Advertisement

المحصول للرازي 002


بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثالثة 1418 هـ / 1997 م حقوق الطبع محفوظة 1992 م.
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
(2/4)

المحصول في علم أصول الفقه للامام الأصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي 544 - 606 هـ / 1149 - 1209 م دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني الجزء الثاني
مؤسسة الرسالة
(2/5)

بسم الله الرحمن الرحيم
(2/6)

الكلام في الأوامر والنواهي وهو مرتب: على مقدمة، وثلاثة أقسام: أما المقدمة ففيها مسائل:
(2/7)

المسألة الأولى: اتفقوا على أن لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص واختلفوا في كونه حقيقة في غيره فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا والجمهور على أنه مجاز فيه وزعم أبو الحسين البصري أنه مشترك بين القول المخصوص وبين الشئ وبين الصفة وبين الشأن والطريق والمختار أنه حقيقة في القول المخصوص فقط لنا إنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك ومن الناس من استدل على أنه ليس حقيقة في الفعل بأمور أحدها لو كان لفظ الأمر حقيقة في الفعل لاطرد فكان يسمى الأكل أمرا والشرب أمرا وثانيها ولكان يشتق للفاعل اسم الآمر وليس كذلك لأن من قام أو قعد لا يسمى آمرا
(2/9)

وثالثها أن للأمر لوازم ولم يوجد شئ منها في الفعل فوجب أن لا يكون الأمر حقيقة في الفعل بيان الأول أن الأمر يدخل فيه الوصف بالمطيع والعاصي وضده النهي ويمنع منه الخرس والسكوت لأنهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقال وقع منه أمر وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام كما عدوا الخبر مطلقا منه وكل ذلك ينافي كون الأمر حقيقة إلا في القول ورابعها أنه يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال إنه ما أمر به ولكن فعله وهذه الوجوه ضعيفة أما الأول فلأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطراد وقد تقدم بيان هذا المقام سلمناه لكن لا نسلم أنه لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر وعن الثاني ما تقدم في باب المجاز أن الاشتقاق غير واجب في كل الحقائق
(2/10)

وعن الثالث أن العرب إنما حكموا بتلك الصفات في الأمر بمعنى القول فإن ادعيتم أنهم حكموا به في كل ما يسمى أمرا فهو ممنوع وعن الرابع لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقا واحتج القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين أحدهما أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر في الفعل وظاهر
الاستعمال الحقيقة بيان الاستعمال القرآن والشعر والعرف أما القرآن فقوله سبحانه وتعالى حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور والمراد منه العجائب التي فعلها الله تعالى وقوله تعالى أتعجبين من أمر الله وأراد به الفعل وقوله وما أمر فرعون برشيد وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وقوله تجري في البحر بأمره وقوله مسخرات بأمره وأما الشعر فقوله لأمر ما يسود من يسود
(2/11)

وأما العرف فقول العرب في خبر الزباء لأمر ما جدع قصير أنفه ويقولون أمر فلان مستقيم وأمره غير مستقيم وإنما يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله ويقولون هذا أمر عظيم كما يقولون خطب عظيم ورأيت من فلان أمرا هالني
(2/12)

وأما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة فقد تقدم وثانيهما أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول وبين جمعه بمعنى الفعل فيقال في الأول أوامر وفي الثاني أمور والاشتقاق علامة الحقيقة واحتج أبو الحسين على قوله بأن من قال هذا أمر لم يدر السامع أي
هذه الأمور أراد فإذا قال هذا أمر بالفعل أو أمر فلان مستقيم أو تحرك هذا الجسم لأمر أو جاء زيد لأمر عقل السامع من الأول القول ومن الثاني الشأن ومن الثالث أن الجسم تحرك لشئ ومن الرابع أن زيدا جاء لغرض من الأغراض وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل والجواب عن الأول أنا لا نسلم استعمال هذا اللفظ في الفعل من حيث إنه فعل أما قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا فلم لا يجوز أن يكون المراد منه القول أو الشأن والفعل يطلق عليه اسم الأمر لعموم كونه شأنا لا لخصوص كونه فعلا
(2/13)

وكذا الجواب عن الآية الثانية وأما قوله تعالى وما أمر فرعون برشيد فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول بل الأظهر ذلك لما تقدم من قوله فاتبعوا أمر فرعون أي أطاعوه فيما أمرهم به سلمنا أنه ليس المراد منه القول فلم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقه وأما قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة فنقول لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره أما أولا فلأنه يلزم أن يكون فعل الله تعالى واحدا وهو باطل وأما ثانيا فلأنه يقتضي أن يكون كل فعل الله تعالى لا يحدث إلا
كلمح بالبصر في السرعة ومعلوم أنه ليس كذلك وإذا وجب صرفه عن الظهر علمنا أن المراد منه تعالى من شأنه أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح البصر وأما قوله تجري في البحر بأمره مسخرات بأمره فلا يجوز حمل الأمر هاهنا على الفعل لأن الجري والتسخير إنما حصلا
(2/14)

بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن والطريق سلمنا أن لفظ الأمر مستعمل في الفعل فلم قلت إنه حقيقة فيه فإن قلتم لأن الأصل في الكلام الحقيقة قلنا والأصل عدم الاشتراك على ما تقدم وقد تقدم بيان أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى والجواب عن الثاني لم لا يجوز أن تكون الأمور جمعا للأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل سلمناه لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة على ما تقدم بيانه فأما ما احتج به أبو الحسين فهو بناء على تردد الذهن عند سماع تلك اللفظة بين تلك المعاني وذلك ممنوع فإن الذي يزعم أنه حقيقة في القول يمنع من ذلك التردد اللهم إلا إذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ على القول كما إذا استعمل في موضع لا يليق به القول فحينئذ ذلك قرينة في أن المراد منه غير القول والله أعلم
(2/15)

المسألة الثانية ذكروا في حد الأمر بمعنى القول وجهين أحدهما ما قاله القاضي أبو بكر وارتضاه جمهور الأصحاب أنه هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به وهذا خطأ أما أولا فلأن لفظتي المأمور والمأمور به مشتقتان من الأمر فيمتنع تعريفهما إلا بالأمر فلو عرفنا الأمر بهما لزم الدور وأما ثانيا فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر وعند المعتزلة موافقة الإرادة فالطاعة على قول أصحابنا لا يمكن تعريفها إلا بالأمر فلو عرفنا الأمر بها لزم الدور وثانيهما ما ذكره أكثر المعتزلة وهو أن الأمر هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه وهذا خطأ من وجوه الأول أنا لو قدرنا إن الواضع ما وضع لفظة افعل لشئ أصلا حتى كانت هذه اللفظة من المهملات ففي تلك الحالة لو تلفظ الإنسان بها مع من دونه لا يقال فيه إنه أمر ولو أنها صدرت عن النائم والساهي أو على سبيل انطلاق اللسان بها اتفاقا أو على سبيل الحكاية لا يقال فيه إنه أمر ولو أنا قدرنا أن الواضح وضع بإزاء معنى الأمر لفظ إفعل وبإزاء معنى الخبر لفظ إفعل لكان المتكلم بلفظ إفعل آمرا والمتكلم بلفظ إفعل مخبرا
(2/16)

فعلمنا أن تحديد ماهية الأمر بالصيغة المخصوصة باطل الثاني أن المطلوب تحديد ماهية الأمر من حيث إنه أمر وهي حقيقة
لا تختلف باختلاف اللغات فإن التركي قد يأمر وينهى وما ذكروه لا يتناول إلا الألفاظ العربية فإن قلت قوله أو ما يقوم مقامه احتراز عن هذين الإشكالين اللذين ذكرتهما قلت قوله أو ما يقوم مقامه يعني به كونه قائما مقامه في الدلالة على كونه طالبا للفعل أو يعني به شيئا آخر فإن كان المراد هو الثاني فلا بد من بيانه وإن كان المراد هو الأول صار معنى حد الأمر هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل وإذا ذكرناه على هذا الوجه كان قولنا الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل كافيا وحينئذ يقع التعرض لخصوص صيغة إفعل ضائعا الثالث أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الرتبة غير معتبرة وإذا ثبت فساد هذين الحدين فنقول الصحيح أن يقال الأمر طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء
(2/17)

ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير المسألة الثالثة في ماهية الطلب اعلم أن تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء على سبيل الاضطرار فإن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية ولم يعرف الحدود والرسوم قد يأمر وينهى ويدرك تفرقة بديهية بين طلب الفعل وبين طلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر ويعلم أن ما
يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح جوابا للآخر ولولا أن ماهية الطلب متصورة تصورا بديهيا وإلا لما صح ذلك ثم نقول معنى الطلب ليس نفس الصيغة لأن ماهية الطلب لا تختلف باختلاف النواحي والأمم وكان يحتمل في الصيغة التي وضعوها للخبر أن يضعوها للأمر وبالعكس فماهية الطلب ليست نفس الصيغة ولا شيئا من صفاتها بل هي ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها ويتفرع على هذه القاعدة مسائل
(2/18)

المسألة الأولى أن تلك الماهية عندنا شئ غير الإرادة وقالت المعتزلة هي إرادة المأمور به لنا وجوه أولها أن الله تعالى ما أراد من الكافر الإيمان وقد أمره به فدل على أن حقيقة الأمر غير حقيقة الإرادة وغير مشروطة بها وإنما قلنا إنه تعالى ما أراد منه الإيمان لوجهين أحدهما أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فلو آمن لزم انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فصدور الإيمان منه محال والله تعالى عالم بكونه محالا والعالم بكون الشئ محال الوجود لا يكون مريدا له بالاتفاق فثبت أن الله تعالى لا يريد الإيمان من الكافر وتمام الأسئلة والأجوبة على هذا الوجه سيأتي في مسألة تكليف ما لا يطاق إن شاء الله تعالى
الثاني هو أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على وجود الداعي والداعي مخلوق لله تعالى دفعا للتسلسل وعند حصول الداعي يجب وقوع الفعل وإلا لزم وقوع الممكن لا عن مرجح أو افتقاره إلى
(2/19)

داعية أخرى وإلا لزم التسلسل إذا كانت الداعية مخلوقة لله تعالى وعند وجود الداعي يجب حصول الفعل فالله تعالى خلق في الكافر ما يوجب الكفر فلو أراد في هذه الحالة وجود الإيمان لزم كونه مريدا للضدين وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا فثبت بهذين الوجهين أن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وأما أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان فذلك مجمع عليه بين المسلمين وإذا ظهرت المقدمتان ثبت أنه وجد الأمر بدون الإرادة وإذا ثبت ذلك ثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة وغير مشروطة بها فإن قيل ما المراد من قولك أمر الكافر بالإيمان إن أردت به أنه أنزل لفظا يدل على كونه مريدا لعقابه في الآخرة إذا لم يصدر منه الإيمان فهذا مسلم لكن معناه نفس إرادة العقاب لا غير فلا يحصل مطلوبكم من أنه أمر بما لم يرد وإن عنيت شيئا آخر فاذكره سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه ما أراد الإيمان ولا نسلم أن إيمانه محال وسيأتي تقرير هذا المقام في مسألة تكليف ما لا يطاق سلمناه لكن لا نسلم أن المحال غير مراد بيانه هو أن الإرادة من جنس الطلب وإذا جوزت طلب
(2/20)

المحال مع العلم بكونه محالا فلم لا تجوز إرادته مع العلم بكونه محالا والجواب قوله الأمر بالشئ عبارة عن الإخبار عن إرادة عقاب تاركه قلت لو كان كذلك لتطرق التصديق والتكذيب إلى قوله آمنوا لأن الخبر من شأنه قبول ذلك ولأن سقوط العقاب جائز أما عندنا فبالعفو وأما عندهم ففي الصغائر قبل التوبة وفي الكبائر بعدها ولو تحقق الخبر عن وقوع العقاب لما جاز ذلك قوله لم قلت إن إرادة المحال ممتنعة قلنا هذا متفق عليه بيننا وبينكم وأيضا فلأن الإرادة صفة من شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز على الآخر وذلك في المحال محال والعلم به ضروري وثانيها أن الرجل قد يقول لغيره إني أريد منك هذا الفعل لكنني لا آمرك به ولو كان الأمر هو الإرادة لكان قوله أريد منك الفعل ولا آمرك به جاريا مجرى أن يقال أريد منك الفعل ولا أريده منك وقوله آمرك بهذا الفعل ولا أمرك به ومعلوم أن ذلك صريح
(2/21)

التناقض دون الأول وثالثها أن الحكيم قد يأمر عبده بشئ في الشاهد ولا يريد منه أن يأتي بالمأمور به لإظهار تمرده وسوء أدبه فإن قلت ذلك ليس بأمر وإنما تصور بصورته قلت التجربة إنما تحصل بالأمر فدل على أنه أمر
ورابعها أنه سيظهر إن شاء الله تعالى في باب النسخ أنه يجوز نسخ ما وجب من الفعل قبل مضي مدة الامتثال فلو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة لزم أن يكون الله تعالى مريدا كارها للفعل الواحد في الوقت الواحد من الوجه الواحد وذلك باطل بالاتفاق واحتج الخصم بوجهين الأول أن صيغة إفعل موضوعة لطلب الفعل وهذا الطلب إما الإرادة أو غيرها والثاني باطل لأن الطلب الذي يغاير الأرادة لو صح القول به لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الأذكياء لكن العقلاء من أهل اللغة وضعوا هذه اللفظة للطلب الذي يعرفه كل واحد وما ذاك إلا الإرادة فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة الثاني أن أرادة المأمور به لو لم تكن معتبرة في الأمر لصح الأمر بالماضي والواجب والممتنع قياسا على الخبر فإن إرادة المخبر عنه لما
(2/22)

لم تكن معتبرة في الخبر صح تعلق الخبر بكل هذه الأشياء والجواب عن الأول لا نسلم أن الطلب النفساني الذي يغاير الإرادة غير معلوم للعقلاء فإنهم قد يأمرون بالشئ ولا يريدونه كالسيد الذي يأمر عبده بشئ ولا يريده ليمهد عذره عند السلطان وعن الثاني أنه لا بد من الجامع وعلى أن القائل بتكليف ما لا يطاق يجوزه والله أعلم المسألة الثانية أن هذا الطلب معنى يقتضي ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو جانب الترك على جانب الفعل وعلى التقديرين فالترجيح قد يكون مانعا من الطرف الآخر كما في
الوجوب والحظر وقد لا يكون كما في الندب والكراهة والتفاوت بين أصل الترجيح وبين الترجيح المانع من النقيض تفاوت بالعموم والخصوص وأيضا فهنا لفظ دال على أصل الترجيح ولفظ دال على الترجيح المانع من النقيض وعلى التقديرين فالمعتبر إما اللفظ الدال عليه كيف كان اللفظ وإما اللفظة العربية
(2/23)

فها هنا أقسام ستة أحدها أصل الترجيح وثانيها الترجيح المانع من النقيض وثالثها ورابعها مطلق اللفظ الدال على الأول أو الثاني وخامسها وسادسها اللفظة العربية الدالة على الأول أو الثاني ثم أنت بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت أو عليها بأسرها أو على طائفة منها بحسب الاشتراك فهذا حظ البحث العقلي وأما البحث اللغوي فهو أن نقول جعل الأمر اسما للصيغة الدالة على الترجيح أولى من جعله اسما لنفس الترجيح ويدل عليه وجوه أحدها أن أهل اللغة قالوا الأمر من الضرب إضرب ومن النصر
(2/24)

أنصر جعلوا نفس الصيغة أمرا وثانيها لو قال إن أمرت فلانا فعبدي حر ثم أشار بما يفهم منه مدلول
هذه الصيغة فإنه لا يعتق ولو كان حقيقة الأمر ما ذكرتم لزم العتق ولا يعارض هذا الحكم بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق لأنا نمنع هذه المسألة وثالثها أنا لو جعلناه حقيقة في الصيغة كان مجازا في المدلول تسمية للمدلول باسم الدليل ولو جعلناه حقيقة في المدلول كان مجازا في الدليل تسمية للدليل باسم المدلول والأول أولى لأنه يلزم من فهم الدليل فهم المدلول أما لا يلزم من فهم المدلول فهم الدليل بل فهم دليل معين ورابعها أن الإنسان الذي قام بقلبه ذلك المعنى ولم ينطق بشئ لا يقال إنه أمر ألبتة بشئ وإذا قيل أمر فلان بكذا تبادر الذهن إلى اللفظ دون ما في
(2/25)

القلب وذلك يدل على أن لفظ الأمر اسم للصيغة لا للمدلول احتج المخالف بالآية والأثر والشعر والمعقول أما الآية فقوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون الله تعالى كذبهم في شهادتهم ومعلوم أنهم كانوا صادقين في النطق اللساني فلا بد من إثبات كلام في النفس ليكون الكذب عائدا إليه وأما الأثر فقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه زورت في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر
(2/26)

وأما الشعر فقول الأخطل
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما المعقول فهو إن هذه الألفاظ مفردات فلو سميت كلاما لكانت إنما سميت بذلك لكونها معرفات للمعنى النفساني فكان يجب تسمية الكتابة والإشارة كلاما وإنه باطل والجواب عن الأول أن الشهادة هي الإخبار عن الشئ مع العلم به فلما لم يكونوا عالمين به فلا جرم كذبهم الله تعالى في ادعائهم كونهم شاهدين وعن الثاني أن قوله زورت في نفسي كلاما أي خمرته كما يقال قدرت في نفسي دارا وبناء
(2/27)

وعن الثالث أنا لا نسلم كون الشعر عربيا محضا ولو سلمناه فمعناه أن المقصود من الكلام ما حصل في القلب وعن الرابع أنه قياس في اللغة فلا يقبل فرع الآمر اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو اللفظ العربي الدال على مطلق الطلب والحق هو الأول لأن الفارسي إذا طلب من عبده شيئا بلغته فإن العربي يسميه أمرا ولو حلف لا يأمر فأمر بالفارسية يحنث في يمينه وأما أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض فالحق هو الثاني وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب المسألة الثالثة دلالة الصيغة المخصوصة على ماهية الطلب يكفي في تحققها الوضع من غير حاجة إلى إرادة أخرى وهو قول الكعبي
لنا وجهان أحدهما أن هذه الصيغة لفظة وضعت لمعنى فلا تفتقر
(2/28)

في إفادتها لما هي موضوعة له إلى الإرادة كسائر الألفاظ مثل دلالة السبع والحمار على البهيمة المخصوصة فإنه لا حاجة فيها إلى الإرادة وثانيهما أن الطلب النفساني أمر باطن فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر والإرادة أمر باظن في مفتقرة إلى المعرف كافتقار الطلب إليه فلو توقفت دلالة الصيغة على الطلب على تلك الإرادة لما أمكن الاستدلال بالصيغة على ذلك الطلب ألبتة احتج المخالف بأنا نميز بين ما إذا كانت الصيغة طلبا وبين ما إذا كانت تهديدا ولا مميز إلا الإرادة والجواب أنها حقيقة في الطلب مجاز في التهديد فكما أن الأصل في كل الألفاظ إجراؤها على حقائقها إلا عند قيام دلالة صارفة فكذا ها هنا المسألة الرابعة ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن إراردة المأمور به تؤثر في صيرورة صيغة إفعل أمرا وهذا خطأ من وجهين الأول أن الآمرية لو كانت صفة للصيغة لكانت إما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف وهو محال لأنه لا وجود لذلك المجموع
(2/29)

وإما لأحادها هذه فيلزم أن يكون كل واحد من الحروف التي ائتلفت صيغة الأمر منها أمرا على الاستقلال وهو محال الثاني إن صيغة إفعل دالة بالوضع على معنى وذلك المعنى هو
أرادة المأمور فإذا كانت الإرادة نفس المدلول وجب أن لا تفيد الصيغة الدالة عليها صفة قياسا على سائر المسميات والأسماء المسألة الخامسة قال جمهور المعتزلة الآمر يجب أن يكون أعلى رتبة من المأمور حتى يسمى الطلب أمرا وقال أبو الحسين البصري المعتبر هو الاستعلاء لا العلو وقال أصحابنا لا يعتبر العلو ولا الاستعلاء
(2/30)

لنا قوله تعالى حكاية عن فوعون أنه قال لقومه فماذا تأمرون مع أنه كان أعلى رتبة منهم وقال عمرو بن العاص لمعاوية أمرتك أمرا حازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وقال دريد بن الصمة لنظرائه ولمن هم فوقه
(2/31)

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد حتى ضحى الغد وقال حباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق أمرتك أمرا حازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر وأما أن الاستعلاء غير معتبر فلأنهم يقولون فلان أمر فلانا
(2/32)

على وجه الرفق واللين
نعم إذا بالغ في التواضع يمتنع إطلاق الاسم عرفا وإن ثبت ذلك لغة واحتج المخالف على أن العلو معتبر بأنه يستقبح في العرف أن يقول القائل أمرت الأمير أو نهيته ولا يستقبحون أن يقال سألته أو طلبت منه ولولا أن الرتبة معتبرة وإلا لما كان كذلك وأما أبو الحسين فقال اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار العلو لأن من قال لغيره إفعل على سبيل التضرع إليه لا يقال إنه أمره وإن كان أعلى رتبة من المقول إليه من قال لغيره إفعل على سبيل الاستعلاء لا على سبيل التذلل يقال إنه أمره وإن كان المقول له أعلى رتبة منه ولهذا يصفون من هذا سبيله بالجهل والحمق من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه واعلم أن مدار هذا الكلام على صحة الاستعلاء وأصحابنا يمنعون منه والله أعلم
(2/33)

المسألة السادسة لفظ الأمر قد يقام مقام الخبر وبالعكس أما أن الأمر يقام مقام الخبر فكما في قوله عليه الصلاة والسلام إذا لم تستح فاصنع ما شئت معناه صنعت ما شئت وأما أن الخبر يقام مقام الأمر فكما في قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء
(2/34)

والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر يدل على وجود الفعل كما أن
الخبر يدل عليه أيضا فبينهما مشابهة من هذا الوجه فصح المجاز وأيضا تجوز إقامة النهي مقام الخبر وبالعكس أما الأول فكقوله عليه الصلاة والسلام لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر معناه لا تنكحوها إلى غاية استئمارها وأما الثاني فكقوله ص لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها وكما في قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون
(2/35)

وجه المجاز أن النهي يدل على عدم الفعل كما أن هذا الخبر يدل على عدمه فبينهما مشابهة من هذا الوجه والله أعلم
(2/36)

القسم الأول في المباحث اللفظية وفيه مسائل
(2/37)

المسألة الأولى قال الأصوليون صيغة افعل مستعملة في خمسى عشر وجها الأول الإيجاب كقوله تعالى أقيموا الصلاة الثاني الندب كقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وأحسنوا ويقرب منه التأديب كقوله عليه الصلاة والسلام كل فما يليك فإن الأدب مندوب إليه وإن كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا للمندوب
الثالث الإرشاد كقوله تعالى واستشهدوا شهيدين فاكتبوه والفرق بين الندب والإرشاد أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا فإنه لا ينقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينات ولا يزيد بفعليه
(2/39)

الرابع الإباحة كقوله تعالى كلوا واشربوا الخامس التهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم واستفزز من استطعت منهم بصوتك ويقرب منه الإنذار كقوله تعالى قل تمتعوا وإن كانوا قد جعلوه قسما آخر السادس الامتنان فكلوا مما رزقكم الله السابع الإكرام ادخلوها بسلام آمنين الثامن التسخير كقوله كونوا قردة التاسع التعجيز فأتوا بسورة العاشر الإهانة ذق إنك أنت العزيز الكريم الحادي عشر التسوية صبروا أو لا تصبروا الثاني عشر الدعاء رب اغفر لي الثالث عشر التمني كقوله
(2/40)

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي الرابع عشر الاحتقار كقوله ألقوا ما أنتم ملقون الخامس عشر التكوين كقوله كن فيكون
إذا عرفت هذا فنقول اتفقوا على أن صيغة إفعل ليست حقيقة في جميع هذه الوجوه لأن خصوصية التسخير والتعجيز والتسوية غير مستفادة من مجرد هذه الصيغة بل إنما تفهم تلك من القرائن إنما الذي وقع الخلاف فيه أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم فمن الناس من جعل هذه الصيغة بين هذه الخمسة ومنهم من جعلها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة ومنهم من جعلها حقيقة لأقل المراتب وهو الإباحة والحق أنها ليست حقيقة في هذه الأمور
(2/41)

لنا أنا ندرك التفرقة في اللغات كلها بين قوله إفعل وبين قوله إن شئت فافعل وإن شئت لا تفعل حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها وقدرنا هذه الصيغة منقولة على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين حتى يتوهم فيه قرينة دالة بل في الفعل مطلقا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد كما ندرك التفرقة بين قولهم قام زيد ويقوم زيد في أن الأول للماضي والثاني للمستقبل وإن كان قد يعبر عن الماضي بالمستقبل وبالعكس لقرائن تدل عليه فكذلك ميزوا الأمر عن النهي فقالوا الأمر أن تقول إفعل والنهي أن تقول لا تفعل فهذا أمر معلوم بالضرورة من اللغات لا
يشككنا فيه إطلاقه مع قرينة على الإباحة أو التهديد فإن قيل تدعي الفرق بين إفعل ولا تفعل في حق من يعتقد كون اللفظ موضوعا للكل حقيقة أو في حق من لا يعتقد ذلك
(2/42)

الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن كل من اعتقد كون هذه اللفظة موضوعة لهذه المعاني فإنه يحصل في ذهنه الاستواء أما من لا يعتقد ذلك فإنه لا يحصل عنده الرجحان سلما الرجحان لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك للعرف الطارئ لا في أصل الوضع كما في الألفاظ العرفية سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بما يدل على نقيضه وهو أن الصيغة قد جاءت بمعنى التهديد والإباحة والأصل في الكلام الحقيقة والجواب عن الأول أنه مكابرة فإنا نعلم عند انتفاء كل القرائن بأسرها أنه يكون فهم الطلب من لفظ إفعل راجحا على فهم التهديد والإباحة وعن الثاني أن الأصل عدم التغيير وعن الثالث أنك قد عرفت أن المجاز أولى من الاشتراك ووجه المجاز أن هذه الأمور الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة
(2/43)

والتنزيه والتحريم أضداد وإطلاق اسم الضد على الضد أحد وجوه المجاز والله أعلم
المسألة الثانية الحق عندنا أن لفظة إفعل حقيقة في الترجيح المانع من النقيض وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال أبو هاشم إنه يفيد الندب ومنهم من قال بالوقف وهم فرق ثلاث الفرقة الأولى الذين يقولون أنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو ترجيح الفعل على الترك ثم جاء الوجوب يمتاز عن الندب بامتناع الترك والندب يمتاز عن الوجوب بجواز الترك وليس في الصيغة إشعار بهذين القيدين ويليق بمذهب هؤلاء أن يقولوا إنه يجب حمله على الندب لأن اللفظ يفيد رجحان الفعل على الترك وليس فيه ما يدل على المنع من الترك وقد كان جواز الترك معلوما بحكم الاستصحاب وإذا كان كذلك كان جواز
(2/44)

الترك بحكم الاستصحاب ورجحان الفعل بدلالة اللفظ ولا معنى للندب إلا ذلك الفرقة الثانية الذين قالوا إن صيغة إفعل موضوعة للوجوب والندب على سبيل الاشتراك اللفظي وهو قول المرتضى من الشيعة الفرقة الثالثة الذين قالوا إنها حقيقة إما في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا بالاشتراك لكنا لا ندري ما هو الحق من هذه الأقسام الثلاثة فلا جرم توقفنا في الكل وهو قول الغزالي منا لنا وجوه الدليل الأول التمسك بقوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق بل الذم فإنه لا عذر له في
الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به هذا هو المفهوم من قول السيد لعبده ما منعك من دخول الدار إذ أمرتك إذا لم يكن مستفهما
(2/45)

ولو لم يكن الأمر دالا على الوجوب لما ذمه الله تعالى على الترك ولكان لإبليس أن يقول إنك ما ألزمتني السجود فإن قلت لعل الأمر في تلك اللغة كان يفيد الوجوب فلم قلتم إنه في هذه اللغة للوجوب قلنا الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر فتخصيصه بأمر خاص خلاف الظاهر الدليل الثاني التمسك بقوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ذمهم على انهم تركوا عل ما قيل لهم افعلوه ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام كما إذا قيل لهم الأولى أن تفعلوه ويجوز لكم تركه فإنه ليس لنا أن نذمهم على تركه
(2/46)

فإن قلت إنما ذمهم لا لأنهم تركوا المأمور به بل لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر والدليل عليه قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين وأيضا فصيغة إفعل قد تفيد الوجوب عند اقتران بعض القرائن بها فلعله تعالى إنما ذمهم لأنه كان قد وجدت قرينة دالة على الوجوب والجواب عن الأول أن المكذبين في قوله ويل يومئذ للمكذبين إما أن يكونوا هم الذين تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا أو غيرهم فإن كان الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع والويل بسبب
التكذيب فإن عندنا الكافر كما يستحق العقاب بترك الإيمان يستحق الذم والعقاب أيضا بترك العبادات وإن كان الثاني لم يكن إثبات الويل لإنسان بسبب التكذيب منافيا ثبوت الذم لإنسان آخر بسبب ترك المأمور به وعن الثاني أنه تعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا القرينة الدليل الثالث لو لم يكن الأمر ملزما للفعل لما كان إلزام الأمر
(2/47)

سببا للزوم المأمور به لكنه سبب للزوم المأمور به فوجب أن يكون الأمر ملزما للفعل بيان الشرطية أن بتقدير أن لا يكون الأمر ملزما للفعل كان إلزام الأمر إلزاما لشئ وذلك الشئ لا يوجب فعل المأمور به فوجب أن لا يكون هذا القدر سببا للزوم المأمور به وبيان أن إلزام الأمر سبب للزوم المأمور به قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم والقضاء هو الإلزام فقوله تعالى إذا قضى الله ورسوله أمرا معناه إذا ألزم الله ورسوله أمرا فإنه لا خيرة للمؤمنين في المأمور به ويجب ها هنا حمل لفظ الأمر على المأمور به إذ لو أجريناه على ظاهره لصار المعنى أنه لا خيرة للمؤمنين في صفة الله تعالى وذلك كلام غير مفيد وإذا تعذر حمله على نفس الآمر وجب حمله على المأمور به فيصير التقدير أن الله تعالى إذا ألزم المكلف أمرا فإنه لا خيرة له في المأمور
به وإذا انتفت الخيرة بقي إما الحظر وإما الوجوب والحظر منتف بالإجماع فتعين الوجوب
(2/48)

فإن قيل القضاء هو الإلزام والأمر قد يرد بمعنى شئ فقوله إذا قضى الله ورسوله أمرا أي إذا ألزم الله ورسوله شيئا ونحن نعترف بأن الله تعالى إذا ألزمنا شيئا فإنه يكون واجبا علينا ولكن لم قلت إنه بمجرد أن يأمرنا بالشئ فقد ألزمنا فإن ذلك عين المتنازع في والجواب قد بينا أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وليس حقيقة في الشئ دفعا للاشتراك ولا ضرورة ها هنا في صرفه عن ظاهره إذا ثبت هذا فقوله إذا قضى الله ورسوله أمرا معناه إذا ألزم الله أمرا وإلزام الأمر هو توجيهه على المكلف شاء أم أبى وإلزام الأمر غير إلزام المأمور به فإن القاضي إذا قضى بإباحة شئ فقد ثبت إلزام الحكم ولو لم يثبت المحكوم به فكذا هاهنا إلزام الأمر عبارة عن توجيهه على المكلف والقطع بوقوع ذلك الأمر ثم الأمر إن لم يقتض الوجوب لم يكن إلزام الأمر إلزاما للمأمور به وإن كان مقتضبا للوجوب فهو الذي قلناه
(2/49)

الدليل الرابع تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر
ومخالف ذلك الأمر مستحق للعقاب فتارك ما أمر الله أو رسوله به مستحق للعقاب ولا معنى لقولنا الأمر للوجوب إلا ذلك وإنما قلنا إن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة ألأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر وإنما قلنا إن مخالف ذلك الأمر يستحق العقاب لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم أمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العذاب والأمر بالحذر عن العذاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب فدل على أن مخالف أمر الله أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب به فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه
(2/50)

قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وما الدليل عليه ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين آخرين أحدهما أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان هذا مخالفة للأمر وثانيهما أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول ومخالفته عبارة عن إنكار كونه حقا وجاب القبول
سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكن ها هنا ما يدل على أنه ليس كذلك فإنه لو كان ترك المأمور به عبارة عن مخالفة الأمر لكان ترك المندوب مخالفة لأمر الله تعالى وذلك باطل لأن وصل الإنسان بأنه مخالف لأمر لله تعالى اسم ذم فلا يجوز إطلاقه على تارك المندوب سلمنا أن تارك المندوب مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب أما قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره الآية
(2/51)

قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالف الأمر فلم لا يجوز أن تكون كذلك سلمنا ذلك ولكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر فلم قلت إن مخالف الأمر يلزمه الحذر فإن قلت لفظة عن صلة زائدة قلت الأصل في الكلام الاعتبار لا سيما في كلام الله تعالى فلا يكون زائدا سلمنا دلالة الآية على أن مخالف الأمر مأمور بالحذر عن العذاب فلم قلت يجب عليه الحذر عن العذاب أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت أن الأمر للوجوب فإن ذلك أول المسألة فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على
حسن الحذر وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام ما يقتضي نزول
(2/52)

العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة اجتهادية لا قطعية سلمنا دلالة الآية على قيام ما يقتضي نزول العذاب لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله عن أمره لا يفيد إلا أمرا واحدا وعندنا أن أمرا واحدا يفيد الوجوب عمرو فلم قلت إن كل أمر كذلك سلمنا أن كل أمر كذلك لكن الضمير في قوله عن أمره يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى رسوله فالآية لا تدل على أن الأمر للوجوب إلا في حق أحدهما فلم قلت إنه في حق الاخر كذلك والجواب قوله لم قلت إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه وحسن هذا الإطلاق من أهل اللغة معلوم بالضرورة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله إفعل لا يدل
(2/53)

إلا على اقتضاء الفعل فإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر وإذا لم يوجد مقتضى الأمر لم توجد الموافقة وإذا لم توجد موافقة الأمر حصلت مخالفته لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقا واجب القبول قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق فإن موافقة الشئ عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما تقرير مقتضى ذلك الدليل أما الأمر فلما اقتضى دخول ذلك الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما تقرر دخوله في الوجود وإدخاله في الوجود يقرر دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه قوله لو كانت مخالفة الأمر عبارة عن ترك المأمور به لكنا إذا تركنا المندوب فقد خالفنا الأمر قلنا هذا الإلزام إنما يصح لو كان المندوب مأمورا به وإنما يكون المندوب مأمورا به لو ثبت أن الأمر ليس للوجوب وهذا عين المتنازع فيه
(2/54)

قوله لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أمرا بالحذر عن المخالف لا أمرا للمخالف بالحذر قلنا الدليل عليه وجوه أحدها أن النحويين اتفقوا على أن تعلق الفعل بفاعله أقوى من تعلقه
بمفعوله فلو جعلناه أمرا للمخالف بالحذر لكنا قد أسندنا الفعل إلى الفاعل ولو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لكنا قد أسندنا الفعل إلى المفعول فيكون الأول أولى وثانيها لو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لم يتعين المأمور به فإن قلت المأمور به هو ما تقدم وهو قوله الذين يتسللون منكم لواذا قلت المتسللون منهم لواذا هم الذين خالفوا فلو أمروا بالحذر عن المخالف لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وهو لا يحوز وثالثها إنا لو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ضائعا لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين
(2/55)

قوله الآية دالة على وجوب الحذر عمن خالف عن الأمر لا عمن خالف الأمر قلنا قال النحاة كلمة عن للبعد والمجاوزة يقال جلس عن يمينه أي متراخيا عن بدنه في المكان الذي بحيال يمينه فلما كانت مخالفة أمر الله تعالى بعدا عن أمر الله تعالى لا جرم ذكره بلفظ عن قوله لم قلت إن قوله تعالى فليحذر يدل على وجوب الحذر عن العذاب قلنا لا ندعي وجوب الحذر عن العقاب ولكنه لا أقل من أن
يدل على جواز الحذر وجواز الحذر عن الشئ مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه لأنه لو لم يوجد المقتضي لوقوعه لكان الحذر عنه حذرا عما لم يوجد ولم يوجد المقتضى لوقوعه وذلك سفه وعبث فلا يجوز ورود الأمر به
(2/56)

قوله دلت الآية على أن مخالف أمر الله يستحق العقاب أو على أن مخالف كل أمر يستحق العقاب قلنا دلت على الثاني لوجوه الأول أنه يجوز استثنار قبل كل واحد من أنواع المخالفات نحو أن يقول فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا مخالفة الأمر الفلاني والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه وذلك يفيد العموم الثاني أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية الثالث أنه لما ثبت أن مخالف الأمر في بعض الصور يستحق العقاب فنقول إنما استحق العقاب لأن مخالفة الأمر تقتضي عدم المبالاة بالأمر وذلك يناسبه الزجر وهذا المعنى قائم في كل المخالفات فوجب ترتب العقاب على الكل قوله هب أن أمر الله أو أمر الله، أو رسوله للوجوب - فلم قلتم: إن أمر الآخر كذلك قلنا: لأنه لا قائل بالفرق.
(2/57)

الدليل الخامس تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق
العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك بيان الأول قوله تعالى ولا أعصي لك أمرا أفعصيت أمري لا يعصون الله ما أمرهم بيان الثاني قوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا الدا فيها فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به عاص وبيانه من وجوه ألأول قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان معنى قوله لا يعصون الله ما أمرهم أنهم يفعلون ما يؤمرون به فكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكرارا الثاني أجمع المسلمون على أن الأمر قد يكون أمر إيجاب وقد يكون أمر استحباب وتارك المندوب غير عاص وإلا لاستحق النار لما ذكرتموه فعلمنا أن المعصية ليست عبارة عن ترك المأمور به
(2/58)

سلمنا أن المعصية عبارة عن ترك ترك المأمور به لكن إذا كان الأمر أمر إيجاب أو مطلقا الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه أن قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم حكاية حال فيكفي في تحقيقها تنزيلها على صورة واحدة فلعل ذلك الأمر كان أمر إيجاب فلا جرم كان تركه معصية سلمنا أن تارك المأمور به عاص مطلقا فلم قلت إن العاصي يستحق العقاب والآية المذكورة مختصة بالكفار لقرينة الخلود
والجواب قد بينا أن تارك المأمور به عاص قوله لو كان كذلك لكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكرارا قلنا لا نسلم بل معنى الآية والله أعلم لا يعصون الله ما أمرهم به في الماضي ويفعلون ما يؤمرون به في المستقبل قوله الأمر قد يكون أمر استحباب قلنا لا نسلم كون المستحب مأمورا به حقيقة بل مجازا لأن
(2/59)

الاستحباب لازم للوجوب وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز فإن قلت ليس الحكم بكون هذه الصيغة للوجوب محافظة على عموم قوله ومن يعص الله ورسوله أولى من القول بأن المستحب مامور به محافظة على صيغ الأوامر الواردة في المندوبات قلت بل ما ذكرناه أولى للاحتياط ولأنا لو حملناه على الوجوب لكان أصل الترجيح داخلا فيه فيكون لازما للمسمى فيجوز جعله مجازا في أصل الترجيح أما لو جعلناه لأصل الترجيح لم يكن الوجوب لازما له فلا يمكن جعله مجازا عن الوجوب فكان الأول أولى قوله هذه الآية حكاية حال قلنا الله تعالى رتب اسم المعصية على مخالفة الأمر فيكون المتقضي لاستحقاق هذا الاسم هذا المعنى فيعم الاسم لعموم ما يقتضي استحقاقه قوله الآية مختصة بالكفار بقرينة الخلود
قلنا الخلود هو المكث الطويل لا الدائم والله أعلم واعلم أن هذا الدليل قد يقرر على وجه آخر فيقال إنما قلنا إن تارك المأمور به عاص لأن بناء لفظة العصيان على
(2/60)

الامتناع ولذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها وتسمى الجماعة عصا يقال شققت عصا المسلمين أي جماعتهم لأنها يمتنع بكثرتها وهذا كلام مستعص على الحفظ أي ممتنع وهذا الحطب مستعص على الكسر وقال عليه الصلاة والسلام لولا أنا نعصي الله لما عصانا أي لم يمتنع عن إجابتنا فثبت أن العصيان عبارة عن الامتناع عما يقتضيه الشئ وإذا
(2/61)

كان لفظ إفعل مقتضيا للفعل كان عدم الإتيان به والامتناع منه عصيانا لا محالة وإنما قلنا إن تسمية تارك المأمور به بالعاصي تدل على أن الأمر للوجوب لوجهين أحدهما أن الإنسان إنما يكون عاصيا للأمر وللآمر إذا أقدم على ما يحظره الآمر ويمنع منه ألا ترى أن الله تعالى لو أوجب علينا فعلا فلم نفعله لكنا عصاة ولو ندبنا إليه فقال ألأولى أن تفعلوه ولكم أن لا تفعلوه فلم نفعله لم نكن عصاة
ولهذا يوصف تارك الواجب بأنه عاص لله تعالى ولا يوصف تارك النوافل بذلك الثاني أن العاصي للقول مقدم على مخالفته وترك موافقته فليس تخلو مخالفته إما أن تكون بالإقدام على ما يمنع منه الأمر فقط أو قد تثبت بالإقدام على ما لا يتعرض له الأمر بمنع ولا إيحاب
(2/62)

وهذا الثاني باطل لأنا لو كنا عصاة للأمر بفعل ما نمنع منه لوجب إذا أمرنا الله بالصلاة غدا فتصدقنا اليوم أن نكون عصاة لذلك الأمر بتصدقنا يحيى اليوم فبان أن مخالفة الأمر إنما تثبت بالإقدام على ما يمنع منه فإذا كان تارك ما أمر به عاصيا للأمر والعاصي للأمر هو المقدم على مخالفة مقتضاه فالمقدم على مخالفة مقتضاه مقدم على ما يحظره الآمر ويمنع منه ثبت أن ترك المأمور به يحظره الآمر ويمنع منه وهذا هو معنى الوجوب الدليل السادس أنه عليه الصلاة والسلام دعا أبا سعيد الخدري فلم يجبه لأنه كان في الصلاة فقال ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول فذمه على ترك
(2/63)

الاستجابة عند مجرد ورود الأمر فلولا أن مجرد الأمر للوجوب وإلا لما جاز ذلك فإن قيل هذا خبر واحد فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية وأيضا فالنبي ص ما ذمه ولكنه راد أن يبين له أن دعاءه ص مخالف لدعاء غيره
والجواب عن الأول أنا بينا أن المباحث اللفظية لا يرجى فيها
(2/66)

اليقين وهذه المسألة وإن لم تكن في نفسها عملية لكنها وسيلة إلى العمل فيجوز التمسك فيها بالظن لأنه لا فرق في العقل بين أن يحصل ظن الحكم وبين أن يحصل العلم بوجود ما يقتضي ظن الحكم في جواز التمسك بهما في العمليات وعن الثاني أن بتقدير أن لا يدل الأمر على الوجوب يكون المانع من الأجابة قائما وهو الصلاة فإنها تحرم الكلام وإذا كان المانع الظاهر قائما لم يجز من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسأل عن المانع بلى إذا كان قوله تعالى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم يفيد الوجوب فحينئذ يصح السؤال وأيضا فظاهر الكلام يقتضي اللوم وهو في معنى الأخبار عن نفي العذر وذلك لا يكون إلا والأمر للوجوب الدليل السابع هو قوله عليه الصلاة والسلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة
(2/67)

وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لوجود غيره فها هنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة فهذا الخبر يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة والإجماع قائم على أن ذلك مندوب فلو كان المندوب مأمورا به لكان الأمر قائما عند كل صلاة فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به
فإن قلت لم لا يجوز أن يقال هذا الوجه أمارة تدل على أنه أراد لأمرتهم به على وجه يقتضي الوجوب وليس يمتنع أن يقتضي الأمر الوجوب بدلالة أخرى قلت كلمة لولا دخلت على الأمر فوجب أن لا يكون الأمر حاصلا والندب حاصل فوجب أن لا يكون الندب أمرا وإلا لزم التناقض الدليل الثامن خبر بريرة فإنها قالت لرسول الله ص أتأمرني بذلك
(2/68)

فقال لا إنما أنا شفيع نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب ونفي الأمر عند ثبوت الندبية يدل على أن المندوب غير مأمور به وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب الدليل التاسع إن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب ولم يظهر من أحد منهم الإنكار عليه وذلك يدل على أنهم أجمعوا على أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما قلنا إنهم تمسكوا بالأمر على الوجوب لأنهم أوجبوا أخذ
(2/69)

الجزية من المجوس لما روى عبد الرحمن أنه عليه الصلاة والسلام قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وأوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب بقوله عليه الصلاة والسلام فليغسله سبعا وأوجبوا إعادة الصلاة عند ذكرها بقوله عليه الصلاة والسلام فليصلها إذا ذكرها
(2/70)

وأما أنه لم يظهر من أحد منهم إنكار عليه وأنه متى كان كذلك فقد حصل الإجماع فتمام تقريرهما مذكور في كتاب القياس فإن قيل كما اعتقدوا الوجوب عند هذه الأوامر فإنهم لم يعتقدوا عند غيرها نحو قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقوله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله وإذا حللتم فاصطادوا وإذا ثبت هذا فليس القول بأنهم لم يعتقدوا الوجوب في هذه الأوامر لدليل منفصل بأولى من القول بأنهم إنما اعتقدوا الوجوب في تلك الأوامر لدليل متصل والجواب أن نقول لو لم يكن الأمر للوجوب لامتنع أن يفيد الوجوب
(2/71)

في صورة أصلا ولو لم يفد الوجوب في شئ من الصور أصلا لكان دليلهم على وجوب أخذ الجزية شيئا غير خبر عبد الرحمن ولو كان كذلك لوجب اشتهار ذلك الدليل وحيث لم يشتهر علمنا أنه لو يوجد ولما لم يوجد كان دليلهم على وجوب أخذ الجزية ظاهر الأمر أما لو قلنا بأن الأمر للوجوب لم يلزم من عدم الوجوب في بعض الأوامر أن لا يفيد الوجوب أصلا لاحتمال أن يقال الحكم تخلف ها هنا لمانع فثبت أن الاحتمال الذي ذكرناه أولى الدليل العاشر لفظ إفعل إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا أولا في واحد منهما والأقسام الثلاثة الأخيرة الرحمن باطلة فتعين الأول وهو أن يكون للوجوب فقط
وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون للندب فقط لأنه لو كان للندب فقد لما كان الواجب مأمورا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط بيان الملازمة أن المندوب هو الراجح فعله مع جواز الترك والواجب هو الراجح فعله مع المنع من الترك فالجمع بينهما محال فلو كان الأمر للندب فقط لم يكن الواجب مأمورا به فإن قلت لو كان للوجوب فقط لما كان المندوب مأمورا به
(2/72)

قلت ألتزم هذا لأن كثيرا من الأصوليين صرحوا بأن المندوب غير مأمور به ولا يمكنك أن تلتزم بأن الواجب غير مأمور به لأن أحدا من الأمة لم يقل به فثبت أن الأمر لا يجوز أن يكون حقيقة في الندب فقط وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون حقيقة في الوجوب والندب معا لأنه لو كان حقيقة فيهما لكان إما أن يكون كونه حقيقة فيهما بحسب معنى مشترك بينهما كما يقال إنه حقيقة في ترجيح جانب الفعل على الترك فقط من غير إشعار بجواز الترك أو بالمنع منه أو يكون حقيقة فيهما لا بحسب معنى مشترك وألأول باطل لأنا لو جعلناه حقيقة في اصل الترجيح لم يمكن جعله مجازا في الوجوب لأن الوجوب غير ملازم لأصل الترجيح أعني القدر المشترك بين الواجب والمندوب ولو جعلناه حقيقة في الوجوب كان الترجيح جزءا من مسماه ولازما له فيمكن جعله مجازا عن أصل الترجيح وإذا كان كذلك كان جعله حقيقة في الوجوب ليكون مجازا في أصل الترجيح أولى من جعله حقيقة في اصل الترجيح مع أنه لا يكون حقيقة في
الوجوب ولا مجازا فيه والثاني وهو أن يجعل حقيقة في الوجوب والندب لا بحسب معنى
(2/73)

مشترك بينهما فهذا يقتضي كون اللفظ مشتركا وقد عرفت أن ذلك خلاف الأصل وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنه لا يتناول الواجب ولا المندوب أصلا لأن ذلك على خلاف الإجماع ولما ثبت فساد هذه الأقسام الثلاثة تعين القول بالوجوب والله أعلم الدليل الحادي عشر أن العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده اقتصر العقلاء من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على أن يقولوا أمره سيده بكذا فلم يفعله فدل كون ذلك علة في حسن ذمه على أن تركه لما أمره به ترك للواجب فإن قيل لا نسلم أنهم إنما ذموه لمجرد الترك بل لأجل أمور أخر أحدها أنهم علموا من سيده أنه كره ترك ذلك الفعل وثانيها أن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده وثالثها أن السيد لا يأمر إلا بما فيه نفعه ودفع مضرته والعبد أيضا يلزمه إيصال المنافع إلى السيد ودفع المضار عنه سلمنا أنهم ذموه لمجرد الترك لكن لا نسلم أن فعلهم صواب ويدل عليه أمران أحدهما أنه لو كان المأمور به معصية لما استحق العبد الذم
(2/74)

بتركه فدل على أن مجرد الترك ليس بعلة للذم
وثانيهما أن كثيرا من الأوامر ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ص بمعنى الندب فلو كان ترك المأمور به علة للذم لكان المندوب واجبا وهو محال فثبت بهذين الوجهين أن مجرد ترك المأمور به لا يمكن جعله علة للذم وإذا ثبت ذلك علمنا فساد ما ذكرتموه من أن العقلاء يعللون حسن ذمه بمجرد ترك المأمور به والجواب أن السيد إذا عاتب عبده عند عدم الامتثال فالعقلاء يقولون إنما عاتبه لأنه لم يمتثل الأمر ولولا أن علة حسن العتاب نفس مخالفة الأمر وإلا لما صح هذا الكلام وبهذا يظهر أن كراهية الترك لا مدخل لها في هذا الباب أما قوله الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده قلنا الشريعة إنما أوجبت على العبد طاعة السيد فيما أوجبه السيد على العبد ألا ترى أن سيده لو قال له الأولى أن تفعل كذا ولك أن لا تفعله لما ألزمته الشريعة فعله والأمر عند المخالف يجري مجرى هذا القول فينبغي أن لا يجب به على العبد شئ
(2/75)

وأما قوله السيد لا يأمر عبده إلا بما فيه جر نفع أو دفع مضرة وذلك واجب قلنا مجرد هذا القدر لا يفيد الوجوب إلا إذا أوجبه السيد ولم يرخص في تركه
ألا ترى أنه لو قال له الأولى أن تفعل كذا ويجوز أن لا تفعله جاز له أن لا يفعل وكذلك لو علم أن غيره يقوم مقامه في دفع المضرة قوله يشترط في جواز هذا التعليل أن لا يكون المأمور به معصية قلنا هب أن هذا الشرط معتبر ولكن يجب فيما وراءه إجراء اللفظ على ظاهره قوله لو كان ترك المأمور به علة للذم لما جاز ترك المندوب قلنا هذا إنما يصح لو كان المندوب مأمورا به وهذا أول المسألة والله أعلم الدليل الثاني عشر لفظ إفعل دال على اقتضاء الفعل ووجوده فوجب أن يكون مانعا من نقيضه قياسا على الخبر فإنه لما دل على المعنى كان مانعا من نقيضه والجامع بين الصورتين أن اللفظ لما وضع لإفادة معنى فلا بد
(2/76)

أن يكون مانعا من النقيض تكميلا لذلك المقصود وتقوية لحصوله فإن قيل لا نزاع في أن ما دل على شئ فإنه يمنع من نقيضه لكن لم لا يجوز أن يقال مدلول قوله إفعل هو أن الأولى إدخاله في الوجود فلا جرم يمنع من عدم هذه الأولوية والجواب أن الفعل مشتق من المصدر فإشعاره وكان لا يكون إلا بالمصدر والمصدر في قولنا ضرب يضرب إضرب هو الضرب لا أولوية الضرب فإشعار روى لفظ الخبر والأمر بالضرب لا بأولوية الضرب وإذا كان إشعار الأمر والخبر ليس بأولوية الضرب بل بنفس
الضرب وثبت أن المشعر بالشئ مانع من نقيضه وجب أن يكون لفظ إضرب مانعا من عدم الضرب لا من عدم أولوية الضرب ولأجل هذا كان الخبر مانعا من النقيض والله أعلم الدليل الثالث عشر الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك وإنما قلنا إنه يفيد الرجحان لأن المأمور به إن لم تكن مصلحته راجحة إما أن يكون خاليا عن المصلحة أو تكون مصلحته مرجوحة أو تكون مساوية للمفسدة
(2/77)

فإن كان خاليا عن المصلحة كان محض المفسدة فلا يجوز ورود الأمر به وإن كانت مصلحته مرجوحة فذلك القدر من المصلحة يصير معارضا بمثله من المفسدة فيقى القدر الزائد من المفسدة خاليا عن المعارض فيكون ورود الأمر به أمرا بالمفسدة الخالصة فيعود إلى القسم الأول وإن كانت مصلحته معادلة لمفسدته ولم كان ذلك عبثا وهو غير لائق بالحكيم وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن تكون مصلحة خالية عن المفسدة وإن كان فيه شئ من المفاسد ولكن تكون مصلحته زائدة وعلى التقديرين يثبت رجحان المصلحة وإذا ثبت هذا فنقول وجب أن لا يرد الإذن بالترك لأن الإذن في تفويت المصلحة الراجحة إذن في تفويت المصلحة الخالصة لأنه إن وجدت مفسدة مرجوحة فتصير هي معارضة بما يعادلها من المصلحة فيبقى
القدر الزائد من المصلحة مصلحة خالصة
(2/78)

وإن لم توجد مفسدة أصلا كانت المصلحة خالصة فيكون الإذن في تفويته إذنا في تفويت المصلحة الخالصة عن شوائب المفسدة وذلك غير جائز عرفا فوجب أن لا يجوز شرعا لقوله عليه الصلاة والسلام ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح فمقتضى هذه الدلالة أن لا يوجد شئ من المندوبات ألبتة ترك العمل به في حق البعض تخفيفا من الله تعالى على العباد فوجب أن يبقى الباقي على حكم الأصل فإن قيل ما ذكرتموه معارض بوجه آخر وهو أنه كما أن الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفا فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة
(2/79)

بحيث لو لم يستوفها لاستحق العقاب قبيح أيضا لأنه يصير حاصل الأمر أن يقول الشرع استوف هذه المنافع لنفسك وإلا عاقبتك وهذا قبيح والجواب ما ذكرتموه قائم في كل التكاليف فلو كان ذلك معتبرا لما ثبت شئ من التكاليف الدليل الرابع عشر لا شك أن الأمر يدل على رجحان طرف الوجود على طرف العدم فنقول هذا الرجحان لا ينفك عن قيدين أحدهما المنع من الترك والآخر الإذن في الترك ولا شك أن إفضاء المنع من الترك إلى الوجود أكثر من إفضائه إلى
العدم ولا شك أن إفضاء الإذن في الترك إلى العدم أكثر من إفضائه إلى الوجود ولا شك أن الذي يكون أكثر إفضاء إلى الشئ الراجح راجح في الظن على ما يكون أكثر إفضاء إلى المرجوح فإذن شرعية المنع من الترك راجح في الظن على شرعية الإذن في الترك والراجح في الظن واجب العمل به النص والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام أنا أقضي بالظاهر
(2/80)

وأما المعقول فمن وجهين الأول أن أحد النقيضين إذا كان راجحا على الآخر في الظن فلم يعمل بالراجح لوجب العمل بالمرجوح فيكون ذلك ترجيحا للمرجوح على الراجح وإنه غير جائز بالضرورة الثاني أنه وجب العمل بالفتوى والشهادة وقيم المتلفات وأروش الجنايات وتعيين القبلة عند حصول الظن وإنما وجب العمل به ترجيحا للراجح على المرجوح وذلك المعنى حاصل ها هنا قوجب بين العمل به الدليل الخامس عشر الوجوب ينبغي أن تكون له صيغة مفردة في اللغة وتلك الصيغة هي إفعل فوجب أن تكون إفعل للوجوب إنما قلنا إن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة لأن الوجوب معنى
(2/83)

تشتد الحاجة إلى التعبير عنه والناس قادرون على الوضع
والمانع زائل ظاهرا والقادر إذا دعاه الداعي إلى الفعل حال عدم المانع وجب حصول الفعل منه فثبت أن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة وإنما قلنا إن تلك الصغية هي صيغة إفعل لأن تلك الصيغة إما أن تكون صيغة إفعل أو غيرها والثاني باطل بالإجماع أما عند الخصم فلأنه ينكر ذلك على الإطلاق وأما عندنا فلأنا لا نقول به في غير صيغة إفعل وإذا بطل هذا القسم ثبت القسم الأول وإلا لكانت اللغة خالية عن لفظة مفردة دالة على الوجوب مع ان الدليل قد دل على وجودها فإن قيل لا نسلم أن الوجوب له صيغة في اللغة قوله الداعي قائم قلنا لا نسلم أن الداعي قائم قوله الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه قلنا لا نسلم
(2/84)

سلمناه لكن لم قلت إنه لا بد من تعريفه باللفظ ولم لا تكفي فيه قرينة الحال سلمنا شدة الحاجة إلى لفظ يدل عليه، لكنه قد وجد - وهو: قوله: أوجبت وألزمت وحتمت فإن ادعيت أنه لا بد من اللفظ المفرد طالبناك أهل بالدلالة عليه سلمنا قيام الدلالة وحصول الداعي فلم قلت إنه لا مانع ثم نقول المانع هو أن اللغات توقيفية لا حديث اصطلاحية وإذا كان
كذلك كانوا ممنوعين من وضع الألفاظ للمعاني سلمنا قيام الداعي وزوال المانع فلم قلت بأنه يجب الفعل ثم نقول ما ذكرتموه من الدليل منقوض ومعارض أما النقض فلأن الحاجة إلى وضع لفظ يدل على الحال ولفظ آخر يدل على الاستقبال على التعيين شديدة مع أنه لم يوجد ذلك في اللغة وأيضا فأصناف الروائح مختلفة والحاجة إلى تعريفها شديدة مع أنه
(2/85)

لم توضع لها ألفاظ مفردة وكذا أصناف الاعتمادات متميزة مع أنه لم توضع لها ألفاظ مفردة وأما المعارضة فمن وجهين أحدهما أن الوجوب كما أنه معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فكذا أصل الترجيح أعني القدر المشترك بين الوجوب والندب والندب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فوجب أن يضعوا له لفظا ولا لفظ له سوى إفعل فوجب كونه موضوعا له ومن قال إنه للندب وحده قال الندبية معنى تشتد الحاجة إلى تعريفها فلا بد من لفظ ولا لفظ سوى هذا فوجب كونه للندب ومن قال بالاشتراك قال قد يحتاج إلى التعبير عن أحد هذين الأمرين على سبيل الإبهام فلا بد من لفظ ولا لفظ له إلا هذا فوجب كونه موضوعا لهما بالاشتراك وثانيهما أن الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فلو كانت صيغة إفعل موضوعة له وجب أن يعرف ذلك كل أحد ولو عرفه كل أحد
(2/86)

لزال الخلاف فلما لم يزل علمنا أنه غير موضوع له سلمنا أنه لا بد من لفظ وأن ذلك اللفظ هو إفعل فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضا بالاشتراك ثم نقول الدليل الذي ذكرتموه يقتضي إثبات اللغة بالقياس وهو غير جائز والجواب قوله لا نسلم شدة الحاجة إلى التعبير عن معنى الوجوب قلنا الدليل عليه أن الإنسان الواحد لا يستقل بإصلاح كل ما يحتاج إليه بل لا بد من الجمع العظيم حتى يعين كل واحد منهم صاحبه في مهمة لتنتظم مصلحة الكل وإذا احتاج الإنسان إلى فعل يفعله الغير لا محالة وأن ذلك الغير لا يعلم منه ذلك إلا إذا عرفه فحينئذ يحتاج إلى أن يعرفه أنه لا بد وأن ياتي بذلك الفعل وأنه لا يجوز له الإخلال به فثبت أن هذا المعنى مما تشتد الحاجة إلى تعريفه قوله هب أنه لا بد من تعريفه فلم قلت إن ذلك التعريف لا يحصل إلا باللفظ
(2/87)

قلنا لأنهم إنما اتخذوا العبارات معرفات لما في الضمائر دون غيرها لأجل أن الإتيان بالعبارات أسهل من الإتيان بغيرها وهذا المعنى قائم في مسألتنا فوجب القول به قوله لم لا يكفي فيه قوله أوجبت وألزمت قلنا لأن اللفظ المفرد أخف على اللسان من المركب فيغلب على
الظن أن الواضع وضع لفظا مفردا لهذا المعنى قياسا على سائر الألفاظ المفردة قوله لم قلت إنه لا مانع قلنا لأن الموانع بأسرها كانت معدومة والأصل بقاء ذلك العدم فيحصل من هذا ظن أنه لا مانع والدليل الذي ذكرناه ظني فيكون ذلك كافيا في تقريره قوله اللغات توفيقية فلعلهم منعوا عن الوضع قلنا الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان والأصل عدم التوقيف وعدم المنع من الوضع فيحصل ظن بقاء ذلك قوله لم قلت إنه إذا وجد الداعي في حق القادر وانتفى الصارف وقع الفعل قلنا الدليل عليه أن القادر على الفعل إن لم يكن متمكنا من الترك فقد تعين الفعل وإن كان متمكنا من الترك فعند الداعي إما أن يترجح أو لا يترجح
(2/88)

فإن لم يترجح البتة لم يكن الداعي داعيا وذلك محال وإن ترجح وجب الوقوع وتمام تقرير هذا الكلام في كتبنا العقلية وأما النقوض فهي مندفعة لأنا لا نسلم أن اشتداد الحاجة إلى تعيين الحال والاستقبال والروائح المخصوصة والاعتمادات المخصوصة مساوية لاشتداد الحاجة إلى التعبير عن معنى الإلزام فإن الإنسان قد تمر عليه مدة طويلة ولا يحتاج إلى التعبير عن تلك الاشياء مع
أنه في كل لحظه يحتاج إلى التعبير عن معنى الوجوب وأما المعارضة الآولى فجوابها أنا لو جعلنا اللفظ حقيقة في الوجوب كان الترجيح لازما للمسمى فأمكن جعله مجازا عن الترجيح أما لو جعلناه حقيقة في الترجيح لم يكن الوجوب لازما للمسمى
(2/89)

فلا يمكن جعله مجازا عنه فكان ذلك أولى قوله الحاجة إلى التعبير عن الندبية شديدة قلنا لكن الوجوب أولى لأن الواجب لا يجوز الإخلال به والمندوب يجوز الإخلال به والإخلال ببيان ما يجوز الإخلال به أولى من الإخلال ببيان ما لا يجوز الإخلال به وأما المعارضة الثانية فهي أن اللفظ لو كان للوجوب لاشتهر قلنا هذا إنما يلزم لو سلم عن المعارض أما إذا كان له معارض ولم يظهر الفرق بينه وبين معارضه إلا على وجه مخصوص غامض لم يلزم ذلك قوله هب أن لفظ أفعل موضوع للوجوب فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضا بالاشتراك قلنا لما تقدم أن الاشتراك على خلاف الأصل قوله هذا إثبات اللغة بالقياس
(2/90)

قلنا سنبين في كتاب القياس إن شاء الله تعالى أنه جائز الدليل السادس عشر حمله على الوجوب يفيد القطع بعدم
الإقدام على مخالفة الأمر وحمله على الندب يقتضي الشك فيه فوجب حمله على الوجوب وإنما قلنا إن حمله على الوجوب يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر لأن المأمور به إما أن يكون واجبا أو مندوبا فإن كان واجبا فحمله على الوجوب يقتضي القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر وإن كان مندوبا فالقول بوجوبه سعي في تحصيل ذلك المندوب بأبلغ الوجوه وذلك يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر فإذن على كلا التقديرين هو غير مقدم على مخالفة الأمر أما لو حملناه على الندب فبتقدير أن يكون المأمور به مندوبا حصل القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر أما لو كان واجبا ونحن قد جوزنا له الترك كان ذلك الترك مخالفة للأمر فثبت إن حمله على الندب يقتضي الشك في كونه مخالفا للأمر وإذا ثبت هذا فنقول وجب حمله على الوجوب للنص والمعقول
(2/91)

أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وأما المعقول فهو أنه إذا تعارض طريقان أحدهما آمن قطعا والآخر مخوف كان ترجيح الآمن على المخوف من موجبات العقول فإن قيل لا نسلم أن حمله على المندوب يقتضي الشك في الإقدام على المحظور قوله لأنه بتقدير أن يكون المأمور به واجبا كان حمله على الندب
(2/92)

سعيا في الترك وإنه محظور قلنا لا نسلم أنه يمكن أن يكون المأمور به واجبا فإنا لو علمنا بدلالة لغوية أن الأمر ما وضع للوجوب وعلمنا أن الحكيم لا يجوز أن يجرده عن قرينه إلا والمأمور به غير واجب فإذا حملته على الندب أمنت الضرر سلمنا قيام هذا الاحتمال ولكن حمله على الوجوب فيه أيضا احتمال للضرر لأن بتقدير أن لا يكون الحق هو الوجوب كان اعتقاد كونه واجبا جهلا وتكون نية الوجوب قبيحة وكراهة أضداده قبيحة والجواب إذا علمنا أن لفظ إفعل لا يجوز استعماله إلا في أحد المعنيين إما الوجوب أو الندب فقبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط أو للندب فقط أولهما معا فإنا إذا حملناه على الوجوب قطعنا بأنا ما خالفنا الأمر وإذا حملناه على الندب لم نقطع بذلك فإذن قبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط أو للندب
(2/93)

فقط يقتضي العقل حمله على الوجوب ليحصل القطع بعدم المخالفة ثم بعد ذلك قيام الدليل على أنه للندب إشارة إلى المعارض من ادعاه فعليه الدليل قوله حمله على الوجوب يقتضي احتمال الجهل قلنا ما ذكرتموه إشارة إلى احتمال الخطأ في الاعتقاد وهو قائم في الطرفين وما ذكرناه فهو احتمال الخطأ في العمل وهو حاصل على
تقدير الندب دون تقدير الوجوب وإذا اشترك الطرفان في أحد نوعي الخطأ واختص أحدهما بمزيد خطأ كان الجانب الخالي عن هذا الخطأ الزائد أولى بالاعتبار والله أعلم واحتج من أنكر كون الأمر للوجوب بأمور أحدها أن العلم بكون الأمر للوجوب إما أن يكون عقليا أو نقليا فالأول باطل لأن العقل لا مجال له في اللغات وأما النقل فإما أن يكون تواترا أو آحادا والتواتر باطل وإلا لعرف كل واحد بالضرورة أنه للوجوب والآحاد باطل لأن المسألة علمية ورواية الآحاد لا تقيد العلم
(2/94)

وهذه الحجة يحتج بها من يقول لا أدري أن اللفظ موضوع للوجوب فقط أو للندب فقط أولهما معا لأنه لو ادعى الاشتراك أو الندبيه لزمه أو يقال العلم بالاشتراك أو بالندبية إنما يستفاد من العقل أو النقل إلى آخر التقسيم وثانيها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين الأمر والسؤال إلا من حيث الرتبة وذلك يقتضي اشتراكهما في جميع الصفات سوى الرتبة فكما أن السؤال لا يدل على الإيجاب بل يفيد الندبية فكذلك الأمر وثالثها أن لفظ أفعل وارد في كتاب الله وسنة رسوله في الوجوب والندب والاشتراك والمجاز على خلاف الأصل فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك وهو أصل الترجيح والدال على ما به الاشتراك غير الدال على ما به الامتياز لا بالوضع ولا بالاستلزام فلا يكون لهذه الصيغة إشعار البتة بالوجوب بل لا دلالة فيها إلا على ترجيح جانب
الفعل وأما جواز الترك فقد كان معلوما بالعقل ولم يوجد ما يزيل ذلك الجواز فإذن وجب الحكم بأن ذلك العقل راجح الوجود على العدم مع كونه جائز الترك ولا معنى للندب إلا ذلك والجواب عن الأول أن نقول لم لا يجوز أن يعرف ذلك بدليل مركب من النقل والعقل مثل قولنا تارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب فيستلزم العقل من تركيب هاتين المقدمتين النقليتين أن الأمر للوجوب
(2/95)

سلمناه فلم لا يجوز أن يثبت بالآحاد ولا نسلم أن المسألة قطعية وقد بينا أنه لا يقين في المباحث اللغوية وعن الثاني أن عندنا أن السؤال يدل على الإيجاب وإن كان لا يلزم منه الوجوب فإن السائل قد يقول للمسئول منه لا تخل بمقصودي ولا تتركه ولا تخيب رجائي فهده الألفاظ صريحة في الإيجاب وإن كان لا يلزم من هذا الإيجاب الوجوب وعن الثالث أن المجاز وان كان على خلاف الأصل لكنه قد يوجد إذا دل الدليل عليه وقد ذكرنا أن الدليل دل على كونها للوجوب فوجب المصير إليه والله أعلم المسألة الثالثة الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان للوجوب خلافا لبعض أصحابنا لنا أن المقتضي للوجوب قائم والمعارض الموجود لا يصلح
معارضا فوجب تحقق الوجوب
(2/96)

بيان المقتضي ما تقدم من دلالة الأمر على الوجوب بيان أن المعارض لا يصلح معارضا وجهان الأول أنه كما لا يمتنع الانتقال من الحظر إلى الإباحة فكذلك لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب والعلم بجوازه ضروري الثاني أنه لو قال الوالد لولده أخرج من الحبس إلى المكتب فهذا لا يفيد الإباحة مع انه امر بعد الحظر الحاصل بسبب الحبس وكذا أمر الحائض والنفساء بالصلاة والصوم ورد بعد الحظر وأنه للوجوب واحتج المخالف بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى فإذا طعمتم فانتشروا وإذا حللتم فاصطادوا فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله وهذا النوع من الأمر في كتاب الله ما جاء إلا للإباحة فوجب كونه حقيقة فيها وأما العرف فهو أن السيد إذا منع عبده من فعل شئ ثم قال له إفعله فهم منه الإباحة والجواب عن الأول أنه يشكل بقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين فهذا يدل على الوجوب إذ الجهاد فرض
(2/97)

على الكفاية وقوله تعالى لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وحلق الرأس نسك وليس بمباح محض وعن الثاني أن العرف متعارض لأن من قال لابنه وهو في الحبس
اخرج إلى المكتب فهو أمر بعد الحظر وقد يفيد الوجوب والله أعلم تنبيه القائلون بأن الأمر بعد الحظر للإباحة اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب فمنهم من طرد القياس فقال إنه للإباحة ومنهم من قال لا تأثير ها هنا للوجوب المقدم بل النهي يفيد التحريم المسألة الرابعة الأمر المطلق لا يفيد التكرار بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة إلا أن ذلك المطلوب لما حصل بالمرة الواحدة لا جرم يكتفى بها والأكثرون خالفوا فيه وهم ثلاث فرق
(2/98)

إحداها الذين قالوا إنه يقتضي المرة الواحدة لفظا والثانية أنه يقتضي التكرار وثالثها التوقف إما لادعاء كون اللفظ مشتركا بين المرة الواحدة والتكرار أو لأنه لا يدرى أنه حقيقة في المرة الواحدة أو في التكرار لنا وجوه أحدها أن صيغة إفعل موضوعة لطلب إدخال ماهية المصدر في الوجود فوجب أن لا تدل على التكرار ولا على المرة
بيان الأول أن المسلمين أجمعوا على أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى أقيموا الصلاة ومنها ما جاء لا على التكرار كما في الحج وفي حق العباد أيضا قد لا يفيد التكرار فإن السيد إذا أمر عبده بدخول الدار أو بشراء اللحم لم يعقل منه التكرار ولو ذمه السيد على ترك التكرار للامه العقلاء ولو كرر العبد الدخول لحسن من السيد أن يلومه ويقول إني قد
(2/99)

أمرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك وما أمرتك بتكرار الدخول وقد يفيد التكرار فإنه إذا قال احفظ دابتي فحفظها ساعة ثم أطلقها يذم إذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الأصل فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين وما ذاك إلا طلب إدخال ماهية المصدر في الوجود وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يدل على التكرار لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى لا بالوضع ولا بالاستلزام فالأمر لا دلالة فيه البتة لا على التكرار ولا على المرة الواحدة بل على طلب الماهية من حيث هي هي إلا إنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة الواحدة من ضرورات الإتيان بالمأمور به فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه وثانيها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين قولنا يفعل وبين قولنا
إفعل إلا في كون الأول خبرا والثاني طلبا ثم أجمعنا على أن قولنا يفعل يتحقق مقتضاه بتمامه في حق من
(2/100)

يأتي به مرة واحدة فكذا في الأمر وإلا لحصلت بينهما تفرقة في شئ غير الخبرية والطلبية وذلك يقدح في قولهم وثالثها أن القول بالتكرار يقتضي أن تستغرق الأوقات بحيث لا يخلو وقت عن وجوب المأمور به إذ ليس في اللفظ إشعار بوقت معين فليس حمله على البعض أولى من الباقي لكن حمله على كل الأوقات غير جائز أما أولا فبالإجماع وأما ثانيا فلأنه إذا أمر بعبادة ثم أمر بغيرها لزم أن تكون الثانية ناسخة للأولى لأن الأول قد استوعب جميع الأوقات والثاني يقتضي إزالته عن بعضها والنسخ هو إزالة الحكم بعد ثبوته إلى بدل وقد حصل ذلك ها هنا وفي علمنا بأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها وأن الأمر بالحج ليس نسخا للصلاة ما يدل على فساد ما قالوا وأما ثالثا فلأنه يلزم أن يكون الأمر بغسل بعض أعضاء الوضوء نسخا لما تقدمه والأمر بالصلاة يكون نسخال عند للأمر بالوضوء وذلك لا يقوله عاقل ورابعها أنا نعلم حسن قول القائل لغيره إفعل كذا أبدا أو افعله
(2/101)

مرة واحدة بلا زيادة فلو دل الأمر على التكرار لكان الأول تكرارا والثاني نقضا ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوا
احتج القائلون بالتكرار بوجوه أحدها أن الصديق رضي الله عنه تمسك على أهل الردة في وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى وآتوا الزكاة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار وثانيها أن الأمر طلب الفعل والنهي طلب الترك فإذا كان النهي الذي هو أحد الطلبين يفيد التكرار فكذا الآخر وثالثها أن الأمر لو لم يفد التكرار لما جاز ورود النسخ عليه ولا
(2/102)

الاستثناء لأن ورود النسخ على المرة الواحدة يدل على البداء وورود الاستثناء عليها يكون نقضا ورابعها أنه ليس في لفظ الأمر تعيين زمان فلا يكون اقتضاؤه لأيقاع الفعل في زمان أولى من اقتضائه لإيقاعه في زمان آخر فإما أن لا يقتضي إيقاعه في شئ من الأزمنة وهو باطل أو في كل الأزمنة وهو المطلوب وخامسها أن الاحتياط يقتضي تكرار المأمور به لأنه بالتكرار يأمن من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وبترك التكرار لا يأمن منه لاحتمال أن يكون ذلك الأمر للتكرار فوجب حمله على التكرار دفعا لضرر الخوف على النفس وأما القائلون بالاشتراك بين المرة الواحدة وبين التكرار فقد احتجوا بوجهين أحدهما أنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أم أكثر ولذلك قال سراقة للنبي ص أحجتنا لعامنا هذا أم
(2/103)

للأبد وحسن الاستفهام دليل الاشتراك وثانيهما ورود الأمر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ص وسلم على الوجهين والأصل في الكلام الحقيقة فكان الاشتراك لازما والجواب عن الأول لعل رسول الله ص بين للصحابة أن قوله أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة يفيد التكرار فلما كان ذلك معلوما للصحابة لا جرم تمسك الصديق بهذه الآية في وجوب التكرار وعن الثاني أن الفرق من وجهين
(2/104)

الأول أن الانتهاء عن الفعل أبدا ممكن أما الاشتغال به أبدا فغير ممكن فظهر الفرق والثاني أن النهي كالنقيض للأمر لأن قول القائل لغيره كن فاعلا موجود في قوله لا تكن فاعلا وإنما زاد عليه لفظ النفي فجرى مجرى قوله زيد في الدار زيد ليس في الدار وإذا كان النهي مناقضا للأمر وجب أن تكون فائدة النهي مناقضة لفائدة الأمر فإذا كان قولنا إفعل يقتضي إيقاع الفعل في زمان ما أي زمان كان فقولنا لا تفعل وجب أن يقتضي المنع من إيقاعه في زمان ما أي زمان كان بل في الأزمنة كلها لأنه إن لم يفعل اليوم وفعل غدا كان ممتثلا للأمر ولا يجوز أن يكون ممتثلا للأمر والنهي معا مع كونهما نقيضين فصح أن كون الأمر مفيدا للمرة الواحدة يقتضي أن يكون النهي مانعا للفعل في جميع الأزمان
ثم نقول كون النهي مفيدا للتكرار يدل على أن الأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة لأن فائدة الأر رفع فائدة النهي وفائد النهي المنع من الفعل
(2/105)

في كل الأزمان ففائدة الأمر رفع هذا المنع الكلي ورفع المنع الكلي يحصل بالثبوت ولو في زمان واحد فوجب أن تكون فائدة الأمر اقتضاء الفعل ولو في زمان واحد وإذا كان كذلك لزم من كون الأمر نقيضا للنهي مع كون النهي مفيدا للتكرار أن يكون الأمر غير مفيد للتكرار وعن الثالث أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإذا ورد صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وعندنا لا يمتنع حمل الأمر على التكرار بسبب بعض القرائن وأما الاستثناء فإنه لا يجوز على قول من يقول بالفور أما من لم يقل به فإنه يجوز الاستثناء وفائدته المنع من إيقاع الفعل في بعض الأوقات التي كان المكلف مخيرا بين إيقاع الفعل فيه وفي غيره وعن الرابع أن الآمر عند القائلين بالفور مختص بأقرب الأزمنة إليه وعند منكريه دال على طلب إيقاع المصدر من غير بيان الوحدة والعدد والزمان الحاضر والآتي بل على القدر المشترك بين المقيد والمؤقت ومقابليهما أخبرنا وعن الخامس أن المكلف إذا علم أن اللفظ لا يدل على التكرار أمن من الخوف على أنه معارض بالخوف الحاصل من التكرار فإنه ربما كان ذلك مفسدة كما في شراء اللحم ودخول الدار وأما الاستفهام والاستعمال فسيظهر إن شاء الله تعالى في باب
(2/106)

العموم أنه لا يدل واحد منهما على الاشتراك وعلى أن الأوامر الواردة بمعنى التكرار بعضها يفيد التكرار في اليوم وبعضها في الأسبوع وبعضها في الشهر وبعضها في السنة وظاهر أن ذلك لا يستفاد الا من دليل منفصل والله أعلم المسألة الخامسة اختلفوا في أن الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما أم لا مثال الصفة قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ومثال الشرط إن كان أو إذا كان زانيا فارجمه فنقول كل من جعل الأمر المطلق مفيدا للتكرار قال به ها هنا أيضا وأما القائلون بأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار فمنهم من قال بأنه ها هنا يفيد التكرار ومنهم من قال لا يفيده والمختار أنه لا يفيده من جهة اللفظ ويفيده من جهة ورود الأمر بالقياس فها هنا مقامان المقام الآول في أنه لا يفيده من جهة اللفظ ويدل عليه وجوه أحدها أن السيد إذا قال لعبده اشتر اللحم إن دخلت السوق لا يعقل
(2/107)

منه التكرار حتى لو اشتراه دفعة واحدة لا يلزمه الشراء ثانيا وثانيها لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لا يتكرر الطلاق بتكرر دخولها في الدار وكذلك لو قال إن رد الله علي مالي أو دابتي أو صحتي فله
علي كذا لم يتكرر الجزاء بتكرر الشرط وكذا لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي إن دخلت الدار لم يثبت على التكرار وثالثها أجمعنا على أن الخبر المعلق على الشرط كقوله زيد سيدخل الدار لو دخلها عمرو فدخلها عمرو ودخلها زيد فإنه يعد صادقا وإن لم يتكرر دخول زيد عند دخول عمرو فوجب أن يكون في هذه الصورة كذلك والجامع دفع الضرر الحاصل من التكليف بالتكرار ورابعها أن اللفظ ما دل إلا على تعليق شئ على شئ والمفهوم من تعليق شئ أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة لأنه يصح تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين ومورد التقسيم مشترك بين القسمين فإذن تعليق الشئ على الشئ لا يدل على تكرار ذلك التعليق
(2/108)

المقام الثاني في أنه يفيده من جهة ورود الأمر بالقياس والدليل عليه أن الله تعالى لو قال إن كان زانيا فارجمه فهذا يدل على انه تعالى جعل الزنا علة لوجوب الرجم ومتى كان كذلك لزم تكرر الحكم عند تكرر الصفة بيان الأول أن القائل اذا قال إن كان الرجل عالما زاهدا فاقتله وإن كان جاهلا فاسقا فأكرمه فهذا الكلام مستقبح في العرف والعلم بذلك ضروري فالاستقباح لو إما أن يكون لأنه يفيد أن هذا القائل جعل الجهل والفسق موجبين للتعظيم أو لأنه لا يفيد ذلك والثاني باطل لأنه لو لم يفد
العلية ولا منافاة أيضا بين الجهل وبين استحقاق التعظيم بسبب آخر من كونه نسبيا شجاعا جوادا فصيحا فحينئذ لم يكن إثبات استحقاق التعظيم مع كونه جاهلا فاسقا على خلاف الحكمة فكان يجب أن لا يثبت وحيث ثبت علمنا فساد هذا القسم وأن ذلك الاستقباح إنما
(2/109)

حصل لأنه يفيد أن ذلك القائل جعل جهله وفسقه علة لاستحقاق الإكرام فثبت أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فإذا صدر ذلك من الله تعالى أفاد ظن أن الله تعالى جعل ذلك الوصف علة وذلك يوجب تكرر الحكم عند تكرر الوصف باتفاق القائسين فثبت أن قول الله تعالى إن كان زانيا فارجمه يفيد تكرار الرجم عند تكرار الزنى فإن قيل أولا هذا يشكل بقوله إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول وإن دخلت السوق فاشتر اللحم فإنه لا يتكرر الأمر بشراء اللحم عند تكرر دخول السوق ثم نقول لا نسلم أنه يفيد ظن العلية أما قوله إن كان الرجل عالما فاقتله فهذا الاستقباح إنما جاز لأن كونه عالما ينافي جواز القتل فإثبات هذا الحكم مع قيام المنافي يوجب الاستقباح سلمنا أنه يفيد العلية في هذه الصورة فلم قلت إن في سائر الصور يجب أن يكون كذلك
(2/110)

سلمنا أنه في جميع الصور يفيد العلية فلم قلت إنه يلزم من تكرر العلة تكرر الحكم فإن السرقة وإن كانت موجبة للقطع لكن يتوقف إيجابها لهذا الحكم على شرائط كثيرة الجواب أن قوله إن دخلت الدار فأنت طالق فهذا يفيد ظن أن هذا الإنسان جعل دخول الدار علة لوقوع الطلاق وإذا جعل الإنسان شيئا علة لحكم لم يلزم من تكرر ما جعله تكرر ذلك الحكم ألا ترى أنه لو قال أعتقت عبدي غانما لسواده وبعلة كونه أسود وكان له عبد آخر أسود فإنه لا يعتق عليه ذلك العبد ومعلوم أن التنبيه على العلية لا يزيد على التصريح بها أما إذا علمنا أو ظننا أن الشارع جعل شيئا علة لحكم فإنه يلزم من تكرر ذلك الشئ تكرر ذلك الحكم بإجماع القائسين فثبت أنه لا يلزم من عدم تكرر الحكم عند تكرر المعلق عليه عند ما يكون التعليق صادرا من العبد أن لا يتكرر عند ما يكون التعليق صادرا من الله تعالى
(2/111)

فإن قلت هذا التكرار لا يكون مستفادا من اللفظ بل يكون مستفادا من الامر بالقياس قلت هذا هو الحق وعند هذا يظهر أنه لا مخالفة بين هذا المذهب وبين ظاهر المذهب المنقول عن الأصوليين من أنه لا يفيد التكرار وهو حق ونحن نعني به إنه يفيد ظن العلية فإذا انضم الأمر بالقياس حصل من مجموعهما إفادة التكرار ولا منافاة بين هذا المذهب وبين ما قالوه قوله الاستقباح إنما جاز لأن كونه فاسقا ينافي جواز التعظيم
قلنا لا نسلم حصول المنافاة لأن الفاسق قد يستحق الإكرام بجهات أخر والأصل تخريج الحكم على وفق الأصل قوله لم قلت إنه لما حصل ظن العلية في الصورة التي ذكرتموها حصل ظن العلية في سائر الصور قلنا لوجهين أحدهما أنا نقيس عليه سائر الصور والجامع هو أن الحكم إذا كان مذكورا مع علته كان أقرب إلى القبول وذلك مصلحة المكلف فيناسب الشرعية الثاني أنا نعد صورا كثيرة ونبين حصول ذلك الظن فيها ثم نقول لا بد بينها من قدر مشترك وذلك المشترك إما ما ذكرناه من ترتيب الحكم على الوصف أو غيره
(2/112)

والثاني مرجوح لأن الأصل عدد سائر الصفات فتعين الأول فعلمنا أن ترتيب الحكم على الوصف أينما كان فإنه يفيد ظن العلية قوله لم قلت إنه يلزم من تكرر العلة تكرر الحكم قلنا هذا متفق عليه بين القائسين فلا يكون المنع فيه مقبولا والله أعلم المسألة السادسة في أن مطلق الأمر لا يفيد الفور قالت الحنفية إنه يفيد الفور وقال قائلون إنه يفيد التراخي
وقالت الواقفية إنه مشترك بين الفور والتراخي والحق أنه موضوع لطلب الفعل وهو القدر المشترك بين طلب الفعل على الفور وبين طلبه على التراخي من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فورا أو تراخيا لنا وجوه أحدها أن الأمر قد يرد عندما يكون المراد منه الفور تارة والتراخي اخرى فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين دفعا للاشتراك والمجاز والموضوع لإفادة القدر بين القسمين لا يكون له إشعار
(2/113)

بخصوصية كل واحد من القسمين لأن تلك الخصوصية مغايرة لمسمى اللفظ وغير لازمة له فثبت أن اللفظ لا إشعار له لا بخصوص كونه فورا ولا بخصوص كونه تراخيا وثانيها أنه يحسن من السيد أن يقول إفعل الفعل الفلاني في الحال أو غدا ولو كان كونه فورا داخلا في لفظ إفعل لكان الأول تكرارا والثاني نقضا وأنه غير جائز وثالثها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين قولنا يفعل وبين قولنا إفعل إلا أن الآول خبر والثاني أمر لكن قولنا يفعل لا إشعار له بشئ من الأوقات فإنه يكفي في صدق قولنا يفعل إتيانه به في أي وقت كان من أوقات المستقبل فكذا قوله إفعل وجب أن يكفي في الإتيان بمقتضاه الإتيان به في أي وقت كان من اوقات المستقبل وإلا فحينئذ يحصل بينهما فرق في أمر آخر سوى كونه خبرا أو أمرا
(2/114)

ورابعها أن أهل اللغة قالوا في لفظ إفعل إنه أمر والأمر قدر مشترك بين الأمر بالشئ على الفور وبين الأمر به على التراخي لأن الأمر به على الفور أمر مع قيد كونه على الفور وكذلك الأمر به على التراخي أمر مع قيد كونه على التراخي ومتى حصل المركب فقد حصل المفرد فعلمنا أن مسمى الأمر قدر مشترك بين الأمر مع كونه فورا وبين الأمر مع كونه متراخيا وإذا ثبت أن لفظ إفعل للأمر وثبت أن الأمر قدر مشترك بين هذين القسمين ثبت أن لفظ أفعل لا يدل إلا على قدر مشترك بين هذين القسمين واحتج المخالف بأمور أحدها قوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك عابه على أنه لم يأت في الحال بالمأمور به وهذا يدل على أنه أوجب عليه الإتيان بالفعل حين أمره به إذ لو لم يجب ذلك لكان لإبليس أن يقول إنك أمرتني وما أوجبت علي في الحال فكيف أستحق الذم بتركه في الحال
(2/115)

وثانيها قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وقوله فاستبقوا الخيرات وثالثها لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل أولا إلى بدل والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل أما فساد القسم الأول فهو أن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه
التكليف وبالاتفاق ليس كذلك فإن قلت لم لا يجوز أن يقال البدل قائم مقام المبدل منه في ذلك الوقت لا في كل الأوقات فلا جرم لم يلزم من الإتيان بابدل يكون سقوط الأمر بالمبدل قلت إذا كان مقتضى الأمر الإتيان بتلك الماهية مرة واحدة في أي وقت كان وهذا البدل قائم مقامه في هذا المعنى فقد تأدى ما هو المقصود من الأمر بتمامه فوجب سقوط الأمر بالكلية بل ذلك العذر يتمشى بتقدير أن يقتضي الأمر التكرار ولكنه باطل وأما فساد القسم الثاني وهو القول بجواز التأخير لا إلى بدل فذلك يمنع من كونه واجبا لأنه لا يفهم من قولنا إنه ليس بواجب إلا
(2/116)

أنه يجوز تركه من غير بدل ورابعها لو جاز التأخير لجاز إما إلى غاية معينة بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له أن يؤخر الفعل عنها أو يجوز له التأخير أبدا والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل إنما قلنا إنه لا يجوز له التأخير إلى غاية لأن تلك الغاية إما أن تكون معلومة للمكلف أو لا تكون فان كانت معلومة له فتلك الغاية ليست إلا أن تصير بحيث يغلب على ظنه أنه لو لم يشتغل بأدائه فاته ذلك الفعل بدليل أن كل من قال بجواز التأخير إلى غاية معلومة قال إن تلك الغاية هي هذا الوقت فالقول بإثبات غاية أخرى خرق للإجماع وإنه غير جائز لكن القول بجواز التأخير إلى هذه الغاية باطل لأن الظن إن لم يكن
لأمارة جرى مجرى ظن السوداوي فلا عبرة به
(2/117)

وإن كان لأمارة فكل من قال بهذا القسم قال إن تلك الأمارة إما المرض الشديد أو علو السن وهذا أيضا باطل لأن كثيرا من الناس يموت فجأة وذلك يقتضي أنه ما كان يجب عليهم ذلك الفعل في علم الله تعالى مع أن ظاهر ذلك الأمر للوجوب وإنما قلنا إن تلك الغاية لا يجوز أن تكون مجهولة لأنه على هذا التقدير يصير مكلفا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معين مع أنه لا يعرف ذلك الوقت وهو تكليف ما لا يطاق وإنما قلنا إنه لا يجوز التأخير أبدا لأن التأخير أبدا تجويز للترك أبدا وإنه ينافي القول بوجوبه وخامسها أن السيد إذا أمر عبده بأن يسقيه الماء فهم منه التعجيل واستحسن العقلاء ذم العبد على التأخير والإسناد إلى مع القرينة خلاف الأصل فالأمر يفيد الفور وسادسها أجمعنا على أنه يجب اعتقاد وجوب الفعل على الفور فنقول الفعل أحد موجبي الأمر فيجب على الفور قياسا على الاعتقاد والجامع تحصيل المصلحة الحاصلة بسبب المسارعة إلى الامتثال
(2/118)

وسابعها أن الأمر يقتضي إيقاع الفعل فأشبه العقود في البياعات فلما وقع العقد عقيب الإيجاب والقبول فالأمر وجب أن يكون مثله
وتحريره أنه استدعاء فعل بقول مطلق فيقتضي التعجيل كالإيجاب في البيع وثامنها أن الأمر ضد النهي فلما أفاد النهي وجوب الانتهاء على الفور وجب في الأمر أن يفيد الوجوب على الفور وربما أوردوا هذا على طريق آخر فقالوا ثبت أن الأمر بالشئ نهي عن تركه لكن النهي عن تركه يوجب الانتهاء عن تركه في الحال والانتهاء عن تركه في الحال لا يمكن إلا بالإقدام على الفعل في الحال فثبت أن الأمر يوجب الفعل في الحال وتاسعها أجمعنا على أنه لو فعل عقيبه يقع الموقع ويخرج عن العهدة وطريقة الاحتياط تقتضي وجوب الإتيان به على الفور لتحصيل
(2/119)

الخروج عن العهدة بيقين والجواب عن الأول أنه حكاية حال فلعل ذلك الأمر كان مقرونا بما يدل على الفور وعن الثاني أن قوله وسارعو سعيد إلى مغفرة من ربكم مجاز من حيث ذكر المغفرة وأراد ما يقتضيها وليس في الآية أن المقتضي لطلب المغفرة هو الإتيان بالفعل على سبيل الفور على أن هذه الآية لو دلت على وجوب الفور لم يلزم منه دلالة نفس الأمر على الفور وعن الثالث والرابع أنه يشكل بما إذا صرح وقال أوجبت عليك أن تفعل هذا الفعل في أي وقت شئت فكل ما جعلوه عذرا في هذه الصورة فهو عذرنا عما ذكروه
وكذلك يشكل بالكفارات والنذور وكل الواجبات الموسعة وعن الخامس أنه معارض بما إذا أمر السيد غلامه بشئ ولم يعلم الغلام حاجة السيد إليه في الحال فإنه لا يفهم التعجيل فإن حملتم ذلك على القرينة ألزمناكم بكر مثله فإن قلت إن السيد يعلل ذمه لعبده بأنني أمرته بشئ فأخره
(2/120)

ولولا أن الأمر للفور وإلا لما صح هذا التعليل قلت وقد يعتذر العبد فيقول أمرتني بأن أفعل وما أمرتني بالتعجيل وما علمت بأن في التأخير مضرة وعن السادس أنه يبطل بما لو قال إفعل في أي وقت شئت وبالنذور والكفارات ويبطل أيضا بالخبر فإنه لو قال الشارع يقتل زيد عمرا فها هنا يجب الاعتقاد في الفور ولا يجب حصول الفعل في الفور ولأن الاعتقاد غير مستفاد من الأمر فلا يجب حصول الفعل في الفور لأن من ركب الله العقل فيه فإذا نظر علم أن امتثال أمر الله تعالى واجب وعن السابع أنه يبطل بقوله إفعل في أي وقت شئت ولأن الجامع الذي ذكروه وصف طردي وهو غير معتبر وعن الثامن أن النهي يفيد التكرار فلا جرم يوجب الفور والأمر لا يفيد التكرار فلا يلزم أن يفيد الفور وعن التاسع وهو طريقة الاحتياط انه ينتقض بقوله إفعل في أي وقت شئت
واعلم أن هذا النقض يرد على أكثر أدلتهم وهو لازم لا محيص عنه
(2/121)

المسألة السابعة في أن الأمر المعلق أو الخبر المعلق على شئ بكلمة إن عدم عند عدم ذلك الشئ والخلاف فيه مع القاضي بكر وأكثر المعتزلة لنا وجهان الأول هو أن النحويين سموا كلمة إن حرف شرط والشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه فيلزم أن يكون المعلق بهذا الحرف منتفيا عند انتفاء المعلق عليه أما أن النحويين سموا هذا الحرف بحرف الشرط فذلك ظاهر في كتبهم وأما أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه فلأنهم يقولون الوضوء شرط صحة الصلاة والحول شرط وجوب الزكاة وعنوا بكونهما شرطين انتفاء الحكم عند انتفائهما والاستعمال دليل الحقيقة ظاهرا فإن قيل لا نزاع في أن النحويين سموا هذا الحرف بحرف الشرط ولكن
(2/122)

لعل ذلك من اصطلاحاتهم الحادثة كتسميتهم الحركات المخصوصة بالرفع والنصب والجر وإن لم تكن تسمية هذه الحركات بهذه الأسماء موجودة في أصل اللغة سلمنا أن هذا الاسم أصلي لكن لا نسلم أن الشرط ما ينتفي الحكم
عند انتفائه بل شرط الشئ ما يكون علامة على ثبوته الحكم من قولهم أشراط الساعة أي علاماتها وإذا كان الشرط عبارة عن العلامة لزم من ثبوتها ثبوت الحكم لكن لا يلزم من عدمها عدم الحكم سلمنا أن شرط الشئ ما يقف وفي عليه الحكم لكن مطلقا أو بشرط أن لا يوجد ما يقوم مقامه الأول ممنوع والثاني مسلم وعلى هذا التقدير لا يلزم من عدم هذا الشرط عدم الحكم إلا إذا عرف أنه لم يوجد شئ ما يقوم مقام هذا الشرط
(2/123)

والجواب لما دلت الكتب النحوية على تسمية هذا الحرف بحرف الشرط وجب اعتقاد أن هذا الاسم كان حاصلا في أصل اللغة وإلا لكان حصول هذا الاسم له النقل وقد بينا النقل خلاف الأصل قوله شرط الشئ ما يدل على ثبوته قلنا لو كان كذلك لامتنعت تسمية الوضوء بأنه شرط صحة الصلاة فإن الوضوء لا يدل على صحة الصلاة وكذا القول في قولنا الحول شرط وجوب الزكاة والإحصان شرط وجوب الرجم وأما أشراط الساعة فهي وإن كانت علامات دالة على وجوب الساعة لكن يمتنع وجود الساعة إلا عند وجودها فهي مسماة بالأشراط لا بحسب الاعتبار الأول بل بحسب الاعتبار الثاني قوله شرط الشئ ما ينتفي الحكم عند انتفائه مطلقا أو إذا لم يوجد ما يقوم مقامه
قلنا مطلقا لأنه إذا ثبت كون شئ شرطا وثبت أن لفظ الشرط
(2/124)

معناه في اللغة ما ينتفي الحكم عند انتفائه وثبت أن ذلك الشئ يجب انتفاء الحكم عند انتفائه فلو أثبتنا شيئا آخر يقوم مقامه لم يكن ذلك الشئ بعينه شرطا بل يكون الشرط إما هو أو ذلك الآخر لا على التعيين وذلك ينافي قيام الدلالة على كونه بعينه شرطا الحجة الثانية ما روي أن يعلى بن أمية سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ص فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته
(2/125)

ولو لم يفهم أن المعلق على الشئ بكلمة إن عدم عند عدم ذلك الشئ لم يكن لذلك التعجب معنى فإن قيل لم لا يجوز أن يقال إنما تعجبا من ذلك لأنهما عقلا من الآيات الواردة في وجوب الصلاة وجوب الإتمام وأن حال الخوف مستثناة من ذلك وما عداها ثابت على الآصل في وجوب الإتمام فلذلك تعجبا من ثبوت القصر مع الأمن ثم نقول هذا الحديث حجة عليكم لأنه لو امتنع المشروط عند عدم الشرط لما جاز القصر عند عدم الخوف وقد جاز فعلمنا أنه لا يجب عدم المشروط عند عدم الشرط والجواب عن السؤال الأول أن الآيات الدالة على وجوب الصلاة
لا تنطق بالإتمام ولا بأن الأصل في الصلاة الإتمام بل المروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كانت صلاة السفر والحضر ركعتين
(2/126)

فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وعن الثاني أن طاهر الشرع يمنع من ذلك ولذلك ظهر التعجب لكن لا يمتنع أن يدل دليل على خلاف الظاهر والله أعلم احتج المخالف بالآية والحكم أما الآية فهو أن المعلق إن على شئ لو كان عدما عند عدم ذلك الشئ لكان قوله عز وجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا دليلا على أنه ما حرم الإكراه على البغاء إن لم يردن التحصن وقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وقوله واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وقوله أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وقوله فإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ففي جبمع هذه الآيات الحكم غير منتف عند انتفاء الشرط
(2/127)

وأما الحكم فهو ما إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فهذا لا ينفي الطلاق قبل ذلك الشرط حتى لو نجز أو علق بشرط آخر لم يكن مناقضا للأول ولو لزم عدم المشروط عند عدم الشرط لزم التناقض ها هنا والجواب عن الأول أن الظاهر يقتضي أن لا يحرم الإكراه على البغاء إذا لم يردن التحصن ولكن لا يلزم من عدم الحرمة القول بالجواز لأن زوال الحرمة قد يكون لطريان المحل وقد يكون لامتناع وجوده عقلا
وها هنا كذلك لأنهن إذا لم يردن التحصن فقد أردن البغاء وإذا أردن البغاء امتنع إكراههن على البغاء وعن الثانية أنه إذا علق الطلاق على الدخول ثم نجز فإن كان المنجز واحدة أو اثنتين بقي التعليق فالمنجز غير المعلق حتى لو تزوجت بزوج آخر وعادت إليه وتزوجها وقع الطلاق المعلق وإن كان المنجز ثلاثا فعندنا المنجز غير المعلق حتى بقي المعلق موقوفا على دخول الدار فإذا تزوجت بزوج آخر وعادت إليه ودخلت الدار وقع الطلاق المعلق والله أعلم
(2/128)

المسألة الثامنة في الأمر المقيد بعدد فلنبحث أن الحكم المعلق بعدد هل يدل على حكم ما زاد عليه وما نقص عنه أم لا أما في جانب الزيادة فمتى كان العدد الناقص علة لعدم أو أمتنع ثبوت ذلك الأمر في العدد الزائد فعله عدم ذلك الأمر حاصلة عند عدم حصول العدد الزائد مثاله لو حظر الله تعالى علينا جلد الزاني مائة كان الزائد على المائة محظورا لأن المائة موجودة في الزائد على المائة ولو قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا فجعل القلتين علة
(2/129)

لاندفاع حكم النجاسة فالزائد عليهما أولى أن يكون كذلك أما إذا كان العدد الناقص موصوفا بحكم لم يجب أن يكون الزائد عليه
موصوفا بذلك لأنه لا يلزم من كون عدد واجبا أو مباحا أن يكون الزائد عليه واجبا أو مباحا وأما في جانب النقصان فالحكم إما أن يكون إباحة أو إيجابا أو حظرا فإن كان إباحة لم يخل ما دون ذلك العدد إما أن يكون داخلا تحت ذلك العدد على كل حال أو لا يدخل تحته على كل حال أو يدخل تحته تارة ولا يدخل أخرى مثال الأول أن يبيح الله تعالى لنا جلد الزاني مائة فإنه يدل على إباحة جلد خمسين لأن الخمسين داخلة في المائة ومثال الثاني أن يبيح الله عز وجل لنا أن نحكم بشهادة شاهدين فإنه لا يدل على إباحة الحكم بشهادة الواحد لإن الحكم بشهادة
(2/130)

الشاهد الواحد غير داخل تحت الحكم بشهادة شاهدين ومثال الثالث أن يبيح لنا استعمال القلتين من الماء إذا وقعت فيهما نجاسة فإنه قد أباح لنا استعمال القلة من هاتين القلتين ولا يدل على إباحة استعمال قلة واحدة فلا إذا وقعت فيها نجاسة لأن القلة الواحدة إذا وقعت فيه نجاسة غير داخلة تحت قلتين وقعت فيهما نجاسة أما إذا حظر الله تعالى علينا عددا مخصوصا فإنه يختلف أيضا فربما دل على حظر ما دونه من طريق الأولى لأنه إذا حظر استعمال القلتين إذا وقعت فيهما نجاسة فحظر القلة الواحدة أولى أما لو حظر الله تعالى علينا جلد الزاني مائة لم يدل أن ما دونه محظور
وأما إذا أوجب الله تعالى جلد الزاني مائة فإنه يدل على وجوب جلد خمسين لأنه لا يمكن فعل الكل إلا بفعل الجزء ولكنه ينفي قصر الوجوب على الجزء فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا لدليل منفصل
(2/131)

واحتج المخالف بالسنة والإجماع أما السنة فهي أن الله تعالى لما قال إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال عليه الصلاة والسلام والله لأزيدن على السبعين
(2/132)

فعقل أن الحكم منفي عن الزيادة وأما الإجماع فهو أن الأمة عقلت من تحديد جلد القاذف بالثمانين نفي الزيادة والجواب عن الأول إن تعليق الحكم على السبعين كما لا ينفيه عن الزائد فكذا لا يوجبه فلعله ص جوز حصول المغفرة لو زاد على السبعين فلذلك قال ما قال
(2/133)

وعن الثاني أن ذلك النفي إنما عقل بالبقاء على حكم الأصل والله أعلم المسألة التاسعة في الأمر المقيد بالاسم الجمهور منا ومن المعتزلة قالوا إن الأمر والخبر المقيد بالاسم لا
يدل على نفي حكم ما عداه كقول القائل زيد في الدار لا يدل على أن عمرا ليس فيها وإذا أمر بشئ لا يدل على أن غيره ليس بواجب وقال أبو بكر الدقاق منا إنه يدل على ذلك لنا وجوه الأول اتفاق الكل على أنه يجوز أن يقال زيد أكل أو شرب مع
(2/134)

العلم بأن غيره فعل ذلك أيضا الثاني أن تخصيص البعض بالذكر لو دل على نفي الحكم عن غير المذكور لبطل القياس لأن التنصيص على حكم الأصل ان وجد معه التنصيص على حكم الفرع كان حكم الفرع ثابتا بالنص لا بالقياس وإن لم يوجد معه كان النص دالا على عدم الحكم في الفرع وحينئذ لا يجوز إثباته بالقياس لأن النص مقدم على القياس الثالث لو دل قولنا زيد أكل على أن غيره لم يأكل لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه والأول باطل لأنه ليس في اللفظ ذكر غير زيد فكيف يدل على حكم غير زيد والثاني باطل لإن الإنسان قد يعلم أن زيدا وعمرا يشتركان في فعل ويكون له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر فثبت أنه لا يدل عليه لا بلفظه ولا بمعناه وأصبح المخالف بأنه لا بد في التخصيص من فائدة ولا فائدة إلا نفي الحكم عما عداه
(2/135)

والجواب المقدمة الثانية ممنوعة فلعل غرضه كان متعلقا بالأخبار عنه دون غيره فلهذا خصه بالذكر والله أعلم المسألة العاشرة في الأمر المقيد بالصفة وهو كقوله زكوا عن الغنم السائمة واختلفوا في أنه هل يدل ذلك على أنه لا زكاة في غير السائمة الحق أنه لا يدل وهو قول أبي حنيفة رحمه الله واختيار ابن سريج والقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وقول جمهور المعتزلة
(2/136)

وذهب الشافعي والأشعري رضي الله عنهما ومعظم الفقهاء منا إلى أنه يدل لنا وجوه الأول إن الخطاب المقيد بالصفة لو دل على أن ما عداه يخالفه لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه لكنه لم يدل عليه من الوجهين فوجب أن لا يدل عليه أصلا إنما قلنا إنه لا يدل عليه بلفظه لأن اللفظ الدال على ثبوت الحكم في أحد القسمين إن لم يكن مع ذلك موضوعا لنفي الحكم في القسم الثاني لم يكن له عليه دلالة لفظية وإن كان موضوعا له فحينئذ يكون ذلك اللفظ موضوعا لمجموع إثبات الحكم في أحد القسمين ونفيه عن القسم الآخر ولا نزاع في دلالة مثل هذا اللفظ على هذا النفي
بيان أنه لا يدل عليه بمعناه أن الدلالة المعنوية هي أن يستلزم المسمى شيئا فينتقل الذهب من المسمى إلى لازمه وها هنا ثبوت الحكم في أحد القسمين لا يستلزم عدمه عن القسم الثاني لأن الصورتين المشتركتين في الحكم كقوله في سائمة الغنم زكاة
(2/137)

في معلوفة الغنم زكاة يجوز تخصيص إحداهما بالبيان دون الثانية إما لأن بيان الصورة الأخرى غير واجب أو إن كان واجبا لكنه يبينه بطريق آخر أما إذا لم يكن واجبا فذلك إما لأنه خطر ببال المتكلم أحد القسمين دون الثاني وهذا إنما يعقل في حق غير الله تعالى أو أن خطر القسمان بالبال لكن السامع يحتاج إلى بيان أحد القسمين دون الثاني كمن يملك السائمة ولا يملك المعلوفة فإنه بعد حولان الحول يحتاج إلى معرفة حكم السائمة دون حكم المعلوفة فلا جرم يحسن من الشارع أن يخص السائمة بالذكر دون المعلوفة وأما إذا وجب حكم القسمين معا فها هنا قد يكون ذكر حكم أحد القسمين دليلا على ثبوت ذلك الحكم في القسم الآخر فإنه تعالى لما منع من قتل الأولاد خشية الإملاق كان ذلك دليلا على المنع من قتلهم عند الغنى بطريق الأولى وقد لا يكون كذلك لكنه تبين حكم القسم الآخر بطريق آخر
(2/138)

إما بنص خاص والفائدة فيه أن إثبات الحكم باللفظ العام أضعف من إثباته بالدليل الخاص لاحتمال تطرق التخصيص إلى العام دون الخاص
أو بقياس كما نص على حكم الأجناس الستة في الربا وعرفنا حكم غيرها بالقياس والمقصود أن ينال المكلف رتبة المجتهدين أو بالبقاء على حكم الأصل مثل أن يقول الشارع لا زكاة في الغنم السائمة ثم نحن ننفي الزكاة عن المعلوفة لأجل أن الأصل عدم الزكاة وإنما خص القسم الأول بالذكر لأن الاشتباه فيه أكثر فإن السائمة لما كانت أخف مئونة من المعلوفة كان احتمال وجوب الزكاة في السائمة أظهر من احتمال وجوبها في المعلوفة فثبت أن تعليق الحكم على الصفة لا يدل على نفي ذلك الحكم عن غيرها لا بلفظه ولا بمعناه فوجب أن لا يدل أصلا فإن قيل المعتبر في الدلالة المعنوية القاطعة حصول الاستلزام قطعا وفي الدلالة المعنوية الظنية الظاهرة حصول الاستلزام ظاهرا ودعوى الاستلزام ظاهرا لا يقدح فيها عدم اللزوم في بعض الصور ألا ترى أن الغيم الرطب يدل على المطر منه ظاهرا ثم ذلك الظهور لا يبطل بعدم المطر في بعض الأوقات
(2/139)

إذا عرفت هذا فنحن لا ندعي إن تعليق الحكم على الصفة يدل على نفي الحكم عما عداه قطعا إنما ادعينا أنه يدل عليه ظاهرا وما ذكرتموه من تخلف هذه الدلالة في بعض الصور إنما يقدح في ذلك الظهور لو بينتم أن الاحتمالات التي ذكرتموها ها هنا مساوية في الظهور للاحتمال الذي ذكرناه وأنتم ما بينتم ذلك فيكون دليلكم خارجا عن محل النزاع
والجواب تعليق الحكم على الوصف لا يدل على انتفائه عن غيره البتة أما قطعا فلما سلمتم وأما ظاهرا فلأنه لو دل عليه ظاهرا لكان صرفه إلى سائر الوجوه مخالفة للظاهر والأصل عدم ذلك وهذا القدر كاف في حصول ظن تساوي هذه الاحتمالات الدليل الثاني أن الأمر المقيد بالصفة تارة يرد مع انتفاء الحكم عن غير المذكور وهو متفق عليه وتارة مع ثبوته فيه كقوله تعالى ولا تقلوا أولادكم خشية إملاق ثم لا يجوز قتلهم لغير الإملاق وقال تعالى في قتل الصيد ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ثم إن قتله خطأ يلزمه الجزاء أيضا وإذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الأصل
(2/140)

فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو ثبوت الحكم في المذكور مع قطع النظر عن ثبوته في غير المذكور ونفيه عنه الدليل الثالث هو أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت الحكم في الصورة الآخرى والإخبار عن ثبوت ذلك الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الإخبار عنه في الصورة الآخرى فإذن الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يدل على حال الصورة الأخرى ثبوتا وعدما إنما قلنا أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الحكم في الصورة الآخرى ثبوتا وعدما لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الصورتين المختلفتين في بعض الأحكام فإنهما لما كانتا مختلفتين فقد
اشتركتا في الاختلاف فلا يمتنع أيضا اختلافهما في بعض الأحكام وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة لم يلزم من مجرد ثبوته فيها ثبوته في الصورة الأخرى ولا عدمه عنها
(2/141)

فدل على أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت ذلك الحكم في الصورة الأخرى ولا عدمه عنها وإنما قلنا إن الإخبار عن حكم أحدى الصورتين لا يلزمها الإخبار عن حكم الصورة الأخرى لأن إحدى الصورتين مخالفة للأخرى من بعض الوجوه والمختلفان لا يجب اشتراكهما في الحكم والعلم بذلك ضروري فلا يلزم من كون إحداهما متعلق غرض هذا الإنسان بأن يخبر عنها كون الصورة الأخرى كذلك فثبت أن الإخبار عن إحدى الصورتين لا يلزمه الإخبار عن الصورة الأخرى وإذا ثبتت هاتان المقدمتان ثبت إن الإخبار عن ثبوت الحكم في هذه الصورة لا يدل على حالة الصورة الأخرى وجودا ولا عدما وذلك هو المطلوب الدليل الرابع لو دل تخصيص الحكم بالصفة على نفيه عما عداه لدل تخصيصه بالاسم على نفيه عما عداه لكن التخصيص بالاسم لا يدل على
(2/142)

نفيه عما عداه فالتخصيص بالصفة وجب أن لا يدل على نفيه عما عداه
بيان الملازمة أن التخصيص بالصفة لو دل على نفي الحكم عما عداه لكان إنما يدل عليه لأن التخصيص لابد فيه من غرض ونفي الحكم عما عداه يصلح أن يكون غرضا والعلم بأنه لا بد من غرض مع العلم بأن هذا المعنى يصلح أن يكون غرضا يفيد ظن أن هذا هو الغرض والعمل بالظن واجب وكل هذا المعنى موجود في التخصيص بالاسم فوجب أن يكون التخصيص بالاسم يفيد نفي الحكم عما عداه لأن الصورتين لما اشتركتا في العلة وجب اشتراكهما في الحكم ولما ثبت أن التخصيص بالاسم لا يفيد نفي الحكم عما عداه وجب في التخصيص بالصفة أن لا يدل على ذلك أيضا والله أعلم احتج المخالف بأمور الأول إن تعليق الحكم بالصفة يفيد في العرف نفيه عما عداه فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك إنما قلنا إنه يفيد ذلك في العرف لأن القائل إذا قال الإنسان
(2/143)

الطويل لا يطير واليهودي الميت لا يبصر يضحك منه ويقال إذا كان القصير لا يطير والميت الملم لا يبصر فأي فائدة للتقييد بالطويل واليهودي وأذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في أصل اللغة كذلك وإلا لزم النقل وهو خلاف الأصل الثاني أن تخصيص الشئ بالذكر لا بد فيه من مخصص وإلا فقد ترجح أحد الجائزين على الآخر لا لمرجح ونفي الحكم عن غيره يصلح أن يكون مقصودا فوجب حمله عليه تكثيرا لفوائد كلام الشرع
أو لأنه مناسب والمناسبة مع الاقتران دليل العلية فيغلب على الظن إن علة التخصيص هذا القدر الثالث إنا قد دللنا على أن الحكم المعلق على الصفة يشعر بكون ذلك الحكم معللا بتلك الصفة وتعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب القياس فيلزم من انتفاء هذا الوصف انتفاء الحكم والجواب عن الأول أن أهل العرف يضحكون من قول القائل زيد الطويل لا يطير وبالاتفاق إن التخصيص ها هنا لا يفيد نفي الحكم عما عداه
(2/144)

وللمستدل أن يقول لا نسلم أن التخصيص ها هنا لا يفيد نفي الحكم عما عداه لأن قوله زيد الطويل لا يطير تعليق للحكم بالصفة وأنه نفس محل الخلاف بل لو قال زيد لا يطير فهذا تعليق للحكم بالاسم وها هنا لا يقولون إن تعليقه على الاسم عبث بل يقولون إنه بيان للواضحات وفرق بين أن يقولوا إن هذا الكلام بيان للواضحات وبين أن يقولوا لا فائدة في ذكر هذه الصفة البتة وعلى هذا التقدير اندفع النقض وعن الثاني أنا لا نسلم أن التخصيص الصادر من القادر لا بد فيه من مخصص لأن الهارب من السبع إذا عن له طريقان فإنه يختار سلوك أحدهما دون الثاني لا لمرجح وأيضا فقد بينا أنه لا حسن ولا قبح عقلا فتخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين تخصيص لأحد طرفي الجائز بذلك الحكم من غير
مرجح وأيضا فتخصيص الله تعالى إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله أو ما بعده تخصيص من غير مخصص
(2/145)

وفي هذا المقام أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا العقلية سلمنا أنه لا بد من فائدة ولكن سائر الوجوه التي عددناها في دليلنا الأول فوائد وأيضا فجملة الدليل منقوضة بالتخصيص بالاسم وعن الثالث لا نسلم أن تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل وسيأتي تقريره في كتاب القياس إن شاء الله تعالى فرعان الأول القائلون بأن التخصيص بالصفة يدل على نفي الحكم عما عداه أقروا بأنه لا دلالة له في قوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ولا في قوله عليه الصلاة والصلام أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها لأن الباعث على التخصيص هو العادة فإن الخلع
(2/146)

يجري غالبا إلا عند الشقاق والمرأة لا تنكح نفسها إلا عند إباء الولي فإذن لاحتمال أن يكون سبب التخصيص هو هذه العادة لم يغلب على الظن أن سببه نفي الحكم عما عداه الثاني تعليق الحكم على صفة في جنس كقوله عليه الصلاة
(2/147)

والسلام في سائمة الغنم زكاة يقتضي نفيه عما عداه في ذلك الجنس ولا يقتضي نفيه في سائر الأجناس وقال بعض الفقهاء من أصحابنا إنه يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة في جميع الأجناس لنا إن دليل الخطاب نقيض النطق فلما تناول النطق سائمة الغنم فدليله يقتضي معلوفة الغنم دون غيرها احتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة في وجوب الزكاة ويلزم من عدم العلة عدم الحكم لأن الأصل اتحاد العلة
(2/148)

والجواب أن المذكور سوم الغنم لا مطلق السوم فاندفع ما قالوه والله أعلم المسألة الحادية عشرة في أن الآمر هل يدخل تحت الأمر ذكر أبو الحسين البصري فيه تفصيلا لطيفا فقال هذا الباب يتضمن مسائل أولها أنه هل يمكن أن يقول الإنسان لنفسه إفعل مع انه يريد ذلك الفعل ومعلوم أنه لا شبهة في إمكانه وثانيها أن ذلك هل يسمى أمرا والحق أنه لا يسمى به لأن الاستعلاء معتبر في الأمر وذلك لا يتحقق إلا بين شخصين ومن لا يعتبر الاستعلاء فله أن يقول أن الأمر طلب الفعل بالقول من الغير فإذا لم توجد المغايرة لا يثبت اسم الأمر وثالثها أن ذلك هل يحسن أم لا
والحق أنه لا يحسن لأن الفائدة من الأمر إعلام الغير كونه طالبا لذلك الفعل ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه ما في قلبه
(2/149)

ورابعها إذا خاطب الإنسان غيره بالأمر هل يكون داخلا فيه والحق أنه إما أن ينقل أمر غيره بكلام نفسه أو بكلام ذلك الغير أما الأول فإن كان يتناوله دخل فيه وإلا لم يدخل فيه مثال الأول أن نقول إن فلانا يأمرنا بكذا ومثال الثاني أن نقول إن فلانا يأمركم بكذا وأما الثاني فكقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فهذا يدخل الكل فيه لأن ذلك خطاب مع جملة المكلفين فيتناولهم بأسرهم إلا من خصه الدليل والله أعلم المسألة الثانية عشرة في الأمر الوارد عقيب الأمر بحرف العطف وبغير حرف العطف القائل إذا قال لغيره إفعل ثم قال له إفعل لم يخل الأمر الثاني إما أن يتناول مخالف ما يتناوله الأمر الأول أو مماثله فإن تناول ما يخالفه اقتضى شيئا آخر لا محالة وهو ضربان أحدهما يصح اجتماعه مع الأول والآخر لا يصح فالذي يصح اجتماعه مع الآول يجب على المأمور فعلهما إما مجتمعين أو مفرقين إلا أن تدل دلالة منفصلة على وجوب الجمع أو
(2/150)

وجوب التفريق مثاله قول القائل لغيره صل صم وأما ما لا يصح أن يجتمع مع الأول فتارة لا يصح عقلا كالصلاة
الواحدة في مكانين وتارة لا يصح سمعا كالصلاة والصدقة وكلا القسمين لا يصح الأمر بفعلهما إلا مفترقين أما إذا تناول الأمر الثاني مثل ما تناوله الأمر الأول فلا يخلو إما أن يكون ذلك المأمور به يصح التزايد فيه أو لا يصح فإن صح فإما أن يكون الأمر الثاني غير معطوف على الأول أو يكون معطوفا عليه فإن لم يكن معطوفا عليه فعند القاضي عبد الجبار ابن احمد أنه يفيد غير ما يفيده الأول إلا أن تمنع العادة من ذلك أو يرد الأمر الثاني معرفا وهذا هو المختار وقال أبو الحسين البصري الأشبه الوقف مثال ما تمنع منه العادة قول القائل لغيره إسقني ماء اسقني ماء فالعادة تمنع من تكرار سقيه في حالة واحدة في الأكثر ومثال ما يمنع منه التعريف الحاصل بالأمر الثاني قول القائل
(2/151)

لغيره صل ركعتين فإنه إذا قال له صل الصلاة انصرف إلى تلك الركعتين لأن لام الجنس تنصرف إلى العهد المذكور ومثال ما يعرى عن كلا القسمين قول القائل لغيره صل غدا ركعتين صل غدا ركعتين والدليل على أنه يفيد غير ما يفيد الأول وجهان الأول أن الأمر يقتضي الوجوب والفعل الأول وجب بالأمر الأول فيستحيل وجوبه بالأمر الثاني لأن تحصيل الحاصل محال فلو انصرف الأمر الثاني إلى الفعل الأول لزم حصول ما يقتضي الوجوب من غير حصول
الأثر وذلك غير جائز فوجب صرفه إلى فعل آخر الثاني أنا لو صرفنا الأمر الثاني إلى عين ما هو متعلق الأمر الأول لكان الأمر الثاني تأكيدا ولو صرفناه إلى غيره لأفاد فائدة زائدة وإذا وقع التعارض بين أن يفيد الكلام فائدة أصلية وبين أن يفيد تأكيدا فلا شك حمله على ألأول أولى وأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول فإن لم يكن معرفا فإنه يفيد غير ما يفيده الأول لأن الشئ لا يعطف على نفسه مثاله أن يقول القائل لغيره صل ركعتين وصل ركعتين
(2/152)

فأما إن كان الثاني معطوفا على الأول ومعرفا كقول القائل لغيره صل ركعتين وصل الصلاة فعند أبي الحسين أن الأشبه هو الوقف فإنه يمكن أن يقال يجب حمله على تلك الصلاة لأجل لام التعريف ويمكن أن يقال بل يجب حمله على صلاة أخرى لأجل العطف وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب التوقف وعندي أن هذا الأخير أولى لأن لام الجنس قد تكون لتعريف الماهية كما قد تكون لتعريف المعهود السابق وبتقدير أن تكون للمعهود السابق فيمكن أن يكون المعهود السابق هو الصلاة التي تناولها الأمر الأول ويمكن أن تكون صلاة أخرى تقدم ذكرها وإذا كان كذلك بقي العطف سليما عن المعارض أما إذا كان الثاني أمرا بمثل ما تناوله الأمر وكان ذلك مما لا يصح فيه التزايد في المأمور به فلا يخلو إما أن يمتنع ذلك
(2/153)

عقلا كقتل زيد وصوم يوم أو يمتنع ذلك شرعا كعتق زيد فإنه قد كان يجوز أن يتزايد عتقه ويقف تمام حريته على عدد كالطلاق وإذا لم يصح التزايد في المأمور به لم يخل الأمران إما أن يكونا عامين أو خاصين أو يكون أحدهما عاما والآخر خاصا فإن كانا عامين أو خاصين وجب أن يكون مأمورهما واحدا وأن يكون الأمر التالي تأكيدا للأول سواء ورد مع حرف العطف أو بدونه مثال العامين بحرف عطف قول القائل لغيره أقتل كل إنسان واقتل كل إنسان ومثاله بلا حرف عطف أن يسقط من الأمر الثاني حرف العطف ومثاله الخاصين بحرف عطف وبغير حرف عطف قوله اقتل زيدا واقتل زيدا اقتل زيدا اقتل زيدا وأما إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا سواء تقدم العام أو الخاص فالأمر الثاني إما أن يكون معطوفا على الأول أو غير معطوف عليه فإن كان معطوفا عليه فمثاله قول القائل صم كل يوم وصم يوم الجمعة
(2/154)

فقال بعضهم إن يوم الجمعة لا يكون داخلا تحت الكلام الأول ليصح حكم العطف والأشبه الوقف لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف
وحمله على التأكيد وأما إذا كان الأمر الثاني غير معطوف فمثاله قول القائل صم كل يوم صم يوم الجمعة فها هنا عموم أحد الأمرين دليل على أن الآخر ورد تأكيدا لأنه لم يبق من ذلك الجنس شئ لم يدخل تحت العام والله أعلم
(2/155)

القسم الثاني في المسائل المعنوية والنظر فيها في أمور أربعة
(2/157)

النظر الأول في الوجوب والبحث إما عن أقسامه أو أحكامه أما أقسامه فاعلم أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين وإلى مخير وبحسب وقت المأمور به إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية المسألة الأولى قالت المعتزلة الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير وقالت الفقهاء الواجب واحد لا بعينه واعلم أنه لا خلاف في المعنى بين القولين لأن المعتزلة قالوا المراد
من قولنا الكل واجب على البدل هو إنه لا يجوز للمكلف الإخلال
(2/159)

بجميعها ولا يلزمه الجمع بينها ويكون فعل كل واحد منها موكولا إلى اختياره والفقهاء عنوا بقولهم الواجب واحد لا بعينه هذا المعنى بعينه فلا يتحقق الخلاف أصلا بل ها هنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة ويرويه المعتزلة عن أصحابنا واتفق الفريقان على فساده وهو أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا إلا أن الله تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه والدليل على فساد هذا القول أن التخيير معناه أن الشرع جوز له
(2/160)

ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر وكونه واجبا على التعيين عند الله تعالى معناه أنه تعالى منعه من تركه على التعيين والجمع بين جواز الترك وعدم جوازه متناقض فسح ما ادعيناه أنه يمتنع أن يكون كل واحد منها واجبا على التعيين فان قلت لا نسلم أن التخيير ينافي تعيينه عند الله تعالى بيانه أن الله تعالى وإن خير بين الكفارات لكنه علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب فلا يحصل الإخلال بالواحب أو نقول لم لا يجوز أن يقال إن لاختيار المكلف تأثيرا في كون ذلك الفعل المختار واجبا أو نقول لا يمتنع أن يكون ما عدا ذلك الفعل المعين مباحا
ويسقط به الفرض كما يقولون إن الإتيان بالفعل المحظور قد يسقط به الفرض كالصلاة في الدار المغصوبة قلت الجواب عن الأول أن الله تعالى لما خيرنا بين الأمرين فقد أباح لنا ترك كل واحد منهما بشرط الإتيان بالثاني ووجوبه على التعيين معناه
(2/161)

أنه تعالى لم يجوز لنا تركه البتة فلو خير الله تعالى بينه وبين غيره مع أنه جعله واجبا على التعيين لكان قد جمع بين جواز الترك وبين المنع منه أما قوله إن لاختيار المكلف تأثيرا قلت لا نزاع في تحقق الوجوب قبل الاختيار فمحل الوجوب إن كان واحدا معينا فهو باطل لأن التخيير ينافي التعيين وإن كان واحدا غير معين فهو محال لأن الواحد الذي يفيد كونه غير معين ممتنع الوجود وما يكون ممتنع الوجود يمتنع أن يقع التكليف بفعله وإن كان الواجب هو الكل بشرط التغيير فذاك هو المطلوب قوله لم لا يجوز أن يسقط الواجب بفعل مال ليس بواجب قلنا لأن الأمة أجمعت على أن الآتي بواحدة من الخصال الثلاث المشروعة في الكفارة لو كفر بغيرها من الثلاث لأجزأته ولكان فاعلا لما وقع التكليف به وذلك يبطل ما ذكروه واحتج المخالف بأن لفعل الواجب أثرا ولتركه أثرا وكلا الأثرين يدلان على أن الواجب واحد
(2/162)

أما طرف الفعل فقالوا هذا الفعل له صفات كونه بحيث يسقط الفرض به وكونه واجبا وكونه بحيث يستحق عليه ثواب الواجب وكونه
الواجب وكونه بحيث ينوى بفعله أداء الواجب وكل هذه الصفات تقتضي أن يكون الواجب واحدا معينا فأولها سقوط الفرض فقالوا لو لم يكن الواجب واحد معينا لكان المكلف إذا أتى بكلها دفعة واحدة فإما أن يكون سقوط الفرض معللا بكل واحد منها فيكون قد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال لأن ذلك الأثر مع أحد المؤثرين يصير واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بذاته يستحيل أن يكون واجب الوجود بغيره فهو مع هذا المؤثر يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر الثاني ومع المؤئر الثاني يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر الأول فإذا وجد المؤثران معا يلزم أن يستغنى بكل واحد منهما عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما معا وغينا عنهما معا وذلك محال وإما أن يكون سقوط الفرض بالمجموع فذلك محال لأنه يلزم أن يكون المجموع واجبا وقد فرضنا الإتيان بالكل غير واجب
(2/163)

وإما أن يكون سقوط الفرض بواحد منها فذلك الواحد إما أن يكون معينا غير معين والأول باطل لأن الأثر المعين يستدعي مؤثرا معينا موجودا وكل موجود فهو في نفسه معين ولا إبهام البتة في الوجود الخارجي إنما الإبهام في الذهن فقط وإذا امتنع وجود واحد غير معين امتنع الإتيان به وإذا امتنع الإتيان به امتنع أن يكون الإتيان به علة لسقوط الفرض ولما بطل هذا ثبت أن علة سقوط الفرض هو الإتيان بواحد
منها عند الله تعالى وهو المطلوب وثانيها كونه واجبا فإذا أتى المكلف بكلها فإما أن يكون المحكوم عليه بالوجوب مجموعها أو كل واحد منها وعلى التقديرين يلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين لا على التخيير وهو باطل أو واحدا غير معين وهو باطل لأن غير المعين يمتنع وجوده فيمتنع إيجابه أو واحدا معينا في نفسه غير معلوم لنا وهو المطلوب
(2/164)

وثالثها أن يستحق عليه ثواب الواجب فإذا أتى المكلف بكلها فإما أن يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها أو على مجموعها وعلى التقديرين يلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين وإما أن لا يستحق ثواب الواجب منها إلا على واحد فذلك الواحد إما أن يكون معينا أو غير معين والثاني محال لأن استحقاق ثواب الواجب على فعله حكم ثابت له معين والحكم الثابث المعين يستدعي محلا معينا ولأن فعل شئ غير معين محال فعلمنا أن ذلك الواحد معين في نفسه غير معلوم للمكلف وربما أوردوا هذا الكلام على وجه آخر وهو أنه إذا أتى بالكل فإما أن ينوي الوجوب في فعل كل واحد أو في فعل واحد دون الباقي وتمام التقرير كما تقدم وأما طرف الترك فأثره استحقاق العقاب فالمكلف إذا أخل بها بأسرها فإما أن يستحق العقاب على ترك كل واحد منها فيكون فعل كل واحد منها واجبا على التعيين هذا خلف
أو على ترك واحد منها وهو إما أن يكون معينا أو غير معين والثاني محال أما أولا فلأنه إذا لم يتميز واحد منها عن الآخر بصفة الوجوب كان
(2/165)

إسناد استحقاق العقاب إلى واحد منها دون الآخر ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر لمرجح وهو محال وأما ثانيا فلأن استحقاق العقاب على الترك حكم معين فيستدعي محلا معينا لاستحالة قيام المعين بغير المعين وأما ثالثا فلأن استحقاق العقاب على الترك يستدعي إمكان الفعل ولا إمكان لفعل شئ غير معين ولما بطل هذا القسم ثبت أنه معلل بترك واحد معين عند الله تعالى وهو المطلوب وأما الذين زعموا أن الواجب واحد غير معين فقد احتجوا عليه بأن الإنسان إذا عقد على قفيز من صبرة فالمعقود عليه قفيز واحد لا بعينه وإنما يتعين باختيار المشتري أخذ قفيز منها فقد صار الواحد الذي ليس بمتعين في نفسه معينا باختيار المكلف وكذا إذا طلق زوجة من زوجاته لا بعينها أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه وكذا القول في عقد الإمامة لرجلين دفعة واحدة والخاطبين
(2/166)

لامرأة واحدة فإن الجمع فيه حرام والجواب عن الأول أنه يسقط الفرض عندنا بكل واحد منها
قوله يلزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة قلنا هذه الأسباب عندنا معرفات لا موجبات ولا يمتنع أن يجتمع على المدلول الواحد معرفات كثيرة وعن الثاني إن أردت بقولك هي واجبة كلها أنه يلزم فعلها بعد أن صارت مفعولة فذلك محال وغير لازم ولا يبقى بعد هذا إلا أن يقال إنها قبل دخولها في الوجود هل كانت بحيث يجب تحصيلها إما على الجمع أو على البدل وجوابنا أن نقول أما الجمع فلا وأما البدل فنعم بمعنى أنها بعد وجودها يصدق عليها أنها كانت قبل وجودها بحيث يجب تحصيل أي واحد منها اختار المكلف بدلا عن صاحبه وذلك لا يقدح في قولنا وأيضا فهذه الشبهة والتي قبلها لازمة للمخالف إذا قال الواجب هو ما يختاره المكلف لأنه إذا أتى بالكل فقد اختار كلها فوجب أن يسقط الفرض بكل واحد منها وأن يكون كل واحد منها واجبا وحينئذ يلزمه ما أورده علينا
(2/167)

وعن الثالث قال بعضهم إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا ويمكن أن يقال إنه يستحق على فعل كل واحد منها ثواب الواجب المخير لا ثواب الواجب المعين ومعناه إنه يستحق على فعلها ثواب فعل أمور كان له ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر لا ثواب فعل أمور كان يجب عليه الإتيان بكل واحد منها على التعيين وعلى هذا التقدير يسقط السؤال
وهو الجواب عن قوله كيف ينوي وعن الرابع قال بعضهم يستحق عقاب أدونها عقابا ويمكن أن يقال لم لا يجوز أن يستحق العقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد منها كان بشرط فعل الآخر وعن الخامس أنه ليس العقد بأن يتناول قفيزا من الصبرة أولى من أن يتناول القفيز الآخر لفقدان الاختصاص فوجب أن يكون كل قفيز منها قد تناوله العقد لكن على سبيل البدل عل معنى أن كل واحد منها لا اختصاص لذلك العقد به على التعيين وللمشتري أن يختار أي قفيز شاء وإذا اختاره تعين ملكه فيه فتعين الملك في القفيز المعين كسقوط الفرض في الكفارة
(2/168)

وكذا إذا طلق زوجة من زوجاته لا بعينها أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه أن كل واحدة منهن طالق على البدل وكل واحد منهم يعتق على البدل على معنى أنه لا اختصاص للطلاق أو العتق بواحد معين وأن أي امرأة اختار مفارقتها تعينت الفرقة عليها وحلت له الأخرى وأي عبد اختار عتقه تعينت فيه الحرية وكان له استخدام الباقين والله أعلم فرع الأمر بالأشياء قد يكون على الترتيب وقد يكون على البدل وعلى التقديرين قد يكوة أحمد الجمع محرما ومباحا ومندوبا مثال المحرم في الترتيب أكل الميتة وأكل المباح وفي البدل تزويج المرأة من كفئين
ومثال المباح في الترتيب الوضوء والتيمم وفي البدل ستر العورة بثوب بعد ثوب ومثال المندوب في الترتيب الجمع بين خصال كفارة الفطر وفي البدل الجمع بين خصال كفارة الحنث والله أعلم
(2/169)

المسألة الثانية الفعل بالنسبة إلى الوقت يكون على أحد وجوه ثلاثة الأول أن يكون الفعل فاضلا عن الوقت والتكليف بذلك لا يجوز إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق أو يكون المقصود إيجاب القضاء كما إذا طهرت الحائض أو بلغ الغلام وبقي من وقت الصلاة مقدار ركعة أو أقل والثاني أن لا يكون أزيد ولا أنقص نحو الأمر بإمساك كل اليوم وهذا لا إشكال فيه والثالث أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل وهذا هو الواجب الموسع واختلف الناس فيه
(2/173)

فمنهم من أنكره وزعم أن الوقت لا يمكن أن يزيد على الفعل ومنهم من سلم جوازه أما الأولون فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه أحدها قول من قال من أصحابنا إن الوجوب مختص بأول الوقت وأنه لو أتى به في آخر الوقت كان قضاء وثانيها قول من قال من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إن الوجوب
مختص بآخر الوقت وأنه لو أتى به في أول الوقت كان جاريا مجرى ما لو أتى بالزكاة قبل وقتها وثالثها ما يحكى عن الكرخي أن الصلاة المأتي بها في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت وليس هو على صفة المكلفين كان ما فعله نفلا وإن أدركه على صفة المكلفين كان ما فعله واجبا وأما المعترفون بالواجب الموسع وهم جمهور أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين البصري فقد اختلفوا فيه على وجهين
(2/174)

منهم من قال الوجوب متعلق بكل الوقت إلا أنه إنما يجوز ترك الصلاة في أول الوقت إلى بدل هو العزم عليها وهو قول أكثر المتكلمين وقال قوم لا حاجة إلى هذا البدل وهو قول أبي الحسين البصري وهو المختار لنا والدليل على تعلق الوجوب بكل الوقت أن الوجوب مستفاد من الأمر والأمر تناول الوقت ولم يتعرض البتة لجزء من أجزاء الوقت لأنه لو دل الأمر على تخصيصه ببعض أجزاء ذلك الوقت لكان ذلك غير هذه المسألة التي نحن نتكلم فيها وإذا لم يكن في الأمر دلالة على تخصيص ذلك الفعل بجزء من أجزاء ذلك الوقت وكان كل جزء من أجزاء الوقت قابلا له وجب أن يكون حكم ذلك الأمر هو إيجاب إيقاع ذلك الفعل في أي جزء من أجزاء ذلك الوقت أراده المكلف وذلك هو المطلوب
فإن قيل لا نسلم إمكان تحقق الوجوب في أول الوقت والتمسك بلفظ الأمر إنما يكون إذا لم يثبت بالدليل العقلي امتناعه وها هنا قد ثبت ذلك لأن كونه واجبا في ذلك الوقت معناه أن
(2/175)

المكلف ممنوع من أن لا يوقعه فيه والمكلف غير ممنوع من أن لا يوقع الصلاة في أول الوقت وإذا كان كذلك استحال كون الصلاة واجبة في أول الوقت وإذا تعذر حمل الأمر على الوجوب وجب حمله على الندب فإن قلت الفرق بينه وبين المندوب من وجهين الأول أن هذه الصلاة لا يجوز تركها مطلقا والمندوب يجوز تركه مطلقا والثاني أن هذه الصلاة إنما يجوز تركها في أول الوقت إلى بدل وهو العزم على فعلها بعد ذلك وأما المندوب فإنه يجوز تركه مطلقا قلت الجواب عن الأول إني لا أدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا بل أدعي أنها ليست واجبة في أول الوقت بدليل أنه يجوز تركها في أول الوقت فأما المنع من تركها في آخر الوقت فذلك يدل على وجوبها في آخر الوقت ولا يلزم من كون الشئ واجبا في وقت كونه واجبا في وقت آخر وعن الثاني إن العزم على الصلاة لا يجوز أن يكون بدلا عن الصلاة ويدل عليه أمور أحدها أن العزم على الصلاة إما أن يكون مساويا للصلاة في جميع الأمور المطلوبة أو لا يكون فإن كان الأول وجب أن يكون الإتيان بالعزم سببا لسقوط
(2/176)

التكليف بالصلاة لأن الأمر ما وقع في ذلك الوقت إلا بالصلاة مرة واحدة وهذا العزم مساو للصلاة مرة واحدة في جميع الجهات المطلوبة فيلزم سقوط الأمر بالصلاة وإن كان الثاني امتنع جعله بدلا عن الصلاة لأن بدل الشئ يجب أن يكون قائما مقامه في الأمور المطلوبة يقول وثانيها أن الموجود ليس إلا الأمر بالصلاة في هذا لاوقت والأمر بالصلاة في هذا الوقت لا دلالة فيه على إيجاب العزم فإذن لا دليل البتة على وجوب العزم وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به وإلا ل صار ذلك تكليف ما لا يطاق وثالثها لو كان العزم بدلا عن الصلاة فإذا أتى المكلف بالعزم في هذا الوقت ثم جاء الوقت الثاني فإما أن يجب فعل العزم مرة أخرى أو لا يجب لاجائز أن يجب لأن بدل العبادة إنما يجب علي حد وجوبها ليكون فعله جاريا مجرى فعلها ومعلوم أن الأمر إنما اقتضى وجوب فعل العبادة في أحد اجزاء هذا الوقت مرة واحدة ولم يقتضي وجوب فعلها مرة أخرى في الوقت الثاني فوجب أن يكون وجوب بدلها على هذا الوجه فثبت أنه لا يجب فعل العزم في الوقت الثاني فإذن الوقت
(2/177)

الثاني لا يجب فيه فعل الصلاة ولا فعل بدلها وهو هذا العزم فثبت أن جواز ترك الصلاة في هذا الوقت لا يتوقف على فعل البدل وعند هذا يجب القطع بأنها ليست واجبة بل مندوبة
والجواب قوله الفعل يجوز تركه في أول الوقت فلا يكون واجبا في أول الوقت قلنا للناس ها هنا طريقان الطريق الأول وهو الأصح أن حقيقة الواجب الموسع ترجع عند البحث إلى الواجب المخير فإن الآمر كأنه قال إفعل هذه العبادة إما في أول الوقت أو في وسطه أوفي آخره وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما لا يفضل عنه فافعله لا محالة ولا تتركه البتة فقولنا يجب عليه أيقاع هذا الفعل إما في هذا الوقت أو في ذاك يجري مجرى قولنا في الواجب المخير إن الواجب علينا إما هذا أو ذاك فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى إنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان بجميعها والأمر في اختيار أي واحد منها مفوض إلى رأي المكلف فكذا ها هنا لا يجوز للمكلف أن لا يوقع الصلاة في شئ من أجزاء هذا الوقت ولا يجب عليه أن يوقعها في كل أجزاء هذا
(2/178)

الوقت وتعيين ذلك الجزء مفوض إلى رأي المكلف هذا إذا كان في الوقت فسحة فأما إذا ضاق الوقت فإنه يتضيق التكليف ويتعين فهذا هو الذي نقول به وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات بدل هو العزم الطريق الثاني وهو اختيار أكثر الأصحاب وأكثر المعتزلة هو أن الفرق بين هذا الواجب وبين المندوب أن هذا الواجب لا يجوز تركه إلا
لبدل والمندوب يجوز تركه من غير بدل قوله أولا العزم إما أن يكون قائما مقام الأصل في جميع الجهات المطلوبة أو لا يكون قلنا لم لا يجوزأن يكون قائما مقام الأصل لا في جميع الأوقات بل في هذا الوقت المعين فإذا أتى بالبدل في هذا الوقت المعين سقط عنه الآمر بالأصل في هذا الوقت ولكن لم يسقط عنه الآمر بالأصل في كل الأوقات واعلم أن هذا الجواب ضعيف لأن الأمر لا يفيد التكرار بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت فقد
(2/179)

صار قائما مقامه في المرة الواحدة فإذا لم يكن مقتضى الأمر إلا مرة واحدة وقد قام هذا البدل مقام المرة الواحدة فقد تأدى تمام مقصود هذا الأمر بهدا البدل فوجب سقوط التكليف به بالكلية أما قوله ثانيا لا دليل على إثبات العزم قلنا لا نسلم لأن النص لما دل على الواجب الموسع ودل العقل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل الاجماع على أن ذلك البدل هو العزم لأن القائل قائلان قائل أثبت البدل وقائل ما أثبته وكل من أثبته قال إنه العزم فلو أثبتنا البدل شيئا آخر لكان ذلك خرقا للإجماع وهو باطل فثبت أن الدليل دل على وجوب العزم لكن بهذا التدريح ثم هذا لا يكون مخالفا للنص لأن النص كما لا يثبته لا ينفيه وإثبات مالا يتعرض له النص بالنفي ولا بالإثبات لا يكون مخالفة للظاهر
واعلم أن هذا الجواب ضعيف فإنا نسلم أن العقل دل على أنه
(2/180)

لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا وذلك لأنه لا معنى للواجب الموسع إلا أن يقول السيد لعبده لا يجوز لك إخلاء أجزاء هذا الوقت عن هذا الفعل ولا يجب عليك إيقاعه في جميع هذه الأجزاء ولك أن تختار أيها شئت بدلا عن الآخر ومعلوم أنه لو قال ذلك لما احتيج معه إلى إثبات بدل آخر وأما قوله ثالثا إما أن يجب فعل العزم في الوقت الثاني أو لا يجب قلنا لم لا يجوز أن يجب وذلك لأن العزم بدل عن الفعل في الوقت الأول فيفتقر إلى عزم ثان بدلا عن الفعل في الوقت الثاني واعلم أن هذا الجواب ضعيف لأنا بينا أن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة وإذا كان كذلك وجب أن يكون الإتيان بالعزم الواحد كافيا فظهر بما ذكرناه أن القول بالواجب الموسع حق وأنه لا حاجة في إثباته إلى إثبات بدل هو العزم والله أعلم فرع في حكم الواجب الموسع في جميع العمر وذلك
(2/181)

كالمنذورات وقضاء العبادات الفائتة وتأخير الحج من سنة إلى سنة فنقول إن جوزنا له التأخير أبدا وحكمنا بأنه لا يعصي إذا مات لم يتحقق
معنى الوجوب أصلا وإن قلنا إنه يتضيق التكليف عليه عند الانتهاء إلى زمان معين من غير أن يوجد على تعيين ذلك الزمان دليل فهو تكليف ما لا يطاق فإنه إذا قيل له إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الفعل فأنت في الحال عاص بالتأخير وإن كان في علمه أنك لا تموت قبل الفعل فلك التأخير فهو يقول وما يدريني ماذا في علم الله تعالى وما فتواكم في حق الجاهل فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم فلم يبق إلا أن نقول يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى بعد ذلك سواء بقي أو لم يبق فأما إذا غلب على ظنه أنه لا يبقى بعد ذلك عصى بالتأخير سواء مات أو لم يمت لأنه مأخوذ بموجب ظنه ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز تأخير الحج لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن
(2/182)

وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر أو شهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن الموت إلى هذه المدة والشافعي رضي الله عنه يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة فهلك ضمن لا لأنه أثم لكن لأنه في اخطأ ظنه والمخطئ ضامن غير آثم والله أعلم
(2/183)

المسألة الثالثة
في الواجب على سبيل الكفاية الأمر إذا تناول جماعة فإما أن يتناولهم على سبيل الجمع أولا على سبيل الجمع فإن تناولهم على سبيل الجمع فقد يكون فعل بعضهم شرطا في فعل البعض كصلاة الجمعة وقد لا يكون كذلك كما في قوله تعالى وأقيموا الصلاة أما إذا تناول الجميع فذلك من فروض
(2/185)

الكفايات وذلك إذا كان الغرض من ذلك الشئ حاصلا بفعل البعض كالجهاد الذي الغرض منه حراسة المسلمين وإذلال العدو فمتى حصل ذلك بالبعض لم يلزم الباقين واعلم أن التكليف فيه موقوف على حصول الظن الغالب فإن غلب على ظن جماعة أن غيرها يقوم بذلك سقط عنها وإن غلب على ظنهم أن غيرهم لا يقوم به وجب عليهم وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم لا يقوم به وجب على كل طائفة القيام به وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به سقط الفرض عن كل واحدة من تلك الطوائف وإن كان يلزم منه أن لا يقوم به أحد لأن تحصيل العلم بأن غيري هل فعل هذا الفعل أم لا غير ممكن إنما الممكن تحصيل الظن والله أعلم
(2/186)

النظر الثاني في أحكام الوجوب وفيه مسائل
المسألة الأولى الأمر بالشئ أمر بما لا يتم الشئ إلا به بشرطين أحدهما أن يكون الأمر مطلقا والآخر أن يكون الشرط مقدورا للمكلف وقالت الواقفية إن كانت مقدمة المأمور به سببا له كان إيجاب المسبب إيجابا للسبب لأن عند حصول السبب يجب المسبب فيمتنع أن يوجب المسبب عند اتفاق وجود السبب أما إذا كانت المقدمة شرطا فحينئذ لا يكون المشروط واجب الحصول عند حصول الشرط فها هنا لا يكون الأمر بالمشروط أمرا بالشرط كالصلاة مع الوضوء لنا أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال ولا يستقر وجوبه على هذا الوجه إلا ومقدمته واجبة إنما قلنا أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال لأنه لا فرق
(2/189)

بين قوله أوجبت عليك الفعل في هذا الوقت وبين قوله لا ينبغي أن يخرج هذا الوقت إلا وقد أتيت بذلك الفعل في كون كل واحد من هذين اللفظين دليلا على الإيجاب على كل حال وإنما قلنا إن إيجاب الفعل على كل حال يقتضي إيجاب مقدمته لأنه لو لم يقتض ذلك لكان مكلفا حال عدم المقدمة وذلك تكليف ما لا يطاق فإن قيل لم لا يجوز أن يقال إنه أمر بالفعل بشرط حصول المقدمة غاية ما في الباب أن يقال هذا مخالفة للظاهر لأن اللفظ
يقتضي إيجاب الفعل على كل حال فتخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط خلاف الظاهر لكنا نقول كما أن تخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط خلاف الظاهر فكذا إيجاب المقدمة مع أن الظاهر لا يقتضي وجوبها خلاف الظاهر وليس تحمل إحدى المخالفتين ب أولى من تحمل الآخرى فعليكم بالترجيح والجواب قوله لم لا يجوز أن يقال إن هذا الأمر أمر بالفعل بشرط حصول المقدمة
(2/190)

قلنا هذا يبطل بأمر الولى غلامه بأن يسقيه الماء إذا كان الماء على مسافة منه لأنه إن كان كلفه سقي الماء بشرط أن يكون قد قطع المسافة وجب إذا قعد في مكانه ولم يقطع المسافة أن لا يتوجه عليه الأمر بالسقي وإن كان مكلفا بالسقي مع عدم قطع المسافة فهذا تكليف ما لا يطاق فكل ما هو جواب الخصم فهو جوابنا ها هنا قوله ليس تحمل إحدى المخالفتين أولى من تحمل الثانية قلنا مخالفة الظاهر هي إثبات ما ينفيه اللفظ أو نفي ما يثبته اللفظ فأما إثبات ما لا يتعرض اللفظ له لا بنفي ولا إثبات فليس مخالفة للظاهر والمقدمة لا يتعرض اللفظ لها لا بنفي ولا إثبات فلم يكن إيجابها لدليل منفصل مخالفة للظاهر وليس كذلك إذا خصصنا وجوب الفعل بحال وجود المقدمة دون حال
(2/191)

عدمها لأن ذلك يخالف ما يقتضيه اللفظ من وجوب الفعل على كل حال فروع الأول اعلم أن ما لا يتم الواجب إلا معه ضربان أحدهما كالوصلة والطريق المتقدم على العبادة والآخر ليس كذلك والأول ضربان أحدهما ما يجب بحصوله حصول ما هو طريق إليه والآخر لا يجب ذلك فيه أما الأول فكما إذا أمر الله تعالى بإيلام زيد فإنه لا طريق إليه إلا الضرب فهو يستلزم الألم في البدن الصحيح وأما الثاني فضربان أحدهما يحتاج الواجب إليه شرعا والآخر يحتاج إليه عقلا أما الأول فكحاجة الصلاة إلى تقديم الطهارة
(2/192)

وأما الثاني فكالقدرة والآلة وقطع المسافة إلى أقرب الأماكن وهذا على قسمين منه ما يصح من المكلف تحصيله كقطع المسافة وإحضار بعض الآلات ومنه مالا يصح منه كالقدرة
وأما الذي لا يكون كالوصلة فضربان أحدهما أن يصير فعله لازما لأن المأمور به اشتبه به وهو كما إذا ترك الإنسان صلاة من الصلوات الخمس لا يعرفها بعينها فيلزمه فعل الخمس لأنه لا يمكن مع الالتباس أن يحصل له يقين الإتيان بالصلاة المنسية إلا بفعل الكل وثانيهما أن لا يتمكن من استيفاء العبادة إلا بفعل شئ آخر لأجل ما بينهما من التقارب نحو ستر جميع الفخذ فإنه لا يمكن إلا مع ستر بعض الركبة وغسل كل الوجه لا يمكن إلا مع غسل جزء من الرأس وأما الترك فهو أن يتعذر عليه ترك الشئ إلا عند ترك غيره وذلك إذا كان الشئ ملتبسا بغيره وهو ضربان أحدهما أن يكون قد تغير في نفسه
(2/193)

والآخر أن لا يكون قد تغير في نفسه فالأول نحو اختلاط النجاسة بالماء الظاهر وللفقهاء فيه اختلافات غير لائقة بأصول الفقه وأما الذي لا يتغير مع الالتباس فإنه يشتمل على مسائل منها أن يشتبه الإناء النجس بالإناء الطاهر والفقهاء اختلفوا في جواز التحري فيه ومنها أن يوقع الإنسان الطلاق على امرأة من نسائه بعينها ثم يذهب عليه عينها والأقوى تحريم الكل تغليبا للحرمة على الحل
(2/194)

الفرع الثاني قال قوم إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما لكن الحرام هي الأجنبية والمنكوحة حلال وهذا باطل لأن المراد من الحل رفع الحرج والجمع بينه وبين التحريم متناقض فالحق أنهما حرامان لكن الحرمة في إحداهما بعلة كونها أجنبية وفي الأخرى بعلة الاشتباه بالأجنبية أما إذا قال لزوجتيه إحداكما طالق فيحتمل أن يقال بحل وطئهما لأن الطلاق شئ متعين فلا يحصل إلا في محل متعين فقبل التعيين لا يكون الطلاق نازلا في واحدة منهما فيكون الموجود قبل التعيين ليس الطلاق بل أمرا له صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به وإذا ثبت أن قبل التعيين لم يوجد الطلاق وكان الحل موجودا وجب القول ببقائه فيحل وطؤهما معا ومنهم من قال حرمتا جميعا إلى وقت البيان تغليبا لجانب الحرمة
(2/195)

فإن قلت لما وجب عليه التعيين والله تعالى يعلم ما سيعينه فتكون هي المحرمة والمطلقة بعينها في علم الله تعالى وإنما هو مشتبه علينا قلت الله تعالى يعلم الأشياء على ماهي عليه فلا يعلم غير المتعين متعينا لأن ذلك جهل وهو في حق الله تعالى محال بل يعلمه غير متعين في الحال ويعلم أنه في المستقبل سيتعين
الفرع الثالث اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بقدر معين كمسح الرأس والطمأنينة في الركوع إذا زاد على قدر الزيادة هل توصف الزيادة بالوجوب والحق لا لأن الواجب هو الذي لا يجوز تركه وهذه الزيادة يجوز تركها فلا تكون واجبة
(2/196)

المسألة الثانية في أن الأمر بالشئ نهي عن ضده اعلم أنا لا نريد بهذا أن صيغة الأمر هي صيغة النهي بل المراد أن الأمر بالشئ دال على المنع من نقيضه بطريق الالتزام وقال جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا إنه ليس كذلك لنا إن ما دل على وجوب الشئ دل على وجوب ما هو من ضروراته إذا كان مقدورا للمكلف على ما تقدم بيانه في المسألة الأولى والطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال به فاللفظ الدال على الطلب الجازم وجب أن يكون دالا على المنع من الإخلال به بطريق الالتزام ويمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى فيقال إما أن يمكن أن يوجد مع الطلب الجازم الإذن بالإخلال أو لا يمكن فإن كان الأول كان جازما بطلب الفعل ويكون قد أذن في الترك وذلك متناقض وإن كان الثاني فحال وجود هذا الطلب كان الإذن في الترك ممتنعا ولا معنى لقولنا الأمر بالشئ نهي عن ضده إلا هذا
فإن قيل لا نسلم أن الطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال وبيانه من وجهين
(2/199)

الأول أن الأمر بالمحال جائز فلا استبعاد في أن يأمر جزما بالوجود وبالعدم معا الثاني أن الآمر بالشئ قد يكون غافلا عن ضده والنهي عن الشئ مشروط بالشعور به فالآمر بالشئ حال غفلته عن ضد ذلك الشئ يمتنع أن يكون ناهيا عن ذلك الضد فضلا عن أن يقال هذا الأمر نفس ذلك النهي والجواب قوله الأمر بالمحال جائز قلنا هب أنه جائز ولكن لا تتقرر ماهية الإيجاب في الفعل إلا عند تصور المنع من تركه فكان اللفظ الدال على الإيجاب دالا على المنع من الإخلال به ضمنا قوله قد يأمر بالشئ حال غفلته عن ضده قلنا لا نسلم أنه يصح منه إيجاب الشئ عند الغفلة عن الإخلال به وذلك لأن الوجوب ماهية مركبة من قيدين أحدهما المنع من الترك فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة وأما الضد الذي هو المعنى الوجودي المنافي فقد يكون مفغولا
(2/200)

علي عنه ولكنه لا ينافي الشئ لماهيته بل لكونه مستلزما عدم ذلك الشئ فالمنافاة بالذات ليست إلا بين وجود الشئ وعدمه
وأما المنافاة بين الضدين فهي بالعرض فلا جرم عندنا الأمر بالشئ نهي عن الإخلال به بالذات ونهي عن أضداده الوجودية بالعرض والتبع سلمنا أن الترك قد يكون مغفولا عنه لكن كما أن الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها وإن كانت تلك المقدمة قد تكون مغفولا عنها فلم لا يجوز أن كون الأمر بالشئ نهيا عن ضده وإن كان ذلك الضد مغفولا عنه سلمنا كل ما ذكرتموه لكن لم لا يجوز أن يقال الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده بشرط أن لا يكون الآخر آمرا بما لا يطاق وبشرط أن لا يكون غافلا عن الضد ولا استبعاد في أن يستلزم شئ شيئا عند حصول شرط خاص وأن لا يستلزمه عند عدم ذلك الشرط المسألة الثالثة في أنه ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب على الترك
(2/201)

هذا هو المختار وهو قول القاضي أبي بكر خلافا للغزالي لنا وجهان الأول أنه لو كان كذلك لكان حيث تحقق العفو لم يتحقق الوجوب وذلك باطل على قولنا بجواز العفو عن أصحاب الكبائر والثاني أن ماهية الوجوب تتحقق عند المنع من الإخلال بالفعل وذلك يكفي في تحققه ترتب الذم على الترك ولا حاجة إلى ترتب العقاب على الترك والعجب أن الغزالي إنما أورد هذه المسألة بعد أن زيف ما قيل في
حد الواجب أنه الذي يعاقب على تركه وذكر أن الأولى أن يقال الواجب هو الذي يذم تاركه وهذا منه اعتراف بأن الواجب لا يتوقف تقرر ماهيته على العقاب وأنه يكفي في تحققه استحقاق الذم ثم ذكر عقيبه فلا فصل هذه المسألة
(2/202)

وذكر أن ماهية الوجوب لا تتحقق إلا بترجيح الفعل على الترك والترجيح لا يحصل إلا بالعقاب ولا شك أنه مناقضة ظاهرة المسألة الرابعة الوجوب إذا نسخ بقي الجواز خلافا للغزالي لنا أن المقتضي للجواز قائم والمعارض الموجود لا يصلح مزيلا فوجب بقاء الجواز إنما قلنا أن المقتضى للجواز قائم لأن الجواز جزء من الوجوب والمقتضى للمركب مقتض لمفرداته وإنما قلنا إن الجواز جزء من الوجوب لأن الجواز عبارة عن رفع الحرج عن الفعل والوجوب عبارة عن رفع الحرج عن الفعل مع إثبات الحرج في الترك ومعلوم أن المفهوم الأول من المفهوم الثاني
(2/203)

وإنما قلنا إن المقتضى للمركب مقتض لمفرداته لأنه ليس المركب إلا عين تلك المفردات فالمقتضى للمركب مقتض لتلك المفردات فإن قلت المقتضى للمركب مقتض لتلك المفردات حال اجتماعها فلم
قلت إنه يكون مقتضيا لها حال انفرادها قلت تلك المفردات من حيث هي غير ومن حيث إنها مفردة غير وأنا لاأدعي حتى أنها من حيث هي مفردة داخلة في المركب وكيف يقال ذلك فيه وقيد الانفراد يعاند قيد التركيب وأحد المعاندين لا يكون داخلا في الآخر ولكنني أدعي أنها من حيث هي داخلة في المركب فيكون المقتضى للمركب مقتضيا تلك المفردات من حيث إنها هي لا من حيث إنها مفردة
(2/204)

وإنما قلنا إن المعارض الموجود لا يصلح مزيلا لأن المعارض يقتضي زوال الوجوب والوجوب ماهية مركبة والماهية المركبة يكفي في زوالها زوال أحد قيودها فزوال الوجوب يكفي فيه إزالة الحرج عن الترك ولا حاجة فيه إلى إزالة جواز الفعل فثبت أن المقتضي للجواز قائم والمعارض لا يصلح مزيلا فإن قيل الجواز الذي جعلته جزء ماهية الوجوب هو الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل فقط أو بمعنى رفع الحرج عن الفعل والترك معا الأول مسلم والثاني ممنوع ولكن ذلك الأول لا يمكن بقاؤه بعد زوال الوجوب لأن مسمى رفع الحرج عن الفعل لا يدخل في الوجود إلا مقيدا إما بقيد إلحاق الحرج بالترك كما في الوجوب أو بقيد رفع الحرج عن الترك كما في المندوب ويستحيل أن يبقى بدون هذين القيدين وأما الثاني فممنوع لأن الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل
(2/205)

والترك ينافي الوجوب الذي لا تتحقق ماهيته إلا مع الحرج على الترك والمنافي لا يكون جزءا فثبت أن المقتضي للوجوب لا يكون مقتضيا للجواز بهذا المعنى والجواب أن الجواز الذي هو جزء ماهية الوجوب هو الجواز بالمعنى الأول قوله إنه لا يتقرر إلا مع أحد القيدين قلنا نسلم لكن الناسخ للوجوب لما رفع الوجوب رفع منع الحرج عن الترك فقد حصل بهذا الدليل زوال الحرج عن الترك وقد بقي أيضا القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو زوال الحرج عن الفعل فيحصل من مجموع هذين القيدين زوال الحرج عن الفعل وعن الترك معا وذلك هو المندوب والمباح فظهر بما ذكرنا أن الآمر إذا لم يبق معمولا به في الوجوب بقي
(2/206)

معمولا به في الجواز والله أعلم المسألة الخامسة في أن ما يجوز تركه لا يكون فعله واجبا والدليل عليه أن الواجب ما لا يجوز تركه والجمع بينه وبين جواز الترك متناقض واعلم أن الخلاف في هذا الفصل مع طائفتين إحداهما الكعبي وأتباعه فإنه روى في كتب أصحابنا عنهم أنهم قالوا المباح واجب
واحتجوا عليه بأن المباح ترك به الحرام وترك الحرام واجب فيلزم أن يكون المباح واجبا وجوابه أن المباح ليس نفس ترك الحرام بل هو شئ به يترك الحرام ولا يلزم من كون الترك واجبا أن يكون الشئ المعين الذي يحصل به الترك واجبا إذا كان ذلك الترك ممكن التحقيق بشئ آخر غير ذلك الأول
(2/207)

وثانيهما ما ذكره كثير من الفقهاء من أن الصوم واجب على المريض والمسافر والحائض وما يأتون به عند زوال العذر يكون قضاء لما وجب وقال آخرون إنه لا يجب على المريض والحائض ويجب على المسافر وعندنا أنه لا يجب على الحائض والمريض البتة وأما المسافر فيجب عليه صوم أحد الشهرين إما الشهر الحاضر أو شهر آخر وأيهما أتى به كان هو الواجب كما قلنا في الكفارات الثلاث ودليلنا ما تقدم من أن الواجب هو الذي منع من تركه وهؤلاء ما منعوا من ترك الصوم فلا يكون واجبا عليهم بل الحائض ممنوعة من الفعل والممنوع من الفعل كيف يمكن أن يكون ممنوعا من الترك واحتج المخالف بأشياء أحدها قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه أوجب
(2/208)

الصوم على كل من شهد الشهر وهؤلاء قد شهدوا الشهر فيجب عليهم الصوم وثانيهما أنه ينوي قضاء رمضان ويسمى قضاء وذلك يدل على أنه يحكي وجوبا سابقا وثالثها أنه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه فوجب أن يكون بدلا عنه كغرامات المتلفات والجواب عن الكل أن ما ذكرتموه استدلال بالظواهر والأقيسة على مخالفة ضرورة العقل وذلك لأن المتصور في الوجوب المنع من الترك فعند عدم المنع من الترك لو حاولنا إثبات المنع من الترك لكنا قد تمسكنا بالظواهر والأقيسة في إثبات الجمع بين النقيضين وذلك لا يقوله عاقل بلى إن فسرتم الوجوب بشئ آخر فذلك كلام آخر.
فروع
الفرع الأول اختلفوا في أن المندوب هل هو مأمور به أم لا
(2/209)

والحق أن المراد من الأمر إن كان هو الترجيح المطلق من غير إشعار بجواز الترك ولا بالمنع من الترك فنعم وإن كان هو الترجيح المانع من النقيض فلا لكنا لما بينا أن الأمر للوجوب كان الحق هو التفسير الثاني الفرع الثاني اختلفوا في أن المندوب هل يصير واجبا بعد الشروع فيه
فعند أبي حنيفة رحمة الله عليه أن التطوع يلزم بالشروع
(2/210)

وعند الشافعي رضي الله عنه لا يجب لنا قوله عليه الصلاة والسلام الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ولأنا نفرض الكلام فيما إذا نوى صوما يجوز له تركه بعد الشروع فنقول يجب أن يقع الصوم على هذه الصفة لقوله عليه الصلاة والسلام ولكل امرئ ما نوى وتمام الكلام في هذه المسألة مذكور في الخلافيات
(2/211)

الفرع الثالث المباح هل هو من التكليف أم لا والحق أنه إن كان المراد بأنه من التكليف هو أنه ورد التكليف بفعله فمعلوم أنه ليس كذلك وإن كان المراد منه أنه ورد التكليف باعتقاد إباحته فاعتقاد كون ذلك الفعل مباحا مغاير لذلك الفعل في نفسه فالتكليف بذلك الاعتقاد لا يكون تكليفا بذلك المباح والأستاذ أبو إسحق سماه تكليفا بهذا التأويل وهو بعيد مع أنه نزاع في محض اللفظ الفرع الرابع المباح هل هو حسن والحق أنه إن كان المراد من الحسن كل ما رفع الحرج عن فعله
(2/212)

سواء كان على فعله ثواب أو لم يكن فالمباح حسن وإن أريد به ما يستحق فاعله بفعله التعظيم والمدح والثواب فالمباح ليس بحسن الفرع الخامس المباح هل هو من الشرع قال بعضهم ليس من الشرع لأن معنى المباح أنه لا حرج في فعله وفي تركه وذلك معلوم قبل الشرع فتكون الإباحة تقرير للنفي الأصلي لا تغييرا فلا يكون من الشرع والحق أن الخلاف لفظي وذلك لأن الإباحة تثبت بطرق ثلاثة أحدها أن يقول الشرع إن شئتم فافعلوا وإن شئتم فاتركوا والثاني أن تدل أخبار الشرع على انه لا حرج في الفعل والترك والثالث أن لا يتكلم الشرع فيه البتة ولكن انعقد الإجماع مع
(2/213)

ذلك على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك فالمكلف فيه مخير وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها إذا عرفت هذا فنقول إن عنى بكون الإباحة حكما شرعيا أنه حصل حكم غير الذي كان مستمرا قبل الشرع فليس كذلك بل الإباحة تقرير لا تغيير وإن عنى بكونه حكما شرعيا أن كلام الشرع دل على تحققه فظاهر
أنه كذلك لأن الإباحة لا تتحقق إلا على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة وفي جميعها خطاب الشرع دل عليها فكانت الإباحة من الشرع بهذا التأويل والله أعلم
(2/214)

النظر الثالث من القسم الثاني من كتاب الأوامر والنواهي في المأمور به وفيه مسائل المسألة الأولى يجوز ورود الأمر بما لا يقدر عليه المكلف عندنا خلافا للمعتزلة والغزالي منا لنا وجوه الأول أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان والإيمان منه محال لأنه يفضي إلى انقلاب علم الله تعالى جهلا والجهل محال والمفضي إلى المحال محال
(2/215)

فإن قيل لا نسلم أن الإيمان من الكافر محال ولا نسلم أن حصوله يفضي إلى انقلاب العلم جهلا بيانه أن العلم يتعلق بالشئ المعلوم على ما هو به فإن كان الشئ واقعا تعلق العلم بوقوعه وإن كان غير واقع تعلق العلم بلا وقوعه فإذا فرضت الإيمان واقعا لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل
عالما بوقوعه وإن فرضته غير واقع لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل عالما بلا وقوعه ففرض الإيمان بدلا من الكفر لا يقتضي تغير العلم بل يقتضي أن يكون الحاصل في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن العلم بالكفر فلم قلت إن ذلك محال سلمنا أن ما ذكرته يقتضي امتناع صدور الإيمان من الكافر لكنه معارض بوجوده دالة على أن الإيمان في نفسه ممكن الوجود
(2/216)

الأول أن الإيمان كان في نفسه ممكن الوجود فلو انقلب واجبا بسبب العلم لكان العلم مؤثرا في المعلوم وهو محال لأن العلم يتبع المعلوم ولا يؤثر فيه الثاني لو كان ما علم الله تعالى وجوده واجب الوجود وكل ما علم الله تعالى عدمه يكون واجب العدم لزم أن لا يكون الله تعالى قادرا على ايجاد شئ لأن الشئ لا ينفك من أن يقال إن الله تعالى علم وجوده أو علم عدمه وعلى التقديرين يكون واجبا والواجب لا قدرة عليه البتة فلزم أن لا يقدر الله تعالى على شئ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا الثالث لو كان ما علم الله وجوده واجب الوجود وما علم عدمه يكون واجب العدم لزم أن لا يكون لنا اختيار في فعل شئ أصلا وأن تكون حركاتنا بمنزلة تحريك الرياح للأشجار من حيث إنه لا يكون باختيارنا لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك باطل لأنا ندرك تفرقة ضرورية
(2/217)

بين الحركات الحيوانية الاختيارية والجمادية الاضطرارية الرابع أنه لو كان كذلك لكان العالم واجب الوجود في الوقت الذي علم الله تعالى وقوعه فيه والواجب يسغني عن المؤثر فيلزم استغناء حدوثه عن المؤثر فيلزم ان لا يفتقر حدوث العالم ولا شئ من الأشياء إلى القادر المختار وذلك كفر الخامس إن تعلق العلم به إما أن يكون سببا لوجوبه أو لا يكون فإن كان سببا لوجوبه لزم أن يكون العلم قدرة وإرادة لأنه لا معنى للقدرة والإرادة إلا الأمر الذي باعتباره يترجح الوجود على العدم فإذا كان العلم كذلك صار العلم عين القدرة والإرادة وذلك محال لأنه يقتضي قلب الحقائق وهو غير معقول وإن لم يكن لعلم سببا لوجوب المعلوم فقد سقط ما ذكرتموه من الدلالة لأنه مبني على أن المعلوم صار واجب الوقوع عند تعلق العلم به فإذا بطل ذلك بطل دليلكم سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الإيمان محال من الكافر لكن امتناعه ليس لذاته بل بالنظر إلى علم الله تعالى فلم قلتم أن ما لا يكون محالا لذاته فإنه لا يجوز ورود الأمر به
(2/218)

سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على إن الأمر بالمحال واقع لكنه يدل على أنه لا تكليف إلا وهو تكليف بما لا يطاق وذلك لأن الشئ إن كان معلوم العدم كان الأمر بالإتيان به أمرا بإيقاع الممتنع وإن كان معلوم الوجود كان واجب الوجود وما كان واجب الوجود لا يكون لقدرة القادر الأجنبي واختياره فيه أثر فيكون التكليف به
أيضا تكليفا بما لا يطاق فثبت أن ما ذكرتموه يدل على أن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق وأن أحدا من العقلاء لم يقل بذلك فإن بعض الناس أحاله عقلا وبعضهم جوزه ولم يقل أحد بأنه يمتنع ورود التكليف إلا بما لا يطاق فما هو نتيجة هذا الدليل لا تقولون به وما تقولون به لا ينتجه هذا الدليل فيكون ساقطا
(2/219)

سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم ولكنه معارض بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما جعل عليكم في الدين من حرج وأي حرج فوق تكليف بما لا يطاق وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه الأول أن في المشاهد أن من كلف الأعمى نقط المصاحف والزمن الطيران في الهواء عد سفيها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا الثاني المحال غير متصور وكل ما لا يكون متصورا لا يكون مأمورا به إنما قلنا إنه غير متصور لأن كل متصور متميز وكل متميز ثابت فما لا يكون ثابتا لا يكون متصورا بيان الثاني أن الذي لا يكون متصورا لا يكون في العقل إليه إشارة والمأمور به يكون في العقل إليه إشارة والجمع بينهما متناقض الثالث إذا جوزتم الأمر بالمحال فلم لا تجوزون أمر الجمادات
وبعثة الرسل إليها وإنزال الكتب عليها
(2/220)

والجواب قوله إذا فرضنا الإيمان بدلا عن الكفر كان الموجود في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن العلم بالكفر قلنا نحن وإن لم نعلم أن علم الله تعالى في الأزل تعلق بإيمان زيد أو بكفره لكنا نعلم أن علمه تعلق بأحدهما على التعيين وذلك العلم كان حاصلا في الأزل فنقول لو لم يحصل متعلق ذلك العلم لزم انقلاب ذلك العلم جهلا في الماضي وهو محال من وجهين أحدهما امتناع الجهل على الله تعالى والثاني أن تغير الشئ في الماضي محال قوله العلم غير مؤثر قلنا اللازم من دليلنا حصول الوجوب عند تعلق العلم فأما أن ذلك الوجوب به أو بغيره فذلك غير لازم قوله لزم أن لا يقدر الله تعالى على شئ قلنا قد بينا أن العلم بالوقوع يتبع الوقوع الذي هو تبع الإيقاع بالإرادة والقدرة فامتنع أن يكون الفرع مانعا من الأصل
(2/221)

بل تعلق علمه به على الوجه المخصوص يكشف عن أن قدرته وإرادته تعلقتا به على ذلك الوجه قوله يلزم الجبر قلنا إن عنيت بالجبر أن العبد لا يتمكن من شئ على خلاف علم الله تعالى فلم قلت إنه محال
قوله يلزم أن يكون العالم واجب الحدوث حين حدوثه فيستغنى عن القدرة والإرادة قلنا قد بينا أن العلم بالوقوع تبع الوقوع الذي هو تبع القدرة والإرادة فإن والفرع لا يغني عن الأصل قوله إن العلم إما أن يكون سببا للوجوب أو لا يكون قلنا نختار أنه ليس سببا للوجوب ولكن نقول إنه يكشف عن الوجوب وإذا كان كاشفا عن الوجوب ظهر الفرق قوله هذا لا يدل على جواز الأمر بالجمع بين الضدين قلنا بل يدل لأن علم الله تعالى بعدم إيمان زيد ينافي وجود إيمان
(2/222)

زيد فإذا أمره بإدخال الإيمان في الوجود حال حصول العلم بعدم الإينما فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين قوله هذا الدليل يقتضي أن تكون التكاليف كلها تكليف ما لا يطاق وذلك لم يقل به أحد قلنا الدلائل القطعية العقلية لا تدفع بأمثال هذه الدوافع أما الآية فهي معارضة بقوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولأنك قد علمت أن القواطع العقلية لا تعارضها الظواهر النقلية بل تعلم أن تلك الظواهر مأولة ولا حاجة إلى تعيين تأويلها قوله أنه عبث قلنا إن عنيت بكونه عبثا خلوه عن مصلحة العبد فلم قلت إن هذا محال قوله المحال غير متصور
(2/223)

قلنا لو لم يكن متصورا لامتنع الحكم عليه بالامتناع لما أن التصديق موقوف على التصور ولأنا نميز بين المفهوم من قولنا الواحد نصف الإثنين والمفهوم من قولنا الوجود والعدم يجتمعان ولولا تصور هذين المفهومين لامتنع التمييز قوله لم لا يجوز أمر الجماد قلنا حاصل الأمر بالمحال عندنا هو الإعلام بنزول العقاب وذلك لا يتصور إلا في حق الفاهم الدليل الثاني أن الله تعالى أخبر عن أقوام معينين أنهم لا يؤمنون وذلك في قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وقال تعالى لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إذا ثبت هذا فنقول أولئك الأشخاص لو آمنوا لا نقلب خبر الله تعالى الصدق كذبا والكذب على الله محال إما لأدائه إلى الجهل أو إلى الحاجة على قول المعتزلة أو لنفسه كما هو مذهبنا والمؤدي إلى المحال محال فصدور الإيمان عن أولئك الأشخاص محال وتمام هذا التقرير ما تقدم الدليل الثالث أن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ومن الإيمان
(2/224)

تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن أبدا وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين الدليل الرابع أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله
تعالى ومتى وجدت تلك الداعية كان الفعل واجب الوقوع وإذا كان كذلك كان الجبر لازما ومتى كان الجبر لازما كانت التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق وإنما قلنا أن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى لأن العبد لا يخلو إما أن يكون متمكنا من الفعل والترك أولا يكون كذلك فإن كان الأول فإما أن يكون ترجح الفاعلية على التاركية موقوفا على مرجح أو لا يكون فإن توقف فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم فيه ولا يتسلسل بل لابد وأن ينتهي إلى داعية ليست من العبد بل
(2/225)

من الله تعالى وهو المقصود وإن لم يتوقف على مرجح فقد ترجحت الفاعلية على التاركية لا لمرجح وهو محال لأن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لو جاز أن يكون لمرجح لجاز في كل العالم أن يكون كذلك وحينئذ لا يمكن الاستدلال بجواز العالم على وجود الصانع وهو محال فإن قلت لم لا يجوز أن يقال القادر وحده يكفي في ترجيح أحد الطرفين على الآخر قلت قول القائل إنما ترجح أحد الطرفين على الآخر لأن القادر رجحه مغالطة لأنا نقول هل لقولك القادر رجحه مفهوم زائد على كونه قادرا وعلى وجود الأثر أو ليس له مفهوم زائد فإن كان له مفهوم زائد فحينئذ يكون صدور أحد مقدوري القادر
عنه دون الآخر موقوفا على أمر زائد وذلك هو القسم الأول الذي بينا أنه يفضي إما إلى التسلسل أو إلى مرجح يصدر من الله تعالى
(2/226)

وإن لم يكن له مفهوم زائد صار معنى قولنا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح إلى أن القادر يستمر كونه قادرا مدة من غير هذا الأثر ثم أنه وجد هذا الأثر بعد مدة من غير أن يحصل لذلك القادر قصد إليه وميل إلى تكوينه وذلك معلوم الفساد بالضرورة ومنشأ المغالطة في تلك اللفظة هو أن قول القائل القادر يرجح لكونه قادرا يوهم أن هذا المقدور إنما ترجح على المقدور الآخر لأن القادر خصه بالترجيح وقولنا خصه بالترجيح لا يوهم أمرا زائدا على محض القادرية لأنا إذا أثبتنا أمرا زائدا فقد أوقفنا ترجحه على انضمام أمر آخر إلى مجرد القادرية وحينئذ يرجع إلى القسم الأول فثبت إن هذا الكلام مغالطة محضة وإنما قلنا إن عند حصول تلك الداعية التي يخلقها الله تعالى يجب صدور الفعل فلأنه لو لم يجب لكان إما أن يمتنع أو يجوز فإن امتنع كانت الداعية مانعة لا مرجحة وإن جاز فمع تلك الداعية يجوز عدم الأثر تارة ووجوده أخرى فترجح الوجود على العدم أما أن يتوقف على أمر زائد أو لا يتوقف
(2/227)

فإن توقف لم تكن الداعية الأولى تمام المرجح وكنا قد فرضناها كذلك هذا خلف
وأيضا فلأن الكلام في هذه الضميمة كما فيما قبلها ويلزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى ترجح الممكن من غير مرجح وهما محالان أو الوجوب وهو المطلوب وإنما قلنا إنه لما توقف فعل العبد على داعية يخلقها الله تعالى وكان ذلك الفعل واجب الوقوع عند تلك الداعية لزم الجبر لأن قبل خلقها كان الفعل ممتنعا من العبد وبعد خلقها يكون واجبا وعلى كلا التقديرين لا تثبت المكنة من الفعل والترك وإنما قلنا إنه لما كان كذلك كانت التكاليف بأسرها تكليف مالا يطاق لأنه لما لم يكن العبد متمكنا من الفعل والترك البتة كان تكليفه تكليفا لمن لم يكن متمكنا من الفعل والترك وذلك هو المقصود الدليل الخامس التكليف إما أن يتوجه على المكلف حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر فإن توجه عليه حال الاستواء كان ذلك تكليفا بمالا يطاق لأن حال حصول الاستواء يمتنع حصول الرجحان لأن الاستواء ينافي الرجحان فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين
(2/228)

وإذا متنع الرجحان كان التكليف بالرجحان تكليفا بمالا يطاق وإن توجه عليه حال عدم الائتواء عمر فنقول الراجح يصير واجبا والمرجوح ممتنعا على ما تقدم تقريره في الدليل الرابع والتكليف بالواجب محال لأن ما يجب وقوعه استحال أن يسند وقوعه إلى شئ آخر وإذا استحال أن يسند وقوعه إلى غيره استحال أن يفعله فاعل فإذا أمر بفعله فقد أمر بما لا قدرة له عليه
وإما التكليف بالممتنع فلا شبهة في أنه تكليف بمالا يطاق الدليل السادس أفعال العبد مخلوقة لله تعالى وإذا كان كذلك كان التكليف تكليف ما لا يطاق أما أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فلأنه لو كان مخلوقا للعبد
(2/229)

لكان معلوما للعبد وليس معلوما للعبد فهو غير مخلوق له وتقريره في كتبنا الكلامية وأما أنه إذا كان فعل العبد مخلوقا لله تعالى كان التكليف تكليفا بما لا يطاق فلأن العبد قبل أن خلق الله تعالى فيه الفعل استحال منه تحصيل الفعل وإذا خلق الله تعالى فيه الفعل استحال منه الامتناع والدفع ففي كلتا الحالتين لا قدرة له لا على الفعل ولا على الترك فإن قلت هب أنه لا قدرة له على الإيجاد ولكن الله تعالى أجرى عادته بأنه إذا اختار العبد وجود الفعل فالله تعالى يخلقه وإن اختار عدم الفعل فالله تعالى لا يخلقه وعلى هذا الوجه يكون العبد مختارا قلت ذلك الاختيار إن كان منه لا من الله تعالى فالعبد موجد لذلك الاختيار
(2/230)

وإن لم يكن منه بل من الله تعالى كان مضطرا في ذلك الاختيار فيعود الكلام الدليل السابع الأمر قد وجد قبل الفعل والقدرة غير موجودة قبل
الفعل فالأمر قد وجد لا عند القدرة وذلك تكليف ما لا يطاق أما أن الأمر قد وجد قبل الفعل فلأن الكافر مكلف بالإيمان وأما أن القدرة غير موجودة قبل الفعل فلأن القدرة صفة متعلقة فلا بد لها من متعلق والمتعلق إما الموجود وإما المعدوم ومحال أن يكون المعدوم متعلق القدرة لأن العدم نفي محض مستمر والنفي المحض يستحيل أن يكون مقدورا والمستمر يمتنع أيضا أن يكون مقدورا فالنفي المستمر اولى أن لا يكون مقدورا وإذا ثبت أن متعلق القدرة لا يمكن أن يكون عدما محضا ثبت أنه لا بد أن يكون موجودا فلما ثبت أن القدرة لا بد لها من معلق وثبت أن المتعلق لا بد وأن يكون موجودا ثبت أن القدرة لا توجد إلا عند وجود الفعل.
(2/231)

الدليل الثامن العبد لو قدر على الفعل لقدر عليه إما حال وجوده أو قبل وجوده والأول محال وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال والثاني محال لأن القدرة في الزمان المتقدم إما أن يكون لها أثر في الفعل أو لا يكون فإن كان لها أثر في الفعل فنقول تأثير القدرة في المقدور حاصل في الزمان الأول ووجود المقدور غير حاصل في الزمان الأول فتأثير القدرة في المقدور مغاير لوجود المقدور والمؤثر إما أن يؤثر في ذلك المغاير حال وجوده أو قبله فإن كان الأول لزم أن يكون موجدا للموجود وهو محال
وإن كان الثاني كان الكلام فيه كما تقدم ولزم التسلسل وإن لم يكن لها أثر في الزمان المتقدم وثبت أيضا أنه ليس لها في الزمان المقارن لوجود الفعل أثر استحال أن يكون لها أثر في الفعل البتة وإذا لم يكن لها أثر ألبتة استحال أن تكون للعبد قدرة على الفعل البتة
(2/232)

واعلم أن هذين الوجهين لا نرتضيهما النبي لأنهما يشكلان بقدرة الباري جل جلاله على الفعل الدليل التاسع أن الله تعالى أمر بمعرفته في قوله فاعلم أنه لا إله إلا الله فنقول إما أن يتوجه الأمر على العارف بالله تعالى أو على غير العارف به والأول محال لأنه يقتضي تحصيل الحاصل والجمع بين المثلين وهما محالان والثاني محال لأن غير العارف بالله تعالى ما دام يكون غير عارف بالله تعالى استحال أن يكون عارفا بأن الله تعالى أمره بشئ لإن العلم بأن الله تعالى أمره بشئ مشروط بالعلم بالله تعالى ومتى استحال أن يعرف أن الله تعالى أمره بشئ كان وإن توجيه الأمر عليه في هذه الحالة توجيها للأمر على من يستحيل أن يعلم ذلك الأمر وذلك عين تكليف مالا يطاق
(2/233)

الدليل العاشر أن الأمر بالنظر والفكر واقع في قوله تعالى قل انظروا وفي قوله تعالى أولم يتفكروا وذلك أمر بمالا يطاق
بيانه أن تحصيل التصورات غير مقدور وإذا لم تكن التصورات مقدورة لم تكن القضايا الضرورية مقدورة وإذا لم تكن القضايا الضرورية مقدورة لم تكن القضايا النظرية مقدورة وإذا لم تكن هذه الأشياء مقدورة لم يكن الفكر والنظر مقدورا وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن القادر إذا أراد تحصيلها فإما أن يحصلها حال ما تكون التصورات خاطرة بباله أو حال مالا تكون تلك التصورات خاطرة بباله فإن كانت خاطرة بباله فتلك التصورات حاصلة فتحصيلها يكون تحصيلا للحاصل وهم محال وإن كانت غير خاطرة بباله كان الذهن غافلا عنه ومتى كان الذهن غافلا عنه استحال من القادر أن يحاول تحصيله والعلم بذلك ضروري فإن قلت لم لا يجوز أن يقال إنها متصورة من وجه دون وجه فلا جرم يمكنه أن يحصل كمالها قلت لما كانت متصورة من وجه دون وجه فالوجه المتصور مغاير لما ليس بمتصور فهما أمران
(2/234)

أحدهما متصور بتمامه والآخر غير متصور بتمامه وحينئذ يعود الكلام المقدم وإنما قلنا إن التصورات إذا لم تكن مقدورة كانت القضايا البديهية غير مقدورة لأن تلك التصورات إما أن تكون بحيث يلزم من مجرد حضورها في الذهن حكم الذهن بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات أو لا يلزم
فإن لم يلزم لم تكن تلك القضايا علوما يقينية بل تكون اعتقادات تقليدية وإن لزم فنقول حصول تلك التصورات ليس باختياره وعند حصولها فترتب تلك التصديقات عليها ليس باختياره فإذن حصول تلك القضايا البديهية ليس باختياره وذلك هو المطلوب وإنما قلنا إن القضايا البديهية إذا لم تكن باختياره لم تكن القضايا النظرية باختياره وذلك لأن لزوم هذه النظريات عن تلك الضروريات إما أن يكون واجبا أو لا يكون فإن لم يكن واجبا لم يكن ذلك استدلالا يقينيا لأنا إذا استدللنا
(2/235)

بدليل مركب من مقدمات ولم يكن المطلوب واجب اللزوم عن تلك المقدمات كان اعتقاد وجود ذلك المطلوب في هذه الحالة اعتقادا تقليديا لا يقينيا وإذا كان ذلك واجبا فنقول قبل حصول تلك المقدمات البديهية امتنع حصول هذه القضايا الاستدلالية وعند حصول تلك البديهيات يجب حصول هذه الاستدلاليات فإذن هذه الاستدلاليات في جانبي النفي والإثبات لا تكون باختيار المكلف وأذا ثبت هذا ثبت أن التكليف بها تكليف بما ليس في الوسع فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذه المسألة وبالله التوفيق
(2/236)

المسألة الثانية قال أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة الأمر بفروع الشرائع لا يتوقف
على حصول الإيمان وقال جمهور أصحاب أبي حنيفة رحمه الله عليه يتوقف عليه وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفراييني من فقهائنا ومن الناس من قال تتناولهم النواهي دون الأوامر فإنه يصح انتهاؤهم عن المنهيات ولا يصح إقدامهم على المأمورات واعلم أنه لا أثر لهذا الاختلاف في الأحكام المتعلقة بالدينا لأنه ما دام الكافر كافرا يمتنع منه الإقدام على الصلاة وإذا أسلم لم يجب عليه القضاء وإنما تأثير هذا الاختلاف في أحكام الآخرة فإن الكافر إذا مات على كفره فلا شك أنه يعاقب على كفره وهل يعاقب مع ذلك على تركه الصلاة والزكاة وغيرهما أم لا
(2/237)

ولا معنى لقولنا كما إنهم مأمورون بهذه العبادات إلا أنهم كما يعاقبون على ترك الإيمان يعاقبون أيضا بعقاب زائد على ترك هذه العبادات ومن أنكر ذلك قال إنهم لا يعاقبون إلا على ترك الإينمان وهذه دقيقة لا بد من معرفتها لنا وجوه الأول أن المقتضى لوجوب هذه العبادات قائم والوصف الموجود وهو الكفر لا يصلح مانعا فوجب القول بالوجوب إنما قلنا إن المقتضى موجود لقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم وقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلا ولا شك في أن هذه النصوص عامة في حق الكل وإنما قلنا إن الكفر لا يصلح أن يكون مانعا لأن الكافر متمكن من الإتيان بالإيمان أولا حتى يصير متكمنا من الإتيان بالصلاة والزكاة
(2/238)

بناء عليه وبهذا الطريق قلنا الدهري مكلف بتصديق الرسول والمحدث مأمور بالصلاة فثبت أن المقتضي قائم والمعارض غير مانع فوجب القول بالوجوب الدليل الثاني قوله تعالى ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين وهذا يدل على أنهم يعاقبون على ترك الصلاة فإن قيل هذه حكاية قول الكفار فلا يكون حجة فإن قلت لو كان ذلك باطلا لبينه الله تعالى قلت لا نسلم وجوب ذلك فإنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ما كنا نعمل من سوء يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ثم إنه تعالى ما كذبهم في هذه المواضع فعلمنا أن تكذيبهم غير واجب
(2/239)

سلمنا أنه جحة لكن لم لا يجوز أن يقال العذاب على مجرد التكذيب لقوله تعالى وكنا نكذب بيوم الدين والدليل عليه أن التكذيب سبب مستقل باقتضاء دخول النار وإذا وجد السبب المستقل باقتضاء الحكم لم يجز إحالته على غيره
سلمنا أن العذيب واقع على جميع الأمور المذكورة لكن قوله لم نك من المصلين معناه لم نك من المؤمنين لأن اللفظ محتمل والدليل دل عليه أما اللفظ محتمل فلما روي في الحديث نهيت عن قتل المصلين ويقال قال أهل الصلاة والمراد منه المسلمون وأما أن الدليل دل عليه فلأن أهل الكتاب داخلون في هذه الجملة مع أنهم كانوا يصلون ويتصدقون ويؤمنون بالغيب ولو كان المراد من لم يأت بالصلاة والزكاة لكانوا كاذبين فيه فعلمنا أن المراد أنهم ما كانوا من أهل الصلاة والزكاة
(2/240)

سلمنا أن التعذيب على ترك الصلاة لكن قوله لم نك من المصلين يجوز أن يكون إخبارا عن قوم ارتدوا بعد إسلامهم مع أنهم ما صلوا حال إسلامهم لأنه واقعة حال فيكفي في صدقه صورة واحدة سلمنا عمومه في حق الكفار ولكن الوعيد ترتب على فعل الكل فلم قلت إنه حاصل على كل واحد من تلك الأمور والجواب أن الله تعالى لما حكى عن الكفار تعليلهم دخول النار بترك الصلاة وجب أن يكون ذلك صدقا لأنه لو كان كذبا مع أنه تعالى ما بين كذبهم فيها لم يكن في روايتها فائدة وكلام الله تعالى متى أمكن حمله على ما هو أكثر فائدة وجب ذلك وأما المواضع التي كذبوا فيها مع أن الله تعالى ما بين كذبهم فيها فذاك لاستقلال العقل بمعرفة كذبهم فيها فتكون الفائدة من ذكر تلك الأشياء بيان نهاية مكابرتهم وعنادهم في الدنيا والآخرة وأما ها هنا فلما لم يكن العقل مستقلا بمعرفة كذبهم والله تعالى
(2/241)

لم يبين لنا ذلك فلو كانوا كاذبين فيه لم يحصل منه غرض أصلا فتكون الآية عرية عن الفائدة قوله العلة هي التكذيب بيوم الدين قلنا لو كان كذلك لكان سائر القيود عديم الأثر في اقتضاء هذا الحكم وذلك باطل لأن الله تعالى رتب الحكم عليها أولا في قوله تعالى قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين قوله لما وجد السبب المستقل لم يجز إحالة الحكم على غيره قلنا لعل الحصول في الموضع المعين من الجحيم ما كان لمجرد التكذيب بل لمجموع هذه الأمور وإن كان مجرد التكذيب سببا لدخول مطلق الجحيم قوله المراد من قوله لم نك من المصلين أي لم نك من المؤمنين قلنا هذا التأويل لا يتأتي في قوله ولم نك نطعم المسكين قوله أهل الكتاب صلوا وأطعموا
(2/242)

قلنا الصلاة في عرف الشرع عبارة عن الأفعال المخصوصة التي في شرعنا لا التي في شرع غيرنا قوله جاز أن يكون المراد منه قوما ارتدوا بعد إسلامهم قلنا إن قوله سبحانه وتعالى قالوا لم نك من المصلين هو جواب المجرمين المذكورين في قوله يتساءلون عن المجرمين وذلك عام في حق الكل
الدليل الثالث قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله يضاعف له العذاب يوم القيامة وكذلك قوله فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ذمهم على ترك الكل وكذلك قوله تعالى ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة الدليل الرابع الكافر يتناوله النهي فوجب أن يتناوله الأمر وإنما قلنا إنه يتناوله النهي لأنه يحد على الزنى وإنما قلنا إنه إذا تناوله النهي وجب أن يتناوله الأمر لأنه إنما يتناوله النهي ليكون متمكنا من الاحتراز عن المفسدة الحاصلة بسبب
(2/243)

الإقدام على المنهي عنه فوجب أن يتناوله الأمر ليكون متمكنا من استيفاء المصلحة الحاصلة بسبب الإقدام على المأمور به فإن قيل لا نسلم أنه يتناوله النهي وأما الحد فذاك لأنه التزم إحكامنا وسلم سلمنا لكن لافرق بين الأمر والنهي هو أنه مع كفره يمكنه الانتهاء عن المنهيات ولا يمكنه مع كفره الإتيان بالمأمورات والجواب عن الأول أن من أحكام شرعنا أن لا يحد أحد بالفعل المباح وعن الثاني أن قولكم الكافر المكلف يمكنه الانتهاء عن المنهيات إن عنيتم به أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية فهو أيضا متمكن من فعل المأمورات من غير اعتبار النية وإن عنيتم به أنه متمكن من الانتهاء عن المنهيات لغرض امتثال قول الشارع فمعلوم أن ذلك حال عدم الإيمان متعذر
(2/244)

فالحاصل أن المأمور والمنهي استويا في أن الإتيان بهما من حيث الصورة لا يتوقف على الإينما والإتيان بهما لغرض امتثال حكم الشارع يتوقف في كليهما على الإينما فبطل الفرق الذي ذكروه واحتج المخالف بأمرين أحدهما أنه لو وجبت الصلاة على الكافر لوجبت عليه إما حال الكفر أو بعده والأول باطل لأن الإتيان بالصلاة في حال الكفر ممتنع والممتنع لا يكون مأمورا به والثاني باطل لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم فإنه لا يؤمر بقضاء ما فاته من الصلاة في زمان الكفر وثانيهما لو وجبت هذه العبادات على الكافر لوجب عليه قضاؤها كما في حق المسلم والجامع تدارك المصلحة المتعلقة بتلك العبادات ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها غير واجبة عليه والجواب عن الأول أنا بينا أنه لا تظهر فائدة هذا الخلاف في الأحكام الدنيوية إنما تظهر فائدته في الأحكام الأخروية وهي أنه هل يزداد عقاب الكافر بسبب تركه لهذه العبادات وما ذكرتموه من الدلالة لا يتناول هذا المعنى
(2/245)

وعن الثاني أنه ينتقض بالجمعة ثم الفرق أن إيجاب القضاء على من أسلم بعد كفره ينفره عن الإسلام لامتداد ايام الكفر بخلاف المسلم والله أعلم
المسألة الثالثة في أن الإتيان بالمأمور به هل يقتضي الإجزاء قبل الخوض في المسألة لا بد من تفسير الإجزاء وقد ذكروا فيه تفسيرين أحدهما وهو الأصح أن المراد من كونه مجزيا هو أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر وإنما يكون كافيا إذا كان مستجمعا لجميع الأمور المعتبرة فيه من حيث وقع الآمر به وثانيهما أن المراد من الإجزاء سقوط القضاء وهذا باطل لأنه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض شرائطه ثم مات لم يكن مجزئا مع سقوط الفضاء ولأن القضاء إنما يجب بأمر متجدد على ما سيأتي ولأنا نعلل وجوب القضاء بأن الفعل الأول ما كان مجزئا والعلة مغايرة للمعلول إذا عرفت هذا فنقول فعل المأمور به يقتضي الإجزاء خلافا لأبي هاشم وأتباعه
(2/246)

لنا وجوه الأول أنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة إنما قلنا أنه أتى بما أمر به لأن المسألة مفروضة فيما إذا كان الأمر كذلك وإنما قلنا إنه يلزم أن يخرج عن العهدة لأنه لو بقي الأمر بعد
ذلك لبقي إما متناولا لذلك المأتي به أو لغيره والأول باطل لأن الحاصل لا يمكن تحصيله والثاني باطل لأنه يلزم أن يكون الأمر قد كان متناولا لغير ذلك الذي وقع مأتيا به ولو كان كذلك لما كان المأتي به تمام متعلق الأمر وقد فرضناه كذلك هذا خلف الثاني أنه لا يخلو إما أنه يجب عليه فعله ثانيا وثالثا أو ينقضي عن عهدته بما ينطلق عليه الاسم والأول باطل لما بينا أن الأمر لا يفيد التكرار والثاني هو المطلوب لأنه لا معنى للإجزاء إلا كونه كافيا في الخروج عن عهدة الأمر الثالث أنه لو لم يقتض الإجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده إفعل وإذا فعلت لا يجزئ عنك ولو قال ذلك لعد متناقضا
(2/247)

احتج المخالف بوجوه أحدها أن النهي لا يدل على الفساد بمجرده فالأمر وجب أن لا يدل على الإجزاء بمجرده وثانيها إن كثيرا من العبادات يجب على الشارع فيها إتمامها والمضي فيها ولا تجزيه عن المأمور به كالحجة الفاسدة والصوم الذي جامع فيه وثالثها أن الأمر بالشئ لا يفيد إلا كونه مأمورا به فأما أن الإتيان يكون سببا لسقوط التكليف فذلك لا يدل عليه مجرد الأمر والجواب عن الأول أنا إن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لكن
الفرق بينه وبين الأمر أن نقول النهي يدل على أنه منعه من فعله وذلك لا ينافي أن نقول إنك لو أتيت به لجعله الله سببا لحكم آخر أما الأمر فلا دلالة فيه إلا على اقتضاء المأمور به مرة واحدة فإذا أتى به فقد أتى بتمام المقتضى فوجب أن لا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا لشئ آخر
(2/248)

وعن الثاني أن تلك الأفعال مجزئة بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامها وغير مجزئة بالنسبة إلى الأمر الأول لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور به لا على هذا الوجه الذي وقع بل على وجه آخر وذلك الوجه بعد لم يوجد وعن الثالث أن الإتيان بتمام المأمور به يوجب أن لا يبقى الأمر مقتضيا بعد ذلك وذلك هو المراد بالإجزاء والله أعلم المسألة الرابعة الإخلال بالمأمور به هل يوجب فعل القضاء أم لا هذه المسألة لها صورتان الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال إفعل في هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى ذلك الوقت فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت الحق لا لوجهين الأول أن قول القائل لغيره إفعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول ما عدا يوم الجمعة وما لا يتناولة عنه الأمر وجب أن لا يدل عليه بإثبات ولا
بنفي بل لو كان قوله إفعل هذا الفعل يوم الجمعة موضوعا في اللغة
(2/249)

لطلب الفعل في يوم الجمعة وإلا ففيما بعدها فها هنا إذا تركه يوم الجمعة لزمه الفعل فيما بعده ولكن على هذا التقدير يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام ولا نزاع في هذه الصورة وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك الثاني أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارى استعقبته إن ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل فوجب أن يقال إن إيجاب الشئ لا اشعار له بوجوب القضاء وعدم وجوبه فإن قلت إنك لما جعلته غير موجب للقضاء فحيث وجب القضاء لزمك خلاف الظاهر قلت عدم إيجاب القضاء غير وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني وأنا لا أقول به أما على التقدير الأول فغايته أنه دل دليل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي ولا إثبات وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر
(2/250)

الصورة الثانية الأمر المطلق وهو أن يقول افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعده أو
يحتاج إلى دليل أما نفاة الفور فإنهم يقولون الأمر يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله وأما مثبتوه فمنهم من قال إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي ومنهم من قال لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره إفعل كذا هل معناه إفعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع على هذا أبدا أو معناه إفعل في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع
(2/251)

فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضه فصارت هذه المسألة لغوية واحتج من قال أنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله إفعل قائم مقام قوله إفعل في الزمان الثاني وقد بينا أنه إذا قيل له ذلك وترك الفعل في الزمان الثاني لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث فكذا ها هنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين واحتج أبو بكر الرازي على قوله بأن لفظ إفعل يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق وهذا يوجب بقاء الأمر إلا ما لم يصر المأمور فاعلا وأيضا الأمر اقتضى وجوب المأمور به ووجوبه يقتضي كونه على الفور وإذا أمكن الجمع بين موجبيهما لم يكن لنا إبطال أحدهما وقد
أمكن الجمع بينهما بأن نوجب فعل المأمور به في أول أوقات الإمكان لئا ينتقض وجوبه فإن لم يفعله أوجبناه في الثاني لأن مقتضى الأمر وهو كون المأمور فاعلا لم يحصل بعد والله أعلم
(2/252)

المسألة الخامسة في أن الأمر بالأمر بالشئ لا فيه يكون أمرا به الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد أوجب على عمرو كذا فلو قال لعمرو وكل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك كان الأمر بالأمر بالشئ أمرا بالشئ في صلى هذه الصورة ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله كل ما أوجب فلان عليك فهو واجب عليك أما لو لم يقل ذلك لم يجب كما في قوله عليه الصلاة والسلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع فإن ذلك لا يقتضي الوجوب على الصبي والله أعلم
(2/253)

المسألة السادسة الأمر بالماهية لا يقتضي الأمر بشئ من جزئياتها كقوله بع هذا الثوب لا يكون هذا أمرا ببيعه بالغبن الفاحش ولا بالثمن المساوي لأن هذين النوعين يشتركان في مسمى البيع ويتمير كل واحد منهما عن صاحبه بخصوص كونه واقعا بثمن المثل وبالغبن الفاحش وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له فالأمر بالبيع الذي هو جهة الاشتراك لا يكون أمرا بما به يمتاز كل واحد من النوعين عن الآخر لا بالذات ولا بالاستلزام
وإذا كان كذلك فالأمر بالجنس لا يكون البته أمرا بشئ من أنواعه بل إذا دلت القرينة على الرضا ببعض الأنواع حمل اللفظ عليه ولذلك قلنا الوكيل بالبيع المطلق لا يملك البيع بغبن فاحش وإن كان يملك البيع بثمن المثل لقيام القرينة الدالة على الرضا به بسبب العرف وهذه قاعدة شرعية برهانية ينحل بها كثير من القواعد الفقهية إن شاء الله والله أعلم
(2/254)

النظر الرابع في المأمور وفيه مسائل المسألة الأولى قال أصحابنا المعدوم يجوز أن يكون مأمورا لا بمعنى أنه حال عدمه يكون مأمورا فإنه معلوم الفساد بالضرورة بل بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر وأما سائر الفرق فقد أنكروه لنا أن الواحد منا حال وجوده يصير مأمورا بأمر الرسول ص مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حال عدمنا وكذلك لا يبعد أن يقوم بذات ألاب طلب تعلم العلم من الولد الذي
سيوجد وأنه لو قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد صار الولد مطالبا
(2/255)

بذلك الطلب فكذا المعنى القائم بذات الله تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد معنى قديم وأن العباد إذا وجدوا يصيرون مطالبين بذلك الطلب فإن قيل أمر النبي ص غير لازم على أحد بل هو عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله تعالى يأمر كل واحد من المكلفين عند وجوده فيصير ذلك إخبارا عن أن الله تعالى سيأمرهم عند وجودهم لا أن الأمر حصل عند عدم المأمور سلمنا أن قول الرسول ص واجب الطاعة ولكن وجد هناك في الحال من سمع ذلك الأمر وبلغه إلينا أما في الأزل فلم يوجد أحد يسمع ذلك الأمر وينقله إلينا فكان ذلك الأمر عبثا ثم ما ذكرتموه معارض بدليل آخر وهو أن الأمر عبارة عن إلزام الفعل وفي إلزام الفعل من غير وجود المأمور عبث فإن من جلس في الدار يأمر وينهي من غير حضور مأمور ومنهي عد سفيها مجنونا وذلك على الله محال
(2/256)

والجواب قوله أمر النبي ص عبارة عن الإخبار قلنا من أصحابنا من قال ذلك وكذلك أمر الله تعالى عبارة عن أخباره بنزول العقاب على من يترك الفعل الفلاني إلا أن هذا مشكل من وجهين
أحدهما أنا بينا فيما تقدم أنه لو كان الأمر عبارة عن هذا الإخبار لتطرق التصديق والتكذيب إلى الأمر ولامتنع العفو عن العقاب على ترك الواجبات لأن الخلف في خبر الله تعالى محال الثاني أنه لو أخبر في الأزل لكان إما أن يخبر نفسه وهو سفه أو غيره وهو محال لأنه ليس هناك غيره ولصعوبة هذا المأخذ ذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب التميمي من أصحابنا إلى أن كلام الله تعالى في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا ثم صار فيما لا يزال كذلك
(2/257)

ولقائل أن يقول إنا لا نعقل من الكلام إلا الأمر والنهي والخبر فإذا سلمت حدوثها فقد قلت بحدوث الكلام فإن ادعيت قدم شئ آخر فعليك البيان بإفادة تصوره ثم اقامة الدلالة على أن الله تعالى موصوف به ثم اقامة الدلالة على قدمه وله أن يقول أعني بالكلام القدر المشترك بين هذه الأقسام ويمكن الجواب عن أصل الإشكال بأن قاعدة والحكمة مبنية على قاعدة الحسن والقبح وقد تقدم إفسادها
(2/258)

المسألة الثانية تكليف الغافل غير جائز للنص والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث
(2/260)

وأما المعقول فهو أن فعل الشئ مشروط بالعلم به إذ لو لم يكن
كذلك لما أمكننا الاستدلال بالأحكام على كون الله تعالى عالما وإذا ثبت هذا فلو حصل الأمر بالفعل حال عدم العلم به لكان ذلك تكليف مالا يطاق واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتفرع على نفي تكليف ما لا يطاق فإن قيل لا نسلم أن فعل الشئ مشروط بالعلم به فإن الجاهل قد يفعله على سبيل الاتفاق فإن قلت الاتفاقي لا يكون دائما ولا أكثريا قلت لا نسلم فإن حكم الشئ حكم مثله فلما جاز وجود الفعل مع عدم العلم به مرة واحدة جاز أيضا ثانية وثالثة فيلزم إمكان ذلك في الأكثر ودائما وإذا جاز ذلك فلا استحالة في أن يعلم الله تعالى وقوع هذا الجائز في بعض الأشخاص
(2/261)

وإذا علم الله تعالى ذلك منه لم يكن تكليفه بالفعل حال مالا يكون المكلف عالما به نكليف أنه ما لا يطاق سلمنا ذلك لكنه معارض بأمور أحدها أن الأمر بمعرفة الله تعالى وارد فإما أن يكون ذلك الأمر واردا بعد حصول المعرفة وذلك محال لأنه يلزم الأمر إما بتحصيل الحاصل أو بالجمع بين المثلين وهو محال أو قبل حصول المعرفة لكن المأمور قبل أن يعرف الأمر استحال منه أن يعرف الأمر فإذن قد توجه التكليف عليه حالة مالا يمكنه العلم بذلك
وهو المطلوب الثاني أن العلم بوجوب تحصيل معرفة الله تعالى ليس علما ضروريا لازما لعقول العقلاء وطباعهم بل ما لم يتأمل الأنسان ضربا من التأمل لا يحصل له العلم بالوجوب فنقول علمه بوجوب الطلب إما أن يحصل قبل إتيانه بالنظر أو بعد إتيانه به فإن حصل قبل إتيانه بالنظر وهو قبل إتيانه بالنظر لا يمكنه
(2/262)

أن يعلم ذلك الوجوب لأن العلم بالوجوب مشروط بالإتيان بذلك النظر وقبل الإيان بذلك النظر لو وجب عليه ذلك لوجب عليه في وقت لا يمكنه أن يعلم كونه واجبا عليه وذلك هو تكليف الغافل وإن حصل بعد إتيانه النظر فبعد الإتيان بالنظر حصل العلم بالوجوب فلو وجب عليه في هذا الوقت تحصيل العلم بالوجوب لزم إما تحصيل الحاصل أو الجمع بين المثلين الثالث أن الصبي والمجنون والنائم غافلون عن الفعل ثم إن أفعالهم توجب الغرامات والأروش الرابع قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون خاطب السكران والسكران غافل فثبت أنه يجوز خطاب الغافل والجواب نحن لا ندعي أن وقوع الفعل من العبد مشروط بعلمه به بل ندعي أن اختيار المكلف فعلا معينا لغرض الخروج عن عهدة التكليف مشروط بالعلم به وهذا معلوم بالضروة ولا يقدح فيه ما
ذكرتموه
(2/263)

وأما المعارضة الأولى فقد تقدم ذكرها في مسألة تكليف مالا يطاق وأما الثانية فمن الناس من زعم أن العلم بوجوب النظر ضروري وهذا ضعيف لأن العلم بكون النظر في الإلهيات مفيدا للعلم وبكونه معينا في ذلك من أغمض المسائل وأدقها لأن جمهور العقلاء وإن ساعدوا على كون النظر مفيدا للعلم في الجملة كما في الحسابيات والهندسيات لكنهم نازعوا في كون النظر مفيدا للعلم في الإلهيات وزعموا أن النظر فيها لا يفيد إلا الظن ومن سلم ذلك فقد قالوا كما أن النظر يفيد العلم فغيره ايضا قد يفيده وهو تصفية الباطن
(2/264)

وإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفا على هذين المقامين النظريين والموقوف على النظري أولي أن يكون نظريا فثبت إنه لا يمكن ادعاء الضرورة في ذلك واعلم أن هذه الحجة تؤيد القول بتكليف مالا يطاق وأما وجوب الغرامات فمعناه إما خطاب الولي بأدائها في الحال أو خطاب الصبي بعد صيرورته بالغا بأدائها وأما الآية فلها تأويلان أحدهما أنها خطاب مع من ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب وما زال عقله
وقوله حتى تعلموا ما تقولون معناه حتى يتكامل فيكم الفهم كما يقال للغضبان إصبر حتى تعلم ما تقول أي حتى يسكن غضبك وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة إلا مثل هذا السكران وقد يعسر عليه إتمام الخشوع
(2/265)

الثاني أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب وقت الصلاة كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان أي لا تشبع فيثقل عليك التهجد والله أعلم المسألة الثالثة في أن المامور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة المعتمد فيه قوله ص إنما الأعمال بالنيات قالوا ويستثنى منه سيئان أحدهما الواجب الأول وهو النظر المعرف للوجوب فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة مع أن فاعله لا يعرف وجوبه عليه إلا بعد إتيانه به الثاني إرادة الطاعة فإنها لو افتقرت إلى إرادة أخرى لزم التسلسل
(2/266)

المسألة الرابعة في أن المكره على الفعل هل يجوز أن يؤمر به ويتركه المشهور أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حد الإلجاء أو لا ينتهي إليه فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف لأن المكره عليه يعتبر
واجب الوقوع وضده يصير ممتنع الوقوع والتكليف بالواجب والممتنع غير جائز
(2/267)

وإن لم ينته إلى حد الإلجاء صح التكليف به ولقائل أن يقول الإكراه لا ينافي التكليف لأن الفعل أما أن يتوقف غلى الداعي أو لا يتوقف فإن توقف فقد بينا فيما تقدم أنه لا بد من انتهاء الدواعي إلى داعية تحصل فيه من قبل غيره وان حصول الفعل عند حصول تلك الداعية واجب فحينئذ يكون التكليف تكليفا بما وجب وقوعه أو بما امتنع وقوعه وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز مثله في الإكراه وأما إن لم يتوقف على الداعي كان رجحان الفعل على الترك أو بالعكس اتفاقيا والاتفاقي لا يكون باختيار المكلف وأذا جاز التكليف هناك مع أنه ليس باختيار المكلف فلم لا يجوز مثله في الإكراه فإن قلت ما الذي أردت بكون الفعل اتفاقيا إن عنيت به أنه حصل لا بقدرة القادر فهو ممنوع وذلك لأن المؤثر فيه عندنا هو القادر لكن القادر عندنا يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه به على الآخر من غير مرجح وإن عنيت به أمرا آخر فلا بد من بيانه قلت الرجل كان موصوفا بكونه قادرا على هذا الفعل مع أن هذا الفعل ما كان موجودا فلما وجد هذا الفعل فإما أن يكون لأنه حدث أمر آخر وراء كونه قادرا الذي كان حاصلا قبل ذلك أو ليس كذلك
(2/268)

فإن حدث كان حدوث الفعل عن القادر متوقفا على أمر آخر سوى كونه قادرا وقد فرضناه ليس متوقفا عليه هذا خلف وإن لم يحدث البتة أمر كان حدوث هذا الفعل في بعض أزمنة كونه قادرا دون ما قبله وما بعده ليس لأمر حصل في جانب القادر حتى يؤمر به أو ينهى عنه بل كان ذلك محض الاتفاق فيكون في هذه الحالة تكليفا له بما ليس في وسعه وإذا ثبت ذلك بطل قولهم المكره غير مكلف وأعلم أن هذه القاعدة قد ذكرناها في هذا الكتاب مرارا وسنذكرها بعد ذلك وما ذاك إلا لأن أكثر القواعد مبني عليها ولا جواب عنها إلا بتسليم أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد
(2/269)

المسألة الخامسة ذهب أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورا حال زمان الفعل وقبل ذلك فلا أمر بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا به وقالت المعتزلة إنه إنما يكون مأمورا بالفعل قبل وقوع الفعل لنا أنه لو امتنع كونه مأمورا حال حدوث الفعل لامتنع كونه مأمورا
(2/271)

مطلقا لأن في الزمان الأول لو امر بالفعل لكان الفعل إما أن يكون ممكنا في ذلك الزمان أو لا يكون فإن كان ممكنا فقد صار مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه
وإن لم يكن ممكنا كان مأمورا بما لا قدرة له عليه وذلك عند الخصم محال فان قلت إنه في الزمان الأول مأمور لا بأن يوقع الفعل في عين ذلك الزمان بل بأن يوقعه في الزمان الثاني منه قلت قولك إنه في الزمان الآول مأمور بأن يوقع الفعل في الزمان الثاني إن عنيت به أن كونه موقعا للفعل لا يحصل إلا في الزمان الثاني ففي الزمان الأول لم يكن موقعا البتة لشئ وليس هناك إلا نفس القدرة فيمتنع أن يكون في ذلك الزمان مأمورا بشئ وإن عنيت به أن كونه موقعا يحصل في والزمان الأول والفعل يوجد في الزمان الثاني فنقول كونه موقعا إما أن يكون نفس القدرة أو أمرا زائدا عليها فإن كان
(2/272)

نفس القدرة لم يكن لكونه موقعا للفعل معنى إلا محض كونه قادرا فيعود القسم الأول وإن كان أمرا زائدا عليها فحينئذ تكون القدرة مؤثرة في وقوع ذلك الزائد في الزمان الأول والأمر إنما توجه عليه في الزمان الأول بإيقاع ذلك الزائد وذلك الزائد واقع في الزمان الأول فالآمر لا يكون أمرا بالشئ إلا حال وقوعه لا قبله احتج الخصم بأن المأمور بالشئ يجب أن يكون قادرا عليه ولا قدرة على الفعل حال وجود الفعل وإلا لكان ذلك تحصيلا للحاصل وهو محال فعلمنا أن القدرة على الفعل متقدمة على الفعل والأمر لا يتناول
إلا القادر والرجل لا يصير مأمورا بالفعل إلا قبل وقوعه والجواب القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل ومستلزمة
(2/273)

له ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر كما في سائر المؤثرات الموجبة والله اعلم
(2/274)

المسألة السادسة المأمور به إذا كان مشروطا بشرط فالآمر إما أن يكون غير عالم بعدم الشرط أو لا يكون
(2/275)

أما الأول فكما إذا قال السيد لعبده صم غدا فإن هذا مشروط ببقاء العبد غدا وهو مجهول للآمر فها هنا الأمر تحقق في الحال يشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل وأما الثاني فكما إذا علم الله تعالى إن زيدا سيموت غدا فهل يصح أن يقال أن الله تعالى أمره بالصوم غدا يشرط أن يعيش غدا مع أنه يعلم أنه لا يعيش غدا قطع القاضي أبو بكر والغزالي رحمهما الله تعالى به وأباه جمهور المعتزلة حجة المنكرين أن شرط الأمر بقاء المأمور فالعالم بأن المأمور لا يبقى عالم بفوات شرط الأمر فاستحال مع ذلك حصول الأمر قال المجوزون لا نزاع في أنه لا يجوز أن يقول للميت حال كونه ميتا إفعل لكن لم لا يجوز أن يقال في الحال لمن يعلم أن
سيموت غدا إفعل غدا إن عشت بل هو جائز لما فيه من المصالح الكثيرة فإن المكلف قد يوطن النفس على الامتثال ويكون ذلك التوطين نافعا له يوم المعاد ونافعا له في الدنيا لأنه ينحرف به في الحال عن الفساد
(2/276)

وهذا كما أن السيد قد يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ الأمر امتحانا للعبد وقد يقول الرجل لغيره وكلتك بيع العبد غدا مع علمه بأنه سيعزله وهو عن ذلك غدا لما أن غرضه منه استمالة الوكيل أو امتحانه في أمر ذلك العبد ومأخذ النزاع في هذه المسألة أن المجوزين قالوا الأمر تارة يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر لا من المأمور به وتارة لمصالح تنشأ من المأمور به وأما المانعون فقد اعتقدوا أن الأمر لا يحسن إلا لمصلحة تنشأ من المأمور به وتمام تقريره سيظهر في مسألة أنه يجوز النسخ قبل مضي مدة الامتثال والله أعلم
(2/277)

القسم الثالث في النواهي وفيه مسائل
(2/279)

المسألة الأولى
ظاهر النهي التحريم وفيه المذاهب التي ذكرناها في أن الأمر للوجوب لنا قوله تعالى وما نهاكم عنه فانتهوا أمر بالانتهاء عن المنهي عنه والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهي واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم والله أعلم المسألة الثانية المشهور أن النهي يفيد التكرار
(2/281)

ومنهم من أباه وهو المختار لنا أن النهي قد يراد منه التكرار وهو متفق عليه وقد يراد منه المرة الواحدة كما يقول الطبيب للمريض الذي شرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويقول المنجم لا تفصد ولا تخرج إلى الصحراء أي في هذا اليوم ويقول الوالد لولده لا تلعب صلى الله عليه وسلم أي في هذا اليوم والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فوجب جعل النهي حقيقة في القدر المشترك الثاني أنه يصح أن يقال لا تأكل السمك أبدا وأن يقال لا تأكل اللحم في هذه الساعة وأما في الساعة الأخرى فكل والأول ليس بتكرار والثاني ليس بنقض فثبت أن النهي لا يفيد التكرار احتج المخالف بأمور أحدها أن قوله لا تضرب يقتضي امتناع المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود والامتناع من إدخال هذه الماهية في الوجود إنما يتحقق
إذا امتنع من إدخال كل أفرادها في الوجود إذ لو أدخل فردا من أفرادها
(2/282)

في الوجود وذلك الفرد مشتمل على الماهية فحينئذ يكون قد أدخل تلك الماهية في الوجود وذلك ينافي قولنا إنه امتنع من إدخال تلك الماهية في الوجود وثانيها أن قوله لا تضرب يعد في عرف اللغة مناقضا لقوله إضرب لأن تمام قولنا إضرب حاصل في قولنا لا تضرب مع زيادة حرف النهي لكن قولنا إضرب يفيد طلب الضرب مرة واحدة فلو كان قولنا لا تضرب يفيد الانتهاء أيضا مرة واحدة لما تناقضا لأن النفي والإثبات في وقتين لا يتناقضان فلما كان مفهوم النهي مناقضا لمفهوم الأمر وجب أن يتناول النهي كل الأوقات حتى تتحقق المنافاة وثالثها أن قوله لا تضرب لا يمتنع حمله على التكرار وقد دل الدليل على حمله على التكرار فوجب المصير إليه إنما قلنا إنه لا يمتنع حمله على التكرار لأن كون الإنسان ممتنعا عن فعل المنهي عنه أبدا ممكن ولا عسر فيه
(2/283)

وأما أن الدليل دل عليه فلأنه ليس في الصيغة دلالة على وقت دون وقت فوجب الحمل على الكل دفعا للإجمال بخلاف الأر فإنه يمتنع حمله على التكرار لإفضائه إلى المشقة والجواب عن الأول إنه لا نزاع في أن النهي يقتضي امتناع المكلف عن إدخال تلك الماهية في الوجود ولكن الامتناع عن إدخال تلك الماهية في الوجود قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما وبين الامتناع
عنه لا دائما كما تقدم بيانه واللفظ الدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به يمتاز كل واحد من القسمين عن الثاني فإذن لا دلالة في هذا اللفظ على الدوام البتة وعن الثاني إنك إن أردت بقولك إن الأمر والنهي دلا على مفهومين متناقضين أن هذا يدل على الإثبات وذلك يدل على النفي فهذا مسلم ولكن مجرد النفي والاثبات لا يتنافيان إلا بشرط اتحاد الوقت فإن قولك زيد قائم زيد ليس بقائم لا يتناقضان لأنه متى صدق الإثبات في وقت واحد فقد صدق الإثبات ومتى صدق النفي في وقت آخر فقد صدق النفي
(2/284)

ومعلوم أن الإثبات في وقت لا ينافي النفي في وقت آخر فمطلق الإثبات والنفي وجب أن لا يتناقضا البتة وعن الثالث أن النهي لا دلالة فيه إلا على مسمى الامتناع فحيث تحقق هذا المسمى فقد وقع الخروج عن عهدة التكليف تنبيه إن قلنا إن النهي يفيد التكرار فهو يفيد الفور لا محالة وإلا فلا المسألة الثالثة الشئ الواحد لا يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه معا والفقهاء قالوا يجوز ذلك إذا كان للشئ وجهان لنا أن المأمور به هو الذي طلب تحصيله من المكلف
وأقل مراتبه رفع الحرج عن الفعل والمنهي عنه هو الذي لم يرفع الحرج عن فعله فالجمع بينهما ممتنع إلا على القول بتكليف ما لا يطاق فإن قيل هذا الامتناع إنما يتحقق في الشئ الواحد من الوجه الواحد
(2/285)

إما الشئ ذو الوجهين فلم لا يجوز أن يكون مأمورا به نظرا إلى أحد وجهيه منهيا عنه نظرا إلى الوجه الآخر وهذا كالصلاة في الدار المغصوبة فإن لها جهتين كونها صلاة وكونها غصبا والغصب معقول دون الصلاة وبالعكس فلا جرم صح تعلق الأمر بها من حيث إنها صلاة وتعلق النهي بها من حيث إنها غصب لأن السيد لو قال لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فإذا خاط الثوب ودخل الدار حسن من السيد أن يضربه ويكرمه ويقول أطاع في أحدهما وعصى في الآخر فكذا ما نحن فيه فإن هذه الصلاة وإن كانت فعلا واحدا ولكنها تضمنت تحصيل أمرين أحدهما مطلوب والآخر منهي عنه سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بوجه آخر وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة والصلاة مأمور بها فالصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها وإنما قلنا أن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة لأن الصلاة
(2/286)

في الدار المغصوبة صلاة مكفئة إذا والصلاة المكفئة فقال صلاة مع كيفية فيكون مسمى الصلاة حاصلا وإنما قلنا إن الصلاة مأمور بها لقوله تعالى وأقيموا الصلاة
والجواب أن الذي ندعيه في هذا المقام أن الأمر بالشئ الواحد والنهي عنه من جهة واحدة يوجب التكليف بالمحال ثم إن جوزنا التكليف بالمحال جوزنا الأمر بالشئ الواحد والنهي عنه من جهة واحدة وإن لم نجوز ذلك لم نجوز هذا أيضا فلنبين ما ادعيناه فنقول متعلق الأمر إما أن يكون عين متعلق النهي أو غيره فإن كان الأول كان الشئ الواحد مأمورا به منهيا عنه معا وذلك عين التكليف بما لا يطاق والخصم لا يجعل هذا النوع من التكليف من باب تكليف مالا يطاق
(2/287)

وإن كان الثاني فالوجهان إما أن يتلازما وإما أن لا يتلازما فإن تلازما كان كل واحد منهما من ضرورات الآخر والأمر بالشئ أمر بما هو من ضروراته وإلا وقع التكليف بما لا يطاق وإذا كان المنهي من ضرورات المأمور كان مأمورا فيعود إلى ما ذكرنا من أنه يلزم كون الشئ الواحد مأمورا ومنهيا معا وإن لم يتلازما كان الأمر والنهي متعلقين بشيئين لا يلازم أحدهما صاحبه وذلك جائز إلا أنه يكون غير هذه المسألة التي نحن فيها فإن قلت هما شيئان يجوز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر في الجملة إلا أنهما في هذه الصورة الخاصة صارا متلازمين قلت ففي هذه الصورة الخاصة المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به وما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به فيلزم أن
يصير المنهي عنه في هذه الصورة مأمورا به وذلك محال فهذا برهان قاطع على فساد قولهم على سبيل الإجمال أما على سبيل التفصيل فهو أن الصلاة ماهية مركبة من أمور أحد
(2/288)

تلك الأمور الحركات والسكنات وهما ماهيتان مشتركتان في قدر واحد من المفهوم وهو شغل الحيز لأن الحركة عبارة عن شغل الحيز بعد أن كان شاغلا لحيز آخر والسكون عبارة عن شغل حيز واحد أزمنة كثيرة وهذان المفهومان يشتركان في كون كل واحد منهما شغلا للحيز فإذن شغل الحيز جزء جزء ماهية الصلاة فيكون جزءا لها لا محالة وشغل الحيز في هذه الصلاة منهي عنه فإذن أحد أجزاء ماهية هذه الصلاة منهي عنه فيستحيل أن تكون هذه الصلاة مأمورا بها لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أجزائه فيكون ذلك الجزء مأمورا به مع أنه كان منهيا عنه فيلزم في الشئ الواحد أن يكون مأمورا به منهيا عنه وهو محال أما قوله كونه صلاة وغصبا جهتان متباينتان يوجد كل واحد منهما عند عدم الآخر قلنا نعم ولكنا بينا أن شغل الحيز جزء ماهية الصلاة فكما أن مطلق الشغل جزء ماهية مطلق الصلاة فكذلك الشغل المعين يكون جزءا من ماهية الصلاة المعينة فإذا كان هذا الشغل منهيا عنه وهذا الشغل جزء ماهية هذه الصلاة كان جزء هذه الصلاة منهيا عنه وإذا كان
(2/289)

جزؤها منهيا عنه استحال كون هذه الصلاة مأمورا بها بل الصلاة مأمور
بها لكن النزاع ليس في الصلاة من حيث إنها صلاة بل في هذه الصلاة وأما المثال الذي ذكروه وهو أن يقول السيد لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فهو بعيد لأن ها هنا الفعل الذي هو متعلق الأمر غير الفعل الذي هو متعلق النهي وليس بينهما ملازمة فلا جرم صح الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر إنما النزاع في صحة تعلق الأمر والنهي بالشئ الواحد فأين أحدهما من الآخر وأما المعارضة التي ذكروها فمدار أمرها على إن قوله تعالى أقيموا الصلاة يفيد الأمر بكل صلاة فهذا مع ما فيه من المقدمات الكثيرة لو سلمناه لكن تخصيص العموم بدليل العقل غير مستبعد وما ذكرناه من الدليل عقلي قاطع فوجب تخصيصه به والله أعلم تنبيه الصلاة في الدار المغصوبة وإن لم تكن مأمورا بها إلا أن الفرض يسقط عندها لا بها لأنا بينا بالدليل امتناع ورود الأمر بها
(2/290)

والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة ولا طريق إلى التوفيق بيهما إلا ما ذكرناه وهو مذهب القاضي أبي بكر رحمه الله والله أعلم المسألة الرابعة ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النهي لا يفيد الفساد وقال بعض أصحابنا أنه يفيده وقال أبو الحسين البصري أنه يفيد الفساد في العبادات لا في
المعاملات وهو المختار والمراد من كون العبادة فاسدة أنه لا يحصل الإجزاء بها أما العبادات فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد أن نقول إنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه لم يأت بما أمر به فبقي في العهدة
(2/291)

إنما قلنا إنه لم يأت بما أمر به لأن المأمور به غير المنهي عنه كما تقدم بيانه فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمامور به وإنما قلنا إنه وجب أن يبقى في العهدة لأنه تارك للمأمور به وتارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب على ما مر تقريره في مسألة أن الأمر للوجوب فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالفعل المنهي عنه سببا للخروج عن عهدة الأمر فإنه لا تناقض في أن يقول الشارع نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب ولكن إن فعلته أسقطت عنك الفرض بسببه سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن النهي يقتضي الفساد لكنه معارض بدليلين الأول أن النهي لو دل على الفساد لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولم يدل عليه في الوجهين فوجب أن لا يدل على الفساد أصلا أما أنه لا يدل عليه بلفظه فلأن اللفظ لا يفيد إلا الزجر عن الفعل والفساد معناه عدم الإجزاء وأحدهما مغاير للآخر وأما أنه لا يدل عليه بمعناه فلأن الدلالة المعنوية إنما تتحقق إذا
(2/292)

كان لمسمى الشئ لازم فاللفظ الدال على الشئ دال على لازم المسمى بواسطة دلالته على المسمى وها هنا الفساد غير لازم للمنع لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع لا تصل في الثوب المغصوب ولو صليت صحت صلاتك ولا تذبح الشاة بالسكين المغصوب ولو ذبحتها بها حلت ذبيحتك وإذا لم تحصل الملازمة انتفت الدلالة المعنوية الثاني لو اقتضى النهي الفساد لكان أينما تحقق النهي تحقق الفساد لكن الأمر ليس كذلك بدليل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والوضوء بالماء المغصوب مع صحتهما والجواب قوله لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالمنهي عنه سببا للخروج عن العهدة قلنا لأنه إذا لم يأت بالمأمور به بقي الطلب كما كان فوجب الإتيان به وإلا لزم العقاب بالدليل المذكور قوله الصلاة في الثوب المغصوب منهي عنها ثم إن الإتيان بها يقتضي الخروج عن العهدة
(2/293)

قلنا الدليل الذي ذكرناه يقتضي أن لا يخرج الإنسان عن عهدة الأمر إلا بفعل المأمور به إلا أنه قد يترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لمعارض والفرق أن مماسة بدن الإنسا للثوب ليست جزءا من ماهية الصلاة ولا مقدمة لشئ من أجزائها وإذا كان كذلك كان آتيا بعين الصلاة المأمور بها من غير خلل في ماهيتها أصلا
أقصى ما في الباب أنه أتى مع ذلك بفعل آخر محرم ولكن لا يقدح في الخروج عن العهدة أما المعارضة الآولى فجوابها أن النهي دل على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به والنص دل على أن الخروج عن عهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن الإتيان بالمنهي عنه لا يقتضي الخروج عن العهدة وأما المعارضة الثانية فنقول لا نسلم أن النهي في الصور التي ذكرتموها تعلق بنفس ما تعلق به
(2/294)

الأمر بل بالمجاور وحيث صح الدليل أن الفعل المأتي به غير الفعل المنهي عنه فلا نسلم أنه لا يفيد الفساد والله أعلم وأما المعاملات فالمراد من قولنا هذا البيع فاسد إنه لا يفيد الملك فنقول لو دل النهي على عدم الملك لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولا يدل عليه بلفظه لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر ولا يدل عليه بمعناه أيضا لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع نهيتك عن هذا البيع ولكن إن أتيت به حصل الملك كالطلاق في زمان الحيض والبيع وقت النداء وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد لا بلفظه ولا بمعناه وجب أن لا يدل عليه أصلا فإن قيل هذا يشكل بالنهي في باب العبادات فإنه يدل على الفساد
ثم نقول لا نسلم أنه يدل عليه بمعناه وبيانه من وجهين الأول أن فعل المنهي عنه معصية والملك نعمة والمعصية تناسب المنع من النعمة وإلا لاحت المناسبة فمحل الاعتبار جميع المناهي الفاسدة
(2/295)

الثاني أن المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة وإلا لكان النهي منعا عن المصلحة الخالصة أو الراجحة وإنه لا يجوز بقي أحد امور ثلاثة وهو أن يكون منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية وعلى التقديرين الأولين وجب الحكم بالفساد لأنه إذا لم يفد الحكم أصلا كان عبثا والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا فلا يقدم عليه فكان القول بالفساد سعيا في إعدام تلك المفسدة وعلى التقدير الثالث وهو التساوي كان الفعل عبثا والاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء والقول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور فوجب القول به سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بالنص والإجماع والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام
(2/296)

من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد
والمنهي عنه ليس من الدين فيكون مردودا ولو كان سببا للحكم لما كان مردودا وأما الإجماع فهو أنهم رجعوا في القول بفساد الربا وفساد نكاح المتعة إلى النهي وأما المعقول فمن وجهين الأول أن النهي نقيض الأمر لكن الأمر يدل على الإجزاء فالنهي يدل على الفساد الثاني أن النهي يدل على مفسدة خالصة أو راجحة والقول
(2/297)

بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة فوجب أن يكون مشروعا قياسا على جميع المناهي الفاسدة والجواب قوله يشكل بالنهي في العبادات قلنا المراد من الفساد في باب العبادات أنها غير مجزئة والمراد منه في باب المعاملات إنه لا يفيد سائر الاحكام واذا اختلف المعنى لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر قوله الملك نعمة فلا تحصل من المعصية قلنا الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات وأما الحديث فنقول الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين أحدهما أنه غير مطابق لأمر الله تعالى والثاني أنه سبب للبينونة أما الأول فالقول به إدخال في الدين ما ليس منه فلا جرم كان ردا
وأما الثاني فلم قلت إنه ليس من الدين حتى يلزم منه أن
(2/298)

يكون ردا فإن هذا عين المتنازع فيه وأما الإجماع فلا نسلم أن الصحابة رضي الله عنهم رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة وعليكم الترجيح ثم هو معنا لأنا لو قلنا إن النهي يدل على الفساد لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل تركا للظاهر فكان ما قلناه أولى قوله الأمر دل على الإجزاء فوجب أن يدل النهي على الفساد قلنا هذا غير لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم ولو سلمنا ذلك لكان الأمر لما دل على الإجزاء وجب أن لا يدل النهي عليه لا أن يدل على الفساد والله أعلم
(2/299)

المسألة الخامسة في أن النهي عن الشئ هل يدل على صحة المنهي عنه الذين قالوا إن النهي عن التصرفات لا يدل على الفساد اختلفوا في أنه هل يدل على الصحة فنقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله أنه يدل على الصحة ولأجل ذلك احتجوا بالنهي عن الربا على انعقاده فاسدا
وكذا في نذر صوم يوم العيد وأصحابنا أنكروا ذلك
(2/300)

لنا قوله ص دعي الصلاة أيام أقرائك وروى أنه ص نهى عن بيع الملاقيح والمضامين فالنهي
(2/301)

في هذه الصورة منفك عن الصحة احتجوا بأن النهي عن غير المقدور عبث والعبث لا يليق بالحكيم فلا يجوزأن يقال للأعمى لا تبصر ولا أن يقال للزمن لا تطر والجواب عنه النقض بالمناهي المذكورة ثم نقول لم لا يجوز حمل النهي على النسخ كما اذا قال للوكيل لا تبع هذا فإنه وان كان نهيا في الصيغة لكنه نسخ في الحقيقة سلمنا أنه نهي لكن متعلقه هو البيع اللغوي وذلك ممكن الوجود فلم قلت إن المسمى الشرعي ممكن الوجود والله أعلم المسألة السادسة المطلوب بالنهي عندنا فعل ضد المنهي عنه وعند أبي هاشم نفس أن لا يفعل المنهي عنه
(2/302)

لنا أن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما يقدر عليه المكلف والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف لأن القدرة لا بد لها من تأثير والعدم نفي محض فيمتنع إسناده إلى القدرة
وبتقدير أن يكون العدم أثرا يمكن إسناده إلى القدرة لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا وإذا ثبت أن متعلق التكليف ليس هو العدم ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو الضدد احتج المخالف بأن من دعاه الداعي إلى الزنا فلم يفعله فالعقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف والجواب أنهم لا يمدحونه على شئ لا يكون في وسعه والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه على ما تقدم بل إنما يمدحونه
(2/303)

على امتناعه من ذلك الفعل وذلك الامتناع أمر وجودي لا محالة وهو فعل ضد الزنى فان قلت إنه كما يمكنه فعل الزنا فكذلك يمكنه أن يترك ذلك الفعل على عدمه الأصلي وأن لا يغيره فعدم التغيير أمر مقدور له فيتناوله التكليف قلت المفهوم من قولنا تركه على ذلك العدم الأصلي وما غيره عنه إما أن يكون محض العدم أو لا يكون فإن كان محض العدم لم يكن متعلق قدرته فاستحال أن يتناوله التكليف وإن لم يكن محض العدم كان أمرا وجوديا وهو المطلوب المسألة السابعة النهي عن الأشياء إما أن يكون نهيا عنها على الجمع أو عن الجمع أو نهيا عنها على البدل أو عن البدل
أما النهي عنها على الجمع فهو أن يقول الناهي للمخاطب لا تفعل هذا ولا هذا فيكون ذلك موجبا للخلو عنهما أجمع
(2/304)

ثم تلك الأشياء التي أوجب الخلو عنها إن كان الخلو عنها ممكنا فلا شك في جواز النهي وإن لم يكن كان ذلك النهي جائزا عند من يجوز التكليف بمالا يطاق وأما النهي عن الجمع بين أشياء فهو مثل أن تقول لا تجمع بين كذا وكذا ثم تلك الأشياء إن أمكن الجمع بينها فلا كلام في جواز ذلك النهي وإلا لم يجز عند من لا يجوز تكليف مالا يطاق لأنه عبث يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق جبل عن الصعود وأما النهي عن الأشياء على البدل فهو أن يقال للإنسان لا تفعل هذا إن فعلت ذلك ولا تفعل ذلك إن فعلت هذا وذلك ب أن يكون كل واحد منهما مفسده عند وجود الآخر وهذا يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما وأما النهي عن البدل فيفهم منه شيئان
(2/305)

أحدهما أن ينهى الإنسان عن أن يفعل شيئا ويجعله بدلا عن غيره وذلك يرجع إلى النهي عن أن يقصد به البدل وذلك غير ممتنع والآخر أن ينهى عن أن يفعل أحدهما دون الآخر لكن يجمع بينهما وهذا النهي جائز إن أمكن الجمع وغير جائز إن تعذر على قول
من لا يجوز تكليف مالا يطاق والله أعلم
(2/306)

الكلام في العموم والخصوص وهو مرتب على أقسام
القسم الأول في العموم وهو مرتب على شطرين
(2/307)

الشطر الأول في ألفاظ العموم وفيه مسائل
المسألة الأولى في العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد كقولنا الرجال فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له ولا يدخل عليه النكرات كقولهم رجل لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا ولا يستغرقهم
(2/309)

ولا التثنية و (لا) الجمع لأن لفظ رجلان ورجال يصلحان لكل اثنين وثلاثة ولا يفيدان الاستغراق ولا ألفاظ العدد كقولنا خمسة لأنه صالح لكل خمسة ولا يستغرقه
وقولنا بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك أو الذي له حقيقة ومجاز فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقيل في حده أيضا إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا من غير حصر واحترزنا باللفظة عن المعاني العامة وعن الألفاظ المركبة وبقولنا الدالة عن الجمع المنكر فإنه يتناول جميع الأعداد لكن
(2/310)

على وجه الصلاحية لا على وجه الدلالة وبقولنا على شيئين عن النكرة في الإثبات وبقولنا من غير حصر عن أسماء الأعداد والله أعلم المسألة الثانية المفيد للعموم إما أن يفيد لغة أو عرفا أو عقلا أما الذي يفيده لغة فإما أن يفيده على الجمع أو على البدل والذي يفيده على الجمع فإما أن يفيده كونه اسما موضوعا للعموم أو لأنه اقترن به ما أوجب عمومه وأما الموضوع للعموم فعلى ثلاثة أقسام الأول ما يتناول العالمين وغيرهم وهو لفظ أي في الاستفهام والمجازاة تقول أي رجل وأي ثوب وأي جسم في الاستفهام والمجازاة وكذا لفظ كل وجميع الثاني ما يتناول العالمين فقط وهو من في المجازاة والاستفهام
الثالث ما يتناول غير العالمين وهو قسمان أحدهما ما يتناول كل ما ليس من العالمين وهو صيغة ما
(2/311)

وقيل إنه يتناول العالمين أيضا كقوله تعالى ولا أنتم عابدون ما أعبد وثانيهما ما يتناول بعض ما ليس من العالمين وهو صيغة متى فإنها مختصة بالزمان وأنى وحيث فإنهما مختصان بالمكان وأما الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه دخل عليه ما جعله كذلك فهو إما في الثبوت أو في العدم أما الثبوت فضربان لام الجنس الداخلة على الجمع كقولك الرجال والإضافة كقولك ضربت عبيدي وأما العدم فكالنكرة به في النفي وأما الاسم الذي يفيد العموم على البدل فأسماء النكرات على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص وأما القسم الثاني وهو الذي يفيد العموم عرفا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع
(2/312)

وأما القسم الثالث وهو الذي يفيد العموم عقلا فأمور ثلاثة أحدها أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ولعلته فيقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت العلة
والثاني أن يكون المفيد للعموم ما يرجع إلى سؤال السائل كما إذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عمن أفطر فيقول عليه الكفارة فنعلم أنه يعم كل مفطر والثالث دليل الخطاب عند من يقول به كقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم زكاة فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس بسائمة والله أعلم المسألة الثالثة في الفرق بين المطلق والعام اعلم أن كل شئ فله حقيقة وكل أمر يكون المفهوم منه مغايرا للمفهوم من تلك الحقيقة كان لا محالة أمرا آخر سوى تلك الحقيقة سواء كان ذلك المغاير لازما لتلك الحقيقة أو مفارقا وسواء كان سلبا أو إيجابا
(2/313)

فالإنسان من حيث إنه إنسان ليس إلا أنه إنسان فأما أنه واحد أو لا واحد أو كثير أو لا كثير فكل ذلك مفهومات منفصلة عن الإنسان من حيث إنه إنسان وإن كنا نقطع بأن مفهوم الإنسان لا ينفك عن كونه واحدا أو لا واحدا إذا عرفت ذلك فنقول اللفظة الدالة على الحقيقة من حيث إنها هي هي من غير أن تكون فيها دلالة على شئ من قيود تلك الحقيقة سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا فهو المطلق وأما اللفظ الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة فإن كانت الكثرة كثرة معينة بحيث لا يتناول ما يزيد عليها فهو اسم العدد وإن لم تكن الكثرة كثرة معينة فهو العام
وبهذا التحقيق ظهر خطأ من قال المطلق هو الدال على واحد لا بعينه فإن كونه واحدا وغير معين قيدان زائدان على الماهية والله أعلم
(2/314)

المسألة الرابعة اختلف الناس في صيغة كل وجميع وأي وما ومن في المجازاة والاستفهام فذهبت المعتزلة وجماعة من الفقهاء إلى أنها للعموم فقط وهو المختار وأنكرت الواقفية ذلك ولهم قولان فالأكثرون ذهبوا إلى أنها مشتركة بين العموم والخصوص والأقلون قالوا لا ندري أنها حقيقة في العموم فقط أو الخصوص فقط أو الاشتراك فقط والكلام في هذه المسألة مرتب على فصول خمسة
(2/315)

الفصل الأول في أن من وما وأين ومتى في الاستفهام للعموم فنقول هذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط أو للخصوص فقط أولهما على سبيل الاشتراك أو لا لواحد منهما والكل باطل إلا الأول أما أنه لا يجوز أن يقال إنها موضوعة للخصوص فقط فلأنه لو كان كذلك لما حس من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء لأن الجواب
يجب أن يكون مطابقا للسؤال لكن لا نزاع في حسن ذلك وأما أنه لا يجوز القول بالاشتراك فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قيل من عندك فلا بد أن تقول تسألني عن الرجال أو عن النساء فإذا قال عن الرجال فلا بد أن تقول تسألني عن العرب أو عن
(2/317)

العجم فإذا قال عن العرب فلا بد أن تقول تسألني عن ربيعة أو عن مضر وهلم جرا إلى أن تأتي على جميع التقسيمات الممكنة وذلك لأن اللفظ إما أن يقال أنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة والأول باطل لأن أحدا لم يقل به والثاني يقتضي أن لا يحسن من المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام لأن الجواب لا بد وأن يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وذلك غير جائز فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات لكنها غير واجبة أما أولا فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال وأما ثانيا فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم
ولا للخصوص فمتفق عليه
(2/318)

فبطلت هذه الأقسام الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول وهو الحق فإن قيل لا نسلم أنها غير موضوعة للخصوص قوله لو كان كذلك لما حسن الجواب بذكر الكل قلنا متى إذا وجدت مع اللفظ قرينة تجعله للخصوص أو إذا لم توجد الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن من الجائز أن تكون هذه الصيغة موضوعة للخصوص إلا أنه قد يقترن بها من القرائن ما يصير المجموع للعموم لجواز أن يكون حكم المركب مخالفا لحكم المفرد سلمنا ذلك فلم لا يكون مشتركا قوله لو كان كذلك لوجبت الاستفهامات قلنا لم لا يجوز أن يقال هذه اللفظة لا تنفك عن قرينة دالة على
(2/319)

المراد بعينه فلا جرم لا يحتاج إلى تلك الاستفهامات سلمنا إمكان خلوه عن تلك القرينة لكن متى يقبح الجواب بذكر الكل إذا كان ذكر الكل مفيدا لما هو المطلوب بالسؤال على كل التقديرات أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن السؤال إما أن يكون قد وقع عن الكل أو عن البعض فإن وقع عن الكل كان ذكر الكل هو الواجب
وإن وقع عن البعض فذكر الكل يأتي على ذلك البعض فيكون ذكر الكل مفيدا لحصول المقصود على كل التقديرات وذكر البعض ليس كذلك فكان ذكر الكل أولى سلمنا أن الاشتراك يوجب تلك الاستفهامات لكن لا نسلم أنها لا تحسن ألا ترى أنه إذا قيل من عندك حسن منه أن يقول أعن الرجال تسألني أم عن النساء أعن الأحرار أم عن العبيد غاية ما في الباب أن يقال الاستفهام عن كل الأقسام الممكنة غير جائز لكنا نقول
(2/320)

ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك وعليكم الترجيح سلمنا أن ما ذكرتم يدل على قولكم لكنه معارض بأن هذه الصيغ لو كانت للعموم فقط لما حسن الجواب إلا بقوله لا أو نعم لأن قوله من عندك تقديره أكل الناس عندك ومعلوم أن ذلك لا يجاب إلا بلا أو بنعم فكذلك ها هنا والجواب قوله الصيغة وإن كانت حقيقة في الخصوص لكن لم لا يجوز أن يقترن بها ما يصير المجموع للعموم قلنا لثلاثة أوجه الأول أن هذا يقتضي أنه لو لم توجد تلك القرينة أن لا يحسن الجواب بذكر الكل ونحن نعلم بالضرورة من عادة أهل اللغة حسن ذلك سواء وجدت قرينة أخرى أم لم توجد الثاني أن هذه القرينة لا بد وأن تكون معلومة للسامع والمجيب معا
لأنه يستحيل أن تكون تلك القرينة طريقا إلى العلم بكون هذه الصيغة للعموم مع أنا لا نعرف تلك القرينة
(2/321)

ثم تلك القرينة إما أن تكون لفظا أو غيره والأول باطل لأنه إذا قيل لنا من عندك حسن منا أن نجيب بذكر كل من عندنا وإن لم نسمع من السائل لفظة أخرى والثاني باطل أيضا لأنا لا نعقل قسما آخر وراء اللفظ يدل على مقصود المتكلم إلا الإشارة وما يجري مجراها من تحريك العين والرأس وغيرهما وكل ذلك مما لا يطلع الأعمى عليه مع أنه يحسن منه أن يجيب بذكر الكل الثالث أن من كتب إلى غيره فقال من عندك حسن منه الجواب بذكر الكل مع أنه لم يوجد في الكتبة شئ من القرائن وبهذه الوجوه خرج الجواب أيضا عن قوله إنما لم يحسن الاستفهام عن جميع الأقسام لأن اللفظ لا ينفك عن القرينة الدالة وأيضا فقد إنعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك يجوز خلوه عن جميع القرائن المعينة قوله إنما حسن الجواب بذكر الكل لأن المقصود حاصل على كل التقديرات قلنا يلزم منه لو قال من عندك من الرجال أن يحسن منه ذكر النساء مع الرجال لأن تخصيص الرجال بالسؤال عنهم لا يدل على أنه لا حاجة
(2/322)

به إلى السؤال عن النساء فلما لم يحسن في هذا فكذا فيما ذكرتموه وأيضا فكما أنه يحتمل أن يكون غرضه من السؤال ذكر الكل أمكن أن يكون غرضه السؤال عن البعض مع السكوت عن الباقين قوله قد يحسن الاستفهام عن بعض الأقسام فليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ثبوت الاشتراك قلنا قد ذكرنا أنه ليس في الأمة أحد يقول بأن هذه الصيغ مخصوصة ببعض مراتب الخصوص دون البعض فلو كانت حقيقة في الخصوص لكانت حقيقة في كل مراتب الخصوص ولو كان كذلك لوجب الاستفهام عن كل تلك المراتب فلما لم يكن كذلك علمنا فساد القول بالاشتراك فأما حسن بعض الاستفهامات فلا يدل على وقوع الاشتراك لما سنذكر إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد أخر سوى الاشتراك قوله لو كانت هذه الصيغة للعموم لما حسن الجواب إلا بلا أو نعم قلنا لا نسلم وذلك لأن السؤال ها هنا ما وقع عن التصديق
(2/323)

حتى يكون جوابه بلا أو بنعم بل إنما وقع عن التصور فقوله من عندك معناه اذكر لي جميع من عندك من الأشخاص ولا تبق أحدا إلا وتذكره لي ومعلوم أنه يحسن الجواب عن هذا السؤال بلا أو بنعم والله أعلم
(2/324)

الفصل الثاني
في أن صيغة من وما في المجازاة للعموم ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول أن قوله من دخل داري فأكرمه لو كان مشتركا بين الخصصوص والاستغراق لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة لكنه حسن فدل على عدم الاشتراك وتقريره ما تقدم في الفصل الأول الوجه الثاني إنه إذا قال من دخل داري فأكرمه حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء والعلم بحسن ذلك من عادة أهل اللغة ضروري والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك لأنه لا نزاع في
(2/325)

أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يصح دخوله تحت المستثنى منه فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر والأول باطل وإلا لكان يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله جاءني فقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله جاءني الفقهاء إلا زيدا فرق لصحة دخول زيد في الخطابين لكن الفرق معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب فإن قيل ينتقض دليلكم بأمور ثلاثة أحدها جموع القلة كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة
وجمع السلامة فإنه للقلة بنص سيبوية مع أنه يصح استثناء كل واحد من أفراد ذلك الجنس عنها
(2/326)

وثانيها أنه يصح أن يقال اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا ومعلوم أن ذلك المستثنى لا يجب أن يكون داخلا تحت ذلك المنكر وثاليها ثم إنه يصح أن يقال صل إلا اليوم الفلاني ولو كان الاستثناء يقتضي إخراج ما لولاه لدخل لكان الأمر مقتضيا للفعل في كل الأزمنة فكان الأمر يفيد الفور والتكرار وأنتم لا تقولون بهما سلمنا سلامته عن النقض لكن لا نسلم أن قوله من دخل داري أكرمه يحسن استثناء وكل واحد من العقلاء منه فإنه لا يحسن منه أن يستثنى الملائكة والجن واللصوص ولا يحسن أن يقول إلا ملك الهند وملك الصين سلمنا حسن ذلك ولكن لم يدل على العموم قوله المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإما أن يكون الوجوب معتبرا مع هذه الصحة أو لا يكون قلنا لا نسلم أن المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإن استثناء الشئ من غير جنسه جائز
(2/327)

سلمناه لكن لم قلت إنه لا بد من الوجوب قوله لو لم يكن الوجوب معتبرا لما بقي فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر وبين الاستثنا من الجمع المعرف قلنا نسلم أنه لا بد من فرق لكن لا نسلم أنه لا فرق إلا ما
ذكرتموه سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على الوجوب لكن معنا ما يدل على أن الصحة كافية وبيانه من وجهين الأول أن الصحة أعم من الوجوب فيكون حمل اللفظ على الصحة حملا له على ما هو أعم فائدة الثاني أن القائل اذا قال لغيره أكرم جمعا من العلماء واقتل فرفة من الكفار حسن أن يستثنى كل واحد من العلماء والكفار فيقول إلا فلانا وفلانا ولو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله فيه لوجب أن يكون اللفظ المنكر للاستغراق سلمنا أن ما ذكرتموه يقتضي أن تكون صيغة من للعموم لكن لا يجب أن يكون الأمر كذلك بيانه أن الاستدلال بالمقدمتين المذكورتين على النتيجة إنما يصح لو ثبت أنه لا تجوز المناقضة على واضع اللغة إذا لو جازت المناقضة عليه
(2/328)

جاز ان يقال إنهم حكموا بهاتين المقدمتين اللتين توجبان عليهم أن يحكموا بأن صيغة من للعموم ولكنهم لعلهم لم يحكموا بها لأنهم لم يحترزوا عن المناقضة بلى لو ثبت أن اللغات توفيقية اندفع هذا السؤال سلمنا أن صحة الاستثناء من هذه الصيغ دالة على أنها للعموم لكنها تدل على أنها ليست للعموم من وجه آخر وذلك لأنها لو كانت للعموم لكان الاستثناء نقضا على ما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى والجواب أما النقض بجموع القلة فلا نسلم أنه يحسن استثناء أي عدد شئنا منه مثلا لا يجوز أن يقول أكلت الأرغفة إلا ألف
رغيف وتوافقنا على أنه يجوز استثناء أي عدد شئنا من صيغة من في المجازاة مثل أن يقول من دخل داري أكرمته إلا أهل البلدة الفلانية قوله ينتقض بقوله اصحب جمعا من الفقهاء إلا زيدا قلنا هب أن الاستثناء من الجمع المنكر يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله فيه فلم قلت إن في سائر الصور كذلك قوله يلزم أن تكون صيغة الأمر للتكرار قلنا لم لا يجوز أن يكون اقتران الاستثناء بلفظ الأمر قرينة دالة على دلالة الأمر على التكرار
(2/329)

قوله لا يحسن استثناء الملائكة واللصوص وملك الهند وملك الصين قلنا لأن المقصود من الاستثناء خروج المستثنى من الخطاب وقد علم من دون الاستثناء خروج هذه الأشياء من الخطاب ولهذا لو لم يعلم خروجها منه لحسن الاستثناء ألا ترى أنه لو كان الخطاب صادرا عن الله تعالى لحسن منه تعالى هذا الاستثناء مثل أن يقول إني أطعم من خلقت إلا الملائكة وأنظر بعين الرحمة إلى جميع خلقي إلا الملوك المتكبرين قوله لم قلت إنه يجب صحة دخول المستثنى تحت المستثنى منه قلنا لأن الإجماع منعقد على ذلك في استثناء الشئ من جنسه فلا يتوجه جواز الاستثناء من غير الجنس
(2/330)

ولأن الاستثناء مشتق من الثني وهو الصرف وإنما يحتاج إلى الصرف لو كان بحيث لولا الصارف لدخل قوله لم قلت إنه لا فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ومن الجمع المعرف إلا ما ذكرت قلنا لأن الجمع المنكر هو لاذي يدل على جمع يصلح أن يتناول كل واحد من الأشخاص فلو كان الجمع المعرف كذلك لم يبق بين الأمرين فرق وحينئذ لا يبقى بين الاستثناء من الجمعين فرق قوله حمل الاستثناء على الصحة أولى لكونها أعم فائدة قلنا يعارضه أن حمله على الوجوب أولى لأن الصحة جزء من الوجوب فلو حملناه على الوجوب لكنا قد أفدنا به الصحة والوجب معا ولو حملناه على الصحة وحدها لم نفد به الوجوب أصلا والجمع بين الدليلين بقدر الإمكان واجب قوله الاستثناء من الجمع المنكر ليس إلا لدفع الصحة
(2/331)

قلنا هب أنه كذلك فلم قلت أن الاستثناء من صيغة من وما في المجازاة كذلك قوله لم قلت إن التناقض على الواضعين لا يجوز قلنا لأن الأصل عدم التناقض على العقلاء لا سيما وقد قرر الله تعالى ذلك الوضع قوله لو كانت الصيغة للعموم لكان الاستثناء نقضا قلنا سيجئ الجواب عنه إن شاء الله تعالى
فهذا أقصى ما يمكن تمحله رسول في هذه الطريقة الوجه الثالث لما أنزر ولا الله تعالى قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال ابن الزبعري لأخصمن محمدا ثم أتى النبي ص فقال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى فتمسك بعموم اللفظ ولم ينكر النبي ص ذلك حتى نزل قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
(2/332)

فإن قلت السؤال كان خطأ لأن ما لا تتناول العقلاء قلت لا نسلم لقوله تعالى والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها والله أعلم
(2/335)

الفصل الثالث في أن صيغة الكل والجميع تفيدان الاستغراق ويدل عليه وجوه الأول أن قوله جاءني كل فقيه في البلد يناقضه قوله ما جاءني كل فقيه في البلد ولذلك يستعمل كل واحد منهما في تكذيب الآخر والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق لأن النفي عن البعض لا يناقض الثبوت في البعض الثاني أن صيغة الكل مقابلة في اللفظ لصيغة البعض ولولا أن صيغة الكل غير محتملة للبعض وإلا لما كانت مقابلة لها الثالث أن الرجل إذا قال ضربت كل من في الدار وعلم أن في الدار
عشرة ولم يعرف سوى هذه اللفظة أعني أنه لم يعرف أن في الدار أباه وغيره ممن يغلب على الظن أنه لا يضربه بل جوز أن يضربهم كلهم فإن الأسبق إلى الفهم الاستغراق ولو كانت لفظة الكل مشتركة بين الكل
(2/337)

والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر الرابع أن يتمسك بسقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي أما الأول فهو أن السيد إذا قال لعبده كل من دخل اليوم داري فأعطه رغيفا فلو أعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه حتى أنه لو أعطى رجلا قصيرا فقال له لم أعطيته مع أني أردت الطوال فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال وإنما أمرتني بإعطاء من دخل وهذا قد دخل وكل عاقل سمع هذا الكلام رأي اعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وأما الثاني فهو أن العبد لو أعطى الكل إلا واحدا فقال له السيد لم لم تعطه فقال لأنه طويل وكان لفظك عاما فقلت لعلك أردت القصار استوجب التأديب بهذا الكلام
(2/338)

الخامس إذا قال أعتقت كل عبيدي وإمائي ومات في الحال ولم يعلم منه أمر آخر سوى هذه الألفاظ حكم بعتق كل عبيده وإمائه
ولو قال غانم حر وله عبدان اسمهما غانم وجبت المراجعة والاستفهام فعلمنا عدم الاشتراك السادس إنا ندرك تفرقة بين قولنا جاءني فقهاء وبين قولنا جاءني كل الفقهاء ولولا دلالة الثاني على الاستغراق وإلا لما بقي الفرق السابع معلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن معنى الاستغراق فزعوا إلى استعمال لفظة الكل والجميع ولا يستعملون الجموع المنكرة ولولا أن لفظة الكل والجميع موضوعة للاستغراق وإلا لكان استعمالهم هاتين اللفظتين عند إرادة الاستغراق كاستعمالهم للجموع المنكرة فإن قلت في جميع هذه المواضع إنما حكمنا بالعموم للقرينة قلت كل ما تفرضونه من القرائن أمكننا فرض عدمه مع بقاء الأحكام المذكورة وأيضا لو قيل كل من قال لك جيم فقل له دال فها هنا لا قرينة تدل على هذه الأحكام مع أن العموم مفهوم منه
(2/339)

وأيضا فلو كتب في كتاب وقال اعملوا بما فيه حكم بالعموم مع عدم القرينة وأيضا الأعمى يفهم العموم من هذه الألفاظ مع أنه لا يعرف القرائن المبصرة وأما المسموعة فهي منفية لأنا فرضنا الكلام فيمن سمع هذه الألفاظ ولم يسمع شيئا آخر الثامن لما سمع عثمان رضي الله عنه قول لبيد
وكل نعيم لا محالة زائل قال كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول فلولا أن قوله أفاد العموم وإلا لما توجه عليه التكذيب والله أعلم
(2/340)

الفصل الرابع في أن النكرة في سياق النفي تعم وذلك لوجهين الأول أن الإنسان إذا قال اليوم أكلت شيئا فمن أراد تكذيبه قال ما أكلت اليوم شيئا فذكرهم هذا النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له ولو كان قوله ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما ناقضه لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي مثاله من كتاب الله أن اليهود لما قالت ما أنزل الله على بشر من شئ قال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وإنما أورد الله تعالى هذا الكلام نقضا لقولهم الثاني لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
(2/343)

تنبيه النكرة في الآيات إذا كانت خبرا لا تقتضي العموم كقولك جاءني رجل وإذا كان أمرا فالأكثرون على أنه للعموم كقوله أعتق رقبة
والدليل عليه أنه يخرج عن عهدة الأمر بفعل أيها كان ولولا أنها للعموم وإلا لما كان كذلك
(2/344)

الفصل الخامس في شبه منكري العموم احتجوا بأمور أولها العلم بكون هذه الصيغ موضوعة للعموم إما أن يكون ضروريا وهو باطل وإلا وجب اشتراك العقلاء فيه أو نظريا وحينئذ لا بد فيه من دليل وذلك الدليل إما أن يكون عقليا وهو محال لأنه لا مجال للعقل في اللغات أو نقليا وهو إما أن يكون متواترا أو آحادا والمتواتر باطل وإلا لعرفه الكل والآحاد باطل لأنه لا يفيد إلا الظن والمسألة علمية وثانيها أن هذه الألفاظ مستعملة في الاستغرا لم تارة وفي الخصوص أخرى وذلك يدل على الاشتراك بيان المقدمة الأولى أن القائل اذا قال من دخل داري أهنته أو أكرمته فإنه قلما يريد به العموم وإذا قال لقيت العلماء وقصدت الشرفاء فقد يريد به العموم تارة والخصوص أخرى
(2/345)

بيان المقدمة الثانية من وجهين الأول أن الظاهر من استعمال اللفظ في شئ كونه حقيقة فيه إلا أن يدلونا بدليل قاطع على أنهم باستعماله فيه متجوزون لأنا
لو لم نجعل ذلك طريقا إلى كون اللفظ حقيقة في المسمى لتعذر علينا أن نحكم بكون لفظ ما حقيقة في معنى ما إذ لا طريق إلى كون اللفظ حقيقة سوى ذلك الثاني هو أن هذه الألفاظ لو لم تكن حقيقة في الاستغراق والخصوص لكان مجازا في أحدهما واللفظ لا يستعمل في المجاز إلا مع قرينة وذلك خلاف الأصل وأيضا فتلك القرينة إما أن تعرف ضرورة أو نظرا والأول باطل وإلا لامتنع وقوع الخلاف فيه والثاني أيضا باطل لأنا لما نطرنا ابن في أدلة المثبتين لهذه القرينة لم نجد فيها ما يمكن التعويل عليه
(2/346)

وثالثها أن هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للاستغراق لما حسن أن يستفهم المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب الفهم عند حصول المقتضى للفهم عبث لكن من المعلوم أن من قال ضربت كل من في الدار أنه يحسن أن يقال اضربتهم قوله بالكلية وأن يقال أضربت أباك فيهم ورابعها أنها لو كانت للاستغراق لكان تأكيدها عبثا لأنها تفيد عين الفائدة الحاصلة من المؤكد وخامسها أنها لو كانت للاستغراق لكان الاستثناء نقضا وبيانه من وجهين الأول أن المتكلم قد دل على الاستغراق بأول كلامه ثم بالاستثناء رجع عن الدلالة على الكل إلى البعض فكان نقضا وجاريا
مجرى ما يقال ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار الثاني أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لجرت لفظة العموم مع الاستثناء مجرى تعديد الأشخاص واستثناء الواحد منهم بعد ذلك في القبح كما اذا قال ضربت زيدا ضربت عمرا وضربت
(2/347)

خالدا ثم يقول إلا زيدا فلما لم يكن كذلك دل حسن الاستثناء على أن جنس هذه الصيغ ليست للاستغراق وسادسها أن صيغة من وما وأي في المجازاة يصح إدخال لفظ الكل عليها تارة والبعض أخرى تقول كل من دخل داري فأكرمه بعض من دخل داري فأكرمه ولو دلت تلك الصيغة على الاستغراق لكان إدخال الكل عليها تكريرا وسابعها لو كانت لفظة من للاستغراق لامتنع جمعها لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده الواحد ومعلوم أنه ليس بعد الاستغراق كثرة فيفيدها الجمع لكن يصح جمعها لقول الشاعر أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما والجواب عن الأول لا نسلم أنه غير معلوم بالضرورة فإنا بعد
(2/348)

استقراء اللغات نعلم بالضرورة أن صيغ كل وجميع ومن وما وأي في الاستفهام والجزاء للعموم سلمناه فلم لا يجوز أن يعرف بالعقل قوله لا مجال للعقل في اللغات
قلنا ابتداء أم بواسطة الاستعانة بمقدمات نقلية الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلت إنه لم توجد مقدمات نقلية يستنتج العقل منها ثبوت الحكم في هذه المسألة سلمناه فلم لا يجوز أن يعرف ذلك بالآحاد قوله المسألة قطعية قلنا لا نسلم كيف وقد بينا أن القطع لا يوجد في اللغات إلا نادرا والجواب عن الثاني لا نزاع في أن هذه الألفاظ قد تستعمل في الخصوص ولكنك إن ادعيت أنه لا يوجد الاستعمال إلا إذا كان حقيقة بطل قولك بالمجاز
(2/349)

وإن سلمت أنه قد يوجد الاستعمال حيث لا حقيقة فحينئذ تعذر الاستدلال بالاستعمال على كونه حقيقة فإن قلت أستدل بالاستعمال مع أن المجاز خلاف الأصل على كونه حقيقة فيه قلت قولك المجاز خلاف الأصل لا يفيد إلا الظن وعندك المسألة قطعية يقينية وأيضا فكما أن المجاز خلاف الأصل فكذلك الاشتراك وقد تقدم في كتاب اللغات أنه إذا وقع التعارض بينهما كان دفع الاشتراك أولى وأما قوله أولا لو لم يجعل هذا طريقا إلى كون اللفظ حقيقة لم يبق لنا إليه طريق أصلا
قلنا قد بينا فساد هذا الطريق فإن لم يكن ها هنا طريق آخر إلى الفرق بين الحقيقة والمجاز وجب أن يقال إنه لا طريق إلى ذلك الفرق لأن ما ظهر فساده لا يصير صحيحا لأجل فساد غيره قوله ثانيا ذلك الطريق إما أن يعرف بالضرورة أو بالدليل والضرورة باطلة لوقوع الخلاف والدليل باطل لأنا لم نجد في أدلة الخالفين ما يدل عليه
(2/350)

قلنا الضروري لا ينكره الجمع العظيم من العقلاء وقد ينكره النفر اليسير ولا نسلم أن الجمع العظيم من أهل اللغة نازعوا في أن لفظ الكل وأي للعموم سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه لو يوجد ما يدل على كونها مجازا في الخصوص قوله نظرنا في أدلة المخالفين فلم نجد فيها ما يدل على ذلك قلنا عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود واعلم أن الشريف المرتضى عول على هذه الطريقة ومن تأمل كلامه فيها علم أنه في أكثر الأمر يدور على المطالبة بالدلالة على كون هذه الصيغة مجازا في الخصوص مع أنه شرع فيها شروع المستدل على كونها حقيقة في الاستغراق والخصوص والجواب عن الثالث لا نسلم أن حسن الاستفهام لا يكون إلا عند
(2/351)

الاشتراك فما الدليل عليه ثم الدليل على أنه قد يكون لغيره وجهان الأول أنه لو كان حسن الاستفهام لأجل الاشتراك لوجب أن لا
يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة على ما قررناه في الفصل الأول الثاني أن الاستفهام قد يجاب عنه بذكر ما عنه وقع الاستفهام كما لو قال القائل ضربت القاضي فيقال له أضربت القاضي فيقول نعم ضربت القاضي ولا شك في حسن هذا الاستفهام في العرف فثبت بهذين الوجهين أن الاستفهام قد يحسن لا مع الاشتراك ثم نقول الاستفهام إما أن يقع ممن يجوز عليه السهو أو ممن لا يجوز عليه ذلك والأول قد يحسن لوجوه أربعة أخرى غير الذي ذكروه أحدها أن السامع ربما ظن أن المتكلم غير متحفظ في كلامه أو هو كالساهي فيستفهمه ويستبينه له حتى إن كان ساهيا زال سهوه وأخبره عن تيقظ ولذلك يحسن أن يجاب عن الاستفهام بعين ما وقع عنه الاستفهام
(2/352)

وثانيها أن يظن السامع لأجل أمارة أن المتكلم قد أخبر بكلامه العام عن جماعة على سبيل المجازفة ويكون السامع شديد العناية بذلك فتدعوه شدة عنايته إلى الاستفهام عن ذلك الشئ لكي يعلم المتكلم اهتمام السامع به فلا يجازف في الكلام ولهذا قد يقول القائل رأيت كل من في الدار فإذا قيل له أرأيت زيدا فيهم فقال نعم زالت التهمة لأن اللفظ الخاص أقل إجمالا وربما لم يتحقق رؤيته فيدعوه ما رآه من اهتمام المستفهم إلى أن يقول لا أتحقق رؤيته
وثالثها أن يستفهم طلبا لقوة الظن ورابعها أن توجد هناك قرينة تقتضي تخصيص ذلك العموم مثل أن يقول ضربت كل من في الدار وكان فيها الوزير فغلب على الظن أنه ما ضربه فإذا حصل التعارض استفهمه ليقع الجواب عنه بلفظ خاص لا يحتمل التخصيص
(2/353)

وأما إن وقع ممن لا يجوز عليه السهو فذاك لأن دلالة الخاص أقوى من دلالة العام فيطلب الخاص بعد العام تحصيلا لتلك القوة والجواب عن الرابع من حيث المعارضة ومن حيث التحقيق أما المعارضة فمن ثلاثة أوجه أحدها تأكيد الخصوص كقولهم جاء زيد نفسه وثانيها تأكيد ألفاظ العدد كقوله تعالى تلك عشرة كاملة وثالثها إن التأكيد تقوية ما كان حاصلا فلو كان الحاصل هو الاشتراك لتأكد ذلك الاشتراك بهذا التأكيد فإن قلت التأكيد يعين اللفظ لأحد مفهوميه قلت هذا لا يكون تأكيدا بل بيانا وأما من حيث التحقيق فهو أن المتكلم إما أن يجوز عليه السهو أو
(2/354)

لا يجوز فإجاز ذلك كان حسن التأكيد لوجوه أحدها أن السامع إذا سمع اللفظ بدون تأكيد جوز مجازفة المتكلم فإذا أكده صار ذلك التجويز أبعد
وثانيها أنه ربما حصل هناك ما يقتضي تخصيص العام فإذا اقترن به التأكيد كان احتمال الخصوص أبعد وثالثها تقوية بعض ألفاظ العموم ببعض وأما إن لم يجز السهو على المتكلم لم يكن للتأكيد فائدة إلا تقوية الظن والجواب عن الخامس أنه منقوض بألفاظ العدد فإنها صريحة في ذلك العدد المخصوص ثم يتطرق الاستثناء إليها ثم الفرق بين ما ذكروه من الصورتين وبين مسألتنا ان الاستثناء إذا اتصل بالكلام صار جزءا من الكلام فتصير الجملة شيئا واحدا مفيدا لأنه لا يستقل بنفسه في الإفادة فيجب تعليقه بما يقدم عليه فإذا علقناه به صار جزءا من الكلام فتصير الجملة شيئا واحدا مفيدا وفائدته محمد إرادة ما عدا المستثنى بخلاف قوله ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار لأن ها هنا كل واحد من الكلامين مستقل بنفسه فلا حاجة إلى تعليقه بما تقدم عليه وإذا لم يتعلق به أفاد الأول ضرب جميع من في الدار وأفاد الآخر نفي ذلك فكان نقضا وأما الثاني فنطالبهم بالجامع
(2/355)

ثم الفارق أن الاستثناء إخراج جزء من كل فإذا قال ضربت زيدا وضربت عمرا إلا زيدا انصرف قوله إلا زيدا إلى زيد لا إلى عمرو لأن زيدا ليس بجزء منهم فكان نقضا بخلاف قوله رأيت الكل إلا زيدا لأن زيدا جزء من الكل فظهر الفرق والجواب عن السادس أن حكم المفرد يجوز أن يخالف حكم
المركب فيجوز أن يكون شرط إفادة لفظة من للعموم انفرادها عن لفظ البعض معها بل لم يكن شرط إفادتها للعموم حاصلا فلا جرم لم يلزم النقض والجواب عن السابع أن أهل اللغة اتفقوا على أن ذلك ليس جمعا وإنما هو إشباع الحركة لسبب آخر مذكور في كتب النحو المسألة الخامسة لا خلاف في أن الجمع المعرف بلام الجنس ينصرف إلى المعهود لو كان هناك معهود
(2/356)

أما إذا لم يكن فهو للاستغراق خلافا للواقفية وأبي هاشم لنا وجوه الأول أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله ص الأئمة من قريش والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة لأن قوله ص الأئمة من قريش لو كان معناه بعض الأئمة من قريش لوجب أن لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين أما كون كل الآئمة من قريش فينافي كون بعض الأئمة من غيرهم
(2/357)

وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي بكر رضي الله عنه لما هم بقتال مانعي الزكاة أليس قال النبي ص أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله احتج عليهم بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو
بكر ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء فقال أليس أنه عليه السلام قال إلا بحقها وإن الزكاة من حقها الثاني إن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق فوجب أن يفيد في أصله الاستغراق أما انه يؤكد فلقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق فبالإجماع
(2/358)

وأما أنه متى كان كذلك وجب أن يكون المؤكد في أصله للاستغراق فلأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعا والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتا في الأصل فلو لم يكن الاستغراق حاصلا في الأصل وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداءا لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية هذ الحكم الأصلي بل في إعطاء حكم جديد فكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة وحيث اجمعوا على انها مؤكدة اعلمنا اقتضاء الاستغراق كان حاصلا في الاصل فإن قيل هذا الاستدلال على خلاف النص لأن سيبويه نص على أن جمع السلامة للقلة وما يكون للقلة لا يكون للاستغراق ثم ينتقض بجمع القلة فإنه يجوز تأكيده بهذه المؤكدات وأيضا فعند الكوفيين يجوز تأكيد النكرات كقوله قد صرت البكرة يوما أجمعا
(2/359)

والنكرة لا تفيد الاستغراق والجواب أنه لا بد من التوفيق بين نص سيبويه وبين ما ذكرناه من الدليل فنصرف قول سيبويه إلى جمع السلامة إذا كان منكرا وما ذكرناه من الدليل إلى المعرف ونمنع جواز تأكيد جمع القلة وكذا تأكيد النكرات على قول البصريين الثالث الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار معرفة كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بالصرف إلى الكل لأنه معلوم للمخاطب فأما الصرف إلى ما دونه فانه لا يفيد المعرفة لأن بعض الجموع ليس أولى من بعض فكان مجهولا فإن قلت إذا أفاد جمعا من هذا الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس قلت هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام لأنه لو قال رأيت رجالا أفاد تعريف ذلك الجنس وتمييزه عن غيره فدل أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق
(2/360)

الرابع أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم على ما تقدم الخامس الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال رجال من الرجال ولا يجوز أن يقال الرجال من رجال ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع
وإذا ثبت هذا فنقول المفهوم من الجمع المعرف إما الكل أو ما دونه والثاني باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف وقد عرفت أن المنتزع منه أكثر ولم بطل ذلك ثبت أنه للكل والله أعلم احتجوا بأمور أولها لو كانت هذه الصيغة للاستغراق لكانت إذا استعملت في العهد لزم إما الاشتراك وإما المجاز وهما على خلاف الأصل فوجب أن لا يفيد الاستغراق البتة وثانيها ولكان قولنا رأيت كل الناس أو بعض الناس خطأ لأن الأول تكرير والثاني نقض وثالثها يقال جمع الأمير الصاغة مع أنه ما جمع الكل والأصل في الكلام الحقيقة فهذه الألفاظ حقيقة فيما دون الاستغراق فوجب أن لا تكون حقيقة في الاستغراق دفعا للاشتراك
(2/361)

والجواب عن الأول أن الألف واللام للتعريف فينصرف إلى ما السامع به أعرف فإن كان هناك عهد فالسامع به أعرف فانصرف إليه وإن لم يكن هناك عهد كان السامع أعرف بالكل من البعض لأن الكل واحد والبعض كثير مختلف فانصرف إلى الكل وأيضا لا يبعد أن يقال إذا أريد به العهد كان مجازا إلا أنه لا يحمل عليه إلا بقرينة وهي العهد بين المتخاطبين وهذا أمارة المجاز وعن الثاني أن دخول لفظتي الكل والبعض لا يكون تكريرا ولا
نقضا بل يكون تأكيدا أو تخصيصا وعن الثالث أن ذلك تخصيص بالعرف كما في قوله من دخل داري أكرمته فإنه لا يتناول الملائكة واللصوص والله أعلم المسألة السادسة الجمع المضاف كقولنا عبيد زيد للاستغراق والدليل عليه ما تقدم وأما الكناية كقوله فعلوا فإنه يقتضي مكنيا عنه والمكني
(2/362)

عنه قد يكون للاستغراق وقد لا يكون كذلك فالكناية عنه أيضا تكون كذلك المسألة السابعة إذا أمر جمعا بصيغة الجمع أفاد الاستغراق فيهم والدليل عليه ان السيد إذا أشار إلى جماعة من غلمانه بقوله قوموا فليس يتخلف عن القيام أحد إلا استحق الذم وذلك يدل على أن اللفظ للشمول ولا يجوز أن يضاف ذلك إلى القرينة لأن تلك القرينة أن كانت من لوازم هذه الصيغة فقد حصل مرادنا وإلا فلنفرض هذه الصيغة مجردة عنها ويعود الكلام والله أعلم
(2/363)

الشطر الثاني من هذا القسم فيما ألحق بالعموم وليس منه
(2/365)

المسألة الأولى
الواحد المعرف بلام الجنس لا يفيد العموم خلافا للجبائي والفقهاء والمبرد لنا وجوه الأول أن الرجل إذا قال لبست الثوب وشربت الماء لا يتبادر إلى الفهم الاستغراق الثاني لا يجوز تأكيده بما يؤكد به الجمع فلا يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون الثالث لا ينعت بنعوت الجمع فلا يقال جاءني الرجل القصار وتكلم الفقيه الفضلاء فأما ما يروى من قولهم أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر فمجاز بدليل أنه لا يطرد وأيضا فالدينار الصفر إن كان حقيقة فالدينار الأصفر مجاز كما أن الدينار الصفر لما كان حقيقة كان الدينار الأصفر إما خطأ أو مجازا الرابع البيع جزء من مفهوم هذا البيع وإحلال هذا البيع يتضمن إحلال البيع فلو كان لفظ البيع مقتضيا للعموم لزم من إحلال هذا البيع إحلال كل بيع ومعلوم أن ذلك باطل
(2/367)

فإن قلت لم لا يجوز أن يقال اللفظ المطلق إنما يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين أو يقال اللفظ المطلق وإن اقتضى العموم إلا أن لفظ التعيين يقتضي خصوصه قلت أما الأول فباطل لأن العدم لا مدخل له في التأثير
وأما الثاني فلأنه يقتضي التعارض وهو خلاف الأصل الخامس هو أنا قد بينا أن الماهية غير ووحدتها غير وكثرتها غير والاسم المعرف لا يفيد إلا الماهية وتلك الماهية تتحقق عند وجود فرد من أفرادها لأن هذا الإنسان مشتمل على الإنسان مع قيد كونه هذا فالآتي بهذا الإنسان آت بالإنسان فالإتيان بالفرد الواحد من تلك الماهية يكفي في العمل بذلك النص فظهر أن هذا اللفظ لا دلالة له على العموم البته احتجوا بوجوه أحدها أنه يجوز أن يستثنى منه الآحاد التي تصلح أن تدخل تحته لقوله تعالى إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على كون هذا اللفط
(2/368)

وثانيها أن الألف واللام للتعريف وليس ذلك لتعريف الماهية فإن ذلك قد حصل بأصل الاسم ولا لتعريف واحد بعينه فإنه ليس في اللفظ دلالة عليه اللهم إلا عند المعهود السابق وكلامنا فيما إذا لم يوجد ذلك ولا لتعريف بعض مراتب الخصوص فإنه ليس بعض تلك المراتب أولى من بعض فلا بد من الصرف إلى الكل وثالثها أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعملية فقوله تعالى وأحل الله البيع مشعر بأنه إنما صار حلالا لكونه بيعا وذلك يقتضي أن يعم الحكم لعموم العلة
ورابعها أنه يؤكد بما يؤكد به العموم كقوله كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل وذلك يدل على أنه للعموم وخامسها أنه ينعت بما ينعت به العموم كقوله تعالى والنخل باسقات وكقوله أو الطفل الذين وكل ذلك يدل على أنه للعموم والجواب عن الأول أن ذلك الاستثناء مجاز بدليل أنه يقبح أن
(2/369)

يقال رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان حقيقة لاطرد ويمكن أن يقال إن الخسران لما لزم كل الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء وعن الثاني أن لام الجنس تفيد تعيين الماهية لا تعيين الكلية وقد عرفت أن نفس الماهية لا تقتضي الكلية وعن الثالث أن ذلك اعتبار مغاير للتمسك بنفس اللفظ ونحن لا ننكر ذلك والله أعلم المسألة الثانية الكلام في الجمع المنكر ينفرع على الكلام في أقل الجمع وقد اختلفوا فيه فذهب القاضي والأستاذ أبو اسحاق وجمع من الصحابة والتابعين إلى أن أقل الجمع اثنان وقال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله ثلاثة وهو المختار
(2/370)

لنا وجوه الأول أن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع كما فصلوا بين الواحد والجمع فكما فرقنا بين الواحد والجمع وجب أن نفرق بين التثنية
والجمع الثاني أن صيغة الجمع تنعت بالثلاثة فما فوقها وبالعكس يقال جاءني رجال ثلاثة وثلاثة رجال ولا تنعت بالاثنين فلا يقال رجال اثنان ولا اثنان رجال الثالث أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير التثنية وضمير الجمع فقالوا في الاثنين فعلا وفي الثلاثة فعلوا وفي الأمر الاثنين افعلا وفي الجمع افعلوا اجتجوا أبو بالقرآن والخبر والمعقول أما القرآن فبقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين والمراد داود وسليمان
(2/371)

وبقوله تعالى إذ تسوروا المحراب وكانا اثنين لقوله تعالى خصمان وبقوله إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان وبقوله عز وجل في قصة موسى وهارون إنا معكم مستمعون وبقوله تعالى حكاية عن يعقوب عسى الله أن يأتيني بهم جميعا والمراد يوسف وأخوه وبقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وبقوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وأما الخبر فقوله ص الاثنان فما فوقهما جماعة
(2/372)

وأما المعقول فهو أن معنى الاجتماع حاصل في الاثنين
والجواب عن الأول أنه تعالى كنى عن المتحاكمين مضافا إلى كنايته عن الحاكم عليهما فإن المصدر قد يضاف إلى المفعول وإذا اعتبرنا المتحاكمين مع الحاكم كانوا ثلاثة وأما قوله تعالى إذ تسوروا المحراب مع قوله خصمان فجوابه أن الخصم في اللغة للواحد والجمع كالضيف يقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي وهذا ضيفي وهؤلاء ضيفي قال الله تعالى إن هؤلاء ضيفي
(2/373)

وهو الجواب عن التمسك بقوله تعالى هذان خصمان اختصموا وقوله ففزع منهم وأما قوله تعالى إنا معكم مستمعون فالمراد موسى وهارون وفرعون وأما قوله تعالى عسى الله أن يأتيني بهم جميعا فالمراد به يوسف وأخوه والأخ الثالث الذي قال فلن أبرح الآرض حتى يأذن لي أبي وقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فكل طائفة جمع وأما قوله تعالى فقد صغت قلوبكما فجوابه أنه قد يطلق اسم القلب على الميل الموجود في القلب فيقال للمنافق إنه ذو لسانين وذو وجهين وذو قلبين ويقال للذي لا يميل إلا إلى الشئ الواحد له قلب واحد ولسان واحد ولما خالفتا أمر الرسول ص ونمتا أو بأمر مارية وقع في قلبيهما دواع مختلفة وأفكار متباينة فصح أن يكون المراد من القلوب هده الدواعي وإذا صح ذلك وجب حمل اللفظ عليها لأن القلب لا يوصف
بالصغو) وإنما يوصف الميل به
(2/374)

وأما الحديث فهو محمول على إدراك فضيلة الجماعة وقيل إنه ص نهى عن السفر إلا في جماعة ثم بين أن الاثنين فما قوقهما عبد جماعة في جواز السفر وأما المعقول فجوابه أن البحث ما وقع عما تفيده لفظة الجمع بل عما يتناوله لفظ الرجال والمسلمين عليه فأين أحدهما من الآخر والله أعلم المسألة الثالثة الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع وهو الثلاثة خلافا للجبائي فإنه قال يحمل على الاستغراق
(2/375)

لنا أن لفظ رجال يمكن نعته بأي جمع شئنا فيقال رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فمفهوم قولك رجال يمكن جعله مورد التقسيم لهذه الأقسام والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام وغير مستلزم لها فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له إشعار بتلك الأقسام فلا يكون دالا عليها وأما الثلاثة فهي مما لابد منها فثبت أنها تفيد الثلاثة فقظ احتج الجبائي بأن حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه وذلك أولى من حمله على بعض حقائقه
(2/376)

والجواب أن مسمى هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد
ووجوده ولا شك أنه قدر مشترك بين الثلاثة فقط وبين الآربعة وما فوقها وقد بينا أن اللفظ الدال على ما به الاشتراك بين أنواع لا دلالة فيه البتة على شئ من تلك الأنواع فضلا عن أن يكون حقيقة فيها فبطل قوله إن حمل هذا اللفظ على الاستغراق يقتضي حمله على جميع حقاقه أبي والله أعلم المسألة الرابعة قوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور حتى في القصاص لوجهين الأول أن نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما الثاني أنه إما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه أو لا بد فيه من الاستواء من كل الوجوه
(2/377)

والأول باطل وإلا لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأن كل شيئين فلا بد وأن يستويا في بعض الأمور من كونهما معلومين ومذكورين وموجودين وفي سلب ما عداهما عنهما ومتى صدق عليه المساوي وجب أن يكذب عليه غير المساوي لأنهما في العرف كالمتناقضين (فإن من قال هذا يساوي ذاك فمن أراد تكذيبه قال إنه لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا فوجب أن لا يصدق على شيئين البته أنهما متساويان وغير متساويين ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه
يعتبر في المساواة المساواة من كل الوجوه وحينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه لأن نقيض الكلي هو الجزئي فإذن قولنا لا يستويان لا يفيد نفي الاستواء من جميع الوجوه والله أعلم
(2/378)

المسألة الخامسة إذا قال الله تعالى يا أيها النبي فهذا لا يتناول الأمة
(2/379)

وقال قوم ما يثبت في حقه يثبت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه من خواصه وهؤلاء إن زعموا أن ذلك مستفاد من اللفظ فهو جهالة وإن زعموا أنه مستفاد من دليل آخر وهو قوله تعالى وما آاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وما يجري مجراه فهو خروج عن هذه المسألة لأن الحكم عنده إنما وجب على الأمة لا بمجرد الخطاب المتناول للنبي فقط بل بالدليل الآخر وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا أن الخطاب المتناول بوضعه للأمة لا يتناول الرسول ص المسألة السادسة اللفظ الذي يتناول المذكر والمؤنث إما أن يكون مختصا بهما وهو كلفظ الرجال للذكور والنساء للإناث أو لا يكون وهو على قسمين أحدهما ما لا يتبين فيه تذكير ولا تأنيث كصيغة من وهذا يتناول الرجال والنساء
ومنهم من أنكره لنا انعقاد الإجماع على إنه إذا قال من دخل الدار من أرقائي
(2/380)

فهو حر فهذا لا يتخصص بالعبيد وكذا لو أوصى بهذه الصيغة أو ربط بها توكيلا أو إذنا في قضية من القضايا احتجوا بقول العرب من منان منون منة منتان منات والجواب أن ذلك وإن كان جائزا إلا أنهم اتفقوا على أن الأصح استعمال لفظ من في الذكور والإناث القسم الثاني ما تتبين فيه علامات التذكير والتأنيث كقولنا قام قاما قاموا قامت قامتا قمن واتفقوا على أن خطاب الإناث لا يتناول الذكور واختلفوا في أن خطاب الذكور هل يتناول الإناث والحق لا لنا أن الجمع تضعيف الواحد وقولنا قام لا يتناول المؤنث فقولنا قاموا الذي هو تضعيف قولنا قام وجب أن لا يتناول المؤنث
(2/381)

احتجوا بأن أهل اللغة قالوا إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير والجواب ليس المراد ما ذكرتموه بل المراد أنه متى أراد مريد أن يعبر عن الفريقين بعبارة واحدة كان الواجب هو التذكير والله أعلم المسألة السابعة إذا لم يمكن إجراء الكلام على ظاهر إلا بإضمار شئ فيه ثم هناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإضمار أيها كان لم يجز إضمار جميعها وهذا
هو المراد من قولنا المقتضي لا عموم له مثاله قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فهذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره بل لابد وأن نقول المراد رفع عن أمتي حكم الخطأ ثم ذلك الحكم قد يكون في الدنيا كإيجاب الضمان وقد يكون في الآخرة كرفع التأثيم فنقول إنه لا يجوز إضمارهما لا معا
(2/382)

لنا أن الدليل ينفي جواز الإضمار خالفناه في الحكم الواحد لأجل الضرورة ولا ضرورة في غيره فيقى على الأصل وللمخالف أن يقول ليس إضمار أحد الحكمين بأولى من الآخر فإما أن لا تضمر حكما أصلا وهو غير جائز أو تضمر الكل وهو المطلوب المسألة الثامنة المشهور من قول فقهائنا أنه لو قال والله لا آكل فإنه يعم جميع المأكولات والعام يقبل التخصيص فلو نوى مأكولا دون مأكول صحت نيته وهو قول أبي يوسف
(2/383)

وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يقبل التخصيص ونظر أبي حنيفة رحمه الله فيه دقيق وتقريره أن نية التخصيص لو صحت لصحت إما في الملفوظ أو في غيره والقسمان باطلان فبطلت تلك النية
وإنما قلنا أنه لا يصح اعتبار نية التخصيص في الملفوظ لأن الملفوظ هو الأكل والأكل ماهية واحدة لأنها قدر مشترك بين أكل هذا الطعام وأكل ذلك الطعام وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له فالأكل من حيث إنه أكل مغاير لقيد كونه هذا الأكل وذاك وغير مستلزم له والمذكور إنما هو الأكل من حيث هو أكل وهو بهذا الاعتبار ماهية واحدة والماهية من حيث إنها هي لا تقبل العدد فلا تقبل التخصيص بل الماهية إذا اقترنت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك تعددت فهناك صارت محتملة للتخصيص ولكنها قبل تلك العوارض لا تكون متعددة فلا تكون محتملة للتخصيص فالحاصل أن الملفوظ ليس إلا الماهية وهي غير قابلة للتخصيص فأما إذا أخذت الماهية مع قيود زائدة عليها تعددت وحينئذ
(2/384)

تصير محتملة للتخصيص لكن تلك الزوائد غير ملفوظة فالمجموع الحاصل منها ومن الماهية غير ملفوظ فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ وهذا هو القسم الثاني فنقول هذا القسم وأن كان جائزا عقلا إلا أنا نبطله بالدليل الشرعي فنقول إضافة ماهية الأكل إلى الخبز تارة وإلى اللحم أخرى إضافات تعرض لها بحسب اختلاف المفعول به وإضافتها إلى هذا اليوم وذلك وهذا الموضع وذاك إضافات عارضة لها بحسب اختلاف المفعول فيه ثم أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان لم يصح فكذا التخصيص بالمفعول به والجامع رعاية الاحتياط في تعظيم
اليمين حجة أصحاب الشافعي رضي الله عنه أجمعنا على أنه لو قال إن أكلت أكلا أو غسلت غسلا صحت نية التخصيص فكذا إذا قال إن أكلت لأن الفعل مشتق من المصدر والمصدر موجود فيه
(2/385)

والجواب أن المصدر هو الماهية وقد بينا أنها لا تحتمل التخصيص وأما قوله أكلت أكلا فهذا في الحقيقة ليس مصدرا لأنه يفيد أكلا واحدا منكرا والمصدر ماهية الأكل وقيد كونه واحدا منكرا ليس وصفا قائما به بل معناه أن القائل ما عينه والذي يكون متعينا في نفسه لكن القائل ما عينه فلا شك أنه قابل للتعيين فإذا نوى التعيين فقد نوى ما يحتمله اللفظ فهذا ما عندي في هذا الفصل المسألة التاسعة قال الشافعي رضي الله عنه ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال
(2/386)

مثاله أن ابن غيلان أسلم على عشر نسوة فقال عليه الصلاة والسلام أمسك أربعا وفارق سائرهن ولم يسأله عن كيفية ورود عقده عليهن في الجمع أو الترتيب فكان إطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معا أو على الترتيب وهذا فيه نظر لاحتمال أنه ص عرف خصوص الحال فأجاب بناء
(2/387)

على معرفته ولم يستفصل والله أعلم المسألة العاشرة العطف على العام لا يقتضي العموم لأن مقتضى العطف مطلق الجمع وذلك جائز بين العام والخاص قال الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وهذا عام وقوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن خاص المسألة الحادية عشرة كل حكم يدل عليه بصيغة المخاطبة كقوله تعالى يأيها الذين
(2/388)

آمنوا يأيها الناس فهو خطاب مع الموجودين في عصر الرسول ص وذلك لا يتناول من يحدث بعدهم إلا بدليل منفصل يدل على أن حكم من يأتي بعد ذلك كحكم الحاضرين لأن الذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في ذلك الوقت ومن لم يكن موجودا في ذلك الوقت لا يكون إنسانا ولا مؤمنا في ذلك الوقت ومن لا يكون كذلك لا يتناوله الخطاب المتناول للإنسان والمؤمن فإن قيل وما الذي يدل على العموم قلنا الحق أنه معلوم بالضرورو أن في دين محمد ص وذكروا فيه طريقين آخرين الأول التمسك بقوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس وقوله عليه السلام بعثت إلى الناس كافة وقوله بعثت إلى الأسود والأحمر
(2/389)

وقوله ص حكمي على الواحد حكمي على الجماعة الثاني أنه ص متى أراد اتخصيص على بين كما قال لأبي بردة بن نيار يجزئ عنك ولا يجزئ أحدا بعدك
(2/391)

وخص عبد الرحمن بن عوف بحل لبس الحرير فحيث لا يتبين التخصيص نعلم العموم
(2/392)

ولقائل أن يعترض على الأول بأن لفظ الناس والجماعة والأسود والأحمر لا يتناول إلا الموجود ين فيختص بالحاضرين وعلى الثاني بأن ذكر التخصيص إنما يحتاج إليه لو جرى لفظ يوهم العموم لكنا قلنا إن الخطاب مشافهة لا يحتمل أن يدخل فيه الذين سيوجدون بعد ذلك فلا حاجة فيه إلى بيان التخصيص المسألة الثانية عشرة قول الصحابي نهى رسول الله ص عن بيع الغرر لا يفيد العموم
(2/393)

لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية والذي رآه الصحابي حتى روى النهي عنه يحتمل أن يكون خاصا بصورة واحدة وأن يكون عاما ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم وأيضا قول الصحاب قضى رسول الله ص بالشاهد واليمين لا
(2/394)

يفيد العموم وكذا القول فيما إذا قال الصحابي سمعت النبي ص يقول قضيت بالشفعة للجار لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار
(2/395)

معروف وتكون الألف واللام للتعريف وقوله قضيت حكاية عن فعل معين ماض فأما قوله ص قضيت بالشفعة للجار وقول الراوي أنه ص قضى
(2/396)

بالشفعة للجار فالاحتمال فيهما قائم ولكن جانب العموم أرجح المسألة الثالثة عشرة قول الراوي كان رسول الله ص يجمع بين الصلاتين في السفر
(2/397)

لا يقتضي العموم لأن لفظ كان لا يفيد إلا تقدم الفعل فأما التكرار فلا ومنهم من قال إنه يفيد التكرار في العرف لأنه لا يقال كان فلان يتهجد بالليل إذا تهجد مرة واحدة في عمره المسألة الرابعة عشرة إذا قال الراوي صلى ص بعد الشفق
(2/399)

فقال قائل الشفق شفقان الحمرة والبياض وأنا أحمله على وقوعه بعدهما جميعا فهذا خطأ لأن اللفظ المشترك لا يمكن حمله على مفهوميه معا كما تقدم أما المتواطئ فمثاله قول الراوي صلى رسول الله ص في الكعبة فلا يمكن أن يستدل به على جواز أداء الفرض في البيت لأنه
(2/400)

إنما يعم لفظ الصلاة لا فعلها فذاك الواقع إن كان فرضا لم يكن نفلا وبالعكس فلا يدل على العموم المسألة الخامسة عشرة قال الغزالي رحمه الله المفهوم لا عموم له لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى مسمياته ودلالة المفهوم ليست لفظية فلا يكون لها عموم والجواب إن كنت لا تسميه عموما لأنك لا تطلق لفظ العام إلا على الألفاظ فالنزاع لفظي وإن كنت تعني أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه فباطل لأن البحث عن أن المفهوم هل له عموم أم لا فرع على أن المفهوم حجة ومتى ثبت كونه حجة لزم القطع بانتفاء الحكم عما عداه لأنه لو ثبت الحكم في غير المذكور لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة والله أعلم.
(2/401)