة الدليل.
بيان هذا أن النهي عن الأفعال الشرعية إذا صدر من الحكيم يثبت القبح في المنهي عنه لا محالة بطريق الاقتضاء بلا خلاف.
لكن عندنا يقتضي القبح لمعنى في غير المنهي عنه على وجه يبقى المنهي عنه مشروعًا إلا إذا قام الدليل على كون المنهي عنه قبيحًا لعينه كما في قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} وكبيع الملاقيح والمضامين ففي هذه المواضع المنهي عنه قبيح لعينه فلم يبق مشروعًا، فكانت صورة النهي في هذه
(2/601)

المواضع ومثلها مجازًا عن النفي، فكانت إخبارًا عن التحريم لكن هذا عندنا محتمل النهي لا موجبه مطلقًا، وعند الشافعي يثبت القبح بمطلق النهي على وجه لا يبقى المنهي عنه مشروعًا فيكون قبيحًا لعينه وهو موجب النهي عنده. إلا إذا قام الدليل على كونه قبيحًا لغيره كالبيع وقت النداء.
فالحاصل أن ما هو موجب النهي المطلق عندنا فهو محتمل النهي عند الشافعي، وما هو موجب النهي عنده فهو محتمل النهي عندنا وهو معنى قوله: فيجب إثبات ما احتمله النهي وراء حقيقته على اختلاف الأصول والاستثناء في قوله: (إلا أن يقوم الدليل) راجع إلى المذهبين.
(فمن قال بأنه يكون مشروعًا في الأصل قبيحًا في الوصف يجعله مجازًا في الأصل حقيقة في الوصف). يعني الأصل أن النهي إذا أضيف إلى شيء أي إذا تعدى فعل النهي إليه يكون ذلك الشيء منهيًا عنه وقبيحًا، فمن جعل ما لم يضف إليه النهي منهيًا عنه وقبيحًا جعله مجازًا، وفيما نحن فيه أضاف النهي إلى الصوم فينبغي أن يكون هو منهيًا عنه وقبيحًا لإضافة النهي إليه، ولم يضف النهي إلى ما هو وصف الصوم على ما قال الخصم، فلو كان القبح ثابتًا في الوصف دون الأصل يكون الوصف حقيقة في كونه منهيًا عنه مع أنه لم يضف إليه النهي، والمنهي عنه وهو الصوم لا يكون قبيحًا مع أن
(2/602)

النهي أضيف إليه ولا يكون (هذا إلا عكس الحقيقة وقلب الأصل)؛ لأن الأصل أن يكون الأصل أصلًا والوصف تبعًا، وفيما قالوا: جعل الأصل تبعًا والتبع أصلًا وهو قلب الأصل.
ثم العمل بحقيقة الأمر واجب حتى يكون حسنًا لمعنى في عينه إلا بدليل أي حينئذ يكون الأمر حسنًا لمعنى في غيره كالأمر بالوضوء، وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
(وهذا لأن المطلق في كل شيء يتناول الكامل منه) أي الكامل في مسمى ذلك الشيء المطلق لا الزائد على ذلك المسمى. كالرجل يتناول ذكرًا من بني آدم جاوز حد البلوغ هذا مسمى مطلق الرجل، ولكن لا يحتاج إلى أن يكون عالمًا مجتهدًا أو حافظًا (للجامعين) و (الزيادات) لأن ذلك غير داخل في مسمى الرجل.
(2/603)

{شَرَعَ لَكُمْ} أي بين المسلك وفتح الطريق إلى مرضاته.
(فصار النهي عن هذه التصرفات نسخًا) أي بيانًا لانتهاء مدة المشروعية هذا هو النسخ فصار النهي عن هذه التصرفات نسخًا (بمقتضاه) وهو التحريم السابق. إنما وصف التحريم بالسبق؛ لأن قبل ورود النهي لابد للناهي
(2/604)

من إرادة التحريم قبل أن يخاطب المكلف بالنهي، حتى يتحقق النهي بمقتضاه وهو قبح المنهي عنه. يعني إنما صار النهي نسخًا بما اقتضاه النهي من القبح والحرمة، وهذا لأن النهي عن المشروع. وهو مشروع لا يصح، فيثبت القبح والحرمة سابقين على النهي بزمان ليصح النهي.
وقوله: (ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة) هذا إيضاح معنى الجمع بين المعصية والمشروعية، وحرمة المصاهرة عبارة عن حرمة الموطوءة على آباء الواطئ وأبنائه، وحرمة أمهات الموطوءة وبناتها على الواطئ.
(2/605)

(ولا يلزم إذا جامع المحرم أو أحرم مجامعًا) يعني إذا أحرم في حالة الجماع يصير محرمًا مع أن الإحرام في حالة الجماع منهي عنه، فورد هذا على ما ذكر نقضًا وهذا ظاهر.
وأما إذا جامع المحرم فيرد عليه أيضًا، وهو أن الجماع مفسد للإحرام ومع ذلك بقي الإحرام بعد الجماع مفيدًا للأحكام كالإحرام الصحيح، حتى لو ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام من قتل الصيد وحلق الرأس وقلم الأظفار كان موجبًا للدم، فاجتمع الفساد والمشروعية، فجاز أن يجتمعا فيما ذكر خصومك. والجواب للشافعي عن هذا: أن الإحرام منهي حالة الجماع لا لعين الإحرام بل للجماع، والجماع غير الإحرام لا محالة، فلم يمنع انعقاد الإحرام وصحته (لكنه محظور)، فصار مفسدًا للإحرام بعد ما صح وانعقد.
وقوله: (لكنه محظور) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كان معنى الجماع غير الإحرام ينبغي ألا يفسد إحرامه فاستدرك، وقال: (والجماع غيره ولكنه محظورة) فلذلك (صار مفسدًا) للإحرام يعني أن الفساد نشأ من هذا وهو
(2/606)

المحظورية، وهذا أيضًا يصير جوابًا عن النقض الآخر. يعني فسد الإحرام بالجماع الواقع بعد الإحرام، ولكن الإحرام لازم شرعًا لا يحتمل الخروج باختيار العبد ففسد وبقي مشروعًا للزومه.
(ولم ينقطع بجنايته) وهي الجماع؛ لأن بقاءه مع ارتكاب هذه الجناية ضرب عقوبة، فلذلك لم ينقطع بجنايته لأن انقطاع الإحرام بجنايته نوع نعمة فلا يصلح أن يكون ذلك أثر الجناية، (وكلامنا فيما ينعدم شرعًا لا فيما لا ينقطع بجناية الجاني). يعني أن النزاع فيما إذا ورد النهي ابتدًاء عما هو مشروع أيبقى هو مشروعًا شرعًا أم ينعدم شرعًا؟ ولا نزاع فيما إذا جني على المشروع هل يبقى بعد جنايته للزومه أم ينقطع بجنايته؟
(ولا يلزم الطلاق في الحيض). يعني هو منهي عنه مع كونه مشروعًا (لمعنى في غيره) أي لمعنى في غير الطلاق (وهو الضرر على المرأة بتطويل العدة) يعني أن الطلاق في حالة الحيض إضرار بالمرأة؛ لأن هذه الحيضة لا تحتسب من العدة فتطول العدة عليها، (أو بتلبيس أمر العدة عليها) فإنه إذا طلقها في طهر جامعها فيه إضرار بها بتلبيس أمر العدة عليها؛ لأنها لا تدري
(2/607)

أن الوطء وقع معلقًا فتعتد بالحبل أو غير معلق فتعتد بالحيض، وهذا على مذهبه أظهر؛ لأن الحامل عنده تحيض فازداد الاشتباه، فكان قوله: (بتطويل العدة) متعلقًا بقوله: (ولا يلزم الطلاق في الحيض) وقوله: (أو بتلبيس أمر العدة) متعلقًا بقوله: (أو في طهر الجماع).
(ولنا ما احتج محمد-رحمه الله- في كتاب الطلاق أن صيام العيد وأيام التشريق منهي عنه، والنهي لا يقع على ما لا يتكون). ذكر هذا التعليل على هذا الوجه في طلاق (المبسوط) وفي باب الرد على من قال: إذا طلق لغير السنة لا يقع، فقال: وهذه المسألة مختلف بيننا وبين الشيعة على فصلين:
أحدهما: أنه إذا طلقها في حالة الحيض أو في طهر قد جامعها فيه يقع الطلاق عند جمهور الفقهاء، وعندهم لا يقع.
(2/608)

والثاني: إذا طلقها ثلاثًا جملة عندنا يقع ثلاثًا، والزيدية من الشيعة يقولون: تقع واحدة، والإمامية يقولون: لا يقع شيء، وحجتنا في ذلك حرفان:
أحدهما: أن النهي دليل ظاهر على تحقق المنهي عنه؛ لأن النهي عما لا يتحقق لا يكون.
والثاني: النهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهي عنه كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة.
(وبيانه أن النهي يراد به عدم الفعل مضافًا إلى اختيار العباد)
(2/609)

إلى آخره.
بيان هذا أن الله تعالى جعل الدنيا دار ابتلاء وجعل الآخرة دار جزاء، وخلق الجنة والنار، وخلق للنار فريقًا، وخلق للجنة فريقًا، وقال: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقد كان علم بكل ما يوجد من العباد، فأمر العباد بأفعال ونهاهم عن أفعال تحقيقًا لما أخبر وما علم منهم ليجب عليهم الائتمار بما أمروا، ويجب عليهم الانتهاء عما نهوا عنه.
حتى أن من أطاع استحق الجنة بفضله، ومن عصى استحق النار بعدله، وإنما تتحقق الطاعة والعصيان إذا كانت أفعالهم اختيارية؛ لأن العقاب على ما لا مدخل للعبد فيه لا يجوز، فإذا امتنعوا عن تحصيل ما نهوا عنه صاروا مطيعين، وذلك إنما يكون إذا كان المنهي عنه مما يتصور أن يوجد، فإذا امتنعوا بقي الفعل على العدم بناء على امتناعه، ثم إن كان المنهي عنه حسيًا يتصور وجوده حسًا، وإن كان شرعيًا يتصور وجوده شرعًا. ليتصور الامتناع عن العبد ليبقى المنهي عنه على العدم بناء على امتناعه، وهذا هو حقيقة موجب النهي.
وأما النسخ فبيان أن المنسوخ لم يبق مشروعًا ولا يتصور وجوده شرعًا
(2/610)

كالتوجه إلى بيت المقدس.
وحل الأخوات، فإنه لم يبق مشروعًا البتة فصار باطلًا، ولا يمكن وجوده شرعًا، فامتناع الرجل عن ذلك بناء على عدم المشروعية ولا يتعلق ذلك باختيار العبد فكانا بمنزلة النقيضين.
إذ الأصل في أحدهما فرع في الآخر، والفرع في أحدهما أصل في الآخر، فإن عدم فعل العبد لعدم شرعيته في النسخ أصل وامتناع العبد فرع عليه، وامتناع العبد في النهي أصل وعدم الفعل فرع عليه، فلا يصح الجمع بينهما بحال.
فالنظر إلى حكم النهي يوجب صحة ما ذكرنا وفساد ما ذهب إليه الخصم، وكذلك النظر إلى مقتضى النهي وهو القبح. بيانه أن النهي الوارد من الحكيم يقتضي قبح المنهي عنه لصحة النهي، فكان ثبوت القبح في المنهي عنه شرطا لصحة النهي ثابتا بطريق الاقتضاء، فكان ثابتا بالضرورة فيجب إثباته على قدر ما ترتفع به الضرورة، وذلك فيما قلنا: وهو أن يجعل القبح وصفا للمشروع فلا يجوز إثبات القبح وهو المقتضى- بفتح الضاد- على وجه يبطل به المقتضي- بكسر الضاد- وهو النهي، وما قاله الخصم يؤدي إلى هذا؛ لأنه أثبت القبح في المنهي عنه لعينه، وفيه إبطال النهي وهو المقتضي، وفي إبطال
(2/611)

المقتضي إبطال المقتضى فكان مثبتًا القبح على وجه يبطل به القبح.
فثبت بهذا الذي ذكرنا أنه هو القائل بقلب الأصول وعكس المعقول لا نحن، وفيما ذكرنا رعاية منازل المشروعات؛ لأن الدليل دل على إثبات القبح في النهي على ما ذكرنا من ثبوته ضرورة، ودل الدليل أيضا على إثبات مشروعية المنهي عنه على ما ذكرنا.
وفيما ذكر إهدار بعض الأدلة لما أن منازل المشروعات متفاوتة. صحيحة وفاسدة ومكروهة، وفيما ذكر إبطال هذه الرعاية بخلاف الأفعال الحسية حيث يثبت القبح فيها لأعيانها؛ لأنها متصورة الوجود بل متحققة الوجود مع كمال القبح فيها وثبوت القدرة للعبد على تحصيلها بخلاف الأفعال الشرعية.
ومثال الفرق الواضح بين النهي عن الأفعال الحسية وبين النهي عن الأفعال الشرعية، ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي-رحمه الله- بقوله:
وبيان هذا في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فإنه كان تحريمًا لفعل القربان ولم يكن تحريمًا لعين الشجرة، وكما لا يتصور تحريم قربان
(2/612)

الشجرة بدون الشجرة، لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم مشروع، وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والأفعال الشرعية، فإنه ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون.
فقلنا: تأثير التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلًا وإلحاقها بما هو قبيح لعينه، ومن ضرورة تحريم الأفعال الشرعية بقاء أصلها مشروعًا إذ لا تكون لها إذا لم تبق مشروعة، وبدون التكون لا يتكون تحريم فعل الأداء، وكذلك في العبادات فكان في إبقاء المشروع مشروعًا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركًا للحقيقة
فإن قيل: عند النهي كان الصوم متصورًا شرعًا فكفى ذلك التصور لصحة النهي فلا حاجة إلى بقائه مشروعًا بعد ذلك.
قلنا: النهي إنما كان لإعدام المنهي عنه من قبل المنهي في المستقبل كالأمر للإيجاد في المستقبل فلا بد أن يتصور وجوده شرعًا في المستقبل ليتحقق الانتهاء بالنهي كما في الأمر، ولا يكون ذلك إلا ببقائه مشروعًا في المستقبل حتى يكون المنهي عنه موجودًا في المستقبل، ولا يكون ذلك إلا بكونه مشروعًا في المستقبل.
(2/613)

ثم معنى إسناد الإرادة إلى عدم الفعل في قوله: (إن النهي يراد به عدم الفعل) إلى آخره.
قال الإمام العلامة مولانا شمس الكردري-رحمه الله- المراد من النهي المطلق والأمر المطلق وجوب الانتهاء ووجوب الائتمار في حق الكل، فأما حصول المأمور به في حق من علم الله تعالى أنه يأتمر بأوامره مراد الله تعالى وفي حق من علم أنه لا يأتمر بأوامره حصول المأمور به ليس مراد الله تعالى، والامتناع عن المنهي عنه مراد الله تعالى في حق من علم أنه يمتنع عن تحصيل المنهي عنه.
وأما في حق من علم أنه لا يمتنع عن تحصيل المنهي عنه فالامتناع عنه غير مراد.
وفيما ذكرنا تحقيق أخباره من نحو قوله تعالى: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وهذه الآية تدل على أن المعاصي بإرادة الله وتحقيق علمه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة بناء على أن المعاصي والطاعات وجميع الحادثات بإرادة الله.
ولما كان كذلك كان قوله في الكتاب: (إن النهي يراد به عدم الفعل) محتاجًا إلى التأويل، وتأويله ما ذكرنا من أن ذلك مصروف إلى من علم الله
(2/614)

منه الامتناع عن مباشرة المنهي عنه، وأما في حق الكل فالمراد من النهي إيجاب الانتهاء لا حصول الانتهاء.
وقوله: (فيعتمد تصوره) أي فيقتضيه. (بين أن يكف عنه) أي يمتنع عنه. (ليصير امتناعه) أي امتناع العبد. (على عدمه) أي على عدم كونه مشروعًا.
(وفي النهي يكون عدمه أي عدم الفعل بناء على امتناعه) أي امتناع العبد (وهما في طرفي نقيض)؛ لأن الأصل في أحدهما فرع في الآخر على ما ذكره، (فلا يصح الجمع بحال) أي لا يصح الجمع بين النهي والنسخ أي لا يصح أن يكون النهي نسخًا فيه. رد لقول الشافعي؛ لأنه يلزم على قوله أن يكون النهي نسخًا.
(والحكم الأصلي في النهي ما ذكرنا) هو قوله: إن النهي يراد به عدم الفعل مضافًا إلى اختيار العباد) إلى آخره (مقتضى به) أي القبح ثبت بطريق الاقتضاء بالنهي؛ لأن قبح المنهي عنه إنما نشأ من ضرورة حكمة الناهي لما أن
(2/615)

الناهي إذا كان حكيمًا لا ينهى عن شيء إلا إذا كان في ذلك الشيء قبح، فوجب إثبات القبح على وجه يبقى النهي ببقائه وذلك إنما يكون إذا كان القبح في وصف المشروع لا في عينه. إذ لو كان في عينه لا يبقى وجود المنهي عنه؛ لأن وجوده شرعيته، فحينئذ لا يبقى النهي نهيًا بل يكون نسخًا، وهو معنى قوله: (فلا يجوز تحقيقه على وجه يبطل به ما أوجبه).
وقوله: تحقيقًا لحكمه (أي لحكم النهي وهو وجوب الانتهاء، فكان تابعًا أي فكان القبح تابعًا، فلا يجوز أي تحقيق القبح على وجه يبطل بذلك تحقيق ما أوجب النهي واقتضاه.
(فيصير المقتضى دليلًا على الفساد بعد أن كان دليلًا على الصحة) أي فيصير حينئذ أي حين تحقيق القبح على وجه يبطل به النهي دليلًا على فساد النهي بعد أن كان دليلًا على صحة النهي؛ لأنه لما كان مقتضيًا للنهي على الوجه الذي قررنا كان دليلًا على صحة النهي، ثم لو قلنا بأن القبح في عين المنهي عنه كان النهي نسخًا ولم يبق النهي نهيًا، فكان تحقيق القبح على ذلك الوجه دليلًا على فساد النهي وهو المقتضي.
(بل يجب العمل بالأصل في موضعه) أي بل يجب العمل بأصل النهي في موضع النهي، وهو أن يكون عدم الفعل بناء على امتناع العبد لا بناء على
(2/616)

عدم مشروعيته عن المنهي عنه.
(فتنعدم لما قلنا) أي في طرف الشافعي. (يحتمل هذا الوصف) أي وصف الفساد.
(والمشروع يحتمل الفساد بالنهي كالإحرام الفاسد)، فإن قلت: هذا النظير إنما يستقيم لما ادعاه المصنف أن لو لم يكن الشافعي أجاب عن هذا، وقد أجاب فيما تقدم بقوله: (والإحرام لازم شرعًا لا يحتمل الخروج باختيار العباد) إلى آخره وكذلك قاس النهي على الأمر بأن كل واحد منهما حقيقة فيما اقتضاه، ثم مطلق الأمر محمول على أن المأمور به حسن لمعنى في عينه فيجب أن يكون ضده النهي محمولًا على أن المنهي عنه قبيح لمعنى في عينه، فلا بد من وجه الدفع لجوابه ووجه الفرق لجمعه، حتى يسلم لنا ما تمسكنا به.
قلت: أما الدفع لجوابه فهو أن يقول: إن الذي ذكره من الجواب يرجع
(2/617)

إلى تحقيق ما قلنا وهو: أن فساد الإحرام بالجماع مع مشروعية أصله حكم ثابت شرعًا، وللشرع ولاية إعدام أصل الإحرام، فلو كان من ضرورة صفة الفساد انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم بفساده شرعًا معدمًا لأصله.
ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام فعلم بهذا أن أصل الإحرام قابل للبطلان باختيار العباد، فلو كان من ضرورة قبح صفة المشروع فساد أصله لما بقي هنا الإحرام مع الفساد، وقد بقي أصله مشروعًا مع فساد وصفه.
علم بهذا أن ليس من ضرورة الفساد في وصف المشروعات، الفساد في أصلها مع احتمال فساد الأصل.
وأما الفرق لجمعه فظاهر، وهو أن من جعل الحسن في عين المأمور به لا يلزم بطلان الأمر، ومن جعل القبح في عين المنهي عنه يلزم بطلان النهي على ما ذكرناه.
وهذا لأن مطلق الأمر يوجب حسن المأمور به لعينه؛ لأنه طلب الإيجاد بأبلغ الجهات، فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على هذا الوجه تحقيق المأمور به.
فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات، ولكن مع بقاء خيار العبد فيه
(2/618)

ليكون مبتلًى كما في الأمر، وتحقيق بقاء الخيار إنما يكون إذا كان انعدام الفعل بناءً على امتناع العبد عنه بالاختيار حتى يثاب عليه لا أن يكون انعدام الفعل بناءً على عدم المشروعية كما في النسخ. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة السرخسي-رحمه الله-.
(والطلاق الحرام) بأن طلقها في حالة الحيض حتى انتقص به عدد الطلاق ولزمت الرجعة، فترتب حكم الطلاق عليه دليل على شرعيته، ولزوم المراجعة عليه دليل على فساده رعاية لمنازل المشروعات، فإن الأحكام المشروعة تتفاوت شرعيتها بحسب كمال أسبابها ونقصانها، ولو لم نقل بالفساد لا نكون قائلين بمنازل المشروعات أجمع من صحيح وفاسد
(2/619)

ومكروه ومحافظةً لحدودها وهي حد النهي والنسخ والمقتضي والمقتضى، وتلك المحافظة إنما تكون فيما قلنا لا فيما قاله الشافعي؛ لأن فيما قاله لا يبقى النهي نهيًا ولا المقتضي والمقتضى على حقيقتهما.
(لأن البيع بالخمر منهي عنه بوصفه وهو الثمن)؛ لأن الأصل في وجود البيع وصحته هو المبيع.
ألا ترى أن المبيع لو لم يكن مقدور التسليم لا يجوز البيع بخلاف الثمن، فإن القدرة على تسليم الثمن ليست بشرط لصحة البيع، فإن الفقير المعدم إذا اشترى أشياء كثيرة نفيسة بأثمان غالية صح البيع، ولو كان الثمن أصلًا فيه لما صح البيع كما في جانب المبيع.
وكذلك في حق صحة الإقالة لا يشترط بقاء الثمن ويشترط بقاء المبيع،
(2/620)

ويجوز الاستبدال بالثمن دون المبيع، وهذا كله آية لأصالة المبيع وعدم أصالة الثمن في البيع، ولكن مع ذلك لا يصح البيع بدون ذكر الثمن المعلوم، فكان جاريا مجرى الأوصاف، فلذلك كان الفساد المتمكن في الثمن مفسدًا للبيع كما في بيع الثوب أو العبد مثلا بالخمر بخلاف بيع الخمر بالدراهم أو الدنانير، فإنه باطل لا فاسد لتمكن الفساد في المبيع الذي هو الأصل.
(لأن الخمر مال)؛ لأنها داخلة تحت حد المال؛ لأن المال هو غير الآدمي خلق لمصلحة الآدمي ويجري فيه الشح والضنة وهذا كذلك (وليست متقومة)؛ لأن المتقوم عبارة عن شيء يضمن بالاستهلاك إما بمثله أو بقيمته.
وقيل: هو عبارة عن شيء واجب الإبقاء إلى وقت الحاجة بعينه أو بمثله
(2/621)

أو بقيمته وهي ليست كذلك خصوصًا في حق المسلم، فإنه لو أتلف خمر المسلم لا يجب الضمان
(ولا خلل في ركن العقد) وهو الإيجاب والقبول، (ولا في محله) وهو المبيع؛ لأنه مال.
(وكذلك إذا اشترى خمرًا بعبد؛ لأن كل واحد منهما ثمن لصاحبه)؛ لأن هذا بيع مقايضة فلا يتعين واحد منهما للثمنية، ولكن لم يكن بد في البيع من المبيع والثمن، فلذلك كل واحد منهما مبيع وثمن؛ لأن الثمنية إنما تكون بالوضع كالذهب والفضة، أو بوصف ما يجب في الذمة من المكيلات والموزونات من غير الدراهم عند دخول الباء عليه لأنه حينئذ يثبت في الذمة ولا كذلك العبد؛ لأنه لا يصلح أن يكون ثمنًا، وإن دخل الباء عليه فلم يتعين الخمر لكونه مبيعًا، فلذلك فسد البيع ولم يبطل.
(2/622)

(بخلاف الميتة) والدم، فإن كلًا منهما ليس بمال، وإن كانت طائفة يتمولونه لما أن تمولهم ليس بمعتمد على الدين السماوي، فلا يكون معتبرا، أما الخمر والخنزير كان مالًا في الدين السماوي فاعتبرت ديانتهم لذلك في حق دفع إلزام عدم الضمان.
(لأنه ليس بمال)؛ لأن جلد الميتة جزء الميتة، والميتة ليست بمال، والجزء لا يخالف الكل.
(غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العوض). يقال: بيع رابح، وبيع خاسر.
علم بهذا أن الفضل وصف للبيع كالنقصان.
(وكذلك الشرط الفاسد) أي المفسد (في البيع مثل الربا)؛ لأن الربا عبارة عن: الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع وهذا كذلك، فكان الشرط المفسد فيه مثل الربا.
(2/623)

(يعدم الوصف من شهادته)، وهو الأداء حتى يخرج القاذف من أن يكون أهل اللعان؛ لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي، ويبقى الأصل حتى ينعقد النكاح بشهادته.
(صوم يوم العيد حسن مشروع بأصله) إلى أن قال: (بل هو طاعة انضم إليه وصف هو معصية) لا يعني بقوله: (انضم إليه وصف) صفة زائدة على وجود الصوم؛ لأن العرض لا يقوم بالعرض وإنما عنى به أن للصوم في هذا اليوم جهة في الإعراض، فصار قبيحًا من حيث إنه إعراض لا من حيث إنه صوم، فكان صوم يوم العيد مشروعًا بأصله لمصادفته وقت الصوم؛ لأن يوم العيد يوم كسائر الأيام، فكان مشروعًا في نفسه، ولكن هو متضمن لرد الضيافة باعتبار أن هذا اليوم يوم أكل وشرب وبعال وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم، وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل.
فإن قيل: لم يصادف هذا الصوم وقته؛ لأنه تعين هذا اليوم للأكل
(2/624)

والشرب بالحديث فيخرج عن وقتية الصوم كما خرج الليل عن وقتيته لتعينه للأكل والشرب لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ} وقوله: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وكُلُوا واشْرَبُوا} قلنا: نجمع بين ما ذكرت وبين ما تمسك محمد بن الحسن-رحمه الله- بحديث النهي عن صوم يوم العيد فقال: أفينهانا عما لا يتكون أو عما يتكون؟
فنقول: على قضية ما ذكرت ينبغي ألا يصح الصوم ولا النذر لتعينه للأكل والشرب، وعلى موجب ما ذكر محمد بن الحسن-رحمه الله- من النكتة ينبغي أن يصح، والأصل في المتعارضين الجمع، فجمعنا.
(2/625)

وقلنا: لا يجوز الصوم ابتدًاء عملًا بما ذكرت ويصح النذر بما ذكر محمد-رحمه الله - من النكتة، ولئن صام صار صومه صومًا شرعيًا، وكان الصوم مستحق الفطر، ولا يضمن بالشروع عملًا بما ذكرت.
وقيل: إنما افترق هذان الحكمان من قبل أن الصوم إعراض منه عن الضيافة فكان هو مطالبًا بالكف عنه شرعًا لا بإتمامه، فلا يكون الإفطار جناية منه على حق الشرع، ولا يبقى في عهدته حتى يحتاج إلى القضاء.
فأما بالنذر فلا يصير مرتكبًا للحرام، فيصح نذره ويؤمر بالخروج عنه بصوم يوم آخر، فبه يتم التحرز. عن ارتكاب الحرام، ولكن لو صام فيه خرج عن موجب نذره؛ لأنه التزم المشروع في الوقت ويتيقن بأنه أدى المشروع في الوقت إذا صام، فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدًا منه.
كمن نذر أن يعتق عبدًا بعينه فعمي ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور بإعتاقه، وإن كان لا يتأدى بإعتاقه شيء من الواجبات، لما أن العبد مستهلك باعتبار وصفه، قائم باعتبار أصله، وكذلك الصوم في هذا اليوم مشروع باعتبار أصله، فاسد الأداء باعتبار وصفه، ولهذا لا يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم؛ لأن ذلك وجب في ذمته كاملًا، وبصفة الفساد والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ضرورة.
(2/626)

(ألا ترى أن الصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به كما نقول: قيام العرض أي وجوده به، وهذا إيضاح كونه طاعة (ولا فساد فيه)؛ لأنه يوم كسائر الأيام من طلوع الشمس وغروبها.
وأما القبح فباعتبار شيء آخر وهو كونه متضمنًا للإعراض عن ضيافة الله تعالى.
(والنهي يتعلق بوصفه وهو أنه يوم عيد) وإنما قال: إن قوله: (يوم عيد) صفة لليوم؛ لأن الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، فلليوم أوصاف من كونه حارًا وباردًا وأول الشهر وعاشره ويوم عيد، أو لأن الصفة هي المعنى الذي يقع به التفرقة بين المشتركين وهذا كذلك؛ لأن بكونه يوم عيد يقع التفرقة بين هذا اليوم وبين سائر الأيام.
(والمتناول من جنس الشهوات بأصله طيب بوصفه)؛ لأن بإراقة الدم تزول المعصية بأول قطرة منه كما جاء في الحديث فبقى اللحم طيب
(2/627)

الوصف، أو لأنه داخل تحت قوله تعالى: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}
(فصار تركه طاعة بأصله) من حيث إن الصوم يقوم باليوم ولا فساد فيه من حيث إنه يوم كسائر الأيام.
(معصية بوصفه) وهو لزوم رد ضيافة الله تعالى باعتبار أنه يوم عيد إنما وصف المعصية متصل بذاته فعلًا؛ لأن رد الضيافة إنما ينشأ من فعل الصوم.
(لا باسمه ذكرًا) أي لا تتصل المعصية به وقت نذره به بسبب نذره، فلما كان نذره خاليًا عن المعصية صح نذره؛ لأنه نذر بالطاعة نظرًا إلى أن الصوم طاعة.
(2/628)

(وهو منسوب إلى الشيطان) وذلك في حديث الصنابحي- رضي الله عنه- أن النبي عليه السلام نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وقال: (إنها تطلع بين قرني الشيطان، وإن الشيطان يزينها في عين من يعبدها حتى يسجدوا لها، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها، وإذا مالت فارقها، وإذا دنت للمغيب قارنها، وإذا غربت فارقها، فلا تصلوا في هذه الأوقات) كذا في (المبسوط).
(2/629)

قرن الشيء قوته، أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له وقوة الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها فيها، والتثنية للمبالغة، ولا يقال: لما كان تسويل الشيطان في هذه الأوقات لعبدة الشمس كان ينبغي أن يباح الصلاة في هذه الأوقات بل أن يستحب رغمًا للشيطان وردًا لتزيينه؛ لأنا نقول: النسبة إلى الشيطان كافية في إيراث الكراهة كما في ظرف المكان في كراهة الوقوف في بعض المواضع من بطن عرنة ووادي محسر لنسبتهما إلى الشيطان فكذلك في ظرف الزمان في
(2/630)

بعض الأوقات، وهذا لأن في بعض الطاعات لزوم رغم الشيطان، ولكن في بعضها ورد الحديث بالنهي عن الطاعة في ذلك الزمان أو المكان، فعلينا الانقياد أو التسليم غلي موجب ما ورد به الحديث.
(وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة). وقوله: وهو سببها كأنه جواب إشكال يرد على قوله "وهو ظرفها لا معيارها"؛ بأن يقال: لما كان الفساد وصف للصلاة من حيث الوقت، جب ألا تنتقص الصلاة بذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة حيث يتأدى فيها الكامل وإن ورد النهي عنها أيضًا، لما أن ذلك ظرف مكان وهذا ظرف زمان فيستويان في الظرفية فيجب أن يستويا في عدم إيراث النقصان.
فأجاب عنه وقال: نعم كذلك، إلا أن الوقت سبب للصلاة وقد اتصف السبب بالنقصان فظهر ذلك في المسبب، وهو الصلاة إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب، فلذلك لا يتأدى به الكامل بخلاف ظرف المكان، فإنه لا سببية فيه، فلم يورث النقصان فتأدى به بالكامل.
وقوله: لا فاسدة "نتيجة لقوله: لا معيارها" يعني لما لم يكن الوقت معيارًا للصلاة كان الفساد المتمكن في الوقت اقل اتصالًا بالصلاة بالنسبة إلى الصوم، فإن الوقت في الصلاة معيار له، والمعيار مستغرق لجميع ما يودي فيه، فكان القبح الثابت في المعيار أكثر اتصالًا بالمؤدي، فكثر تأثيره في
(2/631)

الفساد، فلذلك فلا يضمن في الصوم، ولأن الوقت داخل في ماهية الصوم، لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا مع النية، فكان القبح المتمكن في الوقت متمكنًا في الصوم، فأزداد أثر القبح في الصوم فأورث الفساد، فبهذين المعنيين أعني- كون الوقت معيارًا للصوم وكونه داخلًا في ماهية الصوم- صار الصوم كأنه فسد من أصله، فلم يضمن بالشروع.
وأما الوقت في الصلاة فغير داخل في ماهيتها فلم يكن القبح المتمكن في الوقت متمكنًا في الصلاة بصفة الكمال، فلم يوجب الفساد كالقبح الثابت في الأرض المغصوبة، إلا أن الوقت سبب الصلاة وهو ناقص في الأوقات المكروهة، فيظهر النقصان في المسبب.
أما الأرض فليست بسبب ولا معيار فلم يورث النقصان.
فحصل من هذا كله أن المشرع الذي يتصل به القبح من الصوم والصلاة على ثلاثة أوجه: فاتصال كامل ووسط وناقص، فبحسب ذلك تثبت الأحكام، والكمال في الصوم يوم العيد، فذلك فلم يضمن بالشروع ولم يتأد به الكامل، والوسط وهو الصلاة في الأوقات المكروهة. إذ اتصال القبح بها اقل بالنسبة إلى الصوم وأكثر بالنسبة إلى الصلاة في الأرض المغصوبة، فلذلك لا يتأدى بها الكامل وتضمن بالشروع.
وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فاتصال القبح بها أقل من اتصال القبح بالأولين، ولذلك وجب فيها مجرد الكراهة فلم يورث الفساد والنقصان؛
(2/632)

لأن القبح فيها عن طريق المجاورة لا على طريق الاتصال في الحقيقة؛ لأنه ليس للأرض اتصال بالصلاة من حيث السببية ولا من حيث المعيارية، ثم كون الوقت سببًا وهو ناقص في حق صلاة العصر ظاهر.
وأما في حق مطلق الصلاة كالتطوع وغيره فإن سبب الصلاة هو البقاء وترادف نعم الله تعالى على المكلف على هذا الوقت. هكذا ذكره صاحب «ميزان الأصول» علاء الدين أو بكر محمد بن أحمد السمرقندي- رحمه الله- فأقيم الوقت مقامه تيسيرًا والبقاء موجود في حق المتطوع فكان السبب موجودًا.
أو نقول: لما كان الوقت سببًا لجنس الصلوات وهو الفرائض ألحق التطوع بها؛ فجعل سببًا في حق التطوع أيضًا لما أن التطوع يجب الشروع والشروع فعل العبد فكان فعل العبد إيجابًا له، وإيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، والوقت سبب فيما أوجب الله تعالى فكذلك فيما أوجب العبد؛ لأنه لو شرع فريضة الوقت كان هذا الوقت سببًا لها، فكذا إذا شرع التطوع في هذا الوقت كان هذا الوقت سببًا له.
والدليل على أن الوقت عند الشروع سببًا لصلاة التطوع، أن من شرع صلاة التطوع في وقت مكروه فأفسدها فقضاها في وقت آخر مكروه يجوز.
(2/633)

كذا في نوادر صلاة «المبسوط» فعلل وقال:
لأنه لو أداها حين افتتحها لم يكن عليه شيء آخر، فكذلك إذا قضاها في مثل ذلك الوقت لم يلزمه شيء آخر؛ لأن القضاء بصفة الأداء أثبت جواز نقصان القضاء بنقصان الوقت في الأداء، أو نقصان الوقت في الأداء إنما يؤثر في القضاء أن لو كان الوقت سببًا له.
(والصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به؛ لأن الوقت معيار للصوم (ويعرف به) أي يقال: الصوم هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا مع النية.
(فأزداد الأثر فصار فاسدًا) أي ازداد أثر فساد الوقت وقبحه في الصوم لكون الوقت معيارًا له ومعرفًا له فصار الصوم فاسدًا، وهذا لأن القبح إذا أشتد قربه من الصوم والصلاة اشتد تأثيره.
ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز نافذ لبعد القبح عن البيع، والقبح في الصلاة في الأوقات المكروهة أبعد من القبح في الصوم؛ لأن القبح في الصوم ينشأ من الوقت الذي هو داخل في الصوم ففسد، والقبح في الصلاة لوصف
(2/634)

يقوم بالوقت والوقت غير داخل في ماهية الصلاة فكان أبعد فلا يوجب الفساد كالقبح في الأرض المغصوبة إلا أن الوقت سببها وهو ناقص، فيظهر النقصان في المسبب فانتقص، والناقص لا يكون فاسدًا بخلاف الصلاة في الأرض المغصوبة لأن القبح لا ينشأ من سببها فصار مجاورًا فيتأدى به الكامل، كذا قرره ملانا حميد الدين- رحمة الله.
(وهذا بخلاف بيع الحر والمضامين والملاقيح). يعني ورد في الحديث «نهى النبي عليه السلام عن بيع الحر» وروي أنه: «نهى عن بيع الملاقيح والمضامين» أي عن بيع ما في البطون وما في أصلاب الفحول. جمع ملقوحة ومضمون.
(2/635)

(وهذه الاستعارة) أي استعارة النهي عن النفي.
(لما بينهما من المشابهة) أي صورة ومعنى.
أما الصورة: فلوجود حرف النفي فيها.
وأما المعنى: فلأن كل واحد منهما للإعدام ولما كان كذلك جازت استعارة النهي للنفي هاهنا للقيام الدليل عليه. كما جازت استعارة النهي للنفي في قوله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وقوله عليه السلام: «لا نكاح إلا بشهود» في أحد التخريجين، وقوله عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وقوله (لا صلاة للآبق).
(2/636)

(ولا خلاف فيه) أي في جواز الاستعارة عند قيام الدليل عليه، (إنما الخلاف في حكم حقيقته) أي في حكم حقيقة النهي يعني أن حقيقة النهي ما هي؟ فعندنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي الشرعية وعند الخصم لا يقتضيها.
(وكذلك صوم الليالي) أي النهي الوارد في صوم الوصال، وهي راوية الراوي: «نهي النبي عليه السلام عن صوم الوصال» أو روايته بقوله: «لا تواصلوا في الصيام» ذلك النهي مستعار عن النفي، والمراد بصوم الوصال أن يواصل الرجل الأيام والليالي بالصوم ويمسك عن المفطرات، وإنما قلتا: أنه مستعار عن النفي؛ لأن الصوم لا يتكون في الليل شرعًا.
وقد ذكرنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي تكون المنهي عنه شرعًا فلذلك كان النهي مستعارًا عن النفي، والقبح الذي كان في صوم الليالي وإن كان لعينه بحيث لا شرعية فيه أصلًا، وهو مجاور لصوم النهر فلم يؤثر في كمال صوم النهر، فلذلك قلنا: بأن صوم الفري يتأدى في أيام الوصال إذا نواه، لأن النهي للمجاور لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى فيه الصوم. إلا أن الوصال لا يتحقق؛ لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون وقتًا لركن
(2/637)

الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك عادة، كذا ذكره الأمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه- الله-
(فيتعين للصوم تحقيق تحقيقًا للابتلاء)؛ لأن الله تعالى ابتلى عباده بأفعال بالترك أو بالأقدام، وهذا المعنى في حق الصوم يتحقق بالنهار؛ لأن النفس داعية إلى الأكل والشرب وذلك بالنهار في العادة، فيتحقق به خلاف هوى النفس.
فأما في الليل فعلى وفاق هوى النفس فلا يتحقق فيه معنى الابتلاء على الكمال، ولا يقال بأن الجماع يوحد بالليالي في الأعم والإمساك عن الجماع ركن في الصوم أيضًا كالأكل والشرب؛ لأنا نقول: إن ذلك تبع لشهوة البطن؛ لأن ذلك ينشأ من الشبع.
(ولا يلزم النكاح بغير شهود) وجه الورود أن قوله عليه السلام: «لا نكاح إلا بالشهود» مستعار عن النهي؛ لأنه لو حمل عن النفي على ما هو صيغته لكان إخبارًا عن عدمه وقد يوجد حسًا، فحينئذ يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع، وعن هذا جمل النفي المذكور في قوله تعالى:
(2/638)

{فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} على النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.
أو لأن إحضار الشهود في النكاح مأمور به فيكون الأمر نهيًا عن ضده اقتضاء ضرورة فيما إذا لم يتعرض ضد الأمر بشيء، فكيف إذا ما تعرض الضد بالنفي الذي هو أبلغ من النهي، فورد نقصًا عن الأصل الذي قلنا إن النهي في الأفعال الشرعية لا ينفي المشروعية، والنكاح أمر شرعي وعند عدم الشهود يفسد النكاح أصلا ووصفًا فأجاب عنه بطريقتين:
أحدهما: على وجه المنع يعني لا نسلم بأنه نهي بل هو نفي على حقيقة فلا يرد علينا نقصًا؛ لأن كلامنا في النهي لا في النفي.
وأما قوله: «فلولا حمل علي النهي يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع». فقلنا: لا نسلم لزوم الخلف؛ لأن المنفي هو النكاح الشرعي وهو كذلك؛ لأن النكاح الشرعي بغير شهود لا يوجد أصلًا، فكان النفي على حقيقته.
(2/639)

بخلاف الرفث ونحوه فإنه يوجد حسًا أينما وجد، فلا يمكن حمله على النفي والثاني: على وجه التسليم فنقول: إن سلمنا أنه نهي لكن النهي يقتضي الحرمة لا محالة وملك النكاح ملك ضروري؛ لأنه استيلاء على جزء الحرة وهي بجميع أجزائها غير قابلة لتملك الغير إياها، وإنما شرع لحل الاستمتاع مع منافاة الدليل، فكان الحل فيه ضروريًا، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها فمتى اتصف ذلك المحل بالحرمة لم يبق الحل أصلًا ووصفًا.
أو نقول: الحل في النكاح يثبت مقصودًا؛ لأن الحل لا ينفك عن النكاح الشرعي أصلًا، ثم من ضرورة فساد السبب ثبوت صفة الحرمة فيه لما أن بين الحرمة وبين ملك النكاح منافاة فينعدم الملك، ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون مشروعًا؛ لأن الأسباب الشرعية يراد لأحكامها.
فأما ثبوت النسب ووجوب المهر والعدة وسقوط الحد به من حكم الشبهة لا من حكم انعقاد أصل العقد شرعًا.
وقوله: (والتحريم لا يضاده) أي تريح الاستمتاع لا يضاد ملك اليمين؛ لأن الحل فيه تابع فلا يبالي بفوات الحل عند وجود حكم مخصوص مقصود للبيع وهو ملك اليمين.
وأما النكاح فالحكم المقصود له الحل، ومتى لم يثبت الحل لم يكن وجود
(2/640)

النكاح إلا صورة بلا معنى، ولصورة النكاح شبهة النكاح، فتثبت بها من الأحكام ما تثبت بالشبهة وهي ما ذكرناه من ثبوت النسب وغيره.
(ولفظ النهي في قوله تعالى {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} مستعار عن النفي بدليل قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أو نقول: إن قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} لا يرد نقضا علينا، فإن ذلك لم يكن مشروعًا أصلًا بدليل آخر الآية {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} وما هذا شأنه لا يكون مشروعًا من الأصل وكلامنا فيما كان مشروعًا ثم ورد النهي عنه في حقه. هكذا قرره الأستاذ الكبير- رحمة الله- (وأما استيلاء أهل الحرب) وجه الإيراد فيه أن الشافعي- رحمه الله- يقول: عندي أن النهي يقتضي القبح لعينه على الإطلاق سواء كان المنهي عنه شرعيًا أو حسيًا فلا يفيد حكمًا مطلوبًا، وأنتم تفرقون بينهما، وقد وافقتموني في أن القبيح لعينه لا يفيد حكمًا مطلوبًا كبيع الحر والمضامين والملاقيح وغيرها، واستيلاء أهل الحرب من الأفعال الحسية، وهو محظور قبيح لعينه، والكفار بالحرمات مخاطبون بالإجماع، والملك المشروع يقتضي
(2/641)

سببًا مشروعًا بالإجماع؛ لأنه لابد من الملاءمة بين المؤثر والأثر وقد قلتم بثبوت الملك به مع أن الملك نعمة واستيلاء أهل الحرب معصية محضة، وكذلك هذا في الملك بالغضب وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وهذه أيضا نعمة بدليل أن الله تعالى من به في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} والنعمة لا تنال بالمعصية.
والجواب عنه ما ذكره في الكتاب وهو قوله: (فإنما صار منهيًا بواسطة العصمة) أي إنما صار الاستيلاء منهيًا عنه بواسطة أن المال معصوم لمالكه بعصمة ثابتة شرعًا، والعصمة إنما تثبت في حقنا، فكانوا منهيين عن الاستيلاء في اعتقادنا وهم يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة عنهم بانعدام ولايتنا عليهم فلم يثبت النهي باعتقادهم فلم يعمل ما هو الحق الذي هو في اعتقادنا من حرمة الاستيلاء، فكان ثبوت الملك لهم باستيلائهم على
(2/642)

تقدير أنه ليس بمنهي عنه فلم يتجه علينا نقضًا.
فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الملك لهم في اعتقادنا؛ لأن في اعتقادنا أنهم منهيون، والمرء مؤاخذ بزعمه.
ألا ترى أن من زعم أن العبد الذي يسترقه زيد وهو حر فهو مؤاخذ بزعمه، حتى أنه لو وقع في ملكه بسبب من الأسباب يعتق عليه عملًا باعتقاده، فلم لم نجعل هنا كذلك حتى لا يثبت الملك لهم لما أن استيلاءهم على أموالنا قبيح لعينه ومعصية محضة فلا ينال له الملك الذي هو نعمة؟
قلنا: نعم كذلك، إلا أننا مأمورون بالعمل على حسب اعتقادهم وبتركهم مع اعتقادهم خذلانًا لهم.
ألا ترى أن العقود الفاسدة التي هي محكومة بفسادها في اعتقادنا لو دانوا بصحتها نقول بصحة تلك البياعات، ونحكم بتلك البياعات على ما نحكم بالبياعات الصحيحة من لزوم الملك بنفس العقد ولزوم البيع بحيث لا ينفرد أحمد المتعاقدين بالفسخ.
وكذلك في الأنكحة الفاسدة لو دانوا بصحتها حكمنا أيضا بصحتها حتى قلنا بثبوت الإرث بها وثبوت الملك وثبوت النسب حسب ثبوتها بالعقود لصحيحة إلا ما استثنى منها من نكاح المحارم على ما قاله عليه السلام:
(2/643)

"ولدت من نكاح لا من سفاح"، بخلاف ما ذكرت من اعتقاد حرية عبد زيد، فإن المعتقد هناك بالحرية غير مأمور بالعمل على حسب اعتقاد غيره، بل هو مأمور بالعمل بما هو في اعتقاده؛ لأن اعتقاده في حق نفسه يقين، واعتقاد غيره في حقه باطل أو شك، واليقين لا يترك بالشك.
(2/644)

أو نقول: وإن كان النهي ثابتًا على الإطلاق وتثبت العصمة على الإطلاق لكنها سقطت بالإحراز بدار الحرب، لأنها لم تبق محرزة بدار الإسلام فسقط حكم النهي في حق أحكام الدنيا؛ لأن الحكم ينتهي بانتهاء سببه، والعصمة كانت ثابتة بسبب الإحراز بدار السلام فسقطت هي بانتهاء سببها وهو الإحراز بدار السلام.
ألا ترى أن الحل إذا ثبت بالنكاح يبطل الحل ببطلان النكاح، وكذلك الملك والحل ينتهي بانتهاء البيع، حتى إن في رقاب الأحرار لما كانت العصمة عن الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم ينته بالإحراز الموجود منهم قلنا إنهم لا يملكون رقابنا.
ثم قوله: (وهي ثابتة في حقنا) أي والعصمة ثابتة في حقنا لبقاء ولاية إلزام عصمة ملك المالك في حقنا، وأما في حق أهل الحرب فلا.
وقوله: (ولأن العصمة متناهية بتناهي سببها)، وسببها إحراز المسلمين بدارهم، فإذا أحرز الكفار بدارهم انتهي ذلك السبب فسقط حكم.
(2/645)

النهي عنهم في حكم الدنيا ففلم يبق حرامًا في حقهم لذلك، حتى إن رقاب الأحرار لما كان عصمتها متأكدة بالإسلام لم يملكوا أحرارًا بإحرازهم في دارهم بالأسر والقهر لبقاء الإسلام، وهذا لأن العصمة على نوعين: مقومة، ومؤثمة، فالعصمة المؤثمة بالإسلام، والعصمة المقومة بالدار، فلا تبقى العصمة المقومة إذا أحزروا أموالنا بدارهم لانقطاع إحرازنا بدار الإسلام، وتبقى العصمة المؤثمة في الإحراز بدارهم لبقاء الإسلام.
آو نقول في الفرق بين الأموال والرقاب: إن الأصل في الأموال أن لا تكون معصومة لأحد لقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} ثم الاختصاص بالملك كان بعارض الاختصاص بسبب من الأسباب ليتمكن من الانتفاع من باشر سببه، فلما زال تمكنه من الانتفاع بسبب استيلاء الكفار عاد إلى الأصل الذي هو عدم العصمة، وإن الأصل في الرقاب عدك كونها محلًا للتملك لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وفي التملك ترك التكريم، لكن يثبت فيها محلية التملك بعارض الكفر، وليس في رقابنا ذلك.
(2/646)

فبقيت على ما يقتضيه الأصل وهو عدم التملك، فكانت صفة الأموال مع صفة الرقاب على طرفي النقيض.
(وأما الملك بالغضب فلا يثبت مقصودًا بالغضب، بل شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان).
بيان هذا أن الضمان حكم مشروع ثابت بالغصب بالإجماع، وهذا الحكم لا يثبت إلا بثبوت الملك للغاصب في المبدل، فكان ثبوت الملك للغاصب شرطًا لثبوت هذا الحكم المشروع وهو الضمان، وهذا لأن الضمان إنما شرع جبرًا لما فاته من المال لاعتبار جنابة الغاصب بالغصب.
ألا أن طائفة إذا اجتمعوا على غصب عين واحد يجب عليهم قيمة واحدة، ولو كان جنابة الفعل لوجب على كل واحد منهم قيمة تامة.
كما لو اشترك المحرمون في قتل صيد واحد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل؛ لأن ضمان الفعل يتعدد بتعدد الفاعلين وهو معروف.
(وشرط الحكم تابع له) أي وفوات ملك المغصوب منه تابع لوجوب الضمان. قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: فإن الضمان ضمان الجبر، وإنما يجبر الفائت لا القائم، فكان انعدام ملكه في العين شرطًا لسلامة
(2/647)

الضمان له، وشرط الشيء تبعه، فإنما تراعي صلاحية السبب في الأصل لا في التبع.
ثم بعد فوات الملك المغصوب منه من المغصوب لضرورة ملكه في يد له لم يكن أحد اقرب في ثبوت الملك في المغصوب من الغاصب؛ لما أن الضمان وجب عليه فيثبت الملك له أيضًا، فكان ثبوت الملك بالغصب تبعًا للضمان الذي هو مشروع، والتبع لا يعطي له حكم الأصل كما إذا ضحى نصف سبع البدنة لا يجوز بالإجماع، وإذا ضحى ثلاثة أجزاء ونصف سبعة يجوز؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له أصلًا؛ بل شرطًا لحكم شرعي؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له أصلًا؛ بل شرطًا لحكم شرعي؛ أي بل يثبت الملك للغاصب لكون ثبوت الملك له شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان.
(فصار حسنًا بحسنه) أي فصار ثبوت الملك للغاصب حسنًا بسبب حسن الضمان عليه إذ لا يمكن إيجاب الضمان على الغاصب بدون أن يخرج المغصوب عن ملك المغصوب منه ويدخل في ملك الغاصب، وإلا يلزم اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد وهو المغصوب منه، وليس له نظير في الشرع.
وكان الأستاذ الإمام المحقق مولانا فخر الدين المايمرغي- رحمه الله-
(2/648)

يقول في تقرير قوله: إذا الجبر يعتمد الفوات، أو نمي بيني كه إسبان جامه رابر جاي مي زنيد كه در وي دريدكي بودنه در جائيكه أن جاي درست بود، وإن في قوله: وإن قبح كان مقصودًا به للوصل، يعني: اكر جه قبيح أست زوال ملك المالك در أن حالتيكه زوال ملك مقصود بود بغصب، ولكن حسن بود در آن حالت كه بطريق تبعيت أمر حسن مي شود.
وقوله: (في ضمان المدبر) جواب شبهة ترد على قوله: بل يثبت الملك شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان بان يقال: يشكل على هذا المدبر فإن الضمان واجب على غصبه ومع ذلك لم يثبت الملك له؟
فأجاب عنه بهذا، وتحقيقه ما ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- فقال:
وفي المدبر على هذا الطريق نقول: لما سلم الضمان للمغصوب منه يجعل الأصل زائلًا عن ملكه؛ لأن المدبر محتمل لذلك، ولهذا لو اكتسب كسبًا ثم لم يرجع من إباقه حتى مات كان ذلك الكسب للغاصب، وإنما لم يثبت الملك للغاصب صيانة لحق المدبر، والتدبير موجب حق العتق له عندنا ولهذا امتنع بيعه.
(2/649)

وأما في القن بعد زوال الملك المغصوب منه فلا مانع من دخوله في ملك الغاصب الضامن وهو أحق الناس به؛ لأنه ملك عليه بدله.
وذكر في "شرح الطحاوي" فائدة عدم ثبوت الملك لغاصب المدبر في المدبر ان المدبر لو ظهر يرد على مولاه ويسترد منه القيمة، وليس للغاصب حبسه لأجل القيمة؛ لأنه لا يجوز بيعه فلا يجوز حبسه بالدين.
(2/650)

(ولا يدخل في ملك المشتري) أراد به الغاصب لما قلنا: إن مآله المعارضة، فكان الغاصب مشتريًا، أو أراد به المشتري حقيقة؛ لأن من اشترى مدبرًا وهلك في يده ضمن ضمان الغصب، (ولأن ضمان المدبر جعل مقابلًا بالفائت وهو اليد، وهذا طريق جائز. والأول طريق واجب) أي يصرف إليه على الإطلاق.
وأما هذا الطريق وهو أن يكون الضمان بمقابلة تفويت اليد إنما يصار إليه عند العجز عن العمل؛ بأن يكون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة، والضمان بمقابلة تفويت اليد إنما يكون في ضمان المدبر لا في ضمان القن؛ لأنه لا ضرورة في المصير إلى أن يجعل الضمان بمقابلة تفويت اليد في القن؛ لأنه قابل للنقل من ملك إلى ملك.
وقد قلنا: إن كون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة هو الأصل المقرر فلا يعدل عنه بدون الضرورة.
فكان القول بالضمان بمقابلة اليد أمرًا جائزًا، فإن الضمان قد يكون بمقابلة ما ليس بمال كما قلنا بوجوب الدية في القتل الخطأ، وهذا إنما يكون ضرورة لا أصلًا، وهذه الضرورة إنما يصار إليها في المدبر لا في القن؛ لأنه يمكن هناك إجراء الحكم على ما هو الموجب الأصلي فلا يصار إلى الأمر المحتمل كما قلنا في موجب اللفظ مع محتمله: إن الأصل هو العمل
(2/651)

بحقيقة اللفظ وموجبه، فإذا تعذر العمل بالحقيقة حينئذ يصار إلى المجاز وهو محتمل اللفظ، والمراد من الوجوب والجواز هذا.
(وأما الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة أصلًا بنفسه) أي من حيث الأصالة بنفسه أي من حيث إنه زنا لما عرف أن الفاسد لا ينتج إلا الفاسد، وحرمة المصاهرة نعمة على ما ذكرنا فكيف تضاف إلى ماهو قبيح وحرام لعينه؟ ولكن إنما ثبت حرمة المصاهرة باعتبار شبهة البعضية والجزئية. بيان ذلك (أن الزنا سبب للماء، والماء سبب لوجود الولد، والولد هو الأصل في استحقاق) حرمة المصاهرة باعتبار أنه جزء الوالدين لما خلق من مائهما على ما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن ْنُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}.
علم أن الولد جزء لوالديه لما أن المشج- بكسر الميم- ما أختلط من ماء الرجل بماء المرأة، والولد كله يضاف إلى الأب، ويضاف أيضًا كله إلى الأم، فكان الرجل والمرأة صارا شخصًا واحدًا كزوجي الباب وزوجي الخف، فصار جزء الرجل جزء المرأة، فكان آباؤه كآبائها، وأبناؤه كأبنائها، وأمهاتها وبناتها كأمهاته وبناته.
وهو معنى ما قال في الكتاب "الأصل في ثبوت حرمة المصاهرة الولد ثم
(2/652)

يتعدى إلى أطرافه".
وقيل: هذا التعليل مستخرج من قول عمر- رضي الله عنه- وتعليله في عدم جواز بيع أمهات الأولاد: "فكيف تبيعونها وقد أختلط لحومكم بلحومهن ودماؤكم بدمائهن"، وكان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا باعتبار أنه سبب للولد لا باعتبار أنه زنا، فأخذ حكم الأصل وهو الولد في الأصل. لا عصيان ولا عدوان بل هو محترم مكرم داخل تحت قوله تعالى:} وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم {والأصل أن ما قام مقام شيء يعمل عمل أصله لا عمل نفسه.
ألا ترى أن الوكالة جائزة غير لازمة، وإذا وقعت في ضمن الرهن أخذت حكم الرهن وهو صفة اللزوم، وبطل حكمها بنفسها لقيامها مقام الرهن، وكذلك عبد الهاشمي إذا أعتقه مولاه أخذ حكم الهاشمي في حق حرمة الصدقة لقيامه مقام مولاه بحكم الاتصال بالسببية، فكذلك هاهنا قام الزنا مقام الولد باعتبار أنه سببه، فأخذ حكم الولد ويهدر وصف الزنا في إيجاب حرمة المصاهرة فكان الولد مثبتًا لحرمة المصاهرة لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار أنه قام مقام الولد. وقوله: الولد هو الأصل في استحقاق
(2/653)

الحرمات؛ أي في استحقاق حرمة المصاهرة.
(ولا عصيان فيه) أي ولا معصية لله تعالى في الولد، أي لم يوجد منه عصيان لله تعالى. (ولا عدوان) أي ولا تعدي، أي لم يوجد منه تعد في حق العباد.
(ثم يتعدى منه إلى أطرافه) أي إلى الأب وألام، (وإلى أسبابه) أي إلى أسباب وجود الولد، كدواعي الوطء من القبلة والمس بشهوة.
(فإنما يعمل بعلة الأصل) وإذا كان عمله بعلة الأصل صار المنظور إليه الأصل لا القائم مقام الأصل.
(وسقط وصف التراب) وهو التلوث.
(لقيامه) أي لقيام الزنا (مقام ما لا يوصف) وهو الولد بذلك أي بالحرمة بتأويل التحريم، (في إيجاب حرمة المصاهرة) أي عدم اتصاف الزنا بالحرمة، إنما كان في حق إيجاب حرمة المصاهرة لا غير؛ لأنه في حق غيره هو معصية محضة وفعله فاحشة موجبة للجلد أو للرجم الذي هو أسوأ القتل.
(2/654)

(وأما سفر المعصية فغير منهي عنه لمعنى فيه) يعني أن العاصي في سفره يترخص برخص المسافرين عندنا خلافًا للشافعي، لأن سبب الرخصة السير المديد وهو موجود بصفة الكمال.
وأما العصيان فليس في نفس السفر؛ لأن العصيان هو التمرد على من يلزمه طاعته، والبغي على المسلمين ينفصل عن السفر وجودًا وعدمًا، فإنه قد يتمرد على مولاه وهو غير مسافر، بل هو في المصر، ويوجد سفره وهو مطيع على مولاه، وكذلك في قطع الطريق.
ألا ترى أن الرجل قد يخرج غازيًا ثم يستقبله غير، فيبدو له فيقطع عليهم.
(2/655)

فعلم بهذا أن النهي عن هذه الجملة كان نهيًا لمعنى في غير المنهي عنه من كل وجه، وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل مشروعًا، فلا يمتنع تحقق الفعل سببًا للرخصة بخلاف السكر، فإنه عصيان بعينه فلم يصح أن تتعلق الرخصة بأثره.
(ولا يلزم على هذا النهي عن الأفعال الحسية) أي ولا يلزم على ما ذكرنا من أن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية في المنهي عنه النهي عن الأفعال الحسية؛ حيث لا مشروعية في المنهي عنه أصلًا بل هو قبيح لعينه؛ (لأن القول بكمال القبح فيها وهو مقتضى مع كمال المقصود) وهو بقاء النهي نهيًا ممكن، أو أن المقصود من النهي هو الابتلاء، ويشترط في ذلك أن يكون العبد قادرًا على تحصيل ما نهي عنه ليكون مبتلى بين أن يكف عنه باختياره ليثاب عليه وبين أن يفعله ليعاقب، وهذا ممكن مع ثبوت القبح بكماله في الأفعال الحسية.
ألا ترى أن أقبح القبائح الكفر وهو مقدور للعبد، فثبت أن النهي يتصور فيها مع ثبوت القبح لمعنى في عين المنهي عنه؛ لأن وجوده ليس من الشرع حتى ينعدم بانعدام المشروعية، فوجب القول بكمال القبح فيها وهو الأصل.
فأما الأفعال الشرعية فلا يمكن القول بكمال القبح فيها مع بقاء النهي عنها، فلذلك وجب القول فيها على وجه لا يبطل النهي على ما بينا ليبقى مقدورًا للعبد.
(2/656)

(والنهي في صفة القبح ينقسم انقسام الأمر) يعني أن الحسن في المأمور به ينقسم إلى أقسام: منها ما هو حسن لعينه، ومنها ما هو حسن ملحقًا بالحسن لعينه، ومنها ما هو حسن لغيره، وما حسن لغيره ينقسم إلى أن الغير يتأدى بنفس المأمور به، وما لا يتأدى بنفس المأمور به، فكذلك النهي ينقسم إلى هذه الأقسام تحقيقًا للمقابلة؛ لأن النهي يقابل الأمر وأقسامه مذكورة في الكتاب، وهي: (أن القبيح لعينه وضعًا الكفر، وما قبح لعينه ملحقًا به بيع الحر والمضامين والملاقيح، وما قبح لمعنى في غيره) وهو أيضًا على نوعين:
(الذي قبح لمعنى في غيره وهو مجاور للمنهي عنه: البيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، والذي قبح لمعنى في غيره وهو متصل بالمنهي عنه وصفًا وهو صوم يوم النحر والبياعات الفاسدة).
(2/657)

وعن هذا قال مشايخنا- رحمهم الله- في البيع الفاسد ونحوه، فمن حيث إنه مشروع يوجب الصحة ومن حيث إنه قبيح بوصفه يوجب البطلان، فقلنا بالفساد عملًا بالأدلة؛ لأن الأصل في الأدلة إعمالها لا إهمالها، فمن نتيجة فساد الوصف عدم اللزوم بالشروع، ومن نتيجة صحة الأصل لو صامه يخرج عن عهدة نذره.
***
(2/658)

[باب معرفة أحكام العموم]
لما فرغ من بيان أحكام الخصوص بأنواعها وشعبها ومتقابلاتها من الأمر والنهي شرع في بيان أحكام العموم، وقدم الخاص على العام؛ لأن الخاص كالجزء للعام، والجزء مقدم على الكل، أو لأن حكمه قطعي بالاتفاق، وحكم العام مختلف فيه.
(العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا بمنزلة الخاص) كما إذا
(2/659)

قال: عبيدي أحرار يثبت هذا الحكم في كل فرد من أفراده، كما إذا قال عبدي هذا حر.
قوله: (الخاص لا يقضي على العام) قيل: القضاء الإلزام أي لا يلزم الخاص حكمه على العام ولا يرد حكم العام، (بل يجوز أن ينسخ به) حتى إن الخاص إذا كان متقدمًا، ثم جاء العام بخلاف حكم الخاص ينسخ هذا العام المتأخر الخاص المتقدم ويقضي عليه.
(نسخ، وهو خاص بقول النبي عليه السلام "إستنزهوا من البول")
فإن قيل: لم قلتم بأن النسخ إنما ثبت بكونه عامًا بل لكونه محرما؟
قلنا: لا نثبت النسخ بكونه عامًا، ولا لكونه محرما بل نثبت بكونه متأخرًا مساويًا للأول في الرتبة وإفادة الحكم.
ألا ترى أن المبيح إذا تأخر ينسخ المحرم المتقدم، والخاص إذا تأخر ينسخ العام إذا كان مساويًا له في الرتبة.
(2/660)

فعلم أن النسخ لا بكونه عامًا ولا بكونه خاصًا ولا بكونه محرما ولا بكونه مبيحًا بل بكونه متأخرًا مساويًا للأول في الرتبة، ولكن لما كان عامًا ناسخًا للخاص المتقدم علم به أن العام مساو للخاص في القوة، فكان فيه رد لقول الشافعي حيث لا يجعله مساويًا للخاص في القوة.
فإن قيل: إنما يثبت ما ادعيتم إذا كان العام متأخرًا، ويجوز أنه كان متقدمًا على حديث العرنيين.
قلنا: لا كذلك، بل ثبت تأخره وتقدم الخاص بالدليل، وهو أن المثلة قد نسخت بالاتفاق، وهي في حديث العرنيين، فدل الدليل على تقدم ذلك الحديث؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام ولم يدل الدليل على تقدم الحديث العام بل فيه مجرد احتمال، والاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل لا يكون معتبرًا.
(2/661)

(ومثل قوله عليه السلام ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" نسخ بقوله عليه السلام "ما سقته السماء ففيه العشر").
فإن قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة- رضي الله عنه - يقول بينهما بطريق التناسخ بل يحمل كل واحد من الحديثين على محل على حدة. وقال في "المبسوط" ويقول أبو حنيفة- رحمه الله- تأويل قوله عليه السلام "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة" التجارة، فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق كما ورد به
(2/662)

الحديث.
وقيمة خمسة أوسق مائتا درهم، فحينئذ لم يكن قوله عليه السلام: "ما سقته السماء ففيه العشر" ناسخًا لذلك الحديث، فلا تتم الحجة لمن تمسك بهذا في أن العام ينسخ الخاص.
قلت: قد يكون للكتاب والسنة وجوه من التخريج والحمل، فنقول: يحتمل أن يكون هذا على طريق النسخ، فعلى ذلك الوجه يكون حجة لمن تمسك به، ومثل هذا كثير في التمسكات كما ذكر في "شرح التأويلات" في قوله تعالى:} وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وَأَنصِتُوا {أختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية، فقال بعضهم: كان الكفرة يقولون} لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ {، فأمر الله للمؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم} لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ {، وبه قال مقاتل.
(2/663)

وقال بعضهم: فإن نزولها في حق الخطبة.
وقال بعضهم: فإنه في حق الصلاة.
قال الشيخ- رحمه الله- فعلى تقدير نزولها في حق الصلاة كان فيها دلالة على النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع والإنصات له، فكان هو حجة لنا على الخصوم.
(فيمن أوصى بخاتمه لإنسان ثم بالفص منه لآخر بكلام مفصول) قيد بالمفصول؛ لأنه إذا كان هذا في كلام موصول كانت الحلقة للأول والفص للثاني من غير اشتراك فيه بالإجماع.
وأما إذا كان في كلام مفصول قال هاهنا مطلقًا إن (الفص بينهما)، وذكر بعد هذا (وهذا قولهم جميعًا).
وذكر في "زيادات العتابي" و"قاضي خان" و "الهداية" أن هذا قول
(2/664)

محمد- رحمه الله- وكأنه لم يعتبر خلاف أبي يوسف.
وذكر في "المنظومة" في باب اختلاف الآخرين:
فالفص للثاني ولم يستهما.
(2/665)

فعلم بهذا أن على قول محمد يستهمان.
فإن قلت: كيف يصلح هذا نظيرًا للعام، والعام هو ما كان أفراده متفقة الحدود، وليست حلقة الخاتم مع فصها متحدين في الحدود، وليستا بأفراد بل فردان، فكيف يصلح نظيرًا للعام؟
قلت: سنذكر جواب هذا وما يلحقه في باب البيان إن شاء الله تعالى.
(ولولا إستواؤهما وقيام المعارضة بينهما لما وجب الترجيح بدلالة العقد)؛ لأن الترجيح يعتمد المساواة إذ لا ترجيح عند عدم المساواة، بل يعمل بالأقوى دون الأدنى؛ لأنه لا يقاومه ولا يساويه حتى يقال: إن الدينار راجح على الدانق؛ لأنه لا مساواة بينهما أصلًا بوجه من الوجوه.
(2/666)

(والقاضي الشهيد) هو الحاكم المرزوي- رحمه الله-
(أن المذهب عندنا ما قلنا)، وهو قوله في أول الباب: العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا ويقينًا".
وقوله: (لأن الناسي في معنى الذاكر). هذا جواب إشكال بأن يقال: لا نسلم أن قوله تعالى:} وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُا للَّهِ عَلَيْهِ {من العام الذي لم يثبت خصوصه بل ثبت خصوصه، فإن الناسي مخصوص عنه بالإجماع بيننا وبينكم، فيخص الباقي بخبر الواحد أو القياس في حق العامد أيضًا.
(2/667)

فأجاب عنه بهذا وقال: لم يخص منه الناسي؛ لأن الناسي بسبب عذره جعل ذاكرًا لقيام ملته مقام التسمية تخفيفًا عليه بسبب عذر النسيان، وأما العامد فليس به عذر، فلا يستحق التخفيف بإقامة الملة مقام التسمية.
فإن قلت: التسمية شرط لحل الذبيحة وما كان شرطًًا لا يسقط لا بعذر النسيان ولا بغيره كالطهارة في الصلاة.
قلت: هاهنا أيضًا لم يسقط حيث أقيمت الملة مقامها كما أقيم التيمم هناك مقام الوضوء، والشيء إذا فات ببدل لا يكون فائتًا من كل وجه.
(فلا يجوز تخصيصه بالقياس) أي بالقياس على الناسي وعدم جواز القياس هاهنا بوجهين:
أحدهما- أن هذا عام لم يخص منه شيء بالدليل القطعي، فلا يجوز تخصيصه لذلك ابتداء بالقياس.
وثانيهما- أن العامد ليس بنظير للناسي؛ لأن الناسي معذور والعامد لا، فلو أستحق الناسي التخفيف بسبب عذره لا يلزم أن يكون العامد مستحقًا له؛ لأنه غير معذور.
(وخبسر الواحد) وهو ما روي عن عائشة- رضي الله عنها - قالت: "قال
(2/668)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: يا رسول الله إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "أذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" كذا في "المصابيح".
(ولا يصح تخصيصه بالآحاد)، منها ما روي عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي عليه السلام دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه
(2/669)

المغفر، فلما نزعه جاء رجل، وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتله"هذا أيضًا في المصابيح، (والقياس) وهو أن يقول: لو قتل في الحرم اقتص في الحرم، وكذلك إذا قتل خارجًا ثم التجأ إليه قياسًا على سائر الأمكنة.
(وقال الشافعي- رحمه الله- العام يوجب الحكم لا على اليقين) ولما
(2/670)

كان كذلك كان هو نظير القياس وخبر الواحد، فصح تخصيصه بهما.
(وعلى هذا) دل مسائله منها: هاتان المسألتان ذكرناهما في متروك التسمية عامدًا، وفي الملتجئ إلى الحرم مع ورود عام فيهما لم يخص شيء منهما بدليل قطعي، وهو خصصهما القياس والخبر الواحد، وكذلك قال بفرضية تعديل الأركان بخبر الواحد.
وقال بفرضية الوضوء في الطواف في البيت بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام «الطواف صلاة».
وقال بفرضية تعيين الفاتحة في الصلاة لتخصيص عموم قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
(وقال بعض الفقهاء: الوقف واجب في كل عام) إلى آخره.
وثمرة الاختلاف في الأقوال تظهر أيضا فين قال: لفلان على دراهم، فمن قال بالوقف في العام قال: لا يلزمه ثلاثة دراهم، بل يجب الاستفسار.
(2/671)

كما في قوله: لفلان على شيء.
وعند من قال بأخص الخصوص يجب ثلاثة دراهم.
وعندنا يجب ثلاثة دراهم أيضًا لأن موجب العموم هذا؛ لأن الكل من الدراهم غير المراد هاهنا؛ لأن وجوب جميع الدراهم مستحيل في العادة، فيصار إلى ما هو متيقن في صيغة الجمع وهو الثلاثة، فاتفق الجواب واختلف التخريج لاختلاف أعداد الجمع كالثلاثة والأربعة والخمسة وغيرها.
(لا يؤكد بمثله) أي بمثل ما يؤكد به العام. (لا جميعه) يعني لا يقال زيد جميعه.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} أي قال للصحابة نعيم بن مسعود الأشجعي: إن أبا سفيان وأهل مكة جمعوا العسكر.
(2/672)

لقتالكم وقصته: أن أبا سفيان نادي عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شيءت، فقال ص: "إن شاء الله"، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران وهو موضع، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرًا، فقال: يا نعيم إني واعدت محمدًا أن نلتقي بموسم بدر، وأن هذا عام جدب وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم يخرج زاده ذلك.
(2/673)

جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي! آتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدًا، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فو الله لا يفلت منكم أحد، ثم تسمية المثبط هاهنا بالناس وهو نعيم وحده؛ إما لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرود وما له إلا فرس واحد وبرد فرد، أو لأنه حين قال: ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه. كذا في "الكشاف".
وأورد ألإمام نجم الدين النسفي- رحمه الله- نعيم بن مسعود بن عامر
(2/674)

الأشجعي من جملة الصحابة المكرمة، والله أعلم بحاله.
(ووجه قولنا والشافعي). هذا من حيث النحو لا يصح. لأن فيه عطف الاسم على الضمير المجرور إلا أن يقال: إن قوله: والشافعي "معطوف على المضاف في قولنا، فكان تقديره: ووجه قولنا، ووجه قول الشافعي، ولكن عدول عما يسوق إليه الكلام.
(لأن الألفاظ لا تقصر عن المعاني أبدًا). قال الله تعالى: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} من بالتعليم، ثم لا قصور في القدرة والتعليم والخلق ولا ضيق أيضًا في المراد، والعموم من المعاني فلابد له من لفظ ليظهر المراد فلا يقصر.
(ألا ترى أن من أراد أن يعتق عبيده) إلى آخره، وكذلك السلطان إذا احتاج إلى إركاب الجيش على العموم يقول: ي خيل الله اركبي، ولا يقول يا زيد اركبي، ويا عمرو اركب.
(2/675)

(والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث). ألا ترى أن النبي عليه السلام حين دعا أبي بن كعب- رضي الله عنه- وهو في الصلاة- فلم يجبه بين له خطأه فيما صنع بالاستدلال بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} وهذا عام، فلو كان موجبه الوقف كما زعموا لم يكن لاستدلاله عليه به معنى، والصحابة في زمن الصديق- رضي الله عنهم- حين خالفوه ابتداء في قتال مانعي الزكاة استدلوا عليه بقوله عليه السلام "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وهو عام ثم استدل الصديق عليهم بقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فخلوا سبيلهم} فرجعوا
(2/676)

إلى قوله: وهذا عام.
وكذلك الله تعالى ألزم عليهم الإتباع لما أنزل إليهم بالأمر العام بقوله {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}، والإتباع لفظ خاص في اللغة لمعنى معلوم، وفي المنزل عام وخاص، فيجب بهذا الخاص إتباع جميع المنزل. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-
(أنه ينسخ سائر وجوه العدد) نحو العدة بالحيض والأشهر وأبعد الأجلين، فصار نسخًا للخاص الذي في سورة البقرة، وهو قوله {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ}.
وإنما قال لتلك الآية خاصًا؛ لأن المعتدة على نوعين: معتدة بالطلاق ومعتدة بالوفاة، وهذه الآية وهي قوله {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} (يتناولهما) وهي مخصومة بعدة الوفاة، فكانت هي خاصة وهذه الآية
(2/677)

عامة من هذا الطريق، ولكن لتلك الآية عموم من وجه ولهذه الآية خصوص من وجه آخر، لأن تلك الآية عامة تتناول أولات الأحمال وغير أولات الأحمال.
(واحتج- رضي الله عنه- في تحريم الجمع بين الأختين) إلى قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}، فوجه الدلالة على الحرمة أن الجمع بين الأختين لما حرم نكاحًا، وهو سبب مفض إلى الوطء، فلأن يحرم الجمع بينهما وطئا بملك اليمين وفيه حقيقة الوطء أولى.
فإن قلت: بل الإباحة فيه أقوى من التحريم؛ لأن الإباحة ثابتة بالعبارة، والحرمة ثابتة بالدلالة، فالعبارة مع الدلالة إذا تعارضتا كان الرجحان للعبارة لا للدلالة؛ لأن العبارة أقوي من سائرها لما عرف.
قلت: نعم كذلك إلا أن الدلالة هنا أقوى من هذه العبارة؛ لأن العبارة هنا وهي قوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} عام دخل في الخصوص، فإنه خص منه الأمة المجوسية والمشركة والمزوجة والأخت من الرضاع وأخت المنكوحة،
(2/678)

والعام الذي خص منه البعض أدى من القياس فكيف من الدلالة؟
ثم قال الشافعي: كل عام يحتمل إرادة الخصوص إلا بعض العمومات.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، لا يحتمل إرادة الخصوص وإرادة الباطن لا يصلح دليلًا؛ لأن كل احتمال لم ينشأ عن دليل لا اعتبار له. والله أعلم.
| | |
(2/679)

[باب العام إذا لحقه الخصوص]
(سواء كان المخصوص معلومًا) كما في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} في حق الذمي، وقوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} في حق المستأمن بعد قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (أو مجهولًا) كما في قوله تعالى:
(2/680)

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وكذلك ما دون ثمن المجن مخصوص من آية السرقة وهو مجهول.
(2/681)

(ودلالة صحة هذا المذهب أي مذهبنا إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم)، فإن أبا حنيفة- رحمه الله- استدل على فساد البيع بالشر المفسد بما روى عن النبي عليه السلام "أنه نهى عن بيع وشرط" مع أنه مخصوص، فإن كل شرط يوافق مقتضى العقد غير مراد بهذا النص، واحتج أصحابنا جميعا في استحقاق الشفعة بالجوار بقوله عليه السلام: "الجار أحق بصقبة" أي: بقربة مع أنه مخصوص؛ لأن الشريك في نفس المبيع أو في حق المبيع أحق من الجار، واحتج محمد- رحمه الله- في عدم جواز بيع العقار قبل القبض ب "نهى النبي عليه السلام عن بيع ما لم يقبض" مع أنه مخصوص،
(2/682)

ودلالة أنه مخصوص جواز بيع المهر قبل القبض فيما إذا كان المهر عروضًا أو عقارًا.
(وذلك دون خبر الواحد) أي العام الذي خص منه البعض دون خبر الواحد.
ألا ترى أن القياس الصحيح يترك بخبر واحد. مثل قوله عليه السلام "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك"، فإن القياس الصحيح هو أن أكل الناسي أن يفسد الصوم، ومع ذلك لا يعمل بموجبه بل يعمل بموجب خبر الواحد، وكذلك تركنا القياس الصحيح في القهقهة في الصلاة في حق الوضوء بخبر الواحد، وهو قوله عليه السلام: "ألا من ضحك منكم قهقهة" الحديث، وكذلك في الحدث الذي سبق في الصلاة في جواز البناء.
(2/683)

ترك القياس الصحيح وعمل بخبر الواحد، ثم لا يترك القياس بالعام الذي خص منع البعض بل يعمل بالقياس.
علم بهذا أن العام الذي خص منه البعض أدنى رتبة من خبر الواحد.
(لأن الخصوص بمنزلة الاستثناء؛ لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كما في الاستثناء) حيث يتبين بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه، ولهذا لا يكون دليل الخصوص إلا مقارنًا.
فأما ما يكون طارئًا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص، ثم إذا كان المستثنى مجهولًا يصير ما وراءه مجهولًا بجهالته. كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك يصير وراءه مشكوكًا فيه، حتى إذا قال: مماليكي أحرار إلا سالمًا أو بزيعًا، لم يعتق واحد منهما، وإن كان المستثنى أحدهما؛ لأنه مشكوك فيه، فيثبت حكم الشك فيهما، وإذا صار ما بقى مجهولًا لم يصلح حجة بنفسه، بل يجب الوقف فيه كما في قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}.
(2/684)

(لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه فيصح تعليله)؛ لأنه مستبد بصيغته غير مفتقر إلى صدر الكلام، فصار بمنزلة سائر النصوص، والأصل في سائر النصوص التعليل لما أن المراد من التعليل هو أن يكون معقول المعنى، والعقل حجة من حجج الله تعالى كالنص، فكان الأصل في حجج الله تعالى الموافقة لا التناقض، إذ التناقض الحقيقي من أمارات الجهل، والله تعالى عليم لا يجهل وحكيم لا يسفه، فكان التناقض الحقيقي منه محالًا، وإنما قال: لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه «احترازا عن الاستثناء، فإن الاستثناء غير معلول بالاتفاق، فيتخايل أن دليل الخصوص لا يحتمل التعليل لمشابهته الاستثناء في الحكم، وذكر ذلك رفعًا لذلك الخيال.
(أن دليل الخصوص إذا كان مجهولًا فعلى ما قلنا) أي في وجه الكرخي أي لا يبقى العام حجة أصلًا؛ لأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء على ما قلنا أي بقولنا: لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء، فلا يؤثر في الباقي؛ لأن دليل الخصوص لا يتعرض لما وراءه، فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة قطعًا، ولا معنى لما قال الكرخي: إنه محتمل للتعليل؛ لأنه إذا كان بمنزلة الاستثناء لم يحتمل التعليل، فإن المستثنى معدوم على معنى أنه
(2/685)

لم يكن مرادًا من الكلام أصلا، والعدم لا يعلل؛ لأن لتعليل شيء والعدم ليس بشيء، ولا يقوم التعليل إلا بشيء، وعلى هذين القولين يسقط الاحتجاج بآية السرقة؛ لأنه لحقها خصوص مجهول وهو ثمن المجن على ما روى "كانت الأيدي لا تقطع على عهد رسول الله عليه السلام فيما دون ثمن المجن".
(سقط بنفسه) أي سقط دليل الخصوص بنفسه (بخلاف الاستثناء؛ لأنه وصف قائم بالأول) بحيث إنه لا يعقل انفكاك الاستثناء من صدر الكلام كما لا يعقل انفكاك الوصف عن الموصوف، ومتى كان الاستثناء وصفًا قائمًا بالأول صار بمنزلة البعض للكل، وقيام الجهالة بالبعض يوجب الجهالة في الكل، فلذلك كانت الجهالة في المستثنى أوجبت الجهالة في
(2/686)

المستثنى منه بخلاف دليل الخصوص، فغنه نص قائم بنفسه غير متصل بالعام اتصال الاستثناء بصدر الكلام، ولهذا يجوز انفكاكه عن العام صيغة وإفادة، فلم يوجب جهالته جهالة ما لم يتصل هو به؛ لأن قيام الصفة بالذات لا يوجب اتصاف ذات آخر بتلك الصفة التي لم تقم هي به.
(ودليل ما قلنا: إن دليل الخصوص يشبه الاستثناء بحكمه) وهو أن كل واحد منهما تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم، ويشبه الناسخ بصيغته من حيث أن كل واحد منهما قائم بنفسه مفيد لحكمه، (فلم يجز إلحاقه بأحدهما بعينه) أعني الناسخ والاستثناء، (بل وجب اعتباره في كل باب) أي في كل نوع إذا كان معلومًا أو مجهولًا، كما هو الأصل في المتردد بين الشيئين يأخذ حظًا معتبرًا من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما حظا فكذلك هاهنا.
(فقلنا إذا كان دليل الخصوص مجهولًا أوجب جهالة في الأول بحكمه اعتبارًا يشبه الاستثناء)، فإن المستثني إذا كان مجهولا يصير المستثنى منه.
(2/687)

مجهولًا، فيسقط حكم العموم لجهالته.
(وسقط في نفسه بصيغته إذا اعتبر بالناسخ) أي وسقط دليل الخصوص إذا كان مجهولًا اعتبارًا لشبهه بالناسخ إذا لم يكن معلومًا لا يثبت النسخ، فبقى النص الأول موجبًا للحكم قطعًا كما كان، فكذاك دليل الخصوص إذا كان مجهولًا بقى العام موجبًا للحكم كما كان.
(فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك) حتى يكون العام بعد جهالة دليل الخصوص حجة عملًا بشبه الناسخ المجهول، وغير قطعي عملًا بشبه المستثنى للمجهول، فإن المستثنى إذا كان مجهولًا أوجب جهالة في المستثنى منه، فلا يبقى المستثنى منه معلومًا أصلًا، وأحد الشبهين لم يؤثر في العموم والآخر أسقط حكم العموم ومشابهتهما أورثت الشك، فلم نبطل دليل العموم بالشك، والكناية في قوله: "فلم نبطله" جاز أن ينصرف إلى دليل الخصوص وجاز أن ينصرف إلى دليل العموم وهو الأوجه.
وكذلك قوله: والدليل "أي ودليل الخصوص أو دليل العموم بيانه أن دليل الخصوص لما كان ساقطًا لاعتباره بالناسخ ومعتبرًا لاعتباره بالاستثناء صار هو مشتبهًا فلم نبطله بالشك، فقلنا بسقوطه من وجه دون وجه، فلذلك بقا العام موجبًا للعمل دون العلم، وكذلك العام يسقط من وجه لاعتبار شبه دليل الخصوص بالاستثناء ولم يسقط لاعتبار شبه دليل
(2/688)

الخصوص بالناسخ، فصار دليل العموم مشتبهًا، فلم نبطله بالشك، ولكن انصرافها إلى العام أولى، لأن الكلام وقع فيه، لأن قولنا: " فلم نبطله بالشك "إنما وقع بمقابلة قول الكرخي إنه لا يبقى حجة أصلًا أي إن العام الذي لحقه بالخصوص لا يبقى حجة أصلًا، وكذلك قول غيره، فكذلك قولنا: "فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك" إنما يكون في العام الذي لحقه الخصوص لا في دليل الخصوص.
(وكذلك إذا كان المخصوص معلومًا، لأنه يحتمل أن يكون معلومًا، وعلى احتمال التعليل يصير مخصوصًا من الجملة) يعني يصير ما وراء الثابت بالنص الخاص مخصوصًا أيضًا بالتعليل، ولا يدري أن القدر صار مخصوصًا؟ فأشبه دليل الخصوص إذا كان مجهولا، فتذكر هاهنا السؤال المعروف الجاري على ألسنة العلماء وأندية الفقهاء وهو: أن دليل التخصيص لما شابه الناسخ والاستثناء وجب أن لا يقبل التعليل كما أنهما لا يقبلانه.
والجواب فيه على وجه الاختصار هو أن الناسخ والاستثناء إنما لا يقبلان التعليل لمعنى اختص بهما، وهو أن الناسخ ورد على معارضة النص المنسوخ وخالفته، والتعليل فرع النص، فلو قلنا بجواز تعليل الناسخ لقلنا بكون جواز التعليل معارضًا للنص وهو لا يصح، وفي الاستثناء كون المستثنى معدومًا في التقدير، والتعليل سيء موجود فلا يقوم إلا بشيء موجود وليس
(2/689)

في دليل التخصيص هذان المانعان. بل فيه جهة الاستبداد والبيان، وهما لا يمنعان التعليل فيعلل هو وإن كان الناسخ والمستثنى لا يعللان.
(كأنه لا يدخل لا على سبيل المعارضة للنص) أي للنص العام، وبهذا الذي ذكر احترز عن الناسخ، فإنه على سبيل المعرضة للمنسوخ.
وأما دليل الخصوص فلم يعارض النص العام فلم يمتنع عن التعليل؛ لأن العلة فرع النص، والنص المخصص لبيان أن المخصوص لم يدخل في العام، فكذلك العلة بيان لذلك (فوجب العمل بالتعليل) لخلوه عن معارضة النص (فيصير قدر ما يتناوله لنص العام مجهولا. هذا على اعتبار صيغة النص) أي أن احتمال التعليل باعتبار صيغة النص.
فأما الاعتبار بالحكم فلا يوجب هذا الاحتمال؛ لأنه من حيث الحكم يشبه الاستثناء؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فلم يكن صدر الكلام موجبا مقدار المستثني، والتعليل إنما يجري لإثبات الحكم، والمستثني معدوم تقديرًا بالعدم الأصلي.
(والعدم لا يعلل)؛ لأن كوم المذكور معلولًا يستدعي سابقة العلة ليثبت الحكم به، وهذا لا يتصور في العدم؛ لأن العدم أصل فاعتبار دليل الخصوص بالاستثناء لم يوجب شبهة في صدر الكلام؛ لأنه لما لم يعلل دليل الخصوص.
(2/690)

باعتبار شبهه بالاستثناء من حيث الحكم بقي صدر الكلام موجبًا قطعًا كما كان، واعتباره بالصيغة يوجب جهالة في الأصل على ما ذكرنا، فوفرنا للشبهين حظهما فقلنا: يبقى موجبًا للعمل لشبهه بالاستثناء، ولم يبق موجبًا قطعًا لشبهه بالناسخ.
وهو معنى ما قال في الكتاب: (فدخلت الشبهة وقد عرف موجبًا فلا يبطل بالاحتمال).
(وهذا بخلاف الناسخ إذا ورد معلومًا في بعض ما تناوله النص، فإن الحكم فيما بقي لا يتغير لاحتمال التعليل) وقوله: لاحتمال التعليل "ليس بدليل لقوله: لا يتغير" لأنه لا يناسب للمدعى؛ لأن احتمال التعليل يوجب التغير فلا يصلح أن يكون دليلًا لعدم التغير، بل المراد أن احتمال التعليل في النسخ لا يوجب التغير فيما بقي؛ لأن العلة لو صحت هاهنا لكانت معارضة للنص العام، وشرط صحة التعليل أن لا يكون معارضًا للنص، فلم يصح التعليل للناسخ لهذا المعنى، فألحق بما لا يحتمل التعليل أصلًا، فلم يتغير ما بقي عما كان عليه، وهو كونه موجبًا قطعيًا فبقي موجبًا قطعيًا كما كان ولا
(2/691)

كذلك دليل الخصوص، فإنه لبيان أن المخصوص لم يدخل تحت الجملة فلا تصير العلة معارضة للنص على ما ذكرنا فلابد من اعتبار التعليل، فحينئذ يوجب شبهة فيما بقي فلم يبق النص العام قطعيا لذلك؛ لأن الناسخ إنما يعمل على طريق المعارضة؛ لأن الناسخ إنما يرد بعد ثبوت النص المنسوخ فكان النص الناسخ معارضًا.
وأما دليل التخصيص فإنما يرد مقارنا للنص العام عند عامة العلماء، فلا يقع إلا مبينًا بأن قدر المخصوص غير داخل تحت العام من الأصل كالاستثناء. تبين أن قدر المستثني غير داخل تحت المستثني منه من الأصل؛ لوروده مقارنًا وهو بمعزل من المعارضة، وقولنا: عند عامة العلماء "احتراز عن قول الإمام أبي منصور- رحمة الله- فإنه لا يشترط المقارنة لورود دليل التخصيص. كذا ذكر في "تبصير الأدلة" في بيان الوعد والوعيد.
(فصار الدليل مشكوكًا) أي العام الذي ص منه البعض صار مشكوكًا.
(أن البيع إذا أضيف إلى حر وعبد بثمن واحد إلى قوله: فهو باطل).
(2/692)

هذا بالاتفاق.
وأما إذا سمى لكل واحد منهما ثمنا بأن قال: اشتريتهما بألف كل واحد منهما بخمسمائة، فكذلك الجواب عند أبي حنيفة- رحمه الله- وعندهما العقد جائز في العبد بما سمى بمقابلته؛ لأن أحدهما منفصل عن الآخر في البيع ابتداءً وبقاءً، فوجود المفسد في أحدهما لا يؤثر في العقد على الآخر؛ لأن تأثيره في العقد على الآخر إما باعتبار التبعية وأحدهما ليس بتبع للآخر، أو باعتبار أنهما كشيء واحد وليس كذلك، وكل منهما منفصل عن الآخر في العقد.
ألا ترى أنه لو هلك أحدهما قبل القبض بقى العقد في الآخر، وذلك فيما إذا كان واحد منهما عبدا ويؤذن ذلك. في هذا انفصال أحدهما عن الآخر.
وأبو حنيفة- رحمه الله- يقول: البائع لما جمع بينهما في الإيجاب وقد شرط في قبول العقد في كل واحد منهما قبول العقد في الآخر؛ بدليل أن المشتري لا يلك العقد في أحدهما دون الآخر، واشتراط قبول العقد في الحر في بيع العبد شرط فاسد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد، فصارت هذه الجملة نظير الاستثناء؛ لأنه يجعل في الاستثناء عبارة عما وراء المستثنى حكمًا، فكذلك هاهنا جعلت إضافة البيع إليهما عبارة عن إضافته إلى العبد
(2/693)

ابتداء؛ لأن الحر ومن في معناه غير داخل في العقد أصلا؛ لأن دخول الشيء في العقد بصفة المالية والتقوم، وذلك لا يوجد في الحر ومن في معناه، فلو جاز العقد في العبد إنما يجوز بالحصة، والبيع بالحصة لا ينعقد ابتداء على الصحة لمعنى الجهالة كما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بما يحصه من الألف إذا قسم على قيمته، وقيمة هذا العبد الآخر، فإنه لا يجوز لجهالة الثمن كذا هاهنا. كذا في "المبسوط".
(وإذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم) إلى آخره. يبقى العقد صحيحًا في الآخر؛ لأن العقد تناولهما باعتبار قيام صفة المالية والتقويم فيهما، وهو المعتبر في المحل لتناول العقد إياه، ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما للعبد في نفسه أو للغير فيه أو لتعذر التسليم بهلاكه، فيبقى العقد في الآخر صحيحًا بحصته، والبيع بالحصة بقاء لا يفسد البيع، وكذلك إذا كان أحدهما أم الولد وهذا الذي ذكرنا مذهبنا، وقال زفر- رحمه الله- لا يجوز لما إذا كان أحدهما حرًا. كذا في "المبسوط".
(2/694)

وقوله: (يدخلان في البيع).
والدليل على الدخول ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "المبسوط" بقوله: لأن دخول الآدمي في العقد باعتبار الرق والتقوم وذلك موجود في المدبر والمكاتب، ثم استحق أحدهما نفسه فكان بمنزلة ما لو استحقه غيره بأن باع عبدين فاستحق أحدهما، وهناك البيع جائز في الآخر سواء سمي لكل واحد منهما ثمنا أو لم يسم.
يوضحه أن البيع في المدبر ليس بفاسد على الإطلاق بدليل جواز بيع المدبر من نفسه، فإنه إذا باع نفس المدبر من نفسه يجوز. بدليل أن القاضي إذا قضي بجواز بيع المدبر ينفذ قضاؤه، وكذلك المكاتب فإن بيعه من نفسه جائز ولو باعه من غيره برضاه جاز في أصح الروايتين، وكذلك بيع أم الولد من نفسها جائز، ولو قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-.
(فصار هذا من قسم دليل النسخ) حيث وقع الحكم الثابت في مقدار ما يتناوله التص الذي هو ناسخ بعد الثبوت ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان قبل ورود الناسخ.
(2/695)

(في رجل باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما)، والمسائل على أربعة أوجه:
أحدها- أن لا يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
الثاني- أن يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
والثالث- أن لا يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن.
والرابع- أن يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، والكل فاسد إلا الوجه الأخير.
(فصار في السبب نظير دليل النسخ وفي الحكم نظير الاستثناء)، وهذا لأن شرط الخيار لا يدخل في أصل السبب، وإنما يدخل على الحكم، فيجب اعتباره في كل جانب بنظيره، حتى إن باعتبار السبب إذا سقط الخيار استحق المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة وباعتبار الحكم إذا أعتق المشتري والخيار مشروط البائع، ثم سقط الخيار لم ينعقد العتق. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" وهذا لأن خيار الشرط يشبه الناسخ ويشبه الاستثناء.
أما أنه يشبه الناسخ على معنى أن الخيار لا يمنع دخولهما تحت الإيجاب،
(2/696)

ويشبه الاستثناء على معنى أن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فلشبهة بالناسخ إذا عين وبين يجوز. بخلاف الحر والميتة، فإنه لا يدخل تحت الإيجاب عين أو لم يعين ولشبهة بالاستثناء إذا لم يعين ولم يبين لا يجوز.
وقوله: (بمنزلة الحر والعبد) متصل بقوله: وفي الحكم نظير الاستثناء أي أن شرط الخيار في البيع يمنع السبب في حق الحكم، ويصير كأن البيع لم يوجد في حق الحكم بمنزلة المستثنى، فإنه غير داخل في الإيجاب كما إذا جمع بين حر وعبد في البيع ولم يفصل الثمن لم يدخل العبد أيضًا في الإيجاب كما أن المستثنى لم يدخل في الإيجاب.
(بخلاف الحر والعبد وما شاكل ذلك في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه-) إذا جمع بين الحر والعبد في البيع، وفصل الثمن لم ينعقد العقد في العبد صحيحًا عند أبي حنيفة- رحمه الله- خلافًا لهما؛ لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط فاسد، وقد جعله مشروطًا في قبول العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة.
فأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا يكون شرطًا فاسدًا، لأن
(2/697)

البيع بشرط الخيار منعقد صحيحًا من حيث السبب، فكان العقد في الآخر لازمًا كما إذا جمع بين قن ومدبر في البيع كان العقد في القن لازمًا، فكان في هذا المجموع الذي ذكر نظير الاستثناء والنسخ دليل الخصوص، فنظير الاستثناء ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع وأمثاله. ونظير النسخ ما إذا جمع بين عبد ومدبر في البيع وأنواعه.
ونظير دليل الخصوص مسألة من باع عبدًا بشرط الخيار، والله أعلم.
| | |
(2/698)

باب ألفاظ العموم
لما ذكر بيان أحكام العموم وما يختلف من أحكامه قبل الخصوص وبعده احتاج إلى ذكر الألفاظ التي يحصل بها العموم، فتقديم الأحكام بسبب أن الأحكام هي المقصودة، وكونها مقصودة جهة في التقديم.
(فهو صيغة كل جمع مثل الرجال والنساء) أي بغي الألف واللام بأن قيل: رجال ونساء.
(أما صيغته فموضوعة للجمع)؛ لأن واضع اللغة وضع هذه الصيغة للجماعة، وقال: رجل ورجلان ورجال، وامرأة وامرأتان ونساء، وهو عام بمعناه أيضًا؛ لأنه شامل لكل ما يتناوله عند الإطلاق، وأدنى ما ينطلق عليه هذا اللفظ ثلاثة؛ لأن (أدنى الجمع) الصحيح (ثلاثة نص عليه محمد-
(2/699)

رحمه الله- في "السير الكبير" في الأنفال ويرها)، ومن قال: لفلان علي دراهم يلزمه الثلاثة والمرأة إذا اختلعت من زوجها بما في يدها من دراهم، فإذا ليس في يدها شيء تلزمها ثلاثة دراهم.
(والكلمة عامة لكل قسم يتناوله) أي كلمة العموم تعم ما تتناوله صيغة العموم مثل: كلمة العبيد عام في العباد، والنساء في الإناث
(2/700)

ليستقيم تعريفه.
(لأن كل جنس معهود فكان فيه عمل بالوصفين) أي وصف الجنس ووصف الجمع. بيان ذلك أن معنى الجمع مراعى في الجنس من وجه ولا يراعى معنى الجنس في الجمع أصلًا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودًا في الجمع أصلًا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودًا وهو الثلاث فصاعدًا، فعلى هذا التقدير كان معنى الجمع في الجنس مراعى في كل وجه.
وأما إذا أريد به الجمع فليس فيه معنى الجنس أصلًا؛ لأن الجنس ما يتناول الواحد ويحتمل الكل، وهذا معنى غير موجود في الجمع، فإنه لا يكون الواحد فيه مرادًا أصلًا، فلا يكون معنى الجنس على هذا التقدير موجودًا أصلًا، ولم يوجد أيضًا إذا أطلق الجمع على الثلاث لا غير.
فعلم بهذا أن معنى الجنسية في الجمع فائت على تقديرين أي على تقدير إرادة الثلاث فصاعدًا من الجمع على تقدير الثلاث منه لا غير.
وأما معنى الجمع. فمراد من كل وجه من الجنس إذا أريد به الجنس الأعلى، فاتضح الفرق فيهما فكان الحمل على الجنس أولى عند تعارض مقتضيهما.
(2/701)

وأما في قول المرأة لزوجها: خالعني على ما في يدي من الدراهم وليس في يدها شيء حيث يلزمها ثلاثة دراهم؛ فلأن الجمع المحلى بالألف واللام التي هي للجنس كان يجب أن يراعى الجمعية على تقدير إرادة الكل به، وذلك غير ممكن؛ لاستحالة كون الدراهم أجمع في يدها، وإذا انعدم المعنى الموجب لاعتبار الجنسية اعتبرنا جانب الصيغة وهو الجمع، وقد ذكرنا ما هو أريد من هذا في هذه المسألة في "النهاية".
(2/702)

(فإن آدم عليه السلام وحده كان كل الجنس)، وكذلك (حواء- رضي الله عنها) - وحين لم يكن غيرهما كان اسم الجنس حقيقة لكل واحد منهما، فبكثرة الجنس لا تتغير تلك الحقيقة، وكما كان اسم الجمع واقعًا على الثلاثة فصاعدًا كان اسم الجنس واقعًا على الواحد فصاعدًا، فعند الإطلاق ينصرف إليه إلا أن يكون المراد الجمع، فحينئذ لا يحنث فقط ويدين في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه بخلاف ما إذا نوى التخصيص في صيغة العام، فإنه لا يدين في القضاء، فتذكر هاهنا ما ذكرنا من ورود الشبهة على هذا الأصل في مسألة الكوز قبل هذا في باب موجب الأمر في معنى العموم والتكرار.
(2/703)

(مثل الرهط والقوم). ذكر في "الصحاح" والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. قال الله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} والقوم: الرجال دون النساء؛ لأنه لا واحد له من لفظه، وجمع القوم أقوام، وجمع الجمع أقاوم (ولما كان فردًا بصيغته جمعًا بمعناه كان اسمًا للثلاثة فصاعدًا) أي لما كان كل واحد من رهط وقوم فردا بصيغته.
فإن قيل: لما كان اللفظ مفردًا والمعنى جمعًا كان كالطائفة حيث اجتمعت فيها علامتا فرد وجماعة، فإن الطائف في أصله اسم فاعل على صيغة الفرد، وفيها علامة الجماعة وهي التاء، فلذلك صارت متناولة للواحد فصاعدا فيجب أن يكون الرهط كذلك، بأن يكون متناولًا للواحد فصاعدًا.
قلت: الفرق بينهما ظاهرًا؛ لأن الرهط والقوم من حيث الصيغة كقلب وكلب على صيغة الأسماء المفردة، ومع ذلك هما موضوعان لمعنى الجمع ولم يوضعا فيما دون الثلاثة كالركب والصحب والإبل والغنم، وكان عدم
(2/704)

استعمالهما لما دون الثلاثة بوضع الواضع.
وأما الطائفة فهي نعت فرد بحسب الاشتقاق. يقال: امرأة طائفة. إلا أنهما لما استعملت للجماعة أول تأنيثها بتأويل الجماعة، فلذلك اعتبر فيها حقيقة الفردية والاستعمال للجماعة.
({فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}) أي فهلا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير؛ لأنه نعت فرد صار جنسا بعلامة الجماعة، فإن التاء فيها لعلامة الجماعة كالمعتزلة والكرامية؛ لأن الطائفة في أصلها نعت للمرأة الواحدة من طاف يطوف، لكن هي غير مرادة بالإجماع، فتعين الآخر وهو أن تكون التاء لسبب النعت الجماعة، فكانت للجنس بهذا الطريق؛ لأنه اجتمع فيها دليلان.
والأصل في الأدلة الجمع عند التعارض، فحملناها على الجنس ليكون عملا بهما؛ لأن الجنس يتناول الفرد مع احتمال الكل، والمراد من الجنس نفس الماهية واحدة في الذهن، وإنما تكثر في الخارج بكثرة أفراده، ولكل فرد من أفراده صلاحية أن يكون كل الجنس، وهو المعني من قولهم: الجنس يقع
(2/705)

على الواحد على أنه كل الجنس.
[من]
(ومن ذلك) أي ومن الذي هو عام بمعناه دون صيغة كلمة من، فإنها كلمة مبهمة عبارة عن ذات من يعقل (وهي تحتمل العموم والخصوص)، والنظير الواضح لها فيه قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} في بعض ضمائرها ذكر بلفظ الفرد وفي بعضها بلفظ الجمع.
(فشاؤوا جميعًا عتقوا)؛ لأن كلمة من تقتضي العموم، وإنما أضاف المشيئة إلى من دخل تحت كلمة من فتعمم بعمومه.
(2/706)

(فصار الأمر متناولًا بعضًا عامًا، فإذا قصر أي الأمر بالإعتاق عن الكل بواحد كان عملا بهما).
فإن قيل: إن قوله: عبيدي جمع فيتناول الثلاث لما عرف، فينبغي أن يعتق بعض الثلاث عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وعندهما أن يعتق الثلاث لما أن الجمع يصرف إلى الثلاث لما مر في قوله: "إن اشتريت عبيدًا فعليه كذا" أن ذلك يقع على الثلاث.
قلنا: الجمع إنما يتناول الثلاث فيما ذكرت من الصورة وأمثالها؛ لأنه متيقن وما وراءه غير متناه وغير معلوم ولم يدل الدليل على ما وراءه.
وأما هاهنا فدل الدليل على ما وراء الثلاث وهو إضافة العبيد إلى نفسه، فكان مجموع العبيد معلوم العدد بسبب الإضافة إلى نفسه، فلما علم مجموع العبيد صرف كلامه إليه لا إلى الثلاث؛ لأن ذلك كان للضرورة وليس هاهنا ضرورة في الصرف إلى الثلاث.
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رحمه الله- عن الآيتين اللتين وردتا على وفاق صورة المسألة، وهما شهدتا لصحة قولهما، وهو قوله تعالى: {فَاذَنْ
(2/707)

لِمَنْ شئتَ مِنْهُمْ} وقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ}، فإضافة المشيئة إلى الخاص في هاتين الآيتين لم تغير العموم الثابت بكلمة من؟
قلت: قال هو- رحمة الله- وإنما رجحنا معنى العموم فيهما بالقرينة المذكورة فيهما، وهي قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} وقال: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}.
(وكذلك قوله: من شاء من عبيدي عتقه فهو حر). يعني لا يلزم على المسألة المتقدمة وهي قوله: من شيءت من عبيدي عتقه فأعتقه"، وإن كان المولى جمع بين من ومن في الصورتين، ومع ذلك عمل في المسألة المتقدمة بكلمتي العموم والخصوص، وفي هذه المسألة لم يعمل بكلمة الخصوص، فأجاب عنه بقوله: (إلا أنه أي إلا أن ذلك البعض موصوف بصفة عامة وهي المشيئة، فسقط بها أي بسبب الصفة العامة الخصوص) أي التبعيض.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يعم الكل في قوله: من شيءت عتقه" أيضًا؛
(2/708)

لأن محلية العتق عام، فإن العبيد هناك كانوا موصوفين بكونهم شائين العتق، وهاهنا أيضًا كانوا موصوفين بكونهم مشيئين للعتق.
قلنا: نعم كذلك إلا أن الاعتبار في الصفة جهة الفاعل لا جهة المفعول والمشيئة في قوله: أعتق من عبيدي من شيءت عتقه" خاصة باعتبار الشائي وهو المخاطب، وإن كانت عامة باعتبار المفعول لما أن الاعتبار للفاعل.
وحاصله أن كلمة من للبيان عندهما وللتبعيض عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهذا الأصل لم يفترق في الصورتين أي صورة قوله: من شاء من عبيدي عتقه"، وصورة قوله: من شيءت من عبيدي عتقه"، إلا أن المخالفة بينهما من حيث الحكم إنما جاءت من شيء آخر، وهو أن البعض في قوله: من شاء من عبيدي" وصف بصفة عامة وهي المشيئة فعمت، وهذا لا يدل على أن كلمة من فيه للبيان.
ألا ترى أن من قال لآخر: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوا جميعًا عتقوا.
(2/709)

ولو قال: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم لم يعتق إلا واحد منهم. لما أن في الأول أن النكرة وهي أي وصفت بصفة عامة فتعممت، وهذا لا يل على أن النكرة عامة في جميع الصور.
وأما في الثاني فقد وصف المخاطب بالضرب فبقيت النكرة وهي أي متعرية عن الصوف العام فلم تتعمم، فكذلك هاهنا أضاف المشيئة في قوله: "شيءت" إلى المخاطب، فبقي الأول بعضًا عامًا متعريًا عن دليل يوجب العموم، ولا كذلك من شاء من عبيدي عتقه على ما ذكرنا.
(وهذه الكلمة أي كلمة من تحتمل الخصوص أي تحتمل أن يراد به الفرد المحض؛ لأنها وضعت مبهمة أي وضعت كلمة من صالحة لإرادة العموم والخصوص، فإنها تذكر ويراد بها العموم وتذكر ويراد بها الخصوص.
(فلما قرنه بهذه الكلمة) أي فلما قرن الأول بكلمة من حملت كلمة من على الخصوص؛ لأن كلمة من تحتمل العموم والخصوص، وكلمة "الأول" محكمة في الخصوص؛ لأن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه غيره، فلما قرن بينهما حمل المحتمل على المحكم، وكان هذا بمنزلة من قال: لفلان علي ألف
(2/710)

درهم وديعة تكون وديعة لما أن كلمة الإيجاب وهي علي تحتمل إيجاب الحفظ بكون المال وديعة عنده، وتحتمل إيجاب المال في ذمته بسبب الدين، وقوله: "وديعة" محكم في الإيداع، فحمل المحتمل على المحكم، فكذلك هاهنا.
ولما ترجح معنى الخصوص فيها لم يستحق النفل إلا واحد دخل سابقًا على الجماعة، فنظير كلمة من في هذه الوجوه كلمة ما على ما يجيء بعد هذا.
[كل]
(وقسم آخر) أي وقسم آخر من ألفاظ العموم التي هي عام بمعناها دون صيغتها.
(وهذا معنى أي معنى الانفراد على وجه أن يعتبر كل مسمى منفردا ليس معه غيره) إنما يثبت في حق المضاف إليه الذي أضيف إليه كل، وهو نفس في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وامرأة في قول الرجل: كل امرأة يتزوجها؛ لأن كلًا من النفس والمرأة ذكرتا نكرة في موضع الإثبات، فكان الانفراد هو المراد لذلك، ومعنى الإحاطة إنما جاء من لفظ كل، فلذلك كان معناه أن يحيط كل ما يتناوله على سبيل الانفراد.
(2/711)

وقوله: (كأنها صلة) أي كأن كلمة كل صلة للذي أضيف هي إليه، وهو نفس وامرأة فيما ذكرنا من النظير، وإنما شبهها بالصلة؛ لأن الصلة لا تستعمل بدون الموصول كذلك كلمة كل لا تستعمل بدون ما أضيفت هي إليه إما لفظًا أو تقديرًا، وإنما ذكر هذا لبيان أن المقصود هو المضاف إليه فيه، والمضاف إليه فيما ذكر من النظير نكرة ذكرت في موضع الإثبات، فكانت خاصة، فلذلك اعتبر كل مسمى منفردًا كأن ليس معه غيره.
(وهي تحتمل الخصوص أيضًا مثل كلمة من) على ما ذكر بعد هذا بقوله: ولو دخل العشرة فرادى في كلمة كل كان النفل للأول لا غير؛ لأنه هو الأول من كل وجه.
(وإذا دخلت على النكرة أوجبت العموم) أي عموم الأفراد، وإنما قيد بقوله: وإذا دخلت على النكرة "احترازا عما لو دخلت على المعرفة، فإنها توجب عموم الأجزاء حينئذ. كما في لفظ "المنظومة" مستودع كل المراد ولم يقل كل مراد لما أنه لم يرد به كل فرد من أفراد المراد؛ لأن المرادات جمة، وهو ليس بجامع للجميع، بل أراد أنه جامع كل جزء من أجزاء المراد من نوع
(2/712)

المسائل الخلافية.
وعن هذا قالوا: كل رمان مأكول صادق، وكل الرمان مأكول ليس بصادق؛ لأن قشوره غير مأكولة.
(فإذا وصلت أوجبت عموم الأفعال)، ولكن يقتضي عموم الأفعال عموم الأسماء لا على القلب، فوجه الفرق هو أن الفعل لا يتصور بدون الاسم حتى إن التزوج لا يتصور بدون المرأة، فلذلك جاء من ضرورة عموم الأفعال عموم الأسماء، فلذلك حنث كل عند تزوج في قوله: كلما تزوجت امرأة سواء كان تكرار التزوج على المرأة الأولى أو على غيرها.
بخلاف ما لو قال: كل امرأة أتزوجها؛ لأن من عموم النساء لا يلزم عموم التزوج، إلا أنها عند العموم تخالفها في إيجاب الإفراد أي أن كلمة كل تخالف كلمة من في اقتضاء العموم، وكلمة كل توجب الإحاطة على سبيل الانفراد، على وجه أن يكون مع كل واحد مما دخلت هي عليه كأن ليس معه غيره ولا كذلك إفراد كلمة من، بل ذلك يوجب هي الاجتماع ولا يوجب الانفراد.
(2/713)

ويظهر ذلك في مسألة ("السير الكبير" التي ذكرها محمد) - رحمه الله- على ما ذكر في الكتاب، وهو قوله: (من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا، فدخل جماعة بطل النفل، ولو قال: كل من دخل منكم هذا الحصن أولا، فدخل عشرة معا وجب لكل رجل منهم النفل كاملا على حياله).
وذكر الإمام قاضي خان في "الجامع الكبير" فقال: إذا قال الرجل: كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق، وله أربع نسوة فدخلت واحدة فطلقت؛ لأن كلمة كل تتناول كل واحدة على سبيل الانفراد، وبخلاف ما لو قال: إذا دخلتن الدار فأنتن طوالق. لا يقع م لم تدخل الكل.
لأن لفظ الجمع لا تناول الفرد في حق من تخلف من الناس، وهم الذين لم يدخلوا.
(2/714)

(ولو دخل العشرة فرادى) يعني لو دخل العشرة على التعاقب كان النفل الأول خاصة في الفصلين؛ لاحتمال الخصوص في كلمة كل.
[الجميع]
(فصارت بهذا المعنى) أي بصفة معنى الاجتماع (مخالفة للقسمين الأولين)، وهما: كلمة كل وكلمة من، وذلك لأن كلمة للإحاطة على سبيل الانفراد على التفصيل الذي ذكرنا، وكلمة من توجب العموم من غير أن تتعرض لصفة الاجتماع ولا لصفة الانفراد، فعلى أي وجه وجد وجب اعتباره وهو معنى ما ذكر في كلمة من وجب اعتبار جماعتهم؛ لأنها وجدت كذلك لا أن كلمة من توجبه، وكلمة الجميع تخالفهما في هذا؛ لأنها متعرضة لصفة الاجتماع، فصار كلمة من عامة مطلقة، وكلمة الجميع عامة مقيدة بصفة الاجتماع وكذلك كلمة كل عامة مقيدة، لكن بصفة الانفراد على مضادة قيد الجميع.
(2/715)

(أن لهم نفلًا واحدا بينهم جميعًا)؛ لأن لفظ الجميع للإحاطة على وجه الاجتماع وهم سابقون بالدخول على سائر الناس.
(لأن الجميع يحتمل أن يستعار لمعنى الكل)؛ لأن كل واحد منهما عام، فيستعار هذا لذلك لمعنى يجمعهما وهو العموم عند تعذر موجب حقيقته، فإذا دخلوا فرادى لم يوجد موجب الجميع وهو الاجتماع، وقد دل الدليل على الاستعارة؛ لأن الحال حال التشجيع وهذا في واحد أقوى؛ لأن المراد الترغيب في دخول الحصن، ومعنى الشجاعة والجرأة من واحد أقوى عند الإرادة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يستعار من لمعنى الكل فيما إذا قال: من دخل
(2/716)

منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا، فدخل عشرة حتى يستحق كل واحد منهم نفلًا كاملًا كما في كلمة كل. كما استعير كلمة الجميع لمعنى الكل حين دخلوا فرادى كان النفل للأول في مسألة الجميع استعارة لها لمعنى كل؟
قلنا: لا يصح ذلك لما ذكرنا أن كلمة من تحتمل الخصوص وقد قرن بها الأول وهو محكم في الفرد السابق، فصار المراد به فردًا سابقًا على الحقيقة كما لو قال: إن دخل فلان الحصن أولًا فله من النفل كذا، فدخل معه غيره لم يستحق النفل لانتفاء صفة الأولية، فكذلك هاهنا الشرط دخول رجل واحد سابق لا يشاركه غيره في الدخول حقيقة، فلم يجز استعارته لذلك بخلاف الجميع والكل؛ لأنه يجوز أن يذكر العام ويراد به الخاص.
وأما استعارة الجميع لمعنى الكل حين دخلوا فرادى كان النفل للأول كما في مسألة كل فحقق ما ذكرنا بأن الأول محكم في الفرد السابق وقد قرن بالجميع، فكان ترجيح جانب المحكم أولى.
[الذي]
(وكذلك كلمة الذي في مسائل أصحابنا)؛ فإنها مبهمة مستعملة فيما يعقل وفيما لا يعقل، وفيها معنى العموم حتى إذا قال المولى لأمته: إن كان الذي في بطنك غلامًا كان بمنزلة قوله: إن كان ما في بطنك غلاما.
[ما]
(وهذه في احتمال الخصوص) أي كلمة ما.
(2/717)

(لما قلنا في الفصل الأول) أي في قوله: من شيءت من عبيدي عتقه فأعتقه.
(ويجوز أن يستعار كلمة ما لمعنى كلمة من) كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} كما يستعار كلمة من لمعنى كلمة ما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} وهو الأصنام، وإنما أوثرت كلمة ما على كلمة من في قوله: {وَمَا بَنَاهَا} لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا.
وأما استعارة كلمة من لمعنى كلمة ما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} مع إرادة الأصنام من قوله: {كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}، فلأنه ذكر فعل الخلق وهو صفة من يعلم، فإن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها وأجروها مجرى أولي العلم، ذكرها الله تعالى على حسب اعتقادهم".
وبكلمة من في قوله: {كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} أو ذكرت كلمة من في قوله:
(2/718)

{كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} لمشاكلة {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} كما في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} الآية. إلى هذا أشار في "التيسير"، و"الكشاف".
(وهذه كلمات موضوعة غير معلولة) أي لم يقل إنها موضوعة لهذه المعاني بسبب هذه العلة بخلاف المسلمين والكافرين وسائر الكلمات المشتقة من ألفاظ العموم، فإنها موضوعة على معانيها باعتبار عللها وهي قيام الإسلام والكفر.
وقوله: "هذه" إشارة إلى الكلمات المذكورة من قوله: وأما العام الذي بمعناه دون صياغته مثل: الرهط، والقوم، والطائفة، ومن، وكل، والجميع، وما، والذي، فإن هذه الكلمات موضوعة لما ذكرها من موضوعاتها الحقيقية، وليست هي بموضوعة لما وضعت باعتبار العلة، فلذلك لم يقس
(2/719)

الرهط على الطائفة حتى يطلق على الواحد وما فوقه كما هو حقيقة الطائفة، وكذلك لم يجز قياس كلمة من على كلمة كل في مسألة من دخل منكم هذا الحصن أولًا، فدخل جماعة حتى يستحق كل واحد منهم نفلًا كاملًا كما يستحقه في مسألة كل.
وأما ما ورد من استعارة بعض الكلمات لبعضها، فلم يكن ذلك باعتبار أنها معلولة بعلة، ثم وجد تلك العلة في كلمة أخرى، فاستعرت هي لها باعتبار وجود بعض أوصاف كلمة في كلمة أخرى. كما استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع؛ لوجود بعض صفة الأسد في الرجل الشجاع وهو الشجاعة لا أن الأسد إنما سمي أسدًا لأنه شجاع.
أن النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص. قيل: هذا الذي ذكره في الإثبات فيما إذا كانت تلك النكرة اسمًا غير مصدر، فيحتمل العموم حتى وصف هو بالكثرة في قوله تعالى: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا}.
وكذلك لو قال رجل لامرأته: أنت طالق طلاقًا، ونوى به الثلاث يصح.
(2/720)

(وذلك ضروري لا للمعنى في صيغة الاسم) أي كون النكرة في موضع النفي للعموم لا لدلالة العموم في صيغته مثل صيغة الجمع ومثل الألف واللام التي هي للجنس، ولكن كان ذلك لضرورة الكلام ومقتضاه.
ولذلك وقع الفرق بين وقوع النكرة في الإثبات ووقوعها في النفي؛ لأن في موضع الإثبات المقصود إثبات المنكر، وفي موضع النفي المقصود نفي المنكر، فالصيغة في الموضوعين تعمل فيما هو المقصود، إلا أن من ضرورة نفي رؤية رجل منكر في قوله: ما رأيت رجلا نفي رؤية جنس الرجال، فإنه بعد رؤية رجل واحد لو قال: ما رأيت رجلا كان كاذبًا.
ألا ترى أنه لو أخبر بضده، فقال: رأيت اليوم رجلًا كان صادقًا، وليس من ضرورة إثبات رؤية رجل واحد إثبات رؤية غيره، فهذا معنى قولنا: النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص.
(2/721)

(لا يحتمل التعريف بعينه لمعنى العهد) أي في موضع لا يراد به معين. مثل قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} والواو في قوله: {وَالزَّانِيَةُ} للعطف، فكان من حقها أن يلفظ بقطع الهمزة.
(ومثاله قول علمائنا: المرأة التي أتزوجها طالق) تطلق كل امرأة يتزوجها.
ولو قال: العبد الذي يدخل الدار من عبيدي حر، يعتق كل عبد يدخل الدار؛ وهذا لأن الألف واللام للمعهود، وليس هنا معهود، فيكون بمعنى الجنس مجازا كالرجل يقول: فلان يحب الدينار، ومراده الجنس، وفي
(2/722)

الجنس معنى العموم. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
(وفيه نظر عندنا) أي عندي أي مما يتأمل في صحته، وإنما قال هذا؛ لأنه غير مطرد طردًا وعكسًا أما طردًا: ففي صورة إعادة المعرفة معرفة،
(2/723)

والثانية غير الأولى، وذلك في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}، فإن المراد من الكتاب الثاني الكتاب الذي أنزل على من قبلنا، ومن الأول القرآن وهما غيران مع إعادة المعرفة معرفة.
وأما عكسا ففي صورة إعادة النكرة نكرة، والثانية عين الأولى، وذلك في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ}، فالضعف الثاني عين الضعف الأول مع أن كلًا منهما نكرة، وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ}.
وقال الإمام المحقق مولانا حميد الدين- رحمه الله- وإنما قال هذا؛ لأنه إنما يستقيم هذا إذا كانا كلامين كل واحد منهما منفرد على حياله كما لو قال: جاءني رجل، وكلمت رجلا، فهذا كلامان، فكان الثاني غير الأول.
وأما لو قال جاءني رجل، وجاءني رجل، فهو تكرار للأول في كلام واحد، فكان التكرار للتأكيد.
(2/724)

وأما ما نحن بصدده عند أهل التحقيق فكلام واحد كرر التأكيد كقوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}، وكقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ذكر في سورة واحدة مرارًا للتأكيد والتكرار لما هو المقصود؛ ليتقرر في الأذهان.
(والله لا أقربكما إلا يومًا أقربكما فيه)، وقوله: "أقربكما" صفة لقوله: "يوما" كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ} أي لا تجزي فيه.
قال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير" إذا قال رجل لامرأتين له: والله لا أقربكما إلا يوما أقربكما فيه لم يكن موليا بهذا الكلام أبدًا، لأن يوم الاستثناء عام فيمكنه أبدا أن يقربهما في كل يوم يأتي، فلا يلزمه شيء، فعدمت علامة الإيلاء؛ لأن كل يوم يقربهما فيه فهو مستثنى، فلذلك لا
(2/725)

يكون موليًا بهذه اليمين أبدًا. بخلاف ما لو قال: والله لا أقربكما إلا يوما واحدًا أو إلا يومًا أو إلا في يوم، ثم قربهما في يوم، فإذا مضى اليوم انعقد الإيلاء، فإن قلت: لا شك أن النكرة إذا كانت موصوفة كانت أخص مما لم تكن موصوفة.
ألا ترى أن قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} كانت أخص من قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}؛ لأن تلك مقيدة وهذه مطلقة ولا يرتاب أحد في أخصية المقيد بالنسبة إلى المطلق.
وكذلك لو قلت: جاءني رجل، هو أعلم من قولك: جاءني رجل عالم، حتى إن المطلق عند الشافعي عام، وعندنا إن لم يكن عامًا فهو محتمل للأوصاف والمقيد لا، فلابد من تأويل قول المشايخ: إن النكرة إذا وصفت بصفة عامة تتعمم وتترى، أي إن قولهم: ذلك محمول على ما إذا كانت
(2/726)

النكرة الموصوفة مستثنى من النفي، فإن ذلك مخصوص به بدليل ما أورد من النظائر في الكتاب من هذا القبيل.
قلت: لا، بل قولهم ذلك في المستثنى وفي غير المستثنى أيضًا بدليل ما ذكر في الكتاب أيضًا بعيد هذا بقوله: وقال محمد- رحمه الله- أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه. إنهم يعتقدون إلى قوله: لكنها متى وصفت بصفة عامة عمت لعمومها كسائر النكرات.
ألا ترى أنه كيف عم هذا التعليل في النكرات أجمع، وأما قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، فإنما كان خاصًا مع عموم الصفة لعدم احتماله العموم بوجه آخر وإن كان فيه دلالة العموم. إذ ليس في وسعه إعتاق جميع الرقاب المؤمنات؛ إما لعدم الملك في الجميع أو لعدم التصور، فكان من قبيل ما قيل: إن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم "يراد بها أخص الخصوص الذي دل عليه الكلام كما في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}، فلذلك اكتفي هاهنا بإعتاق رقبة واحدة مؤمنة إذ لا أخص منها.
ألا ترى أنه لو قيل في هذا الموضع: فتحرير الرقبة- بالألف واللام- لما
(2/727)

كان عليه أيضًا إلا إعتاق رقبة واحدة، لما ذكرنا من المعنى بأن إجراء العموم على عمومه لا يتحقق؛ لما ذكرنا أنه لا يمكن له إعتاق جميع الرقاب في العالم، فكان أخص الخصوص مرادًا وهو الرقبة الواحدة.
[أي]
(قال الله تعالى: {أَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِهَا}).
فإن قيل: لم ينتهض هذا دليل على أن كلمة أي فرد، فإن كلمة من عامة بالاتفاق، ومع ذلك ما أسند الفعل إلى ضميره. جاء على لفظ فعل أسند إلى ضمير الاسم المفرد كقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} نظرًا إلى اللفظ.
قلنا: انعقد إجماع أهل اللغة على ما ذكرنا، وما ذكرنا من الاستعمال مؤيد لذلك، ولأن صيغة العموم استعملت أيضًا في كلمة من. قال تعالى: {ومنهم من يستمعون إليه}، ولم يستعمل مثل ذلك في أي، فثبت بهذا
(2/728)

عموم كلمة من، ولما ثبت عمومها ثبت احتمال خصوصها أيضًا نظرا إلى اللفظ، لكن لما وصفت بصفة عامة عمت لعمومها.
فإن قيل: أيكم يحمل هذا الخشبة فهو حر، فحملوها جميعًا وهي خفيفة يحملها كل واحد منهم، لم يعتقوا، وإن عمهم صفة الحمل.
قلنا: إنه ما ميز العتيق بالحمل مطلقًا، ولكن بحمل الخشبة، وإذا حملوها جملة فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض وبوجود بعض الشرط لا يترك شيء من الجزاء، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره.
(وإذا قال: أي عبيدي ضربته فقد قطع الوصف عنها فلم يعتق إلا واحد)؛ لأن صفة الضرب قائمة بالضارب لا بالمضروب، فكان الضرب مضافًا إلى المخاطب لا إلى النكرة التي تناولها كلمة أي، فبقيت نكرة غير موصوفة، فلذلك لم يتناول إلا الواحد منهم.
فإن قيل: كما ن الضاربية صفة فكذلك المضروبية صفة أيضا، وهي قائمة بالعبيد فتعم على العبيد بعموم المضروبية.
قلنا: عموم صفة المضروبية ثابت بطريق الاقتضاد؛ ليصح الضرب ولا
(2/729)

وجود للاقتضاء فيما وراء المقتضي وثبوت الحرية وراءه، فلا يظهر في حقه فلا يعتق.
إلى هذا أشار الإمام قاضي خان- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير"، وهذا لأنه لم يذكر المضروب صريحًا بل قال: ضربته، والضرب قام بالضارب لا بالمضروب، فكان ثبوت المضروبية مقتضى فلا يتعمم لما أن الضرب صفة المخاطب فيستحيل أن يكون صفة أي؛ الوصف الواحد يستحيل أن يقوم بشخصين، والمتصل بالمضروب أثر الضرب وهو الألم لا الضرب، فلم يتصف أي بما هو يعممه وهو الضرب، والمفعولية زائدة على أصل الفعل وكم من فعل لا مفعول له.
بخلاف قوله: لا أقربكما إلا يومًا أقربكما فيه "أن المستثنى عام بعموم وصفه وهو وجود القربان في ذلك اليوم، واليوم هاهنا ظرف وهو أحد المفاعيل، فحصل العموم بعموم صفحة المفعول لما أن الفعل المحدث يتعلق بالزمان فيكون اليوم عامًا بما اتصل به من الوصف العام وهو القربان.
ولا كذلك قوله: "أي عبيدي ضربته"؛ لأن الضرب اتصل بالضارب فيستحيل اتصاله بالمضروب، ثم لما لم يعتق من العبيد إلا واحد في قوله:
(2/730)

"أي عبيدي ضربته" بعد ذلك ينظر إن ضربهم المأمور على الترتيب عتق الأول؛ لأنه لا مزاحم له، وإن ضربتهم جملة عتق واحد منهم والخيار إلى المولى؛ لأن الإجمال منه. كذا ذكره المصنف في "شرح الجامع الكبير".
قلت: وعن هذا يظهر حمل أهل السنة والجماعة قوله عليه السلام: "القدرية مجوس هذه الأمة" على القائلين بأن القضاء والقدر منا لا من الله وهم المعتزلة. لما أن قيام الصفة لما كان بالفاعل لا بالمفعول.
وهم يجعلون أنفسهم فاعلي القدر، فكانوا هم أولى باستحقاق وصف القدرية.
وأما أهل السنة فإنهم ينفون القدر عن أنفسهم بل يضيفون القدر إلى الله تعالى، فكيف يستقيم قيام صفة القدرية بهم وهم ينفون هذه الصفة عن أنفسهم والله الموفق.
(لأن المراد به فيما يخف حمله انفراد كل واحد منهم).
فإن قيل: الإرادة أمر باطن وهذا اللفظ ظاهر، فيجب أن يعمل بالظاهر.
(2/731)

قلت: الأمر الباطن لما صار مستعملا معتادا صار بمنزلة الظاهر، فإذا كان مراده انفراد كل احد منهم في العادة لم يبق مطلقًا بل صار مقيدًا.
(فأما النكرة المفردة في موضع الإثبات فإنها تخص عندنا أي لا تتناول إلا واحدًا إلا أنها مطلقة).
اعلم أن المعنى من المطلق هو كل نكرة مفردة غير موصوفة في موضع الإثبات؛ لأنها إذا كانت موصوفة كانت مقيدة، وإذا كانت في موضع النفي كانت عامة، ثم المطلق ليس بعام عندنا (خلافًا للشافعي، فإنه قال بعمومه، حتى قال في قول الله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} إنها عامة تتناول الصغيرة والكبيرة والبيضاء والسوداء المؤمنة والكافرة) حيث جعل الأوصاف المحتملة بمنزلة الأفراد؛ أي الأعيان الموجودة.
(2/732)

(وقد خص منها الزمنة بالإجماع، فيصح تخصيص الكافرة منها بالقياس على كفارة القتل) وهو وإن لم يكن محتاجًا إلى تخصيص العام أولا بالدليل القطعي لتخصيصه بالقياس عليه، ثانيًا على مذهبه ذكر ذلك على وفاق مذهبنا ليتيسر عليه تخصيص العام بالقياس بالإجماع.
وقلنا نحن: هذه مطلقة لا عامة؛ لأنها فرد فتتناول على احتمال وصف دون وصف، (والمطلق يحتمل التقييد) دون التخصيص؛ لأنه ليس بعام والتقييد نسخ للإطلاق، فالتقييد مع التخصيص على طرفي نقيض؛ لأن التخصيص يبين أن بعض أفراد العام ليس بمراد بالعام، والباقي من ذلك البعض مراد بصدر الكلام، فكان الأول وهو العام الباقي معمولًا.
وأما المقيد فهو بنفسه مراد ولم يبقى لصدر الكلام حكم البتة، فكان المراد من التقييد الثاني ومن التخصيص الأول، ولأن التقييد مفرد والتخصيص جملة، ولأن التقييد تصرف فيما كان الأول عنه ساكتًا كصفة الإيمان في الرقبة، والتخصيص تصرف فيما تناوله العام السابق، ولأن التقييد زيادة
(2/733)

معنى، والتخصيص إخراج من العام السابق بعضه بإثبات ضد حكم العام السابق، وهذه فروق بين التخصيص والتقييد.
وأما الفرق بين المطلق والعام: فإن المطلق واحد لا أفراد له؛ لأنه ليس بمحلى بحرف الجنس، وليس بجمع صيغة، وليس من المبهمات في شيء، ولم يتصل بصفة عامة، ولم يذكر نكرة في موضع النفي.
والعام ما كان موصوفًا بواحد من أضداد هذه الأشياء، فكانا هما أيضًا على طرفي نقيض، ومعرفة الفرق بين المطلق والعام، وبين التقييد والتخصيص من أهم المهمات لترتيب الأحكام عليها بحسب ذلك (قد جعل وجوب التحرير جزاء الأمر، فصار ذلك سببًا، فيتكرر مطلقًا بتكرره). هذا جواب سؤال وهو أن يقال: لو لم تكن الرقبة عامة لما وجبت الرقاب عند تعدد الحنث باليمين وتحت الرقاب جمعًا عند ذلك، فكانت عامة بهذا الطريق، فأجاب عنه وقال: وجوب تعدد الرقاب هنا بسبب تعدد الوجوب وتكرره لأن الرقبة عامة.
(وصار مقيدًا بالملك لاقتضاء التحرير) وهذا أيضًا جواب سؤال، وهو أن يقال: لو لم تكن الرقبة عامة لما قيدت هي بكونها مملوكة.
(2/734)

فأجاب عنه وقال: إنما اشترط الملك لاقتضاء التحرير الملك؛ لأن التحرير لا ينفذ إلا في الملوك. لا أن التقييد بالملك لكونها مخصوصة من الرقبة العامة، أو هو جواب عما ورد شبهة على قوله: "فصار نسخًا" بأن يقال: لو كان تقييد المطلق نسخًا له لما قيدت الرقبة بكونها مملوكة لئلا يلزم النسخ.
فأجاب عنه بهذا، وهو قوله: لاقتضاء التحرير الملك"، فلم يكن ذلك زائدًا على النص حتى يلزم النسخ.
وقوله: (ولم يتناول الزمنة) جواب عن قوله: وقد خص منها الزمنة بالإجماع".
وتفسير الجواب هو أن خروج الزمنة عن مطلق الرقبة لا باعتبار التخصيص، بل باعتبار أن إطلاق الرقبة يقتضي كمال البنية- لأن الرقبة اسم للبنية السالمة عن النقصان- والزمنة قائمة من وجه دون وجه، فلم تكن قائمة مطلقًا حتى تتناولها اسم الرقبة مطلقًا، ولهذا شرط كمال الرق أيضًا؛ لأن التحرير منصوص عليه مطلقًا وذلك إعتاق كامل ابتداء، وفي المدبر وأم الولد تعجيل لما صار مستحقا لهما مؤجلًا، فلا يكون إعتاقهما إعتاقًا مبتدأ مطلقًا- فلا يجوز- إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(2/735)

[وصار ما ينتهي إليه الخصوص]
(وأما الفرد بمعناه فمثل قوله: لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد إنه يصح الخصوص حتى يبقى الواحد) هذا الذي ذكره عند أهل الفقه.
وأما صاحب "الكشاف" جعل الجمع المحلى بلام الجنس كالجمع بدون لام الجنس، حتى لم يجوز تخصيصه إلى الواحد بل إلى أقل الجمع.
(2/736)

فقال: "إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحًا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا.
إلى الواحد "ذكره في تفسير قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وذكر أيضًا في سورة الحاقة في قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا}، أن الملك أعم من الملائكة.
ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة، ذكر الأصل في الجمع مع لام الجنس وأرى النظير من الجمع بدون لام الجنس.
قلت: قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} وقوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ}، يدلان على وهاء ما ذكره في "الكشاف".
(2/737)

[أقل الجمع]
(وعلى ذلك مسائل أصحابنا) فإن من أقر لآخر بقوله: لفلان علي دراهم يصدق في الثلاث ولا يصدق فيما دونه.
{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} حيث يقوم في الحجب هاهنا الاثنان مقام الثلاث، (وفي المواريث والوصايا).
أما في المواريث: ففي قوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}، والحكم في الاثنتين كذلك.
وأما في الوصايا: فإن من أوصى لأقربائه، فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه ويكون للاثنين فصاعدًا.
(2/738)

(ولا خلاف أن الإمام يتقدم إذا كان خلفه اثنان)، ومن شرط الجماعة تقدم الإمام عليهما، ولو لم يكن الاثنان جمعًا لما تقدم الإمام عليهما، كما لا يتقدم على الواحد.
("الواحد شيطان والاثنان شيطانان")، فلو كان الاثنان ينطلق عليهما اسم الجمع لما أقامهما مقام الواحد في كونهما شيطانًا.
(فإن أهل اللغة مجمعون على أن الكلام ثلاثة أقسام: آحاد ومثنى وجمع)، فكل منها على ما وضع له حقيقة.
والدليل عليه أنه يستقيم نفي صيغة الجمع عن المثنى بأن يقال: ما في الدار رجال. إنما فيها رجلان، وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في شيء لا يستقيم نفيه عنه، ولأن قسمتهم الكلام على هذا الوجه بأن الكلام ثلاثة
(2/739)

أقسام: آحاد ومثنى وجمع دليل على أن كل واحد منها مخالف للآخر، كما نقول: الإنسان قسمان: ذكر وأنثى، ولا شك أن الذكر يخالف الأنثى، وهو ظاهر.
(وله علامات) أي وللمثنى علامات على الخصوص، فإن رفعه بالألف والنون في آخره لازم عند عرائه عن الإضافة وهي مكسورة وما قبل الياء مفتوح.
(وأجمع الفقهاء على أن الإمام لا يتقدم على الواحد). هذا جواب عن قول الخصم. يعني أن الإمام من الجمع ولو كان المثنى جمعًا لتقدم الإمام على الواحد حيث اجتمعا والتقدم شرط الجماعة، وقد حصلت الجماعة على قول الخصم، ومع ذلك لا يتقدم بالإجماع. علم أن المثنى ليس بجمع.
(فإن الواحد إذا أضيف إليه الواحد أي ضم إليه تعارض الفردان، فلم يثبت الاتحاد ولا الجمع)، وهذا لأن الفرد بالنظر إلى نفسه واحد وبالنظر إلى مقابله جمع. إذ بالمقابلة يحصل الاجتماع بينهما، وهما فردان متساويان في القوة، فلا يترجح أحدهما على الآخر، فسقط الوصفان؛ أعني الاتحاد
(2/740)

والاجتماع عند التعارض، فثبت لهما وصف آخر سواهما وهو التثنية، وهذا معنى ما ذكره الإمام بدر الدين- رحمه الله- فقال: إن الواحد إذا أضيف إليه الواحد تعارض الفردان.
إذ الفرد الأول يمنع نفسه عن الإتباع إلى مماثله ليبقى هو فردًا كما هو صفته، والثاني يجذب المقابل إلى نفسه ويجعله جمعًا مع نفسه وهما متساويان في القوة فتعارض الشبهان، فلم يبق التوحد حيث وجد الجمع، ولم يحصل التجمع حيث لم يرتفع التعارض، فبقي قسمًا آخر بين القسمين وهو المثنى بين الواحد والجمع، وهو المنزلة بين المنزلتين، والمنقول عن الأساتذة في هذا بالفارسية في معنى التعارض بين الفردين يك فرد مي خواهد كه با آن يكي جمع شود وآن يكي فدر خويشتن را منع مي كند أز وي جمع بودن را فيثبت التعارض بينهما.
(وأما في الثلاث فقد عارض لكل فرد اثنان) فغلبا وترجح جانب التجمع وبطل التوحد بمرة، فحصل التجمع فصار الثلاث حقيقة لصيغة الجمع حيث لا ينفى عنه، وأما في المثنى فينفى عنه كما ذكرنا.
(وقد جعل الثلاثة في الشرع حدا في إبلاء الأعذار) أي في إظهار الأعذار والاختبار بها، كما في قصة موسى مع معلمه عليهما السلام حيث جعل السؤال الثالث نهاية في ترك المؤاخذة، وكذلك في حد مدة السفر
(2/741)

وخيار الشرط ومدة مسح المسافر وغيرها. يعني ليس هذا الذي جعل الشرع الثلاثة في إبلاء الأعذار للاثنين. علم بهذا أن الاثنين ليسا في حكم الثلاثة.
(وأما الحديث فمحمول على المواريث) أي الحديث الذي ذكر في تعليل الشافعي، وهو قوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" محمول على المواريث، ثم في المواريث إنما جعل للاثنين حكم الجماعة بدلالة النص، لا لأن لفظ الاثنين أطلق على لفظ الجمع. بيان ذلك هو أن قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} بين أن للاثنين من الأخوات إذا كانتا لأب وأم أو لأم الثلثين، فهذا بيان أن الثلثان نصيبهما، ولا يزاد
(2/742)

على الثلثين وإن زدن.
علم ذلك بدليل آخر وهو قوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}، فكان فيه بيان أن النساء وإن كثرن لا يزاد نصيبهن على الثلثين فكان للجمع حكم الاثنين بهذا الطريق. لا أنه أطلق حقيقة الجمع على الاثنين، وهذا صريح في الأختين، وأما للبنتين فلهما الثلثان أيضًا بدلالة النص وإشارته.
أما الدلالة: فلأنه لما كان للأختين الثلثان، لأن يكون للبنتين الثلثان بالطريق الأولى؛ لأن الأخت تبع للبنت في استحقاق الفرض حتى لا يفرض للأخت مع وجود البنت.
وأما طريق الإشارة فهو قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، فهذا يقتضي أن يكون للابن مثل حظ البنتين في جميع صور اختلاط الابن مع البنت، حتى إذا كان للميت ابن وبنت لا غير، فللابن الثلثان ولو لم يكن للبنتين الثلثان لتناقض {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وتعالى كلام الله عن التناقض.
وأما الوصايا: فمبينة على المواريث أيضًا من حيث إن كلًا منهما سبب لملك المال بعد الموت، ولأن الإرث فرض ثابت قطعًا والوصية نافلة وهما بعد الموت، فكانت الوصية تبعًا للإرث لما أن النوافل تبع للفرائض.
(2/743)

(والثاني ما قلنا: إن الخبر محمول) أي الوجه الثاني من حمل حديث الشافعي نقول: إن ما ذكرنا من الخبر في تعليلنا بقوله: ولنا قول النبي عليه السلام "الواحد شيطان" إلى آخره هو محمول (على ابتداء الإسلام)، فإذا ظهر قوة المسلمين قال ذلك الحديث الذي رواه الشافعي بقوله: "الاثنان فما فوهما جماعة".
(فإذا ظهر قوة المسلمين قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة") أي المسافرة مع الاثنين جائزة كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}، وكان موسى عليه السلام مع فتاه اثنين في السفر، علم أن المسافرة كانت جائزة في الأصل، وإنما كان الحظر عنه في ابتداء الإسلام لعارض الخوف.
(وأما الجماعة فإنما تكمل بالإمام) فيكون الإمام مع القوم جماعة، فالإمام مع الاثنين جماعة والتقدم من سنة الجماعة، فيتقدم الإمام على الاثنين لهذا المعنى لا أن الاثنين جماعة، (حتى شرطنا في الجمعة ثلاثة سوى الإمام)؛ لقيام الدليل على اشتراط أن يكون القوم جماعة سوى الإمام،
(2/744)

وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ففي قوله {نُودِيَ} فهم المنادي وهو المؤذن، وفي قوله: {إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فهم الذاكر وهو الخطيب، وفي قوله {فَاسْعَوْا} يفهم الساعون الخاطبون وأقلهم اثنان بالاتفاق، فيعلم من هذا كله اشتراط ثلاثة سوى الإمام.
(فألحق الفرد بالزوج لعظم منفعته). ألا ترى أن من قطع لسان إنسان يلزمه كمال الدية، كما لو قطع اليدين خطأ كأنه زوج، فصار قلب اثنين كأنه أربع قلوب، (وقد جاء في اللغة خلاف ذلك كقوله):
ظهراهما مثل ظهور الترسين.
قاله في صفة مفازتين.
هذا الذي ذكره من ذكر الجمع وإرادة الاثنين فيما إذا كان متصلين.
(2/745)

وأما في المنفصلين فلا يجوز ذكر الجمع، وإرادة الاثنين للإلباس حتى لا يقال: أفراسهما ولا غلمانهما، إذا كان لكل منهم فرس واحدة وغلام واحد.
* * *
(2/746)

باب معرفة أحكام القسم الذي يليه
(وهذا تكثر في تعارض السنن والأحاديث) كما في قوله عليه السلام: "القلس حدث"، وروي عن النبي عليه السلام: "أنه قاء فلم يتوضأ"
(2/747)

وكذا ذكر في الأثر "أو دسعة تملأ الفم".
قلنا: أما قوله: "قاء فلم يتوضأ"، فإنه حكاية فعل فلا عموم له، لأن العموم من أوصاف النظم، ولا جائز أن يكون قليلًا في نفسه وكثيرًا، فلم يستقم الاحتجاج به.
وقوله: "القس حدث" فيه الألف واللام ولا معهود له، فكان العموم.
وقوله: "أو دسعة" معارض له، لكن في قوله: "القلس حدث" دليل على أنه الكثير لا القليل، فإن القلس هو الرفع لغة، ومنه القلاس (البحر) لقذفه ما فيه، وذلك لا يكون إلا عند الكثرة حتى يرمي نفسه ويدفع، أما عند القلة فلا.
(2/748)

(فقال الآخر: الحق اليقين الصدق)، يعني قال: الحق لا غير، أو قال: اليقين لا غير، وكذا إلى الآخر، وحاصله أن هاهنا خمسة ألفاظ: فالحق والصدق واليقين في الإقرار نصوص تحتمل التغيير، والبر مجمل يحتمل البيان، والصلاح محكم لا يحتمل التغيير. كذا في "الجامع الكبير" للصدر الشهيد- رحمه الله-.
والصلاح لما كان محكمًا فأي لفظ قرن به لا يكون إقرارًا حتى لو قال: الحق الصلاح أو الصلاح الحق، أو ضم الصلاح إلى اليقين قدم أو أخر لم يكن إقرارًا؛ لأن الصلاح محكم في أنه لا يكون إقرارًا، ثم فائدة كون الألفاظ الأول نصوصًا أن كل واحد منهما إذا انفرد بنفسه كان إقرارًا، أو إذا انضم البر بواحد منها كان إقرارًا أيضًا؛ لما ذكرنا أن البر مجمل فيحمل المجمل على النص والظاهر.
وقال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع" الحق الحق، أو اليقين
(2/749)

اليقين، أو الصدق الصدق، أو البر البر، أو الصلاح الصلاح، أو قال: حقًا حقًا أو يقينًا إلى آخرها، وفي هذه الجمل الثلاث الأولى تصديق وإقرار، والبر والصلاح ليس بإقرار، لأن الحق واليقين والصدق يوصف بها الدين، فوجب العمل به، ولو قال: الحق حق واليقين يقين والصدق صدق إلى آخرها، لم يكن إقرارًا؛ لأن الكلام في الفصول الأولى كان ناقصًا، يحمل على الجواب ظاهرًا، فأما هذا الكلام تام مبتدأ وخبر فلم يصلح جوابًا.
وقوله: (فإذا قارنه نص أو ظاهر) وهو الكلمات الثلاث الأول وهي: الحق واليقين والصدق أي يصح أن يطلق على كل منها اسم النص أو اسم الظاهر، فاسم النص باعتبار أن لجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فكأنه سيق الكلام لأجله، واسم الظاهر باعتبار أن المقصود من الكلام هو قول المدعي: لي عليك ألف درهم.
وأما الجواب فإنهما ثبت في ضمن ذلك الكلام، فكأنه لم يسق الكلام إليه، فصح إطلاق اسم الظاهر على كل واحد منها لما أن الاعتبار للمتضمن لا للمتضمن، ولهذا يطلق اسم النص على هذه الألفاظ الإمام المحقق شمس
(2/750)

الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
فأما قوله: (إلى شهر محكم في المتعة لا يحتمل النكاح مجازًا)؛ لأن النكاح لا يحتمل التأقيت، لأنه منسوخ، فكان التوقيت محكمًا في كونه متعة، والتزوج محتمل للمتعة، لأن الازدواج كما يحصل في التأبيد يحصل في التوقيت، فحمل هو على المتعة ولم يحمل قوله: إلى شهر على النكاح لذلك.
(لأن السرقة أخذ المال على وجه المسارقة عن عين الحافظ الذي قصد حفظه).
فإن قيل: لو سرقت من بيت رجل غائب يقطع كما لو سرق من بيت رجل حاضر، فلو كانت السرقة عبارة عن أخذ المال على المسارقة عن عين الحافظ
(2/751)

الذي قصد حفظه لما وجب القطع هنا لانعدام حد السرقة؛ لأن المسارقة عن عين الحافظ إنما تكون إذا كان الحافظ حاضرًا.
قلنا: معناه عن عين الحافظ أو عن عين نائب الحافظ، وفي حق الغائب إن كان عينه غائبة فعين نائبه وهو بيته لقصد حفظ الأموال حاضرة، وهذا لأن حفظ الحافظ بنفسه غير معتبر فيما هو محرر بالمكان.
هكذا ذكر في "المبسوط" بخلاف القبر، فإن القبر ما حفر لحفظ الكفن، فلم يكن النبش مسارقة عن عين الحافظ ولا عن عين نائبه فلا يقطع.
وقوله: (ولا قاصد) احتراز عن الحفظ بالبناء الذي قصد ببنائه على حفظ الأموال كالبيوت.
وأما القبر فلم يكن لذلك بل حفر القبر لمواراة الميت عن أعين الناس وما يخاف عليه من السباع لا للإحراز.
ألا ترى أن الدفن يكن في ملأ من الناس، ومن دفن مالًا على قصد الإحراز فإنه يخفيه عن أعين الناس، وإذا فعله في ملأ من الناس على قصد الإحراز ينسب إلى الجنون، ولا نقول: أنه مضيع ولكنه مصروف إلى حاجة الميت، وصرف الشيء إلى الحاجة لا يكون تضييعًا ولا إحرازًا كتناول الطعام وإلقاء البذور في الأرض لا يكون تضييعًا ولا إحرازًا.
واختلف مشايخنا فيما إذا كان القبر في بيت مقفل.
(2/752)

قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي أنه لا يجب القطع.
(وهذا من الأول) أي النباش من السارق (بمنزلة التبع من المتبوع)، فإن السارق يسرق من الحافظ والنباش ينبش الكفن من غير الحافظ، والأصل أن توجد السرقة من الحافظ فكانت السرقة أصلًا والنبش غير أصل، فكان المراد من المتبوع والتبع كونهما أصلًا وغير أصل لا حقيقة التبعية، وعن هذا خرج الجواب عن قول من يقول: لما كان النباش تبعًا للسارق يجب أن يقطع النباش كالسارق، لأن الحكم الثابت في المتبوع ثابت في التبع.
(والتعدية بمثله في الحدود خاصة باطل)، وإنما قيد بالحدود؛ لأن في غير الحدود إذا ثبت الحكم في الأعلى يثبت في الأدنى بالقياس عليه.
ألا ترى أن الوطأ يثبت حرمة المصاهرة وهو أعلى، وكذلك يثبتها أيضًا المس بشهوة وهو أدنى ولا يثبت مثل هذا في الحدود؛ لأنها تندرئ بالشبهات.
(وأما الطرار) فهو على وجهين: إما أن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم أو ظاهر الكم، فإن كانت مصرورة في داخله، فإن طر الصرة يقطع؛ لأنه بعد القطع يبقى المال في الكم، فيدخل يده حتى يخرجه، وإن حل الرباط
(2/753)

لم يقطع؛ لأنه إذا حل الرباط يبقى المال خارجًا من الكم، فلم يوجد إخراج المال من الكم والحرز، وإن كان مصرورًا في ظاهر الكم، فإن طر لم يقطع لانعدام الإخراج من الحرز، فإن حل الرباط يقطع؛ لأن الدراهم تبقى في الكم بعد حل الرباط حتى يدخل يده فيخرجها، وتمام السرقة بإخراج المال من الحرز، وعن أبي يوسف- رحمه الله- استحسن أن أقطعه في الأحوال كلها؛ لأن المال محرز بصاحبه والكم تبع، وفرق أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- بين الطرار والنباش فقالا: اختصاص الطرار بهذا الاسم لمبالغة في سرقته؛ لأن السارق يسارق عين حافظه في حال نومه، وغفلته عن الحفظ، والطرار يسارق عين المنتبه في حال إقباله على الحفظ، فهو زيادة حذق منه في فعله، فعرفنا أن فعله أتم ما يكون من السرقة فيلزمه القطع. وأما النباش فلا يسارق عين المقبل على حفظ المال أو القاصد كذلك، بل يسارق عين من يهجمه عليه من غير أن يكون له قصد إلى حفظ الكفن، وذلك دليل ظاهر على النقصان في فعل السرقة، فلهذا لا يلزمه القطع. كذا في "المبسوط" والله أعلم.
* * *
(2/754)

[باب أحكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية]
قوله: (أمرًا كان أو نهيًا خاصًا كان أو عامًا)، فالأمر كقوله تعالى: {وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، والنهي كقوله: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}، والخاص أيضًا كذلك.
وأما العام فكقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ}، فإن كلام منهما حقيقة شرعية، وقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الدرهم بدرهمين" وجود ما استعير له خاصًا. كقول من يقول يصف غيره بالشجاعة: رأيت أسدًا يرمي، أو يقول لغيره: لا تضع قدمك في دار زيد أي لا تدخل، أو عامًا كقوله عليه السلام: "ولا الصاع بالصاعين"، وحاصله أن
(2/755)

الحقيقة: استعمال اللفظ في الموضع الأصلي كلفظ الأسد للهيكل المعروف.
والمجاز: استعماله في غير موضعه الأصلي بنوع مناسبة بالاتصال بين الأصل والفرع.
والصريح هو: الظاهر الجلي بواسطة الاستعمال حقيقة كان أو مجازًا.
والكناية: المستتر المراد حقيقة كان أو مجازًا، وقد ذكرنا قبل هذا نظائرها.
(وطريق معرفة الحقيقة التوقيف والسماع)، فالتوقيف التعليم من جهة المعلم، والسماع: من جهة المتعلم. (بمنزلة النصوص)، فإن في حق النصوص التوقيف والسماع، فكذا في حق الحقائق؛ لأن الحقيقة موضوعة بوضع الواضع أن اسم هذا كذا واسم هذا كذا، كما قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، وفيه سؤال وهو أن الله تعالى علمه الأسماء والأفعال والحروف، فكيف خص الأسماء دونهما؟
والجواب عنه: أنك إذا أخبرت عن الأفعال والحروف فهما أيضًا يصيران اسمين، وهذا مقام الإخبار فكذا ذكر الكل، والله أعلم بالأسماء، وهذا لأن
(2/756)

كونه مخبرًا عنه من خواص الاسم فكان كل منهما اسمًا بواسطة الإخبار عنه، فلذلك أطلق اسم الأسماء على المجموع.
(فإن الحقيقة أولى منه)؛ لأن الوضع الأصلي أولى بأن يكون مرادًا من العارضي لسبقه على العارضي في الوجود، أو لتسارع الوضع الأصلي إلى أفهام السامعين.
(وأبى أن يعارضه حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-) فإن قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" مع "نهي النبي عليه السلام عن الصاع بالصاعين" يتعارضان.
بيان المعارضة هو: أن قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يشعر بكون الطعم علة لما عرف أن الحكم إذا كان مرتبًا على اسم مشتق كان مأخذ
(2/757)

الاشتقاق علة، كما في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} وقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وكما يقال: أكرم العالم وأهن الجاهل، وقوله: "ولا الصاع بالصاعين" يقتضي كون الكيل علة، فيقتضي أن لا يجري الربا في غير الصاع؛ لأنه رتب حكم النهي على شيء مكيل يصاع، فكان الكيل علة لما ذكرنا من الأصل، فبين كون الطعم علة وبين كون الكيل علة تناف فتحققت المعارضة، إذ الأول يقتضي الحل في صاع بصاعين من الجص والنورة، والثاني الحرمة.
أو نقول: قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يقتضي الحرمة في القليل والكثير، والحديث الآخر يقتضي الحرمة في الكثير لا في القليل، وإباحة القليل تثبت بالنص المبيح، وهو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}، فقال: لا معارضة بينهما؛ لأن العموم لم يرد بالحديث الثاني؛ لأن لا عموم للمجاز عندي.
(2/758)

والمطعوم مراد بالصاع بالإجماع، فكان موافقًا لما ذكرت من كون الطعام علة، وهو مرجح المحرم لكونه حقيقة على حديث ابن عمر لكونه مجازًا.
(والصحيح ما قلنا؛ لأن المجاز أحد نوعي الكلام)، فإن الكلام منقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز؛ لأنه لا يخلو إما أن كان مستقرًا في محله أو لا يكون مستقرًا في محله ولا واسطة بينهما، فإذا ثبت أن المجاز أحد نوعي الكلام كان العموم الذي ثبت للكلام بدليله شاملًا لنوعيه من الحقيقة والمجاز؛ لأن الحكم إذا كان مرتبًا على الجنس كان مرتبًا على أنواعه، فإن الحكم إذا كان مرتبًا على الحيوان كان مرتبًا على الإنسان.
أما إذا كان مرتبًا على الإنسان لا يكون مرتبًا على الحيوان، بل يكون مرتبًا
(2/759)

على الذكر والأنثى من الإنسان، وهنا حكم العموم مرتب على الكلام، فكان مرتبًا على أنواعه لا محالة، وأنواع الكلام: الحقيقة والمجاز، فكان مرتبًا على المجاز ضرورة.
(لأن عموم الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة)؛ لأن عمومها لو كان لحقيقتها لما جاز الخصوص في الحقيقة، وقولك: جاءني زيد أو رجل حقيقة وليس بعام.
(إلا أنهما يتفاوتان لزومًا، وبقاء) أي لا تسقط الحقيقة عن موضوعها بخلاف المجاز، واللزوم والبقاء مترادفان.
(حتى كثر ذلك في كتاب الله تعالى).
(2/760)

.......................................................................
(2/761)

فإن قيل: المقتضى ضروري ومع ذلك موجود في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي رقبة مملوكة.
قلنا: إن الضرورة في المقتضى في حق السامع لا في حق المتكلم، فإن المتكلم يتكلم بما هو معلوم المراد عنده، لكن السامع يضطر إلى إدراج شيء حتى يعلم بذلك ما هو مراد المتكلم، فكانت الضرورة فيه راجعة إلى السامع لا إلى المتكلم؛ لأنا محتاجون إلى البيان لا الله تعالى.
(وهو أفصح اللغات)؛ لأن القرآن أنزل على أعلى طبقات الفصاحة، وقد يكون المجاز في موضعه أفصح اللغات، حتى أن الحقيقة لو ذكرت في موضعه يلزم القبح كما قال الله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولو قال: حتى يطلع الفجر لم يكن على تلك الفصاحة.
(2/762)

(إلا أن يكون مهجورًا) كقولهم بالفارسية: ديك بخت، والناس يفهمون من هذا طبخ الطعام في القدر، ولا يفهمون طبخ نفس القدر التي يطبخ في كانون الخزاف وهو حقيقتها.
(فيصير ذلك دلالة الاستثناء) من حيث إن المهجور غير المراد بهذا الكلام كما أن المستثنى غير مراد بصدر الكلام.
(كمن حلف لا يسن هذه الدار) فأخذ في الحال في النقلة لم يحنث، وصار ذلك القدر من السكون وهو حقيقة مستثنى من هذه اليمين بدلالة في الحالف، وهي أن مقصوده البر وهو منع النفس من السكون في الدار، وهذا القدر لا يستطاع الامتناع عنه، فلم يحصل ما هو المقصود من اليمين وهو المنع فصار كأنه قال: لا يسكن هذه الدر إلا زمان الانتقال. أن السكون في ذلك الزمان كان مهجورًا.
(2/763)

(وكمن حلف لا يطلق) وقد حلف. قيل ذلك بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال بعد ذلك: إن طلق امرأته فعبده حر، ثم دخلت الدار لم يعتق عبده لما ذكرنا أن المقصود من اليمين منع النفس من التطليق، وهو كان ممتنعًا قبل هذا الحلف فلا يمكنه الامتناع بعد ذلك، فصار ذلك الحلف السابق مستثنى عن هذا الحلف، وكذلك في نظائرها.
(فصار ذلك كأولاده لإحيائهم بالإعتاق) يعني أن المولى بالإعتاق يصير سببًا لحياتهم كالأب يصير سببًا لحياة الولد، وهذا لأن الكفر موت. قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} أي كافرًا فهديناه، وقال تعالى: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} والرق أثر الكفر، فكان إزالته كإزالة الموت من
(2/764)

كل وجه، فكان الإعتاق سببًا للحياة من هذا الوجه، والمعنى فيه أن الكافر لم ينتفع بحياته وهو اكتساب الحياة الأبدية صار كأنه جماد ميت؛ لأن الجماد لا ينتفع بشيء، فصار كأنه ميت معنى.
ألا ترى أن الله تعالى سمى الكفار صمًا بكمًا عميًا مع أن كلًا منهم سميع ناطق بصير إلا أنه لما لم ينتفع بسمعه وهو اكتساب السمع الأبدي كان أصم وكذا في غيره، إذا ثبت أن الرق أثر الكفر، ولهذا لا يجوز ضرب الرق على المسلم ابتداء، فالمولى بالإعتاق صار سببًا لحياته، فيكون معتقًا بمنزلة الولد، ومعتق معتقه بمنزلة ولد الولد، وولده ولده حقيقة، وولد ولده ولده مجازًا لصحة النفي عنه، فلا يكون معتق المعتق مرادًا بهذه الوصية.
كما أن أولاد أولاده لا يكونون مستحقين شيئًا فيمن أوصى لبني فلان أو لأولاد فلان، وله بنون لصلبه وأولاد البنين، وتشبيه سببيته إلى الحياة بالإعتاق بسببية الولاد إلى الحياة مستفاد من قوله عليه السلام: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" لما أن الجزاء مكافأة، وهي تنبئ عن المماثلة، فكل ما يوجد من الولد من الإنعام والإحسان في حق الأب لا
(2/765)

يماثل ما يوجد من الأب في حق الولد؛ لأن ما وجد منه كان سبب حياته وما يوجد من الولد لا يقابل هذا إلا إذا وجد مرقوقًا فاشتراه فأعتقه فهذا يماثل ما وجد من الأب في حق الولد وهو تحصيل الحياة في الأبد، كما أن الأب تسبب لحصول الحياة في الابن، فلذلك لم يجعل النبي عليه السلام جميع إنعامات الابن مساوية لإنعام الأب إلا إعتاقه؛ ليكون هذا جزاء وفاقًا منه لإنعام الأب بهذا الطريق.
وقيل: كان الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- رحمه الله- يقول: هذا المعنى في هذا الحديث.
(والحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز)، وإنما قيد بقوله: والحقيقة ثابتة؛ "لأن الحقيقة لو لم تكن ثابتة أصلًا بأن لم يكن للموصي معتقون ولكن له معتقوا معتقين كانت الوصية لمعتقي معتقيه؛ لأن الحقيقة هنا غير مادة فيتعين المجاز، ولو كان له معتق واحد والوصية بلفظ الجماعة فاستحق هو نصف الثلث وكان الباقي مردودًا على الورثة، ولا يكون لموالي المولى من ذلك شيء؛ لأن الحقيقة هنا مرادة.
(حتى إن الوصية للمولى وللموصي موال أعتقوه باطلة) أي باطلة إلى
(2/766)

أن يبين أن مراده منها من هم؟ هكذا ذكره الإمام قاضي خان في "شرح الجامع الكبير" ثم هذا الذي ذكره هنا هو ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه- أنها جائزة ويكون الثلث بين الفريقين؛ لأن الاسم حقيقة لهما فيتناولهما. كما لو أوصي بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة، أخوان لأب وأم وأخوان لأب، وأخوان لأم كان الثلث بينهم السوية.
وعن أبي يوسف- رحمه الله- أنه قال: الوصية للمولى الأعلى؛ لأنه منعم، ومجازاة المنعم واجب والزيادة على الإنعام ليس بواجب، فتصرف إلى الواجب، وعنه في رواية أنها تكون للمولى الأسفل؛ لأن كونه منعمًا عليه دليل الحاجة، فكان الصرف إلى المحتاج أولى.
وعن محمد- رحمه الله- الوصية لا تجوز إلا أن يصطلح الموليان فيما بينهما. كما لو قال لرجلين: لأحدكما علي ألف درهم، قال محمد- رحمه الله- الإقرار باطل إلا أن يصطلح المقر لهما على شيء.
وجه ظاهر الرواية أنه لا وجه لصرف الوصية إليهما؛ لأن اسم المولى
(2/767)

مشترك يتناول الأعلى والأسفل والناصر، واللفظ الواحد لا يتناول معنيين متنافيين في موضع الإثبات، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما عينا؛ لأن المقصود من الوصية المجازاة والشكر، فلا يمكن تعيين أحدهما بغير دليل، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما غير عين لجهالة المستحق فلا تصح، ولو صحت لدخل فيه الناصر والمحب وغيرهما؛ لأن اسم المولى يتناولهم بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن اسم الإخوة يتناول الكل بمعنى واحد وهو التفريع عن أصل واحد، فجاز أن يتناول الأشخاص المختلفة لمعنى واحد كاسم الحيوان وغير ذلك.
بخلاف ما إذا خلف لا يكلم موالي فلان، فكلم ثلاثة من الفريقين، فإنه يحنث في يمينه؛ لأن ذلك موضع النفي واللفظ الواحد يجوز أن يتناول شيئين متنافيين في موضع النفي. يقول الرجل: ما رأيت لونًا ينتفي به السواد والبياض جميعًا. كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام قاضي خان- رحمه الله إنه (لا يلحق بالخمر في الحد) أي لا يلحق سائر الأشربة المسكرة بالخمر حتى لا يجب الحد بها ما لم تسكر؛ لأن الاسم للنيئ من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة المسكرة مجاز، فإذا كانت الحقيقة مرادة يتنحى المجاز. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(لأن الحقيقة أريدت بذلك النص) وهو قوله عليه السلام: "من شرب
(2/768)

الخمر فاجلدوه".
(لأن المجاز مراد بالإجماع وهو الوطء حتى حل للجنب اليتيم أي بإجماع بيننا وبين الشافعي فبطلت الحقيقة) وهو المس باليد.
فإن قلت: يحتمل أن يقول الشافعي بحل اليتيم للجنب بدليل آخر غير هذه الآية، فحينئذ لا يتم الاستدلال على أن المجاز هو المراد من هذه الآية استدلالًا بجواز اليتيم بالإجماع.
قلت: لا يحتمل ذلك؛ لأنه لما قال بجواز التيمم للجنب، وذلك لا يخلو إما أن يقول بهذه الآية بغير الوجه الذي ذكرنا في الآية بأن يقول بالتقديم والتأخير على تقدير {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}، أو بالحديث من حديث عمار وغيره فلا يجوز الأول؛ لأن الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا
(2/769)

مختلفين في جواز التيمم للجنب على قولين: قال علي وابن عباس- رضي الله عنهم بجوازه، وقال ابن عمر وابن مسعود- رضي الله عنهما- بعدم جوازه.
فكل من قال منهم بالجواز حمل اللمس والملامسة على مجازهما، وهو المجامعة، ولم يقل أحد منهم بالتقدير والتأخير، وكل من قال بعدم جواز التيمم للجنب قال: المراد من اللمس اللمس باليد، فجوز التيمم للمحث خاصة، فكان الفريقان كلاهما متفقين على عدم جواز التقديم والتأخير، فكان القول به قولًا باطلًا. إذ الاختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان قول ثالث، وكذلك لا يجوز التمسك في جواز التيمم للجنب بحديث عمار وغيره؛ لأن ذلك كله من أخبار الآحاد فلا تجوز الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد.
فعلم بهذا أن الدليل على جواز التيمم للجنب إنما كان لحمل اللمس والملامسة على المجاز الذي هو الوطء لا غير، وإنما علم ذلك بجواز التيمم للجنب فكان الاستدلال بجواز التيمم للجنب على أن المراد من الآية المجاز تامًا.
وقوله: (دون بني بنيه لما قلنا) إشارة إلى قوله: الحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز.
(2/770)

(لأنه موجبه) أي لأن الدخول موجب وضع القدم.
(إذا كان لا يمتد كان الظرف أولى به) ثم المراد من الفعل الذي لا يمتد في مسألتنا فعل القدوم لا معنى الفعل الذي هو حر كما هو مزعوم بعض الأحداث لبطلان ما زعموا بمسألتي "الجامع الصغير"، وقد أوفيناه في "الوافي".
(2/771)

(ثم العمل بعموم الوقت واجب، فلذلك دخل الليل والنهار)، واليوم إنما يكون عبارة عن بياض النهار إذا قرن بما يمتد ليصير معيارًا له حتى إذا قال: أمرك بيدك يوم يقدم فلان ليلا لا يصير أمرها بيدها، وكذلك إذا قرن بما يختص ببياض النهار كقوله: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان.
فأما إذا قرن بما لا يمتد ولا يختص بأحد الوقتين يكون عبارة عن الوقت كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} (ففيها رواية أخرى بعد ذلك الباب) أي في "السير".
(2/772)

(لله علي أن أصوم رجبًا أنه إن نوى اليمين كان نذرًا ويمينًا) حتى إذا لم يصم رجبًا وجب عليه قضاء الصوم وتجب عليه الكفارة أيضًا، فوجب الكفارة يتعلق باليمين، ووجوب القضاء يتعلق بالنذر؛ لأن القضاء لا يجب في اليمين، والكفارة لا تجب في النذر.
ألا ترى أنه لو قال: والله لأصومن رجبًا ولم يصم يجب عليه القضاء دون الكفارة ولو قال: لله علي أن أصوم رجبًا ولم يصم لا تجب الكفارة بالإجماع، وفيما نحن فيه يجب القضاء والكفارة. فعلم أنه نذر ويمين.
(2/773)

(أما أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فقد عملا بإطلاق المجاز وعمومه)؛ لأنه الحقيقة إذا كانت مستعملة ولكنها نادرة والمجاز متعارف، فالمجاز عندهما أولى من الحقيقة والمستعملة النادرة؛ لأنه عمل بالحقيقة والمجاز وهذا هو العمل بعموم المجاز.
وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- الحقيقة أولى وإن كانت نادرة إذا كانت مستعملة إلا إذا كانت الحقيقة مهجورة فحينئذ يصير بمنزلة دليل الاستثناء على ما ذكرنا إلا عند زفر، فإن عنده الحقيقة المهجورة أولى ويتبين هذا فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، فإذا كان المجاز المتعارف عندهما أولى لم يكن جمعًا بينهما.
(وهذه النسبة لا تنقطع بالأواني) قيد بالأواني؛ لأن هذه النسبة تنقطع بالأنهار الكبار التي تأخذ الماء من الفرات.
(2/774)

(بل هو نذر بصيغتة ويمين بموجبه) يريد به أنه قبل إصدار هذه الصيغة كان صوم رجب لم يكن واجبًا عليه، فبالنذر يصير واجبًا وباليمين أيضًا يصير واجبًا، لكن عند إرادة اليمين يكون الوجوب لغيره، وهذه الإرادة صحيحة بالإجماع من هذه الصيغة؛ بدليل أنه إذا نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرًا يصير يمينًا بالإجماع.
علم أن إرادة الوجوب لغيره من هذه الصيغة صحيحة، فإذا نوى اليمين ولم ينف النذر حصل فيه دليلان: أحدهما يدل على الوجوب لعينه وهو الصيغة، والآخر يدل على الوجوب لغيره، فنعمل بالدليلين إذ لا تنافي بينهما؛ لأن الواجب لعينه يجوز أن يكون واجبًا لغيره مع ذلك.
ألا ترى أنه لو حلف ليصلين ظهر هذا اليوم صح حتى أنه لو لم يصل يجب عليه القضاء باعتبار أنه أوجب لعينه، وتجب الكفارة باعتبار أنه ترك الواجب لغيره وهو محافظة اسم الله تعالى، فلما جاز الاجتماع بينهما ولا تنافي، فنعمل بهما فيما نحن فيه وهو عمل بموجبين مختلفين لا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز كالهبة بشرط العوض هبة وبيع، لأنه هبة باعتبار صيغته وبيع باعتبار معناه.
إذ البيع هو مبادلة المال بالمال بالتراضي وهو موجود هاهنا، فقلنا بهما عند وجود الدليل عليهما، وكما ذكر في الكتاب بقوله:
(2/775)

(وصار ذلك كشراء القريب)؛ لأن الشراء تملك بصيغته فيستحيل أن يكون هو بهذه الجهة إعتاقًا إلا أنه لما اختلف الجهة صح الجمع بينهما؛ لأنه باعتبار صيغته ليس بإعتاق، وباعتبار أنه إعتاق ليس بتملك؛ لأن التملك كان باعتبار الصيغة والإعتاق كان باعتبار الحكم، والحكم غير الصيغة، والصيغة غير الحكم، فكذلك ما كان يثبت بكل واحد منهما لا يكون ثابتًا بالآخر، والمنافاة إنما تكون إذا ثبت الحكمان المتنافيان في محل واحد إذا كانا من جهة واحدة وليس كذلك، فيصح الجمع بينهما بموجبين مختلفين.
وقوله: بل هو نذر بصيغته "وهي قوله: على"، وهذه الصيغة مجاز لليمين بموجبها وهو الوجوب، فإن لهذه الصيغة موجبًا وهو الوجوب، وباعتبار هذا الوجوب يكون يمينًا؛ لأن إيجاب المباح يمين بمنزلة تحريم المباح، وتحريم المباح يمين، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ}، ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
ويلزم من هذا أن يصير إيجاب المباح يمينًا؛ لأن في تحريم المباح إيجاب المباح؛ لأن الترك قبل النذر كان مباحًا وبعده صار واجبًا، وكان ترك الصوم عليه حرامًا؛ فيلزم من إيجاب المباح تحريم المباح، فكان يمينًا بموجبه لهذا، وقوله: "وهو الإيجاب" أي الوجوب؛ لأن موجب نذر الوجوب لا
(2/776)

الإيجاب" إلا أن الوجوب لا يكون إلا بالإيجاب، فكان في الوجوب اقتضاء، فأطلق عليه اسم المقتضى.
(وطريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين الشيئين).
اعلم أن الاستعارة تفتقر إلى ستة أشياء: المستعار هو لفظ الأسد، والمستعار له: وهو الإنسان الشجاع، والمستعار عنه: وهو الهيكل المخصوص، والمستعير: وهو المتلفظ بهذه اللفظة، والاستعارة: هي التلفظ به لإثبات معنى الشجاعة، وما يقع به الاستعارة: وهو الاتصال بين المستعار عنه والمستعار له (وذلك الاتصال يكون صورة أو معنى؛ لأن كل موجود من الصور)، فالتقييد بالصور إما للاحتراز عن ذات الله تعالى، أو للاحتراز عن موجودات لا تشاهد معاينة كالعلم والقردة والحلم والغضب،
(2/777)

فإنها موجودات لم تجر السنة برؤيتها، فلم يكن لها بالشيء اتصال صورة.
(ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) هذا من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبب حيث أطلق اسم السماء على المطر، وكذا في قوله:
إذا سقط السماء بأرض قوم .... رعيناها وإن كانوا غضابا
وكذا في قوله الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا}، ويجوز أيضًا إطلاق اسم المسبب على السبب كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} أي عقدتم؛ بدليل ما بعده بقوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} والنكاح: هو الوطء حقيقة، والعقد سببه، فكان
(2/778)

فيه إطلاق اسم المسبب على السبب، وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} أي إذا أردتم القيام إليها والقيام مسبب وإرادته سببه.
(وقال الله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وهو المطمئن من الأرض) أي الساكن منها أي إلى المنخفض الغائط: من غاط في الشيء أي دخل، والمضارع: يغوط ويغيط، وإنما يكون فيه عند الحدث عادة تسترًا عن أعين الناس.
وكان شيخي- رحمه الله- يقول: الآدمي فهرست الملكوت. فيه الملكية والإنسية والبهيمية والشيطنة، فالأكل والشرب والتغوط والبول من خواص البهائم، فينبغي أن يستر الإنسان نفسه فيما يشبه به البهائم.
فلذلك وقع في الشرع والعادة أن يكون الحدث في المكان المطمئن تسترًا عن أعين الناس، ولذلك قال عليه السلام: "الأكل عورة؛ رحم الله من ستره".
(2/779)

(الثفل) ما يسفل من كل شيء أي يرسب.
(وهو السببية والتعليل) يعني أن استعارة السبب للمسبب والعلة للمعلول أو المعلول للعلة هو الاستعارة من حيث الصورة في المحسوسات؛ لأنه لا اتصال بينهما من حيث المعنى؛ لأن معنى السبب لا يوجد في المسبب.
ومعنى العلة لا يوجد في المعلول؛ لأن العلة هي الموجبة، والمعلول هو الموجب، ولا مشابهة بينهما من حيث المعنى بل بينهما مضادة إذ من أثر الموجب المؤثر القوة، ومن أثر الموجب المتأثر الضعف، لكن بينهما قرب ومجاورة؛ لأن حال وجود السبب حال وجود المسبب.
وكذا العلة والمعلول، فلذلك كان الاتصال بينهما من حيث الصورة؛ لأن الاتصال الصوري في المحسوسات بين الشيئين لم يكن بينهما إلا القرب والمجاورة من غير اتصال بينهما من حيث المعنى، وهذا كذلك في الشرعيات بين الشيئين من حيث السببية والتعليل، فلذلك جعل الاتصال من حيث السببية، والتعليل نظير الاتصال الصوري في المحسوسات.
(2/780)

بيانه أنك إذا نظرت في الحكمين إن كان بين سببيهما اتصال بأن كان أحدهما يثبت الحكم الذي أثبته الآخر كالبيع والنكاح، فإن حكم البيع ملك الرقبة وحكم النكاح ملك المتعة، والبيع يثبت الحكم الذي يثبت النكاح في الجارية عند زوال المانع، فتجوز استعارة البيع للنكاح حتى ينعقد النكاح بلفظ البيع، ولا ينعقد البيع بلفظ النكاح، وكان ينبغي أن ينعقد؛ لأن المناسبة بين الشيئين يكون من الطرفين جميعًا، إلا أنه لم ينعقد لما نبين في هذا الكتاب بعد هذا.
(هو نظير القسم الآخر من المحسوس). بيانه أنك إذا تأملت في مشروع ووقفت على معناه، فإن وجدت هذا المعنى في المشروع الآخر يجوز استعارة أحدهما للآخر، كما أنك لو تأملت في معنى شرعية الميراث وكيفيتها وجدت أن الميراث شرع بعد فراغ الميت عن حوائجه، ووجدت الوصية كذلك شرع بعد فراغ الميت عن حوائجه، فاتصلا في معنى المشروع كيف شرع جازت الاستعارة بأن يذكر الميراث ويراد الوصية، أو الوصية ويراد الميراث، ومنه قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} أي يورثكم، وكذلك معنى الحوالة هو: نقل الدين من ذمة إلى ذمة، والوكالة أيضًا نقل ولاية التصرف،
(2/781)

فتستعير لفظ الحوالة للوكالة فتقول: أحل رب المال، أي وكله كما استعار محمد- رحمه الله- هكذا في "كتاب المضاربة"، فقال: يقال للمضارب أحل رب المال أي وكله.
وكذلك نص في المكاتب إذا قال المولى لعبده: جعلت عليك ألفا تؤديها إلي نحو ما أولها كذا وآخرها كذا، فإذا أديتها فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق، فإن هذه مكاتبة، لأنه أتى بتفسير الكتابة، وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}.
فالقصاص إماتة لا إحياء، لكن إحياء معنى من حيث الشرع والاستيفاء، وقد ذكرنا وجهه في باب القضاء والأداء، فلذلك أطلق اسم الحياة على القصاص، وكذا أيضًا قال الشافعي: يجوز استعارة الطلاق للعتاق، والعتاق للطلاق لاتصال بينهما في المعنى؛ لأن الطلاق بني على السراية والإسقاط واللزوم، وهذا المعنى موجود في العتاق، فيجوز استعارة كل واحد منهما للآخر.
(2/782)

(أن الاتصال بين اللفظين من قبل حكم الشرع) وهذا احتراز عن المحسوس، ومعناه ما ذكرنا أن أحد اللفظين يثبت من الحكم ما يثبته الآخر، فيجوز استعارة أحدهما للآخر.
(ومن حيث وجدا) يريد به أن الاستعارة إنما تجوز بين الموجودين حيث وجد القرب والاتصال سواء كانا شرعيين أو حسيين؛ لأن ما هو المجوز القرب والاتصال بينهما وذلك لا يختص باللغة.
(والمشروع قائم بمعناه الذي شرع له، وبسببه الذي تعلق به).
أما بسببه الذي تعلق به فظاهر كالنكاح يتعلق وجوده بقول المتناكحين زوجت وتزوجت، والبيع بقول المتبايعين: بعت واشتريت، وهذان المشروعان قائمان بسببهما ويوجدان بهما.
وكذلك المشروع قائم بمعناه الذي شرع له؛ أي قائم بالماهية التي شرع لأجلها وقائم بها. كالولد قائم بمعناه الذي هو له وقائم بسببه وهو الوالدان، وكذلك النكاح قائم بمعناه الذي هو له من الانضمام والازدواج الموضوعين للتوالد والتناسل، وقائم بسببه وهو زوجت وتزوجت، وكذلك هذا في البيع
(2/783)

والهبة وفي جميع المشروعات، فعند وجدان المعنى الجامع بطريقة يجري المجاز، ولكن الشأن في الطلب والوجدان.
(ولأن حكم الشرع متعلقًا بلفظ شرع سببًا أو علة لا يثبت من حيث يعقل إلا واللفظ دال عليه لغة)؛ وهذا لأن حكم الشرع نوعان: حكم يدرك معناه بالعقل، وحكم لا يدرك معناه بالعقل، فالقسم الأول إذا تعلق بلفظ شرع ذلك اللفظ سببًا أو علة يدل على اللفظ على معناه لغة كالبيع والهبة وغير ذلك.
فإن الأحكام الثابتة بهذه تدرك معانيها بالعقل؛ لن العقل يقتضي أن يكون كل من فاز بالسبب فاز بالحكم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك يؤدي إلى التنازع والتقابل، فالشرع جعل هذه الأحكام مختصة بأسباب. من فاز بها فاز بأحكامها لما عرف، فالألفاظ إذن دلالات على معانيها لغة فصحت الاستعارة، فكانت هذه الاستعارة شرعية فيها معنى اللغة أيضًا.
ألا ترى أنهم لم يجوزوا استعارة الخمر لغير الخمر لإثبات حكم ثبت بشرب الخمر، لما أن هذا الحكم لا يدرك بالعقل، وهو ضرب ثمانين سوطًا أو أربعين، وقوله: "متعلقًا" حال عن حكم الشرع والعامل فيه لا يثبت مؤخرًا، أي أن حكم الشرع لا يثبت حال كونه متعلقًا بلفظ من حيث السببية أو العلية من الجهة التي يعقل، إلا واللفظ دال على ذلك الحكم، فلما دل اللفظ عليه من
(2/784)

حيث اللغة لو استعير لغيره باعتبار مشابهته في المعنى كان هذه الاستعارة استعارة من حيث اللغة أيضًا، وإنما قال: "متعلقًا بلفظ"؛ لأن عامة وجوب العبادات متعلقة بالمعنى لا باللفظ، كوجوب الصلاة تعلق بدلوك الشمس، والصوم بشهود الشهر.
(ولا استعارة فيما لا يعقل)؛ لأن الاستعارة نظير القياس، فالقياس إنما يجري فيها يعقل معناه، فكذلك الاستعارة والذي لا يعقل كالمقدرات في الحدود وغيرها.
وقوله: (ألا ترى أن البيع لتمليك العين) إيضاح للنوع الذي يعقل معناه وهو صالح للاستعارة، فاستعرنا لفظ البيع للنكاح؛ لأن في تمليك العين تمليك ملك المتعة في محله بطريق السببية، والنكاح أيضًا يثبت ملك المتعة مقصودًا، فلما اتحدا في إثبات ملك المتعة وإن كانا يتفاوتان في الأصالة وغير الأصالة جوزنا استعارته للنكاح، (وكذلك ما شاكله) كالهبة استعيرت للنكاح، وكذلك الكفالة والحوالة والوكالة يجوز استعارة كل واحدة منها للأخرى.
(2/785)

(ولا اختصاص للرسالة بالاستعارة). هذا جواب عن قول الشافعي ذكره في موضع في تعليل جواز نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة بطريق الاستعارة، ويقول: كان ذلك الجواز مما خص به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره حتى لا يجوز لغيره أن يستعير لفظ الهبة للنكاح لا أنه انعقد هبة؛ لأن انعقاده هبة إنما يكون فيما إذا كانت المرأة أمة ولم يكن كذلك، فلذلك قلنا: إنه لم ينعقد هبة حقيقة؛ لأن تمليك المال في غير المال لا يتصور يعني أن الهبة لتمليك المال.
وانعقد نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، ولم يكن نفس المرأة الحرة مالًا، فلابد من أن يجعل ذلك استعارة للنكاح؛ لأنه لما لم يمكن العمل بالهبة بحقيقتها التي هي لتمليك المال كانت هي مستعارة لا محالة.
(لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى) كالتوارث وانتفاع كل منهما بالآخر،
(2/786)

وحصول غض البصر عن الحرام، وحصول المصاهرة التي تشبه قرابة الآباء والأمهات وغير ذلك.
(بل فيهما إشارة إلى ما قلنا) أي من معنى النكاح والتزويج، فالنكاح يدل على الضم، والتزويج يدل على التلفيق، وهو إن لم يذكر معنى النكاح والتزويج هاهنا لكن جعل دلالة هذين اللفظين على ذينك المعنيين بمنزلة ذكره إياهما (فلم يصح الانتقال عنه) أي عن اللفظ الموضوع للنكاح وهو لفظ النكاح أو التزويج (لقصور اللفظ عن اللفظ الموضوع له) أي
(2/787)

لقصور لفظ التمليك عن لفظ النكاح أو التزويج، وهذا لن هذا العقد عقد مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين والدنيا، ولفظ النكاح والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنه ينبئ عن الاتحاد، فالتزويج تلفيق بين الشيئين على وجه يثبت الاتحاد بينهما في المقصود كزوجي الخف ومصراعي الباب.
والنكاح بمعنى الضم الذي ينبئ عن الاتحاد بينهما في القيام بمصالح المعيشة، وليس في هذين اللفظين ما يدل على التمليك باعتبار أصل الوضع، ولهذا لا يثبت ملك العين بهما، فالألفاظ الموضوعة لإيجاب ملك العين فيها قصور فيما هو المقصود بالنكاح. إلا أن في حق رسول الله عليه السلام كان ينعقد نكاحه بهذا اللفظ مع قصور فيه تخفيفًا عليه وتوسعة، وفي حق غيره لا يصلح هذا اللفظ لانعقاد النكاح به لما فيه من القصور.
وقوله: "من مصالح الدين والدنيا".
أما مصالح الدين: فإن مباشرة منكوحته التي هي حلال له تمنعه عن طموح العين إلى غيرها التي هي حرام محض عليه على وجه يوجب مباشرته إياها والرجم أو جلد مائة، وأيده قوله عليه السلام: "من تزوج فقد حصن نصف دينه".
(2/788)

وأما مصالح الدنيا: فإنها تقوم بأمور داخل البيت، كما أن الزوج يقوم بأمور خارج البيت، وبهذين الأمرين ينتظم أمور المعيشة في الدنيا.
(وهو أن يقول: أحلف بالله؛ لأنه موجب لغيره) وهو الاحتراز عن هتك اسم الله تعالى.
(لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة عندكم)، وإنما قيد بقوله: "عندكم" لأن شركة المفاوضة غير جائزة عنده، وهذا الذي ذكره هو أن ذلك العقد لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة غير مجرى على إطلاقه بل ذلك فيما إذا لم يعرف المتعاقدان أحكام المفاوضة.
وأما إذا كانا يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة وإن لم يصرحا بلفظها؛ لأن المعتبر المعنى دون اللفظ، ثم فيما إذا لم ينعقد مفاوضة فيما إذا لم يعلما أحكامهما ولم يذكرا لفظ المفاوضة كانت
(2/789)

الشركة عنانًا. كذا ذكره في "المبسوط".
(مقام ما ذكرنا من المجاورة) أي في المحسوسات بهذا الاتصال بين الشيئين، وهما: الهبة والنكاح، والحكمين وهما: ملك الرقبة وملك المتعة.
(على حكم الملك له عليها) وهو حل الوطء، وهذا جواب عما قاله الشافعي بقوله: "لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى".
قلنا: لم يشرع لتلك الأشياء مقصودًا، بل شرع لحكم واحد وهو حل الاستمتاع للزوج بثبوت الملك له عليها.
(لأنه أمر معقول) أي ما ذكرناه وهو شرعية النكاح لإثبات الملك عليها.
ألا ترى أن للمرأة تثبت الملك عليه في المهر، فيثبت ملك المتعة للزوج عليها تحقيقًا للمعادلة، وإنما قلنا. إن ثبوت حل الوطء له بثبوت الملك له
(2/790)

عليها أمر مقصود، وما ذكره الشافعي من أمور لا تحصى من الثمرات لوجود تلك الأمور من غير النكاح، ووجود النكاح مع عدم تلك الأمور، فإن من تلك الأمور التوارث، وهو أخصهما فهو معدوم في صورة نكاح الكتابية، وكذلك المصاهرة لا تثبت فيما إذا طلق امرأته قبل الدخول في حق بينهما حتى حل له نكاحها.
وأما نكاح ما فلا يوجد بدون إثبات الملك له عليها في حل الاستمتاع.
فعلم بهذا أن تلك الأمور من الثمرات، وثبوت الملك له عليها في حل حق الاستمتاع من المقاصد.
فإن قيل: ملك المتعة أيضًا مشترك بينهما.
ألا ترى أن للمرأة أن تطالب زوجها بالوطء، حتى إذا لم يوف حقها في ذلك يفرق كما في العنين.
قلنا: ثبوت حق المطالبة لا يدل على الملك كما في نفقة المماليك، أو لأن حد الملك الذي هو الاختصاص بالمطلق الحاجز يوجد في حق الرجل لا في حق المرأة، فإن المرأة ممنوعة عن تزوج غيره، وليست للمرأة أن تمنع زوجها عن غيرها حتى لا يختل حقها في الوطء.
(وإذا كان كذلك قلنا): أي لما كان بناء النكاح لأجل حل الوطء له
(2/791)

وثبوت ملك المتعة له عليها لا بمعناه بمنزلة النص، فإنه يوجب الحكم فيما تناوله سواء كان هو معقول المعنى أو لم يكن. لما أن الاسم الموضوع للشيء يدل على ما وضع له سواء عقل معناه أو لم يعقل؛ لأن الحقيقة موقوفة على السماع من غير أن يعقل.
ألا ترى أن الولد الرضيع يسمى أميرا وعالمًا من غير وجود معناهما فيه، وأقصر خليقة الله تعالى يسمى طويلا، والأسود يسمى كافورا، والأعمى يسمى أبا العينا من غير وجود المعاني.
علم أن الأعلام إنما تعمل وضعًا لا باعتبار المعاني، كما أن النصوص توجب الأحكام بأنفسها سواء عقل معناها أو لم يعقل؛ لأن النصوص بمنزلة الحقائق، فإذا احتيج إلى القياس حينئذ يعتبر فيها المعاني.
فكذلك في الاستعارة تعتبر المعاني حين يعدى هذا اللفظ إلى محل آخر، وإذا كان كذلك فالنكاح والتزويج هما (اسمان جعلا علمًا لهذا الحكم، والعلم يعمل وضعًا لا بمعناه)، ثم لما ثبت ملك النكاح بهما مع أنهما لا ينبئان عن الملك لغة فالبيع وأخواته ينبئ عنه لغة كان ثبوت ملك النكاح بها أحق؛ لأن اللفظ الدال على المعنى كان أحق من اللفظ الذي لم يدل عليه لغة، وعلى هذا التقرير كان ثبوت ملك النكاح بلفظ البيع وأخواته من قبيل ما يثبت الحكم بدلالة النص.
(2/792)

وقوله: (فلما ثبت الملك بهما) أي بالتزويج والنكاح (وضعا) أي شرعا (صحت التعدية به) أي بثبوت الملك بلفظ التزويج والنكاح إلى ما هو صريح في التمليك وهو البيع وأخواته.
(فهلا صحت استعارة النكاح للبيع)؟ أي لم لم يجز أن يستعار لفظ النكاح للبيع بأن يقول البائع للمشتري: نكحت هذا العبد أو هذه الجارية لك، فقال المشتري: قبلت.
حتى يصح البيع بلفظ النكاح كما يصح النكاح بلفظ البيع بقوله: بعت ابنتي منك، ولهذا قلنا: فيمن قال إن ملكت عبدًا فهو حر، إنما وضع المسألة في المنكر؛ لأن تعليق العتق بالملك في العبد المعين كتعليق العتق بالشراء في أنه يحنث في الوجهين أي في اجتماع النصفين في ملكه أو في غير الاجتماع بعد أن ملك الكل، ثم هذا الذي ذكره في العبد المنكر في الملك من اجتماع النصفين في ملكه جواب الاستحسان.
وأما جواب القياس فهو كالشراء؛ لأن الشرط ملك العبد مطلقًا من غير شرط الاجتماع وقد حصل.
وأما وجه الاستحسان فإن الملك المطلق يقع على كماله وذلك بصفة
(2/793)

الاجتماع يكون فاختص بها.
ألا ترى أن الرجل إذا قال: إن ملكت مائتي درهم فعبده حر، أنه يقع على اجتماع الملك فيهما.
وألا ترى أن الرجل يقول: والله ما ملكت من مائتي درهم قط، ولعله أن يكون ملك ذلك وزيادة متفرقًا ولكن لم يجتمع في ملكه مائتا درهم، فكان صادقًا، وإذا كان الاجتماع مقصودًا اعتبر هذا الوصف في غير العين؛ لأنه يعرف بأوصافه، فإذا لم يوجد لم يحنث، وفي المعين لم يعتبر الاجتماع حتى أنه إذا قال: إن ملكت هذا العبد فهو حر، فملك نصفه فباع ثم ملك النصف الباقي، فإنه يعتق هذ الذي في ملكه؛ لأن صفة الاجتماع مرغوبة
(2/794)

فلم تعتبر في العين؛ لأنها تعرف بالإشارة إليه كمن حلف لا يدخل هذه الدار أنه لا يعتبر فيها صفة العمران وتعتبر في غير العين، فكذلك هذا.
(ولو قال: إن اشتريت عبدا عتق النصف الباقي وإن لم يجتمع)، ففرق بين الشراء والملك من وجهين: أحدهما- أن في الملك إنما يقيد بصفة الاجتماع في المنكر بحكم العرف ولا عرف في الشراء، فبقي على ما يقتضيه القياس من غير تقييد صفة الاجتماع.
والثاني- أن صفة كونه مشتريًا تبقى بعد زوال الملك.
أما صفة كونه مالكًا لا تبقى بعد زوال الملك فافترقا، وهذا لأن الاشتراء لا يقتضي أصل الملك فكيف يقتضي وصفه؟
ألا ترى أنه لو قال: إن اشتريت عبدًا فامرأته طالق. أنه لو اشتراه لغيره حنث في يمينه، فلما كان كذلك أنه إذا اشترى النصف الباقي بعد بيع النصف الأول فقد اشترى كله فوجب الحنث. هذا كله في جامعي فخر الإسلام وقاضي خان- رحمهما الله-.
(وفي العبد المعين يستويان) أي يعتق في كلا وجهي التفرق والاجتماع سواء كان ذلك في صورة الملك أو صورة الشراء؛ لأن استعار الحكم لسببه في الفصل الأول.
(2/795)

(واستعار السبب لحكمه في الفصل الثاني) أي استعار الحكم لعلته في مسألة ذكر الملك، واستعار العلة لحكمها في مسألة ذكر الشراء. أراد بالسبب العلة في الصورتين، ثم عند ذكر الملك لو أراد به الشراء كان مصدقًا قضاء وديانة؛ لأنه لا تخفيف فيه بل فيه تغليظ.
وأما عند ذكر الشراء لو أراد به الملك يصدق ديانة؛ لأنه استعار العلة لحكمها وهو جائز، ولا يصدق قضاء؛ لأن استعارة العلة للحكم لا يجوز، بل لأنه نوى التخفيف على نفسه مع احتمال ما ذكره التغلظ ظاهرا؛ لأن عند ذكر الشراء هو إرادة ما يتعلق بالشراء وهو أن يعتق النصف الثاني الذي في ملكه، وإن حصل في ملكه بطريق التفرق هو الظاهر.
وأما العدول عن إرادة الشراء بذكر الشراء إلى إرادة الملك الذي هو يقتضي صفة الاجتماع فليس هو بظاهر مع وجود التخفيف عليه، فلذلك لا يصدقه القاضي.
(وأما الاتصال الثاني) أراد به اتصال السبب المحض بمسببه (فاستعارته جائزة من أحد الطرفين) وهو استعارة السبب لمسببه. كما جوزنا استعارة البيع للنكاح لما أن البيع سبب لملك المتعة في محله وليس بعلة له؛ لأن للبيع
(2/796)

حكما آخر موضوعًا له، وهو ملك الرقبة فكان ثبوت ملك المتعة له بحسب اتفاق الحال لا حكمًا مقصودًا له بدليل شرعيته فيما لا يحتمل ملك المتعة أصلا كما في العبيد والبهائم، فلذلك كان البيع لإثبات ملك المتعة سببا محضًا وذلك يجوز استعارة السبب للحكم، ولا يجوز استعارة الحكم للسبب بأن يذكر النكاح ويراد البيع، وهذا لأن موجب النكاح ملك المتعة وليس هو بسبب لملك الرقبة البتة، وملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم، فلو قلنا بالاستعارة يؤدي إلى استعارة المعدوم للموجود فلم يثبت الاتصال بينهما؛ لأن الاتصال إنما يكون بين الشيئين الموجودين لا بين الموجود والمعدوم، فلم يجز الاستعارة لعدم طريق الاستعارة وهو الاتصال.
يحققه أن الأصل- يعني ملك الرقبة- مستغن عن ملك المتعة لوجوده بلا ملك المتعة، وكان ملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم لما عرف أن الأصل مستغن عن الفرع، والفرع لا يستغنى عن الأصل، فلذلك صلح هذا الاتصال الثاني طريقا للاستعارة في أحد الطرفين دون الآخر.
وقوله: (وهو أن يستعار الأصل للفرع والسبب للحكم) جاز أن يكون مراده من ذكر السبب للحكم الأصل للفرع لكن كرر هذه للتنبيه على أن في هذا السبب معنى الأصالة والسببية، وفي حكمه هذا معنى الفرعية، وكونه حكمًا لبيان استغناء السبب عن وجود المسبب بتسميته له ذكر الأصل والسبب.
(2/797)

أما الأصل فظاهر فإنه مستغن في وجوده عن الفرع، وكذلك ذكر السبب؛ لأن المراد من هذا السبب هو السبب المحض لا السبب الذي هو بمعنى العلة، وله حكم آخر مقصود به وعلة في حقه، فكان هو مستغنيًا في وجوده عن هذا المسبب بخلاف العلة والمعلول؛ لأن لكل واحد منهما افتقارا إلى الآخر.
(وهذا كالجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة) كما إذا قال: أنت طالق وعمرة. لما أن الجملة الناقصة مفتقرة إلى الجملة الكاملة كالفرع مفتقر إلى الأصل، والمسبب مفتقر إلى السبب، وكذلك الجملة الكاملة لا تفتقر إلى الجملة الناقصة، والناقصة تفتقر إلى الكاملة.
(وعلى هذا الأصل قلنا: إن ألفاظ العتق تصلح أن تستعار للطلاق) أي عند نية الطلاق بأن يقول لامرأته: أنت حرة، ونوى به الطلاق تطلق بطريقين استعارة لفظ العتق للطلاق وبدون النية لا يقع الطلاق.
فإن قلت: ما الفرق بين استعارة ألفاظ العتق للطلاق هنا حيث تحتاج إلى النية لصحة الاستعارة وبين استعارة ألفاظ التمليك في باب النكاح للنكاح وهناك لا تحتاج إلى النية لصحة الاستعارة؟
(2/798)

قلت: الفرق بينهما من حيث إن استعمال ألفاظ العتق على حقيقته هاهنا ممكن بأن يخبر بها عن حريتها بقوله: أنت حرة، فلذلك لم تتعين الاستعارة للطلاق إلا عند النية لاحتماله الطلاق على ما ذكرنا من استلزام هذا اللفظ زوال ملك المتعة في محل الاستلزام، فجاز أن يستعار اللفظ الموضوع لإزالة ملك المتعة وهو الطلاق مع إمكان العمل بحقيقته على طريق الإخبار، والنية وضعت لتعيين بعض ما احتمله اللفظ، فلما كان المستعار له من محتملات اللفظ احتيج إلى النية.
وأما ألفاظ التمليك المضافة إلى الحرة عند وجود شرائط النكاح لم تقبل شيئًا إلا النكاح وإلا فيلغو، فتعينت لذلك لاستعارتها للنكاح من غير نية، وهذا لأن الأب إذا قال لآخر: بعت ابنتي منك أو وهبت لك لا يحتمل هذا المحل حقيقة البيع والهبة، وللفظ التمليك صلاحية الاستعارة للنكاح بطريق السببية؛ لأن البيع أو الهبة يصلح أن يكون سببًا لملك المتعة في الأمة بواسطة ملك الرقبة، فكانت هذه الاستعارة استعارة السبب للمسبب، وهي طريق من طرق الاستعارة، فيجوز بغير النية لعدم احتمال شيء آخر.
وقوله: (تبعًا لا قصدا على نحو ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر من ألفاظ التمليك في النكاح بقوله: وملك الرقبة سبب لملك المتعة"، إلى آخره يعني لما ثبت ملك المتعة عند ثبوت ملك الرقبة بطريق التبعية ثبت زوال ملك المتعة أيضًا عند زوال ملك الرقبة بطريق التبعية، فصار هذا نظير عزل السلطان واحدًا من
(2/799)

أمرائه، فإنه يكون عزلا لإتباع ذلك الأمير بطريق التبعية.
(لأن كل واحد منهما إسقاط بني على السراية واللزوم)، فأثر الإسقاط في صحة التعليق، ولو كان للإثبات لما صح التعليق، وكذلك يثبت من غير قبول المرأة والعبد، وكذلك يصح كل واحد منهما بغير شهود، وأثر السراية ما إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة ونصف عتق تطلق ويعتق، وأثر اللزوم في حق عدم قبول كل واحد منهما الفسخ والرد والرجوع.
(والمناسبة في المعاني من أسباب الاستعارة) أي من طرق الاستعارة.
وقوله: (من الوجه الذي قلنا) أي في طرف الشافعي أن التعليل بكل وصف صحيح من غير أثر خاص، كما علل الشافعي في مسح الرأي بقوله: إنه ركن في الوضوء، فيسن فيه التثليث، وليس الركنية بأثر خاص في استدعاء التثليث لانتقاضه بالمضمضة والاستنشاق.
وأما قولنا: إنه مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث فتعليل بأثر خاص
(2/800)

على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
(وأما بكل وصف) مثل الوجود والحيوانية (فلا)
(ولا منسبة بينهما من هذا الوجه) أي من الوجه الذي ذكره الشافعي من المناسبة بينهما من حيث الإسقاط والسراية واللزوم؛ (لأن معنى الطلاق ما وضع له اسمه) أي الذي وضع له اسمه.
(والنكاح لا يوجب حقيقة الرق) والتقييد بحقيقة الرق للاحتراز عن تعليل الشافعي في موضع آخر بقوله: لأن النكاح فيه معنى الرق قال عليه السلام:"النكاح رق".
(2/801)

كذا علل له في "المبسوط".
(ولا يسلب المالكية). ألا ترى أنها إذا وطئت بالشبهة يلزم العقر على الواطئ للمرأة لا للزوج. لم قلنا إن الملك بالنكاح ضروري ليس بأصلي فلا يظهر في حق العقر، فالطلاق لا يسقط إلا ما أثبته النكاح وهو القيد عن التزوج، والحبس عند التزوج بالملك الذي له عليها، فكان حاجتها إلى رفع المانع، وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير؛ لأن المرأة بعد النكاح حرة محبوسة عن التزوج، وبالفرقة يزول المانع من الانطلاق.
(وأما الإعتاق فإحداث القوة) في الذات؛ لأنه لم يبق في الرقيق صفة المالكية، وبالعتق يحدث له صفة المالكية، ولا مشابهة بين إحداث القوة وبين إزالة المانع، وقوله: وأما الإعتاق فإثبات القوة".
فإن قلت: هذا إنما يستقيم على قولهما؛ لأن عندهما الإعتاق إثبات
(2/802)

العتق وهو القوة.
وأما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- فعبارة عن إزالة الملك، فكان على هذا بين الطلاق والعتاق مناسبة من حيث إن كل واحد منهما موضوع لإزالة الملك، فينبغي أن تجوز الاستعارة من الجانبين على مذهبه.
قلت: في الطلاق إزالة محضة من غير شائبة إثبات القوة لا من حيث الوضع ولا من حيث الشرع.
وأما العتاق، فإزالة الملك مع دلالته على إثبات القوة نظرا إلى موضوع اللغة، ونظرا إلى حكمه من حصول ولايته على نفسه وصلاحيته للولاية على غيره؛ من القضاء والشهادة والإرث ووجوه التصرف من تملك المال وتمليكه ونفاذ وصيته وإعتاقه وغير ذلك، فكان بين الإزالتين تفاوت فاحش، فلا تصح الاستعارة لفحش التفاوت بينهما.
قوله: (قيل له: وقد قال بعض مشايخنا: إن البيع لا ينعقد بلفظ الإجارة، والإجارة تنعقد به)، وفي هذا منع لقوله: أليس لا يصح أن
(2/803)

يستعار البيع للإجارة؟ فإنه قد استعير عند بعضهم عند إضافة البيع إلى الحر على ما ذكر في الكتاب يعني بل يصح.
وقد ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- جواز استعارة لفظ البيع للإجارة عند إضافة لفظ البيع إلى نفس الحر مطلقا من غير تقييد بذكر بعض المشايخ.
وأما عند إضافة البيع إلى العبد، فإنما لم تصح الإجارة به، لانعدام المحل لا لانعدام الصلاحية للاستعارة، وهذا لأن لفظ البيع إذا أضيف إلى العبد فلا يخلو إما أن أضيف إلى منافع العبد أو إلى رقبته، ولو أضيف إلى منافع العبد لا يصح؛ لأن المنافع معدومة في الحال وهي ليست بصالحة حال عدمها لا للبيع ولا للإجارة.
ألا ترى أنه لو أضاف إليها صريح لفظ المستعار له وهو لفظ الإجارة بأن قال: آجرتك منافع هذا العبد لا يصح، فكذا ما يقوم مقامه وهو لفظ البيع.
وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى عين العبد فلا تصح الإجارة أيضا؛ لأن المحل صالح لحقيقة اللفظ، والحقيقة حقيق بأن تراد؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل، فلما وجب العمل بحقيقة اللفظ لتقدمها سقط المجاز فلم تصح الإجارة، حتى إنه لو قال: بعت منافع عبدي هذا شهرا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وإن أضيف لفظ البيع إلى منافع العبد لقيام القرينة الدالة على إرادة المجاز. هكذا ذكر في "التقويم".
(2/804)

وقوله: (وذلك يتصور في الحر) أي انعقاد الإجارة بلفظ البيع إنما يتصور في الحر لا في العبد؛ لأن في العيد يصير بيعا لا إجارة.
(لا تصلح محلا للإضافة) أي لعقد الإجارة.
(فكذلك ما يستعار لها) أي فكذلك لفظ البيع الذي استعير للإجارة
(ولكن العين أقيمت مقامها) أي عين الدار أقيمت مقام منافعها (في حق الإضافة في الأصل) أي في حق عقد الإجارة في إثبات الإجارة.
(فكذلك فيما يستعار لها) أي فكذلك في لفظ البيع الذي يستعار للإجارة يعني لما أقيمت العين مقام المنفعة في حق عقد الإجارة عند إضافة لفظ الإجارة إلى العين أقيمت العين أيضا في حق المستعار للإجارة، وهو لفظ البيع الذي أريد به الإجارة مجازا مقام المنفعة، ولكن إنما يكون ذلك إذا أضيف لفظ البيع إلى الحر مع ذكر المدة كما في قول الحر: بعت نفسي منك شهرا.
وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى منافع العين وأريد الإجارة فلا يكون للإجارة، كما لو أضيف صريح لفظ الإجارة إلى منافع العين بأن قيل: أجرتك منافع هذه الدار لا يجوز، فكذلك فيما استعير لها وهو لفظ البيع إذا أضيف
(2/805)

إلى منافع العين لا يجوز سوى ما ذكرنا من رواية "التقويم" أن فيه يجوز أيضا عند قيام الدلالة على إردة المجاز.
(وصار هذا كالبيع للنكاح) وكلمة هذا إشارة إلى لفظ البيع إذا أضيف إلى منافع الدار.
وقوله: يستعار للنكاح (في غير محله) أي في غير محل النكاح (وهي المحرم من النساء) أي المحرم من النساء كما هي ليست بمحل لحقيقة لفظ النكاح، فكذلك أيضا ليست هي بمحل للفظ المستعار للنكاح وهو لفظ البيع الذي أريد به النكاح، فكان هذا عين نظير لفظ البيع الذي أريد به الإجارة إذا أضيف إلى منافع العين، فإن هناك لا تصح الإجارة لإضافته إلى المحل الذي لو أضيف إليه حقيقة لفظ الإجارة لا يصح، فكذا إذا أضيف إليه اللفظ المستعار للإجارة، فكذا هنا لما لم يصح النكاح بحقيقة لفظ النكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء، فكذا لا يصح النكاح باللفظ المستعار للنكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء؛ وهذا لأن المستعار لا يكون أقوى حالا من الحقيقة، فلما لم يصح النكاح بصريح لفظ النكاح الذي هو حقيقة في هذا المحل لم يصح هو أيضا باللفظ المستعار للفظ النكاح، وهو لفظ البيع إذا أضيف إلى هذا المحل
(2/806)

فعلم بهذا كله أن عدم جواز استعارة البيع للإجارة فيما لا يجوز لا باعتبار أن الاستعارة في نفسها لا تجوز بينهما، بل باعتبار أن اللفظ المستعار لم يضف إلى محله، حتى إذا أضيف إلى محله وهو عين غير قابل للبيع يجوز كما في استعمال لفظ المستعار له، وهو لفظ الإجارة إنما تنعقد إجارة إذا أضيف إلى العين لا إلى المنفعة، فكذا في اللفظ المستعار له لما أن اللفظ المستعار إنما يعمل على حسب عمل حقيقة لفظ المستعار له، فأينما يعمل فيه حقيقة لفظ المستعار له يعمل اللفظ المستعار في ذلك المحل وما لا فلا.
(ومن أحكام هذا القسم أيضا أن المجاز خلف عن الحقيقة في حق التكلم لا في حق الحكم عند أبي حنيفة) - رضي الله عنه- أي التكلم بلفظ المجاز مقام التكلم بلفظ الحقيقة بأن التلفظ بلفظ الأسد عند إرادة الرجل الشجاع به مقام التلفظ بلفظ الرجل الشجاع، ثم الحكم الثابت بلفظ المجاز كالحكم الثابت بلفظ الحقيقة كما في الوكالة، فإن الحكم الثابت بالوكيل كالحكم الثابت بالموكل حتى حل للموكل وطء جارية اشتراها الوكيل لموكله كما لو باشر شراءها بنفسه، وكذلك التراب مع الماء، فإن الخلفية هناك في حق الآلة وهي: الماء والتراب، وأما حصول الطهارة فيهما بطريق الأصالة، لأن حصول الطهارة حكم لهما فلا خلفية فيه.
(وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم)؛ لأن الحكم هو
(2/807)

المقصود، فكان اعتبار الأصالة والخلفية فيما هو المقصود أولى، وبعد هذا إجماع بينهم أن شرط الخلف انعدام الأصل في الحال على احتمال الوجود، فعند أبي حنيفة- رحمه الله- لما كانت الأصالة والخلفية في حق التكلم كان المنظور إليه والملتفت له تتبع صحة اللفظ وتصوره لغة من غير أن ينظر إلى صحته من حيث الشرع، فكان ذلك عنده كعمل الاستثناء، فإن الاستثناء تتبع صحته من حيث اللفظ على أن يكون عبارة عما وراء المستثنى، وإن لم يصادف أصل الكلام محلا صالحا له من حيث الحكم باعتبار أنه تصرف من المتكلم في كلامه، حتى إذا قال لامرأته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة تسعة وتسعين لم تقع إلى واحدة، ومعلوم أن المحل غير صالح لما صرح به، ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا؛ لأنه تصرف من المتكلم في كلامه فهنا أيضا كذلك، وعندهما لما كان المجاز خلفا عن الحقيقة في حق إثبات الحكم كان المنظور إليه والملتفت له توهم صحة حكم الحقيقة، حتى يصير المجاز خلفا عنها في حق إثبات الحكم.
أما لو كان الحكم مستحيلا بمرة لا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عن الحقيقة في إثبات الحكم، لأنه لا حكم للحقيقة أصلا، فكيف يصح المجاز عنه خلفا في إثبات الحكم المستحيل كما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- إن التكلم لما لم يصح لغة أصلا لا يصير مجازه خلفا عنه في التكلم؛ لأنه لم يصح تكلما، فكذا هنا.
ثم في قوله (لعبده وهو أكبر سنا منه: هذا ابني لا يعتق عندهما)؛ لأن حكم حقيقة كلامه ها هنا، وهو إثبات البنوة محال، والمجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم، ففي كل موضع يصلح أن يكون السبب منعقدًا
(2/808)

لإيجاب الحكم الأصلي، يصلح أن يكون منعقدا لإيجاب الحكم الخلفي كما في قوله: ليمسن السماء، وفي كل موضع لم يوجد في السبب صلاحية الانعقاد للحكم الأصلي لا ينعقد موجبا للحكم الخلفي كما في اليمين الغموس، وكما في حق الحائض والنفساء أنهما لما لم تخاطبا بآية الوضوء لم تخاطبا بآية التيمم.
قال أبو حنيفة- رحمه الله- المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم. أي التكلم بلفظ المجاز خلف عن التكلم بلفظ الحقيقة حتى إن قوله: هذا أسد، للإنسان الشجاع مجاز عن قوله: هذا أسد في حقيقة للهيكل المخصوص.
هكذا كان تقرير أستاذي مولانا فخر الدين المايمرغي- رحمه الله-
(2/809)

فإن قيل: كيف يستعار قوله: هذا أسد عن قوله: هذا أسد وهما جميعا على عبارة واحدة؟
قلنا: يجوز ذلك عند قرينة دالة على المجاز بأن أشار إلى إنسان بقوله: هذا أسد، أو يقول: رأيت أسدا يرمي، ولا يبعد أن يختلف الشيء باختلاف صفته اسما وحكما.
ألا ترى إلى العصير هو حلال شربه، فإذا تخمر صار حراما، ثم إذا تخلل يصير أيضا حلالا، وتغير الأسماء والأحكام باعتبار تغير الصفات وهو في ماهيته شيء واحد وهو ماء العنب، وكذلك قوله: هذا أسد عند الاستعمال في الموضوع له حقيقة وعين هذا اللفظ عند الاستعمال في المستعار له مجاز بسبب اختلاف في محله.
واقرب من ذلك ما إذا أعطى رجل رجلا عشرة دراهم مثلا بأن يعطي مثلها للرجل المعطي غدا أو بعد غد إن ذكر لفظ البيع لا يجوز؛ لأنه ربا، وإن ذكر لفظ القرض يجوز؛ لأنه في معنى العارية، وفي كلتا الصورتين هو إعطاء الدراهم بمقابلة ما يأخذ مثل تلك الدراهم وهو شيء واحد، فيتغير الاسم والحكم بسبب شيء اقترن به، فكذلك هاهنا كان قوله: هذا ابني لعبده الذي هو أكبر سنا منه مجازا عن قوله: هذا ابني لعبده الذي هو يولد مثله لمثله، فلو قال ذلك في الذي يولد مثله لمثله كان يثبت البنوة والحرية لمصادفة حقيقة كلامه محلها، وفي الذي لا يولد مثله لمثله يثبت الحرية التي هي لازمة البنوة لقيام هذا المجاز مقاام تلك الحقيقة، وإن تخلف هذا المجاز لتلك الحقيقة في إثبات
(2/810)

البنوة للتعذر لم يتخلف في إثبات لازمته لعدم التعذر فيثبت، وهذا لأن المجاز لما كان خلفا عن الحقيقة في التكلم كان الشرط فيه أن يكون الكلام الحقيقي في نفسه مفيدا، وإفادته ها هنا بكونه مبتدأ وخبرا موضوعا للإيجاب بصيغته وقد وجد، فكان هذا الكلام عاملا في إيجاب الحكم الذي يقبله بطريق المجاز وهو الحرية، وإن تعدد العمل بحقيقة كلامه وهي إثبات البنوة؛ لأن ذلك إنما يعتبر إذا كانت الأصالة والخلفية في حق الحكم، وليس كذلك على ما قررنا؛ لأنه إن لم يتعذر كان الكلام عاملا بحقيقته، وعند التعذر بالعمل بحقيقته صير إلى مجازه؛ لأن هذا أولى من الإلغاء، فصار كأنه قال: عتق علي من حين ملكته بأن البنوة سبب لهذا، فإنه إذا ملك ابنه يعتق عليه من حين ملكه، فيجعل هذا النسب كناية عن موجبه مجازا، وتصحيح كلام العاقل واجب ما أمكن.
فإن قلت: يشكل على هذا التقرير الذي قاله أبو حنيفة- رضي الله عنه- من أنه يتبع صحة الكلام لغة وأفادته في أن يكون المجاز خلفا عن الحقيقة لا
(2/811)

استحالته من حيث الحكم، لكن إذا كان لذلك الكلام الذي استحال حكمه حكم آخر لازم غير مستحيل يثبت ذلك كما في صورة النزاع.
أما إذا قال لعبده الصبي الصغير: هذا جدي، أو لعبده هذه ابنتي، أو لأمته هذا ابني، أو قال لغلامه: أعتقتك قبل أن أخلق حيث لا يعتق من هؤلاء بهذا الكلام، وكذلك لو قال في غير هذا الباب لو قال: قطعت يد فلان وله علي الأرش، فأخرج فلان يده صحيحة لم يستوجب شيئا.
قلت: أما في مسائل الإعتاق ففيه منع، وعلى ذلك التقدير لا يحتاج إلى الفرق على قوله، وعلى تقدير التسليم إذا قال لعبده: هذه ابنتي.
قلنا: الأصل إلى المشار إليه إذا لم يكن من جنس المسمى فالعبرة للمسمى كما لو باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل، والذكور والإناث من بني آدم جنسان مختلفان، فإذا لم يكن المشار إليه من جنس المسمى تعلق الحكم بالمسمى وهو معدوم، ولا يمكن تصحيحه إيجابا ولا إقرارا في المعدوم، فلا يمكن أن يجعل البنت مجازا عن الابن بوجه، وكذا عكسه.
ألا ترى أنه لا يعتق وإن احتمل أن يكون ولده بأن كان يولد مثله لمثله بخلاف ما نحن فيه، فإنه إن كان يولد مثله لمثله يعتق بالاتفاق، وتثبت البنوة إن كان مجهول النسب، وفي معروف النسب تثبت لازمة البنوة وهي الحرية بطريق المجاز، وكذا قوله لعبده الصغير: هذا جدي ففيه منع وتسليم، وعلى تقدير التسليم نقول: لا موجب لهذا الكلام في ملكه إلا بواسطة الأب، وتلك الواسطة غير ثابتة وبدونها لا موجب لكلامه حتى يجعل كناية عن
(2/812)

موجبه مجازاً، وبخلاف قوله: أعتقتك قبل أن أخلق؛ لأنه لا موجب فيما صرح به- فكذا للذي يقوم مقامه لما أن الإعتاق قبل الخلق إعتاق قبل الملك، ولو أعتقه قبل أن يملكه ثم يملكه لم يلزمه العتق، فكذا هنا؛ لأنه لما لم يكن لصريحه حكم العتق لم يكن لما كنى عنه أيضا حكم العتق- وكذلك قوله: قطعت يدك؛ لأنه لا موجب للجرح بعد البرء إذا لم يبق له أثر، فلا يمكن تصحيح كلامه بأن يجعل كناية عن موجبه، فلهذا كان لغوا. هذا كله مما أشار إليه في "المبسوط" و"الأسرار".
(بخلاف الندى؛ لأنه لاستحضار المنادي) أي لو قال: يا ابني لا يعتق؛ لأن الاستعارة إنما تصح لإثبات معنى والمعنى غير مرعي في الندى؛ لأنه لاستحضار المنادي (بصورة الاسم لا يمعناه، فإذا لم يكن المعنى مقصودا لم تجب الاستعارة لتصحيح معناه)، وإنما صير إلى الاستعارة فيما سبق؛ كي لا يلغو الكلام، وها هنا الكلام صحيح من غير أن يستعار للحرية لحصول المقصود وهو استحضار المنادي، فلا ضرورة في استعارة هذا الكلام للحرية بخلاف قوله: (با حر فإنه يستوي نداؤه وخبره) لما ذكر في
(2/813)

الكتاب (أن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز)؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل؛ لأن الخلف لا يوجد مع وجود الأصل.
وحاصل هذا الأصل ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- بقوله:
الكلام على ضربين: حقيقة ومجاز، وأنه لا يحمل على المجاز إلا عند تعذر حمله على الحقيقة، فتمس الحاجة- لذلك- إلى معرفة الحقيقة والمجاز، والطريق في ذلك هو النظر في السبب الداعي إلى تعريف ذلك الاسم في الأسماء الموضوعة لا لمعنى، وإلى تعريف المعنى في المعنويات، فما كان أقرب في ذلك فهو أحق، وما كان أكثر إفادة فهو أولى بأن يجعل حقيقة، وذلك يكون بطريقتين: التأمل في محل الكلام، والتأمل في صيغة الكلام.
أما بيان التأمل في المحل، ففي قوله تعالى:} أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ {حملنا على المجامعة دون المس باليد؛ لأنه إذا حمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حدث واحد، وإذا حمل على المجامعة كان بيانا لنوعي الحدث في التيمم، فكان هو أكثر فائدة مع أنه معطوف على ما سبق، والسابق ذكر نوعي الحدث، فإن قوله تعالى:} إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {أي وأنتم محدثون، ثم
(2/814)

قال: {وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا {، ثم قال:} وإن كُنتُم مَّرْضَى {إلى قوله:} فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {، فبدلالة محل الكلام يتبين أن المراد الجماع دون المس باليد.
وأما بيان الدلالة من صيغة الكلام ففي قوله تعالى:} ثَلاثَةَ قُرُوءٍ {إنها الحيض دون الأطهار؛ لأن اللفظ إما أن كان مأخوذا من القرء الذي هو الاجتماع إلى آخره.
وقوله: (لأن القرء للحيض حقيقة وللطهر مجاز).
فإن قلت: جعل المصنف - رحمه الله- القرء من الأسماء نظير المشترك بين الحيض والطهر في بيان المشترك ثم كيف جعل ها هنا نظير الحقيقة والمجاز حيث جعل الطهر مجازا له وبينها منافاة؛ لأن الاسم المشترك حقيقة في أنواعه؟
قلت: لا يبعد أن يسمى الشيء الواحد باسمين مختلفين.
ألا ترى أن الغائط الذي هو المطمئن من الأرض لما أطلق على الحدث جعلوه في قوله تعالى:} أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ {في موضع مجازا وفي موضع كناية، فالمجاز باعتبار أنه أطلق في غير موضعه الأصلي لاتصال بينه وبين الحدث بطريق المجاورة، والكناية باعتبار وجود الملازمة بينهما من حيث العادة. إذ الكناسة هي ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فكذلك ها هنا جاز أن
(2/815)

يكون القرء مشتركا بين الحيض والطهر للاستعمال فيهما على السواء، وجاز أن يكون للحيض حقيقة دون الطهر لقوة دلالته على الحيض من وجوه الاشتقاق الذي ذكر في الكتاب.
ولا شك أن ما هو أكثر دلالة على شيء بحسب الاشتقاق كان هو أحق بذلك من غيره على ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
ثم قوله: (إنه مأخوذ من الجمع) أي أن لفظ القرء مأخوذ من القرء الذي هو الجمع (وهو معنى حقيقة هذه العبارة) أي كونه للجمع حقيقة للقرء (لغة) لا للطهر؛ لأن الاجتماع صفة الدم؛ لأن الاجتماع حقيقة يوجد في قطرات الدم على وجه لا بد منه ليكون حيضا، فإنه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا، فكان الحمل عليها أولى من الحمل على الطهر؛ لأن الطهر زمان انقطاع الدم لا اجتماع الدم، فكان ما وضع له اللفظ موجودا في
(2/816)

الحيض، فكان هو أقرب إلى الحقيقة.
(وكذلك العقد لما ينعقد حقيقة)؛ لأن العقد شد بعض الجسم وربط بعضه بالبعض من عقد الحبل، والعقد في الكلام: اسم لربط كلام بكلام. نحو ربط لفظ اليمين بالخبر الذي فيه رجاء الصدق لإثبات حكم وهو الصدق منه أعني البر، وكذلك عقد البيع ربط الإيجاب بالقبول لإثبات حكم وهو الملك، ثم يستعار لما يكون سببا لهذا الربط وهو عزيمة القلب، فكان ذلك دون العقد الذي هو ضد الحل فيما وضع الاسم له، فحمله عليه يكون أحق، وبهذا الذي ذكرنا يبطل قول الخصم حيث يطلق لفظ عقد اليمين على اليمين الغموس الذي فيه القصد، فقال: العقد عبارة عن القصد، فإن العزيمة تسمى عقيدة.
(وكذلك النكاح للجمع في لغة العرب) يعني نحن نحمله على الوطء، والخصم يحمله على العقد، وأصل الخلاف في قوله تعالى: {ولا تَنكِحُوا مَا
(2/817)

نَكَح} وقلنا: موطوءة الأب على الابن حام سواء كان ذلك بالعقد أو بالزنا حملا للنكاح على الوطء لا على العقد، وعند الشافعي مزنية الأب لا تحرم على الابن حملا للنكاح على العقد، فما قلناه أحق؛ لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام يقول: انكح الصبر أي التزمه وضمه إليك، ومعنى الضم في الوطء بتحقق حقيقة، ولهذا يسمى جماعا، ثم العقد يسمى نكاحا باعتبار أنه سبب يتوسل به إلى ذلك المضم.
فعلم به أن الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله على الوطء، فحينئذ يحمل على ما هو مجاز عنه، وهو العقد كما في قوله تعالى:} حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ {.
وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى، ومن تلك الأمثلة قوله تعالى: {لا
(2/818)

يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ {.
قال علماؤنا- رحمهم الله- اللغو ما يكن خاليا عن فائدة اليمين شرعا ووضعا، فإن فائدة اليمين إظهار الصدق من الخبر، فإذا أضيف إلى خبر ليس فيه احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة اليمين فكانوا لغوا، وقال الشافعي: اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد، ولا خلاف في جواز إطلاق اللفظ على كل واحد منهما، ولكن ما قلناه أحق؛ لأن ما يجري من غير قصد له اسم آخر موضوع وهو الخطأ الذي هو ضد العمد، والسهو الذي هو ضد التحفظ.
فأما ما يكون خاليا عن الفائدة لمعنى في نفسه لا لحال المتكلم وهو عدم القصد، فليس له اسم موضوع سوى أنه لغو فحمله عليه أولى.
ألا ترى إلى قوله تعالى:} وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ {، يعني الكلام الفاحش الذي هو خال عن فائدة الكلام بطريق الحكمة دون ما يجري من غير قصد، فإن ذلك لا عتب فيه، وأصل الخلاف في هذا راجع إلى أن الغموس هل هو داخل تحت اللغو أم لا؟ فعندنا هو داخل خلافا له.
(2/819)

قوله: (ولهذا قال ألو حنيفة- رضي الله عنه- في الدعوى) إيضاح لقوله: إن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل.
(في رجل له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة) قيد بالبطون المختلفة إذ لو كانوا في بطن واحد لا يثبت هذا الحكم، بل عند دعوى أحدهم يثبت نسب الآخرين؛ لأن الحكم في التوأمين ذلك إذ من ضرورة ثبوت أحدهما ثبوت الآخر؛ لأنهما خلق من ماء واحد. (إنه يعتق من كل واحد ثلثه)؛ لأن قول المولى: أحد هؤلاء ولدي؛ صار بمنزلة قوله: أحد هؤلاء حر؛ لأن العمل بثبوت النسب لا يمكن إذا مات قبل البيان لكونه مجهولا، فلما كان هذا بمنزلة الحقيقة لم يعتبر أبو حنيفة- رحمه الله- ما يصيب الأوسط والآخر من قبل أمهما؛ لأن الإصابة منة قبيل الإيجاب المضاف إليه حقيقة؛ لأنه يصيبه من نفسه بلا واسطة، وما يصيب الولد من قبل أمه بمنزلة المجاز؛ لأنه لم يرد به حقيقته، بل أريد به غيره كما في المجاز، لأن المجاز إنما يصح
(2/820)

بواسطة وهي القرينة، والاتصال بين محل المجاز وبين الحقيقة، فلم يعتبر المجاز عند الحقيقة.
وذكر في دعوى "المبسوط" أمة لها ثلاثة أولاد ولدتهم في بطون مختلفة وليس لهم نسب معروف فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ابني ثم مات قبل أن يبين، لم يثبت نسب واحد منهم؛ لأن المدعي نسبه مجهول، ونسب المجهول لا يمكن إثباته من أحد؛ لأنه إنما يثبت في المجهول ما يحتمل تعليقه بالشرط ليكون متعلقا بخطر البيان، والنسب لا يحتمل التعليق بالشرط، فلا يثبت في المجهول والجارية تعتق؛ لأنه أقر لها بأمية الولد، وهي معلومة، وأم الولد تعتق بموت مولاها من جميع المال، ويعتق من كل واحد من الأولاد ثلثه في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- لأن دعوى النسب إذا لم تعمل في إثبات النسب كانت إقرارا بالحرية، فكأنه قال: أحدهم حر، فيعتق ثلث كل واحد منهم من جميع المال، وعلى قول محمد- رحمه الله- يعتق من الأكبر ثلثه ومن الأوسط نصفه والأصغر كله؛ لأن الأكبر إن كان هو المقصود بالدعوى فهو حر، وإن كان المقصود هو الأصغر أو الأوسط لم يعتق الأكبر، فهو حر في حال عبد في حالين فيعتق ثلثه.
(2/821)

وأما الأوسط فإن كان هو المقصود فهو حر، وكذلك إن كان المقصود هو الأكبر؛ لأنه ولد أم الولد فيعتق بموت المولى كما تعتق أمه، وإن كان المقصود الأصغر لم يعتق الأوسط، فهو يعتق في حالين ولا يعتق في حال، وأحوال الإصابة حالة واحدة في الروايات الظاهرة بخلاف أحوال الحرمان، فلهذا يعتق نصفه.
وأما الأصغر فهو حر بيقين سواء كان المقصود هو الأوسط أو الأكبر أو هو، إلا أن أبا حنيفة- رضي الله عنه- لم يعتبر هذه الأحوال؛ لأنه مبني على ثبوت النسب، ولم يثبت النسب، ولأن جهة الحرية مختلفة وحكمه مختلف، فإنه إذا كان مقصودا بالدعوة كان حر الأصل، وإذا كان المقصود غيره كانت حريته بطريق التبعية للأم بعد موت المولى، وبين كونه مقصودا وتبعا منافاة، فلا يمكن اعتبار الجهتين جميعا.
فلهذا قال: يعتق من كل واحد منهم ثلثه، وقد روي عن أبي يوسف مثل قول محمد- رحمهما الله- إلا في حرف واحد وهو أنه قال: يعتق من الأكبر نصفه؛ لأن حاله تردد بين شيئين فقط، إما أن يكون ثابت النسب من المولى فيكون حرا كله أو لا يكون ثابت النسب منه فلا يعتق منه شيء، فلهذا قال: عتق نصفه وسعى في نصف قيمته. كذا في "المبسوط".
وقيل: إنما صار أحوال الحرمان أحوالا وأحوال الإصابة حالة واحدة؛
(2/822)

لأن عدم الشيء يجوز أن يكون لمعان شتى كما إذا قيل: إن زيدا غير مالك للنصاب؛ لأنه لم يكتسب، ولأنه لم يرث، ولأنه لم يتصدق عليه، ولأنه لم يوهب له، فيجتمع انعدام هذه الأسباب في حق عدم الملك.
وأما إذا ملك النصاب فلا بد أن يكون سبب ملك النصاب شيئا واحدا لا غير من تلك الأسباب، ومحال أن يتعدد سبب الملك عند وجود الملك، وهكذا ذكر أيضا علاء الدين- رحمه الله- في "زياداته" وجه الفرق بين الإصابة والحرمان.
وذكر في "الأسرار" من تعليل محمد- رحمه الله- في هذه المسألة.
ألا ترى أن الأم تصير أم ولد له، لو كان كناية عن قوله: أحدهم حر لما صارت الأم أم ولد له، وكذلك قيل في أمة لرجل ولدت ابنا فزوجه أمة له أخرى فولدت منه ابنا فنظر المولى إلى الابنين فقال: أحدهما ابني، ثم مات عتق نصف الأكبر وكل الأصغر، وعلى ما قاله أو حنيفة- رحمه الله- يجب أن يعتق نصف كل واحد منهما.
(وكذلك لو حلف لا يشرب من هذا البئر لم يقع على الكرع) فالكرع
(2/823)

والكروع: دهان بر آب نهادن بوقت آب خوردن جعله في المصادر من باب علم، وجعل في "الصحاح" من باب منع، وجعل كسر الراء فيه لغة أخرى.
وقال في "المغرب" الكرع: تناول الماء بالفم من موضعه، ومنه كره عكرمة الكرع في النهر؛ لأنه فعل البهيمة يدخل فيه أكارعه، فالكراع ما دون الكعب من الدواب وما دون الركبة من الإنسان، وجمعه أكرع وأكارع.
(2/824)

(وعلى هذه الجملة يخرج قولهم) أي على الأصل الذي ذكر وهو قوله: أن العمل بالحقيقة متى أمكن سقط المجاز (أن الأم تصير أم ولد له) ولو لم يكن بطريق الحقيقة لما صارت أنه أم ولد له.
(وقال في "الجامع") أي قال في "الجامع الكبير في الباب الثالث عشر من كتاب الإقرار منه فقال: رجل له عبد ولعبده ابن وللابن ابنان في بطنين مختلفتين، فقال المولى في صحته: أحد هؤلاء ولدي، وكل واحد منهم يولد مثله لمثله، ثم مات قبل أن يبين، فإن الأول يعتق ربعه ويسعى في الباقي إلى آخره. قيد بقوله: في بطنين مختلفين"، إذ لو كانا في بطن واحد يعتق كل واحد منهما جميعا؛ لأن أحد التوأمين إذا صار ولدا لشخص أو حافدا له صار
(2/825)

الآخرُ أيضاً ولدًا أو حافدا ضرورة وإن لم يدع، فلذلك قال: في بطنين مختلفتين ليتأتى التفريع المذكور في الكتاب وهو عتق البعض من كل واحد منهم. فقلنا: يعتق من الأول ربعه ويسعى في الباقي، (ومن الثاني ثلثه ومن كل واحد من الآخرين ثلاثة أرباعه) ويسعى في ربع قيمته.
أما النسب فلا يثبت إذا مات قبل البيان؛ لأنه لو ثبت في المجهول لبقي متعلقا بالبيان، وتعليق النسب بالشرط باطل؛ لأنه إخبار عن أمر كائن، والتعليق إنما يكون في أمر معدوم، فلذلك لم يصح تعليقه.
أما وجه التقسيم فإن الأول لو كان مرادا عتق هو وعتق أولاده جميعا، فيعتق الأولاد ها هنا عند إرادة الأول باعتبار سراية أنه ملك أولاده وحافده لا لمعنى أن الأب صار حرا؛ لأن الأب لو كان حرا لا يلزم أن يكون ولده حرا، وإنما يلزم ذلك في حرية الأم، لكن بطريق أن الأول لو كان ولده لكان أولاده حفدة له وهم ملكه، فيعتقون عليه؛ لان (من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه).
(2/826)

وأما لو كان الثاني مرادا فعتق هو وولداه لما ذكرنا ولا يعتق الأول، وإن كان أحد الآخرين مرادا عتق هو ولم يعتق الأول والثاني وأحد الآخرين، فيعتق الأول في حال ولا يعتق في ثلاثة أحوال وهو ما ذكرنا، وأحوال الحرمان أحوال فعتق زبعه لذلك، والثاني يعتق في حالين ولا يعتق في حالين كما ذكرنا، وأحوال الإصابة حالة واحدة وأحوال الحرمان أحوال فيعتق في حال ولا يعتق في حالين، فيعتق ثلثه، وأحد الآخرين حر بيقين؛ لأنه حر بكل حال والآخر يعتق في ثلاثة أحوال وهي ما إذا أراد به نفسه أو أباه أو جده، ولا يعتق في حال وهو ما إذا كان المراد به أخاه، وأحوال الإصابة حالة واحدة، فيعتق حينئذ في حال ولا يعتق في حال، فاجتمع لهما عتق رقبة ونصف عتق رقبة، فيتصنف بينهما إذ ليس أحدهما أولى من الآخر فيعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى كل منهما في الربع الآخر.
ثم قيل: هذا الذي ذكره هنا قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله-
فأما على قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- ينبغي أن يعتق من كل واحد منهم ربعه؛ لأن من أصله أن الإقرار بالنسب إذا لم يفد إثبات النسب للجهالة ينقلب إقرارا بالعتق كما مر في المسألة الأولى وهي أن من له جارية ولها ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال: أحد هؤلاء ولدي. يعتق من كل واحد منهم ثلثه عنده، ولا يستغل باعتبار الأحوال فهذا كذلك، وإذا صار إقرارا بالحرية صار كأنه قال: احدهم حر بين أربعة نفر، فيعتق هناك ربع
(2/827)

كل واحد منهم وهنا كذلك، والأصح أنن هذا قولهم جميعا، وأبو حنيفة- رحمه الله- يفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة التي مرت فيقول: هناك جهة الحرية مختلفة في الحكم فمنها باعتبار النسب ومنها باعتبار أمية الولد من قبل أن ابن أم الولد له حكم أم الولد وهما يختلفان؛ لأن باعتبار النسب تتجزأ الحرية في الحال فيكون مقصودا، وباعتبار أمية الولد يتأخر إلى ما بعد الموت ويكون تبعا. لأمه وبين كونه تبعا ومقصودا تضاد، فلهذا لم يعتبر الأحوال هناك.
وأما ها هنا فجهة الحرية واحدة باعتبار النسب وهذا لأنه ابنه أو ابن ابنه وهو في كل ذلك مقصود، فلهذا اعتبر الأحوال. كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- وغيره.
(وأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة- رحمه الله- طريقان). إنما قال هذا؛ لأن العتق في المسألة السابقة وهو في الأصغر سنا منه، ويلد مثله لمثله يثبت العتق فيه وفي أولاده بقوله: أحد هؤلاء ولدي"؛ لاحتمال النسب وهذا الاحتمال في الأكبر سنا منه غير ثابت حقيقة فبأي طريق قال ذلك أبو حنيفة- رحمه الله- فيه؟ فقال في جوابه: فأما في الأكبر سنا منه فلأبي حنيفة طريقان".
(2/828)

(أحدهما - أنه تحرير مبتدأ من قبل) أنه ذكر السبب وإرادة المسبب فيكون هذا إنشاء إعتاق، (ولهذا قلنا في رجلين ورثا عبدا فقال أحدهما: هذا ولدي يغرم لشريكه) نصف قيمته إذا كان موسرا (كما إذا أعتقه)؛ لأنه لو كان بطريق النسب لا يضمن؛ لأنه إذا ورث ابنه هو وغيره لا يضمن لشريكه.
فعلم أنه بمنزلة تحرير مبتدأ، فعلى هذا الطريق لا تصير أنه أم ولد له؛ لأن هذا إنشاء إعتاق في ولدها، وذلك لا يؤثر في صيرورة الأم أم ولد له البتة.
(وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) يعني أن أمومية الولد لا يحتمل الثبوت بإنشاء تصرف فيها ففي ولدها أولى، وهذا لأن (أمومية الولد) حكم الفعل المخصوص على الخصوص والخلوص، فلا يحتمل أن تصير حكما لقول بطريق الإنشاء بأن تقول: أنشأت فيك أمومية الولد.
(والثاني) - وهو الوجه الأول في الكتاب أنه جعل (إقرارا بحرية الولد) من حين ملكه، فصار قوله: هذا ابني لأكبر سنا منه" إقرارا بعتقه من حين ملكه؛ لان ما صرح به وهو البنوة سبب لحريته من حين ملكه، وهذا الطريق هو الأصح، فقد قال في كتاب الإكراه: إذا أكره على أن يقول لعبده هذا ابني فأقدم عليه لا يعتق عبده، والإطراه يمنع صحة الإقرار بالعتق لا صحة
(2/829)

إنشاء العتق.
فعلم أن الأصح ما ذكرنا، فعلى هذا الطريق تصير أنه أم ولد له؛ لأن هذا الحق يحتمل الإقرار فيثبت في حق الأم أيضا؛ لأن هذا الكلام سبب موجب هذا الحق في الأم أيضا، فإذا جعل هذا الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق عن حكم حقيقة هذا الكلام جعل إقرارا أيضا بكون الأم أم ولد له؛ لأنه من حكم حقيقة هذا الكلام أيضا، ووجوب الضمان في مسألة كتاب الدعوى بهذا الطريق أيضا، وهو الإقرار بالحرية لا باعتبار إنشاء التحرير؛ لأنه لو قال: عتق علي من حين ملكته يضمن لشريكه، فكذلك إذا قال: هذا ابني؛ لأن موجب هذا الكلام عتقه من حين ملكه فلا ضرورة تدعونا إلى جعله تحريرا مبتدأ وهو إخبار.
وحاصله أن ما قاله أبو حنيفة- رحمه الله- في الأكبر سنا منه هذا ابني يحتمل أن يكون ثبوت العتق في العبد بهذا اللفظ باعتبار أن اللفظ إقرار منه بالعتق، أو بهذا اللفظ ينشيء العتق فيه ويحدثه من غير إقرار، وعلى تقدير الإقرار بكون العبد حرا يكون إقرارا أيضا بأن أمه أم ولد له، وأمومية الولد تثبت بطريق الإقرار، وهو معنى قوله: (لأنه يحتمل الإقرار) أي لأن كونها أم ولد يحتمل الإقرار، ولكن لا تثبت أمومية الولد بطريق الإنشاء، وهو معنى قوله: (وحق الأم لا يحتمل الوجود بابتداء تصرف المولى) وقوله:
(2/830)

بابتداء تصرف المولى "احتراز عن تصرف المولى في أمومية الولد بطريق الإقرار وهو صحيح؛ لأن ذلك ليس بتصرف في أمومية الولد ابتداء، بل هو إخبار عن كونها أم الولد وهو صحيح، فتثبت به أمومية الولد.
(وقد تتعذر الحقيقة والمجاز معا إذا كان الحكم ممتنعا)؛ لأن الحكم إذا كان ممتنعا بحقيقة اللفظ كان ممتنعا أيضا بالاستعارة عنها كما قلنا ذلك في المحرم من النساء، فإن النكاح فيها كما لا يثبت بحقيقة لفظ النكاح فكذلك لا يثبت باللفظ المستعار عنها، وهو لفظ البيع أو لفظ الهبة، ثم جعل النكاح ها هنا مستعارا عنه مع أنه مستعار له في الحقيقة، كان كجعل وضع القدم مستعارا عن الدخول في قوله: "قلنا وضع القدم صار مجازا عن الدخول"، مع أن الدخول مستعار له لوضع القدم لما أن وضع القدم في الدار سبب للدخول فيها، كذلك البيع أو الهبة سبب لملك المتعة الذي هو موجب النكاح، فكان في كل منهما ذكر السبب وإرادة المسبب وهو جائز.
وقوله: (إذا استحال حكمه) وهو الحرية (ومعناه) وهو ثبوت النسب.
(2/831)

وقيل: "حكمه" أي حكم الحقيقة وهو البنتية ها هنا، وحكمه" أي حكم المجاز وهو الحرية لا يثبت ها هنا واحد منهما، وكذلك قلنا أيضا بعدم جواز الإجارة بحقيقة لفظ الإجارة إذا أضيفت إلى المنافع، نقول أيضا بعدم جواز الإجارة باللفظ المستعار عنها كلفظ البيع إذا أضيف إلى المنافع، لم يثبت الحقيقة ولا المجاز؛ لعدم إضافة اللفظ إلى محلهما، وهذا لأن الاستعارة لإثبات حكم الحقيقة في محل المجاز ليعمل عمله في محل الحقيقة كما قلنا في القياس لإثبات حكم النص في الفرع، فإذا كان الحكم ممتنعا بالحقيقة لم تصح الاستعارة؛ لأن مثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص، ومن شرط صحة القياس ثبوت الحكم في المنصوص عليه على وجه لا يتغير عند القياس، فإذا تغير حكم النص بالقياس بطل القياس، فكذلك ها هنا إذا تعذر حكم الحقيقة بالمجاز بطلت الاستعارة، وهو معنى قوله: (لأن التحريم الثابت بهذا الكلام لو صح معناه مناف للملك فلم يصح حقا من حقوق الملك) وقوله: مناف للملك" أي لملك النكاح أي الحرمة الثابتة بهذا الكلام لم تصلح حقا من حقوق الملك، وهذا لأن حكم الحقيقة انتفاء المحلية والحرمة المؤبدة، فكان منافيا وجود النكاح فلم يصلح أن يستعار هذا؛ لأنه لو استعير تغير حكم الحقيقة؛ لأن الحرمة الثابتة بتفريق الزوج تعتمد صحة النكاح ووجوده، والحرمة الثابتة لحكم الحقيقة منافية للنكاح، فيستحيل أن تثبت مرتبة على صحة النكاح، فتغير حكم الحقيقة، بطلت الاستعارة وبطلت الحقيقة أيضا فلغا كلاهما.
(2/832)

فإن قلت: إذا لم يثبت موجب حقيقة كلامه وهو البنتية باعتبار تكذيب القاضي فلم لم يثبت لازمة تلك الحقيقة وهي الحرمة المؤبدة كما ثبت ذلك في قوله: وهو أكبر سنا منه عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- فإنه لما لم يثبت موجب حقيقة كلامه وهو النسب ثبت لازمه وهو الحرية، وكما قالوا جميعا في الأصغر سنا منه إذا اشتهر نسبه من الغير، وقال له: هذا ابني، يعتق بالاتفاق ولم يثبت نسبه باعتبار اشتهار نسبه من الغير ويثبت لازمه وهو الحرية؟
قلت: لا وجه لذلك هاهنا؛ لأن في حكم الحرمة ها هنا بهذا الطريق إقرارا بها على المرأة لا على نفسه؛ لأن ملك الحل واقع عليها، ولو أثبتنا لازم حكم الإقرار ها هنا كان هو واقعا عليها؛ لأن العين هي التي يتصف بالحرمة، وهو مكذب شرعا في إقراره على غيره، وهذا لأن المرأة حرة مالكة على نفسها، فلم يصح إقرار الغير عليها بخلاف العبد، فإنه ليس بمستبد بنفسه وهو في حق الملك بمنزلة سائر الجمادات المملوكة، والإقرار ببطلان الملك فيها إقرار على نفسه فصح، ولأن الفرقة الصادرة من جانب الزوج إنما تثبت شرعا بالطلاق أو بالمستعار عن الطلاق الذي يعمل عمل الطلاق، والطلاق يستدعي سابقة النكاح، والبنتية مانعة للنكاح فكيف تكون البنتية موجبة للذي هو يثبت بالنكاح، وهو الفرقة الصادرة من جانب الزوج شرع بناء على صحة النكاح؟ يوضحه أن المجاز يقرر حكم الحقيقة فيما هو فيه، وحكم الحقيقة ها هنا انتفاء المحلية والحرمة المصمتة الباتة التي لا تنكشف أصلا، ومثل هذه الحرمة لا تثبت
(2/833)

في محل المجاز لو كان هو مجازا عن الطلاق، ولو كان هو مجازا عن الطلاق مع ذلك كان فيه تغيير حكم الحقيقة في المجاز، والمجاز وضع للتغير في اللفظ لا في الحكم. بخلاف قوله: هذا ابني، فإنه يعمل مثل عمله في محل حقيقته؛ لأن عمله في الحقيقة عتقه من حين ملكه لا انتفاء الملك من الأصل، فكذا يعمل في محل المجاز بالعتق من حين ملكه، فاتحد الحكم ولم يتغير، فلذلك صح ولم يلغ، وقوله: فإن الحرمة لا تقع به أبدا عندنا" غير أنه إذا دام على هذا اللفظ إنما يفرق القاضي بينهما لا باعتبار أن هذا اللفظ يوجب الحرمة، فإنه لو كان يوجب الحرمة لكان لا يشترط الدوام كما في الرضاع وغيره من المحرمات، لكنه لما دام على ذلك ولا يقربها وصار ظالما في حقها وصارت هي كالمعلقة لا ذات بعل ولا مطلقة. فرق بينهما دفعا للظلم، ولأن الإمساك بالمعروف لما فات، تعين التسريح بالإحسان.
فلم تصلح حقا من حقوق الملك" أي لم تصلح الحرمة الثابتة بهذا الكلام الصادر من الزوج حقا من حقوق ملك النكاح كالطلاق، فلو جعل هذا الكلام مجازا عن الطلاق لصار حقا من حقوق ملك النكاح. لما أن الطلاق يملك بالنكاح، فكذا مجازه (وهو التجريم في الفصلين متعذر) أي الحرمة الثابتة بطريق المجاز عن الطلاق متعذر في فصل معروفة النسب التي يولد مثلها لمثله وفي فصل المرأة التي هي أكبر سنا منه.
(لأن الرجوع عنه صحيح) أي الرجوع عن الإقرار بالنسب صحيح.
(2/834)

والدليل على صحته ما أشار إليه في الفرائض بقوله: ثم المقر له بالنسب على الغير إذا مات المقر على إقراراه ففي تقييده بقوله: "إذا مات المفر على إقراره" دليل على أنه إذا رجع عن إقراره بالنسب يصح رجوعه، ثم لما صح رجوعه عن إقراره بالنسب في قوله لامرأته: هذه بنتي، وهي معروفة النسب عن الغير عند تكذيب القاضي إياه، لم يبق الإقرار ولم تثبت به الحرمة في محل المجاز؛ لأنه لا إقرار، إذ لو ثبتت الحرمة كانت ثابتة بناء على إقراره ولم يبق الإقرار بالرجوع عنه فيما يحتمل الرجوع عنه، فكذلك ما بني عليه وهو الحرمة لما أن هذا الإقرار بالنسب لم يصلح أن يقوم مقام الإقرار بالطلاق؛ لأنه لا يصلح أن يكون حقا من حقوق ملك النكاح لما بينا.
وأما في قوله: هذا ابني" وإن كان مكذبا حقيقة إذا كان العبد أكبر سنا منه أو شرعا فيما إذا كان صغيرا ونسبه مشهور من الغير، فهو قائم مقام قوله: "عتق علي من حين ملكته" فكان هذا إقرارا منه بالعتق، والرجوع عن العتق لا يصح، وإن كان يصح رجوعه من الإقرار بالنسب.
(وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- العمل بعموم المجاز أولى).
والدليل على جواز العمل بعموم المجاز ما ذكره في "الكشاف" في سورة
(2/835)

النحل في قوله تعالى: {ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ {الآية. سأل نفسه بقوله: إن سجود المكلفين على خلاف سجود غيرهم، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟
ثم قال: قلت المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى، وأنها غير ممتنعة وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد، وهذا التخريج يؤيد صحة القول بعموم المجاز في القرينة.
(وعندهما يقع على شرب ماء يجاور الفرات)، فلذلك يحنث عندهما إذا شرب من الفرات بالكرع أو بالاغتراف بالإناء أو بيده؛ عملاً بعموم
(2/836)

المجاز كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان. كذا في "شروح الجامع".
(وذلك لا ينقطع بالأواني؛ لأنها دون النهر في الإمساك) أي لأن الأواني دون النهر في الإمساك، فلما كان كذلك من اغترف بالأواني من الفرات فشرب منها كان حانث عندهما.
وأما إذا شرب من نهر منشبعة من الفرات فلا يحنث؛ لأن ماء الفرات ينقطع من الفرات بالنهر دون الأواني، وفي "نظم الجامع".
ولم يحنث بشرب من سري ... وذلك كان ينشعب الفراتا
وهذا لأن ماء الفرات إذا جرى في نهر آخر يضاف فعل الشرب إلى ذلك النهر؛ لأن الشرب من الفرات إنما يكون إذا كان الفرات ظرفا للماء الجاري، وهذا الماء جار في نهر لا يسمى فراتا، وإنما قيد في صورة المسألة بقوله: إذا حلف لا يشرب من الفرات"؛ لأنه إذا حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات كرعا أو في إناء، حنث في يمينه في قولهم جميعا؛ لأنه عقد يمينه ها هنا على ماء الفرات، وهذا الماء ماء الفرات وإن تحول إلى نهر آخر بخلاف الأول، فإنه هناك عقد اليمين على المحل وهو الفرات، والله أعلم.
(2/837)

باب جملة ما تترك به الحقيقة
لما ذكر الحقيقة والمجاز، والحال أن الحقيقة قد تترك في مواضع مع أصالتها في الكلام- لم يكن بد من ذكر المعاني الموجبة للترك، فذكرها في هذا الباب.
(وهي خمسة) فوجه الحصر على هذه الخمسة هو: أن الموجب إما أن يكون أمرا عاما أو خاصا، فإن كان عاما فهو دلالة الاستعمال والعادة، وإن كان خاصا فلا يخلو إما أن كان في المفرد أو في المركب، فإن كان في المفرد فهو دلالة اللفظ في نفسه، وإن كان في المركب فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى الكلام أم لا، فإن كان فهو دلالة سياق النظم، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن كان لمعنى راجع إلى المتكلم أو إلى غيره، فالأول هو دلالة ترجع إلى المتكلم، والثاني هو دلالة في محل الكلام.
قوله: (وهو خمسة) أي ما تترك به من الدلائل التي تدل على ترك الحقيقة خمسة أنواع، ثم الفرق بين الاستعمال والعادة، أن العادة: هي مشتقة من العود، فتدل هي على التكرار في الفعل بخلاف الاستعمال فإنه
(2/838)

لا يدل على التكرار في الفعل.
(وكذلك نظائرها من العمرة)، فإن العمرة في اللغة: عبارة عن الزيارة يقال: اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وفي الشرع: عبارة عن زيارة مخصوصة، وهي زيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة مع الإحرام.
وقوله: (أو المشي إلى بيت الله) فإنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله؛ في القياس لم يلزمه شيء؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما يكون من جنسه إيجاب شرعا، والمشي إلى بيت الله ليس بواجب شرع، ولأنه لا يلزمه عين
(2/839)

ما التزم وهو المشي، فلأن لا يلزمه شيء آخر- وهو الحج أو العمرة- أولى، وفي الاستحسان يلزمه حجة أو عمرة. هكذا روي عن علي- رضي الله عنه- ولأن في عرف الناس يذكر هذا اللفظ بمعنى التزام الحج أو العمرة، وفي النذور والإيمان يعتبر العرف، فجعلنا هذا عبارة عن التزام حجة أو عمرة مجازا وهو مخير بينهما؛ لأنهما النسكان المتعلقان بالبيت لا يتوسل إلى أدائهما إلا بالإحرام وبالذهاب إلى ذلك الموضع، ثم يتخير إن شاء مشى وإن شاء ركب وأراق دما.
(أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة،) فضرب الثوب على حطيم الكعبة في العرف عبارة عن إهداء الثوب إلى مكة.
قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله. لو قال: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة- يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا، واللفظ حقيقة لغير ذلك، ومثاله كثير.
ومن ذلك المثال ما لو قال: لله علي أن أذبح الهدي في الحرم يجب عليه ذبح الهدي بالحرم.
ومن ذلك أيضا ما لو قال: أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي أو أضحي
(2/840)

بولدي - يلزمه ذبح شاة في قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- استحسانا.
وقوله: (علي حسب ما اختلفوا)، فإن عند أبي حنيفة رحمه الله- في قول الحالف لا يشتري رأسا يقع على رأس البقر والغنم، وعندهما يقع على رأس الغنم خاصة.
(وكل عام سقط بعضه كان شبيها بالمجاز) هذا جواب إشكال يرد على قوله: وقالوا فيمن لا يأكل رأسا: "إنه يقع على المتعارف".
(2/841)

وكذلك في قوله: لا يأكل بيضا أنه يختص ببيض الإوز والدجاج إلى آخره، فإنه لما أورد هذه الأشياء مثالا للكلام الذي ترك حقيقته بدلالة الاستعمال والعادة.
قيل له: كيف يكون هذا الذي ذكرته من قبيل ترك الحقيقة في الكلام، فإن حقيقته مرادة، فإن رأس الغنم مثلا رأس حقيقة، فإنه يحنث بأكله في يمينه: لا يأكل رأسا بالاتفاق، وكذلك بيض الإوز والدجاج بيض حقيقة، وقد أراد هو في يمينه لا يأكل بيضا، فكيف يكون هذه الصور من قبيل ترك الحقيقة؟
فأجاب عنه بهذا وقال: نعم كذلك. إلا أن هذا يشبه المجاز من حيث إن حقيقة العموم هي أن يراد عمومه فلما لم يجر العموم على عمومه تركت حقيقته وكان مجازا، ولما أريد بعض تلك الحقيقة كان حقيقة، فلذلك قلنا: هو حقيقة تشبه المجاز، فحقيقة من حيث إنه أريد به بعض ما تكلم في موضعه الأصلي، ومجاز من حيث أنه تركت حقيقة العموم؛ إذ إجراء العام على عمومه حقيقة.
(وهو لحم في الحقيقة)، ولهذا لا يصح نفي اللحمية عن لحم السمك؛ لأن اللحم يتكامل بالدم؛ لأن ما يشتق من اللحم يدل على القوة والشدة،
(2/842)

ومنه قولهم: التحمت الحرب إذا اشتدت، والملحمة الوقعة العظيمة بالفتنة وفيها شدة وإظهار قوة، وإنما تحصل القوة للحم من الدم ولما كان كذلك لم يكن لحم السمك لحما كاملا؛ لأنه لا دم له.
(فخرج عن مطلقه) أي عن مطلق اللحم، بدلالة اللفظ أي لفظ اللحم وهو ما ذكرنا.
(وكذلك قول الرجل: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب)؛ لأن المكاتب قاصر في المملوكية؛ لأنه غير مملوك يدا وإن كان مملوكا ذاتا، فلذلك لم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخل.
وكذلك قوله: (امرأته طالق لم يتناول المبتوتة)، لقصور معنى اللفظ؛ لأن النكاح لم يبق لكنه بقي بعض أحكامه، فصار قاصرا فلم يتناوله مطلق اللفظ حتى لو نوى دخلت هي أيضا.
(وللمخصوص شبه بالمجاز)؛ لأن الحقيقة في العام أن يجري على عمومه
(2/843)

وكونه مخصوصا مجاز له؛ لأن العام لا يكون مخصوصا إلا بدلالة دلت عليه.
(ومن هذا القسم ما ينعكس) يعني في الفصل الأول اللفظ كامل لا يقع على الناقص وههنا عكس ذلك، فإن اللفظ ناقص لا يقع على الكامل كالفاكهة هي اسم للتابع فلا تتناول ما هو أصل من وجه وهو الأشياء الثلاثة وهي: الرطب والرمان والعنب.
(وإذا كان كذلك كان فيها) أي في هذه الأشياء الثلاثة. (والاسم ناقص) أي اسم الفاكهة ناقص (مقيد في المعنى) أي مقيد بنقصانه في المعنى.
(وكذلك طريقه) أي طريق أبي حنيفة- رضي الله عنه- في عدم تناول
(2/844)

الأدنى للأعلى، وإنما صرف الضمير إليه؛ لأنه تقدم ذكره قبل هذا.
وكذلك صرح شمس الأئمة - رحمه الله- فقال: وكذلك لو حلف لا يأكل إداما. عند أبي حنيفة- رحمه الله- لا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا؛ لأنه اسم للتابع.
(كما في المسألة الأولى) أي في مسألة الفاكهة، فكان فيه رد المحلف إلى المحلف.
(وحمل على الإنكار والتوبيخ مجازا) من حيث إن الأمر والتخيير ضد الإنكار والتوبيخ، فجاز ذكر أحد الضدين وإرادة الآخر لملازمة بينهما في المعاقبة، لما أن الأمر والتخيير شرع للمأمور به والذي خير فيه وفتح
(2/845)

لهما، والإنكار والتوبيخ للإذهاب له والإعدام، فكان بينهما ملازمة من حيث التضاد، أو يلزم عند ترك المأمور به ما يوجب الإنكار والتوبيخ، فكان الذي يوجب الإنكار بمنزلة موجب موجب المأمور به، فيجوز إرادته عند دلالة الدليل عليه حمل على إمكان الأمر وإقداره عليه مجازا؛ لأن الأمر الموجب يقتضي إمكان الفعل من المكلف وإقداره عليه؛ لأن تكليف ما ليس في الوسع غير مشروع، فاستعير الأمر للأقدار فيكون ذكر السبب وإرادة المسبب، والمراد بالقدرة هنا القدرة الظاهرة وهي سلامة الآلات والأسباب.
فإن قلت: ما الفرق بين قوله تعالى:} واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ {هذه صيغة أمر بالمعصية والكفر، وكذلك قوله تعالى:} فَلْيَكْفُرْ {صيغة أمر
(2/846)

بالكفر. فكيف جعل الأول من قبيل ترك الحقيقة بدلالة من قبل المتكلم وجعل الثاني من قبيل ترك الحقيقة بدلالة سياق النظم؟
قلت: كل ما كان ترك الحقيقة فيه من قبل المتكلم لم يذكر فيه سياق يدل على ترك الحقيقة، وكل ما كان ترك الحقيقة فيه بسياق النظم كان في سياقه لا محالة شيء مذكور يدل على ترك الحقيقة في الأول وإن اتفق هذان الموضعان في وصف واحد.
ألا ترى أن من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى حيث تركت حقيقة العموم بدلالة من قبل المتكلم لا بدلالة في السياق؛ لأنه لا سياق له.
وأما في قوله: (أنت آمن ستعلم ما تلقى) "كيف ألحق به ما هو الدال في سياقه على نفي حقيقة الأمان، وكذلك في قوله:} فَلْيَكْفُرْ {كيف ألحق في السياق به ما يدل على ترك حقيقة الأمر وهو قوله:} إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ {وإن كان يعلم ذلك أيضا من قبل المتكلم، ولكن المنظور إليه السياق بخلاف قوله} واسْتَفْزِزْ {لأنه ليس في السياق دليل على ترك حقيقة الأمر بل الدليل فيه من قبل المتكلم.
(فحلف لا يتغدى أنه يتعلق به) حتى إنه بعد الحلف لو رجع إلى بيته
(2/847)

وتغدى لم يحنث، لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه، وقد أخرج المجيب كلامه مخرج الجواب، ولما تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم يتقيد الجواب به أيضا.
فحاصله أن المخرج عنا عن العموم صفة كونه مجيبا؛ إذ الجواب يقتضي إعادة ما في السؤال يقع على الفور ولم يقدر في الكتاب وقت الفور إلى أي وقت يكون.
وقال شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه": س لو قامت امرأة لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق، فرجعت ثم خرجت بعد ذلك اليوم لم تطلق، ولم يذكر وقته في "المبسوط" بل قال: ونوع من اليمين مؤبد لفظا مؤقت معنى كيمين الفور.
وفي "الهداية" إشارة إلى أن ما يقطع الفور فهو كاف وإن قل في نفي
(2/848)

العموم حيث قال: ولو أرادت المرأة الخروج فقال: إن خرجت فأنت طالق فجلست ثم خرجت لم يحنث.
(ومثاله كثير) ومن ذلك المثال ما لو قالت له زوجته: إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من الجنابة فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، ثم اغتسل في غير تلك الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث.
} ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ {حقيقة هذا الكلام لعموم نفي الاستواء بينهما من جميع الوجوه؛ لأن الفعل المستقبل يقتضي مصدرا منكرا.
أما مصدرا فلأن الفعل مركب من الزمان والمصدر، فكان ذكر الفعل ذكرا للمصدر، وأما المنكر فلأنه هو الأصل، إذ المعرف إنما يكون بأحد الأشياء الخمسة على ما وصلناها في "الموصل" فكان التعريف عارضا والأصل عدم العارض، والموضع موضع النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، والعمل بعموم نفي المساواة بينهما من كل الوجوه متعذر لقيام المساواة بينهما في أشياء كثيرة من الوجود والإنسانية والرجولية والتكليف وغيرها، (فوجب الاقتصار) نفي المساواة بينهما.
(2/849)

على ما دل عليه صيغة الكلام (وهي التغاير في) عمى القلب وبصره؛ إذ صرف نفي المساواة إلى الأمر المعلوم في ذهن كل أحد غير مستحسن لعدم احتياجه إلى البيان.
وكذلك في قوله تعالى:} لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ {على هذا الطريق؛ لأن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم يراد به أخص الخصوص الذي دل عليه الكلام، وهو في الفوز ها هنا وعدمه بدلالة قوله تعالى:} أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ {.
فإن قلت: على هذا التقرير الذي ذكرته كان هذا من قبيل ما تركت حقيقة الكلام بدلالة سياق النظم لا من قبيل ما تركت حقيقته بدلالة محل الكلام.
قلت: لا؛ بل هذا من قبيل الكلام الذي تركت حقيقته بمحل الكلام، وهذا لأنه لما قيل:} ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ {علم أن هذه صيغة العموم، ولم يرد حقيقة العموم بدلالة محل الكلام؛ لأن هذا المحل لا يقبل
(2/850)

ذلك العموم؛ لأن المساواة بينهما ثابتة في وجوه كثيرة على ما ذكرنا.
فعلم بموجود المساواة بينهما في وجوه كثيرة أنه لم يرد به حقيقة العموم في نفي المساواة، وإنما نشأ ذلك من محل الكلام، ثم لما انتفى إجراء العام على عمومه بدلالة محل الكلام لم يكن بد من صرفه إلى الخاص الذي دل عليه سياق النظم إن كان في سياقه عليه دلالة، وقد وجدت الدلالة على أخص الخصوص في سياق الكلام في قوله تعالى:} لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ {، وهذا بخلاف ما إذا تركت حقيقته بدلالة سياق النظم، فإن في قوله: أنت آمن. كانت حقيقته هي ثبوت الأمان وهو ممكن الحمل على حقيقته لكن لما قرنه بقوله بعد ذلك:"ستعلم ما تلقى" تركت حقيقة الأمان بهذه الدلالة،
وأما فيما نحن فيه لم يمكن العمل بحقيقة العموم قبل الرجوع إلى سياقه، فإن هذا عام عندنا حتى يقتل المسلم بالذمي، ويضمن المسلم إذا أتلف خمر الذمي أو خنزيره.
(قول النبي عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيات") وحقيقته متروكة، فإن العمل يوجد كثيرا بدون النية، ومعناه: اعتبار الأعمال بالنيات، وتتمة الحديث دليل عليه.
(2/851)

وكذلك قوله تعالى: {إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى {فإن إعطاء المال للطاعة أو للمعصية من حيث إنه إعطاء لا يتفاوت ذلك، إنما يتفاوت من حيث النية وصار ذكر الخطأ والعمل مجازا عن حكمه وموجبه، فصار كأنه قال: حكم الأعمال، وحكم الخطأ.
(وحكمه: نوعان مختلفان) على ما قرر في الكتاب. فصار مشتركا.
فإن قيل: ينتقض هذا باسم الشيء فإنه يقع أيضا على السواد والبياض والحركة والسكون وفي الأعيان على الحيوان وغير الحيوان، وغير ذلك من الأسماء المختلفة والمتضادة، فهو عام ليس باسم مشترك، فيجب أن يكون الحكم كذلك وإن كان يقع على الجواز والفساد والثواب والمأثم بأن يكون عاما لا مشتركا- قلنا: لا كذلك، بل هذا- أعني الحكم- من قبيل العين للينبوع والشمس والباصرة والمولى والقرء وغيرها لا من قبيل الشيء؛ لأن الشيء إنما بتناول السواد والبياض لا باعتبار السواد والبياض بل باعتبار الموجود، فالسواد والبياض معنى وراء الشيئية لم يوضع الشيء للسواد والبياض وغيرهما باعتبار ذلك المعنى بل باعتبار معنى الوجود، فلم يكن معنى السواد
(2/852)

والبياض مقصودا في الشيئية بل المقصود هو الوجود فيها.
وأما الحكم فإنه يتناول الجواز والفساد والثواب والمأثم قصدا؛ لأن هذه الأحكام شرعية مقصودة كالعين للينبوع والشمس وغيرهما، فلذلك كان الحكم مشتركا.
قال الشيخ أبو المعين- رحمه الله - في "تبصرة الأدلة" في مسألة خلق الأفعال في جواب شبهة المعتزلة في قوله تعالى:} خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ {وهي أنه لم يبق عاما حيث خص منها ذات الله تعالى.
قال في جواب هذا: إن الشيء مشترك.
وأما إذا أريد به المحدثات كان عاما؛ لأن الكل بمعنى واحد وهو معنى الوجود،
وأما إذا أريد به ذات الله تعالى لم يكن بطريق العموم؛ لأن المعنى مختلف؛ لأنه شيء قديم وواجب الوجود لذاته لا يشبه شيئا من المخلوقات، فيكون الاختلاف بينه وبين خلقه أكثر اختلافا لين الينبوع والشمس والباصرة في حق العين؛ لأنها تشابه بوجوه كثيرة ومع ذلك كان اسم الشيء مشتركا في أنواعه، فاسم الشيء أولى أن لا يكون مشتركا بين الله وبين خلقه، فكانت لفظة الشيء إذا أريد بها القديم لا يجوز دخول المحدث تحتها وإذا أريد بها
(2/853)

المحدث يمتنع دخول القديم تحتها كما في الأسماء المشتركة، وعن هذا قلنا: إن الشيء ليس باسم جنس، والله تعالى- وإن أطلقت عليه لفظة الشيء - ليس من جنس العالم، ولو كانت لفظة الشيء عامة في القديم والمحدث لكانت اسم جنس لما تحتها، وكان القديم نوعا منه والمحدث نوعا آخر، فيختلفان نوعا ويستويان جنسا، والقول بإثبات المجانسة بين القدم والمحدث كفر.
(ألا ترى أن الجواز والفساد يتعلق بركنه وشرطه) يعني أن الجواز يتعلق بوجود الركن، والشرط والفساد يتعلق بعدمهما، (والثواب يتعلق بصحة العزيمة) وإخلاص النية، والمأثم يتعلق بعدمهما، وإذا كان المتعلق بهما مختلفا كان المتعلق أيضا مختلفا، وإيضاح الاختلاف بينهما بوجه آخر أيضا وهو: إن الجواز والفساد حكمان دنيويان، والثواب والمأثم حكمان عقبويان، فلا تبنى أحكام الدنيا على أحكام الآخرة ولا على العكس، ولما ثبت الاختلاف بينهما لم ينتظمهما لفظ واحد لا محال.
(وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازا مشتركا)، فحكم المشترك التوقف (حتى يقوم الدليل على أحد الوجهين)، فبعد ذلك (يصير
(2/854)

مؤولا)، وهو لم يصح حجة على الخصم أيضا كما يحتج الشافعي علينا في الوضوء غير المنوي، وكما يحتج علينا في عدم فساد الصوم في الإكراه والخطأ، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا. يقرره أن في فصل الإكراه والخطأ الإثم مرفوع، فلا يبقى الآخر مرادا وهو الجواز لما أن المشترك لا عموم له، فحصل من هذا أنه لا يصح الاحتجاج به على الخصم لا قبل التأويل؛ لأنه مشترك فلا يصح الاحتجاج بالمشترك، ولا بعد التأويل؛ لأن تأويله لا يكون حجة على خصمه، فلا يصح احتجاجه لما ذكرنا.
(وكذلك حكم المأثم على هذا) يعني الحكم الذي هو مأثم متعلق بصحة العزيمة أي عزيمة الفساد، حتى إن من جرى على لسانه شيء من كلام الناس من غير قصده في صلاته تفسد صلاته ولا إثم عليه، فلا يصح الاحتجاج به للخصم علينا في عدم الفساد.
(ومن الناس من ظن أن التحريم المضاف إلى الأعيان مثل الخمر والمحارم مجاز).
(2/855)

ذكر ذلك الناس الظانين شمس الأئمة - رحمه الله- بأنهم العراقيون من مشايخنا، وإنما ظنوا ذلك؛ لأن التحريم تكليف والتكليف يقع في الأفعال؛ لأن التحريم والنهي واحد؛ لأن كليهما منع، والعبد إنما يكون ممنوعا عن تحصيل ما هو مقدور له لا ما هو غير مقدور له، والفعل مقدور للعبد؛ لأنه يمتنع عن الفعل ويقدم عليه وينهي عن تحصيل الفعل ويؤمر بأن يمتنع عنه،
فأما العين فغير مقدور للعبد حيث لا يمكن له إيجاده ولا إعدامه بالكلية؛ بل له قدرة النقل من محل إلى محل وذلك ليس بإيجاد ولا إعدام من كل وجه، ولما كان كذلك كان معنى قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ {وقوله عليه السلام:"حرمت الخمر لعينها"أي حرم نكاح أمهاتكم وحرم شربها، فلذلك قالوا:"كان وصف العين بالحرمة مجازا".
(2/856)

ولكنا نقول: بأن التحريم متى أضيف إلى المحل كان ذلك أمارة لزومه وتحققه، وهذا ينفي كونه مجازا لما أن اسم المجاز غير لازم لمحل المجاز، ولهذا صح نفيه.
أما بيان أمارة لزومه أن العين يبقي فيبقى التحريم ما بقي العين.
فأما إذا كانت الحرمة مضافة إلى الفعل، والفعل مما لا يبقى حينئذ يبقى العين مطلقا غير محرم حين انعدم الفعل أو اتصف الفعل بالحل كما في أكل مال الغير ينقلب إلى الحل بالإذن.
ومن المشايخ من قال: هذه المسألة بناء على مسألة خلق الأفعال، فإن عندنا جميع الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة لله تعالى، وعند المعتزلة لا. لما أن في أفعال العباد ما هو قبيح وشر، ثم لو قلنا بأن الله تعالى يخلق الأفعال القبيحة كان نسبة القبح إلى الله تعالى وهو لا يجوز.
قلنا: هذا التعليل يبطل بخلق الله تعالى الأعيان القبيحة، فإن الله تعالى خلق الأعيان القبيحة ولم يلزم من ذلك نسبة القبح إلى الله تعالى، فاضطرت المعتزلة في التفصى عن هذا النقض إلى أن يقول: لا قبح في الأعيان
(2/857)

البتة، وقد ارتكبوا هذا المحال بناء على أصولهم الفاسدة لئلا ينتقض عليهم أصولهم، وقد خرقوا فيه الإجماع لما أن العقلاء أجمعوا على تقسيم الأعيان إلى حسن وقبيح.
وقال محمد - رحمه الله- وهو موثوق به في اللغة: رجل اشترى جارية فوجدها قبيحة ولم ينكر أحد عليه لقوله: هذا وهم لم يبالوا بخرق الإجماع في هذا، فلذلك قالوا: إن التحريم إذا أضيف إلى عين يكون مجازا؛ لأن التحريم يقتضي قبح المحرم كالأمر يقتضي حسن المأمور به ولا قبح في العين عندهم، فكان التحريم مضافا إلى حقيقة الفعل الذي هو قبيح، وعندنا لما جاز أن يكون في الأعيان قبح جاز أن يكون العين محرما لكونه قبيحا؛ لأن المنع نوعان: منع الشيء عن العبد، ومنع العبد عن الشيء، فعلى الأولى كان بمنزلة النسخ، وعلى الثاني كان بمنزلة النهي؛ لأن الحكم في الأول امتناع فعل العبد بناء على كون المحل ممنوعا عنه كما قلنا في النسخ، وذلك في تحريم العين حتى لم يبق محلا للتصرف الشرعي أصلا كالخمر لم يبق محلا للشرب أصلا، وكالأم لم تبق محلا للنكاح أصلا بل كانت هي بمنزلة الصخر في حق انفعال النكاح في حقها، كما أن الصخر لا ينفعل النكاح فيه، فكذلك الأم لا ينفعل
(2/858)

نكاح الابن فيها لما أن الفعل يمتنع بناء على عدم المحل، كفعل الصوم ينعدم في الليل بناء على عدم المحل، فيكون الفعل تابعا من هذا الوجه والمحل أصلا.
وأما إذا منع عن الفعل مع أن المحل لم يكن محرما لعينه كان الفعل أصلا في المنع والمحل تابعا، فمن قال بأن التحريم المضاف إلى العين مضاف إلى الفعل حقيقة فقد جعل ما هو أصل وهو العين فرعا، وما هو فرع وهو الفعل أصلا.
وهو معنى قوله: (وهو غلط فاحش)، وإنما أورد هذا الكلام هنا؛ لأن الحرمة هنا على ظن ذلك البعض من الناس إنما ثبتت بدلالة محل الكلام، فلذلك امتنع ثبوت حكم العموم في قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ {حتى جازت دباغة جلده، وكذلك في قوله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ {لم يحرم النظر والمس، فلم يكن حراما لعين المحل، وكذلك في قوله عليه السلام: "حرمت الخمر لعينها" جاز اقترابها وإمساكها للتخليل، فما تركت حقيقة العموم هنا من قبل دلالة محل الكلام كان إيراده هنا أوفق.
وقوله: ويصير الفعل تابعا من هذا الوجه، يعني من ضرورة تبديل المحل من الحل إلى الحرمة يتبدل الفعل أيضا من الحل إلى الحرمة، والنسخ إنما يجري
(2/859)

في حق الأفعال، فلذلك قيل قيم المحل مقام الفعل حيث جعل الفعل أصلا، ولكن إنما ينشأ اشتداد الحرمة في الفعل إذا كانت الحرمة مضافة إلى المحل، وفي بيان غلظ الحرمة كانت إضافة الحرمة إلى المحل هي الأصل، فلذلك نسب التجريم إليه ليفيد هذا البيان، وعلى قود ظن بعض الناس كانت إضافة التحريم إلى العين وإلى الفعل سواء في أن الفعل في أصله لم يكن حراما لعينه، (وهو غلظ فاحش)، والله أعلم.
(2/860)

باب حروف المعاني
هذه الإضافة إضافة بمعنى اللام أي الحروف التي تأتي للمعني كالترتيب والتراخي وغير ذلك، وكان هذا احترازا عن الحروف التي ليست لها معان كالجيم، والحاء، والخاء، وغيرها، ذكر وجه المناسبة في الكتاب فإنه ما من حرف من حروف المعاني ها هنا إلا له حقيقة ومجاز، فلاق إيرادها عقيب باب الحقيقة والمجاز، ثم وجه تقديم حروف العطف على غيرها وتقديم حرف الواو من بينها على غيرها مذكور في "الوافي".
(2/861)

[الواو]
(وقوله تعالى:} إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ {ورود هذا النص لإثباتهما من الشعائر، فلا يتصور فيه الترتيب، وصار الترتيب واجبا بفعل النبي عليه السلام لا بمقتضى الواو.
(2/862)

وترتب السجود على الركوع لكون الركوع وسيلة إلى السجود، حتى إن من سقط عنه السجود سقط عنه الركوع، ولا يجوز تقدم الأصل على الوسيلة، فاعتبر هذا بالصلاة مع الوضوء لا لأن الواو يوجب الترتيب مع أن ذلك معارض بقوله تعالى:} واسْجُدِي وارْكَعِي {، ولم يقل أحد بترتيب الركوع على السجود، فلو كان الواو للترتيب لقيل ذلك أيضا.
(وهذا حكم لا يعرف إلا باستقراء كلام العرب) فيه علامة الفصل، إذ منه ابتداء كلامنا، فكأنه قال: قلنا إن هذا حكم ... إلى آخره.
(وكلاهما حجة عليه) أي الاستقراء والتأمل حجة على بعض أصحاب الشافعي.
(فيفهم به اجتماعهما في المجئ من غير تعرض للقران والترتيب في المجئ) حتى إنه يكون صادقا في كلامه أن لو جاء عمر وقبل زيد وعلى
(2/863)

العكس أو جاءا معا.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله.
فلو أتى بالمثل قبل النهي عار أيضا،
فعلم أن الواو ليس للترتيب، والمعنى: لا تجمع بين النهي والإتيان بالمثل.
وأما الثاني وهو التأمل في موضوع كلام العرب.
(2/864)

(أو عذر دعا إليه) وهو معنى الإبهام والإجمال، ومعنى عذر معنى إذا أريد من الواضع الله تعالى.
(فلو كان الواو للترتيب لتكررت دلالة الترتيب وليس ذلك بأصل).
فإن قيل: لم يلزم تكرار الدلالة مع سائر الحروف؛ لأن الفاء للترتيب مع الوصل، وثم للترتيب مع التراخي، فلو وضعت الواو لمطلق الترتيب من غير تعرض للترتيب مع الوصل أو التراخي لم يتكرر بهما.
قلنا: إن لم يتكرر معهما يتكرر مع "بعد" إذ هو موضوع لمطلق الترتيب، فصح قوله: "لتكررت الدلالة" وأورد على شيخي- رحمه الله- قوله تعالى} والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ {فإن اعتبار العمل الصالح إنما يكون بعد تقديم الإيمان عليه، فكان العمل الصالح مرتبا على الإيمان لا محالة،
فعلم أن الواو للترتيب.
(2/865)

قال - رضي الله عنه وأثابه الجنة- ترتب العمل الصالح على الإيمان لم يعلم باعتبار الواو، بل علن بآية أخرى وهي قوله تعالى:} فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ {، جعل الإيمان شرطا للعمل الصالح، والشرط مقدم على المشروط أبدا، فلذلك ثبت ترتب العمل الصالح على الإيمان لا باعتبار الواو.
(ثم انشعبت الفروع إلى سائر المعاني) يعني الفاء للتعقيب وثم للتراخي وغيرهما، وهو كالإنسان أنه لا يتعرض للذكر والأنثى (ثم وضعت لأنواعها أسماء على الخصوص)، وكالتمر؛ إنه جنس وله أنواع مثل: العجوة واللينة والبرلي والصيحاني، وكالبعير جنس وله أنواع فإن البعير بمنزلة الإنسان، والجمل كالرجل، والناقة كالمرأة، والقلوص كالجارية.
(وصارت الواو فيما قلنا نظير اسم الرقبة في كونه مطلقا غير عام ولا مجمل) يعني به إن كلمة الواو وضعت لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت
(2/866)

لمطلق الرقبة التي هي عبارة عن البنية السليمة، المطلق متعرض للذات دون الصفات، فيتناول فردا من الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له أفراد، والمطلق يمكن العمل به من غير توقف واستفسار، فلم يكن مجملا؛ لأن المجمل لا يمكن العمل به من غير استفسار من المجمل وبيانه، بل كان مطلقا كرقبة ورجل وامرأة وغيرها.
(فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- موجبه الافتراق) يعني أن الواو للعطف، وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه، وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى، فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة، والثانية بواسطة الأولى، بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم عند وجود الشرط ينزل ما يعلق، فينزل كما تعلق، ولكن
(2/867)

هما يقولان: هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا وليس كذلك، بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون الوصول إلى المحل.
(كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة) يعني لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم بعد ذلك اليوم أو أيام قال: أنت طالق إن كلمت زيدا، ثم بعد ذلك بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ثلاثا وإن وجد الترتيب عند التعليق، وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، وكذلك إن قدم الشرط.
(فلا يترك المطلق بالمقيد)، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع والاتحاد، والمطلق هو كون الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع. أي لا يترك موجب هذا الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق الذي لا يتعرض للتفرق والترتيب.
(وإذا تقدمت الأجزية) فقال قبل الدخول بها:
(2/868)

(أنت طالق وطالق وطالق) إن دخلت الدار، فدخلت طلقت ثلاثا بالاتفاق؛ لأن موجب هذا الكلام الاتحاد والاجتماع؛ لأن في آخر كلامه ما يغير أوله، فتتوقف الجملة الأولى فيتعلق. بخلاف ما إذا تأخرت الأجزية؛ لأنه ليس في آخر كلامه ما يغير أوله، فيتعلق الأول بالشرط قبل التكلم بالثاني والثالث، فيتعلقن على التفرق فنزلن كذلك وهو الفرق لأبي حنيفة- رحمه الله.
(فلا يترك بالواو) يعني لم يترك موجب هذا الكلام وهو الاجتماع والاتحاد على ما قلنا بالواو وهو المطلق، فيحتمل هذا القسم أيضا؛ لأنه مطلق غير متعرض للترتيب، وقوله: (بغير إذن الزوج) قيد اتفاقي، ولهذا لم يذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "شروح الجامع" و"أصول الفقه" بل قال: لو تزوج أمتين بغير إذن مولاهما ثم أعتقهما المولى إلى آخره؛ لأن في هذا الحكم الذي ذكره لا يحتاج إلى ذلك القيد، ولكن ذكر الإمام قاضي خان - رحمه الله- في "الجامع" ولو تزوج أمتين في عقدة بغير إذن مولاهما
(2/869)

فأعتق المولى إحداهما بعينها فأجاز الزوج نكاح الأمة لم يجز؛ لأن نكاح الأمة قد بطل فلا تلحقه الإجازة؛ لأنه جمع بينهما في عقدة، وإحداهما حرة لا يصح نكاح الأمة، فكذا إذا صارت إحداهما حرة حالة البقاء.
وكذلك لو زوج رجل رجلا يعني بغير إذنه أمتين في عقدة بإذنهما وإذن المولى فأعتقت إحداهما، فالمسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها- أن يعتقهما بكلام واحد معا بأن قال: أنتما حرتان أو أعتقتكما، فنكاحهما جائز.
والثاني- أن يقول: هذه حرة وهذه حرة، وهي على وجهين: إما أن فصل بينهما بالسكوت أو لم يفصل والجواب في الفصلين واحد إن أجاز نكاح الأولى جاز، وإن أجاز نكاح الثانية لم يجز، وكذا إذا أجاز نكاحهما جميع جاز نكاح الأولى في كلمتين منفصلتين بأن قال: هذه حرة وهذه.
(فيمن هلك عن ثلاثة أعبد وقيمتهم سواء) إنما قيد باستواء القيمة ليكون كل واحد منهم ثلث المال، فإن أقر به في كلام متصل ومعنى الاتصال
(2/870)

ها هنا هو أن يقول الوارث: (أعتق والدي في مرضه هذا وهذا وهذا) من غير سكوت بينهما، فكان هذا بمنزلة قوله: أعتقهم والدي في مرضه.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "الجامع": من أصحابنا من يقول المجموع بحرف الجمع وهو الواو كالمجموع بلفظ الجمع، فكأنه قال: أعتقهم والدي، وهذا ليس بصحيح، فإن الواو عندنا ليس له عمل في الجمع ولا في الترتيب، ولكنا نقول: الكلام موصول بحرف العطف، وفي آخره ما يغير حكم أوله؛ لأن حكم أول الكلام سلامة جميع الثلاث الأول، ويتغير ذلك بآخره فلت يسلم له إلا ثلث الثلاث، وفي مثله يتوقف أول الكلام على آخره؛ كما لو ألحق بآخره شرطا أو استثناء، وهذا بخلاف ما لو قال لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق وطالق وطالق، لم تقع عليها إلا واحدة؛ لأنه ليس في آخر الكلام ما يغير حكم أوله ولم يتوقف أوله على آخره، فإن سكت فيما بين ذلك عتق الأول ونصف الثاني وثلث الثالث وإنما كان هذا هكذا؛ لأنه لما أقر بعتق الأول فقد أقر بالثلث له فعتق من غير سعاية، ثم لم يصلح ما بعده في تغيير حقه؛ لأن المغير إنما يصح بشرط الوصل، وإذا أقر بالثاني فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق في إبطال حق الأول وصدق في إبطال حق
(2/871)

الثاني، ولما أقر بالثالث فقد زعم أن الثلث بينهم أثلاثا، لكنه لم يصدق في إبطال حق الأولين. كما ذكره المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير".
(لكنه غلط لما قدمنا) وهو قوله: "والأصل في كل قسم منها أن يكون لمعنى خاص ينفرد به، والمشترك والتكرار من غفلة الواضع، وقد جاءت كلمة (مع) للقران، فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا".
(ولم يقف على التكلم بالثاني)؛ لأنه لم يوجد في آخره ما يقرر أوله؛ لأن الطلاق الثاني يقرر الطلاق الأول في حق رفع القيد، ولما لم يتوقف الأول وقع الطلاق وبانت المرأة من غير عدة، فلم يقع الثاني لذلك.
(فسقطت ولايته) أي ولاية الزوج لفوات محل التصرف؛ لأن المرأة بانت من غير عدة فلم تبق محلا للطلاق الثاني. (لا لخلل في العبارة) أي لا يكون الواو للترتيب؛ لأن الواو لو كان للترتيب كان مقيدا بالترتيب،
وفي القيد نوع خلل بالنسبة إلى المطلق؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل،
(2/872)

وبيان كماله أنه يتناول الترتيب والمقارنة، والمقيد لا يتناول المطلق.
فإن قلت: يشكل على هذا كله ما لو قال لأمرأته قبل الدخول لها: أنت طالق وحد وعشرين، فإنها تطلق ثلاثا عندنا خلافا لزفر مع وجود حرف العطف بين الطلاق الأول والثاني، وليس في آخره ما يغير أوله، وكذلك لو قال لها: أنت طالق إحدى وعشرين تطلق ثلاثا عندنا، وكذلك لو قال لها: أنت طالق واحدة ونصفا كانت طالق ثنتين عندنا ولم يعتبر بالواو.
قلت: جعل هذا الكلام في الكل بمنزلة كلام واحد لا واو فيه لما أن هذه الجمل من الكلام ليس لها صيغة بدون الواو التي هي أوجز منها فجعلت لذلك بمنزلة تركيب كلام لا واو فيه كما لو قال: أنت طالق أحد عشر طلاقا، وهناك تطلق ثلاثا بالاتفاق، فكذا في غيره. إلى هذا أشار في "المبسوط".
(ثم لم يصح التدارك) أي بإعتاق الثانية؛ لأن نكاح الحرة على الحرة جائز، ولكن لما بطل نكاح الثانية في حكم التوقف لم يكن إعتاقها بعد ذلك تداركا لذلك البطلان لا لاقتضاء واو العطف القران؛ بل باعتبار أن آخر
(2/873)

الكلام هنا يغير أوله؛ لأنه إذا لم تضم الثانية إلى الأولى صح نكاح الأولى، وإذا ضم إليه بطل النكاح الأول؛ لأنه جمع بين الأختين فنزل منزلة الاستثناء والتعليق، فيتوقف الأول عليه فصار كالجمع بكلمة واحدة فلذلك بطلا. كذا ذكره المصنف- رحمه الله.
(إن ضم إلى الأولى لم ستغير نكاح الأولى من الصحة إلى الفساد) بخلاف نكاح الأختين إذا كان في عقدتين بدون إذن الزوج، فإن صدر الكلام فيه توقف على آخره؛ لما أن نكاحهما لو كان في عقدتين توقف كما في الشرط يتوقف أول الكلام عليه.
(وعن الوجود إلى العدم) كما في قوله: إن علي ألف درهم إلا مائة، توقف أول الكلام على آخره؛ لأنه لولا استثناء المائة لوجب عليه الألف
(2/874)

كاملاً، فإذا الحق استثناء المائة يغير أول الكلام من وجوب المائة إلى عدمه، فلذلك توقف أول الكلام لوجود المغير في آخره، فلما لم يتغير أول الكلام في مسألة الأمتين بلحوق آخره لم يتوقف أول الكلام على آخره.
فإن قيل: نكاح الأختين في عقدة واحدة لا يجوز، ولو عقد نكاحهما بطريق الفضولي في عقدتين متفرقتين يتوقف نكاحهما، وكذلك نكاح الأمة مع الحرة لا يجوز نكاح الأمة، ولو كان نكاحهما بطريق الفضولي لا يتوقف نكاح الأمة، فيجب أن يتوقف نكاحهما كما يتوقف نكاح الأختين؛ بل أولى؛ لأن نكاح الأختين لا يجوز أصلا سواء تقدم نكاح إحداهما على نكاح الأخرى أو اجتمعا، ونكاح الأمة إذا كان متقدما على الجرة جائز، فما وجه الفرق بينهما؟
قلنا: وجه الفرق نشأ من صيغة النص في نكاح الأختين، أضاف الله تعالى الحرمة إلى المباشرين بقوله:} وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ {لا إلى المحل، فلم يكن المحل خارجا عن محليته؛ بل الحرام هو فعل الجمع والفعل لم يوجد من الزوج في نكاح الفضولي، فلم تكن الحرمة في حقه ثابتة فيتوقف،
وأما نكح الأمة مع الحرة فقد أخرج النبي عليه السلام الأمة في ذلك عن
(2/875)

محلية النكاح بقوله: "لا تنكح الأمة على الحرة" فلا تحل عليها بوجه من الوجوه، ولو توقف نكاحها على نكاح الحرة كان نكاح الأمة على الحرة من وجه، وهذا لا يجوز لما عرف من الأصل أن كل حكم يرجع إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء/
(ولهذا قلنا: إن قول محمد - رحمه الله- في الكتاب) أي في "الجامع الصغير".
وذكر في كتاب الصلاة (وينوي) بالتسليمة الأولى (من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء).
(ولا يتصور فيه الترتيب) أي لا يتصور الترتيب في أنهما من الشعائر؛ لأن الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، (وصار الترتيب واجبا
(2/876)

بفعله) أي وجوب تقديم الصفا في السعي على المروة إنما صار بفعل النبي عليه السلام لا بمقتضى الواو في النص.
فإن قيل: أفعال النبي عليه السلام غير موجبة عندنا على ما مر قلنا: نعم كذلك إلا أن فعله هاهنا صار بيانا لمجمل قوله عليه السلام: "إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا"، لما أن السعي بين الشيئين لا بد أن يكون له مقدم ومؤخر وهو مجمل، فبين ذلك بفعل النبي عليه السلام في تقديم الصفا على المروة في الشعري، ولأن مواظبة النبي عليه السلام على الشيء بدون الترك تدل على الوجوب، وواظب النبي عليه السلام على بداية السعي من الصفا من غير ترك، فكان هو دليلا على الوجوب لا مجرد الفعل.
(كما قال أصحابنا- رحمهم الله- في الوصايا بالقرب: النوافل) كالوصية ببناء الرباطات والسقايات والمساجد، وإنما قيد بالنوافل؛ لأنه إذا أوصى بأشياء من الفرائض والنوافل وأخر الفرائض كما في أداء الزكاة وغيرها، فإنه تقدم الفرائض على النوافل، وإن أخرها الموصي لما عرف.
(2/877)

(وأما قول الرجل: لفلان علي مائة ودرهم) إلى آخره، فإيراده هنا لسبب أن واو العطف هنا موجود، والعطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف حكمه في هذه المسائل حتى صارت المائة دراهم في قوله: مائة ودرهم "وما صارت المائة أثوابا في قوله: مائة وثوب" فأورد هنا ليعلم أن الاختلاف ليس من قضية العطف بل (لأصل آخر يذكر هو في بابه إن شاء الله).
(ولهذا قلنا: إن الجملة الناقصة تشارك الأولى فيما تتم به الأولى بعينه) يعني أن الكلام الثاني إذا كان ناقصا يشارك الكلام الأول في عين ما تم به الكلام الأول ضرورة ثبوت الشركة؛ لأنه لو أفرد الثاني بالخبر لم يكن هذا شركة في خبر الكلام الأول؛ لأنه حينئذ يصير كالجملة المنفردة بالخبر ولم تكن
(2/878)

ناقصة، نظيره: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة، فإن فلانة تشارك الأولى في عين ذلك الشرط حتى لو دخلت الأولى طلقتا (ولا يقتضي الاستبداد به).
(كأنه أعاده) يعني كأنه أفرد الثانية بشرط على حدة، كأنه قال: وفلانة إن دخلت الدار؛ لأنه لو جعل كذلك لم تطلق فلانة بدخول الأولى الدار، فعلم أن الجملة الناقصة تشارك الكلام الأول في عين ما تم به الأول، وهذا في تمام الأول بالشرط. ونظير آخر فيه ما قال في الكتاب بقوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق. إن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط) إذ لو لم يتعلق بعين ذلك الشرط بل جعل كأنه قال: وطالق إن دخلت الدار تقع تطليقتان عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- أيضا، وإن كانت المرأة قبل الدخول بها؛ لأنه حينئذ يصير كأنه قال لامرأته قبل الدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار تقع تطليقتان بالاتفاق، وحيث
(2/879)

وقعت عليها تطليقة واحدة- علم أن الثاني يتعلق بعين ذلك الشرط في الأول، وأما إذا كانت المرأة مدخولا بها لم يقع التفاوت بين ما أفرد الخبر للثاني أو لم يفرد، (فصار الثاني ضروريا) أي صار إفراد الكلام الثاني وهو الجملة الثانية بخبر على حدة ضروريا كما في جاءني زيد وعمرو، فإن تقديره وجاءني عمرو لاستحالة الاشتراك في الخبر الأول.
(والأول أصليا) أي وصار اشتراك الجملة الناقصة في عين ما تم به الكلام أصليا كما إذا قال: لفلان علي ألف درهم ولفلان، يكون الألف بينهما. ذكر هذه المسألة في "الجامع الكبير" في باب من إقرار الوارث بالعتق بعد موت المورث من كتاب الإقرار، وفرق بين هذه المسألة وبين من قال لامرأته قبل الدخول: أنت طالق وطالق وطالق أنه تقع عليها واحدة ولا تقع الثلاث، والفرق أن آخر الكلام إذا غير أوله توقف عليه كما توقف على الشرط والاستثناء، وفي مسألة الإقرار بألف درهم إذا اتصل آخر الكلام بأوله صار حق الأول ناقصا فتوقف عليه.
وأما في الطلاق فلا يتغير أول الكلام بآخره؛ لأن التحريم حكم الكل فذلك لم يتوقف عليه.
فإن قيل: يشكل على هذا قوله: هذه طالق ثلاثا وهذه؛ أن الثانية تطلق ثلاثا أيضا، وإن كان الخبر صالحا بأن يجعل لهما جميعا بأن يقسم الثلاث
(2/880)

عليهما فتقع لكل واحدة منهما تطليقتان؛ لأن عند القسمة يصيب لكل واحدة منهما طلاق ونصف، ولم يجعل كذلك بل أفرد الثانية بالخبر، كما في جاءني زيد وعمرو مع أنه لا ضرورة فيه في إفراد الثانية بالخبر.
قلنا: فيه ضرورة؛ لأنه ذكر الثلاث وهي محرمة للمحل حرمة غليظة، وعند القسمة لا تكون محرمة للمحل، فيقع حينئذ على خلاف ما أصدره الزوج، وهذا لأنا ذكرنا أن الطلاق إذا قرن بالعدد كان الاعتبار للعدد لا لقوله: أنت طالق حتى إذا ماتت المرأة قبل قوله: ثلاثا لا يقع الطلاق بقوله: أنت طالق، وهو وإن صادفها في حالة الحياة، ولما كان كذلك قد أشرك الزوج الثانية للأولى في إيقاع الحرمة الغليظة، ولا يحصل ذلك إذا قسمت الثلاث بينهما، ولأن عند القسمة يزداد الثلاث إلى الأربع، والزوج لم يتلفظ به ووقوع الطلاق متعلق باللفظ، فلما لم يقبل الشركة بهذين المعنيين أضمر للثانية مثل الخبر الأول ضرورة فكان مثل قوله: جاءني زيد وعمرو.
(ومن عطف الجملة قول الله تعالى) أي ومن عطف الجملة على الجملة بدون إثبات المشاركة بينهما} وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ {في قصة القذف) هذا مبتدأ وخبر غير مشارك للأول؛ لأن الاشتراك إنما يكون للافتقار، وهذه
(2/881)

مسألة تامة.
وأما قوله:} ولا تَقْبَلُوا {وإن كانت تامة تثبت الشركة فيها؛ لأنها ناقصة من وجه آخر وهو كونها مفتقرة إلى السبب- فلذلك تعلقت بعين ما تعلق به الجد، وأما قوله:} وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ {فحكاية حال قائمة بهم بمعنى، ثم فسقوا أي خرجوا من أمر ربهم، وهو لا يصلح جزاء للقذف لأنهم فسقوا فسموا فاسقين، والدليل على الانقطاع عن الأول أن الأئمة لم يخاطبوا به، وإقامة الحد مما يخاطب به الأئمة.
ومثل قوله تعالى:} يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ {وما قبله} أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ {وقوله:} ويَمْحُ {إنما صح وجه التمسك به في حالة الوقف حيث يوقف عليه بالواو، ولو كان مجزوما لوقف عليه بدون الواو، وهو في خط المصحف بدون الواو، وهو غير متعلق بالأول على أن يكون داخلا في جزاء الشرط بل هو مطلق، واستئناف الكلام ومعناه: يذهب الله الباطل ويزيله، وهذا لأن محو الله الباطل غير متعلق بمشيئته بل هو يمحوه على الإطلاق.
والدليل عليه قوله تعالى:} لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ {.
فعلم بهذا أن محو الباطل غير متعلق بالمشيئة، فلا يجوز عطفه على جزاء
(2/882)

شرط المشيئة لذلك، ولأن قوله تعالى:} َأن يُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ {مرفوع. علم أن المعطوف وهو} ويَمْحُ اللَّهُ {مرفوع أيضا.
وذكر في "الكشاف": فإن قلت: إن كان} ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ {كلاما مبتدأ غير معطوف على} يَخْتِمْ {فما بال الواو ساقطة في خط؟
قلت: كما سقطت في قوله تعالى:} ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ {أيضا وقوله:} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ {، على أنها مثبتة في بعض المصاحف، قال قتادة
(2/883)

{فَإن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ {: أي ينسيك القرآن فلا تبلغه ولا يكذبونك، وقال مقاتل: أي يختم بالصبر حتى لا تجد غصة التكذيب.
(ومثل قوله تعالى:} والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ {هذا على قول من يقول بوجوب الوقف عند قوله:} إلاَّ اللَّهُ {.
((وهذا معنى) أي كونه للحال (يناسب معنى الواو)؛ لأن الواو لمطلق الجمع والحال تجامع ذا الحال فكان فيها الجمع، فصحت الاستعارة لها؛ لأن مطلق الجمع يحتمل الجمع المكيف.
(2/884)

(واختلف مسائل أصحابنا على هذا الأصل، فقالوا في رجل قال لعبده: أد إلي ألف وأنت حر. أن الواو للحال حتى لا يعتق إلا بالأداء).
اعلم أن ها هنا أربع مسائل:
إحداها- هذه.
والثانية- وهي أنه لو قال: أد إلي ألفا فأنت حر؛ عتق في الحال أدى أو لم يؤد.
والثالثة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا وأنت حر؛ عتق في الحال أيضا.
والرابعة- إذا قال: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر؛ فإنه لا يعتق فيها إلا بالأداء؛ لأن جواب الشرط بالفاء دون الواو، فإن الجزاء يتصل بالشرط على أن يتعقب نزوله وجود الشرط، وحرف الفاء للوصل والتعقيب، فيتصل به الجزاء على الشرط لأنه يوجب تعليقه بالشرط، فكان تنجيزا.
وأما جواب الأمر بحرف الواو على معنى أنه بمعنى الحال أي وأنت حر
(2/885)

في حال أدائك.
فأما حرف الفاء في صيغة الأمر يكون بمعنى التعليل بقول الرجل: أبشر فقد أتاك الغوث بمعنى لأنه أتاك الغوث، فإذا قال: أد إلي ألفا فأنت حر معناه لأنك حر، فلهذا يتنجز به العتق في الحال. كذا ذكر في باب الأول في المأذون الكبير في "المبسوط" وهذا لأن الواو لما كانت للحال والأحوال شروط كما في قوله لأمته: إن دخلت الدار راكبة فأنت حرة. يجعل الركوب شرطا أيضا كالدخول.
وقيل: إن الحرية لما كانت حالا للأداء لا تسبق الأداء؛ لأنه معمول الأداء، والمعمول لا يتقدم على العامل.
فإن قلت: كيف وجه تفسير هذا الكلام في "المبسوط" أي وأنت حر في حال الأداء، والواو إنما دخلت على قوله: وأنت حر، وهو جعل معنى الحال في الأداء؟
قلت: لما كان هذا المجموع عبارة عن كلام واحد جاز تقديم المؤخر وتأخير المقدم على حسب ما يسوق معنى الكلام إليه.
ألا ترى إلى ما ذكر في "الجامع" قال: كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق ثلاثا فتزوج امرأة ثم دخل الدار، ثم تزوج أخرى تطلق التي تزوجها بعد الدخول خاصة على طريق التقديم والتأخير، فصار كأنه قال: إن
(2/886)

دخلت الدار كل امرأة أتزوجها طالق كما في قوله تعالى:} ولا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ {. معناه إن كان الله يريد أن يغويكم، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ثم معنى الكلام يسوق إلى ما ذكره في "المبسوط" لأن مثل هذا الكلام إنما يذكر للتحريض على أداء المال، ولا يتأتى ذلك إلا على ذلك التقدير.
(وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق وأنت مريضة أو أنت تصلين) إلى آخره، وفي "المبسوط" وإن قال: أنت طالق وأنت تصلين طلقت للحال؛ لأن قوله: وأنت تصلين، ابتداء، فإن قال: عنيت إذا صليت لم يصدق في القضاء؛ لأن الشرط لا يعطف على الجزاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن هذا اللفظ بمعنى الحال تقول: دخلت على فلان وهو يفعل كذا أي في تلك الحالة، فيكون معنى هذا أنت طالق في حال اشتغالك بالصلاة، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال لفظة ما نوى، وكذلك لو قال: أنت طالق مصلية في القضاء تطلق في الحال، وإن قال: عنيت إذا صليت دين فيما بينه وبين الله تعالى لمعنى الحال، وأهل النحو يقولون: إن قال: مصلية بالرفع لا يدين فيما بينه وبين الله، وإن قال مصلية بالنصب حينئذ يصدق في القضاء
(2/887)

أيضا وهو نصب على الحال.
وكذلك قوله: أنت مريضة. إذا قال: عنيت إذا مرضت صدق في القضاء عند أهل النحو، وعند الفقهاء يدين فيما بينه وبين الله تعالى.
(وقالوا في المضاربة إذا قال لرجل: خذ هذا المال مضاربة واعمل به في البر إن هذه الواو لعطف الجملة لا للحال حتى لا يصير شرطا).
وكذلك لو قال: خذه مضاربة بالنصف واعمل به في الكوفة فله أن يعمل به حيث شاء؛ لأن الواو للعطف، والشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره.
وقد تكون الواو للابتداء خصوصا بعد الجملة الكاملة، وقوله: خذه
(2/888)

مضاربة بالنصف جملة تامة، وقوله: واعمل عطف فتكون مشورة أشار به عليه لا شرطا في الأمر الأول.
فإن قيل: لماذا لم يجعل لمعنى الحال كما قال في قوله: أد إلي ألفا وأنت حر.
قلنا: لأنه غير صالح للحال هاهنا فحال العمل لا يكون وقت الأخذ، وإنما يكون العمل بعد الأخذ مع أن الواو تستعار للحال مجازا، وإنما يصار إليه للحاجة إلى تصحيح الكلام، والكلام صحيح ههنا باعتبار الحقيقة، فلا حجة إلى حمل حرف الواو على المجاز. كذا في "المبسوط".
لأن حال الخلع حال المعاوضة وفي المعاوضات لا يعطف أحد العوضين على آخر إنما يلصق أحدهما بالآخر. كما في قوله: احمل هذا المتاع إلى بيتي ولك درهم.
(2/889)

وقوله: (لأن الحال فعل) كما لو قال: خذ هذه الألف مضاربة تعمل بها في الكوفة، (أو اسم فاعل) كما لو قال: خذ هذه الألف مضاربة عاملا بها في الكوفة، فلو عمل بها في غير الكوفة كان ضامنا في الصورتين.
وأما ما يجئ من الحال التي ليست هي بفعل ولا اسم فاعل من الجمل الاسمية والظرفية كقوله: كلمته فوه إلى في، ولقيته عليه جبة وشيء.
(وأما قوله: أد إلي ألفا وأنت حر)، فصيغته للحال باعتبار أن قوله: "حر"صيغة نعت من الجزاء من حد علم بمعنى العتق، فكان قوله: "وأنت حر" بمعنى وأنت عتيق، وصار كأنه قال: أد إلي كونك حراً أو حال
(2/890)

أدائك على ما ذكرنا.
(وصدر الكلام غير مفيد) أي أول قوله: "أد إلي ألفا وأنت حر" غير مفيد شيئا إلا بآخره، فإنه يصير به تعليقا بأداء المال، وههنا أول الكلام إن صدر من الزوج بأن قال: أنت طالق وعليك ألف درهم كان إيقاعا مفيدا منه بدون آخره فل حاجة إلى أن يحمله على الحال، وإن صدر منها فهو التماس صحيح منها، فلهذا لا يحمل على واو الحال.
الضريبة: وظيفة يأخذها المالك من عبده. وقوله: أد إلي ألفا لا يصلح ضريبة؛ لأن الضريبة على أداء الألف من غير عقد واصطلاح بينهما لا يكون؛
(2/891)

لأن الضريبة لا تزيد في شهر على عشرين أو ثلاثين درهما، فكان ذكر ألف دلالة على الحال.
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رضي الله عنه- عن قولهما: لا يستقيم هنا حمل الواو على العطف الذي هو حقيقته؛ لأنه لا يعطف أحد العوضين على الآخر وذلك معنى الباء، فكان مستعارا لها لا محالة؟
قلت: بل يستقيم إجراء الواو على حقيقته التي هي للعطف، فإن معنى قولها لزوجها: طلقني ولك ألف درهم، أي ولك ألف درهم في بيتك فلا حاجة لك إلي، بل لك سعة أن تتزوج غيري أو تشتري جارية، فكان عطف الجملة على الجملة، ففي عطف الجمل بعضها على بعض لا يطلب تمام المناسبة، أو بمعنى الابتداء فيكون وعدا منها إياه المال، والمواعيد لا تتعلق بها اللزوم، ولأن أكثر ما في الباب أن يكون حرف الواو محتملا لجميع ما ذكرنا، والمال لا يجب بالشك. إلى هذا أشار في "المبسوط".
(2/892)

[الفاء]
(إن وجوه العطف منقسمة على صلاته) يعني مطلق العطف كلي لا وجود له في الخارج، وإنما وجوده في الخارج بأحد الأقسام الثلاثة، وهو: القران، والوصل مع التعقيب، والترتيب مع الفصل.
فمعنى قوله:"على صلاته" أي على حروفه وكلماته، وسماها صلات العطف؛ لأنه لا وجود للعطف بدون هذه الأوجه، كما لا وجود للموصول بدون الصلة كالذي وغيره. (فإذا هو لا يكفيه أنه يضمن) لأن الفاء
(2/893)

للوصل والتعقيب، فكأنه قال: إن كفاني قميصا فاقطعه. بخلاف ما إذا قال: اقطعه، فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا فإنه لا يكون ضامنا لوجود الإذن مطلقا. (حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه فدل ذلك على كونه معتقا حكم للشراء بواسطة الملك)؛ لأن الإعتاق يستحيل أن يكون حكما للشراء بلا واسطة؛ لأن الشراء لإثبات الملك إزالة إلا أن الشراء حكمه الملك، والملك في القريب سبب للعتق فكان العتق حكم الشراء بواسطة الملك، والحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة.
(وقد تدخل الفاء على العلل أيضا إذا كان ذلك مما يدوم) أي كان من حق الفاء أن تدخل على أحكام العلل لا على العكس؛ لأن الحكم مرتب على العلة وهو موضوع الفاء كما ذكر. إلا أن العلة لما كانت مما يدوم صارت بمعنى المتراخي من الحكم، فلذلك صح دخوله على العلل.
(فقد أتاك الغوث) فهذا على سبيل بيان العلة للخطاب بالبشارة، ولكن لما كان ذلك ممتد صح ذكر حرف الفاء مقرونا به.
(2/894)

وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقد تدخل الفاء على العلل فصار معنى كلامه ههنا: انزل لأنك آمن فالآمان ممتد (ولم يجعل بمعنى التعليق كأنه أضمر الشرط). هذا جواب لسؤال سائل بأن قال: لم لا يضمر حرف الشرط حتى يكون هذا الذي دخل فيه جزاء للشرط كما في قول من قال لخياط بعد قوله: نعم، "فاقطعه" فحينئذ كان الآمان معلقا بالنزول لوا يثبت قبله، فأجاب عنه بقوله: (لأن الكلام صح بدون الإضمار) يعني أن الإضمار في الكلام إنما جاز باعتبار الحاجة، ولما لم يحتج إلى الإضمار في تصحيح الكلام لم يجز الإضمار بدون الحاجة والضرورة.
فإن قلت: ففي صورة العلة لا يصح الكلام أيضا بدون الإضمار.
ألا ترى أنه كيف ذكر تقديره بقوله: وتقديره أد إلي ألفا فإنك قد عتقت، ولما كان كذلك كان إضمار الشرط أولى؛ لأن ذلك طريق مسلوك في أفصح اللغات. قال الله تعالى:} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ {، أي إن لم تعرفه فذلك الذي يدع اليتيم.
قلت: نعم كذلك، إلا أن هذا الذي ذكره من التقدير ليس ببيان
(2/895)

للإضمار، بل هو بيان وإيضاح لعلية قوله: فأنت حر، ولهذا لا يجتمع معه، فصار هذا التقدير الذي ذكره هو أصل الكلام، وما هو المذكور قائما مقامه ونائبا منابه، فالنائب مع المنوب لا يجتمعان بخلاف إضمار الشرط، فكان إضمارا، وفيما نحن فيه يصح بدون الإضمار؛ لأنه قار على أصله إلا أنه غير واضح، فأوضح ذلك المبهم بهذا التقدير، فلا يكون إضمارا بل يكون تفسيرا للمبهم.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (وإنما الإضمار ضروري في الأصل) يعني إنما يصار إلى الإضمار عند الضرورة لا عند عدمها.
(ولهذا قلنا فيمن قال: لفلان علي درهم فدرهم) بصحة الكلام بدون الإضمار لعدم احتياجه إليه، وقلنا: إنه يلزمه درهمان، فذلك لتحقيق معنى العطف؛ إذ المعطوف غير المعطوف عليه، واعتبار معنى الوصل والترتيب في الوجوب لا في الواجب وهو الدرهم كالقوم المجتمع في مكان لا يقال: هذا أول وهذا آخر بل يقال: دخل هذا أولا وذلك آخرا، فكذلك ها هنا لا يقال:
(2/896)

هذا الواجب أول وهذا آخر، ولكن يقال: وجب هذا أولا وذلك آخرا لما أن الترتيب إنما يكون في الأفعال لا في الأعيان، أو هو عبارة عن الواو مجازا؛ لأن معنى الترتيب لغو، فكان حرف الفاء صلة للتأكيد، فكأنه قال: درهم ودرهم، ولكن ما قلناه أحق؛ لأن الشافعي يضمر ليسقط به اعتبار حرف الفاء والإضمار لتصحيح ما وقع عليه لا لإلغاء به.
الإعراب: سخن بإعراب كفتن وبيان كردن يقال: أعرب كلامه إذا لم يلحن في الإعراب.
والإعجام خلاف الإعراب، فهو أن يلحن في إعراب كلامه. قيل الشعر لرؤبة، وقيل للخطيئة وترتيبه:
(والشعر لا يستطيعه من يظلمه) إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
(2/897)

زلت به إلى الحضيض قدمه (يريد أن يعربه فيعجمه).
أي فهو يعجمه- رفع يعجمه- لأنه استأنفه ولو نصب لفسد المعنى.
وفي "الصحاح" فيعجمه أي يأتي به عجميا أي يلحن فيه.
قال الفراء: رفعه على المخالفة يريد أن يعربه ولا يريد أن يعجمه.
(2/898)

وقال الأخفش: رفعه لوقوعه موقع المرفوع؛ لأنه أراد أن يقول: يريد أن يعربه فيقع موقع الإعجام، فلما وضع قوله: فيعجم موضع قوله: فيقع رفعه.
وقيل: يريد أن يعربه أي يظهره فيعجمه أي عين ذلك الإعراب إعجام له.
كقوله تعال:} لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ {أي عين ذلك البيان إضلال له كقوله تعالى:} وإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}
(2/899)

فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ {بين بهذه الآية أن القرآن وإن كانت آياته آية قاطعة في الحجة لكن إن كانت في موضع الإيمان يزداد منها الإيمان لمن آمن، وفي غير موضع الإيمان يزداد منها الكفر لمن كفر، فكذلك ها هنا إذا كان إعراب الشعر في موضعه تزداد فيه الفصاحة، وإذا كان في غير موضعه يزداد فيه الإبهام والإعجام.
(إلا أن هذا لا يصح إلا بإضمار فيه ترك الحقيقة، والحقيقة أحق ما أمكن).
فإن قيل: لو قال الخصم: وفيما قلتم أيضا ترك الحقيقة وهو أن يكون الفاء مستعارا للواو، وما الفرق بين التركين؟
قلنا: ما قلناه أولي؛ لأن في استعارة الفاء للواو تقريرا لحقيقة الكلام، وهي: أن المعطوف غير المعطوف عليه، والخصم أضمر لتغيير حقيقة الكلام وهي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فيلزم على قوله شيئان:
أحدهما- ترك الحقيقة وهي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه،
والثاني- إلغاء حرف الفاء المذكور، وهو أقبح من ترك الحقيقة، وليس على قولنا إلا استعارة حرف لحرف عند وجود المناسبة بينهما، وهي سائغة شائعة.
(2/900)

[ثم]
(قولا بكمال التراخي)؛ لأن ثم وضع للتراخي، فلو كان معنى وجود التراخي في وجود الطلاق دون التكلم بالطلاق لكان معنى التراخي فيه موجودا من وجه دون وجه، فيظهر أثره في حكم التكلم أيضا قولا بكماله، واثر هذا الاختلاف ظهر في الفروع كما ذكر في الكتاب.
وحاصله إنه إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن كلمت فلانا، فعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- إن كانت مدخولا بها تقع في
(2/901)

الحال ثنتان والثالثة تتعلق بالكلام، وإن لم يكن دخل بها تقع واحدة في الحال ويلغو ما سوى ذلك، وإذا قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثم طالق ثم طالق، فإن كان قد دخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية والثالثة في الحال، وإن كان لم يدخل بها تعلقت الأولى بالشرط ووقعت الثانية في الحال والثالثة لغو، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- سواء قدم الشرط أو أخر تتعلق الثلاث بالشرط إلا أن عند وجود الشرط إن كانت مدخولا بها تطلق ثلاثا وإن كانت غير مدخول بها تطلق واحدة.
فأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: ثم للتعقيب مع التراخي، فإذا دخل بين الطلاقين كان معناه سكتة بينهما، وهما يقولان: ثم للعطف ولكن مقيدا بالتراخي، فلوجود معنى العطف يتعلق الكل بالشرط، ولمعنى التراخي يقع مرتبا عند وجود الشرط. كذا في "المبسوط".
فإن قيل: كلمة ثم إذا أدخلت بين الطلاقين لو كانت هي بمنزلة سكتة على قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- كان ينبغي أن لا تقع الطلقة الثانية والثالثة سواء كانت المرأة مدخولا بها أو لم تكن؛ لأنه حينئذ يكون بمنزلة قول الرجل لامرأته: أنت طالق، ثم قال بعد سكتة: أنت طالق؛ هناك لا تقع إلا واحدة؛ لأن الثاني يقع لغوا لعدم المبتدأ.
(2/902)

قلت: يضمر المبتدأ بدلالة العطف لتصحيح كلامه؛ لأن قوله: "طالق""في المرة الثانية خبر، والخبر يفتقر إلى المبتدأ، فيصير كأنه قال: ثم أنت طالق، فتقع واحدة في الحال في غير المدخول بها.
فإن قيل فقوله: "طالق" كما هو محتاج إلى المبتدأ كذلك هو محتاج إلى الشرط أيضا، فيجب أن يضمر الشرط في الثاني لكي يتعلق هو أيضا بالأول.
قلنا: احتياجه إلى المبتدأ ليس كاحتياجه إلى الشرط؛ لأنه لو لم يضمر المبتدأ لكان كلامه في الثاني لغوا محضا ملحقا بنعيق الغراب، ولا كذلك الشرط؛ لأن لكلامه صحة بدونه والإضمار إنما كان للحاجة والحاجة اندفعت بإضمار المبتدأ حتى صح الكلام في الطلاق الثاني ووقعت الغنية عن إضمار الشرط.
فإن قلت: كيف احتيج إلى إضمار الشرط في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر مع استقلال قوله:" وعبدي حر" بفائدته حتى تعلقا جميعا بالشرط؟
قلت: ليس اتصال الجمل بالواو كاتصالها بثم، فلو كان مقصود الحالف تعليق كل الطلقات لذكرها بحرف الواو، فإن حرف ثم بمنزلة السكتة عند أبي حنيفة
-
(2/903)

رضي الله عنه- فكان أثرها في قطع التعليق عنده.
وقد يستعار ثم لمطلق العطف كما أن الرقبة وضعت لمطلق الرقبة التي هي عبارة عن البنية السليمة، والمطلق متعرض للذات دون الصفات، فيتناول فردا من الأفراد غير عين فلم يكن عاما؛ لأن العام ما له أفراد والمطلق يمكن العمل به من غير توقف واستفسار فلم يكن مجملا؛ لأن المجمل ما لا يمكن العمل له من غير استفسار من المجمل وبينه، بل كان مطلقا كرقبة ورجل وامرأة وغيرها.
فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: موجبه الافتراق؛ يعني أن الواو للعطف، وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما علقه وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى، فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة، فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة والثانية بواسطة الأولى بمنزلة القنديل المعلق بالحبل بواسطة الحلق، ثم عند وجود الشرط ينزل ما تعلق فينزل كما تعلق، ولكن هما يقولان: هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا، وليس كذلك بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل، فإنه لا يكون طلاقا بدون الوصول إلى المحل كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة كثيرة، يعني لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم بعد ذلك بيوم أو أيام قال: أنت طالق إن كلمت زيدا، ثم بعد ذلك بأزمنة قال: أنت طالق إن شتمت عمرا، فوجد الشروط تطلق ثلاثا، وإن وجد الترتيب عند التعليق،
(2/904)

وكذلك إن علق في كل مرة بدخول الدار، وكذلك إن قدم الشرط فلا يترك المقيد بالمطلق، فالمقيد كون موجب هذا الكلام الاجتماع والاتحاد، والمطلق هو كون الواو محتملا للوجوه المختلفة من الترتيب والجمع أي لا يترك موجب هذا الكلام الذي يوجب الاجتماع لما قررنا بالواو المطلق الذي لا يتعرض للتفرق والترتيب.
(وقد يستعار ثم لمعنى واو العطف مجازا للمجاورة التي بينهما) إذا تعذر العمل بحقيقة ثم، وبيان المجاورة بينهما أن الواو لمطلق العطف، فكان يحتمل معنى ثم؛ لأن المطلق إنما يكون وجوده في الخارج بحسب ما يحتمله من المقيدات، فتثبت المجاورة بينهما بسبب الاحتمال.
(قال الله تعالى:} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا {أي وكان، فإن أول الآية قوله تعالى:} فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (11) ومَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ {إلى قوله} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا {).
فقد عد الأعمال الصالحة، ثم ذكر الإيمان بعده بكلمة ثم، فلو عمل بحقيقتها يلزم أن تكون الأعمال الصالحة المنجية من عذاب النار قبل الإيمان وليس كذلك؛ لأن عمل الكافر وإن كان صالحا من حيث الظاهر كتخليص الأسارى وإطعام الجائعين والصدقات فليس بمنج شيئا من العذاب؛ لأن كونه
(2/905)

مؤمناً شرط لصحة عمله وانعقاده منجيا من العذاب بفضل الله.
} ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ {أي والله شهيد لتعذر العمل بحقيقة ثم؛ لأنه للترتيب ولا ترتيب في صفات الله تعالى، لما أن الله تعالى قديم بجميع صفاته العلى، وأول الآية لقوله تعالى:} وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ {.
(ولهذا قلنا في قول النبي عليه السلام "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه": إنه يحمل على حقيقته)؛ لأن الإتيان بالذي هو خير هو الحنث، فتجب الكفارة بعده لا محالة فكان ثم على حقيقته؛ لأن الكفارة واجبة بعد الحنث بالإجماع،
(2/906)

ويروى "فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير" فحملنا ههنا كلمة ثم على واو العطف؛ لأن العمل بحقيقتها غير ممكن؛ لأن التكفير قبل الحنث غير واجب بالإجماع. فكان المجاز متعينا تحقيقا لما هو المقصود) وهو الوجوب؛ لأن البر في اليمين واجب.
وهو الأصل في الإيمان، والكفارة تجب خلفا عن البر، فلو أجريت على حقيقتها لم يحصل المقصود وهو الوجوب.
ألا ترى أنه لو كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، وقوله: "فليكفر عن يمينه" شامل للكفارة بالمال والصوم، فتحمل كلمة ثم على المجاز ليبقى أمر التكفير موجبا، ولا يقال إن ثم إذا استعير للواو والواو لمطلق العطف فيقتضي الجواز كيف ما كان؛ لأنا نقول: ثم إنما استعير للواو ليكون العمل بالأمر واجبا على موجبه وهو الوجوب، فبسبب هذا المعنى قلنا: لا يجوز قبل الحنث إذ لو جاز لوجب تقرير ثم على الحقيقة إذ لا فائدة في الاستعارة لبقاء الحكم الثابت بالحقيقة بعد الاستعارة.
فإن قيل: إن كان في قول الشافعي ترك الحقيقة وهو ترك إجراء الأمر على حقيقته ففي قولكم أيضا ترك الحقيقة، وهو ترك العمل بحقيقة ثم، فمن أين ظهر رجحان قولكم على قوله؟
(2/907)

قلنا: فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في الموضعين وهو ترك العمل بموجب الأمر، وترك العمل بجواز التكفير قبل الحنث حيث أراد بهذا جواز التكفير قبل الحنث ولا يجوز الصوم، وفيما قلنا تحقيق المقصود وهو القول بوجوب الكفارة فيما هو مقتض للوجوب.
والأولى فيه أن يقال: إن فيما قاله الشافعي ترك الحقيقة في أمر الشارع وهو فعل بلا خلف، وفيما قلنا ترك الحقيقة في ثم، وهو حرف بخلف وأمر الحرف أسهل من أمر الفعل؛ لما أن الحروف هي الوصلات تنوب بعضها مناب البعض في الأغلب، والاعتبار لقوة الأثر في التعليل، وإنما قلنا هذا أولى؛ لأن على التقرير الأول لزوم الترجيح بكثرة العلل وذلك لا يجوز، والرجحان لا يثبت بكثرة العلل.
ألا ترى أن أربعة شهود تعارض الشاهدين في الدعوى ولا يترجح الأكثر على الأقل، والذي يؤيد ما قلنا ما قاله في "المبسوط" في المعنى وهو أن مجرد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديا إلى الحكم طريقا له، واليمين مانعة من الحنث محرمة له، فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث؟
ألا ترى أن الصوم والإحرام لما كان مانعا أي لما كان كل واحد منهما مانعا
(2/908)

مما يجب به الكفارة وهو ارتكاب المحظور لم يكن بنفسه سببا لوجوب الكفارة بخلاف الجرح فإنه طريق مفض إلى زهوق الروح.
فعلم بهذا أن الاعتبار في الأسباب للسبب الذي هو مفض إلى حكمه وضعا لا للسبب الذي ينعقد سببا للحكم بعد ارتفاع المانع، ولئن سلمنا أن اليمين سبب فالكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ليصير عند أدائها كأنه تم على بره ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الأصل، وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر، فلا تكون الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء.
وذكر هذا السؤال والجواب بعبارة أخرى: وقيل: فإن قيل: إذا حملته على واو العطف يلزم المجاز في ثم، ولو عملت بحقيقة ثم يلزم المجاز في الأمر، فيتساوي في ترك الحقيقة والعمل بالمجاز، فلم حملتم ثم على الواو؟
قلنا: لأنا لو حملنا ثم على الواو يحصل منه الإيجاب، ويكون المجاز معمولا من كل وجه، وفيما قاله الخصم تترك الحقيقة ولا يحصل العمل بالمجاز من كل وجه؛ لأن التكفير بالصوم لا يجوز قبل الحنث عنده، فحملناه على هذا المجاز تحقيقا لما هو المقصود وهو إيجاب الكفارة؛ لأن المقصود بالحديث إيجاب الكفارة.
(وإذا صح أن يستعار ثم للواو فالفاء به أولى) أي لما جاز استعاره ثم للواو مع بعد ثم عن الواو فلأن تستعار الفاء للواو أولى من استعارة ثم للواو؛
(2/909)

لأن الفاء أقرب إلى الواو بالنسبة إلى ثم، فالقرب والمجاورة من أسباب الاستعارة مع اتحاد كلها في معنى العطف.
والدليل على أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز الواو بثم شيئان:
أحدهما- أن المشايخ اختلفوا في موجب الفاء كما اختلفوا في موجب الواو لقرب معناهما، ولم يختلفوا في ثم لبعد معناها عن معنى الواو.
والثاني- أن الواو لمطلق الجمع، والفاء للوصل والتعقيب، وفي الجمع معنى الوصل موجود.
وأما ثم فللتراخي، فالجمع أو الوصل مع التراخي ضدان، فعلم أن جواز الفاء بالواو أقرب من جواز ثم بالواو. (ولهذا قال بعض مشايخنا فيمن قال لامرأته) إلى آخره. هذا لإيضاح استعارة الفاء للواو، فإن الفاء في هذه المسألة بمعنى الواو على قول بعض المشايخ (والمراد به الطحاوي رحمه الله).
وقال في "المبسوط": ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. ذكر الطحاوي أن هذا أيضا على الاختلاف، فإن حرف الفاء للعطف كحرف الواو فتطلق ثلاثا عندهما، والأصح أنها تطلق واحدة عند وجود الشرط- يعني بالاتفاق- لأن الفاء للتعقيب في أصل الوضع لا لعطف مطلق، فإن كل حرف موضوع لمعنى خاص، وإذا كان للتعقيب ففي كلامه تنصيص
(2/910)

على أن الثانية تعقب الأولى، فتبين بالأولى لا إلى عدة بخلاف الواو (إلا أن الحقيقة أولى، فلذلك اخترنا الاتفاق) يعني تطلق واحدة بالاتفاق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق. (وإذا قدم الجزاء بحرف الفاء فعلى هذا أيضا) أي لا تقع إلى واحدة على الأصح، يعني إذا قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار هو بمنزلة الواو عند الطحاوي. إذا دخلت الدار طلقت ثلاثا كما في التعليق بالواو.
[بل]
(على سبيل التدارك) أي على سبيل تدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول، وإظهار أن الأول كان غلطا كما لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة بل
(2/911)

ثنتين إنها تطلق ثلاثا أي لو قال لامرأته التي دخل بها، وأما إذا قاله لغير المدخول بها فإنها تطلق واحدة على ما ذكر في الكتاب بعيد هذا.
(وقلنا نحن) أي عندنا: يجب ألفان.
وقعت ثنتان لما قلنا إشارة إلى قوله: "ويراد بالجملة الثانية كمالها بالأولى، وهذا في الأخبار ممكن" لأن الغلط في الأخبار ممكن.
(2/912)

(ويتصل بهذا أن العطف متى تعارض له شبهان اعتبر أقواهما) أي متى تعارض للعطف معطوف عليهما اثنان.
(مثاله: ما قال) محمد- رحمه الله- (في "الجامع) أي في الباب الثامن عشر من أيمان "الجامع الكبير" بقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار، لا بل هذه لامرأة أخرى؛ أنه جعل عطفا على الجزاء دون الشرط) حتى إذا دخلت الأولى الدار طلقتا، ولو دخلت الثانية لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه تعارض للعطف شبهان:
أحدهما- أنت طالق، ومعناه لا بل هذه طالق،
(2/913)

والشبه الآخر- (التاء في قوله: "دخلت") ومعناه لا بل هذه إن دخلت فأنت طالق، وحكمه لو كان كذلك إن دخلت الثانية طلقت الأولى.
وقال المصنف- رحمه الله- هذا الذي ذكره محمد- رحمه الله- يحتمل وجوها ثلاثة:
أحدها- أن يكون تقديره: لا بل هذه طالق إن دخلت أنت، وهو الذي اختاره محمد- رحمه الله-
والثاني- لا يل هذه إن دخلت هذه المرأة الدار فأنت طالق، ولم يحمل على هذا إلا بالنية.
والثالث- أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه المرأة الأخرى. إن دخلت فهي طالق، ولم يحمل على هذا أصلا أي لا بالنية ولا بغيرها.
وقال الإمام قاضي خان- رحمه الله- في "شرح الجامع": وإذا جعلنا هذا رجوعا عن الجزاء، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثانية مقام الأولى صحيح، فيتعلق طلاق الثانية بدخول الأولى حسب تعلق طلاقها بدخولها، فإذا دخلت الأولى الدار يقع الطلاق عليهما، وإن نوى به الرجوع عن الشرط صحت نيته لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى قضاء وديانة؛ لأن طلاق الأولى كان متعلقا بدخولها، وهو قصد الرجوع عن دخول الأولى بإقامة دخول الثانية مقام دخول الأولى، فيتعلق
(2/914)

طلاق الأولى بدخول الثانية، والرجوع عن الأول لم يصح، وإقامة الثاني مقام الأول صحيح، فيتعلق طلاق الأولى بدخول الثانية حسب تعلق طلاقها بدخولها، فأيتهما دخلت وقع الطلاق على الأولى وتطلق الثانية أيضا بدخول الأولى؛ لأن كلامه كان رجوعا عن الجزاء ظاهرا، وطلاق الثانية كان متعلقا بدخول الأولى، والرجوع عنه لم يصح، فبقي معلقا كما كان.
وقوله: (وذلك قبيح) أي العطف على الضمير المرفوع المتصل الذي هو غير مؤكد بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:} اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ {.
فإن قلت: كيف حصر جواز العطف على الضمير المتصل المرفوع بما أكد
(2/915)

هو بالضمير المرفوع المنفصل وهو حسن أيضا عند وجود الفاصل، وإن لم يؤكد هو بالضمير المرفوع المنفصل كما في قوله تعالى:} فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ {، وقوله:} ومَن تَابَ {معطوف على الضمير المستكن في} فَاسْتَقِمْ {أي فاستقم أنت وليستقم من تاب، وكذلك قوله تعالى} سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وامْرَأَتُهُ {، وقوله} وامْرَأَتُهُ {معطوفة على الضمير المرفوع في} سَيَصْلَى {أي سيصلى هو وامرأته. هكذا صرح فيهما صاحب "الكشاف".
قلت: ذلك عند النحويين، وأما عند الفقهاء وبعض أهل التفسير فقوله:} ومَن تَابَ {مرفوع؛ لأنه أدرج وليستقم بدلالة قوله:} فَاسْتَقِمْ {فكان هو حينئذ عطف الجملة على الجملة، ورفعية قوله:} ومَن تَابَ مَعَكَ {بعامل مضمر
(2/916)

كرفعية رجال في قوله تعالى} يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا {على قراءة من قرأ على بناء المفعول لا أن يكون معطوفا على الضمير المتصل المرفوع.
وذكر المصنف- رحمه الله- وأما قوله تعالى:} سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا {، ولم يؤكده بالضمير المنفصل وهو نحن، واختار اللغة الأخرى، وكتاب الله منزه عما يقبح فإنما حسن ذلك لإعادة حرف النفي، وهو قوله:} ولا آبَاؤُنَا {تقول: ما فعلت كذا ولا فلان فيحسن، وتقول: ما فعلت كذا وفلان فيقبح حتى تقول: أنا وفلان.
وحاصله إنا عطفنا ها هنا على الجزاء فقط؛ لأنا إن عطفناه على الشرط كان جائزا لكنه قبيح، فيصار إليه عند تعذر العطف على الجزاء، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلان. أنه جعل عطفا على الشرط وإن كان قبيحا؛ لأنه تعذر العطف على الجزاء؛ لأن فلانا يستحيل أن يكون طلاقا فيصار إليه وإن لم يكن مستحسنا عند الفقهاء للضرورة، وإنما قبح ذلك؛ لأن الضمير المرفوع لما لم يقم بنفسه وهو التاء في قوله: "دخلت"كان موجودا له شبه العدم، فمن حيث إنه موجود جاز العطف، ومن حيث إن له شبها بالعدم قبح العطف، فإذا تعارضا عطف على ما هو جائز مستحسن، ولم يعطف على ما هو قبيح؛ لأن الجائز المستحسن أقوى من الجائز القبيح إلا إذا مست
(2/917)

الضرورة حينئذ يصار إليه، ولا يلغى لأن إلغاء تصرفه أقبح بخلاف ضمير المفعول، فإن العطف عليه جائز وإن كان متصلا كما في قوله تعالى:} فَأَخَذْنَاهُ وجُنُودَهُ {لما عرف أنه في حكم الانفصال بسبب أنه فضلة في الكلام.
وقوله: (وذلك أن الفاعل مع الفعل كشيء واحد) وقد قيل في اتحاد الفاعل مع الفعل عشرة أوجه: وأوردنا أربعة أوجه منها في "الموصل" والأشهر منها مسألة يضربان وضربنا- بسكون الباء- وقد ذكرنا وجههما في "الموصل".
(فإذا استويا) أي إذا استويا في حسن العطف بأن يحسن العطف على كل واحد منهما اعتبر أقربهما كما في قوله: (إن لفلان علي ألف درهم إلا عشرة دراهم ودينارا)، فإن لعطف الدينار تعارض الشبهين؛ لأنه يحسن
(2/918)

العطف على عشرة وهو المستثنى، ويحسن العطف على ألف درهم وهو المستثنى منه، فيعطف على عشرة دراهم حتى صارا مستثتيين عن الألف، فيلزم عليه ألف درهم ناقصا بعشرة دراهم وقيمة دينار؛ لأن المستثنى وهو عشرة دراهم أقرب من الدينار إلى الألف، فيترجح بالقرب كما هو الأصل في التعارض.
فإن قيل: يجب أن يعطف الدينار على الألف وإن كان أبعد، فإن استثناء الدينار من الدراهم مختلف فيه فيعطف على الألف ليكون استثناء الدراهم من الدراهم.
قلنا: لا انفصال عما احترز بهذا الطريق فإنه حينئذ يصير استثناء الدراهم من الدينار وهو أيضا مختلف فيه، وذلك لأنه لو عطف على الألف صار المستثنى منه ألفا ودينارا، فيكون استثناء عشرة من الألف والدينار، وإذا كان كذلك كان عطف الدينار على العشرة أولى لكونها أقرب.
وفي "المبسوط" ما يدل على أن هذا التقرير فيما إذا كان المقر له اثنين.
أما إذا كان واحدا فالاستثناء من الجنس جواب الاستحسان، وإن كان أبعد فقال: ولو قال لفلان علي ألف درهم ولفلان علي مائة دينار إلا درهما جعل ذلك استثناء من الدينار؛ لأن المستثنى موصول بالإقرار بالدنيانير، وحقيقة الاستثناء ما يكون موصولا بالمستثنى منه، وهذا على أصل أبي حنيفة
(2/919)

وأبي يوسف- رحمهما الله- ظاهر؛ لأن عندهما سواء جعلته مستثنى من الأول أو من الآخر كان الاستثناء صحيحا، فلما استويا تترجح الدنانير لاتصال المستثنى بها، ولو قال: لرجل واحد علي ألف درهم ومائة دينار إلا درهما، في القياس هذا الاستثناء من الدنانير أيضا؛ لأنه متصل بالدينار، ولكنه استحسن فقال: إذا كان المقر له واحدا فالاستثناء من الدراهم؛ لأنا إن جعلنا المستثنى من الدينار صح باعتبار المعنى، وإن جعلناه من الدراهم صح باعتبار الصورة والمعنى، وضرر النقصان في الوجهين يدخل على واحد، فكان جعله من الدراهم أولى.
(2/920)

[لكن]
(وأما لكن فقد وضع للاستدراك بعد النفي). الاستدراك: دريافتن جيزي.
(فأما نفي الأول فيثبت بدليله) أي بدليل النفي وهو حرف النفي كما في قوله تعالى:} فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى {(بخلاف كلمة بل)، فإن موجبيها جميعا- وهما نفي الأول وإثبات الثاني- يثبتان بنفي استعمال كلمة بل.
(الاتساق): الانتظام، والمراد من الاتساق ها هنا إمكان التوفيق بين المتنافيين (فإذا اتسق الكلام تعلق النفي بالإثبات الذي وصل به) يعني يثبت النفي والإثبات جميعا كما في قولنا: ما جاءني زيد لكن عمرو، وهذا
(2/921)

الاستدراك إنما يصح أن لو توهم متوهم عدم مجئ عمرو، وعند سماع نفي مجئ زيد لدوام ملازمة كل واحد منهما بالآخر، فأزال ذلك الوهم بهذا الاستدراك، فكان كل واحد من النفي والإثبات في محزه فيصح.
وكذلك (لو أقر رجل بعبد هو في يده أنه لفلان)، وقال فلان: ما كان لي قط لكنه لفلان آخر ووصل، فهو للمقر له الثاني)، ولا يكون هذا ردا لإقرار المقر؛ لأن من الجائز أن يكون هذا معروفا بكونه له، ثم وقع في يد المقر بسبب من الأسباب فأقر أنه له، فقوله: "ما كان لي قط" لا يكون تكذيبا له؛ لأن عنده أنه ليس له لكنه لفلان، فالكلام الأول مع الثاني ليس بمتنافيين، فإذا وصل به قوله: "لكنه لفلان" كان بيانا أنه نفي ملكه إلى الثاني بإثبات الملك له بقوله: "لكن" وإن قطع كلامه كان محمولا على نفي ملكه أصلا كما هو الظاهر وهو رد للإقرار، ثم قوله: "ولكن لفلان" شهادة بالملك للثاني على المقر، وبشهادة الفرد لا يثبت الملك.
(2/922)

(وقالوا في المقضي له بدار بالبينة- إلى أن قال- إن الدار للمقر له وعلى المقضي له القيمة).
فإن قيل: هذا إنما يستقيم فيما إذا قدم الإقرار، ثم قال: "لم يكن لي قط" فقبلنا في حق البعض دون البعض، أما إذا قال: " ما كانت لي قط ولكنها لفلان" فقد أكذب شهوده أولا، فلا يصح إقراره بعد إكذاب الشهود؛ لأن الإقرار لا يصح إلا في الملك.
قلنا: الكلام صدر جملة واحدة فلا يفصل البعض عن البعض في حق الحكم؛ لأن الكلام يتم بآخره؛ لأن أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير أوله، وها هنا أيضا النفي معلق بالإثبات، فصار بمنزلة قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، وذكر صورة هذه المسألة في "شروح الجامع" بقوله: رجل ادعى دارا في يد رجل أنها داره، والذي في يده يجحد ذلك، فأقام المدعي البينة أنها داره، فقضى القاضي له بها، ثم أقر المقضي له أنها لفلان لا حق لي فيها، وصدقه المقر له، وقال المقضي عليه: إن المقضي له قد أكذب شاهديه فأنا أحق بها، فلا شيء للمقضي عليه وهي للمقر له؛ لأن قوله: "هي لفلان لا حق له فيها" يحتمل أنها صارت له بسبب تمليكها إياه بعد
(2/923)

الحكم بالبيع منه، وإذا احتمل ذلك والأصل في الإقرار القصر على أدنى ما يمكن فلم يبطل القضاء بالشك.
فإن قيل: هذا التقرير إنما يصح أن لو احتمل الوقت التمليك.
أما إذا لم يكن بين القضاء والإقرار زمان يحتمل التمليك فيه فكيف يمكن التوفيق بين الدعوى لنفسه وبين الإقرار لغيره أنها له بسبب تمليكي إياها له بعد القضاء؟
قلنا: يحمل ذلك على إمكان التوفيق، وإن كان نادرا بأن باعها قبل القضاء وبقي خصما؛ لأنه لم يسلمها إلى المقر له، وبقيت النسبة إليه باعتبار حق الحبس يعني يقول المدعي: إن الدار كانت لي من الأصل وقد كنت بعتها قبل القضاء من المقر له على أني بالخيار ثلاثة أيام حتى بقيت الدار على ملكي في مدة الخيار، فصحت النسبة إلي بهذا الطريق، ثم إن المقضي عليه استولى على الدار وغصبها مني، ثم لما قضى القاضي بالدار انقضت مدة الخيار عقيبه بلا فصل، فأمكن الجمع بين هذا الإقرار والدعوى الأولى والشهادة بهذا الوجه، ولما احتمل هذا لم يبطل الحكم بالشك، ولا شيء للمقضي عليه على أحد لهذا الاحتمال.
فإن قال المقضي له: هي دار فلان ولم تكن لي قط أو بدأ، فقال: ما كانت لي قط ولكنها لفلان، فإن صدقه المقر له في ذلك كله فقد تصادقا أن الدعوى والبينة والحكم كل ذلك كان باطلا، فوجب رد الدار على المقضي
(2/924)

عليه، وإن قال المقر له: كانت الدار للمقر ولكنه وهبها لي بعد القضاء وقبضتها وهي لي بالهبة، فإنه يدفع الدار إلى المقر له ويضمن المقر قيمة الدار للمقضي عليه؛ لأنه أقر ببطلان القضاء، وإنه يبطل الإقرار، والإقرار حق عليه، والقضاء حق له، فإذا كذبه المقر له أي في قوله: "لم يكن لي قط" بطل ما له دون ما عليه، وإذا لم يبطل إقراره بقي الدار للمقر له ويضمن قيمة الدار للمقضي عليه؛ لأنه لما أقر ببطلان القضاء قد أقر على نفسه بوجوب رد الدار على المقضي عليه، وبالإقرار للغير صار متلفا للدار، والدار تضمن بالإتلاف عند الكل كما تضمن بالشهادة الباطلة.
وهذا الجواب ظاهر فيما إذا بدأ بالإقرار وثني بالنفي، وإن بدأ بالنفي وثني بالإقرار، فكذلك الجواب وينبغي أن لا يصح إقراره ويرد الدار على المقضي عليه؛ لأنه لما قال: "ما كانت لي قط" بطل القضاء، فإذا قال:"ولكنها لفلان" فقد أقر بعد بطلان القضاء ووجوب الرد على المقضي عليه فلا يصح إقراره، إلا أنا نقول: بأن الإقرار وإن كان مؤخرا فهو مقدم؛ لأنه قصد صحة الإقرار، ولا صحة له إلا بالتقديم، والكلام يحتمل التقديم والتأخير دون الإلغاء، ويقدم بشرط أن يكون موصولا ويضمن قيمة الدار للمقضي عليه.
(إلا أنه بالإسناد صار شاهدا على المقر له) أي إلا أن المقضي له بإسناد
(2/925)

الملك لنفسه بالنفي بقوله: "ما كانت لي قط" صار شاهدا على المقر له لما ذكرنا أن قوله: "ما كانت لي قط" يتضمن بطلان الإقرار؛ لأنه يتضمن بطلان القضاء للتناقض، وإقراره للمقر له إنما يصح على تقدير بقاء الملك له ببقاء القضاء له، فلما تضمن هذا بطلان القضاء له وبطلان الملك لنفسه لزم منه بطلان الإقرار له، وهو ضرر للمقر له، فلذلك كان بقوله: " ما كانت لي قط شاهدا" على المقر له، ومعنى قوله: إلا أنه بالإسناد صار شاهدا للمقر له هو أنه لما قال: "لكنها لفلان" أقر ببطلان القضاء أيضا للتناقض بدعواه لنفسه، ثم إقراره بها للغير وفي بطلان القضاء بطلان الإقرار له فكان شاهدا على المقر له إلا أن أول الكلام يتوقف على آخره، فصار هذا تمليكا مطلقا للمقر له بقوله: "لكنها لفلان" ونفيه الملك عن نفسه أولا لم يعمل في إبطال الإقرار لما ذكرنا أن النفي يؤخر والإقرار بها له يقدم؛ لأن مقصوده من ذلك صحة الإقرار للمقر له فيصح.
(وجعل لكن مبتدأ) وإنما تعرض بقوله: "لكن" لأن كون قوله: "لا أجيز النكاح" للفسخ إنما نشأ من ذكر قوله: "لكن"عقيبه. إلى هذا أشار في "شروح الجامع".
ألا ترى أنه لو قال: لا أجيز النكاح إلا بزيادة الخمسين أو حتى تزيدني خمسين درهما لا ينفسخ العقد بل يتوقف؛ لأن قوله: لا أجيز إلا بزيادة" استثناء بعد النفي فيكون إجازة لشرط الزيادة، ويصير قوله: "لا أجيز" عبارة عن الكف عن الإجازة لا عن الفسخ؛ لأن الكف عن الإجازة هو الذي
(2/926)

يحتمل الاستثناء وهو الذي يحتمل الغاية أيضا في قوله: "حتى تزيدني فأما الفسخ فلا يحتمل الاستثناء ولا الغاية، فإذا كان كذلك لم يصر إجازة ولا فسخا.
وأما في قوله: "لا أجيز النكاح ولكن أجيزه بمئة وخمسين" فيبطل النكاح رضي الزوج بالزيادة أو لم يرض؛ لأن قوله: "لا أجيز" مطلقه للفسخ؛ لأن النفي حصل مطلقا إلا أن يدخل عليه ما يدل على أن المراد به الإمساك عن الإجازة لا الفسخ، وهذا لأن قوله: "ولكن أجيزه بمئة وخمسين" كلام مبتدأ مستقل بنفسه بخلاف الاستثناء والشرط.
قال الله تعالى:} ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا {فرق بين هذا وبين ما لو قال لغيره: لك علي ألف درهم من ثمن بيع ولكن من قرض أو غصب لزم المقر ألف درهم، ولو جعل ابتداء كلام غير موصول بالأول لا يلزمه، كما لو قال المقر له: ليست من ثمن بيع وسكت، ثم قال بعد ذلك: ولكن من قرض أو غصب لا يلزمه شيء. ووجه الفرق بينهما أن قوله: "ليست من ثمن بيع نفي للجهة والسبب، فانتفى السبب وبقي الوجوب على حاله حتى لو نفي أصل الوجوب بأن قال: "ليس لي عليك شيء" ثم قال: "ولكن من غصب أو قرض" لا يلزمه شيء.
(2/927)

أما قوله: "هلا أجيز النكاح" رد للنكاح فيبطل النكاح، حتى لو قال: "لا أجيز النكاح بمئة ولكن أجيزه بمئة وخمسين" لا يبطل النكاح.
وقوله: (الكلام متسق) أي كلام المقر له مع كلم المقر متوافقان لا متنافيان؛ لأنهما توافقا في أصل الواجب وإن اختلف في السبب.
وقال شمس الأئمة- رحمه الله- ولو قال: لفلان علي ألف درهم قرض، فقال فلان: لا ولكنه غصب فإنه يلزمه المال؛ لأن الكلام متسق فيتبين آخره أنه نفي للسبب لا أصل المال، وأنه قد صدقه في الإقرار بأصل المال ولا تفاوت في الحكم بين السببين، والأسباب مطلوبة للأحكام فعند انعدام التفاوت يتم تصديقه له فيما أقر به فيلزمه المال.
] أو [
(وأما أو فإنها تدخل بين اسمين) كقوله تعالى:} فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن {(أو فعلين) كقوله تعالى:} ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن
(2/928)

دِيَارِكُم}.
(ولم يوضع للشك، وليس الشك بأمر مقصود يقصد بالكلام وضعا).
في هذا نفي لقول الإمام القاضي أبي زيد- رحمه الله- فإنه يجعلها للشك، وكذلك أهل النحو يجعلونها للشك، فقال: ليس كذلك؛ لأن الشك إنما يجئ لأمر عارض وهو ليس بمقصود من الكلام حتى يوضع له لفظ؛ لأن وضع الألفاظ للإفهام في الأصل، وبالشك يختل الإفهام فل يجوز أن يكون للاختلال الذي يجئ من الشك لفظ موضوع وإنما جاء الشك من قبل محل الكلام وهو الخبر، فإنها إذا استعملت في الخبر تناولت أحد
(2/929)

المخبر بهما وذلك غير عين فأفضى إلى الشك وهذا هو الصحيح؛ لأن الخبر دليل على ثبوت المخبر ولا يثبت لمخبر به بالخبر لما عرف أن الخبر لفظ دل على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر، فإذا تساوى الدليلان على التعارض من غير رجحان لأحدهما على الآخر جاء الشك، فعلم أن الشك إنما جاء من محل الكلام لا من نفس كلمة "أو"، ولهذا إذا استعملت في الإنشاء لا تحتمل الشك وهي حقيقة فيه لا مجاز.
(ولو استعملت في الابتداء) كما في قوله: إيت زيدا أو عمرا، (والإنشاء) كقول الرجل: هذا حر أو هذا، فعلى هذا كان ما ذكره بعدها نظيرا لهما على طريق اللف والنشر.
(حتى جعل البيان إنشاء من وجه وإظهارا من وجه) أي جعل تعيين العتق المبهم في أحدهما إنشاء من وجه وإظهارا من وجه، وكذلك في الطلاق، حتى لو قال لعبديه: هذا حر أو هذا، فمات أحدهما فقال المولى:
(2/930)

كنت أردت بذلك الميت لا يصدق ويعتق الحي عملا بجهة الإنشاء؛ لأن قيام المحل بالحياة شرط إنشاء من كل وجه لما أجبر، وكذلك لو كان هذا في الطلاق المبهم بين المرأتين لو ماتت إحداهما قبل التعيين طلقت الباقية؛ لأنه إنما كان لا يتعين قبل الموت في إحداهما لمزاحمة الأخرى معها وقد زالت بالموت، فإذا خرجت إحداهما من أن تكون محلا للطلاق تعينت الأخرى، وإن قال: عينت الميتة حين تكلمت صدق في حق نفسه حتى بطل ميراثه عنها ولا يصدق في إبطال الطلاق على الحية؛ لأن الطلاق يعين فيها شرع فلا يملك صرف الطلاق عنها بقوله، وكذلك لو كانت تحته حرة وأمه فقال في مرض موته: هذه طالق ثنتين أو هذه، ثم أعتق المولى الأمة فقال الزوج: أردت بذلك الأمة؛ تحرم عليه الأمة حرمة غليظة عملا بكونه بيانا، وجعل الزوج فارا وترث المرأة التي كانت أمة عملا بكونها إنشاء.
(ويبيع أيهما شاء) يعني لا يشترط اجتماعهما على البيع بخلاف ما لو قال: وفلانا حيث يشترط هناك اجتماعهما؛ لأن "أو" في موضع الابتداء
(2/931)

تخيير، فينظر إن كان هو منفردا بذلك الفعل فالاختيار له، وإن كان تمام ذلك الفعل موقوفا على الآخر كان الآخر كالتوكيل المبهم؛ لأن تمام ذلك الفعل بالاختيار، فيكون الاختيار لمن إليه تمام الفعل، والوكالة لا تتم إلا بالقبول، والتوكيل صح استحسانا.
قال في وكالة "المبسوط": وإذا كان لرجل عدل زطي فقال لرجلين: أيكما باعه فهو جائز، وكذلك لو قال: وكلت هذا أو هذا ببيعه فباعه أحدهما في القياس لا يجوز لجهالة من وكله ببيعه وفي الاستحسان يجوز؛ لأن هذه جهالة مستدركة فتحملت فيما هو مبني على التوسع، ثم قال: قد نص على القياس والاستحسان ها هنا ولم ينص في توكيل الواحد ببيع أحد العبدين حتى تكلف بعضهم للفرق فقال: الجهالة فيما تناولته الوكالة بالبيع دون الجهالة فيمن هو وكيل بالبيع لما بينا في الإقرار أن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وجهة المقر له تمنع من ذلك، ولكن الأصح أن القياس والاستحسان في الفصلين، والتخيير لا يمنع الامتثال كما في كفارة اليمين.
(إلا أن يكون من له الخيار معلوما) أي خيار التعيين (في اثنين أو ثلاثة فيصح استحسانا).
وقال في "الأسرار": إذا اشترى ثوبين بعشرة على أنه بالخيار يأخذ أيهما
(2/932)

شاء ويرد الآخر، وكذلك أحد الأثواب الثلاثة، فهذا الشرط جائز استحسانا عندنا، وعند زفر لا يجوز قياسا، كما لو اشترى أحد الأثواب الأربعة على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر.
ووجه الاستحسان أن فساد البيع بالجهالة مثل الفساد بالشرط، فلما احتملت الجهالة الشرط في مدة الثلاث نفيا للغبن فلأن تحتمل الجهالة من الثلاث نفيا للغبن أولى، فوجه الأولوية باعتبار أن الأعيان الثلاثة تحتمل الأوصاف الثلاثة، وهي: الجيد، والوسط، والردئ بخلاف الأيام، ثم هناك لم يتحمل أكثر من ثلاثة أيام فكذا ها هنا (لكنه يوجب خطرا)؛ لأنه يحتمل أن يختار هذا فيكون هو المبيع ويحتمل أن يختار ذلك فيكون هو المبيع، فهذا يشبه القمار، وشبهة الحرمة ملحقة بحقيقة الحرمة، فالقياس أن لا يجوز لما ذكرنا من شبهه بالقمار إلا أنه صح في الثلاث استحسانا بدلالة
(2/933)

النص وهي أن النبي عليه السلام شرع شرط الخيار، بخلاف القياس ونبهنا على العلة وهي دفع الغبن والخسران، فكأنه قال للمشتري: لك ولاية دفع الغبن وهذا في معناه؛ لأن دفع الغبن كما يحصل بالتأمل في عين واحد يحصل باختيار عين واحد من الأعيان، بل ها هنا أقوى فكان في معناه، وإنما قلنا في الثلاث دون ما فوقه؛ لأن الأعيان لا تخلو عن جيد ووسط وردئ، فاندفعت الحاجة بالثلاثة فيبقى ما وراءها على قضية القياس.
(لزمه الأقل) أي عينا؛ لأنه لا فائدة في التخيير بين القليل والكثير في الجنس الواحد بل يثبت الأقل لكونه متعينا في اليسر، والتخيير لليسر.
(وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- يصار إلى مهر المثل) أي يحكم مهر المثل في الوجوه كلها حتى أنه لو تزوجها على ألف حالة أو ألفين إلى سنة فعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- ينظر على مهر مثلها، فإن كان ألفين أو أكثر فالخيار لها عن شاءت أخذت الألفين إلى سنة وإن شاءت أخذت الألف حالا، وإن
(2/934)

كان مهر مثلها أقل فالخيار إليه إن شاء أعطاها الألف الحالة وإن شاء أعطاها الألفين إلى سنة؛ لأن كل واحد من المالين أنقص من صاحبه من وجه وأزيد من وجه، وإن كان مهر مثلها فيما بين ذلك فلها مهر مثلها وعندهما الخيار للزوج لتشككنا في وجود الأكثر إلا أن يرضى هو بالأكثر، فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف ما يختار الزوج بالإجماع؛ لأنه الأقل. كذا ذكره الإمام التمرتاشي- رحمه الله-
وقال في "المبسوط" وغن تزوجها على ألف درهم أو ألفي درهم فعلى قول أبي حنيفة- رحمه الله- يحكم مهر المثل، فإن كان مهر مثلها ألفا أو أقل فلها الأقل، وإن كان ألفين أو أكثر فلها ألفان، وإن كان أكثر من ألف وأقل
(2/935)

من ألفين فلها مهر مثلها، وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لها الألف في الوجوه كلها، (يتعين باختياره من طريق الفعل). قيد به لئلا يظن تعيينه بالاختيار من طريق القول، فإنه لو عين أحد الأشياء الثلاثة بالقول لا يتعين، بل يتعين في ضمن الفعل كما في أجزاء وقت الصلاة للصلاة، حيث يتعين الجزء الواحد من الأجزاء سببا للصلاة من حيث الفعل لا من حيث القول، ثم إذا تعين أحد هذه الأشياء الثلاثة بالفعل لا يبقى غيره محتملا للواجب ولكن يبقى مباحا، فأوجب التخيير على احتمال الإباحة حتى إذا فعل الكل جاز.
فإن قيل: إذا فعل الكل بأن وكل بكل نوع إنسانا ففعلوه معا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لم يثبت التخيير فلم تثبت الإباحة؛ لأن الإباحة تثبت في ضمن التخيير.
قلنا: قد أثبت الله تعالى التخيير بقوله:} إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ {الآية، فتثبت الإباحة في ضمنه فيبقى ما لم يقم الدليل المزيل. بخلاف ما لو قال: بع هذا أو هذا، فإن هناك ثبوت الاختيار بدون الإباحة على ما يجئ لقيام الدليل على عدم الإباحة فيهما جميعا؛ لأنه لا يرضي ببيع كليهما.
(2/936)

(فأما أن يكون الكل واجبا فلا) أي هذه الأنواع الثلاثة جائزة إذا فعلها، ولكن الواجب أحدها بخلاف ما زعم بعض الفقهاء إن الكل واجب؛ لأن كل واحد منها يحتمل أن يكون واجبا على سبيل البدل، فإذا فعل الكل وليس أحدها بأولى مما سواه فيقع الكل واجبا.
(وكذلك قولنا في كفارة الحلق) هو قوله تعالى:} فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ {وجزاء الصيد وهو قوله تعالى:} فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ {.
فأما قوله تعالى} إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ {(فقد جعله بعض الفقهاء للتخيير)، وهو مالك عملا بحقيقة كلمة (أو) فإنها للتخيير، وقد ورد بيانه على هذا المثال بالسنة في حديث جبريل عليه السلام.
(2/937)

وهي ما روى محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس- رضي الله عنهم- أنه قال: "وادع رسول الله عليه السلام أبا بردة- هلال بن عويمر الأسلمي- فجاءه أناس يريدون الإسلام
(2/938)

فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق، فنزل جبريل على رسول الله عليهما السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان منه في الشرك- وفي رواية عطية عنه: ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي". وفي هذا الخبر دليل على أن "أو" ليست للتخيير إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر هي: الجلد، أو الرجم، أو القطع لا يراد به التخيير.
ذكر إمام الهدى- رحمه الله- في هذه الآية: إن الأصل فيه أن كلمة "أو"
(2/939)

متى ذكرت بين الأجزية المختلفة الأسباب يراد بها الترتيب كما في هذه الآية، وإلا فهي للتخيير كما في قوله تعالى:} فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ {الآية.
وقوله: (فاستغنى عن بيانها) أي عن بيان أنواع المحاربة، فصارت أنواع الجزاء مقابلة بأنواع المحاربة؛ لأن جزاء الشيء يقابل سببه، كما يقال: الرجم يقابل زنا المحصن، والجلد يقابل زنا غير المحصن، وجناية المحاربة معلومة وهي مختلفة، فتنقسم الأجزية على حسب أنواع الجناية وهو معنى قوله: (فأوجبت التفصيل والتقسيم على حسب أحوال الجناية) لما أن الجزاء يناسب الجناية، فيقابل الخفيف الخفيف، والغليظ الغليظ إذ الغليظ في
(2/940)

مقابلة الخفيف والخفيف في مقابلة الغليظ لايحسن ولا يناسب.
(ثم قتله أو صلبه) أي مع القطع؛ لأن الجناية تحتمل الاتحاد يقال: قطع الطريق والتعدد وهو أخذ المال وقتل النفس، فإن كل واحد منهما على الانفراد يوجب الجزاء، فإذا اجتمعا كان موجبهما أيضا يتعدد، فكان متعددا بنفسه متحدا بأثره وهو قطع الطريق وانقطاع المارة، والشيء قد يعلم بأثره كما يعلم بمؤثره، وكذلك من الجائز أن المقصود هو القتل بأن كان القطاع مواترين للمارة، وأخذ المال وقع تبعا لا قصدا، ومن الجائز أن أخذ المال هو الأصل وقتل النفس وقع تبع حتى لا يقوم أحد من يطلبهم، فلذلك خير أبو حنيفة- رحمه الله- الإمام بين إقامة حد أخذ المال والقتل عملا بالتعدد، وبين إقامة حد القتل عملا بالاتحاد.
وقوله: (ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فيمن قال لعبده) يتعلق بكلام قبل هذا بورق وهو قوله: فإن استعملت في الخبر تناولت
(2/941)

أحدهما غير عين إلى أن قال هذا حر أو هذا، ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هذه المسألة متصلا بذلك الأصل المذكور بتلك المسألة.
(وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- نعم هو كذلك، لكن على احتمال التعيين) يعني أن أصل هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على احتمال التعيين.
ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال التعيين إما ببيانه أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما، فيصح الإيجاب هنا باعتبار هذا المجاز كما هو أصل أبي حنيفة- رحمه الله- في العمل بالمجاز، وإن تعذر العمل بالحقيقة لعدم صلاحية المحل له، يعني لما كان هذا الإيجاب صالحا لإثبات العتق في حقيقة هذا الكلام في حق العبدين كان صالحا أيضا لإثبات العتق في محل المجاز أيضا، وهذا هو المحل بجامع وجود العينين الذي كان هو محلا صالحا
(2/942)

لدخول كلمة "أو" وله مجاز متعين وهو إيجاب العتق. غير أن هذا الإيجاب في محل الحقيقة يوجب العتق المبهم، وفي محل المجاز يوجب العتق المعين، فكان منزلة موت أحد العبدين قبل البيان في محل الحقيقة.
(فتصير شبيها بواو العطف لا عينه)، فشبهه بواو العطف من حيث إنهما متعينان كما في واو العطف وليس هو بعينه من حيث إن كل واحد منهما مراد بالنفي خلاف الواو.
(حتى إذا كلم أحدهما يحنث) بخلاف واو العطف، (ولو كلمهما لا يحنث إلا مرة واحدة)؛ لأنه لما حنث بكلام أحدهما لم تبق اليمين فلم يحنث إلا مرة واحدة ولا خيار له في ذلك، ولو كان على حقيقة لكان له الخيار، وهذا لأنه لما كان كلاهما مرادا لم يبق له الخيار، وثبوت الخيار إنما يلزم من كون أحدهما مرادا وليس كذلك (حتى لو استعمل هذا في الإيلاء) بأن قال: والله لا أقرب هذه أو هذه (بانتا جميعا) كما في واو العطف.
فلذلك صار عاما أي لما وقعت النكرة في موضع النفي صار عاماً ولا
(2/943)

يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف؛ لأن الإباحة دليل العموم؛ لأن الإباحة رفع القيد، وعند ارتفاع لقيد تثبت الإباحة على سبيل العموم، فاعتبر هذا برفع القيد الحسي، وكذلك في الشرعيات إذا حلف لا يخرج من داره إلا إلى جنازة فخرج إلى جنازة وفعل أفعالا أخر لم يحنث؛ لأنه موضع الإباحة، وكذلك إذا أذن لعبده في نوع من الأنواع يصير مأذونا في الأنواع كلها لما أنه في موضع الإباحة؛ لأن العبد كان ممنوعا عن التصرفات فيكون الإذن فك الحجر، وبالفك تثبت الإباحة، (وفرق ما بين الإباحة والتخيير) أن الجمع بين الأمرين في التخيير يجعل المأمور مخالفا وفي الإباحة موافقا؛ لأنه إذ جمع بينهما في التخيير يقع الامتثال في أحدهما
(2/944)

ولا يقع في الآخر، وفي الإباحة يقع الامتثال بهما؛ لأن موضع الإباحة موضع التعميم على ما ذكرنا.
(وإنما تعرف الإباحة من التخيير بحال تدل عليه) وهي:
أن تكون هذا بعد سبق الخطر قبله كما في قوله: (لا يكلم أحدا إلا فلانا أو فلانا/ فإن له أن يكلمهما جميعا)، أو أن يعرف الصفة المرغوبة في كل واحد منهما فكان له رضا في الجمع بينهما كما في قوله: جالس الفقهاء أو المحدثين، أو استعملها في موضع إظهار السماحة والجود كما في قوله: خذ من مالي هذا أو هذا، وهذه دلالات الإباحة وإلا فهي للتخيير، ولا فرق بينهما من حيث الصيغة في نفسها إذ في كل منهما استعمال كلمة "أو" بين الشيئين عند إصدار صيغة الأمر من المتكلم.
(قد برئ فلان من كل حق لي قبله إلا دراهم أو دنانير أن له أن يدعي المالين جميعا)؛ لأن صدر الكلام للتحريم معنى؛ لأنه يحرم على نفسه الدعوى فكان الاستثناء في موضع الإباحة.
(2/945)

(وقال محمد- رحمه الله- بكل قليل أو كثير على معنى الإباحة) يعني لو باع الدار لا يدخل الطريق والشرب في البيع، ولو قال بكل قليل أو كثير يدخل على معنى الإباحة، ومعنى الإباحة فيه أن المشتري كان ممنوعا عن الانتفاع بالطريق والشرب.
قيل: قوله: "بكل قليل أو كثير" فكان هذا بعد الحظر فكان موضع إباحة، ولكن فيه نوع إشكال وهو أنه لو ثبت الملك للمشتري في الطريق والشرب بطريق الإباحة لأمكن البائع من الرجوع فيهما ومع ذلك لا يمكن.
والجواب عنه: إن الملك هنا للمشتري وإن كان ثابتا في موضع الإباحة لكن ثبت ذلك في ضمن عقد لازم وهو البيع فأعطي له حكم المتضمن في اللزوم فلم يملك البائع الرجوع فيهما لذلك.
وقوله: (أوجبت التخيير. مثل قول الرجل: والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار أن له الخيار).
اعلم أن في هذه المسألة نوع تخليط فلا بد من حفظه، فإن قوله: "إن له
(2/946)

الخيار راجع إلى المسألة الأولى دون الثانية قطعا وبتاتا بدليل روايات الكتب المعتمد عليها.
منها: ما ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- في "أصول الفقه" على وفق ما ذكرته حيث قال: وعلى هذا قال في "الجامع": لو قال: والله لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار، فأي الدارين دخل بر في يمينه لأنه ذكر الكلمة في موضع الإثبات فتقتضي التخيير في شرط البر، ولو قال: لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأي الدارين دخل حنث في يمينه؛ لأنه ذكرها في موضع النفي فكانت بمعنى ولا، وهكذا أيضا في "شروح الجامع الكبير" في الباب الآخر من أيمانه.
وقال المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير": رجل قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار، فأيهما دخل حنث؛ لأنه التزم أحد الأمرين، فلو لم يحنث بأحدهما لصارت اليمين واقعة عليهم جميعا معا وذلك باطل.
ألا ترى أنه لو عطف بالواو مع إعادة حرف النفي لكان الجواب ما قلنا، فكان هذا أولى.
والفصل الثاني: ولله لأدخلن هذه الدار اليوم، أو لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار، فأيهما دخل بر، وإن مضى اليوم قبل أن يدخلهما حنث؛ لأنه التزم دخول إحداهما، فلو لم يبر بدخول إحداهما
(2/947)

لصار ملتزما دخولهما وليس كذلك، وهكذا أيضا في غيره من "شروح الجامع الكبير" ثم لا يمكن أن يقال: إن معناه أن له الخيار أي في المسألة الثانية أيضا بأن يكون مختارا بين الدخول في إحدى هاتين الدارين مع الحنث؛ لأنه لا يطلق في مثله اسم الخير.
ألا ترى أنه كيف نفى الخيار قبل هذا في الكتاب في مثل ذلك في قوله في رجل قال: "والله لا أكلم فلانا أو فلانا- إلى قوله- ولا خيار له في ذلك"، ثم يحتمل أن تكون فائدة إعادة ذكر هذه المسألة الثانية مع ذكر نظيرها قبلها هي إعلام أنه لا يتفاوت ذكر كلمة "أو" في موضع النفي بين أن يكون هي في اسمين كما في المسألة الأولى أو بين فعلين كما في هذه المسألة، ففي كل منهما يقتضي التعميم.
(ولها وجه آخر ها هنا) أي في الأفعال.
(ويحتمل ضرب الغاية) أي ويحتمل صدر الكلام ضرب الغاية لكونه التحريم للفعل.
وهو} يَتُوبَ {على الاسم وهو {شَيْء}.
(2/948)

(وللمستقبل) وهو} يَتُوبَ {(على الماضي) وهو} لَيْسَ {يعني لو كان قوله:} أَوْ يَتُوبَ {معطوفا على ما قبله لكان لا يخلو إما إن كان معطوفا على} شَيْءٌ {أو معطوفا على} لَيْسَ {، وليس كل واحد منهما صالحا لكونه معطوفا عليه له لما ذكر، فلذلك سقطت ها هنا حقيقة العطف من "أو" فكان أو ها هنا على هذا التقدير بمعنى "إلا أن" على معنى} لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ {فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم.
كذا في "الكشاف" جعل هذا الوجه آخر الوجوه، وذكر فيه قبل هذا إنه معطوف على ما قبله وهو قوله:} لِيَقْطَعَ طَرَفًا {وقوله:} لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ {اعتراض، والمعنى إن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء.
وقيل: إن} يَتُوبَ {منصوب بإضمار أن، وإن} يَتُوبَ {في حكم اسم معطوف ب} أو {على الأمر، أو على} شَيْءٌ {أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم إلى آخره.
(واستعير) أي حرف "أو" استعير (لما يحتمله) وهو يحتمل الامتداد أي والتحريم يحتمل الامتداد ويكون الامتداد في غير التحريم أيضا كما في قولك:
(2/949)

لألزمنك أو تعطيني حقي،، وعلى هذا قراءة من قرأ:} تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ {بالنصب كما في قول الشاعر.
لا أستطيع نزوعا عن مؤدتكم ... أو يصنع البين غير الذي صنعا
أي حتى يصنع.
وعلى هذا كان قوله: أو أدخل هذه الدار الأخرى بالنصب في قوله: والله لا أدخل هذه الدار، (أو أدخل هذه الدار الأخرى)، والله أعلم.
(2/950)

باب حتى
(لا يسقط ذلك عنه) أي لا يسقط معنى الغاية عن هذا الحرف إلا مجازا ليكون الحرف موضوعا لمعنى يخصه أي يخص الحرف ذلك المعنى حتى ينتفي الاشتراك، أو المعنى يخص ذلك الحرف لينتفي الترادف، هذا هو الأصل، وقوله: "إلا مجازا" يعني أينما وجد هذا الحرف وجد فيه معنى الغاية إلا إذا استعمل هذا الحرف بمعنى حرف آخر مجازا، حينئذ يسقط عنه معنى الغاية كما في قوله: عبده حر إن لم آتك حتى أتغد عندك، كان هذا هنا للعطف المحض.
(فعلمنا أنها وضعت له) أي إن كلمة (حتى) وضعت لمعنى الغاية،
(2/951)

فأصلها كمال معنى الغاية وخلوصها لذلك بمعنى إلى، ولكن الفرق بينهما من وجوه:
أحدها- وهو أيسرها مأخذا- أن كلمة (حتى) تدخل في الغاية الوضعية لا في الجعلية، ونعني بالوضعية أن ينتهي بها الغيا أو ينتهي عندها، وعن هذا لا يقال: نمت البارحة حتى نصف الليل؛ لأن الليل لا ينتهي به ولا عنده، وكلمة إلى تدخل فيهما جميع كقوله تعالى:} ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ {وقوله:} وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ {فالأيدي لا تنتهي بالمرافق ولا عندها، وكذا صح فيها أن يقال: نمت البارحة إلى نصف الليل، وباقي الفروق مذكور في "الموصل" بعبارة تليق به.
وتقول: (أكلت السمكة حتى رأسها أو إلى رأسها، فإنه بقي)، اعلم أن المصنف- رحمه الله- بهذا التفسير بين خلوص معنى الغاية في حتى؛ لأن كلمة إلى خاصة في الغاية لا كلام فيها، فإنها لو ذكرت في هذا المقام بأن قيل: أكلت السمكة إلى رأسها كان معناها هكذا، وهو أن يقال: إن رأسها بقي، فلما جاءت حتى هاهنا في معنى إلى في حق بقاء الرأس علم أن حتى جاءت للغاية الخالصة، فإن حتى لو لم تكن خالصة للغاية ها هنا لجاءت على ما يقوله
(2/952)

أهل النحو، وهو: أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وبه تفارق كلمة إلى أيضا هو فرق آخر بينهما على ما ذكر في كتب النحو بقوله: ومن حق حتى ن تدخل ما بعدها فيما قبلها.
ففي مسألتي السمكة والبارحة قد أكل الرأس. ونيم الصباح، بخلاف كلمة إلى.
(وهذا على مثال سائر الحقائق) أي الكمال هو الأصل في سائر الحقائق فكذا هنا، فعلى هذا الطريق جعل ها هنا ورود حتى لخلوص معنى الغاية حقيقتها الأصلية، ولكن الاستعمال فيها على وفق ما ذكر في كتب النحو وهو: أن يدخل ما بعدها فيما قبلها.
(ثم قد يستعمل للعطف لما بين الغاية والعطف من المناسبة) لما فيهما من التعاقب، فإن المعطوف يعقب المعطوف عليه ويجتمع معه، فكذلك الغاية تذكر بعد لمغيا وتجتمعان، فاستعيرت للعطف.
(2/953)

لهذا (جاءني القوم حتى زيد) فيه معنى العطف؛ لأن زيدا جائي فكان للعطف من هذا الوجه، ومن حيث إن مجئ القوم ينتهي بمجيئه فيه معنى الغاية، وذلك إنما يكون إذا كان (زيد أفضلهم) لا يتوقع مجيئه عادة، فينتهي مجئ القوم بمجيئه، (أو أرذلهم)؛ لأن في العادة إنما يعتبر مجئ الأكابر لا الأراذل، فلما أراد ذكر تعميم مجئ القوم ذكر بهذا الطريق ليعلم به مجئ جميعهم، فكان مجئ الأراذل غاية لانقطاع مجئ القوم.
ألا ترى إلى وصل (قولهم: استنت الفصال حتى القرعى) بهذا القول علم بهذا أنه أراد به الأرذل وهذا مثل يضرب لمن يتكلم مع من لا ينبغي أن يتكلم بين يديه لجلالة قدره. يقال: استن الفرس إذا رفع يديه ويطرحهما معا ويضرب برجليه كذلك في العدو، والقريع: الفصيل الذي به قرع- بالتحريك- هو بثر أبيض يخرج بالفصال ودواؤه الملح، فإذا لم يجدوا
(2/954)

ملحاً نتفوا أوباره ونضحوا جلده بالماء ثم جروه على السبخة وجمعه القرعى كمريض ومرضى، ثم ها هنا الاستنان أي العدو لا يتوقع من القريع لضعفه لما اتصل به من القرع، فينتهي استنان سائر الفصال باستنانها.
وحاصله أن في حتى لم يكن بد من اعتبار معنى الغاية إما في الأعلى أو في الأدنى، وهو معنى ما ذكر في "المفصل" بقوله: وحتى للغاية والدلالة على أحد طرفي الشيء.
(2/955)

(فكانت حقيقة قاصرة)؛ لأن كمال الغاية هو أن لا تدخل الغاية تحت المغيا على ما أشار إليه قبل هذا بقوله: فأصلها كمال معنى الغاية فيها وخلوصها لذلك بمعنى إلى.
وهناك لم تدخل الغاية تحت المغيا، ولما دخلت الغاية هنا تحت المغيا باعتبار وجود معنى العطف فيها حتى دخل زيد تحت الجائين في قوله: جاءني القوم حتى زيد مع وجود معنى الغاية كانت الغاية فيها قاصرة بالنسبة إلى ما ذكر قبله من كمال معنى الغاية فيها، تقول: (ضربت القوم حتى زيد غضبان) يعني ضربت القوم حتى صار زيد غضبان، فصار غضب زيد غاية الضرب.
(ومواضعها في الأفعال أن يجعل غاية بمعنى إلى) كقوله تعالى:} حَتَّى تَغْتَسِلُوا {.
(أو غاية هي جملة مبتدأة) كقول الله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول}
(2/956)

في قراءة من قرأ بالرفع.
(وعلامة الغاية أن يحتمل الصدر الامتداد) كقوله تعالى:} فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ {(وأن يصلح الآخر دليلا على الانتهاء)؛ لأن الغاية هي التي ينتهي إليها الشيء، فلا بد من الامتداد في الأول والانتهاء في الآخر.
(فإن لم يستقم فللمجازاة) وعدم الاستقامة، إما بعدمهما أو عدم أحدهما، فيحمل على المجازاة إذا كان صدر الكلام سببا لما بعده وما بعده يصلح حكما له، فحينئذ يحمل على المجازاة؛ لأن جزاء السبب غاية لسببه، فيكون المجازاة مع قيام معنى الغاية نظير قسم العطف من الأسماء كما قلنا: جاءني القوم حتى زيد، وأكلت السمكة حتى رأسها أنه للعطف مع قيام معنى الغاية، فكذلك ها هنا إنه للمجازاة مع معنى الغاية.
(2/957)

قال الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ {وما قبله:} قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ {إلى قوله:} حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ {فالمقاتلة ها هنا تصلح دليلا للامتداد؛ لأنه يقال: قتل شهرا وقاتل سنة، والآخر يصلح للانتهاء؛ لأن نفس الكفر غير مبيح للقتل إذا لم يكن من أهل صلاحية القتال؛ لأن قتل رهابين الكفار وشيوخهم ونسائهم غير مشروع، بل المبيح للقتل كفر المحارب أو صلاحيته، والجزية خلف عن الإسلام وقبول ما هو خلف عن الإسلام يصلح دليل لانتهاء القتال، فلذلك كانت كلمة (حتى) هنا للغاية.
(} وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ {) أي كيلا تكون فتنة؛ لأن آخر الكلام لا يصلح لانتهاء صدر الكلام؛ لأن القتال واجب مع عدم الفتنة، فإن القتال واجب وإن لم يبدأ الكفار لقوله تعالى:} قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ {
(2/958)

الكُفَّار} وقوله تعالى:} ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً {. ولكن صدر الكلام يصلح سببا لانتفاء الفتنة فلذلك حمل على لام كي. هذا على تقدير تفسير الفتنة بالخراب والقتال.
وأما على تقدير تفسيرها بالشرك والكفر كان غاية للقتال؛ لأن القتال ينتهي بانعدام الشرك، وتفسيرها بالشرك أولى بدلالة ما بعدها، وهو قوله تعالى:} ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ {
وقوله: (على ما هو موضوع الغايات أنها أعلام الانتهاء من غير أثر) معناه أن الغاية علامة على انتهاء صدر الكلام من غير أن يكون للغاية أثر في انتهاء صدر الكلام، على ما عرف أن علامة الشيء أن تعرف ذلك الشيء ولا توجبه، ولا يضاف ذلك الشيء إليه لا وجودا ولا وجوباً كالإحصان
(2/959)

مع الرجم، فإن الإحصان علامة على وجوب الرجم إذا وجد الزنا من المحصن من غير أن يكون الرجم مضافا إليه لا وجوبا ولا وجودا.
ثم معنى قوله:} وزُلْزِلُوا {حركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع،} حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ {أي إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها} مَتَى نَصْرُ اللَّهِ {أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم؛ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها، وقرئ} حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ {بالرفع على أنه في معنى الحال
(2/960)

كقوله: شريت الإبل حتى يجئ البعير يجر بطنه. إلا أنه حال ماض محكية، فلا يكون فعلهم سببا لمقالة الرسول.
فإن قيل: فليس لهم الفعل في زلزلوا، بل وقع الزلزال عليهم، فكيف جعل ذلك فعلهم؟
قلنا: فإنهم لما زلزلوا كان التزلزل موجودا منهم؛ لأنهم إذا حركوا كان التحرك موجودا منهم خصوصا على اصطلاح أهل النحو، فإنهم هم الفاعلون بسبب أنهم أسند إليهم الزلزال على بناء المفعول.
(والكف عنه محتملة في حكم الحنث لا محالة) يعني أن الضرب لما كان ممتدا بطريق التكرار فالكف عنه الذي حكم الحنث يحتمل الامتداد بالطريق الأولى؛ لأن الكف عن الضرب امتناع، والامتناع عن الشيء أكثر امتدادا من ذلك الشيء، وإنما قال: "والكف منه محتمله لا محالة" لأن صدر الكلام إن لم أضرب فلا بد من كونه ممتدا.
أو نقول: "والكف عنه أي عن الضرب محتمله" أي الكف عن الضرب محتمل الضرب أي الامتناع عنه محتمل؛ لأنه يشترط أن يكون فعل الحنق مقدورا حتى يتحقق الحنث.
ألا ترى أن من قال: إن لم أقتل فلانا فعبده حر، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته لم يحنث؛ لأن شرط الحنث عدم القتل وهو غير ممكن.
(2/961)

(وهذه الأمور دلالات الإقلاع عن الضرب) أي الامتناع عنه؛ لأن الصياح يصلح دليلا على انتهاء الضرب، وكذلك إخواته، وصدر الكلام يحتمل الامتداد؛ لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل الامتداد يعني بتجدد أمثاله يمتد كالجلوس وغيره، فيكون الضرب إلى هذه الأمور ممتدا في حكم البر. يعني إذا ضربه إلى هذه الغاية بر في يمينه، فإذا أمسك عن الضرب قبل وجود هذه الأمور حنث لفوات البر فوجب العمل بحقيقتها إذا لم يغلب على الحقيقة عرف هو راجح حينئذ، وفيما نحن فيه لم يغلب فوجب العمل بالحقيقة حتى لو غلب على الحقيقة عرف هو راجح تترك الحقيقة وتحمل على العرف في قولهم: إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت، فإنه يحمل على الضرب الشديد حتى إذا ضربه ضربا شديدا ثم أمسك عن الضرب قبل أن يقتله أو يموت فقد بر، ولو قال: إن لم أضربك حتى يغشى عليك فأميك عن الضرب قبل أن يصير مغشيا عليه حنث؛ لأنه لم يغلب على الحقيقة عرف راجح، فإن الضرب إلى أن يغشى عليه كالضرب إلى أن يشفع فلان وغير ذلك.
(2/962)

(لأن هذا الفعل إحسان) أي فعل التغدي إحسان من المتعدي لصاحب الطعام.
فإن قلت: كيف يكون أكل طعام الغير إحسانا لذلك الغير بل هو إحسان لنفسه وهو الأكل؟
قلت: نعم هو أحسان لنفسه وهو ظاهر لكن مع ذلك هو إحسان لصاحب الطعام أيضا.
ألا ترى إلى قصة ضيف إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى:} هل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ (24) إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا {إلى قوله:} فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً {فلما خاف إبراهيم عليه السلام بسبب تركهم الأكل علم أن أكل طعامه إحسان له منهم؛ لأنهم يزيلون به خوفه، فإزالة الخوف من الغير إحسان له.
(ولا يصلح إتيانه سببا لفعله)؛ لأنه موقوف على اختيار مختار وفعل بإرادة، والحكم ما يحصل عقيب السبب كالملك عقيب الشراء والحل عقيب النكاح، وفي هذا موقوف على اختيار مختار، فلذلك لم يصلح إتيانه سببا لفعله بخلاف ما إذا كان بين اثنين بأن قال: إن لم آتك حتى تغذيني حيث صار الأول سببا للثاني، والثاني حكما للأول، وإن توقف على فعل مختار؛
(2/963)

لأن الثاني يجعل كأنه فعل من غير اختيار فرارا من اللوم وشين التغيب، فإنه في العرف يعد لوما ويعير على ذلك بأن يأتيه إنسان وهو لا يقدم إليه الطعام، ولا كذلك في مسألتنا فإنه لا يعد من اللوم فافترقا من هذا الوجه.
(ولا فعله جزاء لإتيان نفسه)؛ لأنه لا يصلح مكافيا لنفسه؛ لأن المكافئ غير المكافي، ولهذا لأن الجزاء الخير بطريق المكافأة إنما يفعل لكي يكون ذلك داعيا ومحرضا إلى ذلك الفعل الذي صار ذلك الفعل سببا لوجود مثل هذا الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر لفعله والمكافأة، وذلك إنما يصح له من الغير لا من نفسه لنفسه؛ لأن ذلك مطلق العنان كامل الاختيار فيتمكن من الإقدام على إحراز المحاسن التي يتيسر من غير أن يجازي الجزاء الحسن نفسه لنفسه.
فلذلك حمل على العطف المحض لا على المجازاة، ثم بحمل الجزاء المذكور في الكتاب على الجزاء الحسن الذي يحصل من الغير بطريق الشكر يخرج الجواب عن شبهة يقولونها بأن فعل الإنسان يصلح جزاء لفعل نفسه.
ألا ترى أن أداء المثل فعل نفسه في كفارة الحج في قتل الصيد الذي هو فعل نفسه أيضا، وكذلك سجدة السهو في صلاته، وكذلك ضمان إتلاف مال الغير كل ذلك فعل منه صلح جزاء لفعل نفسه.
(2/964)

قلنا: قد أوجب الله تعالى تلك الأفعال عليه إما زجر عليه كما في كفارة الصيد أو لجبر النقصان كما في سجدة السهو، وضمان الإتلاف فلا يرد علينا نقضا لما أن الجزاء المذكور هو الذي يجازي به بطريق الشكر، وذلك لا يتصور من نفسه لنفسه.
وقوله: (فصار كنه قال إن لم لآتك فأتغد عندك) متصل بقوله: ولو قال: "عبدي حر إن لم آتك حتى أتغدى عندك" لأن قوله: "حتى أتغدى" لا يصلح أن يكون تفسيرا لقوله: " إن لم آتك حتى أغذيك" وقوله: حتى إذا آتاه فلم يتغد ثم تغدى من غير تراخ).
فإن قيل: في هذا اللفظ تناقض؛ لأنه لما لم يتغذ حين آتاه ثم تغذى بعده لا بد أن يقع تغذيه متراخيا عن الإتيان فكيف قال بعد ذلك: ثم تغذى من بعد غير متراخ؟
قلنا: المراد من قوله: "لم يتغذ" أي لم يتغذ مقارنا بالإتيان، ولكن تغذى بعد الوصول إليه من غير تراخ، أو معناه من غير تراخ أي من غير تبدل المجلس، فإن الفعل إذ أوتي به من غير تبدل المجلس لا يسمى متراخيا.
(وهذه الاستعارة) أي الاستعارة للعطف المحض (اقترحها أصحابنا)
(2/965)

أي قالها، وفي المصادر الاقتراح: جيزي رادر وقت كفتن.
(وهذا على مثال استعارات أصحابنا في غير هذا الباب) كما في استعارة البيع والهبة للنكاح، واستعارة العتاق للطلاق، ثم حاصل هذا المجموع هو ما ذكر في خزيادات صاحب الهداية بقوله: "إنه إذا كان للغاية لا يبر في يمينه إذا أقلع عن الفعل قبل وجود الغاية، وفي المجازاة لا يتوقف البر على وجود الفعل الثاني، وفي العطف يتوقف البر على وجودهما، وفي قوله: "إن لم آتك حتى أتغذى" صر كأنه قال: إن لم آتك فأتغذى فما لم يوجد الفعلان لا يبر في يمينه، ولو أتاه في اليوم وتغذى عنده بر في يمينه إلا إذا غني به الفور؛ لأن شرط البر وجود الفعلين بوصف التعقيب، والتعقيب قد يكون بوصف الاتصال، وقد يكون بوصف التراخي، فإذا وجد الفعلان فقد وجد شرط البر، والله أعلم.
(2/966)

باب حروف الجر
(ولهذا صحبت الباء الأثمان) إيضاح لقوله: "إن الباء للإلصاق".
ووجه الاستدلال به على أن الباء للإلصاق هو أن المبيع صل في البياعات والثمن تبع، وهو معروف بدليل صحة البيع عند عدم ملك الثمن وعدم صحته عند عدم ملك المبيع، وكذلك في الإقالة لا تحتاج صحتها إلى بقاء الثمن وتحتاج إلى بقاء المبيع، ولما كان كذلك لم يكن بد من استعمال الباء في إبدال المعاوضات ليستدل بها على أن هذا البدل بمقابلة ذلك البدل وهو معنى الإلصاق؛ لأنه يلصق هذا بذاك، وفي إلصاق الشيء بالشيء يعلم أن ما دخل فيه الباء تبع كالآلة، وما لم يدخل فيه أصل، كما يقال: كتبت بالقلم، وضربت بالسوط، وتكلمت باللسان، والآلة ليست بمقصودة فتعين دخول الباء في الثمن ليكون داخلا في الآلة في البيع كما في النظائر ليكون المبيع
(2/967)

ملصقاً بالثمن (فيمن قال: إن اشتريت منك هذا العبد بكر من حنطة)، ووصفها أن الكر ثمن) وإنما عين هذه الصورة؛ لأن ما ادعاه من دخول الباء في الأثمان لا يتأتى إلا في هذه الصورة. بيان ذلك مذكور في "النهاية" هو أن الأموال ثلاثة:
ثمن محض كالدراهم والدنانير، فإنها خلقت للثمنية سواء صحبها حرف الباء أو لا.
ومبيع محض وهو الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال كالحيوانات، ومتردد بين كونه مبيعا وثمنا فهو المكيلات والموزونات، فإنها مبيعة باعتبار أنها منتفع بأعيانه ثمن باعتبار أنها مثلية كالدراهم والدنانير، فإن قابلها الدراهم والدنانير فهي مبيعة.
وأما إذا كان في مقابلتها عين فإن كانت المكيلاات والموزونات معينة فهي مبيعة وثمن سواء دخل فيها الباء أم لا؛ لأن البيع لا بد له من مبيع وثمن، وليس أحدهما بأن يجعل مبيعا بأولى من الآخر، فجعلنا كل واحد منهما مبيعا من وجه ثمناً من وجه.
(2/968)

وأما إذا كانت غير معينة فإن استعملت استعمال الثمن فهي ثمن بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة ويصف ذلك، وإن استعملت استعمال المبيع كانت مبيعة بأن قال: اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق السلم. كذا في "الذخيره" وغيرها.
" إن الكر ثمن يصح الاستبدال به" وإنما ذكر هذا لأن جواز الاستبدال من خاصية الأثمان (بخلاف ما إذا أضاف العقد إلى الكر فقال: اشتريت منك كر حنطة بهذا العبد فإنه يكون سلما)؛ لأنه لما أضاف إليه العقد جعله مبيعا لأن المبيع ما يضاف إليه البيع، والمبيع لا يثبت في الذمة إلا سلما، فلذلك جعل ها هن هذا سلما.
(فصار الكر شرطا) أي تبعا؛ لأن ما صحبه الباء لا يصلح مفعول الخبر؛ لأن ما صحبه الباء صار جارا ومجرورا وهو شاغل ومشغول، فلا يصلح أن يكون مشغول الغير.
(2/969)

ولا يقال يقولون: فلان شكر لفلان، وقوله: لفلان شاغل ومشغول ومع ذلك يصلح مفعولا؛ لأنا نقول: إن حرف الجار ها هنا صلة؛ لأنه يستعمل باللام وغير اللام، وشغله لم يكن أصليا بخلاف الباء، فإنه للإلصاق، وفي جعله مفعولا إبطال الإلصاق فلا يجوز، فأمكن أن يجعل شيئا آخر مفعولا وهو خبر في قوله:
(إن أخبرتني) خبرا ملصقا بقدومه، والتحقيق فيه أن يقال: إن الباء لما كانت للإلصاق اقتضى الاسم الذي دخل فيه الباء اسما آخر يلصق هو به
(ومفعول الخبر) أي ومفعول الثاني للإخبار إنما يجئ بغير حرف الجر كما في قوله: إن أخبرتني خبرا أو إن أخبرتني أن فلانا قد قدم، فلم يصلح لذلك أن يكون الاسم الذي دخل فيه الباء مفعول الخبر؛ لاقتضاء حرف الإلصاق إلصاق الاسم بالاسم الذي هو المفعول الثاني للإخبار في قولك: أن أخبرتني خبرا ملصقا بالقدوم، ومعنى حرف الإلصاق قولهم: مررت بزيد أي التصق مروري بموضع يقرب من زيد.
(2/970)

ولما كان كذلك (والقدوم اسم لفعل موجود) لم يقع لذلك يمينه على الكذب.
فإن قيل: يشكل هذا قول من قال لامرأته: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، فقالت: أحب. طلقت وإن كانت كاذبة فيما أخبرت على قولهما خلافا لمحمد.
قلنا: إنما وقع ذلك على الإخبار فحسب؛ لأن الإطلاع على ما في القلب غير ممكن على العباد، فجعل اللسان خلفا عن القلب، فطلقت لوجود ما هو خلف عن القلب لا باعتبار أنه صادق أو كاذب، والأصل أن الشيء إذا قام مقام شيء آخر لتعذر الوقوف على ذلك الشيء الآخر، فالملتفت إليه هو الظاهر القائم مقام غيره لا معرفة حقيقة ذلك الغير، بخلاف القدوم فإنه أمر محسوس معاين ولم يتعذر الوقوف عليه، فلذلك اشترط الخبر الملصق بالقدوم الموجود وذلك بالصدق، ومفعول الخبر كلام لا فعل فصار كأنه قال: إن تكلمت بقدوم فلان، فصار المفعول التكلم بقدومه وقد وجد.
(وذلك دليل الوجود) أي الإخبار دليل الوجود (لا موجب له)؛ لأن الخبر دليل والمدلول غير ثابت به
(2/971)

وفي "التقويم" الخبر هو الكلام الدال على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر وهذا لأن قولهم: ضرب فلان فلانا يدل على وجود الضرب من فلان في الزمان الماضي، ويستحيل أن يثبت الضرب بقولهم: ضرب، فكذلك قوله: "قدم فلان" دليل على قدومه لا أن هذا القول يثبت قدومه بل الإخبار دليل على وجود الصانع، والعالم مثبت الله تعالى ومنشأه، فيستحيل أن يكون العالم مثبتا، فكن شرط الحنث قوله: "قدم فلان" وقد وجد ذلك فيحنث وجد القدوم أو لم يوجد.
وقوله: () ولهذا قالوا في قول الرجل: أنت طالق بمشيئة الله إنه بمعنى الشرط)، حتى لا يقع الطلاق كما لا يقع بقوله: أنت طالق إن شاء الله، إيضاح لقوله: "أما الباء فللإلصاق" لما أن بين الإلصاق والشرط مناسبة، فكان كون الباء بمعنى الشرط في قوله: "بمشيئة الله" إنما كان بسبب أن الباء للإلصاق، فوجه المناسبة بينهما أن بالإلصاق يتصل الملصق بالملصق به، ولا وجود للملصق بدون الملصق به، فكذلك المشروط يتصل بالشرط أيضا، ولا وجود للمشروط بدون الشرط فتناسبا فاستعير الإلصاق للشرط، (وكذلك أخواتهما) وهي الرضا والمحبة.
(2/972)

(حتى أوجب مسح بعض الرأس) وذلك أدنى ما يتناوله اسم الرأس ولو ثلاث شعرات، هكذا نص في "المبسوط".
(2/973)

(فيصير تقديره: وامسحوا رؤوسكم)، فيلزمه استيعاب جميع الرأس.
(وقد بينا أن التكرار والاشتراك لا يثبت في الكلام أصلا) أي لا يثبت بطريق الأصالة، و (لا يصار إلى إلغاء الحقيقة)، وهي أن الباء للإلصاق، فيلزم من قول الشافعي إلغاء حقيقة الإلصاق، ويلزم من قول مالك حمل الكلام على التوكيد من غير ضرورة، وإذا حمل على التوكيد تلغى حقيقة الإلصاق أيضا، فكان العمل بالحقيقة هو ما قاله أصحابنا- رحمهم الله: إن الباء للإلصاق، ولكن التبعيض والاستيعاب إنما ينشأ من شيء آخر وهو ما
(2/974)

قرره في الكتاب.
وقوله: (وأما الاستيعاب في التيمم) إلى آخره جواب لما ورد شبهة على الدعوى الأولى وهي أن الباء للإلصاق، لكن إذا دخل في محل المسح لم يقتض استيعابه.
والجواب: أما على رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فلا يشكل؛ لأنه لا يشترط الاستيعاب لهذا المعنى، وأما على ظاهر الرواية فهو ما ذكره في الكتاب.
(وعلى هذا قول الرجل) أي وعلى أن الباء للإلصاق؛
(2/975)

(لأن الاستثناء يناسب الغاية)؛ لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فكذا في الاستثناء يخالف ما بعده لما قبله، ولأن الغاية تكون متصلة بالمغيا، فكذلك الاستثناء يكون متصلا بالمستثنى منه.
[على]
(فإن دخلت في المعاوضات المحضة كانت بمعنى الباء)؛ لأن تقريره على ما وضع له فيها متعذر؛ لأن فيها معنى الشرط، والمعاوضات المحضة لا تليق بالشرط لما فيه من الإيجاب بالخطر وهو قمار وذلك لا يجوز، فلذلك استعيرت للباء؛ لأنها مخصوصة لمصاحبة الأعواض وإلصاق بعضها ببعض فاستعير له، (لأن اللزوم يناسب الإلصاق) بل هو أثر الإلصاق، فكان بمنزلة المطاوع للمتعدي؛ لأن اللزوم في اللغة هو اللصوق، واللصوق مطاوع
(2/976)

الإلصاق، والملصق يلزم الملصق به، فكان بينهما تناسب.
(وإذا استعملت في الطلاق كانت بمعنى الشرط عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- حتى) إن الزوج إذا طلقها واحدة عقيب قولها: طلقني ثلاثا على ألف درهم لم يجب شيء، ولكن يقع الطلاق الرجعي؛ لأن كلمة (على) للزوم على ما قلنا، والألف لازم على المرأة بقضية كلمة على.
(وليس بين الواقع وهو الطلاق وبين ما لزمها من المال مقابلة)؛ لأن المقابلة من الإضافيات، فيثبت المقابل مع ما يقابله معا معا، وفي المعاوضات يثبت العقد 977، ومع المعوض معا معا تحقيقا للمقابلة، ومن ضرورته يلزم توزع أجزاء العوض على أجزاء المعوض، وما نحن فيه ليس بمعاوضة محضة، فلا يتحقق فيه ما يتحقق في المعاوضة المحضة.
(بل بينهما معاقبة) أي يثبت أحدهما وهو المشروط عقيب الآخر وهو الشرط، فإن جعل ثلاث تطليقات شرطا لوجوب الألف يتقدم على وجوب
(2/977)

الألف؛ لأن وجوب الألف مشروط، وإن جعل الألف شرطا وهو الظاهر لدخول كلمة "علي" عليها فوجوب المال يتقدم وقوع الطلاق، وهذ معنى الشرط والجزاء وهو بمنزلة حقيقة كلمة "على" للزوم، وبين الشرط والمشروط ملازمة، وقد أمكن العمل بحقيقة هذه الكلمة فيما نحن فيه فيعمل بها.
ومعنى الحقيقة بينهما باعتبار المعاقبة؛ لأن حقيقة هذه الكلمة التعلي وفيه التعاقب؛ لأن الصاعد على الشيء فوق ذلك الشيء، وكذلك بين الشرط والمشروط معاقبة، أو معنى الحقيقة بينهما باعتبار الملازمة وفيهما ذلك، فكان العمل بمعنى الشرط عملا بحقيقة كلمة "على" بهذا الطريق؛ لأن الطلاق وإن دخله العوض يصلح تعليقه بالشروط، حتى إن الزوج إذا قال: أنت طالق على ألف أنه يمين لا يملك الرجوع عنه قبل قبول المرأة، ولما كان كذلك لم يتوزع أجزاء المشروط على أجزاء الشرط بل المشروط يثبت عقيب جملة الشرط.
والفقه فيه أنه لو توزع أجزار المشروط على أجزاء الشرط يتقدم المشروط على الشرط وهو محال.
(وفي المعاوضات المحضة لا يستقيم معنى الشرط) لما فيه من تعليق المال
(2/978)

بالخطر وهو لا يجوز بخلاف تعليق المال بالطلاق؛ لأن المال وقع في ضمن ما يصح فيه التعليق، وما ثبت الشيء في ضمن شيء لا يعطى له حكم نفسه بل يعطى له حكم المتضمن، ثم في مسألتنا جاز أن يقال: تعلق ثلاث تطليقات بألف، تطليقة بثلث الألف، وجاز أن يقال: تعلق الألف بثلاث تطليقات؛ لأن معنى هذا الكلام: إن طلقتني ثلاث تطليقات فعلي ألف درهم.
وقول المصنف في الكتاب: "فصار هذا منها طلبا لتعليق المال بشرط الثلاث يقرر الأخير، إلا أنه بقي إشكال وهو أن كلمة "على" دخلت على الألف فكان هو شرط، ووقوع الثلاث مشروطا غير أن الكلام لما كان شيئا واحدا كان دخول كلمة "على" على الألف دخولا في ذاك.
والدليل على صحة هذا التقرير الذي ذكرت صريح ما ذكره المصنف- رحمه الله- في "شرح الجامع الكبير" في هذه المسألة بقوله: ولأبي حنيفة- رحمه الله- أن كلمة "على" بمعنى الشرط؛ لأن أصلها اللزوم، واستعير للشرط؛ لأنه يلازم الجزاء فصارت طالبة للثلاث بألف كلمة هي للشرط، فصار كل واحد منهما- أي المال والطلاق- شرطا لصاحبه فصار بحكم الاتحاد دخولها على المال مثل دخولها على الطلاق، وهذا بعينه لفظه- رحمه الله.
وما ذكره في "المبسوط" يدل على هذا أيضا فقال: والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط وهذا يدل على أن وجوب المال على المرأة شرط، والطلاق
(2/979)

مشروط - ثم قال بعده: وإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث، وهذا يدل على أن الإيقاع الثلاث شرط ووجوب المال مشروط.
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة- رحمه الله- عن قولهما بأن الألف يتوزع على التطليقات الثلاث في كلمة"على" أيضا كما يتوزع إذا ذكرت بالباء.
ألا ترى أنها لو قالت: طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء، فكذلك ها هنا يجب أن يكون كذلك؟
قلت: إن جوابه أن للمرأة في طلب ثلاث تطليقات بمقابلة العوض غرضا صحيحا، وهو حصول البينونة الغليظة حتى لا تصير في وثاق
(2/980)

نكاحه، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك لتحصيل مقصودها.
وأما في قولها: طلقني وفلانة على كذا فليس لها غرض صحيح؛ لأنه لا غرض لها في طلاق فلانه ليجعل ذلك كالشرط منها. بخلاف ما نحن فيه فإن لها فيها غرضا صحيحا على ما ذكرنا. كذا في "المبسوط"، فصار هذا بمنزلة حقيقة هذه الكلمة.
وقد ذكر في " المبسوط" وأبو حنيفة - رحمه الله- يقول: حرف "على" للشرط حقيقة؛ لأنه حرف الالتزام ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم، بل بينهما معاقبة كما يكون بين الشرط والجزاء، فكان معنى الشرط فيه حقيقة والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز.
قال الله تعالى:} حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ {وما قبله:} وقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ {؛ أي بشرط أن لا أقول على الله إلا الحق.
(2/981)

[من]
(وأما (من) فللتبعيض هو أصلها) قال في "الجامع" لو قال: إن كان في يدي من الدراهم إلا ثلاثة فجميع ما في يدي صدقة، فإذ في يده أربعة فهو حانث؛ لأن الدرهم الرابع بعض الدراهم، وكلمة (من) للتبعيض، ولو قالت المرأة لزوجها: اخلعني على ما في يدي الدراهم فإذ في يدها درهم أو درهمان تلزمه ثلاثة دراهم؛ لأن (من) هنا صلة لتصحيح الكلام، فإن الكلام لا يصح إلا بها حتى إذ قالت: اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام مختلا، وفي الأول لو قال: إن كان في يدي دراهم كان الكلام صحيحاً.
(2/982)

وكلمة (من) للتبعيض في أصل الوضع فحمل عليه، وقد تكون لابتداء الغاية وللتمييز كما في باب من مديد، وبمعنى الباء قال الله تعالى:} يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ {وقد تكون للصلة كما في قوله تعالى:} يَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}، إلا أن أصلها للتبعيض، وجعل في كتب النحو كونها لابتداء الغاية أصلها وسائر المعاني راجعا إليه كما عرف في "المفصل"
] إلى [
(وأما (إلى) فلانتهاء الغاية)، وإنما قال هكذا ولم يقل للغاية؛ لأن الغاية نوعان، كما يقال في "من" إنها لابتداء الغاية و (إلى) لانتهاء الغاية.
(2/983)

أي الغاية التي بها ينتهي صدر الكلام، (ولذلك استعملت في آجال الديون) لأن الدين إذا كان مؤجلا يصير حالا عند الأجل، فينتهي التأجيل به.
(وإن لم يكن له نية يقع للحال عند زفر).
وأما عندنا فلا يقع إلا بعد مضي شهر، فعند زفر لما وقع في الحال كان ذكر التأجيل بقوله: "إلى شهر" لغوا لما أن الواقع من الطلاق لا يحتمل التأجيل، وقلنا نحن: إن الواقع لا يحتمل الأجل، ولكن الإيقاع يحتمل ذلك؛ لأن علمه في التأخير، والإيقاع يحتمل التأخير، وكلام العاقل مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه، وها هنا ممكن بإدخال حرف (إلى) على أصل الإيقاع لا على الحكم فقلنا به. كذا في "المبسوط".
(والتأجيل لا يمنع الوقوع) كما في الدين، فإن الدين واقع ثم يتأجل، والطلاق إذا وقع لا يمكن تأجيله، فلذلك يقع في الحال.
(وقلنا: إن التأجيل لتأخير ما يدخل عليه، وها هنا دخل على أصل الطلاق)، وأصله يحتمل التأخير بالتعليق بمضي شهر أو بالإضافة إلى ما بعد
(2/984)

الشهر فكان مؤخرا أصله لذلك.
وأما أصل الثمن لا يحتمل التأخير بالتعليق والإضافة؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال، ولو تأخر وجوب الثمن لم تتحقق مبادلة المال بالمال، فلا يتحقق البيع، فإذا تعذر تأخير وجوب أصل الثمن حملنا الكلام هناك على تأخير المطالبة.
وأما ها هنا فيحتمل التأخير بهذين الوجهين، فلذلك قلنا: لا يقع في الحال عملا بكلمة (إلى) احترازا عن إلغاء ذكر الغاية فيقع الطلاق بعد مضي الشهر.
(والأصل في الغاية إذا كان قائما بنفسه لم يدخل في الحكم)، وهذا احتراز عن قوله تعالى:} إلَى المَرَافِقِ {، فإن معنى القيان بنفسه أنه في وجوده لا يفتقر إلى غيره. أي إلى محل آخر مثل ما قلنا في المرافق؛ لأن صدر الكلام تناولها، فلا يكون ذكر الغاية لمد الحكم إليه، فيكون لإسقاط ما وراءها، ونظير هذا أيضا قوله: والله لا أكلم فلانا شهرا. صدر الكلام يتناول الشهر فما فوقه، فيكون ذكر الشهر لإخراج ما وراءه عن صدر الكلام لا لمد
(2/985)

الحكم إليه بخلاف الصوم، فإن مطلقه يتناول ساعة، فكان ذكر الغاية لمد الحكم إليها فلا يدخل في الحكم.
(ولهذا قال أبو حنيفة- رحمه الله) هذا لإيضاح قوله: إلا أن يكون صدر الكلام يقع على الجملة، فكانت الغاية لإخراج ما وراءها فيبقى داخلا بمطلق الاسم فكذلك ها هنا.
فبيان هذه المسألة مذكور في باب الخيار في البيع من بيوع "المبسوط" فقال: إذا اشترى الرجل شيئا على أنه بالخيار إلى الغد أو إلى الليل أو إلى الظهر، فله الغد كله والليل كله ووقت الظهر كله في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه-، وقال ألو يوسف ومحمد- رحمهما الله: الخيار إلى طلوع الفجر وإلى أن تغيب الشمس، ولا تدخل الغاية في الخيار عندهما؛ لأن الغاية حد والحد لا يدخل في المحدود. كما لو قال: بعت منك من هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الحائطان في البيع، وكذلك لو حلف لا يكلم فلانا إلى رمضان لا يدخل الحد، ولأبي حنيفة- رحمه الله- في المسألة حرفان:
أحدهما- إن البدل الذي في جانب من له الخيار باق على ملكه سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، والملك الثابت له بيقين لا يزال بالشك.
والثاني- إن الغاية في كل موضع تكون لمد الحكم إلى موضع الغاية لا يدخل الغاية كما في الصوم لما عرف، وفي كل موضع ذكر الغاية لإخراج ما
(2/986)

وراءها فيبقى موضع الغاية داخلا، وها هنا لو شرط الخيار مطلقا ثبت الخيار مؤبدا ولهذا فسد العقد، فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها، فيبقى موضع الغاية داخلا، ولكن يشكل على هذه الطريقة فصل اليمين.
وروى الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أن الغاية تدخل في اليمين، فنأخذ في اليمين على هذه الطريق بتلك الرواية.
وقوله: (وكذلك في الآجال في الأيمان) وهي جمع يمين بمعنى الحلف. لا الأثمان في البياعات على ما وقع في بعض النسخ؛ بدليل ما ذكرنا من رواية الحسن في اليمين من رواية "المبسوط".
وكذلك ذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" في هذا الموضع وقال: وفي اليمين إذا حلف لا يكلم فلانا إلى وقت كذا تدخل الغاية في رواية الحسن عن أبي حنيفة- رحمهما الله- لأن مطلقه يقتضي التأبيد، فذكر الغاية لإخراج ما وراءها، ولا تدخل في ظاهر الرواية؛ لأن في حرمة الكلام ووجوب الكفارة بالكلام في موضع الغاية شكا، ولأن ما ذكره من إيضاح الأصل الذي ذكره بقوله: "إلا أن يكون صدر الكلام يقع على الجملة، فتكون الغاية لإخراج ما وراءها، فيبقى داخلا بمطلق الاسم" إنما يصح في اليمين لا في الثمن.
(2/987)

وقال في (قوله: لفلان علي من درهم) إلى آخره. أي وقال أبو حنيفة- رحمه الله- لم يدخل؛ (لأن مطلق الاسم لا يتناوله) أي لأن مطلق اسم الدرهم لا يتناول العاشر فلا يدخل العاشر، وفي مثل هذا لا يدخل الحد في المحدود. كما في مسألة بيع الأرض من هذا الحائط إلى هذا الحائط، ولأن الأصل هو ما قاله زفر: إن الحد لا يدخل في المحدود، وما لا يقوم بنفسه حد ذكرا وإن لم يكن واجبا إلا أن الغاية الأولى لا بد من إدخالها؛ لأن الدرهم الثاني والثالث واجب، ولا يتحقق الثاني بدون الأول، فلأجل هذه الضرورة أدخلنا الغاية الأولى، ولا ضرورة في إدخال الغاية الثانية، فأخذنا فيها بالقياس.
(وقالا: يدخل) أي يدخل العاشر؛ لأنه ليس بقائم بنفسه، وهذا لأنا ذكرنا أن معنى القائم بنفسه هو أن لا يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، والعاشر مفتقر في وجوده إلى غيره وهو التسعة، فكان غير قائم بنفسه، فيدخل كما في قوله تعالى:} إلَى المَرَافِقِ {، وهذا لأن العاشر في الإقرار والثالث في الطلاق لما كانا غايتين لم يكن بد من وجودهما ليصلح غاية، ووجود العاشر بوجوبه ووجود الثالث من الطلاق بوقوعه، فلذلك دخلا.
(2/988)

(وكذلك هذا في الطلاق) يعني لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تخل الغاية الثانية؛ لان مطلق الكلام وهو مطلق الطلاق لا يتناوله وفي ثبوته شك، ولكن الغاية الأولى تدخل للضرورة، وعندهما تدخل الغايتان؛ لان هذه الغاية لا تقوم بنفسها فلا تكون غاية ما لم تكن ثابتة.
وقوله: (وإنما دخلت الغاية الأولى للضرورة). إنما ال هذا لدفع شبهة، وهي أن يقال: إذا لم يكن صدر الكلام متناولا للجملة ينبغي أن لا تدخل الغاية الأولى أيضا كما لو قال: بعت من هذا الحائط إلى هذا الحائط فقال في جوابها: إنما دخلت الغاية الأولى للضرورة؛ لأن الطلقة الثانية داخلة في الكلام بالاتفاق، وهي لا تكون ثابتة قبل ثبوت الأولى.
] في]
(وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- هما سواء) أي حكم في غد
(2/989)

كحكم غدا، لأن الظرف هو غد في الحقيقة فلا يختلف حكمه بحذف حرفه وإثباته.
كقولهم: دخلت الدار وفي الدار.
ولأبي حنيفة- رحمه الله- (إن حرف الظرف إذا سقط اتصل الطلاق بالغد بلا واسطة) فيكون جميع الغد مفعولا، وإذا قال: في غد جعل المفعول جزءا من الغد، كذا ذكر في "بديع الإعراب" وجزء من الغد مبهم، فإليه تعينه؛ لأن الإبهام جاء منه.
(فيصدقه القاضي) إلا أنه إذا لم يكن له نية يقع في الجزء الأول من الغد لعدم المزاحمة بخلاف قوله: غدا. حيث لا يصدق فيه في نية آخر النهار.
وقيل: المعنى فيه هو أن قوله: "غدا" يصير ظرفا بطريق الضرورة؛ لأن الظرفية ثبتت فيه لا بلفظ الظرف الذي يدل عليها، والثابت بالضرورة يثبت
(2/990)

بقدر الضرورة، فلا يكون عاما حتى تصح نية آخر النهار.
وأما في قوله: "في غد" تثبت الظرفية بلفظ ظرف يدل عليها، والثابت باللفظ يحتمل النية؛ لأن النية لتعيين ما احتمله اللفظ فصحت نيته، ولكن لما كان لفظ "في" حقيقة في الظرفية، وحقيقة الظرف لا تستوعب المظروف كان محل المظروف وهو الطلاق في الظرف، وهو في غد بمنزلة المجمل في جزء من الغد غير معين، فلذلك صدقه القاضي في نيته آخر النهار.
(وإن صمت الدهر فعلى كذا أنه يقع على الأبد) إلى آخره، يعني أنه لو قال: إن صمت الدهر فعبدي حر، فإنه يقع على صوم الأبد، ولو قال: إن صمت في الدهر فعبدي حر؛ إنه يقع على صوم ساعة. كذا ذكره المصنف في "شرح الجامع الصغير".
(أنت طالق في مكان كذا) كقوله: في مكة يقع الطلاق في الحال؛ لأن الطلاق فعل ولا اتصال للفعل بالمكان؛ لأن الطلاق إذا كان واقعا في مكان
(2/991)

يكون واقعاً في الأماكن كلها.
فعلم بهذا أن المكان لا يصلح ظرفا للطلاق، فإن الظرف الحقيقي إنما يكون أن لو وجد المظروف في ظرف لا يوجد في ظرف آخر حال وجوده في الظرف الأول كالحنطة في الجوالق لا يكون تلك الحنطة في جوالق أخر حال كونها موجودة في الجوالق الأول، وليس ها هنا كذلك، ولما لغى معنى الظرفية ها هنا بقي قوله" أنت طالق" مطلقا فوقع في الحاال، وهذا لأن المكان الذي أضيف إليه الطلاق موجود في الحال، فكان هذا بمنزلة تعليق الطلاق بأمر كائن، فيكون تنجيزا بخلاف ما إذا أضيف إلى زمان، فإن الفعل يتصل بالزمان؛ لأنه إذا جعل وقته غدا لا يكون واقعا قبل ذلك، فإن الزمان إذا كان معدوما كان الطلاق المضاف إليه معدوما لا محالة.
وإذا قال: أنت طالق في دخولك الدار يتعلق بدخول الدار كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار؛ لأن الدخول لا يصلح ظرفا لكونه فعلا، والفعل لا يصلح ظرفا لشيء، وبين الظرف والمظروف مقارنة، كما أن بين الشرط والمشروط مقارنة من حيث إنه لا يتحلل بينهما زمان؛ بل متصل بالمشروط، وإن كان يعقبه فيستعر للشرط تصحيحاً لكلامه.
(2/992)

(وعلى هذا مسائل "الزيادات" أنت طالق في مشيئة الله تعالى) إلى آخره.
هاهنا عشرة ألفاظ: المشيئة، والإرادة، والمحبة، والرضى، والأمر، والحكم، والإذن، والقضاء، والقدرة، والعلم. لو قال لامرأته: أنت طالق بمشيئة الله تعالى أو بإرادة الله أو بمحبته أو برضاه لا يقع الطلاق أصلا، ولو قال: أنت طالق بمشيئة فلان، أو بإرادته، أو بمحبته، أو برضاه لا يقع الطلاق حتى يشاء فلان في المجلس، ولو قال: أنت طالق بأمر الله، أو بإذن الله، أو بحكمه، أو بقضائه، أو بقدرته، أو بعلمه يقع الطلاق في الحال.
وكذلك إن أضاف إلى العبد فقال: أنت طالق بأمر فلان إلى آخره يقع في الحال، ولو ذكر بحرف اللام وقال: أنت طالق لمشيئة الله أو لمشيئة فلان أو غيرها من الألفاظ يقع الطلاق في الحال سواء أضافها إلى الله أو أضافها إلى العبد؛ لأن حرف اللام للتعليل والإخبار عن السبب، قال عليه السلام:
(2/993)

"صوموا لرؤيته" فكان هذا إيقاع الطلاق والإخبار عن العلة، ولا يلتفت إلى وجود العلة فصار كأنه قال: أنت طالق؛ لأن فلانا شاء وأراد وأحب، ولو ذكر بكلمة (في) فإن أضافها إلى الله بأن قال: أنت طالق في مشيئة الله أو في إرادة الله أو في محبته أو غيرها من الألفاظ لا يقع الطلاق في الألفاظ كلها أصلا إلى في العلم، فإنه يقع الطلاق فيه في الحال؛ لأن كلمة (في) للظرف حقيقة.
وإذا تعذر حمله على الظرفية بأن صحب الأفعال يحمل على التعليق لما بينهما من المناسبة من حيث الاتصال والمقارنة غير أنه إنما يصح حمله على التعليق إذا كان الفعل مما يصح وصفه بالوجود وبضده ليصير في معنى الشرط، فيكون تعليقا، والمشيئة والإرادة والرضا والمحبة مما يصح وصف الله تعالى به وبضده، فإنه يصح أن يقال: شاء الله كذا أو لم يشأ كذا، وأراد ولم يرد، وأحب ولم يحب، وكذلك الأمر والرضا والحكم والقضاء والتعليق بمشيئة الله تعالى إبطال بخلاف العلم، فإنه لا يصح وصف الله بضده لأن علمه محيط بجميع الأشياء، وأنه كائن في الأزل، والتعليق به تحقيق وتنجيز
(2/994)

فيقع الطلاق في الحال ويشكل على هذا القدرة، فإنه لا يصح وصفه بضدها، ومع ذلك لا يقع الطلاق في القدرة، والأصح من الجواب: إن القدرة تذكر ويراد بها التقدير، وقرئ قوله تعالى:} فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ {بالتشديد والتخفيف، والتقدير مما يصح وصف الله تعالى به وبضده؛ لأنه يصح أن يقال: قدر الله كذا ولم يقدر كذا، فكان بمنزلة المشيئة والإرادة.
فلا يقع الطلاق بخلاف العلم لما ذكرنا، ولو أضافها إلى العبد بأن قال: أنت طالق في مشيئة فلان، ففي المشيئة والإرادة والمحبة والرضى والهوى يتعلق الطلاق بوجود الفعل في الحال حتى يقتصر على المجلس؛ لأن هذه الألفاظ للتمليك، وفي غيرها من الألفاظ يتعلق بوجود مطلق الفعل ولا يقتصر على المجلس؛ لأن الشرط مطلق لانعدام معنى التمليك فيها. كذا في "الزيادات البرهانية".
وقوله: (إلا في علم الله) أي فإن الطلق فيه يقع بأن قال: أنت طالق في علم الله يقع الطلاق، وفي أخواته لا يقع البتة؛ لأن علم الله يستعمل في المعلوم وقد أضاف الطلاق إلى معلوم الله، وإنما يكون الطلاق في معلوم الله إذا كان الطلاق واقع؛ لأنه إذا لم يكن واقعا لم يكن الطلاق في معلوم الله بل عدمه في معلوم الله، لهذا يقع الطلاق لاستحالة جعل معلومه شرطا؛ لأن الشرط أمر معدوم على خطر الوجود، وهذا فيما نحن فيه محال بخلاف
(2/995)

أخواته، فإنه يصح أن يقال: إن شاء الله وإن حكم الله وإن قدر، ولا يقال إن علم الله؛ لأن جميع المذكورات معلومة، ولأن تقدير قوله: أنت طالق في معلوم الله أنت طالق في هذا المحل؛ لأن هذا المحل في معلوم الله فيقع الطلاق في الحال كما في قوله: (أنت طالق في الدار) وأنت طالق في مكة على ما ذكرنا.
(لفالن علي عشرة دراهم في عشرة دراهم يلزمه عشرة)؛ لأن الدراهم لا تصلح ظرفا فيلغو، ولا يقال ينبغي أن يحمل على معنى الواو على معنى (مع) كيلا يلغو؛ لأنا نقول: المجاز خلاف الأصل؛ لأن الأصل هو الحقيقة، وشغل الذمة خلاف الأصل، وبراءة الذمة عن الدين أصل، فاجتمع أمران حينئذ كل منهما خلاف الأصل، ولكلامه بدون المصير إلى المجاز وجه،
(2/996)

وهو أن يراد به تكثير أجزاء العشرة فلا ضرورة إلى المصير إلى ما هو خلاف الأصل.
(2/997)

[حروف القسم]
وقوله (وكذلك في سائر الأسماء والصفات) غاير بينهما بالعطف، وجعل بعضها أسماء وبعضها صفات وليس كذلك، بل كلها صفات غير اسم الله تعال، فكان ذكره أسماء باعتبار السمع، وذكره صفات باعتبار الأصل.
أما السمع فقد جاء في الحديث، قال النبي عليه السلام: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، وكذلك جاء في القرآن أيضا بتسمية الأسماء،
(2/998)

قال الله تعالى:} قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى {.
وأما الأصل فنقول: إن كلها صفات في أصل الوضع سوى اسم الله تعالى. إلى هذا أشار في "الكشاف" حيث قال:
فإن قلت: اسم هو- يعني اسم الله تعالى- أم صفة؟
قلت: بل اسم غير صفة ألا تراك تصفه ولا تصف به، وفي قوله: "ألا تراك تصفه ولا تصف به" إشارة إلى أن الاسم الذي تصف به كان صفة، وجميع أسماء الله تعالى سوى اسم الله بهذه المثابة كما في} بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وفي قوله تعالى} هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ {الآية، فكانت صفات، ولأنه صرح بتسمية اسم الصفة على الرحمن الرحيم بعد هذا بقوله: وهو من الصفات الغالبة كالدبران.
وقال بعده: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟
(2/999)

فعلم بهذا أن تسمية الأسماء لغير اسم الله تعالى من صفاته باعتبار ورود السمعيات من الكتاب والسنة وإلا فهي كلها صفات في الأصل مع أن بعضهم قال بوقوع اسم الله صفة أيضا استدلالا بقوله تعالى:} صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ {} اللَّهِ الَّذِي {بطريق النعت للأول، وعند الأكثرين هو بدل وليس بنعت. إلى هذا أشار المصنف- رحمه الله- في "الجامع".
(فلم يكن لها اختصاص) أي فلم يكن للباء اختصاص بالدخول في المظهر بل تدخل في المضمر أيضا على ما ذكر، أو لم يكن له اختصاص بالدخول في القسم بل كما تدخل في القسم تدخل في المعاوضات أيضا حيث يقال: اشتريت هذا بكذا واحمل هذا الطعام بدرهم. إلا أنه لا يحسن إظهار الفعل ها هنا بخلاف الباء حيث يحسن إظهار الفعل بها قال الله تعالى:} يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا}.
(2/1000)

[الواو]
(لصار مستعارًا بمعنى الإلصاق) أي لصار مجرى كمجرى الباء في جميع الوجوه ولا ضرورة فيه، ولأنه لو صار مستعارًا لمعنى الإلصاق من كل وجه لجاز أن يستعمل الواو في موضع كان الباء فيه لمحض الإلصاق، ويقال: إن أخبرتني وقدوم فلان مكان قوله: إن أخبرتني بقدوم فلا، ولجاز أن يقال: مررت وزيد مكان قوله: مررت بزيد ولم يقل به أحد.
(فتصير الاستعارة عامة في بابها) أي في باب الاستعارة.
وقوله: (ويشبه قسمين) معطوف على قوله: "فتصير" أي لو أظهر فعل القسم مع واو القسم، ويقول: أحلف أو أقسم والله لكان مشابهًا لقسمين وهو يريد الواحد، فكان المذكور خلاف ما أراد فلا يجوز، ولا يرد هذا الكلام في استعمال الباء القسمية مع فعل القسم؛ لأن الباء في حقيقته للإلصاق، فيقتضي الملصق والملصق به، فيظهر الفعل لضرورة تحقيق معنى الإلصاق، حتى لو لم يظهر فهو مقدر فيه، فلا يلزم عند الإظهار مشابهة قسمين. إذ إظهار الفعل من ضرورات مقتضى الباء.
(2/1001)

(فإنهما من حروف الزوائد). معنى هذا أن الزيادة أينما وقعت وقعت من هذه الحروف، وليس معناه أين ما وقعت هذه الحروف وقعت زوائد؛ لأن قولك: اليوم تنساه أو سألتمونيها كل من هذه الحروف أصول هاهنا ومجموعها من حروف الزوائد.
(وقد ذكر في "الجامع" ما يتصل بهذا الأصل في قول الرجل: والله الله والله الرحمن الرحيم) أي قال: والله الرحيم، والذي في "الجامع" رجل قال: والله والرحمن لا أكلمك، فكلمه لزمته كفارتان؛ لأن قوله: والله مقسم به، وقوله: والرحمن معطوف عليه، فكان غيره في تسمية الحالف فتعدد الاستشهاد فتعدد الهتك يعني عند الحنث، فتعددت الكفارة؛ لأنها جزاء الهتك، ولو قال: والله والله لا أكلمك ثم كلمه فعليه كفارة
(2/1002)

واحدة، وكذلك لو قال: والله الرحمن وعند تكرار الواو لو نوى رد الكلام كان يمينًا واحدًا، يعني إذا نوى بالواو في والرحمن واو القسم فقطع كلامه قبله كأنه سكت ثم استأنف، وقال: والرحمن لا أكلمك، ولم يحمل عليه بغيرنية. كذا في "جامع المصحف"- رحمه الله-.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "الجامع": ولو أن رجلا قال والله والرحمن لا أكلمه، فكلمه وجب عليه كفارتان؛ لأنه عطف أحد الاسمين على الآخر بحرف العطف وهو الواو إلا أن يكون نوى فيكون يمينًا واحدةً؛ لأن هذا اللفظ قد يذكر للتأكيد عادة، ويكون مراده من إعادة حرف الواو الصلة، فكان نظير قوله: والله الرحمن لا أكلمك وهو يمين واحدة، ولو قال: والله الله لا أكلمك، أو قال والله والله لا أكلمك، فهذه يمين واحدة، إلا في رواية شاذة عن محمد- رحمه الله- يقول: إنه يمينان؛ لأنه لا يمكن جعل الكلمة الثانية صفة للأولى، فكانتا يمينين، وفي ظاهر الرواية يقول: كرر الكلمة الواحدة فلا يقصد بتكرار الكلمة الواحدة إلا معنى التأكيد، فكانت يمينًا واحدة بخلاف قوله: والله الرحمن، فإن الكلمة الثانية فيها معنى غير معنى الكلمة الأولى، فلم تكن تكرارًا إلا أن ينويه.
قلت: فحصل من هذا كله إن ذكر الاسمين بدون الواو لا يوجب يمينين،
(2/1003)

وذكرهما بالواو يوجب يمينين إلا عند النية على اليمين الواحدة كان يمينا واحدة،
وأما في الاسم الواحد كاسم الله فإن فيه بتكرار الاسم بالواو يكون يمينًا واحدة في ظاهر الرواية بدون نية الاتحاد.
(إن ذلك صلة وضعت للقسم) أي كلمة بنفسها وضعت للقسم حيث يوصف بها المقسم به، فكانت هي بمنزلة الباء في بالله لا أن يكون جمعًا ليمين بدليل وصل همزتها، فلو كانت جمعًا لكانت همزتها للقطع كما في أكلب وأرجل في جمعي كلب ورجل.
وقال في "الصحاح": وألفه ألف الوصل عند أكثر النحويين، ولم تجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها.
(وأما لعمر الله) وقد ذكرنا في "الموصل" أنه لا يكتب الواو بعده
(2/1004)

لاختصاصه بالقسم ارتفع اللبس بينه وبين عمر، وهو في الأصل مصدر عمر الرجل من باب علم بقي، يقال: عمر يعمر عمرًا وعمرًا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك، واستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح دون الآخر، وإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء.
قلت: لعمر الله واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف والتقدير لعمر الله قسمي، ولعمر الله ما أقسم به، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وهو للقسم أيضًا، وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت، ومعنى لعمر الله وعمر الله أحلف ببقاء الله ودوامه.
وإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء. كذا في "الصحاح"، ولما كان معنى لعمر الله قائمًا مقام لبقاء الله أقسم به في الاستعمال الغالب صار صريحًا في ذلك المعنى فبعد ذلك لا يحتاج إلى قولهم أقسم بالله لتأدى ذلك المعنى بهذا الاستعمال الصريح في معناه فلذلك لم يجمع بينهما.
[أسماء الظروف]
(ومن هذا الجنس أسماء الظروف) أي ومن جنس الكلمات أو الألفاظ
(2/1005)

التي تجر الأسماء أسماء الظروف، والجنسية هاهنا باعتبار عمل الجر لا غير لما أن الأسماء لم تكن من جنس الحروف.
[مع]
(أنه يقع ثنتان معًا قبل الدخول) أي مع أنه قال ذلك لغير المدخول بها، وكذلك في المدخول بها؛ لأنه لما وقع في غير المدخول بها فأولى أن يقع في المدخول بها.
[قبل]
(وقبل للتقديم) إلى آخره، وحاصله إن كلمة (قبل) بالضمير مثل كلمة (بعد) بدون الضمير في أنه تقع الثنتان فيهما، وفي العكس ينعكس الحكم لانعكاس العلة، فلذلك انعكس حكمهما بحسب وجود الضمير وعدمه، فإنه إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة تقع واحدة؛ لأن معناه أنت طالق واحدة قبل واحدة أخرى تقع عليك، فبانت
(2/1006)

بالأولى ولم يبق محلًا للثانية، وهذا المعنى إنما يحصل في بعد إذا كان بالكناية بأن يقول: أنت طالق واحدة بعدها واحدة أي بعدها واحدة أخرى تقع عليك.
وأما إذا قال: قبلها واحدة صار كأنه قال: قبلها أخرى وقعت عليك، فكان وقوع الواحدة بالإنشاء، ووقوع الأخرى بالإقرار فتكون اثنتين، ولا يحتاج في صحة الإقرار إلى بقاء العدة.
[بعد]
وقوله: (هذا الحرف) إشارة إلى قوله: "إن الظرف إذا قيد بالكناية كان صفة لما بعده، وإذا لم يقيد كان صفة لما قبله" وتقريره في قوله: جاءني زيد قبله عمرو، وقوله: جاءني زيد بعد عمرو سواء في المعنى؛ لأن القبلية إذا كانت صفة لعمرو تكون البعدية صفة لزيد لا محالة، والبعدية إذا كانت صفة
(2/1007)

لزيد تكون القبلية صفة لعمرو لا محالة، فلهذا استويا في المعنى، وفي قوله: جاءني زيد قبل عمرو تكون القبلية صفة لزيد، وكذلك في قوله: بعده عمرو تكون القبلية صفة لزيد أيضًا ضمنًا، لكون البعدية صفة لعمرو قصدًا، فلذلك استويا.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين مسألة الإقرار في عين هذه الصورة حيث خالف حكم مسألة بعد، فإنه لو قال: لفلان علي درهم بعد درهم أو بعده درهم يلزمه درهمان.
أما لو قال: درهم قبل درهم يلزمه درهم واحد، ولو قال: قبله، فعليه درهمان كما ذكرها هنا.
قلت: لأن الطلاق بعد الطلاق هنا لا يقع، وأما الدرهم بعد الدرهم، فيجب دينًا في الذمة لبقاء المحل. كذا في "المبسوط" في باب من الإقرار بألفاظ مختلفة.
[عند]
(و (عند) للحضرة) وقد يراد به الحكم. قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} أي في حكم الله.
(2/1008)

(حتى إذا قال: لفلان عندي ألف درهم كان وديعة) إلا أن يقول: دين، (وعلى هذا) أي على تخريج المسائل على كلمات الظروف. (قلنا: إذا قال: أنت طالق كل يوم طلقت واحدة) ولو قال أنت طالق في كل يوم تطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ هاتان المسألتان بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة فكان ثبوت حكم هاتين المسألتين على هذا الطريق شاهدا عدل لأبي حنيفة- رضي الله عنه- في مسألة الغد في الفرق بين حذف حرف الظرف وإثباته، وذكر في "المبسوط" قبيل باب طلاق الأخرس: ولو قال لامرأته- وقد دخل بها-: أنت طالق كل يوم، فإن لم يكن له نية لم تطلق إلا واحدة عندنا، وعن زفر- رحمه الله- تطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع، وكلمة
(2/1009)

"كل" تجمع الأسماء، فقد جعل نفسه موقعًا للطلاق عليها في كل يوم وذلك بتجدد الوقوع حتى تطلق ثلاثًا.
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق في كل يوم طلقت ثلاثًا في كل يوم واحدة، ولكنا نقول: صيغة كلامه وصف قد وصفها بالطلاق في كل يوم وهي بالتطليقة الواحدة، تتصف في الأيام كلها، وإنما جعلنا كلامه إيقاعًا لضرورة تحقيق الوصف وهذه الضرورة ترتفع بالواحدة.
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق أبدًا لم تطلق إلا واحدة بخلاف قوله: في كل يوم؛ لأن حرف "في" للظرف والزمان ظرف للطلاق من حيث الوقوع فيه فما يكون اليوم ظرفًا له لا يصلح الغد ظرفًا له، فيتجدد الإيقاع لتحقيق ما اقتضاه حرف "في" وفي قوله: كل يوم إن قال أردت أنها طالق كل يوم تطليقة أخرى فهو كما نوى، وتطلق ثلاثًا في ثلاثة أيام؛ لأنه أضمر حرف "في".
وذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" بعد ذكر حكم كلمات الظروف كما ذكر في الكتاب: لأنه إذا لم يثبت في كلامه شيئًا من الظروف يكون الكل ظرفًا واحدًا، فلا تقع إلا واحدة وإن تكررت الأيام، وإذا ذكر شيئًا من أسماء الظروف يتفرد كل يوم بكونه ظرفًا على حدة، وإنما يتحقق ذلك إذا وقعت تطليقة في كل يوم.
(2/1010)

[حروف الاستثناء]
(يلزمه درهم إلا دانقًا)، فالدرهم أربعة عشر قيراطًا، ويكون العشرة منه على وزن سبعة مثاقيل، والدانق- بفتح النون وكسرها- سدس الردهم، وقيل: الدانق قيراطان، والقيراط نصف الدانق، وأصله قراط- بالتشديد- لأن جمعه قراريط، وأبدل الياء من إحدى حرفي التضعيف. كذا
(2/1011)

في "الصحاح" و"المغرب".
(وكذلك لو قال: علي دينار غير عشرة بالرفع) إلى قوله: (وما يقع من الفصل بين المعارضة والبيان) نذكره في باب البيان معناه أن عند محمد- رحمه الله- لا يصح استثناء الدراهم من الدنانير؛ لأن صدر الكلام لا يتناول المستثنى لغة فاستثناؤها من الدنانير كاستثناء الثوب من الدينار، ولا معارضة بين ثبوت الدينار عليه وبين انتفاء الدراهم عنه كما في الثوب عندهما هذا الاستثناء صحيح بطريق بيان التغيير، وهو أنه تكلم بالباقي
(2/1012)

بعد الثنيا وهو من جنس البيان لا من قبيل المعارضة، والفرق بين البيان والمعارضة يذكر في باب البيان إن شاء الله تعالى، واستثناء الدراهم من الدنانير أمكن أن يجعل بيانًا بخلاف استثناء الثوب، فتعين للمعارضة ولا معارضة، يجب الدينار كله إلى آخره.
[سوى]
(وسوى وغير مثل إلا في قوله: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة أو غير ثلاثة أو سوى ثلاثة) فهي صدقة على المساكين، والجواب في الكل واحد، فإن كان في يده أربعة دراهم أو خمسة دراهم لا يجب عليه التصدق؛ لأن الشرط كون الدراهم في يده سوى ثلاثة ولم يوجد. بخلاف ما لو قال: إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة فإنه يجب التصدق بما زاد على الثلاث،
(2/1013)

لا يتوقف على وجود الثلاث؛ لأن شرط الحنث هاهنا أن يكون من الدراهم في يده، فدرهم ودرهمان من الدراهم.
[حروف الشرط]
[حرف إن]
(وأما حرف إن وهو الأصل في باب الشرط)؛ لأنه حرف موضوع للشرط في أصله بخلاف سائر كلمات الشرط، ولأن غيرها إنما تعمل عمل الشرط إذا تضمن معنى إن، فلذلك كانت هي الأصل في الباب، (وأثره أن يمنع العلة عن الحكم أصلًا) أي أثر الشرط أن يمنع العلة عن انعقادها علة للحكم بل تبقى معدومة كما كانت (حتى يبطل التعليق) أي إلى أن يبطل التعليق. يعني إذا وجد الشرط وهو دخول الدار مثلًا في تعليق الحكم بدخول الدار لم يبق تعليقًا، فحينئذ يصير ما ليس بعلة علة، وعند الشافعي أثره أن يمنع الحكم عن العلة لا العلة عن انعقادها علة، بل العلة علة موجبة للحكم في الحال، ويمتنع الحكم بوجود إن، وأثر هذا الخلاف بيننا وبينه إنما يظهر في
(2/1014)

قوله للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
إذا قال (إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا)، فإنه ما دام حيًا يتصور البر وهو الطلاق، فإذا قرب موته أو موتها على وجه لا يسع فيه قوله: أنت طالق بل يسع فيه أنت أو أقل حينئذ فات البر وهو التطليق، فوجد الشرط وهو عدم التطليق فتقع ثلاث تطليقات، فإن قيل: المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود الشرط فكيف تقع ثلاث تطليقات ولا يسع فيه أنت طالق ثلاثًا؟
قلنا: هو أمر حكمي فلا يشترط فيه ما يشترط في حقيقة الإرسال والتطليق؛ لأن شرط هذا وأهلية هذا إنما يشترط عند التعليق لا عند وجود الشرط.
ألا ترى أن المعلق إذا علق طلاق امرأته ثم جن فوجد الشرط وهو مجنون يقع الطلاق، وإن لم يتصور منه حقيقة الطلاق شرعًا.
وقوله: (فتطلق في آخر حياته)، وفائدة الطلاق في ذلك الوقت إنها
(2/1015)

تبين بالطلاق عن زوجها لا بالموت، حتى إنها لو كانت غير مدخولة لا ترث؛ لأنها بانت لا إلى عدة، ويجب لها نصف المهر لا كله، ولما بانت بالطلاق قبل الموت من غير عدة الطلاق لم تجب عليها عدة الوفاة أيضًا.
[حرف إذا]
(فيجازى بها مرة ولا يجازى بها أخرى) أي تستعمل للشرط مرة ولا تستعمل له أخرى، وإنما قال: يجازي مكان قوله: تستعمل للشرط؛ لأن الجزاء لازم للشرط، فكان ذكر الجزاء ذكرًا للشرط، ولأن فيه إشارة إلى أن المقصود من ذكر الشرط والجزاء هو الجزاء، ووجود الشرط وسيلة له بطريق الانقلاب، والمجازاة بها لازمة.
(2/1016)

(في غير موضع الاستفهام). أما في موضع الاستفهام فإنها لا تستعمل استعمال الشرط، فلذلك لا يجزم بها فيقال: متى يخرج زيد- برفع يخرج- لأن الاستفهام عبارة عن طلب الفهم عن وجود الفعل، فلا يليق هناك إضمار حرف إن، واستعمالها للشرط لا يكون بدون إضمار إن.
وأما إذا لم يكن الاستفهام فيه مقصودًا فيصح إضمار حرف الشرط فيها فنقول: متى تخرج أخرج، فإنه يصح أن يقول في معناه: إن تخرج أخرج يجزم الشرط والجزاء.
(وإذا تدخل للوقت على أمر كائن) أي يستعمل كلمة (إذا) في الوقت الواقع في الحال كقول الشاعر:
(2/1017)

وإذا تكون كريهة أدعى لها.
وتستعمل أيضًا في حق الوقت المستقبل الذي هو آت لا محالة كما في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، وكذلك استعملت مقام جزاء الشرط الذي هو مقام الفاء، والجزاء إنما يكون عند وجود الشرط وهو في ذلك الوقت كائن لا محالة كما في قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي فهم يقطنون، وإذا كان كذلك كان استعمال إذا في الأوقات المعلومة لا محالة، والمعلومية منافية لمعنى الشرط إذ الشرط إنما يكون في الوقت المبهم أيكون أم لا؟ على ما ذكر قبل هذا إن كلمة إن هي الأصل في باب الشرط، وهي تدخل على كل أمر معدوم على خطر الوجود، وما كان معلومًا كان منافيًا لكلمة هي أصل في الشرط، ولئن كان شرطًا على الطريق الاستعارة للشرط ينبغي أن لا يسقط عنه معنى الوقت لأن الوقت معناه الأصلي، فكان مثل متى إذا استعمل للشرط، فإنه لا يسقط عنه معنى الوقت مع لزومه للشرط في غير موضع الاستفهام فأولى أن لا يسقط معنى الوقت
(2/1018)

من إذا؛ لأنه غير لازم للشرط على ما ذكرنا من استعماله في الأوقات المعلومة، وهذا معنى قوله: (وإذا كان كذلك كان مفسرًا من وجه ولم يكن مبهمًا فلم يكن شرطًا) أي لما استعمل إذا في الأمر الواقع في الحال وفي الأمر المستقبل الذي هو كائن لا محالة، وفي المفاجأة التي هي جزاء الشرط كان ما دخل هو عليه مفسرًا لا مبهمًا، فلا يليق حينئذ لمعنى الشرط؛ لأن الشرط أمر مبهم وجوده.
وقوله: (وقد يستعمل فيه) أي وقد يستعمل إذا في الشرط.
فإن قيل ففي قوله: (إلا أنه قد يستعمل فيه مستعارًا مع قيام معنى الوقت) جمعًا بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة إذا للوقت على ما ذكرنا، ثم لو استعير هو للشرط مع قيام معنى الوقت كان جمعًا بينهما، وهو لا يجوز على ما مر.
قلنا: عدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز كان للمنافاة كما في لفظ الأسد لو أريد الهيكل المخصوص به مع إرادة الرجل الشجاع.
أما هاهنا فلا منافاة بين الوقت المعدوم وبين الشرط. إذ الشرط أمر معدوم على خطر الوجود، فيجوز أن يكون الفعل الذي يوجد في الوقت شرطًا لشروط معدوم؛ لأن كلا منهما معدوم فيجوز أن يجتمعا لعدم المنافاة،
(2/1019)

وهذا لأن الوقت ظرف لجميع الأفعال، والامتناع عن الظرف الذي هو شرط وقوع الطلاق الثلاث فعل من الأفعال، فكان الوقت ظرفًا له كما في سائر شروط الطلاق في التعليق غير أن الوقت في حق وجود شرط سائر التعليقات مقدر وهنا مصرح، فإن تقدير قولك: إن دخلت الدار فأنت طالق أي في الوقت الذي دخلت فيه الدار أنت طالق؛ لأن الدخول لا يوجد إلا في وقت من الأوقات، غير أن ذلك الوقت المقدر في قوله: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا لم يعمل به؛ لأن الوقت إنما يعمل به بالتصريح أو بكلمة هي موضوعة للوقت، وتصريح ما قدر من الوقت في سائر التعليقات لا يكون منافيًا للشرط.
والدليل على أن الجمع بين الحقيقة والجاز جائز عند عدم المنافاة مسألة (حتى) في قولهم: جاءني القوم حتى زيد، فإن (حتى) في حقيقتها للغاية ثم استعيرت هي للعطف. قلنا: بقاء معنى الغاية التي هي حقيقتها لعدم المنافاة بينهما فكذلك استعارة كلمة (أو) لمعنى الواو في موضع النفي مع بقاء معناها الأصلي كما عرف في قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} وهو كثير النظير.
(فصار الطلاق مضافًا إلى زمان خال عن إيقاع الطلاق) أي لما لم يسقط معنى الوقت من إذا حينئذ كان الطلاق مضافًا إلى وقت خال عن إيقاع
(2/1020)

الطلاق، فيقع الطلاق لوجود شرط الحنث وهو وجود الوقت الخالي عن إيقاع الطلاق.
(ووقع الشك في انقطاع المشيئة فلا تبطل بالشك). يعني لما كان في إذا معنى الشرط الخالص كإن ومعنى الوقت كمتى على التعارض خرج الأمر من يدها بالقيام عن مجلسها لو جعلناها بمعنى إن؛ لأنها للتمليك والتمليكات تقتصر على المجلس، ولو جعلناها بمعنى متى لا يخرج بل هي عامة في الأوقات كلها فصار كأنه قال: أنت طالق في أي وقت شيءت فلا يقتصر على المجلس، وكان المر في يدها فلا تبطل، وعمل أبو حنيفة- رضي الله عنه-
(2/1021)

في المشيئة في إذا بمعنى الوقت، وفي إذا لم أطلقك بمعنى الشرط، ومعنى كليهما راجع إلى الأصل الذي ذكر، وهو أن الأصل الثابت قبل الشك لا يزول بالشك، وفي الطلاق لم تكن طالقًا قبل هذا فلا تطلق بهذا نظرًا إلى جانب الشرط، وفي المشيئة كان الأمر في يدها فلا يخرج عن يدها بالقيام عن المجلس نظرًا إلى جانب الوقت، وهذا أصل مطرد لأبي حنيفة- رحمه الله-.
في غاية المسائل كما في خروج وقت الظهر وبقائه، وكون دار الإسلام دار الحرب وبقائها، وكون العصير خمرًا وبقائه عصيرًا، وبطلان السكنى وبقائها فيمن حلف لا يسكن هذه الدار وغيرها.
[متى]
(فاسم للوقت المبهم بلا اختصاص) سواءً كان لمحض الاستفهام عن الوقت أو الاستفهام مع الشرط، فإنك تقول في الشرط: متى تأتني
(2/1022)

أكرمك؛ أي إن تأتيني يوم الجمعة أكرمك؛ وإن تأتني يوم السبت أكرمك إلى حد فيه من الإطالة، فأتى بمتى للإيجاز مشتملًا للأزمنة كلها، كما في أين مشتملًا للأمكنة كلها، ثم لما كان متى لا تخص وقتًا دون وقت كان مشاركًا لإن في تردد ما دخل فيه بين أن يوجد وبين أن لا يوجد كما في إن.
(فيلزم في باب المجازاة) أي المجازاة لازمة في متى في غير موضع الاستفهام على ما ذكرنا كما أن إن لازمة للشرطية، والتفاوت بينهما في ثبوت الوقت وانتفائه.
(2/1023)

(أنت طالق لولا صحبتك) أي لا يقع الطلاق لما فيه من معنى الشرط؛ لأن لولا لامتناع الشيء لوجود غيره، كما في قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}، فامتناع انتفاء الزكاء لوجود فضل الله، فصار كأن الطلاق معلق بعدم صحبتها، وإذا كانت الصحبة موجودة لم يوجد الشرط، فلا يقع الطلاق.
وقوله: (وما أشبه ذلك) قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: قال- محمد رحمه الله- في قوله: أنت طالق لولا دخولك الدار: أنها لا تطلق ويجعل هذه الكلمة بمعنى الاستثناء.
(آمنوني على عشرة من أهل الحصن) أي من أهل الحرب (ففعلنا) أي أجاب أهل الإسلام لالتماس أهل الحرب، (والخيار إليه) أي إلى رأس الحصن؛ لأنه شرط ذلك لنفسه بكلمة على، وهو مبني على ما ذكر من حكم كلمة على، فإنها في أصلها للزوم، ثم تستعار هي لمعنى الشرط في غير
(2/1024)

المعاوضات المحضة؛ لما أن بين العالي والمعلو معاقبة كما بين الشرط والمشروط، وتلك الاستعارة التي تستعار لمعنى الشرط بمنزلة الحقيقة عند أبي حنيفة- رحمه الله- على ما مر، ولما كان كذلك كان رأس الحصن في قوله: آمنوني على عشرة شارطًا الأمان لنفسه، فكان الخيار إليه بخلاف ما لو قال: (آمنوني وعشرة) أو فعشرة أو ثم عشرة، فالخيار في تعيين العشرة إلى من آمنهم؛ لأن المتكلم عطف آمانهم على آمان نفسه من غير أن شرط لنفسه في آمانهم شيئًا.
(ولو قال: بعشرة فمثل قوله: وعشرة) في أن الأمان وقع له ولعشرة سواه، (والخيار إلى إمام المسلمين) لما أن البلاء للإلصاق، فلابد له من ملصق وملصق به، وهو يقتضي المغايرة، فلابد أن يكون هو غير العشرة، ثم رأس الحصن لم يشترط لنفسه شيئًا، فلا يكون الخيار له كما لو ذكره بالواو.
(ولو قال: في عشرة وقع على تسعة سواه، والخيار إلى الإمام) إما هو أحد العشرة، فلأن معنى الظرف في العدد بهذا يتحقق؛ لأن معنى الظرف في العدد بأن يكون معدودًا منهم، ولن يكون كذلك إلا بأن يكون واحدًا من
(2/1025)

العشرة.
ألا ترى أنه إذا قيل في الفارسية فلان درين ده أست يفهم منه أنه من العشرة وغيره تسعة وأما الخيار في التسعة إلى الذين آمنهم لا إلى رأس الحصن؛ لأنه ما شرط لنفسه شيئًا في أمان من ضمهم إلى نفسه ليكونوا عشرة.
(ولو قال: آمنوني إلى عشرة وقع على عشرة لا غير، ولرأس الحصن أن يدخل نفسه فيهم، والخيار فيهم إليه).
أما وقوع الأمان على العشرة لا غير، لأن الأمان وقع عليها، فلو قلنا بعشرة سواه كان وقوع الأمان حينئذ على أحد عشر، والإمام لم يوقعه على ذلك.
وأما ولاية إدخال نفسه فيهم فلدلالة؛ لأنه لما آمن تسعة غيره فلن يؤمن نفسه أولى، وكذلك ثبوت الخيار إليه لثبوت هذه الدلالة؛ لأن إمام المسلمين لما ثبت لرأس الحصن هذه الدلالة لأجله كان الخيار إليه.
(وذلك يخرج على هذا الأصل) أي على هذا الأصل الذي ذكرنا قبل هذا من حروف المعاني التي تتعلق بمسائل الأمان لا أن يكون ذلك إشارة إلى ما اتصل بهذا من كلمة إذا، ومتى، وأو، ولولا.
(2/1026)

ولهذا ذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- مسائل الآمان التي تختص بحروف المعاني في مواضع تلك الحروف.
[حرف كيف]
(فإن استقام وإلا بطل) أي إن كان المسئول عنه ذا أحوال يستقيم السؤال عنه بهذه الكلمة، وإن لم يستقم فيبطل معنى كيف، فصار ذكر كيف وعدم ذكره بمنزلة، حتى لو قال لعبده: (أنت حر كيف شيءت أنه إيقاع) في الحال عند أبي حنيف- رحمه الله- ولا يتعلق بمشيئته؛ لأن كيف للاستيصاف ولا أوصاف للحرية فلا يتعلق بمشيئته.
(وفي الطلاق تقع الواحدة) في الحال؛ لأن للطلاق أوصافًا من البينونة الخفيفة والغليظة والرجعة، (ويبقى الفضل في الوصف) وهو البينونة (والقدر) وهو الثنتان والثلاث (وهو الحال مفوضًا) إشارة إلى الفضل (بشرط نية الزوج).
(2/1027)

فإن قيل: ينبغي أن لا تشترط نية الزوج؛ لأن الزوج فوض الطلاق إليها على أي صفة شاءت.
قلنا: كلمة كيف وضعت للسؤال عن الحال، والحال في الطلاق نوعان: صفة وعدد، فصارت الكلمة بمنزلة الاسم المشترك، فتشترط نية الزوج لتعيين جهة المفوض إليها. كذا في "مبسوط" المصنف.
(وقالا: ما لا يقبل الإشارة فحاله) أي كونه بائنًا ورجعيًا، (ووصفه) أي كونه سنيًا وبدعيًا بمنزلة أصله وهو نفس الطلاق، وهذا لأن ما لا يتأتى الإشارة إليه حاله ووصفه بمنزلة ذاته من حيث إن كل واحد منهما مما لا يشار إليه، فإذا تعلق الوصف بمشيئتها تعلق الأصل لا محالة، فإن الزوج إذا أوقع الواحدة ليس له أن يثلثها عندهما، فكذلك من قام مقامه فلهذا يتعلق أصل الطلاق ووصفه بمشيئتها. (فتعلق الأصل بتعلقه) أي يتعلق الوصف يعني أجمعنا على أن وصف الطلاق متعلق بمشيئتها، فيجب أن يكون أصله أيضًا متعلقًا بمشيئتها.
(2/1028)

[حرف كم]
(وأما كم فاسد للعدد الذي هو الواقع) أي الثابت فيما استعمل هو فيه حتى إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق كم شيءت كان الطلاق بعدده ثابتًا ومفوضًا إليها، فلا تطلق ما لم تشأ، وتتوقت المشيئة بالمجلس؛ لأنه ليس فيها ما تنبئ عن الوقت، فتطلق نفسها على أي عدد شاءت، فإن ردت الأمر كان ردًا؛ لأن هذا خطاب في الحال فيقتضي الجواب في الحال.
[حرف حيث]
(وحيث اسم لمكان مبهم). وكذلك أين، ولهذا لو قال: أنت طالق حيث شيءت أو أين شيءت أنه لا يقع ما لم تشأ، وتتوقف مشيئتها بالمجلس؛ لأنه ليس فيها معنى الوقت حتى يقتضي عموم الأوقات بخلاف قوله: إذا شيءت ومتى شيءت، حيث لا يقتصر فيهما على المجلس لتعلق الطلاق بالزمان، ولأن حيث وأين لما كانا من أسماء المكان ولا تعلق للطلاق بالمكان لغا ذكر المكان، فعلى هذا كان ينبغي أن يلغي المشيئة أيضًا؛ لأن عند إلغاء
(2/1029)

المكان بقي قوله: أنت طالق شيءت فلا يتعلق هناك بالمشيئة فكذا هنا، إلا أن قوله: حيث شيءت يفيد ضربًا من التأخير، وحرف الشرط أيضًا يفيد ضربًا من التأخير فيشتركان في تحقيق معنى التأخير، فيجعل مجازًا عن حرف الشرط، فلذلك لا يقع بدون المشيئة، وكذلك في أين. والله أعلم.
* * *
(2/1030)

باب الصريح والكناية
(حتى استغنى عن العزيمة وكذلك الطلاق والعتاق)، فلذلك إذا أضيف العتق إلى المحل مبتدأ أو وصف أو خبر كان موجبًا للحكم، حتى إذا قال: يا حر، أو هذا الشخص الحر، أو قد حررتك- يعتق، وكذلك في الطلاق.
(وحكم الكناية أن لا يجب العمل به إلا بالنية) وما يقوم مقامها من دلالة الحال، (وذلك مثل المجاز قبل أن يصير متعارفًا) كما في قولهم: فلان كثير الرماد قبل أن يصير متعارفًا في إثبات الجود، وكذلك في قول من قال: لا
(2/1031)

يضع قدمه في دار فلان، فإنه في حق الدخول كناية قبل أن يصير متعارفًا فيه.
(إلا في قول الرجل: اعتدي؛ لأن حقيقتها) أي حقيقة كلمة اعتدي، أو أراد بقوله: اعتدي العدة؛ لأنه يدل على العدة.
وحاصله إن لقوله: بائن وحرام وأخواتهما تأثيرًا في قطع النكاح، فإذا نوى الطلاق انقطع النكاح بهذه الألفاظ فكان الطلاق بائنًا.
أما الاعتداد فحقيقته (للحساب، ولا أثر له في قطع النكاح)، فإذا نوى الطلاق لا يمكن أن يقال: وقع الطلاق بائنًا لما قلنا، ولكن وقع الطلاق بطريق الاقتضاء؛ لأن الأمر بالاعتداد لا يصح إلا وأن يكون الطلاق واقعًا، فثبت الطلاق تصحيحًا للأمر بالاعتداد، وهذا هو الاقتضاء، ولكن إنما يصح هذا بعد الدخول، فأما قبل الدخول فلا يمكن القول بالاقتضاء؛ لأن ثبوت المقتضى لصحة المقتضي، وهاهنا المقتضي وهو العدة لا يصح؛ لأن العدة غير واجبة بالإجماع فانعدم معنى الاقتضاء فجعل مستعارًا محضًا؛ لأن
(2/1032)

الطلاق سبب لوجوب العدة على ما هو الأصل؛ لأن الطلاق قبل الدخول إنما يباشر الزوج أو وجد نادرًا بعارض لما أن النكاح لم يوضع لهذا، بل المقصود منه الدخول والعوارض غير داخلة تحت القواعد، فكان الطلاق علة لوجوب العدة بالنظر إلى أصله، (فاستعير الحكم له).
(زمعة) - بفتحتين-.
(كان دلالة على الصريح لا عاملًا لموجبه)؛ لأنه إذا نوى بقوله: (أنت واحدة) الطلاق كان هذا اللفظ دلالة على وجود الطلاق؛ لأن وجود صفة الطلاق ولا طلاق محال، فلذلك كان دلالة على وجود الموصوف وهو الطلاق لا محالة؛ لا أن قوله: "واحدة" عاملة لموجبها، فكان رجعيًا لما أن المدلول هنا الطلاق وهو تعقب الرجعة، وقد ذكرنا وجه إضمار الطلاق دون البائن في "الوافي".
(2/1033)

(فصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات) أي الأصل في الكلام هو الصريح؛ لأنه وضع للإفهام، والمراد من الكلام الإفهام، وإنما يعمل بالكنايات لانعدام الصريح الذي يدل على ما دل عليه الكناية، ويعمل بها كي لا يلغى كلام المتكلم، فصار بمنزلة الضرورات التي لا يؤتى بها إلا للحاجة.
(فقال له آخر: صدقت لم يحد المصدق)؛ لأن ما تلفظ به كناية عن القذف لاحتمال التصديق وجوهًا مختلفة أي كنت صادقًا فيما مضى فكيف تتكلم بهذه الكلمة الشنعاء.
(وكذلك إذا قال: لست بزان يريد التعريض للمخاطب لم يحد) وقال مالك- رحمه الله-: يحد، وكان في هذا اختلاف الصحابة، فعمر- رضي الله عنه- كان لا يوجب الحد في مثل هذا ويقول في حالة المخاصمة مع الغير مقصودة بهذا اللفظ نسبة صاحبه إلى شين وتزكيته لنفسه لا أن يكون
(2/1034)

قذفًا للغير، وأخذنا بقوله لأنه إن تصور معنى القذف بهذا اللفظ فهو بطريق المفهوم والمفهوم ليس بحجة (بخلاف من قذف رجلًا بالزنا فقال آخر: هو كما قلت)؛ لأن فيه كاف التشبيه وهو يوجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله، ولهذا قلنا في قول علي رضي الله عنه: "إنما أعطيناهم الذمة، وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا": إنه مجرى على العموم فيما يندرئ بالشبهات، وما يثبت مع الشبهات، فهذا الكاف أيضًا موجبه العموم؛ لأنه حصل في محل يحتمله، فيكون نسبة له إلى الزنا قطعًا بمنزلة كلام الأول.
وهذا مثل من قال لآخر: أشهد أنك زان، فقال الآخر: وأنا أشهد أيضًا. لا حد على الآخر؛ لأن قوله: "أشهد" كلام محتمل فلا يتحقق به القذف إلا أن يقول: أنا أشهد عليه بمثل ما شهدت به، فحينئذ يكون قاذفًا له؛ كذا في "مبسوط" الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وأصول فقهه. والله أعلم بالصواب.
* * *
(2/1035)

باب وجوه الوقوف على أحكام النظم
({وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} فسيق الكلام لإيجاب النفقة على الوالد)، فأول الآية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية، ومعنى الآية- والله أعلم- والأمهات المطلقات يرضعن أولادهن أي هن أحق بإرضاع الأولاد من أجنبيات ليسترضعهن الآباء؛ لأنهن أرق عليهم وألطف بهم، {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} أي الأب وأريد به الجمع {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وهذا على طريق الأجر؛ لأنهن تحتجن إلى ما يقمن به أبدانهن {بِالْمَعْرُوفِ} أي من غير إسراف ولا تقصير. ومنهم من حمل الآية على الوالدات المنكوحات، وجعل
(2/1036)

الرزق والكسوة والنفقة دون الأجر، فظاهر الآية تدل على أنها في المطلقة؛ لأن ما قبلها وما بعدها في حق المطلقات. كذا في "التيسير".
ودلت الآية على أن الأم أحق برضاع ولدها وليس للأب أن يسترضع غيرها إذا أرضعته؛ لأن الله تعالى قال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} وهذا أمر، وإن كان صيغته الخبر، ودلت أيضًا على أن الأم مخيرة بين أن ترضع أو لا ترضع؛ لأنه قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فبهذا يندفع سؤال من سأل: لما كانت الوالدات مأمورات بالإرضاع كان ينبغي أن يجب الإرضاع عليها.
قلنا: ذلك الأمر مصروف إلى الاستحباب بهذا الدليل، ولقوله تعالى أيضًا: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} وذكر في "الكشاف" {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ}. أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، -وله في محل الرفع على الفاعلية نحو {عَلَيْهِمْ} في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} -.
(لأنه نسب إليه بلام الملك) أجمعوا على أنه لا يصير أحق به ملكًا؛ لأن الولد لا يصير ملكًا للوالد، فدل أنه اختص بالأب نسبًا فكان نسبه إلى الآباء فإن قلت: ما فائدة تخصيص نسبة الأولاد إلى الآباء مع أن الولد كما ينسب
(2/1037)

إلى الأب فكذلك نسب إلى الأم؟
فيقال: هذا ولد فلانة كما يقال: هذا ولد فلان، فالولد بجملته منسوب إلى كل واحد منهما كاملًا، وكذلك نصيب الولد في الإرث بينهما على السواء؟
قلت: فائدته تظهر في حق الأمور التي تميز بها بين نسب ونسب، فيصلح الولد لذلك الأمر إن اعتبرنا فيه جانب الأب، ولا يصلح له إن اعتبرنا فيه جانب الأم.
كما في الإمامة الكبرى وهي الخلافة، فإن كان أبوه قرشيًا يصلح الولد لها وأمه أي نسب كانت، وفي عكسه لا يصلح الولد لها، وكذلك في الكفارات يعتبر نسب الآباء دون الأمهات، وكذلك في اعتبار مهر المثل يعتبر نسب الآباء دون الأمهات.
(وفيه إشارة إلى أن للأب حق التمليك)، والفرق بين حق التمليك وحق الملك فلمن له حق التملك ولاية، وأن يجعل ذلك الشيء ملكًا لنفسه في المستقبل.
فأما في الحال فليس له فيه ملك بوجه من الوجوه كالشفيع له أن يتملك الدار المبيعة إن شاء.
وأما ليس فيه حق الملك بوجه في الحال، وحق الملك عبارة عن الملك من وجه في الحال كالمكاتب، فإن له حق الملك في نفسه حتى لا يملك المولى وطء الجارية المكاتبة؛ لأن لها في نفسها حق ملك وهو ملك اليد، وليس
(2/1038)

للأب في مال الابن من وجه، ولهذا يملك الابن وطء جاريته، فلو كان للأب في ماله ملك من وجه لما ملك الابن وطء جاريته.
(وعليه تبنى مسائل كثيرة) منها: أن الأب لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم حرمتها عليه.
ومنها أن نفقة الأب تفرض على الابن إن كان محتاجًا والابن موسر.
سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن.
هكذا ذكره الإمام خواهر زادة- رحمه الله- بخلاف الابن إذا كان بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته باعتبار أن للأب زيادة فضله على الولد.
ألا ترى أنه يستحق مال ولده باعتبار الحاجة الضرورية كالنفقة وتعتبر الضرورة كاستيلاد جارية الابن بخلاف الولد، ولم يكن هذا الفرق بينهما إلا باعتبار؛ لأنه الملك في قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ}.
ومنها أن نفقة خادمة الأب واجبة على الابن سواء كانت الخادمة امرأة
(2/1039)

أو جارية، بخلاف نفقة خادمة الابن حيث لا تجب على الأب. كذا في "النفقات البرهانية" و"فتاوى قاضي خان".
(وفيه إشارة إلى أن النفقة تستحق بغير الولاد) أي وفي آخر هذه الآية إشارة إلى هذا، وهو قوله تعالى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وهي نفقة ذوي الأرحام.
فإن قيل: هذا الحكم معلوم بعبارة النص، فإن النص سيق لإيجاب النفقة وهو قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وبعد ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} معطوف عليه، فكان ذلك عبارة لا إشارة، فكيف سماه إشارة النص؟
قلنا: نعم سيق الكلام لإيجاب النفقة على الوارث، لكن لم يسق الكلام على أن يأخذ الاشتقاق علة لإثبات النفقة. ألا ترى أن النفقة لا تجب إذا لم يكن أهلًا للإرث بأن كان الوارث كافرًا سوى قرابة الولاد.
(2/1040)

(وهو اسم مشتق من معنى) أي اسم مأخوذ من اسم له معنى، فإن الوارث مأخوذ من الإرث، فيجب أن يكون الإرث علة لوجوب النفقة، فلذلك وجب بناء الحكم على معناه كما في (الزاني والسارق).
فإن قلت: لو كان وجوب النفقة مبنيًا على علة الإرث ينبغي أن تدور وجوبها مع الإرث أينما دار وجودًا وعدمًا كما في الزاني والسارق وليس كذلك، فإنا نجد وارثًا في غير الولاد، وليس عليه النفقة، وغير وراث وجبت عليه النفقة، فإن الرجل المعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله ويحرز ميراثه ابن عمه.
قلت: وجوب النفقة مبني على علة الإرث، لكن الاعتبار لأهلية الإرث لا لإحرازه، فالحاصل أن تأثير إحراز الإرث في وجوب النفقة إنما هو في ذوي الأرحام لا في غيرهم، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام تعتبر أهلية الإرث لا إحرازه. بيان ذلك أن الرجل إذا كان له عم
(2/1041)

وخال فالنفقة على العم دون الخال؛ لأنهما استويا في المحرمية وترجح العم على الخال بكونه وارثًا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العمة والخالة على قدر ميراثها، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام فالمعتبر هو أهلية الإرث لا إحرازه، كما ذكرناه في صورة الخال وابن العم، فإن النفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم منه والإرث لابن العم؛ لأنه عصبه وهو مقدم على ذوي الأرحام.
قال شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-: وفيه دليل أيضًا على أن النفقة للوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما، فإنه اعتبر صفة الوراثة في حق سائر القرابات، فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأب إنما يعتبر نفس الولاد؛ ولهذا قلنا في أصح الروايتين: أن المعسر إذا كان له ابن وبنت وهما موسران فنفقته عليهما نصفان، ثم معنى قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} أي وعلى وارث الصغير عند عدم الأب مثل ما كان على الأب من أجر إرضاع الولد للمرضعة.
(وفيه إشارة إلى استواء الكل في الحظر؛ لأنه قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي الكف عن هذه الجملة، فكان حظر الكل بطريق واحد) أي
(2/1042)

الكف عن هذه الأشياء المذكورة في الآية ثبت بخطاب واحد، فكان الكل كشيء واحد لما عرف أن الأمرين المختلفين فصاعدًا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد لما ذكرنا في المشترك، إلا أن يجعل الأشياء المختلفة واحدة في المعنى فحينئذ يراد باللفظ الواحد. كالأشياء المختلفة والمتضادة يتناولها اسم الشيء، إذًا الكل في معنى الشيئية وهو الوجود واحد، (فلم يكن للجماع اختصاص ولا مزية)، فلذلك قلنا: إن الكفارة إذا وجبت بالجماع وجبت بالأكل والشرب لكونها واحدة تقديرًا.
ألا ترى أن غسل جميع اليدين لما وجب بخطاب واحد وهو قوله {فاطهروا} صار جميع اليدين كعضو واحد حتى جاز نقل البلة من عضو إلى عضو بخلاف الوضوء، فإن نقل البلة من اليد إلى الرجل ومن الوجه إلى اليد لا يجوز؛ لأن كل واحد من هذه الأعضاء ثبت بخطاب على حدة، ولا يلزم أن الصلاة وجبت بخطاب واحد والأركان فيها متفاوتة في القوة والضعف، فإن السجدة أقوى من الركوع والقيام؛ لأنا نقول: إن الأصل فيه ما ذكرنا. إلا إذا قام الدليل على مزية البعض، وفي الصلاة قام الدليل على مزية البعض، فإن من سقط عنه السجود سقط عنه القيام والركوع، وإن كان قادرًا عليهما، ولأن الصلاة عبادة والعباد تنبئ عن التذلل والتواضع، يقال:
(2/1043)

طريق معبد أي مذلل، والتواضع والتذلل في السجود أكثر، فصار أقوى لهذا.
فأما فيما نحن فيه لم يقم الدليل على مزية البعض فكان الكل سواء.
(وفيه إشارة إلى أن النبية في النهار منصوص عليه لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ})؛ لأنه لما أباح هذه الأشياء إلى آخر الليل والصوم عبادة تفتقر إلى النية، وقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} أمر بالإتمام فكان امتثال هذا الأمر إنما يقع بعد الفجر لا محالة، عملًا بكلمة التراخي وهي ثم، والإتمام فعل اختياري لا يتصور بدون العزيمة، فتكون النية في النهار منصوص عليها (إلا أنا جوزنا تقديم النية على الصبح بالسنة) لا لأن يكون الليل أصلًا فيه؛ لأن النية لصيرورة الإمساك عبادة، وفعل الصوم قط لا يوجد في الليل، فجواز النية في الليل لا يكون أصلًا بل يكون الجواز في الليل ثابتًا بالسنة.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون النية في النهار أفضل، والأمر بخلافه.
قلنا: النية في الليل أفضل؛ لأنه يكون عملًا بالسنة والكتاب جميعًا؛ لأنا
(2/1044)

جوزنا النية في النهار بإشارة النص وهي غير نافية لجواز النية في الليل، وعملنا بالسنة في الأفضلية كما فعلنا في غير هذا في الوضوء المنوي والوضوء المرتب ومع التسمية، فيكون هذا مكملًا لما كان فرضًا في التسمية والنية والترتيب والوضوء وغير ذلك.
(فالإطعام جعله طاعمًا) أي آكلًا كسائر الأفعال كالإجلاس جعله جالسًا. (خلافًا لبعض الناس) وهو حمدان بن سهل وهو يقول: لا يتأدى
(2/1045)

بالتمليك، وإنما بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}، والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم وذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام والكلام محمول على حقيقته. كذا في "المبسوط".
(أن الإباحة جزء من التمليك في التقدير)؛ لأن الطعام قضاء حاجة واحدة وهي حاجة الأكل، وللمساكين حوائج كثيرة، (والملك سبب لقضاء الحوائج) وقضاء الحوائج أمر باطن، (فأقيم الملك مقامها والتمليك بمنزلة قضائها كلها). ألا ترى أن الفقير صار مصرفًا في الزكاة لهذا؛ لأن الصرف إليه سبب دفع الحاجة.
فعلم أن الإباحة جزء من التمليك، فالتعدية إلى التمليك في الإطعام
(2/1046)

تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها.
(لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ذلك، وإنما قال هذا تأكيدًا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز التعدية لكونها جزءًا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! بخلاف الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا
(2/1047)

يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة.
والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي- رحمه الله- في معنى قوله: "لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام وإعارة الكسوة وإباحتها.
(فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟
(وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطًا).
أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل
(2/1048)

المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكًا غلطًا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطًا، أو كونه غلطًا في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر.
وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان الفعل فيه ضمنيًا وتبعًا وفي الفرع قصدًا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطًا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصًا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلًا له، وليس كذلك فكان غلطًا.
(ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب
(2/1049)

الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعامًا لا محالة، فمعنى الآية {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في باب صدقة الفطر حيث يكون رأسًا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف المؤنة.
فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع لشغب أن أربعة أمنًا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضًا أن يكون المسكين الواحد في اليوم الثاني مسكينًا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرًا في تغيير العين، فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله: (وجوزتم ذلك) أي مع أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة.
(2/1050)