Advertisement

الكافي شرح البزودي 005

وبثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية، فيثبت به معنى إزالة الأمن في حق الولد بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد؛ لأن الأموال محفوظة بالأيدي فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ماله، وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا إلى آخر ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله.
(لكنه لما كان يحتمل أن يؤول إليه سمي سببا مجازا) ونظير تسمية ما يؤول إليه قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) قيل: هو البيض
(وعندنا لشبهة المجاز شبهة الحقيقة) أي شبهة حقيقة العلة.
(5/2051)

(فلم يكن بد من أن يصير البر مضمونا بالجزاء) ليكون واجب الرعاية، وعند ذلك يتحقق المقصود من اليمين وهو الحمل المؤكد أو المنع المؤكد.
(صار لما ضمن به البر) وهو الكفارة في اليمين بالله ووقوع الطلاق والعتاق في التعليقات (شبهة الوجوب) أي الوقوع.
(فيكون للغصب حال قيام العين شبهة إيجاب القيمة)، ولهذا لو أبرأ المالك الغاصب صح قبل هلاك المغصوب ولو لم تكن القيمة واجبة لما صح؛ لأن الإبراء عن العين لا يصح وكذلك تصح الكفالة به، والكفالة إنما تصح بمقابلة الدين لا بمقابلة العين إلى آخر ما ذكرناه في موضع آخر.
(لم تبق الشبهة إلا في محله) أي في محل ثبوت الشبهة إلحاقا للشبهة بالحقيقة؛ لأن حكم الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، وأن ما كان راجعا إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء.
(5/2052)

(فإذا فات المحل) بإرسال الطلقات الثلاث (بطل) أي التعليق؛ لأن محلية الطلاق بمحلية النكاح، ولم يبق محلا للنكاح فلا يبقى محلا للطلاق بخلاف زوال النكاح بتطليقة أو تطليقتين؛ لأنها بقيت محلا للنكاح بعد.
(وعلى قوله: لا شبهة له أصلا) أي وعلى قول زفر ليس لقوله: أنت طالق ((إن دخلت الدار)) شبهة العلية أصلا (وإنما الملك للحال) هذا جواب يجيب به زفر عن شبهة ترد عليه على قوله: فإنه لما لم يجعل للتعليق حقيقة العلة ولا شبهتها كان ينبغي أن يصح تعليق الطلاق بدخول الدار في الأجنبية.
(5/2053)

قال: وإن كان هو كذلك عندي لكن يشترط الملك حال التعليق لا باعتبار أن للتعليق شبهة العلة، بل يشترط الملك حال التعليق لتفيد اليمين فائدتها وهو ضمان البر بالجزاء؛ لأن الجزاء لا بد أن يكون مخيفا، وذلك بأن يكون غالب الوقوع أو متيقن الوقوع، فالغالب: فيما إذا كان التعليق فى الملك بدخول الدار وغيره، والمتيقن: فيما إذا كان التعليق بالملك؛ لأن الشيء إذا كان موجودا في الحال كان الظاهر بقاءه إلى الزمان الثاني واستمراره إليه، فإذا وجد الملك عند التعليق وحكم بصحته بناء على أن الظاهر بقاء الملك إلى وقت وجود الشرط بعد ذلك لا يضر فواته وهذا في فوات الملك بالإجماع.
وأما إذا فات المحل فكذلك عند زفر- رحمه الله- أي لا يبطل التعليق أيضا كما لو فات الملك، والجامع بينهما بقاء فائدة اليمين وهو احتمال وجود الجزاء عند وجود الشرط بأن يقع التحليل بزوج آخر ثم يطلقها، ثم يتزوجها الزوج الأول ثم يوجد الشرط.
(والجواب عنه) أي عما استشهد به زفر من صحة التعليق بالملك مع فوات الحل عند التعليق يقول: (إن ذلك الشرط فى حكم العلل) أي النكاح فى حكم التطليق من حيث إن ملك الطلاق يستفاد بالنكاح فكان النكاح معملا للعلة والحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة لما عرف في مسألة الرمي.
قال في ((التقويم)): فالرمي علة النفوذ، والنفوذ علة الإصابة، والإصابة
(5/2054)

علة السراية, والسراية علة الموت.
وأقرب من هذا قود الدابة أو سوقها على مال فأتلفته الدابة كان القائد أو السائق ضامنا لإعماله العلة، ولما كان كذلك تعارض مقتضى مطلق التعليق بمقتضى التعليق بالنكاح، فمقتضى كل واحد منهما يضاد مقتضى الآخر؛ لأن مقتضى مطلق التعليق بقاء النكاح؛ لأن للتعليق شبهة حقيقة علة الطلاق على ما ذكرنا، فكما أن حقيقة علة الطلاق تقتضي بقاء النكاح فكذلك شبهتها؛ لأن حكم الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، ومقتضى التعليق بالنكاح يقتضي عدم النكاح باعتبار أن النكاح إنما يتحقق فى محل لا نكاح فيه؛ لئلا يلزم إثبات الثابت، فرجحنا جانب علة العلة لقوته لما أن علة العلة قائمة مقام العلة في مواضع على ما ذكرنا، فألغي لذلك جانب مطلق التعليق الذي له شبهة العلة على ما ذكر قبل هذا في أواخر باب وجوه الوقوف على أحكام النظم بقوله: فتسقط هذه الشبهة بهذه المعارضة.
فكان المراد من قوله: ((الشبهة السابقة)) هي شبهة حقيقة علة الطلاق التي تحصل من مطلق التعليق، ونعني بمطلق التعليق ما وراء تعليق الطلاق بالنكاح كتعليق الطلاق بدخول الدار أو كلام زيد أو ضرب عمرو أو غير ذلك.
وقوله: ((السابقة عليه)) أي السابقة على وجود الشرط وهذا هو الواضح.
(5/2055)

أو نقول: وهو المشهور فيما بين الناس وهو أن النكاح لما كان له حكم العلة على ما ذكرنا كان تعليق الطلاق بالنكاح بمنزلة تعليق الطلاق بالتطليق وهو باطل؛ لأن تعليق الحكم بما هو علته لا يصح كما إذا قال: إن طلقتك فأنت طالق وإن أعتقك فأنت حر؛ لأن المزيل قارن الزوال فلا يعمل كما إذا قال: أنت طالق مع انقضاء عدتك لما أن المزيل يعتمد الثبوت سابقا وزمان الزوال ليس بزمان الثبوت فلا يصح هذا التعليق لكونه تعليق الحكم بما هو علته معنى فلا يشتر قيام المحل؛ لأنه إنما يشترط لشبهة التطليق.
وهذه الشبهة قد بطلت فبقيت يمينا مطلقا لوجود الشرط، والجزاء صورة ومحل اليمين ذمة الحالف، فإذا وجد الشرط وجب الجزاء، فوجه المعارضة ما بينا من مضادة مقتضى كل واحد من شبهة حقيقة العلة التي تحصل بمطلق التعليق ومن كونه معلقا بالنكاح الذي هو بمنزلة علة العلة وكذلك بيان السابقة ما بينا، والله أعلم.
(فأما الإيجاب) أي الإيجاب (المضاف) إلى وقت فى المستقبل نحو قوله: أنت طالق غدا ونحو قوله: لله علي أن أتصدق بدرهم غدا (فهو سبب فى الحال) بخلاف التعليق وهو كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: فأما الإضافة إلى وقت لا تعدم السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط، ولهذا قلنا في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ
(5/2056)

مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لا يخرج الشهر من كونه سببا حقيقة في حق جواز الأداء.
وقوله: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) يخرج التمتع من أن يكون سببا لصوم السبعة قبل الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز؛ لأنه لما تعلق بشرط الرجوع فقبل وجود الشرط لا يتم سببه معنى وهناك أضاف الصوم إلى وقت فقبل وجود الوقت يتم السبب فيه معنى حتى يجوز الأداء.
وقال الإمام الأرسابندي- رحمه الله: ولو قال: إذا جاء غد فلله علي أن أتصدق بدرهم فتصدق قبله لم يصح؛ لأن كلمة إذا كلمة شرط فإذا علقه بالشرط لم يبق سببا فلا يصح التعجيل بخلاف النذر المضاف فإنه سبب حتى لو قال: لله علي أن أتصدق بدرهم يوم الخميس فتصدق قبله صح لأن الإضافة دخلت على الحكم فاجلته فكان سببا في الحال، فإذا عجل المؤجل كما إذا عجل الدين المؤجل أو عجل الصوم في السفر.
(وأما السبب الذي له شبهة العلل فمثل ما قلنا في اليمين بالطلاق والعتاق) كمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق. أو قال لعبد الغير:
(5/2057)

إن ملكتك فأنت حر، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة هاهنا بعد ما ذكر مرة؛ لأن ما ذكره قبل هذا كان بطريق التطفل؛ لأنه كان فى ذكر السبب الذي يسمى سببا مجازا، وذلك الذي ذكره اقتضى ذكر السبب الذي له شبهة العلل، وذكر ههنا قصدا تتميما لما ذكره من تعداد السبب بأنه مقسم أربعة أقسام.
فعلم بهذا أن الذي ذكره هنا كان لمعنى غير ذلك المعنى الذي اقتضى ذره قبل هذا.
فإن قلت: لا يتم هذا الذي ذكره أن السبب أربعة أقسام؛ لأن السبب الذي له شبهة العلل لما كان مثل ما ذكره من اليمين بالطلاق والعتاق وهو أيضا هو السبب الذي يسمى سببا مجازا على ما ذكر نظيره بذلك كانا شيئا واحدا فحينئذ كانت الأقسام ثلاثة.
قلت: لا، بل تمت الأربعة؛ فإن تعليق الطلاق بالنكاح هو السبب الذي له شبهة العلل علم ذلك بقوله: ((والجواب عنه أن ذلك الشرط في حكم العلل)) وبما ذكر قبل هذا في باب وجوه الوقوف بقوله: فأما تعليق الطلاق بالنكاح
(5/2058)

فتعليق بما هو علة الطلاق ولو لم يجعل هكذا لم تتم الأربعة، فحصل من هذا كله أن تعليق الطلاق بالشرط على نوعين:
أحدهما: تعليق بشرط من الشروط كدخول الدار وكلام زيد وغيرهما بأن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وهو الذي قاله وسبب وسمي به مجازا.
والثاني: تعليق الطلاق والعتاق بالملك بأن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق, أو قال لعبد الغير إن ملكتك فأنت حر. وهو الذي قاله: ((وسبب له شبهة العلل)). لكن هذا فى التقسيم وقع في القسم الثالث، وفي التقرير وقع في آخر الأقسام الأربعة؛ لما أن القسم الرابع الذي ذكره في التقسيم وهو السبب الذي في معنى العلة وهو نحو قود الدابة وسوقها على مال إنسان مر ذكره قبل هذا؛ فلذلك صرح هناك حين ذكره بقوله فيصير حينئذ من القسم الرابع لئلا يشتبه ما ذكره من التقسيم الذي قسمه على أربعة أقسام، ولا يرد مثل هذا الاشتباه على ما ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- حيث جعل نظير السبب الذي له شبهة العلل حفر البئر فى الطريق وإرضاع الكبيرة الصغيرة فيما إذا كانتا ضرتين، والله أعلم.
(5/2059)

باب تقسيم العلة
المعنى من كون العلة اسما أن تكون تلك العلة موضوعة شرعا لذلك الحكم الذي هو حكمها كملك النصاب وضع لإيجاب الزكاة، ومن كونها معنى هو أن تكون تلك العلة مؤثرة في إثبات ذلك الحكم كتأثير الغنى في حق المواساة، ومن كونها حكما هو أن يتصل الحكم بها وجودا عند وجودها كوجود حكم الزكاة بوجوب الأداء عند حولان الحول.
وأما لو أدى قبل حولان الحول يجوز لوجود نفس الوجوب بملك النصاب وإن لم يتحقق وجوب الأداء.
(5/2060)

(وما يجري مجرى ذلك من العلل) كالطلاق والعتاق وخروج النجاسة في حق انتقاض الطهارة.
(لما ذكرنا من تفسيرها) أي تفسير العلة وهو ما ذكره بقوله: فإنها في اللغة عبارةٌ عن المغّير.
وهى في الشرع عبارةٌ عما يضافُ إليه وجوبُ الحكم ابتداءً فقد وُجد التغييرُ وإضافةُ الحكم إلى هذه الأشياءُ عللًا لأحكامها.
(وحقيقة ما وُضعت له) هي إضافة الحكم إلية لا بواسطة ابتداء في الشرع، وقد وُجدت هي ههنا فكانت علةً أسما ومعنى وحكما لوجود الوضع والتأثير والاتصال.
(ومَن فَرق بين الفصلين) أي بين الاستطاعة مع الفعل وبين العلة
(5/2061)

الشرعية (فلا بد من صفة العلة) أي العلة الشرعية (تقدّمُها على الحكم والحكمُ يَعقُبها) ليكون الحكمُ مرتبًا على علةٍ موجودةٍ، وهذا في العلل الشرعية ممكنٌ؛ لأنها بمنزلة الجواهر بدليل جواز الإقالة في البيع بعد أزمنة.
وهي عبارةٌ عن فسخ البيع ورفعه ولولا قيامُ البيع إلى وقت الإقالة لما
(5/2062)

صح فسخه (بخلاف الاستطاعة) وسائرَ العلل العقلية فإنها أعراضٌ لا تبقى زمانين فكما وجدت انعدمت، فلذلك قلنا باقترانهما معا هناك إلا أنا نقول: أن عللَ الشرع أمارتٌ في الحقيقة وأعراضٌ وأجرينا على حقيقتها وقلنا باقتران الأحكام بها.
(وأما الذي هو علةٌ اسمًا) يعنى ليس بعلة معنى ولا حكمًا.
أما علةٌ اسماُ؛ لإنة يضاف الحكمُ إليه بدون الواسطة فيقال كفارة اليمين، وكذلك في يمين الطلاق والعتاق يضافُ الحكمُ إلى اليمين حتى إن شهودَ اليمين وشهودَ وجود الشرط إذا رجعوا كان الضمانُ على شهود اليمين لكونهم شهودَ علةٍ, لكن لما كان وضع اليمين للبر لا للحنث لم تكن اليمينُ مؤثرًا في وجود الحنث فلم تكن علةً معنى، وكذلك لما لم يثبت الحكمُ متصلًا باليمين قبل الشرط لم تكن علةً حكمًا.
وقال الإمامُ شمس الأئمة -رحمه الله-: لأن العلةَ معنى وحكمًا ما يكون
(5/2063)

ثبوت الحكم عند تقرُّره لا عند ارتفاعه وبعد الحنث لاتبقى اليمين بل ترتفع فلم تكن علةً معنى وحكمًا.
(فمثلُ البيع الموقوف) وهو في بيع ملك الغير يغير إذنه؛ لأنه بيعٌ مشروعٌ؛ لأنه لا ضررَ للمالك في شرعيته وقلنا بشرعيته بقوله تعالى: "وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ"، ولأنه بيعٌ حقيقةً موضوعُ لهذا الموجب فيضاف لهذا الموجَب إلى هذا البيع فقلنا إنه علةٌ اسمًا.
وكذلك هو علةٌ معنى؛ لأن هذا البيعَ منعقدٌ شرعًا بين المتعاقدين لإفادة هذا الحكم.
وأما أنه ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من الأضرار بالمالك في خروج العين عن ملكه من غير رضاه.
(فإذا زال المانعُ ثبت الحكم به) من الأصل حتى إن المشترى يملكه بزوائده بعد الإجازة من وقت العقد، وكذلك لو أعتقه المشترى يتوقف إعتاقه
(5/2064)

على إجازة المالك ولو لم يكن ملكا موقوفا فيه لما توقف إعتاقه؛ لأن حكمَه تراخى أي حكمه الأصلىّ وهو الملك الباتّ، وأما الملكُ الموقوف ُ فثابتٌ لما ذكرنا.
(إن المانع إذا زال وجب الحكمُ به من حين الإيجاب) حتى يملكه المشتري بزوائده المتصلةِ والمنفصلةِ من وقت العقد بخلاف التعليقات، فإنه إذا زال المانعُ يثبت الحكمُ فيها وقت زوال المانع.
(لما عرف في موضعه) يعنى إنه بيع المعدوم فينبغي إنه لا يصحَ؛ لأن المعدومَ لا يكون محلًا للملك، ولهذا لم يثبت الملك في الأجر لانعدام العلة حكمًا إلا أن الشرعَ جوَّزه لضرورة حاجة العباد إلى ذلك العقد فملك الأجر بشرط التعجيل لوجود العلة اسمًا ومعنى فلا يكون متبرِّعا (لما فيه من معنى الإضافة) أي إضافة الملك إلى وقت المعقود عليه في الأصل وهو المنفعةُ فلم يثبت الملكُ فيه مستندًا إلى وقت العقد؛ لأن إقامةَ العين مُقام المنفعة في حق صحة الإيجاب دون الحكم، فلذلك قيل: الإجارةُ عقودٌ مضافةٌ.
(5/2065)

(وكذلك كل إيجاب مضاف إلى وقت) مثل أن يقول: لله علىَّ أن أتصدقَ عند رأس شهر أو أصومَ أو أصلىَ على ما ذكرنا في باب السبب من مسائل الإضافة (فإنه علةً اسمًا ومعنى)، ولهذا لو عجَّل قبله يصح، وقد ذكرناه.
(لا حكمًا) لأنه لم يلتزمه في الحال فكان متشابها للأسباب من حيث إنه لا يستند الحكم إلى وقت الإيجاب بل كان مقتصرًا وقت وجود الوقت المضاف إليه.
(اتصل بالأصل لحكمه)؛ لأن الوصفَ لا يستقل بنفسه، والأصلُ مع ذلك الوصف علةٌ فكان بمنزلة الأسباب من حيث أن الحكم تأخر إلى شيء آخر فكان منزلة تأخر السرقة من وقت الدلالة إلى وجود فعل السارق بالسرقة (حتى يصح أداءُ الحكم قبله) أي قبل وجود ذلك الوصف باعتبار وجود العلة اسمًا ومعنى.
(5/2066)

(وذلك مثلُ النصاب في أول الحول) فإنه سببٌ لوجوب الزكاة بصفة النماء، وحصول هذا النماء منتظَر لا يكون إلا بعد مدةٍ قدَّر الشرعُ تلك المدةَ بالحول، وإنما ذِكره لم ينتصب الحول شرطًا، فإنه عليه السلام قال: "لا زكاةَ في مال حتى يحولَ عليه الحولُ" وحتى كلمة غاية -والغايةُ صفةٌ للمغيّا- لاكلمةَ شرطٍ، وبانعدام صفة النماء في الحال لا ينعدم أصلُ المال الذى يضاف إليه هذا الحكمُ شرعًا، فجعلناه علةً تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد كمال النصاب، ولا يكون المودى زكاةً للمال لانعدام صفة العلة بخلاف المسافر إذا صام في شهر رمضانَ والمقيمُ إذا صلى في أول الوقت فالمؤدَّى يكون
(5/2067)

فرضًا لوجود العلة مطلقةً بصفتها.
(ألا ترى أنه تراخى إلى ماليس بحادث به وإلى ما هو شبيه بالعلل) هذان الوصفان أعنى ما ليس بحادث به وما هو شبيه بالعلل يُرجِّحان جانب السببية للنصاب ووصفُ كون النماء غيرُ مستقل بنفسه يُرجِّحث جانب العلية للنصاب؛ لأن تراخى الحكم لو كان لمعنى حادث بالأصل كان الأصلُ بمنزلة علة العلة فيترجح حينئذٍ للأصل جانب العلية كما في الرمى فأن الوسائطَ بينه وبين الحكم وهو زهوق الروح من نفوذ السهم وإصابته وسراية ما جرحة مضافةٌ إلى الأول وهو الرمي، فلذلك كان الرميُ علةً وههنا لما لم يكن حولان الحول حادثًا بالنصاب كان النصابُ شبيهًا بالسبب.
وكذلك كون الذى يوجب التراخي شبيها بالعلل يشعر بأن الأولَ شبيه بالسبب؛ لأن الحكمَ لو كان متراخيًا إلى ما هو علة حقيقة كسرقة السارق بعد الدلالة كان الأولُ وهو دلالةً الدال سببًا حقيقةً، فإذا كان متراخيًا بما هو شبيه بالعلل كان الأولُ شبيهًا بالأسباب ثم إنما قلنا: إن الذي يوجب التراخي ههنا وهو النماءُ يشبه العلل؛ لأن النماءَ يوجب المواساة فيكون له أثرٌ في وجوب الزكاة.
وإنما قلنا إن وصفَ كون النماء غيرُ مستقلٍ بنفسه يرجح جانب العلية؛ لأن النماءَ وصفُ المال والوصفُ لا يقوم بنفسه، وحقيقةُ السبب أن يكون
(5/2068)

الحكمُ متراخيًا إلى ما يستقل بنفسه كما في سرقة السارق ولم يوجد ههنا كون ذلك الوصف مستقلًا بنفسه فأشبه بالعلل من حيث أن هذا الوصفَ قائمٌ به.
(وكان هذا الشبَة غالبًا) أي شبه كون النصاب في أول الحول علة غالبٌ على شبه كونه سببًا؛ لأنه بالنظر إلى الأصل وهو النصابُ علةٌ وإلى الوصف وهو النماء سببٌ، والأصلُ راجحٌ على الوصف.
(أن لا يظهر وجوب الزكاة في أول الحول قطعًا)؛ لأن فات وصفُ العلة فلم تكن العلةٌ موجودةً؛ لأن العلةَ مال نام فلم يكن الوجوبُ ثابتا قطعًا من أول الحول (بخلاف ما ذكرنا من البيوع) أي من البيع الموقوف والبيع بشرط الخيار؛ لأنه ودت العلةُ ثمة ولم يفت وصف منها، فلذلك عند زوال المانع يثبت الحكمُ من أول الإيجاب قطعا.
(ثابتًا من الأصل في التقدير)؛ لأن الوصفَ متى وُجد اتصل بأصله فكان الأصلُ موصوفا به من الأصل تقديرًا.
(5/2069)

(وهذا أشبه بالعلل من النصاب) لأن المرضَ علةً تغيُّر الأحكام بوصف اتصاله بالموت وذلك الوصف لا يستقل بنفسه فكان المرضُ بمعنى العلة كما في النصاب بل المرضُ أشبه بالعلل من النصاب؛ لأن وصفَ الاتصال بالموتِ حادثٌ بالمرض، فكان شبه المرض بالعلة أقوى من النصاب؛ لأن ترادف َ الآلام التى هى الواسطةٌ المفضيةُ إلى الموت إنما حدثت من المرض.
فلذلك كان شبه المرض بالعلة أقوى كما في الرمي هو علةٌ لزهوق الروح وإن كانت عليته للموت بالوسائط لكون تلك الوسائط حادثة من الرمي لم تُعتبر هى واسطة فكان الرمي علةً تامةً لمباشرة القتل حتى يجبُ القصاص على الرامي فكذا هنا.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: وكذلك ما هو علةُ العلة "وإنما قلنا إن التزكيةَ علةُ العلة، فإن الموجبَ للحكم بالرجم شهادةُ الشهود، والشهادةُ لا تكون موجبةً بدون التزكية، فمن هذا الوجه يكون الحكمُ مضافًا إلى التزكية، ومن حيث التزكيةَ صفةُ الشهادة بقي الحكمُ مضافًا إلى الشهادة
(5/2070)

أيضًا، فأي الفريقين إذا رجع كان ضامنًا. كذا ذكره الأمامُ شمس الأئمة رحمه الله.
(لأنه ليس بطريق موضوع له) أي أحد الوصفين لا يكون موضوعًا لوجود الحكم لكن له شبة العلل من حيث أن ركنَ العلة إنما يتم إذا كان هو مع غيره؛ (لأن ربا النسيئة شبهة الفضل)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفًا لا حقيقةً فيثبت بشبهة العلة؛ لأن الشبهات في باب الحرمات ملحقةٌ بالحقائق.
وأيد ذلك ما روى في الحديث:"إن النبى عليه السلام نهى عن الربا والريبة". ولا يقال: كيف يحرُم شبهة الفضل بأحد الوصفين مع أن حقيقةَ
(5/2071)

الفضل لا تحرُم به؟.
لأنا نقول: ذلك الحكمُ فلا يمكن إثباته بشبهة العلة؛ لأن الحكمَ يثبت على حسب ثبوت العلة تحقيقًا للمعادلة والمناسبة.
ألا ترى أن البيعَ الفاسدَ الذي فيه ضعفٌ لفساده يثبت به الحكم الذى فيه ضعف وهو أنه لا يثبت الملك فيه قبل القبض بخلاف حكم البيع الصحيح.
وقوله: (لأنه مؤثر فيه) أي لأنه طهر أثره فيه في الحال؛ لأن الوصفَ الأولَ مؤثرٌ فيه أيضا لمِا ذكر قبل هذا بعلة ذات وصفين مؤثرين لكن لم يظهر أثره في الحال، وإنما قلنا إن كل واحد ٍ منهم مؤثرٌ.
أما الملك فلأنه يُستفاد به ملك العتق فكان بمعنى العلة فكان مؤثرًا كالعلة.
وأما القرابةُ فلأنها مؤثرةٌ في الصلة وفى إبقاء القريب رقيقًا قطعُ الصلة، ولهذا صان اللهُ تعالى هذه القرابةَ عن القطع بواسطة أدنى الرقّين وهو النكاحُ فلأن تُصان عن القطع بأعلاهما وهو ملك اليمين أولى.
(5/2072)

(حتى يصير المشتري معتقًا) أي بواسطة الشراء، ولهذا صحت نيةُ الكفارة عند الشراء ولو كان الحكمُ مضافا إلى الكل لما صحَّت كما في الإرث، وليس لأحد أن يقولَ: أن أحدَهما شرطٌ والآخر علةٌ؛ لأنه لو كان كذلك لما صح عن الكفارة عند النية في آخرهما وجودا كما في المحلوف بالعتق.
وبقوله: بعلة ذات وصفين مؤثرين"وقع الإحتراز عنه؛ لأن الشرطَ ليس بمؤثر.
(أضيف العتق إلى القرابة) إي إلى دعوى القرابة عند الملك؛ لأنه لو لم يُضَف دعوى القرابة عند الملك لما غرِم؛ لأنه لم يوجد منه صنعٌ كما لو ورِثا قريب أحدهما.
(فلا يترجحُ البعضُ على البعض)؛ لأن شهادتَهما إنما صارت حجةً للاستحقاق بقضاء القاضي وعند ذلك لا تأخُّرَ فيهما ولا تقدُّمَ.
(وهذا ليس بعلة حكمًا) أي السفرُ هاهنا ليس بعلة للرخصة حكمًا.
(5/2073)

فإن قلت: أليس في هذا الذى ذكره مناقضةٌ فإنه ذكر أولًا: فكان علةً حكما "أي كان السفر علةً للرخصة بالإفطار في الصوم ونفى هاهنا كون السفر علةً للرخصة فيه!
قلت: لا مناقضةَ؛ لأن موضوعَ المسألة فيما ذكر قبل هذا في الذي لم يُصبح صائمًا في حالةِ الإقامة، بل أصبح غيرَ صائم وهو في السفر كان في حقه علةً للرخصة في الإفطار أي في أن لا يصوم.
وأما إذا أصبح صائمًا وهو مُقيمٌ ثم سافر لم يكن سفره ههنا علةً للرخصة في الإفطار؛ لأنه لو كان علةً لها لأبيح الفطر وليس بمباح له، وذلك لأن العلةَ حكمًا هي التى تثبت الحكم حال وجودها فورًا ولن تثبت الإباحةُ ههنا عُلم أنه ليس بعلة حكمًا، ولكن مع ذلك لو أفطر لا تجب الكفارة للشبهة وهى قيامُ السفر المبيح للفطر في الجملة.
(ولا معنى)؛ لأن المؤثر هو المشقة لا نفس السفر ولو لم يكن علةً اسما
(5/2074)

لوجبت الكفارةُ لوجود الإفطار وعدم المرِخص؛ (لأن الرخصة تعلقت بالمشقة في الحقيقة)؛ لأن للمشقة والحرج تأثيرا في استباحة المحظورات واستجلاب الرخص، وإلى هذا أشار اللهُ تعالى بقوله: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ" إلا أن المشقة أمرُ باطن تتفاوت أحوال الناس فيه، ولا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرعُ السفرَ المقدر بثلاثة أيام مُقام تلك المشقة لكونه دالا عليها غالبًا.
(إلا أنه متنوع) أي في كونه سببا للمشقة بواسطة الصوم؛ لأن الصومَ يحصل به الحِمية وهي رأسُ كل دواء، ثم لو قلنا مع ذلك أن مطلقَ المرض سببٌ للرخصة يلزم منه أن نقول: ما هو الموجب للمنفعة موجبٌ للمشقة فكان فيه خرم القاعدة الممهدة.
فإن قلت: بل في قولك بتنوع المرض في تعليق الرخصة خرم القاعدة
(5/2075)

الممهدة؛ لأن الله تعالى جعل مطلق المرض علة رخصة الإفطار بقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
حيث لزهما في قرن واحد، والأصل أن المطلق يجري إطلاقه، وفيما ذكرته ترك لهذا الأصل وتفريق للمقترنين في الوصل.
قلت: ليس فيما قلنا ترك الأصل، بل فيه تقييد المطلق لوجود دليل التقييد بالإجماع.
ألا ترى أن ظاهر الآية التي ذكرتها كسف قيد إطلاقه بتقييد الإفطار بالإجماع، فكذا قيد مطلق المرض بالمرض المفضي إلى الحرج بالإجماع.
بيان ذلك الله تعالى قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لو خلينا ومجرد النظر إلى ظاهرة الآية يلزم أن يصوم المريض والمسافر مرتين في وقتين مختلفتين.
أحدهما- في وقت الأداء، ويتوقت شهر رمضان لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وهما ممن شهد الشهر، وليس في قوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر) ذكر الإفطار.
(5/2076)

والثاني: أن يصوم في وقت القضاء لقوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فلابد من أن يقيد مطلق تلك الآية بقوله: "ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو لم يرد قوله: فأفطر" يلزم ما قلنا من الصوم مرتين وذلك مدفوع بمرة لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) ولقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فيقد ذلك المطلق بما قلنا.
فكذا فيما نحن فيه يقيد بالمرض الذي يضر الصوم لا بالمرض الذي ينفعه الصوم. إذ لو قلنا ذلك يلزم أن يعود الكلام على موضوعه بالنقض؛ لأن الله تعالى جعل المشقة سببا للرخصة لا المنفعة فلذلك افترق المرض والسفر، لما أن السفر وإن قلت مشتقة لم يخل عن نفس المشقة لما أن التحرك للساكن مشقة وفيه ذلك.
(فما كان منه سببا لاسترخاء المفاصل أقيم مقامه) وهو أن يكون مضطجعا أو متكئا
(وكذلك الاستبراء متعلق بالشغل) أي بشغل الرحم بماء الغير
(5/2077)

ليصون ماءه عن اختلاط ماء الغير ثم نقل إلى (استحداث سبب الشغل) وهو الملك؛ لأن ملك اليمين سبب لشغل الرحم ظاهرا فأقيم الملك مقام الشغل لذلك.
(والثاني: أن يقوم الدليل مقام المدلول)، والفرق بين الدليل والسبب هو أن الدليل إنما يقام مقام المدلول فيما لا يعلم وجود المدلول حقيقة ولكن
(5/2078)

وجود الدليل ظاهرا يدل على وجود المدلول بخلاف السبب الداعي كالمس في إثبات البعضية ومع ذلك يعلم حقيقة أنه لا يثبت البعضية بمجرد المس.
(وطريق ذلك وفقهه) أي دليل إقامة الشيء مقام غيره، (وفي قيام النكاح مقام الماء) أي الأصل في إثبات النسب الماء إلا أن ذلك أمر باطن فقام النكاح مقامه؛ لأنه سببه.
(كما في تحريم الدواعي في الحرمات) وهو أن الجماع حرام في الظهار وكذلك دواعيه (والعبادات) أي في تحريم الدواعي في العبادات وهو أن الجماع حرام حالة الإحرام والاعتكاف، فكذلك دواعيه من المس والقبلة حرام أيضاً، والله أعلم.
(5/2079)

باب تقسيم الشرط
(لا حكم له قبل العلم من المخاطب)؛ وإنما كان العلم شرطا؛ لأنه لا تحصل القدرة بدونه، والله تعالى نفي التكليف بدون القدرة بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)
وكذلك هذا في كل الشروط في العبادات والعقوبات والمعاملات.
(5/2080)

(فالصيغة) هي: أن تدخل كلمة من كلمات الشرط.
(والدلالة) هي: أن يكون في الكلام معنى الشرط من غير صيغته.
(وقال بعضهم هو شرط عادة) يعني خرج الكلام على وفاق العادة، فإن الإنسان إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرا لا أن يكون هذا شرطًا.
(5/2081)

(وهذا قول بأنه لغة)؛ لأنه وجد الشرط ولم يجد معناه، واللغو ليس إلا هذا.
(فأما الإباحة فتستغني عنه) أي الإباحة في الكتابة تستغني عن العلم بالخير.
(وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ). (سنة واستحباب) أي عطف قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ) على قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) أجمعنا على أن قوله: (آتُوهُمْ) للاستحباب، فكان المعطوف عليه أيضا للاستحباب، وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم فيه خيرا، فإنما يصير مندوبا إليه إذا علم فيه خيرا، فظهرت فائدة الشرط من هذا الوجه.
فإن قلت: يشكل على هذه قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) حيث عطف الذي هو للوجوب على الأمر الذي للإباحة وهو الأكل.
(5/2082)

قلت: ليس كذلك، فإن الأكل بقدر ما يقوم به مهجته فرض، وجاز أن يكون المراد هنا ذاك، وإن نفع الأكل راجع إلى العبد والشكر حق الله تعالى، فلذلك قام دليل الوجوب في الشكر لكونه حق الله تعالى، ودليل الإباحة في الأكل لكونه حق العباد وكلامنا فيما إذا كان الحق لواحد.
(قصر الأحوال) أي قصر أحوال الصلاة كالأداء راكبا بالإيماء والإيجاز بالقراءة وتخفيف الركوع والسجود لا أن يكون المراد قصر شطر الصلاة، وإنما عرف هذا بنص أخر وهو قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) فإنما تعلق قصر أحوال الصلاة بالخوف، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
(وقال تعالى): (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) والمراد- والله أعلم- فإذا أمنتم فأتموا
(5/2083)

الصلاة بأحوالها.
(وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ) (فلا تذكر الحجور شرطًا)، وكلامنا في صريح الشرط لما أن دلالة الشرط لما أن دلالة الشرط لا تعتبر في المعرفة والربائب معرفة بالإضافة فكان ذكر الحجور لبيان التقرير كقوله تعالى: (من أصلابكم) وهذا الكلام لرد سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يكون الحجر شرطا؛ لأنه شرط دلالة من حيث الظاهر فيتفقد به حتى لو كانت الربائب في غير الحجر ينبغي أن يجوز نكاحها.
والجواب ما ذكر وهو أن دلالة الشرط إنما تعتبر شرطا في النكرة لا في المعرفة.
(هذا الكلام بمعنى الشرط دلالة لوقوع الوصف في النكرة) لما أن التزوج دخل علة امرأة غائبة غير معينة فكانت نكرة، والوصف في الغائب معتبر فصار كأنه قال: المتزوجة طالق، فكان الطلاق متعلقًا بالتزوج بخلاف ما
(5/2084)

إذا قال: هذه المرأة التي أتزوجها طالق، فإنه لو تزوجها لا تطلق؛ لأن الوصف في الحاضر لغو لما أن الوصف للتعريف؛ لأنه موضوع للتفرقة بين المشتركين، والتعريف الحاصل من الإشارة أقوى من التعريف الحاصل من الوصف، فكان الوصف بعد الإشارة وقع ضائعا فلا يعتبر فبقي قوله: هذه طالق وهي أجنبية فلا يصح.
(ونص الشرط يجمع الوجهين) أي صريح الشرط وهو ذكر حرف من حروف الشرط يجمع وجهي المنكرة والمعينة أي صح فيهما، ويكون الطلاق معلقا فيهما حتى لو قال: إن تزوجت هذه المرأة فهي طالق ثم تزوجها تطلق كما قول قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق.
(لما لم تكن عللًا بذواتها استقام أن تخلفها الشروط)؛ لأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة فيمكن أن ينقل حكمها إلى ما يقاربها وهو
(5/2085)

الشروط بخلاف العلل العقلية، فإنها علل بذواتها أي بوضعها فلم يستقيم أن يخلفها الشروط في إضافة الحكم إليها. ألا ترى أن الكسر لما كان علة للانكسار والقطع علة للانقطاع لم يقم غيرهما مقامها في إثبات الانكسار والانقطاع.
(فقد قالوا في شهود الشرط واليمين إذا رجعوا جميعا بعد الحكم إن الضمان يجب على شهود اليمين لأنهم شهود العلة)، وأما إذا رجع شهود الشرط وحدهم.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- في "أصول الفقه" و"المبسوطة": إنهم لا يضمنون.
وقال في "المبسوط" ظن بعض مشايخنا أنهم يضمنون في هذا الفصل، وقالوا: إن العلة لا تصلح لإضافة الحكم إليها هاهنا فإنها ليست متعدية فيكون الحكم مضافًا إلى الشرط على أن الشرط يجعل خلفًا عن العلة هاهنا باعتبار أن
(5/2086)

الحكم يضاف غليه وجودا عنده وشبه هذا بحفر البئر، ثم قال: وهو غلط، بل الصحيح من المذهب أن شهود الشرط لا يضمنون بحال نص عليه في "الزيادات"، وهذا لأن قوله: أنت حر مباشرة الإتلاف للمالية وعند وجود مباشرة الإتلاف الحكم يضاف إليه دون الشرط، ولكن المصنف فخر الإسلام البزدوي وغيره من المشايخ- رحمهم الله- اختاروا جانب الضمان.
وذكر المصنف بعد هذا في الكتاب بخطوط: وإذا رجع الشرط وحدهم وجب أن يضمنوا.
(لما قلنا) وهو قوله: "إن الشرط يتعلق به الوجود دون الوجوب فصار شبيها بالعلل" إلى أخره.
وكذلك قال الإمام فخر الدين قاضي خان- رحمه الله- في أيمان "الجامع الكبير" وإن رجع شهود الدخول لا غير لم يذكر هذا الكتاب، واختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يضمنون استدلالا بشهود الإحصان إذا رجعوا وحدهم لا يضمنون، ثم قال: وأكثر المشايخ قالوا بوجوب الضمان عليهم؛ لأن شهود الدخول إن لم يثبتوا علة التلف فقد أثبتوا التلف؛ لأن قوله: أنت حر يصير علة عند الدخول فالحق ذلك بالعلة عند تعذر إيجاب الضمان على صاحب العلة نظرًا لصاحب الحق.
أما الإحصان فليس في معنى العلة، بل هو مانع عن العلة وهي الزنا فلا
(5/2087)

يكون ملحقًا بالعلة.
أما الدخول فلا يمنع العلة وهو الإعتاق فأمكن إلحاقه بالعلة، وكذلك في عامة شروح الجامع الكبير حيث ذكر وجوب الضمان على شهود الشرط إذا رجعوا وحدهم.
(وذلك مثل قول علمائنا في رجل قيد عبده ثم حلف) إلى أخره. ذكر هذه المسألة في باب الشهادة في العتق من عتاق "المبسوط" فقال: وهذا بناء على أن قضاء القاضي بالعتق بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا؟
عند أبي حنيفة- رحمه الله- ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وفي قول أبي يوسف الأخر وهو قول محمد- رحمهما الله- ينفذ ظاهرا لا باطنا، فتبين أن قضاء القاضي بشهادتهما لم يكن نافذا في الباطن وأن العبد إنما عتق بحل القيد لا بشهادتهما فلا يضمنان عندهما شيئا.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله- إنما عتق العبد بقضاء القاضي لنفوذ قضائه ظاهرا وباطنا، وقضاء القاضي كان بشهادتهما، فلهذا ضمنا قيمته؛ لأنا علمنا أنهما شهدا بالباطل.
فإن قيل: هما إنما شهدا بشرط العتق؛ لأنهما شهدوا بوزن القيد أنه دون
(5/2088)

عشرة أرطال وذلك شرط العتق ولا ضمان على شهود الشرط.
قلنا: لا كذلك؛ بل شهدا بتنجيز العتق؛ لأنهما زعما أن المولى علق عتقه بشرط موجود، والتعليق بشرط موجود كان تنجيزا حتى يملكه الوكيل بالتنجيز وشهود تنجيز العتق يضمنون عند الرجوع.
فإن قيل: قضاء القاضي إنما عند أبي حنيفة- رحمه الله- إذا لم يتقين ببطلانه.
فأما بعد التيقن ببطلانه فلا ينفذ، كما لو ظهر أن الشهود عبيد أو كفار، هاهنا قد تيقنا ببطلان الحجة كان وزن القيد خمسة أرطال وبعد ما علم كذبهم بيقين لا ينفذ القضاء باطنا فيعتق حينئذ بحل القيد.
قلنا: لا كذلك؛ بل نفوذ القضاء عند أبي حنيفة- رحمه الله- باعتبار أنه يسقط من القاضي تعرف ما لا طريق له إلى معرفته وهو حقيقة صدق الشهود ولا يسقط عنه الوقوف على ما بتوصل إليه من كفرهم ورقهم؛ لأن التكليف يثبت بحسب الوسع وقد تعذر على القاضي هاهنا الوقوف على حقيقة وزن القيد؛ لأنه لا يعرف ذلك إلا بعد أن يحله، وإذا حل عتق العبد فتسقط عنه حقيقة معرفة وزن القيد ونفذ قضاؤه بشهادتهما ظاهرًا وباطنًا.
(5/2089)

قلت: فعلى هذا كان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" في تشبيه أن شهود العلة إذا كانوا كذبة في شهادتهم يضمنون لما أتلفوا بشهادتهم والكذب منهم يظهر إما برجوعهم عن شهادتهم أو بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا، وهاهنا ظهر كذبهم بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا به فيضمنون عند أبي حنيفة- رحمه الله- لذلك، فكان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" إشارة على قوله: "إن الضمان على شهود اليمين"؛ لأنهم شهود العلة.
هذا على تقرير "المبسوط" على ما ذكرت، وأما على تقرير هذا الكتاب فكان قوله: "فأما إذا سلم الشرط عن معارضة العلة صلح علة"، فكان ضمان الشاهدين عند أبي حنيفة- رحمه الله- باعتبار أن صاحب العلة وهو المولى بيمينه لما لم يصلح لإيجاب الضمان عليه ضمن صاحب الشرط وهو الشاهدان اللذان أثبتا شرط العتق بشهادتهما إن القيد عشرة أرطال.
وقوله: (فوقع العتق بحل القيد) والحل كان بأمر القاضي فلا يكون موجبًا للضمان.
وقوله: (وهذان الشاهدان أثبتا شرط العتق) من تتمة قول أبي حنيفة
(5/2090)

رحمه الله- وقوله: "ومع ذلك ضمنا" أي على قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقوله: (لا تصلح لضمان العتق وهو يمين المولى) إما لأنهما مباحة فلا تصلح سببًا للضمان، أو لأن الإنسان لا يضمن لنفسه، أو لأنه تصرف في ملكه.
(وفي مسألة رجوع الفريقين) أي شهود التعليق وشهود وجود الشرط (إيجاب كلمة العتق) وهو قول المولى: أنت حر إن كان كذا، وهما أثبتا تلك الكلمة زورًا فكان الضمان عليهما حيث أثبتا العتق فلا ضرورة في خلفية الشرط
(فيكون حفر البئر إزالة للمانع) فصار كوجود الشرط بدخول الدار مثلًا
(5/2091)

فإنه إزالة للمانع فكذا هنا، (ولهذا لم تجب على حافر البئر كفارة) هذا الإيضاح أن حافر البئر صاحب شرط لا صاحب علة.
(فمن قسم الأسباب التي جعلت عللا) لأنها طرق إلى التلف وليست بشروط؛ لأنها لم تكن إزالة مانع للعلة بخلاف حفر البئر ونحوه، فإنه إزالة للمانع لا طريق مفض إلى التلف سابقا عليه، ففي كلتا الصورتين يجب الضمان، (وعلى هذا) الأصل وهو إقامة الشرط مقام العلة عند عدم إمكان الإضافة إلى العلة.
(5/2092)

(وإن كان التغيير بطبع الأرض والماء والهواء) يعني ا، تغير المغضوب في يد الغاضب موجب للضمان عليه إذا كان بفعل الغاضب، وهنا وإن لم يوجد فعل مغير منه لكن وجد شرط التغير، وهو الإلقاء في الأرض فأقيم مقام العلة.
(لكن العلة) أي العلة هنا لحصول الخارج من البدن قوة الأرض والماء والهواء وهي (مسخرة) بتقدير الله تعالى لا اختيار لها، فلم يصلح لإضافة الحكم إليها، والإلقاء الذي هو شرط جامع بين هذه الأشياء أعني الحب والأرض والهواء والماء فجعل العلة خلفا عنها في الحكم، وبهذا الطريق يصير الزرع كسب الغاضب مضافًا على عمله فكان مملوكا له فكان هذا كالواقع مع الحافر، فإن الثقل الذي هو علة لما لم يصلح لإضافة الضمان إليه أضيف إلى حفر الحافر الذي هو شرط خلفا عنه فكذا هنا.
(فجعل للشرط حكم العلل) أي في حكم الضمان؛ حيث الضمان إلى صاحب الشرط كما يضاف إلى صاحب العلة.
(5/2093)

(غير منسوب إليه) أي إلى الشرط لئلا يكون في معنى العلل (وأن يكون سابقا عليه) أي على الفعل الاختياري ليكون في معنى السبب.
وقوله: (باتفاق أصحابنا) إنما قيد به احترازًا عن مسألة فتح باب القفص حتى طار الطير أو باب الإصطبل فخرجت الدابة فإن فيه خلافًا بين أصحابنا فقال محمد- رحمه الله-: فيه بالضمان.
(إزالة للمنع)؛ لأن إباقة إنما صار علة التلف بعد الحل.
(فالسبب مما يتقدم) أي على العلة، (والشرط مما يتأخر) أي عن العلة.
(ثم هو سبب محض) فلا يمكن إضافة الحكم إليه؛ لأن السبب المحض لا يضاف إليه الحكم بل الحكم وهو تلف المالية مضاف إلى ما اعترض عليه من
(5/2094)

العلة دون ما سبق إلى السبب.
(وكالدابة) تجول بعد الإرسال، فكذلك هذا أي يصلح فعل البهيمة قاطعا لفعل الفاتح حتى لا يجب الضمان على فاتح القفص.
وكذلك صيد الحرام إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في قطع الحكم وهو الحرمة الثابتة له بسبب الحرم ولما كان فعل الدابة يعتبر في الجملة اعتبر هنا في حق قطع الفتح عن الفاتح حتى لا يجب الضمان على الفاتح بخلاف من فتح فم زق الدهن أو غيره حتى تلفت ماليته بسيلانه كان على الفاتح الضمان؛ لأن السيلان ليس بفعل البهيمة حتى يصلح قاطعا لفعل الفاتح.
(5/2095)

وقوله: (ولهذا قلنا فيمن حفر بئرا) متصل بقوله: "لأن الإلقاء هو العلة وقد صلح لإضافة الحكم إليه" (أن العلة صالحة لإضافة الحكم إليها) لكون
(5/2096)

ذلك الفعل اختياريا فلا ضرورة في جعل الشرط خلفا عنه؛ لأنه ضروري فلا يصار إليه إلا عند الضرورة.
(ووجب المصير في لاضمان العدوان إلى محض القياس) وهو عدم وجوب الضمان على المشلى؛ لأن ما وجد منه من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب، فإنه لا يكون سائقا بمجرد الإشلاء، ومع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال.
وحاصل الفرق بينهما ما ذكره في "الهداية" في باب جناية البهيمة: إن البهيمة مختارة في فعله ولا تصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره
(5/2097)

هذا هو الحقيقة، إلا أن الحاجة مست في الاصطياد فأضيف إلى المرسل؛ لأن الاصطياد مشروع ولا طريق له سواه ولا حاجة في ضمان العدوان.
وذكر الفقيه أبو الليث- رحمه الله- إذا أرسل كلبًا فأصاب في فوره إنسانا يضمن المرسل وإن لم يكن سائقا له؛ لأنه إذا أرسله وإن لم يكن خلفه فما دام في فوره فكأنه خلفه.
قال الصدر الشهيد- رحمه الله- وعليه الفتوى. كذا في البهيمة في فصل مسائل جناية البهيمة من كتاب الجنايات والحدود.
(ولهذا قلنا فيمن ألقى نارًا) يتصل بقوله: "لم يضمن" لأنه صاحب سبب والفعل الموجود بعده غير مضاف إليه؛ لأن هبوب الريح بعدما ألقى النار في الطريق غير مضاف إلى الملقي، وكذلك لدغ الحية بعد ما تحركت بخلاف ما إذا أحرقت قبل الوقوع على الأرض وقبل التحرك؛ لأنه مضاف إليه تسبيبًا فيضمن.
(5/2098)

(وأما الذي هو شرط اسما لا حكما فإن كل حكم تعلق بشرطين فإن أولهما شرطا أسما لا حكمًا)
فإن قلت: ما الفرق بين الشرط وبين العلة في مثل هذه الصورة، فإن الحكم إذا تعلق بوصفين لم يكن الوصف الأول هناك علة اسمًا بل كان هو شبهة العلل على ما ذكر فيه بقوله: "وأما الوصف الذي له شبهة العلل" إلى أخره.
وأما الشرط في مثل هذه الصورة فكان الوصف الأول شرطًا اسما.
قلت: إنما كان هكذا؛ لأن لكل من الوصفين هناك نوع تأثير.
ألا ترى أنه كيف صرح به بقوله: فكل حكم تعلق بوصفين مؤثرين ولما لم تتم العلة إلا بهما لم يكن كل واحدة منهما علة بانفراده، فكان شبهة العلل باعتبار تأثيره ولم يكن علة لعدم تمام ركن العلة بخلاف الشرط، فإنه يتم شرطًا بانفراده وإن لم يثبت الحكم إلى وجود شرط أخر.
وحاصل ذلك راجع إلى أن اجتماع شروط كثيرة جائز في حق حكم واحد وجوده، كجواز الصلاة مثلا يتوقف على شروط كثيرة، وكل شرط.
(5/2099)

منها تام في كونه شرطًا وإن لم يثبت الحكم عنده وليست العلة كذلك؛ لأنه مستحيل أن يثبت الحكم الواحد في حالة الوجود بعلل كثيرة جمعًا، والمعنى فيه أن العلة هي المؤثرة في وجود الحكم، فلما وجد الحكم بواحدة منهما كان وجوده ثانيًا محالا بأخرى منها.
وأما الشرط فليس بمؤثر في وجود الحكم؛ بل الحكم يوجد بالعلة عند وجود الشرط فيصح اجتماع الشروط، فكان كل شرط تامًا في كونه شرطًا، فصح إطلاق اسم الشرط على كل واحد من الشرطين بدون الأخر، ولم يصح ذلك في العلل لما ذكرنا أن المؤثر إحداها التي تسبق منها لا الجميع، ثم إذا لم يتم ركن العلة إلا بوصفين مؤثرين لم يكن كل واحد منهما علة تامة، فلم يكن على أسما.
ولكن كان شبهة العلل باعتبار تأثيره لا عند وجود الوصف الأخر ثبوت الحكم بهما، فكان كل واحد منهما مؤثرًا في وجود الحكم، لكن لما لم يتم ركن العلة بوجود الوصف الواحد لم يثبت الحكم بوجوده، فكان هو بانفراده مشابها للعلة لا علة تامة فسمي شبهة العلل لذلك.
(لأن الملك شرط عن وجود الشرط لصحة وجود الجزاء لا لصحة وجود الشرط)؛ لأن الشرط يصح وجوده وإن لم يوجد الحكم عنده على ما
(5/2100)

ذكرنا.
وأما الملك فشرط لصحة نزول الجزاء، ولهذا لو دخلت الدارين بعد زوال الملك، فإنه يوجد الشرط وتنحل اليمين لا إلى جزاء حتى لو نكحها بعد ذلك ودخلت الدارين لم تطلق، وهذا لأن الملك لو اعتبر عند وجود الشرط إنما يعتبر لبقاء اليمين ولا حاجة إلى بقاء الملك لبقاء اليمين؛ لأن اليمين تبقى بدون بقاء الملك؛ لأن محل اليمين الذمة، فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل، ولهذا لو أبانها وانقضت عدتها، فإنه تبقى اليمين ما لم يوجد الشرط وإن عدم الملك، وهو معنى قوله: (ولم يجز شرطه لبقاء اليمين كما قبل الشرط الأول)، فإن اليمين تبقى قبل الشرط الأول بدون بقاء الملك، فكذا بعد الشرط الأول، وهذا لأن الملك في المحل إنما يشترط لنزول
(5/2101)

الجزاء أو لصحة الإيجاب، وفي الشرط الأول لا يثبت واحد منهما فلا يشترط بقاء الملك عند وجوده.
(لأن حكم الشرط أ، يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط)
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وحد الشرط مل يمنع ثبوت حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده، كما في تعليق الطلاق بدخول الدار والزنا موجب للعقوبة، ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الإحصان.
كيف لو وجد الإحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم الرجم، فعرفنا أنه غير مضاف إليه وجوبًا به ولا وجودًا عند وجوده، ولكنه معرف، فبظهوره
(5/2102)

يعرف أن الزنا حين وجد كان موجبًا للرجم فكان علامة.
(أن مولاه أعتقه) أي أن مولاه الكافر أعتقه (فأنكر العبد والمولى ذلك) أي الإعتاق، وهذا في الأمة ظاهر.
وأما في الغلام فعلى قولهما صحيح أيضا، وفي قوله أبي حنيفة- رحمه الله عليه- يشترط الدعوى من العبد فلا تقبل الشهادة على العتق عنده فب العبد.
(فهلا قبلت هذه الشهادة؟) يعني جرا قبول كرده نه شد اين كواهي دادن كافر بر كافر به اين ك هوي خوي شرا أزاد كرده است كه اين بنده مسلمانست در اثبات رجم وهم جنانكه بكواهي دادن زن عند الاختلاط احصان مرد ثابت مي شود در حق رجم با انكه كواهي زن را مدخل نيست در إثبات حدود.
(5/2103)

يعني ينبغي أن يتمكن الإمام من إقامة حد الرجم علة هذا العبد بسبب ثبوت العتق بشهادة الكافرين عليه، وإن لم تقبل شهادة الكافر على المسلم في جميع الصور، كما يثبت إحصان الرجم بشهادة النساء حتى يتمكن الإمام من إقامة حد الرجم بشهادة النساء في حق الإحصان، مع أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود في جميع الصور؛ لما إن إقامة الحد غير مضافة إلى الإحصان لا وجوبًا به ولا وجودا عنده؛ لأن هذه الشهادة أعني شهادة الكافرين على عتق العبد المسلم ليست بشهادة على العبد بل شهادة على مولاه الكافر بزوال ملكه حتى ثبت عتقه على مولاه بهذه الشهادة بالإجماع، فيجب أن يثبت أيضا في حق الرجم.
فأجاب عنه بقوله: (والجواب عنه أن لشهادة النساء) إلى أخره. على وجه يقع به الفرق بين شهادة النساء وشهادة الكفار في حق إثبات إحصان الرجم (أن لشهادة النساء مع الرجال خصوصا في المشهود به دون المشهود عليه) أي أن لشهادة النساء خصوصية في حق المشهود به حتى لا تقبل شهادتين في حق الحدود والقصاص وتقبل في غيرهما ولا خصوصية في حق المشهود عليه حتى قبلت شهادتهن في حق المسلمين والكفار جميعًا، وإن كان في شهادتهن ضرر على المسلم كما في إثبات المال على المسلم وشهادة الكفار على العكس، ثم هاهنا المشهود به هو الإحصان، والإحصان لا تعلق له في إيجاب الرجم، ولا في الإيجاد عنده، فتقبل شهادة النساء في
(5/2104)

الإحصان لذلك.
وأما شهادة الكفار فتقبل على الكافرين في جميع الصور سواء كانت في الحدود أو غيرها، فدخل الخصوص في شهادة الكفار في حق المشهود عليه أي تقبل في حق الكفار دون المسلمين، ثم لو قبلنا شهادة الكافر بالإعتاق هاهنا في جميع الأحكام لكان شهادة له على المسلم في حق الرجم عليه وذلك لا يجوز، وإن لم يكن الإحصان شرطًا للرجم ولكن له مدخل في الرجم من حيث العلامة، وفيه ضرر على المسلم ولا يجوز أن يثبت الضرر على المسلم بشهادة الكفار بوجه من الوجوه.
قال الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) فيه نفي لجميع وجوه السبل؛ لأن سبيلا نكرة وقعت في موضع النفي.
وقوله: (ولكن في هذه الحجة) أي في شهادة الإحصان في الموضعين (تكثير محل الجناية) أي من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين، وعلى نعمة إصابة الحلال بطريقة في الموضع الأخر، والجناية تعظم
(5/2105)

عند كثرة النعمة.
ألا ترى أن الله تعالى كيف ذكر مضاعفة العقوبة على نساء النبي عليه السلام على تقدير إتيانهن بالفاحشة بقوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) لأن النعم في حقهن دون سائر النساء ضوعفت وتكثرت، فضوعفت العقوبة بمقابلتها عند الجناية لذلك.
وإذا ثبت هذا فشهادة النساء تكون حجة على المسلم وإن كان فيها ضرر عليه كما في إثبات الدين عليه، وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا به أو وجودا عنده، وذلك لا يوجد في هذه الشهادة اصلًا.
وأما شهادة الكفار ففيما يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلًا، فلذلك ثبت العتق بشهادة الكافرين على الكافر ولا يثبت الإحصان للمسلم بالعتق؛ لأن في ذلك ضررًا عليه وإن لم يكن ذلك الضرر واجبًا به أو موجودًا عنده.
(وعلى هذا الأصل) أي تفريغ المسألة على أصل أن الشرط الذي هو
(5/2106)

علامة (أن شهادة القابلة على الولاة تقبل من غير فراش قائم) أي في المعتدة.
وبها صرح في "التقويم" فقال: وكذلك قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرًا وكان الزوج أقر بالحبل، أو كان النكاح قائمًا حال الولادة.
وعندهما يثبت بالفراش القائم عند العلوق، والولادة شرط ظهور الولد فهذه الولادة في حق النسب علم محض لنسب قد كان.
وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الحبل طاهرًا حال قيام الفراش أو كان الزوج أقر به، فقد وجد علة ثبوت النسب وبالولادة يظهر ولد كان ثابت النسب، فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة، والنسب يثبت بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافًا إلى شهادتها.
فأما إذا لم يكن إقرار ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا، إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة؛ لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى لا سبيل لنا إلى علمه، فيعتبر بالعدم في حقنا كالخطاب النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه، وحال البلوغ إليه معتبر في حقه
(5/2107)

بابتداء الشرع؛ ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا، وإذا كان كذلك كان هذا حكمًا مضافًا إلى الشهادة عند عدم العلة وهي إقرار الزوج وغيره فلم يثبت بشهادة القابلة؛ لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف غليها، وكذلك الميراث للولد لا يثبت بشهادة القابلة أنه كان حيًا.
وقوله: (فإنما يثبت بالفراش) أي بالفراش السابق الذي كان وقت العلوق (لا يتعلق به وجوب النسب)؛ لأن وجوب النسب إنما كان بالعلوق من مائه.
وقوله: (حكما ثابتًا) متعلق بقوله: "كان ثبوت النسب"، وقوله: (في حق صاحب الشرع) وهو الله تعالى لا يحتاج في حقه إلى ان يثبت الحكم بناء على الأسباب الظاهرة بخلاف ثبوت الحكم في حقنا؛ للأنا لم نكلف درك الغيوب، فكان مضافًا إلى الأسباب الظاهرة.
(5/2108)

(فيثبت ما كان تبعًا له) أي ما كان تبعا لوجود الولادة، وهو الجزاء المتعلق به من الطلاق والعتاق وثبوت النسب وغيرها.
اعلم أن هاهنا مسائل لا بد من تحريرها حتى يتميز فأنت طالق، فقالت: قد ولدت وكذبها الزوج لم يقع الطلاق بقولها بخلاف الحيض؛ لأن الولادة مما يقف عليه غيرها، فقول القابلة يقبل في الولد فلا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تشهد القابلة به، والحيض لا يقف عليه غيرها- ولا يقع الطلاق ما لم تشهد القابلة به، والحيض لا يقف عليه غيرها- فلذلك يقبل قولها- فإن شهدت القابلة بالولادة ثبت نسب الولد بشهادتها، ولا يقع الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم يشهد بها رجلان أو رجل وأمرأتان.
وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- يقع الطلاق بشهادة القابلة؛ لأن شرط الوقوع ولادتها، وقد صار محكوما بها بشهادة القابلة بدليل ثبوت نسب الولد، ولأن شهادة القابلة في حال قيام الفراش حجة تامة في حق النسب وغيره كجريان اللعان وثبوت الحد وأمومية الولد، فكان حجة في حق وقوع الطلاق، يعني إذا ولدت امرأته ولدا فقال الزوج: ليس هو مني ولا أدري أنت ولدته أم لا؟ فشهدت القابلة- حكم باللعان بينهما، ولو كان الزوج حرًا محدودًا في قذف أو عبدًا وجب عليه الحد.
(5/2109)

ولو قال لجاريته: إن كان بها حبل فهو مني، فشهدت القابلة على ولادتها صارت أو ولد له.
وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: شرط الطلاق إذا كان لا يثبت إلا بالشهادة فلابد فيه من شهادة رجلين وامرأتين كسائر الشروط، وهذا لأن شرط الطلاق كنفس الطلاق، وتأثيره أن شهادة المرأة الواحدة ليست بحجة أصلية، وإنما يكتفي بها فيما لا يطلع عليه الرجال لأجل الضرورة، والثابت بالضرورة، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها، والضرورة في نفس الولادة وما هو من الأحكام المختصة، والحكم المختص بالولادة أمية الولد للأم واللعان عند نفي الولد.
وأما وقوع الطلاق والعتاق فليس من الحكم المختص بالولادة، بل إنما يقع بإيقاعه عند وجود الشرط، ونسب الولد من الأحكام المختصة بالولادة مع أن النسب عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يثبت بشهادة القابلة، وإنما يثبت يعين الولد.
فأما ثبوت النسب فبالفراش القائم، وكون شهادة القابلة حجة في ثبوت النسب لا يدل على أنها تكون حجة في وقوع الطلاق، فكان هذا كقوله: إذا قال لإحدى امرأتيه: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك- وهذا في صورة الإنكار-.
وأما إذا كان الزوج أقر بأنها حبلي ثم قال لها: إذا ولدت فأنت طالق،
(5/2110)

فقالت: قد ولدت.
فعند أبي حنيفة- رحمه الله- يقع الطلاق بمجرد قولها، وعندهما لا يقع إلا أن تشهد القابلة به؛ لأن الشرط ولادتها، وذلك مما يقف عليه القابلة فلا يقبل فيه مجرد قولها كما في الفصل الأول.
ألا ترى أن نسي الولد لا يثبت إلا بشهادة القابلة، وإن أقر الزوج بالحبل، فكذلك فى الطلاق.
وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إنه علق وقوع الطلاق ببروز موجود في باطنها فيقع الطلاق بمجرد خبرها. كما لو قال: إذا حضت فأنت طالق، وهذا لأن وجود الحبل بها يثبت بإقرار حبل الزوج، فلما جاءت الآن وهي فارغة وتقول: قد ولدت فالظاهرة يشهد لها أو يتيقن بولادتها وهذا بخلاف النسب؛ لأن مجرد الولادة تثبت بقولها، وليس من ضرورته تعين هذا الولد؛ لجواز أن تكون ولدت غير هذا من والد ميت ثم تريد حمل نسب هذا الولد عليه، فلهذا لا يقبل قولها في تعيين الولد إلا بشهادة القابلة.
فأما وقوع الطلاق فيتعلق بنفس الولادة أي ولد كان من حي أو ميت، وبعد إقرار الزوج بالحبل يتيقن بالولادة إذا جاءت وهي فارغة. هذا كله من باب الطلاق من طلاق ((المبسوط)).
(5/2111)

(وكذلك قالا في استهلال الصبي إنه تبع للولادة) يعني لو شهدت القابلة بأن المولود استهل بعد الولادة يثبت حياته فى حق الإرث عندهما بطريق ثبوت التبعية للولادة، كما يثبت حياته في حق الصلاة بالاتفاق.
وذكر في باب شهادة النساء من شهادات ((المبسوط)).
وأما الاستهلال فإني لا أقبل فيه شهادة النساء إلا في الصلاة عليه.
وأما في الميراث فلا أقبل في ذلك أقل من رجلين أو رجل وامرأتين، وهو قول أبي حنيفة- رضي الله عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- تقبل في ذلك شهادة امرأة واحدة حرة مسلمة عدلة؛ لأن استهلال الصبي يكون عند الولادة وتلك حالة لا يطلع عليها الرجال، وفي صوته عند ذلك من الضعف ما لا يسمعه إلا من شهد تلك الحالة، وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال كشهادة الرجال فيما يطلعون، ولهذا يصلى عليه بشهادة النساء، فكذلك يرث.
وأبو حنيفة- رضي الله عنه- يقول: الاستهلال صوت مسموع وفي السماع الرجال يشاركون النساء، فإذا كان المشهود به مما يطلع عليه الرجال لا تكون شهادة النساء فيه حجة تامة، وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال
(5/2112)

كالشهادات على جراحات النساء في الحمامات، بخلاف الولادة فهي انفصال الولد من الأم، والرجال لا يشاركون النساء فى الاطلاع عليها، وإنما قبلنا ذلك في حق الصلاة عليه؛ لأن ذلك من أمر الدين، وخبر المرأة الواحدة في ذلك حجة تامة في ذلك كشهادتها على رؤية هلال رمضان، بخلاف الميراث فإنه من حقوق العباد, فلا يثبت بشهادة النساء في موضع يكون المشهود به مما يطلع عليه الرجال.
وقوله: (فأخذ أبو حنيفة- رضي الله عنه- فيه) أي في استهلال الصبي أي في ثبوت استهلال الصبي في حق الإرث أخذ (بحقيقة القياس) في أن استهلاله لا يثبت في حق الإرث بمجرد شهادة القابلة بل حجة كاملة وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
وقوله: (إن الوجود من أحكام الشرط) أي وجود الحكم، وإذا كان الحكم بالشرط وجودا (فلا يثبت) الشرط في حق الحكم (إلا بكمال الحجة) وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في وجود الشرط بدخول الدار، (والولادة) لم تثبت بشهادة القابلة مطلقا، بل تثبت من وجه دون وجه كتعليق طلاق المخاطبة وضرتها بحيض المخاطبة، ثم قالت المخاطبة: حضت يثبت حيضها في حق حكم مخصوص بالمخاطبة وهو طلاقها لا طلاق ضرتها.
(5/2113)

فكذلك هاهنا أثبتنا حكم الولادة فيما يختص بها دون ما لا يختص بها، فثبوت النسب وجريان اللعان وأمومية الولد مما يختص بالولادة، فيثبت وقوع الطلاق والعتاق، والتوريث مما لا يختص بها فلا يثبت، وهو معنى قوله: (فلا يتعدى إلى التوابع) أراد بالتوابع ما ذكرنا من وقوع الطلاق والعتاق والتوريث.
(لا ترد على البائع وإن كان قبل القبض) مع أن الرد قبل القبض يشبه الامتناع من القبول؛ لأن القبض يشبه العقد ومع ذلك لا يرد بشهادتها، وكذلك لا يرد بعد القبض؛ لأن ذلك يكون نقضا للبيع لا امتناعا، فلما لم يتمكن بشهادتها من الامتناع لم يتمكن من نقضه بالطريق، والله أعلم.
(5/2114)

باب تقسيم العلامة
(فما يكون علما على الوجود) أي يكون هو دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله كما في علم الثوب، وعلم العسكر.
(على ما قلنا) أي في بيان الشرط الذي هو علامة، (وقد تسمى العلامة شرطا) من حيث إن كل واحد منهما دال على وجود الحكم.
(فصارت العلامة نوعا واحدا) وهو ما كان علما على الوجود من غير أن يتعلق به وجوب الحكم ولا وجوده عنده.
(5/2115)

(بل هو معرف) أي العجز معرف لذلك القذف بأنه كبيرة من حين وجد لا أن يصير كبيرة عند العجز، إلا أنه يحتمل أن يكون صادقا، فلذلك وجب التأخير إلى زمان يتمكن فيه من إثباته، فإذا عجز ظهر أنه حين وقع وقع كبيرة.
(فيكون سقوط الشهادة سابقا عليه) أي على العجز؛ (لأنه أمر حكمي)؛ أي لأن سقوط الشهادة أمر حكمي أي حكمه شرعي، والحكم الشرعي جاز أن يتوقف كالعقد الموقوف على الإجازة، فإذا أجير العقد استند الحكم إلى السبب حتى تكون الأكساب الحاصلة قبل الإجازة للمشتري، فكذلك سقوط الشهادة أمر شرعي يتوقف على العجز عن إقامة البينة، فإذا كان العجز معرفا سقوط الشهادة سابقا على العجز تسقط الشهادة بنفس القذف، حتى إذا شهد القاذف في حادثة قبل العجز عن إقامة البينة، ثم ظهر العجز لم تقبل شهادته في تلك الحادثة عنده.
(5/2116)

أما الجلد عنده ففعل حسي فلا يمكن أن يثبت الجلد بعد العجز مستندا إلى وقت القذف؛ بل يكون بعد العجز لا محالة، فلا يتصور وجوده قبله، (وذلك أن القذف كبيرة) بنفسه لما أنه إشاعة الفاحشة (وهتك) لستر عفة (المسلم).
(والأصل في المسلم العفة)؛ لوجود ما يمنعه من الفاحشة وهو العقل والدين، والعمل بالأصل واجب ما لم يوجد دليل أقوى منه يترك به الأصل، فكان الدليل موجودا بكون القذف كبيرة في الحال لرجحان جهة الكذب بالأصل الذي ذكرنا، فتسقط شهادته بنفس الكبيرة كما في سائر الكبائر.
وقوله: (هذه الجملة) أراد بها قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)).
وحاصله أن العجز شرط للجلد وسقوط الشهادة، والمتعلق بالشيء لا يسبقه لما أن الثابت بالكتاب الجلد ورد الشهادة، وكل منهما فعل ذكر جزاء لفعله.
ألا ترى أن الكل مفوض إلى الإمام، فكان جزاء، والجلد مرتب على
(5/2117)

العجز ورد الشهادة عطف عليه فكان هو مرتبا على العجز أيضا لا محالة ولما كان كذلك كان سقوط الشهادة حكما لرد الشهادة الذي يحصل من فعل الإمام لا أن يكون حكما للقذف؛ لأنه لو كان حكما للقذف لما صح تفويضه إلى الإمام.
(وإذا كان كذلك لم يصلح) أي العجز لم يصلح أن (يجعل معرفا، وأصل ذلك) أي وأصل ما قلنا أن العجز لا يصلح أن يكون معرفا؛ (لأن البينة على ذلك مقبولة) أي على فعل الزنا مقبولة.
(الحسبة): اسم للاحتساب، مزد حشم داشتن از نزد خداي تعالى بمقابلة فعل, وقيل: الحسبة الأجر. (في إقامة حد الزنا) وإقامة حد الزنا حق من حقوق الله تعالى خالصة، والساعي في إقامته محتسب مقيم حق الله تعالى.
(5/2118)

وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله- وكيف يكون نفس القذف كبيرة وقد تتم به الحجة موجبا للرجم، فإن الشهود على الزنا قذفه في الحقيقة، ثم كانت شهادتهم حجة لإيجاب الرجم، فعرفنا أن ما ادعاه الخصم من المعنى الذي يجعل به نفس القذف مسقطا للشهادة ما لا يمكن تحقيقه.
(لكنه لم يصلح علة للاستحقاق) أي لاستحقاق رد شهادة القاذف؛ لأن الأصل يصلح دافعا مثبتا كاليد الثابتة على العين، فإنها دافعة يد الغير لا مثبتة للملك.
(ولو صلح لذلك) أي ولو صلح الأصل مثبتا لاستحقاق رد شهادة القاذف (لما قبلت البينة) على الزنا (أبدا)، وهذا لأن البينة وإن كانت أقوى من الأصل الذي هو العفة، لكان هذا الأصل شبهة في ثبوت الزنا فلا تقبل البينة، وحيث قبلت بالإجماع دل أن الأصل لا يصلح موجبا.
وقوله: (لكن الإطلاق) متعلق بمحذوف وهو: أن القذف ليس بكبيرة بدلالاة قوله: ((فكيف يكون كبيرة)) أي أن القذف في نفسه ليس بكبيرة لكن تجويز القذف مقيد (بشرط) طلب (الحسبة) أي الأجر والثواب من الله تعالى بقذفه ذلك؛ لأن الخبر بقوله: هو زان- خبر متميل بين الصدق والكذب،
(5/2119)

والإطلاق له إنما يصح إذا اختار الحسبة حتى لو كان ذلك عن ضغينة لا يحل له ذلك وإن كان صادقا، ثم اختيار الحسبة إنما يعلم إذا كان له شهود حضور، فوجب تأخير القاذف إلى ما يتمكن به من إقامة الشهود وهو الزمان الذي يرى الإمام تقديره، وإذا لم يتمكن منه في ذلك الزمان وظهر عجزه فقد وجد الشرط فيترتب عليه الجزاء لرجحان الكذب على الصدق.
(ثم لم يؤخر حكم قد ظهر) أي قد ظهر حكم وهو حد القذف بالجلد ورد الشهادة عند وجود شرطه وهو العجز عن إقامة البينة بسبب ما يحتمل وجود البينة بعد ذلك.
فإن قيل: ينبغي أن يؤخر هذا الحكم وهو إقامة حد القذف إلى آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأن عدم الإتيان بأربعة شهداء شرط إقامة حد القذف، والعدم لا يتحقق ما لم يمت كما في قوله: إن لم آت البصرة فهو كذا وهو معروف.
قلنا: الشرط عدم الإتيان بالشهود في الحال إذ لو لم يكن كذلك لخلا قوله: ((فَاجْلِدُوهُمْ)) عن الفائدة؛ لأنه بعد ما مات لا يمكن الجلد ولا رد الشهادة، وكان هذا كقوله تعالى: ((فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ))، وقوله:
(5/2120)

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)، فإن فيهما عدم وجود المال في الحال لا العدم المستغرق للعمر، فكذا هنا.
(فإذا أقيم عليه الحد ثم جاء ببينة يشهدون بالزنا قبلنا وأقمنا الحد على المشهود عليه) وهو المقذوف، (وأبطلنا عن القاذف رد الشهادة) وقبلنا شهادته بعد ذلك، لأن سقوط الشهادة ثبت بحسب عجزه، فإذا قدر على إقامة الشهود علم أنه لم يكن عاجزًا.
(كذا ذكره في "المنتقى") في رواية لا تقبل شهادته؛ لأن من ردت شهادته في حادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك أبدًا، كالفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته لفسقه، ثم تاب يشهد في تلك الحادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك
(5/2121)

فيها أبدًا فكذلك ها هنا، (وإن كان تقادم العهد) قيل هو ستة أشهر (لم نقم الحد على المشهود عليه، وأبطلنا رد الشهادة عن القاذف) كل ذلك للشبهة، فصار هذا بمنزلة من ادعى السرقة على الغير وأقام البينة رجلًا وامرأتين يثبت المال ولا يجب الحد، فكذلك ها هنا لا يثبت حد الزنا ولكن تقبل شهادة المحدود في القذف.
وقوله: (غير فصل التقادم) أي لم يذكر في "المنتقى" مسألة التقادم وهي قوله: وإن كان تقادم العهد لم يقم الحد على المشهود عليه وذكر غيرها فيه ويتصل بهذه الجملة.
(5/2122)

باب العقل
أي يتصل بالجملة التي ذكرناها من أول الكتاب إلى هذا (باب العقل)، فوجه الاتصال هو أن إثبات مساواة حكم العام بحكم خاص بدليل الاجتهاد وهو محتاج إلى العقل، وكذلك لإثبات قطيعة أحكام الظاهر والنص والمفسر والمحكم مع تفاوت في القوة والضعف فيما بينها، ولباب القياس في التفرقة بين العلل الطردية والمؤثرة ووجوه القياس والاستحسان، ولمعرفة السبب والعلة والشرط والعلامة وأحكامها لم يكن بد من العقل، فكان بابه متصلًا بهذا لهذه المناسبة، فكان قوله: "بهذه الجملة" إشارة إلى ما ذكر في أول باب معرفة أقسام الأسباب والعلل بقوله: "جملة ما يثبت بالحجج التي سبق ذكرها" إلى آخره.
(5/2123)

وقال الإمام اللامشي -رحمه الله- بعد ما ذكر الأقوال المختلفة في حد العقل: والصحيح أنه جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة.
(فوق العلل الشرعية)؛ لأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة لا موجبات بذواتها، فيصح تخلف أحكامها لمعنى بعد وجود العلة بتمامها كبقاء صوم الناسي لأكله، وعدم ثبوت حكم البيع في البيع بشرط الخيار بخلاف العلة العقلية، فإن وجود الكسر ولا تخلف الانقطاع بعد وجود القطع.
(ولا عذر في الوقف عن الطلب) أي طلب الحق.
(5/2124)

(أنه من أهل النار) لوجود ما هو الموجب للإيمان وهو العقل.
(حتى أبطلوا إيمان الصبي) لعدم ورود الشرع، ولا عبرة لعقله لعدم تكليف الشرع عليه، فصار إيمانه كإيمان صبي غير عاقل، (وهذا الفصل أعني أن يجعل شركه معذورًا) بسبب أن عقل الصبي العاقل غير معتبر، فكان شركه كلا شرك.
(تجاوز عن الحد) أي عن حد طرف عدم اعتبار العقل، (كما تجاوزت المعتزلة عن الحد في الطرف الآخر) وهو طرف اعتبار العقل على وجه كان
(5/2125)

الصبي مكلفًا بالإيمان قبل البلوغ، وكلا طرفي المر ذميم، وخير الأمور أوساطها، ودين الله تعالى بين الغلو والتقصير.
(وهو من أعز النعم)؛ لأن الإنسان به يمتاز من سائر الحيوان وبه يتمكن من معرفة الصانع ومن الوقوف على الأحكام التي لم يرد الشرع بها بالتنصيص، وبه يتوصل إلى السعادة الأبدية والنعم السرمدية.
(يضيء به الطريق) الباء في به للسببية لا للتعددية- (الذي مبدؤه من حيث ينقطع إليه اثر الحواس)، يعني أن العاقل إذا نظر إلى محسوس أدرك بحسه ما هو محسوس، فإذا انقطع أثر حسه عن درك ما غاب عن الحس يبتدئ طريق درك الغائب الذي هو محسوس، وهذا إنما يتأتى فيما له صورة محسوسة.
وأما في موجود لا يحس أصلًا إنما يبتدئ طريق العلم من حيث يوجد كالعلم مثلًا أنه لا يحس ويحتاج فيه إلى أن العلم معنى راجع إلى ذات العالم أو راجع إلى غير ذاته؟ وكذلك في غيره.
(5/2126)

(ثم هو عاجز بنفسه)؛ لأنه آلة العمل وآلة العمل بدون العالم غير مفيدة.
(وما بالعقل كفاية بحال) أي بدون إعانة الله تعالى والتأمل والتجنب عن الهوى والبدع، فكان العقل معتبرًا؛ لأنه لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى معرفة الصانع إلا به، وهو سبب الأهلية، ولم يكن موجبًا للأحكام بذاته.
(ولذلك قلنا) أي ولأجل أن العقل غير موجب بذاته، بل بإيجاب الله تعالى وما به كفاية بحال، قلنا: (إن الصبي لا يكلف بالإيمان)؛ لأن الله تعالى لم يكلف الصبي شيئًا من العبادة.
قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"، والإيمان رأس العبادات فلم يكن مكلفًا به إلا أنه إذا آمن بالله تعالى وهو عاقل يقع عن الفرض مع أنه غير مخاطب به كصوم المسافر وجمعته، لما أن الإيمان بعد
(5/2127)

الوجود بحقيقته لم يقع نفلًا في حق شخص ما البتة، بل يقع فرضًا يقال: صبي مراهق أي مدان للحلم، من رهقه: دنا منه، ومنه: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليرهقها" (حتى إذا عقلت المراهقة ولم تصف) أي دينًا من الأديان لا الإسلام، ولا الكفر أي ولم تقر به، (لم تجعل مرتدة ولم تبن من زوجها).
فإن قلت: التوقف فيما يجب الإيمان به كفر، وترك وصف الإسلام أي وترك الإقرار به وإباء الإسلام عند العرض عليه كفر وارتداد من المبالغة، فلم لم يجعل من العاقلة ارتدادًا مع أن ارتداد العاقلة صحيح لما ذكر بعد هذا بقوله: "ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها".
قلت: إنما لم يجعل الإقرار بالإسلام من المراهقة العاقلة ارتدادًا لبقاء تبعية
(5/2128)

أبويها المسلمين بسبب بقاء وصف الصبي، ثم لما بلغت خرجت لاستبدادها بنفس البلوغ، فحينئذ كان ترك الإقرار بالإسلام، ارتدادًا مها، لكونها مخاطبة بالإيمان وعدم بقاء التبعية.
بخلاف ما قبل البلوغ فإنها لما لم تكن مخاطبة بنفسها بطريق الاستبداد بقيت تبعية أبويها، فجعلت مسلمة بإسلام أبويها بخلاف ما إذا صرحت بالإقرار بالإسلام أو بالكفر وهي مراهقة عاقلة حيث تخرج عن تبعية أبويها بالتصريح بالإقرار بالإسلام عن عقل، أو بالتصريح بالردة عن عقل لضرورة الحكم بصحة إيمان الصبي العاقل وصحة ارتداده، وحصل من هذا أنه وقع الفرق بين التصريح بالردة وبين ترك الإقرار بالإسلام في حق المراهقة العاقلة حيث جعل الأول كفرًا ولم يجعل الثاني كفرًا، لإمكان بقاء تبعية أبويها المسلمين لبقاء معنى الصبي فيما لم تصرح بالإفراد بالكفر لعدم الخطاب. بخلاف البالغة حيث يجعل كلاهما كفرًا لوجود الخطاب في حقها.
وقال الإمام شمس الأئمة رحمه الله في "الجامع الكبير": إذا أراد الزوج أن يستوصفها لا ينبغي له أن يقول لها: صفي الإسلام، فإنها تعجز عن ذلك وإن كانت تحسنه حياء من زوجها، ولكن يصف بين يديها ويقول: هذا اعتقادي وظني بك أن تعتقدي هذا، فإن قالت: نعم، كفى ذلك، فكانت مسلمة حلالًا له، وإن قالت: لا أعرف شيئًا مما تقول، فلا نكاح بينهما جينئذ، ولم يبين في الكتاب قدر ما يحتاج أن يصف بين يديها أو يستوصفها.
(5/2129)

قالوا: والأصل فيه حديث سؤال جبريل عليه السلام، وجواب رسول الله عليه السلام، وذلك حديث معروف.
وقوله: (ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها) أي على قول أبي حنيفة ومحمد -رحمه الله-.
وأما على قول أبي يوسف -رحمه الله- لا تكون مرتدة ولا تبين من زوجها؛ لأن ارتداد الصبي لا يصح عنده، وذكر ذلك في "الجامع الكبير" أي في الباب السادس من نكاح "جامع الكبير".
(وكذلك يقول في الذي لم تبلغه الدعوة أنه غير مكلف بمجرد العقل) أي البالغ الذي لم تبلغه الدعوة إنما لم يكلف بمجرد العقل إذا لم يصادف مدة يتمكن فيها من التأمل والاستدلال ومعرفة الخالق، بأن بلغ على شاهق الجبل أو في دار الحرب فمات من ساعته من غير أن يصف إيمانًا ولا كفرًا كان
(5/2130)

معذورًا، وهو كالصبي العاقل إذا لم يقر بالإسلام ولا بالكفر.
(وأما إذا أعين بالتجربة وأمهل لدرك العواقب) يعني بعد البلوغ فهو مكلف بالإيمان لم يعذر في الجهل بالصانع لما أنه رأى أبنية كثيرة من السماء والأرض والجبال والأشجار والنبات. وألهم أن البناء لا يوجد بدون الباتي، فوجب عليه الاستدلال بها، إذ البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهذا الهيكل العلوي والمركز السفلي أما يدلان على صانع خبير!!!
لأنه (قد استوفى مدة التجربة والامتحان)؛ لأنه صار بحال يصلح جدًا على ما ذكرناه في "الوافي" فلم يبق من أثر صباه شيء، فلابد أن يزداد فيه
(5/2131)

نوع رشد وهو الشرط لدفع المال إليه، قال الله تعالى: (فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). ذكره منكرًا.
(وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع) أي في حد مدة التجربة دليل قاطع حتى يخرج المكلف بها من أن يكون معذورًا؛ إذ ذلك يختلف باختلاف العاقل، فرب عاقل يهتدي إلى التجربة في زمان قليل، ورب عاقل لا يهتدي بل يحتاج إلى زمان كثير، فلذلك لم يكن في تقدير المدة فائدة.
(سوى أمور ظاهرة نسلمها له) أي سوى الأمور الظاهرة التي يحكم العقل بثبوتها كحسن شكر المنعم وحسن العدل والصدق والإحسان وقبح كفران المنعم والظلم والكذب أي في هذه الأشياء نسلم لمن جعل العقل حجة موجبة على وجه يمتنع ورود الشرع بخلافه بأن العقل يوجب أن يكون هذه الأشياء على هذه الصفات، لكن لا يكون إيجاب العقل بحكمه في هذه
(5/2132)

الأشياء بهذه الصفات حجة لمن جعل العقل حجة موجبة فيما ادعاه من الحكم، بأن العقل حجة موجبة في جميع الأشياء؛ لأن العقل كما يوجب أن يكون هذه الأشياء على هذه الصفات، كذلك الشرع يوجب ذلك أيضًا، قال تعالى: (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ).
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، ويدخل تحت ذكر الفحشاء والمنكر كل ما يستقبحه العقل والشرع.
وكذلك من كان في مغارة فتصدى له طريقان للوصول إلى المقصد، أحدهما يخاف فيه المهالك والآخر لا يخاف فيه المهالك، فالعقل يحكم بالسلوك في هذا الطريق الذي لا يخاف فيه المهالك وكذلك الشرع. قال الله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
فعلم بهذا أنه لا دليل له على أن العقل موجب بذاته حسن ما هو حسن وقبح ما قبيح، بل الموجب هو الله تعالى في الحقيقة.
ألا ترى أن الله تعالى لم يخل زمانًا من الشرع، قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)؛ وهذا لأن من المشروعات ما لا يدركه العقل أصلًا
(5/2133)

مثل المقدرات من أعداد الركعات ومقادير الزكوات والحدود وغير ذلك.
علم بهذا كله لا العقل لا يصلح أن يكون موجبًا بنفسه، لا لأصل شيء ولا لصفته.
(إذا قتلوا ضمنوا) أي يصيرون مضمونين، (فجعل كفرهم عفوًا)، حيث جعلهم كالمسلمين في الضمان. (ومن كان فيهم من جملة من يعذر) أي في الكفار الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام من كان معذورًا في ترك الإيمان بأن بلغ في الحال ولم يجد مدة الإمهال والتجربة أو كان صبيًا، فإن كلا منهم لم يستوجب عصمة النفس والمال عندنا ما لم يحرز نفسه وماله بدار الإسلام وعنده استوجب ذلك بدون الإحراز بدار الإسلام.
وقوله: (وذلك) إشارة إلى قوله: فلا دليل له أيضًا، (فإنما يلغيه بطريق دلالة الاجتهاد) لأنه إذا لم يجد في الشرع دليلا على مذهبه فلا بد له من أن
(5/2134)

يستدل عليه من دليل العقل، نحو أن يقول مثلًا: نفس العقل غير معتبرة في أن يكون العبد مكلفًا بالإيمان والشرائع كالصبي العاقل، فإن له أصل العقد ومع ذلك لم يخاطب بشيء، لأن الشرع لم يرد به.
(فيتناقض مذهبه)؛ لأنه نفى اعتبار العقل بالعقل فكان نافيًا ما أثبته مثبتًا ما نفاه، (وأن العقل لا ينفك عن الهوى) يعني أن العقل معتبر، لأن من ألغاه متناقض ولكن مع كونه معتبرًا ليس هو بحجة بذاته وليس بمستغن بنفسه.
(وإنما يستوجب نسبة الأحكام إلى العلل) إلى آخره، جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو لم يكن العقل حجة موجبة بنفسه للأحكام لما أضيفت الأحكام الشرعية الثابتة بالاجتهاد والقياس إلى العقل حيث يقال: هذا الحكم ثابت بالقياس والقياس إنما يكون بالعقل، وكذلك في العلل العقلية كثبوت الانكسار بالكسر والانقطاع بالقطع، كما تضاف الأحكام الثابتة بالعلل الثابتة بالنصوص إلى عللها.
قلنا: إن إيجاب الله تعالى غيب عنا، فأقام الأسباب الظاهرة مقام إيجابه الغيبي تيسيرًا على العباد لا أن تكون الأسباب والعلل موجبة بنفسها، فكانت إضافة إلى الأسباب والعلل الظاهرة باعتبار جعل الله تعالى إياها عللًا لا أن تكون هي نفسها عللًا والعقل آله لمعرفة تلك العلل لا موجب للأحكام.
(وأن يجعل العقل علة بنفسه) هذا كلام ابتدائي خرج جوابًا لقول المعتزلة بأن العقل علة بنفسه موجبة لما استحسنه .... إلى آخره.
(5/2135)

(وهو باطن) أي والحال أنه شيء، وإنما قلنا أنه شيء باطن لأنه لا بد أنتجعل قضايا العقل متحدة حتى يرتب عليها حكم واحد كما في سائر الأسباب الظاهرة في حق العباد من دلوك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر في وجوب الصلاة والزكاة والصوم.
فحينئذ يجب أن تجعل عقول العقلاء علة موجبة في حق كل مكلف من المكلفين وفي حقه عقل غيره أمر باطن فلا يصح إثبات حكم يجب عليه بسبب عقل غيره الذي هو باطن في حقه؛ لأن سنة الله تعالى أنه أينما أوجب الأحكام إنما أوجب بعلة ظاهرة في حق المكلفين كالآيات الدالة على حدوث العالم في وجوب الإيمان، ودلوك الشمس وملك النصاب في حق وجوب الصلاة والزكاة مع أن العقول متفاوتة في نفسها فكيف تثبت حكما واحدا.
وقوله: (إذا ثبت أن العقل من صفات الأهلية) إشارة إلى قوله: "والقول الصحيح في الباب هو قولنا إن العقل معتبر لإثبات الأهلية". والله أعلم.
(5/2136)

باب الأهلية وما يتصل بها
فالأهلية عبارة عن الصلاحية لوجوب الحكم له وعليه بخلاف البهائم وسائر الحيوانات، فتنقسم فروعها وهي: الأهلية لوجوب الإيمان والشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما من حقوق الله تعالى وكذلك من حقوق العباد، فمنها ماهو غرم وعوض، ومنها ماهو مؤونة، ومنها ماهو صلة لها شبه بالأجزية إلى آخر ماذكر.
والصبي أهل لبعضها وليس بأهل لبعضها وأهل لبعضها بواطة الولي.
(وهو الصلاح للحكم) أي وهو كون الذات صالحا لإيجاب الحكم له
(5/2137)

وعليه.
وقوله: (لحكم الوجوب) من قبيل إضافة العام إلى الخاص، فإن الحكم قد يكون حكم الوقوع كما في وقوع الطلاق وقد يكون حكم السقوط كما في سقوط القصاص عند العفو عنه، وكذلك حكم الندب والإباحة والكراهة عند وجود دليلها فكان الوجوب بعضا منها.
والمراد من حكم الوجوب صحة توجه المطالبة به.
فإن قلت: قوله "فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه كان هو أهلا للوجوب "مما لا يكاد يصح إذ المراد من قوله: " للوجوب" حكم الوجوب فحينئذ كان هذا بمنزلة قول من يقول: من كان أهلا لحكم البيع بوجه كان أهلا لحكم البيع.
وقول من يقول: من كان أهلا لحكم الطلاق بوجه كان أهلا لحكم الطلاق ونحوهما، وهذا مما يأباه استقامة الكلام؛ لأن الوجوب الثاني لا يفيد غير الوجوب الأول، فكان الشرط والجزاء شيئا واحدا وهذا لا يصح.
قلت: لا بل هو مستقيم عاية الإستقامة؛ لأن الوجوب الأول مقيد بوجه من الوجوه.
والثاني: مطل فكان تقديره من كان أهلا لحكم الوجوب بوجه من
(5/2138)

الوجوه أي على صلاحية احتمال الوجوب بوجه نادر.
(كان هو أهلا) لحكم (الوجوب) مطلقا أي في الوجوه كلها أي في حق الأداء والقضاء. كما إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي في آخر وقت الصلاة على وجه يتمكن فيه من الشروع في الصلاة لا غير تجب عليه تلك الصلاة لاحتمال امتداد ذلك الوقت على وجه يسع فيه تلك الصلاة أداء، فيجب عليه قضاء تلك الصلاة، وإن لم يمتد ذلك الوقت؛ لأنه لما كان أهلا لحكم وجوب الصلاة بوجه من الوجوه قلنا بأهليته له مطلقا، يعني في حق الأداء والقضاء، حتى أنه إذا لم يدرك ذلك المقدار من الوقت لا تجب عليه تلك الصلاة التي لم يدرك وقتها أصلا؛ لأنه لم يكن أهلا لحكم وجوب تلك الصلاة بوجه من الوجوه، فلا تجب عليه تلك الصلاة وهو معنى قوله: (من لا فلا).
فإن قلت: يلزم على ذلك الكلي وهو قوله: " فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه كان أهلا للوجوب مطلقا" الجنين فإنه أهل للوجوب له حتى صار أهلا للإرث والوصية وليس بأهل للوجوب عليه حتى لم يصر أهلا للضمان.
وكذلك الصبي في حقول الله تعالى الخالصة حيث لم يصر هو أهلا لوجوب الصلاة والزكاة وغيرهما على ماهو اختيار المصنف - رحمه الله - مع كونه أهلا للوجوب له، وعليه في حقوق العباد.
قلت: المراد من ذلك الكلي هو أن يكون أهلا لحكم الوجوب بوجه كان أهلا للوجوب مطلقا أي في حق ذلك الحكم الذي كان أهلا لحكم الوجوب
(5/2139)

بوجه كان أهلاً لحكم الوجوب مطلقا لا في حق حكم أخر، ولأن الجنين لا يرد على ذلك الكلي نقضا؛ لأنه قال: "فمن كان أهلا" وهو لا يتناول الجنين؛ لأن الجنين بمنزلة جزء الأم كيدها ورجلها، وكلمة من للعقلاء.
وأما الإرث والوصية فليسا بثابتين له في الحال بل على تقدير أن يولد حيا فكان ذلك عملا بالتوقف للاحتياط لا لكونه أهلا لهما في الحال.
وأما الصبي فجوابه مذكور في الكتاب وهو قوله: وكذلك القول في حقوق الله تعالى على الإجمال، فإنه متى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح سببه ومحله إلى آخره.
(يصلح للزوم العهدة) أي للزوم الضمان.
(فبناء على قيام الذمة)، والذمة: عبارة عن الصلاحية للإيجاب والإستيجاب، أي يجب عليه الواجب ويجب له على غيره.
(5/2140)

(وله ذمة صالحة للوجوب) أي للوجوب له وعليه.
أما له فإن نفقته وأجره رضاعة على أبيه، ومن اشترى ماله من وليه يجب ثمنه له على المشتري.
وأما عليه: فإن ولي الصبي إذا اشترى للصبي شيئا كما ولد لزمه الثمن، وكذلك إذا انقلب على مال إنسان كالقارورة مثلا فأتلفها يضمن.
قال الله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم) وعامة المفسرين على إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم من عصره.
قال أبو العالية -رحمه الله- جميعهم جميعا يومئذ فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم وأخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم (أَلَسْتُ
(5/2141)

برَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) قال فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم آباكم آدم أن تقولو يوم القيامة مالم تعلموا. اعلمو أنه لا إله غيري فلا تشركو بي شيئا: قالوا: نشهد أنك إلهنا لا إله غيرك فأقروا يومئذ بالطاعة.
قال ابن عباس وأبي بن كعب رضي الله عنهم: فجعلهم سامعين ناطقين عقلاء مختارين، فإنه أشهدهم، ولا يصح الإشهاد إلا على الموصوفين بهذه الصفات، ولأنه خاطبهم فدل على سماعهم، وأجابوا فدل على كلامهم، وقالوا شهدنا، فدل على علمهم وعقلهم، وقال: (أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) اي كراهة أن تقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فدل على اختيارهم، وليس بمستعبد وضع هذه الأشياء في الذر الصغار من قدرة الله
(5/2142)

تعالى اعتبارًا بنمل سليمان وهدهده وكلام عيسى عليه السلام في المهد وشهادة الرضيع ليوسف عليه السلام.
فإن قالوا: ما وجه إلزام الحجة بقوله (أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ونحن لانذكر هذا الميثاق وإن تفكرنا.
قلنا الله تعالى أنسانا ذلك ابتلاء؛ لأن الدنيا دار غيب، وعلينا الإيمان بالغيب، ولو تذكرنا ذلك زال الإبتلاء، وليس ما ينسى تزول به الحجة ويثبت به العذر. قال الله تعالى في أعمالنا: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ)
وأخبر أنه سينبؤنا وقال: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ).
(5/2143)

ولأن الله تعالى جدد هذا العهد وذكرنا هذا المنسي بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعده فلم يثبت العذر، إلى هذا أشار في "التيسير".
وذكر في "الكشاف" ومعنى آخذ ذرياتهم من ظهورهم: إخراجهم من أصلابهم نسلا وإشهادهم على أنفسهم، وقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى أنت ربنا.
(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) أي عمله من الخير والشر هو من قولك: طار له سهم إذا خرج؛ يعني ألزمناه ما طار له من عمله في
(5/2144)

ذمته والمراد من العنق الذمة، والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لايفك عنه، وهذا وصف ثابت لكل إنسان، وابن اليوم إنسان فيدخل تحت حكم النص.
وقوله: (لها ذمة وعهد) كلاهما واحد، لأن الذمة في اللغة: العهد، قال الله تعالى: (لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً) أي لا يحفظون قرابة ولا عهدا، ومنه يقال لأهل الذمة: العاهدون.
(وقبل الإنفصال هو جزء من وجه) حتى إنه ينتقل بانتقال الأم ويقر بقرارها، وكذلك يعتق بعتقها ويدخل في بيعها كسائر أجزائها؛ ولكن لما كانت نفسا ذات حياة على عرضية الإنفصال اعتبر منفصلا في بعض الأحكام.
(حتى صلح ليجب له الحق) حيث يصح اعتاقه مقصودا، والوصية له جائزة، ويرث هو من أقاربه، وتجب الغرة في حقه، (ولم يجب عليه) حتى إن مال الغير لو تلف بثقل أمه لا يجب عليه شيء من ضمانه، ويصان هو عند
(5/2145)

جناية أمه عن أن يقع الضرر عليه فكان هذا أثر أن لا تكون ذمته مطلقة.
(كان أهلًا بذمته للوجوب) أي للوجوب له وعليه (غير أن الوجوب) جواب سؤال مقدر بأن يقال: لما كان أهلًا للوجوب مطلقًا كان ينبغي أن يجب عليه الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها.
فأجاب عنه بهذا وقال: وهو وإن كان أهلًا للوجوب في حقوق الله تعالى إلا أن حقوق الله تعالى لا تجب عليه لعدم حكم الوجوب لأن حكم الوجوب في الدنيا تحقيق معنى الابتلاء وذلك إنما يظهر بالأداء وبتركه إذ بهما يظهر المطيع والعاصي فيتحقق الابتلاء المذكور في قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وذلك إنما يكون عند تمام العقل الكامل وهو عند البلوغ فلا يكون الصبي أهلًا لحكم وجوب حقوق الله تعالى لذلك.
(فيجوز أن تبطل لعدم حكمه) وهو الأداء (وغرضه) وهو الابتلاء (كما ينعدم الوجوب لعدم محله) كبيع الحر وإنما قلنا: إن الوجوب يبطل لعدم حكم الوجوب لأن الوجوب بدون حكمه غير مفيد كما إذا إشترى مال نفسه من غيره أو من نفسه لا يصح لعدم إفادته الحكم.
(5/2146)

(فيصير هذا القسم) وهو الصلاح للحكم (منقسمًا بانقسام الأحكام) فإن الأحكام في أصل القسمة نوعان: حق الله تعالى وحق العباد وكل واحد منهما على أنواع.
(وقد مر التقسيم قبل هذا في أول) أي في أول الفصل الذي قال: ثم جملة ما يثبت بالحجج التي سبق ذكرها سابقًا على باب القياس شيئان وهو باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط فإنه ذكر فيه جميع تقسيم الأحكام من حقوق الله تعالى وحقوق العباد فلما سد باب وجوب جميع حقوق الله تعالى على الصبي بطريق الإشارة بقوله: "غير أن الوجوب غير مقصود بنفسه فيجوز أن يبطل لعدم حكمه" شرع في بيان ترتيب حقوق العباد فقال:
(فأما في حقوق العباد) إلى آخره. (فما كان منها غرمًا) كوجوب ضمان المتلف (وعوضًا) كوجوب ثمن المشتري لأن المال مقصود لا الأداء
(5/2147)

الذي هو الفعل فإن المراد به رفع الخسران وما يكون خيرًا له أو حصول الربح وذلك بالمال يكون وأداء وليه كأدائه في حصول هذا المقصود.
(فلما شبه بالأعواض) لأن وجوب نفقة الزوجات باعتبار إحتسابها للزوج وقد حصل الحبس له فيجب عليه ما يقابله كثمن المشتري لكنها ليست بعوض حقيقي لأن العوض الحقيقي إنما يكون في الأموال.
(وأما الأخرى) أي نفقة القرابات (فمؤونة اليسار) لأن نفقة القريب إنما تجب إذا كان من عليه النفقة غنيًا والمقصود إزالة حاجة المنفق عليه لوصول كفايته إليه وذلك بالمال يكون لكن النصاب الذي يجب بسببه نفقة القرابات لا يشترط فيه النمو بخلاف نصاب الزكاة ثم أداء الولي فيه كأدائه فعرفنا أن الوجوب فيه غير خال عن حكمه فيثبت الوجوب في حق الصبي لذلك.
(مقابلًا بالكف عن الأخذ على يد الظالم) والصبي لا يتمكن من أخذ يد الظالم بالكف عن التعدي فلذلك لا يتحمل الصبي الدية.
(5/2148)

(لم يجب عليه على ما مر) وهو قوله: وكل صلة لها شبة بالأخروية لم يكن الصبي من أهله لأنه (لايصلح لحكمه) وهو الجزاء لأن الجزاء مرتب على كامل العقل لتحقيق الابتلاء في حقه وذلك إنما يكون بالبلوغ.
(وكذلك القول في حقوق الله تعالى على الإجمال) أي على الجملة.
يعني: سر جمله سخن در حقوق خداي تعالى بر صبي انست كه اعتبار حكم راست در هر كدام صورتيكه صحت حكم است در حق صبي سبب وجوب وي نيز ثابت است ودر هر كدام صورت كه صحت حكم در حق وي نيست سبب وجوب وي نيز در حق وي ثابت ني.
ثم الذي يصح القول بحكمه في حق الصبي صدقة الفطر أي على قول أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد -رحمهم الله- لأن فيها معنى المؤونة فيثبت الوجوب في حقه بحكمه وهو الأداء من ماله بواسطة الولي كذلك
(5/2149)

العشر والخراج فإن وجوبهما عليه لصحة حكم الوجوب عليه وهو الأداء بالولي الذي قام مقامه في أداء المؤونات فإن معنى القربة في ذلك غير مقصود بل المال هو المقصود فيه وأداء الولي في ذلك كأدائه والذي بطل القول بحكمه وجوب الإيمان بالله تعالى في حق الصبي الذي لا يعقل لانعدام الأهلية لحكم الوجوب وهو الأداء وجوبًا عن عقل وإختيار فلا يكون القول بالوجوب هاهنا إلا نظير القول بالوجوب باعتبار السبب بدون المحل كمان في حق البهائم وذلك لا يجوز القول به.
وكذلك العبادات المحضة كلها البدني والمالي في ذلك سواء لأن حكم الوجوب وهو معنى الابتلاء لا يثبت في حقه بحال فلا يثبت الوجوب.
وقوله: (إن صح سببه) كما في ملك النصاب (ومحله) وهو ذات الصبي (لأن الوجوب كما ينعدم مرة لعدم سببه) كما إذا لم يملك النصاب ومرة (لعدم محله) كعدم وجوب الإيمان والصلاة والصوم على البهائم وإن وجدت أسبابها من حدوث العالم ودلوك الشمس وشهود الشهر (فينعدم أيضًا لعدم حكمه) أي فينعدم الوجوب أيضًا لعدم حكم ذلك الوجوب في حق الصبي وهو معنى الابتلاء (وقد مر تقسيم هذه الجملة)
(5/2150)

أي في باب معرفة أقسام الأسباب.
(لأنها نيابة جبر لا اختيار) أي لأن النيابة الثابتة في حق الصبي نيابة جبر وهي نيابة وليه عنه لأن الصبي لم يجعله وليًا بإختياره بلا جعله الله تعالى وليًا عنه بدون إختيار الصبي فيما صح حكمه إذا عجز الصبي عن الإتيان به كما في العشر والخراج على ما ذكرنا.
ولو جعلنا كذلك في حق الزكاة لصار المال هو المقصود والمال ليس بمقصود في العبادات المحضة بل أداء من وجب عليه الزكاة هو المقصود إما بنفسه أو بنائبه بإختياره وفي قوله "لأنها نيابة جبر لا اختيار"إشارة إلى أن العبادات الخالصة المتعلقة بالمال تتأدى بالنائب إذا كانت النيابة عن اختيار وذلك إنما يكون في حق البالغ لا في حق الصبي لوجود الفعل عن اختيار منه معنى.
(5/2151)

(وما يشوبه معنى المؤونة مثل صدقة الفطر) لأن صدقة الفطر عبادة فيها معنى المؤونة.
وقوله: (لم يلزمه عند محمد لما قلنا) إشارة إلى قوله: "لأن الأداء هو المقصود في حقوق الله تعالى"، (ولزمه ما كان مؤونة في الأصل وهو العشر والخراج) لأن العشر مؤونة فيهما معنى العبادة والخراج مؤونة فيهما أصلًا لأن سببهما الأرض النامية وهي تبقى بحماية الإمام والعشر والخراج يأخذهما الإمام ويصرفهما والمؤونة ما كان سببًا لبقاء الشيء فكان دفع العشر والخراج نصرة للإمام معنى فلذلك كان فيهما معنى المؤونة.
(5/2152)

وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى ما ذكر في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل بقوله: والمؤونة التي فيها معنى القربة هي العشر إلى آخره.
(وما كان عقوبة لم يجب أصلًا) سواء كان وجوب العقوبة خالصًا لله تعالى أو مختلطا بحقوق العباد لأن الصبي ليس بأهل للجزاء بالعقاب لأن ذلك يبتنى على الابتلاء، والابتلاء بالبلوغ.
وقوله: (ولهذا كان الكافر أهلًا لأحكام لا يراد بها وجه الله تعالى) وهذا إيضاح بقوله: "وما كان عقوبة لم يجب أصلًا لعدم حكمه"يعني أن وجوب الشيء على الإنسان دائر مع صحة حكمه فأينما صح حكم وجوب شيء ما صح القول بوجوب ذلك الشيء عليه وما لا فلا وعلى ما ذكر قبل هذا أيضا بقوله: إن الوجوب لازم متى صح القول بحكمه ومتى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه ثم الأحكام التي لا يراد بها وجه الله تعالى أحكام المعاملات مثل: البياعات والأشربة والأنكحة والإجارات وغيرها فكان أهلًا للوجوب له وعليه فإنه يطلب مديونه بدين له عليه ويطالب هو أيضًا بدين عليه للغير وكذلك في عكسه.
(5/2153)

(ولما لم يكن أهلًا لثواب اآخرة لم يكن أهلًا لوجوب شيء من الشرائع) فكان هذا تقريرًا لما ذكر قبل هذا أن الوجوب لازم متى صح القول بحكمه ومتى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح سببه.
لما أن الأسباب إنما تقع معتبرة إذا أوجبت أحكامها فلما لم يكن الكافر أهلًا لحكم أداء العبادات لم يصح القول بوجوب أداء العبادات عليه.
(5/2154)

فإن قيل: أليس أن العبد من أهل مباشرة التصرف الموجب لملك المال وإن لم يكن أهلًا لملك المال فكذلك يجوز أن يكون الكافر مخاطبًا بأداء العبادات وإن لم يكن أهلًا لما هو المقصود بالأداء.
قلنا: صحة ذلك التصرف من المملوك على أن يخلفه المولى في حكمه أو على أن يتقرر الحكم له إذا أعتق كالمكاتب.
فأما هنا فلا يثبت الأداء في حقه على أن يخلفه غيره فيما هو المبتغى بالأداء أو على أن يتقرر له ذلك بعد إيمانه كذا ذكره الإمام شمس الأئمة -رحمه الله- في أصول "الفقه".
وقوله: ولما يكن أهلًا لثواب الآخرة -إلى أن قال-: (ولزمه الإيمان بالله تعالى لما كان أهلًا لأدائه ووجوب حكمه) افترق الحكم في حق الكافر بين وجوب الإيمان وبين وجوب الشرائع حيث لم تجب الشرائع وهي الصلاة والزكاة وغيرهما عليه ووجب الإيمان عليه لإختلاف حكميهما على ما ذكر في الكتاب وهذا لأنا لو قلنا بوجوب الإيمان على الكافر لا يلزم الفساد الذي لزم فيما قلنا بوجوب العبادات لأنه يكون مؤمنًا عند وجود الإيمان منه والمؤمن أهل لثواب الآخرة بخلاف أداء الشرائع فإنه لا يخاطب به لما ذكر في الكتاب من لزوم القول حينئذ بوجوب الإيمان بطريق الاقتضاء وهو رأس
(5/2155)

العبادات فلا يصح أن يثبت في ضمن الطاعات من العبادات ولأن فيه فسادًا آخر وهو أن حكم أداء العبادات ثواب الآخرة والكافر مع كفره ليس بأهل لثواب الآخرة فلا يصح القول بوجوب سبب هذا الحكم كما ذكر قبل هذا: أن ما لا يصح القول في حق إنسان بثبوت حكم ما لا يصح القول بوجوب سبب مثل هذا الحكم في حقه فكان وجوب الإيمان على الكافر وعدم وجوب شيء من الشرائع عليه نظير تعليق طلاق المرأة بنكاحها.
ونظير تعليق طلاق الأجنبية بدخول الدار مثلًا حيث يصح الأول لكون المرأة محلًا للطلاق عند النكاح لا محالة كما أن الكافر كان أهلًا لحكم الإيمان وهو دخول الجنة عند الإيمان ولا يصح الثاني لعدم محلية المرأة للطلاق عند دخول الدار ظاهرًا لأن الظاهر من المعدوم استمراره على العدم والمرأة لا تصلح محلًا للطلاق قبل النكاح.
(ولم يجعل مخاطبًا بالشرائع بشرط تقديم الإيمان) هذا جواب إشكال وهو أن يقال: لما لم تكن العبادات معتبرة بدون الإيمان لم لم يجعل أداء الإيمان ثابتًا تقديرًا في حق الكافر ليصح التكليف بالشرائع والعبادات بناء على ثبوت الإيمان اقتضاء كما في سائر الأحكام الثابتة بالاقتضاء (لأنه) أي لأن الإيمان (رأس أسباب أهلية أحكام نعيم الآخرة) فلا يكن الأصل تبعًا لفرعه الذي هو تبعه ولذلك لم يكن الأصل لشيء أن يثبت بطريق الاقتضاء لذلك الشيء؛ لأن في ثبوت الشيء بطريق الاقتضاء معنى التبعية؛ لأن المقتضى
(5/2156)

الذي هو غير مذكور شرط صحة المقتضى المذكور والشرط تبع للمشروط.
فلذلك لا يصح ثبوت الإيمان بطريق الاقتضاء للعبادات فكان هذا نظير ما إذا قال المولى لعبده: تزوج أربعًا أو قال لعبده الذي حنث في يمينه: كفر يمينك بإعتاق هذا العبد لا يعتق العبد مع أن تزوج الأربع من النساء وإعتاق العبد من نفسه لا يصح بدون الحرية لما أن الحرية أصل للتزويج بالأربع من النساء والتزويج بها تبع لها فلا يصلح أن تكون هي تبعًا للتزويج وكذلك في إعتاق العبد من نفسه.
فإن قلت: لا نسلم أنا لو قلنا بوجوب العبادات على الكافر أن يلزم من ضرورته وجوب تقديم ثابتًا في حقه بطريق الاقتضاء لأن الإيمان قد وجب على الكافر قبل توجه الخطاب عليه بالعبادات بسببه وهو الآيات الدالة على حدوث العالم.
والدليل على أن الكفار مخاطبون بالإيمان قبل الخطاب بالشرائع قوله تعالى: (وكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) على ما ذكرنا في شرح الخطبة ولما كان كذلك وجب أن يخاطب الكفار بالشرائع لثبوت وجوب الإيمان قبله بسببه وعدم ثبوته بطريق الاقتضاء.
قلت: سلمنا أن الكفار مخاطبون قبل ورود الشرائع بالإيمان أي بالإيمان
(5/2157)

الذي دل عليه حدوث العالم وهو وجود الله تعالى وتوحده لا الإيمان بأن الله تعالى فرض الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وإنما الإيمان بهذه الأشياء بعد ورود الشرائع.
فصح قولنا: إنهم لو كانوا مخاطبين بالشرائع يلزم أن يكون الإيمان بالله تعالى فرض الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وأنا قبلتها كلها ولا يصح ذلك لأن الإيمان بقبول هذه الأشياء أصل فلا يصلح أن يكون ثابتًا قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ)
وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ووجوب الشرائع إنما يكون بإرسال الرسل وبالنظر إلى احتجاجهم هذا يلزم أن يكون الكفار كأنهم ليسوا بمخاطبين بالإيمان قبل إرسال الرسل.
(وقد قال بعض مشايخنا) ومنهم القاضي أبو زيد -رحمه الله- حيث قال في "التقويم": إن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسبابًا للوجوب دون الأمر والخطاب كالزكاة بملك النصاب والحج بالبيت والصلوات
(5/2158)

بأوقاتها والصوم بشهر رمضان والإيمان بالآيات الدالة على الله تعالى والنكاح بالمهر -إلى أن قال- وهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على السواء فلا ينبغي أن يقع الفرق بينهما في حصه الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبي كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرًا علينا لا لأنه ليس بأهل له.
وهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر ولا يعلم به فكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه كابن السبيل تلزمه زكاة أمواله ثم لو مات قبل الوصول إلى ماله تسقط عنه وذكر أيضًا هذا السؤال والجواب بقوله: فإن قيل: قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم".
قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء الواجب لأن القلم للحساب والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب فإن الواجب متى تأجل لا يؤاخذ العبه به والوجوب قائم ألا ترى قرنه بالنائم والنائم تلزمه الصلاه في ذمته ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي لأنهم جميعًا دخلوا تحت رفع واحد.
وأما الإمام المحقق شمس الأئمة -رحمه الله- فقد وافق فخر الإسلام -رحمه الله- فيما اختاره من القول فجعل الأقول هنا على ثلاثة:
(5/2159)

قوم يثبتون وجوب حقوق الله تعالى من الصلاة والزكاة وغيرهما من حين يولد باعتبار مجرد الذمة إذا وجد الأسباب ثم يسقطون فكان فيه مجاوزة الحد بالغلو في الإيجاب.
وقوم لا يعتبرون الأسباب أصلًا فكان فيه مجاوزة الحد بالغلو في التقصير.
والقول الصحيح فيه أن نقول بعد وجود السبب والمحل لا يثبت الوجوب إلا بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب وليس لابن اليوم صلاحية حكم الوجوب وهو الأداء عن اختيار فلا يثبت مثل هذا الوجوب في حقه وإن تحقق السبب وهو في العبادات المحضة والعقوبات.
وأما حقوق العباد فمنها ما تثبت كما في الأعواض والمؤن ومنها ما لا تثبت كالصلة التي لها شبهة الجزاء على ترك حفظ يد الظالم إلى آخره.
(وقد كنا عليه مدة) أي على ما قاله بعض مشايخنا بوجوب كل الأحكام والعبادات على الصبي (لكنا تركناه بهذا القول الذي اخترناه) وهو أن الوجوب لازم متى صح القول بحكمه ومتى بطل القول بحكمه بطل القول بوجوبه وإن صح سببه ومحله على ما ذكر قبل هذا ولا نقول بأن الوجوب في حق كل الأحكام ثابت على الصبي، ثم سقوط الحكم لدفع
(5/2160)

الحرج بعذر الصبا بل لا يثبت الوجوب أصلًا فيما لا يتصور منه حكم ذلك الوجوب حتى إن دلوك الشمس وشهود الشهر لا يثبت بهما وجوب الصلاة والصوم أصلًا من الإبتداء على الصبي لا أن يثبت الوجوب أو لا لوجود الذمة والسبب ثم السقوط بعد ذلك بعذر الصبا لأنه لو كان مؤديًا للواجب كصوم الشهر في حق المريض والمسافر والجمعة في حق المسافر فإنه إذا أدى كان مؤديًا للواجب وبالإتفاق لا يكون الصبي مؤديًا للواجب وإن تصور منه ما هو ركن هذه العبادات فعرفنا أن الوجوب غير ثابت أصلًا.
(وهذا أسلم الطريقتين) أي ما قلنا أسلم مما قاله بعض مشايخنا.
(صورة) لأن القول بالوجوب ثم السقوط من غير غرض يحصل به تصور بصورة العبث ولأن وجوب الأداء لم يكن بالإتفاق مع قيام الذمة فيجب أن لا يكون عليه صورة نفس الوجوب.
(ومعنى) لأن المعنى يقتضي أن يكون المقصود من الوجوب الأداء والأداء غير ممكن من ابن يوم فلا فائدة في إثبات الوجوب علية لما ذكرنا أن القول بنفس الوجوب مع عدم حكمه أصلًا لعدم صلاحية المحل لذلك الحكم غير مشروع إذ القول بذلك يؤدي إلى القول بصحة الوجوب على البهائم.
(وتقليدًا) لأنه لم يقل أحد من السلف بوجوب الأحكام وعدم وجوب
(5/2161)

الأداء أصلًا في حق أحد ولأن في السلف وهم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- من قال: إنه لا يجب على الصبي شيء من الأحكام.
(وحجة) أي استدلالًا بالمتفق عليه وهو أنه لو كان الوجوب ثابتًا على الصبي ثم يسقط لدفع الحرج عنه كان ينبغي أن يقال: إذا إتفق الأداء منه كان مؤديًا للواجب كصوم رمضان في حق المسافر وبالإتفاق أنه لا يكون مؤديًا للواجب عرفنا أن الوجوب غير ثابت عليه أصلًا لما ذكرنا أو لأنه مرفوع القلم بالحديث قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم" ففي حق مرفوع القلم كيف يصح القول بوجوب الحكم عليه ولا يلزم علينا ابن السبيل فإن له صلاحية نفس الوجوب لكونه عاقلًا بالغًا لكن لم يخاطب بالأداء تيسيرًا عليه وذلك لا يمنع ثبوت نفس الوجوب كالمريض والمسافر في حق صوم رمضان فإنهما لم يخاطبا به مع ثبوت نفس الوجوب كابن السبيل.
وأما ابن اليوم فليس له صلاحية أداء الصلاة أصلًا فلم يثبت نفس الوجوب في حقه أيضًا وعن هذا جاء الفرق الواضح بينهما وهو أنه لو استقرض ابن السبيل من غيره مقدار الواجب من الزكاة وأدى يقع عن الفرض كما لو صام المسافر.
وأما الصبي العاقل لو أدى فرض الظهر في وقته يقع نفلًا حتى إنه لو أداه في أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه إعادته.
(5/2162)

وقوله: "قلنا رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة".
قلنا: بل يدل على رفع الوجوب في الذمة في مثل هذه الصورة التي نحن بصددها وهو أن يثبت نفس وجوب الصلاة على ابن اليوم لأن نفس الوجوب إذا لم يوجب حكمها تبطل من حيث توجد لأن المراد من شرعية الوجوب شغل الذمة إلى أن يؤدي ذلك إلى وجوب الأداء إما في الحال أو في ثاني الحال وأحد منهما ليس بثابت في حق الصبي بالإجماع فلا تكون فائدة حينئذ في ثبوت نفس الوجوب بخلاف النائم والمغمى عليه فلذلك قلنا برفع القلم من الأصل وإلا يتصور بصورة العبث على ما ذكر في الكتاب لأنه لا فائدة في ثبوت نفس الوجوب من غير معنى.
(ولذلك قلنا في الصبي) إلى آخره أي ولأجل ما قلنا: إن الوجوب غير ثابت في حق الصبي أصلًا قلنا: إنه لا يقضي ما مضى لأن الوجوب لو كان ثابتًا في حقه ثم سقط وجوب الأداء بالعذر لوجب عليه أن يقضي ما مضى كالمجنون إذا لم يستغرق جنونه حياته وكالمريض والمسافر إذا أفطرا.
(وكذلك نقول في الحائض) يرجع إلى ما ذكر في أول الباب وهو أن من كان أهلًا لحكم الوجوب بوجه كان هو أهلًا للوجوب مطلقًا ومن لا فلا؛
(5/2163)

لأن المعني من شرعية وجوب الحكم أداء الحكم لا ذات الوجوب فلذلك قلنا بوجوب الصوم على المرأة إما أداء أو قضاء لأن قضاءه لم يتضمن الحرج واحتمال الأداء في حق الحائض ثابت لأن القياس يقتضي أن لا تشترط الطهارة عن الحيض للصوم كما لا تشترط الطهارة له عن الجنابة والحدث وهو معنى قوله (أن الصوم يلزم الحائض لإحتمال الأداء) بخلاف الصلاة فإن في قضائها حرجًا بينًا وإشتراط الطهارة لها عن الحيض موافق للقياس لإشتراط الطهارة لها على الجنابة والحدث فلم يجب عليها قضاء الصلاة.
أو نقول: إن معنى قوله: "أن الصوم يلزم الحائض لإحتمال الأداء"أي لإحتمال الأداء في ثاني الحال من غير حرج إذ ليس من شرط إحتمال وجود الأصل وجوده في الحال في حق صحة الخلافة بل إحتمال وجوده في ثاني الحال يكفي لأن يكون الخلف خلفًا عنه إذا لم يتضمن وجوب أدائه الحرج.
ألا ترى أن المجنون والمغمى عليه إذا لم يزد الجنون والإغماء على يوم وليلة يجب قضاء الصلوات عليهما مع أن أداء الصلاة حال الجنون والإغماء منهما غير متصور ومع ذلك صح القضاء خلفًا عن الأداء في حقهما لإحتمال الأداء في ثاني الحال من غير حرج فكذلك هاهنا الصوم في حق الحائض لما لم يتضمن الحرج وجب قضاؤه بخلاف الصلاة.
(5/2164)

(لعدم حكمه) أي حكم الوجوب وهو الأداء (هذا في الصلوات والصيام معًا) يعني إذا إمتد بطل القول بالوجوب أصلًا لعدم حكمه.
(لزمه أصلًا) أي أصل وجوب الصوم.
(قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه) أي دون وجوب أدائه (حتى صح الأداء) أي عن الفرض.
في هذه المسألة اختلفت عبارات المشايخ فمن اختيار أستاذ العلماء شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله عليه- أن الإيمان على الصبي العاقل الذي يصح منه الأداء واجب لوجود الصلاحية لحكمه وهو الأداء والمؤدى منه يكون فرضًا.
ألا ترى أنه لو آمن في هذه الحالة لم يلزمة تجديد الإقرار بعد بلوغه فعرفنا أن أداء الفرض قد تحقق منه في حالة الصغر فمن هذا الطريق يثبت حكم الوجوب في حقه.
والدليل عليه أنه لو أسلمت امرأته أبى هو الإسلام بعد ما عرض عليه القاضي، فإنه يفرق بينهما، ولو لم يثبت حكم الوجوب في حقه لم يفرق
(5/2165)

بينهما إذا امتنع منه.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- بعد ما قال هذا: والأصح عندي أن الوجوب غير ثابت في حقه إن عقل ما لم يعتدل حاله بالبلوغ فإن الأداء منه يصحح باعتبار عقله وصحة الأداء تستدعي كون الحكم مشروعًا لا تستدعي كونه واجب الأداء -كالنفل- فعرفنا بهذا أن حكم الوجوب وهو وجوب الأداء معدوم في حقه.
وقد بينا أن الوجوب لا يثبت باعتبار السبب والمحل بدون حكم الوجوب إلا أنه أدى يكون المؤدي فرضًا لأن حكم الوجوب يصير موجودًا بمقتضى الأداء كان المؤدي فرضًا بمنزلة العبد فإن وجوب الجمعة في حقه غير قابت حتى إنه كان المؤدي فرضًا لأن ما هو حكم الوجوب صار موجودًا بمقتضى الأداء وإنما لم يكن الوجوب ثابتًا لانعدام حكمه.
وهذا الذي ذكره شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله- يقتضي أن لا يثبت في حق الصبي العاقل نفس وجوب الإيمان ولا وجوب أدائه.
والذي ذكره شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله- يقتضي أن يثبت نفس
(5/2166)

وجوب الإيمان ووجوب أدائه في حقه.
وتوسط المصنف فخر الإسلام -رحمه الله- حيث ثال بنفس وجوب الإيمان عليه لا بوجوب أدائه وخير الأمور أوسطها.
وقوله: (وإذا لم يخل الوجوب عن حكمه) وهو صحة الأداء ونيابته عن الفرض.
(والإغماء لما لم يناف حكم وجوب الصوم لم يناف وجوبه) فحكم وجوب الصوم هو الأداء في الحال أو في الثاني بلا حرج وهو موجود في حق الصوم لا في الصلاة فإنه إذا نوى الصلاة ثم جن أو أغمى عليه ولم يوجد منه ما يفسد الصوم صح صومه.
علم بهذا أن الإغماء غير مناف للصوم وكذلك إن لم يتمكن من الأداء في الحال يتمكن منه في الثاني بلا حرج لأن الإغماء لا يستغرق الشهر عادة فلا يحرج في قضائه بخلاف الصلوات لأن الإغماء مناف لها في الحال؛ لأن
(5/2167)

الإغماء ناقض للطهارة فلا تتحقق من المغمى عليه الصلاة وفي الثاني يلزم الحرج لتضاعف صلوات كل يوم.
(والنوم لما لم يكن منافيًا لحكم الوجوب إذا انتبه) وهو القضاء بلا حرج لأنه لم يمتد أكثر من يوم وليلة عادة لم يكن منافيًا للوجوب أيضًا والله أعلم.
(5/2168)

باب أهلية الأداء
(أما القاصر فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ) أي إذا كانت القدرة موجودة مع وصف القصور فإن من الصبيان من لا قدرة له أصلا لا على وجه الكمال ولا على وجه القصور كمان في الرضيع وكما في الصبي الذي لم يعقل شيئًا فإنه لا قدرة لهما أصلًا وإذا لم تكن القدرة لكل واحد منهما أصلًا لا يأتي كلا منا هذا فيه فلذلك احترز عنه بقوله: "إذا كانت قاصرة".
والدليل عليه ما ذكره شمس الأئمة -رحمه الله- بقوله: فالقاصرة باعتبار قوة البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ ثم المعنى من قدرة البدن هو التمكن من الأداء بعقل مميز.
(5/2169)

(وأصل العقل يعرف بدلالة العيان) أي الأثر (وذلك أن يختار المرء ما يصلح له بدرك العواقب المستورة فيما يأتيه ويذره) يعني أن الرجل إذا عاين غيره أنه يختار ما يصلح له في ثاني الحال بطريق التجربة والإمتحان فيما هو مستور أمره في الحال بأنه مما يصلح له في ثاني الحال أم لا؟ وكذلك يختار ترك ما لا يصلح له في ثاني الحال فيما هو مستور أمره في الحال يحكم بأنه عاقل كمن فصد مثلا لدفع الحرارة أو شرب الدواء لدفع المرض.
وقد علم دفع الحرارة بالفصد ودفع المرض بشرب ذلك الدواء بالتجربة مرارًا ولكن إندفاع الحرارة والمرض مستور بأمره حال الفصد وشرب الدواء وكذا إذا ترك شرب الدواء الذي لا يدفع مرضه وترك الفصد فيما لا منفعه فيه بطريق التجربة بحكم من عاينه أنه يباشر مثل هذه الأفعلا النافعة ويترك ما يضره بأنه عاقل وكذا من رأي غيره يهيئ في الصيف ما كان ينفعه في الشتاء من جمع الحطب ورم ما وهي من الحيطان وسد
(5/2170)

ثلم السقوف وإصلاح خروق السطوح وتهيئة أسباب المطاعم والملابس التي لا يمكن تحصيلها غالبًا في الشتاء أو لو أمكن ما يمكن مثل تحصيلها في الصيف يحكم بكمال عقله في أمر المعيشة وإن إحتمل خلاف ذلك بأن يكون تحصيل هذه الأشياء أرخص وأيسر حصولًا في الشتاء من الذي في الصيف ولكن ما يقع غاليًا بطريق التجربة والإمتحان عد أنه من جملة العقلاء ومن زمرة الحكماء.
وكذلك في أمر الآخرة إذا إشتغل بما ينفعه في الآخرة وإجتنب عما يضره فيها عد من العقلاء المهتدين والعباد المتقين.
(فأما الإعتدال فأمر يتفاوت فيه البشر) على وجه يتعذر الوقوف عليه فأقام الشرع إعتدال الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه تيسيرًا على العباد، ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم
(5/2171)

وجوده قبل هذه الحال ساقط الاعتبار وتوهم النقصان بعد هذا الحد غير معتبر لما أن السبب الظاهر لما قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه وجودًا وعدمًا.
وقوله: (فأما حقوق الله تعالى فمنه) ذكر ضمير الحقوق على تأويل المذكور.
(ولا عهدة فيه بوجه) أي لا حرج فيه ولا ضرر.
(إلا بحجر من الشرع وذلك) أي الحجر (في الإيمان باطل لما قلنا) إشارة إلى ما ذكر قبيل هذا حسن لا يحتمل غيره والحجر من أمارات أن لا يكون حسناَ كما في قراءة المقتدى القرآن حتى إذا وجدت القراءة منه تجعل قراءته كلا قراءة لأنه محجور عنها شرعًا ولا يليق مثل ذلك في الإيمان ولأن الناس عن آخرهم دعوا إلى الإيمان والحجر عن الإيمان كفر ثم الحجر بسبب الصغر شرعًا لأجل النظر وذلك لا يليق بما يتمحض منفعة لا يشوبه ضرر فكان النظر في الحكم بصحة الأداء منه لأن المطلوب به الفوز والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة (وذلك يحتمل الوضع) أي لزوم أدائه يحتمل أن يوضع عنه (فوضع عنه) أي فأسقط لزوم أداء الإيمان عن الصبي.
(5/2172)

(فأما الأداء فخال عن العهدة) أي فأما مجرد صحة الأداء من غير لزوم الأداء فخال عن الضرر ثم لزم على هذا التعليل حرمان الإرث عن أقاربه الكفار فإن حرمان الإرث ضرر عليه وإنما جاء ذلك عن صحة أدائه الإيمان.
فأجاب عنه بقوله: (لأن حرمان الإرث يضاف إلى الكفر الباقي) لا إلى صحة أداء الإيمان يعني إذا مات أبوه الكافر الباقي بعد إسلام ابنه فلا يرث منه ابنه المسلم لأن الإيمان شرع عاصمًا للأملاك لا قاطعًا وإصرار الآخر على كفره يصلح قاطعًا فأضيف إليه.
(ولأن ما يلزمه بعد الإيمان) من الضرر الدنيوي مثل حرمان الإرث وقوع الفرقه بينه وبين امرأته الكافرة.
(فمن ثمرات الإيمان) لا المقصود الأصلي من الإيمان فإن المقصود الأصلي منه السعادة الأبدية وهي حاصلة بإيمانه فكان المنظور إليه في الباب المقصود الأصلي لا الثمرات ولأن هذا أمر معارض بمثله فلا يصلح أن يكون شبهة لأنه قد يصير مستحقًا للإرث بسبب إيمانه ولو لم يكن مؤمنًا لما إستحق الإرث، فإنه لو مات أقاربه المسلمون إنما يستحق إرثهم إذا كان مؤمنًا
(5/2173)

وإذا كان كافرًا لا يستحق وكذلك يقرر ملك نكاحه إذا كانت زوجته أسلمت قبله.
(إذا ثبت له حكم الإيمان تبعًا لغيره) أطلق لفظ التبعية بقوله لغيره لأن التبعية للغير على أنواع فأقواها تبعية الأبوين أو أحدهما ثم الدار يعني إذا لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلمًا تبعًا لدار الإسلام ثم بعد الدار يعتبر اليد ويجعل مسلمًا تبعًا لصاحب اليد وتمام هذا مذكور في فصل التكفين من باب الجنائز من "النهاية".
(ولم يعد عهدة) أي لم يجعل ذلك الضرر الدنيوي ضرر فعل الإيمان لأنه لم يوجد منه فعل يصلح للعهدة ومع ذلك ثبت الإيمان في حقه بالإجماع ولم يبال بما لزمه بعد الأداء من حرمان الإرث وغيره.
(ألا ترى أنه لا يرد علمه بوالديه) ومعنى عدم رد علمه بوالديه أن الرجل إذا أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه
(5/2174)

الغلام ثبت نسبه منه وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه كذا في إقرار "الهداية"أراد بالذي يعبر عن نفسه الصبي العاقل.
علم بهذا أن علم الصبي العاقل بوالدية وتصديقه لهما معتبر في الشرع حتى يرتب عليه حكم شرعي وهو ثبوت نسبه منهما عند تصديقه بهما فلما لم يرد علمه بوالديه لم يرد علمه بالله تعالى أيضًا ولما كان علمه بالله تعالى علمًا كان جهله به أيضًا جهلًا وهو الردة فكانت منه متحققة وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-.
(5/2175)

وقال أبو يوسف رحمه الله لا يحكم بصحة الردة في أحكام الدنيا من الصبي لأن ذلك يتمحض ضررًا لا يشوبه منفعة وإنما حكمنا بصحة إيمانه لأنه يتمحض منفعه ولكن أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: كما يوجد منه حقيقة الإسلام من الوج الذي قلنا يوجد منه حقيقة الردة لأنه كما يتحقق منه العلم بسائر الأشياء يتحقق منه الجهل بها والردة جهل بالله تعالى فعرفنا أنه توجد حقيقتها منه ثم لا يمتنع ثبوتها بعد الوجود حقيقة للحجر شرعًا فالبالغ محجور عن الردة شرعًا كالصبي ومع ذلك تتحقق منه الردة فكذا تتحقق من الصبي العاقل.
(ومن ذلك ما هو بين هذين القسمين) أي ومن المذكور الذي هو حقوق الله تعالى حقوق له بين كونه حسن لعينه وبين كونه قبيحًا لعينه أي ليس بحسن لعينه وليس بقبح لعينه وهو عامة العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج فإنها تحتمل النسخ والتبديل.
ألا ترى أنه ورد النهي في بعض الأوقات والأحوال في الحديث: "ثلاث أوقات نهانا رسول الله عليه أن نصلي فيها"وقال عليه السلام: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام" وما كان حسنًا لعينه لا يرد فيه النسخ والتبديل
(5/2176)

والنهي في وقت من الأوقات.
(حتى قلنا بسقوط الوجوب) أي قلنا بعدم ثبوت نفس الوجوب من الأصل على ما عليه اختيار المصنف -رحمه الله- (لأن اللزوم لا يخلو عن العهدة) أي لأن القول بلزوم هذه الأشياء في حق الصبي لا يخلو من إثبات الضرر في حقه وهو منجى عن الضرر الدنيوي شرعًا.
ألا ترى أنه لا يجب عليه الدود والقصاص عند مباشرة أسبابها فكذلك لم يثبت لزوم العبادات في حقه.
(وقد شرعت) أي صحه أداء هذه العبادات (بدون ذلك الوصف) أي بدون لزوم العهدة في حق الصبي (بلا لزوم مضي) أي بلا لزوم إمضاء ما شرع فيه من الصلاة والصوم بخلاف البالغ (لأنها قد شرعت كذلك) أي بلا لزوم مضى ولا وجوب قضاء أي في الجملة.
(5/2177)

(وكذلك إذا شرع في اإحرام على هذا الوجه ثم أحصر) أي البالغ إذا شرع في إحرام الحج ظانًا أن عليه الحج ولم يكن عليه ثم أحصر فلا قضاء عليه.
علم بهذا أن هذه العبادات قد توجد في حق البالغ أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في صورة من الصور فيجب أن يثبت في حق الصبي أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في جميع الصور وإنما قيد بالإحصار لأن الخروج من إحرام الحج بعد الشروع فيه لا يجوز إلا بالإحصار أو بالأداء.
(وقلنا في الصبي إذا إرتد أنه لا يقتل).
وذكر في "المبسوط"وإذا حكم بصحة ردته بانت منه امرأته لكنه لا يقتل استحسانًا لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهل العقوبة في الدنيا بمباشرة سببه كسائر العقوبات ولكنه لو قتله إنسان لا يغرم شيئًا لأن من ضرورة صحة ردته إهدار دمه، وليس من ضرورته استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل
(5/2178)

ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقلنا بصحتها تطوعًا -إلى قوله- لأنها قد شرعت كذلك".
(وفي ذلك جاءت السنة) أي في صحة النوافل منه وإنما هذا ضرب تأديب لتخلق بأخلاق الرجال الصالحين.
وقال الشاعر:
أدب بنيك إذا ما استوجبوا أدبًا ... فالضرب أنفع أحيانًا من الضرب
أي العسل: وقال أيضًا:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشب
(5/2179)

وقوله: (وإنما هذا ضرب تأديب وتعزيز لا عقوبة) جواب لما يرد شبه على قوله عليه السلام: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا وإضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا" بما ذكر في الباب الذي قبل هذا بقوله: وما كان عقوبة أو جزاء لم يجب عليه.
(ووجب للعبد بشرط السلامة) حتى لو هلك العبد المحجر في ذلك العمل تجب القيمة على المستأجر، ولا يجب الأجر.
(ولا تشترط السلامة في الصبي الحر) فإنه إذا هلك في العمل يجب الأجر أيضًا، لأنه هو النفع المحض بخلاف هلاك العبد في العمل، فإنه لا
(5/2180)

يجب الأجر؛ لأن العبد مال ويصير المستأجر غاضبًا باستعمال العبد المحجور, فتجب قيمته ويملك العبد من وقت الغضب فلا يجب أجر منافعه.
(فإنه لم يذكر إلا في "السير الكبير") وما لم يصرح فيه بقول غيره فعامة إطلاقه مخصوصة بقوله, وها هنا أيضًا يحتمل أن يكون هذا قوله بناء على أن أمانه صحيح عنده.
(فإن الآدمي مكرم بصحة العبارة وعلم البيان) لما أن الإنسان إنما باءن سائر الحيوان بالبيان ومن الله تعالى على الإنسان به. وقال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) , فعرفنا أن معرفة البيان وصحة العبارة (من أعظم وجوه الانتفاع) به ولهذا صححنا منه التوكل عن الغير بالبيع والشراء
(5/2181)

له, فإن ذلك محض منفعة له؛ لأنه يصير به مهتديًا إلى التصرفات الشرعية عارفًا بمواضيع الغبن والخسران ليتحرز منه عند حاجته إليه, وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) ولا تلزمه العهدة بهذا التصرف إذا لم يكن مأذونًا؛ لأن في إلزام العهدة معنى الضرر وبالأهلية القاصرة إنما يثبت في حقه ما يتمحض منفعة.
فإن قيل: أليس أنه لا يصح منه أداء الشهادة وفى تصحيح عبارته في أداء الشهادة محض المنفعة في حقه؟
قلنا: صحة أداء الشهادة تبنى على الأهلية للشهادة وذلك تبتنى على الأهلية الكاملة؛ لأنها إثبات الولاية على الغير في الإلزام بغير رضاه وبدون الأهلية الكاملة لا تثبت هذه الولاية.
(فبطلت مباشرته وذلك مثل الطلاق والعتاق) , وليس معنى هذا أن امرأة الصبى لا تكون محلًا للطلاق بل هي محل للطلاق وعبده محل للعتاق,
(5/2182)

فإن الطلاق يملك بملك النكاح- وملك النكاح للصبى- إذ لا ضرر في إثبات أصل الملك وإنما الضرر في الإيقاع حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحًا, فإن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة, حتى إذا أسلمت امرأة الصبى العاقل وعرض عليه الإسلام فأبى- فرق بينهما, وكان ذلك طلاقًا في قول أبى حنيفة ومحمد- رحمهما الله-وإذا ارتدت وقعت الفرقة بينه وبين امرأته, كانت هي طلاقًا عند محمد - رحمه الله- وكذلك في العتاق فإنه إذا كاتب الأب أو الوصى نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره واستوفى بدل الكتابة., صار الصبى معتقًا لنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن كان موسرًا, وهذا الضمان لا يجب إلا بالإعتاق, فيكتفى بالأهلية القاصرة في جعله معتقًا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك, فعرفنا أن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة.
وأما بدون الحاجة فلا يجعل ثابتًا؛ لأن الاكتفاء بالأهلية القاصرة لتوفير المنفعة على الصبى, وهذا المعنى لا يتحقق قيما هو ضرر محض. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسى وكذلك الصدقة.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه منفعة, ولهذا تبنى صحته شرعًا على الأهلية الكاملة, فلا تثبت
(5/2183)

بالأهلية القاصرة.
(إلا من قبل التوى) وهو الجحود.
(فصار ملحقًا بهذا الشرط) أي صار القرض بهذا الشرط وهو أن يكون المقرض قادرًا على استيفائه ملحقًا بما كان نفعًا خالصًا فيملكه عليه القاضى؛ لأن القاضى يتمكن من استرداده بمجرد علمه, بخلاف الأب فإنه لا يتمكن من استرداده إلا بشهود حضور ومجلس قضاء وقاض عادل يقضى بالشهود العدول, وقد لا يتمكن الأب من جميع هذه الأشياء.
(وأما ما يتردد بين النفع والضرر) - إلى قوله- (والنكاح).
فإن قيل: لما كان الطلاق ضررًا محضًا وجب أن يكون النكاح نفعًا محضًا؛ لأنه ضده, وبالضد تتبين أحكام الأشياء.
قلنا: إنما كان هكذا لأمر خاص لكل واحد منهما؛ لأن الأثر الخاص في الطلاق زوال ملك النكاح وهو ضرر محض.
وأما النكاح فحكمه حل الاستمتاع مع لزوم المهر, فكان النكاح من حيث
(5/2184)

حل الاستمتاع نفعًا.
ومن حيث لزوم المهر ضررًا فتردد بينهما لذلك, وهذا لأن المرأة تحتمل أن تهب المهر قبل الطلاق فيبقى الطلاق ضررًا محضًا ولا يحتمل أن تهب المرأة المهر قبل النكاح, فيبقى النكاح لذلك مترددًا بين النفع والضرر.
وأما النفقة فبماقبلة احتباس المرأة للزوج فكان النفع من الضرر متعارضين فيتقاصان.
(وقد صار أهلًا يتصور منه المباشرة)؛ لأن الكلام في الصبى العاقل؛ لأن هذه الأحكام كلها مبنية على قوله:"أما القاصرة"فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ, ثم وجه تصور المباشرة منه هو أنه إذا تصرف بطريق الوكالة للغير أنه جائز وإن لم يأذن له وليه فيه؛ لأن فيه اعتبار النيابة هو نفع محض على ما بين.
ولما كان أهلًا للتصرف للغير كان أهلًا للتصرف لنفسه بالطريق الأولى. (فإذا صار أهلًا لحكمه) وهو الملك (كان أهلًا لسببه) وهو الشراء.
(5/2185)

(مع فضل نفع البيان) حيث اعتبر بيانه, (وتوسع طريق الإصابة) لحصول الملك له تارة بمباشرة وليه وتارة بمباشرته بنفسه, فكان هذا أنفع له مما إذا كان طريق إصابة الملك واحدًا, (حتى يجعل الصبى كالبالغ)؛ لأن نقصان رأيه اتجبر برأى الولى, وما كان عدم صحة تصرفه إلا باعتبار نقصان رأيه, فلما انجبر ذلك النقصان برأى الولي كان كالبالغ في حق التصرف لا محالة.
(بطريق أن رأى الولي شرط للجواز) أي أن شرط جواز تصرف الصبى رأى الولى, وبدون رأيه لا يجوز تصرف الصبى, فكان جواز تصرف الصبى برأى الولي بمنزلة رأى آخر للولى, فكان للولى رأيان:
أحدهما: تصرف الولي بنفسه برأيه.
والثانى: إذنه للصبى في التصرف وهو أيضًا برأيه, ثم تصرف الصبى برأى وليه وهو عموم رأى الولى؛ لأن رأى الولي فيه قائم أيضًا, فكان رأيه شاملا للموضعين فكان عامًا وتصرف الولي بنفسه برأيه خصوص رأيه؛ لأنه اختص برأى نفسه ولم يتعد إلى موضع آخر فكان خاصًا, ثم الولي إذا تصرف
(5/2186)

في مال الصغير برأيه الخاص لم يملك التصرف بالغبن الفاحش, فكذا إذا تصرف في مال الصغير برأيه العام وهو تصرف الصغير بنفسه برأى الولي ينبغى أن لا يملك التصرف بالغبن الفاحش.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وما قاله أبو حنيفة رضى الله عنه أوجه, فإن إقرار الصبى بعد إذن الولي له صحيح وإن كان الولي لا يملك الإقرار عليه بنفسه؛ يعنى لا يلزم من عدم الجواز في تصرف الولي لأجله عدم الجواز في تصرف الصبى بعد إذن الولى, فإن إقرار الولي الولي بنفسه على الصبى لا يجوز, ثم لو أذن الولي للصبى في التجارة وأقر الصبى على نفسه بالمال يجوز, فعلم بهذا أن بينهما فرقًا.
(وفي رواية أبطله لشبهة النيابة) أي صار الصبى بمنزلة نائب الولي في التصرف.
(5/2187)

وقوله: (دون وصفه) وهو وصف الكمال.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - ولأنه وجد أصل الرأى له بنفسه ولم توجد صفة الكمال فكان هو باعتبار الأصل متصرفًا لنفسه كالبالغ, وباعتبار الصفة هو كالنائب.
علم بهذا أن الصبى هو بمنزلة النائب عن الولى, ولما ثبتت للصبى شبهة النيابة نظرًا إلى وصف الرأى (اعتبرت الشبهة في موضع التهمة) وهو
(5/2188)

التصرف مع الأقارب بغبن فاحش, (ولم يعتبر في غير موضع التهمة) وهو في التصرف معهم بمثل القيمة لثبوت النيابة له من وجه دون وجه؛ لأنه لو ثبتت النيابة من كل وجه لما جاز تصرفه معه في الصور كلها كالوكيل مع الموكل, فلما ثبتت من وجه دون وجه اعتبرت أيضًا من وجه دون وجه.
(وعلى هذا) الأصل أن ما كان نفعًا محضًا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, وما كان مترددًا بين النفع والضرر لا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, (إذا توكل) أي قبل الوكالة (لم تلزمه العهدة) أي ضرر التسليم والتسلم وبإذن المولى تلزمه وكذلك الصبى.
(وفي الانتقال إلى الإيصاء ترك الأفضل)؛ لأن في ترك الانتقال إلى الإبصاء ماله إلى قريبه وفي الإيصاء إيصال ماله إلى الأجنبى, ولا شك أن إيصال النفع إلى القريب أولى من إيصال النفع إلأجنبى, وإليه أشار النبي
(5/2189)

عليه السلام: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون".
(والولي في موضع النزاع ليس بولي) أي كون الصبى مع الأب أو مع الأم مما يتردد حاله بين النفع والضرر في حالة الفرقة, وكان ينبغى أن يعتبر اختيار الولي في هذا كما يعتبر رأيه في سائر التصرفات التى تتردد بين النفع والضرر كالبيع لكن لا يعتبر اختياره؛ لأن الأب ليس بولى في هذا لأن الولي هو الذي يتصرف لغيره نظرًا له بطريق الولاية وفى هذا يحتمل أن يكون نظر الأب لنفسه فلا يبقى وليًا للصغير.
وقال الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - وعلى هذا قلنا: إذا وقعت الفرقة
(5/2190)

بين الزوجين وبينهما صبى مميز, فإنه لا يخير فيما بين الأبوين -إلى أن قال- وكما لا يعتبر اختياره في هذا لا يعتبر اختيار وليه؛ لأن وليه في هذه الحالة أبوه, وأبوه في هذا الاختيار يعمل لنفسه, فلا يصلح أن يكون ناظرًا فيه لوالده, ويجوز أن لا يعتبر قوله في ذلك ولا قول أبيه؛ لنقصان رأى الصبى وعدم كون الأب وليًا.
(وكفى به) أي بالتناقض, (وقال بلزوم الإحرام من غير نفع) حيث لا يسقط عنه حجة الإسلام حين بلغ إذا حج بذلك الإحرام في حال الصبا.
وأما إذا أهل الصبى بالحج ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف بعرفة لم يجزه من حجة الإسلام عندنا, وعلى قول الشافعى يجزيه - فصار اختلافًا هنا نظير الاختلاف في الصلاة- فإنه إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره عنده يجزيه عن الفرض ويجعل كأنه بلغ قبل أداء الصلاة, فهنا أيضًا يجعل كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزيه ذلك عن حجة الإسلام,
(5/2191)

ولكنا نقول: حين أحرم وهو لم يكن من أهل أداء الفرض فانعقد إحرامه لأداء النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الصرورة إذا أحرم بنية النقل عندنا لا يجزيه أداء الفرض به, وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام وإن كان من الشرائط عندنا ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان.
ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين, فلهذا لا يجزيه عن حجة الإسلام بذلك الأحرام إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة حينئذ يجزيه عن حجة الإسلام؛ لأن ذلك الإحرام الذي باشره في حالة الصغر كان تخلقًا ولم يكن لازمه عليه, فيتمكن من فسخه بتجديد الإحرام, وهذا بخلاف العبد إلى آخر ما ذكره في مناسك "المبسوط".
(الأشياء موضوعًا) أي وضع ذلك الشيء بنفسه.
(ولا يصح اختيار الولي عليه) أي لا يصح أن يختار الولي أحدهما لأجل الصبى, وكذلك قبول الهبة في قول صحيح منه دون الولى, وفى قول عكسة أي قبول الهبة للصبى يصح من الولي دون الصبى.
وذكر في هبة "المبسوط"وكل يتيم في حجر أخ أو ابن أخ أو عم يعوله,
(5/2192)

فوهب له رجل هبة, فإنما يقبضها الذي يعوله إذا كان هو صغيرًا لا يحسن القبض, وكذلك إذا كان عاقلًا ولا يحسن القبض فقبض له من يعوله جاز؛ لأنه فيما تتمحض منفعة لليتيم كان لمن يعوله أن يباشر فيه, وإن قبض الصغير بنفسه ففى القياس لا يجوز قبضه وهو قول الشافعى؛ لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ خصوصًا فيما يمكن تحصيله له بغيره.
وجه الاستحسان أنه إنما لا يعتبر عقله لدفع الضرر عنه, وهذا فيما يتردد بين المنفعة والمضرة, فأما فيما يتمحض منفعته فلا يتحقق هذا المعنى.
وقوله: (ومتى جعلناه وليًا لم نجعل فيه موليًا) كما في الإيمان وقبول الهبة. وإذا جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا كما في الإذن في التجارة, وهذا جواب عما ذكره الشافعى بقوله: "وهو أن من كان موليًا عليه لم يصلح أن يمون وليًا" إلى آخره.
(وإنما هذا عبارة عن الاحتمال) أي في كل موضع جعلنا الصبى وليًا أو موليًا عليه هو عمل بالدليل عند قيام الليل عليه, واحتمال ذلك التصرف
(5/2193)

ذلك الحكم, فكان هذا منا بيان احتمال ذلك التصرف ذلك الحكم؛ لأن لما جعلنا الصبى في كل تصرف وليًا ثم نجعله موليًا عليه في ذلك التصرف, وفى كل تصرف جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا في ذلك التصرف ولم يكن ذلك تناقضًا, وإنما التناقض في جعله وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد, وما يتصور من اجتماع من صورة اجتماع كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد كما في الإيمان وقبول الهبة فذاك (راجع إلى توسع طريق النيل) إلى المنفعة المحضة والمقصود هو النيل والوصول إلى المنفعة.
وقوله: (وذلك هو المقصود) أي المقصود هو حصول المنفعة له من كونه وليًا أو موليًا عليه, وإذا كان هو المقصود من ذلك التردد في السبب وجب اعتبار هذا التردد في السبب من كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد عند حصول الحكم له, وهو الوصول إلى المنفعة بأي طريق كان.
(وإنما الأمور بعواقبها) أي في الأمور إنما تعتبر عواقبها لا ابتدائها, وعاقبة ما قلنا غير مترددة وهى حصول المنفعة له وإن كان حصول المنفعة في الابتداء مترددًا في السبب, ولا اعتبار لتردد السبب؛ لأن المقصود من الأسباب أحكامها. والله أعلم.
(5/2194)

باب الأمور المعترضة على الأهلية
أي الأمور التي تعترض على أصل الأهلية التي بينا أنها بناء على قيام الذمة وتمنع الأحكام التي تتعلق بالأهلية.
(العوارض نوعان): أي الموانع. يقال: عرض لي أمر أمر أي استقبلني فمنعني عما أريده.
(سماوي): أي من قبل صاحب الشرع بدون اختبار العبد على وجه ليس في يد العبد دفعه وإزالته وإنما نسب هذا النوع من العوارض إلى السماء لكون الحوادث موعدًا تقديرها في السماء قال الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)
(ومكتسب) أي ما حصل من كسب العبد واختياره منه أي من الذي
(5/2195)

اعترض عليه.
عد (الجهل) من العوارض مع أنه أمر أصلي. قال الله تعالى: (واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) باعتبار أنه كان في يده إزالته بسبب مباشرته لأسباب العلم حتى يحصل له العلم ويزول الجهل ولما ترك ذلك مع قدرته عليه جعل ذلك بمنزلة حصوله مع كبسه وباقي التقرير مذكور في "الوافي".
(وإذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوًا) أي فجعلوا الجنون غير مؤثر في الإسقاط وجعلوه كأن لم يكن وألحقوه بالنوم والإغماء.
(5/2196)

وقوله: "لكنهم استحسنوا فيه" ذكر في حق وجوب القضاء لفظ الاستحسان لأن القياس أن لا يجب القضاء لكون الجنون منافيًا لأهلية الأداء على ما ذكر قبل هذا بقوله: "أما الجنون فإنه في القياس مسقط للعبادات
(5/2197)

كلها "وكذلك ذكر بعده (كان القياس لفظ فيه ما قلنا) وهو كون الجنون مسقطًا للعبادات.
وذكر في صوم "المبسوط"فإن أفاق المجنون في بعض الشهر فعليه بالصوم ما بقي من الشهر وليس عليه قضاء ما مضى في القياس وهو قول زفر والشافعي -رحمهما الله- لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في اكل فإذا وجد في بعضه يمنع القضاء بقدره اعتبارًا للبعض بالكل وقياسًا على الصبي وهذا الصبي أحسن حالًا من المجنون فإنه ناقص العقل في بعض أحواله عديم العقل في بعض أحواله -إلى الإصابة عادة- والمجنون عديم العقل لا إلى الإصابة عادة ولهذا جاز إعتاق الصغير عن الكفارة دون المجنون فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب القضاء فالجنون أولى.
واستحسن علماؤنا -رحمهم الله- بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والمراد منه شهود بعض الشهور لأنه لو كان السبب شهود كل الشهر لوقع الصوم في شوال فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببًا
(5/2198)

لوجوب صوم جميع الأشهر إلا في موضع قام الدليل وقد قام الدليل في حق الصبي أن لا يوجب القضاء دفعًا للحرج وهذا لأن الوجوب في الذمة ولا ينعدم ذلك بسبب الصبا ولا بسبب الإغماء إلا أن الصبا يطول عادة فيكون مسقطًا للقضاء دفعًا للحرج والإغماء لا يطول عادة فلا يكون مسقطًا للقضاء والجنون قد يطول وقد يقصر فإذا طار إلتحق بما يطول عادة وإذا قصر التحق بما يقصر عادة.
وقوله: (ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام) إيضاح لقوله: "وذلك أنه لما كان منافيًا لأهلية الأداء"يعني أن الدليل على أن الجنون مناف لأهلية الأداء عصمة النبي عليه السلام إنما عصم عنه لأن الجنون ينافي أداء بخلاف النوم والإغماء لأن النوم معهود في الإنسان ويتوقع الإنتباه من النوم ساعة فساعة فلا يكون منافيًا للأداء تقديرًا فوجب القول بالوجوب وكذلك الإغماء.
ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لم يعصموا عنه فصح عنه القول بالوجوب
(5/2199)

إذا لم يوجب حرجًا ولأن الإنسان بالجنون لما لم يبق أهلًا للعبادات كان ملحقًا بالبهائم ولو لم يعصم الأنبياء عليهم السلام عنه كان تنفيرًا للناس عن دعوتهم إلى الإسلام ولذلك قال الله تعالى في حق نبيه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ).
(لم يكن موجبًا حرجًا على ما قلنا) وهو إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: وكذلك قلنا في الجنون -إلى أن قال- وإذا لم يمتد في شهر رمضان لزمه أصله لإحتمال حكمه وهذا لأن أصل الوجوب انما يراد لحكمه فمهما كان وجوب الأداء مفضيًا إلى الحرج قلنا بسقوط الوجوب من الأصل لأن الوجوب ثابتًا في حقه.
(وقد اختلفوا فيه) أي في الجنون الذي بينا حكمه من جواب القياس والاستحسان.
(فأما إذا بلغ الصبي مجنونًا فإذا زال صار في معنى الصبي إذا بلغ).
(5/2200)

وكان هذا نظير الحيض في قوله تعالى: (واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) أي حكمهن.
لذلك يعتدن بالأشهر كالصغائر إذا بلغن بالسن كما أن عدم رؤية الدم هناك على وجه الأصالة ألحق بعدم رؤية الدم في حالة الصغر، ولم يُلحق عدم الرؤية به على وجه العارض كما في الممتد طهرها، فكذلك هاهنا ينبغي أن يُلحق الأصلي بالصغير دون العارضي.
(وقال محمد -رحمه الله- هما سواء) أي الجنون الأصلي والعارضي في أنه إذا لم يمتد وجب القول بالوجوب وإذا امتد لا يصح القول بالوجوب. (واعتبر حاله) أي حال المجنون (ويلحق بأصله) أي يلحق محمد -رحمه الله- الجنون الأصلي إذا زال بأصل الجنون وهو أن يكون عارضًا؛ لأن الأصل في الجبلة السلامة وفوات السلامة عارض، فكان الأصل في الجنون أن يكون من العوارض والحكم في الجنون العارضي أنه إذا امتد يمنع الوجوب وإلا فلا.
(وهو في أصل الخلقة متفاوت بين مديد وقصير فيلحق هذا الأصل في الحكم الذي لم يستوعبه بالعارض) أي إلحاق الجنون الأصلي بالعارضي في الحكم الذي لم يستوعبه لما أن الجنون في نفسه متفاوت، ولما ثبت أنه متفاوت بين مديد وقصير، فالمديد يفضي إلى الحرج دون القصير، فلذلك
(5/2201)

أثبتنا الحكم فيه على حسب ذلك.
وحاصل الكلام أن محمدًا -رحمه الله- ألحق الجنون الأصلي بالعارضي، والحكم في العارضي مجمع عليه وهو أنه إذا كان مستوعبًا لمدة وظيفة العبادة كان مسقطًا لها وإلا فلا، فكذلك في الأصلي.
(وحد الامتداد يختلف باختلاف الطاعات)؛ لأن امتداد وقت بعضها الشهر، وامتداد وقت بعضها السنة، وامتداد وقت بعضها اليوم، فإن الجنون إذا لم يستوعب مدة وظيفة العبادة ألحق بالجنون العارضي حتى إذا بلغ الصبي مجنونًا قبل دخول شهر رمضان ثم أفاق قبل انسلاخ شهر رمضان كان الحكم فيه كالحكم في الجنون العارضي، أي يجب قضاء صوم شهر رمضان عليه،
(5/2202)

وكذلك هذا في الصلوات أنه إذا بلغ مجنونًا ثم زال الجنون قبل مُضي يوم وليلة يجب عليه قضاء صلوات هذا اليوم كالجنون العارضي، وإن زال بعد مضي يوم وليلة لا قضاء عليه على حسب الاختلاف.
(فاعتبر الزيادة بالساعات) أي بساعات الصلوات وهي أوقاتها، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن أغمى عليه بعد طلوع الشمس ثم أفاق من الغد بعد الزوال يسقط القضاء عندهما خلافًا لمحمد -رحمه الله- والقياس ما قاله محمد -رحمه الله- ليدخل الواجب في حد التكرار، وأبو حنيفة،
(5/2203)

وأبو يوسف -رحمهما الله- أقاما الوقت مقام الواجب كما قالوا جميعًا في المستحاضة. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام.
وذكر في "المحيط" أن ما قاله محمد -رحمه الله- هو الأصح. ثم قال: وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- وعلى قول محمد -رحمه الله- يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على الخمس.
(لأن ذلك لا يثبت إلا بحول) أي لأن التكرار لا يثبت إلا بحول، وفي اعتبار الحول حرج؛ لأنه ربما يُجن في كل سنة ويفيق شهرًا منها أو يومًا فلا يسقط عنه الواجب أبدًا ولا يقدر على أدائه، ولأنا لو اعتبرناه بالحول يصير التبع زائدًا على الأصل؛ لأن الأصل شهر واحد والزيادة عليه أحد عشر شهرًا والتبع لا يزيد على الأصل.
فإن قيل: إن غسل العضو مرة واحدة أصل والمرتان بعدها زائدتان عليها والزائد أكثر عددًا من الأصل هناك.
(5/2204)

قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الزائد على المرة الواحدة هناك ليس بشرط والمدعي أن لا يكون الزائد مِثْلًا للأصل فيما هو شرط، والسنن والنوافل وإن كثُرن لا يكنّ مثلًا للفرض فلا يتوجه نقضًا.
(فيما يمتد) أي فيما يمتد من الجنون.
(فإذا زال قبل هذا الحد وهو أصلي كان على هذا الاختلاف) يعني إذا بلغ الصبي مجنونًا وهو مالك للنصاب فمضى بعد البلوغ ستة أشهر مثلًا فزال الجنون لتمام ستة أشهر، ثم تم الحول على إفاقته فعليه الزكاة عند محمد -رحمه الله-، بل يُستأنف الحول عقيب الزوال؛ لأن هذا عند أبي يوسف -رحمه الله- بمنزلة الصبي، وفي الجنون العراضي في هذه الصورة تجب الزكاة بالإجماع؛ لأنه قبل حد الامتداد عند الكل، فأما إذا زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرًا فكذلك الجواب عند محمد -رحمه الله- فيهما جميعًا للزوال قبل حد الامتداد، وعند أبي يوسف -رحمه الله- لا يجب لوجود الزوال بعد حد الامتداد، وفي "المبسوط" ثم في الجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئًا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف العبرة لأكثر الحول، فإن
(5/2205)

كان مفيقًا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا، وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة فإن كان صحيحًا في أكثر السنة تلزمه الجزية وإن كان مريضًا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية.
وقال محمد -رحمه الله-: إذا كان مفيقًا في جزء من السنة قل أو كثر من أولها أو آخرها تلزمه الزكاة.
هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله- وجعل هذا نظير الصوم، والسنة للزكاة كالشهر للصوم. والإفاقة في جزء من الشهر كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم الشهر فهذا كذلك.
(وهو الثواب في الآخرة)؛ لأنه مسلم تبعًا لأبويه (إذا احتمل الأداء) أي إذا وجد الأداء عند الاحتمال وهو فيما إذا لم يوجب الأداء الحرج.
(وذلك ولاية) أي الوراثة ولاية بدليل قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ
(5/2206)

ولِيًا (5) يَرِثُنِي)، حيث جعل الوراثة تفسيرًا للولاية، والوصف المفسر عين المفسّر وإلا لا يكون مفسرًا له، والمفسر ولاية فكان المفسر ولاية فكانت الوراثة ولاية بهذا التقرير، وثبوت الإرث والملك لا يكون بدون الذمة والولاية، فعلم بهذا أن للمجنون ذمة.
(فيصير الوجوب عدمًا بناء عليه) أي على عدم الأداء أي على عدم وجوب الأداء وذلك فيما إذا كان الأداء مفضيًا إلى الحرج.
(لأنه أهل لحكمه) لأن حكمه أداء المال في حقوق العباد وذلك يتحقق بالولي لما أن فعل من وجب عليه المال غير مقصود في حقوق العباد بل المقصود وصول المال إلى من يستحقه.
وقوله: (على ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: فما كان منها غرمًا وعوضًا فالصبي من أهل وجوبه؛ لأن حكمه وهو أداء العين يحتمل النيابة؛ لأن المال مقصود لا الأداء، وهذا كله بناء على قيام الذمة.
(والحجر عن الأقوال صحيح) ألا ترى أن الحجر عن الأقوال في حق بعض العقلاء صحيح كالمقتدي محجور عن القراءة، والمريض محجور عن
(5/2207)

الإقرار في بعض الأحوال بخلاف الأفعال، فأولى أن يصح الحجر عن الأقوال في حق المجنون نظرًا له، ففسدت عبارته؛ لأن العبارة إنما تكون بالكلام وصحة الكلام بالعقل والتمييز وبدونهما لا يكون كلامًا.
(لعدم ركنه وهو العقد أي الاعتقاد فلم يكن حجرًا) يعني ما قلنا إن إيمانه لم يصح لم يكن ذلك منا حجرا له عن الإيمان، بل بناء على أن ركنه لم يوجد لا أن يكون مجورًا عنه، هذا جواب شبهة بأن يقال: قولكم إن إيمان المجنون لا يصح حجر منكم للمجنون عن الإيمان كما قلتم للشافعي في قوله: إن إيمان الصبي العاقل لا يصح أن هذا حجر منه عن الإيمان وهو لا يصح.
قلنا: إن الصبي لما عقل يتحقق منه ركن الإيمان وهو التصديق ثم بعد وجود الإيمان بحقيقته من قال: لا يصح إيمانه كان ذلك حجرًا له عن الإيمان لا محالة.
وأما في حق المجنون فكان عدم صحة الإيمان لعدم ركنه لا للحجر عنه.
(دفعًا للظلم بقدر الإمكان)؛ لأن السبيل إلى إسلامه ممكن بهذا الطريق فوجب المصير إليه دفعًا للضرر عن المسلمة وهو كونها مقهورة تحت كافر ولا
(5/2208)

يجوز ذلك؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
(وما كان ضررًا يحتمل السقوط فغير مشروع في حقه) نحو الحدود والقصاص والكفارات؛ لأنها تحتمل السقوط عن البالغ بالشبهات، وكذلك العبادات فإنها تحتمل السقوط بالأعذار.
(حتى يصير مرتدًا تبعًا لأبويه)، وهذا لأن الإسلام لا يمكن في حقه أن يثبت بطريق الأصالة لعدم تصور ركن الإيمان وهو التصديق بالقلب عن المجنون، ولو ثبت الإسلام في حقه إنما يثبت بطريق التبعية، وإذا ارتد أبواه -والعياذ بالله- زالت التبعية في الإسلام، والمجنون بسبب عدم عقله تبع لأبويه لا محالة، ثم لو لم تثبت الردة في حقه مع كونه تبعًا لهما يلزم أن تكون الردة عفوًا في حقه، وهو محال في الذي هو قبيح لعينه فوجب القول بثبوت الردة في حقه؛ لأن الإسلام مع وجود الردة محال للتضاد بينهما فوجدت الردة في المتبوع حقيقة فتثبت في التبع ضرورة.
["الصغر"]
(وأما الصغر) إلى آخره، فإن قيل: الصبا كيف يكون من العوارض وهو لازم الإنسان من زمان الولادة؟
(5/2209)

قلنا: يعتبر العارض في ذات الإنسان وقد يوجد الإنسان بدون الصغر وهو في الحال كالبالغ، ووجد أيضًا في جنس أصل الإنسان في أول وجوده من لا صغر له كآدم عليه السلام، ولأنا بينا أن الوجوب بناء على قيام الذمة والسبب وهما موجودان في حق الصغير والوجوب ساقط، فعلم بهذا أن السقوط باعتبار العارض وليس ذلك في حق الصغير سوى الصغر فجعلنا الصغر من العوارض لذلك.
(لكنا الصبا عذر مع ذلك) لكونه ناقص العقل (فقد سقط بعذر الصبا ما يحتمل السقوط عن البالغ)، فالصلاة مما يحتمل السقوط عن البالغ بالإغماء وغير ذلك فسقط عن الصبي، وكذلك الزكاة تحتمل السقوط عن البالغ بسبب الدين وبهلاك النصاب بعد الوجوب، وكذلك الصوم يسقط وجوب أدائه في الحال كما في حق الحائض والمريض والمسافر، وكذلك وجوب أداء الإيمان بالإقرار يحتمل السقوط عن البالغ.
ألا ترى أن من لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من الإقرار فصدق بقلبه وآمن صح إيمانه بالإجماع، وكذلك المكره على الكفر بالقتل فإنه يرخص له الإقدام على إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان فكان وجوب أداء الإيمان في ذلك الزمان ساقطًا، فصح القول لذلك بسقوط وجوب أداء الإيمان عن الصبي لكن مع ذلك إذا آمن صح إيمانه.
(5/2210)

(فقلنا لا يسقط عنه فرضية الإيمان) أي لا يسقط عنه شرعية فرضية أداء الإيمان لا لزوم أدائه، وإنما أوّلنا بهذا التأويل لئلا يتناقض هذا الظاهر بما ذكر قبله في آخر باب بيان الأهلية بقوله: وإذا عقل الصبي واحتمل الأداء قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه وبما ذكر بعده في باب أهلية الأداء بقوله: ولا عهدة فيه إلا في لزوم أدائه وذلك يحتمل الوضع.
"فوضع عنه" أي عن الصبي.
(حتى إذا أداه كان فرضًا لا نفلًا) ولو كان أداء الفرضية ساقطًا عنه لكان ما أداه نفلًا لا فرضًا، كالصلوات والزكوات والصيامات، ولأن الإيمان إذا وجد بحقيقته أينما وجد يقع نفلًا بل فرضًا.
(الا ترى أنه إذا آمن في صغره لزمه أحكام ثبتت بناء على صحته الإيمان) كحرمانه الإرث عن أقاربه الكفار، واستحقاقه الإرث من أقاربه المسلمين والفرقة بينه وبين امرأته الكافرة وجواز صلاة الجنازة عليه.
(وهي جعلت تبعًا للإيمان الفرض)، وقوله: "الفرض" خرج بيانًا لكون الإيمان أينما وجد وجد فرضًا لا أن يكون بيانًا لنوع الإيمان، لما قلنا:
(5/2211)

الإيمان لا يتنوع إلى فرض ونفل.
(ولم يعد كلمة الشهادة لم يجعل مرتدًا) فلو لم يكن ذلك الأداء فرضًا لوجب عليه الإعادة كما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه الإعادة.
فإن قيل: كيف يكون ذلك الأداء فرضًا وهو ليس بفرض عليه في الحال؟
قلنا: وقوع الأداء فرضًا لا يفتقر إلى فرضية في الحال كالمسافر والمريض والعبد في حق صلاة الجمعة، والمريض والمسافر في حق الصوم في شهر رمضان.
(ولو كان الأول نفلًا لما أجزي عن الفرض)؛ لأن النفل يخالف الفرض وهو أدنى حالًا من الفرض، فكيف يجزئ النفل عنه وصفة الفرضية في النفل معدومة؟
فإن قيل: يُشكل على هذا الوضوء قبل الوقت فإن ذلك نفل ينوب عن الفرض الذي يفترض عليه بعد دخول الوقت.
قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الوضوء تبع للصلاة وشرط لها، ففي الشروط يعتبر وجودها بأي وصف كان لا وجودها بطريق الفرضية.
(5/2212)

ألا ترى أن سائر الشروط من لبس الثياب وتطهير المكان واستقبال القبلة وغيرها لو وجد على وجه الإباحة أو لنفع نفسه من لبس الثياب لدفع الحر والبرد ينوب عن وجود الشرط بطريق الفرضية، فأولى أن ينوب الشرط النفل عن الشرط الفرض، بخلاف الإيمان فإنه رأس العبادات المقصودة فلا يصح فيه أن ينوب النفل عن الفرض كما في سائر العبادات المقصودة من الصلاة والزكاة والصيام، (ووضع عنه التكليف وإلزام الأداء) أي وضع عنه تكليف الإيمان وإلزام أدائه.
وقوله: (عن كل عهدة يحتمل العفو) قيّدها باحتمال العفو لتخرج الردة ولذلك أي ولأجل أن الصبا من أسباب المرحمة (لا يُحرم الميراث بالقتل)، يعني إذا قتل الصبي مورثه يرث منه؛ لأن الحرمان عن الإرث بسبب القتل ثبت جزاء جناية القاتل والصبي ليس من أهل الجزاء بطريق العقوبة في الدنيا، بخلاف الرق والكفر حيث يحرم بهما الإرث؛ لأن ذلك لعدم الأهلية لا لاعتبار الجزاء. يوضحه أن الرق أثر الكفر والكفر موت كما أن الإسلام حياة. قال الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) أي كافرًا
(5/2213)

فهديناه، والميت لا يرث الحي، ولأن الرقيق مال والمال ليس بأهل للميراث، ولأن القول بوراثة الرقيق قول بوراثة الأجنبي من الأجنبي؛ لأن ما للرقيق لمولاه فكان الميراث لمولاه في الحقيقة وهو أجنبي وذلك باطل، ولأن الإرث نوع ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم، وكذلك لا ولاية للرقيق على نفسه فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره.
(خالصة لا تلزم الصبي بحال) نحو الحدود والقصاص.
(ومشوبة يتوقف لزومها على رأي الولي) نحو لزوم العهدة في البيع والإجارة والوكالة.
(صار من أسباب ولاية النظر) أي تثبت الولاية، أي تثبت للغير عليه ولا تثبت له على الغير.
["العته"]
(والعته) ما يوجب خللًا في العقل؛ لأن المعتوه من هو مختلط الكلام يشبه كلامه مرة بكلام العقلاء ومرة بالمجانين، والعته نظير آخر أحوال
(5/2214)

الصبي، والجنون بمنزلة أول أحوال الصبي.
(لا يمنع صحة القول والفعل) حتى لو أسلم يصح ولو أتلف مال الغير يضمن.
(ولكن شرع جبرًا) أي جبرًا للنقصان لا الجبر الذي هو ضد الاختيار.
(والصبا محدود فوجب تأخيره) أي تأخير العرض؛ لأن فيه عهدة على
(5/2215)

الصبي وهي فرقة المرأة عنه على تقدير إباء أبيه وأمه الإسلام ومطالبة المهر عنه في الحال وهو ليس من أهل العهدة.
قيد المعتوه بالعاقل، احترازًا عن المعتوه غير العاقل فإنه والمجنون سواء.
(وأما الصبي العاقل والمعتوه العاقل فلا يفترقان) أي يعرض عليهما الإيمان في الحال.
["النسيان"]
(وأما النسيان) فهو عبارة عن الجهل الطارئ (فلا ينافي الوجوب) لأنه لا يُعدم العقل.
(ولكنه يحتمل أن يُجعل عذرًا)، ذكر بلفظ الاحتمال؛ لأنه جعل عذرًا في موضع ولم يُجعل في موضع آخر، وإنما احتمل أن يُجعل عذرًا؛ لأن النسيان وصف جبل عليه الآدمي فكان مضافًا إلى من له الحق على ما أشار إليه
(5/2216)

النبي عليه السلام بقوله: "إنما أطعمك الله وسقاك".
(لأن حقوق العباد محترمة لحقهم وحاجتهم) إلى آخره. يعني أن الله تعالى غني عن العالمين وله أن يبتلي عباده بما شاء، والأمر والنهي ابتلاء من الله تعالى لعباده مع غناه عن أفعالهم وأقوالهم.
وأما في حق العبد فليس فيه ابتلاء، بل حقه معصوم شرعًا لحاجته وافتقاره إليه، وإذا أتلف غيره حقه بأي وصف كان وجب عليه جبرانه لحاجته إلى ما يجبر حقه.
(لكن النسيان إذا كان غالبًا يلازم الطاعة) يعني أن النسيان لا ينافي الطاعة، ولا تخلو الطاعة عنه كالنسيان في الصوم، فإن الصوم يبقى مع وجود الأكل إذا كان ناسيًا مع أن الأكل مناف ركن الصوم وغلبه النسيان فيه لدعوة الطبع إلى الأكل والشرب، وكذلك النسيان يغلب على البشر حال الذبح لخوف يعتريه أو اضطراب يلحقه، فلذلك جعل نسيان التسمية عفوًا فحلت الذبيحة.
(5/2217)

(والنسيان ضربان: ضرب أصلي) وهو أن يكون مركبًا فيه على وجه ليس في وسعه حفظه كالنسيان في الصوم والذبيحة؛ لأنه ليس له فيهما حالة مذكرة تذكر حفظه فكان النسيان فيه عفوًا.
(وضرب يقع فيه المرء بالتقصير) وهو فيما له حالة مذكرة كالأكل والكلام ناسيًا في الصلاة، وكذلك نسيان ما حفظه من العلوم الشرعية. إنما يقع فيه لتقصيره بسبب ترك التكرار، ولهذا استحق الوعيد من نسي القرآن بعد الحفظ.
(لأنه ليس مثل المنصوص عليه في غلبة الوجود)؛ لأن القياس فيما ذكرنا لا يُجعل عفوًا أيضًا؛ لأن الحكم بعدم الشيء مع وجوده حقيقة مما يأباه القياس كالأكل في الصوم، وكذلك الحكم بوجود الشيء مع عدمه حقيقة
(5/2218)

حكمًا كما في ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا، فجعل النسيان عفوًا فيهما بخلاف القياس فلا يعدى هذا الحكم إلى غير المنصوص إلا إذا كان هو مثل المنصوص عليه من كل وجه فحينئذ يعدى إليه.
(حتى إن سلام الناسي لما كان غالبًا) في الصلاة ألحقناه بالصوم في جعله عذرًا، وذلك إذا سلم في القعدة الأولى على ظن أنها القعدة الأخيرة، ثم علم أنها القعدة الأولى لا تفسد صلاته، والتسليم في غير ذلك الموضع لما لم يكن غالبًا لم يجعل عذرًا بل تفسد الصلاة.
["النوم"]
(فعجز عن استعمال الأحوال) يعني به الإدراكات الحسية من السمع والبصر وغيرهما، والأفعال الحسية من القيام والركوع والسجود وغيرها أي لا يقدر على استعمال قدرة مدركة للأحوال، فلما كان هو عجزًا عن تحصيل القدرة التي تحصل بها الأفعال عند استعمال الآلات السليمة لعدم الاختيار للنائم لم يُعتد أفعاله من القيام والركوع والسجود؛ لأن هذه الأفعال اختيارية لا تتحقق بدون الاختيار.
وأما القعدة الأخيرة فلا نص عن محمد -رحمه الله- فيها أنه تعتد من الفرض أو لا تعتد إلا أنه ذكر مسألة يستدل بها على اعتدادها من الفرض فيما
(5/2219)

إذا وجدت في حالة النوم، وهي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأخيرة وقعد ثم نام قدر التشهد ثم انتبه بعد قعوده قدر التشهد في النوم ثم قهقه قال: لا تفسد صلاته وتنتقض طهارته. دلت المسألة على اعتداد القعود المأتي به في حالة النوم من الفرض، لأنه لو لم يعتد من الفرض لوجدت القهقهة قبل القعود قدر التشهد فتفسد صلاته، وحيث لم تفسد علم أنه معتد به، ولعل الفرق بين القعدة وغيرها من الأركان أن القعدة فرض وليست بركن؛ لأن القعدة للاستراحة، والعبادة تنبئ عن المشقة، وغير القعدة من الأفعال كالقيام والركوع والسجود ركن فكان أقوى حالًا من
(5/2220)

القعدة, فما هو المراد من شرعية الصلاة وهو التعظيم والتلل والتعبد لا يوجد في النوم بخلاف القعدة فإنها للإستراحة والنوم كذلك فيتوافقان فجاز أن تختسب القعدة بالنوم.
وقوله: (والصحيح أنه لا يكون حدثاُ) ولا تفسد صلاته وقع على خلاف ما اختاره في ((الفتاوى)).
وقال في ((الخلاصة)) وغيرها: ولوضحك في النوم في الصلاة قهقهة لا تنتقض طهارته ولكن تفسد صلاته, وهو المختار.
(5/2221)

[((الإغماء))]
(لأن النوم فترة أصلية وهذا عارض ينافي القدرة) أراد به أن الإنسان لا يخلو عن فترة النوم وأنه يوجد في كل إنسان ظاهرًا لا أن يكون المراد به أنه ليس من العوارض, ولهذا أورده في العوارض, وهذا عارض ((أي الإغماء)) عارض يعرض إنسانًا دون إنسان فكان في كونه عارضًا أقوى من النوم, وفي تفويت القوى أشد منه أيضًا, لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه ولا كذلك الإغماء.
(5/2222)

((وهو فوق الحدث)) أى الإغماء فوق الحدث السماوي من النوم مضطجعًا غير معتمد وغيره فلا يلحق به في حق البناء, لأن البناء ثبت بخلاف القياس فلا يلحق به ماهو فوقه في الحدث كالجنابة.
(أن لا يسقط به شيء من الواجبات) , لأن العقل غير زائل من المغمى عليه كما في النائم.
(على ما فسرنا) أراد به قوله: فأما في الصلوان فبأن يزيد على يوم وليلة باعتبار الصلوات عند محمد -رحمه الله- إلى آخره.
(5/2223)

(لأن الامتداد في الصوم نادر) فلا يعتبر, لأن النادر لا حكم له, لأن الأحكام تبتنى على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر, وفي الصلاة غير نادر والحرج فيها بالتكرار فلذلك سقطت عند التكرار.
(جاءت السنة) أي في الصلاة جاءت السنة على نحو ماقلنا وهي: أن عمار بن ياسر-رضس الله عنه -أغمي عليه يومًا وليلة فقضاهن, وعبدالله بن عمر -رضى الله عنهما-أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات, كذا في ((المبسوط)).
(فلم يوجب حرجًا) أي فيما إذا لم يزد الإغماء على يوم وليلة.

[((الرق))]
(وأما الرق) فإن قلت: فلم أورد الرق من العوارض السماوية مع أن
(5/2224)

سببه هو الكفر مع وصف فكان في يده إزالته وكان من المكتسبة كالجهل؟
قلت: قال شيخي-رحمه الله-في جوال هذا: ليس هذا كالجهل, فإن العبد بعد ما صار مرقوقًا ليس في يده إزالته, وهنالك بعد ما كان جاهلًا هو في يده إزالته.
ألا ترى أنه عد المرض من العوارض السماوية مع أن إزالة المرض في يده بالمعالجة في بعض الصور وهاهنا ليس في يد العبد إزالة الرق في جميع الصور فأولى أن يعد هو من السماوية.
(عجز حكمي) أي لا حسي فكم من عبد يكون أقدر حسًا من الحر لكن هو عاجز عما يقدر عليه الحر حكمًا مثل الشهادة والولاية والملك والتزوج بالأربع ونحوها.
(شرع جزاء في الأصل): لأن الكافر لما ألحق نفسه بالبهائم في حق عدم التكليف جازاه الله تعالى بالملك للعباد عليه كالبهائم, أم لما استنكف أن يكون
(5/2225)

عبدًا لله جازاه الله تعالى بأن صبره عبد عبده.
(لكنه في البقاء صار من الأمور الحكيمة) هذا إستدراك عما وردت الشبهة على الكلام الأول, وهو قوله: ((شرع جزاء)) بأن يقال: لما كان جزاء لاستنكافه وجب أن لا يبقى عند زوال الإستكناف أو لا يثبت في أولاده أيضًا وإن لم يوجد الإستنكاف منهم أصلًا لكون بقاء الرق من الأمور الحكمية لا الجزائية كبقاء الحرية بعد الإسلام.
(العرضة): هى المعرض للأمور قال الشاعر:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
(والابتذال): شب وروز داشتن جامه وآنجه بدان ماند. فكذلك العبد
(5/2226)

صار محلًا للتعرض والغمتهان على حسب ماشرع للمولى من قضاء حاجته به من إستعماله في خدمته وتمليكه كما في سائر أمواله.
(وكذلك العتق الذي هو ضده) أي ضد الرق, يعني لما كان الرق غير متجز لم يكن العتق الذي هو ضده متجزيًا, لانه لو كان متجزيًا يلزم أن يكون الرق متجزيًا أيضًا, لأنه لو ثبت في بعض المحل العتق فالبعض الآخر لا يخلو إما أن يكون رقيقًا أو حرًا فإن كان رقيقًا ثبت تجزيهما وهو ممتنع لا اتفاق وإن كان حرًا ثبت عدم تجزي العتق.
(حتى إن معتق البعض لا يكون حرًا أصلًا عند أبى حنيفة -رضي الله عنه-في شهاداته وسائر أحكامه). وإنما هو مكاتب غير أنه لا ينفصخ بالفسخ أو بالتعجيز.
وقال في ((المبسوط)): فإن العتق عنده يتجزى 0 أي الإعتاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه يتجزى - حتى إن من أعتق نصف عبده فهو الخيار في النصف الباقي إن شاء أعتقه وإن شاء إستعساه في النصف الباقي في نصف قيمته, وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب.
(5/2227)

وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي -رحمهم الله- يعتق كله ولا سعاية عليه لقوله عليه السلام: (من أعتق شقصا من عبد فهو حر كله ليس لله تعالى فيه شريك)) , ولأن إتصال أحد النصفين بالآخر أقوى من إتصال الجنين بالأم: لان ذلك يعرض الفصل, ثم إعتاق الام يوجب عتق الجنين لا محالة, فإعتاق أحد النصفين أن يوجب عتق النصف الآخر أولى.
واستدل أبو حنيفة -رضي الله عنه-بحديث سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهم -أن النبي عليه السلام قال: ((من أعتق شخصًا له من عبد فإن كان موسرًا فعليه خلاصة, وإلا فقد عتق ما عتق ورق ما رق)) , والمعنى فيه أن هذا
(5/2228)

إزالة ملك اليمين بالقول فيتجزى في المحل كالبيع, وتأثيره أن نفوذ تصرف المالك باعتبار نلكه وهو مالك للمالية دون الرق.
فالرق إسم لضعف ثابت في حق أهل الحرب مجازاة وعقوبة على كفرهم, وهو لا يحتمل التملك كالحياة, إلا أن بقاء ملكه لا يكون إلا ببقاء صفة الرق في المحل كما لا يكون إلا باعتبار صفة الحياة في المحل, وذلك لا يدل على أن الحياة مملوكة له, فإذا ثبت أنه يملك المالية وملك المالية محتمل للتجزي فإنما يزول بقدر ما يزيله, ولهذا لا يعتق شيء منه بإعتاق البعض عند أبي حنيفة-رحمه الله-وإنما سمى فعله إعتاقًا مجازًا على معنى أنه إذا تم إزالة الملك بطريق الإسقاط يعقبه العتق الذي هو عبارة عن القوة لا أن يكون الفعل المزيل ملاقيًا للعتق كالقاتل فعله لا يحل الروح وإنما يحل البنية ثم ببعض البنية تزهق الروح فيكون فعله قتلًا من هذا الوجه.
أما إعتاق الجنين عند إعتاق الام فليس لأجل الإتصال.
ألا ترى أن إعتاق الجنين لا يوجب إعتاق الأم والإتصال موجود, ولكن الجنين في حكم جزء من أجزائها كيدها ورجلها وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع وأحد النصفين ليس بتبع للنصف الآخر, فلذلك لم يكن إعتاق أحد
(5/2229)

النصفين موجبًا للعتق في النصف الباقي, وتأويل قوله عليه السلام: ((فهو حر)) سيصير حرًا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية -إلى هذا أشار في ((المبسوط)).
(وقال أبو يوسف ومحمد-رحمهما الله- الإعتاق إنفعاله العتق) أي لازمه ومطاوعه, يقال: أعتقه فعتق كما يقال كسرته فانكسر, ولا وجود للمتعدي بدون لازمه, لأن التعدية إثبات اللازم وإثباته مع كونه معدومًا لا يتحقق فكذلك الإعتاق مع التق, فإذا كان كذلك لا يكون الإعتقا متجزيًا ولو كان متجزيًا مع أن العتق غير متجز يلزم أحد أمرين: إما وجود المتعدي بدون اللازم وهو ممتنع وإما عدم تجزي الإعتاق على تقدير ثبوت اللازموهو العتق فيثبت هو ضرورة.
(كالتطليق) وهو فعل غير متجز, لأن التطليق لا يتنصف لكا أن إنفعاله وهو الطلاق غير متجز بأن بطلق نصف المرأة دون نصفها الباقي, فكذلك الإعتاق مع العتق لما لم يتجز الإنفعال وهو العتق بالإتفاق يجب أن لا يتجزى فعله وهو الإعتاق.
(5/2230)

(وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- الإعتاق إزالة لملك تعلق به حكم لا يتجزى وهو العتق) ولا يصح أن يقال: إن الإعتاق إثبات القوة, لأن العتق عبارة عن الوقة, يقال: عتق الطير إذا قوى وطار عن وكره وإثبات القوة ليس في وسع البشر, والإعتاق الذي هو عبارة عن إزالة الملك في وسعه, لكن إذ زال ملكه عن العبد بالإعتاق ثتبت له الوقة فلذلك سمي إعتاقًا, وهذا لأن إزالة الملك حق العبد وإثبات العتق ليس بحقه.
فصرف اللفظ الدال على فعله إلى ماهو حقه أولى من الصرف إلى ماهو ليس بحقه, (لأنه عبارة عن سقوط الرق) أي العتق عبارة عن سقوط الرق وهذا توسع في الكلام, لأن العتق عبارة عن القوة على ما قلنا, غير أن العتق لا يتثور بدون سقوط الرق فكان سقوط الرق لازمه ثبوت العتق فعبر به عنه, كما أن الحركة ليست عبارة عن زوال السكون بل هي عرض يلزم من وجوده زوال السكون فجاز أن نعبر بزوال السكون عن الحركة, فكذلك ها هنا جاز أن تعبر عن ثبوت العتق بسقوط الرق.
(وسقوط الرق حكم لسقوط كل الملك) يعني أينما ثبت سقوط كل
(5/2231)

الملك يثبت سقوط الرق, لأنه لا يتصور سقوط الرق الذي هو العتق مع بقاء الملك.
(وكذلك إعداد الطلاق للتحريم) أي للحرمة الغليظة.
فصار حاصل إختلافهم راجعًا إلى تفسير الإعتاق, فعندهما الإعتاق إثبات العتق والعتق لا يتجزى بالاتفاق, وهو إنفعال الإعتاق فلا يتجزى الإعتاق أيضًا.
وعند أبى حنيفة-رحمه الله- الإعتاق إزالة لملك متجز فكان الإعتقا أيضًا متجزيًا, فكان إختلافهم ها هنا بمنزلة إختلافهم في مسألة الصابيات.
وقوله: (لقيام المملوكية مالًا) أي قيام المملوكية من حيث المالية يمنع كونه مالكًا للمال, يعني هو مملوك من حيث هو مال فلا يتصور أن يكون مالكًا
(5/2232)

للمال لما بين المالكية والمملوكية من المنافاة, لأن المالكية عبارة عن قدرة شرعية على المال والمملوكية عبارة عن عجز شرعي عنه.
وكذلك المال مبتذل ومالكه مبتذل وبينهما منافاة بخلاف مالكية غير المال فإنه ليس بمملوك من ذلك الوجه, فلا يمنع مالكيته كالنكاح والإقرار بالدم والحدود على ما يجيء، وهذا لأن استحالة الاجتماع من جهتين مختلفتين كالنكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها.
وحصل من هذا أنه لما كان مالًا مملوكًا لم يكن أهلًا لملك المال ولا لما هو مختص بملك المال (حتى لا يملك العبد والمكاتب التسري) وإن كانا يملكان التصرف, لان التسري مختص بالملك في الرقبة ورقبتهما مال فلا يملكان التسري.
(وهي البدنية) أي القدرة البدنية, (لأنها للمولى) أي لأن قدرة العبد
(5/2233)

ملك المولى تبعًا لملك الرقبة, لان ملك الذات علة لملك الصفات (إلا ما استثنى عليه في سائر القرب البدنية) أي إلا ما استخرج على المولى في باقي العبادة البدنية مثل الإيمان والصلاة والصوم فإنه ليس للمولى منع عبده عن الإتيان بتلك العبادة البدنية, لأن تلك العبادات مستثناة عن تصرف المولى في حقها بالمنع إجماعًا.
وكان شيخي -رحمه الله- يقول: كان ورد الإستفتاء من نسف إلى بخارى بالسؤال عن هذا الاستثناء بأن لفظ هذا الاستثناء في أي موضع من الكتب؟
قيل في جوابه: إن الاستثناء هاهنا معنوي لا لفظي بإجماع المسلمين يعني إن المسلمين أجمعوا من لدن رسول الله عليه السلام على أنه ليس للمولى منع عبده عن هذه العبادات البدنية فكان بمنزلة الاستثناء.
لأن ملك الذات لما أوجب ملك الصفات والذات ملك المولى اقتضى
(5/2234)

القياس أن يملك المولى جميع صفات عبده بالتصرف فيه بأن يمنعه عن الصلاة والصوم أيضًا إجراء لإطلاق هذا الأصل, فلما تخلف حكم هذه العبادات عن هذا الأصل كان ذلك بمنزلة الاستثناء عن ذلك الأصل.
فإن الإستطاعة التي يحصل بها الإيمان والصلاة والصوم ليست للمولى وهو في حقها مبقى على الحرية بخلاف إستطاعة الحج فإنها للمولى, والمعنى فيه أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة, فقدم حق العبد على حق الله تعالى لحاجته, فلهذا إذا حج ثم اعتق لا يسقط عنه حجة الإسلام, وأيد هذا قوله عليه السلام: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام) فصار هذا كالحر الذي يحج عن الغير, لأن العبد حج بقدرة هي للمولى.
(بخلاف الفقير) , لأن القدرة الأصلية وهي قدرة البدن ثابتة له, وإنما شرطت غستطاعته الزاد والراحلة ليتمكن بها من أداء الحج, فإذا تمكن بدونها كان المستطيع بالزاد والراحلة فكان كالمسافر والمريض والعبد يصلون الجمعة حيث تصح منهم الجمعة ويسقط عنهم فرض الظهر, لأن عدم وجوب الجمعة كان لنفي الحرج, فإذا تحملوا الحرج وأدوا الجميعة يسقط عنهم فرض الوقت الذي كان عليهم وهو الظهر.
(5/2235)

وقوله: (فأما الزاد والراحلة فلليسر) وذكر اليسر هاهنا لبيان نفي الحرج لا لإثبات القدرة الميسرة, لأن الحج إنما وجب بالقدرة الممكنة لا بالميسرة, بدليل بقاء وجوبه على من افتقر بعد أن ملك الزاد والراحلة.
(والرق لا ينافي مالكية غير مال وهو النكاح) , لأن العبد آدمي مكلف كان ينبغي أن يملك كل ما بملكه الحر من هذا الوجه, إلا أنه لما كان مملوكًا مالًا استحال أن يكون مالكًا للمال, إذ الاجتماع بين الضدين في حق شخص واحد من جهة واحدة محال, وعن هذا قلنا إنه لا ينافي مالكية غير المال, لأن المالكية والمملوكية هناك من جهتين مختلفتين فصح أن يجتمعا فيه, فلذلك كان العبد مالكًا للنكاح, لأن النكاح من خواص الآدمية ولا منافاة في كونه مالكًا للنكاح فيملك النكاح وإن كان هو مملوكًا مالًا.
فإن قيل: كيف يكون مالكًا للنكاح فإنه لو نكح بغير إذن المولى لا ينفد بل يتوقف إلى إجازة المولى؟
قلنا: إنما يتوقف نفاذه إلى إجازة المولى لتعلق حق المولى به, وهو شغل ماليته بالمهر والنفقة وماليته ملك المولى فلا يملك شغل ذلك بتصرفه بغير إذن المولى.
(5/2236)

والدليل على أنه مالك للنكاح أن إشتراط الشهود إنما يكون عند النكاح لا عند الإجازة, وكذلك لو تزوج بغير إذن المولى ثم اعتقه مولاه قبل الإجازة نفذ ذلك النكاح.
فإن قلت: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)) يقتضي أن لا يملك العبد النكاح, لأن الله تعالى نفى قدرته على شيء منكر في موضع النفي فيتناول كل الأشياء والنكاح شيء فلا يملكه بقضية هذه الآية؟
قلت: بالنظر إلى ظاهرة هذه الآية قلنا إنه لا يستبد بالنكاح بنفسه بغير إذن المولى.
وأما أصل ملك النكاح فيحصل له بالدليل الذي قلنا, ولهذا كان الحكم المقصود بالنكاح وهو حل الإستمتاع حاصلًا له لا للمولى, وكذلك ملك الطلاق الذي يرفع النكاح حاصل له لا للمولى وكل من يملك الرفع من العقود هو الذي يملك إثباته.
علم بهذا أن النكاح مملوك له والتوقف إلى إجازة المولى باعتبار ماقلنا من شغل ماليته بالمهر والنفقة وهي مولاه.
فإن قلت: لما ملك العبد النكاح وجب أن لا بيملك المولى إجبار عبده على
(5/2237)

النكاح, لأنه عاقل بالغ مالك للنكاح فلا يملك إجباره على النكاح كما لا يملك إجبار إبنه العاقل البالغ على النكاح, وهذا لأن ما يتناوله النكاح من العبد غير مملوك للمولى عليه فهو فى تويجه متصرف فيما لا يملكه فلا يستبد به كما هو مذهب الشافعي -رحمه الله.
قلت: إستدل علماؤنا -رحمهم الله-في صحة إجبار المولى عبده على النكاح بظاهر قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75). وإباء عقد المولى شيء فلا يقدر العبد عليه, لأنه مملوكه على الإطلاق فيملك إنكاحه بغير رضاه كالأمة, وهذا لأن في الأمة إنما ينفذ عقد المولى عليها بملكه رقبتها لا بملكه مايملك بالنكاح, فإن ولاية التزويج لا تستدعي ملك ما يملك بالنكاح.
ألا ترى أن الولي يزوج الصغيرة ولا يملك عليها ما يملك بالنكاح, والزورج لا يزوج إمرأته وهو مالك عليها ما يملك بالنكاح فثبت أن بينهما مفارقة طردًا وعكسًا. هذا كله مما أشار إليه في نكاح ((المبسوط)).
(والدم والحياة) أما الدم فإن العبد يملك إتلاف دمه بالإقرار على نفسه بالقصاص فكان فيه كالحر ولا يشترط فيه حضور مولاه, حتى أنه لو أقر به حال غيبة مولاه يقتل به حال غيبته.
(5/2238)

وأما الحياة فإن مولاه لا يملك إتلاف حياته فكان في عدم ملك مولاه لحياته كالحر.
فإن قلت: ففى صحة إقراره للقصاص إتلاف لماليته وهي للمولى فيجب أن لا يصح إقراره بذلك بدون إذن والمولى كما في النكاح بل أولى, لأن في نفوذ النكاح بدون إذن مولاه شغل ماليته بالمهر والنفقة لا إتلاف ماليته من كل وجه, فلما توقف نفوذ النكاح إلى إذن المولى باعتبار شغل ماليته بدون الإتلاف وجب أن تتوقفه صحة إقراره بالقصاص إلى إذن المولى وفيه إتلاف ماليته من كل وجه بالطريق الأولى, مع أن كليهما في حق الإختصاص بالآدمي متساويان.
قلت: هذا الاستدلال منك عكس موجب الدليل, لان إتلاف ماليته في صحة الإقرار بالقصاص إنما ثبت بطريق الضمن لصحة الإقرار بالقصاص فكان الاعتبار للمتضمن الأصلي لا للمتضمن الفرعي كما في سائر الأحكام الثابتة بطريق الضمن, كما في ثبوت المضار الدنيوية في حق الصبي بطريق التبيعة من حرمان الإرث, ووقوع الفرقة بينه وبين إمرأته, وتعجل وجوب المهر لصحة ردته التي لا يمكن ردها.
وهذا لما أن الضرر الواقع على نفس العبد بالقصاص أكثر من ضرر المولى, لأن ذلك الضرر واقع على المال وهذا واقع على النفس والنفس أعظم خطرًا من المال فلما صح فيما هو أعظم خطرًا صح أيضًا فيما هو أقل
(5/2239)

خطرًا بطريق التبعية كما هو مرتبة الأحكام الثابتة بطريق الضمن.
وأما شغل ماليته بالمهر والنفقة ونفوذ النكاح بغير إذن المولى فلا مفاضلة بينهما فلم يكن أحدهما تبعا للآخر, ولأن النكاح عقد قابل للتوقف في الجملة كما في نكاح الصغار والصغائر بدون إذن الأولياء ونكاح الفضولي.
وأما إقرار العاقل البالغ فنافذ على المقر من كل وجه وبعد النفوذ لا يتوقف على إذن أحد.
فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله-في وجوب القصاص على العبد بين البينة والإقرار؟ حيث يؤاخذ إقراره في الحدود والقصاص وإن كان مولاه غائبًا بخلاف ما إذا ثبت الحد والقصاص عليه بالبينة, فإن استيفاءهما يتوقف إلى حضور مولاه عندهما خلافًا لأبي يوسف -رحمه الله-؟
قلت: هما يقولان: إن للمولى حق الطعن في البينة دون الإقرار, ولأن الإقرار موجب للحق بنفسه والبينة لا توجب إلا بالقضاء وفي استيفاء موجب القضاء إتلاف المالية وهى للمولى, فإذا كان تمام قضائه متناولًا حق المولى يشترط حضور المولى في ذلك, إلى هذا أشار في إباق ((المبسوط)).
(5/2240)

(وينافي كمال الحل إلى قوله: مثل الذمة) , فإن الذدمة وهي كون الآدمي محلًا لتوجه الخطاب وأهلًا للإيجاب والإستيجاب من كرامات البشر بخلاف سائر الحيوانات.
(والحل) أي حل الإستمتاع بالنكاح والولاية وهي الشهادة والإرث وغيرهما, ثم ابتدأ بتفصيل كل متهما بالبيان فقال: (حتى إن ذمته ضعفت) فيه بيان ضعف حاله في الذمة.
وفي قوله: ((وكذلك الحل انتقض بالرق)) بيان ضعف حاله في الحل وفي قوله: ((وانقطعت الولايات كلها بالرق)) بيان ضعف حاله في حق الولاية, لكن ضعف العبد في حق الولاية من كل وجه, فلذلك قال وانقطعت الولايات كلها بالرق, ويمكن أن يقال فيها ضعف أيضا لا بطلان بالكلية.
ألا ترى أنه يلي على نفسه بالإقرار بالقصاص والحدود وهو من باب الولاية من وجه فإن فيه تلف المالية وهي حق المولى, فكان قوله نافذًا على الغير شاء الغير أو أبى وهو معنى الولاية,
وأما قوله: ((وانقطعت الولايات كلها)) أي بطريق القصد لا بطرق الضمن.
(فلم يحتمل الدين بنفسها) أي بنفس الذمة وهي رقبة العبد القابلة
(5/2241)

للإيجاب والاستجاب بخلاف سائر الحيوانات, وضمنت إليها مالية الرقبة وهو أنه يباع في الدين, (والكسب) وهو بالرفع أي وضم مكسوب العبد إلى ذمته بخلاف الحر, فأن الحر إذا كان مديونًا ليس لرب الدين الدين أن يأخذ ما في يد المديون من ماله جبرًا إذا لم يكن من جنس دينه, وفي العبد المديون يأخذه ويبيعه حتى يأخذ حقه من ثمنه كما يبيع رقبته ويأخذ دينه من ثمنه.
وذكر في باب إقرار العبد بالدي من مأذون ((المبسوط)) وإذا كان على المأذون دين فأقر بشيء في يده أنه وديعة لمولاه أو لمكاتبه أو لعبد له تاجر عليه دين أو لا دين عليه فإقراره باطل, لأن حق غرماته تعلق بكسبه والمولى يخلقه في كسبه خلافة الوارث المورث, فكما أن إقرار المريض لوارثه أو لعبده أو لعبد الوارث أو لمكاتبه لا يصح لكونه متهمًا في ذلك وكذلك إقرار العبد لمولاه, لان سبب التهمة بينهما قائم فكذلك لعبد مولاه أو لأم ولده فإن كسبهما لمولاهما.
فأما إقراره لابن مولاه أو لابنه جائز, لأنه ليس للمولى في كسبهما ملك ولا حق ملك.
ألا ترى أن إقرار المريض لأب وارثه أو لابن وارثه جاز إقراره لهذا المعنى, وإذا صح الإقرار صار المقر به ملكًا للمقر له فلا يتعلق به حق غرمائه, كما لو أقر به لأجنبي, ولو لم يكن على العبد دين كان إقراره جائزًا في ذلك كله,
(5/2242)

لأنه لا تهمة في إقراره ولا حق لأحد في كسبه.
(ولذلك قلنا): إن الدين متى ثبت بسبب لا تهمة فيه أنه يباع فيه رقبته) أي ولأجل أن رقبته وكسبه تضمان إلى ذمة العبد لعدم إحتمال ذمته الدين بنفسها لضعفها تباع رقبته في الدين الذي ثبت بسبب لا تهمة فيه وهو دين الاستهلاك ودين التجارة.
فأما لا تهمة في دين التجارة فظاهر, لأنه وقع في الدين بسبب إذن المولى في التجارة, لأن إقراره بدين التجارة لو لم يقبل منه لا متنع الناس عن المعاملة
(5/2243)

به في التجارة فلا يفيد إذن المولى فائدته, وكذلك إقراره بدين الغضب والاستهلاك يقبل, لأن ضمان الغضب والاستهلاك من ضمان التجارة, لأن الغضب يوجب الملك في المضمون عند أداء الضمان.
فالضمان الواجب به من جنس التجارة وإقرار المأذون بمثله صحيح, ولهذا لو أقر أحد المتفاوضين به كان شريكه مطالبًا به وكذلك دين الاستهلاك, لأن الاستهلاك يوجب الملك في المستهلك عند أداء الضمان فكان من دين التجارة.
وقوله: ((بسبب لا تهمة فيه)) أحتزاز عن إقرار بدين يثبت بسبب فيه تهمة وهو كما ذكرنا من ((المبسوط)) فيما إذا أقر بدين لمولاه فإن ذلك لا يقبل في حق الغرماء, لأنه متهم عند الغرماء, وكذلك لو أقر أنه وطئ جارية هذا الرجل بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يصدق, لأنه ليس من التجارة فإن وجوب العقر هنا باعتبار النكاح لولاه لكان عليه الحد والنكاح ليس بتجارة ولهذا لو أقر به أحد المتفاوضين لم يلزم شريكه, فإن صدقه مولاه بذلك بدء بدين الغرماء, لأن تصديق المولى في حق الغرماء ليس بحجة, فوجوده كعدمه،
(5/2244)

فإن بقي شيء أخذ مولى الجارية من عقرها. كذا ذكره في مأذون ((المبسوط)).
وحاصل ذلك أن الدين الذي وجب بسبب التهمة وليس في ذلك السبب من أسباب التجارة ففي إقراره بذلك هو متهم فيه, لأنه ليس في ذلك الإقرار دليل يدل على أنه في إقراره صادق, بخلاف دين التجارة فإن إذن المولى في التجارة دليل على وجوب الدين عليه, كذلك في الإقرار بالدين لمولاه متهم في حق الغرماء على ما ذكرنا وكذلك العبد المحجور متهم في الإقرار بالدين فلا يظهر في حق المولى إذا لم يصدقه.
(فيتسع الحرية) , لأنها سبب لاستجلاب الكرامات.
(والعدة تنتصف) أي تنتصف حقيقة فيما إذا كانت العدة بالأشهر.
وأما إذا كانت بالحيض فتنتصف أيضًا لكن الحيضة غير متجزية فتتكامل ضرورة, لأن جانب الوجود راجح على جانب العدم ولأن فيه القول بالاحتياط.
(5/2245)

(لكن عدد الطلاق لما كان عبارة عن إتساع المملوكية اعتبر فيه النساء) لأن عدد الطلاق يدل على أن ما يملكه من الطلقات على حسب ملكه فيتعرف ذلك عن محله, لأن تصرف المتصرف يزداد بزيادة المحل وينتقص بانتقاصه.
فإن من ملك عبدًا واحدًا ملك إعتاقًا واحدًا, ومن ملك عبدين يملك اعتاقين وكذا وكذا, ومحلية الحرة تزادا بالحل فيزداد الطلاق, لأن حكم الطلاق بارتفاع القيد عنها, وكل إمرأة كان حلها أكثر كان الطلاق أكثر.
وحل الحرة أكثر من حل الأمة, لأن نكاح الحرة جائز متقدمًا على الامة ومتأخرًا عنها ومقارنًا معها بخلاف نكاح الأمة, فإنه إنما يجوز متقدمًا على
(5/2246)

الحرة لا غير, فلما كان حلها أكثر كان طلاقها أكثر فيعتبر بالنساء.
وأما النكاح فعبارة عن المالكية, لان الملك يثبت للرجل بالنكاح, فلذلك كان عدد الانكحة عبارة عن اتساع المالكية فاعتبر بالرجال, وهذا لأن الحل لما اتسع بفضيلة المتزوج الذي هو الرجل كما اتسع لرسولنا عليه السلام بالزيادة على الأربع وجب أن يتسع الحل للحر أكثر مما يتسع للعبد, لأن الرح له فضل على العبد شرعًا, حتى أظهر الشارع فضله في عامة الأحكام من الشهادة والولاية والإرث وغيرها فكذلك في حق حل النساء. يوضحه أن الرق ينصف الحل.
ألا ترى أن الحل يتنصف في جانب الأمة بالرق, حتى إن ما يبتنى على الحل وهو القسم يكون حالها فيه على النصف من حال الحرة فكذا الحدود تنتصف بالرق, ولما كان كذلك كان حال العبد فيه على النصف من حال الحر والعبد يتزوج من النساء والحر يتزوج من أربعًا.
وأما في الطلاق فإنما اعتبر جانب النساء بسبب أن النبي عليه السلام قابل
(5/2247)

الطلاق بالعدة بقوله: ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) تقتضي التسوبة وبالإتفاق في العدة تعتبر حالها فكذلك في الطلاق, ومن ملك على امرأته عددًا من الطلاق يملك إيقاعها أوقات السنة, وبهذا أفحم عيسى بن أبان الشافعي -رحمهما الله أيها الفقيه إذا ملك الحر على إمرأته الأمة ثلالث تطليقات كيف يطلقها في أوقات السنة؟ فقال: يوقع عليها واحدة, فإذا حاضت وطهرت أوقع أخرى, فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت قال: حسبك فإن عدتها قد انقضت, فلما تحير رجع, وقال: ليس في الجمع بدعة ولا ي التفريق سنة. كذا ذكر في الباب الأول من طلاق ((المبسوط)) هذه الحكاية.
(فلذلك تنتصف الحدود في حق العبد) وهذا يتعلق بقوله: ((ويقصر بالرق إلى النصف)) أي فلأجل أن الرق منصف لما هو الحكم الثابت للحر كرامة وملامة تتنصف الحدود في حق العبد, والمعنى فيه أن الحل في حق العبد أنقص فكان جنايته أقل بالنسبة إلى جناية الحر, لان الحل في حق الحر أكمل, فإذا زنى الحر مع كمال الحل كانت حنايته أعظك, فكان الجزاء في حقه أوفر.
ألا ترى ان المحصن إنما يرجم لهذا المعنى وهو تكامل جنايته عند توفر النعمة عليه بمقابلة جناية من ليس بمحصن.
(5/2248)

(ولذلك انتقصت قيمة نفسه) أي ولأجل أن الرقية موجبة للنقصان انتقصت قيمة نفس العبد وهذا يتعلق بقوله: ((وكذلك الحل انتقص بالرق, لانه من كرامات البشر)) وقوله: لما قلنا من انتقاص المالكية أي من انتقاص مالكية العبد في حق المال, حيث لا يملك رقبة المال ولكن يملك التصرف في المال بإذن المولى, فيملك المال حينئذ يدًا لا رقبة فكان له نقصان المالكية في حق المال فكان قوله: ((لما قلنا)) إشارة إلى قوله: ((وهذا الرق مبطل مالكية المال)).
(كما انتقص بالأنوثة) أي كما انتقص المالكية بالأنوثة على تأويل كونها مالكة أي للنكاح, ثم بين ذلك النقصانين بكلمة الإستدراك بقوله: (لكن نقصان الأنوثة في أحد ضربي المالكية بالعدم فوجب التنصيف وهذا نقصان في أحدهما لا بالعدم).
بيان هذا أن بدل الشيء يتقدر بقدر كمال ذلك الشيء, وكمال اآدمي بكمال الماكية, فلما كان كذلك كان كما الدية من غير نقصان للرجل الحر, لانه أقوى في المالكية من الحرة ومن العبد, لأنه يملك المال وغير المال على الكمال فوجب بدل دمه وهو الدية على الكمال عند الإتلاف, لأنه إتلاف من هو مالك للنوعين جميعًا, والحرة ليست بمالكة لأحد النوعين أصلًا وهو
(5/2249)

النكاح والطلاق وتمالك المال على الكمال فكان حالها نصف حال الرجل الحر, فوجب نصف دية الرجب الحر عند إتلافها, والعبد مالك لأحد النوعين على الكمال وهو النكاح والطلاق, ومالك للنوع الآخر وهو المال ماهو الاقوى منه وهو التصرف يدًا, فلذلك انتقصت حاله من حال الحر فانتقص عن بدله ماله الاعتبار في الشرع وهو عشرة دراهم بأثر عبدالله بن مسعود -رضي الله عنهما-وهذا جواب عما قيل فيه: ينبغي أن يتنقص من بدل دمه ربع بدل الحر على هذا التقدير, لانه مالك لأحد النوعين وهو النكاح والطلاق على الكمال ومالك للمال من حيث التصرف باليد لا من حيث الرقبة فكان مالكًا لثلاثة أرباع النوعين فوجب النقصان بربع بدل الحر, لأنا نقول: لما ملك أحد النوعيم على الكمال وما هو الأقوى في النوع الآخر ترقى حاله من حال الحرة وانحطت من حال الحر فوجب النقصان من بدل دمه من دية الرح ماله اعتبار في الشرع وهو عشرة دراهم, ولا يقال بأن العبد مالك لنكاح بطريق النقصان, لأنه لا يملك النكاح بدون إذن المولى, لأنا نقول: لو كان التوقف إلى إذن المولى يوجب النقصان لزم أن يكون الصبي ناقص المالكية في النكاح وليس كذلك.
وقال في ((المبسوط)) ,وأما النقصان -أي نقصان دم العبد عن دية الحر- فيقول: بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في المحل.
(5/2250)

ألا ترى أنه من ينقص بالأنوثة وبالكفر على أهل أصل الخصم وبالاجتنان في البطن بالاتفاق، فإن بدل الجنين دون بدل المنفصِل وإن كان الموجوب باعتبار النفسية هناك، إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرًا أو مملوكًا فكذلك يجوز ان ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية، وهذا لن تكميل الدية باعتبار كمال صفة المالكية.
ألا ترى أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذكر، لأن الذَكر أهل لمالكية المال والنكاح، والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح فإنها مملوكة نكاحًا فيتصنف بدلها لذلك، والجنين ليس بأهل للمالكيتين في الحال، ولكن فيه عرضية الأهلية لذلك إذا انفصل حيًا فباعتباره ينتقص له بدله غاية النقصان.
إذا عرفنا هذا فنقول: بسبب الرق تنتقص صفة المالكية، لأنه صار مملوكًا مآلًا ولم يبقى مالكًا للنكاح بنفسه، إلا أن هذا النقصان بعارض على شرف الزوال بأن يعتق فيجوز أن يُزاد بدل الرق على بدل الأنثى لهذا إلى آخره.
(لكنه أهل للتصرف في هذا المال) هذا بالإتفاق.
ألا ترى أن العبد المأذون يتصرف في مال المولى، غير أن الإذن عند
(5/2251)

الشافعي عبارة عن التوكيل والإنابة فيختصص بالتخصيص ويتوقت بالتوقيت، وعندنا هو عبارة عن فك الحجر وإسقاط الحق فلا يقبل التخصيص والتوقيت، (وأهل لاستحقاق اليد على المال).
قال الصدر الشهيد -رحمه الله- في آخر مضاربة "الجامع الصغير" أن للعبد يدًا معتبرة.
ألا ترى أنه إذا أودع مالًا عند آخر لا يملك المولى استردادَه.
(وهذا عندنا) أي وهذا المذكور وهو أهلية التصرف على العموم وأهلية استحقاق اليد على المال.
(أنه يتصرف لنفسه) يعنى أن تصرفه بعد الإذن بطريق الأصالة لا بطريق النيابة؛ لأن للعبد صحةَ العبارة، لأنه داخل تحت قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَان) والبيان في حقه ثابت فكان متصرفًا لنفسه، حتى لو أذن له المولى في التجارة وفي يده شيء فقال له المولى: لا تتصرف فيه لا يثبت به الحجر.
(5/2252)

(ويجب له اليد بالإذن غيرَ لازمة) أي التصرف يدًا لا يقع لازمًا للمأذون؛ لأنه غير عوض ويقع بالكتابة يد لازمة؛ لأنه بعوض، ومعنى غير اللزوم هو أن يتفرد المولى بالحجر، ففي الإذن كذلك، ومعنى اللزوم ألا يتفرد بالفسخ وفي الكتابة لا يتفرد بالفسخ فصارا نظيري العارية والإجارة.
(وقال الشافعي: لما لم يكن أهلًا للملك لم يكن أهلًا لسببه؛ لأن السبب شرع لحكمة) وقد ذكرنا أن إذن المولى لعبده في التجارة عند الشافعي أمر للتجارة فيما ليس للعبد في ذلك ولاية أصلًا، كما لو أمر الموكل لوكيله في تصرف شيء من الأشياء فيتقدر بقدر ما أثبت له، وعندنا العبد أهل للولاية الكاملة على العموم من استحقاق اليد وعموم التصرف فلا يتخصص تصرفه عند التخصيص بل يتعمم.
وعن هذا قال مشايخنا-رحمهم الله-، فإن أذن المولى له في نوع منها دون غيره فهو مأذون في جميعها سواء نهى عن عن ذلك النوع صريحًا أو سكت عنه، فإنه يكون مأذونًا في جميع أنواع التجارات.
وقال زفر والشافعي-رحمهم الله-: إن صرح بالنهي عن التصرف في
(5/2253)

سائر الأنواع فليس له أن يتصرف إلا في النوع الذي أذن له فيه خاصة.
(قلنا: إن أهلية التكلم غير ساقطة بالإجماع) فإنه أهل للوكالة ورواية الحديث وشهادته برؤية هلال رمضان، ويقبل قوله في بعث الهدايا وغيره.
(وكذلك الذمة مملوكة للعبد) حتى لو أقر بالدين وكان مأذونًا يصح مطلقًا، ولو كان محجورًا يصح في حقه، حتى صحت الكفالة بهذا الدين ووجب على الكفيل في الحال، وإن كان وجوبه على العبد محجورًا مؤجلًا إلى وقت العتق وكانت ذمته مملوكة للمولى لَما صح إقراره، وكذا لو اشترى المولى شيئًا بثمن يجب على ذمة عبده لا يصح كما لو شرط على ذمة أجنبي، ولو كانت ذمته مملوكة للمولى لصح كما أوجب الثمن على نفسه.
(وإذا صار أهلًا للحاجة) أي وإذا صار العبد أهلًا لحاجة إثبات الدين في ذمته بسبب أنه محتاج إلى تنفيذ عباراته في معاملاته فيقع في شغل ذمته بالدين ضرورة، وهو لما ذكرنا أن مَنْ يعامله لو علم أن الدين لا يجب في ذمة العبد لاحترز من معاملته ولخلا صحة عبارته في بياعاته وأشريته عن الفائدة، ولما حصل مقصود المولى من الإذن في التجارة، ولَّما كان أهلًا لشغل ذمته بالدين لهذه الحاجة كان أيضًا أهلًا لقضاء هذه الحاجة وهي قضاء الدين
(5/2254)

ليحصل به تفريغ ذمته من الدين.
(وأدنى طرقه اليد) أي وأدنى طرق قضاء الدين، وإنما قال: وأدنى طرق قضاء الدين اليد؛ لأن أعلى الطرق فيه إجتماع ملك اليد مع ملك الرقبة، فكان ملك اليد المجردة أدنى الطرق لا محالة وهو الحكم الأصلى أي ملك اليد هو الحكم الأصلي؛ لأن ما هو المقصود يحصل بملك اليد وهو التصرف لقضاء حاجته. لما أن ملك الرقبة وإن كان ثابتًا ربما لا يمكنه التصرف في ملكه لعجزه إما لبُعده أو لمعنى آخر، ولما تمكن من التصرف باليد بدون ملك الرقبة كان اليد الأصلية.
أو نقول: إن تصرف اليد يجري مجرى الأصل، وملك الرقبة يجري مجرى الوسيلة، بدليل أن من كان له ملك الرقبة كان ذلك مجوّزًا لتصرف اليد ولا ينعكس أينما كان ملك اليد لا يلزم منه ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر.
وأما إذا كان في شيء ملك الرقبة فيلزم منه ملك اليد وهو الأصل إلا بعارض؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجز بخلاف ما إذا لم يُسلَّم المشتري ثمن ما إشتراه ليس له التصرف فيما إشتراه بيده بدون غذن البائع؛ لأن تأخير الثمن منه وذلك عارض، ولَما كان كذلك كان ملك الرقبة وسيلة إلى ملك اليد، والوسائل غير المقصودة كالوضوء للصلاة، فكان ملك اليد هو الحكم الأصليَّ من هذا الوجه.
(5/2255)

(لأن الملك) أي ملك الرقبة (ضربُ قدرة شُرع للضرورة) وهي قطع طمع الطامعين ليكون المخصوص بالحكم هو الذي أُختُصَّ بالسبب حتى لا يؤدي إلى التقاتل والتفاني، ولما حصل جواز التصرف بدون ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر والوكيل كان ملك الرقبة لضرورة قطع طمع الأغيار، فكان ملك الرقبة أمرًا ضروريًا لا أمرًا أصليًا؛ إذ الأمر الأصلي هو المكنة من الصرف إلى قضاء حاجته وهي باليد.
(وكذلك ملك اليد بنفسه غيرُ مال) إنما ذكر ليكون جوابًا لإشكال يرد على ما تقدم من قوله: وهذا الرق مبطِل لمالكية المال لقيام المملوكية مالًا بأن يقال بين كون العبد مالكًا للمال من حيث التصرف باليد وبين كونه مملوكًا في نفسه تناف فكما لا يثبت له ملك رقبة المال لذلك التنافي على ما تقدم وجب ألا يثبت له ملك اليد أيضًا، بل أولى لما ذكرت هو أن ملك اليد هو الأصل.
فأجاب عنه بهذا وقال: إن ملك اليد ليس بمال، والتنافي إنما يكون في حق العبد بأن كان مالكًا لرقبة المال لأنه مملوك رقبة، وقد ذكرنا أن الرق لا ينافي مالكية غير المال من النكاح والدم والحياة، وكذلك ملك اليد فإنه ليس
(5/2256)

بمال فيملكه، ثم استدل على أن ملك اليد ليس بمال بالمسألة وهي قوله: (ألا ترى أن الحيوان يثبت دينًا في الذمة في الكتابة) فوجه الإستدلال أن الحيوان لا يثبت دينًا في الذمة بدلًا عما هو مال أو له حكم المال كما في البيع والإجارة، ويثبت دينًا في الذمة بدلًا عما هو ليس بمال كالمهر والخلع.
والمعنى فيها أن مبنى المبادلات المالية على المضايقة فيبقى في الحيوان الدين جهة الجهالة وإن بُلغ في وصفه فيُضايَقُ فيها بخلاف الواجب بمقابلة ما ليس بمال فإن مبناه على المساهلة فكان ما يبقى من الجهالة في الحيوان الدين محتملًا لتساهل في أمره، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان ملك اليد الثابتُ للمكاتب مالًا لَما صح الحيوان دينًا في ذمة المكاتب بمقابلة ملك اليد الثابت له، وحيث صح ثبوته في الذمة. عُلم ان ملك اليد ليس بمال وإذا لم يكن ملك اليد مالًا يملكه العبد لِما بينا أن العبد يملك ما هو ليس بمال كالنكاح والطلاق كالحر.
فعلم بهذا أن ما يتصرف فيه العبد المأذون من التجارات كان هو له بطريق الأصالة، والولى يخلُفه فيما هو من الزوائد.
(في حكم العقد الذي هو محكم) أراد بالمحكم الأصالة، يعني ان ملك اليد هو الأصل وشُرع ملك الرقبة للضرورة فكان ملك اليد من حكم العقد أصلًا والعبد أولى له والمولى يخلُف العبدفي ثبوت ملك الرقبة له.
وتحقيقه أن للعقد حكمين: ملك اليد وهو الأصل، وملك الرقبة وهو من
(5/2257)

الزوائد فيخلُف المولى في حق الحكم الذي هو من الزوائد.
(ولذلك جعلنا العبد في حكم الملك) أي ولأجل أن العبد أهل لتصرف المال والمولى يخلُفه في ملك الرقبة جعلنا العبد كالوكيل، فإن من وكّل آخر بشراء شيء فاشتراه الوكيل يثبت الملك للموكل ابتداء، وبه قال أبو طاهر الدباس-رحمه الله-وهو اختيار الإمام المحقق شمس الدين السرخسي-رحمه الله- وهو الأصح، فإن القول ما قالت حذام، ولهذا لو كان المشتري منكوحةَ الوكيل أو قريبته لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه. كذا في وكالة "التتمّة".
(5/2258)

(وفي حكم بقاء الإذن كالوكيل في مسائل مرض المولى وعامة مسائل المأذون) وفي هذا اللفظ إشارة إلى أنه في أكثر المسائل كالوكيل وفي بعضها ليس هو كالوكيل.
أما المسائل التي هو فيها كالوكيل فهي: أنه إذا أذِن المولى لعبده في التجارة وهو صحيح ثم مرض ثم باع العبد شيئًا مما في يده أو غشترى وحابى فيه بغبن فاحش أو يسير ثم مات المولى ولا مال له غير العبد وما في يده، فجميع ما فعَل العبد من ذلك بما يتغابن الناس فيه أو ما لا يتغابن الناس فيه فهو جائز في قول أبي حنيفة-رحمه الله- من ثلث مال المولى؛ لأن العبد بإنفكاك الحجر عنه بالإذن صار مالكًا للمحاباة مطلقًا في قول أبي حنيفة-رحمه الله-حتى لو باشره في صحة المولى كان ذلك صحيحًا منه والمولى حين إستدام الإذن بعد مرضه جُعل تصرف العبد بإذنه كتصرفه بنفسه ولو باع المولى بنفسه وحابى يُعتبر ذلك من ثلث ماله المحاباةُ اليسيرة.
والفاحشة في ذلك سواء فكذلك إذا باشره العبد، وفي قول أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله-محاباته بما يتغابن فيه الناس كذلك.
فأما محاباته بما يتغابن الناس فيه فباطل وإن كان يخرج من ثلث مال المولى؛ لأن العبد عندهما لا يملك هذه المحاباةَ بالإذن له في التجارة. كذا في "المبسوط"فكان في هذا كالوكيل غيرَ مسألة ما إذا اشترى وحابى على ما
(5/2259)

نبين.
وكذلك إذا أخرج المولى المأذون من ملكه ليس للعبد أن يقبض شيئًا مما كان على غريمه وقت الإذن ولا يكون خصيمًا فيه؛ لأن منافعه صارت للمشتري وإن قبض لم يبرأ الغريم بقبضه لأنه خرج من أن يكون خصمًا فيه فكان قبضه كقبض أجنبي آخر فصار في هذا المعنى كالوكيل بعد العزل.
وكذلك إذا أذِن الرجل لعبده في التجارة ثم جُنّ المولى فإذا كان جنونه مطبقًا دائمًا فهو حجر على العبد؛ لأن المولى صار موليًا عليه في التصرف وانقطع رأيه فكان حجرًا عليه كما في الوكيل.
وكذلك إذا ارتد المولى وقتل فيه أو لحق بدار الحرب هو صار محجورًا كما في الوكيل. وأما المسائل التي ليس فيها كالوكيل فهي. ان العبد المأذون إذا باع متاعًا من رجل بألف درهم وتقابضا ثم حجر عليه المولى فوجد المشتري بالمتاع عيبًا فالخصم فيه العبد؛ لأن ملك المولى في منافعه باق بعد الحجر، وقد لزمه العهدة بمباشرة سببه بإذن المولى.
وكذلك إذا كان للعبد المأذون دين من ثمن بيع أو إجارة أو قرض أو
(5/2260)

استهلاك ثم حجر عليه مولاه فالخصم فيه العبد؛ لأنه باشر سبب إلزام العهدة في حال انفكاك الحجر وتأثير الحجر عليه بعد ذلك في منع لزوم العهدة إياه بمباشرة السبب ابتداء لا في إسقاط ما كان لزمه. وهذا أيضًا في "المبسوط"، وليس للوكيل بالبيع ولاية قبض الثمن بعد العزل. كذا في "التتمة".
ومن المسائل التي ليس العبد المأذون فيها كالوكيل مسألة شراء العبد المأذون شيئًا بغبن فاحش، فإن تصرف العبد المأذون بما لا يتغابن الناس فيه جائز في قول أبي حنيفة- رحمه الله بيعًا كان أو شراء، سواء كان دين أو لم يكن.
فإن أبا حنيفة- رضي الله عنه- فرق في تصرف الوكيل بين البيع والشراء في الغبن الفاحش، حيث جوز بيعه بالغبن الفاحش دون شرائه وفي تصرف المأذون سوى بينهما فقال: لأن الوكيل يرجع على الآمر بما يلحقه من العهدة فكان الوكيل بالشراء متهمًا في أنه كان اشتراه لنفسه، فلما ظهر له الغبن أراد أن يلزمه الآمر وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه يتصرف لنفسه ولا يرجع بما يلحقه من العهدة على أحد فكان البيع والشراء في حقه سواء. كذا في "المبسوط".
(5/2261)

(والرق لا يؤثر في عصمة الدم) يعني لا يؤثر الرق في حفظ دم العبد من حيث الإعدام أو النقصان، فلذلك يثتص الحر بقتل العبد فكان العبد في استحقاق عصمة الدم كالحر من كل وجه؛ (لأن العصمة) إنما تكون (بالإيمان ودار الإيمان والعبد فيه مثل الحر) إلا أن العصمة الحاصلة بالإيمان عصمة مؤثمة، والعصمة الحاصلة بالدار عصمة مقومة، ويظهر الفرق بين العصمتين فيمن أسلم في دار الحرب فقتله مسلم عمدًا أو خطأ وله ورثة مسلمون الموثمة، وعدم القصاص والدية لانعدام العصمة المقومة.
وأما إذا قتله في دار الأسلام ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية والكفارة لوجود العصمتين. وإنما يؤثر في قيمته، أي وإنما يؤثر الرق في حق بدل دم العبد. يعني إذا قتل العبد خطأ وقيمته مثلل دية الحر أو أكثر. قلنا: إنه ينقص عن قيمته عشرة دراهم عن دية الحر بأثر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- على ما ذكرنا.
(ولذلك قتل الحر بالعبد قصاصًا) أي ولأجل أن الرق لا يؤثر في
(5/2262)

عصمة الدم قلنا: إن الحر يقتل إذا كان هو قتل العبد عمدًا قصاصًا
(وأوجب الرق نقصًا في الجهاد) حتى لو كان للمولى أن يمنع عبده عن الجهاد ولا يعطى له السهم الكامل، ولكن يرضخ له إذا قاتل، لما أن العبد تبع للحر فلا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق، ولأن لمولاه أن يمنعه فلا يستح مثل ما يستحقه المستبد في الجهاد، ولا فرق بين المأذون والمحجور لأن ملك اليد الذي للمأذون غير مؤثر في استحقاق السهم.
ألا ترى أن ملك اليد للمكاتب أقوى من المأذون ومع ذلك لا يعطى له السهم الكامل بل يرضخ له لبقاء الرق فيه وتوهم عجزه فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال، فكذلك في الماذون يتوهم منع المولى إياه عن الجهاد فلا يكمل سهمه لذلك.
(وانقطعت الولايات كلها) أي الولايات المتعدية (ولذلك بطل أمانه
(5/2263)

عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-) أي أمان العبد المحجور عن القتال.
وأما أمان العبد المأذون له في القتال فيصح بالاتفاق، لأن أمان العبد مطلقًا يصح عند محمد- رحمه الله- سواء كان محجورًا أو مأذونًا وعندهما يصح إذا كان مأذونًا، وهذا الذي ذكره في الكتاب قول الطحاوى.
وأما الكرخي فقد ذكر قول أبي يوسف مع محمد- رحمهم الله- (لأنه ينصرف على الناس ابتداء) وإنما قال: "ابتداء" احترازًا عن حكم فيه مشقة يثبت في حقه ثم يتعدى منه إلى غيره، مثل شهادته بهلال رمضان، وروايته الأخبار، وإنما قلنا ذلك لأن العبد المحجور بالأمان يلزم على الناس الامتناع من الاسترقاق والاغتنام من غير أن يلزم عليه الامتناع من ذلك أولًا، لأنه لا حق له في الجهاد ولا في مال أهل الحرب ولا في أنفسهم، لنه لما كان محجورًا عن القتال لم يملك أنفسهم بالقتل حتى يلزم عليه الامتناع عن
(5/2264)

قتلهم واسترقاقهم بسبب أمانة ثم يتعدى منه إلى غيره.
وليس كذلك، بل لو قلنا بصحة أمانة يلزم على الناس الامتناع عن اغتنامهم ابتداء، وليس للعبد المحجور ذلك بخلاف العبد المأذون في القتال، فإن صحة أمانة إنما نشأت من قتل السراية لا من قبل الولاية، لأنه لما كان مأذونًا في القتال وقاتل يرضخ له، فعند الأمان يبطل حقه أولًا من الذي آمنة في حق الرضخ ثم يسري منه إلى غيره، فكان هو مثل شهادته بهلال رمضان فيجب عليه الصوم أولًا ثم يتعدى منه إلى غيره فلم يكن هو من باب الولاية.
وقال في "المبسوط": فإن كان العبد المحجور عليه لا يملك القتال لا يعرف الخيرية في الأمان فلا يكون أمانة جهادًا بالقول، بخلاف المأذون له في القتال، فإنه لا تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرية في الأمان فلا يكون أمانة جهادًا ب القول، بخلاف المأذون له في القتال فإنه لا تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرية في الأمان فحكمنا بصحة أمانه.
(5/2265)

وفي قوله: (من قبل أنه صار شريكًا في الغنيمة) أي في أن العبد المأذون له في الجهاد صار شريكًا ل لغزاة في حق الرضخ، إشارة إلى أن العبد المحجور لا يرضخ له وإن قاتل، وكذلك في لفظ "المبسوط" إشارة أيضًا إليه حيث قال في باب معاملة الجيش مع الكفار: وإذا كان العبد مع مولاه يقاتل بإذنه يرضخ له، ففي ترتيب حكم الرضخ على العبد المقاتل بالإذن دليل على أن ال عبد المقاتل بغير الإذن لا يستحق الرضخ لما أن مقاتلته حينئذ كانت معصية منه لا طاعة وجهادًا، لأن لمولاه المنع عن الجهاد فلا يستحق الرضخ بالمعصية.
(وعلى هذا الأصل) وهذا يحتمل وجوهًا من الإشارة والأولى أن تكون إشارة إلى ما يقرب منه وهو قوله: "فيلزمه ثم يتعدى" يعني أن صحة الإقرار بالحدود والقصاص مبنية على أن لزوم الضرر يثبت على نفس العبد أولًا بالنقصان في الحدود وبالهلاك في القصاص، ثم يتعدى منه إلى مال المولي ومثله غير ممنوع عن العبد بأن ثبت المشقة بخبره على نفسه أولًا: ثم يتعدى منه إلى غيره كما في شهادته بهلال رمضان ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله: "والرق لا يؤثر في عصمة الدم" ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله:
(5/2266)

"والرق لا ينافي مالكية غير المال".
(وصح بالسرقة المستهلكة) أي وضح إقرار العبد سواء كان العبد مأذونًا أو محجورًا بالسرقة المستهلكة، وهذا عندنا خلافًا لزفر، فإن إقرار العبد لا يصح عنده بالسرقة المستهلكة في القطع سواء كان العبد مأذونًا أو محجورًا، غير أنه إذا كان مأذونًا يضمن المال.
(وبالقائمة صح من المأذون) أي يصح إقرار العبد المأذون بالسرقة القائمة عندنا حتى يؤخذ ب موجب إقراره، حيث لو قطع تقطع يده ويرد المال على المسروق منه.
وجه قولنا: أن وجوب الحد باعتبار أنه آدمي مخاطب لا باعتبار أنه مال مملوك والعبد في هذا كالحر، لنه لا تهمة في إقراره، لأن ما يلحقه من الضرر باستيفاء العقوبة منه فوق ما يلحق المولى والإقرار حجة عند انتفاء التهمة.
(وفي المحجور اختلاف معروف) أي وفي إقرار المحجور بالسرقة القائمة اختلاف معروف، وذلك الاختلاف مشتمل للأقسام الأربعة العقلية غير صورة صحة إقراره بالمال دون الحد. (عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- يصح بهما) أي بالحد والمال حيث تقطع يده ويرد المال إلى المسروق منه، لنه لابد من قبول إقراره في حق القطع لما بينا أنه في ذلك مبقي على اصل الحرية، ولأن القطع هو الأصل.
(5/2267)

ألا ترى أن القاضي يقضي بالقطع إذا ثبتت السرقة عنده بالبينة، ثم من ضرورة وجوب القطع عليه كون المال مملوكًا لغير مولاه لاستحالة أن يقطع العبد في مال هو مملك لمولاه، وبثبوت الشيء يثبت ما كان من ضرورته، كما لو باع أحد التوأمين فأعتقه المشتري ثم أدعي البائع نسب الذي عنده يثبت نسب الآخر منه ويبطل عتق المشتري فيه للضرورة (وعند محمد- رحمه الله- لا يصح بهما) وهو قول زفر حتى لا يقطع يده والمال للمولى، لأن إقرار المحجور عليه بالمال باطل، لأن كسبه ملك مولاه وما في يده كأنه في يد المولى.
ألا ترى أنه لو أقر فيه بالغصب لا يصح فكذلك بالسرقة، وإذا لم يصح إقراره في حق المال بقي المال على ملك مولاه ولا يمكن أن يقطع في هذا المال، لأنه ملك لمولاه ولا في مال آخر، لأنه لم يقر بالسرقة فيه والمال اصل، فإذا لم يثبت في حق الأصل لم يثبت في حق التبع.
(وعند أبي يوسف- رحمه الله- يصح بالحد دون المال)، لأنه أقر بشيئين: بالقطع والمال الذي هو للمسروق منه، وإقراره حجة ف ي حق القطع دون المال فيثبت ما كان إقراره فيه حجة، لأن أحد الحكمين ينفصل عن الآخر.
(5/2268)

ألا ترى أنه قد يثبت المال دون القطع وهو فيما إذا شهد به ر جل وامرأتان، فكذلك يجوز أن يثبت القطع دون المال، كما إذا أقر بسرقة مستهلكة، وكالحر إذا قال الثوب الذي ف ي يد زيد أنا سرقته من عمرو، فقال زيد: بل هو ثوبي فإنه يقطع يد المقر وإن لم يقبل إقراره في ملك تلك العين للمسروق منه. كذا في "المبسوط".
(وذلك إذا كذبه المولى) وقال: المال مالي وهو لم يسرقه، فأما إذا صدقه فإنه يقطع ويرد المال إلى المقر له بالإجماع.
(وعلى هذا الأصل قلنا في جنايات العبد خطأ) إلى آخره. أي على ما ذكرنا من الأصل وهو أن الرق ينافي مالكية المال لقيام المملوكية مالًا، فوجه البناء هو أن موجب القتل الخطأ المال لقوله تعالى: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ)، ولا يمكن إيجاب ذلك على العبد، لأنه صلة، فإن معنى الصلة هو وجوب المال بمقابلة ما ليس بما كنفقة المحارم وهو بهذه الصفة والعبد ليس من أهل أن يجب عليه الصلة، لأنه لا يملك المال، ولهذا لا يجب عليه نفقة المحارم، وإذا لم يكن هاهنا إيجاب المال على الجاني الذي هو عبد، والحال أن لجاني هو المال تعين هو للجزاء والأصل أن يتعين الجاني لجزاء الجناية خصوصًا إذا كان الجاني مالًا كان
(5/2269)

نفسه جزاء لذلك.
وذكر في باب جناية العبد من ديات "المبسوط"، وإذا جنى العبد جناية خطأ فمولاه بالخيار عن شاء دفعه بها وإن شاء فداه بالأرض وأمسك عبده عندنا.
وقال الشافعي جنايته يكون دينا في رقبته يباع فيه إلا أن يقضي المولى دينه، وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن.
ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصًا حرًا كان أو عبدًا فكذلك في الخطأ إلا أن استحقاق النفس نوعان: أحدهما- بطريق الإتلاف عقوبة، والآخر- بطريق التملك على وجه الجبران، والحر من أهل أن يستحق نفسه بطريقة العقوبة لا بطريق التملك، والعبد أهل من أن يستحق نفسه بالطريقين جميعًا ف يكون العبد مساويًا للحر في حالة العمد ومفارقًا له في حالة الخطأ، لن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكًا والسبب يوجب الحكم في محله، وفي حق الحر لم يصادف محله، وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدًا حكمه وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكًا ليتحقق معنى الصيانة عن الهدر، إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك، لأن مقصود المجني عليه يحصل به وبدل المتلف عليه يصل إلى بكماله بخلاف إتلاف لمال ف المستحق به بدل المتلف دينًا في ذمة المتلف ولا يستحق به
(5/2270)

نفس المتلف بالحال.
(إن رقبته يصير جزاء) حتى لو مات العبد الجاني لا يجب على المولى شيء؛ لأن الأصل أن يكون موجب الجناية في ذات الجبمالاني، وامتنع الدية هاهنا؛ لأن العبد ليس من أهلها فجعلت رقبته جزاء كما يقتضيه الأصل؛ (لأن العبد ليس من أهل ضمان ما ليس بمال، ولكنه صلة) معناه أن ضمان ما ليس بمال صلة والعبد ليس بأهل للصلة فلابد من تقدير محذوف قبل قوله: (لأن العبد ليس من أهل ضمان ما ليس بمال) حتى يصح الاستدراك منه، فكان تقديره: أن رقبته تصير جززاء لجنايته؛ لأن بدل الدم ليس بضمان مال فلا يجب هو على العبد؛ لأن العبد ليس من أ÷ل ضمان ما ليس بمال ولكنه صلة، فكان قوله: (ولكنه صلة) استداركًا عن قوله: (لأن بل الدم ليس بضمان مال).
(وقوله: إلا أن يشاء المولى الفداء) استثناء عن قوله: إن رقبته تصير جزاء (فيصير عائدًا إلى الأصل) يعني إلا أن يشاء المولى الفداء فحينئذ يلزمه أرش الجناية وهو الأصل في موجب جناية الخطأ، قال الله تعالى: (ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ) [النساء:92]، والمصير إلى الرقبة كان للضرورة فإذا ارتفعت الضرورة باختيار المولى الفداء لا يعود إلى إيجاب الرقبة ثانيًا بعارض
(5/2271)

يعترض المولى، وعندهما وجوب الأرش على المولى بطريق الحوالة، كأن العبد أحال الأرش على المولى فعند التوى يعود إلى الرقبة بخلاف ما هو مال.
ألا ترى أن ضمان ما هو مال يملك قبل القبض وتصح الكفالة به وتجب الزكاة بحولان الحول قبل القبض، وضمان ما ليس بمال كالدية وغيرها لا يملك قبل القبض ولا تصح الكفالة به ولا تجب الزكاة بحولان الحول لكونها صلة، والعبد ليس بأهل للصلات فيصير عائدًا إلى الأصل.
(عند أبي حنيفة رضي الله عنه) وهو وجوب الفداء على ذمة المولى.
(حتى لا يبطل بالإفلاس) يعني لو أفلس المولى ولم يتمكن من أداء الفداء لا يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد. (وعندههما يصير بمعنى الحوالة) يعني يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد فصار كأن العبد أحال على المولى وإذا توى مال الحوالة على المحتال عليه بإفلاسه يعود الدين إلى المحيل وهو العبد هاهنا.
وشرح هذا ما ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله في باب جناية العبد من ديات «المبسوط» وقال:
إذا جنى العبد جناية فاختار المولى إمساك عبده وليس عنده ما يؤدي وكان ذلك عند قاض أو عند غير قاض فالعبد عبده والأرش دين عليه في قول أبي حنيفة -رحمه الله-.
(5/2272)

وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: إن أدى الدية مكانه كان العبد له وإلا دفع العبد إلا أن يرضى الأولياء أن يبيعوه بالدية، فبعد ذلك لم يكن لهم أن يرجعوا إلى العبد.
فوجه قولهما أن نفس العبد صار مستحقًا لولي الجناية إلا أن المولى يتمكن من تحويل حقهم من محل إلى محل فيه وفاء بحقهم فيكون صحيحًا منه، وإذا كان مفلسًا كان هذا منه إبطالًا لحقهم لا تحويلًا من محل إلى محل يعدله فيكون ذلك باطلًا من المولى.
وهذا لأن ثبوت الخيا للمولى كان على وجه النظر من الشرع وإنما يثبت ذلك النظر على وجه لا يتضرر به صاحب الحق فإذا آل الأمر إلى الضرر كان باطلًا بمنزلة المحتال عليه إذا مات مفلسًا فإن الدين يعود إلى ذممة المحيل؛ لأنه حول حقه من ذمته إلى ذمة المحتال عليه بشرط أن يسلم له، فإذا لم يسلم عاد كما كان.
وكذلك في بيع المقايضة إذا هلك أحد العوضين قبل القبض بطل العقد في الآخر؛ لأن صاحبه حول حقه إلى العرض الآخر بشرط أن يسلم له فإذا لم يسلم له عاد كما كان، وكذلك في البيع والأخذ بالشفعة إن سلم الثمن كان له أن يأخذ الدار، وإن عجز عن ذلك لم يكن له أن يأخذها -فهاهنا أيضًا إن رضي المولى الفداء كان مسقطًا حق المولى في العبد- وإن أبي أن يرضى كان له أن يأخذ العبد، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقنول بجناية العبد يخير المولى بين
(5/2273)

الدفع والفداء، والمخير بين شيئين إذا اختار أحدههما تعين ذلك وجبًا من الأصل، كالمكفر إذا اختار أحد الأنواع الثلاثة، فهنا باختياره تبين أن الواجب هو الدية في ذمة المولى من الأصل، وأن العبد فارغ من الجناية فلا يكون لأولياء الجناية عليه سبيل، يوضحه أن من ثبت له الخيار شرعًا يستبد بالخيار من غير أن يحتاج إلى رضا صاحبه، ولو رضي الأولياء أن يتبعوه بالدية لم يبق لهم حق في العبد، فكذلك إذا اختار المولى ذلك في حال ما ثبت له الخيار شرعًا.
وقيل: إن هذه المسألة في الحقيقة تبنى على اختلافهم في التفليس فعند أبي حنيفة رضي الله عنه التفليس ليس بشيء والمال غاد ورايح وهذا التصرف من المولى يكون تحويلصا لحق الأولياء إلى ذمته لا إبطالًا، وعندهما التفليس معتبر والمال في ذمة المفلس يكون، فكان هذا الاختيار من المولى إبطالًا لحق الولي.
(وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل الرق أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك الفروع التي تناسب لما ذكر هنا أن العبد المأذون إذا جنى
(5/2274)

على حر أو عبد جناية خطأ وعليه دين قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده؛ لأنه على ملك مولاه بعد ما لحقه الدين، وفي البداية بالدفع بالجناية مراعاة الحقين، فإن اختار الفداء فقد ظهر العبد من الجناية فيبقى حق الغرماء فيه فيباع في دينهم، وإن دفعه بالجناية اتبعه الغرماء في أيدي أصحاب الجناية فباعوه في دينهم إلا أن يفديه أولياء الجناية؛ لأن أولياء الجناية إنما يستحقون ملك المولى فيه بطريق الجزاء لا أن يثبت لهم فيه سبب متجدد، فهم بمنزلة الورثة يخلفون مورثهم في ملكه، والعبد المديون إذا مات مولاه اتبعه الغرماء في ملك الوارث فباعوه في دينهم إلا أن يقضى الوارث دينهم، فكذلك يتبعونه في يد صاحب الجناية فيبيعونه في دينهم إلاأن يقضي صاحب الجناية ديونهم.
ومنها أنه إذا كان للمأذون جارية من تجارته فقتلت قتيلًا خطأ فإن شاء المأذون دفعها وإن شاء فداها إن كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن التدبير في كسبه إليه وهو في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فيخاطب بالدفع أو بالفداء بخلاف جنايته بنفسه، فإن التدبير في رقبته ليس إليه.
ألا ترى أنه لا يملك بيع رقبته ويملك بيع كسبه.
ومنها أنه لو كان على المأذون دين فجنى جناية فباعه المولى من أصحاب الدين بدينهم وهو لا يعلم بالجناية فعليه قيمته لأصحاب الجناية؛ لأن حق أولياء الجناية لا يمنع المولى من بيع الجاني فإذا نفذ بيعه كان مفوتًا على أولياء
(5/2275)

الجناية محل حقهم، فإن كان عالمًا بالجناية فعليه الأرش، وإن لم يكن عالمًا بها فعليه قيمته، كما لو أعتقه ولو لم يبعه من الغرماء ولم يحضروا ولكن حضر أصحاب الجناية فدفعه إليهم بغير قضاء قاض فالقياس فيه أن يضمن قيمته للغرماء؛ لأنه صار متلفًا على الغرماء محل حقهم بإخراجه عن ملكه باختياهر، فيكون بمنزلة ما لو أعتقه، وفي الاستحسان لا ضمان عليه، لأن حق أولياء الجناية ثابت في عينه، والمولى فعل بدونن أمر القاضي عين ما يأمر به القاضي أن لو رفع الأمر إليه، فيستوى فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الرجوع في الهبة، ثم هو ما فوت على الغرماء محل حقهم فإن العبد محل للبيع في الدين في ملك أولياء الجناية، كما لو كان الدفع إليهم بقضاء قاض، وإنما يضمن القيمة باعتبار تفويت محل حقهم، فإن جعلنا هذا تسليمًا لما هو المستحق بالجناية لا يفوت به محل حقهم، وإن جعلناه تمليكًا مبتدأ لا يفوت به محل حقهم أيضًا؛ لأنهم يتمكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض يتممكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض دفعه واجب إليهم بالجناية ثم بيعه في الدين، فلذلك لا يضمن المولى شيئًا بخلاف ما سبق من بيعه إياه في الدين ففيه تفويت محل حق أولياء الجناية على معنى أن البيع تمليك مبدأ ولا سبيل لأولياء الجناية على نقض ذلك.
هذا كله من باب جناية المأذون من كتاب المأذون من «المبسوط».
(5/2276)

[المرض]
(والموت عجز خالص) بخلاف الرق فإنه أيضًا عجز ولكن ليس بخالص.
(ولما كان الموت علة الخلاف كان المرض من أسباب تعلق حق الوارث والغريم بماله)؛ لأن الموت لما كان علة حقيقة لثبوت حق الغريم والوارث، والمرض سبب الموت كان المرض سبب علة ثبوت التعلق للغريم والوارث به، وبالسبب يثبت نوع الحكم قبل العلة. ألا ترى أن الجارح خطأ لو كفر قبل موت المجروح يجوز.
(ولما كان عجزًا) أي سبب العجز (شرعت العبادات عليه بقدر المكنة) أي قائمًا وقاعدًا ومستلقيًا
(5/2277)

(بقدر ما يقع به صيانة الحق)، ففي حلق الورثة في الثلثين وفي حق الغرماء في الكل، (حتى لا يؤثر المرض فيما لا يتعلق به حق غريم) مثل النكاح بمهر المثل والاستيلاء والنفقة على نفسه وعلى من تجب نفقته عليه.
(ولا وارث) مثل تصرف المريض في ثلث تركته وفي هذه الأشياء التي ذكرنا.
(مستندًا إلى أوله) ذكر لفظ الاستناد للفرق بينه وبين التبين، فالتبين هو ما يمكن الاطلاع عليه للعباد، والاستناد ما لا يمكن الاطلاع عليه لهم قبل ثبوته.
(وكل تصرف لا يحتمل النقض جعل كالمتعلق بالموت كالإعتاق) هذا التشبيه في حق السعاية.
أما في حق نفوذ العتق في الحال فليس كالمتعلق فإن المتعلق بالشيء لا يثبت قبل وجود ذلك الشيء، وهاهنا العتق ثابت في الحال، وقال في
(5/2278)

«المبسوط» في كتاب العتق في المرض عن إبراهيم -رحمه الله- في الرجل يعتق عبده عند الموت وعليه دين قال: يستسعى في قيمته، وبه نأخذ؛ لأن العتق في مرض الموت وصية والدين مقدم على الوصية، فإذا كان الدين مثل قيمته أو أكثر ولا مال له سواه فقد بطلت الوصية ووجبت على العبد رد رقبته، ولكن العتق بعد نفوذه لا يحتمل النقض والرد فيكون رده بإيجاب السعاية عليه، ولا تلزمه السعاية في أكثر من قيمته؛ لأنه لا يسلم له أكثر من مالية رقبته.
وإن كان الدين على المولى أقل من قيمته سعى في مقدار قيمته للغرماء وفي ثلثي ما بقى للورثة؛ لأن مال الميت ما بقي بعد قضاء الدين قائمًا يسلم له بالوصيية ثلث ما بقي وعليه السعاية في ثلثي قيمته للورثة، وإذا أعتق الرجل في مرضه عبدًا قيمته ثلاثمائة ولا مال للمولى سواه ولا دين عليه فعلى العبد السعاية في مائتي درهم للورثة؛ لأن يسلم له الثلث بطريقة الوصية.
(وكان القياس أن لا يملك المريض الإيصاء لما قلنا) أي من أن المرض من أسباب الحجر، (لكن الشرع جوز ذلك نظرًا له) فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله ومحتاج إلى تدارك ما فرط منه من التقصير لما أن الرجوع
(5/2279)

إلى جزاء الله تعالى والمصير إليه، وفي الوصية أيضًا إيصال المنافع للإخوان واستذكار بخير بعد حينه من الخلان على وجه فيه طلب رضى الرحمن إذ بها يقوةى رجاؤه من الله تعالى ثواب رفده عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده.
(الاستخلاص): جيزي را براي خود خاص كردن، والإخلاص: جيزي رابه هر كسي خاص كردن، والإخلاص مع الاستخلاص كالإيثار مع الاستيثار، أي الموصي بوصيته يستأثر ثواب الله تعالى لنفسه على الورثة بالقيل وهو الثلث.
(ليعلم) وهو متعلق بقوله: «بقدر الثلث» أي ليعلم (أن التهمة فيه أصل) وهي أن يتهم أنه إنما أوصى بالكثير لضغينة له بورثته، يعني فلذلك قدر الشارع جواز وصيته بالقليل وهو الثلث؛ لأنه لو أباح في الكل من غير تقدير بشيء لاحتمل أن يوصي بالكل فحينئذ صار متهمًا ببغض ورثته ووقع في قالة الناس بأنه كان يعادي ورثته والاحتراز عما يورث التهمة واجب.
(5/2280)

(التولي): بكار كسي قيام كردن وكار كسي رابخود كرفتن، أي إن الشرع أي الشارع وهو الله تعالى لما بين بنسه (الإيصار للورثة أبطل إيصاء الموصي لهم) يعني أن إيصاء الموصي للورثة كان مفوضًا إلى الموصي في ابتداء الإسلام بدليل قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:180] ثم تولى بيان ذلك بنفسه بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء:11] الآية، وانتسخت تلك الآية بهذه الآية، فإذا بطل إيصاء العباد للورثة بطل من كل وجه.
(فبطل صورة) بأن يبيع عينًا من ماله من بعض الورثة بمثل قيمته فإن ذلك لا يجوز؛ لأن فيه إيثار العين لبعض الورثة لا إيثار معناه، وبطل (معنى) أيضًا، وهو أن يقر لأحد الورثة بالمال؛ لأنه وصية معنى، وبطل (حقيقة) الوصية بأن أوصى لأحد أقاربه بشيء من ماله، وبطل أيضًا (شبهة) الوصية بأن باع جيدًا بردي من الأموال الربوية من أحد الورثة لما فيه من شبهة الوصية بسبب إيثار الجيد لبعض الورثة، وإن كانت الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها.
(5/2281)

فكان قوله: (حتى لا يصح منه البيع أصلًا عند أبي حنيفة رضي الله عنه)، بيانًا لتلك الصور على طريق اللف والنشر أي لا يصح بيع المريض بعض ماله من ورثته بمثل قيمته أو بأكثر من قيمته عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
وذكر في باب الصرف في المرض من صرف «المبسوط» مريض باع من ابنه دينارًال بألف درهم وتقابضًا، فذلك لا يجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن نفس البيع من وارثه وصية له عنده ولا وصية للوارث، وعندهما معنى الوصية في الحط لا في نفس البيع كما في حق الأجنبى، فإذا كان البيع بمثل القيمة أو أكثر فلا وصية فيه ولا تهمة.
(لأن شبهة الحرام حرام)؛ لأنه عليه السلام (نهى عن الرب والريبة).
(وإن لزمه في صحته) يعني أن ثبوت الدين نفي حال عدم التهمة له لا
(5/2282)

يصح، فكذا إذا ثبت في حال التهمة لتهمة العدول عن خلاف الجنس إلى الجنس، يعني يتهم بأنه إنما لم يبع منه شيئًال بخلاف الجنس لظهور قيمة الجودة على ذلك التقدير فباع بجنسه لئلا تظهر قيمة الجودة.
يعني يتهم المريض بأن من قصده أن يؤثر بعض الورثة على غيره بإيصال عين جيد إليه لينتفع هو به دون غيره فلا يملك هو ذلك القصد في غير الأموال الربوية؛ لأنه لا يملك إسقاط الجودة في غيرها لاعتبارها عرفًا وشرعًا، فعدل عنه وباع الجيد من الأموال الربوية بالردي من الواررث لينتفع ذلك الوارث بجودة ما باعه؛ لأن الجودة في الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها ساقطة فرد ذلك عليه للتهمة.
وفي قوله: (وتقومت الجودة في حقهم) إشارة إلى جواز بيع المريض من وارثه الأموال الربوية بجنسها من غير خلاف إذا تساوت في الجودة والرداءة، غير أن الجودة متقومة فيها؛ لأنه ذكر ذلك مطلقًا من غير خلاف أحد. إلى هذا أشار في «المبسوط»، والمعنى فيه أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود فلا يلزم فيه ما قلنا من إيثار العين لبعض الورثة؛ لأنه لما كان للوارث من ذلك الجنس بمثل عينه وصفته صار كأنه لم يبع منه شيئًا، فلذلك قيل معنى قوله: (كما تقومت في حق الصغار) أنه لو باع الولي مال الصبي
(5/2283)

من نفسه تقومت الجودة حتى لا يجوز إلا باعتبار القيمة.
(وحجر المريض عن الصلة) ولهذا لم تجب عليه نفقة المحارم ولا أدء الزكاة عليه (إلا من الثلث)، ومقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: «فكان من أسباب الحجر» أي فكان المرض.
(وكذلك إذا أوصى بذلك) أي بأداء حق الله تعالى، وقيد بقوله: عندنا؛ لأن أداء حق الله تعالى عند الشافعي يعتبر من جميع المال واعتبره بحقوق العباد.
(ولما تعلق حق الغرماء والورثة بالمال صورة ومعنى في حق أنفسهم ومعنى في حق غيرهم ...) إلى آخره، يعني أن حق الغرماء والورثة يتعلق بالمال في مرض الموت من حيث الصورة في حق أنفسهم حتى لا يجوز إيثار بعضهم بصورة المال كما لا يجوز الإيثار بالمعنى.
أما في حق الورثة فظاهر حتى لا يكون لأحدهم أن يأخذ التركة ويعطي قيمتها لبقية الورثة، وكذلك الغريم على هذا فإنه لو أدى المريض حق بعض الغرماء بمال عنده كان لبقية الغرماء أن يستردوه منه، وكذلك لو باغ المريض بعض ماله منهم بمثل القيمة كان لبقية الغرماء أن ينقضوا البيع.
(5/2284)

وأما في حق الورثة والغرماء من الأجانب فحقهم متعلق بمعنى المال وهو القيمة لا بصورة المال حتى يصح بيع المريض من الأجانب بمثل القيمة بخلاف بيعه من الورثة والغرماء. (صار إعتاقه) أي إعتاق المريض.
(نفذ هذا) أي إعتاق الراهن، (ولم ينفذ ذلك) أي إعتاق المريض أي من حيث المعنى حتى تجب عليه السعاية، وقد بينا أن إعتاق المريض عنده فيما إذا لم يكن له مال غيره هو نافذ من حيث الصورة لا من حيث المعنى حيث يعتق وتجب عليه السعاية.
(وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل المريض أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك الفروع التي تناسب هذا الموضع ما إذا أعتق المريض عبدًا في مرضه لا مال له غيره وقيمته ثلاثمائة ثم مات المولى ثم مات العبد وترك ثلاثمائة فمن ذلك مئتان لورثة المولى والباقي لورثة العبد؛ لأن ثلث رقبة العبد يسلم للعبد عند موت المولى بالوصية وتلزمه السعاية في ثلثي رقبتته، فلما مات عن ورثة أحرار إنما يبدأ بقضاء الدين من تركته وذلك مئتان والباقي لورثته.
ومنها أن المريض إذا أعتق أمته فولدت بعد العتق قبل أن يموت الرجل أو بعد ما مات لم يدخل ولدها في الوصية؛ لأنها ولدت وهي حرة، وهذا
(5/2285)

التعليل مستقيم على أصلهما؛ لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين والعتق في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات، وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله إن كانت تخرج من ثلثه.
وإن كان الثلث أقل من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث، ويكون بمنزلة المكاتب ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة، لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها وإنما يعتبر من بدل الكتابة، فلا يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث، فإن ماتت قبل أن تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما كان على أمه على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد؛ لأنه حر فلا تلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها.

(الحيض والنفاس)
(فإنهما لا يعدمان أهلية بوجه)؛ لأن الحيض مصحة للبدن بدليل أن انقطاعه في حينه داء ترد به الجارية، ومن البعيد أن يكون المصحح منافيًا
(5/2286)

للأهلية، وكذا النفاس فإنه درور ما كان مجتمعًا أوان الحبل، فإذا دروره كان مصحة غير أن كلًا منهما ربما يفضي إلى الحر لو قلنا بوجوب العبادات به وذلك في الصلاة دون الصوم؛ لأن الطهارة شرط أداء الصلاة فلا يتحقق أداؤها مع الحيض والنفاس فلا يمكن القول بوجوب الأداء.
وفي القضاء حرج بين فيسقط عنهما بصفة اليسر، والواجب بصفة اليسر إنما يبقى كما وجب ولو بقي في حق القضاء لا على الوصف الذي كان به وجوب الأداء كان حرجًا.
وقوله: (وقد شرعت) أي الصلاة، وتحرير الكلام هو أنا لو نظرنا إلى وجوب السبب وبقاء الأهلية للحائض والنفساء، كان ينبغي أن نقول بوجوب الصلاة والصوم على الحائض والنفساء غير أن وجب الصلاة ثابت بالقدرة الميسرة بالنظر إلى اشتراط الطهارة، فإن اشتراط الطهارة في وجوبها كاشتراط النماء في حق وجوب الزكاة، فكما لا تجب الزكاة هناك بدون النماء كذلك لا تجب الصلاة بدون الطهارة عن الحيض والنفاس، ولما لم تتحقق
(5/2287)

الطهارة للحائض والنفسا منهما لم يتحقق وجوب الصلاة عليهما فلا يجب قضاء الصلاة عليهما؛ إذ وجوب القضاء يتلو وجوب الأداء؛ لأن القضاء خلف الأدء، ولما لم يجب الأصل لم يجب الخلف عند فوت الأصل.
وقوله: (وفي وضع الحيض والنفاس) أي وفي إهدارهما وإبطالهما يعني وفي جعلهما كأن لم يكونا (ما يوجب) الحرج في القضاء؛ لأن الحيض مما يتكرر والنفاس مما يمتد (فلذلك وضع عنهما)، أي فلأجل إيجاب الحرج رفع وجوب أداء الصلاة عنهما، فلما لم يثبت وجوب أداء الصلاة عليهما وهو الًال لم يجب قضاؤها عليهما أيضًا وهو الخلف.
(وقد جعلت الطهارة عنهما شرطًا لصحة الصوم نصًا أيضًا) وهو قوله عليه السلام: «الحائض تدع الصوم ونالصلاة أيام أقرائها»، وحديث عائشة رضي الله عنها «كنا نترك الصلاة والصوم على عهد رسول الله عليه السلام في أيام الحيض»، والمعنى في الفرق بينهما أن ورود النص في اشتراط الطهارة للصلاة لما كان موافقًا للقياس أثر عدم الطهارة من الحيض والنفاس في أن لا يوجب القضاء أيضًا كما لا يوجب الأداء؛ لكون الحيض والنفاس بدون اختيار الحائض والنفساء.
(5/2288)

وفي الصوم لما لم تشترط الطهارة في أصله بدليل تحققه بالجنابة والحدث كان اشتراط الطهارة في الصوم عن الحيض والنفاس بخلاف القياس، فلذلك لم يؤثر في إسقاط القضاء وجعل كأن أصل وجوب الصوم أدرك الحائض والنفساء في وقته فوجب القضاء بناء على وجوب الأداء تقديرًا، ولأن الحرج في قضائه لم يلحقهما بخلاف قضاء الصلاة فإنه يلزم على الحائض خمسون صلاة في كل عشرة أيام من كل شهر ويلزمها قضاءة عشرة أيام في أحد عشر شهرًا.
(وأحكام الحيض والنفس كثيرة لا يحصى عددها) وقد ذكرناها في بأبي الحيض والنفاس من «النهاية».
[«الموت»]
(فإنه عجز كله) أي عجز خالص ليس فيه شائبة القدرة بوجه من الوجوه بخلاف الرق وغيره بدليل ما ذكر في «المختصر» بهذا اللفظ.
(5/2289)

(إن كان حقًا متعلقًا بالعين) كتعلق حق المودع بالوديعة وحق المعير بالعاررية (يبقى) بعد الموت (ببقاء العين لأن الفعل) في حقوق العباد (غير مقصود) وإنما المقصود هو وصول الحق إلى المستحق بأي وجه كان بخلاف حقوق الله تعالى، فإن الفعل هو المقصود هناك تحقيقًا للابتلاء لا المال كما في الزكاة، ألا ترى أن من له الدين إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه
(5/2290)

لحصول مقصوده به، والفققير إذا ظفر بمال الزكاة ليس له أن يأخذ لأن الحق لله تعالى فكان الفعل فيه هو المقصود للابتلاء.
(وهذا لا يرجى زواله غالبًا) أي زوال الموت عن الميت قيد بقوله: «غالبًا» لرن زوال الموت عن الميت في الدنيا كان موجودًا في الجملة، كما في حق عزير عليه السلام، وكما في حق المار على قرية على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) إلى قوله: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، وكما في حق الخارجين عن ديارهم حذر الموت، فمنه ما أخبر الله تعالى بقوله: إلى
(5/2291)

قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ) إلى قوله: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وكما كان يحيي الموتى بدعاء عيسى عليه السلام، ÷ولكن الغالب عدم زوال الموت كما هو سنة الله تعالى في عامة الموتى في الدنيا فلذلك قال: لا يرجى زواله غالبًا.
(لأن ثبوته بالمطالبة) أي ثبوت الدين؛ لأن الدين وصف شرعي يظهر أثره في المطالبة، والشيء إذا لم يستعقب أثرًا كان وجوده كعدمه، فلما سقطت المطالبة والذمة قد ضعفت لم يمكن القول بثبوت الدين في الذمة بخلاف الحي، فإن ذمته تحتمل الدين لقوتها فلما ضعفت الذمة بالموت لم يكن بد من انضمام المال إلى الذمة الضعيفة، وانضمام ذمة الكفيل إليها
(5/2292)

لتتقوى الذمة الضعيفة به لظهور أثر الدين، وهو المطالبة عند ذلك.
(فيكفل رجل عنه صح) حتى يؤخذ الكفيل به في الحال، وإن كان الأصل وهو العبد غير مطال به في الحال بل هو مؤخر عنه إلى أن يعتق؛ لأن ذمته قابلة للدين في الحال، غير أنه لا يطالب به في الحال لعسرته فكان الدين صحيحًا فصحت الكفالة به لذلك ويؤخذ به في الحال.
(لأن ذمته في حقه كاملة) لأنه حي عاقل بالغ مكلف، وقوله: (وإنما ضمت المالية إليها في حق المولى) جواب شبهة ترد على قوله: «لأن ذمته في حقه كاملة» بأن يقال: لو كانت ذمته كاملة في حقه لتحملت ذمته الدين بنفسها لكمالها كما في الحر، ولما ضمت مالية الرقبة إلى ذمته بأن لا يباع العبد المأذون بسبب دينه الذي لحقه بسبب التجارة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله فأجاب عنه بهذا وقال: وإنما ضمت إليه مالية الرقبة إلى ذمته لظهور هذا الدين في حق المولى، فإنه لما أذن له في التجارة لتزم ما كان هو من لوازمها، ومن تلك اللوازم بيع رقبته في دينه كما في دين الاستهلاك بخلاف ما إذا لحق الدين بالعبد المحجور عليه بسبب التجارة حيث لا يباع هو فيه لعدم ظهوره في حق المولى؛ لأن مولاه لم يأذن له في التجارة فلم يظهر هو في حقه لذلك.
(لكن عجزنا عنها) أي عن المطالبة، ولهذا لو خلف ما لا يطالب به،
(5/2293)

فعلم أن الدين باق.
(لأن ذلك العدم) أي عدم المطالبة (لمعنى في محل الدين) وهو ضعف ذمة الميت فوق ضعف ذمة الرقيق فكان انعدام المطالبة لعدم الدين كمن ليس عليه دين لا يمكن المطالبة لعدم الدين لا لعجز في المطالبة فلذلك لم تصح الكفالة به.
وقوله: (فلهذا لزمته الديون) يتصل بقوله: «وإن كان دينًا لم يبق بمجرد الذمة حتى يضم إليه مال أو ما يؤكد به الذمم» فكان هذا لإيضاح أن ذمة الميت لم تبطل من كل وجه حتى تلحق بالجماد وسائر الحيوانات، بل بقيت مع الضعف القوي، والضمير البارز في لزمته راجع إلى الميت المفهوم من قوله: «لأن ضعف الذمة بالموت» بدليل رجوع الضمير الذي هو مضاف إليه إلى الميت فيما بعده، وهو قوله (صح في حياته)، أي يضاف الدين إلى سبب صح في حياته بأن وجد منه ذلك السبب في حياته، كما إذا حفر بئرًا على قارعة الطريق فوقع فيها حيوان مملوك بعد موته وهلك يلزم قيمته على الذي حفرها وهو ميت وأثر لزومه أنه يؤخذ من تركته وتصح الكفالة به.
(ولهذا صح الضمان عنه إذا خلف مالًا أو كفيلًا) يعني إذا مات وله مال أو ليس له مال ولكن له كفيل كفل عنه في حياته عن دينه ثم مات هذا
(5/2294)

المكفول صح أن يكفل عنه إنسان آخر لبقاء الدين بأثره وهو المطالبة ولتأكد الذمة الضعيفة بما يتقوى به وهو المال أو ذمة الكفيل، (وإن كان شرع عليه بطريق الصلة) كوجوب النفات عليه والزكاة وصدقة الفطر ونحوها.
(وأما الذي شرع له) كجهاز الميت من التكفين وغيره وقضاء دينه (فبناء على حاجته) أي فبناء على حسب ترتيب حاجته، وما كانت حاجته إليه أشد فهو مقدم على غيره، ثم وثم إلى أن تنقضي حاجاته كلها.
(لأن العبودية لازمة للبشر)؛ لأنه لا يتصور انفكاك العبودية عن البشر أبد الأبدين؛ لأن هذه صفة للآدمى وغيره من المخلقوات لكونهم مخلوقين لله تعلى وكونهم مخلوقين له لا يتصور زواله، فكذلك لا يتصور زوال العبودية عن العباد لذلك، فلذلك صارت صفة العبودية بعد الموت باقية، فالعبودية مستلزمة للحاجة فتبقى الحاجة بعد الموت لبقاء العبودية، فلما بقيت حاجة الميت بعد الموت قدم ما هو أشد احتياجًا هو إليه.
(ولذلك بقيت التركة على حكم ملك الميت) أي ولكون حاجة الميت باقية بعد الموت كانت التركة باقية على ملكه ليقضى بها حاجته، (فلذلك قدم جهازه) على الدين لشدة حاجته إلى الكفن بالنسبة إلى الدين، وهذا لأن
(5/2295)

الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه وقت حياته، ÷ولباسه وقت حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديونن ما عليه من ثيابه فكذلك لباسه بعد موته، ومن مات ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه، فيكفن من مال بيت المال، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال، وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ويجب تكفينه منه إذا لم يكن له مال. كذا في «المبسوط».
قيل: هذا زي تأخر الدين عن الكفن في دين لم يتعلق بالعين.
فأما الذي تعلق بالعين في حال حياة المديون كتعلق دين المرتهن بالرهن فإن ذلك الدين مقدم على التجهيز لتعلق حق المرتهن به فيقدم حاجته على حاجة الميت كما في حال حياته.
(ولذلك صحت واياه كلها واقعة) أي منفذة في الحال بأن قال المريض: اعتقدت عبدي هذا، أو قال: أوصيت لفلان بكذا، (ومفوضة) أي بأن قال: اعتقوا هذا العبد بعد موتى، أو قال: أعطوا لفلان كذا بعد موتى، (ولذلك بقيت الكتابة) بعد موت المولى؛ لن المولى مالك فيبقى ملكه بعد موته لحاجته وهي إحراز ثواب الاعتقا، هو ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من
(5/2296)

النار».
(وهي من أقوى الحوائج) أي حاجة المكاتب إلى حريته أقوى حوائجه، وهذه الحاجة له فوق حاجة المولى إلى عتقه؛ لأن الرق أثر الكفر لما عرف ودفع أثر الكفر من أقوى الحوائج، فإذا بقيت مالكية الملوى بعد موته ليصير معتقًا فأولى أن يبقى مالكية المكاتب.
(ألا ترى أنه ندب فيه حط بعض البدل) لإبقاء ذلك الأمر المندوب، قال الله تعالى: (وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور:33]، وعند بعض العلماء حط ربع البدل واجب ليصل إلى الحرية سريعًا فكان قوله: «ألا ترى» لإيضاح إثبات حاجة المكاتب إلى إبقاء عقد الكتابة ليحصل له العتق ويزول عنه وعن أولاده أثر الكفر الذي هو الرق.
(فلأن تبقى هذه المالكية) وهي مالكية المكاتب (أولى)؛ لأن الحاجة له
(5/2297)

أقوى ليصل بها إلى الحرية وهو معنى قوله: ليصير معتقًا -بفتح التاء- على صيغة بناء اسم المفعول.
(وأما المملوكية فهي تابعة) جواب إشكال وهو أن يقال: في إبقاء الكتابة إبقاء المملوكية في المكاتب والمملوكية بعد ما مات المكاتب لا يمكن إبقاؤها وليس في إبقائها نظر له أيضًا بل في إبقائها ضرر عليه لكون الرق من أثر الكفر ولظهور أثره في أولاده بوصف الرقبة.
فأجاب عنه بقوله: وأما المملوكية فهي تابعة في باب الكتابة، فإن الأصل فيها مالكية المكاتب يدًا.
والدليل على أن المالكية فيه أصل هو أنه يثبت له ملك اليد في الحال والمقصود من عقد الكتابة الوصول إلى الحرية وزوال المملوكية، فالبنظر إلى المقصود إلى ثبوت مالكية اليد في الحال يستدل على أن المالكية هي الأصل فيه، فلما كانت المملوكية تبعًا أمكن أن يبقى التبع لأجل الًال، ووجه ثبوت المملوكية بطريق التبعية هو أن المقصود من عقد الكتابة لما كان هو الوصول إلى الحرية لم يكن بد من المملوكية حال بقاء عقد الكتاب، فكانت هي شرطًا لمقصود الوصول إلى الحرية، وذلك إنما يكون لمالكية اليد في الحال فالعبرة للمقصود المتبوع لا للتبع.
وقوله: (ولهذا وجبت المواريث بطريق الخلافة عن الميت نظرًا له)
(5/2298)

يتصل بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هو لإيضاح بقاء حاجته بعد الموت في ماله، فلذل وجبت المواريث لمن يتصل بالميت من أهل دينه من حيث النسب كالولاء وغيره.
أو من حيث السبب والدين كالزواج من الزوج والزوجة، أو من حيث الدين لا غير بلا نسب وسبب وهو بيت المال، وفيه يوضع لحقوق المسلمين، يعني أن في انتقال مال الميت إلى من يصلح خليفة له نسبًا أو غير ذلك نظرًا له؛ لن فيه ثواب صلة الرحم له وإيصال النفع إلى المسلمين، واشترط من يصلح خليفة له فيمن ينتقل إليه ماله؛ لأن الموت من أسباب الخلافة.
(ولهذا صار التعليق بالموت يخالف سائر وجوه التعليق) حتى أن الرجل إذا قال لعبده: إن مت فأنت حر؛ فهذا التعليق يخالف سائر التعليقات؛ لأن التعليق بالشرط عندنا يمنع انعقاد السبب والتعليق بالموت لا يمنع انعقاد السبب، بل ينعقد سببًا في الحال فلذلك لم يجز بيع المدبر.
بخلاف ما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر؛ فإنه يصح بيعه قبل وجود الشرط؛ وغنما كان هكذا؛ (لأن الموت من أسباب الخلافة) فباعتبار أنه علقه بسبب الخلافة الذي هو كائن لا محالة كان له حكم الثبوت في الحال.
وحاصل الكلام: إن الموت لما كان من أسباب الخلافة ظهر أثره في
(5/2299)

موضعين: في حق العبد إذا دبره، وفي حق الوارث إذا مرض مرض الموت، فيجعل المدبر خلفًا عنه في حق العتق بعد موته، ففي الحال تعلق عتقه بالموت على وجه لا يصح إبطاله، فصار هذا كوجود المرض إذا اتصل به الموت في حق الوارث لما أن الموت من أسباب الخلافة فكان المدبر والوارث خلفين عنه.
وهذا لأن المرض يثبت تعلق حق الوارث بالمال، يعني إذا مات في مرضه ذلك.
وكذلك قوله: أنت حر بعد موتى يثبت تعلق حق العبد في الحرية بموته، فصار المولى محجورًا عن بيعه كما صار محجورًا عن إبطال حق الوارث عند تعلق حقه بالمال، وهو معنى قوله: (فكذلك إذا ثبت بالنص) أي إذا ثبت الخلافة بتأويل كون الخلافة بصريح قوله: أنت مدبر بعد موتي. يعني إذا وجد سبب الخلافة وهو المرض يثبت للوارث حق لا يجوز للمورث إبطاله.
فكذلك إذا ثبت نصًا بقوله: أنت مدبر بعد موتى، (وصار المال من ثمراته) أي من ثمرات سبب الخلافة فيثبت المال ضمنًا، وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن التدبير وصية، وقال قبل هذا: «فيصير التعليق به إيجاب حق للحال بطريق الخلافة عنه» أي قوله: «أنت حر بعد موتي» إثبات حق الحرية في الحال بطرييق الخلافة عنه وفيه إخراج مالية العبد عن ملكه فصار
(5/2300)

كإخراج ماله عن ملكه بالإيصار للموصى له بالمال.
ثم هناك يملك إبطال ما أوجبه في الحال فينبغي أن يملك إبطال ما أوجبه في الحال من تدبير العبد أيضًا بجامع أن كلًا منهما إيجاب حق متعلق بالموت في المال، فقال نعم كذلك. إلا أن المال هاهنا صار من ثمرات الخلافة وسبب الخلافة لما ثبت بيت المال في ضمنه وهو مالية العبد فلذلك لم يملك إبطاله بخلاف الموصي له.
فإن المال ثمة أصل وعند ثبوت الخلافة المال موجود ولم يتعلق حق الموصى له بالمال قبل الموت فيملك الموصي إبطاله بخلاف ما نحن فيه؛ لأن إثبات الخلافة في الحرية على وجه التعليق بأمر كائن لا محالة، وهو مما لا يحتمل الإبطال، فلذلك لم يملك إبطال التدبير بعد إثباته نصًا، فلذلك وقع التدبير لازمًا دون الإيصاء بالمال للموصى له، (فينظر من بعد) أي بعد ثبوت سبب الخلافة.
(منع الاعتراض عليه من المولى) أي منع ذلك الحق اللازم الاعتراض الصادر من المولى من التصرفات المبطلة لذلك الحق اللازم كالبيع والهبة وغيرهما عليه أي على ذلك الحق اللازم، (للزومه في نفسه) وهو الإعتاق فإنه لا يقبل الفسخ، و (للزومه) في سببه وهو تعليقه بأمر كائن لا محالة، ونفس التعليق أمر لازم فكيف إذا كان معلقًا بأمر كائن لا محالة، وإنما قيد بقوله: (وهو معنى التعليق)؛ لأن بهذا أعني التدبير، وهو قوله: أنت مدبر
(5/2301)

أو قد دبرتك ليس بتعليق حقيقة لعدم كلمة التعليق، وكذلك قوله: إذا مت فأنت حر؛ لأن التعليق الحقيقي إنما يكون بالتعليق بأمر له خطر الوجود أي التردد في الوجود لا أن يكون أمرًا كائنًا لا محالة، فلم يكن هو حقيقة التعليق، لكن فيه معنى التعليق لتعلق عتقه بالموت فلذلك وقع لازمًا.
ثم ترك هاهنا الشق الآخر أي لكونه معروفًا، وهو أن يقول: وإن كان الحق غير لازم بأصله مثل الوصية للموصي له بثلث ماله فهو لا يمنع الاعتراض عليه من المولى حتى صح بيع ما أوصى به وهبته والرجوع عنه.
(وصار ذلك كأم الولد) أي وصار المدبر كأم الولد.
(حق العتق لما بينا) من أن عتقها تعلق بالموت وهو كائن لا محالة، فصار الاستيلاء سبب تعلق حق العتق في الحال كما في المدبر؛ لأن التقوم بالإحراز يكون؛ لأن التقوم لا يكون بدون العصمة المقومة والعصمة المقومة بالإحراز تكون.
ألا ترى أن الصيد والحشيش لا قيمة لهما قبل الإحراز.
(والمتعة) منها (تابعة) ولهذا صح شراء أخته من الرضاع والأمة
(5/2302)

المجوسية وشراء الأختين، (والمالية تابعة) لأن الفراش صار أصلًا فيها كالمنكوحة فصارت المالية تابعة، وإنما جعلت إحداهما تابعة للأخرى عند اجتماعهما؛ لأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الإحراز لهما مقصودًا فكان الإحراز للمالية معارضًا للإحراز للفراش، وقد ثبت الإحراز للفراش هاهنا فينتفي الإحراز للمالية ضرورة فجعلناه تبعا؛ لأن الإحراز لو كان ثابتًا للمالية لتعلقه به الحق المؤكد وهو حق الغريم، والوارث كالمدبر ولم يتعلق بها حق قط، فعلم أن المالية فيها تبع لا أصل.
(فصار الإحراز عدمًا في حق المالية) أي بمقابلة الإحراز للمتعة.
(فتعدى الحكم الأول) وهو حق العتق أي على وجه اللزوم لوجود معناه وهو تعلقه بما هو كائن لا محالة.
(دون الثاني) وهو سقوط التقوم أي لم يسقط تقوم المدبر لعدم معناه وهو ذهاب الإحراز للمالية.
وقوله: (ولهذا قلنا) يتعلق بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هذا معطوفًا على قوله: «ولهذا وجبت المواريث» أي ولأجل ما قلنا إن الذي شرع للميت يبقى بعد موته لحاجته: قلنا إن المرأة تغسل زوجها.
(5/2303)

(وقد بطلت أهلية المملوكية) لأن الشيء المملوك لا يبقى مملوكًا بعد هلاكه، ولأن ما يبقى للإنسان بعد موته هو شيء يقضي به حاجته وبقاء المملوكية ليس مما تقضي به حاجة الميت فأجرى على حقيقته من البطلان.
(ألا ترى أنه لا عدة عليه بعدها) حتى يحل للزوج تزوج أختها وأربع
(5/2304)

سواها بعد موتها من غير تراخ.
فعلم أنه لم تبق الوصلة بينهما أصلًا.
(ألا ترى أنه مؤكد بالحجة) وهي الشهود (والمال) وهو المهر (والمحرمية) وهي إثبات حرمة المصاهرة.
(الدرك): والدرك -بفتحتين وسكون الراء- اسم للإدراك، (وقد وجب عند انقضاء الحياة) أي حياة المقتول، وعند انقضاء الحياة لا يجب للميت شيء سوى ما يضطر إليه لحاجة تكون له بعد الموت؛ لأن الأصل أن لا يجب له شيء لبطلان الأهلية والمالكية.
فالشيء إنما يثبت له بعد الموت بخلاف القياس باعتبار الضرورة ولا ضرورة في إبقاء القصاص له؛ لأنه شرع لدرك الثأر ولا ثأر له بعد الموت؛ لأن الثأر إنما ينشأ من النفس الحيوانية الداعية إلى الانتقام وإلى إطفاء نار الحمية الملتتهبة بالاضطرام، فلذلك قيل: يجب القصاص للأولياء من وجه؛
(5/2305)

لأنهم كانوا ينتفعون بحياته ويجب للمقتول من وجه؛ لأن انتفاعه بحياته أكثر من انتفاع أوليائه به، فلذلك صح العفو منه ومن أوليائه.
وقوله: (ولهذا صح عفو الوارث عن القصاص) استدلال من المصنف -رحمه الله- على أن ثبوت ولاية استيفاء القصاص للورثة لم يكن بطريق الوراثة لهم من المورث بل بطريق الأصالة ابتداء؛ لأنه لو لم يكن القصاص حقهم ابتداء لما صح منهم العفو عنه حال حياة مورثهم، كما لا يصح إبراؤهم غريم المورث عن الدين حال حياة مورثهم.
(لكن القصاص واحد) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كانت شرعيته لدراك الثأر وأن يسلم حياة الأولياء وذلك يحصل للجميع، فينبغي أن لا يصح استيفاؤه إلا بحضور الكل، فقال في جوابه: (أنه جزاء قتل واحد وكل واحد من الأولياء كأنه يملكه وحده) كثبوت ولاية الإنكاح للإخوة.
(5/2306)

(إذا كان سائرهم صغارًا)؛ لأن احتمال العفو منهم في الحال معدوم.
(ورجحان جهة وجوده) أي وجود العفو، وإنما قال هذا؛ لأن مجرد الاحتمال غير معتبر.
(ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة) فلو كان بطريق الإرث لما كلف إعادة البينة؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين فيما كان لهم بطريق الإرث كما في المال.
(وإذا انقلب القصاص مالًا) لشبهة وقعت أو كان القاتل أبًا أو عفا أحد الأولياء صار موروثًا فحينئذ يقدم فيه ما كان الميت إليه أشد احتياجًاا من قضاء ديونه وتنفيذ وصايا وارثه.
فإن قيل: الأصل هو القصاص وهو ليس بموروث فكيف يكون خلفه وهو المال موروثًا، والأصل إن السبب الموجب للأصل هو السبب الموجب
(5/2307)

للخلف، فلما لم ينعقد القتل العمد وهو السبب الموجب للقصا موجبًا للإرث فيكف ينعقد موجبًا لإرث في خلفه وهو المال؟
قلنا: الموت سبب الخلافة في الإرث، والإرث إنما لم يثبت في القصاص لضرورة أن شرعيته لدرك الثأر وهو مما لا يحتاج إليه الميت، فإذا انقلب القصصا مالًا ارتفعت الضرورة، وسبب الخلافة في المال بطريق الإرث وهو الموت ثابت فيثبت الإرث.
فإن قلت: لما لم يوجب القتل العمد الإرث في المال في ابتداء وجوده لم يوجب بعد ذلك؛ لأن ذلك حالة البقاء كالزنا الموجود في دار الحرب واستحداث الملك في الجارية المنكوحة، حيث لم يوجبا حكمهما الذي هو الحد ووجوب الاستبراء بعد زوال ما يمنعهما من ثبوت حكمهما وهو الخروج إلى دار الإسلام في الزنا وفرقة الزوج في الجارية المنكوحة؛ لأنهما لما لو يوجبا ذينك الحكمين في ابتداء وجود السبب لم يوجبا بعد ذلك؛ لأن السبب لم ينعقد موجبًا لذلك الحكم حال ابتداء وجوده فلا ينقلب موجبًا بعد ذلك.
قلت: ليست هاتان الصورتان زوان ما نحن فيه؛ لأن الزنا الموجود في دار الحرب واستحداث ملك الجارية المنكوحة لم يوجبا حكمًا من الأحكام في ابتداء وجودهما لانعدام شرطهما حتى ينقلب ذلك الحكم إلى حكم آخر عند
(5/2308)

وجود شرطه فلغا السبب عن إثبات حكمه لعدم شرطه ابتداء وبقاء لذلك بخلاف ما نحن فيه.
فإن القتل العمد أوجب حكمه الأصلي وهو القصاص وحق القصاص شيء يصلح أن يكون سببًا لوجوب المال بدليل صحة صلح القصاص على المال، ولما انقلب القصاص مالًا صار كأنه هو الواجب الأصلي فيه فيتعلق حق الميت به، كما لو كان الموت موجبًا لإرث المال ابتداء؛ لأن الخلف إنما يثبت بالسبب الذي يجب به الأصل والسبب وجد في ذلك الوقت فيستند وجوب الخلف إلى ذلك الوقت أيضًا فكان موروثًا.
(ألا ترى أن حق الموصى له لا يتعلق بالقود) هذا لإيضاح أن الدية تجب من الأصل ويصير موروثًا من الأصل؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لما تعلق بها حق الموصى له كما في القصاص.
(فاعتبر بسهام الورثة في الخلف) يعني يأخذ كل واحد منهم بقدر حقه؛ لأنه متجز بخلاف القصاص؛ لأن لكل واحد منهم أن يستوفى كله لاختلاف حالهما وهو أن القصاص غير منتجز وسهام الورثة متجزية.
(وفارق الخلف الأصل لاختلاف حالهما) يعني أن حال الأصل وهو القصاص لا يصلح لحاجة الميت؛ لأن الغرض منه درك الثأر وهو قد عدم في حقه، وحال الخلف وهو الدية يصلح لحاجة الميت فكان الخلف مفارقًا لأصله
(5/2309)

في الحكم المتعلق بكل واحد منهما كما في التيمم مع الوضوء، حيث اشترطت النية في التيمم دون الوضوء؛ لأن الماء مطهر للشيء طبعًا وشرعًا فلا يحتاج إلى النية التي تجعله مطهرًا بخلاف التراب فإنه غير مطهر في أصله فاحتاج إلى النية التي تجعله مطهرَا شرعًا.
(ولهذا وجب القصاص للزوج والزوجة) أي ولأجل أن القصاص وجب للورثة ابتداء وجب للزوج والزوجة؛ لأنهما من الورثة، (ولهذا وجب بالزوجية نصيب في الدية) أي ولأجل أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة فكان هو استدلالًا على أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة.
(ألا ترى أن للزوجية مزية تصرف في الملك) أي أن لكل واحد من الزوجين زيادة تصرف في مال الآخر وزيادة بسوطة وانتفاع بمال الآخر
(5/2310)

بالنسبة إلى تصرف الأقرباء في مال القريب الآ×ر، وعن هذا لم تصح شهادة أحدهما للآخر بخلاف شهادة الأخ لأخيه، فلما كان كذلك كان للقريب نصيب في الدية فأولى أن يكون لأحد الزوجية في دية الآخر نصيب، وعن هذا قال فصار كالنسب.
وقوله: (وما يجب له وما يجب عليه مما اكتسبه) هذا في حق (السبب وما يلقاه من ثواب وكرامة أو عقاب وملامة) هذان في حق الحكم أي بقاء ما يجب له من المظالم بأن ظلم عليه غيره أو ما يثبت له من الملك بعد موته بسبب باشره في حياته، كما إذا رمى صيدًا فأصاب السهم الصيد بعد ما مات الرامي فإن الصيد يكون له ويصرف في حوائجه كما في سائر أمواله، وكذلك لو نصب شبكة فتعلق به صيد يكون له أيضًا، وكذلك قوله: «وما يجب عليه» أي بقاء ما يجب عليه، كما إذا حفر بئرًا في قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان بعد موت الحافر هو عليه يؤخذ بضمانه من تركته.
(كالرحم للماء) من حيث إنه وضع فيه إلى زمان ثم يخرج منه.
(في هذا المنزل) وهو القبر (الابتلاء في الابتداء) أي بعد ما صار بالغًا
(5/2311)

في الدنيا حال حياته، فعلى هذا كان قوله: «الابتلاء» فاعل يمضي، وفي بعض النسخ للابتلاء في الابتداء، وهو سؤال المنكر والنكير في القبر وهو ابتلاء، وهو آخر ابتلاء في حق الميت في الدنيا، ثم السؤال في حق البالغ ظاهر لورود الآثار المتتابعة فيه.
وأما إذا مات الصبي فإنه يسأل ولكن يلقنه الملك، وقال بعضهم: لا يلقنه الملك ولكن يلهمه الله تعالى بفضله حتى يجيب كما ألهم عيسى عليه السلام بالجواب في المهد حتى قال: الآية (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ) [مريم:30]، وبهذا نأخذ. كذا ذكره الإمام الزوندويستى في «الروضة».
(5/2312)

باب العوارض المكتسبة
(أما التي من جهته فالجهل)؛ لأن الله تعالى أعطاه أسبابًا بها يزيل الجهل عن نفسه، فلما لم يشتغل بتلك الأسببا واشتغل بضدها جعل كأن الجهل حصل منه بخلاف الرق؛ لأنه جزاء استنكافه، وجزاء فعله لا يكون منه؛ لأن الإنسان لا يجازي نفسه، وهذه المجازاة من الله تعالى في حق الكافر فكان سماويًا، ولأنه لا يلزم من الكفر الرق كأهل الذمة بل الرق يثبت بالاستيلاء عليه وهو ليس باختياره، ولأنه بعد ما ثبت لا يتمكن من إزالته بخلاف الجهل.
(5/2313)

[الجهل]
(والجحود) إنكار (بعد وضوح الدليل) وثبوت العلم، قال الله تعالى: (وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل:14].
وقوله: «بعد وضوح الدليل» أي على حدوث العالم، فإنه لما شاهد حوث العالم وجب عليه أن يعتقد بأن له محدثًا أحدثه؛ لأن الحادث هو ما كان مسبوق العدم، والعالم موجود مشاهد والعدم لا يوجد نفسه، فلا بد له من موجد يخرجه من العدم إلى الوجود وهو المحدث، والإنكار لوجود المحدث وصفاته التي هي لازمة الإحداث من الحياة والعلم والقدرة بعد ذلك إنكار بعد وضوح الديل، (فإنها تصلح دافعة للتعرض) كاستصحاب الحال.
يعني لو أراد واحد التعرض لإتلاف خمره يدفعه الكافر بديانته أي باعتقاده بأن الخمر كانت حلالًا متقومة في الأصل، فيبقى كذلك وصف الحل والتقوم، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون.
(5/2314)

(في الأحكام التي تحتمل التغير) مثل حرمة الخمر وحرمة نكاح الأخت فإن هذه الأحكام تحتمل التغير.
ألا ترى أن نكاح الأخت كان صحيحًا في عهد آدم عليه السلام، والخمر كانت مباحة في ابتداء الإسلام، فيصلح أن تكون ديانة الكافر في مثل هذه الأحكام دافعة للدليل الموجب للحرمة.
(الاستدراج): اندلت اندك نزديك كردانيدن خداي تعالى بنده بخشم وعقوبت خود.
(والمكر): هو الأخذ على الغرة، (وتمهيدًا لعقاب الآخرة) يعني أن قصور الخطاب عنهم وإن لم يكونوا مخاطبين بأداء العبادات لم يكن للتخفيف عليهم بل للتغليظ وهو تمهيد عقاب الآخرة بسبب ذلك القصور وترك الخطاب بأداء العبادات.
وهذا لأن الخطاب بأداء العبادات إنما يكون ليسعى المرء بأدائها في فكاك نفسه. قال النبي عليه السلام: «الناس غاديان بائع نفسه فموبقها»، يعني
(5/2315)

يترك الائتمار بالأوامر، والقول بأن الكافر ليس بأهل للسعي في فكاك نفسه ما لم يؤمن لا يكون تخفيفًا عليه، بل هو نظير أداء بدل الكتابة لما كان ليتوصل به المكاتب إلى فكاك نفسه، فإسقاط المولى هذه المطالبة عند عجزه بالرد في الرق لا يكون تخفيفًا عليه، فإن ما يبقى فيه من ذل الرق فوق ضرر المطالبة بالأداء.
ونظيره أيضًا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء المر إذا كان يرجو له الشفاء يكون نظرًا له من الطبيب لا إضرارًا به، فإذا أيس من شفائه وترك مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفًا عليه بل إخبارًا له بما هو أشد عليه من ضرر شرب الدواء المر وهو ما يذوق من كأس الحمام، فكذلك هاهنا قولنا: إن الكفار لا يخاطبون بأداء الشر ائع لا يتضمن معنى التخفيف عليهم بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة. كذا قاله الإمام شمس الأئمة رحمه الله.
(«وجنة الكافر») من حيث إنه لا خطاب في الجنة بل فيها ما تشتهي الأنفس.
(فأما في حكم لا يحتمل التبدل) مثل تدينهم بعبادة الصنم عصمنا الله
(5/2316)

تعالى عن ذلك لا يعطي له حكم الصحة ولا يكون ذلك دافعًا لدليل الشرع.
(ويبتنى على هذا) أي على أن ديانتهم صارت دافعة.
(وما أشبه ذلك) مثل جواز جعل الخمر أجرة في الإجارات ومهرًا في النكاح ودفعهم إياها في الضمانات.
(قضى بها عنده) أي قضي بهذه الأحكام عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
(لا تصلح حجة متعدية) أي ملزمة؛ (لأن ديانتها لا تصلح حجة على الأخرى) فلما لم تكن ديانتها حجة في حق من هو على ديانتها فلأن لا تكون حجة على من اعتقد خلاف دينها بالطريق الأولى.
(وجب أن لا تجعل حجة متعدية) يعني وجب أن لا تجعل ديانتهم حجة ملزمة على المسلمين في هذه الأحكام الثلاثة وينبغي أن لا يجب الحد
(5/2317)

على القاذف ولا تستحق القضاء بالنفقة ولا يجب الضمان على متلف خمرهم.
(قلنا عنه: هذا تناقض؛ لأنا نجعل الديانة معتبرة) إلى آخره بيان التناقض أنك ساعتدتنا على أن ديانتهم معتبرة في حق الدفع، وما قلت من النقض يؤدي إلى التناقض؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تكون ديانتهم معتبرة أصلًا فحينئذ يكون ذلك قولًا باعتبار الديانة وعدم اعتبار الديانة، وهذا هو التناقض.
فقوله: «هذا تناقض لأنا نجعل الديانة معتبرة» إلى آخره. جواب تام؛ لأن السائل يحترز عن التناقض وعند ظهور ما يوجب تناقضًا في سؤاله يمتنع عن مثل ذلك السؤال، والمقصود من الجواب هو أن يظهر من المجيب الجواب ما ينقطع به سؤال السائل؛ لأن الجواب مأخوذ من جاب الفلاة أي قطعها؛ وذكر في غصب «المبسوط»، ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون المحل مالًا متقومًا ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية وانعدام التقوم في
(5/2318)

المحل، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا ضمنا بعدق الذمة حفظها وحمايتها لم÷، والعصمة تتم بهذا الحفظ، ووجوب الضمان بالإتلاف يبتنى على ذلك، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة.
ألا ترى أن في الذي لم يضمن بعقد الذمة بقي على ما هو مقتضي الشرع كما في عقود الربا، حيث يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم؛ لأنا لم نضمن ترك التعرض لهم في ذلك مع قول الرسول عليه السلام: «ألا من أربى فليس بننا وبينه عهد»، وهذا لآن ذلك فسق منه في الاعتقاد ولا ديانة، وقد ثبت بالنص حرمة الربا في اعتقادهم، قال الله تعالى: (وأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ) [النساء:161] ولم نعمل فيه بما يدعون من اعتقادهم بحل الربا.
(لأنا نأخذ نصف العشر من خمور أهل الذمة والعشر من خمور أهل الحرب) كما نأخذ من سائر أموالهم كالحنطة والشعير، فجعلنا خمورهم من الأموال المتقومة بناء على اعتقادهم أنها من الأموال المتقومة وجريان عقد الذمة بهم على ذلك.
(وهذه غير متعدية) أي وهذه الديانة التي يدينون بها بأنها من الأموال
(5/2319)

المتقومة نأخذ العشر باعتبارها لا باعتبار أن حجتهم متعدية أي ملزمة علينا بالإجماع، فكذا فيما وراء هذا مما قلنا من المسائل، بل أجريناها على موجب اعتقادهم.
(بل هي حجة عليهم) يعني أن ديانتهم تصير حجة عليهم ونأخذ العشر باعتبار ديانتهم أنها من الأموال المتقومة؛ لأن العشر إنما يؤخذ من الأموال المتقومة إلا أنه لا يؤخذ أي العشر من الخنزير.
هذا جواب لإشكال وهو أن يقال: لو كان أخذ العشر باعتبار ديانتهم وديانتهم موجودة في حق الخنزير أيضًا فلم لا يؤخذ العشر منه؟
(وحقيقة الجواب: أنا لا نجعل الديانة متعدية) يعني ما قلنا إنه تناقض كان ذلك لدفع سؤالهم.
فأما ما هو حقيقة الجواب فهو إنا لا نعتبر ديانتهم متعدية في جميع ما ذكرنا من المسائل، بل كل ذلك بناء على أمر آخر وهو أنا نعتبر ديانتهم في حق الدفع.
(لم يثبت بالديانة إلا دفع الإلزام بالدليل) أي دفع إلزامان إياهم بالدليل الثابت لنا من الكتاب والسنة، أي أنههم يدفعون بديانتهم بأن الخمر متقومة ما
(5/2320)

نلزمهم بالدليل عدم بقاء تقومها، يعني أن الخرم في الأصل كانت متقومة ثم النص ابطل تقومها فكانت ديانتهم دافعة لذلك الإلزام لا مثبته للتقوم للخمر، لأن الضمان لا يجب بتقوم المتلف لكن بإتلاف المتلف، وحقيقته أنه لا شك أن الضمان مضاف على سببه وسببه الإتلاف لا تقوم المحل بل هو شرطه، ولهذا يقال: ضمان الإتلاف وضمان الجناية لا ضمان التقوم، وهذا لأن الإتلاف فعل قائم بالمتلف والتقوم راجع على المحل والمحال شروط فلا يجوز أن يكون وصف المحل الذي هو شرط داخلًا في حكم السبب الذي هو الإتلاف مع صلاحية الإتلاف للسببية.
وقد وجد السبب وهو الإتلاف من المسلم فكان الضمان مضافًا إلى الإتلاف لذلك، ولكن المسلم ادعى عدم الشرط وهو التقوم بدليله، والكافر يدفع هذه الدعوى الصادرة من المسلم بديانته ف بقيت متقومة على زعمه فوجب الضمان لجريان عقد الذمة على اعتبار دفعه بديانته.
ولو لم يكن الضمان مضافًا إلى الإتلاف بل إلى التقوم كانت الديانة متعدية حينئذ، لأن التقوم ساقط عند المسلمين والسب غير موجود في حق المسلمين وهو التقوم، ومع ذلك وجب الضمان كان ذلك حينئذ ثابتًا بِإلزام الكافر على المسلم، لأن تقومه بناء على اعتقاده فصار حجة على المسلم وذلك منتف.
(5/2321)

(وإنما العلة هي القذف) فلا يكون الحد مضافًا إلى الإحصان ليكون ثبوته باعتقادهم بل هو مضاف إلى القذف وأنه وجد من المسلم.
(وأما النفقة فإنما شرعت بطريقة الدفع)، يعنى أينما شرعت كان لدفع الهلاك عن المنفق عليه، ودفع الهلاك لا يعد إلزامًا فلا يكون وجوب النفقة في نكاح المحارم باعتبار أن ديانتهما كانت متعدية، بل باعتبار دفع الهلاك فإنها لما كانت محبوسة له تجب نفقتها عليه دفعًا لهلاكها.
(كما يحل دفعه إذا قصد قتله) أي إذا قصد الأب قتل ابنه يحل ل لأبن أن يدفع أباه عن نفسه وأن كان لا يحصل ذلك الدفع إلا بالقتل دفعًا للهلاك عن نفسه.
فعلم أن وجوب النفقة لدفع الهلاك لا باعتبار أن ديانة الكفار متعدية. (ولا يحبسن بدينه جزاء كما لا يقتل قصاصًا)، أي لا يحبس الأب بدين الابن إذا مطلب بطريق جزاء ظلمه على الابن، لأنه لو حبس فيه كان هو جزاء الظلم ابتداء لا دفعًا لضرر الهلاك عن الابن كما لا يقتل لذلك قصاصًا للابن، لأنه لو اقتص للابن كان هو مجازاة على الأب للابن ولا يجازي والد لولده.
(5/2322)

ولكن يستحق الوالد الحبس والقتل بطريق دفع الهلاك عن الابن كما حبس بسبب نفقة الآبن وقتل أيضًا بسبب دفع الهلاك عن الابن على ما ذكر.
فعلم أن وجوب نفقة المرأة المحبوسة على زوجها الذي هو محرم لها كان لدفع الهلاك عنها لا لأن يكون ديانتهما بوجوب النفقة على زوجها المحرم ملزمة على القاضي بإيجاب النفقة على زوجها المحرم.
(بخلاف الميراث) وهو ما ذكر من المسألة المجمع عليها، وهي قوله: "ألا ترى أن لمجوسي ِإذا تزوج ابنته" إلى آخره فإنه لو وجب الإرث ب النكاح كانت ديانة المنكوحة ملزمة على الأخرى زيادة الميراث.
فإن قيل: بأن أختها تدين بهذا أيضًا فكانت زيادة الميراث بناء على ديانتهما.
قلنا: لما ترافعتا إلى القاضي وخاصمتا في زيادة الميراث دل ذلك على أن أختها التي هي غير منكوحة لم تلتزم ذلك، ولأن نكاح المحارم ثبت في شريعة آدم ع ليه السلام ولم يثبت كونه سببًا للميراث في دينه فلا يثبت ذلك باعتقادهم وديانتهم، لنه لا عبرة لديانتهم في جواز حكم أو فساده إذا لم تقترن ديانتهم بشريعة ثابتة من الشرائع قطعًا.
(وإذا لم يفسخ بمرافعة أحدهما) فيما ذكر من المسائل (فقد جعلنا
(5/2323)

الديانة دافعة)، لأنها تدفع مرافعة الآخر.
(هذا جواب قد قيلِ) أي قد قيل في الفرق بين وجوب النفقة بهذا النكاح وبين عدم وجوب الإرث بهذا النكاح.
(ولم تصح منازعته من بعد) أي لم تصح منازعة الزوج في عدم وجوب نفقه امرأته التي هي أخته بعد اعتقاده بصحة نكاح أخته، لأنه يكون مناقضًا ولا يسمع قول المناقض.
فِإن قلت: ما الفرق الظاهر بين الجوابين؟
قالت: في الجواب الأول كان الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح على الزوج وعدم ثبوت الميراث بذلك النكاح يدور على ضرورة ديانتهم دافعة للهلاك وعلى صيرورة ديانتهم دافعة موجبة، لأن المرِأة لما كانت محبوسة للزوج كان وجوب النفقة على الزوج باعتبار دفع الهلاك عن المرأة لا أن يكون ديانة الزوجين بصحة النكاح ملزمة على القاضي بالحكم بإيجاب النفقة على الزوج بهذا النكاح ودفع ال هلاك لا يرد في الميراث.
ثم لو حكم القاضي بزيادة إرث البنت المنكوحة على الأخرى كانت ديانة الكافرة التي هي منكوحة أبيها ملزمة على القاضي بأن يحكم بصحة نكاحها، وليست ديانة الكافر بملزمة على المسلم شيئًا، وفي الجواب الثاني كان دور الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح وعدم ثبوت الميراث به على المناقضة وعدم المناقضة، وذلك أن المحرمين لما تناكحا قد التزم الزوج النفقة على
(5/2324)

نفسه باعتبار أن في ديانته أن النكاح بينهما صحيح، ثم لو أراد أن لا ينفق عليها بسبب أن النكاح بينهما غير صحيح مع بقائه على كفره كان مناقضًا في ديانته فلا تسقط النفقة عنه إلا بإسقاط صاحب الحق، فلذلك لم تصح منازعته للتناقض بخلاف منازعة البنت الأخرى في حق الميراث، فإنها لما نازعت أختها في استحقاق زيادة الإرث بالزوجية حيث تصح تلك المنازعة منها، لأنها ما أقدمت على النكاح فتكون منازعتها دليلًا عن عدم التزام هذه الديانة، وهو معنى قوله: (بخلاف منازعة من ليس في نكاحهما، لأنها لم تلتزم هذه الديانة).
أقصى ما في الباب أن عندها أيضًا أن نكاح المحارم صحيح في ديانتها لكن ديانة الكفرة إنما تعتبر إذا كانت مبنية على شرع سماوي في الجملة، وقد ذكرنا أن نكاح المحارم كان في شريعة آدم عليه السلام، لكن لم يثبت الإرث في ذلك النكاح لم يعتبر.
وقوله: (فأما القاضي) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن ديانة البنت المنكوحة لم تلزم على البنت الأخرى التي ليست هي في نكاح أبيها، لأنها ليست بداخلة في نكاحهما فلا تكون ملتزمة ديانتهما بأن نكاح المحارم يوجب الإرث، فودر على هذا الجواب لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة على زوجها الذي هو أبوها فكانت ديانتهما ملزمة على القاضي بوجوب النفقة
(5/2325)

على زوجها مع أن القاضي أيضًا ليس في نكاحهما.
فقال في جوابه: ليس لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة باعتبار أن ديانتهما صارت ملزمة على القاضي بل باعتبار تقلد القضاء على العموم بأن يقضي في قضايا المسلمين والكافرين لا باعتبار أن ديانتهم ألزمت القاضي القضاء بوجوب النفقة في نكاح المحارم على الزوج.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة- رضي الله عنه- ولو تزوج- أي الذمي- مجوسية صح النكاح بالاتفاق، والمجوسية محرمة النكاح بخطاب الشرع كذوات المحارم، وإنما حكمنا بجوازه، لأن الخطاب في حقهم كأنه غير نازل فإنهم يكذبون المبلغ ويزعمون أنه لم يكن رسولًا، وقد انقطعت ولاية الإلزام بالسيف وبالمحاجة لمكان عقد الذمة فصار حكم الخطاب قاصرًا عنهم، وشيوع الخطاب إنما يعتبر في حق من يعتقد كون المبلغ ر سولًا، فإذا ثبت حكم صحة النكاح كالنفقة وبقاء الإحصان.
فأما الميراث ف ليس من ضرورة صحة النكاح فقد يمتنع التوارث بأسباب كالرق واختلاف الدين.
(5/2326)

(وأما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله- فكذلك قالا أيضًا) يعني قالا كما قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- بأن ديانتهم تصلح دافعة لا ملزمة، لكنهما خالفًا في بعض الأحكام بناء على اختلاف التخريج لا في اختلاف أن ديانتهم تصلح دافعة لا ملزمة، ثم ذكر وجه تخريجهما بقوله: (إلا أنهما قالا: إن تقوم الخمر) إلى آخره.
(فإذا قصر الدليل بالديانة) أي قصر دليلنا على التحريم عن إلزامهم بسبب اعتقادهم على حل الخمر والخنزير ِ (بقي على الأمر الأول)، وهو الحل الأصلي، فلذلك لم يجب الحد عليهم إذا شربوا الخمر وصحت بياعاتهم وأشريتهم فيها.
(فأما نكاح المحارم فلم يكن أصليًا) بل كان أمرًا ضروريًا والثابت بالضرورة يتقدم بقدر الضرورة.
(وإذا كان كذلك) أي وإذا كان نكاح المحارم لم يكن أصليًا لم يجوز استبقاءه. أي استبقاء حل نكاح المحارم (بقصر الدليل) أي قصر دليلنا على
(5/2327)

تحريم نكاح المحارم لمعارضة ديانتهم بحله لم يبق حرامًا على الإطلاق على زعمهم، فلذلك لم يحد قاذفه، لأنه صادق في مقالته من وجه، ولئن سلمنا أن النكاح صحيح بينهما إلا أن دليل البطلان، وهو قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية كان شبهة في درء الحد عن قاذفه.
(والقضاء بالنفقة على الطريق الأول باطل) يعني لو طلبت المرأة التي هي أخته من زوجها الذي هو أخوها بسبب النكاح عند قاضي المسلمين لا يقضي القاضي بالنفقة بالنكاح، لأن النكاح باطل لما بينا أن حل نكاح المحارم كان أمرًا ضروريًا فيما كان حلالًا ولم يبق ذلك حلالًا أصلًا بعد انتساخه فلم تجب النفقة بسبب النكاح الباطل كما لا تجب النفقة بسبب النكاح الفاسد في حق المسلمين.
(وأما على هذا الطريق) وهو قوله: "ولأن حد القذف من جنس ما يدرء بالشبهات" فإن هذا الدليل يقتضي أن تكون لها النفقة، حيث سلم لصحة النكاح بينهما. بدليل قوله: "فلابد من أن يصير قيام دليل التحريم شبهة" فأسقطا الحد لمكان الشبهة والنفقة مما لا يسقط بالشبهات غير أنها لا تجب،
(5/2328)

لأنها من قبيل الصلات المبتدأة كالميراث.
ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه- جعل لنكاحهم حكم الصحة في حقهم، ومع ذلك لم يجب الميراث بسبب هذا النكاح بالاتفاق لكونه من الصلات المبتدأه، فكذلك النفقة عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لا تجب لهذا المعنى.
ودليل كونها صلة مبتدأه ما ذكر في الكتاب بقوله: (حتى أنه لم يشترط لها حاجة المستحق) يعني أن نفقة المرأة تجب على زوجها وإن كانت غنية ولم يكن وجوب النفقة على الزوج على ما ذكر أبو حنيفة- رضي الله عنه- لأنها وجبت بطريق الدفع، لأن كل ما ثبت بطريق الدفع إنما تجب عند الحاجة ولا تجب عند عدم الحاجة.
ألا ترى أن الأب إذا اشهر على ابنه السيف وقصد على قتله ولم يتمكن الابن من دفعه إلا بقته يحل له قتله لحاجته إلى الدفع، وفي الجهاد إذا أدرك المسلم أباه الحربي لا يحل له قتله بل يمسكه حتى يقتله غيره لاستغنائه عن قتله بنفسه، فلو كان وجوب النفقة على الزوج بسبب دفع الهلاك عن المرأة لما وجبت للمرأة الغنية لاستغنائها بمالها عن وقوع الهلاك.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (أما على الطريق الأول) ما قال في تعليل قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو من قال: (وحقيقة الجواب - إلى أن
(5/2329)

قال- وأما النفقة إنما شرعت بطريق الدفع) وقالا: لم تجب النفقة بطريق الدفع بل وجوبها صلة مبتداه على ما قلنا، فلا تجب الصلة المبتدأه ب هذا النكاح كالميراث، لأن هذا النكاح محكوم عليه بالبطلان.
وأما الطريق الثاني فهو قوله: (والجواب الصحيح عندي فإنها لما تناكحا فقد دانا بصحته فأخذ الزوج بديانته) أيضًا لكن لا تجب النفقة عندما، لأنها من الصلات المبتدأه كالميراث، والأوجه هو ما ذكرنا من الاحتمال الأول المساعدة لفظ الكتاب إياه، ولأن في الاحتمال الثاني صيرورة الطريقين واحد في المآل.
(والجواب لأبي حنيفة- رضي الله عنه-) أي عما قالا: بأن النفقة صلة مبتدأه بدليل وجوبها عند غنى المرأة لا بطريق الدفع حيث قال: إن الحاجة الدائمة بدوام الحبس لا يردها المال المقدر) يعنى أنها وإن كانت غنية تحتاج للنفقة لدوام حبسها لحقه ومالها وإن كان كثيرًا مقدرًا فلا يرد حاجتها الدائمة، لأن المال المقدر لا يبقى مع دوام الحبس، فكان وجوب النفقة بطريق الدفع بهذا الطريق، وما كان وجوب النفقة لأحد بسبب أنه محبوس لحق الغير لا يعتبر فيه الغني كالقاضي والعامل فإنه تجب النفقة لهما وِإن كانا غنيين باعتبار الحاجة الدائمة بدوام الحبس.
(5/2330)

(فأما سائر الأحكام فلا تثبت) وهي ما بيناها من الحد لقاذفه وضمان متلفه ووجوب النفقة على الزوج لأنا لو قلنا بثبوتها تكون ديانتهم ملزمة.
(والجواب عنه) أي عما قال الشافعي بأن سائر الأحكام لا تثبت، لأنه لو ثبت يلزم تعدى ديانتهم إلينا ملزمة.
(فيكون في تحقيق العصمة بديانتهم حفظ عن التعرض) يعني لا يصير الأموال والنفوس محفوظة عن أيدي المسلمين في حق أحكام الدنيا إلا بعد أن يجب الضمان بإتلافهم فوجب الضمان لضرورة تحقيق العصمة. كذا في "منتخب التقويم".
(وقد بينا ما يبطل به مذهبه) حيث قلنا: إن الضمان لا يجب بتقوم المتلف لكن بإتلاف المتلف، والمتلف مسلم فكان الضمان عليه بسبب إتلافه عند وجود الشرط وهو تقوم المحل المتلف، وكذلك حد القذف يجب بالقذف لا بالإحصان فلا تكون ديانتهم متعدية.
(ولا يلزم عليه استحلالهم الربا) أي لا يلزم على ما قلنا إن ديانتهم معتبرة في حق الدفع استحلالهم الربا، فإن بيع الربا حرام عليهم أيضًا وإن
(5/2331)

كانوا يدينون بأنه حلال حيث قال "لم تعتبر ديانتهم فيه" (لأنهم نهوا عنه) أي نهو عن أن يخونوا فيما ائتمنوا في كتبهم حيث ارتكبوا كان ذلك الاستحلال والديانة منهم فسقًا لا اعتقادًا فكذلك الربا، لأنهم نهو عنه أيضًا، قال الله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه).
(فجعل صاحب الهوى) وهو الذي يتبع هوى نفسه أي ما أحبته نفسه ولا يتبع الدليل مثل القدرية والجبرية وغيرهما، فالقدرية وهي المعتزلة ينكرون صفات الله تعالى ويقولون: لا علم لله تعالى ولا قدرة له، وكذا في سائر
(5/2332)

الصفات، وهذا الجهل منهم لا يجعل عذرًا لمخالفتهم بهذا الجهل للدليل الواضح الذي لا شبهة فيه وهو استحالة اتصاف الذات بكونه عالمًا بدون العلم، وقادرًا بدون القدرة، وسمعيًا بدون السمعِ، فإنهم يعترفون بكون الله تعالى عالمًا وقادرًا وسمعيًا، وينكرون العلم والقدرة والسمع لله تعالى، وكذا في سائر الصفات، إذ الأسامي المشتقة من المعاني يستحيل ثبوتها بدون تلك المعاني، لأنها إثباتها بدون تلك المعاني لا يكون إلا لقبًا أو هزؤًا كصبي سمي حين ولد عالمًا وأميرًا، والله تعالى يتعالى عن أن تكون الصفات الثابتة في القران ب قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة) وقوله: (وهو على كل شيء قدير) وقوله: (وهو السمعي البصير) بطريق اللقب علو كبيرًا.
وكذلك لا يعذر في (جهله بِأحكام الآخرة) فيما اعتقد أن ص احب الكبيرة يخلد في النار، واعتقاده باستحالة رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة من ورود النص على خلاف اعتقاده، وكذلك اعتقاده في وجوب
(5/2333)

الأصلح للعباد على الله تعالى، واعتقاد أن العباد خالقوا لأفعالهم الاختيارية جعل باطل بلا شبهة لمخالفته الدليل الظاهر من السمعي والعقلي.
(فكان باطلًا كالأول) أي وجهل صاحب الهوى وجهل الباغي كل واحد منهما كان باطلًا كالأول وهو جهل الكافر الذي ينكر وجود الصانع ووحدانيته، فهما يتساويان في أن الجهل فيهما جميعًا لا يصلح عذرًا.
(إلا أنه متأول بالقرِآن) في اعتقاده أي إلا أن صاحب الهوى والباغي كل منهما متأول بالقرآن في اعتقاده ولم يحكم لذلك ب كفره، وإن كان ذلك التأويل الذي صدر منه ليس بتأويل للقرآن في الحقيقة، فإن صاحب الهوى وهو المعتزلى مثلًا في نفى الصفة يتأول بقوله تعالىِ: (وإلهكم إله واحدِ) ولو قلنا بالصفة والصفة غير الموصوف لا يبقى به التوحيد.
(والباغي) ي تأول قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده
(5/2334)

يدخله نارًا خالدًا فيها) وغمام العدل لم يبق واجب الطاعة لكفره بوجود المعصية منه، فبسبب هذا التأويل ي ظهر عليه البغي، وهذا فيما إذا لم يكن غاليًا في اعتقاده فكان من المسلمين، وهو معنى قوله: (ولكنه لما كان من المسلمين).
وأما إذا غلا في هواه حتى كفر كما غلا بعض الروافض في محبة علي- رضي الله عنه- وهو من اعتقادهم ذلك بريء حتى نسبوا جبريل عليه السلام وهو أمين الوحي إلى الغلط، وهو معنى قوله: (أو ممن ينتحل الإسلام) أي يتخذ الإسلام نحلة أي دينًا وهو ليس بمسلم.
(وكذلك سائر الأحكام تلزمه) أي يلزم الباغي حكم ضمان ما أتلف من المال والنفس، وكذلك يلزمه غير ذلك الحكم من الصلاة والزكاة وغيرهما من الأحكام التي تلزم المسلم ب خلاف ما إذا صارت له منعة بحيث لا يؤخذ حينئذ بضمان ما أتلف لتقوى تأويله الفاسد بالمنعة الظاهرة فكان ملحقًا
(5/2335)

بأهل الحرب في حق عدم وجوب الضمان لانقطاع ولاية إلزام أهل العدل.
(والتدفيف على جريحهم) يقال: دففت على الجريح تدفيفًا إذا أسرعت قتله. قال أبو عبيد: يروي بالدال والذال معًا. كذا في الصحاح.
(5/2336)

(لأن الإسلام جامع) أي جامع لنا وللباغي في دين واحد في الأصل فكان الدين الأحد جامعًا بين المورث والوارث ف لم يثبت اختلاف الدين الذي هو مانع من الإرث.
(والقتل حق) فكان كالقتل بحق القصاص فلم ي وجد القتل الذي هو مانع عن الإرث.
(في حكم الجهاد بناءً على ديانتهم)، لأنهم قالوا: نحن على الحق وأنتم على الباطل، فلزمنا مجاهدتكم وليس لنا ولاية الإلزام لقوتهم وشوكتهم فاعتبرت ديانتهم لذلك، (لأن أصل الدار واحدة، وهي بحكم الديانة مختلفة فتثبت العصمة من كل وجه، فلم يجب الضمان بالشك فلم يجب الملك بالشبهة ولم يجب الملك بالشبهة) بيان هذا أن كل واحدة
(5/2337)

من الطائفتين اعتقد على أن الأخرى على ال باطل وقد غلبت على دار الإسلام وجعلتها دار الحرب ف لزمنا محارتها فلم يجب الضمان بالشك ولا يجب الملك أيضًا بالشك، وهذا لنه لو كانت الدار مختلفة من كل وجه لثبت الملك بالاستيلاء ولم يجب الضمان، ولو كانت متحدة من كل وجه لم يثبت الملك ووجب الضمان، فإذا كانت مختلفة من وجه متحدة من وجه ل م يثبت كل واحد من حكم الاختلاف والاتحاد على الإطلاق بالشك فلذلك ل م يجب الضمان نظرًا إلى الاختلاف، ولم يثبت الملك نظرًا إلى الاتحاد.
فإن قلت: لم لم يعكس حكمًا الاختلاف والاتحاد ولم يقل يثبت الملك نظرًا إلى الاختلاف ويجب الضمان نظرًا إلى الاتحاد؟
قلت: فيه ترك العمل بجانب الاتحاد من كل وجه، وذلك لأنه لما كان موجبًا للملك بالنظر على الاختلاف وهو الأقوى كان موجبًا نفي الضمان بالطريق الأولي وهو الأضعف، فكان فيه ترك العمل بجانب الاتحاد، لأن استياءهم لما كان مثبتًا أقوى الأمرين بأي شبه كان كان مثبتًا لأضعفهما بالطريقة الأولي.
وقوله: (وكذلك جهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة- إلى
(5/2338)

قوله- لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الدليل والمدلول والظاهر عدم المطابقة؟
قلت: وجهها أن يقال ليس هذا الجهل عذرًا، لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الكتاب والسنة منكر، فلزمنا النهي عنه فلا يكون الارتكاب منهم على تلك المخالفة عذرًا في الدنيا ولا ف ي الآخرة، كان هذا التعليل ل بيان أن ما ذكرنا من قولنا: إن جهلهم ذلك ليس بعذر، لأنه جهل باطل قول لا على طريق التشنيع بل على طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(وعلي هذا يبتنى ما ينفذ فيه قضاء القاضي وما لا ينفذ) أي ما كان فيه مخالفة الكتاب والسنة المشهورة لا ينفذ فيه قضاء القاضي، وما لا يكون كذلك ينفذ ف يه قضاء القاضي.
(في موضع الاجتهاد الصحيح). يعني في موضع يسوغ فيه الاجتهاد
(5/2339)

(لكن في موضع الشبهة) كوطء الابن جارية أبيه أو أمه.
(فالعصر فاسدة) يعني عندنا.
أما عند الشافعي فجائزة، (لأن هذا جهل على خلاف الإجماع) أي ظنه بأن ظهره بدون الوضوء جائز وقع على خلاف الإجماع، لأن أحدًا لم يقل بجواز الصلاة بدون الوضوء ولا بخلفه، (وإن قضي الظهر) إلى آخره، فالمقصود هذه المسألة.
وأما الأولي فإنما ذكرها لترتيب هذه المسِالة عليها، وقوله: (وعنده) أي وعند المصلي.
(لأنه جهل في موضع الاجتهاد) أي بالدليل الذي ذكره الشافعي في عدم اشتراط الترتيب، وبالقياس على ما إذا كان الوقت ضيقًا أو الفوائت
(5/2340)

كثيرة وعلى الصيام.
(لأن جهله حصل في موضع الاجتهاد)، لأن القصاص لا يسقط عند البعض ب عفو أحدهما.
(وعلى ذلك التقدير لم تلزمه الكفارة) أي على تقدير ظنه أن الحجامة أفطرته اعتمادًا على ظاهرة ال حديث، أو على قول المفتى الذي أفتاه بقول الأوزاعي يعين أكل عمدًا بعد الاحتجام على ظن أو صمه فسد بالاحتجام، أو على ظن أن أكل العمد ب عد الحجامة لا يوجب الكفارة يكون
(5/2341)

جهله هذا عذرًا فلا تجب الكفارة لم قلنا، أي لأنه جهل في موضع الاجتهاد في حكم يسقط بالشبهة، لأن كفارة الفطر مما تسقط بالشبهة.
(فيصير الجهل في موضع الاشتباه شبهة في الحد) وإنما قيل إنه في موضع الاشتباه فإن الأب إذا وطء جارية ابنه لا يلزمه الحد ف يشتبه على الولد أن القرابة واحدة وهي قرابة الولاد فيظن الولد بسبب هذا الاشتباه أن الانتفاع بما الأب يحل له كما للأب في ماله.
(وكذلك في جارية) امرأته لما أن المنافع بينهما متصلة فيظن حل
(5/2342)

جاريتها تبعًا لسيدتها كما في سائر الأموال (دون النسب والعدة) أي يؤثر جهله ف ي سقوط الحد أما لا يؤثر في ثبوت النسب والعدة.
(بخلاف ما إذا زني)، لأن الزنا حرام في الأديان كلها فجهله لا يجعل عذرًا (على هذا الأصل الذي ذكرنا) وهو أن الجهل في موضع الاشتباه كان شبهة في درء الحد، وإذا لم يكن في موضع الاشتباه والاجتهاد لا يجعل عذرًا.
(لأنه غير مقصر) أي في طلب الدليل فكان جهله عذرًا، لأنا لو ق لنا بأن جهله لا يجعل عذرًا كان ذلك تكليفًا بالإتيان بشيء قبل السماع وهو تكاليف بما ليس له ف ي وسعه، لأن الإنسان لا يمكنه الإتيان بالأمور به إلا بعد علمه بالأمر بذلك الشيء، وغلى هذا أشار محمد- رحمه الله- في مسافر إذا كان في رحله ما وهو لا يعلم به فيتيمم.
قال: يجوز تيممه لأن النسيان يعدم القدرة وكان الأمر بالوضوء مع
(5/2343)

ذلك تكليفًا بما ليس في الوسع ثم البلوغ بطريقين: بطريقة السماع صريحًا، وبطريقة الاستفاضة والشهرة.
أما السماع: فلا شبهة فيه.
وأما الاستفاضة: فإنها تقوم مقام السماع والبلوغ.
ألا ترى أن النبي عليه السلام سمي نفسه مبلغًا إلى جميع الناس، ومعلوم أنه ما بلغ إلى جميع الناس بنفسه بل حصل التبليغ منه تارة بالكتاب وتارة بالرسول وتارة بالتبليغ ثم قال: "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، ثم قال: اللهم فاشهد"، والمعنى فيه أن الخطاب بعد الشهر صار ميسر الإصابة، فعدم الوصول بعد ذلك كان بتقصير من جهته فلا يكون عذرًا.
(5/2344)

(وكذلك جهل الوكيل بالوكالة) يعني أن الوكيل لا يصير وكيلًا بدون علمه، لأن في صيرورته وكيلًا ضرب إيجاب وإلزام عليه حيث يلزمه الجري على موجب الوكالة إذا قبل الوكالة في بعض المواضع.
ألا ترى أنه لو كان وكيلًا بشراء شيء بعينه لا يتمكن من شرائه لنفسه، وكذلك لا يجوز تصرفه فيه مع من لا تقبل شهادته له، فلما كان في صيرورته وكيلًا نوع إيجاب عليه لا تثبت الوكالة بدون علمه، وهذا لأن حكم الشرع لا يثبت بدون العلم مع كمال ولاية صاحب الشرع، فلأن لا يثبت الحكم من جهة العباد بدون العلم أولي.
وكذلك المأذون حيث يلزمه الجري على موجب الإذن وتتعلق الديون برقبته وكسبه في الحال ويطالب به قبل العتق، بخلاق ما إذا لم يكن مأذونًا حيث لا يطالب بالدين الذي ف ي ذمته في الحال، فلما كان جهل الوكيل ب الوكالة وجهل المأذون بالإذن عذرًا كان تصرفهما قبل بلوغ الخبر إليهما لم ينفذ على الموكل والمولى حتى لو اشترى الوكيل قبل العلم بوكالة يقع العقد للوكيل، لن الشراء لا يتوقف. وأما لو باع متاعًا للموكل قبل العلم بالوكالة كان موقوفًا، لأن تصرف الفضولي في البيع موقوف.
ثم ذكر المصنف- رحمه الله- الوكالة والإذن في باب أقسام السنة من قبيل
(5/2345)

ما لا إلزام فيه أصلًا، وذكرهما هنا من قبيل ما فيه نوع إلزام بحسب اقتضاء الدليل كل واحد منهما، وقد ذكرنا في "الوافي" وجه اقتضاء الدليل.
وقيل معنى قوله: (لأن فيه ضرب إيجاب وإلزام) يعني إذا تصرفا بحكم الوكالة والإذن يلزمها حقوق العقد فكان فيها إلزام من هذا الوجه.
(وإن كان فضوليًا) و (إن) هذه للوصل.
وأما إذا كان المخبر رسول الموكل والمولى فلا شك أنه لا تشترط العدالة في الرسول، لأن كلام الرسول ككلام المرسل، وفي المرسل لا يشترط العدد أو العدالة فكذا فيمن قام مقامه (بل هو مخير) أي بل كل واحد من الوكيل والمأذون مخير إن شاء قبل الوكالة والإذن وإن شاء لم يقبل هذا في الوكيل ظاهرة، لأنه لا ولاية لأحد عليه فلا يجب عليه قبول الوكالة فلذلك كان هو على خيرة الرد.
(5/2346)

وأما العبد فكان ينبغي أن لا يكون على خيرة الرد، لكن هو على خيرة الرد أيضًا كالوكيل، لأن مولاه ما أمره بالتجارة بل أذن له في التجارة والإذن لرفع المانع عن التصرف لا لإيجاب التصرف عليه، فلذلك كان هو أيضًا على خيرة الرد حتى لو أمره بذلك يجب عليه الائتمار من غير تردد.
(لأن الدليل خفي)، لأن الحجر والبيع وجناية العبد لا يكون مشهورًا غالبًا، (وفيه إلزام) من حيث إنه يلزم على الوكيل الامتناع من التصرف في مال الموكل، وعلى المأذون الامتناع من التصرف في مال المولى على وجه لو تصرف الوكيل يقع تصرفه على نف سه، وكذلك في الشفيع إلزام الطلب على الشفيع في حال العلم وإبطال شفعته إن لم يطلب وفي مولى العبد الجاني إلزام الفداء بالتصرف في العبد الجاني فكان في هذه المسائل إلزام من هذا الوجه فلا يلزمهم ب دون علمهم.
(وكذلك قوله في تبليغ الشرائع إلى الحربي) الذي اسلم في دار الحرب أي وكذلك قولي أبي حنيفة- رضي الله عنه- في هذا يعني أنه يشترط
(5/2347)

العدالة أو العدد في مبلغ الشرائع إلى الحربي الذي اسلم في دار الحرب.
وقال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله-: الأصح عندي أنه لا يشترط العدالة أو العدد في هذا الفصل خاصة. أراد به مبلغ الشرائع. إلى دار الحرب، لأن كل مسلم يلزمه تبليغ الشريعة إلى من لم يعلم أحكام الشرائع. قال النبي عليه السلام: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب" فكان المبلغ بالتبليغ مسقطًا ما وجب عليه فلا يشترط فيه العدد أو العدالة بل يشترط ف يه ما يصير به أهلًا للتبليغ من العقل والإيمان.
(لأن لدليل خفي في حقها) أي دليل تثبيت ثبوت الخيار وهو العتق ودليل ولاية خيار التق لها لأن العتق غير مشهور وهي أيضًا لا تتفرغ من خدمة المولي للتعلم الشرائع، وتعلم ولاية ثبوت خيار العتق لها.
(فلم يعلم بالخيار لم تعذر)، لأنها قادرة على التعلم لعدم اشتغالها بخدمة أحد فكان الجهل بتقصير منها.
(5/2348)

(وجعل سكوتها رضا) أي سكوتها بعد البلوغ، (ولأنها تريد بذلك إلزام الفسخ ابتداء لا الدفع عن نفسها)، والجهل لا يصلح عذرًا في الإلزام البتة بخلاف الجهل في موضوع الدفع فإنه قد يصلح للدفع.
والدليل على أنها لا تريد الدفع عن نفسها أن النكاح ثابت ولا يزداد شيء ببلوغها بخلاف الأمة، لأنها تدفع زيادة القيد التي تثبت عليها بعد العتق وهي الطلقة الثالثة.
(ولهذا التفرق الخياران في شرط القضاءِ) يعني شرط القضاء في خيار البلوغ لا في خيار العتق حتى لو قالت الحرة: رددت لا ينفسخ النكاح بدون القضاء بخلاف خيار العتق فإن النكاح ينفسخ بمجرد اختيار المعتقة نفسها.
(إن ذلك لا يصح إلا بمحضر منه) أي إلا بعلم منه.
(5/2349)

وأما من له الخيار ِإذا أجاز بغير علم صاحبه جاز بالإجماع، وكذلك عند أبي يوسف في الفسخ بدون علم ص احبه صح خلافًا لهما، (لأن الخيار وضع لاستثناء حكم العقد)، لأن الشرط دخل على حكم العقد وهو لزوم الملك في البياعات لما ذكر، والمعلق بالشرط عدم قبله فصار كالاستثناء من حيث المنع، إلا أن الاستثناء يمنع انعقاد السبب في حق المستثني وشرط الخيار يمنع الحكم، لأن شرط الخيار لما ثبت بخلاف القياس ظهر أثره في حق الحكم تعليلًا لعمله مهما أمكن، فإذا امتنع الحكم بقي الخيار وفاتت صفة اللزوم عن البيع وخيار الفسخ بناء على فوات صفة اللزوم وكما في الوكالة، لا أن أشرط الخيار وضع للفسخ لا محالة، لأن حكم التخيير الاختيار كما أن حكم الكسر الانكسار، وبثبوت الاختيار له صار العقد غير لازم، وقوله: "لأن الخيار" أي التخيير.
وقوله: (لعدم الاختيار) أي لعدم اختياره أحد الحكمين وهما الفسخ والإجازة، ولعدم الاختيار أثر في عدم لزوم العقد كما في بيع المكره والهازل، فإن السبب فيهما قد انعقد ولكن غير لازم، ولما لم يوضع شرط الخيار للفسخ لا محالة لم يكن الفسخ حكمًا للخيار، لأن حكم الشيء يثبت بذلك الشيء لا محالة فحينئذ يصير من له الخيار بالفسخ متصرفًا على صاحبه بالإلزام، لأن صاحبه ربما يجري على موجب العقد على ما هو ثابت عنده من
(5/2350)

غير خيار فهو بالفسخ يلزمه خلاف موجب العقد فيشترط علم صاحبة قبل مضي مدة الخيار دفعًا للضرر عنه.
قوله: (لا أن الخيار للفسخ لا محالة) جواب عن قوله أبي يوسف رحمه الله- فإنه يقول: إن صاحب الخيار مسلط على الفسخ من قبل صاحبه فلا يتوقف على علمه، وهما يقولان: إن الخيار لم يوضع للفسخ.
ألا ترى أن من اشترى شيئًا قبل الرؤية كان له حق الفسخ بخيار الرؤية بناء على فوات صفة اللزوم عن العقد لا أن الخيار وضع للفسخ، إذا لو كان موضوعًا للفسخ لوجد الفسخ لا محالة، لأنه حكمه بل ربما لا يفسخ ويجيز.
(صح في الثلاث) أي في ثلاث أيام (وبعد الثلاث) لا يصح أي سواء كان عدلًا أو غير عدل، (فإن وجد أحدهما) أي العد أو العدالة.
(5/2351)

فصل في السكر
(فإنه يحل له)، لأن الخمر في حال الإكراه مبقاة على الأمر الأصلي من الحل للاستثناء، قال اله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتهم إليه) فالصدر للتحريم وهذا مستثني منه وحكم المستثني يخالف حكم المستثني منه فيكون حكم المستثني الحل لا محالة.
الأفيون: دواء مخدر بسبب كه إنسان رابيهوش ميكند، أو شرب لبنًا فسكر به كلبن الرماك.
(5/2352)

(لأن ذلك ليس من جنس اللهو) أي في اصله ليس هو من جنس اللهو.
عتق الشيء- بالضم- عتاقة أي قدم، وعتقته أنا تعتيقًا أي جعلته قديمًا وسابقًا، والمعتقة الخمر التي عتقت زمانًا حتى عتقت، وفي المصادر التعتيق: كهنه كردن خمر شدن.
(وهذا السكر) أي السكر الذي حصل من الشرب الحرام.
(5/2353)

(لا يقال للعاقل: إذا جننت فلا تفعل كذا)، لأن ذلك تعليق الخطاب إلى حالة منافية ل لخطاب، فلما صح هاهنا إضافة الخطاب إلى حالة السكر علم أنه مخاطب حالة السكر، وإنما قلنا إنه علق الخطاب بحالة السكر، لأنه قال: (وأنتم سكارى) جعل حالة السكر شرطًا لهذا الخطاب، لأنه جعلها حالًا والأحوال شروط كما إذا قيل: إن دخلت الدار وأنت راكبة فأنت طالق، والمعلق بالشرط عدم قبله فيوجد الحكم المعلق عند وجود الشرط لما أن المعلق بالشرط كالملفوظ عند وجود الشرط، فإذا كان مخاطبًا بخطاب الشرع وهو الأصل كان أهلًا لجميع الأحكام، لأن خطاب الشرع بناء على الأهلية الكاملة.
(5/2354)

(وإنما ينعدم بالسكر القصد)، لأنه عديم العقل دون العبارة، لأنها توجد حسًا وعيانًا.
(لم تبن منه امرأته استحسانا) لعدم القصد، لأن الرجل إذا تلفظ بلفظ الكفر، وعلمنا عدم قصده لا نجعله كافرًا ب خلاف ما إذا قال هازلًا وهو كفر، لأنه استخفاف بدين الإسلام، حتى إن من أراد أن يقول في دعائه: اللهم أنت بي وأنا عبدك، فجرى على لسانه عكسه لا يكفر ل عدم الركن وهو الاعتقاد بخلاف الإسلام فإن الإقرار ركن على قول الفقهاء، ولهذا لو اعتقد الإسلام ولم يقرب اختيار لم يكن مسلمًا، وإذا أسلم مكرهًا يحكم بإسلامه بناء على وجود أحد الركنين ترجيحًا للإسلام على الكفر.
فلهذا قال في الكتاب (إذا أسلم يجب أن يصح إسلامه كإسلام المكره)
(5/2355)

بخلاف المكره إذا أجرى كلمة الكفر على لسانه حيث لا يكفر، لأن الإسلام يعلو ولا يعلي. هذا كله كان بخط الإمام ر كن الدين الأفسنجي- رحمه الله.
(لأن السكر دليل الرجوع)، لأن السكران لا ثبات له على ما يقول ف ي حال سكره، فقل ما يثبت بعد الصحو على ما قال في احل سكره فدل على الرجوع فيجعل عاملًا في حق حكم يقبل الرجوع.
(وذلك لا يبطل بصرحه فبدليله أولي) أي وحد القذف بعد ثبوته بالقذف أو بالإقرار لا يبطل بصريح الرجوع فبدليل الرجوع وهو السكر أولي أن لا يبطل.
(5/2356)

(حد إذا صحا)، لأن الزنا موجود مشاهدة فلا مرد له بعد الوجود، وغاية ما في الباب أن فيه عدم القصد بسبب السكر، ولكن ذلك العدم إنما نشأ من الشرب الذي هو معصية ف لا يصلح سببًا للتخفيف عليه، ولكن يحد إذا صحا ليفيد فائدته.
(وإذا أقر بشي من الحدود فلا يؤخذ به إلا بحد القذف)، لأن الرجوع يصح فيما سوى حد القذف والقصاص، وهاهنا قد قارنه دليل الرجوع، فلأن كان مانعًا من وجوب الحد كان أولي.
(وكذلك إذا كان مباحًا مقيدًا) أي مقيدًا إباحته بشرط أن لا يسكر يعين أن السكر الحاصل من المباح المقيد كنبيذ التمر والزبيب فحكم هذا السكر كحكم السكر الحاصل من الحرام في أنه لا يعد عذرًا، وقال في "المبسوط" وفي المثلث المطبوخ من ماء الزبيب يفصل بين القليل والكثير ف لا باس بشرب القليل منه.
(5/2357)

وإنما يحرم منه ما يتعقبه السكر وهو القدح الأخير، وقال ابن عباس- رضي ال له عنهما-: الكأس المسكر حرام، وقال أبو يوسف- رحمه الله-: وإنما مثل ذلك مثل دم في ثوب فلا باس بالصلاة به إن كان قليلًا، وإذا كثر لم تحل الصلاة فيه.
ألا ترى أن اللبن وما أشبه ذلك حلال فلا ينبغي له إن كان يسكر أن يستكثر منه.
ألا ترى أن البنج لا باس به بأن يتداوى به الإنسان، فإذا أراد أن يذهب عقله منه فلا ينبغي له أن يفضل ذلك.
(لعدم ركنه) أي ركن الردة بتأويل الارتداد وهو القصد.
(إلا أن من عادة السكران اختلاط الكلام) هذا استثناء من قوله: أما الحدود فيقام عليه إذا صحا واستثنى منه وقال: إن الحد الذي ثبت بالإقرار فإنه لا يقام عليه إذا صحا لوجود دليل الرجوع وهو السكر، والمراد من قوله: يقام عليه الحدود إذا صحا هو الحدود التي تثبت بأسبابها معاينة بمباشرتها في
(5/2358)

حال السكر كالزنا والسرقة، والحد الذي لا يقبل الرجوع إذا ثبت بالإقرار كحد القذف.
(وقد زاد أبو حنيفة- رضي الله عنه- في حق الحدود) حيث قال: هو أن لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من النساء، (فيحتمل أن يكون حده في غير الحد هو أن يختلط) يعني يحتمل أن يكون حد السكر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه- غير حد السكر الذي قال في حق إقامة الحد على السكران، وأن يقول حد السكر في غير إقامة الحد هو أن يختلط كلامه كما قالا في حد السكر في جميع الصور بذلك.
وأما حد السكر عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- في حد إقامة الحد فهو أن يبلغ حدًا لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من النساء ب عد تحقق اختلاط كلامه، لأن الحد مما يحتال في إسقاطه.
(5/2359)

وأما في حق غير الحد من الأحكام كالقول بعدم صحة ردته والقول بصحة إيمانه والقول بعدم إقامة الحدود الخالصة لله تعالى بإقراره فحده هو أن يختلط كلامه كما قالا. والله اعلم.
(5/2360)

فصل في الهزل
(وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له).
وقال الشيخ الإمام أبو منصور- رحمه الله- الهزل ما لا يراد به معني، وبهذا ظهر الفرق بين الهزل والمجاز، فإن المجاز ما أريد به معنى مصطلح عليه ولم يرد به ما وضع له، بل أريد به غيره لمناسبة بينهما.
وأما الهزل فهو أن يراد به ما لم يوضع له، وهو ليس بمعني مصطلح عليه ل عدم مناسبة بين ما وضع ل ه لغة وبين ما أريد به من المعني.
اعلم أن الجد أعم من الحقيقة، فإن الحقيقة تكون جدًا إذا لم تكن هزلا.
(5/2361)

وأما ما يكون جدًا فلا يلزم أن يكون حقيقة كالمجاز، فإن المجاز يوجد كثيرًا في كلام الله تعالى، وتعالى كلامه عن الهزل على ما نص الله تعالى بقوله: (إنه لقول فصل * وما هو بالهزل).
(ولا يعدم الرضا والاختيار) فرق بين الرضا والاختيار، لأنهما غيران، لأنه يحتمل أن يكون لإنسان رضا بالشيء ولا يقع اختياره به.
(وشرطه أن يكون صريحًا مشروطًا باللسان) أي شرط أن يكون الهزل في البيع هو أن يشترط باللسان قبل البيع في الخلوة صريحًا لا أن يثبت ذلك بطريق دلالة الحال.
(إلا أنه لا يشترط ذكره في نفس العقد)، لأنه لو شرط ذلك في نفس العقد لا يحصل مقصودهما ويفوت غرضهما، لأن الغرض من البيع هازلًا
(5/2362)

هو أن يعتقد الناس بيعًا لازمًا نافذًا وليس ذلك ببيع في الحقيقة.
(والتلجئة: هي الهزل) من حيث إنهما لا يراد بهما معنى ما يلفظ به المتعاقدان إلا أن الهزل أم من التلجئة، لأن التلجئة أن يصير المرء مضطرًا إليه، يقال: لجأه إذا اضطره، وهذا يقتضي أن يكون ما قصد إليه المتبايعان من الغرض سابقًا على البيع لا محالة بخلاف الهزل، فإنه جاز أن يكون ما قصداه من الغرض سابقًا وجاز أن يكون مقارنًا للعقد بأن قال: بعت هذا هازلًا، (وإذا كان كذلك) أي وإذا كان معني الهزل ما ذكرنا بأنه ينافي اختيار الحكم والرضا ولا ينافي الرضا بالمباشرة.
(فيما لا يحتمل النقض) كالطلاق (أو فيما يحتمله كالبيع).
إما أن يهزلا بأصله أي بأصل بأن يذاكرا لفظ البيع وليس من
(5/2363)

غرضهما البيع، أو يعقدا هازلين على أن لا بيع بينهما (أو بقدر العوض) بأن عقدا بالعين بشرط أن يكون الثمن ألفا، (أو بجنسه) بأن عقدا بالدنانير على أن يكون الثمن الدراهم أو على العكس.
(ثم يتفقا على الأعراض) أي بعد العقد.
(فانعقد فاسدًا غير موجب للملك) أي أبدًا بخلاف ما إذا كان الفساد بوجه آخر، فإنه يوجب الملك إذا اتصل القبض به فكان هذا نظير خيار الشرط أبدًا فإنه لا يوجب الملك.
وإن اتصل القبض به (كخيار المتبايعين معًا) في أنه غير موجب للملك، وفي كل واحد منهما يتفرد بالنقض. أما لا تنفرد بالإجازة، لأن للآخر ولاية النقض. وقال في "المبسوط": وإذا كان الخيار للبائع والمشتري جميعًا
(5/2364)

لم يتم البيع بإجازة أحدهما حتى يجتمعا عليها.
(وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- يجب أن يكون مقدرًا بالثلاث) أي رفع الفساد والإجازة يتقدم بثلاثة أيام عنده كخيار الشرط أبدًا حتى إنه إذا رفع المفسد بعد الثلاث لا يجوز هناك فكذا هنا.
وقوله: (ولهذا) إيضاح لحكم قوله: كخيار المتبايعين معًا، (ودلالة هذه الجملة) وهي أن الهزل لم يكن منافيًا للأهلية وأن الهازل مختار راض بمباشرة السبب ولا يمنع الانعقاد، لأنه لو كان منافيا للأهلية أو كان مانعًا للانعقاد لما صح النكاح، لأن الشيء لا يثبت بدون ركنه وأهلية فاعله. ألا ترى أن النكاح لا يثبت بالتعاطي لعدم ركنه ولا ينعقد بعبارة المجنون لعدم أهلية الفاعل، علم بهذا أن عبارة الهازل صحيحة في حق انعقاد السبب.
(لا يؤثر في النكاح بالسنة) وهي قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد
(5/2365)

وهزلهن جد"، (وإنما دخل على الحكم) لما بينا أنه ينافي الرضا بالحكم كبيع المكره والبيع بخيار الشرط.
(في الحالين) يعني إذا لم يحضرهما شيء أو اختلفنا. (فإن العقد باطل) أي فاسد بدليل صحة الانعقاد ولكن فيه فساد، لأنه بناء على المواضعة عندهما.
(5/2366)

(فالقول قول ما يدعي البناءِ) أي عندهما (إلا أن يوجد النص على ما ينقضها) أي إلا أن يوجد صريح قول بنقض المواضعة وهو أن يتفقا على الإعراض عن المواضعة.
(لكنه قال: وقال أبو حنيفة- رحمه الله-) أي لكن أبا يوسف قال: وقال أبو حنيفة- رحمه الله- (فيما أعلم) هذا (ليس بشك في الرواية) ولا تردد فيثبت الاختلاف. يعني أن عند أبي حنيفة- رحمه الله- جازمًا في الرواية عن أبي حنيفة- رحمه الله- أن البيع عنده صحيح فيثبت الاختلاف، (لأن من مذهب أبي يوسف- على قوله- لازم)، ولا يكون قوله: (فيما أعلم" للشك، لأنه لو كان للشك لما وجب شيء، كما إذا قال بعد الإقرار إن شاء الله، لأن الأصل براءة الذمم فلا يثبت بالشك شيء.
(ومنهم من اعتبر هذا ب قول الشاهد عند القاضي فلم يثبت الاختلاف)، لأن الشهادة لما بطلت بقول الشاهد فيما أعلم بطلت روايته عن أبي حنيفة
(5/2367)

رضي الله عنه- هاهنا أيضا اعتبارًا بمسالة الشاهد فلم يثبت روايته عن أبي حنيفة- رحمه الله- في أن البيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه الله- لكن الصحيح هو الأول يعني أن الخلاف بينهم ثابت، فالبيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه الله- خلافًا لهما.
وقوله: وكذلك يحكي محمد عن أبي حنيفة- رحمهم الله- قوله في كتاب الإقرار في باب الإقرار بالبراءة وغيرها من إقرار "المبسوط" وذكر فيه هذه المسألة بهذه العبارة، ولو قال: إني أريد أن ألجيء إليك داري هذه وأشهد لك بالبيع وقد حضر الشهود تلك المقالة فإن أبا حنيفة- رحمه الله- قال ف يما أعلي: يقع البيع والمقالة التي كانت قبله باطلة.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- البيع باطل على الكلام الأول، ثم قال: ومعنى قوله: "ألجيء" أي أجعلك ظهرًا لي لا تمكن بجاهك من صيانة ملكي. يقال التجأ فلان إلى فلان وألجأ ظهره إلى كذا والمراد هذا المعني.
وقيل معناه: أنا ملجأ مضطر إلى ما أباشره من البيع معك ولست بقاصد حقيقة البيع، ثم صحح أبو يوسف روايته عن أبي حنيفة- رحمه الله- بقوله: فيما أعلم، لأن الرواية عن الغير كالشهادة، وهذا اللفظ شك في الشهادة عند أبي يوسف- رحمه الله-
(5/2368)

ولكن روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهم الله- مطلقًا أن البيع جائز.
وروى محمد- رحمه الله- في الإملاء عن أبي حنيفة- رضي الله عنه- أن البيع باطل وهو قولهما.
وقوله: "فيما أعلم" ملحق برواية أبي يوسف، فحينئذ يكون الشك في رواية أبي يوسف في أنه هل سمع من أبي حنيفة- رضي الله عنه- أم لا؟ أما فتوى أبي حنيفة- رحمه الله- فمشهورة بأن الصحة أولي عنده.
(العقد المشروع لإيجاب حكمه في الظاهر جد) معناه البيع مشروع وهو في الظاهر جد لإثبات حكمه وهو الملك، لأن الهزل لم يتصل بهذا البيع نصًا فكان العمل بالجد أولى، وإنه سبقه الهزل فرجحنا كونه جدًا باعتبار
(5/2369)

الصحة، وقالا: السبق من أسباب الترجيح وترجح جهة الهزل بالسبق، وذلك لأن حالة الهزل لم يعارضها شيء فتثبت هي نصًا بلا معارض، والسكوت في حالة العقد أو الاختلاف في البناء والإعراض لا يصلح معارضًا لما سبق، لأنه لم يتعرض لا ل لهزل ولا للجد فوجب العمل بالسابق.
وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه- العقد لخالي عن الهزل نصًا يصلح معارضًا وناسخًا للأول باعتبار حمل أمر المسلمين على الصحة والسداد، وهو معنى قوله: (الآخر ناسخ) أي البيع الخالي عن الهزل نصًا ناسخ للهزل السابق.
(وأما إذا اتفقا على الجد في العقد) هذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة، وهو قوله: أو ب قدر العوض (كان الثمن ألفين) لبطلان الهزل بإعراضهما باتفاقهما.
(لما ذكرنا من الأصل) أي أصل أبي حنيفة- رحمه الله- وأصلهما فإن من أصل أبي حنيفة- رحمه الله- أن العقد المشروع كان ظاهرة في الجد، فكان
(5/2370)

العمل بالصحة أولي حملًا لأمر المسلمين على ال صلاح، ومن أصلهما أن العمل بالهزل أولي لما أن الهزل سابق والسبق من أسباب الترجيح.
(لأنهما جدًا في العقد)، لأن هزلهما ومواضعتها في البدل لا في نفس العقد، لأنهما عقدا العقد جدًا (والعمل بالمواضعة يجعله شرطًا فاسدًا)، أي العمل بالمواضعة في البدل يجعل ق بول ال بيع بألفين شرطًا فاسدًا، لأنه شرط قبول ما هو غير داخل في ال بيع (فيفسد البيع) كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما.
(فكان العمل بالأصل عند التعارض أولي من العمل بالوصف) يعني أن الجد في العقد مع الهزل في ثمن يتعارضان، لأن كون العقد جدًا يوجب صحة البيع ب الألفين والعمل بالهزل في قدر ال ثمن يوجب فساد البيع فكان الأصل أولي، لأن التبع لا يعارض الأصل فصار بمنزلة خلوة عن المعارضة في الوصف لعدم اعتبار الوصف بمقابلة الأصل (أعني تعارض المواضعة في البدل والمواضعة في أصل العقد) فإنهما تواضعا على شيئين.
أحدهما: أن يكون الثمن ألفًا وإن كان البيع واقعًا بألفين، وهو يوجب فساد العقد.
والثاني- أن يكون العقد صحيحًا، لأنهما لم يتواضعها على عدم العقد
(5/2371)

والعمل بهما أي بالفساد والصحة غير ممكن والقول بصحة العقد مع أن يكون الثمن ألفًا ممكن والعقد أصل والثمن فيه تابع فكان الثمن للبيع بمنزلة الوصف فالفساد الطارئ منه كان فسادًا في ال وصف فيكون الأصل أولي بالاعتبار وفيه صحة العقد.
(بخلاف تلك المواضعة) أي المواضعة في اصل العقد فإنها مخالفة للمواضعة في البدل، لأن تلك المواضعة تقتضي جوازه بالاتفاق على كل حال سواء اتفقا على البناء أو الإعراض أو اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا، وغنما ذكر هذا للفرق بين ما إذا اتفقا على البناء في الهزل بأصل العقد، فإن ذلك فاسد على قول أبي حنيفة- رحمه الله- أيضًا.
وأما مسألتنا وهي ما إذا جدًا في اصل العقد وهزلا في قدر البدل ففي قولهم جميعًا يصح في الصور الأربع على ما ذكرنا في ظاهر الرواية.
وإنما قلت: إن القول بالجواز قولهم جميعًا في ظاهرة الرواية لأنه ذكر في "المبسوط" في باب التلجئه من الإكراه، ولو أن رجلًا قال لولي امرأة: إني أريد أن أتزوج فلانة على ألف درهم ويسمع بألفين والمهر ألف، فقال
(5/2372)

الولي: نعم أفعل، فتزوجها على ألفين علانية كان النكاح جائزًا والصدق ألف درهم إذا تصادقا على ما قالا في السر- إلى أن قال- وكذلك البيع، ثم قال: وهذا الجواب في البيع قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- وهو أدى الروايتين عن أبي حنيفة- رضي الله عنه.
وأما في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمها الله- فالبيع فاسد إذا تصادقا عل أيهما شاء على تلك المواضعة.
ووجه الفرق أن شيئًا من الجد لم يعارض الهزل هناك فكان حكم الهزل ثابتًا في صورة البناء ففسد العقد لذلك.
وأما هاهنا فقد عارض ل صور الهزل الجد في اصل العقد، فلذلك رجحنا جانب الصحة في الصور الأربع ترجيحًا لجانب الأصل على جانب الوصف وحملًا لأمر المسلمين على الصلاح لما أنهما لم يذكرا الهزل في البدل حال ال عقد واتفاقهما على البناء إنما كان بعد العقد والاتفاق الطارئ لا يؤثر في العقد الماضي.
(فإن البيع جائز على كل حال) أي الصور الأربع من الاتفاق على الأعراض والبناء والاختلاف وما لم يحضرهما شيء من الأعراض والبناء، وهذا لأن الدنانير إذا كانت تلجئه أي هزلًا تعذر العمل بالهزل وبالجد، لأن العمل بالهزل أن لا يكون الدنانير ثمنًا، على هذا لا يمكن العمل بالجد في
(5/2373)

أصل العقد وهو صحة البيع، لأن البيع بدون الثمن باطل، فلذلك رجحنا جهة الجد وهو الفرق لهما بخلاف الهزل في القدر، لأن أحد الألفين شرطا لا طالب له لاتفاقهما على عدم التسمية فلا يفسد البيع، كمن اشترى حمارًا على أنه لا يعلفه لا يفسد البيع، لأن هذا شرط لا طالب له من جهة الخلق، والبيع لا يصح بغير الثمن والثمن ما يذكر في العقد فلو لم يجب ما هو المذكور في العقد يبقى البيع بلا ثمن، والبيع بلا ثمن فاسد فكان جعل الثمن ما هو المذكور في العقد وهو الدنانير أولي ليصح العقد.
وهو معنى قوله: (فصار العمل بالمواضعة أولي) أي العمل بالمواضعة المذكورة في العقد وهي الدنانير أولي، فحصل من هذا كله أن البيع بالهزل في قدر العوض مع الحد في اصل البيع والبيع بالهزل في جنس العوض مع الجد في اصل البيع جائز بالاتفاق في الصور الأربع وفي كل واحد منهما.
غير أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه- رحمهم الله- فيما إذا كان الهزل في قدر البدل كان الثمن هو المذكور في العقد عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- وهو الألفان من الدراهم وعندهما الثمن هو المذكور في السر وهو ألف درهم.
(5/2374)

وأما إذا كان الهزل في جنس البدل كان الثمن هو المذكور في العقد بالاتفاق، والفرق لهما هو أنه إذا اتحد الجنس مع الهزل في القدر ممكن أي يجعل بعض المذكور ثمنًا فصار بعض الثمن ب منزلة الإسقاط بعد الوجوب بسبب أنه لا طالب له ولا يمكن مثل ذلك التقدير فيما إذا اختلف جنس العوض فلذلك كان الثمن هو المذكور في العقد ليصح العقد.
(وأما فيما لا يحتمل النقض فثلاثة) أنواع وعدم احتمال النقض فيه هو أن لا يجري ف يه الفسخ والإقالة كالطلاق والعتاق والهزل فيه أن يواضع الرجل امرأته أنه يطلقها علانية ولا يكون بينهما طلاق، وكذلك العتاق والعفو عن القصاص.
والمواضعة في اليمين في: أن يواضع مع امرأته مثلًا إني أقول إن دخلت الدار فأنت طالق لكني أقول ذلك بطريقة الهزل لا بطريق الجد، وكذلك النذر بأن قال: نذرت هازلًا، أو تواضع مع فقير أنه يوجب على نفسه التصدق عليه على ملأ من الناس ولكن يكون في ذلك هازلًا، أو نوي في هذه الصور كلها في نفسه أنه هازل فيما صدر منه من الطلاق والعتاق والنذر واليمين والعفو عن القصاص.
(ما لا مال فيه أصلا) أي لا يجب لا مال فيه بدون الشرط.
(5/2375)

وأما إذا شرط المال فيجب، (وحكم هذه الأسباب لا يحتمل الرد والتراخي) أي لا يحتمل الرد بالإقالة ولا يحتمل التراخي بشرط الخيار كما يحتمل هنا البيع.
(والعقد لازم)، لأن الهزل ملحق بخيار الشرط فكل ما يؤثر فيه خيار الشرط يؤثر فيه الهزل والنكاح عقد لا يؤثر فيه خيار الشرط فلا يؤثر فيه الهزل وأيده قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد".
(بخلاف مسألة البيع عند أبي حنيفة- رحمه الله-) حيث يجعل هناك الثمن ألفين وإن اتفقا على البناء، لأنه أي لأن البيع (بالشرط الفاسد يفسد) والعمل بمواضعة السر يفسده فلا يعمل بها بل يعمل بالأصل وهو الجد في العقد دون الوصف وهو الثمن.
وأما النكاح فلا يفسد بالشرط الفاسد فيعمل بالمواضعتين وهما جواز العقد وأن يكون المهر ألفًا.
(5/2376)

(بخلاف البيع)، لأن المهر تابع في هذا، لأنه يصح النكاح بدون ذكره ولا كذلك الثمن.
فإن قيل: قد ذكر قبل هذا: "فكان العمل بالأصل- أي بنفس العقد- عند التعارض أولي من العمل بالوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف تبع للموصوف ثم ذكر هاهنا في مقام الفرق بين البيع والنكاح، لأن المهر تابع، فكان فيه إشارة إلى أن الثمن ليس بتابع في البيع فما وجهه؟
قلنا: وجهه إن في الثمن معني الأصالة ومعنى التبعية بدليل شهادة الأحكام على ذينك المعنيين فمعني الأصالة هو أن لا يصح البيع بدون ذكره والجهالة فيه مانعة لصحة البيع، ومعنى التبعية فيه هو أنه يحتاج في الشراء إلى أن يكون الثمن موجودًا في ملك المشتري ولا يتوقف صحة الإقالة إلى بقائه فكان هو في البيع بمنزلة الركن الزائد كالقراءة في الصلاة والإقرار في الإيمان.
وأما المهر في النكاح فتابع من كل وجه وليس فيه شيء من دلالة الأصالة في النكاح فلذلك سماه تبعًا على الإطلاق في مقام الفرق بينه وبين الأصل من كل وجه جانب الوصفية التي هي تدخل على التبعية، وذكر هاهنا في مقام الفرق بينه وبين التبع
(5/2377)

من كل وجه جانب الأصالة الذي يدل على المتبوعية ليتبين تفاوت الأحكام والفروق بالالتئام.
(فلا يجعل مقصودًا في الصحة) أي فلا يجعل المهر مقصودًا في صحته تابع من كل وجه، فلو اعتبرنا تصحيح التسمية وأوجبنا ألفين كما في البيع يصير المهر مقصودًا في الصحة وهو في نفسه تابع من كل وجه، فلا يجوز أن تكون مقصودًا صحته بوجه من الوجوه لما أن النكاح بدونه صيح من أن في تصحيح تسمية المهر على ما ذكر في العلانية ترك العمل بالمواضعة في حق المهر.
وأما لو اعتبرنا في باب البيع صحة التسمية لا يكون الثمن مقصودًا منه، بل المقصود منه جواز البيع، لأنه لا يصح بدونه فاعتبرنا صحة التسمية عملًا بإحدى المواضعتين تصحيحًا لمواضعه جواز البيع، وإن كان فيه ترك المواضعة الأخرى وهي وجوب الأقل من الثمن.
وأما هاهنا لو اعتبرنا ترك العمل بمواصفة الأقل كان فيه إبطال العمل بمواضعة الأقل وليس في إبطاله تصحيح المواضعة الأخرى وهي جواز النكاح لما أن النكاح بدونه جائز.
(5/2378)

(وأن التسمية في الصحة مثل ابتداء البيع) أي تسمية المهر في صحتها واعتبارها مثل صحة تسمية الثمن واعتبارها في ابتداء البيع وهو ما إذا تواضعها على البيع بألف وعقدا على ألفين فإن عند أبي حنيفة- رحمه الله- اعتبار صحة تسمية الثمن في العقد أولي حتى يجعل الثمن ألفين فكذا هاهنا، وهذا لأن موجب البيع الصحة والفساد بالعارض، فلما وجب العمل هناك بصحة البيع مع وجود الهزل والهزل يؤثر في البيع حتى وجب الألفان من الثمن وجب أن تصح التسمية هاهنا ويجب الألفان من المهر بالطريق الأولي، لما أن الهزل لا يؤثر هاهنا في الأصل وهو النكاح، فيجب أن لا يؤثر أيضا في تبعه وهو المهر، لأن التبع فيما يثبت إنما يثبت على وفاق الأصل لا على خلافه، فلذلك قيل: إن هذه الرواية وهي رواية أبي يوسف أصح من رواية محمد- رحمهما الله-.
(وجب مهر المثل بلا خلاف) لما ذكرنا أن المهر تابع ولا يجعل مقصودًا
(5/2379)

بالصحة فيكون النكاح بلا مهر فيجب مهر المثل، (وعلى رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أنه يجب المسمي) للدليل الذي ذكرنا في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فيما إذا كان الهزل في قدر المهر على ما ذكرنا آنفًا، وهو أن المهر تبع للشيء الذي لا يؤثر فيه الهزل وهو النكاح فلا يؤثر في تبعه فكان المهر هو المذكور في العلانية ضرورة.
(فإن ذلك على هذه الأوجه أيضًا) وهي اثنا عشر وجهًا وهي: أن الهزل إما أن دخل في الأصل، أو في قدر المال، أو في جنس المال، ثم تدور هذه الثلاثة في الأربعة التي ذكرناها من البناء والإعراض ولم يحضرهما شيء واختلفا فكان اثني عشر وجهًا.
(لكنه غير مقدر بالثلاث في هذا بخلاف البيع) أي مشيئة المرأة الطلاق
(5/2380)

غير مقدرة عند أبي حنيفة -رحمه الله- بخلاف الخيار فى البيع فإنه مقدّر بالثلاث عنده؛ لأن البيع يفسُد بالشروط الفاسدة فيفسُد البيع بالهزل؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط مؤّبدًا وعنده أن المفسد إذا ارتفع قبل مُضي ثلاثة أيام يعود إلى الجواز.
أما إذا ارتفع بعد ثلاثة أيام فلا يعود إلى الجواز.
وأما الخلع فلا يفسد بالشرط الفاسد فيصح اختيار الخلع من المرأة وإن كان بعد الثلاث وهذا لأن الشرط فى باب الخلع ملائم للقياسِ لما أن تعليق الطلاق بالشرط جائز لكون الطلاق من الإسقاطات بخلاف البيع، فإن تعليق البيع بالشرط باطل؛ لأنه من الإثباتات وثبت خيار الشرط فى البيع بالنص بخلاف القياس، وقد ورد مقدّرًا بالثلاث فيبطل فيما وراء المنصوص عملًا بالقياس.
أما هذا فملائم للقياس فصح غير مقدّر فلا ضرورة فى التوقيت بالثلاث.
وإن هزلا بالكل أي بأصل الخلع والبدل والجنس وهذا لزيادة التأكيد فإن الهزل لما كان فى أصل الخلع كان أيضًا فى البدل والجنس.
(ووجب المال بالإجماع) أما عندهما فلأن الهزل لا يمنع من وقوع الطلاق ووجوب المال بطريق التبعية لوقوع الطلاق.
وأما عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-فلأن المواضعة بطلت فى صورة الإعراض بأعراضهما وكذلك إن اختلفا. أما عندهما فلما أن الهزل لا
(5/2381)

يؤثر في الخلع وفى بدله فيقع الطلاق ويجب المال.
وأما عنده (فلأنه جعل القول قولَ من يدّعى الإعراض) فى جميع الصور وكذلك فى صورة السكوت؛ لأنه جعل الإيجاب أولى، (لأنه يجعل ذلك مؤثرًا في أصل الطلاق) أي يجعل الهزل مؤثرًا فى الطلاق من حيث إنه لا يقع كما فى البيع (وعندهما هو جائز) أي الخلع واقع ثابت، (ولا يفيد الاختلافُ) أي اختلاف الزوجين فى البناء والإعراض؛ لأن عندهما الهزل غير مؤثر فى باب الخلع أصلًا؛ لأنه غير مؤثر فى أصل الطلاق ولا فى البدل أيضًا ويجب المسمى إذا اتفقا على البناء.
فكذلك إذا اختلفا بل بالطريق الأولى فلا يفيد اختلاف الزوجين؛ لآن لحكم فى حال اتفاق الزوجين على البناء أو على الإعراض أو عند اختلافهما سواء يعنى أن الخلع واقع والمالَ لازم فلا يفيد الاختلاف فكان الجواب فى هذا لفصل عند الكل واحدًا، لكن على اختلاف التخريج، فعند أبى حنيفة-رضى الله عنه-باعتبار المعنى الذى ذكرنا، وهو أنهما إذا اختلفا فى البناء والإعراض كان القول من يدّعى الإعراض، وعندهما باعتبار عدم تأثير الهزل فى الخلع أصلًا (لأنهما جعلا المال لازمًا بطريق التبعية) يعني أن
(5/2382)

الخلع واقع بالهزل؛ لآن الهزل لا يؤثر فيه عندما فيجب المال كله آيضا وإن كان الهزل يؤثر فى إيجاب المال كما فى البيع؛ لأنه ثبت المال هنا فى ضمن الخلع والعبرة للمتضمًن لا للمتضمًن كالوكالة الثابتة فى ضمن الرهن فلم يؤثر الهزل فى المال أيضًا لذلك فيجب جميع المسمى وإن كان إيجاب المال في بعضه بطريق الهزل.
(يجب أن يتعلق الطلاق باختيارها) أي باختيار المرأة جميع المسمى فى الخلع جدّا، وهذا لأن الهزل لما كان مؤثرا فى الخلع عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-لمَ يقع الطلاق فيما إذا اتفقا على البناء، فوجب ان يتعلق الطلاق باختيارها كلَ البدًل جدًا؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط وفى خيار الشرط يتعلق باختيارها فكان الطلاق معلًقا بقبول كل البدل أو البدل ألفان فكان الخلع واقعًا على الأبفين.
ما فى أحد الألفين فلا شك؛ لأنه جدّ فيتعلق به لا محالة وكذلك يتعلق بالألف الأخرى؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط لا يوجد قبل وجود الشرط؛ (لأن الطلاق يتعلق بكل البدل)؛ لأن الطلاق يتعلق بما علّق به الزوج والزوج علق الطلاق بألفين وإن كان هازلين بأحدهما والمرأة ما قبلت بعضها جدًا لكونهما هازلين فى الألف فكون القبول واقعًا ببعض البدلَ لا بكله فلا يقع الطلاق كام إذا قال: أنت طالق بألفين فقبلت أحد الألفين.
(وقد تعلق بعضه بالشرط) أي بعض البدل بالشرط وهو اختيارها فلا بد
(5/2383)

من وجوده لوقوع الطلاق؛ لأن الهزل من جانبها بمنزلة خيار الشرط ولا يقال بأن الألف فى هذا جدّ، وقد وُجد القبول فصار كأن الخلعَ واقع على الألف فيقع الطلاق؛ لأنا نقول: نعم كذلك.
لكن الألف الأخرى معلق وجوبها والطلاق بالألفين حالة الخلع فتعلّق بهما جميعًا. غاية ما فى الباب أن النظر إلى الألف الجد يوجب وقوع الطلاق والنظر إلى الألف الأخرى لا يوجب فلا يجب بالشكَ، والفقه فيه ما ذكرنا قبل هذا وهو انه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط عَدَمُ قًبْل وجود الشرط.
(وعندهما كذلك لما قلنا) آى يقع الطلاق ويجب المال كله لما قلنا من أصلهما أن الهزل لا يؤثر فى الخلع فكذا فى بدله.
(وأما إذا هزلا بأصل المال) أي بجنس المال بأن ذكرا فى العلانية أن بدل الخلع الدنانير (وغرضهما الدراهم فإن المسمى هو الواجب عندهما) أي عند أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله- (في هذا بكل حال) أي سواء اتفقا على الإعراض أو البناء أو اختلفا أو اتفقا على أنه لم يحضُرهما شيء لما بينا
(5/2384)

أن الهزل لا يؤثر عندهما فى الخلع وفى بدله، فيقع الخلع ويجب المال بطريق التبعية للخلع، (وصار) أي وصار وجوب المال (كالذى لا يحتمل الفسخ بطريق التبعية) للخلع، وإن كان وجوب المال فى نفه مما يحتمل الفسخ.
(وكذلك هذا فى نظائره) أي الحكم الذى بينا فى الخلع هو الحكم فى نظائره وهو الصلح عن دم العمد والعتق على المال. أطلق لفظ الجمع على الاثنين حيث لم يقل فى نَظيرَيه لقرب الاثنين من الجمع أو أراد بقوله: ((في نظائره)) إلحاق ما هو فى معناهما كالطلاق على مال وإن لم يذكره؛ لأن الطلاق على مال بمنزلة العتق على مال فجاز أن يُلحق بهما، فكانت هذه الثلاثة حينئذ نظائر الخلع.
والدليل على صحة ما ذكرنا من أن الطلاق على مال ملحق بالعتاق على مال ما ذكره فى باب التلجئة من إكراه ((المبسوط)) فقال: ولو طلق امرأته على مال على وجه الهزل أو أعتق عبده على مال على وجه الهزل وقد تواضعنا قبل ذلك أنه هزل وقع الطلاق والعتاق ووجب المال، ثم قال: وهذا عندنا قول أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله-.
(5/2385)

وأما عند أبي حنيفة-رضى الله عنه-يتوقف وقوع الطلاق والعتاق على وجود الإجازة بين المرأة والعبد إلى آخره.
(فإن ذلك كالسكوت مختار) لما أنه لّما اشتغل بتسليم الشفعة هازلا صار ساكتًا عن طلب الشفعةَ والشفعةَ تبطل بالسكوت عن طلبها بعد العلم بالبيع فكان التسليم تسليمًا.
وأما إذا كان تسليم الشفعة هازلًا بعد طلب المواثبة والإشهاد فبطل التسليم والشفعة باقية لما ذكرنا أن الهزل بمنزلة خيار الشرط أبدًا والتسليم من جنس ما يبطل بخيار الشرط، حتى إنه إذا قال سلّمت شفعتي على أني بالخيار ثلاثة أيام فإن التسليم باطل والشفعة باقية فكذا فى صورة الهزل، ولأن الشفعة لا تبطل بعد طلب المواثبة والإشهاد بصريح السكوت فكذا لا تبطل بدلالة السكوت ولا كذلك قبل طلب المواثبة.
(وكذلك إبراء الغريم) أي أن ربٌ الدين إذا أبرأ غريمته هازلاٌ يبطل إبراؤه، وبقى الدين كما كان كما فر إبراء الغريم بشرط الخيار حيث لا يبرأ هناك فكذلك فى الهزل؛ لان الهزل بمنزلة خيار الشرط.
(5/2386)

(وأما القسم الثاني وهو الإقرار فإن الهزل يبطله) أي يبطل الإقرارَ (سواء كان إقرارًا بما يحتمل الفسخ) نحو الإقرار بالبيع والإجازة بأن تواضعا على أن يُقرّ عند الناس بالبيع ولكن لا يكون كذلك، (أو بما لا يحتمله) كالطلاق والعتاق بأن تواضعا على أن يقر عند الناس بالطلاق والعتاق وهو ليس كذلك فلا يثبت واحد منهما، فحصل من هذا أن الفرق ثابت بين الطلاق هازلًا وبين الإقرار بالطلاق هازلًا حيث وقع الطلاف فى الأول دون الثانى.
فإن قلت: ما الفرق الموضح بين هذين الهزلين أي بين الهزل بالطلاق وبين الهزل بالإقرار بالطلاق حيث وقع الأول دون الثانى مع انهما يتحدان فى الحكم فى الحد فإن الطلاق كما يقع بالإنشاء كذلك يقع بالإقرار به فى الحد، ولأن الهزل إنما يؤثر فيما فيه خيار الشرط وخيار الشرط لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق فيجب أن لا يؤثر الهزل فيه أيضًا لما أن الهزل إنما يؤثر فيما هو قابل للفسخ بعد الثبوت كما فى البيع والإجارةَ والطلاق الذي وقع بالإقرار بالجِد غير قابل للرفع والفسخ كالطلاق الذي وقع بالإنشاء.
قلت: الفرق بينهما هو أن الواقع بالإنشاء كالشاء الذى ثبت بالآلة المحسوسة وبعد ما ثبت الشاء بالآلة لا يمكن أن لا يُجعل ثابتًا كالقطع الثابت
(5/2387)

بالسكين والإحراق الثابت بالنار لا يمكن أن يجعل غير مقطوع وغير مُحرَق وإن كان قطعه وإحراقه بطريق الإكراه والهزل، لِما أنه ثابت حسًا فلا يمكن ردٌّه ودفعه.
وإما الطلاق الواقع بالإقرار فباعتبار أنه أقر طائعًا وهو إخبار، فكان خبره محمولًا على الصدق وهو الأصل فى خبر العاقل البالغ لا باعتبار أن إقراره بالطلاق موضوع لإيقاع الطلاق، فلذلك كان عند قران الشيء الدال على كذبه فى إقراره من الإكراه والهزل حُمل خبره على الكذب فلم يقع به الطلاق
فكان وقوع الطلاق من إقراره بالطلاق لضرورة حمل إقراره على الصدق لا باعتبار أنه موضوع لإيقاع الطلاق بطريق الأصالة بخلاف إنشاء الطلاق بلفظ موضوع لعه فإنه لا يحتمل غير الإيقاع، فلذلك لم يتغّير حكمه بالإكراه والهزل.
والدليل لى أن الإقرار غير موضوع لإيقاع الطلاق وإن كان إقراره بطريق الطوع ما ذَكر فى باب الإكراه ((المبسوط)) فى موضوعين فقال: لو أقر بالطلاق طائعًا وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك فإنه يسعه إمساكُها فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن القاضى لا يصدقه على ذلك؛ لانه مأمور بإتباع الظاهر والظاهر أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق به الضرر، فإذا كان مكرَهًا وجب تصديقه فى ذلك لوجود الإكراه، فلهذا لا يقع به
(5/2388)

شيء من الطلاق والعتاق، وبهذا خرج الجواب عن خيار الشرط فإنه لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق؛ لأن خيار الشرط إنما يؤثر فيما يُستقبَل من الأفعال التي وضَعت للإنشاء لا في الماضى والإقرار بالطلاق إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى من الزمان وخيار الشرط لا يعمل فى الماضى فبقى الإقرار طائعًا فيقع الطلا لما ذكرنا من حمل أمره على الصدق.
وأما قوله: والطلاق الذى وقع بالإقرار فى الحد غير قابل للفسخ فلا يؤثر فيه الهزل.
فقلنا: إنما لا يؤثر الهزل فيما إذا وقع الطلاق
وأما قبل وقوع الطلاق بالإقرار بالطلاق فيمنع الهزلُ الإقرارَ بالطلاق عن وقوع الطلاق به فلا يرد قولك: ((إن الهزل ايؤثر فيما لا يقبل الفسخ والرد)).
وقال فى ((المبسوط)) فى تعليل بطلان إقرار المكرَه بالطلاق والعتاق: لأن الإقرار خبر متميلّ بي الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يَقرّ به قاصد إلى دفع شره عن نفسه والمخَبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقًا.
ألا ترى أن فريةَ المفترين وكفر الكافرين لا يصير حقًا بأخبارهم،
(5/2389)

وقوله: فلذلك يبطل بالهزل بطلانًا لا يحتمل الإجازة؛ لأن الإجازة تعتمد وجود شيء موقوف سابق عليه وهاهنا الإقرار ما انعقد موجبًا شيئًا، وصار كبيع حر وهو لاينقلب إلى الصحة بالإجازة لأنه لم ينعقد موقوفّا حتى يحتمل الإجازة بخلاف إنشاء البيع والإجارة هازلًا أو مكرَهًا فإنه يبطل في الحال ولكن يحتمل الإجازة؛ لأن الانعقاد مبنى على الصحة التكلم بوجود أهلية المتكلم ومحل البيع والإجازة وهما موجودان فينعقد.
(وأما القسم الثالث) وهو أن يدخل الهزل فيما يبتنى على الاعتقاد، (فإن الهزل بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين الهزل) أي الهزل بالردة كفر لا باعتبار حكم ما هزل به بل باعتبار عين الهزل، وهذا لأن الهازل بالشيء غير راض بحكم ذلك الشيء ولكنه راض بمباشرة ذلك الشيء نحو أن يقول هازلاً: الصنم إله مثلاً - نعوذ بالله من ذلك - فإنه يصير كافراً بهذا القول وإن كان هازلاً فيه لا بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الألوهية للصنم، لأنه غير معتقد لذلك ولكنه راض بالتلفظ به فيكفر لا ستخفافه بالدين الحق وأنه كفر قال الله تعالى: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" فعلم أن
(5/2390)

استخفاف الدين الحق كفر.
(فصار مرتدّا بعينه) أي بعين ما تلفظ من لفظ الكفر، (إلا أن أثرهما سواء) أي الكفر الحاصل بعين الهزل والكفر الحاصل بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الصنم إلهًا مًثًلًا سواء؛ لأن كلًا منهما ردة؛ وإنما قال هذا لجواب شبهة ترد على قوله: ((لكن بعين الهزل)) وهى أن يقال: إن الهازل غير راض بموجب هذا الكلام فينبغى أن لا يكفر كما فى المكَره حيث لا يكفَر بتلفّظ ما أُكره عليه من كلمة الكفر.
فقال فى جوابها: إنما يكفر بعين الهزل لا بما هزل به؛ لان أثرهما سواء بخلاف المكَره على الردة؛ لأن الإكراه إنما يتحقق على إجراء كلمة الكفر على اللسان وهو غير راض بإجراء كلمة الكفر فلم يكفر لعدم الرضى لا للفظ ولا لموجبه بخلاف الهازل؛ لأنه راض بإجراء هذه الكلمة وإجراء هذه الكلمة بالرضا استخفاف بالدن الحق واسخفافه كفر لما ذكرنا من قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} الآية.
ولا يقال إن الهازل لا يعتقد الكفر والكفر والإيمان من باب الاعتقاد فكيف يكفر من غير تبدل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر؛ لأنا نقول: قد تبدل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر؛ لأن من الاعتقاد الواجب عليه أن لا يعتقد الاستخفاف بالله ولا يرضى به، ولما كان راضيًا بالتكلم بالكلام الذى يوجب
(5/2391)

الكفر قد بدّل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر فيكفر.
(بخلاف مسألتنا هذه) أي مسألتنا التى هى مسألة الهازل مخالفة لمسألة المكرَه حيث لا يكفر المكرَه بإجراء كلمة الكفر على لسانه ويكفُر الهازل به لما أن المكره غير راض لا بعين إجراء كلمة الكفر ولا بمعناه بخلاف الهازل فإنه راض بعين إجراء كلمة الكفر فيكفر.
فأما الكافر إذا هزل بكلمة الإسلام وتبرأ عن دينه هازلًا يجب أن يُحكم بإيمانه؛ فإن المسلم لما كفر بإجراء كلمة الكفر هازلًا وجب أن يُحكم بإسلام الكافر بإجراء كلمة الإسلام على لسانه هازلًا بالطريق الأولى؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى.
ألا ترى أن صورة الإكراه المكرَه غير محكوم بكفره إذا أجرى على لسانه كلمة الكفر مكرَهّا ويُحكم بإسلام الكافر إذا أجرى كلمة الإسلاك على لسانه مكرَها باعتبار ما قلنا بان الإسلام يعلو ولايعلى ترجيحًا لجانب الإسلام مهما أمكن لوجود أحد ركنى الإسلام، وهاهنا أولى أن يكون مسلمًا؛ لأن المسلم في ضذّه يكون كافرًا.
(5/2392)

السفه
خفة تعتري الفاعل فتبعثه على العمل بخلاف موجب العقل، وأراد بالذي ذكر في معنى السفه السفه المصطلح بين الفقهاء لا السفه الحقيقي.
(بخلاف موجب الشرع من وجه) وإنما قال من وجه لأن السفه المفسر بالتبذير وهو الإسراف في التصرف في ماله ليس بعمل مخالف للشرع من كل وجه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه والملك عبارة عن المطلق الحاجز، فكان المالك مطلقا تصرفه كيف شاء ولكن فيه صفة التبذير فكان سفيها.
(وإن كان أصله مشروعا) أي وإن كان أصل فعل السفه المصطلح بين الفقهاء وهو التبذير في صرفه ماله إلى من يستحق الصرف إليه وإلى من لا يستحق الصرف إليه مشروعًا؛ لأن ذلك يدل على فرط الجود وهو مشروع،
(5/2393)

وهو أيضًا تصرف في ماله نفسه كسف شاء وهو مشروع، والإسراف: مجاوزة الحد، وكلا طرفي الأمور ذميم، وخير الأمور أوساطها.
وقيل بالفارسية: اكر احتياط مبالغت كني در وسوسه افتى، ثم إضافة الأموال إلى المخاطبين في (قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) باعتبار وصله الولاية والقيام والمحافظة للأموال لا الملك، وفي قوله: (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) هذه الإضافة للملك، فإن هذه الأموال مملوكة لليتامى لا للأولياء، إلا إضافة الشيء إلى الشيء تجوز بأدنى وصلة وملابسة بينهما، كما يصح أن يقال لمن يقرب من طرف الخشبة: خذ طرفك وإن لم يكن الطرف ملكا له باعتبار وصلة القرب منه، ومنه قوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) والبيوت للأزواج لكنها كانت في أيدي النساء بالسكني فأضيفت إليهن.
(5/2394)

(الخبرة): الامتحان. (حدث ضرب من الرشد) لاستيفاء مدة التجربة وهي مدة خمس وعشرين سنة، فإن هذه المدة مدة استيفاء التجربة وانتهاء آثار الصبا، فإن هذه مدة تصلح لأن يكون الإنسان فيها جدًا فحينئذ يصير فرعه واليًا، فمحال أن يكون هو موصوفًا بأوصاف الصبا ويكون هو محجورًا عليه بعده مع وجود عقله.
(إما عقوبة) زجرًا له عن فعله الحرام ومنعًا له عن ذلك، (وإما حكم لا يعقل معناه)؛ لأن منع المال عن مالكه لا يعقل؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجر على ما مر فعكس الأمر في حقه وهو أن يحجز المالك عن التصرف في ملكه ويطلق غيره بالتصرف فيه من غير رضا مالكه حكم لا يعقل معناه.
(5/2395)

(فيتعلق بعين النص)؛ لأن الحكم الذي هو للعقوبة أو الحكم الذي هو غير معقول المعنى لا يمكن تعديته.
وقوله: (فإذا دخله شبهة) يتعلق بقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) أي دخله شبهة في بقاء السفه.
وقوله: (أو صار الشرط في حكم الوجود) يتعلق بقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) أي صار إيناس الرشد المنكر في حكم الوجود
(وجب جزاؤه) وهو الدفع؛ لأن ذلك جزاء الشرط وهو قوله تعالى: (فَادْفَعُوا).
(واختلفوا في وجوب النظر للسفيه فقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-) لا يجوز الحجر عليه عن التصرفات بسبب السفه، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي- رحمهم الله- يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ.
إلا أن أبا يوسف ومحمدًا- رحمهما الله- قالا: إن الحجر عليه على سبيل النظر له، وقال الشافعي: على سبيل الزجر والعقوبة عليه، ويتبين هذا الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدًا في دينه مصلحًا في ماله كالفاسق، فعند
(5/2396)

الشافعي يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريقة العقوبة والزجر، ولهذا يجعل الفاسق أهلًا للولاية وعندهما لا يحجر عليه. كذا في " المبسوط".
(بل كان مؤكدًا) أي بل كان الخطاب مؤكدًا ولازمًا بسبب التقصير في حقوق الله تعالى، مجانة وسفهًا لا أن يكون الخطاب ساقطًا عنه؛ لأن الترك موجب العقل، والشرع بعد وجود العقل زيادة تأكيد في لزوم الخطاب لا سقوط الخطاب.
ألا ترى إلى قوله عليه السلام: "ويل للجاهل مرة وللعالم سبعين مرة" (وقد يحبس عقوبة) أي في حقوق العباد كما إذا مطل ديون أرباب الديون.
(النظر واجب حقًا للمسلمين) أي الحجر للسفيه عن التصرفات واجب حقًا للنظر والمرحمة لأجل المسلمين؛ لأنه ربما يكون للمسلمين على السفيه ديون فلو لم يحجر عن التصرفات يتلف ماله ويضر بالمسلمين الذين هم أرباب
(5/2397)

الديون.
(وحقًا له دينه) أي النظر واجب للسفيه لأجل دينه الإسلام؛ لأنه لو لم يحجر عسى أن يتلف ماله لنفسه شيئًا ينفقه على نفسه، ثم الحجر عندهما عن التصرفات إنما هو عن التصرفات التي هي قابلة للفسخ كالبيع والإجارة.
وأما عن التصرفات التي لا تقبل الفسخ كالطلاق والعتاق فلا يتحجر عنها بالاتفاق؛ لأن السفيه في معنى الهازل فلذلك يؤثر الحجر عليه فيما يؤثر فيه الهزل وما لا فلا. وقوله: (لا لسفهه) جواب عما قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- بقوله: " لما كان السفه مكابرة وتركا إلى قوله: لم يحجز أن يكون سببًا للنظر".
(وقاساه بمنع المال) أي وقاس أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- حجر السفيه عن التصرفات على منع ماله عنه إذا بلغ سفيهًا.
(أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا)، فإن العفو عمن
(5/2398)

وجب عليه القصاص حسن، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وقال تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ولم يخرجه بكبيرته عن استهال المرحمة في الدنيا، وهذا لأنه وإن كان مرتكبًا للكبيرة فكيمياء الإيمان معه، وخاصية الكيمياء هي ا، تجعل الصفر ذهبًا، فكذلك الإيمان يجعل غيره طاعة، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ).
(وأما في الآخرة) فإن الكبيرة سوى الكفر جائز المغفرة، فكان العفو عن صاحب الكبيرة في الآخرة حسنا أيضًا.
وقوله (النظر من هذا الوجه جائز لا واجب) جواب عن قولهما.
يعني أن ما ذكرتم لا يدل على أن النظر واجب، بل يدل على أنه جائز حسن كما في حق صاحب الكبيرة فلم قلتم أنه واجب؟ ثم قوله: (وإنما يحسن إذا لم يتضمن ضررًا فوقه) جواب لما يرد شبهة على ذلك الجواب الذي أجاب به.
(5/2399)

أبو حنيفة- رضي الله عنه- عن قولهما بقوله: "النظر من هذا الوجه جائز لا واجب" بأن يقال: لما دل هذا على الجواز فلم لم تقل أنت في هذا بجواز الحجر على السفيه؟
فقال أبو حنيفة- رحمه الله- في جوابه: وإنما يجوز ويحسن إذا لم يتضمن ضرر الحجر ضررًا يفوق ذلك الضرر على الضرر الذي يلزم عند ترك الحجر وهاهنا كذلك، فإن الحجر يلزم أن يكون كلام الرجل المنطيق ملحقًا في اللغو بالنعيق.
وذات الإنسان الصائم القائم مشبهًا بالبهائم في سلب ولايته وبطلان تصرفاته وولاية غيره عليه، وتحمل الضرر الأدنى يجوز أن يكون حسنًا بمقابلة حصول نفع يماثل ذلك الضرر، فصار كأنه لم يتضرر لمعادلة الضرر بالنفع كما في التجارات التي لا ربح فيها ولا خسران لما أن ضرر زوال العين ينجبر بحصول نفع ثمن يعادله في القيمة فصار كأنه لم يتضرر بزوال العين.
وأما إذا زال العين عنه بمقابلة حصول نفع لا يماثل عشر قيمته فلا يرضى به عاقل، وروى في قصة معاوية- رضي الله عنه- أنه دخل عليه أعرابي يومًا
(5/2400)

فقال لمعاوية: أمك كانت عظيمة الكفل، فحلم معاوية عنه، فقال: لأجل ذلك كان يحبها أبي، فخرج الأعرابي من عنده فرأى ابنه يزيد
فقال: كانت جدتك عظيمة الكفل فضربه يزيد بالصيف وقتله، فسمع معاوية ذلك فقال: قتله حلمي فلو أن معاوية أدبه على ذلك لما فعل به يزيد ما فعله، أوردوا هذه القصة في هذا المقام لبيان تحمل ضرر التأديب الذي هو الأدنى من الأعرابي كان حسنا بمقابلة حصول نفع الحياة الذي يفوق على ذلك الضرر، وأما عند غلبة الضرر على النفع فلا.
(واللسان والأهلية نعمة أصلية) لما أن الإنسان إنما باين سائر الحيوان بالبيان، قال الله تعالى: [الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ] من الله تعالى على الإنسان بعد خلقه وإيجاده بتعليم البيان.
(5/2401)

فعلم بهذا أن نعمة بعد الوجود لم تكن تساوي نعمة البيان في حق الإنسان، ففي حجر السفينة عن التصرفات على وجه لا اعتبار لكلامه أصلا كان فيه تفويت لأعلى النعم كلها فلا يكون ذلك من النظر له بل هو أقوى الإضرار به، فكان تدبير النظر له بهذا الطريق عائدًا على موضوعه بالنقض.
(فيبطل القياس)؛ لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظيرا للأصل (لإبطال أعلى النعمتين) وهو نعمة اللسان (باعتبار أدناهما) وهو نعمة اليد فهو لا يصح.
كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل يلزم عليه شرب الخمر لأن في شرب الخمر إزالة جزئه وهو العقل وفي الامتناع عنه إزالة كله بالقتل وهو النفس فلا يباح اختيار إزالة النفس باعتبار إبقاء جزئها.
(وقال: بهذه الأمور صارت حقا للعبد رفقا به) أي صحة العبارة واليد واللسان تثبت رفقا يصاحبها، (فإذا أدى إلى الضرر وجب الرد) لئلا يصير الرفق عائدا على موضوعه بالنقض؛ لأن هذه النعم تثبت لنفع صاحبها فإّذا صار اعتبارها ضررا لا يبقى الانتفاع بهذه النعم، فالعقل نعمة عظيمة فإذا لم يتأمل صاحب العقل بعقله في آيات الله تعالى حتى استحق به العقاب صار وجود العقل ضررا له.
ألا ترى أن المجنون لا يعاقب باعتبار عدم العقل والعاقل يعاقب باعتبار
(5/2402)

وجود العقل عند ترك التأمل، فكذلك نفع البصر والسمع، فإن البصير والسميع لما لم بهما كان وجودهما أضر من عدمهما، فلذلك كان الكفار أضل من الأنعام، قال الله تعالى: [أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ]
(وهذا قياس ما روى عن أبي يوسف- رحمه الله) أي حجر السفينة عن التصرف في ملكه لدفع المسلمين نظير ما روى عن أبي يوسف في أن صاحب الملك يمنع عن التصرف في ملكه لتأذي جاره.
وذكر في "التتمة" وعن أبي يوسف- رحمه الله- من اتخذ داره حماما فتأذى الجيران من دخانه فلعم منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخان الجيران.
(وإنما يجب أن ينظر إلى ما فيه نظر له أبدًا فلا يلحق بالصبي) إلى أخره. يعني لما كان حجر السفيه عندهما لأجل النظر له لدينه أو للمسلمين يجب علينا أن ننظر في أي موضع من المواضع المجمع عليها من مسائل الصبي
(5/2403)

والمريض والمكره يتحقق النظر له عند إلحاقه به يلحق به، فلا يقتصر بالإلحاق بالصبي لا غير ولا بالمريض لا غير ولا بالمكره لا غير بل في أي موضع يتيسر النظر له فيلحق هو ربه.
وذكر بيان إلحاق المحجور علي بسبب السفه بهذه المواضع من المسائل في حجر"المبسوط".
أما إلحاقه بالمريض فهو أن السفيه البالغ المحجور عليه إذا تزوج امرأة جاز نكاحه وينظر إلى ما تزوجها عليه وإلى مهر مثلها فيلزمه أقلهما ويبطل الفضل عن مهر مثلها أو ما سمي، وهو في ذلك كالمريض المديون فإن التزوج من حوائجه، وكذلك لو جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا سبيل عليه والجارية أم ولد له، فإن مات كانت حرة لا سبيل عليها لأحد؛ لأن توفير النظر في إلحاقه بالرشيد في حكم الاستيلاء فإنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله وصيانة مائه. ويلحق في هذا الحكم أيضا بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته.
وأما إلحاقه بالمكره فهو أن المحجور عليه بسبب السفه إذا اشترى ابنه وهو معروف وقبضه كان شراؤه فاسدا ويعتق الغلام حين قبضه، ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ لأنه الملك ابنه ثم يسعى في قيمته للبائع.
(5/2404)

وأما إلحاقه بالصبي ففي هذه الصورة أنه ليس للبائع في مال المشتري شيء من ذلك؛ لأنه وإن ملكه بالقبض فالتزام الثمن أو القيمة بالعقد منه غير صحيح لما في ذلك من الضرر عليه، وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي، وإذا لم يجب على المحجور شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على العبد للبائع، وهذا الذي ذكرته هو ما أحال به على "المبسوط" في قوله (على ما هو مذكور في "المبسوط").
وقوله: (عندهما) ظرف لقوله: "أنواع" أي تنويع الحجر على هذه الأنواع الثلاثة إنما هو عندهما لا عند أبي حنيفة- رحمه الله- فإن عنده لا حجر أصلا على الحر العاقل البالغ فلا يتأتي التنويع.
وذكر في حجر "المبسوط" قال أبو حنيفة- رضي الله عنه- الحجر على الحر باطل. ومراد إذا بلغ عاقلا، وحكي عنه أنه كان يقول: لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة: على المفتي الماجن، وعلى المتطبب الجاهل، وعلى المكاري المفلس لما فيع من الضرر إذا لم يحجر عليهم.
فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم، والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمنعون من ذلك دفعا للضرر.
ثم الاختلاف بين العلماء وراء هذا في فصلين؛ أحدهما: الحجر على السفيه المبذر والأخر الحجر على المديون بسبب الدين- وذكر تفسير الحجر
(5/2405)

على السفيه بأحكامه إلى أن قال- ثم بلغ سفيها عند محمد- رحمه الله- يكون محجورا عليه بدون حجر القاضي.
وقال أبو يوسف- رحمه الله- لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي، وكذلك لو بلغ رشيدًا ثم صار سفيها فمحمد- رحمه الله- يقول: قد قامت بدلالة لنا على أن السفه في ثبوت الحجر به نظير الجنون والعته والحجر يثبت بنفسهما هناك من غير حاجة إلى قضاء القاضي فكذلك السفه، وأبو يوسف- رحمه الله- يقول الحجر على السفيه لمعنى النظر له، وهو متردد بين النظر والضرر، ففي إبقاء الملك له نظر وفي إهدار قوله ضرر وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي.
ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين، ثم قال: والكلام في الحجر بسبب الدين في موضعين: أحدهما- أن من ركبته الديون إذا خيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار فطلب الغرماء من القاضي أن يحجر عليه عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لا يحجر عليه القاضي وعندهما يحجر عليه، وبعد الحجر لا ينفذ تصرفه في المال الذي كان في يده عند الحجر وينفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده وفي هذا الحجر نظر للمسلمين.
فإذا جاز عندهما الحجر عليه بطريق النظر له فكذلك يحجر عليه لأجل النظر للمسلمين، وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- كما لا يحجر على المديون
(5/2406)

نظرًا له فكذلك لا يحجر عليه نظرا للغرماء لما في الحيلولة بينه وبين التصرف في ماله من الضرر عليه.
وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر إلا بقدر ما ورد الشر عبه وهو الحبس في الدين لأجل ظلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين مع تمكنه منه، وخوف التلجئة ظلم موهوم منه فلا يجعل كالمتحقق، ثم الضرر في إهدار قوله فوق الضرر في حبسه ولا يستدل بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى.
ثم هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي، ومحمد- رحمه الله- يفرق بين هذا وبين الأول فيقول: الحجر هنا لأجل النظر للغرماء فيتوقف على طلبهم، وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي والحجر على السفيه لأجل النظر له- وكونه سفيها لا يتوقف على طلب أحد فيثبت حكمه بدون القضاء لذلك-.
والفصل الثاني- أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة- رضي الله عنه- العروض والعقار في ذلك سواء، وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- يبيع عليه ماله فيقضي دينه إلى أخره.
(حجر بسبب السفه مطلقا) أي سواء سفه بعد أن بلغ رشيدًا أو بلغ سفيهاً.
(5/2407)

(لكنه بمنزلة العضل) من الأولياء معناه أن للولي أن يمنع الحرة العاقلة البالغة من التزوج ليحصل التزوج برأي الولي، ولئلا تقع المرأة تحت غير كفء، ولئلا تنسب إلى الوقاحة بمباشرة النكاح بنفسها بدون رأي الولي، فلهذا ملك الأولياء عضلهن ندبًا لا حتمًا عند أبي حنيفة- رضي الله عنه-، وعند محمد- رحمه الله- حتما، وكذلك عند أبي يوسف- رحمه الله- في رواية عنه حتى يتوقف نكاحها بدون الولي إلى إجازة الولي.
ووجه الاتصال بمسألة السفيه أن شرعية العضل إنما كانت نظرًا للأولياء وللمرأة لا أنها تصير موليًا عليها في الحقيقة، فكذلك الحجر ثبت في حق السفيه نظرًا له؛ لا أن السفه يوجب النظر في الحقيقة، وقيل لقوله: "بمنزلة العضل" معنى أخر وهو أن المديون في امتناعه عن أداء الديون بمنزلة عضل
(5/2408)

الولي وهو امتناع الولي عن تزويج وليته عند مخاطبة الكفء الخاطب، فإن القاضي يقوم مقامه ويزوج وليته وينحجر الولي عن العضل، وهذا قول قيل فيه، لكن لفظ الكتاب لا يساعده؛ لأنه لو كان معناه هذا لقيل لكنه بمنزلة عضل الأولياء، ولكنه لما قال: بمنزلة العضل من الأولياء، علم أن المعنى هو الأول، ولأن في تعليل "الأسرار" إشارة إلى المعنى الأول.
وحاصل ذلك أن من امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما لا تجري فيه النيابة ناب القاضي في منابه. كالذمي إذا أسلم عبده فأبى أن يبيعه باعه القاضي عليه لهذا، والعنين بعد مضي المدة إذا أبي أن بفارقها ناب القاضي منابه في التفريق بينهما.
(5/2409)

["السفر"]
(لكنه من أسباب التخفيف بنفسه مطلقا) أي سواء كان فيه المشقة أو لم تكن، حتى إن السلطان إذا تنزه من بستان إلى بستان في سفره فإنه يترخص برخص المسافرين باعتبار وجود نفس السفر من غير توقف إلى وجود نفس المشقة، أي من غير توقف إلى وجود المشقة القوية إذ هو عبارة عن الخروج المديد فكان فيه تحرك ممتد، ونفس التحرك أشق على النفس من السكون في مكانه واحد خصوصًا ما إذا كان ممتدًا، فلذلك قال في الكتاب (لأنه من أسباب المشقة لا محالة).
(5/2410)

وقوله: (لأنه متنوع على ما قلنا) أي في باب تقسيم المأمور به بقوله: "وأما المريض فالصحيح عندنا فيه أن يقع صومه بكل حال عن الفرض" إلى أخره.
(ولنا على ما قلنا دليلا ظاهران ودليلان خفيان) وإنما سمي الأولين من الدليل ظاهرين؛ لأن أحدهما (حديثة عائشة- رضي الله عنها-) وهو نص ظاهر.
والثاني قياس على النوافل بدليل ظاهر.
(5/2411)

وسمى الآخرين من الدليل خفين لدقتهما في نفسهما لا يدركان إلا بزيادة التأمل، وهذا لأن ما ثبت بطريقة الرخصة لا يبطل الحكم المشروع بطريقة العزيمة كما في صوم المسافر على ما ذكره الشافعي وهو الظاهر، ثم مع ذلك كان القول ببطلان حكم العزيمة قولا مخالفا للدليل الظاهر فكان خفيا، وكذلك القول بنفس المشيئة المطلقة والاختيار الكامل للعباد مع أن الله تعالى خلقهم مختارين وشائين، إذ بدون الاختيار يلزم الجبر والجبر باطل كان قولًا مخالفًا للدليل الظاهر فكان خفيًا.
(وحق الصلاة علينا حق لا يتحمل التمليك) فكان إسقاطًا محضًا فكان من قبيل الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص لا من قبيل الإبراء وتمليك
(5/2412)

الأمر باليد ولله تعالى الاختيار المطلق، قال الله تعالى: [وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ]، مدح ذاته بالمشيئة المطلقة فلا يكون ذلك لغيره ثابتًا لو ثبت له الاختيار بين القصر والإكمال لكان ذلك اختيارا في وضع الشرع، ولا يرد علة هذا كون العبد مختارا في الأقل والأكثر من التطوعات كما في صلاة الضحى فإنه مخير بين أن يصليها ركعتين وبين أن يصليها أربعا أو أكثر، ولم يقل فيه أحد بأنه لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى الاختيار في وضع الشرع.
قلنا: إن ذلك في التطوعات وما نحن بصدده في الفرائض، فإن الاختيار في أصل التطوعات ثابت، فإن كل إنسان مختار في أن يفعلها وأن لا يفعلها، فأولى أن يثبت الاختيار في قدرها ولا يرد أيضا على هذا قول تعالى: [اعْمَلُوا مَا شيءتُمْ] لأن تلك المشيئة ليست على حقيقتها التي توجب الإطلاق.
وكذلك الأمر بالعمل بها ليس على حقيقته؛ لأن المشيئة الصادرة من الشارع إذا كانت على حقيقتها كانت عبارة عن الإذن والإباحة بفعل ما يشاء وكذلك الأمر إذا كان على حقيقته كان أول درجاته الإباحة، وليس في فعل
(5/2413)

الكفر والمعاصي الإباحة، بل هو أمر تهديد وتوبيخ فكان ذلك من قبيل قوله تعالى: [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] وقد ذكرناه.
(وكذلك المكاتب في جناياته) فإن المكاتب إذا جني موجبة للمال كانت جنايته عليه يجب الأقل من قيمته ومن الأرش، هكذا ذكر في "فتاوى قاضي خان".
(ولا رفق في اختيار الكثير على القليل) بل الرفق متعين في اختيار القليل، (والجنس واحد) أي من حيث المال.
(5/2414)

(فما الثواب إلا في حسن الطاعة لا في الطول والقصر) قال النبي عليه السلام: "ركعتان من متق خير من ألف ركعة من مخلط" فرب درهم يكون له ثواب عشرة ورب درهم يكون له ثواب سبعمائة ويكون ضعفه أيضًا.
فعلم أن الثواب في حسن الطاعة لا يصلح بناؤه على حكم الآخرة وهو الثواب.
(وإنما ثبت هذا الحكم) أي حكم الرخصة (إذا اتصل بسبب الوجوب)
(5/2415)

وهو وقت الأداء (وإذا لم يتصل به فلا) أي وإذا لم يتصل السفر بوجوب الأداء فلا يثبت هذا الحكم وهو سقوط الركعتين في قضائه.
(ولما كان السفر من الأمور المختارة) احترز بهذا القيد عن المرض فإنه ليس من الأمور المختارة، فلذلك تفاوتا في الحكم، (ولم يكن موجبا ضرورة لازمة) يعني أن السفر موجب لكن يتعلق باختياره فلم يكن موجبا على وجه لا يمكن دفعه؛ لأن في وسعه الامتناع عن السفر فيكون في وسعه الامتناع عن حكمه بواسطة الامتناع عن سببه فلم يكن حكمه من الأمور اللازمة بهذا الطريق، وظهر أثر هذا الفرق في الأحكام المذكورة التي بنيت عليهما أي على السفر والمرض.
(بخلاف المريض إذا تكلف) إلى قوله (لأنه سبب ضروري) يعني أن المرض سبب ضروري على وجه لا يمكن دفعه لكونه سماويا فكان ضرورة لازمة وأثره يظهر فيما ذكر من الفروع.
(وهذا موضوع لها) أي السفر موضوع للمشقة لكن العبد فيه مختار.
(5/2416)

(وأحكام السفر تثبت بنفس الخروج بالسنة المشهورة) وهي ما ذكر في ((المصابيح)) قال أنس -رضي الله عنه- ((إن النبي -صل الله عليه وسلم- صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفه ركعتين)) والقياس أن لا يثبت إلا بعد تمام السفر؛ لأن العلة إنما تتم حينئذ، وحكم العلة لا يثبت قبلها، لكن ترك القياس لما روينا.
ولتحقيق الرخصة في كل فرد من أفراد المسافرين؛ لأنه لو توقف حكم علة السفر إلى تمام العلة وهو سير ثلاثة أيام لتخلفت الرخصة في حق بعض
(5/2417)

المسافرين وهو ما إذا قصد المسافر إلى مسيرة ثلاثة أيام فلا يترخص هو حينئذ لا قبل ثلاثة أيام ولا بعدها وهو مسافر من حيث خرج بالحديث؛ لأن الشارع أثبت رخصة السفر لجنس المسافرين بقوله: ((يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها)).
(ألا ترى أنه إذا نوى رفضه) أي رفض السفر (صار مقيما) يعني فيما إذا لم تتم ثلاثة أيام (وإن كان في غير موضع الإقامة) بأن كان في المفازة (لأن هذا ابتداء إيجاب) أي إيجاب إقامة.
((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قيل: أريد بالباغي الخارج على الإمام، وبالعادي الذي يقطع الطريق على المسلمين، وبهذا التأويل تمسك الشافعي، ويحتمل أن يكون المراد من الباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعد ما وجدها
(5/2418)

وبالعادي أن يأكل الشبع، وهذا التأويل بهذا الموضع أليق على ما يجيء بعيد هذا.
فصار النهي عن هذه الجملة نهيا لمعنى في غير المنهي عنه، أي النهي عن سفر في إباق عن المولى والنهي عن سفر فيه قطع لطريق المسلمين، والنهي عن سفر فيه خروج على الإمام من الباغي نهي عن السفر لمعنى في الإباق ولمعنى في قطع الطريق ولمعنى في الخروج على الإمام لا لمعنى في عين السفر.
(5/2419)

(وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل) وهو السفر مشروعا.
(لأن صفة الحل في السفر دون صفة القربة في المشروع) يعني أن المشروع مقصود، والسبب وسيلة، والقربة أقوى في المشروعية من نفس الحل لزيادة وصف محمود فيها وهو القربة في المشروع، ثم زوال صفة القربة عن المشروع لا يمنعه من تحققه مشروعا كالإحرام الفاسد والصلاة في الأرض المغصوبة, فلأن لا يمنع زوال صفة الحل عن السبب من تحققه سببا أولى، فكان سفر المعصية سببا لثبوت الرخصة.
وهذا لأن المشروع يبقى مشروعا وإن كان منهيا لمعنى في غيره، فكذلك السبب يصلح أن يكون سببا إذا كان النهي لمعنى في غيره كالصلاة في الأرض المغصوبة فكذلك هاهنا سفر الآبق والباغي غير منهي لمعنى في نفسه من حيث
(5/2420)

إنه خروج مديد بل هو مباح في نفسه وإنما صار منهيا لمعنى في غيره مجاور له وهو التمرد على المولى والخروج على الإمام والإضرار بالمسلمين بقطع الطريق، وذلك معنى منفصل عن السفر فلا يخرج هذا السفر عن كونه سببا لثبوت الرخصة.
ألا ترى أن العبد المتمرد على المولى في البلد يتمكن من المسح على الخف مسح الإقامة فيجب أن يكون متمكنا في السفر وإن كان متمردا على مولاه من مسح السفر.
وأما قوله تعالى: ((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قيل أريد به ما تمسك به الشافعي -رحمه الله- وهو أنه أريد بالباغي الخارج على الإمام، وبالعادي الذي يقطع الطريق على المسلمين.
وقيل أيضا: أريد بالباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعدما وجدها، وبالعادي أن يأكل إلى الشبع ولا يكتفي بما يسد به جوعه، وهذا التأويل أليق بهذا الموضع؛ لأن الآية وردت في أكل الميتة وغيرها والعدوان في الأكل ما قلنا، فكان هو أدل ما هو على المراد من الآية، ولأن صيغة قوله: ((ولا عاد)) تنبئ عن التعدي في عين ذلك الفعل، وهو ما قاله في الكتاب (بأن يتغذى المضطر على غيره).
(5/2421)

وأما السفر على وجه الإباق عن المولى ليس بتعد في عين ذلك الفعل فإن التمرد ينفصل عن السفر وجودا وعدما على ما ذكر في الكتاب؛ حيث يوجد السفر ولا تمرد فيه، بل فيه طاعة وقربة لخروجه إلى الغزو، ويوجد التمرد بلا وجود السفر وهو أن يتمرد العبد على مولاه في البلد.
فعلم بهذا أن النهي عن سفر الإباق ليس بنهي في عين السفر بل لغيره وهو الإباق، فلا ينافي مشروعية السفر كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، ولما كان نفس السفر مشروعا يترخص العبد الآبق وقاطع الطريق في سفرهما برخص المسافرين كما يترخص من يسافر للتجارة، وأحكام السفر أكثر من أن تحصى وهي معروفة.
(5/2422)

الفصل السادس: وهو الخطأ
وقوله: (وشبهة) -بالنصب- معطوف على قوله: (عذرا).
(إن الخاطئ لا يأثم) إثم القتل العمد، وأما هو في نفسه فلا يخلو عن ضرب تقصير حتى احتاج المخطئ فيه إلى التكفير، (ولا يؤاخذ بحد) أي لو وجد ما يوجب الحد من الزنا وغيره بطريق الخطأ لا يجب عليه الحد حتى إنه لو زفت إليه غير امرأته وقال النساء: إنها زوجتك فوطئها لا حد عليه، فإن هذا زنا حقيقة ولكن وجد ذلك منه خطأ فلم يوجب الحد وإنما وقع فيه بسبب إخبار النساء بأنها امرأته في موضع الاشتباه فكان ذلك عذرا له في دفع الحد، وكذلك لو شرب الخمر على ظن أنه ماء، كما لو رمى على إنسان سهماً على
(5/2423)

ظن أنه صيد فإنه يسقط القصاص هناك، فكذا الشرب هنا يسقط الحد؛ (لأنه جزاء كامل) أي الحد والقصاص.
(لأنه ضمان مال لا جزاء فعل) يعني أن ضمان استهلاك مال الغير ضمان لجبر نقصان مال الغير، لا أن يكون مجازاة لفعله بخلاف الحد والقصاص فإنهما جزاء الفعل الذي هو حرام وتعد.
ألا ترى أنه لو اجتمع عشرة في إتلاف مال إنسان فأتلفوا عليه يجب عليهم ضمان واحد، فلو كان جزاء فعل لوجب على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو اجتمع المجرمون في قتل صيد واحد أو اجتمعوا في قتل موجب للقصاص.
(صلح سببا للتخفيف بالفعل فيما هو صلة) أي صلح الخطأ سببا للتخفيف فيما هو صلة بسبب الفعل الخطأ, أو معناه صلح سببا للتخفيف في موجب الفعل القاصر إذا كان ذلك الموجب صلة لا يقابل مالا, ومن أثر
(5/2424)

تخفيفه أن الدية تجب على العاقلة في ثلاث سنين.
وحاصله أن جزاء قتل الخطأ يشبه بجزاء الفعل من وجه ولضمان المحل من وجه، فلشبهه لجزاء الفعل يجب الكفارة، ولشبهه بضمان المحل تجب الدية، لكن لما كان وجوب الدية في مقابلة ما ليس بمال سوهل فيه بالوجوب على العاقلة في ثلاث سنين فكان جزاء قتل الخطأ من هذا الطريق مشابها بقتل المحرم صيدا مملوكا للغير؛ حيث يجب عليه الجزاء والقيمة مع ذلك، فالجزاء باعتبار جزاء الفعل والقيمة باعتبار ضمان المحل.
(ولقام البلوغ مقام الرضى أيضا فيما يعتمد الرضى) أي فيما يقتضي الرضى وهو البيع، فحينئذ ينبغي أن يصح بيع المكره البالغ بلا فساد وليس كذلك، وكذلك بيع المخطئ والهازل.
(أن الشيء إنما يقوم مقام غيره إذا صلح دليلا وكان في الوقوف على الأصل حرج) كالنوم للحدث والسفر للمشقة فإن النائم لا يمكنه الوقوف على خروج الريح منه.
(وليس في أصل العمل بالعقل حرج في دركه) أي في درك أصل العمل أي ليس لأحد حرج في أن يدرك أن أصل عمله بالعقل، (ولا حرج في
(5/2425)

معرفته) أي في معرفة أن النوم ينافي أن يكون أصل العمل بالعقل.
(فلم يقم البلوغ مقامه) أي فلم يقم البلوغ في حق النائم مقام أصل العمل بالعقل.
(والرضى عبارة عن امتلاء الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر).
ألا ترى أن من كان راضيا يرى في وجهه وعينيه بشاشة وسرور.
(ولهذا كان الرضى والغضب من المتشابه) أي ولأجل أن الرضا عبارة عن امتلاء الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر، والغضب عبارة عن غليان دم القلب على وجه يظهر أثره في حماليق العينين، وهذان الوصفان لا يستقيم إثباتهما في حق الله تعالى على الحقيقة، ثم ورودهما مع ذلك في حق الله تعالى بقوله: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ))، وقوله تعالى: ((مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)) من المتشابه.
(5/2426)

(فلم يجز إقامة غيره مقامه) أي لم تجز إقامة غير الرضى وهو البلوغ مقام الرضى؛ لأن البلوغ لا يصلح دليلا على الرضا.
وقوله: (لما كان الخطأ لا يخلو) إلى آخره، ابتداء نكتة يفرق بها بين الخاطئ والناسي في حق عدم بقاء الصوم في حق الخاطئ وبقائه في حق الناسي لما أن الخاطئ غير مستحق لكرامة بقاء الصوم لوجود ضرب تقصير منه وهو ترك التأني في سبق الماء إلى حلقه عند المضمضة مع تذكر صومه.
(ألا تراه صالحا للجزاء) هذا إيضاح لقوله: ((الخطأ لا يخلو عن ضرب تقصير)) أي ألا ترى أن الخطأ يصلح أن يكون سببا للجزاء القاصر وهو الكفارة.
(استوجب بقاء الصوم من غير أداء) أي من غير أداء الصوم حقيقة؛ لأنه وجد الأكل حقيقة وبوجود الأكل الحقيقي في النهار لا يتصور أداء الصوم
(5/2427)

حقيقة، ومع ذلك جعله الشارع أداء فكان ذلك كرامة للناسي.
(وجعل المناقض) وهو الأكل (عدما في حقه) أي في حق الناسي، وإلى تحقيق الكرامة أشار النبي عليه السلام في قوله: ((إنما أطعمك الله وسقاك)) فقطع فعل التقصير منه وأضاف الإطعام إلى الله تعالى وهو إكرام منه.
(لوجود الاختيار وضعا) لأن هذا فعل وجد من الآدمي المختار لا على طريق النسيان فكان جريان لفظ البيع في لسانه ليس كجريان الماء وطول الثبات؛ لأنهما ليسا من ذي اختيار ولكن انعدم به الرضى فكان بمنزلة بيع المكره، وله اختيار في إجراء كلمة البيع على لسانه؛ لأنه علم الشرين فاختار أهونهما عليه وليس له رضى بثبوت موجب البيع بذلك اللفظ.
(5/2428)

وأما الفصل الآخر فهو: فصل الإكراه
(ألا ترى أنه يتردد بين فرض وحظر) إلى آخره، فالفرض: فيما إذا أكره بأكل الميتة وشرب الخمر بالقتل فإنه يفترض عليه الإقدام على الأكل والشرب حتى لو صبر فقتل كان آثما كما في ترك الفرض باختياره.
والحظر: فيما إذا أكره على قتل الغير أو على الزنا بالقتل فالإقدام على القتل والزنا محظور فيأثم بفعلهما، والإباحة: فيما إذا أكره على الإفطار في صوم رمضان بالقتل فإنه يباح له الفطر؛ لأن الإفطار في نهار رمضان يباح
(5/2429)

فى الجملة بعذر، وهذا أقوى الأعذار؛ إذ فيه هلاك النفس على تقدير ترك الإفطار.
والرخصة: فيما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر على اللسان إذ هو يستحيل اتصافه بالإباحة لكن يرخص له الإقدام على ذلك عند طمأنينة القلب بالإيمان، (فيأثم مرة) كما إذا صبر عن أكل الميتة وشرب الخمر حتى قتل يكون آثما. (ويؤجر أخرى) كما إذا صبر عن إجراء كلمة الكفر على اللسان فقتل كان مأجورا.
(لأنه لو سقط) أي الاختيار (لبطل) أي (الإكراه)؛ لأن الإكراه إنما يتحقق في حق فعل هو في إمكان المكره تحصيله فكان فيه مختارا، وأما في حق فعل ليس هو في إمكانه تحصيله فلا يتحقق الإكراه لانعدام الاختيار كما إذا أكره القصير بأن يكون طويلا أو على العكس يبطل حكم الإكراه لسقوط الاختيار.
(ألا ترى أنه حمل على الاختيار) أي أجبر المكره على أن يختار ما هو الأهون من الأمرين المكروهين وكل منهما في وسعه ولكن هو شيء شاق عليه.
(وقد وافق الحامل فكيف لا يكون مختارا؟) فإن الموافقة لأمر الأمراء
(5/2430)

دليل الاختيار حيث علم المكروهين عليه فاختار أهونهما عليه، ولو لم يكن مختارا لما قيل إنه وافق أمر الأمراء.
ألا ترى أنه لو قال للماء الجاري: أجر فجرى لا يقال: بأن الماء وافق أمره؛ لأنه لا معرفة للماء بأمر الآمر ولا خبرة له بالشر ولا بأهونه.
(إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع) أراد به أن لفعل الطائع موجبا أصليا، وإذا قارنه دليل مغير عن موجبه الأصلي غيره عنه فكذلك في حق المكره لأقواله وأفعاله موجب أصلي، فإذا قارنها ما يغيرها عن موجبها الأصلي غيرها عنه، فإن موجب إجراء كلمة الكفر على اللسان الكفر ولما أجرى المكره تلك الكلمة الشنعاء على لسانه بالإكراه لم يثبت موجبها الذي هو الكفر لقران دليل غيرها عن موجبها الأصلي بها وهو الإكراه.
كما يغير الدليل المغير إذا قارن قول الطائع في مسألة الشرط والاستثناء في قوله لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وإقراره بغيره بقوله: لك علي ألف درهم إلا مائة.
وكذلك في الأفعال؛ فإن موجب شرب الخمر وموجب الزنا الحد فإذا فعلهما بالإكراه بالقتل لم يثبت موجبها الذي هو الحد لقرن الدليل الذي غيره عن موجبه كما يثبت ذلك التغير في حق فعل الطائع عند قران الدليل المغير بفعله، وهو ما إذا شرب الخمر أو زنا -والعياذ بالله- في دار الحرب لا يجب الحد لقران المغير ذلك الفعل عن موجبه وهو وجود فعل طائع فيهما في دار الحرب.
(وإنما أثر الكره إذا تكامل في تبديل النسبة) المراد من تكامل الإكراه
(5/2431)

هو أن يكون ملجئاً بأن يكرهه على أمر لو لم يفعله يقتله أو يقطع عضوه أو نحو ذلك، والمراد من تبديل النسبة أن يكون فعل المكره المحمول حسا أن يكون فعل المكره الحامل حكما حتى يجب القصاص في القتل على المكره الحامل لا على المكره المحمول, وهذا الذي ذكره من تبديل النسبة إنما يتحقق في الفعل الذي يحتمل تبديل النسبة كما في الإتلاف على ما يجيء بيانه.
(وأثره إذا قصر في تفويت الرضا) أي لا في تبديل النسبة، والمراد من الإكراه القاصر هو أن يكون الإكراه بالحبس أو القيد، وتفويت الرضى وإن كان عاما في الإكراه الكامل والقاصر، لكن لما لم يكن للقاصر أثر غيره صار كأنه هو المخصوص به.
(فأما في الإهدار فلا) أي ليس للإكراه أثر في إهدار القول والفعل، وقوله: (خلافا للشافعي) راجع إلى نفي الإهدار عندنا وإلى إثبات الفرق بين الإكراه الكامل والقاصر، فإن إهدار القول والفعل بالإكراه الباطل ثابت عند الشافعي على السواء من غير فرق بينهما حتى لا يقع طلاق المكره ولا إعتاقه، ولا يفسد صومه بالأكل بالإكراه لبطلان قول المكره وفعله، وكذلك عنده لا فرق بين الإكراه الكامل والقاصر بل القاصر مثل الكامل.
(5/2432)

(فيبطل عند عدمه) أي فيبطل القول عند عدم القصد والاختيار، فصار كأن القول لم يكن فلا يقع بمثل هذا القول الطلاق والعتاق، وإنما قلنا إن القول يبطل عند عدم القصد والاختيار لقوله تعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) أخبر الله تعالى بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام لما خالف لسانهم ضميرهم فبطل صحة القول بعدم القصد والاختيار.
ألا ترى أن قول الصبي الذي هو غير عاقل لا يصح لعدم قصده، وكذلك قول النائم باطل لعدم قصده.
(وتحقيق العصمة في دفع الضرر عنه عند عدم الرضا) يعني أن ماله معصوم لأنه ليس بكافر حربي بل هو مسلم أو ذمي لأن كلامنا فيه، فتحقيق عصمته في أن لا يفوت عن ملكه إلا برضاه دفعا للضرر عنه فتحققت العصمة فوجب أن يبقى على ملكه عند عدم الرضى.
(5/2433)

(وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل) أي شرعا كما إذا أكره على إتلاف مال الغير وعلى شرب الخمر فإن أمكن أن ينسب إلى المكره نسب إليه كما في إتلاف مال الغير، فيجعل كأن المكره هو الذي أتلفه بنفسه حتى وجب الضمان عليه بالاتفاق؛ لأنه يمكن أن ينسب إليه الإتلاف ويجعل المكره آلة له بأن يأخذ المكره رجل المكره فيلقيه على مال إنسان فيتلفه، ففي الإكراه على إتلاف مال الغير يجعل كأنه فعل كذلك فيجب الضمان على المكره لذلك.
(وإلا فيبطل حكمه) أي وإن لم يمكن أن ينسب ذلك الفعل الذي حصل من المكره إلى المكره بطل حكم ذلك الفعل أي يجعل كأنه لم يوجد ذلك الفعل لا من المكره ولا من المكره كما في شرب الخمر بالإكراه، حيث لا يجب حد الشرب لا على المكره ولا على المكره، وكذلك لو أكره الصائم الصائم في نهار رمضان على الأكل والشرب فأكل المكره أو شرب لا يفسد صوم المكره الآكل ولا صوم المكره الآمر؛ لأن فعل الأكل والشرب من الأفعال التي لا يمكن أن ينسب إلى المكره الآمر؛ لأن الإنسان لا يمكن له أن يأكل أو يشرب بفم غيره، فلذلك جعل كأن الأكل والشرب لم يوجدا أصلا فلا يجب حد الشرب
(5/2434)

والأكل على أحد، ولا يفسد صوم أحد على أصله، (وقال في الإكراه على الزنا: إنه يجب الحد على الفاعل) لأن هذا من قبيل الإكراه غير التام؛ لأن الزنا لا يباح بالإكراه بالاتفاق، فلما لم يتم الإكراه على أصله صار كأن الإكراه لم يوجد، ووجد الزنا من الزاني من غير إكراه فيجب الحد عليه لذلك.
(وكذلك قال في المكره على القتل: إنه يقتل) أي إذا قتل لما قلنا إشارة إلى قوله: ((لأنه لم يحل له الفعل)).
(وأما المكره فإنما يقتل بالتسبيب) جواب لإشكال وهو أن يقال: لما بقى القتل مضافا إلى المكره حتى وجب القصاص عليه ولم يوجد القتل من الآمر حقيقة فلم وجب القصاص عليه أيضا؟
(5/2435)

فقال: إنما يقتل الآمر لوجود تسبيب القتل منه والمسبب عنده بمنزلة المباشر في استحقاق القصاص عليه كشهود القصاص إذا رجعوا.
(وقال في الإكراه على الإسلام: إن المكره إذا كان ذميا) وذكر في ((المبسوط)) (أو مستأمنا)، وقوله: (لأن إكراه الذمي باطل) قال العبد الضعيف عبد الله -غفر الله له- فيعلم بهذا أن عدم تمام الإكراه غير منحصر على عدم إباحة الفعل على المكره بل عليه، وعلى عدم إباحة فعل الإكراه على المكره الآمر، وهذا لأن الذمي لو أسلم عند الإكراه عليه كان الإسلام مباحا له بل يقع فرضا، وما ذكره قبل هذا بقوله: ((وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل)) معناه يبيح الفعل على المكره المأمور أو يبيح فعل الإكراه على المكره الآمر بالإكراه.
(وكذلك المولي) هو اسم فاعل من الإيلاء.
(وذلك بعد المدة عنده) لأن الطلاق لا يقع عند الشافعي -رحمه الله-
(5/2436)

بعد انقضاء مدة الإيلاء، بل يتوقف إلى التفريق فإذا لم يفرق فالقاضي يجبره ويكون الإجبار حقا، فلذلك وقع الطلاق لكون التفريق مستحقا على المولى بعد انقضاء المدة فكان الإكراه حقا عليه كإكراه المديون على بيع ماله عند المماطلة، فأن بيع صحيح وإن كان بإكراه لكون الإكراه على البيع حقا.
(فكان دون الهزل وشرط الخيار والخطأ) أي للإكراه دون هذه الأشياء في إفادة الحكم فكانت هذه الأشياء أقوى في إثبات الحكم من الإكراه؛ لأن الرضى بالسبب موجود في الهزل وشرط الخيار والبلوغ قائم مقام الحفظ مع اعتدال العقل في الخطأ، فكان الرضا والاختيار موجودا، والإكراه فيما يتعلق بالرضى دون هذه الأشياء، فلذلك كان أبعد في إفادة الحكم من الهزل وأختيه، وفيما يتعلق بالاختيار دون الرضا كالطلاق فوق الهزل لوجود الاختيار والحكم جميعا، وإن كان فاسدا، وفي الهزل وشرط الخيار الاختيار للحكم معدوم.
(فإذا عارضه اختيار صحيح) وهو اختيار المكره.
(5/2437)

(وفيما لا يحتمله لا يستقيم نسبته إلى المكره) وهو الأقوال كلها، ومن الأفعال الأكل والوطء.
(لأنه صالح) أي لأن الاختيار الفاسد صالح لنسبة الحكم إليه.
(ألا ترى أن هذا القدر صالح للخطاب) حتى قيل: إن المكره متردد بين فرض وحظر وإباحة ورخصة إلى آخر ما ذكرنا قبل هذا.
(منقسمة إلى هذين القسمين) أي فيما يصلح آلة للمكره وفيما لا يصلح آلة له: أحدهما: مثل (الأقوال) أي في أن لا يصلح آلة للمكره كالأكل والوطء.
والثاني: ما يصلح أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره كما في إتلاف مال الغير.
(ما يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضى) كالبيع والهبة، (وما لا
(5/2438)

يحتمل الفسخ) كالطلاق والعتاق.
(كامل يفسد الاختيار ويوجب الإلجاء) كالإكراه بالقتل أو بقطع العضو.
(وقاصر يعدم الرضا) كالإكراه بالحبس والقيد.
(حرمة لا تنكشف) أي لا يزول عنها الحرمة أصلا كالزنا والقتل بغير حق.
(وحرمة) تحتمل السقوط أصلا كشرب الخمر بالإكراه، (وحرمة لا تحتمل السقوط لكنها تحتمل الرخصة) كإجراء كلمة الكفر على اللسان.
(وحرمة تحتمل السقوط لكنها لم تسقط بعذر الكره واحتملت الرخصة أيضا) كتناول مال الغير بالإكراه، فإن تلك الحرمة تحتمل السقوط بإباحة صاحب المال لكن لم تسقط حرمته بعذر الكره بل يرخص له الأكل عند المخمصة على معنى عدم المؤاخذة لا أنه يحل أكله بل بشرط الضمان يرخص له الأكل.
(5/2439)

(إن الإكراه لا يوجب تبديل الحكم بحال) يعني أن حكم السبب الموضوع له لا يبتدل بالإكراه بل يبقى حكمه كما في حق الطائع؛ لأن السبب إنما أوجب الحكم لكونه صادرا عن ذي عقل وتمييز وأهل خطاب وبلوغ، وبالإكراه لا تنعدم هذه المعاني لما ذكرنا من انقسام أفعال المكره إلى الفرض والحظر والإباحة والرخصة كأفعال الطائع.
ولا يوجب أيضا بتبديل (محل الجناية)؛ لأن في تبديل محل الجناية تبديل محل الحكم، وهو لا يصح على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
(ولا وجه لنقل الحكم بدون نقل الفعل)؛ إذ في نقل الحكم بدون نقل الفعل انفكاك الأثر عن المؤثر وذلك لا يصح؛ لأن فيه قولا بوجود الضرب في محل ووجود الألم في محل آخر وهو محال.
(ولا وجه لنقل الفعل ذاته) أي لا وجه لنقل ذات الفعل؛ لأن الفعل عرض فلا يوصف بالانتقال من محل إلى محل؛ لأنه إذا وجد في محل اضمحل وتلاشى بعد الوجود؛ فلم يتصور نقله لا حال الوجود ولا بعد
(5/2440)

الوجود فوجب القول بنقل الفعل بأن يجعل المكره آلة للمكره. (بهذا الطريق) وهو إشارة إلى قوله: ((وهو أن يجعل المكره آلة للمكره)) وطريق جعله آلة هو ما ذكر قبل هذا بقوله: ((فيجعل الاختيار الفاسد معدوما في مقابلته)) أي في مقابلة الاختيار الصحيح، فلما كان اختيار المكره معدوما كان هو والسيف سواء في أن كل واحد منهما عديم الاختيار، والسيف آلة للضارب فكذا المكره المأمور آلة للمكره الآمر.
(ففي الأقوال كلها لا يصلح أن يتكلم الرجل بلسان غيره) ولا يلزم على هذا قول الرسول، فإن قوله منتقل إلى المرسل مع أن القول لا يمكن نقله من القائل إلى غيره؛ لأنا نقول: إن انتقاله إلى المرسل شرعي لا حسي لوجود الرضى والطواعية من الرسول في انتقال كلامه إلى المرسل؛ لأنه يبذل منفعة نفسه إلى المرسل توسعة للأمر على الناس وفي الإكراه لم يوجد الرضا والطواعية في انتقال كلامه إلى المكره، ولو انتقل إنما ينتقل حسا وذلك غير ممكن في القول.
(لأن ذلك لا يبطل بالهزل وهو ينافي الاختيار أصلا) أي الطلاق
(5/2441)

والعتاق والنكاح لا يبطل بالهزل مع أن الهزل ينافي الاختيار أصلا، والإكراه لا يبطل الاختيار بل يفسده فلأن لا يبطل صحة الطلاق به أولى.
(فلم يتوقف الطلاق عليه) أي على لزوم المال، بل وقع ولكن يتوقف على قبول المال فإنه ذكر في ((الجامع الصغير)) لقاضي خان -رحمه الله- إذا قال الرجل لامرأته الصغيرة: أنت طالق على ألف يتوقف على قبولها وإن كان لا يلزمها المال عند قبولها، وكذا ذكر في ((الهداية)) وقال: وإن شرط الألف عليها أي وإن شرط الزوج الألف على امرأته الصغيرة توقف على قبولها إن كانت من أهل القبول، يعني بأن كانت تعقل العقد وتعبر عن نفسها، فإن قبلت وقع الطلاق لوجود الشرط ولا يجب المال؛ لأنها ليست من أهل الغرامة.
(بخلاف الهزل في الخلع عند أبي حنيفة -رضي الله عنه-) حيث يتوقف الطلاق هناك حتى تشاء المرأة وجوب المال على نفسها، وهاهنا يقع الطلاق ولا يجب المال، وأما الفرق لهما حيث يقولان بوجوب المال في صورة الهزل في الخلع ولم يجب هاهنا فيما إذا أكرهت على قبول المال في الخلع.
وذكر في ((المبسوط)) وللكل حاجة إلى الفرق بين مسألة الإكراه وبين
(5/2442)

مسألة الخيار والهزل.
فأما أبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول فيقول: الإكراه لا يعدم الاختيار في السبب والحكم وإنما ينعدم الرضا بالحكم، فلوجود الاختيار في السبب والحكم تم القبول ووقع الطلاق، ولانعدام الرضى لا يجب المال فصار كأن المال لا يذكر أصلا.
فأما خيار الشرط فلا يعدم الاختيار والرضا بالسبب ويعدم الاختيار والرضى بالحكم فيتوقف الحكم وهو وقوع الطلاق ووجوب المال على وجود الاختيار والرضى به.
وكذلك الهزل لا ينافي الاختيار ولا الرضى بالسبب وإنما ينعدم الاختيار فيه والرضى بالحكم فتوقف الحكم لانعدام الاختيار في حقه وصح التزام المال به موقوفا على أن يلزم عند تمام الرضا.
وهما يقولان: إن الإكراه يعدم الرضى بالحكم ولا يعدم الاختيار في الحكم والسبب جميعا فيثبت الحكم وهو الطلاق ولا يجب المال لانعدام الرضى به فكأنه لم يذكر، وأما الهزل وشرط الخيار لا يعدمان الرضا بالسبب، والحكم لا ينفصل عن السبب.
فالرضى بالسبب فيهما يكون رضا بالحكم فيقع الطلاق ويجب المال؛ لأن المال صار تبعا للطلاق في الحكم، وفي الإكراه انعدم الرضى بالسبب فلا يثبت ما يعتمد ثبوته على الرضى وهو المال، ويثبت من الحكم ما لا يعتمد ثبوته على
(5/2443)

الرضى وهو الطلاق.
وقوله: (ولأنه يعدم الرضا والاختيار جميعا) أي لأن الهزل يعدم الرضا والاختيار جميعا.
(كشرط الخيار) أي على قول أبي حنيفة -رضي الله عنه- (فإنه) أي فإن شرط الخيار بأن اختلعت المرأة على المال على أنها بالخيار ثلاثة أيام كذلك هاهنا أي في الهزل أي يتوقف الطلاق على وجوب المال عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- كشرط الخيار وهو عندهما.
(وما دخل على السبب يؤثر في المال دون الطلاق) كما في فصل الإكراه؛ (لأنه) أي لأن المال لا يجب إلا بشرط الخيار، (فكان في الإيجاب مثل
(5/2444)

اليمين) أي فكان وجوب المال في إيجاب الخلع مثل ذكر الشرط فين اليمين يعني في اليمين لا يجب الجزاء إلا بعد وجود الشرط فكذلك المال في الخلع لا يجب إلا بوجود شرط ذكر البدل.
(وبعد صحة الإيجاب يتبع الطلاق الذي هو المقصود) أي بعد صحة إيجاب الخلع يتبع وجوب المال لوقوع الطلاق، وبهذا يفرقان بين الهزل في الخلع وبين الإكراه فيه؛ حيث يجب المال في الهزل فيه ولا يجب في الإكراه فيه، يعني لما صح السبب في فصل الهزل وجب المال هناك أيضا تبعا لصحة السبب لأنه راض بمباشرة السبب فكان السبب صحيحا فوجب المال بالتبعية.
بخلاف الإكراه فإنه لما لم يصح السبب فيه لعدم الرضى بالسبب لم يتبعه وجوب المال، وفي بعض النسخ: ((فكان في الإيجاب مثل الثمن)) يعني كما أن الثمن لا يجب إلا بشرط الذكر في البيع كذلك لا يجب المال في الخلع إلا بشرط الذكر.
ثم إذا صح الإيجاب في البيع وجب الثمن وإن فسد لا يجب، فكذلك في الخلع إذا صح الإيجاب وجب المال وذلك موجود في الهزل بالخلع لوجود الرضى بالسبب فوجب المال تبعا للطلاق لكون الطلاق مقصودا فلا يتوقف الطلاق على المال بل يقع الطلاق في الحال والمال يتبعه، وفي الإكراه فسد الإيجاب لعدم الرضى بالسبب والحكم جميعا فلا يلزم المال؛ لأن لزوم المال
(5/2445)

يتوقف على الرضى ولم يوجد فكان وجوب المال من أثر صحة الإيجاب.
(ولا تصح الأقارير كلها) أي سواء كان الإقرار بما يحتمل الفسخ أو لا يحتمل.
(والكامل من الإكراه والقاصر في هذا سواء) أي في إبطال الأقارير كلها.
وذكر في باب ما يكره عليه اللصوص من إكراه ((المبسوط)) ولو هددوه بقتل أو إتلاف أو بحبس أو بقيد ليقر لهذا الرجل بألف درهم فأقر له به فالإقرار باطل.
أما إذا هددوه بما يخاف منه التلف فهو ملجأ إلى الإقرار محمول عليه، والإقرار خبر متميل بين الصدق والكذب، فإنما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب الصدق وذلك ينعدم بالحبس والقيد لما يلحقه من الهم والحزن به، وانعدام الرضى يمنع ترجيح جانب الصدق في إقراره، ثم قد بينا أن الإكراه نظير الهزل ومن
(5/2446)

هزل بالإقرار لغيره وتصادقا على أنه هزل بذلك لم يلزمه شيء فكذلك إذا أكره عليه.
فإن قيل: لماذا لم يجعل هذا بمنزلة شرط الخيار وشرط الخيار لا يمنع صحة الإقرار؟
قلنا: لا كذلك، بل متى صح شرط الخيار مع الإقرار بالمال لا يجب المال حتى لو قال: كفلت لفلان على فلان بألف درهم على أني بالخيار لا يلزمه المال.
فأما إذا أطلق الإقرار بالمال وهو خبر عن الماضي فلا يصح معه شرط الخيار، والإكراه هاهنا متحقق، وإنما يعتبر بموضع صح فيه اشتراط الخيار وهذا بخلاف ما تقدم من تناول الحرام - يعني لا يحل له التناول بالإكراه القاصر- لأن المؤثر هناك الإلجاء وذلك مما يخاف منه التلف، وهنا المانع من وجوب المال عليه انعدام الرضى بالالتزام.
وقد انعدم الرضا بالإكراه وإن كان بحبس أو قيد، ثم قال: ولو أوعدوه بضرب سوط واحد أو حبس يوم أو قيد يوم على الإقرار بألف فأقر به كان الإقرار جائزا لأنه لا يصير مكرها بهذا القدر من الحبس والقيد، فالجهال
(5/2447)

يتهازلون فيما بينهم فيحبس الرجل صاحبه يوما أو بعض يوم.
ثم قال بعد هذا في باب من الإكراه على الإقرار: وإذا أكره الرجل بوعيد تلف أو غير تلف على أن يقر بعتق ماض أو طلاق أو نكاح وهو يقول: لم أفعله فأقر به مكرها فالإقرار باطل، والعبد عبده كما كان، والمرأة زوجته كما كانت؛ لأن الإقرار خبر محتمل بين الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يقر به قاصد إلى دفع شر عن نفسه، والمخبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقا. ثم قال: والإكراه بالحبس والقتل في هذا سواء؛ لأن الإقرار تصرف من حيث القول ويعتمد تمام الرضا وبسبب الإكراه بالحبس ينعدم ذلك، وكذلك الإقرار بالرجعة أو الفيء في الإيلاء أو العفو عن دم العمد فإنه لا يصح مع الإكراه لما قلنا.
فإن قيل أليس عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- إذا قال لمن هو أكبر سنا منه: هذا ابني يعتق عليه، وهناك يتيقن بكذبه فيما قال فوق ما يتيقن بالكذب عند الإقرار مكرها, فإذا نفذ العتق ثمة ينبغي أن ينفذ هنا بالطريق الأولى.
قلنا: أبو حنيفة -رضي الله عنه- يجعل ذلك الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق. كأنه قال عتق علي من حين ملكته، وباعتبار هذا المجاز لا يظهر رجحان جانب الكذب في إقراره.
فأما عند الإكراه أكثر ما فيه أن يجعل هذا مجازا عن الإقرار بالعتق ولكن
(5/2448)

الإكراه يمنع صحة الإقرار بالنسب.
(فإن كان عليه) أي على المكره المحمول (ما أوجب جرحه وجب به القود في النفس) أي على المكره الحامل. قال شيخي- رحمه الله-: صورته أن يكون مع المكره المحمول آله قاتلة كالسيف والخنجر، ثم أن المكره الحامل أخذ المكره المحمول بتلك الآلة وألقاهما على إنسان فتلف لك الإنسان بتلك الآلة يجب القصاص على الملقى بالإجماع، وإنما فرض المسألة في المكره الذي معه آله جارحة ليرتب عليه جواب المسألة بالقصاص على الاتفاق؛ لأن في القتل بالمثقل اختلافًا.
(وليس في ذلك تبديل محل الجناية) وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن يقال: ففي جعل المكره آله للمكره حتى يجب القصاص على المكره الآمر في العمد والدية على عاقلته في صورة الخطأ والكفارة عليه تبديل محل الجناية لأن الجناية حقيقة وجدت من المكره المأمور فكان في جعل الجناية من الآمر تبديل محل الجناية.
فقال في جوابه: ليس فى ذلك تبديل محل الجناية على الوجه الذي قلنا، وهو أن المكره امأمور فاسد الاختيار والمكره الآمر صحيح الاختيار والفاسد في
(5/2449)

مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم فصار المكره كأنه لا اختيار له أصلًا، فصار آلة للمكره من هذا الوجه، مع أن جعله آله له في الحقيقة متصور على ما ذكره بقوله: "وهوأن ياخذه فيضرببه نفسًا أومالًا فيتلفه" فحينئذ كانت الجناية موجودة من الآمر فيؤخذ بموجب الجناية محل الجناية الذ وجدت منه الجناية ولم يكن فيه تبديل.
(ولذلك قلنا) أي ولأجل أن المكره صار بمنزلة الآلة للمكره، (والكفارة عليه) أي علالمكره الآمر؛ لأن المكره لما جعل آلة خرج هو من البين فلا تجب عليه الدية والكفارة؛ لأنهما لا تجبان على الآلة فكذلك لا تجبان على المكره المأمور لصيرورته آلة للمكره الآمر.
وقوله (لحرمة هذا المحل أيضًا) دليل وجوب الكفارةعلى المكره الآمر مع تضمن دفع شبهة، وهي أن المكره لا يصلح آلة للمكره في حق الإثم والكفارة لرفع الإثم فكان ينبغي أن تجب الكفارة على المكره المأمور؛ لأن فعل المكره في حق القتل حرام بدليل أنه يأثم في ذلك، ومع ذلك وجبت الكفارة
(5/2450)

على المكره الآمر.
فأجاب عنه بهذ: أي نعم كذلك أن الكفارة جزاء الفعل المحرم، ولكن لحرمة المحل والمكره المأمور فيما يرجع إلى المحل يجعل آلة للمكره كما في الدية فتجب على المكره الآمر لذلك.
(وهذه نسبة ثبتت شرعًا) أي نسبة فعل المكره المأمور إلى المكره الآمر ثبتت شرعًا باقتضاء النص، وهو قوله عليه السلام: "رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وإنما قلنا: إن هذا يثبت شرعًا باقتضاء النص؛ لأن الإتلاف وجد من المكره المأمور حسًا وحقيقة، ولما ثبت رفع الفعل من المكره المأمور بعبارة النص لم يكن بجد من تحقيق موجب الفعل على أحد، وليس هاهناأحد ينسب إليه الفعل سوى المكره الآمر بعد انتفاء نسبة الفعل إى المكره المأمورفنسب إلى الآمر، فكانت نسبة إتلاف النفس والمال إلى المكره الآمر باقتضاءالنص بهذا الطريق.
(وهذا كالأمر) أي ثبوت النسبة في الإكراه إلى غير الفاعل حقيقة لثبوت نسبة الفعل في غير الإكراه وهو الآمر إلى غير الفاعل حقيقة.
(فإنه متى صح) أي فإن الأمر متى صح واحترز بقوله: "صح" عن الأمر الذي لم يصح، وهو فيما ذكر بعده بقوله: "وإذا كان في جادة الطريق لا
(5/2451)

يشكل حاله بطل الأمر"، وبهذا يعلم أن المراد من صحة الأمرهوأن يعلم المأموربأن للآمرحق الأمر بذلك الفعل شرعًا كما في الأمر بحفر البئر في فنائه.
وقوله: (قد يخفى على الناس) تفسير لقوله: "إشكال" أي الإشكال قد يتأتى من قبل خفاء ذلك الموضع على المأمور بأنه ملك الآمر أو حق المسلمين ولم يقيد في هذه المسألأة بالإشكال في "المبسوط".
وقال: وإن أمر عبدًا له فحفر بئرًا في فنائه فضمان ما يقع فيها على الآمر، ولو كان في غير فنائه فالضمان في عنق العبد يدفع به أو يفدى.
ثم قال: ولم يفصل هنا بين أن يكون العبد عالمًا بذلك أو غير عالم بخلاف الحر، والفرق أن الضمان هناك لمعنى الغرور ولا غرورو بين العبد وسيده، فإن قرار المان في الفصلين على السيد، فلهذا جعل فعل عبده بأمركفعله بنفسه.
ثم إنما ألحق هذه المسألة بمسألة الإكراه في حق نقل الفعل من الفاعل إلى الآمر إذا صح يعني أن الأمر إذا صح يستقيم نقل الفعل من الفاعل إلى الآمر كما يستقيم نقل فعل المكره إلى المكره الآمر في الإكراه أي تحقق وثبت من كل وجه وهو الإكراه الملجئ؛ يعني أن ما قلنا من نقل فعل المكره إلى المكره الآمر عند صحة الإكراه ليس ببعيد؛ لأن مثل ذلك موجود في الأمر، فإن الأمر إذا صح ينتقل فعل المأمور إلى الآمر فكذا في الإكراه.
(5/2452)

(وكذلك لو استأجر حرًا- إلى قوله- فإن ضمان ما يعطب به على الأمر استحسانًا) يعني لو استأجر حرًا على حفر البئر فيطريق المسلمين في غير فنائه ولكن ذلك الموضع في موضع مشكل بأن ذلك الموضع حق الآمر أم حق المسلمين وكان ذلك الموضع في الحقيقة حق المسلمين.
والدليل على هذا التفسير ما ذكره في باب البئر وما يحدث فيها من ديات "المبسوط" بقوله: فإن كان استأجر عليها- أي على حفر البئر في طريق المسلمين- أجراء فحروها له فذلك على المستأجر ولا شيء على الأجزاء إن لم يعلموا أنها في غير فنائه؛ لأنهم صاروا مغرورين من جهته حين لم يعلمهم أن ذلك الموضع ليس من فنائه وإنما حفروا اعتمادًا على أمره، وعلى أن ذلك من فنائه.
فلدفع ضرر الغرور ينقل فعلهم إلى الآمر فيصير كأن المستاجر حفر بنفسه، وإن كانوا يعلمون أنها في غير فنائه فالضمان عليهم؛ لأنهم جناة في الحفر وأمره إياهم بالحفر غير معتبر شرعًا؛ لأنه غير مالك للحفر بنفسه في هذا الموضع، وإنما يعتبر أمره لإثبات صفة الحل به أو لدفع الغرور عن الحافر وقد انعدما جميعًا في هذا الموضع فسقط اعتبار أمره، فكان الضمان على الذين باشروا الحفر، وإن كان في فنائه فهو على الآمر دون الأجراء إن علموا أو لم
(5/2453)

يعلموا؛ لأن أمره في فنائه معتبر، فإن عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- له أن يحفر في فنائه إذا كان لا يضر بالمارة لأحد أن يمنعه، وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه- يحل ذلك له فيما بينه وبين ربه ما لم يمعنه مانع؛ لأن الفناء اسم لموضع اختص صاحب لملك بالانتفاع به من حيث كسر الحطب وإيقاف الدابة وإلقاء الكناسة فيه فكان أمره معتبرًا في الحل، وانتقل فعل الأجراء إليه بهذا الأمر فيصير كأنه فعل هذا ذلك بنفسه.
وقوله: (وكذلك من قتل عبد غيره بأمر مولاه) أي قتل حر أو عبد عبد غيه بأمر مولى ذلك العبد المقتول؛ لأنه موضع شبهة؛ لأنه يشتبه عليه.
فنقول: يحتمل أن يكن أمر مولى العبد لآخر بقتل عبده كان صحيحًا باعتبار أنه صار حلا الدم عنده والمولى يتصرف في ملك نفسه، والأصل أن يكون تصرف المسلم حلالًا له، (بخلاف ما إذا قتل حرأ بأمر حر آخر فإن الضمان على المباشر)؛ لأن هذا الأمر ظاهر الفساد وجلي عدم صحة أمره على العباد؛ إذ لا ولاية لحر على حر آخر، فو كان مباح الدم كان الأمر بالقتل للولاة والحكام لا لكل أحد من آحاد الأنام، فكان الاشتباه على المباشر بسبب تقصير من جهته لا أن يكون الغرور له من جانب الآمر، فلذلك اقتصر
(5/2454)

الضمان على المباشر.
(والإكراه صحيح بكل حال) أي سواء كان الأمر في موضع الاشتباه بأن أكره الحافر على حفر بئر في فناء داره أو في غير موضع الاشتباه بأن أكره الحافر على حفر بئر في طريق المسلمين، وكذلك إذا أكره رجلًا على قتل عبده أو على قتل حر فإن الإكراه في الفصلين صحيح والضمان على المكره الآمر بذلك الفعل، وإنما كان هكذا لأن الدليل الموجب للنقل في الإكراه خوف التلف وهو لا يتفاوت بين أن يكرهه على قتل عبده أو قتل حر بخلاف الآمر، فإن دليل النقل فيه صحة الأمر، وهي إنما توجد في الأمر بقتل عبده لا في الأمر بقتل حر آخر، فلما لم يصح الأمر لم ينقل الفعل إلى الآمر.
(وأما الإكراه الذي لا يوجب الإلجاء) وهو الإكراه بالحبس والقيد لا بالقتل ولا بإتلاف العضو.
(فذلك مثل الأكل)؛ لأنه لا يصلح آلة للمكره في حق الأكل لما ذكر في الكتاب فكان الأكل منحصرًا على الأكل، فلذلك قلنا بفساد صوم المكره المأمور بالأكل إذا كان صائمًا بأكله لوجود الأكل منه حقيقة، ثم حكم الضمان هو ما ذكر في "تتمة الفتاوى" فقال: لو أكره على أكل طعام نفسه فأكل فإن
(5/2455)

كان جائعًا لا يرجع على المكره بشيء، وإن كان شبعان يرجع عليه بقيمة الطعام؛ لأن منفعة الأكل حصلت للمكره في الفعل الأول وفي الثاني لا.
ثم قال: فإن قيل: هذا العذر يشكل بما لو أكره على أكل طعام الغير فإن الضمان على المكره الآمر لا على المكره، وإن كان جائعًا وقد حصل له منفعة الأكل.
قلنا: إنما لم يجب الضمان على المكره المأمور؛ لأنه أكل طعام المكره الآمر بإذنه؛ لأن الإكراه على الأكل إكراه على القبض؛ لأنه لا يمكنه بدون القبض وكما قبض المكره المأمور الطعم صار قبضه منقولًا إلى المكره الآمر فصار كأن المكره قبضه بنفسه وقال: كل، ولو قبض بنفسه صار غاضبًا ضامنًا ثم آذنًا له بالأكل، وفي طعام نفسه لم يصر آكلًا طعام المكره بإذنه؛ لأن المكره هناك يضمن بعد الأكل والإن وجد قبل الأكل.
إلى أن قال: وإذا لم يوجد سبب الضمان في طعام المكره قبل الأكل صار المكره آكلًا طعام نفسه لا طعام المكره، إلا أن المكره متى كان شبعان لم يحصل منفعة فقد أكرهه على إتلاف ماله، ومن أكره غيره على إتلاف ماله فأتلف ضضمن المكره الآمر فكذا هنا.
وقوله: (والوطء والزنا) أراد بكليهما واحدًا وهو الزنا، ولهذا اقتصر بذكر الزنا عند ذكرالدليل، ثم لما اختصر حكم الزنا على الزاني كان ينبغي أن
(5/2456)

يجب الحد على الزاني كما هو القول القول لأبي حنيفة- رحمه الله- وهو قول زفر لما ذكرنا؛ للأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار الآلة، ولا تنتشر آلته إلا بلذة وذلك دليل الطواعية.
وفرق على هذا القول بين الرجل والمرأة؛ لأن المرأة في الزنا محل الفعل ومع الخوف يتمكن التمكين منها، وفرق على هذا القول بين الإكراه على الزنا وبين الإكراه على القتل.
قال: لا قود على المكره المأمور وعليه الحد في الزنا، ففي كل واحد من الموضعين الحرمة لا تنكشف بالإكراه ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره وبسبب الإلجاء يصير الفعل منسوبًا إليه، ولهذا ألزمه القصاص بخلاف الزنا فإن المكره فيه لا يصلح أن يكون آلة للمكره ولهذا لا يجب الحد على المكره.
ووجه قوله الآخر وهو قولهما أن الحد مشروع للزجر ولا حاجة إلى الزجر في حالة الإكراه؛ لأنه كان منزجرًا عنه إلى أن يحقق الإلجاء وخوف التلف على نفسه فإنما كان قصده إلى هذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد عنه، وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف، فقد تنتشر الآلة طبعًا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال، وقد يكون ذلك طوعًا.
(5/2457)

ألا ترى أن النائم قد تنتشر آلته طبعًا من غير اختيار له، وإن كان الإكراه على الزنا بحبس ففعل ذلك كان عليه الحد؛ لأن تمكن الشبهة باعتبار الإلجاء وسبب الإكراه بالحبس لا يتحقق الإلجاء فوجوده وعدمه في حكم الحد سواء، ثم في كل موضع وجب الحد على المكره لا يجب المهر لها؛ لأن المهر والحد لا يجتمعان عندنا بسبب فعل واحد خلافًا للشافعي.
وفي كل موضع سقط الحد وجب المهر؛ لأن الوطء في غير الملك لا ينفك عن حد أو مهر، فإذا سقط الحد وجب المهر لإظهار خطر المحل بإنه مصون عن الابتذال محرمًا كاحترام النفوس ويتسوي إن كانت المرأة اذنت له في ذلك أو استكرهها.
أما وجوب المهر عند استكراهها فغير مشكل؛ لأن المهر يجب عوضًا عما أتلف عليها ولم يوجد الرضا منها بسقوط حقها. وأما إذا أذنت له في ذلك فلأنه لا يحل لها شرعًا أن تأذن في ذلك فيكون إذنها لغوًا لكونها محجوره عن ذلك شرعًا بمنزلة إذن الصبي والمجنون في إتلاف ماله.
كذا في "المبسوط"، ثم ذكر في "تتمة الفتاوى" ولا يرجع بما ضمن على المكره؛ لأن منفعة الوطء حصلت للزاني وكان كما لو أكره على أكل طعام نفسه فأكل، إن كان جائعًا لا يرجع على المكره بشيء وإن كان شبعان
(5/2458)

يرجع عليه بقيمه الطعام وقد ذكرناه.
(وكذلك إذا كان نفس الفعل مما يتصور أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره صورة إلا أن المحل غير الذي يلاقيه الإتلاف صورة- إلى قوله- وذلك مثل إكراه المحرم على قتل الصيد) يعني أن نفس القتل من قال إنه إتلاف قابل للنقل من الفاعل إلى المكره الآمر.
ومن قال إنه جناية في دين القاتل وإحرامه غير قابل للنقل فإن إنسانًا لو أثم في شيء ففعله لا يمكن أن يقال: إن إثمه منه إلى من أمره بذلك الفعل لقوله تعالى: (عَلَيْهَا ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى)، وهذا لأنا لو قلنا بأن المحرم الآمر بقتل الصيد هو الذي قتله بواسطة المكره المأمور يلزم منه تبديل محل الجناية؛ لأن محل الجناية صورة هو الصيد.
وفي الحقيقة محل الجناية الإحرام، وفي جعل المكره آلة تبديل محل الجناية؛ لأنه حينئذ تكون الجناية واقعة على إحرام المكره الآمر وفي ذلك بطلان الكره؛ لأن إنسانًا لو أكره آخر بأن يجني المكره المأمور في محل معين وهو أوقع جنايته في محل آخر غير المحل الذي أمر به المكره الآمر كان ذلك جناية
(5/2459)

منه بطريق الطوع لا بطريقه الكره، وهذا بخلاف الإكراه على قتل نفس معصومة؛ لأن محل الجناية هو المقتول فلا يكون في تبديل النسبة تبديل محل الجناية.
أما الصيد ففي قتله محل الجناية الإحرام في حق المحرم أو الدين في حق صيد الحرم في حق الحلال؛ لأنه لا حرمة للصيد في نفسه.
ألا ترى أن اصطياده لغير المحرم في غير الحرم حلال وللمحرم أيضًا يحل أكله وكذلك صيد الحرم.
ألا ترى أنه لو خرج من الحرم يحل اصطياده، فلما كان محل الجناية في الحقيقة هو الإحرام أو الدين كان في تبديل النسبة تبديل محل الجناية.
وفي تبديل المحل خلاف المكره، أي مخالفة المكره؛ لأن الإكراه لما وقع في محل، وفعل المكره المأمور في محل آخر لم يبق ما أكره عليه، فكان هو مخالفة للمكره الآمر ضرورة؛ لأنه لم يوجد الإكراه في حق المحل الآخر فيبطل الكره.
وعاد الأمر إلى المحل الأول، وهو إحرام المكره المأمور؛ لأن الفعل قام ببدن المكره الفاعل وهو المأمور حقيقة، والانتقال عنه إنما يكون إلى الآمر إذا
(5/2460)

وافق المكره المكره الآمر، فإذا خالفه يعود الفعل إلى المحل الأول وهو إحرام الفاعل.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لما ذكر قبله وهو قوله: وكذلك إذا كان نفس الفعل مما يتوصر أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره، إلا أن المحل غير الذي يلاقيه الإتلاف صورة، يعني أن الفعل إذا كان مشتملًا لمعنى قابل للنقل إلى المكره الآمر ولمعنى غير قابل للنقل إليه فينقل ما هو قابل له، ويقتصر على الفاعل ما هو غير قابل له، كما إذا أكره على قتل نفس معصومة ففي القتل بالإكراه معنيان:
أحدهما- قابل للنقل وهو معنى الإتلاف فلذلك وجب القصاص فيما فيه القصاص، والضمان فيما ليس فيه قصاص، والكفارة على المكره الآمر.
والثاني- غير قابل للنقل وهو جناية القتل على دين نفسه حى يأثم المكره المكره المأمور بالقتل عند قتله؛ حيث لا ينقل قتله إلى الآمر فيحق الإثم بأن لا يأثم المكره القاتل بل يأثم الآمر، وهذا لأن إثم المكره القاتل باعتبار اختياره قبل غيره على قتل نفسه بأن يصبر عن قتل غيره حتى يقتل هو، والاخيتار
(5/2461)

إنما ينشأ عن عزيمة قلبه فكان الإثم بمقابلة عزيمة قلبه عند اتصال الفعل بها وهو في ذلك لا يصلح آلة لغيرة؛ لأن ذلك ليس بأمر حسي حتى يتصور أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره كما في الإتلاف.
وكذلك قوله: (ولهذا قلنا في المكره على البيع والتسليم) إيضاح لذلك أيضًا، وهو أن المكره على البيع والتسليم لما لم يصلح آلة للمكره في حق التسليم اقتصر التسليم على المكره المأمور، وإن كان التسليم فعلًا حسيًا كما في الإتلاف؛ لأنا لو جعلنا المكره المأمور آلة للمكره في حق التسليم صار اآمر كأنه قبض من المالك بغير رضاه وسلمه إلى المشتري، فحينئذ يكون هذا غصبًا محضًا لا إكراهًا على البيع وحكم الغضب غير حكم البيع.
وقوله: (لتبدل المحل) إلى محل الإكراه، فإنه إنما أكرهه على البيع على أن يتصرف المالك في مال نفسه بالبيع ولو جعل آلة يكون بيعًا في المغصوب، وفي لفظ البيع أيضًا لا يصلح المكره آلة للمكرة الآمر؛ لأن البيع يحصل بالتكلم والمكره لا يصلح آلة للمكره الآمر في حق التكلم، فكذا فيما يتم به البيع وهو التسليم لا ينقل إلى المكره من حيث إنه إتمام البيع.
(وإذا ثبت أنه أمر حكمي صرنا إليه استقام ذلك) فقوله: "استقام" ذلك جزاء الشرط، وقوله: "صرنا إليه" صفة بعد صفة لقوله: "أمر" أي وإذا
(5/2462)

ثبت أن نقل فعل المكره إلى المكره الآمر أمرحكمي مصير إليه لا حسي استقام ذلك القول بالنقل فيما يعقل نقله بالطريق الذي قال بأن يأخذ المكره الآمر رجل المكره المأمور فيلقيه على النفس أو على المال فيتلفه، ولكن ذلك الإتلاف من المكره الأمر غير محسوس، بل الإتلاف إنما وجد حسًا من المكره المأمور.
فيعلم من هذا أن فعل المكره المأمور لا ينقل إلى المكره فيما لا يعقل نقلله كما في الأقوال كلها، وكما في الأكل والوطء وفي حق الإثم وفي حق الجناية على الدين.
(وأن القسم الأول هو الزنا بالمرأة والقتل والجرح) وإنما قدم هذه الأشياء على سائر الحرمات؛ لأن حرمة هذه الأشياء مصمتة لا تنكشف أصلًا على وج لا يجري فيها الرخصة في حال من الأحوال.
(فسقط الكره) فلما سقط الكره كان بمنزلة من قتل نفسًا معصومة بدون الكره فيأثم.
(5/2463)

وقوله: (حتى إن من قيل له- إلى قوله- ويد غيره ونفسه سواء) يتعلق بما ذكره قبله من التعداد بقوله: "والقتل والجرح"
فيعلم بهذا أن جرح غيره بمنزلة قتل نفسه في حق الحرمة، ومعنى قوله: "أو لتقطعن يدك" حتى يقطعن.
(غَيْرَ بَاغٍ) أي غير طالب للحرام ببعد إبقاء المهجة (ولا عَادٍ) أي ولا مجاوز من حد سد الرمق، وقد ذكرنا قبل هذا بأتم منه.
(5/2464)

(فإذا سقطت الحرمة أصلًا) أي في فصل الخمر وغيرها.
(وهذا إذا تم الإكراه) وهو في فصل الإكراه الكامل.
(فأما إذا قصر لم يحل له التناول) وكذك هذا في إتلاف مال الغير إنما يضمن المكره في الإكراه الكامل؛ لأن المكره إنما يصير كالآلة عند تمام الإلجاء.
وأما إذا أكرهه بحبس أو بقيد ففعله لم يكن على المكره الآمر ضمان ولا قود فبقي الفعل مقصورًا على الفاعل المأمور فيواخذ بحكمه. إلى هذا أشار في "المبسوط".
(وأما الذي لا يسقط) أي لا يسقط حرمته أبدًا، (ويحتمل الرخصة)
(5/2465)

فمعنى احتمال الرخصة هو ان لا يأثم بفعله.
أما لولا يفعل وصبر على عذاب القتل فقتل كان هو أولى من الترخص بفعله.
(رخص بالنص في قصة عمار بن ياسر- رضي الله عنه-) وهو ما روى أو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله عليه السلام وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما آتى رسول الله عليه السلام قال عليه السلام: "ما رواءك"؟ قل: شر ما تركوني حتى نلت وذكرت آلهتهم بخير. قال عليه السلام: "فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجده مطمئنًا بالإيمان. قال عليه السلام له: "إن عادوا فعد" أي إن عادوا إلى الإكراه بالقتل فعد إلى طمأنينة القلب وتخليص نفسك.
فإن قلت: على هذا ينبغي أن يكون إجراء كلمة الكفر أولى من الصبر
(5/2466)

والحكم على العكس! وذلك لأن النبي عليه السلام أمره بالعود وتخليص النفس، ولا يحصل تخليص النفس إلا بإجراء كلمة الشرك على اللسان فكان هذا منه أمر بإجراء كلمة الشرك على اللسان ومطلق الأمر للأيجاب، ولأن ما أجراه على لسانه ليس بكفر عند طمأنينة القلب بالإيمان فينبغي أن يكون الإجراء أولى من الصبر كما في الإكراه بالقتل على شرب الخمر.
قلت: لا، بل معنى قوله عليه السلام: "إن عادوا فعد إن عادوا فعد" إلى طمأنينة القلب بالإيمان.
هكذا ذكره الإمام المعو عليه شمس الأئمة- رحمه الله- في إكراه "المبسوط" فقال فيه: وبعض العلماء يحملون قوله: "إن عادوا فعد" على ظاهره، يعني إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى ما كان منك من النيل مني وذكر آلهتهم بخير، وهو غلط فإنه لا يظن برسول اله عليه السلام أنه يأمر أحدًا بالتكلم بكلمة الشرك، ولكن مراده: "فإن عادوا فعد" إلى طمأنينة القلب بالإيمان، وهذا لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه فالامتناع منه أفضل.
ألا ترى أن خبيب بن عدي- رضي الله عنه- لما امتنع حتى قتل سماه
(5/2467)

رسول الله عليه السلام أفضل الشهداء وقال: "هو رفيقي في الجنة"، وأما قوله: ولأن ما أجراه على لسانه ليس بكفر عند طمأنينة القلب بالإيمان.
قلنا: نعم كذلك، ولكن كما يجب على المؤمن صيانة إيمانه بقلبه كذلك يجب صيانته بلسانه؛ لأن القلب واللسان محلا ركني الإيمان، وهما: التصديق والإقرار بالإيمان وإن كان الإقرار ركنا زائدا؛ لأنه يجب على المؤمن صيانة إيمانه ظاهرا وباطنا ولا تحصل الصيانة هكذا إلا بكاللف عن تبديلهما معا، هذا هو القياس؛ لأن تبديل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر كفر في جميع الأحوال، فكذا يجب أن يكون تبديل اللسان من كلمة الإيمان إلى كلمة الكفر كفرا.
إلا أنه لما جاء النص بإباحة إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان وجب أن يحمل ذلك على رخصة الأمر مع قيام المحرم لا على الجواز المطلق، فلما حمل ذلك على الرخصة مع قيام الحرمة كان الصبر عن إجراء كلمة الشرك حتى يقتل أولى من إجرائها وتخليص نفسه، وإلى هذا المعنى أشاء النبي عليه السلام في حديث خبيب -رضي الله عنه- حيث سماه أفضل الشهداء وقال: "هو رفيقي في الجنة".
(5/2468)

(وفي هتك الظاهر مع قرار القلب ضرب جناية)، وهذا إشارة إلى ما قلت: إن على المؤمن صيانة الظاهر واجب، وهي أن لا تجرى كلمة الشرك على لسانه لئلا يهتك ظاهر إيمانه وإن كان في حال الإكراه، ولو هتك ظاهر إيمانه في حال الإكراه بإجراء كلمة الشرك على لسانه مع قرار قلبه بالإيمان كان هو نوع جناية منه.
(لكنه دون القتل) يعني كشته شدن، أي دون أن يقتل المكره الذي صبر حتى أن يقتل بسبب الامتناع عن إجراء كلمة الشرك على لسانه، أي إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب أدون وأحقر من أن يقتل المكره الصابر؛ لأن في إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب هتك صورة الإيمان مع بقائه معنى لبقى الركن الأصلي وهو طمأنينة القلب بالإيمان، وفي الكف حتى يقتل هدم للآدمي الذي هو بنيان صورة، ومعنى لكن مع ذلك كان الامتناع عن إجراء
(5/2469)

كلمة الكفر أولى لكون ذلك جهادا في سبيل الله وإظهار صلابة في دينه والذي ذكره من الدليل كان ذلك دليل الترخص في حق إجراء كلمة الكفر.
(فصار هذا القسم قسمين) أي القسم الثاني من تقسيم المحرمات، أي فصار القسم الذي لا تسقط حرمته أصلا ولكن يحتمل الرخصة قسمين.
(والأداء فيه ركن ضم إليه) أي الإقرار باللسان في الإيمان ركن ضم إلى الاعتقاد الذي هو أصل في الإيمان، يعني أن الإقرار باللسان ليس بركن أصلي كالاعتقاد، بل هو من الزوائد فيحتمل السقوط بعارض الإكراه بخلاف الاعتقاد فإنه لا يحتمل السقوط أصلاً.
(5/2470)

(فصار عمدة الشرع) أي فصار الاعتقاد ما يعتمد عليه الشرع، (وصار غيره عرضة للعوارض) أي وصار غير الاعتقاد وهو الإقرار باللسان والصلاة والصوم وسائر العبادات الظاهرة محل تعرض العوارض، أي محل أن يمنعه مانع من المضي على ما عليه أصل تلك العبادات.
وقوله: (وما كان من حقوق العباد -إلى قوله- قسم آخر) مبتدأ وخبر بيان للقسم الثاني الذي ذكره قبل هذا بقوله: (فصار هذا القسم قسمين).
فإن قلت ففي قوله: (فصار هذا القسم قسمين -إلى قوله- لم تحتمل الرخصة بالتبديل) شبهتان هائلتان واردتان على القسم الأول والثاني.
إحداهما -هي ما ذكرنا إن الإشارة في قوله: (فصار هذا القسم) راجعة إلى قوله: (وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة) والقسم الأول من هذين القسمين لا يحتمل الرخصة كما ذكر بقوله: (لم يحتمل الرخصة بالتبديل) وهذا الأصل مقرر وهو أن موضع التقسيم يجب أن يكون مشتركا بين ما يرد على ذلك التقسيم من الأنواع كما تقول: الإنسان حيوان ناطق ثم تقسم الإنسان على أنواع ثلاثة بين الرجل والمرأة والصبي فوصفا الإنسان وهما الحيوانية والناطقية موجودتان في كل واحد من هذه الأنواع.
وهاهنا القسم الذي انشعب منه هذان القسمان محتمل للرخصة، والقسم الأول من هذين القسمين غير محتمل للرخصة كما ترى فوجب أن لا يصح
(5/2471)

القسم عليه لانعدام تناول موضع التقسيم له.
والثانية -هي أن وصف هذا القسم الأول من هذين القسمين حرمة تبديل الإيمان إلى الكفر لا تسقط ولا تحتمل الرخصة، فكان هذا القسم في حق هذين الوصفين نظير ما ذكر قبل هذاا بورق بعينه بقوله: (فإن القسم الأول هو الزنا بالمرأة والقتل والجرح لا يحل ذلك بعذر الكره ولا يرخص فيه) فلما كان هذا القسم عين ذلك القسم في الاتصاف بهذين الوصفين ما فائدة إفراد هذا القسم بجعله أحد قسمي القسم الثاني، ولم لم يورد هذا القسم في ذلك القسم الذي ذكر فيه الزنا وغيره حتى ينصب هذا الوصفان على كليهما انصبابة واحدة؟
قلت: أما الجواب عن الشبهة الأولى فهو أنه لما ذكر القسم الثاني الذي هو موضع التقسيم بقوله: وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة فمثل إجراء كلمة الكفر على اللسان والقلب مطمئن بالإيمان كان ذلك القسم محتملا شيئين:
أحدهما- غير محتمل لسقوط حرمته ولكن يحتمل الرخصة وهو إجراء كلمة الكفر على اللسان.
والثاني- غير محتمل لسقوط حرمته ولا يحتمل الرخصة وهو ترك اطمئنان القلب بالإيمان، لكن جعل كون إجراء كلمة الكفر على اللسان نظيرا لما ذكر بطريق العبارة والقصد، وجعل ترك اطمئنان القلب نظيرا لما ذكر بطريق الإشارة والضمن؛ حيث لم يعلم هناك ذلك المقصود الحاصل من
(5/2472)

الإشارة، ثم إن جر ما ذكره من حكم إجراء كلمة الكفر على اللسان مع زيادة تقرير فيه إلى أنه ألحق به حكم استهلاك أموال الناس وجواز الترخيص فيه بالإكراه التام.
ثم ذكر هاهنا حكم ضد ذينك الشيئين بطريق النتيجة لما ذكر قبله بقوله: فصار هذا القسم قسمين" إلى آخره أعني بذينك الشيئين إجراء كلمة الكفر على اللسان وترك اطمينان القلب بالإيمان، وأعني بضدهما الإقرار بالإيمان بالله تعالى باللسان واطمينان القلب بالإيمان، والدليل على ما قلته من ذكرهما بطريق النتيجة كما قلته شيئان:
أحدهما- ذكر الفاء في قوله: "فصار هذا القسم". والثاني- إعادة عين ما ذكر فيه من اطمئنان القلب بالإيمان، لكن عبر عنه هاهنا بلفظ العقيدة، ومن ذكر جنس ما يحتمل السقوط كان هو إجراء كلمة الكفر على اللسان.
وحاصله أنه لما ذكر هناك حكم إجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه كان ذكر حكم ضده وهو الإقرار بالإيمان بالله تعالى في حق الإيمان نتيجة له، فكان الذي ذكر هناك في حق تحمل الرخصة مقصودا عند الإكراه والذي هنا في حق تعلق الله تعالى بالإيمان مقصودًا وهو شيئان: أحدهما- الاعتقاد الثابت على الإيمان.
والثاني- الإقرار بالله تعالى باللسان، وفي حق ذكر تحمل الرخصة أو عدم تحملها تبعًا، فلذلك ذكر هذا القسم الذي صار قسمين في حق الإيمان وغيره بعد ذلك ذكر فيه تحمل الرخصة مقصودًا.
(5/2473)

وأما الجواب عن الشبهة الثانية فمستخرج من جواب الشبهة الأولى، وهو أنه لما استقام ذكر القسم الثاني وهو قوله " وأما الذي لا يسقط ويحتمل الرخصة" باعتبار المقابلة للقسم الأول لما أن القسم الأول وهو الزنا وغيره لا يحتمل الرخصة.
وهذا القسم الثاني يحتملها كان ذكر هنا القسم الذي يتراءى التكرار بالقسم الأول بطريق النتيجة والتبعية للقسم الثاني، فلم يكن تكراره ملتفتًا إليه؛ لأن تكراره لم يكن بمقابلة القسم الأول، وهذا أيضًا جواب لعدم إيراد هذا القسم تبعًا ونتيجة للقسم الثاني والقسم الثاني مضاد للقسم الأول ومقابل له كان تبع القسم القاني أيضًا مضادًا للقسم الأول من حيث المعنى.
فحينئذ لا يستقيم إيراد هذا القسم هناك. والله أعلم
هذا الذي أدت إليه رويتي وحجري وانتهت إليه نهيتي وفكري من
(5/2474)

الجواب لمثار الشبهتين المثارتين من قبلي والمزبرحتين من عندي، ومن كان عنده جواب أصح متنًا وأوسع صحنًا فليبرزه فهو في سعة في ذاك وخليق بأن يقال المئنة هناك.
وقوله: (أنه يتحمل السقوط بأصله لكن دليل السقوط لما لم يوجد)
وأرى لهذا تناول مال الغير عند المخمصة نظيرًا، فاحتمال السقوط هناك بأصله بأن يأذن صاحب المال بالتناول له، ولكن لما لم يعلم الإذن منه كان التناول منه قبل الإذن حرامًا في أصله فلذلك كان الكف عنه عزيمة صيانة المال المسلم، فإن وجوب صيانة مال كصيانة نفسه.
ألا ترى أن لصاحب المال أن يقاتل لأجل صيانة ماله كمال أن يقاتل لأجل صيانة نفسه، فلو مات فيه مات شهيدًا، لكن دليل السقوط لم للم يوجد وعارضه أمر فوقه وهو تلف النفس بسبب صيانة المال، وإنما جعل تلف النفس فوق تلف المال وإن كان في وجوب الصيانة سواء علة ما ذكرنا؛ لأن المال في أصله خلق لوقاية النفس فكانت مرتبة الموقي أقوى من مرتبة الواقي،
(5/2475)

فكانت حرمة تلف النفس أشد حرمة وأعظم خطرًا من حرمة تلف المال، مع أن استهلاك المال بالتناول مجبور بالضمان بقيمة المال، ففي الإكراه على المكره الآمر، وفي المخمصة على الآكل فصار كأن المال لم يهلك؛ لأن قيمة المال تقوك مقام المال.
فإن قلت: بالنظر إلى هذا الدليل ينبغي أن تكون هذه الرخصة من قبيل رخصة الإسقاط كما أكل الميتة وشرب الخمر حالة الإكراه وحالة المخمصة بل أولى؛ لأن حرمتهما في نفسهما ثابتة؛ لأنه ذكر في إيمانه "التتمة" محالًا علة "المنتقي" رجل حلف لا يأكل الحرام فاضطر إلى ميتة فأكل منها حنث.
وأما هاهنا فلما ضمن قيمة المال وأداها صار كأنه لم يستهلك المال لقيام قيمته مقامه، فحينئذ كان قاتلا نفسه بالامتناع عن التناول بدون استهلاك كمال الغير فيجب أن يأثم لصبره حتى قتل، والحكم على خلاف ذلك، فإنه لو امتنع حتى قتل كان شهيدًا مأجورًا.
قلت: نعم كذلك غير أم جواب هذا وأمثاله مبني على ما ذكر في آخر إكراه "المبسوط" فقال: وكل أمر أحله الله في مثل ما أحل في الضرورة من الميتة وغيرها والفطر في المرضى والسفر فلم يفعل حتى مات أو قتل فهو آثم، وما أمر حرمه الله تعالى ولم يجيء فيه إحلال إلا أن فيه رخصة فأبى أن يأخذ
(5/2476)

بالرخصة حتى قتل فهو في سعة؛ لأن في هذا إعزاز الدين.
ألا ترى أن محرما لو اضطر إلى ميتة وإلى ذبح صيد حل له عندنا أكل الميتة ولم يحل له ذبح الصيد ما دام يجد الميتة؛ لأن الميتة حلال في الضرورة والصيد جاء تحريمه على المحرم جملة أي لم يجيء فيه نص إحلال في صورة من الصور، فيبقى على حرمته، ومن أبقى الحرام حراما حتى يقتل كان إعزازا للدين الحق فكان شهيدا بخلاف الميتة والخمر حيث جاء نص بإحلالهما على مضطر بالاستثناء عن التحريم.
وأما قوله: فلما ضمن قيمة المال وأداها صار كأنه لم يستهلك، فقلنا: لا كذلك فإن لصاحب المال في عين ماله حقا قويا فليس لغيره أن يتعرض لعين ماله بدون رضاه وإن كان هو مضمونا بقيمته فكان ضمان القيمة وأداؤها هنا بمنزلة ضمان القضاء في إفساد الصلاة المفروضة وقضائها وإفساد صوم رمضان وقضائه، فإنه وإن كان قضاؤهما قائما مقام الأداء كان الصبر على المكره بالإفساد حتى يقتل أفضل له من الإفساد.
إلى هذا أشار في آخره إكراه "المبسوط"، وهذا أيضا مبني على ما ذكرنا قبل هذا من الأصل المذكور من "المبسوط" فإنه لما لم يجيء نص بالإحلال بترك الصلاة المفروضة عن وقتها وترك الصوم المفروض عن وقته كان في الصبر على القتل إعزاز لدين الله تعالى.
(5/2477)

وإن كان قضاؤهما مشروعًا، وفي كل موضع جاء النص بتأخير تلك العبادة فلم يؤخر حتى قتل أثمًا، وقال في "المبسوط" وفي صوم رمضان لو قيل له وهو مقيم لإن لم تفطر لنقتلنك فإبى أن يفطر حتى قتل وهو يعلم أن ذلك يسعه كان مأجورًا؛ لأنه متمسك بالعزيمة وفيما لا يفعل يظهر إظهار الصلابة في الدين فإن أفطر وسعة ذلك؛ لأن الفطر رخصة له عند الضرورة إلا أن يكون مريضًا يخاف على نفسه إن لم يأكل ولم يشرب فلم يفعل حتى مات وهو يعلم أن ذلك يسعه فحينئذ يكون أثمًا.
وكذلك لو كان مسافرًا في شهر رمضان فقيل له: لنقتلنك أو لتفطرن فأبى أن يفطر حتى قتل كان أثمًا؛ لأن الله تعالى أباح له الفطر في هذين الوجهين بقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
(وذلك مثل تناول محظور الإحرام) أي وتناول مال الغير مثل تناول محظور الإحرام من غير ضرورة بالمحرم.
(فكذلك هاهنا) أي في تناول مال الغير يرخص له ويضمن، ثم قوله: "وذلك مثل تناول محظور الإحرام عن ضرورة بالمحرم" يتناول الإكراه والمخمصة؛ لأن كلا منهما يضطر المضطر إلى الإقدام على قتل الصيد فلذلك
(5/2478)

رخص له القتل وضمن جزاء الصيد.
فإن قلت: يلزمم على هذا أن يكون قتل الصيد للمحرم أغلظ من قتل المسلم المحرم قتله، فإن المكره لو أكره رجلًا على قتل المسلم بالإكراه الكامل فقتله لم يجب على القاتل شيء، وهنا يجب جزاء الصيد على القاتل وإن كان هو في الإكراه الكامل ولا يتمحل في هذا بإن وجوب جزاء الصيد على المكره القاتل باعتبار أنه حق الله تعالى وجناية على إحرامه، فإن ذلك متقوض بعد وجوب الكفارة على المكره القاتل المسلم في قتل الخطأ، بل تجب الكفارة على المكره الآمر لا على القاتل على ما ذكرناه قبل هذا، مع أن وجوب الكفارة لرفع الإثم الثابت في دين القاتل وهي حق الله تعالى أيضًا فلما لم يجب على المكره القاتل شيء مع أنه لا رخصة في القتل أصلًا وإن كان في حال الإكراه الكامل وجب أن لا يجب هنا بالطريق الأولى فإن للمحرم رخصة في قتل الصيد عند الضرورة بخلاف قتل المسلم بغير حق.
قلت: هذا الذي ذكره من ضمان الجزاء في الصيد جواب الاستحسان.
وأما في جواب القياس فلا يجب عليه شيء كما في قتل المسلم؛ لأن القاتل في الإكراه الكامل كالآلة ولا يجب شيء على الآلة فكذا على القاتل، ولأنه لما لم يجب في قتل المسلم شيء مع أنه لا يسعه الإقدام على القتل، وهنا أولى أن لا يجب على القاتل شيء لأنه رخص له القتل هاهنا.
(5/2479)

أما وجه الاستحسان وهو وجه الحكم المذكور في الكتاب على وجه الفرق بين قتل المسلم وبين قتل المحرم الصيد فهوأن قتل الصيد من المحرم جناية على إحرامه وهو في الجناية على إحرام نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره.
فأما قتل المسلم جناية على المحل وهو يصلح أن يكون آلة للمكره في ذلك حتى أنه في حق الإثم لما كان جناية على دينه وهو لا يصلح أن يكون آلة لغيره في ذلك اقتصر الفعل عليه في حق الإثم.
يوضحه أنه لما لم يجب على الآمر هنا شيء- إذا كان حلالًا- فلو لم نوجب الكفارة على القاتل كان تأثير الإكراه في الإهدار، وقد بينا أنه لا تأثير للإكراه في الإهدار ولا في تبديل محل الجناية وإن كانا محرمين جميعًا فعلى كل واحد منهما كفارة.
أما على المكره فلأنه لو باشر قتل الصيد بيده لزمته الكفارة فكذلك إذا باشر بالإكراه.
وأما المكره فلأنه في الجناية على إحرام نفسه لا يصلح آلة لغيره.
يوضحه أنه لا حاجة هنا إلى نسبة أصل الفعل إلى المكره في إيجاب الكفارة عليه لما أن كفارة الصيد على المحرم بالدلالة والإشارة وإن لم يصر أصل الفعل منسوبًا إليه فكذلك هاهنا، وبه فارق كفارة القتل إذا كان خطأ أو شبه عمد فإنه يكون على المكره الآمر دون المكره بمنزلة ضمان الدية والقصاص؛ لأن تلك الكفارة لا تجب إلا بمباشرة القتل، ومن ضرورة نسبة
(5/2480)

المباشرة إلى المكره أن يبقى فعل في جانب المكره المأمور، وهاهنا وجوب الكفارة لا يعتمد مباشرة القتل فيجوز إيجابه على المكره المأمور بالمباشرة وعلى المكره الآمر بالتسبيب. كذا في "المبسوط" والله أعلم.
(5/2481)

يقول العبد الضعيف حسين بن علي بن حجاج السغناقي حاطه الله عما يهمه، وساسه عما يلمه بتاريخ يوم الخميس الثامن عشر من شهر جمادى الأولى من شهور سنة أربع وسبعمائة قد اسلنطخ ما اصلخد مما سرهفت، في التامور، واخرنمس،
(5/2482)

ما غمغم مما يمور، معبقرًا بما يلوح من المعاني الدقيقة ومزبرحا بما يجود من الكلمات الرقيقة وما انهل هطلان البيان على حقلد الكلام إلا أرى فيه العجاب، وشفى مرض الجهل، وإن كان فيه داء القلاب، وواشكت،
(5/2483)

إلى ما انتدبوني بالاحرنجام، وسارعت إلى تحرير ما ارتبك عليهم بالارتطام، ولينت ما اطرخم من دراهس الكلام، وأوضحت ما ادلهم من عكامس الظلام، وما ادخرت مما قيل فيه من البيان أو يقال، رجاء ان يعفى عني ما عسى فيه عثرة أو يقال، وما قصرت في إيراد ما يزداد به الكتاب إيضاحًا، وما ينقضي به حاج من تأرض فيه لانسلاكه إنجاحًا،
(5/2484)

ودغففت فيه غدق النظائر، في مضايق معضلات لا تدركها البصائر، وكثرت لها شواهد من المبسوط غير مسردق على وجه يفقهها المحذق وغير المحذق، ويضربان هذا المثل من جرا التسهيل والتخضيع، إن أهون السقي التشريع، وكتابي هذا يعرف قدره من أكرمه الله بالمدارسة، فإنه يشاح على غيره للمنافسة، لما أن هذا جامع للفوائد المزدحمة، والنظائر المرتكمة وما جووز مضيق إلا وقد أعلم بالتوسيع، وما أنهي إلى مغمم إلا وقد رسم
(5/2485)

بالتقشيع، ولما كان أمره بكفاية كل مهم من الكتاب، وتقسيع كل مغم من الخطاب، سميته ب"الكافي" وجعلتها علمين في تفسيح المشكلات وتكشيف المعضلات، وقد وفقني الله تعالى لإتمامهما برحمته في هذا الوقت الموصوف بالادلهمام والدهر المنعوت بنوه بالاطرخمام، وأرجو أن يوفقني بفضله على عمل يسرني يوم التناد، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.
تمت كتابة هذا الشرح الموضح والأصل المربح المنجح في غرة شهر الله المبارك رمضان الميسر لعباده المدينين بالرحمة والغفران، حجة إحدى عشرة وسبعمائة بالمدينة المتبركة المأنوسة دمشق المحروسة، نقلًا عن خط مصنفه الشيخ الإمام الهمام والقزم السميدع القمقام حسام الملة والدين، شارح
(5/2486)

مشكلات الفقه ومعضلات القوانين، المخصوص بجزائل نعم الله تعالى الدائم الباقي، حسين بن علي بن حجاج بن علي السغناقي جازاه الله عن المسلمين المستفيدين بفوائده خيرًا، وكافاه سعادات الدنيا والآخرة أحسن مكافأة وأجرًا.
(5/2487)