Advertisement

المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد 001



الكتاب : المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب
المؤلف : بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى : 1429هـ)
الناشر : دار العاصمة - مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي بجدة
الطبعة : الأولى ، 1417 هـ
عدد الأجزاء : 2 (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، مقابل عليه، ومذيل الحواشي]
ـ[المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب]ـ
المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: 1429هـ)
الناشر: دار العاصمة - مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي بجدة
الطبعة: الأولى، 1417 هـ
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، مقابل عليه، ومذيل بالحواشي]
(/)

تقديم
معَالي الأمِين العَام لمجمَع الفقه الإسلامي
الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة
(المقدمة/1)

- أ -

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَحْمَدُكَ اللهم أن جَعَلْتَ مِنْ وَحْيِكَ المُقَدَّس هدى وموعظة وتبياناً لِكُلِّ شيء، وَحَمَلْتَ عبادك المؤمنين على عبادتك حق العبادة بإقامة وجوههم للدين القيم، فطرتك التي فطرت الناس عليها، وفرضت عليهم فروضاً كثيرة، أجلُّها الإيمان تطهيراً لهم من الشرك، والصلاة تنزيها لهم عن الكِبر، والزكاة تسبيبا للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحج تقوية للدين، والجهاد عزا للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، والنهي عن المنكر ردعاً للفساد، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، كما شرعت لهم السلام أماناً من المخاوف، والأَمانات نظاما للأمَّة.
ونصلي ونسلم على عبدك ونبيك خاتم رسلك الأمين محمد بن عبد الله الذي بلغَ الدعوة وأَدَّى الرسالة، وكان حريصا على المؤمنين رؤوفا بهم ورحيما، يدعوهم إلى الخير، ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، ويحثهم على التفقه في الدِّين استكمالا للمعرفة، والتزاما بالإسلام، ووقوفا عند حدوده، كما محض لهم النصيحة بحملهم على التمسك بالمصدرين الأساسيين للشريعة الباقية الخالدة في قوله: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي". فاللهم اجزِ عنا إمامنا وحبيبنا ورسولنا خير خلقك أفضل الجزاء وأَكمله وأتمه، واجعلنا له
(المقدمة/3)

- ب -

من التابعين، وبه من المهتدين، ولسنته من الحافظين، ولمنهج الله منهجه من المقيمين والمتمسكين به إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد شرفنا الله بخدمة دينه، وإقامة شرعه، وحفظ ملته، حين هيأ لنا أسباب الاجتهاد الجماعي في هذا العصر عن طريق المؤسسات الدينية الفقهية مثل: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وهيئة كبار العلماء بالرياض، ومجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة بوابة الحرمين الشريفين.
وقد التقت في هذا المجمع الكبير أَكثر المذاهب الفقهية الإسلامية الباقية إلى اليوم، ممثلة في المنتسبين إليها والقائمين عليها من علماء الدول الإسلامية جميعها، كما انضم إليه خبراء وأخصائيون من فقهاء، وأصوليين، واقتصاديين، وأطباء، وفلكيين، وحكماء، وغيرهم، من أَهل النظر البعيد، والفكر الإسلامي القويم.
وقد عنَى المجمع فيما عنى به بالتراث الفقهي فأَصدر كتابه الأَول: "عقد الجواهر الثمينة فى مذهب عالم المدينة" لجلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس. وهو من أمهات الكتب الفقهية في المذهب المالكي، معدود من بين المصادر الخمسة لكتاب "الذخيرة" للقرافي يعتمده وينقل كثيراً منه، وكان الناس في مسيس الحاجة إليه حتى مَنّ الله علينا بنشره وإصداره برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، أجزل الله مثوبته.
(المقدمة/4)

- جـ -

واليوم يسعد مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن يقدم لحفظة المذهب الحنبلي، والمجتهدين، وللعلماء، والدارسين، وللباحثين، وطلاب الفقه، كتابه الثاني: "المدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب" وهو تصنيف وتأليف لا تحقيق ونشر تراث، صنعةُ العلاَّمة الفقيه الأصولي النظار أَبي عبد الله الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي. وهو كتاب يضم ثمانية مداخل: يخدم في الخمسة الأولى منها المذهب، يُعرِّف بأصوله، ويفسِّر مصطلحاته، ويضبط للدارسين طرق معرفته، ومسالك الترجيح فيه، كما يفرد المداخل الثلاثة الباقية بالترجمة للإمام أحمد بن حنبل شيخ السنة وصاحب المنة على الأمة، والتعريف بعلماء المذهب، وكتبه.
وهو من أَجلّ ما كتب من المداخل في هذا العصر جمعا، وإتقانا، وتحليلاً، وعمقا، ونظرا، وتفصيلاً، تسنده المعرفة الواسعة، والفهم الصائب، والتتبع الدقيق لأَعمال النظار والباحثين وتصرفاتهم وما وضعوه من كتب، وصنفوه من دراسات وبحوث ومؤلفات، فجاء كما يؤمل صاحبه جامعا للفوائد، مقيدا للشوارد، حافلاً بالمسائل العلمية النادرة المستجادة، والاستنباطات الفقهية المؤيدة بأدلتها، والمطايبات المختلفة، واللطائف المتعددة المجانسة لها.
وقد رأيته منوهاً بتهذيب الأجوبة لأبي عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي ت 403، المتميز في تفسير مصطلحات الإمام أحمد، كما ألفيته مقارنا له بكتاب "الرسالة" للإمام الشافعي في التأصيل
(المقدمة/5)

- د -

والتقعيد، وحلو العبارة، ودقة الإشارة، وتحليلاته اللغوية، ووجدته في نفس المكان يشيد بالمدخل إلى مذهب أحمد بن حنبل للعلامة عبد القادر ابن بدران الدومي الدمشقي ت 1346، الذي ضمنه صاحبه جُل ما يحتاج إليه المشتغل بالمذهب. فعُدَّ بذلك عملا فريدا، ومصنفا عجيباً؛ لما حواه من مقاصد، وجمعه من مسائل، وفوائد.
وهو يشير إلى ما بين هذين الكتابين المتباعدين زمانا، نحواً من تسعة قرون ونصف، من رصيد كبير وتأسيس متين للفقه الحنبلي، فيعد من ذلك كتب الفقهاء، والأصوليين، وكتب التراجم، والطبقات، ومباحث الاجتهاد والتقليد ونحوها. وهو حين يذكرني بقول ابن بدران في مقدمة مدخله: "وسلكت به مسلكا لم أجد غيري سلكه حتى صار بحيث يستحق أن يكون مدخلا لسائر المذاهب، وليس على المخترع أن يستوفي جميع الأقسام بل عليه أن يفتح الباب": يردد على سمعي قول الآخر: "كم ترك الأول للآخَر"، مؤكدا عليه ببيت أبي العلاء:
وإنِّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانُه ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
ويحمله ذلك كله على الائتساء بالمتقدمين المقدّمين، بالسير على نهجهم، والاستدراك عليهم بالتتبع والاستقراء لكتب المذهب في الفقه وعلومه من حين تأسيسه وتدوينه إلى اليوم، وبالترجمة والتعريف بعلماء المذهب بحسب أوطانهم، وأعصارهم، وبيوتاتهم، وطبقاتهم، وبإعجام مصطلحات المذهب، والكشف عن معانيها، وتغير المراد منها، اتفاقاً، أو اختلافا، وبيان روايات المذهب وطرائق علمائه في التخريج ومسالك
(المقدمة/6)

- هـ -

الترجيح لديهم. ويتضح ذلك لمن يقارن بين كتاب ابن بدران، وعقوده الثمانية وبين المدخل المفصَّل وأقسامه التي تضمنت هي الأخرى عدداً كبيراً من الفصول والمباحث، ازدادت بها أهميته، وفاقت بها منزلته، ويفصل المؤلف القول في ذلك في ثمانية مداخل يستحق كل واحد منها أن يكون تأليفا مستوفى مستقلا بما وضع له.
فالأول: ذو ستة مباحث تناول فيها تعريف "المذهب" و"الفقه" تعريفا دقيقا، ذاكرا الأنواع الخمسة للفقه المدوّن، وباسطا القول في تاريخ التمذهب بالفقه الحنبلي، وواقفا عند موضوع الاجتهاد وأثره في الفقه، ومنبها إلى شروط نقل المذهب ووجوب الحرص على التوقي من الخطأ في نقله مع الكشف عن أسباب الخطأ.
والثاني: معارف عامة عن المذهب أبرزَ خلالها الأدوار الخمسة للمذهب الحنبلي، منوها بمزاياه، وموردا جملة ما كتب عن التعريف بالمذهب.
الثالث: بيان لأصول المذهب، يلتقي فيه مع العقد الثالث من مدخل ابن بدران.
الرابع: في مصطلحات المذهب التي جَمَعَ قَدْراً منها، ابن بدران في العقد السادس، وهو يتكون من تمهيد وفصول ثلاثة، خص الأول منها بألفاظ الإمام أحمد، والثاني بمصطلحات الأصحاب العامة في نقل المذهب وحكايته والترجيح فيه وهو خمسة أقسام، والثالث بمصطلحات الأصحاب في نقل بعضهم عن بعض.
(المقدمة/7)

- و -

الخامس: في التعريف بطرق معرفة المذهب ومسالك الترجيح فيه وهو جد مفيد، وهو صنو العقد الرابع عند ابن بدران، افتتحه الشيخ المؤلف بتمهيدات ثلاثة تدور حول ماهية المذهب، وعناية الأصحاب به، ومعرفة طرقه، وتحديد مراتب الناس في ذلك.
وعقب ذلك بالحديث عن جملة تلك الطرق وهي: القول، والفعل والسكوت، والتوقف. وفصَّل الحديث عن ذلك في ثلاثة فصول: الأول منها في بيان طرق معرفة المذهب من خط الإمام وأقواله ونحوها ومن كتب الرواية عنه. وقسم أقوال الإمام من جهة القبول والرد إلى خمسة أقسام، ومن جهة إفادتها مرتبة الحكم التكليفي في منطوقها إلى أربعة أَقسام. وأَتبع ذلك بالحديث عن الطريقين الثاني والثالث وهما: الفعل والسكوت، أَما الطريق الرابع وهو التوقف فقد جعله على قسمين: الأَول: توقف الإِمام أَحمد في الجواب لتعارض الأَدلة وتعادلها عنده، والثاني: توقفات الأَصحاب في المذهب.
الفصل الثاني من المدخل الخاص في طرق معرفة المذهب من تصرفات الأصحاب في التخريج على المذهب ولازمه. وبحث في ذلك الاستدلال وتخريج الفروع على الفروع، وتوقفات الأصحاب في المذهب.
والفصل الثالث من هذا المدخل في بيان مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب عامة، عاقدا لهذا الغرض المهم مباحث خمسة تناول فيها أنواع الاختلاف في المذهب، ومسالك الترجيح عند الاختلاف، ومعرفة المرجحات، وتحديد من له حق الاختيار والترجيح في
(المقدمة/8)

- ز -

المذهب، وبيان مصطلحات العلماء في حكاية الخلاف والترجيح.
السادس: قصره على ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، وفيه مباحث خمسة: تعرض في الأول منها إلى عيون المعارف في ترجمة الإمام، وفي الثاني إِلى بيان منزلته محدثا وفقيها، وفي الثالث إلى تحديد العلاقة بين مذهبه ومذهب الإمام الشافعي، وفي الرابع إلى قضية القول بخلق القرآن وما كان فيه من محنة الإمام التي تطورت على مدى ثلاثة وعشرين عاما من فتنة إِلى محنة ومن محنة إِلى نصرة، وفي الخامس إِلى مناقب الإمام وخصاله رحمه الله. ولهذا المدخل علاقة بما ورد عند ابن بدران في العقد الأول.
السابع: في علماء المذهب وهو ذو فصول ثلاثة: الأول في معرفة التآليف المفردة عن الإمام وعن الآخذين عنه وعن علماء المذهب، والثاني في معرفة طبقات الأصحاب، والثالث في معارف عامة وفيه سبعة مباحث مهمة منها تقريب عددهم استمدادا من طبقاتهم المطبوعة، وآفاق الحنابلة وأوطانهم وبيوتاتهم في مختلف البلاد، وآخر عن التحول المذهبي وما يندرج فيه من أصناف، مع ضبط دقيق لمشتبه الأسماء والكنى والألقاب والمبهمات وهو تكميل لما ورد في العقد الثاني من مدخل ابن بدران.
الثامن: في التعريف بكتب المذهب. وهو ما خصص له ابن بدران العقدين السابع والثامن من مدخله.
وفي هذا المدخل من الشمول والتنوع والتفصيل ما لا يدرك مثله.
(المقدمة/9)

- حـ -

افتتحه المؤلف بتمهيد عن الثروة الفقهية في مذهب الإمام مفصلا القول فيما لإمام المذهب من الكتب، وفيما روي عنه من ذلك في المسائل، وفي الكتب الجامعة للرواية عنه، ثم مستعرضا للمتون وما تبعها من شروح أو تعليقات أو حواشي وهي أَربعة وعشرون كتابا، وللمتون المفردة التي لم يشتغل بها، كما تعرض للمؤلفات المفردة في بعض الموضوعات الفقهية، وللكتب الجوامع وذكر من ذلك تصانيف في الخلاف، وفي المفردات، والاختيارات، وفي الفتاوى، وفي الأَلغاز وفي لغة الفقهاء، وفي الفروق، والقواعد الفقهية والأصولية والضوابط، كما تحدث عن كتب أصول الفقه، وعما نشر من الأبحاث العلمية حول كتب المذهب.
جهد عظيم، وعمل جليل، وقدرة فائقة على التتبع والمراجعة، وسعة نظر، ودقة فهم: تلك سمات هذه المداخل الثمانية. أَغنَت بما جمعت، وأفادت بما وسعت، ووجهت بما صنعت، فلكأن صاحبها، وهو ينظمها نظما بديعا ويعدها هذا الإعداد الكامل المحكم، ليتردد في خاطره قول ابن نُباته:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل ... إن المحامد والعلى أرزاق
وارغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غاية فيها الطلاب سباق
ولكأنه وهو ماض في بحثه وتنقيبه، وضبطه وتحقيقه، وبذله وعطائه؛ ليعيد على أسماعنا قول حسَّان:
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا
(المقدمة/10)

- ط -

كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي أرب في القول جدًّا ولا هزلا
هذا وإن الواقف على "المدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب" للدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ليعد الظفر بهذا الكتاب نعيما، والنظر فيه فتحا عظيما، كيف وهو في هذا العصر الركيزة في معرفة مذهب الإمام أحمد، الجامعُ لما تفرق في غيره من علوم وفوائد، المرشدُ بأقسامه وفصوله وبحوثه وتنبيهاته، وبما احتوت عليه فهارسه إلى كل المراجع والمصادر المتعلقة بفقه السلف، فقه الإمام ومحاور مذهبه، في أصوله وجذوره، وبتراجم أصحابه ورجاله، وتخريجاتهم واجتهاداتهم فيه، وهو بقدر ما يركز على هذه الجوانب الضرورية لمعرفة المذهب الحنبلي، ينبه على الروايات الغريبة والتخاريج الضعيفة المبثوثة في تضاعيف بعض التصانيف، قصد تنقية المذهب منها، والحيلولة دون قصيري النظر من غير المتمكنين في الفقه وأصوله، من تسليك المناهي في سلك الإباحة المطلقة، فيحيدوا بذلك عن الحق، وينابذوا الدليل، ويخرجوا عن المذهب، ويفتوا الناس بغير علم.
وتزداد الحاجة اليوم إلى هذا الأَمر أمام القضايا المستجدة المتولدة عن التطورات الحضارية والعلمية، وما نجم وينجم عنها من تغيرات فكرية ومذهبية، اقتصادية وطبية ونحوها، فيتأكد العمل وبذل الوسع في ترقية المدرسة الفقهية والنهوض بها، ودعوة المتفقهين إلى اعتماد الأصلين الأساسيين مصدري شريعتنا المطهرة، ومعرفة طرائق الأسلاف
(المقدمة/11)

- ي -

في تصرفاتهم واستنباطاتهم، ومناهجهم في استدلالاتهم، ومراعاة مقاصد الشريعة في الأحكام، ومَن سلك الجَدَد أَمِن العثار.
ولتقرير هذا الأَمر في نفوس الناشئة وتمكينهم من الوقوف على الموثوق به من المصنفات والكتب عقد المؤلف مبحثا في إسناد كتب المذهب متحدثا فيه عن الكتب الأم الموثقة، وعن أنواع التوثيق الثلاثة: بإسناد المرويات، وبإسناد الكتب، ويذكر ما وضع من توقيفات ومقابلات على بعض الكتب الموثقة بخطوط العلماء، كما تحدث عن جملة من الأَسانيد عدّ منها الإسناد الشامي، والإسناد المسلسل بالحنابلة المصريين، والإسناد المسلسل بالحنابلة النجديين والأحسائيين، وحرصا منه على الاندراج في رعيل الرواة الموثّقين المأمونين وحفظة المذهب من الفقهاء؛ ذكر المؤلف أسانيده التي تصله بأثبات ومسلسلات ومشيخات الفقه الحنبلي، مثبتا مع ذلك أسانيدهم وطرق رواياتهم العديدة إلى كتب الإِمام، وكتب الرواية عنه، وكتب علماء المذهب، أمثال الخلال، وأَبي بكر عبد العزيز، والخرقي، والحسن بن حامد، وآل أَبي يعلى، وآل قدامة، وآل بني عبد الهادي، وآل مفلح، وآل تيمية، وآل بني قيم الجوزية، وآل عبد الباقي، والحجاوي، والبهوتي، وأضرابهم.
ومثل هذا التخريج الدقيق في المذاهب الفقهية قمين بالبلوغ بصاحبه إلى درجة الاجتهاد في هذا العصر، كما أنه كفيل بأن يكون له الأَثر الكبير في اتساع الأنظار الاجتهادية وتنمية الثروة الفقهية في كل مذهب. وهكذا يمكن لمن بلغت بهم مداركهم ومعارفهم، وسمت بهم
(المقدمة/12)

- ك -

قدراتهم ومواهبهم إِلى مراتب العلماء المحققين والفقهاء المتمرسين بالأَحكام الشرعية علما وعملا، أن ينتصبوا إلى إِعمال الفكر وإِجالة النظر في الواقعات المستجدة، والحوادث والنوازل العارضة، بحُسن تفهمهم، وعميق تفقههم، وكمال تدبرهم في فهم النصوص وتطبيقها، وباستخراجهم الأدلة لها من الكتاب والسنة، وبإِعمال القياس فيما لا نص فيه منها على ما وردت به النصوص، وبالاستناد إلى الاستحسان والاستصلاح والعرف وسد الذرائع والقواعد الكلية والمقاصد الشرعية ونحو ذلك، طلبا للحكم الشرعي وتوصلا إلى معرفته.
ولضبط ذلك كله عقد المؤلف مبحثا خاصا بالاجتهاد، وهو المبحث الخامس من المدخل الأَول من كتابه، فصل فيه القول في بيان ماهية الاجتهاد، والتعريف بالمجتهد ومراتبه، ومجالات الاجتهاد وأسبابه وأنواعه وحُكمه وحكمته، ومن العلامات على طريق الاجتهاد التي نصبها المؤلف: تفريقه بين الفقه والشرع، وتقريره شمولية الشرع المطهر وصلاحيته لكل زمان ومكان، واعتباره الجسر الممتد في الإسلام معلنا خلوده ونفاذه، واعتداده بقول ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعليكم بالأمر العتيق". وتقسيمه الأَحكام الشرعية إلى قطعيات لا تقبل الخلاف وظنيات في الفقهيات العملية المكتسبة وبعض المصادر التبعية يجوز فيها ذلك، وتفصيله القول في فهوم المجتهدين وفي اختلاف المِذاهب، وتأكيده أن الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلكل وقت حكم يكتب على العباد، وتنبيهه إلى ما وقع الناس
(المقدمة/13)

- ل -

فيه من الخلط ببن تاريخ التشريع الإسلامي الذي اكتمل في عصر الرسالة بوفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين تاريخ الفقه الإسلامي، وتعريضه بمن اختلَّتْ أذواقهم وساورتهم الأهواء ومجاراة الأغراض، وتحذيره من الفتاوى المغتصبة والفتاوى الطائرة والفتاوى الشاذة الفاسدة، وكل تلك مسائل مهمة تعمق الشيخ بكر درسها بكمال دين، وثبات يقين، وقوة فحص، وعميق نقد:
خدم العلى فخدمته وهي التي ... لا تخدم الأَقوام ما لم تُخدَم
أَجزل الله مثوبته، وأتم عليه نعمته، جزاء من أحسن عملا وبذل نصحا.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي - جدة
(المقدمة/14)

المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب

ولد الإمام في 20/3/164 وتوفي في 12/3/241
عن " 77 " عاما و " 11 " شهرا و " 22 " يوما
رحمه الله تعالى

تأليف
بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس المجمع

تقديم
معالي الأمين العام للمجمع
د. محمد الحبيب ابن الخوجة

الجزء الأول
دار العاصمة
للنشر والتوزيع
(1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
(1/4)

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةِ من الرسل بقايا من أَهل العلم؛ يَدْعُون من ضل إِلى الهدى، ويَصْبرون منهم على الأَذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بِنُوْرِ الله أَهْلَ العَمَى، فكَمْ مِنْ قَتِيْلٍ لِإبليس قَد أَحيوه، وكم من ضال تائهِ قد هَدَوْه، فما أحسن أَثرهم على الناس، وما أَقبح أَثر الناس عليهم، يَنْفُون عن كتاب الله تعالى تحريفا الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الَّذين عقدوا ألوية البدعة، وأَطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، يَقُوْلون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، وَيَتكَلَمُون بالمتشابه من الكلام، ويَخْدعون جهال الناس بما يُشَبِّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين (1) .
__________
(1) هذه الخطبة اقتباس من الخطبة التي افتتح بها الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كتابه: " الرد على الزنادقة والجهمية " وقد طبعَ مرارا وانظرها في: إعلام الموقعين ": (1/ 9) ، و " اجتماع الجيوش الإسلامية ": (ص81) ، و " الصواعق المرسلة ": (1/ 107- 108) ، وكتاب الفوائد ": (ص 105) ، و " جلاء الأفهام ": (ص 249) . و " طريق الهجرتين ": (ص. 62) وفيها ذكر أن ابن وضاح في كتابه " البدع والنهي عنها " أسندها بنحوه عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهي في كتاب ابن وضّاح برقم/ 3 ص/ 32.
(1/5)

وأَشهد أَن لا إِله إِلاَّ الله وحده لا شريك له في ربوبيَّته، ولا في ألوهيته، ولا في أَسمائه وصفاته، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، وعلمه بكلِّ شيء محيط. وأَشهد أَنَّ محمدًا عبده ورسوله المصطفى ونبيه المجتبى صلى الله، وملائكته، وأَنبياؤه، ورسُلُه، والصَّالحون من عباده عليه، وعلى آله، وعلى أَصحابه، وعلى التَّابعين لهم بإحسان إِلى يوم الدِّين وسلَّم تسليما كثيرا
- أَما بعد: فإِنَ التأسي (1) ، والمُتَابَعَةَ، والاقْتِدَاءَ، بِصَاحِبِ هَذه الشَريْعَةِ الإسلامية المُبَارَكَةِ الغَرَّاء، خَاتَمِ الأَنبياء والمرسلين، وسَيِّد وَلَدِ آدم أجمعين، نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: هو رَأْسُ مَالِ المسلم، اعتقادا، وقولاً، وعملاً، في مَدَارِجِ الشرع المُطَهَّر، الكَامِنِ في الوحيين الشريفين.
- وهذا- وايم الله- عنوان محبة العبد لربه، كما قال- سبحانه -: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [آل عمران/31]
- ولُبَابُهُ عِبَادَةُ اللهِ وتوحيده - سبحانه - وهو المقصود من خلق الله للثقلين، كما قال - تعالى -: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات/ 56]
- وهذا مدار دعوة كل نبي ورسول، كما ذكر الله في القرآن عن دعوة: هود، وصالح، وشعيب: " يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " [الأعراف/ 65، 73، 85]
__________
(1) انظر عن: التأسي، والمتابعة: " شرح الكوكب المنير " 2/ 196، و " المسودة " ص/ 186.
(1/6)

وقال سبحانه- عن دعوة جميعهم: " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " [النحل/ 36]
- وهذا مقتضى الشهادتين في الإسلام: أَن لا يعبد إِلاَّ الله، وأَن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع.
وعلى هذا تدور رَحَى التشريع، ولهذا صارت سورة الفاتحة جامعة لمعاني القرآن الكريم. ثم هذه في آية واحدة منها: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ".
- وهذا مقتضى أَول أَمر في كتابا الله في أَوائل سورة البقرة: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " [البقرة/ 21]
وفي هذه الآية والآيتين بعدها مضمون الشهادتين.
- وهذا مقتضى ما أَمر الله به، وقضى وأَوجب، وأَلزم وحكم وهو خير الحاكمين، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. قال - تعالى -: " مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " [يوسف/40]
وقال- سبحانه-: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
(1/7)

إِحْسَانًا " [الإسراء/23]
- وهذا الأَمر العظيم، هو فاتحة كتاب الله، وخاتمته، لِإشعار المسلمين، بأَن ما بين الدفتين من آيات القرآن وسُوره، هو لتحقيق عبودية العبد لربه، وتوحيده له، ذلك أَن الله- سبحانه- افتتح كتابه بتوحيده في ألوهيته، وربوبيته، في قوله -تعالى-: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وبتوحيده- تعالى- في أَسمائه وصفاته في قوله- عَز َشأنه-: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، وختم كتابه بذلك في " سورة الناس ": قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (*) مَلِكِ النَّاسِ (*) إِلَهِ النَّاسِ) . ومعلوم أن توحيد الله في أَسمائه، وصفاته في هذه السورة على طريق التضمن والالتزام في نوعي التوحيد المذكورين نصًّا.
وهذا الاتباع والتأسي للشرع المطهر في أَبواب الدين كافة هو الطريق الموصل للعبد إِلى رضوان الله، ونعيم جنته.
قال الله- تعالى-: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء/19] .
وَمَنْ تتبَع أَسْرَارَ التنزيل، وجَدَ فِيْهِ مِنْ تعظيم أَمر هذا الدِّين عجبا.
فمن تعظيم الله لدينه أَن من أَخلَّ بتوحيده - سبحانه - مشركا معه غيره، فإِن الله لا يغفر له شركه، قال- تعالى-: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا " [النساء/ 48]
(1/8)

وقال- سبحانه- على لسان عيسى بن مريم- عليه السلام-: " إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ " [المائدة/ من الآية 72] .
- ومن تعظيمه- سبحانه- لِشَرِيْعَتِهِ: أَنَّ من خَرَجَ على نِظَامِها الفطري الصافي من الدَّخل، ولم يُحَكِّمْها، فَقَدْ حَكَمَ الله عليه، بأَنه: كافر ظالم. فاسق. في ثلاث آيات من: [سورة المائدة/ 44، 45،47]
وانظر إِلى هذه الآيات من سورة محمد، كأَنما أنزلت الساعة - والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب- قال الله- تعالى-:
" إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (*) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (*) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (*) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ " [الآيات: 25، 26، 27، 28] .
فليحذر المسلم من: " سنطيعكم في بعض الأمر ".
وليلتفت المسلم إِلى هذا العقاب الكبير ((إحباط الأَعمال)) لمن اتبع ما يُسْخِطُ الله، مثل: طاعة الكافرين، في تحكيم القوانين الوضعية، فإِنه محبط للأَعمال!
إلى غير ذلك من: نواقض الإسلام، ونواقض الإيمان، وكل هذا من تعظيم هذا الدِّين، وتعظيم شعائره، ورعاية حرمته، وحفظه من العاديات عليه. ونحن نشهد بالله، وكل مسلم يشهد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بَلغَ هذا
(1/9)

الأمر، حق البلاغ، في القرآن العظيم، والسُنَّةِ المشرفة، والسُنَّة قطرة من بحر القرآن الزاخر كما في قوله- تعالى-: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [من الآية/7 من سورة الحشر] .
فدليل التأسي، والمتابعة، والاقتداء، بلغنا كاملا غير منقوص، وافيا غير مبخوس، على لسان المُبَلِّغ به لأمته صلى الله عليه وسلم
قال الله - تعالى -: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " [المائدة/ من الآية 3]
وبوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى " تاريخ التشريع الِإسلامي ".
حاوياً: أَحكام الاعتقاد والفضائل والآداب، والأَحكام الفروعية، تفصيلاً أو تأصيلاً ببيان الأصول والقواعد العامة، التي تتناول مالا يتناهى من واقعات الأَحكام الفروعية، مهما تباعدت الأَوطان، واختلفت الأَزمان، والأَجيال وهذا ينسجم تماما مع عموم الرسالة، كما قال الله- سبحانه-: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " [سبأ/28]
وفي ظل هذه: " الأصول العامة " دخلَ: دور (1) " تاريخ الفقه
__________
(1) إطلاق الدور هنا استعمال عربي فصيح، لأنه بمعنى الحقبة الزمنية، وهذا واضح في تصاريف هذه المادة: " دَوَرَ " من كتب اللغة، إلا أن بعض المعاصرين يرى استعمال كلمة: " الطور "، ابتعاداَ عن الاشتراك اللفظي لكلمة: " الدور " لدى المناطقة، إذ الدور في اصطلاحهم: " هو توقف كل من الشيئين على الآخر " وهذا ممتنع لأنه يؤدي إلى تقدم الشيء على نفسه.
وغير خافي أن المشترك اللفظي من محاسن لغة العرب، فلا ضير إذا في استعمال كلمة: " الدور " هنا، ما دام إطلاقها يصح لغة. والله أعلم.
(1/10)

الِإسلامي " على يد علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لدن الصحابة- رضي الله عنهم- مروراً بالتابعين لهم، فَمَنْ بَعْدَهُم إِلى الآخر بما أمرت به هذه الشريعة من واجب " التحمل " و " البلاغ "، على علماء هذه الأُمة المرحومة، وفيما منحته لهم من " فقه الاستدلال وحق الاستنباط ". من هُنا بقي المجال لعلماء أُمته صلى الله عليه وسلم في وظائفهم العلمية، الثلاث: التحمل. والتبليغ. والاستنباط.
قال الله- تعالى-: " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " [التوبة/ 122]
وفي " الفقيه والمتفقه " للخطيب: (2/ 44- 46) : و " الطَّبقات " لابن أبي يعلى: عن الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل ت سنة (241 هـ) - رحمه الله تعالى- أَنه قال: " أصول الِإيمان ثلاثة: دَال، وَدلِيْل، ومستدل.
الدَّالُّ هو الله. والدليل: القرآن. والمبلِّغ: رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمستدلون: هم العلماء فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر".
أَمام هذه المنحة الشرعية للعلماء وهي: " مرتبة الاستدلال وحق الاستنباط " لقاء واقعات الناس، ونوازلهم، يبذل الفقيه الوسع لاستخراج الأحكام العملية الاجتهادية من أَدلتها التفصيلية.
وهذه المنحة مستمرة باقية لعلماء الأمة، فلا تلتفت إِلى دعوى سَدّ باب الاجتهاد ووجوب التقليد، كما قاله- أول من قاله-: ابن الصلاح الشافعي، المتوفى سنة (643 هـ) - رحمه الله تعالى- ولا تلتفت إلى ما صنفه اللَّقاني، المتوفى سنة (1041 هـ) - رحمه الله تعالى- من إدخال
(1/11)

وجوب التقليد في قضايا الاعتقاد، بقوله نظماً:
فواجب تقليد حَبْر منهم ... كذا حكى القوم بلفظ يُفهم
ورحم الله الشوكاني، المتوفى سنة (1250 هـ (1)) ، إِذ قال في رَدِّه دَعْوى سَد بَابِ الاجتهاد، ووجوب التقليد، إِنَّها: " رفع للشريعة بأَسرها ونسخ لها ".
إِنَّهُ بهذه المنحة - السلطة الفقهية - اجتهد، أوْلاءِ الهُدَاة المصلحون، أولو البصائر، في الاعتناء بالفقه في دين الله، والتمكن من إِتقان الاستنباط، وَرَصْد النوازل، والواقعات، وعرضها على الدليل، وساروا في ذلك سَيْراً حثيثاَ، واسْتَمَرَّ بهم دُوْلاَبُ الحَيَاة إِلى الإمام قُدُماَ، في الاستدلال، والاستنباط، والتعليل، والتدليل، وإِرجاع الأَقاويل إِلى القسطاس المستقيم، والِإذعان للدليل، فكانوا في دَأَبِهِم كما قيل.
" سير السَوَاني سفر لا ينقطع "
فحازوا على إِرث عظيم، كُلٌّ حَسْبَ القَرَائح والفُهوم، ومَاَ أؤتي من عبقرية، ونبوغ في العلم، والفقه، ونبوغٍ في صناعة التأليف:
__________
(1) شَرَفٌ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وحدتهم في التاريخ عن مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة- حرسها الله تعالى- إلى المدينة- حرسها الله تعالى- ولهذه الوحْدَة التاريخية فإن العلماء المتقدمين لم يكونوا يضعون حرف: " هـ " بعد التاريخ، رمزا للتاريخ الهجري؛ لوحدة التاريخ لديهم، وعلمهم به، ولأنه ليس قسيماَ لغيره كالتاريخ الميلادي، وكان في آخر من قفَى عمل المسلمين بعدم وضع الرمز " هـ " وعدم مقابلته بالتاريخ الميلادي هو الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله تعالى- ولهذا لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما وضعت هذا الرمز، لأنه ليس لدينا- معشر المسلمين- تاريخ سواه.
(1/12)

فِتْيَةٌ لَمْ تَلِدْ سِوَاها المَعَالِي ... والمعالي قليلة الأَوْلاَد
وخَلفوا - أحسن الله إِليهم - هذه الثروة العظيمة: ألوف المؤلفات، فيها آلاف مؤلفة مِن المسائل، والنوازل، والأقضيات، في أصول الشريعة، وأَحكامها الفقهية الاجتهادية، العائدة إِلى حفظ الدِّين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال، حتى إِن الناظر في مآثرهم، وسِيَرِهم، وآثارهم؛ ليعجب مما آتاهم الله، من علم، وعمل، وبصيرة، وفَهْم، بما يَقْطع معه بعدم وجود نظير لهم على مَسْرح العَالَم؛ ولذا طار لهم دَوِيٌّ في أَكناف البسيطة، وَعَكَفَ الهُداة على دراسة شخصياتهم وفقههم، وحسن أَثرهم على الناس، وكانوا شرفا لأَمة محمد صلى الله عليه وسلم تباهي بهم الأمم. وكانت هذه المنحة الإسلامية لهم، من أَسباب سعة هذا الدِّين، وانتشاره، وقبوله، واستقباله ما يرد عليه من قضايا، ومستجدات.
وما أَجْمَلَ ما قاله ابن قتيبة، المتوفى سنة (276 هـ) - رحمه الله تعالى - في وصف حالة صدر هذه الأمة، وسلفها، في طلب العلم، إِذ قال (1) : " كان طالب العلم فيما مضى، يَسمع لِيعلم، ويَعلم لِيعمل، ويَتفقه في دين الله لينتفع وينفع وقد صار الآن: يَسمع ليجمع، ويجمع؛ لِيُذكر، ويحفظ؛ لِيغلِب ويفخر " انتهى
وكان من هؤلاء الأئمة الهُداة، والأثبات الثقات، الذين تبوَّؤا مكان
__________
(1) اختلاف اللفظ ص 18
(1/13)

الصَّدارة، والإمامة في الأُمة، وَتَطَوَّرَتْ مَرَاحِلُ الفقه عَلَى يَدَيْه، بالابتكار والافْتراع: شيخ الِإسلام والمسلمين- في زمانه- أَبو عبد الله أَحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي المولود في 20/3/164، والمتوفى بها ضحوة: 12/ 3/ 241 هـ.- رحمه الله تعالى-؛ إِذْ صَرَفَ وَجْهَ عِنَايَتهِ إِلَى فِقْهِ الدَّليل، وقَفْوِ السُّنن، واتِّباع الأَثر فاستحق هذا الإمام الحُجَّة، أن يُسَمَّى: " إِمام أَهل السنة "؛ وَلذَا سمى الأثرم كتابه في فقه أحمد: " السُّنن "، ورُزق تلامذة يَحْتَذُوْنَ حَذْوَه، وَيقْتَفُوْنَ قَفْوه، فَدَوَّنوا فقهه، وأَسندوه، وتناقلوه، ونشروه، حتى تم تكَوَّن فقهه في خاتمة الفقهاء الأَربعة المشهورين، عَلَى مَشَارِفِ القرن الرابع الهجري، وصار من أَتباعه: فقهاء مبرزون، وقضاة، ومُفْتون، ومن تلاميذ مدرسته: فقهاء محققون على طريقته، ومؤلفون في فقهه ومذهبه، فاشتغلوا في إِرجاع فروعه إِلى أصولها، وفَسْر مصطلحاته، وتهذيبها، ومَدُّوا فقهه بالتخريج عليه، والتنقيب عن مفهومه، ولازمه، والقياس عليه، وما يتبع ذلك من التخاريج، والنقل والتخريج، والوجه، والاحتمال، والتوجيه.
وقد بلغ المُتَرْجَمُ لَهُم منهم نحو أربعة آلاف عالم موزعين على الأَمصار في قاعدته الأولى: " بغداد " ثم في قاعدته الثانية: " الشام " ثم في مصر وما وراء النهر ثم في قاعدته الثالثة: " جزيرة العرب "، وغيرها من الممالك الإسلامية.
وبلغت آثار نحو خمسمائة عالم منهم في: الفقه، وأصوله، وقواعدهما، وضوابطهما، نحو أربعمائة وألف " 1400 " كتاب، بدءاً مِنْ
(1/14)

كُتُبِ الإمام، ثم كُتُب مسائل تلامذته في الرواية عنه، ثم الكتب الجامعة لها، والتي قُدّرَت مسائلها بنحو ستين أَلف مسألة، ومن اشتغال الأَصحاب عليها في متن مختصر، فمتوسط، فمطولٍ، وما يلحق ذلك، من شروح، وحواشٍ، وتفسيرِ غريب، وتخريج أَحاديث، وما يداخل ذلك من تخريجات للأَصحاب في الفرعيات، وفق ضوابط التخريج الفقهي المذهبي.
وقد حصل في طائفة منها: اختلاف في الروايات عن الإمام، واختلاف عن الأَصحاب في التخريجات.
فكانت الحال في هذا المذهب، كالشأن في أي مذهب: من وجود روايتين، أَو قولين، فأَكثر، لِإمام واحد في مسألة واحدة، لكن في وقتين مختلفين أَو أَوقات. وهذا لا إنكار فيه، ولا اعتراض عليه، أَما في وقت واحد فلا يَقَع.
ففي المذهب الحنفي، قال أَبو يوسف، المتوفى سنة (182 هـ) - رحمه الله تعالى- (1) : " ما قلت قولاً خالفت فيه أَبا حنيفة، إلا وهو قول قد قاله أَبو حنيفة، ثم رغب عنه "
وَتعدد الأَقوال والآراء في: " المذهب الحنفي " طبيعة له، يقتضيها الجُنوح إلى الرأي وعن الاختلاف في المذهب المالكي، حَكَى البقاعي، عن شرف الدين يحيى الكندي، أنه سُئِلَ: مَا لمَذهبكم كثير الخلاف؟ قال: " لِكَثْرة
__________
(1) رد المحتار 1/ 67. المذهب عند الحنفية: ص/10
(1/15)

نُظَّاره في زمن إِمامه " (1) .
ولا عجب فقد نُقِلَ عن الإمام مالك- رحمه الله تعالى- إِلى العراق نحو سبعين أَلف مسألة فاختلف الناس في مذهبه لاختلاف نشرها في الآفاق (2) . وعن الاختلاف في المذهب الشافعي، فمعلوم ما للِإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - من القول القديم، ثم القول الجديد، بعد نزوحه إِلى مصر، وقد أَلَّف محمد بن إبراهيم المناوي الشافعي ت سنة (746 هـ) - رحمه الله تعالى- كتابه في ذلك: " فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد ".
وأَشار النووي، المتوفى سنة (676 هـ) - رحمه الله تعالى- في مقدمة: " المجموع: 1/ 4- 5 " إلى ما في كتب المذهب الشافعي من الاختلاف الشديد بين الأَصحاب، وطريق تَعيِينِ المذهب.
فهذه الثروة الفقهية المباركة تكونت من " فروع اجتهادية " على رواية واحدة عن الفقيه الواحد، أَو فيها اختلاف في المذهب على روايتين فأكثر أَو مخالفة التلاميذ لشيخهم، والأَصحاب لإمام المذهب.
أَو خلاف عالٍ مع الأَئمة المجتهدين أَو بعضهم.
أَو فرع اجتهادي مخرج من أَصحاب ذلك الإمام على أصول مذهبه، وقواعده، اتفاقا بين الأَصحاب، أَو اختلافاً في التخريج وكل هذه الأنماط مشمولة باسم: " الاختلاف الفقهي بمعناه العام
__________
(1) نيل الابتهاج: ص/ 358. نظم العقبات: ص/ 177 الاختلاف الفقهي: ص/ 6-7
(2) المعيار 1/ 211. الاختلاف الفقهي: ص/ 6-7
(1/16)

أمام هذه الثروة الفقهية، حصلت حركة تدوينية، قام بها عدد من الأَصحاب - كالشأن في أتباع كل مذهب متبوع - بعمل مداخل فقهية لكل مذهب، تَضْبِطُهُ أصلاً، وفرعاً، وَتَرْسمُ طريقهُ، روايةً وتخريجاً، وتُعرِّف بكتبه، ومراتبها، وعلمائه، ومراتبهم، وطبقاتهم فيه، اجتهادا، وتقليداً ... إلى آخر ما هنالك من معارف، ومعالم، تَعْنِي المتفقه، وَتَرْسِمُ طريقه فيه؛ حتى يعرف المذهب المعتمد على التحقيق، ومسالك الترجيح فيه، وتخطو به خطوات سريعة إلى الدُّربة على التفقّه في السنة والتنزيل، والنقلة إلى فقه الدَّليل. ويكون في مأمن من الاخْتلال والغلط، وجُنوح الفكر واضطراب الفكر وموقف الحائر العاثر المجازف بِالْعَزْو وحكاية المذاهب.
فلا يقول قَائِلٌ هذا المذهب، وعليه الأَصحاب، أَو هذا الراجح فيه رواية، أَو تخريجاً، إلا عن علم وبصيرة، وإدارة لفروعه على أصوله، وأَحكامه على محكماته، قد قَبَضَ على زِمَامِ الأصول، واستعد للجلوس على مِنَصَّة التَّقرِيرِ للفروع.
وكان أَول من عرفته أَفرد كتاباً في تفسير مصطلحات الإمام أَحمد في أَجوبته، هو شيخ المذهب في زمانه، ومحققه، وخاتمة طبقته الأولى (طبقه المتقدمين) الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه الفَذِّ: " تهذيب الأَجوبة " وعندي أنه يُشبِهُ إلى حد بَعيْدِ كتاب: " الرسالة " للإمام الشافعي المطلبي- رحمه الله تعالى- في التأصيل، والتقعيد، وحُلو العبارة، ودقة الإشارة وتحليلاته اللغوية، فلله
(1/17)

دَرُّه ما أبهى دُرَره، ثم قَفَاه الناس بعد ذلك، فَمَنْ بَعْدَهُ عيال عليه، إلى الآخر، وكان من آخر من كتب في أبواب التعريف بهذا المذهب: العلاَّمة عبد القادر ابن بدران الدومي، ثم الدمشقي ت سنة (1346 هـ) في كتابه: " المدخل إلى مذهب الإمام أَحمد بن حنبل "
ومن هذين الكتابين، وما بينهما من كتب الفقهاء والأصوليين، وأَبحاث، في كتب التراجم، والطِّباق، ومُقَدِّمَاتِ، وخَوَاتِيْمِ الكتب الفقهية، وما يجري في مباحث الاجتهاد والتقليد من الكتب الأصولية، وغير ذلك، تكون منها رصيد كبير، وتأسيس متين لِمَن أراد أَن يجمع بين فوائِتِها، وَيَضُمَّ إِليها مَا فَاتَها، مثل:
- التتبع والاستقراء لكتب المذهب في الفقه، وعلومه، من لدن الإمام أحمد إلى الآخر وتشخيص المعلومات البيانية عنها
- وعمل دراسة لعلماء المذهب، حسب أَوطانهم، وأَزمانهم، وبيوتاتهم، وطبقاتهم في الاجتهاد والتقليد.
- وإعجام مصطلحات المذهب من أَلفاظ الإمام، أَو الأَصحاب في نقل المذهب، أَو نقل بعضهم عن بعض، وكشف معانيها، وفَسْر المراد منها اتفاقا، أَو اختلافا.
- ورسم الطريق الآمن إلى الطرق التي يُعرف بها المذهب رواية، أَو تخريجاً، ومسالك الترجيح فيه.
إلى آخر ما هنالك من معارف، تشتد حاجة الفقيه إليها.
- إلى غير ذلك من دقائق التعريف بالمذهب، مما بقي عَانِساً في
(1/18)

تفاريق الكتب، فهي بحاجة إلى من يأخذ بيدها وَيَمْسَحُ عن مُحَيَّا وَجْهِها مَا عَلِقَ بِها من جَرَّاء هَجْرِها، ويَضُمُّ هذه المعارف المذهبية، والمداخل التأصيلية، إلى ما مضى، ويجعلها منتظمة في سلك واحد، مجموعة بين دَفَّتَيْن، مُرَتَّبَةً بين لَوْحَتَيْن.
من هذه التصورات، حصلت عندي رغبة ملحة، لم أَستطع الهروب من أَقْطَارِها، ولا النفوذ من سُلْطَانِها، فانتدبت لها نفسي، مع قصوري وعجزي، وقلت كما قال شيخ المعرة:
" وَيَا نَفْسُ جِدِّي إِنَّ دَهْرَكِ هَازِلُ "
حتى لا يظل هذا الجانب مهملاَ غير مطروق بِكُلِّيَّتهِ، ومبعثرًا غير مرتب ولا منظوم في قضاياه، ومسائله، فَربطت الجوَاد خَلْفَ المَرْكَبِ، وَلسَانُ حَالِيْ يَقُوْلُ لِطَالبِيْ فِقْه هذا المذهب: " امكثوا إِنِّي آنست ناراً " فَطَفِقْتُ أقْتَبِسُ منها كُلَّ طَرِيْفٍ وتَالِد، وأَستَدِرُّ لهذا المشروع الخيري الفوائد، مِن بُطُونِ الأَسفار للحاضر والعابر، مقيداً ما سقطت عليه من الشوارد، في مَطَاوِي المطالعة، ورحلة النظر (1) إلى كُلِّ طَرِيْفَة وتَالِدَة، فَظفَرْتُ- ولله الحمد- بفوائد علمية، نَادِرَة، مُسْتَجَادة، لا يستهان بأَمثالها، واستنباطات مؤيدة بأَدلتها، ومُطَايَبَات شَتَّى تَسِيْرُ على منوالها، وَكُلُّ نَفْسٍ تُجْزى بِأَعمالها.
__________
(1) قال الكرماني- رحمه الله تعالى-: " النظر إذا استعمل بفي فهو بمعنى التفكر وباللام بمعنى الرأفة، وبإلى بمعنى الرؤية، وبدون الصلة بمعنى الانتظار نحو " انظرونا نقتبس من نوركم " انتهى من: " شرح الأذكار " لابن علان: (6/ 65)
(1/19)

حينئذ أخذت في جمعها، وتنقيحها، وتحريرها، وترتيبها، وعزوها، وتوثيقها، مَعَ مَا ألممت به من جَوَانِبَ أخْرَى بطريق النظر فيها، واستجلاء حقائقها حتى جمعت لها هذا الكتاب المستطاب: " المدخل المفصل إلى فقه (1) الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب (2) "
وعقدت مُحَصَّلَه في مَدَاخِلَ ثمانية هي:
المدخل الأول: معارف عامة عن التمذهب
المدخل الثاني " معارف عامة عن المذهب الحنبلي.
المدخل الثالث: التعريف بأصول المذهب.
المدخل الرابع: التعريف بمصطلحات المذهب
المدخل الخامس: التعريف بطرق كيفية معرفة المذهب، ومسالك الترجيح فيه
المدخل السادس: التعريف بالإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -.
المدخل السابع: التعريف بعلماء المذهب.
المدخل الثامن: التعريف بكتب المذهب
__________
(1) " فقه الإمام ": هو المذهب حقيقة، لكن لم أعَبِّر بلفظ: " المذهب " توَقِّيا مما حَف بالتمذهب من العصبية، وإنما التعصب للدليل
(2) " تخريج الأصحاب على فقه الإمام ": هو " المذهب اصطلاحا "، والتخريج في كل مذهب يكون على فقه الإمام، ويكون على غيره، ومعلوم أن المخرج على غير فقه الإمام لا يكون مذهبًا له اصطلاحياً فضلا عن: المذهب حقيقة، لهذا قلت: " وتخريجات الأصحاب " ولم أقل: " وتخريجات الأصحاب عليه " فليتنبه
(1/20)

وفي هذا العمل المبارك- إن شاء الله تعالى-: فوائد، منها:
1- مَعْرِفَةُ مَحَاوِرِ المذهب في أصوله، وجذوره، ومصطلحاته في صعيد واحد.
2- الوقوف على الطرق التي يُعرف بها المذهب المنصوص عن الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-.
3- الوقوف على معرفة الطرق التي يصل بها المتفقه إلى التخريج في المذهب، وفق أصول التخريج وضوابطه.
4- مسالك الترجيح عند اختلاف الأَنظار فيه.
5- دلالة الحائر على كتب المذهب حسب تسلسلها الزمني وتقويمها ببيان المعتمد من المنتقد
6- العمل على إِزالة ما اكتنف هذه المضامين من الغموض، وغشيها من خفاء الرؤية، مما له تأثير عَلَى سَدَادِ النتيجة، وسلامة الموقف من القضايا الفقهية
7- الوصول إلى تنقية المذهب من الروايات الغريبة، والتخاريج الضعيفة، التي يقع فيها من لا أُنسَ له بالمذهب، أَو يُمسك بها المستضعفون بأَيديهم؛ لينفذوا إلى تسليك المناهي في: سِلْك الِإباحة المطلقة، تحت سلطان التخريج المذهبي، وفي حقيقتها خُرُوْجٌ على المذهب، ومُنَابَذَة للدليل وكانوا في شهوتهم لِضَعِيْفِ الرأي، وشَاذِّه، كما قيل:
(1/21)

وكل المطايا قد ركبنا فَلَمْ نجد ... أَلَذَّ وأَشْهَى مِن رُكُوْب الأَرانب
والولوج في هذه: مَعَرَّة لا يغسلها الماء، ولو عُفِّرت السابعة بِالتُّرَاب. وهذه - وايم اللهّ - من تناقص العلم وظواهر رفعه وفشو الجهل وتَرَدِّي الهمم، وفَسَاد الذِّمم، وكم يتوارى خلفها من ويلات تؤذِنُ بالاختلال، والاضطراب.
واتل- رحمك الله تعالى- آية الأَعراف هذه: " فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " [الأعراف: 169]
واستمسك بالعمل بالآية بعدها: " وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ " [الأعراف: 170]
والمسلم راع على جوارحه (1) ، وقواه، وحَوَاسه، فِعْلاً، ونطقاً، واعتقاداً فليتقِّ الله، وليقم بمسؤليته عليها، وفق شرع الله المطهر.
8- إِنَّا ونحن في عصر اشتبكت فيه الحضارات، وتلاحمت وتعددت فيه المهارات: الطبية، والاقتصادية، وغيرها، وتباينت، قَدْ جَرَّتْ معها: قضايا، ومُسْتَجَدَّات، ونوازل، وواقعات، تَنتظِرُ مِنَ الفقيه أَن يقتبس حكماً موافقاً لها من أحكام التكليف. وكثير منها أعيا الفقهاء، وأتعب
__________
(1) انظر فتح الباري: 13/113
(1/22)

العلماء؛ لهذا كان لابد من الِإسهام في ترقية المدرسة الفقهية، وبعث نشاط المتفقهين، والعمل على بذل الأَسباب لفتح ما انغلق أَمامهم من فقه أسلافهم ليعرفوه وردا وإصدارا واستنباطاً واستدلالا والتوقي من الفُهوم المغلوطة، والبُعْد عن الأَسباب الموصلة إِليه؛ حتى يكون هذا: " المدخل " عَوْنَاً لهم على مهمتهم، في مواجهة قضاياهم الفقهية المعاصرة.
وأخيرا، فَلاَ أَدَّعِي أَنًّني أَخذتُ بمجامِع هذه المَداخِل، ولا بلغت بها حدًّا أَقصى، يُخْتَمُ به التأليف في هذا الباب، لا وَأَلْفُ لا ولكن بَذلْت من الجهد ما وسعني، وقد بلغ مني الجَهد؛ حتى لقيت عَرَقَ القِرْبَةِ، والجَهْدَ الجاهد.
وأَدعُ الناظر فيه، لتناجيه مَدَاخِلُ هذا الكتاب، وفُصوله، وأَبحاثه؛ رجاء دعوة صالحة إِن وَجَدَ مَا يُفِيْده، وتقييد ما يلاحظه، وإضافة فائته. آملاً المعاملة بعين الِإنصاف، لا بعين الرضا، أَو السُّخط والاعتساف.
قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أَبي طالب، المتوفى سنة (129 هـ) - رحمه الله تعالى-:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَة ... كَمَا أَنًّ عَيْنَ السُّخْطِ تبدِي المَسَاوِيَا
والله من وراء كل عبد وقصده، وما توفيقي إِلاَّ بالله عليه توكلت، وإِليه أنيب.
المؤلف
بكر بن عبد الله أبو زيد
في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم
(1/23)

مداخل الكتاب
المدخل الأَول: معارف عامة عن التمذهب
المدخل الثاني: معارف عامة عن المذهب الحنبلي
المدخل الثالث: التعريف بأصول المذهب
المدخل الرابع: التعريف بمصطلحات المذهب.
المدخل الخامس: التعريف بطرق كيفية معرفة المذهب، ومسالك الترجيح فيه.
المدخل السادس: التعريف بالِإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -
المدخل السابع: التعريف بعلماء المذهب.
المدخل الثامن: التعريف بكتب المذهب.
(1/25)

المدخل الأول: معارف عامة عن التمذهب
أَبحاث هذا المدخل، صالحة لدراسة كل مذهب فقهي، وإِنَّما تُفرغ المعلومات المناسبة لكل مذهب، في بعض جوانب مباحثه.
(1/27)

المدخل الأول: معارف عامة عن التمذهب
وفيه ستة أَبحاث:
المبحث الأَول: التعريف بلفظ: " المذهب " لغة واصطلاحا.
المبحث الثاني: التعريف بلفظ: " الفقه ": لغة، وشرعاً، واصطلاحاً.
المبحث الثالث: أنواع الفقه المدون في كل مذهب.
المبحث الرابع: تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل وأن الانتساب لمذهبٍ يعني الوفاق، لا العصبية والشقاق.
المبحث الخامس: الاجتهاد في الفقه الإسلامي، وأَثره في الثروة الفقهية في كل مذهب.
المبحث السادس: شروط نقل المذهب، وأسباب الغلط فيه.
(1/29)

المبحث الأَول: التعريف بلفظ: " المذهب "
قبل الدخول في تعريف لفظ: " المذهب " لابد من الِإشارة إلى قاعدة تفسير اللفظ، وبيان معناه على ما يأتي، وهو: إن كان المراد بيان معنى اللفظ " لغة " فيؤخذ المفهوم والمعنى حسب قواعد اللغة وأصولها وإن كان المراد مفهومه وفَسْرَه في حقيقته الشرعية، فيؤخذ معناه حسب المراد شرعا لما يحف به من حال التشريع وإن كان المراد بيان مفهومه اصطلاحاً، فيبين معناه حسب مراد المتكلم به، صاحب الاصطلاح لذا فالتعريف بلفظ: " المذهب " في المراحل الآتية:
1- ماهية " المذهب " وحقيقته لغة (1) :
" المذهب ": اسم مصدر أَصل مادته: " ذَهَبَ " على وزن: " فَعَلَ " فِعْلٌ ثلاثي صحيح غير معتل وكل معانيه، وما تصرف منه تدور على معنيين: " الحسن و " الذهاب إلى الشيء والمضي إلى طريقه "
__________
(1) انظر مادة " ذهب " من كتُبِ اللغة. خاصة: معجم ابن فارس، والقاموس، واللسان
(1/31)

وأسماء المصدر له ثلاثة: " ذَهَاباَ " و " ذُهُوْباً "، و " مذْهَبًا " والذي يعنينا هنا: مَصْدَرُه: " المذهب " على وَزْن: " مَفْعَل " من: " الذهاب إلى الشيء والمُضي إِليه "
2- حقيقته العرفية:
ولفظ: " المذهب " هنا، يُعْنَى به: المذهب الفروعي ينتقل إِليه الِإنسان، وطريقة فقيه يسلكها المتابع المتمذهب له.
ويُقال: ذهب فلان إلى قول أبي حنيفة، أَو مالك، أَو الشافعي، أو أحمد، أَي: أخذ بمذهبه وسلك طريقه في فقهه، رواية، واستنباطًا، وتخريجاً على مذهبه فآل إٍلى " حقيقة عرفية " بجامع سلوك الطريقين بين الحقيقة اللغوية، والعرفية الاصطلاحية
ولهذا تجدهم في المذهب يقولون: طريق أَحمد في كذا، أَي مذهبه، كما يُقال: مذهب أَحمد ويقولون: " المذهب كذا " حقيقة اصطلاحية عرفية في الأحكام الفروعية الاجتهادية، من باب إِطلاق الشيء على جزئه الأَهمِّ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الحج عرفة ".
وأَما ما كانت أَحكامه بنص صريح من كتاب أو سنة، فهذا لا يختص بالتمذهب به إمام دون آخر وإنَّما هو لكل المسلمين، منسوباً إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم (1) فلا اجتهاد فيه، ولا تقليد فيه
__________
(1) الأحكام للقرافي: ص/ 99، مواهب الجليل: 1/ 24، الشرح الكبير للدردير 1/ 19، وعنها: المذهب المالكي للمامي: ص/ 2، وأضواء البيان: 7/ 485
(1/32)

لِإمام دون آخر، بل هو سنة وطريقة ماضية لكل مسلم.
وهذا المولود الاصطلاحي عرفاً: " المذهب " لَحِقَ الأئمة الأَربعة: أبا حنيفة. ت سنة (150هـ) ، ومالكا. ت سنة (179 هـ) ، والشافعي. ت سنة (204 هـ) ، وأَحمد. ت سنة (241 هـ) ، بعد وفاتهم- رحمهم الله تعالى- وذلك فيما ذهب إِليه كُل واحد منهم. وَلاَ عِلْمَ لِوَاحِدٍ منهم بهذا الاصطلاح فضلاً عن أَن يكون قال به، أَو دلَّ عليه، أَو دعا إِليه.
وذلك امتداد لما كان عليه المسلمون من الصحابة- رضي الله عنهم- فَمَن بعدهم، من التابعين، وتابعي التابعين، من نشر الكتاب والسنة، والائتمام برسول الله صلى الله عليه وسلم
" ولذا قيل: إن نِسْبةَ المذهب إلى صاحبه، لا يخلو من تسامح، فما كان مالك ولا غيره من أَئمة المذاهب، يدعون أحدا إلى التمسك بمنهجهم في الاجتهاد، ولا كان عندهم منهاج محدد في اجتهادهم، إنما كانوا يتبعون في ذلك منهج من سبقهم من علماء التابعين، وهؤلاء عن الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يحدث هذا إلَّا في القرن الرابع الهجري، عندما دعت الظروف إلى هذا النوع من الالتزام بمنهاج معين في الفقه ... ولم تكن المذاهب قد استقرت على رأس المائة الثالثة، رغم ما قيل من أنه في هذا التاريخ كان قد بطل نحو خمسمائة مذهب (1) وإن كانت
__________
(1) حجة الله البالغة: 1/ 126
(1/33)

بذرة المذاهب قد بدأت قبل هذا العصر بزمان؛ إذْ كان أَهل المدينة يعتمدون على فتاوى ابن عمر، وأَهل مكة على فتاوى ابن عباس، وأَهل الكوفة على فتاوى ابن مسعود، فكان هذا أَول غرس لأَصل التمذهب بالمذاهب (1) .
3- ماهية " المذهب " وحقيقته اصطلاحًا (2) :
تقدَّم بيان حقيقته لغة، والنقل إلى: الحقيقة العرفية وتاريخ انتقالها في التمذهب الفقهي الفروعي، فما هو الحد لها في الاصطلاح؟
دارت كلمة الأَصحاب في بيان حقيقة مذهب الإنسان، على أَمرين:
على: " الاعتقاد " أَو على " القول " وما في حكمه.
أَما اعتماد حقيقة مذهب الِإنسان على الاعتقاد (2) ، فقال القاضي نجم الدِّين أَبو عبد الله أَحمد بن حمدان الحنبلي. المتوفى سنة (695 هـ) : " وقيل: مذهب كل أَحد- عرفاَ وعادة- ما اعتقده جزماَ أَو ظناَ " انتهى.
ومن القائلين به: أَبو الحسين البصري: محمد بن علي بن الطيب الشافعي المعتزلي، المتوفى سنة (436 هـ) قال (3) :
__________
(1) محاضرات في تاريخ المذهب المالكي. لعمر الجيدي: ص/ 7- 8
(2) المسودة: ص: 524، 533، الإنصاف: 12/ 241، المدخل ص/ 48، 52
(3) المعتمد في أصول الفقه: 2/ 313
(1/34)

" مذهب الإنسان هو اعتقاده، فمتى ظننا اعتقاد الإنسان أَو عرفناه ضرورة، أَو بدليل مجمل أَو مفصل، قلنا: إنَّه مذهبه ... " انتهى.
وأَما اعتماده على " القول ولوازمه " فقال أَبو الخطَّاب الكلوذاني الحنبلي. ت سنة (510 هـ) ، وابن حمدان الحنبلي، المتوفى سنة (695 هـ) ، والشمس ابن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة (763 هـ) - بعبارات متقاربة- واللفظ لأَبي الخطاب (1) :
" مذهب الِإنسان: ما قاله، أَوْ دَلَّ عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه أَو غيره، فإِن عدم ذلك لم تجز إضافته إِليه " انتهى.
وقال أَبو الخطاب أَيضا (1) : " مذهبه ما نص عليه، أَوْ نبَه عليه، أَو شملته علته التي عَلَّل بها " انتهى.
وقال ابن حمدان (2) : " مذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلاً به " انتهى.
وقال ابن مفلح (3) : " مذهب الِإنسان ما قاله، أَو جرى مجراه من تنبيه أَو غيره " انتهى.
وَلاَ تبَاعُدَ- بحمد الله- فالخلاف الحاصل في العِبَارات لا في الاعْتِبَارَات فالاعتقاد هو الباعث على القول، والقول وما في معناه هو
__________
(1) المسودة: ص/ 524
(2) المسودة: ص/ 533، ولم يعزه له. الإنصاف: 12/241
(3) الإنصاف: 12/ 241
(1/35)

المنبعث عنه، فيمكن أن يُقال: حقيقة مذهب الإنسان: " ما قاله معتقداً له بدليله ومات عليه، أوما جرى مجرى قوله أو شملته علته " والله أعلم.
فقولنا: " ما قاله معتقدا له بدليله ومات عليه ".
هذا هو القدر المتفق عليه فيما تصح نسبته للمجتهد وهو " المذهب حقيقة "، وما بقي فهو " المذهب اصطلاحًا " وهو من ناحية إضافة المذهب إليه من جهة القياس، ولازم المذهب، وفعله، وما إلى ذلك مما نراه في طرق معرفة المذهب ومما صار للأًصحاب من مسالك وطرق في فهم كلامه، وتنزيل رواياته، والتخريج عليها، فهي محل خلاف في نسبتها لمذهب إمام المذهب، ثم إن الأصحاب- أحسن الله إليهم- رسموا لكلا الوجهين معالم، وأثبتوا لها أصولاً، ورسموا لها طرقاً، يتفرع منها اجتهادهم في الاختيار والترجيح، والتحقيق، والتنقيح للمعتمد من المذهب، ثم التخريج من محققي المذهب؛ فآلت الكيفية التي يُعْرَفُ بها المذهب المعتمد في طريقين: الطريق الأول: أخذ المذهب ومعرفته من كتب الإمام، وكتب الرواية عنه.
الطريق الثاني: أخذ المذهب ومعرفته من طريقة الأصحاب في كتبهم المعتمدة في المذهب والحديث عنها بتفصيل في الفصلين الآتيين في " المدخل السابع " فصار- مثلاً- مذهب الإمام أحمد، هو:
(1/36)

" ما ذهب إِليه في كتبه، أَو المروي عنه " هذا بالِإجماع، " أَو المخرج على قوله في المسائل الاجتهادية " على الخلاف وهذه حقيقة: " المذهب الحنبلي "، وهي لكل واحد من المذاهب الثلاثة المتبوعة.
(1/37)

المبحث الثاني: التعريف بلفظ: " الفقه "
*وفيه:
1- ماهية: " الفقه " لغة (1) :
أَصل مادته: " فَقُه " على وزن: " فَعَُِلَ ": فِعْلٌ ثلاثي صحيح غير معتل. مثلث العيني لفعله الماضي، وكسر العين، وضمها، مذكوران عند أهل اللغة.
أما " فَقَهَ " بفتحها، فقد ذَكرَها الحافظ ابن حجر (2) في: " فتح الباري: 1/ 165 " لُغَةً ثالثة، ويظهر أَنها من فائت المعاجم اللسانية المنتشرة في أَيدي الناس اليوم.
أَما عين المضارع: " يفقُهُ " فعينه مُثَنَّاةٌ بالفتح، والضم، فقط ومصدره: " الفقه " سماعي غير مقيس وتدور معانيه، وما تصرف منه على معنيين اثنين: " العلم "
__________
(1) انظر مادة " فقه " من كتب اللغة: معجم ابن فارس، واللسان، والقاموس.
(2) ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة (852 هـ) - رحمه الله تعالى - نسبة إلى " حجر قوم تسكن الجنوب " بخلاف: ابن حجر الهيتمي، فهو نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده، كان ملازماَ للصمت تشبيها له بالحجر هكذا في: " جلاء العينين: 5127 وانظره مبسوطا في كتاب: " ابن حجر العسقلاني ": ص/ 7- 72 لشاكر عبد المنعم وفهرس الفهارس: 1/ 321
وابن حجر " أيضاَ تقرأ طردا أو عكساَ وفي قولهم: " رجح نبأ ابن حجر أي: " رجح بنا ابن حجر " كقول الله تعالى: (كل في فلك)
(1/38)

و " الفهم "، وجانب " الفهم " فيه أَخص من جانب " العلم ".
زاد الزمخشري معنىً ثالثاً هو الشق والفتح (1) ، وتبِعه ابن الأَثير (2) ، وهذا مطرد في قواعد اللسان العربي والقاعدة هنا: أَن كل لفظ في العربية، صارت فاؤه فاءً، وعينه قافاً، فإنه يَدُلُّ على هذا المعنى، مثل: " فقه " و " فقا " و " فقح " و " فقز " و " فقس " و " فقع " وغيرها.
ويكون إطلاق الفقيه على العالم بهذا المعنى، باعتبار أَنه يشق الأَحكام، ويفتح المستغلق منها.
2- ماهية: " الفقه " شرعاً:
وإذا وقفت على حقيقة هذه المادة في لسان العرب: " الفقه " فاعلم أَنه بمعناه الشرعي من الأَلفاظ الإسلامية التي لا يعرف إِطلاقها قبل الإسلام، بمعنى: " أَن لفظ فقيه، وعالم: لمن فقه وفهم في دين الإسلام وأَحكامه " ونظائره كثيرة من " تطور الدلالات " في: الأَسباب الإسلامية، والحقائق الشرعية، لأَلْفَاظٍ جَمَّةٍ، لم يعهد إِطلاقها على تلك المعاني قبل مجيء الإسلام، منها هذا اللفظ، ولفظ: " الأَدب، والمنافق، والفاسق، والعقيدة " ونحوها كثير وبخاصة في الألفاظ التي تطلق على الشعائر الدينية
__________
(1) الفائق: 3/ 134
(2) النهاية في غريب الحديث
(1/39)

ثم تطورت تلك الأَلفاظ، ونحوها منذ ظهور الإسلام، بل كان اللفظ الواحد يمر بعدة مراحل ودلالات، منها: لفظ: " التأويل " فهو في لسان المتقدمين بمعنى: " التفسير " وعند كثير من المتأخرين، يرادف معنى: " التحريف " (1)
ومنها لفظ الفقه مع استمرار ارتباطه بأصل معناه اللغوي واشتقاقه، وإليك البيان:
جاءت هذه الكلمة وما تصرف منها في عشرين آية من كتاب الله- تعالى-.
منها قول الله- تعالى-: " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " [التوبة/ 122] .
أَي ليكونوا علماء بالدِّين، وأَما في السنة النبوية، فقد كثرت النصوص التي تعني بالفقه: " الفقه في الدّين " كما في الحديث الصحيح في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس- رضي الله عنهما-: " اللهم علِّمه التأويل وفقهه في الدين " وأصله في الصحيحين
أَي: علمه وفهمه تأويله، وقد صار- رضي الله عنه- كذلك؛ لذا لقب: " بِحَبْرِ الأمة " و " تُرْجُمَانِ القرآن "
__________
(1) الفتاوى: 3/165 - 166، 4/ 68 - 75، وفي مواضع أخرى وانظر الصواعق المرسلة لابن القيم
(1/40)

من هنا غلبَ هذا اللفظ: " الفقه " على: " عِلم الدِّين " ويُقال: " الفقه في الشريعة " ويُقال: " علم الشريعة " وذلك؛ لشرفه.
وهذا كما غَلَب اسم: " النجم " على: " الثُّرَيا ".
ولهذا فإِذا رأيت في كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين هذه الكلمة: " فِقْه " و " فقيه " و " فقه في الدِّين " و " أَهل الفقه "، و " فقهاء المسلمين " و " فقهاء أَهل الأَرض " و " الشريعة " و " علماء الشريعة " و " الدين " و " علماء الدِّين " بمعنى " علماء الإسلام " فجميعها على هذا المعنى العام الشامل الذي ينتظم: العلم والفهم في دين الإسلام، في أيٍّ مِنْ أَحكامه: في الاعتقاد، والآداب، والأَحكام لأَفعال العبيد.
وهذه الحقيقة الشرعية لكلمة: " فِقْه " و " فقيه " مرتبطة بالحقيقة اللغوية لها بجامعِ: العلم والفهم.
3- الفقه الأكبر (1) :
ومما يدل على شمولية لفظ: " الفقه " لِعِلْم الدين في هذه الحقبة الزمنية المباركة، إِطلاق أَبي حنيفة. ت سنة (150هـ) - رحمه الله تعالى- على: " التوحيد ": " الفقه الأَكبر " وهو أَول من أَطلقَ ذلك في الإسلام؛ إِذ جعله عنوان كتابه فيه، وقد طُبعَ بهذا الاسم، وله عدة شروح، وتكلم الناس في نسبته إِليه، والذي عليه الأَكثر صحة نسبته إليه ثم تلاه كتاب للإمام الشافعي. ت سنة (204 هـ) - رحمه الله
__________
(1) هذا البحث مبسوط في كتاب: " مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للشيخ عثمان جمعة. ص/ 75- 84
(1/41)

تعالى- بهذا الاسم: " الفقه الأَكبر " وهو في مسائل الاعتقاد والتوحيد وقد طبع عام 1900م وقد تكلَّم الناس في نسبته إِليه؟
ولم يحصل لي التحرير عن نسبة الكتابين، ولعلّي أَتمكن من ذلك في كتاب: " معجم المؤلفات المنحولة ".
4- لقب: " القُرَّاء ":
قال ابن خلدون. ت سنة (808 هـ) في: " الفصل الثالث عشر " من: " الباب السادس " في: " المقدمة: 2/ 128 ":
" ثم إِن الصحابة كلهم لم يكونوا أَهل فتيا، ولا كان الدِّين يؤخذ من جميعهم، وإنما كان ذلك مختصًّا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومحكمه، وسائر دلالته، بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم أَو ممن سمعه منهم من عِلْيتهم، وكانوا يسمون لذلك: " القرَّاء " أَي: الذين يقرؤون الكتاب؛ لأَن العرب كانوا أمة أُميّة، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم؛ لغرابته يومئذٍ، وبقي الأَمر كذلك صدر الملة " انتهى.
فهذا من ابن خلدون، يفيد تلقيب العلماء بالقراء، وواضح من سياقه أَمران:
الأَول: أَنه يطلق على الذين يقرؤون القرآن، ويفقهون معانيه، ويعرفون أَحكامه، ودلالاته، حتى تأهلوا للفتيا.
الثاني: أنه لقب شريف يطلق عليهم، لا أنهم لا يُعْرَفُوْنَ إلا بهذا اللقب
(1/42)

وقد تُعُقِّب (1) في جعله: " اسم القُرَّاء مقابلاً لاسم الفقهاء؛ محتجاً عليه بأَثر ابن مسعود- رضي الله عنه-: " إنَّك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه ... إلى أَن قال: وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه ... " رواه مالك في " الموطأ " برقم/ 91 ص/ 124.
وهذا مِمَّا لا يوافق عليه، للأمرين المذكورين؛ ولأَن القرَّاء في الِإطلاق المذكور هم الذين جمعوا بين قراءة القرآن وفقهه، وسيأتي زمان يكثر فيه: " القراء " الذين لا فقه لهم، فيكون اسم: " القراء " من المشترك اللفظي، وهذا كثير في اللغة والاصطلاح.
والأَصل: أن الكلام إذا قاله صاحب الاستقراء، فإنَّه يُسلم له بدليله، وإِن أَطلقه بلا دليل صار في دائرة الإمكان ولا نبادره بالإنكار، كيف وحمل كلامه على الصحة ظاهر كما رأيَت؟ والله أَعلم.
5- ماهية: " الفقه " اصطلاحًا:
مضت الحال والناس على تبادل لفظ " الفقه " ولواحقه على:
" الحقيقة الشرعية " المتقدمة، ومن المؤكَّدِ أَن الأَئمة الأَربعة، مضوا لسبيلهم، وهم لا يعرفون غير هذا، وأَن الاصطلاح الحادث بِقَصْرِ مَعْنى الفقه على: " أَحكام المكلفين " لم يتكون إلَّا بعد أَن أَخذت اجتهاداتهم في النمو وأَخَذَ أَتباع كل مذهب بِتَطْويْرها، والعِنَاية بها، ونشرها، فصارت اجتهادات كل إمام في " مذهب فقهي فروعي " وماهيته الشرعية التي اصطلحوا عليها، وقصروا معناه عند الإطلاق
__________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي للأشقر ص/140
(1/43)

عليها، هي:
كما روى الخطيب البغدادي. ت سنة (463 هـ) عن أَبي إِسحاق إِبراهيم بن علي الفقيه الفيروزآبادي يقول:
" الفقه: معرفة الأَحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد " والأَحكام الشرعية هي:
الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور والمكروه، والصحيح، والباطل ... " انتهى.
والتعريف الجامع له بهذا الاعتبار أن يقال الفقه هو " العلم بالأَحكام الشرعية العملية من أَدلتها التفصيلية ".
وصار إِذا أطلق لفظ: " الفقه " و " الفقيه " و " علم الفقه " من هذه المرحلة من أَواخر القرن الرابع فما بعد إلى يومنا هذا إِنما تعني الفقه بحقيقته الاصطلاحية الخاصة هذه، لا بحقيقته الشرعية النصية العامة، والله أَعلم.
(1/44)

المبحث الثالث: أنواع الفقه المدوَّن في كل مذهب
هذا مبحث نفيس في غاية الأهمية، تَمَّ لِي- بعد توفيق الله تعالى- بالتأمل، والتتبع والاستقراء؛ ذلك أن الفقه المدوَّن في كل مذهب يدور في خمسه أنواع:
النوع الأَول: أَحكام التوحيد، وأصول هذا الدِّين العَقدية في توحيد الله في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته. والإيمان الجامع بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، إلى آخر قضايا الاعتقاد، وأصول الدين والملة.
فهذا النوع لا يصح أن يُقال فيه: مذهب فلان كذا، ولا الأخذ به مقلداً له فيه؛ لأنها أحكام قطعية لعموم الأمة، معلومة منه بالضرورة (1)
__________
(1) غَلِطَ من ألَّفَ في: " التوحيد " من نصوص الكتاب والسنة، بما جرى عليه الصحابة - رضي الله عنهم- فمن بعدهم من سَلَفِ هذه الأمة، ثم سَمى مؤلفه في: " العقيدة الإسلامية " و " التوحيد " بقوله: " عقيدتنا " أو " عقيدة فلان " لأنه لا اختصاص لأحد فيها، بل هي " العقيدة الإسلامية " التي أجمع عليها سلف الأمة وصالحها، وفلان من الأئمة مبلغ لها. نَعَمْ إذا ألف مخالف لها، صَحَّ أن يقصرها على نفسه من تابع أو متبوع، لأنها ليست " العقيدة الإسلامية " بصفائها، بَلْ لَوْ سَمَّاها: " العقيدة الإسلامية " وفيها ما فيها من مخالفات، لكانت تسمية ينازع فيها؛ لما فيها من التدليس واللبس. وانظر " الفتاوى: 3/ 169، 219،415 " وأما من كتب في: " العقيدة الإسلامية " وسَماها: " مفاهيم " فهو غلط من وجهين، الوجه المذكور والثاني: أن أسس العقيدة ليست مفاهيم، بل هي نصوص قطعية الدلالة كقطعيتها في الثبوت. والله أعلم
(1/45)

وله أَلقاب منها: " التوحيد " " الاعتقاد " " السنة ". " الشريعة ". " الأصول ". " الأَصل ". " أصول الدِّين ". " الفقه الأَكبر ".
وهو علم قائم بنفسه، أفردت فيه المؤلفات الكثيرة. وربما أدرجت أصوله في بعض كتب الفقه الفروعية، كما عمل ابن أَبي زيد القيرواني المالكي في: " الرسالة ". والهاشمي الحنبلي. ت سنة (428 هـ) في: " الِإرشاد ".
ولم يختلف المسلمون- ولله الحمد- من الصحابة- رضي الله عنهم- فمن سار على نهجهم في شيء من أمور العقيدة إلاَّ في " مسألة واحدة " هي: " مسألة اللفظ " كما استقرأه ابن قتيبة- رحمه الله تعالى- وَبينه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في مواضع (1) وهم لا يختلفون بأن كلام الله غير مخلوق وأنهم بريئون من الأَقوال المبتدعة.
ولم يختلف المسلمون - ولله الحمد - في تفسير آية من آيات الصفات إلا في آية الساق، ثم اتفقوا على تفسيرها بما فَسَّرها به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ثم يكشف ربنا عن ساقه " (2) .
وأَمَّا غلط بعض العلماء في تفسير بعض الآيات إِضافة إلى نصوص إِثبات بعض الصفات، فقد حصل هذا في مواضع، كما في تفسير قول الله- تعالى-: "وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ" [البقرة/115] إذ جعلوها من آيات الصفات، وليس كذلك،
__________
(1) الفتاوى: 7/ 660، 12/ 333 - 334
(2) انظر التحذير لراقمه ففيه خلاصة ما قيل في تفسير هذه الآية الكريمة.
(1/46)

فمعناها كما قال مجاهد، والشافعي: " فَثَم قبلة الله " وصفة الوجه ثابتة لله- سبحانه- في آيات، وأَحاديث أُخر (1) والله أَعلم.
النوع الثاني: أَحكام فقهية (2) قطعية، بِنَصّ من كتاب، أَو سنة، أَو إجماع سالم من معارض مثل وجوب أَركان الإسلام، وتحريم الربا، والزنا، والخمر، والسرقة. وهكذا.
فهذه أَحكام شرعية عامة لجميع الأمة، معلومة من الدين بالضرورة، فلا يختص بها مذهب دون آخر، ولا فقيه دون فقيه، ولا يوصف الحكم فيها بأَنه مذهب فلان، ولا أَن الآخذ بها مقلد له فيها.
ألا ترى أَنه لو قال قائل: مذهب فلان وجوب الصلاة، أو الزكاة، ونحو ذلك، لكان قولاً يمجه السمع، وينفر منه الطبع، ويأباه الله، ورسوله، والمؤمنون؛ لأَنه حكم شرعي عام، معلوم من دين الله بالضرورة.
النوع الثالث: أَحكام فقهية اجتهادية عن إمام المذهب، بطريق: " الروايات المطلقة " أَو " التنبيهات " وما في ذلك من تقاسيم باعتبارات مبينة في
__________
(1) الفتاوى: 6/ 15- 23، 3/ 229 - 230
(2) بينت في: " معجم المناهي اللفظية الغلط في تقسيم الأحكام إلى أصول وفروع، وأن هذه نفثة اعتزالية، وأنه ليس هناك حد فاصل لدى من قال بالتقسيم، فليراجع.
(1/47)

" الفصل الأول " من " المدخل الخامس ".
فهذه الأَحكام التي توصل إِليها هذا الإمام مستنبطاً لها من نصوص الوحيين الشريفين، باذلاً وسعه، موظفاَ ما منحه الله من مدارك الاجتهاد والنظر هي: " مذهبه " وهي " اختياره " وهي: " قوله ورأيه ".
وهذا هو النوع الأم الذي يُوصف بأَنه المذهب، من غير تجوز، فصح إطلاقنا عليه: " المذهب حقيقة " وقد حوى مذهب الإمام أَحمد من فقهه هذا عددا غير قليل من كتب المسائل والرواية المسندة عنه التي حوت نحو ستين أَلف مسألة.
وله في المسألة رواية واحدة، وقد يكون له روايتان، وقد يكون له ثلاث روايات فأكثر.
وعند التعدد، يكون نظر الأصحاب في مسالك الترجيح والاختيار، كما ستراه- إِن شاء الله- في: " الفصل الثالث " من " المدخل السابع "
النوع الرابع: أَحكام فقهية اجتهادية، من عمل الأصحاب تخريجاً على المذهب، وهي: " التخريجات ". وهي ما صح أن نطلق عليه: " المذهب اصطلاحًا". وهذه: " التخاريج " وقع فيها الاختلاف بين الأصحاب، فهذا
(1/48)

يخرج الحكم بالجواز وآخر يخرجه بالكراهة، أَو التحريم، وهكذا، ثم اختلفوا: هل اجتهادات الأَصحاب هذه، الجارية على أصول وقواعد مذهب الإمام، تلحق بمذهبه، فتنسب إِليه، أَو لا؟
هذا النوع بمسائله مبين في: " الفصل الثاني " من " المدخل السابع "
النوع الخامس: أَحكام فقهية اجتهادية من عمل الأَصحاب من باب اجتهاداتهم في استنباط الأَحكام دون الارتباط بالتخريج على المذهب.
وهذه موجودة في كل مذهب، يدرجها الفقيه في كتاب المذهب بحكم ما يرد في عصره من واقعات، قد لا يجد لها تخريجاً في المذهب، فيجتهد في استنباط الحكم من أصول الشريعة، أو مقايسته بما هو أشبه به من فروع الشريعة، فيدرجه في مؤلفه من كتب ذلك المذهب ومنه ما يكون غلطا مضاعفاَ؛ إِذ يغلط المستفيد فيلحقه بالمذهب رواية، أو تخريجاً، ويغلط المستنبط فلا يصح له ما استنبطه.
ولذا عقد الشيخ ابن قاسم- رحمه الله تعالى- في مقدمة حاشيته على: " الروض المربع " فائدةً هذا نصها:
" كتب المتأخرين: " وقال مجدد الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلاً عن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف ذلك من- عرفه،
(1/49)

وقال نحو ذلك في كتب المتأخرين من أهل المذاهب. ولشيخ الإسلام عن أهل عصره نحو ذلك. فكيف بكتب عصرنا "
" وقال ابن القيم: المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة، ويبنونها على ما لم يكن لأَصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرد لوازم لا يقول بها الأَئمة، فمنهم من يطردها ويلزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأَئمة، وهم لا يقولون به؛ فيروج بين الناس بجاه الأَئمة، ويفتى به، ويحكم به والإمام لم يقله قط بل يكون نص على خلافه.
وقال: لا يحل أن ينسب إلى إمامه القول، ويطلق عليه أنه قول، بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها، أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأَئمة وفتاويهم، بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم، فليس كل ما في كتبهم منصوصاً عن الأَئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم فيه، وكثير منهم يخرج على فتاويهم، وكثير منهم أفتوا به بلفظه، أو بمعناه، فلا يحل لأَحد أن يقول: هذا قول فلان ومذهبه، إلا أن يعلم يقيناَ أنه قوله ومذهبه. ا. هـ
وإذا تتبع المنصف تلك الكتب، واستقرأ حال تلك الأتباع، وعرضها على الكتاب والسنة، وعلى أصول الأَئمة، وما صح عنهم، وجدها كما قالوا رحمهم الله. وقد يؤصِّل أتباعهم ويفصِّلون على ما هو عن مذاهب أئمتهم الصحيحة بمعزل، يعرف ذلك من كان خبيراً
(1/50)

بأصولهم ونصوصهم، ومع ذلك، عند بعضهم: كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، لا يلتفت إلى ما سواه، ولو جاءته الحجة كالشمس في رابعة النهار " انتهى.
ومن أَمثلته في كتب الحنابلة: تقرير بعض الحنابلة للتأذين الجماعي في المسجد الواحد، كما في: " الِإنصاف " ولا سلف له في الرواية عن الإمام.
وتقرير كثير من الحنابلة: للذِّكْر عند كل عضو من أعضاء الوضوء، مع أنه لا يصح فيه حديث، ولا يثبت عن أحد من الأَئمة الأَربعة. كما في: " الِإنصاف: 1/ 137- 138 ".
وفيه تقرير بعض الأصحاب مسح العنق في الوضوء، ولا يصح فيه حديث، ولم تثبت به الرواية عن الإمام أحمد.
وفيه: 1/413 استحباب بعض الأَصحاب أَن يقول في آخر القنوت: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... " الآية. ولا دليل عليه. ولم يكن في الرواية عن أحمد.
وتقرير بعض الأَصحاب مشروعية شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر " كتاب الحج " فلا رواية في هذا عن الإمام أحمد، ولا يخرج على مذهبه، وإنما هو تفقه الصاحب، وهو غلط، يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إِلا إلى ثلاثة مساجده ... " الحديث
ومنه قولهم في: " كتاب الوقف " بنفوذ الوقف على بعض الأمور المبتدعة، مثل الوقف على بناء القباب وتشييد المشاهد عليها وهذا
(1/51)

لا رواية فيه عن أحمد، ولا يُخَرَّجُ على شيء من مذهبه، وهو ترك للسنة الصحيحة في النهي عن البناء على القبور وتشريفها ولابن القيم- رحمه الله تعالى- في: " إِعلام الموقعين " بحث نفيس مطول في إبطال شروط الواقفين غير الشرعية، وأَنها تصرف في الأَقرب لمقصد الواقف من المصارف الشرعية.
ومن أمثلته: تلك المسألة التي عُدَّت من مفردات الحنابلة، وطالت فيها مطارحات العلماء، وبلغت المؤلفات فيها مبلغاً، كما تراها في: " كتب الصيام " من: " المدخل الثامن " هي مسألة: " وجوب صيام يوم الشك " فليس الوجوب رواية عن أحمد، ولا هو قياس مذهبه وإنما هو من فقه بعض متقدمي الأَصحاب، ومع كثرة القائلين به منهم، وشهرتهم، وتطاول الزمن، عُدَّ مذهباً لأَحمد، وصوابه: أنه من فقه بعض الأَصحاب، كما نبَه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- وغيره.
ولهذا فعليك أيها الفقيه: التثبت والتورع عند نِسْبةِ الأقوال في المذاهب المتبوعة، فتأمل متى تقول في مَسْألة ما: هي مذهب أحمد، أو الرواية عن أحمد، أو رواية في مذهبه، أو تخريج عليه، أو من تخريج فلان وفلان على مذهبه، أو قياس المذهب، أو مذهب الحنابلة، وهكذا من الأَلفاظ المصطلح عليها، مراداً بها ما تعنيه من عزو وتخريج. والله أعلم.
(1/52)

المبحث الرابع: تاريخ التمذهب، والحث على فقه الدليل
وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق، لا العصبية، والشقاق
كان أَمر الناس جارياً على السَّلامة والسَّداد، من الإسلام والسنة، في صدر هذه الأمة، من عصر الصحابة- رضي الله عنهم- إلى غاية القرون المشهود لها بالفضل، والخيرية: الشريعة ظاهرة، والسنة قائمة، والبدع مقموعة، والأَلسن عن الباطل مكفوفة، والعلماء عاملون، ولعلمهم ناشرون، والعامي يستفتي من يثق به وتطمئن إِليه نفسه ممن لقيه من علماء المسلمين، لم يتخذوا من دون الله وَليْجَةَ، ولا إماماً من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كتاباً غير كتاب الله- تعالى- ولا سنة سوى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، مع كثرة فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم- ومنهم الخلفاء الأَربعة الراشدون، ومع وفرة علماء التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وفي العصر الواحد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أَن يكون إِماماً يُتمذهب له، ويُقَلَّدُ في قوله ورأيه، لكن يأَبى الله ورسوله، والمؤمنون، أَن يتخذ من شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل والخيرية إماما دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصبونه حاكماَ على السنة والدَّليل، وينزلونه منزلة النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم
(1/53)

وكانت الحال جارية على السَّداد في أَعقاب تلك القرون، وفيها الأَئمة الأَربعة المشهورون، جرت أَحوالهم في ركاب سلفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى، والبِر والتقوى، والعلم ونشره، والفقه وتبليغه، وتنقيح مسائله؛ ولعنايتهم الفائقة، وظهور فضلهم، احتوشهم الطلاَّب، وكثر حولهم الأصحاب، وتنافسوا في جمع أقوالهم، وتصنيفها، وتأصيلها، والتقعيد لها، حتى بلغ أَثَرُ كل منهم مبلغاً، واتُّخِذ مَذْهَبَاً، وَصَاحِبَهُ إماماً
وكان الأصحاب في كَل مذهب مقتصرون على ذلك، ثم أخذ هذا يتقوَّى شيئاً، فشيئاً، حتى تمكنت من النفوس عوامل العصبية، والانتصار والحمية، والتنافس في المذهبية، وَمِن هُنَا انعقدت آصرة التعصب المذهبي، وبلغت إلى بلاط الولاة، وقام سوقها في الدروس والِإجازات، وتطوير المذهب بالتخريج إلى إمام الواقعات، والمستجدات، فصار أهل السنة إلى هذه المذاهب الأَربعة المشهورة، درساً، وتدريساً، وقراءة، وإقراء، وكتابة، وتأليفاً، وقضاء، وفتياً، وعلماً، وعملاً، وصار لها من القبول والانتشار، ما بلغ مبلغ الليل والنهار، وانصرف الناس إِليها كالعنق الواحد، فآلَ جُلّ الخليقة من المسلمين إلى قسمين اثنين:
القسم الأَول: منتسب إلى ذلك الإمام، اتَّخذه مستدلا واقتنى كتب مذهبه، لمعرفة استدلاله، ثم عرضها على الوحيين الشريفين، فما كان مؤيداً بالدليل، أخذ به، ومَا لاَ فَلاَ، مع الولاء لكل عالم من علماء أهل السنة، والاستفادة من فقههم، وحسن أثرهم، ودَعَا إلى
(1/54)

الوفاق، ونبذ أَسباب الشقاق، وعقد لاختلافهم " مجلس المناظرة والشورى " إلى الأَدلة الشرعية، وفي عُقْدَةِ رأيه: التَّسْلِيْمُ لِلدَّليل، وَلمَا قَامَ على ترجيحه الدليل
القسم الثاني: متَعَصِّبٌ ذَمِيم أَخْلَدَ إلى حضيض التقليد، ولم يَدْرِ ما يُبدئ في الفقه، وما يعيد، هَجَرَ القرآن، والسُّنة، والقدوة بصاحب هذه الرسالة صلى الله عليه وسلم، وَنَصَبَ إِمَامَهُ غير المعصوم مَحِلَّ النبي المعصوم، فجعله الواسطة بينه، وبين رَبّه، فلا يدين بدليل، ولا تعليل سليم، وجعل: " المتن في المذهب " له قرآنًا، وشُروحه " له سنة وَتِبْيَانًا، فالحق عنده ما قاله، أَو استروحه هو من مذهب إمامه، وإن خالف الدليل، لقد هجر هذا الفريق القرآن، واتخذوه لِلرّقي والسلوان وعدلوا عن السنة وجعلوها للتبرك وقضاء الأَزمان، وأَوجدوا الشقاق! وتشقيق الأمة حتى بلغ الحال إِلى أَن الحنفي المتعصب لا يصلي خلف الشافعي، ولا يزوجه، وأَنه بمنزلة الذمي. وبهذا يظهر فساد قول أَبي الحسن الكرخي من الحنفية:
(كل آية تخالف ما عليه أَصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ) .
وبطلان قول من أَبصر أَنوار الدليل فلم تنفتح لها بصيرته لتعصبه المذهبي فقال:
(لم أخالفه حيُّا فلا أخالفه ميتاً)
وقول بعضهم:
فلعنة ربنا أعداد رمل ... على من رد قول أبي حنيفة
(1/55)

وقول قاضي دمشق محمد بن موسى الباساغوني الحنفي. ت سنة (506) هـ: " لو كانِ لي أمر لأَخذتُ الجزية من الشافعية " انتهى من ترجمته في. " ميزان الاعتدال ".
وقول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- مع جلالته:
ومالك المرتضى لا شك أَفضلهم ... إِمام دار الهدى والوحي والسنن
وقول محمد بن إبراهيم البوشنجي- رحمه الله تعالى:
وإنِّي حياتي شافعي فإِن أَمت ... فتوصيتي بعدي بأَن يتشفعوا
وقول أبي إسماعيل الأنصَاري الهروي- رحمه الله تعالى -:
أَنا حنبليٌّ ما حييت واِن أَمت ... فوصيتي للناس أَن يتحنبلوا (1)
والمنصف يلتزم قول الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: (ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر) وأَشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم
وقال الصاوي في " حاشيته على الجلالين " عند قول الله- تعالى-: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الآية: الكهف/ 23، 24] .
(ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأَربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية، فالخارج عن المذاهب الأَربعة، ضال مضل، وربما أَدَّاه ذلك للكفر، لأَن الأَخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر) انتهى بلفظه.
__________
(1) السير للذهبي 18/ 507 والظاهر من قول الهروي أنه يريد من حيث نصرة السُّنة ومكاسرة الإمام أحمد - رحمه الله - للمبتدعة، فيكون إذاً واقعا موقعه.
(1/56)

وهذا القول الشنيع، قد نقله شيخنا الأَمين- رحمه الله تعالى- في: (أَضواء- البيان:7/437- 463) ورد عليه ردًّا بليغاً، وفَنَّدَه، وأَغلظ على مقالته
فهذا فريق تباعد عن الكتاب، والسنة، فضلَّ الطريق، ومالت به العصبية ذات الشمال، وذات اليمين- نعوذ بالله من صنيعه- وقد عظمت بهم المحنة، واشتدت بهم الأزمة، وكان الناس في أَمر مريج، واضطراب شديد!
مِنْ هُنَا وَقَعَ التجاذب في المسلم بين داعيين: داعي الدليل الأَحق، وداعي التقليد الأَعمى الأَصم، وصار من الأَبحاث المتولِّدة بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة.
وقد قال كل فيه قولاً، وبحث آخر فيه بحثاً، وثالث أَلَّف فيه رسالة، أَو رسالتين ورابع كتب فيه كتاباً، أَو كتابين، وخامس ما ترك مناسبة إلَّا وذكره، كُلّ على مراده ومشربه.
وما زال دولاب التطاحن والتكاثر فيه مستمراً حتى عصرنا، فهو محل سجال، ومعترك نزال، ووقع بسببه مشاحنات، وبغضاء، وتكفير وتبديع، وتفسيق وتضليل، وتقاطع، وتدابر، حتى نشبت في بعض الأَصقاع حروب أَبادت الفريقين، وهيشات أُهْدِرت بسببها دِمَاءُ من شاء الله من المسلمين
وما زال الأمر كذلك حتى تَطَامَنَتِ الفتنة بقلم الحافظين: حافظ المشرق: الخطيب البغدادي، المتوفى سنة (463 هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه: " الفقيه والمتفقه " وحافظ المغرب: ابن
(1/57)

عبد البر، المتوفى سنة (463 هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه: " جامع بيان العلم وفضله " إِذ حَرَّرا كلمة الفصل بالانتصار لداعي الدليل، والقدح في الدعوة إلى التعصب الذميم، والصدَ عن الدليل، فَلاَح لَدَى المنصفين الحق المبين من الزيْفِ والمَيْنِ، لكن هذه قضية للهوى والحظوظ النفسانية فيها غارة ومدخل، وغاية ومطلب؛ لأَن أمور القضاء، والفتيا، كانت ترْسَمُ على مذهب كذا، والسلطة معهم، فيصعب اقتحام الدعوى عليهم.
لكَن ما شعر الناس إلا وصوت جهير ينطلق من الأرض المباركة، من رُبى دمشق الشام، يُعْلِنُ على رؤوس الأَشهاد: فساد التعصب المذهبي، وغلط المقلدة، وتغليط الدعوة إلى سدِّ باب الاجتهاد، وأَن حقيقة ذلك نسخ للشريعة، والصيحة في وجوه دعاة التعصب المذهبي، وأَنه بدعة حادثة بعد القرون الفاضلة، وأَن قول من قال بوجوب تقليد فقيه في دين الله لاَ يُخْرَجُ عن قوله إلى الدليل، ولا إلى غيره من المجتهدين: ضلال عظيم، وبدعة في المسلمين. وأَن الواجب هو الطواعية لله، ودينه، وشرعه، ورسوله- صلى الله عليه وسلم - لا غير إلى آخر تلك الحقائق الِإيمانية، والدعوات الشرعية، فقال في ذلك، وخطب، وكاتب، وكتب، وأَنكر على الفَعَلةِ، واستنكر، ونصح، وأَرشد ذلكم هو شيخ الإسلام أَبو العباس تقي الدِّين أَحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية النميري الحراني ثم الدمشقي، المولود سنة (661 هـ) والمتوفى سنة (728 هـ) - رحمه الله تعالى-؛ فأثرت دعوته الإصلاحية هذه، وهَيَّأَ الله له أعوانا، وتلاميذ، في غرتهم:
(1/58)

شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) - رحمه الله تعالى- تلميذه، وصاحب التصانيف المفيدة فكان لهذين الإمامين من المباحثات الدقيقة ما تقر به عيون الذين يؤثرون طاعة الله ورسوله، وطاعة أهل العلم والهدى على أهل التعصب والهوى ثم استمرت هذه المدرسة الأَثرية المباركة، تسير في كل ناحية، ويظهر لها في كل عصر عالم وداعية، حتى أَخذ ظِلُّ هذه المحنة يتقلص، وغشاوته تنجلي، وَآلت الدعوة إلى التقليد، والحَجْرِ على العقول، والصَّدِّ عن الدليل " في زاوية، يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وَمَا يَسْكنُ إِليها إلَّا متجرئ على الِإثم، متحمل آثام من يقلده في بدعته.
هذه إِلماعة مختصرة عما كان عليه أمر الناس، وما حدث بعد من التمذهب، ثم انشقاقهم فيه إلى فريقين إلَّا بقايا من أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأَئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- حتى عصر الخلفاء الأَربعة- رضي الله عنهم- اكتسبوا، لَقَب: " أَهل الحديث " هذا اللقب المنيف، الذي كان من قَبْلُ لِشُيُوْخ القرون المفضلة، ثم قيام ورثتهم في القرن الثامن الهجري بإِحياء مآثرهم، ودلالة الناس على مدرستهم، تترسم خُطى النبوة والرسالة، ومدارج الصحابة، وَقَفْوَ التابعين لهم بإحسان في الخُطُوَات الآتية:
أولا: أن الله- سبحانه- قد قَضَى، وحكم، وأمر، وألزم، وعهد إلينا: ألَّا نعبد إلَّا إيَّاه، وألاَّ نعبده إلا بما شرع، وهذا مقتضى الشهادتين.
(1/59)

وهذا هو أصل الملة، بل عليه مدار بعثة جميع أَنبياء الله ورسله- عليهم السلام-.
فحكمه وأَمره- سبحانه- في آيات، منها:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف/ 40]
وأَمره في قوله- تعالى-:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [التوبة/ 31]
وقوله- سبحانه-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [لبينة/ 5]
وحكمه في قوله- تعالى-:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) [الأنعام/57]
وقضاؤه في مثل قوله- تعالى-
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء/23]
وعهده في قوله تعالى:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [يس/60-61]
وإلزامه عباده بتوحيده في قوله تعالى:
(إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الفتح/26]
قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- في آخر رسالته، رواية
(1/60)

الاصطخري: كما في: " الطبقات لابن أَبي يعلى: 1/ 31 ":
(والدين إِنَّما هو كتاب الله عز وجل، وآثار وسنن، وروايات صحاح عن ثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضاً، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه- رضوان الله عليهم- والتابعين وتابعي التابعين، ومن بعدهم من الأَئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسّكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار لا يعرفون بدعة، ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يُرْمَوْن بخلاف، وليسوا بأَصحاب قياس ولا رأي، لأَن القياس في الدين باطل، والرَّأي كذلك وأبطل منه، وأَصحاب الرأي والقياس في الدِّين مبتدعة ضلال، إلَّا أَن يكون في ذلك أَثر عمن سلف من الأَئمة الثقات
ومن زعم أَنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحداً. فهو قول فاسق عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إِنَّما يريد بذلك إبطال الأَثر وتعطيل العلم والسنة، والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف وهذه المذاهب والأَقاويل التي وصفتُ مذاهب أَهل السنة والجماعة والآثار، وأَصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أَدركناهم وأَخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أَئمة معروفين ثقات أَصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أَصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط، وهو قول أَئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسكوا بذلك رحمكم الله وتَعَلَّموه وعَلِّموه. وبالله التوفيق) انتهى.
(1/61)

ثانياً: أَن الواسطة بيننا وبين الله: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشهد بالله، أَنه قد بلَّغَ الرسالة، وأَدَّى ألأَمانة، وختم الله به النبوة والرسالة، وأَكمل الله به الديانة، وجعل شريعته ناسخة لكل شريعة، قاضية على كل نحلة، ووجهة. فيجب على كل مسلم الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به، واتباع سنته، فإِن من أَطاعه أَطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وقد قال الله- تعالى-: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص/50]
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن ربه، وعلماء أمته مستقون من شريعته، مستدلون بما أَوحاه الله إِليه، فهم وسائط في البلاغ والاستدلال، ونقل هذا الدِّين، ونشره.
وفي " الطبقات " أَيضاً قال الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-:
(الدال: الله عز وجل. والدليل: القرآن. والمبين: الرسول صلى الله عليه وسلم. والمستدل: أولو العلم. هذه قواعد الإسلام) انتهى
وأولو العلم المستدلون للأَحكام الشرعية، هم: " أولو الأمر " المذكورون في قول الله- تعالى-:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء/59]
فالعالم، المفتي المجتهد، وفي مقدمتهم علماء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الواحد منهم قائم في هذه الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم في وراثة الشريعة، وتبليغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والنذارة بها، وبذل
(1/62)

الوسع في استنباط الأَحكام منها.
ولهذا كان لهم في الأمة من عظيم المقام، وصدق القيام، ما به تأيد هذا الدِّين، وبلغ ما يراه الناس من هذا المبلغ العظيم. وكان من آثاره الحِسان، هذه الجهود المتكاثرة المباركة في استنباط الأَحكام من نصوص الوحيين الشريفين، وتدوينها، والجلد العظيم على نشرها، وتوسيع دائرتها، وتدوينها في متون، وشروح، وحواشٍ وما إِليها، الكل يلتمس الارتواء من هذه الشريعة المباركة، فكلهم من رسول الله يقتبس، ومن شريعته يلتمس، وما هم بالمعصومين.
ثالثاً: يجب على المسلمين تعلم كتاب الله- تعالى- وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل بما علموا منهما وإن تعلم الوحيين في هذا الزمان، أَيسر منه بكثير في القرون المتقدمة؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك مجموعا، مرتباً، مفهرساً، مطبوعا، مقرب التناول وقد حث الله المسلمين في محكم كتابه على تدبره، فقال - سبحانه-: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران/79]
وقال صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه ".
والسنة قطرة من بحره الزاخز كما قال- تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ) الآية [الأحزاب/21]
وقد أنكر الله على من لم يكن كذلك، فقال- تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد/24]
(1/63)

وقال- سبحانه-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان/ 30]
لهذا فإن إِعراض كثير من أهل الأقطار عن الوحيين الشريفين، وتقليص الاقتباس من نورهما في كراسي التعليم، والاكتفاء بالمذاهب المدونة: من أعظم الباطل، وهو مخالف لأَئمة تلك المذاهب. وقد أَنتج هذا البلاء العظيم: تحكيم القوانين الوضعية، ثم تهدئة عواطف الأمة بدعوى المماطلة: " تقنين الشريعة ".
وأَنتج: " الغَزْوَ الفِكْرِيَّ " بشتى ضروبه، وأشكاله.
رابعاً: يجب على العوام الذين لا قُدرة لهم على التعلم، سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به.
وهذا هو " التقليد " في الاصطلاح الحادث (1) ، وحقيقته:
" الأَخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله ".
وهو على قسمين: جائز وغير جائز
القسم الأول: التقليد الجائز وهو على نوعين:
1- تقليد العامي عالما أهلا للفتيا، فيما ينزل به من أمور دينه.
وهذا العامي يجوز له أن يقلد من شاء من العلماء من غير
__________
(1) يعني أن لفظ: " التقليد " كان قبل نشوء التعصب المذهبي للمذاهب الأربعة، يراد به: " الاتباع " كما في: " إعلام الموقعين: (/ 122-123 " فلا تغلط في فهم: كلمة " التقليد " إذا رأيتها في آثار أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة، وحتى لا تنزلها على معنى هذا الاصطلاح الحادث
(1/64)

حَجْر في كل نازلة تَمُرّ به، راغباً الوصول إلى الاقتداء، والتأسي، لا تتبع الرّخص، والتَشهي وهذا تقليد مشروع مجمع على شرعيته.
2- تقليد المضطر اضطراراً حقيقياً، فهذا معذور مثل:
من لا قدرة له على الفهم.
من له قدرة على الفهم لكن عاقته عوائق عن التعليم.
أو هو في أَثناء التعليم، لكن لم ينضج بعد.
أَو لم يجد كفؤاً يتعلم منه.
ونحو ذلك.
القسم الثاني: التقليد غير الجائز وهو على ثلاثة أنواع:
1- كل حكم ظهر دليله من كتاب، أو سنة، أَو إجماع سالم من المعارض، فهذا لا يجوز فيه " التقليد " بحال، ولا " الاجتهاد "، وإنما يجب فيه: " الاتباع "
وحقيقة الاتباع: هو الأخذُ بِمَا ثَبَتَتْ عليه حجة من كتاب أو سنة أو إجماع سالم من المعارض.
2- تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده: مجتهداً آخر خلاف ما ظهر له هو
3- تقليد رجل واحد من العلماء، دون غيره من جميع أهل العلم فهذا لم يحصل لأحد من الصحابة- رضي الله عنهم- ولا من أحد منهم، ولا في أحد من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. ولم يقل به أحد من أهل العلم طيلة تلك القرون، وإنَّما
(1/65)

حدثت بدعة القول به في القرن الرابع الهجري.
وقد أَجرى ابن عبد البر، المتوفى سنة (463 هـ) - رحمه الله تعالى- في " جامعه "، وابن القيم، المتوفى سنة (751 هـ) - رحمه الله تعالى- في: " إِعلام الموقعين ": المحاكمةَ بين دعاة التقليد على هذا الوجه، وبين المانعين، ببحوث طويلة الذيل، لكنها قصيرة في نظر المنصف أَمثال هذين الإمامين؛ لقصور حجة المجيز، وظهور حجة عدم الجواز على القول بالجواز.
وقد ساق شيخنا محمد الأَمين الشنقيطي، المتوفى سنة (1393 هـ) - رحمه الله تعالى- مقاصد الشيخين في كلامهما في: " أَضواء البيان ": (7/488- 539) .
ولابن القيم- رحمه الله تعالى- كلمات حسان، لم أَستطع تجاوزها دون سياق لها؛ لأَنها جامعة مانعة، وهذا نصها: " 4/ 262- 264 ":
(ولم يوجب الله ولا رسوله على أَحدِ من الناس أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أَهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له؛ لأَن المذهب إِنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراَ بالمذاهب على حسبه، ولمن قرأ كتاباَ في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما مَنْ لم يتأهَّل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصِرْ كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أَنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب؛
(1/66)

لم يصر كذلك بمجرد قوله.
يوضحه أَن القائل إِنَّه شافعي أو مالكي أو حنفي، يزعم أَنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إِنَّما يصح له إِذا سلك سبيلَه في العلم والمعرفة والاستدلال، فأَما مع جهله وبُعْده جدّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إِليه إلَّا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أَن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أَحدا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويَدعُ أقوال غيره.
وهذه بدعة قبيحة حَدَثَتْ في الأمة، لم يقل بها أَحد من أَئمة الإسلام وهم أَعلى رتبة وأَجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بأَحد المذاهب الأَربعة.
فيالله العجب! ماتت مذاهب أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أَئمة الإسلام، وبطلت جملةً، إلَّا مذاهب أَربعة أَنفسٍ فقط من بين سائر الأَئمة والفقهاء؟ وهل قال ذلك أَحد من الأَئمة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أَوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجبُ ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان
(1/67)

والمكان والحال، فذلك أيضا تابع لما أَوجبه الله ورسوله، ومَنْ صحح للعامي مذهباً قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إِليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح؛ للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريمُ تَمذْهُبه بمذهب نظير إِمامه أو أَرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أَنه إِذا رأى نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه؛ أَن يترك النصَّ وأَقوال الصحابة ويُقَدم عليها قول من انتسب إليه.
وعلى هذا فله أن يستفتي مَنْ شاء من أَتباع الأئمة الأَربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أَن يتقيد بأَحد من الأَئمة الأربعة بإِجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أَن يتقيد بحديث أَهل بلده أو غيره من البلاد، بل إِذا صح الحديث وجب عليه العمل به حِجازيُّا كان أو عراقيّا أو شاميّا أو مصريُّا أو يمنياً، وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رَسْم المصحف الإمام وصَحَّت في العربية وصح سَنَدُها (1) ؟ جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده؛ جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال، والثاني: تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان
__________
(1) هذه الشروط الثلاثة التي ساقها ابن القيم- رحمه الله تعالى- مبينة في كتب القراآت، كما في كتاب الجزري: 1/ 9، وغيره.
(1/68)

منصوصتان عند الإمام أحمد، والثالث: إِن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أَبي البركات ابن تيمية، قال: لأَنه لم يتحقق الِإتيان بالركن في الأَول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أَن يتبع رُخَصَ المذاهب وأًخْذُ غرضه من أَي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الِإمكان) انتهى.
خامسًا: عقد الشورى في مسائل الخلاف:
إِن الله - سبحانه - هو الذي خلقنا من نفس واحدة كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) الآية [النساء/1]
وجعلنا أمة واحدة: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأَنبياء/ 92]
وجعل الرابطة بين المسلمين: الأخوة الإسلامية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات/ 10]
وقطع كل رابطة دونها من الروابط العرقية، والوطنية، والمالية، فقال- سبحانه-: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة/ 24]
وجعل معبودها واحداً، ونبيها واحداً، وقبلتها واحدة، وقطع كل
(1/69)

ما يتسرب إلى صدع هذه الوحدة، أو شق هذه الجماعة والله العليم الحكيم، قد دعى الأمة إلى هذه الوحدة، وفي سابق علمه سبحانه أَن الخلاف في المسائل النظرية، والعملية، وتباين وجهات النظر، واختلاف المدارك والفهوم، لابد أَن يكون، وهذا أَمر طبعي لمن منحهم الله العقل والتمييز؛ لهذا ومحافظة على عدم شق هذه الوحدة دعاهم إلى الشورى، وهذا من أَدلّ الدلائل، وأَعظم الوسائل المفيدة إلى أَنه ليس كل خلاف مذموماً، بل مع سلامة المقاصد " خلاف محمود " لتتسعَ المدارك والفهوم.
من هنا كان الخلاف جارياً بين الأَئمة الأربعة أَنفسهم كما جرى بين من قبلهم، ومن بعدهم إلى أَن يشاء الله. وهذا الخلاف يفتح سيولة فكرية، وثراءً علميًّا، في فحص النصوص واستقراء دلالتها المتنوعة، وهذا ما حصل في أي خلاف فقهي، ومنه: " الخلاف الفقهي بين الأَئمة الأربعة " فالموفق المسدد هو الذي يتخذ من هذا الخلاف في قلبه وعقله " مجلس شورى " يعقده للمناظرة بين آرائهم، ويحكمهم إلى الكتاب والسنة، فينظر أَهداها، وأَقربها، وأَطوعها للنص، ويأخذ به.
إذا انتهينا إلى الترجيح، فلا تشنيع، ولا تأثيم، على صاحب القول المرجوح، بل نُنزل خلافه على واحد من أَسباب الاعتذار المعلومة، والتي نرى جملتها في: " رفع الملام عن الأَئمة الأعلام " وليكن في عقدة كل عالم: أن القول الذي اختاره ورجحه، يحتمل الخطأ، وأن يكون مقابله هو الصواب؛ لهذا كم رأينا من إمام
(1/70)

رجع عن رأي له إلى مقابله؛ لدليل ظهر له، وتعليل بان له على خلاف ما سبق. وهذا يدل على نبل وفضل، ودين وعقل، وأَنه متلمس للحق أَبداً
وليكن في عقدة كل عالم: أَن الِإثم محطوط عن المجتهد في الدنيا والآخرة، وأَنه في الآخرة كذلك لمن يكشف عن هذه المسائل الخلافية الاجتهادية التي يخوض غمارها المجتهدون، ويصرفون لها قواهم، والله- سبحانه- أَكرم من أَن يفضح عبده بين يديه على رؤوس الخلائق وهو باذل جهده ووسعه
وانظر إلى لطف الله تعالى في عبده داود عليه السلام لما فاقه سليمان بمعرفة الحكم، لم يعنفه، ولم يؤثمه؛ لأَنه صدر منه ما صدر عن اجتهاد بلغه علمه.
حاشا من لم يكن من أَهل الاجتهاد، فإِنه لا يجوز له اختراق الحمى، ولا يجوز إِقراره، ويجب على أهل العلم والهدى تخطئته، وهو آثم محاسب على تفريطه
فيا أَيها المنتسب إلى مذهب الإمام أَحمد، أَو الشافعي، أو مالك، أو أَبي حنيفة: احذر أَن تكون مِمَّن أَعماهم تعصب الانتساب واجعل ذلك الإمام، ومن لحقه على مذهبه، أَدلاء لك إلى الدليل، واعقد قلبك على أمور ثلاثة:
1- كتب المذهب دليل لك إلى فهم الدليل
2- اجعل الدليل لك غاية ومطلباً، وذخراً، ومدخراً، وعلماً، وعملاً
3- حذارِ من الوقيعة في أئمة العلم والدِّين
(1/71)

سادساً: التزم فقه الدَّليل، مع احترام أَئمة العلم والدِّين في القديم والحديث، فلا نغلو فيهم، ولا نَجْفُوهم.
وعليه فاعقد قلبك على كلمة الفصل في الأَئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- على ما يأتي:
أَنهم من خيار علماء المسلمين، وفقهائهم، ولهم قدم صدق في الإسلام وجهود جليّة كريمة في الفقه، وأَبواب العلم، ونشره، والذبّ عن الحرمات، وصيانة الملة من الدخولات، والأَهواء، والبدع المضلة.
وأَنهم ليسوا بالمعصومين، بل الواحد منهم بين الأَجر والأَجرين في فروع الدِّين.
وأَن حقيقة اتباعهم: الأَخذ بالدليل من السنة والتنزيل.
وأَن الوحيين الشريفين، حاكمان على أقوالهم، وآرائهم.
وأَن أقوالهم، مهمة لنا؛ للاستعانة بها على معرفة الحق بدليله.
وأَنه لا يجوز الاستغناء بمذاهبهم عن طلب الدليل.
وأَنهم لما هم عليه من العلم والهدى، أَقرب منَّا للصواب في اجتهاداتهم، من اجتهادنا لأَنفسنا.
وأَن علينا الاحتياط لأَنفسنا في دنيانا، ويوم العرض على ربنا، فننظر في أَقرب أقوالهم وأَهداها إلى الحق والاحتياط، وأَبعدها عن الاشتباه، فنأخذ به.
سابعاً- اتفق الأئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- على منع تقليدهم، وما من إمام منهم إلَّا وقال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "
(1/72)

لهذا فإِن الأَخذ بالدليل، وإن خالف رأي صاحب المذهب؛ هو تقليد له في صورة: ترك التقليد.
لكن أًبَى الأَتباع إلَّا التقليد الأَصم، والتعصب الأَعمى، وفي هذا عدة بلايا: مخالفة المقلِّد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفته لِإمام المذهب، ومنابذة النص؛ وكل هذه مآثم جلبها له: التعصب المقيت. نعوذ بالله من الهوى.
ثامناً: أَجمع المسلمون أَنه لا يجوز للمقلِّد أَن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، فيما قَلَّد غيره فيه في مواضع الاجتهاد، ولكن يقول: هذا هو حكم كذا في مذهب الإمام الذي قلدته، أو استفتيته فأَفتى به.
تاسعا: كل حكم فرعي مُدَوَّن في أَي مذهبٍ لا يخلو من واحد من ثلاثة أًقسام:
1- قِسم الحق فيه ظاهر بين لقيام الدليل من كتاب، أو سنة، أَو إٍجماع وهو في كل باب من أَبوال الفقه، ظاهر كثير.
فهذا يجب الأَخذ به على سبيل الاتباع لصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم لا على سبيل التقليد لصاحب ذلك المذهب؛ لأَنه تشريع عام للأُمة، ليس من مجالات الاجتهاد.
2- قِسْمٌ مرجوح؛ لمخالفته الدليل
فهذا لا يجوز الأخذ به، ولا تقليد ذاك الإمام به، بل يجب دفعه، وترك الالتفات إلى العمل به
(1/73)

وهو على قلة في كل مذهب، لكن مُعَدَّل نسبتها في كل مذهب يختلف من مذهب إلى آخر حسب الركون إلى الرأي في ذلك المذهب قلة وكثرة
فالإمام أَبو حنيفة- رحمه الله تعالى- أخذت عليه مسائل خالف فيها الدليل، وهو أَكثر الأَئمة المتبوعين في ذلك؛ لأَنه أَكثرهم رأياً.
فمنها في مذهبه:
تركه العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأَموال
وتركه العمل بحديث التغريب للزاني البكر
وفي الصلاة: عدم لزوم الطمأنينة فيها، وأَن تكبيرة الِإحرام لا تتعين للدخول فيها، ولا السلام للخروج منها.
وغيرها كثير بسطها ابن القيم- رحمه الله تعالى- في: " إعلام الموقعين ".
ومنها في مذهب الإمام مالك- رحمه الله تعالى- وهو أَقل من سابقه الإمام أَبي حنيفة:
كراهة صيام الست من شوال
وأَن إفراد صيام يوم الجمعة: حسن غير مكروه
وعدم الجهر بآمين.
وعدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.
وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد
والقول بعدم خيار المجلس
ومنها في مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-: وهو أقل
(1/74)

من سابقيه- رحمة الله على الجميع-:
نقض الوضوء بمجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل
ومنها في مذهب الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- وهو أَقل من الأَئمة الثلاثة قبله، بل هي على ندرة في مذهبه:
صيام يوم الشك احتياطاً، وهو يوم الثلاثين من شعبان؛ إذا كانت السماء مغيمة. وسيأتي في آخر " المبحث السادس " بيان الغلط على الإمام
3- قِسم من مسائل الاجتهاد، التي تجاذبتها الأَدلة، فهذا محل نظر الفقيه.
وهذا القسم كثير في كل مذهب؛ لأَن الوقائع متجددة، والنوازل متكررة، والمستجدات غير متناهية.
ثم هذا القسم في كل مذهب على أَربعة أَنواع:
أ- ما تصح نسبته إلى ذلك الإمام
ب- ما لا تصح نسبته إِليه وقد نسب إليه.
ج- ما ألحق بعده على قواعد مذهبه تخريجاً عليه
د- ما زاده بعض المتأخرين على مذهبه وقتاً بعد وقت مما لا يقره هو، بل في مذهبه ما ينقضه.
فيا من شُغفت بالتقليد، تَرَفَّق، لا تنسب إلى من تُقَلدهُ ما هو بريء منه، فتقع في تأثيم نفسك مرتين، مرة في التقليد الأصم، ومرة في التجاوز بنسبة ذلك إلى من تقلده، وهو بريء منه.
عاشرا: باب الاجتهاد مفتوح بِشَرْطِه فَلاَ تَلْتَفِت إلى دعوى انقراض
(1/75)

عصر الاجتهاد وسَد بابه، فهي مِن نفثات متعصبة المذاهب الذين لا يُبِيْحُوْنَ لأَنفسهم الخروج عما في كتب مذهبهم، فيريدون من ورائها أَن لا يخرج أَحد عليهم باجتهاد يخترق به المذاهب بالدليل والبرهان، فيقول لهم: أَنتم تقلدون المذهب الفلاني بكذا، والله - سبحانه- يقول كذا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا.
وهذا يُثير الدهماء على المقلدة، ويُوجههم للدليل، وفيه ما فيه من سَلْب حظوظ النفس. والله المستعان
وقد سَرَت هذه زَمَناً، ثم اخترقها المصلحون، بل أَصبح الاجتهاد ضرورة فقهية لمستجدات الحياة المعاصرة، يستحيي متعصب من القول بهذه المقولة وهو أَول من يجتازها وما هذه المقولة في فسادها، إلَّا كقولهم: " أَهل الحديث ليسوا فقهاء ".
وقول الشعوبية للغض من العرب: " أَكثر المحدّثين من غير العرب ".
وهذه وأمثالها تأتي من قصور النظر تارة، والحمية تارة، والتتابع على الغلط تارة، والتفريط تارة وطريق الِإنصاف: التثبت والوسطية:
فَلاَ تُوغِلَنَ إذا مَا سَبَحْتَ ... فَإِنَّ السَّلاَمَةَ في السَّاحِلِ
(1/76)

المبحث الخامس: الاجتهاد في الفقه الإسلامي وأثره في الثروة الفقهية في كل مذهب
وإِذ تمهدت هذه المقدمات عن حقيقة المذهب، وحقيقة: " الفقه " وأَن مدار فقه الإمام أَحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- صاحب المذهب الفقهي المنسوب إِليه، ومدار فقه المذاهب الأربعة، والاختلاف بينها- بل بين العلماء سلفا وخلفا- في الفروعيات هو على: " المسائل الاجتهادية في أَفعال المكلفين " تأتي المناسبة جلية ظاهرة في عقد هذا التمهيد عن: " الاجتهاد في الفقه الإسلامي " وبيان مجالاته فيه، وتشخيص سبب كثرة الثروة الفقهية باختلاف فهوم الأَئمة فيما شاء الله من الفروع الفقهية. وإليك البيان: معلوم في مطالع الشرع المطهَّر صلاحيته لكل زمان ومكان، إِذْ جاءت أَحكامه رحمة للناس مبنية على رعاية المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ورفع الحرج والمشقة عَن مَنْ أتم الله عليهم النعمة بالإيمان بها، غاية في إقامة القسط والعدل: العدل الذي ترسم معالمه الشريعة ذاتها، لا على التفلسف، والملاينة، والنزول على الرغبات، ومجاراة الناس، وتسويغ أعمالهم
وتأسيسا على هذا أعطى الشرع المطهر من انبسطت يداه،
(1/77)

ودَرَجَتْ خُطَاه في سَنَنِ التحقيق: منصبَ إِعمال الفِكْر، وإجالةَ النظر بالتفهم والتفقه والتدبّر في فهم النصوص وتطبيقها على الواقعات المستجدة، وباستخراج الدليل للواقعة من الكتاب والسنة، وإلحاق ما لا نص فيه منها على ما ورد به النص بما اكتسبَ بَعْدُ اسم " الاجتهاد " ومعتمله اسم: " المجتهد ".
وقد تسلَّم الصحابة رضي الله عنهم منصب الأستاذية في هذا، وتتابع عليه أَهلوه من علماء الشريعة على توالي العصور، بالتفقه وبذل الجهد الفِكري.
وبه: استمر دُولاب الحياة مترابط الحلقات بالدِّين، وحبل الله المتين، وصار جسراً ممتداً في الإسلام، معلناً الخلود والنفاذ واستلهام الحوادث والواقعات، والصمود أَما ظروف الحياة ومواجهات العصور وإذا سبرت الحال لميزان عصور القوة والنضوج والترقي من عصور الضعف والتهري، حملك هذا إلى معرفة مدى توفر العقول الحاملة لملكة الاجتهاد الحقيقي في الأُمة، الذي يسعى به مكتمل أَدواته إلى ما يريده الله من عباده.
كل هذا قد عُلِمَ في سُلَّم المسلمات الشرعية في إِطار الطواعية والانقياد لله تعالى، ومنها ما أَوجبه الله من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الناس كما في نحو أَربعين موضعاً من التنزيل الكريم، وطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى، وهذا عين العبودية لله وحده لا شريك له، وذلك دين الإسلام. والأصل: الأخذ بالنص عند ظهوره، فيسقط معه كل اجتهاد أو قياس أو تقليد، وهذه لا تكون إلَّا عند الاضطرار
(1/78)

ولذا كان الأَصل في شأن الفقيه: أن يكون مستقلاً لا يتقيد بمذهب معين، إنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة وما يؤدِّيه إِليه اجتهاده المقبول، وهو مأجور أَخطأ أَم أَصاب. وهذا كما أَنه عين الطواعية لله ورسوله، فهو من أَعظم الأَسباب لِإثراء الفقه، وتنميه الملكات الفقهية، والنشوء والتربية على مبدأ البحث واستقلال الفكر سَيْرا على منهاج النبوة.
وعليه فقد انعقدَ الإجماع على أَنَّه لا يجوز لِعَالِم أَن يُقلِّد غيره
إِذا كان قد اجتهدَ وتبين له الحق، والِإجماعُ أيضا على أَن التقليد المحرَّم بالنص والِإجماع هو كل تقليد يعارض قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأَن الشريعة لا يمكن حصرها بمذهب معين، أو قول مقنن، وأَنها حجة على كل مذهب ولا يجوز بحال أَن يحتج بالمذهب عليها، وما المذهب إلَّا قطرة من بحرها الزاخر.
وما الأَخذ بالدليل إِلاّ َتقليد في صورة ترك التقليد، لقول كل إِمام: " إِذا صحَّ الحديث فهو مذهبي " ولذا رفض العلماء مقولة من قال بسد باب الاجتهاد، ورأوها عمليه إِجهاض للفقه الإسلامي، وأَن الذمم مشغولة بتحقيقه، ولا تبرأ بسده على أَهله، بل قال الشوكاني - رحمه الله تعالى- كلمته المشهورة: " سَدُّ باب الاجتهاد دعوة إلى نسخ الشريعة " نعم: سد الباب على غير المتأهل، دفعاً لفساد الفتيا بغير علم، والقول على الله بلا علم أساس كُلِّ بَلِيّهٍ في الدِّين؛ ولذا صار حفظ الدين رأس مقاصد الإسلام الخمسة: حفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالعرض، فالمال
(1/79)

وقد عُلِمَ على سبيل اليقين والقطع ضرورة الحياة وسياسة العمران إلى قيام منصب الاجتهاد الفقهي، إذْ الواقعات متجددة لا تقبل الحصر والنص لم يرد في كل حادثة، وهي غير متناهية، فصار نصب القياس والتفقه واجباً، وهذا الواجب لا يتم إلَّا بأَن يسعى مَنْ بَسَطَ الله يده إلى سبل التعلم التي تؤهل الكفاءات العلمية في مهد عنايتها، وتنمية مداركهم على يد من استقامت موازينهم وخلصت نِيَّاتُهم، لاسيما والآلات العلمية متوفرة في هذا الزمن أكثر وأَسهل من ذي قبل، فالشأن في التوجيه لحملها على سنن الشرع، وبهذا يكون في ساحة المسلمين واحدة من كبرى الضمانات التي تعصمهم من التموج والأَهواء والاضطراب في أَمر الدِّين والدّنيا.
وقد صَنَّفَ أهل العلم: أَصْحَابَ المدارِك الفقهية إلى طبقات ومراتب بين الاجتهاد والتقليد، على اختلاف بينهم، فمنهم من جعلهم ثلاث طبقات
1- طبقة المجتهدين، ويقال: بإطلاق.
2- طبقة المجتهدين في المذهب.
3- طبقة أَرباب الترجيح.
ومنهم من زاد:
4- طبقة المحافظين في المذهب.
5- طبقة المقلدة.
إلى غير ذلك مما يُعلم من النظر في تفاريق كلام الأصوليين في أخريات مباحث الاجتهاد والتقليد من كتب الأصول
(1/80)

والمتعين على أهل العلم والإيمان أَن يقولوا من حيث يعلمون وأَن يكفوا عما لا يعلمون، وأن يسيروا في الأُمة سيرة سلفهم الصالح في رعاياهم، وَمَنْ لم تنبسط حاله في الفقه فإنه يقف عند حده ولا يتجاوز طوره. والمتأهل ينزل في الساحة ولا يتخلى عنها لمتعالم يُفسِد على الناس دينهم ودنياهم؛ ولذا تَخَلَّصوا وخلَّصوا الأمة من أَسْر الضغط بالتقليد في جميع صوره وأَشكاله، وسلكوا بها طريقاَ بين ذلك قواماَ " فيبذل الفقيه المتأهل الوسع في الطلب، بحيث يحس من نفسه العجز عن زيد الطلب لاستخراج الأَحكام العملية من أَدلتها التفصيلية " وهذه حقيقة الاجتهاد وكلمة " الاستخراج " هنا أَولى على سبيل التنظير أو الاجتهاد في تطبيق النص على الواقعة، وبذله هذا لا يخلو أَن يكون واجباً عينياً إن وقعت له الحادثة أو سئل عنها وخاف فَوْتَهَا، أو وجوبا كفائيا إِن لم يخف فَوْتَها، أو سبيله الندب فيما عدا ذلك.
وهذا الذي له حق بذل الوسع هو من يملك أَسبابه من فقيه النفس المتبحِّر في الكتاب والسنة والأحكام الشرعية المشتركة بينهما، راسخا في أصول الفقه بالبيّنة لا بالتبعية المذهبيّة، بصيراً بمواطن الإجماع والخلاف الفقهي ومداركه، قائلاً بالقياس عالماً به، عارفاً بوجوه دلالة اللفظ المختلفة، وعلوم الآلة، صدراً في اللغة العربية وبالجملة: تمكِّنه هذه الأسباب من إناطة الأحكَام بمداركها الشرعيّة، قد أنس من نفسه ذلك، وكثيراَ ما تنتشر في الناس أهليّته، فمتى كان
(1/81)

كذلك؛ صح وصف العالم بالمجتهد، وصح اجتهاده، وصار قبوله متى كان عدلاَ مقيماَ للفرائض والسنن.
ولعلَه بعد هذا التطواف المعتصر من كلام أهل العلم، تستشرف النفس إلى معرفة مجالات الاجتهاد، ومن هنا فاعلم أَنَّ الأَحكام تدور في قالبين:
* الأول: ما كان من كتاب أو سنة أو إِجماع قطعي الثبوت والدلالة، أو معلوماً من الدِّين بالضرورة، كمسائل الاعتقاد وأَركان الإسلام، والحدود، والفضائل، والمقدرات كالمواريث، والكفارات ... ونحو ذلك. فهذه لا مسرح للاجتهاد فيها بإِجماع، وطالما أَنَّها ليست محلاً للاجتهاد فلا يُقال فيها: كل مجتهد مصيب، بل المجتهد فيها مقطوع بخطئه وإثمِه، بل وكفره في مواضع.
* الثاني: ما سوى ذلك؛ وهو ما كان بنص قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو عكسِهِ، أو طرفاه ظنيان، أو لا نص فيه مطلقاً من الواقعات والمسائل، والاقضيات المستجدة، فهذه محل الاجتهاد في أُطرِ الشريعة، وعلى هذا معظم أَحكام الشريعة؛ فهذا محل الاجتهاد ومجاله.
ولا يسبق إلى فهمك هنا أَنَّ المراد بالقطعي: " الحديث المتواتر " وبالظني: " حديث الآحاد " على ما دَرَجَ عليه عامة أهل الأصول؛ كلا، ثم كلا، لأنَّهم بهذا يُفرِّقون بين شرعي وشرعي،
(1/82)

ويستدلون للتفريق؛ بل في جميع مباحث الأصول، بآحاد الأَدلَّة من مفردات العربية، وأَبيات الأَعراب، فانظر كيف يستدلون على الشرع بالآحاد وينكرون دلالة السنة الآحادية في الشرع في الاعتقاد، أو يجعلونها ظنية الثبوت في الأَحكام؛ فما هذا أريد، ولكن أريد بالظنِّي هنا " ما وقع فيه خلاف له حظ من النظر بين التحسين والتضعيف، أَو الحديث الضعيف ضعف حفظ وما جرى مجرى ذلك.. والله أعلم
وقد يكون الحكم هنا من الوضوح والبيان ما يلتحق بالقسم الأول، وقد تتزاحم الدلائل فيكون التفهم والتفقه والتفتيش عن وجوه الترجيح لأَحد القولين أَو الأقوال من غيره، وهنا يصح أن يقال في حق من له بذل الوسع. " كل مجتهد عند نفسه مصيب " لا يلحقه إِثم وإن أَخطأ فالمصيب مأجور والمخطئ معذور إذ الحق في واحِد من القولين أو الأقوال كما أَن القبلة في واحدة من الجهات.
* وهناك قالب ثالث: هو مجال لنظر الفقيه، وذلك في فهم النص ومدى انطباقه على الواقعة، ومن جهة ما يرد عليه من إِطلاق أو تقييد، أو ربطه بعلة وتحرير قيامها أو زوالها، وهل النص مما سار فيه النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى العادة أو الجِبلة أو لاَ؟ أو أن النصّ مما قام الدليل على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم به أو لا؟ إلى غير ذلك من وجوه التفقُه في الأدلَّة، وما ترمي إليه مقاصد الشرع من حفظ
(1/83)

المصالح ودرء المفاسد في مصادره الأَصليّة، وقواعده الكليّة، ومصادره التبعيّة: كالاستحسان، والاستصلاح، والعرف، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع. ونحوها من مسالك التفقُّه المقدَّرة بميزان الشرع الصحيح لا بالهوى والتشهِّي.
تنبيه مهم:
لقد أخطا خَطأً فاحشاً من قال بشمول: تغيُّر الفتوى (1) بتغيُّر الزمان في القالبين المذكورين، فإِنَّها بالنسبة للأَول ثابتة لا تتغير ولا تتبدَّل. وما علمت في المتقدمين من قال عن هذه القاعدة بشمولها، بل كلامهم عنها يفيد أَنَّها قاعدة فرعية صورية وليست حقيقية، إِذْ يضربون لها المثال بتغير الأَعراف، وهذا محكوم بقواعد العرف والعادة، ومن هنا فهي صورية لا حقيقية، وابن القيم- رحمه الله تعالى- مع جلالة قدره قد توسع بضرب المثال لها بما لا يسلم له- رحمه الله-.
وليعلم هنا أن هذه القاعدة مع مسألة البحث هذه " فتح باب الاجتهاد " يستغلهما فقهاء المدرسة العصرانية الذين اعتلّت أَذواقهم، وساورتهم الأَهواء، ومجاراة الأَغراض، فهذا يشيد حججاً لإباحة الربا، وذلك لوقف تنفيذ الحدود ... وهكذا وكلها شبه على أًساس
__________
(1) حصل من بعض المعاصرين خَطأ في قوله: تغير الأحكام فالحكم ثابت لا يتغير وإنما الفتوى به حسب المقتضى الشرعي، كما في سهم المؤلفة قلوبهم. والله أعلم
(1/84)

هار مُتَدَاع للسقوط وبأَول معول. فيجب على من ولاَّه الله أَمرَ المسلمين: معالجةُ هذه الأَذواق الفاسدة بتحجيمها، والقضاء عليها، لتسلم الأمَّة من أَمراضها واعتلالها، ورضي الله عن ابن مسعود إِذْ يقول: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعليكم بالأَمر العتيق ".
* وإذْ قَدْ تَمهدت هذه الجمل المهمة في تحرير محل الخلاف مما لا يقبل الخلاف، وأَن أَصل التشريع لا خلاف فيه البتة، وأَن الخلاف الحاصل إِنَّما جاء في بعض الفروعيات من قبل اختلاف " فهوم المجتهدين " لا غير، تعلم الجواب عن السؤال الجاري، وتصويره كالآتي:
" مع عقد الِإيمان بكمال الدِّين وشموله، وإحكامه، ومقتضاه:
أَن لله سبحانه وتعالى في كل قضيّة حكْماً مَعلُوْما لا يتعدد؛ إِذْ الحق واحد لا يتعدد، لكن نرى مواضع خلاف بين فقهاء الشرع، ونحن نُسَلِّم ونُؤْمِن بالشرع المطهر في مواطن الإجماع ومواضع الخلاف، لكن كيف ندفع سؤال من يرد على خاطره التساؤل في مواطن الاختلاف من جهتين:
* الأُولى: من جهة أَن الدين المنزَّل من عند الله لا يختلف ولا تضطرب أحكامه، فكيف حصل هذا الاختلاف المتناقض في عين واحدة، يُقال فيها: حلال، وحَرام، في آن واحد؟
* الثانية: من جهة المجتهدين، كيف يقول المجتهد: هذا
(1/85)

حلال، ويقول الآخر هذا حرام، والعين واحدة؟ وأَن هذا يؤدِّي إلى القدح في ثقة المجتهدين، فكيف الجواب عن السؤال؟؟
*الجواب:
قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54]
قال ابن أَبي يعلى، المتوفى سنة (526 هـ) في ترجمة ابن أَبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن محمد بن إِدريس الرازي، المتوفى سنة (327 هـ) : " قرأت في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا صالح بن أَحمد بن حنبل قال: سمعت أَبي- رضي الله عنه- يقول: قال الله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فأخبر بالخلق، ثم قال: والأمر، فأَخبر أن الأَمر غير الخلق (1)
يقول. قد مَيَّزَ الله بين الخلق والأمر، سَمى هذا أمرا، وسَمَّى هذا خلقاً، وفَرَّقَ بينهما، فقال. أَلا له الخلق والأمر، وكل مخلوق داخل في الخلق. وبقي الأمر والأمر ليس بمخلوق قال الله تعالى: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) ، فأَنزل كلامه غير مخلوق " انتهى.
__________
(1) ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه: " السنة: " 1/103 "
(1/86)

وهذا الفهم الثاقب من الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- ومن أَحمد بن سنان الواسطي- رحمه الله تعالى- في رواية ابن أَبي حاتم عنه- رحمهما الله تعالى- لتفسير قول الله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) هو من التفسير السهل الممتنع، وقد أَزال إِشكالاً يُثار في سبب اختلاف علماء الأَمصار مع عقد الِإيمان على كمال الشرع المطهر وإحكام أَحكامه ... وقد طالت في الجواب عنه مطارحات العلماء لتحصيل الجواب، على أن ذلك الاختلاف غير قادح في الدين، ولا في علماء الشرع المجتهدين المختلفين، بدءاً من سؤال أَبي حيان التوحيدي، المتوفى سنة (414 هـ) والجواب عنه لمسكويه، المتوفى سنة (421 هـ) كما في كتابهما: " الهوامل والشوامل ": (ص: 328- 332) .
ومروراً بكلمات العلماء الكاشفة لوجه الحق في الجواب. منهم: ابن قتيبة في: " تأويل مشكل القرآن ": (ص: 40- 42) ، والداني في: (الجامع. ص 47 " وابن الجزري في: " النشر 1/ 49 " وأَبو حيان في: " البحر المحيط: 3/ 355 " والشاطبي في: " الموافقات: 3/ 85- 87 " وابن تيمية في: " الفتاوى: 13/ 391- 392 " و " اقتضاء الصراط المستقيم: ص 37- 39 " و " رفع الملام عن الأَئمة الأعلام " وغيرها له.
والسيوطي في كتابه: " جزيل المواهب في اختلاف المذاهب " والشوكاني في: " الأَجوبة الشوكانية على الأسئلة الحفظية ".
(1/87)

وابن الوزير في: " العواصم: 3/ 28 " والمعلمي في: " الأَنوار الكاشفة: ص 34 " وبدر الدين الحسيني في: " التعليم والِإرشاد: ص 136 - 140 " وما حررته في: " التقنين والِإلزام " من كتاب: " فقه النوازل ".
ولم يعرج واحد منهم على حل الِإشكال بهذه الآية الكريمة، وتفسير الإمام أَحمد لها، الذي مفاده: أَن الله- سبحانه- قد ميَز بين الخلق والأَمر وهذا دليل تغايرهما، وإثبات الفرق بين المخلوق وغير المخلوق؟ ولهذا صارت هذه الآية الكريمة من أَشد الأدلة القرآنية على الجهمية في دعواهم الباطلة بخلق القرآن، والخلق قد تم في ستة أَيام، ومع ذلك مازال الانتفاع يتجدد، واكتشاف المخلوقين لمخلوقات الله يَحْصُل شيئاً فشيئاَ، وكله خلق الله منذ الأَزل، وكذلك " الأَمر " أَمر الله، والدين دينه، والشرع شرعه، الذي تنزل على قلب نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ديناَ قيِّماً كاملاً تماماً على الذي أنزل، لينفذ في خلقه أَمره في علاقتهم مع خالقهم، وفي علاقتهم مع خلقه، وقرنَ سبحانه خبر خلقه بأَمره؛ لحملهم على العمل بأَمره- أَي: دينه وشرعه- في شؤون دنياهم وأخراهم، وكما أَن خلقه لا يخرج عنه شيء لغيره سبحانه، فكذلك أَمره، وتشريعه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) سبحانه، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وسمانا مسلمين، وجعلَ من أصول الإسلام ومعاقد الإيمان: ملازمة الإسلام حتى الممات، وإسلامَ الوجه لله على الإخلاص والِإحسان والرضا والتسليم بشرع الله وحكمه، وأَن الله- سبحانه- قد أَكملَ الدِّين وأَتمَّ النعمة ببعثة خاتم
(1/88)

الأَنبياء والمرسلين، وأَن هذه الشريعة الإسلامية المباركة هي روح العالم، ونوره، وحياته، والدنيا مظلمة ملعونة إلَّا ما طلع عليه نور هذه الشريعة الميمونة، وأَن من معاقد الِإيمان: التسليم بنسخها لجميع الشرائع، وصلاحيتها لكل زمان وجنس ومكان، وأَنها وافية شاملة لجميع المستجدات والجزئيات، لا يعزب عن حكم الله فيها ذرة في الأَرض ولا في السموات.
وَأَنَ مَنْ لَمْ يُشْرق في قلبه نور هذه الشريعة؛ فهو في موت وظلمة وضلالة، وكُفر وعِمَايَة.
وأن جميع أَحكام الشريعة تقوم على نوعين من الأَحكام هما نعمتان من نعم الله على هذه الأمة المرحومة أمة الإسلام:
الأول: نوع لا يقبل الخلاف أَصلاً، وهو نعمة الأسس الكبرى التي يلتقون عليها، ويبنون عليها جامعتهم، مهما تناءت ديَارُهم وتنوعت أَجناسهم، في مصادر الدِّين الأصلية وأصوله المليّة، ويسميها بعضهم: " القطعيات "، فتوحيد الله والشهادتان وأَركان الإسلام، ومعاقد الِإيمان، وركن ألِإحسان، وأصول الشريعة الملية، وقواعدها الكلية، والضروريات الخمس التي تدور على المحافظة عليها أَحكام الشريعة، والأَخلاقيات والفضائل والمقدرات، وحجية الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هي مسَلَّمَة لا شِية فيها، فلا يتطرق إليها خلاف، ولا يحوم حولها اختلاف
(1/89)

وهي أَوعية رحيبة تَحْوي جميع الفروع والجزئيات، وتصبُّ فيها جميع المستجدات والواقعات.
وأَن جملة واسعة عن هذه التفريعات هي كذلك محل إجماع، ولا يعرف فيها خلاف بين علماء الإسلام.
وأَن من محامد الشرع المطهَّر وجود اختلاف التنوع في بعض من هذه الجزئيات وهذا من رحمة الله بعباده، وتكثير أُجور أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبعث الشوق للتنقل من صفة عبادة إلى صفة لها أخرى. وهذه المسلمات بمنزلة الدِّين المشترك بين الأَنبياء ليس لأَحد الخروج عنه البتة.
فهي فوق مستوى الخلاف والجدل، فكل المسلمين يؤمنون بها ويذعنون لها، ويرجعون إليها، وتجمع بين المسلمين علماً، واعتقاداً، وعملاً، ملتقين على روح الاجتماع ونبذ التفرُّق والنزاع.
وأَن الخلاف في شيء منها: شقوة وعذاب، وفتنة وفساد، وكُفر وضلال وعلى هذا تتنزل الآيات والسنن الناهية عن الفرقة والاختلاف، وإثارة الخلاف المحرم المحروم من الصواب في جهاته الثلاث:
1- خلاف في ما لا يقبل الخلاف أَصلاً من الأصول والكليات.
2- وخلاف في محل إجماع وما لا يعرف فيه خلاف من الفروع.
(1/90)

والجزئيات. وهو مندرج في النوع قبله.
3- وخلاف يحمله التشهي.
ومن دوافعه: الغرور النفسي، إعجاب كل ذي رأي برأيه، والنار الموقدة بين الجوانح لحب الصدارة، والتطلع إلى المناصب، والشهرة: " ها أنذا فاعرفوني " والعصبية لمقلد، أو مذهب، أو جنس، أو بلد، أو حزب، أو جماعة، والملاينة لِوَالٍ على غرار " خُفّ أو جَنَاح ". وكل هذا من الهلكة في الحق، واتباع الهوى، والبغي، والغِش للمسلمين بإِخراج القول على الله ودينه وشرعه بلا علم في صورة العلم، والفِرية في صُورة القُربة
والآيات في ذم هذا الخلاف، وأَنَّ أَربابه هم دعاة التفرق- كثيرة في كتاب الله تعالى- كما في سورة البقرة: 213، وآل عمران: 19، 103، 105، والأنعام: 159، والأنفال: 46، والروم: 30- 32، والجاثية: 16، 17، وغيرها.- والله أعلم
فهذه الثلاثة لا تأتي بها الشريعة، وهي محل المروي في ذم الرأي وأَنه عن واحد من الخلاف في هذه الجهات الثلاث يصدر أَهل الأَهواء وأَهواؤهم، والمبتدعة- وبدعهم، وتنجم الفرق الضالة، وتنفصل عن الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة: جماعة المسلمين؛ لأَنهم قدَّموا الهوى على الشرع، ومن هنا سُمُّوا بأَهل الأَهواء؛ لغلبته
(1/91)

على عقولهم واشتهاره فيهم، فآلت النسبة بين الرأيين المحمود والمذموم بعيدة الملتمس.
وبهذا التقرير تعلم أَنه لم يرد في الشرع المطهر خلاف في أيٍّ منه أَصلاً أو فرعا البتة، وأَن الخلاف الدائر والحوار الحاصل بين علماء الشرع المطهَّر من الصحابة- رضي الله عنهم- فمن بعدهم إِنما جاء من قِبَلِ فُهوم المجتهدين لا من حيث الواقع في نفس الأَمر وأَن خلافهم هذا منحصر في فروعيات تنطوي تحت أي من الأصول المذكورة، خاصة في الفقهيات العملية المكتسبة وبعض المصادر التبعية، ويسميها بعضهم: " الظنيات ".
وهذا هو " النوع الثاني " من الأَحكام التي يدور عليها حكم كثير من الفقهيات في فقه الشريعة، وهي نعمة إِعطاء المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم حق النظر، وحق تقرير المصالح في حدود الأَصل المجمع عليه: " طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم " والخلاف فيها لا يمس وحدة المسلمين الحقيقية.
وبهذا التقرير فقولهم: " الاجتهاد في الشريعة الإسلامية " فيه عموم وإطلاق، يخرج عن حَدِّ المراد، وهو " الاجتهاد في أَحكام أَفعال العبيد الفقهية لا العقدية، ولا في باب الفضائل والأَخلاق، فهذه لا خلاف فيها أصلاً، والخلاف في جزئيات من فروعها يُعدّ من: الخلاف النادر ثم هو خلاف في مرتبة الحكم التكليفي لا في أصل
(1/92)

المشروعية، فليتنبه لهذا فإِنَّه مهم، وليكن التعبير الدقيق: " الاجتهاد في الفقه الإسلامي " (1) .
ونظير هذا: ما كثر فيه التصنيف من أهل عصرنا عن: " تاريخ التشريع الإسلامي " ومعلوم أن التشريع اكتمل في عصر الرسالة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتشريع بهذا ثبت، واستقر، لا كما يخطئ فيه بعضهم، متابعة لنفثات " المستشرقين " من:أن " التشريع الإسلامي يتطور " وهذه نظرة خاطئة تعود على الشريعة بالنكث والتحريف والتبديل؛ لذا يعبر بقولنا: " تاريخ الفقه الإسلامي " (2)
والخلاف الحاصل بين أهل العلم في هذا النوع من الشرعيات يجمع أمورا:
1- من له حق الاجتهاد:
قال الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) وقال سبحانه: " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
__________
(1) انظر المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية لعبد الكريم زيدان: ص/ 107، وتاريخ الفقه الإسلامي لعمر الأشقر ص/ 39.
(2) انظر المدخل- لدراسة الشريعة الإسلامية لعبد الكريم زيدان: ص/ 107، وتاريخ الفقه الإسلامي لعمر الأشقر ص/ 39
(1/93)

يَحْذَرُونَ) ووقال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . فهذه الآيات الكريمة، تشير إلى وجود طائفة من أهل الاستنباط والذكر والفقه في الدَين، لهم قدرة البيان عن أَحكام النوازل والواقعات، وأَنَ هذا عمل ممدود في حياة الأمَة يجب توفره، ولا يجوز خلو العصر منه، ومن قال خلاف ذلك مِنْ أسَرَاءِ التقليد، فقد دَعَى إلى الجهل بالشريعة، ونسخها.
وعليه فإن الذي له حق الاجتهاد كما في هذه الآيات، وتفاريق كلام أهل العلم البياني لها: هو الفقيه العدل المتأهل للاجتهاد، المستكمل لأَدواته علماً، وعملاً، وورعاً، ونُصحاً فيبذل الفقيه جهده في استخراج الأَحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأَدلة الشرعية التفصيلية على أصولها المقررة تفصيلاً
على أن القول بتجزئة الاجتهاد هو القول المختار
وبه يعلم أَنه لا عبرة بخلاف من ليس أَهلاً للاجتهاد، ولا بالخلاف الشاذ، ولا بالرخص الغثة، ولا بالخلاف بعد الاتفاق
وإذا أردت الوقوف على تفاصيل ذلك فانظر في كتاب ابن عبد البر " جامع بيان العلم وفضله ... ": " باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء "
2- مجالاته:
فروعيات فقهية منطوية تحت أي من أصول الشريعة، مضى
(1/94)

تفصيلها في صدر هذا المبحث.
والأَمر كما قال الشاطبي- رحمه الله تعالى- في: " الموافقات ":
" إِن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أَتت بأمور كلية وعبارات مطلقه تتناول أَعدادا لا تنحصر " انتهى.
وما هذا إلَّا لأن النوازل والمستجدات غير متناهية، والنصوص محدودة متناهية، فكان من رحمة الله بعباده: التشريع بأمور كلية، تستلهم الواقعات، ويسلك أَهل الذكر إليها طرائق إلى الاجتهاد، ببذل الفقيه الوسع في استخراج وتحصيل الحكم من الدليل الشرعي بالشورى، والقياس، وأَدوات النظر والاستنباط، وتحقيق المناط
3- أَسبابه:
جُملتها: اختلاف فُهوم المجتهدين لا في نفس الأَمر.
فالمجتهد بمنزلة المترائي للهلال قد يراه لقوة بصره وقد لا يراه لضعف بصره، وهكذا الحكم الفرعي قد يحصل للمجتهد الصواب لقوة بصيرته، وقد يفوت عليه لِضَعْف عرض لَهُ، قال الله تعالى. (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) .
وقد أفردت المصنفات في معرفة أَسباب الخلاف لابن عبد البر، المتوفى سنة (463 هـ) ، والبطليوسي، وابن تيمية، والسيوطي والسندي، والدهلوي، والشوكاني، وغيرهم، وكلها تَصُبُّ في هذا السبب: " اختلاف فهوم المجتهدين، سواء بلغه النص أو لم يبلغه
(1/95)

ومن أَنواعه الآتية تعرف أسبابه تفصيلا:
4- أنواعه: خمسة هي:
(أ) اختلاف فهوم المجتهدين في تطبيق معايير القبول والرد على المروي فيحصل الخلاف في ثبوته
(ب) اختلاف فهوم المجتهدين في فقه النص المحتمل لأَكثر من وجه من جهات كثيرة تتعلق بالمبنى والمعنى، من حيث مدلولات الأَلفاظ واختلاف حقائقها لغة وشرعاً وعرفاً.
ومن حيث التكييف الفقهي في الأَصل الذي تُرَدُّ إِليه المسألة الفرعية، ومن هنا جاء بيان الفقهاء لما يسمونه: " ثمرة الخلاف " أو " أَثر الخلاف " وبيان " أَثر الخلاف في تكييف الأَحكَام الفقهية " من المهمات العلمية الموجودة في تفاريق كلامهم. ولابن خلدون لفتة نفيسة عنه في مقدمته: في الفصل الخامس عشر من الباب السادس: (2/140)
ومن حيث التعارض، والمرجحات، والِإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، والناسخ والمنسوخ.
(ج) اختلاف لسبب خارج عن النص وهو اختلاف في فهم الواقع
(د) اختلاف بسبب اختلاف حال المكلف، فقد يكون السبب خارجاً عن اختلاف الفهم من فقيه إلى فقيه، وإنَّما لاختلاف
(1/96)

أَحوال الِإنسان- ذاته- المتلبس بالواقعة الذي يتراوح حاله بين الضرورة والحاجة، والتوسع والرفاهية، فيحف بهذا من الأحوال ما لا يحف بالآخر فيتفاوت الحكم من مراتب التكليف في حق كل منهما.
(هـ) ومن وراء هذه الأَنواع: اختلاف المفاهيم في أي القولين أَولى بالصواب، مع الاتفاق على أَصل المشروعية، وهذا كثير وقد بسطه الدهلوي في: " حجة الله البالغة: 1/158- 160 "
5- حُكْمُه:
هذا الخلاف بنوعيه وأَسبابه من جنس تنوع شرائع الأَنبياء، هم متفقون على الأَصل الجامع، وإن تنوعت واختلفت شرائعهم ببعض الأقوال والأَعمال.
وهو بُنية الاجتهاد الذي لا ينقطع بل هو مستمر إلى يوم القيامة.
وهو فرض كفاية، لا يجوز خُلُوُّ الزمان من مجتهد مطلق أو مقيد، حتى يأتي أمر الله؛ للحديث المتفق عليه عن ثوبان- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ".
وهذا الخلاف هو الذي يتنزل عليه قولهم: " كل مجتهد عند نفسه مصيب " وقولهم: " لا إنكار في مسائل الخلاف " وقولهم: " إذا صح الحديث فهو مذهبي " و " ترتب الأجرين لمن أصاب والأجر
(1/97)

الواحد للمخطئ " مع اعتقاد أَن الحق واحد. وقد رجع كبار الصحابة رضي الله عنهم في مسائل لما اتضح لهم الدليل، وهكذا المهتدون بهديهم إِلى يومنا هذا، فالرجوع يكون لدليل، وهذا عين الاقتداء ومحض الطواعية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فإِن كان رجوعاً إلى رأي مجرد فهو تقليد، ومن لم يرجع إلى الفهم السوي للدليل بين له حتى يعلم الصواب من الخطأ، وتبرأ الذمم.
6- حِكْمَته:
تترجم هذه بآثاره، أو حِكمته، أو فائدته، وهي:
1- أَن الاختلاف بهذا الاعتبار من كمال الشريعة وشمولها، وسعتها، والتوسعة على العباد والرحمة بهم.
وكونه رحمة للخلق وتوسعة عليهم، هو من جهة مَنح الشرع المطهر للمجتهد: الاجتهاد في استنباط أَحكام النوازل من الأَدلة الشرعية، لا أَن يقول الِإنسان بقول أَحدهم من غير أَن يكون الصواب لجانب ذلك القول كما حرره ابن عبد البر في: " جامعه ": (2/ 82- 83) . أَما الأَخذ على التخيير، فَهوَ فيما ورد في الشرع من مسائل فيها: " اختلاف تنوع " لا تضاد.
وقد جاءت الشريعة باختلاف التنوع بخاصة في العبادات كما في صيغ: الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتحيات، والصلاة الإبراهيمية، والدعاء بين السجدتين، والسلام، وغيرها كثير مع ما فيها
(1/98)

من تفضيل بعضها على بعض.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: ما يسرني أَن أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأَخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة. " الفتاوى: (30/ 80) ".
ورحم الله الإمام أَحمد فإِن تلميذه إِسحاق بن بهلول الأَنباري سمى كتابه: " كتاب الاختلاف " فقال له أَحمد: سَمَهِ " كتاب السعة " كما في ترجمته من: " الطبقات ".
وفي ترجمة: طلحة بن مصرف- رحمه الله تعالى- من " الحلية: (5/119) " قال عنه موسى الجهني: " كان طلحة إِذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا: الاختلاف، ولكن قولوا: السعة " انتهى. وقال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " المغني ": " أَما بعد: فإِن الله برحمته وطوله وقوته وحوله، ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وجعلَ السبب في بقائهم بقاءَ علمائهم، واقتداءهم بأئمتهم وفقهائهم، وجعلَ هذه الأُمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأَظهرَ في كل طبقة من فقهائها أَئمة يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رأيها، وجعل في سلف هذه الأمَّة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بِهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة
(1/99)

قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة ... " انتهى
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في: " الفتاوى: 14/159 ": " والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنَّف رجل كتاباَ سمّاه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه؛ لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) " انتهى.
وقال أيضًا: " 30/ 80 " في جواب له على منع الإلزام بالمختلف فيه: ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز ... وذكره " انتهى.
وقال الشيخ مرعي الحنبلي كما في: " عمدة التحقيق " لسعيد الباني: (ص 37) : " إن اختلاف المذاهب في هذه الملة رحمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، فاختلافها خصيصة لهذه الأمَّة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة انتهى.
ويتحصَّل من هذا التقرير أن هذا النوع من الخلاف ضرورة تمليه: الشريعة، واللغة، واختلاف أحوال البشر وتغيُّر أنماط الحياة
(1/100)

وأَن من يدعو إلى جمع الناس على رأي واحد، أو مذهب واحد في كل ما جاز فيه الخلاف، فقد رام الشطط، ونفخ في غير ضرم، وتحجر رحمة الله وهي أَوسع.
وهُنا يورد بعض طلبة العلم: قول الله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وهذا من الخطأ في فهم كتاب الله تعالى.
وبيانه: أَن أهل الاجتهاد من علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس الخلاف ملازماً لهم في كل أمور دينهم، فهم غير داخلين في قوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) وإنَّما هم داخلون فيمن تداركهم الله برحمته في قوله- سبحانه-: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهم مرحومون بإجماعهم على أصول الدين وفروعه المجمع عليها ومشمولون بالرحمة باختلافهم؛ لاختلاف الفهوم في الفروع غير المتفق عليها، توسعة من الله عليهم ورحمة بهم؛ لاختلاف أَحوالهم، وتعدد نوازلهم، فآل اختلافهم فيها كاتفاقهم فيما سواها، الكل رحمة من الله لهم. وللعلاَّمة الشاطبي- رحمه الله تعالى- فضل التنبيه المفصَّل
على ذلك في: " الاعتصام: 2/168-173 " فلينظر والله أعلم.
2- وبه تعرف عُمق فقه السلف حين نهوا عن: " الأغلوطات " (1)
وهي السؤال عما لم يقع، وعن التعمق في ذلك، وهو ما عرف بعد
__________
(1) وانظر شرح الحديث التاسع من: " جامع العلوم والحكم لابن رجب.
(1/101)

باسم: " الفقه التقديري "، لأنه حكم على الصورة المنقدحة في الذهن دون معرفة مَا يَحف بِها، فَتُرِكَ ذلك واجتهاد الناس لما فيه من أمور مستقبلية تؤثر على النتيجة الحكمية، حسب اختلاف الأَزمان، وحسب اختلاف الأَشخاص، وحسب اختلاف الأَحوال والأَماكن، وحسب اختلاف الأَعراف والعوائد، وحسب تقدير المصالح العامة والخاصة.
قال الزمخشري عند قول الله تعالى. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) : " الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأَحوال والأَوقات فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أَي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم " انتهى
وهذا يوقفك بانبساط على معنى قول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89] فهو تبيان لكل شيء بأصوله وقواعده الكبيرة الكلية الشاملة، كل واحدة منها كَالجِذْع تتفرع منه الأَغصان.
وكم وراء هذا المنهج الاستنباطي من حِكَمٍ ومصالح، منها: ترويض النفوس على إِجالة النظر، والصبر والدأب، وتحريك الثروة الفقهية طلباَ لمزيد الربح من استنباط الأَحكام، وعمارة الحواس باستخراجها، وهذا من فضائل هذا الدّين، وسعته وشموله، وأَنه دين رحمة وسعة ورأفة بالخلق من الخالق، ولهذا رأينا جهود العلماء
(1/102)

تتبارى، وصريف أَقلامهم يتجاوب على امتداد الزمن لِمَدَ حركة الفقه، وبسط أَحكامه لقاء تسلسل القضايا، وتتابع الأَحداث، واختلاف المفاهيم؟ ليبقى ظِلُ الفقه ممدوداً لا قالصاً، والأَجر على الاشتغال به كاملاً موفوراً لا ناقصاً، وهذا من المزيد في فضائل أمة محمد.
وانظر إلى حكمة الله سبحانه في إِخفاء ليلة القدر ليجتهد المسلمون في الطلب فيزداد التهجد والتعبُّد في جميع ليالي العشر، وهذا من رحمة الله بعباده، وتقوية النفوس على التعبُّد، وكذلك هنا تشحذ الهمم على التفقُه، وتجول الأَفكار، وتتحرك الأَنظار، وينمى رأس المال بما يتفق ومصالح العباد في الحال والمآل.
وقد أَلف السيوطي رحمه الله تعالى في فتح باب الاجتهاد وبيان نعمة الله بهذه المنح الِإلهية لعلماء أُمة محمد صلى الله عليه وسلم وانتصر لمذهب الإمام أَحمد في ذلك، وَرَدَّ على المخالفين من أهل مذهبه الشافعية وغيرهم في كتابين: " الرد على من أَخلد إلى الأَرض وجهل أَن الاجتهاد في كل عصر فرض " و " تيسير الاجتهاد ".
ومن هنا جاءت في كل مذهب هذه الثروة الفقهية العظيمة، وبدا فيها من عجائب الفقه والتفقه، وتعليل الأَحكام، وبيان مداركها، وتحقيق مناطها، وآثار اختلاف الأَفهام، وفائدة الخلاف؛ ما بهر العقول، وبلغ الألوف، ومنه في هذا المذهب المبارك إذ جاوزت كتبه الألف
(1/103)

في الفقه وأصوله وقواعده، فلله الحمد وله النعمة والفضل.
3- إِلقاء حكمة الابتلاء والاختبار، لمن يطلب الحكم بدافع معرفة الحق، ومن يطلبه بدافع الهوى والتشهي، والترخُّص بتتبع الآراء الشاذة، والأقوال الغثة.
4- وبهذا التقرير يعرف السِرَّ في إقرار كل فريق على العمل باجتهاده، والسر في عدم جواز حمل السلطان الناس على أَحد القولين أو الأقوال وإِلزامهم به، أو على مذهب فلان وفلان، كما قال مالك وغيره من الأَئمة: ليس للفقيه أَن يحمل الناس على مذهبه، وفي عدم جواز الِإنكار باليد في المسائل الاجتهادية، لكن يُبين الفقيه بسلطان الحجة العلمية ما يعتقده، ولا يلزم أَحد باتباعه، ولا ينكر عليه باليد إذا خالفه، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: " الفتاوى " 30/ 79- 81 "، " 19/ 125- 126 " فالسلطان هنا للحجة والعلم لا المقدرة وبسط اليد.
5- تكثير أجور أُمة محمد صلى الله عليه وسلم إِذْ جعلَ أَجرين لمن اجتهد وأَصاب، وأَجرا واحدا لمن اجتهد فأَخطأ.
6- ثم " الخلاف " سنة من سنن الله كَوْنا وَقَدَراَ، ودينا وشرعًا، ولهذا تراه في القرآن الكريم عن " ملائكة الرحمن ": (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [ص/69] ، وبين أنبياء الله ورسله كما في قصة موسى وهارون، وقصة موسى والخضر، وقصة داود وابنه
(1/104)

سليمان، وهكذا. وفي السنة المشرفة: محاجة آدم وموسى، وقصة داود وسليمان في شأن المرأتين المختصمتين في طفل، واختصام الملائكة في مصير الرجل الذي قتل مائة نفس إلى آخر ما بسطه ابن الوزير في: " إِيثار الحق "، ثم قال:
فدلَ على اتساع الأمر فيما الـ ... كرام فيه خالفت الكراما
وما سبب الخلاف سوى اتساع الـ ... علوم هناك نقصا أَو تماما
ولم يفلح أَبداً من تصدَّى للاجتهاد كُلاّ أو جزءاً وهو غير متأهل ديناً، وعلماً، وفقهاً، يدفعه حب الظهور، والولع بالشذوذ، وضغط الإسلام للواقع، وضغط النصوص للوقائع، وتحميل النصوص ما لا تحتمله، وممالأة الولاة، وتصيد الرغبات، وتسويغ تصرفاتهم باسم الشرع المطهَّر، والجرأة على الفتيا، والمسارعة إليها: " ها أنذا فاعرفوني " فيصدر من الفتاوى بما يصح أَن نُلقبه باسم: " الفتاوى المغتصبة ",
ومنها إصدار " الفتاوى الطائرة " في المجالس، والجلسات العارضة، في كبريات المسائل والنوازل، مِمَّا لو حصل في الصدر الأول لَجَمَع له أَبو بكر- رضي الله عنه-: عمر، ومن معه من وجوه الصحابة- رضي الله عنهم-.
وهكذا في موجة نكدة يأباها الله ورسوله والمؤمنون.
ولم يُفْلح من جعل من هذا النوع من الخلاف محنة وشعارا
(1/105)

يعقد الولاء على الموافقة له، والبراءة على المخالفة له فيتخذه منفذاً للفرقة، وَبَثِّ الفتنة والتعادي بجعل المخالف خصما لدوداً، وخلافه مشؤوماً، والنفخ في الانتصار لمدرسة على أخرى لا للدليل وداعي الطواعية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لكن للعصبية والهوى، حتى تطور هذا العداء إلى مواجهات من التنازع والاختلاف، والخصام والتدابر ثم جرَّت هذه إلى مواجهات عسكرية، ومن نظر في: " معجم البلدان " والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (3/ 115) وغيرهما رأى من نماذج هذه المواجهات ما يأباه الله ورسوله والمؤمنون.
ومن هنا وجد المندسُّون في الصف الإسلامي فرصة لتشييد هذه المواجهات، تبديداً لوحدة المسلمين، وتفريقا لجماعتهم، فليحذر المسلم الولوج في هذه المضايق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في " الفتاوى 32/137 " في معرض بحثه بعض المسائل الخلافية الفقهية:
(وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة، حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة، وأَهل الِإلحاد ... ) انتهى.
ونحوه لدى ابن الوزير في: " الإيثار 375 ".
وقد وصلَ إلى بعض الكتب المعتمدة لأئمة كبار يُشار إليهم بالبنان في العلم والإيمان، نَفْثَةٌ بعبارات كان الأجمل: التحامي عنها،
(1/106)

منها: " قال الخصم " كما في: " التحقيق " لابن الجوزي، و " أَحاديث الخصوم " كما في: " نصب الراية " للزيلعي، و " وأَمَا حديثهم " كما في: " المغني " لابن قدامة، فيا ليتها لم تحصل، كما تركوا نظيرتها من العبارات. " آيات الخصوم " و " وأَمَّا آيتهم " - غفر الله للجميع بمنه وكرمه-.
ولم يفلح من جعلَ هذا النوع من الخلاف سبيلاً إلى تسويغ ما لا يجوز فيه الخلاف من أمور الاعتقاد، وغيرها، فهذا تفريط في جنب الله، وتعدٍ لحدوده، ولا يقول بهذا إلَّا أهل الأَهواء؛ لنشرها، وإفشاء البدع والجهالات، وإنكار هذا هو موضوع رسالة: " إِتمام المنة والنعمة في ذم اختلاف الأمة " للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ت سنة (1292هـ) - رحمه الله تعالى- واليوم نُصَوِّبهُ رداً عل فاتحة كتاب: " صفحات في أدب الرأي "
ولم يفلح من جعل هذا النوع من الخلاف سبيلاً إلى النيل من هذا الدِّين وإلى علمائه المجتهدين، لما تقدم.
ولم يفلح من جعل من هذا الخلاف سبيلاً إلى تتبع رخص المذاهب، ونادر الخلاف، وندرة المخالف، والتقاط الشواذ، وتبني الآراء المهجورة، والغلط على الأَئمة ونصبها للناس ديناً وشرعا وقده بينت ذلك مبسوطاً في: " التعالم ".
ومنها إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة، مثل: الفتوى بجواز الفوائد الربوية، وشهادات الاستثمار وسندات الخزينة، وفتوى إباحة
(1/107)

التأمين، وفتوى إِباحة السفور، وفتوى إِباحة الاختلاط. وكلها فتاوى شاذة فاسدة تُمالئ الرغبات، وبعض التوجهات، وقد رفضها المسلمون، وبقيت في دفاتر مصدريها يحملون مسؤليتها، نسأل الله السلامة والعافية، وهي حقيقة أَن تُلقب باسم: " الفتاوى المغتصبة "، وللشاطبي- رحمه الله تعالى- في: " الموافقات: 4/ 259- 260 " كلام نفيس في أَن تتبع الخلاف، والقول الشاذ؛ من اتباع الهوى. والله أعلم.
وكل هذه أذايا يُحَارِبُ بها المسلمون أَنفسهم، ويَصْدَعُوْنَ بها صَفَّهم، ويَسْتَعْدُوْنَ بها الكافرين عليهم!!
ولإحساس العلماء بالخطر من إِثارة النقع في هذه القضية، أَصدر المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي قراره رقم 9 في 24/ 2/ 1408هـ وهذا نصه:
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 24 صفر 1458هـ الموافق 17 أكتوبر 1987م إلى يوم الأَربعاء 28 صفر 1408 هـ. الموافق 21 أكتوبر 1987م قد نظرَ في موضوع الخلاف الفقهي بين
(1/108)

المذاهب المتبعة، وفي التعصب الممقوت من بعض أَتباع المذاهب لمذهبهم تعصبا يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابه إلى الطعن في المذاهب الأخرى وعلمائها.
واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه، فيوحي إليهم المضللون بأَنه مادام الشرع الإسلامي واحداً وأصوله من القرآن العظيم والسُّنة النبوية الثابتة متحدة أيضا، فلماذا اختلاف المذاهب؟ ولمَ لا تُوحَّد حتى يصبح المسلمون أمام مَذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة؟ كما استعرض المجلس أيضا أمر العصبية المذهبية والمشكلات التي تنشأ عنها، ولاسيما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا، حيث يدعو أَصحابها إلى خط اجتهادي جديد، ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقتها الأمَّة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أَئمتها أو بعضهم ضلالا، ويوقعون الفتنة بين الناس.
وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته ونتائجه في التضليل والفتنة، قرر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كلا الفريقين: المضللين والمتعصبين؛ تنبيهاً وتبصيرا:
أولا: حول اختلاف المذاهب:
إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:
(1/109)

(أ) اختلاف في المذاهب الاعتقادية
(ب) واختلاف في المذاهب الفقهية
فأَما الأول: وهو الاختلاف الاعتقادي، فهو في الواقع مصيبة جرَّت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقّت صفوف المسلمين وفرقت كلمتهم، وهي مما يؤسف له ويجب أَن لا يكون وأَن تجتمع الأُمة على مذهب أَهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي السليم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الخلافة الراشدة التي أَعلن الرسول أًنها امتداد لسنته بقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ "
وأَما الثاني: وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل فله أَسباب علمية اقتضته، ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة ومنها الرحمة بعباده وتوسيع مجال استنباط الأَحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أَمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصراً لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أَحد الأَئمة الفقهاء في وقت ما أو في أَمر ما وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقاً ويسراً، سواء أَكان ذلك في شؤون العبادة أَم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء والجنايات على ضوء الأدلَّة الشرعية
فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب، وهو الاختلاف
(1/110)

الفقهي، ليس نقيصة ولا تناقضاً في ديننا، ولا يمكن أَن لايكون، فلا يوجد أُمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي.
فالواقع أَن هذا الاختلاف لا يمكن أَن لا يكون؛ لأن النصوص الأَصلية كثيراً ما تحتمل أَكثر من معنى واحد، كما أَنَّ النص لا يمكن أَن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير محدودة، كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فلابد من اللجوء إلى القياس، والنظر إلى علل الأَحكام، وغرض الشارع، والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الواقع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أَحكامهم في الموضوع الواحد، وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه، فمن أَصاب فله أَجران، ومن أَخطأ فله أَجر واحد، ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج.
فأَين النقيصه في وجود هذا الاختلاف المذهبي الذي أَوضحنا ما فيه من الخير والرحمة؟ وأَنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأَن تتباهى بها الأمَّة الإسلامية، ولكن المضللين من الأَجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم ولاسيما الذين يدرسون لديهم في الخارج، فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافاً اعتقادياً؛ ليوحوا إليهم
(1/111)

- ظلماً وزوراَ- بأَنَّه يدل على تناقض الشريعة، دون أَن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين، وشتَّان ما بينهما.
ثانيا: وأما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أَن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها ما يوجب عليهم أَن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه، ويضللون به الناس ويشقون صفوفهم، ويفرقون كلمتهم، في وقت نحن أَحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة من أَعداء الإسلام، بدلاً من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيراً والحمد لله رب العالمين " انتهى.
والآن قد علمت الجواب ممَّا تقدَّم مبسوطا، وخلاصته: أَنَّه لايوجد اختلاف تضاد أَصلاَ من جهه التنزيل والوحي في أَي أَمر من أمور الشرع المستمرة الحكم، وأَن هذا أيضا مستمر الحكم في الأصول الملية، والقواعد الكلية، وكثير من الفروع الشرعية، وأَن الخلاف الحاصل في شيء منها اختلاف باطل مذموم لا يأتي به الشرع أصلاً، وأَما الخلاف الحاصل في فروع تشريعية سوى المجمع عليها إنما جاء من قبل اختلاف فهوم المجتهدين لا غير على
(1/112)

ما مضى تفصيله وتوجيهه، وأَنه لا عيب على الدِّين ولا على المجتهدين، وأَن في هذا من الحِكَمِ والأَسرار التشريعية، الخيرَ الكثير والفضلَ النمير
* وبعد: فلينعقد قلب المسلم على أَصل الدِّين وقاعدته: كمال الدّين وشموله، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [الماندة: 3]
وأنَّ اختلاف الفهوم في تقدير الواقعات وتطبيق الحكم الشرعي عليها، واختلافها في مقاييس التصحيح والتضعيف: من كمال الدِّين وتمام النعمة وسعة الشريعة، ولا يمس شيء من ذلك البتة كمال دين الله وتمام شرعه، بل هو من كماله وتمامه على الوجه المشروع.
وهو- لعمر الله- مشروط بصدوره من متأهل نابذٍ لأَمراض الشهوة والشبهة من الهوى، والتعصب المذهبي، فهو كناشد الضالة؛ هَمُّهُ الحصول عليها على يده أو على يد غيره، وهذا هو هدي الصحابة رضي الله عنهم- ومن قفا أثرهم إلى يومنا هذا، ثم كان مسعاهم هذا ليشغلوا أَنفسهم بالعمل به لا للمراء والجدل، فهم أَرباب علم وعمل- وفقنا الله لسلوك سبيلهم-.
وبهذا تعلم أَن انقداح خلاف ذلك في النفس: من أَمراض الشبهات، وقد تساقط في مجاهلها أَفراد لم تتجاوز كلماتهم شفاههم، بدءاً بالحسين بن علي الكرابيسي، المتوفى سنة (248 هـ)
(1/113)

قال أَبو طالب أَحمد بن حميد المشكاني كما في ترجمته من: " الطبقات ": " أخبروني عن الكرابيسي أَنه ذكر قول الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) الآية. قال: لو أَكمل لنا ديننا ماكان هذا الاختلاف، فقال- يعني أحمد بن حنبل-: هذا الكفر صراحا ". انتهى
والكرابيسي كان مُسَاءاً، مَرْمِيًّا بالتجهم.
ونهاية بصاحب كتاب: " كشف الأَستار " إِذ قال- قبَّحه الله- بعد سياق آية المائدة المذكورة: " وأوضِّح بأَن النبي لو كان قد بلغ بأَمر الإمامة طبقاً لما أَمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال؛ لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت ثمة خلافات في أصول الدِّين وفروعه " انتهى.
وقوله هذا أَكفر من كلام الكرابيسي، وكلاهما يستسق من عين واحدة: مرض الشبهة، وتبني الخلاف الباطل المذموم شرعاً وهكذا مَنْ سَلَّمَ نفسه لداعى الهوى؛ رمته الأَهواء في معاطب لا مخلص له منها، ويبقى فيها فريداً، وإن ضلَّ به أَقوام، ويبقى الحق ماكثاً في الأَرض ينفع الخلق، ويتمحص به الحق من الباطل.
ولهذا فليجعل المسلم كلمات السلف وسيرتهم مرآة له ينظر من خلالها في القدوة والاقتداء بالشرع المطهَّر وليحذر الانضواء تحت أذيال أهل الأَهواء والالتفات إليها، لما فيه من فساد الانتماء إلى الإسلام فاحذروا.
(1/114)

ولا تستطل هذا الفصل، فإن إطالته أقعد للفهم، وهذا فَضْل وطَوْل، ودعوة إلى جعل الخلاف الجائز سبيلاً للوفاق والوئام ونبذ التعصب والتنابذ
وسترى- إِن شاء الله تعالى- البيان عن الثروة الفقهية في فقه مذهب الإمام أَحمد، المتوفى سنة (241 هـ) - رحمه الله تعالى- والمَجْدِ الفِقْهِيِّ الذي خَلفه لنا عُلَمَاءُ المذهب خِلاَلَ اثني عشر قرناً، في: المدخل الثامن ".
(1/115)

المبحث السادس: في شروط نقل المذهب، والتوقِّي من الغلط فيه وأسباب الغلط
وهذا المبحث ينطوي على أَمرين:
- الأَمر الأول: شروط نقل المذهب (1) :
في كُلّ عِلْم طَريقه النَّقْلُ المُصَدَّق، من الحديث، والأَثر والتاريخ، والأخبار ... استقرأ العلماء الشروط الواجب توفرها في الناقل، وما ينقله، أو يقال في: " الراوي والمروي " وفي: " المُخْبر وخَبَره "
وأَكثر من أَولى ذلك فائق العناية، علماء الحديث، وأَئمة التفسير ثم قفاهما علماء العلوم النقلية، من المؤرخين، والِإخباريين، ونحوهم.
وفصَّلوا القول في الشروط بنوعيها، وهي في جملتها، وتفصيلا تنطبق على نقل فقه المذاهب، وبيان نوعيها كما يأتي:
__________
(1) انظر الإنصاف: 12/ 240-243 العواصم والقواصم لابن الوزير 3/ 76 الوافي بالوفيات للصدفي: 1/ 40- 47 الإعلان بالتوبيخ للسخاوي: ص/ 70- 72 طبقات الشافعية للسبكي: 2/ 22- 25 وانظر في: كتب مصطلح الحديث
(1/116)

- النوع الأول: شروط تتعلق بالراوي، وهي أَربعة: الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط.
ومحترزات كل شرط معلومة، وبخاصة لدى المحدِّثين في كتب الاصطلاح.
ومعلوم أَن " شرط الإسلام " شرط أَوَّلي مُسَلَّمٌ به، لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، فكان أهل الإسلام يصدون صدوداً بالكلية عن مرويات الكافرين بل لا يتجرأُ الكفرة على الرواية، ثم انقلبت القَوْسُ رَكْوَة في هذا الزمان، الذي امتدت فيه أيدي الكافرين إلى مؤلفات المسلمين فانتشرت منهم البحوث، والدراسات، وتلقاها أَفراد من المسلمين بالحفاوة والتكريم، فدَاخَلَتْ النّقوْلُ عَنْهُم بَعْضَ كُتُب المؤلِّفين من المسلمين، وهذا من مواطن الِإثم، وإن كان ما لديهم من الحق، فإِن لدى المسلمين أَضعافه، وأعيذك بالله أَيُّها المسلم الفقيه، أَن تجلب إلى ما تكتبه أي نقل عن كافر، إِلاَّ على سبيل النذارة والتحذير من تحريفاتهم، وجهالاتهم، وأَغلاطهم على الشرع المطهَّر.
- النوع الثاني: شروط في المروي:
وهي:
1- ثبوت الرواية له عن الإمام.
2- أَن يموت وهو قائل به.
3- أَن يكون بنص لفظه لا نقلاً له بالمعنى، أو أَي تصرف فيه.
4- تسمية من رواه
(1/117)

5- معرفة جنس المروي هل هو من قول الإمام، أو فعله، أو تقريره، أو تقارير طلاَّبه عنه.
6- حصر المروي عن الإمام في تلك المسألة.
7- تخليص الرواية الصحيحة من الضعيفة.
8- تنزيل أقوال الإمام منزلتها حسبما يحف بها على مراد الإمام واصطلاحه فيها.
9- هل قاله بدليل أَم لا؟
10- صحة المروي من التصحيف، والتحريف.
11- معرفة المُدَوَّن في كتب المذهب، هل هو كذلك أَم لا؟
12- الوصول إلى معرفة المذهب بطريق من طرق معرفته.
13- معرفة الراجح عند الاختلاف بواحد من مسالك الترجيح فيه.
14- تفريق الفقيه بين ما في كتب المذهب رواية، وبين ما كان تخريجا للأَصحاب، وبين ما كان فقها للصاحب من غير ارتباط بالمذهب.
15- إِذا كان تخريجا للأَصحاب، فهل توافرت فيه شروط التخريج على المذهب، على قواعد المذهب، ونصوصه؟
(1/118)

- الأَمر الثاني: في التوقي من الغلط في نقل المذهب وأسباب الغلط:
القول بلا علم من أَعظم الظلم، وأَعظمه القول على الله - تعالى-، ومنه القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلي ذلك القول على أهل الفقه والفتيا من الصحابة- رضي الله عنهم- بل على جميع الصحابة، ثم القول على إِمام في الفقه والدِّين من علماء التابعين، وهكذا من مراتب القول بلا علم على العلماء وغيرم، حسبما يحصل من آثار وأَضرار.
ومنه: " التجاوز في نقل المذاهب " والتقول " والمجازفة، فتجد من السهولة بمكان أن يرى الناظر فرعاً في كتب المذهب المغلوطة، فيقول: " مذهب أَحمد كذا وعليه الأصحاب " لاسيما في مقامات الانتصار وتكثير الجمع، ومواجهة الخصم، وهو قول أَجنبي عن المذهب، محكوم بغلطه، أو مخرج في المذهب لَمْ يَفُهْ به الإمام.
ويكثر هذا في حق المشاهير من أهل العلم، لاسيما إذا كان من الفقهاء المتبوعين.
وكل هذا لا يعنينا هُنا؛ لأَنه مما تَعَمَّدُهُ القلوب، فهو من مواطن الإثم. لكن الذي يعنينا هنا:
هو أن تعلم: كما أن الأصل في " الفطرة " هو السلامة، والانحراف طارئ عليها، وأَن الأصل في: " البدن " هو الصحة، والمرض عارض له، فكذلك الأصل في " العلوم ": الصحة، وفي
(1/119)

" الكتب ": الثبوت، والسلامة من الغلط، والوهم، والخطأ، والسهو، والسقط، وعبور النظر، وغيرها من الأمور العارضة، لكنها في البشر فاشية، مع رفع الِإثم والحرج لعدم العمدية والقصد.
وهذه الأمور العارضة، داخلت صفوف العلماء من علماء الشريعة والآلة، وأَصحاب الحرف، والصنائع الأُخرى، من الطب، والهندسة، والمساحة، وغيرها، بل الغلط عند غير علماء الشريعة من المتكلمين والمتفلسفة، أَكثر مما هو عند الفقهاء، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " الفتاوى 9/ 21 "، وهو عند أَرباب العلوم العددية، كالمساحة، والهندسة، والفرائض، أَقل من غيرهم، كَمَا نبه عليه ابن قتيبة في: " اختلاف الحديث ".
وهذا فَنّ طريف ومهم دقيق من فنون العلم، وقد تَمَنَّئ ابن القيم- رحمه الله تعالى- أَن يفرد فيه كتاباً، كما في: " مدارج السالكين: 2/ 431 "
وقد يَسَّرَ الله للعبد الفقير إِفراده في كتاب، شَخَّصْتُ فيه أَسباب الغلط، وأَمثلته، في عدد من العلوم، وبخاصة في فقه الأَئمة الأربعة، وبينت أَسباب الوقاية منه، وجمعت ذلك في كتيب باسم: " كشف الجُلَّة عن الغلط على الأَئمة " ثم أَدرجته في كتاب: " المدخل لفقه النوازل/ القضايا المعاصرة "، لكثرة من يُخَرِّجُ النوازل على فِقْهٍ غَلِطَ الناس فيه على إِمَامٍ ما.
وهنا أَقتصر فيما يتعلق بالغلط على مذهب الإمام أحمد، على ما يأتي:
(1/120)

1- لا تغلط فتجعل الأَصل في كتاب من كتب المذهب هو الغلط، بل الأَصل هو الصحة والسلامة من جهة نسبته إلى مؤلفه، وسلامة مسائله وقضاياه من التحريف والتصحيف، وصحة نسبة ما فيه إلى المذهب رواية أو تخريجاً.
والغلط عارض، يعرفه البصير ويقف عليه الخبير بالرجوع إلى الأصول، وكتب تصحيح المذهب، لا سيما الحواشي (1) ,
2- التزم التوقي من الغلط، ومنه المسارعة إلى تغليط دون برهان، ومنه قولك: " هذا مذهب الإمام وبه قال الأصحاب " والحق خلافه. ومنه: قولك: " خَرَّجه الأصحاب " وهو رواية، أو بعكسه. قال ابن الوزير- رحمه الله تعالى- في: " العواصم والقواصم:
" وإذا نقلت مذاهبهم فاتق الله في الغلط عليهم، ونسبة ما لم يقولوه إِليهم، واستحضر- عند كتابتك ما يبقى بعدك- قولَهُ- عز وجل-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) انتهى.
فاجتهد- رحمك الله- أَن تكون في المذهب ممن نَقَّح، وحقق، وصَحَّحَ، ودقق، وكشف ما تتابع عليه بعض الأصحاب من غلط، أو تعاقب عليه النساخ من عيوب النظر وسبق القلم.
3- اجتهد في معرفة الطرق التي بها يعرف المذهب والتخريج
__________
(1) انظر إضاءة الراموس لابن الشرقي: 1/ 117 من أنه لا يفتح باب ضبط النص بمجرد الرأي ...
(1/121)

فيه، فإِنك إذا أَتقنت هذه الطرق كنت بمنْأىً عن الوقوع في الغلط.
وهي مبينة مفصلة في: " المدخل الخامس ".
4- في تَشْخِيْصِ أَسباب الغلط في المذهب منها:
- إِطلاق قول عن الإمام لم يقله، وحقيقته عن الأصحاب.
- عكسه.
- التصرف في لفظ الإمام بما يصرفه عن مراده.
- فهمه على غير مراده. وقد اشتهر بهذا أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال، في كتابه: " التنبيه " وغيره، كما أشار إلى بعض غلطه في ذلك: الحافظُ ابن رجب في: " القواعد/ 169 " فقال: " وأبو بكر كثيرا ما ينقل كلام أحمد بالمعنى الذي يفهمه منه، فيقع فيه تغيير شديد، ووقع له مثل هذا في كتاب: زاد المسافر كثيرا " انتهى والزركشي في: " شرح الخرقي: 6 /478 " (1) .
- الغفلة عما في أقواله من الِإطلاق والتقييد، وما إلى ذلك
- إِغفال بساط الحال لروايات الإمام
- الاعتماد في مذهبه على قول رجع عنه.
- الجمع بين روايتين مع واجب التفريق بينهما
- عكسه
- التصحيف والتحريف والتطبيع ومن التصحيف- في رأي ابن رجب- أن حرباً الكرماني روى عن الإمام أحمد: الاستنثار باليسار،
__________
(1) وانظر أسباب تعدد الرواية في المذهب الحنبلي: ص/ 26-27
(1/122)

فتصحفت على بعضهم إلى " الاستنان " أي السواك باليسار وهذا في مبحث: هل يستاك للوضوء بيمينه أم بيساره؟ (1)
- المتابعة عليه. والتتابع إنما يكون عند فشو الجهل، وتقليد الأَوراق.
- الغلط في الأَسماء والحدود (2) .
- عدم الربط بين ما في الكتاب وشرط المؤلف في مقدمته.
- عدم الربط بين المسألة والباب الذي عقد لها.
- ومن أَسباب الغلط أَن يقول الإمام قولا فيزيد بعض الأصحاب في قدره أو نوعه؛ للِإيضاح، فينسبُ الناقلُ الكُلَّ إلى الإمام أَحمد.
- ومن أسباب الغلط: نصرة القول عن الإمام على خلاف الدليل.
- ومن أَسباب الغلط: اعتماد الكتب المنتقدة في المذهب، دون المعتمدة. ويأتي بيانهما في: " المبحث الرابع من: " المدخل الثامن ".
كما أن الكتب المحررة مظنة- أيضا- للغلط في بعض الروايات بأي من أسباب الغلط.
- ومنه الاعتماد في النقر على نسخة سقيمه غير مقابلة ولا مصححة. مثاله: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " المناسك " إذ قال: " قال حرب: سألت أحمد، قلت: فإن رمى جمرة العقبة من فوقها؟ قال: لا ولكن يرميها من بطن
__________
(1) الإنصاف للمرداوي: 1/ 128
(2) انظر فهرس الفتاوى: 36/ 157
(1/123)

الوادي ... وذكر القاضي عن حرب عن أحمد: لا يرمي الجمرة من بطن الواد ولا يرمي من فوق الجمرة ... ثم قال- رحمه الله تعالى-: " وهذا غلط على المذهب منشأه الغلط في نقل الرواية، وقد ذكر القاضي- في موضع آخر- المذهب كما حكيناه، ولعل سببه أن النسخة التي نقل منها رواية حرب كان فيها غلط، فإني نقلت رواية حرب من أصل متقن قديم من أصح الأصول، وكذلك ذكرها أبو بكر في: الشافي " انتهى (1) .
إلى غير ذلك من أَسباب بسطتها- ولله الحمد- في الكتاب السابق ذكره.
5- أَمثلة الأَغاليط على الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-:
منها: ما حكاه بعضهم عن الإمام- رحمه الله تعالى - من أَنه يُجَوِّز للقادر على الاستدلال: تقليد الأَعلم وهذا غلط عليه، بل لا يُجوز له التقليد، وعليه الاجتهاد، كما هو المنصوص عن أَحمده وبيَّن هذا في: " الفتاوى: 25/ 225 ".
ومنها: ما حُكي عنه من جواز تقليد العالم للعالم.
وهذا غلط عليه، وإنما هو محكي عن شيخه محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أَبي حنيفة- رحم الله الجميع- قيل عن محمد ابن الحسن: يجوز تقليد الأَعلم. وقيل: العالم.
__________
(1) شرح العمدة: 2/ 530- 531 بواسطة: أسباب تعدد الرواية في المذهب الحنبلي، لمعدها: فايز أحمد حابس: ص/ 27- 28
(1/124)

نَبَّه على ذلك شيخ الإسلام في: " منهاج السنة: 2/244 ".
ومنها: غلط الحافظ ابن عبد البر- رحمه الله تعالى- من أَن التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة لا يجب عند الإمام أَحمد؛ وقد رده شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في بحث مطول من: " الفتاوى: 22/588- 591 ".
ومنها: الغلط عليه في القول بوجوب صيام يوم الغيم، فإِنَّه لا أَصل للوجوب في كلام الإمام أَحمد، ولا أَحد من أَصحابه، وإنما هو القول بالاستحباب كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في: " الفتاوى: 25/ 99 ".
ومنها: تتابع جماعة من فقهاء المذهب: أَبو الخطاب في: " الهداية " وابن قدامة في: " المقنع " والجد المجد ابن تيمية في: " المحرر " وغيرهم: أَنه يصح تراخي القبول مطلقا عن الإيجاب في النكاح ولو بعد المجلس، وقد نفاه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " الفتاوى: 21/ 140 ".
والأَمثلة على هذا كثيرة، وما زال علماء المذهب يصححون، وينقحون المذهب على الصحيح منه، ثم على الصحيح حسب الدليل، فَإلى قَفْوِهِم في طلب الصحة، والسنة، والأثر.
وإن أَردت الديوان الجامع للتصحيح والتضعيف في المذهب وكشف الغلط؛ فعليك بكتاب خاتمة المذهب المرداوي: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ". والله أعلم.
6- معرفة الكتب التي اشتهرت بالأغاليط.
(1/125)

تأتي في: " المدخل الثامن " تسمية الكتب المنتقدة في المذهب وأنها موطن الغلط فيه، لكن أَوسعها في الغلط كتاب: " مفردات الإمام أَحمد " للكيا الشافعي
وإذا نظرت في سياقات كتب المذهب المتقدمة، تبيَّن لك ملتقطات مهمة في بعضها مع شهرتها، ومنها: " زاد المستقنع " فإِنه مع شهرته واعتماد علماء المذهب عليه، قد حرر بعض الأصحاب ما فيه من مسائل تخالف المذهب، وأخرى تخالف الراجح فيه. والله أعلم
(1/126)

المدخل الثاني: في معارف عامة عن المذهب الحنبلي
وفيه ثلاثة أبحاث:
المبحث الأول: الأَدوار التي مَرَّ بها المذهب.
المبحث الثاني: مزاياه.
المبحث الثالث: معرفة ما كتب عن التعريف بالمذهب.
(1/127)

المبحث الأول (1) : لمحة تاريخية عن الأَطوار التي مَرَّ بها المذهب الحنبلي
جَرَى الكاتبون في: " تاريخ الفقه الإسلامي " على تصنيف الأَدوار والمراحل التي مَرت به إلى الأَدوار الآتية (2) :
1- في عصر النبي صلى الله عليه وسلم
2- عصر الصحابة- رضي الله عنهم-
ومنهم من يعبر عنه بعصر الخلفاء الراشدين.
3- عصر التابعين.
4- عصر تابعي التابعين إلى أواخر القرن الرابع الهجري.
ويقال: عصر تابعي التابعين، والأَئمة المجتهدين
5- عصر تقاصر الاجتهاد، وظهور التقليد والجمود، إلى سقوط بغداد على يد التتر سنة (656 هـ)
6- من سقوط بغداد إلى عصرنا الحاضر
أَما في: تاريخ واحد من المذاهب الفقهية، بخاصة، فتصنيف
__________
(1) انظر الفكر السامي للحجوي. المذهب عند الحنفية. المذهب عند المالكية. المذهب عند الشافعية. ثلاثتها للشيخ/ محمد إبراهيم بن أحمد علي: أستاذ الفقه بجامعة أم القرى. تاريخ الفقه الإسلامي للشيخ/ عمر بن سليمان الأشقر
(2) انظر كتب هذا النوع من التأليف في تاريخ الفقه الإسلامي لكل من: محمد يوسف موسى. عبد الكريم زيدان. عمر الأشقر وغيرهم.
(1/129)

المراحل الزمنية التي مر بها: " المذهب " مثلاً على عِدَّةِ مراحل، هي:
1- دور التأسيس
ويُقال: طور التأسيس
ويُقال: دور النشؤ والتكوين
ويقال: دور السلف في تكوين المذهب
2- دور النَّقْل
ويُقال: طور النقل
ويُقال: دور التوسع والنمو والانتشار
ويُقال: دور التطور
3- دور التحرير
ويُقال: طور التحرير
ويُقال: مرحلة التحوير
4- دور الاستقرار
ويُقال: طور الاستقرار
ويُقال: مرحلة الاستقرار
وهكذا بأَلفاظ لكل دور، اصطلحوا عليها، وهي متقاربة لكن يدخلها شيء من التحكم في تحديد الزمن بداية ونهاية لكل دور فهو تحديد تقريبي.
وهذه لمحة عن هذه الأدوار في المذهب الحنبلي:
(1/130)

الدور الأول: دور نشأته في حياة الإمام أَحمد
كان الواحد من علماء الصحابة- رضي الله عنهم- ثم من علماء التابعين وتابعيهم- رحمهم الله تعالى- إِماماً من أَئمة الهدى، يُقتدى به في العلم والدِّين، وما زال ذلك ممتداً في القرون المفضلة ومن هؤلاء في القرن الأول الهجري: " الفقهاء السبعة " في المدينة، ولهذا يُقال: " فقهاء المدينة السبعة "؛ لأَن الفتوى بعد الصحابة صارت إِليهم، ولما كانت وفاة أَربعة منهم سنة (94 هـ) سميت: " سنة الفقهاء " وهم:
1- عروة بن الزبير الأَسدي المدني ت سنة (94 هـ) .
2- سعيد بن المسيب المخزومي المدني ت سنة (94 هـ) .
3- راهب قُريش: أَبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني ت سنة (94 هـ) وقيل غير ذلك.
4- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني ت سنة (94 هـ) . وقيل غير ذلك.
5- خارجة ابن الصحابي كاتب الوحي: زيد بن ثابت الأَنصاري المدني. ت سنة (100هـ) وقيل: قبلها.
6- سليمان بن يسار الهلالي مولاهم المدني ت بعد سنة (100 هـ) وقيل: سنة (100 هـ)
7- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق التيمي المدني ت سنة (106 هـ) على الصحيح
(1/131)

ومن هؤلاء الأعلام في القرنين الثاني إلى منتصف الثالث: الأربعة المشهورون، والأَئمة المتْبُوعُون: أَبو حنيفة المولود سنة (80 هـ) ت سنة (150 هـ) في بغداد، ومالك المولود سنة (93 هـ) ت سنة (179 هـ) في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم والشافعي المولود سنة (150 هـ) ت سنة (204 هـ) في مصر وأَحمد. المولود في (20/3/164 هـ) . ت في (12/ 3/ 241 هـ) في بغداد.
وقد أَخذ وروى الشافعي عن مالك، وأَخذ أَحمد عن الشافعي، والشافعي عن أحمد ومضوا كذلك في ركاب علماء تلك العصور المباركة، والمرحلة الزمنية الميمونة، ولحقوا بربهم، وما انحاز واحد منهم عن علماء عصره بمذهب دعا إليه، بل كانوا على سَنَنِ الهدى، وما عرفوا التمذهب أَبداً، لكن بدأ يتقاصر العلم في الناس، وصار لهؤلاء الأَئمة من العلم، والفقه في دين الله، ما بهَرَ العقول، وَحظوا بأَتباع أَبرار وتلامذة أخيار حفظوا علمهم، وأخذوه عنهم، فرووه، ودونوه، ونشروه، واستنبطوا مآخذه، وتتبعوا أصوله، وقواعده، وجُذوره، فالتفت الناس إِليهم كالعنق الواحد.
وكان منهم آخرهم زَمَناً، وأَوسعهم رواية وأَثراً، صاحب ديوان الإسلام في الرواية: " المسند ": الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله تعالى- والناظر إلى فقه من سبقه من كوة الدليل، وناظورة السنة والتنزيل، والذي احتوشه الطلاب من سائر الآفاق، وقصده المستفتون، فصار له في مجالات: التلقي، واللقاء، والإلقاء،
(1/132)

ما جعل له كبير الأَثر في تكوين ملكة فقهية، بعيدة النظر، محفوفة بالكتاب والسنة، وقفو الأَثر، فحدد أصول علمه، وجذور فقهه، وقواعد منهجه، في أصوله الواضحة، ومعالمه الضاحية: الكتاب، والسنة، وفتاوى الصحابة، والقياس.
- أَما التلقي: ففي شيوخه الذين فاقوا الحصر، ومنهم الإمام الشافعي، ولهذا صار له أَثر على مذهبه وفيما كتبه الثلاثة قبله، ودونه عنهم تلامذتهم، وفي رواية وفقه من عاصرهم إلى الأول.
- وأَما اللقاء: فإِن ظهور الإمام أَحمد في الرواية، ونَهَمهُ فيها وفي فقهها، جعل عنده ظاهرة الاستزادة من الرواية، والسماع، يظهر هذا في كثرة شيوخه، واتجهت اليه أَنظار الطلاب من الآفاق الذين يبلغون في درسه أَكثر من خمسمائة ما منهم إلَّا وهو صاحب محبرة، فضلا عن كثرة المستمعين، حتى كان يُقِيمُ في درسه المستملين، والسائلين المستفتين، مما جعل الرواية وفقهها يسيران في حلقات درسه على قدم التساوي، فصار له تفوق في: " الِإلقاء " والتلقي عنه، يشهد لهذا كثرة تلامذته، والآخذين عنه.
ومن هنا دون الأصحاب المسائل عنه، وتابعوه، وتتبعوا علمه، ووطئوا عقبه، واعتنوا بأقواله، وأَفعاله، غاية العناية، حتى فاق أَقرانه، ولم يدرك من بعده مكانه، في تدوين " المسائل عنه " في الفقه، والأصول، والاعتقاد، وسائر أبواب الدِّين، فصار طلابه بهذا أَعلاماً، في زمانهم، وبناة لعلم شيخهم، ومؤسس مدرستهم: " مدرسة فقه الدليل ".
(1/133)

ولهذا صار في عدد منهم من النبوغ والجامعية ما بهر العلماء.
وسترى- بإذن الله- تسمية كتب هذا الإمام وهي نحو ثلاثين كتاباً، وتسمية كتب المسائل الفقهية عنه، وهي نحو مائتي كتاب. وأَنها مكتوبة تحت نظره، وإشرافه، وسترى في أول " المدخل الثامن " أَمثلة لعرضها عليه، وإقراره لجلها، وبعض منها بالشطب عليه.
وهذه دلائل التوثيق، وشواهد التنقيح، والتمحيص، كل هذا يدور على قاعدته التي قفى فيها من قبله من الأَئمة: " إِذا صح الحديث فهو مذهبي "، وهذا من أَسباب تعدد الرواية عنه في الفتيا، فضلاً عن اختلاف أَحوال المستفتين، واقعاً، ومكاناً، وزمناً، وفي منهجه هذا دلالة أَصحابه على كيفية التفقه، والتفقيه، على رسم الدليل، والبصيرة بواقع المستفتين، وما يحف بنوازلهم، ووقائعهم. ولهذا صار من أَصحابه من تولى القضاء، وقصده الناس للفتيا، ورحل إِليه الطلاَّب من أَقطار الدُّنيا، وانتشروا، وانتشرت مؤلفاتهم في كل أُفق.
الدور الثاني: دور النقل والنمو:
امتداداً لجهود تلاميذ الإمام في تدوين مسائله، تلقى عنهم حفدة الإمام علومهم، واشتغلوا بمسائل إِمامهم، جمعاً، وترتيباً، وتدقيقاً، وترجيحاً، وصار قصب السبق لصاحب الأثر الخالد؛ الفقيه؛ أحمد بن محمد الخلال ت سنة (311 هـ) ببغداد، فألف كتابه: " الجامع لعلوم الإمام أحمد " فلفت بهذا الأنظار وصار مطلباً لعلماء
(1/134)

الأَمصار، ومن هنا بدأ ظهور الانتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأخذت أصول المذهب وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس، وتدريس، واستقراء، وتأليف، وتقريب، وتلقين.
كل هذا بالِإسناد، والتلقي، طبقة بعد طبقة، وجماعة عن جماعة، وينتظم هذا الدور، والدور قبله، اسم: " طبقة المتقدمين " وينتهي بوفاة شيخ المذهب في زمانه الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) ، كما ترى بيانه مفصلاً في: " طبقات الأصحاب الزمانية في نقل المذهب ".
الدور الثالث: دور تحرير المذهب وتنقيحه:
بالدورين السابقين استقرت كتب مسائل الرواية مدونة، ثم مجموعة في: جامع المسائل للخلال، ثم: " جامع المذهب " للحسن ابن حامد، وفي تضاعيف ذلك متون، وبادرة المختصرات: " مختصر الخرقي " وَتنَاوُلِ الحنابلة له بالشرح، ونحوه.
فكانت هذه الذخيرة أَمام شيوخ المذهب، ومحققيه، ومنقحيه؛ إذ جاء دورهم في هذه المرحلة: " طبقة المتوسطين من علماء المذهب "، التي تبتدئ من وفاة الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) إلى نهايتها بوفاة البرهان ابن مفلح ت سنة (884 هـ) وفي هذا الدور " طبقة المتأخرين " التي تبدأ بمحقق المذهب: العلاء المرداوي. ت سنة (885 هـ) - رحم الله الجميع-.
(1/135)

الدور الرابع: دور الاستقرار:
وهو ينتظم أَثناء طبقة المتأخرين إلى الآخر مستمراً إلى عصرنا ويصح أن نسميه: دور الاستفادة من كتب المذهب.
فهو اجترار لهذا التراث الموروث، ويندر فيه التخريج، والتحرير.
وقد ترقى هذا الدور إلى الدور الخامس بعده:
الدور الخامس: دور إِحياء التراث
هذا الدور من خصائص عصرنا، وسمات الدراسات الجامعية العليا، في أَعقاب وفرة المطابع، وتطور الدراسة النظامية، وجعل تحقيق التراث من وَسَائِلِ الحصول على الشهادات العالمِية: " الماجستير " و " العالمِية العالية ": " الدكتوراه ".
إضافة إلى الجهود الحرة المتتابعة في بعث الكتب التراثية ونشرها مطبوعة محققة.
وقد تم الوقوف على ما يزيد عن خمسين ومائتي كتاب " 250 " مطبوعة من تراث المذهب الحنبلي، كما تراه في " المبحث السادس عشر " من الأبحاث الملحقة في: " المدخل الثامن إلى معرفة كتب المذهب ".
(1/136)

المبحث الثاني: في مزايا الفقه الحنبلي
هذا مبحث مهم، لكن لابد للباحث فيه من التجرد من الهوى والعصبية، وما يمكن أَن يسمى بلسان العصر الحديث باسم: " السلبية الفكرية " فلا يبالغ في الدعوى بأَن المذهب- الفلاني- تميز بكذا، وكذا، فضلاً عن أَن تكون في أَصلها مجرد دعوى، ولا تسلب مزايا المذاهب الأخرى، لكنه الاستقراء بأَمانة، وعدل، فمن مزاياه:
- " فقه الدليل ": هذا المذهب بحق: قبلة لمدرسة النص؛ إِذ يجد الناظر في كتب: " المسائل عن الإمام أَحمد " حشداً مهماً من أَدلة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة- رضي الله عنهم- وفتاواهم.
وهذا يدل على تميز " فقه الإمام أَحمد، بالاعتماد على الدليل، وعدم الالتفات إلى غيره ما وجد إِليه سبيلاً.
ففي الصلاة على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي " وفي: " الحج ": " خذوا عني مناسككم " وفي سائر أَبواب الدِّين على حد قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... " وقد أدَّى هذا إلى بذل الجهد في البحث عن سَنَد المروي من السنة، وأقوال الصحابة، وفتاواهم، ومعرفة الصحيح من الضعيف، أو الموضوع؛
(1/137)

أَلا ترى إلى ديدنه في أَجوبته: فيه حديثان، فيه أَربعة أَحاديث، فيه أَحاديث جياد حسان، روى هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا من الصحابة- رضي الله عنهم- وهكذا. ونحوه في استدلاله بالأَثر عن الصحابة- رضي الله عنهم-.
- كثرة المسائل العلمية والعملية (1) :
لظهور هذه الميزة في فقهه: " فقه الدليل " كَثُرَ كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية والعملية، ثم كلامه- رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية- أي الاعتقادية الخبرية- أكثر من غيره من الأَئمة المشهورين فإن كلامهم أكثر ما يوجد في: " المسائل العملية ".
- البعد عن الفقه التقديري في المذهب:
أَي الفروع التي يشتغل الفقيه بفرضها، ثم التَّوْليد منها بتقدير وقوعها، ثم بفرض الحكم الفقهي لها.
ومن نظر في أَجوبة الإمام أَحمد خرج بنماذج كثيرة يزجر فيها السائلين عنها، وقد ساق جملة منها ابن مفلح الحنبلي في كتابه: " الآداب الشرعية: 2/ 76- 80 "
وهي أَكثر ما تكون في أَحكام العبادات، والرق، والأَيمان والنذور والنكاح، ومنه: " لو نكح الخنثى نفسه فولد: هل يرث ولده بالأبوة، أو الأمومة، أو بهما ... "
__________
(1) الفتاوى: 6/ 22
(1/138)

وهي من مبادرات المذهب الحنفي، ولهذا صار الفقه التقديري من سمات أَصحابه. وقد نال أَصحاب المذهبين المالكي، والشافعي، من هذا بنصيب. أَما الحنابلة فلديهم طرف من الفقه التقديري، لكن لم يصل إلى حد الِإغراب، وهذا أَثر نفيس من آثار مسلك الإمام أَحمد في فقهه، فما عرف عنه مع كثرة كتب المسائل عنه أَنه يفرض المسألة، ثم يفرض وقوعها، ثم يفرض الحكم لها.
وقد أَفاض الحجوي في: بحث الفقه التقديري: تاريخاً، وحكماً، في كتابه: " الفكر السامي ": (1/ 349- 351، 2/ 402) وأَبو زهرة في كتابه: " أبو حنيفة: ص/258- 262.
وَفَصَّل حُكْمَهُ ابن تيمية في " الاستقامة: 1/8- 19 وابن القيم في: " إعلام الموقعين: 4/ 221- 222 " في " الفائدة الثامنة والثلاثين "، وانظر فيه: (4/ 57-158، 2/168 1) وفي (الآداب الشرعية) لابن مفلح: (76/2- 79) وفي " جامع العلوم والحكم " عند شرح الحديث التاسع أجوبة مهمة للإمام أحمد- رحمه الله تعالى- في صرف المستفتين عما لم يقع (1) .
- البعد عن الِإغراق في الرأي:
من الطبعي فيمن يعتمد النص، وينشد الدليل، ويستروح دلالته من منطوقه، أو مفهومه، أن يبتعد عن " الرأي المجرد ".
__________
(1) وفي كتاب: " بدعة التعصب المذهبي " لمحمد عيد عباسي أمثلة له، لكن ساقها على سبيل التندر فالله يغفر لنا وله.
(1/139)

وقد أَغنانا ابن القيم- رحمه الله تعالى- في البيان عن هذا في فاتحة كتابه: " إِعلام الموقعين ": (1/ 44- 84) .
وصدر في جامعة أُم القرى رسالة باسم: " الرأي عند الإمام أَحمد بن حنبل " للشيخ عثمان المرشد.
- التيسير في الأحكام من العبادات والمعاملات والشروط والنكاح وغيرها:
* تميز مذهب الإمام أَحمد في: " أَبواب الطهارة " بالقول بطهارة بول وروث مأكول اللحم، ولولا هذا لضاق الأَمر، وكثر الحرج، لاسيما على الدائس، والحالب.
* وبالقول بالمسح على الجوربين، والجورب- الشراب- لباس القدمين، لعامة أهل العصر، على مدار العام.
* تميز مذهب الإمام أَحمد بأَن الأَصل في العقود والشروط هو " الصحة "، وهذا يفتح حرية المتعاقدين في إِبرام العقود، والشروط، بناء على هذا الأَصل، وتستمر فى التوسع ما لم تصادم نَصًّا.
وهذا تمسك ونزوع إلى الأَصل الشرعي: التيسير، ورفع الحرج، ومن مذهبه: صحة البيع بالمعاطاة.
* وتميز مذهبه في: أبواب الفُرق من النكاح بأن " الخُلع " فسخ لا طلاق؛ لذا فلا ينقص به عدد الطلاق، وفي هذا تضييق لدائرة الفِراق وأمام هذا: أن مذهبه: الحكم بالفسخ، لعدم النفقة
(1/140)

والوطء، وفي هذا إِبعاد لمضارة النساء.
وفي الوقف: جواز وقف الإنسان على نفسه مدة حياته، في إحدى الروايتين عنه، وفي هذا توسيع لدائرة عمل البر والخير.
ومن نظر في " كتب المفردات " في المذهب، رأى فيها من التيسير ورفع الحرج - مما يلتقي مع مقاصد الشريعة، لا يناهض نصوصها- الخير الكثير
وفي هذا دفع للمهاترة العصرية نحو المذاهب، بنسبتها إلى ركوب الصَّعْب والذَّلول في أصولها، وفروعها، والعدول عن التيسير ورفع الحرج: وإنه: " سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ "
(1/141)

المبحث الثالث: في معرفة ما كتب عن التعريف بالمذهب
إِنَّ التعريف بأَي مذهب، يعني:
1- معرفة الإمام
2- وعلماء مذهبه.
3- وأصوله وجذوره
4- ومصطلحاته
5- وكيفية نقله
6- ومعرفته، وشروط ذلك
7- وكيفية الطلب والتلقي له
8- ومعرفة كتبه
وهذه المعارف عُقدت لها المداخل الآتية، وفي فاتحة كل كتاب، ذكر ما كتب فيه تبعاً، أو استقلالاً، مما أَغنى عن التطويل بذكره هُنا، إِضافة إلى أَنَّهُ عِنْدَ التعريف بكل مذهب نجد فوائد مهمة عنه في كتب طبقات علماء ذلك المذهب، وفي مقدمات كتبه الفقهية، وفي مثاني أبحاثه، وفي باب الاجتهاد من كتب أصول الفقه في كل مذهب، وفي الكتب العامة عن: تاريخ الفقه الإسلامي
(1/142)

وتاريخ المذاهب، وحدوثها، مثل: " الفكر السامي " للحجوي، و " نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة " لتيمور وغيرها.
- فائدة:
لا بأس من عقد هذه الفائدة الاستطرادية هُنا في تسميه ما تم الوقوف عليه، في: التعريف بالمذاهب الفقهيه الثلاثة، على ما يأتي:
المذهب الحنفي:
- " شرح عقود رسم المفتي " لابن عابدين.
- مقدمة: " فتاوى قاضي خان ".
- مقدمة: " رد المحتار 1/ 70- 72 ".
- " الطبقات السنية في تراجم الحنفية ": " 1/ 40- 42 ".
- " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " في آخره فوائد عن مصطلحات المذهب.
- " الفوائد البهية " للكنوي في آخره بحث مهم.
- " إِرشاد أهل الملة " للمطيعي في آخره بحث مهم.
- " المذهب عند الحنفية " لمحمد إبراهيم بن أحمد علي.
(1/143)

المذهب المالكي:
- " الطليحة " نظم، للقلاوي الشنقيطي
- شرحها: " نورالبصر " مخطوط.
- شرحها أيضا: " نور العينين " مخطوط
- " مقدمة الحطاب على خليل "
- " إِرشاد السالك ".
- " معلمة الفقه المالكي " عبد العزيز بن عبد الله.
- " المذهب عند المالكية ". لمحمد إبراهيم بن أحمد علي
- " المذهب المالكي " محمد المختار المامي الشنقيطي، رسالة بجامعة الإمام فى الرياض.
- " دليل السالك.
- " البحث الفقهي/ أصوله. مصطلحاته ".
- " كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب " لابن فرحون.
- منظومة بهرام " و " شرحها " للمختار. طبعت باسم: " ما لايعذر فيه بالجهل ".
- " المصطلح الفقهي في المذهب المالكي " للفاضل بن عاشور
- " تعدد الأقوال والروايات في المذهب المالكي " عبد السلام العسري
- " ندوة فقه مالك "
(1/144)

- " أسنى المسالك في أَن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك " لمحمد البوصيري الشنقيطي.
- " أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك " لمحمد ابن الحارث الخشني.
- " أصول فقه الإمام مالك النقلية " لعبد الرحمن الشعلان.
- " عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين " أَحمد بن محمد نور سيف.
- " الفكر السامي ... " للحجوي.
- " المدخل إلى أصول الفقه المالكي " للباجقني.
- " المنهج إلى المنهج في أصول المذهب المبرج " لمحمد زيدان.
- " مصطلحات المذهب المالكي " للشيخ عبد العزيز بن صالح الخليفي.
المذهب الشافعي:
- في: مقدمة " المجموع "، وفي مواضع منه، وفي مقدمة: " روضة الطالبين " كلاهما للنووي، وفي " طبقات الشافعية " للسبكي. مواضع كما تفيده فهارسها.
- و " المذهب عند الشافعية " محمد إبراهيم بن أَحمد علي.
- " فوائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد " لمحمد ابن إبراهيم المناوي. ت سنة (747 هـ)
- " مجموعة رسائل مفيدة " لعلوي السقاف
- " مقدمة تحقيق: " الوسيط " للغزالي و " الغاية القصوى " للبيضاوي
(1/145)

المدخل الثالث: في أصول المذهب
(1/147)

المدخل الثالث: في أصول المذهب
البحث في: " أصول مذهب ما " تجده في مواضع من كُتب ذلك المذهب، لاسيما شروحه، وبعض مقدماتها، والمبحث في: " أصول المذاهب الأربعة " هو اللباب في كتب " أصول الفقه " وكلما كان المؤلف في الأصول من أهل المذهب، كان أَلصق بتحقيق أصول مذهبه.
وللحنابلة في هذا القِدح المعلى، فلهم في: " أصول الفقه " نحو ستين كتاباً، بدءاً من مجتهد المذهب شيخ الحنابلة في زمانه الحسن ابن حامد. ت سنة (403 هـ) فله: " كتاب أصول الفقه " ثم لأَحمد القطان. ت سنة (424 هـ) ثم للقاضي أَبي يعلى. ت سنة (458 هـ) وله أربعة كتب في أصول الفقه.
وهكذا استمر التأليف فى أصول الفقه، شاملة لأصول المذاهب الأربعة.
وأول من كتب في أصول مذهبنا: الحسن بن حامد ت سنة
(1/149)

(403 هـ) في كتابه: " تهذيب الأَجوبة " أي: أجوبة أَحمد، على المسائل، وأصوله في أَجوبته.
ثم أَبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي البغدادي. ت سنة (488 هـ) في مُقَدَّمَةٍ كَتَبهَا في اعتقاد أَحمد، وأصول مذهبه ومشربه، وهي من مكنونات: " الكواكب الدراري " لابن عروة الدمشقي. ت سنة (837 هـ) .
وقد طُبِعَت في خاتمة طبع " طبقات ابن أَبي يعلى (2/265- 290) وما يختص بالأصول منها يبدأ من (ص/ 281- إلى ص/ 290)
وقد جمع شمل أصول المذهب: ابن بدران الدمشقي. ت سنة (1346 هـ) رحمه الله تعالى- في كتابه. " المدخل إلى مذهب الإمام أَحمد بن حنبل " في العقود: الثالث، والرابع، والخامس (ص/49- 202) أي ثلثي الكتاب، وهو مغنٍ عما سواه؛ لما فيه من التحقيق، والتدقيق، وجودة التفصيل، والترتيب، وهو في جملته شرح وبيان لكلمة ابن القيم الجامعة في بيان أصول مذهب أَحمد، وأكتفي بسياقها، قال- رحمه الله تعالى (1) :
" وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ولما بناها المنصور أقْدَمَ إليها من الأَئمة والفقهاء والمحدِّثين بشَراً كثيراً، فكان من أعيان
__________
(1) إعلام الموقعين: 1/ 28- 33
(1/150)

المفتين بها أبو عُبَيْد القاسمُ بن سَلاَّم، وكان جَبَلاً نفخ فيه الروح علماً، وجَلاَلة، ونبلاً، وأَدبأ، وكان منهم: أَبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكلبي، صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأَخذ عنه، وكان أَحمد يُعَظِّمه ويقول: هو في مسلاخ الثوري.
وكان بها إِمام أهل السنة على الِإطلاق: أَحمد بن حنبل الذي ملأ الأَرض علماً وحديثاً وسنة، حتى إِن أَئمة الحديث والسنة بعده هم أَتباعُه إلى يوم القيامة، وكان رضي الله عنه شديدَ الكراهة لتصنيف الكُتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أَن يكتب كلامه، ويشتد عليه جداً، فعلم الله حُسْنَ نيته وقَصْده فكُتِبَ من كلامه وفَتْوَاه أَكثر من ثلاثين سفراً، ومَنَّ الله سبحانه علينا بأَكثرها فلم يَفُتْنَا منها إلَّا القليل، وجمع الخَلاَّلُ نصوصه في " الجامع الكبير " فبلغ نحو عشرين سِفْراً، أو أكثر ورويت فتاويه، ومسائله، وَحُدِّثَ بها قرنا بعد قرن فصارت إِماماً وقدوة لأَهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إِن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره معَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأمَّل فتاواه، وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنّها تخرج من مِشْكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أَعظم، حتى إنه لَيقدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل، قال إسحاق ابن
(1/151)

إبراهيم بن هانئ في مسائله: قلت لأَبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرْسَل برجال ثبت أَحَبُّ إِليك، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أَبو عبد الله رحمه الله: عن الصحابة أَعْجَبُ إِليّ
وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:
أَحدها: النصوص، فإِذا وجد النص (1) أَفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه كائناً من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المَبْتُوتة؛ لحديث فاطمة بنت قَيْس، ولا إلى خلافه في التيمم للجُنُب لحديث عمار بن ياسر ولا خلافه في استدامة المحرم الطيبَ الذي تطيب به قبل إِحرامه، لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفَسخ إلى التمتع، لصحة أَحاديث الفسخ وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأَبي أَيوب وأبي بن كعب في: ترك الغُسْل من الِإكسال؛ لصحة حديث عائشة أَنها فَعَلَتْه هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي: أَن عِدَّةَ المتوفى عنها الحامل أَقصى الأَجلين لصحة حديث سبيعة الأَسلمية، ولم يلتفت إلى قول مُعَاذ ومعاوية في توريث المسلم عن الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن
__________
(1) لفظ: " النص " يُراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة، سواء كانت دلالة اللفظ قطعية أم ظنية. انظر الفتاوى: 19/ 288
(1/152)

عباس في الصَّرْفِ؛ لصحة الحديث بخلافه، ولا إِلى قوله بإِباحة لحوم الحُمْرِ كذلك، وهذا كثير جداً، ولم يكن يُقَدِّمُ على الحديث الصحيح عملا ولا رأياً ولا قياساً، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس: إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كَذَّبَ أَحمدُ من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسِغْ تقديمَه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضا نصَّ في رسالته الجديدة على: أَن ما لا يُعْلَم فيه بخلافٍ لا يقال له: إجماع، ولفظهُ: " ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً "، وقال عبد الله ابن أَحمد بن حنبل: سمعت أَبي يقول: ما يَدَّعي فيه الرجلُ الإجماع فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعَلَّ الناس اختلفوا، ما يُدْرِيه، ولم يَنته إِليه؟ فليقل: لا نعلم الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأَصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، هذا لفظه.
ونصوصُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَجلُّ عند الِإمام وسائرِ أَئمة الحديث من أَن يُقَدِّموا عليها توهُّمَ إجماع مضمونه: عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ؛ لتعطَّلت النصوصُ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أَن يُقَدِّمَ جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أَنكره الإمام أحمد، والشافعي، من دَعْوى الإجماع، لا ما يظنه بعضُ الناس أنه استبعاد لوجوده
(1/153)

فصل:
الأَصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أَحمد: ما أَفتى به الصحابة، فإنَّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعْرَف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيره، ولم يقل: إِن ذلك إجماع، بل من وَرَعه في العبارة، يقول: لا أَعلم شيئاَ يَدْفَعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أَبي طالب: لا أَعلم شيئاً يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأَحَدَ عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأَهل المدينة على تَسَرِّي العبد، وهكذا قال أنس بن مالك. لا أَعلم أَحداً ردَّ شهادة العبد، حكاه عنه الإمام أَحمد، وإذا وجد الإمام هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.
فصل:
الأَصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أَقربَهَا إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له مُوَافقة أَحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
قال إِسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأَبي عبد الله: يكون الرجلُ في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يُفْتي بما وافَقَ الكتابَ والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أَمسك عنه، قيل له: أَفيجب عليه؟ قال: لا.
(1/154)

فصل:
الأَصل الرابع: الأَخذ بالمرسَلِ والحديثِ الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده: الباطلَ ولا المنكَرَ ولا ما في روايته مُتَّهم، بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إِليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أَقسام الحَسَن،- ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح، وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإِذا لم يجد في الباب أَثراً يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعاً على خلافه؛ كان العمل به عنده أَولى من القياس.
وليس أَحَد من الأَئمة إلَّا وهو موافِقُه على هذا الأَصل من حيث الجملة، فإِنَّه ما منهم أَحد إلَّا وقد قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس.
فَقَدَّمَ أَبو حنيفه حديثَ القهْقَهَة في الصلاة على مَحض القياس، وأَجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأَكثرُ أهل الحديث يضعفه، وقدَّم حديثَ " أكثر الحيضِ عشرةُ أَيام " وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس؛ فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مُسَاو في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقَدَّم حديثَ " لا مهر أقلّ من عشرة دراهم " وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه على مَحْض القياس، فإنَّ بَذْلَ
(1/155)

الصداق مُعَاوضة في مقابلة بذل البُضْع، فما تراضَيا عليه جاز قليلاً كان أو كثيراً.
وَقَدَّمَ الشافعي خبر تحريم صَيْد وَجٍّ مع ضعفه على القياس، وَقَدَّمَ خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدَّم في أَحد قَوْلَيه حديث " من قَاء أو رُعفَ فليتوضأ ولْيَبْنِ على صلاته " على القياس مع ضعف الخبر وإرساله.
وأَما مالك فإنه يقدم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس.
الأصل الخامس:
فإِذا لم يكن عند الإمام أَحمد في المسألة نصّ ولا قول للصحابة، أو واحدِ منهم، ولا أَثر مرسل، أو ضعيف، عَدَل إلى الأَصل الخامس: وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلاَّل: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إِنما يُصَار إِليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مَدَارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأَدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدَم اطلاعه فيها على أَثر أو قول أَحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للِإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أَصحابه: إيَّاك أَن تتكلم في مسألة ليس لك
(1/156)

فيها إِمام.
وكان يُسَوغِّ استفتاء فقهاء الحديث وأَصحاب مالك، ويَدُلّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَنْ يُعْرِض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه.
قال ابن هانئ: سألت أَبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث: " أجْرؤكم على الفُتْيا أَجرؤكم على النار " قال أَبو عبد الله- رحمه الله-: يفتي بما لم يسمع، قال: وسألته عمن أفتى بفتْيَا يعي فيها، قال: فإِثمها على من أَفتاها، قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لايدري أَيش أصلها.
وقال أَبو داود في مسائله: ما أحْصِي ما سمعت أَحمد سُئِل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أَدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيَيْنة في الفتوى أَحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أَدري.
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: سمعت أبي يقول: وقال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أَنس عن مسألة فقال: لا أدري، فقال: يا أَبا عبد الله تقول: لا أَدري؟ قال: نعم، فأبلغ مَنْ وراءكَ أني لا أدري.
وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيراَ يُسْألَ عن المسائل يقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيراً ما كان يقول:
(1/157)

سَلْ غيري، فإِن قيل له: مَنْ نسأل؟ قال: سَلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه قال: وسمعت أَبي يقول: كان ابن عُيَيْنة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَنْ يُحْسِن هذا؟! " انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى-.
وَقَدْ أُفْرِدَتْ " أصول مذهب الإمام أَحمد " بكتاب بهذا العنوان للشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي. وهو مطبوع.
وللشيخ عثمان بن إبراهيم المرشد كتاب باسم: " الرأي عند الإمام أَحمد بن حنبل " رسالة مُعدة في جامعة أم القرى للعالمية: " ماجستير " عام (1394 هـ) ولم يُطبع بعد.
ومن نظر في: " التقريب لعلوم ابن القيم " لراقمه؛ رأى في أصول أَحمد مباحث عزيزة، ولشيخه ابن تيمية كذلك كما في: " فهرس الأصول " من " فهارس مجموع الفتاوى، والله أعلم.
(1/158)

المدخل الرابع: في معرفة مصطلحات المذهب وتفسيرها
فيه تمهيد وثلاثة فصول هي:
الفصل الأول: في أَلفاظ الإمام ومراتبها الحكمية
الفصل الثاني: في مصطلحات الأصحاب في نقل المذهب.
الفصل الثالث: في مصطلحات الأصحاب في نقل بعضهم عن بعض
(1/159)

- تمهيد:
حقيقة الاصطلاح: إِخراج الشيء عن معناه اللغوي إلى معنى آخَر خاص به.
وقد أَفْرَدْتُ كتابا في: " المواضَعَة في الاصطلاح " فَصَّلْتُ فيه مسائله، وقضاياه القديمة والمعاصرة وَثَبَتاً في المؤلفات المفردة فيه، والأبحاث عنه
ومن الفوائد فيه أَن: أَلفاظ الوحيين في الحقائق الشرعية، مثل: الصلاة، الزكاة ... لا يُطلق عليهما لفظ " الاصطلاح " إنَّما يُقال: حقيقتها شرعاً. وأَمَّا ما تواضع عليه أهل كل فن، فيطلق عليه اللفظان: اصطلاحًا، وشرعاً.
ومن الفوائد فيه: أَنّ المصطلحات والحقائق الشرعية، قد أفرد لها أَبو حاتم الرازي ت سنة (322 هـ) كتاباً باسم: " الزينة في المصطلحات الإسلامية " مطبوع في ثلاثة أَجزاء، وعقد لها ابن فارس. ت سنة (395 هـ) في كتابه: " الصاحبي " بابا، باسم: " باب في الأَسباب الإسلامية " وعنه السيوطي في: " المزهر " مع زيادات عليه، وكان لعلماء " أصول الدين و " أصول الفقه " في بحثها أوْفَرُ نَصِيْب، يَغْبِطُهُمْ عليه كلّ مَنْ فَازَ بالنظر في تفاريق كلامهم.
وقد طال بينهم الجدل: هل نقلت هذه الألفاظ في النصوص
(1/161)

الشرعية من حقائقها اللغوية إلى حقائق شرعية، بسبب ما شرع الإسلام من شرائع، مثل لفظ: الصلاة. الزكاة. الصوم ... ؟ أو أَنها استعملت في مسمياتها اللغوية المعروفة، لكن الشرع أَضاف إلى الماهية شروطا لم تكن من قبل؟ ثم نشأ موقف ثالث: وهو القول بالمجاز، ثم قول رابع: وهو التوقف.
أَما الأَلفاظ التي يستعملها أَرباب العلوم، ويتواضع عليها- مثلا - الفقهاء، فلا يختلفون في أَنها منقولة إلى حقائقها الاصطلاحية. وبهذا صارت الحقائق الدائرة منقسمه إلى أَربع: " حقيقه لغوية و " حقيقة شرعية " و " حقيقة عرفية عامة " و " حقيقة عرفية خاصة " و " الحقيقة الاصطلاحية " تشمل الحقيقتين الأخيرتين.
ثم إِنَّ استعمالات الفقهاء وتواطأَهم على بعض المصطلحات ترجع إلى واحد من أَمرين:
1- مصطلحات ترجع إلى: " المدارك القولية " للأَحكام
- وهي نصوص الكتاب والسنة- مثل: العلة. الحُكم. الحِكمة. القياس. الاستصحاب ... إلى آخر التسميات، لِمَا عُرِفَ بَعْدُ بِاسْمِ: " الأَدلة التبعية ".
2- مصطلحات ترجع إلى تلقيب الفروع الفقهية ذاتها، وتسمية صُوَر النوازل، والواقعات، بأَسماء تُميزها، لمَا عُرِفَ بَعْدُ باسْمِ: " لغة الفقهاء ".
(1/162)

ثم نشأ بَعْدُ، في وقت متاخر أَمر ثالث، وهو التواطؤ من أَهل كل مذهب على أَلفاظ، وحروف، للعزو والنقل، وعرفت- بعد باسم: " المصطلحات الفقهية ".
وقد يشمل هذا اللفظ: " المصطلح الفقهي " الأَمرين الأَخيرين.
فلفظ: " المصطلح الفقهي " في أي مذهب يشمل نوعين من المصطلح لدى الفقهاء:
* النوع الأول: صيغ متداولة للأَحكام الفقهية نفسها، وهي المعروفة باسم: " الحدود " و " التعاريف " و " لغة الفقهاء ".
والمؤلفات المفردة في هذا كثيرة، وقد طُبعَ منها كتب في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
وللأَصحاب بهذا الاسم كتاب: " لغة الفقهاء " جزآن، لابن الجوزي. ت سنة (597 هـ) .
وطُبعَ في مصطلحاتهم كتابان هما " المطلع و " الدر النقي " يأتي ذكرهما " في المدخل الثامن ".
* النوع الثاني: اصطلاح بأَلفاظ، ورموز ومبهمات، يستعملها فقهاء كل مذهب، ويتواطؤون عليها؛ رغبة في الاختصار لكثرة التكرار بغرض الدلالة على الرواية في المذهب، ومنزلتها، وما يتبعها للأصحاب من وجوه، وتخاريج، ونحوها، ومراتبها الحكمية في
(1/163)

المذهب، أو اختصارا لاسم عَلَمٍ، أو كتاب، وهي التي اشتهرت بهذا الاسم: " المصطلحات الفقهية "، وعند الحنفية باسم: " رسم عقود المفتي " أَي: " العلامة التي تدل المفتي على ما يُفتي به " (1) .
وهذا النوع الثاني هو المراد بحثه هنا بأَقسامه الثلاثة في خصوص مذهب الإمام أَحمد بن حنبل الشيباني- رحمه الله تعالى- وهي:
1- المصطلحات الدالة على نقل المذهب، ومرتبته الحكمية بالكلمة، أو الرمز بحرف.
2- المبهمات في أَسماء الأعلام بالكلمة، أو الرمز بحرف.
3- المبهمات في أَسماء الكتب بالكلمة، أَو الرمز بحرف.
ثم هذه الأَقسام الثلاثة على نوعين:
1- نوع يخص إمام المذهب، وهو القسم الأول فقط: الأَلفاظ والمصطلحات الدالة على مرتبة الحكم التكليفية، وإبداء رأيه.
2- نوع يخص أهل المذهب في شتى طبقاتهم، ويشمل الأَقسام الثلاثة المذكورة.
وهذه الرموز الحرفية والمصطلحات الكَلِمِيَّة تُعْلَمُ جَميعُها من مؤلفات مفردة، ومقدمات الكتب الفقهية، وموضعهما من الكتب الأصولية في مباحث: الاجتهاد، والتقليد. ومن خلال كتب التراجم
__________
(1) حاشية ابن عابدين: 1/ 569
(1/164)

وخاصة: " طبقات الحنابلة " وذيوله.
وهذا يَلْفِتُ نظر المتَفَقّهِ أَن لا ينظر في كتاب إِلاَّ بعد قراءة مُقَدَّمَتِهِ، وأَن لا يحكم على كلامه إلَّا بعد معرفة اصطلاحه.
وجميع هذه الرموز، والمصطلحات أيضا، يمكن تصنيفها في ثلاثة فصول هي:
الفصل الأول: مصطلحات الإمام أَحمد في أجوبته وفتاويه.
الفصل الثاني: مصطلحات الَأَصحاب في نقل مذهبه
الفصل الثالث: مصطلحات الأَصحاب في نقل بعضهم عن بعض
فإلى بيانها على هذا الترتيب:
(1/165)

الفصل الأول: في ألفاظ الإمام أحمد في أجوبته ومراتبها الحكمية
يأتي في: " المدخل السابع: طرق معرفة المذهب ": البيانُ مفصلاً عن طرق معرفة مذهب الإمام أَحمد من خلال أَجوبته، وفتاويه، وما إليها، وحصرها في طرق تحوي أَنواعاً، وتقاسيم.
والمراد هنا سرد أَلفاظ الإمام في الجواب، ما أَمكن ذلك، وبيان مراتبها الحكمية إجمالاً.
وقد تَحَصَّل أَنها على ثلاثة أَقسام:
القسم الأول: الجواب صريحاً بواحد من أَحكام التكليف الخمسة: التحريم، الكراهة، الوجوب، الندب، الِإباحة.
وهذه نص في مذهبه بلا خلاف، سوى لفظ الكراهة، ويأتي.
القسم الثاني: ما أَجاب به وأَكَّدَهُ بِفِعْلِهِ لَهُ، أو بِالقَسَمِ عَلَيْه، وهذا نص في مذهبه بلا خلاف.
القسم الثالث: الجواب منه- رحمه الله تعالى- بلفظ اصطلح عليه يدخل في مدلوله اختلافاً، أو اتفاقا، تحت واحد من أحكام التكليف الخمسة
(1/167)

وأًلفاظ هذا القسم كثيرة، فإلى سرد ما تم الوقوف عليه منها إِجمالاً، ثم الحديث عن فَسْرِ اصطلاحه فيها- رحمه الله تعالى- سيكون في: " المدخل الخامس " وهي:
- أَعجَب إِلَيَّ. يعجبني. لا يعجبني.
- أَحب إليَّ. أحب كذا. لا أحبه
- حسن هذا حسن. هذا أَحسن. أَستحسن كذا لا أَستحسنه
- لا بأس. لا بأس بكذا. أَرجو أَن لايكون به بأس. أَرجو، تفيد الِإباحة اتفاقاً
- احتياطاً يفعل كذا احتياطاً. يحتاط. تحتاط.
- إِن شاء.
- ينبغي. لا ينبغي. لا ينبغي أَن يفعل كذا. لا ينبغي أَن يفعل هذا
- أَكره. أَكرهه. أَكره كذا. كَرِهَهُ.
- أَخاف. أَخاف أَن يكون كذا. أَخاف أَن لا يكون كذا.
- أَخشى. أَخشى أَنه كذا. أَخشى أَنه لا يكون كذا.
- أحب السلامة
- أجبن عنه.
- أَتوقَّاه.
(1/168)

- أهون. هو أهون. ذاك أهون
- أَسهل. هذا أَسهل. هذا أَسهل عندي
- أَشد. هو أَشد. ذاك أَشد.
- أَدْوَنُ. أَيْسَر
- لا يصلح. يفيد التحريم اتفاقاً.
- لا يجزئ.
- لا أَراه. وما أَراه. لا نرى ذلك. تفيد التحريم اتفاقاً
- لا يفعل
- لا أَقنع بهذا
- أَختار كذا
- ما هو عندنا كذا.
- أَستوحش منه.
- ما سمعت.
- لا أَجترئ عليه.
- ذاك شنع. هذا أَشنع. يشنع عند الناس. شَنَّع.
- قبيح. أَستقبحه. هو قبيح. تفيد التحريم اتفاقاً.
- دعه. دع هذه المسألة
(1/169)

فهذه سبعون لفظا، ارتجلها الإمام أَحمد، في الاصطلاح الحكمي على ما يسأل عنه من النوازل والواقعات والأقضيات الفقهية، وَيَلْحَقُ بها جوابه بالحركات. إِشارة وإيماء، تعجباً وضحكاً، نفيا وإثباتاً، وهكذا مما اصطلح الأصحاب على تسميته باسم: " التنبيهات ".
ثم هذه الأَلفاظ التي اصطلح عليها الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- في أَجوبته كما في مسائل أَصحابه عنه، منها ما هو متفق على إِلحاقه بواحد من أَحكام التكليف الخمسة، ومنها ما هو مختلف فيه.
ثم إٍن الرواة عنه قد اختلفت رواياتهم عنه في الحكم الواحد جوازا، أو منعا، وقد سلكَ الأصحاب في هذا مسلكا جميلاً، كتنزيل كل رواية بحكم ما يحف بها، أو الترجيح، أو النسخ، ورجوع الإمام عنها، إلى آخر ما ستراه- إِن شاء الله تعالى- في: " المدخل الثامن ".
(1/170)

الفصل الثاني: في مصطلحات الأصحاب العامة في نقل المذهب، وحكايته، والترجيح فيه
يجد الناظر في هذا مجموعة أَلفاظ، تواضع الأصحاب عليها في نقل المذهب، وتدوينه، وتحريره، هي في جملتها على ثلاث مجموعات:
الأولى: اصطلاحات في محيط أحكام التكليف الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
وهذه معلومة؛ ومبسوطة في كتب: " أصول الفقه ".
ومن مصطلحات الأصحاب في مقام الاستحباب: إطلاق لفظ: " ينبغي " بمعنى: يُستحب، كما في: " الِإنصاف: 1/ 409 ".
الثانية: اصطلاحات عامة، متداولة لدى علماء المذهب كافة، بل يشترك في إطلاقها علماء المذاهب الأربعة وهي:
الرواية. الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. القول.
(1/171)

قياس المذهب. الوقف والسكوت. زاد في الفروع: التوجيه.
وزاد الشافعية. " الطرق " كما في: " المجموع " للنووي (1/ 66) وفي: " مغني المحتاج " (1/12) .
الثالثة: اصطلاحات خاصة لدى فقيه في كتابه، كابن مفلح في " الفروع " وفَسْر هذه المصطلحات منتشر لدى الأصحاب في كتب الأصول، والفقه، خاصة في مقدمات بعضها وخواتيمها وفي مثانيها، كما في مقدمات: " الفروع " و " تصحيحه " و " شرح المنتهى " و " غاية المطلب في معرفة المذهب " للجراعي. ت سنة (883 هـ) . و " كشاف القناع " و " مقدمة الِإنصاف " و " خاتمته " و " خاتمة المطلع " وخاتمة " شرح المنتهى " لمؤلف المتن ابن النجار الفتوحي. و " صفة الفتوى " لابن حمدان. و " شرح مختصر الروضة " للطوفي: (3/ 640- 649) و " المسودة " لآل تيميه: (ص/ 527- 533) والعدة لأَبي يعلى. (4/ 1622- 1640) و " المدخل " لابن بدران (ص/ 55- 56، 204، 213) ومقدمة تحقيق: " شرح الزركشي " (1/83- 87) وذيل ابن رجب: (1/116) .
وبالتتبع لهذه المصطلحات في مجموعاتها الثلاث حصل انقسامها إلى خمسة أَقسام هي:
- القسم الأول (1) : ألفاظ تعني نقل المذهب بالرواية عن
__________
(1) المسودة: ص/ 532 المدخل لابن بدران: ص/ 55 التخريج: ص 347
(1/172)

الإمام أحمد، وهي على نوعين:
1- الصريح، ويعبر عنه الأصحاب بلفظ: " الرواية " و " الروايات المطلقة " وما في معناها: نصًّا. النص. نص عليه. المنصوص عليه. المنصوص عنه. وعنه. رواه الجماعة.
2- " التنبيهات " وهي حكاية الراوي: حركة الإمام الجوابية، ولهم في هذا عدة عبارات منها: أَومأ إِليه. أَشار إِليه. دل كلامه عليه. توقف فيه. سكت عنه.
فهذه تعني حكاية الوارد عن الإمام أَحمد بالرواية عنه، فليس للأصحاب فيها سوى النقل.
وحقيقة كل من النوعين كالآتي:
الرواية: هي الحكم المروي عن الإمام أَحمد في مسألة ما، نصا من الإمام، أو إِيماء (1) ، وقد تكون تخريجاً من الأصحاب على نصوص أحمد فتكون: " رواية مخرجة " (2) .
وبقية الأَلفاظ المذكورة بعد لفظ: " الرواية " بمعناها، وهي:
* نَصًّا و " النص " و " المنصوص عليه " و " عنه ": هو الصريح في معناه (3) ، أي عن الإمام.
__________
(1) مقدمة شرح المنتهى: 1/ 7
(2) خاتمة الإنصاف: 12/ 266 خاتمة شرح المنتهى لابن النجار 1/ 41
(3) الإنصاف: 1/ 9
(1/173)

* رواه الجماعة: فيُراد به القول عن الإمام أَحمد يرويه عنه الكبار من تلامذته وهم سبعة: ولداه: عبد الله، وصالح، وحنبل ابن عم الإمام- إسحاق- وأَبو بكر المروذي، وإبراهيم الحربي، وأَبو طالب، والميموني. وهو اصطلاح متقدم، وقد استعمله أبو الخطاب في " الانتصار " وابن قدامة في: " المغني " والمرداوي في: " الإنصاف " (1) وغيرهما.
وانظر في حرف الراء: رواه الجماعة، من الفصل الثالث.
* التنبيهات: هي حكاية الراوي: حركة الإمام الجوابية: إِشارةً، بايماءً، وتعجباً، وضحكاً، نفياً، وإثباتاً، وتعابيرهم عن هذا بلفظ: أَومأ إِليه. أَشار إليه. وتشمل التنبيهات أيضا: تعابير الأصحاب عما ليس فيه للِإمام عبارة صريحة، مثل قولهم:
" ظاهر كلام الإمام كذا "، " دَلَّ كلامه عليه.
وتشمل أيضا حكاية الأصحاب للتوقف، والسكوت من الِإمام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى (2) -: " وأَما التنبيهات بلفظه، فقولنا: أَومأ إليه أَحمد، أو أَشار إِليه، أَو
دل كلامه عليه، أو توقف فيه " انتهى.
__________
(1) 1/ 86
(2) المسودة: ص/ 532 المدخل لابن بدران: ص/ 55
(1/174)

- القسم الثاني: وأَلفاظه: الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. الاتجاه- ويُقال: التوجيه-. القول. قياس المذهب. الوقف ويأتي التعريف بها في: " الفصل الثاني " من " المدخل الخامس ".
وهذه من فقه الأصحاب في إطار أصول المذهب، وقواعده، والتنظير بمسائله فيما لا نص فيه، ولا رواية عن الإمام، حينما تعوزهم الرواية عن الإمام، ويفقدون النص عنه، فإن الفقيه المتمذهب يفزع إلى نصوص إمامه فيجيل نظره في ذلك النص: في منطوقه، ومفهومه، وعامه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده، مستظهرا علته، مبيناً مدركه، حتى يتم له بيان الحكم التكليفي فيما لم يتكلم فيه الإمام في إطار مذهبه على وجه التخريج، أو الوجه، أو الاحتمال، أو قياس المذهب، فيحصل للفقيه المتمذهب أمران:
أولها: بيان حكم الواقعة، أو الفرع المقرر المفترض.
وثانيها: أن يكون ذلك الحكم في دائرة المذهب بواحد من المسالك الممنوحة لمجتهد المذهب من الأصحاب المتقدم ذكرها.
- القسم الثالث: أَلفاظ من الأصحاب يصدق أي مصطلح منها على أي مصطلح في القسمين قبله، منها:
المذهب. ظاهر المذهب. القول.
* المذهب كذا (1) : سواء كان من نصِّ الإمام، أو مُخَرَّجاً عليه.
__________
(1) المسودة: ص/524، 533 خاتمة الإنصاف: 12/ 276، 268 كشاف القناع: 1/ 18
(1/175)

وقد أَطال ابن حمدان في: " صفة الفتوى " في الحط على من ينصون على أَنَّ كذا هو المذهب بلا علم ولا هدى، وبسط القول بمبحث نفيس محذرا من الاغترار بهم، ولأهميته نقله عنه المرداوي في " خاتمة الِإنصاف " بطوله: (12/ 267- 276) .
وانظر في المدخل الثامن طرق معرفة المعتمد في المذهب.
- ظاهر المذهب: هو المشهور من المذهب (1) .
أي: سواء كان رواية، أو وجهاً، ونحوه.
قال المرداوي في مقدمة: " تصحيحه " (2) :
" قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد نقل عن أَبي البركات جدنا، أَنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر المذهب إِنه ما رجحه أَبو الخطاب في: " رؤوس مسائله "، قال: ومما يعرف منه ذلك: المغني لأَبي محمد، وشرح الهداية لجدنا. ومن كان خبيراً بأصول أَحمد، ونصوصه؛ عَرَفَ الراجح من مذهبه في عامة المسائل " انتهى.
- القول (3) : يشمل: الوجه، والاحتمال، والتخريج، وقد يشمل
__________
(1) مقدمة الإنصاف: 1/ 7
(2) مقدمة تصحيح الفروع: 1/ 52 ونحوه في ترجمة أبي الخطاب في ذيل ابن رجب، وانظر مقدمة تحقيق الزركشي
(3) كشاف القناع: 1/ 17، الإنصاف: 1/ 6-7
(1/176)

الرواية، وهو كثير في كلام المتقدمين كأَبي بكر وابن أَبي موسى، وغيرهما، والمصطلح الآن على خلافه.
قال البهوتي- رحمه الله تعالى- على قول الحجاوي في: " الِإقناع ": " على قول واحد ":
" من غير تعرض للخلاف طلباً للاختصار وكذلك صنعت في شرحه، والقول: يعم ما كان رواية عن الإمام، أو وجهاً للأَصحاب.
- القسم الرابع: اصطلاحات في نقلهم الخلاف المطلق في المذهب بلا ترجيح.
ومنها: على روايتين. فيه روايات. على وجهين. فيه أوجه. أو احتمالان. أو احتمالات. أو احتمل كذا.
قيل كذا. وقيل كذا. قيل وقيل. قال فلان كذا وقال فلان كذا. ونحوها.
- القسم الخامس: اصطلاحات في مقام الترجيح والاختيار والتصحيح والتضعيف في المذهب.
ومنها: الأَصح. في الأصح. في المشهور. على المشهور. الأَشهر. وهكذا في ألفاظ أخرى، وكل ألفاظ هذين القسمين، تكون حسب اصطلاح كل فقيه في كتابه، وهي مفصلة في: " الفصل الثالث " من: المدخل الخامس ".
(1/177)

الفصل الثالث: في مصطلحات الأصحاب في نقل بعضهم عن بعض
دَأبَ فقهاؤنا الحنابلة كغيرهم من علماء الإسلام- رحم الله الجميع- على الاكتفاء عند العزو لِعَلَمٍ ببعض مايدل عليه من اسم، أو كنية، أو لقب، أو التعريف بإِضافة أحدها إلى كتابه، والاكتفاء عند العزو إلى كتاب بذكر بعض اسمه، أو نسبته إلى مؤلفه باسمه، أو كنيته، أو لقبه، أو الرمز لاسم، أو كتاب بحرف، أو حرفين، فأَكثر.
كل هذا طلباً للاختصار مع المحافظة على أمانة العلم والعهدة به إلى قائله، وليكسبه قوة أَحياناً؛ لعظيم منزلة المنقول عنه في الفقه والدين
وهذا الاصطلاح قد ينتظم جميع طبقات علماء المذهب، وقد يختلف في المتقدمين عنه في المتأخرين، بل قد يختلف في طبقة واحدة من مؤلِّف إلى آخر.
والوقوف على هذا الاصطلاح يُعرف غالباً بالاطلاع على مقدمة
(1/179)

الكتاب، وربما أغفل فيها لدى الأكثر وجاء تفسيره عرضا في مثاني الكتاب، أو يَعْقِدُ لهُ خاتمة لكتابه كما فعل الفُتوحي في آخر شرحه لكتابه. " منتهى الِإرادات " بل ربما لم يحصل هذا ولا هذا، ولكن عَرَفَهُ عُلَمَاءُ المذهب بالاستقراء من صنيع المؤلف.
لهذا اشتدت الحاجة إلى فَسْرِ هذه المصطلحات، وبيان المراد بها في عُرف من أطلقها، وهي:
1- 2- مبهمات في الأعلام، باسم، أو كنية، أو لقب، أو الرمز لها بحرف.
3- 4- مبهمات في أَسماء الكتب، أو الرمز لها بحرف.
وهذا بيان ما تم الوقوف عليه منها في مقدمات الكتب، والذين وقفت على بيان اصطلاحهم في نقل بعضهم عن بعض في مقدمات كتبهم هم:
1- ابن عبيدان ت سنة (734 هـ) في مقدمة كتابه: " زوائد الكافي " وسقته في حرف القاف: ق.
2- ابن مفلح ت سنة (763 هـ) في مقدمة كتابه: " الفروع " وسقته في حرف العين: ع.
3- المرداوي ت سنة (885 هـ) في مقدمة كتابه في أصول الفقه: " تحرير المنقول " وسقته في حرف الفاء: الفخر.
4- ابن عبد الهادي ت سنة (909 هـ) في مقدمة كتابه: " مغني
(1/180)

ذوي الأَفهام " وسقته في حرف: العين: ع
5- مرعي ت سنة (1033 هـ) في مقدمة كتابه: " غاية المنتهى " وسقته في حرف الخاء: خلافاً له.
6- عثمان بن قائد النجدي ت سنة (1079 هـ) في مقدمة كتابه: " حاشية على المنتهى " وسقته في حرف الميم: م ص
7- الشطي ت سنة (1274 هـ) في مقدمة كتابه: " مِنْحَةُ مُوْلي الفَتْح ... " كما في حرف الشين الشارح.
8- ابن حُميد ت سنة (1295 هـ) في مقدمة حاشيته على: " شرح المنتهى ". وسُقته في حرف العين: ع ب.
9- العنقري ت سنة (1373 هـ) في مقدمة: " حاشيته على الروض المربع " وسقته في حرف الحاء: ح ش منتهى.
وما سوى ذلك فهو مستخرج من مثاني المتون، والشروح، والتراجم، والمدخل لابن بدران، وغيرها.
ولم أَتبسط فيما عدَّه ابن بدران رحمه الله تعالى فى مبهمات الأَعلام والكتب، وذلك في: " العقد السادس " من كتابه الحافل: " المدخل: 205- 212 " فإِنَّه ذكر من الأَعلام أَربعة وأَربعين منها: ابن المنادي، ابن قاضي الجبل، ابن حمدان ... فَجَرَّ أنسابهم، وذكر من الكتب اثني عشر كتاباً منها:
المهم شرح الخرقي. الوجيز. القواعد ... ثم نسبها إلى مؤلفيها.
وإنما لم أَتبسط في ذلك لأسباب، منها:
(1/181)

1- أن حقيقة هذا ليس من الِإبهام، وإنما هو اختصار لاسم الكتاب، أو اسم مؤلفه.
2- أَن هذا هو القاعدة في استعمالهم، واصطلاحهم، وذكره يطول جدًّا.
3- أَن هذا يعلمه الحنبلي بالتمرس في كتب المذهب، ورجاله.
4- أَن الفهارس الكاشفة لكتب الطبقات بيَّنَت ذلك، على أَسماء الأَعلام، وكُنَاهم، وأَنسابهم، وألقابهم، كما بينت أَسماء الكتب اختصاراً ومطولا فَذِكْر هذا يطول به الكتاب، وهذه الفهارس مطبوعة متداولة.
5- وفي: " الإنصاف ... " ومقدمته، للمرداوي، مادة حافلة للفقيه، يعرف من خلالها فَكَّ الِإبهام في أَنساب الكتب، وأَنساب الأَعلام.
ولم أَذكر هنا جميع ما له من الكتب اسمان فأَكثر؛ لذكرها في مبحث مستقل هو " المبحث الثامن " من المباحث الملحقة في: " المدخل الثامن ".
والغرض هنا فيما نُصَّ على اصطلاحه، وما جرى مجراه مما يحسن التنبيه عليه، وهذا بيانها على حروف المعجم:
(1/182)

" أ "
* أ: يأتي الكلام عن الرمز بها في حرف العين: " ع ".
- ابن أَبي عمر:
- الشمس ابن قدامة.
- الشارح.
- صاحب الشرح.
- الشرح.
- في الشرح.
متى أطلِق واحد منها، فيراد به: أَبو محمد شمس الدِّين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أَحمد بن قدامة المقدسي: ت سنة (682 هـ) صاحب: " الشرح الكبير " على كتاب عمه الموفق: " المقنع " المتوفى سنة (620 هـ)
ويصطلحون على كتابه باسم:
- الشرح
- في الشرح
وانظر التفصيل في حرف الشين: الشارح.
- ابن البناء: يأتي في حرف الباء: البناء
* ابن تيمية:
- تقي الدِّين
(1/183)

- تقي الدِّين ابن تيمية.
- أَبو العباس ابن تيمية.
- الشيخ
- الشيخ تقي الدين
- شيخ الِإسلام
- شيخنا
وانظر حرف الشين
اصطلح على كل واحد منها في حق: شيخ الإسلام أَحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية النميري، الحراني، ثم الدمشقي. ت سنة (728 هـ) - رحمه الله تعالى-.
وله مع غيره: الشيخان
ولكتبه بلفظ:
- الفتاوى
- المجموع
- مجموع الفتاوى
- الفتاوى المصرية
- مجموع فتاوى ابن تيمية.
كما يأتي ذكرها في حرف الفاء: الفتاوى
* ابن ثابت:
حيمما أطلقه ابن أبي يعلى في كتاب طبقات الحنابلة " فيريد
(1/184)

به: الخطيب البغدادي في: " تاريخ بغداد " وهو أحياناً يقرن اسمه باسم كتابه هذا، أو باسم كتابه: " السابق واللاحق "، وأما إذا أطلق فيريد من: تاريخه المذكور والله أعلم.
* ابن قدامة:
- الموفق
- الموفق ابن قدامة
- صاحب المغني.
- في المغني لأَبي محمد.
- أبو محمد؟
- أبو محمد في المغني
- المصنف: يأتي في حر الميم: المصنف.
- الشيخ
- شيخنا
- شيخ الإسلام
- شيخ المذهب.
هذه الأربعة تأتي في محلها من حرف: الشين.
كل هذه إِطلاقات لِعَلَم واحد من أَعلام المذهب، هو أَبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، المتوفى سنة (620 هـ) واسطة العقد في طبقة المتوسطين وشيخ المذهب في زمانه- رحمه الله تعالى-.
(1/185)

* أبو بكر عبد العزيز (1) :
- أَبو بكر عبد العزيز في الشافي.
- غلام الخلال
- غلام الخلال في الشافي
- قاله في الشافي.
كل هذه الإطلاقات لِعَلَمٍ واحد، هو أَبو بكر عبد العزيز ابن جعفر البغدادي، المعروف بغلام الخلال. ت سنة (363هـ) له: كتاب: " الشافي في الفقه " وهو أَول كتاب بهذا الاسم في المذهب، فى نحو ثمانين جزءاً.
وهو اسم لكتب أخرى في المذهب ألِّفت بعده منها:
" الشافي في شرح المقنع " المشهور باسم: " الشرح الكبير " للشمس ابن قدامة ابن أَبي عمر ت سنة (682 هـ) .
" الشافي " للضرير عبد الرحمن بن عمر البصري. ت سنة (684 هـ)
" الشافي الكافي " للنابلسي: محمد بن أَحمد المقدسي. ت سنة (855 هـ)
* أَبوحفص:
في كتاب: " رؤوس المسائل " للشريف أبي جعفر عبد الخالق
__________
(1) المدخل: ص 208
(1/186)

المتوفى سنة (470 هـ) ينقل عن كتاب " رؤوس المسائل " لأَبي حفص العكبري: عمر بن إبراهيم، المعروف بابن المسلم. ت سنة (387 هـ) ولا يذكر اسم كتابه، وإنما يقول:
" وبه قال أَبو حفص " ويريد به ابن المسلم في كتابه المذكور (1) .
* أَبو محمد (2) :
كنْيَةٌ لعدد من علماء المذهب، منهم: الموفق ابن قدامة، وينقلون عنه بلفظ: قال أَبو محمد في المغني.
على أَن بعضهم قد يطلق فيقول: قال أَبو محمد، فيشكل، ومنه ما في ترجمة الشريف أَبي جعفر الهاشمي. ت سنة (470 هـ) من " ذيل الطبقات ": (1/ 25) ساق نقلاً عن أَبي الوفاء ابن عقيل، وفيه: " وأَجاب الشيخ الإمام أَبو محمد ".
قال ابن رجب بعده: " قلت: أَبو محمد أَظنه التميمي " فانظر كيف حصل الِإشكال؟
ويقوي ذلك ما في ترجمة أَبي الوفاء ابن عقيل: (1/143) قال: " ومن مشايخي: أَبو محمد التميمي، كان حسنة العالم، وماشطة بغداد ". انتهى
* أَبو يعلى (3) : كنية للقاضي: محمد بن الحسين الفراء. ت سنة (458 هـ) فلا تنصرف عند الاطلاق إلى غيره من الأصحاب
__________
(1) مقدمة تحقيق رؤوس المسائل، للشريف ص/ 46
(2) ذيل الطبقات: 1/ 24 معجم أسماء الكتب: ص 61 المدخل لابن بدران ص/204، 205.
(3) ذيل ابن رجب: 1/ 176، 184، 224. طبقات ابن أبي يعلى: 2/193-230.
(1/187)

- أَبو يعلى الكبير لأَنه جد الحنابلة منهم فهو أَول حنبلي من أَهله، وللتفريق بينه وبين الحفيد: أَبو يعلى الصغير ويأتي.
- الفراء: ويقال: ابن الفراء: وهما شُهرته.
- القاضي: ويُقال: القاضي الكبير، ويأتي في حرف القاف.
- شيخنا: انظره في حرف الشين
- شيخ المذهب. انظره في حرف الشين
- الوالد السعيد: من اصطلاح ابنه في: " الطبقات ".
كل هذه إِطلاقات لِعَلَمٍ واحد هو القاضي أَبو يعلى، محمد ابن الحسين بن محمد بن خلف بن أَحمد البغدادي الفراء، ويقال: ابن الفراء، المتوفى سنة (458 هـ) - رحمه الله تعالى-.
وهو رئيس الطبقة المتوسطة من علماء المذهب، وتقدمت البيانات عنه هناك فلتنظر.
* أَبو يعلى الصغير:
هو حفيد القاضي أَبي يعلى الكبير - الجد - نعته بذلك ابن رجب، فقال: " محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف الفراء، القاضي " أَبو يعلى الصغير " ويلقب عماد الدين ابن القاضي أَبي خازم ابن القاضي الكبير أَبي يعلى شيخ المذهب في وقته ". توفي سنة (560 هـ)
فالمراد بأَبي يعلى الصغير محمد بن محمد ابي خازم بن محمد أبي يعلى الكبير فهو حفيده.
ذلك أن محمد بن الحسين أبا يعلى الكبير القاضي له ثلاثة
(1/188)

أَبناء وهم: عبيد الله أَبو القاسم، ومحمد أبو الحسين القاضي الشهيد. ت سنة (526 هـ) صاحب الطبقات، ومحمد أَبو خازم. ت سنة (527 هـ) . و" أَبو يعلى الصغير " ابن لمحمد أَبي خازم، فهو حفيد القاضي أَبي يعلى الكبير.
ولهذا فقول ابن بدران- رحمه الله تعالى-: وإذا قالوا: أَبو يعلى الصغير فالمراد به ولده- أي ولد أَبي يعلى الكبير- محمد صاحب " الطبقات " وَهْمٌ. وقد جاء به على الصواب في المبهمات " ص/210، لكن سقط اسم الجد " محمد " إِذ هم ثلاثة على نسق. وذكره على الصواب ابن مانع - رحمه الله تعالى (1) فقال: وأبو يعلى الكبير جد أبي يعلى الصغير المتوفى سنة (560 هـ) : محمد ابن محمد أَبي خازم بن محمد بن الفراء صاحب المؤلفات الكثيرة، أَثنى عليه تلميذه الإمام ابن الجوزي، المتوفى سنة (597 هـ) - رحمه الله تعالى- ".
* المص:
اختصار للفظ: " المصنف ".
وهو من اصطلاح الشيخ عثمان بن أَحمد بن قائد النجدي ت سنة (1097 هـ) في: " حاشيته على المنتهى " يريد به الرمز لمؤلف: المنتهى: " منتهى الإرادات " ابن النجار محمد بن أحمد الفتوحي ت سنة (972 هـ) .
__________
(1) مقدمة تحقيق: مختصر الخرقي
(1/189)

* الانتصار في المسائل الكبار
* ويُقال: " الانتصار ".
* ويُقال: كتاب: " الخلاف الكبير ".
ثلاثتها أَسماء لكتاب واحد لأَبي الخطاب الكَلْوذاني. ت سنة (510 هـ)
وانظر في حرف الراء: رؤوس المسائل.
* انتهى (1) :
وتُرمز هكذا: اهـ.
تأتى في استعمالها العام لدى جميع النقلة للإشعار بنهاية الكلام المنقول.
وفي " شرح الزركشي " يستعملها كثيراً، فلعلَّه لذلك لما نقله من مرجع ولم يسمه، أو قصد انتهاء المسألة التي بحثها، أو من تصرُّف الناسخ لتمييزه الشرح عن المتن بعده.
وعلى أي الوجوه لم تخرج عن استعمالها العام.
* أَوْ:
جاء في ترجمة: يوسف بن ماجد المرداوي. ت سنة (783 هـ)
من كتاب: " الجوهر المنضد " ص/ 180 ما نصه: " قلت: صَنَّفَ كتابا في الفقه وحكى فيه خلافا كثيراَ، وفيه أوهام كثيرة، وفيه مواضع حسنة، ويذكر في بعض المواضع الخلاف
__________
(1) مقدمة تحقيق شرح الزركشي: 1/64.
(1/190)

بصيغة: أَو " انتهى.
" ب "
* بالجملة (1)
* في الجمله.
هذان لفظان متغايران:
فالزركشي في: " شرح الخِرَقي " يستعملهما، مفرقاً بينهما، فالأول وهو " بالجملة " يدل على عموم الحكم، وعدم استثناء شيء منه. والثاني: وهو " في الجملة " يدل على وجود الحكم في جملة المسائل وهو مجملها لا جميعها (1)
والموفق في: " المقنع " يأتي بالثاني: " في الجملة " وقد بين المرداوي في " مقدمة الِإنصاف ": (1/ 4) مراده فقال: " وتارة يذكر حكم المسألة مفصلاً فيها " ثم يطلق روايتين فيها، ويقول: " في الجملة " بصيغة التمريض، كما ذكره في آخر الغصب ... انتهى.
* البناء:
- ابن البناء
- الحنبلي.
- البغدادي
- المقرئ
هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله ابن البناء الحنبلي،
__________
(1) مقدمة تحقيق شرح الزركشي: 1/ 78
(1/191)

المقرئ البغدادي. ت سنة (471 هـ) وهو قاعدة " بَنِي البناء " العلمية بما فيهم بنوه الأربعة، وهو صاحب: " كتاب المقنع في شرح مختصر الخِرَقي ".
وإِذا أُطلِقَ " البناء " أو " ابن البناء " فلا ينصرف إلى سواه في اصطلاحهم.
وكان من المكثرين في التأليف، بلغت مؤلفاته " 150 " كتاباً، وقيل " 500 " كتاب، وهذا لايثبت.
" ت "
- ت: يأتي الكلام عن الرمز بها في حرف العين: " ع ".
* تاج:
من رموز الشيخ عثمان بن أَحمد بن قائد النجدي. ت سنة (1097 هـ) في " حاشيته على المنتهى " يريد به: تاج الدِّين البهوتي، تلميذ مصنف: " منتهى الإرادات " وهو محمد بن أَحمد بن النجار الفتوحي. ت سنة (972 هـ) .
* التصحيح:
إِذا أَطلقه المرداوي في: " تصحيح الفروع " فالمراد به: تصحيح الخلاف المطلق في: المقنع.
ويأتي في حرف الشين: الشارح.
- تصحيح المحرر:
(1/192)

إِذا أَطلقه المرداوي في: " تصحيح الفروع " فيريد به: تصحيح شيخه القاضي عز الدين الكناني، يأتي في حرف الشين: الشارح.
* تقرير:
يرمز به الشيخ العنقري في حاشيته على " الروض المربع " إلى حاشية الشيخ أَبا بطين على شرح المنتهى.
انظر في حرف الحاء: ح ش منتهى.
* التمهيد في أصول الفقه:
* ويُقال: أصول الفقه
اسمان لكتاب واحد لأَبي الخطاب الكَلْوذاني. ت سنة (510 هـ) .
" ج "
* الجَرَاعي:
هو إسماعيل بن عبد الكريم الجراعي الدمشقي ت سنة (1202هـ) له: " شرح غاية المنتهى " بدأ من حيث وقف ابن العماد صاحب الشذرات فى " شرح الغاية " إِذ بلغ إلى باب الوكالة، فمشى الجراعي بالشرح إلى كتاب النكاح، ولم يتمه.
ومن اصطلاح الشطي في " حاشيته على الغاية " المسماة " منحة مولي الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح " أنه إذا قال: " الجراعي فيريد به إسماعيل هذا في: " شرحه للغاية " وانظر في حرف الشين: الشارح
(1/193)

* الجوزي:
هو أَبو المحاسن يوسف بن الشيخ أَبي الفرج الواعظ المشهور عبد الرحمن بن الجوزي ت (سنة 656 هـ) .
والمرداوي إذا قال في كتابه. " تحرير المنقول ": " الجوزي " فيريد به: ابن الجوزي المذكور كما قال في مقدمته (1) :
" وأَبو المحاسن يوسف بن الجوزي وهو المراد بقولنا: الجوزي " ثم قال أيضا:
" والِإيضاح والجدَل للشيخ أبي محمد يوسف بن الجوزي. وهو المراد بقولي في المتن: الجوزي ".
" ح "
* " ح " (2) :
هي من اصطلاح المحدِّثين؛ للتحويل، والانتقال من إِسناد إلى إِسناد آخر، وتنطق في القراءة كما ينطق أَي من حروف الهجاء فيقول القارىء: " حا " وعند الوصل يقول: " حاء وحدَّثنا ".
وهذه تأتي في كتب: " المسائل عند الإمام أَحمد ".
وهي من رموز ابن عبد الهادي في كتابه: " مغني ذوي الأَفهام " تأتي في حرف العين: " ع "
__________
(1) مقدمة تحقيق: تحرير المنقول: 1/ 33- 34
(2) انظر الوقوف للخلال: 1/ 205
(1/194)

- ح ش منتهى:
قال الشيخ العنقري النجدي، المتوفى سنة (1373 هـ) رحمه الله تعالى في مقدمة حاشيته على: " الروض المربع ": (1/ 3- 4) : " وكان غالب ما اعتمدنا عليه في ذلك من حاشية على شرح المنتهى للشيخ العالم الربَّاني مفتي الديار النجدية: عبد الله ابن عبد الرحمن أبا بطين- رحمه الله تعالى-، نقلت من هامش نسخة تلميذه الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى قاضي شقرا، ويُرمز لها بكذا: (ح ش منتهى) أو (خطه) أو (تقرير) وكذا أيضا من تقريرات له على شرح الزاد يشيرإِليها بعض تلامذته بقوله: (خطه) أو (خط شيخنا) أو (تقرير) وكذا من حاشية منصور على الِإقناع، ويرمز لها (ح ق ع) وكذا من حاشيته على المنتهى ويرمز لها (م ص) أو (ح منتهى) وكذا من حاشية عثمان على المنتهى، ويرمز لها (ع ن) وكذا من حاشية محمد الخلوتي، ويرمز لها (م خ) وكذا من هامش نسخة عن متن المنتهى عليها تملك أَحمد بن عوض المرداوي، ويرمز لها (عوض) .
وكذا من حاشية فيروز على شرح الزاد، ويرمز لها (فيروز) وكذا من مجموع المنقور ويرمز له (م ق ر) وما عدا ذلك فهو منسوب إلى قائليه " انتهى
- ح ق ع:
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى
(1/195)

* ح منتهى:
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى.
* حاشيته:
يأتي في حرف الميم: م ص.
* حَتَى:
يأتي في آخر (المدخل الخامس) .
" خ "
* خ:
هو في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " رَمْزٌ إلى خلاف الأئمة الثلاثة لنا.
وانظر في حرف العين: ع.
* خط شيخنا:
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى.
* خطه:
من اصطلاح العنقري في حاشيته على " الروض المربع " انظر في حرف الحاء: " ح ش منتهى ".
* خلافا له:
قال الشيخ مرعي- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " غاية المنتهى ": (1/ 4) في بيان اصطلاحه في كتابه: " ... مشيرا لخلاف
(1/196)

الِإقناع بـ " خلافا له " فإِن تناقض زدت " هنا " ولهما بـ " خلافا لهما " وَلما أَبحثه غالباً جازماً به بقولي: " ويتجه " فإِن تردد زدت: " احتمال " مميزاً آخر كل مبحث بالأَحمر لبيان المقال " انتهى.
وقد جعل الطابع مَحَلَّ ذلك نجمة.
* خلافاً له هنا:
من اصطلاح مرعي في " غاية المنتهى " مضى قبله عند لفظ: خلافاً له.
" ر "
* ر:
علامة في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " إلى وجود روايتين لأَبي حنيفة أو مالك
وانظر في حرف العين: على الأَصح.
* رواه الجماعة:
مضى بيان المراد بهم في: الفصل الثاني: مصطلحات الأصحاب في نقل المذهب من هذا المدخل.
ويأتي في: " المدخل الثامن " بأبسط منه في مراتب الرواة عن أحمد- رحمه الله تعالى-.
* رؤوس المسائل:
ويُقال: " الخلاف الصغير ".
اسمان لكتاب واحد لأبي الخطاب الكلوذاني. ت سنة (510 هـ) .
* " الروضة " في الفقه، وهي من مراجع المرداوي في: " تحرير المنقول " وقال في مقدمته: " والروضة في الفقه لا نعلم مصنفها " انتهى.
(1/197)

" س "
* السعدي:
يُراد به: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المتوفى سنة (1376 هـ) صاحب التصانيف الكثيرة في التفسير، والفقه، وغيرهما وهو من مصطلحات: " نيل المآرب " لابن بسام.
" ش "
* ش (1) :
دأب الزركشي- رحمه الله تعالى- في " شرح مختصر الخِرَقي " بعد سياق كلام الخرقي بلفظ: " قال " يعني: الخرقي، ويرمز الزركشي لبدء شرحه له بحرف: " ش " وكذا تجد هذا الرمز عند ابن البناء في شرحه على الخرقي.
في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " علامة لخلاف الشافعي.
وفي اصطلاح ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى للبهوتي: علامة على شرح الشيشني للمحرر. انظره في حرف العين: " ع ب " وانظر في حرف العين: " ع " و " ع ب ".
* الشارح (2) .
__________
(1) مقدمة تحقيق شرح الزركشي: 1/49 الفروع: 1/64
(2) الشارح ... : مقدمة تصحيح الفروع 1/ 49 الإنصاف: 1/ 15. شرح منتهى الإرادات: 1/3 كشاف القناع 1/18- 19 المدخل لابن بدران: ص/204، 208
(1/198)

* صاحب الشرح.
* الشرح
* في الشرح
متى قال الأصحاب واحداً من هذه الأَلفاظ فالمراد بالشارح: الشيخ أَبو عمر عبد الرحمن بن محمد بن أَحمد بن قدامة، المقدسي ثم الصالحي، المتوفى سنة (682 هـ) ، والمراد بالشرح: كتابه: " شرح المقنع " المشهور باسم: " الشرح الكبير ".
وهذا من اصطلاح المرداوي في: " الِإنصاف " و " تصحيح الفروع " والبهوتي في: " شرح منتهى الِإرادات " و " كشاف القناع ". وعليه جرى مؤلف: " نيل المآرب في تهذيب شرح دليل الطالب " وصاحب: " زوائد الزاد ".
* وأَما الشيخ حسن بن عمر الشطي، المتوفى سنة (1274 هـ) فمراده بالشارح في كتابه: " منحة مولي الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح " يريد ابن العماد في شرحه لغاية المنتهى.
قال الشطي في مقدمته له: " وحيث أَقول: الشارح: فمرادي به: الأول، وحيث أَقول: الجراعي: فمرادي به: الثاني " انتهى.
الأول: ابن العماد في شرح الغاية، وقد وصل به إلى باب الوكالة ت سنة (1089 هـ)
والثاني: شرح الغاية لإسماعيل بن عبد الكريم الجراعي ت
(1/199)

سنة (1202 هـ) الذي أَكمل به شرح ابن العماد وبلغ إلى كتاب النكاح.
قال المرداوي- رحمه الله تعالى- في مقدمة " تصحيح الفروع ": (1/ 49) : " ومرادي بالشارح: شيخ الإسلام شمس الدين ابن أَبي عمر وبالشرح: شرحه. وبالتصحيح: تصحيح الخلاف المطلق الذي في المقنع للشيخ شمس الدين النابلسي. وبتصحيح المحرر تصحيح شيخنا القاضي عز الدِّين الكناني " انتهى.
وقال البُهوتي- رحمه الله تعالى- في مقدمة " كشاف القناع " (1/ 11) : " تتمة: إذا أَطلق المتأخرون كصاحب الفروع، والفائق، والاختيارات، وغيرهم: الشيخ؛ أَرادوا به: الشيخ العلاَّمة موفق الدين أَبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي
وإذا قيل: الشيخان، فالموفق، والمجد.
وإذا قيل: الشارح، فهو الشيخ شمس الدين أَبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ أَبي عمر المقدسي، وهو ابن أَخي الموفق وتلميذه.
وإذا أطلق القاضي: فالمراد به القاضي أَبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أَحمد الفراء.
وإذا قيل: وعنه: أي عن الإمام أحمد- رحمه الله-.
وقولهم: نصَّا، معناه: نسبته إلى الإمام أحمد رحمه الله، انتهى
* الشافي: مضى في حرف الهمزة: أبو بكر عبد العزير
(1/200)

* الشرح
* في الشرح.
إِذا أَطلقه المرداوي في: " الِإنصاف " و " تصحيح الفروع " والبهوتي في: " شرح منتهى الِإرادات " و " كشاف القناع " وابن بسام في: " نيل المآرب فيُراد به عند الجميع: شرح المقنع، المسمى بالشرح الكبير للشمس ابن قدامهْ- رحمه الله تعالى-،
وانظر قبله: الشارح. وفي حرف الفاء: في شرحه، و: في الشرح.
* شرح شيخنا
يأتي في حرف الميم: م ص.
* شرحه:
من اصطلاح الشيخ عثمان بن أَحمد بن قائد النجدي. ت سنة (1097 هـ) في: " حاشيته على المنتهى " يريد به: شرح منتهى الِإرادات، للمؤلف نفسه: الفتوحي المشهور بابن النجار.
وانظر في حرف الميم: م ص
* الشهاب:
يأتي في حرف الميم: م ص
* الشيخ (1) .
هذا الإطلاق من المشترك اللفظي عندهم:
فَيرادُ به الشيخ الموفق ابن قدامة صاحب " المغني " في: " الفائق "
__________
(1) كشاف القناع: 1/ 18، شرح المفردات 1/ 36، المدخل: ص/204، 205، 205
(1/201)

والاختيارات و " المفردات " للبهاء العمري المقدسي، وقال:
فحيث بالشيخ مقالي أطلق ... فهو الإمام العالم الموفق
وعند الجراعي أيضا، المتوفى سنة (883 هـ) في كتابه: " شرح مختصر أصول الفقه ".
وَيُرَادُ بِهِ: الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية أَحمد بن عبد الحليم ت سنة (728 هـ) في: " الِإقناع " و" حواشي ابن قندس على الفروع " و " غاية المنتهى " لمرعي، وابن قاسم في: " حاشية الروض " وابن حسين في: " الزوائد على الزاد وابن بسام في: " نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ".
- تنبيه:
" الشيخ في: " تحرير المنقول " للمرداوي. ت سنة (885 هـ) لم يتحرر لي من هو فلينظر؟
* الشيخان (1) : المراد بهما: الموفق ابن قدامة صاحب المغني، والمجد ابن تيمية: عبد السلام، صاحب " المحرر " جَدُّ شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهذا الاصطلاح في: " شرح الزركشي " و " كشاف القناع و " نظم المفردات "، وغيرها من كتب المتوسطين، والمتأخرين
__________
(1) الشيخان: كشاف القناع: 1/ 18، 19 المدخل ص/204
(1/202)

* شيخنا (1) :
من المشترك اللفظي على طبقات:
فيُراد به: القاضي أَبو يعلى، إذا أَطلقَه أَبو الوفاء ابن عقيل، وأَبو الخطاب الكلوذاني في: " الهداية " فيقول: قال شيخنا، أو عند شيخنا (2) .
ويُراد به: ناصح الدّين أَبو الفرج ابن أَبي الفهم، المتوفى سنة (634 هـ) إذا أَطلقه ابن تميم في " مختصره "، وربما قال: قال شيخنا أَبو الفرج.
قال ابن رجب- رحمه الله تعالى- في: " الذيل ": (2/ 204)
في ترجمة عبد القادر بن عبد القاهر ابن أَبي الفرج تاج الدِّين الحراني. ت سنة (634 هـ) :
" وقد أَخذ عن الناصح ابن أَبي الفهم: ابنُ تميم، ونقل عنه في مختصره فوائد عديدة، وإذا قال: " قال شيخنا أَبو الفرج " فإياه يعني، وقد توهم بعض الناس أَنه يعني أَبا الفرج الشيرازي، وهي هفوة عظيمة، لتقدم زمن الشيرازي " انتهى
ويُراد به شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا أَطلقه ابن القيم في كُتبه، وابن مفلح في: " الفروع ".
ويراد به الموفق ابن قدامة: إذا قاله ابن رزين في مختصره.
__________
(1) شيخنا: المدخل: 205، 205، 219، 219 معجم أسماء الكتب: 61. ذيل الطبقات لابن رجب: 2/204 اللآلئ البهية: 53.
(2) المدخل لابن بدران: ص/ 219
(1/203)

قال ابن رجب- رحمه الله تعالى- في ترجمة: عبد الرحمن ابن رزين ت سنة (656 هـ) ما نصه (1) :
" صنف تصانيف، منها: كتاب " التهذيب " في اختصار " المغني " في مجلدين، وسمى فيه الشيخ موفق الدِّين: " شيخنا " ولعله اشتغل عليه " انتهى.
ويُراد به الحافظ ابن رجب إِذا قاله ابن اللحام في كتابه: " القواعد والفوائد الأصولية ".
* شيخنا ابن أَبي موسى في الِإرشاد:
قال ابن رجب- رحمه الله تعالى- في ترجمته (9/1) لعلي ابن محمد البغدادي أَبي الحسن المعروف بالآمدي. ت سنة (468 هـ) :
" وله كتاب: عمدة الحاضر وكفاية المسافر في الفقه، في نحو أَربعة مجلدات، وهو كتاب جليل يشتمل على فوائد كثيرة نفيسة، ويقول فيه: ذكر شيخنا ابن أَبي موسى في الِإرشاد، فالظاهر أَنه تفقه عليه أيضا " انتهى.
* شيخ الإسلام:
اشتهر به في المذهب: شيخ الإسلام الموفق ابن قدامة صاحب " المغني " ت سنة (620 هـ) ، وشيخ الِإسلام ابن تيمية أَحمد بن عبد الحليم ت سنة (728 هـ) .
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة: 2/ 264
(1/204)

وقد بسط السخاوي في: " الجواهر والدرر " الكلام عن هذا اللقب، وابن بدران في: " المدخل ": (203- 204) . وبينته بأَوعب في: " معجم المناهي اللفظية " و" تغريب الألقاب العلمية ".
وهذا اللقب: " شيخ الإسلام " له إطلاقات ثلاثة:
الإطلاق الأول: يُطلق على من عظم مقامه في الإسلام في العلم والِإيمان، مثل: الموفق، وابن تيمية، في الحنابلة.
الإطلاق الثاني: في الدولة العثمانية، كان يطلق في زمن الجراكسة على من ولي رئاسة القضاة: " قاضي القضاة ". وكان آخر من تولى ذلك في مصر من الحنابلة: أحمد بن عبد العزيز الفُتُوْحِي. وكان من ولي الفتيا في تونس يطلق عليه: " شيخ الإسلام ".
منهم شَيخ الإسلام بيروم.
الإطلاق الثالث: إطلاقه تساهلاً للتكثر وهذا كثير.
* شيخ المذهب:
أطلق على ثلاثة: أطلق على القاضي أبي يعلى ت سنة (458 هـ) والموفق ابن قدامة ت (سنة 620 هـ) والمرداوي صاحب الإنصاف ت سنة (882 هـ) .
(1/205)

" ص "
* ص (1) :
في " كتاب المقنع في شرح مختصر الخِرَقي " للبناء، المتوفى سنة (471 هـ) يرمز بحرفين: " ص " إِشارة إلى المتن من " المختصر " و " ش " إِشارة إلى أَول شرحه لعبارة المختصر.
وهذا غالب مَا يُرْمَزُ به عند عامة الفقهاء في كتبهم المكونة من متن وشرح.
وأَما الرمز بحرف " ص " اختصاراً للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا منتشر، وقد كرهه العلماء، وبينته في " حرف الصاد " من " معجم المناهي اللفظية "
وهي رمز لحواشي ابن نصر الله الحنبلي، المتوفى (سنة 844 هـ) على " شرح الزركشي على مختصرالخِرَقي ".
وهي رمز في " المفردات " للبهاء المقدسي إلى ما ذكره الأصحاب ردًّا على الكيا، قال:
والرمز بالحمرة " ص " تُشْهَرُ ... لِمَالَهُ الأصحاب رَدًّا ذكروا
__________
(1) مقدمة التحقيق لشرح الزركشي: 1/ 62 شرح المفردات 1/ 37
(1/206)

" ع "
* ع (1) :
في اصطلاح " المفردات " رمز لما زاده ابن عقيل في الرد على الكيا، قال:
وابن عقيل " ع " أيضا أرمز ... وأُخلي ما زاد كي يميز
وفي: " الفروع " لابن مفلح - رحمه الله تعالى- علامة لما أُجمع عليه، قال في مقدمته له: (1/64) :
" وأشير إلى ذكر الوفاق والخلاف، فعلامة ما أَجمع عليه: " ع "، وما وافقنا عليه الأَئمة الثلاثة- رحمهم الله تعالى- أو كان الأَصح في مذهبهم: " و " وخلافهم: " خ ".
وعلامة خلاف أَبي حنيفة: " ح ".
ومالك: " م ".
فإِن كان لأَحدهما روايتان فبعد علامته: " ر "
وللشافعي: " ش "
ولقوليه: " ق "
وعلامة وفاق أَحدهم ذلك وقبله: " و " انتهى.
وفي " مغني ذوي الأَفهام " عن الكتب الكثيرة في الأحكام إشارة
__________
(1) شرح المفردات 1/ 337 الفروع: 1/ 64
(1/207)

إلى أَن المسألة مجمع عليها.
قال مؤلفه ابن عبد الهادي، المتوفى سنة (909 هـ) في بيان اصطلاحه في كتابه:
" وأشير إلى المسألة المجمع عليها بأَن أَجعل حكمها: اسم فاعل " ع " أَو مفعول " ع ".
وما اتفق عليه الأَئمة بصيغة المضارع، وربما وقع ذلك لنا فيما اتفق فيه أَبو حنيفة والشافعي، في بعض مسائل لم نعلم فيها مذهب الإمام مالك، أو له فيها، أو في مذهب ثمَّ: قَوْلٌ غير مشهور
فإِن كان لا خلاف في المسألة عندنا: فالياء.
وإن كان فيها خلاف عندنا: فالتاء.
ووفاق الشافعي فقط: بالهمزة، وأيضا: وش.
وأَبي حنيفة فقط: بالنون، وأيضا: بالحاء.
وخلاف المذاهب الثلاثة: بصيغة الماضي " انتهى.
هذه تسعة رموز.
وقد ذكر ابن حميد في السحب الوابلة نظمها في أبيات، وعنه حفيده في: الدر المنضد ": (ص/53) فقال: " مغني ذوي الأَفهام " يشير للإجماع والخلاف بنفس الألفاظ، قاعدته في أَبيات، هي:
(1/208)

نون المضارع: نعمان، وهمزته ... للشافعي وفاقا فاستمع خبري
واليا: وفاق الثلاث، والخلاف أتى ... من بين أَصحابنا بالتاء على خطري
وإن بدأتُ بماض فهو منفرد ... وإن بدأت باسم غير منحصر
* ع ب:
قال ابن حميد، صاحب كتاب: " السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة " المتوفى سنة (1295 هـ) في مقدمة حاشيته على: " شرح المنتهى للبهوتي " ما نصه:
" والمراد بقولي: " ع ب ": الشيخ عبد الوهاب بن فيروز نقلته من خطه على هوامش نُسخته من الشرح، وبقولي: " م ر " الإمام مرعي، و: " ش " شيشني على شرح المحرر و " م س " العلامة السفاريني، و: " غ " الشيخ غنام بن محمد النجدي ثم الدمشقي، و: " ع " العلامة عبد الرحمن البهوتي، وباقي الرموز معلومة " انتهى.
انظره في الاصطلاح قبله.
* ع ن.
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى.
* عوض:
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى.
(1/209)

" غ "
* غ:
مضى في حرف العين: ع ب
* غلام الخلال: مضى في حرف الهمزة: أَبو بكر عبد العزيز.
" ف "
* فارض: من اصطلاح الشيخ عثمان بن أَحمد بن قائد النجدي. ت سنة (1097 هـ) في: " حاشيته على المنتهى " يريد به: محمد الفارضي، المتوفى سنة (952 هـ) .
وانظر في حرف الميم: م ص.
* الفتاوى.
* مجموع الفتاوى
* مجموع فتاوى ابن تيمية.
طُبِعَت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ورسائله في: " 37 " مجلدًا بفهارسها في مجلدين، جمع وترتيب الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم النجدي، المتوفى سنة (1392 هـ) - رحمه الله تعالى-، ومنذ تاريخ طبعها حتى الآن والمتأخرون بل أهل العصر ينقلون عنها، ويعزون إليها بواحد من الألفاظ المذكورة، ولا يكاد ينصرف إلى غيره عندهم.
(1/210)

وانظر في حرف الميم: المجموع.
والفتوحي:
يأتي في حرف الميم: م ص
* الفخر:
قال المرداوي- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول ": (1/ 72) : " ومرادي بالقاضي: أَبو يعلى، وبالفخر إسماعيل أَبو محمد البغدادي، وبأَبي الفرج: المقدسي " انتهى
الفخر هو فخر الدين أَبو محمد إسماعيل بن علي البغدادي الحنبلي المعروف بابن الرفاء ت سنة (610 هـ)
وأَبو الفرج: هو عبد الواحد بن محمد بن علي الأَنصاري الشيرازي ثم المقدسي الحراني الحنبلي. ت سنة (486 هـ)
ومن اصطلاحه أيضا في كتابه: " الشيخ ".
* الفصول
ويُقال: كفاية المفتي، اسمان لكتاب واحد لأَبي الوفاء ابن عقيل. ت سنة (513 هـ) .
* في الجملة: مضى في حرف الباء: بالجملة.
* في الشرح:
مضى في حرف الشين: الشرح
(1/211)

* في شرحه (1) :
إذا قاله البهوتي- رحمه الله تعالى- في " شرح منتهى الإرادات " فيريد به: شرح المؤلف للمتن وهو شرح الشيخ محمد تقي الدِّين بن أحمد شهاب الدين بن النجار الفتوحي، لكتابه: منتهى الارادات.
* فيروز:
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى.
" ق "
* ق:
علامة في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " على وجود قولين للشافعي
وانظره في حرف العين: ع.
وعلامة اصطلاح ابن عبيدان في: " زوائد الكافي والمحرر على المقنع على ما اتفق عليه صاحب الكافي، والمحرر من المسائل.
قال- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " الزوائد مبيناَ اصطلاحه فيه:
" وكل ما أطلقه فهو من الكافي، وما وافقه عليه صاحب المحرر
__________
(1) في شرحه: مقدمة: شرح منتهى الإرادات: 1/ 3
(1/212)

من المسائل على أول المسألة عليه " ق " حمراء، وآخرها نقطة حمراء، ومابينهما مما اتفقا عليه، ليس عليه شيء
وإن انفرد صاحب " المحرر " بمسألة عَلَّمْتُ أَولها " م " وآخرها بنقطة مثل الأولى، حتى لو انفرد بتصحيح رواية أو وجه أو تخريج فكذا العلامة لتبيين ما في كل واحد منهما من الزوائد لكنه مما قَلَّ كذلك محرراً لا يلتبس عليه شيء " انتهى
* القاضي (1) :
يُراد به عند الأصحاب في طبقة المتوسطين: رأس طبقتهم القاضي، أَبو يعلى الحسين بن الفراء ت سنة (459 هـ) حتى أَثناء المائة الثامنة.
وانظر في حرف الأَلف: أَبو يعلى.
ويُراد به في اصطلاح المتأخرين: إِمام المذهب في زمانه رأس طبقة المتأخرين: علاء الدِّين المرداوي ت سنة (885 هـ) ، وذلك كما عند صاحب " الِإقناع " و " المنتهى " ومن بعدهما.
ومن خالف المتأخرين بين مراده، فالمرداوي حيث أَطلق القاضي فيريد به: أَبا يعلى لا غير وانظر في حرف الفاء: الفخر
* قاضي الأَقاليم.
* ابن العز المقدسي.
يراد بهما: عز الدِّين عبد العزيز بن علي أبي العز ابن عبد العزيز التميمي البغدادي. ت سنة (846 هـ)
__________
(1) المدخل: ص 204 مكرر كشاف القناع: 1/ 19
(1/213)

وإنما قيل له: قاضي الاقاليم؛ لأَنه ولي قضاء: بغداد، ودمشق، وبيت المقدس، ومصر
* القُطْب:
هو قطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي الشافعي ت سنة (710 هـ) له: " شرحَ مختصر ابن الحاجب "
وعنه ينقل: تقي الدين الجراعي أَبو بكر بن زيد الحنبلي ت سنة (883 هـ) في كتابه: " شرح مختصر أصول الفقه " فيقول: " قال القطب " ونريد به المذكور.
" م "
* م:
علامة في اصطلاح ابن مفلح في: الفروع " إلى خلاف مالك لنا
وانظر في حرف العين: ع
وعلامة في اصطلاح ابن عبيدان في: " زوائد الكافي والمحرر " على ما انفرد به المجد في المحرر
وانظر في حرف القاف: ق
وعلامة في اصطلاح الشيخ عثمان بن قائد النجدي ت سنة (1097 هـ) في حاشيته على المنتهى: للشيخ محمد الخلوتي تلميذ الشيخ منصور البهوتي، صاحب: " كشاف القناع ".
(1/214)

- وانظر في هذا الحرف: م ص.
* م خ:
انظره في حرف الخاء: ح ش منتهى
* م ر:
مضى في حرف العين: ع ب.
* م س:
مضى في حرف السين: ع ب
* م ص:
قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي، المتوفى سنة (1097 هـ) - رحمه الله تعالى - في مقدمة حاشيته على منتهى الإرادات: (1/ 1) : " وحيث رأيت في هذه الحاشية: " مص " فالمراد به الشيخ الإمام والحبر الهمام: منصور بن يونس البهوتي الحنبلي
أَو رأيت: " م خ " فالمراد به الشيخ العلاَّمة شيخنا الشيخ: محمد الخلوتي، تلميذ الشيخ منصور
أَو رأيت: " تاج " فالمراد به الشيخ الإمام والحبر الهمام: تاج الدين البهوتي، تلميذ: " المص " مصنف المنتهى.
أَو رأيت: " شرحه " فالمراد به: شرح " المص "
أو رأيت: " فارض " فالمراد به الشيخ الفاضل محمد الفارضي (1)
__________
(1) توفي سنة (952 هـ) : له منظومة في الفرائض.
(1/215)

أو رأيت: " الشهاب " أو: " الفتوحي " المراد به: شهاب الدّين أَحمد بن عبد العزيز العالم العلاَّمة والد " المص " - أي والد مصنف المنتهى-.
أَو رأيت: " شرح شيخنا " فالمراد به: شرح الشيخ منصور.
أَو رأيت: " حاشيته " فالمراد به: حاشيته أيضا " انتهى.
وفي حاشية المحقق لها قال: " 1/2 ":
" وإذا قال: " وبخطه " فالغالب أَنه يقصد منصور البهوتي أو الخلوتي " انتهى
وهذا الرمز: م ص، من اصطلاح العنقري في حاشيته على: " الروض المربع " يرمز به للشيخ منصور البهوتي في " حاشيته على المنتهى "
انظرفي حرف الحاء: ح ش منتهى.
* مط:
أَي: المتن المطبوع لكتاب: " أَخصر المختصرات " للبلباني، يرمز بها محقق شرحه: " كشف المخدرات " الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في تعليقاته: إِشارة إلى مقابلته لمتن هذه النسخة على المتن المطبوع كما ذكر ذلك في مقدمته له: ص/9
* م ق ر
انظره في حرف الحاء: ح ش منتهى
(1/216)

* المتقدمون:
هم في اصطلاحهم: من تلامذة الإمام أَحمد إلى الحسن ابن حامد ت سنة (403 هـ) .
مضى بسط الحديث عنهم في المدخل الأول.
* المتوسطون:
هم في اصطلاحهم من تلامذة- ابن حامد- آخر طبقه المتقدمين- وعلى رأسهم تلميذه القاضي أَبو يعلى، المتوفى سنة (459 هـ) إِلى البرهان ابن مفلح صاحب المبدع ت سنة (884 هـ)
* المتأخرون:
هم في اصطلاحهم: من العلامة العلاء المرداوي ت سنة (885 هـ) إلى الآخر
مضى بسط الحديث عنهم في: المدخل الأول.
* المجموع:
يُراد به مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع ابن قاسم رحمهما الله تعالى وذلك في: " نيل المآرب " لابن بسام، بل ومن في طبقته من علماء العصر.
وانظر في حرف الفاء: الفتاوى.
* المرداوي (1) :
- القاضي
- المنقح.
- المجتهد.
__________
(1) المرداوي: المدخل: ص/204
(1/217)

- المجتهد في تصحيح المذهب:
يُراد بكل واحد منها: علاء الدين علي بن سليمان السعدي، المرداوي، ثم الصالحي، صاحب: " الإنصاف " ت سنة (885 هـ) هكذا اصطلح أهل طبقته المتأخرون إلى الآخر على هذه الِإطلاقات:
- أَما المرداوي: فظاهر وهو نسبة إلى: مَرْدا، من عمل نابلس بفلسطين
- وأَما القاضي: فمضى في حرف القاف: القاضي
- وأَما المنقح: أي في كتابه: " التنقيح المشبع في تحرير أَحكام المقنع " وهذا اصطلاح الشويكي. ت سنة (939 هـ) في كتابه: " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح " فكثيراً ما يلقب المرداوي بلفظ: المنقح، عندما ينقل عن كتابه: " التنقيح المشبع ... "
وأَما: المجتهد، والمجتهد في تصحيح المذهب؛ فهكذا يطلق عليه أَهل طبقته.
* المصنف:
قال الشيخ محمد بن عبد الله الحسين، المتوفى سنة (1381 هـ) في بريدة- قاعدة القصيم- في مقدمة كتابه " زوائد الزاد " وإذا أَطلقت: الشيخ: فهو تقي الدين، و " المصنف ": الموفق موفق الدين عبد الله بن أَحمد بن قدامة و " الشارح ": أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي صاحب الشرح الكبير انتهى
* المفلحي:
يأتي هذا اللقب كثيراَ في كتب التراجم، نسبة إلى: بني مفلح،
(1/218)

البيت الحنبلي المشهور بابن مفلح، مضى تفصيل القول فيهم في: معرفة البيوتات الحنبلية
* المنقح:
مضى قبله عند لفظ: المرداوي.
* المواهبي
* بنو المواهبي.
* ابن بدر
* ابن فقيه فِضَّة.
* ابن عبد الباقي
جميعها أَلقاب لأسرة واحدة تنحدر من آل تيمية جدهم الأَعلى. إبراهيم بن تيمية، وكانوا موجودين إلى أَول القرن الثالث عشر منهم: الشيخ أبو المواهب محمد بن عبد الباقي، صاحب المشيخة المشهورة. ت سنة (1126 هـ) .
وانظر مشجرهم في مقدمة التحقيق لكتابه: (ص: 13)
" ن "
* ن: مَضَى في حرف العين: ع
* النجم:
هو نجم الدين أَحمد بن محمد بن شبيب الحراني. ت سنة (695 هـ) ينقل عنه: الجراعي أبو بكر بن زيد الحنبلي في: " شرح مختصر أصول الفقه فيقول: " قال النجم " ويريد به المذكور
(1/219)

" هـ "
* هـ:
في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " علامة على خلاف أَبي حنيفة، وانظر في حرف العين: ع.
" و "
* و:
في اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " إشارة إلى ما وافقنا عليه الأَئمة الثلاثة أو كان الأَصح في مذهبهم إذا كتبت بعد الحكم، وإن كتبت " و " قبله، فهي علامة على وفاق أَحد الأربعة للمذهب.
وانظر في حرف العين: ع.
* وإن:
يأتي في آخر " المدخل الخامس "
* وبخطه:
مضى في حرف الميم: م ص
* وش: مَضَى في حرف العين: " ع ".
* ولو: يأتي في آخر " المدخل الخامس ".
* ويتجه احتمال:
من اصطلاح الشيخ مرعي في " غاية المنتهى " ومضى بيانه في حرف الخاء: خلافاً له.
* ويتجه: من اصطلاح الشيخ مرعي في " غاية المنتهى " مضى في حرف الخاء: خلافاَ له.
(1/220)

المدخل الخامس: في التعريف بطرق معرفة المذهب ومسالك الترجيح فيه
وفيه ثلاثة تمهيدات وثلاثة فصول:
التمهيد الأول: في ماهية المذهب.
التمهيد الثاني: عناية العلماء في بيان هذه الطرق في المذهب.
التمهيد الثالث: مراتب الناس فيها؛ بين الإفراط؛ والتفريط؛ والوسط.
الفصل الأول: طرق معرفة المذهب من تصرفات الإمام المدونة عنه في كتبه وكتب الرواية عنه، وهي أربعة طرق:
1- قوله.
2- فعله.
3- سكوته وإقراره.
4- توقفه.
يدخل في تضاعيفها تقاسيم، وأنواع.
الفصل الثاني: طرق معرفة المذهب من تصرفات الأصحاب في كتبه المعتمدة، ومن شيوخه المعتمدين فيه.
الفصل الثالث: في مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب.
(1/221)

المدخل الخامس: في طرق معرفة المذهب
لَابُدَّ للناظر هنا أن يكون على ذِكْر من " معرفة أنواع الفقه المدون في المذهب " كما في: " المبحث الثالث " من: " المدخل الأول ".
والآن إِذْ قد تمهدت لك تلك المداخل، لا سيما معرفةُ أصول المذهب في: " المدخل الثالث " ومعرفةُ مصطلحات المذهب في: " المدخل الرابع " ولابد قَبل من الوقوف على: " معرفة علماء المذهب " في: " المدخل السابع " و " معرفة كتب المذهب في: " المدخل الثامن " سَمَا بِكَ الشوقُ إلى الوقوف على طريق الوصول إلى تعيين هذا المذهب المبارك الأَثري، والوقوف على مدركه من الميراث المحمدي الأَحمدي النبوي، مناشداً الدليل لا التعصب المذهبي الذميم.
ولمعرفة هذه الطرق يُعقد هذا المدخل، وهو اللباب من هذا الكتاب، وهو النتيجة التي يَسْمُو إليها أولو الأَلباب لتقرير المذهب على الصواب، وتصحيحه بمنجاة من الغلط على الإمام والأصحاب، والسلامة من تقويلهم ما لم يقولوه، ولم يخطر لهم على بال، فلا يقول قائل: هذا المذهب واختاره الأصحاب، عن تقليد ومتابعة في
(1/223)

الأَوهام والأغلاط، وإنما تجرى الأقوال في مصارفها الشرعية، وطرقها المرعية، فَيُعَيِّنُ الناظر المذهبَ من طريقها، وَيُرْسِيْهِ عَلَى قَوَاعِدِه وأصول إمامه التي رسَمَهَا، فَيُعَدُّ النَّاظِرُ حينئذ ممن حَقق وَدَقق، واختار ورَجَّح، وَوَازَنَ بين الأقوال والروايات فَنَقَّحَ وَصَحَّح- والله سبحانه يمن على من يشاء-.
والفاضل من إذا نبه تَنبَه، وإذا ذُكّرَ تَذَكَر.
وهذه الطرق والمسالك التي يُعرف بها كيفية تعيين المذهب، والترجيح عند الاختلاف، هي مع تقاسيمها، وتعدد أَنواعها، يجمعها طريقان في فصلين، يتلوهما: فصل ثالث في مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب، أمَامها ثلاثة تمهيدات كالآتي:
التمهيد الأول: في ماهية المذهب.
التمهيد الثانى: عناية العلماء في بيان هذه الطرق في المذهب.
التمهيد الثالث: مراتب الناس فيها، بين الإفراط، والتفريط، والوسط.
الفصل الأول: طرق معرفة المذهب من تصرفات الإمام المدونة عنه في كتبه، وكتب الرواية عنه، وهي أربعة طرق:
1- قوله.
2- فعله.
3- سكوته وإقراره.
4- توقفه
يدخل في تضاعيفها تقاسيم، وأَنواع.
الفصل الثاني: طرق معرفة المذهب من تصرفات الأصحاب في كتبه المعتمدة، ومن شيوخه المعتمدين فيه
الفصل الثالث: في مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب. والأن إلى بيانها على هذا الترتيب:
(1/224)

التمهيد الأول: في ماهية المذهب
مضى بيانه مفصلاً في: " المدخل الأول " بجلب النقول، وتحرير كلمة الفقهاء فيه بما خلاصته:
" مذهب الإمام: ما قاله معتقدا له بدليله، ومات عليه، أو مَا جَرَى مَجْرَى قوله، أوشملته علته ".
والقدر الأول منه متفق عليه، وهو إلى قوله: ومات عليه " ويشمل. " الروايات المطلقة " و " التنبيهات ".
وَمَا دُوْنَهُ مُخْتَلَف فِيْه.
* ويشمل:
فعله. روايته. التقارير عنه. سكوته وتقريره. توقفه.
* ويشمل التخريجات عليه:
- لازم مذهبه.
- مفهوم كلامه. ويقال: الاستدلال.
- القياس على المذهب.
- التخريج. الوجه. الاحتمال. النقل والتخريج.
كما مضى في: المبحث الثالث من: " المدخل الأول ":
(1/225)

" معرفة أنواع " الفقه " المدون في المذهب " وهي خمسة أنواع، وأن المراد منها في كل مذهب نوعان:
1- " المذهب حقيقة " وهو في معرفة الأَحكام الاجتهادية عن الإمام: " الروايات " و " التنبيهات ".
2- " المذهب اصطلاحًا " وهو في معرفة الأَحكام الاجتهادية عن الأصحاب: " التخريجات "
ويأتي في: " المبحث السابع عشر " من " المدخل الثامن " مبحث مهم في منزلة كتب المذهب بين فقه الإمام وفقه الأصحاب.
(1/226)

التمهيد الثاني: عناية الأصحاب في بيان هذه الطرق
اعْتَنَى جَمْعٌ من علماء المذهب ببيان هذه الطرق، وتتبع مصطلحات الإمام من أَجوبته في مسائل الرواية عنه، وفَسْرِها، وشرح اصطلاحه فيها، وإفراد ذلك بمؤلَّف مُسْتقِل، أو تبعا في كتب المذهب: فقهه، وأصوله، وتراجم رجاله.
وكان أَول من علمناه أَفرد جمع هذه المصطلحات، وفَسْرَها:
إِمامُ المذهب في زمانه، الفقيه ابن حامد الحنبلي: الحسن بن حامد ابن علي البغدادي، المتوفى سنة (403 هـ) - رحمه الله تعالى-
فإِنَّه أَفرد ما وقع له بكتاب سَمَّاه: " تهذيب الأَجوبة " (1) أي تخليص مصطلحات الإمام أَحمد في أَجوبته المعبرة عن مذهبه، من شائبة الخلاف في فَسْر مراده منها، فَبيَن- رحمه الله تعالى- المراد من مصطلح الإمام، بذكر منزلته من أَحكام التكليف: الواجب. المندوب. المحرم. المكروه. المباح. وعقدها في أَبواب جامعة بلغت نحو أَربعين بابا، يتخلل بعضها فصول، ومسائل
__________
(1) طُبعَ هذا الكتاب بتحقيق الأستاذ: صُبحي السامرائي، ثم حُقِّق رسالة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وقد حَلاهُ محققه الشيخ/ عبد العزيز القائدي، بحاشية نفيسة، وتعليقات جياد، والعزو إليها في هذا الكتاب حيثما مَرَّ.
(1/227)

وقد سَلَك في كل باب مسلكين:
أحدهما: التمثيل لاصطلاح الإمام ببعض أجوبته من مسائل الرواية عنه، سائقا لها بالإسناد إلى الإمام أَحمد.
وثانيهما: التدليل على فَسْره للاصطلاح، وشرحه له، ببيان " وظيفة اللفظ " ومنزلته، بسياق الأَدلة عليه من: اللسان العربي، والقرآن الكريم، والسنة، وعُرْف الناس، وتواطئهم في اصطلاحهم ببعض الألفاظ الجارية على الألسن. وهو نظير عمل الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى- في: " الرسالة ".
وكثيرا ما يذكر الرأي المخالف، ثم يُجْرِي مناقشته بما يدفعه.
والحق أن جميع من جاء بعده عِيَال عليه.
وممن عَوَّلَ عليه، وضمَ إفادات إليه، صاحب الرعايتين: العلاَّمة ابن حمدان: أحمد بن حمدان النمري الحراني، المتوفى سنة (695 هـ) - رحمه الله تعالى- وذلك في كتابه: " صفة الفتوى والمفتي والمستفتي " (84- 15) المشهور باسم: " آداب المفتي ". وَلَخَّصَ ابن مفلح، المتوفى سنة (763 هـ) - رحمه الله تعالى- مقاصد ابن حامد في مقدمة كتابه: " الفروع ".
ثم بسطها المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه: " تصحيح الفروع ".
ثم قام المرداوي ببيان أبسط في رسالة مستقلة باسم: " قاعدة نافعة جامعة لصفة الروايات المنقولة عن الإمام أحمد- رضي الله
(1/228)

تعالى عنه- والأَوجه والاحتمالات الواردة عن أَصحابه- رحمنا الله وإيَّاهم، وغفر لنا ولهم وللمؤمنين- ".
وَذَيَّل بها كتابه الحاوي للرواية والتخريج في المذهب: " الِإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أَحمد بن حنبل ": (12/ 240- 296) .
وقد جمعَ المرداوي- رحمه الله تعالى- في هذه القاعدة النافعة، كلام من سبقه من المذكورين، وغيرهم، وَرَتَّبَهُ، ونَسَّقَه، وهَذَّبَه ونَقَّحَه.
ولابن النجار الفتوحي، المتوفى سنة (972 هـ) في آخر كتابه: " شرح المنتهى " خاتمة حافلة، لاسيما في مسالك الترجيح في المذهب والتخريج.
وكان لعلماء أصول الفقه، في أَبواب الاجتهاد والتقليد، من كتب " أصول الفقه " نصيب وافر، وعناية ظاهرة في الكشف عن اصطلاح الإمام في أَجوبته، وطرق أَصحابه وأتباع مذهبه في التخريج على المذهب، والترجيح فيه، كما في كتاب: " العُدَّة " لتلميذ ابن حامد: القاضي أَبي يعلى، المتوفى سنة (458 هـ) - رحمه الله تعالى-: (4/1622- 1640) .
وفي كتاب: " المسودة: 524- 535 " لسلسلة الذهب من آل تيمية وهم: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، المتوفى سنة (728 هـ) ، ووالده عبد الحليم، المتوفى سنة (682 هـ) ، وجده المجد عبد السلام،
(1/229)

المتوفى سنة (652 هـ) .
وفي: " شرح مختصر الروضة " للطوفي، المتوفى سنة (716 هـ) - رحمه الله تعالى-: (3/638-645)
وفي غيرها من كتب الأصول كثير.
وقد حَلَّى شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في مواضع من فتاويه، جُمْلَةً منها، كما في فهارسها: " 37/26- 27 " وتلميذه ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) - رحمه الله تعالى- في مواضع من كتبه، كما بينته في: " التقريب لعلوم ابن القيم: ص/ 51- 52 "
وكان لعلماء المذهب في عدد من مقدمات كتبهم، ومثاني شروحهم لها بيان لِجُمَلِ مُهِمَّةِ في ذلك، كما عمل صاحب " الفروع " العلاَّمة ابن مفلح، المتوفى سنة (763 هـ) - رحمه الله تعالى- في مقدمته له: " 1/63- 71 ". والمرداوي في " تصحيحه " له، وفي مقدمة تصحيحه: " 1/ 22- 59 " وفي خطبة الِإنصاف " 1/ 4- 18 " ثم جاء العلاَّمة ابن بدران: عبد القادر بن أَحمد بن مصطفى ابن بدران الدمشقي الدومي الحنبلي، المتوفى سنة (1345 هـ) - رحمه الله تعالى- فألف كتابه: " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل " فكتب فيه: " العقد الرابع في مسالك كبار أصحابه في ترتيب مذهبه واستنباطه من فتياه والروايات عنه، وتصرفهم في ذلك الإرث المحمدي الأحمدي ": (ص/ 46- 56) وفي كتابه الآخر " العقود
(1/230)

الياقوتية ": (ص/ 115- 142) .
ثم طبع حال تدوين هذا الباب، كتابان:
أَحدهما: " التخريج عند الفقهاء، والأصوليين " للشيخ الأصولي يعقوب أَبا حسين. وكتابه هذا عمدة في مباحث: " الفصل الثاني من هذا المدخل ".
وثانيهما: " تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من الأقوال " للشيخ عياض السُّلَمي.
ورأيت بحثاً باسم: " أسباب تعدد الرواية في المذهب الحنبلي " أَعَدَّهُ: فايز بن أحمد حابس.
ورأيت في: " فهرس رسائل جامعة أم القرى ": ص/ 30 برقم/ 89 تسمية رسالة بعنوان: " تعدد الأقوال للمجتهد " لحسين ابن صالح بن عبد الله القرني.
هذه جملة مصادر هذا الباب لدى الأصحاب، ويضاف إليها مصادر لدى علماء المذاهب الثلاثة الأخرى، ففيها إِفادات حِسان تَعُمُّ كُلَّ مذهب، وقد مضت تسمية عدد منها في آخر " المدخل الثاني ".
(1/231)

التمهيد الثالث: مراتب الناس فيها
يُلاحظ في هذا المدخل أَنَّ معرفة ما يُعد طريقاً لمعرفة مذهب المجتهد، وما لايُعد، تطرق إليها بعض التغالي والِإفراط، من جهة مَنْحِ بعض الأتباع للأئمة المتبوعين ما بلغ حد التجاوز، بإعطاء غير المعصوم، خصائص النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم حتى جعلوا قول الإمام، وفعله، وتقريره، وإقراره، وسكوته، كتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أَفضى هذا الِإفراط: إلى الدعوة إلى سَدِّ باب الاجتهاد.
ومن هنا دخل الداخل في تحميل مذاهب الأَئمة ما لا تحتمله، وتطرق إليها من جهة التفريط: دعوة بعضهم نبذ فقههم بالكلية، و" الأخذ ابتداء من حيث أَخذ القوم " و " هم رجال ونحن رجال " وهي عبارات حق، وكلمات صدق؛ إذا صدرت من عالم فقيه متأهل، توفرت فيه شرائط الاجتهاد، وتحلى بالورع، والزهادة، والبعد عن مخاتلة الدنيا بالدين، والتعلق بأذيال المفسدين. لكن تسمع لها في عصرنا ضجيجا من المتعالمين، وصغار الطلبة الناشئين، ومَنْ شَابَ في الطلب، لكنه ما زال حلس الجهل المطبق، فَنَقَلتْهُم هذه الدعوى- وليسوا من أهلها- إلى ضمور واضمحلال في الفقه، ودعتهم " طفرة الأخذ بالدليل " وهم غير متأهلين، إلى أن شاطوا
(1/232)

وبعدوا عن الدليل، وحرموا فقه السلف الصالحين.
لذا بانت منهم بوائن، وظهرت منهم بوادر، يأباها الله ورسوله، والمؤمنون، فتولَّدت عنهم الدعوة المنكودة: إلى هجر الكتب الصفراء - كتب الفقه!! - وَزَجْر الطلاَب عن حفظ المتون، بَلْ فَاهَ بعض المخذولين بحرق كتب الفقه عَلَناً في مَحضر مِنَ العلماء، في بيت من بيوت الله، فخذل الله مقالته وأَطفأ الله ناره، وتسلل من بينهم مستخفياً مخذولاً.
إن الوقيعة الظالمة في أَئمة العلم والدين، هي- لعمر الله- نَفْثَة رافضية، وَدَخِيْلَة سَلُوْلية، تدعو إلى القدح في المحمول بالقدح في الحامل، وغايتها: " زندقة مكشوفة ".
وخلاصة القول: أَن الحق الصواب، والعدل الوسط: الأَخذ بالدليل، وعدم التقديم عليه لِأَيِّ كَائِنٍ مَنْ كَان، مع احترام أَئمة العلم والدِّين في القديم والحديث، والاستفادة من فقههم، ودقيق فهمهم، ومن حرِمَ النظر فيها فقد حُرِمَ خيراً كثيراً.
وما زال- ولله الحمد- في كل مذهب أَئمة هداة، وعلماء دعاة، إلى ما كان عليه إِمام المذهب من الأَخذ بالدليل، والتنائي عن التعصب الذميم للرأي المضاد للدليل.
وفي كتاب: " التعالم " أثارة من علم في: " المبحث الخامس " منه، ومضى ما فيه الكفاية- إن شاء الله تعالى- في: " المبحث الثالث " من المدخل الأول " والله أعلم.
(1/233)

الفصل الأول: في طرق معرفة المذهب " حقيقة " مما صدرَمِن الِإمام من قوله، وبخطه، وفعله، وسُكُوته، وتوقفه وَمِن كُتُب الرواية عنه
(1/235)

الفصل الأول: في طرق معرفة المذهب " حقيقة " من خط الإمام وأقواله ونحوها ومن كتب الرواية عنه
من النظر في المصادر العامة في: " التمهيد الثاني " يقف الناظر على نحو خمسة عشر طريقا لمعرفة المذهب، من تصرفات إمام المذهب، وكتب الرواية عنه، لكن بسبرها وتقسيمها على الأوعية، والظروف التي تحويها، يتحصل أنها أنواع منحصرة في أربعة طرق:
1- لفظ الإمام.
2- وفعله.
3- إقراره وسكلوته.
4- وتوقفه.
وأنه يدخل في تضاعيفها تقسيمات للترابط، والتناسب بينها.
وهذا أَدعى لجمع شملها، وحصر الذهن في أوعيتها الشاملة، مع ملاحظة شرطها العام وهو أن يثبت نقلها إلينا جزما أو ظنا غالباً. وأن المجتهد مات على القول به، فإلى بيان هذه الطرق الأربعة:
الطريق الأول: القول:
معرفة مذهب المجتهد من " قوله " الذي كتبه بخطه، أو أملاه، أو تلفظ به، فَنُقِلَ عنه وهذا فِقْهُهُ بِلاَ خِلاف، أو شُبهة خلاف.
(1/237)

وإِن زاد على قوله: بأَن أَقسمَ عليه (1) ، أَؤ فَعَلَة، أو فُعِلَ بحضرته، فَأَقره، أو سَكَتَ، فكل هذه زيادة في الِإثبات، والتأكيد على جوابه.
وبتتبع كلام الأصحاب على معرفة المذهب من هذا الطريق:
" القول " الذي هو الطريق الأمُّ فيِ معرفة المذهب، تجد كلامهم على أقواله، بتقسيمها بعدة اعتبارات أربعة هي:
1- تقسيمها باعتبار القبول والرد أَي: إِفادة جنس الحكم
2- تقسيمها باعتبار إِفادة منطوقها: المرتبة الحكمية من أحكام التكليف
3- تقسيمها باعتبار إفادة مفهومها.
4- تقسيمها باعتبار التخريج عليها ولازمها
وفي هذا الطريق يجري بحث تقسيمها بالاعتبارين الأولين وهما: " المذهب حقيقة ".
أمَّا في الاعتبارين الثالث والرابع " المذهب اصطلاحًا "، فمحلهما في: " الفصل الثانب " من هذا المدخل
أَولاَ: أقسام أقواله من جهة القبول أو الرد:
ويندرج تحت هذا الطريق، والأَصل الأصيل في معرفة مذهب
__________
(1) الإمام الأحمد- رحمه الله تعالى- قليل الأَلِيَّة- اليمين-. وهذا من ورعه وتحفظه وتدينه، ولورعه أيضا يحلف على بعض أجوبته، وقد عقد لذلك ابن حامد بابا في تهذيب الأجوبة: ص/667-674 وأفردها ابن أبي بعلى برسالة مطبوعة، وساق جملتها ابن القيم في: إعلام الموقعين، وذكر فيها أيضا مشروعية حلف المفتي عند الاقتضاء.
(1/238)

المجتهد: خمسة أقسام قبولاً أو ردَّا، هي:
- القسم الأول: قَوْلُهُ الذي كتبه الإمام نفسه، فمذهبه مأخوذ منه بالإجماع؛ إذا صح سنده إليه.
والإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- لم يؤلِّف كتاباً مستقلاً في الفقه عَلَى نَسَقٍ واحد، لكن له كُتب مفردة في بعض أَبواب الفقه، وفي بعض مسائله، كما في تسمية مؤلَّفاته من: " المدخل السادس ". ومنها كتبه في: المناسك، والفرائض، ورسالته في الصلاة، وفي بعض تآليفه في غير الفقه: مسائل في الفقه.
وهذا بخلاف غيره من الأَئمة كمالك، والشافعي، وغيرهما.
- القسم الثاني (1) : قول الإمام بنصه الذي كتبه عنه تلامذته في أجوبته، وفتاويه، فمذهبه مأخوذ منه بالإجماع؛ إذا صح سنده إِليه
وَجُلُّ مذهب الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- مأخوذ من أَجوبته، وفتاويه، التي كتبها تلامذته عنه في كتبهم المشهورة باسم: " كتب مسائل الرواية عن الإمام أحمد "؛ ولذا صار لتلاميذه من كتب المسائل عنه ما لا نعلمه لغيره من الأئمة.
ثم من كتب المسائل هذه ما عرض عليه فَأَقرَّه.
ومنها ما هو مُرتب على أبواب الفقه
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 278- 284 صفة الفتوى: 96. الإنصاف: 12/254 - 255
(1/239)

ومنها ما في روايتها أو بعضها إغراب على بعض أصحابه.
إلى آخر البيانات المبينة في: " المدخل الثامن ".
- القسم الثالث: حكاية تلاميذ الإمام لرأي الإمام وإخبارهم
عنه لا بنصه، ولكن بمعناه، فللأصحاب في هذا قولان، حكاهما ابن حامد (1) :
ـ أحدهما: أنه بمثابة نص قول الإمام، وانتصر له ابن حامد في: " تهذيب الأجوبة ".
لأَنه مع ثقة الناقل، وعدالته، هو من أَعرف الناس بمذهب شيخه، ومرمى كلامه.
ثانيهما: عدم قبول ذلك إلا ممن روى قول الإمام بنصه، وإليه ذهب طائفة من الأصحاب منهم الخلال، وعللوا ذلك بجواز الغلط فيه.
- القسم الرابع: تفسير مصطلحات الإمام في أجوبته من تلامذته فمن بعدهم هل يكون ذلك التفسير هو مذهب الإمام، أم لا؟ وهذا على قسمين: قسم لا يقبل الجدل، مثل أن ينص الإمام في جوابه بلفظ لا ينصرف إلا لنوع واحد من أحكام التكليف الخمسة، ولا يحتمل غيره.
وقسم من ألفاظه ومصطلحاته في أجوبته، قابل للتردد بين
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 278- 284
(1/240)

حكمين فأكثر كالسنية والوجوب، أو الكراهة والتحريم، فهذا مجال نظر الفقيه في التحقيق لمدلول هذا الاصطلاح. وبيانها مفصلة في: أقسام أقوال الإمام من جهة إِفادتها الحكم في منطوقها كما سيأتي.
- القسم الخامس: منزلة تقاييد الطلاَّب عند الشيخ حال الدرس لتقريره: هل تُعتمد، أَم تَهدي ولا تُعتمد؟
جرت عادة المُجِدين من الطُّلاب: التقييد عند الشيخ زمن الإقراء إلَّا أَنه قد يحصل اختلاف بينهم في التقييد؛ لهذا فإن أحكام التقييد على التفصيل الآتي:
1- تقييد الطالب عن شيخه زمن الإقراء، ثم عرضه عليه، ومراجعته له. فهذا يُعتمد.
2- مثل الحالة قبلها، لكن لا يعرضها بَعْدُ على الشيخ، ولا يراجعها، فالتقييد هنا غير معتمد، فهو يهدي ولا يعتمد.
وعلى هذا التفصيل كلمة الفقهاء:
فهذا أَبو الحسن علي بن عبد الحق الزرويلي المالكي ت سنة (719 هـ) له شرح على التهذيب للبراذعي.
قال عنه ابن مرزوق (1) :
" ونُسخه مختلفة جدًّا، ويُقال: إن الطلبة الذين كانوا يحضرون مجلسه، هم الذين كانوا يقيدون عنه ما يقوله في كل مجلس، فكل له تقييد، وهذا سبب الاختلاف الموجود في نسخ التقييد، والشيخ لم
__________
(1) الفكر السامي: 2/ 237
(1/241)

يكتب شيئاً بيده، وأَكثر اعتماد أهل المغرب على تقييد الفقيه الصالح أَبي محمد عبد العزيز القروي، فإِنه من خيار طلبته علماً وديناً " انتهى.
وهذا أَبو زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي المالكي ت سنة (741 هـ) في ترجمته ما نصه (1) :
" قيد الطلاَّب عنه ثلاثة تقاييد على الرسالة: أَحدها المشهور بالمسبع في سبعة أسفار والمثلث في ثلاثة وصغير في سفرين وكلها مفيدة انتفع الناس بها، إلا أَن أهل المذهب حذَّروا من النقل عنها؛ لعدم تحريره لها بيده، وقَالوا: إِنها تهدي ولا تُعتمد " انتهى.
وهذا أَبو الحجاج يوسف بن عمر الأَنفاسي المالكي. ت سنة (761 هـ) جاء في ترجمته (2) :
" له تقييد على الرسالة، قيَّده عنه الطلبة، من أَحسن التقاييد، وأَنفعها.
قال زَرُّوْق: لايعتمد ما كتبه على الرسالة؛ لأَنه إِنِّما هو تقييد قيده الطلبة زمن الِإقراء، وفي معناه ما فيه عن شيخه: عبد الرحمن ابن عفان الجزولي، فذلك يهدي ولا يعتمد، وقد سمعت أَن بعض الشيوخ أَفتى بأَن من أَفتى من التقاييد يؤدب.
قال الحطاب: يُريد: إذا ذكروا نقلاً يخالف نص المذهب وقواعده " انتهى.
__________
(1) الفكر السامي: 2/240
(2) الفكر السامي: 2/ 243
(1/242)

فتبين من كلامهم أَن علة عدم الاعتماد على تقاييد الطلاَّب لتقارير الأَشياخ زمن الِإقراء، هي احتمال غلط الطالب على شيخه في التقييد عنه، فبتطرق الاحتمال بطل الاعتماد.
وبهذا تعلم ما في التقارير التي ينقلها المنقور الحنبلي، ت سنة (1125 هـ) عن شيخه ابن ذهلان.
وما في التقارير التي قيَّدها ابن قاسم الحنبلي: محمد بن عبد الرحمن، مدرجة في: " مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم " ت سنة (1389 هـ)
- ثانياً: أَقسام أقواله من جهة إِفادتها مرتبة الحكم التكليفي في منطوقها:
وإذا علمت أقواله من جهة القبول والرد بإفادة جنس الحكم التكليفي من عدمه، فهي في منطوقها من جهة إِفَادتها مرتبة الحكم التكليفي، تنقسم إلى أَربعة أَقسام:
- القسم الأول: " الروايات المطلقه " وهي: ما كان من قوله صريحاً في الحكم في أي من مراتب الحكم التكليفي الخمسة:
" الوجوب " و " السنية "، و " التحريم "، و " الكراهة " و " الِإباحة ".
وهذه نص في مذهبه بلا خلاف سوى لفظ: " الكراهة " ففيه خلاف.
ونص في مذهبه أيضا ما يلتحق بكل واحد من ألفاظ الإمام التي اصطلح على إطلاقها، مفيدة مرتبة من المراتب الخمس المذكورة.
(1/243)

فمن أَجوبته القولية المفيدة للتحريم (1) :
قوله: " هذا حرام ". " لا يجوز ". " لا يصلح ". " أستقبحه ". " هو قبيح ". " لا أَراه ". " ما أَراه ".
جميعها تفيد التحريم، وعليه عامة الأصحاب، منهم: الخلال، وابن حامد، وابن تيمية، وابن مفلح.
وفي قوله: " لا أَراه " و " ما أَراه " رأي لابن حمدان أن الجواب بواحد منها بحسب ما يحف به من القرائن.
ومن أَجوبته القولية المفيدة للِإباحة (2) :
قوله: " يجوز ". " لا بأس ". " أَرجو أن لا بأس ". " أَرجو أَن لا بأس به ". " أرجو ".
كُلّها للإباحة.
ومن أَلفاظه الحكمية المفيدة للكراهة تنزيها:
إذا أجاب بقوله: أكره، ولم ينقل عنه في المسألة صريح القول بالتحريم، فتحمل على التنزيه. مثل قوله: " أكره النفخ في اللحم " (3) .
مصطلح الأصحاب في التعبير عن هذا القسم:
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 555-563 العدة للقاضي أبي يعلى: 5/1625-1630. صفة الفتوى. المسودة: 530 الفروع: 1/66 الإنصاف:12/247
(2) المراجع السابقة
(3) انظر العدة لأبي يعلى: 5/1630-1633 الطبقات لابن أبي يعلى: 1/325 ترجمة رقم/358
(1/244)

وَيُعبر الأصحاب عن هذا القسم بقولهم: نصاً (1) ، نص عليه، في المنصوص عنه، وعنه، هذه المسألة رواية واحدة.
ويلتحق بهذا أجوبته، وأقواله التفسيرية، والبيانية، مثل: قوله عن " الصلاة الوسطى ": هي: " العصر " فهذا تفسير للآية عنه بلا خلاف عنه، ولا عن الأصحاب، مع كثرة أقوال أهل العلم في تفسيرها، وقد بلغ بهذا الحافظ ابن حجر عشرين قولاً، في تفسير سورة البقرة من شرحه: " فتح الباري " وساقها مختصرة المرداوي في: " الِإنصاف: 1/432 ".
- القسم الثاني: " التنبيهات " بلفظه، أو إِشارته، أو حركته، وهي: ما كان من ذلك في جوابه غير صريح في الحكم، متردداً بين حكمين من أحكام التكليف، فيحتمل جوابه في مسألة ما: الوجوب، أو السنية، أو يحتمل في أخرى: التحريم، أو الكراهة.
أَو يكون بحسب القرائن.
ثم هذا الاحتمال، والتردد، قد يكون ضعيفاً فَيُطرح، وقد يكون قويًّا، فهذا يَجُولُ فيه نظر الفقيه في إِنزاله مرتبته الحكمية.
* فمن أجوبته الحكمية المختلف فيها بين الوجوب والسنية (2) :
__________
(1) النص اصطلاحًا: هو كل لفظ دل على الحكم بصريحه، على وجه لا احتمال فيه. روضة الناظر 2/ 27-28 المسودة: 574
(2) تهذيب الأجوبة: 605 -627 العدة لأبي يعلى: 5/ 1634-1636 صفة الفتوى: 92 المسودة: 529- 530 الفروع: 1/ 67-68. الأنصاف: 12/ 248- 249 المدخل: 132 وانظر تحقيق: تهذيب الأجوبة: 608
(1/245)

قوله: " يفعل السائل كذا احتياطاً ". " يحتاط ".
ففيه وجهان: الوجوب، والسنية.
وقيل: حسب القرائن.
قوله: " أَحب كذا " " أَحب إِليّ كذا ". " يعجبني ". " هذا أَعجب إِليَ "
هذه للندب على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: للوجوب.
وقيل: للوجوب فيما وقع جواباً عن سؤالات في الواجب بالحدود والفرائض.
قوله: " يعجبني " " أَعجب إليَّ ".
فيه ثلاثة أقوال (1) :
1- يفيد الندب. وبه قال جماهير الأصحاب، وهو المقدم عندهم، مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية، ونص على اختياره القاضي أَبو يعلى.
2- يفيد: الوجوب. وهو اختيار الحسن بن حامد
3- حمله على ما تفيده القرائن. واختاره: ابن حمدان، وابن مفلح، والمرداوي.
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 605-627 العدة لأبي يعلى: 5/ 1634- 1636 صفة الفتوى: 92 المسودة: 529- 530 الفروع: 1/ 67-68 الإنصاف: 12/ 248- 249 المدخل: 132 وانظر تحقيق: تهذيب الأجوبة: 608
(1/246)

ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين الِإباحة والندب:
جوابه بالرد إلى مشيئة السائل: " إن شاء فعل ". " إِن شاءت فعلت ". " إِن شاؤوا فعلوا "
فحكمه الجواز والتوسعة، وقيل: الندب والاستحباب.
ومن أقواله الحكمية المترددة بين الإباحة، والندب، والوجوب:
جوابه بالاستحسان للفعل (1) ، مثل: حسن. هذا حسن. يحسن. هذا أَحسن
فيه أقوال ثلاثة:
1- الِإباحة. ذكره ابن حامد
2- الندب على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقدمه شيخ الإسلام في: " المسودة " وابن مفلح في: " الفروع " والمرداوي في: " الانصاف ".
3- الوجوب. نص على اختياره ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ".
أقول: لعله يتحصل قول رابع، وهو الحكم عليه بما يحف به من القرائن، وهذا ليس فيه إحداث قول جديد؛ لأَنه لا يخرج عن الأقوال المذكورة.
ومن أقواله الحكمية المترددة بين التحريم والكراهة (2) :
" لا ينبغي ". " لا ينبغي ذلك ". فهما للتحريم، وقد يأتيان للكراهة
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 598-604 صفة الفتوى: 92 المسودة 529 الفروع: 1/ 68 الإنصاف: 12/ 249 المدخل: 51
(2) تهذيب الاجوبة: 520- 564
(1/247)

وقوله. " هذا حرام " ثم قال: " أَكرهه " أَو " لايعجبني " فحرام، وقيل: يكره
وقوله: " ويُشَنَّع " " هذا أشنع عند الناس " وجهان: المنع، وقيل: لا (1) .
وقيل في الجميع وجه ثالث: أنه بحسب ما يحف به من القرائن.
* قوله: " لايعجبني ":
فيه مثل الخلاف في قوله: " يعجبني ":
1- يُفيد: الكراهة
2- يُفيد: التحريم. وهو اختيار ابن حامد
3- حَمْلُهُ على ما تفيده القرائن من: كراهة، أو تحريم، أو إِباحة
* قوله: " لايعجبني وقد قال بعض الناس " هو مثل: جوابه بحكاية الخلاف، دون ترجيح (2)
أَي: فَحُكمه: التوقف
وقد يكون مال في قوله: " وقد قال به بعض الناس ": إلى الرخصه، قرره ابن حامد.
* جوابه بالِإنكار والتعجب مثل: جعل يعجب ويضحك. سبحان الله، متعجباً (3)
عقد له ابن حامد فصلاً بعنوان. " فصل بيان الِإنكار بالتعجب " واختار ابن حامد: إِفادته التحريم، مثلها في قوله: لا يعجبني
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص 513.
(2) تهذيب الأجوبة: 619-621
(3) تهذيب الأجوبة:527
(1/248)

* جوابه بنفي استحسان الفعل (1) ، مثل: لا أَستحسنه. ليس حسناً. ليس هو حسناً.
وفيه أقوال ثلاثة:
1- حَملُهُ على النهي كراهة للتنزيه وقدم حكايته من ذكره.
2- حَملُهُ على النهي تحريماً.
3- حَمْلُهُ على كراهة التنزيه ما لم تأتِ قرينة تصرفه إلى التحريم.
الجواب بالكراهة: أَكره، أَكرهه، أَكره كذا، يُكره كذا.
فيه خلاف على ثلاثة أقوال:
القول الأول (2) : يفيد الِإيجاب: وجوب الفعل لما كَرِه تَرْكَه، ووجوب الترك لما حَرُم فعله.
وبه قال: الحسن بن حامد، وشيخه غلام الخلال، والخلال.
القول الثاني (3) : يفيد جوابه بالكراهية: الكراهة تنزيها وبه قال طائفة من الأصحاب.
اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والطوفي، وقدمه ابن حمدان في رعايتيه.
__________
(1) المسودة: 530. الفروع 1/67-68 الإنصاف: 12/ 248 المدخل: 51- 52 وعنه حاشية تحقيق: تهذيب الأجوبة 604
(2) تهذيب الأجوبة: 564-597 صفة الفتوى: 93، الانصاف: 12/248 تصحيح الفروع: 1/ 67.
(3) تهذيب الأجوبهّ: 582 المسودهّ: 530 صفة الفتوى: 93 تصحيح الفروع: 1/67 مختصر الطوفي: 29. شرح الكوكب المنير 1/ 491-492
(1/249)

القول الثالث (1) : النظر إلى القرائن في كل مسألة أجاب فيها بالكراهة، فتحمل الكراهة على ما تدل عليه من أَحكام التكليف، ومن القرائن: أَن يكون سُئِلَ عن مسألة فأَجاب عنها بالتحريم ثم سئل عنها فأَجاب بالكراهية، فيحمل جوابه بالكراهة على التحريم لا على الخلاف بأَن له في المسألة قولين.
واِن لم يكن له فيها صريح حكم قَبْلُ؛ حُمل الجواب بالكراهية على التنزيه
وهو اختيار أَبي يعلى، وابن حمدان.
* ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين الجواز والكراهة:
قوله: أَجبن عنه، قال ابن حامد: " جملة المذهب أَنه إِذا قال: " أَجبن عنه؛ فإِنه أذن بأَنه مذهبه، وأَنه ضعيف لا يقوى القوة التي يقطع بها، ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد، ثم اختلف فقيل: للجواز وقيل: يكره. وقيل: يفيد التوقف ".
* ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين التحريم والتوقف:
قوله: أَخشى. أَخشى أَن يكون، أَو: أَخشى أن لا يكون. أَخاف أَن يكون. أَو: لا يكون.
فهذه أَلفاظ ظاهرة في المنع. فهي مثل: يجوز أو لا يجوز كما قاله ابن مفلح
وقيل: بالتوقف، وضعفه ابن حامد، ولم يعول الأصحاب على القول بأنه للتوقف.
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص/ 582 العدة لأبي يعلى: 5/ 1633 صفة الفتوى: 93 الإنصاف: 12/248.
(1/250)

* ومن أقواله الحُكمية المفيدة بأَن حكم المسألة المسئول عنها ثانياً من جنس حكم المسألة التي أَجاب عنها قَبْلُ، لكن الأَخيرة أَجاب بقوله: أَشَدُّ، أَهْوَن، أَدْوَن، أَيْسَر فيكون حكمها حكم الأولى: وجوباً، أو أستحباباً، أو تحريماً، أو كراهة، لكن الحكم في المسئول عنها أَخيراً أَشد في الوجوب مثلاً، وقيل: الأولى النظر إلى القرائن (1) .
مصطلح الأصحاب في التعبير عن هذا القِسم:
ويُعَبر الأصحاب عن هذا القسم بأَلفاظ منها:
" أَوما إِليه أَحمد " " أَشار إِليه أَحمد ". " دَلَّ كلامه عليه ".
و" ظاهر كلام الإمام كذا " (2) ، فإِنه إذا لم يعين القائل لفظ كلام الإمام؛ صارت عهدة فهمه عليه.
قال ابن مفلح- رحمه الله تعالى-:
" وقول أَحد صحبه - في تفسير مذهبه، وإخباره عن رأيه، ومفهوم كلامه، وفعله: مذهبُه في الأَصح - كإِجابته في شيء بدليل، والأَشهر، وقول صحابي " انتهى.
- القسم الثالث: معرفة مذهب المجتهد من نص آية، أَو حديث، أو أَثر (3) :
ولهذا القسم عِدَّة صُور، تندرج كل مجموعة منها تحت نوع من
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص/ 497- 501 صفة الفتوى: ص/ 93- 94 المسودة: ص/530 الفروع: 1/ 68 الإنصات: 12/ 249 المدخل لابن بدران: ص/ 54- 55
(2) خاتمة الإنصات: 12/ 275
(3) تهذيب الأجوبة: 212- 261 المسودة: 530 صفة الفتوى: 97 الفروع: 1/ 69-70 تصحيحه: 1/69-70 الإنصاف: 12/250- 251 وانظر المجموع للنووي: 1/ 44، 64.
(1/251)

أَنواعه الثلاثة، وهي:
* النوع الأول: معرفة مذهب المجتهد من جوابه للمستفتي
بنص آية، أو حديث، أو أَثر عن الصحابة- رضي الله عنهم- فهذا النوع يُستفاد منه ثلاثة أمور:
1- أَن جوابه بآية، أو حديث، أو أَثر، هو بمثابة نص قوله المبين في أَول هذا الطريق، على أَن يراعى فيه ظاهر النص الذي احتج به، فظاهره هو مذهبه، ما لم يلحق النص بتفسير له.
2- أَن جوابه به يكون إِثباتاً لحجية المروي من السنة والأَثر، وصحته.
3- وهو إِيذان بأَن ذلك هو معنى النص المذكور في جوابه، وتفسير له.
* النوع الثاني: معرفة مذهب المجتهد من روايته.
ولهذا صُور:
الصورة الأولى: أَخذ مذهب المجتهد من روايته ورأيه من مرويه إذا كان له قول يوافقه، فهو زيادة في تثبيت رأيه
الصورة الثانية: مثلها، إلا أنه ليس له قول في المسألة مطلقاً يضاده، ولا رد للمروي بقادح، أو صارف.
فمرويه هُنا بمثابة قوله، ورأيه.
وذلك لعموم وجوب الأخذ بالدليل.
قال أحمد- رحمه الله تعالى-: " اذا كان الكتاب والسنة فهو الأمر "
(1/252)

وعلى هذا أَلَّف المروزي كتابه: " السنن بشواهد الحديث " فَسَاقَ مروياته من طريق الإمام أَحمد، معتبراً روايته رَأياً له.
وهذه الصورة انتصر لها ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ". وَرَد عَلَى من خالف من بعض الأصحاب، ومن تابعهم من الشافعية، لكن قوَّى خلافهم المرداوي، وقدمه ابن حمدان، وذكر الخلاف، وأَطلقه ابن مفلح، وابن بدران.
الصورة الثالثة والرابعة: مروية إذا حكم بصحته، أو حكم بصحته ورد ما يخالفه.
عقد لهما ابن حامد باباَ في: تهذيبه " وانتصر للقول بهما مذهباً للإمام أحمد.
والخلاف فيهما نحو ما في الصورة الثانية.
الصورة الخامسة: تنقيح المجتهد عدم صحة الحديث أو ما
يُروى في الباب مطلقا وهذه لها حالتان:
1- نفي صحة المروي ومَا دَلَّ عليه
2- نفي صحة المروي مع القول بموجبه لأدلة أخرى في المسألة.
النوع الثالث: أَخذ مذهب المجتهد من المروي من غير روايته.
لهذا صورتان:
الصورة الأولى: أن لايكون للمجتهد في المسألة قول، فإذا صَحَّ الحديث فهو مذهبه، ويؤخذ مذهبه منه.
الصورة الثانية: أن يكون للمجتهد في المسألة قول يخالف ذلك
(1/253)

المروي، فهل مذهبه ما قاله ورآه، أَم الذي يوافق ذلك المروي؟ فيه قولان:
الأول: نعم، يكون مذهبه ما دل عليه الدليل وينسب إليه؟ إذا قرر ذلك من له رتبة الاجتهاد.
الثاني: عدم جواز نسبة ذلك إلى مذهب الإمام، والواجب الأَخذ بالدليل، وترك ما خالفه، وهذا هو الحق. والله أعلم.
- القسم الرابع: معرفة مذهب الإمام أَحمد من جوابه بالاختلاف:
لا يختلف الأصحاب أَن جوابه بالاختلاف غير مؤذن للسائل بجواز أَخذه بأَي القولين شاء، وإنما هو إِعلام للسائل بحكاية ما في المسألة من خلاف، وإشعار بتوقفه عن البت والقطع بقول فيها.
وهذا من الإمام في ندرة من أَجوبته، إِذ عَلِم الأصحاب من تتبعها، وجود جواب له على البت، أو قرائن تدل عليه، وأَن هذه الندرة إِنَّما تحصل في حين حتى تستبين له النازلة، ويتضح أَمرها، وربما بقي على توقفه طلباً للسلامة، ولقوة الخلاف فيها، فهو في نظر إلى الدليل، ومقاصد التشريع، كما وَضحه ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ": (368- 369، 5 39- 395) ، وقد رد ابن حامد- أيضا- في: " تهذيب الأَجوبة ": على من انتقد على الإمام أَحمد من الشافعية، جوابه بالاختلاف، وقابلهم الحنابلة بأن هذا أولى من مسلك الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- من قوله: في المسألة قولان متباعدان. وهي في نظر الإنصاف نقائض مذهبية؟ إذ لكُلّ وجهة فيما
(1/254)

ذهب إِليه لا تخرج عن دائرة الخلاف المحمود، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلَّا صاحب الحوض المورود، وَكُلّ يَلْتَمِسُ سُنَتهُ، ويتهدى طريقته صلى الله عليه وسلم، فرحمة الله عليهم أَجمعين،
وقد تتبع الأصحاب أَجوبة الإمام أَحمد بالاختلاف فتحصل من تتبعهم عدة أَنواع هي:
1- جوابه باختلاف الصحابة على الإجمال أو التفصيل، ثم ينص على اختياره لأَحد القولين أو الأقوال، أو يقويه، ويثبته؛ فيكون هذا مذهبه، لايختلف الأصحاب في ذلك (1) .
2- جوابه باختلاف الصحابة دون قطع منه باختيار، ثم يسأل ثانية فيجيب على القطع والبت؛ فمذهبه ما قطع به (2) .
3- جوابه باختلاف الصحابة، وأَن السنة كذا (3) ؛ فمذهبه ما دلَّت عليه السنة لا غير، وانتصر له ابن حامد، وابن حمدان، وقال المرداوي: وهو الصواب.
وقيل: مذهبه قول الصحابي
وقيل: مذهبه الأَحوط منها.
وقيل: ينظر في قول الصحابي إِن كان تفسيرا للسنة أو تقييداً لمطلقها، أو بياناً لمجملها، فهو قوله وإلا فلا.
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 0310 الإنصاف: 12/ 251-252
(2) تهذيب الأجوبة: 310- 314
(3) تهذيب الأجوبة: 326- 339 صفة الفتوى: 99 الإنصاف: 12/ 252- 253
(1/255)

4- جوابه باختلاف الصحابة بحكايته على سبيل الإجمال، أَو التفصيل (1) .
فيه قولان: أحدهما: مذهبه ما كان أقرب إلى الدليل.
الثاني: التوقف
5- جوابه باختلاف الصحابة والتابعين (2)
فمذهبه مذهب من كان أَقوى دليلاً، فإِن تكافآ في الدليل، فمذهبه ما قاله الصحابي.
6- جوابه باختلاف العلماء (3) .
مثل قوله. فيه خلاف. وقوله: لا أقول فيها شيئا قد اختلفوا، أو ذَكَر القولين- مثلاً- ومن قال بكل منهما
فكل هذا محمول على التوقف، ثم هو على نُدرة وقِلة، كما تقدَّم.
7- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتوقف (4) .
فلا ينسب له قول، بل هو متوقف في المسألة.
8- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتبعه بالبت والقطع (5) .
فالمذهب ما كان منه على البت والقطع بلا خلاف، ولا يؤثر عليه ذكره الخِلافَ.
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 310- 315 الإنصاف: 12/ 251
(2) تهذبب الأجوبة: 340- 360
(3) تهذيب الأجوبة: 390- 395.
(4) تهذيب الأجوبة: 395.
(5) تهذيب الأجوبة: 361- 364. صفة الفتوى: 100 المسودة: 0531 الإنصاف: 12/ 253
(1/256)

9- جوابه باختلاف العلماء ثم أَبدى التوقف، ثم سئِلَ ثانية فأجاب على القطع والبت، فمذهبه هو ما أفتى به مُبيَّناً مُفسَّرا على القطع، ولا يلتفت إلى ما كان قبل من الاختلاف والتوقف (1) .
10- جوابه على البَتِّ بدليله، ثم أتبعه بذكر وحكاية مذهب المخالف، فمذهبه هو ما أثبته وقطع به، وذكره للخلاف بعد لا يؤثر على ما ذهب إِليه، وإنما هو من باب البيان، وحكاية الواقع، أو له دخل بما رآه، وقطع به، فهو لا يباين جوابه (2) .
11- جوابه بأحد القولين، أو الأقوال في المسألة، ناسباً له إلى من قال به، أو مشيراً إليه، كقوله: هذا رخص فيه بعض الناس (3) . وقوله: قال بجوازه بعضهم. وقوله: قال فلان كذا، وقوله: قد كرهه قوم. فيكون ما حكاه هو مذهبه، وهذا في اختيار جماعة من الأصحاب منهم: ابن حامد، وابن حمدان، وقيل: لا.
والصحيح: أنه مذهبه ما لم يصرف عن ذلك قرينة.
12- جوابه باختلاف العلماء، ثم تصريحه بعده بالتخيير وأنه من الاختلاف المباح، فيكون مذهبه على التخيير للسائل (4) .
13- نَصّه على الحكم في الجواب، ثم اتباعه بقوله: " ولو
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 365-0369 المسودة: 531 صفة الفتوى: 101 الإنصاف: 2 1/ 253
(2) تهذيب الأجوبة: 370-379 المسودة:524 - 525 الفروع: 1/70
(3) تهذيب الأجوبة: 380-389 تصحيح الفروع: 1/ 69. صفة الفتوى: 101 المسودة:531 الإنصاف:12/253 اقتضاء الصراط المستقيم: 1/360-361 مهم
(4) تهذيب الأجوبة: 396- 401
(1/257)

قال قائل، أو ذهب ذاهب إلى كذا " مخالفا لِمَا نَصَّ عليه.
اختلف: هل يكون ما ذكره بعد نص جوابه: مذْهَبًا له أم لا؟
على قولين:
ذهب الأَكثر إلى إنه ليس مذهباً له. وذكر ابن حمدان في الرعاية احتماله مذهباً له، قال المرداوي:
" وهو متوجه " (1)
14- جوابه بقوله: " يَحْتَمِلُ قَوْلَين " (2)
قال القاضي وغيره: هو كروايتين.
- الطريق الثانى (3) : الفعل:
طرق معرفة مذهب المجتهد من " فعله " الذي فعله تعبداً على سبيل التأسي والاقتداء بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أو لتعليم السنن؛ لأَن من شرط المجتهدِ: الوَرَعَ، والعالم الفقيه المتأهل الوَرع يَبْعُدُ أَن يفعل ذلك إلا على سبيل المتابعة للهدي النبوي أو تعليمه والِإرشاد إِليه، لاسيما من كان على درجة من الورع والزهد والتوقي، مثل الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- وهذا يخرج أفعال الجبلة وما يصدر من فعل في حال غياب النص عن المجتهد؛ لنسيان أو عدم ثبوت، أو نحو ذلك من العوارض الصارفة عن اعتماد مطلق الفعل مذْهَبًا
__________
(1) الإنصاف: 12/ 253
(2) الإنصاف: 12/ 254
(3) انظر الفتاوى: 19/ 152
(1/258)

للمجتهد وحتى لا ينزل غير المعصوم منزلة المعصوم.
والتأسي في هذا على طرفين: الاعتبار وعليه أَكثر الأصحاب، وعدم الاعتبار وبه قال بعضهم كما بينه ابن حامد في " تهذيب الأَجوبة " 285- 289. والحق ما قدمته. والله أَعلم.
- الطريق الثالث: السكوت:
معرفة مذهب المجتهد من جهة السكوت على نوعين:
- النوع الأَول (1) : " الإقرار " عما يقع أَمامه بمرأى ومسمع منه.
وهذا عكس الطريق قبله فالأَكثر على عدم اعتباره طريقاً لنسبة الفقه في الواقعة للمجتهد، وذهب بعضهم إلى اعتباره.
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إِليه الأكثر من عدم اعتباره مطلقاً، لكن ينظر فيما يحف بإِقراره وسكوته من قول أو فعل سابق، أو لاحق، أو أَنه يرى السكوت وعدم إِبداء الرأي في هذه المسألة؛ لعارض اقتضى السكوت، أو لأَنه في مهلة النظر أو لأَن غيره كفاه، أو أَنه لم يتبين له رأي فيها، أو لسبب خفي لم نطلع عليه، أو ما جرى مجرى ذلك، فيكون مذهبه بعاضد، وإلاَّ فلا ينسب إلى ساكت قول.
- النوع الثاني (1) : معرفة مذهب المجتهد، إذا أَفتى بحكم فاعترض عليه، فسكت، فهل مذهبه سكوته أم ما أفتى به؟
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 296- 309 الفروع وتصحيحه: 1/ 70- 71 صفة الفتوى: 95 المسودة: 530
(1/259)

وهنا الأَصل أَن مذهبه ما أَفتى به، وهذا هو الطريق الأول في معرفة المجتهد وهو معرفة فقهه من قوله.
وهذا السكوت الذي اعترضه عند المباحثة ينزل منزلته حسبما يحف به، فقد يكون سكت خوفاً من فتنة، أوإفضاء إلى جدل، أو أَن المُبَاحِثَ له غير أَهل، أو دلالة على وهاء معارضته، فيكون مذهبه ما أَفتى به لا سكوته العارض، أو أَن سكوته كان بعد مناقشة قطعت منه الحجة على ما أَفتى به، فيكون مذهبه ما سكت عنه. والله أعلم. وقد يجيب الإمام أَحمد على سؤال، ثم يعارضه بعض أصحابه.
على الجواب بإيراد، ونحوه، فيجيبه الإمام بقوله:
" لا أقنع بهذا " أي لا أَرضى بهذا الإيراد، فمعنى هذا ثبوته عند جوابه، وأَن ما ذكره المعارض لا يؤثر عنده على صحة الجواب وسلامته (1)
- الطريق الرابع: التوقف (2) :
التوقف: هو السكوت عن حكم في المسألة؟ لتعارض الأدلة أَو لغير ذلك من الأَسباب، سواء كان من الإمام أو الأصحاب.
فحقيقة التوقف في المسألة: هو عدم إِفصاح المجتهد عن رأي له في المسألة؛ لتعارض الأَدلة، وتعادلها عنده في الظاهر لا في نفس
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص/ 510- 512
(2) تهذيب الأجوبة: ص/ 365، 423، 502، 505، 508، 521، 563 المسودة: 526، 533 خاتمة الإنصاف: 12/ 242، 243، 249، 250، 251، 253، 276 المدخل: ص/ 51، 52، 56
(1/260)

الأَمر والتوقف دليل سعة العلم بالأدلة، ومدارك الأَحكام، والخلاف، ومآخذه.
والمتوقف وإن كان لا رأي له، لكن إذا سئلنا عن مسألة توقف فيها الإمام، قلنا: مذهبه فيها الوقف.
والمجتهد قد يتوقف ابتداء عندما تعرض له النازلة، ثم لا يبت فيها، أو يبت فيها ويقطع بحكم لها بعد استكمال تصورها عنده في واقعها وفقهها، وقد يبت ثم يُبدي التوقف وهكذا.
ومذهبه: آخر الأمرين، من توقف أو بتّ بالحكم.
وقد سلك هذا الطريق الأَئمة الكبار، في عدد مما يعرض لهم من النوازل، والواقعات، والمسائل، والأقضيات؛ حتى صار من المقرر في " أَحكام القضاء " أَن القاضي إذا توقف ولم يتضح له وجه الحكم، دفعها إلى غيره لنظرها والبت فيها.
وقد ذكرت في كتاب: " التعالم " أَمثلة كثيرة استقرائية لدى بعضهم، ولضرب المثال لدى آخرين، منهم: الحافظ ابن أَبي حاتم، والحافظ ابن حجر الشافعي، وغيرهما. كل هذا للتدليل على بالغ الورع مع ما بلغوه من سامي المكانة في العلم.
وفي المذهب هنا حصل بالتتبع أن التوقف فيه على قسمين:
قسم في توقف الإمام، وقسم في توقف الأصحاب، وهذا بيانها:
- القسم الاول: توقف الإمام أحمد في الجواب؛ لتعارض
(1/261)

الأَدلة وتعادلها عنده، وهذا هو المراد عند الِإطلاق، وهو على أَنواع:
- النوع الأول (1) : جوابه باختلاف الأَدلة، أو الصحابة، أو التابعين، أو الناس، مع عدم القطع والبت، فهذا توقف منه في المسألة، ما لم توجد قرينة تدل على البت فهو مذهبه، أو سُئِلَ ثانية فأَفتى، فالذي أَفتى به هو مذهبه.
ولهذا النوع زيادة بيان مضى في أخريات " الطريق الأول ".
- النوع الثاني (1) : جوابه بقوله: دعه، دعها الساعة، لا أَعرف، لا أَدري، ما أَدري، ما سمعت. فجوابه بواحد من هذه الأَلفاظ إيذان بتوقفه في الحال، ما لم توجد قرينة تدل على حكم له بين في المسألة. وقال عبد العزيز غلام الخلال: إن هذا مؤذن بالحكم، وقوله: لا أَدري- مثلاً- إنكار على السائل: كيف يسأل وحكمه بيِّن؟ وقد يحكي الإمام أقوال الصحابة، ثم يقول: لا أَدري. أي يتوقف عن اختيار واحد منها.
- النوع الثالث (2) : جوابه بلفظ يشعر بالتوقف، ما لم يحف به قرينة تفيد صرفه إلى البت والقطع. ومن أَلفاظ هذا النوع: أَجبن عنه. أَتَفَزَّعُه، أَتَفَزَّع عنه. أَتهيبه. لا أَجترئ عليه. أَتَوقى. أَتوَقاه. أَستوحش منه.
- النوع الرابع: جوابه بلفظ اختلف الأصحاب فيه: هل يفيد
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص/ 502-504، 521- 555
(2) المرجع السابق
(1/262)

البت أو التوقف وهو: أَخشى. أَخاف أَن يكون. أَخاف أن لا يكون.
- النوع الخامس: حكاية الأصحاب عن مذهب الإمام، أَنه توقف فيه، ولم يذكر الصاحب لفظه فيه.
فالنظر في هذين النوعين موكول لنظر المجتهد في المذهب، وما يتوفر له من الدلائل على قطع الإمام بالحكم في المسألة، والله أعلم.
- القسم الثاني: توقفات الأصحاب في المذهب:
وهي على أَنواع:
- النوع الأول: التوقف عند اختلاف الرواية عن الإمام أَحمد، وتعذر الجمع، إذا جُهل تاريخهما، أو تاريخ أَحدهما، فهنا يتوقف الأصحاب عن البت برواية له على أَنها هي المذهب.
- النوع الثاني: توقف الأصحاب عند اختلاف القولين له في موضع واحد، وليس هناك ما يدل على اختياره لأَحدهما، وله مثل ذلك في ستة عشر موضعا قالوا: يحتمل أَن يكون قد تعين له الحق منهما، ومات قبل بيانه، ويحتمل أَنه لم يتبين له وكان متوقفاً؛ وإنما ذكرها لتعليم الأصحاب طريق الاجتهاد، واستخراج العلل، وبيان فروق الأَحكام كما تبين الأَحكام.
- النوع الثالث: إذا توقف الإمام أَحمد في مسألة تشبه مسألتين، فأكثر، أحكامهما مختلفة، فهل تُلحق مسألة التوقف بالأخف، أو بالأثقل، أو على التخيير؟ ثلاثة أوجه.
(1/263)

- النوع الرابع: توقف الأصحاب في الترجيح والاختيار في المذهب، وهذا معلوم.
(1/264)

الفصل الثاني: في طرق معرفة المذهب " اصطلاحاَ " من تصرفات الأصحاب في التخريج على المذهب ولازمه
(1/265)

الفصل الثاني: في طرق معرفة المذهب، اصطلاحًا من تصرفات الأصحاب في التخريج على المذهب ولازمه
مضى في " الفصل الأول " طُرق معرفة المذهب من جهة قول الإمام، وفعله، وتنبيهه، وسكوته، وتوقفه، وأَن معرفة مذهبه من جهة خطه، وأَجوبته، وأقواله، هي الطريق الأم في معرفة المذهب، وعرفت ما فيها من التقاسيم والأَنواع باعتبارات مختلفة. وأنه " المذهب حقيقة ".
والآن إلى معرفة المذهب اصطلاحاً من جهة لازم قول الإمام، ويُقال " لازم المذهب من قول الإمام: هل يكون قولا ومذهباَ له أَم لا؟ ".
ويُقال: " التخريج في المذهب ".
ولفظ: " التخريج " هُنا أطلق بمعناه العام، وإلا فإن لفظ: " التخريج " يعني أموراً:
(1/267)

1- " تخريج الأصول من الفروع " وهذا من عمل علماء أصول الفقه.
2- " تخريج الفروع على الأصول ". وهذا من عمل الفقهاء،
وفيه أفردت مؤلفات خاصة، مثل:، "كتاب تخريج الفروع على الأصول " اللزنجاني الشافعي، وغيره.
3- " تخريج الفروع على الفروع " وهو محل البحث في هذا الفصل، بجميع طرقه، وتقاسيمه، وأنواعه. ويقال: " التخريج في المذهب " أو " القياس فى المذهب ".
4- " التخريج " وهو واحد من مفردات لازم المذهب، التي يسلكها الأصحاب بطريق القياس على أصول المذهب حقيقة.
5- " النقل والتخريج " وهو واحد من مفردات لازم المذهب، التي يسلكها الأصحاب بطريق القياس على المذهب حقيقة؛ لنقل حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين من كُلِّ واحدة إلى الأخرى، فيصبح في كل مسألة: حكم رواية، وحكم آخر نقلاً وتخريجاً
والثلاثة الأَخيرة هي محل البحث هنا، وهي الطريق لِمَدِّ كتب المذهب، وكثرتها، وشَحْنِها بالفروع وأحكامها أمَامَ الواقعات، والنوازل، والمستجدات.
ومن أبرز ما في تخريج الفروع على الفروع: " مفهوم كلام
(1/268)

المجتهد: هل يكون مذهباً له كمنطوقه أم لا؟ ".
ويُقال: " توابع المنصوص في المذهب ".
وقد كنت أدرجت هذا الفصل في آخر " الفصل الأول " قبله، لكن بما أَن طُرُقَهُ من عمل الأصحاب، وفقههم في إِطار المذهب، مع شدة الخلاف في عَدّها مذْهَبًا للِإمام في أي مذهب؛ فقد رأيت إفرادها في هذا: " الفصل الثاني ".
وهذه من فقه الأصحاب في إِطار أصول المذهب، وقواعده، والتنظير بمسائله فيما لا نص فيه، ولا رواية عن الإمام حينما تعوزهم الرواية عن الإمام، ويفقدون النص عنه، فإن الفقيه المتمذهب يفزع إلى نصوص إمامه فيجيل نظره في ذلك النص: في منطوقه، ومفهومه، وعامه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده، مستظهرا علته، مبيناً مدركه، حتى يتم له بيان الحكم التكليفي فيما لم يتكلم فيه الإمام في إطار مذهب على وجه الترجيج، أو الوجه، أو الاحتمال، أو قياس المذهب، فيحصل للفقيه المتمذهب أمران:
أولهما: بيان حكم الواقعة، أو الفرع المقرر المفترض.
وثانيهما: أَن يكون ذلك الحكم في دائرة المذهب بواحد من المسالك الممنوحة لمجتهد المذهب من الأصحاب:
الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. قيانس المذهب. القول.
(1/269)

قال أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون. ت سنة (808 هـ) (1) :
" ولما صار مذهب كل إمام عِلما مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد، والقياس، احتاجوا إلى تنظير المسائل في الِإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكه راسخة، يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير، أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا، وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد " انتهى.
وعليه: فإِن معرفة المذهب اصطلاحًا من عمل الأصحاب تنقسم إلى ثلاثة طرق:
- الطريق الأول: مفهوم كلامه. ويُقال: الاستدلال
- الطريق الثاني: تخريج الفروع على الفروع.
وفيه قسمان:
القسم الأول لازم المذهب بالتخريج عليه. ويقال:
القياس على المذهب بالتخريج عليه. ويقال: " التخريج "
ويشمل أَنواعا ستة هي:
1- قياس المذهب
2- الوجه
__________
(1) المقدمة: 2/ 132 رقم/ 1885
(1/270)

3- الاحتمال
4- التخريج.
5- النقل والتخريج
6- الاتجاه، ويقال: التوجيه
القسم الثاني: لازم المذهب. ويُقال: أَثر الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية.
- الطريق الثالث: توقفات الأصحاب في المذهب. والمراد من الطرق في هذا الفصل: بعد بيان حقائقها، بيان حكم تخريج رأي في المذهب في مسألة ما بواحد من هذين الطريقين: هل يكون مذهبا لِإمإم المذهب فينسب إليه اصطلاحًا، أَم لا تجوز نسبته إليه وإنما هو من تخاريج المنتسب إِليه؟ فتكون أقوالا في المذهب، ولا تنسب إلى إمام المذهب
وثمرة الخلاف في هذه الطرق. هي أَنه على رواية الجواز.
يكون مَا خَرَّجَهُ الأصحاب: رواية مخرجة كرواية الإمام المنصوصة، وعلى المنع: يكون مَا خَرَّجَهُ الأصحاب: وَجْهاً، أو قولاً، أو احتمالاً، ونحو ذلك من الأَنواع، هو لمن خَرَّجَه (1) ، ولا تجوز نسبته إلى إمام ذلك المذهب، بل لا ينسب إلى المذهب
والآن إلى بيان هذه الطرق:
__________
(1) انظر تصحيح الفروع: 1/ 65-66
(1/271)

الطريق الأول (1) : مفهوم كلام إِمام المذهب، وهو المسمى: " الاستدلال ":
معرفة مذهب المجتهد من مفهوم كلامه من جهة دلالة كلامه، ومعناه، فيكون مَا دَلَّ عليه مذهباً له إِن لم يعارضه ما هو أَقوى منه، وهذا هو المذهب وعليه أكثر متقدمي الأصحاب.
ويترجم هذا الطريق بقولهم:
" معرفة مذهب المجتهد بطريق الاستدلال ".
وبنحوه تَرْجَمَ ابن حامد في: " التهذيب " وهو على نوعين:
- الأول: ما له حكم المنطوق.
مثاله: ما في مسائل ابنه عبد الله، أَنه قال: ووقت العصر إذا خرج وقت الظهر، إذا صار ظِلُّ كُل شيء مثله، من هُنا يُستدل على أَن مذهب أَحمد، أن آخر وقت الظهر هو أَول وقت العصر من غير زمن بينهما.
وهذا استدلال صريح له حكم ما نَصَّ عليه بقوله.
- الثاني: ما يكون استنباطاً من جوابه.
مثاله: صلاة العُرَاة، هل يصلون قياماً أَم قعوداً؟
نَصَّ الإمام أحمد في رواية ابن هانئ: يصلون جلوسا وإمامهم
__________
(1) تهذيب الأجوبة: 290- 295. صفة الفتوى: 95 الإنصاف: 1/ 59- 61، 12/ 247
(1/272)

في وسطهم.
وفي رواية المروذي: سئِلَ عن العُراة؟ قال: فيه اختلاف، إلَّا أَن إِمامهم يقوم وسطهم، وعاب على من قال: يقعد الإمام.
فلو لم تكن رواية ابن هانئ المذكورة؛ لاستدل المستدل من قول أَحمد: " إِمامهم يقوم وسطهم ": على صلاتهم قياماً، لكن هذا استدلال ضعيف؛ للنص عنه في رواية أخرى: " يصلون جلوساً ".
- الطريق الثاني: تخريج الفروع على الفروع:
وَيَشْمَلُ استخراج مذهب المجتهد، بواحد من قسمين:
القسم الأول: لازم المذهب بالتخريج عليه:
وفيه ستة أَنواع هي:
1- قياس المذهب
2- الوجه.
3- الاحتمال.
4- التخريج
5- النقل والتخريج.
6- الاتجاه.
(1/273)

النوع الأول: تخريج الفروع على الفروع بطريق القياس (1) :
ويُعبر عنه بلفظ: " القياس على المذهب ".
وبلفظ: " التخريج بطريق القياس ".
والقياس في المذهب: هو إِثبات حكم شرعي لمسألة لا نص فيها للإمام على مسألة له فيها نص؛ لاشتراكهما في العلة عند القائس، وحكم نسبته إلى ذلك الإمام، سَوَاء قُطِعَ فيه بنفي الفارق، وهو ما يسمى عندهم باسم: " القياس بنفي الفارق " أَو: " القياس في معنى الأَصل ".
أَو نُصَّ على علته، وهو " قياس العلة ويقال له مع سابقه: " القياس الجلي "
وهما أيضا من تحقيق المناط، لإثبات علة حكم الأصل في الفرع.
أَو عُرِفَتْ عِلَّتُهُ عن طريق الاستنباط، كعلة الربا، ويقال له: " القياس الخفي " وهو من باب تخريج المناط.
__________
(1) تهذيب الأَجوبة: 262-277 العدة لأبي يعلى: 5/1627 - 1635، روضة الناظر: صفة الفتوى: 88 شرح مختصر الروضة للطوفي: 3/ 638- 641 إعلام الموقعين 3/51 الفروع مع تصحيحه: 1/ 64، 66- 67 مهم. الإنصاف: 12/ 243- 244، 256 تحريرالمنقول:
2/ 268 شرح الكوكب المنير: 4/ 497-499 المدخل: 54- 55 التخريج: 247- 266 تحرير المقال: 44- 71 وانظر: المجموع للنووي: 1/ 44
(1/274)

وحاصله أن: قياس المذهب هو: تخريج فرع غير منصوص عن الإمام على فرع منصوص عنه؛ لعلة جامعة. وهو بخلاف: " التخريج " فهو قياس فرع غير منصوص عن الإمام على أصل أو قاعدة للِإمام لا على فرع له. ويأتي.
واعلم أَن قول الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى (1) :
" يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأَصلين: المجمل، والقياس ": محمول منه على إِنكار قياس خالف نصًّا، وإلاَّ فمن أصول مذهبه: " حجية القياس " كما تقدم في: " المدخل الخامس: في أصول المذهب "
ومعلوم أَن " القياس " بمعناه الأصولي العام هو (1) : " حمل فرع على أَصل في حكم بجامع بينهما "
وقيل:
" إِثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت "
أَما حقيقة: " القياس في المذهب " أي مذهبِ ما، فهو كذلك، لكن يقتصر حكمه على المنتسب لذلك المذهب، سواء اعتبرنا
__________
(1) شرح مختصر الروضة للطوفي: 3/218- 220، 245 المعدول به عن القياس، للشيخ عمر ابن عبد العزيز الشيلخاني: 8-14
(1/275)

المقيس قولاً لإمام المذهب كمنصوصه، أَم اعتبرنا الفرع المقيس وجهاً لمن خرجه في ذلك المذهب.
إِذا تقرر ذلك فاعلم أَن هذا طريق بدأ الأخذ به مبكراً في حياة الإمام، وكان الآخذ به من أَصحابه: " الأثرم ": أَبو بكر أَحمد ابن محمد بن هانئ الطائي الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة (273 هـ) ؛ إذ كان صاحبه محمد بن أَبي عتاب طريف البغدادي المشهور بأَبي بكر الأَعين، المتوفَى سنة (240 هـ) ، أَخذ بعض المسائل التي كان يدونها الأثرم عن أَبي عبد الله أَحمد بن حنبل، فدفعها إلى ابنه صالح فعرضها على- والده- أَبي عبد الله، وكان فيها مسائل في الحيض، فقال: إِيْ هذا من كلامي، وهذا ليس من كلامي، فقيل للأَثرم، فقال: إنَّما أَقيسه على قوله " (1) .
وكذلك صنع الخرقي في: " المختصر "، فإِنَه قاس على قول الإمام أحمد (2) .
وقرر هذا ابن حامد، ثم قال: " والمأخوذ به أن نُفَصِّل، فما كان من جواب له في أَصل يحتوي مسائل خُرِّج جوابه على بعضها؛ فإنَّه جائز أن يُنسب إليه
__________
(1) تهذيب الأجوبة: ص/ 264- 265
(2) تهذيب الأجوبة: 262
(1/276)

بقية مسائل ذلك الأَصل من حيث القياس " (1) .
قال النووي الشافعي- رحمه الله تعالى - (2) : " وله - أي مجتهد المذهب - أن يفتي فيما لا نص فيه لِإمامه، بما يخرجه على أصوله، وهذا الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة " انتهى.
فالخلاف الحاصل إذا هو خلاف نظري، أَمَّا في نفس الأَمر فقد تتابع على العمل به جماعة من الأصحاب، كالموفق، وغيره، كما قرره ابن مفلح- رحمه الله تعالى (3) .
ورأيت أَبا القاسم محمد بن الخضر بن تيمية- رحمه الله تعالى - كثير الاستعمال له تصريحا في كتابه: " بلغة الساغب ... " فيبقى الخلاف في دائرة نسبة القول المخرج إلى إِمام المذهب أو إلى من خَرَّجه، وهذا الأَخير هو الذي لا ينبغي تجاوزه والله أعلم.
وفي حُكم هذ الطريق: إِلحاقا ما سكت عنه إِمام المذهب المجتهد بما نص عليه، اختلف العلماء فيه على أقوال ثلاثة (4) :
1- الصحة والجواز، وهو قول جمهور الأصحاب في المذاهب
__________
(1) تهذيب الأَجوبة: 263
(2) المجموع: 1/ 44، كما نقله محقق: تهذيب الأجوبة: 263
(3) تصحيح الفروع: 1/66-67
(4) تهذيب الأجوبة: ص/ 262 -363 صفة الفتوى: ص/ 88 الفروع: 1/ 65 الإنصاف: 12/243
(1/277)

الأربعة، وعملهم في مصنفاتهم جارٍ على إثبات المذهب بالقياس مطلقاً وفي: المذهب المالكي: ألف العتبي كتابه: " المستخرجة على
المدونة ".
2- عكسه: أي عدم الجواز إلأَ أن ينص المخرِّج على عدم الفرق بينه وبين الفرع المنصوص عليه.
3- يجوز بشرط أن ينص إمام المذهب على علة المسألة التي أَفتى فيها.
وما دام سبق تقرير أَنَّ على من خرَّج فرعاً في مذهبه على منصوص إِمامه أن ينسبه إلى نفسه لا إِلى إِمامه؛ يبقى الخلاف نظرياً واستمرار التخريج منسوباً إلى من خرَّجه. والله أعلم.
مثاله: الترتيب والموالاة في الوضوء، من فرائض الوضوء في إحدى الروايات في المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، فهل الترتيب والموالاة من فرائض التيمم؟
ليس فيهما نص عن الإمام، فهل تكونُ فرضيتهما في التيمم قياساً على المذهب في فرضيتهما في الوضوء؟
قيل: نعم، وعليه جمهور الأصحاب، وهو الصحيح من المذهب.
وقال المجد ابن تيمية: قياس المذهب عندي: أن الترتيب لا يجب في التيمم، وإن وجب في الوضوء؛ لأَنَّ بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد الوجه في التيمم بالضربة الواحدة، بل يعتد
(1/278)

بمسحها معه.
وقال ابن عقيل: رأيت المتيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيباً مستحقاً في الوضوء، وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه (1) .
وما اختاره المجد، وقرر أنه قياس المذهب، هو اختيار حفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، والسنة تشهد له كما في حديث عمار في الصحيحين. والله أعلم
- النوع الثانى: " الوجه ":
الحكم المنقول في مسألة من بعض الأصحاب المجتهدين في المذهب ممن رأى الإمام فمن بعدهم جارياً على قواعد الإمام، وربما كان مخالفاً لقواعده إذا عضده الدليل (2) .
ويؤخذ غالباً من نص لفظ الإمام، ومسائله المتشابهة وإيمائه، وتعليله (3) .
والمسألة قد يكون فيها نص برواية عن الإمام، ورواية مخرجة من الأصحاب، وقد لا يكون فيها نص عن الإمام فتجدهم يقولون:
__________
(1) انظر الإنصاف: 1/ 287،
(2) مقدمة شرح المنتهى: 1/ 7 مقدمة الإنصاف ا/ 6. وخاتمته 12/ 256 شرح المنتهى لابن النجار 1/ 41
(3) خاتمة الإنصاف 12/ 266
(1/279)

فيها وجه أو وجهان، مريدا بذلك عدم وجود رواية عن الإمام.
- النوع الثالث: " الاحتمال ":
في معنى الوجه، إلَّا أَن الوجه مجزوم بالفتيا به، والاحتمال: تبيين أَن ذلك صالح لكونه وجها (1) .
والاحتمال أَن يكون: إِما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أَو لدليل مساوٍ له.
ولا يكون التخريج والاحتمال إلَّا إذا فهم المعنى.
- النوع الرابع: " التخريج ":
نقل حكم إِحدى المسألتين المتشابهتين الى الأُخرى ما لم يفرق بينهما، أَو يقرب الزمن، وهو في معنى الاحتمال (2) .
والتخريج يكون من القواعد الكلية للِإمام، أو الشرع، أو العقل. وحاصله: بناء فرع على أَصل لجامع مشترك، فهو أَعَمُّ من، " النقل والتخريج "، إذ النقل والتخريج بناء فرع له فيه نص على فرع آخر ليخرج للِإمام فيه حكمان: حكم بالنص، وحكم بطريق النقل والتخريج، ويأتي.
__________
(1) شرح المنتهى: 1/ 7، مقدمة الإنصاف 1/ 6، وخاتمته 12/ 253
(2) شرح المتتهى: 1/ 7 وخاتمة الأنصاف 12/ 257
(1/280)

وينتظم هذه المصطلحات الثلاثة للأصحاب كلام المرداوي في مقدمة الِإنصاف: (1/ 6) وهذا نصه:
" وتارة يذكر- أي الموفق في المقنع - حكم المسألة، ثم يقول: " وعنه كذا. أَو قيل، أَو: قال فلان. أَو: ويتخرج. أو: ويحتمل كذا ". والأول هو المقدم عند المصنف وغيره، وقلَّ أَن يوجد ذلك التخريج أو الاحتمال إِلاَّ وهو قول لبعض الأصحاب، بل غالب الاحتمالات للقاضي أَبي يعلى في " المجرد " وغيره. وبعضها لأَبي الخطاب ولغيره، وقد تكون للمصنف، وسنبين ذلك إِن شاء الله تعالى.
فـ " التخريج " في معنى الاحتمال، و " الاحتمال " في معنى " الوجه " إلَّا أَنَّ الوجه مجزوم بالفتيا به، قاله في " المطلع " يعني من حيث الجملة، وهذا على إِطلاقه فيه نظر، على ما يأتي في أَواخر كتاب القضاء، وفي القاعدة آخر الكتاب.
و" الاحتمال ": تبيين أَن ذلك صالح لكونه وجها.
و" التخريج ": نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه.
و" الاحتمال " يكون: إِما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساوٍ له، ولا يكون التخريج أو الاحتمال إلَّا إذا فهم المعنى " انتهى.
(1/281)

النوع الخامس: تخريج الفروع على الفروع بطريق " النقل والتخريج " قياسًا (1) :
وحقيقة هذا النوع: هو أَن يصدر من المجتهد حكم على مسألة، ثم يصدر منه حكم يخالفه على مسألة أخرى تشبهها، ولم يظهر ما يصلح موجبًا للتفريق بينهما في الحكم، فيأتي الأصحاب بسلطة هذا المصطلح: " النقل والتخريج " فينقلون حكم كل مسألة إلى الأخرى، فيصبح في كل مسألة قولان: منصوص، ومخرج.
* مثاله:
النص عن الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى- أَن من لم يجد إِلاَّ ثوبًا نجسًا صلى فيه وأَعاد.
والنص عن الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى- أَن من صلى في موضع نجس لا يستطيع الخروج منه، فإِنَّه يصلي فيه ولا إِعادة عليه.
نظر الأصحاب إلى هذين الحكمين المختلفين، فوجدوهما في مسألتين متشابهتين، فنقلوا حكم الإمام في مسألة الثياب إلى مسألة المكان، والعكس، فصار في المذهب لكل مسألة حكمان، ويُقال: قولان: منصوص، ومخرج بالقياس.
__________
(1) تهذيب الأجوبة. روضة الناظر 380 شرح مختصر الروضة: 3/ 641 صفة الفتوى: 88- 89 المسودة: 468-469 إعلام الموقعين: 4/ 209 المحرر 1/ 44- 45 المقنع: 1/ 17-118 الإنصاف: 1/460 تحرير المقال: 62- 71 التخريج 267-279
(1/282)

والفقهاء في حكم هذا النوع على قولين: المنع، والجواز؛ والجمهور على المنع، ومن المانعين، الذين منعوا " النوع الأول: التخريج بطريق القياس لفرع على آخر في المذهب " كما تقدم. والله أعلم
وَقَدْ جَلَّى المرداوي- رحمه الله تعالى- هذا في: " الِإنصاف: 1/ 460- 462 " فقال عند قول الموفق في: " المقنع ": " ويتخرج أن لا يعيد " ما نصه: " ويتخرج أن لايعيد ": بناء على الأَصل ...
- القسم الثاني: تخريج الفروع من الفروع بطريق لازم المذهب (1) :
ويعبر عنه لدى الأصوليين وغيرهم بلفظ:
- " لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ ".
وبلفظ:
- لازم المذهب هل يكون مذهبًا لصاحبه أم لا؟ ".
وبلفظ:
- " لازم قول المجتهد: هل يكون مذهبًا وقولًا له، أم لا؟ ". ومشهور لدى الفقهاء بلفظ:
__________
(1) التخريج عند الفقهاء، والأصوليين: ص/ 280- 294
(1/283)

* " ثمرة الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية، هل تكون مذهبًا للمجتهد أَم لا؟ ".
وبلفظ:
" فائدة الخلاف: هل تكون مذهبًا للمجتهد، أَم لا؟ ".
وبلفظ:
" أَثر قول المجتهد في الخلافيات: هل يعتبر قولًا له، أَم لا؟)
وبلفظ:
" ما ينبني على الخلاف من أَحكام فقهية: هل تكون مذهبًا للمجتهد، أم لا؟ .
وبلفظ:
" أَثر الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية ".
ومؤدَّى هذه التراجم والتعريفات واحد؛ إذ هو من باب اختلاف العبارات؛ لاختلاف الاعتبارات
معناه: إذا قال المجتهد قولًا في مسألة خلافية، فهل يلزمه ما تولد عن هذا الخلاف من لازم قوله، وثمرة خلافه، فيكون له حُكمان في مسألتين:
حُكمٌ قاله، وحُكم يلزمه على إثر قوله، فيكون بمثابة ما قاله؟
(1/284)

مثاله:
القصر في السفر هل هو رخصة أَم عزيمة؟ من قال: رخصة؛ لزمه جواز الإتمام، ومن قال: عزيمة؛ لزمه عدم جواز الإتمام.
ومثاله:
الخلع هل هو طلاق أم فسخ؟
وقد عقد ابن رجب- رحمه الله تعالى- في آخر كتابه: " القواعد " فصلًا حافلًا جلب فيه مجموعة من الأمثلة لثمرة الخلاف هذه.
وابن قدامة- رحمه الله تعالى- في: " المغني " كثيرا التعرض لها كأَثر من آثار الخلاف العالي.
ولابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه؛ بيان ما ينبني على قضاياه المختلف فيها من الأَثر الفقهي كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في: " المقدمة: 2/ 140 " وهكذا عند علماء كل مذهب، رغم اختلافهم في ملزوميته لصاحب المذهب على أقوال ثلاثة: الاعتبار وعدمه، والثالث ما نزع إِليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- بقوله (1) :
" وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قول الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يُضاف إليه؛ إذا علم من حاله أنه لا
__________
(1) الفتاوى: 29/ 41- 42.
(1/285)

يمتنع من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأَئمة: من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق: فهذا لا يجب التزامه، إذ أَكثر ما فيه أَنه قد تناقض، وقد ثبت أَن التناقض واقع من كل عَالِمٍ غير النبيين، ثم إِن عُرِف من حاله أَنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يُضاف إِليه، وإلا فلا يجوز أَن يضاف إِليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه، وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب، هو أَجود من إِطلاق أَحدهما ... " انتهى.
وهذا القول من شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- ليس إِحداثًا لقول ثالث في المسألة؛ لأَنه يرجع إلى القولين فيها.
وإِذا تأملت ما عليه العمل في كتب المذاهب الفقهية؛ وجدت المُعَوَّلَ عليه، حتى عند الذين يقولون بعدم اعتباره - هو اعتباره؛ لجريان تقريره في المذهب.
وسواء سلمنا بجواز نسبته إلى المجتهد عن طريق اللزوم لقوله، أَم لم نسلم، فهو من أَهم مسائل العلم، وأبهجها للنفوس، إِذ يترقى بمعرفتها المتفقه إلى اتفاق الأقوال، وضبط الفُتيا والله المستعان.
- الطريق الثالث: توقفات الأصحاب في المذهب. وهذا قد مضى ذكره في آخر " الفصل الأول " من " المدخل الخامس ".
(1/286)

الفصل الثالث: في مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب
وفيه أربعة أبحاث:
المبحث الأول: أنواع الاختلاف في المذهب.
المبحث الثاني: مسالك الترجيح عند الاختلاف
المبحث الثالث: معرفة المرجحات.
المبحث الرابع: من له حق الاختياروالترجيح في المذهب.
المبحث الخامس: معرفة مصطلحاتهم في حكاية الخلاف والترجيح.
(1/287)

المبحث الأول: أنواع الاختلاف في المذهب
مع التسليم بأنه لا يجوز للمجتهد أن يقول قولين مختلفين في وقت واحد، لشخص واحد، لكن يمكن أن يكون له في المسألة الواحدة قولان مختلفان في وقتين مختلفين، وهذا موجود لدى كل إمام في كل مذهب (1) ، فاعلم أنه في ضوء الفصلين السابقين عن طرق معرفة الأحكام الفرعية الاجتهادية من فقه الإمام أو فقه الأصحاب في إطار المذهب؛ يتبين وقوع الخلاف في الفرع الواحد، على واحد من وجوه أربعة:
1- الاختلاف بين روايات الإمام.
2- الاختلاف بين الرواية عن الإمام وتخريج الأصحاب.
3- الاختلاف بين تخاريج الأصحاب.
4- وقد يكون في المذهب رواية واحدة، لكن اختلف الأصحاب في تفسيرها.
فما الموقف السليم للفقيه أمام قضايا المذهب وأحكامه الاجتهادية، سواء كانت على رواية واحدة، أو وجه واحد، أم حصل فيها خلاف في المذهب؟
__________
(1) انظر عند ذكر الحنابلة التميميين البغاددة في المبحث الثالث من (المدخل السابع) نقلاً مهماً عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-
(1/289)

المبحث الثاني: مسالك الترجيح عند الاختلاف
1- أصل الأصول، ومعقد الفصول: رَدُّ كل قول فقيه إلى " الدليل ".
وما عضده الدليل، فهو حقيقة المذهب، وإن خالف الرواية عن الإمام، أو التخريج عن الأصحاب، لقول كل إمام: " إذا صح الحديث فهو مذهبي.
فالقول به، ونسبته إلى المذهب بهذا الاعتبار صحيحة؛ لأَنه مأذون به من قبل الإمام، ولأَن مقتضى أُولى قواعد المذهب: الأخذ بالدليل
2- إذا لم يكن في المذهب إلا رواية واحدة ثابتة عن الإمام ولم يحصل له رجوع عنها، فهي المذهب نَصَّا ولا مجال للنظر في التراجيح المذهبية.
3- إذا لم يكن في المذهب رواية عن الإمام، فالمذهب فيها ما كان من تخريج لأَحد الأصحاب.
4- إذا لم يكن في المسألة رواية ولا تخريج، فللمتأهل في المذهب تخريج الحادثة على أصول المذهب، وقواعده، وضوابطه.
(1/290)

5- إذا كان في المسألة روايتان فأكثر عن الإمام نَصًّا، أو تنبيهًا فللفقيه في تنقيح المذهب، أن يتعامل مع الروايتين فأكثر، كما لو كان أمامه دليلان: الجمع بين الروايتين بحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، أو من باب اختلاف الفتيا باختلاف الأحوال والأَشخاص والأَزمان، ونحو ذلك من وجوه الجمع المعلومة أولًا، فإن لم يكن الجمع، فالترجيح، فإن لم يكن الجمع ولا الترجيح، وعُلم التاريخ، فالأخير مذهبه، فإن جُهل التاريخ فمذهبه أقرب الروايتين أو الروايات إلى الدليل، أو قواعد مذهبه.
وفي هذا النوع خلاف في بعض مراحله، وتفصيلات، وشروط وضوابط، تراها في: " تصحيح الفروع: 1/ 64- 66 " ومقدمة: " الِإنصاف: 1/ 10، 11، 17، 18 "، و " خاتمته: " 12/ 241- 242 " و: " المدخل: 48- 50 " و" ذيل الطبقات: 1/360- 361 ".
والجدير بالنظر هنا هو " معرفة المرجحات " وقد عقدت لها بحثًا مستقلًا بعد هذا.
6- إذا كان الخلاف بين الرواية والتخريج، قدمت الرواية على التخريج؛ لأَن الرواية الثابتة مجزوم بأنها هي مذهب الإمام، والتخريج بوجه، ونحوه، ليس مذهبًا له على الصحيح.
7- إذا كان الخلاف بين فقه الأصحاب، بين وجهين فأكثر؛ كان الراجح الأقرب للدليل، أو إلى أصول أحمد، وقواعده، والمخرج
(1/291)

عليه من فروع مذهبه.
8- اختلاف بسبب اختلاف الأصحاب في تفسير مصطلح الإمام أحمد في جوابه، كحمل اصطلاحه في جوابه في مسألة على الوجوب أو الاستحباب؟ وهكذا.
فالذي يرفع الخلاف هنا تهذيب اصطلاحه، وتنقيحه من الاختلاف فى فهم معناه، كما تقدم في: " الفصل الأول ".
(1/292)

المبحث الثالث: المرجحات (1)
التراجيح هنا فيما إذ وقع الخلاف في المذهب عند تعدد الرواية عن الإمام، نَصّا، أو تنبيهًا؛ فَيُعْمَلُ طَلَب المرجحات لِإحدى الروايتين، أو الروايات، ومنها:
أولاَ: الترجيح من جهة الرواة عن الإمام أحمد:
أ- الراجح رواة، كتقديم ما رواه السبعة، ويقال: الجماعة، على ما رواه غيرهم، ثم ما كان في: " جامع المسائل " للخلال، ثم ما كان فيه رواية أحد السبعة على ما لم تكن فيه رواية أحد منهم.
ب- الترجيح بالكثرة.
ج- الترجيح بالشهرة
د- الترجيح برواية الأعلم
هـ- الترجيح برواية الأوْرَع
و أن يكون المذهب المختار في المسألة ظاهرا مشهورًا.
ز- أن يرجح الرواية أحد أئمة المذهب في عصر الرواية، مثل
__________
(1) خاتمة الإنصاف: 12/ 241
(1/293)

الخرقي، والخلال، وغلامه، والشيخ ابن حامد، والترجيح بالرواة هو طريق معرفة المذهب عند المتقدمين.
ثانيًا: الترجيح من جهة شيوخ المذهب (1) :
وظهور هذا المرجح برَزَ في طبقة المتوسطين من تلاميذ الحسن ابن حامد، المتوفى سنة (403 هـ) وتلامذتهم، وكافة طبقتهم، والترجيح من جهتهم بما يلي:
أ- الترجيح باختيار جمهور الأصحاب، وجعلهم له منصوراً.
ب- ويكون الترجيح بما اختاره: القاضي أبو يعلى، والشريفان، والسرَّاج، وأبو الخطاب، وأبو الوفاء ابن عقيل، وكبار أقرانهم، وتلامذتهم ممن اشتهروا بتنقيح المذهب وتحقيقه.
ج- الترجيح بما اختاره الموفق، والمجد، والشمس ابن أبي عمر، والشمس ابن مفلح، وابن رجب، والدجيلي، وابن حمدان، وابن عبد القوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن عبدوس في تذكرته.
د- والترجيح إن اختلف هؤلاء، فيما قدمه صاحب الفروع الشمس ابن مفلح، فإن لم يرجح فما اتفق عليه الشيخان: الموفق، والمجد، فإن اختلف الشيخان، فالراجح ما وافق فيه ابن رجب، أو شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، أو الموفق في كتابه: " الكافي "،
__________
(1) مقدمة الإنصاف: 1/ 16-17 ذيل الطبقات: 1/ 360
(1/294)

أو المجد.
ثالثاَ: الترجيح من جهة كتب المذهب:
والترجيح بالكتب، لأَهل كل طبقة باعتبار كتب المذهب المؤلفة إلى زمانهم، وهي في أواخر طبقة المتوسطين والمتأخرين، أظهر ومنها:
أ- إذا اختلف المحرر والمقنع، فالمذهب مما قاله ابن قدامة في: الكافي
ب- ما رجحه أبو الخطاب في: " رؤوس المسائل ".
ب- ما رجحه الموفق في: " المغني ".
د- ما رجحه المجد في: " شرح الهداية ".
هـ- وفي طبقة المتأخرين: اختيار ما في: " الِإقناع " و " المنتهى، وإن إختلفا فالراجح ما في: " غاية المنتهى ".
واعلم أن الترجيح باعتبار الشيوخ المعتمدين فيه والكتب المعتمدة في المذهب:
قد قال كل في هذا الباب قولا فَسمَّى شيخًا، أو شيوخًا، وعَين كتابًا، أو كتُبًا، وهي تكتسب الانتقال من شيخ إلى آخر ومن كتاب إلى آخر وذلك بالنسبة للزمان من فترة إلى أخرى، في طباق الأصحاب
(1/295)

وهذا التعيين لأَعيان العلماء المعتمد ترجيحهم في المذهب، ولأَسماء الكتب المعتمدة فيه، هو معتمد من حيث الجملة، وفي الغالب، لكنه غير مطرد؛ بل قد يكون ما صححه الشيخ المسمَّى غير صحيح في المسألة، والمسألتين، والصحيح ما صححه غيره، وإن كان دونه، وهكذا في الكتب.
ولهذا فإن شيخ المذهب في زمانه العلاء المرداوي المتوفى سنة (885 هـ) لما سَمَّى طَرَفًا من ذلك في مقدمة " تصحيح الفروع: 1/ 50- 51 " قال:
" وهذا الذي قلته من حيث الجملة، وفي الغالب، وإلا فهذا لا يطرد البتة، بل قد يكون المذهب ما قاله أحدهم في مسألة، ويكون الصحيح من المذهب ما قاله الآخر، أو غيره في أخرى، وإن كان أدنى منه منزلة باعتبار النصوص، والأَدلة، والعلل، والمآخذ، والاطلاع عليها، والموافق من الأَصحاب، وربما كان الصحيح مخالفا لما قاله الشيخان، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم هذا ما ظهر لي من كلامهم، ويؤيده كلام المصنف في إِطلاق الخلاف ويظهر ذلك بالتأمل لمن تتبع كلامهم، وعرفه " انتهى.
ومحصل كلامهم أن معرفة المعتمد في المذهب تحقيقا وتصحيحًا، وتدقيقا وترجيحاَ، تُعرف من جهتين: الشيوخ المعتمدين، والكتب المعتمدة
(1/296)

وهذا بيانها:
أولا: معرفة شيوخ المذهب المعتمدين في التصحيح.
مضى في ذكر علماء المذهب وطبقاتهم تسمية المجتهد المطلق، ومجتهدي المذهب وأهل التخريج، لذا فإن من وصف بذلك فقوله مقدم، وتصحيحه معتمد، وهكذا من توفرت منه صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم؛ من العدالة، والِإحاطة بأدلة الشريعة، ولمذهب إمامه تأصيلًا وتفريعاً.
ويأتي في تعيين طبقات علماء المذهب من: " المدخل السابع " معرفة مجتهدي المذهب والمجتهدين بإِطلاق.
ثانيًا: معرفة الكتب المعتمدة في المذهب.
وانظر تسميتها في: " المبحث الثاني " أواخر " المدخل الثامن "
ويمكن أن نشير هنا إلى جُمل من كلامهم في معرفة المعتمد من جهة الشيوخ، ومن جهة الكتب، وهي على ما يأتي:
جاء في: " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ": (20/227 - 230) ما نصه:
" وسُئل رحمه الله: أن يشرح ما ذكره نجم الدين ابن حمدان في آخر " كتاب الرعاية " وهو قوله: " من التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر آخر " ويبين لنا ما أشكل علينا من كون بعض المسائل يذكر فيها في " الكافي " و " المحرر " و " المقنع و " الرعاية " و " الخلاصة " و " الهداية " روايتان، أو وجهان؛ ولم يذكر الأصح والأرجح، فلا ندري بأيهما نأخذ؟ وإن سألونا عنه أشكل علينا؟ فاجاب: الحمد لله. أما هذه الكتب التي يذكر فيها روايتان أو وجهان
(1/297)

ولا يذكر فيها الصحيح: فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل كتاب " التعليق " للقاضي أبي يعلى، و " الانتصار " لأبي الخطاب، و " عمد الأدلة " لابن عقيل. وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح.
وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة، مثل: رؤوس المسائل للقاضي أبي الحسين، وقد نقل عن الشيخ أبي البركات صاحب المحرر أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: أنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله.
ومما يعرف منه ذلك كتاب المغني للشيخ أبي محمد وكتاب " شرح الهداية " لجدنا أبي البركات، وقد شرح " الهداية " غير واحد، كأبي حليم النهرواني، وأبي عبد الله ابن تيمية، صاحب التفسير الخطيب عم أبي البركات، وأبي المعالي بن المنجا، وأبي البقاء النحوي لكن لم يكمل ذلك.
وقد اختلف الأصحاب فيما يصححونه، فمنهم من يصحح رواية ويصحح آخر رواية فمن عرف ذلك نقله، ومن ترجح عنده قول واحد على قول آخر اتبع القول الراجح، ومن كان مقصوده نقل مذهب أحمد نقل ما ذكروه من اختلاف الروايات والوجوه والطرق، كما ينقل أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومالك مذاهب الأئمة؛ فإنه في كل مذهب من اختلاف الأقوال عن الأئمة، واختلاف أصحابهم في معرفة مذهبهم، ومعرفة الراجح شرعًا: ما هو معروف.
ومن كان خبيرًا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في
(1/298)

عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع؛ وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لاي كاد يوجد له قول يخالف نصًا كما يوجد لغيره، ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً، كقوله بجواز فسخ الِإفراد والقران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة، كالوصية في السفر وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وقوله بجواز شهادة العبد، وقوله بأن السنة للمتيمم أن يمسح الكوعين بضربة واحدة.
وقوله في المستحاضة بأنها تارة ترجع إلى العادة، وتارة ترجع إلى التمييز؛ وتارة ترجع إلى غالب عادات النساء؛ فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثلاث سنن؛ عمل بالثلاثة أحمد دون غيره.
وقوله بجواز المساقاة والمزارعة على الأرض البيضاء والتي فيها شجر وسواء كان البذر منهما أو من أحدهما، وجواز ما يشبه ذلك وإن كان من باب المشاركة ليس من باب الِإجارة ولا هو على خلاف القياس، ونظير هذا كثير.
وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها عن أبي حنيفة والشافعي، مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه، وهي التي صنف لها الهراسي ردًا عليها، وانتصر لها جماعة كابن عقيل والقاضي أبي يعلى الصغير وأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي محمد بن المثنى: فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الأخر وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول أحمد، وهذا: كإبطال الحيل
(1/299)

المسقطة للزكاة والشفعة، ونحو ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش، ونحو ذلك، وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود، والرجوع في الأيمان إلى سبب اليمين وما هيجها مع نية الحالف؛ وكإقامة الحدود على أهل الجنايات، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يقيمونها، كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك، وكاعتبار العرف في الشروط، وجعل الشرط العرفي كالشرط اللفظي، والاكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس، وإن ما عده الناس بيعًا فهو بيع، وما عدوه وقفًا فهو وقف، لايعتبر في ذلك لفظ معين، ومثل هذا كثير " انتهى.
وقال المرداوي- رحمه الله تعالى- في مقدمة: " الِإنصاف: 1/16 - 18 ":
" واعلم أن من أعظم هذه الكتب نفعًا، وأكثرها علمًا وتحريرًا وتحقيقًا وتصحيحا للمذهب: كتاب الفروع، فإنه قصد بتصنيفه: تصحيح المذهب وتحريره وجمعه، وذكر فيه: أنه يقدم غالبًا المذهب، وإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف إلا أنه- رحمه الله تعالى- لم يبيضه كله، ولم يقرأ عليه، وكذلك الوجيز فإنه بناه على الراجح من الروايات المنصوصة عنه، وذكر أنه عرضه على الشيخ العلامة أبي بكر عبد الله بن الزريراني فهذبه له، إلا أن فيه مسائل كثيرة ليست المذهب، وفيه مسائل كثيرة تابع فيها المصنف على اختياره، وتابع في بعض المسائل صاحب المحرر والرعاية، وليست المذهب. وسيمر بك ذلك إن شاء الله.
وكذلك التذكرة لابن عبدوس، فإنه بناها على الصحيح من الدليل. وكذلك ابن عبد القوي في " مجمع البحرين " فإنه قال فيه: " أبتدئ بالأصح في المذهب نقلًا أو الأقوى دليلاً. وإلا قلت مثلًا: روايتان، أو وجهان وكذا
(1/300)

قال في نظمه:
" ومهما تأتَّى الابتداء براجح ... فإني به عند الحكاية أبتدي "
وكذلك ناظم المفردات، فإنه بناها على الصحيح الأشهر وفيها مسائل ليست كذلك. وكذلك الخلاصة لابن منجا، فإنه قال فيها:
" أبين الصحيح من الرواية والوجه وقد هذب فيها كلام أبي الخطاب في الهداية. وكذلك الإفادات بأحكام العبادات لابن حمدان، فإنه قال فيها: " أذكر هنا غالبًا صحيح المذهب ومشهوره، وصريحه ومشكوره، والمعمول عندنا عليه، والمرجوع غالبًا إليه ".
تنبيه: اعلم- وفقك الله تعالى وإيانا- أن طريقتي في هذا الكتاب: النقل عن الإمام أحمد والأصحاب، أعزو إلى كل كتابا ما نقلت منه، وأضيف إلى كل عالم ما أروي عنه، فإن كان المذهب ظاهرا أو مشهورًا، أو قد اختاره جمهور الأصحاب وجعلوه منصورًا، فهذا لا إشكال فيه، وإن كان بعض الأصحاب يدعي أن المذهب خلافه.
وإن كان الترجيح مختلفا بين الأصحاب في مسائل متجاذبة المأخذ؛ فالاعتماد في معرفة المذهب من ذلك على ما قاله المصنف، والمجد، والشارح، وصاحب الفروع، والقواعد الفقهية، والوجيز والرعايتين، والنظم، والخلاصة، والشيخ تقي الدين، وابن عبدوس في تذكرته، فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين.
فإن اختلفوا؛ فالمذهب: ما قدمه صاحب الفروع فيه في معظم مسائله، فإن أطلق الخلاف، أو كان من غير المعظم الذي قدمه؛
فالمذهب: ما اتفق عليه الشيخان- أعني المصنف، والمجد- أو وافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في
(1/301)

الغالب، فإن اختلفا، فالمذهب مع من وافقه صاحب القواعد الفقهية، أو الشيخ تقي الدين وإلا فالمصنف، لاسيما إن كان في الكافي، ثم المجد وقد قال العلامة ابن رجب في طبقاته في ترجمة ابن المنّي: " وأهل زماننا ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: الموفق والمجد " انتهى.
فإن لم يكن لهما ولا لأَحدهما في ذلك تصحيح؛ فصاحب القواعد الفقهية، ثم صاحب الوجيز، ثم صاحب الرعايتين، فإن اختلفا فالكبرى، ثم الناظم، ثم صاحب الخلاصة، ثم تذكرة ابن عبدوس، ثم من بعدهم، أذكر من قدم، أوصحح، أو اختار إذا ظفرت به، وهذا قليل جدًا.
وهذا الذي قلنا من حيث الجملة، وفي الغالب، وإلا فهذا لا يطرد البتة، بل قد يكون المذهب ما قاله أحدهم في مسألة، ويكون المذهب ما قاله الآخر في أخرى، وكذا غيرهم باعتبارالنصوص والأَدلة والموافق له من الأصحاب.
هذا ما ظهر لي من كلامهم، ويظهر ذلك لمن تتبع كلامهم وعرفه، وسننبه على بعض ذلك في أماكنه.
وقد قيل: إن المذهب - فيما إذا اختلف الترجيح - ما قاله الشيخان، ثم المصنف، ثم المجد، ثم الوجيز، ثم الرعايتان.
وقال بعضهم: إذا اختلفا في المحرر والمقنع، فالمذهب ما قاله في الكافي.
وقد سئل الشيخ تقي الدين عن معرفة المذهب في مسائل الخلافُ فيها مطلق في الكافي والمحرر والمقنع والرعاية والخلاصة والهداية وغيرها؟ فقال: " طالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أُخر مثل كتاب
(1/302)

التعليق للقاضي، والانتصار لأَبي الخطاب، وعُمُد الأَدلة لابن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب، وابن الزاغوني. وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، وقد اختُصِرت هذه الكتب في كتب مختصرة، مثل رؤوس المسائل للقاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، ولأَبي الخطاب، وللقاضي أبي الحسين، وقد نقل عن أبي البركات - جدنا - أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر المذهب: إنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله. قال: ومما يعرف منه ذلك: المغني لأَبي محمد، وشرح الهداية لجدنا. ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح من مذهبه في عامة المسائل ". انتهى كلام الشيخ تقي الدين، وهو موافق لما قلناه أولا، ويأتي بعض ذلك في أواخر كتاب القضاء، واعلم - رحمك الله - أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب إنما يكون ذلك لقوة الدليل من الجانبين، وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدى به، فيجوز تقليده والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهَبًا لِإمامه؛ لأَن الخلاف إن كان للإمام أحمد فواضح، وإن كان بين الأصحاب، فهو مقيس على قواعده وأصوله ونصوصه وقد تقدم أن " الوجه " مجزوم بجواز الفتيا به. والله سبحانه وتعالى أعلم " انتهى.
تنبيه: قول المصنف. " واعلم - رحمك الله - أن الترجيح ... إلخ " نقله البهوتي ت سنة (1051 هـ) - رحمه الله تعالى- في مقدمة: " كشاف القناع: 1/ 12 " بنصه بعنوان: " فائدة ".
وقال السفاريني. ت سنة (1188 هـ) - رحمه الله تعالى-: " عليك بما في: " الإقناع " و " المنتهى " فإذا اختلفا فانظر ما يُرجحه صاحب: " غاية المنتهى " انتهى.
(1/303)

المبحث الرابع: من له حق الترجيح في المذهب
اعلم أن المرجع في معرفة التصحيح والترجيح في كل مذهب إلى أصحابه المختصين به، المتأهلين لمعرفته، وإلى الكتب المعتمدة فيه، بتعيين محققيه لها.
والأَصل في تحصيل الفقيه مرتبة الترجيح على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: المتأهل: من المنتسبين للمذهب، المتأهلين للاختيار والترجيح، والتدليل والتصحيح، هو الذي يتولى تصحيح مَا يَمُرُّ به من المسائل حسب أصول المذهب وقواعده، في المذهب، ثم يترقى إلى تصحيح المسألة على الدليل.
المرتبة الثانية: غيرالمتأهل، يرجع إلى المتأهل للترجيح: فإن لم يكن المنتسب كذلك، أو كان متأهلا لكن لم تستكمل لديه الأدلة، كأن تكون كتب المذهب وقت المسألة ليست في يده، وَجَدَ في زمانه متأهلا لذلك رجع إليه.
المرتبة الثالثة: الرجوع إلى الكتب المعتمدة، والشيوخ المعتمدين: فإن لم يكن رجع إلى من وقعت تسميته من الشيوخ المعتمد ترجيحهم وتصحيحهم، وإلى كتبهم المعتمدة في ذلك، ملاحظًا في هذه الحالة والتي قبلها، تقديم من زادت أوصافه في العلم والثقة. والعمل، مراعيًا ما درج عليه الأَكثر تحقيقا.
المرتبة الرابعة: التوقف لمن فقد هذه المراتب الثلاث.
(1/304)

المبحث الخامس: اصطلاح الأصحاب في حكاية الخلاف مع الترجيح أو حكاية الترجيح
للأصحاب مصطلحات شتى في: نقلهم الخلاف المطلق في المذهب بلا ترجيح، أو حكايتهم الخلاف مع الترجيح، أو النص على الراجح دون ذكر الخلاف، ولهم مصطلحات في الترجيح، وفي بيان القول الضعيف في المذهب. ويمكن سياقها في قسمين:
- القسم الأول: مصطلحات في نقل الخلاف في المذهب بلا ترجيح:
وهذا كثير لدى عامة المؤلفين في المذهب وَلكُل غَرض يقصده.
* فالموفق في: " المقنع " يطلق الخلاف؛ لاختبار ذهن القارئ، وتمرينه على الاختيار والترجيح.
وقد جَلاَّه المرداوي في مقدمة الإنصاف، الذي أَلَّفه لتحرير ما أطلقه الموفق في المقنع من الخلاف، فقال في مقدمته: (1/ 4) : " فإنَّه - أي الموفق في المقنع - تارة يُطلق الروايتين، أو
(1/305)

الروايات، أو الوجهين، أو الوجه، أو الأَوجه، أو الاحتمالين، أو الاحتمالات بقوله: فهل الحكم كذا؟ على روايتين، أو على وجهين، أو فيه: روايتان، أو وجهان، أو احتُمِل كذا، واحتمل كذا، أو نحو ذلك، فهذا وشبهه، الخلاف فيه مطلق.
والذي يظهر أَنَّ إِطلاق المصنف وغالب الأصحاب، ليس هو لقوة الخلاف من الجانبين، وإنما مرادهم: حكاية الخلاف من حيث الجملة، بخلاف من صرح باصطلاح ذلك كصاحب الفروع، ومجمع البحرين، وغيرهما " انتهى.
* وابن مفلح في: " الفروع " قال:
" وأُقدم غالبًا الراجح في المذهب، فإِذا اختلف الترجيح أَطلقت الخلاف " أَي: فإِن اختلف الترجيح بين الأَصحاب أَطلقته؛ لعدم الوقوف على الصحيح منه.
وهذه أيضا طريقة الحجاوي في: " الِإقناع " فإِنَّه قال في مقدمته له: " وربما أَطلقت الخلاف لعدم مصحح " انتهى.
ثم إن المرداوي- رحمه الله تعالى- ساق في مقدمة تصحيح الفروع: (1/ 29- 36) وفي مقدمة الإنصاف: (1/ 4- 6) مجموعة من الاصطلاحات الدالة على إطلاق الخلاف عند الموفق في: " المقنع " وعند ابن مفلح في: " الفروع ". منها: إذا قالا: قيل كذا،
(1/306)

وقيل كذا، أَو: قيل وقيل.
أَو: الحكم كذا، أَو: وعنه كذا.
أَو قال فلان كذا، وقال فلان كذا.
وهكذا في صيغ كثيرة، متقاربة، جميعها تدل على الخلاف المطلق بلا ترجيح في كتابيهما، وهي لا تخفى على المتفقه- بحمد الله تعالى-
وقد عد من إِطلاق الخلاف في " الفروع "، وفي " المقنع ": قَول: الْحُكْمُ كَذَا في إِحدى الروايتين، أو الروايات، أو الوجهين، أو الأَوجه، أو الاحتمالين، أو الاحتمالات (1) .
فالخلاف بهذه الصيغة مطلق لا يدل على ترجيح بعض على بعض.
وهذا من عمل صاحب " الفروع " فيه، قاله المرداوي في مقدمة " تصحيحه " له، وقال:
" والخلاف بهذه الصيغه مطلق، وقد قيل في مثلها في كتاب المقنع ": إنَّه تقديم، ونقل عن الشيخ أَنه قال ذلك، وهو مصطلح جماعة من الأصحاب ".
" وَقَدْ عُدَّ من إطلاق الخلاف: " طي الخلاف في حكاية نهايته ".
وهذا من الاختصار في حكاية الخلاف، كقول ابن مفلح في " باب
__________
(1) الحكم كذا في إحدى الروايتين: الفروع وتصحيحه:/ 26
(1/307)

الهبة " من " الفروع " كما نبه عليه المرداوي في " تصحيحه " فقال (1) :
" وهل يفعل: ثالثها الفرق كما ذكره في باب الهبة، وهذه العبارة في غاية الاختصار أو يقول: في كذا روايات - الثالثة كذا، كما ذكره في باب الاستطابة، وغيره ... " إِلخ.
إلى آخر كلامه المنتهي بأَنه من إِطلاق الخلاف
* وَقَدْ عُدَّ من إِطلاق الخلاف مع الِإشارة إلى قوة الرواية الأخرى: أَن يُقال في إِحدى الروايتين أو الروايات: اختارها الأصحاب، ففي هذا إِشارة إلى قوة الرواية الأخرى. وهذه طريقة لابن مفلح في الفروع، نبه عليها المرداوي في " تصحيح الفروع ": (1/ 52 - 53) وذكر أَنها مثل قوله: " فعنه كذا، والمذهب، أو الأَشهر كذا ".
" وَقَدْ عُدَّ من إِطلاق الخلاف: حكاية القولين فأكثر ثم يقال: والأَشهر كذا، أو المشهور كذا، ونحوه.
فهو إِشارة إلى إطلاق الخلاف، واختلاف الأصحاب في الترجيح، لكن بعضه أَشهر.
وهذه طريقة لابن مفلح في: " الفروع " نبَّهَ عليها المرداوي في: " تصحيحه ": (1/53-54) .
وقد عُدَّ من إطلاق الخلاف: إتباعه بقوله: والترجيح مختلف.
__________
(1) مقدمة تصحيح الفروع: 1/ 26-27
(1/308)

أَي: لا فضل لِأَحد الترجيحين على الآخر.
ولهذا ذِكْرٌ في " الفروع " لابن مفلح، نبه عليه المرداوي في: " تصحيحه " (1/54) .
وَقَدْ عُدَّ مِن إِطلاق الخلاف: حكايته مَعْزُوًّا إلى فلان، أو كتابه، وأَن هذا لا دخل له في الترجيح.
وهذه طريقة لابن مفلح في: " الفروع " كما نبه عليها المرداوي في: " تصحيحه ": (1/55-56)
وقال البهوتي في مقدمة " كشاف القناع ": (1/10) : شرحًا لقول الحجاوي في مقدمة الِإقناع: (وعزوت حكمًا إلى قائله) :
" وربما عزوت أي نسبت حكمًا إلى قائله من العلماء خروجًا من تبعته ... وقد يكون عزو القول لقائله ارتضاءً له، وموافقة، كما هو شأن أَئمة المذهب، وصرَّح به ابن قندس في حاشية الفروع " انتهى.
* وقد عُدَّ من الخلاف المطلق مع نوع إِشارة إلى ترجيح الأول: ما استقرأه المرداوي في مقدمة: " الِإنصاف " (1/ 4) من عمل الموفق في المقنع، فقال: " وتارة يطلق الخلاف بقوله مثلًا: " جاز "، أَو: لم يجز أَو صح، في إِحدى الروايتين، أو الروايات، أو الوجهين، أو الوجوه " أو بقوله: " ذلك على إِحدى الروايتين، أو الوجهين " والخلاف في هذا أيضا مطلق، لكن فيه إشارة مّا إلى ترجيح الأول
(1/309)

وقد قيل: إِنَّ المصنف قال: " إِذا قلت ذلك، فهو الصحيح. وهو ظاهر مصطلح الحارثي في شرحه " وفيه نظر. فإِن في كتابه مسائل كثيرة يطلق فيها الخلاف بهذه العبارة، وليست المذهب، ولا عزاها أَحد إلى اختياره، كما يمر بك ذلك إِن شاء الله تعالى، ففي صحته عنه بعد، وربما تكون الرواية، أو الوجه المسكوت عنه مقيدًا بقيد، فأَذكره، وهو في كلامه كثير.
وتارة يذكر حكم المسألة مفصلا فيها، ثم يطلق روايتين فيها، ويقول: " في الجملة " بصيغة التمريض، كما ذكره في آخر الغصب، أو يحكى بعد ذكر الحكم إِطلاق الروايتين عن الأصحاب، كما ذكره في باب الموصَى له. ويكون في ذلك أيضا تفصيل، فنبينه إِن شاء الله تعالى " انتهى.
- القسم الثاني: اصطلاحات في مقام الترجيح، والاختيار والتصحيح، والتضعيف.
واختص بهذا النوع من قَوِيَ عليه من فقهاء المذهب، منهم:
ابن مفلح في: " الفروع " والمرداوي في: " تصحيح الفروع " ولقد حقق فيها ودقق، كأَنما استظهر الفروع، فأَتى بالعجائب
والزركشي في: " شرح الخِرَقي " وأَبو بكر الجراعي في " غاية المطلب " والمرداوي في: " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف " وفي ملخصه: " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع " والشويكي
(1/310)

في " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح " والفتوحي ابن النجار في: " شرح المنتهى "، والبهوتي في: " كشاف القناع " في آخرين. وللحواشي، وكتب التصحيح، والزوائد في هذا: نصيب وافر.
ولهم في هذا جملة أَلفاظ في الترجيح بين الروايات عن الإمام، وفي الترجيح بين الأَوجه، والتخاريج، والاحتمالات عن الأصحاب.
ومن هذه الأَلفاظ: رواية واحدة. وجهًا واحدًا بلا خلاف في المذهب. بلا نزاع. نصًّا. نص عليه. نص عليه وهو اختيار الأصحاب. المنصوص كذا. هذا هو المذهب المنصوص. الأَصح. في الأصح. على اللأصح. الصحيح كذا. في الصحيح من المذهب. في الصحيح عنه. في أَصح القولين، أو الأقوال، أو الوجهين، أو الأَوجه. والأول أَصح. هي أَصح. الأول أَقيس وأَصح. هذا صحيح عندي
* المشهور. الأَشهر. في المشهور عنه. الأَظهر كذا. على الأَظهر. على أَظهرهما. أو أَظهرهما. في الأَظهر. في أَظهر الوجهين، أو الأَوجه.
* أولاهما كذا. الأولى كذا. هو أولى.
* الأقوى كذا. الأقوى عندي كذا. يُقَوَّى.
(1/311)

* الأول أَحسن.
* وعندي كذا.
* متجه. ويتوجه.
* نَصبها فلان.
* اختاره شيوخناه اختاره عامة الأصحاب
* المذهب كذا المذهب الأول
* القياس كذا. في قياس المذهب. قياس المذهب كذا.
* الأول أَقيس
* ومن أَلفاظهم الاصطلاحية في التضعيف:
* لا عمل عليه. وهو بعيد. هذا قول قديم رجع عنه.
* غريب. قول غريب. هو قول غريب. وُجيه. ولنا وجيه. في وُجيه آخر. قويل. هو قُويل. ولنا قُويل آخر
* المقدم خلافه
وقد أَلف ابن فيروز الأَحسائي. ت سنة (1205 هـ) كتابًا باسم: " إِبداء المجهود في جواب سؤال ابن داود " وابن داود هو تلميذه عبد الله بن داود الزبيري. ت سنة (1225 هـ) فإنه سأله عن القول المرجوح، وعن المُقَلِّدِ المذهبي، وعن الناقل المجرد، فأجاب بهذا المؤلف
(1/312)

وهذه الأَلفاظ بقدر مما تفيده في مقام التصحيح والترجيح، أو التضعيف، فجلها يشير إلى وجود خلاف في المذهب، لكنه خلاف الراجح عند المرجح. والله أعلم
ثم إِن الأصحاب قد يختلفون في الترجيح، كما يكون لدى غيرهم من علماء الفنون الأخرى.
وقد ختم المرداوي - رحمه الله تعالى- مقدمة الِإنصاف: (1/18) وعنه البهوتي في خاتمة مقدمته لكتابه: " كشاف القناع " (1/12) بفائدة في ذلك هذا نصها:
" فائدة: واعلم- رحمك الله- أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب، إنما يحكون ذلك لقوة الدليل بين الجانبين، وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يُقتدى به فيجوز تقليده، والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهبًا لِإمامه؛ لأن الخلاف إن كان للِإمام أحمد فواضح، وإن كان بين الأصحاب، فهو مقيس على قواعده، وأصوله، ونصوصه، وقد تقدَّم أن: الوجه مجزوم بجواز الفُتيا به، والله - سبحانه وتعالى- أعلم " انتهى.
وهذه الأَلفاظ واضحة في المراد، وقد نص من تقدم ذكرهم على بيان اصطلاحهم فيها في مقدمات كتبهم المذكورة، لكن بعضها يحتاج إلى بيان، وهي:
بلا نزاع. في وجه. قُويل. المنصوص كذا. نصُّا. وُجيه. ونصبها
(1/313)

فلان. ويتوجه. يقوى.
فإلى بيانها:
- بلا نزاع (1) :
قال العلاَّمة ابن جبرين: " عاشرًا: قولهم بعد المسألة: " بلا نزاع " أي بين فقهاء المذهب، ولايلزم عدم النزاع بينهم وبين أهل المذاهب الأخرى، والنزاع: هو الاختلاف المطلق وإن لم يحصل معه مناظرات أو محاجة أو تعصب ".
- في وجه:
قال ابن النجار الفتوحي في مقدمة: " الكوكب المنير في اختصار التحرير ":
" ومتى قلت: في وجه؛ فالمقدم غيره، أو في قول، أو على قول؛ كان إذا قوي الخلاف أو اختلف الترجيح مع إِطلاق القولين أو الأقوال، إذا لم أطلع على مصرح بالتصحيح " انتهى.
- قُويل (2) : و: هو قويل. أَو: لنا قويل آخر:
تصغير قول. هذا من مصطلحات الزركشي في كتابه المسمى:
__________
(1) مقدمة تحقيق شرح الزركشي: 1/ 68.
(2) شرح الزركشي 63-66
(1/314)

" شرح الزركشي على مختصرالخِرَقي " وهو تصغير يفيد ضعفه.
وهو بمنزلة قول غيره من الفقهاء: قول غريب، أَو هو قول غريب.
- المنصوص كذا:
إِذا قاله ابن مفلح في: " الفروع " فهو إِشارة إلى أَن ثَمَّ قول آخر.
- نصا. نص عليه. هذا هو المذهب المنصوص (1) :
قولهم في كتب المذهب: " نصًّا " معناه: نسبته إلى الِإمام أَحمد - رحمه الله تعالى-.
وأَما قول ابن مفلح في: " الفروع ": " المنصوص " فهو اصطلاح له للِإشارة إلى أَن ثم قول آخر
وانظر في حرف الميم: المنصوص.
- وُجيه: و: لنا وُجيه. و: هو وُجيه آخر (2)
تصغير وَجْه، وهو من اصطلاح الزركشي في شرحه على الخِرَقي.
قال محققه: إِن تصغيره يفيد ضعفه فهو بمنزلة قول غيره من الفقهاء: هو وجه ضعيف.
- ونصبها فلان (3) :
أَي بدأ فلان بهذه الرواية وقدمها.
ففي مقدمة تحقيق الزركشي ما نصه: " تاسعًا: يتكرر قولهم في
__________
(1) كشاف القناع: 1/ 19، المدخل: ص 204
(2) مقدمة تحقيق شرح الزركشي: 1/ 63، 68
(3) مقدمة العلامة ابن جبرين لكتاب: شرح الخِرقي: 1/ 67
(1/315)

بعض المسائل: ونصبها القاضي في كذا، أو أَبو الخطاب في " الهداية " ونحوه، أَي: بدأ بهذه الرواية وقدمها، أو اقتصر عليها مما يفيد أَرجحيتها عنده.
وقد يقولون أَحيانًا: وَنَصَّها، أَي: صَرَّح بها ".
- ويتوجه:
من اصطلاح ابن مفلح في: " الفروع " أَي: يتوجه عنده.
- يقوى:
من اصطلاح ابن مفلح في " الفروع " أَي: يقوى عند ابن مفلح.
ثم اصطلاحهم في هذا القسم على أَربعة أَنواع هى:
- النوع الأول: تقديم الراجح:
ولهم في ذلك مسلكان:
1- الاقتصار على الراجح دون ذكر الخلاف.
وهذه طريقة أَصحاب المتون التي تُساق على رواية واحدة، وبخاصة المختصرات منها، مثل: العمدة، والإقناع، وزاد المستقنع، وكافي المبتدي، وأَخصر المختصرات، وغيرها.
وعلى هذه الطريقة جرى البهوتي في شرحه للإقناع: كشاف القناع.
2- ذكر الخلاف في المذهب مع تقديم الراجح، وإن اختلف
(1/316)

الترجيح أطلق الخلاف. وهذه طريقة ابن مفلح في: " الفروع " وشرطه في كتابه كما في مقدمته: 1/63.
- النوع الثاني: تقرير الراجح بعد تقديم المرجوح:
وهذا من عمل ابن مفلح في: " الفروع " فقد علمت أَن شرطه تقديم الراجح، لكن قد يقدم غيره ثم يقول: والمذهب، والمشهور، أو: والأَشهر أو: والأصح، أو: والصحيح: كذا. وهذا في كتابه كثير كما نبه عليه المرداوي في " تصحيحه " له: (1/23) .
- النوع الثالث: تعيين الراجح مع الإشارة إلى قوة المرجوح:
سلك ابن مفلح هذا الطريق في: " الفروع " كما وضحه المرداوي في: " تصحيحه ": (1/ 27- 28) فإنه يسوق الخلاف بلفظ: فعنه كذا، وعنه كذا، ثم يقول بعدها: والمذهب، أو: والمشهور، أَو: والأَشهر أو والأَصح كذا، ونحوه.
فهذا يفيد أَمرين: تعيين الراجح عنده " والِإشارة إلى قوة في القول الآخر.
- النوع الرابع: الِإشارة إلى منزلة الخلاف قوة وضعفًا، بواحد من " حروف الخلاف في المذهب " وهي ثَلاَثَة (1) :
" ولو ": ويُشار به إلى الخلاف القوي
__________
(1) ومضى حرف رابع هو " أو " وفي آخر حرف الألف من الفصل الثالث في: " المدخل السادس ".
(1/317)

" حَتَّى " يُشار به إلى الخلاف المتوسط.
" وإن " يُشار به إلى الخلاف الضعيف.
وهذا النوع يحتاج إلى بحث وتحرير، فأَقول:
أَول من رأيته أَفاد عنها العلاَّمة ابن بدران- رحمه الله تعالى- في " المدخل ": (ص: 213) مبينا أَنها تشير إلى وجود الخلاف فقال: " متى قال فقهاؤنا: " ولو كان كذا " ونحوه كان إشارة إلى الخلاف وذلك كقول صاحب الِإقناع، وغيره، في باب الأذان: " ويكرهان - يعني: الأذان والِإقامة - للنساء، ولو بلا رفع صوت " فإِنَّهم أَشاروا بلو إلى الخلاف في المسألة، ففي " الفروع ": وفي كراهتهما يعني: - الأذان والِإقامة للنساء - بلا رفع صوت، وقيل: مطلقا، روايتان وعَنه: يُسن لهن الِإقامة وفاقا للشافعي، إلَّا الأذان خلافًا لمالك " انتهى.
فقوله: ولو بلا رفع صوت، إِشارة إلى الرواية الثانية.
وقالوا أيضا: ولا يُكره ماء الحمام، ولو سخن بنجس.
وفي هذه المسألة خلاف أيضا، فقد قال في: " الفروع ": وعنه:
يكره ماء الحمام؛ لعدم تحري من يدخله، فاحفظ هذه القاعدة فإِنَّها مهمة جدّا " انتهى.
فأفاد كلامه إفادة هذا الحرف: " ولو " للخلاف، ولم يشر إلى أنه للقوي أو دونه.
(1/318)

وقد تناقل بعض طلبة العلم في عصرنا أَن " حتى " للخلاف القوي، " ولو " للخلاف الضعيف، وقيل بالعكس فيهما، و " وإن " للخلاف المتوسط. وهذا لا يُعَوَّل عليه.
ولم أَرَ قيد ذلك في كتاب سوى إِشارات لبعض علماء عصرنا، منهم الشيخ محمد بن إبراهيم- رحمه الله تعالى- في تقرير له كما في: " فتاويه ": (2/ 260) إذ قال: " حتى: للخلاف المتوسط " انتهى. والشيخ علي الهندي- أَثابه الله- في رسالته " مقدمة في بيان مصطلحات الفقه الحنبلي ": (ص/ 42) وفي طبعتها الثانية باسم: " التحفة السنية ": ص/ 92 حكاها على أن: " حتى " للخلاف القوي " وإن " للمتوسط " ولو " للضعيف، وتابعه على غلطه من نقل عنه.
وفي: " الشرح الممتع لزاد المستقنع " للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين: (4/ 181) قال ما نصه:
" وقد ذكر بعض المتأخرين: أنهم إذا قالوا: " ولو كذا " فالخلاف قوي، وإذا قالوا: " وإن كذا " فالخلاف أقل، وإذا قالوا: " حتى " فالخلاف ضعيف " انتهى.
وأنت ترى اضطرابهم في منزلتها الحكمية في الخلاف؟
والذي أراه أن هذا حكم ينبني على الاستقراء التام، ولا أراه يطرد، وإنما هي: " حروف للخلاف في المذهب " فقط، بل منهم من يستعمل
(1/319)

بعضها في غير خلاف وإنما لدفع الإيهام، أي: إِيهام الخلاف، كقول صاحب " زاد المستقنع " في: " باب الرجعة،: " فله رجعتها في عدتها ولو كرهت " يعني لا اعتبار لكراهتها، وهذا بإجماع المسلمين؛ لنص القرآن الكريم. وقال صاحب " زاد المستقنع " أيضا في: " باب صوم التطوع ": " ويحرم صوم العيدين ولو في فرض " والتحريم لا خلاف فيه في المذهب.
وقال أيضا في " باب الآنية ": " يُباح استعماله ... ولو على أنثى ".
وهذا لا خلاف فيه في المذهب.
والخلاصة:
أَن هذه الحروف الثلاثة: " حتى، ولو وإن " يستعملها الأَصحاب للإشارة إلى الخلاف في المذهب، وقد تأتي لتحقيق الحكم، ونفي الاشتباه والإيهام، وما سوى ذلك مما ذكر تحكم. والله أعلم
ولِإشارة هذه الحروف إلى مطلق الخلاف تجد لدى المالكية منها حرفين: " ولو "، " وإِن " كما في " شرح الخرشي: 1/48 " و " جواهر الِإكليل للأُبي: 1/ 5 " و " مواهب الجليل للحطاب: 1/39 " (1) .
__________
(1) وانظر نصوصهم في كتاب: المذهب المالكي، للمامي الشنقيطي ص/ 427
(1/320)

المدخل السادس: في التعريف بالإمام أحمد
المولود في 20/ 3/ 64 هـ- المتوفى ضحوة يوم الجمعة 12/ 3/ 241 هـ
عن 77 عاما و " 11 " شهرًا و " 22 " ليلة.
- رحمه الله تعالى-
وفيه خمسة أبحاث:
المبحث الأول: عيون المعارف في ترجمته
المبحث الثاني: الإمام أحمد محدث وفقيه
المبحث الثالث: مَدَى تأثر فقه أحمد ومذهبه بفقه الشافعي ومذهبه.
المبحث الرابع: خبر القول بخلق القرآن: فتنة ثم محنة ثم نصرة. ومواجهة أحمد لها في مراحلها كافة
المجث الخامس: في معرفة الخصال التي تميز بها الإمام أحمد - رحمه الله تعالى-
(1/321)

المدخل السادس: في التعريف بالإمام أحمد
المولود في 20/ 3/ 64 هـ- المتوفى ضحوة يوم الجمعة 12/ 3/ 241 هـ
تستفاد ترجمته- رحمه الله تعالى- من الكتب المفردة في ترجمته، وسيرته، وخبر محنته، وهي نحو أَربعين كتابًا، تأتي تسميتها في: " المدخل السابع " عن علماء المذهب، وإن أَوْفى الكتب المطبوعة منها على الِإطلاق، كتاب ابن الجوزي. ت سنة (598 هـ) : " مناقب الإمام أَحمد بن حنبل " فإِنه- رحمه الله تعالى- استفرغ جُلَّ ما في الكتب المسندة في ترجمة أَحمد، في نحو ستمائة: " 600 "، صفحة، فالمترجمون للِإمام بعد ابن الجوزي عيال عليه.
وإذا تأملت أَسانيده فيها، رأيتها من كتب متعددة، وجُلُّها من كتاب الخلال. ت سنة (311 هـ) والخطيب. ت سنة (463 هـ) في مناقب أحمد.
وتستفاد ترجمته تبعًا من كتب السير والتراجم، والطبقات، والتواريخ، وقد سَمَّى محقق: " سيرأعلام النبلاء " منها ثمانية
(1/323)

وعشرين كتالًا: (11/ 177- 178) .
وأَوفاها ما في: " السير " للذهبي: (11/177- 358) ، فانَّه استوفى عيون ما في ترجمته، وبخاصة: " خبر القول بخلق القرآن ". واتَكَأ على كتاب ابن الجوزي المذكور.
والعجب أن ابن جرير، لم يترجم له في: " تاريخه " كما أَن ابن عساكر لم يذكر خبر المحنة في: " تاريخه "
وتستفاد ترجمته أيضا من تراجم تلاميذه، ومن تراجم أَقرانه، ومن تراجم شيوخه، ومن تراجم خصومه.
وأَستخلص هُنَا عرضا موجزا لأَهم الأَنباء في ترجمة هذا الإمام، تحت رؤوس المسائل لعيون المعارف في حياته المباركة، من الرحلة به حملًا في بطن أمه، إلى حمله على أَكتاف أَعيان الأمة، وتشييعه من أهل الملة إلى بطن الأَرض في مقبرة باب حرب من بغداد، دار السلام
فإلى بيانها:
(1/324)

المبحث الأول: عيون المعارف في ترجمته
نَسَبُهُ:
هو: وحيد أَبويه: أَبو عبد الله، أَحمد بن محمد، بن حنبل بن هلال بن أسد، ويتصل نسبه إلى:
مازن، بن شيبان، بن ذهل، بن ثعلبة، وينتهي إلى: ربيعة، بن نزار، بن معد، بن عدنان
فهو المازني ثم (1) الشيباني ثم الذهلي ثم الربعي ثم النزاري ثم العدناني.
البصريون أَجداده، ثم السرخسي جده " حنبل "، ثم المروزي.
أَبوه " محمد "، ثم البغدادي هو في الولادة، والمنشأ، والوفاة.
هذا هو المعتمد في سياق نسبه، وقد وقع في سياقه لدى بعضهم خطآن:
أَحدهما: جعله من: " ذهل بن شيبان " والصحيح أَنه من: " شيبان بن ذهل بن ثعلبة "، وذهل بن ثعلبة، هو عم ذهل بن شيبان. وكان الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- يحلف على أن هذا
__________
(1) " ثم " في سياق النسب، تعني الصُّعود في النسب، وانظر كناشة النوادر ص/ 108-109
(1/325)

خطأ، وأَنه من " شيبان بن ذهل بن ثعلبة ".
ثانيهما: ساق الخطيب بسنده في: " تاريخه " عن أَحمد بن عبد الله العجلي، أَنه قال:
" وأحمد بن محمد بن حنبل، يكنى: أَبا عبد الله، سدوسي، من أَنفُسهم ... ".
والخطيب- رحمه الله تعالى- ساق نسب الإمام أَحمد إلى:
مازن بن شيبان، لا إلى: سدوس بن شيبان ... وهذا هو المعتمد عند عامة مترجميه.
ويدل عليه ما حكي في ترجمته- أيضا- من أَن الإمام أَحمد، كان يتردد إلى مسجد في البصرة، يصلي فيه، يقال له: " مسجد مازن " فلما سُئِلَ عن ذلك، قال " إِنه مسجد آبائي ".
فأَحمد- رحمه الله تعالى- " مازني "، " شيباني " من ولد مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، لا من ولد ذهل بن شيبان، فيكون أَرفع في النسب؛ إِذ ذهل بن ثعلبة هو عم لذهل بن شيبان.
و" شيبان " سيدة قبائل ربيعة في الجاهلية والإسلام.
وكان منهم: المثنى بن حارثة، أَول فاتح للعراق.
ومنهم: محارب بن دثار السدوسي الشيباني الكوفي، قاضي الكوفة. ت سنة (116 هـ) وهو القائل:
" لما أكرهت على القضاء بكيت، وبكى عيالي، فلما عُزلت عن
(1/326)

القضاء، بكيت وبكى عيالي ".
ثم هو من ربيعة، وربيعة أَخو مُضَر وربيعة ومضر يلتقيان بنزار جد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فها هو أَحمد من قبيلة عربية صليبة لا أَعجمية، ولا مهجنة، وخؤولته أَعمامه، كما في خبر أمه الآتي، ومع ذلك نص أَقرانه أَن من فضائله: أَنه كان لايفتخر بعربيته.
منازل بني شيبان في الإسلام:
كانت منازل بني شيبان في الإسلام " بالبصرة "، فهي دار أَجداد الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل، وعشيرته؛ ولهذا لَمَّا اشتد عُوْدُهُ كان يتردد إلى مسجد في البصرة يصلي فيه يُقال له: " مسجد مازن " فلما سُئِلَ عن ذلك قال: " إِنَه مسجد آبائي ".
ثم انتقل بعض أَجداده إلى أَرض فارس، ولا نعلم عن تاريخ الانتقال ولا أَول من انتقل، إلا أَن جده حنبل " كان واليًا على " سرخس " ثم كان والده في " مرو " ومن أَجنادها.
ثم عاد أَحمد حملًا إلى بغداد، فبها وُلدَ، وبها نشأ، وبها مات ودُفِن- رحمه الله تعالى-.
تاريخ ولادته ووفاته:
روى عبد الله بن أحمد، عن أَبيه، أنه قال: " قَدِمَتْ بي امِّي حَمْلًا من خراسان، وَوُلدْتُ سنة (164 هـ)
وقال ابنه صالح:
(1/327)

" جِيْءَ بِهِ من مرو حَمْلا ".
وأَفادت الروايات أَنه وُلدَ في بغداد في العشرين من شهر ربيع الأول عام (164 هـ)
وقيل: في ربيع الآخر.
وقيل: كانت ولادته بمرو، وجيء به مع أمه إلى بغداد، وهو طفل.
والمعتمد الأول؛ لأَنه من قول أَحمد عن نفسه، وهو بها أَعلم.
وتوفي في بغداد، محموما، ضحوة يوم الجمعة، العاشر، وقيل: الحادي عشر وقيل: الثاني عشر، من شهر ربيع الأول عام 241 هـ، وغُسِّلَ، وصُلي عليه، ودُفِنَ في هذا اليوم، يوم وفاته. وغلط من قال: وفاته في شهر ربيع الآخر.
وكان عمره يوم مات: سبعة وسبعين عامًا وأحد عشر شهرًا واثنتين وعشرين ليلة
وقد ذكرَ مترجموه كثرة من حضر جنازته من الرجال، ومن النساء، واسترسل المؤرخون في ذكر العدد التقريبي لمن حضر جنازته، حتى من الكفار، ومن أَسلم منهم ذلك اليوم.
وأمَّا مَا حُكِي من أنه أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفًا فهو من رواية الوركاني وهو مجهول، كما بينت ذلك في: " التأصيل " وساق المترجمون له، من الرؤى الحسنة عجبًا- رحمه الله تعالى رحمة واسعة- آمين.
(1/328)

وقال أبو الحسن ابن الزاغوني (1) :
" كُشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه فوجد كفنه صحيحًا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة ".
ابن حنبل:
انفرد الإمام مالك- رحمه الله تعالى- بنسبة مذهبه إلى اسمه فيُقال: " المذهب المالكي "
أَما أَبو حنيفة النعمان بن ثابت، فنسبة مذهبه إلى كنيته، فيُقال: " المذهب الحنفي "
وأَما محمد بن إِدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، فينسب مذهبه إلى جده: " شافع " الذي اشتهر بالنسبة إِليه هو، فيُقال له: " الإمام الشافعي " ويُقال لمذهبه: " المذهب الشافعي ".
وأَما أَحمد بن محمد بن حنبل، فاشتهر عند الناس بالنسبة إلى جده، فيُقال: " الإمام أَحمد بن حنبل " و " ابن حنبل " ويقال في النسب إلى مذهبه: "المذهب الحنبلي ".
ويظهر أَن لِجَدِّه " حنبل " من الشهرة، والمكانة، ما جعل الحفيد " أَحمد " لا يُعرف إلَّا به، فيُقال: أَحمد بن حنبل. والله أعلم.
كنيته:
كنيته " أبو عبد الله " وعبد الله، هو الابن الثاني له، والأول هو ابنه:
__________
(1) تهذيب التهذيب: 1/ 76
(1/329)

صالح، فلماذا تكنى بعبد الله دون صالح، والعادة جارية بتكني الأَب بأَكبر أَبنائه؟
فلعله تكنى بأبي عبد الله قبل أَن يتزوج، ويولد له، فغلبت عليه.
وهذا جَارٍ في الناس، كما قيل:
لَهَا كُنْيَة عمرو ... وَلَيْسَ لها عمرو
أَو أَنه ولد له ابن أَول ما ولد وسماه عبد الله، ومات في صغره، ويمَنَّى به، فغلبت عليه.
- وإذا عرفنا أَن الإمام أَحمد لم يتزوج إلَّا بعد الأَربعين من عمره بتتبع الأَخبار والروايات في ترجمته نجد مجموعة منها في خبر ما قبل الأَربعين من عمره كان يدعى فيها بأَبي عبد الله، وهذا دليل مادي على سلامة أَحد هذين التعليلين وَأَوَّلهما أَوْلَى. وكم في بطون التاريخ، والسير من معالم، طويت معالمها، وغابت أَخبارها، فهذا: شيخ الإسلام أَبو إسماعيل الهروي: عبد الله بن محمد الأنصاري. ت سنة (481 هـ) لا يعرف له سوى ابنيه: مجاهد، وعبد الهادي، فمن أين جاءت تكنيته بأَبي إسماعيل؟ يدور في هذا تعليلات كثيرة، والله أعلم.
- آل الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-:
آل الإمام أَحمد: الشيبانيون نَسَبًا، البغاددة وطنًا، وهم: أصول، وفروع، وحواشٍ، وزوجات، ذِكرهم على النحو الآتي:
1- أبوه وجده:
كان أبوه محمد: من أجناد مرو لكن ما لبس زي الجند قط،
(1/330)

وأصله من البصرة، وكان كريمًا جوادًا مُمَدَّحًا، فَتح داره بخراسان لوفود العرب، فيقوم بالضيافة، والإكرام.
توفي وهو ابن ثلاثين عامًا، ولذا قال أَحمد: لم أَر جدي، ولا أَبي.
وكان جده: حنبل، واليًا على سرخس، ومن القائمين بالدعوة العباسية.
وهذه السابقة مِن جَدِّه، لم تشفع له عند المأمون، والمعتصم، والواثق، من خلفاء بني العباس في موقفهم من أَحمد الإمام، فهل من مُعتبر (1) ؟.
2- والدته الشيبانية:
هي: صفية بنت ميمونة- هكذا- بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر وعبد الملك هذا من وجوه بني عامر وساداتهم.
هكذا وجدت اسمها.
فهذه الوالدة المباركة، ترملت من زوجها، وكان أَحمد وحيدها، وكانت أمه قد وُفِّقَتَ حينما رحلت به إلى بغداد دار العلم آنذاك
وفي هذه النقاط الثلاث كان الشافعي كذلك، فقد ترملت أمه في شبابها، فحملت وحيدها: محمد بن إدريس من غزة إلى مكة، دارالإسلام الأولى، ومثابة العلم والعلماء.
3- أَعمامه: عبد الله، وعمر وإسحاق ت سنة (253 هـ) ، أبناء حنبل. فعبد الله، ولد له: أحمد، وقد سمع من الإمام أحمد أشياء
__________
(1) كانت دولة بني العباس من سنة 132 هـ. إلى سنة 656 هـ. فذلك خمسمائة وأربع وعشرون سنة
(1/331)

وإسحاق ولدَ له: حنبل. ت سنة (273 هـ) وقد روى عن الإمام أَحمد.
وعمر وُلدَت له: ريحانة زوجة الإمام أَحمد.
فهؤلاء ستة نفر.
وفي " المغني لابن قدامة: 3/487 " ذكر عَبْثَر ابن عَمِّ الإمام أحمد وذكر الخطيب في: " تاريخ بغداد: 12/ 318 ": خَتَن عبد الله. وفي: " 11/343 " ذكر: غلام أحمد.
4- أَولاده: للِإمام أَحمد عشرة أَولاد، ثمانية بنين، وابنتان، هم:
صالح، وعبد الله، وزهير، والحسن والحسين، والحسن، ومحمد، وسعيد، وزينب، وفاطمة.
5- زوجاته: كان له- رحمه الله تعالى- زوجتان من العرب، وجاريتان، كما يأتي:
1- أَول زواج له كان بعد بلوغه أَربعين عاما كانت زوجته عباسة: بنت الفضل، من نسل العرب من الرَّبَض أَقامت معه ثلاثين عامًا، لم يختلف معها بكلمة واحدة.
ولدت له: ابنه صالحًا أَبا الفضل القاضي بطرسوس. ولد سنة (203 هـ) وت سنة (266 هـ) بأَصبهان وله ثلاث وستون سنة، وهو أكبر من أخيه عبد الله بعشر سنين.
ولصالح ثلاثة أَبناء، هم: أَحمد، وعلي، وزهير ت سنة (303 هـ) ، ولأحمد ابن اسمه: محمد بن أحمد بن صالح بن الإمام
(1/332)

أَحمد. ت سنة (330 هـ) يكنى أبا جعفر.
وقد توفيت عباسة في حياة الإمام أَحمد، وكان يثني عليها كثيراَ
2- زوجته: أم عبد الله: ريحانة- بنت عم الإمام أَحمد: عمر تزوجها بعد وفاة أم صالح، وولدت له: راوية المسند: ابنه: عبد الله، فقط. وماتت في حياته.
وعبد الله يكنى: أَبا عبد الرحمن، ولد سنة (213 هـ) وتوفي سنة (295 هـ) ببغداد عن عمر ناهز سبعة وسبعين عامًا مثل أبيه، صلى عليه ابن أَخيه زهير بن صالح
3- جارية اسمها: حُسْن، اشتراها بعد وفاة أم عبد الله. ولدت له بقية أَولاده: أم علي: زينب، والحسن، والحسين- توأمان- وَمَاتَا قُربَ ولادتهما ثم: الحسن ومحمد، وعاشا نحو أَربعين عاماَ، ثم سعيد، وُلدَ قبل موت والده بنحو خمسين يومًا، وقد ولي قضاء الكوفة
وأَما ابنه زهير ويكنى أَبا العباس فمذكور في ترجمة: الحسن بن أَيوب البغدادي من: " الطبقات " لابن أَبي يعلى. ولم أَقف على غير هذا. وفي ترجمة ابن أبي موسى الهاشمي: عبد الخالق بن عيسى ت سنة (470 هـ) من " الطبقات " ذكر خبر قبره مع الإمام أَحمد في القبر فأنكرَ ذلك أبو محمد التميمي، وقال: " كيف تدفنونه في قبر الإمام أحمد، وبنت أحمد مدفونة معه في القبر؟ فإن جاز دفنه مع الإمام فلا يجوز دفنه مع ابنته، فقال بعض العوام: اسكت، فقد زوجنا
(1/333)

بنت أَحمد من الشريف، فسكت التميمي، وقال: ليس هذا يوم كلام " انتهى.
فلعلَّها فاطمة، التي ذكرها المقريزي في: " المقفى " ولم يتبين من أي زوجاته المذكورات.
4- جارية اشتراها، وسماها: " ريحانة ".
قال ابن المنادي:
" استأذن أَحمد زوجته في أَن يتسرى طلبًا للاتباع، فأَذنت له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها: ريحانة، استنانًا برسول الله صلى الله عليه وسلم. " انتهى.
" صفته:
كان شيخًا رَبْعَةً، وقيل: طُوالاً أَسمر شديد السمرة، حسن الوجه، مخضوبًا يخضب بالحِنَّاء خِضَابًا ليس بالقاني، وفي لحيته شعرات سُود.
تعلوه سكينة، ووقار وخشية، وكان مهيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هبت أَحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل ". وكانت ثيابه غلاظًا بيضاء، يعتم، ويتزر.
وكان نظيفًا في مَلْبَسِهِ.
وكان يَتَنَوَّر في بيته، وما دخل حَمَّامًا قط.
وكان أَكثر جلوسه متربعاً.
- فراسة العلماء عنه في صغره:
بدت عليه النجابة وهو غَضٌ يختلف إلى الكُتَّاب، واشتهر
(1/334)

بالشغف الشديد في التعلم، والرغبة في العلم وهو في سن الصبا وتميز بالورع، وعفة اللسان، والقلم، وهو في ريعان الشباب.
قال أَبو سهل الحافظ الهيثم بن جميل الأَنطاكي في أَحمد:
" إِن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه " انتهى.
فلله أَبوه، ما أَصدق فراسته، فقد كان حجة على أهل زمانه إلى الآخر، فسبحان المنعم المتفضل.
- أَحمد في صِغَرِهِ يرفض أَن يكون وَشَّاء:
أَرسل معه عَمُّه أَوراقًا إلى ديوان الخليفة فغاب أَحمد طويلًا، دون أَن يَرُدَّ عَلَى عَمِّه، وسِنُّهُ عند ذلك صغيرة.
فلما قابله عَمُّه سأله عن الأَوراق، فعرف أَنه لم يوصلها، فسأله: لماذا لم توصلها فأَجاب أَحمد الغلام:
" ما كنت لأَرفع تلك الأَخبار، لقد أَلقيت بها في البحر، فجعل عمه يسترجع، ويقول: هذا غلام يتورع فكيف نحن ... ؟ " (1) انتهى
- تواضعه (2) :
كان- رحمه الله- آية في التواضع ومثالًا يحتذى في ذلك، وسيرته خير شاهد على ما نقول، وهو عربي صليبه ولاشك، ومما يشهد لتواضعه أَنه لم يكن يفخر بعروبته.
__________
(1) أحمد بن حنبل للدومي: 16 نقلاً عن: المناقب لابن الجوزي.
(2) السير 11/ 206-212
(1/335)

يقول الحافظ الناقد الجليل يحيى بن معين- رفيق حياته وصديقه-: ما رأيت خيرًا من أَحمد بن حنبل، ما افتخر علينا بالعربية قط ولا ذكرها.
وقد سُئِلَ مرة عن ذلك وهل هو عربي؟ فقال: نحن قوم مساكين.
وَيَحْكِي ابن الجوزي أَن أَحمد كان من أَحب الناس وأَكرمهم نفسا وأَحسنهم عشرة وأَدبًا، كثير الإطراق والتقى، معرضًا عن القبح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد في وقار، وسكون، ولفظ حسن، وإذا لقيه إِنسان بش به، وأَقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدًا، وكانوا يكرمونه، ويعظمونه.
- إِجابته الدعوة:
كان من مظاهر تواضعه، وتطبيقه للسنن: إِجابته للدعوة في المناسبات المشروعة، مثل الزواج، والختان وكان في حضوره، ملاطفًا للناس، متواضعاً، لكن كان أَمَّارًا بالمعروف، نَهَّاءً عن المنكر، يُقَوّمُ السلوك، ويزيل المنكر، فإن لم يمكنه انصرف.
وكان ربما بذل شيئًا من المال؛ لإدخال السرور.
وله في ذلك حكايات، ومواقف كريمة.
- تعبده وزهده غير المتكلف:
إن أعظم صفة أخذت بمجامع قلبي، هي ما أَفاض به مترجموه - رحمه الله تعالى - في أخبار تعبده، وزهده، وتألُّهه، وقراءته
(1/336)

القرآن، وورعه، مما لا ينقضي منه العجب، لكنها المعونة الربانية، والعناية الِإلهية، وهي بحق تقضي له بالإمامة في العلم والدِّين، إِذ العالم لا يكون عالمًا حتى يكون عاملًا، تَقَبَّلَ الله مِنَّا ومنه، آمين.
وكان من هديه: أنه لا يُظهر النسك.
وكثيرًا ما يقول: اللهم سَلِّم، سَلّم.
وكانت الدنيا لا يجري لها ذكر على لسانه.
قال تلميذه أَبو داود- صاحب السنن- ت سنة (275 هـ) : " لقيت مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أَحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أَمر الدنيا، فإذا ذُكِر العلم تكلم " انتهى.
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-:
" وقد صَنَّف أَحمد عن الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا، لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه، والمظنون بل المقطوع به: أنه إنما كان يأخذ بما أَمكنه منه- رحمه الله- " انتهى.
وجاء في " السير: 11/ 192 " قال الرمادي: سمعت عبد الرزاق وذكر أَحمد بن حنبل فدمعت عيناه، فقال: بلغني أَن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأَقمته خلف الباب، وما معنا أَحد، فقلت له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير إذا بعنا الغلة أشغلناها في شيء، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها ... فقال لي: يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئًا قبلت منك
(1/337)

وفي مجال ورعه وتقواه كان يقول: ما كتبت حديثًا إلًا وقد عملت به، حتى مر بي أَن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأَعطى أَبَا طَيبة دينارًا فأَعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
- حبه للوحدة:
قال عنه ابنه عبد الله: كان أَصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ لم
يكن يصبر على الوحدة، كان يخرج إلى ذا إلى ذا
وكان يقول: أَشتهي مكانًا لايكون فيه أَحد من الناس
ويقول رأيت الخلوة أَروح لقلبي
وقال تلميذه إبراهيم الحربي: كان يجيب في العرس، والِإملاك والختان، ويأكل.
وذكر غيره أَن أَحمد ربما استعفى من الإجابة، وكان إذا رأى إناء فضة، أو منكرًا، خرج.
وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعود المريض.
وكان يكره المشي في الأَسواق، ويؤثر الوحدة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أَبا عبد الله إذا مشى في الطريق، يكره أَن يتبعه أَحد. انتهى
أَقول: فليعتبر من إذا مشى معه مَنْ لا يُفْرَحُ بِهِ، أو احتوشه بعض الطلاَّب، ضاقت الطريق به؟
- بعده عن الشهرة:
من كان موصوفًا بالزهد، والورع، والتواضع، وصدق اللجأ إلى
(1/338)

الله، والتعبد، ودوام الذكر، وقراءة القرآن، وتبليغ العلم؛ خاف على نفسه " الشهرة " وكرهها، وَفرَّ من أَسبابها وأَخذ بالتوقي منها
وقد ضرب الإمام أَحمد في حربها، شوطًا بعيد المدى في دقائق حياته، حتى كان يقول:
" لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر ".
ولهذا قال في وصفه عيسى بن محمد الرملي:
" عن الدُّنيا ما كان أَصبره، وبالماضين ما كان أَشبهه، وبالصالحين ما كان أَلحقه، عَرَضت له الدُّنيا فَأَبَاهَا، والبِدع فنفاها " رواهما الذهبي في: " السير ".
ولهذا كان- رحمه الله تعالى- لا يظهر النسك ويقول:
(أُريد أَن أَكون في بعض تلك الشعاب حتى لا أعرف، قد بُليت بالشهرة، إِني لأَتمنى الموت صباحًا ومساءً) .
وكان ينهى من رآه آخذا ببعض أَسباب الشهرة مثل تشمير الثياب فوق المعتاد، ولبس المرء غير لبس أهل بلده، وهكذا، مما ساقه ابن الجوزي عنه في كتابه: " تلبيس إِبليس " وفَصَّلْتُ القول فيه في رسالة باسم: " الفرق بين حَدِّ الثوب والأزرة ".
قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى- بسنده:
وقال أحمد- رحمه الله تعالى-:
" القلانس من السماء، تنزل على رؤوس قوم، يقولون برؤوسهم
(1/339)

هكذا، وهكذا- المعنى لا يريدونها- وقوله: هكذا وهكذا، أي يميلون رؤوسهم أن يتمكن منها، ومعنى الكلام: أنهم لايريدون الرئاسة، وهي تقع عليهم ... " انتهى.
أَقول: فما بالنا نبذل النفس، والنفيس، ونغض الطرف عن أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، متربصين شيئًا من ذلك، ثم لا نكتفي بهذا الإثم بل نزيده إثمًا بتخريجه فقهاً؛ ليفيد شرعيته؛ ولهذا نزلت القيمة بنزول القيم وارتفع أَهل الأهواء، والماديون، والسَّفل (1) .
- إِجلال علماء زمانه له وهيبته عندهم (2) :
كان علماء زمانه: يجلونه، ويقصدونه بالسلام عليه.
قال أَبو عبد الله: كان لنا عند يزيد بن هارون توهم في شيء فكلمته فأَخرج كتابه، فوجده كما قلت، فَغيَره، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل، ادن يابن حنبل، ادن ها هنا.
وقال ميمون بن الأَصِبغ: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المعيطي، وأبو خيثمة، وأحمد، وكانت في يزيد- رحمه الله- مداعبة، فذاكره المعيطي بشيء، فقال له يزيد: فقدتك، فتنحنح أحمد فالتفت إِليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، فقال: إلَّا أَعلمتموني أَنه ها هنا؟
__________
(1) وانظر مبحثًا نفيسًا في: " الاعتصام للشاطبي ".
(2) السير 11/ 194، الأئمة الأربعة للشكعة: ص/ 762
(1/340)

قال المروزي: فسمعت بعض الواسطيين يقول: ما رأيت يزيد ابن هارون ترك المزاح لأَحد إلَّا لأَحمد بن حنبل.
ويقول أَحد تلامذته: كنا نهاب أَن نرد أَحمد في شيء أو نُحَاجَّهُ فيه ".
ويقول آخر دخلت على إِسحاق بن إبراهيم - والي بغداد - وفلان وفلان من السلاطين فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرْتُ إليه أكلمه في شيء فَوَقَعَتْ عَلَيَّ الرعدة حين رأيته من هيبته.
- كرمه:
مع قلة ذات اليد، وأَن حاله كانت كفَافًا، بل ربما لحقته فاقة، كان يبذل ما في يده، ولا يؤخر ما في يومه لِغَدِه.
- مصدر نفقته:
مُسْلِم يَتَعَفَّفُ من أُعطيات السلطان، والأَخذ من أَيدي الناس وإن لحقته فاقة، يظن الظَّانُّ أَن لديه من الثراء، ما ينافس به أهل الدنيا في دنياهم، لا. ولكن كان لديه الكنز الذي لا ينفد: " القناعة "، والعفة، وضبط النفس، وعلو الهمة.
إِن غاية مَا ذَكرَتْهُ المصادر أَن له دارًا في بغداد، ملحق بها جوانب مؤجرة، فينفق من غِلالها.
وثم مصدران آخران:
تقوته من عمل يده:
ومن وقائعه في ذلك أَنه زمن الرحلة إلى عبد الرزاق في
(1/341)

اليمن، كان يعمل " التكك " (1) ويبيعها، يتقوت بها (2) .
- حوانيت كان يؤجرها: وقد ذكر مترجموه من حسن تعامله مع شاغليها، وعطفه عليهم، ما يقضي بورعه، وسماحة نفسه، وزهده، وانصرافه بكليته عن الدنيا.
وَلَعَلَّ قلة ذات يده، وتقلله من الدنيا، كان سببًا في نبوغه في العلم والفقه في الدِّين.
ومن شواهد ذلك أنه جرت بين أبي الوليد الباجي، المتوفى سنة (474 هـ) وابن حزم، المتوفى سنة (456 هـ) - رحمهما الله تعالى- مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: " تعذرني، فإن أكثر مطالعتي كانت على سُرج الحُرَّاس ". قال ابن حزم: " وتعذرني أيضا، فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة " قال ياقوت بعد ذلك (3) : " أراد ابن حزم أن الغِنى أضيع لطالب العلم من الفقر وهذا مشاهد، فالضِّدَّان لا يجتمعان، كحُبِّ القرآن وحُبِّ الغناء وحب المال وحب العلم، والولاية والتجارة، وبقدر ما يحصل من العنصر الداخل يضعف الجانب الآخر، والقوة لمن غلب، فاحذر أن تُغلب في دينك وعلمك وعملك. والله المستعان
رفضه أعطيات السلطان:
اذأ كان الإمام أَحمد في رحلاته قد رفض الأخذ من شيخه
__________
(1) هي مفرد: " تكة " والتكة نوع من اللباس كما في: " الإنصاف: 1/ 458 " فلعلها المرادة هنا.
(2) السير 11/193.
(3) معجم الأباء: 12/ 239-240
(1/342)

بواسط: يزيد بن هارون، ورفض عطاء شيخه عبد الرزاق في اليمن، ورفضه من رفيقه في السفر إلى اليمن: إسحاق بن راهويه، ورفضه من يحيى بن معين، ورفضه من جار له بمكة حِيْنَ سُرِقَتْ ثيابه، فما بالك بأعطيات السلطان له؟.
إنَّه ما قبل- رحمه الله تعالى- أعطيات السلطان قط، في أَخبار يطول ذكرها، وهي من ضنائن السلوك، وضبط النفس. وإلى الله الشكوى، فما لنا من هذا إلَّا الرواية؟
وكان يقبل الهدية من غير السلطان، ويثيب عليها بأَكثر منها.
نعم، رفع الله المحنة عن الإمام أَحمد وعن المسلمين بولاية المتوكل وكان دفع له مالاً فلم يقبله، فأَلزمه به ففرقه بعد ما قبله وأَجرى المتوكل على أَهله وولده، أَربعة آلاف في كل شهر حتى مات المتوكل، لكن الإمام أَحمد اعترض على ولديه: صالح، وعبد الله، وعمه، لأَنهم قبلوا مال الخليفة المتوكل، ويقول لهم: لِمَ تأخذونه، والثغور معطلة، والفيء غير مقسوم بين أَهله؟
وأَقول: اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كَسْرَنا، فما بقي إلَّا من يقول:
أَنا للأُعطيات أَنا.
وما أجمل ما قاله مصعب بن عبد الله الزبيري:
" ومن في ورع أحمد؟ يرتفع على جوائز السلطان، حتى يُظن أنه الكِبر ويكري نفسه مع الجمالين، حتى يُظن أنه الذل، ويقطع نفسه عن مباشرة عامة الناس وغشيان خاصتهم أنْسًا بالوِحدة، فلا
(1/343)

يراه الرائي إلا في مسجد، أو عيادة مريض، أو حضور جنازة، ولم يقض لنفسه بعض ما قضيناه من شهوات " انتهى.
- تاريخ بدء طلبه للحديث:
بدأ- رحمه الله تعالى- في طلب الحديث سنة (179 هـ) . في العام الذي مات فيه الإمامان: مالك، وحماد بن زيد، أَي: وهو في سنِّ السادسة عشرة من عمره.
وكان أَول سماعه من: هشيم بن بَشير الواسطي سنة (179 هـ)
وأَول من كتب أَحْمَدُ عنه الحديثَ: هو أَبو يوسف
- رحلاته:
لعل أَول من اشتهر بأَنه طاف البلاد، وجاب الأَمصار، في طلب الحديث، متتبعا محاريب العلم، وأَئمته الهداة في السنن والفقه في الدِّين، هو الإمام أَحمد؟ فقد رحل من بغداد إلى: المصرين: الكوفة، والبصرة، وإلى: عبادان، وإلى: الجزيرة، وإلى: واسط، وإلى الحرمين: مكة والمدينة، ورحل ماشيًا إلى صنعاء اليمن، وارتحل ماشيا إلى: طرسوس، مرابطا، وغازياً، ورحل إلى الشام.
ومنعته قلة ذات اليد، من الرحلة إلى " الرَّيِّ " ليأخذ عن محدِّثها: جرير بن عبد الحميد.
وتارة منعته أمه من الرحلة، شفقة عليه.
ووعد شيخه الشافعيَّ بالرحلة اليه في مصر لكن حالت المنية
(1/344)

دون ذلك، بوفاة الإمام الشافعي سنة (204 هـ) - رحمه الله تعالى-. وكانت رحلاته هذه نتيجة وَلَعِهِ بالعلم، والطَّلَب، ولهذا رَوَى
عنه ابنه صالح، قال:
(رَأَى رجل مع أَبي محبرة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمام المسلمين، فقال: " من المحبرة إلى المقبرة ")
ومع هذا العمل الصالح، كان حريصًا على توفر ركنه: " الِإخلاص " فيقول: " إِظهار المحبرة من الرياء ".
ولهذا نفع الله بعلمه، واشتهرت في العالمين ثقته وأَمانته وجلالة قدره- رحمه الله تعالى-.
وإلى بيان موجز عن رحلاته:
[1] كانت أَولى رحلاته في طلب الحديث إلى: الكوفة سنة وفاة شيخه هشيم سنة (183 هـ) .
وكان أَجل شيوخه فيها وكيع، وكانت صلته به على نحو صلة زفر بأَبي حنيفة، لكن هذا في تلقي الرأي، وأَحمد في تلقي السنة.
وكان في رحلته هذه في حال شظف في العيش؛ إذ كان يتوسد اللبن من قلة ذات اليد، وقد حُمَّ فرجع إلى أمِّه في بغداد.
[2] ثم رحل إلى ما هو أبعد منها عن بغداد: " البصرة " دار آبائه وأَجداده من بني شيبان، دخلها أَول ما دخلها في أَول شهر رجب سنة (186 هـ) ، ثم سنة (190 هـ) ، ثم (194 هـ) ، ثم سنة
(1/345)

(200 هـ) ، ثم رحلة خامسة.
والتقى فيها بأَعلامها: ابن علية، وابن مهدي، وابن القطان.
[3] ورحل إلى: عبادان سنة (186 هـ)
[4] ورحل إلى: واسط سنة (187 هـ) وهو في طريقه إلى مكة.
لأَداء فريضة الحج، وأَخذ فيها عن: يزيد بن هارون.
[5] ورحل إلى: " طرسوس " ماشيًا على قدميه.
[6] وبعد أَن أَنهى أَمصار قطره، صَوَّب سفره إلى الحجاز لأَداء فريضة الحج سنة (187 هـ) فأَخذ في مكة عن: ابن عيينة، ثم الشافعي.
ثم حج تطوعًا أَربعًا، منها في: سنة (197 هـ) ، وسنة (198 هـ) .
فهذه خمس حجات كان في ثلاث منها يحج ماشيًا، ومرتين راكبًا وكان في حجته سنة (198 هـ) يفتي الناس في الموسم في مسجد الخيف.
[7] ورحل ماشيًا إلى صنعاء (1) اليمن سنة (198 هـ) ، وأَقام عند شيخه محدِّث اليمن: عبد الرزاق بن همام، مدة سنتين
وفيها أَخذ عن: إبراهيم بن عقيل، وكان عَسِراً في الرواية.
[8] ورحل إلى الشام.
__________
(1) صنعاء: قيل: كلمة حبشية، بمعنى: حِصْن وثيق. معجم البلدان: 3/ 7
(1/346)

كثرة شيوخه (1) :
كان له شُيوخ كُثر، منهم في المسند ما يزيد عن " 280 " شيخاً، كذا ذكر الذهبي، وقد أُفردت في عصرنا بكتاب بلغ بهم مؤلفه: (292) شيخا (2)
وهم من أَقطار الأَرض من: بغداد، والبصرة، والكوفة، والحجاز، والشام، والجزيرة، واليمن.
وكان أُستاذه وشيخه الذي اختص به لملازمته والتخرج عليه، الحافظ أَبو سهل هشيم بن بشر الواسطي، إِذ لازمه من سنة (179 هـ) إلى سنة (183 هـ) .
قال الِإمام أَحمد (3) :
" كتبت من هشيم سنة (179 هـ) ، ولزمناه إلى سنة (183 هـ) ، وكتبنا منه كتاب الحج، نحوًا من أَلف حديث، وبعض التفسير وكتاب القضاء، وكُتُبًا صغارًا ".
وشأنه في هذا شأن الأَئمة في ملازمة شيخ يتخذ الطلب عليه أَساسًا في حياته العلمية، وتحصيله، مع الاختلاف إلى غيره.
وهذا أَبو حنيفة اختص بأستاذه حماد بن أبي سليمان، وبه تَفَقَّه. ومالك اختص بأستاذه ابن هرمز
__________
(1) " السير 11/181 " معجم شيوخ الإمام أحمد في المسند " للشيخ عامر صبري.
(2) " معجم شيوخ الإمام أحمد في المسند " للشيخ عامر صبري العراقي
(3) تاريخ بغداد: 4/ 416
(1/347)

والشافعي اختص بأُستاذه مالك.
وقد سمَّاهم ابن الجوزي في: " المناقب " وساقهم على حروف المعجم، فيمن وقعت له تسميته.
- أَدب أَحمد مع شيوخه:
يحدِّث أَحمد عن حاله مع شيخه هشيم فيقول (1) :
" وكان هشيم كثير التسبيح، ولازمته أَربعة، أو خمسة- أَعوام- ما سألته عن شيء- هيبةً- إِلاَّ مرتين، في الوتر ومسألة أخرى عن أَشعث ".
هكذا الأَدب، وصدق الطلب، وإخلاص العمل، وإجلال الشيوخ فأَين هذا من بعض الطلبة المتعالمين، الذين يتنمرون على شيوخهم بأَسئلة يصنعونها؛ ليظهروا عجزه، وفضلهم عليه؛ وهؤلاء حقيق أَن يفشلوا، ولا ينجحوا، وقد شُوْهِدَ هذا.
أما الذين يسألون للوشاية، فَصُدَّ عنهم، وَوَلِّهم دُبرك.
- رواية شيوخه عنه (2) :
حدَّث عن الإمام أَحمد، جُملة كبيرة من شيوخه، عقد ابن الجوزي لتسميتهم " الباب الحادي عشر "، نحو عشرين شيخًا حدَّثوا عنه، منهم الإمام الشافعي
__________
(1) تاريخ بغداد: 14/ 89، تهذيب التهذيب: 11/ 62
(2) السير 11/ 182 وانظر طبقات الشافعية الكبرى: 2/30 مهم. وترى البحث مفصلا في: " الرواية عن المبهم " من كتابي: التأصيل ... "
(1/348)

قال الذهبي- رحمه الله تعالى: (و-حدَّث عنه- أبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي لم يُسَمِّه، بل قال: حدَّثني الثقة) انتهى.
- كثرة تلامذته:
تلاميذه الرواة الآخذون عنه، وحَمَلَةُ المسائل عنه قد أفردهم بالتأليف تلميذ تلامذته: الخلال. ت سنة (311 هـ) ثم ابن المنادي. ت سنة (336 هـ) ، ثم الجنابذي. ت سنة (611 هـ) وقد فرغ لهم ابن أبي يعلى. ت سنة (526 هـ) الجزء الأول من " الطبقات " وبلغ بهم (577) نفسًا، وعقد لهم ابن الجوزي " الباب الثاني عشر " من كتابه في مناقب أحمد ويأتي تفصيل ذلك في: المدخل السابع.
هذا فضلًا عما يذكر في ترجمته من كثرة الآخذين عنه، مِمَّن لم تقع تسميتهم، ومن كان يحضر درسه، ومجالسه، وقد ذكر مترجموه، أنه كان يحضر درسه ومجلسه ما يزيد على خمسة آلاف، ما بين كاتب، ومستمع، ومتأدب بأدب، وملتمس حُسْنَ دَلِّ وسمت.
- غرامه بالكتب (1) :
قال أبو زرعة: " حُزِرَتْ كُتُبُ أحمد، يَوْمَ مات، فبلغت اثني عشر حِمْلًا، وعِدْلًا ما كان على ظهر كتاب منها: حديث فلان، ولا في بطنه: حدَّثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه " انتهى.
__________
(1) السير: 11/188
(1/349)

* إِمامته في علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال:
إِمامته في معرفة الرجال كمعرفته في عقبه، وفضلا عن إِمامته وبصيرته في ذلك فهو من المعتدلين المتحلين بالِإنصاف، ومجانبة الِإفراط والتفريط.
وله في ذلك: " العلل ومعرفة الرجال " و " الأَسامي والكنى " و " التاريخ " و " حديث شعبة ".
* روايته في الكتب الستة (1) :
قال الذهبي- رحمه الله تعالى-:
" حَدَّث عنه البخاري حديثًا، وعن أَحمد بن الحسن، عنه حديثًا آخر في المغازي، وَحَدَّث عنه مسلم، وأَبو داود بجملة وافرة، وروى أَبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، عن رَجُلٍ، عنه " انتهى
* من نفائس أقواله:
- منها " قال الميموني: قال لي أَحمد: يا أَبا الحسن، إياك أَن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إِمام "
أَقول: أَين هذا الهدي السني المقتصد في السنة من الذين يستظهرون سننًا، وهدياً في عصرنا لم تكن معروفة في عمر التاريخ الإسلامي؟ ثم هم يجالدون عليها، ثم يتدينون ببغض من لم يَتَسَنَّنْ
__________
(1) السير 11/ 181
(1/350)

بها، والله يعلم ما في أَنفسكم فاحذروه.
- ومنها: " قال الورَّاق: سمعت أَحمد بن حنبل يقول: ما شبهت الشباب إِلاَّ بشيء كان في كُمِّي فسقط ".
- ومنها: قال عبد الله بن أَحمد، سمعت أَبي يقول: " قولوا لأَهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز ".
* مؤلفاته:
الإمام أَحمد - رحمة الله تعالى- عن كبار المصنفين في الإسلام، له المؤلفات الجامعة، والمصنفات الماتعة، ويكفيه شرفًا كتابه العظيم: " المسند " ديوان الإسلام لسنة النبي- عليه الصلاة والسلام- وقد بلغت كتبه نحو الثلاثين، وَقَارَبَت كُتب المسائل عنه المائتين.
وبجانب هذا كان ينهى عن وضع الكتب " في الرأي "، ويصفه بأَنه بدعة، والروايات عنه في النهي عن الكتابة عنه منشورة، وأَخبارها مسطورة.
ومنها ما رواه ابنه عبد الله عنه في: " مسائله: 1821 " وقد ذُكِرَ وضع الكتب عنده فقال:
" أَكرهها. هذا أَبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أَبو يوسف فوضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتاباَ، فهذا لا انقضاء له، كل ما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتاباَ، وجاء الشافعي أيضا، وجاء هذا - يعني: أَبا ثور- وهذه الكتب وَضْعُها بدعة، كل ما جاء رجل وضع كتابًا وترك حديث رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ".
(1/351)

كما تظافرت الروايات عنه في نهيه لتلاميذه عن الكتابة عنه شيئًا من أَجوبته وفتاويه، وَعَلَّلَ ذلك بأَنه رأي، والرأي قد يتغير، وَعَلَّلَ ذلك مرة أخرى وأَرشد طلابه بأن ينصرفوا إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتركوا تقييد الرأي وكتابته، فإن الرأي قد يخطىء.
لكن لما اطمأن- رحمه الله تعالى- إلى إشباع النفوس بالسنة والحديث، وأَن هذا هو العلم، وأنه لا يجوز أن يصرف عن الوحيين صارف، طفق العلية من أَصحابه وتلاميذه يكتبون عنه أَجوبته، وفتاويه، ومنهم من كان يعرضها عليه.
وهذا نظير نهي النبي صلى الله عليه وسلم كتابة شيء عنه صلى الله عليه وسلم سوى القرآن، فلما أمن صلى الله عليه وسلم على عظمة منزلة القرآن في نفوس الصحابة، وزالت خشية الانشغال عنه، وخوف اختلاطه بغيره، أَذن صلى الله عليه وسلم بتدوين الحديث عنه، فأملى، وأمر، وأذن صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث عنه.
وبعد فإلى بيان مؤلفات الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-:
1- المسند. طبع مرارا
2- فضائل الصحابة. مطبوع في مجلدين.
3- العلل ومعرفة الرجال. مطبوع
4- الأَسامي والكنى. طبع.
5- حديث شعبة.
6- التاريخ.
7- الزهد. مطبوع
(1/352)

8- الورع. مطبوع
9- الرد على الزنادقة والجهمية. طبع مرارا
10- كتاب أهل الردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض ونحو ذلك. وهل هو تأليف مستقل للإمام أم جزء من كتاب الخلال: " الجامع لعلوم الإمام أحمد "؟ مطبوع.
11- الإيمان. مخطوطته في: المتحف البريطاني كما في: تاريخ التراث العربي: 1/ 3/ 226.
12- طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
13- الإمامة.
14- نفي التشبيه.
15- المقدم والمؤخر في القرآن.
16- جوابات القرآن.
17- الناسخ والمنسوخ، مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة.
18- رسالة في الصلاة. مطبوعة. وهي في: " طبقات ابن أبي يعلى: 1/348- 381.
19- حديث الشيوخ.
20- المناسك الكبير.
21- المناسك الصغير.
22- الفرائض.
23- كتاب الأشربة. مطبوع
(1/353)

24- كتاب الوقوف والوصايا. مطبوع
25- أَحكام النساء طبع
26- الترجل. طبع
وهذه الثلاثة يظهر- والله أعلم- أَنها من كتاب: " الجامع " للخلال " وإن وجدت نسخ خطيه مفردة لها.
ولم أَذكر كتاب: " التفسير " الذي قيل: إِنه يبلغ مائة وعشرين أَلف حديث، لأَن نقد الذهبي لنسبته، وإنكار وجود تفسير له، مقنع كما في ترجمته للِإمام أَحمد من: " السير 11/328، وفي 13/522 ".
وأما رسائله- رحمه الله تعالى- ...
فهي في الاعتقاد، وقد ساق ابن أَبي يعلى في: " الطبقات " منها ست رسائل هي:
1- " رسالة الاصطخري: 1/ 24- 36 "
2- " رسالة الربعي الحسن بن إسماعيل: 1/ 130- 131 "
3- رسالة عبدوس بن مالك العطار 1/ 241- 246 "
4- " رسالة محمد بن عوف الطائي: 1/ 311- 313 "
5- " رسالة السنة رواية الأَتدراني والسرخسي: 1/329- 330 "
6- " رسالة الإمام أَحمد إلى مسدد بن مسرهد، المتوفى سنة (228 هـ) : 1/ 341- 345 "
(1/354)

* تاريخ تأليفه للمسند:
أَلَّف " المسند " قبل المحنة، وما سمعه ابنه عبد الله إلَّا بعدها في حدود سنة (227 هـ) أو سنة (228 هـ) .
* سعة حفظه:
الأخبار عنه في هذا تطول، ومنها:
عن أَحمد الدورقي، عن أَبي عبد الله قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه، وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد؟
قال عبد الله بن أَحمد: قال لي أَبو زرعة: أَبوك يحفظ أَلف أَلف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأَبواب. قال الذهبي بعدها: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أَبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأَثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك " انتهى.
(1/355)

المبحث الثاني: إِمامته في الفقه (1)
ينتظم الإمام عقد الصفوة المباركة من أئمة المسلمين في الفقه، والدِّين، وَلاَ أدَلَّ على امتلاكه الطاقة الكبرى في الفقه، وتبوئه موقع الريادة فيه، من انتصابه للفتيا، وتسجيل آلاف الفتاوى، مقدرة بنحو ستين أَلف فتوى.
قال تلميذه عبد الوهاب بن عبد الحكم الوَرَّاق:
" ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قيل له: وأيش الذي بان لك من فضله، وعلمه على سائر من رأيت؟ قال رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدَّثنا، وأخبرنا ".
وهي مدونة في عشرات كتب المسائل، التي رواها مئات التلاميذ عنه، بل من كبار شيوخه من يرجع إليه، ويستفتيه، ويرجع إلى رأيه في الفقهيات، كما يأخذون عنه الروايات أمثال الأئمة:
__________
(1) معجم الأدباء لياقوت: 18/ 57. طبقات السبكي: 2/ 17. مناقب ابن الجوزي: ص 79، 475 التنكيل: 1/ 165- 175. الحنابلة في بغداد. ص: 175- 182. المدخل لابن بدران: ص/ 38- 39. الفكر السامي للحجوي: 2/ 18- 26. السير للذهبي: 11/321. مقدمة تحقيق الوسيط للغزالي: 1/162-163. الكامل لابن الأثير 8/45 حوادث سنة (310 هـ) . تاريخ ابن كثير 11/ 145-147
(1/356)

الشافعي، ويزيد بن هارون، وابن مهدي، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى ابن آدم، وأَبي ثور، وكان يقول- وهو شيخه-: (أَحمد، شيخنا، وإمامنا) .
ولهذا قال أَبو القاسم ابن الجَبُّلي:
" أَكثر الناس يظنون أَن أَحمد إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد بن حنبل، إذا سُئِلَ عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه " انتهى من كتاب ابن الجوزي " مناقب الإمام أَحمد ": " الباب التاسع: في بيان غزارة علمه وقوة فهمه وفقهه ".
وفيه ساق أَمثلة عجيبة من دقة فقه الإمام، وبصيرته النافذة في مآخذ الأَحكام. وما كان أَغنانا عن البحث في هذا، لأَن ثبوت إمامة أَحمد في الفقه، ومعرفته فيه، وغوصه في فهم نصوص الوحيين الشريفين، وفقه الصحابة والتابعين، وشهرة ذلك كالشمس إلَّا أَنها تغرب، وهذا واضح للعيان لمن وقف على أَفعاله، وأقواله في أَجوبته وفتاويه التي بلغت عشرات الأَسفار يكتبها عنه مئات الأصحاب، وقد شهد بفقهه الأَئمة الكبار من شيوخه، وأَقرانه، وتلامذته، ممن لهم قدم صدق في الإسلام والعلم والورع والإيمان من أَئمة أهل العلم في الأَقطار، في بغداد، والحجاز واليمن، والشام، ومصر، وبلاد العجم، وقد ساق الذهبي أقوالهم في: " تاريخ الإسلام " و " السير " وغيره في غيرها من سابق ولاحق، فَمِنَ الذين نَعَتُوْه بِالفقه:
(1/357)

شيخه وتلميذه: الإمام الشافعي (1) ، وشيخه عبد الرزاق (2) ، قال:
" ما رأيت أَحدًا أَفقه ولا أَورع من أَحمد بن حنبل ".
قال الذهبي بعده (3) :
" قلت: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري، ومالك، وابن جريج ".
ومن الذين نعتوه بالفقه: أَبو عبيد القاسم بن سَلَّام (4) " وأَبو ثور (5) ، وعبد الله بن المديني (6) ، وابن وارة (7) ، والنسائي (8) ، وصالح بن محمد جزرة (9) ، والبوشنجي (10) ، وأَبو زرعة الرازي (11) ، وإبراهيم بن خالد (12) ، وإسحاق ابن راهويه (13) ، ويحيى بن آدم (14) ، وإبراهيم الحربي (15) ،
__________
(1) السير: 11/ 195، طبقات الحنابلة: 1/ 5-6، 18، مقدمة المسند لشاكر 1/64.
(2) السير: 11/ 195
(3) السير: 11/ 195
(4) السير للذهبي: 11/ 196،200، طبقات الحنابلة: 1/ 5- 6، شرح علل الترمذي لابن رجب: ص:141
(5) السير للذهبي: 11/ 197.
(6) السير للذهبي: 11/198.
(7) السير للذهبي: 11/ 199، 201
(8) السير للذهبي: 11/ 199، شرح العلل: ص/ 142
(9) السير للذهبي: 11/ 199
(10) السير للذهبي: 11/202، شرح العلل: ص: 143
(11) السير للذهبي: 11/ 205، 13/ 79، شرح العلل: ص/ 141- 142.
(12) مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1/ 293، 294
(13) مقدمة الجرح والتعديل لابن ابي حاتم: 1/ 293، 294
(14) طبقات الحنابلة: 1/ 7، (15) شرح العلل: ص/ 141
(15) شرح العلل: ص: 142
(1/358)

وأَبو حاتم الرازي (1) ، والعجلي (2) ، ويحيى بن معين (3) ، كل هؤلاء نعتوه بالفقه، ومنهم من فَضَّله على غيره، وأَلحقه بطبقة التابعين؛ بل منح لقب: " الإمام "، وقد سمى ابن الجوزي بعض من لقبوه بالإمام، منهم (4) :
علي بن المديني، وأَبو عبيد القاسم بن سلام، وبشر بن الحارث، ويحيى بن آدم القرشي، والذهلي، وأَبو ثور.
ولما ساق الذهبي كلمة المروزي في تفضيل أَحمد على أَهل زمانه قال (5) :
" قلت: كان أَحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التأله، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأَقرانه ... ؟ ".
وقال أيضا في: " السير 11/291-293 ": " وإلى الإمام أَحمد، المنتهى في معرفة السنة علما، وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد، والورع، والعبادة، والصدق " انتهى
قال الربيع بن سليمان، قال الشافعي (6) : " أَحمد إِمام في ثمان خصال: إِمام في الحديث، إمام في الفقه، إِمام في اللغة، إِمام في
__________
(1) المصعد الأَحمد: 1/ 37 في مقدمة المسند لأحمد شاكر
(2) شرح العلل: ص 142
(3) المصعد الأحمد: 1/ 37 في مقدمة المسند لأحمد شاكر وكانت وفاة ابن معين سنة (233 هـ) بالمدينة وحمل على نعش رسول الله صلى الله عليه وسلم
(4) المناقب: ص: 77، 109، 117، 125
(5) السير 11/203
(6) طبقات الحنابلة: 1/ 5-6
(1/359)

القرآن، إِمام في الفقر، إِمام في الزهد، إِمام في الورع، إِمام في السنة " انتهى.
وقد شرحها مع ضِعْفِها ابن أَبي يعلى في " الطبقات ".
فالإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- مُحَدّث يمحص الروايات صحيحها من سقيمها، وراجحها من مرجوحها، وناسخها من منسوخها وعامها من خاصها، ومطلقها من مقيدها ... وهذه منقبة له بالاتفاق والإجماع من الموافق والمخالف.
والإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- فقيه يمحص معاني النصوص وأَلفاظ الرواة.
وهو لغوي بارع، يعرف منازل الكلام، وموارده، ومصادره، ونحو العربية، وبلاغتها، ويكفينا في هذا إِضافة إلى أَنه عربي من ذُرَى شيبان، شهادة سَيِّدِ من نطق بالضاد في زمانه، شيخه، وتلميذه الإمام الشافعي بأَن أَحمد: " إِمام في اللغة ". وقد قال أَحمد:
" كتبت من العربية أكثر مما كتب أَبو عمرو بن العلاء ".
وكان- رحمه الله تعالى- لا يلحن في الكلام، ويؤدِّب أَولاده على اللحن، وقد ضرب ابنته زينب، وانتهرها على اللحن.
وهكذا جمع الله له بين الفقهين: فقه الإسناد، وفقه المتون والألفاظ بحقائقها اللغوية والشرعية.
ولا غرابة كان فقهه: " فقه دليل "، وإلاَّ فكيف يفقه النص من لا يعرف منزلة سنده؟.
(1/360)

ومع هذا فإِن العصبية دفعت بأَقوام إلى الشغب على الِإمام والنيل من أهل مذهبه فصاغوا قولتهم عن الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- بأَنه: " محدث وليس بفقيه ".
واستقوها من تصرف الإمام الطبري: محمد بن جعفر المولود سنة (224 هـ) والمتوفى مدفونًا بداره ليلا في بغداد سنة (310 هـ) في كتابه: " اختلاف الفقهاء " من أَنه لم يضم إلى خلاف الثلاثة خلاف الإمام أَحمد ... (1) ؟
من هنا نبيّن كائنة الحنابلة مع الإمام الطبري وأقوال الناس في توجيهها، ومحملها، حتى يتبين للمنصف اضمحلال تلك المقولة، وضمور مستندها.
* كائنة الحنابلة مع الطبري:
في ترجمة: الإمام محمد بن جرير الطبري، شيخ المفسرين، المتوفى سنة (310 هـ) - رحمه الله تعالى- ذكر ياقوت ت سنة (626 هـ) في تاريخه " معجم الأدباء " وابن الأثير في: " تاريخه: الكامل " (6/ 171) وابن السبكي ت سنة (771 هـ) في: الطبقات 3/ 124- 125 " وابن كثير ت سنة (774 هـ) : في تاريخه:
__________
(1) ذكر الحجوي في: الفكر السامي: 2/ 25 من كتب في الخلافيات، ولم يذكر مذهب الإمام أحمد، وجميعهم بعد الطبري، وهم: من الحنفية: الطحاوي، والدبوسي، والنسفي، والسمرقندي، والفراهي، والأصيلي المالكي، والغزالي الشافعي في: " الوجيز " ... ثم ذكر من اعتمده في الخلافيات وبخاصة الإمام الترمذي في جامعه، مع عدم ذكره لمذهب الإمام أبي حنيفة إلا نادراً.
(1/361)

11/145 ": كائنة الحنابلة مع الطبري:
(فلما قدم- أي الطبري- إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها: تعصب عليه أَبو عبد الله الجصاص، وجعفر بن عرفة، والبياضي، وقصده الحنابلة فسألوه عن أَحمد بن حنبل في الجامعِ يوم الجمعة وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أَبو جعفر أما أَحمد بن حنبل فلا يعد خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه ولا رأيت له أَصحابًا يُعَوَّلُ عليهم، وأَما حديث الجلوس على العرش فمحال، ثم أَنشد:
سبحان من ليس له أَنيس ... ولا له في عرشه جليس
فلما سمع ذلك الحنابلة منه، وأَصحاب الحديث، وثبوا ورموه بمحابرهم، وقيل: كانت ألوفًا، فقام أَبو جعفر بنفسه ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يومًا إلى الليل وأَمر برفع الحجارة عنه، وكان قد كتب على بابه:
سبحان من ليس له أَنيس ... ولا له في عرشه جليس
فأَمر نازوك بمحو ذلك وكتب مكانه بعض أَصحاب الحديث:
لأَحمد منزل لا شك عامل ... إذا وافى إلى الرحمن وافد
فَيُدْنِيْهِ ويُقْعِدُهُ كريمًا ... على رغم لهم في أنف حاسد
فَخَلا في داره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر
(1/362)

مذهبه، واعتقاده، وجرح من ظن فيه غير ذلك، وقرأ الكتاب عليهم، وفيه فضل أَحمد بن حنبل، وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده، ولم يزل في ذكره إلى أَن مات ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتى مات، فوجدوه مدفونا في التراب فأَخرجوه ونسخوه، أعني " اختلاف الفقهاء " انتهى.
فهذه المصادر تتفق هي وغيرها على أمور
1- أَن ابن جرير- رحمه الله تعالى- احتجب في داره.
2- وأنه لما مات سنة (310 هـ) دفن في داره ليلًا ومنعوا من دفنه نهارًاه.
3- وأن ذلك بسبب ما وصل إِليه من أَذى.
ثم اختلفوا فيمن آذاه وسببه.
* فياقوت يُعَلِّلُهُ بأَمرين من الحنابلة، هما:
1- تأويله حديث الاقعاد على العرش
2- عدم ذكره لخلاف أحمد في كتابه: " اختلاف الفقهاء ".
* وابن الأَثير، يذكر قول ابن مسكويه من أن سببه:
دعوى العامة عليه: الرفض والِإلحاد، لكن يرده ابن الأَثير ويذكر أن السبب تأليفه كتابه المذكور، وقيام الحنابلة عليه.
* وابن السبكي يرى أَنه إنَّما احتجب عن الأراذل من العامة، وأَما الحنابلة فهم أقل شأنًا من أن يمنع بسببهم.
* وابن كثير: يرى أَن السبب رمي داود الظاهري له بالرفض
(1/363)

والإلحاد، بسبب تأليفه كتابا عن: غديرخم في مجلدين، وكتابًا جمع فيه طرق حديث الطير، وأنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء، فقلد الحنابلة داود فآذوا ابن جرير تدينًا.
هذه خلاصة ما ذكره المؤرخون في هذه الكائنة، ومعلوم أَن الفقرتين (1، 2) لا خلاف فيهما، وتبقى الفقرة الثالثة في معرفة من آذاه، وسببه، ويظهر ما يلي:
1- ما ذكره ابن السبكي، لا ينبغي الالتفات إِليه، ولا التعويل عليه؛ لما عرف من العداوة بينه وبين الحنابلة، فهذا من تقادح الأَقران، بل بلغ به الحال- تجاوز الله عنا وعنه- إلى الوقوع في شيخه الإمام الذهبي كما في ترجمته له وفي ترجمته لوالده، وفي ترجمته أبي الحجاج المزي من كتابه: " طبقات الشافعية الكبرى 10/399-400، 9/103 " وقد رد عليه الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى- في: " الإعلان بالتوبيخ ص/ 101، 135- 136 " والشوكاني في: " البدر الطالع ".
2- ما ذكره ابن الأَثير عن ابن مسكويه، وذكره بأَبسط منه ابن كثير من أَن السبب ما رُمي به من الرفض والإلحاد فيكفينا في رده، بعد المطالبة بثبوته، ودونه خَرْطُ القتاد: رد ابن الأَثير له، ورد ابن كثير كذلك في قولهما: وحاشاه من ذلك.
3- بقي السبب الثالث الذي ذكره ياقوت وابن الأثير وهو تأليفه كتابه: " اختلاف الفقهاء " وفيه خلاف الأئمة الثلاثة دون ذكر
(1/364)

خلاف الإمام أحمد، زاد ياقوت: وتأويله حديث الجلوس على العرش.
قال ابن الأثير: " فقيل له- أي ابن جرير- في ذلك فقال: لم يكن فقيهًا وإنَّما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يُحْصَوْنَ كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أَرادوا ... ".
أقول: لِنفرض أَن هذا هو السبب، فإن اعتذار ابن جرير- رحمه الله تعالى- في عدم ذكر الإمام أحمد في كتابه اختلاف الفقهاء، واضح، أنه لا يريد نفي كون الإمام أحمد فقيهًا وإنَّما يريد نفي كونه فقيهًا متبوعًا؛ فابن جرير ولد سنة (224 هـ) في حياة الإمام أَحمد المتوفى سنة (241 هـ) ثم توفي ابن جرير سنة (310 هـ) ومذهب الإمام أَحمد لم يتكون إقراء فروعه في هذه الفترة، فكان في طور رواية تلامذته له، وجمع الخلال له، المتوفى سنة (311 هـ) أي بعد ابن جرير بعام واحد، وأول مختصر في فقهه كان من تأليف الخِرَقي المتوفي سن (334 هـ) ، فصار بدءُ إقرائه في الكتاتيب كما في تلقن القاضي أَبي يعلى له، وعلى يد أبي يعلى، المتوفى سنة (458 هـ) الذي تولى القضاء وشيخه الحسن بن حامد، المتوفى سنة (403 هـ) بدأ ظهور المذهب، وتكونه، وتكاثر أَتباعه، والاشتغال في تهذيبه، وتدوين المتون والأصول، وكل هذا بعد وفاة الإمام ابن جرير بزمن كما هو ظاهر فرحم الله ابن جرير ما أبره حينما قال: " أما أحمد فلا يعد خلافه، فقالوا له، فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما
(1/365)

رأيته رُوي عنه، ولارأيت له أُصحابًا يعول عليهم " انتهى.
أَي يعول عليهم في التمذهب الفروعي كما جرى عليه أَتباع الأَئمة الثلاثة: أَبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لتقدمهم عليه في الرتبة الزمانية، ثم صار التمذهب بمذهب أَحمد في مرحلة زمانية متأخرة عن وفاة ابن جرير على ما بينته.
وهذا من الوضوح بمكان مكين لمن تأمله، لكن ما فهم الأَصحاب كلامه ومراده فوقع ما وقع. ولله الأَمر من قبل ومن بعد.
ولا أرى هذا التخريج في الاعتذار عن ابن جرير إلَّا من وضع الأمور في نصابها.
وله نظائر تخرج من مآزق في التحطط على أهل العلم والإيمان.
منها ما أعتذر به ابن كثير- رحمه الله تعالى- عما نسب إلى ابن جرير من أَنه يقول بقول الرافضة من أَن فرض القدمين في الوضوء هو " المسح ".
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (والذي عوَّل عليه كلامه في التفسير أَنه يوجب غسل القدمين، ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عَبَّرَعن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أَنه يوجب الغسل والمسح، وهو الدلك، والله أعلم) انتهى
وذكرت لهذا نظائر في: (التعالم) والله أعلم.
ويزاد هنا نظير قول الطبري: " ولا رأيت له- أي أحمد-
(1/366)

أصحابًا يعول عليهم ": قول الإمام أَحمد، لما سُئِلَ عن أبي حنيفة، وعمرو بن عبيد، قال: أَبو حنيفة أَشد على المسلمين من عمرو بن عبيد؛ لأَن له أَصحابًا ... ".
كما في: " تاريخ بغداد: 13/114 " فإن أحمد لم يُرد أَن عمرو بن عبيد لا أَصحاب له البتة؛ وِانما أَرأد أَنه ليس له أَصحاب في مثل غلوه في الاعتزال والقدر (1) .
هكذا تنزل كلمات الأَئمة منازلها، فهي بحاجة إلى نظر سديد، وتأمل دقيق، وتخلص العصبية والهوى. والله المستعان
ثم يبدو بَعْدُ أَمران لابد من التنبيه عليهما:
الأول: أن ابن جرير يلتقي مع الإمام أحمد وأصحابه في صفاء الاعتقاد، والجري فيه على طريقة السلف بلا تأويل، ولا تفويض، ولا تشبيه، مع النزوع إلى فقه الدليل، وكان- رحمه الله تعالى- رأسًا في العلم، حتى انتسب له بعض أهل العلم مثل: المعافى بن زكريا النهرواني الجريري ت سنة (390 هـ) نسبة إلى ابن جرير في التمذهب؛ ولهذا ترى في تراجم بعضهم: وكان جريري المذهب، فهو- رحمه الله تعالى- رأس منافس في الترأس والاتباع، فلعلَّ ما هنا أثَر على ما هنالك، واِن كان- رحمه الله تعالى- أَجَلَّ وَأَوْرَعَ وَأَتْقَى لِرَبّه مِن التَّأثرِ بِذَلك.
الثاني: إن كان المتعصبة يريدون بقولتهم " ليس بفقيه " فقه
__________
(1) انظر التنكيل للمعلمي: 1/169
(1/367)

الرأي الذي لم يؤصل على الدليل فنعم، وهي منقبة، وإن أريد أنه غير فَقيه: فقه الدليل، فهذا من جحود المحسوس، ونكران الملموس. وعلى كل حال فتلك شكاة ظاهر عنك عارها، وتحتجر المقولة في صدر قائلها؛ إِذ لا رصيد لها من الواقع، ولا دليل يسندها، والعبرة بالحقائق، والكُلُ إلى الله صائر.
ولعله بهذا تحصل القناعة للمنصفين، وتنقشع عن أبصارهم غشاوة المُشَنِّعين، ونكون قد أدينا بعض ما لعلمائنا علينا من حرمة يجب أن تُرعى، وحق يلزم أن يُؤَدَّى.
وإذا تجلَّى الحق لناظريه، فليعلم الناظر فيه، أَن هذه الدعوى: " الإمام أحمد محدِّث وليس بفقيه " هي من ولائد التحطط على عموم المحدثين، ورميهم من المغبونين، بأنهم: " زوامل أَسفار "؟
وقد قام الخطيب البغدادي ت سنة (463 هـ) بتفنيد هذه الفرية وأن بواعثها أغراض نفسانية بلا مرية، وكشف عنها في كتابه النافع: " الفقيه والمتفقه " فاستجلى أَسبابها وجلى عن وجوه ردها، وسار من بعده على نهجه، فهم بها عيال عليه.
(1/368)

المبحث الثالث: مَدَى تأثر فقه أحمد ومذهبه بفقه الشافعي ومذهبه
وُلدَ الإمام الشافعي سنة (150 هـ) وتوفي سنة (204 هـ) ، والإمام أَحمد ولد سنة (164 هـ) وتوفي سنة (241 هـ) فيكون أَدرك من حياة الشافعي أَربعين عاما، وقد تتلمذ عليه واستفاد منه، وَبِالمِثْلِ فإِن الشافعي اعترف بفضل الإمام أَحمد وأَثنى عليه كثيرًا، وأَخذ عنه، وكان لمنزلته عنده يزوره فلما قيل له، أنشد:
قالوا يزورك أَحمد وتزوره ... قلت الزِّيارة كلها من أَجله
إن زرته فلفضله أو زارني ... فبفضله فالفضل في الحالين له
قيل: أَجابه أحمد- رحمه الله تعالى- بقوله:
إن زُرتنا فبفضل منك تَمنحنا ... أو نحن زُرْنا فللفضل الذي فيكا
فَلاَ عدمنا كلا الفضلين منك ولا ... نال الذي يتمنى فيك شانيكا
ذكر ذلك أبو الثناء الحميدي، المتوفى سنة (1030 هـ) كما في ترجمته من: " النعت الأكمل " للغزي. ولم أر ذِكْرَ الجواب بهما لغيره. والشافعي- رحمه الله تعالى- دخل بغداد مرتين، أقام في رحلته الأولى سنتين ونصف، وفيها صَنَّفَ كُتبهُ القديمة، ورحلته الثانية أقام بها شهرًا ولم يصنف فيها شيئًا.
(1/369)

فلهذه العلاقة العلمية والودية لاشك أثر على كل منهما كما أثرت العلاقة فيما بين أحمد، وإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة (238 هـ) ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى - في: " الفتاوى: 34/ 113 ":
(وموافقته- أي أحمد- للشافعي، وإسحاق، أَكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أَشبه منها بأصول غيرهما، وكان يُثني عليهما، ويُعظمهما، ويُرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذهبه كأصول مذهبهما.ومذهبه: أَن أصول فقهاء الحديث أَصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق، هما عنده من أَجل فقهاء الحديث في عصرهما، وجمع بينهما في مسجد الخيف، فتناظرا في " مسألة إجارة بيوت مكَة " ... ) انتهى (1)
ثم إِن هذين الإمامين يشتركان في خدمة الحديث الشريف وفقهه، مما صار له الَأَثر على فقههما، وتلاقي فُهُوْمِهِمَا في الاستنباط والتعليل، وصار له أَثر على أتباعهما في خدمة السنة النبوية؛ ولهذا برز في كلا المذهبين أَعلام على قدم الإمامة في علم الحديث
فمن الشافعية: الخطيب، والنووي، وابن كثير والذهبي، وابن حجر.
ومن الحنابلة: عبد الغني بن سرور المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الهادي.
وكان من أَثر الفقه الشافعي بالفقه الحنبلي، سلوك بعض
__________
(1) انظرها في: نصب الراية: 4/ 267
(1/370)

الأصحاب طريقة بعض الشافعية في صناعة التأليف في الفقه، وذلك من لدن أَول متن في المذهب: " مختصر الخِرَقي "؛ إذ أَلَّفهُ على طريقة المزني في " مختصره " كما في: " الفتاوى 4/ 450 ".
وهكذا من سار على طريقة الخرقي وترتيبه من الأصحاب.
وهذا الفخر ابن تيمية ت سنة (622 هـ) - رحمه الله تعالى- له: " تخليص المطلب ... " و " ترغيب القاصد ... " و " بلغة الساغب ... " وهذه الثلاثة على طريقة الغزالي الشافعي في: " البسيط "، و " الوسيط " و " الوجيز " (1) .
وهذا العلاَّمة المرداوي ت سنة (885 هـ) جرى في كتابه: " الِإنصاف ... " على طريقة ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي وغيره من كتب التصحيح (2) .
ومنه أَن يحيى بن يحيى الأَزجي ت بعد سنة (600 هـ) في كتابه: " نهاية المطلب في علم المذهب " حذا فيه حذو " نهاية المطلب " لِإمام الحرمين الجويني الشافعي، كما في: " ذيل الطبقات " وقد فرح بعضهم بهذا التقارب بين المذهبين، فادَّعى أَنه لا حاجة لمذهب الإمام أَحمد؛ لعدم وجود خلاف بينهما إلا في مسائل قليلة نحو ست عشرة مسألة؟
وقد ذكر هذه الدعوى الشيخ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي،
__________
(1) ذيل طبقات ابن رجب
(2) المدخل لابن بدران: ص/ 223
(1/371)

المتوفى سنة (909 هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه. " مناقب الإمام أَحمد " ورد عليها فيه، ثم أَفرد كتابا لنقضها باسم: " قرة العين فيما حصل من الاتفاق والاختلاف بين المذهبين ".
ولم يقدر لنا الاطلاع على الكتابين، لكن الشيخ أحمد بن محمد المنقور التميمي، المتوفى سنة (1125 هـ) - رحمه الله تعالى- ذكر في مجموعه: " الفواكه العديدة في المسائل المفيدة " الإشارة الى ذلك، ونقل كلام ابن عبد الهادي الآتي ذكره في: كتب المفردات " من الباب العاشر ".
والخلاصة أن المسائل بين الأئمة الأربعة تجري على أنواع:
1- مسائل اتفقوا عليها وانظر " الإفصاح " لابن هبيرة، و " رحمة الأمة " للدمشقي.
2- مسائل اختلفوا فيها على قولين أو ثلاثة أو أربعة.
ومن أمثلة أربعة الأقوال: مسألة الافتراش والتورك في جلوس التشهد في الصلاة: فأَبو حنيفة مذهبه: الافتراش في كل تشهد. ومالك: التورك، والشافعي: الافتراش في التشهد الأول والتورك في كل تشهد يليه سلام، وأحمد: " الافتراش في التشهد الأول، وفي الثنائية والتورك في التشهد الأخير ".
وتقدر المسائل التي خالف فيها أَحمد مذهب الشافعي بنحو عشرة آلاف مسألة.
3- ومن مسائل الخلاف ما يحصل فيه بعضها انفراد واحد
(1/372)

عن الثلاثة، ولهذا أَلف أَهل كل مذهب مفردات ذلك المذهب.
ومنها كتب في مفردات مذهب الإمام أَحمد.
وليس الخلاف والانفراد هو الشاهد على الاستقلال، لكن الشاهد: ما ثبت في أَجوبة الإمام على فتوى المفتين في أَكثر من ستين أَلف مسألة، رواها عنه تلامذته، ودونوها في كتب " المسائل عنه " وفيها من الفقه، والتعليل، والتدليل، ودقة النظر ما يبهر العقول، ويرسم للمتفقه طريق الفقه في الدِّين واستنباط دقائق الأَحكام من أَدلة التشريع، فرحمة الله على الجميع، آمين.
(1/373)

المبحث الرابع: خَبَر القول بخلق القرآن: فِتْنَةٌ. ثم مِحْنةٌ. ثم نصْرةٌ
مدة (23) عامًا
من بدايتها فتنة في عهد المأمون سنة (212 هـ)
إلى نهايتها نُصرة في عهد المتوكل سنة (234 هـ)
ومواجهة الإمام أَحمد لها في مراحلها -رحمه الله تعالى-.
* دور فِتْنه القول بخلق القرآن:
كان أمر الناس جاريًا على السُّنَةِ والسَّدَادِ من إِثبات صفة الكلام لله- تعالى- وأَن القرآن كلام الله، وَلَمْ يَفُهْ أَحد- وحاشاهم- بخلاف ذلك. هذا الأَصل العقدي كغيره من قضايا الاعتقاد محل إجماع، واجتماع من جميع الصحابة- رضي الله عنهم- وعليه عامة التابعين، وَمؤَدَّاهُ حَتْمًا: أَنه غير مخلوق. وقد وردت روايات مرفوعة بأَن كلام الله غير مخلوق، لكن لا يصح منها شيء كما بينته في: " التحديث " قال الذهبي- رحمه الله تعالى (1) -:
__________
(1) سير أعلام النبلاء: 11/ 236 وقد بينت تاريخ ظهور أصول البدع في: " الرد على المخالف ": المبحث الأول كما في كتاب " الردود ": (ص: 21-47) وفي حاشية ص/ 31، أشرت إلى الكتب التي اعتنت بذلك التاريخ.
(1/374)

(كان الناس أمة واحدة، ودينُهم قائمًا في خلافة أَبي بكر وعمر، فلما استُشهد قُفْلُ بابِ الفتنة عمرُ رضي الله عنه، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبحَ صبرا، وتفرقت الكلمةُ وتمت وقعةُ الجمل، ثم وقعةُ صِفّين، فظهرت الخوارجُ، وكفَّرت سادةَ الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القَدَريَّةُ، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخُراسان في أَثناء عصر التابعين مع ظهور السُنَّة وأَهلها، إلى بعد المئتين، فظهر المأمون الخليفة- وكان ذكيا متكلمًا، له نَظَر في المعقول- فاستجلب كتبَ الأَوائل، وعرَّب حِكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخب ووضع، ورفعت الجَهميةُ والمعتزلةُ رؤوسها، بل والشيعة، فإِنه كان كذلك، وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتَحنَ العُلماءَ، فلم يُمْهَلْ، وهَلَكَ لِعامه، وخلَّى بعده شرًا وبلاءً في الدِّين، فإِن الأمة ما زالت على أَن القرآن العظيم كلام الله تعالى وحيُه تنزيلُه، لا يعرفون غيرَ ذلك، حتى نبغ لهم القولُ بأنَّ كلام الله مخلوق مجعول، وأَنه إِنما يضاف إلى الله تعالى إِضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأَمين، فلما وَلي المأمون، كان منهم، وأَظهر المقالة) انتهى.
فهذه المقالة الفاسدة، الباطلة، الكافرة، أول من فاه بها: اليهود، والصابئون، والمشركون، والفلاسفة الضالون.
نطق بها يهودي باليمن، فأخذها عنه: لبيد بن الأعصم اليهودي،
(1/375)

ساحر النبي صلى الله عليه وسلم، وعن لبيد، أَخذها ابن أُخته وزوج ابنته: طالوت اليهودي، فزرعها هذا في العراق، وهي دار إِسلام (1) .
وأَول من نطق بها عن طالوت في الِإسلام. أبان بن سمعان، في العراق بحد المائة، فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأَحرقه بالنار ثم تتابع على القول بها في العراق جمع من الموالي:
فعن أَبان أَخذها: الجعد بن درهم، المقتول عليها بمرو سنة (118 هـ) بأَمر هشام بن عبد الملك، على يد عامله: خالد بن عبد الله القسري، وقيل: بل مات حتف أنفه، وَجَعْدٌ هو أستاذ آخر خلفاء بني أُمية: " مروان بن محمد "، المشهور بمروان الحمار؛ لصبره وَجَلَدِه على الشدائد، وكان ينسب إلى مؤدبه، فيقال: " مروان الجعد " ولشؤمه عليه ختمت به دولة بني أمية.
وعن الجعد، تلقاها: الجهم بن صفوان، المقتول عليها سنة (128 هـ) وصار له أتباع على هذه الضلالة يقدمهم يوم القيامة.
فقد أَخذ هذه المقالة ودعا إِليها: بشر بن غياث المريسي، المتوفى سنة (218 هـ) وكان والده يهوديًا قَصَّابا، صَبَّاغًا في بغداد وبِشْرٌ لم يلق الجهم، لكنه ورِثَ منه الشقاء، لهذا لم يُشَيّعْهُ أَحَدٌ من العلماء، وحكم الأَئمة بكفره، وردوا عليه مقالته، هو وقرينه: " ابن الثلجي " ومن أهمها: " رَدُّ الدارمي عثمان بن سعيد على بشر
__________
(1) تاريخ ابن كثير 9/ 364 حوادث سنة (124 هـ) . الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 109. شرح النونية لابن عيسى 1/ 49
(1/376)

المريسي العنيد ".
وفي كتاب: " الأَوائل " للعسكري (1) ، أَن أَول ما اختلف الناس في " خلق القرآن " كان في أَيام الإمام أَبي حنيفة، المتوفى سنة (150 هـ) - رحمه الله تعالى- مع تلميذه أَبي يوسف، فأَباها أَبو يوسف ونفاها، وقال أَبو حنيفة: " القرآن مخلوق "؛ ولهذا قال مترجموه: استتيب أَبو حنيفة على الكفر مرتين، كما صحح ذلك المعلمي- رحمه الله تعالى- في: " التنكيل ". وكان ذلك في عهد الرشيد العباسي؛ ولذا كان بشر الشر مختفيًا في دعوته هذه؛ لأن الرشيد كان واقفًا في وجه هذه المقالة، وأَهل الأَهواء، لم يداخلوا بلاط الخلافة، وأَعْرَاقُهُم صافية لم تُهجن بَعْدُ.
دَوْرُ المحنهِ:
فلما مات الرشيد، سنة (193 هـ) توالى على الانتصار لهذه المقولة ولداه: فنشأت في أيام المأمون، ثم استفحلت جدّا في أَيام المعتصم، ثم استمرت على هذا المنوال في أيام حفيده: الواثق بن المعتصم، وثلاثتهم أمهاتهم: أم ولد.
- المحنة في عهد المأمون: " دور نشأة الامتحان بها ":
كانت هذه المقولة إلى وفاة الرشيد، " فتنة " تدور في فلك البحث، والمناظرة، وكان القول بها من المتبنين لها، على وَجَلٍ، وخوف، وكان القائل بها مقموعًا، والمقولة مكبوتة، والألسنة مكفوفة،
__________
(1) 2/ 126، وانظر أحمد بن حنبل للدقر. ص/137-138
(1/377)

ولم يتدخل أَحد من الولاة بالانتصار لها؛ إذ كان الولاة على الإسلام، والسنة، لم تداخلهم هذه الأَهواء الفاسدة، والمقولات الباطلة، والأعراق الدخيلة. حتى تولى تلميذ أَبي الهذيل العلاف المعتزلي: سابع خلفاء بني العباس الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، المتوفى سنة (218 هـ) فصار من أمره ما صار من تعريب كتب اليونان، ولهذا نقل الصفدي في: " شرح لامية العجم " عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- قوله: " ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يُقَابَل على ما اعتمده مع هذه الأمة من إِدخال هذه العلوم الفلسفية بين أَهلها " انتهى.
وقد توغل الفرس في خلافته، وداخله أهل الكلام، وخاصة " بطانة السوء ": " أرباب الاعتزال والتجهم ".
فكانت روحه متشبعة بالاعتزال، والمعتزلة من حوله على بلاط الخلافة، قد اتخذهم له شعارًا، ودثارًا، منهم: ثمامة بن الأَشرس، و " أَحمد البدعة ": أحمد بن أبي دؤاد، المشؤوم على هذه الأمة، النافخ في كير هذه الفتنة، فكان يُحسن لَهُ هذه المقولة، ويدعوه إليها، حتى استجاب المأمون لها، وفي عام 212 هـ. فتح باب القول فيها، وإعلان المناظرة عليها في مجلسه وهو في بغداد، ولم يتجرأ قَبْلُ على مراغمة الناس على القول بها، لوجود شيخ أهل السنة في زمانه: يزيد بن هارون، لما له من سلطان على النفوس، والقلوب، وأمر العامة على الولاة عسير فلما مات يزيد سنة (206 هـ) ، والمأمون في حال غيابه عن بغداد، وهو في طرسوس، ابتعادًا عن مواجهة العامة والخاصة، وما للعلماء من
(1/378)

نفوذ على قلوب العامة، وفي حال ضعف وتخلف صحة المأمون، دعاه أَحمد البدعة، على حمل الناس عليها، ومراغمتهم على القول بها، فأَخذ المأمون في هذه الخطة المشؤومة " محنة القول بخلق القرآن " سنة وفاته عام (218 هـ) نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ومن بطانة السوء وهكذا شؤم مخالطة أهل الأَهواء، وكان متولي كبرها ثلاثة نفر:
1- أَحمد البدعة، النافخ في كير هذه الفتنة، المشؤوم على هذه الأمة رئيس قضاة المأمون: أحمد بن أَبي دؤاد ت سنة (240 هـ)
2- خادمه في بغداد: المصعبي: إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب الخزاعي ت سنة (235 هـ) .
صاحب الشرطة في بغداد، أَيام المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.
كان المأمون يبعث له وهو في طرسوس سنة (218 هـ) ، الكتاب يتلوه الكتاب حتى بلغت في هذا العام خمسة كتب، ساقها المؤرخون منهم ابن جرير الطبري في: " تاريخه: 2/ 112-121 "، وكان ثانيها في شهر ربيع الأول عام 218 هـ.
بدأ بكتابه الأول بدعوة العلماء إلى دار الشرطة ببغداد، وأخذ جوابهم على القول بخلق القرآن، ثم بعث أجوبتهم إليه، وخص من لهم مناصب من العلماء، وجعل عقوبة من لم يجب العزل من
(1/379)

منصبه.
ولم يلتفت لكتابه أَحد من العلماء الأحرار الطلقاء.
فكتب ثانية له ببعث سبعة من المحدِّثين، هم:
محمد بن سعد، كاتب الواقدي، ويزيد بن هارون، وابن معين، وأَبو خيثمة زهير بن حرب وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أَبي مسعود، وأَحمد بن إبراهيم الدورقي.
وتحت التهديد، والامتحان، أجابوا مكرهين.
فلما علِمَ الإمام أَحمد تمنى أَن لو صبروا، وقاموا لله، لكان الأَمر قد انقطع، وقال: " هم أَول من ثلم هذه الثلمة " لأَنهم أَجابوا، وهم عيون البلد، فاجْتُرِأَ عَلَى غيرهم.
وكان أَحمد لا يرى التحديث عمن أَجاب في الفتنة، ولَمْ يُصَلِّ عَلَى من أَجاب، منهم: أَبو نصر التمار.
ثم تتابعت كتب المأمون، وكان من الذين أَجابوا: أَبو معمر القطيعي، وكان من شدة إِدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إِنَّها سُنية. وأخذ في المحنة، فَأَجَابَ، فَلَمَّا خرج قال: كفرنا وخرجنا.
ثم اشتدت لهجة المأمون في كتبه، فجعل فيها عقوبة من لم يُجِبِ " الحبس "، وأَمر بإحضار علماء بغداد، وامتحانهم على ذلك، فلم يجب أربعة منهم، وهم:
(1/380)

أَحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، المشهور بلقب: " سجادة " وقد أَجاب الأخيران بَعْدُ تقية، وأَصر أَحمد ومحمد بن نوح، على الحق: " القرآن كلام الله غير مخلوق ".
من هنا حُبس الشيخان، وقُيدا، وحُملا على جمل مُتَعادِلَيْن وَبُعِثَ بهما إلى المأمون في طرسوس، وكان أحمد في الطريق يسأل الله أن لا يرى المأمون، فمات المأمون وهما، في الطريق سنة (218 هـ) .
فَرُدَّا إلى بغداد، ومات محمد بن نوح في الطريق بمحل اسمه: " عانات " فَحُلَّت أقياده، وغُسِّل، وصلى عليه الإمام أحمد، ودُفِعَ بأَحمد إلى السجن في بغداد.
هذا ولا يشك الدارسون لخبر هذه المحنة، أَن هذه الكتب التي بعث بها المأمون إلى عامله المذكور، من صُنع ابن أبي دؤاد، ونسجه.
3- صحفي الفتنة: فرخ الاعتزال، تلميذ ثمامة بن الأشرس، والنظام: الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب البصري الكناني، مولاهم المعتزلي ت سنة (255 هـ) وهو أول من لقب بالجاحظ، ويلقب أيضا بالحدقي.
كان ينشر المناظرة، ويروجها، ويلبس على أنظار الخاصة، والدهماء، وقد أهدى كتابه: " البيان والتَّبَين " لابن ابي دؤاد، فأجازه
(1/381)

عليه خمسة آلاف درهم، وأَخذ ينشر في الناس، مديحه لأَحمد البدعة، ومقادحه في أَحمد السنة.
وكان من العقوبات التي فرضها المأمون على من لم يقل بخلق القرآن، إلزامه القضاة بعدم قبول شهادة من لا يقر بهذه المقالة، وكان قاضيه على مصر هارون بن عبد الله بن محمد الزهري ثم العوفي، من ذرية عبد الرحمن بن عوف، قد تسامح في ذلك فَصُرِفَ عن القضاء وولَّى مكانه محمد بن أبي ليلى (1) .
هذه صورة لخطوات الفتنة، فالمحنة، وبينما هي على أَشدها كذلك في عهد المأمون هذا، إِذ ينازعه المرض فَلَمَّا أحس بدنو الأَجل، كانت وصيته لأَخيه المعتصم الخليفة بعده، أَن يواصل أَمر المحنة على القول بخلق القرآن، وحمل الناس عليه، ولهذا بلغ البلاء أَشده في عهد المعتصم، وإليك خبره.
* المحنة في عهد المعتصم: " دور استفحال المحنة " (2) :
تَوَلَّى المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن
__________
(1) لسان الميزان: 6/180
(2) من نظر في آيات القرآن الكريم، وأحاديث سيد المرسلين وأخبار الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين، ومن تبعهم إلى يومنا هذا، رأى تسمية خلق من علماء الأمة وصلحائها ممن ابتلي بالأذى في سبيل الله وامتحن فصبر وقد أفردت في ذلك كُتُبُ: الفرج بعد الشدة، والمحن، وبعضها مطبوع. وفي كتاب: " التحدث بنعمة الله للسيوطي: (ص/ 160-163) مبحث مهم باسم: " ذِكر نعمة الله عَلَيَّ في أن أقام لي عدوًا يؤذيني وابتلاني بأبي جهل يغمصني كما كان للسلف مثل ذلك "، وفي كتاب: " جلاء العينين " للآلوسي: (ص/ 14- 15) سَمَّى طائفة كريمة منهم- جزاهم الله عن المسلمين أحسن الجزاء وأوفاه - آمين.
(1/382)

عبد الله المنصور العباس الملقب بالمعتصم بالله، وهو أَول من لقب بالمعتصم بالله، وأول من أضاف اسم الله إلى لقبه سنة (218 هـ) وأمه أم ولد كذلك، وكان يسمى المثمن لأَنه ثامن خلفاء بنى العباس حتى مات سنة (227 هـ) .
ولم يكن على درجة المأمون في معلوماته، بل كان موصوفًا بالجهل، وهو القائل:
" لا حول ولا قوة إلَّا بالله: خليفة أُمِّيٌ، ووزير عَامِّي "؛ وذلك لما مرت عليه كلمة: الكلأ فلم يعرف معناها، لا هو، ولا وزراؤه.
اسْتَلَم أَمر الخلافة، وابن أَبي دؤاد، على بلاط الخلافة يترجل، وأَذناب الاعتزال من حوله، يواصلون مسيرة الامتحان بخلق القرآن، متسترين بالسلطان، يحثونه على إِنفاذ وصية المأمون، ويحسنون له أَنه لا استقرار لِحُكْمِهِ إلَّا بذلك.
وفي هذه النوبة تسلطت الأَضواء على السجين المكبل، المعذَّب الإمام أَحمد بن حنبل الذي باء المعتصم بالأَمر بضربه في عهده حَتَّى خُلِعَتْ يَدَاه، إذ لم يضرب قبل في عهد المأمون، ولا بعد في عهد الواثق، وإليك خبره في هذا العهد:
بقي أَحمد مقيدًا في بغداد يُنقل من سجن إلى سجن، حتى حُوِّل إلى سجن العامة، وكان يصلي بأهل السجن، وهو مقيد، فصار مُكْثُه نحوًا من ثلاثين شهرًا.
وكلان يناظره في السجن رجلان هما: أحمد بن محمد بن
(1/383)

رباح، وأَبو شعيب الحجام، وكانا كلما فَرَغَا من مناظرته، زاداه قيدًا على قيوده وآلت به الحال إلى إِثقاله بالقيود، وجعله في سجن ضيق، مظلم لا نور فيه. وكان دعا ربه أَن لا يرى المأمون، فمات في نفس العام وأحمد يُساق إليه في الطريق مقيدًا بالحديد سنة (218 هـ) .
وكان ممن توفي في السجن عام 217 هـ شيخ دمشق ومحدثها أَبو مسهر الغساني عبد الأَعلى بن مسهر ببغداد سنة (218 هـ) في حبس المأمون؟ لكونه لم يجب إلى القول بأن القرآن مخلوق.
ثم حمل الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- على دابة إلى المعتصم في العشر الأَواخر من رمضان عام (219 هـ) ، فيناظره المشؤوم: أحمد البدعة وجمع كثير من أصحابه المعتزلة في مجالس متعددة، يحاجه هذا، ثم يحاجه آخر وهكذا يستلمه واحد بعد آخر وأحمد البدعة، يحاج تارة، وتارة يستعمل " الحرب النفسية " مع الإمام أَحمد السنة، فينظر إليه نظرات الغضب، فإذا انقطع أَحد من أَصحابه في المحاجة، اعترض المشؤوم أحمد البدَعة، ومن المسمين في محاجة الإمام أحمد في مجالس المعتصم، والواثق: عبد الرحمن ابن إسحاق، وبرغوث المعتزلي، ورجلان من أَصحاب ابن أَبي دؤاد، لم يسميا.
* دَوْرُ النُّصْرَة:
وكان الإمام أحمد، لا يلتفت إلى أحمد البدعة، ولا ينظر اليه،
(1/384)

وكان يرفض أَحيانًا محاجته؛ لأَنه عامي، فيزداد غيظ أَحمد البدعة، وينزل من عيون الحضور.
والإمام أحمد: في هذه المجالس المتعاقبة يرى أن الأخذ بالتقية، والإجابة في الفتنة: هضم للِإسلام والمسلمين، فاستمر وهو صابر ثابت، محتسب، صَلْبٌ، مصمم، مصر على كلمة الحق، وقرع شبَه الباطل بحجج الحق الظاهر، ومَا ضُبطَ عليه لحن قط، والناس في رحبة الدار خلق لا يحصيهم إلَّا الله تعالى في أيديهم الصحف والأَقلام والمحابر يكتبون ما يقوله أحمد. وأما ما يصيبه من الأذى، والابتلاء على رؤوس الملا، فحدِّث ولا حرج:
إحضار الجلادين معهم السياط، يُضْرَبُ بها الإمام حتى يسقط، فإذا أفاق لُعن وسُبَّ، ومع نخسه بقوائم السيوف، وسحبه على وجهه، وخلع يديه بشدهما في خشبتين حتى ينخلعا، وتطرح على ظهره الحصر والبواري، والإمام أَحمد في كل هذه الأَحوال مقيد، وفي بعضها وهو في حال الصيام. استمر الإمام على هذه الحال ثمانية وعشرين شهرًا.
والمعتصم في هذه الأحوال، يرقُّ للإمام أحمد، ويقوٍل: لولا أَني وجدتك في يد من كان قبلي، ما عرضت لك، ويريد أن يُخلي سبيله، وأحمد البدعة يصرفه عما يريد، ويهول عليه سوء العاقبة إن أطلقه وخَلَّى سبيله.
ثم استدعى المعتصم عَمَّ الإمام أحمد، وقال لهم: ها هو
(1/385)

صحيح البدن، فقال: نعم، قال: سلمته إِليكم. وما هذا إِلًا لعظم منزلة الإمام أَحمد في نفوس العامة والخاصة، فخاف أَن يموت من الضرب فتخرج عليه عامة بغداد، ولو خرجوا عليه لربما عجز عنهم. وخلع عليه المعتصم ثيابًا ورياشا، فلما وصل أَحمد إلى داره
خلع ما كان عليه، وأَمر به فبيع، وتصدَّق بثمنه.
هذا ملخص خبر محنته أَيام المعتصم حتى مات المعتصم سنة (227 هـ) .
استمرت من السنة التي مات فيها المأمون إلى تَوَلِّي أَخيه المعتصم سنة (218 هـ) : ثمانية وعشرون شهرًا ابتداء من شهر جمادى الآخرة، حتى شهر ذي الحجة عن عام سنة (220 هـ) وبعدها أَطلقه المعتصم من السجن، ورفع عنه المحنة وعن غيره، وعاش الإمام طليقًا يحضر الجمعة والجماعة، بعد برئه من مرض ما لحقه من الضَّرْبِ والتعذيب، يباشر التدريس، والفتوى، والتحديث وذلك لمدة سبع سنين دأبا حتى مات المعتصم سنة (227 هـ) .
* عفوه عمَّن آذاه إلَّا صاحب بدعة:
بدن يُعذب، لكن روحه في نعيم، وأنس بالله- عز وجل-، وصبر واحتساب في ذات الله، ونصرة دينه، وإيثار للدين على الدّنيا؛ لهذا لما أفلت الفتنة في عهد المعتصم، كان من سمو نفسه، وعالي خلقه، وشرف طبعه: إعلانه العفو عن كل من آذاه وأنه في حل إلا صاحب بدعة، وجعل المعتصم في حِل يَوْمَ فتَحَ بابل، وعمورية.
(1/386)

* المحنة في عهد الواثق: " دور استمرارها ":
مات المعتصم سنة (227 هـ) ، ثم تولى ابنه الواثق، وهو من أم وَلَدٍ كذلك، وكانت وفاته سنة (232 هـ) .
ولم يُؤثر عنه أَنه أَلحق بالإمام أَحمد أذى، أو محنة في الفتنة؛ لأَنه علم مقام الإمام أَحمد من العامة والخاصة، فخشي ثورتهم عليه، ولأَن ذلك يزيد أَحمد منزلة عند الناس ويزيد فكره ذيوعًا وانتشارًا، لكن لقاء تحريك ابن أَبي دؤاد لها، وتأليفه للخليفة ضد الإمام أَحمد، وتعاون قضاة السوء معه، وتخوفهم من الإمام أَحمد لمَّا انبسط في التحديث، كتب الواثق كتابه إلى عامله إِسحاق بن إِبراهيم، ينهى فيه الإمام أَحمد عن مساكنته وليذهب حيث شاء ... عندئذِ قطع أَحمد التحديث في آخر سنة (227 هـ) واختبأ بين داره، ودُور أَصدقائه، وما زال كذلك حتى هلك الواثق سنة (232 هـ) . وفي موت المعتصم، تم تَوَلِّي الواثق، قال دِعْبِل بن علي الخزاعي المتوفى سنة (246 هـ) :
خليفة مات لم يحزن له أَحد ... وآخر قام لم يفرح به أَحد
ثم أَجج هؤلاء المبتدعة الفتنة مُتَسَتِّرِيْنَ بالواثق، فاشتد أَحمد البدعة، وأَذناب الفتنة، يتابعون علماء أهل السنة، ويمتحنونهم، فاشتد أمر المحنة على علماء أهل السنة، وألحقهم صُنُوْفَ الأذى:
فسلَّط الواثق غَضْبَتَهُ على الإمام أَحمد بن نصر الخزاعي، فقتله الواثق بيده؛ لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وذلك سنة (231 هـ)
(1/387)

فرؤي أَحمد بن نصر حين قُتل، قال رأسه: " لا اله إلَّا الله ".
وكان رأسه إلى غير القبلة، فتديره الريح إلى القبلة، وبقي الرأس منصوبًا ببغداد، والبدن مصلوبًا بسامراء، ست سنين إلى أن أَنزل سنة (237 هـ) فجُمع وَدُفِنَ- رحمة الله تعالى عليه-.
ولعل الدافع لقتله ما ذكر في ترجمته، من أَنه هو وسهل بن سلامة بَايَعَا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن سهلا بايع المأمون لما قدم، فلزم ابن نصر بيته، ثم تحرك في آخر أيام الواثق، فاحتشد الناس حوله، فخاف الواثق من تفاقم شأنه، في خبر يطول ذكره، فصار ما صار وإلى الله المصير.
وتسلط الواثق على الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأَذرمي، شيخ أبي داود، والنسائي، وغيرهما، فجيء به مسجونا، مقيدا، مهانًا، ليناظر أَحمد البدعة، فجرت بينهما مناظرة طويلة كما في: " النجوم الزاهرة: 2/ 261- 262 ".
وانتهت المناظرة بخروج الأذرمي على ابن أبي دؤاد، فَحُلَّ قَيْدُ الشيخ، وبكى الواثق، وصرفه مكرما وقيل: إن الواثق تاب من القول بخلق القرآن بسببه.
والحافظ نعيم بن حماد مات في سجن الواثق.
ومن مصر صاحب الإمام الشافعي وتلميذه: البويطي- نسبة إلى بويط من عَمَلِ مصر-: أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي؛ إذ جيء به مصفدًا بالحديد، فسجنه حتى مات في السجن سنة
(1/388)

(231 هـ) في عهد الواثق.
وجريمته: أَنه لم يجب أَحمد البدعة إلى مقالته.
وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث، المتوفى سنة (250 هـ) ببغداد: بامتحان الناس في القرآن، فَهربَ كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد " لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه ".
ثم عوقب بالسجن، والضرب، والطرد، في ولاية المتوكل، نعوذ بالله من الخذلان والضلالة (1) .
* رفع الفتنة والمحنة في عهد المتوكل:
في عهد المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد - وهو من أم ولد كذلك- ولد سنة (206 هـ) وتوفي سنة (247 هـ) : رفع الله به المحنة، وأَظهر السنة، وأَفل نجم التجهم والاعتزال، وكتب بذلك إلى الآفاق سنة (234 هـ) .
ووضعت الحرب أَوزارها، وفرح بذلك المسلمون، وخاب الفاتنون.
(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) والحمد لله رب العالمين.
- هذا مجمل خبر القول بخلق القرآن، في أدواره الثلاثة: فِتْنة،
__________
(1) انظرلسان الميزان: 5/110 -111
(1/389)

ثم مِحْنَةٌ ثم نُصْرَةٌ.
ويمكن تلخيصها محنة، ثم نصرة، في العناوين الآتية:
* المدَّعِي: أَحمد البدعة:
أَحمد بن أَبي دؤاد، المولود سنة (160 هـ) والمتوفى سنة (240 هـ) ببغداد، كان له مجد في: الثراء، والقضاء، والحظوة لدى الخلفاء، لكن أَبغضته العامة، لفساد معتقده، وإيقاده الفتن.
قام هذا السبأي الماكر بالنَّوْبَةِ عن الجهمية والمعتزلة بدعوى خلق القرآن، متسترًا بثلاثة من خلفاء بني العباس على التعاقب: المأمون، فالمعتصم، فالواثق.
ويمثلهم في الساحة الجاحظ عمرو بن بحر الكناني مولاهم المعتزلي، المتوفى سنة (255 هـ) فهو الصحفي المتحدّث بلسان المعتزلة، ناشر وقائع الدعوى مُمَوّهًا بظهور ابن أَبي دؤاد على ابن حنبل الإمام!
وفي التنفيذ: الجلواز " المصعبي " المسكين، عسى أَن تكون غايته أَنه: " خادم مأمور " فقد بقي هذا المسكين صاحب الشرطة في بغداد في أَيام: المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. نعوذ بالله من الشقاء.
" المدَّعى عليه: أحمد السنة:
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المولود سنة (164 هـ) المتوفى سنة (241 هـ)
(1/390)

نوْظِرَ في عهد المأمون، ثم سجنه ببغداد، ثم حُمِلَ مقيدًا إِليه في طرسوس، ثم أُعيد إلى سجنه ببغداد؛ إِذ مات المأمون وهو في الطريق محمولًا مقيدًا معادلًا على جمل مع صاحبه: محمد بن نوح، والذي مات في الطريق- رحمة الله عليه- ثم ضُرِبَ أَحمد في عهد المعتصم، ثم أفرج عنه من سجنه، ومنع من الدرس في عهد الواثق، ثم انتهت الدعوى بظهوره على ابن أَبي دؤاد في عهد المتوكل.
كان له من المنزلة في قلوب العامة والخاصة ما ملأ الكتب من محبته وتقديره، والثقة به، واتخاذه قدوة في إِحياء الشرع المطهر.
ثبت- رحمة الله تعالى عليه- في مواجهة هذه المكيدة محتسبًا هذه الفتنة لِصَدِّها عن أهل الإسلام في قالب أهل السنة والجماعة، مكتويًا بنارها، صابرا على محنتها، مطفئًا لضلالها في كوكبة علماء الأمة وخيارها، الذين اتحد موقفهم على معتقدهم الحق: " القرآن كلام الله غير مخلوق ".
* الظرف العقدي لزمن الفتنة: في هذه الحقبة: شاع الرفض والتجهم، والاعتزال، والخوض بالقدر، وسب الأصحاب، ودعوى خلق القرآن.
* محل الدعوى:
نشأت هذه الفتنة أول ما نشأت في: " اليمن " ثم زُرعت في: " العراق " وفيها رمت بثقلها، وعنها انتشرت في الآفاق في: مصر والشام، وبلاد فارس، وغيرها وكان محل الدعوى منها في: " بغداد "
(1/391)

وجُلَّ القائلين بخلق القرآن من موالي بغداد.
* موضوع الدعوى: " القرآن مخلوق ":
إِنَّها دعوى الجهم بن صفوان، الذي انحاز بأَتباعه عن جماعة المسلمين بهذه المقالة الكافرة، ثم افترقوا فيها إلى ثلاث فرق:
فقالت طائفة منهم: " القرآن مخلوق ".
وقالت طائفة منهم: " القرآن كلام الله " وسكتت، وهي الواقفة الملعونة.
وقالت طائفة: " أَلفاظنا بالقرآن مخلوقة " وهم اللفظية المبتدعة.
* مدة الدعوى:
بدأت فتنة بعد المائة الأُولى من الهجرة، ثم استمرت في خفاء حتى شيدها وأَعلنها ابن أَبي دؤاد منذ عام 212 هـ، ثم بدأ الامتحان بها منذ عام 218 هـ. حتى تجلت في عام 234 هـ.
أَي: كانت مدة الدعوى سبعة عشر عامًا.
* حجة المدعي: " هي هباء وغاية في الوهن والوَهَاء، إِنَّها: " مدرسة الرأي المذموم " في إِخضاع النص للعقل، والعقل يحركه الهوى، والهوى لا عاصم له، مفروضًا بقوة السلطان، مستعملًا نفوذه أَدوات مراغمة له.
* حجة المدعى عليه: هي أجْلَى من ابن جَلاَ إنها: " مدرسة النص " في إخضاع العقل للنص- والنص معصوم- يحركه سلطان الحق، ونفوذه على القلوب المفروض على الناس بقوة الإيمان
(1/392)

بالنص المعصوم.
فهو يمتلك سلطان الحق المبين، وحجة الِإيمان المتين، ويقين الصادقين، وبركة الناصحين.
ومن نظر فيما جرى فيها من محاورات، ومناظرات، مما هو منثور في الكتب المؤلفة عن هذه المحنة، ومن بطون التراجم والسير رأى في ذلك عجبا، لكن أعظم حجة واجه بها الإمام أَحمد خصومه، هو ذلك الدليل العظيم:، " السبر والتقسيم " وقد أَفاض شيخنا محمد الأمين الشنقيطي، المتوفى سنة (1393 هـ) بمكة - رحمه الله تعالى- في الحديث عن هذا الدليل في تفسيره: " 4/365- 384 " وكان مما ذكره مما يتعلق بموضوع بحثنا قوله: " 4/ 378-380 ": إن هذا الدليل. " السبر والتقسيم " هو أول سبب لضعف المحنه العظمى على المسلمين في عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم، وكان خلاصة هذا الدليل الذي ألقم به الإمام أحمدُ خَصمَهُ أحمد بن أبي دؤاد، حَجَراً: " أن الشيخ يقول لابن أبي دؤاد: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، عالمين بها، أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره، فَلاَ قِسْمَ ثالث البتة، ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين، فبيَّن أَن السبر الصحيح، يُظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس على كل تقدير من التقديرين.
(1/393)

أَمَّا عَلَى أن النبي كان عالما بها هو وأَصحابه- وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها- فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النبي وأصحابه من عدم الدعوة لها، وكان يسعه ما وسعهم.
وأَما على كون النبي وأصحابه غير عالمين بها، فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدَّعي أنه عالم بها مع عدم علمهم بها، فظهر ضلاله على كل تقدير ولذلك سقط من عين الواثق، وتركَ لذلك الواثقُ امتحانَ أهل العلمِ، فكان هذا الدليل أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى، حتى أَزالها الله بالكلية على يد المتوكل- رحمه الله تعالى- وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا الدليل المذكور " انتهى.
ومما يُذكر استطرادًا ما في: " الِإتقان " للسيوطي، وفي غيره (1) :
أنه قد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الِإنسان في ثمانية عشر موضعًا، وقال: إنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق، ولما جمع بينها غاَيَرَ، فقال: " الرحمن علَّم القرآن. خلق الِإنسان "
* ماذا لحق المدعى عليه من الأَذى: يقلبه المدعي الآثم بعصا الولاة على الشوك بالضرب أَمام جموع المسلمين، والسجن مع المجرمين، وحجبه عن الدنيا بجميع مقوماتها، وسجن روحه عن الدرس وإفادة الطالبين.
__________
(1) انظر التراتيب الإدارية: 2/ 182
(1/394)

* كسب الدعوى:
والنتيجة الحكمية والعاقبة كانت لأَهل السنة: ظهر أَحمد السنة على أَحمد البدعة بالحجة والبرهان، وظهر أهل السنة على أهل البدعة، وظهر الحق على الباطل، وانتصر فقير المال على فقير الِإيمان، وفاز المقيد بالحديد، المضروب سِرًّا وعَلَناً، على المختال الماكر المترجل على بلاط الولاة، فارتفعت به رؤوس أهل السنة، وقمعت أَخلاف أهل البدعة؛ فلم يستجب للجهمية أَحد من علماء المسلمين، وكانت طرائقهم لرفضها متنوعة:
مقتول في سبيلها.
وآخر في سجن وعذاب.
وثالث مات حتف أَنفه متألمَاً.
ورابع أَجاب مكرهاً.
وخامس فرَّ من الفتنة واختفى.
وانفرد بالوقوف علنا في وجهها: الأَئمة. محمد بن نوح، حتى وافاه الأَجل المحتوم مقيدًا سنة (218 هـ) ونعيم بن حماد، المتوفى بالسجن بسببها في بغداد سنة (228 هـ) ويوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، المتوفى بالسجن بسببها في بغداد سنة (231 هـ) وأحمد بن نصر الخزاعي، المقتول فيها سنة (231 هـ) وأَحمد بن حنبل حتى تم له النصر المكتوب سنة (234 هـ) وقد توفي سنة (241 هـ) - رحمه الله تعالى-.
(1/395)

ومن الذين وقفوا في وجه هذه الفتنة: فضل الأنماطي- رحمه الله تعالى- وأبو صالح- رحمه الله تعالى- قال الذهبي في: " السير 11/263:
" وأظهرت القضاة- المحنة بخلق القرآن وفُرَق بين فضل الأَنماطي وامرأته، وبين أبي صالح وبين امرأته ... ".
ومن الذين كان لهم مقام محمود في الوقوف أمام هذه الفتنة: الراوية في الكتب الستة: عفان بن مسلم الإمام الحافظ المتوفى سنة (219 هـ) - رحمه الله تعالى- قال الذهبي في: " السير " قال حنبل: حضرتُ أبا عبد الله وابنَ مَعِين عند عفان بعدما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة وكان أول من امتحن من الناس عفان، فسأله يحيى من الغدِ بعد ما امتُحن، وأبو عبد الله حاضِر ونحنُ معه، فقال: أخبرنا بما قال لَكَ إسحاق؟ قال: يا أبا زكريا لم أسَوِّد وجهَكَ ولا وجُوهَ أصحابِكَ، إني لم أجِبْ فقال له: فكيف كان؟ قال: دعاني وقرأَ عليَّ الكتابَ الذي كَتبَ به المأمون من الجزيرة، فإذا فيه: امتَحِن عفان، وادعُهُ إلى أَنْ يقولَ: القرآنُ كذا وكذا، فإن قال ذلك فأَقِره على أَمرِه، وإن لم يُجِبْكَ إلى ما كتبتُ به إليكَ فاقطَعْ عنه الذي يُجرى عليه- وكان المأمون يُجري على عفان كلَّ شهر خمسَ مئةِ درهم- فلما قرأَ عليَّ الكتاب قال لي إسحاقُ، ما تقولُ؟ فقرأتُ عليه: (قُلْ هُو الله أَحَدٌ) حتى ختمتُها، فقلتُ:
(1/396)

أمخلوقٌ هذا فقال. يا شيخُ، إنَّ أميرَ المؤمنين يقولُ: إنَّك إن لم تُجِبْهُ إلى الذي يدعوكَ إليه يقطَعُ عنك ما يجري عليكَ فقلتُ: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: 22] ، فسَكَتَ عني، وانصرفت، فسُرَّ بذلك أبو عبد الله ويحيى.
قلتُ: هذه الحكايةُ تدلّ على جلالةِ عفان وارتفاعِ شأنِهِ عند الدولة، فإن غيره امتُحِنَ، وقيد وسُجِن، وعفانُ فما فعلوا معه غيرَ قطعِ الدراهم عنه.
قال القاسم بن أبي صالح: سمعتُ إبراهيم بنَ ديزيل يقول:
" لما دُعي عفَّانُ للمِحنةِ، كنتُ آخِذًا بِلجام حِمارِه، فلما حَضَر عُرِض عليه القولُ، فامتنع أن يُجِيبَ، فقيل له: يُحبَسُ عَطاؤك- قال: وكان يُعطى في كُلِّ شهرٍ ألفَ درهم- فقال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فلما رَجَعَ إلى دارِه عَذَلَهُ نِساؤُه ومَن في داره، قال: وكانَ في دارِه نحو أربعينَ إنسانا، فدقَّ عليه داقٌّ البابَ، فدخلَ عليه رجل شبهتُه بِسَمَّانٍ أو زَيَّات، ومَعه كيس فيه ألفُ درهم، فقال: يا أبا عثمان ثبتكَ الله كما ثَبَّتَّ الدين، وهذا في كل شهر " انتهى.
* شهداء الفتنة:
هذه الفتنة غزت صفوة الأمة وخيارها: العلماء، من مفسرين، ومحدثين، وغيرهم، فأوذي فيها علماء كثيرون وامتلأت سجون بغداد، و " سر من رأى " حتى قيل لها: " سوء من رأى ".
وفر آخرون من دار إلى دار ومن قطر إلى آخر.
(1/397)

مات محمد بن نوح وهو في قيده برفقة الإمام أَحمد ت سنة (218 هـ) .
ومات في السجن: نعيم بن حماد ت سنة (228 هـ) ويوسف ابن يحيى البويطي المصري صاحب الإمام الشافعي. ت سنة (231 هـ) في عهد الواثق؛ إذ كتب القاضي أحمد بن أَبي دؤاد إلى قاضي مصر بامتحانه، فأَبى البويطي، وقال: لئن أَدخلت على الواثق لأَصْدُقَنَّهُ، ولأَموتن في حديدي هذا؛ حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وقد حُمِلَ من مصر إلى بغداد، ومات سجينًا ببغداد سنة (231 هـ) - رحمه الله تعالى-.
وَقتَلَ الخليفه الواثق: العالم العابد أَحمد بن نصر الخزاعي سنة (231 هـ) .
* الذين لاذوا بِالتَّقِيَّة: أَقبلت المحنة تساق بقوة السلطان ونفوذه، فلاذ الممتحنون بالتقية، فأَجابوا في المحنة على حد قول الله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) .
فأَجاب مكرهًا تقية: جمع من العلماء، سَمَّاهم ابن الجوزي في: " المناقب " وساق عن بِشْرٍ الحافي قوله فيهم: " وَدِدت أن رؤوسهم خُضبت بدمائهم وأنهم لم يجيبوا ".
* الثابت في المحنة: أَما ثبات القلب، واطمئنانه بما قضت به نصوص الوحيين الشريفين، من أَن " القرآن كلام الله غير مخلوق " فقد كان هذا الثبات- ولله الحمد- صفة لعموم أهل الإسلام الذين لم يتلطخوا بأقذار التجهم والاعتزال، وهذه نعمة من الله عظيمة، وبرهان
(1/398)

ساطع في نفوذ هذا الدّين، وحفظ الله له، رغم ما يكاد له. والحمد لله رب العالمين، فما نعلم عالمًا سنيًا قط تولَّى عن معتقده وانحرف، وأَدار ظهره، مستقبلًا البدعة.
وأَما الثابت في المحنة، ثباتًا مضافًا إلى ثبات جنانه، بمعنى وقوفه في المواجهة، وإعلانه مكاسرة المبتدعة فهي في نطاق رجلين اثنين: محمد بن نوح، وقد توفي مُمْتَحَنًا بأَقياده سنة (218 هـ) - رحمه الله تعالى-، وأَحمد بن حنبل وقد مَدَّ الله في عمره حتى شهدت الدنيا دور النصرة، وخذلان البدعة، كما رأت الدنيا من يوم وفاته سنة (241 هـ) يوما مشهودًا كأنّما حشر له الناس، ومات ابن أَبي دؤاد حتف أَنفه وجلس أَيامًا لم يجد من يغسله ويكفنه.
* دَوْرُ النصرة:
تَجَلَّت النّصْرَةُ لِأَهْلِ السنة على أهل البدعة في موقفين:
أَما الأول: فمن بداية الفتنة، فالمحنة بالقول بخلق القرآن، ثبتَ الله- سبحانه- قلب الإمام أَحمد، وَعَصَمَ لسانه من النطق تقية بخلق القرآن، وأَصر على رفض هذه المقولة، وأعلن السنة: " القرآن غير مخلوق " والدولة من ورائه من سدتها العليا إلى أَخلاف السوء. فهذا ظهور للسنة وأهلها، من أول يومها، وكسر للبدعة، والضلالة، وأهلها.
ولهذا ساق ابن الجوزي بسنده إلى ابن أبي أسامة قال: " حُكِيَ
(1/399)

لنا أَن أَحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله ألا ترى الحق، كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال: كَلا إن ظهور الباطل على الحق أَن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق " انتهى.
وأَما الثاني " فهو ظهور أحمد السنة على أحمد البدعة، بالبرهان والحجة، وسقوط أَحمد البدعة، وتهافت شبهه، واختفاء مقالته، وهلك ابن أَبي دؤاد فى " سنة (240 هـ) ببغداد ولم يشهد جنازته مخلوق.
وصدق ابن المديني- رحمه الله تعالى- في قوله: " أَعَزَّ الله هذا الدِّين برجلين ليس لهما ثالث: أَبو بكر الصديق يوم الردة وأَحمد بن حنبل يوم المحنة " رواه الخطيب في: " تاريخه: 4/ 418 " وابن أبي يعلى في: " الطبقات: 1/13 ".
ونحوها عن المزني كما في: " السير للذهبي: 11/ 201 ".
* المحنة الثانية: مكيدة يديرها الحاقدون: بعد ثلاث سنين من إِخماد محنة القول بخلق القرآن، أشعل المفتونون، محنة ثانية للإمام أَحمد، من باب الكيد له، خلاصتها: أَن المتوكل كان يكره العلويين، ومن يؤويهم، فأَعلن أخلاف السوء أن الإمام أحمد: كان يؤوي علويًا من خراسان في داره، واستطاعوا بهذا تحريك المتوكل ضده سنة (237 هـ) فبعث له المتوكل بواسطة واليه على بغداد، فريقًا من الرجال والنساء، فكبسوا عليه في داره ليلا، يُفَتشُون عن وجود ذاك
(1/400)

العلوي في داره، فخاب الفاتنون، وظهرت براءة أَحمد، فَفَرحَ المتوكل.
* المحنه الثالثة: محنة الدنيا:
بعث المتوكل للإمام أَحمد: جائزة الظهور بالحجة على ابن أَبي دؤاد وهي عشرة آلَاف درهم، مع مندوبه، بكتاب رقيق العبارة واعتذار، وإجلال للِإمام أَحمد، وتأكيد عليه بقبول الجائزة، ودعوته للمجيء إِليه.
وقف أَحمد حيران، ثم فُتح له بقبولها، لكن ما طلع الفجر إِلا وقد وَزَّع الدراهم كُلَّها على أَولاد المهاجرين، والأَنصار، وفقراء عامة المسلمين.
* المحنة الرابعة: محنة الدنيا الثانية:
خرج الإمام أَحمد إلى المتوكل إِجابة لدعوته، وفي طريقه- لما علم المتوكل بخروجه- بعث بعشرة آلاف درهم لأَولاد الإمام أَحمد، ورغب إِليهم عدم إِخبار أَحمد بها.
استقبل قصر المتوكل الإمام أَحمد، بما فيه من حَشَمٍ، وخَدَمٍ، ووزراء، والعيون تنظر إِليه بالتقدير، والحب، والِإجلال، في قصص يطول ذكرها.
لكن الإمام أحمد يرى أَنه إن كان بالأمس- أيام محنة القول بخلق القرآن- في سجن البدن، فهو اليوم في سجن الروح، فهو يتمنى الخلاص، والإذن له بالعودة إلى داره في بغداد.
(1/401)

يرفض العطاء يرفض السكنى عند المتوكل. يرفض قبول شراء دار له في بغداد. يبعث بالكتاب بعد الكتاب لولده في بغداد بعدم قبول الجوائز والصلات. ويوصيه بالحرص على الزهد والقناعة. وأحمد- رحمه الله تعالى- يصبر ويحتسب، أمام هذه المواجهات والمِحَن، وما زال في رِفعة وعلو، وجلالة قَدْرٍ مَلأَت قلوب الناس، وصار لقلوبهم مثل العافية لأَبدانهم، وما أجود ما قاله الذهبي حينما امتحن الإمام مالك- رحمه الله تعالى- في مسألة إيمان البيعة (1) : " وهذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير " ومن يُرد الله به خيرًا يُصب منه " - رواه البخاري- وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل قضاء المؤمن خير له ". وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد /31] وأنزل في وقعة أحد قوله: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران/165] ، وقال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى/30] ، فالمؤمن إذا امتُحن، صبر واتَّعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حَكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له " انتهى.
فهذه بعد: من عيون المعارف في ترجمة هذا الإمام، وحياته
__________
(1) السير 8/73
(1/402)

ومواقفه فيها، لاسيما أَيام محنة القول بخلق القرآن بحاجة إلى من يستجلي العبر، والدروس منها. وقد قام العالم الفاضل الشيخ: أَحمد ابن عبد الجواد الدومي بجهد متميز في كتابه: " أَحمد بن حنبل بين محنة الدين، ومحنة الدنيا " فمن أَراد أَن يزداد يقينه، ويقوى إِيمانه فليقرأ هذا الكتاب. غفر الله لمؤلفه ورحمه، آمين.
(1/403)

المبحث الخامس: في معرفة الخصال التي تَمَيَّز بها الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى-
قال ابن أَبي يعلى في: " الطبقات 1/406 " في ترجمة يحيى ابن معين، المتوفى سنة (233 هـ) عن شيخه الإمام أَحمد:
" كان في أَحمد بن حنبل ست خصال، ما رأيتها في عَالم قَط: كان محدثًا وكان حافظًا. وكان عالمًا. وكان ورعًا. وكان زاهدا. وكان عاقلا " انتهى.
وقال قَبْل في ترجمة الإمام أَحمد: (1/5- 16) :
" وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: أَحمد إِمام في ثمان خصال: إِمام في الحديث، إِمام في الفقه، إِمام في اللغة، إِمام في القرآن، إِمام في الفقر، إِمام في الزهد، إِمام في الورع، إِمام في السنة ". وصدق الشافعي في هذا الحصر.
أَما قوله: " إِمام في الحديث " فهذا ما لا خلاف فيه ولا نزاع، حصل به الوفاق والإجماع، أَكثر من التصنيف، والجمع والتأليف، وله: الجرح والتعديل، والمعرفة والتعليل، والبيان والتأويل. قال أَبو عاصم النبيل يومًا: مَنْ تَعُدُّون في الحديث ببغداد؟ فقالوا: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبا خيثمة، ونحوهم. فقال: من تعدون
(1/404)

بالبصرة عندنا؟ فقالوا: على بن المديني، وابن الشاذكوني، وغيرهما. فقال: من تعدون بالكوفة؟ قلنا: ابن أَبي شيبة، وابن نُمير، وغيرهما، فقال أَبو عاصم- وتنفس-: ها، ها، ما أَحد من هؤلاء إِلاَّ وقد جاءنا ورأيناه، فما رأيت في القوم مثل ذلك الفتى أَحمد بن حنبل.
وقال أَبو عبيد القاسم بن سَلاَّم: انتهى العلم إلى أَربعة. أَحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأَبي بكر بن أَبي شيبة. وكان أَحمد بن حنبل أَفقههم فيه.
ودخلَ الشافعي يومًا على أَحمد بن حنبل، فقال: يا أَبا عبد الله؟ كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا، فلو كان معي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فدفع إِليه أَحمد ثلاثة أَحاديث. فقال له: جزاك الله خيرًا.
وقال الشافعي لِإمامنا أَحمد يوما: أَنتم أَعلم بالحديث والرجال، فإِذا كان الحديث الصحيح فأَعلموني، إِن شاء يكون كوفيًا، أو شاء شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا.
وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأَهله.
وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أَحمد بن حنبل. قالوا له: وإيش الذي بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين أَلف مسألة، فأَجاب فيها بأَن قال: " أخبرنا " و " حدَّثنا ".
وقال إبراهيم الحربي- وقد ذكر أحمد-: كأَن الله قد جمع له
(1/405)

علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى، ويمسك ما يشاء.
وقال أَبو زُرعة الرازي: حَزَرنا حفظ أَحمد بن حنبل بالمذاكَرة على سبعمائة أَلف حديث. وفي لفظ آخر قال أَبو زرعة الرازي: كان أَحمد يحفظ أَلف أَلف. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأَبواب.
وأَما الخصلة الثانية، وهي قوله: " إِمام في الفقه " فالصدق فيه لائح، والحق فيه واضح، إِذ كان أَصل الفقه: كتاب الله وسنة رسوله وأَقوال صحابته، وبعد هذه الثلاثة: القياس. ثم قد سُلّم له الثلاث، فالقياس تابع، وإنما لم يكن للمتقدمين من أَئمة السنة والدِّين تصنيف في الفقه، ولايرون وضع الكتب ولا الكلام، إِنما كانوا يحفظون السنن والآثار ويجمعون الأخبار ويفتون بها فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها عنهم ودراية يتفهمها منهم ومن دقق النظر وحقق الفكر شاهد جميع ما ذكرته.
وأَما نقلة الفقه عن إمامنا أَحمد فهم أَعيان البلدان، وأَئمة الأَزمان، منهم: ابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل، وإسحاق بن منصور الكوسَج المروزي، وأَبو داود السجستاني، وأَبو إِسحاق إبراهيم الحربي، وأَبو بكر الأَثرم، وأَبو بكر المروزي، وعبد الملك الميموني، ومُهنا الشامي، وحرب الكرماني، وأَبو زرعة وأَبو حاتم الرازيان، وأَبو زرعة الدمشقي، ومثنى بن جامع الأنباري، وأبو طالب المشكاني، والحسن بن ثواب، وابن مشيش، وابن بدينا الموصلي، وأَحمد ابن
(1/406)

القاسم، والقاضي الرّقي، وأَحمد بن أصرم المزني، وعلي بن سعيد النسوي، وأَبو الصقر، والرزاطي، والبغوي، والشالَنْجِي، وعبد الرحمن المتطبب، وأَحمد بن الحسن الترمذي، وأَحمد بن أَبي عبدة، وأَحمد ابن نصر الخفاف، وأحمد بن واصل المقري، وأَحمد بن هشام الأَنطاكي، وأَحمد بن يحيى الحلواني، وأَحمد بن محمد الصائغ، وأَحمد بن محمد بن صدقة. وهم مائة ونيف وعشرون نفسًا.
وأَما نقلة الحديث عنه: فقد جمعت فيهم المصنفات، وساقهم الأئمة الثقات، وقال الأَثرم: قلت يوما - ونحن عند أَبي عبيد القاسم ابن سلام - في مسألة. فقال بعض من حضر هذا قول من؟ فقلت: من ليس بغرب ولا شرق أكبر منه: أَحمد بن حنبل. قال أَبو عبيد: صدق.
وقال إِسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن آدم يقول: أَحمد بن حنبل إِمامنا. وقال أبو ثور أحمد بن حنبل: أَعلم من الثوري وأَفقه.
وأَما الخصله الثالثة، وهي قوله: " إِما في اللغة "، فهو كما قاله.
قال المروزي: كان أَبو عبد الله لا يلحن في الكلام، ولما نوظر بين يدي الخليفة كان يقول: كيف أَقول ما لم يُقَل؟
وقال أَحمد - فيما رواه عنه محمد بن حبيب -: كتبت من العربية أَكثر مما كتب أَبو عمرو بن العلاء، وكان يُسأل عن أَلفاظ من اللغة تتعلق بالتفسير والأخبار فيجيب عن ذلك بأوضح جواب، وأفصح خطاب
(1/407)

فروى عبد الله بن أَحمد: سألت أَبي عن حديث إسماعيل ابن عُلَيَّة عن أَيوب عن أَبي معشر قال: " يكره التكفير في الصلاة "؟ قال أَبي: التكفير أَن يضع يمينه عند صدره في الصلاة.
وقال عبد الله أيضا: قرأت على أَبي: أَبو خالد الأَحمر عن ابن جريج عن عطاء قال: " في الوطواط ثلثي درهم " سألت أَبي عن الوطواط؟ قال: هو الخُطَّاف.
وقال عبد الله أيضا: سألت أَبي عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المجبر؟ فقال: يعني ما في الأَرحام.
وقال عبد الله أيضا: سئل أَبي عن حَبل الحَبَلة؟ قال: التي في بطنها إذا وضعت وتحمل، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه لأَنه غرر، يقول: نتاج الجنين.
وقال عبد الله بن أَحمد أيضا: سمعت أَبي في حديث ابن مسعود: " كفى بالمَعْك ظلمًا " قال أَبي: المعك: المطْل.
وقال عبد الله بن أَحمد: حدَّثني أَبي حدَّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير " كان رجل يداين الناس، له كاتب ومتجاز " قال أَبي: " المتجازي " المتقاضي.
وقال حرب الكرماني: قلت لأَحمد: ما تفسير " لا تقضية في ميراث إلَّا ما حمل القَسْم "؟ قال: إِن كان شيئًا إِن قسم أضَرَّ بالورثة، مثل الحمام وغير ذلك مما لا يمكن قَسْمه.
وأما الخصلة الرابعة، وهي قوله: " إمام في القرآن " فهو واضح
(1/408)

لا يمكن البيان، لائح البرهان. قال أَبو الحسين بن المنادي: صنف أَحمد في القرآن: التفسير، وهو مائة أَلف وعشرون أَلفًا، يعني حديثاَ، والناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى، وجواب القرآن، وغير ذلك.
وقال عبد الله بن أَحمده كان أَبي يقرأ القرآن في كل أسبوع ختمتين، إِحداهما بالليل، والأخرى بالنهار.
وقد ختم إِمامنا أَحمد القرآن في ليلة بمكة مصليًا به.
وأَما الخصلة الخامسة، وهي قوله: " إِمام في الفقر " فيا لها من خَلة مقصودة، وحالة محمودة، منازل السادة الأَنبياء، والصفوة الأَتقياء.
أَنبأنا الوالد السعيد بإِسناده عن أَبي جعفر في قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) [الفرقان/75] قال: الجنة (بِمَا صَبَرُوا) قال: على الفقر في الدنيا. وبإِسناده عن أَبي بَرْزة الأَسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أَغنيائهم بمقدار أَربعين خريفاً، حتى يتمنى أَغنياء المسلمين يوم القيامة أَنهم كانوا في الدنيا فقراء ". وبإِسناده عن أَبي سعيد الخدري قال: سمعته النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم توفني فقيرا، ولا تتوفني غنيًا ". وبإِسناده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الفقر على المؤمن أَزين من العذار على خد الفرس ". وأخبرنا بهذا الحديث جدي جابر قال: أَخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا محمد بن العباس بن الفضل المروزي أبو جعفر، حدثنا أبي، حدَّثنا إسحاق بن بشر، حدَّثنا شريك عن أبي
(1/409)

إِسحاق السَّبيعي، عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الفقر على المؤمن أزين من العذار على خَدِّ الفرس ". وبإِسناده عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القه فقيرًا ولا تلقه غنياَ. قال: فقلت: كيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: إذا رزقت فلا تَخْبأ، وإذا سُئلت فلا تمنع. قال: قلت: وكيف لي بذلك، يا رسول الله؟ قال: هو ذاك، وإلًا فهو النار ".
وأَما الخصلة السادسة، وهي قوله: " إِمام في الزهد " فحاله في ذلك أَظهر وأَشهر أَتته الدنيا فأَباها، والرياسة فنفاها، عرضت عليه الأَموال، وفرضت عليه الأَحوال، وهو يرد ذلك بتعفُّف وتعلُّل وتقلُّل. ويقول: قليل الدُّنيا يجزي وكثيرها لا يجزي، ويقول: أَنا أَفرح إذا لم يكن عندي شيء. ويقول: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأَيام قلائل.
وقال إِسحاق بن هانئ: بكَّرت يومًا لأعارض أَحمد بالزهد، فبسطت له حصيرًا ومَخَدَّة، فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ قلت: لتجلس عليه فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلَّا بالزهد فرفعته، وجلس على التراب.
وقال أَبو عمير عيسى بن محمد بن عيسى- وذكر عنده أَحمد ابن حنبل- فقال: رحمه الله، عن الدنَيا ما كان أَصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدُّنيا فأباها " والبدع فنفاها.
(1/410)

وأَما الخصلة السابعة، وهي قوله: " إِمام في الورع " فصدق في قوله وبرع، فمن بعض ورعه:
قال أَبو عبد الله السمسار كانت لأم عبد الله بن أَحمد دار معنا في الدرب، يأخذ منها أَحمد درهمًا بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة لتصلحها، فأَصلحها ابنه عبد الله، فترك أَبو عبد الله أَحمد الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أَفسده علي.
قلت: إِنَّما تورع من أخذ حقه من الأجرة، خشية أَن يكون ابنه أَنفق على الدار مما يصل إليه من مال الخليفة.
ونهى ولديه وعمه عن أَخذ العطاء من مال الخليفة، فاعتذروا بالحاجة، فهجرهم شهرًا لأَخذ العطاء. ووصف له دهن اللوز في مرضه، قال حنبل: فلما جئناه به، قال: ما هذا؟ قلنا: دهن اللوز فأَبى أَن يذوقه وقال: الشّيرج. فلما ثقل واشتدت علته جئناه بدهن اللوز فلما تبين أَنه دهن اللوز كرهه ودفعه، فتركناه ولم نَعُد له. ووصف له في علته قَرعة تشوى ويؤخذ ماؤها، فلما جاءوا بالقرعة قال بعض من حضر اجعلوها في تَنور صالح، فإنهم قد خبزوا، فقال بيده: لا وأَبى أَن يوجه بها إلى منزل صالح، قال حنبل: ومثل هذا كثير
قال حنبل: وأخبرني أبي - يعني إسحاق عم أحمد - قال: لما وصلنا العسكر أنزلنا السلطان دارًا لإيتاخ ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك: لمن هذا الدار؟ فقالوا: هذه دار لإيتاخ، فقال: حولوني
(1/411)

واكتروا لي دارًا، قالوا: هذه دار أَنزلكها أَمير المؤمنين. فقال: لا أبيتُ هاهنا، فاكترينا له دارًا غيرها، وتحول عنها وكانت تأتينا في كل يوم مائدة أَمر بها المتوكل، فيها ألوان الطعام والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أَبو عبد الله، ولا ذاق منها شيئًا، وكانت نفقة المائدة في كل يوم مائة وعشرين درهمًا، فما نظر إليها أَبو عبد الله، ودامت العلة بأَبي عبد الله، وضعف ضعفا شديدًا، وكان يواصل، فمكث ثمانية أَيام مواصلًا لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن كاد أَن يطفأ، فقلت: يا أَبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أَيام، وهذا لك اليوم ثمانية أَيام، فقال: إِنِّي مطيق. قلت: بحَقي عليك. فقال. إِن حَلَّفتني بحقك فإِني أَفعل، فأَتيته بسويق فشرب. وأَجرى المتوكل على ولده وأَهله أَربعة آلاف درهم في كل شهر، فبعث إِليه أَبو عبد الله: إِنهم في كفاية، فبعث إِليه المتوكل: إِنما هذا لولدك، مالك ولهذا؟ فقال له أَحمد: يا عمِّ، ما بقي من أَعمارنا؟ كأَنك بالأَمر قد نزل، فالله الله، فإِن أَولادنا إِنما يريدون يتأملون بنا، وإنما هي أَيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أَو شر، صبر قليل، وثواب طويل، إِنما هذ فتنة. فلما طالت علة أَحمد كان المتوكل يبعث بابن ماسَويه المتطبب، فيصف له الأَدوية، فلا يتعالج، فدخل ابن ماسَويه على المتوكل، فقال له المتوكل: ويحك، ابن حنبل، ما نجح فيه الدواء؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إِن أحمد بن حنبل ليست به علة في بدنه، إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل
(1/412)

ولما توفي أَحمد وَجَّه ابن طاهر الأَكفان، فردت عليه. وقال عم أَحمد للرسول: قل له: أَحمد لم يدع غلامي يُرَوِّحه، يعني خشية أَن أَكون اشتريته من مال السلطان، فكيف نكفنه بمالك؟.
وقال ابن المنادي: امتنع أحمد من التحديث قبل أَن يموت بثمان سنين، أو أَقل، أو أكثر وذلك: أَن المتوكل وجه يقرأ عليه السلام، ويسأله أَن يجعل المعتز في حجره، ويعلمه العلم، فقال للرسول: اقرأ على أَمير المؤمنين السلام، وأَعلمه أَن عليَّ يمينًا: أَني لا أتم حديثًا حتى أَموت، وقد كان أَعفاني مما أَكره، وهذا مما أَكره.
وقال المروزي: سمعت أَحمد يقول: الخوف قد منعني أَكل الطعام والشراب فما أشتهيه.
وكان أَحمد يزرع داره التي يسكنها، ويخرج عنا الخراج الذي وظفه عمر رضي الله عنه على السواد.
وكان أَحمد إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أَقدر أَنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه.
وقال إِسحاق عم أحمد: دخلت على أَحمد ويده تحت خده، فقلت له: يا ابن أَخي: أي شيء هذا الحزن؟ فرفع رأسه وقال: طوبى لمن أَخمل الله ذكره.
وقال إسماعيل بن حرب: أُحْصِيَ ما رَدَّ أَحمد بن حنبل حين جيء به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفاً.
وقال صالح بن أحمد: كان أبي لا يدع أحدا يستقي له الماء لوضوئه.
(1/413)

وأَما الخصلة الثامنة، وهي قوله: " إِمام في السنة " (1) فلا يختلف العلماء الأوائل والأَواخر أَنه في السنة: الإمام الفاخر والبحر الزاخر أوذي في الله عز وجل فصبر، ولكتابه نصر ولسنة رسول الله صلى عليه وسلم انتصر، أَفصح الله فيها لسانه، وأَوضح بيانه، وأَرجح ميزانه، لا رَهَب ما حُذِّر ولا جَبُن حين أُنذر أَبان حقاً، وقال صدقاً، وزان نطقاً وسبقاً، ظهر على العلماء، وقهر العظماء، ففي الصادقين ما أَوجهه، وبالسابقين ما أَشبهه، وعن الدنيا وأَسبابها ما كان أَنزهه، جزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين فهو للسنة كما قال الله في كتابه المبين: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: 13] .
قال علي بن المديني: أيَّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما:
أبو بكر الصديق يوم الردِّة وأحمد بن حنبل في يو المحنة.
وقيل لبشر بن الحارث، يوم ضُرِب أَحمد: قد وجب عليك أَن تتكلم فقال: تريدون مني مقام الأَنبياء؟ ليس هذا عندي، حفظ الله أحمد بن حنبل من بين يديه ومن خلفه. ثم قال، بعد ما ضرب أَحمد: لقد أدخل الكير فخرج ذهبة حمراء.
وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: من أَبغض أَحمد بن حنبل فهو كافر.
__________
(1) انظر: الفتاوى: 3/ 358 ففيها بيان سبب قرن الإمامة باسمه، وأيضا: ص/ 170، ومعنى قول المغاربة: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل.
(1/414)

فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم، من أَبغض أَحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة أَبغض النبي، ومن أَبغض النبي صلى الله عليه وسلم كفر بالله العظيم.
وقال أَحمد بن إِسحاق بن راهويه: سمعت أبي يقول: لولا أَحمد بن حنبل وبَذْلُ نفسه لما بذلها؛ لذهب الِإسلام.
وقال عبد الوهاب الوراق: أَبو عبد الله أحمد بن حنبل إمامنا، وهو من الراسخين في العلم. إذا وقفت غدا بين يدي الله تعالى فسألني: بمن اقتديت؟ أقول: أحمد. وأي شيء ذهب على أبي عبد الله من أمر الإسلام؟ وقد بلي عشرين سنة في هذا الأَمر.
وأنبأنا محمد بن الأَبنوسي عن الدارقطني. قال: أخبرنا محمد ابن مخلد قال:
سمعت العباس الدُّري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: أَراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله لا نقدر على أحمد، ولا على طريق أحمد.
وحدثنا الوالد السعيد - إملاء بجامع المنصور - عن عبد الله بن عبد الرحمن أن عبد الله بن إِسحاق المدائني حدثه قال: حدثنا أَبو الفضل الوراق قال: حدثني أَحمد بن هانئ عن صدقة المقابري، قال: كان في نفسي على أحمد بن حنبل، قال: فرأيت في النوم كأن النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في طريق، وهو آخذ بيد أحمد بن حنبل، وهما يمشيان على تؤدة ورفق، وأنا خلفهما أَجد نفسي في أن أَلحق بهما
(1/415)

فما أَقدر، فلما استيقظت ذهب ما كان في نفسي، ثم رأيت بعد كأَني في الموسم، وكأَن الناس مجتمعون. فنادى مناد: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فنادى: يَؤُمكم أَحمد بن حنبل، فإِذا أَحمد ابن حنبل، فصلى بالناس، وكنت بعدُ إذا سُئلت عن شيء؟ قلت: عليكم بالإمام، يعني أَحمد بن حنبل.
فهذه الثمان التي ذكرها الشافعي، ويقرن بها أيضا ثمان خصال انفرد بها:
إِحداها: الإجماع على أصوله التي اعتقدها، والأَخذ بصحة الأَخبار التي اعتمدها، حتى إِنَّ من زاغ عن هذا الأَصل كفروه، وحذروا منه وهجروه، فانتهت إِليه فيها الحجة، ووقفت دونه المحجة، واِن كانت كذلك مذاهب المتقدمين من أهل السنة والدين، فصار إِمامًا متبعًا، وعلماً متلمعاً، وما أَشبهه بالقراءات المأثورة عن السلف، ثم انتهت إلى القراء السبعة خير الخلف.
الثانية: اتفاق الأَلسن عليه بالصلاح، وإليه يشار بالتوفيق والفلاح، فإِذا ذكر بحضرة الكافة من العلماء على اختلاف مذاهبهم في مجالسهم أو مدارسهم قالوا: أَحمد رجل من أهل الحديث صالح، لعمري إِنهما خلتان جليلتان، سأل الصلاح الأَنبياء، والتمسه الأصفياء، قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء/ 83] ، وفي قصة سليمان عليه
(1/416)

السلام (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل/19] .
الثالثة: أَنه ما أحبه أحد- إما محب صادق وإما عدو منافق- إلاّ وانتفت عنه الظنون، وأُضيفت إِليه السنن، ولا انزوى عنه رفضا، وظهر له عنادا وبغضا؛ إلَّا واتفقت الأَلسن على ضلالته، وسفه في عقله وجهالته، وقد قدمنا قول الشافعي: من أَبغض أَحمد بن حنبل فقد كفر ".
وقال قتيبة بن سعيد: أَحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع.
الرابعة: ما ألقى الله عز وجل له في قلوب الخلق من هيبة أَصحابه ومحبيه، أَهل مذهبه ومخالصيه، فلهم التعظيم والِإكبار، والمعروف والِإنكار، والمصالح والأَعمال، والمقال والفِعال. بَسْطتهم سامية، وسَطوتهم عَالية، فالموافق التقي يكرمهم ديانة ورياسة، والمنافق الشقي يعظمهم رعاية وسياسة. ولما ذكر لأَمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله- رحمه الله- بعد موت إِمامنا أَحمد- غفر الله لنَا وله- أَن أَصحاب إمامنا يأتون على أهل البدع حتى يكون بينهما الشر فقال لصاحب الخبر لاترفع إِليَّ من خَبرهم شَيئا وَشُدَّ على أَيديهم، فإنهم وصاحبَهم من سادات أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد عرف الله تعالى لأحمد صبره، وبلاءه، ورفع عَلَمهُ أيام حَياته وبعد موته، أصحابه أَجلَّ الأصحاب، وأنا أظن أَن الله يعطي
(1/417)

أَحمد ثوابَ الصدّيقين.
الخامسة: ما أَحدٌ من أَصحابه المتمسكين بمعتقده قديما وحديثًا، تابع ومَتبوع، إِلاَّ وهو من الطعن سليم، ومن الوهن مستقيم، لا يضاف إِليه ما يضاف إلى مخالف، ومجانف، من وَسْمٍ ببدعة، أو رسم بشنعة، أو تحريف مقال، أو تقبيح فعال.
السادسة: اتفاق القول الأَخير والقديم: أَن له الاحتياط في التحليل والتحريم، يعتمد في فقه على العزائم، كما لم تأخذه في أصوله المقربة إلى الله عز وجل لومة لائم، يعتمد على كتاب ناطق، أو خبر موافق، أو قول صحابي جليل صادق، ويقدم ذلك على الرأي والقياس.
السابعة: أَن كلام أَحمد في أهل البدع مسموع، وإليه فيهم الرجوع. فمن ظهر في قوله نكيره، ولما يعتقده تغييره: فقد ثبت تكفيره، مثل ما قال في اللفظيه والمرجئة والرافضة والقدرية والجهمية، وإن كان قد سبق النطق بضلالهم، لكن له القدَم العالي في شرح فساد مذاهبهم، وبيان قبيح مثالبهم، والتحذير من ضلالهم.
الثامنة: ما أَظهره الله تعالى له في حياته من المراتب، ونشر له بعد مماته من المناقب، ورفع له بذلك العلم بين سائر الأمم، فتنافس حين موته في الصلاة عليه العلماء والكبراء، والأغنياء والفقراء، والصلحاء والأولياء، لأنه توفي في شهر ربيع الآخر من سنة
(1/418)

إِحدى وأَربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، فقال المتوكل على الله لمحمد بن عبد الله بن طاهر: طوبى لك، صليت على أحمد ابن حنبل.
وروى الأَئمة الثقات، والحفاظ الأَثبات: أَن عبد الوهاب الوراق قال: " ما بلغنا أَنه كان للمسلمين جمع أَكبر منهم على جنازة أَحمد ابن حنبل، إلَّا جنازة في بني إسرائيل " انتهى بطوله.
(1/419)

المدخل السابع: في التعريف بعلماء المذهب
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: معرفة التآليف المفردة عن الإمام أَحمد وعن الآخذين عنه وعلماء مذهبه.
وهي سبعة أنواع
الفصل الثاني: في معرفة طبقاتهم.
وفيه مبحثان.
الفصل الثالث: في معارف عامة عن الأصحاب.
وفيه سبعة أَبحاث
(1/421)

الفصل الأول: في معرفة التآليف المفردة عن علماء المذهب
من لدن الإمام إلى وفيات القرن الخامس عشر الهجري
(1/423)

- تمهيد:
ساق ابن أَبي يعلى بسنده في: " الطبقات: 1/ 274 " في ترجمة محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: " سمعت أَحمد بن حنبل يقول: إِنما الناس بشيوخهم، فإِذا ذهب الشيوخ، تُوِدِّعَ من العيش " انتهى.
وشيوخ هذا المذهب، قد اتصل عقدهم عن لدن رأسهم ورئيسهم: الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إلى زماننا - والحمد لله على نعمه - وتستفاد ترجمة الإمام أَحمد، والأصحاب، من كتب التراجم العامة كغيرهم من علماء الِإسلام، ومن الكتب الخاصة بتراجمهم وقد كان لفقهاء الحنابلة فضل السبق على أَتباع المذاهب الثلاثة: الحنفية والمالكية، والشافعية، في تسجيل تراجم الحنابلة بمصنفات مفردة، يتلوهم في ذلك الحنفية، ثم الشافعية، ثم المالكية، فأول تأليف في تراجم الحنابلة هو كتاب طبقات أصحاب أَحمد بن حنبل للخلال، المتوفى سنة (311 هـ) و " طبقات الأصحاب " لابن المنادي ت سنة (336 هـ) .
وأَول كتاب للحنفية " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " للصيمري ت سنة (436 هـ) وهو مطبوع. وقد ترجم فيه لأَبي حنيفة، وتلاميذه، وتلاميذهم، ومن بعدهم إلى زمن المؤلف- رحم الله الجميع - هو: " وفيات الأَعيان من مذهب النعمان " لنجم الدين إبراهيم بن علي
(1/425)

الطرطوسي، المتوفى سنة (758 هـ) (1) .
وأَول كتاب في تدوين شيوخ مذهب الشافعية هو " المذهب في ذكر شيوخ المذهب " لأَبي حفص عمر بن علي المطوعي، المتوفى سنة (440 هـ) . وليس أَولها مطلقاً كما ذكره السبكي في مقدمة " الطبقات " له.
وأَول كتاب في ذلك للمالكية هو: " ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أَعلام مذهب مالك " للقاضي عياض اليحصبي، المتوفى سنة (544 هـ) .
ويمكن تصنيف جهود الحنابلة في إِفراد ترجمة الإمام، وإفراد تراجم الأصحاب على سبعة أَنواع هي:
النوع الأول: تسمية الكتب المفردة في ترجمة الإمام أَحمد وخبره- رحمه الله تعالى- في محنة القول بخلق القرآن الكريم
النوع الثاني: كتب في تراجم تلاميذ الإمام والرواة عنه.
النوع الثالث: كتب في تراجم الأصحاب على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم.
النوع الرابع: كتب تختص بتراجم الأصحاب حسب بلدانهم
__________
(1) انظر تراجم الفقهاء " للأستاذ/ عبد الفتاح الحلو نُشر في: " مجلة البحوث الإسلامية " عام 1395. بالرياض. العدد الأول ص 249-260 وفيه أول كتب تراجم الفقهاء لكل مذهب، والحال ما علمت. والله أعلم
(1/426)

النوع الخامس: كتب تختص بترجمة عَلَم من أعيان المذهب.
النوع السادس: التراجم الذاتيةز
النوع السابع: مؤلفات في تفضيل المذهب والدفاع عنه.
- النوع الأول: تسميه الكتب المفردة في ترجمة الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-:
فَضْلًا عَنْ سيرته الفائقة المنتشرة في كُتُبِ الرّجالِ وَتَاريخ السِّنِيْنِ والأَجيال (1) ، فَقَدْ أفْردَتْ في تَرْجَمَتِهِ، وَسِيْرتهِ، وَخَبَرِ محنَتِهِ، كُتُبٌ جَمة، تقع باسم: " مناقب " و " فضائل " و " منافع " و " سيرة " و " أَخلاق " و " منامات " و " محنة الإمام أَحمد بن حنبل " تُعلم من ترجمته، وتراجم مؤلفيها، والأصحاب، وغيرهم من علماء المذاهب الأخرى بدءًا بكتاب ابنه صالح، وابن عمِّه: حنبل بن إِسحاق، إلى علماء عصرنا، منها:
1- " محنة أحمد بن حنبل " لابنه صالح ت سنة (266 هـ) وهو أَكبر أَولاده. مطبوع.
2- " محنة أَحمد بن حنبل " لابن عمه وتلميذه: حنبل بن إِسحاق ت سنة (273 هـ) مطبوع عام (1403هـ) بمصر.
3- " أَخلاق أَحمد " للخلال ت سنة (311 هـ)
__________
(1) سِوَى الإمام ابن جرير فَلَمْ يُتَرجم لَهُ في: تاريخه- سامحه الله- كما فات ابن عساكر في تاريخه ذكر خبر المحنة.
(1/427)

4- " فضائل أحمد " لابن أبي حاتم ت سنة (327 هـ) .
5- " فضائل أَحمد " لأبي الحسين أَحمد بن جعفر بن المنادي ت سنة (336 هـ) .
6- " مناقب الإمام أَحمد " للطبراني سليمان بن أَحمد ت سنة (360 هـ) .
7- " أَخبار أًحمد " لأَبي حفص بن شاهين: عمر بن أَحمد البغدادي ت سنة (385 هـ) .
8- " مناقب الإمام أَحمد " للِإمام البيهقي الشافعي الصغير ت سنة (458 هـ) .
9- " فضائل أَحمد " للقاضي أَبي يعلى ت سنة (459 هـ)
10- " مناقب الإمام أَحمد " للخطيب البغدادي ت سنة (463 هـ) ذكره فى آخر ترجمته له من " تاريخه: 4/423 ".
11- " بعض فضائل أَحمد وترجيح مذهبه " للشريف أَبي جعفر الحنبلي ت سنة (470 هـ) .
12- " مناقب الإمام أَحمد " لأَبي علي البناء البغدادي الحنبلي ت سنة (471 هـ) .
قال عنه في مقدمة كتابه: " المقنع في شرح الخِرَقي ": " وقد أَفردت لمناقبه وفضائله وطبقات أَصحابه أَحد عشر جزءاَ ".
13- وله: " المنامات المرئية للِإمام أحمد " جزء.
14- وله: " ثناء أَحمد علي الشافعي وثناء الشافعي على أَحمد "
15- " شيوخ الإمام أحمد وتراجمهم " للإبراهيمي الحافظ ت سنة (476 هـ) .
16- مناقب الإمام أحمد. لأبي عبد الله السدوسي ت "؟ " ذكره شيخ
(1/428)

الإسلام ابن تيمية في بيان الدليل في إبطال التحليل: 186.
17- " مناقب- سيرة - الإمام أَحمد " لشيخ الإسلام الهروي ت سنة (481 هـ) .
18- " مناقب الإمام أَحمد " للجرجاني عبد الله بن يوسف ت سنة (489 هـ) .
19- " مناقب الإمام أَحمد " ليحيى بن عبد الوهاب، ابن منده ت سنة (511 هـ) .
20- " مناقب الإمام أَحمد " لابن أَبي يعلى أَبي الحسين الشهيد صاحب الطبقات ت سنة (527 هـ) .
21- " فضائل الإمام أَحمد " لأَبي عبد الله الحسين بن أَحمد الأَسدي صاحب كتاب: " المدخل إِلى المسند " كما في ترجمة ابن منده المذكور في " ذيل الطبقات " لابن رجب، ولم أَقف له على ترجمة.
22- " مناقب الإمام أَحمد " في مجلد. لأَبي منصور السلامي محمد بن ناصر البغدادي ت سنة (550 هـ) .
23- " مناقب الإمام أَحمد " لابن الجوزي ت سنة (597 هـ) مطبوع. و " مختصره " له.
قال ناصح الدِّين ابن الحنبلي: " لقد كان فيه - أي ابن الجوزي - جمال لأهل بغداد خاصة وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس من المقدس.
(1/429)

24- وله: " تقريب الطريق الأبعد في فضائل مقبرة أحمد ".
25- " مجمل الرغائب من كتاب المناقب لابن الجوزي " لزكي الدِّين عبد الله بن محمد الخزرجي المكي، من علماء القرن السابع
له نسخة خطية في مكتبه الموسوعة الكويتية برقم/258.
26- " محنة الإمام أَحمد " في ثلاثة أجزاء للحافظ عبد الغني المقدسي ت سنة (600 هـ) مطبوع في مجلد.
27- " كتاب: فصل في امتحان الإمام أَحمد بن حنبل مع أَمير المؤمنين وقد سأله عن القرآن أمخلوق هو أو منزَّل " لأَبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن يوسف القرشي. كتبه قبل سنة (669 هـ)
28- " قصيدة في مدح الإمام أَحمد " وهي طويلة للطوفي ت سنة (716 هـ)
29- " منافع الإمام أَحمد " لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد ابن النقيب، الشهير بابن رجب ت سنة (795 هـ)
30- " الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل " للسعدي الحنبلي ت سنة (900 هـ) مطبوع
31- " مختصر ترجمة الإمام أحمد لابن الجوزي " تأليف أبي البركات نعمان خير الدين الآلوسي ت سنة (1317 هـ)
وَقَدْ أفْرَدَ تَرْجَمَتَهُ عَدَدٌ من المعاصرين بكتب مطبوعة منها:
(1/430)

32- " أحمد بن حنبل: حياته وعصره " لأبي زهرة، ت سنة (1394 هـ)
33- " أَحمد بن حنبل بين محنة الدِّين ومحنة الدنيا " لأَحمد الدومي. وهو من الكتب المؤثرة الماتعة.
34- " الإمام أَحمد بن حنبل " مصطفى الشكعة.
35- " أَحمد بن حنبل ومنهجه الاجتهادي " محمد سلام مدكور.
36- " ابن حنبل من أَعلام القرن الثالث الهجري " أحمد عبد الباقي.
37- " أَحمد بن حنبل إِمام أهل السنة " عبد الغني الدقر.
38- " أَحمد بن حنبل إِمام أهل السنة عبد الحليم الجندي.
39- " الإمام أَحمد بن حنبل محتسبًا " عبد الله بن سعد الغامدي، رسالة بجامعة الإمام.
40- " أحمد بن حنبل والمحنة " لعبد العزيز بن عبد الحق. مطبوع. وصوابه أَنه من تأليف المستشرق الأَمريكي. ولنز ملفيل باتون. وقد ترجمه عبد العزيز المذكور كما في مقدمة تحقيق كتاب: " محنة الإمام أحمد بن حنبل " للمقدسي: ص/9
41- " المحنة بحث في جَدَليّهِ-؟ - الديني والسياسي في الإسلام " تأليف فهمي جدعان. طبع في الأردن عام 1989م
لكنه كتاب لا يفرح به؛ لما فيه من شطح في الرأي، وتعسف في الاستنتاج، وتأثّر بنفس الاستشراق، فإلى الله الشكوى من الخوض فيما لا يُحْسِنهٌ المرء.
(1/431)

- النوع الثاني: كتب في تراجم تلاميذ الإمام وأَصحاب الرواية عنه:
فضلًا عن انتشار تراجمهم في كتب التراجم العامة فإِن كتب " طبقات الحنابلة " من عصر الإمام أَحمد، تحوي تراجم تلامذته، كما استغرق ذلك: الجزء الأول " من: " الطبقات " لابن أَبي يعلى، وحوى " 577 " ترجمة، كما تُسْتَفادُ تراجمهم أيضا من كتب: " مناقب الإمام أَحمد رحمه الله تعالى " كما في كتاب: " مناقبه " لابن الجوزي - رحمه الله تعالى-، وهم في رواياتهم متفرقون على علوم الإمام أَحمد فمنهم رواة مختصون في نقل الحديث وروايته عن الإمام أَحمد، وقد جُمعت فيهم المصنفات كما قاله ابن أَبي يعلى في مقدمة " الطبقات " (1/ 7) .
ومنهم رواة مختصون في نقل فقه الإمام عنه مشافهة، ويأتي ذكرهم في: " الباب العاشر ".
أَما الكتب المفردة في تراجم الرواة عن أَحمد فمنها:
1- كتاب: " طبقات أَصحاب أَحمد بن حنبل " لتلميذ تلامذته، جامع علوم الإمام أحمد: أَبو بكر الخلال أَحمد بن محمد بن هارون ت سنة (311 هـ) .
وهو أول كتاب ألف في طبقاتهم.
وقد أَشار إليه ابن أبي يعلى في ترجمته له، وعلى هذا الكتاب بنى ابن أبي يعلى الجزء الأول من كتابه.
ويوجد في " الظاهرية " بدمشق قطعة منه برقم/3832 باسم: " أصحاب ابن حنبل " من ورقة (28- إلى 52) ضمن مجموع
(1/432)

برقم/106.
وقد استفدت منها كثيرًا في بيان مراتب كتب مسائل الرواية عن الإمام
2- " طبقات الأصحاب " لابن المنادي: أحمد بن جعفر ت سنة (336 هـ) .
3- " المقصد الأرشد في ذكر من روى عن الإمام أَحمد " في مجلدين. للبزار عبد العزيز بن محمد الجنابذي ثم البغدادي، المعروف بابن الأخضر ت سنة 611 هـ.
ذكره ابن رجب في ترجمته له.
4- " إتحاف الأريب الأمجد في معرفة الرواة عن الإمام أحمد " سليمان بن حمدان ت سنة (1397 هـ) مخطوط بجامعة الِإمام بلغ به إلى حرف العين.
لدي مصورة منه، ولم يخرج ابن حمدان في تسمية الرواة عن الامام أحمد عما ذكره ابن أَبي يعلى في: " الجزء الأول " من: " الطبقات بل لم يذكر جميع من ذكره ابن أَبي يعلى، ويزيد على بعض التراجم بعض الفقهيات في المذهب، وبخاصة من: " القواعد " لابن رجب.
- النوع الثالث: كتب في تراجم الأصحاب على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم:
وهذه واسطة العقد من كتب تراجم الأصحاب لما حوته من
(1/433)

ترجمة الإمام أحمد، وتلاميذه، وتلامذتهم، وهكذا بدءًا من أولها - مطبوعًا- " طبقات الحنابلة " لابن أَبي يعلى: (41- 526) ونهاية بما تم الوقوف عليه من الكتب المفردة في تراجم الحنابلة، التي يُذَيِّلُ بِهَا مُؤَلِّفُوْها على من سبقهم، أو تحويها مع ذكر ما فاتهم، وكان آخر ما علمته منها: " تسهيل السابلة في طبقات الحنابلة " للشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين البُريدي ثم المكي، المتوفى بها سنة (1412 هـ) وقد استلمت كتابه هذا من ورثته، والعمل جار فيه لنشره- إِن شاء الله تعالى- وقد وقفت على تسمية أربعين كتابًا في هذا النوع (1) .
طُبِعَ منها اثنا عشر كتابًا، هي لابن أَبي يعلى ت سنة (526 هـ) ، وابن الجوزي ت سنة (597 هـ) في كتابه: " مناقب أَحمد "، وابن رجب ت سنة (795 هـ) ، والجنة: محمد بن عبد القادر الجعفري (797 هـ) ، والبرهان ابن مفلح ت سنة (884 هـ) ، وابن عبد الهادي ت سنة (909 هـ) ، والعليمي ت سنة (928 هـ) ، له كتابان مطبوعان، والغزي ت سنة (1214 هـ) ، وابن حميد ت سنة
__________
(1) وقد عمل صديقنا، وشريكنا في تحقيق: " السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة " الشيخ عبد الرحمن بن سليمان بن عثيمين التميمي، العنيزي، ثم المكي، الأستاذ بجامعة أم القرى: ثَبَتًا زَمنِيًّا في مقدمة تحقيقه لكتاب: " الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد " ليوسف ابن عبد الهادي ت سنة (909 هـ) وفي مقدمة تحقيقه لكتاب البرهان ابن مفلح: " المقصد الأرشد " بلغ بالكتب المختصة بتراجمهم بعد الخلال " واحدا وثلاثين " كتابا وقد وَفَّى الحديث عنها مخطوطها ومطبوعها ومفقودها من (ص/47 إلى ص/77) .
(1/434)

(1295 هـ) ، والشطي ت سنة (1379 هـ) ، له كتابان.
وهذا بيان كتب النوع الثالث حسب وفيات مؤلفيها:
1- " طبقات الحنابلة " لابن أَبي يعلى أَبي الحسين الشهيد ت سنة (526 هـ) مطبوع في جزئين، الأول في الرواة عن أَحمد
وله مختصرات تأتي برقم: 6، 8، 10، 13
2- " طبقات الفقهاء من أَصحاب أَحمد " للْمُجَمِّعِي محمد بن عبد الباقي الموصلي أَبي المحاسن ت (571 هـ) .
3- " طبقات الأصحاب " لابن الجوزي ت سنة (597 هـ) .
وله:
4- " مناقب الإمام أَحمد " ترجم فيه لجماعة من الأصحاب. طبع.
5- " طبقات الأصحاب " لمحمد بن عبد القوي المرداوي ت سنة (699 هـ)
6- " مختصر طبقات ابن أَبي يعلى " لعبد الرحيم بن عبد الله الزريراني ت سنة (741 هـ) .
وله:
7- " ذيل عليها ".
8- " مختصر طبقات الحنابلة " لبعض ولد الشيخ أَبي عمر ابن قدامة.
9- " ذيل طبقات الحنابلة " لزين الدِّين عبد الرحمن بن أحمد بن النقيب، الشهير بابن رجب ت سنة (795 هـ) .
(1/435)

وكان مشهورا من قبل بلقب: " ابن النقيب "؛ ولهذا وهم صاحب: كشف الظنون حينما ذكر " ذيل طبقات الحنابلة " لابن النقيب، وآخر لابن رجب.
وللشيخ المؤرخ ابن بشر ت سنة (1290 هـ) فهرس له عَلَى حروف المعجم.
وله مختصرات تاتي برقم: 12، 14، 16.
وكانت طبعته الأولى عام 1951م في دمشق، وفي مجلة " المقتطف: 4/118 لعام 1951م ص: 309- 316 " مقال عن هذا الكتاب بعنوان: " سيكولوجية الحنابلة- أي علم النفس- في طبقات الحنابلة " بقلم: مصطفى بن عبد اللطيف السَّحَرْتي.
10- " مختصر طبقات الحنابلة لابن أَبي يعلى " للْجَنَّةِ: محمد بن عبد القادر الجعفري ت سنة (797 هـ) .
سُمِّي بالجنة، لكثرة علومه وسعتها.
11- " طبقات أصحاب الإمام أَحمد " للبرهان ابن مفلح ت سنة (803 هـ) .
12- " مختصر طبقات الحنابلة " لعبد الرزاق الحلبي ت سنة (819 هـ) .
اختصر به ذيل ابن رجب
13- " مختصرطبقات ابن أبي يعلى " لابن عروة الدمشقي ت سنة
(1/436)

(837 هـ)
صاحب " الكواكب الدراري في ترتيب مسند أَحمد على أَبواب البخاري ".
وكان يكره تلقيبه بقولهم: " ابن زَكْنون " ويقول: زَكْنون: شيطان.
ومثله: محمد بن المحب السعدي. ت سنة (788 هـ) كان يكره تلقيبه بابن الصامت ودعوته به بين الناس، وإنَّما سُمي " الصامت "؛ لكثرة سكوته عن فُضول الكلام.
وله:
14- " مختصر طبقات ابن رجب ".
15- " طبقات الحنابلة " لابن نصر الله: أَحمد بن نصر الله التستري ثم البغدادي ثم المصري، شيخ المذهب، ومفتي الديار المصرية ت سنة (846 هـ) وهو الذي نُقِلَ عنه أَنه قال:
" الترك إِن أَحبوك أَكلوك، وإن أَبغضوك قتلوك ".
وله أيضا: " مختصر طبقات الحنابلة لابن رجب " ويسمى:
16- " مختصر تاريخ الحنابلة ".
17- " طبقات الحنابلة " عشرون مجلدًا، لأَحمد بن إبراهيم بن نصرالله الكناني العسقلاني المصري الحنبلي ت سنة (876 هـ)
ويُقال لها: " الطبقات الكبرى ".
وله:
(1/437)

18- " الطبقات الوسطى ".
وله:
19- " الطبقات الصغرى ".
20- " المقصد الأَرشد في تراجم أَصحاب الإمام أَحمد " لتلميذ ابن نصر الله: البرهان ابن مفلح صاحب المبدع المتوفى سنة (884 هـ) مطبوع
21- " الجوهر المنضد في طبقات متأخري أَصحاب أَحمد " لتلميذ البرهان المذكور: يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن
أحمد بن عبد الهادي الشهير بابن المَبْرد ت سنة (909 هـ) مطبوع، ثم طُبعَ باسم: " ذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب ".
وله:
22- " العطاء المعجل في طبقات أَصحاب الإمام المبجل أَحمد بن حنبل ".
وابن المَبْرد: بفتح الميم، وسكون الباء الموحدة - على وزن أَحْمد-، هو لقب جده أحمد، لَقَّبَهُ بذلك عَمُّه، قيل: لِقُوَّتِهِ،
وقيل: لخشونة يده.
روى عنه تلميذه ابن طولون أنه قال:
من يَطلب التعريف عني قد هُدي ... فاسمي يوسف وابن نَجْل المَبْردِ
وأبي يُعرف باسم سِبط المصطفى ... والجَدُّ جَدِّي قد حذاه بأحمد
(1/438)

23- " المنهج الأَحمد في تراجم أَصحاب الإمام أحمد " للعليمي، المتوفى بعد سنة (896 هـ) طبع منه جزآن.
وله:
24- " الدر المنضد في ذكر أَصحاب الإمام أَحمد ". مطبوع
و" العليمي " نسبة لجده الأَعلى المشهور عند الناس باسم: " علي عليم " وقيل: " علي عليل " فقيل في نسبته إِليه: " العليمي ".
والمؤلف مجير الدّين عبد الرحمن بن محمد، هو ووالده حنبليان، وجده فَمَنْ قَبْلُ شافعية.
25- " من تولى قضاء الحنابلة استقلالا في ولاية ملوك مصر " لمحمد بن مفلح ت سنة (1011 هـ) توفي بدمشق، وهو آخر
من عرف فيها، وله تاريخ: ترجم فيه لمعاصريه.
26- " الدر المنضد في أَصحاب الإمام أحمد " مختصر لكتاب: " المنهج الأَحمد ".
أَلفهُ ابن كَنَّان: محمد بن عيسى الحنبلي الدمشقي ت سنة (1153 هـ)
27- " النعت الأَكمل لأَصحاب الإمام أَحمد بن حنبل للغزي الشافعي ت سنة (1214 هـ) مطبوع.
جَمَعَ فيه علماء القرن التاسع والعاشر من علماء المذهب الحنبلي
(1/439)

وهو كثير النقل عن كتاب: " شذرات الذهب " لأَبي الفلاح عبد الحي بن أحمد الحنبلي، المعروف بابن العماد ت سنة (1089 هـ) ويُعبر عنه بقوله: ذكره العُكري في: " الشذرات " ونحوها.
28- " السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة " لمحمد بن عبد الله بن حميد النجدي العُنيزي ثم المكي ت سنة (1295 هـ)
ذيل به على: " ذيل الطبقات " لابن رجب، من وفيات سنة (751 هـ) حتى قرب وفاته سنة (1295 هـ) مطبوع.
وله:
29- " غاية العجب في تتمة طبقات ابن رجب ".
وهو فيمن فات ابن رجب ذكرهم في سني طبقاته، وقد طبعت قطعة منه في خاتمة: " طبقات ابن رجب "
وانظر البيان عنه مستوفى في مقدمة التحقيق لكتاب: " السحب الوابلة ".
وله:
30- " النعت الأَكمل في تراجم أَصحاب الإمام أَحمد بن حنبل " عزاه العثيمين له وقيل: لحفيده، يأتي.
31- " أوراق في تراجم بعض الحنابلة " في المكتبة السعودية بالرياض. لإبراهيم بن صالح بن عيسى ت سنة (1343 هـ)
32- " النعت الأكمل ... " لابن حميد الحفيد: عبد الله بن علي بن
(1/440)

محمد بن عبد الله بن حميد ت سنة (1346 هـ) .
عزاه إِليه الزركلي في " الأَعلام " وغيره.
33- " السابلة في الذيل على السحب الوابلة " لِإبراهيم الغملاس الحنبلي النجدي ثم الزبيري.
34- " ذيل طبقات ابن رجب " لابن بدران ت سنة (1346 هـ) . لم يتمه.
35- " رفع النقاب عن تراجم الأصحاب " لابن ضويان ت سنة (1353) .
36- " ذيل النعت الأَكمل " لمحمد جميل أفندي (1) الشطي ت سنة (1379 هـ) .
وله أيضا:
37- " مختصرطبقات الحنابلة " من جمعه هو مطبوع.
وله:
38- " الفتح الجلي في القضاء الحنبلي ". مطبوع.
ترجم فيه لقضاة محاكم دمشق الحنابلة، ابتداء من الموفق ابن قدامة إلى مؤلفه.
39- " طبقات الحنابلة " لشيخنا المدرس بالمسجد الحرام: سليمان
__________
(1) الأفندي: قيل: لفظ رومي، بمعنى: السيد الكبير وقيل: لفظ عربي مشتق من: الفِندة: العُوْدُ التام تُصنَعُ من القوس، وجاؤا من كل فِند، أي من كل فَنّ ونوع، فصار الأفندي بمعنى: صاحب الفنون، زاد ألفا في أوله لكثرة الاستعمال تاج العروس: 8/ 509.
(1/441)

ابن عبد الرحمن بن حمدان ت سنة (1397 هـ) مفقود.
وقد أَجازني في جميع مروياته مشافهة وبخطه، ثم سلمني الِإجازة مطبوعة بتوقيعه وختمه.
40- " تسهيل السابلة في طبقات الحنابلة " لصالح بن عبد العزيز بن عثيمين النجدي البُريدي ثم المكي، المتوفى سنة (1412 هـ) . الكتاب لديَّ قيد التحقيق.
41- " مسودة في طبقات الحنابلة " للشطي محمد مراد أَفندي الدمشقي. لم أَعلم تاريخ وفاته.
- النوع الرابع: كتب تختص بتراجم الأصحاب حسب بلدانهم:
ومنها:
1- " كتاب سبب هجرة المقادسة (1) إلى دمشق وكرامات مشايخهم " نحو عشرة أَجزاء، للضياء المقدسي ت سنة (643 هـ)
2- تاريخ ابن عيسى، الشيخ: إبراهيم بن صالح بن عيسى ت سنة (1343 هـ) مخطوط في مجلدين. وهو عمدة ابن بسام في كتابه: " علماء نجد " وقد أَشار إلى ذلك إشارة خاطفة في مقدمته. ولو ساق
__________
(1) من: " المَقدس " في الأرض المباركة، كما في فاتحة سورة الإسراء وقد قال البَشاري في فضل أرض المقدس: " وأما الفضل فهي عرصة القيامة، ومنها النشر وإليها الحشر وإنما فضلت مكة بالكعبة، والمدينة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة تُزَفان إليها، فتَحوِي الفَضل كُله " انتهى من: معجم البلدان لياقوت: 5/169.
(1/442)

تراجمه بكاملها ثم زاد ما لديه- إن كان لكان أَولى-، ولو طبع تاريخ ابن عيسى لكان أتم، ولكن لله الأَمر والِإنصاف عزيز.
وله:
3- " نبذة في تراجم بعض علماء الحنابلة "، مخطوطة في مكتبة الموسوعة الفقهية بالكويت.
4- " مشاهير علماء نجد " في مجلد مطبوع، للشيخ عبد الرحمن آل الشيخ ت سنة (1406 هـ) وهو كتاب حافل.
5- " علماء نجد خلال ستة قرون " (1) ثلاثة أَجزاء مطبوعة، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام.
6- " روضة الناظرين " للشيخ محمد بن عثمان القاضي.
7- " تراجم أَئمة الدعوة في نجد " في " الجزء الثاني عشر من " الدرر السنية للشيخ ابن قاسم ت سنة (1392 هـ)
8- وفي كتاب: " تذكرة أولي النهى والعرفان " أَربعة أَجزاء - تراجم كثيرة عن علماء نجد - لِإبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن مطبوع.
9- " زهر الخمائل في تراجم علماء حائل " للشيخ علي الهندي
__________
(1) لحق هذا الكتاب بعضُ التعقبات منها: " الإفادات عن ما في تراجم علماء نجد لابن بسام من التنبيهات " لعبد الرحمن بن عبد الله التويجري. و " إنجاز الوعد بذكر الإضافات والاستدراكات على من كتب من علماء نجد " لمحمد بن إسماعيل.
(1/443)

الحائلي ثم المكي. نبذة صغيرة. مطبوعة.
10- " تاريخ قضاة حريملاء " لِإبراهيم بن عبد الله البراهيم. طبع.
11- " قضاة الدلم " للصرامي. مطبوع.
12- " علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم " للعمري.
- النوع الخامس: كتب تختص بترجمة واحد من علماء المذهب:
كان لحافظ الدنيا الضياء المقدسي صاحب المختارة: محمد ابن عبد الواحد السعدي المقدسي الصالحي، المتوفى سنة (643 هـ) فَضْل كبير في تراجم المقادسة، وإفراده لكل واحد من أَكابرهم سيرةً في أَجزاء كثيرة.
قال ابن رجب في ذكر مصنفاته:
1- " كتاب سبب هجرة المقادسة إلى دمشق، وكرامات مشايخهم، نحو عشرة أَجزاءه وأَفرد لأَكابرهم من العلماء لكل واحد سيرة
في أَجزاء كثيرة " انتهى.
2-3 - منها: " سيرة الموفق ابن قدامة " للضياء المذكور وللذهبي أيضا ت سنة (748 هـ)
4-5- و " سيرة عبد الغني المقدسي " للضياء المذكور، ولمكي بن عمر ت سنة (634 هـ) .
6-7- و " سيرة الشيخ أبي عمر ابن قدامة المقدسي " للضياء المذكور ولإسماعيل بن إبراهيم العبادي الأنصاري ت سنة (703 هـ) .
والضياء هذا أكثر من أفرد التراجم لعلماء الحنابلة.
(1/444)

وأَكثر مَن أفْرد بترجمة على تتابع القرون هو شيخ الإسلام ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم النميري ت سنة (728 هـ) . فقد
بلغت الكتب المفردة عنه نحو مائتي: " 200 " كتاب حتى عصرنا الحاضر، منها تسمية نحو مائة كتاب في كتاب:
" السيرة العلمية لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مطبوع.
وله ترجمة حافلة في كتب التراجم عامة، لاسيما في " تاريخ تلميذه البرزالي " فهو يكاد يؤرخ حياة شيخه ابن تيمية باليوم،
وفي كتاب تلميذه: ابن فضل الله العمري: أَحمد بن يحيى، " مسالك الأبصار في ممالك الأَمصار " وقد أَثنى عليها ابن ناصر الدين فى: " الرد الوافر ": (ص/139) .
وهذا بعض من التراجم المفردة سوى ما تقدم:
8- " أخبارالقاضي أبي يعلى " لأبي علي البناء ت سنة (471 هـ) .
9- " سيرة الوزير ابن هبيرة " لابن المارستانية عبد الله بن علي ت سنة (599 هـ) .
10- سيرة إبراهيم بن قدامة المقدسي " ت سنة (666 هـ) لابن الخباز أَبي الفداء.
11- " المادح والممدوح/ ترجمة شيخ الإسلام الأنصاري " لعبد القادر الرهاوي ت سنة (612 هـ)
شيخ الإسلام الأنصاري هو عبد الله بن محمد الهروي ت سنة (481 هـ) وهو القائل: " عُرضت على السيف خمس
(1/445)

مرات، لايقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يُقال لي: اسكت عمن خالفك، فأَقول: لا أَسْكُت " انتهى.
12- " سيرة ابن المَنِّي وطبقات أَصحابه " للبزوري، ساق ابن رجب طرفًا منها في ترجمة ابن المني: نصر بن فتيان ت سنة (583 هـ)
13- " سيرة عبد الرحمن المقدسي " لإسماعيل بن الخباز أَبي الفداء: في مائة وخمسين جزءًا. قال الذهبي: " مارأيت سيرة عالم
أَطول منها أَبدا ".
14- " أَخبار ومناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني " للشطنوني.
قال ابن رجب: " في ثلاثة مجلدات، وكتب فيها الطَّم والرَّم وكفى بالمرء إِثمًا أَن يحدث بكل ما سمع " انتهى.
15- " ترجمة مجد الدِّين أَبي البركات ابن تيمية " لأَحمد بن محمد ابن أَبي القاسم الحنبلي ت سنة (713 هـ) مصور في الجامعة الإسلامية ضمن مجموع برقم: (4575) .
16- 17- " آل درباس " الحنابلة، و " بنو العجمي " الحنابلة. ألَفهُمَا: أَحمد بن أَحمد بن علي بن درباس الكردي القاهري ت سنة
(817 هـ) . كما في ترجمته من: " السحب الوابلة.
18- " التعريف الغادي ببعض فضائل أحمد بن عبد الهادي " لأخيه يوسف ت سنة (909 هـ) ولم يتمه
وله:
(1/446)

19- " فضل السمر في ترجمة شيخ الإسلام ابن أَبي عمر ".
وله:
20- " شجرة بني عبد الهادي ".
21- " قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر " للتاذفي ت سنة (963 هـ) مجلد نفيس.
22- " ابن قيم الجوزية/ حياته، آثاره، موارده " مطبوع. لراقمه.
وله:
23- " التقريب لفقه ابن القيم " في أَربعة أَجزاء.
وله:
24- " التقريب لعلوم ابن القيم " مجلد ضخم. استوعب السابق. وزاد عليه بحوثه في علوم أخرى.
25- " منهج ابن القيم في الدعوة إلى الله تعالى " أَحمد بن عبد العزيز الخلف، رسالة في الجامعة الإسلامية.
26- " الفكر الاقتصادي عند ابن القيم " راشد العليوي، رسالة بجامعة الإمام.
27- " الفكر التربوي عند ابن القيم " حسن الحجاجي، رسالة بجامعة الإمام، ثم طُبع.
28- " الحسبة عند ابن القيم " محمد قرين، رسالة بجامعة الإمام.
29- " جهود الإمام ابن القيم الاجتهادية في علم السياسة الشرعية " عبد الله الحجيلي، رسالة بالجامعة الإسلامية
(1/447)

30- " ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف " عبد الله بن محمد جار النبي، مطبوع.
31- " ابن رجب وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف " عبد الله بن سليمان الغفيلي، رسالة في الجامعة الإسلامية.
32- " ابن رجب فقيهًا " محمد بن حمود الوائلي، رسالة في الأزهر.
33- " يوسف بن عبد الهادي وأثره في أصول الفقه " ضيف الله العمري، رسالة بالجامعة الإسلامية عام (1413 هـ) .
34- " منهج القاضي أبي يعلى في أصول الدين " فهد الفايز رسالة بجامعة الإمام.
35- " القاضي أبو يعلى وكتابه: الإيمان " سعود بن عبد العزيز الخلف، رسالهَ في الجامعة الإسلامية، ثم طبع.
36- " القاضي أبو يعلى وكتابه: الأحكام السلطانية " تأليف: محمد عبد القادر أبو فارس، مطبوع.
37- " شيخ الإسلام الهروي " للأَفغاني.
38- " الضياء المقدسي وجهوده في السنة " رسالة في الجامعة الإسلامية.
39- " الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي وآثاره الحديثية " رسالة في جامعة الإمام.
40- ابن عروة الحنبلي ومنهجه في التفسير " رسالة في الجامعة الإسلامية.
(1/448)

- النوع السادس: التراجم الذاتية:
في كتاب: " النظائر " لراقمه، رسالة في معرفة من ترجم لنفسه باسم: " التراجم الذاتية " حصل لي " 126 " عَلَمًا ترجموا لأنفسهم تبعا أو استقلالًا، منهم من علماء الحنابلة مَنْ يأتي:
1- ابن الجوزي ت سنة (597 هـ) تبعًا في كتابه: " لفتة الكبد ". مطبوع.
2- يوسف بن محمد بن مسعود جمال الدين السرمري الحنبلي ت سنة (776 هـ) ترجم لنفسه بكتاب أسماه: " الروضة المورقة في الترجمة المونقة " كما في تاريخ ابن قاضي شهبة: 3/476.
3- يوسف بن حسن بن عبد الهادي ت سنة (909 هـ) ترجم لنفسه تبعا في: طبقات الحنابلة المدرجة في كتابه: "مناقب الإمام أحمد ".
4- عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزيري المصري الحنبلي ت نحو سنة (977 هـ) ترجم لنفسه في كتابه: " درر الفوائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة " مطبوع.
5- أكمل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد ابن مفلح ت سنة (1101 هـ) له: تاريخ ترجم فيه لنفسه كما
في: " السحب الوابلة ".
6- أحمد بن علي الدمشقي الخلوتي ت سنة (1086 هـ) ترجم لنفسه في رسالة اسمها: " الحسب ".
(1/449)

7- المنقور أَحمد بن محمد التميمي المشهور بالمنقور ت سنة (1125 هـ) ترجم لنفسه في رسالته عن: " تاريخ نجد ".
8- ابن بدران ت سنة (1346 هـ) ترجم لنفسه في كتابه: " المدخل ". وفي غيره ...
9- محمد جميل الشطي ت سنة (1379 هـ) ترجم لنفسه في كتابه: " روض البشر " كما في: " حلية البشر " للبيطار.
10- شيخنا مفتي الدنيا شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ترجم لنفسه في مقدمة: " مجموع الفتاوى والرسائل ".
- النوع السابع: مؤلفات في تفضيل المذهب، والدفاع عنه وعن أَتباعه:
هذا نوع ألف فيه في كل مذهب، وقد مضى في الأَنواع السابقة، تسمية كتب في فضل الإمام أَحمد، وكتب في فضل بعض أَعيان المذهب، وفضائل المقادسة منهم، ولابن الجوزي، ت سنة (597 هـ) رحمه الله تعالى: " تقريب الطريق الأَبعد في فضائل مقبرة الإمام أَحمد ".
ومن كتب هذا النوع السابع:
1- " كتاب ترجيح مذهب أَحمد " للشريف أَبي جعفر ابن أَبي موسى ت سنة (470 هـ) .
2- " جزء في الرد على من يعير الحنابلة بالفقر وقلة المناصب " لأحمد بن الحسين العراقي، ت سنة (588 هـ)
3- " قاعدة في تفضيل مذهب أحمد ومحاسنه " لشيخ الإسلام ابن
(1/450)

تيمية ت سنة (728 هـ) . انظر ترجمته رحمه الله لتلميذه ابن عبد الهادي ص 45، 46.
4- " القول المسدد في الانتصار لأَحمد " لابن عبد الهادي ت سنة (909 هـ) .
5- المنهج الأَحمد في درء المثالب التي تنمى إلى مذهب الإمام أَحمد " لعبد الله بن عودة بن عبد الله بن صُوفان القَدُّومي من فلسطين ت سنة (1331 هـ) .
والله أعلم
(1/451)

الفصل الثاني: في طبقات الأصحاب
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في طبقاتهم الزمانية في نقل المذهب وخدمته.
المبحث الثاني: طبقاتهم في الاجتهاد والتقليد.
(1/453)

المبحث الأول (1) : طبقات الأصحاب الزمانية في نقل المذهب
- تمهيد:
اصطلح متأخرو الأصحاب على تقسيم علماء المذهب الذين اشتهروا بالتأليف فيه، فاعتنوا بالرواية، وجمعها، وترتيبها، وانتخاب المذهب المعتمد منها، وقلبوا التأليف في ذلك على وجوه تُقَرِّبُهُ، متنًا، وشرحًا، ونظمًا، واختصاراَ، وتحشية، وتحريرًا للمسائل بالاختيار والترجيح، والتحقيق والتنقيح، وماهو المعتمد في المذهب، ونشر أصوله، وقواعده، وضوابطه، وهم نحو " 500 " خمسمائة عالم فقيه، كل منهم له يد في التأليف في شيء من ذلك، حتى بلغ مجموع مؤلفاتهم فيه نحو " 1400 " كتاب.
اصطلحوا على تقسيمهم إلى ثلاث طبقات زمانية (2) هي:
__________
(1) انظر المدخل: ص/204، حاشية ابن قاسم: 1/ 93، التحفة السنية للهندي: ص/ 94- 128، مقدمة في بيان مصطلحات المذهب الحنبلي له أيضاَ: ص/ 15-33، وعنه: اللآلئ البهية لابن إسماعيل: ص/ 78- 80.
(2) وتقسيم الأصحاب إلى طبقات زمانية، مصطلح لدى أرباب المذاهب، ومنه لدى المالكية: المتقدمون: يعني من تلاميذ الإمام مالك إلى ابن أبي زيد القيرواني، المتوفى سنة (386 هـ) والمتأخرون من ابن أبي زيد إلى الآخر انظر " المذهب المالكي للمامي: ص/ 419 ".
(1/455)

1- طبقة التقدمين.
2- طبقة المتوسطين.
3- طبقة المتأخرين.
وبيانهم كالآتي:
* فالمتقدمون: " 241 هـ - 403 هـ ":
يبدأون من تلامذة إِمام المذهب: الإمام أحمد بن حنبل، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (241 هـ) ، وينتهون بوفاة شيخ المذهب في زمانه: الحسن بن حامد، المتوفى سنة (403 هـ) ، وهو في طريقه راجعا من مكة في منزلة " واقصة " قرب: القرعاء، وهي على طريق حاج الكوفة، لا تزال معروفة بآبارها داخل الحدود العراقية، وبينها وبين: " تيماء " نحو " 150 " كيلاَ (1) وكان ذلك ضحية عصابة لصوص من الأعراب، ساق خبرهم ابن كثير في: تاريخه (11/ 371) .
وتنتظم طبقة المتقدمين هذه: علماء المذهب في الطبقات الثلاث الأولى من طبقات الحنابلة، وهم:
(أ) أَصحاب الإمام، وخاصته، وتلامذته، وقد حوى جُملتَهم
__________
(1) انظر عن واقصة وطريق حاج الكوفة: المناسك للحربي ص/ 284، 547، معجم البلدان لياقوت: 5/354 المعجم الجغرافي لشمال المملكة: 3/ 1344. ولا يشتبه عليك الأمر بمنزلة (واقصة) التي قرب القرعاء من عمل القصيم، كما كنت أظنه من قبل؛ حتى تحقق لي أنها منزلة واقصة العراقية والله أعلم.
(1/456)

ابن أَبي يعلى في طبقاته، فترجم لسبعة وسبعين وخمسمائة نفس -577- وأصحاب المسائل منهم يبلغون واحدًا وثلاثين ومائة نفس - 131- كَمَا عَدَّهم المرداوي في خاتمة الِإنصاف، وَأَضَفْتُ إليهم آخرين.
ففيها آل أَحمد بن حنبل الإمام: ولداه صالح وعبد الله، وحفيداه: أَحمد، وزهير ابنا صالح، وحفيد صالح: محمد بن أحمد ابن صالح، وآخرون منهم، أدركوا طبقة المتوسطين.
(ب) وأَصحاب أَصحابه فمن بعدهم إلى وفاة الحسن ابن حامد سنة (403 هـ) . وفي مقدمتهم المؤلفون في المذهب وأصوله، منهم:
الخلال ت سنة (311 هـ) وله: " جامع الرواية عن أحمد " يقدر في عشرين مجلدًا، والخِرَقي ت سنة (334 هـ) له: " المختصر " وهو مطبوع. والآجري ت سنة (360 هـ) له: " النصيحة ". وغلام الخلال ت سنة (363 هـ) له: الشافي " و " المقنع " والتنبيه و " الخلاف مع الشافعي و " كتاب القولين و " زاد المسافر " وفي مقدمته سَمى الرواة عن أحمد أَصحاب المسائل كما في النقل عنه في: " شرح مختصر الروضة " للطوفي: (3/627) ، و " اختياراته التي خالف فيها الخرقي مطبوعة ". وابن بطة ت سنة (387 هـ) وله: " المناسك " و " النهي عن صلاة النافلة بعد العصر وبعد الفجر " و " منع الخروج بعد الأذان والإقامة لغير حاجة "
(1/457)

و " إيجاب الصداق بالخلوة " و " الرد على من قال: الطلاق الثلاث لا يقع " و " إبطال الحيل " مطبوع. وأَبو حفص البرمكي عمر بن أَحمد ت سنة (387 هـ) له: " المجموع " و " شرح بعض مسائل الكوسج " وابن المسلم عمر بن إبراهيم ت سنة (387 هـ) ، له: " المقنع " و " شرح الخِرَقي " و " الخلاف بين أَحمد ومالك " والحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) له: " الجامع في المذهب " نحو أَربعمائة جزء في عشرين مجلدًا، و " شرح الخرقي " و " أصول الفقه "، و " تهذيب الأَجوبة " مطبوع.
وفي هذه الطبقة، كان التأليف على ضروب:
1- كتب مسائل الرواية عن أَحمد، وهذه لأصحابه وتلامذته خاصة.
2- جمع كتب المسائل هذه، وفحص رواياتها، وترتيبها على أبواب العلم.
وكان لأَبي بكر الخلال ت سنة (311 هـ) شرف السبق في هذا، فهو أَول جامع لها في- كتابه المَعْلَمِي الكبير " جامع الروايات عن أَحمد ".
وهذه النِّسْبة: " الخلال " لعلها نسبة إلى بيع الخل، ويشاركه في هذه النسبة آخرون من أصحاب أحمد وغيره، لكن عند الإطلاق في اصطلاح الحنابلة لا تنصرف إلى غير أبي بكر أحمد بن محمد بن
(1/458)

هارون الخلال هذا. والله أعلم.
ثم قَفاه في جمعها: تلميذه: غلام الخلال: أَبو بكر عبد العزير ت سنة (363 هـ) فاجتهد في الجمع، ورَتَّبَ، وَنَقَّحَ، وَرَجَّح.
ثم قَفَا غُلاَمَهُ: الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) فبسط المذهب بأَسانيده على أَبواب العلم في جامعه: " الجامع في المذهب " نحو أَربعمائة جزء.
3- وفي هذه الطبقة: بدء دورالاختصار وَقَصْرُ التصنيف على المعتمد في المذهب، وكان لأَبي القاسم الخِرَقي ت سنة (334 هـ) فضل السبق في عمل: " المختصر في فقه أَحمد " الشهير بالنسبة إِليه: " مختصر الخرقي " وكان تأليفه له، والحجر الأَسوَد لدى القرامطة ولهذا قال في أَحكام الطواف من كتاب الحج: " ويقبله إن كان ".
4- وفيها بَدَأَ قَصْرُ التأليف في " المتون " على: " القولين "، كما عمل غلام الخلال ت سنة (363 هـ) في كتابه: " كتاب القولين ".
5- وَبَدَأَ قَصْرُ التأليف في " المتون " على المذهب المختار عند الأصحاب، كما عمل الآجري ت سنة (360 هـ) في كتابه: " النصيحه " قال ابن بدران عنه: " عادته فيه أن لا يذكر إلَّا اختيارات الأصحاب " انتهى.
6- وفيها بدأت " الشروح "، وكان فيها أول شرح لمختصر
(1/459)

الخِرَقي له، ثم لابن المسلم ت سنة (387 هـ) .
وأَول شرح في هذه الطبقة، شرح الخِرَقي، و " شرح بعض مسائل الكوسج " لأَبي حفص البرمكي ت سنة (387 هـ) يتلوهما: شرح الخِرَقي للحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) .
ولم يحصل الوقوف في هذه الطبقة على غير هذه الشروح الثلاثة، وعلى مَتْنِ شُرح سوى: مختصر الخِرَقي.
7- وفيها بدأ التأليف في باب من أبواب الفقه، مثل " كتاب المناسك " لتلميذه إبراهيم الحربي ت سنة (285 هـ) مطبوع، وكتاب " المناسك " لابن بطة العكبري ت سنة (387 هـ) قفوا لإمام المذهب الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-؛ إِذ له: " المنسك الكبير و " المنسك الصغير ".
8- وفيها بدأ التأليف في مسألة من مسائل العلم، مثل: عدد من مؤلفات ابن بطة ت سنة (387 هـ) منها: " النهي عن صلاة النافلة بعد العصر والفجر " و " إِبطال الحيل " وهو مطبوع.
9- وفيها بدأ التأليف في أصول الفقه، وفي أصول مذهب أحمد، ومصطلحاته، كما عمل خاتمة الطبقة الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) في كتابيه: " أصول الفقه و " تهذيب الأجوبة " أي: أصول مذهب أحمد، ومصطلحاته في أجوبته على المسائل، وهو مطبوع
(1/460)

ثم تتابع التأليف في: " طبقة المتوسطين " ويأتي.
وبهذا تعرف وَهْمَ بعض من كتب من أهل عصرنا في أصول مذهب أحمد من أن أول من كتب في أصول الفقه من الحنابلة هو تلميذ الحسن بن حامد: القاضي أبو يعلى ت سنة (458 هـ) .
هذه ضروب التأليف في المذهب التي عناها علماء طبقة المتقدمين بالتأليف، بدءا من كتب الرواية عن أحمد وهي في عدِّ المرداوي لها " 131 " كتاباَ، لكل كتاب منها رواية عن أَحمد، وأن المؤلفين بعدهم في " الفقه وعلومه " إلى نهاية الطبقة بوفاة الحسن ابن حامد ت سنة (403 هـ) هم نحو العشرة، وأن كتبهم نحو " 25 " كتابًا كما تقدم.
وكما ترى أيضا: أَن التأليف في هذه الطبقة يعتمد دور التأسيس، بتدوين الرواية لفقه أحمد، وروايتها طبقة بعد طبقة، ثم جمعها وترتيبها وتنقيحها، ثم انتخاب خلاصة المعتمد في مذهب أحمد منها في " مختصر الخِرَقي " الذي صار عليه عمل المشايخ قراءة، وإقراءا، وحفظاً، وشرحا، بل عمدة لدى طبقات الأصحاب الثلاث كما يأتي.
وأن من طريقتهم سرد الأدلَّة في المختصرات، والمتون، وانتقلت إلى طبقة المتوسطين بعدهم.
- وليس لكتب المذهب في هذه الطبقهّ نصيب من تناولها
(1/461)

بالنظم، وشرح الغريب، والحواشي، والنكت، والتعاليق، وتخريج الأَدلة، والزوائد، والجمع بين كتابين فأَكثر من كتب المتون. وكل هذه من خصائص طبقة المتوسطين.
- وعمدة كتب هذه الطبقة: كتب الرواية، وخاتمتها " جامع الروايات " للخلال و " الشافي "، و " التنبيه " كلاهما لغلام الخلال، فكتاب " الجامع في المذهب " للحسن بن حامد بل هي عمدة كتب المذهب في الطبقتين اللاحقتين، إلى الآخر.
و" مختصر الخِرَقي، معتمد، ولهذا خَصُّوه بالشرح، والتعقب كما في تعقبات غلام الخلال عليه.
- وأَما المنتقدة: فهي بعض كتب الرواية التي أَغرب فيها رواتها على الأصحاب في بعضها، وهي كتب مسائل: ابن مهران، والجراح، وحبيش، وطاهر والبغوي، وعبيد الله، وابن المنذر والترمذي، والبيوردي، وابن مطر والخفاف، والسجزي، الكوسج، والآمدي، وابن أبي قيماز والشقراني، والتستري، وحنبل، وعبد الله ابنه، وأَبي زرعة، وابن خرذاذ، والطرسوسي، والحمضي، والمنذر ويحيى بن المختار كما يأتي الحديث عنها في كتب مسائل الرواية من المدخل الثامن.
- وعمدة المجتهدين في المذهب من هذه الطبقة:
الخلال ت سنة (311 هـ) ، وتلميذه أبو القاسم الخرقي ت
(1/462)

سنة (334 هـ) ، وابن المنادي ت سنة (336 هـ) والآجري ت سنة (360 هـ) ، وغلام الخلال ت سنة (363 هـ) وابن بطة العكبري. وأَبو حفص البرمكي، وابن المسلم، وفاة ثلاثتهم في (387 هـ) ، وخاتمتهم الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) والله أعلم.
- والمتوسطون: (403 هـ-884 هـ) :
يبدأون من تلامذة الحسن بن حامد، المتوفى سنة (403 هـ) ، وهم رؤساء الطبقة الخامسة من طبقات علماء الحنابلة ورأس هذه الطبقة ورئيسها: تلميذه الأكبر، حامل لواء المذهب، وشيخه، وناشره في زمانه، الإمام المجتهد: القاضي أَبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين، المتوفى بدار ولادته بغداد سنة (458 هـ) .
و" الفراء " نسبة إلى خياطة الفِراء وبيعها، وهو أَول حنبلي وَليَ القضاء سنة (447 هـ) وهو أيضا أَول حنبلي من أَهله؛ إِذ كان أَبوه الحسين من علماء الحنفية، وجده لأمه عبيد الله بن عثمان الدقاق، المعروف بابن جليقا، من أهل الرواية ت سنة (390 هـ) وتنتهي هذه الطبقة بوفاة مجتهد المذهب: البرهان ابن مفلح صاحب " المبدع "، المتوفى سنة (884 هـ) .
وهذه الطبقة حافلة بشيوخ الإسلام، والأئمة الكبار وبيوت الحنابلة في العراق، والشام.
ففيها زينة الدنيا وبهجتها في زمانهم: المقادسة، ثم
(1/463)

الصالحيون، وأخص منهم آل قدامة بن مقدام، ومنهم سَمْعُ الفقهِ وبصره في زمانه: الموفق ابن قدامة، المتوفى سنة (620 هـ) ، قال عنه ابن غنيمة: " ما أعرف أحدا في زماننا أدركَ درجة الاجتهاد إلَّا الموفق " انتهى.
وشيخه: ابن المَنِّي: نصر بن فتيان بن مطر النهرواني ثم البغدادي ت سنة (583 هـ) .
وفي ترجمته من: " ذيل الطبقات: 1/ 360- 361 " لابن رجب، قال: " قال ابن الحنبلي: أفتى، ودرَّس، نحوًا من سبعين سنة ... ثم قال: وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين ابن الجوزي وقد رآه، يقول له: أنت شيخنا. وأضَرَّ بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه، وكانت تعليقة الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه، وإلى أصحابه.
قلت - القائل ابن رجب -: وإلى يومِنا هذا الأمر على ذلك.
فإن أهل زماننا إنَما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب، إلى الشيخين: موفق الدِّين المقدسي، ومجد الدِّين ابن تيمية الحراني،
فَأمَّا الشيخ موفق الدين: فهو تلميذ ابن المني، وعنه أخذ الفقه.
وَأمَّا ابن تيمية: فهو تلميذ تلميذه أبي بكر محمد بن الحلاوي " انتهى.
وفيها: آل تيمية النميريون نسبا، الحرانيون موطنا ثم الدماشقة.
(1/464)

منهم سَمْعُ الإسلام وبصره في زمانه، ومجدد الدين بعد اندِرَاسِهِ، شيخ الإسلام ابن تيمية: أحمد، المتوفى سنة (728 هـ) ووالده: عبد الحليم، المتوفى سنة (682 هـ) وجده المجد - تلميذ الموفق ابن قدامة-: مجد الدين أبو البركات عبد السلام ت سنة (652 هـ) . قال عن الثلاثة ابن رجب- رحمه الله تعالى- في ترجمة عبد الحليم: " كوكب بين شمس وقمر "، الشمس: شيخ الإسلام: الابن، والقمر: الجد، المجد.- رحم الله الجميع-.
وفي هذه الطبقة تلامذة القاضي، وأقرانه، وأصحابه، وأبناؤه: محمد أبو الحسين الشهيد، صاحب الطبقات، ومحمد أبو خازم، وعبد الله أبو قاسم، وأبو يعلى الصغير وهو ابن أبي خازم: محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الفراء عماد الدِّين، حفيد القاضي أبي يعلى، وفيها: الشريف أَبو جعفر ابن أبي موسى الهاشمي، وعمه الشريف ابن أَبي موسى: محمد بن أحمد، مرورًا بمن بعدهم في الطبقتين الخامسة والسادسة من طبقات ابن أَبي يعلى مع جميع المترجمين في: " ذيله " لابن رجب، ثم ما استدرك عليهما إلى خاتمة طبقة المتوسطين- البرهان ابن مفلح، المتوفى سنة (884 هـ) - رحمه الله تعالى-.
وفي هذه الطبقة: بيوت الحنابلة المشهورة بالعلم والفضل الذين انتفع بعلمهم أهل المذاهب الأخرى، بل أهل الإسلام كافة،
(1/465)

ومنهم:
آل أَبي يعلى الكبير تقدموا، وآل قدامة بن مقدام، وانظر خبر طلب جدهم للعلم في ترجمة: عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ت سنة (486 هـ) من: " الذيل " لابن رجب، ومن آل قدامة: " بنو قاضي الجبل "، أَشهرهم جدهم: أَحمد بن الحسن بن عبد الله بن قدامة ابن قاضي الجبل ت سنة (771 هـ) ، كان يحفظ عشرين أَلف بيت من الشعر وهو شيخ الحنابلة في الشِّعْر.
وله:
نبيي أَحمد وكذا إمامي ... وشيخي أحمد كالبحر طامي
واسمي أَحمد ولذاك أَرجو ... شفاعة أَشرف الرسل الكرامِ
ومنهم أيضا: آل عبد الهادي، وأَصل الجميع عدويون من ذرية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نزحوا من " جَمَّاعِيْل " في فلسطين، وَقَدْ وُجِدَ مَكْتُوْبًا عَلَى سَقْفِ دارهم:
وتلك الدار دار بني قدامه ... ديار الأَكرمين لها علامه
فَقُلْتُ لها دُوَيْرَةَ هَلْ تَعُوْدِي ... فقالت لا إلى يوم القيامه
ثم لاستيلاء الفرنجة على الأَرض المقدسة نزحوا إلى دمشق. فنزلوا بمسجد أبي صالح نحو سنتين، ثم انتقلوا إلى الجبل، قال أبو عمر: فقال الناس: الصالحية، ينسبوننا إلى مسجد أبي صالح، لا أَنَّا
(1/466)

صالحون.
ثم أَصبح اسمًا للصالحية، المحلة المشهورة بسفح جبل قاسيون إلى يومنا هذا، وفيها يقول أحمد بن الحسين المعروف بابن قاضي الجبل، المتوفى سنة (771 هـ) :
الصالحية جَنة ... والصالحون بها أَقاموا
فعلى الديار وأهلها ... مني التحية والسلام
ومن بيوت الحنابلة في هذه الطبقة: آل مفلح، وآل منده، قال اللفتواني الحافظ: بيت بني منده بدئ بيحيى، وختم بيحيى. وآل تيمية، وآل قيم الجوزية، وقد ذكرتهم في ترجمة: الإمام شمس الدِّين ابن قيم الجوزية ت سنة (751 هـ) في كتاب مفرد باسم: " ابن قيم الجوزية حياته وآثاره وموارده ". وآل سرور المقادسة، ومنهم الحافظ صاحب: " الكمال في أَسماء الرجال " وكفى به شرفًا، وآل ابن الحنبلي، وبنو المحب السعدي، وبنو المنجا، وبنو اليونانية، وآل ابن هشام الأَنصاري النحوي، وآل الجراعي: زيد، وأَخواه، وأَولادهم، وأَحفادهم.
والجراعيون هؤلاء: نسبة إلى جَراع من عمل نابلس، وهم من ذرية أحمد البدوي الحسيني المشهور قبره بطنطا ت سنة (675 هـ) كما في ترجمة أبو بكر بن زيد ت سنة (883 هـ) من " الأعلام للزركلي "
(1/467)

وأحمد البدوي مترجم في: " الأعلام: 1/ 75 " وأن وفاته سنة (675 هـ) وذكر من أخباره وسيرته شيئا، وليس فيها مصدر لترجمته في القرن السابع، أو الثامن؛ ولهذا فإن الشيخ أحمد بن محمد شاكر ت سنة (1377 هـ) - رحمه الله تعالى- ذكر لفتة نفيسة في: " مجلة الفتح العدد/ 191 " وهي في كتاب: " حكم الجاهلية: ص/ 166 " بعنوان: " بحث في تاريخ السيد البدوي، وهذا نصها:
" وبهذه المناسبة نريد أن نسأل المؤرخين العارفين عن تاريخ السيد أحمد البدوي الذي يقول بعضهم بوجوده، وينكره بعضهم، وأعني بهذا أنه هل وجد شخص حقيقي بهذا الاسم هو المدفون في طنطا، والذي نُسب إليه المسجد؟ لأن الذين كتبوا في ترجمة حياته إنما هم المتأخرون ويزعمون أنه توفي في منتصف القرن السابع الهجري - أي بين سنتي 600 و750 هجرية - لأني لم أجد من ذكره من المؤرخين السابقين الذين يوثق بنقلهم إلا جلال الدين السيوطي الحافظ - رحمه الله- وهو من رجال أواخر القرن الثامن (1) ، لأنه مات سنة (911 هـ) وبين التاريخين بون شاسع، ولم يذكر السيوطي عمن تلقى خبر تاريخه.
والقاعدة الصحيحة عند علماء النقل وزعمائه- وهم حفاظ الحديث- أن المرسَل لا تقوم به حجة، وهو ما يرويه شخص عمن
__________
(1) صوابه التاسع؛ لأن السيوطي وُلد سنة (849 هـ)
(1/468)

لم يدركه ولم يتلق عنه مباشرة، لما فيه من جهالة الواسطة، فلعله غير ثقة، وهذا أمر معروف. ولعل من يجيبنا عن هذ السؤال يذكر من أين نقل، والكتاب الذي نقل منه، على أنا لا نريد إلا التحقق من هذا الأمر ونسأل الله العون والتوفيق " انتهى (1) .
ومن الطرائف أيضا: أَن علي بن محمد من ولد زيد بن علي ابن الحسين، فقيه نجران: حنبلي النحلة والمذهب كما في: " نقط العروس " لابن حزم: (2/112) .
وفيها: أَبو علي البناء وآله، وأَبو الوفاء ابن عقيل ت سنة (513 هـ) وابنه، وابن الجوزي عبد الرحمن الإمام، وأَبناؤه ومنهم: يوسف، مؤلف كتاب: " المذهب الأَحمد ... " ت سنة (656) قتيلًا على يد التتار هو وأَبناؤه الثلاثة العلماء- رحم الله الجميع-.
والهاشميان: الشريف القاضي أَبو جعفر ابن أَبي موسى، وعمه، محمد، والزريراني عبد الله، وابنه عبد الرحيم صاحب: " الفروق " المسمى: " إيضاح الدلائل في الفروق بين المسائل "، وأَبو الخطاب الكلوذاني، وابناه محمد، وأَحمد، وحفيده من ولده أَحمد: محفوظ، وعبد القادر الجيلاني، وابناه: عبد الوهاب وعبد الرزاق، وحفيداه: عبد السلام بن عبد الوهاب، المتوفى سنة (611 هـ) ، وهو الذي اتُّهِمَ بمذهب الفلاسفة فأخذت كتبه وأحرقت وحبس ثم أفرج عنه بشفاعة
__________
(1) وقد ذكرت في " النظائر العُزاب " أن ابن العماد صاحب الشذرات- وهو مؤرخ متأخر بالنسبة لزمن البدوي - قال: " ولم يتزوج قط " اهـ، فكيف يكون الجراعيون من نسل من لم يتزوج؟
(1/469)

أَبيه، ونصر بن عبد الرزاق، المتوفى سنة (633 هـ) وهو أَول مَنْ دُعِيَ من الحنابلة بلقب: " قاضي القضاة ".
- وهذه الطبقة: قد حوت نحو " 166 " عَلَمًا من فقهاء المذهب المؤلفين فيه، وقد بلغت تأليفهم في الفقه الحنبلي وأصوله نحو " 550 " كتابًا
وفي هذه الطبقة: كان التأليف يعني: شرح المتون في طبقة المتقدمين، وتأليف المتون، والتفنن والتنوع في تأليفها على رواية واحدة، أو على روايتين، أو على روايتين فأكثر مقرونة بالدليل، كما عمل أَبو الوفاء ابن عقيل ت سنة (513 هـ) في " التذكرة " وهي على رواية واحدة، وعلى منوالها " العمدة " للموفق ابن قدامة ت سنة (620 هـ) ، أو غير مقرونة به.
وإلحاقها بأَنواع الخدمات العلمية لها من: الشرح، والاختصار واختصار الشروح، ونظم المتن، وحل غريبه، وإلحاقها بالحواشي، والتعاليق، والنكت، والتصحيحات، والتعقبات، وكلها لم تبدأ إلَّا في هذه الطبقة، ولعلَّ أَولها: حاشية ابن مفلح ت سنة (763 هـ) على: " المقنع ".
وَلَعَل أَول نظم وقع في هذه الطبقة هو نظم مختصر الخِرَقي للسراج، المتوفى سنة (500 هـ) .
وكانت " المتون " المعتمدة في هذه الطبقة التي لحقتها الشروح
(1/470)

وما إليها " 11 " متنا هي:
كتاب المجرد، والتعليق، والروايتين، ثلاثتها للقاضي أَبي يعلى.
ت سنة (459 هـ) ، والهداية لأَبي الخطاب ت سنة (510 هـ) ، والعمدة، والكافي، والمقنع، ثلاثتها للموفق ابن قدامة ت سنة (620 هـ) ، والمحرر للمجد ت سنة (652 هـ) ، والوجيز للدجيلي ت سنة (732 هـ) ، والفروع للشمس ابن مفلح ت سنة (763 هـ) ، والتسهيل للبعلي ت سنة (777 هـ) وكان مالحقها يبلغ " 101 " كتاب.
وَثَمَّةَ " مُتُوْنٌ " سِوى هذه، مثل " الجامع الصغير " للقاضي أَبي يعلى، كان مشهور التداول في القراءة، والإقراء، والحفظ، لكن لم أقف على شرح له، أو حاشية عليه، أو على غيره من " المتون " الأخرى. وهذا العصر عصر الخدمة الفائقة للمذهب متنًا وشرحًا. ورأس الشروح المعتمدة: المغني شرح الخِرَقي للموفق ابن قدامة، والشرح الكبير للمقنع للشيخ ابن أبي عمر، والمبدع شرح المقنع للبرهان ابن مفلح، وشرح الزركشي للخِرَقي.
- ومن كتب المذهب المنتقدة في هذه الطبقة:
نهاية المطلب للأزجي ت سنة (616 هـ) ، والرعايتان لابن حمدان ت سنة (695 هـ)
(1/471)

- والمتأخرون: " 885 هـ - إلى الآخر ".
يبدأون من رأس المتأخرين ورئيسهم: إِمام المذهب في زمانه، وجامع شتاته، ومحرر رواياته، من حقق فيه ودقق، وشرح وهذَّب: مُنَقّحُ المذهب، العلامة المرداوي: أَبو الحسن علاء الدّين علي بن سليمان المرداوي الصالحي، المتوفى سنة (885 هـ) مرورًا بطبقته فمن بعدهم على توالي القرون إلى الآخر
ـ وفي هذه الطبقة: نحو " 100 " من فقهاء الحنابلة بلغت مؤلفاتهم في الفقه وعلومه نحو " 700 " كتاب، وطرائقهم في التأليف كما جرى عليه سلفهم في طبقة المتوسطين، وكان كتاب " المقنع " للموفق ابن قدامة، المتوفى سنة (620 هـ) المؤلف في طبقة " المتوسطين " هو أَصل للمتون المؤلفة بعده في آخر طبقة المتوسطين وفي طبقة المتأخرين هذه، كما عمله الشويكي في " التوضيح ... " والفتوحي في: " منتهى الِإرادات. " ومن أَعلام هذه الطبقة:
- يوسف بن عبد الهادي، المتوفى سنة (909 هـ) ، صاحب " مغني ذوي الأَفهام " مطبوع.
- والشويكي، المتوفى سنة (939 هـ) له: " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح " مطبوع.
- والحجاوي، المتوفى سنة (968 هـ) له: " الإقناع "، و " زاد المستقنع "، مطبوعان، وله غيرهما.
(1/472)

ومحمد بن أَحمد الفتوحي الشهير بابن النجار، المتوفى سنة (972 هـ) ، له: منتهى الِإرادات. مطبوع. وشرحه، وشرح الكوكب المنير في أصول الفقه. مطبوع. وهو ووالده أَحمد، وحفيده عثمان، من فقهاء المذهب بمصر، ووالده كان قاضي القضاة بمصر.
- والشيخ مرعي، المتوفى سنة (1033 هـ) له: دليل الطالب. مطبوع. وغاية المنتهى في الجمع بين الِإقناع والمنتهى. مطبوع.
- والبهوتي، المتوفى سنة (1051 هـ) له: كشاف القناع، وشرح المنتهى، والروض المربع، وعمدة الطالب، كلها مطبوعة.
- والبلباني، المتوفى سنة (1083 هـ) له: أَخصر المختصرات، وكافي المبتدي. مطبوعان.
والرحيباني السيوطي، المتوفى في سنة (1240 هـ) له: مطالب أُولي النهى شرح غاية المنتهى (1) مطبوع.
وفي هذه الطبقة علماء نجد المحققون في المذهب، منهم:
- ابن عطوة، المتوفى سنة (948 هـ) ، وابن ذهلان، المتوفى سنة (1099 هـ)
__________
(1) في كتاب: " مخطوطات السيوطي " لمحمد الشيباني، والخزندار نسبة هذا الكتاب إليه، وهو وهم إذ السيوطي هذا شافعي توفي سنة (911 هـ) والرحيباني السيوطي: حنبلي توفي سنة (1240 هـ) فليصحح
(1/473)

وأَحمد المنقور المتوفى سنة (1125 هـ) له: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة. مطبوع.
- وعثمان بن جامع النجدي، المتوفى سنة (1240 هـ) له: شرح أَخصر المختصرات، لم يُطبع
ومنهم الشيخ العنقري، المتوفى سنة (1373 هـ) صاحب حاشية الروض المربع، وهي غاية فى التحرير والتحقيق.
والشيخ ابن مانع، المتوفى سنة (1385 هـ) له حاشيتان على دليل الطالب، وهي مطبوعة، وعلى عمدة الفقه.
والشيخ ابن قاسم، المتوفى سنة (1392 هـ) جامع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في " 35 " مجلدًا، وفهارسها في مجلدين وصاحب: " حاشية الروض المربع " في سبعة مجلدات. حقق فيها ودقق- رحمه الله تعالى-،
- وفيها من الشام، ومصر من يُعلمون من كتب التراجم، منهم:
- آل الشطي في الشام، وأَهل دُوْمَا، وهم حنابلة إلى يومنا هذا.
وكان آخر من علمناه في الشام: ابن بدران، المتوفى سنة (1346 هـ) صاحب المدخل. له حواش على: الروض المربع، وشرح المنتهى، وأَخصر المختصرات، وهذه مطبوعة.
وكانت " المتون " المعتمدة في هذه الطبقة إِضافة إلى المتون
(1/474)

في الطبقتين السابقتين المتقدم ذكرهما، هي ثمانية متون:
الِإقناع، وزاد المستقنع، كلاهما للحجاوي ت سنة (968 هـ) ، ومنتهى الإرادات للفتوحي ت سنة (972 هـ) ، وغاية المنتهى ودليل الطالب لمرعي ت سنة (1033 هـ) ، وعمدة الطالب للبهوتي ت سنة (1051 هـ) وكافي المبتدي، وأَخصر المختصرات للبلباني ت سنة (1083 هـ) ، ومجموع ما لحق هذه من الشروح وغيرها: " 58 " كتابًا، ويأتي تسمية الشروح وما إليها في الطبقات الثلاث في: " المدخل الثامن " - إِن شاء الله تعالى-.
ومن الكتب المنتقدة في هذه الطبقة: وسيلة الراغب لصالح البهوتي ت سنة (1121 هـ) ، ونيل المآرب للتغلبي ت سنة (1135 هـ) ، ومطالب أولي النهى للرحيباني ت سنة (1240 هـ)
(1/475)

المبحث الثاني (1) : طبقات الأصحاب في الاجتهاد والتقليد
يمر في هذا الفصل المصطلحات الآتية:
الاجتهاد المطلق: وهو الذي يتتبع صاحبه أصول الشرع المطلقة، فيأخذ من حيث أِّخذ الأَئمة.
ويُقال لصاحبه: " المجتهد المطلق ".
الاجتهاد المقيد: وهو الذي يتتبع صاحبه أصول إمامه الذي
__________
(1) انظر للحنابلة: " صفة الفتوى والمستفتي لابن حمدان: (ص: 16- 24) ، وعند المرداوي في: " خاتمة الإنصاف ": (12/ 228- 265) " إعلام الموقعين " (4/ 270- 271) . المسودة: (547) . شرح الكوكب المنير ": (4/ 468- 471) . خاتمة " شرح منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحي. " المدخل " لابن بدران: (ص 184، 179- 186) ، " العقود الياقوتية له: (ص 120-141) .
للمالكية: " نشر البنود ": (2/321- 323) . " الطليحة ".
للشافعية: " أدب المفتي " لابن الصلاح: (ص: 86- 91) . المجموع للنووي: (1/ 42-44، 71) . روضة الطالبين له: (11/101) . " الأنوار لأعمال الأَبرار: (2/ 395) " جمع الجوامع: (2/385) . الرد على من أخلد إلى الأرض ... للسيوطي: (ص/ 116)
" الاجتهاد وطبقات المجتهدين " محمد حسن هيتو (ص 11- 51) .
للحنفية: " مناهج العقول " للبدخشي: (3/ 345) . " وطبقات المجتهدين " لابن كمال باشا مقدمة: " طبقات الفقهاء " لطاش كبرى زادة: (1/ 11- 12) (شرح عقود رسم المفتي "
(1/ 77) . أبو حنيفة " لأبي زهرة: (ص: 447-448)
(1/476)

ينتسب إليه خاصة.
ويقال لصاحبه: مجتهد المذهب.
- التقليد: وهو الذي يتبع صاحبه التخريج على مذهب إمامه أو " الترجيح في المذهب ".
ودونهما: التقليد بلا تمييو
ويقال لكل منهم: مقلد، وصاحب " التخريج أعلى منزلة من من صاحب " الترجيح " وأَمَّا المقلد بلا تمييز فلا عبرة به.
وتفريعاً عن هذه الأقسام في الاجتهاد والتقليد، اصطلح فقهاء كل مذهب من المذاهب الأربعة على تصنيف فقهاء المذهب على طبقات - ولامشاحة في الاصطلاح - وهي مبسوطة في كتب أصول الفقه. وأَعلى التقاسيم: بسطهم إلى سبع طبقات كما فعل أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا الحنفي، المتوفى سنة (940 هـ) أَفردها في رسالة بثلاث صفحات مطبوعة، ومتأخرو الحنفية ينازعون في هذا التقسيم، منهم: هارون المرجاني، المتوفى في سنة (1306 هـ) في كتابه: ناظورة الحق ... " ولا منازعة؛ إذ البسط مطوي في الاختصار والطبقات هي:
1- طبقة المجتهد المطلق.
2- طبقة المجتهد في المذهب
3- طبقة المجتهد فيما لا رواية فيه عن صاحب المذهب.
(1/477)

4- طبقة المخرجين.
5- طبقة المرجحين من المقلدين.
6- طبقة المقلدين القادرين على التمييز.
7- طبقة المقلدين الذين لا تمييز لهم.
وبعض الشافعية جعلهم خمس طبقات (1) :
1- المجتهد المطلق
2- المجتهد المنتسب.
3- مجتهد المذهب.
4- مجتهد الفتوى والترجيح.
5- الحافظ للمذهب المفتي به.
وبعضهم قصر التقسيم على المجتهدين كما فعل ابن حمدان الحنبلي على تقسيمهم في " آداب المفتي "، وعنه: المرداوي في: " قاعدة نافعة جامعة " في خاتمة الِإنصاف: (12/258- 265) مع زيادات له عليه، وهذا نص سياق المرداوي- رحمه الله تعالى-:
" فصل: صاحب هذه الأَوجه والاحتمالات والتخاريج: لا يكون إلاَّ مجتهدًا واعلم أن المجتهد ينقسم إلى أَربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل
__________
(1) الاجتهاد لهيتو (ص 11- 51)
(1/478)

ذكرها في " آداب المفتي، والمستفتي " فقال:
* القسم الأول:
" المجتهد المطلق " وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها المصنف في آخر " كتاب القضاء " - على ما تقدم هناك- إذا استقل بإِدراك الأَحكام الشرعية، من الأدلَّة الشرعية العامة والخاصة، وأَحكام الحوادث منها ولا يتقيد بمذهب أحد.
وقيل: يُشترط أَن يعرف أَكثر الفقه.
قدمه في " آداب المفتي والمستفتي ".
قال أَبو محمد الجوزي: من حَصَّل أصوله وفروعه فمجتهد وتقدم هذا وغيره في آخر " كتاب القضاء ".
قال في آداب المفتي والمستفتي: ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق.
مع أنه الآن أَيسر منه في الزمن الأول؛ لأَن الحديث والفقه قد دُوّنا، وكذا ما يتعلَّق بالاجتهاد من الآيات، والآثار وأصول الفقه، والعربية، وغير ذلك. لكن الهمم قاصرة، والرغبات فاترة، وهو فرض كفاية، قد أَهملوه ومَلُّوه، ولم يعقلوه ليفعلوه. انتهى.
قلت: قد ألحق طائفة من الأصحاب المتأخرين بأصحاب هذا القسم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك.
وقيل: المفتي من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يُسر، من
(1/479)

غير تعلم آخر
* القسم الثاني:
مجتهد في مذهب إمامه، أو إمام غيره.
وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابًا وأولى عن غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
قال ابن حمدان في " آداب المفتي ": وقد ادَّعى هذا منا ابن أبي موسى، في شرح الإرشاد الذي له، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما من الشافعية خلق كثير.
قلت: وعن أصحاب الإمام أحمد- رضي الله عنه-.
فمن المتأخرين: كالمصنف، والمجد، وغيرهما.
وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدًا في مذهب إمامه، مستقلًا بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدَّى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالمًا بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادرًا على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، والقواعد التي لإمامه.
(1/480)

وقيل: ليس من شرط هذا معرفة علم الحديث، واللغة العربية؛ لكونه يتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها الأحكام، كنصوص الشارع.
وقد يرى حكمًا ذكره إِمامه بدليل، فيكتفي بذلك، من غير بحث عن معارض أو غيره، وهو بعيد، وهذا شأن أهل الأوجه والطرق في المذاهب.
وهو حال أكثر علماء الطوائف الآن.
فمن علم يقينًا هذا، فقد قلَّد إمامه دونه؛ لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه؛ لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه. والظاهر معرفته بما يتعلق بذلك من حديث، ولغة، ونحو، وقيل: إن فرض الكفاية لايتأدَّى به؛ لأن في تقليده نقصًا وخَلَلًا في المقصود.
وقيل: يتأدى به في الفتوى، لا في إحياء العلوم التي تستمد منها الفتوى؛ لأنه قد قام في فتواه مقام إمام مطلق، فهو يؤدي عنه ما كان يتأدى به الفرض حين كان حيًا قائمًا بالفرض منها.
وهذا على الصحيح في جواز تقليد الميت.
ثم قد يوجد من المجتهد المقيد استقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة خاصة، أو باب خاص، ويجوز له أن يُفتي فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصًا عليه عن إمامه، لما يخرجه على مذهبه.
(1/481)

وعلى هذا العمل وهو أَصح.
فالمجتهد في مذهب الإمام أَحمد- رضي الله تعالى عنه- مثلًا- إذا أَحاط بقواعد مذهبه، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل - من الِإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه- منزلة المجتهد المستقل في إِلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه.
وهذا أَقدر على ذا من ذاك على ذاك فإِنَّه يجد في مذهب إِمامه قواعد ممهدة، وضوابط مهذبة، ما لا يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه.
وقد سُئِلَ الإمام أَحمد- رضي الله تعالى عنه- عمن يفتي بالحديث: هل له ذلك، إذا حفظ أَربعمائة أَلف حديث؟ فقال: أَرجو.
فقيل لأَبي إِسحاق بن شاقلا: فأَنت تفتي، ولست تحفظ هذا القدر؟
فقال: لكني أفتي بقول من يحفظ أَلف أَلف حديث.
يعني الإمام أَحمد- رضي الله تعالى عنه-.
ثم إِن المستفتي- فيما يفتي به من تخريجه هذا- مقلد لِإمامه، لا له.
وقيل: ما يخرجه أَصحاب الإمام على مذهبه: هل يجوز أَن ينسبوه إليه، وأنه مذهبه؟
فيه لنا ولغيرنا خلاف، وتفصيل.
والحال: أن المجتهد في مذهب إمامه: هو الذي يتمكن من
(1/482)

التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع، ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط. وليس من شرط المجتهد: أن يفتي في كل مسألة بل يجب أَن يكون على بصيرة في كل ما يفتي به، بحيث يحكم فيما يدري، ويدري أَنَّهُ يَدْري، بل يجتهد المجتهد في القبلة، ويجتهد العامي فيمن يقلده ويتبعه.
فهذه صفة المجتهدين أَرباب الأَوجه، والتخاريج، والطرق.
وقد تقدم ذِكْرُ صفة تخريج هذا المجتهد - وأَنه: تارة يكون من نصه، وتارة يكون من غيره- قبل أقسام المجتهد محررًا.
الحالة الثالثة: أَن لا يبلغ به رتبة أَئمة المذهب، أصحاب الوجوه والطرق، غير أَنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إِمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، ونصرته، يصور ويحرر ويمهد، ويقوي، ويزيف، ويرجح. لكنه قَصَّر عن درجة أولئك، إِما لكونه لم يبلغ- في حفظ المذهب- مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه، وغيره.
على أنه لا يخلو مثله - في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته - عن أطراف من قواعد أصول الفقه، ونحوه.
وإما لكونه مقصرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أَدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه، والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف، بها يشتغل الناس اليوم غالبًا، ولم يلحقوا من
(1/483)

يخرج الوجوه، ويمهد الطرق في المذاهب.
وَأمَّا فتاويهم: فقد كانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك، أو نحوه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور نحو: قياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن.
ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أَصحاب الوجوه.
وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه أو احتمال. وفتاويهم مقبولة.
الحالة الرابعة: أَن يقوم بحفظ المذهب، ونقله، وفهمه، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه، أو تفريعات أَصحابه المجتهدين في مذهبه، وتخريجاتهم.
وأما ما لا يجده منقولًا في مذهبه: فإن وجد في المنقول ما هذا معناه، بحيث يدرك - من غير فَضْل فكر وتأمل- أنه لا فارق بينهما- كما في الأَمَة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك -: جاز له إلحاقه به والفتوى به، وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابط، ومنقول ممهد محرر في المذهب.
وما لم يكن كذلك: فعليه الإمساك عن الفتيا فيه.
ومثل هذا يقع نادرًا في حق مثل هذا المذكور.
إذْ يبعد أن تقع واقعة حادثة لم ينص على حكمها في
(1/484)

المذهب، ولا هي في معنى بعض المنصوص عليه من غير فرق، ولا مندرجة تحت شيء من قواعد وضوابط المذهب المحرر فيه.
ثم إِن هذا الفقيه: لايكون إلَّا فقيه النفس؛ لأَن تصوير المسائل على وجهها، ونقل أَحكامها بعده: لا يقوم به إلَّا فقيه النفس، ويكفي استحضاره أَكثر المذهب مع قدرته على مطالعة بقيته قريبا.
* القسم الثالث: " المجتهد في نوع من العلم "
فمن عَرَفَ القياس وشروطه: فله أَن يُفتي في مسائل منه قياسية، لا تتعلق بالحديث.
ومن عَرَفَ الفرائض: فله أَن يُفتي فيها وإن جهل أَحاديث النكاح، وغيره، وعليه الأصحاب.
وقيل: يجوز ذلك في الفرائض، دون غيرها.
وقيل: بالمنع فيهما، وهو بعيد.
ذكره في " آداب المفتي ".
* القسم الرابع: " المجتهد في مسائل، أو مسألة "
وليس له الفتوى في غيرها.
وأما فيها، فالأظهر: جوازه.
ويحتمل المنع؛ لأنه مظنة القصور والتقصير.
قاله في " آداب المفتي والمستفتي ".
(1/485)

قلت: المذهب الأول.
قال ابن مفلح في أصوله: يتجزأ الاجتهاد عند أصحابنا وغيرهم.
وجزم به الآمدي، خلافًا لبعضهم.
وذكر بعض أَصحابنا مثله.
وذكر أيضا: قولًا لا يتجزأ في باب، لا مسألة. انتهى
وقد تقدم ذلك في أواخر " كتاب القضاء ".
فهذه أَقسام المجتهد ذكرها ابن حمدان في " آداب المفتي والمستفتي " انتهى
وإذ قد أَحطنا خبرًا بطبقات المجتهدين والمقلدين فهذه تسمية بعض من يلتحق بهذه الطباق:
* فمن طبقة المجتهدين بإطلاق: بعد إِمام المذهب أَحمد بن حنبل، المتوفى سنة (241 هـ) رحمه الله تعالى:
- القاضي أَبو يعلى الكبير، المتوفى سنة (458 هـ) .
- أَبو الوفاء ابن عقيل، المتوفى سنة (513 هـ) .
- الموفق ابن قدامة المقدسي، المتوفى سنة (620 هـ) .
- شيخ الإسلام ابن تيمية أَحمد بن عبد الحليم، المتوفى سنة (728 هـ) .
ـ ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر المتوفى سنة (751 هـ) .
* ومن طبقة المجتهدين في المذهب:
في المتقدمين: الخلال ت سنة (311 هـ) ، وغلامه ت سنة
(1/486)

(363 هـ) ، والخِرَقي ت سنة- (334 هـ) ، والبربهاري ت (329 هـ) ، وابن المسلم ت سنة (387 هـ) ، وخاتمة المتقدمين الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) . وغيرهم ممن مضى ذكرهم في طبقة المتقدمين.
* وفي طبقة المتوسطين من مجتهدي المذهب: جُلُّ آل أَبي يعلى، وجُلّ البيوتات الآتية: آل قدامة المقادسة، وآل تيمية، وآل مفلح، وغيرهم من البيوتات الحنبلية.
* ومن أَفرادهم:
- البناء ت سنة (471 هـ) ومحقق المذهب في زمانه، ورأس الحنابلة في أوانه ابن المَنِّي: نصر بن فتيان النهرواني ت سنة (583 هـ) وهو شيخ الموفق ابن قدامة.
- الحافظ عبد الغني المقدسي وأخوه العماد. وفخر الدين ابن تيمية، صاحب " البلغة " وغيرها، والشيخ أَبو عمر ابن قدامة ت سنة (607 هـ) ، وابن الزاغوني ت سنة (527 هـ) ، والسامري صاحب المستوعب ت سنة (616 هـ) ، وأَبو الخطاب ت سنة (510 هـ) ، وابن عبد الهادي ت سنة (756 هـ) .
وعبد الله الزريراني ت سنة (729 هـ) ، والشمس ابن مفلح ت سنة (763 هـ) ، والزركشي ت سنة (774 هـ) ، وابن رجب ت سنة (795 هـ) ، وشيخ المذهب ابن نصر الله ت سنة (844 هـ) ، والبرهان ابن مفلح ت سنة (884 هـ)
(1/487)

* ومن مجتهدي المذهب في طبقة المتأخرين:
شيخ المذهب المرداوي ت سنة (885 هـ) ، والحجاوي ت سنة (968 هـ) ، والفتوحي الشهير بابن النجار ت سنة (972 هـ) ، والشيخ مرعي ت سنة (1033 هـ) ، والبهوتي ت سنة (1051 هـ) .
(1/488)

الفصل الثالث: في معارف عامة عن الأصحاب
وفيه:
المبحث الأول: نظرة تقريبية لعدد علماء الحنابلة من طِبَاقِهم المطبوعة.
المبحث الثاني: آفاق الحنابلة وأوطانهم.
المبحث الثالث: معرفة بيوتات الحنابلة.
المبحث الرابع: في التحول المذهبي منهم وإليهم.
المبحث الخامس: في مشتبه الأسماء.
المبحث السادس: في الكنى والأَلقاب والمبهمات.
المبحث السابع: الأوائل الحنبلية.
(1/489)

المبحث الأول: نظرة تقريبية لعدد علماء الحنابلة من طبقاتهم المطبوعة
أربعة كُتبٍ هي العمدة في معرفة طبقات علماء الحنابلة من لدن الإمام أَحمد، المتوفى سنة (241 هـ) - رحمه الله تعالى- حتى قرب نهاية القرن الثالث عشَر وهي:
" طبقات الحنابلة " للخلال، المتوفى سنة (311 هـ) . وقد عُنِي عناية فائقة بتراجم تلاميذ الإمام أَحمد، وعليه بنى القاضي أَبو الحسين الفراء ابن أَبي يعلى النصف الأول من كتابه، وهو " الطبقات " لابن أبي يعلى، المتوفى سنة (526 هـ) ، ونصفه الثاني في تراجم تلامذة تلاميذ الإمام أَحمد فمن بعدهم، حتى ختم علماء طبقة المتقدمين بالحسن بن حامد، المتوفى سنة (403 هـ) ، وبدأ ببعض أعيان طبقة المتوسطين من رئيسهم والده أَبي يعلى.
و" ذيل الطبقات، لابن رجب، المتوفى سنة (795 هـ) ، وهي تبدأ بتراجم طبقة المتوسطين بدءًا من تلاميذ القاضي أبي يعلى رئيس طبقة المتوسطين، وبالتحديد من وفيات سنة (460 هـ) وحتى
(1/491)

وفيات سنة (751 هـ) .
ثم الذيل من حيث وقف ابن رجب إلى قرب تمام القرن الثالث عشر، لابن حُميد، المتوفى سنة (1295هـ) في كتابه: " السحب الوابلة ... " وما سوى هذه الثلاثة: اختصار، أو مع إِضافة في معلومات عن المترجم له، أو إِضافة تراجم إليها، وقد مضى ذكرها مفصلاً وقد طُبِعَ من الكتب المفردة في تراجم علماء الحنابلة: " طبقات الحنابلة " لابن أَبي يعلى، وفيه: " 706 " ترجمة. و " مختصره " لابن سرور المعروف بلقب: " الجنَّة ". و " ذيله " لابن رجب، وفيه " 552 " ترجمة. و " المقصد الأرشد " لابن مفلح، وفيه: " 1315 " ترجمة. و " الجوهر المنضد " لابن عبد الهادي، وفيه: " 211 " ترجمة. و " المنهج الأَحمد " للعليمي. ومختصره له: " الدرالمنضد "، وفيه " 194 " ترجمة. وذيله: " النعت الأَكمل " للغزي الشافعي، وفيه: " 194 " ترجمة. والذيل على ابن رجب لابن حميد النجدي ثم المكي: " السحب الوابلة " وفيه: " 843 " ترجمة.
و" مختصر طبقات الحنابلة " للشطي. و " الفتح الجلي في القضاء الحنبلي " له. و " مشاهير علماء نجد " و " علماء نجد خلال ستة قرون ". وفيه: " 338 " ترجمة.
فهذه ثلاثة عشر كتابًا فيها نحو ستة آلاف ترجمة بالمكرر وبغير المكرر فيها نحو أربعة آلاف عَلَمٍ من أصحاب الإمام أحمد
(1/492)

وتلاميذه، ومن المتمذهبين بمذهبه.
وقد تتبعت علماء المذهب في: " الأعلام " للزركلي منذ إمام المذهب إلى وفاة المؤلف، فوجدت فيه من علماء الحنابلة نحو " 258 " علماَ، هذه مواضع ذكرهم حسب الطبعة العاشرة، وهي:
الجزء الأول: 29، 32، 33، 34، 38، 48، 50، 64، 65، 67، 72، 80، 87، 88، 89،104، 107، 111، 119،144، 145، 147، 162، 191، 200، 203، 205، 205، 206، 211، 230، 233، 237، 240، 263، 264، 270، 297، 324.
الجزء الثاني: 40، 63، 70، 121، 152، 180، 187، 189، 201، 209، 251، 253، 262، 272، 273، 280، 286، 320.
الجزء الثالث: 12، 19، 78، 84، 122، 124، 126، 127، 129، 130، 152، 272، 274، 276، 290،
292، 295، 304، 314، 316، 319، 324، 329، 331، 333، 336، 340، 355.
الجزء الرابع: 6، 6، 6، 15، 16، 17، 22،23، 28، 34، 35، 37، 40،41،44، 58، 67، 68،70، 80، 85،
86، 91، 97، 99، 108،108،111، 122، 131، 135، 139،151،155، 170، 176،
(1/493)


177، 180، 182، 184، 185، 186،194، 197، 202، 206،208،209،214،257، 257، 265، 280، 292، 297، 303،310، 313، 315، 328.
الجزء الخامس: 7، 10، 38، 39،40، 44، 46، 49، 52، 65،121،131، 133،162،168، 182،184، 282، 291، 296،302، 303،305،306، 314،319،321،326، 332.
الجزء السادس: 6، 7،12،14، 37،50،55،56، 58، 73، 93، 97،99، 113،136،183،184، 193 193 209،211، 214،218،231،241، 242، 243، 245، 254، 255، 256، 257،261، 263، 275، 276، 277، 286، 287، 297، 323، 325،326، 330.
الجزء السابع: 23، 23، 24،41، 45، 52، 53،107، 126، 138، 172، 203، 210،216، 234، 291، 307، 320.
الجزء الثامن: 24، 29، 29، 30، 135، 138، 156، 166، 172، 173، 177، 178،194،212،225، 229، 236، 237، 242، 246،250.
(1/494)

هذا وقد حصل له وهم في عَدِّ: إبراهيم العوفي مرتين، الثانية باسم: إبراهيم العوني.
ونسب الشيخ: إبراهيم بن محمد بن ضويان ت سنة (1353 هـ) إلى قبيلة بني زيد، وليس كذلك، إِنَّما هو من: شمَّر وتتبعتهم في: " معجم المؤلفين فوجدت فيه نحو/314 نَفْسًا، هذه مواضع ذكرهم حسب الطبعة الأَخيرة في أَربعة أَجزاء وهي:
الجزء الأول: 13،14،16، 17 مكرر، 25، 28، 30، 31، 32، 36، 38، 39،50،59، 66،70، 81، 84، 89،
90، 91، 96، 103،110،115، 122، 132، 134،146،163،166،167، 172، 177، 194، 202، 216، 221، 241، 248، 261، 262،270، 277، 278، 281، 285، 296، 302، 305، 317، 319، 324، 341، 352، 396، 396، 434، 437، 438،443، 444، 458، 503، 508، 522، 529، 536، 542، 544، 557، 561، 562، 576، 586، 605، 617، 622، 632، 648، 650،651، 657، 661، 710، 773، 775، 787، 790، 791، 793،794، 808، 830، 838.
الجزء الثاني: 38، 42، 43، 47، 49، 51،61، 67، 70، 74،
(1/495)

82، 88،95،100،108،112، 114، 115، 121، 123، 125، 126، 128، 132، 140، 144، 147، 148، 152، 157، 159، 160، 165، 179، 180، 184، 189، 190، 191، 192، 195، 204، 208، 211، 213، 215، 216، 220، 225، 226، 227، 229، 232، 235، 245، 250، 252، 254، 256، 257، 258، 260، 264 265، 267، 281، 284، 288، 291، 301، 304، 307، 311، 315، 324، 326، 328، 333، 335، 339، 343، 345، 353، 354، 356، 357، 358، 363، 368، 369، 399، 403، 409، 430، 431، 447، 457، 471، 474، 476، 477، 478، 480، 491، 492، 498، 510، 529، 557، 568، 569، 604، 608، 615، 631، 632،657.
الجزء الثالث: 22، 25، 32، 34، 36، 42، 50، 66، 67، 73، 78، 83، 85، 90، 96، 99، 105، 112، 135، 160، 164، 184، 199، 228، 259، 265، 270، 274، 314، 382، 383، 392،
(1/496)

401، 405، 414،417،418،419،425، 427،433، 436،446،451، 554،458، 468، 472، 482، 485،497،513،519، 534، 538،544، 573، 575، 579، 585، 587،615،617،631، 639، 689، 692، 701، 702،705، 725، 727، 729، 747، 752،770، 772، 782، 786، 809، 810، 821،840، 855، 864، 865، 866، 892، 911،920، 929، 936.
الجزء الرابع: 23، 60،61،112،115، 119، 122، 127، 150، 153، 158، 165، 172، 178، 180، 181.
مع وجود بعض الغلط في تكرار بعض التراجم مثاله: عثمان ابن أحمد بن قائد النجدي ت سنة (1097 هـ) ترجمه ثلاث مرات باسم: عثمان بن أحمد، وعثمان بن قائد، وعثمان بن أحمد بن سعيد بن قائد.
ومثاله: إبراهيم بن صالح بن عيسى، ترجمه مرتين في صفحتين متقابلتين، الثانية باسم. إبراهيم بن عيسى، ثم ترجمه ثالثة في الصفحة الثالثة باسم: إبراهيم بن صالح بن عيسى، ثم رابعة باسم: إبراهيم بن عيسى.
(1/497)

المبحث الثاني: آفاق الحنابلة وأَوطانهم (1)
تكَوَّنَ المذهب الحنبلي في بغداد، محل مولد الإمام أَحمد، سنة (164 هـ) ووفاته فيها سنة (241 هـ) ، وعنها انتشر في أَنحاء العراق، خاصة في الزبير ولم ينتشر خارج العراق إلَّا في القرن الرابع فما بعد إِذْ خَرَجَ المذهب إلى الشام، وهو قاعدة الحنابلة الثانية، في فلسطين، وأعمالها: رامين، ووادي الشعير وجَنين، وجُب جَنين ومردا، وقصبتها: نابلس، وطور كَرْم من قُرى نابلس، والنسبة إليها: كرمي، ومن عملها أيضا: شويكه، وسفارين، والخُريْش، وعَنبتا، وكَفْر لَبَد، وكفر قدوم، وحَجة، وطرابلس، ومن عملها: جبة، والنسْبة إِليها: جبائي.
وفي دمشق، وأعمالها خاصة: أزرع، ودُوْما، والرحَيْبَة، والضمَيْر والصالحية، وقاسيون، وبيت لهيا، وفي حلب، وحماه، وحمص، وبعلبك ومنها: قرية فِصَّة، وحَوْران، وحَرَّان، والشُّويك.
وفي القرن السادس فما بعد دخل المذهب مصر
__________
(1) نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة وانتشارها، تأليف/ أحمد تيمور باشا: ص 38- 45. ابن حنبل لأبي زهرة: ص 81- 85، 367-369 الحنابلة في بغداد، تأليف محمد أحمد علي محمود. الكامل لابن الأثير 8/106. حُسن المحاضرة للسيوطي: 1/ 227
(1/498)

وكان له وجود وانتشار في: إقليم الديلم، والرحاب، وبالسوس من إِقليم خوزستان، وفي الأَفغان.
وفي جزيرة العرب: في نجد- وهي قاعدته الثالثة- وفي الحجاز والأَحساء، وقطر والبحرين، والِإمارات العربية، وعُمَان، والكويت (1) وللمذهب وُجُوْدٌ في جوبوتي، وأرتريا (2)
وكانت عَوَاصِمَ قُوَّتِهِ، وانتشاره في حِقَبٍ زمانية متتابعة، في بغداد أَولاً، ثم في الشام في المقدس وفلسطين، ودمشق وأَعمالها، ثم صار له شأن في مصر بالقاهرة، ثم تحولت قاعدته العريضة في نجد قلب جزيرة العرب منذ القرن الحادي عشر تقريبًا حتى الآن. وغير خَافٍ أَنَّ السبب الفَعَّال في انتشار مذهب ما: هو " السلطة الحاكمة "؛ ولذا صار المذهب الحنفي، أَوسع المذاهب الأربعة انتشارًا لاسيما منذ أَن وَلَّي الخليفة العباسي هارون الرشيد ت سنة (193 هـ) : القضاء لأَبي يوسف، يعقوب بن إِبراهيم ت سنة (182 هـ) ، وهو أَجَلُّ أَصحاب الإمام أَبي حنيفة: النعمان بن ثابت ت سنة (150 هـ) ، ثم تتابعت جُل الدول على ذلك، لاسيما: " الدولة العثمانية (3) .
__________
(1) انظر التعريف بالكويت في أوائل القرن الرابع عشر الهجري في كتاب: " أدب الرسائل بين الآلوسي والكرملي ": ص/ 132 رقم 45
(2) انظر موسوعة العالم الإسلامي لمشهور سلمان حمود: ص/ 85، 366.
(3) انظر نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة، لأحمد تيمور وكتاب المذهب عند الحنفية، لمحمد إبراهيم أحمد علي، الأستاذ بجامعة أم القرى، ولهذا العالم الفاضل جهود مسددة في المذهب عند: الحنفية، والمالكية، والشافعية.
(1/499)

وإلى تفصيل هذا الإجمال:
* في بغداد:
" بغداد " هي: قاعدة الحنابلة وقَصَبَتُهُم؛ إذْ بها ولد الإمام أحمد سنة (164 هـ) وبها توفي سنة (241 هـ) - رحمه الله تعالى-.
من هنا كانت نشأة المذهب الحنبلي وظهوره فيها، وقوي أمره بها في القرن الرابع الهجري وصار ينافس المذاهب السنية فيها، وقويت شوكة الحنابلة، وصار لهم شأن، ولهم صولات وجولات في قرن العلم بالعمل، وإقامة سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنابذة البدعة والمبتدعين، والأخذ على يد العصاة والفُسَّاق، ومداهمة دور الفساد وإقامة الحسبة على الناس في الأسواق في بيعهم وشرائهم، ومنع اختلاط النساء بالرجال، والخلوة، وكان لهم في ذلك مقامات، وقصص مشهورة، ذكرها المؤرخون والإخباريون لا سيما في الكتب المؤلفة على حوادث السنين.
ومنها ما ذكره ابن الأَثير في حوادث سنة (323 هـ) من " الكامل " قال:
وفيها عظُمَ أَمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يَكْبِسوْنَ دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومَشْي الرجال مع
(1/500)

النساء والصبيان، فإِذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأَخبرهم، وإلاَّ ضربوه، وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة ... "
ولهم وقائع وكوائن مع الصوفية، ومع الأَشعرية، ومع الظاهرية، معلومة بالتفصيل في كتب التراجم والسير (1) .
وكان المذهب في بغداد يأخذ في القوة والانتشار على يد تلاميذ الإمام أَحمد، الذين دونوا مذهبه في كتب المسائل عنه، ثم جمع تلميذهم: الخلال ت سنة (311 هـ) ما أمكنه منها في كتاب: المسند الجامع للمسائل عن الإمام أَحمد. ثم تتابع الناس على التأليف حتى بلغ به زينة المذهب في زمانه: الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) مبلغا عظيماَ، تأليفاً، وقراءةً، وإقراءًا، وصار من ثماره تلميذه: أَبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنفي ثم الحنبلي، المولود سنة (380 هـ) والمتوفى سنة (458 هـ) ، وكان سبب تحوله أَنه وهو في العاشرة من عمره تحت وصاية رجل يُقال له: الحربي، جعله عند ابن مفرحة المقرئ، فَلَقَّنه: " العبادات من مختصر الخِرَقي " ثم استزاده أَبو يعلى فرده ابن مفرحة إلى الحسن بن حامد، فلازمه وتلقى المذهب عنه حتى مات ابن حامد سنة (453 هـ) - رحمه الله تعالى - ومازالت حال أبي يعلى في علو حتى صار ممن يشار
__________
(1) ومنها في كتاب: الحنابلة في بغداد: ص: 175-188
(1/501)

إِليه في بغداد (ولما توفي رئيس القضاة- قاض القضاة- ابن ماكولا خاطبه الإمام " القائم بأَمر الله " ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم أَجمع، فامتنع عن ذلك، فَلَمَّا لم يجد بُدًّا وافق بشروط منها: " أَن لا يحضر أَيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان ... فأجيب إلى ذلك) .
ثم ضم إِليه قضاء " حران و " حلوان، لما ظهر من عدله، وقوته في الحق، ولم يزل على ذلك حتى توفي سنة (458 هـ) - رحمه الله تعالى-.
من هنا احتوشَهُ الطلاَّب، وكثر عنه الآخذون، وانتشر المذهب في عصره وازدهر وكان بحق: شيخ الحنابلة ومحقق المذهب.
* في الشام: بيت المقدس، الأَرض المباركة، هي قاعدة الحنابلة الثانية في بيت المقدس، وفلسطين، وفي طرابلس منها، وفي قصبتها: نابلس، وَقُرَاهَا: جَمَّاعيل، وجَرَّاعه، ورامين، ومردا ووادي الشعير وفي حجة، وغيرها
ثم إلى دمشق، وأَعمالها منها: أزْرُع. ودُوْمَا. وحرسته. والصالحية. وجبل قاسيون. وبعلبك، ومنها: قرية فِصَّة.
وفي حلب وعملها: شيخ الحديد، وإليها ينسب: الشيخي: محمد بن أحمد سنة (893 هـ) وفي حمص: لهم ولاية، وَمَفَاتِي.
(1/502)

وقد توفي بدمشق من تلاميذ الإمام أَحمد: أَحمد بن أصرم البصري ثم المصري، توفي بدمشق سنة (285 هـ) وتوفي بها تلميذ تلامذته: أبو القاسم الخرقي ت سنة (334 هـ) صاحب: " المختصر ".
وقد توفي بحمص من تلاميذ الإمام: أحمد بن علي ابن معبد، قاضي حمص. وتوفي بها أيضا تلميذه: أحمد بن المصفى الحمصي. وكان الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- قد دخل حمص لزيارة: محمد بن يوسف الفريابي.
وأَول شامي يترجم في الحنابلة ناصح الدَين أَبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي بن أَحمد الأَنصاري الخزرجي الشيرازي، ثم البغدادي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، شيخ الإسلام في وقته، المتوفى سنة (486 هـ) بمقبرة الباب الصغير بدمشق.
له ذرية وعقب اشتهروا باسم: " بيت ابن الحنبلي "، أَخذ عن القاضي أَبي يعلى في بغداد، ثم رحل إِلى بيت المقدس فنشَرَ المذهب في القدس وما حوله، ثم انتقل إلى دمشق فانتشر فيها المذهب، وتخرج به الأصحاب، وكان من بركته: آل قدامة، كما يأتي خبر ذلك في: " بيوت الحنابلة " ثم إن ابن رجب لم يترجم لشامي بعده إلَّا لابنه: عبد الوهاب بن عبد الواحد ت سنة (536 هـ) .
ثم ترجم لابنه: عبد الملك بن عبد الواحد ت سنة (545 هـ) .
ثم لحفيده: نجم بن عبد الوهاب ت سنة (586 هـ) .
(1/503)

وتأتي تسميتهم في: " بيت ابن الحنبلي ".
هذا خبر مبدأ دخول المذهب الشام، ثم صار من ارتفاع شأنه بها ما صار، وكان من أَتباعه البيوتات الكبار. والله أعلم.
* وفي مصر: كان فيها من تلاميذ الإمام أحمد والآخذين عنه: أحمد بن صالح المصري أبو جعفر، المتوفى بها سنة (248 هـ) . وطلحة بن عبيد الله البغدادي ثم المصري. ومحمد ابن علي بن داود، المعروف بابن أخت غزال، المتوفى بمصر سنة (264 هـ) وقد كان للمذهب وجود قليل، ومن ذلك الوجود القليل: الشيخ أَبو عمرو عثمان بن مرزوق القرشي الفقيه الحنبلي، وكان قَدْ صحب عبد الوهاب الجيلي بدمشق، وتفقه واستوطن مصر وأَقام بها حتى مات سنة (564 هـ) ، ودُفن بالقرافة كما في: " ذيل ابن رجب ".
وهو أَول حنبلي مصري رأيته في الحنابلة.
ثم ذكر في ترجمة عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، المتوفى سنة (600 هـ) أنه دخل مصر، والِإسكندرية، وأَقام مدة في مصر، ثم انتشر فيها المذهب على يد أَحد علماء " حَجَّة " من عمل: " نابلس " في: القدس الشريف، إذ كان من علماء الديار المصرية، وهو (1) :
__________
(1) الدر المنضد برقم (1372)
(1/504)

موفق الدِّين أَبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي الحجاوي المقدسي ثم القاهري، قاضي قضاة الحنابلة في الديار المصرية، المولود سنة (691 هـ) والمتوفى سنة (769 هـ) ، إذْ تولى قضاء الديار المصرية للحنابلة سنة (738 هـ) واستمر إلى أَن مات، ثم خلفه صهره أَبو الفتح نصر الله بن أَحمد.
وكان من تلاميذه: الحافظان: الزين العراقي، والهيثمي.
وكان الشيخ موسى الحجاوي ت سنة (968 هـ) صاحب: " الِإقناع " و " زاد المستقنع " من ذرية ابن عمه المجد سالم، وقيل: بل من ذريته، وقد انتشر المذهب في زمانه، وكثر فقهاء الحنابلة كما يُفيده مترجموه.
وأفاد السيوطي في: " حسن المحاضرة " بقوله (1) :
" وهم بالديار المصرية قليل جدًا، لم أَسمع بخبرهم فيها إلَّا في القرن السابع وما بعده؛ وذلك أَن الإمام أَحمد - رضي الله عنه - كان في القرن الثالث، ولم يبرز مذهبه خارج العراق إلَّا في القرن الرابع، وفي هذا القرن ملك العبيديون مصر، وأَفنوا من كان بها من أَئمة المذاهب الثلاثة، قتلًا، ونفياً، وتشريدا، وأَقاموا مذهب الرفض والشيعة، ولم يزولوا منها إلَّا في أَواخر القرن السادس، فتراجعت إليها الأئمة من سائر المذاهب، وأَول إمام من الحنابلة علمت حلوله
__________
(1) نظرة تاريخية، لتيمور ص 38، 39
(1/505)

بمصر الحافظ عبد الغني المقدسي، صاحب العمدة " انتهى. وعبد الغني المقدسي هو الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد ابن علي بن سرور المقدسي صاحب: " عمدة الأَحكام " ولد سنة (541 هـ) وتوفي سنة (600 هـ) .
وكانت رحلته إلى مصر والإسكندرية سنة (566 هـ) كما في ترجمته من " طبقات ابن رجب " ثم رجع منها سنة (570 هـ)
فظاهر هذا النص أنه كان للمذهب وجود قليل، لكن انتشر بعد ولاية عبد الله الحجاوي قضاء الحنابلة فيها، وذلك في آخر الدولة الأَيوبية الممتدة بين سنة (567 هـ) وسنة (648 هـ) وذكر المقريزي في: " خططه " (1) : " أَنه لم يكن له - أي للمذهب الحنبلي - وللمذهب الحنفي كبير ذِكْرِ بمصر في الدولة الأَيوبية ولم يشتْهر إلَّا في آخرها ". انتهى ...
* وفي بلاد العجم: في " مرودا "، و " آمد "، و " أَصبهان "، و " هِراة "، و " همذان "، و " الديلم " و " السوس " من إِقليم خوزستان، وفى بلاد الأَفغان، كما يعلم ذلك من تراجم عدد من علماء الحنابلة من القرن الرابع فَمَا بعد، لاسيما في القرون: الخامس، والسادس، والسابع، والثامن، كما في: " ذيل طبقات الحنابلة " لابن رجب، وغيره.
وقال تَيْمور نقلًا عن المقدسي البشاري ت سنة (380 هـ) في: " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم " إذ قال (2) :
__________
(1) خطط المقريزي: 2/343 بواسطة: نظرة تاريخية لتيمور ص/ 38، 39
(2) نظرة تاريخية: ص 39
(1/506)

" وذكر المقدسي أَنه كان موجودًا في القرن الرابع بالبصرة وبإقليم أَقور والديلم، والرحاب، وبالسوس من إِقليم خوزستان، وأَن الغلبة في بغداد كانت له وللشيعة ... " انتهى
ويظهر لي - والله أعلم- أنه يقصد بالحنابلة في تلك الحقبة الزمنية، في بلاد العجم المذكورة: " أَهل الحديث وهذا لأمور ثلاثة:
1- أنه يذكر في رحلته: " أحسن التقاسيم ": الراهوية: أَتباع إسحاق بن راهويه، والثورية: أَتباع سفيان الثوري، ويجعلهم جميعًا من أهل الحديث. ومعلوم أَن هؤلاء ليس لهم مذهب فقهي مُتَّبَع، فشمل الجميع بمصطلح: " أَهل الحديث "، وهم كذلك، وإن كانوا فقهاء مبرزين لإنه لم يكن لهم تلامذة كونوا المذهب وأحيوه.
2- على الرغم من هذه الِإشارات من وجود حنابلة في هذه الأَقاليم، إلَّا أَنَّا لا نجد في تراجم علمائها من ينسب إلى التمذهب لأَحمد بن حنبل، كما نجد النسبة إلى الحنفية، والشافعية.
3- أن البشاري - رحمه الله تعالى- ولدَ سنة (335 هـ) تقريبًا وتوفي سنة (380 هـ) وهو العالم الرحَّال، والمؤرخ الجوَّال، فكان المذهب الحنبلي مازال في أَواخر طبقة تلاميذ أَحمد، وتلامذتهم مثل الخلال، وغلامه ت سنة (363 هـ) والخِرَقي ت سنة (334 هـ) ، ولم تَتَبَنَّهُ السلطة بعد، ولم تنصب قاضيًا حنبليًا بعد، وكان الحسن بن حامد، المتوفى سنة (453 هـ) هو الذي أقرأ
(1/507)

المذهب وَدَرَّسَهُ ولَقَّنَهُ الطلاَّب، وأَسمعه للعامة، وعلى يد تلميذه القاضي أَبي يعلى، المولود سنة (380 هـ) والمتوفى سنة (458 هـ) دخل المذهب في الاعتبار الرسمي؛ إِذْ نُصِبَ في القضاء.
والبشاري كانت وفاته سنة (380 هـ) أي عام ولد أَبو يعلى.
وهذا وحده كافٍ في فَسرِ مرَاد البشَّاري بالحنبلية، والراهوية والثورية: أي أهل الحديث. والله أعلم
والبشاري رَحَّالَة جَوَّال لايذكر إلَّا عن مشاهدة وَعَيَان، لكن لم يصلنا من خبر المذهب في هذه البلاد وعلمائها الحنابلة ما نتحف به المستفيد، وسبحان مُصَرِّف الأَحوال، وَكُل إلى الله راجع.
إنما نرى المنتسبين للمذهب من علماء الحنابلة في هذه الديار الأَعجمية، بعد ذلك التاريخ، كما في تراجم عدد منهم في: " ذيل الطبقات " لابن رجب، وتأتي تسمية بعضهم في: " بيوتات الحنابلة ".
* وفي جزيرة العرب: أما الحجاز وفيه الحرمان الشريفان؛ فهو مَئِنَّةُ وجود المذهب الحنبلي فيه، ومن نظر في كتب التراجم المفردة لمكة والمدينة، رأى فيها تسمية من شاء الله من الحنابلة، لاسيما: " التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة " للسخاوي و " العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين " للفاسي المكي
(1/508)

وقد أمَّ وخطب في المسجد الحرام عدد، منهم: نصر بن محمد الهمداني، المتوفى سنة (618 هـ) ، وعثمان بن موسى الطائي ت سنة (674 هـ) ، ونصر بن أبي الفتح الحضرمي.
وأما إقليم نجد فقد عاش حلقهّ مفقودة التدوين لدى المؤرخين في مثل هذه المعارف، لكن يتأكد أن المذهب الفقهي الحنبلي كان سائدًا فيها منذ القرن الحادي عشر الهجري، يتقدم في وضوح وجلاء حتى ظهر أئمة الدعوة في القرن الثاني عشر الهجري، فنما المذهب في قلب نجد نموًا مطردًا، لاسيما والميرة التجارية بين نجد، والشام، والعراق، والأحساء، مطردة، فاستقر المذهب الحنبلي بقاعدته العريضة فى نجد، ومنه انتشر إلى قطر والأَحساء، والبحرين، والإمارات العربية، وبخاصة في الشارقة، ورأس الخيمة، والفجيرة، وعُمَان، لاسيما في جُعلان، بواسطة هجرة بعض الحنابلة من نجد ونزوحهم هناك، وهو المذهب الرسمي للحكومة السعودية وللحكومهّ القطرية.
وقد كان للدولة السعودية الثالثة- الحالية- فضل كبير في نشر وطبع كتب الحنابلة، وكان لدولة قطر مساهمة مهمة في ذلك.
فدوره الآن في المملكة يشبه دوره في القرنين الثالث والرابع في العراق، ودوره في دمشق في القرن الخامس، لاسيما بعد هجرة آل قدامة المقادسة إلى الصالحية بدمشق.
(1/509)

المبحث الثالث: في معرفة بيوت الحنابلة
قال ابن أبي يعلى في ترجمة: أحمد بن محمد الصائغ: " قال أبو الحارث: سمعت أبا عبد الله يقول: إنما العلم مواهب، يؤتيه الله من أحب من خلقه، وليس يناله أحد بالحسب، ولو كان لِعِلَّة الحسب؛ لكان أَوْلَى الناس به: أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) انتهى.
ثم اعلم أَن أَتباع كل مذهب نُزَّاغ من القبائل والأَوطان، ثم قد ترى العَالِم الواحد، وليس معه أَحد من أَهله فهو ورث العلم كَلاَلَةً، ودرج كلالَةً فَلَمْ يُعَقَب من نَسْلِهِ عالماً، ولا ضير فالحال كما قال أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف البغدادي المعتزلي ت سنة (381 هـ) (1) :
العالم العاقل ابن نفسه ... أغناه جنس علمه عن جنسه
كُن ابن من شئت ولكن كَيّسًا ... فإنما المرء بفضل كَيْسِه
كم بين من تكرمه لغيره ... وبين من تكرمه لنفسه
من إنما حياته لغيره ... فيومه أولى به من أمْسِه
وترى العالم ومعه الرجل والرجلان من أهله وعقبه، والعالم
__________
(1) " نشوار المحاضرة " 6/ 150 رقم/92
(1/510)

ومعه الرهط منهم، والعالم وَيَتْبَعةُ الجمعُ من آله وذراريهم عدة قرون، فيتوارثون العلم، والفقه في الدِّين، كما قال كعب- رضي الله عنه-:
ورثوا الكرامةَ كابراً عن كابر ... إن الأكابر هم بنو الأخيار
وهذا من الأَبحاث الجامعة الماتعة، فمفرداته كالقواعد في علم النسب، تجمع ما تناثر في بطون الكتب ولهذا تراهم في التراجم، يذكرون آل المتَرْجَمِ له من العلماء أَحياناً.
وَقَدْ تَمَيَّزَ كتاب: " السحب الوابلة " بالإشارة إلى ذلك في صدر الترجمة فيقول مثلًا: فلان بن فلان: الآتي أَبوه، وجده، المتقدم أَخوه، وابنه، ويُسَمِّيْهم، وهكذا.
وهي لَفْتة نفيسة من ابن حُميد لمعرفة " البيوت الحنبلية "، وكان طرفا منها لدى ابن رجب في: " الذيل "، كثيرة الدوران لدى السخاوي في: " الضوء اللامع ".
ثم إن أهل البيت الحنبلي الواحد قد ينتظمهم اسم واحد اشتهروا به، من كنية مثل: آل أَبي يعلى، أو لقب مثل: بيت ابن الحنبلي
وقد تبقى هذه الشهرة لعموم البيت، لكن ينفصل عنه واحد
(1/511)

ومن جاء من نسبه بلقب مثل " آل قدامة " صار منهم: " بنو قاضي الجبل " و " بنو زُريق " و " بنو عبد الهادي " ومن بني عبد الهادي صار: " بنو المبرد ".
وقد ينقطع البيت ولم يعقب.
وقد يزول اللقب الذي اشتهر به البيت؛ لِعَارِضٍ ما، ويكون عقبه متعاقباً، لكن لخمول الذكر وخلوه من أهل العلم والذكر، تنقطع النسبة ظاهراً، وفي حقيقته أَنه يلتحق نسباً بذاك العَلَم المشهور أو البيت المرفوع.
فمثلًا: آل قدامة، وآل تيمية، وآل ابن قيم الجوزية، لا نعلم اليوم على وجه الأرض من ينتسب ويجر نسبه إليهم، مع أن كتب التراجم لا تحدثنا عن انقطاع العقب في جميعهم، فهل انقطع عقبهم، أَم ذراريهم بين ظهرانينا؟
على أَننا لو استزدنا من كتب التراجم، والمشيخات، والأنساب؛ لأَبْرَزَتْ لنا معالم نستطيع بها جر النسب لهذه البيوتات الشريفة إلى زَمَن متأخر.
وقد رأيت أثارة مِنْ عِلْمِ تُنْبِئ عن وجود نسل من آل تيمية إلى مطلع القرن الثالث عشر الهجري في بيت المواهبي والمشتهر أيضا بـ " بيت ابن بدر " كما يأتيك خبره في هذا المبحث عند ذكر: " آل تيمية ".
(1/512)

والآن إلى ذكر بعض من البيوت الحنبلية في آفاقهم المكانية في: بغداد، والشام، ومصر وجزيرة العرب:
* في بغداد:
- آل الإمام أحمد: مضى ذكرهم تفصيلًا في: " المدخل السادس: التعريف بالإمام أحمد ".
- آل أبي يعلى: الحنابلة، البغاددة، دفناء مقبرة الإمام أحمد.
في باب حرب ببغداد. ولا أعلم من يشاركهم بهذه الشهرة إلاَّ: حمزة ابن الكيال البغدادي أبو يعلى، من تلاميذ جدهم الأعلى، وليس من آله. وحمزة بن موسى المعروف بابن شيخ السلامية.
وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي يعلى الفَرّاء ت بمصر سنة (632 هـ) كما في: " التكملة: 3/390 ".
جدهم الأعلى: أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف بن الفراء الحنبلي الشهير بأبي يعلى، ولدَ سنة (380 هـ) وتوفي سنة (458 هـ) .
عالم زمانه، وشيخ المذهب، وحامل لوائه.
كان والده حنفيًا، فتحنبل الابن على يد ابن مفرحة المقرئ، إذ لقنه: " العبادات " من " مختصر الخِرَقي " ثم استكمله على مجتهد المذهب الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) فخلفه في علمه ثم تولى القضاء ... إلى آخر أخباره في ترجمة ابنه له في: " الطبقات: 2/ 193-230 ".
وقد ولد له ثلاثة من الولد هم:
(1/513)

1- أَبو القاسم عبيد الله ت سنة (469 هـ) وهو الذي صلى على والده.
2- والقاضي أبو الحسين الشهيد محمد بن محمد، صاحب: " الطبقات " ت سنة (526 هـ) قتله اللصوص في داره على مال
عنده، فقدَّر الله ظهور قاتليه فقُتلوا كلهم.
3- وأَبو خازم محمد بن محمد ت سنة (527 هـ) " شارح مختصرالخِرَقي " له أَربعة أَبناء، منهم ثلاثة قضاة، هم:
1- القاضي أَبو يعلى الصغير ابن أبي خازم: محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الفراء ت سنة (560 هـ) مؤلف كتاب " المفردات " وغيره.
وله من الولد: أبو العباس أَحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الفراء ت سنة (611 هـ) كما في: " التكملة: 2/309 ".
2- القاضي أَبو الفرج علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين أَبو الفرج وهذا له ابن، هو: القاضي عبيد الله بن علي ت سنة (580 هـ) .
3- القاضي أَبو محمد عبد الرحيم، ذكره ابن رجب في ترجمة عبد الله ابن أَخيه علي (1/353) وهو.
4- أَبو منصور المظفر بن محمد بن محمد بن محمد ابن الحسين ت سنة (575 هـ)
* بنو الجيلي: الحنابلة في بغداد، ثم المصريون لبعض الأحفاد
(1/514)

جدهم الأَعلى: شيخ المذهب في زمانه: عبد القادر بن أَبي صالح بن عبد الله بن جنكي دوست الجيلي ثم البغدادي، ويُقال: الجيلاني، أو الكيلاني. وُلدَ سنة (490 هـ) وتوفي سنة (561 هـ) . والجيلي: نسبة إلى بلاد متفرقة وراء طبرستان، يُقال لها: كيل وكيلان، فَعُرِّب، ونُسب إليها، وقيل: جيلي، وجيلاني.
له:
1- عبد الوهاب بن عبد القادر ت سنة (593 هـ) ، وابنه: عبد السلام ابن عبد الوهاب ت سنة (611 هـ)
2- عبد الرزاق بن عبد القادر ت سنة (603 هـ) ، وابنه نصر ابن عبد الرزاق ت سنة (633 هـ)
3- عبد العزيز بن عبد القادر، لم أَقف له على ترجمة إلَّا أن المنذري في: " التكملة: 3/ 391 " أشار إليه في ترجمة ابنته زهرة، فقال: " ووالدها: أبو محمد عبد العزيز سمع من غير واحد، وقيل: إنه حَدَّث " انتهى.
ومن ذريته:
عبد القادر بن علي بن محمد بن عبد القادر بن علي بن محمد الأَكحل بن شرشيق بن محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلي ت سنة (879 هـ) .
ومن البيوتات، والأَبناء، والإخوة، والحفدة، من علماء الحنابلة في بغداد من يأتي:
(1/515)

- ابن المنادي البغدادي: محمد بن عبيد الله بن يزيد ت سنة (272 هـ) ، وابنه جعفر ت سنة (272 هـ) ، وحفيده: أحمد ابن جعفر ت سنة (277 هـ) .
قيل: كانت مصنفات محمد نحو أربعمائة كتاب.
- الدورقي البغدادي: أَحمد بن إبراهيم ت سنة (246 هـ) وأخوه يعقوب، كان أبوهما متنسكاً، والمتنسك في ذلك الزمان، يُسمى دورقياً.
- الخرقي البغدادي: أَبو علي الحسين بن عبد الله ت سنة (299 هـ) ببغداد، وكان يسمى: " خليفة المروذي "؛ لكثرة ملازمته له، وابنه: أبو القاسم عمر ت بدمشق سنة (334 هـ) . وهو أول حنبلي يدفن بدمشق بعد من مضى ذكره من تلامذة الإمام.
- أبو محمد التميمي وعقبه، البغاددة، التميميون: أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي أبو محمد ت سنة (371 هـ) ، وابناه: عبد الوهاب، وأبو الفضل عبد الواحد، وحفيده: رزق الله ابن عبد الوهاب، وحفيد الحفيد: عبد الوهاب بن رزق الله، وأبوالقاسم عبد الواحد.
وقد ساق الذهبي- رحمه الله تعالى- لعبد العزيز بن الحارث التميمي، حديثين مسلسلين بالأباء، وقال عنه: " من رؤساء الحنابلة، وأكابر البغاددة، إلا أنه آذى نفسه، ووضع حديثاً، أو حديثين في مسند الإمام أحمد، قال ابن رزقويه
(1/516)

الحافظ: كتبوا عليه محضراً بما فعل، كتب فيه الدارقطني وغيره، نسأل الله السلامة " انتهى من: " الميزان: 2/ 624 ". والتميميون هؤلاء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في " الفتاوى: 4/ 167- 169 ":
(وكان من أعظم المائلين إليهم - أي إلى الأشعرية- التميميون: أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم؛ وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. وله في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه؛ ولم يذكر فيه ألفاظه، وإنما ذكر جمل الاعتقاد بلفظ نفسه، وجعل يقول: " وكان أبو عبد الله " وهو بمنزلة من يصنف كتاباً في الفقه على رأي بعض الأَئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بأَلفاظه وأَفهم لمقاصده فإن الناس في نقل مذاهب الأَئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا، أو حكم الشريعة كذا، بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب
(1/517)

الشريعة وأَعماله وأَفهم لمراده.
فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم، ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة، كما يختلف بعض [أهل] الحديث في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم؛ فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة، ولا أَمران متناقضان في الحقيقة، إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ وأَما غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم؛ فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين، وأَمرين متناقضين، ولم يشعر بالتناقض.
لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة - وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض، والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير-؛ لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره، بل هو أولى بذلك؛ لأَن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره لأَنَّ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يعرف سبيله وهو حجته على عباده، فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعميت سبيله؛ إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا الرسول آخر الرسل، وأمته خير الأمم، ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله، لايضرها من خالفها ولا من
(1/518)

خذلها حتى تقوم الساعة) انتهى.
- بنو شافع: البغاددة: جدهم: شافع بن صالح، الجيلي الحنبلي ت سنة (480 هـ) وابنه: صالح، وحفيده: أَحمد بن صالح وهو صاحب التاريخ المشهور وعنه ينقل ابن رجب في الذيل، فيقول: قال ابن شافع. وحفيد الحفيد: محمد بن أَحمد بن صالح.
- ابن جَدَا العكبري البغدادي: أَبو الحسن علي بن الحسين ت سنة (468 هـ) ، وابنه محمد.
و" جَدَا " بفتحتين
- ابن زَبِبْيَا البغدادي: علي بن أبي طالب ت سنة (460 هـ) ، وابنه محمد.
- ابن المراق الحلواني البغدادي: محمد بن علي ت سنة (505 هـ) ، وابنه عبد الرحمن ت سنة (546 هـ) ، وحفيده: محمد بن عبد الرحمن ت سنة (614 هـ) .
- الأبرادي البغدادي: أحمد بن علي ت سنة (531 هـ) ، وابنه محمد ت سنة (554 هـ) .
- أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي: علي بن عقيل، صاحب الفنون ت سنة (513 هـ) وابناه: عقيل، وهبة الله، توفيا في حياته.
- الكلوذاني البغدادي: محفوظ بن أحمد ت سنة (510 هـ) وابناه: محمد، وأحمد وحفيده: محفوظ بن أحمد.
(1/519)

- عبد الباقي بن محمد البغدادي المعروف بصهر هبة المقرئ ت سنة (461 هـ) وابنه محمد، المشهور بقاضي المارستان، ت بعد سنة (518 هـ) .
- ابن البناء: البغدادي الحسن بن أَحمد ت سنة (471 هـ) صاحب كتاب: المقنع في شرح الخِرَقي ".
وأَبناؤه: محمد ت سنة (510 هـ) ، وإبراهيم ت سنة (518 هـ) ، وأَحمد ت سنة (527 هـ) ، ويحيى ت سنة (531 هـ)
وحفيده: سعيد بن أَحمد ت سنة (550 هـ) ، وابنه الحسن ابن سعيد ت سنة (572 هـ) وابنه غياث بن الحسن ت سنة (594 هـ) (1) .
- بنو هبيرة: الحنابلة، الشيبانيون نَسَباً، البغداديون دارا.
رأس هذا البيت المبارك ورئيسهم: الوزير ابن هبيرة: يحيى ابن محمد بن هبيرة الشيباني ت سنة (560 هـ) وله ثلاثة أبناء: محمد، وظفر ومسعود المتوفى سنة (607 هـ) توفي أبوه وهو حمل.
وللوزير أخ هو مكي بن محمد ت سنة (567 هـ) .
- الجواليقي البغدادي موهوب بن أحمد أبو منصور اللغوي
__________
(1) استقرأهم مفصلا محقق كتاب: " المقنع في شرح الخرقي " الشيخ/ عبد العزيز ابن سليمان البعيمي- أثابه الله-.
(1/520)

الشهير ت سنة (540 هـ) ، وابنه إسماعيل ت سنة (575 هـ) .
- القطيعي الأزجي البغدادي: أبو العباس أحمد بن عمر ت سنة (563 هـ) وابنه محمد ت سنة (634 هـ) وهو المؤرخ أبو الحسن، نقل عنه ابن رجب في الذيل كثيرًا عن تاريخه: " درة الِإكليل في تتمة التنزيل ".
- العَلْثي البغدادي: اثنان ابنا عَمّ هما: إسحاق بن أحمد ت سنة (634 هـ) ، وطلحة بن مظفر ت سنة (593 هـ) ، وله ثلاثة أولاد محدثون هم: عبد الرحمن، ومكارم، ومظفر.
والعَلْث: من نواحي دجَيْل.
- ابن الدجاحي البغدادي: سعد الله بن نصر، ويعرف أيضا بابن الحيواني ت سنة (564 هـ) وابنه محمد ت سنة (601 هـ) .
- ابن بكروس البغدادي: أخوان؛ أحدهما: علي بن محمد ابن المبارك سنة (576 هـ) ، وابنه إبراهيم ت سنة (611 هـ) وحفيده: علي بن إبراهيم ت سنة (645 هـ) .
والآخر أبو العباس أحمد بن محمد بن المبارك ت سنة (573 هـ) كان يعرف أيضا بابن الحمامي، وهو زوج ابنة ابن الجوزي وابنه محمد ت سنة (593 هـ) وسبطه: أحمد، ويسمى هبة الكريم، ويكنى أبا نصر ت سنة (601 هـ) .
- ابن المَنِّي: محمد بن مقبل بن فتيان بن مطر ابن المني النهرواني ثم البغدادي ت سنة (649 هـ) .
(1/521)

وَعَمهُ نصر بن فتيان: بن مطر النهرواني ثم البغدادي المعروف بابن المَنِّي ت سنة (583 هـ) وهو فقيه العراق على الاطلاق، ومن تلاميذه: الموفق ابن قدامة.
غلام ابن المني: إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي، الأزجي، اشتهر بغلام ابن المني، ويعرف بابن الوفاء، وبابن الماشطة ت سنة (610 هـ) .
وهو القائل:
دليل على حرص ابن آدم أنه ... ترى كَفَه مضمومة وقت وضعه
ويبسطها عند الممات إشارة ... إلى صفرها مما حوى بعد جمعه
وابنه: عبد الله ت سنة (634 هـ)
وأما أخوه وهو إبراهيم بن علي ت سنة (613 هـ) فلا يشارك أخاه بواحد من ألقابه المذكورة.
- السامري البغدادي: عبد الله بن هبة الله بن أحمد ت سنة (545 هـ) وحفيده: هبة الله بن علي ولد سنة (616 هـ) ، قال ابن رجب: " من بيت العلم والحديث " انتهى.
وأبو حفص البرمكي: عمر بن أَحمد، وابناه: أَحمد، وِإبراهيم.
- ابن الغَزَّال البغدادي: عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر ابن علي بن عبد الدائم بن الغَزال ت سنة (615 هـ) .
وابنه: أحمد، سبط: أبي العباس أحمد بن بكروس.
(1/522)

* في بغداد والشام:
- بنو الجوزي: الحنابلة القرشيون، البكريون، البغاددة.
جد هذا البيت المبارك: الإمام جمال الدين أَبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي البكري البغدادي، الفقيه الواعظ المشهور صاحب التأليف الكثيرة الشهيرة الدائرة في الأَمصار ت سنة (597 هـ) له ثلاثة أَبناء هم: عبد العزيز وهو أَكبرهم، وعلي وكان في نَفْسِ والده عليه شيء، وأَصغرهم يوسف المعروف بالصاحب، بمعنى " الوزير " وهو أَشهرهم، وهو باني المدرسة الجوزية بدمشق
وثلاثتهم علماء فقهاء.
وليوسف ثلاثة أَبناء علماء هم ولاة الحسين في بغداد: عبد الرحمن، وعبد الله، وعبد الكريم، قُتِلوا مع والدهم يوسف على يد التتار- لعنهم الله- سنة (656 هـ) .
وأَما عز الدين أَبو المظفر عبد العزيز بن يوسف فهو سبط ابن الجوزي.
* في الشام:
- بيت الشيرازي، ويُقال: بيت ابن الحنبلي:
الأنصاريون نسبا، الشيرازيون، ثم البغاددة، ثم المقادسة، ثم
(1/523)

الدماشقة.
بوابة الحنابلة في الشام.
جدهم الأعلى تلميذ القاضي أَبي يعلى: ناشر المذهب في ربوع الشام في القدس وما حوله، ثم في دمشق الشام: أَبو الفرج ناصح الدين عبد الواحد بن محمد بن علي بن أَحمد الشيرازي ثم البغدادي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، دفينها سنة (456 هـ) بمقبرة الباب الصغير.
قال ابن رجب- رحمه الله تعالى-: " للشيخ رحمه الله ذرية فيهم كثير من العلماء نذكرهم إِن شاء الله في مواضعهم من هذا الكتاب " انتهى. منهم: ابنه شرف الإسلام عبد الوهاب ت سنة (536 هـ) واقف المدرسة الحنبلية الشريفة بدمشق، وله: عبد الحق، وعبد الملك، ونجم، ولنجم: أحمد ت سنة (626 هـ) ، وعبد الرحمن، فعبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد، أربعتهم حنابلة فقهاء محدِّثون، وهكذا في عدد يطول ذكرهم.
ولنجم إخوة هم: عبد الكافي مات سنة (580 هـ) ، وعبد الحق، ومحمد، وعبد الهادي، جميعهم في ترجمة نجم من: " الذيل " لابن رجب، وفي: " الدارس: 2/ 64- 73 ".
- آل قدامة: الحنابلة. القرشيون. العدويون نسبًا- من سلالة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- المقادسة موطناً، ثم الصالحيون
(1/524)

الدماشقة مهاجرا.
أكثر البيوت الحنبلية علمًا، ترجم ابن مفلح في: " المقصد الأرشد " لنحو خمسين عالمًا منهم.
استمروا على نسبتهم هذه: " آل قدامة " دهراً، وقد أَفادني المؤرخ الشيخ/ حمد الجاسر أن لهم بَقِيَّةً بدمشق، منهم بعض الأدباء المؤلفين، ومازالوا يحملون هذا الاسم حتى اليوم عام 1415 هـ.
وقد تفرع منهم ثلاثة بيوتات كبيرة هي:
بيت ابن عبد الهادي: يلتقون مع الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق في الجد الجامع لهم: محمد بن قدامة بن مقدام؛ إذ محمد له ابنان: يوسف بن محمد بن قدامة، جَدُّ آل عبد الهادي. وأحمد بن محمد ابن قدامة، جَدُّ آل قدامة، وفيهم البيتان:
بيت بني قاضي الجبل - أي جبل قاسيون - وبيت بني زريق كلاهما من ذرية الشيخ أبي عمر شقيق الموفق، وهو أبو عمر محمد ابن أحمد بن قدامة بن مقدام.
فَجَدُّ آل قدامة هو خطيب جَمَّاعيل ببيت المقدس: أحمد ابن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر العدوي القرشي نسبا، الحنبلي مذهباً ت سنة (558 هـ) ودُفِن بسفح قاسيون.
وكان للشيخ أبي الفرج الأنصاري: عبد الواحد بن محمد
(1/525)

الشيرازي ثم البغدادي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (486 هـ) تلميذ القاضي أَبي يعلى: فضل في نشر المذهب في الشام، وكانت له دعوة صالحة، وكان دعا لقدامة بن مقدام ولولده بحفظ القرآن فحفظه، وانتشر الخير في عقبه.
هاجر أَحمد بن محمد بن قدامة من جمَّاعيل إلى الصالحية بدمشق سنة (551 هـ) ، ومعه ولداه أَبو عمر محمد، والموفق عبد الله، وأَهلهم إلى دمشق لما استولى الفرنجة على الأَرض المقدسة، فنزلوا بمسجد أَبي صالح فأَقاموا به نحو سنتين فاستوخموه ومات في شهر واحد منهم نحو أَربعين نفساً، فأشار عليهم والد أَبي الفرج ابن الحنبلي بالانتقال إلى الجبل فانتقلوا، وكان رأيًا مباركاً، قال أَبو عمر فقال الناس: " الصالحية. الصالحية. ينسبونا إلى مسجد أَبي صالح، لا أَنَّا صالحون " وأبو صالح هو مفلح بن عبد الله ت سنة (330 هـ) .
وهذا البيت المبارك صار منهم أَئمة هداة، وعلماء، وقضاة، وخطباء، ومدرسون، وشهود، ومفتون، ازدهر بهم المذهب خاصة والعلم عامة، وأَنزل الله البركة فيهم، وفي ذراريهم، ويطول الكتاب بذكر مشجرهم، ومن حقهم إفراد كتاب عنهم، وقد فعل الضياء المقدسي صاحب المختارة محمد بن عبد الواحد ت سنة (643 هـ) حيث أَفرد كتابًا لهم باسم: " كتاب سبب هجرة المقادسة ... ".
ومن نظر في ذيل الطبقات لابن رجب فما بعده من كتب الطبقات رأى منهم العدد الوفير والخير الكثير- رحم الله الجميع-.
1- فالشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ابن
(1/526)

مقدام ت سنة (558 هـ) ، باني المدرسة العمرية الشيخية في الصالحية بدمشق، قال عنها ابن عبد الهادي: " لم يكن في الإسلام أَعظم منها ".
وُلدَ لَهُ: عبد الله، وعبد الرحمن، وعمر وبه كان يكنى. وعبد الرحمن هو صاحب: " الشرح الكبير ".
ومن ذرية هذا الإمام الشيخ أَبي عمر تَفَرع البيتان العظيمان في العلم والقضاء: بنو قاضي الجبل، وقاضي الجبل هو أَحمد ابن الحسن بن عبد الله بن الشيخ أَبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة ابن مقدام المقدسي ت سنة (771 هـ) فمن انحدر منهم: بنو قاضي الجبل، وبنو زُريق. وقد ذكر جملة منهم ابن حميد في: " السحب الوابلة " في ترجمة: أَبو بكر بن عبد الرحمن ت سنة (831 هـ) .
2- أَخوه الموفق: عبد الله بن أَحمد بن محمد بن قدامة ابن مقدام، ت سنة (620 هـ) .
ولد له: ثلاثة بنين، وابنتان هما: فاطمة، وصفية، لكن ماتوا في حياته وما عقبوا سوى ابنه عيسى، فقد ولد له ولدان صالحان، لكن ماتا، وانقطع عقبه.
وقد عوضه الله خيرًا، كتاب: " المغني في شرح مختصر الخِرَقي "، فهذا كتاب معتمد لدى عامة أهل الإسلام والحمد لله رب العالمين ...
- آل سرور المقادسة: الحنابلة، الجَمَّاعيليون، النابلسيون، المقادسة، ثم الدماشقة لبعضهم.
بيت مبارك من نسل: سرور بن رافع بن حسن بن جعفر
(1/527)

الجمَّاعيلي المقدسي.
و" سرور " له: سلطان، ومن نسله: عبد المنعم بن نعمة ابن سلطان ابن سرور ولعبد المنعم هذا ولدان هما: الأول: عبد الرحمن ابن عبد المنعم ت سنة (656 هـ) ، وله ولدان، أحمد ابن عبد الرحمن ت سنة (697 هـ) ، ولأحمد: أبو بكر ت بعد سنة (700 هـ) ، وعلي ابن عبد الرحمن ت سنة (702 هـ) .
الثاني: يوسف بن عبد المنعم، وحفيده: عبد الله بن محمد ابن يوسف ت سنة (737 هـ) .
وأرأسهم: الأخوان العالمان، والشيخان الجليلان: عبد الغني ابن عبد الواحد بن علي بن سرور، صاحب كتاب: " الكمال في أسماء الرجال " و " العمدة في الأَحكام " ت بمصر سنة (600 هـ) .
وله: ثلاثة أبناء هم: الأول محمد بن عبد الغني ت سنة (613 هـ) وله: أحمد وعبد الرحمن.
والثاني: عبد الله بن عبد الغني ت سنة (629 هـ) وله: حسن، ولحسن ابنان هما: أحمد، وعبد الله.
والثالث: عبد الرحمن بن عبد الغني، ت سنة (643 هـ) .
وإبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور ت سنة (614 هـ) بدمشق، وهو العَلَم المحدث الفقيه العابد المشهور وهو أول من أمَّ الناس لقضاء الفوائت، وانظر النقض الحكمي لِهذه الأولية في: المبحث السابع.
ولإخوتهما، وأعمامهما، وحفدتهما، تراجم مشهورة.
(1/528)

ولِإبراهيم بن عبد الواحد: ابن، اسمه: محمد المتوفى بمصر سنة (676 هـ) دُفِنَ جوار عمه الحافظ عبد الغني.
- بنو السعدي:
الحنابلة مذهباً، الأنصار السعديون نسباً، المقادسة، ثم الدمشاقة الصالحيون وطناً.
عمدتهم العالمان الجليلان، الأخوان:
الضياء المقدسي: محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الصالحي الدمشقي ت سنة (643 هـ) وهو صاحب " المختارة " في الحديث خاله الموفق ابن قدامة صاحب " المغني ".
وأخوه: الشمس أحمد بن عبد الواحد، المعروف بالنجاري ت سنة (623 هـ) .
وشيخهما: الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور ابن رافع بن حسن بن جعفر الجمَّاعيلي المقدسي، ثم الدمشقي، ت سنة (600 هـ) وقد غلط من قال: إن عبد الغني هو عم الضياء كما في حاشية: " المقصد الأرشد " (2/ 450) .
وللشمس ابن هو: الفخر ابن النجاري: علي بن أحمد بن عبد الواحد ت سنة (690 هـ) .
وللفخر حفيدة هي: ست العرب ت سنة (768 هـ) .
(1/529)

- بنو المحب السعدي:
الحنابلة، الأَنصار السعديون، المقادسة، ثم الصالحيون، الدماشقة.
جدهم الأَعلى: عبد الله بن أَحمد بن أَبي بكر محمد بن إبراهيم الأَنصاري السعدي المقدسي ثم الصالحي محب الدين ت سنة (658 هـ)
وعنه تفرع بنو المحب السعدي، كما تراهم في: " الجوهر المنضد " لابن المبرد: (ص/208) فلا نطيل بذكرهم- رحم الله الجميع-.
- بنو المُنَجَّا:
حنابلة، تنوخيون نَسَبًا، حرانيون وطنًا، ثم الدماشقة، بيت عربي من تنوخ، نزحوا من حران إلى دمشق، وكان لهم فيها علم ورآسة في المذهب، والقضاء، والفقه، والمؤلفات الحافلة، ولهم مدارس منها:
الوجيهية، والصدرية، والمنجائية، وأوقِفَ عليهم مَدَارِسُ منها: المدرسة المسمارية.
ورأس هذا البيت المبارك ورئيسهم: القاضي وجيه الدِّين أَبو المعالي أَسعد بن المنجا بن أَبي البركات بركات بن المؤمل التنوخي المصري، ثم البغدادي، ثم الحراني، ثم الدمشقي، الحنبلي، المولود سنة (519 هـ) والمتوفى سنة (606 هـ) .
وُلَد لَهُ ابنان هما: القاضي شمس الدين: عمر بن أسعد،
(1/530)

المولود سنة (557 هـ) والمتوفى سنة (641 هـ) .
والقاضي عز الدِّين: عثمان بن أَسعد، المولود سنة (567 هـ) والمتوفى سنة (641 هـ) .
والقاضي عثمان هو صاحب الوقف المشهور بدمشق، والمطبوعة وثيقة وقفيته عام (1361 هـ) بدمشق (1) ، قد وُلدَ له ثلاثة أَبناء، وثلاث بنات، وأبناؤهم:
1- القاضى صدر الدِّين أَسعد بن عثمان، المولود سنة (598 هـ) والمتوفى سنة (657 هـ) ووُلدَ لأَسعد هذا: ابنان، وثلاث بنات، هم: ست الأمناء، وهاجر وزينب، ومحمد، وعلي علاء الدين، المتوفى سنة (688 هـ) .
وعلي هذا وُلدَ له: محمد صدر الدين بن علي، المولود سنة (684 هـ) والمتوفى سنة (754 هـ)
2- القاضي وجيه الدِّين محمد بن عثمان، المولود سنة (630 هـ) والمتوفى سنة (701 هـ) وله ولدان هما: عثمان، وأَحمد ولأَحمد بنت اسمها: زينب، توفيت سنة (751 هـ) وابن هو الفقيه محمد، المولود سنة (688 هـ) والمتوفى سنة (746 هـ) ولمحمد بنت هي: الشيخة أم الحسن فاطمة
__________
(1) طُبع عام 1361 هـ كتاب وقف القاضي عثمان بن أسعد بن المنجا عَمِلَ محققه، المنجد: مُشَجَّرًا في ذُرية الواقف، أخذها من تراجمهم في: " ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب.
(1/531)

3- القاضي زين الدِّين رئيس المذهب: المنجا بن عثمان، المولود سنة (631 هـ) والمتوفى سنة (695 هـ) وهو صاحب المدرسة المنجائية، وله ابنان هما: القاضي علاء الدِّين علي بن المنجا، المولود سنة (673 هـ) والمتوفى سنة (750 هـ) ، وشرف الدِّين الفقيه محمد بن المنجا، المولود سنة (675 هـ) والمتوفى سنة (724 هـ) وبقي آخرون يعرفون من كتب الطبقات، والله أعلم.
- آل تيمية:
جدّ هذه الأسرة المباركة، النميرية نسبًا (1) ، الحنبلية مذْهَباً، الحرَّانية مولداً، هو أبو القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية النميري، الحراني، الحنبلي، ووالده محمد هو الذي لُقِّب باسم: " تيمية "، وأنجب ابنه أَبا القاسم الخضر وأَنجب هذا ابنين هما: عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد ومحمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد، وعنهما تفرعت فى دوحتا المجد في العلم والدعوة والدين والصلاح من آل تيمية، وبيان العلماء الحنابلة منهم
__________
(1) نسبهم إلى بني نمير ابن ناصر الدِّين الدمشقي في كتابه " التبيان شرح بديعة البيان " والربعي الدمشقي في كتابه: " الزيارات ".
ثم إن " حران " من مساكن بني نمير التي نزحوا إليها، وقد تُرجِمَ لِعَدَدِ من علمائها، منهم: شبيب ابن حمدان النميري الحراني، وعبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور النميري الحراني.
(1/532)

كالآتي:
- الدوحة الأولى: آل عبد الله بن تيمية، وهم: ذرية عبد الله ابن أَبي القاسم الخضر ابن محمد- الملقب تيمية- بن الخضر بن علي ابن عبد الله النميري الحرَّاني الحنبلي وُلد له ابن واحد هو: عبد السلام مجد الدين أَبو البركات ت سنة (652 هـ) وولد له
ثلاثة من الولد هم:
الابن الأول: شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ت سنة (682 هـ) وله ثلاثة أَبناء:
عبد الله بن عبد الحليم ت سنة (727 هـ) وله: زينب، ومحمد، ولمحمد هذا ابن اسمه: محمد ناصر الدين ت سنة (837 هـ) وله ابن اسمه محمد ت سنة (876 هـ) ، وهذا الابن: محمد بن محمد ابن محمد بن عبد الله بن عبد الحليم تحوَّل شافعيًا، كما في ترجمة والده من: " السحب الوابلة ".
وزينب هذه بنت الشرف عبد الله بن تيمية، تزوجها عبد الوهاب ابن يوسف بن السَّلار الشافعي ت سنة (782 هـ) كما في: " الرد الوافر " (ص/ 183) .
وعبد الرحمن بن عبد الحليم ت سنة (682 هـ) .
وشيخ الإسلام تقي الدين أَبو العباس أحمد بن عبد الحليم ت سنة (728 هـ) .
(1/533)

الابن الثاني: عبد العزيز بن عبد السلام، وله ابنان هما: عبد السلام، وعبد اللطيف، وولد لعبد اللطيف: أبو محمد عبد العزير وانظر " الرد الوافر: (ص 163- 164) عند ذكر العلائي.
الولد الثالث: ست الدار بنت عبد السلام
ففي هذه الدوحة أربعة عشر نفسًا من آل تيمية، فيهم شيخ الإسلام، لسان آل تيمية، بل: لسان أهل الإسلام في زمانه (1) : أَحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية- رحم الله الجميع-.
- الدوحة الثانية: آل محمد بن تيمية.
وهم: ذرية فخر الدّين محمد بن أَبي القاسم الخضر بن محمد - الملقب تيمية- بن الخضر بن علي بن عبد الله النميري، الحراني، الحنبلي، ولد للفخر ثلاثة هم:
الأول: عبد الحليم بن محمد فخر الدِّين ت سنة (603 هـ) .
الثاني: بدرة أم البدر ت سنة (652 هـ) .
الثالث: عبد الغني سيف الدِّين بن محمد فخر الدين ت سنة (639 هـ) ووُلدَ لعبد الغني هذا خمسة أَبناء، هم:
1- علي بن عبد الغني ت سنة (701 هـ) وله: عبد الرحمن ت سنة (701 هـ)
2- عبد القاهر بن عبد الغني ت سنة (671 هـ) وله: عبد الملك ت
__________
(1) في: معجم البلدان: 3/ 212: أن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العَوام: كان لسان آل الزبير.
(1/534)

سنة (720 هـ) .
3- محمد بن عبد الغني وله ابنان: علي، وولد لعلي: عبد المحسن ت سنة (730 هـ) وإبراهيم بن محمد بن عبد الغني، وهو جد " المواهبي "، الآتي ذكرهم بعد.
4- أَبو القاسم بن عبد الغني، وله: عبد الأَحد ت سنة (712 هـ) .
5- عبد اللطيف بن عبد الغني، وله: جويرية، وتكنى: أم خلف، زين النساء.
ففي هذه الدوحة خمسة عشر نفساً من آل تيمية.
الجميع تسعة وعشرون عَلَماً من آل تيمية الحنابلة.
- وقد وَجَدْتُ أَثَارَةً مِنْ عِلْم تَدُلّ على وجوْدٍ لآل تيمية حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري في بيت: آل عبد الباقي، ويُقال: بيت ابن بدر واشتهروا ببيت المواهبي، ويُقال: ابن المواهبي، وابن فقيه فِصَّة- وفِصَّة: قرية ببعلبك قرب دمشق، كان جده خطيباً لها-، وذلك في ترجمة: عبد الباقي بن عبد الباقي الحنبلي ت سنة (1071 هـ) كما في: كتاب ابنه محمد ت سنة (1126 هـ) : " مشيخة أَبي المواهب الحنبلي ": (ص/ 32- 33) . وفي: " النعت الأَكمل " للغزي الشافعي، المتوفى سنة (1207 اهـ) في ترجمة عبد الباقي المذكور (ص: 223- 224) قال- رحمه الله تعالى-:
" ورأيت على هوامش بعض الكتب للجد الشيخ إبراهيم: ملكه
(1/535)

الفقير إبراهيم بن تيمية ولم أَدرِ غير ذلك، ولم يعهد لنا جَدٌّ إِلاَّ وهو حنبلي " انتهى.
وفي مقدمة تحقيق المشيخة المذكورة مُشَجَّرٌ لنسب بني المواهبي، ذكر منهم خمسة عشر نفسًا آخرهم كان حيّا حتى 1212هـ وهو محمد بن محمد بن عبد الجليل بن محمد أَبو المواهب بن عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي ابن إبراهيم- المعروف بابن تيمية- بن عمر بن محمد، الحنبلي.
* فائدة:
محمد بن خالد بن إبراهيم الحراني ت سنة (717 هـ) هو أَخ من الأم لشيخ الإسلام أَحمد بن تيمية، كما في ترجمته.
وأَخوه لأُمه أيضا: الِإمام بدر الدِّين أَبو القاسم محمد بن قاسم الحراني.
- بنو قيم الجوزية: وقد ذكرتهم بالتفصيل في كتاب: " ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره وموارده ": (ص/ 37- 40) مما أَغنى عن إِعادته هنا.
- ابن رجب: عبد الرحمن بن أَحمد ت في شهر رجب " سنة (795 هـ) بدمشق ووالده، وكانت الشهرة قبل باسم: ابن النقيب (1) .
__________
(1) ويقع في هذا بعض الوهم، فيظَن أن ابن النقيب غير ابن رجب زين الدٌين عبد الرحمن ابن أحمد، وإنما هما شهرتان لمشتهر واحد، إحداهما سابقة، وأخراهما لاحقة. وممن اختلط عليه هذا: صاحب كشف الظنون في: طبقات الحنابلة: 2/ 1097.
(1/536)

وهو زين الدين أَبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب ابن الحسن بن محمد بن مسعود السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، المولود سنة (746 هـ) ببغداد، والمتوفى في شهر رجب سنة (795 هـ) بدمشق.
عُرِفَ بالعلم من هذه الأسرة: " رجب " حضر درسه حفيده عبد الرحمن ببغداد وهو دون السابعة من عمره.
وكان والده أَحمد من العلماء، وهو الذي رحل بأَولاده من بغداد إلى الشام سنة (744 هـ) ، وفي هذه السنة مات أَحمد ودُفِنَ بدمشق فانظر إلى هذا الحبر الحفيد: " عبد الرحمن " كيف كان إِمامًا يَعْدِل القبيل، والجَم الغفير - رحمة الله على الجميع.
وكان من خبره- رحمه الله تعالى- أنه كان يُفتي باختيارات ابن تيمية فنقم عليه معاصروه، فرجع عنها، فنقم عليه التيميون، فَهَجَرَ هؤلاء وهؤلاء، وترك الِإفتاء.
وكان من خبره: انصرافه عن الدنيا، وانقطاعه للعلم والعبادة، منجمعًا عن الناس، وقد روى عنه شهاب الدين ابن زيد: " أن زوجته مَرَّةً دخلت الحَمَّام، وَتَزَيَّنَت ثم جاءته، فلم يلتفت إليها، فقالت: ما يريد الواحد منكم إلا من يتركه مثل الكلب، وقامت وخَلَّته انتهى من " الجوهر المنضَّد ".
(1/537)

* آل مفلح:
بيت بلغ في عقبه العلمُ مبلغاً، فصار منهم قضاة، ومفاتي ومدرسون، ومؤلفون، ومجتهدون، نَعِمَتْ بهم بلاد الشام، وانتفع بهم أهل الإسلام.
وقد وَهِمَ من نسبهم إلى الأَنصار، كما نبه على ذلك ابن حميد في " السحب الوابلة " في ترجمة: عبد اللطيف بن أَحمد المفلحي جدهم الأَعلى إِمام الحنابلة في زمانه: شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد بن مفلح بن مفرج الراميني- نسبة إلى رامين، من وادي الشعير من عمل نابلس- ثم الصالحي الحنبلي، المولود سنة (710 هـ) وتوفي سنة (763 هـ) ودُفِن بسفح قاسيون بصالحية دمشق قرب الشيخ الموفق ابن قدامة.
يكفيه فَخْراً تتلمذه على شيخ الإسلام أَحمد بن تيمية ت سنة (728 هـ) وكان قرينه في الطلب ابن قيم الجوزية- مع جلالة قدره- يراجعه في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية.
إلى هذا الِإمام ينتسب آل مفلح فهم من ذريته، وتفرعوا عنه بُطُوْناً، وقد تزوج بنت القاضي جمال الدين يوسف بن محمد المرداوي الحنبلي ت سنة (769 هـ) .
قيل: " تزوج ابنته "، وناب عنه في حكمه
(1/538)

وُلدَ له سبعة، منهم أَربعة أَبناء هم: عبد الرحمن، والبرهان إبراهيم، وأَحمد، وعبد الله، أَنجب منهم: إبراهيم، وعبد الله، وإبراهيم برهان الدين بن شمس الدين محمد ت سنة (803 هـ) له ابنان: أَبو بكر وعمر، وعمر هو أَول قاضٍ حنبلي ولي قضاء غزة ت سنة (872 هـ) .
وأَما عبد الله بن شمس الدين بن محمد ت سنة (834 هـ) شيخ الحنابلة في زمانه بالشام، فمن أَولاده: محمد أَكمل الدين ت سنة (856 هـ) ، وله: برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن شمس الدين محمد ت سنة (884 هـ) صاحب كتاب " المبدع في شرح المقنع " و " المقصد الأَرشد ... " فَسَمِيُّهُ برهان الدين الشمس محمد، هو عَمُّ والده شقيق عبد الله بن الشمس محمد.
وقد تسلسل العلم في أَحفادهم إلى القرن العاشر كما يعلم ذكرهم بالتفصيل في مقدمة تحقيق: " المقصد الأَرشد " (1/12-17) . وقد اشتهر بعض نسلهم باسم: " الوفائي " وانظر الترجمة رقم/56 من: " السحب الوابلة ": أَحمد بن أَبي الوفاء كما يُقال في نسب بعضهم: " المفلحي ".
- آل مفلح، ويُقال: آل سعد الأنصار:
بيت علم من الحنابلة المقادسة لا يتصلون بنسب آل مفلح الرامينيين المتقدم ذكرهم.
(1/539)

من هؤلاء: أَحمد بن محمد بن سعد بن عبد الله بن سعد ابن مفلح ت سنة (700 هـ) وغيره، تراجمهم في: " المقصد الأَرشد " و " السحب الوابلة " لابن حميد، ونبَّه على ذلك، وعنه الشيخ عبد الرحمن ابن عثيمين في مقدمة تحقيق: " المقصد الأَرشد ": (1/17- 18)
- اليونيني البعلبكي: محمد بن أحمد ت سنة (658 هـ) ببعلبك، وابنه: علي ت سنة (701 هـ) ببعلبك أيضا.
- ابن نصر البعلي: عبد الرحمن بن يوسف بن نصر البعلي ت سنة (688 هـ) وابنه: محمد ت سنة (699 هـ) بدمشق، وحفيده: عبد الرحمن بن محمد ت سنة (732 هـ) بدمشق.
- بنو عبد الولي: أخوان شاميان هما:
محمد بن عبد الولي، وُلدَ سنة (644 هـ) ، وابنه: أحمد ت سنة (728 هـ) وعلي بن عبد الولي، له: محمود بن علي ت سنة (744 هـ) ببعلبك.
- بنو نعمة: الحنابلة، الهاشميون، الجعفريون نسباً، المقادسة وطناً.
بيت كبير من بيوت الحنابلة في: القدس، عرفوا بذلك ثم بلقب: بيت ابن عبد القادر ثم بلقب: دار هاشم، وكانت نقابة الأشراف فيهم.
جدهم: هاشم النابلسي المعمر له نسل، وأحفاد، ترجم ابن
(1/540)

حُميد لعدد منهم.
- محمد بن عبد القادر بن عثمان ت سنة (797 هـ) بنابلس، وابنه: عبد القادر ت سنة (793 هـ) وابن هذا: محمد ت سنة (886 هـ) وغيرهم.
وقد تحول جُلُّ هذا البيت بَعْدُ إلى المذهب الحنفي لمقاصد الله أَعلم بها، كما في: " السحب " في ترجمة: محمد بن عبد القادر الحفيد.
- بنو بردس: الحنابلة، البعلبكيون، ويعرفون أيضا ببني رسلان، فيهم: محمد بن إسماعيل بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان ت سنة (832 هـ) وهو القائل في الإجازة:
أَجزت (1) للِإخوان ما قد سألوا ... مَدَّ لهم رب العلا في الأَثر
وذاك بالشرط (2) الذي قرره ... أَئمة النقل رواة الأَثر
- بنو عبادة: الحرانيون، ثم الدماشقة، الصالحيون.
جدهم: القاضي بدمشق محمد بن محمد بن عبادة ابن
__________
(1) جاء ابن رسلان- رحمه الله تعالى- بتعدية أجزت له باللام، على الأصل عند أهل اللسان، ويجوز " أجزته " ولذا قال: أحمد بونافع الفاسي ت سنة (1260 هـ) :
أجزته ابن فارس قد نقله ... وإنما المعروف أجزتُ له
(2) الشرط هو: إخلاص النية لله - تعالى- مع الضبط والإتقان.
قال أحمد المذكور:
أجزت لكم باللفظ عني وبالخط ... على شرط أن ترووه بالضبط والنقط
انظر فهرس الفتاوى: 1/ 124
(1/541)

عبد الغني الحراني ثم الدمشقي، الصالحي ت سنة (820 هـ) .
كان يتداول القضاء بدمشق هو وعز الدِّين ناظم المفردات.
له حفيد هو: القاضي أَحمد بن عبد الكريم بن محمد ابن محمد ت سنة (891 هـ) .
تحنف عبد الكريم، وتشفع أَخوه الأَمين، كما في: " السحب الوابلة ".
- بنو زهرة: الحنابلة، الحمصيون، كانوا شافعية فتحول جدهم: محمد بن خالد بن موسى الحمصي: حنبلياً ت سنة (829 هـ) . وهو أَول حنبلي قضى في حمص ثم ابنه محمد بن محمد ت سنة (855 هـ) .
وله ابن أيضا اسمه: عبد الرحمن بن محمد بن خالد.
والحفيد: أَحمد بن محمد بن محمد بن خالد وكلهم يعرف بابن زهرة
- آل الشطي: الحنابلة البغاددة ثم الدماشقة. ينتهي نسبهم إلى معروف الكرخي- رحم الله الجميع-.
وهم ثلاثة إخوة: عمر ومحمود، وخضر، أبناء: معروف ابن عبد الله بن مصطفى بن الشطي البغدادي، قدم الثلاثة تجاراً إلى دمشق الشام حوالي عام 1180 هـ. وعن هؤلا الثلاثة تفرعت ثلاث
(1/542)

أسر حنبلية في دمشق واشتهروا بها وكانت لم الفتيا وإمامة الجامع الأموي، ولهم مقبرة في سفح قاسيون اشتهرت باسم: " مقبرة آل الشطي "، دفن فيها أكثرهم. وهذه تسمية أعلامهم مستخرجة من " روض البشر في أعيان دمشق في القرن الثالث عشر و " تراجم أعيان دمشق في النصف الأول للقرن الرابع عشر الهجري " كلاهما لحفيد هذا البيت مفتي الحنابلة بدمشق: محمد جميل بن عمر بن محمد ابن حسن بن عمر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي الحنبلي ت سنة (1379 هـ) .
وتسمية أعلامهم على بطونهم الثلاثة:
1- آل عمر الشطي: عمر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي ولد له: حسن سنة (1205هـ) وتوفي بدمشق سنة (1274 هـ) وهو صاحب الحاشية على: " مطالب أولي النهى ... " واسمها: " مِنحة مولي الفتح ... " طبعت بهامشه.
لحسن هذا ولدان هما:
محمد، المتوفى سنة (1307 هـ) صاحب المؤلفات المشهورة وخلف أربعة أبناء هم: معروف ت سنة (1317 هـ) ومحمد مراد أفندي ت سنة (1314 هـ) وهو صاحب: " طبقات الحنابلة " والقاضي حسين وعمر ت سنة (1337 هـ) .
ولعمر المذكور ابن اسمه: محمد جميل ت (1379 هـ)
(1/543)

صاحب: " روض البشر ".
الولد الثاني: المفتي: أحمد بن حسن بن عمر بن معروف ابن عبد الله بن مصطفى الشطي ت سنة (1316 هـ) خلف أربعة أبناء، هم: سعيد ت سنة (1315 هـ) . ومصطفى ت سنة (1348 هـ) وطاهر، وعبد اللطيف.
2- البطن الثاني: آل محمود الشطي: محمود بن معروف ابن عبد الله بن مصطفى الشطي، له ابن اسمه: مصطفى ت سنة (1299 هـ) وولد لمصطفى: عبد الرحمن، ولعبد الرحمن: عبد السلام ابن عبد الرحمن بن مصطفى بن محمود، به.
3- البطن الثالث: آل خضر الشطي خضر بن معروف ابن عبد الله بن مصطفى الشطي له: عبد اللطيف بن خضر بن معروف ت سنة (1252 هـ) .
* في مصر:
- آل نصر الله: بيتان، حنبليان، مصريان، اشتهرا في العلم وولاية القضاء، والتدريس في الديار المصرية، متعاصران في القرن الثامن الهجري، متفقان باسم الجد: نصر الله بن أَحمد بن محمد. مفترقان أصلًا وفرعًا على ما يلي:
1- بنو نصر الله: الحنابلة، الكنانيون نسباً، الحجاويون، النابلسيون ثم العسقلانيون، ثم المصريون
(1/544)

المشهورون بالقضاء الحنبلي في مصر.
جدهم: القاضي بمصر نصر الله بن أحمد بن محمد بن أَبي الفتح بن هاشم ابن البرهان إبراهيم بن ناصر الدِّين الكناني العسقلاني، الحجاوي الأصل، ثم القاهري، الحنبلي، وُلدَ سنة (718 هـ) وتوفي سنة (795 هـ) .
اشتهر له ابنان:
اشتهر له ابنه: أحمد بن نصر الله بن أحمد ابن أبي الفتح الكناني العسقلاني ثم القاهري، القاضي بمصر ت سنة (803 هـ) . وقد توافق أحمد هذا في الاسم، واسم الأَب، واسم الجد، والمنصب، والسكنى، وافترق في اللقب، وأَصل البلد، كما في: " السحب الوابلة " مع: أَحمد بن نصر الله بن أَحمد بن محمد بن عمر بن أَحمد المحب التستري، البغدادي، القاهري.
واشتهر له ابنه: القاضي ناصر الدين: إبراهيم بن نصر الله ت سنة (802 هـ) .
واشتهر حفيده: القاضي عز الدين أَبو البركات: أَحمد ابن إبراهيم بن نصر الله ت سنة (876 هـ) .
وله بيت في لغات الأنملة، والأصبع وهو:
وهمز أنملة ثلِّث وثَالِثهُ ... والتسع في أصبع واختم بأصبوع
(1/545)

2- بنو المحب: ابن نصر الله، ويقال بنو نصر الله المحب: الحنابلة، التستريون، ثم البغاددة، ثم المصريون.
جدهم: جلال الدّين أَبو الفتح: نصر الله بن أَحمد بن محمد ابن عمر الكناني، التستري، البغدادي، نزيل القاهرة. وُلدَ سنة (733 هـ) وتوفي سنة (812 هـ) .
اشتهر بمصر وولي فيها التدريس، وأَنجب ثلاثة بنين، هم:
1- أَشهرهم: القاضي المحب أبو الفضل: أَحمد بن نصر الله، المولود ببغداد سنة (765 هـ) والمتوفى بمصر سنة (844 هـ) وهو شيخ: عز الدين القاضي أَحمد بن إبراهيم الكناني ابن نصرالله، المتقدم.
له ولدان: محمد ت سنة (831 هـ) ، ويوسف ت سنة (889 هـ) .
2- وأَخوه: عبد الرحمن بن نصرالله، وُلدَ سنة (771 هـ) وتوفي سنة (840 هـ) .
3- وأَخوه: فضل بن نصر الله ت سنة (828 هـ) وله: عثمان ابن فضل ت سنة (894 هـ) .
- بنو نعمة، أو بنو شبيب، المصريون: منهم: أبو حفص عمر ابن نعمة بن يوسف بن سيف بن عساكر بن عسكر بن شبيب
(1/546)

المقدسي ثم المصري ت قبل سنة (600 هـ) .
وولداه: مكي بن عمر ت سنة (634 هـ) بمصر، وإسماعيل ابن عمرت سنة (606 هـ) بمصر.
وهؤلا غير بني نعمة المقادسة، أولئك من آل سرور.
- الحارثي البغدادي ثم المصري: مسعود بن أحمد ت سنة (711 هـ) بمصر، وكان رئيس القضاة فيها، وابنه: عبد الرحمن ت سنة (732 هـ) بمصر.
- القباني المصري: عبد الرحمن بن حسين ت سنة (734 هـ) ، وابنه عمر، في القدس.
* الحنابلة في بلاد العجم:
مروذ، وآمد، وآمل، وأَصبهان، وهِراة، وهمذان.
معلوم أَن آل الِإمام أَحمد- رحمه الله- مَرَاوِذَةٌ نزحوا من: " مَرُّوذ " إلى بغداد، وكان أَحمد حَمْلًا، لم يولد إِلاَّ في " بغداد ".
فمن " آمد " أَبو الحسن: علي بن محمد البغدادي، المعروف بالآمدي ت سنة (476 هـ) بآمد، وهو من تلاميذ القاضي أبي يعلى وأبو الحسن محمد بن أحمد بن الغازي البدليسي، وأبوالحسن: علي بن محمد البغوي، المعروف بابن النجار توفي بآمد سنة (609 هـ) .
(1/547)

ومن: " آمل ": علي بن أَبي القاسم الطبري أَبو الحسن ت سنة (528 هـ) .
ومن: " أصبهان ": محمود بن الحسين ابن أبي المرجا الأصبهاني، الطلحي توفي بأَصبهان سنة (548 هـ) .
وأبو سعيد: محمد بن حامد المعروف بلقب: " سرمس ". توفي بها سنة (566 هـ) .
وابن الحمامي: محمد بن أَحمد الأَصبهاني. توفي بها سنة وإسماعيل بن أَبي سعد، المتوفي بأصبهان سنة (591 هـ) ، وحامد بن محمد الصفار المتوفى بأصبهان بعد سنة (588 هـ) ، ومحمد بن عبد الملك الأصبهاني. توفي بها سنة (595 هـ) .
وعبد الله بن أبي الحسن الجبائي الطرابلسي ثم الأَصبهاني. المتوفى بها سنة (605 هـ) .
ومحمد بن مكي الأَصبهاني، المتوفى بها سنة (610 هـ) .
- بنو منده الأصبهانيون: بيت الحنابلة المحدثون، بدئ بيحيى ابن منده العبدي الأصبهاني، وختم بيحيى حفيده الخامس، المتوفى سنة (512 هـ) : المحدث، بن المحدث، بن المحدث، بن المحدث، ابن المحدث بن المحدث: أبو زكريا، يحيى بن عبد الوهاب ابن
(1/548)

محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني، فهؤلاء ستة على نسق.
ولعبد الوهاب أخ اسمه: عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ت سنة (470 هـ) .
وللحافظ الذهبي- رحمه الله تعالى- كتاب: " معرفة آل منده ".
ومن " هِرَاة ": شيخ الإسلام الهروي أَبو إسماعيل عبد الله ابن محمد الأَنصاري توفي بها سنة (481 هـ) وهو القائل:
أَنا حنبلي ما حييت فإن أَمت ... فوصيتي ذاكم إلى إِخواني
ويقول أيضا:
" مذهب أَحمد أَحْمَدُ مذهبٍ "
وله أَبناء، منهم جابر وعبد الهادي الذي قتلته الباطنية بعد سنة (490 هـ) ولم أَقف على سبب تكنيته بأَبي إسماعيل، هل كان له ولد اسمه: إسماعيل، أَم لا؟
وللباطنية، والرافضة، أَفاعيل في أهل السنة، فمنها في الحنابلة أيضا:
أَن حبيبًا بن الحسن القزاز ت سنة (359 هـ) لما دفن في بغداد، أخرجه قوم من الرافضة من قبره ليلاً، وسلبوه كفنه إلى أن أَعاد له ابنه كفناً، وأعاد دفنه.
ولهذا، كان أَبو حفص العكبري: عمر بن محمد ت سنة
(1/549)

(339 هـ) : لا يكلم من يكلم رافضيا إلى عشرة أَيام.
ومحمد بن عبد الله الِإشكيذياني، الهروي، ثم المكي، إِمام الحنابلة بحطيم الحرم توفي سنة (590 هـ) .
ومن: " همذان ": حمد بن نصر الهمذاني، المتوفى بها سنة (512 هـ) ، والحسين بن الهمذاني، المتوفى بها في القرن السادس. هؤلاء بعض علماء الحنابلة من بلاد العجم الذين ترجمهم ابن رجب في: " الذيل " وهم أَفراد، لا أَعرف فيها بيوتات تتابع العلماء في المذهب الحنبلي منهم، سوى: ذرية أَبي إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد، " بيت الجيلاني " من ذرية الشيخ: عبد القادر، وتحولوا إلى بغداد والله أعلم.
- في جزيرة العرب: وفي نجد خاصة كلهم حنابلة، وهذه بعض بيوتاتهم في الجزيرة العربية:
* في مكة - حرسها الله تعالى -:
- آل ظهيرة: الحنابلة، اليمنيون، الزبيديون، ثم المكيون، القرشيون نسباً.
كانوا شافعية فتحول بعضهم حنابلة، ذكر بعضهم ابن حميد، منهم: عبد الكريم بن عبد الرحمن ت سنة (899 هـ) وأبوه، وابنه يحيى، وأمه: زُبيدة وترجم ابن حميد في السحب لنحو عشرين علمًا من الحنابلة بمكة من بيوتات مختلفة، منهم: ابن أَبي الخير
(1/550)

أَبو بكر بن محمد الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (930 هـ) كان قد ولي رئاسة المؤذنين بمكة قبل تحوله حنبلياً، وكان موصوفاً بحسن صوته، وطراوته
وأَما في المدينة فلا يتجاوزون خمسة أَعلام مفاريد. والله أعلم.
وفي إِقليم نجد: جُل علماء الحنابلة، وعامتهم من القبائل العربية الضاربة فيها من أَجذامها: عدنان، وقحطان، وقضاعة. وعلماؤها من حاضرتها من قبائل: تميم العدنانية، وبني زيد القضاعية، وعنزة العدنانية، وبني خالد، وعائذ القحطانية، وبني سبيع من بني ثور عبد مناة العدنانية، وغيرها، ففي كل قبيلة علماء أفاضل، وسادة في العلم أماثل. كما يوجد في بيوتات لا تنتسب إلى قبيلة عربية، أفراد علا كعبهم في العلم، وصار لهم في القضاء والتدريس كبير شأن، فإلى طَرفٍ منهم:
- آل ذهلان: الحنابلة، الخالديون، وقيل: الحنيفيون، من بلدة " مقرن "، شمال غرب الرياض، وفي وسطها الآن.
جدهم: محمد بن ذهلان الخالدي، وقيل: الزعبي، ولد له الفقيهان: عبد الرحمن، والقاضي عبد الله، تُوفيا في وباء سنة (1099 هـ) .
ولعبد الله: ابن اسمه ذهلان، كان فقيهًا قاضياً للرياض، ولذهلان ابن اسمه: أَحمد، كان فقيهاً، ولأحمد ابن اسمه: عبد العزيز
(1/551)

كان مفتيا وقاضيا للرياض ت سنة (1169هـ) .
* من بني تميم:
لا أَعرف قبيلة حاضرة من قبائل العرب في قلب نجد، كثر منها العلماء، مثل " قبيلة بني تميم " ولا أَعرف بلدا خرج منها العلماء في قلب نجد، مثل: " أشيقر " من عمل: " الوشم ". وذلك خلال القرون بعد القرن العاشر الهجري، وجُلُّهم من " الوهبة " وهم فخذان: آل محمد، وآل زاخر
وقد تتبعتهم من كتاب: " علماء نجد خلال ستة قرون " لابن بسام، فتحصل نحو عشرين ومائة عالم من " الوهبة من تميم " وِإليك البيان لهم:
من آل مشرف من المعاضيد من الوهبة من تميم:
- آل مشرف: في أشيقر وقد عَدَّ منهم سبعة عشر عالمًا: 1/109،110،193،198، 222، 2/443،458، 492، 523،525،592، 3/671، 836، 842، 893، 943،965.
منهم في 2/ 443 عبد العزيز بن قاضي بلدة " مَرَات " - مِن عَملِ الوَشم- حمد بن إبراهيم بن مشرف، أمه ابنة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب.
وبعد وفاة زوجها الشيخ حمد المذكور تزوجها الشيخ محمد ابن علي بن غريب
(1/552)

وفيهم أجداد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأعمامه، وبنوهم، جمعيهم مشهورون بفخذهم الذي ينتمون إليه: " آل مشرف) ، ونسبة الواحد منهم: " المشرفي ".
- ومن آل مشرف: آل الشيخ: الحنابلة، المشرفيون، الوهيبيون، التميميون، النجديون، في بلدة: أشيقر من عمل: الوشم، ثم: العيينة من قرى العارض، ثم حريملاء، ثم الدرعية، ثم الرياض.
جدهم: سليمان بن علي المشرفي، الوهيبي التميمي (1) ، الأُشيقري، أَول من نزح منها من أسرَتهِ إلى العيينة ت سنة (1579هـ) .
__________
(1) تنبيه: لا يختلف النسابون أَن آل الشيخ من صميم العرب وأنهم من المشارفة من المعاضيد، من الوهبة من تميم وقد غلط وخلط في نسبهم رجلان: أحدهما الشيخ عثمان بن منصور إذ نقل عنه أَن الوهبة من بني عدي أَحد بطون الرَّباب، فرد عليه علماء الوهبة، وأَنهم من وهيب بن قاسم- إلى مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم بن مرة، لا يختلف النسابون في ذلك، كما في كلام الشيخ ابن عيسى في كتاب: " علماء نجد: 3/668 لابن بسام.
الثاني: محقق كتاب: " تاريخ عسير " لِإبراهيم بن علي الحفظي، فإن المؤلف الحفظي لما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- قال محققه معلقًا عليه ناسبًا له إلى " قضاعة ": محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف من آل وهيب بن مجفل، ووهيب بطن من بني وهب بن رفيدة بن عامر بن عمرو القضاعي، وكانت بطون من بني وهب قد دخلت نجدًا دعمًا لعبد الله بن علي العيوني المري النهدي في العمل ضد القرامطة والقضاء عليهم، كما وُجه قسم من بني وهب إلى عمان مع القبائل التي اشتركت في إجلاء القرامطة عن عمان؛ غير أن بعض بني وهيب دخلوا في بني ضبة من تميم، وفي بعض الروايات في بني حنظلة التميميين. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أبرز علماء نجد، وكان كثير التجوال في طلب العلم ومعرفة الناس وما هم عليه، ثم استقر في بلدة حريملاء من قرى العشيب باليمامة " انتهى =
(1/553)

له: ثلاثة أَبناء هم: إبراهيم، وأًحمد، وعبد الوهاب، وأمهم: فاطمة بنت أَحمد بن محمد بن بسام، تزوجها بعد سنة (1015 هـ) . فإبراهيم قاضي أشيقر ت سنة (1141 هـ) وَخَلَّفَ ابنه: عبد الرحمن بن إبراهيم ت سنة (1206هـ) بالدرعية، ثم درج ولم يعقب.
وأَما أَحمد فلم أَجِد له خبرًا.
وأَما عبد الوهاب ت سنة (1153 هـ) فولد له: محمد وسليمان، وأمهما بنت الشيخ محمد بن عزاز المشرفي المعضادي الوهيبي التميمي الأشيقري، والد الشيخ سيف بن محمد بن عزاز الأَشيقري المتوفى سنة 1129 هـ. أما سليمان فولد له: عبد الله وعبد العزيز وخَلَّفَ عبد العزيز ابنه محمداً، ثم درج عقبه ولم يعقب، هكذا قال بعض مترجميه ولكن الصحيح أَنَّه عقب أسراً مشهورة في نجد، منهم: آل عبد الوهاب في حريملاء، والوشم، والفياض، منهم الفقيه الشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض، المتوفى بالرياض في يوم الثلاثاء 21/ 11/ 1416 هـ وصُلِّي عليه من الغد - رحمه الله تعالى- ومنهم: آل جار الله، وغيرهم.
__________
= ثم وجدت في كتاب: (من أنساب العرب في أعالي الفُرات) لمؤلفه: خاشع المعاضيد، العراقي، الذي تكلم فيه عن نسبة المعاضيد من أسلَم من شَمر صفحة 354، ذكر أن آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنهم آل علي في الرياض هم من المعاضيد من أسلم من شمر وهذه جهالة واضحة لا يعول عليها.
(1/554)

وأَما محمد: فهو العَلم المشهور والإمام المبرور الذي قام مع من شاء الله من إِخوانه من علماء نجد، بالدعوة إلى التوحيد وإحياء ما اندرس من معالم الدين.
وللشيخ محمد بن عبد الوهاب: ستة أَبناء وابنة واحدة، هم: علي، وعبد الله، وحسين، وحسن، وعبد العزيز وإبراهيم، وفاطمة، انقطع منهم عبد العزيز وإبراهيم، وفاطمة، والأربعة الباقون عقبوا، ومن نسلهم آل الشيخ، الموجودون الآن، وقد توارثوا العلم، ومناصب القضاء، والفتيا، والحسبة، والذين في كتب التراجم منهم من العلماء من ذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحو عشرين عالمًا خلال قرنين من الزمان: الثالث عشر والرابع عشر والله أعلم.
- ومن آل مشرف:
" العزاز " في أشيقر سيف بن محمد بن عزاز توفي بها سنة (1129 هـ) وهو خال الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
المغامس: في أشيقر علي بن عمر المغامس ت سنة (1050 هـ) .
العيدان: في حريملاء: حسن بن عبد الله بن عيدان ت سنة (1202 هـ) .
الفاخري: في التويم ثم حرمة: محمد بن عمر الفاخري ت
(1/555)

سنة (1277 هـ) .
النشوان: في الفرعة: علي بن عبد الله بن نشوان ت سنة (1231 هـ) .
الشارخي: في الفرعة: عبد المحسن بن علي الشارخي ت سنة (1187 هـ) في الزبير.
الوهيبي: عبد الله بن أحمد الوهيبي ت سنة (1263 هـ) في الأحساء وكان قبل في الدرعية.
- ومن آل بسام من بني عقبة من الوهبة من تميم:
البسام: في أشيقر، ثم عنيزة عَدَّ منهم ابن بَسَّام في كتابه: " علماء نجد " ثلاثة عشر نفسًا في:1/173، 186 وفيه فَصَّل نسبهم، 215، 2/ 341، 358،381،411، 467، 594،613، 616، 3/725، 802.
- آل بسام: الحنابلة، التميميون، النجديون في بلدة أشيقر، ثم انتقلوا إلى عنيزة قاعدة القصيم.
ترجم ابن بسام في كتاب: " علماء نجد خلال ستة قرون " لأَربعة عشر مترجمًا منهم.
وأشار في حاشية ترجمة الشيخ أحمد بن محمد بن بسام الوهيبي التميمي، المتوفى سنة (1040 هـ) تقريباً: أَنه هو جد آل
(1/556)

بسام الذين نزحوا إلى عنيزة.
وابنة أَحمد هذا اسمها: " فاطمة " هي زوجة: الشيخ سليمان ابن علي بن مشرف الوهيبي التميمي، المتوفى سنة (1079 هـ) فولدت له: الشيخ عبد الوهاب، المتوفى سنة (1153 هـ) وتزوج عبد الوهاب: ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي من عشيرته فولدت له: الِإمام محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة (1206 هـ) رحم الله الجميع.
القاضي: في أشيقر ثم عنيزة: عَدَّ منهم خمسة في: 2/367، 417، 629، 3/ 687، 791.
اليوسفي: في أشيقر ثم عنيزة، ثم عيون الجواء: 3/716.
العتيق: في أشيقر عبد الرحمن بن عتيق، توفي بعد سنة (956 هـ) .
الصُّقَيْه: في أشيقر، ثم القصيم: 2/559
الفيروز: في أشيقر ثم الأحساء عَدَّ منهم أربعة في: 2/ 627، 3/ 676، 882،894.
- وَمِنْ آل راجح بن عساكر بن بسام من بني زاخر من الوهبة من تميم:
آل سيف: منهم إبراهيم بن أحمد بن يوسف، المتوفى بعد
(1/557)

سنة (1187هـ) .
الغملاس: إبراهيم بن غملاس ت في الزبير سنة (1293 هـ) .
العتيق: في أشيقر إبراهيم بن محمد بن عتيق توفي بها سنة (1283 هـ)
الشبل في عنيزة: منهم ثلاثة علماء: 2/ 493، 557، 843.
البجادي: في أشيقر أحمد بن محمد البجادي، ت سنة (1078 هـ) في بلده
* ومن آل شبرمة من بني محمد من الوهبة من تميم:
المانع: في أشيقر، ثم شقراء، وعنيزة عَدَّ منهم ثمانية في: 1/182، 2/419، 487، 634، 3/ 827، 887، 890، 928.
أبا حسين: في أشيقر 1/217، 2/398.
* ومن النواصر من بني عمرو بن تميم:
الحصين: في شقراء: الشيخان القاضيان بالوشم الأخوان: عبد العزيز، المتوفى سنة (1237 هـ) لم يعقب، ومحمد، ابنا عبد الله ابن محمد الحصين، وآل الحصين الآن هم من ذريته.
العضيب: في سدير عبد الله بن أحمد بن عضيب ت سنة
(1/558)

العطوة: في العيينة، ثم الجبيلة، توفي بها سنة (948 هـ) : الشيخ: أحمد بن يحيى بن عطوة.
ابن منصور في الفرعة، ثم البصرة، ثم سدير عثمان ابن عبد العزيز بن منصور ت سنة (1282 هـ) .
الدخيل: في الفرعة، ثم المجمعة: عبد الله بن محمد بن دخيل ت سنة (1324 هـ) بالمذنب من القصيم.
* ومن بني المنقر من بني سعد بن زيد مناة من تميم:
المعمر: الشيخ حمد بن ناصر بن معمر المنقري- العنقري- التميمي من ثرمداء، ثم الدرعية.
المنقور الشيخ أحمد بن محمد المنقور ت سنة (1125 هـ) .
في سدير وابنه: إبراهيم، توفي بها سنة (1175 هـ) .
العنقري: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ت سنة (1373 هـ) من ثرمداء بالوشم.
* من آل محمد من الوهبة من تميم:
الشبانة: في أشيقر ثم المجمعه: 1/180، 224، 2/382، 391، 3/706.
العبد الجبار: في أشيقر ثم المجمعة: 1/ 225، 2/483، 690.
(1/559)

القصير: في أشيقر 1/167، 3/793، 930.
الرواف: في بريدة: عبد الله بن أحمد الرواف. ت سنة (1359 هـ) مقتولا في جعلان من سلطنة عمان.
السويكت: في أشيقر محمد بن عبد الله السويكت: 3/ 871.
ومن الوهبة من تميم:
السلوم: في الزبير 2/ 433، 498، 3/909.
الوهيبي: في أشيقر 1/210، 252.
التميمي: أشيقر، ثم حريملاء: مربد بن أحمد التميمي ت سنة (1171 هـ) مقتولًا في " رغبة " قرب حريملاء
المويسي: في حَرْمة: عبد الله بن عيسى المويسي ت سنة (1175 هـ)
* ومن العزاعيز من بني تميم:
العدوان: في أثيثية، ثم حريملاء: 2/ 396، 473.
* ومن بني تميم:
السعدي: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ت بعنيزة سنة (1376 هـ) .
الهديبي: الزبيري ثم المدني: محمد بن حمد الهديبي ت سنة (1261 هـ) في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/560)

- بنو زيد: الحنابلة، القضاعيون نسبا، النجديون، قاعدتهم شقراء عاصمة الوشم.
جدهم الأعلى: زيد بن حيان، وعنه انتشروا في حاضرة نجد، وصار منهم علماء، وقضاة، ومفتون، وأَئمة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف.
وهم أَفخاذ، وبيوتات.
فمن بيوتاتهم في العلم:
* آل غيهب: من بني زيد، وفيهم علماء: قضاة، ومفاتي، ومؤرخون، ونسابون، وأَئمة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف
منهم:
الفقيه مفتي الوشم في زمانه: سليمان بن عبد الرحمن الغيهب ت سنة (1321 هـ) .
ومن ذريته: فضيلة عضو مجلس القضاء الأعلى بالمملكة الشيخ: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن سليمان - المشهور بابن الأمير-.
والقاضي عبد الرحمن بن علي بن عودان ت سنة (1374 هـ) والفقيه القاضي: عبد العزيز بن عبد الله بن سبيل ت سنة
(1/561)

(1413 هـ) .
والفقيه عضو مجلس القضاء الأعلى ثم المستشار الشرعي بالديوان الملكي: عمر بن عبد العزيز المترك ت سنة (1405 هـ) - رحمه الله تعالى-
ومنهم مؤلف هذا الكتاب.
في غيرهم من العلماء، وقد تولى القضاء منهم في عهد هذه الدولة- المباركة- نحو خمسين قاضيًا من هذه القبيلة القضاعية الحنبلية النجدية.
- آل عيسى: من بني زيد، وفيهم علماء: قضاة، ومؤرخون، ونسابون.
منهم: الفقيه قاضي الوشم: إبراهيم بن حمد بن عيسى ت سنة (1281 هـ) .
والفقيه قاضي سدير عثمان بن علي بن عيسى ت سنة (1285 هـ) .
والفقيه الداعية قاضي سدير وشارح النونية: أَحمد ابن إبراهيم ابن عيسى ت سنة (1329 هـ) .
والفقيه قاضي الوشم نحو أَربعين عاماً: علي بن عبد الله بن عيسى ت سنة (1331 هـ) والفقيه مؤرخ نجد النسابة: إبراهيم بن صالح بن عيسى ت سنة (1343 هـ) والفقيه اللغوي النحوي: ناصر
(1/562)

ابن سعود بن عيسى الملقب: " شويمي " ت سنة (1350 هـ) .
ومن علماء بني زيد: مؤرخ نجد على الإطلاق، الحيسوب، علاَّمة الأَنساب: عثمان بن عبد الله بن بشر ت سنة (1290 هـ) .
وثم علماء آخرون في حاضرة نجد من قبائل الأشراف، والأنصار، وبني حنيفه من عدنان، وعنزة النزارية من عدنان، وعائذ من قحطان، وآل عاصم من قحطان، وبني لام من قحطان، والفضول من قحطان، وبني خالد، وبني زُعب من سُليم، وبني هاجر، وسُبيع نسبًا وحلفًا لهم من قبائل الرباب، ويام، وشَمَّر، ومن الأزد: " الدواسر "، ومن حاضرة هوازن. في قبائل أخرى من الحواضر ومن البيوتات التي نبغ فيها- جمع من العلماء في نجد
- آل عتيق: الحنابلة مذهبًا، النجديون وطناً.
جدهم الأعلى الشيخ العلامة حمد بن علي بن حمد ابن عتيق، المتوفى سنة (1301 هـ) فآل عتيق العلماء من ذريته، منهم: الشيخ العلامة سعد بن حمد ت سنة (1349 هـ) والشيخ عبد العزيز ابن حمد ت سنة (1359 هـ) والشيخ عبد اللطيف بن حمد ت سنة (1350 هـ) والشيخ إسماعيل بن حمد ت سنة (1347 هـ) والشيخ عبد الله بن حمد ت سنة (1332 هـ) والشيخ إسحاق بن حمد ت سنة (1343 هـ) فهؤلاء ستة أبناء له، ولحقهم أحفاد عملوا في القضاء والتدريس والدعوة (1) .
__________
(1) انظر كتاب التوفيق في معرفة علماء آل عتيق. للشيخ إسماعيل بن سعد بن إسماعيل بن حمد بن عتيق.
(1/563)

- آل سليم: الحنابلة مذْهَباً، البريديون موطنا.
جدهم الأعلى: الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، المتوفى سنة (1323 هـ) واشتهر من ذريته ابناه الشيخ عبد الله، المتوفى سنة (1351 هـ) والشيخ عمر المتوفى سنة (1362 هـ) .
هذا وقد تَرى العالِمَ الواحد الذي لم يعقب بمثابة " أمَّة " في رجل "؛ لما يحصل له من بلوغ الغاية في الفقه تحقيقاً وتدقيقاً وتأليفا فينفع الله به على توالي القرون والأزمان، منهم:
شيخ المذهب في زمانه: الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) .
ومحقق المذهب وناشره: علي بن سليمان المرداوي ت سنة (885 هـ)
ومحقق المذهب: أبو النجا موسى الحجاوي ت سنة (968 هـ)
والمحقق الشيخ: مرعي الكرمي ت سنة (1033 هـ)
ومجتهد المذهب: الشيخ منصور البهوتي ت سنة (1051 هـ) . وهناك من المفاريد الأَعلام من كانت لهم شهرة فائقة في نصرة السنة، ومجاهدة المبتدعة، وفي اللغة، والنحو، والقراءة، والزهد، وهكذا، منهم: شيخ الطائفة في وقته: الحسن بن علي البربهاري ت سنة (329 هـ) كانت له مقامات عالية في نصرة السنة وقمع المبتدعة.
(1/564)

واشتهر في اللغة وعلم القراءات جماعة منهم ابن الخشاب: عبد الله بن أَحمد البغدادي ت سنة (567 هـ) وله قصص طريفة في غرامه بالكتب وجمعها حتى باع داره من أَجلها، كما في ترجمته لدى ابن رجب.
والمقرئ النحوي: عبد الله بن أَحمد البغدادي، سبط أَبي منصور الخياط ت سنة (541 هـ) .
وقد غلقت الأَسواق يوم موته.
والمقرئ الزاهد: على بن المبارك البغدادي المعروف بابن الفاعوس ت سنة (521 هـ) وغلقت أَسواق بغداد يوم وفاته.
وكان أهل بَغداد يصيحون في جنازته: هذا يوم سني حنبلي لا قشيري ولا أَشعري.
والمقرئ: ابن أَبي الجيش: عبد الصمد بن أَحمد البغدادي ت سنة (676 هـ) .
وقد أَغلقت البلد يومئذ لوفاته، وازدحم الخلق لحمله.
ويظهر أَن ذكر إِغلاق السوق يوم وفاة المذكورين ليس من باب الِإحداد، وإظهار الحزن والنياحة، وإنما هو باختيار أَصحابها؛ لحضور الجنازة للصلاة عليها وشهود دفنها، أَمَّا لَوْ أُمِرَ النَاس بِذَلِكَ، أو اعْتَادُوه لإظهار الحزن، فهو مما أحدثه الناس في النياحة المحرمة بجميع صُوَرها، وقد بينت ذلك في: " فتوى السائل في مهمات
(1/565)

المسائل " والله أعلم.
في غيرهم من المفاريد في علماء الحنابلة، الذين كادوا أن يُنسوا مَنْ قَبْلَهُمْ، وأَن لا يُدْرِكَ شَأوَهم مَنْ بَعْدَهُمْ، وفي كُلٍّ خير - رحم الله الجميع-.
وهذا باب يطول تتبعه، ويحتاج إلى كتابة مفردة مع النظر في كتب التراجم العامة، ثم تصنيفهم على البلدان، ومنها غير من تقدم في الأَحساء بيروت قطر حلب. حماه حمص وفي ديار أخرى من بلاد العجم، وهكذا.
والحمد لله رب العالمين.
(1/566)

المبحث الرابع: التحول المذهبي
أَلَّفْتُ في: التحول المذهبي، كتابًا، ذكرت فيه: " 258، نَفْسًا تحولوا من مذهب إلى آخر فقهي، أو عقدي، وبسطت له مقدمة، بينت فيها أسباب التحول، وأن للعمل الولائي أَثراً فعالًا في التحول، كالقضاء، والفُتيا، على مذهب الولاة، وأن من بين الأسباب: الرغبة المُلحة في تفضيل المذهب الذي انتقل إِليه المتمذهب، إلى غير ذلك من الأَسباب، وسواء كان هذا أو ذاك أو غيرهما، ففيه عدد من الحنابلة تحولوا إلى مذاهب أخرى، وبالعكس وهو أقل، ومنهم في الكتاب المذكور جماعة على أَنحاء مختلفة أَذكرهم هنا على سبيل الإشارة، وإلاَّ فقصص تحولهم، وحكاياتهم في ذلك، وما فيها من اللطائف في: كتاب " النظائر " وهو مطبوع.
ومما يُلْحَق به مَنْقَبَة للقاضي أَبي يعلى الكبير ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في نقل مطول عن الوزير ابن هبيرة- رحمه الله تعالى- في: " المسودة: 541 " قال: " فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين، فإنَّه لا أرى به بأسًا، حيث إن اشتغال الفقهاء بمذهب واحد، من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يُثير الخلاف معهم، ويوقع النزاع، فإنَّه " حَكَى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه
(1/567)

مذهب أَحمد، فسأله عن بلده، فأخبره، فقال له: إِن أَهل بلدك كلهم يقرأون مذهب الشافعي، فلماذا عدلت أَنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إِنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أَنت، فقال له: إِن هذا لا يصلح، فإِنك إذا كنت في بلدك على مذهب أَحمد، وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي، لم تجد أَحدًا يُعيد معك، ولا يدارسك، وكُنت خليقاً أَن تثير خصومة، وتوقع نزاعاً، بل كونك على مذهب الشافعي، حيث أهل بلدك على مذهبه أَوْلَى، وَدَلَّهُ على الشيخ أَبي إِسحاق، وذهب به إِليه، فقال: سمعًا وطاعة، أَقدمه على الفقهاء، والتفت إِليه.
وكان هذا من علمهما مَعا، وكون كل واحد منهما يُريد الآخرة ... " انتهى.
والِإشارة إليهم في أبحاث ستة:
- المبحث الأول: الذين تحولوا إلى مذهب الِإمام أَحمد:
منهم:
- القاضي أَبو يعلى، الحنفي ثم الحنبلي ت سنة (458 هـ) .
- أَبو منصور الخياط، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (449 هـ)
- أبو الوفاء ابن عقيل، الحنبلي، المعتزلي في الأصول، ثم الحنبلي ت سنة (513 هـ)
- محدِّث العراق السلامي محمد بن ناصر الشافعي ثم الحنبلي
(1/568)

ت سنه (550 هـ) .
- أَحمد بن معالي الحربي، الحنبلي ثم الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (554 هـ)
- أبو القاسم علي بن علوان بن مهاجر التكريتي الموصلي الوزير الشافعي ثم الحنبلي " القرن السابع ".
- أَحمد بن إبراهيم الواسطي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (711 هـ) .
- ابن نضلة، المالكي ثم الحنبلي ت سنة (734 هـ) .
- ابن هشام النحوي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (761 هـ) .
- عبد الله بن سعد الماسوحي، الشافعي ثم الحنبلي، ثم المجتهد ت سنة (771 هـ) .
- ابن جنكلي، الحنفي ثم الحنبلي ت بعد السبعمائة.
- عيسى بن حجاج بن عيسى بن شداد، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (807 هـ) كان يلقب " عُوَيْساً " تصغير اسمه وكان يلقب " بالعالية " لمهارته في لعبة الشطرنج.
تحول حنبليا لأجل الوظيفة في المدرسة التي أَنشاها الظاهر برقوق بمصر.
قال ابن حُميد: " قلت: أَذكرتني واقعته هذه في تحوله حنبليا؛ لأَجل الوظيفة ما رأيته عنه، أو غيره، أنه لما أراد التنزل في المدرسة قيل له: ما مذهبك فقال: مذهبي الخبز " انتهى.
(1/569)

- عبد الله بن إبراهيم الحراني ثم الحلبي، الشافعي ثم الحنبلي، يعرف بابن عصرون ت سنة (821 هـ) .
- محمد بن خالد الحمصي الشافعي أَبوه، ثم الحنبلي هو ت سنة (830 هـ) .
- ابن بواب الكاملية، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (835 هـ) .
- الريمي أَحمد بن عبد الرحمن، الشافعي ثم الحنبلي ت بعد سنة (850 هـ) .
- عبد اللطيف بن محمد الحسني، المكي، المالكي ثم الحنبلي ت سنة (853 هـ) .
- محمد بن عبد الرحمن العمري العليمي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (853 هـ) ولم يكن في أَهله حنبلي قبله.
- الشيشني، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (870 هـ)
- محمد بن أَحمد بن عبد القادر الموصلي ثم الدمشقي، قاهري الأَصل ت بها سنة (872 هـ) يعرف بابن جُناق.
قرأ على اللؤلؤي الفاسي فَحَضَّه على التحول إلى المذهب الحنبلي فتحول حنبليًا
- محمد بن أَحمد بن سليمان البسطي القاهري، الحنفي ثم الحنبلي ولد سنة (735 هـ) .
- الإبشيطي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (883 هـ) .
- ابن الهائم أحمد بن محمد السلمي، الشافعي ثم الحنبلي ت
(1/570)

سنة (887 هـ) .
أَحمد بن عبد الرحمن بن علي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (902 هـ)
- عبد القادر بن نجم الدين محمد ابن ظهيرة، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (930 هـ) قيل: تحول حنبليًا رغبة في قضاء الحنابلة بمصر والله المستعان.
- وعلى يد عبد القادر هذا تحنبل: ابن أَبي الخير أَبو بكر بن محمد المكي، الشافعي ثم الحنبلي. وفي: " النعت الأكمل " للغزي، حَصَلَ اضطراب في تاريخ ولادته، أو وفاته.
- محمد بن محمد المكي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (930 هـ) .
- محمد بن محمد كوجك، الحنفي ثم الحنبلي ت سنة (957 هـ)
- أَحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، الحنفي ثم المالكي ثم الحنبلي ت سنة (1192 هـ) .
- ابن بدران، الشافعي ثم الحنبلي مذْهَباً ومشربا ت سنة (1346 هـ)
(1/571)

* المبحث الثاني: الذين تحولوا عن المذهب الحنبلي: منهم:
- أَبو القاسم العكبري: عبد الواحد بن علي النحوي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (456 هـ) .
- الخطيب البغدادي، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (463 هـ) .
- ابن الحمامي، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (518 هـ)
- ابن بَرْهان، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (520 هـ)
- البندنيجي ت سنة (532 هـ) تحنبل، ثم تحنف،- ثم تشفع، ولذا قيل له " حنفش " منحوتة فالحاء من: حنبل ... وهكذا.
- ابن الزيتوني، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (542 هـ)
- المبارك بن روما، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (543 هـ)
- ابن العريف الملقب بالبيع الفاسد، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (592 هـ)
- محمود بن المبارك، الحنبلي ثم الشافعي ت بعد الخمسمائة.
- زيد بن الحسين الكندي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (597 هـ)
- أسعد بن أَحمد، الفقيه الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (601 هـ)
- أبو القاسم الدباس، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (601 هـ)
- الوجيه ابن الدهان، الحنبلي ثم الحنفي، ثم الشافعي ت سنة (612 هـ)
(1/572)

- زيد بن الحسن الكندي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (613 هـ)
- محمد بن خلف بن راجح، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (618 هـ)
- الحسن بن المبارك الزبيدي، الحنبلي ثم الشافعي ثم الحنفي ت سنة (629 هـ)
- ابن النفيس، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (618 هـ)
- الآمدي، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (631 هـ) .
- القاضي ابن الحنبلي أَحمد بن محمد بن خلف بن راجح، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (638 هـ) سبق تحول والده.
- ابن الجيد السلامي، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (639 هـ)
- سبط ابن الجوزي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (654 هـ) .
- الحافظ المنذري، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (656 هـ) .
- عبد الله بن محمد الأذرعي، الحنبلي هو وأبوه، ثم الحنفيان توفي عبد الله سنة (673 هـ) .
- إبراهيم بن عبد الرزاق الرسعني، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (695 هـ) .
- أحمد بن إبراهيم السروجي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (710 هـ) .
- ابن الكيال، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (734 هـ) .
- يوسف بن إبراهيم بن جملة، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (738 هـ) .
(1/573)

- أَحمد بن سليمان الأَربدي، الحنبلي الشافعي ت سنة (776 هـ) .
- معين بن عثمان الضرير، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (799 هـ) .
- الناجي: إبراهيم بن محمد، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (810 هـ) .
لقب بالناجي لما تحول عن مذهب أَحمد!
- أَحمد بن إبراهيم النابلسي، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (811 هـ) .
- عبد الله بن محمد المصري، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (815 هـ) .
- عبد السلام بن أَحمد القيلوي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (859 هـ) .
- إبراهيم بن حنينة، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (761 هـ) .
- محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، الحنبلي ثم الشافعي ت سنة (876 هـ) كما في ترجمة والده لدى ابن حُميد.
- محمد بن عبد الله بن أَحمد العسكري الصالحي، كان أَبوه حنبلياً توفي سنة (908 هـ) ثم أشغل ابنه محمدًا بمذهب أبي حنيفة، كما في ترجمة والده من: " السُّحب ".
- محمد بن يحيى الربعي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (963 هـ) .
(1/574)

- أَبو الصفاء الأَصطواني، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (1060 هـ)
- علي بن سعد العمري العقاد الحنبلي ثم الحنفي كما في ترجمة ابنه: محمد شاكر، المتوفى سنة (1222 هـ) من كتاب: " روض البشر " للشطي
- محمد الخطابي الدمشقي، الحنبلي ثم الحنفي ت سنة (1323 هـ) . ومضى في بيوتات الحنابلة: تحول ذرية بني عبادة.
- عثمان بن سند البصري الحنبلي المالكي ت سنة (1240 هـ)
* المبحث الثالث: الذين حصل تردد في نسبتهم إلى المذهب الحنبلي: منهم:
- أَبو داود، صاحب السنن ت سنة (275 هـ) قيل: حنبلي، وقيل شافعي.
- أبو بكر الباقلاني ت سنة (403 هـ) قيل: الشافعي، وقيل: المالكي، وقيل: الحنبلي.
- ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي، وقيل: الحنبلي ت سنة (842 هـ) .
* المبحث الرابع: الذين تحولوا من التقليد للمذهب إلى الاجتهاد:
وهذا لا يعني التخلي عن نسبتهم إلى المذهب الحنبلي، بل لَمَّا فتح الله عليهم من العلم، وأَسباب التأهل، تَرَقَّتْ بهم الحال إلى درجة الاجتهاد.
وقد مضى تسمية بعض منهم في: طبقات الأصحاب الزمانية، أبو يعلى، وابن عقيل، والموفق، وأبو عمر ابن قدامة، وشيخ الإسلام
(1/575)

ابن تيمية، وابن القيم، ومنهم أيضا:
- محمد بن نصر المروزي الحنبلي، آل مجتهدًا وترك التقليد ت سنة (294 هـ) والله أعلم.
* المبحث الخامس: من كان متمذهبًا في الفروع حنبليًا في الأصول:
منهم:
- ابن أَبي حجلة، حنفي المذهب حنبلي المعتقد ت سنة (776 هـ) .
- محمد بن عبد الله الطرابلسي الحلبي، الشافعي في الفروع الحنبلي في الأصول ت سنة (779 هـ) .
من أصحاب الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى-
- إبراهيم بن داود الآمدي ثم الدمشقي، أسلم على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، شافعي الفروع حنبلي الأصول ت سنة (797 هـ) .
- إسماعيل بن علي البقاعي، شافعي الفروع حنبلي الأصول ت سنة (806 هـ) .
- أَحمد بن عبد الله الناسخ، الشافعي في الفروع الحنبلي في الأصول ت سنة (817 هـ) .
- محمد بن عبد الله الشريف الحسني من ملوك سجلماسة، المالكي مذهباً الحنبلي معتقداً ت سنة (1204 هـ) .
(1/576)

* المبحث السادس: أصحاب الإمام أحمد والآخذون عنه وهم من غير أهل مذهبه:
لقد أحسن كل الإحسان: مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي الحنبلي ت سنة (928 هـ) حين أفرد في كتابه: " الدر المنضد في ذكر أَصحاب الإمام أَحمد " بيانًا خاصًا عن أَصحاب الإمام غير المتمذهبين بمذهبه: (1/ 83- 158) فقال:
" ذِكر أصحاب الِإمام أحمد رضي الله عنه الذين صحبوه، وقرأوا عليه الحديث، وغيره، ورووا عنه، من غير المشهورين بالتمذهب بمذهبه في فروع الفقه، وبعضهم نقل عنه أيضا مسائل في الفقه، وبعضهم روى عنه الإمام أحمد، كما سيمر بك إن شاء الله تعالى، وترتيبهم على الوفيات " انتهى.
ثم ذكر منهم " 445 " نَفْساً، من مشاهيرهم: ابن عُلَية، والقطان، وابن مهدي، ووكيع، والإمام الشافعي، وعبد الرزاق، وأبو عبيد القاسم ابن سلام، ومُسَدد، وابن معين، وعلي ابن المديني، والإمام البخاري، والِإمام مسلم، وبقي بن مخلد، وغيرهم.
وإنما ذكرت التنبيه على الآخذين عنه الذين لم يتمذهبوا بمذهبه لأمور منها:
1- بيان غلط من عَدَّهم أو بعضهم من أصحاب الإمام أحمد المتمذهبين بمذهبه
(1/577)

2- ثم غلط من ساق مؤلفاتهم في مؤلفات علماء الحنابلة.
والذي يجر إلى هذا: الغلط، والغفلة، وإلَّا محبة التكثُّر بالأصحاب، وهذه موجودة لدى أهل كل مذهب يترجمون في أَتباعه المتمذهبين به مَنْ ليس كذلك. والله المستعان
(1/578)

المبحث الخامس: في مشتبه الأسماء
هذا من علوم المُحَدِّثِيْنَ المفردة بالتأليف، وأَهميته لا تخفى في الرجاليين كافة لدى أهل العلوم عامة، حتى لا يحصل الخلط بين رجلين، وأَخيرا آثاره في العزو والنقل، وما إلى ذلك مما لا يخفى:
* ومنهم في الحنابلة: من الذين لهم شأن في المذهب والتأليف فيه:
- جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن محمد المرداوي: اثنان: أَحدهما: يوسف بن محمد بن عبد الله المرداوي المقدسي ت سنة (769 هـ) صاحب كتاب: " كفاية المستقنع لأَدلة المقنع ". وثانيهما يوسف بن محمد بن عمر المرداوي المقدسي: ت سنة (882 هـ) صاحب كتاب: " الحلوى: مختصر الفروع ".
- ومنهم ولد القاضي أَبي يعلى: محمد بن الحسين الفراء ت سنة (458 هـ) فله ثلاثة من الولد منهم اثنان كل منهما اسمه محمد هما: أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين الفراء بن أَبي يعلى ت سنة (526 هـ) صاحب: " الطبقات ".
وأخوه أبو خازم محمد بن محمد بن الحسين الفراء بن أبي يعلى ت سنة (527 هـ) .
(1/579)

فهما يفترقان في الكنية، متقاربان في الوفاة، متماثلان في الاسم.
ولأبي خازم ابن اسمه محمد كذلك فهو محمد بن محمد بن محمد بن الحسين، يكنى بأبي يعلى الصغير ت سنة (560 هـ) .
- ومنهم: نصر الله بن أحمد بن محمد: اثنان: مضى ذكر التفريق بينهما في بيوت الحنابلة.
- ومنهم: برهان الدِّين أَبو إسحاق: إبراهيم بن محمد ابن مفلح: اثنان:
أحدهما: البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن شمس الدين الإمام محمد بن مفلح ت سنة (803 هـ) .
فهذا صاحب " شرح المقنع " ابن " صاحب الفروع ".
وثانيهما: البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن شمس الدين الإمام محمد بن مفلح ت سنة (884 هـ) .
فهذا: صاحب: " المبدع، جده الأعلى شمس الدين محمد، صاحب: " الفروع ".
وإبراهيم الأول، المتوفى سنة (803 هـ) هو عم محمد ابن عبد الله، والد إبراهيم هذا.
ومن البيوتات المتشابهة:
- بنو السعدي، وبنو المحب السعدي، بيتان مفترقان، لكن يلتقيان في بني سعد الأنصار
- آل مفلح: بيتان: آل مفلح الأنصار وآل مفلح بن مفرج الرامينيون.
- آل نصر الله: بيتان: بنو نصر الله الشاميون ثم المصريون، وبنو المحب ابن نصر الله البغاددة ثم المصريون.
(1/580)

المبحث السادس: في الكنى والألقاب، والمبهمات.
قل أَن يكون عَلَمٌ إلا وَلَهُ: لقب، وكنية، ونسب.
أَما اللقب: مثل شمس الدين، نور الدين، ونحوهما، فلم يكن في صدر هذه الأُمة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم؛ لأَن أحوالهم كانت جارية على الإسلام والسنة، من التواضع، واللصوق إلى الأَرض، وترك التعاظم، والترفُّع على الخلق.
وإنَّما حَدَثت في الأَعاجم، امتدادا لما كان لديهم في جاهليتهم من التعظيم والغلو في المخلوقين، ثم انتشرت في المسلمين، وقل أَن يمر الناظر على ترجمة إلاَّ وفيها لقب، بل ربما صار له لقبان فأَكثر فيقال في الشخص الواحد: كمال الدين، وأَكمل الدين، وقد كان لعدد من العلماء العاملين مقامات إِحسان في إِنكار هذه الألقاب، والنهي عنها لما فيها من التزكية، والغلو والإطراء، والترفُع، والغرور ومخالفتها لهدي صدر هذه الأمة، وصالح سلفها ولهذا كان الإمام النووي رحمه الله تعالى يقول: " لا أجعل بِحِلِّ من لقّبني بمحيي الدين " وكان شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- يكره تلقيبه بتقي الدين، ويقول: لكن أَهلي لقبوني بذلك.
(1/581)

وقد بينت ذلك في كتاب: " تسمية المولود " وفي مواضع من: " معجم المناهي اللفظية "، وَجَلَبَ ابن بدران نقولًا نافعة في: فاتحة العقد السادس، من: " المدخل ": (ص/ 202- 203) .
ويأتي في حرف الشين من شرح المصطلحات زيادة بيان عن اللقب بشيخ الإسلام.
ثم تطورت هذه الأَلقاب إلى مسلاخ آخر سرى إلى أهل السنة من: " الرافضة " فيما نبه عليه ابن تيمية- رحمه الله تعالى- بعد أَن ذكر هدي الشرع المطهر في النهي عن التعبيد لغير الله، وتغيير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، لما فيه من تعظيم غير الله، قال- رحمه الله تعالى-: " ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم من الغالين في المشايخ، فيُقال: هذا غلام الشيخ يونس، أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي، أو الحريري، ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تألُّه كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء، وخشية ... " انتهى.
وقد اشتهر بهذا اللقب من الأصحاب:
- غلام ثعلب: محمد بن عبد الواحد أَبو عمر المعروف بغلام ثعلب، توفي سنة (345 هـ) .
- غلام الخلال: عبد العزيز بن جعفر البغدادي، المعروف بغلام الخلال، المتوفى سنة (363 هـ) .
(1/582)

وشيخه الخلال الذي عرف به هو: أَبو بكر أَحمد بن محمد بن هارون الخلال ت سنة (311 هـ) .
ولقبه: " الخلال " لم ينفرد به، بل هو لآخرين من الحنابلة، لكنه عند الِإطلاق لا ينصرف إلا إليه.
- غلام ابن المَنِّي: إسماعيل بن علي الأَزجي البغدادي المعروف بغلام ابن المَنِّي، المتوفى سنة (610 هـ) .
- وشيخه ابن المِنِّي الذي عُرِفَ به: هو نصر بن فِتيان النهرواني، المعروف بابن المَنِّي ت سنة (583 هـ) .
- غلام الزجاج: عبد العزيز بن أَحمد بن يعقوب، الطبقات 2/168، وكان أمِّيَّا لا يكتب، سمع بمكة سنة 388.
وهذه الأَلقاب الأربعة تداولها الأصحاب بلا نكير بينهم، ولم أرَ هذه اللفتة النفيسة المذكورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية لغيره والله أَعلم.
لكن الأصحاب هكذا يطلقون هذا اللَّقب، ويتداولونه من غير نكير على تلميذ الشيخ الذي صار له به نوع اختصاص في الطلب والتلقي، وربما للخدمة، كما قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ... ) [سورة الكهف، الآية: 60] وفتاه هو يوشع بن نون الذي كان يتبعه ويخدمه ويأخذ عنه العلم.
(1/583)

ومن هذا لفظ: " الأخوة "، قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [سورة الحجرات، الآية: 10] وفي المبذرين قال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [سورة الإسراء، الآية: 27] وهو أُسلوب عربي معروف، ومنه قول الفلاح بن حزن:
أَخا الحرب لباساً إِليها جلالها ... وليس بولاج الخوالف أعزلا
قيل له: أَخا الحرب؛ لكثرة ملابسته لها، ونزوله في ساحاتها.
ومنه جَرَى فى عرف الناس قولهم: لوالد الزوجة: عم أو خال، والغريب يُدعى بذلك؛ لكثرة الملازمة.
وهذا خلاف إطلاق الرافضة ومن شابههم من غلاة الطُرقية الذين ينزلون: الغلامية، منزلة التعبيد لغير الله، حتى لقب بعضهم بقولهم " غلامك " والله أعلم.
وكثيرا ما يلحق اللقب الِإنسان؛ لملازمة كلمة يقولها، أو فعلة يفعلها، وملازمة شخص، أو مكان، أو جهة، أو كتاب، أو حرفة، أو عمل، وما أَشبه ذلك، وجميع هذا يكون اللقب على وجه المدح، أو النَّبْز.
ومن هذه الأَلقاب التي أطلقت على وجه النَّبْزِ والتعيير، فذكرها المترجمون في التراجم على وجه التعريف في بطون التراجم، فلا يتداولونها في كتب الفقه، وغيرها، وغالبًا ما تكون هذه الألقاب في غير المشاهير ومنها:
(1/584)

- عَلاَّن. مَاغَمَّه. مَتَّوْيَه. مِكْحَلَة. شُعلة. كَتيلة. دلُّوْيَه. كرنيب. شامط. الديك. القويزة. وجه العجوز.
زكنون، الصامت، وكانا يغضبان من اللقب به.
و" ابن علية " كان يقول: من قال ابن علية، فقد اغتابني.
والوزير ابن هبيرة كان يقول: " لا تقولوا في ألقابي: سيد الوزراء، فإن الله- تعالى- سمى هارون وزيرا، وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن وزيريه من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أْبو بكر وعمر ... ولا يصح أن يُقال عني: أني سيد هؤلاء السادة " انتهى ومنها لقب يحمل صفة خَلْقية، أَو خُلقية في الشخص، لكنها أُطلقت على وجه التعريف لا على وجه التعيير، فالمعنى الثاني منها مسلوب غير مراد، مثل:
الأَعمش، الضرير ونحوهما.
ولهذا مَشَّاه العلماء بلا نكير نعلمه.
ومنها ألقاب على وجه المدح والثناء، ومنها:
صاعقة: سُمي بذلك لجودة حفظه
الجنة: سمي بذلك لكثرة علومه
وهناك أَلقاب للمدح والثناء تطلق على عدد مِمَّن نَبُلَ، واشتهر، منها: " ريحانة البصرة " قالها الِإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- في: يزيد بن زريع. رواها عنه أحمد بن سعيد الداري، كما في ترجمته من: " الطبقات ".
" ريحانة الشام " قالها الجنيد في تلميذ الإمام أحمد: أحمد ابن
(1/585)

أَبي الحواري.
" خطيب العجم " أُطْلقَ على " الهروي ": عبد الله بن محمد الأَنصاري صاحب " منازل السائرين "؛ وذلك لتبحر علمه وفصاحته، ونبله.
" فقيه فِصَّة " لقب ابن المواهبي المتقدم ذكره في: " آل تيمية ".
" ريحانة البغداديين " قالها ابن رجب في: المعمر بن علي البقال البغدادي ت سنة (506 هـ) .
وأَما الكُنية: فأَصلها من الاستتار ويُقال: يُكْنَى، ويُكَنَّى، بالتخفيف، والتثقيل، ويُراد بها: التكريم للمكني بها عن التصريح باسمه، ومنه قول بعض الفزاريين:
أَكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
وفي رواية: والسوءة اللقب.
وأَصلها في الآدميين، وأَن يكنى الآدمي بأكبر أَبنائه، فإِن لم يكن له ابن، كني بابنته، فإِن لم يكن له ولد كني بأَحد أَقاربه كما كنى النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- بأم عبد الله، لمقام عبد الله بن الزبير منها وهو ابن أختها، وكنى عبد الله بن الزبير بأبي بكر وهو صبي لم يُولد له، لمقام جده منه: أَبو بكر الصديق والد أسماء بنت أبي بكر وهي أم عبد الله بن الزبير.
وأجروا مجرى الكنية بأبي فلان، إضافة: ابن، وبنت، إلى الأباء احتراماً لهم، مثل: ابن عمر وابن عباس، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/586)

كما أَجروا مجراها: ذا، وذات، منها في يونس عليه السلام: ذو النون، وفي أسماء- رضي الله عنها-: ذات النطاقين.
بل ربما جعل شيء من ذلك اسماً، ومن أَكثر الكُنى المتسمى بها: أبو بكر ومن نظر في كتب الأَعلام مثل: التقريب لابن حجر رأى أمثلته.
ومنه والد ابن القيم، اسمه: أبو بكر، وهو على الحكاية إذا كان علما لا تؤثر العوامل على جزئه المضاف، وإن كان كنية كان تأثير العوامل في المضاف كما هو معلوم.
وكان من العرف المتوارث في الأَلقاب والكُنى: أَن له نوع اختصاص باسم المولود فمن كان اسمه:
عبد الرحمن: فلقبه: زين الدين، وكنيته أبو الفرج.
ويوسف: لقبه جمال الدين، وكنيته أبو المحاسن.
وياسر أبو عمار.
وطارق: أبو زياد.
وعمر أبو حفص.
وهكذا، وقد تنخرم، وفي " الأغاني " للأصبهاني بيان لها وفي " الآثار الباقية للِبيْرُوني- بكسر الباء (1) - وفي: " المرصع " لابن الأَثير وأَما النِّسب: فلم تكن العرب تعرف النسبة إلى البلاد وإنما
__________
(1) انظر ضبطها في: كناشة النوادر لعبد السلام هارون: ص/ 149- 150 وهي بخلاف البيروتي نسبة إلى: بيروت- بفتح الباء- أما البِيروني فهي كلمة خوارزمية بمعنى البراني، مقابل الجواني.
ولا أدري على ماذا اعتمد في جزمه بكسر الباء؟
(1/587)

ينتسبون إلى الأصول والأَجذام، وكانت على طريق التصاعد: إلى: " الفخذ " ثم إلى: " البطن " ثم إلى: " العمارة " ثم إلى: " الفصيلة " ثم إلى " القبيلة " ثم إلى: " الشعب الكبير " وهي ثلاثة: عدنان، وقحطان، وقضاعة.
ولا يعرف عن العرب الانتساب إلى المكان، إلاَّ ما ندر، ومنه في نسب الشاعر " محارق الطائي الأَجئي " و " أَجأ " أَحد جبلي طَيءٍ، وهما: أَجا، وسلمى (1) .
ثم كانت النسبة بعد ذلك إلى المكان، وإلى الحرف، والمهن، وما إلى ذلك.
وأَما المبهمات: فيستعمل الأصحاب ذلك بالإبهام الحرفي، أو الكلمي طلباً للاختصار وقد نثرت ذلك في حروفه في باب المصطلحات. والله أعلم.
- تنبيه:
هذا استخراج من: " الطبقات " لابن أَبي يعلى، و " ذيلها " لابن رجب: لمن قيل فيه: يُلقب بِكذا، يُعرف بِكذا، مَشهور بِكذا، وهم حسب الجدول الآتي:
__________
(1) انظر كناشة النوادر ص/ 38
(1/588)

- الشهرة ... الاسم ... الوفاة.....الطبقات
ابن علية ... إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ... ت 193 ... (1/99)
الكرخي ... معروف بن الفيرزان أبو محفوظ العابد ... ت 200 أو 204 ... (1/381)
شاذان ... أسود بن عامر بن عبد الرحمن ... ت 208 ... (1/118)
المقابري ... يحيى بن أيوب العابد ... ت 234 ... (1/400)
ابن الرومي ... عبد الله بن محمد أبو محمد اليمامي ... ت 236 ... (1/196)
مشكدانه ... عبد الله بن عمر بن محمد القرشي ... ت 239 ... (1/189)
ابن راهويه ... إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ... ت 343 ... (1/109)
الحمال ... هارون بن عبد الله بن مروان ... ت 243 ... (1/396)
دحيم ... عبد الرحمن بن إبراهيم أبو سعيد الدمشقي ... ت 245 ... (1/204)
الدورقي ... أحمد بن إبراهيم بن كثير ... ت 246 ... (1/21)
دلويه ... زياد بن أيوب بن زياد ... ت 252 ... (1/156)
الدورقي ... يعقوب بن إبراهيم بن كثير ... ت 252 ... (1/414)
الطوسي ... محمد بن منصور بن داود بن إبراهيم ... ت 254 ... (1/318)
صاعقة ... محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير ... ت 255 ... (1/305)
مربع ... محمد بن إبراهيم الأنماطي ... ت 256 ... (1/266)
فُورَان (1) ... عبد الله بن محمد بن المهاجر ... ت 256 ... (1/195)
الجردي ... الحسن بن عبد العزيز بن الوزير ... ت 257 ... (1/135)
ابن الشاعر ... حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي ... ت 259 ... (1/148)
الفوي ... إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن ... ت 259 ... (1/ 109)
لؤلؤ= البغوي ... إسحاق بن إبراهيم
ابن أخت غزال ... محمد بن علي بن داود أبو بكر الحافظ ... ت 264 ... (1/307)
حمدان ... محمد بن علي بن عبد الله. بن مهران ... ت 272 ... (1/308)
__________
(1) جاء في أكثر الطبعات بالزاء: " فوزان " وهو تصحيف صوابه بالراء المهملة وضم الفاء.
(1/589)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
ابن واره ... محمد بن مسلم أبو عبد الله الحافظ ... ت 265 ... (1/324)
المروزي ... هيدام بن قتيبة ... ت 274 ... (1/395)
مكحلة ... هارون بن سفيان المستملي ... ت 274 ... (1/395)
ابن أبي الدنيا ... عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي ... ت 281 ... (1/192)
المربع ... محمد بن عبد الله بن عتاب ... ت 286 ... (1/301)
الأبار ... أحمد بن علي بن مسلم ... ت 290 ... (1/52)
ثعلب ... أحمد بن يحيى بن زيد النحوي ... ت 291 ... (1/83)
كرنيب ... أحمد بن عثمان بن سعيد ... ت 293 ... (1/52)
ابن راهويه ... محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ... ت 294 ... (1/269)
البوراني ... أحمد بن محمد بن خالد بن شيرزاد ت 304 ... (1/63)
شامط ... أحمد بن حبان أبو جعفر القطيعي ... (1/41)
الإيتاخي ... أحمد بن محمد بن يزيد الوراق ... (1/76)
الختلي ... إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد ... ت 260 تقريبا ... (1/96)
الديلمي ... إسماعيل بن يوسف أبو علي ... ت 255 ... (1/ 107)
طبيب السنة ... عبد الرحمن أبو الفضل المتطبب ... (1/208)
النخشبي ... العباس بن عبد الله بن العباس ... (1/235)
مَتُّوْيَه ... محمد بن أبي عبد الله الهمداني ... (1/332)
الديك ... هارون بن سفيان بن بشر ... ت 251 ... (1/396)
البغوي ... إبراهيم بن هاشم بن الحسين ... ت 297 ... (1/98)
الخلال ... أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر ... ت 311 ... (2/12)
ابن شاصو ... الحسين بن علي بن محمد المخرمي ... (2/47)
غلام ثعلب ... محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمر اللغوي ... ت 345 ... (2/67)
(1/590)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
ابن الصواف ... محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق ... ت 359 ... (2/64)
غلام الخلال ... عبد العزيز بن جعفر بن أحمد ... ت 363 ... (2/119)
ابن الساجي ... إبراهيم بن جعفر أبو القاسم ... ت 379 ... (2/139)
ابن بطة ... عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان ... ت 387 ... (2/144)
ابن سمعون ... محمد بن أحمد بن إسماعيل ... ت 387 ... (2/155)
ابن المسلم ... عمر بن إبراهيم بن عبد الله العكبري ... ت 387 ... (2/163)
ابن شكا ... أحمد بن عثمان بن علان بن الحسن الكبشي ... (2/167)
غلام الزجاج ... عبد العزيز بن أحمد بن يعقوب ... (2/168)
ابن أخي حبيب ... أحمد بن محمد بن الحسن أبو الفتح ... (2/168)
الروشاني ... أحمد بن موسى بن عبد الله بن إسحاق ... ت 401 ... (2/179)
ابن السوسنجردي ... أحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور ... ت 402 ... (2/168)
ابن البغدادي ... الحسين بن أحمد بن جعفر ... ت 404 ... (2/178)
الشيمي ... أحمد بن سعيد أبو العباس الشامي ... ت 406 ... (2/179)
ابن الفقاعي ... الحسين بن موسى أبو عبد الله ... ت 424 ... (2/182)
ابن جبار الحنبلي ... محمد بن حامد ... ت 349 ... (2/189)
ابن البقال ... أحمد بن عبد الله بن سهل أبو طالب ... ت 440 ... (2/189)
صهر هبة الله ابن المقرئ ... أبو طاهر عبد الباقي بن محمد البزار ... ت 461 ... (2/231)
ابن جدا ... أبو الحسن علي بن الحسين العكبري ... ت 468 ... (2/234)
ابن حمدوه ... أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد الرزاز ... ت 470 ... (2/242)
خطيب العجم ... أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي ... ت 481 ... (2/247)
النهري ... أبو الحسن علي بن المبارك ... ت نيف وثمانين وأربعمائة ... (2/252)
(1/591)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
ابن البنا ... أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله ... ت 491 ... (2/243)
ابن القواس ... أبو الوفاء طاهر بن الحسين بن أحمد ... ت 476 ... (2/244)
المقدسي ... أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ... ت 406 ... (2/248)
ابن المخلطي ... أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد ... ت 508 ... (2/258)
الآمدي ... علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي ... ت 467 أو 468 ... (3/8)
البغدادي ... علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي " يعرف بذلك قديما " ... ( ... )
ابن أخي نصر العكبري ... علي بن محمد بن الفرج بن إبراهيم البزار ... ت 473 ... (3/73)
أبو منصور الخياط ... محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق ... ت 499 ... (3/95)
التاريخ ... محمد بن سعد بن سعيد العسال ... ت 509 ... (3/113)
الأعمش ... حمد بن نصر بن أحمد بن محمد الهمذاني ... ت 512 ... (3/141)
الخياط ... محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن الأصبهاني ... ت 517 ... (3/ 173)
عسكر بن الحسن ... عبد الله بن المبارك العكبري المقرئ ... ت 528 ... (3/185)
ويقال: ابن نيال ... عبد الله بن المبارك العكبري المقرئ ... ت 528 ... (3/ 185)
قاضي المارستان ... محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله ابن محمد ... ت 535 ... (3/192)
ابن الحنبلي ... عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي ... ت 536 ... (3 /198)
ابن القاضي ... المبارك بن عبد الملك بن الحسين البغدادي ... ت 609 ... (3/208)
نقاش المبارد ... محمد بن حداد بن سلامة المباردي الحداد ... ت 552 ... (3/231)
(1/592)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
ابن الدجاجي ... سعد بن نصر بن سعيد ... ت 464 ... (3/302)
ابن الحيواني ... سعد بن نصر بن سعيد
مهذب الدين ... سعد بن نصر بن سعيد
ابن الحفري ... محمد بن المبارك بن الحسين البغدادي ... ت 564 ... (3/305)
سرمس ... محمد بن حامد بن حمد بن عبد الواحد الأصبهاني ... ت 566 ... (3/314)
أبو صعوه ... النفيس بن مسعود بن أبي سعد السلامي ... ت 566 ... (3/314)
العطار ... الحسن بن أحمد بن الحسن الهمداني ... ت 569 ... (3/324)
ابن كاره ... دهبل بن علي بن منصور بن إبراهيم ... ت 569 ... (3/329)
الأعز البغدادي ... عبد الرحمن بن النفيس بن الأسعد الغياثي ... ت بعد 560 ... (3/ 330)
ابن أبي الحجر ... حامد بن محمود بن محمد الحراني ... ت 570 ... (3/332)
ابن المقابلة ... المبارك بن الحسن بن طراد ... ت 571 ... (3/334)
ابن جوالق ... مسلم بن ثابت بن القاسم ... البزاز ت 572 ... (3/337)
ابن الحمامي ... أحمد بن محمد بن المبارك الدينوري ... ت 593 ... (3/338)
ابن غريبه ... علي بن أبي المعالي المبارك، وقيل أحمد ابن أبي الفضل بن أبي القاسم الأحدب ... ت 578 ... (3/349)
وجيه الدين ... إسماعيل بن نباته الفقيه ... ت قبل 580 ... (3/351)
غنيمه ... عبد الرحمن بن جامع بن غنيمه ... ت 582 ... (3/353)
ابن المني ... نصر بن فتيان بن مطر النهرواني ... ت 583 ... (3/358)
البراندسي ... علي بن محمد بن علي بن الزيتوني ... ت 586 ... (3/366)
ابن الصدر ... يحيى بن مقبل بن أحمد بن بركه ... ت 587 ... (3/373)
ابن الأبيض= ابن الصدر
العراقي ... أحمد بن الحسين بن أحمد البغدادي ... ت 588 ... (3/376)
(1/593)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
طاهريته ... إسماعيل بن أبي سعد بن علي بن إبراهيم الأصبهاني ... ت 591 ... (3/383)
معين الدين ... علي بن هلال بن خميس الواسطي ... ت 591 ... (3/384)
تقي الدين ... سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحداد الدمشقي ... ت 594 ... (3/397)
تاج الدين ... عبد العزيز بن ثابت بن طاهر البغدادي ... ت 596 ... (3/398)
ابن الجوزي ... عبد الرحمن بن علي بن محمد ... ت 597 ... (3/399)
ابن نجيه ... علي بن إبراهيم بن نجا الأنصاري الدمشقي ... ت 599 ... (3/336)
موفق الدين ... إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الصقال الطيبي ... ت 599 ... (3/440)
جمال الدين ... محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي ... ت 597 ... (3/442)
ابن المارستانيه ... عبيد الله بن علي بن نصر بن حمزة البغدادي ... ت 599 ... (3/442)
تقي الدين ... عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ... ت 601 ... (4/5)
نجم الدين ... عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور ... ت 601 ... (4/36)
ابن الجير ... يحيى بن المظفر بن نعيم بن علي البغدادي ... ت 607 ... (4/62)
ناصر الدين ... محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادي ... ت 609 ... (4/63)
شحنة الحنابلة = ناصر الدين
ابن الوفاء ... إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي الأزجي ... ت 610 ... (4/66)
ابن الماشطة = ابن الوفاء
غلام ابن المني = ابن الوفاء
شمس الدين ... إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد ابن المبارك ... ت 611 ... (4/69)
الركن ... عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر ... ت 598 ... (4/71)
عماد الدين ... محمد بن معالي بن غنيمة البغدادي ... ت 611 ... (4/77)
(1/594)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
تقي الدين ... عبد العزيز بن محمود بن المبارك ابن محمود بن الأخضر ... ت 611 ... (4/79)
قطينة ... عبد الوهاب بن برغش بن عبد الله العتبي ... ت 612 ... (4/88)
محب الدين ... إسماعيل بن عمر بن أبي بكر المقدسي ... ت 613 ... (4/90)
عز الدين ... محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ... ت 613 ... (4/90)
شهاب الدين ... عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر الغزال ... ت 615 ... (4/106)
ابن البندنيجي ... أحمد بن أحمد بن أحمد بن كرم ت 615 (4/108)
نصير الدين ... محمد بن عبد الله بن الحسين السامري ... ت 616 ... (4/121)
ابن سنينة ... نصير الدين محمد بن عبد الله بن الحسين السامري ت 616 (4/121)
جمال الدين ... عثمان بن مقبل بن قاسم الياسري ... ت 616 ... (4/122)
الحجة ... محمد بن أبي المكارم الفضل بن بختيار ... ت 617 ... (4/123)
بهاء الدين= الحجة
موفق الدين ... علي بن ثابت بن طالب الطالباني البغدادي ... ت 618 ... (4/125)
برهان الدين ... نصر بن محمد بن علي بن أبي الفرج ... ت 619 ... (4/130)
شهاب الدين ... عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب ... ت 619 (4/132)
برهان الدين ... إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم البغدادي ... ت 622 ... (4/149)
الوتارة ... أحمد بن على بن أحمد الموصلي ... ت 622 ... (4/164)
موفق الدين ... مظفر بن إبراهيم. بن جماعة العيلاني ... ت 623 ... (4/166)
البخاري ... أحمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي ... ت 623 ... (4/168)
موفق الدين ... عبد الرحمن بن علي بن أحمد البغدادي ... ت 626 ... (4/173)
موفق الدين ... سلامة بن صدقة بن سلامة الصولي ... ت 627 ... (4/174)
(1/595)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
فخر الدين ... محمد بن أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ... (4/175)
كمال الدين ... سليمان بن عمر بن المشبك الحراني ... ت بعد 620 ... (4/178)
ابن الغالية ... يحيى بن سعيد بن علي البغدادي ... (4/181)
ابن نقطة ... محمد بن عبد الغني بن أبي بكر البغدادي ... ت 629 ... (4/183)
جمال الدين ... عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ... ت 629 ... (4/185)
صفي الدين ... عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم البغدادي ... ت 630 ... (4/187)
ابن الحنبلي ... عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد الأنصاري ... ت 634 ... (4/193)
موفق الدين ... حمد بن أحمد بن محمد بن بركة الحراني ... ت 634 ... (4/201)
الأشقر ... هبة الله بن الحسن بن أحمد البغدادي ... ت 634 ... (4/11)
ابن البنا ... عمر ... ت 584 ... (4/215)
ابن الوثار ... عثمان بن نصر بن منصور البغدادي ... ت 636 ... (4/217)
ضياء الدين= ابن الوثار
عفيف الدين ... عبد العزيز بن دلف البغدادي ... ت 637 ... (4/218)
تقي الدين ... يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي ... ت 638 ... (4/221)
الضياء ... أبو محمد عبد الحق بن خلف الدمشقي ... (4/227)
تقي الدين ... إبراهيم بن محمد بن الأزهري الصريفيني ... ت 641 ... (4/27)
ابن البقال ... يحيى بن علي بن علي بن عنان البغدادي ... ت 643 ... (4/242)
ابن الخير ... إبراهيم بن محمود بن سالم الأزجي ... ت 603 ... (4/243)
نور الدين ... عبد اللطيف بن علي بن النفيس ... ت 647 ... (4/247)
سيف الدين ... محمد بن مقبل بن فتيان النهرواني ... ت 649 ... (4/248)
(1/596)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة.... الطبقات
موفق الدين ... علي بن عبد الرحمن البغدادي ... ت 651 ... (4/249)
جمال الدين ... الحسن بن الحسن بن أحمد البصري ... (4/255)
ابن الزراد ... أبو بكر بن يوسف بن أبي بكر بن أبي الفرج ... ت 653 ... (4/255)
ناصح الدين= ابن الزراد
شعلة ... محمد بن أحمد بن الحسين الموصلي ... ت 656 ... (4/256)
البغدادي ... عبد الرحمن بن سليمان بن سعيد ابن سليمان ... ت 670 ... (4/281)
ابن الجيش ... يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح الحراني ... ت 678 ... (4/295)
ضياء الدين ... عبد الله بن إبراهيم بن محمود الجزري ... ت 679 ... (4/298)
كتيلة ... عبد الله بن أبي بكر بن أبي البدر ... ت 681 ... (4/301)
الحاج ... مظفر بن أبي بكر بن مظفر الجوسقي ... ت 683 ... (4/311)
ابن عصية ... أحمد بن حامد البغدادي جمال الدين ... ت حدود 720 ... (4/373)
ابن الغوطي ... عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد ... ت 723 ... (4/384)
ابن خروف ... محمد بن علي بن أبي القاسم الوراق ... ت 727 ... (4/381)
ابن الدواليبي ... محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن البغدادي ... ت 728 ... (4/384)
ابن الحبال ... محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي الفرج الحراني ... ت 749 ... (4/442)
الفرزدقي ... علي بن فضال بن علي بن غالب المجاشعي ... ت 479 ... (4/464)
ابن ماكولا ... علي بن هبة الله بن جعفر بن محمد ... ت 485 ... (4/455)
الحافظ اليغموري ... يحيى بن عبد الرحمن بن نجم الصالحي ... ت 673 ... (4/462)
(1/597)

الشهرة ... الاسم ... الوفاة ... الطبقات
ابن المكسر ... عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن محمد ابن وريدة ... ت 697 ... (4/464)
القويزة = ابن المكسر
ابن الواعظي ... محمد بن علي بن أحمد بن خطيل ... ت 699 ... (4/465)
ابن المنادي ... إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو ابن موسى ... ت 700 ... (4/465)
بنت الأسعردي ... زينب بنت سليمان خطيب بيت لهيا ... ت 705 ... (4/466)
الحبالي ... محمد بن عبد العزيز بن عبد القادر الجيلي ... ت 739 ... (4/472)
هذه أمثلة ممن قيل فيه من الأصحاب: اشتهر بكذا، صار تتبعها من " طبقات ابن أبي يعلى " و " ذيلها " لابن رجب.
وهي لا تعني بكل حال اصطلاح فقهاء الأصحاب على العزو على هذا الفقيه بهذه الشهرة، فقد يكون النقل عنه بها، وقد يُسَمِّيْه، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وربما كان لكل مؤلف اصطلاح في كتابه، أبان عنه في مقدمته، أو يعرف من معاناة النظر في كتابه.
وهناك أعلام توارد اصطلاح الأصحاب على النقل عنهم، أو ذكرهم بشهرة واحدة تتابعوا على تسميته بها.
والديوان الكاشف للاصطلاح في ذلك هو كتاب: " الإنصاف "
(1/598)

للمرداوي من خلال عزوه، ونقله عن الأصحاب، وكتبهم، فهو بحاجة إلى من يتتبع اصطلاحه في كتابه في أسماء الأَعلام، وأَسماء الكتب، ثم تُرتب الأعلام على حروف المعجم، ويوضع أمام كل اصطلاح الاسم كاملًا، وتاريخ الوفاة، وتُرتب الكتب على حروف المعجم، ويوضع أمام كل اصطلاح اسم الكتاب، واسم مؤلفه، وتاريخ وفاته. ومن يعمل هذا يكشف كثيرا من غوامض العزو ومبهماته. والله الموفق.
(1/599)

المبحث السابع: في الأوائل الحنبلية
منها مسوقة كيفما وقع لي:
1- أَول حنبلي ولي قضاء مكة والمدينة هو: عبد اللطيف بن محمد ابن أَحمد سراج الدين أَبو المكارم اللؤلؤي الفاسي ثم المكي، المالكي ثم الحنبلي، ابن عم والد التقي الفاسي مؤرخ مكة ت سنة (853 هـ)
2- أَول حنبلي ولي قضاء حماه هو: أَحمد بن عبد الرحمن المرداوي ت سنة (787 هـ) بها.
3- أَول حنبلي ولي قضاء الرملة: محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي، الشافعي ثم الحنبلي ت سنة (873 هـ) .
وهو والد: عبد الرحمن صاحب كتاب: " الأُنس الجليل " مطبوع.
ولي قضاء الرملة سنة (838 هـ) ثم ولي قضاء القدس، وهو ثاني حنبلي ولي قضاء القدس.
4- أَول حنبلي ولي قضاء بلد الخليل العليمي، المذكور في سنة (861 هـ) .
وانظر في ترجمته من " السُحب " كائنة له في هدم كنيسة النصارى فيها رغم فتوى الحنفي بإعادتها، وما بذله النصارى
(1/600)

من مال على الفتوى بإعادتها والله المستعان.
5- أول حنبلي ولي قضاء القدس هو العز المقدسي البغدادي، ويعرف أيضا بقاضي الأَقاليم: عبد العزيز بن علي بن أَبي العز التيمي القرشي ت سنة (846 هـ) بالشام، وكانت ولايته سنة (804 هـ) .
وقيل له قاضي الأَقاليم؛ لأَنه ولي قضاء بغداد، والشام، والقدس، ومصر.
6- 7- أَول ماتن وأول شارح في فقه المذهب هو: الخِرَقي ت سنة (334 هـ) أَلَّف كتابه: " المختصر في فقه الِإمام أَحمد " وله: " شرحه ".
8- أَول حنبلي وَليَ قضاء غزة: ابن مفلح: عمر بن إبراهيم ابن الشمس محمد بن مفلح ت سنة (872 هـ) وهو حفيد صاحب: " الفروع ".
أول من لُقّب بقاضي القضاة من الحنابلة هو نصر ابن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلانى ت سنة (633 هـ) قال ابن رجب: " ولا أعلم أحدًا من أَصحابنا دُعي بقاضي القضاة قبله، ولا استقل منهم بولاية قضاء القضاء بمصر غيره " انتهى.
10- أول من توفي من أصحاب القاضي أبي يعلى بعده هو ابن زببيا: علي بن أبي طالب البغدادي ت سنة (460 هـ) .
(1/601)

11- أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق هو: الشيخ شمس الدين ابن أَبي عمر عبد الرحمن بن محمد بن أَحمد بن قدامة ت سنة (682 هـ) صاحب: " الشرح الكبير في شرح المقنع ".
ثم وليه بعده ابنه نجم الدين أَحمد ت سنة (689 هـ) .
أَما أَول مذهب حُكِمَ به في دمشق فهو: مذهب الشافعي سنة (302 هـ) كما في تاريخ ابن كثير.
12- أَول حنبلي تولَّى قضاء حمص هو: ابن زهرة محمد بن خالد الحمصي الشافعي أَبوه ثم الحنبلي، ت سنة (829 هـ) وليس ولده محمد بن محمد ت سنة (855 هـ) كما في ترجمته لدى ابن حميد.
13- عماد الدين المقدسي: إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور ت سنة (614 هـ) .
قال أَبو شامة: " هو الذي سَنَّ الجماعة في الصلوات المقضية وكان يصلي بالجماعة بحلقتهم بين المغرب والعشاء ما قدره الله تعالى ". وقال ابن كثير
" وكان يؤم بالناس لقضاء الفوائت وهو أَول من فعل ذلك ". انتهى.
* أقول: في شهر شعبان سنة (1412 هـ) دخلت دمشق الشام، وقصدت ذات ليلة مسجد الدقاق في حَي الميدان لأداء صلاة العشاء، فلما وصلت رحبة المسجد البرانية، وإذا الإمام في
(1/602)

الركعة الثانية منها، وإذا في رحبة المسجد رجل حسن الهيئة يستدير في الرحبة، فسألت صاحبي وهو من أهل الميدان، فأَفادني أَن هذا إِمام مرتب ليؤم من فاتتهم الفريضة مع الإمام، فاستعذت بالله من الحرمان، وبعد أَداء الصلاة التقينا به وكان صاحب خلق كريم، فباحثته مستفهماً فأَفاد أَن هذه وظيفة لأَبيه من قبله، سألته عن مستنده الشرعي فيها، فلم يكن لديه إلا الوراثة، فقلت له: لا يجوز لك التخلف عن أَداء الصلاة جماعة مع المسلمين وأَن هذا عمل محدث لا نعرف له أَصلًا في الشرع المطهَّر والمعروف من الهدي أَن من فاتته الصلاة جماعة، فإِن كانوا جماعة أَمهم أَحدهم، وإن كان واحدًا صلى منفردًا، وإن تصدق عليه أَحد الحاضرين من الذين قد أَدركوا الصلاة فهو حَسَن، مع وجود خلاف في هذا: إِذْ قال بعض العلماء بعدم جواز إِقامة جماعة ثانية في المسجد الواحد، لكن الدليل والعمل على ما ذكرت ثم انصرفت، والله يهدينا إلى صراطه المستقيم.
ثم وقفت على ما ذكر في ترجمة إبراهيم المذكور المتوفى في القرن السابع بدمشق، وهذا من العجائب، تجاوز الله عن الجميع.
14- أَول حنبلي حكم بالديار المصرية- في القضاء- في وقته هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن منصور الحراني، المولود سنة (610 هـ) تقريبًا، المتوفى سنة (675 هـ) بدمشق.
(1/603)

ثم تولاه بعده: شمس الدين ابن العماد: محمد بن إبراهيم ابن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ثم المصري، المتوفى بها سنة (676 هـ) وهذا أَول من دَرَّس المذهب الحنبلي بالمدارس الصالحية، بمصر، وأما قبله فكان المرسوم للشافعية عدم تولية من ينتسب للحنفي، أو الحنبلي، كما في: " السحب الوابلة ".
15- أول من أَلَّف في أصول مذهب الإمام أحمد، الحسن بن حامد ت سنة (403 هـ) ويأتي في: كتب أصول الفقه من " المدخل الثامن ".
16- أول من ولي قضاء الحنابلة بحلب هو موسى ابن فياض بن موسى بن فياض الفندقي الصالحي الحنبلي ت " 778 هـ ".
ا. هـ من السحب: 3/ 1141
انتهى الجزء الأول
(1/604)