Advertisement

الكافي شرح البزودي 004

السلام، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي".
(ومكارم الأخلاق) قال النبي عليه السلام: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وقيل: مكارم الأخلاق في ثلاثة: إعطاء من يحرمه، ووصل من يقطعه، والعفو عمن اعتدى عليه وحكي أن سلطان سمرقند كان واليًا من جانب سلطان غزنة فجنى في عمله فأرسل سلطان غزنة إليه رسولًا ليأتي به إليه، فعلمه سلطان سمرقند فشاور في ذلك أهل مجلسه، فقال شيخ من أهل مجلسه: أنا أذهب إليه لأجلك، وهو يعفو عنك، فذهب إليه وقال هذا الشعر:
(4/1577)

من كان يرجو عفو من هو فوقه عن ذنبه فليعف عمن دونه
فعفا عنه، وقيل:
آنكه سيمت نداد زر بخشش وآنكه يايت بريد سر بخشش
وآنكه زهرت دهد بدو ده قند وآنكه از تو برند بدوبيوند
تا شوي ازكتاب وصل وفراق دفتري از مكارم الأخلاق
(التهوك): التحير.
(4/1578)

وقوله: (من الأقوال) أي من الأقوال الثلاثة التي مر ذكرها في أول هذا الباب.
بهذا الشرط أي بشرط القصة من غير إنكار.
(لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه السلام، ومعلوم أن محمدًا- رحمه الله- ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام.
واستدل أبو يوسف- رحمه الله- على جريان القصاص بين الذكر والأنثى بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وبه كان يستدل الكرخي- رحمه الله- على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي.
(4/1579)

والشافعي في هذا لا يخالفنا حيث استدل برجم النبي عليه السلام اليهودين بحكم التوراة كما نص عليه بقوله عليه السلام: "أنا أحق من أحيا سنة أماتوها" على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا، ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الإحصان لإيجاب الرجم في شريعتنا، ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا.
وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي عليه هل كان متعبدًا بشريعة من قبله؟ فمنهم من أبي ذلك ومنهم من توقف ومنهم من قال: كان متعبدًا.
(وما يقع به ختم باب السنة).
(4/1580)

باب متابعة أصحاب النبي عليه السلام
وإنما جعل متابعتهم ختم باب السنة لاحتمال أنهم سمعوا من رسول الله عليه السلام، ولما كان متابعة أصحاب النبى عليه السلام بطريق الاحتمال في السماع منه وقع مؤخرا من الذي كان السماع منه قطعيا.
(البردعي) -بالدال المهملة- هكذا كان مسموعا من شيخي -رحمه الله- ومقيدا بقيده، وهذا الإمام -رحمه الله-كان عظيم القدر والمنزلة في الفقه والورع حيث أنه بلغ في بغداد في سفر الحجاز ورأى فيه نفاة القياس منهم
(4/1581)

داود الأصفهاني وعلل هو في مسألة بيع أم الولد وادعى جوازه، وقال: تيقنا بجواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان.
وعارضه أبو سعيد البرادعي وقال: تيقنا بعدم جواز بيعها أي فيما إذا كان الولد في بطنها وشككنا في جواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان، فحينئذ عزم على الإقامة في بغداد فقال: ليس الحج علي بفريضة، وإظهار الحق بنشر العلم على فريضة، ونام في ليلة ذلك اليوم، ورأى في المنام قارئا يقرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) واستيقظ من نومه، فسمع مناديا ينادي أيها الناس أجركم الله
(4/1582)

فقد مات داود الأصفهاني.
(ومنهم من فصل في التقليد) أي ومن المشايخ وأمثالهم مثل ابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهم- (في هذا الباب) أي في باب تقليد الصحابي.
(4/1583)

(وأفسدوا شراء ما باع بأقل مما باع) قبل نقد الثمن والقياس يجوزه كذا في "التقويم".
(4/1584)

(لا وجه له غير هذا إلا التكذيب) أي تكذيب الصحابي. (وذلك باطل) أي القول بالتكذيب باطل؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم بقوله: (والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ)
وقال النبي عليه السلام "اتقوا الله من أصحابي" أي من القول بما يوجب نقضهم.
(واحتمال الخطأ قي اجتهادهم كائن لا محالة)؛ لأنهم ما كانوا معصومين من الخطأ.
(وكانوا لا يدعون الناس إلى أقوالهم) فلو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله عليه السلام يدعو الناس إلى العمل بقوله، وكما كانت الصحابة يدعون الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه إذ الدعاء إلى الحجة واجب.
(4/1585)

(وإذا كان كذلك) أي إذا كان احتمال الخطأ ثابتا لم يجز تقليد مثله (وجب الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل ما عملوا)، فإنهم كانوا يعملون بالرأي عند عدم وجدان النص، ولا يقلد بعضهم لبعض فلو قلدناهم لكنا مخالفين لهم ولا يكون حينئذ عملنا في الرأي مثل عملهم.
(ومن ادعى الخصوص) أي ومن قال بوجوب تقليد الخلفاء الراشدين وأمثالهم لا غيرهم استدل بقول النبي عليه السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".
(وبما روي في هذا الباب من اختصاصهم مما دل على ما قلنا) أي الحديث الذي روي في باب التقليد من تقليد الخلفاء الراشدين على
(4/1586)

الخصوص دليل على أن الخلفاء الراشدين ومن يماثلهم في العلم والورع يقلدون على الخصوص لا غيرهم.
أما تقليد الخلفاء على الخصوص بمثل هذه الأخاديث فظاهر وأما تقليد من يماثلهم فلمشاركتهم في العلم والورع لما أن وجوب اتباع الخلفاء لا لذاتهم بل لعلمهم وورعهم في الدين ومن يشاركهم في ذينك الوصفين كان واجب الاتباع أيضا؛ إذ الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فكان وجوب اتباع الخلفاء بعبارة النص، ووجوب اتباع من يماثلهم بدلالة النص مع أن النص ورد في غير الخلفاء أيضا دالا على وجوب الاتباع كقوله عليه السلام في حق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "رضيت لأمتي ما رضيه ابن أم عبد" وكقوله عليه السلام في حق معاذ رضي الله عنه: "أفقهكم معاذ" وكقوله في حق عائشة رضي الله عنها: "خذوا ثلثي دينكم من هذه
(4/1587)

الحميراء" وقوله: (وقد كانوا يسكنون عن الإسناد) جواب شبهة ترد على قوله: أحدهما احتمال السماع والتوقيف بأن يقال لو كان السماع من رسول الله عليه السلام ثابتا لهم لأسندوا الحديث إليه.
وقالوا: قال النبي عليه السلام كذا، فأجاب عنه بهذا.
(ولاحتمال فضل إصابتهم في نفس الرأي) لبركة صحبة الرسول عليه السلام وتقدمهم على من بعدهم في الخيرية من حيث الزمان على ما قال عليه
(4/1588)

السلام: "خير القرون الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم" الحديث وقال عليه السلام: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
ودل على هذا المعنى قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ) الآية، فلما ثبت لهم الفضيلة من حيث الذات ومن حيث الزمان كانوا يوفقون لإصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله، فكان رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم.
(لتكون السنة بجميع وجوهها) وهي المتواتر والمشهور والآحاد والمرسل والمسند والقولي والفعلي وشبهها وهي: أقوال الصحابة.
(4/1589)

(فقد ضيع الشافعي عامة وجوه السنن) حيث لم يجعل المراسيل حجة وقدم القياس على خبر الواحد، ولم يقلد قول الصحابة مع احتمال السنة فيه (مدرجة) أي طريقا.
(قام الشرع بخصاله) أي بما يقتضيه ويتصف به من أصوله وفروعه.
(وهذا الاختلاف) أي الاختلاف في جواز التقليد وعدمه (في كل ما ثبت عنهم من غير خلاف بينهم ومن غير أن يثبت أنه بلغ غير قائله فسكت مسلما له) أي صورة مسألة الخلاف في جواز التقليد بقول الصحابة وعدم جواز التقليد به فيما إذا ورد قول من صحابي فيما يدرك بالقياس ولم
(4/1590)

ينقل من غيره في حكم ذلك القول تسليم ولا رد إذا لو كان وروده فيما لا يدرك بالقياس كان قول الواحد منهم حجه بلا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين حتى أخذنا بقول علي -رضي الله عنه- في تقدير المهر بعشرة دراهم وأخذنا بقول أنس -رضي الله عنه- في تقدير أقل الحيض بثلاثه أيام وبقول عائشة -رضي الله عنها- في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو نقل من غيره تسليم لذلك القول كان ذلك إجماعًا منهم فلا يجوز الخلاف فيه لمن بعدهم، ولو نقل من غيره رد كان ذلك إختلافًا بينهم في حكم ذلك القول بالرأي (وذلك يوجب الترجيح فلو تعذر الترجيح وجب العمل بأيهما شاء)، ولا يجوز لغير الصحابي أن يقول قولًا ثالثًا
(4/1591)

يخالف قولهما لأن الحق لا يعدوهم فكان الصحابيان مجمعين على رد الثالث من القول إذ الإختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان القول الثالث.
(ثم لا يجوز العمل بالثاني الا بدليل على ما مر في باب المعارضة) وهو قوله: وإذا عمل بذلك أي بأحد القياسين لم يجز نقضه إلا بدليل فوقه يوجب نقض الأول حتى لم يجز نقض حكم أمضى بالإجتهاد بمثله -إلى أن قال- وأما الذي لا يحتمل الإنتقال فرجل صلى في ثوب على تحري طهارته حقيقيه أو تقديرًا قم تحول رأيه فصلى في ثوب آخر على تحري أن هذا طاهر وأن الأول نجس لم يجز ما صلى في الثاني إلا أن يتيقن بطهارته.
(وإن كان ممن ظهر فتواه في زمن الصحابة) من التابعين كالحسن
(4/1592)

وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي.
(ووجه القول الأول أن شريحًا خالف عليًا -رضي الله عنه-)
(4/1593)

وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- وقد صح أن عليا ً - رضي الله عنه- تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الوالد لوالده ثم قلده القضاء في خلافته.
(وابن عباس -رضي الله عنهما- رجع إلى قول مسروق -رحمه الله- في النذر بذبح الولد) فأوجب عليه شاةٌ بعد ما كان يوجب عليه مائةٌ من الإبل.
الأبظر -بالباء الموحدة والظاء المعجمة- هو الذي في شفته بظارة وهي: هنة ناتئة في وسط الشفة العليا ولا تكون لكل أحد وجعله عبدًا حيث قال: أيها العبد الأبظر لأنه وقع عليه سباء في الجاهلية والله أعلم.
(4/1594)

باب الاجماع
(في ركنه) أي في الشيء الذي يقوم به الاجماع (وشرطه) وهو الذي يتوقف عليه وجود الإجماع (وحكمه) أي أثره الثابت به (وسببه) أي الشيء الذي يفضي إلى هذا الإجماع لأن سبب الشيء ما يكون مفضيًا إليه (عزيمة) أي الأمر الأصلي الذي لم يكن ذلك باعتبار الأعذار.
(أما العزيمة فالتكلم منهم) أي من العلماء الذين ينعقد الإجماع بهم وهم المجتهدون (وشروعهم في العمل فيما كان من بابه) أي من باب ذلك العمل كالمزارعة والمضاربة والشركة إذا شرع أهل الاجتهاد في عمل من
(4/1595)

تلك الأعمال كان هو دليلًا على مشروعية ذلك العمل عنده فكان ذلك بمنزلة التكلم منه بأنه مشروع.
(في نوعي الإجماع) أي القولي والفعلي بأن يكون التكلم من الكل.
(وأما الرخصة) إلى آخره سمي هذا رخصة لأنا قلنا: ثبوت
(4/1596)

الإجماع هاهنا بالضرورة وهو أنه لو لم يثبت الإجماع بهذا يلزم تفسيق بعض الصحابة وهو منتف فكان أمرًا ضروريًا دعا إلى الإجماع وهو عذر فكان رخصة.
(لأن عمر -رضي الله عنه- شاور الصحابة في مال فضل عنه) يعني أن عمر -رضي الله عنه- لما شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك الى وقت الحاجة (وعلي) -رضي الله عنه- في القوم (ساكت فقال له: ما تقول يا أبا الحسن؟) فقال: لم تجعل يقينك شكًا وعلمك جهلا ً!! أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثًا فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم حتى سأله واستجاز علي -رضي الله عنه- السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم.
(وشاورهم في إملاص المرأة) أي في إسقاط المرأة ولدها وهو أن امرأة
(4/1597)

جنت جناية فأمر عمر -رضي الله عنه- بإحضارها فخافت المرأة وأملصت فشاور عمر -رضي الله عنه- أصحابه في أنه هل يجب أي على عمر لأجل هذا الولد شيء أم لا. قالوا: إنما أنت مؤدب وما أردت إلا الخير فلا شيء عليك.
(وعلي) في القوم (ساكت) فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ (فقال): أن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا إن قاربوك أي طلبوا قربتك بهذا الجواب فقد غشوك (أرى عليك الغرة) فقال: أنت صدقتني فقد إستجاز على السكوت مع إضمار الخلاف ولم يجعل عمر -رضي الله عنه- سكوته دليل الموافقة حتى استنطقه.
(4/1598)

(كما قيل لابن عباس -رضي الله عنهما- ما منعك أن تخبر عمر -رضي الله عنه- بقولك في العول)؟
(فقال: درته)
وحاصلة أن إبن عباس ينكر العول في الفرائض أصلًا فالفريضة العائلة هي أن يكون أصحاب الفرائض أكثر من سهام المال بأن يكون هناك ثلثان ونصف كالزوج مع الأختين لأب وأم أو نصفان وثلث كالزوج مع الأخت الواحدة لأب أم والأم فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن الذي
(4/1599)

أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال نصفين وثلثًا فإذا ذهب هذا بالنصف وذا بالنصف فأين موضع الثلث؟ مع أن ابن عباس لما يقل بالعول كان الظاهر من مذهبه أنه يدخل الضرر على من هو أسوأ حالًا كما إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأما وإبنه وإبنه إبن فعلى قول عامة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- للزوج الربع ثلاث من إثنى عشر وللأم السدس سهمان وللبنت النصف سته ولبنت الإبن السدس سهمان تكملة للثلثين فتعول بسهم فتكون القسمة من ثلاثة عشر وفي الظاهر من مذهب إبن عباس -رضي الله عنهما- أنه يدخل الضرر على بنت الإبن خاصة فتأخذ البنت فريضتها سته والزوج فريضته ثلاثة والأم فريضتها سهمين والباقي هو واحدٌ لإبنة الإبن: لأنها أسوأ حالًا من البنت.
ألا ترى أن بنات الإبن قد يحرمن بالبنات بأن كانت للميت ابنتان.
(كان فسقا) لأنه ارتكب فعلًا حرامًا وهو السكوت عن الحق.
(أو بعد الاشتهار) يعني يجعل السكوت تسليمًا بعد العرض أو بعد الاشتهار.
(4/1600)

و (ذلك) كله (ينافي الشبهة) أي السكوت بعد مضي مدة التأمل ينافي شبهة إختيار جهة أخرى سوى جهة التسليم.
(لأن الذين أفتوا بإمساك المال كان حسنًا وكذلك عدم الغرم في الإملاص).
أما في إمساك المال فلأنهم إنما أمسكوا ليصرفوه إلى حادثة يقع بينهم.
وأما في الإملاص فلأنهم لم يتيقنوا بأن هذا كان حيًا أو ميتًا فلذلك لم يوجبوا في مقابلته المال وهذا حسن إلا أن ما اختاره على -رضي الله عنه- كان أحسن.
أما في إمساك المال فإن وقوع الحادثة متوهم والمستحق لذلك المال موجود في الحال فكانت القسمة أحسن.
وأما وجوب المال في الإملاص (للصيانة عن القيل والقال) بأن لا يتمكن أحد من أن يقول: إن الخليفة قتل نفسًا أو وجب عليه مال وهو لم يؤده وفي مثل هذا الموضع لا يجب إظهار الخلاف ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن فلهذا سكت علي -رضي الله عنه- في الابتداء وحين سألة بين الوجه الأحسن عنده.
(4/1601)

(فأما حديث الدرة فغير صحيح) لأن عمر -رضي الله عنه- كان يقدم ابن عباس -رضي الله عنهما- وكان يدعوه في الشورى مع الكبار من الصحابة -رضي الله عنهم- لما عرف من فطنته وحسن ذهنه وبصيرته وقد أشار عليه بأشياء فقبل منه واستحسنه وكان يقول له غص ياغواص شنشنة أعرفها من أخزم يعني أنه مثل العباس في رأيه ودهائه.
(وكان عمر -رضي الله عنه- ألين للحق وأشد انقيادًا له من غيره).
ألا ترى إلى ما روى عنه أنه خطب يومًا فقال في الخطبة: " ألا لا تغالوا صدقاتكم فقامت إمرأة من أخريات الصفوف وقالت: ألم تسمع قول الله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) فبكى عمر -رضي الله عنه- وقال: كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت ".
(4/1602)

وكان هو أسرع قبولا للحق من غيره , حتى كان يشاورهم ويقول لهم:"لا خير فيكم إذا لم تقولوا لنا, ولا خير فينا إذا لم نسمه منكم. رحم الله إمرءًا أهدى إلى أخيه عيوبه" فمع طلب بيان الحق بهذه الصفة لا يتوهم أن يهابه أحد فلا يظهر عنده حكم الشرع مهابة له, (وإن صح فتأويله إبلاء العذر فى الامتناع عن المناظرة معه) بإعتبار ما عرف من فضل رأى عمر- رضى الله عنه- وفقه, فمنعه ذلك من الإستقصاء فى المحاجة معه لا أنه سكت عن نفس الرد كما يكون من حال الشبان مع ذوى الأسنان من المجتهدين فى كل عصر فإنهم يهابون الكبار , فلا يستقصون فى المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران , (بعد ثباته على مذهبه) أى بعد ثبات ابن عباس- رضى الله عنهما- على مذهب نفسه من عدم جواز العول لما لاح له من الدليل يعنى أظهر للصحابة عذره فى ترك الاستقصاء فى ذلك لما رأى من فضل رأى عمر- رضى الله عنه- على رأى نفسه.
(وعلى هذا الأصل) أى على النوع الثانى من ركن الإجماع وهو الرخصة بأن السكوت قام مقام التكلم, فإن الصحابة إذا إختلفوا فى حادثة على أقوال كان السكوت منهم من القول الخارج عن أقوالهم بمنزلة التكلم منهم بأنه
(4/1603)

باطل , فكان هذا السكوت على عكس السكوت فى الأول فى الحقيقة, فإن السكوت هناك كان بمنزلة التكلم بأنه حق , والسكوت هنا بمنزلة التكلم بأنه باطل, ولكن الجمع بينهما من حيث إن السكوت كليهما بمنرلة التكلم.
(وكل عصر مثل ذلك أيضا) يعنى إذا اختلف أهل العصر الثانى فى حادثه على أقوال كان ذلك إجماعا منهم على أن القول الخارج من أقوالهم باطل كما فى اختلاف الصحابه- رضى الله عنهم- فى حادثة على أقوال (ومن الناس من قال: هذا سكوت أيضا) يعنى يكون هذا الاختلاف منهم سكوتًا عن وصف القول الخارج عن أقوالهم بأنه حق أو باطل , فحينئذ كان هو مسوغًا للاختلاف بأن يقول مجتهدًا آخر قولًا خارجًا عن أقوالهم, لأن مثل هذا الاختلاف لما كان ساكتًا عن وصف القول الخارج عن أقوالهم بأنه حق أو باطل لم يكن معينًا بأن القول الخارج عن أقوالهم باطل بل ساكتًا عنه فيسوغ الاجتهاد.
(إن الإجماع من المسلمين حجةً لا يعدوه الحق والصواب بيقين) لقوله عليه السلام:"لا تجتمع أمتى على الضلالة" وفى كون الصواب خارجا
(4/1604)

عن أقاويلهم يلزم الإجتماع على الضلال.
(ولا يجوز أن يظن بهم الجهل) والعلم لغيرهم فى ذلك القول؛ لأنهم مكرمون بلسان النبى عليه السلام وغيرهم لم يبلغوا تلك المنزلة التى هى لهم.
قال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ وإصابة الحق من أجل الكرامات , فلا يجوز أن يحرموا عنها ويكرم بها غيرهم.
(فعلى هذا عند بعض مشايخنا) أي من بعد الصحابة إذا إختلفوا على أقاويل كان ذلك إجماعًا منهم على أن القول الخارج عن أقوالهم باطل, فلا يجوز لأحد بعدهم أن يختار قولًا خارجًا عن أقوالهم.
(وقد قيل: إن هذا بخلاف الأول) أي اختلاف من بعد الصحابة- رضي الله
(4/1605)

عنهم- ليس كاختلاف الصحابة في أن القول الخارج عن أقوالهم باطل، حتى إن أهل العصر الثاني من عصر الصحابة إذا اختلفوا على أقوال جاز لأهل العصر الثالث أن يختاروا قولًا خارجًا عن أقوالهم إنما ذلك للصحابة -رضي الله عنهم- خاصة كرامة لهم، وليس لمن بعد الصحابة مثل كرامتهم.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هاهنا: ولكن المعنى الذي أشرنا إليه يوجب المساواة. أراد به قوله: إنهم إذا اختلفوا على أقاويل فنحن نعلم أن الحق لا يعدو أقاويلهم، فكان هذا بمنزلة التصيص منهم على أن الحق في هذه الأقاويل، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وفذا الذي ذكره لا يفرق بين أقوال الصحابة وبين أقوال غيرهم.
وقوله: (فهو إجماع لما قلنا) إشارة إلى قوله: "فإذا لم يجعل سكوته تسليما كان فسقًا"
(4/1606)

باب الأهلية
(أهلية الإجماع إنما تثبت بأهلية الكرامة). في هذا رد لزعم بعض الناس أن الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا باتفاق فرق الأمة أهل الحق وأهل الضلال جميعا؛ لأن الحجة إجماع الأمة، ومطلق اسم الأمة يتناول الكل.
المذهب عندنا: أن الحجة اتفاق كل عالم مجتهد ممن حول الإجماع إنما يثبت باعتبار وصف لا يثبت إلا بهذه المعاني، وذلك صفة الوساطة.
(4/1607)

قال الله تعالى (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وهو عبارة عن الخيار العدول المرضين، وصفة الشهادة بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
(الماجن): الذي لا يبالي ما صنع وما قيل له، والفعل من باب طلب.
وقيل المفتي الماجن: الذي يعلم الناس الحيل
(العصبية): الشدة أي يشتد في دفع ما يوهن مذهبه من غير أن يتأمل في أن دفعه حق أم باطل.
(ليس من الأمة على الإطلاق)؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والأمة نوعان: أمة إجابة ودعوة لا غير، وهم أمة دعوة فلا يكونون داخلين تحت هذا اللفظ.
(أمهات الشرائع) مثل: الصلاة والزكاة والصوم.
(4/1608)

(وما يجري مجراه) وحد الضمير مع تقدم الاثنين؛ لأن الرأي والاستنباط شيء واحد، فصار بمنزلة تقدم الواحد، ثم نظير الذي يجري مجراه هو الذي لا يدخل في أصله الرأي والاستنباط كالمقادير، ولكن قد يدخل في بعضها القول بالرأي مثل تقدير البلوغ بالسنين.
وقيل المراد من قوله: "وما يجري مجراه" الاستدلال بالدخان على النار، فكل استنباط استدلال ولا ينعكس.
(عترة) الرجل: نسله ورهطه الأدنون.
(فهم المخصوصون بالعرق الطيب) لكونهم مخصوصين بقرابة
(4/1609)

الرسول، وقال عليه السلام: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعزتي إن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي" إلا أن المعاني التي ذكرناها لإثبات حكم الإجماع بها من صفة الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا تختص بقوم دون قوم ولا بزمان دون زمان.
(4/1610)

باب شروط الإجماع
(انقراض العصر) أي انقراض أهل العصر.
وذكر في "ميزان الأصول" هو موت جميع من هو أهل الاجتهاد في وقت وقوع الحادثة والإجماع عليه، (لصحة الإجماع حجة)، أي لكون الإجماع حجة.
(4/1611)

قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-:
وأما عندنا انقراض العصر ليس بشرط؛ لأن الإجماع لما انعقد باعتبار اجتماع المعاني التي قلنا كان الثابت به كالثابت بالنص، وكما أن الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع، ول شرطنا انقراض العصر لم يثبت الإجماع أبدًا، لأن بعض التابعين في عصر الصحابة كان يزاحمهم في الفتوى فيتوهم أن يبدو له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة، وهكذا في القرن الثاني والثالث، فيؤدي ذلك إلى سد باب الإجماع وهذا باطل.
(من بعد) أي من بعد ما اجتمعوا على حكم (لا يصح رجوع البعض عندنا)
(4/1612)

وأما في الابتداء فخلاف الواحد كان مانعا من الإجماع فصار حكم الابتداء مخالفًا لحكم الانتهاء حيث صح للواحد مخالفة الجماعة في الابتداء ولا يصح له الرجوع بعد ما ثبت الإجماع بالجميع؛ لأن كون الإجماع حجة ثبت شرعًا كرامة لموافقة أهل الإجماع من غير أن يعقل به دليل الإصابة، وإذا كان الواحد مخالفًا لم يثبت الموافقة، فكانت مخالفته مانعة عن ثبوت الإجماع.
والدليل على هذا مخالفة علي -رضي الله عنه- سائر الصحابة -رضي الله عنهم- في بيع أمهات الأولاد، فإن عنده جواز بيعهن، وعند باقي الصحابة
(4/1613)

لا، فكان خلافه مانعًا لإجماعهم.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي- رحمه الله- أن الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا ذلك الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة خلاف ابن عباس -رضي الله عنهما- في زوج وأبوين؛ أن للأم اثنان، وللأب واحد، وعندنا للأم واحد، والاثنان للأب- وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا عليه قوله فإنه يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة قول ابن عباس في حل التفاصيل في أموال الربا فإن الصحابة لم يسوغوا له هذا الاجتهاد حتى روى أنه رجع إلى قولهم فكان
(4/1614)

الإجماع ثابتًا بدون وقاه.
ولهذا قال محمد -رحمه الله-: لو قضى القاضي بجواز بيع الدرهم بالدرهمين لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه مخالف للإجماع.
(وكلهم ممن هو أمة مطلقة)، وهو أمة هداية ومتابعة، وهم المسلمون الذين لم يكن فيهم الأهواء والبدع.
(وهو أن لا يكون مجتهدًا في السلف) أي مختلفًا فيه.
(وفيه شبهة) أي في ثبوت هذا الإجماع حجة شبهة، (فينفذ قضاء القاضي فيه ولا ينقض لشبهة) الاختلاف في الصدر الأول، ولا يثبت
(4/1615)

الإجماع مع وجود الاختلاف في الصدر الأول.
قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: الأوجه عندي أن هذا إجماع عند أصحابنا جميعا للدليل الذي دل على أن إجماع كل عصر معتبر نظير هذا ما إذا تزوج امرأة عشرة أيام فقضى القاضي بجوازه جاز؛ لأن عند زفر إذا تزوج امرأة إلى شهر يصح ويبطل ذكر الوقت فلو قضى بجواز النكاح ينفذ، ولو قضى القاضي برد نكاح امرأة بعيب عمى أو جنون أو نحو ذلك ينفذ قضاؤه؛ لأن عمر -رضي الله عنه- يقول برد المرأة بالعيوب الخمسة.
(ولم يقل به أحد) أي بوقوع الطلاق الرجعي (عند نية الثلاث)
(4/1616)

أما عندنا فلأنها بواين فلا يقع بها الرجعي.
وأما عند الشافعي فالكنايات إذا كانت رواجع كانت بمنزلة قوله: أنت طالق فيقع به الطلاق عند نية الثلاث به فكذلك هاهنا.
(وكصلاة أهل قباء بعد نزول النص قبل بلوغهم) أي بعد ما نزل النص على الرسول عليه السلام ولم يبلغ إليهم فهم صلوا إلى بيت المقدس فإذا بلغ إليهم وهم في الصلاة استداروا إلى الكعبة ولم ينسب إلى الضلال فكذا هذا.
(ومن شرط الإجماع اجتماع من هو داخل في أهلية الإجماع) إلى أخره، وقد ذكر هذه المسألة قبل هذا الباب، وأعاد هاهنا لعلة وهي أنه
(4/1617)

لما علل بأن حجية الإجماع منحصرة بالأحياء باعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشهادة والوساطة مخصوصة بهم فيشترط اجتماع جميع الأحياء كما ذكرنا، فكانت إعادة هذه المسألة لتتميم هذه العلة، والله أعلم.
(4/1618)

باب حكم الإجماع
(حكمه في الأصل) إنما قيد بقوله: "في الأصل" لأن الأصل في الإجماع أن يكون موجبًا للعلم قطعًا، وما لم يكن موجبًا للعلم قطعًا كان بسبب العارض كما إذا ثبت الإجماع بسكوت البعض وكثبوت إجماع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على بطلان الحكم فيما وراء اختلافهم كما أن الأصل في خبر الرسول أن يكون موجبا للعلم، وما لم يكن موجبا يكون بواسطة الشبهة وهي شبهة عدم السماع من الرسول عليه السلام فكذلك هاهنا، وقوله: (حكمًا شرعيًا) فالأولى أن يمون انتصابه على الحال لاتصافه بصفة على ما مر في شرح الخطبة في قوله: "دينا رضيًا"
(ومن أهل الهوى من لم يجعل الإجماع حجة) وهو أبو بكر الأصم و
(4/1619)

هو ساعدنا في انعقاد الإجماع وخالفنا في حكمه.
(نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) باز كذاريم أو رابا أنكه دوستي داشت يا با أنجه اختيار كرد.
ومن إفادات شيخي- رحمه الله وأثابه الجنة- الأصل في الجمل الشرطية أن لا يتعدد الحكم بتعدد الشرط كما لو قال رجل لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار وهذه الدار فأنت طالق ثلاثًا، فدخلت واحدة منها لم يقع شيء من الطلاق حتى تدخل تلك الأدوار الثلاث. لما أن الحكم لا يتوزع على أجزاء الشرط، ثم في قوله: (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) وقع الأمر على خلاف ذلك؛ حيث ثبت الحكم بتمامه عند وجود أحد هذين الشرطين.
وهما: مشتاقة الرسول أي مخالفته، وإتباع سبيل المؤمنين؛ لما أن
(4/1620)

مشاقة الرسول عليه السلام بانفرادها أو إتباع غير سبيل المؤمنين بمجرده مثبت هذا الحكم المرتب على الجميع، وهو إصلاؤه جهنم.
ثم قال -رضي الله عنه- وإنما صار هكذا هنا لأن كل واحد من هذين الشرطين متضمن للأخر، فكان عند وجود أحداهما كأنهما وجدا معًا؛ لما أن مشاقة الرسول متضمن إتباع غير سبيل المؤمنين وإتباع غير سبيل المؤمنين متضمن مشاقة الرسول، فصارا كأنهما وجدا معًا.
(لأن الخيرية توجب الحقية)؛ لأن مطلق الخير هو ما كان خيرًا في التقادير كلها، وذلك لا يكون إلا بأن يكون حقًا عند الله تعالى، فإن المجتهد إذا أخطأ كان هو خيرًا في حق العمل لا في الحقيقة، فكان ذلك خيرًا من وده دون وجه.
(في الإيمان والشرائع جميعا)؛ لأن الضلالة ضد الهدى، والهدى اسم يقع على الإيمان والشرائع، وعكسه، وعكسه الضلالة اسم لما ينفي الإيمان والشرائع.
(4/1621)

(رجل رقيق) أي رقيق القلب فلا يطيق على القيام في مكانه إن رأى مكانك خاليا عنك.
فقال النبي عليه السلام: ("أبي الله ذلك -أي أمري- لعمر والمسلمون")
فوجه التمسك بهذا الحديث على أن الإجماع يوجب الحكم قطعًا هو أن النبي عليه السلام جعل إباء المسلمين إباء الله تعالى، فإباء الله تعالى يوجب أن لا يكون عمر إمام المسلمين حال حياة النبي عليه السلام قطعًا، فكذلك إباء المسلمين.
وكذلك في حديث الخميرة.
(4/1622)

فإن قيل: هذه الأحاديث التي ذكرتم من أخبار الأحاد فكيف تحجون بها على إثبات حكم الإجماع بأنه قطعي وموجب خبر الواحد ليس بقطعي؟
قلنا: نعم ذلك في حق كل فرد من الأخبار بحياله.
أما عند الاجتماع على مضمون واحد فلا، فإن كل واحد من هذه الأخبار دال على أن حكم الإجماع ثابت قطعًا، فيثبت القطع باعتبار المضمون وإن لم يكن باعتبار كل واحد منها بانفراده كنقل أخبار المعجزات، فإن كل واحد منها بانفراده خبر الواحد وهو بانفراده لا يوجب الحكم قطعا، ولكن مضمون كل تلك الأخبار واحد وهو خلاف العادة من النبي عليه السلام مع صدور دعوى النبوة منه، فحصل لنا العلم قطعًا بأن المعجزة ظهرت على يده لتواتر الأخبار في حق هذا المضمون فكذلك هاهنا.
(وذلك جائز) هذا جواب عن حرف أهل الهوى بقولهم: لأن كل واحد منهم اعتمد ما لا يوجب العلم؛ يعني يجوز أن يجتمع دليل لا يوجب العلم مع دليل أخر لا يوجب العلم فيحدث من اجتماعهما معنى يوجب
(4/1623)

العلم لم يثبت ذلك قبل الاجتماع.
(ولا ينكر في المحسوس والمشروع).
أما في المحسوس: فمثل حمل الخشبة العظيمة فإنه لم يقدر واحد على حملها، يقدر على حملها خمسة رجال إذا اجتمعوا عليه، وكذلك إذا اجتمعت طاقات الحبل كان له قوة واستحكام لا يثبت ذلك قبل الاجتماع.
فعلم بهذا أن للاجتماع تأثيرًا في إيراث حكم ليس ذلك للأفراد وإن كان كل واحد من تلك الأفراد لا يثبت ذلك الحكم أصلًا بانفراده.
وأما في المشروع فمثل قول القاضي: شهادة الاثنين دون الواحد، ومثل وجوب الزكاة عند اجتماع أفراد الأموال وعدم وجوبها عند عدم الاجتماع، ومثل اجتماع أجزاء النجاسة في ثوب المصلي إلى غاية قدرها الشرع في المنع عن جواز الصلاة وعدم المنع عنه قبل الاجتماع إلى تلك الغاية.
(4/1624)

(فإجماع الصحابة) -رضي الله عنهم- (مثل الآية) أي هو حجة قطعية حتى يكفر جاحده ولم يذكر العترة ولا أهل المدينة في إجماع الصحابة- رضي الله عنهم- لأن ذكر الصحابة ذكر لهم؛ لأن أسم الصحابة شمل للعترة وأهل المدينة.
(والنسخ في ذلك جائز بمثله) أي النسخ بهذا الإجماع الذي بمنزلة الصحيح من الأحاد الذي هو مثله بأن أجمعوا في القرن الثاني على حكم ثم أجمع أهل القرن الثالث في ذلك الحكم على خلافه ينتسخ الحكم
(4/1625)

الذي ثبت بإجماع القرن الثاني. أما لا يمكن النسخ بهذا الإجماع الإجماع الذي هو بمنزلة الكتاب، وهو إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- لأنه دونه، ويُشترط في جواز النسخ المماثلة في القوة.
(4/1626)

باب بيان سببه
أي سببُ الإجماع (الداعي والناقل)،فالداعي: هو السببُ للانعقاد، والناقلُ: هو السببُ للإظهار (فيصلح أن يكون من أخبار الآحاد والقياس)، وفائدتهُ تخصصيهما في السببية دون الكتاب والمتواتر من السنة وإن كانا يصلحان للسببية أيضًا لانعقاد الإجماع. لما أن ثمرة الإجماع وهى إثباتُ العلم والعمل بالإجماع إنما تظهر في حقهماَ لا في الكتاب والمتواتر من السنة؛ لأن كلًا منهما موجبٌ للعلم بدون انضمام الإجماع إليه.
(4/1627)

(لصار الإجماعُ لغوا)؛ لأنه حينئذ يضاف الحكمُ إلى ذلك الشيء الذي يوجب علم اليقين لا إلى الإجماع، فكان ذلك الإجماعُ بمنزلة الإجماع وقت حياة النبي عليه السلام، فإنه لا اعتبار لذلك الإجماع لكونه ضائعًا، إذ الاعتبار لقول النبي عليه السلام لا للإجماع.
روى الإمام المحقق مولانا حميد الدين عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردي -رحمهما الله- فإنه قال: الإجماعُ جائزٌ بدون أن يكون ذلك مبنيًا على خبر الواحد أو القياس؛ لأن ذلك ثبت كرامةً للأمة، وإدامةً للحجة، وصيانةً للدين المستقيم، فيجوز أن يخلق اللهِ تعالى في قلوب الأمة كلِّهم شيئًا يجتمعون عليه، كما قال عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن".
قوله: (وأما السبب الناقل إلينا) فهو إسنادٌ مجازى؛ لأنه أراد به الإجماعَ الثابتَ الذي كان هو داعيًا إلى النقل فيكون هو بمنزلة الناقل حكمًا؛ لأن الشيء يضافُ إلى الشيء بأدنى ملابسةٍ ووصلةٍ بينهما، والداعي إلى
(4/1628)

النقل في الحقيقة ظهورُ الحكم الشرعي في الخلف كما كان في السلف غيرَ أن النقلً أنما يتحقق به وينفعل فيه فأضيف إليه، فكان فيه إضافةُ الشيء إلى المحل، فكان نقلُ إجماع السلف إلينا بمنزلة نقل السنة فكما كان في نقل السنة نقلٌ بطريقة التواتر والآحاد فكذلك في نقل إجماعُ السلف، فكما أن السنةَ في أصلها موجبةٌ للعلم والعمل ثم عند شبهة عدم الاتصال في النقل كانت موجبةً للعلم دون العمل، فكذلك في نقل إجماع الصحابة -رضي اللهَ عنهم- فإن إجماع َ الصحابة في أصله موجبٌ للعلم والعمل، وعند شبهة عدم اتصال النقل إذا اتصل إلينا بالأفراد كان موجبًا للعمل دون العلم.
(عَبيدة) -بفتح العين وكسر الباء- (السلَماني) -بفتح اللام-
(وعلى تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت)، وعند الشافعي يجوز نكاحُ الأخت إذا كانت العدةَ عن طلاقٍ بائنٍ أو ثلاثٍ.
(4/1629)

وأما في عدة الطلاق الرجعي فلا يجوز الاتفاق فكان المراد من العدة هنا العدةَ عن طلاقٍ بائنٍ لتظهر فائدةُ الخلاف.
(وكما روي في تأكيد المهر بالخلوة) وعند الشافعي لا يتأكد المهر بالخلوة.
(ومن الفقهاء من أبى النقلَ بالآحاد في هذا الباب) أي أبى نقلَ إجماع السلف بالآحاد، فقال: لأن الإجماعَ يوجبُ العلم قطعًا، وخبرُ الواحد لا يوجب ذلك، وهذا خطأٌ بينٌ، فإن قول رسول الله عليه السلام موجبٌ للعلم أيضًا، ثم يجوز أن يثبتَ ذلك بطريقة الآحاد على أن يكون موجبًا العملَ دون العلم. كذا قاله الأمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله-.
ومن أنكر الإجماع فقد أبطل دينه كما أن من أنكر خبرَ الرسول عليه السلام في أصله فقد أبطل دينه؛ لأن القرآنَ إنما ثبت بالإجماع. كذا قاله في
(4/1630)

"الميزان" والله أعلم.
(4/1631)

باب القياس
(لأن الكلامَ لا يصحَ إلا بمعناه)؛ لأنه إذا لم يكن للفظ معنىً لا يكون كلامًا؛ لأن الكلامَ هو المفيدُ، وما لم يفدْ كان مهملًا، فصار كألحان الطير (ولا يوجد إلا عند شرطه)؛ لأن شرطَ الشيء ما يتوقف عليه ذلك الشيء،
(4/1632)

فلا يتصورُ وجودُ المشروط بدون الشرط، إذ لو وُجد بدونه لا يكون متوقفًا عليه فيلزم أن يكون متوقفًا عليه ولا يكون متوقفًا عليه في حالةٍ واحدةٍ وهو محالٌ، (ولا يقومُ إلا عند ركنه)؛ لأن ركنَ الشيء عينُ ذلك الشيء وثبوت الشيء بدونه محالٌ، (ولم يُشرع إلا لحكمه)؛ لأن الشيء إنما يخرج عن كونه عبثًا إذا كان له عاقبةٌ حميدةٌ، وإذا لم يكن له حكمٌ لم يكن له عاقبةٌ حميدةٌ.
["باب تفسير القياس"]
(وللقياس تفسيرٌ هو المرادُ بظاهر صيغته، ومعنىً وهو المرادُ بدلالة صيغته) ككلمة أفٍ تدل على الأذى بصيغتها، وتدل على حرمةِ الضرب بمعناها الذي هو معنى الصيغة وهو الإيذاءُ.
(هو اسمٌ لفعل يُعرف بظاهره) وهو إيقاعُ الخشبة على جسم حي (ولمعنى يُعقل بدلالته) وهو الإيلامُ، حتى إن من حلف لا يضربُ امرأته فخنقها أو عضَّها أو مدَّ شعرها يحنث.
(4/1633)

وقد يسمى قياسًا؛ لأن كلَ واحد من المناظرين يقيسُ بأصله، (وقد يسمى هذا القياسُ نظرًا) قيَّد بقوله: "هذا" لأنه لا يُسمى التقديرُ اللغوي نظرًا.
الَمدرك: موضع الدرك، والدركُ هو العلمُ فبالقياس يُعلم الشيء، وهو دليلٌ على الشيء كالدخان يعلم به النارُ لا أن النارَ تثبتُ به، وعن هذا قالوا: القياس هو الإبانةُ وهى الإظهارُ، والإظهارُ يقتضى كون الشيء خفيًا، والحكمُ في الفرع كان خفيا، فبالقياس يُدرك ويُعلم، وكذلك (المفصِل) على هذا، فإن القياسَ موضع الفصل بين أن يكون حجةً وهى القياسُ وبين أن يكون هوى، أو هو يفصل بين الحلال والحرام، (فجعل الأصول) وهى الكتابُ والسنةُ والإجماعُ (شهودًا).
(4/1634)

(هو شهادتها) أي شهادة النصوص، وهي كونها صالحةً للتعليل، حتى إذا كان النصُ غيرَ مدرَكٍ بالعقل كالمقدرات لا يصلح، أو كان مخصوصًا عن النص العام كشهادة خزيمة -رضي الله عنه- لا يصلح.
(ولا بد من صلاح الشهادة) وهو الوصفُ الصالحُ لمناط الحكم كما في لفظ الشهادة؛ فإن الشهادةَ مخصوصةٌ بلفظٍ خاصٍ وهو لفظُ أشهدُ لا كلُ لفظٍ يدل على العلم حتى لو قال: أعلمُ أو أتيقن لا يقبل.
وكذلك كل معنى في النصوص لا يكون مؤثرًا لإثبات الحكم في الفرع؛ بل المعنى هو الوصفُ الصالح لإضافة الحكم إليه.
وقوله: (وعدالته) وهي أن يظهرَ أثره في موضعٍ إما بالكتاب أو بالسنة
(4/1635)

أو بالإجماع، وهذا كتعليلنا في إسقاط النجاسة من سؤر سواكن البيوت باعتبار ضرورةِ الطواف وكثرة الدوران فإن ذلك وصفٌ معدَّلٌ ظهرت عدالته بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتابُ: فقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ) فعُلم بهذا أن للضرورة تأثيرًا في التخفيف، وكذلك قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم) حيث أثَّرت كثرة الطواف في سقوط الاستئذان.
وأما السنة: فقوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين عليكم والطوافات".
وأما الإجماعُ: فإن العلماءَ أجمعوا على أن ما ضاق أمره اتَّسع حكمه.
(واستقامته للحكم المطلوب) أي مطابقته الوصفَ لحكمه بأن لم يكن فيه فسادُ الوضع ولا المخالفة بينهما كما في الشهادة، فإن الرجلً إذا ادَّعى على آخر ألفَ درهم وشهد الشهودُ بأن له عليه ألفَ غنمٍ لم يصح لعدم الملاءمة بين الدعوى والشهادة.
(ولا بد من طالب للحكم على مثال المدعى وهو القائس) إلى آخره.
(4/1636)

بيان هذا في قولنا: الخارجُ النجسُ من السبيلين ناقضٌ للطهارة، فالطالبُ أبو حنيفة -رضي الله عنه- والشاهدُ فيه قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ).
والشهادةُ: دلالةُ هذا النص على خروج النجاسة من البدن.
والصلاحيةُ: أن يكون هذا التعليلُ الذي ذكره هو صالحٌ لإضافة هذا الحكم إليه.
وصلاحيةُ النص هي: أن هذا النصَ غيرُ معدول به عن القياس.
والعدالةُ: ظهور أثره في موضعٍ من المواضع، وقد ظهر؛ فإنه إذا خرجت النجاسةُ من سرة إنسان تنتقض طهارته بالإجماع. ومعدّل ذلك أيضًا بقوله عليه السلام لتلك المستحاضة "توضئي لكل صلاة فإنه دمُ عِرق انفجر".
واستدلالُ أبى حنيفة -رحمه الله- بهذا الطريق هو الطلبُ والمطلوبُ إثباتُ انتقاض الوضوء.
والحاكمُ: القلبُ، والمحكومُ عليه: البدن بالعمل أو الخصم وهو الشافعي.
(والبدن بالعمل أصلًا)، لأن المقصودَ من القياس هو العملُ بالبدن؛
(4/1637)

لأن القياسَ لا يوجب العلم قطعًا ليُجعل العقد أصلًا؛ بل جعل البدن أصلا في حق العمل، ويلزم منه عقد القلب ضرورةً لقوله تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) فكان اعتقادُ القلب بصحته لضرورة وجوب العمل على البدن، فلذلك قال: "وهو القلبُ بالعقد ضرورةً".
وقوله: (ولا بد من حكمٍ هو بمعنى القاضي وهو القلب)؛ لأن القلبَ يحكم بكون هذا الوصف مؤثرًا في هذا الحكم فيحكم بثبوت هذا الحكم عند وجود هذا الوصف.
فإن قيل: ذَكر قبيل هذا بقوله: "ولابد من مقضي عليه وهو القلب": فلما كان القلب مقضيًا عليه كيف يصلح أن يكون قاضيًا والقاضي لا يقضي على نفسه؟
قلنا: نعم ذلك من حيث القصد.
وأما من حيث الضمن فيصح؛ لأنه حينئذ كان المقصودُ بالقضاء غيرَه فيتعدى إلى القاضي أيضًا بطريقة العموم كالقاضي يقضى بثبوت الرمضانية فإنه إذا جاء واحدٌ عدلٌ يشهدُ برؤية هلال رمضانَ في يوم كان بالسماء علةٌ فالقاضي يقضى بصحة شهادته وثبوتُ رمضانَ على العموم فيجب عليه
(4/1638)

الصومُ أيضًا بطريقة الضمِن؛ لأن القاضيَ مثلُ العامة في حق وجوب التكليف عليه، وكذلك لو قضى بالملك للمدعي عند قيام الحجة يثبت حكمه على العموم فيثبت على نفسه أيضًا حتى لا يتمكن من دعواه لنفسه بعد حكمه للمدعي به.
وقوله: (لتعدية أحكامها) أثَّر لفظُ التعدية على لفظ الإبانة وإن كان هو مجازًا احترازًا عن وهمٍ أن يثبتَ الحكمُ فيه قطعًا؛ لأن لفظ الإبانة يدل على أن الحكمَ في الفرع كان ثابتًا بالنص أيضًا لكن كان خفيًا فأظهره المجتهدُ بالقياس، فحينئذ يجب أن يثبتَ الحكمُ فيه قطعًا كما لو لحق خبرُ الواحد بمجمل الكتاب يثبت الحكم هناك قطعا.
(لا دليل من قبل العقل أصلًا) فإنهم قالوا: العقلُ ليس بموجب شيئًا (والقياسُ قسمٌ منه) أي من العقل.
(4/1639)

("حتى كثرت فيهم أولاد السبايا فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا")، فوجه التمسك أنه ذمهم على ذلك الفعل، فكان ذمُ النبي عليه
(4/1640)

السلام إياهم بسبب ذلك الفعل دليلًا على أن ذلك الفعلَ قبيحٌ، والفعلُ القبيحُ لا يجوز أن يكون مَدركًا من مدارك أحكام الشرع؛ إذ في هذا الحديث وجوهٌ من المذامِّ من طرف السبب ومن طرف الحكم، أما من طرف السبب فإنه عليه السلام جعل فعلَ القياس من نتيجة فعلٍ من حيث أصله وفسد نسَبه، فإن الفعلَ الطيب إنما ينشًا من العِرق الطيب، وأما من طرف الحكم فهو ضلالٌ وإضلالُ، فالضلالُ بانفراده كافٍ في استجلاب وصف القبح فكيف ما لو اقترن بالإضلال؟.
ثم قوله: "فقاسوا" يحتملُ أن يكون قياسهم ما نقل من أصل عبادة الأصنام أن أسلافَهم المؤمنين كانوا قد صوَّروا صور الأنبياء والصلحاء الذين تقدَّموهم ليزدادوا حرصًا في طاعة الله برؤية صورهم وتذكُّرهم ما بلَغهم من مجاهدتهم وتحملهم لمشاق الدين، إلى أن نشأ أولادُ السبايا فيهم بعد انقراض أسلافهم الصالحين، فقالوا: كانت هذه الصورة يعبدُها أسلافنا فيجب علينا عبادتها أيضًا، فحينئذ كان معنى قوله: " فقاسوا ما لم يكن بما قد كان" أي قاسوا ما لم يكن من عبادة الأصنام في أسلافهم بما قد كان من وجود نفس الصور التي صورَّها أسلافهم للتذكير وزيادة الاتّعاظ والحرص في الطاعة برؤيتهم إياها لا لعبادتهم إياها، والله أعلم.
(4/1641)

(وأما الدليلُ فشبهةٌ في الأصل) أي القياسُ دليلٌ فيه شبهةٌ في أصله، وبهذا القيد يحترز عن خبر الواحد، فإن الشبهةَ فيه في طريقه لا في أصله.
وأما القياسُ فالشبهةُ في أصله، وذلك لأن وصفَ القياس يثبت باجتهاد المجتهد، وهو يحمل الخطأَ في أصله؛ لمِا أن ذلك الوصفَ غيرُ منصوص عليه لا بالعبارة ولا بالإشارة ولا بالدلالة ولا بالاقتضاء فكان ثابتًا بالرأي ضرورةً، فلا يجوز إثباتُ الحكم وهو حقُ الله تعالى بما فيه شبهةً في أصله مع كمال قدرة صاحب الحق بخلاف خبر الواحد، فإن الشبهة فيه في طريق الاتصال برسول الله عليه السلام فلو تفحصت وتتبعت ناقلًا عن ناقلٍ إلى أن بلغَ إلى رسول الله عليه السلام، كان ذلك حجةً قاطعةً؛ لأن المسموعَ من في رسول الله عليه السلام حجةٌ قاطعةٌ، ولا كذلك القياس وقد ذكرناه في أقسام السنن.
(ولا يُطاع اللهُ تعالى بالعقول والآراء)؛ لأن الطاعةَ إنما تقع عند العلم بكيفيات الفعل وكمياته، والعقلُ يقف على جُمل المحاسن والمساوي بأن شكرَ المُنْعِم حسنٌ وكفره قبيحٌ، ولا يقف على كيفيات الشكر وكمياته، يعني لا يقف بما يودَّى وبأي وصف يودَّى فلا تقعُ الطاعة بالعقل نفسه خصوصًا ما إذا كان الحكمُ في المقدرّات كإعداد الركعات ومقاديرِ الزكوات
(4/1642)

والحدود وغير ذلك.
(ومنه ما يخالف المعقول) لا يريد بهذا ما يخالف العقل في الحسن والقبح من كل وجه، فأن ذلك لا يصح أصلًا لأن ما كان حسنًا عقلًا من كل وجه لا يرد الشرعُ بخلافه، وما كان قبيحًا عقلًا من كل وجه لا يرد الشرعُ أيضًا بخلافه؛ لأن السمعَ والعقلَ حجتانِ من حجج الله تعالى فلا يتناقضان، ولهذا لم يجز النسخُ فيما حَكَمَ العقلُ بحسنه أو بقبحه من كل وجه.
ألا ترى أن حسنَ شكرِ المنعم وقبحَ كفرانه مما يستحيل استنساخه، وإنما أراد به ما يخالف القياسَ الشرعي من كل وجه كبقاء الصوم مع وجود الأكل أو الشرب ناسيًا وانتقاضُ الطهارة بالقهقهة في الصلاة.
(أما على الوجه الأول) وهو قوله: "فلمعنى في الدليل وهو أن المطلوبَ حقُ الله تعالى فلا يجوز إثباته بما فيه شبهةً" فهذه الأمور حقوقُ العبادُ فإنهم ينتفعون بها في دنياهم.
(وأما في غير القبلة فلا يشكلُ) يعني أنه من حقوق العباد وكذلك أمرُ القبلة؛ لأن أصلَه معرفةُ أقاليم الأرض لحوائجهم التي تتعلق بها؛ لأنها تتقدم في إقليم وتتأخر في إقليم، وينتفعون بمعرفتها في سيَرهم في
(4/1643)

تجاراتهم وغيرُ ذلك فصح إثباتها بالرأي لاضطرارهم وعجزهم بخلاف حق صاحب الشرع، فأن صاحب الشرع موصوفٌ بكمال القدرة فلا يصح إثباته بدليل فيه شبهةٌ في أصله.
(وأما على الوجه الثاني) وهو قوله: "ولمعنى في المدلول وهو: أن طاعةَ الله تعالى لا تنال بالعقول والآراء" فهذه الأمورُ تُعقل بالأسباب الحسية بالنظر إلى المتلفات وأمور الحرب.
وذكر الأمامُ شمس الأئمة -رحمه الله-: وأما على الثاني فلأن الأصلَ فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركًا بالحواس وبه يثبت علمُ اليقين كما يثبت بالكتاب والسنة.
ألا ترى أن الكعبةَ جهتها تكون محسوسةً في حق من عاينها، وبعد البعد عنها بإعمال الرأي يمكن تسييرها كالمحسوسة وكذلك أمرُ الحرب، فالمقصود ُصيانةُ النفس عما يتلفها وقهرُ الخصم وأصلُ ذلك محسوسٌ، وما هو إلا نظيرُ التوقَّي عن تناول سمّ الزُعاف لعلمه أنه متلِفٌ والتوقي عن الوقوع على السيف والسكين لعلمه أنه ناقضٌ للبينة، فعرفنا أن أصلَ ذلك محسوسٌ،
(4/1644)

فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بدليل لا شبهةَ في أصله، ثم في هذه المواضعِ الضرورةُ تتحقق إلى إعمال الرأي، فإنه عند الإعراض عنه لا نجد طريقًا أخرَ وهو دليلُ للعمل به لأجل الضرورة جوَّزنا العملَ بالرأي فيه، وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يُغنيه عن إعمال الرأي فيه، وهو اعتبار الأصل الذي قررنا يعنى به استصحاب الحال.
(وحصل بما قلنا) أي بما قلنا من الحَجر عن القياس (المحافظةُ على النصوص بمعانيها) أي بأن يتفكر في معاني النص ويعملَ بإشاراته ودلالاته، فلو اشتغل بالقياس لجاز أن يتركَ العملَ بالإشارات والدلالات مع وجودهما بسبب اشتغاله بالقياس، وهذا لأن النصوصَ قوالبَ المعاني اللغوية، فيجب علينا التبحر فيها لنقف على مضمراتها وإشاراتها واستعاراتها وكناياتها وغيرِ ذلك، فكان هو العملَ بالنصوص بجميع معانيها لا العملَ بالقياس.
(4/1645)

وقوله: (والجواب ما تبين) وهو قوله فيما بعده بصفحة: وبيانُ ذلك في الأصل في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
(4/1646)

وقوله: ("قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالى") ولم يقل فإن لم يكن في كتاب الله؛ لأن الله تعالى بين كل شيء فيه حيث قال: (وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)، ثم لم يذكر في هذا الحديث التمسك بالإجماع مع أن الإجماع في كونه حجة فوق القياس، لما أن الإجماع لم يكن حجة وقت حياة النبي عليه السلام.
(وقد روينا ما هو قياس بنفسه) كما في قوله عليه السلام: "فإنها من الطوافين عليكم" وكقوله عليه السلام للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يقبل منك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق"وقوله عليه السلام لعمر -رضي الله عنه- حين سأل عن القبلة للصائم، فقال عليه السلام: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا.
(4/1647)

قال: ففيم إذن"، وكذلك (عمل الصحابة) -رضي الله عنهم- بالقياس مذكور في الكتاب بعد هذا.
وكان شيخي -رحمه الله- يفيد (في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بقوله: قوله: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ) بيان العقوبة، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) بيان الجناية، وقوله: (مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ)
(4/1648)

بيان غلظ الجناية، وقوله: (مِنْ دِيَارِهِمْ) بيان غلظ العقوبة.
وقوله: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) دلالة على تكرار هذه العقوبة).
فإن قيل: لفظ الأول لا يدل على التكرار بدليل ما إذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر؛ فاشترى عبدًا يعتق من غير توقف إلى تكرار شراء عبد آخر.
قلنا: هذا طرد لا نقض؛ لأن اسم الأول وإن كان يدل على التكرار فهو لا يقتضي أن يتوقف حكمه إلى وجود الثاني.
ألا ترى أن الكلمة التي هي موضوعة لتكرار الفعل وهي كلمة كلما لا تقتضي وجود الفعل الثاني في حق الحنث، فإنه إذا قال: كلما تزوجت امرأة هي طالق فتزوج امرأة تطلق وان لم يوجد تكرار التزوج، فأولى أن لا يقتضي وجود الفعل الثاني في الكلمة التي فيها دلالة على تكرار الفعل، وهذا لأنه قال: "لما قال أول عبد أشتريه فهو حر" دل ذلك على أن شراء العبد يوجد منه مره بعد أخرى، ولكن لا يتوقف حثه على وجود شراء آخر؛ لأن شراء العبد قد وجد وهو شراء العبد الواحد سابقًا على غيره، فإن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه غيره فقد وجد ذلك فيحنث.
(ودعانا إلى التأمل) ثم الاعتبار؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاعتبار بقوله:
(4/1649)

(فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ)، والأمر بالشيء أمر به وبما هو من لوازمه كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة، والاعتبار لا يكون إلا بأن يكون التأمل سابقًا على الأعتبار فكان الدعاء إلى الاعتبار دعاء إلى التأمل لا محالة سابقًا ثم إلى الاعتبار.
وبيان ذلك في الأصل: أي في الأصل الذي هو موجب للقياس.
(ويدل عليه) أي على إضمار فعل الأمر.
(قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء") والنهي عن الشيء كان امرًا بضده خصوصًا فيما إذا لحقه الاستثناء، والبيع وإن كان مباحًا في نفسه، يجب مراعاة شرطه إذا قصد المكلف مباشرته كالنكاح وهو مباح في نفسه لكن إذا أقدم عليه يجب عليه إحضار الشهود، وكذلك صلاة التطوع وإن كانت غير واجبة فعند القصد إلى أدائها يجب مراعاة شروطها من الطهارة وستر العورة وغيرهما، فكذلك هاهنا يجب صرف الأمر المدلول الذي هو مقتض لوجوب إلى حال البيع التي هي شرط لا إلى نفس البيع.
(4/1650)

(والحنطة اسم علم لمكيل) يعني اسم علم لنوع من طعام له صلاحية أن يكال في قدر يدخل تحت الكيل كما يقال: الماء مرو وإن لمل تكن قطرته مروية وهي ماء لكن له صلاحية الإرواء عند الانضمام إلى قطرات أخر، وقوله: ("مثلًا بمثل" حال لما سبق) وهو: "بيعوا" الذي هو مدلول غير مذكور، (والأحوال شروط) كما إذا قال الرجل لعبده: إن كلمت فلانًا قائمًا فأنت حر، فكلمه قاعدًا لم يعتق، ولو كلمه قائمًا عتق؛ لأنه بمنزلة قوله: إن كنت قائمًا وقت التكلم معه، وكقولهم: ادخل الدار غاضًا بصرك فكان الواجب غض البصر عند الدخول، فعلم بهذا أن الأحوال شروط.
(والمراد بالمثل القدر) أي القدر الشرعي وهو المقدر بالكيل (لما روي في حديث آخر: "كيلًا بكيل") أي مكان قوله: "مثلًا بمثل" لما أن المماثلة من حيث الوزن أو من حيث الحبات غير مراد حتى إذا باع كيلًا من حنطة وزنه عشرة أمنًا بنصف كيل من حنطة وزنه أيضًا عشرة أمنا لا يجوز وإن كانا متساويين من حيث الوزن، فلو كانا متساويين من حيث الكيل ومتفاضلين من حيث الوزن يجوز، وكذلك لو كانا متساويين من حيث الكيل
(4/1651)

ومتفاضلين من حيث الحبات يجوز أيضًا
(والمراد بالفضل الفضل على القدر) أي على القدر الشرعي، (والمراد بالمماثلة إنما هو القدر بالنص) أي القدر الشرعي وأقله نصف صاع، (فكذلك الفضل عليها ما لا محالة) أي الفضل الذي هو موجب للحرمة، وإنما يكون بالفضل الذي هو فضل على المماثلة الشرعية بالكيل، وأدنى المماثلة الشرعية مقدر بنصف صاع.
وحاصلة أن الأحوال الثلاثة من المساواة والمفاضلة والمجازفة إنما تعتبر بحسب الكيل الشرعي وأقله نصف صاع، حتى لو باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو بحفنتين يجوز، وكذلك فيما دونهما وفيما فوقهما إلى أن بلغت الحنطة إلى نصف صاع، وإذا بلغ كلا العوضين أو أحدهما نصف صاع والآخر اقل منه كيلًا أو أكثر منه كيلًا لا يجوز، وإن كانت تلك الزيادة لا تبلغ
(4/1652)

الكيل، نص على هذا في "الذخيرة" و"المحيط" والمعنى ي نوع بيع الجنس بالجنس فقال: في كل منها أدنى ما يجري فيه الربا من الأشياء المكيلة نحو الحنطة وأشباهها نصف صاع وذلك مدان حتى لو باع مدين من الحنطة بثلاثة أمنًا من الحنطة فصاعدًا لا يجوز، وكذلك إذا باع منوين من الشعير بثلاثة أمنًا من الشعير فصاعدًا لا يجوز.
قلت: والمن الواحد مما لا يدخل تحت الكيل ومع ذلك ذكر عدم الجواز مع
(4/1653)

زيادته على أحد المتساويين بالكيل من الحنطة والشعير.
علم بهذا أن في الزيادة على المتساويين بالكيل لا يشترط الكيل في إيراث عدم الجواز.
وأما ما وقع في فوائد الإمام بدر الدين الكردي -رحمه الله- في شرح قوله: "فكذلك الفضل عليها لا محالة" بقوله: أي لا يكون الفضل حرامًا ما لم يكن مكيلًا؛ لأن السابق كيل بكيل، والمراد منه أن يكون القدر والفضل معهودًا، فوجب أن يكون من جنس السابق، فيلزم من هذا أن يكون الفضل قدرًا أي كيلًا وقع على خلاف هذه الروايات التي ذكرت في هذه الكتب.
(وبالإجماع فيمن باع قفيزًا جيدًا بقفيز ردئ وزيادة فلس) أي على أن يكون الفلس بمقابلة الجودة لا يجوز، وما يكون مالًا متقومًا يجوز الاعتياض عنه شرعًا.
علم بهذا أن الجودة غير متقومة عند المقابلة بجنسها (ولما علم أن ما لا ينتفع به إلا بهلاكه فمنفعته في ذاته) أي لا في صفاته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بصفات الأموال الربوية مع قيام عينها، ولما كان الانتفاع بأستهلاك أعيانها لم يعتبر صفاتها وصارت العبرة لذواتها، فلذلك هدرت جودة صفاتها
(4/1654)

نفهم من مخاطباتنا؛ الاشتغال بطلب المعنى غير مفيد لجواز أن تكون مخاطباتنا خالية عن معنى مؤثر وحكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع.
ألا ترى أن هناك التعليل لا يصح وإن كان التعليل منصوصًا، فإنه لو قال: أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن للمخاطب أن يعدي الحكم إلى غيره بهذا التعليل، وفي خطاب الشرع لو كان التعليل منصوصًا يثبت حكم التعدية بالاتفاق كقوله عليه: "الهرة ليست بنجسة، فإنها من الطوافين عليكم والطوافات".
(وإنما التعليل لإثبات حكم الفروع). هذا جواب لقول من قال بأن النص موجب بصيغته، وبالتعليل ينتقل حكمه إلى معناه، فكان تغيير الحكم المنصوص.
قلنا: ليس ذلك بتغيير لحكم المنصوص؛ بل الحكم في المنصوص بعد التعليل ثابت بالنص كما كان قبل التعليل، والتغيير لحكم المنصوص إنما يكون إذا لم يبق الحكم المفهوم من النص قبل التعليل بسبب التعليل كما في تعليل الشافعي قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) بالتمليك حيث لم يبق مفهوم الإطعام الذي هوعبارة عن جعل الغير طاعمًا بالإباحة مرادًا.
وأما الذي نحن بصدده فيبقى النص موجبًا لحكمه كما قبل التعليل، وإنما التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه، فكان هذا تعميمًا لحكم
(4/1655)

(فكان الفضل على المماثلة فيها) أي في الأرز والدخن والجص (فضلًا خاليًا عن العوض مثل حكم النص بلا تفاوت) أي مثل حكم النص في الأشياء الستة المنصوصة من الحنطة والشعير وغيرهما.
(وهو كما ذكرنا من الأمثلة) أي القياس نظير ما ذكرنا من الأمثلة في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فلما كان الاعتبار هناك مأمورًا به كان الاعتبار في القياس الشرعي أيضًا مأمورًابه لمساواتهما في الاعتبار.
وفي "التقويم" فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارًا واجب العمل به، وكذلك إذا بين اسمًا أو صفة فعلق به حكمًا من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين
(4/1656)

حكم هو تحليل أو تحريم بوصف هو كيل وبين حكم هو هلاك تعلق بوصف هو كفر.
(إثبات الأحكام بظواهرها تصديقًا)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج من السبيلين بظاهر قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الغَائِطِ) فرض تصديقه، حتى يكفر جاحده، (وإثبات معانيها طمأنينة)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج النجس من غير السبيلين واجب للعمل به لطمأنينة القلب به لوجود علة جامعة بينهما، (وثبت به) أي وثبت بإثبات معاني النصوص (تعميم أحكام النصوص).
فإن قيل: التعليل لذلك النص كون حكم النص وهو انتقاض الطهارة منحصر في الخارج من السبيلين، وبالتعليل يثبت فيه وفي غيره الذي يشاركه في الوصف الجامع بينهما وهو الفصد والحجامة.
وكذلك في مسألة الربا، فإن قبل التعليل كون حكم النص منحصرًا في الأشياء الستة وبعد التعليل ثبت فيها وفي غيرها الذي يشاركها في الوصفين الجامعين من القدر والجنس كالأرز والجص والنورة.
(4/1657)

(جمعًا بين الأصول والفروع)، فالأصول: ثبوت انتقاض الطهارة في الخارج من السبيلين، والفروع: ثبوت انتقاض الطهارة في الفصد والحجامة، (وما للخصم إلا التمسك بالجهل)، فإنهم يتمسكون في النصوص باستصحاب الحال ومآل استصحاب الحال إلى الجهل؛ لأن المتمسك باستصحاب الحال يقول: لم يثبت الحكم الحادث هنا؛ لأنا لم نعلم ما يوجب ذلك الحكم، كما إذابيع شقص من الدار فطلب الشريك الشفعة فأنكر المشتري ملك الطالب فيما في يده الذي يطلب به الشفعة.
قال الشافعي: تجب الشفعة بغير بينة لأنا لم نعلم بيع شقصه وهو جهل منه.
(وفي التعيين احتمال) أي وفي تعيين وصف معين من سائر الأوصاف احتمال أن لا يكون ذلك الوصف مناط الحكم، واحتمال أن يكن هو مناط الحكم كما عينا القدر والجنس في علة الربا، ووصف الخارج النجس من بدن الإنسان في انتقاض الطهارة، ومثل ذلك جائز في الشرعيات بالإجماع.
(كالنصوص المحتملة) لما ذكرنا ولما ذكره الخصم كالمشترك وغيره كقوله
(4/1658)

تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ)
(وثبت أن طاعة الله تعالى لا تتوقف على علم اليقين) أي بالإجماع، فإن العام الذي خص منه البعض غير موجب لعلم اليقين كقول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) الآية، وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومع ذلك يجب العمل بهذه الآية طاعة لله تعالى، وكذلك خبر الواحد موجب للعمل طاعة لله تعالى مع أنه غير موجب لعلم اليقين.
وأما ما أشاروا إلى الفرق بين القياس وخبر الواحد بقولهم:
"وأما الدليل فشبهة في الأصل" فإن ذلك لا يجدي لهم؛ لأن دعواهم هي أن لا يطاع الله بدليل فيه شبهة كما أن صاحب الحق وهو الله تعالى كامل القدرة، فكان قادرًا على أن يقيم الدليل الذي لا شبهة فيه ويطاع به، فينتفض قولهم هذا بخبر الواحد والآية المؤولة؛ لأن فيهما شبهة، ثم بعد ذلك لا يتفاوت أن تكون الشبهة في أصله أو وصفه، فيجب أن لا يطاع الله
(4/1659)

تعالى بدليل فيه شبهة؛ لأن صاحب الحق كامل القدرة، فلما أجمعنا على أن الله تعالى يطاع بموجب خبر الواحد والآية المؤولة علمنا أن الله تعالى يطاع بدليل فيه شبهة؛ لأن المراد من الطاعة الابتلاء، وذلك لا يتفاوت بدليل فيه شبهة أو لا شبهة فيه، ولم يمتنع عن ذلك اتصاف الله تعالى بكمال القدرة فانتقض أصلهم.
وأما ما رووا من الأحاديث التي فيها مذمة الرأي فإن مراد رسول الله عليه السلام فيها الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس أو الرأي الذي كان المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس.
فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون مذمومًا.
ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- رحمه الله.
(4/1660)

فصل في تعليل الأصول
تفسير تعليل الأصول هو أن حكم النصوص في الأصل معلول بعلة، (واختلفوا في هذه الأصول) أي في الكتاب والسنة والإجماع، أي اختلفوا في أن الأصل في النصوص ماذا؟ كونها معلولة بعلة أو غير معلولة بها؟
(وهذا أشبه بمذهب الشافعي)؛ لأنه يكتفي بدلالة التمييز ولا يشتغل بكون هذا النص معلولًا بعينه.
ولهذا قال: إن حرمة الخمر معلولة اكتفاء بكون الأصل في النصوص هو التعليل، وكذلك جعل استصحاب الحال في حق الدفع والإثبات باعتبار أن الأصل عدم ثبوت الأمر الحادث، وهاهنا أيضًا الأصل هو التعليل فتشابها باعتبار الأصل، وقولنا مثل قول الشافعي في أن الأصل في
(4/1661)

النصوص هو التعليل، لكنا نقول: ومع ذلك (لا بد قبل ذلك من قيام الدليل) على أن النص المعين معلول ولا نكتفي بكون الأصل في النصوص التعليل، وكان هذا مثل قولنا في شريك أو جار يطلب الشفعة عند سماع بيع شريكه أو جاره بدار في يده أنها ملكة، وأنكر المشتري كون الدار التي يطلب بها الشفعة أنها ملكة أنه يجب عليه إقامة البينة، على أن الدار التي يطلب بها الشفعة ملكه في الحال، وإن كان الأصل هو أن تكون الأملاك في يدك الملاك، فنحن لا نكتفي بذللك الأصل في هذا؛ لأن الشفيع هاهنا محتاج إلى إثبات الملك ابتداءً، فاستصحاب الحال لا يصلح لذلك؛ بل هو للدفع لا للإثبات، وهذا لأن الخصم لو تمسك في هذا بالأصل بأن الأصل في النصوص التعليل.
نحن نقول: وإن كان ذلك كذلك لكنا قد وجدنا في النصوص نصوصًا غير معلولة فجاز أن يكون هذا النص المعين من تلك النصوص لما أن النص مع أصالته في التعليل لم يسقط احتمال كونه غير معلول فلم يبق لذلك حجة على الخصم كما قلنا في استصحاب الحال في مسألة الشفعة حيث لم تكن الأصالة هناك حجة على المشتري.
(بأن النص موجب بصيغته) في المنصوص عليه بالإجماع، (وبالتعليل
(4/1662)

ينتقل حكمه إلى معناه)؛ لأنه لو لم ينتقل لا يمكن التعدية، والمعنى من التعدية هو أن نقول: الحكم في المنصوص عليه مضاف إلى النص المعلل بهذا الوصف، لكن لهذا الوصف لا له أثر في إثبات الحكم في المنصوص عليه، وإنما يظهر أثره في الفرع، وهذا الوصف موجود في الفرع فيثبت مثل هذا الحكم في الفرع، (وذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة) أي إضافة الحكم إلى معنى النص بمنزلة المجاز، وإضافة الحكم إلى النص بمنزلة الحقيقة لما أن الحقيقة هي ما وضع الواضع اللفظ لمعنى، فكان ذلك المعنى موجب ذلك اللفظ وضعًا، فكذلك هاهنا إن الحكم واجب بالنص وضعًا، فلذلك كان هو بمنزلة الحقيقة.
والمجاز: هو أن يراد به غير ما وضع له، فكذلك ههنا لما كان الحكم ف الأصل مضافًا إلى النص وضعًا كان إضافته إلى المعنى لم تكن وضعًا فكان إضافته إلى المعنى مجازًا، ولما كان كذلك لم يعدل إلى المجاز إلا بدليل، فكذلك هاهنا لا يعدل إلى المعنى في إضافتة الحكم إليه إلا بدليل، فجاء من هذا أن الأصل في النصوص غير التعليل لتبقى الحقيقة على حقيقتها وهي إضافة الحكم إلى النص
(ألا ترى أن الأوصاف متعارضة) أي أن بعض الأوصاف تقتضي حكمًا ضد ما تقتضيه الآخر.
ألا ترى أن تعليل قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة" بالطعم يقتضي الحل في بيع الجص والنورة متفاضلًا، وتعليل ذلك الحديث بالقدر والجنس
(4/1663)

يقتضي الحرمة في بيعهما متفاضلًا، والتعليل بالكل غير ممكن؛ إذ وجود هذه الأوصاف بجميعها غير ثابت في غير المنصوص؛ لأنه لو وجد الجميع كان هو عين المنصوص لا غيره فيؤدي ذلك إلى إنسداد باب القياس، (وبكل وصف محتمل) أي يحتمل أن لا يكون ذلك الوصف الذي عينه المعلل مناط الحكم، (فكان الوقف أصلًا) أي الامتناع عن التعليل كان أصلًا.
(مثل رواية الحديث)، فإن اجتماع رواة الأحاديث لما كان متعذرًا قبلنا رواية كل واحد من العدول ولم نشترط الاجتماع، فكذلك هاهنا لما تعذر العمل باجتماع أوصاف النص جعلنا كل وصف علة.
فإن قلت: نفهم من خطاب الشرع ما نفهم من مخاطباتنا، ومن يقول لغيره: أعتق عبدي هذا لم يكن له أن يصير إلى التعليل في هذا الأمر، فكذلك في مخاطبات الشرع لا يجوز المصير إلى التعليل حتى يقوم الدليل، وهذه شهة ترد على قولنا أيضًا وقول الشافعي، فلابد من جواب شاف يشفي مرض جهل السائل؛ قلت: ليست مخاطبات الشرع في حق التعليل مثل ما
(4/1664)

وصارت العبرة لذواتها (وسقط اعتبار القيمة للجودة شرطًا لا علة) يعني أن شرط تحقق المساواة بينهما سقوط اعتبار القيمة؛ إذ مع اعتبار القيمة لا تتحقق المساواة، فإنه إذا باع قفيزًا جيدًا من حنطة بقفيز رديء من حنطة حتى يساوي هو قفيزًا جيدًا منها بذلك المضموم في القيمة، فحينئذ لا تبقى المساواة بينهما كيلًا.
علم بهذا أن سقوط اعتبار القيمة للجودة ليكون شرط تحقق المساواة لا أن يكون سقوط اعتبار الجودة علة تحقق المساواة؛ لأن سقوط اعتبار الجودة أمر عدمي وتحقق المساواة أمر وجودي، فيستحيل تحقق الأمر الوجودي من الأمر العدمي، فلذلك يصلح أن يكون تحقق المساواة أثر العدم بل علة تحقق المساواة القدر والجنس لا غير، وسقوط اعتبار الجودة شرط تحقق المساواة.
(صارت المماثلة ثابتة بهذين الوصفين) وهما القدر والجنس.
فإن قيل: وجوب التسوية حكم النص فكيف أضيف وجوب التسوية إلى القدر والجنس بل التسوية توجد بهما كما في أركان الصلاة؛ أن الصلاة توجد بالأركان المعهودة ولا يضاف وجوب الصلاة إلى أركانها بل يضاف إلى الوقت نفس وجوبها وإلى النص وجوب أدائها؟
قلنا: الشرع أثبت المساواة بقوله: "إلا سواء بسواء" والمساواة لا تثبت إلا بالقدر والجنس، فكان القدر والجنس مثبتين حكم الشرع ومحصلين له فأضيف الوجوب إليهما لكونهما آخر المدارين.
(4/1665)

النص في حق وجوب العمل في الأصل والفرع لا تغييرًا.
(لأنه ما شرع إلا للقياس مرة) أي لأن التعليل ما شرع إلا لتعدية الحكم من الأصل إلى الفرع كما هو مذهب العامة، (وللحجر أخرى) عند الشافعي أي التعليل يكون لحجر المعلل عن تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه وللتعليل بالعلة القاصرة مرة أخرى كما هو مذهب الشافعي، (وهذا يسد باب القياس أصلًا)، والإشارة راجعة إلى قوله: "وللحجر الصحي" فإن فائدة التعليل بالعلة القاصرة للمنع عن القياس عنده، ثم لا شك أن الوصف الذي يثبت الحجر عن التعدية غير الوصف الذي يثبت به حكم التعدية فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل لا يجوز تعليل النص، وكذلك لو كانت الأوصاف كلها متعدية لا يمكن التعليل بكلها لما ذكرنا، فلابد لمن يكون أحد الأوصاف هو العلة، ثم ذلك الوصف مجهول، والمجهول لا يصلح استعماله
(4/1666)

مع الجهالة لتعدية الحكم فلابد من دليل التمييز بينه وبين سائر الأوصاف حتى يجوز التعليل به، (شاهدًا للحال) أي معلولًا بعلة؛ (لأنا قد وجدنا من النصوص ما هو غير معلول) كما في قوله عليه السلام: "تم على صومك" فإن صوم الناسي عن الصوم حتى أكل ولم يفسد صومه شرعًا مع فوات الركن حقيقة غير معلول، فلا يستقيم أن يقاس عليه صحة صلاة الناسي على صلاته حتى فوت ركنًا من أركانها لما أن نص الصوم نص غير معلول بعلة، (لكن هذا الأصل) وهو كون النص معلولًا.
(على مثال استصحاب الحال) يعني أن بعض النصوص لما كان غير معلول، والأصل في النصوص هو التعليل على ما بينا- كان هذا الأصل على مثال استصحاب الحال، فيكون حجة في حق الدفع لا في حق الإثبات، كما إذا غاب الحي يجعل حيًا في الدفع حتى لا يورث ماله، واحتمال موته لا يقدح في هذا الأصل، ولو مات قريب حاضر لا يرث الغائب المفقود، ويعتبر احتمال موته؛ لأن الحاجة إلى إثبات المال له فلا يكتفي بالأصل، فكذلك هاهنا الأصل في النصوص التعليل نظرًا إلى الدليل؛ لأن النص حجة من حجج الله تعالى، وكذلك العقل حجة من حجج الله تعالى، والأصل أن يكون في حجج الله تعالى الموافقة لا المخالفة، ونعني بكون النصوص في
(4/1667)

الأصل معلولة كونها موافقة للعقل، فكان التعليل هو الأصل فيها لهذا فلا يترك هذا الأصل لاحتمال كونها غير معلولة ولا يكون حجة في الفرع للإثبات بكونها أصلًا في التعليل؛ لأن الحجة إلى الإثبات فلابد من دليل هو حجة ملزمة.
(مع قيام الاختصاص في بعض الأمور) مثل النكاح بغير مهر وحل تزوج التسع وحل صوم الوصال.
(فأما هاهنا فإن النصوص نوعان: معلول وغير معلول).
فإن قلت: فلم لا يصح أن يقال في أفعال النبي عليه السلام إنها أيضًا على نوعين: ما يقتدى به، وما لا يقتدى به كحل تزوج التسع وغيره مثل ما ذكر ذلك في النصوص بأنها نوعان مع أن النصوص المعلولة أكثر من نصوص غير معلولة، فكذللك في أفعال النبي عليه السلام وإن كانت أفعاله التي يتبع فيها أكثر من أفعاله التي لا يتبع فيها لما أن القلة أو الكثرة غير مانعة من القول
(4/1668)

بالتنويع كما في النصوص على ما ذكرنا.
قلت: إنما لا يصح ذلك في أفعال النبي عليه السلام؛ لأن القول بالتنويع إنما يصح إذا كانت الأصالة ثابتة في الطرفين جميعًا وصح ذلك في النصوص، فإن احتمال كون النص غير معلول ثابت في كل نص مثل احتمال كونه معلولًا فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان فكذلك تعليل النصوص،
وأما النبي عليه السلام فما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه، فكان الاقتداء به هو الأصل، وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصًا ببعض الأشياء والخصوصية في حقه في ذلك الشيء بمنزلة دليل التخصيص في العموم، والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص، فكذلك الاقتداء به في أفعاله، ولأن الدليل الموجب لعلم اليقين قد قام على جواز الاقتداء به مطلقًا، وهو قوله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وههنا الدليل هو صلاحية الوصف الموجود في النص، وذلك إنما يعلم بالرأي، فلا ينعدم به احتمال كون النص غير معلول.
والدليل الواضح في الفرق بينهما هو أن كون النص غير معلول مثل كونه معلولًا فيما يرجع إلى معنى الابتلاء، بل الابتلاء بالنص الذي هو غير معلول أظهر بالنسبة إلى النص الذي هو معلول، فلما تحققت المساواة بينهما في معنى الابتلاء صح أن يقال: النصوص على نوعين: معلولة، وغير معلولة.
(4/1669)

وأما أفعال النبي عليه السلام فالتي خصت به مع التي لم تخص به لم يتساويا لظهور أصالة أفعال التي يقتدي هو فيها بالدليل القطعي على ما ذكرنا، فلما لم يظهر أصالة كلا الطرفين على السواء لم يصح أن يقال: أفعال النبي عليه السلام على نوعينن، بل الأصل هو كون أفعاله التي يقتدي هو فيها.
وأما أفعاله التي لا يقتدي هو فيها بمنزلة دليل التخصيص في العموم على ما ذكرنا، ولأن حال النبي عليه السلام لم يختلف في كونه مقتدى به؛ لأنه لا يوجد نبي غير مقتدى به، ويمكن أن يقال يوجد نص غير معلول، فلما كان كذللك لم يحتج في أفعال النبي عليه السلام إلى إقامة الدليل في أنه فيه مقتدى به أم لا؟ واحتج في النصوص إلى الدليل بأن هذا النص معلول بعلة.
(ومثال هذا الأصل) أي الأصل الذي قلنا وهو أن لا يكتفي بأن الأصل في النصوص كونها معلولة بل يحتاج إلى إقامة الدليل في كل نص على حدة بأنه معلول.
(إن حكم النص في ذلك معلول) أي حكم النص الذي هو الربا في المذكور وهو الذهب والفضة معلول بالوزن.
(على أن النص بعينه معلول) أي هذا النص المعين معلول بالوزن،
(4/1670)

والنص هو قوله عليه السلام: "الذهب بالذهب يداَ بيد".
(تضمن حكم التعيين) أي حكماَ هو التعيين, وهذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم النحو.
(وذلك من باب الربا) أي اشتراط التعيين من أنواع أحكام الربا أي يلزم من تفويته شبهة الربا وهي النسيئة وهي حرام.
(ألا ترى أن تعيين أحد البدلين) إلى آخره. هذا لإيضاح أن التعيين من باب الربا, فإن تعيين احد البدلين (شرط جواز كل بيع) ليتعين به المبيع, وتحصيل المبيع قبل العقد وتعيينه شرط جواز كل بيع.
(احترازاَ عن شبهة الفضل الذي هو ربا)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفاَ وعادة, وأيد هذا المعنى قول النبي غليه السلام: "إنما الربا في النسيئة" والتأكيد بالحصر راجع إلى استدامة الربا في وجود الوصفين أو
(4/1671)

الوصف الواحد, فإن حرمة النسيئة ثابتة عند وجود القدر والجنس أو عند وجود أحدهما بخلاف ربا الفضل إنما هو عند وجود القدر والجنس لا غير.
فأما إذا كانا نسيين فلا ربا بينهما؛ لأنهما متساويان, لكن لا يجوز ذلك لكونه ربا؛ بل الحديث: "نهى عن بيع الكالي بالكالي" لكون العقد غير مفيد شيئا فكان في معنى العبث وهو حرام, أو لأن وجود المبيع وتعينه قبل عقد البيع شرط صحة العقد (وقد وجدنا هذا الحكم) وهو اشتراط التعيين (متعدياَ عنه) أي عن اشتراط تعيين الذهب والفضة بالإجماع إلى تعيين الطعام في بيع الطعام بالطعام عند الشافعي.
(بشعير بغير عينة) أي نسيئة.
(لما قلنا) أي من تعيين الآخر أنه شرط احترازاَ عن شبهة الفضل الذي هو ربا.
فعلم بهذه الجملة أن حكم النص متعد, لأنا لا نعني بالتعليل سوى أن هذا الحكم موجود في غير هذا النص بالتعليل, وقد يوافق لذلك حكم النص والإجماع, وذلك دليل صحة التعليل, وبهذا يخرج الجواب لقول من يقول بأن الحكم فيما ذكر من الأمثلة جاز أن يثبت بالنصوص؛ لأنا نقول: هذا لا يضرنا؛ لأن حاجتنا إلى إثبات أن هذا الحكم غير مقتصر على المنصوص
(4/1672)

عليه وهو بيع الثمن بالثمن, وقد دللنا على عدم الاقتصار على المنصوص عليه فيتفتح علينا باب التعدي, فحينئذ كان ما ورد من النصوص موافقاَ للتعليل.
(وإذا ثبت التعدي فى ذلك ثبت أنه معلول) يعني أن حكم النص وهو التعيين في نص الذهب بالذهب والفضة بالفضة لما لم يكن مخصوصاَ بهذه الأشياء التي هي أثمان على أن حكمه وهو التعيين لم ينشأ من الثمينة, فلم تكن الثمينة مانعة بدليل ثبوت هذا الحكم في غير هذا النص.
فعلم بهذا أنه معلول؛ لأنه لا يتعدى بدون التعليل, والشافعي علل بالثمينة ليكون ذلك مانعاَ من إلحاق غيره به, وبما ذكرنا يظهر ضعف قوله.
(فإذا ثبت فيه ثبت في مسألتنا) أي فإذا ثبت التعليل باشتراط التعيين في حديث الذهب والفضة بما عللنا بالقدر والجنس.
(لأنه هو بعينه ربا) أي التعليل بالقدر والجنس يوجب المساواة, فعند فوتها يلون الربا لفوات القدر بفوت المساواة (بل ربا الفضل أثبت منه) أي ربا الفضل أقوى رباَ من ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة ربًا من حيث المعنى وهو أن النقد حير من النسيئة, وهو ربا من حيث المعنى, وربا الفضل ربا حقيقة ومعنى؛ لأن مناَ من الدهن منين منه رباَ حقيقة ومعنى, فكان هو أقوى في كونه رباَ, فلما ثبت ربا النسيئة بقوله عليه السلام: "يداَ بيد" في حديث الذهب والفضة فلأن يثبت ربا الفضل فيه أولى, ويلزم من هذا أن يكون قوله
(4/1673)

عليه السلام: "الذهب بالذهب يداَ بيد" أن يكون معلولاَ بالوزن الذي ينشأ منه المساواة؛ لأن المساواة في الوزن انتفاء حقيقة الفضل وبالنقد تنتهي شبهة الفضل, فلما وجب نفي شبهة الفضل وبالنقد وجب عليه نفي حقيقة الفضل بالوزن المستوي بالطريق الأولى.
(فإن النص أوجب تحريم الخمر لعينها) وعينها لا توجد في سائر الأشربة, فكيف يتعدى حكمها إلى سائر الأشربة, (وليست حرمة سائر الأشربة ونجاستها من باب التعدي) هذا جواب لقولهم: إن حكم الخمر في حق حرمة الشرب والنجاسة قد تعدى منها إلى سائر الأشربة فيجب أن يتعدى حكمها إلى الأشربة في حق الحد أيضاَ.
قلنا: إنما تثبت حرمتها ونجاستها بدلائل فيها شبهة من أخبار الآحاد , والحرمة مما تثبت بالشبهات بخلاف الحد , مع أن القياس لا يجري في الحدود, ولأن وجوب الحد في سائر الأشربة لو كان بطريق التعدي من الخمر إليها لوجب على وفاق ما وجب في الخمر ولم يجب كذلك , وإن الحد يجب في الخمر بشرب قطرة منها, وفي سائر الأشربة لا يجب ما لم يسكر.
(ومثال هذا الشاهد) إلى آخره أي مثال ما ذكرنا من المسألتين. أعني مسألة الذهب بالذهب ومسألة الشاهد في صفتيه أعنى الجهل ببعض أحكام
(4/1674)

الشرع وصفة الرق فإنه لما قبلت شهادته مع صفة الجهل ببعض أحكام الشرع بطل الطعن بالجهل, وتقييدنا بالجهل ببعض أحكام الشرع يفيد في حق الشاهد المسلم؛ لأنه لو كان جاهلاَ بجميع حدود الشرع كان جاهلاَ بأشرف حدود الشرع وهو الإيمان, فلا تقبل شهادته حينئذ على المسلم.
أما لو كان الشاهد كافراَ يشهد الكافر فهو مجرى على ظاهر قوله مع صفة الجهل بحدود الشرع , فإنه إن لم يعلم بحدود الشرع كلها تسمع شهادته على الكافر.
وحاصلة أن الشاهد (لما قبلت شهادته مع صفة الجهل بحدود الشرع بطل الطعن بالجهل) يعني أن الشاهد إذا كان حراَ عاقلاَ بالغاَ عدلًا قبلت شهادته وإن كان جاهلاَ بحدود الشرع , وبطل طعن الخصم بأنه جاهل بحدود الشرع لما أنه تقبل شهادته مع ذلك , فكذلك ها هنا أن نص الشافعي لتعليلنا بالوزن بتعليله بالثمينة يعني أن الجهل بحدود الشرع كما لا يصلح أن يكون مانعاَ لقبول الشهادة كذلك التعليل بالثمينة أيضاَ لا يصلح أن يكون مانعاَ من التعليل بالوزن الذي هو شهادة النصوص.
وأما لو وقع طعن الخصم في الشاهد بالرق صح هذا الطعن منه ويحتاج المدعى إلى إقامة البنية على حرية الشهود, ولا يسمع منه الاستدلال بكون الأصل في الآدمي هو الحرية , فكذلك لا يسمع من الشافعي دعواه بأن نص
(4/1675)

الخمر معلول بمخامرة العقل أي بتغطيه , فيتعدى حكمها إلى سائر الأشربة في وجوب الحد والحرمة. لما أن الأصل في النصوص التعليل ما لم يقم الدليل على انه في الحال معلول بالإجماع بعلة من العلل ولا يتمكن من ذلك لما أن حرمة الخمر ثابتة لعين الخمر ولا يوجد في سائر الأشربة , فلذلك لا يثبت حكمها في سائر الأشربة وهو معنى قوله: "فكذلك هاهنا لا يصح العمل به مع الاحتمال إلا بحجة" أي في مسألة الخمر لا يتمكن الشافعي من أن يقول: إن الأصل في النصوص التعليل , فكان نص الخمر معلولاَ عملاَ بالأصل كما لا يجوز التمسك بالأصل للمدعي إذا طعن شاهده بالرق بأن يقول هو حر؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية , وهذا هو التفسير الواضح المعول عليه.
(4/1676)

باب شروط القياس
(أن لا يكون الأصل مخصوصاَ بحكمه بنص آخر) المراد من الأصل المقيس عليه , وهو شهادة خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه- مثلاَ , فإن ذلك الأصل , وهو شهادة خزيمة منفرد , ومخصوص بحكمه , وهو قبول شهادته منفرداَ كرامة له بنص آخر , وهو قوله عليه السلام: "من شهد له خزيمة حسبه" إذ لو تعدى منه إلى غيره يبطل الاختصاص في حقه.
وإنما ذكر قوله: آخر" بسبب مقابلة النص العام الذي يقتضي العدد من الشهود في سائر الشهادات , فصار كأنه قال: اختص قبول شهادة خزيمة به بنص آخر من النص الذي يقتضي العدد على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: إن الله تعالى شرط العدد في عامة الشهادات أي في قوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) وقوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ) إلى
(4/1677)

قوله: (وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لإثبات الحق إنما يكون بالعدد من الشهود , وخزيمة ممن يتناوله العموم , ثم خص رسول الله عليه السلام خزيمة بقبول شهادته وحده , وكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له , فلم يجز تعليله أصلاَ حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهاد غير حزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة؛ لأن التعليل يبطل خصوصيته , وقصة شهادة خزيمة -رضي الله عنه- هي ما ذكره في أوائل شهادات (المبسوط) فقال: "روي أن النبي عليه السلام اشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها , ثم جحد العرابي استيفاء الثمن , وجعل يقول: وا غدراه هلم شهيداَ. فقال عليه السلام: " من يشهد لي؟ فقال خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه- أنا أشهد لك يا رسول الله أنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة , فقال عليه السلام: كيف تشهد لي ولم تحضرنا؟
قال: يا رسول الله إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك
(4/1678)

فيما تخبر به من أداء ثمن الناقة! فقال رسول الله عليه السلام: من شهد له خزيمة فحسبه".
وقوله: (وأما الثالث) أي الشرط الثالث وهو قوله: "أن يتعدى الحكم الشرعي". إلى آخره.
وقوله: (وفى هذه الجملة خلاف) , والإشارة في: (هذه) راجعة إلى الشرط الثالث لا إلى ما قبله فتأنيت الإشارة باعتباره صفتها وهى الجملة , وإنما سمي جملة؛ لأن الشرط الثالث مشتمل للأحكام الخمسة فكانت جملة.
(وحل للنبي عليه السلام تسع نسوة) إلى آخره. يعني وكذلك هذا المعنى في حل تسع نسوة لرسول الله عليه السلام؛ فإنه ثبت هذا الاختصاص؛ لرسول الله عليه السلام بنص آخر وهو قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) وكان هذا بعد تزوج التسع؛ وتقييده بقوله (مِنْ بَعْدُ) يدل على حل
(4/1679)

قبله سوى النص العام الذي يقتضى الحصر على الأربع.
وكذلك المعنى في السلم؛ لأن النص العام وهو وقوله عليه السلام: "لا تبع ما ليس عندك" يقتضي بعمومه عدم جواز السلم إذا المسلم فيه معدوما أيضاَ كسائر البياعات لكن بنص آخر.
(وهو قوله عليه السلام: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" يثبت خصوصية جواز السلم وإن كان معدوماَ في حال البيع بصفة الأجل, فكان الأجل شرطاَ مخصوصاَ به, فلا يجوز تعليل هذا النص بأن السلم بيع كسائر البياعات فيجوز حالًا؛ لأن فيه إبطال خصوصية هذا الوصف الثابت بالنص بالسلم وذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكلام يقتضي حصر ما ذكرنا كما يقال: من دخل داري فليدخل غاض
(4/1680)

البصر، فهذا يقتضي عدم جواز الدخول إذا كان غير غاض البصر.
وهذا لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في ملك العاقد والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز، ثم ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص الذي ذكرنا لكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم عادةً، وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه حتى يجوز حالًا أيضًا كسائر البياعات، لأن ذلك الحكم خاص يثبت الخصوصية بالسلم بالنص فلا تبطل الخصوصية الثابتة بالنص بالتعديل.
وقوله: (فلم يستقم إبطال الخصوص بالتعديل) أي لم يستقم إبطال خصوصية السلم بالأجل بالقياس على سائر البياعات كما أطبل الشافعي ذلك حيث جوز السلم الحال بالتعديل، فكان هذا الذي ذكره نفيًا لقول الشافعي -رحمه الله.
وهذا مما يعقل كرامة، لأن معنى الكرامة بالاختصاص إنما يظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب، ولا يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج، فكان الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحًا بغير مهر واختصاصه بالمرآة حتى لا تحل لأحد
(4/1681)

بعده، لأنه يحرج في لزوم المال ويتأذى يكون الغير شريكًا له في فراشه من حيث الزمان، وعليه دل قوله تعالى: (ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) وإنما قلنا: إن اختصاصه ملك البضع نكاحًا بغير مهر، لأنه ذكر فعل الهبة، وذلك يقتضي مصدرًا مؤنثًا وهو هبة.
وقوله: (خالصة) صفة ذلك المصدر أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة بدليل قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) حيث ذكر علمه بفرضه عليهم على العموم وهو عبارة عن وجود الفرض عليهم ولزومه، فكان اختصاصه في حق عدم الفرض عليه وعدم لزومه.
وقد أبطلنا التعليل من حيث ثبت كرامة، لأنا لو عللنا كان متعديًا منه إلى غيره فحينئذ لم يبق الاختصاص ولم يبق الكرامة، لأن كرامته إنما كانت بسبب الاختصاص.
(والتقوم عبارة عن اعتدال المعاني) وذلك لأن قيمة الشيء هي التي تقوم مقام ذلك الشيء، والذي يقوم مقام غيره إنما يكون أن لو كان معادلًا في
(4/1682)

المعنى كقيمة الثوب تقوم مقام الثوب فيه المالية، وإن كانت لا تعادله في الصورة، فكذلك قيم جميع الأشياء، فالعين مع العرض لا يعتدلان في المعنى، لأن العين ما يستغني في وجوده عن المحل، والعرض ما يفتقر في وجوده إلى العين، وهو معنى قوله: (وبين العين والمنافع تفاوت في نفس الوجود)، لأنهما يتفاوتان في وجودهما بين السلب والإيجاب كما ذكرنا أن العين لا يفتقر إلى المحل في وجوده والعرض يفتقر، ولأن العين يبقى والعرض لا يبقى، فكان بينهما تفاوت فاحش فلا يمكن التعديل بينهما في المعاني، والقيمة عبارة عن اعتدال المعاني، وقد ثبت انتفاء الاعتدال بينهما بما ذكرنا، فكان ثبوت المالية والتقويم في المناع بالعقد حكمًا خاصًا ثبت بالنص غير قابل للتعديل.
فلذلك قلنا: إن تقومها في العقد لا يتعدى منه إلى الغصب فلم تضمن المنافع بالإتلاف والغصب، وهذا لأن تقومها في باب العقد للحاجة والضرورة وهو نظير حل الميتة عند المخمصة، فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى محل آخر فكذلك ها هنا.
(فلا يصلح إبطال حكم الخصوص بالتعليل)، أي لما ثبت تقوم المنافع في باب العقد بطريق الخصوص لا يجوز إبطال خصوصيته بالتعليل بأن يقال لما ثبت تقوم المنافع في باب العقد يجب أن يثبت تقومها في باب العدوان، لأن ذلك أمر خاص بباب العقد فيبطل خصوصيته بالتعليل.
(4/1683)

(ومثال الثاني: من الشروط) وهو أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس (إن أكل الناسي معدول به عن القياس) يعني إن الحكم ببقاء الصوم عند أكل الصائم ناسيًا حكم ثبت مخالفًا للقياس (وهو فوات القربة بما يضاد ركنها)؛ وهو؛ أي القياس أن تفوت القرية بالإتيان بالشيء الذي هو يضاد القربة كالأكل يضاد الصوم، (وهو القياس الصحيح)، لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه سواء كان فوات الركن ناسيًا أو عامدًا، كما إذا ترك السجدة الأصلية ناسيًا حيث تف سد صلاته.
(وثبت حكم النسيان بالنص) أي ثبت بقاء صوم الآكل ناسيًا بنص قوله عليه السلام: "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك".
(معدولا به عن القياس لا مخصوصًا من النص) يعني أن ظاهرة قوله عليه السلام: "الفطر مما دخل" يقتضي فساد الصوم ب الأكل والشرب ناسيًا إلا أنه لم يقصد بذلك الحديث الذي روينا فيتوهم من هذا الوجه أنه مخصوص من قوله: "الفطر مما دخل" فأمكن تعليل المخصوص ليتعدى الحكم منه إلى غيره
(4/1684)

بعلة جامعة بينهما وهي أن كلا من الناسي والخاطئ غير قاصد للفطر بالأكل والشرب، والنص المخصوص يعلل.
فرد ذلك الوهم بهذا فقال: "إن بقاء صوم من أكل ناسيًا إنما ثبت معدولًا به عن القياس"، وهو جعل الآكل غير الآكل وهو مخالف للقياس الظاهر فلما جعل الناسي غير آكل لم يتناوله قوله عليه السلام: "الفطر مما دخل" حتى يخص منه الناسي بذلك الحديث، بل كان بقاء صومه مخالفًا للقياس من كل وجه، فلا يقاس عليه الخاطئ والمكره لذلك.
(فيصير التعليل حينئذ لضد ما وضع له) أي تعليل النص الذي ثبت حكمه مخالفًا للقياس لضد ما وضع له التعليل، لأن التعليل إنما يكون لإثبات القياس ببقاء صوم الخاطئ، والقياس يقتضي فساده لوجود الأكل منه حقيقة، فلذلك قلنا: لو عللنا كان التعليل حينئذ لضد ما وضع له، لأن القياس في أكل الناسي يقتضي ثبوت الفطر لوجود الأكل، فالتعليل لبقاء صومه بسبب أنه لم يقصد الأكل ليلحق به الخاطئ كان التعليل لضد ما وضع له وهو باطل، لأن من المحال أن يكون ما هو الموجب للحركة هو الموجب للسكون، لأن بقاء الصوم مع فوات الصوم ضدان، والذي هو موجب لثبوت أحدهما لا يصلح أن يكون موجبًا للآخر كالنص النافي للحكم لا يجوز أن يكون مثبتًا لذلك الحكم.
(4/1685)

(ولم يثبت هذا الحكم في مواقعة الناسي بالتعليل) هذا جواب لقولهم: بل يجري في بقاء صوم الناسي لآكله التعليل. ألا ترى أن الصائم إذا واقع ناسيًا يبقى صومه أيضًا بالقياس على من أكل ناسيًا لما أن النص لم يرد في الواقع فرد بهذا ذلك القياس فقال: لم يثبت ذلك بالقياس بل بدلالة النص لما أن الوارد في الأكل والشرب وارد في الواقع معنى، وقد مر وجهه في بيان الدلالة، فكان هذا نظير قوله عليه السلام للمستحاضة: "توضئي لوقت كل صلاة"، ثبت بهذا الحديث عدم انتقاض الطهارة في الوقت بدم الاستحاضة وهذا حكم ثابت بخلاف القياس، ومع هذا ثبت مثل هذا الحكم في صاحب الجرح السائل ونظائره بدلالة النص لا بالقياس، لأن كل واحد منها نظير الآخر من كل وجه فورود النص في واحد منها كان ورودًا في الآخر.
(ألا تري أن معنى الحديث لغة أن الناسي غير جان على الصوم ولا على الطعام) بسبب وجود الفعل منه بطريق النسيان فيما لا مذكر له للعبادة، والطعام ملكه، وهذا لبيان أن الحكم في الوقائع ثابت بدلالة النص، لأن من سمع قوله عليه السلام: "تم على صومك" الحديث يفهم أن هذا الفعل ليس بجناية، لأنه أمر بإتمام الصوم كمن لا يوجد منه هذا الفعل، وكذلك آخر الحديث يفهم أن هذا الفعل ليس بجناية، لأنه أمر غير جان، لأن النبي عليه
(4/1686)

السلام أخبر: "أن الله تعالى هو المطعم والساقي" فصاحب الطعام إذا أطعم لا يكون الطاعم جانيًا على طعامه، وكذلك هذا المعنى في الشرب وهذا المعنى بعينه من غير تفاوت موجودً في الواقع أعني أنه ليس بجان على الصوم، لأنه صدر منه هذا الفعل بإنسياء الله تعالى ولا على المرأة، لأنها منكوحته، وفي درك هذا المعنى يستوي الفقيه وغير الفقيه، فكان ثابتًا بدلالة النص يعنى أن عبارة النص تدل بمعناها اللغوي الذي يفهمه كل من يعرف العربية على ثبوت هذا الحكم في غير المنصوص عليه وهو المعنى بدلالة النص فيكون ثابتًا بالنص لا بالتعليل، فأما الخطأ والكره والنسيان فليست بسواء، لأن النسيان لا يمكن الاحتراز عنه، وهو من قبل من له الحق خلقه من غير اختيار العبد فصار عفوا.
وأما الخطأ فما يمكن الاحتراز عنه فوقوعه بضرب من تقصيره وهو ذاكر للصوم فلا يمكن التسوية بينه وبين النسيان، والكره جاء لا من قبل من له الحق، والمكره في الإقدام على ما أكره مختار وهو ذاكر للصوم. ألا ترى أن العزيمة أن لا يقدم على الإطار ويثاب في الصبر عليه، وحاصله أن سبب العذر في النسيان لما كان ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه على ما أشار إليه النبي عليه السلام في قوله: "إنما أطعمك الله وسقاك" استقام أن يجعل الركن باعتباره قائمًا حكمًا، فأما في المكره والنائم والخاطئ فسبب العذر جاء من جهة العباد.
(4/1687)

والحق في أداء الصوم لله تعالى، فلم يكن هذا في معنى سبب كان ممن له الحق. ألا ترى أن المريض يصلي قاعدًا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ، والمقيد يصلي قاعدًا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع عند القيد، وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: الذي شج في صلاته لا يبنى بعد الوضوء والذي ابتلي بقيء أو رعاف يبنى على صلاته بعد الوضوء لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس فلم يجز التعليل فيه، وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد فيه من كل وجه فلا يتقاسمان.
(وكذلك ترك التسمية على الذبيح ناسيًا جعل عفوًا بالنص معدولًا به عن القياس) فلا يقاس العامد عليه لما ذكرنا أن في ذلك جعل التعليل لضد ما وضع له، ولا يمكن أن يقال فيه بالدلالة، لأنه لا مساواة بينهما فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى، والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة.
(وأما المستحسنات) إلى آخره جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: قد قلت أن ما ثبت معدولًا به عن القياس لا يحتمل التعديل، والمستحسنات هي ما ثبتت بخلاف القياس، ومع ذلك كان البعض منها قابلًا للتعليل؟
(4/1688)

فأجاب المصنف -رحمه الله- عن هذا وقال: فمن المستحسنات (ما ثبت بقياس خفي لا معدولًا به) عن القياس، فلذلك جاز تعليل ذلك البعض.
(وأما الأصل إذا عارضه أصولً فلا يسمى معدولًا) به عن القياس يعني أن المعنى الذي يتعلق به الحكم إذا عارضه معان أخر لا يكون معدولًا به عن القياس بل هو من باب الترجيح وأورد النظير في هذا ما قال علماؤنا -رحمهم الله- في مسح الرأس: أنه مسح فلا يسن تثليثه عارض هذا المعنى معنى آخر وهو كونه ركنًا في الوضوء هذا قول قيل فيه، لكن إطلاق لفظ الأصل ولفظ الجمع في الأصول يقتضي أن يراد به كثرة المقيس عليه. والأولى فيه أن يقال: مثال ذلك ما قال الشافعي في مسح الرأس إنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه.
قلنا: إنه مسح فلا يسن تثليثه ويعارض لما ذكره الشافعي أصول كثيرة من مسح التيمم ومسح الفخ ومسح الجورب ومسح الجبيرة، وهذه الكثرة التي ذكرنا إن لم توجب كون ما ذكره الشافعي معدولًا به عن القياس لكن توجب الترجيح لما قلنا على ما ذكر في الكتاب بقوله: (ولكنه يصلح للترجيح).
فإن قلت: هذا الذي ذكرته من قبيل قوة ثبات الوصف على الحكم.
(4/1689)

قلت: لا تنافي بينهما فإن لهذا الوصف وهو كون مسح الرأس مسحًا له أثر قوة الثبات على الحكم وأثر الأصول فيستدل في كل موضع ب ما يشهد هو له.
وقوله: "ولكنه ربما يصلح للترجيح"، (على مثال ما قلنا في عدد الرواة) يعني أن خبر المشهور راجح على الآحاد باعتبار أن الخبر إنما صار حجة بواسطة الاتصال برسول الله عليه السلام، وبكثرة الرواة تثبت قوة الاتصال فيترجح، فكذلك ها هنا تثبت حجية الوصف باعتبار ظهور الأثر، فمتى تثبت لوصف كثرة التأثير كان هو أقوى من وصف له قلة التأثير.
(وهذا الشرط واحد تسمية) أي بالنظر إلى قوله: "والشرط الثالث" أو بالنظر إلى وصف التعدي فإنه شيء واحد، ومجموع كل من التفصيل راجع إلى وصف التعدي.
والدليل على صحة التأويل الأول ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: وهو شرط واحد اسما.
والدليل على صحة التأويل الثاني ما ذكر في "التقويم" في هذا الموضوع بقوله: وأما فصل تعدي الحكم إلى آخره (وجملة تفصيلًا) أي أصول
(4/1690)

كثيرة من حيث التفضيل.
والدليل على هذا التأويل ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: هو شرط واحد اسمًا ولكن يدخل تحته أصول.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (أن يكون الحكم المعلول شرعيًا لا لغويا) أي ولذلك قلنا: إن تعليل الشافعي في استعمال ألفاظ الطلاق في باب العناق باطل، فإنه يقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت حرة ونوى به الطلاق فإنها تطلق بالإجماع فيجب على قياس ذلك أن المولى إذا قال لأمته: أنت طالق ونوى به الحرية أن يصح ذلك وتعتق.
قلنا: هذا باطل، لأن التعليل شرع لإثبات حكم شرعي، وإنما هذا من باب استعارة الألفاظ بعضها لبعض وذلك من باب اللغة، ثم قلنا: إن ذلك الذي ذكره لم يصح من حيث الاستعارة أيضًا، لأن الاستعارة إنما تصح عنه المشابهة بين المستعار منه وبين المستعار له في الوصف الخاص، ولا مشابهة بين العناق والطلاق في الوصف الخاص، لأن الإعتاق عبارة عن إحداث القوة التي يحصل بها صفة المالكية.
(4/1691)

والطلاق عبارة عن إزالة المانع من الانطلاق، ولا مشابهة بين إحداث القوة وإزالة المانع فلا تصح الاستعارة.
وأما استعمال لفظ التحرير في الطلاق فليس ذلك عندنا للمشابهة معنى بل باعتبار أن ما يزيل الرقبة كان سببًا لزوال ملك المتعة فلا يكون سببًا لإزالة ملك الرقبة فلا يصلح كناية عنه.
وقوله: (وكذلك جواز النكاح بألفاظ التمليك كالهبة والبيع واستعارة كلمة النسب للتحرير) كما إذا قال لعبده: هذا ابني أي كان باطلًا، لأنه معطوف على ما قبله، وفيه لفظ البطلان، وكذلك ذكر شمس الأئمة -رحمه الله- فقال: وكذلك الاشتغال بالقياس لإثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون اشتغلًا بما لا معنى له.
فإن قلت: ما وجه ذكر البطلان في هاتين المسألتين مع أن علماءنا -رحمهم الله- اتفقوا على جواز المولى إذا قال لعبده: هذا ابني، وهو ممن يولد مثله لمثله يعتق بالاتفاق؟
قلت: ذكر البطلان في هاتين المسألتين من حيث المقايسة بأن يقال: لما جاز
(4/1692)

النكاح بلفظ النكاح والتزويج وجب أن يجوز بألفاظ التمليك بالقياس عليه، وكذلك في قياس لفظ النسب على لفظ التحرير لا من حيث ذكر السبب وإرادة المسبب بطريقه الكناية على ما صرح به الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- في "المبسوط"، وقي "أصول الفقه" فقال في باب الهبة من نكاح "المبسوط": والمعنى فيه أن هذا ملك يستباح به الوطء فينعقد بلفظ الهبة والتمليك كملك اليمين، ثم قال: وهذا كلام على سبيل الاستدلال لا على سبيل المقايسة، لأن صلاحية اللفظ كناية عن غيره ليس بحكم شرعي ليعرف بالقياس بل طريق معرفة ذلك النظر في كلام أهل اللغة، وهذا إشارة إلى مذهبهم في الاستعارة، لأنهم يستعيرون اللفظ لغيره لاتصال بينهما من حيث السببية كما قال: (إني أراني أعصر خمرا) أي عنبًا، فبالعصر يصير خمرًا، وكذلك النبات يسمى سماء، لأنه نبت بسبب المطر الذي ينزل من السحاب- فالعرب تسمى السحاب سماءً- فإذا ثبت هذا فنقول: هذه الألفاظ سبب لملك الرقبة وملك الرقبة في محل ملك المتعة موجب لملك المتعة فللاتصال بينهما سببًا يصلح هذا اللفظ كناية عن ملك المتعة.
وذكر في عتق "المبسوط" وإن قال: هذا ابني ومثله يولد لمثله يعتق ويثبت نسبه منه، لأن المحل لما كان قابلًا للنسب وهو محتاج إلى النسب يثبت نسبه
(4/1693)

منه والنسب لا يثبت مقصورًا على الحال بل إنما يثبت من وقت العلوق، فتبين أنه ملك ولده فعتق عليه، وكذلك لو كان نسبه معروفا من الغير يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه، لأنه مكذب شرعًا فيه حتى ثبت نسبه من الغير، ولكن هذا التكذيب في حكم النسب دون العتق فهو في حكم العتق بمنزلة من لا نسب له فإن المرء مؤاخذ بزعمه، وفي زعمه أنه عتق عليه من وقت العلوق فيصدق فيه.
وذكر صاحب الكتاب في باب الحقيقة والمجاز أنه يعتق ها هنا عملًا بحقيقته دون مجازه، لأن ذلك ممكن، فالنسب قد يثبت من زيد، ويشتهر من عمرو فيكون المقر مصدقًا في حق نفسه.
قلت: فعلم بهذا كله أن صحة النكاح بألفاظ التمليك وثبوت التحرير بلفظ النسب لم يكونا بالقياس، ولا بالاستعارة بل صحة النكاح بألفاظ التمليك بطريق التسبيب، وصحة التحرير بلفظ النسب بطريق التصديق، وما ذكر بلفظ الاستعارة في بعض ألفاظ "المبسوط" كان هو على طريق التوسع، وفي هذا السؤال الذي سألت عنه لشبهة وقعت فيك كنت متصفًا طول الزمان بصفتك، فانكشفت الشبهة وانزاحت الريبة بهذه الأجوبة المأخوذة من ال محال المعول عليها فاغتنمها.
(وكذلك التعليل بشرط التمليك في الطعام). قاس الشافعي الطعام
(4/1694)

على الكسوة، وقال في باب الكسوة: لا تصح بدون التمليك كذا في الطعام. (فلا يكون ما يعقل بالكسوة حكمًا شرعيًا)، لأن ما يعقل بالكسوة عين الكسوة فالنص يقتضي أن تكون الكفارة عين الثوب ولم يصر عين الثوب كفارة إلا بالتمليك فيثبت التمليك ضرورة وما يعقل بالكسوة وهو الثوب لغوي لا شرعي.
وذكر الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: فأما الكسوة فهو عبارة عن الملبوس دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير كفارة إلا بالتمليك من المسكين، فأما الإلباس فهو تمكين من الانتفاع بالملبوس.
(وكذلك التعليل لإثبات اسم الزنا للواطة واسم الخمر لسائر الأشربة) أي تعليل أبى يوسف ومحمد -رحمهما الله- نص الزنا لتعدية الحكم أو
(4/1695)

إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدًا، لأن طريق معرفة الاسم النظر في موضوعات أهل اللغة لا الأقيسة الشرعية.
وكذلك في سائر الأشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر، واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لإثبات المساواة. ويقول إنما سمي الخمر خمرًا لمخمرتها العقل وهي موجودة في سائر الأشربة فكان قليلها حرامًا، ويجب الحد بشرب القليل عند محمد والشافعي في بعض الروايات كما في الخمر فاسد، لأن الكلام في إثبات هذا الاسم لسائر الأشربة.
(والثاني: من هذه الجملة) أي من الشرط الثالث الذي هو مشتمل على الجمل (فإن حكم التعليل التعدية عندنا) فإن ثبتت التعدية يصح التعليل وإلا فيبطل لما أن شرعية الأسباب لأحكامها، فإذا لم تثبت الأحكام تبطل الأسباب كشرعية الشراء لإثبات الملك، وإذا أضيف إلى محل لا يقبله يلغو.
(فيبطل التعليل بدونه) أي بدون التعدية فالتذكير لتأويل المذكور.
(4/1696)

(حتى جوز التعليل) بالثمنية، والثمنية مقصودة على الذهب والفضة.
(مثل سائر الحجج)، والحجة ما أوجب الحكم، فبعد الإيجاب لا يخلو لو كانت الحجة عامة أوجبت الحكم على العموم وإن كانت خاصة أوجب الحكم على الخصوص، فكذلك ها هنا إن كان الوصف المؤثر خاصًا يثبت الحكم على الخصوص كالثمنية في الذهب والفضة، وإن كان الوصف عامًا يثبت الحكم على العموم كالطعم والجنس أو القدر والجنس، وهو معنى قوله: (بل يعرف ذلك بمعنى في الوصف).
فإن قلت: لو كان تعليل الذهب والفضة بالثمنية باطلًا بسبب أنها تعليل بالعلة القاصرة لوجب أن يكون تعليل علمائنا في الزكاة في مسألة الحلي
(4/1697)

بالثمنية باطلا، وقد جوز ذلك المصنف -رحمه الله- حيث قال في باب الركن: وهو جائز أن يكون وصفًا لازمًا مثل الثمنية جعلناها علة للزكاة في الحلي فيكيف جاز ذلك التعليل في الحلي فكيف جاز ذلك التعليل في تعليلنا وبطل في تعليل الشافعي وفي كلا المذهبين هو تعليل بالثمنية من غير تعيير؟
قلت: لا نسلم عدم التغيير بل هذا من قبيل ما اتحد صورته واختلف معناه، فإن مراد علمائنا -رحمهم الله- من التعليل بالثمنية في مسألة الحلي تعدية الحكم من المضروب إلى غير المضروب وسواء كان غير المضروب تبرأ مكسورًا أو حليًا مصوغًا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ تعليلًا بالعلة المتعدية في حق وجوب الزكاة، والشافعي لم يوجب الزكاة في حلي النساء في أحد قوليه.
لأنه لم يعلل بالثمنية بل ألحقها بسائر أموال البذلة لكونها مباح الابتذال فلا
(4/1698)

تجب فيها الزكاة لذلك، ومراد الشافعي من التعليل بالثمنية في باب الربا قصر حكم الربا على الذهب والفضة ومنع سائر الموزونات كالحديد والرصاص من الإلحاق بهما فكان تعليله بالثمنية تعليلًا بالعلة القاصرة، ولا اعتبار لاتحاد الصورة بعد تغايرهما واختلافهما في المعنى.
ألا ترى أن المنافقين يقولون للنبي عليه السلام (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) وكذلك المخلصون أيضًا يقولون: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) وهما من حيث الصورة واحد ولكن من حيث المعنى مختلف، فالمنافقون كاذبون قال الله تعالى: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) والمخلصون مؤمنون على التحقيق قال الله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًا).
فعلم بهذا أنه لا اعتبار لنفس التعليل بالثمنية في كونها قاصرة أو متعدية بل الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية بل الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية فيثبت الحكم بحسب إرادته إن كان مراده القاصر وإن مراده المتعدية فصحيح.
بل يعرف ذلك لمعنى في الوصف "أي إنما يعرف كون الوصف عله لكونه مؤثرًا في إثبات ذلك الحكم أو لكونه مخيلًا عند بعض أصحاب الشافعي أو لكونه مطردًا عند أصحاب الطرد على ما يأتي.
(4/1699)

(والنص فوق التعليل فلا يصح قطعة عنه) أي فلا يصح قطع الحكم عن النص.
فإن قيل: ثبوته بالتعليل لا يوجب انقطاع الحكم عن النص.
ألا ترى إلى صحة قولنا: القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول، فلو انقطع الحكم عن الدليل المعقول عند وجود النص لما صح قولنا بالدليل المعقول بعد ذلك.
قلنا: معنى قولنا القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول أي لو نظرنا إلى كل واحد منها كان هو كافيًا لإثبات جواز القياس، ولا يمكن ذلك فيما نحن فيه بل ثبوت الدليل المعقول بطريقة التبعية إذا كان مضافًا إليهما يصير المعقول مساويًا للنص، والتبع لا يساوي الأصل ولو كان مضافًا إلى المعقول انقطع الحكم عن النص وذلك لا يجوز.
(لأن التعليل لا يصلح لتغيير حكم النص به فكيف لإبطاله!) يعني أن الحكم لو كان مضافًا إلى العلة في المنصوص عليه يبقى النص ضائعًا مهملًا لا موجبًا للحكم أصلًا، وهو إبطال للنص في حق إيجاب الحكم، والوصف لا يصلح أن يكون مغيرًا لحكم الأصل كما يلزم ذلك في بصحة ظهار الذمي فأولى أن لا يصلح لإبطال حكم الأصل، ولو أضيف الحكم على الوصف في المنصوص عليه يلزم ذلك.
(4/1700)

(على أن التعليل بما لا يتعدى لا يمنع التعليل بما يتعدى) لجواز أن يكون للنص وصفان:
أحدهما- لا يتعدى كالثمنية، والثاني- يتعدى كالقدر عندنا أو كان أحدهما أكثر تعديًا من الآخر كالقدر والجنس فإنه أكثر تعديًا من الطعم في المطعومات، والتعليل بالوصف الذي لا يتعدى لا يمنع التعليل بالوصف الذي يتعدى، لأنا أمرنا بالاعتبار، وبهذا الوصف أمكن الاعتبار فوجب التعليل به فيبطل دعوى فائدة اختصاص النص به، وهذا في الحاصل منع لما ادعاه الخصم من إفادة اختصاص النص به.
(ومن هذه الجملة) أي ومن جملة الشرط الثالث للقياس (أن يكون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغير).
المراد من عدم التغير هنا عدم التغير في حق الفرع يعني ينبغي أن يثبت حكم النص في لفرع على وفاق ثبوته في حق الأصل من غير تعير.
وأما اشتراط عدم تغير حكم النص في حق النص فيما يجيء في الشرط
(4/1701)

الرابع بعد هذا.
وقوله: (إن السلم الحال- يحتمل أن يكون بتشديد اللام كالدين الحال- أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا) أما اشتراط كونه موجودًا فلقوله عليه السلام: "لا تبع ما ليس عندك" وكونه مملوكًا فللإجماع، فإنهم أجمعوا على عدم جواز بيع ملك الغير بغير إذنه، وكونه مقدورا فلنهي النبي عليه السلام "عن بيع الآبق".
(وتفسيره) أي وتفسير كون الرخصة بصفة الأجل (نقل الشرط الأصلي) أي نقل الشرط الأصلي) أي نقل الشرط الأصلي في البيع وهو أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا إلى ما يقوم مقامه وهو الأجل، وهذا من قبيل إقامة السبب مقام السب والشيء يبقى تقديرًا ببقاء ما يقوم مقامه، فصار كأن الشرط الأصلي في البيع موجودًا في السلم بسبب أجل قام مقامه.
(4/1702)

والخصم متى علل لإثبات جواز السلم الحال كان ذلك منه إسقاطًا للشرط الأصلي في البيع لا إلى ما يخلفه، فكان إسقاطًا للشرط الأصلي في البيع لا إلى ما يخلفه، فكان إسقاط ل لخلف بعد سقوط الأصل، فلا يجوز التعليل به لكونه مغيرًا للحكم المقيس عليه، وهو أن الشرع رخص بطريق النقل لا بطريق الإسقاط.
وبالتعليل تصير الرخصة بطريق الإسقاط من كل وجه، فلا يجوز لكون التعليل تغييرا لحكم الأصل في الفرع (فاستقام خلفًا عنه) أي أمكن أن يكون الأجل خلفًا عن كون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا لما أن أقامه السبب مقام المسبب شائع في الشرع كإقامة نوم المضطجع مقام الحدث، فإنه لما قام مقام ال حدث صار كأن الحدث موجودًا تقديرًا حتى انتقض الوضوء به وإن لم يوجد الحدث حقيقة، وكذا السفر أقيم مقام المشقة لهذا، (والأجل يصلح) سببًا للاكتساب الذي يحصل به المبيع، وإذا كان كذلك كان ذلك مملوكًا مقدورًا تقديرًا ل قيام الأجل مقامه فيصح عند وجوده لوجود شرط جواز البيع تقديرا على ما ذكرنا.
(ومن ذلك) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم الأصل في الفرع (في الخاطئ) وهو من ليس بقصد للفطر بل هو من اشتغل بفعل مباح له نحو المضمنة مثلًا فسبق الماء حلقه خطأ، والمكره هو أن رجلًا خوف بالسيف
(4/1703)

على القتل أو على إتلاف العضو إن لم يأكل الطعام في نهار رمضان والمكره صائم فأكله لم يكن ذلك آكلا بطريق القصد آكلا بطريق الجبر، فالشافعي قاس الخاطئ والمكره على الناسي وعلل ذلك بما قلنا.
(لم يكن صائمًا والقصد لم يوجد) أي قصد الأكل لم يوجد مع أن مرتبة الشرط وهو النية أدنى من مرتبطة الركن، فلما أثر فوات الشرط في فوات الصوم فيمن لم ينو الصوم أصلًا كان أولي أن يؤثر فوات الركن وهو الإمساك بالأكل وإن كان في حال النسيان، لكن لم يؤثر ذلك بالنص الوارد على خلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره خصوصًا ما إذا كان بينهما فرق.
وليس لعدم القصد اثر في الوجود "أي في وجود الصوم مع قيام حقيقة العدم" أي عدم الصوم يعنى الصوم إذا عدم فعدم القصد لا يؤثر في وجود الصوم كما إ ذا لم يعلم بشهر رمضان ولم يأكل في أيامه لا يكون صائمًا مع أن عدم القصد موجود.
علم أن عدم القصد لا يؤثر في الوجود فينبغي أن لا يبقى الصوم في الخطأ مع فوات الركن بالطريق الأولى، لأنه إذا لم يعلم رمضان كان الشرط معدومًا، وقد أثرت ذلك في عدم الصوم فأولى أن يؤثر فوات الركن في انعدام الصوم في صورة الخطأ.
(4/1704)

وقوله: (لكنه لم يجعل فطرًا) متعلق بقوله: "لأن بقاء الصوم مع النسيان ليس لعدم القصد"، (وعلى هذا الأصل سقط فعل الناسي) أي على الأصل الذي قلنا وهو قوله: "لكنه لم يجعل نظرًا بالنص" وهذا تتميم لمجموع قوله: ومن ذلك قولهم في الخاطئ والمكره" لإيضاح الفرق بين الناسي وبين الخاطئ والمكره لا أن يكون نظيرا آخر لتغيير حكم النص بالتعليل ابتداء، لأن النسيان أمر جبل عليه الإنسان، وعن هذا قالوا: ليس في وسع الإنسان دفع النسيان.
وإذا كان كذلك كان الإنساء من الله تعالى من غير صنع للعبد فيه فلم يكن موجبًا للضمان (فلم يصح لضمان حقه) أي حق الشرع أي الأكل ناسيًا لا يصلح لضمان حق الشرع يعنى يجب أن لا يفسد الصوم بالأكل ناسيا، لأنه لو فسد به يجب القضاء، والقضاء حق الشرع فحينئذ كان حق صاحب الشرع سببًا لضمان حقه أيضًا وهو لا يجوز.
(ومن غير جهة صاحب الحق من وجه)، لأن المكره كالآلة للمكره فإن هذا الفعل من المكره من وجه إلا أن المكره أكل بفمه وأسنانه ولم يصلح آلة للمكره في حق الأكل، فكان فعل المكره الأكل من هذا الوجه، فعلى كلا الوجهين أي في وجه اعتبار المكره ووجه اعتبار المكره لا يصلح أن يكون سببًا
(4/1705)

لسقوط حق صاحب الحق، أو نقول وإنما قال من وجه، لأن كل الأفعال بتخليق الله تعالى ولكن للعبد فعل كسب فكان فعلًا له من وجه.
(ومن ذلك أن حكم النص في الربا تحريم متناه) أي تنتهي حرمته بالمساواة، وذلك إنما يكون بالمسوي الشرعي وهو الكيل وهو حكم الأصل، ويتحقق ذلك عند تعليل الأصل بالقدر والجنس حتى لا تبقى الحرمة فيما لا يدخل تحت الكيل.
وأما إذا علل الأصل وهو حديث الربا بالطعم في الأشياء الأربعة لا تنتهي تلك الحرمة أبدًا، لأنه ما من جزء إلا وتتحقق فيه حرمه الربا حينئذ، حتى لو باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو بحفنتين أو أقل منها لم يجز البيع على قول الخصم.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- إنا لا نجوز تعليل نص الربا في الأشياء الأربعة بالطعم، لأن الحكم في النصوص كلها إثبات حرمة متناهية بالتساوي وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال تكون الحرمة فيها مطلقة غير متناهية وهي المطعومات التي لا تدخل تحت المعيار فعرفنا أن هذا ال وصف لا يوجب تعدية حكم النص بعينه إذ الحرمة المتناهية غير الحرمة المؤبدة.
(4/1706)

ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة غير الحرمة الثابتة بالتطبيقات الثلاث.
(ومن ذلك قولهم في تعيين النقود) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم الأصل في الفرع قولهم في تعيين النقود، والمعنى من تعيين النقود هو أن المشترى لو اشترى شيئًا بدراهم معينة فحسبها وأعطى البائع مثلها ليس له أن يأبى ذلك عندنا، وعند زفر والشافعي له أن يأبى ذلك، ولو هلكت تلك الدراهم أو استحقت لم يبطل البيع عندنا وعندهما يبطل.
(إنه تصرف حصل من أهله مضافًا إلى محله مفيدًا في نفسه فيصح كتعيين السلع).
أما كونه أهلًا فلان الكلام ف يمن تصرف وهو عاقل بالغ والأهلية بالعقل والبلوغ.
وأما كونه محلًا فلأن الدراهم والدنانير محل للتعين. ألا ترى أنها تتعين في الودائع والغصوب حتى إن الغاصب لو أراد حبس الدراهم المغصوبة فرد مثلها لم يكن له ذلك، وكذلك في الهبة تتعين حتى يكون للواهب الرجوع في عينها لا في غيرها والتعيين مفيدًا أيضًا أي للبائع
(4/1707)

والمشتري.
أما للبائع فلأنه إذا ملك الدراهم المعينة كان هو أحق بها من سائر غرماء المشتري بعد موته، ولا يملك المشتري إبطال حقه، وكذلك تفيد البائع فيما إذا كانت الدراهم المعينة أجود الدراهم.
وأما منفعة المشتري فمن حيث إنه لا يطالب بشيء آخر إذا هلكت الدراهم المتعينة في يده وتكون ذمته فارغة عن الدين وصحة التصرفات تابعة للفائدة. ألا ترى أن الرجل لو اشترى عبد نفسه لا يصح مع وجود الأهلية والمحلية لكونه غير مفيد حتى لو كان مفيدًا صح أيضًا بأنه لو اشترى عبد نفسه مع عبد غيره بثمن معلوم صح ودخل عبده في البيع لحصول الفائدة، وهو انقسام الثمن عليهما، وكذلك لو اشترى رب المال مال نفسه من المضارب صح لوجود الفائدة، وهو استحقاق يده على ذلك المال الذى اشتراه.
قلنا: أما دعوى الفائدة فإنها فاسدة، لأن الفائدة إنما تعتبر إذا كانت فيما هو المقصود بالعقد، وفيما هو المقصود بالعقد ملك المال الدين أكمل من العين وبالتعيين ينتقض، فإنه إن استحق المعين أو هلك بطل ملكه، وإذا ثبت دينا في الذمة لا يتصور هلاكه ولا بطلان الملك بالاستحقاق، ولأن التعيين لا يفيد جواز العقد، فإن العقد جائز بتسمية الدراهم المطلقة من غير التعيين والمقصود بالعقد الربح، وذلك يحصل بقدر الدراهم لا بعينها فإنه ليس في عين الدراهم والدنانير مقصود إنما المقصود المالية، والمالية باعتبار الرواج في الأسواق وعينها ومثلها لا يختلفان في هذا المعني، فعرفنا أن التعيين غير مفيد
(4/1708)

فيما هو المطلوب بالعقد، وبه فارق المكيل والموزون، فالتعيين هناك مفيد لجواز العقد، لأن العقد بدون التعيين لا يجوز إلا بذكر الوصف وربما يعجز عن أعلام الوصف فيسقط ذلك عن نفسه بالتعيين.
وقوله: (هذا تغيير لحكم الأصل) يعني به حكم الأصل في الشرع وهو كون الثمن دينا في الذمة حكمًا أصليًا في الشرع غير ضروري، (لأن حكم الشرع في الأعيان أن البيع يتعلق به وجوب ملكها لا وجودها) معناه أن تعيين المبيع ووجوده قبل البيع شرط صحة البيع، والحكم في البيع وجوب الملك في العين وكان العين محلًا لثبوت الملك فيها، (وحكم البيع في جانب الأثمان وجودها ووجوبها معًا). معناه أن حكم الشرع في البيع في جانب الأثمان وجود الثمن ووجوبه في الذمة، لأن الدراهم والدنايير لم تكن موجودة في الذمة قبل البيع فتوجد بعد البيع على صفة الوجوب فكان وجودها ووجوبها حكمًا للبيع والجواب غير الوجود.
ألا ترى أن العين موجودة والوجوب منفك عنه، ثم يثبت وجوب التسليم فيه بعد البيع.
ألا ترى أنه يقال: دين واجب وموجود في الذمة فلو كان الوجوب عين الوجود لكان معناه موجود وموجود في الذمة وهذا خلف من القول، فعلم أن
(4/1709)

الوجوب معنى وراء الوجود لما أن الدين يصح أن يوجد فيه الذمة على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، وفيه إشكال وهو أن الحكم معنى والوجوب معنى فكيف يقوم المعنى مع أن المعنى يقوم بغيره فكيف يقوم به غيره؟
قلنا: للأحكام الشرعية حكم الجوهر حتى يقال: بقى لزيد ملك ثابت متقرر، واستدلوا على بقاء الأحكام الشرعية من قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) والاستدلال من وجهين.
أحدهما بالمجيء بالفعل الذى هو عبارة عن النقل، والذي يقبل النقل هو الجواهر لا الأغراض.
والثاني- أن الله تعالى جعل الأعيان المؤبدة وهي الجنان بمقابلة الحسنة وهي الفعل الصالح، ف لولا أن الله تعالى لم يجعل للحسنة حكم البقاء لما جعل الأعيان لها.
(بدلالة ثبوتها في الذمة ديونًا بلا ضرورة) وهذا تقرير ما سبق من القاعدة الممهدة وهو كون وجود الثمن ووجوبه فى الذمة حكمًا أصليًا في البيع غير متعلق بالعوارض على مثال العزيمة في الأحكام. ألا ترى أن من اشترى بدراهم غير عين وفي يده دراهم صح البيع وثبت في الذمة، فلو لم يكن وجود الدين في الذمة ابتداءً حكمًا أصليًا لما جاز بدون الضرورة، ولحقه
(4/1710)

إنكار من الشرع كما في السلعة فإنه إذا باع شيئًا غير عين لا يجوز حيث لحقه التغيير من الشرع، فصار قوله: "دينًا بلا ضرورة" احترازًا عن السلم فإن الأعيان مثل الحنطة والشعير إنما تصير دينا في السلم بضرورة ورود الرخصة في حقه بالسنة.
وأراد بالضرورة الرخصة (وبدلالة جواز الاستبدال لها وهي ديون) أي جواز الاستبدال لها بالثمن الذى هو الدراهم والدنانير دليل على أن كونها في الذمة حكم أصلي إذ لو يكن أصليًا بل كانت العينية فيه أصلًا ثم العدول عنه إلى الدين بطريق الضرورة لما صح الاستبدال به كما لا يصح الاستبدال بالمسلم فيه إذا العينية فيه أصل وثبوته في الذمة بطريق الضرورة فاقتصر على جواز العقد فلم تظهر الدينية فيما وراءه.
وتبقى على العينية فيما وراء جواز العقد حتى لم يجز الاستبدال بها لمسلم بالمسلم فيه لما ذكرنا أن الثابت بطريق بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة، فلما ظهر جواز الاستبدال في الدراهم والدنانير.
علم أن الدينية فيها أصل حيث وجوبها في الذمة على الإطلاق.
(ولم تجعل في حكم الأعيان فيما وراء الرخصة) هذا تأكيد لما سبق وذلك أن المسلم فيه في حكم العين فيما وراء الرخصة.
وهي جواز السلم، لأن العينية فيه أصل والدينية عارضة فظهر ذلك في الجواز لا فيما وراءه بل جعل فيما وراءه في حكم العينية فلم يجز الاستبدال به
(4/1711)

ولم يجعل مثل هذا في الأثمان بل تثبت هي دينًا مطلقًا فجاز الاستبدال بها.
(وبدلالة أنه لم يجبرها هذا النقص بقبض ما يقابله) معناه إن غير العينية نقص بالنسبة إلى العينية.
ألا ترى أن بيع درهم عين بدرهم غير عين لا يجوز، وفي المسلم لما كان غير العينية في المسلم فيه ضروريًا جبر هذا النقص بقبض ما يقابله وهو قبض رأس المال في المجلس، وحيث لم يجبر هذا النقص في الثمن بقبض ما يقابله وهو المبيع، علم أن كون الثمن دينًا في الذمة هو الحكم الأصلي لا العارضي.
(فإذا صح التعيين انقلب الحكم شرطًا) يعني: "دراهم ودنانير اكر بتعيين معين شود حكم شرط شود" يعني أن الحكم الأصلي في البيع في جانب الآثمان وجودها ووجوبها في الذمة بسبب البيع وهذا حكم لها يثبت بالبيع، فلو صح التعيين كما في السلع لخرج وجود الثمن من أن يكون حكمًا للبيع وصار وجوده شرطًا لصحة البيع ومحلًا لوجوب الملك فيه كما أن وجود السلعة شرطً لوجوب الملك فيه فانقلب ما هو حكم لبيع شرطًا له.
فالحكم يقتضي التأخر والشرط يقتضي التقدم، والحكم أثر للبيع يظهر ذلك بعد صحته ووجوده، والشرط مصحح لجواز البيع يشترط وجوده قبله
(4/1712)

فأي تغيير أقوى من هذا، فتبين بهذا أنه ليس من هذا التعليل تعديه حكم النص بعينة بل إثبات حكم آخر في الفرع مخالفًا لحم النص.
(وقد صح ظهار الذمي عند الشافعي فصار تغييرًا للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل إلى إطلاقها في الفرع عن الغاية).
بيان هذا أن الحرمة بإظهار حرمة تنتهي بالكفارة فكانت حرمة مؤقتة متناهية، والكافر ليس بأهل للكفارة على الإطلاق، لأنه ليس بأهل للصوم، أو لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة وهو ليس بأهل للعبادة، فلو صح ظهار الذمي لثبتت الحرمة في حقه مطلقة لا مؤقتة، فلذلك قلنا: أنه لو ثبت هذا الفرع وهو ظهار الذمي بهذا الطرق يلزم تغيير حكم الأصل الذى هو ظهار المسلم حيث لم يثبت الحكم في الفرع على وفاق الحكم في الأصل.
(وذلك مثل ما قلنا في تعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى الخاطئ والمكره).
فإن قلت: كيف جعلت صورة تعدية الحكم من الناسي إلى الخاطئ
(4/1713)

والمكره نظير الأصول الثلاثة المختلفة حيث جعلت هي أولا نظير مخالفة الشرط الثاني، وهو أن لا يكون معدولًا به عن القياس ثم جعلت نظير مخالفة كون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير ثم جعلت هاهنا نظير مخالفة كون المتعدي إلى فرع هو نظيره مع مخالفة كل واحد من هذه الأصول الثلاثة للآخر، فلو كان نظيرًا لأحد المخالفين لا يكون نظيرًا للآخر لوجود المخالفة بينهما.
قلت: جعلت هذه نظيرًا لكل واحد م هذه الأصول الثلاثة لانتزاع كل منها إلى ما يشابهه، فإن فيها ما يشابه كل واحد منها، وقد ذكرنا مخالفة كل واحد من ذينك الأصليين الأولين، فإن القول ببقاء الصوم مع فوات ركنه كان معدولًا به عن القياس فلا تجوز التعدية في مثله، وكذلك لو عديناها إلى الخاطئ والمكره لا يكون المعتدي حكم النص بعينه من غير تغير.
فإن حكم النص في الناسي وهو الأصل منسوب إلى صاحب الحق، وليس بمنسوب إلى صاحب الحق في الخاطئ والمكره، ثم لو قلنا مع ذلك بجوازه يلزم تغيير حكم النص، وهذا التعليل أيضًا متضمن لعدم كون حكم الفرع نظير لحكم الأصل فكانت نظيرة للثلاث بهذا الطريق، وليس ببعيد أن يجتمع في الشيء الواحد أوصاف مختلفة.
فتثبت الأحكام بحسب تلك الأوصاف كمن شرب خمر الذمي متعمدًا
(4/1714)

في نهار رمضان وهو صائم وكان حلف أن لا يشرب خمرًا ففيه تثبت أحكام ستة، وهو من حيث إنه شرب الخمر شيء واحد، وقد ذكرناه غير مرة في مواضع.
ألا ترى أن صاحب الكتاب وغيره كيف أدار قوله: مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث على أصول مختلفة، لأن التيمم تلويث بحقيقته فلا يكون رافعًا للحدث حقيقة بخلاف الطهارة بالماء.
(فلما خلق من مائهما تعدى إليهما) فلذلك انتسب الولد بكماله إلى الأب وانتسب أيضًا بكماله إلى الأم، فيلزم من هذا أن يصير جزء المرأة جزء الزوج، وجزء الزوج جزء المرأة.
وهو معنى ما قال (كأنهما صارا شخصًا واحدًا) في حصول ما هو المقصود من النكاح، كزوجي باب وزوجي خف وهما باب واحد وخف واحد اعتبارًا لتعلق ما هو المقصود من النكاح بهما، فعلى هذا ينبغي أن تحرم
(4/1715)

المرأة على الزوج بصيرورتها جزء للزوج إلا أن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع.
ألا ترى كيف حلت حواء لآدم عليه السلام وهي جزؤه حقيقة قال تعالى: (وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
(ثم تعدي ذلك) أي التحريم بحرمة المصاهرة (إلى سببه) أي إلى سبب الولد (فصار عاملًا بمعنى الأصل) أي فصار الوطء عاملًا في إثبات حرمه المصاهرة بمعنى الولد لا بمعنى نفسه، أي الوطء عمل الولد لا عمل نفسه لقيامه مقام الولد كالتراب لما قام مقام الماء عمل النائب وهو التراب عمل المنوب وهو الماء، لأن الشيء إذا أقيم مقام غيره يعتبر فيه صفة الأصل لا صفة نفسه كالنوم يقوم مقام الحدث.
والسفر يقوم مقام المشقة، فلذلك لم يقل إن الوطء الحلال يصلح سببًا لاستجلاب كرامة حرمة المصاهرة لا الوطء الحرام، لأن الوطء قام مقام الولد لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار كونه مفضيًا إلى الولد، وعن هذا ذكر في "الزيادات" أن الوطء في الموضع المكروه لا يوجب حرمة المصاهرة لعدم إفضائه إلى الولد.
(4/1716)

وكذلك أيضًا قال الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام -رحمهما الله-: إنه إذا مس امرأةً بشهوة فأنزل لا يكون هو موجبًا لحرمة المصاهرة فلما كان الاعتبار للولد، وفي الولد لا عصيان ولا عدوان، والوطء قائم مقامه كان الاعتبار للوطء نفسه من غير نظر إلى حله وحرمته في إيجاب حرمة المصاهرة.
وهو معنى قوله: (فلم يجز تخصيه لمعني في نفسه وهو الحل) يعني لا يجوز أن تكون حرمة المصاهرة مختصة بالوطء الحلال. (ولا إبطال الحكم) وهو حرمة المصاهرة لمعنى في الوطء وهو الحرمة، (وصار هذا مثل قولنا في الغصب) يعني أن ثبوت ملك المغصوب للغاصب ليس بالغصب عينه حتى يقال إنه حرام لا يجوز أن تثبت به نعمة وهي الملك بل نقول: إن الملك إنما ثبت للغاصب لكونه شرطًا لوجوب الضمان عليه والشروط اتباع، فكان ثبوت الملك شرطًا لما هو مشروع، وهو الضمان فأخذ حكمه لكونه تبعًا له.
وقوله: (إنه من أسباب الملك تبعًا لوجوب ضمان الغصب لا أصلًا) أي
(4/1717)

إن الغضب من أسباب الملك على وجه التبعية فيه صفة المتبوع وهو الضمان لا صفة التابع وهو ثبوت الملك للغاصب، (فثبت بشروط الأصل) أي فثبت الملك للغاصب بسبب شروط وجوب الضمان عليه، لأن وجوب الضمان على الغاصب للمالك يقتضي فوات الملك عن المالك، لأن الضمان جابر للغائب أجمعنا واتفقنا على وجوب الضمان على الغاصب.
ثم لو لم نقل بفوات الملك عن ال مالك يلزم أن نقوم بثبوت الجابر للمالك مع بقاء المجبور على ملكه، وهو لا يصح لاقتضاء ذلك اجتماع العوض والمعوض عنه في ملك رجل واحد وهو غير جائر.
(فكان هذا الأصل مجمعًا عليه في الحرمات التي بنيت على الاحتياط) يعني قيام السبب مقام المسبب في الشيء الذي بني على الاحتياط أصل مجمع عليه.
(فأما النسب فلم يبن على مثل هذا الاحتياط، فوجب قطع النسب عند الاشتباه) أي لم يثبت نسب الولد المخلوق من ماء الزنا للزاني إذ لو ثبت لاشتبهت الأنساب، فلا يدرى من الوالد لاحتمال أن تزني المرأة بعدد من الرجال فاشتبهت الأنساب، فالشارع قطع النسب عن الزاني لهذه الحكمة
(4/1718)

البالغة، (ولا يلزم على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوة والأخوات ونحوهم) يعني لا يلزم على ما ذكرنا من التعليل هو أنهما صارا كشخص واحد أن تصير أختها كأخته وأخوه كأخيها، (لأن التعليل لا يعمل في تغيير الأصول) يعني أن تعليلنا يقتضي حرمة مؤبدة ممتدة، والأصول أثبتت حرمة أخوات الزوجة وأخوة الزوج مؤقتة متناهية والتعليل أبدًا يعتبر إذا لم يكن فيه تغيير النص، فلم تكن العلة عند وود النص موجودة معنى، فكان عدم الحكم لعدم العلة لا لوجود العلة، فلم يكن هذا تخصيص العلة.
وقوله: (في كفارة القتل العمد) أي عدى الشافعي وجوب الكفارة من القتل الخطأ إلى القتل العمد مع أن في القتل العمد نصًا في أنه لا كفارة فيه وهو قوله عليه السلام: (خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وعد منها- القتل العمد).
(4/1719)

(وكذلك في اليمين الغموس) حيث عد الشافعي وجوب الكفارة من اليمين المنعقدة إلى الغموس مع أن النص موجود في الفرع الذي هو الغموس بأنه لا كفارة فيه، وهو أيضًا من لك الخمس التي ذكرنا.
(وشرط الإيمان في مصرف الصدقات اعتبارًا بالزكاة) أي اشترط الشافعي صفة الإيمان في مصرف الصدقات الواجبة سوى الزكاة مثل صدقة الفطر أو الكفارات قلنا: لا يصح ذلك، لأن النص موجود في الفرع وهو يدل على جواز الصرف إلى الكافر، وهو قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ).
(ومثل شرط التمليك في طعام الكفارات) أي عدى الشافعي اشتراط التمليك من الكسوة إلى الإطعام، مع أن في الفرع وهو الإطعام نصًا يدل على جوازه بدون التمليك.
وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) والإطعام فعل متعد لازمه الطعم وهو الأكل وهو لا ينبئ عن الملك فلا يكون الإطعام تمليكًا بل إيكالًا، والإيكال لا يحتاج إلى اشتراط التمليك، فكان اشتراط التمليك
(4/1720)

شرطًا يخالف النص.
(وشرط الإيمان في كفارة اليمين والظهار) أي عدى الشافعي اشتراط صفة الإيمان في الرقبة من كفارة القتل إلى كفارة اليمين والظهار مع أن فيهما نصًا مطلقًا يقتضي جواز تحرير الرقبة فيهما بدون صفة الإيمان فيها وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلى قوله: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) في اليمين، وقوله تعالى: (والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) في الظهار بدون ذكر الإيمان.
فكان اشتراط الإيمان في الرقبة فيهما شرطًا يخالف النص، فتقييد إطلاق النص تغيير له كإطلاق المقيد، فإطلاق المقيد باطل بالإجماع فكذا عكسه، لما أن المطلق مكن العمل من غير زيادة فيه، فكانت الزيادة بعد إمكان العمل به تغييرًا له لا محالة.
(وأما الشرط الرابع وهو أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل) أي لا يتغير حكم النص في نفسه بسبب التعليل، والذي ذكر قبله
(4/1721)

بقوله: ومن هذه الجملة أن يكون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير كان ذلك التغيير يلحق النص في حق الفرع كما في السلم الحال، وهذا الذي ذكره في الشرط الرابع تغيير يحلق النص في نفسه وهو باطل أيضًا.
وهذا لأنه لما ثبت أن التعليل لا يجوز أن يكون مغيرًا حكم الأصل في نفسه، ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله فذلك التعليل يكون باطلًا ل كونه مغيرًا لحكم الأصل.
كذا قاله الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-.
(وقوله: كما أبطلنا في الفروع) إشارة إلى ما ذكر بقوله: "من ذلك ما قلنا إن السلم الحال باطل".
وكذلك ما بعده من الأحكام أي كما ذكرنا بطلان تعليل يوجب تغيير حكم النص في حق الفروع، فلذلك نذكر بطلان تعليل يوجب تغيير الحكم النص في حق نفسه، والمراد من النص الأصل ثم سواء كان ذلك الأصل بالنص أو بالإجماع. بيان ذلك أن التعليل لجواز السلم الحال يوجب أن يتغير
(4/1722)

حكم الأصل في حق الفرع، لأن من شرط جواز البيع الذي هو الأصل أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدور التسليم، ثم الأجل في الفرع وهو السلم قام مقام ذلك الشرط.
فالقول بجواز السلم الحال مسقط لذلك الشرط في حق الفرع، فكان ذلك تغيرًا لحكم الأصل في شرطه في حق الفرع. وأما القول باشتراط التمليك في طعام الكفارة بالتعليل فهو تغيير لحكم النص في نفسه والأصل وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) وهو ظاهر على ما ذكر في الكتاب إلا لا يبقى الإطعام إطعامًا بعد التعليل بالتمليك، فكان (تغييرا في نفس النص فوجب أن يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدًا) أي من حيث الحد، وهو يبطل شهادة القاذف من حيث الفسق حتى قبل شهادته بعد التوب، فجعل بعض الحد حدًا، لأن كل الحد الجلد ورد الشهادة، فجعل هو الجلد كل الحد بالتعليل.
فقال: هو محدود في كبير فتقبل شهادته بعد التوبة كالمحدود في الزنا وشرب الخرم، والنص جعله بعض الحد، فعلى هذا كان قوله: "لأن الوقت من الأبد بضعه" تعليلًا لمعلل محذوف تقديره: وقبل شهادة القاذف بعد التوبة، والنص رد شهادته مؤبدًا، فكان تعليله تغييرًا للنص، لأن الرد
(4/1723)

المؤقت بعض الرد المؤبد، والنص رد شهادته مؤبدًا، أو معنى قوله: "فجعل بعض الحد حدًا" إن الله تعالى جعل رد الشهادة مؤبدًا مع الجلد كل الحد، فلما قبل الشافعي شهادة القاذف بعد التوبة كان ردًا لشهادته مؤقتًا من الأبد بعضه، فكان المعلل حينئذ مذكور وهو الأوجه لصحته بدون الإدراج.
(وأثبت الرد بنفس القذف بدون مدة العجز، وهو تغيير لحكم النص) يعني أن الشافعي رد شهادة القاذف بنفس القذف بمنزلة سائر الجرائم المبطلة لشهادة كالزنا وغيره.
فإنه كما زنا أو شرب الخمر ترد شهادته بدون التوقف إلى شيء آخر فكذا في جريمة القذف كان تغييرًا للنص، لأن الله تعالى وقت وقف الرد إلى مدة العجز عن الإتيان بالشهود بقوله: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) وذلك لا يحصل بدون مدة العجز، فإثبات الرد بدون مدته تغيير لحكم النص بالتعليل.
(4/1724)

(وزاد النفي على الجلد وهو تغيير) وهذا عكس ما قبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فإنه جعل الجلد بعض الحد، لأن كل الحد في حق زنا البكر عنده الجلد مع النفي، فكان الجلد بعض الحد، والله تعالى جعل الجلد كل الحد بقوله: (فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فالفاء للجزاء، والجزاء اسم لما تقع به الكفاية، والخصم لم يجعل الجلد كافيًا فيه فكان تغييرا للنص.
(4/1725)

(وذلك أن المستثنى منه إنما يثبت على وفق المستثنى فيما استثني من النفي) يعني أن المستثنى منه إذا حذف في الكلام إنما يجعل المستثنى منه من جنس المستثنى فيما استثني من النفي، وإنما خص النفي لأن حذف المستثني منه في الكلام إنما يصح في النفي لا في الإثبات.
والفرق فيه هو أن موضع النفي موضع التعميم، وعن هذا قيل: النكرة في موضع النفي تعم وفي الإثبات تخص، ولما كان كذلك استقام حذف المستثني منه في موضع النفي لا في موضع الإثبات، لأن أعم العام إنما يقدر عنه الحذف، ويجب أن يكون ذلك الأعم من جنس المستثنى، وذلك صحيح في موضع النفي لا في الإثبات.
ألا ترى أنك لو قلت: جاءني إلا زيد يجب عليك أن تقدر جاءني جميع بني آدم إلا زيدًا. إذ في تقدير ما دونه ترجيح أحد المتساويين على الآخر وهو باطل، لأنه يلزم ترجيحه بلا مرجح، ومجيء جميع بنى آدم إليك محال بخلاف قولك: ما جاءني إلا زيد، فإنه صحيح مستقيم، لأن تقديره: ما جاءني بنو آدم إلا زيد، ولا كلام في صحته فكذا عند الخلف، فظهر من هذا أصلًا: أحدهما- أن المستثني منه يجب أن يكون من جنس المستثنى.
(4/1726)

والثاني- أن حذف المستثنى منه إنما يصح في موضع النفي.
(وقوله عليه السلام: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء)). موضع النفي فكان حذف المستثني منه فيه جائزًا، والطعام ليس من جنس قوله: (إلا سواء بسواء) لأن المساواة معنى والطعام عين فلابد من إدراج أعم المعاني الذي هو من جنس المستثنى، فمن ضرورة هذا كان التقدير: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال إلا حال التساوي.
وأحوال الطعام في البيع ثلاث: المجازفة، والمفاضلة، والمساواة فكان عموم الأحوال ثابتًا بالنص، وهذا العموم لا يثبت إلا في الكثير وهو الذي يدخل تحت الكيل إذ المجازفة إنما تحرم لاحتمال كون أحدهما فاضلًا على الآخر، وذلك لا يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما، وذلك إنما يكون بالمسوى.
(4/1727)

ثم نقول: إن المسوى هو الكيل إما بالإجماع أو بحديث آخره وهو قوله عليه السلام: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا كيلًا بكيل)) وكذلك المفاضلة إذ فضل أحدهما على الآخر لا يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما بالكيل الشرعي على ما بينا.
وكذلك المساواة إذ التسوية بالمعيار هو المراد، لأن التسوية بينهما من حيث الحبات أو من حيث الوزن أو من حيث الجودة غير مرادة بالإجماع، ولن توجد هذه الأحوال إلا فيما تدخل تحت الكيل إلا أن التعليل منا وافق لما ذكرنا من الثابت بالنص، فكان هذا التغيير مضافًا إلى النص لا إلى التعليل، وهو معنى قوله: (فصار التغيير بالنص مصاحبًا للتعليل لا به) أي لا بالتعليل.
(وإنما سقط حقه) أي حق الله تعالى (في الصورة) أي في صورة الشاة بالنص وهو قوله تعالى: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).
(4/1728)

(ثم أمر بإنجاز المواعيد) أي أمر الأغنياء إنجازها
(وذلك لا يحتمله) أي وذلك المسمي لا يحتمل الإنجاز (بأن ينجزها) أي بأن ينجز المواعيد المختلفة (مجامعًا للتعليل) أي موافقًا له، لأن الزكاة عبادة محضة، لأنها من أركان الدين الخمسة على ما قال النبي عليه السلام "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة" إلى آخره، والدين كله لله تعالى.
وبهذا يتبين خطأ من يقول بأنه الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعًا، بل الزكاة محض حق الله تعالى -على ما قلنا- إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة -رحمة الله-.
فلا تجب للعبادة بوجه، لأن المستحق للعبادة الله تعالى على الخصوص، وهذا لأن الإيمان حق الله تعالى على الخصوص ولا مدخل العبد فيه بوجه، والزكاة مخصوصة بالإيمان فكانت مخصوصة بحق الله تعالى، ولأن النصاب
(4/1729)

لو كان جارية وحال الحول عليها جاز لمولاها أن يطأها، فلو كان للفقير فيها نوع حق عينا لما جاز لمولاها أن يطأها.
(وإنما التعليل لحكم شرعي) جواب شبهة ترد على قوله: "لا بالتعليل" بأن يقال: لما لم يكن التغيير بالتعليل وجب أن لا يعلل مسألة دفع القيم في باب الزكاة فقال: التعليل لم يكن للتغيير ولكن لإظهار حكم الشرعي (وهو كون الشاة صالحة للتسليم إلى الفقير).
وكذلك قيمتها أيضًا صالحة للتسليم إلى الفقير مع إبقاء صلاحية دفع الشاة إلى الفقير أيضًا، فلا يكون تغييرًا بل جميع مواضع الأقيسة كذلك، فإن الحكم يثبت في الفرع بعد القياس مع بقاء صلاحية الأصل أيضًا لإثبات ذلك الحكم كما كان، فلا يكون هذا تغيير للنص بل قياسًا وهذا شائع بالاتفاق.
وهذا لأن معنى الصلاحية في الشاه للصرف إلى الفقير كونها ما لا متقوما، وهذا المعنى كما هو موجود في الشاة موجود في غيرها أيضًا فيتعدى منها على غير باعتبار صلاحية الصرف إلى الفقير، وهذا هو عين القياس فلا يكون تغييرًا للنص.
وإنما التغيير فيما قاله الشافعي في إطعام الكفارة وغير ذلك، فإنه لما علل
(4/1730)

الإطعام بالتمليك لم يبق النص بمعنى الإطعام مثبتًا للحكم، فكان الإطعام متغيرا بالتعليل بالتمليك.
(وأحلت لهذه الأمة بعد أن ثبت خبثها)، فإن قيل: (الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب) وإذا ثبت الخبث في الصدقة فكيف يقبل الله الخبيث؟
قلنا: تمكن الخبث في الصدقة بعد تحقيق الصدقة بالوقوع في يد الفقير فكان الخبث حكمًا للصدقة، وحكم الشيء لا يمنع تحقق سببه كإرسال الطلقات الثلاث فإنه يخرج المحل عن محلية الطلاق، وكتمليك النصاب للفقير فإنه يخرج المحل عن محلية الصدقة، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب للفقير فإنه يخرج المحل عن محلية الصدق، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب ابتداءً لما قلنا، فكذلك ها هنا ثبوت الخبث حكم الصدق، فلا يمنع الصدقة.
فإن قيل: لما كان هذا بمنزلة تمليك النصاب للفقير وجب أن تكره الصدقة للفقير كما تكره هنا.
(4/1731)

قلنا: تكره هناك ولا تكره ها هنا، لأن هناك المتصدق كان متمكنًا من الخروج من عهدة التصدق من غير أن تلحقه الكراهية بأن يفرق النصاب على الفقراء على وجه لا يقارب الغنى التمليك، وها هنا لا يتمكن المتصدق من التصدق على وجه لا يتحقق الخبث في حكمه فلا يكره التصدق ها هنا، فلذلك افترقا وصار كثبوت حرمة المصاهرة باعتبار الجزية حتى تعدى إلى أمهات الموطوءة وبناتها، ولم يثبت في حقا لموطوءة نفسها لعدم إمكان الاحتراز عنها مع إرادة بقاء النسل بالنكاح.
فقلنا بأن حرمة المصاهرة لم تثبت في حقها لضرورة التوالد والتناسل ولا ضرورة في سائرها، فيثبت بعد الوقوع لله تعالى في ابتداء اليد، فإن الفقير في ابتداء القبض نائب عن الله تعالىِ.
(4/1732)

(فصار صلاح الصرف إلى الفقير حكمًا شرعيًا في الشاة، فعللناه بالتقويم)، لأن ذلك الحكم الشرعي كما هو موجود في الشاة موجود في قيمتها، فيجوز صرف قيمتها إلى الفقير كجواز صرف الشاة إليه، وكان هذا تعليلًا وافقًا للنص لا يتغير به حكم النص، فكان حكم النص بعد التعليل وقبله سواء.
وقوله: (لكونه ثناء مطلقًا احتراز من قوله: "اللهم اغفر لي".
(لكن الواجب إزالة العين النجس عن الثوب، والماء آلة) صالحة لإزالة النجاسة، وسائر المائعات الطاهرة مثل الماء في هذه الصفة، فبالتعدية إلى غيره
(4/1733)

لا يتغير هذا الحكم (وهو كون الماء آلة صالحة للتطهير).
(هذا حكم شرعي في المزيل) أي كون الماء لا ينجس في ابتداء ملاقات النجاسة حكم شرعي في المزيل وهو الماء والطهارة في محل العمل وهو الثوب حكم شرعي أيضًا.
وقوله: "والطهارة" معطوف على قوله: "هذا".
فإن قيل: إن كون الماء لا ينجس في أول ملاقاته للنجاسة في الثوب حالة الاستعمال حكم اختص به الماء بطريق الضرورة فكيف يتعدى منه إلى سائر المائعات؟
قلنا: الحكم إذا ثبت بطريق الضرورة لمعنى في محل ثم شاركه غيره في ذلك المعنى والضرورة تثبت الحكم فيه كثبوته في الأصل كما في حكم بقاء طهارة المستحاضة في الوقت تعدى إلى من هو في معناها كمن به سلس البول أو الجرح الذي لا يرقأ.
وإن كان حكم بقاء طهارة المستحاضة في الوقت حكمًا ثبت على خلاف القياس فكذلك هنا هنا إن كون الماء لا ينجس حالة الاستعمال وطهارة المحل لضرورة احتياج صاحب الثوب إلى طهارته وصلاحية الماء للتطهير لمعنى القلع
(4/1734)

والإزالة، فلما شاركه غير في هذين المعنيين ثبت حكم الماء فيه أيضًا كثبوته في الماء مع بقاء صلاحية الماء لذلك، إذ المشاركة في العلة توجب المشاركة في الحكم، وهذا لأن الثوب كان طاهرًا وقد جاوره النجاسة فبإزالتهما يحصل ما في الثوب من الطهارة لما أن النجاسة إذا زالت بقي الثوب طاهرا كالدرن في الثوب الأبيض.
فبالغسل يزول الدرن فيظهر ما كان في الثوب من البياض، وكذلك صلاحية كون الماء مزيلًا للنجاسة لكونه مائعًا رقيقًا قابلًا للانعصار بالعصر وغيره إذا شاركه في هذا المعنى من كل وجه يثبت ذلك الحكم فيه أيضًا كثبوته في الماء.
(لأن عمل الماء لا يثبت ف ي محل الحدث إلا بإثبات المزال، وذلك أمر شرعي ثبت في محل العمل غير معقول).
بيانه أن اتصاف العضو بالحدث والنجاسة أمر شرعي فيه غير معقول، أي غير مدرك بالعقل معنى نجاسته، لأن هذه الأعضاء ليس بنجسه حقيقة ولا يتنجس الماء القليل بملاقاة هذا العضو إذا لم يكن له نية قربة.
(4/1735)

وكذلك جاز أكل المحدث بيده طعامًا مائعًا، فكان ما ثبت من النجاسة في هذه الأعضاء غير مدرك بالعقل وعمل الماء لا يظهر في هذه الأعضاء إلا بإثبات المزال أي بإثبات زوال ما كان في هذه الأعضاء مما يمنع التقرب إلى الله تعالى، وهذا العمل ثبت عند استعمال الماء الذي لا يبالي بخبثه.
إذ الناس لا يبالون بخبث الماء بالوضوء وبصبه في موضع النجاسات، فلم يجز إثبات هذا الحكم فيما يبالى بخبثه، وهو في نفسه أمر غير معقول المعنى بخلاف النجاسة الحقيقة إذ هي عين محسوسة، فإذا زالت عن موضعها لا تبقى فيه، وهو معقول فتعدى من الماء إلى غيره لوجود معنى الإزالة في ذلك الغير.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- وليس في أعضاء المحدث عين يزول باستعمال الماء، فإن أعضاءه طاهرة، وإنما فيها مانعًا حكميًا من أداء الصلاة غير معقول المعني، وقد ثبت بالنص رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول المعني، وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر.
(ولا يلزم أن الوضوء صح مع هذا بغير النية). وجه الورود وهو أن وجوب طهارة هذه الأعضاء بالوضوء لما كان غير معقول لكون هذه الأعضاء
(4/1736)

محكومة عليها بالطهارة شرعًا لما ذكرنا كان الوضوء بمنزلة التيمم في كون وجوب الطهارة به غير معقول لعدم حصول الطهارة بكل واحد منهما عقلًا، فكان وجوب الطهارة فيهما مع ذلك أمرًا تعبديًا فتجب النية في الوضوء حينئذ كوجوبها في التيمم.
فأجاب عنه بقوله: (لأن التغير ثبت في محل العمل بوجه لا يعقل فبقي الماء بطبعه من الوجه الذي يعقل) أراد به أن تغير العضو من الطهارة إلى النجاسة معنى لا يعقل إلا أن الماء عامل بطبعه وهو معقول فلا يفتقر إلى النية، لأن ما كان طبعًا لشيء لا يتغير بالنية.
والتطهير والإزالة طبع للماء فيعمل عمله حيث ما وجد استعماله فيه فلا يفتقر إلى النية كالنار للإحراق والسكين للقطع بخلاف التراب، لأن طبعه التلويث لا الإزالة فاحتيج إلى النية ليعمل عمل الماء لا لأن النية غيرت طبعه حقيقة لكن الشرع لما أقامه مقام الماء عند إرادة الصلاة عمل عمل الماء في إثبات الطهارة وإرادة الصلاة به هي النية، فلهذا تشترط النية في التيمم دون الوضوء، والله أعلم.
(4/1737)

باب الركن
لما فرغ من بيان الشروط التي هي مقتضية للتقدم شرع في بيان ما هو العمدة في الباب وهو الركن، لما أن ركن الشيء ما يتقوم به ذلك الشيء، فالوصف الذي هو المؤثر في الحكم جعل علمًا على الحكم في النص، وإنما سمي عليما، لأن الحكم في المنصوص عليه مضاف إلى النص فسمي علمًا لما أن القياس هو الإبانة، فلم يكن مثبتًا حقيقة كما هو الأصل في الأعلام، فإن الحكم لا يضاف إلى العلامة.
وقوله: (مما اشتمل عليه النص) يعني: "آن جيزي كه علم كردانيده شد بر حكم نص بايد كه وي ازآن جيزي بود كه نص ويرا فراز كرفته بود يا از روي لفظ يا از روي معني" والاشتمال تارة يكون من حيث اللفظ، وتارة يكون من حيث المعنى.
(4/1738)

والذي يكون من حيث اللفظ يجوز أن يكون وصفًا لازمًا مثل الثمنية أو عارضًا مثل الانفجار أو حكمًا مثل ما استدل النبي عليه السلام بجواز قضاء دين للأب على جواز قضاء الحج عن الأب إلى آخره.
وقوله: (والطعم جعله الشافعي علةً للربا) لما أن الطعم لازم أي للحنطة والشعير، لأنهما لا يوجدان إلا ومعهما الطعم، (وعللنا بالكيل وهو غير لازم) أي توجد الحنطة والشعير فيما دون الكيل أيضًا.
وليس معناه أن غيرهما مكيل أيضًا، لأن الطعم جعل لازمًا في تعليل الشافعي مع أن ذلك موجود في غير الحنطة والشعير، لأن معنى عدم اللزوم إنما يكون أن لو كان هو موجودًا وليس له هذه الصفة، لا أن تكون موجودة هي فيه وفي غيره، وذلك إنما يكون في قولنا فيما دون الكيل، أعني عللنا قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة" بالكيل والجنسِ.
والكيل غير لازم للحنطة لوجود الحنطة غير مكيلة فيما دون نصف صاع كانت الحنطة موجودة ولا كيل لها فكان الكيل غير لازم لها.
(4/1739)

(يتعلق عتقه بمطلق موت المولى) أي: فلا يجوز بيعه كأم الولد وقيد بقوله: بمطلق موت المولى: "احترازًا عن المدير المقيد، (ويجوز أن يكون فردًا) نحو تعليل ربا النسيئة بوصف واحد وهو الجنس أو القدر، (وعددًا) نحو علة حرمة التفاضل فإنه القدر مع الجنسِ.
(ويجوز في غيره إذا كان ثابتًا به) أي إذا كان النص مقتضيًا له من حيث المعنى.
(وهو معلول بإعدام العاقد) أي بفقرة واحتياجه (وليس في النص) ذلك، لأن المذكور هو السلم، وإعدام العاقد صفة العاقد لا صفة النص لكن السلم يقتضي عاقدًا لا محالة والإعدام صفته، فكان الإعدام من مقتضيات النص، وكذلك بيع الآبق معلول بالعجز عن التسليم وليس في النص ذلك، إلا أن البيع يقتضي بائعًا ضرورة والعجز صفته فكان ثابتًا هو أيضًا بمقتضى النص من حيث المعنى.
(4/1740)

وكذلك الشافعي علل قوله عليه السلام: "لا تنكح الأمة على الحرة" (بإرفاق جزء منه) يعني: أن عدم جواز نكاح الأمة على الحرة بعلة أنه سعي في إرقاق جزئه فلا يثبت إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأن تحته حرة فعدي هذا الحكم منه إلى من كان قادرًا على نكاح الحرة، فلا يجوز نكاح الأمة له أيضًا لوجود العلة وهي إرقاق جزئه بلا ضرورة، وليس هذا في النص الذي ذكرنا، ولكن ذلك النص يقتضي ناكحًا لا محالة والإرقاق صفته فكان ثابتًا ب اقتضاء النص معنى.
(واتفقوا أن كل أوصاف النص بجملتها لا يجوز أن يكون علة) يعني: اشتراط وجود جميع أوصاف النص في الفرع في التعليل لا يجوز، لأنه حينئذ كان الفرع عين المنصوص عليه، ولا يكون فرعًا، لأن جميع أوصاف المنصوص عليه لا يوجد إلا في المنصوص عليه، ولا يجوز أيضًا أن
(4/1741)

يكون وصف من أوصاف النص علة الحكم من غير تفرقة بينهما، لأنه حينئذ يسقط الابتلاء والاعتبار، فإن الاعتبار مأمور به، وذلك إنما يكون لتمييز وصف منج من وصف مهلك لتشبث المعتبر بالمنجي ويحترز عن المهلك، وذلك لا يحصل بدون الاعتبار والتأمل، فلو قلنا بجواز عدم التفرقة بين الأوصاف في التعليل لاستوى فيه العالم والجاهل. فكان ذلك مثل التعليل بالوجود في الأشياء المتضادة، بل التعليل إنما يصح بوصف صالح للتعليل من بين سائر الأوصاف.
ثم اختلفوا في تلك الصلاحية للتعليل.
(فقال أهل الطرد: إنه يصير حجة بمجرد الاطراد) يعني: أينما طرد ذلك الوصف من طرده وأداره على الأحكام وجد ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه عند ذلك الوصف الذي طرده بالإجماع من غير أن يذكر اثر ذلك الوصف في استدعاء ذلك الحكم، كما قال الشافعي -رحمه الله- في أن النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال بقوله: "لأنه ليس بمال" فوجد هذا
(4/1742)

الوصف مطردا في الحدود والقصاص.
وهكذا طرد أيضًا وصف عدم البعضية في أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات في تعليل عدم عتق الأخ، فوجده مطردا بالإجماع، فقال: لا يعتق الأخ، لأنه ليس بينهما بعضية من غير ذكر أثر الوصف.
وكذلك تعليل بعضهم: هذه عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أركانها ما له عدد سبع كالحج، وطرد عدد السبع فيما ادعى من الحكم فوجده مطردا في الحج بالإجماع، فجعل الفاتحة من أركان الصلاة، لكونها سبع آيات كما أن سبع أشواط الطوائف من أركان الحج على ما يجيء بيانه في أقسام الطرد إن شاء الله.
(والسلف) الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعون وأصحابنا المتقدمون أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا -رحمهم الله- (والخلف) من بعدهم والمتأخرون من بعدهم، (واتفقوا في صلاحه) بخلاف العدالة فإنهم اختلفوا في تفسيرها.
(4/1743)

(وإنما نعني بالأثر ما جعل له أثر في الشرع) أي: في جنس ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه كتعليلنا بالصغر في ولاية المناكح بقولنا: إنها تزوج كرها، لأنها صغيرة، فإن للصغر أثرًا في إسقاط الولاية عن الصغير في حق المال بالاتفاق، فوجب أن يكون له أثر أيضًا في إسقاط الولاية عن نفسه في النكاح، والجامع بينهما هو معنى العجز عن إصلاح أمر نفسه فيقوم أقرب الناس إليه بالعقل الكامل مقامه في إصلاح أمره، وهذا لأن معنى العجز مستلزم للضرورة، وللضرورة تأثير في إسقاط ما كان له في الأصل للتخفيف عرف ذلك بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) إلى قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) حيث جعل كثرة الطواف سببًا لسقوط الاستئذان للتخفيف، لما أن كثرة الطواف مستلزمة للحرج والضرورة.
وكذلك في السنة وهي قوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة، لأنها من
(4/1744)

الطوافين عليكم والطوافات". حيث جعل كثرة الطواف سبباُ لسقوط النجاسة للتخفيف لكون كثرة الطواف مستلزمة للضرورة.
(عدالته بكونه مخيلًا) أي: موقعًا خيال الصحة في القلب (ثم العرض على الأصول)، وهذا تفريع على قول ذلك البعض، إذ لا حاجة عندنا إلى العرض على الأصول.
والمعني من العرض على الأصول هو أن يعرض وصفه الذي جعله عله على صور يوجد ذلك الوصف فيها، كوصف الطعم الذي جعله الشافعي علة الربا يعرضه على المطعومات فيجد وصفه مثبتًا لذلك الحكم الذي ادعاه بالاتفاق، فيجعل ذلك علة الحكم المتنازع فيه إذا لم يجد ذلك الوصف منقوضًا ولا مجروحًا في تلك الصور كما في الشاهد.
(وإنما يعرض على أصلين فصاعدًا) نظير ذلك ما جعل الشافعي في وصف الطعم علة الربا في قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل" وعرض ذلك الوصف على السمسم والأرز فوجده فيهما مؤثرًا في إثبات حكم الربا بالاتفاق فجعل الطعم علة الربا في المطعومات، لأن الأصليين لم يرداه.
(4/1745)

(وإنما النقض جرح والمعارضة دفع) يعني أن النقض يجرح الوصف فخرجه عن كونه حجة كجرح الشاهد بالرق، والمعارضة دفع لا تمنع الوصف عن كونه علة لكن تدفع الحكم الذي أثبته الوصف بعلة أخرى، وعندنا عدالته بكونه مؤثرًا أي جعل لهذا الوصف أثر في الشرع في جنس ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه على ما ذكرنا، وعرف ذلك الأثر إما بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع.
(4/1746)

(لأن ما لا يحس إنما يعرف بأثره) كما عرفنا الله تعالى، لكونه غير محسوس بآثار صنعه، والوصف الذي هو المؤثر لا يحس أيضًا فيعرف ذلك بأثره بالبيان.
(والوصف على وجه مجمع عليه) كطهارة سؤر الهرة بعلة الطوف، والطوف من أسباب الضرورة وهي موجبة للتخفيف بوجه مجمع عليه في جنس هذا الحكم وهو سقوط الخطر بالضرورة كما أشار عليه قوله تعالى: (فمن فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
(وأما الخيال فأمر) لا يعول عليه، لأن للخصم أن يقول: وقع في قلبي خيال فساد (وصفك فلا ينفك عن المعارضة) وما لا ينفك عن
(4/1747)

المعارضة لا يصلح حجة شرعية كالوصف الذي لا ينفك عن المناقضة لا يصلح حجة، لما عرف أن حجج الله تعالى لا تتعارض في أنفسها ولا تتناقض، ولأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والحجة ما كان أمرًا ثابتًا في حق الكل، والظن يختص بمن ابتلي به.
ألا ترى أن التحري في باب القبلة لا يتعدى ممن أبتلي به ولا يصير قبلة في حق غيره.
وقوله: (فنقل عنه إلى شهادة القلب) "أي الوصف في كونه معدلًا نقل عن الأثر إلى شهادة القلب. بخلاف الشاهد" يعني أن التزكية فيه لازمة لاحتمال اعتراض الفسق عليه بعد كونه عدلًا.
فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه يصير عدالته معلومة، إذ ليس فيه توهم الخيانة، فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطًا.
(4/1748)

وقوله: (كالأثر المحسوس الدال على غير المحسوس) كأثر المشي على الأرض فإنه يدل على الماشي، وإن كان الماشي غائبًا غير محسوس، وكذا البناء يدل على أن بانيًا بناه، وكان الباني حيًا قادرًا على البناء وعالمًا به. يحكم بعقله على هذا بالقطع والبتات، وغن لم يكن رأي الباني فيكون في تيقنه أن باني هذا البناء كان موصوفًا بهذه الأوصاف كأنه راه.
وقوله: (فرقهم) جواب عما فرق أهل المقالة الأولي بقولهم: "بخلاف الشاهد لأنه يتوهم" إلى آخره. حيث جعلوا التزكية شرطًا لازمًا ولم يجعلوا العرض على الأصول في الوصف لازمًا بل جعلوا العرض للاحتياط للفرق الذي قالوا.
قلنا: هذا الفرق ليس بصحيح، لأن الوصف مع كونه ملائمًا يجوز أن يكون غير علة.
ألا ترى أن قولنا: إن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه وصف ملائم موافق لتعليل السلف، ومع ذلك أنه غير علة في مسألة الصوم إذا أكل الصائم ناسيًا حيث بقي الصوم مع فوات ركنه حقيقة، لأن الشرع لم يجعل ذلك الوصف علة فوات الصوم، لما أن علل الشرع علل جعلية، وجاز له أن يجعل
(4/1749)

الوصف علة في موضع ولا يجعله علة في موضع آخر لمعنى فيه.
إذ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فلابد من ظهور أثر ذلك الوصف في جنس ذلك الحكم، فعند ظهور أثره تعرف عدالة ذلك الوصف، وذلك إنما يكون عند العرض على الأصول وعلى الأحكام التي هي من جنس حكم ذلك الوصف، (فكان الاحتمال في أصله) أي فكان احتمال الرد في اصل الوصف أولى من الاحتمال في المعترض، وهو اعتراض الفسق في الشاهد.
بيان هذا أنهم قالوا: إن الشاهد يحتمل أن يعترض عليه فسق يبطل شهادته إلا أن هذا احتمال في المعترض على الشهادة، فإن أصل الشهادة يثبت بالأهلية وهي العقل والبلوغ والحرية ومع المعترض يبقى أهلًا لأصل الشهادة.
فأما الوصف في التعليل مع الرد لم يبق علةً أصلًا، فإنه مع كونه ملائمًا لا يجوز أن يكون علة مع الرد أصلا، والشاهد مع الرد يبقى أهلًا لما عرف، فكان الاحتمال في وصف التعليل أقوى، فلما لم تقبل شهادة المستور مع هذا الاحتمال وجب ألا يكون وصف التعليل حجة مع احتمال الرد في أصله بالطريق الأولى.
(4/1750)

وقوله: (ألا ترى أن الوصف لا يبقى علة مع الرد مع قيام الملاءمة) بخلاف الشهادة، فإنه إذا رد القاضي شهادة الشاهد في حادثة ل معنى لا يوجب ذلك رد شهادته في حادثة أخرى.
(والجواب عن كلامه) أراد به قوله: "إن الأثر معنى لا يعقل".
وقوله: (إن الأثر معقول) أي معلوم (من كل محسوس لغة) أي باللفظ الدال على المعنى حتى إن من أخبر آخر أن رجلًا مشى ههنا من غير أن رأي الماشي يفهم السامع من ذلك أنه رأى أثر مشيه واستدل به على مشيه، وقوله: (وعيانا) أي في حق الرائي أثر مشيه، وقوله: (لغة) أي في حق السامع.
(ومن كل مشروع معقول دلالة) كقول من يقول: هي مطلقة ثلاثًا فلابد أن يستدل السامع منه على إيقاعه بالتطليق الثلاث، وكونها مطلقة اثر ذلك، أو أراد به ما له اثر في جنس ذلك الحكم كأثر الصغر في حق سلب الولاية عن الصغير في النكاح بطريق الدلالة على سلب الولاية في حق المال.
وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: وإنما نعني بالأثر ما جعل أثر له
(4/1751)

في الشرع.
وقوله: (تعليلًا بمعنى مؤثر) فوجه التأثير هو أن الصوم كف النفس عن شهوة البطن وعن شهوة الفرج، فالمضمضة مبدأ شهوة البطن، والقبلة مبدأ شهوة الفرج، فلما لم يضر الصوم مع وجود مبدأ شهوة البطن لم يضره أيضًا وجود مبدأ شهوة الفرج قياسًا للمبدأ بالمبدأ بل بالطريق الأولى لما أن منع شهوة البطن في الصوم قصدي بدليل شرعيته في وقته وهو النهار عادة فلما لم يمنع ذلك مع أنه مبدأ المقصود فلان لا يمنع وجود مبدأ غير المقصود أولى.
(4/1752)

(واختلف أصحاب النبي عليه السلام في الجد) يعني: أن الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- اختلفوا في الجد مع الأخوة. فقال أبو بكر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعامة الصحابة -رضي الله عنهم: إن الجد يحجب الأخوة، وهو قول أبي حنيفة -رحمة الله عليه-.
وقال علي وزيد بن ثابت -رضي الله عنهما-: إنه لا يحجبهم، وهو
(4/1753)

قولهما فعامة الصحابة مثلوا الجد بالوادي الذي ينشعب منه الأنهار يعني أن الجد ينشعب منه الأب والأخوان، والأب ينشعب منه الأخوان، ثم الأب يحجب الأخوين، فالجد الذي هو أصل الكل أولى.
وقال علي -رضي الله عنه-: إنما مثل الجد مثل شجرة أنبتت غصنا ثم نفرع من الغصن فرعان، فيكون القرب بين الفرعين أشد من القرب بين الفرع والأصل، لأن الغصب بين الأصل والفرعين واسطة ولا واسطة بين الفرعين. فيكون هذا الكلام مقتضى رجحان الأخ على الجد إلا أن بين الفرع والأصل جزئية وبعضية وليس بين الفرعين -أعني الأخوين- جزئية.
وهذا يقتضي رجحان الجد على الأخ فاستويا، ثم وجه الرجحان لقول أبي حنيفة -رحمه الله-: إن الأب حاجب لكلا الفريقين بالإجماع، فمشابهة الجد بالأخ أكثر من مشابهة الأخ به في حق حرمة الحليلة وحق حرمة وضع الزكاة وعدم قبول الشهادة له وكثرة المشابهة إن لم تصلح علة تصلح مرجحًا، وابن عباس -رضي الله عنهما- علل في ذلك بقوله: "ألا يتقي الله
(4/1754)

زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبًا" فهو استدلال بمؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب.
وقوله: "أليس يكون خمرًا" هو مقول عمر -رضي الله عنه- فكان متعلقًا بقوله: وقال عمر حين -قال أي عبادة بن الصامت-: ما أرى النار تحل.
(4/1755)

وقوله: "ما أري" على بناء المفعول، وقوله: "النار" بالنصب على أنه مفعول ثان للإرادة.
فإن قلت: كيف صح قوله: "تحل" وماء العنب لا يكون موصوفًا بالحرمة قبل أن يصير خمرًا؟
قلت: يحتمل أن يسمى منعه عن أن يكون خمرًا إحلالًا أو جعل المشارف للحرمة كالحرمة.
(لأنه أعتقه برضاه)، لأنه باشر علة العتق باختياره، فكان راضيًا لعتقه، وفي هذا لا يتفاوت علمه وعدم علمه، لأن المباشر لعلة الحكم أنزل عالمًا لوجود الحكم، فمباشرته بعد ذلك كان رضا منه بذلك الحكم الذي هو العتق ههنا، ف صار كما لو أذن له نصًا أن يعتقه.
(لأنه سلطه)، لأنه لما يبق الاستحفاظ بقي تسليطًا على الاستهلاك،
(4/1756)

وهذا لأنه حين مكن الصبي من المال فقد سلطة على إتلافه حسا، والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط.
ثم بقوله: "احفظ" جعل التسليط مقصورًا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق البالغ صحيح.
وأما في حق الصبي فلا يصح أصلًا، وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة الرق، وذلك في "الأسرار" الاختلاف في صبي يعقل الحفظ لا في صبي لا يعقله.
ألا ترى أنه بنى على هذا أن الصبي لو بلغ صار مودعا ولو كان الخطاب مع من لا يعقل لكان يغلو ولا يصح بالبلوغ، وإنما يجوز بالبلوغ وبالإجازة إذا خاطبه بعد العقد.
(4/1757)

(لأنه أمر رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه)، وهذا الاستدلال في الفرق بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة، فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد عليه، ولا يجوز أن يكون سببها ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم.
(غير مؤثر في إبطال التخفيف)، فإن مسح الخف ركن ومع هذا ثبت التخفيف، وكذلك المسح في التيمم.
(في ولاية النكاح بالصغر والبلوغ) أي: عللنا بأن المؤثر في ثبوت الولاية للولي صغر المولى عليه، وعللنا بأن المؤثر في انعدام الولاية للولي بلوغ المولى عليه، فكان قوله: (فصح التعليل بالعجز والقدرة للوجود والعدم) على هذا التقدير لفًا ونشرًا أي وجود الولاية للولي على المولى عليه بسبب عجز المولى عليه عن القيام على أمر نفسه بنفسه، وذلك إنما يكون بالصغر، وانعدام الولاية للولي على المولى عليه بسبب قدرة المولى عليه على النظر لنفسه، وذلك إنما يكون بالبلوغ.
(4/1758)

وقوله: (كالنفقة) أي: وجوب النفقة للصغير على الأب بسبب عجز الصغير على قدرة الاكتساب وذلك بصغر الصغير، وعدم وجوب النفقة على الأب بسبب قدرة الصغير على الاكتساب بنفسه وذلك إنما يكون بالبلوغ، فكذلك ثبوت الولاية للولي وعدمها في النكاح بسبب عجز الصغير والصغيرة عن قيام أمرهما وبسبب قدرتهما على أمرهما، وذلك إنما يكون بالصغر والبلوغ، فكان المؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة وكذلك في سائر المواضع إنما يظهر الأثر للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة، أعني الولاية في المال.
(إلا في إصابة المأمور) أي: في لزوم إصابة المأمور به.
(4/1759)

وقوله: (فإن قيل: التعليل بالأثر) إلى آخره. هذا الإشكال يرد على ما ذكر من صور العلل المؤثر من غير ذكر المقيس عليه قبل.
قوله: وعلى هذا الأصل جرينا والله أعلم.
(4/1760)

باب بيان المقالة الثانية
المراد من المقالة الثانية الأولى، سماها ثانية باعتبار الشرح والتقرير: وهذا لأنه ذكر قول أهل الطرد في التقسيم أولًا وذكر قول أئمة الفقه من السلف والخلف ثانيًا، ثم ذكر بيان قول أئمة الفقه متصلًا بالتقسيم، فوقعت المقالة الأولي وهو قول أهل الطرد ثانية في حق البيان فسماها ثانية لذلك.
(قسم في بيان الحجة) أي: في بيان حجية الطرد، أي حجية الطرد بماذا تكون؟ بمجرد الوجود عند الوجود أو كان العدم مع العدم شرطًا لصحة الطرد، أو كان الدوران عل وجه يكون النص قائمًا في الحالين، ولا حكم له؟
(4/1761)

قوله: (فقال بعضهم: هو الوجود عند الوجود) أي: يوجد الحكم المتنازع فيه عند وجود هذا الوصف، يعني كلما وجد هذا الوصف وجد هذا الحكم وهذا حجة عندهم، (وزاد بعضهم العدم عند العدم) يعني: كلما عدم هذا الوصف هذا الحكم، ولكن هذا قول بألا يكون للحكم الشرعي إلا علة واحدة وهو باطل، لأنهم اتفقوا على أن الحكم الشرعي جاز أن يعلل بعلل شتى فما يفضي إلى انتفاء هذا فهو باطل.
(وزاد بعضهم) على هذا الذي ذكر (قيام النص في الحالين) والحكم غير مضاف إلى النص، وهذا باطل أيضًا، لأن شرط صحة التعليل أن يبقى
(4/1762)

الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله، فإذا كان بعد التعليل لا يضاف الحكم إلى النص كان ذلك مفسدًا للقياس، فكيف يجعل شرطًا لصحة التعليل؟ ولأن ركن القياس أن يكون الوصف مما اشتمل عليه النص، وإذا كان النص قائمًا ولا حكم له لم يكن الوصف مما اشتمل عليه النص فلم يكن ركن القياس موجودًا، والشيء لا يوجد مع فوات ركنه فكان فاسدًا، والفاسد لا ينتج إلا لفاسد، ونظيره ما قالوا في آية الوضوء في قوله تعالى: () يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ).
فإن فيها ذكر القيام إلى الصلاة، فجعل القيام إلى الصلاة موجبًا للوضوء، والموجب للوضوء الحدث وهو دائر معه وجودًا وعدمًا، والنص موجود في حالي الوجود والعدم، ولا يضاف الحكم إليه، فإنه إذا قام إلى الصلاة وهو غير محدث لا تجب الطهارة مع قيام النص، وإذا كان محدثًا تجب الطهارة وإن لم يقم إلى الصلاة.
(4/1763)

وقولهِ: (بأن دلائل صحة القياس) أي: من الكتاب والسنة والإجماع والدليل المعقول على ما ذكره.
(إلا بمعنى معقول يوجب تمييزًا) وهو قوله: (أشهد).
(فكذلك) أي: نعم كذلك.
(ومجرد الاطراد لا يميز، وكذلك العدم عند العدم، لأنه يزاحمه الشرط) أي: إن الحكمة كما يدور مع العلة وجودا وعدما فكذلك يدور مع الشرط أيضًا وجودًا وعدمًا.
ألا ترى أن مالية المبيع شرط صحة البيع، وهي دائرة مع صحة البيع وجودًا وعدمًا، أي أينما وجدت المالية وجدت صحة البيع عند مباشرة البيع وأينما انعدمت انعدمت صحة البيع، وكذلك صحة الصلاة مع اشتراط
(4/1764)

الطهارة أصلًا وخلفًا دائرة وجودًا وعدمًا، وكذلك في الشرط الصريح.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: فإن من قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فاعتق مع هذا الكلام يدور مع الدخول وجودًا وعدمًا، واحدا لا يقول إن دخول الدار علة العتق بل هو شرط العتق، ثم هب كان الأصل هو دوران الحكم مع العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم، وبالاحتمال لا تثبت العلة.
(لأنه يقال له: وما يدريك أنه لم يبق له أصل مناقض أو معارض؟) فلابد له من أن يقول: لأني ما علمت له أصلًا مناقضًا أو معارضًا، فكان ماله الجهل مع أنه لا يمكن له استقراء جميع الأصول، لأن المعاني المستنبطة من الكتاب غير متناهية فكان استقراء جميع الأصول محالًا، (فلا يصح شرط عدمه) أي لا يصلح أن يجعل العدم شرطًا عند العدم لصحة العلة.
(لأنه يحل له القضاء وهو غضبان عند فراغ القلب) أي: عند قلة
(4/1765)

الغضب، (ولا يحل القضاء عند شغله بغير الغضب) بأن يكون حاقبًا أو جائعًا محوجًا، أو عطشان أو مهقمًا، (إلا أن هذا الشرط) وهو قيام النص ولا حكم له.
(وذلك غير مسلم) أي دعواهم في هذين النصين ب أنه لا حكم لهما.
(لأنه يفارقه بحاله) أي: لأن البدل يفارق الأصل بحالة وهي التلويث واشتراط عدم الماء.
فإن ما حال الماء التطهير وعدم اشتراط عدم الماء (لا بسببه)، فإن سبب الوضوء وجوب الصلاة مع شرط الحدث، وشرط الحدث إن لم يذكر في الأصل ذكر في ذكر الخلف وهو قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ
(4/1766)

لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فكان مذكورًا في الأصل أيضًا، لأن الخلف لا يفارق الأصل في حق السبب. (وهذا النظم والله أعلم). أي: وإنما ورد نظم القرآن على هذا الطريق، وهو أن يذكر الحدث في التيمم وفي أعظم الطهرين، ولم يذكر في الوضوء، (لأن الوضوء مطهر فدل على قيام النجاسة)، لأن المطهر ما يثبت الطهارة ف يقتضي ثبوت النجاسة ليصح إثبات الطهارة، لأن إثبات الثابت محال (بخلاف التيمم)، لأن التراب غير مطهر ذاتا، بل هو ملوث فلم يقتض ثبوت النجاسة فاحتاج السامع إلى أن يذكر الحدث صريحًا حتى يعلم أن ذلك شرط وجوب الطهارة كما في الوضوء.
(والوضوء متعلق بالصلاة) أي: متعلق بالصلاة من حيث السببية، فإن سبب وجوب الوضوء وجوب الصلاة، والحدث غير موجب بل شرط
(4/1767)

للوجوب.
(وأما الغسل فلا يسن لكل صلاة فلم يشرع إلا مقرونًا بالحدث) ضرورة عدم تنوعه، ولا يقال بأن الغسل سنة للجمعة فيثبت التنوع، لأنا نقول: المدعى أنه لا يسن لكل صلاة فلم يتجه نقضًا، أو نقول: كونه سنة لصلاة الجمعة غير مسلم، لأن الغسل عندي لليوم لا للصلاة، ولئن سلمنا أنه للصلاة فالأصل في يوم الجمعة الظهر فلا يسن له.
ويجوز أن يكون مسنونًا لمعنى آخر غير الصلاة وهو أنه يوم اجتماع الناس فيحضر البدويون والقرويون فتوجد منهم الرائحة الكريهة فيسن الغسل دفعًا للأذى عمن يجاوره، أو الخطاب المذكور في قوله تعالى: (وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) لجميع المسلمين ووجوب الجمعة مختص بالبعض فثبوت الحكم على العموم أولي.
(فلان الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود أو كثرة أداء الشهادة)، فإن نظرت على الأصول هو أن هذا الوصف موجود في هذا الأصل وموجود
(4/1768)

في هذا الأصل الآخر وكذا وكذا يوجب كثرة الشهود، والنظر إلى نفس الوصف وهو واحد يوجد في أصول كثيرة يوجب كثرة أداء الشهادة.
مثاله قولهم: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه، وهذا الوصف وهو الركنية موجود في غسل الوجه اليدين وفي غسل الرجلين فكل واحد من هذه الغسلات يصلح أصلًا بنفسه فكان فيه كثرة الشهودِ، إلا أن هذا الوصف لما كان واحدًا وهو الركنية يوجد في مواضع كثيرة كان فيه تكثير أداء الشهادة.
(بل بأهلية الشاهد) وهي أن يكون الشاهد حرًا عاقلًا بالغًا، (وعدالته) وهي أن يكون محترزًا عن محظور دينه (واختصاص أدائه) وهو أن يقول: أشهد. لا أن يقول: أعلم أو أتيقن، (ولأن الوجود قد يكون اتفاقًا) أي ولأن وجود الحكم عند وجود وصف من الأوصاف قد يكون بسبب اتفاق
(4/1769)

الحال لا أن يكون لذلك الوصف اثر في إثبات ذلك الحكم.
ألا ترى أن للحنطة أوصافًا سوى الكيل والطعم، فإنها شيءِ، حب، جسيم أمر اللون، مشقوق البطن، ويجري الربا في بيع الحنطة بالحنطة على اختلاف الأصليين وفيها هذه الأوصاف.
ولا شك أن هذه الأوصاف مما لا تأثير لها في جريان الربا، بل جريان الربا في بيع الحنطة بالحنطة عند وجود هذه الأوصاف لم يكن لوجود بعض هذه الأوصاف أو لوجود كلها بل وجود هذه الأوصاف كان بسبب اتفاق الحال، ولم يضف الحكم غليها حتى لا تصلح التعدية منها إلى موضع آخر إذا وجد شيء من هذه الأوصاف في ذلك الموضع، ونظير هذا أيضًا في علم الكلام ما قاله أهل الإسلام: إن الله تعالى لا يجوز أن يكون جوهرًا خلافًا لما يقوله النصارى.
فإنهم قالوا: الجوهر في الشاهد قائم بالذات، فكان كونه قائمًا بالذات بمنزلة الجوهرية. ويعرف ذلك بالطرد والعكس يعني في الشهد كل جوهر قائم بالذات، وكل قائم بالذات فهو جوهر، فإذا ثبت كون الباري تعالى قائمًا بالذات ثبت كونه جوهرًا.
قلنا: الجوهر في الشاهد كما يدور مع القائم بالذات وجودًا وعدمًا ويطرد وينعكس، كذلك يطرد وينعكس مع وصف آخر ويدور معه وجودًا وعدمًا،
(4/1770)

وهو أنه أصل للمتركبات ولا يجوز أن يكون لشيء واحد ماهيتان فلابد أن يكون أحدهما اتفاقيا والآخر لا، وكونه قائما بالذات في الشاهد من أوصاف الوجود وكونه أصلًا للمتركبات هو المؤثر في استحقاق اسم الجوهر لما عرف من اشتقاق اللفظ واستعمال أهل الكلام.
(والعدم قد يقع، لأنه شرط) أي: عدم الحكم قد يكون، لأن ذلك الوصف شرط، يعنى أن عدم الحكم عند عدم الوصف لا يقتضي أن يكون ذلك علة، لأن الشيء ينعدم بعدم شرطه كما ينعدم بعم علته، فإن البيع كما ينعدم عند عدم ركنه وهو قوله: بعت واشتريت، كذلك ينعدم عند عدم مالية المبيع.
(ألا ترى أن وجود الشيء ليس بعلة لبقائه) حتى يقال وجد ولم يبق، فإن وجود الشيء لو كان علة لبقائه لما تصور الفناء كما لا يتصور البقاء على العدل حال الوجود، فلما لم يكن علة لبقائه في نفسه لم يصلح عالة للوجود في غيره بالطريق الأولي.
(وكذلك وجود الحكم، ولا علة لا يصلح دليلًا) أي: على فساد العلة لاحتمال أن يثبت الحكم بعلة أخرى.
(4/1771)

ألا ترى أن البيع علة لثبوت الملك، ووجود الملك عند عدم البيع بأن يوجد الملك بالإرث أو بقبول الهبة لا يدل على كون البيع غير علة، لاحتمال ثبوت الحكم الشرعي بعلل شتى أي على طريق التناوب والبدلية بخلاف الحكم العقلي، فإنه لا يجوز أن يكون معلولًا بعلل شتى.
(ووجود العلة ولا حكم بنفسه لا يصلح مناقضًا، لاحتمال أن ينعدم الحكم بفوت وصف من العلة)، فكان انعدم الحكم لانعدام علته لا بوجود علته مع عدم الحكم، (فلا يكون مناقضة) وإن كان يتراءى ذلك كقولنا: مسح في الوضوء فلا يسن تثليثهِ، ولا يلزم عليه الاستنجاء وهو يتراءى مناقضًا، لأنه مسح ويسن تثليثه.
قلنا: إنه ليس بمسح بل هو إزالة النجاسةِ. ألا ترى أنه إذا أحد ولم يتلطخ به بدنه لم يكن الاستنجاء سنه على ما يجيء في باب بيان وجوه دفع المناقضة، وأشار إليه في "التقويم" إلى أن عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفسادِ، لأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس هو من ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع.
(4/1772)

فالبيع موجود ولا حكم له للمانع، وكذلك النصاب موجود ولا حكم له قبل الحول، والحول ليس من ركن العلة ولا مانع له، لكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة، فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة بتمامه حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول ولا ذكره.
(وقد دل عليه التعليل تخصيصا) أي: لا يكون ذكر الوصف بأنه عله لهذا الحكم تخصيصًا لتلك العلة بهذا الحكم، أي لا يكون تخصيصا بل يجوز أن يكون لهذا الحكم علة أخرى يثبت هذا الحكم بتلك العلة عند عدم هذا الوصف، لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل شتى على طريق البدلية كالملك يثبت بالشراء وبالإرث وبقبول الهبة، فكان انتصاب قوله: (تخصيصا) على أنه خبر يكون، لأن قوله: (ولا ذكره) معطوف على قوله: (فلان يكون مناقضة).
وقيل: المراد من التخصيص هذا هو تخصيص العلة المؤثرة المعروف خلافه بين عامة العلماء وبين القاضي الإمام أبي زيد -رحمهم الله- فإن ذلك
(4/1773)

جائز عنده خلافًا لعامة العلماءِ، يعني لو ذكر الخصم الوصف مستدلًا بدليل على أن الوصف هو العلة لكن لم يثبت الحكم هنا به المانع لا يكون هذا عند عامة في باب فساد تخصيص العلة إن شاء الله تعالى، لكن الأوجه ما ذكرناه أولًا لسوق الكلام إليه، لأن الكلم في إبطال الاستدلال بالدوران على أنه علة وذلك إنما يحصل بما قلناه.
فالحاصل أنه نفى بهذه الأوجه الثلاثة صحة عليه الدوران وجودًا وعدمًا.
أحدها: أن وجود الحكم وليس فيه العلة المعينة التي وقع النزاع فيها لا يدل ذلك على فساد تلك العلة، لما ذكرنا من احتمال ثبوت الحكم بعلل شتى على طريق البدلية.
والثاني: عكسه وهو أن توجد العلة ولا حكم لها، فإنه لا يدل على فساد العلة لما ذكرنا من احتمال فوات وصف له بتوقف تلك العلة إلى وجوده في إثبات الحكم.
(4/1774)

والثالث: تعليل الحكم بعلة لا يدل على التخصيص بتلك العلة، فإن من قال: ثبت لزيد ملك العقار لأنه اشتراه لا يوجد ذلك التخصيص ولا ينفي عليه الهبة والإرث في إثبات ذلك الحكم.
(إلا أن هذا) أي: الطرد وجودًا وعدمًا، وهذا استثناء من قوله: (فلأن الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود) من حيث المعنى فكان هذا فاسدًا ِإلا أن هذه إلى آخره.
وقوله: (فلا يصلح حجة للإثبات) -إلى أن قال- (إلا أن يقع الاختلاف في حكم بسبب معين) أي التعليل بالنفي والعدم لا يصح حجة لإثبات شيء ما كان الاختلاف في السبب كما في إسلام المروي في المروي، فأنا اختلفنا مع الشافعي -رحمه الله- في سبب حرمة النسيئة فعنده الطم أو الثمنية، وعندنا القدر أو الجنسِ، فلذلك اختلفنا أيضًا معه في حكم هذه المسألة بناء على الاختلاف في السبب.
(4/1775)

وأما إذا اتفقنا في سبب حكم بأنه لا سبب لذلك الحكم غير ذلك السبب المعين، فحينئذ يجوز التعليل بالعدم لانتفاء ذلك الحكم، لأنه لما كان السبب واحدًا كان عدم ذلك السبب دليلًا على عدم هذا الحكم بالضرورة.
(وهذا مثل ما علل محمد -رحمه الله- في ولد المغصوب) الذي ولد في يد الغاصب أنه غير مضمون، لأنه لم يغصب الولد، فإنه اتفقوا على أن ضمان الغصب لا ي ثبت إلا بالغصب، فعدم الغصب يدل على عدم الضمان ثم مع ذلك اختلفوا في حكم الضمان ههنا بعد اتفاقهم على أن سبب له سوى الغصب باعتبار اختلافهم في تفسير الغصب.
فعند الشافعي هو إن إثبات اليد المبطلة فيه قصدي وإزالة اليد المحقة فيه ضمني، وعندنا على العكس، وعند هذا وقع الاختلاف ف ي ولد المغصوبة فعندنا لا يضمن، لأنه لم يوجد فيه إزالة اليد المحقة، لأنه لم يكن في يد المالك حتى يزيله وعنده يضمن لثبوت اليد المبطلة فيه، لأن هذا الولد ملك مالك الأم وهو في يد غير مالكه بدون رضاه، فكان حد الغصب فيه موجودًا فيضمن.
(4/1776)

(لأن ذلك لا يوجد بغيره) أي الخمس لا يوجد وجوبه بدون الإيجاف (بل هو من جنس ما يثبت معها) أي من الشبهات.
ألا ترى أن تفريق الصفقة في البيع يفسد البيع بأن يقول: بعت منك هذين العبدين بكذا فقبل أحدهما لا يجوز، ولو قبل نكاح إحدى امرأتين في مثل هذه الصورة صح، وكذا إذا جمع بين امرأتين أحدهما لا يحل له نكاحها صح نكاح التي حل له نكاحها.
وكذلك يثبت النكاح بالهزل والإكراه، والمال لا، (فكان النكاح فوق الأموال في هذا بدرجة) وهي ثبوت النكاح مع الشبهات وعدم ثبوت البياعات معها، ثم لما ثبت المال بشهادة رجل وامرأتين مع أنه لا يثبت مع هذه الشبهات كان النكاح أولي ان يثبت بشهادة رجل وامرأتين، إذ هو مما يثبت بالشبهات.
(وكذلك في أخواتها) أي وكذلك الحكم في أخوات مسألة النكاح، وهي: عتق الأخ بالملك، ولحوق المبتوتة طلاق، وعدم جواز إسلام المروي في المروي، وقلنا: إن الأخ يعتق بالملك وإن لم يكن بينهما بعضية، لأن في الأخوة معنى آخر أوجب عتقه وهو القرابة المحرمة للنكاح، وهذا المعنى يوجب العتق، لأنها لما صينت عن أدنى الذلين وجب أن تصان عن أعلاهما وهو ملك الرقبة بالطريق الأولى.
(4/1777)

وكذلك قلنا: إن الطلاق يلحق المبتوتة أي المعتدة من طلاق بائن، لأنه بقي فيها أثر من آثار النكاح وهو العدة، فإنها محبوسة عن التزوج بزوج آخر للعدة، كما هي محبوسة عنه حال قيام النكاح فيقع عليها الطلاق كما لو كانت منكوحة، وكذلك نقول في إسلام المروي في المروي: يجوز أن يكون فيه معنى يوجب حرمته وهو اتحاد الجنسية، والجنسية بانفرادها تحرم النسيئة.
(عرف وجوبه) أي: ثبوته (على ذلك دلت مسائلهم) أي: مسائلنا ومسائل الشافعي -رحمه الله-.
(وهي أصل) أي: البراءة أصل (بل صار قول المدعي معارضًا) بقول المنكر على السواء، فلما كانا متعارضين على السواء لم يكن قول كل واحد منهما حجة على الآخر، ولكن كان حجة في حق نفسه، فجوزنا الصلح
(4/1778)

وجعلنا بدل الصلح في حق المدعي اعتياضًا عن حقه، وفي حق المنكر كان لافتداء اليمين وقطع الخصومة، فلو لم يجز الصلح لكان قول المنكر حجة على المدعي، ولا يقال: لو جاز الصلح يجعل قول المدعي حجة على خصمه الذي هو المنكر؛ لأنا نقول: إن بدل الصلح من جانب المنكر كان لافتداء اليمين وقطع الخصومة لا لثبوت الحق عليه، (والشافعي جعله موجبًا) أي: جعل براءة الذمة موجبًا، والتذكير لتأويل الأصل، لأنه هو المذكور قريبًا منه.
(وقلنا في الشقص إذا بيع) وإنما وضع المسألة في بعض الشقص دون الجوار، ليتحقق خلاف الشافعي، لأنه لا يقول بالشفعة في الجوار (ملك الطالب) أي: ملك الشفيع.
(فإن القول قول المولي) وهو ثبوت الدخول حتى لا يعتق العبد، ومعلوم أن قول العبد مستند إلى دليل من حيث الظاهر، وهو أن الأصل عدم
(4/1779)

الدخول، ولكن لما كان قوله في الحال محتملًا وقوله المولى كذلك لم يثبت استحقاقه على المولى بما هو محتمل. كذا قاله الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-.
وقوله: (ذكرنا) إشارة إلى قوله: وعندنا هذا لا يكون حجة للإيجاب.
(حتى تعذر نسخه) كما يتعذر النسخ حال إثبات النص، فعلم بهذا أن في البقاء إثباتًا أيضًا.
(إن الدليل الموجب للحكم لا يوجب بقاءه كالإيجاد لا يوجب البقاء حتى صح الإفناء).
(4/1780)

بيان هذا أن الدليل الموجب للحكم لو كان يوجب بقاءه لما احتمل الزوال، كالحكم في حال ثبوته لا يحتمل السقوط؛ لما فيه من الإستحالة وهو وجود المتنافيين كالإيجاد لما كان يوجب الوجود لم يحتمل الفناء حال وجوده، وحيث صح الإفناء في الزمان الثاني علم أن الإيجاد لايوجب البقاء.
ولهذا لايجوز النسخ في حال ثبوت الحكم؛ لأن النسخ رفع وإبطال ورفع الشيء في حال ثبوته محال، وجاز النسخ في حال البقاء وقت حياة النبي عليه السلام؛ لما أن الأمر في حال حياة النبي عليه السلام، فإن البقاء بدليله وهو تقرير النبي عليه السلام على ذلك على ماقال عليه السلام: "الحلال ماجرى على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ماجرى على لساني إلى يوم القيامة".
ولأن كون النبي عليه السلام خاتم النبيين ثبت بدليل قطعي، والنسخ إنما يثبت بالوحي، ولا وحي بعده فلا يثبت النسخ أيضا بالدليل القطعي، فكان البقاء ثابتا بالدليل سوى الدليل الموجب للحكم.
وأما الجواب عن فصل الطهارة وأخواتها: إن حكم الطهارة وأخواتها مؤبد، ولهذا لا يصح توقيته.
فإنه إذا اشترى على أن يثبت الملك له سنة أو سنتين لا يجوز، وكذلك في النكاح، إلا أنه يحتمل السقوط بطريق المعاارضة على سبيل المناقضة؛ إذ المعارضة على نوعين:
(4/1781)

معارضة خالصة: وهي المعارضة في الحكم مع بقاء الدليل على إثبات الحكم على خلاف مايقتضيه الدليل المعارض، فيحتاج المعلل إلى الترجيح.
وأما المعارضة على سبيل المناقضة: فهي مايعارض في الأول في الحكم على وجه ينقض الدليل الأول كما هو حكم المناقضة الخالصة، والذي نحن فيه من قبيل ذلك، فإن حكم البيع وهو الملك يسقط على سبيل المناقضة كأن البيع انتقض لا أن الدليل وهو البيع باق مع وجود مايسقطه.
وقوله: (هذا لأن ذلك) أي: لأن البقاء (بمنزلة أعراض تحدث) يعني أن الحكم فيما يحتمل البقاء بعد الوجود بمنزلة أعراض تحدث؛ إذ العرض لا يبقى وقتين، فكان البقاء في الزمان الثاني لا يكون للبقاء في الزمان الثالث، وهو يقرر ما قلنا: إن الموجب لحكم لا يوجب بقاءه، وإنما قال: "بمنزلة أعراض" ولم يقل: " لأن ذلك أعراض تحدث "؛ لما أن الأعراض حقيقة إنما تطلق في الإصطلاح على المعاني التي تقوم في الأعيان كالسواد، والبياض، والحركة، والسكون.
وأما البقاء في العين الباقي فمعنى راجع إلى ذات العين، إلا أن ذلك معنى أيضا يقوم بالعين الباقي فكان بمنزلة العرض الذي هو غير راجع إلى ذات العين بل مغاير له من كل وجه.
(فلا يصح أن يكون وجود شيء علة لوجود غيره) وهو البقاء الذي
(4/1782)

هو العرض.
(ألا ترى عدم الملك لا يمنع الملك) ولوكان الموجب للعدم موجبا للعدم أيضا في ثاني الحال لما صح تملكه في ثاني الحال، وكذلك في عكسه (إن وجود الملك لا يمنع الزوال)، ولو كان الموجب للوجود موجبا للبقاء في الزمان الثاني لمنع الموجب للزوال عن إزالته.
(إنما صح لما ذكرنا) وهو ان الدليل الموجب لحكم لا يوجب بقاءه؛ وهذا لأن النسخ إنما صح في حال البقاء لا في حال الثبوت؛ لأن النسخ رفع والرفع إنما يرد على الثابت لا على حال الثبوت.
(لم تحتمل النسخ لبقائها) أي لبقاء دلائل الشرع (بدليل موجب) أي موجب للبقاء؛ لأن إزالة البقاء إنما تكون بالنسخ، وشرط صحة النسخ بقاء النبي عليه السلام، وثبت ختم النبوة بنبينا عليه السلام بالدليل القطعي، وهو
(4/1783)

قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)
فثبت أن بقاء دلائل الشرع كان بدليل قطعي موجب للبقاء، فلم يكن ذلك علينا حجة؛ لأن كلامنا في موجود لم يقم فيه دليل يوجب بقاءه كما في براءة الذمة عن الدين، وبقاء ثبوت الملك للشفيع الذي يطلب الشفعة بملك مافي يده.
(وكذلك الأمر المطلق في حياة النبي عليه السلام) أي الأمر المطلق في حياة النبي عليه السلام في بقائه نظير حياة المفقود من هذا الوجه، إلا أن الفرق بينهما أن المفقود لم يجعل حيا في مال قريبه الذي مات؛ لأن الدليل لم يوجد
(4/1784)

في حق حياته في الحال بخلاف النص وقت حياة النبي عليه السلام للحكم قطعا.
وإن احتمل النسخ مالم يعلم الناسخ؛ لأن الإبتلاء أصل في الأحكام الشرعية، والتكليف كان ثابتا بالنص، ومالم يعلم انتساخه بالدليل القطعي لم يرتفع التكليف عن المكلف بخلاف مال القريب المفقود؛ فإنه لم يكن ملكا له فلا يكون له أيضا ملكا باحتمال بقاء حياته، فكانا على طرفي نقيض.
وكذلك الأمر المطلق- إلى قوله: (يحتمل التوقيت) فإنه لو ورد الأمر من الشارع بقوله: فإن شرعية هذا الأمر إلى سنة أو سنتين بتبين مدة شرعية لكان جائزا.
ألا ترى أنه جاء التوقيت مجملا كما في قوله تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) أي: القتل والسبي.
وكذلك قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) إلى قوله (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أي: مخرجا بالرجم أو بالجلد، بخلاف البيع والشراء؛ لأنه لا يجوز التوقيت فيه لا مجملاً ولا مفسرًا.
(4/1785)

(وكذلك حكم الطهارة وحكم الحدث لا يحتمل التوقيت)، فكان نظير الملك بالشراء، فإنه لا يجوز في الشراء أن يقول: اشتريت هذا العبد إلى سنة أو إلى سنتين، وكذلك في الطهارة لايجوز أن يقول: جعلت طهارتي هذه إلى وقت الظهر أو نحوه.
(إنه صحيح) أي إن شراءه صحيح (على اختلاف الأصلين).
أما على أصلنا (فلأن قول كل واحد منهما لا يعدو قائلة فلو لم يجز البيع لعدا قائله) وهو البائع؛ لأن قول كل واحد منهما حجة في حق نفسه، فإقرار المشتري بأنه حر لايظهر في حق البائع ولا يقال: إنه لو جاز لعدا قائله، وصار قول البائع: إنه عبد حجة على المشتري؛ حيث نفذ البيع ووجب على المشتري الثمن؛ لأنا نقول ليس كذلك، لأنه إنما يكون كذلك أن لو بقى العبد ملكا للمشتري بل إنه حر، فعلم أن قول البائع لم يظهر في حقه.
وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: الشاهد بعتق العبد على مولاه إذا اشتراه صح الشراء ولزمة الثمن؛ لأن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم
(4/1786)

يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره، فيجوز له الإعتياض عنه بالبيع من الشاهد، وإن كان زعم الشاهد معتبرا في حق الشاهد، حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهة المشتري؛ حتى لا يكون ولاؤه له.
وقوله: (فصار حجه على خصمه) وهو المشتري حيث يثبت رقبته في حق المشتري ثم يعتق.
وقوله: (لأن من الغايات ما تدخل) أي في حكم المغيا، نحو قوله
(4/1787)

تعالى: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) فإن المسجد الأقصى دخل تحت الإسراء، وكذلك قوله تعالى: (وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وقول من قال: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، والكلام مسوق لحفظ القرآن كله فكان داخلا.
(ومنها ما لا تدخل) نحو قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) وقوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)
(لأن الشك أمر حادث فلا يثبت بغير علة) يعني أن كل حادث يفتقر إلى السبب، والشك حادث فلا يثبت بغير سبب، وما قاله زفر لا يصلح سببا للشك، لأن مايدخل من الغايات في المغيا دخل بدليل، ومالا يدخل لا يدخل بدليل، فلا يصلح هذا متعارضا في غسل المرافق؛ لأن في غسل المرافق التعارض غير موجود؛ لأن شرط التعارض إتحاد المحل كما في سؤر الحمار فوقع التعارض هناك ولم يكن الترجيح فوقع التعارض من هناك ولم يكن الترجيح فوقع الشك ولا كذلك ههنا، (ولأنه يقال له: أتعلم أن هذا من أي القسمين؟)
(4/1788)

وقال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-: قلنا له: هل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل، فإن قال: أعلم ذلك، قلنا: فإذن عليك ألا تشك فيه بل تلحقه بما هو من نوعه بدليل، وإن قال: لا أعلم ذلك.
قلنا له: قد اعترفت بالجهل، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه، وذلك لا يكون حجة أصلا، وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه، ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عند دليل إلحاقه بأحد النوعين، فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل.
(وهذا ليس بتعليل لا ظاهرا) أي طردا (ولا باطنا) أي مؤثرا (ولا رجوعا إلى أصل) أي ليس له مقيس عليه، وقيل: لا ظاهرًا أي لا قياساً
(4/1789)

جليًا ولا باطنًا أي لا قياسا خفيا، وهو المسمى بالإستحسان، فالقياس متنوع إلى هذين النوعين، فما كان خارجا عنها لا يكون قياسا.
وقوله: (ولا رجوعا إلى الأصل)؛ لأنه قال: كما إذا مسه وهو يبول فجعل نفس مس الذكر مقيسا، وجعل مس الذكر مع وصف آخر مقيسا عليه وهو الأصل، وبذلك الوصف يقع الفرق بين الأصل والفرع فلم يبق إلا قياس مس الذكر بمس الذكر، فصار كأنه قال: مس الذكر فينقض طهارته كما إذا مس الذكر وهذا باطل.
(وكذلك) هذا التقرير في قولهم (لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب كما إذا أدى بعض بدل الكتابة)؛ لأن بهذا الوصف وهو أداء بعض البدل وقع الفرق بين المتنازع وبينه، فلم يبق إلا قوله: لا يجوز التكفير بتحرير المكاتب؛ لأنه مكاتب وهو معنى قول المصنف -رحمه الله- (فلا يبقى إلا
(4/1790)

الدعوى).
وأما الاحتجاج بوصف (مختلف فيه فمثل قولهم فيمن ملك أخاه) أنه لا يعتق؛ (لأنه شخص يصح التكفير بإعتاقه فلا يعتق كابن العم).
قلنا: هذا وصف مختلف فيه فلا يصح الاحتجاج به على الخصم، فإن التكفير بتحرير الأب يصح ومع ذلك يعتق عندنا، وفي الأخ ماقال من صحة التكفير بتحريره لا نقول كذلك فإن عنده صحة التحرير بعدما ملكه، فإن عنده الأخ لا يعتق بالملك؛ فلذلك يصح تكفيره بالإعتاق باختياره.
(4/1791)

وعندنا لا يصح اعتاقه بهذا الوصف، فإنه يعتق قبل أن يعتقه كما ملكه جبرا بدون اختيار المشتري، وكون الوصف مختلفا فيه وهو أنه جعل صحة التكفير بإعتاقه وصف عدم العتق بالملك، فكان فيه إشارة إلى أن عدم صحة التكفير بالإعتاق علة إثبات العتق بالملك، وعندنا في العتق بالملك لا يحتاج إلى هذا الوصف، فكان وصف العتق بالملك مختلفا فيه.
وكذلك في المسألة الثانية جعل صحة التكفير بالإعتاق علة فساد الكتابة، فكان فيه إشارة إلى أن الكتابة إنما تصح إذا لم يصح التكفير بإعتاقه، وعندنا لا يشترط لصحة عقد الكتابة عدم صحة التكفير بالإعتاق، بل يصح عقد الكتابة مع أن التكفير صحيح بإعتاقه ...
(فكان شرطا لجواز الصلاة كالثلاث) أي ثلاث آيات عندهما شرط جواز الصلاة، فيجب أن يكون سبع آيات وهي الفاتحة شرط جواز الصلاة
(4/1792)

أيضًا؛ لما أن بين الثلاث والسبع مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو صوم المتعة، فإن المتمتع أو القارن إذا لم يجد الهدي صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
(ولأن الثلاث أحد عددي مدة المسح) إلى آخره. بهذا التعليل يحتج الشافعي على أبي يوسف ومحمد -رحمهم الله- ويقول: الثلاث أحد عددي مدة المسح، فلا تصح به الصلاة كالواحدة. يعني أجمعنا واتفقنا معا أن الآية الواحدة لا تجوز بها الصلاة، فيجب ألا تجوز الصلاة بثلاث آيات أيضا؛ لما أن بين عدد الثلاث والواحدة مناسبة وتعلقا في مشروع من العبادات وهو مدة المسح، فإن مدة مسح المسافر ثلاثة أيام ومدة مسح المقيم يوم واحد، فكان حكم الثلاث كحكم الواحدة، فلما لم تجز بالواحدة وجب ألا تجوز بالثلاث، (ولأن الثلاث أو الآية) إلى آخره. يحتج بهذا التعليل الشافعي
(4/1793)

على أبي حنيفة -رضي الله عنه- على معنى أن كلا من ثلاث آيات أو آية واحدة ودون الآية ناقص عن السبع في العدد، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن عدد السبع، فكان بينهما مناسبة من حيث النقصان عن عدد السبع، فلما لم تجز بما دون الآية بالإتفاق وجب ألا تجوز أيضا بثلاث آيات أو آية واحدة.
(ولأن هذه عبادة) والإشارة إلى الصلاة، يعني ينبغي أن يكون لها سبع آيات وهي الفاتحة من أركان الصلاة، كما أن سبعة أشواط من الطواف من أركان الحج.
(4/1794)

(لأن لا دليل بمنزلة لا رجل في الدار، وهذا لا يحتمل) يعني أن قوله: لا رجل في الدار يدل على نفي الرجل في الدار، وكذلك في نظائره أن قوله: "لادليل" يدل على انتفاء الدليل على ما هو موضوع النفي، فيستحيل أن يدل قوله: "لا دليل" على وجود الدليل؛ إذ لو دل ذلك عليه لدل قوله: لا رجل في الدار على وجود الرجل فيها إذ لا فرق بينهما، وفي ذلك إبطال الحقائق وإبطال الوضع.
فإن قلت: ليس المراد من قلهم: "أن لادليل" حجة للنافي أن يدل قولهم: لا دليل على وجود، بل المراد منه أن النافي لا يحتاج إلى إقامة الدليل على ما أدعاه من النفي، فيثبت النفي بدون إقامة الدليل عليه فلما ثبت ما ادعاه بدون إقامة الدليل عليه كان هو بمنزلة الدليل.
وهذا لأن الدليل إنما يحتاج إليه لإثبات المدعي فلما ثبت مدعاه بهذا القدر سماه دليلا، ثم إنما لا يحتاج النافي إلى إقامة الدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر الدليل المغير طريق في الشرع.
(4/1795)

ولهذا جعل الشارع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر؛ لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده، وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل، وهذا مؤيد بالنص في أقوى المناظرة وهو إثبات التوحيد خيث علمنا الله تعالى الإحتجاج فيه بلا دليل علي نفي الشرك بقوله: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) قلت: لا يصح هذا التأويل منهم أيضا؛ لأن النفي من النافي دعوى شيء وهو أمر وجودي فلا بد له من دليل وجودي عليه.
والدليل عليه قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ
(4/1796)

نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فقد علم الله تعالى رسوله مطالبة النافي بإقامة البرهان وهو اسم للدليل الوجودي، وذلك تنصيص على أن قولهم: "لا دليل" لا يكون حجه.
وأما ما قالوا من مسألة المدعي والمنكر فهو دليلنا، فإن الشارع لم يجعل مجرد إنكار المدعي عليه حجه له على المدعي بوجه ما، حتى إنه بعدما حضر مرة وجحد وطلب المدعي من القاضي إحضاره مرة أخرى أحضره القاضي، وإذا طلب المدعي أن يكفله بنفسه أو بالعين الذي فيه الدعوى أجبره القاضي على ذلك، وإذا طلب يمينه حلفه على ذلك، فلو كان " لا دليل " حجة للنافي على خصمه أو بمنزلة الحجة له لم يبق للمدعي عليه سبيل بعد إنكاره.
فأما جعل الشرعه القول في المنكر، فذلك باعتبار دليل من حيث الظاهر وهو أن المدعي به عين في يده واليد دليل الملك ظاهرا، أو دين في ذمته وذمته بريئة ظاهرا، ومع هذا قوله: لا يكون حجمه على خصمه وإن حلف حتى لا يصير المدعي مقضيا عليه بشيء فإنه لو أتى ببينة بعد تحليف المدعي عليه جاز للقاضي أن يقضي له، ولكنه لا يعترض له ما لم يأت بحجة يثبت بها الحق عليه.
وأما ما ذكروا من النص فإن الله تعالى عالم بالأشياء كلها لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يخفي عليه خافية فإخباره أنه لا برهان لمن يدعي الشرك حصل
(4/1797)

لنا علم اليقين بأنه لا دليل على الشرك بوجه، فكان هو بمنزلة قوله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.
ثم نقول لهذا القائل: قولك: " لا دليل " شيء نقوله عن علم أو لا عن علم؟ فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل، وإن زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقال: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطوا بِعِلْمِهِ) الآية، فما يكون مذموما منهيا عنه نصا كيف يصلح أن يكون حجة على الغير؟ إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-.
(ولا يلزم ما ذكر محمد -رحمه الله-) إلى آخره لما قال محمد: لا خمس في العنبر.
قيل له: لم قال: لأنه بمنزلة السمك؟ قيل له: وما بال السمك لم يجب فيه الخمس؟ قال لأنه بمنزلة الماء، وهو إشارة إلى مؤثر، فإن الأصل في
(4/1798)

خمس الغنائم، وإنما يجب فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة.
والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط؛ لأن قهر الماء يمنع قهر آخر على ذلك الموضع، ثم القياس ألا يجب الخمس في شيء، وإنما يجب الخمس في بعض الأموال بالأثر، فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ بالقياس، فكان هذا احتجاجا بالقياس، إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة -رحمه الله-.
فعلم بهذا أن ما ذكره محمد -رحمه الله- احتجاج بالقياس لا احتجاج بلا دليل.
فإن قلت: لو نظرنا إلى ما ذكرته كان احتجاجا بالدليل، ولو نظرنا إلى قوله: "ولم يرد فيه آثر " كان احتجاجا بلا دليل، فلم رجحت جانب ما يدل على الدليل على جانب ما يدل على غير الدليل؟
(4/1799)

وقوله: (ولهذا صح هذا النوع من صاحب الشرع)، فالمراد بصاحب الشرع الله تعالى لا النبي عليه السلام، قلت: ترجيحا لجانب الموجود على المعدوم؛ لأن القياس موجود في الحال، والأثر الذي يوجب الخمس غير موجود في الحال، فلا يجوز ترك الدليل الشرعي الذي يوجب الععمل في الحال لأجل دليل معدوم يحتمل أن يوجد في ثاني الحال.
بدليل قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) وكذلك قوله: (إذ لا يجري عليه السهو ولا يوصف بالعجز) دليل على ما قلت، لأن النبي عليه السلام يجري عليه السهو.
وأولى الدليل فيه قوله: (فأما البشر) ألى آخره، فإنه دليل قاطع على ماقلت؛ لأن النبي عليه السلام بشر، ومن ادعى أنه يعرف كل شيء نسب إلى السفه أو العته، وكيف يتمكن أحد من هذه الدعوى مع قوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا).
وإذا علمنا يقينا أن المحتج بلا دليل لم يبلغه جميع أنواع العلم عرفنا أن
(4/1800)

استدلاله بما لم يبلغه على الخصم باطل، ولهذا صح هذا النوع من الاحتجاج فيما نص الله تعالى عليه؛ لأن الله تعالى عالم بالأشياء كلها قال الله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) الآية.
(4/1801)

باب حكم العلة
لما ذكر ركن القياس وما يتعلق به شرع في بيان حكم القياس؛ لأن حكم الشيء أثر ذلك الشيء، والأثر أبدا يعقب المؤثر، (وقد ذكرنا أن التعدية حكم لازم عندنا) أي في بيان النوع الثالث من شروط القياس والتعليل للأقسام الثلاثة الأول، وهي: إثبات الموجب أو وصفه، وإثبات الشرط أو وصفه، وإثبات الحكم أو وصفه.
(4/1802)

فإن قلت: هذا الذى ذكره يؤدي إلى سد باب القياس؛ لأن القياس شرعا إنما يجري فى هذه الأشياء الثلاثة، ولما لم يجز فى هذه الأشياء لم يبق موضع شرعي يجري فيه القياس، فحينئذ كان هذا قولا بأنه لا يجري القياس شرعا فى شيء من المواضع مع أن الأقيسة جرت في هذه المواضع.
أما فى إثبات الموجب بالقياس فهو فيمن شرع في صلاة التطوع أو في صوم التطوع يلزمه الإتمام، ولو أفسد يجب عليه قضاؤه عندنا خلافا للشافعى.
وقد قال فيه مشايخنا بالقياس، وقالوا: أن الشارع باشر فيه فعل قربة مقصودة فيجب عليه إتمامه ويلزمه القضاء بالإفساد كمن أحرم لحج التطوع.
وأما في إثبات الشرط بالقياس فقد قال مشايخنا في وجوب الوضوء في الفصد أو الحجامة: إنه خارج نجس وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فكان كالخارج من السبيلين.
(4/1803)

وأما في إثبات الحكم بالقياس فقد قال مشايخنا- رحمهم الله- في جواز دفع القيم فى الزكاة: إنه ملك الفقير ملا متقوما بنية الزكاة فيجوز. كما لو أدى بعيرا عن خمس من الإبل، فعلم بهذا أن الأقيسة تجرى فى هذه المواضع.
قلت: هذا الذي أوردته من النظائر هى نظائر القسم الرابع ولا كلام فى صحته، وإنما الكلام فى القياس فى هذه المواضع ما إذا قال فيه بالرأي من نفسه من غير أن يكون له أصل يقيس عليه ما وقع فيه النزاع بعلة جامعة بينهما.
وأما إذا كان لما وقع فيه النزاع معنى معلوم يجمعهما فيقيس المعلل عليه بشرائطه المذكورة كان قياسا صحيحا جائزا سواء كان ذلك في إثبات الموجب أو وصفه، أو في إثبات الشرط أو وصفه، أو في إثبات الحكم أو وصفه لوجود ما يصح فيه القياس على ما يجيء فى آخر هذا الباب بقوله: ((وإنما أنكرنا هذه الجملة إذا لم يوجد له فى الشريعة أصل)) إلى آخره.
(إنما يجب الكلام فيه) أي في إثبات الموجب (بإشارة النص أو دلالته أواقتضائه).
(4/1804)

فإن قلت: لو ثبت الموجب بهذه الأشياء كان الحكم الموجب فيه قطعيا لما أن الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه قطعي على ما مر في باب وجوه الوقوف على أحكام النظم، والكلام هنا في القياس لا في الإشارة والدلالة والاقتضاء، وقد ذكرت نظير جريان القياس في الموجب بدون أن يثبت بإشارة النص وأختيها فكيف حصر ثبوت الموجب بهذه الأشياء الثلاثة مع ثبوته بالقياس؟
قلت: الحكم الثابت بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه هنا غير الحكم الثابت بتلك الأشياء الثلاثة في باب وجوه الوقوف على أحكام النظم، فإن الأحكام ثبتت هناك بمحض إشارة النص أو دلالته أو اقتضائه من كل وجه من غير شائبة غموض فيه، بل ثبتت بتلك الأشياء صريحا.
وأما ههنا فيثبت الموجب أو الشرط أو الحكم بنوع إشارة النص أو نوع دلالته أو نوع اقتضائه لا مطلقا.
ألا ترى أنه كيف أثبت موجب حرمة النسيئة بدلالة النص التي فيها غموض وخفاء لا يدركه بعض الفقهاء مع أن الحكم الثابت بدلالة النص هو ما يدركه الفقيه وغير الفقيه لوضوحه وإنارته.
وأما ما ذكرته من نظير إثبات الموجب بالقياس فأصله مستند إلى النص
(4/1805)

وهو قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، ولأن الحكم الذي ثبت هنا بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه ذلك النص هو النص الذي كان ثبوته غير قطعي بدلالة ما أورده من النظائر، بخلاف الأحكام الثابتة بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه في باب وجوه الوقوف.
ألا ترى أن الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ذكر عبارة النص هنا أيضا مع تلك الثلاثة فقال: وإنما طريق إثبات الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته أو مقتضاه- إلى أن قال -: وإنما أثبت أبو حنيفة -رحمه الله - ذلك أي أن الوتر بمنزلة الفريضة بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام: ((إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر)).
ثم قال: فكذلك طريق إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته.
وهو أنه قد ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا بالعقد، وباشتراط الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول فى أحد الجانبين، ولم يسقط اعتباره بالنص؛ لكونه حاصلا بصنع العباد بخلاف صفة الجودة فإنها يسقط اعتبارها بالحديث وهذا ليس
(4/1806)

في معناه فلا يلحق به، وبما أورده شمس الأئمة- رحمه الله- من هذا الكلام هنا يعلم ما ذكرته من المعنيين:
وهو أن الدلالة التي ذكرت هنا ليست كدلالة النص التي مر ذكرها في الوضوح.
والثاني: إن المراد من النص النص الذي هو غير قطعي في إيجاب الحكم.
وقوله: (بما ذكرنا) إشارة إلى قوله: ((بإشارة النص أو دلالته أو اقتضائه)) ثم ذكر في (مسألة الجنس) بالدلالة (محرما بما ذكرنا من العلة) أي إذا كان القدر والجنس موجودين تثبت حرمة حقيقة الفضل، فكذلك في مسألتنا ينبغي أن تثبت بدلالته حرمة شبهة الفضل وهو فضل النقد على النسيئة.
فإن قيل: الفضل من حيث النقدية فضل من حيث الوصف فيجعل عفوًا
(4/1807)

كالفضل من حيث الجودة.
قلنا: بلى لكن حصل فضل النقدية بصنعنا فيمكن الاحتراز عنه.
أما الفضل من حيث الجودة فضل حصل بصنع الله تعالى من غير واسطة فعل العباد فلا يمكن الاحتراز عنه فيجعل عفوا؛ لأنا لو اعتبرنا صفة الجودة لا يمكن المساواة في الكيل.
(وقد وجدنا في النسيئة) أي في عقد النسيئة بالنقد (شبهة الفضل وهو الحلول المضاف إلى صنع العباد) وهو النقد، وقد وجدنا شبهة العلة، وذلك لأن علة الربا القدر مع الجنس وبالقدر مع الجنس تثبت المماثلة صورة ومعنى.
وهو المراد بقوله عليه السلام: ((مثلا بمثل)) فبوجود أحد هذين الوصفين تثبت المماثلة، إلا إن المدلول في عقد النسيئة بالنقد غير ثابت؛ لأن المماثلة لم توجد على الكمال وهو المراد بالنص، فكان عند وجود أحدهما وجود شبهة العلة فتثبت حرمة شبهة الفضل ضرورة.
ولا يقال بأن حقيقة الفضل لا تحرم عند وجود أحد الوصفين فلا تحرم الشبهة بدلالة النص؛ لأننا نقول هذا الذي ذكرته نوع دلالة على الحل وما ذكرناه نوع دلالة على الحرمة فرجحنا جانب الحرمة بالنص، ولأن فيما ذكرنا رعاية المناسبة بين العلة وحكمها؛ إذ إثبات أحد جزئي الحكم الذى هو مناسب لأحد جزئي العلة من المناسبة. بيان ذلك بتمامه مذكور في
(4/1808)

((الوافي))
(فأثبتناه بدلالة النص)؛ لأن النص يدل على ثبوت الحكم عند وجود العلة، وقد وجدت العلة على ما ذكرنا من التفسير فكان ثابتا بدلالة النص.
(4/1809)

(وأما صفة السبب) أي صفة الموجب (فمثل صفة السوم في الأنعام أيشترط للزكاة أم لا؟) فعند مالك لا يشترط، وعندنا يشترط، وهو يتمسك بظاهر إطلاق قوله عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة (). ونحن نتمسك بما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما: أن رسول الله عليه السلام قال: ((ليس في الحوامل والعوامل صدقة)).
(ومثل صفة الحل في الوطء لإثبات حرمة المصاهرة) عندنا ليس بشرط وعند الشافعي شرط فإنه يتمسك بقوله عليه السلام: ((الحرام لا يحرم
(4/1810)

الحلال)).
ونحن نتمسك بقوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) فالنكاح للوطء حقيقة، فتكون الآية نصا في تحريم موطوءة الأب على الابن، فالتقييد يكون الوطء حلالا زيادة فلا تثبت هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس.
(في صفة القتل الموجب للكفارة)، فعندنا صفة القتل الموجب للكفارة الخطأ لا غير، وعند الشافعي القتل مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ، وهو يتمسك ههنا بدلالة النص ويقول: لما أجمعنا بوجوب الكفارة في القتل الخطأ مع قصوره في الجناية كان وجوب الكفارة في القتل العمد أولى لكماله في الجناية، ونحن نتمسك بقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، وبقوله عليه السلام: ((خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وذكر منها- القتل العمد)).
وكذلك مثل هذا التمسك من الجانبين في صفة اليمين الموجبة للكفارة، وهو يتمسك في وجوب الكفارة في الغموس بدلالة النص، ونحن نتمسك
(4/1811)

في عدم وجوبها بهذا الحديث
(ومثل صوم الاعتكاف) ففي الاعتكاف الواجب عند علمائنا الثلاثة -رحمهم الله- يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، وعند الشافعي لا يشترط. هو يتمسك بما روى عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (ليس على المعتكف صوم)
ونحن نتمسك بما روى عن ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهم - أنهما قالا: ((لا اعتكاف الا بصوم))
وأما إذا كان الاعتكاف تطوعا ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله -: لا يكون الا بالصوم ولا يكون أقل من يوم لإطلاق الحديث، فكان الصوم للاعتكاف كالطهارة للصلاة.
(4/1812)

وفي ظاهر الرواية يجوز النفل من الاعتكاف من غير صوم؛ لأن مبنى النفل على المساهلة والمسامحة حتى تجوز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام وراكبا مع القدرة على النزول وفي الواجب لا يجوز.
هذا كله من ((المبسوط)) وكذلك فى غيرها كل واحد من الطرفين يتمسك في مثل هذه الصور في تقرير مذهبه إما بالنص أو بإشارته أو بدلالته أو باقتضائه.
(ومثل الشهود في النكاح) فعند مالك لا يشترط وعند عامة العلماء يشترط.
(ومثل شرط النكاح لصحة الطلاق) فعند الشافعي شرط حتى إذا خالعها ثم طلقها فى العدة لا يقع عنده، وعندنا يقع، وكذلك النكاح ليس بشرط لصحة تعليق الطلاق بالنكاح عندنا، وعند الشافعي شرط صحة التعليق بالشرط النكاح.
(4/1813)

(فمثل اختلافهم في الركعة الواحدة) أى البتيراء؛ فإنها ليست بصلاة مشروعة عندنا، وعند الشافعي مشروعة.
(وفي صوم بعض اليوم) أي الصوم النفل ببعض اليوم مشروع أم لا؟ فعند الشافعي مشروع حتى صحت نيته بعد الزوال عنده.
(4/1814)

(وفي حرم المدينة) فعند الشافعي للمدينة حرم، وعندنا لا حرم لها حتى حل صيدها، وقطع أشجارها عندنا وعنده لا يحل، (فمثل الاختلاف في صفة الوتر) أنه سنة أو واجب؟ (وفي صفة الأضحية) أنها سنة أو واجبة؟
(وفي صفة حكم الرهن بعد اتفاقهم أنه وثيقة لجانب الاستيفاء)، فعندنا هو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، وعند الشافعي هو أمانة ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه.
(وكاختلافهم في كيفية وجوب المهر) فعندنا في عقد النكاح بغير تسمية
(4/1815)

المهر يجب مهر المثل بنفس العقد.
وعند الشافعي في أحد قوليه لا يجب المهر بنفس العقد، وإنما يجب المهر بالفرض بالتراضي أو بقضاء القاضي، وحتى إذا مات أحدهما قبل الدخول فلا مهر لها عنده، ومشايخهم يختلفون ف يما إذا دخل بها فأكثرهم على أنه يجب المهم بالدخول، ومنهم من يقول: لا يجب بالدخول أيضًا. والمسألتان الأخيرتان وهما مسألة الرهن والمهر في "المبسوط".
(ولا يلزم اختلاف الناس بالرأي في صوم يوم النحر).
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: قلنا: لأنا وجدنا أصلًا متفقا عليه في كون الصوم مشروعًا فيه وهو سائر الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله على الفرع، ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعني في صفة هذا اليوم، وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الأصل
(4/1816)

مشروعًا، أو في رفع المشروع وانتساخه، وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا.
(ألا ترى أنهم اختلفوا في التقابض في بيع الطعام بالطعام) إنما أطلق الطعام ليكون متناولًا للطعامين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين، فالخلاف فيهما واحد. ذكر هذه المسألة في "المبسوط" في الباب الأول من كتاب البيوع بعد ستة وثلاثين ورقا فقال: وإذا اشترى طعامًا بطعام مثله وترك الذي اشترى ولم يقبضه حتى افترقا فلا باس به عندنا.
وعند الشافعي- رحمه الله- يبطل العقد، والتقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام ليس بشرط سواءً كان من جنسه أو من خلاف جنسه عندنا، وعند الشافعي شرط، فقال: إن العقد جمع بين البدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عينا يحرم التفاضل بينهما فيشترط فيه القبض في المجلس كبيع الذهب بالفضة.
وقلنا: إن القبض حكم العقد فلا يشترط اقترانه بالعقد كالملك، فإن
(4/1817)

الملك يجوز أن يتأخر عن حالة العقد بخيار الشرط أو نحوه.
(كما في سائر السلع)، فلما كان للذي ذكر من الدعوى أصل مقيس عليه، وله علة جامعة بينه وبين المقيس جاز القياس فكان هو حينئذ نظير القسم الرابع، فالمنصف- رحمه الله- ذكر نظير القسم الرابع في مسألة التقابض في بيع الطعام بالطعام.
والإمام شمس الأئمة- رحمه الله- ذكره في الاختلاف في مسح الرأس ف قال: وأما بيان القسم الرابع، فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه؟ فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونًا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه، ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونًا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين.
ثم الكلام يقع بعد ذلك في الترجيح، وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في الصوم، فإن هناك أصلًا متفقًا عليه يتأدى به الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين مشروع في وقته فيمكن تعليل ذلك
(4/1818)

لتعدية الحكم به إلى الفرع، وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين، ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك.
(فاقتصرنا على الإشارة إلى الجمل) أي إلى هذه الجملة التي ذكرنا.
(وأما النوع الرابع) وهو النوع الرابع الذي ذكر في أول هذا الباب بقوله: والرابع هو تعدية حكم معلوم بسببه وشرطه بأوصاف معلومة.
(فعلى وجهين في حق الحكم)، وإنما انحصر على هذين الوجهين، لأن الحكم إذا تعلق بالمعنى فلا يخلو إما أن يكون المعني جليًا أو خفيًا، فإن كان جليًا سميناه قياسًا، وإن كان خفيا سميناه استحسانا، وهذا.
(4/1819)

باب بيان القياس والاستحسان
(وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسيين)، وإنما قال ذلك ردًا لتشنيع من
(4/1820)

...............
(4/1821)

لا وقوف له على ما أراد بهذا اللفظ علماؤنا- رحمهم الله-، فقال إذا كان العمل بالاستحسان هو الأولى دون القياس كان القياس باطلًا في حق العمل بمقابلته، فبعد ذلك كيف يصح قولكم: القياس حجة؟
ورد هذا التشنيع بهذا فقال: "إن الاستحسان أحد القياسيين" لكن أحدهما أقوى من الآخر بقوة أثره، فالعمل بالأقوى لا يدل على أن الآخر ليس بحجة أصلًا. ألا ترى أن النصين إذا تعارضا وأحدهما أقوى لمعني فيه لكونه محكمًا أو مفسرًا فالعمل به أقوى، وهو لا يدل على أن الظاهر أو النص لا يكون حجة، ف كان عملنا في هذين القياسيين بمنزلته، فبطل تشنيع هذا المشنع، وتمام هذا يذكر ف ي آخر الباب.
(لكنه سمي استحسانًا إشارة إلى أنه الوجه الأولى في العمل به، وأن العمل بالآخر جائز كما جاز العمل بالطرد وإن كان الأثر أولى منه)، وهذا الذي ذكرنا إنما يتحقق فيما إذا عارض الاستحسان قياسًا في مسألة واحدة كان العمل بالاستحسان أولى، كما يقال: التوضؤ بسؤر الهرة جائز، والترك أولى، والعلم بالعلل الطردية جائزة، وإن كان العمل بالعلل المؤثرة أولى.
وهذا الذي ذكره هاهنا خلاف ما اختاره الإمام شمس الأئمة السرخسي
(4/1822)

- رحمه الله- في الظاهر فقال: وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان، وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر، قال: العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائز، ثم قال: قال- رضي الله عنه-: وهذا وهم عندي، فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل: إلا أنا ركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به، وتارة يقول: إلا أني أستقبح ذلك، وما يجوز العمل به من الدليل شرعًا فاستقباحه يكون كفرًا.
فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلًا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان، وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة، ولكن باعتبار سقوط الأضعف بالأقوى أصلًا.
وقد قال في كتاب السرقة: إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة، وفي الاستحسان يقطعون جميعًا.
وقال في الحدود: إذا اختلف شهود الزنا في الزاويتين في بيت واحد في القياس لا يحد المشهود عليه، وفي الاستحسان يقام الحد، ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة.
وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تصحح ردة الصبي
(4/1823)

استحسانًا، ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة ترجيح الموجب للإسلام، وإن كن هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة، وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب للإسلام، فعرفنا أن القياس متروك أصلًا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان، وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين، لا أن بينهما معارضة في موضع واحد، وعن هذا قال بعضهم بالتوفيق بينهما.
وأول ما ذكره فخر الإسلام- رحمه الله- فقال: لا تتعارض بين القياس والاستحسان في الحقيقة، لأن القياس أضعف والاستحسان أقوى، والأضعف لا يعارض الأقوى، فصار الأضعف بمنزلة المعدوم.
ويجوز أن يكون المصنف- رحمه الله- أراد بما ذكر: "أن العمل بالقياس جائز" أي عند سلامته عن معارضة الاستحسان، وعنى بالجائز الواجب، لأن القياس إذا انفرد عن معارضة الاستحسان كان العمل بالقياس واجبًا، وعنى بقوله: إلا أنه مقدم على القياس عند وجودهما، وكذلك هذا في الطرد مع الأثر، إذا لم يعرض الأثر الطرد يجوز العمل بالطرد عند العجز كما يجوز باستصحاب الحال عند الضرورة.
(4/1824)

والدليل على أن المراد هذا ما ذكره بعد هذا بأسطر بقوله: فسقط حكم القياس بمعارضة الاستحسان. بقولة: ف صار هذا باطنًا ينعدم ذلك الظاهر. أي دليل القياس في مقابلته فسقط حكم الظاهر لعدمه، فلما كان دليل القياس منعدمًا وساقطًا في مقابلة دليل الاستحسان لم يكن معارضًا للاستحسان في الحقيقة، فكان العمل بالقياس متروكًا أصلًا، لا أن يكون جائزًا عند وجود دليل الاستحسان.
وقوله: (وهو الاستصناع) والقياس يأبى جواز الاستصناع، لأن المستصنع فيه مبيع وهو معدوم وبيع المعدوم لا يجوز، ولو كان موجودًا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه، فإذا كان معدومًا أولى، ولكنا تركنا القياس لتعمل الناس فيه إلى آخر. كذا ذكره في "المبسوط".
وصورته هي ما ذكر في "الوافي" رجل جاء إلى إنسان فقال له: اخرز لي خفًا من جلدك صفته كذا، وقدره كذا بكذا درهمًا، وسلم إليه الدراهم أولم يسلم فإنه يجوز للتعامل فيه.
(4/1825)

(وسمينا الذي قوى أثره استحسانًا)، لأنه هو الأولى بالعمل به، (وقدمنا الثاني) أي الاستحسان.
(الجلاء) - بالفتح والمد- الأمر الجلي يقول منه: جلا لي الخبر أي وضح، وقول زهيرة:
فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو شهود أو جلاء
ويريد الإقرار. كذا في الصحاح.
وقوله: (والصفوة)، لأنه خالص عن شوب المحنة.
(4/1826)

(لعدمه) أي لعدم حكم القياس، لأن المغلوب في مقابلة الغالب معدوم.
(وفي الاستحسان هو طاهر) أي سؤر سباع الطير (طاهر بدليل جواز الانتفاع به شرعًا) كالكلب للاصطياد والحراسة، ولو كان حرامًا الانتفاع بعينه لحرم الانتفاع بعينة بقوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس).
(فأثبتنا حكمًا بين حكمين) أحد الحكمين كونه نجسًا لا بطرقي المجاورة والآخر كونه طاهرًا، فالحكم بين الحكمين (النجاسة (المجاورة، فتثبت صفة النجاسة في رطوبته) أي في رطوبة سؤر سباع البهائم.
(4/1827)

(والعظم طاهر بذاته خال عن مجاورة النجس)، لأن منقارهم عظم جاف ثم تأيد هذا بالعة المنصوص عليها في الهرة، فإن معني البلوي يتحقق في سؤر سباع الطير، لأنها تنقض من الهواء، ولا يمكن صون الأواني
(4/1828)

عنها خصوصًا في الصحاري.
(مثاله) أي مثال القياس الذي عمل به علماؤنا- رحمهم الله- وإنما ذكر جواز السجدة بالركوع قياسًا وعدم الجواز استحسانًا، لأن القياس الجلي يسمي قياسًا، وهو موجودًا هاهنا وهو جلي، لأنه قال: لما جاز السجود جاز
(4/1829)

الركوع، لأن كلًا منهما يعد تواضعًا بالانحناء وهذا ظاهر، لأنه إذا وجد المسمى جاء الاسم، وفي الاستحسان نوع خفاء، لأنه يحتاج فيه إلى أن يقال: إنه مأمور بالسجود دون الركوع، وكلل واحد منهما مخالف للآخر، فلا ينوب أحدهما عن الآخر كسجدة الصلاة، فلذلك سمي استحسانا.
(أنه غير مشروع مستقلًا بنفسه)، لأن ذلك يجب عند وجود فعل العباد مع تلاوة أو سماع. (وبخلاف سجود الصلاة)، لأنه قربة مقصودة.
(مع الفساد الظاهر)، وهو التمسك بالمجاز (أحق من الأثر الظاهر) أي من القوة الظاهرة للاستحسان (مع الفساد الباطن)، وهو جعل ما ليس بمقصود بمنزلة المقصود.
(وهذا قسم عز وجوده) أي ترجيح القياس على الاستحسان مما يقل وجوده، ومن ذلك القليل أيضًا ما ذكره الإمام الزاهد نجم الدين النسفي- رحمه الله- في مجمع العلوم: لو قال رجل لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت وكذبها الزوج، فالقياس أن لا تصدق، وفي
(4/1830)

الاستحسان تصدق وبالقياس نأخذ. وفي "الجامع": أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فقضى القاضي بجلد مائة، فجلد ولم يكمل الجلد، فشهد شاهدان أنه محصن، ففي القياس يرجم وهو قولهما، وفي الاستحسان لا يرجم وبالقياس نأخذ.
وذكر في كتاب الرهن والنكاح: إن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنًا بالمتعة عند أبي يوسف-رحمه الله- قياسًا وعند محمد- رحمه الله- وهو الاستحسان يكون رهنا، وبالقياس نأخذ إلى آخره.
وذكر في رهن "الهداية": فإن أقام الرجلان كل واحد منهما البنية على رجل أنه رهنه عبده في يده وقبضه فهو باطل.
هذا جواب القياس.
وأما جواب الاستحسان فإنه يكون رهنًا لهما، فيجعل كأنهما ارتهناه معًا إذا جهل التاريخ بينهما، ثم قال: وهو وإن كان قياسًا، لكن محمدًا -رحمه الله-
(4/1831)

أخذ به لقوته؛ (لأنه ينكر تسليم المبيع بما يدعيه المشترى ثمنًا)؛ لأن المشتري يدعي على البائع عند إحضار أقل الثمنين تسليم السلعة، والبائع ينكر.
(وهذا حكم تعدي إلى الوارثين) أي إلى وارث البائع ووارث المشترى إذا اختلفا في الثمن قبل قبض المبيع يتحالفان كما إذا اختلف المورثان، (وإلى الإجارة) بأن اختلف المؤجر مع المستأجر في قدر الأجرة قبل استيفاء المعقود عليه وهو المنفعة فإنهما يتحالفان.
(وما أشبه ذلك) وهو كل عقد اختلف في بدلة والمعقود عليه غير مسلم والتسليم فيه لا يجب إلا بعد تسليم البدل، كما في النكاح يعني إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر قبل الدخول، وكما إذا هلكت السلعة واختلفت بدلا بأن قبل العبد المبيع قبل القبض.
(وإنما أنكر على أصحابنا بعض الناس).
قال الإمام شمس الأئمة -رحمة الله-: وقد طعن بعض الفقهاء في
(4/1832)

تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب: إلا أنا تركنا القياس واستحسنا.
وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية، ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك، وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أوشهوة نفس؟! فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية حق وماذا بعد الحق إلا الضلال! وإن كانوا يريدون القياس الباطل شرعًا فالباطل مما لا يشتغل بذكره.
فنقول: الاستحسان لغة: وجود الشيء حسنا أو طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به، كما قال الله تعالى: (فَبِشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
وهو في لسان الفقهاء نوعان: العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولًا إلى آرائنا، نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ) أوجب ذلك بحسب اليسار والعسر، وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي،
(4/1833)

وكذلك قوله تعالى: (وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وهو استحسان لا يخالفه أحد من الفقهاء.
والنوع الآخر: هو الدليل الي يكون معارضًا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام النظر والتأمل، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، وأن العمل به هو الواجب فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي يسبق إليه الوهم قبل التأمل.
(والاستحسان أفصحهما وأقواهما).
أما أفصحهما: فإن الاستحسان مزيد ثلاثي غير مضعف، وفي التضعيف نوع بشاعة من تكرير الحرف في الكلمة الواحدة، ولذلك أدغموه عند إمكان الإدغام لإزالة البشاعة، وهاهنا لا إمكان لتحلل الألف بين الحرفين المتجانسين، فبقيت الكلمة على بشاعته فكانت الكلمة التي لا تضعف فيها منها أفصح.
(4/1834)

وأما أقواهما: فلأن الاستحسان عبارة عن وجود الشيء حسنا، فإذا كان حسنا يجب اتباع الحسن.
وأما قوله: "أحب" ينبئ عن المحبة والإيثار، وذلك لا يوجب كون ذلك حسنًا؛ لاحتمال أن يكون ما أحبه وآثره قبيحًا.
ألا ترى أن الله تعالى قال في مذمة الكفار: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ).
وحاصلة أن الاستحسان يدل على الحسن، والاستحباب يدل على المحبة، ولا شك أن الحسن يدل على زيادة فضيلة في الشيء الذي له حسن من المحبة التي تدل محبوب؛ إذ حسن ذلك الشيء نشأ من ذات ذلك الشيء، والمحبة نشأت من الغير، وما ينشأ من الذي ينشأ من الغير؛ لأن الأول يدل على أمر قار، والثاني يدل على أمر طارئ.
(4/1835)

باب معرفة أحوال المجتهدين
ومنازلهم في الاجتهاد
ذكر في الكتاب مناسبة الباب فأغنانا عن ذكرها، فالاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود.
(4/1836)

(بمعانيه) أي من حيث اللغة (ووجوهه) التي قلنا، وهي: الخاص والعام إلى آخر الثمانين.
(وعلم السنة بطرقها) وهي طرق الاتصال بنا من رسول الله عليه السلام من الآحاد والشهرة والتواتر.
(واختلف أهل المقالة الصحيحة) وهي المقالة التي قالها أصحابنا.
(4/1837)

يعني أنهم اتفقوا على أن المجتهد يخطئ ويصيب، فبعد ذلك اختلفوا في أنه
(4/1838)

يخطئ ويصيب ابتداء وانتهاء، أم يصيب في ابتداء اجتهاده ويخطئ انتهاءً؟
(لما كلفوا إصابة الحق) بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ)، لأنه لا يجوز أن يقال كلفوا غير إصابة الحق؛ لأن الله تعالى منزه عن تكليف الخطأ، فثبت أنهم مكلفون إصابة الحق، ولايصح ذلك إلا بتعدد الحقوق.
(حتى تأدى الفرض) أي فرض التوجه.
(كما صح ذلك عند اختلاف الرسل) أي في زمان واحد، كما في لوط مع إبراهيم عليهما السلام، وعلى اختلاف الزمان كما في الخمر كانت حلالًا ثم صارت حرامًا في الزمان الثاني.
(4/1839)

(لأن دليل التعدد لم يوجب التفاوت) وهو قوله: "إن المجتهدين لما كلفوا" إلى آخره.
(وبطلت الدعوة) أي دعوة المجتهد الناس إلي قوله، والدعوة واجبة قال الله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ)، وقال تعالى: (ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ) والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل.
(وإذا اختص سليمان عليه السلام بالفهم وهو إصابة الحق بالنظر كان الآخر خطأ)؛ لأن ما قضى به داود عليه السلام كان بالرأي؛ إذ لو كان بالوحي
(4/1840)

لما حل لسليمان عليه السلام الاعتراض في ذلك.
فعلم أن كل واحد منهما اجتهد، والله تعالى خص سليمان عليه السلام بفهم القضية ومن عليه، وكمال المنة في إصابته الحق الحقيقي، ويلزم من ذلك أن يكون الآخر خطأ؛ إذ لو كان من داود عليه السلام ترك الأفضل لما وسع لسليمان عليه السلام التعرض؛ لأن الاقتيات على رأي من هو أكبر لا يستحسن فضلًا على الأب النبي.
(وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-) في حديث المفوضة إلى آخره. ذكر في "المبسوط" في مسألة عقد النكاح بغير تسمية: وحجتنا في ذلك: "ما روي أن سائلا سأل ابن مسعود -رضي الله عنه- عن هذا فجعل يردده شهرًا، ثم قال: أقول فيه بنفسي، فإن يك صوابا فمن الله ورسوله، وإن يك خطأ فمن ابن أم عبد- وفي رواية: فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه
(4/1841)

بريئان -أرى لها مهر مثل نسائها. لا وكس ولا شطط، فقام رجل يقال له معقل بن يسار أو معقل بن سنان، وأبو الجراح. فقالا: نشهد أن رسول الله عليه السلام قضى في امرأة منا يقال لها بروع بمثل قضيتك هذه، فسر ابن مسعود بذلك سرورًا لم يسر قط مثله بعد إسلامه لما وافق قضاؤه قضاء رسول الله عليه السلام".
فوجه التمسك بهذا الحديث ظاهر وهو أنه أثبت تصور الخطأ في الاجتهاد، فعلى قول أولئك لا يتصور الخطأ فيه.
(4/1842)

(أما السبب فلأنا قلنا: إن القياس تعدية) أي إبانه مثل الحكم المنصوص في الفرع، فلا يصلح أن يكون القياس مغيرا لحكم النص؛ لأن القياس خلف عن النص فيثبت على وفاق الأصل، والحكم الحق في الأصل غير متعدد بالإجماع.
ألا ترى أن النصين إذا تعارضا في الحظر والإباحة أو الإيجاب والنفي لا يثبت النفي والإثبات والحظر والإباحة، بل الحكم أن يجب التوقف فيه إلى أن يثبت رجحان أحدهما إن أمكن أو يعرف التاريخ، وإن لم يثبت شيء من ذلك يتهاترا، وهذا حكم مجمع عليه، فإذا تعذر تعدد الحقوق في الأصول بطل القول بتعدد الحقوق في الفروع.
والحكم يؤخذ من الأصل، فلما استحال احتمال الحظر والإباحة في الأصل استحال أن يثبت المتنافيان في الفرع، وهذا واضح بحمد الله تعالى وهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال!
(4/1843)

(وأما الاستدلال بنفس الحكم) فهو ما ذكر في المتن وهو ظاهر.
وأما الجواب عن قولهم: "كما صح ذلك عند اختلاف الرسل عليهم السلام في زمان واحد" فقلنا: إن الشيء الواحد جاز أن يكون حرامًا لشخص حلالًا لشخص آخر. كأم المرأة حرام على الختن حلال لغيره، وكذلك سائر المحرمات من الأم والبنت وغيرهما، وكذا المال لمالكه حلال، ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حق أمة، والحل في حق أمة أخرى.
وأما فيما نحن فيه فالأمة كلهم كشخص واحد فيستحيل أن يكون الفعل الواحد حرامًا عليهم حلالًا لهم أيضًا في ذلك الزمان؛ لأن الاستحالة إنما تثبت عند اتحاد الجهة والزمان والمحل فتعذر القول بتعدد الحقوق فيما نحن فيه.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يرد الوحي بأن يحرم نكاح المجوسية لمسلم
(4/1844)

ويحل له أيضًا، فإذا كان ذلك مستحيلًا بالوحي يستحيل أن يكون ثابتًا بالقياس؛ إذ هو مستنبط من النصوص وفرع له، ولا يجوز مخالفة الفرع الأصل، وأي مخالفة أقوى من هذا؟!
وقوله: (وصحة التكليف تحصل بما قلنا) جواب عن قولهم: وجب القول بتعدده تحقيقا لشرط التكليف؛ إذ لو لم يكن كذلك يلزم تكليف ما ليس في الوسع".
(إذا فرق القاضي بينهما نفذ الحكم وقد أخطأ السنة)؛ لأن السنة أن يفرق القاضي بينهما بعد الرابعة أو الخامسة من كل واحد منهما، وإنما نفذ حكمه باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، وهذا دليل شرعي في الجملة، وقضاء القاضي يجب صيانته عن البطلان، وإخطاؤه السنة دليل على أن المجتهد
(4/1845)

يخطيء في اجتهاده.
(فمن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته) ولو كان كل واحد منهم مصيبًا في اجتهاده لما فسدت صلاته كما لم تفسد صلاة من صلوا بجماعة في جوف الكعبة وإن كان المقتدي يخالف إمامه في التوجه إلى الجهة.
(وأما قوله: إن المخطئ للقبلة لا يعيد صلاته) أي هذا دليل على أن
(4/1846)

المجتهد لا يخطئ.
قلنا: ليس هذا دليلا على أن المجتهد لا يخطئ؛ لما أن المتحرى للقبلة لا يكلف إصابة حقيقة الكعبة؛ لأن إصابة حقيقة الكعبة لا يمكن إلا بالمشاهدة عيانًا أو بالإخبار جهتها أو يعلم ذلك بالنجوم، وقد انعدمت هذه المعاني في حق من اشتبهت عليه القبلة، ثم لم يبق دليل سوى التحرى، فكان المتحري قبلة له.
ومن صلى متوجها إلى قبلته التي أمر بأن يوجه وجهه إليهما لا يعيد صلاته بعدما صلى كمن صلى متوجهًا إلى الكعبة عيانًا؛ وهذا لأن الأمر باستقبال الكعبة ابتلاء من الله تعالى في حق العباد؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ذا جهة وفعل المكلف يقع إلى جهة لا محالة، والكعبة غير مقصودة بعينها.
ألا ترى أن عينها كانت ولم تكن قبلة. أعني حين كان التوجه إلى بيت المقدس، وعند اشتباه القبلة يصير غيرها قبلة على رجاء إصابتها عند الضرورة.
(4/1847)

ألا ترى أن غير جهتها يقينا يصير قبلة؛ كما في الحق الخائف عن العدو وفي حق المتنفل على الدابة، وإذا كان كذلك كان من يرجو إصابتها وقت التحري أن يكون جهة تحرية قبلة له أولى؛ لأن المقصود رضا الله تعالى وهو حاصل أينما توجه عند التحرى، وإلى هذا أشار قوله تعالى (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ).
(في حق نفس العمل مصيب) أي في حق نفس التحري مصيب وهو بمنزلة الطلب في ابتداء الاجتهاد، والمجتهد في طلب الحق باجتهاده مصيب، وهو معنى قوله: (فثبت أن مسألة القبلة ومسألتنا سواء، حتى إذا أخطأ) أي أخطأ يقينا بأن استدبر الكعبة من إطلاق الخطأ في الحديث، وهو قوله عليه السلام لعمرو بن العاص: "وإن أخطأت فلك .........................
(4/1848)

حسنة".
وكذلك في قول ابن مسعود -رضي الله عنه- حيث ذكر الخطأ مطلقًا من غير تقييد بالانتهاء، فكان شاملا للمقادير أجمع.
(واحتج أصحابنا رحمهم الله) أي على قولهم بأن المجتهد إذا أخطأ فإنه مصيب في ابتداء اجتهاده، ولكنه مخطئ انتهاء فيما طلبه بحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، فوجه التمسك به على مدعاهم هذا هو أن النبي عليه السلام قال له: "وإن أخطأت فلك حسنة" والمخطئ ابتداءً وانتهاء غير مستحق للحسنة، واستحقاق الحسنة باعتبار أنه مصيب في الطلب.
(4/1849)

وقال في "التقويم": والأجرة لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر، فثبت أن المخطئ للحق عند الله مؤتمر بعمله بأمر الله، والائتمار بالأمر يكون صوابًا لا محالة.
(وبقوله تعالى: (وكُلًا آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا) أخبر أنهما جميعًا أوتيا من الله حكمًا وعلمًا، والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى، فثبت أن تأويله أنه حكم الله تعالى من حيث إنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه.
(وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- للمسروق والأسود-)
(4/1850)

وذكر في (التقويم) علقمة مكان الأسود، وذكر في (المبسوط) جندبا مكان الأسود -فقال: وإذا أدرك الرجل مع الإمام في ركعة من المغرب فلما سلم الإمام قام يقضي. قال: يصلي ركعة ويقعد، وهذا استحسان، وفي القياس: يصلي ركعتين ثم يقعد، لأنه يقضي ما فاته فيقضي كما فاته، وتأيد هذا القياس بالسنة وهي قوله عليه السلام (وما فاتكم فاقضوا)
ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق، والقعدة بعد الركعة الثانية في صلاة المغرب سنة، وهذا لأن الثانية هي التالية للأولى والتالية للأولى في حقه هذه الركعة.
وروي: أن جندبا ومسروقا ابتليا بهذا، فصلى جندب ركعتين ثم قعد، ومسروق ركعة، ثم قعد، ثم صلى ركعة أخرى فسألا ذلك ابن مسعود
(4/1851)

-رضي الله عنه- فقال: كلاكما أصاب ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق.
وتأويل قوله: كلاكما أصاب أي طريق الاجتهاد.
فأما الحق فواحد غير متعدد، ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكما عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمه الله- في حكم القراءة والقنوت هو اخر صلاته وفي حكم القعدة هو أول صلاته إلى آخره ذكره في المبسوط في باب الحدث.
(وأما قصة بدر؛ فقد عمل رسول الله عليه السلام بإشارة أبي بكر رضي الله عنه فكيف يكون خطأ) من النبي عليه السلام في اجتهاده ولم يكن الاجتهاد من النبي عليه السلام، ومن عمل باجتهاد غيره لا يقال للعامل به أنه أخطأ في اجتهاده.
وقال في "التقويم": إن رسول الله عليه السلام عمل برأي أبي بكر
(4/1852)

رضي الله عنه ولا بد أن يقع عمل رسول الله عليه السلام صوابا إذا أقر عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا) وتأويل العتاب والله أعلم (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) ولكن لك كرامة خصصت بها رخصة (لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ)
سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قاله عمر -رضي الله عنه-.
والوجه الآخر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) قبل الإثخان وقد أثخنت يوم بدر، فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء، ولكن كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة، فلولا الكتاب السابق في اباحة الفداء لك لمسكم العذاب.
(والمراد بالآية حكم العزيمة) وهو القتل.
(لقولهم بوجوب الأصلح)؛ لأن الأصلح أن يكون اجتهاد كل مجتهد
(4/1853)

صوابا (وأن يلحق الولي بالنبي) هذا أثر قولهم أيضا بوجوب الأصلح في حق العصمة، فالولي كل مسلم صالح، فإنهم يلحقونه بالنبي في حق الإفضال والإنعام عليه.
(والمتخار من العبارات عندنا أن يقال: إن المجتهد يخطئ ويصيب على تحقيق المراد به) معنى هذا أنا لا نقتصر على قولنا (يخطئ ويصيب) لاحتمال تأويل أنه يخطئ الأحق كما هو قول بعض المعتزلة، فقلنا يخطئ حقيقة كما هو الحق عند الله تعالى ليكون هذا خلافا للمعتزلة ظاهرا وباطنا، لأن قولنا (يخطئ ويصيب) مخالفة لهم ظاهرة.
وقولنا (على تحقيق المراد به) مخالفة باطنا، وهذا أولى؛ لأن مخالفة المبتدع على كلا الوجهين واجب.
(4/1854)

(ويتصل بهذا الأصل مسألة تخصيص العلل)؛ لأن في جواز تخصيص العلل تصويب جميع المحتهدين كما هو مذهب المعتزلة على ما ذكر بعد هذا في الباب المتصل بهذا بقوله: لأن ذلك يؤدي الي تصويب كل مجتهد، ولما كان أصل كل من هذين البابين راجعا إلى أصل واحد فاسد للمعتزلة وهو القول بوجوب الأصلح كانت مسألة تخصيص العلة متصلة بهذا الأصل الذي قالته المعتزلة أن كل مجتهد مصيب لكونهما شعبتي أصل واحد، والله أعلم.
(4/1855)

باب فساد تخصيص المعلل
اعلم أن المعنى من تخصيص العلة هو أن المعلل إذا جعل الوصف المعين علة للحكم المعلوم، ثم وجد ذلك الوصف بعينه ولم يوجب ذلك الحكم المعلوم. قال المعلل: خص ذلك الحكم من هذه العلة لمانع، فكانت العلة مخصوصا منها هذا الحكم.
(4/1856)

وقال بعض العلماء: هذه المسألة فرع لمسألة الاستطاعة.
قالت المعتزلة: الاستطاعة الحقيقية سابقة على الفعل، فقد وجد ما هو علة الفعل ولا فعل لمانع ذكروه فجاز أن توجد العلة ولا حكم لمانع.
(4/1857)

وقال أهل السنة والجماعة: الاستطاعة مقارنة للفعل، ويستحيل تقدمها على الفعل فلا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم لها كما في الاستطاعة مع الفعل.
وقال الإمام أبو منصور- رحمه الله-: القول بجواز تخصيص العلة نسبة العبث إلى فعل الله تعالى، لأنه أي فائدة في وجود العلة إذا لم يكن لها حكم؟! والعلة ما شرعت إلا للحكم وبدونه لم تكن لشرعيتها عاقبة حميدة، وإذا خلال الفعل عن العاقبة الحميدة كان سفهًا- تعالى الله عن ذلك-.
والدليل أيضًا على فساد تخصيص العلة هو أن دليل الخصوص يشبه
(4/1858)

الاستثناء ويشبه الناسخ كما مر تقريره، وهذا لا يتصور في العلل، لأن الاستثناء تصرف في اللفظ دون المعنى لما أن معنى قوله: لفلان على ألف درهم إلا مائة، ومعنى قوله: لفلان على تسعمائة سواء، والعلة ليست بصيغة فلا يجوز القول فيها يشبه الاستثناء، والنسخ على العلل لا يجوز، لأن العلة لا تجوز أن تكون ناسخةً أو منسوخًا فلا يمكن القول فيه بشبه الناسخ، والتخصيص لا يخلو عن هذين الشبهين ففسد القول بالتخصيص.
فإن قلت: يجوز أن يشبه دليل التخصيص بكل واحد من الاستثناء والناسخ، ثم يثبت له حكم ليس لهما كما في جاز تعليل دليل التخصيص وإن لم يجز تعليلهما على ما مر في باب بيان التخصيص.
قلت: إنما جاز هناك ذلك الحكم ل دليل التخصص من اجتماع الوصفين وهما وصف الاستبدال ووصف التبيين، وهذا لا يتصور في تخصيص العلة، لأن العلة أم معنوي فلم تكن لها صيغة موضوعة حتى يعمل فيها بشبهة الاستثناء، والناسخ خلاف دليل التخصيص فإنه لفظ مستبد بنفسه وليس فيه ما يمنع التعليل فكان قابلًا للتعليل.
وقوله: (فيأمن منه) أي من حكم الجرح.
(4/1859)

(وخيار الشرط) أي خيار الشرط للبائع).
(أما الدليل على صحة ما ادعينا من إبطال خصوص العلل) فالكتاب والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ففيه مطالبة الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاروا محجوجين به، وذلك الوجه أنهم إذا بينوا أحد هذه المعاني- وهو معنى الذكورة أو معنى الأنوثة أو معنى يجمعهما- أن الحرمة لأجله انتقض علتهم بإقرارهم بالحل في الموضع الآخر مع وجود ذلك المعني فيه، ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية جائزًا ما كانوا محجوجين، فإن أحدًا لا يعجز من أن يقول: امتنع ثبوت حكم الحرمة في ذلك الموضع لمانع.
وقد كانوا عقلا يعتقدون الحل في الموضع الآخر لشبهة أو معنى تصور عنهم، وفي قوله: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) إشارة إلى أن المصير إلى تخصيص
(4/1860)

العلل الشرعية ليس من العلم في شيء فيكون جهلًا.
وأما المعقول: فلأن العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا وبدون التعدية لا تكون صحيحة أصلًا، لأنها خالية عن موجبها، وإذا جاز قيام المانع في بعض المواضع الذي يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدي إلى القول بأنها علة صحيحة من غير أن يتعدى الحكم بها إلى شيء من الفروع، وقد أثبتنا فساد هذه القول بالدليل- أي فساد القول بالعلة القاصرة- ثم إن كان تعدية الحكم بها إلى فرع دليل صحتها فانعدام تعدية الحكم بها إلى فرع آخر توجد فيه تكل العلة دليل فسادها، ومع مساواة دليل الصحة والفساد لا تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل "كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-.
(لأن ذلك يؤدي إلى تصويب كل مجتهد) إذ هذه المسألة فرع تلك، فمن قال بتصويب كل مجتهد احتاج إلى القول بتخصيص العلة، لأن العلة إذا وجدت ولا حكم لها تكون منقوضة فيكون المعلل مخطئًا ضرورة، وهو خلاف ما اعتقدوا، لأنهم يرون الأصلح واجبًا وخطأ المعلل ليس بأصلح فلا
(4/1861)

يكون المعلل مخطئًا على ذلك التقدير، فدعاهم ذلك إلى القول بجواز التخصيص، لأن عندهم عدم جواز أن تكون علة المعلل منقوضة ضرورة كون المجتهد مصيبًا، لأنه الأصلح في حق المجتهد.
وعندنا لما جاز خطأ المجتهد جاز انتقاض العلة لجواز الخطأ على المجتهد فهو معني قوله: (يؤدي إلى تصويب كل مجتهد)
وعندهم كما لا يجوز الفساد في الكتاب والسنة لا يجوز الفساد في العلل أيضًا، صار تخصيص العلة نظير تخصيص الكتاب والسنة عندهم، وعندنا لما جاز فسادًا العلة لم تكن العلة نظير الكتاب والسنة.
(وبزيادته أو نقصانه تتبدل العلة فتجيب نسبة العدم إلى عدم العلة)، فإن عدم العلة ينقصان وصف لا يشكل، لأن المجموعة لما صار علة لم تكن علة بانتفاء وصف منه، لن الشيء ينتفي بانتفاء جزئه كانتفاء حرمة الفضل عند انتفاء جزئي علة الربا من القدر والجنس.
(4/1862)

وكذلك نقول: إن الموجب للزكاة شرعًا هو النصاب النامي، وهو الحولي عرفناه بقوله عليه السلام: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" والمراد نفي الوجوب، فإذا كانت العلة بهذا الوصف علة موجبة شرعًا عرفنا
(4/1863)

أن عند انعدام هذا الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة، ولا يلزمنا جواز الأداء، لأن العلة الموجبة غير العلة المجوزة للأداء كما في رؤية الله تعالى فإنها جائزة عقلًا واجبةً شرعًا.
وأما عدم العلة بزيادة الوصف فمثل الأكل ناسيًا، ف إن الأكل ونحوه علة الفطر، لأنه ضد، وقد زاد على هذا في الكل ناسيًا لم يبق هو علة الفطر، لأن وقوعه غير جناية مضاف إلي صاحب الحق فانعدمت العلة فكان الأكل لم يوجد، فلهذا قلنا ببقاء الصوم، لا لأن العلة موجودة والحكم منعدم.
وكذلك البيع بشرط الخيار، فإن الموجب للملك شرعًا البيع المطلق، ومع شرط الخيار لا يكون مطلقًا، بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم كالمعلق بالشرط، وقد بينا أن المعلق بالشرط غير المطلق فكان البيع ف ي حق الحكم معدومًا، فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان وصف.
(4/1864)

(فالذي جعل عندهم دليل الخصوص جعلناه دليل العدم) يعيني أن النص الذي يخالف تلك العلة عندهم دليل خصوص تلك العلة، وعندنا ذلك النص دليل عدم العلة، لأن شرطة صحة العلة ألا تكون العلة معارضة للنص، فإذا وجد النص على خلاف العلة فات شرط العلة فانتفت العلة ضرورة، وكذلك في نظائرها من الإجماع والضرورة.
(وإنما يلزم الخصوص على العلل الطردية) كما في تعليل الشافعي: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه واليدين والرجلين. فخصت تلك العلة في مسح الخف فإنه ركن أيضًا ومع ذلك لم يسن التثليث فيه، (لأنها قائمة بصيغتها) يعيني أنها صارت عللا لصورة الأوصاف لا لمعانيها، فإذا وجد صورة الوصف ولا حكم وجب القول بالتخصيص لا محالة كما وجدت صيغة العموم من الكتاب والسنة ولا حكم في البعض.
وقوله: (فلزم على هذا أنه لم يحرم الأخوات) أي فيشكل على هذا
(4/1865)

التعليل عدم حرمة الأخوات أي بطريق التعاقب لا بطريق الجمع.
ألا ترى أن عثمان ذا النورين- رضي الله عنه- تزوج بنتي رسول الله عليه السلام على طريق التعاقب فسمي به ذا النورين، أنه مخصوص بالنص، وهو قوله تعالى: (وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ) وقولة تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) وهي لم تجعل علة عند معارضة النص.
(وفي هذا معارضة)، لأن في النص الموجب لحرمة المصاهرة ذكر الأمهات والبنات أي بطريق العبارة، والآباء والأبناء خاصة أي طريق الدلالة، فامتداد الحرمة على الأخوات والعمات والخالات يكون تغييرا وإثباتًا لحرمة أخرى، لأن المقصود غي الممتد، وإنما يعلل المنصوص على وجه لا يلزم منه تغيير المنصوص، فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة.
وكذلك إن ألزم أن الموطوءة لا تحرم على الواطئ بواسطة الولد والقرب بينهما أمس فالتخريج هكذا، نقول: إنه إنما أتعدم الحكم هناك لانعدام العلة باعتبار مورد النص، وهو قوله تعالى: (وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ).
(4/1866)

وقوله تعالى: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شيءتُمْ).
الطوية: الضمير والاعتقاد، والله أعلم.
(4/1867)

باب وجوه دفع العلل
لما فرغ من بيان نفس القياس وشرطه وركنه وحكمه شرع في بيان دفعه، إذ بالعجز عن الدفع يتم القياس كما في صورة دعوى المدعى إذا عجز المدعى عليه عن دفع دعواه حينئذ تم دعوى المدعي.
اعلم أن الاعتراض بفساد الوضع على العلل المؤثر باطل، لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه فبعد ذلك دعواه أن الوصف يأبى هذا الحكم لا يتصور ذلك، لأن الكتاب أو السنة أو الإجماع لا يوضع في الفاسد.
(وأما عدم العلة وقيام الحكم ف لا باس به لاحتمال علة أخرى)، لأن ثبوته بعلة لا ينافي كونه ثابتًا بعلة أخرى.
(4/1868)

ألا ترى أن الحكم يجوز أن يثبت بشهادة الشاهدين ويجوز أن يثبت بشهادة أربعة، حتى إذا رجع اثنان قبل القضاء يبقى القضاء واجبًا بشهادة الباقين، وهذا لأن العلة لم توضع لإبطال علة أخرى بل لإيجاب الحكم بها ومع كونه واجبًا بها يجوز الوجود بغيرها، ف إذا عدمت هذه يجوز أن يوجد غيرها فيثبت به الحكم.
(وأما الفرق فإنما فسد لوجوه ثلاث) وأولي الوجوه في هذا ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: أحدها- أن شرط صحة
(4/1869)

القياس تعدية الحكم إلى الفروع بتعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه، وقد بينا فساد ذلك، لأنه متى كان التعليل بجميع أوصاف الأصل لا يكون ذلك مقايسة.
يعني حينئذ يكون هو عين الأصل، لأن جميع أوصاف الأصل لا يوجد إلا في الأصل، ولما كان كذلك كان ذكر الفرق بين الأصل والفرع بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك ف ي الفرع راجعًا إلى بيان صحة المقايسة لا اعتراضًا على العلة، لأن اندفاع الفرع عن كونه عين الأصل إنما يحصل به فحينئذ تصح المقايسة.
(فلان لا يصلح دليلًا عن مقابلة الحجة أولى).
بيان هذا أنه إذا لم يثبت حجةً على كون الوصف علة لا يصلح قول الخصم: "لا علة دليلًا" فلأن لا يصلح قوله: (لا علة دليلا) إذا قامت الحجة على كون الوصف علة أولى.
(4/1870)

باب الممانعة
(وهي أساس النظر) أي الممانعة أساس النظر، لأن المجيب مدع والسائل مدعى عليه فسبيله الإنكار، والأصل في الإنكار الممانعة فلا ينبغي له أن يجاوز إلى غيره إلا عند الضرورة، ولأن عوار المعلل في تعليله إنما يتبين بالممانعة، وبها يظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع، فيلزم أن تكون
(4/1871)

حجة أحدهما غير حجة الآخر وذلك إنما يكون بالتمسك بالممانعة، فلذلك كانت هي أساس النظر.
(مثل قول الشافعي في النكاح: إنه ليس بمال) إلى آخره، وهذا النوع لا يصلح حجة، لإيجاب الحكم عندنا على ما بينا، فترك الممانعة فيه يكون قبولًا من الخصم لما لا يكون حجة أصلًا وذلك دليل الجهل، فكانت الممانعة في نفس الحجة دليل المفاقهة.
(مثل قولنا) أي مثل قول أبي حنيفة ومحمد- رضى الله عنهما- (في إيداع الصبي إنه مسلط على الاستهلاك) فيقول: المانع وهو أبو يوسف رحمه الله سلمنا أن كونه مسلطًا مسقط للضمان، ولكن لا نسلم أن إيداع الصبي تسليط.
(4/1872)

(وأما الممانعة في الشروط) فنقول: لم قلت: إن شرط القياس موجود فيما قست؟
(وإنما يعتبر الإنكار معنى لا صورةً مثل قولنا في المودع يدعي الرد إن القول قوله وهو مدع صورةِ) ولكنه منكر للضمان معني، ولهذا كان القول
(4/1873)

قوله مع اليمين.
والبكر إذا قالت: بلغني النكاح فرددت، وقال الزوج: بل سكت فالقول قولها عندنا، وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في المعنى ف كانت منكرة لا مدعية.
وإذا ثبت هذا فنقول: هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا حاجة إلى إثبات إنكاره بالحجة واشتغاله بذلك كان اشتغالا بما لا يفيد.
وقوله: إن الحكم في الأصل ما تعلق بهذا الوصف فقط، بل به وبقرينة أخرى يكون إنكارًا صحيحًا من حيث المعني وإن كان دعوى من حيث الصورة، لأن الحكم المتعلق ب علة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين وذلك نحو ما يعلل به الشافعي في اليمين المعقود على أمر في المستقبل، لأنها يمين بالله مقصودة فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس.
فإنا نقول: الحكم في الأصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهي توهم البر فيها فيكون هذا منعا ل ما ادعاه الخصم، والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه بالحجة.
فأما قول السائل: ليس المعني في الأصل ما قلت، وإنما المعنى فيه كذا هو إنكار صورة لكنه دعوى من حيث المعنى وهي دعوى غير مفيدة في موضع
(4/1874)

النزاع، لأنه لا يمكنه أن يقول في موضع النزاع لتقرير ذلك المعني سوى أن هذا المعنى معدوم في موضع النزاع، وعدم العلة المعينة لا يوجب عدم الحكم، والله أعلم.
(4/1875)

باب المعارضة
المعارضة: إبداء علة مبتدأة بدون التعرض لدليل المجيب، والمناقضة: إيراد الوصف الذي جعله المجيب علة مع تخلف الحكم ثم القلب ها هنا متضمن إحدى خاصيتي المعارضة وهي إبداء علة مبتدأة، وإحدى خاصيتي المناقضة وهي إبطال دليل المعلل، فسمي لذلك (معارضة فيها مناقضة) ثم جعل المعارضة أصلًا حيث لم يقل فيها معارضة؛ لما أن إبداء العلة بمقابلة دليل المعلل سابق، ومقصود السائل من قلبه ذلك، فإيراد النقض بتخلف الحكم يثبت في ضمن ذلك، فجعل ما هو السابق والمقصود أصلًا،
(4/1876)

والباقي مذكور في "الوافي".
(لكن العكس ليس من هذا الباب)؛ لأنه من باب الترجيح؛ لأن العكس يصحح العلة حيث يقال في كل صورة يوجد هذا الوصف يوجد هذا الحكم، وفي كل صورة لا يوجد هذا الوصف لا يوجد هذا الحكم، وذلك مثل قولنا: ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع كالحج، وعكسه الوضوء، وهذا يصلح لترجيح العلل.
وأما القلب فمناقض للعلة فكانا على طرفي نقيض؛ فلذلك قال: إن
(4/1877)

العكس ليس من هذا الباب"
(فسد الأصل وبطل القياس)؛ لأن العلة موجبة والمعلول موجبها الذي هو حكمها، فكانا كالفرع مع الأصل فلا يجوز أن تكون العلة حكمًا ولا الحكم علة، فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل.
(مثاله قولهم) أي قول الشافعي وأصحابه، (ومثل قولهم) أي قول مالك وأصحابه.
(وذلك الشيء دليل عليه أيضًا) كطلوع الشمس مع النهار، فإن شرط هذا الاستدلال أن (يثبت أنهما نظيران) متساويان فيدل كل واحد منهما على وجود صاحبه هذا على ذاك في حال، وذاك على حال (بمنزلة التوأم) فإنه حرية الأصل لإحداهما أيهما كان بثبوتها للآخر، ويثبت الرق أيهما كان بثبوته للآخر.
(4/1878)

وقوله: (إذا صح) بالشروع، وبهذا يحترز عن مسألة النذر بصوم يوم النحر (فقالوا: الحج) إنما يلتزم بالنذر، لأنه يلتزم بالشروع، أي لا يصح قلبهم علينا بهذا القول؛ لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى على وجه يكون المضي فيها لازمًا والرجوع عنها بعد الأداء حرامًا، وإبطالها بعد الصحة جناية، ثم لما لزمت مراعاة النذر مع انفصال العبادة عن النذر كان أن يلزم مراعاة القربة الذي حصل بالشروع بالثبات عليه أولى.
بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد والرجم.
أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا، وأما من حيث الشرط فالرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعيه الجلد كالثيوبة.
وكذلك لا يصح قلبهم في الولاية، (فقولهم إنما يولي على البكر في مالها؛ لأنه يولي عليها في نفسها)؛ لأن جواز الاستدلال بكل واحد منهما
(4/1879)

على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة بينهما، وهي المقصودة بالاستدلال وها هنا قد ثبت المساواة بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه، وذلك إنما يكون بالصغر لا بالثيوبة والبكارة (بل الثيوبة والبكارة والنفس والمال فيه سواء).
وقوله: "على من" صلة شرعت، وإنما ذكر بكلمة على؛ لأن هذا حق على الولي حتى لو امتنع عن تنفيذ ما ولي يأثم، والضمير في قوله: "فيه سواء" راجع إلى قضاء الحاجة.
فإن قيل قوله: "والنفس والمال والثيب والبكر فيه سواء" لا نسلم مساواة النفس والمال في قضاء الحاجة بل حاجة الصغير والصغيرة إلى أن يقوم الولي مقامه في حفظ المال والتصرف فيه للتثمير أشد؛ لأن حاجتهما فيه ناجزة فكانت الولاية للولي بالتصرف في ماله كي لا تأكله النفقة، والحاجة في حق النفس متأخرة إلى ما بعد البلوغ؛ لأن الشهوة إنما تكون بعد البلوغ، والأصل في النكاح قضاء الشهوة، فلم يلزم من ثبوت الولاية للولي في المال
(4/1880)

ثبوتها في النفس؛ لتفاوتهما في الحاجة.
قلنا: الحاجة قد تقع في النفس في الحال على تقدير فوات الكفء، وفي المال قد لا تقع الحاجة بأن كان كثيرًا، والصغر مؤقت فكانت الحاجة إلى حفظ المال أقرب إلى الزوال، فلما احتملت الاستدلال بثبوت الولاية للولي بسبب الصغر في أحدهما بالإجماع على ثبوتها للولي في الآخر.
(وتسقط لخوف فوت الركعة عنده) ولا يسقط ركن الركوع والسجود بحال (بخلاف الأفعال) يعني لأنها تصلح للأصالة، وعن هذا قالوا: إنه لو
(4/1881)

قدر على القراءة ولم يقدر على الأفعال لا تلزمه الصلاة، ولو قدر على الأفعال ولم يقدر على القراءة تلزمه.
(وأما النوع الثاني) وإنما قدم الأول هذا على القلب؛ لأن القلب الحقيقي
(4/1882)

هو الأول؛ لأنه قلب من غير تغيير وزيادة على تعليل المعلل، فكان أولى بالتقديم، بخلاف هذا القلب على ما ذكر في الكتاب.
(فإن هذا القلب لا يتم إلا بوصف زائد) لم يتعرض له المعلل (فكان دونه) إلا أن ذلك الزائد لما كان تفسيرًا لتعديه صار كالمذكور في تعليله فجعل قلبًا لا معارضة ابتداء لما استعمل في مقابلة القلب ألحق به، فإن أهل النظر يقولون: القلب. والعكس، ولأن المقصود من الكلام معناه؛ لأن ما لا معني له من الألفاظ لا يسمى كلامًا على ما ذكرنا.
وما ذكر من الاستواء ثابت صورة بين الأصل وهو الوضوء وبين الفرع وهو الصلاة، ولكنه في المعنى ليس باستواء بين الفرع والأصل بل هو اختلاف وذلك؛ لأن استواء عمل النذر والشروع للسقوط في الأصل وهو الوضوء إذ لا أثر للنذر والشروع في الوجوب فيه، فإنه لو نذر أن يتوضأ لا يصح نذره بالإجماع، فكذلك شروعه فيه غير موجب له، والاستواء في
(4/1883)

الفرع وهو الصلاة في اللزوم فإن النذر ملزم بالإجماع فوجب أن يكون الشروع فيها كذلك، وهذا مبطل للقياس؛ لأن القياس وهو تعديه أحكام النصوص إلى ما لا نص فيه على ما أشار إليه في الكتاب فيستحيل أن يتعدى الحكم الثابت في الوضوء وهو عدم اللزوم إلى الفرع وهو الصلاة في حق اللزوم، ومن أراد التعدي فيه بهذا الطريق كان هو نظير من أثبت الحرمة في الفرع قياسًا على الحل وهو باطل، وهو معنى ما قاله في الكتاب، (سقوط من وجه وثبوت من وجه) أي سقوط في الوضوء، وثبوت في الصلاة.
ومثل هذا التقرير في قولهم في الكافر يبتاع العبد المسلم لما كان كذلك وجب أن يستوي ابتداؤه وقراره كالمسلم؛ لأن الخصم يريد بقوله: وجب أن يستويا في الكافر أنه لما لم يقرر على الملك لا يجوز ابتداء الملك، وفي المسلم على خلاف هذا فإنه لما جاز ابتداؤه جاز تقريره، فلما اختلفا بطل القياس.
(فخمسة أنواع في الفرع)، وإنما جعل هذه الخمسة في الفرع؛ لأن الأحكام فروع للنصوص والعلل، والمعارضة ها هنا في الأحكام فتكون
(4/1884)

معارضة في الفرع.
(وينسد الطريق) أي طريق ثبوت الحكم (إلا بترجيح)، فوجه الترجيح نقول: إن قولنا: مسح له أثر في التخفيف بخلاف الركن في حق التكرار فإنه قد يكون ركنًا وليس فيه التكرار كمسح الخف، وقد يكون ركنًا وفيه تكرار كغسل الوجه، فعلم أن الركنية غير دائرة بالتكرار للتعارض في أحكامها.
وأما المسح فأينما دار دار معه التخفيف، فعلم أن لوصف المسح زيادة تأثير في إثبات التخفيف من الركن في قولهم في إثبات التكرار، والدوران من أسباب الترجيح.
(فلا يسن تثليثه) بعد إكماله كالغسل وهذا أحد وجهي القلب، فبهذا يعلم أن جهة المعارضة فيه راجحة.
(وأما الثالث- فما فيه نفي) وكلمة "ما" فيه موصولة أي الذي فيه نفي لما أثبته الأول.
بدليل ما ذكره الإمام شمس الأئمة-رحمه الله- في هذا الموضع بقوله:
(4/1885)

ومعارضة فيها نفي ما لم يثبته المعلل، أو إثبات ما لم ينفه المعلل، وهو فيما يعلل به في غير الأب والجد هل تثبت لهم ولاية التزويج على الصغيرة؟
فنقول: إنها صغيرة فتثبت عليها ولاية التزويج كالتي لها أب، وهم يعارضون ويقولون: هذه صغيرة فلا تثبت عليها ولاية التزويج للأخ كالتي لها أب، فتكون هذه معارضة بتغيير فيه إخلال بموضع النزاع؛ لأن موضع النزاع ثبوت ولاية التزويج على اليتيمة لا تعيين الولي المزوج لها، وهو في معارضته علل لنفي الولاية لشخص بعينه.
ولكنه يقول: إن موضع النزاع إثبات الولاية للأقارب سوى الأب والجد على الصغيرة وأقربهم الأخ، فنحن بهذه المعارضة ننفي ولاية الأخ عنها، ثم ولاية من وراء الأخ منتف عنها بالأخ، فمن هذا الوجه يظهر معنى الصحة في هذه المعارضة وإن لم يكن قويًا.
(4/1886)

(في التي نعي إليها زوجها) أي في المرأة التي أخبرت بموت زوجها.
(فهذه المعارضة في الظاهر فاسدة لاختلاف الحكم)؛ لأن المعارض ها هنا يقول: الولد للثاني بعدما قال المعلل: الولد للأول. فهذه معارضة فاسدة، والمعارضة الصحيحة فيه أن يقول المعارض: الولد ليس للأول بعدما قال المعلل: الولد للأول، لكن ما ذكره المعارض هنا يؤول إلى الصحة لما أن المعارض لما أثبت للثاني كان هو نافيًا عن الأول فتتحقق المعارضة، فلذلك ذكر المعارض فساد فراش الثاني؛ لأن الفراش مع فساده لما كان مثبتًا للنسب وقع التعارض في استحقاق النسب بين الأول والثاني فحينئذ احتجا إلى الترجيح.
(إلا أن النسب لما لم يصح إثباته من زيد بعد ثبوته من عمرو صحت المعارضة) يعني أن الفراش الفاسد مع فساده مثبت للنسب، ولما كان كل واحد
(4/1887)

من الفراشين مثبتًا للنسب، والإجماع ثابت على أن النسب إذا ثبت من واحد لا يثبت من غيره صحت معارضة الفاسد الصحيح من هذا الوجه، وعلى هذا التقرير كان معنى قوله: (لما لم يصح إثباته من زيد) "أي من فراش صحيح".
فإن قيل: يشكل على قوله: إلا أن النسب لما لم يصح إثباته من زيد بعد ثبوته من عمرو" ما إذا كانت الجارية بين اثنين وأتت بولد فادعياه معًا ثبت نسبه منهما عندنا. خلافًا للشافعي فقد ثبت نسب الابن من الأبوين، فعلم بهذا أن ثبوت النسب من رجل لا يمنع ثبوته من آخر.
قلنا: إنما ثبت ذلك في الصورة المعية؛ لعدم إمكان ترجيح أحدهما على الآخر لمصادفة دعواهما معًا ملكها، فلما استويا في سبب الاستحقاق وهو الدعوى مع الملك استويا في ثبوت النسب لهما أيضًا.
وأما في مسألتنا فكان سببًا ثبوت النسب على التعاقب فيصح قولهما: لما لم يصح إثباته من زيد بعد ثبوته من عمرو" على أن النسب بين الأبوين في مسألة الجارية بين اثنين، إنما ثبت بقضية عمر- رضي الله عنه- بمحضر من الصحابة- رضي الله عنهم- على خلاف القياس فلا يرد نقضًا.
وقوله: "من عمرو" أي من فراش فاسد.
(4/1888)

(فاحتاج الخصم) أي المعلل وهو أبو حنيفة -رضي الله عنه- (ثم عارضه الخصم) أي السائل وهو أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله (بأن الثاني شاهد) أي حاضر.
(وأما المعارضات في الأصل) أي في علة الأصل (معارضة بمعنى لا يتعدى) إلى آخره. يعني أن المعارضات في علة الأصل فاسدة كلها؛ لما بينا أن ذكر علة أخرى في الأصل لا ينفي تعليل ما ذكره المعلل لجواز أن يكون في الأصل وصفان يتعدى الحكم بأحد الوصفين إلى الفروع دون الآخر، ثم إن كان الوصف الذي يذكره المعارض لا يتعدى إلى فرع فهو فاسد لما بينا أن حكم التعليل التعدية، فما لا يفيد حكمه أصلًا يكون فاسدًا من التعليل، فإن كان يتعدى إلى فرع فلا اتصال له بموضع النزاع إلا من حيث إنه تنعدم تلك العلة في هذا الموضع.
وقد بينا أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم، فعرفنا أنه لا اتصال لتلك العلة بموضع النزاع في النفي ولا في الإثبات.
(4/1889)

كذا ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله.
وقوله: (لعدم حكمه) وهو التعدية (ولفساده) أي في المعارضة لجواز وجود كل واحد منهما بعلة على حدة ولا تزاحم في العلل.
(والثاني: أن يتعدى إلى فصل مجمع عليه) أي مجمع عليه على اختلاف التخريج، كما في فصل الأرز والسمسم مثلا أجمعنا نحن والشافعي _رحمه الله- على جريان الربا فيه، لكن عندنا باعتبار القدر والجنس، وعنده باعتبار الطعم، وهذا أيضًا باطل فإن الحنفي إذا علل بالكيل والجنس فيعارضه الخصم بالطعم، وهذا معنى يتعدى إلى فصل مجمع عليه وهو الأرز والسمسم ونحوهما، والخصم لا يناقشه في ذلك بقي للخصم أن الطعم غير موجود في الجص فكانت المعارضة فاسدة.
(والثالث: أن يتعدى إلى فصل مختلف فيه) أي إلى فرع مختلف فيه، وهذا لا يشكل فساده؛ لأن يتعدى من الأصل إلى الفرع لمعنى يجمعهما، وعند اختلاف وصفهما لا يكون ما تعلق به كل واحد من المجيب والسائل
(4/1890)

حجة على الآخر.
بيانه أنا نقول في تعليل بيع التفاحة بالتفاحتين نقدًا: بأنه يجوز؛ لانعدام علة الربا وهي القدر مع الجنس فإنه لا قدر فيه.
وقال الشافعي: لا يجوز؛ لوجود علة الربا وهي الطعم مع انعدام المسوى، (ومن أهل النظر من جعل هذه المعارضة حسنة) أي هذه الأخيرة؛ لأنه ثبت باتفاق الخصمين أن علة الحكم أحدهما، فإذا ثبت صحة ما ادعاه أحدهما علة انتفى الآخر بالإجماع، فكانت هذه المعارضة ممانعة من هذا الوجه فيلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر فتتحقق المعارضة.
والجواب عن هذا أن فساد أحدهما ليس لصحة الآخر لاحتمال كونهما صحيحين؛ لأن التعليل بعلل شتى جائز، ففساد أحدهما لم ينشأ من التعليل بالوصفين المختلفين، وإنما لفساد أحدهما لم ينشأ من التعليل بالوصفين المختلفين، وإنما نشأ لفساد فيه من حيث إنه لا يصلح علة، فلم يثبت فساده لصحة الآخر لاحتمال صحتهما على ما قلنا.
ألا ترى أن إثبات الصحة لأحدهما ليس لفساد الآخر لاحتمال كونهما فاسدين، فكذلك ها هنا لاحتمال كونهما صحيحين، فلابد من إقامة الدليل على سبيل التفصيل على فساد هذا الوصف.
(4/1891)

(وكل كلام صحيح في الأصل) أي في المقيس عليه يعني أن الناس يقولون في رد قول المعلل (بطريق المفارقة) بين الأصل والفرع (فاذكره أنت على سبيل الممانعة) وإن كان الذكر بطريق المفارقة جائزًا أيضًا، ولكن القول بطريق الممانعة أفت لقوة تعليل المعلل واكسر لعضده، وإنما كان المنع أولى ليزيد المعلل في علته وصفًا لا يمكن للسائل منعه فيظهر به فقه المسألة.
ولأن السائل لو كان على سبيل المنع كان هو على حد الإنكار الذي هو حقه بخلاف ذكر الفرق، فإن فيه غصب منصب المعلل إلى آخر ما ذكرناه في
(4/1892)

فساد الفرق في باب وجوه دفع العلل.
(فإن ادعى في الأصل حكمًا غير ما قلنا) بأن ادعى في البيع البطلان، وفي إعتاق الوارث التوقف لم يسلم ذلك.
(قتل آدمي مضمون فيوجب المال كالخطأ) أصل المسألة أن موجب القتل العمد عند الشافعي أحد شيئين: القصاص أو الدية من غير تعيين.
وعندنا موجبه القصاص عينًا، ولكن للأولياء أن يصالحوه على الدية.
وثمرة قول الشافعي إنما تظهر في حق العدول للولي إلى مال القاتل من غير مرضاته، وعندنا ليس له ذلك بدون مرضاته.
(4/1893)

(وأنت جعلته مزاحمًا له) أي جعلت المال مزاحمًا للنقود، وليس كذلك، فإن شرعية المال في الأصل وهو الخطأ بطريق الخلافة عما هو الأصل وهو القتل لفوات الأصل؛ لأنه لا يمكن في الخطأ إيجاب مثل المتلف من جنسه فوجب المال خلفًا عنه وهنا أي في صورة العمد المثل من جنسه ممكن فكان هو واجبًا عينًا، (وإنما يتبين ذلك) أي صحة الأثر، والله أعلم.
(4/1894)

باب بيان وجوه دفع المناقضة
(وهو) أي معنى الوصف.
(ألا ترى أنه إذا أحدث ولم يتلطخ به بدنه لم يكن) المسح أي
(4/1895)

(الاستنجاء) بالحجر (سنة).
والدليل عليه إن الاستطابة بالماء بعد إزالة عين النجاسة بالحجر فيه أفضل، ومعلوم أن في العضو الممسوح كالرأس والخف على الرجل لا يكون الغسل بعد المسح أفضل، بل إقامة الغسل مقام المسح فيه مكروه.
(كان ظاهرًا لا خارجًا)؛ لأن الخارج هو ما يفارق مكانه، لأن الجلد إذا تقشر عن موضع ظهر ما تحته فلا يكون خارجًا، كمن يكون في البيت إذا رفع البنيان الذي كان هو مستترًا به يكون ظاهرًا لا خارجًا، وإنما يسمى خارجًا من البيت إذا فارق مكانه من الباطن إلى الظاهر.
(وأما الدفع بمعنى الوصف وذلك نوعان:)
(4/1896)

(أحدهما- ثابت بنفس الصيغة) كمعنى الخروج من لفظ الخروج، ومعنى المسح من لفظ المسح.
(والثاني- بمعناه الثابت باللفظ دلالة) يعني أن اللفظ يدل على ما ذكرنا من التأثير وهو أن المسح مؤثر في التخفيف، وظهر أثره في الشرع كالتيمم والمسح على الخف والجوارب والجبائر.
ألا ترى أنه يكره الغسل في مسح الرأس، والتكرار يقرب إلى الغسل فلا يسن، فكان اللفظ دالا على ما ذكرنا من الأثر فكان هذا المعنى ثابت به لغة وهو معنى قوله: بمعناه الثابت به دلالة، وما ذكرنا يتأتى في جميع المعاني المستنبطة من النصوص، وقد ذكرنا هذا في قول النبي عليه السلام: "الحنطة بالحنطة" إلى آخره، وكذلك هذا في الخارج الجنس من غير السبيلين الدفع
(4/1897)

أولا بما قال في الكتاب، (ولا يلزم إذا لم يسل)، لأنه ليس بخارج.
والدفع بالمعنى الثاني أن الخارج النجس له أثر في زوال الطهارة وإثبات التطهير، وما لم يسل ليس له أثر في زوال الطهارة، لأنه في معدنه.
(كالبيع يضاف إليه) أي المدبر.
وقوله: (لكنه امتنع حكمه لمانع كالبيع) هذا اللفظ بظاهره خرج على وفاق قول من يقول بجواز تخصيص العلة.
وأما على قول العامة ففي غصب المدبر يجعل أن السبب لم يوجد أصلًا فلا يتصور نقضًا.
(4/1898)

(ولا يلزم مال الباغي وما يجري مجراه) وهو إتلاف المكره بالقتل مال غيره أو مال قطاع الطرق، وكذلك دم شاهر السيف، فوجه اللزوم هو أن إتلاف مال الغير لإحياء المهجة موجود ومع ذلك انتفت عصمة المتلف حتى لا يجب الضمان على العادل إذا أتلف مال الباغي.
وكذلك لا يجب ضمان المال على من أتلف مال غيره بسبب الإكراه بالقتل.
والجواب عنهما: أن عصمة مال الباغي بطلت لمعنى آخر، وهو بغيه وتعديه قبل أن يتلفه العدل فلم يكن بطلان عصمة ماله بسبب الاستحلال لإحياء المهجة حتى ينتقض.
وكذلك عدم وجوب الضمان في صورة الإكراه على المكره، لأن المكره هناك صار بمنزلة الآلة للمكره كالسيف والخنجر لانتقال فعله إليه، ولا يجب الضمان على الآلة فكان ما قلناه من العلة (مطردًا لا منقوصًا؛ لأن غرضنا التسوية بين هذا) أي بين الخارج النجس من غير السبيلين (وذلك حدث)
(4/1899)

أي ودم الاستحاضة حدث، فإذا لزم أي دام واستمر.
(لأن غرضنا أن أصل الذكر الإخفاء) يعني أن الغرض التسوية بين التأمين وبين سائر الأذكار في أن الأصل هو الإخفاء وذلك ثابت إلا أن جهر الإمام بالتكبيرات لا لأنها ذكر بل لإعلام من خلفه بالانتقال من ركن إلى ركن والجهر بالآذان والإقامة لذلك، ولهذا لا يجهر المقتدي بالتكبيرات ولا يجهر المنفرد بالتكبيرات ولا بالآذان والإقامة فيندفع النقض ببيان الغرض المطلوب بالتعليل وهو التسوية بين هذا الذكر وبين سائر أذكار الصلاة.
(ومن صلى وحده أذن لنفسه) ولا يجهر بل إنما يؤذن على مقدار أن يسمع آذانه بنفسه.
***
(4/1900)

باب الترجيح
(الكلام في هذا الباب أربعة أضرب) , فوجه الإنحصار فيها هو الأمر الضروري, وذلك لأن الشروع في الكلام لا يصح بدون معرفة معناه, وتمام معرفة معناه إنما يستقيم أن لو ضبط جميع وجوهه.
وعند تعارض الوجهين من وجوه الترجيح لزم معرفة المخلص منه, لأن الأصل عدم التعارض, ووجوه الترجيح في نفسها لا يخلو من وجهين:
(4/1901)

صحيح وفاسد: فلذلك أتم وجوهها ببيان الفاسد منها وجه تقديم الصحيح منه على الفاسد ظاهر أن الصحيح موجود من كل وجه بخلاف الفاسد فإنه موجود من وجه دون وجه.
وقوله: (عبارة عن أحد المثلين) توسع في العبارة؛ إذ حقيقة الترجيح إثبات الرجحان وفيما نحن فيه هو إظهار فضل أحد المثلين على الآخر.
والدليل على ما قلته ما ذكره الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- بهذه العبارة, فقال الترجيح لغة: إظهار فضل في أحد جانبى المعادلة وصفا لا أصلًا أراد بقوله: ((وصفا)) تبعا لا يقوم بنفسه بل يقوم بغيره كالوصف الحقيقى للمخلقو ,فإنه عرض لا يقوم بنفسه بل يقوم بالعين كالرجحان في الميزان.
فإن المرجح فيه لا يدخل تحت الوزن منفردًا أي لا يكون له وزن بطريق
(4/1902)

الأصالة حتى إن العشرة يوزن بمقابلة العشرة مع الأحبة, ولا توضع للعشرة مع الحبة حجر على حدة بل حجر العشرة مع الحبة ,وتعارض العشرة بالعشرة مع الحبة لوجود المساواة بينهما في أصل الوزن أولًا ,ثم يثبت الرجحان للعشرة مع الحبة على العشرة المنفردة ,والرجحان أبدًا يقع بما لا عبرة له عند عدم المزيد عليه ,والجبة وإن كانت عينا تقوم بنفسها لكن لما لم يوضع لها مع العشرة حجر على حدة في الوزن كانت تبعا للعشرة كالوصف الحقيقى تبع للعين بإعتبار أنه عرض لا يقوم بنفسه بل يقوم بالعين.
(وقوله: كالدانق ونحوه في العشرة)
قال الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- نحو الحبة في العشرة.
وهذا قريب منه, فإن الدائق قيراطان, ذكره في ((المغرب)) وذكر في
(4/1903)

((الصحاح)) الدانق: سدس الدرهم, والدرهم: أربعة عشر قراطًا. قال النبى عليه السلام للوزان: ((زن وارجح تمامه ,فإنا معشر الأنبياء هكذا نزن)).
(ولم يجعله هبة) فوجه التمسك به على ما ادعاه هو أن النبي عليه
(4/1904)

السلام لم يعتبر الزيادة التى يقع بها الرجحان حتى أجاز الإرجاح في الوزن في قضاء الدين أو غيره, إذ لو اعتبر تلك الزيادة لكان تلك الزيادة هبة, ولما أجاز الإرجاح بها حينئذ لكون تلك الهبة هبة مشاعًا, وهبة المشاع لا تجوز فيما يقبل القسمة وهذا منه, أو لكونه إدخال الصفقة في الصفقة أي صفقة الهبة في صفقة قضاء الدين أوفى صفقة تسليم ثمن للبائع, وإدخال الصفقة في الصفقة منهي عنه.
(وإنما يقع) الترجيح (بوصف مؤكد لمعنى الركن) وذللك في أن يتعارض شهادة المستور مع شهادة العدل بأن أقام أحد المدعيين مستورين والآخر عدلين , فإنه يترجح الذي شهد له العدلان بظهور ما يؤكد معنى الصدق في شهادة شهوده, وكذلك في النسب أو النكاح لو ترجح حجة أحد الخصمين باتصال القضاء بها, لان ذلك مما يؤكد ركن الحجة, فإن بقضاء القاضى تمام معنى الحجة في الشهادة وتعين جانب الصدق (ولذلك لم يقع الترجيح بشاهد ثالث على الشاهدين: لانه لا يزيد الحجة قوة) , لأن
(4/1905)

القوة ما قام به القوة, وقيام شاهد ثالث بشاهدين لا يتصور, فلا تتصور زيادة القوة, والشاهد الثالث من جنس ما يقوم به الحجة فلا يجوز به الترجيح.
فإن قلت: الوصف الأول مسلم وهو أن الشاهد الثالث لا يتصور قيامه بشاهدين, وأما الوصف الثاني وهو أن الشاهد الثالث من جنس ما يقوم به الحجة فممنوع, لأن قبول شهادة الشاهد موقوف إلى وجود شاهد آخر بالنص ,فكان الواحد مما لا يقوم به الحجة.
قلت: لا نسلم, بل شهادة إمرأة واحدة تقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال وهو ظاهر, وذكر ((الإيضاح)): كما تقبل شهادة إمرأة واحدة في الولادة تقبل شهادة رجل واحد أيضًا عليها, وهذا كله شهادة بدلالة إشتراط لفظ الشهادة واختصاص مجلس القضاء والحرية والإسلام.
(وإنما يترجح النص بقوه فيه) على ما مر ذكره وهو: أن المحكم راجح
(4/1906)

على المفسر, والمفسر راجح على النص والظاهر.
(وكذلك قلنا نحن الشفعيين في الشقص الشائع) قيد بالشيوع ليكون متقفًا عليه. (المبيع بسهمين متفاوتين) بأن كانت الدار بين ثلاثة لأحدهم نصفها, وللآخر ثلثها, وللآخر سدسها, فباع صاحب السدس نصيبه إنهما سواء في استحقاق الشفعة.
(لأنه لم يرجح الكثير) , لأنه لو رجح صاحب الكثير لما جاز مزاحمة صاحب القليل إياه في استحقاق الشفعة, ولما أعطى له شيئًا من الشفعة لم أن المرجوح بمقابلة الراجح بمنزلة المعدوم, والمعدوم لا نصيب له من شيء.
(4/1907)

(فكان هذا منه غلطًا بأن جعل حكم العلة متولدًا من العلة) كالثمر والولد ,وهما متولدان من الشجر والأم.
وأما حكم الملك فلا يتصور تولده مع العلة ,لأن التولد يقتضى تأخر الولد عن الأم بأزمته, والحكم مع العلة يقترنان في الوجود كالضرب مع الألم والقطع مع الانقطاع.
فكذلك بطل جعل حكم العلة متولدًا من العلة ,وكذلك جعل الحكم منقسمًا على أجزاء العلة غلط أيضا, لأنه لم يثبت جميع أجزاء العلة لا يثبت الحكم أصلًا فجعل الحكم منقسمًا على أجزاء العلة قول بأن كل جزء من العلة علة لجزء من الحكم, وهذا باطل. (في ابني عم أحدهما أخ لأم)
(4/1908)

صورته أن يكون أخوان لأب وأم أو لأب لكل واحد منهما ابن ,فمات أحدهما وترك إمرأة وهى أم ابنه, فتزوج أخوه امرأته فولد له ابن, ثم مات هذا الأخ, ثم مات ابن الأخ المتوفى الأول وترك ابني عم أحدهما أخوه لأم.
(خلافًا لابن مسعود-رضى الله عنه) فإن ابن مسعود قال: يترجح ابن العم الذي هو أخ لأم: لأن لكل قرابة فيتقوى إحدى الجهتين بالجهة الأخرى بمنزلة أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب ,وإخذنا بقوله أكثر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين -لأن لعصوبة المستحقة بكونه ابن عم مخالف للمستحق للأخوة, ولهذا يكون استحقاق ابن العم العصوبة بعد استحقاق الأخ بدرجات.
والترجيح بقرابة الأم في استحقاق العصوبة إنما يكون عند اتحاد جهة
(4/1909)

العصوبة والاستواء في المنزلة كما في حق الأخرين ,فحينءذ يقع الترجيح بقرابة الأم: لأنه لا يستحق بها لعصوبة إبتداءًا ,فيجوز أن يتقوى بها علة لعصوبة في جانب الأخ لأب وأم: إذ الترجيح يكون بعد المعارضة والمساواة.
أما قرابة الأخوة فليست من جنس قرابة ابن العم حتى يتقوى بها لعصوبة الثابتة لابن العم الذي هو أخ لأم, بل يكون هذا النسب بمنزلة الزوجية, فيعتبر حال اجتماعهما في شخص واحد بحال إنفراد كل واحد من السيلين في شخص آخر: وقوله: (والمنزل واحد) وهو الأخوة.
(وليس كذلك فضل عدالة بعض الشهود على عدالة بعض) أي ليس مثل الرجحان الذي قلنا في الخبر بقوة الاتصال (مثاله) أي مثال الترجيح
(4/1910)

بقوة الأثر: (لأنه يرق ماءه على غنية وذلك حرام على كل حر) , لأن الإرقاق إهلاك من وجه, لأن الرق أثر الكفر والكفر موت فكان الإرقاق إهلاكًا معنى.
ألا ترى أن الإمام في الأسارى يتخير بين القتل والإرقاق.
(فأما أن يزداد أثر الرق ويتسع حله فلا) ففسر ازدياد أثر الرق في التضييق في الحل إلى النصف: لان للرق أثرًا في التنصيف في النعمة والمحنة لا في التضعيف على ما يجئ بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما أن يزداد أثر الرق في الاتساع في الحل فلا وعنده يلزم ذلك, لأن
(4/1911)

العبد قادر عنده على تزويج الأمة والحرة على ما ذكر في الكتاب, والحر ليس بقادر عليه, فيزداد أثر الرق في الاتساع في الحل على قود كلامه, لأنه يحل للعبد الحر والأمة, ولا يحل للحر إلا الحرة, فكان للحر نصف ما للعبد, فكان هذا نقض الأصول وعكس المعقول.
(حل لرسول الله عليه والسلام التسع أو إلى ما لا يتناهى)., قالت عائشة رضى الله عنها ((ما قبض رسول الله عليه السلام حتى أباح له من النساء ما شاء)).
وقوله: (لأن الإرقاق دون التضييع وذلك حائز بالعزل بإذن الحرة فالإرفاق أولى).
فإن قلت: لا نسلم قضية هذه النكتة, لأنه كم من شيء يجوز للإنسان أن يمتنع عن تحصيل أصله.
أم لو باشر في تحصيل أصله لا يجوز له أن يمتنع عن تحصيل وصه المرغوب, كصلاة التطوع فإن له أن بمتنع عن تحصيل صلاة التطوع في الأصل.
أما لو باشر في تحصيل صلاة التطوع كان عليه أن يحصل جميع شرائطها ورعاية أوصافها التى تلزم الكراهة عند فوتها, وكذلك النكاح كان للرجل أن
(4/1912)

يمتنع عن تحصيله ولو باشر تحصيله يجب عليه إحضار الشهود, وكذلك بيع الربا وسائر البياعات كان له أن يمتنع عن تحصيل أصله ولو باشر في تحصيل أصله يجب عليه تحصيل شرائط جوازه, فكذلك ها هنا جاز له أن يمتنع عن تحصيل أصل الولد بالتضييع بالعزل وغيره.
أما لو باشر في تحصيله لا يجوز له أن يمتنع عن تحصيل وصفة المرغوب وهو الحرية كما في النظائر: حيث لم يلزم من جواز الإمتناع عن الأصل جواز الإمتناع عن تحصيل وصف الكمال ,فكيف يثبت تحقيق الأولى؟
قلت: نعم كذلك, إلا أن الذي نحن بصدده ليس هو نظير ما ذكرته من المسائل, فإن ما ذكرته من المسائل ليس لها وجود شرعًا بدون تلك الشرائط التى ذكرتها, فكان في التزام أصلها شرائطها التى لا يوجد أصلها إلا بها ,فيجب عليه تحصيل تلك الشرائط لالتزامها معنى بحكم عقد الإسلام.
وأما الذي نحن بصدده فللأحرار وجود وللأرقاء وجود حسًا وشرعًا, فلم يلزم مباشرة الأصل من تحصيل الوصف, ولا شك أن وجود الأصل وهو المتبوع أولى من وجود وصفه الذي هو التبع, فلما جاز له الامتناع عن تحصيل الأصل بالتضييع بالعزل جاز له الإمتناع عن تحصيل وصفه الذي هو التبع بالطريق الأولى: لأن مرتبة التبع أدنى من مرتبة الأصل, والأولوية إنما تنشأ من دنو مرتبة التبع فينا للأصل وجود بدون ذلك التبع شرعًا, والذي
(4/1913)

نحن فيه منه.
(فإن نكاح الامة جائز لمن يملك سرية يستغني بها عنه) أي يستغني بتلك السرية عن إرقاق الولد: لأنها إذا ولدت عن مولاها يثبت النسب، ويكون الولد حرًا ,وكذلك من كان له أم ولد كان له أن يتزوج أمه مع غنيته عن إرقاق مائه , فعلم بهذا ,فعلم بهذا أن وصفة هذا ضعيف في حاله.
(لأن الرق من الموانع أي في الجملة) ألا ترى أن نكاح الأمة على نكاح الحرة ممنوع فكانت رقية الأمة مانعة لمن تحته حرة عن تزوجها.
(وكذلك الكفر) أي من الموانع ,حتى لا يجوز للمسلمة أن تتزوج
(4/1914)

الكتابي وإن كان عكسه جائزًا.
(وأثرهما مختلف) أي أثر الرق وأثر دين الكتابى مختلف, فإن أثر الرق التنصيف, وأثر دين الكتابى الخبث في الاعتقاد لا التنصيف.
وأما الجواب عن قوله: ((فإذا اجتمعا الحق بالكفر)) , فقلنا: لا نسلم أن
(4/1915)

كفر الكتابية يتغلظ برقها في حكم النكاح, بل الأمة الكتابية كالمسلمة في الحل بملك اليمين, فإنه لو كان يتغلط عند الاجتماع لم تحل بملك اليمين كالمجوسية لما قلنا من سقوط حرمة الإرقاق لما قلنا إنه يحل له العزل فالإرقاق أولى, لأن في العزل تضييع الأصل والوصف, وفي الارقاق تضييع الوصف, فلما جاز العزل وجب أن يجوز الإرقاق بالطريق الأولى.
فعلم بهذا أن نكاح الامة ليس بضروري, ولأن الرقيق في النصف الباقى مساو للحر, فكما أن نكاح الحرة يكون أصلًا مشروعًا لا بطريق الضرورة, فكذلك نكاح الأمة في النصف الباقى لها ونعتبره بالعبد بل أولى, لأن معنى عدم الضرورة في حق الأمة أظهر منه في حق العبد, فإنها تستمتع بمولاها بملك اليمين, والعبد لا طريق له سوى النكاح, ثم لم يجعل بقاء ما بقى في حق العبد بعد التنصيف بالرق ثابتًا بطريق الضرورة, ففي حق الأمة أولى.
(لكنه في حكم الاستحباب مثل نكاح الحرة الكتابية) يعني يستحب نكاح الحرة, ولا يستحب نكاح الأمة لا أن جواز نكاح الأمة ضروري, بل هو مطلق على ما قلنا كما قلنا في نكاح الحرة المسلمة مع نكاح الحرة الكتابية, يعني أن نكاح المسلمة مستحب, ونكاح الكتابية غير مستحب لكنه مطلق لا ضروري.
(4/1916)

فكذلك ها هنا (سوى بينهما) أي سوى بين الردة وإسلام أحد الزوجين في وقوع الفرقة يعنى بتعجيل الفرقة قبل الدخول في الفصلين وبعد الدخول عند انقضاء العدة في الفصلين, وعندنا إذا أسلم أحد الزوجين لا تقع الفرقة لا قبل الدخول ولا بعد الدخول, بل يعرض الإسلام على الآخر, فإن أسلم فهما على نكاحها, وإن أبى فرق القاضى بينهما وفى ردة أحدهما تتعجل الفرقة قبل الدخول وبعده لما بينهما من المنافاة فيفوت الغرض الأصلى من النكاح وهو الإزدواج بطريقة الموافقة.
(كما في الإيلاء واللعان والجب والعنة) فإن فيها فوات
(4/1917)

أغراض النكاح, وفي اللعان يفوت أغراض النكاح, لأنه نزل عليهما أحد المكروهين إما الغضب أو اللعن, وفي موضع ينزل اللعن أو الغضب إرتفعت البركة لا محالة فيفرق القاضى بينهما إن امتنع الزوج عن التفرق.
وكذلك في الإيلاء يفوت الغرض من النكاح وهو الإزدواج بينهما, لأنه آذاها بمنع الوطء عنها لفظًا, فإذا مضى على موجب تلفظه يقع الطلاق جزاء لظلمه عليها, وكذلك في الجب والعنة يفوت الغرض الأصلى من شرعية النكاح وهو التوالد والتناسل وقضاء الشهوة بطريق الحل بالنكاح, ثم لو استديم النكاح مع ذلك ربما تميل المرأة إلى غير الزوج فتقع في الزنا فتفسد الفراش, فيفرق القاضى بينهما دفعًا للضرر عنها, وحصل من هذا كله أن سبب الفرقة في هذا كله هو دفع ضرر الظلم عنها: لان ما هو المقصود بالنكاح وهو الاستمتاع فائت شرعًا, فيجعل تفريق القاضى بعد عرض الإسلام على الذي يأبى منهما سببًا لذلك وهو قوى الأثر, ويظهر ذلك بالرجوع إلى الأصول ,فغن التفريق باللعان وبسبب الجب والعنة والإيلاء كان ثابتًا بإعتبار هذا المعنى.
(وأما الردة) فهي غير موضوعة للفرقة بدليل صحتها ,حيث لا نكاح للمرتد, وبه فارق الطلاق وإذا لم تكن موضوعة للفرقة عرفنا أن حصول
(4/1918)

الفرقة بها لكونها منافية للنكاح حكماص, وذلك وصف مؤثر, ومع وجود المنافي لا يبقى النكاح, كالمحرمية بالرضاع والمصاهرة سواء داخل بها أو لم بدخل بها, ولأن حال الاتفاق دون حال الاختلاف فلم تصح التعدية إليه في تضاد حكمين.
بيانه أن ارتداد أحدهما اختلاف في الدين وخلاف بينهما, وارتدادهما اتفاق على الكفر ,فلم تصح التعدية من الوفاق إلى الخلاف, لأن الخلاف ليس نظير الوفاق بل هو ضده, فكان فيه تعدية من أحد الضدين إلى الضد الآخر وهو لا يجوز مع أن حكمهما مختلف ,فإن الاتفاق على الكفر لا يمنع إبتداء النكاح ولا بقاءه, الاختلاف يمنع ابتداء النكاح.
فعلم بهذا أن الاتفاق على الكفر دون الاختلاف فيه في منع النكاح فلا تضح التعدية منه إلى ما فوقه.
(4/1919)

((وهذا أكثر من أن يحصى).
ومن ذلك الأكثر ما علل الشافعى في عدد الطلاق أنه معتبر بحال الزوج, لأنه هو المالك للطلاق, وعدد الملك معتبر بحال المالك.
وقلنا نحن: الطلاق تصرف يملك بالنكاح فيتقدر بقدر ملك النكاح ,وذلك يختلف باختلاف حال المرأة في الرق والحرية, لأن الملك إنما يثبت في المحل باعتبار صفة الحل, والحل الذي بتبنى عليه النكاح في حق الأمة على نصف منه في حق الحرة فبقدر ذلك يثبت الملك, ثم بقدر الملك يتمكن المالك من الإبطال, كما أن بقدر ملك اليمين التمكن من إبطاله بالعتق حتى إذا كان له عبد واحد يملك إعتافًا واحدًا ,فأن كان له عبدان يملك إعتاقين.
وكذلك يظهر أثرها بالرجوع إلى الأصول حيث يختلف باختلاف حالها كما في القسم والعدة.
(4/1920)

(وكان من قضية الركن إكماله بالإطلالة في الركوع والسجود) لا تكراره بخلاف السجدة الثانية, لأن الكلام في التكرار بطريق السنة إكمالًا للفرض, والسجدة الثانية فرض على حدة ليست بمكملة الأولى.
وبقوله: (وفي كل ما لا يعقل تطهيرًا) احترز عن مسح الإستنجاء.
(وذلك وصف خاص في الباب) أي قوله: ((صوم فرض)) وصف خاص في باب العبادة.
وقولنا: عين يعم العبادات وغيرها من الودائع والغصوب, يعني أن
(4/1921)

الوديعة إذا ردت إلى صاحب الوديعة يخرج المودع عن العهدة بأى جهة ردت لتعين حقه, وكذلك المغضوب والمبيع بيعاص وفاسدًا إذا ردا يخرج من عليه ردهما عن العهدة باى جهة ردا سواء علم صاحب الحق به أو لم يعلم.
وقوله: (وعقد الإيمان) - روي بكسر الهمزة والياء التحتانية بنقطتين- يعنى إذا أقر بالإيمان بالله تعالى بأي وجه وجد الإقرار منه طوعًا أو كرهًا في حال السكر أو في حال الصحور يحكم بأنه مؤمن بالله تعالى: لتعين فرضية الإيمان عليه, فبالإطلاق يتأجى هذا الفرض وإن لم تعين الفرضية, لأن تعين الفرض عليه يغنى عن التعيين كما قلنا في صوم رمضان -وروي بفتح الهمزة- على أنه جمع بين يمين بمعنى الحلف, يعني إذا حلف بالله أنه لا يدخل هذه الدار مثلا ً ثم دخل ناسيًا أو مخطئا أو مكرهًا, فإنه يحنث لتعينه في يمينه.
وقوله: (ونحوها) كالسيف المحلى بالذهب أو بالفضة إذا بيع بجنس الحلية ,وقد أدى بعض ثمن السيف في المجلس ثم افتراقًا يتعين المؤدى للحلية سواء أطلق أو عين أو قال من ثمنهما لتعين بدل الحلية بالقبض, وعلى هذا مسائل الصرف كثيرة.
(إنها لا تضمن مراعاة لشرط ضمان العدوان) يعني أن شرط ضمان العدوان المماثلة.
(4/1922)

قال الله تعالى: (قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) , وقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)) فلا تضمن المنافع لفوت شرطه وهو المماثلة: لأن العرض لا يماثل العين وهو الذهب والفضة وهذا ظاهر.
(أن ما يتضمن بالعقد يتضمن بالإتلاف) أي أن المنافع مما تضمن بعقد الإجازة يجب أن تكون مضمونة بالإتلاف كما في الأعيان, وإن كان فيه فضل أي في الضمان فضل وهو العينية بالدراهم أو الدنانير على المضمون وهو المنافع, فإنها عرض, ولكن ذلك الفضل إنما يجب على المتعدي وهو الغاضب.
(4/1923)

(أو إهدار على المظلوم) أي أنه ولم نوجب الضمان على الظالم مع تلك الزيادة يلزم إهدار أصل حث المغضوب منه, (ولأنه إهدار وصف) وهو إهدار العينية على الظالم (أو إهدار أصل) وهو إهدار أصل حق المغضوب منه (فكان الأول أولى) أي الإهدار الأول من النكتتين أولى من الثاني في النكتتين, فكان قوله: ((فكان الأول)) راجعًا إلى الاول من كل واحدة من النكتتين.
والدليل على ما ذكرته ما ذكره الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- مفسرًا جيث قال: ثم هوى أي الشافعى- يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهورد به عليه من وجهين:
أحدهما: أنه إذا لم يكن بد من الإضارا بأحدهما فمراعة جانب المظلوم وإلحاق الخسران بالظالم بإيجاب الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم.
والثاني: أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض, وإذا قلنا لا يجب الضمان كان فيه إهدار حق المتلف عليه في أصل المالية, ولا شك أن الوصف دون الأصل.
(4/1924)

(ووضع الضمان على المعصوم) أي إسقاط الضمان عنه (مثل العادل يتلف مال الباغي) وماله معصوم بدليل وجوب الحفظ على الإمام (والفضل على المتعدي غير مشروع): لأن الظالم لا يظلم ولنتصف منه مع قيام حقه في ملكه, فمراعاة الوصف في الوجوب كمراعاة الأصل.
ألا ترى أن في القصاص الذي يبنى على المساواة التفاوت في الوصف, كالصحيحة مع الشلاء تمنع جريان القصاص, ولا ينظر إلى ترجيح جانب المظلوم وإلى ترجيح جانب الأصل على الوصف, يعني لو كان يد القاطع صحيحة ويد المقطوع شلاء فبقطع اليد الشلاء لا تقطع يد القاطع الصحيحة قصاصًا, لأن الأكمل لا يستوفى بالأنقص, ولم يقل فيه بالقطع مع أن فيه إهدار وصف في حق الظالم.
فعلم بهذا أن إهدار الفضل على المتعدى غير مشروع سواء كان ذلك في الأصل أو في الوصف, فعرفنا أن قوة القبات فيما قلنا.
وقوله: (بدون واسطة فعل العبد) احتزاز عن عقد الإجازة, فإن الجور فيه وهو إهدار الوصف بواسطة فعل العبد.
(4/1925)

(وذلك سائغ حسن) أي عدم إيجاب الضمان فيما لا يضمن بسبب عجزنا عن درك المماثلة جائز حسن كما في سجدة التلاوة إذا لم يسجد في الصلاة، وكالصلاة إذا فاتت في أيام التشريق في حق التكبير، وكذلك في حقوق العباد ما إذا أتلف مال الغير من ذوات القيم كما في الحيوانات فإن حق المتلف عليه في الصورة ساقط لعجزنا عن إثبات المماثلة في الصورة.
(والتأخير أهون من الإبطال) أي تأخير حق المغصوب منه إلى دار الجزاء أيسر من إبطال وصف مال الغاصب وهو العينية في الدراهم والدنانير، (وهذا كذلك في عامة الأحكام) أي تأخير حق المظلوم إلى دار الجزاء بسبب العجز عن إثبات المماثلة لحقه جائز ثبت ذلك.
كذلك في عامة الأحكام كما في الشتم الذي لا يوجب حد القذف، وكالضربة الواحدة التي هي غير موجبة للأرش والقصاص والغيبة والبهتان.
ثم قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وعلى هذا قلنا: إن ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على الطلاق قبل الدخول، وملك القصاص
(4/1926)

لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على العفو يعني أنه مؤخر إلى دار الجزاء.
(وأما ضمان العقد فباب خاص) جواب عن قوله: ((ما يضمن بالعقد يضمن بالإتلاف)) (فكان ما قلناه أولى)؛ لأنه عام منسحب على أصول كثيرة وهو من أسباب الترجيح.
(وأما الرابع- فهو) ترجيح بعدم الحكم عند عدم الوصف.
(4/1927)

(لأن ما قلنا ينعكس في بني الأعمام)؛ لأن قرابة بني الأعمام لما لم تكن محرمة للنكاح انعدم حكم العتق فيهم بالملك: (لأن وضع الزكاة في الكافر) أي في الكافر الأجنبي لا يحل.
(أنه مبيع عين) أي أن كل واحد من الطعام مبيع عين، فكان بمعنى ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- لأنه عين بعين، وينعدم هذا الحكم وهو عدم اشتراط التقابض عند انعدام هذا الوصف وهو العينية، فإن في باب الصرف اشتراط القبض من الجانبين؛ لأنه دين بدين، وفي السلم اشتراط القبض في رأس المال؛ لأن المسلم فيه (دين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه حرم ربا الفضل) كالذهب بالذهب والفضة بالفضة.
(4/1928)

(ولا ينعكس تعليله). ألا ترى أنه يشترط قبض رأس المال في المجلس في السلم وإن جمع العقد هناك بدلين لا يحرم التفاضل إذا قوبل كل واحد منهما بجنسه، فإنه لو جعل رأس مال السلم الثوب يشترط قبضه في المجلس أيضا، وإن كان لا يحرم التفاضل عند المقابلة بجنسه.
وأما القسم الثالث: وهو بيان المخلص عند تعارض وجوه الترجيح (إن كل موجود مما يحتمل الحدوث)، وبقوله: ((مما يحتمل الحدوث)) يحترز عن ذات الله تعالى، فإن اسم الموجود ينطلق عليه وهو متعال عن احتمال الحدوث.
(4/1929)

(لأن هذا راجح في ذات القرابة)؛ لأن قرابة الأخوة مقدمة على قرابة العمومة.
(والعم راجح بخالة) وهي قلة الواسطة في الذكر؛ لأنك تقول: هناك هو ابن ابن أخيه لأب وأم، وهاهنا تقول: هو عمه.
(لاستوائهما في الذات) أي في ذات قرابة الأخوة، (وكذلك العمة مع الخال لأب وأم) يعني أنهما إذا اجتمعا فللعمة الثلثان باعتبار أن المرجح في حقها معنى في ذات القرابة وهو الإدلاء بالأب، وفي الأخرى معنى في حالها
(4/1930)

وهو اتصالها من الجانبين بأم الميت.
(لأن الصنعة قائمة بذاتها من كل وجه) أي موجودة من كل وجه، ولا يراد بالقيام هاهنا ما يراد بقولهم: العين قائم بذاته، بل يراد ما يراد بقولهم العرض قائم بالعين أي موجود فيه، وبيان وجود الصنعة من كل وجه هو أن الثوب بعد الخياطة تغير هيئته واسمه المقصود منه، فتبدل الهيئة والاسم دليل على المغايرة صورة، وتبدل المقصود دليل على المغايرة معنى، وإذا ثبتت المغايرة صورة ومعنى إلى الثاني كان الثاني موجودا من كل وجه؛ إذ وجود الشيء الحادث إنما كان بصورته ومعناه.
فمن ضرورة ثبوت الثاني انعدام الأول؛ لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين، وإذا انعدام الأول بفعله صار ضامنا عليه وقد ملكه بالضمان.
(4/1931)

(وهي من ذلك الوجه تضاف على صنعة الغاصب) أي والعين من حيث الحدوث تضاف إلى صنعة الغاضب لتسمية العين باسم مصنوع كالقميص. والقباء دون الثوب، وهو المعنى متيلإه له: والصنعة قائمة من كل وجه والعين هالكة من كل وجه، فكان الترجيح للموجود على المعدوم.
وذكر في ((المبسوط)) فإن قيل: صاحب الثوب صاحب أصل، والغاصب صاحب وصف وهو جان، فكان مراعاة جانب الأصل أولى، فلماذا ينقطع حق صاحب الأصل؟
قلنا: لأن هذا الوصف قائم من كل وجه، والأصل قائم من وجه مستهلك من وجه؛ لأن الأصل كان ملكا للمغصوب منه مقصودا، والآن صار تبعا لملك غيره والتبع غير الأصل، ولهذا صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق بالشفعة، وانعدم منه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا.
(4/1932)

وإنما يترجح الأصل إذا كان قائما من كل وجه كما في مسألة الساحة، فإنها قائمة من كل وجه، صالحة لما كانت صالحة له قبل البناء تستحق بالشفعة كما كانت من قبل، فلهذا رجحنا هناك اعتبار حق صاحب الساحة.
وقوله: (ونحوها) كما إذا غصب الحنطة فطحنها أو غصب الحديد فاتخذه سيفا أو صفرا فاتخذه آنية.
(ضم الربح على أصله) وإن بعد من الحول؛ لأن المرجح هنا معنى في الذات وهو كونه نماء ثمن الإبل ليسقط بمقابلته اعتبار الحال في المال الآخر وهو القرب من الحول، وفي الأول وهو المال المستفاد لما استوى الجانبان فيما يرجع على الذات صرنا على الترجيح باعتبار الحال.
(4/1933)

وأما الرابع: أي الرابع من التقسيم الأول المذكور في أول باب الترجيح وهو قوله: (والرابع في الفاسد من وجوه الترجيح) (ترجيح القياس بقياس آخر)؛ لأن كل واحد منهما حجة شرعية لثبوت الحكم بها، فلا يكون إحداهما مرجحة للأخرى بمنزلة زيادة العدد في الشهود، وقد ذكرنا أن ما يصلح علة لا يصلح مرجحا، نظير هذا ما لو علل المعلل من طرف الشافعي في أن صائم رمضان لو أكل أو شرب متعمدا لا تجب الكفارة.
فقال: هذا أكل حرام عليه ناقص الأثر فلا يلحق بالوقاع في الغلظة كما لو وجدا في غير الملك، فإن الأكل هناك غير ملحق بالوقاع في إيجاب الحد فكذلك الأكل هاهنا لا يلحق بالوقاع في إيجاب الكفارة، ولأن كل واحد منهما مفسد للصوم، فلا يلحق هو بالوقاع كما في الحج، فإن الأكل هناك غير ملحق بالوقاع في إفساد الحج فكذلك هاهنا لا يلحق بالوقاع في إيجاب الكفارة.
ثم قال: قياسي الأول يرجح بقياسي الثاني، هذا وأمثاله لا يصح لما قلنا عن القياس علة بنفسه فلا يصلح أن يكون مرجحاً.
(4/1934)

فإن قلت: على هذا يجب عليك أن تفرق بين ثلاثة أشياء وهي: ترجيح القياس بقياس آخر، والترجيح بغلبة الأشباه، والترجيح بكثرة الأصول، فإن هذه كلها يتراءى أنها عبارة عن معنى واحد فبين أنها هكذا أو هي أشياء متغايرة المعاني متلازقة المباني.
قلت: بلى هي أشياء متغايرة المعاني متلازقة المباني. أما ترجيح القياس بقياس آخر فهو كما أريتكه من ترجيح الشافعي قياسه الأول بالثاني، فلكل واحد من القياسين وصف على حدة وأصل على حدة مع اتحاد الحكم وهو عدم إلحاق الأكل بالوقاع.
(وأما غلبة الأشباه) فهي أن يكون لوصفه أصل واحد، ولكن لذلك الأصل أوصاف جمة تشترك بين المقيس والمقيس عليه، كما قال الشافعي في: أن الأخ لا يعتق بالملك؛ لأن قرابة الأخ قرابة غير الولاد فلا يعتق بالملك كابن العم إذا ملك، وابن العم وهو المقيس عليه واحد لكن له أوصاف جمة يشترك الأخ فيها مع ابن العم على ما ذكر في الكتاب من جواز (وضع الزكاة وحل الحليلة وقبول الشهادة ووجوب القصاص من الطرفين).
وأما الترجيح بكثرة الأصول فهو: أن يؤخذ الترجيح من قوة الوصف بأن
(4/1935)

يظهر أثر ذلك الوصف لزيادة قوته في مواضع جمة كظهور أثر المسح في إثبات التخفيف في مواضع مختلفة، وكما قال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- في الأب: إنه لا يملك تزويج ابنته الصغيرة بأقل من صداق مثلها.
قالا: لأن ولاية الأب عليها مقيدة بشرط النظر، ثم معنى الضرر في هذا
(4/1936)

العقد ظاهر فلا يملكه الأب كما لا يملك بيع مالها بالغبن الفاحش، وظهر أثر هذا الوصف أيضا في تزويج أمتها، فإن الأب لا يملك تزويج أمة الصغيرة بأقل من مهر مثلها، وظهر أيضا في حق الاعتراض، فإن ابنته لو زوجت نفسها بمثل هذا المهر فللأولياء الاعتراض.
وفي غلبة الأشباه لما كان كل شبه وصفا على حدة ولكل واحد حكم على حدة كحل الحليلة، ووضع الزكاة، وقبول الشهادة، وجريان القصاص، كان كل واحد منها بمنزلة قياس على حدة؛ فلذلك شبه ذلك بترجيح القياس بقياس آخر، فيصير هو كترجيح القياس بقياس آخر، ولم يقل هو ترجيح القياس بقياس آخر؛ لأن المقيس عليه متحد فلا يكون هو ترجيح قياس بقياس آخر حقيقة.
وحاصلة أنه إذا اتحد الحكم والوصف مع اختلاف الأصول كان الترجيح به ترجيحا بكثرة الأصول وهو صحيح؛ لأن ذلك يدل على قوة ثبات الوصف في استدعاء ذلك الحكم الذي ادعاه المعلل، ولو اختلف الوصف والأصل مع
(4/1937)

اتحاد الحكم كان الترجيح به ترجيحا بقياس آخر وهو فاسد؛ لما ذكرنا، ولو اختلف الحكم والوصف مع اتحاد الأصل كان الترجيح به ترجيحا بغلبة الأشباه فكان فاسدا أيضا؛ لأن ذلك بمنزلة ترجيح القياس بقياس آخر، فكان ترجيح القياس بقياس آخر كترجيح الخبر بالخبر والكتاب بالكتاب.
والترجيح بكثرة الأصول كان بمنزلة ترجيح الخبر بسبب الشهرة وهو صحيح، فاغتنم فروق هذه الأصول، فإن مثل هذا لا يحصل إلا بإتعاب النفس بترك التواني وإحياء الليالي.
وقوله: (وما يجري مجراه) أراد به ترجيح أحد القياسين بالخبر فإنه فاسد؛ لأن القياس متروك بالخبر ولا يكون حجة في مقابلته، والمصير إلى الترجيح بعد وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا، وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص الكتاب فاسد؛ لأن الخبر لا يكون حجة في معارضة النص.
(يقضي على العام) أي يترجح عليه، ولأن معنى الخصوص والعموم يتبنى على الصيغة وذلك يكون في النصوص.
(4/1938)

اتحاد الحكم كان الترجيح به ترجيحا بقياس آخر وهو فاسد؛ لما ذكرنا، ولو اختلف الحكم والوصف مع اتحاد الأصل كان الترجيح به ترجيحا بغلبة الأشباه فكان فاسدا أيضا؛ لأن ذلك بمنزلة ترجيح القياس بقياس آخر، فكان ترجيح القياس بقياس آخر كترجيح الخبر بالخبر والكتاب بالكتاب.
والترجيح بكثرة الأصول كان بمنزلة ترجيح الخبر بسبب الشهرة وهو صحيح، فاغتنم فروق هذه الأصول، فإن مثل هذا لا يحصل إلا بإتعاب النفس بترك التواني وإحياء الليالي.
وقوله: (وما يجري مجراه) أراد به ترجيح أحد القياسين بالخبر فإنه فاسد؛ لأن القياس متروك بالخبر ولا يكون حجة في مقابلته، والمصير إلى الترجيح بعد وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما بينا، وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص الكتاب فاسد؛ لأن الخبر لا يكون حجة في معارضة النص.
(يقضي على العام) أي يترجح عليه، ولأن معنى الخصوص والعموم يبتني على الصيغة إنما يكون في النصوص.
(4/1939)

جعل نظمه حجة) وهو الكتاب، والله أعلم.
* * *
(4/1940)

باب وجوه دفع العلل الطردية
(وهو القسم الثاني من هذا الباب) أي باب وجوه دفع العلل الطردية من باب قسم وجوه دفع العلل الذي ذكر قبل هذا بسبع أوراق بقوله: العلل قسمان: طردية، ومؤثرة. فذكر هناك وجوه دفع العلل المؤثرة، وذكر هاهنا وجوه دفع العلل الطردية، فلما قدم هناك دفع العلل المؤثرة لزم تأخير وجوه دفع العلل الطردية، فسماه قسما ثانيا وإن كان هو في التقسيم وقع أولا.
(فهو أحق بالتقديم)؛ لأنه يرفع الخلاف، فالمصير إلى المنازعة عند تعذر المصير إلى الموافقة.
(4/1941)

وأما عند إمكان الموافقة فلا معنى للمصير إلى المنازعة (فإن غير العبارة) أي من التثليث إلى التكرار، وإنما غير إليه؛ لأن التثليث لا يقتضي اتحاد المحل على اذكر في الكتاب، والتكرار يقتضي اتحاد المحل فيحصل مقصود الخصم بهذا التغيير، لكن لا نسلم ثبوت سنة التكرار في الأصل بطريق الأصالة.
وهو معنى قوله: ((لم نسلم ذلك في الأصل)) أي لم نسلم سنية التكرار في غسل الوجه بطريق الأصالة، بل صير إليه لضرورة ضيق المحل (وتكميله بإطالته في محله إن أمكن) أي وتكميل الركن إنما يكون بإطالة الركن إذا أمكن إطالته، وإمكان إطالة الركن إنما يكون إذا لم يستغرق الفرض جميع المحل كما في مسح الرأس، فإن فرضه يحصل بمسح ربع الرأس عندنا وبما ينطلق عليه اسم المسح عند الخصم، فأمكن تكميل ذلك الفرض باستيعاب جميع الرأس بالمسح لبقاء كل جانب من جوانب الرأس لإقامة المفروض من المسح، فكان استيعاب جميعه تكميلا له كما في إطالة القيام والركوع
(4/1942)

والسجود في الصلاة، فإن فرض القيام يحصل بمجرد ما ينطلق عليه اسم القيام فإطالته بعد ذلك كان تكميلا له، وكذلك في الركوع والسجود، ثم يرد على هذا أن القيام والركوع والسجود بعد الإطالة يجب ألا يقع المطول بعد وجود مجرد القيام والركوع والسجود فرضا كما هو كذلك في مسح الرأس عند الاستيعاب حيث يقع هناك ما وراء الربع سنة.
والفرق بينهما ما ذكر في الكتاب بعد هذا بقوله: ((والجواب أن هذا خلاف الكتاب) أعني أن في مسح الرأس الباء في الكتاب دخلت في محل المسح فاقتضت تبعيض المسح، ولا كذلك في القيام وغيره فبقى على ما اقتضاه مطلق الكتاب من فرضية جميعه، ثم عدم إمكان تكميل الركن بالإطالة إنما يكون في محل إذا استغرق الفرض جميع المحل كما في غسل الوجه حيث لم يمكن العمل هناك بما هو الأصل في تكميل الركن وهو الإطالة؛ فلذلك صرنا في تكميله إلى التكرار للضرورة.
فعلم بهذا أن التكرار في غسل الوجه في حق التكميل لم يكن بطريق الأصالة، ولا ضرورة في حق مسح الرأس؛ لعدم استغراق الفرض جميع المحل فيعمل فيه بما هو الأصل في التكميل وهو الإطالة.
(4/1943)

فعلم بهذا أن معنى قوله: (وهو أن لا أثر للركنية في التكرار أصلا) أي بطريق الأصالة (ولا أثر لها في التكميل لا محالة) أي لا اختصاص للركنية في التكميل لا محالة؛ لأن التكميل كما هو مسنون في الركن كذلك هو مسنون في الذي ثبت رخصة كمسح الخف، فإن مسح الخف ليس بركن في الوضوء. هكذا صرح به في ((التقويم)).
وهذا لأن الركن ما يقوم به الشيء وينعدم بانعدامه، ومسح الخف شيء يجوز الوضوء بدونه؛ لأنه لو غسل قدمه لا يحتاج إلى مسح الخف.
أما غسل القدم فهو ركن في الوضوء؛ لأنه لا يجوز الوضوء بدونه إما بذاته أو بخلفه وهو المسح، وكذلك هو مسنون في الذي ثبت سنة كالمضمضة، لكن تكميلها إنما كان بالتكرار لاستيعاب سنة المضمضة جميع المحل.
(4/1944)

وكذلك هو مسنون في الذي ثبت أصالة كغسل الرجل، فكان تكميله أيضا بالتكرار لاستيعاب الأصل جميع محل الغسل.
فعلم بهذا أن الركن وغيره سواء في استحقاق التكميل، ولم يكن للركنية اختصاص بالتكميل. (بالمحظور) وهو الغسل أي غسل الرأس وهو محظور. (فقد أدى القول بموجب العلة إلى الممانعة) أراد بالممانعة ما ذكر من قوله: ((لا نسلم ذلك في الأصل)) أي كان جوابنا في التعليل الأول للخصم بطريق القول بموجب العلة وفي التعليل الثاني له كان جوابنا له بطريق المنع.
(وذلك غير مسلم على مذهبهم)؛ لأن مسح الرأس في مذهب الشافعي وأصحابه إذا وجد على وجه الاستيعاب لجميع الرأس كان كله فرضا ولا توجد السنة، فلا بد بعد وجود الفرض أن توجد السنة وذلك إنما يكون بالتكرار، وعندنا لما أدى الفرض بما مسح بعض الرأس كان استيعاب جميع الرأس بالمسح بعد ذلك سنة، فلا يحتاج بعد ذلك في إقامة السنة إلى التكرار بخلاف غسل الوجه، فإن الفرض لما استغرق محله في المرة الواحدة لم يمكن جعل بعضه سنة فاحتيج إلى إقامة السنة إلى التكرار ضرورة.
(4/1945)

وقوله: (وإذا كان كذلك لم يلزمه شيء من هذه الوجوه) أي وإذا كان فرض مسح الرأس يستوعب جميع الرأس إذا مسح كله عند الخصم لم يلزمه ما ذكرنا من أن المسح إذا وجد بكل الرأس كان قدر ربع الرأس فرضا وما بقي وهو ثلاثة أرباع الرأس كان بمنزلة التثليث بالمسح وهو أكثر، لأنه لما وقع مسح كل الرأس عند الفرض عنده لا يكون هذا القول الذي ذكرنا عليه حجة.
وقوله: (والجواب أن هذا خلاف الكتاب) أي جعل مسح جميع الرأس فرضا خلاف الكتاب، لأن الباء دخلت في محل المسح في الكتاب فاقتضت مسح بعض المحل لا استيعابه على ما ذكر في حروف المعاني.
فإن قلت: فمن أين وقع الفرق عندنا بين مسح جميع الرأس وبين إطالة القراءة حيث يقع في مسح الرأس ما وراء قدر الربع سنة وفي القراءة جميع ما أطال منها يقع فرضا؟
قلت: الفرق هو الذي ذكرت قبل هذا وهو أن الباء دخلت في محل المسح في الكتاب فاقتضت تبعيضه، ولا قيد في حق القراءة فدخل كل ما قرأ
(4/1946)

تحت قوله تعالى: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) فوقع جميعه فرضا.
(لكنه لا يمنع وجود ما يعينه) يعني سلمنا أن كونه صوم فرض يوجب التعيين ولكنه ليس بمانع شيئا يعين الصوم، وهاهنا وجد ما يعينه وهو انفراده في الشرعية وعدم المزاحمة، (فيكون إطلاقه تعيينا)، لأن هذا متوحد في الزمان فكان كالمتوحد في المكان فيصاب بمطلق نية الصوم، لأنه لا صوم شرعا سوى صوم رمضان.
(ولأنه لا يصح عندنا إلا بتعيين النية) أي يشترط التعيين عندنا أيضا كما قلتم، ولكن يحصل ذلك بالإطلاق.
(وعندنا لا يجب القضاء بالإفساد) يعني لا يجب القضاء بالإفساد مجردا ولا بالفساد مجردا، لوجود وجوب القضاء في كلا الوجهين، بل بمعنى آخر سواهما وهو أن فوات المضمون يوجب ضمان المثل لا باعتبار أنه إفساد
(4/1947)

ولا باعتبار أنه فاسد بل باعتبار كونه مضمونا عليه بالشروع وهو يوجب ضمان المثل عند الفوات.
ألا ترى أن المتيمم لو شرع في صلاة التطوع ثم رأى الماء فسدت صلاته وعليه القضاء.
فعلم بهذا أن القضاء غير مختص بالإفساد.
قلنا: (القرية عندنا بهذا الوصف) وهو الشروع والإفساد (لا تضمن، وإنما تضمن بوصف أنه يلتزم بالنذر) أي إنما تضمن هذه القربة وهي صلاة التطوع وصوم التطوع باعتبار أنه مما يلتزم بالنذر، فلذلك يجب بالشروع بخلاف الوضوء فإنه ليس مما يلتزم بالنذر، فلا يجب بالشروع، فكان هذا نظير الحج من حيث إنه لما كان يلتزم بالنذر التزم بالشروع بالإجماع فكذا نقول نحن في الصلاة والصوم.
وحاصله أن في الصلاة والصوم جهة أن كلا منهما لا يضمن بالشروع
(4/1948)

وهي كونه مما لا يمضي في فاسده فمن هذا الوجه لا يكون ملزما كالوضوء، وفيه أيضا جهة كونه مما يلتزم بالنذر فمن هذه الجهة يجب بالشروع كالحج، وعدم اللزوم باعتبار الوصف الذي قاله الخصم لا يمنع اللزوم باعتبار الوصف الذي قلنا، ولا بد من إضافة الحكم إلى الوصف الذي هو ركن تعليله فإن لم يجب باعتبار وصف فهو لا يدل على أنه لا يجب باعتبار وصف آخر.
(العبد مال فلا يتقدر بدله كالدابة) يعني أن رجلا إذا قتل عبدا خطأ يجب عند أبي يوسف والشافعي-رحمهما الله- قيمته بالغة ما بلغت كما في الدابة وغيرها، (وعندنا لا يتقدر بدله بهذا الوصف) أي بوصف المالية، لكن في العبد معنى آخر سوى المالية وهو الآدمية فيتقدر بدله عندنا باعتبار وصف الآدمية لا باعتبار وصف المالية.
(وهذا كلام حسن) أي القول باعتبار الجهتين بأن يقال: بجهة يتقدر بدله وبجهة لا يتقدر بدله.
(إن الموجود قد يكون ببعض صفاته حسنا وببعض صفاته رديئا)، وهذا يكثر أمثلته في المحسوسات والمعقولات والمشروعات، فإن السم رديء
(4/1949)

من وجه وهذا لا يشكل حسن وجه وهو أنه يقهر به العدو، وكذلك فعل الإنسان يقبح من وجه ويحسن من وجه كفعل العبد المشترك بين اثنين إذا كان مأمورا به من أحدهما منهيا عنه عن الآخر، فإذا وجد يتصف بما ذكرنا من الصفتين.
وكذلك الإنسان إذا وصف إنسانا بعيب فيه ويظهره لغيره ليحترز ذلك الغير عنه ولا يقع في بلية، كرجل أراد أن يزوج ابنته من ذلك الرجل وهو لا يقف على ما فيه من أخلاقه السيئة فيخبره غيره بما فيه من أخلاقه السيئة، كي لا تقع ابنته في بلية يكون هذا الإخبار عنه غيبة من وجه فيقبح وحسنا وجه لهذا المعنى إذا لم يكن في غرضه الغيبة بل هي في غرضه إصلاح حال الغير، وله نظائر كثيرة.
(ومن ذلك قولهم: أسلم مزروعا في مزروع) - إلى قوله: (وذلك لا يمنع وجود الفساد بدليله) وهو أن الجنس بانفراده يحرم النساء فيفسد عندنا لهذا الوصف لا لكونه مزروعا في مزروع كما إذا قرن بهذا السلم شرطا مفسدا يفسد بالاتفاق لا لكونه مزروعا في مزروع بل بقران شرط مفسد فكذلك هاهنا.
وكذلك يجوز أن يفسد العقد بترك قبض رأس المال في المجلس مع أنه أسلم مزروعاً في مزروع، فإذا جاز أن يفسد هذا العقد مع وجود هذا الوصف
(4/1950)

باعتبار معنى آخر بالاتفاق، فلماذا لا يجوز أن يفسد باعتبار الجنسية؟ فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة بان الجنسية لا تصلح علة لفساد هذا العقد بها إن أمكنه ذلك.
وكذا نقول في (المختلعة) إن الطلاق إنما يلحقها عندنا باعتبار (أنها معتدة عن نكاح صحيح)، وبقوله: "نكاح صحيح" يحترز عن الطلاق في العدة عن نكاح فاسد فإنه لا يقع فيه الطلاق وإن كانت معتدة.
وكذا (قولهم: تحرير في تكفير) بموجب إيمان المحرر لكن (إطلاق صاحب الشرع) وهو قوله تعالى: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) يسقط وصف الإيمان وجوبا يعني لا يجب بصفة الإيمان لكن يستحب ويستحسن.
(كالدين يسقط) يعني أن الموجب لوجوب الدين في الذمة لا يمنع إسقاط الدين بوجه آخر هو أن يسقط صاحب الدين بالإبراء فإنه يسقط وإن
(4/1951)

كان الموجب لثبوت الدين موجودا وهو البيع والإجارة والإقراض وغير ذلك، فكذلك هاهنا وإن كان سبب الوجوب ثابتا لكن صاحب الدين أسقط حقه.
(إنها أخذ مال الغير بلا تدين) أي بلا اعتقاد أنه حلال له، بخلاف الحربي إذا أخذ مال المسلم أو الباغي بتأويل أو العادل إذا أخذ مال الباغي حيث لا يجب الضمان، لأنه أخذ تدينا على اعتقاد أنه حلال له (فيوجب الضمان) كالغضب.
(فكذلك استيفاء الحد) يعني يسقط الضمان استيفاء الحد كالإبراء، ويرجع الخلاف إلى أن الحد هل يسقط الضمان عن السارق أم لا؟
(4/1952)

الفصل الثاني وهو الممانعة
(لأن كفار الفطر متعلقة بالفطر) أي بالفطر الذي يقع جناية متكاملة.
(4/1953)

(فلا بد من القول بالذات)، لأن المجازفة في الوصف في الأموال الربوية عقر بالإجماع، لأن الجودة والرداءة فيها سواء، وهذا في المال مانع للوصف الذي جعله علة أيضا، فإنه جعل بيع المطعوم بالمطعوم مجازفة علة للبطلان.
فنقول: لا نسلم بأن بيع التفاحة بالتفاحة مجازفة، لأن المجازفة نوعان: في الذات، وفي الوصف، والذي في الوصف لا يضر والذي في الذات لا يوجد، لأنه مجازفة على المعيار، والتفاحة لا تدخل تحت المعيار فلا تتحقق المجازفة فيها لما أن المجازفة إنما تعتبر في الأموال الربوية إذا توهم فيها المفاضلة، والمفاضلة إنما تكون بعد المساواة وتحقق المساواة إنما يكون بالمعيار الشرعي.
وأما إذا لم يتوهم فيه المفاضلة فلا: وحقيقة المذهب أن الجواز عندنا في هذه الأموال أصل والحرمة بواسطة المفاضلة على الكيل، وعنده الحرمة أصل والمساواة مخلص، ففي كل صورة لا تثبت المساواة إنما يحرم لعدم المخلص بصورته أي بأجزائه وحباته (وإن تفاوتا في الذات) أي في الأجزاء أو الحبات.
فعلم أن المجازفة بالصورة لا يضر، والمجازفة في المعيار هي العلة المحرمة،
(4/1954)

في الصبرة ولم توجد هي هاهنا فلا يحرم.
(لم نسلم له المجازفة مطلقة) أي لا نسلم أن مطلق المجازفة علة للحرمة، لأن المجازفة فيما دون الكيل لا يمنع الحل.
وقوله: (مع أن الكيل الذي يظهر به الجواز). يؤيد ما ذكرت أن عنده الحرمة أصل يعني أن عنده العلة الطعم بشرط الجنس مع أن الكيل يظهر به الجواز.
وقوله: (لا يعدم إلا الفضل على المعيار) تتمة ما سبق، وحاصله أن على قوله: إنه بيع مطعوم بمطعوم مجازفة، فكان باطلا يلزم أن يكون بيع الطعام بالطعام حراما وإن كيل لوجود المحرم وهو الطعم والجنس وأما الكيل فلا ينافيهما، لأنه لا ينافي إلا الفضل على المعيار فحسب، فعلى هذا التقدير كانت نكتته حجة عليه.
وهذا الحكم الذي ذكره مأخوذ من الأصل وهو الصبرة بالصبرة، فاعتبر المجازفة في الفرع بالمجازفة في الأصل، والذي ذكرنا من توهم الفضل على الكيل إنما يوجد هو في الأصل لا في الفرع فلا يكون في الفرع نظير الأصل، لأنه
(4/1955)

لا يوجد في الفرع البته فلا يصح القياس.
(إنها ثيب ترجى مشورتها) وإنما يقيدون بالمشورة للحديث المرفوع وهو قوله عليه السلام: "الثيب تشاور" ويقولون: إنها ثيب ترجى مشورتها إلى وقت معلوم فلا يزوجها وليها بدون رضاها كالنائمة والمغمى عليها.
(وأما المستحدث فلا يوجد في الأصل)، لأنه موجود في الحال.
(4/1956)

لا حاجة إلى هذا التفصيل يعني يشترط رأيها بلا تفصيل. قلنا حينئذ بموجب العلة، لأنا شرطنا رأيها أيضا لكنا أقمنا رأي الولي مقام رأيها.
(انتقض بالمجنونة) أي انتقض قول الخصم بالمجنونة، لأن حدوث رأيها غير مأيوس منه ومع هذا جاز تزويجها للولي، فعلم أن كل واحد منهما ليس بعلة للمنع عن الإنكاح.
(وأما المعدوم قبل الوجود فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) يعني أن الولاية كانت ثابتة له عليها قبل الثيوبة فلا يصلح عدم رأيها شرطا مانعا لثبوت ولايته، إذ الولاية كانت ثابتة مع تحقق عدم رأيها ولم تكن مانعا ولم يحدث بعده شيء يصلح مانعا أو لا يصلح المعدوم دليلا معارضا قاطعا لولاية الأب، لأن المعدوم لا يصلح معارضا لما يوجد في الحال فكيف يصلح معارضا رافعا لما كان ثابتا معنى؟
قوله: (فلا يحتمل أن يكون شرطا مانعا) أي مانعا من إثبات الولاية ابتداء بأن بلغت الولاية إلى الجد بعد الأب والصغيرة ثيب.
(أو دليلا قاطعا) للولاية بعدما كانت ثابتة في حق الأب، لأن الحكم لا يسبق العلة.
(4/1957)

فإن قلت: ما جوابنا عما تعلق به الشافعي بأن النبي عليه السلام قال: "الثيب تشاور". حيث علق هذا الحكم باسم مشتق من معنى وهو الثيوبة فيكون ذلك المعنى هو المعتبر في إثبات الحكم كما في الزاني والسارق في إيجاب الحد.
قلت: قال علماؤنا- رحمهم الله-: المراد به المبالغة، لأنه علق بما لا يتحقق إلا بعد البلوغ وهو المشاورة، وكونها أحق بنفسها إنما يتحقق في البالغة دون الصغيرة، ولئن ثبت أن الصغيرة مراده فالمراد المشورة على سبيل الندب دون الحتم كما أمر باستثمار أمهات البنات فقال: "واستأمروا النساء في أبصاع بناتهن" وكان ذلك بطريق الندب فهذا مثله. كذا في "المبسوط".
(وهذا الذي قلنا أمثلة ما يدخل في الفرع) يعني أن الذي قلنا من قوله: عقوبة متعلقة بالجماع فلا تجب بالأكل كحد الزنا "مما يصح منعه في الفرع لا في الأصل، فإن الحكم في الأصل كما ذكره الخصم فإن حد الزنا متعلق بالجماع لا غير.
(4/1958)

وأما في الفروع وهو كفارة الفطر فنحن نقول: لا نسلم أن كفارة الفطر متعلق بالجماع، بل بالفطر العمد الذي هو كامل في جنايته وكذلك في غيره، فإن حرمة بيع مطعوم بمطعوم مجازفة مسلم في الأصل وهو: بيع الصبرة بالصبرة. ممنوع في الفرع: وهو بيع التفاحة بالتفاحة، كذلك قوله: "ترجى مشورتها" مسلم في البالغة ممنوع في الصغيرة.
(وأما في القسم الآخر) الذي يذكر بعد هذا فإن المنع (في الأصل).
فنقول: (لا نسلم أن الاستنجاء طهارة مسح، وهما في طرفي نقيض) أي الغسل والمسح، فإن في أحدهما إكماله بالتكرار، وفي الآخر إكماله بنفي التكرار.
(يحقق عرضه) وهو التنقية (وفي الثاني يفسده) وهو أن التكرار يفسد المسح.
(4/1959)

(وهذا المعنى معدوم في هذا) أي استغراق الفرض محل نفسه معدوم في المسح، ثم النكتة الأولى لبيان أن الحكم هو المشروع في التكميل والثانية لإثبات سبب التكميل مشروعا في الأصل وهو الإطالة لا التكرار، (س) أي من قوله: لضرورة أن الفرض استغرق محله.
(لم نجده في الأصل) وهو القضاء، لأن التعيين بعد التعيين غير معتبر، (لم نجده في الفرع) وهو صوم رمضان، فإن التعيين هنا حاصل بتعيين الشرع، إذ المشروع في هذا الزمان صوم الفرض خاصة فغيره ليس بمشروع، فلا نجد حينئذ بدا من الرجوع إلى حرف المسألة، وهو أن نية التعيين هل
(4/1960)

يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينًا في ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره؟
(فيقال) له: (في الأصل) أي في الثيب البالغة (عدم الرأي غير مانع) كما في الثيب البالغة المجنونة.
(ومثل قوله: ما يثبت مهرًا دينًا يثبت سلما كالمقدر) أراد به أن السلم في الحيوان جائز عنده غير جائز عندنا.
فقال: الحيوان يثبت دينًا مهرًا فيثبت دينا في السلم, كالمقدر لما ثبت دينا مهرًا ثبت دينًا سلما. أراد بالمقدر الكيلات والموزونات سوى الذهب والفضة, فإنا نقول: ما معنى قولكم: ((يثبت دينا ً في الذمة)) أتريدون أنه يثبت معلومًا بوصفه أم بقيمته؟
فإن قال بوصفه منعنا ذلك في الأصل وهو المهر, فقد قامت الدلالة لنا
(4/1961)

على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرًا أن يكون معلوم الوصف حتى لو قال: شاة أو عبد أو بقر يجوز.
(وإن قالوا): تعني به معلوم المالية و (القيمة). منعنا ذلك في الفرع فإن الحيوان بعد ذكر الأوصاف يتفاوت في المالية تفاوتًا فاحشًا, وإنما قال في الفرع, لأن الأصل وهو المهر معلوم بالقيمة عندنا, ولهذا إذا أتى الزوج بما سمى من الحيوان تجبر المرأة على القبول وإذا أتى بقيمته تجبر أيضًا.
فعلم أنه معلوم بالقيمة, فاما في الفرع وهو السلم فغير معلوم بالقيمة فإن القيمة غير معتبرة في المسلم فيه, ولهذا يجب عنده تسليم الحيوان في السلم ولا يجوز تسليم القيمة. علم بهذا أنه غير معلوم بالقيمة فصح المنع.
(وإن قال: لا حاجة لي إلى هذا. قلنا: بل إليه حاجة) , لأنه لابد من التسوية بين الأصل والفرع ليصح القياس, وهما متفاوتان: لأن أحدهما وهو المهر يحتمل جهالة الوصف لما ذكرنا من صحة المهر في نوع من الحيوان.
والثاني وهو السلم لا يحتمل جهالة الوصف فلابد من البيان ليصح القياس, لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظير الأصل.
(4/1962)

(ومثله قولهم في بيع الطعام بالطعام) أي في اشتراط التقابض في المجلس قي بيع الطعام بالطعام إن العقد جمع بدلين يجري فيهما ربا الفضل (فيشترط التقابض كالأثمان).
فإنا نقول: أيش المراد من قولكم: ((فيشترط فيه التقابض)) هل هو التقابض لإزالة صفة الدينية أو لإثبات زيادة معنى الصيانة عن الربا وأحدهما يخالف الآخر؟ فلا بد من بيان هذا.
فإن قالوا: لمعنى الصيانة منعنا هذا الحكم في الأثمان فاشتراط التقابض هناك عندنا لإزالة صفة الدينياة, فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض والدين بالدين حرام شرعًا.
وإن قالوا: لإزالة صفة الدينية لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع, فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض, فلا يجد بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لإزالة صفة الدينية بل للصيانة عن معنى الربا أي على قول الشافعي بمنزلة المساواة في القدر.
(4/1963)

(قيل له: ماذا لا يجزئ وإنما سبق ذكر العتيق والأب وذلك لا يجزئ عندنا, فإن قال: وجب أن لا يجزئ عتقه قلنا به) , وبالفارسية: يعني كدامست كه روانيست, بدرستي ذكر عتيق وأب است كفارت روانيست وبس أكر بكويد كه أزاد شدن وى ز كفارت نيابت مي دارد بأن مي كويم جون بسبب عتق روانيست بسبب إعتاق رواست.
وقوله: (فإن قال: وجب أن لا يجزئ عتقه).
قلنا: لا يجوز عتقه عن الكفارة, لأن العتق ليس بفعل للمكفر بل هو أثر فعله في المحل, والواجب عليه فعل إختياري وهو التحرير, والتحرر ليس في وسعه, فيستحيل أن يكون هو فعله الغختياري فكيف يجوز عن الكفارة؟
(فإن قال: إعتاقه لم يوجد في الأصل) وهو الإرث لم يوجد منه صنع في الإرث, بل يعتق عليه من غير صنع منه, (ولم يقل به في الفرع)
(4/1964)

يعني أن الشافعي لم يقل بأن الابن يعتق الأب بالشراء, بل يقول: يسعى في تخليص أبيه عن الرق لا بطريق الإعتاق, لأن الشراء إثبات الملك والإعتاق إزالته, فيستحيل أن يكون إثبات الملك إزالة له, لكن لما ملك عتق من غير غعتاقه كما في الإرث.
إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة بالعتق, فنحن نقول في الفرع: لا تتأدى الكفارة بالعتق, إذ الكفارة تتأدى بفعل منسوب إلى المكفر, والعتق وصف في المحل ثابت شرعًا.
وإن عنيتم الإعتاق فهذا غير موجود في الأصل, لأنه لا صنع للوارث في الإرث حتى يصير به معتقا, وعند هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو: أن شراء القريب هل هو إعتاق بطريق أنه متمم علة العتق أو ليس
(4/1965)

بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك؟ لا (لأن ذلك ليس بمال) بل للشبهة البدلية والحدود تسقط بالشبهات.
(وفساد الوضع) في المعلل بمنزلة فساد أداء الشهادة (وهو فرق النقض) فإن النقض إذا صح يبطل الاطراد بعد ثبوت صحة العلة ظاهرًا, وإذا كان فاسدًا في الأصل لا يشتغل بالاطراد كما أن أداء الشهادة إذا فسد لا يشتغل بالتعديل فكان فساد الوضع أقوى في دفع العلل من المناقضة, لأنه يمكن تدارك النقض في الجملة بأن يبين إن هذا يتراءى نقضًا وليس بنقض في الحقيقة, كما يتراءى أن الاستنجاء نقض فيما تقدم من التعليل في مسح الرأس.
فأما إذا فسد التعليل في الوضع لا يمكن تداركه فإندفع علة الخصم أصلًا (مثل التعليل لإيجاد الفرقة بإسلام أحد الزوجين) فإنه فاسد في الوضع كما ذكر في الكتاب.
(وكذلك القول ببقاء النكاح مع ارتداد أحدهما) فاسد: لما عرف أن
(4/1966)

المرتد ليس من أهل النكاح, فكان القول ببقاء النكاح مع الردة فاسدًا في أصل الوضع.
(الصرورة): بالصاد المهملة: هو الذي لم يحج حجة الإسلام.
وقال الشافعي: الصرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض, لأن فرض هذه العبادة يتأدى بمطلق النية فيتأدى بنية النفل أيضًا كالزكاة.
(قلنا: هذا فاسد وضعًا): لأنه بهذا الطريق رد المفسر إلى المجمل (وحمل المقيد على المطلق) , والأمر على العكس, فإن العلماء اختلفوا في حمل المطلق على المقيد, ولم يقل احد بحمل المقيد على المطلق, فالأول يحتمل الجواز في الجملة.
وأما الثاني فلا يحتمل الجواز أصلًا, وهذا لأن المطلق ساكت غير متعرض
(4/1967)

للصفات لا بالنفي ولا بالإثبات, فاحتمل أن تثبت فيه صفة زائدة بدليل فيراد به المقيد.
وأما عكسه فلا يجوز أصلا ً وهو أن يقال: إن المراد من المقيد هو المطلق, لأن فيه إلغاء صفة زائدة منصوصة فيلزم منه نسخ المنطوق بالمسكوت والموجود بالمعدوم, فكان فيه مخالفة وضع الشرع وهو حمل المقيد على المطلق.
وأما الجواب عن فصل الزكاة: فإن قدر الزكاة جزء من ذلك النصاب المعين فيخرج عن عهده الزكاة بالتصدق بجميع النصاب يتعين حق الفقير فيه لتعين ذلك النصاب لأداء الزكاة منه حتى لو حلك النصاب قبل التمكن من الأداء تسقط عنه الزكاة بالإجماع.
وأما في مسألة الحج, فالواجب في الذمة وفي الذمة سعة, فيجوز أن ينوى عن النفل فيما أدى من الحج ويقع عنه نفلا وإن كان هو في حق الصرورة لعدم التعين عليه فافترقا.
(ومثله التعليل بالطعم لتحريم الربا اعتبارًا بالنكاح) والجامع عزتهما فإن الطعم له عزة وخطر فيشترط لورود الملك عليه شرط زائد وهو المساواة اعتبارًا بالنكاح, لأن النكاح عزة وخطرًا لورود الملك على البضع فاشترط فيه شرط زائد وهو إحضار الشهود وغيره, وهذا فاسد في الوضع, لما قلنا إن القوام يتعلق بالطعم بخلاف النكاح فإن الحرمة في البضع أصل, لأن الحرية
(4/1968)

تنافي الاستيلاء إذ في الاستيلاء نوع رق مناف للحرية ويتوقف على ما لا يتوقف عليه غيره اعتبارًا للأصل.
(لأن الطعم يقع به القوام) فكان السبيل في مثله التوسعة لا التضييق, لأن البيع في الأصل ما شرع إلا للحاجة, ولهذا اختص بالمال الذي هو بذلة لحوائج الناس, فصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب الحاجة إلى ذلك المال, لأن ما يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد, وذلك إنما يصلح علة لصحة العقد وتوسعة الأمر فيه لا للحرمة, لأن تأثير الحاجة في الإباحة كما في إباحة الميتة عند شدة الحاجة والضرورة.
وقوله: (فصلح للتحريم إلا بعارض) وهو النكاح عند وجود شرطه.
(ومثله قولهم في الجنون: أنه لما نافى الأداء نافى القضاء) يعني أن من جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم أنه لا يلزمه القضاء: لأن الخطاب ساقط عنه أصلًا, ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة أو استوعب الجنون الشهر في الصوم, ونحن نقول: هذا فاسد وضعا, لأن الحادث بالجنون عجز عن فهم
(4/1969)

الخطاب والائتمار بالأمر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة, لأن ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها والأهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنًا والجنون لا يبطل إيمانه, ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم, فكان سبب الوجوب متحققًا في حصه كما في النائم والمغمى عليه, والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب.
وذلك لا ينفي صحة الأداء فرضا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب فإنه بتأدى منه العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم يبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا بها, ومع ذلك إذا أداها كان فرضًا له.
ألا ترى انه لو جن بعد الشروع في الصوم بقى صائمًا, فكان التعليل بسقوط فعل الاداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقة أصلًا فاسدًا وضعًا مخالفًا للنص, وهو قوله عليه السلام: " ((من نام عن
(4/1970)

صلاة ...)) الحديث, ومخالفا للإجماع وهو في النائم والمغمى عليه والمسلم في دار الحرب وكونه أهلا لبقاء الصوم مع الجنون.
(ولا كلام في الحدود الفاصلة) أي لا نزاع فيها فإن الحد الفاصل من العسر واليسر والحرج والتخفيف ثابت بالنص والإجماع, أو معناه ليس كلامنا للتفرقة بين ما يصلح للحرج وبين ما لا يصلح, بل كلامنا في أن ما ليس فيه الحرج وهو القليل على الكثير بان يقال لما لم يجب قي صورة الكثير لم يجب في صورة القليل.
ألا ترى أنا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات: لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة, والصلاة تلزمها في اليوم والليلة خمس مرات, فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر وهو حرج عظيم, ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم, لان فرضية الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر الحيض في ذلك الشهر عشرة أيام, فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون فيه كثير حرج, ولا يؤدي إلى تضاعف الواجب في وقته.
(4/1971)

(والبياعات تخالف التبرعات) , هذا وجوب عن قياس الشافعي فإنه يقول: النقود تتعين في عقود المعاوضات, لأنها تتعين في التبرعات كالهبة والصدقة فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع.
قلنا: هذا التعليل فاسد وضعا, فإن التبرعات مشروعة في الأصل للإيثار بالعين لا لايجاب شيء منها في الذمة, والمعاوضات لإيجاب البدل منها في الذمة إبتداء.
ألا ترى أن البيع في العرف إنما يكون بثمن يجب في الذمة ابتداء فكان اعتبار ما هو مشروع للإلزام في الذمة ابتداء بما هو مشروع في الأعيان لنقل الملك واليد من شخص إلى شخص في حكم التعيين فاسدًا في الوضع, وقوله: (هذه للإيثار) أي التبرعات لإيثار المتبرع به وهو عين على المتبرع عليه, فاقتضى ذلك تعين المتبرع به لا محالة.
(وهذه لالتزام الديون) أي البياعات شرعت في أصلها لالتزام الديون في الذمة.
(4/1972)

ألا ترى أن الأثمان تجب في الذمة في البياعات بدون الضرورة فإن كانت الدراهم في يده حاضرة وقد اشترى السلعة مطلقا يجب ثمن السلعة في ذمته بالاتفاق, ولا يتعين تلك الدراهم التي في يده الثمن.
علم بهذا أن البياعات أصلها في التزام الديون في الذمة.
(فبطلت وجوه المقاييس في ذلك جملة) أي القياس على الغضب والوديعة والتبرعات والوكالة باطل لوجوه المقاييس وهى القياس الظاهر, والقياس الظاهر والقياس الخفي الذي هو الإستحسان والقياس بالعلل الطردية والاخالة والعلل المؤثرة, لأنه لما كان فاسدًا في الوضع لا يتأتى فيه لا القياس ولا الاستحسان ولا غيرهما, لأن الكل يفتقر إلى صلاح الوصف وهو لا يكون صالحًا مع فساد الوضع فبطل جميع وجوه القياس.
وقوله: (وفي قدر الوظيفة) أما عندنا, فلأن الاستيعاب في التيمم ليس بشرط في رواية الحسن عن أبى حنيفة -رحمهما الله ... وأما عند الشافعي فلأن
(4/1973)

التيمم إلى الرسغ.
(وفي نفس الفعل) , فإن الوضوء غسل, والتيمم مسح.
(انتقض ذلك بغسل الثوب والبدن) فإن ذلك الغسل طهارة أيضًا ولم تشترط فيه النية.
(بأن الماء في هذا الباب عامل بطبعه) أي عامل للطهارة قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) والطهور هو: الطاهر بنفسه والمطهر لغيره وهو يعمل في التطهير عند الإستعمال من غير النية كالنار تعمل الإحراق من غير النية.
(4/1974)

(لأن مخرج النجاسة غير موضوف بالحدث) هذا لبيان ألا يقال: القياس غسل المخرج فغسل الأعضاء الأربعة كان بخلاف القياس.
فقال: القياس غسل كل البدن بعدما ثبت الحدث في البدن على ما نبين (فوجب غسل كله) كالجنابة والحيض النفاس (فلم يكن التعدي عن موضع الحدث إلا قياسًا).
والأصل في هذا أن الإنسان إذا اتصف بصفة وقامت تلك الصفة ببعض البدن كان جميع البدن متصفًا بتلك الصفة, كما يقال: فلان عالم سميع بصير وإن كان هو يسمع بأذنه ويعلم بقلبه ويبصر بعينه, وجعلت تلك المجال بمنزلة الآلة والحدث من هذا القبيل, فإذا خرج من موضع اتصف جميع البدن به يقال: إنه محدث.
فعلم بهذا أن تعدي الحدث من محل الحدث إلى جميع البدن لم يكن إلا بطريق القياس على كونه سيعًا وبصيرا وعالمًا على ما ذكرنا, كما أنه يقال هناك: فلان عالم وإن قيام العلم بقلبه, فكذلك يقال: فلان محدث وإن كان قيام الحدث على الحقيقة بمحل مخصوص, إلا أن الاختصار على الأعضاء الأربعة مع المقتضي بوجوب غسل جميع البدن بخلاف القياس.
(4/1975)

(وإنما نعني) وفي هذا نسخ بالنون وهو الظاهر، وبياء الغائب مع البناء على المفعول، وإنما يعبر عن التغيير على بناء المفعول، وإنما تغير على صيغة الفعل الماضي من التغير.
(بالنص الذي لا يعقل وصف محل الحدث من الطهارة إلى الخبث) أي الحدث أي هذه الأعضاء كانت طاهرة فاتصافها بكونها نجسة من غير قيام النجاسة بها حقيقة معنى لا يدرك بالعقل.
(والنية للفعل القائم بالماء لا للوصف القائم بالمحل) أي أن اشتراط النية ليصير الماء مطهرًا ويصير غسل هذه الأعضاء قربة؛ لأن الشرط عند الخصم نية رفع الحدث، ورفع الحدث يحصل بفعل الماء وهو يظهر بطبعه فلا حاجة إلى النية.
(ومسح الرأس ملحق بالغسل) هذا جواب عن قول من يقول: ينبغي أن تشترط النية في مسح الرأس؛ لأنه لا يعقل الرأس مطهرًا فصار كمسح التيمم في استدعائه النية.
(4/1976)

فأجاب عنه بقوله: إنه ملحق بالغسل لإقامته بالماء كما في الغسل، وبهذا خرج الجواب عن شبهة ترد على هذا القول وهي: أن التيمم قائم مقام الوضوء ينبغي على هذا أن لا تشترط النية في التيمم كما لا تشترط في حق الوضوء الذي كان التيمم نائبًا عنه. قلنا: لتيمم وإن كان نائبًا عن الوضوء لكن هويقام بالتراب لا بالماء، والتراب في أصله غير موضوع للتطهير، بل للتلويث، فمع نية التطهير كان قائمًا مقامه لا عند عرائه عن النية.
(ولا يجوز أن تشترط) أي النية (لتصير قربة) أي لا يجوز أن يكون الاختلاف لهذا؛ لأن النية ليصير التيمم قربة شرط بالإجماع ولا نزاع في هذا، ولكن النزاع أن الصلاة هل تفتر إلى كون الوضوء قربة؟
(فكانت حجة في موضع الضرورة) كما في البكارة والعيوب في الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال.
(4/1977)

(وما يبتذل في العادة) كالماليات (إلا أن فيها ضرب شبهة) باعتبار نقصان عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان بكثرة غفلتهن؛ ولهذا ضمت إحدى المرأتين إلى الأخرى لتكونا كرجل واحد في الشهادة أو فيها شبهة الدلية.
(فكان فوق ما يسقط بالشبهات) يعني أن النكاح مندو مسنون فيحتاط في إثباته، ولهذا يثبت مع الهزل والكره من غير الرضا فكان فوق ما يسقط بالشبهات وهو الحد.
ألا ترى أن الشاهد إذا رجع بعد القضاء قبل الإمضاء لا يحد ويسقط الحد وفي النكاح لا يبطل النكاح، وكذلك النكاح لا يفسد بالشروط بل يبطل الشروط، وذلك كله دليل على أن النكاح أسرع ثبوتًا من المال، فلما ثبت المال بشهادة النساء مع الرجال فلأن يثبت بها النكاح أولى، وفي بعض النسخ: "فكان فوق ما لا يسقط بالشبهات" أراد به الأموال، فإن حقوق العباد في الأموال لا تسقط بالشبهات.
(4/1978)

باب وجوه الانتقال
(الأول الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الأولى)
كان شيخي- رحمه الله- يقول: نظير هذا من القرآن قوله تعالى: (ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ والْفَحْشَاءِ وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) حيث علل النهي عن اتباع خطوات الشيطان بأنه لكم عدو مبين وأثبت حكمة النهي به، ثم علل عداوته للمخاطبين بقوله: (إنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ والْفَحْشَاءِ) وكان يقول بالفارسية: همجنان كه در مستنبطات علت هست وعلت علت هست در منصوصات نيز علت هست وعلت علت هست.
بعد أز آن آيت را هم مي خواند
(4/1979)

كه قوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) حيث علل استواء السر والجهر عنده في أنه معلوم له بقوله: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ثم علل علمه بذات الصدور بقوله: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) يعني: سرًا را مي داند وجهرا را مي راند. بعدأزآن آنرا تعليل كرد بر اين كه او نداند آن خداي كه انرا أفريده است، وشرط أفريدن دانستن است.
وهذه الآية أيضا رد على المعتزلة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة لهم وهم لا يعلمون كيفية أفعالهم وكميتها في الحسن والقبح، وقدر ما يقطع من الزمان في تحصيل ذلك الفعل، فكيف يكونون خالقين لأفعالهم وشرط الخلق غير موجود؟
(4/1980)

وذكر في الكتاب نظير ما ذكره في (الصبي المودع إذا استهلك الوديعة لم يضمن) إلى آخره.
وذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- فقال: وكذلك إذا علل بقياس فقال خصمه: القياس عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بقول الصحابي، فيقولخصمه: قول الواحد من الصحابي عندي ليس بحجة، فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد، فيقول خصمه: خبر الواحد عندي ليس بحجة، فيحتج بالكتاب على أن خبر الواحد حجة، فإنه يكون طريقًا مستقيمًا ويكون هذا كله سعيًا في إثبات ما رام إثباته في الابتداء.
(وكذلك إذا ادعى حكما بوصف)، وهذا نظير الوجه الثاني.
(كالإجازة والبيع) فجواز الصرف إلى الكفارة بعد الإجازة ظاهر فإنه على ملك المؤاجر بعد عقد الإجارة، وأما بعد البيع فالمراد منه أن البيع لا
(4/1981)

يخرج العبد المبيع عن محلية الكفارة، فإن المتبايعين إذا تقايلًا فللبائع أن يكفر عن كفارته أو باع بشرط الخيار للبائع.
(فإن قال: عندي لا يمنع هذا العقد) أي لو قال الخصم: عندي عقد الكتابة لا يخرج الرقبة من الصلاحية للكفارة ولكن نقصان الرق الذي حصل من عقد الكتابة هو يخرج الرقبة من ذلك
فنقول: بهذه العلة يجب ألا يتمكن نقصان في الرق؛ لأن ما يمكن نقصانا في الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ كالتدبير، فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى أيضا وهو نهاية في الحذافة.
وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى فأراد إثباته بعلة أخرى وهذا هو الوجه الثالث وهذا صحيح أيضًا؛ لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الأحكام بالعلة الأولى، وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة أخرى ولا يكون هذا انقطاعًا منه.
(4/1982)

وحاصله أنه إذا لم يتعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى كما في الوجه الثاني أو تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى وانتقل إلى العلة الأخرى كما في الوجه الثالث فإنه لا يكون انقطاعًا.
فكان قوله: (وإذا علل بوصف آخر) نظير الوجه الثالث يعني وإذا علل بوصف آخر لحكم آخر أي للحكم الثاني الذي أثبت ذلك الحكم في الوجه الثاني بالوصف الأول علل ذلك الحكم الثاني بالوصف الآخر غير الوصف الأول حين تعذر إثبات الحكم الثاني بالوصف الأول.
نحو أن يقول: يجب ألا يتمكن نقصان في الرق بعقد الكتابة؛ لأنا أجمعنا أن بعقد الكتابة عدم ثبوت العتق فلا يثبت من ضرورة ذلك نقصان في الرق؛ لأن الرق وصف غير متجز، فلو قلنا بنقصان الرق يلزم تجزيه وهو ليس بثابت بالإجماع، فأثبت عدم تمكن النقصان في الرق بوصف آخر حين تعذر إثباته بالوصف الأول وهو قوله: إن الكتابة عقد محتمل الفسخ بالإقالة إلى آخره. إلى هذا أشار الإمام المحقق شمس الأئمة رحمه الله.
(4/1983)

وقال الإمام مولانا حميد الدين- رحمه الله نظير القسم الثالث من الانتقال بقولهم: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كل واحد من الوصف والحكم فانتقل فقال: فرض في الوضوء فيسن تكراره فانتقل من العلة الأولى وهي الركن إلى العلة الثانية وهي الفرض، وانتقل من الحكم الأول وهو يسن تتليثه إلى حكم آخر وهو يسن تكراره.
ولكن في هذا ضرب غفلة؛ حيث لم يعلل على وجه لا يحتاج إلى الانتقال، لكن النظير الذي ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- الأمتن والأقوى يعرف ذلك بالتأمل.
ثم ذكر الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- هنا وجوه الانتقال وهي أربعة:
أحدها: السكوت وهو اظهرها كما كان للعين عند إظهار الخليل صلوات الله عليه.
(4/1984)

والثاني: جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة.
والثالث: المنع بعد التسليم.
والرابع: الانتقال إلى علة أخرى بإثبات الحكم الأول، والله أعلم.
(4/1985)

باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط
ذكر في الكتاب مناسبة إلحاق هذا الباب بما قبله بقوله: (فألحقناها بهذا الباب ليكون وسيلة إليه بعد إحكام طرق التعليل)، ولكن هذه المناسبة التي ذكرها تقتضي أن يقدم هذا الباب على باب القياس؛ لان الوسيلة مقدمة على المقصود، وقد ذكرنا جوابه وما يلحق به في الوافي.
(4/1986)

ثم اعلم: أن المراد من حق الله تعالى هو ما كانت منفعته عامة، ومن حق العباد ما كانت منفعته خاصة. هكذا نقل عن الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردي رحمه الله.
وقوله: (وعقوبات) سميت العقوبة عقوبة؛ لأنها تعقب الجنايات.
(4/1987)

(وهي ثلاثة أنواع): أي العبادات ثلاثة أنواع.
(فانقلب) أي الإقرار انقلب (ركنا في أحكام الدنيا والآخرة).
أما في أحكام الدنيا فظاهر وهو إنما نحكم بكونه مؤمنًا عند الناس ويعامل به معاملة المؤمنين في الدنيا إذا أقر بإيمانه.
وأما في أحكام الآخرة فقد ذكر في هذا الكتاب في باب بيان صفة الحسن للمأمور به: فمن صدق بقلبه وترك البيان من غير عذر لم يكن مؤمنًا أي عند الله تعالى أيضًا وهو مذهب الفقهاء، ومن لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من البيان وكان مختارًا في التصديق كان مؤمنًا أي بالإجماع أن يحقق ذلك،
(4/1988)

وإنما كان هكذا لأن المصدق بالقلب عن اختيار يقر بلسانه لا محالة، فإذا لم يقر لم يكن مؤمنًا عند الفقهاء على ما ذكرنا هناك.
(وهو أصل في أحكام الدنيا أيضًا) أي الإقرار بالإيمان أصل الأحكام في الدنيا مع كونه دليلًا على الإيمان، ثم استدل على ركنيته بقوله: (حتى إذا أكره الكافر على الإيمان فآمن صح إيمانه) مع علمنا ظاهرًا بأنه لا تصديق في
(4/1989)

قلبه؛ لأن من آمن لقيام السيف على قفاه. كان هو دليلًا على عدم التصديق في قلبه، ومع ذلك حكم بإيمانه؛ لوجود أحد الركنين وهو الإقرار؛ لأن "الإسلام يعلو ولا يعلى" فلذلك جعلناه أصلًا في هذا، وكذلك هذه التفرقة بين الإيمان والردة في حق السكران فإن إيمانه يصح وردته لا تصح؛ لما قلنا بأن "الإسلام يعلو ولا يعلى"، ولأن فيه سعيًا في جعله مؤمنًا تكثيرًا لسواد المسلمين، فإنه يمنع بعد ذلك عن الكفر قهرًا وجبرًا، فربما يحمله ذلك على الإيمان بطريق الإخلاص، وفي الردة بقي على الأصل لهذين المعنيين لما أن الأداء في الردة دليل محض ليس بركن بدليل وجود الردة بدون أداء لفظ
(4/1990)

الردة، ولأن في جعلنا مسلمًا بمجرد إقراره طوعًا أو كرهًا حكمة أيضًا وهي رد طعن الكفار؛ لئلا يقولوا إنهم يقبلون من شاؤوا ولا يقبلون من شاؤوا، ومن كان لهم فيه نفع يقبلون وإلا لا يقبلون.
(وهي عماد الدين) ما خلت عنها الشريعة المسلمين، وهي تشمل الخدمة بظاهر الإنسان بالأفعال الدالة على التواضع والانقياد مع النظافة من جميع ما يتصل به وباطنه من النية والإخلاص والخضوع، فلذلك كانت هي اقوى من سائر العبادات.
(والأولى صارت بواسطة القبلة التي هي جماد، وهذه صارت قربة بواسطة الفقير الذي له ضرب استحقاق في المصرف)، ولما كانت واسطة الصلاة جمادًا كانت تلك الواسطة كأنها ليست بواسطة أصلًا؛ لأن وجود الشيء الذي لا اختيار له غير معتبر في كونه واسطة.
ألا ترى أن من حل قيد عبد فأبق لا يضمن الحال، ولو حل فم زق دهن
(4/1991)

فسال يضمن؛ لأن إباق العبد لما كان باختياره طع فعل الحال لوجود الواسطة المعتبرة بين حل الحال وبين هلاك العبد بالإباق، ولم يعتبر سيلات الدهن واسطة؛ لعدم اختياره فبقي التلف مضافًا إلى من حل فم الزق، فلما كانت الواسطة في الصلاة أقل كانت هي أقرب إلى الإيمان من غيرها.
(ثم الصوم قربة يتعلق بنعمة البدن) يعني أن الصوم يجب على العبد بطريق الرياضة للنفس؛ ليكون أصلح لعبادة الخالق كرياضة المركب ليصلح لركوب السلطان فكان (ملحقًا بالصلاة)؛ لأن العدو إذا قهر يصير منقادًا فيعبد الله تعالى على قطع العلائق وهي الشهوات المركبة فيه، فكان دون الصلاة؛ لأن كف النفس الشهوية عن مقتضياتها وهي شهوة البطن والفرج موجود في الصلاة وزيادة، وفي الصوم لا يوجد إلا هذا فكان دون الصلاة وملحقاتها.
(وهي دون الواسطتين الأوليين) أي النفس أدون وأحقر من الكعبة والفقير فإنهما معظمان، فكانت العبادة التي كانت واسطتها أدون من تينك الواسطتين أدون من تينك العبادتين؛ لما أحن حسن هذه العبادات بسبب هذه الوسائط، فلذلك أثر انحطاط رتبة الواسطة وعظمتها في انحطاط هذه العبادات وعظمتها.
أو لأن الواسطة في الصلاة والزكاة غير العابد وهي خارجة عنه، والنفس
(4/1992)

ليست بخارجة عن العابد، بل هي نفس العابد والشيء لا يكون واسطة لنفسه، فعلى هذا ينبغي أن يكون الصوم أفضل من الصلاة والزكاة، لكنه لما كان للرياضة على ما قلنا كان وسيلة لتكون النفس منقادة لسائر العبادات فكان بمنزلة التبع للصلاة والزكاة، وكل واحدة منهما أصل بنفسها؛ فلذلك كانت الصلاة والزكاة أقوى من الصوم (حتى صارت من جنس الجهاد) أي حتى صارت قربة الصوم من جنس الجهاد؛ لأن الصوم قهر النفس وهي عدو الله فكان قهره من جنس الجهاد. يؤيده قوله عليه السلام: "الجهاد جهادات، أحدهما أفضل من الآخر، وهو أن تجاهد نفسك وهواك".
وقوله: "حتى صارت من جنس الجهاد" متصل بقوله: "لا يصير قربة إلا بواسطة النفس"؛ لأن كونه قربة لما كان بواسطة النفس وهي أمارة بالسوء كان قهرها جهادًا.
(فكانت دون الصوم) أي عبادة الحج دون عبادة الصوم؛ لأن الصوم معقول حسنه؛ لأنه قهر عدو الله وهو مما يدرك العقل حسنه.
أما أفعال الحج فمما لا يدرك بالعقل حسنها، فكان ذلك دون الصوم من
(4/1993)

هذا الوجه. (كأنها وسيلة إليه) أي إلى الصوم؛ لأ الصوم هو: الامتناع عن الشهوات، والحج لا يحصل غالبًا إلا بهجر الأوطان للنفس ولا يجد الحاج أيضا ما يقضي به شهواته فيضعفه وينكسر به شهوته فكان حينئذ أقدر على قهر النفس الذي هو صوم، فلذلك كان الحج بمنزلة الوسيلة إليه.
(والعمرة سنة واجبة) أي مؤكدة.
بدليل ما ذكره شمس الأئمة- رحمه الله- بقوله: فالعمرة سنة قوية (تابعة للحج) كسنن الصلاة؛ لأن العمرة بعض أفعال الحج لا كلها فلم تكن مثل الحج بل تكون تبعًا.
(ثم الجهاد شرع لإعلاء الدين فرض في الأصل) هذا يقتضي كونه من فروض الأعيان؛ لأن إعلاء الدين فرض على كل مسلم، وإنما قلنا إنه شرع
(4/1994)

لإعلاء الدين؛ لأن الجهاد في الحقيقة تعذيب عباد الله وتخريب بلاد الله وهو ليس بحسن في نفسه، وإنما حسنت شرعيته لكونه متضمنًا لإعلاء كلمة الله فلذلك كان من الفروض.
(لكن الواسطة هاهنا هي المقصودة) يعني أن كفر الكافر هو المقصود بالإعدام؛ لأن فرضية الجهاد لكفر الكافر فإذا حصل هذا المقصود وهو الإعدام يسقط عمن لم يجاهد، (فلذلك صار من فروض الكفاية).
ألا ترى أن الجهاد عند النفير العام صار من فروض الأعيان باعتبار الأصل.
(والاعتكاف شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان) يعني أن العزيمة
(4/1995)

أن يشغل العبد مره بالعبادة وهي الصلاة؛ لأنها أشرف العبادات، وإنما قلنا إن العزيمة ذلك لتواتر النعم عليه كل ساعة وهي شرعت شكرًا للنعمة، إلا أن الله تعالى تفضل على عباده بإسقاطها في غير أوقاتها، وفي شرعية الاعتكاف أخذ بالعزيمة وهو إدامة الصلاة إما حقيقة بالاشتغال بالصلاة أو حكمًا؛ لأن المنتظر لللاه في الصلاة، وهومعنى قوله: "شرع لإدامة الصلاة على مقدار الإمكان" أي على قدرالوسع، فلذلك صح النذر به وإن لم يكن حسنه فرضًا عليه؛ لأن النذر بالاعتكاف نذر بالصلاة معنى؛ لأن التابع يعطى له حكم الأصل، (ولذلك اختص بالمساجد) وهذا يقرر ما ذكر من إدامة الصلاة؛ لأن المساجد هي المعدة لإقامة الصلاة.
(التي فيها معنى المؤنة صدقة الفطر)، وإنما لنا: أن فيها معنى المؤنة؛ لأنها تجب على الإنسان بسبب الغير، فاسم صدقة الفطر ينبئ عن كونها عبادة كصدقة التطوع فإنها عبادة بلا شبهة، وكذلك اشتراط النصاب مقدرًا بنصاب الزكاة يدل على كونها عبادة، وكذلك مصرفها أيضا وهو الفقير يدل على كونها عبادة، فلذلك جعل معنى العبادة فيها أصلًا، إلا أن فيها معنى المؤنة لما ذكرنا، فلذلك تجب على الصبي والمجنون الغنيين في مالها كالنفقة تجب
(4/1996)

في مالهما، وكذلك تجب عليهما نفقة ذي رحم محرم منها.
(والمؤنة التي فيها معنى القربة هي العشر)، وإنما جعل المؤنة أصلًا؛ لأن سببه الأرض النامية والأرض هي الأصل في السبب فكانت المؤنة أصلا في العشر وقربة باعتبار الخارج من الأرض فتعلقه بالخارج كتعلق الزكاة بالنامي فلهذا يشبه الزكاة فلذلك كانت القربة فيه تبعًا.
(والخراج مؤنة فيها معنى العقوبة؛ لأن سببه الاشتغال بالزراعة) وهي عمارة الدنيا والإعراض عن الجهاد وهو عادة الكفار، ولذلك استحق به الذل على ما قال عليه السلام حين رأى آلات الحراثة في دار قوم: "ما دخل هذا في دار قوم إلا وقد ذل أهلها".
وقال عليه السلام: "إذا تبايعتم العين واتبعتم أذناب البقر فقد ذللتم وظفر بكم العدو". فكان وجوب الخراج باعتبار الوصف عقوبة (لحفظ الأرض وإنزالها) يعني أن الخراج وجب ليحمي الإمام الأرض والإنزال وهما سواء
(4/1997)

في هذا المعنى.
(فلذلك لا يبتدأ) وضع الخراج (على المسلم) لما فيه من معنى الذل والعقوبة، (ويجوز بقاؤه على المسلم) بأن أسلم الكافر أو اشترى أرض الخراج مسلم؛ لأن المؤنة فيه أصل والعقوبة باعتبار الوصف وهو الإعراض عن الجهاد بسبب الاشتغال بالزراعة.
والمسلم ليس من أهل العقوبة ابتداء ولكن من أهلها بقاء كما في الحدود، فلذلك لم يجب الخراج على المسلم ابتداءً ولم يبطل بقاء، (فلكونه مترددًا بينهما لم يبتدأ) على المسلم (بالشك ولم يبطل أيضا بالشك) بقاء لما ذكرنا أن الإسلام لا ينافي صفة العقوبة بقاء بخلاف العشر إذا اشترى الكافر أرضًا عشرية لا يبقى عليه؛ لأن الكفر ينافي القربة ابتداء وبقاء من كل وجه أي لا يجامعه القربة بوجه من الوجوه، وهو الجواب عن قول محمد- رحمه الله.
(وقال أبو يوسف: يجب تضعيفه)؛ لأن في العشر معنى القربة فلم
(4/1998)

يمكن إبقاؤه على الكافر فأحتجنا إلى التغيير، فالتضعيف أولى؛ لأن الشرع ورد به والتغيير ثبت بالضرورة وهو في التضعيف أقل من جعله خراجًا؛ لأن في الخراج تغيير الأصل والوصف، وفي التضعيف تغيير الوصف دون الأصل، فلذلك كان التضعيف أولى من الخراج، ولكنا نقول: إن تضعيف العشر على الكافر ثبت بخلاف القياس بإجماع الصحابة- رضون الله عليهم- وهو أن عمر- رضي الله عنه- وضع على نصارى بني تغلب وهم كانوا ذوي شوكة، وقيل: إنهم كانوا أربعين ألفا وكانوا قريبا من الروم، فقالوا: نحن نستنكف الجزية وفيها الدنية فتعطي ضعف ما يعطي المسلمون، فصالحهم عمر- رضي الله عنه- على ذلك لمصلحة رآها وسائر الكفار لا يساويهم؛ لأن الجزية تؤخذ من سائر الكفار دونهم بالإجماع، فلذلك لم يجز القول بتضعيف العشر على الكافر من غير بني تغلب إذا اشترى أرضًا عشرية، وهذا جواب عن قول أبي يوسف- رحمه الله.
(4/1999)

(وعن محمد- رحمه الله- روايتان في صرف العشر الباقي) أي الباقي على الكافر بعد شرائه الأرض العشرية، وإنما قال: "الباقي" لأنه لا يبتدأ به على الكافر فيكون عليه بقاء لا ابتداءً وهو قول محمد- رحمه الله- وقوله: "روايتان" أي في مصرف هذا العشر إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج لاعتبار معنى المؤنة الخالصة، وفي الأخرى يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه لما بقي باعتبار معنى المؤنة يبقى على ما كان مصروفًا إلى من كان مصروفًا إليه قبل هذا كالخراج في حق المسلم.
(فلا يصار إليه مع إمكان الأصل) أي إلى تضعيف العشر وهو خلف عن الخراج مع إمكان الأصل وهو الخراج؛ إذ المصير إلى الخلف عند العجز عن الأصل وهو موجود في نصارى بني تغلب غير موجود في غيرهم فلذلك انقلب خراجًا.
(وأما الحق القائم بنفسه فخمس الغنائم) ومعنى القيام بنفسه فيه هو
(4/2000)

أنه لم يوضع له سبب مقصود في وجوبه، والغنائم وان أصيبت بسبب الجهاد لكن الجهاد غير مشروع قصدًا لإصابة الغنائم، بل شرعيته مقصودًا لإعلاء كلمة الله تعالى وتثبت الغنيمة في ضمن إعلاء كلمة الله تعالى، فكانت هي خالصة لله تعالى بلا سبب في الحقيقة، وإليه وقعت الاشارة في قوله تعالى: (قل الأنفال لله)، فلذلك كانت هي حقًا قائمًا بنفسه بخلاف الصلاة والزكاة وغيرهما من المشروعات، فان لها أسبابًا موضوعة قصدًا.
ثم الانفال كلها وإن كانت خالصة لله تعالى أعطى الله تعالى أربعة الأخماس للغانمين منة منه وفضلًا، واستبقى الخمس لنفسه بين من ذكر في القرآن فتولى السلطان اخذه وقسمته.
(فلم يكن حقا لزمنا أداؤه له) أي فلم يكن الخمس.
(4/2001)

والدليل على أنه لا يجب على العبد أداؤه طاعة (جواز صرفه إلى الغانمين الذين استحقوا أربعة الأخماس) عند حاجتهم، ويجوز وضع خمس المعدن في الواجد مع أنه استحق أربعة الأخماس (بخلاف الزكوات والصدقات فإنها لا ترد إلى ملاكها بعد الأخد منهم) وإن كانوا محتاجين.
) لأنه على ما قلنا من التحقيق لم يصر من الأوساخ) يعني أن الخمس لما لم يجب على العبد أداؤه طاعة لم يصر من الأوساخ. ألا ترى أن الزكاة لما وجبت على العبد صارت من الأوساخ، ونعني بالأوساخ سرايةَ الذنوب إليها كسرايتها إلى الماء الذي استعمل في البدن على وجه القربة لم يحل شربه، فكذلك مال الزكاة لم يحل لبني هاشم لهذا المعنى لفضيلتهم، أما الخمس لما لم يكن بهذه المثابة لم يكن وسخًا فحل لبني هاشم.
(فكانت أولى بالكرامة). يعني أن سبب استحقاق الخمس عندنا النصرة لا القرابة، وعبادة كالمطيع يستحق الكرامة بوعد الله تعالى فكان استحقاق الخمس بالنصرة أولى من استحقاقه بالقرابة، والمراد بالنصرة هنا
(4/2002)

اجتماعهم مع رسول الله عليه السلام حين هجره الناس ودخولهم معه في الشعب، وإلى هذا أشار النبي عليه السلام بقوله: "لن تزالوا معي وشبك بين أصابعه". ولذلك يصرف إلى نسائهم ورجالهم لوجود هذه النصرة منهم جميعًا.
(ولأنها) أي ولأن النصرةَ (تخالف جنس القرابة فلم تصلح وصفًا لها) كما قلنا في باب الترجيح: إذا ماتت المرأة وتركت ابني عم أحدهما زوجها لا يترجح الزوج بالزوجية على الآخر في التعصيب؛ لأن الزوجية تخالف قرابة العمومة فلا تصلح وصفًا مرجحًا بخلاف ابن الأخ لأب وأم فإنه أحق بالتعصيب من ابن الأخ لأب؛ فإن الإخوة لأم من جنس الإخوة لأب من حيث الأخوة وإن لم توجب العصوبة، فلذلك صلحت مرجحة للأخوة في التعصيب، ولأن الزوجية علة الإرث بانفرادها فلا تصلح مرجحةً لما قلنا: إن ما يصلح علةً لا يصلح مرجحًا.
(في أن الغنيمة تملك عند تمام الجهاد حكمًا)، وهذا بناء على ما ذكرنا أن الغنيمة كلها لله تعالى بناء على أن الجهاد حق الله تعالى خالصًا، وهي
(4/2003)

أصيبت بالجهاد فكانت له، فتملك عند تمام الجهاد، والجهاد إنما يتم حكمًا بالإحراز بدار الإسلام؛ لأنه حينئذ يتم قهر الأعداء؛ لأن المسلمين ماداموا في دارر الحرب يحتمل غلبة الكفار إياهم فلم يتم الجهاد حكمًا، فلو كانت الغنيمة كسائر حقوقنا لتم بأخذنا؛ لأنه استيلاء على ماهو المباح كالصيد وغيره، وحيث لم تصر لنا بالأخذ قصدًا علم أنها ليست لنا كسائر الحقوق.
(ويبتنى عليه مسائل لا تحصى) فمنها: أن المدد إذا لحق الغزاة في دار الحرب شاركوهم لما أن الغزاة لم يملكوها.
ومنها: أن قسمة الإمام الغنيمة في دار الحرب لا تجوز.
ومنها: أن من مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة، ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار السلام فنصيبه لورثته.
(وأما العقوبات الكاملة فمثل الحدود) فإنها شرعت زواجر عن
(4/2004)

ارتكاب أسبابها المحظورة حقًا لله تعالى خالصًا نحو جد الشرب والزنا والسرقة.
(وأما القاصرة فنسميها أجزية) مثل حرمان الميراث بالقتل.
وتسميتها أجزية؛ لأنها تثبت جزاء لفعله إلا أن الجزاء في وضعه لا يدل على كونه عقوبة؛ لأنه أعم من العقوبة، فالعقوبة ام لما يعقب الجناية من الجزاء فكان سببها الجناية فقط، والجزاء يتناولها وغيرها فلأجل قصوره سميناه أجزية، (ولذلك لا يثبت في حق الصبي) والمجنون عندنا أصلا؛ لأنها عقوبة.
وأهلية العقوبة لا تسبق الخطاب (بخلاف الخاطئ) إذا كان عاقلًا بالغًا حيث يثبت في حقه الحرمان؛ لأنه مخاطب في نفسه ولكنه بسبب الخطأ عذر
(4/2005)

مع نوع تقصير في التحرز؛ لأنه لم يثبت ولم يتأن فناسب أن يلزمة الجزاء القاصر بسبب الجناية القاصرة، فالجزاء باعتبار ترك التاني، والقصور باعتبار عدم قصده فلم يجب القصاص؛ لأن ذلك جزاء كال فيقضي جناية كاملة، (والصبي لا يوصف بالتقصير الكامل والناقص) فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة أو كاملة.
(لأنه جزاء المباشرة) أي لأن حرمان الميراث إنما يثبت بطريق الجزاء لمباشرة القتل، والموجود من حافر البئر وأمثاله تسيب لا مباشرة.
(والحقوق الدائرة) أي الدائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفارات؛ لأنها ما وجبت إلا جزاء على أسباب توجد من العباد، فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب فمن هذا الوجه عقوبة، فإن العقوبة هي التي تعقب الذنب جزاء على ارتكاب المحظور.
(4/2006)

(فيها معنى العبادة في الأداء)؛ لأن الصوم والإعتاق والإطعام عبادات.
ولم تجب مبتدأة حيث لم تجب على الإنسان من غير سابقة اليمين مع الحنث في كفارة اليمين وكذلك في غيرها.
(وجهة العبادة فيها غالبة)؛ لأن كون سببها مترددًا بين كونه محظورًا ومباحًا وهو اليمين مع الحنث إذ القتل أوجب كون حكمه مترددًا بين كونه عبادة وعقوبة، فلما استوى كل واحد من السبب والحكم في التردد أوجب أداء موجبها بالعبادة المحضة من الصوم وغيره رجحان جانب العبادة.
وكذلك وجوبها على الخاطئ والمكره دليل على كونها عبادة، وكذلك وجوبها بطريق الفتوى مفوضًا أداؤها إلى من وجبت عليه من غير أن تقام عليه كرها ومن غير أن يفوض استيفاؤها إلى الأئمة على كونها عبادة؛ لما أن الشرع ما فوض إقامة شيء من العقوبات إلى المرء على نفسه.
وكذلك وجوبها على حانث لم يأثم في حنثها دليل على رجحان جانب العبادة، وذلك مثل من حلف لا يكلم هذا الكافر فأسلم ذلك الكافر فكلمه تجب الكفارة من غير أن توجد منه جناية؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يكلمه؛ إذ هجران المؤمن غير مشرروع، وكذلك عدم التدخل في الكفارة دليل على رجحان جانب العبادة.
(4/2007)

وقوله: (عندنا) احتراز عن قول الشافعي، فإن جانب العبادة عنده لم يترجح حتى أوجب في القتل العمد واليمين الغموس، فلما ترجح جانب العبادة فيهما عندنا (راعينا فيها صفة الفعل) من كون ذلك الفعل له مباحًا من وجه ومحظورًا من وجه (فلم نوجب على القاتل عمدًا وصاحب الغموس)؛ لأنهما لا يصلحان سببًا لهذا الجزاء؛ لأن فعلهما كبيرة محضة.
(وقلنا: لا يجب على المسبب الذي قلنا) أي من الحافز وغيره؛ لأن كفارة القتل واجبة على القاتل الذي حصل قتله منه مع وصف الإباحة، وهؤلاء مسببون لا قاتلون (والشافعي- رحمه الله- جعلها ضمان المتلف) في الأصل (وذلك غلط)؛ لأن ضمان المتلف في الأصل إنما يجب بطريق الجبران، وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله تعالى؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه الخسران حتى تقع الحاجة إلى الجبران (بخلاف الدية)، فإنها بدل
(4/2008)

عن المحل وهي حق العبد وضمان المتلف بالإجماع، فلذلك وجبت على المسبب والصبي.
(وكذلك الكفارات كلها) بعني جهة العبادة راجحة في جميع الكفارات أي ما ذكرنا من التقرير في كفارة اليمين والقتل متحقق في غيرها من الكفارات، ولهذا لا تجب على الكافر. هذا لإيضاح أن في الكفارة جهة العبادة راجحة، لأن الكافر ليس بأهل لشيء فيه معنى العبادة.
وقوله: (ما خلا كفارة الفطر) متصل بقوله: "وجهة العبادة فيها غالبة" فإن في كفارة الفطر جهة العقوبة غالبة؛ لأن سببها في الحقيقة لا يتردد بين الحظر والإباحة بل جناية محضة في حق الله تعالى وهو الإفطار الكامل في جنايته، لكن الصوم لما لم يكن مسلما بتمامه إلى الله تعالى كان فيه ضرب من القصور، فبالنظر إلى هذا كانت الجناية قاصرة واحتمل الفطر شبهة الإباحة، فقلنا: تجب عقوبة، وتؤدى عبارة اعتبارًا لتلك الجهة.
وقوله: (حتى تسقط بالشبهة) متصل بقوله: "فإنها عقوبة" (وقلنا: تسقط باعتراض الحيض والمرض) يعني أن المرأة إذا أصبحت صائمة في رمضان ثم أكلت أو شربت عمدًا فوجبت عليها الكفارة، ثم حاضت في ذلك اليوم تسقط عنها ما وجب عليها من الكفارة، وكذلك المرض في حق الرجل والمرأة.
(4/2009)

(وتسقط بالسفر الحادث إذا اعترض الفطر على السفر) وإنما فيد باعتراض الفطر على السفر احترازا عما لو اعترض الفطر على المقيم ثم سافر في ذلك اليوم، حيث لا تسقط عنه الكفارة بخلاف الحيض والمرض على ما يجئ في العوارض إن شاء الله تعالى.
(وتسقط بشبهة القضاء) أي قضاء القاضي يعني إن رأى هلال رمضان وحده فشهد عند القاضي فرد القاضي شهادته فإنه يجب عليه صوم ذلك اليوم بالإجماع؛ لأنه متيقن في رؤية هلال رمضان، ومع ذلك لو أفطر متعمدًا لا تجب عليه الكفارة لشبهة قضاء القاضي بأن هذا اليوم من شعبان.
وقوله: (وظاهر السنة) أراد به قوله عليه السلام: "صومكم يوم تصومون".
(4/2010)

وكذلك قال أبو حنيفة- رحمه الله-: إذا نوى الصوم من النهار ثم أفطر لا كفارة عليه. لظاهر قوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل".
(لشبهة في الرؤية) يعني يحتمل أنه أخطأ في رؤية الهلال صار ذلك الاحتمال شبهة في حق وجوب الصوم عليه قطعًا، فلم تجب الكفارة بالأكل في ذلك اليوم متعمدًا لذلك.
(فإنه ألحقها بسائر الكفارات) أي كما أن سائر الكفارات وهي كفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ لا تسقط بالشبهة اعتبارًا لرجحان جانب العبادة، فكذلك كفارة الفطر، إلا أنا أثبتنا ما قلنا أي أن جهة العقوبة راجحة في كفارة الفطر (استدلالًا بقول النبي عليه السلام: "من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المظاهر").
(4/2011)

واستدلالًا أيضًا بخير الأعرابي حيث قال: هلكت وأهلكت، فلما ظهر رجحان معنى العقوبة فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة، فقلنا: إنها تندرئ بالشبهات حتى لا تجب على من أفطر بعدما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام: "صومكم يوم تصومون" أو بصورة قضاء القاضي بكون اليوم من شعبان. كذا قاله الإمام شمس الأئمة- رحمه الله.
(ولإجماعهم أنها لا تجب على الخاطئ) ولو كانت بمنزلة سائر الكفارات لوجبت عليه كما وجبت على الخاطئ في القتل وعلى الحانث خطأ في اليمين.
(لكنه لما لم يكن حقا مسلمًا تامًا)؛ لأن تمام الصوم بالليل، فتكون الجناية قاصرة فأوجبنا جزاءها بالوصفين عقوبة وجوبًا نظرًا إلى سببه، وعبادة أداء حتى تؤدي بالعبادات المحضة ويفتى بها ولا تستوفى جبرًا.
(4/2012)

(وقد وجدنا ما يجب عقوبة يستوفى عبادة كالحدود؛ لأن إقامة السلطان عبادة) على ما روي عن النبي عليه السلام: "عدل ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة" والمرء لا يئاب إلا بما هو عبادة.
(4/2013)

وكذلك إقامة الحدود بعد التوبة، فإن إقامتها للطهرة فكان وجوبها بطريق العقوبة واستيفاؤها بطريق العبادة.
(ولهذا قلنا بتداخل الكفارات في الفطر).
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: قلنا بتداخل الكفارات والاكتفاء بكفارة واحدة إذا أفطر في أيام رمضان؛ لأن التداخل من باب الإسقاط بطريق الشبهة، وأثبتنا معنى العبادة في الاستيفاء؛ لأنها سمت كفارة.
(وحقوق العباد أكثر من أن تحصى).
(4/2014)

وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: وأما أن يكون محض حق العباد فأكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية، وبدل المتلف، والمغصوب، وما أشبه ذلك.
(والذي يغلب فيه حق العبد القصاص). ألا ترى أنه يجري فيه الإرث والعفو، ولو باشر الإمام الذي ليس فوقه إمام القتل العمد يقتص منه بخلاف حد القذف.
فعلم أن حق العبد غالب في الأول دون الثاني.
(4/2015)

وأما حق العبد في حد القذف فمن حيث إن سببه جناية على المقذوف من هتك عرضه.
وأما حق الله تعالى في القصاص فمن حيث أنه يسقط بالشبهات كما في الحدود، ولأن القصاص في الأصل جزاء لا ضمان المحل.
(4/2016)

ألا ترى أن ألف رجل إذا اجتمعوا على قتل رجل واحد فقتلوه يقتلون جميعًا، وما وضع بمقابلة الفعل جزاء كان من حقوق الله تعالى، فلو كان ضمان المحل لما قتلوا جميعًا كما في الدية؛ حيث لا تزاد الدية على ألف دينار إذا كان القتل خطأ وإن كان القاتلون جماعة.
(وأما حد قطاع الطريق فخالص عندنا) أي خالص حق الله تعالى؛ لأنه لا يجري فيه العفو والإرث ويسقط بالشبهات، ولأن حق العبد مقيد بالمثل لا محالة والقصاص منه.
(4/2017)

فأما حد القذف وحد قطع الطريق فليسا بمقيدين بالمثل، فإن جلد ثمانين ورد الشهادة لم يعقل ملًا للقذف، وقطع اليد والرجل مثلًا لأخذ عشرة دراهم.
وهذه الحقوق كلها تنقسم إلى أصل وخلف.
أما الإيمان فقد ذكر في الكتاب أصله وخلفه.
أما الصلاة فأصلها أن يصلى كما هو المعروف من أركانها وشروطها، وخلفها عند العجز عن الأصل فدية طعام مسكين إذا أوصى، وكذلك في الصوم وفي الحج إذا أوصى أن يحج عنه فيكون ذلك خلفًا عن أدائه، وكذلك في حقوق العباد قيمة المتلفات خلف عن المتلفات، ثم صارت تبعية أهل الدار خلفا عن تبعية الأبوين.
فإن قيل: لم يعهد في صورة من الصور في الشرعيات أن يكون للخلف خلف فكيف جاز هاهنا؟
قلنا: إن ذلك خلف عن أداء الصغير، لكن البعض مرتب على البعض يعني: إن الدار خلف عن أداء الصغير، وذلك كالوارث أنه خلف المورث، والابن مقدم على ابن الابن، فإذا لم يكن الابن يكون ابن الابن خلفًا عن الميت لا عن الابن، لكن شرط خلفية ابن الابن عن الميت عدم الابن الصلبي، فكذا هاهنا شرط خلفية أهل الدار عن أداء الصغير عدم الأبوين، ومثل هذا لا
(4/2018)

يكون خلف الخلف (لكن هذا الخلف عندنا مطلق) لقوله عليه السلام: "التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" وهو خلف مطلق في قول علمائنا.
(وعند الشافعي هو خلف ضروري)، ولهذا لم يعتبر قبل دخول الوقت عنده في حق أداء الفريضة، ولم يجوز أداء الفرضين بتيمم واحد؛ لأنه خلف ضرورة فيشترط فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقا الفرض عن ذمته وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى.
فالحاصل أن عنده هو ضرورة ابتداء وبقاء وعندنا ضرورى ابتداء لا بقاء.
(أو وقع في سهم المسلمين)، وصورة المسألة فيما إذا قسمت الغنائم في
(4/2019)

دار الحرب فوقع الصبي في سهم رجل من الغزاة يحكم بإسلامه حتى لو مات يصلى عليه، وإنما قيدنا بالقسمة في دار الحرب؛ لأن الصبي لو أخرج إلى دار الإسلام بدون القسمة وليس معه أحد أبوية الكافرين كان مسلمًا أيضًا لا باعتبار تبعية السابي، بل باعتبار تبعية الدار.
(وقال في إناءين نجس وطاهر في السفر: إن التحري فيه جايز)، وقيد بالإناءين؛ لأن الماء لو كان في ثلاثة أوان والغلبة للطاهر بأن كان الإناءان طاهرين والثالث نجسًا فإنه يتحرى فيها بالاتفاق؛ لأن الحكم للغالب وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطاهر، وإصابته بتحريه مأمول.
وإن كانت الغلبة للأواني النجسةأو كانا سواء فليس له أن يتحرى عندنا، وعلى قول الشافعي: يتحرى ويتوضأبما يقع بتحريه أنه طاهر، فهذا ومسألة
(4/2020)

المساليخ سواء. كذا في "المبسوط" ثم مذهبه في المساليخ أنه يتحرى فيها للأكل في حالة الاختيار وإن كانت الغلبة للحرام، وعندنا لا يتحرى في المساليخ في حالة الاختيار إذا كانت الغلبة للحرام أو كان الحرام والحلال متساويين؛ لأن الحرام يغلب عند المساواة شرعًا هذا في الإناءين.
أما إذا وقع الأمر في الثياب، وفي بعضها نجاسة كثيرة وليس معه ثوب غيرها ولا ما يغسلها به ولا يعرف الطاهر من النجس، فإنه يتحرى ويصلي في الذي يقع تحريه أنه طاهر سواء كانت الغلبة للثياب الطاهرة أو للثياب النجسة أو كانا متساويين؛ لأنه لا يجد بدآ من ستر العورة في الصلاة فجوزنا له التحري للضرورى بخلاف الأواني، وقد ذكرنا أن الغلبة إذا كانت للأواني النجسة أو كانا سواء ليس له أن يتحرى عندنا، والفرق بينهما أن الضرورة لا
(4/2021)

تتحقق في الأواني؛ لأن التيمم طهور له عند عجزه عن استعمال الماء الطاهر، فلا يضطر إلى استعمال التحري للوضوء عند غلبة النجاسة؛ لأنه أمكنه إقامة الفرض بالبدل، وفي مسألة الثيات الضرورة تتحقق؛ لأنه ليس للستر بدل يتوصل به إلى إقامة الفرض، حتى إن في مسألة الأواني لما كان تتحقق الضرورة في الشرب عند العطش وليس معه الماء الطاهر يجوز له أن يتحرى وإصابة الطاهر بتحريه مأمول أولى.
(لكن الخلافة بين الماء والتراب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- وعند محمد وزفر- رحمهما الله- بين التيمم والوضوء)
(4/2022)

والمتيمم صاحب الخلف فتكون صلاة المقتدي أقوى إذا كان متوضئًا فلا يجوز بناؤه عليه؛ إذ الاقتداء بناء وبناء القوي على الضعيف لا يجوز.
وعندهما هما سواء؛ إذ الخلافة عندهما بين الماء والتراب فكانت الطهارة بالتيمم مثل الطهارة بالماء عند وجود رطها في تحقيق شرط جواز الصلاة فيجوز اقتداء أحدهما بالآخر.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: ثم الخلافة عند محمد- رحمه الله- بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة، حتى لو صلى على الجنازة بالتيمم ثم جيء جنازة أخى يلزمه تيمم اخر، وإن لم يجد بين الجنازتين من الوقت ما يمكنه أن يتوضأ فيه.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-: التراب خلف عن الماء فيجوز له أن يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على وجه لا تفوته الصلاة على جنازة.
(4/2023)

(وإنما غرضنا الإشارة إلى الأصل) وهو أن الخلف يثبت بما يثبت به الأصل، ونعني بذكر الأصل هاهنا هذا وهو أن الأصل يثبت بالنص لا بالرأي فكذلك (الخلف لا يثبت إلا بالنص أو دلالته).
وقوله: "وذلك" إشارة إلى الأصل الذي ذكرنا، ونظير ذلك أن يقول: فبالعرق والبزاق والدمع لما لم يجب الأصل بالنص وهو الوضوء لم يجب بهذه الأشياء خلفه وهو التيمم، وكذلك العدة لما لم تجب بالحيض بالنص في الطلاق قبل الدخول لم يجب خلفها وهو العدة بالأشهر.
(وشرطه) أي وشرط الخلافة على تأويل وشرط حكم الخلافة يعني أن الخلف يجب لما يجب به الأصل، وشرط كونه خلفًا أن ينعقد السبب موجبًا للأصل لمصادفته محله ثم بالعجز عنه يتحول الحكم إلى الخلف، وإذا لم ينعقد السبب موجبًا للأصل باعتبار أنه لم يصادف محله لا يكون موجبًا للخلف، حتى إن الخارج من البدن إذا لم يكن موجبًا للوضوء كالدمع والبزاق لا يكون موجبًا للتيمم على ما ذكرنا.
واليمين الصادقة إي التي بر الحالف فيها لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال لم تكن موجبة لما هو خلف عنه، وهو التكفير بالصوم.
(4/2024)

فإن قلت: يشكل على هذا مسألة قضاء الصوم للحائض، فإن قضاء الصوم خلف عن أدائه الذي هو الأصل، ثم إن المرأة إذا حات في شهر رمضان تقضي الصوم خارج رمضان مع أن أداء الصوم الذي هو الأصل لم يكن مشروعًا في حق الحائض أصلًا لما أن الطهارة عن الحيض شرط صحة الصوم ومع ذلك يجب عليها قضاؤه مع عدم مشروعية الأصل عليها.
قلت: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن قضاء الصوم على الحائض ثبت بالنص، وهو قول عائشة رضي الله عنها: "كانت إحدانا على عهد رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلوات". والحكم الذي ثبت بالنص لا مجال للقياس فيه.
والثاني: هو أن اشتراط الطهارة للحائض من الحيض في حق صحة
(4/2025)

الصوم ثبت بالنص بخلاف القياس.
ألا ترى أنه لا يشترط لصحته الطهارة من الحدث والجنابة بخلاف اشتراط الطهارة في حق الصلاة فإن ذلك موافق للقياس، ولما كان كذلك أظهرنا أثر اشتراط الطهارة في حق الصلاة في الأداء والقضاء وأظهرنا أثر اشتراط الطهارة في الصوم في حق الأداء لا في حق القضاء تعليلًا لعمل ذلك الاشتراط الذي ثبت بخلاف القياس كما قلنا مثل ذلك في عمل شرط الخيار في البيع.
فحصل من ذلك أن اشتراط من الحيض للصوم لما ثبت بخلاف القياس جعل أن أصل وجوب الصوم إدراك الحائض في وقته فوجب القضاء بمثلها بناء عليها تقديرًا بخلاف الصلاة، ويجيء بيان هذا بتمامه في العوارض في مسألة الحيض والنفاس إن شاء الله تعالى.
(ولهذا قال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- في المشهود بقتله إذا جاء حيًا) إلى آخره. صورته ما ذكرة في باب رجوع الشهود من ديات " المبسوط": وإذا شهد شاهدان على رجل بقتل عمد وقتل بشهادتهما ثم رجعا فعليهما الدية في مالهما في قول علمائنا.
وقال الشافعي: عليهما القصاص؛ لأنهما باشرا قتلًا بغير حق؛
(4/2026)

لأنهما ألجأ القاضي إلى القضاء بالقتل، فإنه يخاف العقوبة إن امتنع من ذلك، والملجئ مباشر حكمًا فصار كالمكره.
قلنا: إن الشاهد غير مباشر لا حقيقة ولاص حكمًا ولا معنى؛ لما ذكره من الإلجاء؛ لأن القاضي إنما يخاف العقوبة في الآخرة ولا يصير ملجئًا، فكل أحد يقيم الطاعة خوفًا من العقوبة على تكرها في الآخرة، ولا يصير به مكرها، ثم إن وجد هذا الإلجاء في حق القاضي فبمجرد القضاء ما صار المقضي عليه مقتولًا، وإنما صار مقتولًا باستيفاء الولي وهو غير ملجئ إلى ذلك، بل هو مندوب إلى العفو شرعًا.
فإذا لم يجب القود عليهما كان عليهما الدية إن رجعا، وعلى أحدهما نصف الدية إن رجع؛ لأن كل واحد منهما مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي معهما أو جاء المشهود بقتله حيًا فلولي المقتول الخيار بين أن يضمن الشاهدين الدية وبين أن يضمن القاتل؛ لأن القاتل متلف للنفس حقيقة والشهود متلفون لها حكمًا.
والإتلاف الحكمي في حكم الضمان كالإتلاف الحقيقي فكان له أن يضمن أيهما شاء، فإن ضمن الولي القاتل الدية لم يرجع على الشاهدين بشيء؛
(4/2027)

لأنه ضمن بفعل باشره بنفسه باختياره، وإن ضمن الشاهدين لم يرجعا على الولي أيضا في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: يثبت لهما حق الرجوع على الولي بما ضمنا؛ لأنهما ضمنا بشهادتهما وقد كانا عاملين فيه للولي فيرجعان عليه بما يلحقهما من الضمان، كما لو شهدا بالقتل الخطأ أو بالمال فقضي القاضي واستوفى المشهود له رجعوا جميعًا وضمن المشهود عليه الشاهدين كان لهما أن يرجعا، ولا يقال هناك قد ملكًا المقبوض بالضمان وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص لا يملك بالضمان والمشهود به هو القصاص؛ لأنا نقول: إنهما إن لم يملكا فقد قاما مقام من ضمنهما في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرًا فغصبه آخر منه ثم ضمن المالك الغاصب الأول فإنه يرجع بالضمان على الثاني وإن لم يملك المدبر بالضمان ولكنه قام مقام ضمنه.
وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة وله بدل متقوم محتمل للتملك فيكون السبب معتبرًا على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل- كاليمين على مس السماء تنعقد في إيجاب الكفارة التي هي خلف عن البر لما كان الأصل وهو البر متوهم الوجود في الجملة.
(4/2028)

وعلى هذا غاصب المدبر فإن المدبر مال متقوم مملوك في الجملة فينعقد السبب للغاضب الأول فيه على أن يعمل في بدله حتى رجع بالضمان على الغاضب الثاني.
وكذلك شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للولي القيمة كان لهم أن يرجعوا على الكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة المكاتب مملوكًا، ولكن لما كان المكاتب مملوكًا انعقد السبب في حقهم على ان يكون عاملًا في بدله وهو بدل الكتابة فيملكون بدل الكتابة بذلك وإن لم يملكوا رقبة المكاتب فهذا مثله.
وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود عليه حكما والمتلف لا يرجع بما ضمن على غيره كالولي؛ وهذا لأنهم لو لم يكونوا متلفين ما كانوا ضامنين مع المباشر للإتلاف؛ لأن مجرد السبب يسقط اعتباره في مقابلة المباشرة.
ألا ترى أنه لو دفع انسانًا في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على الدافع دون الحافر، وهنا لما ضمن الشهود عررفنا أنهم جناة متلفون للنفس حكمًا وإن كان تمام ذلك الإتلاف عند استيفاء الولي، فأن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقرر لجنايتهما ومن ضمن بجانيته على النفس لا يرجع على غيره.
(4/2029)

وقولهما بأنه ينعقد السبب موجبا للملك له على ان يعمل في بدله قلنا: هذا أن لو كان الأصل متوهم الملك بالضمان وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال فلا ينعقد السبب باعتبار الحف كيمين الغموس، ثم لو كان القصاص ملكًا لهما لم يضمنه المتلف عليهما كما إذا شهدا على الولي بالعفو أو قتل من عليه القصاص إنسان آخر فليس لمن له القصاص الضمان.
وانعقاد السبب لا يكون أقو من ثبوت الملك حقيقة، وإذا كان المتلف للقصاص لا يضمنه للمالك فكيف يضمنه لمن انعقد له سبب القصاص؟ وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة، فإن هنك لو كان مالكا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكمًا باعتبار انعقاد السبب كان له أن يرجع بالبدل لذلك.
وقوله: (إن ملك الأصل المتلف وهو الدم غير مشروع أصلًا)؛ لأن الدم لا يملك بالضمان بحال وفي القصاص الذي قالا: الولي لا يملك نفس من عليه القصاص، وإنما يستوفيه بطريق الإباحة.
ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان للشهود على الولي
(4/2030)

أيضًا؛ لأن إتلاف ملك الدم لا يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما على ما ذكرنا من قتل إنسان من عليه القصاص وشهادة العفو ثم الرجوع.
(يحكي الأصل) أي يشابهه.
(لو صار ملكا) أي لو صار الدم ملكا أي لو ثبت ملك القصاص فهو غير مضمون بنفسه على ما ذكرنا.
(وأما القسم الثاني): وهو ما يتعلق به الأحكام المشروعة.
(4/2031)

(ومنه قول زهير) أوله:
ومن هاب أسباب المنايا ... ينلنه ولو نال ........ البيت
(4/2032)

وذكر في الصحاح بيت الأعشى يهدد رجلا بالهجو بقوله:
فلو كنت في جب ثمانين قامة ... ولقيت أسباب السماء بسلم
ليستدرجنك القول حتى تهره ... وتعلم أني عنكم غير مفحم
الاستدراج: استفعال من الدرجة وهو إدناء الشيء من الشيء بطريق التدريج، يقال: هره يهره إذا كرهه.
(4/2033)

(والمريض عليلاً)؛ لأن بحلول العلة بالشخص يغير حاله.
(كالجرح بالمجروح) حيث يتغير حال المجروح من وصف الصحة إلى وصف كونه مجروحا.
وقيل: العلة حادث يظهر أثره فيما حل به لا عن اختيار منه، ولهذا سمي الجرح علة ولا يسمى الجارح علة، لأنه يفعل عن اختيار، ولأنه غير حال بالمجروح، ولهذا لم يجز وصف القديم جل ذكره بالعلة؛ لأن الله تعالى أنشأ العالم عن اختيار ولا يوصف بحلول.
(عما يضاف إليه الحكم ابتداء)
وقوله: ((ابتداء)) احتراز عن الدليل فإنه يبين أمرا قد كان. لا أن يثبت الحكم ابتداء كالدخان فإنه دليل على وجود النار لا علة.
وقيل: هو احتراز عن التعليقات، فإنها تثبت الحكم بطريق الانقلاب لا بطريق الإبتداء، فإن عند وجود الشرط في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق انقلاب ما ليس بعلة علة فيثبت الحكم عند ذلك لا على وجه الابتداء بخلاف
(4/2034)

قوله: أنت طالق.
وقال الإمام شمس الائمة- رحمه الله: وفي أحكام الشرع العلة معنى في النصوص وهو مغير حكم الحال بحلوله بالمحل يوقف عليه بالاستنباط، فإن قوله عليه السلام: ((الحنطة بالحنطة مثل بمثل)). غير حال بالحنطة.
ولكن في الحنطة وصف هو حال بها وهو كونه مكيلا مؤثرا فى المماثلة ويتغير حكم الحال بحلوله، فيكون علة لحكم الربا فيه حتى إنه لما لم يحل القليل الذي لا يدخل تحت الكيل لا يتغير حكم العقد فيه، بل يبقى بعد هذا النص على ما كان قبله.
(والقتل للقصاص وما أشبه ذلك) كالتطليق للطلاق، والإعتاق للعتق.
(4/2035)

وقوله: (وكذلك العقاب يضاف إلى الكفر من هذا الوجه).
قيل: فى هذا الكلام نظر؛ لما أن في هذا ميلا إلى مذهب الأشعرية.
وقال الشيخ الإمام أبو منصور- رحمه الله- الحكمة تقتضي تعذيب الكافر على كفره وترك التعذيب ليس بحكمة.
(فأما أن تجعل لغوا كما قالت الجبرية) إن العبد مجبور في الأفعال لا اختيار له، والكل من الله بلا اختيار العباد وهو باطل؛ لأن العباد على قود كلامهم لا يستحقون شيئا لا الثواب ولا العقاب؛ لأنه لا فعل لهم.
(أو موجبة بأنفسها كما قالت القدرية) أي المعتزلة هو أيضا باطل فإنهم يقولون: العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهم مستبدون في إيجاد
(4/2036)

أفعالهم فيستحقون الثواب والعقاب باستبدادهم في أفعالهم فلا يرون فضل الله تعالى فى الثواب ولا خذلانه فى العقاب.
(وكذلك حال العلل) أي علل الشرع في أحكام الدنيا. (على أن الشاهد بعلة الحكم إذا رجع) إلى آخره، وإنما عين هذه الصورة؛ لأن هذا صاحب العلة الشرعية الذي يجب عليه الضمان بخلاف الإتلاف، فإن صاحبه صاحب العلة الحسية، واستدل بهذه المسألة على أن صاحب العلة الشرعية بمنزلة صاحب العلة الحسية فى إيجاب الضمان.
(اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب) فإن قول القائل لامرأته: إن
(4/2037)

دخلت الدار فأنت طالق يجعل دخول الدار شرطا حتى لا يقع الطلاق بهذا اللفظ إلا عند الدخول، ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافا إلى الدخول موجودا عنده لا واجبا به، بل الوقوع بقوله: أنت طالق عند الدخول.
والمراد بالوجوب به الوقوع به، ومن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق لا من حيث الوجوب به ولا من حيث الوصول إليه لم يكن الدخول علة، ومن حيث أنه مضاف إليه وجودا عنده كان الدخول شرطا فيه, ولهذا لا نوجب الضمان على شهود الشرط وإنما نوجب الضمان على شهود التعليق بعد وجود الشرط إذا رجعوا.
(مثل الميل والمنارة) فالميل: علامة الطريق؛ لأنه معرف له، والمنارة
(4/2038)

- بفتح الميم- هي التي يؤذن عليها سميت منارة لكونها علامة الجامع؛ لأنها معرفة له، ومنه سمي المميز بين الأرضين من المسناة منار الأرض.
قال عليه السلام: ((لعن الله من غير منار الأرض)) أي العلامة التي يعرف بها التميز بين الأرضين فكان دون الشرط؛ لأن الشرط يضاف إليه الحكم وجودا.
وأما العلامة فلا يضاف إليها الحكم لا وجوبا لها ولا وجودا عندها، والله أعلم.
(4/2039)

باب تقسيم السبب
(إن وجوب الأحكام متعلق بأسبابها) أي بعللها.
لأن السبب الحقيقي هو: ما يكون طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود كما في العلامة على ما ذكر بعيد هذا, لكن الفرق بينهما إنما يقع بذلك الذي ذكر بعده بقوله: (لكنه تتخلل بينه وبين الحكم علة لا تضاف إلى السبب) كما فى دلالة السارق، فإن سرقة السارق علة لكون المال المدلول عليه مسروقا، وتلك العلة غير مضافة إلى الدال حتى لا يؤاخذ الدال لا بقطع اليد ولا بضمان المال، وليس للعلامة هذا الوصف، ولأن السبب قد
(4/2040)

يكون له حكم العلل حتى يؤاخذ بضمان المال (كما في قود الدابة وسوقها) على مال إنسان فأتلفته، ولا يكون للعلامة حكم العلل أصلا.
(لأنه جزاء المباشر) قيل: حد المباشرة أن يتصل فعل الإنسان بغيره ويحدث منه التلف كما لو جرحه أو ضربه فمات من ذلك، وحد التسبيب أن يتصل أثر فعله بغيره لا حقيقة فعله ويتلف بأثر فعله كما فى حفر البئر؛ لأن المتصل بالواقع أثر فعله وهو العمق الحاصل بحفره لا حقيقة فعله؛ لأن حقيقة فعله اتصلت بالمكان وهي الحفر. كذا قال الإمام بدر الدين الكردري- رحمه الله.
(إلا أنه جعل السبب المؤكد بالعمد الكامل بمنزلة المباشرة) والسبب هو الشهادة الكاذبة تأكدت باستيفاء القصاص فكان سببا مؤكدا، والعمد الكامل هو تعيين الشهود المشهود عليه بالقتل بخلاف وضع الحجر وأمثاله، فإنه لم
(4/2041)

يوجد فيه العمد الكامل حيث لم يعين واضع الحجر أحدا للقتل ليكون قاصدا لقتله بالتسبب، فلذلك لم يجب فيه القصاص وإن وجد فيه التسبيب أيضا.
(لما سبق من قبل) أي في باب معرفة الأسباب بقوله: وقلنا لا تجب- أي الكفارة- على المسبب الذي قلنا؛ لأنها من الأجزية؛ (لأن المباشرة أضيفت إليه)؛ لأن تمكن المباشرة للقاتل من القتل إنما ثبت بشهادة الشهود، ولهذا صح أن يقول القاتل: باشرت القتل بشهادتهم، وكذلك صح للحاكم أن يقول: حكمت بشهادتهم، إلا أن حقيقة الإتلاف بمباشرة الولي القتل وذلك باختياره فكان سببا بمعنى العلة.
(فبقى الأول) وهو شهادة الشهود الشهادة الكاذبة، والثاني وهو مباشرة الولي القتل.
(4/2042)

(ولهذا لم يصلح لإيجاب ما هو جزاء المباشرة) وهو الحرمان من الميراث ووجوب الكفارة والقصاص، فإن هذه الأحكام الثلاثة إنما تثبت بالمباشرة لا غير.
(لم يرجع على الدال بقيمة الولد) لما قلنا وهو قوله: لأنه صاحب سبب محض.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- لأن إخباره سبب للوصول إلى المقصود، ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف إلى السبب الأول.
(بخلاف ما إذا زوجها على هذا الشرط) بأن يقول: زوجتكها على أنها حرة؛ (لأنه صار صاحب علة)؛ لأن ما لزم عليه لزم بالاستيلاد،
(4/2043)

والاستيلاد حكم ذلك التزويج المقيد بالوصف؛ لأن شرط الحرية صار وصفا للتزويج فكان لازما كالتزويج فكان ما لزم عليه مضافا إلى ذلك التزويج المقيد بالوصف.
(بخلاف المشتري إلى آخره يعني أنه المشتري) إذا استولدها ثم ظهر الاستحقاق فإنه يرجع بقيمة الأولاد؛ لأن بمباشرة عقد الضمان التزم صفة السلامة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق.
وأما بمباشرة عقد التبرع فلا التزام بسلامة المعقود عليه عن العيب.
وقوله: (لأن البائع صار كفيلا) يعني إنما يرجع إلى البائع لكونه كفيلا لا لكونه تسبيبا.
(فصار كأنه قال له: إن ولدك حر بحكم بيعي فإن ضمنك أحد فأنا كفيل عنه) والإمام شمس الأئمة- رحمه الله- استضعف التعليل بطريق الكفالة وصحح ما ذكرته أولا فقال: الأول أصح؛ لأنه قال في كتاب العارية:
(4/2044)

العبد المأذون إذا أجر دابة فتلفت باستعمال المستأجر ثم ظهر الاستحقاق رجع المستأجر بما يضمن من قيمتها على العبد في الحال والعبد لا يؤاخذ بضمان الكفالة ما لم يعتق، وهو مؤاخذ بالضمان الذي يكون سببه العيب بعد ما التزم صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان.
(ولذلك لم يرجع بالعقر) يعني أن المستحق لو أخذ العقر من المشتري لا يرجع المشتري بما ضمن من العقر على البائع.
(فهو قيمة ما سلم له فلم يكن غرما) أي الذي سلم له من المنافع؛ لأنه استوفى المنافع واللازم بالعوض لا يسمى غرما. (الاستيناء) طلب الإنى، وهو الوقت.
(4/2045)

(غير محفوظ بالبعد عن أيدي الناس بل) يدفع المالك شر العدوان عن ماله فلم تكن الدلالة إزالة للحفظ, وأيضا أنه لم يلتزم حفظه بخلاف المودع (على موجب العقد) أي عقد الإحرام.
(وكان صيد الحرم لكونه راجعا) أي لكون الحرم (راجعا إلى بقاع الأرض مثل أموال الناس) أي في كونه مضمونا باعتبار البقاع، فإن كان الصيد في بقعه لا يجوز التعرض فيها وهو الحرم يضمن من دل عليه إذا اتصل بالإتلاف، ولو كان خارج الحرم لا يضمن كما في أموال الناس، فإنها إن كانت مودعة عنده يضمن بدلالتها لكون الدلالة مباشرة جناية على ما التزمه من الحفظ بالتضييع، فأما إذا لم تكن مودعة عنده لا يضمن بالدلالة.
(4/2046)

فإن قيل: الأجنبي أيضا التزم بعقد الإسلام أن لا يدل السارق على مال الآخر وقد ترك ما التزمه بالدلالة فينبغي أن يضمن أيضا.
قلنا: الالتزام هناك بعقد الإسلام كان مع الله فيقع عليه موجب ما تركه من الالتزام وهو الإثم حيث ترك ما التزمه، وهنا كان العقد واقعا مع المودع الذي هو صاحب المال فيقع عليه موجب ما تركه من الالتزام وهو الضمان مع الإثم.
(لأن ذلك سبب محض) أن لأن دفع الدافع السكين إلى الصبي سبب محض. (اعترض عليه علة) أي اعترض على ذلك السبب علة وهو وجؤه به نفسه.
(وإذا سقط عن يد الصبي عليه) أي على الصبي (فجرحه كان ذلك على الدافع)؛ لأن السقوط من يده لما كان بدون فعله الاختياري كان ذلك الجرح مضافا إلى السبب الأول، وهو مناولته إياه.
(4/2047)

(فصار هو سببا له حكم العلل، وكذلك من حمل صبيا ليس منه بسبيل) أي ليس من الصبي بسبيل أي ليس له ولاية أخذ الصبي؛ حيث لم يكن وليا له فعطب بذلك الوجه أي فهلك الصبي بسبب ذلك الحر والبرد أو بسبب سبع كان فى ذلك الشاهق افترسه سبع أو سقط من ذلك الشاهق فهلك فإنه يضمن عاقلته؛ لأنه تسبب لموته.
أما إذا مات بمرض لم يضمن؛ لأنه يقال لولا تقريبه إياه إلى موضع أصابه فيه الحر والبرد وافتراس السبع لما هلك الصبي ولا يقال لولا أخذه من يد وليه لم يمت من مرضه.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: لأن ذلك سبب محض اعترض عليه علة لا تضاف إليه بوجه- إلى أن قال: لأنه أضيف إليه العطب هنا.
(4/2048)

(إذا كان صبيا يستمسك) أي يقدر على الجلوس على الدابة بدون أن يمسكه أحد.
(لأنه صار بمنزلة صاحب العلة لما وقعت المباشرة له) فيلزمه ما يثبت
(4/2049)

بسبب المباشرة؛ لأن الغرم بإزاء الغنم بخلاف ما تقدم، وهو في قوله: لتأكل أنت؛ لأن كلام الآمر هناكل تسبيب محض قد تخلل بينه وبين السقوط ما هو علة وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه.
وكذلك في قوله: لنأكل نحن؛ لأن فعله وقع للآمر من وجه دون وجه فلا يجب الضمان بالشك أو لا ينقطع الحكم عن علته بالتردد، وأما هاهنا وهو في قوله: ((لآكل أنا)) فلما كان صعوده لمنفعة الآمر صار تسبيبه في معنى العلة بطريق الإضافة إليه.
(ومسائل ما يبتنى عليه أكثر من أن تحصى) ومن تلك المسائل: من أخرج ظبية من الحرم فولدت فهو ضامن للولد؛ لأنها بالحرم آمن صيدًا،
(4/2050)