Advertisement

الكافي شرح البزودي 003

(هذا الذي تقول حاجة اللبوس) أي حاجة الثوب الذي يلبس، فإن اللبس اسم لما يلبس، وأجاب في "المبسوط" عن هذا السؤال بقوله: قلنا نعم، الحاجة إلى الملبوس كذلك أي يتجدد بتجديد الأيام- وإنما يتجدد في كل ستة أشهر- ولكنا أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة- أي مقام تجديد الحاجة- والتمليك يتحقق في كل يوم، وإذا أقيم الشيء مقام غيره سقط اعتبار حقيقته في نفسه، وهذا لأن الحاجة لا نهاية لها إلا أنه لا يجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على تفريق الأفعال، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد، وقد يحصل أيضًا بتفريق الدفعات في يوم واحد، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم، فقدرنا بالأيام وجعلنا تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرًا.
(فكان يجب أن يصح الأداء على هذا متواترًا)؛ لأنه كلما أدى إلى الفقير هلك في يده واحتاج إلى كسوة أخرى، فصار محللا لأداء كسوة
(3/1051)

أخرى، وأدنى ذلك يوم لجملة الحوائج؛ لأن التمليك لما صار قضاء للحوائج كلها لم يكن بد من زمان مضبوط تتجدد حاجته بتجدده، وهو اليوم، كما في تمليك الطعام لما أن ما دون اليوم ساعة غير مضبوطة فلا يدار الحكم عليه.
(ولا يلزم إذا قبض المسكين كسوتين من رجلين)، فوجه الإشكال هو أن المسكين إذا قبض الكسوتين من رجل واحد في ساعة واحدة لا يجوز عن كسوتين؛ لأن تملك إحداهما قضت حاجته فلم يجز الآخر، وهذا المعنى موجود فيما إذا قبض الكسوتين من رجلين في ساعة واحدة يجوز عنهما.
فعلم بهذا أن عدم الجواز في كسوتين في يوم واحد من رجل واحد لم يكن مبنيًا على ما ذكرتم من عدم تجدد حاجته في يوم واحد، فإن حاجته في يوم واحد كما لا تتجدد إذا قبض الكسوتين من رجل واحد كذلك إذا قبضهما من رجلين.
فأجاب عنه وقال: بل هو مبني على ما ذكرنا أيضًا إلا أن تمليك كسوة كل واحد من الرجلين في حق صاحبه حكم العدم، فلم يوجد في حق المعطى إلا أداء كسوة واحدة؛ لأن كل رجل مكلف بفعله لا بفعل غيره، فلم يكلف بالتفريق بخلاف الواحد، فإن تمليك الكسوتين فعله فيكلف بالتفريق.
(3/1052)

[دلالة النص]
(وأما دلالة النص فما ثبت بمعنى النظم لغة) يعني أن دلالة النص هي الحكم الذي لم يتناوله لفظ المنصوص، بل تناوله معنى لفظ المنصوص. مثل قوله تعالى: {أف} لا يتناول الضرب والشتم من حيث اللفظ؛ لأنهما لا يسميان تأفيفًا، فكان معنى قوله: "بمعنى النظم لغة لا استنباطًا" أي كل من يعرف العربية يعرف معنى النظم، هذا من غير توقف إلى الاجتهاد، وبه يقع الفرق بينه وبين القياس، فإن القياس يعرف بمعنى النظم أيضًا، لكن يتوقف عرفانه إلى الاجتهاد.
(مثل: الضرب اسم لفعل بصورة معقولة) أي معلومة وهي إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، (ومعنى مقصود وهو الإيلام)، ولهذا قلنا: إن من حلف: إن ضربتك فعبده حر، فمات فضربه بعد الموت لا يحنث، (والتأفيف اسم لفعل بصورة معقولة)، وهو أن تقول: أفا له عند التضجر منه، (ومعنى مقصود وهو الأذى)، فصار استعماله في حق الوالدين
(3/1053)

حرامًا بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه.
أو كان هذا عندهم اسمًا لضرب كرامة. كذا في "التقويم".
(فأثبتنا الحكم بذلك المعنى بعينه في الأكل) والشرب.
فإن قيل: سؤال الأعرابي في المواقعة وقع عن الهلاك والإهلاك، فكيف يثبت الحكم بالدلالة في الأكل وهاهنا الهلاك لا الإهلاك، فيحتمل أن يكون هذا الحكم مرتبًا على المجموع؟
قلنا: الحكم مرتب على الهلاك فقط، ولهذا لو جامع امرأته وهي مسافرة
(3/1054)

غير صائمة أو ناسية تجب الكفارة عليه بالإجماع، وإن لم يوجد الإهلاك، فعلم أن وجوب الكفارة مرتب على الهلاك فقط؛ لأنه فوقه في الجناية، فإن دعاء الطبع إلى اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة البطن عادة وهو النهر، فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة، فكان الحكم ثابتًا بدلالة النص.
(3/1055)

(ومن ذلك أن النبي عليه السلام قال "لا قود إلا بالسيف") لهذا الحديث معنيان:
أحدهما- لا قود يستوفى إلا بالسيف.
والثاني- لا قود يجب إلا بالسيف. إذ له طرفان: طرف الوجوب، وطرف الاستيفاء، فإن أريد به نفي الوجوب كان حجة لنا على الشافعي في مسألة الموالاة، وعلى أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في القتل بالمثقل؛ لأنه قتل بغير السيف، ولا يجب فيه القصاص لظاهر هذا الحديث، وإن أريد به نفي الاستيفاء إلا بالسيف كان حجة لنا أيضًا على الشافعي وعليهما. أنه لما لم يستوفى إلا بالسيف لا يجب القصاص إلا به؛ لأن المماثلة شرط في ضمان العدوان ما أمكن، والقتل بالسيف لا يماثل القتل بسائر
(3/1056)

الآلات؛ لأن القتل يحصل بالسيف صورة ومعنى وبسائر الآلات إذا لم يكن جارحًا معنى، وهذا الحكم مرتب على القتل المطلق وهو القتل من كل وجه. كذا في "مبسوط" المصنف.
(وأراد به الضرب بالسيف) إلى آخره. تحقيق هذا أن الضرب بالسيف له صورة ومعنى مقصود وهو الجناية بالجرح وما يشبهه من نقض البنية، والحكم وهو الجزاء غير متعلق بالصورة بدليل وجوب القصاص بالضرب بالخنجر والسنان وغير ذلك، ولابد من رعاية المماثلة في الجزاء، فلو كانت الصورة داخلة لما وجب القصاص في غيره، فإذا صار المعنى هو المناط للحكم في المنصوص عليه يثبت هذا المعنى في غير المنصوص عليه بالمعنى الموجود في المنصوص عليه، إذ لو لم يثبت في غيره والمعنى بكماله موجود لكان تناقضًا، ولهذا لا يحتمل النص الخصوص؛ لأن معنى النص إذا وجد علة لا يتصور أن لا تكون علة ثم الحكم الثابت من هذا النص بدلالته القتل بالرمح والنشابة؛ لأن
(3/1057)

لعبارة النص معنى معلومًا في اللغة، وذلك المعنى كامل في القتل بالرمح والنشابة، وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف القتل به لا قبضه، وإنما السيف آلة يحصل به القتل، وإذا حصل بآلة أخرى مثل ذلك القتل تعلق حكم القصاص به بدلالة النص لا بالقياس.
فإن قلت: لو كان الرمح أو النشابة مثلًا للسيف في القتل من كل وجه حتى وجب القصاص بكل منهما بدلالة النص لجاز استيفاء القصاص به أيضًا كما يجوز بالسيف، فكيف اعتبرت المثلية بينهما في سبب القصاص لا في استيفائه؟
قلت: إنما افترقا بسبب وجود زيادة التعذيب في القتل بالرمح على المقتول بالنسبة إلى القتل بالسيف، وذلك يصلح في الإلحاق بالسيف في السبب دون حكمة وهو الاستيفاء؛ لأن في السبب لزومًا لتعدية الحكم من الأدنى إلى العلى وذلك جائز في الحكم الثابت بدلالة النص كالضرب مع التأفيف، وأما الاستيفاء فلا يجوز؛ لأنه ليس لولي القصاص أن يستوفي زيادة على حقه لقوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، وأما إذا كان القتل الأول بالرمح فاستيفاء القصاص بالسيف كان إسقاط للزيادة من حقه، وللولي إسقاطها لا استيفاؤها، فلذلك افترقا.
وقوله: (وكان ثابتًا بذلك المعنى) أي وكان الحكم وهو الجزاء ثابتًا.
(3/1058)

للمعنى الذي قلنا لا بصورة الفعل إنما البدن وسيلة إلى صيانة الحياة، فلا يدخل في الأمر المقصود؛ لأن الوسائل لا تزاحم الأصول في كونها مناطًا للحكم.
فما يقوم بغير الوسيلة كان أكمل؛ لأنه يكون أشد في كونه قتلًا؛ لأن زهوق الروح في القتل بالسيف كان أسرع وجودًا من القتل بالمثقل، فإنه أبطأ وجودًا، فكان القتل بالمثقل أشد من هذا الوجه من القتل بالسيف، أو لأن القتل بالمثقل يكون قتلًا بغير واسطة لعدم احتمال البنية إياه، والقتل بالجرح لا يحتمل البنية بواسطة السراية، فإنه إذا ألقي على إنسان حجر الرحى لا يحتمله البنية بنفسها مع صفة سلامة البدن.
وما كان عمله بدون الواسطة كان أكمل؛ فحينئذ كان ثبوت الحكم القصاص في القتل بالمثقل بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف.
(3/1059)

(والجواب لأبي حنيفة- رضي الله عنه- عن هذا) أن يقول: لا شك أن الجناية في الموضعين كان أكثر جناية من الجناية في موضع واحد، فلذلك كان الكمال في نقض البنية بما يكون عملًا في الظاهر والباطن جميعًا، فعلى هذا اعتبار مجرد عدم احتمال لابنية إياه مع صفة سلامة البدن قضاء بمقابلته، والناقص لا يصلح أن يكون أصلًا ومناطًا للحكم فيما يندرئ بالشبهات، وإنما ثبتت به الأحكام التي تثبت بالشبهات كالدية والكفارة.
والدليل على أن ما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا كامل بمقابلة الذي لا ينقض البنية ظاهرًا وإن كانت البنية لا تحتمله حكم حل الزكاة، فإنه يختص بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا ولا يعتبر فيه مجرد عدم احتمال البنية إياه، (بل الكامل يجعل أصلًا ثم يتعدى حكمه إلى الناقص إن كان من جنس ما يثبت بالشبهات) كالمعاملات وغيرها.
ألا ترى أن من حلف لا يبيع فباع بشرط الخيار أو باع بيعًا فاسدًا يحنث وإن كان الكامل في البياعات هو البيع البات الصحيح.
ألا ترى أنهما لا يثبتان الملك للمشتري بمجرد البيع بل لسقوط الخيار في
(3/1060)

شرط الخيار، ووجود القبض في البيع الفاسد، وكذلك حرمة المصاهرة تثبت في أصلها بالكامل وهو الجزئية والبعضية، ثم تعدي حكمه إلى الناقص، وهو التقبيل والمس بالشهوة وغير ذلك.
(هو الكامل في النقض على مقابلة كمال الوجود) أي نقض البنية ظاهرًا وباطنًا هو الكامل في النقض استدلالًا على مقابلته من كمال وجود استيفاء القصاص يعني أن القصاص إنما يستوفى بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا، فيجب أن يكون كمال سببه أيضًا شيئًا هو ناقض للبنية ظاهرًا وباطنًا لتحقق البقاء سواء بسواء.
(والقصاص مقابل بذلك) لقوله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (ومعنى الإنسان بدمه وطبائعه) عند أهل الإسلام. إذ الإنسان عندهم إنسان بصورته ومعناه، (فلا تتكامل الجناية إلا بجرح يريق دمًا) وما ينقض الباطن والظاهر جميعًا.
فأما القتل بدون نقض الظاهر فناقض فلا يتعدى الحكم إليه؛ لأن هذه
(3/1061)

عقوبة تندرئ بالشبهات.
وقوله: "فأما الجسم ففرع" لا يريد به أن البدن غير داخل في معنى الإنسان، وإنما أراد- والله أعلم- أن مجرد الجسم بدون الطبائع بمنزلة الفرع.
وأما الروح فلا يقبل الجناية؛ لأنه غير محسوس، وليس بمعنى مكانه حتى يتصور القصد إليه بالجناية، ومعنى الإنسان خلقه بدمه وطبائعه لما عرف أن الإنسان إنسان بصورته ومعناه لا بمعناه دون صورته كما ذهب إليه الفلاسفة.
كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله- وأراد بالطبائع الطبائع الأربع وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة؛ فلا تتكامل الجناية على معنى الإنسان الذي هو عبارة عنها لا يخرج بذلك دمًا، فإذا أراد دمه على وجه أثر ذلك في الظاهر والباطن كان قصدًا منه على إهلاك معنى الإنسان وكان موجبًا للقصاص، وإنما ذكر القصد؛ لأن القصاص لا يجب بدون القصد إلى إهلاكه وإن أراق دمه حتى هلك.
وإنما شرطنا هذا المجموع وهو إراقة الدم بالجرح على وجه يفضي إلى الهلاك والقصد فيه لكي يكون هذا القتل مثلًا للقتل الذي يستوفى به القصاص، فإن هذا المجموع شرط فيه بالاتفاق، فيجب أن يكون في القتل الذي هو سببه أيضًا شرطًا حتى يحصل التماثل بينهما لما أن النص ورد به
(3/1062)

وهو قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
(لأنه في الحرمة فوقه) لما أن هذا الفعل وهو اللواطة في هذا المحل لا يتصور حله ولا ينكشف حرمته بكاشف أصلًا، وفعل الوطء في المرأة يتصور حله بالنكاح وملك اليمين، (وفي سفح الماء فوقه)؛ لأنه يضيع الماء على وجه لا يتخلق منه الولد (وفي الشهوة مثله)، وبهذا القيد يقع الاحتراز عن وطء البهيمة، وإنما قلنا: أنه مثل الزنا في الشهوة؛ لأن اشتهاء المحل في حق هذا الفعل لمعنى الحرارة واللين وهو موجود فيه.
ألا ترى أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما، بل يرجحون ذلك على الزنا في الشهوة كما أخبر الله تعالى عن قول قوم لوط بقوله: {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}.
قال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: (الكامل أصل في كل باب، والكامل في سفح الماء الزنا) لا اللواطة؛ لأن المعنى من سفح الماء هو إهلاك البشر؛ لأن ولد الزنا هالك من وجه لعدم من ينفقه ويريبه، فكان الزنا بمعنى القتل من
(3/1063)

هذا الوجه، ولهذا إذا أكره الرجل على الزنا بالقتل لا يرخص له الإقدام على ذلك، فإذا أقدم عليه أثم؛ لأن فيه معنى القتل كما لو أكره على قتل رجل آخر بالقتل لا يرخص له الإقدام لما ذكرنا ولهذا إذا أكرهت المرأة على الزنا بالقتل يرخص لها وإن كان الامتناع أفضل؛ لأن زناها ليس في معنى القتل؛ لأن نسب الولد يثبت منها وكان سفح الماء في اللواطة أنقص من هذا الوجه.
(وأما تضييع الماء فقاصر؛ لأنه قد يحصل بالعزل) ومن حيث إفساد الفراش أيضًا الزنا كامل واللواطة قاصرة؛ لأنه لا يتصور أن يكون المفعول فراشًا.
(وكذلك الزنا أيضًا كامل بحاله؛ لأنه يغلب وجوده لوجود الشهوة الداعية إلى الزنا من الطرفين ففسد الاستدلال بالكامل على القاصر)؛ لأن
(3/1064)

وجوب الحد في الزنا هو كامل لم يدل على وجوب الحد في اللواطة التي هي قاصرة؛ لأن من شرط إثبات الحكم بدلالة النص كون المحل الذي هو غير منصوص أكمل من المحل المنصوص كما في الضرب بالنسبة إلى التأفيف، أو كانا متماثلين من كل وجه كما في زنا ماعز، وزنا غيره من المحصنين، وهاهنا المتنازع فيه ناقص والزنا كامل، فلا يمكن فيه القول بثبوت الحد بالاستدلال على حكم الحد في الزنا؛ لأنه لا مساواة بينهما فلا يثبت الحد فيه بدلالة النص.
(لأن الخطأ عذر مسقط حقوق الله تعالى) أي الحقوق التي هي متعلقة
(3/1065)

بأحكام الآخرة بالاتفاق.
(في اليمين المعقودة) أي المنعقدة إذا صارت كاذبة، أي إذا حنث لقيام معنى النص وهو صيرورته كاذبًا وزيادة، وهو كونه كاذبًا من الأصل.
(لا تخلو الكفارة عن معنى العبادة العقوبة).
أما معنى العبادة فلأنها تؤدى بما هو طاعة وهو الصوم وتشترط النية وتجب مع الشبهات، أو لأنه لما جنى لم يكن بد من أن يفعل طاعة بعده لتكون ساترة وماحية لتلك الجناية، قال عليه السلام: "أتبع السيئة الحسنة تمحها".
وأما معنى العقوبة فلأنها وجبت جزاء زجرًا بمقابلة جنايته، ولهذا لم تجب
(3/1066)

بالمباح المحض، ولما كانت بين العبادة والعقوبة لم يكن ب من أن يكون سببها أيضا دائرًا بين الحظر والإباحة لتكون جهة العبادة مضافة إلى جهة الإباحة؛ لأن سبب العبادة هو الشيء الذي لا حظر فيه، وجهة العقوبة مضافة إلى جهة الحظر؛ لأن المحظور المحض يصلح سببًا للعقوبة أبدًا كما في الحدود والقصاص، وإنما يفعل هكذا ليكون الأثر على وفاق المؤثر، فاعتبر هذا بالأحكام التي ثبتت بالنص القطعي والخبر المشهور وخبر الواحد والقياس.
(فلا تجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة)، وهذا لأن المسبب يجب أن يكون مناسبًا للسبب، والعبادة المحضة لا تصلح أن تكون أثرًا للجناية؛ لأن الجناية تستدعي كون الجزاء عقوبة وهذا أولى.
والمباح المحض لا يصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة، وإن المباح يحتمل أن يصير سببًا لوجوب العبادة كملك نصاب كامل، فلأن لا تكون الجناية المحضة سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة أولى.
(واليمين عقد مشروع).
أما عقد فلأنه ربط جزء الكلام بجزئه الآخر لإثبات حكم مطلوب.
(3/1067)

وأما مشروع فلقوله عليه السلام: "من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليذر".
(والكذب غير مشروع) وهو الحنث في اليمين إنما صارت سببًا للكفارة عند الحنث.
فعلم أن سبب الكفارة دائر بين الحظر وهو الحنث وبين الإباحة وهي اليمين.
وأما الخطأ فدائر بين الوصفين؛ أعني الحظ وهو ترك التثبت والتأمل في الرمي وبين الإباحة وهي مشروعية نفس الرمي والاصطياد، فيصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة لاشتماله على الحظر والإباحة.
فإن قيل: يشكل على هذا كفارة الظهار والفطر، فإن كلًا من الظهار والفطر العمد محظور محض ليس فيهما شائبة الإباحة، ومع ذلك وجبت فيهما الكفارة؟
(3/1068)

قلت: لا بل فيهما أيضًا معنى الإباحة موجود.
أما في الظهار فإن علماءنا- رحمهم الله- لم يوجبوا الكفرة بمجرد قوله لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ لأن ذلك منكر من القول وزور، وهو بانفراد ليس بسبب لها، وإنما سببها ما تردد بين الحظر الإباحة، وذلك إنما يتحقق بالعزم على الجماع الذي هو إمساك بالمعروف، وهو الأمر المباح كما في اليمين باجتماع اليمين مع الحنث يتحقق سبب الكفارة، غير أن هناك ما هو المحظور متأخر عن الإباحة وفي الظهار على العكس.
وأما في كفارة الفطر فإن العمد للفطر وإن كان محظورًا محضًا لكن إطلاق قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} أو إطلاق إباحة الوقاع في أصله أورث شبهة الإباحة بالنظر إلى أصل هذه الأشياء، فإن هذه الأفعال في أصولها مباحة، فكان فيها أيضًا اجتماع الحظر والإباحة، ولكن مع ذلك لما كانت جهة العمدية راجحة فيها كانت جهة العقوبة راجحة أيضًا حتى سقطت بالشبهة، وتداخلت الكفارتان بخلاف سائر الكفارات على ما يجيء بيانها إن شاء الله تعالى في باب معرفة الأسباب والعلل.
وقوله: (ولا يلزم) جواب إشكال يعني لو قال الشافعي- رحمه الله- قد قلتم: إن الكبيرة لا تصلح سببًا للكفارة ومع ذلك أوجبتم الكفارة في القتل العمد بالحجر العظيم وهو كبيرة؟
(3/1069)

فقال في جوابه: "ولا يلزم ... " إلى آخره.
(لأن فيه شبهة الخطأ) أي في القتل بالحجر وما أشبهه شبة الخطأ من حيث استعمال الآلة التي لم توضع للجرح والقتل، والآلة وضعت لتتميم القدرة الناقصة، فكانت الآلة داخلة في فعل العبد، فتمكنت الشبهة في الفعل، فلا يجب القصاص، إذ هو مما يسقط بالشبهات وتجب الكفارة إذ هي مما يحتاج في إثباتها وهو معنى قوله في الكتاب: "فعمت القود والكفارة" أي القود بالإسقاط والكفارة بالإيجاب.
(فتثبت بشبهة السبب) أي لأن في الكفارة جهة العبادة فتثبت العبادة بالشبهة، فكذلك هاهنا تثبت الكفارة بشبهة سبب الخطأ كما تثبت بحقيقة سبب الخطأ.
(أحكام القرآن) اسم كتاب للجصاص.
(وقد جعله في الكتاب شبهة العمد) أي وقد جعل القتل بالحجر العظيم في "المبسوط" شبهة العمد، فكان نصًا على الكفارة؛ لأن التنصيص على أنه شبهة العمد تنصيص على وجوب الكفارة باعتبار أن موجب شبهة
(3/1070)

العمد ذلك أي وجوب الدية على العاقلة، ووجوب الكفارة على القاتل.
ألا ترى أن من أشرع في طريق روشنا أو ميزابًا فسقط وهلك به إنسان، أو حفر بئرًا على قارعة الطريق أو وضع حجرًا فيها فهلك به إنسان كانت الدية على العاقلة ولا تجب على مباشرة الكفارة، وإنما جعلنا القصور في الآلة شبهة في الفعل دون المحل؛ لأن الفعل ينشأ من القدرة والآلة متممة للفعل، فكانت الآلة من القدرة، فكانت من جنس الفعل معنى، فكيف أن تكون الشبهة فيها شبهة في الفعل كذلك.
وأما المحل فشرط الفعل وكان غير الفعل لا محالة، فلم تكن الشبهة في شرط الفعل مؤثرة في الفعل، فلذلك لم تجب الكفارة لشبهة في المحل.
(وإذا قتل مسلم حربيًا مستأمنًا عمدًا لم تلزمه الكفارة مع قيام الشبهة) حتى أثرت تلك الشبهة في وجوب القصاص؛ حيث لم يجب القصاص بقتل المستأمن، يعني لما تحققت الشبهة في القتل بالحجر العظيم حتى وجبت الكفارة، ولم يجب القصاص كان ينبغي أن تجب الكفارة في قتل المستأمن
(3/1071)

عمدًا؛ لأن في قتله أيضًا تحققت الشبهة حتى لا يجب القصاص بقتله، وإن كان قتله أيضًا محظورًا كما في القتل بالحجر العظيم، والحكم أنه لا تجب الكفارة بقتل المستأمن.
وأجاب عنه بقوله: (لأن الشبهة في محل الفعل)، وتحقيق الجواب هو أن الشبهة في قتل المستأمن في المحل لا في الفعل؛ إذ الفعل عمد محض، فكان معصية محضًا، والكفارة جزاء الفعل الذي هو دائر بين الحظر والإباحة، فلذلك لم يصلح أن يكون هذا الفعل سببًا للكفارة، فكان هذا نظير قتل الأب ابنه بالسيف عمدًا.
وأما عدم وجوب القصاص فيه لا باعتبار شبهة في عله بل باعتبار شبهة في المحل، لأن المستأمن وإن كان حرام التعرض في دار الإسلام وهو في دار الحرب في التقدير حتى يرث هو من أهل الحرب، ولا يستدام سكناه في دار الإسلام، ولا يرث من الذمي وإن كانا في دار الإسلام، ولما كان كذلك لم تقع المماثلة بينه وبين المسلم والذمي، فلذلك لم يجب القصاص؛ لأن القصاص إنما يجب على المسلم والذمي لأجل من هو محصون الدم على التأبيد كالمسلم والذمي؛ لأن القصاص مبني عن المماثلة لغة.
ولهذا يجب القصاص على المستأمن بقتل المستأمن لوجود المماثلة بينهما، وإنما قلنا: إن الكفارة جزاء الفعل؛ لأنها واجبة لله تعالى علينا زجرًا على المباشر، فكانت هي جزاء الفعل المحظور من وجه، ولا تجب بإزاء المحل؛ لأن الواجب بإزاء المحل إنما يجب جبرًا بما يجب جبرانًا، والله تعالى يتعالى عن النقصان والجبران فتجب جزاءً للفعل له كسائر الأجزية الواجبة
(3/1072)

بإزاء الفعل من نحو الحدود والزنا والسرقة.
(فاعتبرت في القود) أي الشبهة التي كانت في محل الفعل وهي شبهة حل القتل اعتبرت في إسقاط القود؛ (لأنه مقابل) أي لأن القود مقابل بالمحل.
ألا ترى أن وجوب القصاص ينافي الدية، والدية بدل المحل، فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل لما نافى في الدية؛ لأن اتحاد المحل من شرط المنافاة.
ألا ترى أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لإنسان يجب عليه جزاء الإحرام، ويجب عليه قيمة المقتول، إذ لا تنافي بينهما؛ لأن أحدهما- وهو الكفارة- جزاء الفعل المحض دون المحل بوجه، والقيمة بدل المحل من كل وجه، فلم يتنافيا فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل بوجه من الوجوه لأمكن وجوب القصاص والدية جميعًا.
قوله: (من وجه) قيد به؛ لأن القصاص جزاء الفعل في الحقيقة؛ لأنه جزاء القتل، ولهذا يتعدد بتعدد الفاعل، فإن ألف رجل إذا قتلوا رجلًا عمدًا يجب على كل واحد منهم القصاص، ولو كان مقابلًا بالمحل لوجب قصاص واحد كما قلنا في عشرة رجال وهم حلال صيد الحرام يجب جزاء واحد إذ هو بدل المحل، وبيان كونه مقابلًا بالمحل من وجه أن يعتبر في عصمة المحل، ولا يجتمع مع الدم.
(3/1073)

وقوله: (ولهذا قلنا إن سجود السهو متصل) بقوله: "فلا يجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة".
(ولم يصلح أن يكون السهو دليلًا على العمد) أي دلالة لما قلنا أي وجوب الكفارة في القتل الخطأ دون القتل العمد، (فوجب به الكفارة على المرأة استدلالًا به)؛ لأنه لما وجبت الكفارة على الرجل بسبب جنايته على الصوم باختياره وجبت على المرأة أيضًا لوجود هذه العلة في حقها بتمامه؛ لأنها جنت على صومها بالتمكين من المواقعة معها باختيارها.
[اقتضاء النص]
(وأما المقتضى) فما كان غير مذكور حقيقة (يثبت شرطًا لصحة) المذكور، والنص المذكور يسمى مقتضيًا؛ لأنه يقتضي ذلك، والمقتضى إنما يثبت إذا صلح تبعًا للمقتضي إذ هو شرطه.
فأما إذا كان أصلًا له فلا يثبت بطريق الاقتضاء؛ إذ فيه جعل الأصل تبعًا، وهذا لا يجوز كما قال أصحابنا: إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع ولا يقال
(3/1074)

بأنهم مخاطبون بالصلاة وغيرها من الشرائع بشرط نقص الإيمان اقتضاء؛ لأن الإيمان أصل الشرائع، فلا يجوز أن يثبت الإيمان تبعًا للشرائع، وكذلك إذا وجبت الكفارة على عبد وقال له مولاه: كفر بهذا العبد عن يمينك لا يثبت الإعتاق بهذا بطريق الاقتضاء؛ لأن الأهلية للإعتاق أصل فلا يثبت بطريق الاقتضاء.
(وقال الشافعي- رحمه الله فيه بالعموم) ونظير ذلك ما ذكره بعد
(3/1075)

هذا بصفحة بقوله: ومثال خلاف الشافعي إن أكلت فعبدي حر إلى آخره.
(فيبقى على أصله) أي على أصل العدم (فيما وراء صحة المذكور)؛ لأن ذلك ثابت لحاجة السامع في تصحيح المقتضي المذكور إلى إثبات المقتضى الذي هو غير مذكور، والثابت بالحاجة يتقدر بقدرها، ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم للمقتضى، فإن الكلام فيد بدونه وهو نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تقدر بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع لا يثبت حكم الإباحة فيها بخلاف المنصوص، فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر في حكم التناول إلى الشبع وغيره مطلقًا.
وقوله: (وشرطا) معطوفًا على مقتضى العتق من حيث المعنى، أي يتضمن البيع اقتضاء للعتق، وشرطًا له على أنه مفعول له.
(حتى يثبت بشروط العتق) يعني أن البيع يثبت اقتضاء للآمر بالإعتاق عنه بألف لا يثبت بنفسه بل يعطى له حكم ذلك الشيء.
(3/1076)

ألا ترى أن محل الإقامة شرط لصحة الإقامة قصدًا حتى لا تصح في المفازة، ولو ثبتت الإقامة ضمنًا يشترط محل الإقامة للمتضمن كالجندي يصير مقيمًا في المفازة بدخول الإمام في المصر فاعتبر في البيع شرط الأصل، فكذلك هاهنا يثبت بشرط العتق حتى لا يشترط فيه ما يشترط في البيع القصدي من القبول وغيره، وكذلك لو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام ولو صرح المأمور بأن قال: بعته منك بألف وأعتقته لم يجز عن الآمر؛ لأنه لم يقع هذا جوابًا لكلامه، بل كان ابتداء، ووقع العتق عن نفسه؛ لأن الآمر ما أمره ببيع مقصود، وإنما أمره ببيع ثابت ضرورة العتق، فإذا أتى به مقصودًا لم يأت بالذي أمره فوقع عنه ولم يقع عن الآمر.
وكذلك من قال لامرأته: حجي ونوى الطلاق لم يصح، وإن اقتضى الحج ذهابًا؛ لأنه اقتضاه ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، وثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق.
(ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله-) أيضًا لقوله: "حتى يثبت بشروط العتق" الذي هو المقتضي لا بشروط الهبة التي هي المقتضى.
(3/1077)

(والاستغناء عن القبض وهو شرط أولى)؛ لأن رتبة الركن أقوى من رتبة الشرط؛ لأن الركن يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه جواز الشيء، فكان وجود الماهية بالركن ولا مدخل للشرط في الماهية.
(والبيع الفاسد مثل الهبة) في حق اشتراط القبض في ثبوت الملك.
لأن (رقبة العبد بحكم العتق يتلف على ملك المولى)؛ لأن الإعتاق للملك، فملكه يتلف بإعتاقه فيكون تالفًا على ملكه (ورقة العبد غير مقبوض للطالب ولا للعبد ولا هو محتمل للقبض)؛ لأنه تالف، ولا يتصور القبض في التالف، فلا يمكن القول بجعل العبد قابضًا بطريق النيابة عن الآمر بخلاف ما إذا قال: أطعم عن كفارتي فأطعم المأمور، فإنه يجوز، فيثبت الملك للآمر، وإن لم يقبض؛ لأنه أمكن القول بجعل الفقير نائبًا عن الآمر في
(3/1078)

القبض لكون الطعام قائمًا، فجعل الفقير نائبًا عن الآمر تصحيحًا للأمر بالإطعام.
أما هاهنا فبخلافه؛ لأن المالية هالكة تالفة في يد نفسه يحتمل أن تكون الكناية راجعة إلى المولى؛ لأن العبد في يد المولى، فتكون مالية رقبته في يد المولى ضرورة، ويحتمل أن تكون راجعة إلى العبد؛ لأنه مال وهو في يد نفسه حسًا، وكذلك للعبد يد شرعًا، فلهذا يصح اشتراط العمل لعبد رب المال في المضاربة ويستحق قسطًا في الربح، ولو لم يكن للعبد بدل كان هذا اشتراط العمل لرب المال وهو لا يجوز.
ألا ترى أن العبد إذا أودع شيئًا ليس للمولى أن يسترد ما أودعه من يد المودع.
(لأن ثبوت المقتضى بهذا الطريق) وهو السقوط.
(ودليل السقوط) وهو كونه ثابتًا في ضمن الإعتاق (يعمل في محله) أي محل السقوط. معناه أن القبض والتسليم في الهبة لا يحتمل السقوط فلم يكن القبض محتملًا للسقوط فلم ينتصب الدليل على سقوطه؛ لأن سقوطه لو كان بطريق الاقتضاء- والاقتضاء أمر شرعي- فيجب أن يكون سقوطه في الشرع جائزًا في الجملة، حتى يقال بالسقوط بطريق الاقتضاء وليس كذلك،
(3/1079)

فلم يمكن ثبوت السقوط بطريق الاقتضاء بخلاف القبول على ما ذكر في المتن.
(ولم يتكلم؛ صح) يعني كان البيع بينهما تامًا من غير ذكر القبول.
(ولهذا كان رجعيًا)، وكذلك يقع به الطلاق على المعتدة من طلاق بائن، ولو كان وقوع الطلاق به بائنًا لما وقع به الطلاق لما أن البائن لا يلحق البائن، وهذا كله على أن وقوع الطلاق بقوله: اعتدي بطريق الاقتضاء لا بطريق الكناية.
فإن قلت: لو كان وقوع الطلاق بقوله: "اعتدى" بطريق الاقتضاء لما وقع الطلاق به في هذه الصورة، وهي ما إذا قال للمعتدة: "اعتدي" لأن للمقتضي هاهنا- وهو قوله: اعتدي- صحة بدون المقتضى وهو طلقتك؛ لأن ثبوت المقتضى كان لضرورة تصحيح المقتضى المذكور قبله وإلا فلا يثبت.
قلت: إنما وقع الطلاق بقوله: اعتدي؛ لأن موجب الأمر هو وجوب الاعتداد الذي وقع وجوبه مضافًا إلى الأمر بالاعتداد، وليس ذلك إلا أن وقع به الطلاق الثاني بمقتضى الأمر بالاعتداد، وإلا كان الاعتداد عليها قبل هذا الأمر كان واجبًا بطلاقه قبله، فلابد لقوله: "اعتدي" من فائدة جديدة وهي
(3/1080)

وقوع الطلاق به اقتضاء
(ونوى خصوص الطعام والشراب لم يصدق عندنا) وعند الشافعي يصدق وقال: لأن الأكل في قوله: "إن أكلت" يقتضي مأكولًا، وذلك كالمنصوص عليه، فكأنه قال: إن أكلت طعامًا، ولما كان للمقتضى عموم على قوله عمل فيه نية التخصيص، وعندنا لا تعمل؛ لأنه لا عموم للمقتضى، ونية التخصيص فيما لا عموم له لغو، بخلاف ما لو قال: إن أكلت طعامًا، وكذلك لو قال: إن اشتريت، أو قال: إن لبست، أو قال: إن ركبت.
وعلى هذا لو قال: إن اغتسلت الليلة- ونوى الاغتسال من الجنابة- لم تعمل نيته. بخلاف ما لو قال: "إن اغتسلت غسلًا" فإن هناك نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله تعالى- في "أصول الفقه".
(3/1081)

(أو إن اغتسلت غسلًا) يعني يصدق إذا نوى تخصيص الأسباب؛ لأن الغسل اسم لفعل وضع من قبل الأسباب وهو نكرة في موضع النفي، فيصير عامًا، وإذا نوى سببًا دون سبب صدق ديانة.
(لعدم الشبهة) يعني لا شبهة أن السؤال عن الأهل لا عن القرية فصح الحذف؛ إذ الحذف إنما يجوز في مثل هذا؛ أي فيما إذا لم يكن فيه شبهة لثبوت ذلك المحذوف.
وأما إذا كان فيه شبهة فلا يصح كما قالت المعتزلة في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي إلى ثواب ربها.
قلنا: لا يصح هذا الإضمار للشبهة، فإنه لو صح إضمار ذلك يصح إضمار النعمة وغيرها.
(والمقتضى لتحقيق المقتضي لا لنقله)؛ لن المقتضى إنما يثبت ليصح
(3/1082)

المقتضي، فكيف يبطل وينقل عما أريد به لصحة المقتضي؟ وهذا نقض الأصول؛ إذ لو لم يصح المقتضي المذكور عند وجود المقتضى كان وجود المقتضى لإبطاله لا لتصحيحه، وهو باطل.
(فلم يسقط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء) قيد بهذا احترازًا عن قول القاضي الإمام أبي زيد- رحمه الله- فإنه جعل سقوط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء، والمصنف والإمام شمس الأئمة- رحمهم الله- لم يجعلاه من قبيل المقتضى، والإمام شمس الأئمة حاكيًا قول القاضي في قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات" ليس المراد عين العمل، فإن ذلك يتحقق بدون النية، وإنما المراد الحكم ثبت كذلك بمقتضى الكلام.
فقال الشافعي- رحمه الله-: يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد، والعزيمة من الأعمال قولًا بعموم المقتضى، وقلنا: المراد به حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية؛ لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى. إلى هذا حكى شمس الأئمة نقل قول القاضي أبي زيد- رحمه الله- بهذا الطريق، ثم قال شمس الأئمة- رحمه الله-: وعندي أن هذا
(3/1083)

سهو من قائله، فإن المحذوف غير المقتضى لما أن ثبوت المحذوف يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة، ففي قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات" إنما لم يثبت العموم هنا؛ لأن المحذوف وهو الحكم بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد، ولا عموم للمشترك.
فأما أن يجعل المحذوف ثابتًا بمقتضى الكلام فلا، وهكذا أيضًا ذكر الكلام في قوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: "فأما الاقتضاء فأمر شرعي ضروري" مثل تحليل الميتة بالضرورة.
وحاصله أن قوله: (أنت طالق) وصف للمرأة بالطلاق، وصفة الطالقية
(3/1084)

غير قائمة لها، وكان هذا الوصف في أصله من حيث اللغة لغوًا وكذبًا، كقوله: أنت جالس لرجل هو قائم، وأنت مريضة لامرأة وهي صحيحة؛ لما عرف أن فعل البيان هو الإخبار والإظهار لا الإنشاء، كما أن فعل سائر الجوارح هو الإنشاء لا الإظهار والإخبار، وإذا كان كذلك كان أنت طالق إخبارًا لغة لا إنشاء أمر لم يكن في المحل كقوله: أنت عالم، هو إخبار لا إنشاء علم في المحل حتى لا يثبت العلم في المحل بهذا اللفظ، وإن قال ذلك مرارًا، فعلى هذا كان قوله: أنت طالق كذبا لغة أنه لم يطلقها قبل، فكان ثبوت الطلاق بهذا اللفظ- الذي لو خلى هو واللغة يكون كذبًا وهدرًا- شرعًا لا لغة، فكان ثابتًا اقتضاء لا لغة؛ لأن ثبوت الطلاق قبيل هذا القول لتصحيح هذا القول، فيثبت بقدر الضرورة وهو تصحيح المنطوق، وإنها تندفع بواحد، فلم تصح نية الثلاث.
وكذلك هذا التخريج في: طلقت؛ لأنه لغة إخبار عن فعل موجود فيما مضى ولم يطلق قبل فكان من طريق اللغة هدرًا وكذبًا كما في قوله: "ضربت" إذا لم يسبق منه الضرب ليكون هذا القول بناء عليه، فأما إذا ثبت المصدر بهذا اللفظ ليصح هذا القول من غير وجود في الماضي يكون اقتضاء شرعيًا لا لغويًا، فيكون ثابتًا بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الثلاث، فلا يثبت به الثلاث.
فإن قيل: والضرورة إنما تتحقق في قوله: "أنت" أن لو بقي إخبارًا؛ لأن الإخبار به إنما يكون أن لو كانت المرأة موصوفة قبل هذا بالطالقة، ولم تكن
(3/1085)

مطلقة قبل هذا حتى يصح الإخبار به.
وأما إذا كان هو الإنشاء لم تثبت هذه الضرورة، ولم يكن اقتضاء موجب أن تصح نية الثلاث.
قلنا: ففي الإنشاء أيضًا لا تثبت نية الثلاث؛ لأن الإنشاء بمنزلة فعل الجوارح، وفعل الجوارح إذا كان واحدًا لايكون متعددًا حتى إن ضربة واحدة لا تكون ضربات بالنية، فكذا هنا. أو نقول: هاهنا حقيقة الإخبارية باقية مع كونه إنشاء، بل الإخبار فيه هو الأصل حتى أنه إذا كان للرجل امرأتان إحداهما مطلقة والثانية منكوحة فقال: إحداكما طالق لا تطلق المنكوحة لانصراف خبره إلى المطلقة.
(أما البائن) فإنه في الحال يتصل بالمحل، وعند اتصاله بالمحل يتنوع إلى خفيفة وغليظة، فكان متنوعًا في نفسه، فلذلك صار محلًا للنية إذ هي تعين تفسير بعض محتملات اللفظ فيصح.
أما قوله: "أنت طالق" فإنه في الحال غير متصل بالمحل لما عرف أن حكمه تعلق بانقضاء العدة، وإنه في الحال انعقاد العلة وإنه غير متنوع؛ لأنه لا يتنوع في الانعقاد؛ لأن الحرمة الغليظة إنما تثبت بواسطة العدد، وإنه خارج عن نفس الطلاق أو هو غير متنوع في نفسه كما تنوع البائن إلى غليظة وخفيفة،
(3/1086)

فلم تصادف النية المتنوع في فصل الطلاق فصادفت في فصل البائن، فكذلك عملت النية في قوله: "أنت بائن" دون قوله: "أنت طالق"
وقوله: لم يكن المصدر هاهنا ثابتًا لغة؛ لأن النعت يدل على المصدر الثابت بالموصوف لغة ليصير الوصف من المتكلم بناء عليه، فأما أن يصير الوصف ثابتًا بالواصف بحقيقته تصحيحًا لوصفه فأمر شرعي.
تحقيق هذا ما ذكره المصنف في "مبسوطه" هو أن قوله: "أنت طالق" وصف لها فيقتضي وجود الطلاق من قبلها لا من قبل الزوج لغة كقولك: خارج يقتضي وجود الخروج من قبل من وصف بأنه خارج.
وقوله: "ضارب" يقتضي وجود الضرب ممن وصف بأنه ضارب. هذا هو قضية اللغة وهاهنا هذا اللفظ يقتضي وجود الطلاق من قبل الزوج. دل أن وجود الطلاق من قبله أمر شرعي ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر ما يصح به الكلام، وكذلك قوله: "طالق" إخبار عن وصف لها لغة فيقتضي طلاقًا ماضيًا لا حالًا كقوله: "مطلقة"، وطلقتك" على ما بينا.
فصار الحاصل أن كل موضع كان الطلاق فيه مقتضى اللفظ لغة على الطلاق مذكورًا حتى تصح نية الثلاث كما في قوله: "طلقي نفسك" بعلة أنه كل لا يعله أنه يحتمل العدد، وفي كل موضع يثبت شرعًا ضرورة صحة الكلام لا يقتضي العلة لا يجعل كالمذكور، فلا تعمل النية فيه بل يثبت بقدر ما يصح به الكلام كما في قوله: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك. وقوله:
(3/1087)

"بالواصف" أي بكلام الواصف، فكان شرعيًا، ولما كان أمرًا شرعيًا لم يكن المذكور لغة فلا يصح التعميم.
(وأما طالق فلا يتصل بالمرأة للحال).
ألا ترى أنه يجري الإرث بينهما والإرث حكم من أحكام النكاح، ولذلك يحل له مسها ووطؤها ويمكن من مراجعتها على كره منها، ولو انقطع النكاح لما تمكن من مراجعتها كما في الطلاق البائن؛ (لأن حكمه) وهو الانقطاع (في الملك تعلق بالشرط) وهو انقضاء العدة (وحكمه في الحل معلق بكمال العدد) وهو الثلاث، (فيصير العدد أصلًا)، وما كان ثبوته بطريق الأصالة لا يثبت هو بطريق الاقتضاء؛ لأن في الاقتضاء معنى التبعية؛ وإنما ثبت العدد عند الذكر ولم يذكر العدد فلا يثبت موجب العدد لذلك.
(فكان مختصرًا من الكلام) أي من الكلام المطول وهو قوله لها: أطلب منك فعل الطلاق، وهو المطول المصدر مذكور لغة فكان مذكورًا في المختصر أيضًا؛ لأنه يعمل عمل المطول على نحو سائر الأفعال كقولك: اضرب واجلس وغيرهما، وستقيم طلب الفعل المتعدد والمتوحد في المستقبل، فكان
(3/1088)

المصدر ثابتًا لغة (فاحتمل الكل والأقل).
وأما وقوع الطلاق في قوله: "طلقت" فشرعي؛ لأنه لم يوجد منه طلاق قبله حتى يخبر عنه، بل كان قوله: "طلقت" إنشاء للطلاق شرعًا كسائر أفعال الجوارح، والفعل حال وجوده يستحيل أن يتعدد بالعزيمة كالخطوة والضربة يستحيل أن تكون خطوتين وضربتين بالنية، فكذلك لم تصح نية الثلاث في قوله: "طلقت" أو نقول: لما كان قوله: "طلقت" إنشاء شرعًا صار بمنزلة سائر الجوارح من الأفعال، وفي أفعال سائر الجوارح لا يقدر المصدر؛ لأن المصدر إنما يذكر في فعل اللسان وهو القول لا في أفعال الجوارح.
ألا ترى أنه إذا كسر شيئًا بيده مثلًا لا يقدر له المصدر بل إذا أخبر عنه بقوله: كسر أو كسرت، حينئذ يقدر المصدر فيه لكونه في القول.
(ونوى السكنى في بيت واحد) أي غير معين (أنه يصح).
(لكن نية جمل البيوت تصح) أي نية بيت غير معين تصح. من أجمل
(3/1089)

الكلام إذا أبهم، والجمل جمع الجملة.
(لأنه راجع إلى تكميل فعل المساكنة) أي نية المساكنة معه في بيت واحد إنما تصح؛ لأنه نوى أتم ما يكون من المساكنة، فإن أعم ما يكون من المساكنة في بلدة، والمطلق من المساكنة في عرف الناس في دار واحدة، وأتما ما يكون من المساكنة في بيت واحد في هذه النية ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان.
وقوله: (لكن اليمين وقعت على الدار وهو قاصر عادة) لدفع شبهة ترد على قوله: "وإنما تتحقق بين الاثنين على الكمال إذا جمعهما بيت واحد" وهي أن يقال: لما كانت المساكنة في البيت الواحد كاملة ينبغي أن تقع اليمين عليها بدون النية، فأجاب عنها بهذا وقال: وإن كان ذلك كذلك إلا أنه يقع على الدار أيضًا عرفًا وعادة.
(ولا يلزم عليه رجل قال لصغير) إلى آخره أي لا يلزم على ما ذكرنا أي ما ثبت بطريق الاقتضاء ليس بعام هذه المسألة (وهي أم معروفة) أي لهذا الولد.
(3/1090)

(لكن المقتضى) وهو النكاح (غير متنوع) أي إلى نكاح يوجب الإرث وإلى نكاح لا يوجب الإرث بل كل نكاح يوجب الإرث على ما عليه الأصل بقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} الآية، ولا يشكل على هذا نكاح المسلم الكتابية، فإنه نكاح لا يوجب الإرث.
قلنا: إن ذلك ليس بأصل؛ لأن الكفر من العوارض، والعوارض لا تدخل تحت القواعد، ولما كان هكذا كان إثبات نكاح يوجب الإرث هاهنا بمنزلة إثبات بيع يوجب الملك في قوله: أعتق عبدك عني بألف درهم، ولما ثبت المقتضى لضرورة حاجة المقتضي المذكور في صحته إليه يثبت أيضًا ما كان من ضرورات المقتضى الذي هو غير مذكور، ولأن الشيء إذا ثبت إنما يثبت بلوازمه ولواحقه التي لا تنفك هي منه، فإن قيل: النكاح الفاسد غير موجب للإرث مع أن النكاح الفاسد أحد نوعي النكاح عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- حتى أن الإذن بالنكاح ينتظم الفاسد والصحيح عند أبي حنيفة- رضي الله عنه.
علم بهذا أن النكاح متنوع إلى نكاح موجب الإرث وإلى نكاح لا يوجبه.
(3/1091)

قلنا: إنما تناولهما عند ذلك لإطلاق لفظ النكاح في الإذن، واللفظ المطلق يجري على إطلاقه وفيما نحن فيه ليس فيه اللفظ حتى يثبت فيه إطلاق اللفظ بل يثبت النكاح ضرورة ثبوت المقتضى، فلذلك انصرف ذلك النكاح الثابت بطريق الاقتضاء إلى ما هو المعهود في الشرع لا على الإطلاق والتعميم، والنكاح المعهود في الشرع هو النكاح الذي يوجب الإرث وهو النكاح الصحيح لا الفاسد مع أن الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في أحد الوجهين أثبت النكاح في مسألة الكتاب بطريق الدلالة لا بطريق الاقتضاء، فقال: ثبوت النكاح هاهنا بدلالة النص لا بمقتضاه، فإن الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ووالدة، فالتنصيص على الولد يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة التنصيص على الأخ يكون كالتنصيص على أخيه؛ إذ الأخوة لا تتصور إلا بين شخصين، وقد بينا أن الثابت بدلالة النص يكون ثابتًا بمعنى النص لغة لا أن يكون ثابتًا بطريق الاقتضاء.
وجعل الإمام القاضي أبو زيد- رحمه الله- ثبوت النكاح هاهنا بطريق الإشارة لا بالدلالة ولا بالاقتضاء ذكره في "التقويم" ثم قال: وهذه "أي الإشارة والدلالة والاقتضاء" حدود متشابهة ما يميز بينهما إلا الفهم المنصف، ثم قال: وشيء منها لا يحتمل الخصوص، أما المقتضى فلأنه لا عموم له.
وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعد ما ثبتت علة لا
(3/1092)

تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص.
فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصًا بل يكون تركًا، ولأن الخصوص والعموم من أوصاف اللفظ في الحكم الثابت بدلالة النص اللفظ معدوم، فلم يكن فيه العموم، ولما لم يكن فيه العموم لم يكن فيه التخصيص؛ لأن التخصيص إنما يتحقق في الحكم الذي ثبت باللفظ العام.
فإن قيل: اشتراط الطهارة في المكان للصلاة ثبت بدلالة النص ومع ذلك صار هو مخصوصًا بقدر الدرهم وما دونه.
قلنا: ليس هذا من قبيل التخصيص الحكم الثابت بدلالة النص بل هذا هو قبيل إثبات حكم النص على وفاق الحكم الثابت بعبارة النص وهو طهارة الثوب، فإن خصوص الطهارة بقدر الدرهم وما دونه ثبت أولًا في الثياب حتى إذا كانت النجاسة بقدر الدرهم وما دونه في ثوب لا يمنع جواز الصلاة، فكذلك في المكان على وفاق ذلك.
(وأما الثابت بإشارة النص فيصلح أن يكون عامًا يخص)، وقال شمس الأئمة- رحمه الله-: وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا لا يحتمل الخصوص أيضًا- ويحتمل أن يريد بقوله: "فعند بعض مشايخنا" القاضي
(3/1093)

الإمام أبا زيد، فإنه ذكر هكذا فقال: وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما يثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص.
ثم قال شمس الأئمة- رحمه الله-: والأصح عندي أنه يحتمل ذلك؛ لأن الثابت بإشارة النص كالثابت بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام، والعموم باعتبار الصيغة، وصورة ذلك تتحقق فيما قاله الشافعي في أن الشهيد لا يصلى عليه. تمسك في ذلك بإشارة النص التي هي عام وهو قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}؛ حيث سماهم الله تعالى أحياء، والآية سيقت لبيان علو درجات الشهداء عند الله ولا صلاة على الأحياء، ثم لما أوردنا عليه حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه صلى على حمزة- رضي الله عنه- حين استشهد سبعين
(3/1094)

صلاة"؛ فقال هو في جوابه: خصت تلك الإشارة في حقه فبقيت في حق غيره على عمومها، ثم تأويل تكرار صلاة الجنازة عندنا أنه كان موضوعًا بين يديه فيؤتى بواحدة واحد فيصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظن الراوي أنه يصلي على حمزة- رضي الله عنه- في كل مرة، فقال: "صلى سبعين صلاة" فاحفظ صورة تخصيص الإشارة وأحكمها، فإنها عزيزة الوجود.
(3/1095)

[تقسيمات الشافعية للدلالة]
(باسمه العلم) المراد من العلم هو اسم العين دون الصفة.
(الإكسال): مجامع را انزال مي افتادن.
(لأن النص لم يتناوله فكيف يمنع). لما أن حكم النص لا يخلو إما أن كان نفيًا وإثباتًا، فالإثبات لا يثبت بدون التناول، فكذلك النفي وهو المنع لا يثبت بدون التناول. (ولأنه لإيجاب الحكم في المسمى فكيف يوجب النفي وهو ضده).
وتحقيق هذا أن الثبوت مع الانتفاء ضدان، ولهذا يستحيل اجتماعهما
(3/1096)

في محل واحد في زمان واحد كالحركة والسكون والسواد والبياض، فما يوجب البياض لا يوجب السواد وإن كانا في محلين، فكذلك الثبوت والانتفاء لا يصلحان موجبين لعلة أي بطريق القصد وإن اختلف المحل كالبياض والسواد، ولا يشكل على هذا الأمر مع النهي فإن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده، مع أنه لم تناول الضد؛ لأنا نقول: إن الآمر أوجب المأمور به قصدًا على المكلف، فيقتضي وجوده ولو كان ضده مباحًا لما اشتغل به، فيفوت المأمور به، فلذلك جعلناه مقتضيًا كراهة ضده.
وأما الإثبات في صورة مستغن عن إثبات النفي في موضع آخر، فلذلك لا ثبت النفي في موضع آخر؛ لأنه لم يتناوله.
فإن قلت: النكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها مع أن لفظ النكاح لم يتناول أمها لا بالنفي ولا بالإثبات.
قلت: تثبت حرمة الأم بنص آخر، وهو قوله تعالى: {وأمهات
(3/1097)

نسائكم}. وعن هذا أيضًا خرج الجواب عن سؤال من سال بأن النكاح مثبت للحل في حق الزوج ومثبت للحرمة في حق غير الزوج، لما أن حرمة غير الزوج تثبت بنص آخر، وهو قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ}.
(وقد أجمع الفقهاء على جواز التعليل) يعني أجمع الفقهاء على جواز تعليل النصوص لتعدية الحكم منها إلى الفروع، فلو كان التخصيص موجبًا نفي الحكم في غير المنصوص لكان التعليل باطلًا؛ لأنه يكون ذلك قياسًا في مقابلة النص، ومن لا يجوز العمل بالقياس فإنما لا يجوزه لاحتمال فيه بين أن يكون صوابًا أو خطأ لا لنص يمنع منه بمنزلة العمل بخبر الفاسق، وأنه لا يعمل بخبره لضعف في سنده لا لنص في خبره مانع من العمل به، ثم فائدة التخصيص عندنا أن يتأمل المجتهد فيه فيثبت الحكم في غيره بذلك المعنى لينال درجة المجتهدين.
(3/1098)

(وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بعين الماء) يعني أن الاستغراق ثابت في وجوب الغسل الذي يتعلق بعين الماء لا في غيره. ألا ترى أن المسلمين أجمعوا على وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا اقتضى الحيض والنفاس فيما لا يمكن القول به فهو مستثنى عن النصوص، فكذلك وجب القول بانحصار وجوب الغسل الذي يتعلق بعين الماء بالماء.
(غير أن الماء يثبت مرة عيانًا كالإنزال، ومرة دلالة) كالتقاء الختاننين لما عرف من الأصل أن الشيء إذا تعسر الوقوف عليه فقام سبب ذلك الشيء مقامه كالنوم مضطجعًا قام مقام الحدث، وكان انتقاض الطهارة مضافًا إلى الحدث معنى، فكذلك هاهنا التقاء الختانين بتواري الحشفة سبب داع إلى نزول الماء فقام مقام نزول الماء، فكذلك أضيف وجوب الغسل إلى الماء.
فحاصله أن التخصيص بالشيء لا يدل على نفي ما عداه عندنا وحيث دل
(3/1099)

إنما دل عند علمائنا لأمر من خارج لا من قبل التخصيص.
من ذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} استدل أهل الحق بهذه الآية على الرؤية لا من حيث التخصيص؛ بل لأنهم كونهم محجوبين عقوبة لهم، فيجب أن يكون أهل الجنة على خلافهم وإلا لا يكون الحجب في حق الكفار عقوبة لاستواء الفريقين في الحجب.
(وذلك في الزنا) لو زنا رجل بامرأة يجوز له أن يتزوج ابنتها؛ لأن حرمة
(3/1100)

ابنة المزنية إنما تكون إذا كانت هي من نسائه؛ لأنها معلق بذلك والمزنية ليست من نساء الزاني فلا تحرم ابنتها على الزاني.
(بيانه أن الشرط لما دخل على ما هو الموجب لولا هو صار الشرط مؤخرًا ونافيًا حكم الإيجاب) أراد بالموجب العلة بمعنى أن الشرط شيء إذا دخل على الوجوب هو موجب كما هو لولا الشرط الذي دخل عليه.
علم بهذا أن الشرط صار مؤخرًا حكم الإيجاب، والوصف يشارك الشرط في هذا العمل، فكان الوصف بمعنى الشرط لذلك، فينبغي أن يوقف على هو؛ لأن قوله: ((صار)) جواب لما، وترجمته بالفارسية: يعني آن خبرست كه اكر وي نه بود موجب موجب است وقتيكه وي بر موجب مي در آيد حكم إيجاب را أز وي تأخبر كند وصف مساوي است، ومراد وي را در اين عمل معمول شد كه وصف در معنى شرط نبوده است.
(بخلاف العلة) يعني إنها توجب وجود الحكم عند وجودها، ولا توجب عدم الحكم عند عدمها؛ (لأنها لابتداء الإيجاب لا للاعتراض على ما يوجب). هذا كله جواب عما يقول له.
فقولنا: ولنا أن أقصى درجات الوصف إذا كان مؤثرًا أن يكون علة الحكم
(3/1101)

إلى آخره، وتحقيق هذا الكلام هو أن الشرط للمنع بالإجماع. أما عندنا فيمنع العلة عن الانعقاد، وأما عنده الحكم عند الثبوت، فكان الشرط معترضًا على ما هو موجب، والوصف بمعناه على ما ذكر في الكتاب.
فأما العلة فهي لابتداء إثبات الحكم وهي ليست بمانعة بل هي مثبته، والحكم قد يثبت بعلل شتى على طريق البدلية فلا يكون عدم العلة المعينة دليلًا على عدم الحكم حتى إن عدم البيع لا يدل على عدم الملك؛ لأنه يحتمل أن يحصل الملك بالهبة أو بالإرث أو بالصدقة.
(ولا يلزم على هذا الأصل) وهو ما ذكرنا أن الحكم إذا أضيف إلى مسمى بوصف خاص لا يكون دليلًا على نفيه عند عدم ذلك الوصف عندنا، ثم ذكر هاهنا أن إضافة الحكم إلى مسمى بوصف خاص وهو قوله: ((الأكبر مني)) دلت على نفي نسب من بعده كما يجعل الخصم ذلك التخصيص به نفيًا لغيره.
وهو قوله: (وما قال أصحابنا- رحمهم الله- في أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطن مختلفة) بأن يكون بين كل واحد من الأولاد ستة أشهر فصاعدًا.
(3/1102)

(فادعى المولى نسب الأكبر).
إن نسب الآخرين لم يثبت، فهذا يدل على أن التخصيص بالوصف نفي؛ لأنا نقول: إن نسب الآخرين إنما يثبت لا لأن التقييد بالوصف ينفي ثبوت نسبهما، فإنه لو أشار إلى الأكبر فقال: هذا ولدي، فإن نسب الآخرين لم يثبت أيضًا مع أن التنصيص بالاسم لا يدل على نفي الحكم في غير المسمى، فعلم أن انتفاء النسب لا يتعلق بالتقييد بالوصف بل إنما لا يثبت؛ لأن قل الدعوى يحتمل ثبوت نسب كل واحد منهم وتلزمه الدعوى إذا كان الولد منه، فإنه كما يجرم عليه دعوى ما ليس منه يحرم عليه ترك دعوى ما هو مخلوق من مائة.
فإذا قال: الأكبر مني، وهو ساكت في هذا الزمان عن دعوة نسب الآخرين وهو موضع الحاجة إلى البيان كان سكوته نفيًا لنسبهما. إذا لو لم يكن نفيًا كان تاركًا للفرض فيحمل على النفي، كي لا يصير تاركًا للفرض.
وقوله: (لولا ذلك لثبت) أي لولا تخصيصه نفيًا لثبت نسبهما؛ لأن ولد أم الولد لا ينتفي بدون النفي.
فقلنا: لا يثبت نسبهما لا باعتبار التقييد بالوصف، فإنه لو أشار إلى
(3/1103)

الأكبر وقال: هذا ابني، لا يثبت نسب الآخرين منه أيضًا، ولا يقال لا حاجة إلى دعوى؛ لأنهما ولدا لأم ولده، لأنا نقول: إن أمومية الولد تثبت بالدعوة للأكبر، فيكون ما هو دليل النفي مقارنًا لأمومية الولد فلم يثبت النسب.
وقال في ((المبسوط)): وقال زفر: يثبت الآخرين منه أيضًا؛ لأنه تبين أنها ولدتهما على فراشه، فإنها صارت أم ولد له من حين علقت بالأكبر- إلى أن قال- قلنا: إن تخصيصه الأكبر بدعوى النسب دليل النفي في حق الآخرين هاهنا- لأنه يجب على المولى شرعًا إظهار النسب الذي هو ثابت منه بالدعوى، فإن تخصيصه الأكبر بعد وجوب الإظهار عليه بهذه الصفة دليل النفي في حق الآخرين- ودليل النفي كصريح النفي، ونسب ولد أم الولد ينتفي بالنفي فكذلك بدليل النفي، وهذا نظير ما قيل إن سكوت صاحب الشرع عن البيان بعد وقوع الحاجة إليه بالسؤال دليل النفي؛ لأن البيان وجب عند السؤال، فكان تركه بعد الوجوب دليل النفي، ولكن يعتق الآخران بموت المولى؛ لأنهما ولدا أم الولد فيعتقان بموت المولى، وقوله: ((نفيًا))
(3/1104)

خبر صار أي فصار السكوت نفيًا، وقوله: ((ولو كان ثابتًا)) متصل بما يليه وهو: ((البيان)) أي لزم البيان لو كان النسب ثابتًا.
(وبالشبهة ترد الشهادة) كشهادة الوالد لولده. ذكر مسألة الشهادات الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في ((المبسوط)) بقوله: ولو شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- ولم يجز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله تعالى- حتى يقولوا مبهمة: لا نعلم له وارثًا غيره؛ لأن في تخصصهم مكانًا إيهام أنهم يعلمون له وارثًا في غير ذلك المكان.
أرأيت أنهم لو قالوا: لا نعلم له وارثًا سواه في هذا المجلس أكان يقضى بالميراث لهم؟ وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: هذا اللفظ مبهم للمبالغة في بيان أنه لا وارث له غيره، ومعناه: أن بلده كذا مولده ومسقط رأسه كذا ولا نعلم له بها وارثًا غيره، فأحرى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو؛ لأن ما لا يعلم المرء لا
(3/1105)

يختص بمكان دون مكان فهذا وما لو أطلقوا سواء.
وقولهما: أن هذا إيهام، فلئن كان كذلك فهو مفهوم، والمفهوم لا يقابل المنطوق وذكر في أصوله وقالا: لا تقبل هذه الشهادة لا لأنها توجب علمهم بوارث آخر بمكان آخر؛ بل لتمكن التهمة؛ فإنه يحمل بأنهما خصا ذلك المكان للتحرز عن الكذب أو لعمهما بوارث آخر له في غير ذلك المكان، ولكن الشهادة ترد بالتهمة، فأما الحكم فهو أنا لا نثبت نفيًا ولا إيجابًا بالتهمة بل الحجة المعلومة.
(لأنه في حكم التعليق قاصر) يعني أن قوله: ((عبد هذا حر)) تام في نفسه لكنه في حق التعلق قاصر؛ لأن غرض المتكلم من هذا الكلام التعليق،
(3/1106)

فصار كالجملة الناقصة في حق هذا الحكم، دل أن الشركة إنما وجبت للافتقار.
ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وضرتك طالق طلقت ضرتها في الحال؛ لأنه كلام تام فلا حاجة إلى الاشتراك، إذا لو كان غرضه الشركة في التعليق لا قتصر على قوله: ((وضرتك)) فإذا أفرد بالخبر دل أن مراه التنجيز لما أن خبر الأول يصلح خبرًا للثاني بخلاف قوله: وعبدي حر؛ لما أن خبر الأول لا يصلح خبرًا له عند تجريده عن الخبر، فلذلك كان هو مع وجود خبره قاصرًا في حق التعليق فتثبت الشركة في التعليق.
(3/1107)

(مثل قوله {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ}) وما قبله {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ}، ومثل قوله: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ}، وكذلك قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ}، فقد بينا مثله في بيان واو العطف.
(والشافعي قطع قوله: {وَلا تَقْبَلُوا} أي عن قوله: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}؛ حيث جعل الاستثناء الذي في آخر الكلام منصرفًا إلى قوله: {وَلا تَقْبَلُوا} وإلى قوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} لا إلى قوله {فَاجْلِدُوهُمْ}، ولأنه لم يجعل رد الشهادة من تتمة الحد حتى جعل التوبة رافعة لرد الشهادة ولم يجعلها رافعة للجلد (مع قيام دليل الاتصال)، فإن
(3/1108)

كلًا منهما يصلح جزاء للقذف، وكل واحد منهما جملة فعلية. كل واحد منهما خوطب به الأئمة، ووصل قوله: {وَأُوْلَئِكَ} بما قبله وهو قوله: {وَلا تَقْبَلُوا} جملة فعلية: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} جملة اسمية والأولى جملة خوطب بها الأئمة، والثانية إثبات شبهة الفسق على الإطلاق وبيان لجريمة القاذف فلا تصلح جزاء على القذف بطريق الحد؛ بل هذا لإزالة الإشكال عن وهم متوهم بأن يتوهم: ينبغي أن لا يجب الحد على القاذف؛ لأن القاذف في قذفه لا يخلو إما أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا لا يجب الحد قطعًا، ولو كان كاذبًا يحب، فلا يجب بالشك كالشيء المتردد بين الوجود والعدم حيث ترجع جانب العدم؛ لأنه هو الأصل في الشيء يثبت بالشبهات.
(3/1109)

فأولى أن لا يثبت جانب الوجود في الحدود، وهو مما يثبت بالشبهات والله تعالى أزال ذلك الإشكال بقوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي هم العاصون بهتك ستر العورة، وليس غرضهم من ذلك الطلب الحسنة لكذبهم في ذلك، وإليه في قوله تعالى: {لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} فلذلك وجب عليهم حد القذف، ولأن الشافعي رد الشهادة بدون مدة العجز، والله تعالى جعل رد الشهادة حكمًا لصفة التراخي بحرف (ثم) إلى وقت العجز بقوله: {ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} والشافعي غير هذا حيث رد الشهادة بدون مدة العجز.
[العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب]
(ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يختص بسببه) أي بسبب ورود العام كما لو قال رجل لآخر: تعالى تغد معي، فقال الآخر مجيبًا: إن تغديت اليوم فعده حر، وخص عموم هذه اليمين عند بعضهم بغداء ذلك الشخص الذي دعا إلى غدائه حتى لو ذهب إلى بيته وتغدى لا يحنث عندهم وألغى الزيادة.
(لأن النص ساكت عن سببه) أي عن سبب مخصوص بذلك الشخص، (والسكوت لا يكون حجة)؛ لأن الاستدلال بالسكوت يكون استدلالًا بلا دليل، فكيف يجوز باعتباره ترك العمل بالدليل وهو المنصوص.
(3/1110)

(ألا ترى أن عامة الحوادث مثل الظهار واللعان وغير ذلك وردت مقيدة بأسباب).
أما آية الظهار وهي قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى قوله: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية نزلت في شأن خولة بنت ثعلبة بن قيس بن مالك امرأة أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما
(3/1111)

سلمت راودها فأبت فغضب وقال لها: أنت علي كظهر أمي إلى آخره.
وأما آية اللعان فنزلت لما قاله عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك؛ إن وجد رجل مع امرأته رجلًا فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته أبدًا وفيق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى. اللهم افتح، وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ قال: شر!
(3/1112)

وجدت على امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك بن سحماء فقال: هذا والله سؤالي ما أسرع ما ابتليت به، فرجع فأخبر عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلم خولة فقالت: لا أدري الغيرة أدركته أم بخلًا على الطعام؟ فكان شريك نزيلهم وقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت آية اللعان ولا عن بينهما. كذا في ((الكشاف))، وأما قوله: ((غير ذلك)) حكاية القذف، فإنها نزلت بسبب قصة عائشة- رضي الله عنها- (وهذه الجملة) أي جملة حكم العام المعلق بالسبب.
(أن يكون بلى بناء على النفي في الابتداء مع الاستفهام)، فإن بلى
(3/1113)

إيجاب لما بعد النفي كما في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ} أي مجمعها، (ونعم لمحض الاستفهام) كما في قوله: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ}.
(وأجل يجمعهما) أي يجمع محض الاستفهام كما في نعم وغير محض الاستفهام كما في بلى.
قال الأخفش: إن أجل جواب مثل نعم إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب. قلت: أجل. فكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، فكان أحسن من أجل. كذا في ((الصحاح)).
(وقد يستعملان في غير الاستفهام على إدراج الاستفهام)، فنظير إدراج الاستفهام ما ذكر في إقرار ((المبسوط)) بقوله: ولو قال: أخبر فلان أن للان عليم ألف درهم، أو قال: أعلمه أو أبشره أو قول له، فقال: نعم، فهذا كله إقرار؛ لأن قوله: ((نعم)) ليس بمفهوم المعنى بنفسه وهو مذكور في موضع الجواب، فصار ما يبق من الخطاب معادًا فيه، فلهذا كان إقرارًا.
(3/1114)

وأما قوله: ((وغير احتمال الاستفهام)) فهو ما استعمل نعم في جواب الأمر بأن قيل: ابت مني عبدي هذا، أو استأجره مني، فقال: نعم، فهذا إقرار له بالملك، وكذلك لو قال: افتح باب داري هذه أو جصص داري هذه أو أسرج دابتي هذه أو ألجم بغلي هذا فقال: نعم، فهذا إقرار لما بينا أن نعم غير مفهوم المعنى بنفسه فلا بد من حمله على الجواب؛ لأنه لو لم يحمل عليه صار لغوًا، وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن، ولا يحمل على اللغو إلا إذا تعذر حمله على الصحة.
(فيقول الآخر: إن تغديت فعبدي حر. أنه يتعلق به)؛ لأن هذا عام مبني على سؤال فيتخصص به؛ لأن العام يجوز تخصصه بالدليل، وهاهنا قد وجد الدليل وهو دعاؤه إلى الغداء المدعو إليه فيتخصص بدلالة الحال.
والرابع- ما هو مستقل بنفسه خرج عقيب سؤال لكنه زائد على ما هو
(3/1115)

الجواب، فيصير هو كلامًا مبتدأ لا يتعلق بهذا الذي تنازعنا فيه، لأن هذا عام موجب بنفسه زائد على سببه فلم يتعلق به.
(ومن ذلك أن الشافعي جعل التعليق بالشرط موجب العدم) إلى آخره.
وحاصله عند الشافعي قوله: أنت طالق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، انعقد سببًا لوقوع الطلاق، وأثر التعليق في منع حكمه، فصار موجب هذا الكلام عنده: وجود الحكم عند وجود الشرط، وعدمه عند عدم الشرط، فصار كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وإن لم تدخلي فلست بطالق،
(3/1116)

وهذا لأنه انعقد سببًا عنده قد وجد ما هو المقتضى لوقوع الطلاق، وإنما لم يثبت الحكم لوجود التعليق، فيكون العدم مضافًا إلى المانع، وعندنا لما لم ينعقد سببًا لم يكن عدم وقوع الطلاق مضافًا إلى التعليق؛ بل يبقى كما كان قبل اليمين، وعن هذا الأصل تنشعب الفروع لنا وله.
منها: جواز تعجيل الكفارة قبل الحنث عنده؛ لأنه تكفير قبل السبب، وعدم جواز تعليق الطلاق بالنكاح عنده خلافًا لنا.
(والمالي يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن المال مع الفعل يتغايران، فجاز أن يتصف المال بالوجوب لا يثبت وجوب الأداء. ألا ترى أن المال وهو الثمن يجب في ذمة المشتري بمجرد البيع ولا يجب الأداء ما لم يطالب به لما أنهما يتغايران.
(وأما البدني فلا يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن الفعل لما وجب أداؤه ولو لم يجب الفعل لا يجب الأداء. إذا لا واسطة بين الفعل والأداء، فلا يتصور انفصال وجوب الفعل عن وجوب الأداء، فلما تأخر وجوب الأداء إلى ما بعد الحنث تأخر الوجوب ضرورة، فلو أجى قبل الحنث تقع الكفارة قبل الوجوب فلا يجوز.
وحاصله أنا لمالي يحتمل الفصل لإمكان القول بالفصل؛ لأن في المال شيئين: المال، والفعل في المال، ويكون المال واجبًا الفعل فيه متأخرًا كما في الثمن المؤجل.
(3/1117)

وأما البدني فليس فيه إلا الفعل، فلما تأخر الأداء لم يبق الوجوب.
(ولنا أن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه)؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، وقيام الشيء بدون ذاته مجال؛ ألا ترى أن البيع لما كان عبارة عن الإيجاب والقبول لا ينعقد بدونهما أو بدون أحدهما أو ما يقوم مقامهما وكذلك الصلاة لما كانت عبارة عن الأركان المعهودة لا تتصور بدونها أو بما يخلها، وكذلك في الحسيات لما كان ركن السرقة من كذا وكذا لا يتصور بدونه. والإيجاب لا يثبت أيضًا بدن محله كالبيع لا ينعقد بدون محله وهو المال، وفيما نحن فيه المحل هو المرأة في تعليق الطلاق بالشرط، فما لم يتصل هذا الإيجاب إليها لم يثبت الإيجاب، وهاهنا لم يتصل بالمرأة لأن اتصاله بها اتصال شرعي، ولم يثبت شيء من أحكام الطلاق فيها لم ينعقد سببًا كالبيع المضاف إلى الحر لما لم يفد حكمًا من أحكام البيع لم ينعقد سببًا، واعتبر هذا بالاتصال الحسي، فإنه ما لم يظهر أثر فعل النجار في المحل وهو الخشب لم ينعقد شجرًا فإذا ثبت هذا تبين أن الشرط ليس بمعنى الأجل. يعني لو أجل الثمن في البيع.
(3/1118)

قلنا: إن الأجل ليس بمانع للبيع ولا بحكمه، فإن المبيع يخرج من ملك البائع ويدخل في ملك المشتري ولكن أثره في تأخر المطالبة ودخول الثمن في ملك البائع ليس بشرط صحة البيع، ولهذا لو أسقط الثمن عن المشتري صح، فلا يقدح عدم وصول الثمن إلى البائع في البيع ولا في حكمه ولا كذلك التعليق، فإنه يمنع العلة عن الانعقاد على ما بينا.
والتعليق بالشرط يمين عقدت للبر، فموجب التعليق هو امتناع حكم الإيجاب والسبب طريق إلى الحكم، فكيف يكون سببًا إلى الحكم وهو مانع عنه؟ فالقول بكونه سببًا إلى الحكم كان قولًا عائدًا على موضوعه بالنقض، وعن هذا الحرف ينشأ الفرق بين التعليقات وبين الإضافة؛ لأن الإضافة لثبوت الحكم بها فكان سببًا؛ لأنها تفضي إليه بخلاف التعليق، فإنه للمنع عن الحكم في أصله.
ألا ترى أن قوله: أنت طالق غدًا أأنت حر غدًا هو لوقوع الطلاق والحرية في الغد، فكيف يكون مانعًا؟ فلم يوجد المانع من السبب، بل وجد ما يحقق كونه سببًا؛ لأن الغد وما يشبهه تعيين لزمان الوقوع، والزمان من لوازم وقوع الطلاق كما إذا قال: أنى طالق الساعة، فتكون الإضافة محققة للسببية والتعليق مانعًا لها، فلا يتقاسان.
(وبدون الاتصال بالمحل لا ينعقد سببًا)، ولكن ينعقد يمينًا؛ لأن التعليق
(3/1119)

بالشرط يمين فلا تتوقف صحته على ملك المحل كاليمين بالله، وهذا لأن اليمين تصرف منا لحالف في ذمة نفسه فيصح.
فإن قلت: لو قال الشافعي إذا لم يكن سببًا في الحال عندكم ولكن له شبهة السببية، فيجب أن يشترط المحل ما يشترط لحقيقة السبب، وهذا لأن التعليق معتبر بالتنجيز، فلما لم يكن له ولاية الطلاق قبل النكاح لم يكن له ولاية تعليق قبله.
قلت: لا يصح قياس التعليق بالتنجيز؛ لأنه قد يملك التعليق دون التنجيز. ألا ترى أنا لرجل إذا قال لجاريته التي ليس بها حبل: إذا ولدت ولدًا فهو حر صح بالإجماع، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم، وكذلك إذا قال لامرأته الحائض: إذا طهرت فأنت طالق كان هذا تعليق طلاق السنة، وإن كان لا يملك تنجيزه في الحال.
إلى هذا أشار في ((المبسوط)) وجواب اقتصار شبهة الإيجاب إلى المحل فيجئ بعد هذا إن شاء الله تعالى.
(3/1120)

(فيصلح التدارك به) أي كان الشرط (لأدنى الخطرين) وهو دخول الشرط في الحكم، وذا لأن ثبوت الخيار في البيع ثبت بخلاف القياس؛ نظرًا لمن لا خبرة له في المعاملات، فيثبت بقدر الضرورة، والضرورة ترتفع بكون الخيار داخلًا في الحكم دون السبب؛ عملًا بما هو الأصل في الشرع بقدر الإمكان، وهو تقليل الخطر في البيع بخلاف الطلاق، فقلنا فيه بكمال التعليق أن لو دخل الشرط على الحكم كان تعليقًا من وجه دون وجه فكان ناقصًا في التعليق، والنقصان إنما كان بالعوارض، فلذلك أدخلناه فيه في السبب وفي البيع في الحكم، وهو معنى قوله: (وأما هذا فيحتمل الخطر) أي الطلاق يحتمل التعليق بالشرط الذي فيه خطر وتردد أنه يوجد أم لا؟ لأنه من الإسقاطات والذي يسقط قابل للتعليق كما في الحسيات، فإن القنديل قابل للتعليق؛ لأنه مما يسقط وما يتناول من يد إلى يد وتبادل به غيره غير قابل للتعليق في ذلك الغرض؛ إذ في التعليق بالشرط الذي يوجد أم لا معنى
(3/1121)

القمار، والقمار حرام بالنص، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}.
(وفرقه باطل؛ لانا قد بينا أن حق الله تعالى في المالي فعل الأداء لا عين المال، وإنما يقصد عين المال في حقوق العباد)؛ لأن المقصود لهم يحصل بالمال. ألا ترى أن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه ولم يوجد من المديون فعل البتة.
فعلم أن المقصود هو المال، وفي باب الزكاة لا بد من فعل من المخاطب فصار كالصلاة (والمال آلته)، ولا يقال: بأنه يتأدى بالنائب؛ لأنا نقول: المقصود يحصل بالنائب لأن المخاطر قطع طائفة منا لمال، وبهذا تلحقه المشقة فحصل المقصود، والإنابة فعل منه فاكتفى به مع حصول المقصود، وإنما لا تتأدى الصلاة بالنائب؛ لأن المشقة فيها إنما تتحقق في فعل نفسه فلا يتصور
(3/1122)

فيه الإنابة، والأصل أن فعل الإنسان لا يكون فعل غيره لما فيه من الاستحالة، وإنما جعل فعل النائب في الزكاة فعل المنوب بخلاف القياس عند حصول ما هو المقصود من إيجاب الزكاة، وهو الابتلاء بوصول المشقة إليه وقد وجد ذلك في الزكاة عند الإنابة فقطع طائفة من ماله، فلا تحلق بها الصلاة بالقياس عليها؛ لأن ذلك ثبت بخلاف القياس مع وجود المفارقة بينهما على ما بينا، فلم تكن الصلاة في معنى الزكاة من كل وجه حتى تلحق هي بها بالدلالة.
(قال زفر- رحمه الله-: ولما بطل الإيجاب) أي ولما بطل أن كون المعلق سببًا لوقوع الطلاق (لم يشترط قيام الملك)؛ لأن المحل إنما يشترط لتثبيت الإيجاب كالمال شرط لتثبيت البيع فيه، فلما بطل كونه سببًا لم يفتقر إلى المحل، (وكذلك العتق) يعني إذا قال لأمته: إن فعلت كذا فأنت حرة فأعتقها قبل وجود الشرط بطل اليمين عندنا حتى لو ارتدت- والعياذ الله- ولحقت بدار الحرب ثم أسلمت ثم ملكها المالك الحالف ثم وجد منها الشرط لا تعتق عندنا، وعند زفير تعتق، وأما إذا لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ثم اشتراه فدخل فإنه يعتق بالاتفاق؛ لأنه بصفة الرق كان محلًا للعتق وبالبيع لم تفت تلك الصفة.
وقوله: (وإنما شرط قيام الملك) هذا جواب لزفير عن شبهة ترد على
(3/1123)

قوله: لما بطل الإيجاب لم يشترط قيام المحل لبقائه)) فوجه الورود هو أن التعليق لما لم يبق له العلية ولا شبهها بل بطل من الأصل؛ لذلك لم يشترط قيام المحل لبقاء التعليق؛ لأن المحل إنما يشترط للعلة وليس هو بعلة عندنا فلا يشترط قيام المحل فالحل ورد عليه.
لو كان كذلك لوجب أن لا يشترط الملك في ابتداء التعليق جمعنا واتفقنا على أن قيام الملك في ابتداء الملك شرط حتى أنه لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق فتزوجها ثم دخلت الدار لا تطلق فعلم بهذا أن الإيجاب لم يبطل من كل وجه حتى اشترط الملك في ابتداء التعليق لشبهة بالعلة، فيجب أن يشترط لبقائه الحل وإن لم يشترط الملك.
فأجاب هو عنه وقال: اشترط الملك في ابتداء التعليق لا باعتبار أن الإيجاب لم يبطل بل الإيجاب بطل لما قلنا إن التعليق يمنعه عن وقوع الطلاق، فكيف يكون شببًا له. ولكن إنما يشترط الملك في ابتداء التعليق لتفيد اليمين فائدته، وذلك أن التعليق وإن لم يكن علة للطلاق ولا شبهة العلة ولكن هو يمين، واليمين إنما تفيد فائدته أن لو كان الملك موجودًا حالة اليمين وهي ابتداء التعليق؛ لأن المقصود من اليمين البر، فاشترط قيام الملك في ابتداء التعليق تحقيقًا لما هو المقصود من اليمين، وذلك أن حال وجود الشرط متردد بين أن يوجد الشرط والملك قائم فيلزمه الجزاء وبين أن يوجد والملك غير قائم فلا
(3/1124)

ينزل الجزاء فلا يحصل ما هو المقصود فرجحنا وجود الملك حال وجود الشرط بوجود الملك حال ابتداء التعليق لما أن الأصل في كل موجود دوامه واستمراره، ولما وجب الترجيح بالملك في الحال لجانب وجود الملك حال وجود الشرط لم يعتبر جانب عدم وجود الملك حال وجود الشرط لما عرف أن المغلوب بمقابلة الغالب بمنزلة المعدوم المستهلك، فإذا كان ذلك فزوال الملك لم يبطل اليمين بالاتفاق؛ لأنه لا ينافي وجود الجزاء عند الشرط لاحتمال أن يتزوجها فيوجد الشرط وهي في ملكه، وهذا المعنى قائم في زوال الحل لاحتمال أن يتزوجها بعد زوج آخر فيوجد الشرط وهي في ملكه فيجب الجزاء، فعلم بهذا التقرير أنه إذا وجد التعليق حال وجود الملك بعد ذلك لا يتفاوت في المستقبل بين زوال الملك وزوال الحل في حق بقاء اليمين، ثم بزوال الملك لا يبطل اليمين بالاتفاق فكذلك بزوال الحل.
وقوله: (ولو كان التعليق يتصل بالمحل لما صح تعليق طلاق المطلقة ثلاثًا بنكاحها) وإنما خص هذه الصورة، وإن كان الحكم في الأجنبية كذلك أيضًا لما أن المطلقة ثلاثًا أبعد من الحل، ولما جاز تعليق طلاقها بنكاحها فلأن يجوز تعليق طلاق الأجنبية بنكاحها أولى.
(وطريق أصحابنا- رحمهم الله- لا يصح إلا أن يثبت للمعلق ضرب اتصال بالمحل)، والمعنى من ضرب الاتصال هو كونه مضمونًا بالجزاء في
(3/1125)

الحال، وتقدير هذا أن المعلق وهو التطليق أو الإعتاق لم يكن سببًا للطلاق والعتاق لما قلنا: إن إيجاب السببية لا يوجد إلا بركنه ولا يثبت إلا في محله فلم يوجد الركن ولم يتصل بالمحل لكون الشرط حائلًا بينه وبين المحل على ما قلنا، لكن له شبهة كونه سببًا؛ لأن اليمين تعقد للبر والبر لا بد له من أن يكون مضمونًا بالطلاق تحقيقًا للمقصود، فإذا حلف بالطلاق كان البر هو الأصل وضمانه بوقوع الطلاق عند وجود الشرط، فيثبت في الحال شبهة إيجاب الطلاق كالمغصوب يلزم على الغاصب رده فيكون له حال قيام العين شبهة إيجاب القيمة، ولهذا لو أجى الضمان يمتلك من حين الغصب وإنما يملكه بأداء القيمة، فلم يكن الغصب في الحال سببًا لوجوب القيمة لما ملك من وقت الغصب وكذلك الكفالة تصح بالمغصوب حتى أنه يلزم على الكفيل رد العين حال بقائها، ودفع القيمة حال هلاكها كذا ذكره في ((زاد الفقهاء)) مع أن الكفالة لا تصح إلا بالدين الصحيح.
ولهذا لا تصح ببدل الكتابة؛ لأنه ليس بدين صحيح؛ لأن الدين الصحيح لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء ولا يسقط بغيرهما، ودين الكتابة يسقط بغيرهما، وهو تعجيز المكاتب نفيه، فلما كان البر هاهنا مضمونًا بالطلاق في الحال ثبت شبه الطلاق، وشبهة الطلاق لا تستغني عن المحل كحقيقة
(3/1126)

الطلاق؛ لأن الشبهة دلال الدليل على ثبوت المدلول وإن تخلف المدلول وقط لا يدل الدليل على ثبوت المدلول في غير المحل.
ألا ترى أنه لا يمكن دلالة الدليل على ثبوت الطلاق في البهيمة لعدم المحل، فإذا بطل الحل بطل اليمين لما عرف أن كل حكم يرجع إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء، وفي الابتداء لا يصح التعليق عند عدم المحل فيما إذا كان التعليق بغير سبب الملك فكذلك البقاء.
(فأما قيام هذا الملك فلم يتعين لما قلنا إنه ليس بتصرف في الطلاق ليصح اعتبار الملك) وإنما قال هذا ليفرق بين زوال الملك وزوال الحل، وذلك أن المحل شرط صحة التعليق لما أن التصرف إذا أخطأ محله يلغو، واشتراط الملك عند التعليق لا لصحة تعليق الطلاق؛ لأن هذا ليس بتصرف فيه وإنما يشترط لتحصيل فائدة اليمين لما أن حال الملك وقت وجود الشرط
(3/1127)

متردد، فوجب ترجيح وجوده وقت وجود الشرط بوجود الملك في الحال لما أن الظاهر من كل موجود بقاؤه، فتحصل فائدة اليمين وهي المنع.
وأما تعليق الطلاق بالنكاح فصحيح وإن لم يكن الحل والملك في الحال موجودًا؛ لانا لتعليق بعلة ملك الطلاق تحصل فائدة اليمين وهي المنع لكون البر مضمونًا بالطلاق لا محالة، فصار مثل التعليق بغير علة ملك الطلاق حال قيام المحل والملك، بل هذا أولى بالصحة؛ لأن في حال قيام الملك كان البر مضمونًا بالطلاق من حيث الظاهر مع احتمال غير مضمونيته، وفي تعليق الطلاق بالملك كان البر مضمونًا بالطلاق من حيث القطع والبتات، فكان هذا أحق بالصحة، فعلى خذا تسقط الشبهة التي ذكرناها في المتنازع وهي شبهة وجوب الطلاق؛ لأنه لما صح تعليق الطلاق بالنكاح لزم سقوط تلك الشبهة لاستحالة حقيقة الطلاق قبل النكاح، والشبهة إنما تعتبر عند إمكان الحقيقة، وما ذكرنا من الشبهة حال قيام النكاح وحقيقة التطليق فيه ممكنة فصح القول بشبهة التطليق أيضًا لقيام الدليل عليه، وانعدمت الحقيقة لقيام الدليل عليه فاعتبرت الشبهة وهو المعنى بقله: ((فتسقط هذه الشبهة بهذه المعارضة)) يعني أن تعليق الطلاق بالنكاح يوجب سقوط هذه الشبهة وهي أن لتعليق الطلاق شبهًا بالإيجاب، فصارت هذه الشبهة التي حصلت من تعليق الطلاق بالنكاح معارضة للشبهة السابقة التي اقتضاها تعليق الطلاق بدخول الدار فأسقطت تلك الشبهة، وإنما رجحنا جانب هذه الشبهة التي حصلت من تعليق الطلاق بالنكاح على جانب تلك الشبهة لقوة هذه عليها بوجهين:
(3/1128)

أحدهما- أن هذه الشبهة نشأت من جانب علة العلة، فإن النكاح علة ملك الطلاق، والطلاق علة وقوع الطلاق، وتلك الشبهة نشأت من جانب مطلق تعليق الطلاق بالشرط كدخول الدار وغيره، فعلة العلة وهي النكاح اقتضت أن لا تكون المرأة منكوحة ولا شبهة كونها منكوحة ليتحقق النكاح في حقها، وتلك الشبهة اقتضت محلية الطلاق، فثبت هي كونها منكوحة، فوجب ترجيح جانب على العلة على مطلق الشرط؛ لأن علة العلة تصلح أن تكون علة والشرط لا.
والثاني- أن عند وجود هذا الشرط وجود كونها محلًا للطلاق لا محالة؛ لأن المنكوحة محل للطلاق لا محالة، وعند وجود ذلك الشرط لكونها محلًا للطلاق من حيث الظاهر فيحتمل أن لا تكون محلًا للطلاق فوجب ترجيح جانب الشرط الذي هو كائن لا محالة لمحلية الطلاق عند وجوده؛ لأن الشرط الذي يوجد لا محالة أو يوجد عند وجوده محلية العلة لا محالة كان هو أشبه بالعلة من مطلق الشرط.
ألا ترى أن تعليق العتاق بالموت وهو التدبير كان أشبه بالعلة التي في الإعتاق من التعليق بسائر الشروط حتى أثر ذلك في منع البيع وسائر التمليكات بخلاف سائر التعليقات؛ لما أن ذلك معلق بالموت وهو كائن لا محالة فجعل كأنه وجد العتق، وكذلك الشرط الذي يوجد عند وجوده العلة لا محالة أشبه بالعلة من مطلق الشرط، وعن هذا افترق خطاب الكفار
(3/1129)

بالإيمان والشرائع، فقلنا: بأنهم مخاطبون بالإيمان دون الشرائع؛ لأن عند وجود الإيمان صاروا أهلًا لموجب الإيمان وهو دخول الجنة لا محالة.
وأما إذا وجدت الشرائع بدون الإيمان فلا، فكذلك هاهنا صح تعليق طلاق الأجنبية بالنكاح ولم يصح تعليق طلاقها بدخول الدار وغيره كما أن وجود النكاح صيرورتها محلًا للطلاق لا محالة بخلاف وجود دخول الدار.
فعلم بهذا أن الشرط الذي يوجد لا محالة أو يوجد عند وجوده محلية العلة لا محالة كان أشبه بالعلة من مطلق الشرط الذي ليس فيه أحد هذين الوصفتين، فلذلك رجحنا جانب الشرط الذي هو أشبه بالعلة وهو تعليق الطلاق بالنكاح، فحققنا مقتضاه هو أن لا تكون المرأة منكوحة حقيقة ولا شبهة منكوحة.
وهذا معنى قوله: (فيصير قدر ما ادعينا من الشبهة مستحقًا به) أي كون تعليق الطلاق بالنكاح مضمونًا بالطلاق لا محالة عند وجود الشرط أغنانا عن شبهة الطلاق قبل وجود الشرط، وقوله: ((من الشبهة)) أي شبهة الإيجاب. ((مستحقًا به)) أي يتعلق الطلاق بالنكاح، (فتسقط هذه الشبهة) وهي شبهة إيجاب الطلاق (بهذه المعارضة) وهي معارضة اقتضاء علة العلة سقوط شبهة الإيجاب قبل وجود الشرط لما ذكرنا أن انفعال النكاح وتحققه مقتض أن تكون المرأة أجنبية للمعلق لا منكوحة، وشبهة الإيجاب مقتضية
(3/1130)

أن تكون المرأة منكوحة؛ لأن شبهة الإيجاب إنما تتحقق في المنكوحة كحقيقته؛ لأن كلا منهما مفتقر إلى المحل، فتعارضتا فرجحنا جانب علة العلة لما ذكرنا.
فإن قلت: لو قال زفر: يرد على قولكم هذا الظهار فإنه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثًا ثم عادت إليه بعد زوج يكن مظاهرًا منها إن دخلت الدار، فيجب أن يكون في تعليق الطلاق بالشرط كذلك؛ لأن كل واحد من الطلاق والظهار يتحقق في حق المنكوحة.
قلت: ليس هذا اليمين كاليمين بالظهار؛ لأن المحلية هناك لا تنعدم بالتطليقات الثلاث؛ لأن الحرمة بالظهار غير الحرمة بالطلاق؛ فإن تلك الحرمة حرمة إلى وجود التكفير، وهذه حرمة إلى وجود ما يرفعها وهو الزوج الثاني، فكان من حق الظهار على هذا أن يثبت بعد التطليقات الثلاث إذا وجد الشرط، إلا أنها لو دخلت الدار بعد التطليقات إنما لا يصير مظاهرًا؛ لأنه لا حل بينهما في الحال، والظهار تشبيه المحللة بالمحرمة وذلك يوجد بعد التزوج بها إذا دخلت الدار. إلى هذا أشار في ((المبسوط)).
(وأبعد من هذه الجملة ما قال الشافعي- رحمه الله- من حمل المطلق
(3/1131)

على المقيد أي أبعد من الصواب فوجه أبعديته هو من أن حمل المطلق على المقيد إبطال لإطلاق المطلق الذي هو ممكن العمل، وهو مصالح أن يكون
(3/1132)

الإطلاق مراد المتكلم، فكان فيه إبطال مراد المتكلم من الكلام، وهذا لأن المعنى من حمل المطلق على المقيد ترك دليل المطلق والعمل بدليل المقيد، فكان ترك العمل مع وجوده ظاهر البطلان، وهذا لأنا لنص المقيد غير ناف للحكم عند عدم القيد على ما سنذكر فكان في حمل المطلق على المقيد إبطال حكم موجود ثابت بالنص بمعدوم لا يصلح هو أن يكون حكمًا شرعيًا على ما ذكر في الكتاب بعيد هذا، أو نقول بما أشار إليه الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- من وجه الأبعدية هو: أن التغيير في الوصف والشرط في موضع واحد وهو إضافة ما ليس بحكم النص إلى النص حيث قال: بأن كلا من الوصف والشرط ناف للحكم عند عدم الوصف والشرط، والتغيير هنا في موضعين:
أحدهما- هذا وهو جعل النص المقيد نافيًا للحكم عند عدم القيد.
والثاني- إبطال حكم ثابت بالنص وهو الإطلاق مع إمكان العمل به.
(والمطلق ساكت) عن ذكر الوصف (والمقيد ناطق) أي بذكر الوصف، فكان محكمًا في أن ذلك الوصف هو المراد والمطلق محتمل له، فوجب حمل
(3/1133)

المحتمل على المحكم (كما قيل في قوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة))) لا يتعرض إلى الإسامة لا بالنفي ولا بالإثبات، وقوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل السائمة شاة)) يتعرض للإسامة، فوجب حمل المطلق على هذا المقيد.
وفي نظيره من (الكفارات) أي يشترك الإيمان في تحرير الرقبة في كفارة الظهار واليمين والصم أيضًا إلحاقًا بكفارة القتل بخلاف زيادة الصوم في القتل، فإنه لم يلحق به كفارة اليمين، يعني لم يشترك في كفارة اليمين صوم شهرين متتابعين مع ورود النص في كفارة القتل بصوم شهرين متتابعين كما قلنا بصفة الإيمان في تحرير الرقبة؛ لانا ما ادعينا أو ورود النص الخاص في حادثة يكون ورودًا بالأخرى، بل نقول: الحكم إذا ثبت مضافًا إلى مسمى بوصف خاص يكون ذلك الوصف بمعنى الشرط، والشرط عندي يوجب
(3/1134)

النفي عند عدم الشرط في المنصوص عليه، وفي نظائره بخلاف زيادة الصوم وأخواتها، فإن ذلك ثابت باسم العلم وهو شهران وعشرة مساكين وركعتان وثلاث وأربع، فيقتضي الوجود لا النفي.
وقوله: (ووظائف الطهارات) مثل سنية التثليث وسنية المضمضة والاستنشاق في الوضوء دون التيمم.
(وأركانها)، ففي الوضوء أربعة أعضاء وفي التميم عضوان، (ونحو ذلك) كاشتراط الأربعة في شهود الزنا وفي غير مشروطة في سائر الشهادات، والجملة الشرطية في قوله: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} صفة للنكرة وهي أشياء أي لا تكثروا مسألة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها أو كلفكم إياها تعمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها، وذلك نحو ما روي ((أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن
(3/1135)

محصن قال: يا رسول الله الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله عليه السلام حتى أعاد مسألته ثلاث مرات، فقال: ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عم شيء فاجتنبوه)) كذا في ((الكشاف)).
(3/1136)

(فنبه على أن العمل بالإطلاق واجب)، وهذا لأنه ورد النهي عن السؤال، والسؤال عما هو محكم ومفسر لا يكون، فلا يحتاج فيهما إلى السؤال، ولا يكونا لنهي عن السؤال واردًا فيهما.
وأما في حق المجمل فالرجوع إلى السؤال عنه والاستفسار واجب.
فعلم أن النهي عن السؤال إنما جاء فيما هو ممكن العمل مع نوع إبهام فيه وهذا هو عين المطلق، فالسؤال فيه يكون تعميقًا وذلك لا يجوز، فهذا تنبيه على أن العمل بالإطلاق اجب والرجوع إلى المقيد ليتعرف حكم المطلق منه ارتكاب المنهي فلا يجوز.
(وهو قول عامة الصحابة في أمهات النساء) يعني إجراء المطلق على إطلاقه في قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} حيث قيل بحرمة الأمهات مطلقًا سواء دخل بابنتها التي هي امرأته أو لم يدخل بها؛ لأن حرمة الأمهات مطلقة عن قيد الدخول بابنتها فأجري على إطلاقه.
وأما حرمة الربيبة إنما تثبت إذا دخل بأمها.
وأما إذا لم يدخل بأمها فلا تثبت حرمة الربيبة بمجرد نكاح أمها؛ لأن هذا مقيد بقوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}.
(3/1137)

(ولأن المقيد أوجب الحكم ابتداء، فلم يجز المطلق؛ لأنه لم يشرع) معناه قبل ورود النص المقيد لم يجز العمل بالمقيد؛ لأنه لم يشرع، فإذا ورد المقيد لم يجز العمل بالمطلق؛ لأنه لم يشرع لا لأن النص المقيد نفى حكم المطلق؛ لأنه لم يتناوله فكيف يوجب الحكم فيه بالنفي.
يعني إذا ورد النص المقيد في حادثة ولم يرد النص المطلق في تلك الحادثة بعينها لم يجز العمل بالإطلاق لا لأن النص المقيد نفاه كما في كفارة القتل ورد النص المقيد بتحرير الرقبة المؤمن بقيد الإيمان لم يجز الكفارة لكفارته، لا لأنا لنص المقيد أوجب النفي حكم إطلاق نص آخر؛ لأن النص المطلق لم يرد فيه، ولأن النص المقيد لم يتناول حكم الإطلاق فكيف يوجب النفي فيه بل هذا الحكم وهو حكم النص المقيد حكم متلقى من جهة الشرع، فينتهي إلى ما أنهانا إليه الشرع. وقوله: ((لأنه غير مشروع)) أي لأن المطلق غير مشروع، فلذلك لم تتأد كفارة القتل بإعتاق الرقبة الكافرة (لما قلنا إن الإثبات لا يوجب نفيًا صيغة) يعني أن عدم الجواز بالطلق لا باعتبار أن النص المقيد أوجب فيه عدم الجواز؛ لأن إثبات النص الحكم الذي هو نفي أو إثبات لا يخلو إما أن يثبت ذلك
(3/1138)

الحكم إما بالعبارة أو بالإشارة وهذا غير موجود هاهنا، أو بطريق الدلالة وهو لا يصح أيضًا؛ لأن النص المقيد للإثبات وليس للإثبات معنى لغويًا يتناول النفي بل يضاده فكيف يثبت النفي بالدلالة أو بطريق الاقتضاء، وهو أيضًا غير مستقيم؟ لأن الحكم الثابت بالاقتضاء إنما بكون بمقتضى النص المذكور الذي ليس له استغناء بنفسه عند السامع؛ بل هو محتاج إلى ما يصححه، وفي ضمن ذلك المصحح يثبت الحكم الثابت بالاقتضاء، وهاهنا النص المذكور وهو المثبت لحله من غير احتياج إلى آخر، فلا يكون الحكم هنا ثابتًا بالاقتضاء.
ولئن تصور افتقاره لا يفتقر إلى نص هو ناف؛ لأن النفي لا يصحح المثبت، ولما كان هذا هكذا كان هذا من الشافعي احتجاجًا بلا دليل، وما قلناه عمل بوجل كل نص؛ لأنه عمل بالنص المقيد بالتقييد وعمل بالنص المطلق بالإطلاق، فإن العمل هكذا هو موضوعهما الحقيقي، فكان هو عملًا بالدليلين.
(ألا ترى أن قوله تعالى {مِنْ نِسَائِكُمُ} معرفة بالإضافة، فلا يكون المقيد معرفًا ليجعل شرطًا) إذ فيه جعل ما ليس بصالح للشرط شرطًا، وهو باطل، يعني أن وصف المعرف بالإضافة أبالإشارة بالوصف ليجعل شرطًا لا
(3/1139)

يجوز. كما في قوله: هذه المرأة التي أتزوجها طالق كان لغوًا حتى لو تزوجها لا تطلق؛ لأن جعل الوصف إنما يصح في حق الغائب لا في حق الحاضر، ولذلك إذا وصف غير المعرف بالإشارة وبالإضافة جاز أن يجعل شرطًا كما في قوله: المرأة التي أتزوجها طالق فإنه يكون تعليق الطلاق بالتزوج، وإنما ذكر هذا لأن الشافعي- رحمه الله- جعل الوصف بمنزلة الشرط وجعل الشرط نافيًا للحكم عند عدمه.
فكذلك أيضًا جعل الوصف نافيًا للحكم عند عدمه إلحاقًا للوصف بالشرط، وكذلك جعل نص وصف الإيمان في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} نافيًا للإطلاق ونحن لم نجعله نافيًا.
قلنا: إن تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل لا يجوز؛ لأنه غير مشروع لا لأن النص المقيد بوصف الإيمان نفاه على ما ذكرنا، ولما كان كذلك جهل الشافعي الوصف في قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} بمنزلة وصف الإيمان في الرقبة، كما أن ذلك الوصف ناف لحكم الإطلاق فكذا هذا الوصف أيضًا ناف لحكم الإطلاق، فحينئذ كانت حرمة الربائب منفية عند عدم وصف دخول أمهاتهن؛ لأن عدم ذلك الوصف نفاه كما أن جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل منتف عند عدم وصف
(3/1140)

الإيمان؛ لأن عدم ذلك الوصف نفاه، فأجاب عنه بهذا وقال: ليس كذلك لأن الوصف إنما يلحق بالشرط ويعمل عمله إذا كان ذلك الوصف واقعًا للغائب على ما ذكرنا من قوله: المرأة التي أتزوجها طالق، فإنه يصح ويكون بمنزلة الشرط.
كأنه قال: إن تزوجتها فهي طالق، وأما إذا وقع الوصف وصفًا للمضاف إلى المخاطب وأوقع وصفًا للحاضر لا يكون ذلك الوصف بمعنى الشرط، فكذلك لا يكون قوله: هذه المرأة التي أتزوجها طال بمنزلة قوله/ إن تزوجتها فهي طالق، فكذلك لا تطلق إذا تزوجها.
(فأما العدم فليس بشرع) يعني أن العدم كائن بالعدم الأصلي لا أن شيئًا ما يجعله عدمًا يعني أن عدم جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل كان بالعدم الأصلي لا أن هذا الوصف الذي في قوله:
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} بمعنى الشرط، وهو يجعله عدمًا.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وفي كفارة القتل ذكر صفة الإيمان في الرقبة لتعريف الرقبة المشروعة كفارة لا على وجه الشرط، وإنما لا تجزئ الكافرة؛ لأنها غير مشروعة لا لانعدام شرط الجواز فيما هو مشروع كما لا تجزئ إراقة الدم وتحرير نصف الرقبة؛ لأن الكفارة ما عرفت إلا شرعًا فما ليس بمشروع لا يحصل به التكفير، وفي الموضوع الذي هو مشروع يحصل به التكفير.
(3/1141)

(ولأنا إن سلمنا له النفي ثابتًا بهذا القيد لم يستقم له الاستدلال به على غيره إلا إذا صحت المماثلة). يعني قد ذكرنا قبل هذا أن عدم جواز حرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل باعتبار أن هذا النص المقيد بالإيمان أثبته لا يلزم منه عدم جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة اليمين والظهار إلا بعد أن تثبت المساواة بين كفارة القتل وسائر الكفارات، وهذا لأنه لا شك أن اشتراط الإيمان في الرقبة باعتبار زيادة التغليظ على من باشر سبب الكفارة، وليس بين كفارة القتل وسائر الكفارات مساواة لا في السبب ولا في الحكم.
أما في السبب فإن القتل بغير حق لا يكون في معنى الجناية كاليمين والظهار، فأن الله تعالى جعل القتل بغير حق قرين الإشراك بالله تعال في قوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} واليمين في أصله مشروع كما في الخلف في بيعة الرضوان.
(3/1142)

وكذلك الظهار ليس هو إلا تشبيه المحللة بالمحرمة، والتشبيه يحتمل معاني أخر ليس فيها معنى الكذب بان يشبهها بها من حيث السمن أو الهزال أو اللون أو غير ذلك فكان هو صادقًا فيها، ولأنه كان هو في الجاهلية طلاقًا والطلاق مباح في أصله ولكن الشارع جعل ذلك التشبيه في حق الحل والحرمة وجعله كاذبًا فيه، وأوجب فيها لكفارة، ولكن مع ذلك لم يبلغ هو من حيث الجريمة جريمة القتل بغير حق، فوجوب تحرير الرقبة المؤمنة في كفارة القتل لزيادة غلظ معصية القتل لم يدل ذلك على وجوب تحيري الرقبة المؤمنة في كفارة اليمين والظهار لعدم مساواتهما في السبب، وكذلك في الحكم، فالرقبة عين في كفارة القتل ولا مدخل للطعام فيها، والصوم مقدر بشهرين متتابعين وفي الظهار للإطعام مدخل عند العجز عن الصوم، وفي اليمين يتخير بين ثلاثة أشياء ويكفي إطعام عشرة مساكين، فعند العجز تتأدى بصوم ثلاثة أيام، فمع انعدام المماثلة في السبب والحكم كيف يجعل ما يدل على نفي الحكم في كفارة القتل دليلًا على النفي في كفارة اليمين والظهار؟
(فإن قال: أنا أعدي الوصف الزائد ثم النفي يثبت به)، وإنما قال بهذا الطريق حيث قدم الوصف الزائد على النفي لا على التعليق احترازًا عما ذكرنا أن العدم ليس بشرع فلا تصح التعدية فيه.
قلنا: لا يصح هذا أيضًا لما ذكرنا أن تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل
(3/1143)

إنما لا يجوز؛ لأنه غير مشروع لا لأن النص المقيد بذكر وصف الإيمان نفى ذلك حتى أنه لو كان جاء النص المطلق بتحرير الرقبة في كفارة القتل أيضًا لقلنا بجواز تحرير الرقبة الكافرة فيها ولم يجئ فلذلك لم نقل بجوازه.
وأما في كفارة اليمين والظهار جاء النص بتحرير الرقبة مطلقًا فلذلك قلنا: بجواز تحرير لرقبة الكافرة فيها لما أن النص المطلق ممكن العمل بإطلاقه فيجب العمل له؛ لأنه يصلح أن يكون الإطلاق منا لمطلق مراد المتكلم كالعموم من العام، ولما كان كذلك كانت تعدية شرط الإيمان على قود كلامه تعدية معدوم لإبطال موجود أي تعدية عدم جواز تحرير الكافرة الذي هو لا يصلح أن يكون حكمًا شرعيًا لإبطال صفة الإطلاق التي هي مجودة وصالحة لأن تكون حكمًا شرعيًا فلذلك كان هذا أبعد عن الصواب مما سبق.
أو نقول: وهو الأوجه لتقرير الكتاب وهو أن النص المقيد بوصف الإيمان لما لم ينف جواز تحرير الرقبة الكافرة في كفارة القتل بل لأنه غير مشروع على ما ذكر في الكتاب بقوله: ((لا لأن النص نفاه)) كان عدم جواز تحرير الرقبة الكافرة فيها لم تكن ثابتًا بالنص، فحينئذ كانت التعدية تعدية أمر غير ثابت بالنص إلى موضع آخر لإبطال حكم ثابت فيه بالنص وهو الإطلاق وذلك لا يجوز.
(وهذا أمر ظاهر التناقض) يعني اعتبر وصف التقييد في النص المقيد على وجه ينفي غيره ولم يعتبر وصف الإطلاق في النص المطلق بوجه ما. مع أن كلا من الوصفين ثابت بالنص ممكن العمل به، ويصلح أن يكون الكل منهما مراد المتكلم، فكان هذا العمل منه تناقضًا حيث يعتبر وصف النص في
(3/1144)

موضع ولا يعتبر في موضع آخر.
وقوله: (ولكن السنة المعروفة) وهي قوله عليه السلام: ((ليس في الحوامل والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة)) (أوجبت نسخ الإطلاق) أي أجبت هذه السنة نسخ الإطلاق في ذلك الحديث الذي رواه وهو قوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة)) لا أن يكون هذا الحديث المطلق حمل على الحديث المقيد بالصفة وهو قوله عليه السلام: ((في خمس الإبل السائمة شاة)) (لكن نص الأمر بالتثبيت في نبأ الفاسق) وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، وقرأ ابن مسعود- رضي الله عنه-: ((فتثبتوا)) فالتثبيت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف.
(فكذلك قيد التتابع في كفارة القتل والظهار لم يوجب نفيًا في كفارة اليمين، بل ثبت زيادة على المطلق بحديث مشهور) يعني أن قيد
(3/1145)

التتابع في كفارة القتل والظهار لم يوجب نفي جواز التفرق في كفارة اليمين أي لم يكن ذلك على طريق حمل المطلق على المقيد، بل ثبت التتابع في كفارة اليمين بطريق الزيادة على المطلق بحديث مشهور فإن قلت: ما الرق بين القول بالزيادة وبين القول بحمل المطلق بل هما متساويان؛ لأن في كل منهما تركا لعمل بدليل المطلق والعمل بدليل المقيد، فأجيزت الزيادة ولم يجز الحمل؟
قلت: لا بل هما مختلفان لا متساويان، وإن استويا من حيث الصورة؛ لأن في حمل المطلق على المقيد تعدية أمر معدوم لا يصلح حكمًا شرعيًا على موضوع يلزم منه إبطال حكم موجود يصلح حكمًا شرعيًا على ما ذكرنا بيانه، وليس في الزيادة ذلك، بل فيه عمل بحديث مشهور، والعمل مقتضاه واجب بشهادة السلف بصحته، وإن كان يلزم فيه نسخ من وجه لما أن النسخ من كل وجه جائز في الشرع فأولى أن يجوز النسخ من وجه، وأما تعدية
(3/1146)

المعدوم لإبطال الموجود فلا يصح أصلًا، ولما كان كذلك فعند استوائها في الصورة وجب أن يحمل ذلك على ما هو موجود في الشرع وهو الزيادة بالمشهور لا على ما هو غير موجود فيه، ولذلك صرح المصنف- رحمه الله- بتأبيد عدم جواز حمل المطلق على المقيد، فنظير استواء الحكمين في الصورة مع وجوب الحمل على الصحة دون الفساد لاختلافهما معنى- إذا استفتح الإمام في قراءته ففتح عليه المقتدى، إن نوى المقتدي بتلك القراءة فتح إمامه يجوز، وإن نوى به القراءة لا يجوز؛ لأن المقتدي مرخص في الفتح دون القراءة، فإنه ممنوع عنها مع أن صورتهما واحدة وهي قراءة المقتدى خلف إمامه في الوجهين، ولكن يجب حمل أمره على الصلاح دون الفساد، وهذا كثير، النظير، يظهر ذلك في مسائل الصرف وغيرها، فكذلك هاهنا لما ورد قراءة ابن مسعود- رضي الله عنه- بقيد التتابع في كفارة اليمين رد بأنها التتابع على مطلق الصوم، لا أن يكون ذلك من قبيل حمل المطلق على المقيد لما فيه منا لفساد الذي ذكرنا.
ولا مزاحمة في الأسباب؛ لأن الحكم الواحد جاز أن يثبت بأسباب كثيرة أي على سبيل البدل لا على سبيل الاجتماع، فجاز أن يكون رأس المؤمن سببًا لوجوب صدقة الفطر والرأس المطلق أيضًا جاز أن يكون سببًا مع ذلك كالملك جاز أن يثبت لشخص بالشراء وقبول الهبة والصدقة والوصية والإرث؛ لكن إذا لا يثبت إلا بسبب واحد، ولا مزاحمة في الأسباب أي
(3/1147)

لا ينفي وجود سبب وجود سبب آخر على طريق البدل. هذا في السبب.
وأما في الحكم فلا يصح ذلك؛ لأن النص المطلق الموجب لصوم ثلاثة أيام مع النص المقيد بالتتابع الموجب لصوم ثلاثة أيام لا يخلو إما أن يوجب كل واحد منهما صومًا غير ما يوجبه الآخر أو عين ما يوجبه الآخر، فلو أوجب كل واحد منهما صومًا غير ما يوجبه الآخر لزم على الحانث المعسر صوم ستة أيام، ثلاثة بطريق الإطلاق وثلاثة بوصف التتابع، وهو خلاف ما أوجبه النص وذلك لا يجوز، ولو أوجب غير ما يوجبه الآخر يجب التتابع فيهما جميعًا؛ لأنه لما وجب عليه التتابع الذي هو وصف زائد على مطلق الصوم بنص يوجبه استحال أن لا يجب؛ إذ لو قلنا بحرمان الإطلاق التقييد في حق الحكم يجب أن يقال: يجب عليه التتابع في الصوم ولا يجب وهذا خلف من القول.
ولهذا أشار بقوله في الكتاب: (والحكم وهو الصوم لا يقبل وصفين متضادين)، وحاصله أن الشيئين إذا ترادفا في إيجاب الحكم ولأحدهما زيادة وصف والآخر الذي ليس له زيادة وصف يكون تبعًا للذي له زيادة وصف، فيثبت لهما جميعًا تلك الزيادة كالطلاق الرجعي مع البائن، فالبائن للطلاق زيادة وصف على الرجعي؛ لأن الطلاق لا يكون أقل من الرجعي، فلأن الرجعي زيادة وصف فيلحق الرجعي البائن مقدمًا ومؤخرًا، فيكونان بائنين
(3/1148)

لئلا يلغى وصف البينونة التي هي زيادة وصف في الطلاق، فكذلك ههنا النص الموجب لمطلق الصوم كان تبعًا للنص الموجب للتتابع لئلا يلغى وصف التتابع الذي هو زيادة وصف في الصوم.
(هو نظير ما سبق) أي كما أن عندنا أن (التعليق بالشرط لا يوجب نفي الحكم) عند عدم وجود ذلك الشرط كذلك التقييد في السبب في النص لا يوجب نفي الحكم عند عدم ذلك القيد في النص المطلق (مثل نكاح الامة تعلق بطول الحرة) أي بعدم طول الحرة بالنص.
(وبقى مرسلًا مع ذلك) أي مطلق حله بدون تعليق ذلك الشرط بعدم طول الحرة بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ} وهكذا نقول في قوله: إن دخل عبدي الدار فأعتقه، فإن ذلك لا يوجب نفي الحكم الذي قبله حتى لو كان ذال أولا: أعتق عبدي، ثم قال: أعتقه إن دخل الدار- جاز له أن يعتقه قبل الدخول بالأمر الأول، ولا يجعل هذا الثاني نهيًا عن الأول، وتمام هذا مذكور في ((أصول الفقه)) للإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
(لأن الإرسال والتعليق يتنافان وجودًا) يعني أن الحكم الواحد إذا وجد لا يجوز أن يكون حال كونه موجودًا بهذين الطريقين للتنافي كالملك في شيء إذا ثبت لشخص لا يجوز أن يثبت بالبيع والهبة للاستحالة.
فأما قبل وجوده فجاز أن يثبت بهذا أو بهذا، فكذلك نقول في الحكم
(3/1149)

المعلق والمرسل.
(وذلك المعنى ذكرناه) يعني أن الصلاة إذا أضيفت إلى وقت كصلاة الظهر مثلًا كان ذلك الوقت سببها وظرفًا لأدائها وشرطًا له أيضًا، فلا يجوز تقديم الحكم على السبب ولا يوجد المشروط قبل الشرط، وعدم جواز التقديم على سببها لهذا لا لأنه وجد سببها، ومع ذلك لا يجوز التقديم على وقت معين، وكذلك صوم السبعة في المتعة قبل أيام النحر لا يجوز؛ لأنه لم يشرع قبل وقته وهو وقت الرجوع إلى أهله؛ لأن ذلك أضيف إلى الرجوع بكلمة (إذا) بقوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} والمضاف إلى وقت لا يجوز قبل ذلك
(3/1150)

الوقت كصوم رمضان قبل شهود الشهر لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو فرق ولكن صام قبل الرجوع لم يجزه أيضًا.
علمنا أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، والتتابع شرط للجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك لم يقيد المطلق من الصيام بالتتابع، فبطل أصله. كذا في ((التقويم)).
ولأنه لا يصح هذا العذر من الشافعي ما قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- فالمطلق في الكفارة إنما يحمل على المقيد في الكفارة أيضًا، وليس في صوم الكفارة مقيد بالتفرق، فإن صوم المتعة ليس بكفارة بل هو نسك بمنزلة إراقة الدم الذي كان الصوم خلفًا عنه.
قلت: ولكن للشافعي أن يقول: صوم المتعة بدل عن دم المتعة، ودم المتعة عندي دم جبر وهذا الصوم خلف عنه فكان هذا الصوم أيضًا صوم كفارة لكونه جبرًا للنقصان الثابت بالقرآن والمتعة، فإن الإفراد عنده أفضل من المتعة والقرآن، ولكن هذا العذر أيضًا لا يجدى له؛ لأن عدم جواز صوم السبعة قبل الرجوع لا لوجوب التفريق بل لعدم وقته على ما ذكرت فلم يصح قوله: إن الأصل يتعارض لأني وجدت صوم المتعة لا يصح إلى متفرقًا؛ لأنه لا يقال للصوم الذي لم يجئ وقته أنه صوم متفرق.
(3/1151)

فعلم بهذا أنه لم يوجد صيام أصلًا كان التفرق فيها واجبًا، وإنما وجد من وصف الصيام وجوب التتابع لا غير، مع ذلك لم يحمل المطلق على المقيد في حق التتابع في الكفارة، فكان أصله متناقضًا حيث حمل المطلق على المقيد في موضع ولم يحمل على المقيد في موضع، فكان أصله متناقضًا، والله أعلم بالصواب.
* * *
(3/1152)

باب العزيمة والرخصة
لما فرغ من تقسيم المشروعات من حيث ثبوت الأحكام من الكتاب على قدر ما يليق من التقسيم من وسعه ذكر في هذا الباب تقسيم الثابت منها، وهو نوعان: عزيمة، ورخصة.
فالعزيمة: عبارة عما استقر على الأمر الأول بحكم أنه إلهنا ونحن نعبده؛ يعني أثبت الحكم في حقنا بحكم أنه إلهنا وخالقنا من غير نظر إلى الأعذار منا.
والرخصة: ما يغير من عسر إلى يسر بواسطة عذر المكلف.
(3/1153)

وقوله: (حتى صار العزم يمينًا) حتى إذا قال القائل: أعزم؛ كان حالفًا أي عند النية.
(وهذا الاسم) أي اسم الفرض والكتابة.
(ففي التقدير والتناهي يسر) أي بالنسبة إلى كونه غير مقدر وهو في
(3/1154)

لفظ الفرض.
[الواجب]
(ويشير إلى شدة المحافظة) وهي في اسم المكتبة، وسميت مكتوبة؛ لأنها كتبت علينا في اللوح المحفوظ.
(ومعنى السقوط أنه ساقط علمًا) أي ساقط عنا من حيث الاعتقاد به قطعًا، يعني لا يجب علينا أن نعتقد قطعًا أنه علينا؛ لأنه يجب الاعتقاد بكونه واجبًا بغلبة الظن.
(هو الوصف الخاص سمي به) أي سقوط العلم عما هو الوصف الخاص للواجب، فلذلك سمي بلفظ الواجب؛ لأن الفرض واجب، مستويان في حق لزوم العمل، وإنما المفارقة بينهما من حيث لزوم الاعتقاد في حق الفرض بأنه فرض عليه قطعًا، وعدم لزوم الاعتقاد في حق الواجب، فكان لفظ الواجب هو اللفظ الدال على سقوط العلم والاعتقاد عن المكلف لأنه لازم قطعًا، فلذلك سمي به.
(3/1155)

.........................................................................
(3/1156)

(صار كالساقط عليه) أي صار الواجب كالساقط على الذي لم يجب عليه العلم بأنه لازم عليه قطعًا لا كما تحمل كما في الفرض، (ويحتمل أن يؤخذ من الوجبة وهو الاضطراب) وهو أي والجبة، والتذكير لتذكير الخير وهو الاضطراب. قال الشاعر:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلاء وراء الغيب بالحجر
(3/1157)

الوجيب: الاضطراب، والأبهر: عرق مستبطن الصلب إذا انقطع مات صاحبه
والدم: الضرب، والغيب: الجدار هنا.
وقال في ((ميزان الأصول)): الواجب نوعان: لازم قطعًا كالزكاة والصوم، وواجب لا يكون لازمًا قطعًا. مثل: تعين الفاتحة وغيره.
(والسنة الطريقة) ومنها الحديث في مجوس هجر: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) أي اسلكوا بهم طريقهم. يعني عاملوهم معاملة هؤلاء في
(3/1158)

إعطاء الأمان لأخذ الجزية منهم
وهو معروف الاشتقاق (وهو في الشرع: اسم للطريق المسلوك في الدين).
(وهو معروف الاشتقاق) أي هي مأخوذة من قولهم: سن الماء إذا صبه، وإنما أخذت السنة منه؛ لأن من يستن بسنة غيره ينصب في الفعل على وفق فعله كالماء الثاني يجري في جريه كجريان الماء الأول، ولذلك سمي الطريق سنة؛ لأن المار ينصب فيه ويجري نحو جريان الماء من غير انعراج ولا التفات إلى شيء آخر.
(بل زيادة على ما شرع له الجهاد) من إعلاء كلمة الله وكبت أعدائه.
قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}.
(3/1159)

(وإذا تفاوت الدليل لم ينكر تفاوت الحكم)؛ لأن الحكم نتيجة الدليل، فمهما كان الدليل أقوى كان المدلول وهو الحكم أقوى، (وبيان ذلك) أي بيان أن الدليل نوعان: ما لا شبهة فيه وما فيه شبهة؛ (لأن النص الذي لا شبهة فيه أوجب قراءة القرآن في الصلاة وهو قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}) وإنما تعين ذلك الأمر في حق الصلاة إما بالاستدلال بسياق هذه الآية وسباقها، فإن في كل منهما ذكر الصلاة، وإما بالاستدلال بدلالة الإجماع؛ لأنهم أجمعوا على أن الأمر للوجوب ولا وجوب خارج الصلاة فتعين في الصلاة.
(3/1160)

(وذلك فيما قلنا)؛ لأن خبر الواحد مكمل لحكم الأول مقرر له؛ لأن حكم الأول وجوب قراءة القرآن، وبعدما أوجبنا الفاتحة لم يتغير ذلك؛ لأن مقتضى الكتاب أن تجوز الصلاة بأي سورة قرأ، وإذا لم يتبدل هذا الحكم بوجوب الفاتحة عندنا، فلم يجز تغيير الأول بالثاني، وتغييره بأن يصير مقيدًا؛ لأنه لا شبهة في الأول، وفي الثاني شبهة.
فإن قيل: لا نسلم بأنه لا شبهة في الأول وهو الكتاب بل فيه شبهة حتى صار هو أدنى من الخبر الأول، فإن ذلك نص عام خص منه ما دون الآية، فيخص فيما وراءه بخبر الاحد، فحينئذ يجب تعيين الفاتحة فرضًا كما هو مقتضى خبر الواحد لقوله عليه السلام: ((لا صلاة إلى بفاتحة الكتاب)).
قلنا: ثبت عدم الجواز فيما دون الآية بمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الآية، وهو أن ما دون الآية وإن كان من القرآن لا يسمى من قرأه قارئ القرآن على الإطلاق، حتى جوز بعض العلماء قراءة ما دون الآية للجنب والحائض بهذا المعنى فلما لم يتناوله اسم القرآن على الإطلاق لم يكن عدم جواز الصلاة بما دون الآية بسبب أنه مخصوص من قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} فكان هو عامًا حينئذ لم يخص منه شيء، فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد،
(3/1161)

وإنه لو جاز بما دون الآية- لأنه من القرآن- لوجب أن يجوز بحرف واحد من القرآن؛ لأنه من القرآن، ولم يقل به أحد.
فإن قيل: يجب أن لا يثبت الوجوب أيضًا بخبر الفاتحة حينئذ؛ لأنه جاء مخالفًا للكتاب؛ لأن الكتاب يقتضي الجواز بدون فاتحة الكتاب، وذلك الخبر يقتضي الجواز بالفاتحة. قال عليه السلام في الخبر الواحد: ((وما خالف فردوه)).
قلنا: ذلك الرد إنما يكون فيما إذا لم يكن العمل بخبر الواحد ممكنًا مع العمل بالكتاب، وهاهنا ممكن على الوجه الذي قلنا بأن يكون مكملًا لموجب الكتاب، وهو أن يحمل على الوجوب.
(وخبر الواحد أوجب التعديل)، وهو قوله عليه السلام للأعرابي: ((قم فصل فإنك لم تصل)).
(فمن رد خبر الواحد) كما فعله أهل الاعتزال.
(ومن سواه بالكتاب كما فعله أهل الحديث.
(3/1162)

(واجب ثبت بخبر الواحد)، وهو قوله عليه السلام لأسامة بن زيد حين كان هورديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى مزدلفة فقال: الصلاة يا رسول الله. قال عليه السلام: ((الصلاة أمامك)).
(3/1163)

(فإن لم يفعل حتى طلع الفجر سقطت الإعادة).
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين وجوب الترتيب في الصلاة فإن ذلك أيضًا بخبر الواحد، ووجوب الإعادة هناك إذا صلى الوقتية مع ذكر الفائتة لا تسقط سواء خرج الوقت أو لم يخرج ما لم يدخل حد التكرار، وهنا تسقط الإعادة إذا خرج وقت العشاء؟
قلت: جواب هذا وجواب ما يشاكله من الأسولة مذكورة في حج ((النهاية)) فسقوط الإعادة هنا بعد طلوع الفجر مثل سقوط الإعادة في الصلاة عند كثرة الفوائت.
وذكر في ((التقويم)) بعد ذكر سقوط الإعادة بعد طلوع الفجر هنا، وقال: وكذلك قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- فيمن ترك الفجر، ثم صلى الظهر وهو ذاكر لما عليه: أن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا قضاء عليه.
(3/1164)

(وخبر الواحد لا يوجبه) أي لا يوجب العلم (فلا يفسد العشاء) أي المغرب.
(فجعلنا الطواف به واجبًا لا يعارض الأصل) عملًا بخبر الواحد، هو قوله عليه السلام: ((الحطيم من البيت))؛ لأن الطواف حول الحطيم عمل بخبر الواحد على وجه لا يعارض الكتاب؛ لأنا لطواف حول الحطيم طواف حول البيت أيضًا.
(من غير افتراض ولا وجوب) إلا إذا كان من شعائر الإسلام فحينئذ يكون بمعنى الواجب كالأذان والجماعة.
وقوله: (إلا أن السنة عندنا) هذا استثناء منقطع بمعنى لكن.
اللائمة: الملامة.
(3/1165)

(أنه لا يتنصف إلى الثلث لقول سعيد بن المسيب: السنة) أي السنة هكذا. أراد به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
بيان هذا في زيادات ((المبسوط)) وهو ما روي عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل. قلت: فإن قطع أصبعين منها؟ قال: عشرون من الإبل، فإن قطع ثلاثة أصابع؟ قال: عليه ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع؟ قال:
(3/1166)

عليه عشرون من الإبل. قلت: سبحان الله لما كبر ألمها واشتد مصابها قل أرشها! قال: أعراقي أنت؟ فقلت: لا، بل جاهل مسترشد، أو عاقل مستثبت، فقال: إنه السنة، وبهذا أخذ الشافعي وقال: السنة إذا أطلقت فالمراد بها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويرون حديثًا أن النبي عليه السلام قال: ((تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية))، وقوله: ((تعاقل)) أي تساوي المرأة
(3/1167)

الرجل في الدية.
وقال في المغرب: وعن ابن المسيب ((المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها)) أي تساويه في العقل تأخذ كما يأخذ الرجل (فقال ذلك في القتل الحر بالعبد) أي قال الشافعي- رحمه الله- ذلك أيضًا وهو أن مطلق السنة تقع على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن عليًا- رضي الله عنه- قال: ((إن من السنة أن لا يقتل الحر بالعبد)) فكانت هي محمولة على سنة النبي عليه السلام، وإنما ذكر هذين وإن كان فيهما معنى الإرسال لما أن الشافعي يقبل مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسانيد، وأما إرسال علي- رضي الله عنه- فإنه مقبول أيضًا؛ لأن إرسال الصحابة مقبول بالإجماع؛ لأن ذلك محمول على السماع.
(وعندنا هي مطلقة لا قيد فيها) أي لفظ السنة مطلق لا قيد فيه ويذكر ويراد به غير سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يوجب ذلك الاختصاص سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال عليه السلام: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إل يوم القيامة، ومن ين سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)).
(3/1168)

وقوله: (وكان السلف يقولون: سنة العمرين) لبيان أن لفظ السنة يطلق على سنة غير النبي عليه السلام أيضًا. (سنة الهدى، وتركها يستوجب إساءة)، وذلك نحو صلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة، ولهذا لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب، لو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك قوتلوا ليأتوا بها.
(فقيل مرة يكره) فقال: يكره القعود في الأذان ويكره أن يؤذن وهو جنب وهو من آثار سنن الهدى (ومرة أساء) كما في قوله: وإن صلى
(3/1169)

أهل المصر جماعة بغير أذان ولا إقامة أساؤوا؛ لأنهم تركوا ما هو من سنن الهدى، ومرة لا بأس، وقال: لا بأس بأن يؤذن واحد ويقيم آخر.
(وإذا قيل: يعين فذلك من حكم الوجوب)، فقال: ولا يؤذن لصلاة قبل دخل وقتها ويعاد في الوقت، وفي ((شرح الطحاوي)) يستحب إعادة أذان أربعة: الجنب والمرأة والسكران والمجنون.
(ولهذا قلنا: إن ما زاد على القصر في صلاة السفر نفل)؛ لأنه لا يعاقب على تركه ويثاب على فعله، وقد قال الشافعي به فكان نفلًا لجود حده، ولا يلزم على هذا صوم المسافر، فإنه لا يعاقب على تركه ويثاب على فعله مع أنه لو صام يقع فرضًا؛ لأنا نقول: المراد من قوله: لا يعاقب على تركه لو تركه أصلًا، والمسافر يعاقب على ترك الصوم في الجملة وهو ما إذا أدرك عدة من أيام أخر ولم يقضه يعاقب عليه، فكذلك لم يكن الصوم في حالة السفر نفلًا، والنفل شرع دائمًا، فلذلك جعلناه من العزائم؛ لأن شرعية النفل لما لم يبن على عارض من جهة العبد لم يجعلها منا لرخص بل جعلناها من العزائم، وإنما ترض لذكر قوله دائمًا لجانب الرخصة في النفل.
(3/1170)

فإن قيل: لم يشرع النوافل في الأوقات المكروهة فلم تكن شرعيتها دائمًا.
قلنا: ذلك لأجل المانع وهو نسبة تلك الأوقات إلى الشيطان إلى ما جاءت به السنة مع أن تلك الكراهة لا تنفي نفس شرعية الصلاة فكانت شرعية النوافل دائمة. (ولذلك صح قاعدًا) أي ولشرعيته دائمًا صح قاعدًا (وراكبًا)؛ لأن في مراعاة أركانه على التمام مع وجود وصف الدوام إفضاء إلى الحرج، فلذلك لازم اليسر فصح قاعدًا، وهذا القدر يشعر بالرخصة، فلذلك كان فيه شبهة الرخصة وإن كان هو في أصله منا لعزائم، ولما كان النفل مشتملًا لهذين الوصفين أخر ذكره عن ذكر سائر العزائم؛ لأنه لم يخلص عزيمة.
(قال الشافعي- رحمه الله- لما شرع النفل على هذا الوصف وجب أن يبقى عليه (دائمًا ولا يلزم بالشروع؛ لأن حقيقة الشيء لا تتغير في حال دون حال، وهو نفل حقيقة بعد الشرهه فيبقى على صفة النفلية كما قبل الشروع؛ لأن آخره من جنس أوله، ففي الأول كان مخيرًا بين الإتيان به
(3/1171)

والترك فيبقى كذلك.
(3/1172)

قلنا: نعم كذلك بالنظر إلى ذاته فإنما يلزم الإتمام لغيره وهو صيانة ما أداه؛ لأن ذلك صار مؤدى مسلمًا إلى الله تالى وحق الله محترم.
ألا ترى إذا مات قبل الإتمام يثاب على ذلك، فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة لحق صاحب الحق، وهذا التحرز لا يتحقق إلا بالإتمام فيجب الإتمام لهذا وإن كان هو نفسه نفلًا كالسعي إلى الجمعة يجب عليه لوجوب غيره عليه وهو الجمعة.
وحاصله أن الخصم نظر إلى جانب ما لم يؤد، وما قلناه أولى لوجهين:
أحدهما- أن ترجيح جانب الموجود أولى من ترجيح جانب المعدوم؛ لأن الموجود خير من المعدوم.
والثاني- أن ما قلنا أقرب إلى الاحتياط.
فإن قيل: النفل بعد الشروع قبل التمام لم يصر مسلمًا إلى الله تعالى؛ لأن صحة أول الصلاة موقوفة على آخرها فلا يقال في الأمر الموقوف أنه مسلم إلى الله.
قلنا: لا كذلك؛ بل ما قدر من أدائه صار مسلمًا إلى الله تعالى وما ذكره لا يدل على أنه لم يصر الله تعالى بل صار الله تعالى لكن بإبطال آخر الصلاة يبطل أولها لعدم تجزئتها لا لأنه لم يصر مسلمًا إلى الله تعالى.
ألا ترى أن مسلمًا لو ارتد-والعياذ بالله- تبطل أعماله الصالحة كلها، ولم
(3/1173)

نقل فيها أنها لم تصر مسلمة إلى الله تعالى فكذا هذا.
والدليل على أن التسليم إلى الله تالى في ذلك القدر أنه لو مات بعد الشروع في الصلاة يثاب عليه بقدر ما أدى. (والسنن كثيرة في باب الصلاة والحج) أي الأحاديث وردت كثيرة في إلزام القضاء به إذا أفسد النفل في باب أداء الصلاة والحج.
(3/1174)

[أنواع الرخص]
(وإن شاء بذل نفسه) من حسبة الله تعالى، والحسبة: فعلة من الحساب، يعني: أز جهت آخرت شمردن.
وفي ((الصحاح)) قال ابن دريد: واحتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم الحسبة- بالكسر- وهي الأجر.
النكاية: أثري تمام كردن در دشمنان بكشتن يا بجراجت كردن يا
(3/1175)

بهزيمت كردن من حد ضرب.
(لرجحان حقه في النفس) يفوت صورة ومعنى وحق غيره في المال إنما يفوت في الصورة لا غير.
(أن الحكم متراخ) وهو وجوب الأداء؛ لأن أصل الواجب واقع على المسافر، ولهذا صح أداؤه بلا توقف، وهو أمارة كون الوجوب واقعًا عليه، بخلاف أداء الزكاة في أول الحول، فإنه لا تقع زكاة إلا بعد الحول، فعلم أن أصل الوجوب لم يقع عليه في أول الحول، ولا يقال إن وجوب الأداء لا
(3/1176)

يضاف إلى السبب بل إلى الخطاب؛ لأن نقول: الخطاب هاهنا مقارن لشهود الشهر، وهو قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والوقت هو معيار، فيكون وجوب الأداء ثابتًا عند وجود الشهر في وقته وهوا لنهر، ولكن مع ذلك أباح التأخير إلى عدة من أيام أخر نظرًا له.
(فكان دون ما اعترض على سبب حل حكمه) يعني أن في القسم الأول الحكم ثابت وهو الحرمة مع السبب المحرم، والرخصة تعترض على مثل هذه العزيمة إلى سببها وحكمها قائمًا فكان هو دلالة قوة الرخصة، فكانت رخصة محضة، فظهر أثر ذلك في رفع المؤاخذة.
فأما في القسم الثاني فالسبب المحرم قائم وهو شهود الشهر إلا أن الحكم متراخ عن السبب، وفي حق المسافر فلكون السبب القائم موجبًا للحكم
(3/1177)

كانت الاستباحة ترخصًا للعذر، ولكون الحكم متراخيًا عن السبب كان هذا النوع دون الأول، فإن كمال الرخصة يتبنى على مال العزيمة؛ لأن الرخصة مقابلة للعزيمة فمهما كانت العزيمة أقوى كانت الرخصة أقوى تحقيقًا للمقابلة، مع ذلك كانت العزيمة هي الصوم هاهنا أولى من التأخير إلى حال الإقامة نظرًا إلى قيام السبب في الحال من غير تعلق؛ لأنه لو كان معلقًا لا يجوز الأداء قبل وجود الشرط؛ لأنه لم ينعقد سببًا كثوم السبعة في الحج قبل الرجوع.
(لكمال سببه ولتردد في الرخصة) يعني أن التأخير إنما ثبت رخصة لليسر والرفق، واليسر فيه متعارض؛ لأن فيه نوع يسر وهو الإفطار ونوع عسر وهو الانفراد بالصوم؛ لأن غيره لا يصوم فكان في الصوم في حال الإقامة اليسر متعارضًا بالعسر، وكذلك في الصوم في حال السفر أيضًا اليسر مع العسر متعارضان؛ لأنه إن كان فيه عسر ترك الإفطار وفيه يسر شركة المسلمين، فكان في الأخذ بالعزيمة نوع من الرخصة، فلما كان في الأخذ بالعزيمة أخذ بالرخصة من وجه كان الاخذ بالعزيمة أولى؛ لأن في العزيمة عملًا لله تعالى، وفي التأخير عملًا للنفس.
(3/1178)

وهو معنى قوله: (فلذلك تمت العزيمة) أي كان العمل بالعزيمة أولى لتمامها، وتمامها بما ذكرنا هو أن سببها قائم وفي العمل بها عمل لله تعالى وصيانة حق الأداء عند شهود الشهر، وقيل معنى قوله: ((تمت العزيمة)) أي انتقصت العزيمة لما أن التمام مستلزم النقصان، كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه بخلاف الفصل الأول، فإن الحكم هناك ثابت في الحال وهوا لحرمة، وكذا السبب قائم فكملت العزيمة وكملت الرخصة أيضًا بمقابلتها.
فكمال العزيمة فيه أثر في أفضلية الأخذ بالعزيمة على وجه لو كان فيه هلاك نفيه كان مأجورًا بخلاف الفصل الثاني؛ لأن في القول الثاني انتقص معنى الرخصة لنوع نقصان في العزيمة وهو معنى قوله: ((فكان دون ما اعترض على سبب حل حكمه)) فلذلك كانت أفضلية الأخذ بالعزيمة مقيدة ببقاء صحته، فإنه إذا أدى إلى هلاك نفسه لم يبق الأخذ بالعزيمة مباحًا له، فلمكان أن السبب الموجب للأخذ بالعزيمة قائم كانت الرخصة حقيقة، ولمكان أن الحكم غير ثابت في الحال كان هذا دون الأول.
(وقد أعرض الشافعي- رحمه الله- عن ذلك فجعل الرخصة أولى)، وقال: لما كان حكم الوجوب متراخيًا إلى إدراك عدة من أيام أخر كان الفطر
(3/1179)

أفضل ليكون إقدامه على الأداء بعد ثبوت الحكم بإدراك عدة من أيام أخر.
قلنا نحن: الصوم أفضل؛ لأن السبب الموجب قائم فكان المؤدى للصوم عاملًا لله تعالى في أداء الفرائض إلى آخر ما ذكرنا.
وقوله: (إلا أن يضعفه الصوم) استثناء عن قولنا، وهو قوله: ((فكانت العزيمة أولى)).
(فلم يكن نظير من بذل نفسه لقتل الظالم) أي من بذل نفيه لإقامة الصوم في السفر حتى أهلك نفيه ليس نظير من أكره على الفطر في صوم رمضان فبذل نفسه حتى قتل، فإن في صبره هناك هو مأجور وفي صبره في سفر غير مأجور؛ بل هو معاقب لكونه قاتلًا نفسه، وعلى المرء أن يحترز عن قتل نفسه بخلاف قتل الظالم عند الإكراه على الفطر لأن الفعل هناك مضاف
(3/1180)

إلى فعل الظالم.
وأما هو في الامتناع عن الفطر عند الإكراه مستديم للعبادة مظهر للطاعة عن نفسه في العمل لله تعالى، وذلك عمل المجاهدين.
(الإصر): الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرد ثقله
(والأغلال): جمع غل، وكل منهما عبارة عن الأمور الشاقة التي كانت على الأمم السابقة مثل التوبة بقتل النفس، كقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}، ومثل قطع الثوب عند إثابة النجاسة، واختصاص جواز الصلاة بالمسجد وغير ذلك، فهذه الأحكام وضعت عنا أصلًا ولم يكن هي في شريعتنا أصلًا، لكن من حيث إن وضعه عنا تخفيف
(3/1181)

محض سمي رخصة بطريق المجاز لمشابهته الرخصة في المعنى وهو التخفيف.
(فكان دون القسم الثالث) أي في استحقاق اسم الرخصة مجازًا لرخصته ولمشابهته بحقيقة الرخصة.
(وذلك أن أصل البيع أن يلاقي عينا) لما روي عن النبي عليه السلام أنه ((نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان))، وروي أنه ((نهى عن بيع الكالي بالكالي)).
وقوله: (مشروعا ولا عزيمة) عطف العزيمة على المشروع في النفي لما أن العزيمة أخص من المشروع؛ (لأن دليل اليسر متعين) في السلم بخلاف
(3/1182)

الصوم في السفر، فإن الرخصة فيه مترددة لما أنه يسر من وجه وعسر من وجه على ما مر ذكره.
أما اليسر في السلم فمتعين؛ لأنه بيع المفاليس وليس يشترط وجود البيع، فكان اليسر فيه متعينًا حتى إذا عين المسلم فيه يبطل السلم، فلا يكون السلم نظير الصوم، (وكذلك اليسر في شرب الخمر) متعين، فلذلك لم يبق الخيار فيه للمكره وهو المضطر للعطش.
(لم يستقم صيانة البعض)، والمراد من البعض العقل؛ لأن حرمة أكل الميتة وشرب الخمر باعتبار صيانة عقله عن الفساد، فإذا فاتت نفسه كان هو فائتًا لجميع أجزائه والعقل بعض أجزائه (إلا أن حرمة هذه الأشياء مشروعة في الجملة) يعني في غير حالة الضرورة في هذه الأمة.
(3/1183)

(أنقصر) الصلاة (ونحن آمنون) أي غير خائفين إنما تعرض لهذا؛ لأن ظاهر الآية تقتضي اشتراط الخوف لجواز القصر. قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
(((فاقبلوا صدقته))) أي اعتقدوا هذا، واعملوا به.
(3/1184)

(فصار الاختيار ضروريًا) أي لأجل أن يختار الأرفق عنده لا مطلق الاختيار، وهو أن يكون مختارًا في شيء مع أنه ليس في ذلك الاختيار نفع يعود إليه.
(فأما مطلق الاختيار فلا؛ لأنه إلهي). معناه أن الله تعالى يستحيل أن يعود إليه رفق أو يندفع عنه ضرر؛ لأنه هو الضار النافع على الإطلاق.
وأما الاختيار للعبد في جلب المنفعة أو دفع المضرة، فإذا خلا عنهما لم يصلح هو اختيارًا للعبد؛ لأنه إلهي يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.
(بظاهر العزيمة) والرخصة حيث قال: القصر في الصلاة رخصة
(3/1185)

والإكمال عزيمة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى من الأخذ بالرخصة كما في الصوم.
(لأن الجمعة هي الأصل عند الإذن) فيتعين عليه أداء الجمعة كما في الحر المقيم. هذا الجواب على طريق المنع.
قوله: (ولأنهما مختلفان) هذا على طريق التسليم، يعني ولئن سلمنا أنه
(3/1186)

مخير فالفرق بينه وبين ظهر المسافر ظاهر، وهو أن صلاة الجمعة وصلاة الظهر مختلفان، فيستقيم القول بالتخيير هناك.
وأما هاهنا فالظهر بأربع ركعات والظهر بركعتين واحد، فالتخيير بين القليل والكثير في شيء واحد لغو؛ لأنهما مختلفان فاستقام طلب الرفق؛ لأن الشيئين إذا كانا متغايرين لا يتعين اليسر في أحدهما، حتى أن العبد إذا جنى وقيمته عشرون درهمًا وقيمة الأرش ألف درهم يتخير المولى بين الدفع والفداء لتغايرهما وعدم تعين اليسر، فكذلك هاهنا الجمعة مع الظهر مختلفان، ولهذا لا يجوز بناء أحدهما على الآخر فلم يتعين الرفق في الأقل عددًا، وهذا لأن الجمعة قليل في عدد الركعات، ولكن مع تحمل مشقة السعي، والظهر كثير في عدد الركعات مع عدم تحمل مشقة السعي، فيخير المكلف بينهما لعدم تعين الرفق في أحدهما.
(بخلاف العبد لما قلنا) أي إذا جنى العبد يخير المولى بين الدفع والفداء
(3/1187)

لما قلنا إنهما متغايران، ولا يتعين في أحد المتغايرين.
(والفصل كان برأ منه)، والدليل على أن ذلك كان تفضلًا منه لا واجبًا عليه؛ قوله تعالى: {فَمِنْ عِنْدِكَ}.
(وهذا تابع مقصود) أي معرفة حكم ضد الأمر والنهي تابع غير مقصود؛ لأن المقصد معرفة حكم الأمر والنهي لا معرفة ضدهما.
* * *
(3/1188)

باب حكم الأمر والنهي في أضدادهما
ذكر وجه المناسبة ووجه التأخير عن ذكر الأمر والنهي المقصودين في الكتاب، وقد ذكرنا بغير الضد في ((الوافي)) وهو المهم في الباب.
(وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده) وهذا أدنى مرتبة من قولهم:
(3/1189)

يوجب كراهة ضده.
(وقال الجصاص: إن كان له ضد واحد كان أمرًا به) حتى لو قال: لا تتحرك يكون أمرًا بالسكون، وإن كان له أضداد لم يكن أمرًا بشيء منها، حتى لو قال: لا تقم لا يكون أمرًا بالقعود ولا بالركوع ولا بالسجود ولا
(3/1190)

بالاضطجاع.
(ألا ترى أنه لا يصلح دليلًا لما وضع له فيما لم يتناوله إلا بطريق التعليل فلغير ما وضع له أولى)، وهذا لأن الأمر بالشيء وضع لطلب ذلك الشيء ولإيجابه، والأمر ساكت عن ثبوت موجبه فيما لم يتناوله إلا بطريق التعليل، فلأن لا يوجب حكمًا في ضد ما وضع له كأن أولى، ونظير ذلك قوله عليه السلام: ((الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا))، وتقديره: بيعوا الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل على ما يجيء في القياس إن شاء الله تعالى، فموجب الأمر وجوب التسوية بينهما كيلًا، وحرمة الفضل فيما يتناوله الأمر وهو الحنط والشعير وغيرهما من الأشياء الستة، فالأمر ساكت عن غير هذه الأشياء، ولا دلالة له في ثبوت موجبه في غير هذه الأشياء لا نفيًا ولا إثباتًا.
ولو ثبت حكم هذه الأشياء في غيرها إنما يثبت بالتعليل لا بدلالة النص على ذلك، فلما لم يصلح هذا النص دليلًا على ما وضع له في غير ما تناوله فلأن لا يكون دليلًا على ضد ما تناوله هذا النص كان أولى، وضد هذا النص هو أن يقال: لا تبيعوا الحنطة بالحنطة متفاضلًا.
(3/1191)

ثم عند هؤلاء وهم الفريق الأول إنما يعاقب إذا فعل ضد المأمور به؛ لأنه لم يأتمر بالأمر؛ لأن الضد عندهم ليس بحرام لعدم تناول هذا الأمر ضده، ولم يجئ صريح النهي في ضد هذا الأمر وهذا العقل فاسد؛ لأنه يؤدي إلى استحقاق العبد العقاب بما لم يفعله، وهو بطل لمخالفة العقل والسمع.
أما العقل: فإن المرء لم يعاقب على العدم؛ لأن العقاب شيء والعدم ليس بشيء، فكيف يجوز بناء الموجود على المعدوم؟
وأما السمع: فقال الله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وغيرهما من آيات الوعيد.
فإن قلت: كما أن استحقاق العبد العقاب موقوف إلى وجود الفعل القبيح منه فكذلك استحقاقه الثواب الحسن موقوف إلى وجود الفعل الحسن منه، وأيده قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} والسعي أمر وجودي، فيجب أن لا يستحق العبد الثواب الحسن إلا بالسعي الجميل وهو اكتساب الطاعات، ثم قد يحصل له الثواب الحسن بالأمر العدمي وهو الانتهاء عن ارتكاب المنهي عنه، فإن الانتهاء ليس إلا بإبقاء المنهي عنه عدمًا كما كان وهو في ذلك مثاب بالجزاء الحسن. قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ
(3/1192)

مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى} فيجب أن يكون في استحقاق العقاب كذلك بأن لا يشترط الفعل القبيح.
قلت: أما قوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} أخبر عن النهي أي المنع وهو فعل، وكذلك الانتهاء الذي يستحق به الثواب عبارة عن ترك الفعل القبيح شرعًا، وترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين كالسكون يكون تركه بالحركة وهو فعل.
وحاصله أن موجب النهي الانتهاء وهو الامتناع عن المباشرة، ثم إن دعته نفسه إلى المباشرة يلزمه الترك والترك فعل منه فيثاب به، فكان مثابًا بالفعل، وإن كان الانتهاء قد يتحقق بدون الترك الذي هو الفعل.
ألا ترى أنا لامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع العمر، والترك الذي هو فعل لا يستغرق، فإنه قبل أن يعمل به يكون منتهيًا بالامتناع منه، ولا يكون مباشرًا للفعل الذي هو ترك الإتيان به، فإن ذلك لا يكون إلا عن قصد منه بعد العلم به.
وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء الشهوتين في حال الصوم فلا يتحقق منه هذا الفعل ركنًا للصوم حتى يعلم به ويقصده، والمعتدة ممنوعة من الخروج والتزوج والتطيب، وذلك ركن الاعتداد، ويتم ذلك وإن لم تعلم به
(3/1193)

حتى يحكم بانقضاء عدتها بمضي الزمان قبل أن تشعر به، وعلى هذا لو قال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال: لا أشاء طلاقك- لم تطلق، ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق، ثم قال: قد أبيت- طلقت؛ لأن الإباء فعل يقصده ويكسبه فيصير موجودًا بقوله: ((قد أبيت)) ولا يكون ذلك مستغرقًا لعمره، وعدم المشيئة عبارة عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره، فلا يتحقق وجود الشرط بقوله: ((لا أشاء)) ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من عمره. هكذا ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة- رحمه الله- في نهي ((أصول الفقه)).
(واحتج الجصاص- رحمه الله- بأن الأمر بالشيء وضع لوجوده، ولا وجود له مع الاشتغال بشيء من أضداده) فلذلك استوى فيه ما يكون له ضد واحد أو أضداد، فبأي ضد اشتغل ينعدم ما هو المطلوب.
ألا ترى أنه إذا قال لغيره: اخرج من هذه الدار سواء اشتغل بالقعود فيها أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج.
(3/1194)

(وأما النهي فإنه للتحريم ومن ضرورته فعل ضده إذا كان له ضد واحد)، فإن قول القائل: لا تتحرك يكون أمرًا بضده وهو السكون؛ لأن المنهي عنه ضدًا واحدًا.
(وأما إذا تعدد الضد فليس من ضرورة الكف عنه إتيان كل أضداده) فإنه إذا قال لغيره: لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود والاضطجاع والركوع والسجود فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده، فلذلك لا يكون مأمورًا بأضداده.
فإن قلت: ينبغي أن يكون مأمورًا بأحد الأضداد على طريق الإجمال كما في كفارة اليمين؛ لأن الانتهاء لا يتحقق إلا بالاشتغال بأحد الأضداد.
قلت: الأمر بأحد الأشياء على طريق الإجمال إنما يصح في الأمر القصدي كما في كفارة اليمين.
وأما في الأمر الذي يثبت من ضرورة حكمه النهي فلا؛ لأن في الأمر القصدي المقصود حصول الائتمار، وبفعل كل واحد يحصل الائتمار فيصح، وأما في النهي فالمقصود تحريم فعل المنهي عنه والانتهاء عن الإتيان بذلك الفعل المنهي عنه، وفي حصول الانتهاء الاشتغال بكل واحد من الأضداد مستو، ثم لو قلنا: بأن المنهي مأمور بالإتيان بكل أضداد المنهي عنه كان قولًا بالأمر بضد
(3/1195)

النهي من غير ضرورة، فإن الانتهاء يحصل بالاشتغال بواحد منها فلا يحتاج إلى الاشتغال بالآخر، فكذلك لا يكون مأمورًا بالكل وفي كونه مأمورًا بواحد منها يلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح فلا يصلح ذلك أيضًا.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: وقول من يقول بأن مثل هذا النهي يكون أمرًا بأضداده يؤدي إلى القول بأن لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب إليه، فإن المنهي عنه محرم أضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي، فيكون يتصور منه فعل مباح أو مندوب إليه.
ألا ترى أن من قال لآخر: لا تأكل أمرًا بقوله: اترك الأكل، قوله: اترك الأكل أمر فيوجب عليه ما يحصل به ترك الأكل من القراءة والتكلم والمضمضة والذهاب والبول والتغوط والجماع وغيرها، فإن بكل منها يحصل ترك الأكل على الكمال، والأمر بالشيء طلب لتحصيل المأمور به على أبلغ الجهات فلا يبقى فعل مباح، وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد أربعة: واجب ومندوب إليه، ومباح ومحظور- دليل على فساد قول هذا القائل.
قال: أي الجصاص.
(3/1196)

(ولم يكن مأمورًا بلبس شيء متعين من غير المخيط)؛ لأن غير المخيط غير متعين في شيء واحد؛ لأن له أنواعًا.
فإن قلت: المنهي عنه مخيط فيكون ضده غير مخيط وهو شيء واحد فكان نظير الإظهار مع الكتمان.
قلت: ليس كذلك، فإن الإظهار والكتمان ليس له أنواع بخلاف المخيط مع غير المخيط؛ فإن لكل واحد منهما أنواعًا والذي ذكرت أن المخيط ضده غير المخيط وهو لا يقدح لما قلنا، فإن مثل هذا متحقق بين القيام وضده، فإن ضد القيام هو ترك القيام ولا واسطة بينهما صورة وبينهما واسطة في المعنى، فإن لضده أنواعًا من القعود والاضطجاع والركوع والسجود.
(إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به) يعني أن الأمر لما كان نهيًا عن ضد ما نسب إليه يثبت أدنى ما يثبت به النهي وهو الكراهة كما في النهي لمعنى في غير المنهي عنه بطريق المجاورة كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، فكذلك في النهي الثابت بضد الأمر؛ لأن الثابت لغيرة بطريق الضرورة لا يتساوي الثابت بالأمر المقصود، ولما كان كذلك لم يجز
(3/1197)

استواهما، إذ لا مساواة بين المثبت بطريق الضرورة وبين المثبت قصدًا واعتبر هذا بالثابت بطريق الاقتضاء والثابت بالنص.
(وأما الذي اخترناه) وهو قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به (فبناء على هذا) وهو أن الثابت بغير ضرورة لا يساوي المقصود بنفسه، (ومعنى الاقتضاء هنا أنه ضروري غير مقصود) يعني أن هذا الاقتضاء على خلاف الاقتضاء المصطلح من وجه، فإن الاقتضاء المصطلح هو جعل غير المنطوق منطوقًا ليصح المنطوق، وهاهنا يصح الأمر بدون إدراج غيره.
لكن ما ثبت الانتهاء ضرورة إثبات المأمور به سمي اقتضاء، وبهذا التقرير خرج الجواب عن قوله: بان كل واحد من القسمين ساكت عن غيره؛ لأنا لما أثبتناه اقتضاء لم يكن كل واحد منهما ساكتًا عن ضده.
(فصار بهذه الواسطة أمرًا) أي فصار النص بواسطة عدم مشروعية الكتمان أمرًا بالإظهار، وهذا مثل قوله عليه السلام: (((لا نكاح إلا بشهود))) وهو نسخ للنطاح بغير شهود ولا نهي، فكان نص الحديث بواسطة عدم
(3/1198)

مشروعية النكاح بغير شهود أمرًا بإحضار الشهود في النكاح.
(وفائدة هذا) الأصل وهو أن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده؛ (أن التحريم إذا لم يكن مقصدًا بالأمر لم يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر) أي لم يجعل ضد المأمور به حرامًا إلا إذا تضمن الاستعمال بالضد تفويت المأمور به حينئذ يكون الاشتغال بضد المأمور به حرامًا.
(وأما إذا لم يفوته كان مكروهًا) لا حرامًا لتقريبه إلى الحرمة؛ إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت العلة كالأمر بالقيام كما في الركعة الثانية، وهو مأمور بالقيام، ثم هو لو قعد مع ذلك في الركعة الثانية لا يحرم ذلك عليه بل يكره لما قلنا إنه ليس بتفويت للقيام بل هو تأخير له.
(ولهذا قلنا: إن المحرم لما نهي عن لبس المخيط كان من السنة بس الإزار والرداء)؛ لأن ذلك أدنى ما يقع به الكفارة من غير المخيط، (ولهذا قلنا): إن العدة لما كان معناه النهي عن التزوج) إلى آخره إيضاح لقوله: ((إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما ثبت به)) أي ولما ثبت وجوب العدة بالنهي
(3/1199)

قصدًا لقوله تعالى: {وَلا يَخْرُجْنَ} وبقوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} كان ثبوت أمر الكف في ضده أمرًا غير مقصود، فظهر أثره في انقضاء العدتين والعدد في مدة واحدة؛ لأنه لا تضايق في موجب النهي لكونه أمرًا عدميًا وكونه للتحريم (بخلاف الصوم، فإن الكف وجب بالأمر مقصودًا فيه) وهو قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فلذلك لم يتحقق أداء صومين في يوم واحد لتضايق في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصًا، ولا يتحقق اجتماع الكفين في وقت واحد.
فإن قلت: في حق وجوب العدة كما جاء نص النهي بقوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} وقوله {وَلا يَخْرُجْنَ} كذلك جاء نص الأمر بقوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} وهذان النصان يحتمل أن يكون كل واحد منهما أصلًا والآخر تبعًا، فمن أين يرجح جانب النهي على جانب الأمر حتى جعل النهي أصلًا والأمر ضمنًا له، فلم لم يجعل على العكس؟
قلت: إنما جعل هكذا بالنظر إلى الأثر وبالنظر إلى المعقول.
(3/1200)

أما الأثر: فإن العدة أثر من آثار النكاح فكانت ملحقة بالنكاح ملحقة بالنكاح، والمنكوحة يحرم عليها التزوج وهي منهية عن لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} وهي معطوفة على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} والمراد بها ذوات الأزواج.
فلما كانت المعتدة منهية عن التزوج باعتبار أن العدة من آثار النكاح كان الكف عن التزوج أمرًا به في ضده تحقيقًا للنهي عن التزوج فلم يكن الأمر بالكف مقصودًا لهذا، فيثبت بهذا أصالة النهي في العدة، فلما كان كذلك كان ورود صيغة الإثبات بوجوب التربص بقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} لتأكيد معنى النهي لا لإثبات وجوب التربص ابتداء، فلذلك انقضت العدد كلها بمدة واحدة؛ لأن حكم الكل هو حرمة التزوج؛ لأن موجب النهي التحريم والحرمات تجتمع، فإن الصيد حرام على المحرم في الحرم لحرمة الحرم وحرمة الإحرام، والخمر حرام على الصائم لصومه ولكونها خمرًا، وليمينه إذا كان حلف لا يشربها. بخلاف ركن الصوم، فإنه مذكور بعبارة الأمر بقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فلذلك لم ينقض صوم يومين في يوم واحد.
وأما المعقول: فهو أن المعنى في وجوب العدة صيانة الماء عن الاشتباه وتعرف
(3/1201)

براءة الرحم، فالصيانة الثابتة بالنهي أوجب من الصيانة الثابتة بالأمر لما عرف، فكان إحالة وجوب العدة على النهي أولى من إحالته على الأمر من هذا الوجه.
فإن قلت: لو كان المعنى في وجب العدة تعرف براءة الرحم لاكتفى بحيضة واحدة لحصول معرفة براءتها بالحيضة الواحدة كما في الاستبراء.
قلت: نعم كذلك، لكن الوجه فيه ما قاله في ((المبسوط)) وهو أن الحيضة الواحدة لتعرف براءة الرحم، والثانية لحرمة النكاح، والثالثة لفضيلة الحرية، فلذلك لم تتداخل أقراء العدة الواحدة إن تداخلت أقراء العدتين. كالجلدات في الحد فإنها لا تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا بالتداخل في أقراء فإنها تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا بالتداخل في أقراء عدة واحدة يفوت هذا المقصود، فظهر بما ذكرنا كله إن أثر عدم مقصودية الأمر في وجوب العدة ظهر في مسألتين.
إحداهما- في جواز تداخل العدتين في وقت واحد.
الثانية- في عدم اشتراط علم المرأة بانقضائها بخلاف الصوم في هذين الحكمين لما أن الأصل في وجوب العدة النهي وفي الصوم الأمر على ما ذكرنا.
(ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله- إن من سجد) هذا إيضاح لقوله: ((إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين)) إلى آخره كالمتقدمين، إلا أن ذينك المتقدمين أعني قوله: ((ولهذا قلنا إنا لمحرم لما نهي)) وقوله: ((ولهذا قلنا إن
(3/1202)

العدة)) في بيان أن ذينك أصل وثبت الأمر في ضمنهما، وهذا أعني قوله: ((ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله-في بيان أن الأمر أصل، وثبت النهي في ضمنه ولكن هما سواء في إيضاح قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به)).
(وإنما المقصد بالأمر فعل السجود) بقوله: {وَاسْجُدُوا} (على مكان طاهر) بدلالة قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ومباشرة العبد بالسجود على مكان نجس لا تفوت المأمور به فكانت مكروهة في نفسها ولا تكون مفسدة في الصلاة، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تفسد بها الصلاة؛ لأن تأدي المأمور به لما كان باعتبار المكان فيما يكون صفة للمكان الذي يؤدي المصلي الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة للمصلي حكمًا، فيصير هو كالحامل لنجاسة، والمصلي الحامل للنجاسة إذا أدى ركنًا يفسد صلاته فكذلك إذا سجد على مكان نجس فكان هذا كالصوم، فإن الكف عن اقتضاء الشهوة لما كان مأمورًا في جميع وقت الصوم يتحقق الوات بوجود ترك الكف في جزء من الوقت فيه.
(3/1203)

(ولهذا قال أبو يوسف- رحمه الله- إن إحرام الصلاة لا ينقطع بترك القراءة)، وهذا أيضًا من قبيل أن الأمر بالقراءة مقصود في الصلاة، فكان النهي عن ترك الدوام فيها ضمنًا له؛ لأنه أمر بالقراءة أي بقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}.
(ولم ينه عن تركها قصدًا) إلى آخره. معناه أن القراءة ركن وشرط لصحة الأفعال لا شرط صحة الإحرام، ولا يلزم من ترك القراءة انقطاع الإحرام.
ألا ترى أن المحدث حدثًا سماويًا ممنوع عن قراءة القرآن كما ممنوع عن الركوع والسجود، والإحرام باق، فيفسد ترك القراءة ما هو شرط صحته، فلم يتعد إلى الإحرام.
ولا يلزم أن الصوم يبطل بالأكل) هذا الإشكال يرد على قول أبي يوسف، فوجه الورود هو أن الأكل في باب الصوم منهي عنه نهيًا ضمنيًا؛ لأن الأمر بالكف عن المفطرات هو المقصود من قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} على ما ذكرنا، فكان النهي عن المفطرات نهيًا ثابتًا في ضمن الأمر
(3/1204)

بالكف كالنهي الثابت عن ترك القراءة في الأمر بالقراءة في الصلاة، وهناك لا تنقطع التحريمة بترك القراءة عنده، فيجب أن لا يفسد الصوم هنا أيضًا بمجرد مباشرة النهي عنه وهو الأكل وغيره.
ثم أجاب عنه بقوله: لأن ذلك الفرض ممتد، وكان ضده مفوتًا أبدًا كالإيمان، (فإنه فرض ممتد فكان) وجود (ضده) وهو الارتداد- والعياذ بالله- (مفوتًا له) وإن قل، وقد قلنا إن النهي الثابت في ضمن الأمر المقصود إنما لم يعتبر في التحريم إذا لم يؤد إلى تفويت الثابت بالأمر المقصود.
وأما إذا أدى فذلك النهي والنهي الثابت قصدًا سواء في إيجاب التحريم.
(بمنزلة الحامل مستعملًا له بحكم الفرضية) أي بهذه الواسطة تجعل صفة المكان صفة للمصلي، وهذا احتراز عن وضع الركبتين واليدين على النجاسة حيث لا يفسد صلاته؛ لأن تأدى المأمور به وهو السجود يحصل بوضع الجبهة لا بوضع الركبتين واليدين، فلم تنتقل صفة النجاسة القائمة بالأرض إلى المصلى؛ لأنه هو الأصل، وإنما انتقل إلى المصلى بحكم الفرضية، وهذا المعنى معدوم في وضع الركبتين واليدين.
(3/1205)

(لأن القراءة فرض دائم في التقدير حكمًا) لقوله عليه السلام: ((لا صلاة إلا بالقراءة)) ولهذا لا يصلح الأمي خليفة القارئ، وإن كان قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة قبل القعدة، وأتى بفرض القراءة في محلها على المذهب المنصور، ولما كان مستدامًا حكمًا يتحقق فوات ما هو الفرض بترك القراءة في ركعة، فيخرج به من تحريمة الصلاة.
(والفساد بترك القراءة في ركعة واحدة ثابت بدليل محتمل)؛ لأن من العلماء من قال: تجوز الصلاة بالقراءة في ركعة واحدة وهو الحسن البصري- رحمه الله-، فبترك القراءة في ركعة واحدة لم يكن الفساد بدليل يوجب العلم فلم يكن قويًا فلم يتعد إلى الإحرام.
(3/1206)

وأما الفساد بترك القراءة في الركعتين فثابت (بدليل يوجب العلم لانعقاد الإجماع) عليه فصار قويًا (فتعدى إلى الإحرام).
(ولهذا قال في مسافر ترك القراءة) إلى آخره، وهذا أيضًا إيضاح لقوله: ((لأنه أمر بالقراءة ولم ينه عن تركها قصدًا)) فكذلك مباشرة النهي وهي ترك القراءة لم يوجب انقطاع التحريمة لثبوت النهي ضمنًا للأمر القصدي، وقوله: ((وهو قول أبي يوسف)) جعل هذا في نوادر صلاة ((المبسوط)) قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- وقال: ترك القراءة في ركعتي ظهر المسافر موجب للتوقف في حكم الفساد عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- لتوقف حال فرضية في الوقت بغرض التغير بنية الإقامة، فإذا نوى الإقامة في الانتهاء جعل ذلك كنيته في الابتداء، وترك القراءة في الأوليين من المقيم لا يكون مفسدًا لصلاته، فإنه إذا قرأ في الأخريين تجوز صلاته، فكذلك هنا.
(لأن الترك متردد محتمل للوجود) أي محتمل لوجود القراءة في الركعتين الأخريين بواسطة نية الإقامة والقراءة في الأخريين.
(3/1207)

(فصار هذا الباب أصلًا) يعني في كل موضع من الأمر يلزم تفويت المأمور به عند مباشرة النهي الثابت في ضمن ذلك الأمر كانت تلك المباشرة حرامًا إلا كانت تلك المباشرة مكروهًا لا حرامًا.
(يبتنى عليه فروع يطول تعدادها)، فإنك لو نظرت إلى جميع الأوامر التي هي موجبة يرد فيها هذا الأصل الذي ذكرته، فمن تلك الفروع الاعتكاف فإنه يبطل بالخروج وإن قل لما أن الاعتكاف عبارة عن اللبث الدائم في المسجد بنية الاعتكاف فبالخروج ينقطع الدوام، فكان الخروج حرامًا لأدائه إلى فساد الاعتكاف.
ومنها أيضًا الصلاة تفسد بالانحراف عن القبلة بالبدل؛ لأن المصلي مأمور بالاستقبال إلى القبلة مادام هو في صلاته أي في غير حالة الضرورة بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فكان الانحراف عنها مفوتًا له فيحرم.
ومنها أن المصلى مأمور بأن يؤدي صلاته في الوقت بقوله تعالى: {كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} فكان القضاء خارج الوقت مفوتًا له فيحرم.
(3/1208)

وأما المواضع التي لا تحرم بل تكره كمواضيع الكراهة في الصلاة وغيرها فمنها: الصلاة بقرب النجاسة مكروه لا مفسد؛ لأن المصلي مأمور بتظهير مكان صلاته بدلًا قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ولم يفت ذلك المأمور به هاهنا، ولكن قرب من الفوات، فصارت صلاته مكروهة لا فاسدة، فصار كمن أخر القيام في موضع أمر بالقيام في صلاته.
وكذلك لو أدى النصاب بنية الزكاة إلى فقير واحد يخرج به عن عهده الزكاة، ولكنه يكره لما أن المأمور به وهو إيتاء الزكاة إلى الفقير لم يفت، ولكن قرب هذا الأداء الفقير إلى الغني فصار شبيهًا بمن أدى زكاته إلى الغني من وجه فكره لذلك.
وكذلك هذا في طرف النهي أنه إذا كان مقصودًا كان المنهي مأمورًا بأن يترك ارتكاب المنهي عنه على القطع والبتات، فلو كان فعلًا يقربه إلى ارتكابه كان تركه سنة أو مستحبًا، يظهر ذلك في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} وقوله تعالى: {وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وغيرهما، والله أعلم.
(3/1209)

باب بيان أسباب الشرائع
لما فرغ من بيان الأحكام التي هي المقصودة بجميع وجوهها من بيان ثبوتها بطريق الأصالة والتبعية شرع في بيان أسبابها التي هي الوسائل، وإن كان لتقديم الوسائل عليها أيضًا وجه لتقديمها وجودًا، ولكن تقديم الأحكام أولى لكونها مقصودة.
(اعلم أن الأمر والنهي على الأقسام التي ذكرناها إنما يراد بها) أي أن الأمر والنهي الواردين على الخاص والعام والمشترك والمؤول إلى آخر الأقسام إنما يراد بتلك الأوامر والنواهي والواردة على تلك الأقسام (طلب الأحكام المشروعة، وإنما الخطاب للأداء) في هذا نفي لقول الشافعي، فإن عند الشافعي عدم الانفكاك بين نفس الوجوب ووجوب الأداء بل عند وجود نفس الوجوب يثبت وجوب الأداء.
وعن هذا قال بعدم تغير الاحكام على المكلف بعد دخول أول الوقت من
(3/1210)

حيض أو سفر.
(وإنما الوجوب بإيجاب الله تعالى لا أثر للأسباب) وهذا لأن هذه الأسباب أشياء جمادية، فكان صدور حقيقة الإيجاب منها مستحيلًا؛ لأنه لا محدث للحوادث سوى الله تعالى، والوجوب حادث فلا بد له من المحدث وهو الله تعالى؛ لأن صفة الأحداث على الحقيقة مستحيل أن يكون لغير الله تعالى. إلا أن الله تعالى جعل الأسباب أمارات على الوجوب تيسيرًا على العباد لكون الإيجاب غيبًا عنا، فكانا لسبب لشغل الذمة بالوجوب، والخطاب لتفريغ الذمة عن الوجوب، وهذا في الأسباب الشرعية.
(3/1211)

وأما العلل العقلية فقد جعلها الله تعالى مؤثرة في معلولاتها قيام الحركة للتحريك، والقطع للانقطاع، والكسر للانكسار، وثبت الوجوب جبرًا لا اختيار للعبد فيه، وكان الأستاذ- رحمه الله- يقول: آنجه بأسباب أست أثر وي جبريست وأنجه بخطاب است أثر وي اختيار يست.
وقوله: (بمنزلة البيع يجب به الثمن ثم يطالب بالأداء) يعني صار السبب بمنزلة البيع، والخطاب بالأداء بمنزلة المطالبة للثمن، (ودلالة هذا الأصل) وهو أن نفس الوجوب بالسبب والأداء بالخطاب. (وإنما يعرف السبب بنسبة الحكم إليه)، وإنما قيد بهذا؛ لأن بمجرد التعليق لا يثبت
(3/1212)

السببية كالمشروط مع الشرط؛ (لأن الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكن حادثًا به) كقوله: ناقة الله أي هي حادثة بإحداث الله تعالى إياها، وهذا لأن الإضافة إنما يذكر للتميز، فلذلك يضاف إلى أخص الأشياء به ليحصل التميز، وأخص الأشياء بالحكم إنما هو سبب؛ لأنه يثبت به.
وأما الشرط فإنما جازت الإضافة إليه؛ لأنه يوجد عنده، فعلمنا أن الإضافة إلى السبب حقيقة وإلى الشرط مجاز. (وكذلك إذا لازمه فتكرر بتكرره) إي إذا لزم الشيء الشيء على وجه يتكرر هذا الشيء بتكرر ذلك الشيء دل أن ذلك الشيء سبب لوجود هذا الشيء كتكرر وجوب الصلاة بتكرر دلوك الشمس، فإن ذلك يدل على أن دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة كما في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقًا بشرط.
ألا ترى أن الرجل إذا قال لغيره: تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا يقتضي هذا الخطاب التكرار، ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرر الوجوب لاعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم يعني ولما لم يثبت تكرر الوجوب في مثل هذه الصيغة وهو قوله لغيره: ((تصدق بدرهم من مالي
(3/1213)

لدلوك الشمس)) بل يكتفي ذلك بالامتثال مرة في الخروج عن عهدة الأمر، ولم يكن هاهنا بالمرة الواحدة بل يكرر الوجوب بتكرر لدلوك الشمس علم أن الله تعالى هو الذي جعل دلوك الشمس سببًا لوجوب الصلاة، فلم ينشأ تكرر الوجوب من صيغة الكلام بل من جعل الله تعالى إياه سببًا، ثم وجوب الأداء يترتب على المكلف بحكم هذا الخطاب، وحرف اللام في قوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} دليل على تعقلها بذلك الوثت كما يقال: تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم يتعلق بها وجودًا عندها، فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشارع ذلك الوقت سببًا لوجوبها.
قوله: (وجوب الإيمان بالله تعالى مضاف إلى إيجابه في الحقيقة) وهو قوله: {آمَنُوا بِاللَّهِ} وقوله: ((بأسمائه)) أي بتسمياته نحو الحي القادر العالم، وصفاته نحو أن يقال: له الحياة، والقدرة، والعلم، (وهذا سبب) أي حدث العالم سبب (لأنا لا نعنى أن يكون سببًا لوحدانيته)؛ لأن الوحدانية أمر ثابت قديم، (وإنما نعني به أنه سبب لوجوب الإيمان الذي هو فعل العبد)، وقوله الذي صفة الإيمان لا صفة الوجوب.
(3/1214)

وتحقيق هذا المجموع فيما ذكره الإيمان شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- فقال: إن وجوب الإيمان بالله تعالى في الحقيقة بإيجاب الله تعالى، وسبب الإيجاب في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه، وهذه الآيات غير موجبة بذاتها، وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضًا، ولكن الله تعالى هو الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب، كم يقول لغيره: هاك السراج، فإن أضاء لك به الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في الطريق هو الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج، فالعقل بمنزلة السراج، والآيات الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار بمنزلة السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة، وسببه الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم، ولهذا تسمى علامات، فإن العلم للشيء لا يكون موجبًا لنفسه.
وقوله: (ولا وجود لمن هو أهله على ما أجرى به سنته إلى والسبب يلازمه) يعني أنا لله تعالى خلق العالم دالًا على وجوده لكون الحدوث لازمًا للعالم بحيث يستحيل تعري العالم عنا لحدوث؛ لأن تعري الشيء عن ذاته محال وذات العالم حادث، فكيف يتصور تعرية عن الحدوث؟ يوضحه أن الإنسان الذي هو عالم بنفيه لا يخلو عن دليل الحدوث، إذ هو كان مسبوقًا
(3/1215)

بالعدم ودلالة حدوثه في الحال من تبدل أحواله من حال إلى حال منا لصغر والكبر والجوع والعطش والألم واللذة والصحة والمرض والحركة والسكون معلومة له بالحس والعيان، فإن كانت هذه الدلالة محيطة له في ذاته وخارج ذاته فلما لم ينفك منه بسبب الإيمان لم ينفك منه موجبه أيضًا وهو دوام وجوب الإيمان، وإنما ذكر هذا؛ لأن هذا السبب مفارق لسائر الأسباب لأن سائر الأسباب قد تنقضي والمكلف باق.
ألا ترى أن وقت الصلاة ينقضي وشهر رمضان ينسلخ والمال يهلك، ويتصور هذا في الحج؛ إذ البيت كان مجودًا في بدء الإسلام ولم يكن وجوب الحج ثابتًا، بخلاف سبب الإيمان، وهو حدوث العالم غير منفك عن المكلف في ذاته وفي غير ذاته؛ إذ انفكاك الحدوث عن الحادث وهو المكل بالإيمان محال إذ حدوث العالم كان موجودًا قبل المكلف ويبقى بعده موجود معه، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} وقال قائل:
ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فذلك كان وجوب الإيمان أيضًا دائمًا، ولهذا كان وجوب الإيمان وقت
(3/1216)

بدء الإسلام وقبله أيضًا ثابتًا لما أن أهل الفترة مخاطبون بالإيمان بدلالة قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} لما أن سبب الإيمان يعمل عمله عند وجود عقل المكل وهما كانا موجودين لأهل الفترة؛ إذ وجوبه غير موقوف إلى ورود الشرع، فوجب الإيمان على أهل الفترة وعلى ما نشأ على شاهق الجبل لوجود السبب والمحل، فيثبت حكمه وهو الوجوب.
(لأن الإنسان المقصود به) أي بخلق العالم. إذ الإنسان هو المقصود من خلق العالم؛ لأنهم هم المقصودون بالتكاليف، وذلك أن الله تعالى خلق العالم وله في خلقه عاقبة حميدة وهي الابتلاء والامتحان بالتكليف مع علمه بكل ما كان وما يكون؛ لأن بدن التكليف لا يتصور العقاب إنما يجب بترك موجب الأمر والنهي والله تعالى يتعالى على أن يعذب أحدًا بدون جريمة وجدت منه، والمتحمل لهذه التكاليف قصدًا هو الإنسان، قال الله تعال: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} جاء في التفسير: أن الأمانة هي الفرائض وقال
(3/1217)

تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}، وقال: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} وغير ذلك من الآيات كلها دليل على شرف الإنسان، ولهذا فضل الله تعالى آدم على الملائكة عليهم السلام وجعله مسجودهم، ولا ننكر شرف الإنسان على غيره، ولذلك كان في هذا الجنس وهو أشرف الخلائق وهو نبينا - صلى الله عليه وسلم - والتكليف للتشريف، ولهذا من أعرض عن قبول هذا التشريف من هذا الجنس كان هو شر البرية.
ومن قبله وعمل بموجبه فهو خير البرية. هكذا قال رسول الله عليه السلام حين سئل عن كرامة الإنس على الملك، وقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} وذكر قبله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
(3/1218)

أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} فعلم أن الإنسان هو المقصود.
وقوله: (ولهذا قلنا: إن إيمان الصبي صحيح) إيضاح لقوله: ((إلا والسبب يلازمه)) بعدم قيام سببه ممن هو أهله والصبي أهل الإيمان؛ لأنه أهل للعبادات. ألا ترى أنه لو صلى التطوعات صحت هي منه.
(كتعجيل الدين المؤجل) يعني إذا عجل الدين المؤجل يجوز باعتبار تحقق سببه وهو مباشرة سبب الدين من شراء الشيء وغيره، وأنه لم يلزم الأداء عليه في الحال، فكذا في إيمان الصبي العاقل فإنه يصح وإن لم يلزم عليه في الحال، فيفيد هذا التشبيه ثلاثة أشياء: تحقق السبب وعدم لزوم الأداء في الحال، ووقوع ما أتى به من الفرض وإن لم يلزم هو عليه في الحال.
فإن قلت: يلزم على هذا التعليل أعني قوله: ((لأنه مشروع بنفسه وسببه
(3/1219)

قائم في حقه دائم بقيام من هو مقصود)) لو أتى الصبي بحجة الإسلام أن يصح منه كما يصح منه الإيمان ويقع فرضًا لوجود هذه العلة في حق الحج؛ لأن الحج مشروع بنفسه وسببه قائم وهو البيت، والصبي أهل للعبادات.
قلت: الفرق بينهما من أوجه:
أحدها- السمع: وهو قوله عليه السلام: ((وإيما صبي حج ولو عشر حجج، ثم بلغ فعليه حجة الإسلام)) ولان في أداء الحج حرجًا عظيمًا وضررًا بينًا على البدن، والمضار مندفعة عن الصبي مرحمة له، وفي شغل ذمته بنفس الوجوب به نوع ضرر، ولا يقع هو فرضًا بدون ثبوت نفس الوجوب بخلاف الإيمان، فإنه لا حرج فيه وتحصل به سعادة الأبدية، فكان هو نفعًا محضًا في حقه فصح، ولأن وجوب الإيمان مما يدرك بالعقل ولا يتوقف وجوبه إلى وقت ورود السمع كما في حق أهل الفترة وللصبي العاقل عقل، فيصح القول بثبوت الإيمان في حقه بخلاف العبادات المشروعة، فإنها لا تجب بمجرد العقل فلم يثبت لذلك نفس وجوب العبادات، ولأن الإيمان أينما وقع وقع فرضًا فصح فيه القول عند صحة إيمان الصبي العامل إنه وقع فرضًا بخلاف الحج، فإنه يقع فرضًا ونفلًا وما يوجد من الصبي يقع نفلًا كما في سائر العبادات.
والأوجه فيه أن يقال: إن الإيمان كما هو رأس العبادات وفيه معنى
(3/1220)

الشرطية أيضًا؛ لأنه شرط صحة جميع العبادات فلا يشترط لصحة الشرط ورود وجوب الأداء بالخطاب كما يصح تقديم الوصف على وجوب الصلاة بدخول الوقت، وإن كان سبب وجوب الوصف وجوب الصلاة عليه فصح الإيمان من الصبي لذلك.
وأما الحج فليس فيه شائبة الشرطية لشيء فلا يقع منه فرضًا، وكذلك المسافر في شهر رمضان لو صام يصح عن فرض الوقت لوجود سببه وإن لم يكن هو مخاطبًا بالأداء.
(وليس السبب بعلة) يعني علة عقلية ووضعية، فإن هناك العلة لا
(3/1221)

تتخلف عن المعلول في الدنيا والآخرة لاستحالة وجود الساكن بدون قيام السكون واستحالة خلو المحل عن كونه متحركًا عند قيام الحركة، وكذلك هذا في سائر العلل العقلية مع معلولاتها كالكسر مع الانكسار والقطع مع الانقطاع، وهذا لا يتخلف بزمان دون زمان ومحل دن محل بخلاف الأسباب الشرعية فإنها قد تتخلف عن إثبات أحكامها في زمان.
ألا ترى أن دلك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر لا تعمل عملها على الإنسان زمان الصبا وتعمل عملها عليه زمان البلوغ عند وجود شرطة، وإنما ذكر هذا- والله أعلم- جوابًا لشبهة ترد على قوله: ((لا على لزم أدائه)) وترد على قوله أيضًا: ((إن الزكاة تجب بإيجابه وملك المال سببه، والقصاص يجب بإيجابه والقتل سببه)) بأن يقال في الأول: لو كان حدوث العالم سببًا لوجود الإيمان للزم أداؤه على الصبي العاقل كما يلزم على البالغ، وكذلك
(3/1222)

في الثاني بأن يقال: لو كان مالك المال سببًا لوجوب الزكاة لوجب على الصبي الذي يملك النصاب، ولو كان القتل سبب القصاص لوجب على الأب أيضًا إذا قتل ولده عملًا كما يجب على الاجنبي، فلما وجد تخلف الأحكام عن هذه الأسباب في هذه الصور علم أنها ليست بأسباب.
فأجاب عنه بهذا وقال: إنها أسباب موجبة أحكامها شرعًا بجعل الله تعالى فكانت أسبابًا جعلية لا وضعية كما في العلل العقلية، ولله تعالى ولاية الإيجاد والإعدام، فلم يجعل الله هذه الأسباب موجبة أحكامها في هذه الصور بخلاف العلل الوضعية، فإنها لا تتخلف عن موجباتها بحال.
(والدليل عليه) أي على كونه سببًا (فالنسبة باللام أقوى وجوه الدلالة على تعلقها بالوقت)؛ لأن اللام للاختصاص كما قيل تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص الشيء بالشيء من حيث الوجود، وفي جعله سببًا اختصاص من حيث الوجود؛ لأن الله تعالى جعل وجود وجوب الحكم بالسبب الذي هو العلة الشرعية.
(ويبطل قبل الوقت أداؤه) أي أداء المكلف على طريق إضافة المصدر إلى الفاعل، ولا يصح أن يقال أي أداء الصلاة على أداء فعل الصلاة؛ لأنه
(3/1223)

ذكر بعد هذا بلفظ التأنيث في قوله: ((وإن تأخر لزومها)) أي لزوم الصلاة على معنى لزوم أداء الصلاة، فإن نفس الوجوب يثبت بمجرد الوقت ووجوب الأداء يتأخر إلى آخر الوقت، وبقوله: (ويصح بعد هجوم الوقت أداؤه وإن تأخر لزومها) تبين أن الوقت سبب لوجوب الصلاة لا شرطه؛ لأنه لو كان شرطًا للزوم الصلاة لما تأخر لزومها عن دخول أول الوقت؛ لأن المشروط لا يتأخر عن وجود الشرط بطريق الانفكاك بل يثبت متصلًا بالشرط، فكان فيه أيضًا إشارة إلى بيان انفكاك وجوب الأداء عن أصل الوجوب.
(لأنه في الشرع يضاف إلى المال) حيث يقال: صدقة المال ويضاف إلى الغنى أيضًا، قال عليه السلام: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)).
(3/1224)

وقوله: (فيتكرر الوجوب بتكرر الحول)، فإن مضي الحول شرط لوجوب الأداء من حيث إن النماء لا يحصل إلى بمعنى الزمان.
فإن قيل: الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال ويتكرر الشرط لا بتكرر الواجب.
قلنا: لا كذلك؛ بل يتكرر الوجوب بتكرر النماء الذي هو وصف للمال وباعتباره يكون المال سببًا للوجوب، فإن لمضي الحول تأثيرًا في حصول النماء المطلوب من غير السائمة بالذر والنسل والمطلوب من ربح العروض التجارة بزيادة القيمة.
(وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان) في هذه المسألة خالف المصنف والقاضي الإمام أبو زيد الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمهم الله-.
وقال شمس الأئمة-رحمه الله-: ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي؛ لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام، ثم قال: قال- رضي الله عنه-: غلط عندي بل السبب
(3/1225)

للوجوب الليالي والأيام سواء، فإن الشهر اسم لجزء منا لزمان يشتمل على الأيام والليالي إلى آخره فقد ذكرناه في موضع آخر.
(الوقت متى جعل سببًا كان ظرفًا صالحًا للأداء) كوقت الصلاة، ولم يرد هاهنا من ذكر الظرف ما هو المفهوم من الظرف الحقيقي؛ بل هو أن يكون فاضلًا عن قدر المظروف كوقت الصلاة؛ يفضل عن قدر أداء الصلاة بل أراد به أن الصوم يقع ويوجد في أيام رمضان لما عرف أن اليوم معيار للصوم لا ظرف له، ثم لما جعل الشهر شببًا والليل لا يصلح ظرفًا تعين أن أيام الشهر هي السبب، وكان كل يوم سببًا لصومه حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى وإنما يلزمه ما بقي.
(وصح الأداء بعده من المسافر) أي بعد وجوده.
(3/1226)

(وقد مرت أحكام هذا القسم) أي في باب تقسيم المأمور به.
(رأس يمونه بولايته عليه) فتفسير الولاية هو: نفاذ القول على الغير شاء الغير أو أبى.
(فيدل على أجد الوجهين)، وإنما انحصر على هذين الوجهين؛ لأن كلمة (عن) لما كانت لانتزاع الشيء عن الشيء لم يخل ذلك الشيء المنتزع عنه الشيء إما أن يكون ذلك الشيء المنتزع موجودًا أو متقررًا في ذلك الشيء المنتزع عنه الشيء أو لم يكن موجودًا، فإن لم يكن موجودًا أو متقرر فيه لعدم صلاحية ذلك المحل المنتزع عنه الشيء أن يكون محلًا له كان هو لانتزاع الحكم عن السبب، كما يقال: أد عن هذه الأغنام زكاتها، والذي نحن بصدده من ذلك القبيل، وإن كان ذلك الشيء المنتزع موجودًا فيه ومتقررًا عليه لصلاحية ذلك المحل لكونه محلًا لوجوبه كان ذلك الانتزاع للبيان عنه كوجوب الدية على القاتل هو محل الوجوب لصلاحية ذلك المحل أن يكون محلًا لوجوب الدية عليه ثم يتحمل عنه العاقلة بطريق النيابة.
(وبطل الثاني لاستحالة الوجوب على العبد والكافر والفقير).
(3/1227)

أما العبد فظاهر؛ لأنه لا يملك شيئًا فكيف يجب عليه صدقة الفطر؟ والصدقة إنما تجب على من يملك المال بوصف الغنى، قال عليه السلام: ((لا صدقة إلى عن ظهر غني))، وكذلك الكافر لا تجب عليه؛ لأنه ليس بأهل لحكم هذه الصدقة وهو الثواب، وكذلك لا يجب على الفقير؛ لأنه ليس بغني ووجوب الصدقة باعتباره لما ذكرنا، فلما لم يكن كل واحد من هؤلاء محلًا لوجوب صدقة الفطر عليه لم يحتمل انتزاع حكما لنيابة عن المنوب الذي وجب الحكم عليه أولًا ثم ناب عنه غيره في ذلك كما نابت العاقلة عنا لقاتل فتعين الوجه الأول، وهو انتزاع الحكم عن السبب وهو الرأس، وإنما عينا لفظ الرأس لوجود الإضافة إليه حيث يقال: صدقة الرأس وزكاة الرأس.
وقال قائلهم (شعر):
زكاة رؤوس الناس ضحوة فطرهم ... بقول رسول الله ((صاع من البر))
(3/1228)

ورأسك أغلى قيمة فتصدقي علينا ... بفيك وهو صاع من الذر
ومثل عن هذه باستعمالها لانتزاع الحكم عن السبب قوله تعالى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} فإن الضمير عنه راجع إلى {قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ} فكان مثل قوله: ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب.
التناهي: بغايت رسيدان، وحقيقته تصدر تناهيهم في السمن عنهما، وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف، وكذلك هاهنا يصدر وجوب صدقة الفطر على المكلف عمن يمونه.
(وإنما نسبت إلى الفطر مجازًا) أي أضيف إلى الفطر وهو شرطه مجازًا كما في حجة الإسلام.
(والنسبة تحتمل الاستعارة وهو ظاهر)؛ لأن ابن الابن يسمى ابنًا وأب
(3/1229)

الأب يسمى أبًا وكل منهما ليس بابن وأب على الحقيقة.
(فأما تضاعف وجوب) صدقة الفطر بتضاعف الرؤوس حكم حقيقي لا يحتمل الاستعارة؛ لأن الاستعارة قضية اللفظ وهذا ليس بلفظ، (وكذلك الوجوب لا يكون إلا بسبب أو علة)، فلو كانت إضافة صدقة الفطر إلى الرأس مجازًا لم يكن سببًا حقيقة بل مجازًا، ويستحيل ترتيب حكم حقيقة السبب على ما ليس بحقيقة.
(وكذلك وصف المؤونة يرجح الرأس في كونه سببًا)؛ لأن المؤونة عبارة عن القوت يقال: مأنة أي قاته وهو يتعلق بالرأس، وكذلك مؤنة الشيء سبب لبقاء ذلك الشيء وذلك يتصور في الرأي دون الزمان. يوضحه أن الأصل في وجوب صدقة الفطر على المكلف رأس نفسه وله ولاية على رأسه ومؤنته عليه ثم من كان في معناه بوجود هذين الوصفين فيه وهو رأس يمونه ويلي عليه يلحق هو به، فكذلك ألحق به أولاده الصغار وعبيده فإنه يمونهم ويلي عليهم، فكان رؤوسهم سببًا لوجوب صدقة الفطر عليه لرأس نفسه،
(3/1230)

(وقد بينا معنى المؤنة منه في موضعه) أي في غير هذا الكتاب.
(غير أن الأداء شرع متفرقًا منقسمًا على أمكنة وأزمنة) إلى آخره. هذا جواب شبهة ترد على قوله: ((وسبب وجوب الحج البيت، والوقت شرط الأداء)) بأن يقال: لو كان هكذا لجاز أداء الحج في أول الشهر الحج وهو شوال؛ لأنه لما وجد السبب وشرط جواز الأداء وجب أن يحكم بجواز الأداء فيه، ومع هذا لا يجوز أداء الحج في شوال. فأجاب عنه بهذا.
وذكر شمس الأئمة- رحمه الله- في جوابها وقال: عندنا يجوز الأداء كما إذا شوال، ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان بعضها تختص بوقت ومكان وبعضها لا تختص، فما كان مختصًا بوقت أو مكان لا يجوز في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في غير ذلك المكان، وما لا يكون مختصًا بوقت فهو جائز في جميع وقت الحج، حتى إن من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم
(3/1231)

يكن سعيه معتدًا به من سعي الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه إعادة السعي، ولو كان طاف وسعي في شوال كان سعيه معتدًا به حتى لا يلزمه إعادته يوم النحر؛ لأنا لسعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج،
وأما الوقوف فمؤقت فلم يجز أداؤه قبل وقته كما لا يجوز طواف الزيارة يوم عرفة؛ لأنه مؤقت بيوم النحر وهو نظير أركان الصلاة، فإن السجود مرتب على الركوع ولا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ليس بوقت للأداء.
(ويصح الأداء دونه من الفقير) أي دون المال، فلو كان المال سببًا لما صح منا لفقير؛ لأنه حينئذ يلزم تقديم الحكم على السبب، بل المال شرط وجوب الأداء وهو نظير عدة من أيام أخر في باب الصوم في حق المسافر، فإنه شرط وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزًا قبله فكذلك هاهنا.
(فلا يصلح المال سببًا لها) أي للعبادة البدنية؛ لأن الحكم نتيجة السبب، فلا تصلح العبادة البدنية حكمًا للمال.
(3/1232)

(لأن العشر ينسب إلى الأرض) أي يضاف إليها، يقال: عشر الأراضي، والخارج وصف لها؛ لأن النماء يحصل بالخارج فالأرض النامية أشبهت المال النامي بالأسامة، فباعتبار الأرض يكون العشر مؤنة.
لأن أقدار المؤنة سبب البقاء كأقدار من عليه من عليه النفقة لمن له نفقة، فالعشر أيضًا سبب بقاء الأراضي في أيدي المسلمين لما أن مصارف العشر الفقراء أو ينصر الأقوياء بالضعفاء كما قال عليه السلام: ((إنكم تنصرون بضعفائكم)).
(3/1233)

فنفقة النصرة للمسلمين بسبب صرف العشر إلى الفقراء وهو سبب بقاء الأراضي في أيدي المسلمين، ولكن الأرض أصل للخارج؛ فبالنظر إلى الأصل يكون في العشر معنى المؤنة، بالنظر إلى الوصف الذي هو الخارج يكون عبادة؛ لأنه قليل من كثير كما في الزكاة، فلو صح التعجيل قبل وجود الوصف الذي هو الخارج كما مؤنة محضة فلم يصح تعجيله قلا وجود الوصف لذلك، كما لا يصح تعجيل الزكاة في الماشي قبل الأسامة.
(وكذلك سبب الخراج) الأرض النامية، (لكن تقديرًا لا تحقيقًا) عند التمكن من الزراعة لكون الواجب من غير جنس الخارج، فإن جريب الزرع قفيزًا هامشيًا ودرهمًا أي زرع كان، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم إلى آخره، فلم يتعلق بحقيقة الخارج لذلك، فالشرع علق وجوبه بالتمكن من الزراعة لئلا يتعطل حق المقابلة.
(3/1234)

(فصار مؤنة باعتبار الأصل) أي صار الخراج مؤنة بالنظر إلى الأصل وهو الأرض (وعقوبة باعتبار الوصف) وهو الزراعة تقديرًا أو تحقيقًا؛ لأن اعتبار الوصف يوجب كونه عقوبة؛ لأنه اشتغال بعمارة الدنيا وإعراض عن الجهاد، فلذلك كان الخراج في الأصل على الكافر الذمي حيث لم يقبل الإسلام واشتغل بعمارة الدنيا فوضع عليهم الخراج لضرب من الذلة، والاشتغال بالزراعة يصلح سببًا للذلة كما قال عليه السلام ((إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر فقد ذللتم وظفر بكم عدوكم)) ولهذا لا يجتمعان عندنا؛ لأن الخراج لا ينفك عن وصف العقوبة، والعشر لا ينفك عن وصف العبادة فلم يجتمعا، ولأن سببيهما بطريق الأصالة واحد وهو الأرض فلا يجتمع وظيفتان بسبب واحد، ولا يقال: إن وجود الخارج لا ينفك عنا لزراعة ومع ذلك يجب العشر؛ لأنا نقول: اعتبر في حق وجوب العشر اكتساب المال فقط كاكتساب مال يجب فيه الزكاة؛ لأن عمارة الدنيا والاشتغال بها في حق الكفار أصل وفي حق المسلمين عارض، فلا يعتبر العارض في جعل العشر عقوبة به.
(3/1235)

أو نقول: الزراعة غير معتبرة في حق وجوب العشر.
ألا ترى أنه إذا خرج من الأرض سيء بدون الزراعة يجب فيه العشر إذا كان في أرض العشر، ولا يجب فيه الخراج إذا كان ذلك في أرض الخراج، وذكر في باب المعادن من زكاة ((المبسوط)) ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج، وإن كان في أرض العشر ففيه العشر والمعنى فيه أن النحل يأكل من أنوار الشجر وثمارها، وفي الثمار إذا كانت في الأرض العشرية العشر- بخلاف أرض الخراج- فإنه ليس في أثمار الأشجار النابتة في أرض الخراج شيء.
فعلم بهذا أن الزراعة في حق وجوب العشر غير معتبرة، بل اعتبر فيه ثمار الأرض بالخرج بأي نوع كان وتعينت الزراعة في حق وجوب الخراج تحقيقًا أو تقديرًا وفي الزراعة الذل على ما جاء في الحديث، فلذلك كان اختصاص الزراعة بالخراج أولى.
(لأنها تنسب إليها)، فيقال: طهارة الصلاة (وتقوم بها) أي تقوم الطهارة بالصلاة أي يوجد وجود الطهارة بسبب وجود الصلاة (وهي شرطها، فتعلق بها) أي وجوب ذلك الشرط تعلق بالصلاة، فكذلك وجب بوجوبها؛ لأن ما كان شرطًا لشيء يتعلق به صحته، ووجوبه يوجب الأصل بمنزلة استقبال القبلة، فإن وجوبه بوجوب الصلاة، وكذلك الشهود في باب
(3/1236)

النكاح ثبوتها بثبوت النكاح.
(ألا ترى أنه إزالة وتبديل فلا يصلح سببًا له)، ولهذا يجوز التوضؤ بدون الحدث فيصير ذلك الوضوء معتبرًا فإن ((الوضوء على الوضوء نور على نور)) ولو كان الحدث سببًا لما وقع معتبرًا قبله؛ لأنه لا اعتبار للمسبب قبل السبب أصلًا.
فإن قلت: يلزم على قود كلامك أن لا يجوز تقديم الوضوء على وقت الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تجب بعد دخول الوقت، وقد قلت: أن سبب وجوب الطهارة الصلاة فلا يجوز تقديم المسبب على السبب، إذ لو قدم هو عليه لم يقع معتبرًا أصلًا على ما ذكرت.
قلت: قد ذكر في الكتاب أن سبب وجوب الطهارة الصلاة وهو كذلك؛ لأن الطهارة قبل دخول الوقت لا تجب كما أن الصلاة لا تجب قبله.
(3/1237)

وأما نفس وجود الطهارة فغير موقوفة إلى وجوب الصلاة كستر العورة واستقبال القبلة لما أن الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصدًا، فلما توضأ قبل الوقت ودام وضوؤه إلى أن دخل الوقت فقد وجد الشرط وقت وجوب الصلاة، فتصح هي به كما إذا ستر العورة قبل دخول الوقت ودام ستره إلى وقت وجوب الصلاة تجوز به الصلاة كذا هاهنا.
فإن قلت: كيف يكون وجوب الصلاة سببًا لوجوب الطهارة والطهارة شرط الصلاة، فكونها شرطًا يقتضي التقديم وكونها حكمًا له يقتضي التأخر فكيف يستقيم اجتماع وصفي التقدم والتأخر للطهارة بالنسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة؟
قلت: نعم إن النسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة إلا أن تلك النسبة إليها لجهتين مختلفتين، فإن للطهارة كم الصلاة من حيث الوجوب ثم الطهارة شرط للصلاة من حيث الجواز، وتمام هذا مذكور في ((النهاية)).
(وسبب المعاملات تعلق بقاء المقدور بتعاطيها) يعني تعلق بقاء العالم
(3/1238)

المقدر إلى يوم القيامة بمباشرة هذه المعاملات وتناولها؛ لأن بقاء العالم إنما يكون ببقاء الجنس، وبقاء النفس ببقاء الجنس بالتناسل، فشرع سبب ثبوت نفي التناسل ليبقى هذا الجنس وهو النكاح قصدًا وملك اليمين تبعًا وبقاء النفس إلى أجلها إنما يقوم به المصالح للجنسية وذلك بالمال، فشرعت الأسباب لاكتساب الأموال لتختص بأحكامها من فاز بأسبابها، قطعًا للمنازعة وهي الحكمة البالغة.
* * *
(3/1239)

باب بيان أقسام السنة
(وإنما هذا الباب) أي باب السنة (لبيان وجوه الاتصال) من التواتر وغيره (وما يتصل بها) أي بوجوه الاتصال من قسم الانقطاع وبيان محل الخبر وغيرهما (فيما يفارق الكتاب وتختص السنن به)، وذلك أن الثابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختلف طرقه، بعضه بالتواتر وذلك قليل، وبعضه بالشهرة، وبعضه بخبر الواحد، وفي الكتاب لا يتأتى هذه المعاني، بل هو
(3/1240)

ثابت بطريق واحد موجب للعلم وهو التواتر، فلثبوت هذه المفارقة بين السنة والكتاب أورد هذا الباب.
[باب المتواتر]
(وما أشبه ذلك) مثل مقادير الديات، (وهذا القسم) أي قسم الخبر المتواتر (يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علمًا ضروريًا) وكان شيخي- رحمه الله-
(3/1241)

يقول: ولهذا ثبت العلم بموجب التواتر على القطع والبتات لغير المستدل ما يثبت ذلك للمستدل، فلو كان ثبوت العلم به موقوفًا على الاستدلال لما ثبت به العلم لغير المستدل.
(وهذا رجل سفيه). السفيه هو الذي يشتغل بما ليس له عاقبة حميدة ويلحقه ضرر ذلك، كذا ذكره الإمام أبو منصور- رحمه الله- (لم يعرف نفسه ولا دينه ولا دنياه).
أما نفسه: فلكونه مخلوقًا من ماء مهين ثبت بالخبر ولم يكن الخبر موجبًا للعلم. ((لم يعرف نفسه)) أي لم يعرف أصل نفسه.
(3/1242)

فإن قلت: لو قال قائل: لا نسلم أن عرفان نفسه أنه مخلوق من ماء مهين بالخبر بل بالقياس على غيره أو على ولده أو المولود منه، فإنه لما عاين ولده أنه ولد من امرأته بعد المباشرة بها أضاف وجود ولده إلى وجود مائها؛ لأنه أقرب الأسباب إليه وجودًا، فبعد ذلك قاس وجود نفسه عليه.
ألا ترى أن الكافر الذي ينكر قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} يعتقد هذا كما يعتقد المؤمن به، فلو كان ثبوته بالخبر بهذا لاختص به المؤمن.
قلت: لا كذلك، فإن مآل ذلك القياس الذي ذكرته راجع إلى الخبر، وهذا لأن أسباب العلم منحصرة على الثلاثة: الحواس الخمس، والخبر الصادق، والعقل، فليس لأحد من الخلق وجود غيره أو وجود ولده أنه خلق
(3/1243)

من ماء مهين بمغاير له؛ لأنه لم يعانيه ولا يحكم العقل بأن يخلق الشخص الحيواني المنطيق البليغ العاقل الدراك لأنواع العلم الموصوف بمحاسن الحكم من ذلك الماء الجمادي الذي لا محاسن بينه وبينه، فلما خرج دليل البيان من البين بقي الخبر الصادق بالعين، ولأن القياس لا يثبت العلم القطعي بل يوجب غلبة الظن الذي يجب به العلم، ومن يعرف نفسه أنه خلق من ماء مهين يعرفه على القطع والبتات، وأما ما ذكرته من معرفة المنكر نفسه بأنه خلق من الماء فأصله راجع إلى الخبر أيضًا، فإن أبانا آدم عليه السلام كان نبينا وأخبر هو بأن أولاده مخلوقون منا لماء وحيًا، وكذلك ما بعده من الشرائع نطق به، ونزل القرآن على وفق ذلك فيه كما قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}، ولكن الكافر لعباده أنكر نزول القرآن، وإنكاره لا يبطل حقية الحق والصواب، بل يزيد هو على نفسه شدة العقاب.
ويجوز أن يقال معنى قوله: ((لم يعرف نفسه)) أي لم يعرف أنه كان في الابتداء صغير ثم نشأ وكبر، ومعرفة إنما تكون بالخبر.
وكذلك أيضًا من أنكر الخبر لا يعرف دينه وهو ظاهر؛ لأن الدين حقيقة الخبر والسماع خصوصًا في أحكام الدين وهي الشرائع، ولا يعرف دنياه
(3/1244)

أيضًا؛ لأن البلدان النائية من الدنيا لا يعلمها إلى من عاينها أو أخبر بها، فعلى قود كلام منكر الخبر لا يعرف وجودها من لم يعاينها.
(لا تكاد تقع أمورهم إلا مختلفة)، وهذا لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارًا على طبائع مختلفة وهمم متباينة يبعثهم ذلك على الاختلاف والتائن أبدًا، والاتفاق بعد ذلك مع الأسباب الموجبة للاختلاف لا يكون إلا بجامع جمعهم على ذلك، وفيه حكمة بالغة، وهي: بقاء أحكام الشرع بعد وفات المسلمين على ما كان عليه في حياتهم، فإن النبوة ختمت برسول الله عليه السلام، وقد كان مبعوثًا إلى الناس كافة وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به.
قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهذا الخطاب يتناول الموجودين في عصره والذين يؤمنون به إلى قيام الساعة، ومعلوم أن الطريق في الرجوع إليه ليس إلا الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر، فبهذا تبين أن ذلك كالمسموع منه في حياته، وقد قامت الدلالة على أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم إلا بالحق خصوصًا فيما يرجع إلى بيان الدين، فيثبت بالسماع منه علم اليقين.
(3/1245)

التخالج: در دل خليدن الوهم، دل تحيري شدن.
((وضعًا وتحقيقًا)) أي المتواتر يوجب علم اليقين من حيث الأصل ومن حيث الدليل.
(والطمأنينة على ما فسره المخالف) وهو ما ذكر قبله: ومعنى الطمأنينة عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك أو يعتريه وهم.
فإن قلت: يفسد تفسير الطمأنينة بقوله: ((عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك)) ويفسده أيضًا في الجواب بقوله: ((على ما فسره المخالف)) يقتضي أن يكون لها معنى آخر وما ذاك.
(3/1246)

قلت: نعم كذلك لها معنى آخر سوى ما فسروه، وهو: أن يوجب علم اليقين بحيث لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم، كما قال الله تعالى خبرًا عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ولا شك أن اطمئنان قلبه مما لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم.
فعلم بهذا أن الطمأنينة تطلق على علم اليقين الذي لا يتخالجك الشك.
(3/1247)

(وأما أخبار زرادشت اللعين فتخييل)،
قيل: هو كان في عهد كيقباذ أمير بلخ وهو أراد أن يتزوج أخت زرادشت وهي كانت في غاية الجمال، وزرادشت مان في الابتداء قاضيًا وادعى النبوة والأمير بايعه لطلب مقصوده، والمجوس اتفقوا على نقل
(3/1248)

معجزاته عندهم، وقد كانوا أكثر عددًا من المسلمين، فنقلوا على وفق ما يدعونه.
(أدخل قوائم الفرس في بطن الفرس) فبقى الرس معلقًا في الهواء، وكذا روي أنه وضع طست فيه نار على صدره فلم يضره، (فإنما رووا أنه فعل ذلك في خاصة الملك وحاشيته).
الحاشية: صغار الناس. الوضع: من المواضع، فالمواضعة في الأمر هي: أن توافق مع آخر فيه على شيء، وحقيقتها هي: أن تضع ما في قلبك من الرأي عنده، ويضع هو أيضًا ما في قلبه من الرأي عندك فيتفقا عليه.
(وعلى أنه ألقي على واحد من أصحاب عيسى عليه السلام شبهه كما قص الله تعالى)، فإنه جاء في الخبر أن عيسى عليه السلام قال لمن كان معه:
(3/1249)

من يرد منكم أن يلقي الله تعالى شبهي عليه فيقتل وله الجنة، فقال رجال أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فقتل هو، ورفع عيس عليه السلام إلى السماء.
فإن قيل: هذا القول في نهاية منا لفساد؛ لأنه فيه قولًا بإبطال المعارف أصلًا وبتكذيب العيان، وإذا جوزتهم هذا فما يؤمنكم منه مثله فيما ينقل بالتواتر عن رسول الله عليه السلام أن السامعين إنما سمعوا ذلك من رجل كان عندهم أنه محمد، ولم يكن هو إنما ألقى الله شبهه على غيره، ومع هذا القول لا يتحقق الإيمان بالرسل عليهم السلام لمن يعاينهم لجواز أن يكون شبهة الرسل ملقى على غيرهم كيف والإيمان بالمسيح عليه السلام كان واجبًا عليهم في ذلك الوقت فمن ألقي عليه شبهة المسيح فقد كان الإيمان به واجبًا وفي هذا قول بأن الله تعالى أوجب على عباده الكفر بالحجة وهي المعجزة، فأي قول أقبح من هذا!
قلنا: ليس الأمر كما قلتم؛ فإن إلقاء شبهة المسيح عليه السلام على غيره غير مستبعد في القدرة ولا في الحكمة، بل فيه حكمة بالغة وهي دفع شر الأعداء عن المسيح، وقد كانوا عزموا على قتله، والذين قصده بالقتل فقد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون به، فألقى شبهه على غيره على سبيل الاستدراج لهم ليزدادوا طغيانًا، ومثل ذلك لا يتوهم في حقل قم هم يأتون الرسل ليؤمنوا
(3/1250)

بهم، فظهر أن الفاسد قول من يقول: بأن هذا يؤدي إلى إبطال المعارف.
وأما أنه غير مستبعد في القدرة فغير مشكل، فإن إلقاء الشبه دن إيجاد الأصل لا محالة، وقد إبليس عليه اللعنة في صورة شيخ من أهل نجد ومرة في صورة سراقة بن مالك فكلم المشركين فيما كانوا هموا به في باب رسول الله عليه السلام، وفيه نزل قوله تعالى {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
ورأت عائشة- رضي الله عنها- دحية الكبلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما
(3/1251)

أخبرته بذلك قال ((كان معي جبريل عليه السلام)) كذا في ((أصول الفقه)) للإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
وعن هذا المعنى قيد في الكتاب قوله: (وذلك جائز استدراجًا ومكرًا على قوم متعنتين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون)،
فبطلت هذه الوجوه التي ذكرها مخال من التخييلات وكون أصله في
(3/1252)

عدد محصور وعلى تلبيس؛ لأن المتواتر الذي قلنا بأنه يوجب العلم ليس مما يكن تخييلًا، ولا مما يكون بخاصة الملك وحواشيه، ولا يكون مرجعه إلى الآحاد أيضًا، فكان حجة قطعية، والله أعلم.
* * *
(3/1253)

باب خبر الواحد
(وهو الفصل الثالث من القسم الأول). المراد من القسم الأول الاتصال، ومن الفصل الثالث اتصال فيه شبهة صورة ومعنى.
أما الصورة: فلأنه لم يتصل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعًا.
وأما المعنى: فلأنه لم تتقله الأمة جمعيًا بالقبول بخلاف المشهور؛ لأن فيه ضرب شبهة صورة من حيث إنه كان في الأصل من الآحاد وليس فيه شبهة معنى؛ لأن الأمة تلقته بالقبول بخلاف المعاملات، فإنه إذا اشترى من صبي عاقل أو عبد يجوز معتمدًا على قولهما بأننا مأذونان.
(3/1254)

(فاستقام أن يثبت غير موجب علم اليقين) أي أن يثبت وجوب العمل حال كونه غير موجب للعلم.
(3/1255)

({وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} وكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه) إلى آخره، ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان، ثم لا يقبل بيانه في الدين؛ لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر، وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، وهذا في كتاب الله تعالى أكثر من أن يحصى، منه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}.
(3/1256)

(وقد ذكر محمد- رحمه الله تعالى- في هذا) أي في عمل الصحابة ومحاجتهم غير حديث أي غير حديث واحد بل ذكر فيه أحاديث كثيرة
(3/1257)

(فإذا اجتمع الآحاد حتى تواترت حدث حقية الخبر ولزوم الصدق باجتماعهم)، وهذا جواب ما قال في الباب الأول: ((إن المتواتر صار جميعًا بالآحاد وخبر كل واحد محتمل)) فمن أين يتأتى اليقين؟
وتفسير الجواب هو أن لا ينكر في المحسوس والمعقول والمشروع أن يثبت لاجتماع الأفراد ما لا يثبت للأفراد عند عدم الاجتماع. ألا رى أن الحبل إذا اجتمع من الطاقات يثبت له من القوة ما لا يثبت من تلك القوة لطاقة أو لطاقتين، وألا ترى أن كل كلمة من القرآن على الانفراد ليست بمعجزة، فإذا اجتمعت صارت معجزة، والحجج العقلية صارت حجة باجتماع المقدمات وكل مقدمة ليست بحجة، فعلم بهذا أن اجتماع الأفراد يثبت حكمًا ما لا يثبته الأفراد بدون الاجتماع، والعقل أيضًا يقتضي ذلك؛ لأن التركب حدث بعد
(3/1258)

أن لم يكن، فيجب أن يثبت له حكم بحياله لم يكن ذلك الحكم قبله، وكذلك في المشروع فإن القاضي لا يقضي بشهادة الفرد، فإذا صار الشاهد اثنين يقضي بهما.
(إذ العقد فضل على العلم والمعرفة، وليس من ضروراته) أي عقد القلب ليس من ضرورات العلم.
ألا ترى أن أهل الكتاب كانوا يعرفون حقية النبي عليه السلام بالنبوة ولا يعتقدونها، والمقلد يعتقد شيئًا بالتقليد لغيره ولا يعلمه؛ إذ العلم هو: تبين المعلوم على ما هو به ويحتمل أن يكون اعتقاد المقلد شيئًا كان على خلاف ما هو به، فعلم بهذا أن العقد مع العلم ينفك أحدهما عن الآخر وجودًا وعدمًا ولم يكن وجود كل واحد منهما من ضرورات الآخر.
(3/1259)

باب تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة
(والجواب أن الخبر يقين بأصله) إلى آخره، وتفسير ذلك أن خبر الرسول عليه السلام يقين في أصله لما أن خبر الواحد إنما صار حجة لكونه خبر الرسول، فكان يقينًا بأصله، إذ لو ارتفعت الشبهة الثابتة من النقل لكان يقينًا، إذ الخبر المسموع من ي رسول الله عليه السلام صدق يقين لا شبهة فيه،
(3/1260)

والقياس محتمل للصواب والخطأ في نفسه لما أن القياس الصحيح عبارة عن الاجتهاد الصحيح، فإنه يوجب غلبة الظن ولا يوجب علم اليقين.
فإن قيل: الوصف المؤثر لو ثبت مناطًا للحكم لكان يقينًا.
قلنا: لا نسلم؛ لأن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع، فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا ولا لام فيه، غنما الكلام في القياس الصحيح بدونا لنص والإجماع، وهو ليس بيقين في أصله؛ لأن كل وصف مجتهد فيه هو محتمل للغلط، وهو معنى قوله: (وهو محتمل بأصله) وما كان محتملًا بأصله لا يكون معارضًا لما لم يكن محتملًا للغلط في أصله، فلذلك كان خبر الواحد مقدمًا على القياس.
فإن قلت: قولك أن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا كذلك في خبر الواحد لو ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بأن كان خبر الواحد وقت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبيل ذلك الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر الرسول عليه السلام بصحته لم يبق هو أيضًا خر الواحد، بل كان هو نصًا ثابتًا حجيته قطعًا ولا كلام فيه.
إنما الكلام في خبر الواحد.
(3/1261)

قلت: نعم كذلك إلا أن بينهما فرقًا من حيث عدم التغير لحقيقته، فإن خبر الواحد عند ارتفاع الشبهة الثابتة بالنقل بالسماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرت يبقى خبرًا ونصًا كما كان عند وجود الشبهة بالنقل إلا أن عند السماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بالموجب فلم يتغير عن حقيقة كونه خبرًا أو نصًا.
وأما القياس عند وجود النص بأن هذا الوصف هو المناط لحكم لم يبق قياسًا أصلًا فتغير عن حقيقته من حيث الاسم ومن حيث الحكم.
فعلم بهذا صحة ما ذكره في الكتاب بقوله: (فكان الاحتمال) أي احتمال الخطأ (في الرأي أصلًا، وفي الحديث عارضًا)، فوقوع احتمال الخطأ في أصله ليس كوقوع احتمال الخطأ في العارض وهذا ظاهر، (ولأن الوصف في النص) أي العلة المؤثرة في النص (كالخبر) يعني أن الخبر إبانة عما ليس بحاضر للسامع، والوصف بمنزلته في إبانة أن الحكم متعلق به ونظر المجتهد فيه كأنه يسمع أخبار هذا الوصف إلا أن الوصف مع هذا ساكت عن حقيقة البيان، (والخبر بيان بنفسه) حقيقي (فكان الخبر أقوى من الوصف في الإبانة والسماع) الخبر الحقيقي، فكان أقوى من نظر المجتهد وهذا معنى ما ذكر في الكتاب.
(3/1262)

وقوله: (لأنه إذا انسد صار الحديث ناسخًا للكتاب والحديث المشهور ومعارضًا للإجماع)؛ لأن الكتاب يقتضي
(3/1263)

وجوب العمل بالقياس بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}.
وكذلك الحديث المشهور يقتضي وجوب العمل بالقياس وهو حديث معاذ- رضي الله عنه- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أجاب هو بما أجاب: ((الحمد لله الذي وفق رسول الله)) وغيره من الأحاديث التي ذكرها في الكتاب، وكذلك الإجماع منعقد على وجوب العمل بالقياس عند انعدام دليل فوقه.
(3/1264)

أو نقول: الحديث الذي رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- في المصراة لو عملنا به يلزم نسخ الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فإنه يقتضي المماثلة في باب العدوان في قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سيئة
(3/1265)

مِثْلُهَا}، وكذلك السنة والإجماع، والعمل بحديث المصراة يسد باب القياس أصلًا وهو مفتوح بهذه الدلائل الثلاث.
(فعمل بحديثه ابن مسعود رضي الله عنه)؛ لأنه وافق القياس عنده، فإن القياس عنده يوجب مهر المثل اعتبارًا بما إذا وقعت بالطلاق بعد الدخول ولم يكن سمي لها مهرًا، لما أن الموت بمنزلة الدخول بدليل وجوب العدة، وبدليل أن النكاح عقد العمر، والعمر بالموت ينتهي، والشيء بانتهائه يتقرر، فصار كأنه وجد ما هو المقصود من النكاح وهو الدخول، فيجب مهر المثل.
(ورده علي- رضي الله عنه-) لمخالفته القياس عنده، وهو أن لا يجب مهر المثل قياسًا على ما إذا وقعت الفرقة بالطلاق قبل الدخول فألحق به.
(3/1266)

(((ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه))) نقل عن الإمام العلامة الكردري- رحمه الله- أن من عادة العرب الجلوس مختبئًا، فإذا بال يقع بوله على عقبيه، والاختباء في الجلوس هو أن يجمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وهذا لبيان قلة احتياط الأعراب حيث لم يستنزهوا من البول، وهذا طعن من علي- رضي الله عنه- فيه.
(3/1267)

(إنه أراد بالكتاب والسنة القياس)؛ لأن حجية القياس تثبت بهما والقياس يرد ما روته لما أن أثرًا من آثار النكاح باق فيجب لها النفقة كما إذا كان الطلاق رجعيًا، والله أعلم.
* * *
(3/1268)

باب بيان شرائط الراوي التي هي من صفات الراوي
ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالعقل والتمييز).
ألا ترى من الطيور ما يسمع منها حروف منظومة يسمى ذلك ألحانًا لا كلامًا، ولا يقع البيان بمجرد الصوت والحروف بلا معنى حتى إذا تكلم
(3/1269)

بكملات مهملة لا يسمى كلامًا كما إذا قال: أجني دزي مكان قوله: جاءني زيد لا يكون ذلك كلامًا، فعرفنا بهذا أن الكلام في الشاهد عبارة عن حروف منظومة عن عقل وتمييز يدل على معنى مفهوم، والله أعلم بالصواب.
* * *
(3/1270)

باب تفسير هذه الشروط
(أما العقل فنور يضيء) إلى آخره، فالعقل بمنزلة السراج للعين الباصرة، فكان العقل سراجًا لعين القلب فيبصر القلب الطريق عنده، كما أن العين الباصرة تبصر عند السراج، فإذا أبصر الإنسان شيئًا وينبئ بصره يتضح له طريق الاستدلال عند العقل، كما إذا رأى العالم وهو لا يعلم قدمه ولا حدوثه فيبصر القلب عند العقل، والاستدلال حدوث جميع العالم بطريق الاستدلال أن يتأمل القلب فيجد العالم قسمين: عينا عرضًا، ولا يخلو العين عن العرض، والعرض حادث، فيستدل بحدوث العرض على حدث العين، فيحكم بكون جميع العالم حادثًا، وهو معنى قوله: ((نور يضيء به طريق)).
(يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبتدئ المطلوب) أي يظهر للقلب. (فيدركه القلب بتأمله بتوفيق الله تعالى).
(3/1271)

....................................................................
(3/1272)

[العدالة]
وقوله: (واعتدال العقل) وذلك إنما يكون بالبلوغ.
قيل: إنما صار البلوغ دليل اعتدال العقل؛ لأنه صار بحال يربي مثله وهو الولد، فلا بد أن يصير عقل المربي معتدلًا.
(3/1273)

(لكن هذا الأصل لا يفارقه هوى يضله) يعني أن اتباع هوى النفس معارض للعدالة الظاهرة. قال الله تعالى: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
(فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الحرج والمشقة وتضييع حدود الشرع) وهذا هو الكامل في الاستقامة؛ لأنه لو توقف الاستقامة على ما هو النهاية التي يحترز بها عما لا ينبغي في الشرع من الكبائر والصغائر كلها على
(3/1274)

وجه لا يوجد منه صغيرة ما بوجه من الوجوه أن يوجد من ألف واحد فيتعطل التبليغ الذي هو واجب على كل مسلم، ولذلك قلنا: إذا اجتنب من الكبائر ولم يصر على الصغيرة كان كامل العدالة.
(لما لم يكن خبر المستور حجة، فخبر المجهول أولى) لأن المستور من لم يرد عليه رد من السلف، والمجهول من قدر رده بعض السلف.
(3/1275)

وقوله: (على الشرط الذي قلنا) وهو أن لا يكونا لعمل به سدًا لباب الرأي والقياس؛ لأن كون القياس حجة تثبت بالكتاب والسنة، فلو كان الخبر مخالفًا للقياس من كل وجه كان الخبر ناسخًا للكتاب والسنة لكونه حجة تثبت بالكتاب على ما ذكرنا.
(وأما الإيمان الإسلام) إلى آخره، وكان شيخي- رحمه الله- كثيرًا ما
(3/1276)

يقول في التفاوت بينهما مع أن أصلهما واحد: الإيمان: تصديق الإسلام، والإسلام: تحقيق الإيمان.
(ألا ترى أنا لنبي- صلى الله عليه وسلم- استوصف فيما يروى عنه عن ذكر الجمل دون التفسير، وكان ذلك دأبه) حتى قال للأعرابي الذي
(3/1277)

شهد برؤية الهلال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: نعم فقال: الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم)) أي يقبل شهادته.
(والمطلق من هذا) أي من الاستيصاف.
(فأما من استوصف فجهل فليس بمؤمن) لأن لم يقل نعم، والسنة في الاستيصاف على وجه الاستفهام، فيقال: إن الله تعالى واحد، قديم، عالم، فادر أهو كذلك؟ وأن محمدًا رسول الله جميع ما أنزل الله عليه حق أهو كذلك؟ فيقول: نعم.
(3/1278)

(وكذلك) الحكم (في الصغيرة) إذا بلغت، وإنما يستوصفها على وجه الاستفهام حتى يسهل عليه الجواب، هذا إذا لم يكن أقرت بالإسلام بعد ما عقلت.
فأما إذا وصفت الإسلام بعد ما عقلت لا يحكم بكفرها- وإن قالت بعد البلوغ: أن أعرف الإسلام وأقدر على الوصف ولا أصف،
قيل: ينبغي أن تبين من زوجها؛ لأنها امتنعت عما في ركن الإسلام وهو الإقرار باللسان من غير عذر فتكون مرتدة كما إذا بلغت عاقلة ولم تصف الإسلام.
وأما إذا قالت: أنا أعقل الإسلام لكن لا أقدر على الوصف- اختلف المشايخ فيه؛ منهم من قال: بأنها تبين لأنها لو تركت الوصف مع العلم بذلك تبين، فكذلك إذا كانت جاهلة؛ لأن الجهل في دار الإسلام لا يكون عذرًا.
ومنهم من قال: تعذر في ذلك، فإن السكران إذا تلفظ بالكفر لا يحكم بردته استحسانًا، وإن كان عجزه معصية فلأن تعذر هاهنا في العجز عن الوصف كان أولى. كذا في ((الجامع الكبير)) لقاضي خان- رحمه الله.
(وإذا ثبتت هذه الجملة) أي جملة ما ذكرنا من شرائط الراوي من الضبط والعقل والعدالة والإسلام (كان الاعمى من أهل الرواية)؛ لأن
(3/1279)

العمى لا يؤثر في الخبر؛ لأنه لا يقدح في العدالة.
ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ابتلى بذلك كشعيب ويعقوب- عليهما السلام- وكان في الصحابة من ابتلى به كابن أم مكتوم وعتبان بن مالك، وفيهم من كف بصره كابن عباس وابن عمر- رضي الله عنهم- وغيرهما، وكذلك (المحدود في القذف من أهل الرواية) أي بعد التوبة بخلاف الشهادة،
(3/1280)

فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك بالنص ورواية الخبر ليست في معنى الشهادة.
ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في الحدود أصلًا وروايتهن في الحدود كرواية الرجال، وفي رواية الحين عن أبي حنيفة- رضي الله عنهما- لا يكون المحدود في القذف مقبول الرواية؛ لأنه محكوم عليه بكذبه بالنص، قال الله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} والله أعلم بالصواب.
* * *
(3/1281)

................................................................
(3/1282)

باب بيان قسم الانقطاع
وقوله: (إن كلامنا في إرسال من لو أسند عن غيره) ضمن الإسناد معنى الرواية فعدى تعديتها بكلمة (عن).
(وعزم عليه) أي اعتمد عليه.
(فردوا أقوى الأمرين). المراد بالأقوى المرسل، وبالأمرين المرسل
(3/1283)

والمسند.
(إذا أثنى على من أسند إليه خبرًا ولم يعرفه بما يقع لنا العلم به صحت روايته)، وهو أن يقول: حدثني الثقة ولم يعرف مراده من هذا من هو؟
(وأما إرسال من دون هؤلاء) إلى آخره.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخي- رحمه الله- لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار، وكان يقول: من تقبل روايته مسندًا تقبل روايته مرسلًا بالمعنى الذي ذكرنا.
وكان عيسى بن أبان- رحمه الله تعالى- يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته مرسلًا ومسندًا، وإنما يعني به محمد بن الحسن- رحمه الله-
(3/1284)

وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقًا وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده يكون حجة، ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه.
وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي- رحمه الله-: إن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الراية مطلقًا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكن حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلى عن من هو عدل ثقة وهو معنى قوله: (إلا أن يروي الثقات مرسله كما رووا مسنده) بالإضافة فيهما
يعني لو نقل الثقات مراسليه ما ينقلون مسانيده لعدالته حينئذ يكون مراسيله أيضًا حجة كمسانيده؛ لأن نقل الثقات منه تعديل منهم إياه فتقبل.
(3/1285)

(حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا) يعني أن الع {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} فإنه عام لم يثبت خصوصه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد وهو ما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم)) حتى لا يقتل الملتجئ إلى الحرم عندنا.
(3/1286)

(ولا يترك الظاهر من الكتاب بخبر الواحد وإن كان خبر الواحد نصًا كما قال في الكتاب في حديث فاطمة بنت قيس مع قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ} ومثل قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ظاهرة يقتضي جواز الطواف بغير طهارة وهو ليس بنص في هذا؛ لأن هذه الآية سيقت لبيان فرض الطواف لا للجواز بغير الطهارة أو بالطهارة، ومع ذلك لم يترك هذا الظاهر بالنص في الحديث، وهو قوله عليه السلام: ((الطواف صلاة)) فإن سوق هذا الحديث لبيان اشتراط الطهارة في الطواف كما في الصلاة، وكذلك حديث التسمية في الوضوء مع قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} على هذا التقدير الذي ذكرنا.
وقوله: (ولا ينسخ بخبر الواحد) كخبر وجوب الترتيب في آخر
(3/1287)

الوقت، لو لم يسقط الترتيب يلزم منه نسخ الكتاب؛ إذ الكتاب يقتضي جواز الوقتية في وقتها.
وقوله: (وقد قال النبي عليه السلام: ((تكثر الأحاديث من بعدي- إلى قوله:- وما خالفه فردوه))).
فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج بهذا الحديث وهو بعينه مخالف لقوله تعالى: {آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}؟
قلنا: الجواب عن هذا على وجهين:
أحدهما- إن هذه الآية في فعل النبي عليه السلام في قسمة الغنائم أي ما أعطاكم الرسول من الغنائم فاقبلوه، وكلامنا في الأقوال لا في الأفعال، فلا تصح المخالفة بين الحديث والكتاب.
والثاني- إن كلامنا فيما لام يثبت أنه مما آتانا الرسل به قطعًا حتى إذا ثبت ذلك قطعًا لم يعمل بهذا الحديث كما في حق المتواتر وكما في حق السامع من
(3/1288)

في رسول الله عليه السلام.
(والأول فتح باب الجهل والإلحاد) أي من رد أخبار الآحاد فتح باب الجهل؛ لأن العمل باستصحاب الحال عمل بما يؤول إلى الجهل وفتح باب الإلحاد؛ لأن الإلحاد ترك العمل بالحجة والعمل بفير الحجة.
(والثاني- فتح باب البدعة) يعني أن العمل بأخبار الآحاد مطلقًا من غير العرض على الأصول يؤدي إلى العمل بالآحاد على وجه يوجب مخالفة الكتاب وإلى تأويل الأصول بهواهم، فتأويل الكتاب بهواهم بدعة، وفيه أيضًا جعل المتبوع تبعًا متبوعًا، وهو أيضًا بدعة- عصمنا الله عن ذلك-
(3/1289)

فالأول: مثل حديث القهقهة وحديث الترتيب لم يعمل بهما الشافعي- رحمه الله- وحديث أكل الناسي في الصوم لم يعمل به مالك- رحمه الله- بل عمل باستصحاب الحال.
وأما لثاني: فمثل قوله عليه السلام: ((إن الله تعالى خلق آدم على صورته))، وقوله عليه السلام في الدعاء: ((أسألك بمقعد العز من عرشك)) وقوله عليه
(3/1290)

السلام: ((إن الجبار ليضع قدمه في النار وهو يضحك إلى أوليائه حتى يبدو نواجذه))، والمشبهة يتعلقون بمثل هذه الأحاديث في إثبات التشبيه من غير عرض هذه الأحاديث على الآية المحكمة التي توجب نفي التشبيه فلا
(3/1291)

تقبل الآحاد فيها لكونها مخالفة للآيات المحكمة، والدلائل العقلية على أن لهذه الأحاديث تأويلات على وجه لا يلزم منها التشبيه.
(ومثال هذا) أي مثال ما خالف الكتاب من الأحاديث حديث (مس الذكر).
قيل: سأل النبي عليه السلام عن الذين نزلت الآية في حقهم فقال: ((ما هذه الطهرة التي خصصتم بها؟)) فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء ولو كان مس الذكر حدثًا كان بمنزلة البول فا يليق من الحكيم أن يمدحهم بالبول، وإن كان هو إزالة عن نفسه النجاسة الحقيقية؛ لأنه إثبات للنجاسة الحكمية فمن كان مثبتًا للنجاسة لم يكن مستحقًا للمدح بذلك الفعل.
(3/1292)

(وكذلك مما خالف الكتاب من السنن أيضًا حديث القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} أمر بفعل مجمل في حق العدد، ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، أو رجل وامرأتين.
كان ذلك بياتًا أن ما هو المراد من الأمر هذا. كقولهم: كل طعام كذا، فإن لم يكن فطعام كذا يكون هذا بيانًا لما هو المجمل من المأكول وحصر للإباحة في هذين الطعامين. كما في قوله:
أذنت لك أن تعامل فلانا، فإن لم يكن هو ففلانا، فاقتضى الكتاب حصر الحجة على هذين النوعين، فكان حديث القضاء بالشاهد واليمين مخالفًا له فيرد.
(3/1293)

(ولا مزيد على الأدنى) أي لا يكون من الأدنى أدنى يعني لا يكون شيء أدنى من هذا كما في قوله: أقل الحيض كذا وأقل مدة السفر كذا لا يكون غيره أدنى منه، إذ لو كان غيره أدنى منه لم يكن هذا أقل.
(ويمين الخصم) أي يمين المدعي (في الجملة مشروعة) كما في التحالف.
(ومثله خبر المصراة) وهو قوله عليه السلام: ((لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحيلها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر)) كذا في ((المصابيح)) يقال: صر الشاة وغرها إذا لم يحتلبها أيامًا ليمتلي ضرعها من اللبن.
(3/1294)

(ومثل حديث سعد بن أبي وقاص في بيع التمر بالرطب) أن النبي عليه السلام قال: ((أو بنقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن)) قال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: لا يقبل هذا الحديث؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة وكان ناسخًا لها، وهي (قوله عليه السلام ((التمر بالتمر مثل بمثل))) ففيه اشتراط المماثلة بالكيل مطلقًا، فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو الجفوف يكون نسخًا للمشهور، وهذا لأن التمر اسم للتمرة الخارجة من
(3/1295)

النخل من حين تنعقد صورته، فإعراض الأحوال عليها بمنزلة إعراض الأحوال على الإنسان، فكان التمر اسم جنس كالإنسان، فإنه يطلق على الصغير والكبير من الإنسان، فكذا اسم التمر يتناول الرطب وغيره، والنبي عليه السلام شرط المماثلة كيلًا بكيل مطلقًا.
علم بهذا أن المماثلة إنما تعتبر حالة الكيل ولا تعتبر مماثلة تحصل في عاقبته وهي الجفاف؛ لأن ذلك يتعلق بصفة وهي الجودة ووهي غير معتبرة في المقدار، وهو معنى قوله: (فصار نسخًا للمشهور بزيادة مماثلة ليس من المقدار) يعني أن كيلًا من رطب لا يماثل كيلًا من تمر بعاقبته، بل كيل من تمر زائد على كيل من رطب فيكون ربًا. إلا أنهما قالا: اسم التمر لا يتناول الرطب في العادة في مسألة اليمين لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، أو حلف لا يأكل من هذا الرطب فأكل بعد ما صار تمرًا لا يحنث.
قلنا: الحقيقة قد ترك في باب الأيمان على ما عرف، وكذلك اليمين تتقيد بوصف في العين إذا كان ذلك داعيًا إلى اليمين، وهذا لا يدل (على أن التمر لا يتناول الرطب).
(3/1296)

(ألا ترى أنه كيف اشتهر في الخلف) يعني أن المتأخرين إذا نقلوا اشتهر، فلو كان ثابتًا في الصدر الأول لوجب عليهم النقل ولو نقلوا لاشتهر، وحيث لم يشتهر بل شذ دل أنه من الراوي سهو أو مأول أو منسوخ.
فإن قيل: إنكم فبلتم خبر الوتر وخبر المضمضة والاستنشاق أي في أنهما فرضان في الجنابة وأنهما خبر واحد فيما علم به البلوى؛ لأنه يستوي فيه الخاص والعام فعلى قود كلامكم هذا وجب أن لا يقبل، فقد وقعتم في الذي أبيتم!
قلنا: فعل المضمضة والاستنشاق خبر مشهور فقبلنا لشهرته، والوجوب
(3/1297)

شيء آخر قد يخفى على البعض دون البعض، وهذا لأن خبر المضمضة والاستنشاق بيان لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وهو أمر بغسل جميع البدن إلا ما تعذر على المكلف غسله، وقد أشكل أن داخل الفم والأنف من ظاهر البدن أو من باطنه؟ فبين النبي عليه السلام بقوله: ((فرضان في الجنابة)) إنهما من ظاهر البدن، فكان ملحقًا بالكتاب بطريق البيان لما ذكر فيه، وكذلك الوتر خبره مشهور وثبوت الوجوب لدليل آخر عرف في موضعه.
(3/1298)

(وذلك مثل حديث ((الطلاق بالرجال))) وهو مؤول بأن إيقاع الطلاق مخصوص بالرجال.
(فهذا انقطاع باطن معنوي) يعني لم يثبت الاتصال برسول الله - صلى الله عليه وسلم - معنى من الوجه التي ذكرنا من أن يكون الحديث مخالفًا للكتاب أو السنة
(3/1299)

المعروفة إلى آخره وإن كان متصلًا صورة، وأعرض اشافعي عن هذا القسم (وتمسك بظاهر الانقطاع) فقال: المراسيل لا تقبل؛ لأنه غير متصل صورة وإن كان متصلًا معنى (كما هو دأبه) في التمسك بالظاهر والإعراض عن المعنى، وأصحابنا تمسكوا بالمعنى الذي هو المقصود.
(وأما القسم الآخر) وهو النوع الثاني من الانقطاع المعنوي وهو الانقطاع لنقصان وقصور في الناقل.
(3/1300)

(على ما قلنا من المجهول) أراد به ما ذكره في باب تقسيم الراوي بقوله:
((وأما المجهول فإنما يعني به المجهول في رواية الحديث بأن لم يعرف إلا بحديث أو بحديثين)) إلى آخره، فإن ذلك منقسم إلى خمسة أقسام على ما هو المذكور هناك.
(لرجحان كذبه على صدقه). يعني أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، فبالعدالة يترج الصدق، وبالفسق يترجح الكذب، فلا يقبل خبره في رواية الحديث احتياطًا، ولا يعني بقوله: ((لرجحان كذبه على صدقه)) أن الأصل خبره أصلًا بل يقبل خبره إذا وقع صدقه في قلب السامع لما أن الفاسق عندنا أهل لأداء الشهادة مع القصور، لكن لا يقبل خبره مطلقًا.
(لأن ذلك أمر خاص لا يستقيم تلقيه من جهة العدول) يعني به الأخبار
(3/1301)

عن الطهارة والنجاسة والحل والحرمة، وهو أمر خاص وقف عليه من اطلع عليه، وذلك لم يتعلق بالعدل والفاسق، بل يتعلق وقف عليه فلا يستقيم تلقيه من جهة العدول فيقبل فيه خبر الفاسق ولكن الضرورة لما لم تكن لازمه؛ (لأن العمل بالأصل) ممكن لم تمس الضرورة بقوله: (فلم يجعل فسقه هدرًا) بل اعتبرنا فسقه حتى لم يقبل قوله مطلقًا، وأوجبنا فيه تحكم الرأي، فحكم السامع رأيه، فإن وقع في قلبه صدق خبره كان عليه العمل، وإن وقع كذبه فلا يعمل، وهذا في الحقيقة عمل بالدليلين: دليل قبول خبره لما ذكرنا، ودليل رده لفسقه، فوجب تحكم الرأي في خبره عملا بالدليلين. فأما هاهنا أي في باب رواية الحديث.
(بخلاف خبر الفاسق في الهدايا والوكالات) أي يقبل خبره بدون تحكيم الرأي، (وفيه وجه آخر نذكره في محل الخبر)، وهو قوله: والثاني أن هذا الخبر غير ملزم إلى آخره.
(3/1302)

(فقد ذكر محمد- رحمه الله- في كتاب الاستحسان بعد ما ذكر العدل والفاسق والكافر وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان) وترتيب ما ذكره في كتاب الاستحسان قال: فإن كان الذي أخبره بنجاسة الماء رجلًا من أهل الذمة لم يقبل قوله؛ لأنه متهم بالفسق قال: إذا وقع في قلبه أنه صادق يتيمم ولا يتوضأ به، وهذا لأن الفاسق أهل لأداء الشهادة ولهذا نفذ القضاء بشهادته، فيتأكد ذلك بأكبر رأيه، وليس الكافر أهل الشهادة في حق المسلمين. يوضحه أن الكافر يلزم المسلم ابتداء بخبره ولا يلتزم، ولا ولاية له على المسلم.
فأما الفاسق فمسلم ملتزم وهو من أهل الولاية على المسلم. قال: وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان. من أصحابنا من يقول: مراده بهذا العطف أن الصبي كالبالغ إذا كان مرضيًا، وهذا لأنه كان في الصحابة من سمع في صغر ولو روى كان مقبولًا. كما سقط اعتبار الحرية والذكورة سقط اعتبار البلوغ كما في المعاملات، والأصح أن مراده العطف على الذمي، فإن
(3/1303)

خبر الصبي في هذا كخبر الذمي؛ لأنهما لا يلزمان شيئًا، ولكن يلزمان الغير ابتداء فإنهما غير مخاطبين فليس لهما ولاية الإلزام، فكان خبرهما في معنى خبر الكافر. كذا في ((مبسوط)) الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله-.
(وإنما هي مجوزة) أي تصرفه جائز الثبوت إذا انضم إليه رأي الولي فحينئذ يلزم.
(بخلاف العبد لما قلنا) أي في آخر باب تفسير الشروط، وهو قوله: والمرأة والعبد من أهل الرواية إلى آخره؛ لما أن العبد بالغ عاقل مخاطب، فلا يكون غيره مقصود الخبر بل يلزمه أولًا ثم يتعدى إلى غيره كما في شهادته بهلال رمضان.
فإن قيل: ليس للعبد ولاية الإلزام فكيف يلزم حكمًا على غيره بخبره؟
قلنا: هو ملحق بالأحرار في باب الدين.
(3/1304)

وقوله: (ألا ترى) متصل بقوله: ((والصحيح أنهما مثل الكافر لا تقوم الحجة بخبرهما)) إلى آخره.
ألا ترى (أن الصحابة- رضي الله عنهم- تحملوا في صغرهم ونقلوا في كبرهم) أي ولم ينقلوا في صغرهم، فلو كانت رواية الصغار مقبولة له لنقلوا في صغرهم كما نقلوا في كبرهم.
فإن قلت: يشكل على هذا حديث أهل قباء فإن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أتاهم وأخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم كانوا في الصلاة فاستداروا كهيئتهم وكان ابن عمر- رضي الله عنه- يومئذ صغيرًا على ما روي أنه عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر أو يوم أحد- على حسب ما اختلف الرواة فيه- وهو ابن أربع عشرة سنة فرده، وتحويل القبلة كان قبل بدر بشهرين، فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بالعلم وهو الصلاة إلى
(3/1305)

القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قلت: عن هذا قال بعضهم: إن رواية الصبي في باب الدين مقبولة، وإن لم يكن هو مقبول الشهادة لانعدام الأهلية للولاية بمنزلة رواية العبد، ولكن الأصح ما ذكره أن رواية الصبي غير مقبولة.
وأما حديث أهل قباء فإن الذي أتاهم وأخبرهم كان أنس بن مالك- رضي الله عنه- وقد روي أنه كان عبد الله ابن عمر- رضي الله عنهما- فإما يحمل على أنهما جاءا أو جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك، فإنما تحولوا معتمدين على رواية البالغ وهو أنس بن مالك أو أن ابن عمر- رضي الله عنهما- كان بالغًا يومئذ، وإنما رده رسول الله في القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرًا، فإن ابن أربعة عشر يجوز أن يكون بالغًا. كذا في ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- رحمه الله-.
(وفي الفاسق) أي وفي خبر الفاسق أي بنجاسة الماء (جعل الاحتياط أصلًا) حيث قال: يريق الماء احتياطًا، فإن تيمم ولم يرق الماء جازت صلاته
(3/1306)

أي يقبل خبره في ثبوت صفة النجاسة في الماء حتى لا يجوز التوضؤ به ما لا يجوز بالماء النجس وهو احتياط حيث وجب الاحتراز عنا لنجاسة، (وفي خبر الكافر يتوضأ به) ولا يعتبر هذا الاحتياط، وهو الاحتراز عن استعمال النجس عيني حتى أنه لو توضأ به (ولم يتيمم) وصلى جاز، (ولكن الأفضل) في خبره بنجاسة الماء (هو أن يريق الماء ويتيمم).
وحاصل الرق بين خبر الفاسق والكافر هو أن التحري أصل في خبر الفاسق ولم يعتبر خبر الكافر أصلًا في باب الدين.
ألا ترى أن محمدًا- رحمه الله- قال في خبر الفاسق: يحكم السامع رأيه فلم يجعل خبره حجة ولا هدرًا مطلقًا بل جعل التحري أصلًا حتى إذا وقع في قلبه أنه صادق عمل بخبره وإلا فلا،
(3/1307)

ولا كذلك في خبر الكافر فإنه وغن وقع في قلبه أنه صادق لا يعمل بخبره فجعل خبره هدرًا والاحتياط في خبر الفاسق أصلًا.
أعلم أن المصنف- رحمه الله- ذكر لفظ الأحوط في حق إراقة الماء في خبر الفاسق، وذكر لفظ الأفضل في حق إراقة الماء في خبر الكافر نفسها على ما قلته في أن العمل بالإراقة في حق الكافر بجواز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر الكافر بأنه نجس، فلم تكن الإراقة فيه إلا فضل الأمرين.
وأما في خبر الفاسق لم يجز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر أنه نجس عملًا بأصل إيمانه، ولكن مع ذلك كانت الإراقة فيه أوجب لئلا يهدر فسقه، بل يريق الماء ثم يتيمم ويصلي؛ لكي تجوز صلاته على وجه التيقن من غير ريبة تدخل في قلبه في حق عدم الجواز، وفي لفظ الكتاب هذا نوع اشتباه حيث قيل:
((وأما في خبر الكافر إذا وقع في قلب السامع صدقه بنجاسة الماء يتوضأ به ولم يتيمم)) كان من حقه أن يقال: وإن وقع في قلب السامع صدقه على وجه الوصل؛ لأن وجوب التوضؤ بذلك الماء الذي أخبر الكافر بأنه نجس غير موقوف إلى وقت وقوع الصدق في قلب السامع بنجاسة الماس؛ بل لما كان التوضؤ واجبًا عند وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره كان التوضؤ به أوجب على السامع عند عدم وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره، لكن أقام
(3/1308)

((إذا)) التي فيها معنى الشرط مقام إن الشرطية في إفادة معنى الوصل.
وقوله: (وفي رواية الحديث يجب أن يكون كذلك في حكم الاحتياط خاصة) أي رواية الصبي والمعتوه الحديث يجب أن تكون مثل رواية الكافر الحديث إي في حق عدم القبول أي لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة الحديث، وهذا لأنه لما لم تقبل رواية الفاسق الحديث مع إيمانه وكمال عقله لأن لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة الحديث أولى، وإنما قال بلفظ: ((يجب أن يكون كذلك)) إشارة إلى ما ذكرنا أن بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث على ما ذكرنا في حديث أهل قباء.
وإنما ذكر قوله: ((في حكم الاحتياط خاصة)) لدفع شناعة صورة التسوية بين المسلم والكافر في حق عدم قبول قولهما، فصار كأنه قال: هذه التسوية بينهما ليست إلا في حق العمل بالاحتياط خاصة إلا أن تكون المماثلة بينهما عامة، حتى أن بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث في حال صباهم ولم يقبل أحد رواية الفاسق الحديث فكيف في حق الكافر حيث لا يقبل خبره أصلًا فيما يرجع إلى الديانات من نجاسة الماء وطهارته فأولى أن لا يقبل خبره في رواية الحديث، وأما الصبي فالاحتياط أن لا تقبل روايتهما
(3/1309)

الحديث، وفي ((التتمة)) محالًا إلى ((عصب النوازل)) المعتوه: من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجانين.
(إذا كان عامة حاله التيقظ) يعني لا ترد الرواية بتهمة الغفلة، وإنما ترد إذا كان عامة أحواله الغفلة.
(وأنا المتساهل فإنما نعني به المجازف الذي لا يبالي من السهو والخطأ) أي لا يبالي بما يقع له من السهو والغلط، ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن علم به.
وقيل: المتساهل هو الذي يتساهل أمر الدين ولا يحتاط في موضع الاحتياط.
(3/1310)

(التزوير): تزيين الكذب، من زورت الشيء حسنته.
(الخطابية): طائفة من الروافض نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع.
قال صاحب ((المقالات)) وهم كانوا يدينون بشهادة الزور لموافقيهم.
وقيل: إنما ترد شهادة الخطابي؛ لأنه يشهد للمدعي إذا حلف عنده فيتمكن شبهة الكذب.
(وكذلك من قال: الإلهام حجة يجب أن لا تجوز شهادته أيضًا) لتوهم أن يكن اعتمد ذلك في أداء الشهادة بناء على اعتقاده، والإلهام: ما حرك
(3/1311)

القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير الاستدلال بدليل ولا نظر في حجة.
(وليس كذلك الشهادة في حقوق الناس) أي تقبل شهادة صاحب الأهواء غير الخطابية؛ لأن الشهادة من باب المظالم والخصومات، ولا يتعصب صاحب الهوى بهذا الطريق مع من هو محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبًا.
فأما في أخبار الدين يتوهم هذا التعصب لإفساد طريق الحق على من هو محق حتى يجيبه إلى ما يدعو إليه من الباطل، فلهذا لا تعتمد روايته، ولا نجعله حجة في باب الدين، والله أعلم بالصواب.
* * *
(3/1312)

باب بيان محل الخبر
(وهو الذي جعل الخبر فيه حجة) أي خبر الواحد.
(فمثل عامة شرائع العبادات). هذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم الطب وعلم النحو؛ فإن الشرائع أعم من العبادات (وما شاكلها) من القرب مما ليس بعبادة مقصودة كالوضوء والأضحية وغير ذلك من الشرائع التي ليست العبادة فيها بمقصودة كالعشر وصدقة الفطر والكفارات.
(فإن أبا يوسف- رحمه الله- قال فيما روي عنه: يجوز إثبات العقوبات
(3/1313)

بالآحاد) ولذلك قبل في حد اللواطة خبر الواحد، وهو قوله عليه السلام" ((اقتلوا الفاعل والمفعول)).
(أن خبر الواحد يفيد من العلم ما يصلح العمل به) أي أن خبر الواحد يفيد علم غالب الظن وهو ما يصلح العمل به (في إقامة الحدود كما في البينات في مجالس الحكم)، ولو كان مجرد الاحتمال مانعًا للعمل فيما يندرئ بالشبهات لما جاز العمل فيها بالبينة، (وكذلك يجوز إقامة الحدود بدلالة النص) وهي قاصرة من حيث إنها لا تثبت بالنظم، فمن دلالات النصوص التي تثبت بالاجتهاد ما قلنا في وجوب الكفارة بالأكل والشرب استدلالًا بالإجماع، ودلالة النص فيه أن الوجوب متعلق بالفطر الكامل، والأكل والشرب في ذلك مثل الوقاع، وهذا غير مسلم عند الخصم، فكان هو ثابتًا مع ضرب من الاحتمال، فكذلك هاهنا يجوز أن تثبت العقوبة بخبر الواحد.
(3/1314)

(فأما البينة فإنها صارت حجة بالنص الذي لا شبهة فيه) يعني وجوب الحد بالبينة مع الاحتمال إنما يثبت بالنص، بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، وخبر الواحد ليس في معنى الشهادة من كل وجه لما أنا لشهادة تتوقف على ما لا يتوقف عليه خبر الواحد من العدد والذكورة والحرية والبصر وكنه غير محدود في القذف، فإذا وجدت هذه الشرائط في الشهادة كانت هي أكمل من غيرها، وليس شيء منها شرط في خبر الواحد فلم يكن هو في معناها فلا يلحق بها بدلالة النص.
(لم يوجب الحد في اللواطة بالقياس) أي بالقياس على الزنا بجامع أن في كل منهما قضاء الشهوة بسفح الماء في محل مشتهى محرم من كل وجه، (ولا بالخبر الغريب) وهو قوله عليه السلام: ((اقتلوا الفاعل والمفعول)) وقوله: (عند الإمكان) احترازًا عما لا يطلع عليه الرجال وهو الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في مواضع لا يطلع عليها الرجال، فإن العدد والذكورة فيه ليس بشرط بل تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، (وقيام الأهلية بالولاية) يعني به العقل والبلوغ والحرية (مع سائر شرائط الأخبار) وهي: الإسلام، والضبط، والعدالة.
(وتوكيدًا لها) معطوف على محل.
(3/1315)

قوله: ((لما فيها من محض الإلزام)) أي إلزامًا وتوكيدًا، وقوله: ((لما فيها من محض الإلزام)) احتراز عن النوع الأول وهو حقوق الله تعالى من العبادات، فإن الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات إلزامًا أيضًا ولكن ليس هو بخالق للإلزام؛ لأن الإلزام الخاص هو أن يلزم غيره من غير لزوم عليه، وليس الأخبار في العبادات كذلك؛ لأن المخبر بأخباره في الواجبات من العبادات كما يلزم غيره موجب الخبر فيحب هو عليه أيضًا فلم يكن إلزامًا خالصًا، وإنما الإلزام الخالص في الشهادات حيث يوجب على المدعى عليه موجب خبره من غير أن يلزم هو عليه، وحاصله أن في الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات التزامًا وإلزامًا، وأن في الشهادات إلزامًا خاليًا عن الالتزام، فكان خالصًا في الإلزام لا محالة، فلذلك سماه محض الإلزام لخلوه عن شائبة الالتزام.
فكذلك قوله: (لما يخاف من وجوه التزوير والتلبيس صيانة للحقوق المعصومة) للفرق بين هذا وبين النوع الأول.
إلى هذا الذي ذكرت أشار الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- فقال: ولان الخصومات إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس، والمصير إلى التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فيها ظاهر، فجعلها الشرع حجة بشرط زيادة العدد وتعيم لفظ الشهادة تقليلًا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع القضاة، وليس هذا نظير القسم الأول، فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل ليعمل به لا إلى رفع دليل مانع، وخبر الواحد باعتبار
(3/1316)

حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك، فأما في المنازعات فالحاجة إلى رفع ما معه من الدليل وهو الإنكار الذي هو معارض لدعوى المدعي، فاشتراط الزيادة في الخبر هنا لهذا المعنى.
(والشهادة بهلال الفطر من هذا القسم)؛ لأنه يتعلق به حق العباد وهو الفطر، فيلزمهم ذلك وكان من حقوق العباد مما فيه إلزام، فصار كسائر حقوق الناس مما فيه إلزام.
وقوله: (وما أشبه) ذلك كالرسالة في الودائع والعواري (وقبل فيها خبر الصبي والكافر) أي إذا وقع في قلب السامع صدقهما.
(أحدهما: عموم الضرورة الداعية إلى سقوط شرط العدالة) أي إن في تبليغ مثل هذا الخبر ضرورة عامة تشمل الخاص والعام والمسلم والكافر، ومثل هذه الضرورة داع إلى سقوط شرط العدالة وسقوط اتفاق الملة؛ لأن كل الناس محتاجون إلى البياعات والأشربة والتوكيل، والمكل قلما يجد عدلًا
(3/1317)

ليبعث إلى غيره بالتوكيل، وربما لا يتمكن الوكيل من الرجوع إلى قول الموكل مشافهة لبعد المسافة، وكذا هذا أيضًا في جميع المعاملات من بعث الهدايا والإذن في التجارة وغيرها، فلو توقف جواز هذا الأخبار على ما يشترط في الشهادة لوقع الناس في حرج عظيم، فتتعطل المصالح المتعلقة بالمعاملات، ثم الناس كلهم عملوا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا بمثل هذه الأخبار في الأسواق وغيرها من غير توقف على شرائط الشهادة، فكان ذلك إجماعًا منهم على سقوط شرائط الشهادة في هذه الأخبار.
(بخلاف أمور الدين مثل طهارة الماء ونجاسته) وحل الطعام وحرمته فإنه من النوع الأول، فيشترط فيه العدالة، (ولهذا الأصل لم تقبل شهادة الواحد بالرضاع) أي وللأصل الذي ذكرنا في بيان القسم الثالث فما فيه إلزام محض من حقوق العباد يشترط فيه شرائط الشهادة قلنا: إن شهادة الواحد بالرضاع لا تقبل وإن كان عدلًا، يعني لو تزوج رجل امرأة فشهد واحد على أنهما ارتضعا من امرأة واحدة، والنكاح بينهما كان باطلًا، أو اشترى أنة فشهد واحد على أن المشترى وهذه الأمة ارتضعا من امرأة واحدة أو شهد على حرمة أمة من الأصل الذي كان اشتراها رجل ففي هذه الصور الثلاث لا تقبل شهادة رجل واحد وإن كان عدًا لما أن الموضع موضع المنازعة؛ لأن الإقدام
(3/1318)

على النكاح تصريح منه بان النكاح وقع صحيحًا، والشاهد يقول: بان النكاح وقع باطلًا فتنازعا وفي موضع المنازعة لا يعتبر قول الواحد لكونه من جملة القسم الذي هو إلزام محض في حقوق العباد.
فإن قيل: في هذا حرمة أيضًا فكان ينبغي أن يكون حكمه مثل حكم حل الطعام وحرمته.
قلنا: لا بل بينهما فرق؛ لأن حرمة الفرج هنا تنبئ على زوال الملك، فكان زوال الملك أصلًا ومتضمنًا لحرمة الفرج والحرمة بناء عليه، والاعتبار للمتضمن لا للمتضمن.
فإن قلت: هذا الجوا في ثبوت الرضاع في النكاح وفي ثبوت الحرمة في ملك اليمين في الجارية مسلم، أما في ثبوت الرضاع في الجارية التي اشتراها فغير مسلم؛ لأن ثبوت الرضاع هناك لا يقتضي زوال ملك اليمين هو من قبيل حل الطعام وحرمته.
قلت: إن لم يقض هو زوال ملك اليمين اقتضى زوال ملك المتعة وهو أيضًا مما يقصد في الجارية المشترى، وكان هو بسبب القصد بمنزلة زوال ملك المتعة الذي يثبت مقصودًا وهو النكاح، فلا يثبت بشهادة الواحد بخلاف حرمة الطعام.
فإن ذلك لم يبن على زوال ملك اليمين ولا على زوال ملك المتعة، فإن حرمة الطعام تثبت مع بقاء ملك اليمين كما في العصير المملوك إذا تخمر
(3/1319)

يبقى مملوكًا للمالك فيحرم على المالك شربه كما يحرم على غيره، وكذلك حل الطعام لا يبتنى على ثبوت الملك؛ لأنه يجوز أن يثبت الحل ولا يثبت الملك كما إذا أبيح له الطعام من غير تملك ولا كذلك حل المرأة وحرمتها وحل الجارية وحرمتها.
وذكر في استحسان ((المبسوط)) الفرق بينهما من وجهين، فقال: إذا كان الرجل يشتري الجارية فيخبره عدل أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاعة، فإن تنزه عن وطئها أفضل وإن لم يفعل وسعه ذلك، وفرق بين هذا وبين ما تقدم من الطعام والشراب فأثبت الحرمة هناك بخبر الواحد العدل ولم يثبت هنا؛ لأن حل الطعام والشراب يثبت بالإذن بدون الملك حتى لو قال لغيره: كل طعامي هذا أو توضأ بمائي هذا أو اشربه وسعه أن يفعل ذلك، فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل له الملك وحل الوطء لا يثبت بدون الملك حتى لو قال: طأ جاريتي هذه قد أذنت لك فيه، أو قالت له حرة في نفسها، لا يحل له الوطء، فكذلك الحرمة تثبت لما لا يبطل به الملك وهو خبر الواحد، وتقرير هذا الفرق من وجهين: أحدهما: أن الحل والحرمة فيما سوى البضع مقصود بنفسه؛ لأنه لا يثبت بدون ملك المحل، وتثبت الحرمة مع قيام الملك، فكان هذا خبر بأمر ديني، وقول الواحد ملزم فيه.
فأما في الوطء فالحل والحرمة تثبت حكماُ للملك وزواله لا يثبت مقصودًا بنفسه، وقول الواحد في إبطال الملك ليس بحجة، فكذلك في الحل الذي ينبني عليه.
(3/1320)

والثاني: أن في الوطء معنى الإلزام على الغير؛ لأن المنكوحة يلزمها الانقياد للزوج في الاستفراش والمملوكة يلزمها الانقياد لمولاها، وخبر الواحد لا يكون حجة في إبطال الاستحقاق الثابت لشخص على شخص.
فأما حل الطعام والشراب فليس فيه استحقاق حق على أحد يبطل بثبوت الحرمة، وإنما ذلك أمر ديني، وخبر الواحد في مثله حجة.
(وعلى ذلك بنى محمد- رحمه الله- مسائل) أي على ما قلنا من المنازعة والمسألة، فقوله: (إن فلانًا كان غصب مني هذا العبد فأخذته منه) موضع المنازعة، فلذلك لا يقبل السامع خبره؛ لأن الأخذ سبب الضمان كما أن صريح لفظ الغصب يثبت الضمان، وأما التوبة والرد فليس من أسباب الضمان، وكان الموضع موضع المسألة فيقبل خبر الواحد.
وبيان هذا أيضًا في استحسان ((المبسوط)) فقال: ولو أن رجلًا علم أن جارية لرجل يدعيها ثم رآها في يد آخر يبيعها ويزعم أنها قد كانت في يد فلان وذلك الرجل يدعي أنها له، وكانت الجارية مقرة له بالملك غير أنه زعم أنها كانت لي وإنما أمرته بذلك لأمر خفته وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا بأس بشرائها منه؛ لأنه أخبر بخبر مستقيم محتمل، ولو كان ما
(3/1321)

أخبره معلومًا للسامع كان له أن يشتريها منه، فكذلك إذا أخبره بذلك ولا منازع له فيه، وإن كان في أكبر رأيه كاذب لم ينبغ له أن يشتريها؛ لأنه ثبت عنده أنها مملوكة للأول فإن إقرار ذي اليد بأن الأول كان يدعي أنها كانت مملوكته حين كانت في يده فيثبت الملك له وكذلك سماع هذا الرجل منه أنها له. دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولم لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني وغصبني فأخذتها منه، لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان المخبر ثقة دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولو لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني وغصبني فأخذتها منه لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان المخبر ثقة أو غير ثقة، والفرق من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر هاهنا بخبر مستنكر، فإن الظلم والغصب مما يمنع كل أحد عنه عقله ودينه، فلم يثبت بخبره غصب ذلك الرجل بقى قوله: أخذتها منه وهذا أخذ بطريق العدوان.
ألا ترى أن القاضي لو عاين ذلك منه أمره برده عليه حتى يثبت ما يدعينه، وإذا سقط اعتبار يده بقي دعواه الملك فيما ليس في يده لا يطلق الشراء منه، وفي الأول أخبر بخبر مستقيم كما قررنا، فإن عقله ودينه لا يمنعانه من
(3/1322)

التلجئة عند الخوف.
والثاني: أن خبر الواحد عند المسالمة حجة وعند المنازعة لا يكون حجة؛ لأنه يحتاج فيه الإلزام، وذلك لا يثبت بخبر الواحد، وفي الفصل الثاني أخبر عن حال منازعة بينهما في غصب الأول منه واسترداد هذا منه فلا يكون خبره حجة، وفي الأول أخبر عن حال المسالمة ومواضعة كانت بينهما، فيعتمد خبره إذا كان ثقة إلى آخره.
وقوله: (ولهذا قبلنا خبر الفاسق) يتصل بقوله: (وقبلنا في موضع المسالمة) وكذلك قوله: (ولهذا قبلنا خبر المخبر في الرضاع الطارئ) متصل به أيضًا؛ لأنه إنما يقبل خبر الواحد في الرضاع الطارئ لكونه من موضع المسالمة لما أنهما اتفقا على صحة النكاح، والمخبر لا ينازعه بل يخبر بفساد النكاح، وهو طالب دليلًا يعمل به في فساد النكاح، وخبر الواحد يصلح دليلًا لذلك، فجاز أن يقبله ويتزوج أختها، فكان خبر المخبر مجوزًا لا ملزمًا.
(3/1323)

(والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترط فيه نصاب الشهادة والحرية ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة.
(ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر).
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي أنه يعتبر خبر الفاسق فيه في إيجاب.
(والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترك فيه نصاب الشهادة والحرية، ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة.
(ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر).
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه الله- والأصح عندي انه يعتبر خبر الفاسق فيه في إيجاب القضاء عند علمائنا جميعًا؛ لأن هذا المخبر نائب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مأمور من جهته بالتبليغ كما قال عليه السلام: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) فهو بمنزلة رسول الله إلى عبده، ثم هو غير متكلف في
(3/1324)

هذا الخبر، ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الأمر بالمعروف، فلهذا يعتبر خبره والوكيل: هو الذي يبلغ بلفظ الوكالة، والرسول: هو الذي يبلغ بلفظ الرسالة، وتقييد الوكالة والرسالة للاحتراز عن الفضولي ممن إليه الإبلاغ كالموكل والمولى والأب وغيرهم من الأمير والقاضي.
(والمثنى كذلك عند بعضهم) أي لا يقبل خبر الاثنين إلا إذا كانا عدلين، (ولفظ الكتاب في المثنى محتمل) أي لفظ كتاب: ((المبسوط)) في اشتراط عدالة الاثنين محتمل؛ لأن يشترك أولًا يشترك، وفي ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- رحمه الله- ولفظ الكتاب مشتبه، فإنه قال: حتى يخبره رجلان أو رجل عدل، فقيل معناه: رجلان عدل أو رجل عدل؛ لأن صيغة
(3/1325)

هذا النعت للمفرد والجماعة واحد.
ألا ترى أنه يقال شاهد عدل وفي ((التقويم)): فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدل مع قيام الفسق؟
قلنا: كما قلما في الشهادة مع قيام العدالة الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن- رحمه الله- في كتاب الاستحسان في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته وأحدهما فاسق والآخر عدل على أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين توقف، وإن كان أحد الفريقين رجلين فخبرهما أولى، فرجع بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله ومن جانب رجلان ومن جانب رجل، فقول الرجلين أولى.
(يلزمه فيه العهدة من لزوم عقد) يعني يلزم العقد على الوكيل بعد العزل، ويلزم عليه الكف عنا لتصرف، (أو فساد عمل) يعني يفسد ما عقد العبد بعد الحجر، ويلزم عليه الكف عن التصرف أيضًا، ويلز على البكر النكاح إذا سكتت، فكان إلزامًا من هذا الوجه، ويلزم على المسلم الذي لم
(3/1326)

يهاجر بخبر الواحد الشرائع، فكان إلزامًا من هذا الوجه، ومن حيث إن الموكل ونحوه يتصرف في حقه بالفسخ منا لمعاملات كما يتصرف في حقه بالتوكيل والإذن، يعني أن ولاية الفسخ الثابتة له بعد الإخبار بالعزل، لعقد يعقد بعد العزل غير مضافة إلى الإخبار بالعزل، بل يتصرف في حق نفسه، كولاية الإطلاق الذي أسلم في ابتداء الوكالة فإنه لا يكون الوكيل ملزمًا فكذا العزل، أما في حق المسلم الذي أسلم في دار الحرب أن المحبر بالشرائع إذا كان مسلمًا كان مأمورًا بتبليغها، ويسقط بإخباره ما لزم عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن متكلفًا، بل كان مأمورًا من جانب الشرع بخلاف الفضولي في المعاملات على ما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- فلم يشترك على هذا العدالة في المخبر.
(لأن الذي يفسخ يتصرف في حقه) أي لأن الموكل الذي يفسخ الوكالة ليتصرف في حق نفيه بالإطلاق أي بالإجازة. (لكونها بين المنزلتين) أي بين منزلة الإلزام المحض وبين المعاملات التي لا إلزام فيها لشبهه بكل منهما
(3/1327)

على ما ذكرنا، (والتزكية من القسم الرابع) حتى لا تحتاج إلى العدالة ولفظ الشهادة، والله أعلم بالصواب.
* * *
(3/1328)

باب بيان القسم الرابع من أقسام السنة وهو الخبر
السامع والمبلغ هما جميعًا وصفًا الراوي، والطرفان باعتبار ابتداء والتلقن عن المروي عنه، والانتهاء باعتبار الرواية للغير. هكذا وجدت بخط شيخي- رحمه الله-.
(وأما الطرف الذي هو الطرف السامع) - وفي نسخه هو طرف التبليغ وصحح الأول-
(3/1329)

(ألا ترى أنهما ساء في أداء الشهادة) يعني لا فرق بين أن يقرأ من عليه الحق ذكر إقراره عليك وبين أن يقرأ عليه ثم يستفهمه: هل تقر بجميع ما قرأته عليه؟ فيقول: نعم، وبكل واحد من الطريقين يجوز أداء الشهادة، وباب الشهادة أضيق من باب الخبر.
(3/1330)

(وذلك بعد أن يثبتا بالحجة) أي بعد أن يثبت الكتاب والرسالة بالبينة أن هذا كتاب فلان المتحدث الكاتب كما يثبت كتاب القاضي إلى القاضي بالحجة وهي البينة، وكذلك في الرسول إذا ثبت بالبينة أنه هذا رسول فلان المحدث المرسل أرسله بلسانه هذا الحديث إليك ما يثبت رسالة الرسل عليهم السلام إلى الحق بالمعجزات الظاهرة الباهرة.
(فالإجازة): أن يقول: أخبرني فلان ابن فلان عن فلان ما في هذا
(3/1331)

الكتاب فأجزت لك أن تروي عني إذا فهمت ما فيه.
(والمناولة): أن يقول: أخبرني فلان بن فلان ما في هذا الكتاب فناولتك هذا الكتاب أي أعطيتك لتروي عني إذا فهمته، وليس في الإجازة المجردة إعطاء الكتاب وفهم ما في الكتاب فيهما شرط وعدم السماع شامل لهما.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: وشرط الصحة في الإجازة والمناولة أن يكون ما في الكتاب معلومًا للمجاز له مفهومًا له، وأن يكون المخبر من أهل الضبط والإتقان قد علم جميع ما في الكتاب، وإذا قال حينئذ: أجزت لك أن تروي عني جميع ما في الكتاب كان صحيحًا؛ لأن الشهادة تصح بهذه الصفة، فإن الشاهد إذا وقف على جميع ما في الصك وإن كان ذلك معلومًا لمن عليه الحق فقال: أجزت لك أن تشهد علي بجميع ما في هذا الكتاب كان صحيحًا فكذلك رواية الخبر.
وأما إذا قال المحدث: أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي، فإن ذلك غير صحيح بالاتفاق بمنزلة لو قال لرجل: اشهد علي بكل صك تجد فيه إقراري وقد أجزت لك، فإن ذلك باطل، وبعض المتأخرين جوزوا ذلك على سبيل الرخصة لضرورة المستعجلين، ولكن في هذا الرخصة سد باب الجهل
(3/1332)

في الدين وفتح باب الكسل، فلا وجه للمصير إليه.
وقوله: (ويجوز أن يقول: حدثني).
قال شمس الأئمة- رحمه الله- في هذا الموضع: وليس ينبغي أن يقول حدثني، فإن ذلك مختص بالإسماع ولم يوجد.
وقوله: (والرسائل) أي رسالة المحدث إلى المحدث.
(وكذلك المناولة مع الإجازة مثل الإجازة المفردة)، وقد ذكرنا صورة كل واحد من المناولة والإجازة أي في استحباب قوله: أجاز لي فلان، وجواز
(3/1333)

قوله: ((أخبرني فلان)) لا يتفاوت الحكم بين ما إذا انضمت المناولة مع الإجازة وبين ما إذا حصلت الإجازة مفردة. يعني لو كان قال المحدث لتلميذه: أخبرني فلان ابن فلان عن فلان ما في هذا الكتاب فأجزت لك أن تروي عني كان المستحب للتلميذ أن يقول: أجاز لي فلان، ويجوز أن يقول: أخبرني فلان، وكذلك هذا الحكم فيما إذا ضم إلى هذه الإجازة لفظ المناولة بأن يقول: أخبرني فلان ابن فلان ما في هذا الكتاب فناولتك هذا الكتاب لتروي عني وأجزت لك أن ترويه عني.
وقوله: (فيحتمل أن لا يجوز في هذا الباب) متصل بقوله: وإنما جوز ذلك أبو يوسف- رحمه الله- أي يحتمل أن لا تجوز الإجازة إذا لم يعلم ما في الكتاب في باب الحديث عند أبي يوسف كما لا تجوز عندهما، وإنما جوز أبو يوسف الشهادة للشاهد على كتاب القاضي إلى القاضي مع عدم العلم له بما في الكتاب، وكذلك جوز شهادة الشاهد على كتاب الرسالة الذي أرسله الحبيب إلى الحبيب من غير علم ما في الكتاب لما فيه من الأسرار، وأما في كتاب الحديث فلا.
واختار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هذا القول فقال: والأصح عندي أن هذه الإجازة لا تصح في قولهم جميعًا؛ إلا أن أبا يوسف- رحمه الله- استحسن هناك لأجل الضرورة، فالكتب تشتمل على أسرار لا يريد الكاتب
(3/1334)

والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما، وذلك لا توجد في كتب الأخبار وقوله: (وأن يكون قول أبي يوسف- رحمها لله- مثله) معطوف على قوله: قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- أي والأحوط أن يكون قول أبي يوسف مثل قولهما في باب الحديث بأن لا تجوز الإجازة بدون علم المجاز له ما في الكتاب.
(لأن السنة أصل في الدين) فلا وجه للحكم بصحة تحمل الأمانة فيه قبل أن يصير معلومًا مفهومًا له.
ألا ترى أنه لو قرأ عليه المحدث فلم يسمع ولم يفهم لم يجز له أن يروي، والإجازة إذا لم تكن ما في الكتاب معلومًا له دون ذلك كيف يجوز الرواية لهذا القدر، وإسماع الصبيان الذين لا يميزون ولا يفهمون نوع تبرك استحسنه الناس، فأما أن يثبت بمثله نقل الدين فلا.
(وفتح لباب التقصير والبدعة) وإنما سمي إجازة من لا علن له بما في الكتاب الذي أخبر له أن يروي عن الغير بدعة؛ لأنه لم يكن ذلك في السلف.
(3/1335)

(ثم صارت الكتابة سنة في الكتاب والحديث)، وهو النوع الثاني الذي دون التام وهو أن يكون الحفظ بواسطة الكتابة. هذا
(3/1336)

وهذا باب الكتابة والخط
هما شيء واحد في حق الضبط وصيانة العلم. العقد: العصمة عن النسيان، (وهو الأصل الذي انقلب عزيمة) أي الخط المذكور أصل بالنسبة إلى الخط الذي هو غير مذكور، ولذلك قام مقام الخط في أنه عزيمة، وإنما قيد بقوله: وهو الأصل الذي انقلب عزيمة احترازًا عن الأصل الأول وهو الحفظ بالقلب من وقت التحمل إلى وقت التبليغ.
(وما يكون إمامًا لا يفيد تذكره) أي تذكر الحادثة.
(وإنما كان دوام الحفظ للنبي عليه السلام مع قوله تعالى:
(3/1337)

{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} أي مع وجود الاستثناء في حقه عليه السلام أيضًا يعني كان قد يقع النسيان له أيضًا مع دوام حفظه عليه السلام، وكان وقع لرسول الله عليه السلام تردد في قراءة سورة المؤمنين في صلاة الفجر حتى قال لأبي: ((هلا ذكرتني)) فثبت أن النسيان مما لا يستطاع منه إلا بحرج بين والحرج مدفوع، وبعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكير والعود إلى ما كان عليه من الحفز، وإذا عاد إلى ما كان كما كان فالرواية تكون عن ضبط تام (وأما كان الخط إمامًا لا يذكره شيئًا) أي إذا كان الخط مما يعتمد عليه ويقتد به بسبب علم من رأى أنه خطه أو خط رجل معروف ولكن لا يذكر الحادثة ولا يعلم أنه في أي وقت كتبه وفي أي
(3/1338)

معنى كتبه أنه لم يعمل به أي بالخط الإمام دون الصك؛ لأن التزوير فيه غالب، (ولهذا قلت رواياته)، وكان هذا خصلة حميدة وإمارة لإتقانه.
(فصارت الكتاب للحفظ) أي مع الحفظ عزيمة.
وقوله: (لرجل ثقة مؤثق بيده) يعني در كتابخانه وي بود.
(3/1339)

(إلا أن يكون في يد الشاهد) أي حينئذ يحل العمل به، وكان الجواب فيه حينئذ كالجواب في ديوان القاضي، (وكذلك قول محمد) أي قول محمد كقول أبي يوسف- رحمهما الله- في الكل (إلا في الصكوك) فإنه يخالفه فيه يجوز محمد العمل به في الصكوك أيضًا، وأبو يوسف لا يجوزه.
وقال شمس الأئمة- رحمه الله- ومحمد أثبت الرخصة في الصك أيضًا وإن لم يكن بيده إذا علم أن المكتوب خطه على وجه لا يبقى فيه شبهة له؛ لأن الباقي بعد ذلك توهم التغيير، وله أثر بين يوقف عليه، فإذا لم يظهر ذلك فيه جاز اعتماده.
(فيجوز أن يقول: وجدت بخط أبي أو بخط فلان لا يزيد عليه) أي لا يقول: حدثني أو أخبرني به أبي أو فلان (إما أن يكون منفردًا) بان يكون حديثًا واحدًا، (وإما يكون مضمونًا إلى جماعة) ككتاب ((المصابيح)) مثلًا
(3/1340)

أو أخبار الأصح وقيل: المراد به أن نكتب الأحاديث الكثيرة.
(وبالنسبة تامة) بان يكتب الكاتب نسبة بان يكتب فلان ابن فلان ابن فلان، والله أعلم بالصواب.
باب شرط نقل المتون
المراد من المتن: نفس الحديث، يقال: نضر وجهه حسن، ونضره الله وهو يتعدى ولا يتعدى وعليه الحديث ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها))
(3/1341)

وعن الأزدي ليس هذا من الحسن في الوجه وإنما هو في الجاه والقدر، وعن الأصمعي- بالتشديد- أي نعمه. كذا في ((المغرب)) وذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- تمامه بقوله:
فأما من لم يجوز ذلك استدل بقوله عليه السلام: ((نضر الله امرأ سمع
(3/1342)

مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) فرغب في مراعاة اللفظ ونبه على المعنى وهو تفاوت الناس في الفهم والفقه، واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عامًا عن تبديل اللفظ بلفظ آخر.
(لا بأس بذلك في الجملة) أي في المحكم وما يشبهه.
(وفي تفصيل الرخصة جواب عما قال) أي في تفصيل رخصة نقل الحديث بالمعنى بلفظ يختاره الناقل جواب عما قال من قوله: أن النبي عليه السلام
(3/1343)

مخصوص بجوامع الكلم، فإن عامة العلماء إنما جوزوا نقل الحديث بلفظ آخر يختاره الناقل في المحكم وما يشاكله لا في جوامع الكلم ولا في المجمل والمشترك، فلم يرد على الذين جوزوا النقل بالمعنى ما احتج به الذين لم يجوزوا.
وقوله: (ما يكون محكمًا) وهو الذي له معنى واحد وهو معلوم بظاهر المتن. كذا ذكره شمس الأئمة- رحمه الله-.
(أما الأول) وهو المحكم فنظيره قوله عليه السلام: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) فلو نقل ناقل لأوان كل صلاة كان جائزًا.
(3/1344)

ألا ترى أن النبي عليه السلام قال: ((انههم عن أربع: عن بيع ما لم يقض))، إلى آخره، ثم روى الرواة بقولهم ((نهى النبي عليه السلام عن بيع ما لم يقبض)) فلما أفاد كل منهما ما أفاده الآخر لم يمتنعوا عن نقله بالمعنى.
(وإنما ثبت ذلك بركة دعوة النبي عليه السلام)، وهي ما ذكره في ((المصابيح)) بقوله لي: ((يا أبئ إلى أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي)).
(3/1345)

(غير أن ذلك رخصة إسقاط) أي سقط تعين اللغة الواحدة في القراءة، فصار في حق عدم التعين نظير كفارة اليمين، فإن العزيمة في الأول كانت أن يقرأ القرآن بلغة قريش لا بلغات أخر من القبائل، ثم بدعوة رسول الله عليه السلام سقطت هذه العزيمة أصلًا ولم تبق عزيمة، بل صارت القراءات على الأحرف السبعة عزيمة كما في ركعتي المسافر؛ حيث لم تبق الأربع عزيمة بل سقط منها الركعتان أصلًا، وكما سقطت حرمة الخمر حالة الاضطرار أصلًا.
(وهذه رخصة تيسير) أي نقل الحديث بلفظ يختاره الناقل رخصة ترفيه وتخفيف حتى كانت رعاية لفظ النبي عليه السلام أفضل من نقله بمعناه، وإن كان الحديث من قبيل الظاهر، وكانت هذه الرخصة كأكل مال الغير في حالة المخمصة، فإن العمل بالعزيمة هناك وهو أن يموت جوعًا أولى من العمل بالرخصة، وإن كان العمل بها جائزًا، فكذلك هاهنا كان رعاية لفظ النبي عليه السلام أولى من سائر الألفاظ.
(وأما القسم الثاني) وهو ظاهر يحتمل غير ما ظهر من معناه، فنظير ذلك قوله عليه السلام: ((لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل))؛ فإنه يحتمل
(3/1346)

أن يكون معناه: لا صيام لمن لم ينوفي النهار أن يكون صومه من الليل، وحملناه على هذا وكان هو على خلاف ما اقتضاه ظاهر اللفظ؛ لئلا يقع التعارض بين هذا وبين حديث آخر قال النبي عليه السلام في آخره: ((ومن لم يأكل فليصم)) لأن ظاهر لفظ ذلك الحديث يقتضي أن لا يصح الصوم بدون النية من الليل، والحديث الثاني يقتضي جواز الصوم وإن وجدت النية في النهار، فتعارضا فحملنا الحديث الأول على ما ذكرنا دفعًا للتعارض بينهما، ولعلة تزيده عمومًا، أو على العكس.
نظيره ما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: ((أربع يخفيهن الإمام- وفي بعض الروايات: خمس يخفيهن الإمام-)) فكان قوله: خمس
(3/1347)

يخفيهن الإمام أعم من قوله: أربع، وكذلك قوله عليه السلام: ((الماء من الماء)) لو زاد فيه راو في روايته مكان هذا: الماء من الماء إذا خرج عن شهوة. كان هذا أخص من الأول، والأول أعم من هذا، وكان فيهما نظير للصورتين.
(وأما القسم الثالث) وهو المشكل والمشترك وذلك مثل قول النبي عليه السلام في زكاة السائمة: ((إنما حقنا الجذعة والثني)) فلفظ الجذعة مشترك في أنواع البهائم، وهو في الإبل ما كان في السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة الثانية وفي تفسير الفقهاء هو في الغنم ما أتى عليه أكثر السنة، وفي الخيل هو ما كان منها في السنة الرابعة، فلما كان معناه مشتركًا حمل هذا الحديث على زكاة الإبل لا على زكاة الغنم في ظاهر الرواية حتى لم يجز
(3/1348)

أداء الجذع في زكاة الغنم وهو قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهما حملاه على زكاة الغنم فجوزا زكاة بأداء الجذع.
(وأما الرابع) وهو المجمل والمتشابة، فالمجمل نحو ما رووا: ((أن القطع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان إلا في ثمن المجن)) وثمن المجن مجمل، وروي عن النبي عليه السلام: ((لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم)) وهذا محكم فكان هذا أولى.
والمتشابه: نحو ما روي عن النبي عليه السلام: ((إن الجبار يضع قدمه في النار)) وروي: ((إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته)) لو حمل هذان الحديثان على ظاهرهما من وصف الله تعالى به كانا مخالفين للآية المحكمة في نفي التشبيه وهو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} علم بهذا أنهما معدولان عن ظاهرهما ومأولان بتأويل يوافق الآية المحكمة، وتأويلهما
(3/1349)

مذكور في ((التبصرة)) وغيرها، فقال في ((التبصرة)) قيل: المراد من الجبار الكافر العاتي المتمرد كما في قوله تعالى: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} وقوله: ((إن الله تعالى خلق آدم على صورته))، خارج عن سبب مروي فيه وهو أنه عليه السلام رأى رجلًا يضرب آخر على وجهه فنهاه عن الضرب على الوجه وقال: ((إن الله تعالى خلق آدم على صورته))، أي على صورة المضروب، فكانت الهاء راجعة إلى المضروب لا إلى الله تعالى، وفيه تأويل آخر، فلا يمكن نقل مثل هذه الأحاديث بمعناها.
((الخرج بالضمان)) الخراج: ما يخرج من غلة الأرض والغلام ومنه ((الخراج بالضمان)) أي الغلة بسبب أنه ضمنته، (ومن مشايخنا من لم يفصل بين الجوامع وغيرها) أي جوز النقل بالمعنى إذا كان ظاهرًا كما في غير الجوامع (لكن هذا أحوط الوجهين)، وقوله: هذا ((إشارة إلى قوله: فإنه
(3/1350)

لا يؤمن فيه غلط))؛ أي القول بعدم الجواز هو أحفظ الوجهين، والله أعلم بالصواب.
(3/1351)

باب ما يلحقه النكير من قبل الرواة
النكير: اسم للإنكار.
(ولأن النسيان محتمل من المروي عنه)، فإن الراوي لا يتشكك في
(3/1352)

سماعه عنه، وتحل الرواية للراوي بمجرد السماع من غير افتقار إلى التحميل على الرواية بأن يقول: ارو عني، ولا الراوي إلى ذكر التحميل عند الأداء، (بخلاف الشهادة) على الشهادة، فإن ذلك لا تثبت (إلا بتحميل الأصول)، وكذلك عند أداء الشهادة، فإن الشاهد محتاج إلى ذكر الإشهاد، ولا يكتفي بقوله: أشهد عن فلان بل يقول: أشهدني فلان على شهادته وأمرني بالأداء، فإذا شهد على شهادته، ولما كان كذلك لم يثبت ذلك مع إنكار الأصول لأن النيابة لا تثبت عند إنكار المنوب عنه فافترقا.
(فلم يذكره عمر- رضي الله عنه- فلم يقبل خبره مع عدالته) حيث لم يجوز التيمم للجنب.
(أن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة) كما في حديث مس الذكر.
(وهما) أي نسيان الحاكي ونسيان المروي عنه (سواء).
(3/1353)

(لأن الظاهر أنه تركه) أي ترك عمله الذي كان عمله على خلاف هذا الحديث.
(مما هو خلاف بيقين) بأن لا يكون الحديث مشتركًا، أو عام يحتمل الخصوص، بل يحتمل وجًا واحدًا لا غير بأن يروي مثلًا قوله عليه السلام: ((ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة))، ثم هو قهقهة في الصلاة ولم يعد الوضوء- كما هو مذهب الشافعي- فإن ذلك يكون جرحًا فيه؛ لأن هذا الحديث لا يحتمل غير ذلك المعنى وهو قد خال معنى ذلك الحديث بالفعل، (فإن ذلك جرح فيه) أي في الحديث؛ (لأن ذلك إن كان حقًا)
(3/1354)

أي إن ذلك العمل الذي عمل بخلاف موجب الحديث إن كان حقًا كان ذلك دلالة نسخ الحديث، فيكون الاحتجاج بذلك الحديث باطلًا، وغن كان خلافة باطلًا فقد سقطت سبب تلك المخالفة صحة رواية الحديث؛ لأنه يكون ذلك فاسقًا، ورواية الفاسق غير مقبولة.
ثم إنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن- رضي الله عنهما- وهو غائب وهو عمل بخلاف ما روت، وهو قوله عليه السلام ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)).
فإن قيل: كيف يكون هذا عملًا بخلاف ما روت، وما روت التزوج،
(3/1355)

فإن قيل: كيف يكون هذا عملًا بخلاف ما روت، وما روت التزوج، والعمل منهما التزويج، والتزويج غير التزوج؟
قلنا: إنما كان هذا عملًا منها بخلاف ما روت لعدم القائل بالفصل، فإن من أبطل نكاحها أبطل إنكاحها، ومن جوز نكاحها جوز إنكاحها، فيكون اعتقاد جواز الإنكاح منها بخلاف ما روت.
أو نقول: لما انكحت قد اعتقدت جواز نكاحها بغير إذن وليها؛ لأن من لا يملك النكاح لا يملك الإنكاح بالطريق الأولى.
(3/1356)

(والامتناع عن العمل به مثل العمل بخلافه) يعني يخرج بكل واحد منهما عن أن يكون حجة؛ لأن كل واحد منهما حرام، فحينئذ لا يخلو عن أحد الأمرين: إما أن يكون الحديث منسوخًا أو يكون الراوي فاسقًا كما ذكرنا- يبطل الاحتجاج بذلك الحديث، ثم صورة المخالفة ما ذكر من تزوج عائشة- رضي الله عنها- بعد ما روت من بطلان نكاح امرأة نكحت بغير إذن وليها فإن ذلك مخالفة للحديث وليس امتناع قصدًا، صورة الامتناع ما روي من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- في رفع اليدين ثم تركه. والله أعلم.
* * *
(3/1357)

باب الطعن يلحق الحديث
(إما أن يقع الطعن مبهمًا) بان قال: هذا الحديث غير مقبول، أو قال: هو مطعون، ولم يفسر سبب الطعن، أو قال: إن الراوي فاسق، أو مطعون ولم يفسر.
(وأما القسم الأول) وهو طعن الصحابة- رضي الله عنهم- فيما لا يحتمل الخفاء.
(علم أن القسمة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) أي خير بين أصحابه حين أفتحها.
(3/1358)

فقال: طبق الراكع كفيه أي جعلهما بين فخذيه، (لكنه رأى رخصة) أي رخصة تخفيف؛ لأنه كانت يلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع، لأنهم كانوا يخافون السقوط على الأرض فأمروا بالأخذ بالركب تيسيرًا عليهم لا تعيينًا عليهم، فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب الدس: الإخفاء.
(3/1359)

فقد (طعن) بعض المتعنتين (في أبي حنيفة- رضي الله عنه-) أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد- رضي الله عنه- وكان يروي من ذلك، وهذا في أصله ليس بصحيح، ولئن صح فإنه- رحمه الله- أعلى حالًا وأجل منصبًا من أن ينسب إلى أنه دس ابنه ليأخذ الكتب على وجه التمويل والاستتار، بل إن
(3/1360)

كان للاستيناف ومقابلة حفظه بكتب أستاذه بإجازة من له ولاية الإجازة فيزداد معنى الإتقان له، فإنه كان لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ.
(التدليس): كتمان عيب السلعة عن المشتري، (وذلك أن تقول: حدثني فلان عن فلان من غير أن يتصل الحديث بقوله: حدثنا) أي لا يقول: قال حدثنا فلان قال حدثنا فلان. يعني بإعادة قال حدثنا لا بإعادة عن.
(لأن هذا يوهم شبهة الإرسال) أي يحتمل أن يكون ترك راويًا آخر بينهما لإفادة علو الإسناد؛ لأنه يجوز أن يقل لمن لم يكن وقت النبي
(3/1361)

عليه السلام: عن النبي عليه السلام أنه قال: كذا، وهذا لأنه لو قال: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله عليه السلام كان هو صادقًا، وإن حدثه فلان بواسطة عشرة رواة، وأما إذا قال: حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلى أن قال: حدثنا رسول الله عليه السلام كذا- لم يبق فيه شبهة الإرسال؛ لأن ذلك يستعمل في المشافهة.
(مثل قول سفيان الثوري حدثني أبو سعيد) أراد به الحسن البصري.
(مثل الكلبي وأمثاله) كالحسن البصري ومسروق، ...........
(3/1362)

وعلقمة، (وقد يحسن في منزل القدوة ما يقبح في منزل العزلة) كالمزاح بالجد وأكل الأطعمة الشهية، وتكثير الاختلاط بالناس وتقبيل امرأته وهي صائمة أو حائض أو هو صائم.
(وينعكس ذلك مرة) بان يحسن في منزل العزلة ويقبح في منزل القدوة، وذلك عكس ما ذكرناه، وإن تجانب امرأته في الليل والنهار ترك الاختلاط بالناس.
(3/1363)

ألا ترى إلى معاملة موسى عليه السلام مع العبد الصالح كيف حسن عنده ما قبح عند موسى عليه السلام، وموسى عليه السلام كان من أهل القدوة، والعبد الصالح من أهل العزلة، فقال له موسى حين قتل نفسًا منكرًا لقتله: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} فحسن قتل النفس عنده، وقبح عند موسى عليه السلام، ولذلك يجب على المفتي أن يأمر الناس في بعض المواضع بأخ الرخص كما في ماء الحمام وغيره تيسيرًا عليهم، ولا يرضاه الزهاد من المجاهدين.
(ومثال ذلك) أي ومثال ما لا يعد ذنبًا في الشريعة؛ (الركض): در ائيدن ستور باي زدن من حد نصر.
(وطعن بعضهم بالمزاح). المزح: الدعاء به من حد منع، والاسم المزاح- بالضم-، وأما المزاح- بالكسر- فمصدر مازحة. كذا في ((الصحاح)) فكان هاهنا بالكسر بدلالة قوله: (بركض الدابة) (وهو أمر ورد به الشرع)،
(3/1364)

وهو ما روي عن النبي عليه السلام حيث قال لمن سأله الناقة: ((لأحملنك على ولد الناقة، فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة! فقال النبي عليه السلام: كل ناقة ولد الناقة)) فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة، ومثله أيضًا حديث العجوز وهو معروف.
(وهذا أثبت متنًا من حديث أبي سعيد) الخدري- رضي الله عنه- أي
(3/1365)

حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري- رضي الله عنه- أثبت متنًا؛ لأن فيه الأمر بأداء نصف صاع من بر.
وأما متن حديث أبي سعيد الخدري ((كنا نؤدي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا منا لحنطة)) فليس فيه ما يدل على الوجوب لاحتمال أن يكون ذلك
(3/1366)

زيادة على الواجب، ونحن لا ننكر ذلك.
(وقد ذكرنا بعضه فيما تقدم) وهو نحو عمل الراوي بخلافه بعد ما بلغه الحديث، ونحو الإنكار والامتناع عن العمل. (ومن طلبها في مظانها) وهي كتب الجرح والتعديل.
(التعارض): هو أن يتعرض لحكم الدليل الأول بالإبطال لا لنفس الدليل والتناقض: هو أن يتعرض للدليل الأول بالإبطال على وجه لا
(3/1367)

يبقى هو حجة أصلًا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
(3/1368)

باب المعارضة
(وإذا ثبت أن التعارض ليس بأصل) لما أنه من أمارات العجز- تعالى الله عن ذلك- (كان الأصل في هذا الباب طلب شيء يدفع المعارضة) ليكون العمل بالأصل، وذلك أن يطلب التاريخ، فإن علم اندفعت المعارضة أو يوفق بينهما كما فعلنا في قوله عليه السلام: ((القلس حدث)) مع قول الراوي:
(3/1369)

((أنه عليه السلام قاء فلم يتوضأ)) غير ذلك.
(وإذا جاء العجز وجب إثبات حكم التعارض) وهو تقرير الأصول، (وهذا الفصل) أراد به باب المعارضة.
وحكم المعارضة (بين سنتين نوعان: المصير إلى القياس وأقوال الصحابة على الترتيب في الحجج إن أمكن) يعني إن ترتيب الحجج أن يبدأ
(3/1370)

بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ثم بالقياس، وهذا مستقيم على ما اختاره أبو سعيد البردعي- رحمه الله- فإن عنده تقليد الصحابي واجب مطلقًا فيما يدرك بالقياس أو لا يدرك، وعلى قول الشيخ أبي الحسن الكرخي- رحمه الله- تقليد الصحابي فيما يدرك بالقياس ليس بواجب بل يعمل المجتهد التابعي برأيه على ما سيأتيم بيانه إن شاء الله تعالى فيكون على قود كلامه المصير إلى القياس أو أقوال الصحابة.
(3/1371)

ثم نظير قوله: ((وحم المعارضة بين آيتين المصير إلى السنة)) قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} وهذا في حق الصلاة بإجماع أهل التفسير عليه وبدليل سياق الآية وسابقها، وهو مقتض لوجوب القراءة على المقتدي كما في سائر الأركان من الركوع والسجود، حيث لا تسقط سائر الأركان من المقتدي بإتيان الإمام لها فكذا في القراءة، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} يقتضي أن لا تجوز منه القراءة؛ لأن القراءة تخل بالاستماع وهذا الخطاب للمقتدين. على هذا أكثر أهل التفسير، فلما تعارضت الآيتان بهذا الطريق رجعنا إلى السنة، وهي ما قال النبي عليه السلام: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))، وقال في الحديث المعروف: ((وإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا))، ومنع المقتدي عن القراءة
(3/1372)

خلف الإمام مروي عن ثمانين نفرًا من كبار الصحابة- رضي الله عنهم- فأخذنا بالسنة.
وكذلك وقع التعارض بين قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وهذا نص عام يتناول السراق كلها من المستأمن وغيره، وبين قوله تعالى في المستأمن: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} فإنه يقتضي أن لا تقطع يد السارق المستأمن؛ لأن الإبلاغ سالمًا إلى مأمنه وجب بالنص، وقطع يده ينفي الإبلاغ سالمًا إلى مأمنه كما كان، فلما وقع التعارض بينهما بهذا الطريق رجعنا إلى ما روى سعيد بن جبير عن علي- رضي الله عنهما- بالإبلاغ إلى
(3/1373)

مأمنه كما كان.
ذكره في ((الكشاف)) وأخذنا به، وعلى هذا كان نص الإبلاغ إلى مأمنه مخصصًا لعموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما نظير المصير إلى القياس بعد التعارض بين سنتين فكثير، فمنه حد التيمم في اليدين.
قال الأوزاعي والأعمش: إلى الرسغين.
(3/1374)

وقال علماؤنا، والشافعي: إلى المرفقين، وبكل واحد منهما وردت السنة، فلما تعارضت السنتان رجعنا إلى القياس، وقلنا: إن التيمم بدل عن الوضوء، ثم الوضوء في اليدين إلى الموفقين، فكذا في التيمم.
ومنه ما قال علماؤنا- رحمهم الله- إن المني نجس.
وقال الشافعي: إنه طاهر لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:
(3/1375)

((المني كالمخاط فامطه عنك ولو بإذخرة)).
ولنا قوله عليه السلام لعمار بن ياسر رضي الله عنه: ((إنما يغسل الثوب من خمسة- فمنها المني)) فلما تعارضتا رجعنا إلى القياس، فقلنا: إنه خارج من البدن الاغتسال بخروجه، فكان نجسًا كدم الحيض. كذا في ((المبسوط)) ومنه ما قال علماؤنا في صلاة الكسوف: غنها ركعتان كل ركعة
(3/1376)

بركوع وسجدتين.
وقال الشافعي- رحمه الله-: كل ركعة بركوعين وسجودين، وعلى وفق كل واحد من القولين ورد الحديث، فلما تعارض الحديثان فيه رجعنا إلى القياس، وذلك فيما قلناه؛ لأن كل ركعة في سائر الصلوات بركوع وسجدتين، فكذا في صلاة الكسوف.
(لأن القياس لا يصلح ناسخًا)؛ لأن النسخ عبارة عن بيان انتهاء حسن
(3/1377)

المشروع، وهو لا يعرق بالقياس، وهذا ظاهر لما أن القياس لا يصلح ناسخًا للكتاب والسنة؛ لأن الضعيف لا يصلح ناسخًا للقوي، وكذلك لا يصلح أن يكونا لقياس ناسخًا لقياس آخر؛ لأن شبهة الحقية في كل واحد من الاجتهادين ثابتة، فلم يكن أحدهما أولى من الآخر قطعًا بخلاف النصين؛ لأن العمل بالسابق منهما باطل فوجب العمل بالمتأخر ضرورة، وهذا لأن وضع الشرع القياس إنما كان لأجل العمل، فكل مجتهد في حق العمل مصيب، فكان كل واحد من الاجتهادين أعني السابق والمتأخر صوابًا في حق العمل على ما هو عليه وضع القياس، فلما كان كل واحد من الاجتهادين في حق احتمال الصواب سواء وجب الخيير بينهما لكن بشهادة القلب ليترجح أحدهما على الآخر بشهادة القلب على ما قال عليه السلام: ((المؤمن ينظر
(3/1378)

بنور الله تعالى)) وقال الله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-:
فأما إذا وقع التعارض بين القياسين فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر بدليل شرعي وذلك قوة في أحدهما لا يوجد مثله في الآخر يجب العمل بالراجح، ويكون ذلك بمنزلة معرفة التاريخ في النصوص، وإن لم يوجد ذلك فإن المجتهد يعمل بأيهما شاء لا باعتبار أن كل واحد منهما حق أو صواب، فالحق أحدهما والآخر خطأ على ما هو المذهب عندنا في المجتهد أنه يصيب تارة ويخطئ أخرى، ولكنه معذور في العمل به في الظاهر ما لم يتبين له الخطأ بدليل أقوى من ذلك.
وإنما قلنا: إن القياس لا يصلح ناسخًا لقياس آخر لما أن شرط المعارضة لا يوجد في تعارض القياسين، فلم يكن بينهما تعارض في الحقيقة لما أن
(3/1379)

شرط التعارض أن يكون كل واحد من المتعارضين موجبًا على وجه يجوز أن يكون ناسخًا للآخر إذا عرف التاريخ بينهما كما قلنا في التعارض بين الآيتين، ولا يقع التعارض بين القياسين؛ لأن أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخًا للآخر؛ لأن النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم، والقياس لا يوجب ذلك، ولا يكون ذلك إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين؛ لأنه هو الوصف المؤثر، والتأثير يثار من النص، ولا يمكن أن يكون أحدهما أولًا والآخر آخرًا.
(ولا ثوب معه غيرهما عمل بالتحري لضرورة وقوع العمل بلا دليل وهو الحال)، أي إن لم يعمل بالتحري يلزم العمل باستصحاب الحال، وهو ليس بدليل.
(عمل بشهادة قلبه من غير مجرد اختيار) أي لا يختار جهة من الجهات من غير تحري؛ بل يتحرى ويختار ما يقع عليه تحريه. هكذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله-.
(3/1380)

(وإذا عمل بذلك لم يجز نقضه إلا بدليل فوقه يوجب نقض الأول) يعني إذا عمل بأحد القياسين صار ذلك العمل لازمًا لم يجز نقض ذلك العمل إلا بدليل فوقه، وهو أن يظهر نص بخلافه فحينئذ يتبين به أن العمل كان باطلًا؛ لأن صحة الاجتهاد عند عدم النص، وكذلك إذا عمل بأحد القياسين بشهادة القلب لا يجوز له العمل بالقياس الآخر؛ لأنه بشهادة القلب ترجح جهة الصواب فيه، فيلزم من ذلك ترجيح جهة الخطأ في القياس الآخر بخلاف التخيير في كفارة اليمين، فإنه إذا اختار الإطعام في حنث يمين يجوز له أن يختار الكسوة في حنث يمين أخرى؛ لأن كل واحد منهما يقيني ولا كذلك القياس؛ لأن الصواب في أحدهما. هذا هو الكلام في العمل بأحد القياسين فيما مضى.
فأما العمل بالقياس الآخر في المستقبل فعلى ما ذكر في الكتاب.
(ولم ينقض التحري باليقين في القبلة) بهذا يثبت الفرق بين هذا وهو مسألة القبلة وبين ما إذا عمل بأحد القياسين، فإنه إذا وجد دليلًا هناك فوقه من كتاب أو سنة يخالفه ينتقض ما علمه بالقياس، وفي مسألة القبلة لا ينتقض، فقال: والفرق بينهما أن ما حصل له من اليقين في مسألة القبلة لم يكن موجودًا وقت تحريه، وإنما حدث له اليقين بعد ما أمضى ما أمضى بتحريه
(3/1381)

واجتهاده، فصار ذلك بمنزلة عمل عمله باجتهاده وقت حياة النبي عليه السلام، ثم نزل نص بخلافه لا يكون دليل بطلان عمله؛ لأن ذلك النص لم يكن موجودًا وقت اجتهاده وإنما حدث بعده.
وأما الاجتهاد في زماننا فإنه إذا وجد نص بخلافه ينتقض ما عمله بالاجتهاد؛ لأن النص المقتضي لبطلانه كان موجودًا وقت اجتهاده فيبطل ما عمله باجتهاده؛ لأن شرط الاجتهاد وهو عدم النص لم يكن موجودًا وقت عمله بالاجتهاد، والتقصير إنما وقع منه حيث لم يطلب النص حق الطلب، فكان هذا بمنزلة من تحري في ثوبين له أحدهما نجس والآخر طاهر وهو لا يجد ثوبًا فإنه يصير إلى التحري بتحقق الضرورة، وإذا صلى بأحدهما بتحريه ثم علم أن النجس كان هو يعيد ما صلى.
وذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هنا بطريف السؤال والجواب فقال: فإن قيل: أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع تحريه على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية ولم يجعل ذلك دليلًا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء؟
قلنا: لأن هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها جهة الكعبة لا محالة.
ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة جازت صلاته، وفي الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك
(3/1382)

الثوب، حتى إذا تبين أنه كان نجسًا تلزمه إعادة الصلاة، والعمل بالقياس من هذا القبيل، فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ظاهرًا، ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به، فلهذا كان العمل بأحد القياسين مانعًا له من العمل بالقياس والآخر بعده ما لم يتبين دليل أقوى منه.
والحاصل أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل لعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب فإنها لا تحتمل الانتقال من ثوب إلى ثوب، فإذا تعين لصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم تثبت طهارته بدليل موجب للعلم، وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال من جهة إلى جهة أخرى على ما ذكره في الكتاب إلى آخره.
(بمنزلة نص نزل بخلاف الاجتهاد). وقوله: ((بخلاف)) متصل بما يليه وهو قوله: ((نص نزل)) يعني لو اجتهد مجتهد في حياة النبي عليه السلام وعمل به ثم نزل نص بخلاف اجتهاده بعد ما عمل باجتهاده لم ينتقض ما عمل باجتهاده؛ لأن النص لم يكن موجودًا في ذلك الوقت، فكان شرط صحة الاجتهاد موجودًا، وكذلك لو حدث انعقاد الإجماع على خلاف ما لو اجتهد بعد ما أمضى حكم الاجتهاد لا يظهر بطلان حكم الاجتهاد كما ذكرنا.
(3/1383)

(وانتقل من عين الكعبة إلى جهتها) يعني إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا فإنه يصلي حيثما توجهت راحلته، فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضًا؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة، وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليه تحريه، وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات، فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في مجل لا يحتمل الانتقال على محل آخر فيلزم ذلك.
فأما في الحادثة التي لم يتصل بها القضاء فمحتمل للانتقال.
(وكذلك في سائر المجتهدات في المشروعات القابلة للانتقال) يعني كما أنه يعمل بتبدل الرأي في القبلة حالة التحري في المستقبل يعمل في سائر المجتهدات القابلة للانتقال بالرأي في المستقبل أيضًا إذا استقر رأيه على أن الصواب هو الثاني؛ لأن تبدل الرأي بمنزلة النسخ، يعني يعمل به في المستقبل ولا يظهر بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي.
(على تحري طهارته حقيقة أو تقديرًا) يعني إذا كان أحد الثوبين طاهرًا
(3/1384)

حقيقة أو تقديرًا بأن كان ربع الثوب طاهرًا والآخر نجسًا ولا يدري فإنه يتحرى، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((صلى في ثوبه على تحري طهارته حقيقة أو تقديرًا)) يعني إذا وقع تحريه على ثوب بأنه طاهر فصلى فيه يحتمل أن يكون ذلك الثوب طاهرًا حقيقة أو تقديرًا أي بحكم الشرع، فإنه لما وقع تحريه عليه بأنه طاهر حكم الشرع هناك أيضًا بطهارته حتى قال بجواز الصلاة التي صلى في ذلك الثوب وإن كان هو نجسًا في الحقيقة فكان طاهرًا تقديرًا.
فإذا تحول رأيه بعد ذلك أن الثوب الآخر طاهر لم يعتبر هذا الرأي وقلنا: لا يجوز ما صلى في الثاني حتى يتيقن بطهارته؛ لأن الشرع لما حكم بكون الثوب الأول طاهرًا وكون الثاني نجسًا وهو وصف لا يقبل الانتقال من ثوب إلى ثوب- فلا يعتبر تبدل رأيه بعد ذلك بأن الثاني طاهر والأول نجس إلا عند التيقن بأن الأول نجس فيبطل ما مضى كنص ظهر بعد العمل بالقياس بعد وفاة النبي عليه السلام.
(ومثال القسم الثاني من القسم الرابع: سؤر الحمار والبغل) أراد من
(3/1385)

القسم الرابع حكم المعارضة؛ لأنه وقع في القسم الرابع عند التعداد في قوله: هو معرفة التعارض لغة وشرطه وركنه حكمه شريعة، ثم جعل حكم المعارضة على قسمين- وإن لم يتلفظ به- الأول غير حال العجز بالعمل بالدليل أي المصير إلى الحجة بعده إن أمكن.
والثاني: حال العجز بالعمل بالدليل وهو تقرير الأصول عند العجز وهذا الذي ذكره هو حال العجز بالعمل بالدليل، فكان قسمًا ثانيًا من القسم الرابع، ففي حال العجز يجب تقرير الأصول أي إبقاء ما كان على ما كان من الطرفين، أعني طرف أعضاء المحدث وطرف طهارة الماء، وهذا لأن الماء عرف طاهرًا في الأصل فلا يصير نجسًا بالتعارض، وأعضاء المحدث عرفت موصوفة بالحدث فلا يزول عنه الحدث باستعمال هذا الماء بالتعارض.
فوجه تعارض الأدلة في سؤر الحمار هو: أن الحمار يشبه الهرة من وجه ويشبه الكلب من وجه على ما ذكر في ((النهاية)) وغيرها، فشبهه بالأول يوجب طهارة سؤره، وشبهه بالثاني يوجب نجاسته، فتعارضا فوجب تقرير الأصول، ولا يمكن المصير إلى القياس لتعارض الأصلين، وباقي التقرير مذكور في غير هذا الكتاب.
(3/1386)

وقوله: (وهو منصوص عليه في غير موضع) أي نص محمد ن الحسن- رحمه الله- في كثير من المواضع من ((المبسوط)) عل أن سؤر الحمار
(3/1387)

طاهر، حتى قال في النوادر: لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز الصلاة به.
(فسمي مشكلًا) أي داخلًا في إشكاله؛ لأن سؤر الحمار دخل في أشكال الماء المطلق ودخل في أشكال الماء المقيد، فمن حيث إنه يجب استعماله في الوضوء به لا يكتفي بالتيمم وحده عند وجوده وحده أشبه الماء المطلق، ومن حيث إنه لا يزول به الحدث أشبه مار الورد، فوجب ضم التيمم إليه ليحصل ما هو المطهر بيقين، (لا أنه يعني به الجهل) أي ليس المراد بأن سؤر الحمار والبغل مجهول حكمه، بل حكمه وهو الطهارة معلوم، وكذلك حكم أعضاء المحدث على الحدث، وهو أيضًا معلوم لكن دخل هو في أشكال المطلق.
وفي أشكال الماء المقيد كما ذكرنا، أو معنى قوله: ((لا أنه يعني به الجهل)) يعني بقولنا: ((إن سؤر الحمار مشكل)) أي داخل في أشكاله لا أن حكم سؤر الحمار غير معلوم بل هو معلوم وهو وجوب التوضؤ بسؤر الحمار مع ضم التيمم إليه، وإنما ذكر هذا لئلا يظن أن أدلة الشرع تؤدي إلى الجهل، فلا تؤدي
(3/1388)

الأدلة إليه لكن قد يؤدي إلى أن يدخل الشيء في أشكاله، وحكم المشكل هو: التأمل فيه بعد الطلب، فيدرك المطلوب بالتأمل فيثبت به فضل العالم المتأمل على الجاهل الكسلان بتوفيق الملك الديان.
(كذا الجواب في الخنثى المشكل) فإنه إذا لم يوجد فيه ما يترجح به جهة الذكورة أو الأنوثة يجب تقرير الأصل عن تعارض الدليلين، فقلنا: الزائد على نصيب البنت لم يكن ثابتًا، فلا يثبت عند التعارض.
(وكذلك جوابهم في المفقود) حيث قالوا: إنه كان حيًا فتبقى حياته فلا يرثه أحد، ولا يرث هو غيره أيضًا إذا مات أحد من أقاربه؛ لأن ماله لم
(3/1389)

يكن ثابتًا له فلا يثبت له بالشك، وهو معنى قول المشايخ: المفقود حي في مال نفسه ميت في مال غيره يعني لا يرثه أحد ولا يرث هو أحدًا.
(ومثال ما قلنا في الفرق بين ما يحتمل المعارضة وبيم ما لا يحتملها أيضًا الطلاق والعتاق في محل مبهم). بيانه أنه إذا قال لامرأتين به: إحداكما طالق، أو قال لأمتيه: إحداكما حرة. إن له الخيار في البيان، وهو نظير قياسين إذا تعارضا؛ (لأن وراء الإبهام محلًا يحتمل التصرف) أي لأن غير الموقع من الطلاق والعتاق بطريق الإبهام محل يحتمل التصرف فيصح تصرفه، ولأن تعيين المحل كان مملوكًا له شرعًا كابتداء الإيقاع، ولكنه بمباشرة الإيقاع أسقط ما كان له من الخيار في التعيين، يعني كان له في ولايته تصرفان: إيقاع أصل الطلاق وتعيين المحل، فلما طلق إحداهما مبهمًا خرج أحد التصرفين من يده وبقي الآخر في يده كما كان، وهو تعيين المحل بناء على الملك، فصح القول بالاختيار بتعيين المحل؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجز فيبقى ذلك الخيار ثابتًا له شرعًا، فكان نظير تعارض القياسين من حيث إن له الخيار في كل واحد منهما بالبيان، كما أن له الخيار في كل واحد من القياسين بالعمل.
(3/1390)

(وإذا طلق عينًا ثم نسي لم يجز الخيار بالجهل)، فكان هو نظير النصين إذا تعارضا؛ لأن العمل بأحدهما باطل بيقين كما في هذه الصورة، فلا يكون له اختيار أحدهما؛ لأنه قد خرج الأمران من يده؛ لأن الإبهام جاء من نسيانه، فلو بالاختيار إنما قلنا باعتبار جهله، وجهله لا يصلح دليلًا شرعيًا كما نقول في النصين.
وكذلك في إعتاق أحد المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان؛ لأن الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر، وإنما ثبت المعارضة بين المحلين في حقة لجهلة بالمحل الذي عينه عند الإيقاع، وجهله لا يثبت له الخيار شرعًا، فكان كجهله بالناسخ من المنسوخ، فلا يثبت له الخيار هناك فكذا هنا، وكذلك لا يصار هاهنا إلى تقرير الأصل وهو أنها كانت حلالًا فتبقى حلالًا أي لا يقال هكذا لوقوع الحرمة بيقين وبطلان الأصل وهو العمل باستصحاب الحال، ولا مدخل للتحري في باب الفروج أيضًا لانعدام مسام الحاجة وتغلظ حرمته.
(وذلك خمسة أوجه) فوجه الانحصار على هذه الخمسة هو أن اختلاف
(3/1391)

الحجتين وتغايرهما لا يخلو إما أن كان الاختلاف في ذاتيهما أو لم يكن في ذاتيهما، فإن لم يكن في ذاتيهما، فلا يخلو إما كان لمعنى يعقبهما وهو الحكم، أو لمعنى قائم بهما على الخصوص وهو الحال، أو لمعنى قائم بهما لا على الخصوص وهو الزمان، فإن الزمان ظرف كل الأشياء المحدثة، ثم اختلاف الزمان لا يخلو من أحد الوجهين، وهما: الصريح والدلالة، فلما لم يفت الانحصار عن هذه الخمسة تعينت هذه الخمسة له.
(مثل المحكم لا يعارضه المجمل) مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإنه محكم في نفي المماثلة فلا يعارضه قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} لأنه يحتمل معاني منها ما توجب التشبيه ومنها ما لا توجب، فلا يثبت التعارض بينهما في الحقيقة، لأن ركن المعارضة تساوي الحجتين، وهذا أيضًا نظير تعارض المتشابه مع المحكم.
فأما نظير تعارض المجمل مع الظاهر فهو أن يستدل مستدل في حل البيع
(3/1392)

في مسألة بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} فيعارضه معارض في عدم الجواز بقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} فيجيب المعلل بأنه مجمل والمجمل لا يعارض الظاهر، (وأمثاله كثيرة لا تحصى).
ومن تلك الامثال ما إذا كان أحد النصين محتملًا للخصوص فإنه ينتفي معنى التعارض بتخصيصه بالنص الآخر. وبيانه من الكتاب في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وقوله تعالى في المستأمن: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} فإن التعارض يقع بين النصين ظاهرًا، ولكن قوله: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} عام يحتمل الخصوص فجعلنا قوله تعالى: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} دليل تخصيص المستأمن من ذلك.
ومن السنة قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها)) ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات، فالتعارض بين النصين ثبت ظاهرًا، ولكن قوله عليه السلام: ((فليصلها إذا ذكرها))
(3/1393)

بعرض التخصيص فيجعل النص الآخر دليل التخصيص حتى بنتفي به التعارض. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(وأما الحكم إي دفع المعارضة بالحكم فإن الحكم الثابت بالنصين إذا اختلف عند التحقيق بطل التعارض)؛ لأن المعارضة في الحقيقة بإثبات ما نفاه الآخر أو بنفي ما أثبته الآخر مع الشرائط المذكورة، فإذا كان حكم كل واحد منهما غير الآخر لم يتحقق نفي الإثبات ولا إثبات النفي، كما إذا قال: جاءني زيد، ثم قال: لم يجئ عمرو لا يكون معارضًا البتة، ولو قال: في الدار إنسان في هذا الزمان، ثم قال: ليس في الدار حيوان في هذا الزمان لم يجعلوا هذا مناقضة وإن كان يلزم فيه نفي ما أثبته وإثبات ما نفاه ضمنًا لا قصدًا، ففي الذي لا يكون إثبات ما نفاه أو نفي ما أثبته لا صمنًا ولا قصدًا أولى أن لا يكون معارضة.
إذا ثبت هذا قلنا في (قوله تعال: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}). فالغموس داخل في هذه الآية؛ لأنه مما كسبته القلوب فتكون المؤاخذه في الغموس ثابتة. وقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
(3/1394)

وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}.
(فالغموس داخل في اللغو)؛ لأن كل واحد منهما خال عن فائدة اليمين؛ لأن فائدة اليمين هي التقوى باليمين على فعل في المستقبل أو على ترك فعل في المستقبل، وهو إخبار عن الأمر في الماضي فلا يكون يمينًا، فعلم بسياق هذه الآية وهي قوله: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أن المراد بنفي المؤاخذة نفي المؤاخذة في دار الابتلاء، والمراد بإثبات المؤاخذة في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} المؤاخذة في دار الجزاء؛ لأنها ذكرت مطلقة غير مقيدة بكذا وكذا، فالمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء، فإن الجزاء بوفاق العمل.
فأما في الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصًا لذنوبه وينعم على العاصي استدراجًا فبهذا الطريق يبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم الثابت في الآخر، وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض.
(3/1395)

(فلا يصح أن يحمل البعض على البعض)، وهذا نفي قول الشافعي فإنه حمل البعض على البعض، وبيان ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} محمول على الغموس، فإن الغموس مما كسبته القلوب، ثم الله تعالى فسر ذلك في سورة المائدة بقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} الآية، والعقد عقد القلب لا العقد الذي هو ذد الحل، والعقد يحتملهما، يقال: عقد الحبل وهذا لا يشكل، ويحتمل عقد القلب.
يقال: عقدت قلبي على كذا واعتقدت ذلك، ولي مع فلان عقيدة، وقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} مفسر بعقد القلب فصار بيانًا لما هو مجمل وهو قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} فحمل الشافعي ذلك على عقد القلب.
والمؤاخذة في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} محتملة، والمؤاخذة المذكورة في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} مفسرة بقوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} الآية.
فتبين بتلك الآية أن المؤاخذة المذكرة في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} المؤاخذة بالكفارة، لكننا نقول: ذلك الذي قاله الخصم من حمل المحتمل على المفسر إنما يكون عند وجود المعارضة ينهما، والمعارضة غير ثابتة بينهما لما ذكرنا من حمل كل واحدة منهما على دار على حدة من دار الابتلاء ودار الجزاء، وقوله: ((لأن المؤاخذة المثبتة مطلقة)) متصل بقوله:
(3/1396)

((سقط التعارض)).
(وأمثاله كثيرة)، ومن تلك الأمثال حمل الشافعي النص المطلق على النص المقيد كما في حمل كفارة اليمين والظهار على كفارة القتل في اشتراك إيمان الرقبة.
{حَتَّى يَطْهُرْنَ} بالتخفيف يدل على انهاء حرمة القربان إلى انقطاع دم الحيض.
يقال: طهرت المرأة إذا انقطع دم الحيض عنها، فلا يجوز أن تنتهي حرمة القربان إلى الاغتسال؛ لأنه انتهى قبل الاغتسال بانقطاع الدم، فمن المحال أن لا تنتهي حال وجود الانتهاء، وقوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بالتشديد يدل على انتهاء حرمة القربان إلى الاغتسال، فيرى أنه لا تنتهي حرمة القربان حال انتهاء حرمته بانتهاء الحيض بتمام العشرة وهو محال.
فلذلك حمل قراءة التشديد على ما دون العشرة لتنتهي حرمة القربان
(3/1397)

بالاغتسال، وقراءة التخفيف تحمل على العشرة لتنتهي هي بانقطاع دم الحيض، فانعدم التعارض.
(ولا يستقيم التراخي إلى الاغتسال لما فيه من بطلان التقدير) وهو أن أكثر الحيض عشرة لا غير، فلو جعلنا حكم امتداد الحيض إلى وقت الاغتسال حينئذ تلزم الزيادة على التقدير الشرعي وهي لا تجوز وإن قلت، ولأنا لو قلنا بحرمة القربان إلى وقت الاغتسال بعد تمام العشرة إنما تكون هي بسبب أن الحيض باق بعد؛ لأن حرمة القربان إنما كانت لوجود الحيض وهو لا يكون بعد تمام العشرة فلا يصح وقف حل الوطء بعد تماما لعشرة إلى وجود الاغتسال كذلك.
(لأن ذلك هو المفتقر إلى الاغتسال)؛ لأنه يحتمل البلوغ إلى العشرة فلا يكون هذا الانقطاع محكمًا بل مترددًا فكان مفتقرًا إلى مؤيد وهو
(3/1398)

الاغتسال.
(فصح ذلك) الحمل وهو حمل الخفض على حالة الاستتار وحمل النصب على حالة عدم الاستتار.
وقوله: (لأن الجلد أقيم مقام بشرة القدم) جواب سؤال مقدر بان يقال: كيف يكون هذا عملًا بالآية، والآية تقتضي المسح على الرجل، وأنت توجبه على الخف؟
فقال في جوابه: هذا يعني أن هذا صح بطريق المجاز، يعني ذكر مسح الرجل وإرادة مسح الخف لكون الخف قائمًا مقام بشرة القدم جائز، فصار مسح الخف بمنزلة مسح الرجل وإن لم يكن مسح الرجل جائزًا؛ إلا أنه يصح إطلاق مسح الخف على مسح الرجل بطريق المجاز.
وأما في الحقيقة فلا؛ لأنه لا جواز للمسح على الرجل حتى يكون هذا خلفه/ (فصار مسحه بمنزلة غسل القدم)، وفي بعض النسخ: بمنزلة مسح القدم، وهذا ظاهر؛ لأن الجلد لما أقيم مقام بشرة القدم صار المسح على الخف كالمسح على القدم لوجود مجوز المجاز وهو ذكر الرجل وإرادة الخف في قوله
(3/1399)

تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ} بالخفض؛ لأن الخف ملتبس بالرجل فصح ذكر الرجل وإرادة الخف.
وأم قوله: ((بمنزلة غسل القدم)) فمعناه أن الجلد لما قام مقام بشرة القدم كان المسح مصادفًا لبشرة القدم تقديرًا لمنزلة الغسل يصادف بشرة القدم تحقيقًا.
(المباهلة): الملاعنة من البهلة وهي: اللعنة، ويروى ((من شاء لاعنته)) وذلك أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء اجتمعوا، وقالوا: بهلة الله على الظالم منا فجعل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- التأخر دليل النسخ فعرفنا أنه كان معروفًا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم.
(وكان ذلك ردًا على قول من قال بأبعد الأجلين)، فكان علي- رضي الله
(3/1400)

عنه- يقول " تعتد بأبعد الأجلين " (1) إما بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشر؛ لأن قوله تعالى {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (2). يوجب عليها العدة بوضع الحمل، وقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (3) يوجب عليها العدة بأربعة أشهر وعشر فجمع بينهما احتياطا، وجوابه ما ذكره ابن مسعود - رضي الله عنه - أعني أن العمل بهذا الطريق إنما يكون عند العجز عن علم التاريخ.
وأما إذا عليم أن قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ}. آخرهما تاريخا فيعمل به لا بغيره.
(لأنا نعلم أنهما وجدا في زمانين)؛ لأن نزولهما في زمان واحد محال للتناقض، ثم يقول كان المحرم آخر لكونه متيقنا في النسخ وكون المبيح محتملا في النسخ؛ لأنه لو تقدم كان مقررا للإباحة ولو تأخر كان ناسخاً،
(3/1401)

والمحرم ناسخ تقدم أو تأخر، فكان الأخذ بالمحكم أولي، ولان المحرم إذا تقدم يتكرر النسخ ولو تاخر لا يتكرر، فكان الأخذ بعدم تكرار النسخ أولي؛ إذ الأصل هو البقاء علي حاله، ولان في القول بتأخر المحرم أخذا بالإحتياط، وفي جعل المبيحناسخا مع احتمال كون المحرم آخرترك الإحتياط؛ لأنه تلزمه العقوبة بارتكاب المحرم فكان القول بتأخر المحرم أولي (1).
وقوله: (ولسنا نقول بهذا في أصل الوضع) أي لا نقول بأن الإباحة أصل في أصل وضع الشرع (2) بأن يقال لا حرمة في الأشياء كلها في الأصل
(3/1402)

في أصل وضع الشرع؛ (لأن البشر من وقت آدم عليه السلام غلي وقتنا هذا لم يتركوا سدي) أي مهملا عن التكليف في وقت من الأوقات.
قالي تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} وفي التكليف حظر وتحريم لأشياء واباحة لأشياء فلو قلنا بأن الإباحة أصل في الأشياء في أصل وضع الشرع يلزم ارتفاع التكليف، فكان هذا القول مناقضا لقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} وهو لا يصح، وفي " الكشاف "في تفسير هذه الآية:
فإن قلت: كم من أمة في الفترة بين عيسي ومحمد عليهما السلام ولم يخل فيها نذير؟
(3/1403)

قلت: إذا كانت إثارة النذارة باقية لم تخل من نذير إلي أن تندرس وحين اندرست (1) آثار نذارة عيسي عليه السلام بعث الله تعالى محمدا عليه السلام (2).
وذكر في " التيسير " قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} (3)، ثم إن أهل الإباحة من المتصوفة (4) الجهلة حملوا الكلام في قوله تعالى: {لَكُمْ} علي الإطلاق والإباحة مطلقا، وقالوا لا حظر ولا حرج ولا نهي ولا أمر، وإذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة، فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه، ولا يمنعه ما يريده ويطلبه، وهذا منهم كفر صراح وخروج من الإيمان بإفصاح، وقد نهي الله تعالى، وأمر، وأباح، وحظر، ووعد، وأوعد، وبشر، وهدد، والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة، فمن حمل هذه الآية الإباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية.
والمحمل الصحيح ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما-: خلق لمنافعكم
(3/1404)

ومصالحكم، وشرحه أن جميع ما في الدنيا لدفع حوائجكم وقوام معايشكم، فلا بقاء عادة للبشر إلا بالطعام والشراب ودفع الحر والبرد بالأكنان والأثواب، وقد هييء ذلك كله فيها لكم، وفيها أيضا زوائد عن الضروريات من تناول الطيبات، والتجمل بأنواع الزينات، والتقلب في وجوه اللذات، والاسترواح بأنواع الراحات، فالسماء سقفكم، والشمس سراجكم، والقمر نوركم، والنجوم هداكم، إلي ان قال: وما الحيوانات الضارة المؤذية والأعيان النجسة الخبيثة ففيها تذكير عقوبات الجحيم ومعرفة النعم في أضدادها، وهو نفع عظيم.
وأعظم ذلك كله نفع الاستدلال بها علي وحدانية الله تعالى قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ}، فالبناء دليل علي الباني .... إلي آخره.
قلت: أما الذي قال هاهنا هذا بناء علي قول من جعل الإباحة أصلا فليس هذا الذي يجعل الإباحة أصلا من أهل تلك الإباحة من المتصوفة الجهلة الذين
(3/1405)

ذكرهم في" التيسير " فإنهم كفرة حيث كفروا بقولهم: لا حظر ولا حجر ولا نهي أصلا علي ما ذكر في " التيسير "، يعنون بذلك لا قبل بعثة النبي عليه السلام ولا بعد بعثته علي ما اقتضي ذلك دليلهم.
وأما الذي ذكر هنا فهو طريقة بعض مشايخنا فإنهم قالوا: الإباحة أصل إلي أن يرد التحريم، فإذا ورد التحريم يحرم.
وقد ذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله - في " أصول الفقه " فقال:
وبيان ذلك - أي بيان النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة- وهو أن الموجب للإباحة يبقي ما كان علي ما كان علي طريقة بعض مشايخنا لكون الإباحة أصلا في الأشياء، كما أشار إليه محمد - رحمه الله - في كتاب الإكراه (1)، والذي أشار إليه في كتاب الإكراه وهو ما ذكره في باب تعدي العامل منه ولو تهد بقتل حتي شرب الخمر فلم يفعل حتي قتل خفت أن يكون آثما، وذكر هنا لفظا يستدل به علي أنه كان من مذهبه أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الحرمة بالنهي عنها شرعا، فإنه قال: لأن شرب الخمر وأكل الميتة لم يحرم إلا بالنهي.
ثم قال في" أصول الفقه": وعلي أقوي الطريقتين باعتبار أن ما قبل مبعث
(3/1406)

رسول الله عليه السلام كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء، فإن الناس لم يتركوا سدي في شيء من الأوقات. ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في الناس. وذلك باق إلي ان يثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا، فبهذا يتبين أن الموجب للحظر متأخر.
وحاصل هذا أن ما يفهم من الكتابين أعني " أصول الفقه " للإمام شمس الأئمة و " أصول الفقه " للإمام فخر الإسلام - رحمهما الله - هو أن العلماء قالوا جميعا: بأن الإباحة أصل في الأشياء، حتي قالوا عند جهالة التاريخ بورود النصين أحدهما محرم والآخر مبيح بان المحرم متأخرا كيلا يلزم تكرار النسخ علي ما ذكرنا، وإنما يصح التعليل أن لو كانت الإباحة أصلا في الأشياء كلها، لكن إختلفوا في التخريج.
بعضهم قالوا: معني ذلك هو ان الله تعلي خلق الأشياء كلها في أصلها مباحة للعباد، ثم بعث الأنبياء عليهم السلام واوحي إليهم بتحريم بعضها وإبقاء بعضها علي الإباحة الأصلية كما كانت.
واما اختيار الشيخين - رحمهما الله - فليس مراد العلماء من قولهم " أن الإباحة أصل في الأشياء كلها "، أن تكون ذلك بالشرع، بل مرادهم من
(3/1407)

ذلك زمان الفترة، يعني أن في زمان الفترة كان الناس يستعملون الأشياء علي طريق الإباحة، لأنهلم يكن للناس آمر وناه ينفذ قوله علي الناس، فكانت الأشياء كلها كأنها مباحة بسبب استعمال الناس علي الإباحة.
لا لأن الشارع رفع الحظر والنهي عن الأشياء كلها، ثم لما بعث نبيا صلي الله عليه وسلم وأوحي إليه بإباحة بعض الأشياء. قلنا: قرر تلك الأشياء علي الإباحة الأصلية التي كان أهل الفترة يستعملونها مباحة، ولما أوحي إليه بتحريم بعضها قلنا نسخ إباحة تلك الأشياء التي كان أهل الفترة يستعملونها مباحة، فكون المبيح مقررا وكون المحرم ناسخا للإباحة الأصلية إنما كان بهذا الطريق لا أن التكليف بالحظر والتحريم في أصله كان مرتفعا عن الناس في وقت من الأوقات , والله أعلم.
(و "حرم لحوم الحمر الأهلية") (1). (وروي أنه عليه السلام أباحها") أي جعلنا فيها أيضا المحرم ناسخاً.
(3/1408)

فإن قيل: إذا كان المحرم ناسخا كيف يصح قولهم في سؤر الحمار: أن الدلائل تعارضت (1)؟
قلنا: قولهم ذلك صحيح، لأن كونه ناسخا بهذا الطريق ثبت بالاجتهاد فأخذنا في حرمة اللحم بالاحتياط، وأما فيما وراء ذلك فبقي التعارض؛ لأن الاحتياط في ذلك القول بالتعارض كي يضم إلي سؤر الحمار التيمم حتي يخرج عن وجوب الطهارة باليقين.
أو نقول: دل الدليل علي طهارة سؤر الحمار اعتبارا بعرقه، فإنه صح أن النبي عليه السلام ركب الحمار معروريا (2) والحر حر الحجاز والثقل ثقل
(3/1409)

النبوة، فكان هذا دليلا علي طهارة عرقه، إذ لا يجوز للمسلم الاقتراب من النجاسة فما ظنك برسول الله عليه السلام، وحرمة لحمه تدل علي نجاستة سؤره كما في الكلب وغيره، فتعارضت الأدلة، فلذلك وجب تقرير الأصول علي ما مر.
(واختلف مشايخنا فيما إذا تعارض نصان أحدهما مثبت والآخر ناف مبق علي الأمر الأول)، فالمراد من المثبت هو الخبر الذي يثبت الأمر الطاريء ومن النافي هو الخبر الذي ينفي الأمر الطاريء ويبقي الحال علي الأمر الأول كما كان علي ما أشار إليه في الكتاب، حتي أن رواية من روي " أعتقت بريرة
(3/1410)

وزوجها عبد" ناف وإن كان لفظه لفظ الإثبات، وكذلك من روي " أنه عليه السلام حين تزوج ميمونة كان محرما " ناف علي ما ذكرنا.
فقال الكرخي: " المثبت أولي" لأنه أقرب إلي الصدق من النافي؛ لان المثبت يعتمد الحقيقة والنافي يبني الأمر على الظاهر.
(3/1411)

وقال عيسى بن أبان - رحمه الله -: " يتعارضان " يعني لا يرجح المثبت علي النافي لكونه مثبتا، ولا النافي علي المثبت لكونه نافيا، بل تقع المعارضة بينهما، فيطلب الترجيح من وجه آخر، لان كلامنا في نفي يحيط العلم به، فكان هو مثل الإثبات من هذا الوجه فيتعارضان.
وقد اختلف عمل أصحابنا- رحمهم الله - في هذا الباب فحاصل ما ذكر هنا من اختلاف عمل أصحابنا بالمثبت والنافي خمس مسائل، فذكر كل واحدة منها عقيب الأخري، فبدأ بالإثبات وختم بالإثبات.
الأولي - مسألة ان زوجها حر أو عبد، أخذو فيها بالمثبت (1).
والثانية - مسألة الإحرام، أخذوا فيها بالنافي (2).
والثالثة - مسألة التباين، أخذو فيها بالمثبت (3).
(3/1412)

والرابعة- مسألة الطهارة والنجاسة، أخذوا فيها بالنافي (1).
والخامسة- مسألة الجرح والتعديل، أخذو فيها بالمثبت (2).
(سرف): بوزن كتف جبل بطريق المدينة، وهو علي رأس ميل من مكة، بها قبر ميمونة - رضي الله عنها _ زوج النبي عليه السلام وكانت قد ماتت بمكة
(3/1413)

فحملها ابن عباس - رضي الله عنهما - إلي سرف.
(رد بنته زينب- رضي الله عنها- إلي زوجها أبي العاص (1) بنكاح جديد)
أصل المسألة أن أحد الزوجين إذا خرج إلي دار الإسلام مهاجرا وبقي الآخر في دار الحرب تقع الفرقة بينهما، وعند الشافعي لا تقع الفرقةبينهما بتبائن الدار، وقال: روي أن زينب هاجرت إلي المدينة ثم تبعها زوجها أبو العاص بعد سنتين فردها عليه بالنكاح الأول وقلنا: الصحيح من
(3/1414)

الرواية أنه ردها عليه بنكاح جديد، وما روي أنه ردها عليه بالنكاح الأول أي لحرمة النكاح الأول.
ألا تري انه ردها إليه بعد سنتين، والعدة تنقضي في مثل هذه المدة عادة، (ولم يعملوا بالمثبت وهو النجاسة).
وفي رجل ادعت امرأته أنها سمعته يقول المسيح ابن الله إلي أن قال ولم يقل غير ذلك)، والفرق بين قول الشهود: لم نسمع غير ذلك، وبين قولهم، لم يقل غير ذلك أنه لا تنافي بين قولهم: لم نسمع، وبين قول الزوج: قلت: قالت النصاري {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} لأنه صح أن يقال: قال
(3/1415)

فلان قولا: ولكني لم أسمع، ولا يصح أن يقال،: قال ولم يقل، فيكون قولهم "ولم يقل ذلك "نفيا لمقالة الزوج، وهو مما يحيط العلم به فيقبل.
(وكذلك في الطلاق إذا ادعي الزوج الاستثناء فقد قبلت الشهادة) يعني أن الزوج إذا ادعي الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود علي إنه لم يستثني قبلت الشهادة، وهذه شهادة علي النفي، ولكنها دليل علي موجب للعلم به، وهو أن يكون من باب الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه، وما لم يسمع منه يكون دندنة لا كلاما، فإذا قبلت الشهادة علي النفي إذا كان عن دليل كما تقبل علي الإثبات قلنا: في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والإثبات، والدندنة: ان تسمع من الرجل نغمة ولا تفهم ما يقول.
(3/1416)

(وقلما يوقف من حال البشر علي أمر فوقه في التزكية) أي فوق عدم الوقوف للمزكي الذي يقول انه عدل، والقلة هنا مستعارة عن العدم أي أن من زكي غيره وعدله إنما زكاه بسبب أنه لم يقف في حقه علي ما يوجب جرحه فكان مآل تزكيته إلي الجهل.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله-: من يزكي الشاهد إنما يزكيه لعد العلم بسبب الجرح منه، إذ لا طريق لاحد إلي الوقوف علي جميع أحوال غيره حتي يكون إخباره عن تزكيته عن دليل موجب للعلم به، والذي جرحه فخبره مثبت للجرح العارض لوقوفه علي دليل موجب له، فلذلك جعل خبره
(3/1417)

أولى وقوله: (لانه فسر القصة فسار أولي) روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عليه السلام تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم، فأقام بمكة ثلاثا، فاته حويط بن عبد العزي، في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا: قد انقضي أجلكم فاخرج عنا. قال عليه السلام: " وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم فصنعنا طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا غلي طعامكم فاخرج عنا، فخرج نبي الله عليه السلام، وخرجت ميمونة - رضي الله عنها - حتي عرس بها بسرف" كذا في شرح الآثار.
(3/1418)

(ولكنهم لا يسلمون هذا إلا في الأفراد) يعني انهم يساعدوننا فيما قلنا إذا كان عبدا واحدا وفي مقابلته حرا واحدا حيث لا يرجحون رواية الحر الواحد علي رواية العبد الواحد كما هو قلنا.
فأما في العدد فيخالفونا حيث يرجحون رواية الرجلين علي رواية المرأتين، وكذلك يرجحون خبر الحرين علي خبر العبدين.
قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - هذا النوع من الترجيح قول محمد - رحمه الله -خاصة أبي ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - والصحيح ما قالا، فإن كثرة العدد لا تكون دليل قوة الحجة.
قال الله تعالى {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} وقال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا
(3/1419)

بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد، فالقول به يكون قولا بخلاف إجماعهم، ولما اتفقنا ان خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثني فيتحقق التعارض بين الخبرين بناء علي هذا الإجماع، ولا يؤخذ حكم رواية الأخبار من حكم الشهادات.
ألا تري أن في رواية الأخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل، وخبر المحدود في القذف بعد التوبة وبين خبر غير المحدود، وبين خبر المثني وخبر الأربعة ما لا يثبت بشهادة الاثنين وهو الزني (1). وفي " فتاوي قاضي خان " فإن كان المزكي إثنين فعدلهم أحدهما وجرحهم الأخر.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- الجرح الأول؛ لأنه اعتمد علي دليل غير ظاهر الحال، فكان الجرح أولي كما لو عدله اثنان وجرحه اثنان كان الجرح أولي في قولهم.
وقال محمد - رحمه الله-: إذا عدلهم واحد وجرحهم آخر فاقاضي يتوقف ولا يقضي بشهادتهم، ولا يرد بل ينتظر إن جرحهم آخر يثبت الجرح، وإن لم يجرحهم آخر بل عدلهم آخر تثبت العدالة (2).
(3/1420)

(وهذه الحجج بجملتها) إشارة إلي أقسام الكتاب من الخاص والعام إلي آخرها، وأقسام السنة من المتواتر والمشهور والاحاد وغيرها، والله اعلم.
(3/1421)

باب البيان
ذكر في الكتاب في الباب الذي يلي هذا الباب حد البيان: ما يظهر به ابتداء وجوده، أي ابتداء وجود الكلام.
(وقد يستعمل هذا) أي لفظ البيان (مجازا وغير مجاوز) أي متعديا وغير متعد، فمعني غير المتعدي فيما إذا كان البيان مصدر الثلاثي من بان
(3/1422)

يبين: ظهر
وأما إذا كان هو مصدر بين من باب التفعيل كالكلام والسلام والصلاة فيجيء فيه غير متعد أيضا.
قال في "الصحاح ": والتبين أيضا الوضوح، وفي المثل: قد تبين الصبح لذي عينين اي قد وضح وظهر.
(والمراد به في هذا الباب عندنا) أي عند أصحاب أصول الفقه. هكذا كان بخط شيخي- رحمه الله-
" غن من البيان لسحرا" أي كما ان بالسحر تستمال القلوب فكذا بالبيان الفصيح واللسان البليغ تستمال القلوب، أو كما أن للسحر إراءة الباطل في لباس الحق فكذا في البيان البليغ إراءة المعني الذي هو غير متين، فكان فيهما إراءة لغير الدليل دليلا.
(وقوله: فهي خمسة أقسام) اتفق الشيخان في كون البيان خمسة
(3/1423)

واتفقا أيضاً في التسمية بهذه الأسامي، إلا أن الغمام فخر الإسلام - رحمه الله- لما جعل الاستثناء والتعليق كليهما من قبيل بيان التغيير انتقص مسمي بيان التبديل فجعل النسخ مسمي بيان بيان التبديل فتم البيان خمسة.
والإمام شمس الأئمه - رحمه الله - جعل بيان التغيير الاستثناء، وبيان التبديل التعليق، فازداد اسما البيان، واخرج النسخ من كونه بيانا لانعدام حد البيان فيه فقال: حد البيان غير حد النسخ؛ لأن البيان: إظهار حكم الحادثة عند وجوده ابتداء، والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت، فلم يكن بيانا.
(لأن اسم الجمع كان عاما يحتمل الخصوص) كما في قوله {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} أي جبريل ومثله {وَلا
طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} أي كان قوله {وَلا طَائِرٍ} حقيقة في حق الطائر الحقيقي إلا انه يحتمل أن يراد به غير الطائر الحقيقي بطريق المجاز؛ لانه يقال لمن يخف في مشيه ويسرع في أمره كأنه طائر، ويقال: فلان يطير بهمته، فكان
(3/1424)

قوله {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قطعا لذلك المجازالذي يراد بالطيران السرع، وكذلك تأكيد القلوب بكونها في الصدور في قوله تعالى {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. أيضا بيان تقرير.
وقوله: (أنت طالق)، (وقال عنيت به الطلاق من النكاح)، وهو يحتمل الطلاق عن القيد الحسي، فإذا قال من النكاح قرر موجب الكلام.
(وقال عنيت به العتق عن الرق) فغن التحرير يحتمل من غير الرق وهو التخلية عن غيره، ولأن الحر يستعمل في معني الكريم. يقال رجل حر أي رجل كريم فلما قال: من الرق كان مقررا لكون مراده من الحرية الحرية عن الرق.
(ولما قلنا أنه مقرر) أي لا مغير، وإنما يشترط الوصل في بيان التغيير، ولأن هذا البيان لو لم يلحقه لكان الذي قرره هذا المراد، فلذلك كان لحوق هذا البيان في أي وقت كان جائزا؛ لأن وجوده وعدمه بمنزله في تحقيق المراد،
(3/1425)

فيجوز لحوق هذا البيان في أي وقت كان
(فبيان المجمل والمشترك): أما بيان المجمل فيحتمل التراخي لما فيه من تقرير المقصود من الخطاب وهو الابتلاء، فان الابتلاءيوجد في المجمل مرتين، أحدهما: الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به، وبعد البيان الابتلاء بالعمل به، فلذلك حسن بيان تأخير المجمل، وكذلك بيان المشترك يحتمل التراخي أيضا لما قلنا، إلا أن التفاوت بينهما هو أن إدراك بغالب الرأي في المشترك قائم وفي المجمل لا، وهذا التفاوت لا يمنع التراخي في البيان؛ لأن حكم كل واحد منهما في الحال التوقف مع حقية المراد، والمشترك يحتمل البيان من صاحب الشرع أيضا، فحينئذ يصير مفسرا.
(وهذا مذهب واضح لأصحابنا) - رحمهم الله- أي للفقهاء، فإن في هذا خلاف بعض المتكلمين، فان علي قول بعض المتكلمين عدم جواز تأخير بيان المجمل والمشترك عن أصل الكلام، لأن العمل بدون البيان غير ممكن،
(3/1426)

والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به، وإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان، فلو جوزنا مع ذلك تأخير البيان أدي ذلك إلي تكليف ما ليس في الوسع
(3/1427)

وجواب هذا ما ذكرنا من أن خطاب الشارع مفيد فائدته قبل البيان وهي ابتلاء علي ما ذكرنا وهو مذكور في الكتاب.
(وقد قال علماؤنا فيمن أوصي بهذا الخاتم لفلان وبفصه لفلان غيره) إلى آخره.
(3/1428)

فإن قلت: إيراد الخاتم نظير للعام ليس بمستقيم؛ لأن العام هو: اللفظ الذي ينتظم جمعا من المسميات التي هي متحدة الحدود كالمؤمنين والمسلمين والرجال والنساء، والخاتم ليس له أفراد.
ولو قيل إن الحلقة والفص له أفراد لا يستقيم ذلك أيضا لوجهين:
أحدهما: أن أفراد العام يجب أن يكون أقله ثلاثة، وهذا اثنان لا ثلاثة.
والثاني: أن أفراد العام يجب أن تكون متحدة الحدود كما ذكرنا، والحلقة في الخاتم ليست علي حد الفص وكذلك الفص ليس علي حد الحلقة لتغايرهما في ذاتيهما صورة ومعني فكيف يكونان أفرادا للعام؟
قلت أن هذا الذي ذكره هو نظير للعام من حيث الشمول كما في العام، فإن لفظ الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعا كلفظ الشيء ولفظ الإنسان، فإن كلا منهما عام وأفرادهما في التحقيق مخالف بعضها لبعض في الحد والحقيقة.
ألا تري أن حد الجوهر غير حد العرض، وكذلك حد حيوان علي خلاف حد الجماد، واسم الشيء يتناولهما بطريق العموم، وكذلك حد الرجل علي خلاف حد المرأة والصبي، واسم الإنسان يتناولهم بطريق العموم.
(3/1429)

فعلم بهذا أن المعنى الأصلي في العام هو معني الشمول والتناول لا اتحاد أفراد من حيث الحد والحقيقة.
أو نقول: أورد الخاتم نظيرا للعام لا أن يكون عين العام لمشاركته في معني الشمول كالعام.
ألا تري أن مشايخنا - رحمهم الله - أوردوا الواحد بعد العشرة نظير صفات الله تعالى مع ذاته من حيث إن كلا منهما لا هو ولا غيره مع أن ذات الله تعالى وصفاته متعالية عن النظير إذ ليس كمثله شيء، ولأن الواحد إن لم يكن عين العشرة ولا غيرها لكن هو جزء منها فليست صفة الله تعالى بجزء من ذاته فلا يكون نظيرا لصفاته، ولكن لما وجدوه نظيرا فيما قصدوا إليه جعلوه نظيرا لها لزيادة تفهيم المتعلمين، فكذا هنا لما وجدوا الخاتم متناولا للحلقة والفص كالعام فإنه متناول لأفراد جعلوه نطيرا له.
وقال الشافعي - رحمه الله-: يجوز متصلا ومتراخيا، وهذا الخلاف بناء علي دليل الخصوص بيان تغيير أم لا؟ وهذا الخلاف أيضا مبني علي أن العام قبل الخصوص هل يوجب الحكم قطعا أم لا؟
(ولو احتمل الخصوص متراخيا لما أوجب الحكم قطعا) إذ بالخصوص يتبين أن المخصوص لم يدخل تحت العام من الابتداء، فيلزم أن يلزمنا اعتقاد
(3/1430)

أنه موجبٌ قطعاً في جميع أفراده وغير موجب في الجميع وهذا تناقض، فلا يجوز القول بالتراخي.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله-:إن الخصم يوافقنا في القول بالعموم، وقد أوضحنا ذلك بالدليل، ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم فيه، والقول بجواز تأخير دليل الخصوص يؤدي إلي أن يقال يلزمنا اعتقاد الشيء علي خلاف ما هو عليه، وهذا في غاية الفساد.
(بل ما كان بيانا محضا صح القول فيه بالتراخي)، وهو بيان المجمل والمشترك، وما كان بيان التغيير لا يصح فيه التراخي، وما كان بيان التقرير صح القول فيه بالتراخي. هذه الوجوه كلها بالإجماع، فإختلفنا في دليل الخصوص وجعلناه من قبيل بيان التغيير فإشترطنا الوصل، والشافعي جعله من قبيل بيان التقرير؛ لأن بعد التخصيص بقاء موجب العام كما كان قبل التخصيص عنده فلم يتغير حكم العام بالتخصيص من القطع غلي الاحتمال فصح القول بالتراخي.
(3/1431)

وليس هذا باختلاف في حكم البيان، أي اختلافنا مع الشافعي في جواز تأخير تخصيص العام وعدم جوازه ليس بسبب اختلاف بيننا وبينه في حكم البيان، بل الاجماع منعقد بيننا وبينه في أن البيان الحقيقي وهو بيان المجمل والمشترك يجوز فيه التراخي.
وأما تخصيص العام فهو عندنا من قبيل بيان التغيير، فلذلك لا يجوز تأخيره، وعنده من قبيل بيان التقرير فيجوز.
(وما ليس ببيان خالص لكنه تغيير أو تبديل لم يحتمل القول بالتراخي) أراد بالتغيير الاستثناء، وبالتبديل الشرط، وهذه التسمية هنا وقعت علي موافقة تسمية الإمام شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله-.
وأما عند المصنف -رحمه الله - فالشرط والاستثناء كلاهما من قبيل بيان التغيير دون التبديل، فإن بيان التبديل عنده النسخ والتراخي فيه لازم، فلم يصح قوله:" لم يحتمل القول بالتراخي" في حق النسخ.
(ألا تري أنه يبقي علي أصله في الايجاب) يعني أن العام بأصله يحتمل
(3/1432)

التخصيص، فورود الخصوص يقرر ما احتمله العام قبل التخصيص فبقي العام بعد التخصيص علي ما كان قبل التخصيص، فكان هذا علامة كون البيان للتقرير فلم يكن هذا في الحقيقة باختلاف في البيان المحض؛ لأن في البيان المحض وهو بيان المجمل والمشترك جواز البيان بالتراخي.
(وهذا عندنا يقيد المطلق وزيادة علي النص فكان نسخا)، والنسخ لا يجوز إلا متراخيا. بيان ان قوله {بَقَرَةً} في قوله {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة ً} نكرة مطلقة في موضع الإثبات، وعندنا أن النكرة المفردة في موضع الإثبات خاص فلا يحتمل القول بالتخصيص لكن يحتمل بالتقييد؛ لأن الفرد يحتمل الصفة وهي تقييد له، فلذلك قيد بما ذكر الله تعالى في قوله {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا} وهذا زيادة علي مطلق البقرة والتقييد نسخ عندنا، وعند الشافعي المطلق عام وهو يبني الأمر في هذا علي مذهبه وهو أن المطلق عام عنده، فلا يلزمنا ما أورده هنا
(3/1433)

والدليل على أن ذلك كان بطريق النسخ ما ذكره ابن عباس - رضي الله عنهما- بقوله: لو أنهم عمدوا إلي أي بقرة كانت فذبحوها لاجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم فدل أن الأمر الأول قد كان تخفيف، وأنه قد إنتسخ ذلك بأمر فيه تشديد عليهم. فعلم بهذا أن الزيادة علي المطلق كانت بمنزلة النسخ.
(إلا أن نوح عليه السلام قال) إلي آخره جواب لإشكال مقدر وهو أن يقال: لو لم يكن الأهل متناولا للإبن لما قال نوح عليه السلام {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}؟
(3/1434)

قلنا: إنما قال ذلك بناء علي العلم البشري وحسن ظنه به أنه لما رأي الطوفان عسي أن يكون نادما علي فعله ويؤمن بالله عند ذلك.
(ولكنهم كانوا متعنتين فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم) يعني أن القوم كانوا متعنتينيجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم، فحين عارضوا بعيسي عليه السلام والملائكة علم رسول الله عليه السلامتعنتهم في ذلك، وأنهم يعلمون أن الكلام غير متناول لمن عارضوا به، وقد كانوا أهل اللسان، فأعرض عن جوابهم امتثالا لقوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} ثم بين الله تعالى تعنتهم فيما عارضوا به بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} ومثل هذا يكون ابتلاء كلام، وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت، كما في قوله {فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي
(3/1435)

بِالشَّمْسِ} وكلامنا فيما يكون محتاجا إليه في البيان، فتوقف به علي ما هو المراد.
(أما في هذه الآية - وهي قوله: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} فظلمهم كان علة إهلاكهم، ولوط وأهله سوي امرأتهليسوا بظالمين، فلم يكن قوله: {إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} متناولا لهم، فكان ذلك استثناء لهم من حيث المعني، فصار كأنه قال: إن مهلكوا أهل هذه القرية إلا لوطا وأهله سوي امرأته، وهو معني قوله: (وذلك استثناء واضح) أي معني.
وقوله: (غير أن إبراهيم) جواب سؤال يرد علي قوله؛ " لان البيان كان متصلا به" بأن يقال لو كان البيان متصلا به لما اعترض عليه إبراهيم عليه السلام بقوله: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا}، وصرح بذلك السؤال والجواب الإمام شمس
(3/1436)

الأئمة - رحمه الله- فقال: فإن قيل: فما معني سؤال إبراهيم عليه السلامالرسل بقوله: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا}؟
قلنا: فيها معنيان:
أحدهما: ان العذاب النازل قد يخص الظالمينكما كان في قصة أصحاب السبت، وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء في المطيعينكما قال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} فأراد الخليل عليه السلام أن يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من أي الطريقين.
والثاني: أنه علم يقينا أن لوط عليه السلام ليس من المهلكين معهم، ولكنه خصه في سؤاله ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط، وهو نظير قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى}
وقد كان عالما متيقنا بإحياء الموتي، ولكن سأله لينضم العيان إلي ما كان له من علم اليقين، فيزداد
(3/1437)

به طمأنينة قلبه.
وقوله: (ذلك) إشارة إلي قوله " أراد الإكرام للوط عليه السلام".
(وهذا عندنا من قبيل بيان المجمل) ، وذلك لان النبي عليه السلام قسم سهم ذوي القربيواعطي بني هاشم وبني عبد المطلب، فقال جبير بن مطعم وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بالنا حرمتنا وأعطيت بني عبد المطلب ونحن وهم في النسبة إليك سواء؟ فقال عليه السلام: " إنهم لم يفارقوني في الجاهلية والإسلام وهم بني هاشم كشيء واحد. وشبك بين أصابعه"
(3/1438)

وهذا من رسول الله عليه السلام بيان ان المراد بالقربي (قربي النصر لا قرب النسب) ولا قربي يحتملهما، فكان الحديث بيانا للمجمل لا تخصيصا، وبيان المجمل يجوز فيه التراخي.
وذكر أصل هذا الحديث في الباب الأول من سير "المبسوط "فقال:
إن أصل النسب وهو عبد مناف كان له أربعة بنين: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، ورسول الله عليه السلام كان من أولاد هاشم بن عبد مناف، وكان بنو هاشم أولاد جده وجبير بن مطعم كان من بني نوفل، وعثمان بن عفان - رضي الله عنه- كان من بني عبد شمس، وولد جد الإنسان أقرب إليه من ولد أخي جده، وهذا معني قولهما:"لا ننكر فضل بني هاشم".
فأما بنو نوفل وبنو عبد شمس كانو مع بني عبد المطلب في القرابة أسوة.
وقيل: بنو نوفل وبنو عبد شمس فكانو أقرب إليه من بني عبد المطلب؛ لأن نوفل وعبد شمس كانا أخويهاشم لأب وأم، والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه، ووالاخ لأب وأم أقرب إلي المرء من أخ لأب، ثم أعطي رسول الله عليه السلام بني عبد المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس، فأشكل ذلك عليهما، فلهذا سألاه، فأزال رسول الله عليه السلام إشكالهما ببيان علة
(3/1439)

الاستحقاق أنها النصرة لا القرابة، ولم يرد به نصرة القتال، فقد كانت هي موجودة في عثمان وجبير بن مطعم - رضي الله عنهما- وإنما أراد نصرة الإجتماع للنبي عليه السلام للمؤانسة في حال ما هجره الناس إلي آخره.
(وإجماله أن القربي يتناول غير النسب) من القرب بالنصرة ومن القرب بالموافقة ومن القرب بإعطاء المال (ويتناول وجوبها من النسب مختلفة) وهي القرابة القريبة والقرابة البعيدة والقرابة المتوسطة.
(3/1440)

باب بيان التغيير
فقولنا:"بيان التغيير" معناه: بيان هو تغيير كما يقال: علم الفقه وعلم الطب، وهو ما تغير من موجب الكلام الذي ذكر، أو لأنما ذكر في آخره من الشرط والاستثناء.
(وعلي هذا إجماع الفقهاء) خلافا لإبن عباس - رضي الله عنهما -في الاستثناء، فإنه جوز الاستثناء متراخيا.
(3/1441)

وحكاية أبي حنيفة - رضي الله عنه- مع أبي جعفر الدوانيقي معروفة، وهي أنه كان خليفة فاستقبله أبو حنيفة - رضي الله عنه- يوما وأخذه أبو جعفر بتكنيته وقال: أنت الذي خالفت جدي! فقال أبو حنيفه - رحمة الله عليه -: أتناظرني أم تقاتلني؟ فقال أناظرك، فقال له أبو حنيفه - رحمة الله عليه -لو صح الاستثناء متراخيا بارك الله في بيعتك، يعني لو استثنوا بعد البيعة كيف تبقي بيعتك صحيحة! فسكت فأرسله.
(3/1442)

(فصار الشرط مغيرا له من هذا الوجه)؛ لأن موجب صدر الكلام التنجيز فغير الشرط هذا الموجب.
(فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان)؛ لأن النسخ: رفع للحكم الأول وإثبات للحكم الثاني فلا يكون بيانا، إلا أن هذا القول وقع مخالفا لما ذكر من قبل هذا بأن النسخ هو بيان التبديل فقال: في باب النسخ وهو في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلقالذي كان معلوما عند الله تعالى.
قلنا: تأويل هذا هو كون النسخ بيانا في حق صاحب الشرع؛ لأن حد البيان موجود في حقه وهو من ابتداء وجود الكلام، فكان في النسخ في حق الله تعالى إظهار ابتداء وجود الكلام المطلق في أن شرعية الحكم الثابت به إلي هذا الوقت؛ لانه عند الشرع المنسوخ كان الله تعالى عالما ببقاء شرعيته
(3/1443)

إلى وقت مقدر، فلما نسخه كان ذلك بيانا لما كان علمه قبل ورود النسخ.
وأما قوله ها هنا: "فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان" أي في حق العباد؛ لأن العباد كانوا لا يعلمون قبل ورود الناسخ انتهاء شرعية المنسوخ، فلا يكون النسخ بيانا لما يظهر من ابتداء وجود الكلام، بل يكون رفعا لشرعية المنسوخ بعد وجودها فلا يكون بيانا.
(ولما كان التعليق بالشرط لابتداء وقوعه غير موجب) يعني أن المعلق بالشرط يظهر كونه عند وقوع الشرط وهو في الحال غير موجب بل ينقلب موجبا عند وجود الشرط.
(ألا تري أن التعلق بالشرط والاستثناء لو صح كل واحد منهما متراخيا كان ناسخا)؛ لأن قوله: أنت طالق إذا تعري عن الشرط يقع الطلاق بالإتفاق، فلو صح الشرط بعد ذلك لكان رفعا للحكم الثابت
(3/1444)

كالنسخ، فإن النص الموجب لحكم لما أثبت الحكم الثابت بالنص المعارض بعد زمان كان نسخا لذلك الحكم، وكذلك قوله: ألف درهم إذا لم يقترن الاستثناء ثبت موجبه، فلو صح متراخيا كان رفعا للحكم الثابت بالألف كما قلنا في التعليق بالشرط.
(ولكنه إذا اتصل منع بعض التكلم لا إنه رفع بعد الوجود، فكان بيانا) من حيث إن المراد بالألف بعضه لا كله فسمي بيان التغيير؛ لأنه وجد فيه معني كل واحد منهما.
(ومنزله الإستثناء مثل منزلة التعليق بالشرط) أي في كونهما جميعا بيان التغيير، فكانا من بيان التغيير دون التبديل، هذا علي خلاف ما اختاره الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - فإن بيان التغيير عنده الاستثناء لا غير.
وأما بيان التبدييل عنده فالتعليق بالشرط وعند المصنف بيان التبديل هو النسخ، فالاستثناء والتعليق عند المصنف من بيان التغيير.
(3/1445)

(في كيفية عمل كل واحد منهما، فقال: الاستثناء يمنع التكلم بحكمه) أي مع حكمه، يعني أن الاستثناء يمنع الموجب مع موجبه وهو الحكم عند الشافعي يمنع الموجب.
واما الموجب وهو المستثني منه بمجموعه فثابت ولكن امتنع بعض حكمه بمعارضة الاستثناء.
(وقال الشافعي- رحمه الله - إن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة)؛
(3/1446)

لأن صدر الكلام وقع موجبا متناولا لقدر المستثني، إلا إن حكمه لا يثبت بالاستثناء كما هو الأصل في وقوع المعارضة بين الدليلين، وكذلك التعليق بالشرط عنده يمنع حكم العلة عند الثبوت لاأنه يمنع انعقاد العلة بل وقع عله إلا أن الحكم لا يثبت بالتعليق.
(بمنزلة دليل الخصوص) يعني أن دليل الخصوص يعارض النص العام بصيغته في مقدار المخصوص؛ لانه نص مستبد كالنص العام فكان عمله في المعارضة لهذا.
(وقد دل علي هذا الأصل مسائلهم) أي مسائل أصحابنا والشافعي - رحمهم الله-
وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} إلي آخرهفمعناه في تخريج الشافعي إلا الذين تابوا (فاقبلوا شهادتهم وأولئك هم الصالحون غير فاسقين)؛ لأن الاستثناء عنده بطريق المعارضة، فصدر الكلام يوجب رد الشهادة أبدا والاستثناء يعارضه في حالة واحدة وهي حالة التوبة، ورد الشهادة مما يحتمل
(3/1447)

التوقيت فإنه مؤقت بحالة الفسق، وبعد زوال الفسقبالتوبة كان الحكم بخلافه، وعنده رد الشهادة حكم الفسق، لأن رد الشهادة بالقذف كرد الشهادة بفسق آخرفينتهي بالتوبة.
فأما الجلد فحد يتعلق في حق العبد عنده علي سبيل التغليب ولهذا يورث ويجري فيه العفو فلا تظهر فيه التوبة.
(لأن الاستثناء عارضة في المكيل خاصة) فبقي ما وراء المكيل تحت العام وهو المجازفة والمفاضلة.
(وخصوص دليل المعارضة لا يتعدي مثل دليل الخصوم في العام) يعني أن دليل المعارضة خاص وهو قوله"إلا سواء بسواء" وقع معارضا لصدر الكلام في حالة المساواة فلا يتعدي؛ إذ لو تعدي لصار عاما، وهو خاص كما أن دليل الخصوص لا يتعدي عن المخصوص نصا إلا بطريق التعليل، ولكن الفرق بينهما أن دليل المعارضة لا يتعدي إلي غير ما عارضه إلا بنفسه ولا بطريق التعليل، لأن التعليل فرع النص، فلو عللنا النص المعارض للتعدية يلزم أن يكون التعليل معارضا للنص الذي عارضه النص المعارض كالنص المعارض وهو لا يصح كما ذكرنا في عدم تعليل الناسخ.
(3/1448)

فأما دليل التخصيص وإن كان فيه شبهة المعارضة باعتبار شبهه الناسخ وهو للبيان في نفسه لوجود حد البيان فيه وهو: أن يظهر به ابتداء وجود الكلام، فكان قابلا للتعليل.
وحاصله أن دليل المعارضة وهو قوله "إلا سواء بسواء" لا يتعدي حتي لا يجوز بيع الحفنة بالحفنتين عند الخصم مثل دليل الخصوص في العام، فإن دليل الخصوص فيه نص خاص قطعي لا يتعدي إلي ما وراء المخصوص إلا بالتعليل، ولهذا لم يثبت الحكم فيما وراءه قطعا بل بغالب الرأي بالقياس.
وكذلك تخريجه في (قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ}) أنه بطريق المعارضة، معناه أن صدر الكلام وهو قوله {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} يتناول جميع الأحوال، فحال العفو من المرأة صار معارضا فلا يتعدي إلي حال لا يصح العفو منهاإذا كانت صغيرة أو مجنونة.
قال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وقال أي الشافعي في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء": إن المراد: لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر، حتي أثبت بالحديث حكمين: حكم الحرمة لمطلق الطعام بالطعام فأثبته في القليل والكثير، وحكم الحل بوجود المساواة كما هو موجب في الاستثناء، فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة، وهو نظير
(3/1449)

قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} في أن الثابت به حكمان: حكم تنصف به المفروض بالطلاق، فيكون عاما فيمن يصح منه العفو ومن لا يصح نحو الصغيرة والمجنونة، وحكم سقوط الكل بالعفو كما هو موجب الاستثناء، فيختص بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} أي وإن يتفضل الزوج فيعطي الكل صلة لها وإحسانا إليها، أي الواجب شرعا هو النصف إلا ان تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل وإنما كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح؛ لأن الطلاق بيده فكان إبقاء العقد بيده.
وقوله: (يسقط من الألف قدر قيمته) وعندنا لا يسقط من الألف شيء؛ لأن هذا ليس باستثناء حقيقة، فلو كان تكلمنا بالباقي لكان نفيا لغيره لا إثباتا له، فمعني نفي الغير من غير إثبات له قاصدا بالفارسية جز خداي خداي نيست (3)
(3/1450)

وهذا تكلم بالباقي لا غير، وأما لو كان بطريق المعارضة فكان معناه: خداي نيست مكريك خدايست، وهذا كما ترى نفي للألوهية عن غيره وإثبات إياها له، فكان هذا أولى باعتبار أن هذا كلمة التوحيد.
(فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ) كما في البيع بشرط الخيار والطلاق الرجعي، فإن وضع الطلاق لرفع النكاح وذلك لا يوجد في الطلاق الرجعي قبل انقضاء العدة.
(فقوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)) فإن دليل المعارضة في الحكم إنما يتحقق في الإيجاب دون الخبر؛ لأن ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر الكلام، ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع، فلو كان الطريق ماقاله الخصم لاختص الاستثناء بالإيجاب
(3/1451)

كدليل الخصوص، والدليل على صحة ماقاله علماؤنا -رحمهم الله- هذه الآية أيضًا، فإن معناه: لبث فيهم تسعمائة وخمسين عامًا؛ لأن الألف اسم لعدد معلوم ليس احتمال مادونه بوحه، فلو لم يحعل أصل الكلام هكذا لم يمكن تصحيح ذكر الألف بوحه؛ لأن اسم الألف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلًا.
وإذا قال الرجل: لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال: له علي تسعمائة، فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الألف لا يمكن إيجاب تسعمائة عليه ابتداء؛ لأن القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة، وكان لهذا العدد عبارتان:
الأقصر: وهو تسعمائة، والأطوال: وهو الألف إلا مائة، وهذا معنى قول أهل اللغة: إن الاستثناء استخراج بعض الكلام على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى.
وقوله: (فبقاء التكلم بحكمة في الخبر لا يقبل الامتناع بمانع) جواب
(3/1452)

عن قوله: «فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ» وسقوط الحكم بطريق المعارضة في الإيجاب يكون لا في الإخبار؛ لأن الإيجاب إثباب شيء، فإذا عارضه شيء آخر لم يثبت.
فأما الإخبار فلفظ دال على أمر كان أو يكون وهو لا يصلح بدونك ذلك؛ لأنه لو لم يكن كائنًا يلزم منه الكذب فلا يمكن امتناع المخبر به بالمعارضة؛ لأنه كائن قبل ثبوت المعارضة فيستحيل امتناعه، ولما بقي جميع ماتكلم بحكمه في صدر الكلام لم يقبل الامتناع بمانع فبطل القول بالمعارضة فصح ماذكرنا.
(وإثبات ونفي بإشارته) يعني لو كان صدرالكلام نفيًا كان الإثبات في المستثنى بطريق الإشارة كما في كلمة التوحيد، ولو كان صدر الكلام إثباتًا كان النفي في المستثنى بطريق الإشارة كما في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا مائة وإنما لم يعكس؛ لأن الإثبات أو النفي في المستثنى غير مذكور قصدا، لكن لما كان حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه بحسب وضع صيغة الكلام فيه لزم ذلك ضرورة الاستثناء لغة.
(أن ما يمنع الحكم بطريق المعارضة يستوي فيه البعض والكل) ولم يستو هاهنا؛ لأن استثناء الكل من الكل لايجوز، ولو كان بطريق المعارضة لجاز.
(3/1453)

(والاستثناء قط لا يستقل بنفسه)
فإن قيل: هذا على أصلكم.
وأما على أصل الشافعي فأنه لما كان الاستثناء على وجه المعارضة كان مستقلًا بنفسه على ما ذكر قبله بقوله: «إلا مائة فإنها ليست علي» قلنا: هذا أيضا لا يستقل بنفسه بدون الأول.
ألا ترى أنه لو قال: إلا مائة فإنها ليست علي بدون سابقة المستثنى منه لا يكون مفيدًا، فلذلك صح قولنا على الإطلاق والاستثناء قط لا يستقل بنفسه.
(وذلك لا يصلح) أي وذلك البعض الذي هو ما وراء المستثنى لا يصلح حكمًا لكل التكلم بصدوره، ثم أوضح هذا القول بقوله:
(3/1454)

(ألا ترى أن الألف اسم علم له لايقع على غيره) يعني أن كل التكلم بصدره اسم الألف في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة فلا يصلح ما دون الألف الذي بقي بعد الاستثناء وهو تسعمائة حكمًا للألف، فلو كان إخراج المائة من الألف بطريق المعارضة لبقي اسم الألف صالحا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المستثنى وهو تسعمائة كما في دليل الخصوص، فإنه لما ثبت حكمه بطريق المعارضة للعام بقي اسم العام صالحًا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المخصوص من العام، فإن اسم المشركين في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) بقي صالحًا لإطلاقه حقيقة على ما وراء الدمي والمستأمن من المشركين لثبوته بطريق المعارضة.
والمعنى في ذلك وهو أنا إنما اشترطنا صلاحية إطلاق اسم كل صدر الكلام على ما وراء المستثنى الذي وجب على المقر في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة؛ لأن القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة.
(3/1455)

(وإذا كان الوجود غاية للأول أو العدم غاية لم يكن بد إثبات الغاية لتناهي الأول)، ثم انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع بعد وجود المثبت فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم الدليل الموجب لا لمعارض مانع.
(ولذلك اختير في التوحيد لا إله إلا الله ليكون الإثبات إشارة والنفي قصدًا) إلى آخره، وهذا لأن الإيمان عند المحققين من المتكلمين هو التصديق بالقلب فقط، والبيان باللسان شرط إجراء الأحكام في الدنيا، وعند
(3/1456)

الفقهاء: الإقرار باللسان وإن كان ركنًا لكنه زائد؛ لأنه إذا لم يتمكن من البيان ولم يصادف وقتًا يقدر فيه على البيان وصدق بالقلب فهو مؤمن بلإجماع إذا لم يكن ذلك الوقت وقت البأس فكان التصديق كل الإيمان أو أصلًا فيه، (فاختير في البيان الإشارة)؛ لأن الإشارة غير مقصودة والإقرار أيضًا غير مقصود، فاختير ماليس بمقصود لما ليس بمقصود.
فإن قيل: إن النفي باللسان أيضًا غير مقصود؛ لأن التصديق هو الأصل، والتصديق هو نفي الألوهية عن غير الله وإثبات الألوهية لله تعالى وهو الأصل في القلب، فكيف يصح قوله في الكتاب: «ليكون النفي قصدًا والإثبات إشارة» مع أن النفي على ماقررنا باللسان أيضًا غير مقصود؟
قلنا: الأمر كذلك إلا أنه يقصد النفي في الكلام بالبيان لدفع خصومة الخصم؛ لأن من الناس من يثبت الألوهية لغير الله فمست الحاجة إلى النفي قصدًا دفعًا لقول الخصم.
(3/1457)

فأما إثبات الألوهية لله تعالى فلا نزاع، فيه قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، فاختير في الإثبات الإشارة فلذلك ابتدأ في كلمة التوحيد بنفي الأغيار عن شركة الألوهية ليقع النفي مقصودًا، فلما انتفت الألوهية عن غير الله قصدًا ثبتت الألوهية لله تعالى لغة وإشارة؛ لأنه لا بد للعالم الحادث من محدث أحدثه، ومن خالق خلقه وهو الله تعالى.
وإلى هذا أشار الإمام المحقق شمس الأئمة-رحمه الله- في تقريره فقال: وأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات فإطلاق ذلك باعتبار نوع من المجاز، فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه عبارة عما وراء المستثنى ولا بد من الجمع لبن الكلمتين ولا طرق للجمع سوى مابينا، وهو أنه باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عن عما وراء المستثنى، وهو نفي من الإثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الإثبات يتوقف به كما يتوقف بالغاية، فلإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة الإثبات فسمي نفيًا مجازًا.
ثم قال: فإن قيل هذا فاسدًا؛ لأن قول القائل: لا عالم إلا زيد يفهم منه الإخبار بأن زيدًا عالم، وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارًا بالتوحيد حقيقة، كيف
(3/1458)

يستقيم حمل ذلك على نوع من المجاز؟
قلنا: قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم، وقوله: إلا زيد توقيت للوصف به ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت، فمقتضى كلامه هنا نفي صفة العلم لغير زيد، ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا بنص كلامه كما أن نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر، فبوجوده يثبت ما هو ضده وهو صفة النهار ونفي السكون مؤقت بالحركة، فبعد انعدام الحركة يثبت السكون. يقرره أن الآدمي لا يخلو من أحد الوصفين، إما العلم وإما نفي العلم عنه، فلما توقت النفي فى صفة كلامه بزيد ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده، وفي كلمة الشهادة كذلك نقول: فإن كلامه نفي الألوهية عن غير الله ثم يثبت التوحيد بطريق الإشارة إليه.
(وتفسيره ما ذكرنا) وهو قوله: إن الاستثناء استخراج وتكلم بالباقي بعد الثنيا.
وقوله: (مجازًا) بدل من قوله: «مبتدأ» يعني أن إطلاق اسم الاستثناء على المنقطع بطريق المجاز.
(3/1459)

قال الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) وقبله قال: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي كل ما عبدتموه أنتم وعبده آباؤكم الأقدمون وهم الذين ماتوا في سالف الدهر، والأقدم تفضيل القديم وهم الأجداد وآباء الأجداد، فإني أعاديهم أي أجتنب عبادتهم وتعظيمهم إلا رب العالمين فأني أعبده وأعظمه لا أعبد غيره.
وقال الضحاك (إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ): أي إني بريء من الآلهة التي
(3/1460)

تعبدون كلها إلا رب العالمين فإني لا أتبرأ منه.
وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى لكن.
وقيل: بل هو استثناء متصل، وقد كان في آبائهم من يعبد الله ويعبدون الأصنام على الشركة فتبرأ من كل مايعبدونه، واستثنى رب العالمين مما يعبدونه فصح الاستثناء. كذا في «التيسير».
(وكذلك (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَاثِيمًا (25) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا)).
قال في «الكشاف»: أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوًا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادي قولهم:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
أو لا يسمعون فيها إلا قولًا يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء
(3/1461)

المنقطع، أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلام هي دار السلامة وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) استثناء منقطع، هذا جواب عما تمسك به الشافعي- رحمه الله- في أن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة.
قلنا: كلامنا معك في الاستثناء الحقيقي وهو المتصل من الاستثناء لا المنقطع منه وهذا منقطع؛ لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام، فلا يرد علينا نقضًا، ونحن نسلم أن صورة المعارضة ثابتة في الاستثناء المنقطع؛ لأن ذلك ليس من جنس الأول حتى يستقيم فيه التكلم بالباقي بعد الثنيا، فتعذر حمل اللفظ على حقيقة الاستثناء ولئن كان محمولًا على حقيقة الاستثناء فهو استثناء بعض الأحوال، أي فأولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال إلا
(3/1462)

أن يتوبوا، فيكون هذا الاستثناء توقيت الحال ما قبل التوبة، فلا تبقى صفة الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل الموجب لا لمعارض مانع كما توهمت أنت.
(وكذلك قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) إذا حمل صدر الكلام على الأحوال يكون حقيقة، فكأنه قال: فالنصف ثابت في جميع الأحوال إلا حال عفو المرأة التي هي صالحة للعفو وهي العاقلة البالغة فحينئذ النصف أيضًا غير ثابت فصح التكلم فيه بالباقي بعد الثنيا بالنظر إلى عموم الأحوال.
(وكذلك قوله: "إلا سواء بسواء" استثناء حال بأن المساواة حال، والأصل أن يثبت المستثنى منه على وفق المستثنى إذا لم يكن المستثنى منه على وفق المستثنى في النفي، وعلى هذا مسائل إن كان في الدار إلا زيد كان المستثنى منه بني آدم إن كان في الدار إلا حمار المستثنى منه الحيوان على ما يجيء تمامه، فكذلك ها هنا المستثنى لما كان حالًا كان المستثنى منه أحوالًا؛ لأن استثناء الحال من العين لا يتصور، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال من المساواة والمجازفة والمفاضلة إلا حالة المساواة، ولا نتحقق هذه الأحوال إلا في الكثير لما أن المساواة إنما تثبيت بالمسوي الشرعي
(3/1463)

بالاتفاق، وهو الكيل المذكور في حديث آخر بقوله: "إلا كيلا بكيل"، فالمجازفة والمفاضلة مبنيتان على الكيل الشرعي، وهذا لأن مطلق الفصل ليس بمجرد الإجماع؛ لأن أجزاء الحنطة لابد أن تتفاوت بعضها مع بعض آخر وذلك غير معتبر، بل المعتبر ما كان زائدًا على الكيل، فالزائد على الكيل يقتضي وجود الكيل لا محالة، وتلك الأحوال التي ذكرنا لا تتحقق إلا فيما يدخل تحت الكيل.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه لا يصح إلا بالإدراج وهو إدراج الأحوال، فالإدراج خلاف الأصل كما أن كون الاستثناء منقطعًا خلاف الأصل أيضًا، فكيف رجحتم جانب الإدراج على كون الاستثناء منقطعًا؟
قلنا: لا كذلك؛ لأن الإدراج أحد نوعي الكلام عند اقتضاء الدليل.
ألا ترى أن أحدًا لم يقل فيما إذا كان المستثنى منقطعًا مع أنا أجمعنا مع الخصم على أن هذا الاستثناء الذي ذكر في الحديث متصل لا منقطع، وكفى به حجة لنا في أنه متصل، ولا يصح اتصاله إلا بما ذكرنا، فكان الإدراج ثابتًا ضرورة.
(3/1464)

فعلم بهذا الحديث لم يتناول القليل الذي لا يدخل تحت الكيل أصلًا، فبطل استدلال الشافعي به على حرمة بيع القليل من الطعام.
وقوله: (وذلك لا يصلح إلا في المقدر) وهو المقدر بالكيل بالاتفاق.
(ونفيه لا يؤثر في الألف) حتى أنه لو قال: لكن لا ثوب له علي بالتصريح بهذا إنه لا يسقط به عنه شيئًا من الألف، فكذلك اللفظ الذي يدل عليه، لما أن المستثنى لم يتناوله صدر الكلام لا صورة ولا معنى.
(وأما إذا استثنى المقدر من خلاف جنسه) بأن قال: لفلان على ألف درهم إلا كر حنطة، (فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- هو صحيح، وقال محمد -رحمه الله- ليس بصحيح)، وهذا الخلاف أيضًا في كل مقدر مكيل أو موزون حتى قال في "المبسوط" ولو قال: له علي ألف درهم إلا دينارًا فالاستثناء جائز، ويطرح من الألف قيمة الدينار، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- استحسانًا، وفي القياس لا يصح هذا الاستثناء، وهو قول محمد -رحمه الله- وكذلك لو قال: إلا فلسًا أو إلا كر حنطة أو استثنى شيئًا مما يكال أو يوزن أو يعد عددًا فهو على هذا الخلاف.
(3/1465)

فأما إذا قال: إلا شاه أو ثوبًا أو عرضًا من العروض فالاستثناء باطل عندنا.
(لأن المقدرات جنس واحد في المعنى) أي في حكم الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد من المكيل والموزون يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا حيث يثبت بمقابلة ما هو مال وبمقابلة ما ليس بمال بخلاف الثوب والحيوان، فإنهما لا يثبتان في الذمة إلا بمقابلة ما ليس بمال كما قي النكاح والدية، وهكذا تثبت المقدرات في الذمة ثمنًا وتثبت حالًا ومؤجلًا، ويجوز الاستقراض فيها فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى، والاستثناء: استخراج وتكلم بالباقي بعد الثنيا بطريق المعنى، فصح استثناء كل واحد من المكيل والموزون من الآخر لهذا.
وقوله: (لأنهما تصلح ثمنًا) بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة وتصف ذلك على ما ذكرنا في "النهاية" فإن الحنطة في تلك الصورة تتعين ثمنًا حتى صح استبدالها بآخر.
(3/1466)

(وقد قلنا: إن الاستثناء تكلم بالباقي معنى لا صورة) أي أنه تكلم بالألف صورة وهذا لا شبهة فيه، وإنما جعل تكلمًا بالباقي من حيث المعنى، فكان قوله: "لفلان علي ألف درهم إلا مائة" من حيث المعنى لفلان علي تسعمائة، فكانت تسمية الدراهم وهي الألف في قدر المائة تسمية صورة بلا معنى، فكذلك ها هنا إذا صح الاستخراج من طريق المعنى وهو القدر بقي المعنى وهو الشيء المقدر في قدر المستثنى وهو كذا من الحنطة.
(تسمية الدراهم بلا معنى) كما قلنا في قولنا: ألف إلا مائة؛ لأن المقدر ها هنا في صدر الكلام مثل ألف درهم، وقوله في الاستثناء: إلا كر حنطة مثل قوله: إلا مائة فلا فرق بينهما في المعنى من حيث وجوبهما في الذمة.
وأما الثوب فلا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو الثبوت في الذمة؛ فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعًا أي في باب السلم، والألف إنما يثبت في الذمة ثمنًا فلا يمكن جعل كلامه استخراجًا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى، فلذلك جعلناه استثناء منقطعًا.
(وعلى هذا الأصل) وهو أن الوصل يشترط في بيان التغيير:
(3/1467)

(إلا أنه تغيير للحقيقة) فإن مقتضى قوله: على ألف درهم، الإخبار بوجوب الألف في ذمته، وقوله: "وديعة" فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال، فإذا كان موصولًا كان بيانًا صحيحًا، وإذا كان مفصولًا كان نسخًا، فيكون بمنزلة الجوع عما أقر به.
(لأن حقيقة هذه العبارات للتسليم وقد تحتمل العقد) كقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ) أي ما عقدتم؛ لأنه سبب الإيتاء بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب.
(3/1468)

(وإذا قال: لفلان علي ألف من ثمن جارية باعينها) إلى آخره.
قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- لو قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعينها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يصدق إذا كان موصولًا، وإذا كان مفصولًا يسأل المقر له عن الجهة، فإن قال: الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر.
وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فحينئذ القول قول المقر لم يقبضها؛ لأن هذا بيان تغيير، فإنه يتأخر به عن حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزله شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغيرًا لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخًا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولًا، وإذا كان مفصولًا فإن صدقة في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليهما، ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض، فكان المقر له
(3/1469)

مدعيًا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما ذا كذبه في الجهة ثم ثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه، وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضان بيان تغيير فلا يصح مفصولًا.
وأبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول: هذا رجوع عما أقر به؛ لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينًا في ذمته، وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا يكون واجبًا عليه إلا بعد القبض، فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد، ولا يكون ثمنًا واجبًا يعني إذا هلكت قبل القبض أو كانت مجهولة.
وقوله: "من ثمن جارية باعينها ولكني لم أقبضها" إشارة إلى هذا، فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها، وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول: المبيعة غيرها، وقد أقر بأن الألف في ذمته واجب مقرر، وذلك صريح منه بأن الجارية مقبوضة، ثم قوله: "لكني لم أقبضها" يكون رجوعًا منه، فعرفنا أن آخر كلامه عما أقر به من وجوب المال ديناً
(3/1470)

في ذمته، والرجوع لا يصح موصولًا ولا مفصولًا.
(والثابت بالدلالة مثله إذا ثبت بالصريح) يعني الحكم الثابت بالدلالة مثل الحكم الثابت بالصريح عند عدم الصريح، ولو كان قال: قبضت المبيع لكني لم أقبض كان رجوعًا فكذا ها هنا، ولا يقال بأنه بقوله: لكني لم أقبضها، والدلالة إنما تعمل عمل الصريح إذا لم يكن الصريح مخالفًا لها.
فأما إذا كان مخالفًا لها فلا عبرة لها بمقابلة الصريح؛ لأنا نقول: إن ذلك فيما إذا تعارضا.
فأما إذا ثبت موجب الدلالة أولًا فلا، وهاهنا ثبت موجب الدلالة أولًا وهو قبض المبيع على ما ذكرنا، ثم قوله: "لم أقبضها" إنما وجد بعد ثبوت موجب الدلالة فلا يكون ذلك معارضًا بل يكون رجوعًا.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة -رضي الله عنه- يوضحه أنه أقر بالمال وادعى لنفسه أجلًا لا إلى غاية معلومة وهي إحضار المتاع، فإن تسليم الثمن لا يجب إلا بإحضار المعقود عليه ولا طريق للبائع إلى ذلك، لأن البائع ما من جارية يحضرها إلا وللمشتري أن يقول: الجارية المبيعة غير هذه، ولو ادعى أجل شهر أو نحو ذلك لم يصدق وصل أم فصل، فإذا ادعى أجلًا مؤيدًا أولى أن لا يصدق في ذلك.
(3/1471)

(وعلى هذا الأصل إيداع الصبي -أي الصبي المحجور- الذي يعقل).
وأما الصبي الذي لا يعقل فيجب أن يضمن بالاتفاق. هكذا ذكره المصنف -رحمه الله- في "الجامع الصغير".
وذكر في أحكام الصغار بعد ذكر هذه الرواية؛ لأن التسليط غير معتبر وفعله معتبر.
وذكر الإمام الإسبيجاني -رحمه الله- في "المبسوط" أن الاختلاف في الصبي الذي يعقل.
أما الذي لا يعقل فلاضمان عليه بالإجماع.
(قال: أبو يوسف -رحمه الله- هو من باب الاستثناء؛ لأن إثبات اليد نوعان: للاستحفاظ ولغيره)، فإذا قال: "أحفظ هذا" يكون هذا القول استثناء لغير الاستحفاظ عن إثبات اليد، إلا أن الاستحفاظ لم يتعد أثره إلى الصبي لعدم الولاية عليه فيصير المعدوم يعني غير الاستحفاظ خرج من إثبات اليد، والنوع الآخر من إثبات اليد بطريق الوديعة لم يثبت لما ذكرنا من عدم الولاية، فجعل كأن اليد لم يكن أصلًا، فصار كأن الصبي استهلك مال
(3/1472)

الغير ابتداء فيضمن.
وحاصلة أن التسليط والاستحفاظ كل واحد منهما لم يثبت من المودع في حق الصبي.
أما التسليط فإنه تصرف من رب المال في حق نفسه مقصور عليه غير متناول للصبي، فانعدم التسليط لانعدام علته.
وأما الاستحفاظ فانعدم أيضا لانعدام ولايته على الصبي، ويعد انعدام النوعين صار كأنه لم يوجد تمك ينه من المال أصلا، فبعد ذلك إذا استهلكه كان ضامنا كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه، وهذا الخلاف فيما إذا كانت الوديعة غير العبد والأمة فإن كانت إياهما فقبلهما الصبي كان ضامنا بالاتفاق.
وقوله: (فإذا نص على الإيداع كان مستثنى) أي كان التسليط مستثنى، (والاستثناء من المتكلم تصرف على نفسه فلا يبطل بعدم الولاية على الصبي) أي فلا يبطل استثناؤه (بلا لا يثبت إلا الاستحفاظ)، لأنه استثني غيره
(وقال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-ليس هذا من باب الاستثناء؛
(3/1473)

لأن التسليط فعل يوجد من المسلط) يعني أن قوله: "احفظ هذا" قول والتسليط فعل، وشرط صحة الاستثناء أن يكون صدر الكلام مجانسا للمستثنى، والمستثنى هاهنا غير الاستحفاظ والإستثماء قوله: "احفظ" فلا يصح.
أو نقول: صدر الكلام فعل مطلق والمطلق فرد، والاستثناء يقتضي كون صدر الكلام متناولا للفردين فصاعدا، فلا يكون استثناء بهذين المعنين، لأن قوله "احفظ" كلام ليس مم جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء، ولكنه معارض بمنزلة جليل الخصوص، أو بمنزلة ماقاله الخصم في الاستثناء، وإنما يكون معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا، ولا خلاف أن قوله: "احفظ" غير صحيح في حكم الإستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا، فالإستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ.
وذكر في "المبسوط" في تعليل قولهما فقال: لأنه صبي وقد سلطه رب الوديعة على ماله حين دفعه إليه، وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام:
أحدهما: أنه تسليط باعتبار العادة؛ لأن عادة الصبيان إتلاف المال لقلة
(3/1474)

نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحاله يصير كالإذن له في الإتلاف، وبقوله: "احفظ" لا يخرج من أن يكون آذنا؛ لأنه إنما خاطب بهذا من لا يحفظ فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار وقال: لا تأكل، بخلاف العبد والأمة لأنه ليس من عادة الصبيان القتل؛ لأنهم يهابون القتل ويفرون منه فلا يكون إيداعه تسليطا على القتل باعتبار عادتهم.
والأصح أن نقول: معنى التسليط تحويل يده في المال إليه، فإن المالك باعتبار يده كان متمكنا من استهلاكه، فإذا حول يده إلى غيره صار ممكنا له من استهلاكه بالغا كان المودع أو صبيا، إلا أن بقوله "احفظ" قصد أن يكون هذا التحويل مقصورا على الحفظ دون غيره، وهذا صحيح في حق البالغ باطل في حق الصبي؛ لأنه التزم بالعقد والصبي ليس من أهله، فيبقى التسليط على الإستهلاك بتحويل اليد إليه مطلقا بخلاف العبد والأمة، فإن اعتبار المالك باعتبار يده ماكان متمكنا من قتل الآدمي، فتحويل اليد إليه لايكون تسليطا على قتله.
وقوله (والمستثنى من خلاف جنسه) يشير إلى الوجه الأول، فلما لم يصح استثناء بقى قوله: "احفظ هذا" معارضا للفعل الذي هو تسليط، فلا بد من تصحيحه ليصير معارضا ولم يصح، لأن استحفاظ الصبي لا يصح
(3/1475)

فبطل المعارض، وهو قوله: "احفظ هذا" فبقى التسليط والتمكين من الصبي على المال، وذلك لايوجب الضمان على البالغ فعلى الصبي أولى.
فكان (هذا مثل قول الشافعي في الاستثناء) الحقيقي، فإنه يقول هناك بالمعارضة، ونحن قلنا في هذه المسألة مثل ذلك؛ لأن الاستثناء لا يمكن، فاضطررنا إلى القول بالمعارضة، ولم تصح المعارضة أيضا على ما ذكرنا حتى لو قال ذلك للبالغ كان معارضة صحيحة، فصار مثل قول الشافعي في الاستثناء، فإن عمل الاستثناء عنده بطريق المعارضة.
(وعلى هذا الأصل قال أصحابنا) أي على أصل أن بيان التغيير معتبر بشرط الوصل (في رجل قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه؛ إن البيع يقع على النصف بالألف) إلى آخره.
قال في "المبسوط" إن العبد إذا كان لواحد فقال تلرجل: بعت منك إلا نصفه بألف درهم كان بائعا للنصف بألف درهم، لأن إلا للاستثناء.
والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى، فكأنه قال:
(3/1476)

بعت منك نصفه بألف درهم.
فأما قوله على أن لي نصفه، فليس باستثناء، بل هو عامل على سبيل المعارضة للأول، فكان الإيجاب الأول متناولا لجميعه، وبالمعارضة تتبين أنه جعا الإيجاب في نصفه للمخاطب وفي نصفه لنفسه وذلك صحيح منه إذا كان مفيدا.
ألا ترى أن رب المال يشتري مال المضاربة من المضارب فيكون صحيحا وإن كان ذلك مملوكا له يكون مفيدا ليكون اليد لرب المال، فهاهنا أيضا ضم نفسه إلى المخاطب في شراء العبد مفيد في حق التقسيم، فلهذا كان نابعا نصفه من المخاطب بخمسمائة؛ لأن على قوله الإقرار يصير مملوكا للوكيل، وهذا لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل، وهذا حكم الوكالة فلا يصح استثناؤه كما لو وكل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل
(3/1477)

الثمن أو لا يسلم المبيع كان الاستثناء باطلا، كذا في "المبسوط".
(فيصير ثابتا بالوكالة) أي الإقرار على الموكل يصير ثابتا بالوكالة (حكما لا مقصودا) فلا يصح استثناؤه، وهذا لأن المقصودية شرط لصحة الاستثناء، حتى أن الشيء إذا ثبت تبعا في العقد لا مقصودا لا يصح استثناؤه لهذا المعنى كأطراف الحيوان؛ فإنها تدخل عند ذكر الحيوان تبعا في البيع وغيره فلا يصح استثناؤه، وهذا هو المعنى فيما ذكره في "الهداية" الأصل أن مايجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد.
وكذلك لا يصح إبطاله بالمعارضة؛ لأنه لما ثبت جواز إقرار الوكيل على الموكل بطريق الحكم لصحة الوكالة، فما دامت الوكالة قائمة كان حكمها وهو جواز إقراره على موكله قائما أيضا، فلا يبطل حكم الوكالة إلا ببطلان الوكالة، وجعل في "المبسوط" مذهب محمد -رحمه الله- ظاهر الرواية فقال: فأما في ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح؛ لأن صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك حقيقة اللفظ إلى نوع من المجاز، فهو بهذا الاستثناء يبين أن مراده حقيقة الخصومة لا الجواب الذي هو مجاز بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعا من النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه خاصة عند التنصيص عليه
(3/1478)

بخلاف ما إذا أطلق.
والثاني: أن صحة إنكاره وإقراره عند الإطلاق لعموم المجاز؛ لأن ذلك كله جواب، فإذا استثنى الإقرار كان هذا استثناء لبعض مايتناوله مطلق الكلام، أو هو بيان مغير لمقتضى مطلق الكلام فيكون صحيحا. كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها ماشيا أو راكبا لم يحنث لما قلنا، وعلى هذا الطريق إنما يصح استثناؤه الإقرار موصولا لا مفصولا عن الوكالة، وعلى الطريق الأول يصح استثناؤه موصولا ومفصولا.
قالوا: وكذلك لو استثنى الإنكار على - صح ذلك عند محمد - رحمه الله، خلافا لأبي يوسف، وهذا لأن إنكار الوكيل قد يضر الموكل بأن كان المدعي وديعة أو بضاعة فأنكر الوكيل لم يسمع منه دعوى الرد والهلاك بعد صحة الإنكار ويسمع ذلك منه قبل الإنكار، فإن كان إنكاره قد يضر الموكل صح استثناؤه الإنكار كما يصح استثناؤه الإقرار.
وقوله: (وللخصم أن لا يقبل هذا الوكيل)، لأنه لو صح إقراره ربما أقر الوكيل بحق المدعي فيصل المدعي إلى حقه عند ظهور حقه بإقرار الوكيل فيفيد الخصومة بمثل هذا الوكيل، وإلا لا فائدة من خصومته؛ (لأن الخصومة تناولت الإقرار عملا بمجازها) وهو الجواب وهو عام.
(3/1479)

وحاصله أن التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصم، والجواب تارة يكون بلا وتارة يكون بنعم، فالأمر بالتوكيل بالخصومة يتناولهما، فصح استثناء جواز الإقرار عند محمد -رحمه الله-. لأن الجواب يتناول الأمرين والاستثناء تكلم بالباقي فصح، فعلى هذا لا يصح منفصلا.
(وانقلب المجاز هاهنا بدلالة الديانة حقيقة) يعني أن الخصومة مهجورة شرعا لقوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا) والمهجور شرعا كالمهجور عادة، فصارت إرادة المجاز وهو جواب الخصم بمنزلة الحقيقة، ولأن استثناء جواز الإقرار عمل بحقيقة اللغة؛ لأن الإقرار مسالمة والخصومة ضدها، فكان قوله: على أن لا يقر عليه أو غير جائز الاقرار، تقريرا لموجب كلامه لا استثناءه؛ لأن موجب كلامه وهو التوكيل بالخصومة أن لا يجوز إقراره على موكله لغة لتبقى الخصومة على حقيقتها، فعلى هذا التقرير يصبح قوله: " غير جائز الاقرار" لا وعلى أن يقر عليه موصولا ومفصولا كما هو حكم بيان التقرير.
واختلف في استثناء الانكار؛ والأصح أنه على هذا الاختلاف على
(3/1480)

الطريق الأول لمحمد -رحمه الله- بيانه بأن الموكلَ يقول: وكلتك بالخصومة على أن لا ينكرَ الخصم أو غيرُ جائز الإنكار، فعلى الطريق الأول صح الاستثناءُ؛ لأنه صار عبارةً عن جواب الخصم، والجوابُ عامُ في الإنكار والإقرار، فصح استثناء الإنكار كما يصح استثناء الإقرار، والله أعلم.
(3/1481)

باب بيان الضرورة
أي البيان يقع لأجل الضرورة، والضرورةُ أنواعُ (نوع منه ما يثبت ضرورة الدفع) أي ضرورة دفع الغرور، (ومنه ما يثبت ضرورة الكلام) أي يكون بيانًا بدلالة الكلام.
(إن بيان نصيب المضارب والسكوت عن نصيب ربِّ المال صحيحُ) أي قياسًا واستحسانًا (للاستغناء عن البيان)؛ لأن ربَّ المال لا يستحقُ الربحَ باعتبار الشرط بل باعتبار أنه فرعُ مال مملوكٍ له، فكان مالكًا لفرعه، (صحيح استحسانًا على إنه بيانُ بالشركةً) يعني أن مقتضى المضاربة
(3/1482)

الشركة بينهما في الربح، فببيان نصيب أحدهما يصيرُ نصيب الآخَر معلومًا، ويجعل ذلك كالمنطوق به، فكأنه قال: ولك ما بقي.
(عند أمر يُعاينهُ) عن النكير وفي نسخة (عن التغيير)، وهو معنى الأول (يدل على الحقية) باعتباره حاله، فإن البيانَ واجب عند الحاجة إلى
(3/1483)

البيان، فلو كان الحكمُ بخلافه لبين ذلك لا محالةَ، ولو بينه لظهرَ (وما أشبهه)
مثلما سكتوا عن بيان الحيض بعد العشرة، والأوفق هاهنا أن يقال: أراد بقوله: (وما أشبهه) منافع الجارية المستحقة والأكسابُ الحاصلة منها، ثم استهلكت الأكسابُ، فإنهم لما سكتوا عنها دل أنها غيرُ مضمونةٍ على المغرور.
(والنكول جعل بيانًا لحالة في الناكل وهو امتناعه عن أداء ما لزمه) إلى آخره. أى النكولُ جُعل بيانًا لوجوب المال على الناكل بدلالة في الناكل؛ لأنه لما امتنع عن مباشرة ما لزمه وهو اليمين مع قدرته على اليمين كان ذلك دليلًا على أنه إنما امتنع عن اليمين احترازًا عن اليمين المهلكة، وذلك إنما يكون إذا كان هو في إنكاره كاذبًا وكان المالُ عليه واجبًا.
(وهو لزوم الإقرار لو كان منه)، وهذا لأنه نفي نسبَ ولدٍ ليس منه
(3/1484)

واجبٌ، ودعوةُ نسبِ ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجبٌ أيضًا، فالسكوت عن البيان بعد تحققُ الوجوب دليلُ النفي، فيُجعل ذلك كالتصريح بالنفي، وعن هذا خرج الجوابُ عن إشكَالٍ يقال فيه: إنه لما ادعى أكبرهم كان ينبغي أن يثبتَ نسب الباقين منه؛ لأنه لما ثبت نسب الأكبر كانت الجاريةُ أم ولدٍ له، ونسبً ولدِ أم ?الولد يثبت بالسكوت.
قلنا: أن يثبتَ نسبُ ولدِ أم? الولد بالسكوت عند عدم دليل النفي وهاهنا وُجد دليلُ النفي وهو سكوته عن البيان عند وجوب البيان عليه، وهذا لأنه لو لم يُجعل ذلك السكوتُ دليلَ النفى يلزم فيه أمرٌ لا يليق بحال المسلم.
أو نقول: إن أمومية َ الولد هاهنا إنما تثبت بالاستناد، وما ثبت بالاستناد كان ثابتًا من وجه دون وجه، فيثبت عند البيان من حيث إنه ثابت، ولا يثبت عند عدم البيان من حيث إنه غير ثابت، ولا يقال: إن النسبَ مما يحتاطُ في إثباته؛ لأنا نقول: إنما يثبت النسبُ بالاحتياط إذا لم يوجد فيه دليلُ النفي.
(فيجعل إذنًا دفعًا للغرور عن الناس)، فإن في هذا الغرر أضرارًا بهم، والضررُ مدفوعٌ، ولهذا لم يصح الحَجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر؛ لأن
(3/1485)

الناسَ لا يتمكنون من استطلاع رأي الولي في كل معاملة يعاملونه مع العبد.
(وكذلك سكوتُ الشفيع جُعل إذنًا ردًا لهذا المعنى) أي سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشترى، فإذا لم يُجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطًا للشفعة فإما أن يمتنعَ المشتري من التصرف أو ينقض الشفيعُ عليه تصرفه، فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة، وإن كان السكوتُ في أصله غيرَ موضوع للبيان بل هو ضده.
(3/1486)

(فلأن حذف المعطوف عليه في العدد متعارفٌ) أي حذفُ تفسير المعطوف عليه وتمييزه متعارفٌ وهو درهمٌ في قوله: لفلان علي مائةٌ ودرهمٌ أي "أي مائةُ درهمٍ ودرهمٍ".
(يقول: بعت منك هذا بمائة وعشرة دراهمَ، وبمائة ودرهمِ على السواء) أي بعطفُ العدد على العدد وعطف العدد على المعدود على السواء،
وقوله: (وليس كذلك حكم ما هو غير مقدَّر؛ لأنه لايثبتُ دينًا في الذمة) هو احترازاٌ عن الثوب والشاةِ.
أما الثوبُ فلا يثبتُ في الذمة دينًا إلا مبيعًا مسلمًا فيه، والشاةُ لاتثبت دينًا في الذمة أصلًا يُعنى به ثبوتًا لازمًا، فلم يصح قوله: "وثوبٌ" أن يكون
(3/1487)

تفسيرًا للمائة؛ لأن قوله: (على مائة) عبارة عما يثبت في الذمة مطلقًا ثبوتًا صحيحًا فلهذا كان البيان إليه. كذا في "المبسوط".
(فلأن المعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد) أي من حيث الصورة والمعنى.
أما من حيث الصورة فاتحادهما في الإعراب.
وأما من حيث المعنى فاتحادهما في الحكم (كالمضاف مع المضاف إليه) أي أنهما كشيء واحد، (والمضاف إليه للتعريف) أي المضاف إليه وهو آخر الكلام صالح لتعريف المضاف الذي هو أول الكلام، وجب أن يكون المعطوف لتأكد الشبه بينهما.
ولما صلح المعطوف معرفًا للمعطوف عليه بهذا الطريق صح حذف مميز المعطوف عليه، ومعرفه وهو درهم في قوله: "الفلان على مائة ودرهم" أي مائة درهم ودرهم، وهو معنى قوله: (صح الحذف في المضاف إليه) أي
(3/1488)

المعطوف عليه بدلالة قوله: "بدلالة العطف" ولكن هذا العطف إنما يصح في المعطوف عليه إذا كان المعطوف عليه مما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة السبب كالمكيل والموزون.
وأما فيما لا يثبت في الذمة فلا يصح المعطوف معرفًا للمعطوف عليه، وهذا لأن المعاملات إنما تكثر في المقدرات التي يجب ثبوتها في الذمة وكثرة الاستعمال موجبة للتخفيف، وحذف المميز إنما كان للتخفيف، فلذلك اختص الحذف بما يثبت في الذمة.
(لأن العشرين مع الآحاد معدود مجهول فصح التعريف بالدرهم) أي لأنه عطف العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام، وقوله: "درهمًا" مذكور على وجه التفسير والتمييز، فيكون تفسيرًا لهما، والاختلاف في قوله: له على مائة ودرهمًا كالاختلاف في قوله: ودرهم.
قوله: (وكل جملة تحتمل القسمة فإنها تحتمل الاتحاد) هذا ما تتمة قول أبي يوسف -رحمه الله- أي كل إقرار يشتمل على مال وذلك المال جنس
(3/1489)

واحد بحيث لا يحتاج في قسمته بين الشركاء إلى القسمة مرتين أو أكثر بل مرة واحدة، ففي مثل ذلك المال في الإقرار جعل المعطوف بينانًا للمعطوف عليه كما في الدرهم والثوب وإلا فلا.
وقيل: معناه كما أن القسمة تتحقق في الدرهم تتحقق في الثوب فإن كل واحد منهما يصلح للقسمة، فيكون قوله: مائة وثوب بمنزلة قوله: مائة ودرهم.
وأما العبد الواحد فإنه لا يحتمل القسمة بالاتفاق، والخلاف في قسمة العبيد، وقسمة العبيد أيضًا لا تجوز بطريق الخبر، وقولهما في العبيد: "إنه يحتمل القسمة" مؤول إذا كان رأيهما ذلك فيقسم القاضي بناء عليه. كذا ذكره الصدر الشهيد في "الجامع الغير".
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي يوسف فقال: وجه رواية أبي يوسف أن الثياب والغنم تقسم قسمة واحدة أي يعطى لكل واحد من الشركاء جزءًا منها في القسمة الواحدة بخلاف العبيد فإنها لا تقسم قسمة واحدة، بل تحدد القسمة في كل واحد من العبيد بين الشركاء ولا يعطي لكل واحد من الشركاء عبد واحد وإن كان عدد العبيد على عدد رؤوس الشركاء، وأنصباؤهم متساوية لما كان العبيد باعتبار فحش التفاوت بينهم ألحقوا بالأجناس المختلفة، ولما كان كذلك كان ما يقسم قسمة واحدة يتحقق في
(3/1490)

أعدادها المجانسة فيمكن أن يجعل المفسر منه تفسيرًا للمبهم، وحصل من هذا الثوب الواحد لما كان يحتمل القسمة صار بمنزلة درهم من حيث إنه يحتمل القسمة الواحدة، والمعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد من حيث عنه لا يستفاد بالمعطوف حكم بدون المعطوف عليه لكون المعطوف جملة ناقصة، والله أعلم.
***
(3/1491)

باب بيان التبديل
(حتى صارت تشبه الإبطال من حيث كان وجودًا يخلف الزوال)؛ لأن الناسخ يخلف المنسوخ والمنسوخ يزول، والإبطال مثله؛ لأنه بوجود المبطل يزول الباطل.
(لمدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى) على ما اقتضته الحكمة البالغة.
ونظيره الطبيب إذا أمر المريض بأكل شيء، ثم بعد أيام أمره بأكل شيء
(3/1492)

آخر، ونهاه عما أمره قبله على حسب ما اقتضاه علمه، يعد ذلك حكمة وأمرًا معقولًا لا تناقضًا ولا بداء. فكذلك النسخ في أحكام المحكوم؛ لأن حكم الله تعالى ثابت أولا وأبدًا لا يتغير هو؛ بل المتغير هو المحكوم فبعد ذلك تغير المحكوم لا يدل على تغير الحكم كتغير المعلوم لا يدل على تغير العلم.
(لكنه لا يتصور هذا القول من مسلم مع صحة عقد الإسلام) فإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ فكيف يتحقق هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة مع أنه لا يمكنه الخروج عما ثبت في
(3/1493)

القرآن من جواز النسخ نحو قول الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ)، وقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ).
ونسخ ببيت المقدس بالكعبة في باب القبلة، ونسخ حد الزنا بالإيذاء والحبس بالجلد.
(تمسكوا بالسبت) أي تمسكوا بعبادتكم المخصوصة أي بشريعة موسى عليه السلام، فالسبت مصدر، سبت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد.
(3/1494)

ومعنى قوله تعالى: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) إذ يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، وكانت أعمال الدنيا حرامًا عليهم يوم السبت، بل كانوا يشتغلون في ذلك اليوم على الخصوص بعبادة الله تعالى، وهو كان شريعة موسى عليه السلام.
(بلغهم بما هو طريق العلم) وهو التواتر.
(للإيجاب لا للبقاء) وذلك لا يكون إلا بذكر التأبيد صريحًا، حتى أنه
(3/1495)

لو كان البقاء لا يجوز النسخ كما لا يجوز في حال الإيجاب بالإجماع (بل البقاء باستصحاب الحال).
فإن قيل: لو كان البقاء باستصحاب الحال فينبغي أن يجوز النسخ بخبر الواحد؟ لأن خبر الواحد أقوى من استصحاب الحال؟
قلنا: الكلام في جواز النسخ حال حياة النبي عليه السلام ولا يتصور وقت حياته الخبر الواحد؛ لأنه يمكن أن يسأل منه ويسمع من فيه فصار قطيعًا حينئذ فيجوز النسخ به.
وأما بعد وفاته فلا يجوز النسخ بخبر الواحد؛ لأنه انسد باب النسخ بوفاته، فكان بقاء النص على ما كان بدليل موجب للبقاء لا باستصحاب الحال (على احتمال العدم بدليله)؛ أي بدليل العدم وهو المزبل؛ (لأن الأمر لم يتناول البقاء لغة)؛ لأنه لطلب الفعل فقط وموجبه الائتمار لا غير.
ألا ترى أن الأمر بالشيء لا يقتضي التكرار فلم يكن الأمر متناولًا للبقاء لا بصيغته ولا بحكمه فلذلك لم يكن الناسخ متعرضًا لحكم المنسوخ إلا من حيث الظاهر لما أم دليل النسخ إنما يرد بعد ما يقرر حكم الدليل الأول، وهو معنى قوله: (فلم يكن دليل النسخ متعرضًا لحكم الدليل الأول بوجه إلا ظاهرًا) أي لا يتحقق في النسخ توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد
(3/1496)

الإحياء، فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما يبتني عليه من مدة البقاء إلا ظاهرًا لا حقيقة؛ لأن في اعتبار ما هو ظاهر لنا تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة، وهذا لأن إحياء الشريعة بالأمر به كإحياء الشخص، وذلك لا يوجب بقاءه، وإنما يوجب وجوده.
ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء، فكما أن الأمانة بعد الإحياء لا يكون فيه شيء من معنى القبح ولا يكون هو دليل البداء فكذلك النسخ في حكم الشرع (بل كان بيانًا للمدة التي هي غيب عنا وهو الحكمة البالغة)؛ لأن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين؛ إذ الله تعالى يتعالى عن أن تلحقه منفعة أو مضرة، فجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة حكم مخصوص، وجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة أخرى في ضد ذلك الحكم لتبدل مصالح العباد، وفي هذا حكمة بالغة لإبداء وظهور غلط.
ألا ترى أن الطبيب إذا أمر مريضًا بشرب دواء معين وأكل غذاء معين، ثم نهاه عن ذلك بعد زمان لا يكون ذلك بداء منه؛ بل يختلف ذلك بسبب اختلاف أحوال المريض ومزاجه وتبدل مصلحته في ذلك.
وقوله: (بإبقاء هو غير الإيجاد) هذا توسع في العبارة بسبب اختلاف أثرهما لما أن صفة الله تعالى ليست عين صفة أخرى ولا غيرها كالصفات مع
(3/1497)

ذاته.
كذا ذكر في "التبصير" فقال: لا يقال لكل صفة منها إنها الذات ولا يقال غير الذات وكذلك كل صفة مع ما وراءها كالعلم لا يقال له إنه غير القدرة ولا إنه عينها، ولكن يجوز إثبات التغاير بين الإيجاد والإبقاء باعتبار تغاير أثرهما حقيقة، فيجوز أن يسمى الفعل الواحد باسمين مختلفين، أو أكثر بسبب اختلاف أثره كالرمي الموجود من رجل إذا وجدت منه القتل والكسر والجرح يسمى ذلك الرمي الواحد رميًا وقتلًا وكسرًا وجرحًا باعتبار وجود هذه الآثار منه وهو واحد، فكذا هنا يجوز أن يقال: الإيجاد والإبقاء متغايران وإن لم
(3/1498)

يكونا متغايرين حقيقة باعتبار تغاير أثرهما، وأثرهما وهو الوجود والبقاء متغايران، ولهذا جاز أن يقال: وجد ولم يبق، ولا يجوز أن يقال: وجد ولم يوجد.
(هذا حكم بقاء المشروع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام) أي بقاء الحكم المشروع إنما يكون باستصحاب الحال، وهو إنما يكون على احتمال العدم، (صار البقاء من بعد ثابتًا بدليل يوجبه) أي يوجب البقاء، وذلك الدليل قوله تعالى: (لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغ)، وقوله عليه السلام: "الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ما جرى على لساني إلى يوم القيامة".
وقد حققنا تمام هذا في "كشف العوار لأهل البوار".
(لأنه ثبت عندنا تحريف كتابهم فلم يبق حجة) ألا ترى أنه لا يجوز أن
(3/1499)

يقول: آمنا بالتوراة التي في أيديهم، لأن في ذلك لزوم الإيمان بتحريفهم وهو لا يصلح، بل يجب علينا أن نقول: آمنا بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام.
وأما من تمسك من اليهود على عدم جواز النسخ لما بلغهم في نقلهم عن موسى عليه السلام تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، أي تمسكوا بحرمة الأعمال الدنيوية في يوم السبت فهو حجة عليهم؛ لأن العمل في السبت كان مباحًا قبل زمن موسى عليه السلام، فإنهم يوافقونا على أن حرمة العمل في السبت من شريعة موسى عليه السلام، وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه.
فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضًا فلا فائدة في تخصيصه أنه شريعته، فإذا جاز ثبوت الحرمة بعد ما كان مباحًا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته، وليس النسخ إلا تحريم المباح أو إباحة المحرم، والله أعلم.
(3/1500)

باب محل النسخ
(أما الأول فبيانه أن الصانع بأسمائه) إلى آخره إشارة إلى عكس قوله: "أحدهما: أن يكون في نفسه محتملا للوجود والعدم" يعني إذا لم يكن هو محتملا في نفسه للوجود والعدم؛ بل هو واجب الوجود لذاته كذات الله تعالى وصفاته لا يكون هو محلا للنسخ، وقوله: "بأسمائه وصفاته" أراد بالأسماء نحو قوله: الله الرحمن الرحيم الحي القادر العالم، وبالصفات الرحمة والحياة والقدرة والعلم، وهذا على اصطلاح أهل الفقه والكلام.
وأما على اصطلاح أهل النحو فالصفات هي ما يمكن أن يوصف به نحو الحي والعالم والقار حيث يقال: الله الحي والعالم والقادر.
وأما الحياة والعلم والقدرة فأسماء المعاني لا الصفات.
(3/1501)

وكذلك قوله: (وأما الذي ينافي النسخ من الأحكام) إشارة إلى عكس قوله: "والثاني أن لا يكون ملحقا به ما ينافي المدة والوقت" يعني أن المشروع الذي لم يلحق به ما ينافي المدة والوقت لما كان محلا للنسخ كان عكسه الذي هو مشروع لحق به ما ينافي المدة والوقت غير محل للنسخ.
(وقوله تعالى: ((وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) من قبيل التأبيد الصريح في الاستعمال، وبه صرح الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- كما في قوله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ).
(والقسم الثاني) وهو التأبيد الذي ثبت دلالة.
(3/1502)

(والثالث- واضح) وهو التوقيت، ولم يورد لذلك نظيرا؛ لأنه لم يرد نظيره في المسموعات.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- فبيان ذلك في قول القائل: أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة، فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء، ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر، والنسخ الذي يكون مؤديا؟ إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة.
وقوله تعالى: (وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)
فإن قيل: جعل هذا من قبيل التأبيد صريحا وليس هذا كذلك، بل هذا هو توقيت إلى يوم القيامة.
قلنا: قد يذكر التأبيد ويراد به التأبيد في الدنيا كما في قوله تعالى: (فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)
(3/1503)

(فصار الذي لا يحتمل النسخ أربعة أقسام): الأول: الإيمان بالصانع وصفاته بأنه واحد قديم، ثم هذه الثلاثة.
(فينعدم الحكم لانعدام سببه) أي ينعدم بقاء الحكم لانعدام المبقي (لا بالناسخ بعينه)؛ لأنا لو قلنا إن إنعدام المنسوخ بالناسخ بعينه لكان فيه تصور بقاء المنسوخ بعد ورود الناسخ وليس كذلك؛ لأن فيه جميعا بين الضدين كما في الحركة مع السكون، فإن ثبوت الحركة زمان زوال السكون لا قبله ولا بعده؛ لأنه يلزم حينئذ اجتماع الضدين أو خلو المحل عنهما، فكذلك هاهنا لم يكن انعدام المنسوخ بالناسخ، بل العدم لانعدام سببه كالحياة تنعدم بانعدام سببها لا بالموت، وكذلك خروج شهر ودخول شهر آخر، فإن الأول ينتهي به لا أن الناسخ نسخ الأول.
(فصار الذبح بعينه حسنا بالأمر وقبيحا بالنسخ)، وهذا لأن الأمر يذبح الولد وقت نسخ ذبح الولد كان باقيا بدليل أن الله تعالى سمى ذبح الشاة
(3/1504)

فداء، ولو لم يكن الأمر بذبح الولد باقيا لما سماه فداء، وكان هذا في الحقيقة كالفدية في حق الشيخ الفاني، فإن أمر الصوم متناول له، فلذلك وجب عليه الفداء بدلا عن موجب الأمر الذي هو متقرر في حقه، فلما كان هكذا كان الأمر بذبح الولد ونسخه في وقت واحد وهو لا يجوز، وإلى هذا التقرير أشار الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله:
فإن قيل: أليس أن الخليل عليه السلام أمر بذبح ولده فكان الأمر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه، ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه، وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد.
قلنا: لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر، وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله: () وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به إلى آخره.
(والنسخ هو انتهاء الحكم ولم يكن) أي ولم يكن انتهاء الحكم (إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم) أي أن المحل وهو إسماعيل عليه السلام أضيف إلى الذبح لم يحله الحكم وهو الذبح، أي ل ينفعل في إسماعيل عليه السلام صورة الذبح لا للنسخ بل لوجود الفداء، ولذلك سمى
(3/1505)

تلك الشاة فداء.
فصار كمن يرمي سهما إلى غيرها فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده، وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه، لأن ذلك يتبنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد. هكذا قرره شمس الأئمة -رحمه الله-.
أو نقول: إن الحكم وهو الذبح كان مضافا إلى الولد ثم انتقل إلى الفداء لا باعتبار النسخ بل باعتبار قيام الفداء مقام الولد، فمثل هذا لا يسمى نسخا كالطهارة بالماء تنتقل إلى التراب، والصوم ينتقل إلى الفدية وهذا يدل على التقرير لا على النسخ، والدليل على هذا تسميته فداء.
(فكان ذلك ابتلاء استقر حكم الأمر عند المخاطب) إلى آخره جواب سؤال، ذكر ذلك السؤال والجواب الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله:
(3/1506)

فإن قيل: فأيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد؟
قلنا: فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده، وفي حق الولد بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح في حال المكاشفة، وفيه إظهار معنى الكرامة، وإليه أشار الله تعالى في قوله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا) ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء للولد كما قال الله تعالى: (وفَدَيْنَاهُ) والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل، فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه، فإنه بيان مدة بقاء الواجب، وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح، فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا وهو معنى قوله: فثبت أن النسخ لم يكن لعدم ركنه وهو انتهاء
(3/1507)

الحكم، يعني بعد ورود الناسخ لا يبقى الحكم السابق أصلا، وهاهنا قد تقرر الحكم السابق وهو ذبح الولد إلا أن الله تعالى أكرمه بالفداء، وذكر الفداء يدل على ما ذكرنا من بقاء الحكم الأول فلا يكون نسخا، والله أعلم.0
(3/1508)

باب بيان الشرط
(وهو التمكن من عقد القلب) أي من اعنقاده، وإنما كان مقدار ما تمكن من عقد القلب شرطا؛ لأن النسخ قبله يكون بداء؛ لأنه لا يتحقق به الابتلاء.
(فأما التمكن من الفعل فليس بشرط عندنا).
(وقالت المعتزلة: إنه شرط) بناء على أن المقصود من الأمر فعل المأمور
(3/1509)

به عندهم؛ لأن كل ما أمر الله تعالى به فقد أراده، فيكون الفعل هو الأصل فيه عندهم فيشترط التمكن منه.
(لأن العمل بالبدن هو المقصود بكل نهي وبكل أمر نصا)؛ لأن قوله: صل معناه: افعل فعل الصلاة، فالمصدر مذكور لغة فكان ثابتا نصا.
ولا يقال بأنهم ينكرون المعراج فكيف يصح احتجاجنا عليهم بحديث المعراج، لأنا نقول: ينكرون الصعود إلى السماء ولا ينكرون ثبوت المعراج الذي هو الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لما أن ذلك ثابت بالكتاب، وإنكار ذلك مفر صريح -عصمنا الله عنه-
(3/1510)

(ولأن النسخ صحيح بالإجماع) إلى آخره يعني أجمعنا واتفقنا على أن وجود جزء من الفعلا أو وجود مدة يتمكن المكلف من الإتيان بجزء من الفعل كاف لجواز النسخ، فيجب أن يكون عند وجود عقد القلب كذلك لما أن عقد القلب مع الفعل بمنزلة فعل ذي جزئين؛ لأنه لا وجود للكل بدون الجزء، فكذلك لا اعتبار للفعل بدون عقد القلب، فلما كفى وجود جزء من الفعل لصحة النسخ وجب أن يكفي وجود عقد القلب أيضا لذلك، فكان كل دليل ذكرتموه في وجود جزء من الفعل لجواز النسخ فهو دليلنا في وجود عقد القلب لجواز النسخ.
(ولأن الفعلا لا يصير قربة إلا بعزيمة القلب) لقوله تعالى: (ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، ولقوله عليه السلام: "الأعمال
(3/1511)

بالنيات"، وعزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل كوجود التصديق في حق من لا يتمكن من الإقرار باللسان، فإن ذلك منه إيمان صحيح بالإجماع، (والفعل في احتمال السقوط فوق العزيمة) أي الفعل أسرع سقوطا من المكلف بالنسبة إلى العزيمة التي هي عبارة عن عقد القلب.
ألا ترى أن الإقرار باللسان قد يحتمل السقوط بعذر، فأما التصديق بالقلب فلا يحتمل السقوط بحال، ولأن ترك العزيمة وهو تبديل الاعتقاد كفر، وترك العمل فسق.
ألا ترى أن العمل بالبدن قد يسقط بالمرض والإغماء وغير ذلك.
وأما القول وهو الاعتقاد فلا يسقط، فكانت العزيمة أثبتت قدما وأقوى ثبوتا؛ لأنها مطلوبة بكل حال، والآخر وهو العمل تردد بين السقوط وغيره، ولأن العزيمة تصلح أصلا للعمل لا على العكس؛ إذ لا اعتبار للعمل بدون العزيمة، وللعزيمة اعتبار بدون العمل في موضع الضرورة بالاتفاق، فكان اعتبار العزيمة في التمكن أولى من التمكن من الفعل، ويجعل الآخر من الزوائد.
يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن طاعته وانقياده له، ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من مباشرة الفعلا، ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان هو
(3/1512)

ممن يجوز عليه البداء، فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى.
(ألا ترى أن عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل)
هذا جواب عن قولهم: إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، والمأمور به هو المقصود.
قلنا: عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل بدون الفعل، ويلزم من هذا أن لا يجوز النسخ ما لم يوجد الفعل وإن وجد التمكن من الفعل.
فعلم بهذا أن عين الحسن يحصل أيضًا قبل الفعل بعد التمكن بالإجماع، فدل ذلك على أن المقصود منه عقد القلب على حسنه وقبحه لا فعله.
(وقول القائل: افعلوا على سبيل الطاعة أمر) وقيد بالطاعة احترازًا عن صيغة الأمر التي هي للتوبيخ والتقريع
كما في قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شيءتُمْ).
وقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ) أمر بعقد القلب أي سواء وجد
(3/1513)

عمل الجوارح أو لم يوجد، لما أن اعتبار عمل الجوارح إنما يكون عند وجود عقد القلب وإلا فلا اعتبار له، وهذا لأن الطاعة لا تكون بدون عقد القلب على حقية الأمر، وهذا جواب عن قولهم: "الفعل هو المقصود من كل أمر".
(والآخر يتردد بين أمرين) أي بين أن يكون مقصودا وبين أن لا يكون مقصودًا يريد به الفعل.
وقيل: "بين الأمرين" أي بين اللزوم والسقوط، والله أعلم.
(3/1514)

باب تقسيم الناسخ
(الحجج أربعة) ذكر بالتاء على تأويل البراهين أو الدلائل.
(أما القياس فلا يصح ناسخا لما نبين) يحتمل أن يكون حوالة التبيين على غير هذا الكتاب كما ذكر مثل هذا في موضع، منها: ما ذكره في باب الأداء والقضاء مسألة الأضحية بقوله: وإزالة التمول عن
(3/1515)

الباقي عند أبي يوسف- على ما نبين في مسألة التضحية معناه أي في "المبسوط- فكذلك هاهنا، ويحتمل أن يكون ذلك هو ما ذكره في دليل أن الإجماع لا يصلح ناسخا، فإن فيه نوع إشارة إلى هذا، والله أعلم.
وأما الدليل على أن القياس لا يصلح ناسخا للكتاب والسنة هو أن الصحابة -رضي الله عنه- كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة هو أن الصحابة -رضي الله عنه- في حديث الجنين: "كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله عليه السلام" وقال رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله عليه السلام يمسح على ظاهر الخف دون باطنه"ولأن القياس كيف ما كان
(3/1516)

لا يوجب العلم، فكيف ينسخ بهم اهو موجب للعلم قطعا؛ وقد علم أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن.
(واحتج بقوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) فوجه التمسك به أن الله تعالى شرط المثلية أو الخيرية في النسخ أي أن يكون الناسخ مثلا للمنسوخ أو خيرًا منه، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وهو معجز، والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فلذلك قال: لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة.
(3/1517)

وكذلك (قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي))
تنصيص على أنه عليه السلام كان متبعا لكل ما أوحي إليه ولم يكن مبدلًا لشيء منه، والنسخ تبديل.
(3/1518)

وقوله: (والوصية الأولى كانت معهودة، فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة لوجب ترتيبه على المعهودة) أي لوجب ترتيب الميراث على الوصية المعهودة بقوله: من بعد الوصية معرفا بحرف العهد، ولم يقل ذلك بل قاله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) مطلقا، وهي تتناول كل ما ينطق عليه اسم الوصية بطريق البدل علة ما هو المعروف في المطلق، فكانت آية المواريث مطلقة بعد المقيد، فإطلاق المقيد نسخ للمقيد كتقييد المطلق، فإنه نسخ للمطلق على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
فعلم بهذا أن هذه الآية بإطلاقها التي هي قوله: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) حيث قال: فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة: "إلى آخره؛ لأن أول تلك السنة دال على أن السنة متأخرة عن قوله تعالى (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، وهو قوله عليه السلام: "إن الله
(3/1519)

تعالى أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أي أعطى كل ذي حق حقه في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، فكانت متأخرة عنه لا محالة (وقصره على حدود لازمة)، كالثمن والربع والنصف.
(أي بهذا الفرض) أي بهذا القدر المذكور في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) (نسخ الحكم الأول)، وهو حكم قوله تعالى: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) فحينئذ كان الحديث مقررًا لموجب قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وهذا لأن الفاء في قوله عليه السلام: "فلا
(3/1520)

وصية لوارث" دخلت على الحكم وهو حكم بيان الميراث بأن لا وصية لوارث، فكان مقررًا لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ).
(إلانا أنا قد روينا عن عمر) رضي الله عنه- بضم الراء على بناء المفعول- (أن الرجم كان مما يتلى) في القرآن على ما قال: لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: "الشيخ والشية إذا زنيا فارجموهما البتة" فعلى هذا كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة، (ولأن قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) مجمل فسرته السنة). وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله: "خذوا عني خذواعني قد جعل الله لهن سبيلا".
(3/1521)

وحاصله إن حديث الرجم لا يصلح ناسخًا؛ لأن ذلك إما كتاب على ما قاله عمر- رضي الله عنه- أو غير كتاب، فإن كان كتابًا كان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة على ما ذكرنا، وإن لم يكن كتابًا كان هو تفسيرًا لمجمل الكتاب، والتفسير لا يسمى نسخًا كما روي عن النبي عليه السلام: "أنه مسخ على ناصيته" فهو تفسير لمجمل قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) في حق المقدار لا نسخ، ولا خلاف لأحد في أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز.
(وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ الآية)، فإن (هذا حكم نسخ بالسنة) يعني أن قوله تعالى: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا) حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى، فعرفنا أن نسخه ثبت بالسنة.
(3/1522)

(ما غرم فيها زوجها) أي من الصداق وغيره، (وفي ذلك أقوال مختلفة).
قال بعضهم: إن هذا الحكم نسخ بآية القتال. كذا ذكره في: "التيسير".
وقال بعضهم: نسخ حكم الكتاب بترك الناس العمل به، فإن قوله: (وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) وقوله: (واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا) الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس لما أجمعوا على تركه ترك، وهذا أمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى ثم انعدم المعنى.
فأمل ما لا يعقل معناه فيجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس.
وقال بعضهم: إنه صار منسوخًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) كذا في "شرح التأويلات".
وقال بعضهم: المراد منه الإعانة لمن أصيب بفوت ما أدى من المهر
(3/1523)

لامرأته التي أرتدت إلى دار الحرب، والإعانة هذه أمر مندوب إليه غير منسوخ على ما ذكر في الكتاب، وكذلك اختلف في تفسير قوله: ((فَعَاقَبْتُمْ)) فلما اختلف في تأويله بمثل هذه الاختلافات لم يصح الاحتجاج به على حكم معين، فلما رأى الإمام المحقق شمس الأئمة -رحمه الله- فساد مثل هذه التمسكات ف جواز نسخ الكتاب بالنسة، ورأى ديل جوازه على ما نذكر.
قال: فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب هو ثابت بالسنة ابتداء، وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب إليه الشافعي- رحمه الله- في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر، فإنه أثبته بقوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ، وعنده بيان التخصيص ولا يكون نسخًا.
ثم قال: الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) فإن المراد به بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر هو متلوعلى وجه تتبين به مدة بقاء الحكم الأول
(3/1524)

وثبوت الحكم الثاني، والنسخ ليس إلا هذا
والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم من بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال: (مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) ولو كان المراد الكتابب لقال: ما نزل إليك، كما قال (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به، وذلك يكون تارة بوحي متلووتارة بوحي غير متلو، وهوما يكون مسموعًا من رسول الله عليه السلام مما يقال إنه سنة، فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك بوحي: قال الله تعالى: (ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى)
(3/1525)

(والدليل المعقول أن النسخ لبيان مدة الحكم، وجائز للرسول بيان حكم الكتاب) أي بيان حكم الكتاب في مدة مشروعيته، فعلى هذا التقرير يكون هو عليه السلام مبينًا للوقت فيما هو منزل من الكتاب فحينئذ لم يبق فيه خلاف لأحد؛ لأن له تبيين ما نزل إليه من الكتاب بالاتفاق لقوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ).
فإن قيل: ففي هذا اختلاط البيان بالنسخ، وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق.
قلنا: لا كذلك، فإن كل واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنًا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا مقارنًا، وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنًا، فأما النسخ فبيان لا يكون إلا متأخرًا، وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما، فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا.
كذا ذذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
قوله: (وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه) إلى
(3/1526)

آخره، فإن كلا منهما في إيجاب الحكم سواء.
فإن قلت: هذا مناقض لقوله قبل هذا بخطوط "وترك رسول الله عليه السلام آية في قراءته فلما أخبر به فقال: "ألم يكن فيكم أبي؟ " فقال: بلى يا رسول الله لكني ظننت أنها نسخت. فقال صلى الله عليه وسلم: "لو نسخت لأخبرتكم" فإنما ظن النسخ من غير كتاب يتلى حيث استدل بهذا الحديث على جواز نسخ الكتاب بالسنة، وفي ذلك الحديث ظن نسخ نظم الكتاب بالسنة، فعلى وفاق ذلك يلزم أن يجوز نسخ نظم الكتاب بالسنة وإلا يتناقض.
وكذلك هذا القول مناقض لما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم في جواز التلاوة دون الحكم، ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إلى آخره وغير الكتاب قد يكون السنة وقد يكون ذلك رفع حفظه عن القلوب.
قلت: قيل معنى قوله: "فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" أي على وجه تقوم السنة مقام نظم الكتاب، وبهذا التأويل ينفي التناقض.
أو نقول: إن الذي ذكرته من الحديث هو من حيث اقتضاء الدليل أي إن الدليل لا يفصل بين أن تكون السنة ناسخة لنظم الكتاب؛ لأن كلا
(3/1527)

منهما وحي يوحى إليه فيصلح أن يكون كل منهما مبينًا لانتهاء وقت مشروعية الآخر، وأن الذي ذكر هنا بقوله:
وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" هو من حيث الوجود أي إنما وجد نسخ السنة للكتاب وجد في نسخ حكم الكتاب لا في نظمه كما في رواية عائشة رضي الله عنها: "ما قبض رسول الله حتى أباح الله تعالى له من النساء ما شاء" فكان هذا منها حكاية سنة نسخت قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) من حيث الحكم لا من حيث النظم.
وكذلك فيما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- بأن هذا من حيث الزيادة على النص.
وذلك مثل حديث مشهور رفاعة في اشتراط الدخول للزوج الثاني في التحليل، وهذا حديث مشهور زيد على مطلق قوله تعالى: (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
(3/1528)

وكذلك زيدت فرضية السجود مرتين على مطلق قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) ونحوهما.
(كان المنسوخ مثل الناسخ لا محالة)؛ لأن كلا منهما في إيجاب الحكم على السواء، فكانا متماثلين، (ولو وقع الطعن بمثله لما صح ذلك) جواب لقوله: "لأنه لو نسخ القرآن به" أي بالحديث لكان مدرجة إلى الطعن.
قلنا: مثل ذلك موجود أيضًا في نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة، ومع ذلك لم نقل نحن جميعًا بكون ذلك مدرجة إلى الطعن فكذلك هاهنا، وهذا لأنا قد بينا حكمة جواز النسخ بقولنا: إن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين، فجاز أن تختلف منافع المخاطبين باختلاف الأوقات كما يختلف أمر الطبييب ونهيه في حق المريض بسبب اختلاف حاله.
ولما لم يكن نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة مؤديًا إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله عليه السلام لم يكن القول بجواز نسخ الكتاب بالسنة مؤديا إليه بل هو مؤد إلى تعظيم رسول الله عليه السلام وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ليبينه بعبارته، وجعل لعبارته من الدرجة ما تثبت به مدة الحكم
(3/1529)

الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه.
(وأما الحديث فدليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ السنة)؛ لأن السنة لما لم تقبل عند مخالفتها الكتاب ولم يعمل بالسنة عندها كان الكتاب ناسخًا لها كما لا يعمل بالمنسوخ عند ورود الناسخ، فكان هو دليلًا على جواز نسخ السنة بالكتاب، وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح؛ لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى، فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا بمعنى قوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدًا بأن لا يكون مخالفًا لما يتلى في الكتاب ظاهرًا، ولئن ثبت فالمراد به أخبار الآحاد لا المسموع ممنه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله: "إذا روي لكم عني حديث" ولم يقل إذا سمعتم، وبه نقول: "إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب؛ لأنه لا يثبت كونه مسموعًا من رسول الله عليه السلام قطعًا ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد من قوله: "وما خالف فردوه" عند التعارض إذا جهل التاريخ بينهما حتى لا توقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى، ولا يجوز ترك ماهو ثابت في كتاب الله تعالى نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول، وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما.
(3/1530)

(أولم يكن في الصحة بحيث ينسخ به الكتاب) بأن يكون خبر الواحد، فإن الكتاب إنما ينسخ بالنسة المتواترة ويزاد عليه بالسنة المشهورة وهو نسخ عندها ولا يجوز شيء منهما بخبر الواحد.
فإن قلت: في هذا سؤال كلي وهو أن وقت جواز النسخ وقت حياة النبي عليه السلام؛ لأنه لا نسخ بعده فبوفاته انسد باب النسخ، وتقسيم السنن بالآحاد والمشهور والمتواتر بحسب النقلة، وذلك إنما يكون بعد وفاته؛ لأن من يشك في خبه بسبب أنه خبر الواحد فيمكن أن يحضر الحضرة النبوية ويسأل النبي عليه السلام عن الخبر فيعلم عند ذلك صحة ما سمعه منه قطعًا وبتاتًا فكان كل الخبر قطعيًا، ولا يرد هذا التقسيم فبعد ذلك كيف يستقيم الترديد بقولنا: إذا كان الخبر متواترًا يصح النسخ به وإذا كان واحدًا لا يصح؟ فكان هذا في التعاقب نظير الإجماع من حيث إن وقت جواز النسخ لا يرد تقسيم الخبر، وإن وقت جواز التقسيم انسد باب النسخ، وقد ذكر أن النسخ بالإجماع لا يصح؛ لأنه لا يتصور النسخ للتعاقب على ما ذكرنا، فكذا هنا فما وجه صورة نسخ الكتاب بالسنة وصورة عكسه حينئذ؟
قلت: التنافي إنما يكون من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛ لأن معنى قولنا: "يصح نسخ الكتاب بالخبر المتواتر والمشهور: أي يظهر النسخ الذي كان ثابتًا وقت حياة النبي عليه السلام ل أن يثبت النسخ به ابتداء بعد وفاة النبي عليه السلام إذ لا نسخ بعده.
(3/1531)

وأما قولك: تقسيم الخبر بخبر الواحد والمشهور والمتواتر: إنما يستقيم بعد وفاة النبي عليه السلام لا وقت حياته فهو غير مسلم، فإن أخباره كانت منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة وقت حياته أيضا لكن لكون ذلك الوقت وقت جواز النسخ يثبت النسخ بخبر الواحد. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- حيث قال: ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض.
فأما خبر الواحد فلا يجوز النسخ به بعد رسول الله عليه السلام؛ لأن التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب، فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل، ولهذا لا يوجب العلم فلا تتبين به مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين.
فأما في حياة رسول الله عليه السلام فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد.
ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله عليه السلام، وهذا لأن في حال حياته كان احتمال النسخ فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولابد من أن يكون مما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر، وما يكون في حيز المتواتر.
قلت: وبقوله: ولابد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندًا إلى حال
(3/1532)

حياة النبي عليه السلام بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر "يعلم أن الذي يقال: إنما يجوز نسخ الكتاب بالخبر المتواتر" معناه يظهر النسخ الثابت وقت حياة النبي عليه السلام فلم يبقى التنافي حينئذ بخلاف في الإجماع، فإن في القول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث الإجماع، فإن في اقول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ لا اعتبار للإجماع، ووقت اعتبار الإجماع لم يبق جواز النسخ، فلذلك قلنا: لا يتصور النسخ بالإجماع لثبوت التنافي بينهما. والتوقيت قائمًا في كل حكم؛ لأن الوحي كان ينزل حالًا فحالًا.
(فإن المراد بالخيرية فيما يرجع إلى العباد دون النظم بمعناه، فكذلك المماثلة) فيستقيم حينئذ إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه، أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلًا وآجلًا. إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز، والذي هو غير متلو نظمه غير معجز لأنه عبارة مخلوق وهو وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز. ألا ترى ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الإتيان بمثل سورة من القرآن، ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية ولآية واحدة، واتفق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون السورة، فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز.
(3/1533)

وقوله: (على أنا قد بينا) إشارة إلى قوله: "وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه إلى آخره" فإنهما في حق الحكم متماثلان (على هذه الجملة) أي على وفاق هذه الجملة، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب، وإن كانت العبارة في أحدهما لرسول الله عليه السلام فكانا متماثلين من حيث الحكم.
(الحنتم): شبوي سبز، (النقير): المنقور من الخشب، (المزفت): المطلى بالزفت وهو القار.
(3/1534)

......................................
****
(3/1535)

باب تفصيل المنسوخ
(ونسخ وصف في الحكم) كنسخ وصف فرضية صوم عاشوراء دون أصل شرعيته، وكذلك الزيادة على النص أنه نسخ وصف المقدر بما كان بل الزيادة على ما ذكر في الكتاب.
(فمثل صحف إبراهيم عليه السلام) وكذلك صحف غيره ممن تقدم نبينا من الرسل عليهم السلام، فقد علمنا بما يوجب العلم قطعًا أنها قد كانت نازلة من السماء تقرأ ويعمل بها قال الله تعالى: (إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) وقال تعالى: (وإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملًا به فلا طريق
(3/1536)

لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك، وله طريقان: إما صرف الله القلوب عنها، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف.
وقوله: (وكان هذا جائزًا في القرآن) راجع إلى المذكور قبله وهو النسخ إما بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء.
(فأما بعد وفاته فلا).
فإن قلت: كل ضروب النسخ بعد وفاة النبي عليه السلام غير جائز وقبله كان جائزا، فما وجه تخصيص هذا الضرب بقوله: وكان هذا جائزًا في حياة النبي عليه السلام؟
قلت: نعم كذلك إلا أن التصور العقلي يقتضي تصور مثل هذا النسخ؛ لأن مثل هذا النسخ لا يعتمد على وجود النبي صلى الله عليه وسلم وبقائه؛ لأن لا يقتضي ناسخًا شرعيًا يقوم مقام المنسوخ حتى يشترط فيه بقاء النبي عليه السلام بخلاف سائر ضروب النسخ، فإن ذلك إنما يكون بورود الوحي الذي هو ناسخ على النبي عليه السلام، فلذلك اشترط بقاء النبي عليه السلام في ذلك؛ لأن الوحي لا ينزل إلا على النبي عليه السلام.
(3/1537)

وأما النسيان الذي هو نتيجة رفع الله الذكر عن القلوب أو موت العلماء لا خلف فغير موقوف وجوده إلى وجود النبي عليه السلام، فلما توهم صحة النسخ عقلًا بمثل هذا الطريق بعد وفاة النبي عليه السلام خص عدم جوازه بما بعد وفاة النبي عليه السلام، فصار كأنه قال: هذا لا يتصور شرعًا وإن تصور عقلا لحكمة تدعو إليه، وهي ما ذكره في الكتاب بقوله: صيانة للدين إلى آخر الدهر، وثبت ذلك بوعد الله تعالى حفظه لما أنزله على رسوله عليه السلام بقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ويتبين به أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد.
فإن قلت: ما جوابنا لمن استدل من بعض الملحدين على جوازه بما روي أن أبابكر الصديق- رضي الله عنه- كان يقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم"، وأنس- رضي الله عنه- كان يقول: "قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وقال عمر رضي الله عنه: "قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها" وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "إن
(3/1538)

سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها" واستدل الشافعي بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يرويه عن عائشة رضي الله عنها: "وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة النبي عليه السلام"
قلت: يبطل تلك التمسكات كلها قوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ومعلوم أنه ليس المراد منه الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان متوهم بنا، وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل، ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها. إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله عليه السلام، ولو جوزنا- هذا وهو الذهاب عن القلوب أو بموت العلماء- في بعض ما أوحي إليه وجب القول بتجويز
(3/1539)

ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيءئ مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا!
وأما ما روي من تلك الأخبار التي رويتها فشاذ لا يكاد يصح شيء منها، ويحمل قول من قال في آية الرجم في كتاب الله في حكم الله كما قال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كذا قاله الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.

(لقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)).
قيل: المراد به الحفظ بعد وفاة النبي عليه السلام؛ لأن النسخ جائز حال حياته، ولأن النسخ في الأغلب إنما يكون بإذهاب شيء وإثبات شيء آخر مكانه وإثبات النسخ بعد وفاته غير متصور، فلم يكن ذهاب شيء منه أيضًا لكونه محفوظًا عن التغيير إلى آخر الدهر.
حكي أن نصرانيًا كان يكتب مصاحفنا ويبيع، فبلغ إلى قوله تعالى: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) فكتب: (ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)؛ فخرج صبي من المكتب ونادى بأعلى صوته، فقال: ما القرآن هكذا بل القرآن: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) الآية.
(3/1540)

(وأما القسم الثاني) - وهو نسخ الحكم دون التلاوة، (الثالث) - وهو نسخ التلاوة دون الحكم.
وقوله: (ومن الناس)، وإنما يستعمل مثل هذه الصيغة فيمن لا يعتبر قوله.
(أن الإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه وبقيت تلاوته)، وهو قوله تعالى: (واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ)
(وكذلك الاعتداد بالحول) وهو قوله تعالى: (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ). (ومثله كثير)،
(3/1541)

كقوله تعالى: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله: (فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ ببقوله: (فَلْيَصُمْهُ)، وبقيت التلاوة وهي قوله تعالى: (وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) وكذلك قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ) وقوله تعالى: (فَاعْفُوا واصْفَحُوا) نسخ حكمهما بآية السيف وهي قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ)
(وما هو قائم بمعنى صيغته) وهو الإعجاز.
(3/1542)

(ولا تهمة في روايته وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) يعني انتسخت تلاوته في حياة رسول الله عليه السلام بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود- رضي الله عنه- لما ذكرنا أن مثل ذلك وقت حياة النبي عليه السلام جائز، فبقيت تلاوته في حفظه ليكون الحكم باقيا بنقله، فإن خبر الواحد موجب للعمل به، وقراءته لا تكون دون روايته وانتهى الآخر وهو الحكم.
(وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) أي لا يحمل على أنه كان هو زاد ذلك النظم من تلقاء نفسه ثم لما لم يبق ذلك النظم لم يبق الحكم الثابت؛ لما أن هذا قول وحش لا يفوه به من له ضعف الإسلام؛ لأن من صنع مثل هذا على الاعتقاد كان كافرًا فكيف من هو من أجلاء الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- والمتشرفين بتشريف قوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" خصوصًا في حقه إذ هو المتلقى منه عامة أحكام الشرع وذلك بعيد جدًا، فلذلك حمل على أنه نسخ
(3/1543)

نظمه وبقي حكمه، ثم ذلك النسخ لا يحمل على أنه كان بعد وفاة النبي عليه السلام كما مر.
(وهو ما ذكرنا) وهو جواز الصلاة.
(وذلك صحيح في أجناس الوحي) على ما يجيء قريبًا من هذا في باب تقسيم السنة وهو القسم الثالث من الوحي فإنه وحي يتبدى لقلب النبي عليه السلام بلا شبهة كما قال الله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) وهو وحي بلا نظم، وكذلك الوحي الذي هو غير متلو وحي بلا نظم الكتاب، وكذلك الإلهام وحي في حق النبي عليه السلام يثبت به الحكم ولا نظم له قال الله تعالى: (ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) وكذلك السنن كلها ثابتة بالوحي لما عرف، وليس لها نظم القرآن الذي يتلى.
(فمثل الزيادة)
(3/1544)

(على النص فإنها نسخ عندنا) اي هي بيان صورة نسخ معنى سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم.
أما في السبب فمثل اشتراط الإسامة في زكاة المواشي عندنا خلافًا لمالك وكذلك قال أصحابنا: إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه
(3/1545)

أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب استعمال الماء الذي هو طهور، وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة، فلا يكون موجبًا الوضوء به، فلذلك كان وجود لا يمنع التيمم.
وأما في الحكم فأكثر من أن تحصى كزيادة التتابع في صوم كفارة اليمين والظهار.
(وليس الشرط أن تكون الزيادة تخصيصًا) أي ليس بلازم أن يوجد التخصيص في كل ما زيد على النص؛ لأنه وجد التخصيص في فصل الرقبة على زعم الخصم لما أن الرقبة عامة على أصله تتناول الكافرة والمؤمنة فخصت بالمؤمنة.
وأما في فصل الجلد فلم يوجد التخصيص؛ لأن زيادة النفي على الجلد ليست بتخصيص؛ لأن الجلد لم يتناوله حتى يخص.
(لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان)؛ لأن الإطلاق غير
(3/1546)

متعرض للوصف والتقييد متعرض له، ولأن الإطلاق عبارة عن العدم والتقييد عبارة عن الوجود على ما ذكر في الكتاب، فكانا على طرفي تقيض.
(فأما التخصيص فتصرف في النظم أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله النظم، والتقييد لا يتناوله الإطلاق) أي جمعًا للأوصاف كلها يقرره أن التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم وبين إثبات الحكم.
وحاصله أن في النص إذا ثبت صفة التقييد بقاء صفة الإطلاق غير متصور، فأما العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتًا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضًا لما وراء المخصوص بشيء بل ما بقي بعد الخصوص يبقى معمولًا بعمومه حتى أن أهل الذمة ومن بمعناهم لما خصوا من قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) كان قتل من لا أمان له من المشركين واجبا بذلك النص.
(3/1547)

وأما النص المطلق بعد ثبوت صفة التقييد لم يبق المطلق معمولًا أصلًا بل النص المقيد كان هو المعمول، ألا ترى أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة) لما قيد بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة، فعرفنا أن التقييد في معنى النسخ لا التخصيص.
(ولا يشكل أن النفي إذا ألحق بالجلد) أي ولا يشتبه على أحد.
وقوله: (ولهذا) إيضاح لما ادعاه من أن الزيادة على النص نسخ.
(ولأن دليل النسخ ما لو جاء مقارنًا كان ناسخًا) أي لأن دليل النسخ شاء لو جاء مقارنًا كان معارضًا، وكذلك الإطلاق مع التقييد.
(3/1548)

وأما دليل الخصوص لوجاء مقارنًا للعام فلا يكون معارضًا بل يكون مبينًا علمنا أن دليل التخصيص ليس في معنى دليل النسخ بخلاف دليل التقييد، فإنه في معنى دليل النسخ على ما ذكرنا.
(حكم الوجود) أي حكم وجود الكل، والله اعلم.
(3/1549)

باب أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم-
(لكنه ليس من هذا الباب في شيء)؛ لأن عقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله الصادرة عنه عن قصد، ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء؛ لأن التقييد لا يتحقق فيها فلا يكون داخلًا فيما هو حد الخطاب.
(فزل بشغله عنه) أي عن الفعل المباح.
(3/1550)

(فإنها) أي فإن المعصية (اسم لفعل حرام مقصود بعينه) أي يقصد المباشر عين ذلك الفعل الحرام مع علمه بحرمته بخلاف الزلة فإن مباشرها إنما يقع على الحرام من غير قصد إلى مباشرة الفعل الحرام بل بواسطة الفعل المباح، فإنها مأخوذة من زل الرجل في الطين إذا لم يوجد منه القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق.
فإن قلت: فعلى هذا التفسير كيف صح إطلاق اسم المعصية على فعل آدم عليه السلام في قوله تعالى:) وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)
قلت: قال الشيخ الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازًا.
وأشار إليه في: "الكشاف" إلى أن إطلاق لفظ العصيان على زلة آدم عليه السلام ليكون لطفًا بالمكلفين أي عظة ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبرواكيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله
(3/1551)

الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلًا أن تجسروا على التورط في الكبائر.
وذكر الإمام نور الدين الصابوني- رحمه الله- في "عصمة الأنبياء" إن ذكر العصيان فيه لم يكن مقصودًا بالذكر لذاته بل لإظهار الاجتباء بعد ذلك كما قال الله تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) ليعلم أن معاملة الله تعالى مع أنبيائه بخلاف معاملته مع سائر العباد، وتلك الزلة لم تسقط من قدر آدم عليه السلام.
(مما ليس بسهو ولا طبع) فالسهو مثل ما روي: "سها رسول الله عليه
(3/1552)

.............
(3/1553)

السلام فسجد" وروي: "صلى الظهر خمسًا" والطبع مثل التنفس وتحريك جفن العين والأكل والشرب، فإن هذا الباب لبيان أفعاله التي تكون عن قصد ويتصور خلوه عنها ولم يقترن به بيان الطاعة والزلة.
(ولا يثبت الفضل) أي ولا تثبت الزيادة على وصف الإباحة من أوصاف الوجوب والندب إلا بدليل.
(إلا أنه قال: علينا اتباعه). قيل: يجوزأن يكون علينا اتباعه بمعنى لنا اتباعه؛ لأنه قال: "الأمر كما قال الكرخي إلا أنه علينا اتباعه" ولم يجوز الكرخي المتابعة لما ذكر من المعنى، فكان الاستثناء من قوله موجبًا لجواز الاتباع الذي هو ضد قوله: لا لوجوب الاتباع.
(3/1554)

(فإذا خالفه في الوصف لم يكن مقتديًا)، فإنه عليه السلام إذا كان هوفعل فعلًا نفلًا ونحن نفعله فرضًا يكون ذلك منازعة لا موافقة، واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما وراء من الكليم ظاهرًا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء؛ لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله، فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلًا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة، ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف يه حتى يقوم الدليل، وهذا الكلام عند التأمل باطل؛ لأن هذا القاتل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع، وإن كان لا يمنعهم عن ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة، فعرفنا أن القول بالتوقف لا يتحقق في هذا الفصل.
(وأما الآخرون فقد احتجوا بالنص الموجب لطاعة الرسول عليه السلام)، والجواب لنا عن هذا أن يقول صح في الحديث: "إن النبي عليه السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال عليه السلام: "ما
(3/1555)

لكم خلعتم نعالكم؟ " الحديث، فلو كان مطل فعله موجبا للمتابعة لم يكم لقوله: ما لكم خلعتم نعالكم؟ معنى.
(قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) والمحتج بهذه الآية على وجوب الاتباع في أفعال النبي عليه السلام يقول: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي عن سمته وطريقته.
ونحن نقول: المراد من الأمر هذا ما هو المفهوم من مطلق لفظ الأمر عند الإطلاق الذي هو ضد النهي لا السمت والطريقة، (والنصوص كثيرة) كقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وقوله:) أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وأجوبتها مذكورة في الكتب المطولة.
(كمن وكل رجلًا بماله) بأن يقال: وكلتك بمالي.
(3/1556)

(ووجه القول الآخر) - بكسر الخاء- وهو قول الجصاص- رحمه الله- الذي اختاره المصنف- رحمه الله- فالنص الذي احتج به الفريق الثاني في حق لزوم الاتباع بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، كان هو أظهر دليل للجصاص في حق جواز الاتباع لا في حق اللزوم.
ألا ترى أنه قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ) ولم يقل عليكم، فهو دليل للجصاص على أن الاتباع في مطلق أفعاله جائز لا واجب.
والدليل الواضح في هذا للجصاص- رحمه الله- قوله تعالى (قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِ) وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلق دليل ثبوته في حق الأمة. ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصًا به بقوله:) خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو النكاح بغير مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلًا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله: (خَالِصَةً لَّكَ) فائدة، فعلم بهذا أن الخصوصية لا تكون ثابتة بدون هذه الكلمة، فلذلك لا يحمل مطلق فعله على الخصوصية.
(3/1557)

(هذا الذي ذكرنا تقسيم السنن في حقنا)؛ لأن ذلك تقسيم في أنواع الاتباع، فإنه عليه السلام إن فعل فعلًا على وجه الفرضية وجب علينا فعله على وجه الفرضية اتباعًا له، وكذلك في الواجب والمندوب والمباح، وأما إذا فعله مطلقًا ولم يعرف وصفه فعليه ففيه هذا الاختلاف في حق الاتباع.
وأصح الأقوال فيه أن نقول: هو جائز الاتباع لا مزجور عنه ولا موقوف فيه بالدليل الذي ذكرنا، فلما كان ذلك في حق الاتباع كان ذلك تقسيمًا للسنن في حقنا.
وأما تقسيم السنن في حقه عليه السلام ففي هذا الباب، والله أعلم.
(3/1558)

باب تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام
فإن قلت: ما وجه ذكر صيغة الجمع في حق تقسيم السنن في حقنا وذكر صيغة الفرد في تقسيم السنة في حق النبي عليه السلام؟
قلت: ذك كل منهما كما يقتضيه محله، وذلك لأن سنة النبي عليه السلام تبلغنا بأنواع مختلفة؛ بالفعل والقول والسكوت على ما ذكرناه في "الوافي" فذكرها بلفظ الجمع نظرًا إلى أصلها وإن كان الجمع بالألف واللام بمنزلة صيغة الفرد المحلى بالألف واللام، لكن قد يراعى معنى الجمع
(3/1559)

فيه أيضًا على ما ذكرنا في خلع "النهاية".
وأما السنة في حق النبي عليه السلام فأصلها واحد وهي الوحي؛ لأن مال كل واحد من التقسيم في حه راجع إلى الوحي وهو حقه راجع إلى الوحي وهو واحد، فذكره بلفظ الفرد لذلك.
(ولولا جهل بعض الناس والطعن بالباطل في هذا الباب لكان الأولى منا الكف عن تقسيمه) يجب في هذا بيان جهل بعض الناس وطعنهم بالباطل، وبيان أولوية الكف لولا طعنهم بالباطل.
أما الجهل والطعن فإن الباطنية- لعنهم الله- يزعمون أن الله تعالى أنزل
(3/1560)

القرآن على رسوله بخيال غير موصوف باللسان، ثم إن رسول الله عليه السلام أداه بلسانه العربي المبين.
قلنا: هذا فاسد وطعن على رسول الله عليه السلام وعلى القرآن بالباطل؛ لأن الله تعالى قال في آية أخرى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أخبر
(3/1561)

أنه إنما أنزله عربيًا، فيبطل به قول الباطنية، ولأنه لوكان الأمر على ما يقوله الباطنية إنه لم ينزله بهذا اللسان لكان لا يصير جوابا لقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) وقال أيضا: (ولَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ) فذكر هذا جوابًا لقولهم وحجة عليهم دل أنه إنما أنزله عربيًا كا ذكر في "شرح التأويلات" في سورة الشعراء في قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ).
وأما أولوية الكف عن تقسيم الوحي بهذا الطريق على تقدير عدم الطعن فهو أنه ذكر أن القسم الثاني من الوحي ما ثبت عنده ووضع له بإشارة الملك من غير بيان بالكلام، وإن القسم الثالث منه ما تبدى لقلبه بلا شبهة، وفي الوحي الباطن هو ما ينال باجتهاد الرأي بالتأمل فيه، ففي هذه الجمل لا شك أنه يتراءى أي لقلب من هو ضعيف الإيمان أو لمن يقصر في التأمل نوع وهن في نبوة النبي عليه السلام بأن يقول: كيف يكون نبيًا إذا لم يكن وحي صريح من الله تعالى بلسان الملك؟ خصوصًا ما إذا كان هو يدرك بعض
(3/1562)

الأحكام بسبب الرأي والتأمل في المنصوصات، فحينئذ كان هو بمنزلة بعض المجتهدين منا، من هذا الوجه كان يجب على المصنف- رحمه الله- أن لا يذكر أقسام الوحي بهذا الطريق لئلا يورث مثل هذه الأوهام الباطلة، فاعتذر عن هذا بقوله: "ولولا جهل بعض الناس لكان الأولى منا الكف عن تقسيمه" فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان موصوفًا بكمال علو المنزلة عند الله غاية لا يحيطها إلا الله تعالى.
(والثالث ما تبدى لقلبه بلا شبهة). جعل الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هذا النوع من قبيل الوحي الباطن.
وقيل: (الإلهام): علم بشيء يقع في القلب يدعو صاحبه إلى العمل به من غير استلال بآية ولا نظر ف حجة (فهذا) أي المذكور وهو الأقسام الثلاثة.
وكذلك قوله: (وهذا من خواص النبي عليه السلام) أي النبي
(3/1563)

مخصوص بهذه الأنواع على معنى أنه يكون حجة بالغة في حقه وحق كافة الناس جميعًا حتى وجب عليه التبليغ فيما ثبت له العلم بهذه الأنواع الثلاثة بخلاف ما يكون للأولياء من الإلهام فإنه لا يكون حجة في حق غيره.
(3/1564)

(بعد انقضاء مدة الانتظار) فإن مدة الانتظار تفوت عند خوف فوت الغرض كفوت الكفء الخاطب في النكاح إذا انتظر إلى رأي الولي الأقرب.
(وهو- صلى الله عليه وسلم- أحق الناس بهذا الوصف) أي بوصف أمر
(3/1565)

الاعتبار، وكذلك هو أحق بنداء المدح في قوله:) فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) كأنه هذا خرج تعليلًا للاعتبار بكونه ذا بصر، والنبي عليه السلام أدق بصيرة وأوفر فضلًا، فكان هو أدخل في هذا الوصف.
(وذلك) أي الفهم (عبارة عن الرأي من غير نص)؛ لأن ما كان بطريق النص والوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء، وحيث خص سليمان عليه السلام بالفهم عرفنا أن المراد بطريق الرأي.
وذكر في "الإحقاق" روي أن صاحب الغنم التي نفشت وصاحب الزرع اختصما- وعن ابن مسعود رضي الله عنه وشريح كان كرمًا- فحكم داود عليه السلام بالغنم لصاحب الكرم.
فقال سليمان عليه السلام: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصبب منها حتى إذا
(3/1566)

عاد الكرم كما كان دفع كل واحد منهما مال إلى صاحبه؛ ولذلك صح الاستدلال بقضية داود عليه السلام فإن القضية التي قضاها داود عليه السلام كان بالرأي؛ لأنه لو كان بالوحي لم يسع لسليمان عليه السلام خلاف ما قضي بالوحي ومدح على ذلك علم أنه كان بالرأي.
قوله: (وهذا قياس ظاهر)؛ لأن في هذا اعتبار أحد المثلين بالآخر وليس القياس إلا هذا، وهذا لأن القبلة مبدأ شهوة الفرج والمضمضة مبدأ شهوة البطن، والصوم وهو: كف النفس عن قضاء الشهوتين، فلما لم يؤثر قضاء مبدأ شهوة البطن في فساد الصوم، كذلك لا يؤثر فيه قضاء مبدأ شهوة الفرج.
("أرأيت لو وضعه في حرام أما كان يأثم؟ ") ففيه إثبات حكم أحد الضدين مخالفًا لحكم الضد الآخر وهو مقتضى الرأي الصواب؛ لأن أحد الضدين مخالف للآخر، فحكم كل واحد منهما أيضًا كان مخالفًا للآخر لما أن في الوضع في الحرام ارتكاب المنهي فكان آثمًا، وفي الوضع في أهله امتثالًا للمأمور به فكان مأجورا، ولا اعتبار لنفس قضاء الشهوة في نفي
(3/1567)

الثواب، فرب قضاء شهوة هو فرض على مباشره فإن أكل شيء بقدر ما يبقى به مهجته فرض عليه إذا لم يتعلق به حق غيره، وفيه قضاء الشهوة بالأكل ولا يرتاب أحد في تحصيل ثواب من يقيم الفرض.
("ثم مججته") أي رميته يقال: مج الرجل الشراب من فيه إذا رمى به ("أكنت شاربه؟ ") يعني لا.
وقوله: (حتى وضح له ما خفي على غيره من المتشابه) دليل على أن النبي عليه السلام كان يعلم المتشابه.
(3/1568)

(ألا ترى أنه شاورهم في أسارى بدر فأخذ برأي أبي بكر) - رضي الله عنه- وقصة ذلك أن رسول الله عليه السلام أوتي بسبعين أسيرًا فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستثار أبا بكر- رضي الله عنه- فيهم، فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي به أصحابك.
وقال عمر- رضي الله عنه- كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وأن الله أغناك عن الفداء. مكن عليًا من عقيل وحمزة من العباس ومكن لي من فلان لنسيب لي فلنضرب أعناقهم.
فقال عليه السلام: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبابكر مثل إبراهيم" قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
(3/1569)

رَحِيمٌ) ومثلك يا عمر مثل نوح قال: (لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم إلا بفداء أو ضرب عنق"
وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية. كذا في "الكشاف".
وقوله: (في بذل شطر ثمار المدينة)، وقصته إن الكفار أرادوا أن يرموا المسلمين بقوس واحد وذلك يوم الأحزاب، فأراد رسول الله عليه السلام من غير وحي أن يبذل لهم شيئًا من ثمار المدينة ليرجع الكفار، فشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- رضي الله عنهما- فقالا: إن كان ما قلته وحيًا فسمعًا وطاعة، وإن كان رأيًا فلا نعطيهم إلا السيف، فإنا لم نعطهم في الجاهلية شيئًا منها إلا بشراء أو بقرى أفنعطيهم الدنية؟ وقد أعزنا الله بالإسلام ونحن الغالبون، فلما رأى ذلك منهم فرح بذلك، وترك ما
(3/1570)

رأى (وأخذ برأيهما).
والدليل الواضخ على أنه كان يعمل بالرأي فيما لم يوح إليه قوه تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) وقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) وهذا مما عوتب عليه، وما روي أنه عليه السلام لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الأحزاب أتاه جبريل عليه السلام وقال: وضعت السلاح ولم يضعه الملائكة، وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة.
(3/1571)

وروي: "أنه عليه السلام أمر أبا بكر- رضي الله عنه- بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: لا يبلغها إلا رجل منك- أي من بني هاشم-فبعث علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- في إثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم" وهذا مما لم يعاتب عليه في الذي لم يقر عليه.
فأما قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) فقد قيل هذا فيما يتلو من القرآن بدليل أول السورة: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) أي والقرآن إذا نزل.
وقيل: المراد بالهوى هوى النفس الأمارة، وأحد لا يجوز على رسول الله عليه السلام اتباع هوى النفس والقول به، ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس، وهذا أيضًا تأويل قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي) وقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) يوضح جميع ما قلنا.
(3/1572)

وقوله: (إلا أنا اخترنا تقديم انتظار الوحي) هذا استثناء من القول الثاني.
ومدة الانتظار على مايرجو نزوله، أي ومدة الانتظار في ذلك إلى أن ينقطع طعمه عن نزول الوحي في حكم الحادثة التي نزلت عليه بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأى وتبينه للناس، فإذا أقر على ذلك كان حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي.
(3/1573)

باب شرائع من قبلنا
فالتفاوت بين القول الأول وبين الثالث إن في القول الأول شريعة من قبلنا تلزمنا على أنها شريعة من قبلنا، وفي القول الثالث تلزمنا على أنها شريعتنا، والتفاوت بين القول الثالث والرابع أن في القول الثالث أنها تلزمنا على أنها شريعتنا سواء قص الله تعالى أو لم يقص، وفي الرابع شرط اللزوم علينا أن يقص الله تعالى من غير إنكار، أو يقص الرسول عليه السلام من غير إنكار.
(3/1574)

(الهدى: اسم يقع على الإيمان والشرائع) جميعًا; لأن الشرائع سبل الهدى وسبيل الله لا يكون إلا بالهدى. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) ولأن القرآن سمى هدى أي هاديًا كقوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهو يهدى إلى ماهو من موجبات العقل وإلى ماهو لا يعرف الا سمعًا، فعلم أن الكل هدى.
(ألا ترى أنها كانت تحتمل الخصوص في المكان في رسولين) أي
(3/1575)

الاختصاص في المكان يقتضى أن يكون الرسولان في مكانين; لأن الاختصاص في المكان لكل واحد منهما إنما يكون في مكانين، فكذلك في الزمان أيضًا، ونظير رسولين بعثًا في زمان واحد من غير تبعية بينهما موسى وشعيب عليهما السلام، ونظيرهما بأن يكون أحدهما تبعًا للآخر موسى وهارون عليهما السلام، فإن النبي عليه السلام كان أصلًا في الشرائع وليس لأحد أن يقول: إن الانبياء كانوا قبله فكيف يكون هو أصلًا في شرائع النبيين قبله؟
لأنا نقول: لا يلزم من كونهم مقدمين كونهم أصلًا كالسنة قبل الظهر، فكان الأنبياء كلهم بمنزلة المؤسسين لقاعدته فكان هو أصلا في الشرائع.
(وكان وارثا لما مضى من محاسن الشريعة). قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) والإرث يثبت ملكًا للوارث وهو بعينه كان ملكًا للمورث، فهذا يدل على أن شريعة من قبلنا تصير شريعة لرسولنا عليه السلام عملًا بقضية الإرث، فعلى هذا كان الرسول المتقدم بمنزلة واحد من أمة محمد عليه
(3/1576)