Advertisement

المعتمد 002


الْكَلَام فِي الْإِجْمَاع
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي فُصُول الْإِجْمَاع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْغَرَض بذلك هُوَ القَوْل فِي أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَلما كَانَ الْإِجْمَاع هُوَ اتِّفَاق من جمَاعَة على أَمر من الْأُمُور إِمَّا فعل أَو ترك وَجَاز أَن يلْحق اتِّفَاقهم اشْتِبَاه فَيخرج مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ وَيجْعَل مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَجَاز أَن يكون الِاتِّفَاق حجَّة بِشَرْط وَجَاز أَن يُعَارض قَوْلهم حجَّة أُخْرَى وَوَجَب أَن يكون لَهُم طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَو يكون لنا طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَجب أَن نتكلم فِي كل ذَلِك فندل على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ثمَّ فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يَقع هَل هَذَا بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ أَو بِالرِّضَا والاعتقاد ثمَّ نتكلم فِي المتفقين فنبين من يعْتَبر قَوْله فِي الْإِجْمَاع وَمن لَا يعْتَبر فِيهِ وَيدخل فِي كلا الْقسمَيْنِ أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع بِكُل من بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بِجَمِيعِ الْمُكَلّفين إِلَى حد التَّكْلِيف وَلَا بالعامة فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيعْتَبر بِأَهْل الْأَعْصَار والامصار وبالمجتهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وبالتابعي الْحَدث المعاصر للصحابة وبالواحد من أهل الْعَصْر فَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع دونه ثمَّ نتكلم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ فنبين مَا الَّذِي يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة وَمَا الَّذِي لَا يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة ويشتمل ذَلِك على أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيمَا لَا يعلم صِحَة الِاجْتِمَاع إِلَّا بعد الْعلم بِصِحَّتِهِ فَيكون حجَّة فِي إِزَالَة الْخلاف الْمُتَقَدّم وَهل يكون حجَّة فِي أُمُور الدُّنْيَا وَهل يكون حجَّة وَإِن كَانَ سَبَب اجْتِمَاعهم اجْتِهَاد آرائهم فاذا عرفنَا
(2/3)

بِهَذِهِ الْفُصُول الِاتِّفَاق والمتفقين وَمَا يكون الِاتِّفَاق حجَّة فِيهِ تكلمنا فِي شَرط كَونه حجَّة ثمَّ نتكلم فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَفِيمَا ألحق بِهِ وَيدخل فِي ذَلِك فُصُول وَهِي هَل اخْتِلَاف الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عداهما وَهل اتِّفَاقهم على الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل أَو اعتلال بتعليل أَو تَأْوِيل هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عدا ذَلِك وَهل اتِّفَاقهم على أَن لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ اتِّفَاق على الْمَنْع بَينهمَا وَهل اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على كل حَال أم لَا وَبعد ذَلِك نتكلم فِيمَا يُعَارض الْإِجْمَاع ثمَّ فِي طَرِيق المجتمعين إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ويشتمل ذَلِك على أَنه لَا بُد من أَن يتفقوا على طَرِيق وَهل ذَلِك الطَّرِيق الِاجْتِهَاد أم لَا وَكَيف الْحَال فيهم إِذا اتَّفقُوا على مُوجب خبر الْوَاحِد ثمَّ نتكلم فِي طريقنا إِلَى اتِّفَاقهم وَيدخل فِي ذَلِك انْقِرَاض أهل الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى اتِّفَاقهم وَهل عدم الْمُخَالف لِلْقَوْلِ الَّذِي لم ينتشر طَرِيق إِلَى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الدّلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن إِجْمَاع أهل كل عصر من الْأمة صَوَاب وَحجَّة وَقَالَ النظام لَيْسَ ذَلِك حجَّة وَقَالَت الإمامية ذَلِك صَوَاب لِأَن الإِمَام دَاخل فيهم وَهُوَ الْحجَّة فَقَط وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} وَالْوسط من كل شَيْء خِيَاره والحكيم لَا يخبر بخيرية قوم ليشهدوا وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُم كلهم يقدمُونَ على كَبِيرَة فِي تِلْكَ الْحَال فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ بل لَا يجوز ذَلِك إِذا علم أَنهم يقدمُونَ فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ على قَبِيح صَغِير أَو كَبِير فصح أَن مَا شهدُوا بِهِ أَنه من الدّين فَهُوَ صَوَاب
(2/4)

إِن قيل المُرَاد بذلك أَن يشْهدُوا بذلك فِي الْآخِرَة على الامم السالفة أَن أنبياءهم بلغت إِلَيْهِم الرسَالَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم دولا فِي حَال مَا يشْهدُونَ دون حَال الدُّنْيَا وَالْجَوَاب أَنه لَو كَانَ هَذَا هُوَ المُرَاد لقَالَ سنجعلكم أمة وسطا وَأَيْضًا فانهم إِن شهدُوا بتبليغ الرُّسُل إِلَى الامم قبلهم والامم قد شاهدت ذَلِك فعلمهم بذلك أقوى من علم هَذِه الْأمة فَلم يجز أَن يستشهد الْأَنْبِيَاء بِمن علمه أَضْعَف وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم عدُول فِي الْآخِرَة على معنى أَنهم لَا يَفْعَلُونَ الْقَبِيح فَلَا معنى لتخصيص هَذِه الْأمة بِالْعَدَالَةِ لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْآخِرَة
إِن قيل قَوْله {ليشهدوا} لَيْسَ فِيهِ لفظ عُمُوم فَيَقْضِي أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاع الشَّهَادَات فَمَا يؤمنكم أَن يكون المُرَاد بذلك ليشهدوا على من بعدهمْ بِإِيجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعِبَادَات عَلَيْهِم قيل لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لم يُؤثر فِيمَا ذَكرْنَاهُ من أَن وَصفهم بِالْعَدَالَةِ يمْنَع من كَونهم مقدمين على كَبِيرَة وعَلى أَنه إِن أُرِيد بذلك إخبارهم من جِهَة التَّوَاتُر فَلَا معنى لجعلهم عُدُولًا لهَذَا الْغَرَض لِأَن بِخَبَر مثلهم يَقع الْعلم إِذا نقلوا بأجمعهم وَإِن لم يَكُونُوا عُدُولًا وَإِن أُرِيد بذلك أَنه جعلهم عُدُولًا ليخبرونا بالآحاد فَذَلِك غير مَوْجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد من الْأمة عدلا إِذا انْفَرد
فان قيل المُرَاد أَن أَكْثَرهم عدل قيل الظَّاهِر من قَوْله جَعَلْنَاكُمْ من وَجه بِالْخِطَابِ إِلَيْهِم وهم أهل الْعَصْر فَيجب أَن يَكُونُوا بأجمعهم عُدُولًا فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي الشَّيْء الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ ودانوا بِهِ وَلَو ثَبت أَن أَكْثَرهم لَا يواقعون كَبِيرَة صَحَّ أَن الْإِجْمَاع حجَّة لِأَنَّهُ إِن كَانَ كثير من الْأمة لَا يواقعون كَبِيرَة أصلا فقد تحققنا أَنه إِذا اتّفقت الامة كلهَا أَن مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بكبير لدُخُول أُولَئِكَ فِي الْجُمْلَة
إِن قيل المُرَاد بذلك أَنه جعل أَكْثَرهم عُدُولًا فِي الظَّاهِر لَا فِي الْحَقِيقَة
(2/5)

ليشهدوا من جِهَة الْخَبَر قيل الظَّاهِر من قَوْله {جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} أَنهم كَذَلِك على الْحَقِيقَة لِأَن الْخَبَر يَقْتَضِي كَون الْمخبر على مَا تنَاوله كَمَا لَو أخبر أَنه جعلهم بيضًا أَو سُودًا
فان قيل إِن كَانَ المُرَاد بالأمة جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لم يثبت مَعَ ذَلِك كَون الْإِجْمَاع حجَّة فان أُرِيد من كَانَ مَوْجُودا حِين نزلت الْآيَة لم يَصح أَن يتعلقوا بِالْإِجْمَاع فِي شَيْء إِلَّا أَن يعلمُوا أَن جَمِيع من كَانَ حَاضرا حِين نزلت الْآيَة قَالَ بذلك القَوْل قيل أما الْقسم الأول فَلَا يَصح لِأَن جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى قيام السَّاعَة لَا يجوز أَن يشْهدُوا بِلُزُوم الْعِبَادَات على غَيرهم لِأَنَّهُ لَيْسَ غَيرهم مُكَلّف بعد تِلْكَ الْحَال وَلَا يجوز الْقسم الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَقد أَمرهم الله تَعَالَى أَن يشْهدُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي وجوب الْقبُول علينا وَلَا يجوز أَن يقف وجوب قبولنا مِنْهُم على مَا لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَأَيْضًا فان الشَّهَادَة علينا إِنَّمَا تكون بعد حدوثنا وَمَوْت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المُرَاد بالأمة عصر الصَّحَابَة بعد وَفَاة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر} يدل على أَنهم ينهون عَن كل مُنكر لِأَن لَام الْجِنْس يسْتَغْرق الْجِنْس فَلَو أَجمعُوا على مَذْهَب مُنكر لما نهوا عَنهُ بل كَانُوا أمروا بِهِ
إِن قيل قَوْله {كُنْتُم خير أمة} يَقْتَضِي تقدم كَونهم خير أمة وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم يستديمون هَذِه الْحَال وَالْجَوَاب أَنه قد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون كَانَ هَا هُنَا هِيَ الزمانية وَيحْتَمل أَن تكون زَائِدَة وَإِن أَفَادَ لَفظهَا نصب قَوْله {كُنْتُم خير أمة} كَقَوْلِه تَعَالَى {كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا} وَيحْتَمل أَن تكون كَانَ هَا هُنَا تَامَّة بِمَعْنى وجدْتُم وَيكون
(2/6)

قَوْله خير أمة نصب على الْحَال وَأي هَذِه الْوُجُوه ثَبت لم يضرنا لِأَن قَوْله {خير أمة} إِن أَفَادَ تقدم كَونهم كَذَلِك فَقَوله {تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر} يَقْتَضِي كَونهم كَذَلِك فِي كل حَال وَمَا ينهون عَن كل مُنكر لأَنهم لَو كَانُوا ينهون عَن بعض الْمُنْكَرَات ويأمرون بِبَعْض وَينْهَوْنَ عَن ذَلِك فِي بعض حالاتهم دون بعض لما كَانُوا خير أمة أخرجت للنَّاس لِأَن الامم السالفة قد نهوا عَن كثير من الْمُنكر وَأمرُوا بِكَثِير من الْمَعْرُوف فِي بعض الْحَالَات دون بعض أَلا ترى أَنهم أمروا بِالتَّوْحِيدِ ونهوا عَن الْإِلْحَاد وَأمرُوا بنبوة أَنْبِيَائهمْ ونهوا عَن تكذيبهم فَوَجَبَ حمل الْآيَة على الْعُمُوم فِي جَمِيع الْحَالَات
فَأَما الْوَجْهَانِ الْآخرَانِ فَالْأَمْر فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال مَعَهُمَا ظَاهر دَلِيل قَوْله تَعَالَى {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا} فَجمع بَين مشاقة الرَّسُول وَاتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد فَلَو كَانَ اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مُبَاحا لما جمع بَينه وَبَين الْمَحْظُور فِي الْوَعيد أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يَقُول الْحَكِيم لعَبْدِهِ إِن زَنَيْت وشربت المَاء عاقبتك وَإِذا قبح اتِّبَاع غير سبيلهم وَجب تجنبه وَلم يُمكن تجنبه إِلَّا بِاتِّبَاع سبيلهم لِأَنَّهُ لَا وَاسِط بَين اتِّبَاع سبيلهم وَاتِّبَاع غير سبيلهم
إِن قيل إِنَّمَا جمع الله بَين مشاقة الرَّسُول وَبَين اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد لِأَن اتِّبَاع غير سبيلهم قَبِيح بِشَرْط مشاقة الرَّسُول وَغير قَبِيح إِذا لم يُوجد مشاقة الرَّسُول قيل لَهُ هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون من شاق الرَّسُول يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعَ مشاقته للرسول ومشاقة الرَّسُول لَيست مَعْصِيّة فَقَط وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيّة على سَبِيل الرَّد عَلَيْهِ والمعاندة لَهُ لِأَن من صدق بِالنَّبِيِّ وَفعل بعض الْمعاصِي لَا يُقَال إِنَّه مشاق للرسول وَمن كذب بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورد عَلَيْهِ
(2/7)

لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم صِحَّته بِالسَّمْعِ وَمن لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لَا يَصح أَن يُؤمر باتباعه فِي تِلْكَ الْحَال
فان قيل إِن الله تَعَالَى شَرط فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ تبين الْهدى وَاللَّام فِي الْهدى للْجِنْس فاقتضت اسْتِيعَاب الْهدى فَكَانَ معنى الْآيَة من تبين جَمِيع الْهدى وَاتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لحقه الْوَعيد فَيدْخل مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي جملَة الْهدى فَيجب تقدم بَيَانه بِدَلِيل سوى قَول الْأمة ثمَّ يتبعُون فِيهِ كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره إِذا تبين لَك صدق فلَان فَاتبعهُ يَقْتَضِي تبين صدقه بِشَيْء سوى قَوْله وَقد أجيبت عَن ذَلِك بِأَن تبين الْهدى شَرط فِي لُحُوق هَذَا الْوَعيد الْمَذْكُور بمشاقة الرَّسُول فَقَط لَا فِي اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون مشاقا ومعاندا إِذا تبين لَهُ الْحق وعرفه فَكَانَ هَذَا الشَّرْط مَقْصُورا على المشاقة فَقَط
وَيُجَاب عَن السُّؤَال أَيْضا بِأَن الْهدى الَّذِي تبينه شَرط فِي ثُبُوت مشاقة الرَّسُول وَفِي لُحُوق الْوَعيد هُوَ التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق الرَّسُول دون تبين الْهدى الَّذِي هُوَ الْفُرُوع أَلا ترى أَن من عرف التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحاد عَن نبوته ورد عَلَيْهِ كَانَ مشاقا لَهُ وَإِن لم يعرف أَحْكَام الْفُرُوع وَإِذا أنكر لم تكن الْمعرفَة بِأَحْكَام الْفُرُوع وَغَيرهَا مِمَّا زَاد على التَّوْحِيد وَالْعدْل والنبوات شرطا فِي المشاقة وَفِي لُحُوق الْوَعيد بهَا لم تكن شرطا فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْوَعيد الْمُعَلق بهما وَاحِد
وَأَيْضًا فان تَأْوِيل السَّائِل يبطل فَائِدَة تَمْيِيز الْمُؤمنِينَ بِهَذَا الْكَلَام مَعَ علمنَا أَنه خرج مخرج الإعظام لَهُم أَلا ترى أَن غير الْمُؤمنِينَ إِذا عرفنَا أَن قولا من أقاويلهم هَذَا فانه يلْزمنَا أَن نقُول مثل قَوْلهم كَمَا يلْزمنَا مثل ذَلِك فِي قَول الْمُؤمنِينَ عِنْد السَّائِل على أَن اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ هُوَ الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم لأَنهم قَالُوهُ
(2/8)

وَلَيْسَ اتباعهم هُوَ مشاركتهم فِي قَوْلهم لِأَن دَلِيلا دلّ عَلَيْهِ أَلا ترى أَنا لَا نَكُون متبعين للْيَهُود فِي إِثْبَات الصَّانِع جلّ ثَنَاؤُهُ وَفِي نبوة مُوسَى وَإِن شاركناهم فِي اعْتِقَادهم ذَلِك لما لم نصر إِلَى ذَلِك لأجل قَوْلهم
وَأَيْضًا فَهَذَا السَّائِل إِن جعل سَبِيل الْمُؤمنِينَ على كل حَال هَذَا فقد أوجب اتِّبَاعه فِي كل حَال وَفِي ذَلِك الرُّجُوع إِلَى قَوْلنَا وَإِن لم يَجعله هَذَا على كل حَال لزمَه أَن لَا يكون اتِّبَاعه على كل حَال وَاجِبا وَالْأَمر يُفِيد وجوب اتباعهم على كل حَال فَعلمنَا أَنه لم يرد تبين كل الْهدى
فان قيل لَسْتُم بِأَن تتركوا الظَّاهِر فِي استغراق الْهدى بِأولى من أَن نَتْرُك نَحن ظَاهر الْآيَة فِي اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي كل حَال ونتمسك بِعُمُوم الْهدى قيل الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم أَنكُمْ إِذا حملتم الْهدى على الْعُمُوم لزمكم أَن تحملوا الْآيَة على وُجُوه لَا فَائِدَة فِيهَا على مَا بَيناهُ من قبل وَهَذَا الْجَواب لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَّا بِمَا تقدم من الْأَجْوِبَة وفيهَا كِفَايَة
إِن قيل قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} يحْتَمل أَن يكون غير فِي هَذَا الْكَلَام بِمَعْنى إِلَّا فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع إِلَّا سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَيكون ذَلِك توعدا لمن لم يتبع سبيلهم وَمن شكّ فِيهِ توقف وَلمن اتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَيحْتَمل أَن يكون صفة فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع سَبِيلا غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَلَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد من لم يتبع سبيلهم وَلَا سَبِيل غَيرهم بل توقف فَمَا يؤمنكم أَن يكون غير هَا هُنَا صفة فَلَا يكون لكم فِي الاية دلَالَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا السُّؤَال يَقْتَضِي أَن تكون الْآيَة قد حظرت على الْإِنْسَان إِذا أَجمعت الامة على إِبَاحَة شَيْء أَن يَقُول بحظره أَو بِوُجُوبِهِ والمخالف لَا يحظر ذَلِك وَأَيْضًا فالمتوقف فِي قَوْلهم يتبع سَبِيلا غير سبيلهم فقد دخل فِي الْوَعيد أَلا ترى أَن من شكّ فِي نبوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوصف أَنه يتبع
(2/9)

غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فالمفهوم فِي قَول الْقَائِل لَا تتبع غير سَبِيل الصَّالِحين اتبع سبيلهم
فان قَالُوا إِنَّمَا فهم ذَلِك لِأَن اسْم الصَّالِحين مدح قيل لَهُم وَكَذَلِكَ اسْم الْمُؤمنِينَ فَيجب أَن يفهم من قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِيجَاب اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ
إِن قيل قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعْنَاهُ وَيتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَهَذَا يَقْتَضِي سَبِيلا وَاحِدَة قيل فَيجب أَن يحرم اتِّبَاع هَذِه السَّبِيل لِأَنَّهَا غير سبيلهم والمخالف لَا يحرم ذَلِك على أَن قَوْله غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِن أَفَادَ اتِّبَاع غير سبيلهم فَهُوَ عَام فِي كل سَبِيل كَانَ مَوْصُوفا بِأَنَّهُ غير سبيلهم كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ من دخل غير دَاري ضَربته فهم مِنْهُ كل دَار غير دَاره
إِن قيل السَّبِيل هُوَ الطَّرِيق دون القَوْل وَالْفَتْوَى فَيجب أَن يدْخل فِي ذَلِك مَا استطرقوه دون الْفَتْوَى قيل الْمَعْلُوم أَنه لم يرد مَا استطرقوه من الطّرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يحرم على الْإِنْسَان أَن يمشي فِي طَرِيق لَا يَمْشُونَ فِيهِ فان كَانَ المُرَاد بذلك مَا استطرقوه فِي الْأَدِلَّة فَيجب مَا اعتقدوه دَلِيلا أَن يكون دَلِيلا والمخالف لَا يُوجب ذَلِك على أَن مَا اجتباه الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَتمسك بِهِ يُقَال إِنَّه سَبيله سَوَاء كَانَ دَلِيلا أَو غَيره لِأَنَّهُ يُقَال لمن حرم النَّبِيذ إِنَّه لَيْسَ يسْلك سَبِيل ابي حنيفَة وَيُقَال للْإنْسَان اسلك سَبِيل التُّجَّار فيفهم من ذَلِك افْعَل فعلهم فِي زيهم وأخلاقهم وعاداتهم فصح أَن ذَلِك غير مَقْصُور على الْأَدِلَّة
فان قيل المجمعون صَارُوا إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ باستدلال واجتهاد فالاجتهاد فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة سبيلهم كَمَا أَن الحكم الَّذِي حكمُوا بِهِ سبيلهم فَلم أوجبتم على من بعدهمْ الْمصير إِلَى مَا حكمُوا بِهِ وأسقطتم عَنهُ الِاجْتِهَاد بِأولى من أَن
(2/10)

توجبوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال وَالِاجْتِهَاد وتسقطوا عَنهُ الْمصير إِلَى حكمهم على كل حَال وَالْجَوَاب أَنا إِذا أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْمصير إِلَى حكمهم كُنَّا قد أمرناه بِاتِّبَاع سبيلهم فِي الحكم وَفِي الِاسْتِدْلَال لِأَن من يتبع الْإِجْمَاع فقد اسْتدلَّ على الحكم الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ وَإِن كَانَ دَلِيله غير دَلِيل المجمعين وَلَيْسَ يجب على الْإِنْسَان أَن يسْتَدلّ بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ غَيره إِذا ظفر بِدَلِيل آخر على أَنه إِن وَجب على الْمُكَلف الِاسْتِدْلَال بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ الْأَولونَ على الْحَد الَّذِي استدلوا بِهِ فَذَلِك يُؤَدِّيه إِلَى الحكم الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأَنهم إِنَّمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأجل الِاسْتِدْلَال وَفِي هَذَا أوجبوا مشاركتهم فِي الحكم
فان قيل إِذا اتّفق أهل الْعَصْر على اسْتِبَاحَة شَيْء وفعلوه بأجمعهم أيلزم من بعدهمْ فعله لِأَن فعلهم سبيلهم قيل إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد إِبَاحَته فَأَما فعله فَلَو اوجبناه مَعَ أَنهم لم يوجبوه لَكَانَ ذَلِك خلاف سبيلهم
إِن قيل قَوْله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} لَا يمْنَع من اجْتِمَاعهم على الْكفْر وَالرِّدَّة فَمن أَيْن أَنه لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِم قيل الْآيَة إِن لم تمنع من ذَلِك فَهِيَ مَانِعَة من مخالفتهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا كَانُوا مُؤمنين وَلَا يمْتَنع أَن تدل على أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة
دَلِيل آخر وَأَيْضًا فاذا اجْتمع أهل كل عصر على أَنه لَا يجوز أَن يجتمعوا على الرِّدَّة كَانَ ذَلِك من سبيلهم فَلم يجز مخالفتهم فَمَتَى ثَبت هَذَا الْإِجْمَاع صج الِاسْتِدْلَال بِهِ وَقد أُجِيب عَن السُّؤَال بِأَن إِيجَاب الله علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي أَن لَا يَخْلُو عصر من الْأَعْصَار من مُؤمنين حَتَّى يَصح منا امْتِثَال الْأَمر باتبَاعهمْ وَفِي ذَلِك أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة وَهَذَا الْجَواب غير لَازم لِأَن إِيجَابه علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى وجد مُؤمنُونَ كَمَا يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى أَجمعُوا فَكَمَا لَا يلْزم بِهَذَا الْإِيجَاب أَن
(2/11)

يجتمعوا فِي كل عصر حَتَّى يَصح اتباعهم فَكَذَلِك لَا يجب أَن يوجدوا فِي كل عصر
إِن قيل قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} يَقْتَضِي دُخُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيهم لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام سيد الْمُؤمنِينَ فَيجب إِذا حدث حَادِثَة فِي زمَان الصَّحَابَة فَأَجْمعُوا عَلَيْهَا أَن لَا تكون حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ للنَّبِي فِيهَا قَول وَإِنَّمَا يمكنكم أَن تعلمُوا أَن قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا هُوَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا ثَبت لكم أَن الْإِجْمَاع حجَّة قيل إِن الله تَعَالَى لم يعن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَإِن كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام سيدهم لِأَنَّهُ لَو عناه مَعَ كَافَّة الْمُؤمنِينَ لم يكن لذكر من سواهُ من الْمُؤمنِينَ فَائِدَة إِذْ الْحجَّة ثَابِتَة بقوله والوعيد يتَوَجَّه إِلَى من خَالف قَوْله دون مَا عداهُ من الْمُؤمنِينَ فَعلمنَا أَنه أَرَادَ غَيره من الْمُؤمنِينَ ليدلنا على أَنهم حجَّة كَمَا أَن الرَّسُول حجَّة
إِن قيل فَيجب أَن لَا يكون مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة حجَّة فِي زمنهم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَة قَول لمن حضر نزُول هَذِه الْآيَة من الْمُؤمنِينَ الَّذين مَاتُوا قبل وَفَاة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَالْجَوَاب أَنا لَو اعْتبرنَا قَول من كَانَ مُؤمنا فِي ذَلِك الْوَقْت فَقَط للَزِمَ أَن لَا نعتبر قَوْلهم لِأَن قَول الامة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا بُد من أَن يعرفهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيقر عَلَيْهِ فَتكون الْحجَّة هِيَ إِقْرَار النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَترك إِنْكَاره عَلَيْهِ
إِن قيل اسْم الْمُؤمنِينَ يُفِيد أشخاصا يسْتَحقُّونَ الثَّوَاب والمدح فَيجب أَن يكون الْحجَّة هُوَ إِجْمَاع هَؤُلَاءِ دون الْفُسَّاق وَإِن خالفهم غَيرهم قيل كَذَلِك نقُول إِلَّا أَنا إِذا اعْتبرنَا إِجْمَاع جَمِيع أهل الْقبْلَة دخل المستحقون للثَّواب فِي جُمْلَتهمْ فان علمنَا فسق كثير من أهل الْقبْلَة فقد ذكر أَبُو عَليّ أَنه يعْتَبر إِجْمَاع من عداهم مِمَّن ظَاهره أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب والمدح وَلَا اعْتِبَار بالباطن لِأَن الله
(2/12)

تَعَالَى لَا يكلفنا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَلنَا طَرِيق إِلَى معرفَة كَونهم مُؤمنين وَإِذا كَانَ قد جعل لنا سَبِيلا إِلَى معرفَة الظَّاهِر دون الْبَاطِن علمنَا أَنه أَرَادَ اتِّبَاع سَبِيل من ظَاهره اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح وَأَنه لم يكلفنا الْبَاطِن
إِن قيل لَيْسَ يَصح التَّعْلِيق بِالْآيَةِ على قَول شيوخكم وَلَا على قَول غَيرهم أما قَول شيوخكم فالمؤمنون عِنْدهم المستحقون للثَّواب والمدح فَمَا يؤمنكم إِذا اتّفقت الامة على قَول أَن يكون ذَلِك خطأ يخرجُون بِهِ من اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح فاذا لم يأمنوا ذَلِك لم يأمنوا كَونهم مُؤمنين إِلَّا بعد الِاسْتِدْلَال بِغَيْر قَوْلهم على أَن ذَلِك القَوْل حق وصواب وَذَلِكَ يخرج قَوْلهم من أَن يكون دَلِيلا على كَونه صَوَابا وَشرط كَون قَوْلهم دَلِيلا أَن يكون قولا صادرا عَن مُؤمنين وَأَنْتُم إِنَّمَا تعلمُونَ هَذَا الشَّرْط بعد الْعلم بالمدلول وَهُوَ صِحَة قَوْلهم
فان قُلْتُمْ إِنَّهُم إِذا اتَّفقُوا على حكم هُوَ من الْفُرُوع لم يسْتَحقُّونَ بِهِ الذَّم لِأَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب وَلِأَنَّهُ خطأ مغْفُور قيل لكم الْمعول فِي ذَلِك هُوَ على الْإِجْمَاع فَمَتَى لم يثبت أَن الْإِجْمَاع حجَّة لم يَصح أَن يعلم ذَلِك على أَن ذَلِك يمْنَع من الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على حجية الْإِجْمَاع فِي غير مسَائِل الِاجْتِهَاد
فان قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على اتِّبَاع قَول الْمُؤمنِينَ لأجل قَوْلهم لَا لدَلِيل آخر على مَا تقدم بَيَانه وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم مُعينين غير موصوفين فَيجب أَن يكون المُرَاد بقوله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} على مُوجب اللُّغَة أَو من كَانَ ظَاهره قبل مَا أَجمعُوا على أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب لأَنا إِن لم نحمل الْآيَة على ذَلِك لم يَصح اتِّبَاع قَوْلهم لأجل أَنهم قَالُوهُ قيل لكم لَسْتُم بِأَن تعدلوا عَن الظَّاهِر فَتَحملُوا الْآيَة على التَّصْدِيق أَو تحملوا الْمُؤمنِينَ على من كَانَ قبل ذَلِك الْإِجْمَاع يسْتَحق الْمَدْح فِي الظَّاهِر وتمسكوا بِالظَّاهِرِ فِي وجوب اتباعهم لأجل قَوْلهم بِأولى من أَن تتمسكوا علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين سَوَاء كَانُوا موجودين
(2/13)

أَو غير موجودين كَمَا نقُول اتبع سَبِيل الصَّالِحين وَأَنت تُرِيدُ صالحين موصوفين أَي وَاتبع سَبِيلا من حَقّهَا أَن تكون سَبِيل الصَّالِحين وَهِي الَّتِي كَانُوا بهَا صالحين أَو يكون المُرَاد اتبع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي ترك مشاقة الرَّسُول فاذا اعتدل التأويلان سقط احتجاجكم بِالْآيَةِ
وَأما غير شيوخكم فانهم وَإِن قَالُوا إِن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْمُصدق بِاللَّه وبرسوله فانه إِنَّمَا لم يَصح لَهُم الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ لِأَن ظَاهر قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} يدل على حظر مُخَالفَة جمَاعَة هم مصدقون بِاللَّه بقلوبهم وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَيْهِ
فان قَالُوا المُرَاد بذلك الْمُؤْمِنُونَ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُكَلف اتِّبَاع من لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ قيل لَهُم قد تركْتُم الظَّاهِر لِأَن من يظْهر الْإِيمَان وَلَا يَعْتَقِدهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن على التَّحْقِيق وَالْآيَة تفِيد تَعْلِيق الْوَعيد على من خَالف من هُوَ مُؤمن على الْحَقِيقَة فان جَازَ لكم أَن تعدلوا عَن هَذَا الظَّاهِر جَازَ لنا أَن نقُول المُرَاد بِالْآيَةِ سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين على مَا تقدم بَيَانه وَترك الظَّاهِر فِي كَون الْمُؤمنِينَ الْمَذْكُورين فِي الْآيَة مُعينين إِن كَانَ الظَّاهِر يُفِيد كَونهم مُعينين فنترك ظَاهرا فِي الاية ونتمسك بِغَيْرِهِ كَمَا تركْتُم ظَاهرا فِي الاية وتمسكتم بِغَيْرِهِ
دَلِيل قَوْله تَعَالَى {واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا} وَقد قيل إِنَّه اسْتدلَّ بذلك بِأَن أَمر بالاعتصام بِحَبل الله على أَنهم قد اعتصموا بِهِ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْأَمر لَا يدل على وُقُوع امتثاله
وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وُجُوه أخر
مِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لبَعْضهِم أَن يتْرك هَذَا
(2/14)

القَوْل لأَنهم إِذا فعلوا ذَلِك كَانُوا قد تفَرقُوا وَالله تَعَالَى قد نهى عَن ذَلِك وَالْجَوَاب أَنه إِن كَانَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حَقًا فقد حرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق عَنهُ وَإِن كَانَ خطأ وَجب عَلَيْهِم بأجمعهم الْعدْل عَنهُ وَالْإِجْمَاع على الْحق وَأَن لَا يتفرقوا عَنهُ فقد قَالَ الْمُخَالف إِنَّه يحرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق وَإِن لم يحصل الْإِجْمَاع حَقًا
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لأهل الْعَصْر الثَّانِي أَن يخالفوهم لِأَنَّهُ إِذا خالفهم أهل الْعَصْر الثَّانِي كَانَ أهل الْعَصْر الثَّانِي قد تفَرقُوا وَالْجَوَاب أَنه لَا يوصفون بِأَنَّهُم متفرقون إِذا أَجمعُوا على مُخَالفَة أهل الْعَصْر الأول فان افْتَرَقُوا هم على قَوْلَيْنِ فقد نهوا عَن ذَلِك لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الِاجْتِمَاع على الْحق
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا خَالف أهل الْعَصْر الثَّانِي لأهل الْعَصْر الأول فقد صَار أهل الْعَصْر الأول مَعَ الثَّانِي مُتَفَرّقين وَالنَّهْي يمْنَع من ذَلِك وَالْجَوَاب أَن أهل الْعَصْر الأول غير موجودين فِي هَذِه الْحَالة فَيُقَال إِنَّهُم مَعَ أهل الْعَصْر الثَّانِي منهيون عَن التَّفَرُّق وَأَيْضًا فان الْمَفْهُوم من قَوْله تَعَالَى {واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا} وَقَوله {وَلَا تفَرقُوا} هُوَ أَن لَا يتفرقوا فِي الِاعْتِصَام بِحَبل الله كَمَا أَن الْمَفْهُوم من قَول الْإِنْسَان لعبيده ادخُلُوا الدَّار أَجْمَعِينَ أَي لَا تتفرقوا فِي دُخُول الدَّار فَيجب على الْمُسْتَدلّ أَن يبين مَا أجمع أهل الْعَصْر عَلَيْهِ اعتصام بِحَبل الله تَعَالَى حَتَّى يعلم من بعدهمْ أَنهم قد نهوا عَن مفارقتهم وَهَذَا غير ظَاهر لِأَن قَوْله وَلَا تفَرقُوا مُطلق فِي النَّهْي عَن التَّفَرُّق فَيتَنَاوَل كل شَيْء
دَلِيل قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة فَدلَّ أَنهم إِذا لم يتنازعوا لم يجب الرَّد لِأَن
(2/15)

تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ
وَلقَائِل أَن يَقُول أيسقط وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَيصير ترك ذَلِك مُبَاحا إِذا اتَّفقُوا على الحكم بِالرَّدِّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة أَو إِذا اتَّفقُوا على ذَلِك من غير رد إِلَيْهِمَا فان قُلْتُمْ بِالثَّانِي جوزتم وُقُوع الْإِجْمَاع من غير دَلِيل وَجَوَاز ذَلِك يمْنَع صِحَة الْإِجْمَاع وَإِذا قُلْتُمْ بِالْأولِ نسبتم إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يجوز لِأَن طلب الحكم من الْكتاب وَالسّنة بعد مَا وجد مِنْهُمَا محَال إِذْ طلب مَا هُوَ مَوْجُود عِنْد الطّلب مُسْتَحِيل فإباحة ترك المستحيل عَبث لَا يصدر عَن حَكِيم
فان قيل فَمَا المُرَاد بِالْآيَةِ قيل المُرَاد بهَا الْحَث على طَاعَة أولى الْأَمر وهم الْأُمَرَاء فَمَا تدبروا بِهِ من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا مِمَّا لَا نعلم أَنه خطأ فان ظننا أَنه خطأ ونازعناهم فِيهِ رددناه إِلَى الله وَرَسُوله وَهَذَا كَمَا لَو قَالَ الْإِنْسَان لعبيده أطِيعُوا من أوليه عَلَيْكُم فان تنازعتم وتخالفتم فَردُّوهُ إِلَيّ لفهم مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ
دَلِيل وَهُوَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَجْتَمِع أمتِي على خطأ فنفى جَمِيع الْخَطَأ عَن إِجْمَاعهم لِأَن ذَلِك نفي لنكرة تعم وَمِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَيجب كَون ذَلِك صَوَابا غير خطأ وَيَنْبَغِي أَن يتشاغل بتثبت الْخَبَر ثمَّ بالْكلَام فِي مَتنه وَقد سلك النَّاس فِي تثبيته وُجُوهًا
مِنْهَا أَن الْخَبَر وَإِن نقل بالآحاد فان مَعْنَاهُ بالتواتر رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَقَالَ يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة وَقَالَ الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَقَالَ مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَقَالَ من خَالف الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه قَالُوا فَجرى ذَلِك مجْرى مَا تناقل بالآحاد من تفاصيل سخاء حَاتِم فِي أَنه قد صَار بإجماعه متواترا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذِه الْأَخْبَار تبلغ خَمْسَة أَو سِتَّة وَلَو روى خَمْسَة نفر أَو سِتَّة خَبرا لم يجب أَن يكون مَعْلُوما
(2/16)

وَلَو وَجب أَن يكون بعض هَذِه الْأَخْبَار صَحِيحا لم يمْنَع أَن يكون الصَّحِيح مِنْهَا قَوْله الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَذَلِكَ يدل على أَن الْأَغْلَب فِيمَا اجْتمع عَلَيْهِ كَونه صَحِيحا وَلَيْسَ ذَلِك من الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم بسبيل لِأَنَّهُ لَا يُمكن لأحد أَن يُخَالف فِي سخاء حَاتِم وَيُمكن أَن يُخَالف فِي هَذِه الْأَخْبَار
وَمِنْهَا أَن التَّابِعين اعتقدوا بأجمعهم صِحَة الْإِجْمَاع وَلم يظْهر فِيمَا بَينهم شَيْء لأَجله صَارُوا إِلَى هَذَا الرَّأْي إِلَّا هَذَا الْخَبَر فَعلمنَا أَنهم صَارُوا إِلَيْهِ لأَجله وَالْعَادَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على مُوجب خبر إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَنه مَا نقل بالآحاد وَلم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُوجبه لما كَانَ حكمهم بِمُوجبِه مَوْقُوفا على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنِّي لَا أعلم أَن جمَاعَة التَّابِعين اعتقدوا كَون الْإِجْمَاع حجَّة كَمَا لَا أعلم ذَلِك فِي أهل هَذَا الْعَصْر سِيمَا وَقد رُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ فِي قَول الْقَائِل لامْرَأَته أَنْت حرَام أَنه لَيْسَ بِشَيْء وَهَذَا بِخِلَاف إِنَّمَا أفتت بِهِ الصَّحَابَة وَلَو ثَبت أَنهم أَجمعُوا على ذَلِك لم نَأْمَن أَن يكون إِنَّمَا اعتقدت صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْآيَات فَقَط لَا للْخَبَر وَلَو علمنَا أَنهم اعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْخَبَر لم نعلم أَنه صَحِيح لأَنهم إِن قَالُوا فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع بِخَبَر لم يقم بِهِ الْحجَّة لِأَن ذَلِك خطأ والامة لَا تَجْتَمِع على خطأ كَانُوا قد سلمُوا صِحَة الْإِجْمَاع وبنوا عَلَيْهِ الدَّلِيل فان أوجبوا ذَلِك لِأَن الحكم بِخَبَر الْوَاحِد مَوْقُوف على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَذَلِكَ يمْنَع من اتِّفَاق جَمَاعَتهمْ على مُوجبَة قيل لَهُم أَلَيْسَ يجوز أَن يجمعوا على الحكم من جِهَة الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد وَيجوز من جِهَة الْعقل أَن يجمعوا من جِهَة الشّبَه وَإِن أوجبوا ذَلِك لأَنهم استقرءوا الْأَخْبَار فوجدوا مَا كَانَ مِنْهَا قد قَامَت الْحجَّة بِهِ قد اتَّفقُوا على مُوجبه وَمَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا عَلَيْهِ أَلا ترى أَن أَخْبَار الْآحَاد فِي الْفِقْه لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل لَهُم وَلم زعمتم أَن عَادَتهم مستمرة بذلك فِي كل مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ من الْأَخْبَار وَمَا أنكرتم أَن يكون هَذَا الْخَبَر لم تقم الْحجَّة بِهِ وَأَجْمعُوا على
(2/17)

مُوجبَة وَقد تركت الصَّحَابَة آرائهم بِخَبَر حمل بن مَالك وصاروا إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن فِي الْمَجُوس وَأَجْمعُوا على أَنه لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا بِخَبَر وَاحِد
وَإِن قَالُوا لم يجمعوا على ذَلِك إِلَّا لقِيَام الْحجَّة بِهِ قيل تثبتوا ذَلِك حَتَّى يَصح استدلالكم وَلَو كَانُوا أَجمعُوا على ذَلِك لقِيَام الْحجَّة بِهَذِهِ الْأَخْبَار لم يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على قبُول الْأَخْبَار المظنونة
فان قَالُوا أَلَيْسَ بعض أَخْبَار الْآحَاد لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل إِنَّا لم نوجب أَن يجمعوا على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِنَّمَا جَوَّزنَا ذَلِك وجوزنا خِلَافه فَلم يلْزمنَا مَا ذكرْتُمْ
فان قيل لَا يجوز على التَّابِعين مَعَ شدَّة تدينهم وإعظامهم للدّين أَن يقطعوا على كَون شَيْء حجَّة فِي الشَّرْع بِمَا لَا يُوجب الْقطع وَالْيَقِين كَمَا لَا يجوز وَالْحَال هَذِه أَن يقبلُوا خبر وَاحِد فِي جَوَاز نسخ الشَّرْع بِحَسب شهوات بَعضهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَنهم اعتقدوا ذَلِك لشُبْهَة كَمَا اعْتقد كثير من أَصْحَاب الحَدِيث فِي الله تَعَالَى مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ لأخبار آحَاد بالتقليد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَلم يقطعوا بِهِ فظنوا أَن الْإِجْمَاع حجَّة واعتقدوا وجوب مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لأَنهم قد ظنُّوا صِحَّته كَمَا اعتقدوا وجوب قبُول خبر الْوَاحِد فِي الْأَحْكَام إِذا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَمَا ذَكرُوهُ من اعْتِقَادهم النّسخ بِحَسب الشَّهَوَات فانه يجوز عَلَيْهِم أَن يقبلُوا خَبرا مرويا فِي ذَلِك إِلَّا أَن يعلم أَن إِجْمَاعهم حجَّة أَو يعلم أَنهم قد استبعدوا تغير الشَّرْع بِحَسب شهوات النَّاس فَمنع هَذَا الاستبعاد من إِجْمَاعهم على صِحَة الْخَبَر وَلَيْسَ اتِّفَاق الامة على الْحق بمستبعد كاستبعاد تغير الشَّرْع بالشهوات بل الْأَغْلَب عِنْد النَّاس أَن الْحق لَا يخفى على الْجمع الْكثير وَالنَّاس الشَّرِيفَة يعظمون الامة فَالْخَبَر الْوَاحِد يَنْفِي الْخَطَأ عَنْهُم ويطابق هَذَا المستقر فِي أنفسهم وورود الْخَبَر بنسخ الشَّرِيعَة بِحسن الشَّهَوَات يُنَافِي لما تكن فِي نفوس الامة
(2/18)

وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يسْتَدلّ مستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع بأخبار الْآحَاد لِأَن الْعقل عندنَا يدل على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ التَّحَرُّز عَن المضار فاذا روى الْوَاحِد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أمته لَا تَجْتَمِع على خطأ ظننا أَنهم كَذَلِك ولزمنا الْعَمَل بِمَا حكمُوا بِهِ كَمَا أَن الْمُسَافِر لَو أخبرهُ من ظَاهره الصدْق عَن بعض من يَثِق بِهِ أَنه يَأْمر بِالرُّجُوعِ فِي سَفَره إِلَى رثد فِي طَرِيقه فانه لَا يغلط أَو أَنه قَلِيل الْغَلَط فِي السّفر لزمَه الرُّجُوع إِلَيْهِ إِذا غلب على ظَنّه صدق الرَّاوِي وإصابته من أمره بِالرُّجُوعِ إِلَى رثد إِلَّا أَن هَذِه الْأَخْبَار لَا تَقْتَضِي الْقطع على إِصَابَة المجتمعين وَإِنَّمَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع فِي الْأَعْمَال دون الْعُلُوم
فَأَما الْكَلَام فِي متن الْخَبَر فقد تقدم طرف مِنْهُ وَهُوَ كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ وَيرد عَلَيْهِ وُجُوه
مِنْهَا أَن يُقَال هلا كَانَ الْخَطَأ الْمَنْفِيّ عَنْهَا هُوَ السَّهْو وَلَيْسَ هُوَ خلاف الْحق وَالْجَوَاب أَن الْجَمَاعَة المعظمة لَا تَجْتَمِع على السَّهْو كَمَا لَا يجوز أَن تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد فَلَو كَانَ المُرَاد مَا ذَكرُوهُ لم يكن فِيهِ فَائِدَة كَمَا لَو قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم لَا يجوز أَن يجتمعوا على السَّهْو فمدح هَذِه الْأمة بذلك وتخصيصهم بِهِ لَا فَائِدَة فِيهِ
وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لم يكن الله ليجمع أمتِي على الْخَطَأ قَالُوا وَنحن نقُول بذلك لِأَن الله تَعَالَى لَا يحمل الْعباد على الْخَطَأ وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين الْخَبَرَيْنِ فَنَقُول لَا يَجْتَمعُونَ على الْخَطَأ وَلم يكن الله ليجمعهم على الْخَطَأ على أَن الله تَعَالَى لَا يحمل أحدا على الْخَطَأ فَلَو كَانَ المُرَاد بالْخبر هَذَا لم يكن فِي تَخْصِيص الامة بِهِ معنى
وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال والضلال هُوَ الْكفْر دون غَيره وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين ذَلِك وَبَين الْخَبَر النَّافِي لأنواع الْخَطَأ عَنْهُم
(2/19)

وَأَيْضًا فَكل مَعْصِيّة ضلال لِأَنَّهُ قد عدل بهَا عَن الْحق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين}
وَمِنْهَا أَن يُقَال مَا المُرَاد بِأمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَال اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ قوم أمته كل من بعث إِلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ بل هم كل من صدقه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من إِطْلَاق قَوْلنَا أمة النَّبِي وَلِأَن الْمُسلمين يدعونَ لأمة مُحَمَّد وَلَا يدعونَ لكل من بعث النَّبِي إِلَيْهِ فان قيل فَيجب أَن يَقع قَوْله أمتِي على من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بعد ذَلِك تَكْلِيف فيحتج فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لَا يتَنَاوَل إِلَّا من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر دون من لم يُوجد لِأَن من لم يُوجد لَا يكون مُصدقا فِي تِلْكَ الْحَال وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَانَ المُرَاد بقوله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ كل من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لم يكن فِي الْخَبَر دلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَوَجَب أَن يكون المُرَاد بالْخبر مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن كَانَ المُرَاد بالْخبر من هُوَ مَوْجُود بِمن صدقه وَجب أَن لَا يدْخل تَحت الْخَبَر إِلَّا من كَانَ مَوْجُودا من أمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد قَوْله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَلَا يُمكن وَالْحَال هَذِه أَن تستدلوا باجماع الصَّحَابَة بعده مَعَ علمهمْ أَن كثيرا مِمَّن كَانَ حَيا عِنْد وُرُود هَذَا الْخَبَر من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد توفّي أَو تجويزكم أَنه توفى وَمَا تنكرون أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا عَنى بِهَذَا الْكَلَام أَن من عاصر هَذَا القَوْل فِيهِ لَا يجْتَمع على خطأ وَلم يكن قَصده أَن يجْتَمع بقَوْلهمْ لأَنهم إِذا أجمعو على شَيْء فأقره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فالحجة هِيَ إِقْرَاره فان قُلْتُمْ إِن المصدقين بِهِ بعد وَفَاته هم أمته فَدَخَلُوا تَحت ظَاهر الْخَبَر قيل لكم إِنَّمَا يدْخلُونَ تَحْتَهُ لَو كَانُوا جَمِيع أمته وَلَيْسوا جَمِيع أمته بل جَمِيع أمته هم مَعَ تقدمهم
وَمِنْهَا قَوْلهم وَلم إِذا كَانُوا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بخطأ فَيكون حجَّة فان قُلْتُمْ لِأَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ قيل لكم وَمَتى
(2/20)

أَجمعُوا على ذَلِك وَفِيهِمْ من يَقُول يجوز أَن يجتمعوا على خطأ فان أدعيتم أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كلهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الامة لَا تَجْتَمِع على خطأ لم يسلم الْخصم لكم ذَلِك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن السُّؤَال بِأَن الْمُعْتَبر هُوَ بِإِجْمَاع من يَقُول إِن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَإِن جَازَ مخالفتهم لَكَانَ هَذَا القَوْل الْحق قد أخرج عَن أقاويل الامة لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم من جمع بَين هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَفِي ذَلِك اتِّفَاقهم على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك
دَلِيل الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على اخْتِلَاف هممهم وأغراضهم لَا يجوز أَن يتفقوا على قَول إِلَّا لداع وَلَا يجوز أَن يكون التَّقْلِيد هُوَ الَّذِي دعاهم لِأَن كثيرا مِنْهُم يبطل التَّقْلِيد وَلَو دعتهم الشُّبْهَة لنقلت وَنقل خوضهم فِيهَا فاذا لم تنقل علمنَا أَنه بِحجَّة قَاطِعَة وَيجْرِي مجْرى اتِّفَاقهم على رِوَايَة مَا شاهدوه فِي أَنه لَا يجوز الْخَطَأ عَلَيْهِم فِيهِ وَالْجَوَاب أَن الْعقل يُجِيز اتِّفَاق الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على الْخَطَأ من جِهَة الرَّأْي ويلزمهم على مَا قَالُوهُ أَن لَا يجوز اتِّفَاق جَمِيع الْأُمَم على خطأ وَكَذَلِكَ كل جمَاعَة من الْأمة يَقع الْعلم بِخَبَر مثلهَا وَيلْزم إِذا نقلوا مَا أَجمعُوا لأَجله أَن يجوز وَأَن كَونه شُبْهَة لأَنهم إِنَّمَا أحالوا أَن يجمعوا عَن شُبْهَة لَا تنقل وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون بَعضهم صَار إِلَى القَوْل بِشُبْهَة ثمَّ قلدهم الْبَاقُونَ لمحبتهم لَهُم وانصراف أهوائهم إِلَيْهِم أَو لاستثقالهم النّظر وتصويبهم التَّقْلِيد وعَلى أَن كثيرا من النَّاس يظْهر القَوْل بِفساد التَّقْلِيد ثمَّ ينظر فِي الدَّلِيل فاذا شقّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله قطع النّظر وقلد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا بأجمعهم صَارُوا إِلَى القَوْل بِشُبْهَة فظنوها حجَّة فَأَضْرَبُوا عَن نقلهَا لظنهم أَنَّهَا حجَّة كَمَا يضْربُونَ عَن نقل الْحجَّة إِذا أَجمعُوا على مُوجبهَا
وَالْفرق بَين رِوَايَة الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة عَمَّا شاهدته وَإِن لم يَقع اللّبْس فِيهِ وَبَين مَا قالته من جِهَة الرَّأْي أَن الرَّأْي يَعْتَرِضهُ الشُّبْهَة والأهواء فَتَصِير الْأَهْوَاء مَعَ التَّقْصِير فِي النّظر الشُّبْهَة بِصُورَة الْحجَج فَلَا يُؤمن أَن يَكُونُوا اتَّفقُوا لذَلِك وَهَذَا صنف عَمَّا شاهدوه وَزَالَ اللّبْس فِيهِ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم عَالم بِمَا
(2/21)

شاهدوه وَلَا يجوز مَعَ كثرتهم أَن يخبروا بِمَا يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه كَانَ فِيهِ وَأَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ
دَلِيل قد ثَبت دوَام شرعنا إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف فَوَجَبَ أَن يكون قَول الامة حجَّة ليدوم قيام الدّلَالَة على اتِّصَال الشَّرْع وَالْجَوَاب أَن الْحجَّة فِي ذَلِك الْقُرْآن وَالِاجْتِهَاد وَالْأَخْبَار على أَن شرعنا مُنْقَطع بِانْقِطَاع التَّكْلِيف كانقطاع شرع من قبلنَا بالنسخ فدوام كل وَاحِد من الشرعين كدوام الآخر أَو تقارنه فَكَمَا لَا يجب أَن يكون قَول إِحْدَى الامتين حجَّة لم يجب فِي الْأُخْرَى مثله
وَأما من خَالف فِي الْإِجْمَاع فانه يسْلك مسالك ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يحِيل وُقُوع الْإِجْمَاع وَالْآخر أَن يحِيل ثُبُوت الطَّرِيق إِلَيْهِ وَالْآخر أَن يَقُول لَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع دَلِيل عَلَيْهِ
أما إِحَالَة الْإِجْمَاع فَمن وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يَقُول يَسْتَحِيل أَن يجوز على كل وَاحِد من الْأمة الْخَطَأ وَلَا يجوز على جَمَاعَتهمْ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وَأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم أسود وجماعتهم غير سود وَالْجَوَاب أَن المستحيل هُوَ أَن يُقَال إِن كل وَاحِد من الامة يجوز كَونه مخطئا فِي القَوْل الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ وجماعتهم غير مخطئين فِيهِ وَلم نقل ذَلِك وَإِنَّمَا نقُول إِن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يكون قَوْله خطأ إِذا انْفَرد وَإِذا اجْتمع مَعَ جمَاعَة الامة لم يكن قَوْله خطأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُفَارق الْوَاحِد الْجَمَاعَة أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يَأْكُل الْيَوْم مأكلا مَخْصُوصًا وَلَا يجوز أَن يجتمعوا على أكله فِي ذَلِك الْيَوْم وَنَظِير مَا ذَكرُوهُ أَن نقُول كل وَاحِد مِنْهُم مخطىء وَالْكل فِي ذَلِك القَوْل غير مخطىء وَهُوَ نَظِير قَول الْقَائِل الْكل لَيْسُوا بسود وكل وَاحِد مِنْهُم أسود وَنَظِير قَوْلنَا فِي الْإِجْمَاع أَن نقُول كل وَاحِد من النَّاس
(2/22)

يجوز أَن يكون أسود فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ فان اجْتَمعُوا فِي بلد آخر لم يَكُونُوا سُودًا بل بيضًا
وَالْوَجْه الآخر فِي إِحَالَة الْإِجْمَاع قَوْلهم لَو انْعَقَد الْإِجْمَاع لَكَانَ إِن انْعَقَد عَن نَص وَجب نَقله والاستغناء بِهِ وَلَا يجوز انْعِقَاده عَن أَمارَة لأَنهم على كثرتهم وَاخْتِلَاف هممهم لَا يجوز اتِّفَاقهم عَن الأمارات المظنونة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يتفقوا عَن نَص لَا ينقلوه اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع أَو ينْقل وَيكون مُحْتملا فيستغنى بِالْإِجْمَاع عَن النّظر فِيهِ وَيجوز اتِّفَاقهم عَن أَمارَة كَمَا جَازَ اتِّفَاق الْجَمَاعَات عَن شُبْهَة
وَأما من قَالَ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع فسيجيء فِي بَاب مُنْفَرد وَمن قَالَ لَا دَلِيل على صِحَة الْإِجْمَاع فَقَوله بَاطِل لما تقدم من الدَّلِيل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يكون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الِاتِّفَاق يكون من الْجَمَاعَة بِالْفِعْلِ نَحْو أَن يَفْعَلُوا بأجمعهم فعلا وَاحِدًا وَيكون بالْقَوْل وَيكون بِالرِّضَا نَحْو أَن يخبروا عَن أنفسهم بِالرِّضَا وَنَحْو أَن يظْهر القَوْل فيهم وَلَا يظهرون كَرَاهِيَة مَعَ زَوَال التقية وَقد يَجْتَمعُونَ على الْفِعْل وعَلى القَوْل وعَلى الْإِخْبَار عَن الرِّضَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وكل هَذِه الْأَشْيَاء أَدِلَّة على الِاعْتِقَاد لحسن مَا رَضوا بِهِ ولوجوبه على أَن اتِّفَاقهم على الْفِعْل يدل على حسنه من حَيْثُ كَانَ الْعقل دَلِيلا على اعْتِقَادهم لحسنه وَمن حَيْثُ كَانُوا قد اتَّفقُوا على فعله لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ مَا اجْتَمعُوا على فعله كَمَا لَا يَجْتَمعُونَ على اعْتِقَاد حسنه وَقد يَجْتَمعُونَ على ترك القَوْل فِي الشَّيْء وعَلى ترك فعله فَيدل ذَلِك على أَنه غير وَاجِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ تَركه مَحْظُورًا وَفِي ذَلِك إِجْمَاعهم على الْمَحْظُور وَيجوز أَن يكون مَا تَرَكُوهُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
(2/23)

لِأَن تَركه لَيْسَ بمحظور وَذَلِكَ نَحْو أَن يتْركُوا اعْتِقَاد الْأَفْضَل من بعض أهل الْأَعْصَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنه لَا اعْتِبَار فِي الاجماع بِجَمِيعِ من بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن جَمِيع من بعث إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هم المكلفون إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف من مُؤمن وَكَافِر ومجتهد وَغير مُجْتَهد وَلَا اعْتِبَار بالكافرين فِي الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُم معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فوقوف الْإِجْمَاع عَلَيْهِم يُؤَدِّي إِلَى تعذر الْإِجْمَاع لوقوفه على مَا هُوَ مُتَعَذر وَلِأَن الْإِجْمَاع لَا تعلم صِحَّته إِلَّا بِالسَّمْعِ وأدلة السّمع لَا تتَنَاوَل الْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} الْآيَة وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم امتي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَهَذَا الِاسْم لَا يفهم من إِطْلَاقه الْكَافِر وَلَا اعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع بِكُل الْمُؤمنِينَ إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف لِأَن فِي أَدِلَّة الْإِجْمَاع مَا يَقْتَضِي أَن أهل الْعَصْر الْوَاحِد حجَّة وَلِأَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو اعْتبرنَا فِي الْإِجْمَاع جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى آخر التَّكْلِيف لم يكن حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بعدهمْ تَكْلِيف فَيكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيهِ
فان قيل يكون حجَّة على من أجمع مَعَهم ثمَّ فارقهم قيل كَيفَ يكون حجَّة عَلَيْهِ وَلَا يُؤمن أَن يحدث بعدهمْ من يخالفهم فَلَا يكون جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف متفقين على ذَلِك الحكم
وَأما غير الْمُجْتَهدين فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْأَقْوَال المنتشرة فِي الامة ضَرْبَان أَحدهمَا منتشر فِي الْخَاصَّة فَقَط كمسائل الِاجْتِهَاد وَالْآخر منتشر فِي
(2/24)

الْخَاصَّة والعامة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا مَعْلُوم باضطرار من دين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالثَّانِي غير مَعْلُوم من دينه باضطرار فالمعلوم من دينه باضطرار كالصلوات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان وَتَحْرِيم الْبِنْت وَمَا أشبه ذَلِك وَمَا هَذِه سَبيله يسْتَغْنى فِي الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ عَن قَول مَنْقُول عَن النَّبِي أَو إِجْمَاع وَالصَّحِيح أَن ذَلِك مَعْلُوم من الدّين باستدلال لأَنا لَو نعلم تَوَاتر النَّقْل عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيم الْبِنْت أَو تَوَاتر نقل الْقُرْآن وَأَنه لَا يجوز أَن يحرم شَيْئا إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقد لتحريمه لم نعلم أَنه يعْتَقد تَحْرِيم ذَلِك أَلا ترى أَنه لَو لم ينْقل إِيجَاب صَوْم شهر رَمَضَان عَنهُ لم يعلم دينه فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو علمنَا النَّقْل فِي ذَلِك وجوزنا أَن يُوجب مَا لَا نعتقد وُجُوبه علينا لم يعلم ذَلِك وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل مَا يدعى أَنه مَعْلُوم باضطرار أَنه من دين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا اشتبهت الْحَال فِيهِ لِأَن الْعلم بِأَنَّهُ من دينه ظَاهر وَلم يحصل فِيهِ نزاع بَين الامة
وَأما الْأَقْوَال المنتشرة فِي الْخَاصَّة والعامة وَهِي مَعْلُومَة من الدّين باستدلال فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مِنْهَا تَحْرِيم بنت الْبِنْت وَأَن بنت الْخَالَة مُخَالفَة فِي التَّحْرِيم للخالة وَمَعْرِفَة أَوْقَات الصَّلَوَات
وَلقَائِل أَن يَقُول أما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على التَّفْصِيل فَمن مسَائِل الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ يدْخل فِي تَفْصِيل ذَلِك معرفَة آخر الْوَقْت وَذَلِكَ مُجْتَهد فِيهِ وَأما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على الْجُمْلَة وَتَحْرِيم بنت الْبِنْت فالعامة إِنَّمَا تعرف ذَلِك يالرجوع إِلَى الْعلمَاء لَا بالاستدلال لِأَن الْمُكَلف إِنَّمَا يعرف ذَلِك اسْتِدْلَالا بظواهر تعلم أَنَّهَا قد تجردت عَمَّا يعارضها وَإِنَّمَا يعلم عدم ذَلِك بعد أَن يفتش الشَّرِيعَة والعامة لم تنظر فِي هَذِه الظَّوَاهِر وَلَا فتشت عَمَّا يعارضها
فَأَما مسَائِل الِاجْتِهَاد فقد اخْتلف النَّاس فِي اعْتِبَار الْعَامَّة فِيهَا فَقَالَ قوم إِن الْعَامَّة وَإِن وَجب عَلَيْهَا اتِّبَاع الْعلمَاء فان اجماع الْعلمَاء لَا يكون حجَّة على أهل الْعَصْر الثَّانِي حَتَّى لَا تسوغ مخالفتهم إِلَّا بِأَن يتبعهُم الْعَامَّة من أهل عصرهم فان لم يتبعوهم لم يجب على أهل الْعَصْر الثَّانِي من الْعلمَاء اتباعهم وَقَالَ
(2/25)

آخَرُونَ إِجْمَاع الْعلمَاء حجَّة على من بعدهمْ اتبعهم عوام عصرهم أَو لم يتبعوهم
وَاحْتج الْأَولونَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قَول الامة حجَّة لانها بأجمعها معصومة من الْخَطَأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون جَمَاعَتهمْ الْخَاصَّة والعامة معصومة من الْخَطَأ فاذا لم يمْتَنع ذَلِك وَكَانَت ظواهر الْإِجْمَاع تتَنَاوَل الْخَاصَّة والعامة وَجب اشْتِرَاط دُخُول الْعَامَّة وَوَجَب القَوْل بِأَن اللطف إِنَّمَا يثبت للامة بأجمعها وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاع فِي قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَهَذَا يتَنَاوَل الْعلمَاء وَغَيرهم وَقَوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا} الْآيَة كل ذَلِك خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل جَمِيع من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر من الامة كالخطاب بالعبادات
وَاحْتج الذاهبون إِلَى القَوْل الثَّانِي بِأَن الْعَامَّة يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الْعلمَاء فَهُوَ كالمنصرف فِيهَا فَلم يكن بقبولها اعْتِبَار
وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم إِذا وَجب عَلَيْهَا الْمصير إِلَى قَول غَيرهَا لَا يعْتَبر بقولِهَا وَمَا أنكرتم أَنه وَإِن وَجب ذَلِك عَلَيْهَا فانه لَا يكون حجَّة من دونهَا وَيُمكن أَن يحْتَج فِي الْمَسْأَلَة أَيْضا فَيُقَال إِن الْأمة إِنَّمَا يكون قَوْلهَا حجَّة إِذا قالته بالاستدلال لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تحكم بِغَيْر دَلِيل فَهِيَ إِنَّمَا عصمت من الْخَطَأ فِي استدلالها والعامة لَيست من أهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال على الْحَوَادِث فتعصم مِنْهُ
فان قَالُوا لَا يمْنَع أَن يكون اللطف ثَابتا لجَماعَة الامة مجتهدها وَغير الْمُجْتَهد مِنْهَا وَلَا يكون لبعضها لطف يَعْصِمهَا من الْخَطَأ قيل إِذا كَانَ اللطف إِنَّمَا يعْصم من الْخَطَأ فِي الِاسْتِدْلَال وَلم يكن من الْعَامَّة اسْتِدْلَال لم يَصح أَن تكون معصومة فِيهِ وَبِهَذَا الْوَجْه يخص ظواهر الْآيَات
(2/26)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة على من بعدهمْ وَقَالَ أهل الظَّاهِر إِجْمَاع الصَّحَابَة وَحده حجَّة دون غَيرهم من إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار
وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تخص عصرا دون عصر لقَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} والتابعون مُؤمنُونَ وَكَذَلِكَ أهل كل عصر وَقَوله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} وَقَوله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَجْتَمِع أمتِي على الْخَطَأ
والمخالف يحْتَج بأَشْيَاء مِنْهَا الْإِجْمَاع إِنَّمَا عرف كَونه حجَّة بِالشَّرْعِ والأدلة السمعية تخْتَص بالصحابة دون غَيرهم لِأَن قَوْله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل ظَاهره الْحَاضِرين وهم الصَّحَابَة دون غَيرهم فَلَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى عناهم بِالْخِطَابِ ليميزهم بِهَذَا الْمَدْح وَقَوله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} يتَنَاوَل الصحاب فَأَما التابعون فالخطاب لَا يتناولهم وحدهم بل يتناولهم مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة لِأَن الْمُؤمن هُوَ الْمُسْتَحق للثَّواب سِيمَا وَهَذَا الْخطاب خرج مخرج الْمَدْح وَالصَّحَابَة بعد مَوْتهمْ يسْتَحقُّونَ الْمَدْح وَالثَّوَاب وَإِذا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ هم التابعون مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة فاستحال أَن يكون لمن تقدم من الصَّحَابَة قَول فِي الْحَادِثَة فِي زمن التَّابِعين واستحال أَن يكون لجَماعَة الْمُؤمنِينَ قَول أَو لم يكن إِذْ الْمُخَالف فِي الْحَالَتَيْنِ مُخَالف لبَعض الْمُؤمنِينَ لَا لجميعهم
فان قُلْتُمْ إِذا لم يجز أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ}
(2/27)

من تقدم من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون لَهُم قَول فِيمَا حدث بعدهمْ وَجب أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله التَّابِعين دون من تقدم فَيدْخل من خالفهم تَحت الْوَعيد قيل إِنَّه لم يعن من تقدم لما ذكرْتُمْ وَلَا عَنى الْحَاضِرين من التَّابِعين لأَنهم بعض الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا عَنى من يُطلق عَلَيْهِ فِي وقته أَنه جمَاعَة الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الصَّحَابَة فَقُلْنَا إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وحدهم حجَّة وَكَذَلِكَ قَوْله لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال لَا يتَنَاوَل التَّابِعين وحدهم لِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِم فِي عصرهم أَنهم جَمِيع أمة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بل يُقَال إِنَّهُم بعض أمته وَيُطلق القَوْل فِي عصر الصَّحَابَة بِأَنَّهُم الْآن جَمِيع أمته الْجَواب إِن هَذَا السُّؤَال لَا يتَوَجَّه على من قَالَ إِن اسْم الْمُؤمنِينَ اشتقاق من التَّصْدِيق لِأَن من لم يصدق فِي الْحَال حَتَّى مَاتَ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم مُؤمن وَلَا يُوصف ايضا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن لِأَنَّهُ يُوهم أَنه كَانَ مُؤمنا
وَلَا يلْزم الشَّيْخ أَبَا هَاشم رَحمَه الله لِأَن لَام الْجِنْس لَا يُوجب الِاسْتِغْرَاق وَيجوز أَن يدْخل تَحْتَهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَمَتَى تركنَا وَظَاهر قَطعنَا على أَنه قد أُرِيد بِهِ ثَلَاثَة فَلم يجب أَن يكون أُرِيد بِالْمُؤْمِنِينَ مَجْمُوع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا أَن الْإِجْمَاع الَّذِي يعرفهُ الْخصم قد منع أَن يُرَاد بِالْآيَةِ بعض أهل الْعَصْر فأخرجناه فِي الْخطاب وَوَجَب أَن يُرَاد بِهِ جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما من يَقُول إِن لَام الْجِنْس استغراق فَلهُ أَن يَقُول لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن نُرِيد بِهَذِهِ الْآيَات من حضر عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا بِغَيْر من تقدم مَوته من الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ قَوْلنَا أَو بِغَيْر من تقدم وَذَلِكَ يمْنَع من كَون إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة لِأَن من مَاتَ قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ مُؤمن وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَادِثَة قَول
فان قيل فَمَا الْجَواب لمن سَأَلَ عَن هَذَا السُّؤَال مِمَّن لَا يَقُول إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وَلَا غَيرهم حجَّة قيل قد تقدم فِي الْبَاب الأول
وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ قَالُوا فحكمة بِأَن الِاقْتِدَاء بِأَصْحَابِهِ اهتداء الْجَواب أَن ذَلِك لَا يمْنَع من كَون
(2/28)

التَّابِعين مثلهم فِي ذَلِك على أَن قَوْله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ يتَنَاوَل آحادهم وَلَيْسَ قَول كل وَاحِد مِنْهُم حجَّة على الْمُجْتَهدين فَعلمنَا أَنه إِنَّمَا حث بذلك الْعَامَّة على استفتاء كل وَاحِد مِنْهُم
وَاحْتج بِأَن الصَّحَابَة قد اخْتصّت بمشاهدة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام والحضور عِنْد الْوَحْي فَكَانَ لَهُم مزية بذلك الْجَواب وَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك يُوجب أَن يكون لَهُم مزية فِي كَون قَوْلهم حجَّة دون غَيرهم
وَاحْتَجُّوا بِأَن قَول التَّابِعين لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ عَن نَص متواتر أَو غير متواتر أَو عَن أَمارَة اجتهدوا فِيهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك لما ذهب كل ذَلِك على الصَّحَابَة لأَنهم لَا يكونُونَ أدنى رُتْبَة من التَّابِعين الْجَواب أَنه لَا يمْتَنع أَن لَا تحدث الْحَادِثَة فِي الصَّحَابَة فَلَا يفحصوا عَن نَص وَارِد فِيهَا وَلَا عَن أَمارَة مُجْتَهد فِيهَا فَلَا يظفروا بهَا ويظفر التابعون بهَا إِذا اضطروا إِلَى طلبَهَا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا يمْتَنع أَن تحدث الْحَادِثَة فِي زمن الصَّحَابَة فيختلفون فِيهَا ويتفق التابعون فِيهَا على أحد أَقْوَالهم فيظفر التابعون فِي ذَلِك القَوْل بِمَا لم يظفر بِهِ أحد الطالبين من الصَّحَابَة لِأَن قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ لَيْسَ بِحجَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي وجوب اعْتِبَار الْمُجْتَهدين كلهم من أهل الْعَصْر الْوَاحِد فِي الْإِجْمَاع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
يضمن هَذَا الْبَاب فصولا مِنْهَا أَن أَكثر أهل الْعَصْر لَا يكون إِجْمَاعًا وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا عاصر الصَّحَابَة وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وَمِنْهَا اعْتِبَار أهل الْأَمْصَار كلهم
أما الْفَصْل الأول فقد بَين أَكثر النَّاس أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على قَول إِلَّا الْوَاحِد والاثنين من الْمُجْتَهدين لَا يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْخياط إِن ذَلِك حجَّة
(2/29)

وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِذا خرج عَنْهُم الْوَاحِد لِأَن قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} لَا يتَنَاوَل إِلَّا جَمِيع أهل الْعَصْر على قَول من قَالَ إِن لَام الْجِنْس تعم وَمن قَالَ لَا تعم فانه لَا يُوجب استغراقها للْأَكْثَر حَتَّى لَا يبْقى إِلَّا الْوَاحِد والاثنان بل يَجْعَلهَا حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة والمخالف لَا يَجْعَل قَول الثَّلَاثَة حجَّة وَقَوله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} وَقَوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال يتَنَاوَل جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَن أَكْثَرهم يُقَال لَهُم بعض الْأمة وَلَا يُطلق وَصفهم بِأَنَّهُم الْأمة وَأَيْضًا فَفِي الصَّحَابَة من تفرد بأقاويل لم توافقه عَلَيْهَا الْجَمَاعَة وَلم تنكر عَلَيْهِ كتفرد ابْن عَبَّاس بمسائل فِي الْفَرَائِض وَكَذَلِكَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} وَقَوله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال قَالُوا وَهَذِه الْأَسْمَاء تتَنَاوَل حَقِيقَة جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَجَمَاعَة الْأمة وَإِن شَذَّ مِنْهُم الْوَاحِد كَمَا أَن الْإِنْسَان يَقُول رايت بقرة سَوْدَاء وَإِن كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَيَقُول أكلت رمانة وَإِن سقط مِنْهَا حبات لم يأكلها وَالْجَوَاب أَن أَسمَاء الْجمل والعموم لَا تتَنَاوَل الْأَكْثَر إِلَّا مجَازًا أَلا ترى أَنه يجوز أَن يُقَال فِي الْأمة إِلَّا الْوَاحِد لَيْسَ هَؤُلَاءِ كل الْمُؤمنِينَ وَلَا كل الْأمة فَعلمنَا أَن اسْم الْكل لم يتَنَاوَل إِلَّا الْجَمِيع وَقَول الْإِنْسَان أكلت الرمانة وَهُوَ يُرِيد أَكْثَرهَا مجَاز وَكَذَلِكَ الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ إِذا كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن يكون الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ يُفِيد فِي الْعرف كَونهَا سَوْدَاء فِي
(2/30)

رَأْي الْعين فَلَا يمْنَع ذَلِك وجود شَعرَات بيض فِيهَا وَلَا يمْتَنع أَن يكون قَول الْقَائِل أكلت رمانة مَعْنَاهُ فِي الْعرف أكلت مَا جرت الْعَادة بِأَكْلِهِ وَلَيْسَ يكَاد يَنْفَكّ الرمانة من حبات تتساقط مِنْهَا فَذَلِك خَارج من الْكَلَام بِالْعرْفِ وَلَيْسَ يجب إِذا نقل الْعرف ذَلِك أَن ينْقل غَيرهَا من الْأَسْمَاء
وَمِنْهَا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَأهل الْعَصْر كلهم إِلَّا الْوَاحِد والاثنان هم السوَاد الاعظم وَيُقَال عَلَيْكُم بملازمة الْجَمَاعَة وَذَلِكَ يتَنَاوَل أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَالْجَوَاب أَن ذَلِك فِي أَخْبَار الْآحَاد وَيَقْتَضِي أَن يجب اتِّبَاع الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة لأَنهم جمَاعَة وَبطلَان ذَلِك يدل على أَنه عَنى بِالْجَمَاعَة جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما السوَاد الْأَعْظَم فهم جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَنَّهُ لَيْسَ أعظم مِنْهُ وَلَو لم يكن المُرَاد مَا ذَكرْنَاهُ لدخل تَحْتَهُ النّصْف من أهل الْعَصْر إِذا زادوا على النّصْف الآخر بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة فان قيل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الاعظم يَقْتَضِي أَن يكون حجَّة على غَيرهم مِمَّن لَيْسَ هُوَ من السوَاد الْأَعْظَم وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بِأَن يكون فِي الْعَصْر غَيرهم مِمَّن لم يجمع مَعَهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون حجَّة على من يَأْتِي بعدهمْ مِمَّن هُوَ أقل مِنْهُم عددا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْوَاحِد من أهل الْعَصْر إِذا خَالف من سواهُ من أهل الْعَصْر يُوصف بالشذوذ وَذَلِكَ اسْم ذمّ وَلذَلِك أنْكرت الصَّحَابَة على ابْن عَبَّاس مقَالَته فِي الرِّبَا وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن الْوَاحِد شَاذ إِلَّا إِذا خَالف بعد مَا وَافق وَابْن عَبَّاس لم يُنكر عَلَيْهِ الصَّحَابَة لِأَن قَول غَيره حجَّة عَلَيْهِ لَكِن لأجل خير ابي سعيد
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنان لَو أخبروا بِشَيْء وَقع الْعلم بخبرهم فَيجب مثله فِي إِجْمَاعهم وَالْجَوَاب أَنهم جمعُوا بَين الموضوعين بِغَيْر عِلّة وعَلى أَنه يلْزم أَن يكون أهل بلد وَاحِد حجَّة إِذا أَجمعُوا أَن بروايتهم يَقع الْعلم فان فصلوا بَين إِجْمَاعهم وَبَين خبرهم بِأَن إِجْمَاعهم يَقع عَن رَأْي
(2/31)

واستدلال وخبرهم يَقع عَن إِدْرَاك فَهُوَ فصلنا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع حجَّة فِي الْعَصْر وَفِيمَا بعده وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون فيهم من يخالفهم حَتَّى يَكُونُوا حجَّة عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يَكُونُوا حجَّة على من يَأْتِي من بعد وَحجَّة على آحادهم تمنعهم من الرُّجُوع عَمَّا قَالُوهُ وَلَو وَجب أَن يكون الْإِجْمَاع حجَّة على مُخَالف قد عاصر المجمعين لوَجَبَ إِذا أجمع كلهم على قَول أَن لَا يكون حجَّة
فاذا ثَبت أَن خلاف الْوَاحِد والاثنين لَا ينْعَقد مَعَه الْإِجْمَاع فَمَتَى رُوِيَ إِجْمَاع أهل عصر مُتَقَدم على قَول وَرُوِيَ بالتواتر ان وَاحِدًا لم يجْتَمع مَعَهم لم يكن إِجْمَاعًا وَإِن رُوِيَ ذَلِك بالآحاد فان كَانَ قد رُوِيَ عَنهُ بالتواتر الْوِفَاق لم يتْرك التَّوَاتُر لأجل الْآحَاد كَمَا لَا يُعَارض خبر وَاحِد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخَبَر متواتر وَإِن لم يكن قد رُوِيَ مُوَافقَة لَهُم لم يحكم بِأَنَّهُم أَجمعُوا لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَن يعلم مُوَافقَة ذَلِك الْوَاحِد لَهُم فَكيف إِذا رويت عَنهُ الْمُخَالفَة
وَحكى الشَّيْخ أَبُو عبد الله عَن الشَّيْخ ابي الْحسن أَن الْإِجْمَاع إِذا ظهر فِي الْعَصْر وَرُوِيَ عَن وَاحِد مِنْهُم بالآحاد خِلَافه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع ذكر ذَلِك فِيمَا رُوِيَ بالآحاد عَن أبي طَلْحَة فِي الْبرد وَإِن علمنَا أَن اتِّفَاق أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد وَعلمنَا أَنه كَانَت لَهُ حَالَة مُوَافقَة فان علمنَا أَنه وافقهم ثمَّ خالفهم ثَبت الْإِجْمَاع وَإِن علمنَا أَنه خَالف تِلْكَ الْمقَالة قبل أَن يجتمعوا لم يثبت الْإِجْمَاع وَإِن لم نعلم هَذَا التَّفْصِيل فَالْأولى أَن لَا يثبت الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُؤمن أَن لَا يكون إِنَّمَا قَالَ بذلك القَوْل قبل أَن يَقُولُوا بِهِ ثمَّ خَالفه قبل أَن يتفقوا عَلَيْهِ فان حكى عَن بعض أهل الْعَصْر مَا يحْتَمل أَن يكون مُوَافقَة وَمَا يحْتَمل أَن لَا يكون مُوَافقَة لَهُم فان كَانَ ظَاهره الْمُوَافقَة حمل عَلَيْهَا وَإِن كَانَ ظَاهره الْمُخَالفَة حمل عَلَيْهَا وَإِن لم يكن لَهُ ظَاهر فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يحمل على الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَالفا لقويت دواعيه إِلَى إِظْهَار الْخلاف وَلَيْسَ كَذَلِك لَو كَانَ مُوَافقا لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمُوَافقَة السُّكُوت وَترك
(2/32)

الْإِنْكَار وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك القَوْل بَاطِلا لكانوا قد اتَّفقُوا على ترك الْإِنْكَار الصَّرِيح وَذَلِكَ لَا يجوز وَذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن ابْن الإخشيد أَن قوما قَالُوا إِن أهل الْعَصْر إِذا حكمُوا بِحكم وَحكى عَن غَيرهم من أهل الْأَعْصَار خِلَافه فان كَانُوا كَثْرَة لَا يجوز أَن يظهروا خلاف مَا يبطنوه قدح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَإِن جَازَ أَن يظهروا خلاف مَا يبطنونه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَهَذَا بَاطِل لِأَن جَوَاز إظهارهم خلاف مَا يبطنونه لَا يمْنَع جَوَاز كَون باطنهم مُوَافقا لظاهرهم فَيكون ذَلِك خلافًا قادحا فِي الْإِجْمَاع
وَأما الْفَصْل الثَّانِي فَهُوَ أَن الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا حضر مَعَ الصَّحَابَة فِي وَقت الْحَادِثَة فانه لَا يكون قَوْلهم حجَّة إِذا خالفهم وَعم بَعضهم أَنه يكون حجَّة وَإِن خالفهم وَدَلِيل الْأَوَّلين ان أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِلَّا مَعَه نَحْو قَوْله {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تجمع على خطأ وَجرى مجْرى الْحَدث من الصَّحَابَة إِذا كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد لِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد من دونه
والمخالف يحْتَج بِمَا رُوِيَ أَن عَائِشَة أنْكرت على أبي سَلمَة بن عبد الرحمن بن عَوْف خِلَافه على الصَّحَابَة فِي بعض الْمسَائِل وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن تكون أنْكرت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خالفها بعد مَا اتّفقت وَكَانَ اتفاقها سَابِقًا لكَونه من أهل الِاجْتِهَاد أَو لم تكن المسالة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وعَلى أَن قَوْلهَا بانفرادها لَيْسَ بِحجَّة
وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أَن يُخَالف فِي الْمَسْأَلَة بعض الْمُجْتَهدين مِمَّن لم يشْتَهر بالفتوى كواصل بن عَطاء فانه لَا يكون قَول من عداهُ حجَّة وَقَالَ بعض النَّاس يكون حجَّة لِأَن مسَائِل الِاجْتِهَاد يجب الرُّجُوع فِيهَا إِلَى أهل الِاجْتِهَاد فَقَوْل غَيرهم لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم كَمَا أَن قَول النُّحَاة لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم يبين
(2/33)

ذَلِك أَنا إِذا أردنَا تَقْوِيم شَيْء وَجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى أهل الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء وَدَلِيلنَا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع تتَنَاوَل هَذَا الْإِنْسَان نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَإِنَّمَا أخرجنَا الْعَامَّة من ذَلِك لأَنهم لَيْسُوا بِأَهْل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ كَذَلِك هَذَا الْمُجْتَهد وَبِهَذَا فَارق النُّحَاة وَمَا ذَكرُوهُ من الرُّجُوع فِي التَّقْوِيم إِلَى الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء فَهُوَ حجَّة لنا لأَنا نرْجِع إِلَى من يخبر ذَلِك وَإِن لم يكن مشتهرا بالتقويم وَلَا منتدبا لتقويم الْأَشْيَاء فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يرجع فِي الْحَوَادِث إِلَى أهل الِاجْتِهَاد وَإِن لم ينتدبوا للْفَتْوَى
وَأما الْفَصْل الرَّابِع وَهُوَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار فَعِنْدَ أَكثر النَّاس أَن الْحجَّة هِيَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار كلهم من الْمُجْتَهدين فِي الْعَصْر الْوَاحِد وَحكي عَن مَالك أَنه قَالَ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة وحدهم حجَّة وَقَالَ بعض أَصْحَابه إِنَّمَا جعل نقلهم أولى من نقل غَيرهم دليلنا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم وحدهم نَحْو اسْم الْمُؤمن وَاسم الامة وَلِأَن الْأَمَاكِن لَا تُؤثر فِي كَون الْأَقْوَال حجَّة وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة طيبَة تخرج خبثها كَمَا يخرج الْكِير خبث الْحَدِيد لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حجَّة وَإِنَّمَا هُوَ مدح لَهَا وَلَيْسَ المُرَاد بذلك ذمّ كل من خرج مِنْهَا لإِجْمَاع الْأمة على أَن الْخُرُوج مِنْهَا غير مَذْمُوم وَكَون الْمَدِينَة مهبط الْوَحْي لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حق وَأما كَون روايتهم أولى من رِوَايَة غَيرهم فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح والدرس أَن ذَلِك لَا يمْتَنع وَلَا فرق بَين رِوَايَة الْوَاحِد مِنْهُم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَو بغَيْرهَا وَإِنَّمَا المُرَاد بذلك أَن تكون روايتهم بعد عصر الصَّحَابَة أولى من رِوَايَة غَيرهم لِأَن أهل الْبَلَد أعرف بِمَا يجْرِي فِيهِ من غَيرهم وَأَنه يرجع النَّاس فِي مَعْرفَته إِلَى الْبقْعَة الَّتِي حدث فِيهَا ذَلِك لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا شاهدوه أَو أخْبرهُم بِهِ جمَاعَة مِمَّن شاهدوه وَيُمكن فيهم من كَثْرَة المخبرين مَا لَا يُمكن فِي غَيرهم بل غَيرهم يرجع إِلَيْهِم
(2/34)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَا يكون الْإِجْمَاع حجَّة فِيهِ وَمَا لَا يكون حجَّة فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن مَا تجمع الْأمة عَلَيْهِ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ وَالْآخر يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ
فَالْأول لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع فِيهِ كالإجماع على أَن الله تَعَالَى حَكِيم عَادل وَأَن مُحَمَّدًا نَبِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمكن أَن تعرف صِحَة الْإِجْمَاع بعد أَن يعرف أَن الله تَعَالَى أَو رَسُوله قد شهد بِأَن الْإِجْمَاع حق وأنهما لَا يَشْهَدَانِ بِشَيْء إِلَّا وَهُوَ على مَا شَهدا بِهِ وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك إِذا عرفت حِكْمَة الله تَعَالَى وَأَنه لَا يفعل الْقَبِيح وَأَن مُحَمَّدًا صَادِق ليعلم صدقه فِي إخْبَاره أَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى حَتَّى يعلم أَن مَا فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على الْإِجْمَاع من قبل الله تَعَالَى فاذا كَانَت الْمعرفَة بِصِحَّة الْإِجْمَاع لَا يُمكن أَن تتقدم على الْمعرفَة بِاللَّه وبحكمته وَصدق رَسُوله لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ على ذَلِك إِذْ من حق الدَّلِيل أَن يُعلمهُ الْمُسْتَدلّ على الْوَجْه الَّذِي يدل عَلَيْهِ قبل علمه بالمدلول
فَأَما مَا يُمكن أَن يعرف صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِهِ فَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر من أُمُور الدّين فَالْأول نَحْو أَن يجتمعوا أَنه لَا يجوز الْحَرْب فِي مَوضِع معِين ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يجوز لمن بعدهمْ مخالفتهم فِي ذَلِك لِأَن حَالهم فِي ذَلِك لَيست بأعظم من حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو رأى رَأيا فِي الْحَرْب لساغ مُرَاجعَته فِيهِ وَلَيْسَ إِجْمَاعهم على إِمَامَة أبي بكر من هَذَا الْقَبِيل لِأَن ذَلِك من أُمُور الدّين وَذكر فِي كتاب النِّهَايَة أَنه لَا يجوز مخالفتهم لِأَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع منعت من الْخلاف عَلَيْهِم وَلم يفصل بَين أَن يكون قد اتَّفقُوا على أَمر ديني أَو دنياوي ويفارقون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الَّذِي منع من جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ هُوَ المعجز وَذَلِكَ لَا يتَعَلَّق بِأُمُور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك الْأمة فَأَما أُمُور الدّين فانه يكون اتِّفَاقهم حجَّة فِيهِ سَوَاء كَانَ عقليا نَحْو
(2/35)

رُؤْيَة الله تَعَالَى لَا فِي جِهَة وَنفي ثَان مثله أَو كَانَ شرعيان لِأَنَّهُ يُمكن الْعلم بِصِحَّة الْإِجْمَاع قبل الْعلم بذلك إِذْ الشَّك فِي ذَلِك لَا يخل بِالْعلمِ بِاللَّه تَعَالَى وحكمته وَصدق نبيه وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل صادرا عَن اجْتِهَاد عَن أَمَارَات أَو اسْتِدْلَالا بأدلة وَلَا فرق بَين أَن يكون قد تقدم ذَلِك الْإِجْمَاع اخْتِلَاف أَو لم يتقدمه اخْتِلَاف وسنتكلم فِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ إِن شَاءَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن الْإِجْمَاع إِذا انْعَقَد عَن اجْتِهَاد كَانَ حجَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن الْحَاكِم صَاحب الْمُخْتَصر أَنه قَالَ إِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع لأهل الْعَصْر عَن اجْتِهَاد جَازَ لمن بعدهمْ ان يخالفهم فِيهِ وَعِنْدنَا أَنه حجَّة يحرم خِلَافه لقَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} فاذا اجْتَمعُوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ فخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم فَلم يجز اتِّبَاعه
فان قيل إِنَّمَا لم يكن سبيلهم لِأَنَّهُ لم يؤد الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ فاذا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاجْتِهَاد اجْتِهَاد غَيرهم وَالْجَوَاب أَن ذَلِك شَرط لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يجز إثْبَاته وَلَو جَازَ مَا ذَكرُوهُ لجَاز أَن يُقَال فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ عَن دَلِيل إِنَّه سبيلهم بِشَرْط أَن يُؤَدِّي الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ وخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم إِن لم يؤد الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ فَإِن أدّى الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِدْلَال اسْتِدْلَال غَيرهم فَيبْطل التَّعَلُّق بِالْإِجْمَاع أصلا
فان قيل أَلَيْسَ لَو اتَّفقُوا على الحكم اجْتِهَادًا وَلم يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَن غَيره قد وَافقه جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة ذَلِك الحكم وَلَا يَأْثَم من خَالفه فقد صَار جَوَاز مُخَالفَة ذَلِك الحكم سبيلهم بأجمعهم قيل هَذَا لَازم فيهم إِذا أَجمعُوا على الحكم بالأدلة
(2/36)

وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَهُوَ أَنه إِذا كَانَت الْحَال هَذِه فانه إِنَّمَا جوز كل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة قَوْلهم بِشَرْط كَونه غير مجمع عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه لَو علم أَنه مجمع عَلَيْهِ لم يجز ذَلِك فاذا علمنَا أَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ لم يجز أَن نخالفهم
فَأَما من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فانه يمْنَع من مُخَالفَة قَوْله سَوَاء اتّفق عَلَيْهِ أَو لم يتَّفق عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مخالفتهم وَلقَائِل أَن يَقُول لم زعمتم أَنهم اجْتَمعُوا على ذَلِك وَإِذا كَانَ فِي النَّاس من يجوز مخالفتهم لم يُؤمن أَن يكون فِي المجمعين عَن اجْتِهَاد من يجوز مخالفتهم فَلَا يَصح ادِّعَاء الْإِجْمَاع فالمخالف يقيس القَوْل الْمجمع عَلَيْهِ بِاجْتِهَاد على الْمُخْتَلف فِيهِ بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صادر عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب أَن الْعلَّة فِي الأَصْل أَنه قَول لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ ثمَّ تعارضهم فيقيس الْمَسْأَلَة على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَول مُتَّفق عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بعد الِاخْتِلَاف وَبعد الِاتِّفَاق وَفِي الِاخْتِلَاف بعد الِاتِّفَاق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على حكم من الْأَحْكَام فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على متابعتهم وَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَيجوز أَن يخالفهم بعض أهل الْعَصْر الثَّانِي وَلَا يحل ذَلِك لَهُم لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيل من بعض الامة أَن يعدل عَن الْحق وَلَا يجوز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على مخالفتهم
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه قَالَ إِنَّمَا لم يجز أَن يتفقوا على مخالفتهم لِأَن أهل الْعَصْر الأول أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يَقع الْإِجْمَاع من بعد على مخالفتهم وَلَو لم يجمعوا على ذَلِك لجَاز أَن يتفقوا على مخالفتهم وَيكون الْإِجْمَاع الثَّانِي فِي حكم النَّاسِخ للْأولِ وَحكي عَن الشَّيْخ أبي عَليّ أَنه قَالَ
(2/37)

لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يخالفهم رجل وَاحِد ولجاز أَن يَنْضَم إِلَيْهِ غَيره إِلَى أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف قَول الْأَوَّلين وَقَوله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} يمْنَع من أَن يتبع أهل الْعَصْر الثَّانِي غير سبيلهم وَلِأَن الْمَسْأَلَة إِن لم تكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فخلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الأول فِيهَا ضَلَالَة والامة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فَأَما إِذا اخْتلف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على أَحدهمَا فاذا اتَّفقُوا كَانَ صَوَابا وَحجَّة مُحرمَة للأخذ بالْقَوْل الآخر
وَفِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ اخْتِلَاف أما جَوَاز اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد منع مِنْهُ قوم ظنا مِنْهُم أَن اخْتِلَاف من تقدم فِي ضمنه الْإِجْمَاع على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على الاطلاق فأدخلوا فِي الْإِجْمَاع مَا لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِيمَا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَأما إِذا اتَّفقُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد عَن بعض الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه لَا يكون حجَّة فِي تَحْرِيك القَوْل الآخر وَحكي عَن شَيخنَا أبي عبد الله وَأبي الْحسن وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يكون حجَّة فِي تَحْرِيم القَوْل الآخر وَذكر فِي الشَّرْح أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل ذَلِك محرما للْخلاف على كل حَال وَمِنْهُم من لم يَجعله محرما للْخلاف على كل حَال وَلم يفصل بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْهُم من جعله محرما للْخلاف فِي حَال دون حَال وَالْحَال الَّتِي يحرم فِيهَا الْخلاف هِيَ أَن يكون المتفقون على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة هم الَّذين اخْتلفُوا فِيهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك عصر الصَّحَابَة أَو غَيرهم وَالْحَال الَّتِي لَا يكون اتِّفَاقهم مَعهَا حجَّة مزيلة للْخلاف هِيَ أَن يخْتَلف أهل عصر ويتفق من بعدهمْ على أحد قوليهم
وَالدَّلِيل على أَن الِاتِّفَاق يحرم الِاخْتِلَاف على جَمِيع الْأَحْوَال قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا}
(2/38)

وَقد بَينا أَن ذَلِك يتَنَاوَل كل عصر وَلم يفصل فِي تَحْرِيم اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بَين أَن يكون قد تقدم اخْتِلَاف أَو لم يتَقَدَّم
وَاسْتدلَّ قَاضِي الْقُضَاة بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَيجب كَون مَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الثَّانِي غير خطأ
فان قيل لَيْسَ هُوَ خطأ وَلَيْسَ يحرم بعدهمْ أَن يخالفهم قيل قد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يخالفهم وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يُمكن ادِّعَاء الْإِجْمَاع على ذَلِك لِأَن الْأمة مُخْتَلفَة فِي اتِّفَاق أهل الْعَصْر على أحد الْقَوْلَيْنِ هَل يجوز مُخَالفَته أم لَا
وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ لَا يجوز خِلَافه وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة ثمَّ اتّفقت فَيجب مثله فِي التَّابِعين إِذا اتَّفقُوا بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أوجبتم ذَلِك لدُخُول اتِّفَاقهم تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع فَذَلِك رُجُوع إِلَى الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَإِن أوجبتم ذَلِك بِالْقِيَاسِ فَمَا الْعلَّة الجامعة فان قُلْتُمْ الْعلَّة فِي ذَلِك أَنه إِجْمَاع قيل لكم لَيست هَذِه عِلّة مَعْلُومَة وَالْأَصْل فِي الْجَمَاعَة أَنه يجوز اتفاقها على الْخَطَأ وَإِنَّمَا امتنعنا من ذَلِك للأدلة فَيجب اعْتِبَارهَا دون الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يظفر فِي ذَلِك بعلة مَعْلُومَة وَلَيْسَ لكم أَن تجْعَلُوا الْعلَّة فِي الأَصْل كَونه إِجْمَاعًا بِأولى من أَن نَجْعَلهَا كَونه إِجْمَاعًا مُبْتَدأ على انه قد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قوما قَالُوا إِن اتِّفَاق الصَّحَابَة بعد اختلافها لَا يحرم الْخلاف
وَاحْتج الْمُخَالف بِأُمُور
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد والتنازع قد حصل وَلَيْسَ يخرج بالِاتِّفَاقِ الْوَاقِع
(2/39)

من أَن يكون قد تقدم حُصُوله فَوَجَبَ الرَّد وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الْإِجْمَاع والتعلق بِهِ رد إِلَى الله وَالرَّسُول كَمَا أَن الْأَخْذ بِكِتَاب الله بِحكم الْقيَاس رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَأَيْضًا فَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِذا اتَّفقُوا وَلم يَكُونُوا متنازعين فَلم يجب عَلَيْهِم الرَّد على قَول من يسْتَدلّ بِهَذِهِ الْآيَة على صِحَة الْإِجْمَاع
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن فِي ضمن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فِي كل حَال لِأَنَّهُ لَا يخْتَص حَالا دون حَال فَلَو كَانَ اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ محرما للأخذ بالْقَوْل الآخر لم يخل إِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمُسْتَقْبل فَيكون نسخا وَذَلِكَ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَإِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمَاضِي والمستقبل فَيدل على خطأ من تقدمه وَذَلِكَ لَا يجوز وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلهم لَو حرم الْخلاف فِي الْمُسْتَقْبل لحرمه فِي الْمَاضِي وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ مِنْهُمَا والعامي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد من يفتيه فاذا أَجمعُوا على أَحدهمَا لم يجد من يفتيه بِالْآخرِ فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابنا لَهُم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيبين ذَلِك أَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة بعد الِاتِّفَاق هِيَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأما نَحن فاذا بَينا أَنهم إِذا اتَّفقُوا عَلَيْهَا فقد تناولهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَحرم خلافهم علمنَا أَن الشَّرْط المجوز للأخذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قد زَالَ فَزَالَ حكمه وَلَا يُسمى ذَلِك نسخا لِأَن الحكم إِذا وقف على شَرط يعلم زَوَاله وثبوته لَا بِالشَّرْعِ فانه لَا يكون زَوَاله بِزَوَال شَرطه نسخا أَلا ترى أَن زَوَال وجوب الصّيام بِدُخُول اللَّيْل لَا يكون نسخا فان قيل لَسْتُم بِأَن تجْعَلُوا اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطًا بِثُبُوت الِاخْتِلَاف بِأولى من أَن نجْعَل نَحن كَون
(2/40)

الِاتِّفَاق حجَّة مَشْرُوطًا بِنَفْي تقدم الْخلاف قيل مَا ذَكرْنَاهُ أولى لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِالشّرطِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَاهُ على أَن مَا ذَكرُوهُ ينْتَقض عَلَيْهِم باجماع أهل الْعَصْر بعد النّظر والفحص الطَّوِيل لِأَن ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز التَّوَقُّف فِي الْمَسْأَلَة وَلَا يسوغ بعد اتِّفَاقهم التَّوَقُّف فِيهَا وينتقض على قَول بَعضهم إِن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت بعد مَا اخْتلفت حرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا لم تجْعَلُوا اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة مَعَ أَنه اتِّفَاق صَرِيح فَهَلا قُلْتُمْ إِن اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحجَّة فِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ مَعَ أَنه اتِّفَاق لَيْسَ بِصَرِيح وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَبْنِيّ على القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ قَوْلهم إِذا اتَّفقُوا بعد الِاخْتِلَاف حجَّة لَكَانَ قَول إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حجَّة إِذا مَاتَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَفِي ذَلِك كَون قَوْلهم حجَّة بِالْمَوْتِ وَالْجَوَاب أَنا نتبين لمَوْت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَن قَول الْأُخْرَى حجَّة لدُخُول تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا أَن الْمَوْت يُوجب كَون قَوْلهم حجَّة على أَن مَسْأَلَتنَا جَمِيع الْمُخْتَلِفين قَالُوا باخذ الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا مَاتَت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة لكانوا قد صَارُوا إلبه بِدَلِيل وَحجَّة وَلَو كَانَ كَذَلِك لما خَفِي على الصَّحَابَة وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يخفى هَذَا وَمثله على جَمِيعهم فَأَما أَن يخفى على بَعضهم فَيجوز لِأَن بَعضهم لَيْسَ بِحجَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ شَرط فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن كثيرا من النَّاس لم يعتبروا انْقِرَاض الْعَصْر أصلا واعتبره بَعضهم وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ طَرِيق إِلَى انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَسَيَجِيءُ القَوْل
(2/41)

فِيهِ وَمِنْهُم من جعله شرطا فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَجوز لبَعض المجمعين أَن يُخَالف قَوْله
وَدَلِيل الْأَوَّلين قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَقَوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وكل ذَلِك يُوجب الرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع وَلَا يفرق بَين انْقِرَاض الْعَصْر وَنفي انقراضه
دَلِيل لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْحجَّة هِيَ انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم بِشَرْط انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم فَقَط وَالْأول يَقْتَضِي أَن يكون الْعَصْر لَو انقرض من دون اتِّفَاقهم أَن يكون حجَّة وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَن يكون لموتهم تَأْثِير فِي كَون قَوْلهم حجَّة وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَا يكون لمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَأْثِير فِي كَون قَوْله حجَّة
وَلقَائِل أَن يَقُول أَلَيْسَ موت النَّبِي لَا يصير مَعَه قَوْله حجَّة والامة عنْدكُمْ إِذا اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على فرْقَتَيْن ثمَّ مَاتَت إِحْدَاهمَا كَانَ قَول الْأُخْرَى حجَّة ففارقت الْأمة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِك فَهَلا جَازَ أَن تفترقا فِي الْوَجْه الآخر
دَلِيل آخر لَو اعْتبرنَا انْقِرَاض الْعَصْر لم ينْعَقد الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد حدث من التَّابِعين فِي زمن الصَّحَابَة قوم من أهل الِاجْتِهَاد وَذَلِكَ يجوز مخالفتهم لَهُم لِأَن الْعَصْر مَا انقرض وَيجب اعْتِبَار انْقِرَاض عصر التَّابِعين وَمَعْلُوم أَنه لم ينقرض عصرهم إِلَّا بعد أَن حدث من تابعيهم من هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد فَجَاز أَن يخالفوهم وَيعْتَبر انْقِرَاض عصرهم ثمَّ كَذَلِك القَوْل فِي كل عصر
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون الْمُعْتَبر هُوَ انْقِرَاض عصر من كَانَ
(2/42)

مُجْتَهدا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة لَا من يَتَجَدَّد بعد ذَلِك فَلَا يلْزم اعْتِبَار عصر التَّابِعين إِذا حدث فيهم مُجْتَهد بعد حُدُوث الْحَادِثَة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن عليا عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالَ كَانَ رَأْيِي ورأي عمر أَن لَا يبعن ثمَّ رَأَيْت بيعهنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك فَدلَّ على أَنه كَانَ الْإِجْمَاع قد سبق وَالْجَوَاب أَنه قد رُوِيَ أَن جَابر بن عبد الله كَانَ يرى فِي زمن عمر جَوَاز بيعهنَّ فَلم يكن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد وَقَول عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك يدل على أَنه قد كَانَ على قَول عمر جمَاعَة وَلَيْسَ قَول كل جمَاعَة هُوَ إِجْمَاع وَإِنَّمَا اخْتَار أَن يَنْضَم قَول عَليّ إِلَى قَول عمر لِأَنَّهُ رجح قَول الْأَكْثَر على قَول الْأَقَل
وَمِنْهَا أَن أَبَا بكر الصّديق كَانَ يرى التَّسْوِيَة فِي الْقِسْمَة وَلم يُخَالِفهُ أحد من الصَّحَابَة ثمَّ خَالفه عمر لما صَار الْأَمر إِلَيْهِ ففضل فِي الْقِسْمَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ السّلف وَالْجَوَاب أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قد كَانَ خَالفه فِي زَمَانه وناظره فَقَالَ لَهُ أَتجْعَلُ من جَاهد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه كمن دخل فِي الاسلام كرها فَقَالَ إِنَّمَا عمِلُوا لله وَإِنَّمَا أُجُورهم على الله وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ وَلم يرو أَن عمر رَجَعَ إِلَى قَول أبي بكر فَلَا يمْتَنع أَنه كَانَ يرى التَّفْضِيل فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيْهِ فضل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع لَا يسْتَقرّ قبل انْقِرَاض الْعَصْر لِأَن النَّاس يكونُونَ فِي حَال تَأمل وفحص فَوَجَبَ وُقُوعه على انْقِرَاض الْعَصْر وَالْجَوَاب إِن أَرَادوا بِنَفْي الِاسْتِقْرَار نفي كَونه حجَّة فَذَلِك نفس الْمَسْأَلَة وَإِن أَرَادوا أَنه لَا ينْعَقد فَهُوَ خَارج عَمَّا نَحن بسبيله لأَنا إِنَّمَا تكلمنا على من قَالَ إِنَّه ينْعَقد وَلَا يكون حجَّة على أَن الْفَصْل بَين حَال التَّأَمُّل وَحَال الْقطع على الشَّيْء لَا يفْتَقر إِلَى
(2/43)

انْقِرَاض الْعَصْر لأَنا نفصل بَين النَّاظر المتأمل المتوقف وَبَين الْقَاطِع المناضل لِأَن الْإِنْسَان إِذا أخبر عَن نَفسه أَنه مُعْتَقد للشَّيْء فَهُوَ بِخِلَاف أَن يخبر عَن نَفسه أَنه متأمل مُتَوَقف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَهُوَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أعلم أَن أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ متنافيين فَإِنَّهُ يتَضَمَّن اتِّفَاقهم على تخطئة مَا سواهُمَا فَلَا يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر وَحكي عَن بعض أهل الظَّاهِر أَنه لم يَجْعَل ذَلِك اتِّفَاقًا على تخطئة مَا سواهُمَا فَأجَاز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر ثَالِث وَالْقَوْل فِي ذَلِك فرع على إِمْكَان إِحْدَاث قَول ثَالِث فَيجب بَيَانه أَولا
فَنَقُول إِن الْقَوْلَيْنِ المتنافيين فِي الْمَسْأَلَة لَا يُمكن أَن يكون بَينهمَا قَول ثَالِث إِلَّا أَن يكون فِيهِ بعض الْمُوَافقَة لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ أَو لأَحَدهمَا مِثَاله أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي الطهارات كلهَا وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات فَيمكن أَن يَقُول قَائِل هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض ومثاله أَيْضا أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي كل طَهَارَة وَيَقُول بَعضهم هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات ومثاله أَيْضا قَول بعض الْأمة الْجد يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْأَخ وَفِي قَول البَاقِينَ يقاسم الْأَخ فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَا يَرث شَيْئا أصلا مَعَ الْأَخ فَيكون قد وَافق من قَالَ يقاسم الْأَخ بعض الْمُوَافقَة لِأَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِي أَن منعا الْجد من بعض المَال
وَاحْتج من أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَيْسَ مَعَ هَذَا الإختلاف إِجْمَاع وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ فِي امْرَأَة وأبوين إِن للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَأَن لَهَا ثلث مَا يبْقى فِي زوج وأبوين
(2/44)

ففصل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يُنكر عَلَيْهِ مَعَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُمَا لم تفصل بَينهمَا بل قَالَ بَعضهم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَهَا ثلث مَا بَقِي وَقَالَ آخَرُونَ لَهَا ثلث جَمِيع المَال وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِن الْأكل نَاسِيا لَا يفْطر وَالْجِمَاع نَاسِيا يفْطر وَمن تقدمه مِنْهُم من فطر بهما وَمِنْهُم من لم يفْطر بهما وَهَذَا الِاحْتِجَاج من الْمُخَالف يدل على أَنه أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة
وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة للْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْأمة أَجمعت على الْمَنْع من ذَلِك كَمَا أَجمعت على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول يُخَالف الْإِجْمَاع الْمُصَرّح والاتفاق على ذَلِك سَابق أَلا تراهم منعُوا من إِحْدَاث قَول آخر فِي الْجد مَعَ الْأَخ حَتَّى يُقَال المَال كُله للْأَخ قَالَ وَلنَا أَن ندعي الْإِجْمَاع فِي ذَلِك مُطلقًا وَلنَا أَن ندعيه فِي الْجد خَاصَّة ونحمل عَلَيْهِ غَيره فَنَقُول إِنَّمَا منعُوا من ذَلِك فِي الْجد لِأَنَّهُ إِحْدَاث قَول آخر لم يقل بِهِ أحد من الْأمة لِأَنَّهُ لَا وَجه لَهُ يُمكن أَن يُعلل فِيهِ إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ إِذْ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا لم يجز أَن يُقَال المَال كُله للْأَخ لِأَنَّهُ لَا أَمارَة لذَلِك لِأَن الأمارة على ذَلِك إِن لم تكن أقوى من الأمارة الدَّالَّة على أَن المَال كُله للْجدّ لم تكن أَضْعَف مِنْهَا
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا اسْلَمْ أَن فِي الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث إِجْمَاعًا سَابِقًا وَلَا سَبِيل لكم إِلَى الْعلم بذلك فَأَما مَسْأَلَة الْجد فَلَا يجوز تَجْدِيد قَول آخر فِيهَا لَيْسَ لأَنهم أَجمعُوا على الْمَنْع من ذَلِك بل لِأَن القَوْل بِأَن المَال كُله للْأَخ يتَضَمَّن مَا أَجمعُوا على خِلَافه
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فقد أَجمعت فِي الْمَعْنى على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَن كل طَائِفَة تحرم الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قالته أَو قَالَه مخالفها فَقَط فجواز إِحْدَاث قَول ثَالِث يَقْتَضِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ وَقد منعُوا مِنْهُ
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا حظروا الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قَالُوهُ بِشَرْط أَن لَا يُؤَدِّي
(2/45)

اجْتِهَاد غَيرهم إِلَى إِحْدَاث قَول ثَالِث كَمَا يَقُولُونَ إِنَّهُم سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الإتفاق على أَحدهمَا فَخرج الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن كَانَ اخْتلَافهمْ على قَوْلَيْنِ هُوَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فَالْقَوْل فِي ذَلِك يَأْتِي نَحْو أَن يَقُول بَعضهم كل طَهَارَة تحْتَاج إِلَى نِيَّة وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيْسَ شَيْء من الطهارات يحْتَاج إِلَى نِيَّة فَيَقُول قَائِل آخر بَعْضهَا تحْتَاج إِلَى النِّيَّة دون بعض وَإِن كَانَ اخْتلَافهمْ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة نَحْو مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْأَخ لم يجز إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَنَّهُ مُخَالف لصريح إِجْمَاعهم كالقول بِأَن المَال كُله للْأَخ لِأَن فِي ذَلِك سلب المَال كُله عَن الْجد والمختلفون فِي مَسْأَلَة الْجد قد اتَّفقُوا على أَن للْجدّ قسطا من المَال من قَالَ مِنْهُم إِنَّه أَحَق بِجَمِيعِ المَال وَمن قَالَ إِنَّه يقاسم الْإِخْوَة وَهَذَا الْوَجْه يفْسد قَوْلهم إِن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَا إِجْمَاع مَعَ الإختلاف لأَنا قد بَينا أَن إِحْدَاث قَول ثَالِث فِيهِ خلاف لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَأما المحكى عَن ابْن سِيرِين وَالثَّوْري فَلَيْسَ هُوَ من هَذِه الْمَسْأَلَة بل من مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي التَّفْرِقَة بَين مَا أَجمعُوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا
واحتجاج أهل الظَّاهِر بقول ابْن سِيرِين وَالثَّوْري يدل على أَنهم جوزوا إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي هَذِه الْمسَائِل وأشباهها دون مَا ذَكرْنَاهُ من مَسْأَلَة الْجد وأمثالها وَسَنذكر الْآن القَوْل فِي التَّفْرِقَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَفِي غَيرهمَا مِمَّا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ مِنْهُ بعون الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا لم يفصلوا بَين مَسْأَلَتَيْنِ هَل لمن بعدهمْ أَن يفصل بَينهمَا أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنهم إِذا لم يفصلوا بَينهمَا فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يَقُولُوا لَا فصل بَين هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كل الْأَحْكَام أَو فِي الحكم الْفُلَانِيّ وَالْآخر أَن لَا ينصوا
(2/46)

على ذَلِك لَكِن لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا فِي الحكم فَالْأول لَا يجوز لأحد أَن يفصل بَينهمَا لِأَن الْفَصْل بَينهمَا خلاف لما نصوا عَلَيْهِ واعتقدوه وَلِأَن قَوْلهم لَا فصل بَينهمَا ظَاهره يَقْتَضِي أَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِيمَا يَقْتَضِي الحكم من غير وَجه يفرق بَينهمَا فَمن فصل بَينهمَا فقد خالفهم فِي ذَلِك
وَهَذَا الضَّرْب يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة أَحدهمَا أَن يرْوى اتِّفَاق الْأمة على حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ نَحْو أَن يحكموا فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل وَالْآخر أَن يرْوى اخْتِلَاف الْأمة فيهمَا فيحكى عَن طَائِفَة أَنَّهَا حكمت فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ وَعَن البَاقِينَ أَنهم حكمُوا فيهمَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْآخر أَن لَا يرْوى لنا عَنْهُم اخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا اتِّفَاق فَمَتَى كَانَ كَذَلِك وَدلّ الدَّلِيل فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ على تَحْرِيم أَو إِبَاحَة وَجب أَن يحكم فِي الْمَسْأَلَة الْأُخْرَى بذلك وَلَا يفرق بَينهمَا
فَأَما إِذا لم ينصوا على أَنه لَا فصل بَينهمَا بل لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا نَحْو أَن يحكم بعض الْأمة فِي كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحكم وَيحكم الْبَاقُونَ فيهمَا بنقيضه وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يشيروا إِلَى حكم وَاحِد فيثبته أحد الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وينفيه الْآخرُونَ عَنْهُمَا نَحْو أَن يحرم شطر الْأمة كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيحهما الْبَاقُونَ وَالضَّرْب الآخر أَن يشيروا فيهمَا إِلَى حكمين مُخْتَلفين نَحْو أَن يُوجب بعض الْأمة النِّيَّة فِي الْوضُوء وَلَا يَجْعَل الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف وَلَا يُوجب الْبَاقُونَ النِّيَّة فِي الْوضُوء ويجعلون الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف
أما الْقسم الأول فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس وَالشَّرْح أَنه إِن كَانَ الْمَعْلُوم أَن طَريقَة الحكم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة لَا يجوز كَونهَا مُتَغَايِرَة فَذَلِك جَار مجْرى أَن يَقُولُوا لَا فصل بَينهمَا لأَنا نعلم أَنهم قد اعتقدوا أَنه لَا يفرق بَينهمَا وَأَنه قد نظمهما طَريقَة وَاحِدَة وَمن فصل بَينهمَا فقد خَالف مَا اعتقدوه من ذَلِك فَأَما إِن جَازَ أَن لَا تكون الطَّرِيقَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة وَأَنَّهُمْ سووا بَينهمَا لطريقين فَإِنَّهُ يجوز لمن بعدهمْ أَن يفرق بَينهمَا فَيحرم إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيح الْأُخْرَى فيوافق فِي كل قَول أحد الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ بذلك لَا يكون مُخَالفا لما
(2/47)

أَجمعُوا عَلَيْهِ لَا فِي حكم وَلَا فِي تَعْلِيل لأَنا قد بَينا أَن الْعلَّة يجوز أَن لَا تكون وَاحِدَة وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ إِذا قَالَ بعض الْأمة بِتَحْرِيم مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين فِي الْعلَّة وَقَالَ الْبَاقُونَ بإباحتهما قد أَجمعُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا لوَجَبَ إِذا حرم بَعضهم إِحْدَى مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين وأباح اخرى وَحرم الْبَاقُونَ مَا أَبَاحَهُ هَؤُلَاءِ وأباحوا مَا حظروه أَن يَكُونُوا قد أَجمعُوا على أَن بَينهمَا فرقا فَلَا يجوز لأحد أَن يحرمهما مَعًا أَو يبيحهما مَعًا وَلَو لم يجز ذَلِك لوَجَبَ على من وَافق الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مذْهبه وَيسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد وَالْأمة مجمعة على خلاف ذَلِك وَمَا حكى عَن ابْن سِيرِين من أَنه فرق بَين زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين وَأَن الثَّوْريّ فرق بَين جماع الصَّائِم نَاسِيا وَبَين أكله نَاسِيا فَإِن كَانَت طَريقَة الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فرقا بَينهمَا مُتَغَايِرَة فَمَا فعلاه جَائِز وَإِلَّا لم يجز على أَن ابْن سِيرِين قد عاصر بعض الصَّحَابَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون حَاضرا حِين اخْتلفُوا فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد أَنه لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يفصل هَذَا التَّفْصِيل ذكر ذَلِك فِي أَن الْأمة لَا يجوز أَن تخطىء فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَذكر فِي شرح هَذَا الْبَاب أَمْثِلَة احْتج بهَا
فَمِنْهَا أَن يعْقد شطر الْأمة لرجل الْإِمَامَة ويسكت الْبَاقُونَ فَلَو لم يكن ذَلِك الرجل مُسْتَحقّا للْإِمَامَة لَكَانَ العاقدون قد اخطأوا بِالْعقدِ وَالْبَاقُونَ قد أخطأوا بِالسُّكُوتِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تِلْكَ مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي إِمَامَة ذَلِك الشَّخْص وَالْكل قد رَضوا بهَا وَأَجْمعُوا على ترك إِنْكَار العقد لَهُ من غير مَانع فَلَو كَانَ خطأ لما أَجمعُوا على ترك إِنْكَاره
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على مَذْهَب المرجئة فِي غفران مَا دون الشّرك من كَبِير وصغير ويتفق الْبَاقُونَ على مَذْهَب الْخَوَارِج فِي الْمَنْع من غفران جَمِيع الْمعاصِي وَهَذَا الِاتِّفَاق على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ذَلِك خطأ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لِأَن الْقَائِلين بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ متفقون على أَن الصَّغِيرَة لَا يجب
(2/48)

سُقُوط عقابها لِأَن المرجىء يَقُول إِن غفرانها بِفضل وَجوز عِقَاب فاعلها والخارجي لم يُوجب سُقُوط عقابها فقد اتَّفقُوا على الْبَاطِل وَهُوَ أَن عقابها لَا يجب سُقُوطه
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على أَن العَبْد يَرث وَالْقَاتِل لَا يَرث ويتفق الْبَاقُونَ على عكس ذَلِك على أَن العَبْد لَا يَرث وَالْقَاتِل يَرث فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ فِي إِرْث العَبْد وَالْقَاتِل إِذْ الصَّوَاب أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَا يرثان وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منع من اجْتِمَاعهم على الْخَطَأ سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة أَو فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه كَانَ لَا يمْتَنع أَن تخْتَلف الْأمة فِي الْقَاتِل وَالْعَبْد على مَا ذكرتموه لِأَن الْخَطَأ إِمَّا أَن يكون هُوَ القَوْل بِإِرْث العَبْد أَو بِإِرْث الْقَاتِل أَو بإرثهما جَمِيعًا وَلم يَقع الِاتِّفَاق على إِرْث أَحدهمَا على انْفِرَاده وَلَا على إرثهما جَمِيعًا لِأَن كل وَاحِد من الْأمة لم يقل بإرثهما جَمِيعًا فَيثبت أَن اتِّفَاق نصف الْأمة على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة واتفاق النّصْف الآخر على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة أُخْرَى لَا يُفِيد اتِّفَاق جَمِيعهم على الْخَطَأ
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا حرم نصفهَا كلا مَسْأَلَتَيْنِ وأباحهما الْآخرُونَ فقد اتَّفقُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا وَإِن لم ينصوا على ذَلِك وَلَيْسَ يقْدَح فِي وُقُوع الِاتِّفَاق على ذَلِك أَن تكون أدلتهم مُخْتَلفَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك دخل ذَلِك تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَول هَذَا المحتج إِن الْأمة قد اعتقدت أَنه لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ يفهم مِنْهُ أُمُور
مِنْهَا أَنهم اعتقدوا أَن بَينهمَا تعلقا واشتراكا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الحكم وَأَنه لَيْسَ بَينهمَا مَا يَقْتَضِي التَّفْرِقَة فِي الحكم وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتفقوا على ذَلِك فِي مَسْأَلَتَيْنِ قد فَرضنَا أَنه لَا تعلق بَينهمَا
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد نصوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا وَهَذَا بَاطِل لِأَن كلامنا مَفْرُوض فِي أَنهم لم ينصوا على ذَلِك
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد اتَّفقُوا على اسْتِوَاء الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الحكم فِي الْجُمْلَة وَإِن
(2/49)

افْتَرَقُوا فِي تَفْصِيله وَلَا يُمكن أَن يُقَال ذَلِك هَا هُنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال اتَّفقُوا على اسْتِوَاء حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْجُمْلَة إِذا دلّ الدَّلِيل على أَن حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ حكم وَاحِد إِمَّا التَّحْرِيم وَإِمَّا التَّحْلِيل ثمَّ يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن ينْظرُوا فِي حكمهَا على التَّفْصِيل وَإِنَّمَا يدل الدَّلِيل على ذَلِك من حَال الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذا كَانَ بَينهمَا تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وكلامنا فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا تعلق بَينهمَا وَمَا هَذَا سَبيله لَا يعْتَقد فيهمَا أَنه لَا فرق بَينهمَا يبين ذَلِك أَن شطر الْأمة إِذا أوجب النِّيَّة فِي الْوضُوء لدَلِيل وَأوجب غسل النَّجَاسَة لدَلِيل آخر فَإِنَّهُ لَا يُقَال إِنَّهُم قد اعتقدوا أَنه لَا يجوز افتراقهما فِي الْوُجُوب بل عِنْدهم أَنه يجوز أَن تدل الدّلَالَة على وجوب أَحدهمَا دون الآخر وَإِنَّمَا اتّفق إِن دلّ على وجوب هَذَا دَلِيل وعَلى وجوب ذَلِك دَلِيل فَكَذَلِك لَو دلّ دَلِيل على وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء وَدلّ دَلِيل آخر على نفي وجوب غسل النَّجَاسَة لم يجز أَن يُقَال قد وَجب افتراقهما وَأَن الْأمة أَجمعت على وجوب افتراقهما لِأَن الْمَعْقُول من ذَلِك ثُبُوت تعلق يَقْتَضِي وجوب افتراقهما لَا أَنه اتّفق إِن دلّ على وجوب أَحدهمَا دَلِيل وعَلى نفي وجوب الآخر دَلِيل آخر وَلَو وَجب أَن يفرق بَينهمَا لوَجَبَ على من أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى قَول الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مسَائِله وَإِن لم يكن بَينهمَا تعلق وَإِذا لم يكن من الْأمة بأجمعها فِيمَا نَحن بسبيله اتِّفَاق على حكم وَلَا على عِلّة لم يدْخل مَا ذَكرُوهُ تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَلَو دخل تَحت قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لدل ذَلِك على أَن مَا قَالُوهُ لَيْسَ بخطأ وَلَا يدل على أَن الْفرق بَينهمَا خطأ إِذا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد مُجْتَهد على قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فقد أوجبت كل طَائِفَة مِنْهَا على غَيرهَا أَن تَقول بقولِهَا أَو بقول الطَّائِفَة الْأُخْرَى وحظرت مَا سوى ذَلِك وَذَلِكَ يمْنَع من إِحْدَاث قَول مفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْجَوَاب أَنهم إِنَّمَا أوجبوا ذَلِك بِشَرْط أَن لَا يفرق بعض الْمُجْتَهدين بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَا نسلم أَنهم
(2/50)

حظروا ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الشَّرْط كَمَا أَنهم جوزوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ
فَأَما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ إِذا أشارت الْأمة إِلَى حكمين متباينين فِي مَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي إِيجَاب النِّيَّة فِي الطَّهَارَة وَجعل الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فَإِنَّهُ إِن جَازَ أَن يكون بَينهمَا فرق يذهب إِلَيْهِ مُجْتَهد جَازَت التَّفْرِقَة بَينهمَا وَإِن لم يجز أَن يكون بَينهمَا فرق بل كَانَ ينظمهما طَريقَة وَاحِدَة تَقْتَضِي فيهمَا الْحكمَيْنِ المتباينين على بعد ذَلِك لم يجز أَن يُخَالف بَين حكميهما بل الْوَاجِب أَن يُقَال فيهمَا مَا قَالُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا تأولوا الْآيَة بِتَأْوِيل أَو استدلوا على الْمَسْأَلَة بِدَلِيل أَو اعتلوا فِيهَا بعلة هَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث تَأْوِيل أَو دَلِيل أَو عِلّة غير مَا ذَكرُوهُ أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
إعلم أَن الْإِنْسَان إِذا اسْتدلَّ بطريقة على حكم من الْأَحْكَام أَو على فَسَاد شُبْهَة أَمارَة كَانَت تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو دلَالَة فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون أهل الْعَصْر الأول قد نصوا على فَسَاد تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو على صِحَّتهَا أَو لم ينصوا على صِحَّتهَا وَلَا على فَسَادهَا فَإِن نصوا على فَسَادهَا أَو على صِحَّتهَا فَهُوَ على مَا نصوا عَلَيْهِ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك لم يمْتَنع صِحَة تِلْكَ الطَّرِيقَة إِلَّا أَن يكون فِي صِحَّتهَا إبِْطَال حكم أَجمعُوا عَلَيْهِ وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ أَن النَّاس فِي كل عصر يستخرجون أَدِلَّة وعللا وَلَا يُنكر عَلَيْهِم فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ لَو لم يجز ذَلِك لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم وَمَعْلُوم أَن الْأمة لم تحكم بِفساد الدَّلِيل الثَّانِي نصا وَلَا حكمهَا بِصِحَّة دليلها يَقْتَضِي فَسَاد غَيره إِذْ لَا يمْتَنع أَن يكون على الْمَذْهَب الْوَاحِد أَكثر من دَلِيل وَاحِد
وَيُمكن من منع من ذَلِك أَن يسْتَدلّ بأَشْيَاء
(2/51)

مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} وَالدَّلِيل الثَّانِي غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فالوعيد لَاحق بِمن اتبعهُ وَالْجَوَاب أَن قَوْله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} خرج مخرج الذَّم لمن اتبع غير سبيلهم فالمفهوم مِنْهُ من اتبع مَا نَفَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وحكموا بإبطاله دون مَا لم يحكموا بفساده بل لَو اتّفق لَهُم لجَاز أَن يَقُولُوا بِهِ أَلا ترى أَنه لَو لم تحدث الْمَسْأَلَة فِي الْعَصْر الأول وَحدثت فِي الْعَصْر الثَّانِي جَازَ أَن يَقُول أهل الْعَصْر الثَّانِي فِيهَا قولا وَلَا يُقَال إِن ذَلِك اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مِمَّن تقدم لما لم يَكُونُوا قد نفوه وحكموا بإبطاله
وَمِنْهَا أَن قَوْله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر} يدل على أَنهم يأمرون بِكُل مَعْرُوف لأجل لَام الْجِنْس فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي مَعْرُوفا لأمروا بِهِ وَالْجَوَاب أَن قَوْله وتنهون عَن الْمُنكر يَقْتَضِي أَيْضا أَن ينهوا عَن كل مُنكر فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي بَاطِلا لَكَانَ مُنْكرا ولنهوا عَنهُ فلنا فِي الظَّاهِر مثل مَا لَهُم
وَمِنْهَا أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ يدل على أَن مَا ذَهَبُوا عَنهُ لَيْسَ بخطأ وَقد ذَهَبُوا على الدَّلِيل الثَّانِي فَلم يكن ذهابهم عَنهُ خطأ وَإِذا لم يكن خطأ لم يكن مَا ذَهَبُوا عَنهُ دَلِيلا وَالْجَوَاب إِن أردتم بقولكم ذَهَبُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي أَنهم حكمُوا بفساده لم يُوجد ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا وَإِن أردتم أَنهم لم ينصوا على أَنه دَلِيل أَو لم يستدلوا بِهِ فَذَلِك صَحِيح وتركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ وَالنَّص على كَونه دَلِيلا لَيْسَ بخطأ وَلَا يجب من ذَلِك فَسَاد الدَّلِيل لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ تَركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ غير خطأ لاستغنائهم بدليلهم عَنهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه لَو جَازَ أَن يذهب على أهل الْعَصْر الأول الدَّلِيل الثَّانِي جَازَ أَن يوحي الله تَعَالَى إِلَى نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَلِيلين على حكم وَاحِد فَيسنّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك الحكم لأجل أحد الدَّلِيلَيْنِ دون الآخر وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَهُم قد
(2/52)

جمعتم بَين الْأَمريْنِ بِغَيْر عِلّة وَأَيْضًا فَإِن أوحى الله تَعَالَى إِلَى نبيه بِأحد الدَّلِيلَيْنِ فَيسنّ الحكم عَقِيبه ثمَّ أوحى إِلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا يسن الحكم لمَكَان الدَّلِيل الأول لِأَنَّهُ لم يكن سواهُ حِين سنّ الحكم وَيكون الدَّلِيل الثَّانِي تَأْكِيدًا وَإِن كَانَ قد أوحى إِلَيْهِ بهما مَعًا فَلَا بُد من أَن يكلفه فهم المُرَاد بهما وَلَا بُد من أَن يفهم المُرَاد بهما فَلَا يجوز أَن يَدعُوهُ أَحدهمَا إِلَى أَن يسن الحكم دون الآخر لِأَن فِي ذَلِك رفضا للْآخر وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا بُد من أَن يكلفه أَن يفهم المُرَاد بهما لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يخاطبه بِمَا لَا يفهم المُرَاد مِنْهُ وَلِأَنَّهُ إِن كلفه أَن يبلغ كلا الدَّلِيلَيْنِ إِلَى أمته وَجب أَن يفهم المُرَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يسْأَل عَنهُ وَإِذا لم يعرف المُرَاد بِهِ نفر عَنهُ
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي صَحِيحا لما جَازَ أَن يذهب عَن الصَّحَابَة مَعَ تقدمها فِي الْعلم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يذهب عَنْهُم إِذا لم يطلبوه اسْتغْنَاء بِمَا ظفروا بِهِ من الدَّلِيل وَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِنَّمَا ظفروا بِهِ لأَنهم تنبهوا بِمَا ذكره الْأَولونَ واستغنوا عَن طلب الدَّلِيل الأول فشغلوا أفكارهم وزمانهم فِي طلب غَيره
فَإِن قيل أفكلف الْأَولونَ طلب الدَّلِيل الثَّانِي قيل كلفوا ذَلِك على سَبِيل التَّطَوُّع وَترك ذَلِك جَائِز وَالْقَوْل فِي الْعلَّة كالقول فِي الدّلَالَة لِأَن الْعلَّة دلَالَة على الحكم فِي الْفَرْع إِلَّا أَن تعود الْعلَّة بِالنَّقْضِ على مَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ بِأَن يُوجد فِي مَوضِع أَجمعت الْأمة فِيهِ على نقيض حكمهَا نَحْو أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْبر بِأَنَّهُ جسم لِأَن ذَلِك مَوْجُود فِيمَا أَجمعُوا على إِبَاحَته فَمن لم يقل بتخصيص الْعلَّة لَا يُجِيز ذَلِك
وَأما إِذا تأولت الْأمة الْآيَة بِتَأْوِيل فَإِنَّهُم إِن نصوا على فَسَاد مَا عداهُ لم يجز إِحْدَاث تَأْوِيل سواهُ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك فَمن النَّاس من منع من تاويل زَائِد وأجراه مجْرى الْمَذْهَب الزَّائِد وَمِنْهُم من أجَازه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن التَّابِعين وَمن بعدهمْ قد أَحْدَثُوا تأويلات لم يكن ذكرهَا السّلف وَلم يُنكر عَلَيْهِم وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إِحْدَاث تَأْوِيل آخر مُخَالفَة لإجماعهم لأَنهم لم ينصوا على إِبْطَاله وَلَيْسَ فِي
(2/53)

إِجْمَاعهم على التَّأْوِيل الأول إبِْطَال الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى قد أَرَادَ كلا التَّأْويلَيْنِ وَأَرَادَ أَن يفهم بِالْخِطَابِ شَيْئا مَا إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَإِمَّا كِلَاهُمَا وكل ذَلِك مُخَيّر فِيهِ فَإِذا فهمت الْأمة أَحدهمَا فقد خرجت عَمَّا كلفته لأَنهم كلفوا فهم كلا التَّأْويلَيْنِ بِشَرْط أَن يطلبوه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هَل يجوز وُقُوع الِاتِّفَاق على أَحدهمَا أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
حكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الصَّيْرَفِي أَنه منع من اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد قولي أهل الْعَصْر الأول وَأَجَازَهُ أَكثر النَّاس وَلم يجْعَلُوا الِاخْتِلَاف الْمُتَقَدّم متضمنا على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على كل حَال وَوَجهه انه إِن أُرِيد بِجَوَاز انْعِقَاد الْإِجْمَاع إِمْكَانه فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة يُمكنهَا أَن تتفق على مُوجب الدّلَالَة وَلِهَذَا جَازَ انْعِقَاد الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ وَإِن أُرِيد بِهِ الْحسن فَلَا شُبْهَة أَيْضا فِي حسن إِجْمَاع الْجَمَاعَة على مُقْتَضى الدّلَالَة وَإِن أُرِيد بِالْجَوَازِ الشَّك فمعلوم أَنه لَا دَلِيل يدل على الْقطع على نفي إِجْمَاعهم على حكم من الْأَحْكَام حَتَّى لَا يشك فِي ذَلِك وَمِمَّا يدل على إِمْكَان ذَلِك وَحسنه أَن الصَّحَابَة توقفت فِي الامامة ثمَّ أطبقت على إِمَامَة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَاتفقَ التابعون على الْمَنْع من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ
والمخالف يحْتَج بِأَن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر الأول فِي ضمنه اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَجَوَاز أَخذ الْمُجْتَهد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فَلَو أجمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد الْقَوْلَيْنِ لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَصح الإجماعان أَو يفسدا أَو يَصح احدهما وَيفْسد الآخر وَلَيْسَ يجوز أَن يفْسد أَولا أَحدهمَا لِأَن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَلَو كَانَا صَحِيحَيْنِ لَكَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا للْأولِ والنسخ بعد ارْتِفَاع الْوَحْي محَال وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر على قَول ويتفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على
(2/54)

خِلَافه وَفَسَاد هَذِه الْأَقْسَام يمْنَع من اتِّفَاقهم على أحد الْقَوْلَيْنِ وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز لَهُم أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ إِلَّا بِالْحَقِّ من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجوز للعامي أَن يُقَلّد من يفتيه فَإِذا اتَّفقُوا على أَحدهمَا لم يجد الْعَاميّ من يفتيه بِالْآخرِ فَلَا يُمكن أَن يُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ إِذا أُفْتِي بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابهم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الإجتهاد لأَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا المحتج أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهَا حَتَّى يَصح دَلِيله وَقد سلف استقصاء هَذَا الْجَواب من قبل فِي بَاب مُتَقَدم
وَأما قَوْلهم لَو جَازَ أَن يجْتَمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ من جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لجَاز اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على قَول واتفاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على قَول خِلَافه فَلَا يسْتَقرّ إِجْمَاع فَبَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين قد سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط قد زَالَ وَأهل الْعَصْر الثَّانِي قد اجْمَعُوا على الْمَنْع من ذَلِك مَعَ زَوَال الشَّرْط فَلم يجمع الْآخرُونَ على خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا أجمع الْأَولونَ على قَول وَأجْمع الْآخرُونَ على خِلَافه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْإِجْمَاع إِذا عارضته الْأَدِلَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنهم قد يجمعُونَ على القَوْل وعَلى الْفِعْل وعَلى الرِّضَا واتفاقهم على الْفِعْل لَا يَقْتَضِي أَن غَيرهم مثلهم فِيهِ إِلَّا لدلَالَة وَإِذا رَضوا بِكَوْن القَوْل قولا لَهُم ولغيرهم كَانَ صَوَابا مِنْهُم وَمن غَيرهم فَأَما إِذا قَالُوا قولا وعارضه قَول
(2/55)

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يجوز أَن نعلم أَن قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلَامِهِ هُوَ ظَاهره ونعلم أَن قصدهم بكلامهم ظَاهره مَعَ تعَارض الْكَلَامَيْنِ لِأَن الْأَدِلَّة لَا تتناقض ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن نعلم أَن قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَاهره أَو نعلم أَن قصد الامة بكلامهم هُوَ ظَاهره أَو لَا نعلم قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا قصد الامة فان علمنَا قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجب تَأْوِيل كَلَام الامة على مُوَافقَة كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن علمنَا قصد الامة بكلامهم وَجب تَأْوِيل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن لم نعلم قصد أَحدهمَا فان كَانَ أَحدهمَا أخص من الآخر خصصنا الْأَعَمّ بالأخص وَإِن لم يكن أَحدهمَا أخص من الآخر فانهما يتعارضان لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن تكون الامة قد عرفت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قصد بِكَلَامِهِ غير ظَاهره وَيحْتَمل أَن تكون عرفت أَنه قصد ظَاهر كَلَامه وأرادت هِيَ بكلامها غير ظَاهره وَيحْتَمل أَو يُقَال لَو علمت أَن النَّبِي أَرَادَ بِكَلَامِهِ ظَاهره لما أطلقت كلَاما يُفِيد ظَاهره مُخَالفَته فَلَا بُد وَالْحَال هَذِه من أَن تكون قد علمت أَنه أَرَادَ بِكَلَامِهِ غير ظَاهره
وَأما نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ فَلَا يَصح وَقد تكلمنا فِي ذَلِك فِي بَاب النَّاسِخ والمنسوخ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن طَرِيق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن دلَالَة أَو أَمارَة وَلَا تَجْتَمِع عَبَثا ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن قوما أَجَازُوا انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن توفيق لَا توفيق بِأَن يوفقهم الله تَعَالَى لاختيار الصَّوَاب وَإِن لم يكن لَهُم دلَالَة وَلَا أَمارَة وَالدَّلِيل على الْمَنْع من ذَلِك أَن مَعَ فقد هَذِه الدّلَالَة والأمارة لَا يجب الْوُصُول إِلَى الْحق وَلِأَنَّهُم لَيْسُوا بآكد حَالا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَقُول الا عَن وَحي فالامة أولى أَن لَا تَقول إِلَّا أَن عَن دَلِيل وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُم ذَلِك لَكَانَ قد جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة لأَنهم إِنَّمَا يَجْتَمعُونَ على القَوْل بِأَن
(2/56)

يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم بِهِ وَإِذ جَازَ ذَلِك لآحادهم لم يكن للمجمعين مزية فِي ذَلِك
فان قيل مزية الْإِجْمَاع فِي ذَلِك أَنه يكون حجَّة وكل وَاحِد مِنْهُم لَهُ أَن يَقُول عَن غير دلَالَة وَلَا يكون قَوْله حجَّة فاذا أجتمعوا كَانَ حجَّة قيل إِنَّمَا أردنَا أَن لَا يكون للْإِجْمَاع مزية فِي جَوَاز القَوْل بِغَيْر دلَالَة وَالْخلاف فِي ذَلِك يرجع إِلَى قَول مويس بن عمرَان من أَنه يجوز للْعَالم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَنه لَا يَقُول إِلَّا بِالصَّوَابِ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو لم ينْعَقد إِلَّا عَن دلَالَة لكَانَتْ الدّلَالَة هِيَ الْحجَّة وَلم يكن فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة فَائِدَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فانه حجَّة وَلَا يَقُول إِلَّا عَن دلَالَة وَلَا يلْزم إِذا صدر الْإِجْمَاع عَن حجَّة أَن لَا يكون فِي كَونه حجَّة فَائِدَة وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قَوْلهَا حجَّة وَمَا صدر قَوْلهَا عَنهُ حجَّة فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حجتان وَأَيْضًا فالفائدة فِي ذَلِك أَن يسْقط عَنَّا الْبَحْث عَن الْحجَّة وَيسْقط عَنْهَا نقلهَا وَيحرم علينا الْخلاف الَّذِي كَانَ سائغا فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد من غير دَلِيل نَحْو إِجْمَاعهم على بيع المراضاة من غير عقد والاستصناع واجرة الْحمام وَغير ذَلِك وَأخذ الْخراج وَأخذ الزَّكَاة من الْخَيل وَالْجَوَاب أَن كل ذَلِك مَا وَقع إِلَّا عَن دَلِيل وَإِن جَازَ أَن لَا ينْقل لما ذَكرْنَاهُ من أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن دَلِيل وَأما الاستصناع وَعقد المراضاة فقد كَانَا على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يُنكره فَدلَّ على جَوَازه على أَن بيع المراضاة لما جرت الْعَادة بِهِ جرى الْأَخْذ والإعطاء فِي الدّلَالَة على الرِّضَا مجْرى القَوْل وَكَذَلِكَ اجرة الْحمام وَأما قسْمَة أَرض الْعَدو فللإمام أَن يقسمها وَأَن لَا يقسمها وَيعْمل فِيهَا بِحَسب الْمصلحَة وَلِهَذَا لم يقسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم =
(2/57)

منَازِل مَكَّة وَلَا آبار هوَازن ومياههم وَأما أَخذ الزَّكَاة من الْخَيل فَلَيْسَ باجماع وَلَوْلَا أَنه قد علم من أوجبهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا دلّ على أَخذ الزَّكَاة مِنْهَا إِذا كثرت لَكَانَ إِيجَابه لَهَا نسخا للشريعة وَلما ترك النكير عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْأمة إِذا أَجمعت على مُوجب الْخَيْر هَل يكون الْخَبَر طَرِيقا إِلَى مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم كَانَ فِي الْأَخْبَار مَا يدل عَلَيْهِ فاما أَن يكون خبر وَاحِد أَو متواترا فان كَانَ متواترا فاما أَن يكون نصا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى اسْتِدْلَال طَوِيل واجتهاد أَو يحْتَاج مَعَه إِلَى ذَلِك فان كَانَ نصا علمنَا أَنهم أَجمعُوا لأَجله لِأَنَّهُ لَا يجوز مَعَ تواتره أَن لَا يقفوا عَلَيْهِ مَعَ طَلَبهمْ لما يدل على الحكم وَلَا يجوز مَعَ ظُهُوره أَن لَا يَدعُوهُم إِلَى الحكم فَيكون طريقهم إِلَيْهِ سَوَاء ظهر فيهم خبر مثله أَو لم يظْهر وَإِن كَانَ يحْتَاج فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ إِلَى اجْتِهَاد طَوِيل وَبحث لم يمْتَنع أَن يَكُونُوا اجْمَعُوا لأَجله وَلم يمْتَنع أَجمعُوا لأجل خبر متواتر هُوَ أجلى مِنْهُ لم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع إِذا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم وَاسْتدلَّ الْبَاقُونَ بِخَبَر آخر أَو بِقِيَاس
وَإِن كَانَ الْخَبَر مَنْقُولًا بالآحاد لم يخل إِمَّا أَن يروي لنا أَنه ظهر فيهم أَو لَا يروي ذَلِك فان لم يرو ذَلِك جَوَّزنَا أَن يكون ظهر فيهم فَلم ينْقل إِلَيْنَا ظُهُوره فَأَجْمعُوا لأَجله وجوزنا أَن يكون ظهر فيهم خبر آخر أَجمعُوا أَو بَعضهم لأَجله وَلم ينْقل إِلَيْنَا اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون ذَلِك الْخَبَر كَانَ ظَاهرا فيهم فَلم ينْقل ظُهُوره إِلَيْنَا جَازَ أَن يظْهر فيهم خَبرا آخر فَلَا ينْقل إِلَيْنَا أصلا وَإِن كَانَ قد روى أَن ذَلِك الْخَبَر قد كَانَ ظهر فيهم فإمَّا أَن يروي بالتواتر أَو بالآحاد فان كَانَ قد روى بالآحاد وجوزنا صدق الرَّاوِي وَأَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وجوزنا كذبه فَلَا يقطع على أَنهم أَجمعُوا لأَجله
(2/58)

وَلَكِن يغلب صدقه على الظَّن
وَإِن نقل ظُهُور الْخَبَر فيهم بالتواتر جَازَ أَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وَيقطع على ذَلِك من حَاله إِن قَالُوا أجمعنا لأَجله أَو كَانُوا متوقفين عَن الحكم بأجمعهم أَو كَانَ بَعضهم قد حكم بِخِلَافِهِ فَلَمَّا سمعُوا الْخَبَر قَالُوا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يجوز أَن يجمعوا لأجل خبر الْوَاحِد لِأَن خبر الْوَاحِد طَرِيق إِلَى الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع فِي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَن يجمعا على الحكم طَرِيق من طرقه وَإِن لم يَقُولُوا أجمعنا لأَجله وَلَا نقل رجوعهم إِلَيْهِ بعد توقفهم جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا حكمُوا بِغَيْرِهِ وَلم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع وَبِالْجُمْلَةِ مَتى جَوَّزنَا أَن لَا ينْقل الْخَبَر الْمُتَوَاتر اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع على مُوجبه لم يجز الْقطع على أَن السّلف أَجمعُوا لأجل خبر الْوَاحِد وَلَا خبر متواتر مُحْتَمل إِلَّا أَن يَقُولُوا إِنَّا حكمنَا لأَجله أَو يجمعوا على مُوجبه عِنْد سماعهم لَهُ
فان قيل فاذا أَجمعُوا على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد أيقطعون على صدق الْمخبر قيل لَا لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْمصلحَة أَن نحكم بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار سَوَاء كَانَت صَادِقَة فِي أَنْفسهَا أَو كَاذِبَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْقَائِلين بِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن طَرِيق اتَّفقُوا على جَوَاز انْعِقَاده عَن دلَالَة لِأَنَّهُ لَو لم يجز انْعِقَاده عَن دلَالَة لم يجز عَن أَمارَة وَفِي ذَلِك تعذر انْعِقَاده وَأَن يكون الله تَعَالَى قد أمرنَا بِاتِّبَاع مَا يتَعَذَّر وُقُوعه وَاخْتلفُوا فِي انْعِقَاده عَن أَمارَة فَمنع قوم من أهل الظَّاهِر من ذَلِك خفيت الدّلَالَة أم ظَهرت وَأَجَازَ أَكثر الْفُقَهَاء انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ والخفي من الأمارات وَأَجَازَ قوم انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ دون الْخَفي
(2/59)

وَدَلِيلنَا أَن الأمارة طَرِيق إِلَى الحكم كَمَا أَن الدّلَالَة طَرِيق إِلَى الحكم وَلَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنْهَا كَمَا لَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن الْأَدِلَّة خفيها وجليها فَكَمَا جَازَ مَا أمكن انْعِقَاده عَن جلي الْأَدِلَّة وخفيها جَازَ مثله فِي الأمارات
فان قيل لم قُلْتُمْ لَا مَانع من ذَلِك قيل لِأَنَّهُ لَو منع مَانع من ذَلِك كَانَ معقولا وَكَانَ لَهُ تعلق مَعْقُول وَمَا يعقل من ذَلِك إِمَّا أَن يرجع إِلَى الدَّوَاعِي والصوارف وَإِمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْكَام متنافية وَمَا يرجع إِلَى الدَّوَاعِي شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْأمة على كثرتها وَاخْتِلَاف همها وأغراضها لَا يجوز أَن يجمعها الأمارة مَعَ خفائها وَلِأَن أَمارَة الحكم الْوَاحِد قد تكون متغائرة فَتكون أَمارَة بَعضهم غير أَمارَة الآخرين فَلَا تكون الأمارة الْوَاحِدَة دَاعِيَة لَهُم إِلَى ذَلِك وَلَو جَازَ مَعَ تعذر كَون الأمارة دَاعِيَة لجميعهم إِلَى الحكم أَن يجمعوا عَلَيْهِ جَازَ أَن يجتمعوا على مأكل وَاحِد وعَلى الْكَذِب فِي شَيْء وَاحِد
وَيُفَارق ذَلِك اجْتِمَاعهم عَن دلَالَة أَو شُبْهَة لِأَن الْأَدِلَّة ظَاهِرَة والشبه تتقدر بِتَقْدِير الْأَدِلَّة عِنْد من صَار إِلَيْهَا وَيُفَارق إِجْمَاع الْخلق الْعَظِيم لحضور الأعياد لِأَن الدَّاعِي إِلَى ذَلِك ظَاهر فيهم الْجَواب أَن قَوْلهم إِن كَثْرَة عدد الامة وَاخْتِلَاف اغراضها يمْنَع من اجتماعها على حكم الأمارة مَعَ خفائها دَعْوَى وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تجمعهم الأمارة الْوَاحِدَة أَو الأمارات على الحكم الْوَاحِد وَإِن اخْتلفت الْأَغْرَاض وَكثر الْعدَد لأَنهم قد اتَّفقُوا على وجوب الْمصير إِلَى الأمارة فاذا ظَهرت الأمارة لجميعهم دخلت فِي الْجُمْلَة الَّتِي اعتقدوها وَلذَلِك اتّفق اصحاب أبي حنيفَة فِي كثير من الْمسَائِل وهم خلق عَظِيم ويتفق كثير من أهل الحروب فِي كثير من الْحَالَات فِي الآراء وَاتفقَ الْخلق الْعَظِيم على الْمصير إِلَى مَوضِع الأعياد لما تقدم مِنْهُم اعْتِقَاد الْمصير إِلَى ذَلِك
وَيُفَارق ذَلِك اتِّفَاقهم على الْكَذِب فِي شَيْء معِين لِأَنَّهُ لَا دَاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك
(2/60)

وَقد بَينا أَن لما ذَكرْنَاهُ دَاعيا وَلِأَنَّهُ لَا يخْطر ببالهم كلهم الشَّيْء الَّذِي يكذبُون فِيهِ إِلَّا بِأَن يتراسلوا فَأَما استنباط الحكم بالأمارة فَلَا يحْتَاج إِلَى تراسل لِأَن الأمارات سَائِغَة فِي الْمُجْتَهدين لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إِلَى تراسل
وَأما اتِّفَاق جَمِيعهم على مأكل وَاحِد فانما لم يجز لِأَن ذَلِك تَابع لتساوي شهواتهم وتساوي إمكانهم وَقد علمنَا أَنهم مُخْتَلفُونَ فِي الشَّهَوَات وَإِمْكَان نيل مشتهاها فَمنهمْ من يَشْتَهِي مَا ينفر طبع الآخر عَنهُ وَمِنْهُم من تقوى شَهْوَته لما تنقص شَهْوَة الآخر لَهُ فتدعوه قُوَّة شَهْوَته إِلَى تنَاوله دون الآخر وَقد يتَّفق الِاثْنَان فِي شَهْوَة الشَّيْء ويتعذر على أَحدهمَا تَحْصِيله أَو يشق عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا يتَعَذَّر على الآخر وَلَا يشق فلهذه الامور لم يتفقوا على مأكل وَاحِد
وَقَوْلهمْ إِن الحكم الْوَاحِد لَا يكون لَهُ إِلَّا أَمارَة بَاطِل لِأَنَّهُ قد يجوز أَن تكون لَهُ أَمارَة وَاحِدَة فَتكون دَاعِيَة لجميعهم إِلَى حكمهَا وَقد تكون لَهُ أمارتان إِحْدَاهمَا أظهر من الْأُخْرَى فتدعو أظهرهمَا جَمِيعهم إِلَى حكمهَا وَقد تتساويان فيستدل بَعضهم باحداهما ويستدل الْبَاقُونَ بالاخرى أَو يسْتَدلّ كل وَاحِد مِنْهُم بكلتيهما فيتفقون فِي الحكم وَإِن تغايرت الأمارات وتفرقتهم بَين الأمارات والشبهة لَا تصح لِأَن الشُّبْهَة لَا تعلق لَهَا والأمارات لَهَا تعلق فاذا جَازَ أَن يجْتَمع الْخلق الْعَظِيم على الْخَطَأ لما لَا تعلق بِهِ فبأن يجوز أَن يجتمعوا لما لَهُ تعلق أولي
وَالْوَجْه الآخر من الدَّوَاعِي هُوَ قَوْلهم إِن من الامة من يعْتَقد بطلَان الحكم بالأمارة وَذَلِكَ يصرفهُ عَن الحكم بهَا وَلَيْسَ فِي مُقَابلَة ذَلِك دَاع فيدعوه إِلَى حكمهَا وَذَلِكَ يمْنَع من اجْتِمَاع كل الامة على حكمهَا وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْخلاف حَادث عندنَا وَالصَّحَابَة كَانَت مجمعة على صِحَة الِاجْتِهَاد فَهَذِهِ الشُّبْهَة لَا تتَنَاوَل عصر الصَّحَابَة وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد بطلَان الحكم بالأمارة أَن يصير إِلَى حكمهَا إِذا كَانَت ظَاهِرَة لاعْتِقَاده كَونهَا دلَالَة فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى اتِّفَاق الْكل على حكمهَا وَهَذَا الْجَواب لَا يتَوَجَّه إِلَى من منع
(2/61)

من اجْتِمَاعهم على الأمارة الْخفية لهَذِهِ الشُّبْهَة وَأَيْضًا فان من اعْتقد قبح الحكم بالأمارة ثمَّ حكم بهَا لاعْتِقَاده فِيهَا أَنَّهَا دلَالَة فقد أقدم على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه قبيحا وَذَلِكَ قَبِيح وغذا كَانَ كَذَلِك لم تكن كل الْأمة قد أَصَابُوا فِي ذَلِك الحكم وَلَا يجوز أَن تجمع الامة فَلَا يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
وَبِهَذَا يُجَاب من انْفَصل عَن الشُّبْهَة بِأَن قَالَ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد قبح الحكم بالأمارة أَن يحكم بهَا وَإِن علم أَنَّهَا أَمارَة إِذا لم يجد سواهَا إِذْ لَا يمْتَنع فِي بعض الامة أَن يُنَاقض
وَأما الْمَنْع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاع أَحْكَام متنافية فَهُوَ أَن يُقَال إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد لَا يفسق مُخَالفَة وَيجوز مُخَالفَته فَلَا يَجْعَل أصلا وَلَا يقطع عَلَيْهِ وَلَا على تعلقه بالأمارة وَالْحكم الْمجمع عَلَيْهِ لَا يجوز مُخَالفَته ويفسق مخالفه وَيجْعَل أصلا وَيقطع عَلَيْهِ وعَلى تعلقه بطريقه فَلَو صدر الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لأجتمعت فِيهِ هَذِه الْأَحْكَام على تنافيها وَالْجَوَاب أما قَوْلهم إِن الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ يجوز مُخَالفَته فان الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوزون لأحد مُخَالفَة الْحق فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَلا تراهم يخطئون من خالفهم وَإِن أسقطوا عَنهُ المأثم وَكثير مِنْهُم يجوز للمقلد أَن يُقَلّد من يفتيه بِخِلَاف الْحق وَلَا يجوز ذَلِك فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُول إِن ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد إِلَّا أَن يصدر عَنهُ الْإِجْمَاع فان صدر عَنهُ الْإِجْمَاع لم يجز التَّقْلِيد فِي خِلَافه فَأَما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يجوزون لغَيرهم من الْمُجْتَهدين أَن يخالفوهم فِي الحكم الَّذِي قَالُوهُ عَن اجْتِهَاد وَلَا يجوزون مثله فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ إِن جَوَاز الْمُخَالفَة من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ من حكمه على الْإِطْلَاق فَيلْزم التَّنَافِي كَمَا أَن ذَلِك من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الْمُجْتَهد لَو اجْتهد مَعَ غيبَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَلغهُ ذَلِك فصوبه وَحكم بِهِ فانه لَا يجوز مُخَالفَته فَبَان أَن جَوَاز
(2/62)

الْمُخَالفَة لَيْسَ بِحكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق فاذا صوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المجمعين كَانَ كتصويبه الْمُجْتَهد فِي الْمَنْع من مُخَالفَة ذَلِك الحكم والعامي لَا يجوز لَهُ مُخَالفَة الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ إِذا لم يجد من يفتيه بِغَيْرِهِ وَلَا يجوز للمجتهد أَن يُخَالف مَا حكم بِهِ عَلَيْهِ القَاضِي وَلَا يخرج مِنْهُ فَبَان أَن جَوَاز الْمُخَالفَة لَيْسَ من حق الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق وَأَيْضًا فالمخالف يجوز أَن ينْعَقد الْإِجْمَاع عَن خبر الْوَاحِد مَعَ أَن الْإِجْمَاع لَا يجوز مُخَالفَته وَيجوز مُخَالفَة الحكم الَّذِي رَوَاهُ الْوَاحِد إِذا أدّى الِاجْتِهَاد فِي حَالَة إِلَى ترك حَدِيثه وترجيح غَيره عَلَيْهِ وَلم يؤد انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنهُ إِلَى التَّنَافِي فَكَذَلِك انْعِقَاده عَن اجْتِهَاد
وَأما قَوْلهم إِنَّه لَا يفسق من خَالف حكم الِاجْتِهَاد ويفسق من خَالف الْإِجْمَاع فجواب الْفَرِيقَيْنِ عَنهُ أَن ذَلِك لَيْسَ من حكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق بل هُوَ من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع كَمَا أَنه من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما قَوْلهم إِن حكم الِاجْتِهَاد لَا يجوز أَن يَجْعَل أصلا يجوز ذَلِك فِي حكم الْإِجْمَاع فان من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لَا يجوز لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَى الحكم أَن يَجعله اصلا لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ غير ذَلِك الحكم فَأَما إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فان مِنْهُم من يَجعله أصلا ويقيس عَلَيْهِ فرعا آخر بعلة سوى الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِي الْمَسْأَلَة الْمُجْتَهد فِيهَا وَمِنْهُم من لَا يَجعله أصلا لَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ لَكِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا بعلة وَتلك الْعلَّة يُمكن أَن يُقَاس الْفَرْع بهَا على الأَصْل الأول فَلَا يكون لجعل ذَلِك الْفَرْع أصلا معنى فَأَما الحكم الْمجمع عَلَيْهِ من جِهَة الِاجْتِهَاد فانه قد صَار مَقْطُوعًا بِهِ كالمنصوص عَلَيْهِ فَجَاز أَن يُقَاس عَلَيْهِ فرع من الْفُرُوع بِالْعِلَّةِ الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِيهِ وَيكون قِيَاس الْفَرْع عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعلَّة كقياسه على الأَصْل الأول لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيقه مَقْطُوع بِهِ وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن الْحق فِي وَاحِد فانهم لَا يجوزون الْقيَاس على مَا هُوَ خطأ وَمَا لَيْسَ بخطأ فان قَوْلهم فِي جعله أصلا يَنْبَغِي أَن
(2/63)

يكون على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن
وَأما قَوْلهم إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد غير مَقْطُوع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة فجواب أَكثر من يَقُول بِأَن الْحق فِي وَاحِد أَن ذَلِك هُوَ من حق الِاجْتِهَاد إِذا انْفَرد عَن إِجْمَاع أَو تصويب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاذا اقْترن بِهِ أَحدهمَا قطع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة وَإِنَّمَا يعلم تعلقه بالأمارة بِمَا اقْترن بِهِ وَيجْرِي مجْرى أَن يكون وقُوف غُلَام زيد على بَاب الْأَمِير أَمارَة على كَون زيد فِي الدَّار فاذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا أَو أخبرنَا نَبِي قَطعنَا على كَونه فِيهَا وَأَن حكم الأمارة مُتَعَلق بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علمنَا صِحَة الْإِجْمَاع ثمَّ أَجمعُوا عَن أَمارَة وَأما الْقَائِلُونَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يَقُولُونَ إِن الْمُجْتَهدين يقطعون على لُزُوم الحكم لمن أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ كَمَا يقطعون على لُزُوم الحكم الْمجمع عَلَيْهِ ويقطعون على أَنه غير لَازم لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ هَذَا حكم الِاجْتِهَاد مَا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَا تصويب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَذكر فِي الشَّرْح أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم الأمارة لم يقطع على تعلق الحكم بهَا إِلَّا أَن تكون أَمارَة وَاحِدَة وَتجمع الامة على تعلق الحكم بهَا وَمَتى لم يجْتَمع كلا الشَّرْطَيْنِ لم يقطع على ذَلِك وَالْأولَى أَن يُقَال يقطع على تعلق الحكم بهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لذَلِك معنى أَكثر من ثُبُوت حكمهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي علمنَا بِأَن زيدا فِي دَار الْأَمِير إِذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا بعد مشاهدتنا لوقوف غُلَامه على الْبَاب وَيدل على جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد أَنه قد وَقع ذَلِك وَلم يكن ليَقَع إِلَّا ووقوعه جَائِز وَيدل على وُقُوعه إِجْمَاع الصَّحَابَة من جِهَة الِاجْتِهَاد على مبلغ حد الشّرْب وإجماعهم على قتال أهل الرِّدَّة وإمامة أبي بكر وَذكرهمْ وَجه اجتهادهم فان أَبَا بكر قَالَ لَا أفرق بَين مَا جمع الله تَعَالَى فقاس الزَّكَاة على الصَّلَاة فِي وجوب قتال المخل بهَا وَلَو كَانَ مَعَهم فِي قتال مَا نعي الزَّكَاة نَص لنقلوه وَقد ذكرُوا فِي إِمَامَة أبي بكر تَقْدِيم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه فِي الصَّلَاة وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا احْتج أَبُو بكر بِالْآيَةِ على وجوب الزَّكَاة ثمَّ اسْتَفَادَ
(2/64)

وجوب قِتَالهمْ من أجل أَن إِنْكَار الْمُنكر يكون بالْقَوْل فان نفع وَإِلَّا فبالقتال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنه إِذا لزمنا الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع فَلَا بُد من أَن يكون لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِهِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْإِجْمَاع مَعْلُوما بِالْعقلِ ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَالا وَإِمَّا مَعْلُوما بالإدراك وَمَعْلُوم أَنا لَا نعلم بِأول الْعقل أَن الْأمة مجمعة على حكم من الْأَحْكَام وَلَا باستدلال عَقْلِي فَبَقيَ أَن الْإِدْرَاك هُوَ الطَّرِيق إِلَى ذَلِك إِمَّا أَن ندرك قَوْلهم بِالسَّمَاعِ أَو نشاهدهم يَفْعَلُونَ فعلا وَإِمَّا أَن نسْمع الْخَبَر عَنْهُم وَإِذا لم يجز أَن يكون الْمخبر عَنْهُم هُوَ الله وَرَسُوله لِأَن الْوَحْي مُرْتَفع كَانَ الْمخبر عَن الْأمة غَيرهمَا فَثَبت أَن طَرِيق الْإِجْمَاع هُوَ سَمَاعنَا اقاويلهم ومشاهدهم فاعلين أَو النَّقْل عَنْهُم وَالسَّمَاع إِمَّا أَن يتَنَاوَل قَول كل وَاحِد مِنْهُم أَو يتَنَاوَل قَول بَعضهم فان تنَاول قَول كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ طَرِيقا كَافِيا وَإِن تنَاول قَول بَعضهم لم يكن طَرِيقا إِلَى إِجْمَاعهم إِلَّا بِأحد أَمريْن إِمَّا أَن ينْقل لنا ذَلِك القَوْل عَن البَاقِينَ وَإِمَّا أَن ينْقل سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم وارتفاع التقية وَالنَّقْل عَنْهُم إِمَّا أَن يكون نقلا عَن جَمِيعهم فيكتفى بِهِ وَإِمَّا أَن يكون نقلا عَن بَعضهم فَلَا يكون طَرِيقا إِلَّا بِأَن نسْمع من البَاقِينَ مثل ذَلِك القَوْل وَإِمَّا بِأَن نعلم سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم
وَالْخَبَر عَن المجمعين ضَرْبَان تَوَاتر وآحاد وكل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَنحن نذْكر القَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة لدُخُوله فِي الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا ولتعلق شُبْهَة الْمُخَالف بِهِ فَنَقُول إِن قَول بعض أهل الْعَصْر إِذا انْتَشَر فِي جَمِيعهم وَسكت الْبَاقُونَ فَلم يظهروا خلافًا فَأَما أَن يعلم أَن سكوتهم سكُوت رَاض يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهم فان علم ذَلِك كَانَ إِجْمَاعًا لأَنهم لَو قَالُوا قد رَضِينَا بِهَذَا القَوْل وَنحن معتقدون لَهُ كَانَ
(2/65)

إِجْمَاعًا فاذا علمنَا ذَلِك ضَرُورَة فيهم على قَول من يجوز وُقُوع الْعلم بالمذاهب باضطرار كَانَ آكِد وَإِن لم نعلم باضطرار أَنهم رَضوا بذلك القَوْل قولا لَهُم فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد أَو لَا يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد فان لم يكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فإمَّا أَن يكون على النَّاس فِيهِ تَكْلِيف أَو لَا يكون عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف فَإِن لم يكن عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف كالقول بِأَن عمارا أفضل من حُذَيْفَة رَضِي الله عَنْهُمَا جَازَ أَن يكون خطأ لَا يلْزم البَاقِينَ إِنْكَاره لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزمهُم إِنْكَاره إِذا علمُوا أَنه مُنكر فاذا لم يلْزمهُم النّظر فِي كَونه مُنْكرا جَازَ أَن لَا ينْظرُوا فِيهِ فَلَا يعلمُونَ أَنه مُنكر فَلَا يلْزمهُم إِنْكَاره وَلَيْسَ بممتنع أَن يتطابقوا على ترك إِنْكَار مَا لَا يجب إِنْكَاره أَلا ترى أَنهم لَو سمعُوا من يخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار لم يلْزمهُم أَن ينْظرُوا هَل أخبر عَن ثِقَة أَو على حسب ظَنّه أَو أخبر قطعا وَهُوَ لَا يَأْمَن كَونه كَاذِبًا وَإِذا لم يلْزمهُم ذَلِك لم يجب الْإِنْكَار عَلَيْهِم وَإِن كَانَ على النَّاس فِي الْمَسْأَلَة تَكْلِيف فانه إِذا لم يُنكر الْبَاقُونَ ذَلِك القَوْل يكون صَوَابا لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ لكانوا قد تطابقوا على ترك مَا يجب عَلَيْهِم من إِنْكَار الْمُنكر وَإِذا كَانَ ذَلِك القَوْل صَوَابا فخلافه خطأ لِأَن الْمَسْأَلَة مِمَّا ألحق فِي وَاحِد مِنْهُ
فَإِن قيل أَيجوزُ مَعَ كَون ذَلِك القَوْل صَوَابا أَن يكون من سكت يتَوَقَّف فِيهِ غير قَائِل بِهِ قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن إطباقهم على ترك الْإِنْكَار يجْرِي مجْرى قَوْلهم إِنَّه لَيْسَ بمنكر فِي الدّلَالَة على أَن ذَلِك القَوْل غير مُنكر وَلَا يجوز أَن يَقُولُوا ذَلِك فَيكون القَوْل غير مُنكر إِلَّا لأَنهم بأجمعهم قَالُوهُ
وَأما إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فالقائلون بِأَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ يجب تَركه يَقُولُونَ فِي ذَلِك مَا قُلْنَاهُ الْآن فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد والقائلون بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب اخْتلفُوا فَقَالَ أَبُو عَليّ يكون ذَلِك إِجْمَاعًا إِذا انْتَشَر القَوْل فيهم ثمَّ انقرض الْعَصْر وَقَالَ أَبُو هَاشم لَا يكون إِجْمَاعًا وَلكنه يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو عبد الله لَا يكون إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة
(2/66)

وَحجَّة أبي عَليّ أَن المتعالم من أهل الِاجْتِهَاد إِذا سمعُوا الْحَادِثَة وَطَالَ بهم الزَّمَان أَن يفكروا فِيهَا فان اعتقدوا خلاف مَا انْتَشَر من القَوْل فِيهَا أظهروه إِذا لم تكن تقية وَلَا بُد إِذا كَانَت تقية أَن يظْهر سَببهَا وَأَيْضًا فانه إِن مَاتَ قبل من يتقيه صَارَت الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا وَإِن مَاتَ من يتقيه قبله وَجب أَن يظْهر قَوْله فَبَان أَنه لَا يجوز أَن ينقرض الْعَصْر من غير ظُهُور خلاف لما انْتَشَر إِلَّا وَهُوَ متفقون عَلَيْهِ وَأَيْضًا فان المتقي قد يظْهر قَوْله عِنْد ثقاته وخاصته فَلَا يلبث القَوْل أَن يظْهر
وَحجَّة من قَالَ إِنَّه لَا يكون حجَّة أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت لم يفكر فِي الْمَسْأَلَة لتشاغله بغَيْرهَا من الأشغال كالجهاد وسياسة النَّاس أَو الْفِكر فِي غَيرهَا من الْمسَائِل فَلَا يكون القَوْل الْمُنْتَشِر إِلَّا قَول بَعضهم وَلَيْسَ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَّا أَن تذْهب الْأمة كلهَا عَن الْحق لِأَن ذَلِك القَوْل الْمُنْتَشِر هُوَ حق لِأَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب
وَحجَّة أبي هَاشم فِي أَن ذَلِك حجَّة هِيَ أَن النَّاس فِي كل عصر يحتجون بالْقَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة إِذا لم يعرف لَهُ مُخَالف
وَأَبُو عبد الله لَا يسلم هَذَا الْإِجْمَاع على أَن من يحْتَج بذلك يَجعله إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ يَقُول قد انْتَشَر هَذَا القَوْل وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف فَكَانَ إِجْمَاعًا
وَأما نقل الْإِجْمَاع بِخَبَر الْوَاحِد فَمن النَّاس من لم يعْمل بِهِ وَمِنْهُم من عمل بِهِ وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلهم حجَّة كَمَا أَن كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة فاذا لزمتنا الْأَحْكَام بِنَقْل كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة الْآحَاد فَكَذَلِك يلْزمنَا أَن ينْقل كَلَام الامة من جِهَة الْآحَاد فَأَما من قَالَ إِنَّه لَا طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع فَلهُ أَن يحْتَج فَيَقُول إِن المجمعين إِمَّا أَن يَكُونُوا هم الصَّحَابَة أَو غَيرهم من أهل الْأَعْصَار أما غَيرهم فان كثرتهم وتباعد دِيَارهمْ يمْنَع أَن نَعْرِف فِي الْحَوَادِث قَوْلهم بأجمعهم أَلا ترى أَن أهل بَغْدَاد لَا يعْرفُونَ أهل الْعلم بالمغرب فضلا أَن
(2/67)

يعرفوا أقاويلهم فِي الْحَوَادِث وَأما الصَّحَابَة فانا لم نشاهدهم فيشافهونا بالحكم وَلم ينْقل عَن كل وَاحِد مِنْهُم قَول فِي الْحَوَادِث لَا بالتواتر وَلَا بالآحاد وَلَيْسَ معنى إِلَّا أَن بَعضهم يَقُول وينتشر قَوْله فِي البَاقِينَ وَلَا يظْهر لَهُ مُخَالف وَلَيْسَ هَذَا باجماع على الصَّحِيح من قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِنَّمَا تحصل الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا عِنْد سكُوت البَاقِينَ إِذا علمنَا أَنهم سكتوا سكُوت من يرضى أَن يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ لِأَن السَّاكِت قد يسكت لهَذَا الْغَرَض وَلِأَنَّهُ لَا قَول لَهُ فِي الْمَسْأَلَة وَإِذا جَازَ كلا الْأَمريْنِ خرج السُّكُوت من أَن يكون طَرِيقا إِلَى أَن السَّاكِت قد رَضِي أَن يكون القَوْل قولا لَهُ وَلَيْسَ يجوز أَن يعلم باضطرار أَنهم يَعْتَقِدُونَ صِحَة ذَلِك القَوْل لأنكم لَا تضطرون من كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مُعْتَقد لما يظهره من الْإِسْلَام فَكيف تَكُونُونَ مضطرين إِلَى أَنهم يَعْتَقِدُونَ فرعا من فروعه وَالْجَوَاب أَن هَذِه الشُّبْهَة لَا تمنع من الْعلم بِالْإِجْمَاع أصلا لِأَن من عاصر الصَّحَابَة يُمكنهُ أَن يلتقي بِكُل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو ببعضهم ويروى لَهُ عَن البَاقِينَ لِأَن أهل الِاجْتِهَاد كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت مَحْصُورين وَكَذَلِكَ التابعون وانتشار القَوْل فِي هَذَا الْعَصْر من غير مُخَالف دَلِيل على الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَفِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَيْضا على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد مِنْهَا وعَلى قَول أبي عَليّ أَيْضا وَإِن كَانَ يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فَأَما غَيره فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مَا دلّ على الْإِجْمَاع يَقْتَضِي أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بِالْإِجْمَاع القَوْل الْمُنْتَشِر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوجب علينا اتِّبَاع مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ فاذا لم يُمكن إِلَّا هَذَا الْقدر علمنَا أَن الله تَعَالَى قد عناه
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا أوجب الله تَعَالَى علينا اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذا تمَكنا مِنْهُ وَذَلِكَ يُمكن لمن عاصر الصَّحَابَة وَأمكن أَن يسألهم وَيُمكن أَيْضا فِي القَوْل الْمُنْتَشِر فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَهَذَا يَكْفِي فِي حسن إِيجَاب الله تَعَالَى اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذْ قد أمكن من بعض النَّاس وعَلى بعض الْوُجُوه
(2/68)

وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن نعلم باضطرار شَيْئا طَرِيقه الْخَبَر وَإِن لم نعلم طَرِيقه مفصلا أَلا ترى أَنا نعلم باضطرار اعْتِقَاد أهل بِلَاد الرّوم النَّصْرَانِيَّة وَأَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه وَإِن لم نعلم طَرِيق ذَلِك مفصلا وَكَذَلِكَ نَحن نعلم ضَرُورَة أَنه لَيْسَ فِي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم من جعل الْأَخ أولى بِالْمَالِ كُله من الْجد وَلَا يمْتَنع ذَلِك وَإِن لم يعلم طَرِيقه مفصلا
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّا لَا نعلم أَن أهل بِلَاد الرّوم نَصَارَى كلهم لأَنا نجوز أَن يكون فيهم المتظاهر بالاسلام واليهودية بل يقطع على ذَلِك وَأَن يكون فيهم من يظْهر النَّصْرَانِيَّة ويعتقد غَيرهَا وَإِنَّمَا نعلم أَن الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار النَّصْرَانِيَّة وَذَلِكَ قد أخبرنَا بِهِ جمَاعَة نعلم صدقهم وَلَو كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار دين الاسلام لما حاربونا وَلما انكتم ذَلِك
وَأما تَشْبِيه مَسْأَلَة الْجد بِمَا نعلمهُ من أَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه فانه يَقْتَضِي أَن نعلم أَن الْغَالِب على الصَّحَابَة أَن الْأَخ لَا يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْجد على أَنا نعلم أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة من يظْهر ذَلِك لِأَنَّهُ لَو أظهره مظهر لنقل وَلَكِن للمحتج بِهَذِهِ الشُّبْهَة أَن يَقُول لَعَلَّ من سكت عَن القَوْل فِي مَسْأَلَة الْجد وَالْأَخ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا قَول
وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة بِجَوَاب آخر وَهُوَ انه لَا يمْتَنع أَن يضْطَر إِلَى أَن السَّاكِت عَن الْإِنْكَار رَاض بِكَوْن مَا سكت عَن إِنْكَاره قولا لَهُ فان لم يكن لنا إِلَى ذَلِك طَرِيق معِين كَمَا نعلم قصد الْمُتَكَلّم عِنْد كَلَامه وَإِن لم يكن لنا طَرِيق معِين إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ لأحد ان يَقُول قد لَا يكون السَّاكِت رَاضِيا بذلك القَوْل لنَفسِهِ فَلَا يجوز أَن يحصل الْعلم بِأَنَّهُ قد رَضِي بالْقَوْل لنَفسِهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَن يَقُول لَا أعلم قصد الْمُتَكَلّم لِأَن مثل كَلَامه قد يُوجد وَلَا أعرف قَصده أَلا ترى أَنه قد تَجْتَمِع الْجَمَاعَة للرأي فيشير بَعضهم ويسكت الْبَاقُونَ ويفترقون فَيعلم أَنه رَأْي جَمِيعهم فاذا علمنَا باضطرار أَن مَذْهَب جَمِيع السّلف أَن الْأَخ لَيْسَ أولى بِجَمِيعِ المَال من الْجد علمنَا أَنه من هَذَا الْقَبِيل
(2/69)

وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ يجب إِذا علمنَا قصد بعض الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد بعض الساكتين وَلَا يجب وَلَو علمنَا ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد من سكت فِي مَسْأَلَة الْجد وَغَيرهَا بل لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت عَن النكير إِنَّمَا سكت لِأَنَّهُ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة لِأَن الْفَرْض قد قَامَ بِهِ غَيره وَلَا يكون لَهُ فِي ذَلِك قَول
فاذا ثَبت أَن النَّقْل طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَجب على الامة إِظْهَار قَوْلهَا وَوَجَب على من سَمعه ان يَنْقُلهُ كَمَا يجب إِظْهَار الْفَرَائِض على الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَيجب على من سَمعهَا مِنْهُ نقلهَا عَنهُ وَإِذا كَانَ من انْتَشَر من الْأَقَاوِيل فِي الْأمة وَلم يظْهر لَهُ مُخَالف حجَّة جَازَ تَخْصِيص الْعُمُوم بِهِ وَإِن لم يكن حجَّة لم يجز ذَلِك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
عِنْد الشَّيْخ أبي عَليّ أَن أنقراض الْعَصْر طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع لِأَن الْعَصْر لَا ينقرض إِلَّا وَقد شاع القَوْل فِي جَمِيع أَهله فَلَو كَانَ فيهم مُخَالف لأظهر خِلَافه وَعند غَيره أَنه لَا اعْتِبَار بانقراض الْعَصْر فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو أَبُو عَليّ إِمَّا أَن يَقُول لَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع سواهُ أَو يَقُول هُوَ طَرِيق وَغَيره طَرِيق وَالْأول لَا يَصح لِأَن المعاصر للصحابة لَو سمع القَوْل من كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو سمع من بَعضهم وَأخْبر عَن البَاقِينَ لعلم إِجْمَاعهم وَالثَّانِي أَيْضا لَا يَصح لِأَن مَا ذَكرُوهُ من انتشار القَوْل وَوُجُوب إِظْهَار الْخلاف مَوْقُوف على تمادي الزَّمَان انقرض الْعَصْر أَو لم ينقرض وَلَو كَانَ انتشار القَوْل فِي جَمِيع أهل الْعَصْر مَوْقُوفا على انْقِرَاض الْعَصْر لَكَانَ فِي كَونه طَرِيقا إِلَى الْإِجْمَاع مَا ذَكرْنَاهُ من الْخلاف فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم
(2/70)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر وَلم يعرف لَهُ مُخَالف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن القَوْل إِذا لم ينتشر فيهم فإمَّا أَن يكون الْبلوى بِهِ عَاما أَو غير عَام فان لم يكن عَاما لم يكن إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة وَلَا كَانَ مَقْطُوعًا على انه صَوَاب وَعند بعض النَّاس أَنه إِجْمَاع يحْتَج بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع لِأَن القَوْل إِنَّمَا يكون مجمعا عَلَيْهِ إِذا اعتقده كل أهل الْعَصْر وَلَيْسَ يجوز أَن يَعْتَقِدهُ من لم يسمع بِهِ وَلم يخْطر بِبَالِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة لِأَنَّهُ لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ حجَّة لِأَنَّهُ إِجْمَاع وَقد بَينا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع أَو لِأَنَّهُ قَول بعض السّلف وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك أَو لِأَن الامة أَجمعت على الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِجْمَاع لِأَن كثيرا من النَّاس يُنكر على من يحْتَج بذلك وَإِنَّمَا لم يقطع على أَنه صَوَاب لِأَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد يجوز أَن يكون خطأ وَمن يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب يجوز خطأ غَيره إِذا لم تكن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن كَانَت من مسَائِل الِاجْتِهَاد فانما يحكم بِأَنَّهُ مُصِيب إِذا استوفى الِاجْتِهَاد وَلم يقل بِأول خاطر وَلَيْسَ يعلم أحد من غَيره أَنه لم يضجع فِي اجْتِهَاده فَلذَلِك لم يقطع على أَن القَوْل صَوَاب على الْإِطْلَاق
فان قيل لَو لم يكن القَوْل صَوَابا لَكَانَ الصَّوَاب قد خرج عَن اقاويل الامة وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام يُفِيد أَن للْأمة كلهَا فِي الْحَادِثَة أقاويل وَأَن الصَّوَاب سواهَا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي قَول لم يظْهر فِي الْأمة خِلَافه وَأَيْضًا فانه يجوز أَن لَا يكون للْأمة فِي الْمَسْأَلَة قَول هُوَ حق إِذا لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف أَلا ترى أَنه لَيْسَ لَهُم قَول مِمَّا لم يحدث فِي عصرهم وَجَاز ذَلِك لما لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف فَكَذَلِك لَا تَكْلِيف عَلَيْهِم فِيمَا لم يبلغهم
وَأما إِذا كَانَ الْبلوى بذلك القَوْل عَاما فان لم ينتشر فيهم ذَلِك القَوْل فَلَا بُد من أَن يكون لَهُم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة قَول إِمَّا مُوَافق لما نقل إِلَيْنَا أَو مُخَالف
(2/71)

وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بِالنَّقْلِ أَن يستفيض ذَلِك فَلَا ينْقل وَإِذا ثَبت أَن قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر لَا يكون حجَّة فَجرى مجْرى قَول الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خَالف فِيهِ غَيره فِي أَنه لَا يخص بِهِ الْعُمُوم
(2/72)

الْكَلَام فِي الْأَخْبَار

أَبْوَاب الْأَخْبَار بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب بَاب فِي الاخبار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَصفَة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر بَاب فِي شَرط وُقُوع الْعلم بالأخبار بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ مَا لَيْسَ بمتواتر من الْأَخْبَار وَمَا لَا يقبل فِيهِ ذَلِك بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِي وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك الْمَرَاسِيل وَغَيرهَا بَاب فِي كَيفَ يَنْبَغِي للراوي أَن يروي وَفِي الْمَفْهُوم من رِوَايَته بَاب فِي الْأَخْبَار المتعارضة بَاب فِيمَا يرجح بِهِ الْخَبَر على غَيره فَالْأول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما قَوْله خبر فواقع على قَول مَخْصُوص وَلَيْسَ بواقع على سَبِيل الْحَقِيقَة على الْإِشَارَة وَالدّلَالَة لِأَن من وصف غَيره بِأَنَّهُ مخبر وَبِأَنَّهُ فَاعل للْخَبَر لم يسْبق إِلَى فهم السَّامع لَهُ إِلَّا أَنه مُتَكَلم بِصِيغَة مَخْصُوصَة
فَأَما مَا مَعَه تكون الصِّيغَة خَبرا مستعملة فِي فائدتها فَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ الْإِرَادَة والأغراض لِأَن صِيغَة الْخَبَر قد ترد وَلَا تكون خَبرا بل تكون أمرا وَلَا تشْتَرط الْإِرَادَة والأغراض فِي كَون الْخَبَر على صِيغَة الْخَبَر
(2/73)

وَأما حد الْخَبَر فقد قيل إِن أهل اللُّغَة حدوه بِأَنَّهُ كَلَام يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب فان قيل أَلَيْسَ قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب قيل قد أجَاب الشَّيْخ أَبُو عَليّ بَان هَذَا الْخطاب يُفِيد صدق أَحدهمَا فِي حَال صدق الآخر فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحدهمَا صَادِق فِي حَال صدق الآخر وَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ قَوْله كذبا فَكَذَلِك إِذا قَالَ هما صادقان وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ ينبىء هَذَا الْكَلَام عَن أَن صدق أَحدهمَا حَاصِل فِي حَال صدق الآخر وَلَا أَنه قبله وَلَا بعده فَلَا يكون ذَلِك معنى الْكَلَام
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَن هَذَا الْكَلَام يجْرِي مجْرى خبرين أَحدهمَا خبر بِصدق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْآخر خبر بِصدق مُسَيْلمَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَجْمُوع خبرين متميزين إنَّهُمَا صدق أَو كذب فَكَذَلِك فِي هَذَا الْكَلَام وَلقَائِل أَن يَقُول بِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يجْرِي مجْرى خبرين إِلَّا من حَيْثُ أَفَادَ حكما لشخصين وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وَصفه بِالصّدقِ وَالْكذب أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل كل شَيْء قديم كذب وَإِن أَفَادَ حكما لذوات كَثِيرَة
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله بِأَن مرادنا بقولنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب هُوَ مَا إِذا قيل للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت لم يحظره اللُّغَة وَهَذِه صُورَة هَذَا الْكَلَام فَكَانَ دَاخِلا فِي حد الْخَبَر
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن هَذَا الْكَلَام كذب فانه يُفِيد الْإِخْبَار عَن شَيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة الصدْق إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى أَحدهمَا كَانَ أَن قَول الْقَائِل كل إِنْسَان أسود كذب لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة السوَاد إِلَى جَمِيعهم وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَى جَمِيعهم
إِن قيل إِذا حددتم الْخَبَر بِأَنَّهُ مَا دخله الصدْق وَالْكذب وحددتم الصدْق بِأَنَّهُ الْإِخْبَار على الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وحددتم الْكَذِب بِأَنَّهُ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كُنْتُم قد عَرَفْتُمْ الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله بِأَن الْخَبَر قد عَرفْنَاهُ ولسنا نُرِيد بتحديده أَن نعرفه
(2/74)

وَإِنَّمَا نُرِيد أَن نفصله عَن غَيره فَلم يكن فِيمَا فعلنَا تَعْرِيف الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض بِالْحَدِّ التَّمْيِيز فَنحْن إِذا ميزنا وفصلنا الْخَبَر بِالصّدقِ وَالْكذب وميزنا الصدْق وَالْكذب بالْخبر كُنَّا قد ميزنا وفصلنا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وكأنا قُلْنَا الْخَبَر يتَمَيَّز بِأَنَّهُ خبر فان صَحَّ ذَلِك فَيجب الِاقْتِصَار على القَوْل بِأَن الْخَبَر هُوَ خبر وَلَا يتَكَلَّف هَذَا التَّطْوِيل وعَلى أَنا إِن كُنَّا قد عرفنَا الْخَبَر وعقلناه فَمن سَأَلنَا عَن حَده فانما سَأَلنَا عَن عبارَة تنبىء عَن هَذَا الْمَعْقُول الْمَعْرُوف لنا فَيجب أَن نأتي بهَا والا لم نَكُنْ قد حددناه وَأَيْضًا فان كُنَّا قد عقلنا جَمِيع معنى الْخَبَر فقد تميز لنا أَيْضا فَيجب أَن نستغني عَن حَده
جَوَاب آخر وَهُوَ أَن قَوْلنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب أردنَا بِهِ مَا لَا يحظر أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت وَلَيْسَ يقف حظر ذَلِك على معرفَة الصدْق وَالْكذب بل ذَلِك يرجع فِيهِ إِلَى اللُّغَة وَهَذَا لَا يَصح أَيْضا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسوغ أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم صدقت أَو كذبت إِذا عرفونا الصِّيغَة وميزوها مِمَّا لَا يَصح أَن يُقَال لمن تكلم بِهِ صدقت أَو كذبت فَالْخَبَر هُوَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الصِّيغَة فَيجب أَن يكون حد الْخَبَر هُوَ مَا أنبأ عَنْهَا
وَالْأولَى أَن نحد الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الامور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِنَفسِهِ لِأَن الْأَمر يُفِيد وجوب الْفِعْل لَا بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد هُوَ استدعاء للْفِعْل لَا محَالة لَا يُفِيد إِلَّا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد كَون الْفِعْل وَاجِبا تبعا لذَلِك ولصدوره عَن حَكِيم وَكَذَلِكَ دلَالَة النَّهْي على قبح الْفِعْل فَأَما قَول الْقَائِل هَذَا الْفِعْل وَاجِب اَوْ قَبِيح فانه يُفِيد تصريحه تَعْلِيق الْوُجُوب والقبح بِالْفِعْلِ
فَأَما أَقسَام الْخَبَر الصدْق وَالْكذب فَعِنْدَ أبي عُثْمَان الجاحظ أَن الْخَبَر المتناول للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه صدقا أَن يعْتَقد فَاعله أَو يظنّ أَنه كَذَلِك والمتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه كذبا أَن يَعْتَقِدهُ فَاعله أَو
(2/75)

يَظُنّهُ كَذَلِك وَمَتى لم يَعْتَقِدهُ كَذَلِك وَلم يَظُنّهُ لم يكن صدقا وَلَا كذبا وأجراه مجْرى الِاعْتِقَاد فِي خلوه من كَونه علما أَو جهلا إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَلم يقتض سُكُون النَّفس وَحجَّة أبي عُثْمَان هِيَ أَن زيدا إِذا كَانَ فِي الدَّار فَظن ظان أَنه لَيْسَ فِيهَا فَقَالَ زيد فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ صَادِق فَبَطل أَن يكون الْخَبَر إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كَانَ صدقا على كل حَال وَلَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ كَاذِب فَبَطل ان يكون الْخَبَر مَتى تنَاول الشَّيْء لَا على مَا هُوَ كَانَ كذبا على كل حَال وَلَو أخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار وَكَانَ فِيهَا وَهُوَ يَعْتَقِدهُ أَو يَظُنّهُ فِيهَا وصف بِأَنَّهُ صَادِق وَيكون كَاذِبًا إِذا أخبر بانه لَيْسَ فِيهَا وَهُوَ يَظُنّهُ أَو يَعْتَقِدهُ فِيهَا
وَعند جمَاعَة شُيُوخنَا أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يكون صدقا أَو كذبا لِأَن الْيَهُودِيّ إِذا قَالَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بِنَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ كَاذِب وَوصف خَبره بِأَنَّهُ كذب وَإِن جَازَ أَن لَا يكون مُعْتَقدًا وَلَا ظَانّا لنبوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِذا قَالَ قَائِل إِنَّه نَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ صَادِق وَأَن خَبره صدق فَعلم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يشْتَرط الظَّن والاعتقاد فِي كَون الْخَبَر صدقا أَو كذبا
وَقد أفسد قَاضِي الْقُضَاة قَول ابي عُثْمَان بِأَن ظن الْمخبر واعتقاده يرجع إِلَيْهِ لَا إِلَى الْخَبَر فَلم يكن شرطا فِي كَونه كذبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ذَلِك كَمَا أَن إِرَادَة الْمخبر رَاجِعَة إِلَيْهِ وَهِي شَرط عِنْده فِي كَون الْخَبَر خَبرا وَالْكَلَام فِي ذَلِك فِي عبارَة وَالْأولَى أَن نفصل القَوْل فِيهِ فَمَتَى سَأَلَ سَائل عَن رجل قَالَ زيد فِي الدَّار وَهُوَ يَظُنّهُ فِيهَا وَلم يكن فِيهَا هَل هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب أَو لَا فانا نقُول هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب على معنى أَن مخبره على خلاف مَا تنَاوله ونوصف بِأَنَّهُ لَيْسَ بكاذب وَكَلَامه لَيْسَ بكذب لِمَعْنى أَنه لم يقْصد بِهِ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وَإِذا اخْتلف الْقَصْد بوصفنا لهَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ كذب وَجب أَن لَا يُطلق الْوَصْف عَلَيْهِ بذلك وَأَن يُقيد وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن أخبر بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ يظنّ أَنه كَاذِب أَن خَبره يُوصف بِأَنَّهُ صدق وَأَنه صَادِق على هَذَا التَّقْيِيد فَأَما وصف الْيَهُودِيّ بِأَنَّهُ كَاذِب فِي
(2/76)

قَوْله إِن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بِنَبِي فَمَعْنَاه أَنه فَاعل لخَبر مخبره على خلاف مَا هُوَ بِهِ وَأَيْضًا فَظَاهر من الْيَهُود العناد وَالتَّقْصِير فِي النّظر فهم مقدمون على هَذَا الْخَبَر مَعَ خوفهم أَن يَكُونُوا كاذبين فوصفوا بِأَنَّهُم كاذبون على طَرِيق الذَّم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْأَخْبَار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْأَخْبَار مِنْهَا مَا يعلم سامعها صدقهَا وَمِنْهَا مَا لَا يعلم صدقهَا أما الَّتِي لَا يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يعلم كذبهَا أَو لَا يعلم كذبهَا وَلَا صدقهَا وَالَّتِي يعلم صدقهَا إِمَّا أَن يُعلمهُ بِأَمْر مُنْفَصِل عَنْهَا أَو غير مُنْفَصِل عَنْهَا فَالْأول إِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته ضَرُورَة بالإدراك أَو غَيره كالإخبار بعلو السَّمَاء على الأَرْض وَبِأَن الْعشْرَة أَكثر من الْخَمْسَة وَإِمَّا أَن يكون إِخْبَارًا عَمَّا يعلم صِحَّته بالاستدلال بِالْعقلِ وبالسمع كالخبر عَن حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ وجوب الصَّلَاة وَغير ذَلِك وَأما الَّتِي يعلم صدقهَا بِمَا يتَّصل بالْخبر وَيتَعَلَّق بِهِ فإمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْوَال الْمخبر أَو إِلَى أَحْوَال السَّامع
فالاول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمخبر لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أصلا وَالْآخر لَا يجوز كَونه كَاذِبًا فِي ذَلِك الْخَبَر وَإِن جَازَ ان يكذب فِي غَيره فَالْأول أَن يكون الْمخبر حكيما إِمَّا لعلمه وغناه وَإِمَّا لِأَنَّهُ عصم من الْكَذِب إِمَّا لدلَالَة المعجزات وَإِمَّا لشهادة الله وَرَسُوله بذلك كالامة وَأما الْمخبر الَّذِي يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب فِي غير ذَلِك الْخَبَر فانما نعلم صدقه فِي الْخَبَر إِذا لم يكن لَهُ دَاع إِلَى الْكَذِب وَلَا يجوز أَن يشْتَبه عَلَيْهِ الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا نعلم أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب إِذا كَانَ المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا أَن ينظمهم دَاع وَاحِد إِلَى الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو تواطؤا
وَأما الرَّاجِع إِلَى السَّامع فإمَّا أَن يرجع إِلَى إِمْسَاكه عَن النكير أَو إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر أما الأول فبأن يخبر الْمخبر بِحَضْرَة من يَدعِي عَلَيْهِ الْعلم بصدقه فَلَا
(2/77)

يُنكره مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأنكره إِمَّا من جِهَة الْحِكْمَة وَإِمَّا من جِهَة الْعَادة فَالْأول أَن يكون من ادعِي عَلَيْهِ الْعلم بِصدق الْخَبَر نَبيا وَأما الثَّانِي فبأن يكون من ادّعى عَلَيْهِ الْعلم جمَاعَة كثيرين وَلَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْإِمْسَاك من رَغْبَة وَلَا رهبة
فَأَما الرَّاجِع إِلَى مصيره إِلَى الْخَبَر فَهُوَ أَن لَا يَدعِي على السامعين الْعلم بِهِ لكِنهمْ يصيرون إِلَيْهِ عملا أَو تقبلا أَو تركا لرده على خلاف فِي ذَلِك
فاما الْأَخْبَار الَّتِي يعلم السَّامع كذبهَا فَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا لأمر مُنْفَصِل عَنْهَا كالأخبار عَمَّا يعلم باضطرار كذبهَا أَو بِدَلِيل سَمْعِي أَو عَقْلِي وَمِنْهَا مَا يعلم ذَلِك من حَالهَا بِأَمْر مُتَّصِل بِهِ وَذَلِكَ رَاجع إِلَى كَيْفيَّة نقل الْخَبَر بِأَن ينْقل خفِيا وَمن حَقه أَن ينْقل ظَاهرا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك من حَقه إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ ظَاهرا وقويت دواعي الدّين أَو الْعَادة أَو كليهمَا إِلَى نَقله فَالْأول اصول الشَّرِيعَة وَالثَّانِي أَن يثبت النَّاس على رجل بَيِّنَة فِي مَسْجِد الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد أَو اثْنَان وَالثَّالِث المعجزات فانه قد اجْتمع فِيهَا أَنَّهَا غَرِيبَة بديعة وَأَن الدّين يتَعَلَّق بهَا
فَأَما النَّص الَّذِي تدعيه الإمامية وتدعي لُزُوم الْمعرفَة بِهِ لأهل كل عصر فانه إِذا لم ينْقل نقلا يحجّ وأجمعت الامة على أَنه لَو كَانَ صَحِيحا للَزِمَ الْعلم بِهِ أهل الْأَعْصَار فانا نعلم بُطْلَانه لِأَن الله عز وَجل لَو كلفهم الْعلم بِهِ لجعل لَهُم إِلَيْهِ سَبِيلا فان لم يجمع الْأمة على ذَلِك لم يعلم بُطْلَانه إِلَى بطرِيق آخر لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون صَحِيحا وَيلْزم الْعلم بِهِ من عاصر الإِمَام وَيكون قَول من قَالَ إِن فرض الْعلم بِهِ لَازم لأهل الْأَعْصَار كلهَا بَاطِلا
فَأَما ظُهُور مخبر الْخَبَر فَلَيْسَ بِمُوجب بِانْفِرَادِهِ شياع نَقله لِأَن طُلُوع الشَّمْس ظَاهر وَلم يجب نَقله فَأَما أَن لَا ينْقل الشَّيْء نقل نَظِيره فَلَيْسَ بِمُوجب كذب الْخَبَر إِلَّا أَن تكون الدَّوَاعِي قَوِيَّة إِلَى نَقله فَأَما إِذا لم يكن كَذَلِك فَلَيْسَ بممتنع إِذا لم تقو الدَّوَاعِي إِلَى نَقله أَن يتَّفق نقل نَظِيره نقلا شَائِعا وَلَا
(2/78)

ينْقل هُوَ هَذَا النَّقْل فَأَما جهر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَلَو كَانَ على حد جهره بِالْفَاتِحَةِ كلهَا لنقل كنقل الْفَاتِحَة لِأَن الدَّاعِي إِلَيْهِمَا وَاحِد لكنه لَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فِي جَمِيع صلوَات الْجَهْر وَكَانَ يجْهر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَارَة دون تَارَة أَو كَانَ يجْهر بهَا جَهرا خفِيا يسْمعهَا من قوى سَمعه مِمَّن قرب مِنْهُ دون من بعد أَو من ضعف سَمعه حسب عَادَة كثير مِمَّن يبتدىء بِالْقِرَاءَةِ يجْهر بهَا جَهرا قَرِيبا ثمَّ يشْتَد صَوته فَلذَلِك اخْتلف النَّقْل للجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَأَما الْخَبَر الَّذِي إِذا فتش عَنهُ أهل الْعلم وَلم يظفروا بِهِ فِي جملَة الْأَخْبَار بعد اسْتِقْرَار السّنَن فانه يعلم كذبه لعلمنا أَن الْأَخْبَار قد دونت وَرِوَايَة الْخَبَر بَعْدَمَا دونت الْأَخْبَار هِيَ رِوَايَة لما دون وَنَنْظُر فاذا لم يُوجد ذَلِك علمنَا كذبه لأَنا لم نشاهده كَمَا لَو قَالَ الرَّاوِي هَذَا الْخَبَر فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ فَلَا نشاهده فِيهِ
فَأَما مَا يعم الْبلوى بِهِ إِذا لم يشْتَهر نَقله فان كَانَ متضمنا للْعلم فقد تقدم ذكره وَإِن كَانَ متضمنا للْعَمَل فَسَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم صدقهَا وَلَا كذبهَا فَهِيَ أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يقْتَرن بهَا مَا يمْنَع من صِحَّتهَا وَهِي ضَرْبَان مِنْهَا مَا تَتَضَمَّن عملا وَمِنْهَا مَا تَتَضَمَّن علما أما الأول فإمَّا أَن لَا يجب الْعَمَل بهَا بَان لَا تتكامل فِيهَا الشُّرُوط الَّتِي مَعهَا يجب الْعَمَل بهَا وَإِمَّا أَن يجب الْعَمَل بهَا إِمَّا عقلا كأخبار الْمُعَامَلَات وَإِمَّا أَن يجب سمعا كأخبار الشَّرِيعَة وكالشهادات عِنْد من لم يُوجب الْعَمَل بهَا عقلا وَأما المتضمنة للْعلم فَمِنْهَا مَا يُوَافق مُقْتَضى الْعقل وَمِنْهَا مَا لَا يُوَافقهُ فَالْأول يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه وَالثَّانِي إِن أمكن تَأْوِيله من غير تعسف يجوز أَن يكون قَالَه وَإِن لم يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف لم يجز أَن يكون قَالَه على ذَلِك الْحَد وَإِنَّمَا يجوز أَن يكون قَالَه مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو حِكَايَة عَن الْغَيْر
وَاعْلَم أَنه لَا يجوز كَون أَخْبَار الْآحَاد المروية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كلهَا كذبا لِأَن
(2/79)

الْعَادة تمنع فِي الْأَخْبَار الْكَثِيرَة أَن يكذب رواتها على كثرتها وَاخْتِلَافهمْ وكثرتهم وَلَيْسَ جَمِيع مَا يروي عَنهُ صلوَات الله عَلَيْهِ صدقا لما رُوِيَ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سيكذب عَليّ فان كَانَ هَذَا الْخَبَر صدقا فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كذبا فقد كذب عَلَيْهِ فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَقد كَانَ السّلف يُنكرُونَ كَثْرَة الرِّوَايَة وَحكي عَن شُعْبَة أَنه قَالَ ثلث الحَدِيث كذب وَكثير مِمَّا يتَضَمَّن الْجَبْر والتشبيه مَا لَا يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف شَدِيد لَا يتَعَذَّر مثله فِي كل كَلَام متناقض وَذَلِكَ يمْنَع أَن يَقُوله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يمْنَع أَن يكون من روى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين فقد تعمد الْكَذِب وَلَا يمْتَنع أَن يثبت أَن بعض الصَّحَابَة الَّذِي رَوَاهَا أَن يكون لحقه سَهْو وَغلط وَأَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَكَاهُ عَن غَيره وَظن الرَّاوِي أَنه حَكَاهُ عَن نَفسه أوخرج عَن سَبَب بِغَيْر فَائِدَته أَو تقدمه مَا يعين حكمه وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل عَلَيْهِ دَاخل وَهُوَ فِي حَدِيث ابتدا أَوله لِأَن معنى الحَدِيث يتَغَيَّر بِحَسب أَوله وَلما ذكرنَا قَالَت عَائِشَة فِيمَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ ولد الزِّنَا شَرّ الثَّلَاثَة والتاجر فَاجر إِنَّمَا عني صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَاجِرًا دلّس وَولد زنا سبّ أمه وَقَالَت فِيمَا رُوِيَ عَنهُ الشؤم فِي ثَلَاث الْمَرْأَة وَالدَّار وَالْفرس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَكَاهُ عَن غَيره وَأنْكرت مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يتعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يواصل رِوَايَة هَذِه الْأَخْبَار وأمثالها لتَكون مضبوطة فَيمْتَنع الزِّيَادَة فِيهَا وَلَو أهملت رِوَايَتهَا لأمكن أَن يزْدَاد فِيهَا فاذا أنكرها مُنكر قَالَ الرَّاوِي إِنَّمَا لم يعرف مَا رويته لِأَنَّهُ مِمَّا أهملت رِوَايَته وَيَنْبَغِي لراويها أَن يتأولها لمن يَرْوِيهَا لَهُ إِن كَانَ يضعف عَن تَأْوِيلهَا أَو يبين لَهُ بُطْلَانهَا إِن لم يُمكن تَأْوِيلهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَبَيَان صفة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما خبر الله عز وَجل وَخبر رَسُوله وأخبار الْأمة فانما وَقع الْعلم لمخبرها لِأَن حِكْمَة الله تَقْتَضِي صدقه فِي إخْبَاره وَصدق من أظهر عَلَيْهِ المعجز وَأخْبر
(2/80)

بعدالته وَأما الْأَخْبَار المتواترة كالإخبار عَن وجود مَكَّة وَغَيرهَا فقد حُكيَ عَن قوم أَنه لَا علم إِلَّا بالحواس دون الْإِخْبَار وَالَّذِي يبطل قَوْلهم وجد اننا أَنْفُسنَا معتقدة وجود مصر وخراسان سَاكِنة إِلَى غير ذَلِك عِنْد تَوَاتر الْأَخْبَار علينا بهَا فَجرى مجْرى الْمعرفَة بالمشاهدات وَيُفَارق مَا يرويهِ الْوَاحِد والاثنان وَمن خَالف فِي أَنا معتقدون لذَلِك واثقون بِهِ فقد دفع مَا نجده فَلَا وَجه لمكالمته وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا لَو وَقع الْعلم بالأخبار المتواترة لوقع عِنْد الْخَبَر الأول وَالثَّانِي لِأَن من يَقُول وَإِن الْعلم لمخبر هَذِه الْأَخْبَار مكتسب يَقُول إِن شَرط اكتسابه حَاصِل فِي التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ اخْتَار فعله عِنْد التَّوَاتُر دون الْآحَاد وَله أَن يَقُول مَا ذكره السَّائِل يجْرِي مجْرى الشّبَه وَالْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَنْتَفِي بِمَا يجْرِي مجْرى الشّبَه أَلا ترى أَن الْعلم بالمدركات لَا يَنْتَفِي باخْتلَاف المناظر
وَاخْتلف النَّاس فِي الْعلم الْوَاقِع عِنْد التَّوَاتُر فَقَالَ شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم إِنَّه ضَرُورِيّ غير مكتسب وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي إِنَّه مكتسب وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أصُول الْفِقْه وَنحن نؤمن إِلَى القَوْل فِيهِ لِأَن النَّاس قد ذَكرُوهُ فِي أصُول الْفِقْه ونحيل باستيفائه على مَا ذَكرْنَاهُ فِي شرح الْعمد فَنَقُول إِن الِاسْتِدْلَال هُوَ تَرْتِيب عُلُوم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى علم آخر فَكل مَا وقف وجوده على تَرْتِيب عُلُوم فَهُوَ مستدل عَلَيْهِ وَالْعلم الْوَاقِع بالتواتر هَذِه سَبيله لأَنا إِنَّمَا نعلم مَا أخبرنَا بِهِ إِذا علمنَا أَن الْمخبر لم يخبر عَن رَأْيه بل أخبر عَمَّا لَا لبس فِيهِ وَأَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب فنعلم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب لعلمنا أَنه لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب ونعلم أَنه لَا يجوز كَونه كذبا وَإِن لم يتعمده لعلمنا بظهوره وارتفاع اللّبْس فِيهِ فَإِذا فسد كَونه كذبا ثَبت كَونه صدقا وَمَتى اخْتَلَّ شَرط من هَذِه الشُّرُوط لم نعلم صِحَة الْخَبَر
وَالْقَوْل بعد هَذَا إِن ذَلِك طَرِيق يُمكن مثله فِي كل الْعُلُوم وَأقوى مَا يذكرهُ الذاهبون إِلَى القَوْل الأول محتجين ومعترضين على مَا ذكرنَا هُوَ أَن الْوَاحِد منا
(2/81)

يعلم وجود الصين وَلَا يعلم أَنه اخبره بذلك كَثْرَة وَذَلِكَ بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان يعلم فِي الْجُمْلَة أَنه قد أخبرهُ بذلك من لَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْكَذِب وَإِن لم يعلم أعيانهم وَيعلم أَن كل من يسْأَله عَن الصين إِمَّا أَن يُخبرهُ عَن مُشَاهدَة أَو عَن خبر من شَاهده وَيعلم أَنه لَا يجوز أَن لَا يكون لوُجُود الصين أصل ويتصل الْأَخْبَار عَنْهَا للأزمان الطَّوِيلَة وَلَا يظْهر كذبهَا لأحد من النَّاس وَلَا يجوز أَن يظْهر كذبهَا وَلَا يتحدث بِهِ وَيظْهر الْخلاف فِيهِ وَالْإِنْكَار لَهُ فينتشر
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر لَا يَنْتَفِي بالشبه وَهَذِه عَلامَة الضَّرُورِيّ وَهَذَا غير مُسلم لِأَن الْعُلُوم الْمُجَاورَة للضرورية لَا تَنْتفِي بالشبه وَهِي مكتسبة
وَاحْتَجُّوا بَان من لَيْسَ من أهل النّظر كالمراهقين والعوام يعْرفُونَ الْبلدَانِ فَعلم أَن ذَلِك غير وَاقع عَن نظر وَالْجَوَاب أَن النّظر فِي ذَلِك لَيْسَ هُوَ إِلَّا تَرْتِيب الْعُلُوم بأحوال المخبرين وَهَذَا الْقدر يحصل للعامة والمراهقين لِأَن هَؤُلَاءِ لَا يمْتَنع أَن يَتَرَتَّب فِي أنفسهم كثير من الْعُلُوم وَيحصل لَهُم عَن ذَلِك عُلُوم أخر
وَاحْتَجُّوا بِأَن اعتقادنا للاستغناء عَن النّظر فِي الْعلم بالبلدان يصرفنا عَن النّظر فِيهِ فَيجب أَن لَا يَقع منا وَذَلِكَ يخْتل كوننا عَالمين بهَا والمعلوم خِلَافه وَالْجَوَاب أَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك لَيْسَ هُوَ أَكثر من تَرْتِيب عُلُوم بأحوال المخبرين على مَا ذكرنَا وَذَلِكَ يحصل عِنْد سَماع الْمخبر الْمُتَوَاتر لأَنا نعلم كثرتهم وَامْتِنَاع تواطئهم واتفاق الْكَذِب مِنْهُم وَيعلم ظُهُور الْمخبر وارتفاع اللّبْس فِيهِ وَالْعلم بِصِحَّة الْمخبر عَنهُ يَقع عِنْد ذَلِك من غير استيناف نظر بعد مَا ذَكرْنَاهُ فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر
فَأَما إِذا أخبر الْوَاحِد بِشَيْء لَا لبس فِيهِ بِحَضْرَة جمَاعَة لَا يتَعَمَّد مثلهَا الْكَذِب فَادّعى مشاهدتها لذَلِك وَلم يصرفهَا عَن تَكْذِيبه صَارف بدين وَلَا رهبة وَلَا رَغْبَة فَسَكَتَتْ عَن تَكْذِيبه فانه يعلم صدقه لِأَن استشهاده بهَا إِنَّمَا هُوَ طلب
(2/82)

لإخبارها بِمثل مَا أخبر بِهِ أَو طلب لسكوتها عَن تَكْذِيبه فسكوتها عَن تَكْذِيبه كالإخبار عَن تَصْدِيقه فاذا لم يجز أَن يخبر بصدقه وَهِي عَالِمَة أَنه كَاذِب فَكَذَلِك إِذا سكتت وَأَيْضًا فان نفوس النَّاس مُؤثرَة لتكذيب الْكذَّاب سِيمَا إِذا استشهدها وَمَتى كفت عَن ذَلِك وجدت فِي أَنْفسهَا ضَرَرا فاذا لم يكن فِي مُقَابلَة هَذَا صَارف وَجب أَن تكذبه بأجمعها أَو بَعْضهَا إِن كَانَ كَاذِبًا فاما أَن دَعَاهَا التدين أَو رَغْبَة إِلَى السُّكُوت فان ذَلِك لَا يَسْتَوِي للجماعات فِي إيثارهما على الْإِخْبَار بكذب الْمخبر إِذا علموه كذابا وَأما هَيْبَة السُّلْطَان فانها إِن منعت فِي الْحَال عَن تَكْذِيبه فانها لَا تمنع فِي الْمُسْتَقْبل فِي غير ذَلِك الْمجْلس وَلَا تمنع من إِظْهَار ذَلِك إِلَى الإخوان والأصدقاء فَلَا يلبث ذَلِك أَن يشيع وَيظْهر وَلِهَذَا لَا يطْمع السُّلْطَان فِي أهل بَغْدَاد أَن يشْتَهر بهم الْحَال فِي ترك تَكْذِيب الْمُدَّعِي أَن بَين الْبَصْرَة وبغداد بَلَدا أكبر مِنْهُمَا
فاما خبر الْمخبر بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فانه إِمَّا أَن يَدعِي عَلَيْهِ مشاهدته أَو لَا يَدعِي ذَلِك فان ادَّعَاهَا فسكوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الرَّد عَلَيْهِ مَعَ كَونه كَاذِبًا موهم صدقه فاذا سُكُوته دَلِيل على صدقه وَإِن لم يدع مشاهدته فإمَّا أَن يكون مَا أخبر بِهِ من أُمُور الدّين أَو الدُّنْيَا فان كَانَ من الدّين فإمَّا أَن يكون قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه أَو لم يعلم ذَلِك فان لم يعلم ذَلِك فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم صدقه وَإِن كَانَ قد علم خلاف ذَلِك من شَرعه فاما أَن يكون ذَلِك مِمَّا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ أَو لَا يجوز فان جَازَ تغيره كَانَ سُكُوته دَلِيلا على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لأوهم تغيره مَعَ أَنه مَا تغير وَلِأَن بسكوته قد ترك أَن يُنكر عَلَيْهِ فعلا قبيحا وَهُوَ كذبه وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يجوز أَن يتَغَيَّر شَرعه فِيهِ لم يجب إِنْكَاره إِذا لم يُؤثر إِنْكَاره لِأَنَّهُ لَا ايهام فِي سُكُوته وَلَا هُوَ ترك لما يُؤثر فِي إِزَالَة الْمُنكر وَلِهَذَا لَا يجب عَلَيْهِ مُوَاصلَة الْإِنْكَار على الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين كَانَ يشاهدهم يتظاهرون بانحرافهم إِلَى الْإِسْلَام وَإِن كَانَ يُؤثر إِنْكَاره فَلَا بُد من إِنْكَاره لوُجُوب إِنْكَار الْمُنكر إِذا أثر وَذَلِكَ نَحْو إِنْكَار الْمعاصِي على بعض أمته لِأَنَّهُ لَا
(2/83)

بُد من أَن يكون لإنكاره على من يعْتَقد نبوته تَأْثِير وَإِن كَانَ مَا أخبر عَنهُ الْمخبر من أُمُور الدُّنْيَا فسكوته عَن تَكْذِيبه يَقْتَضِي كَونه عَالما بصدقه أَو غير عَالم بصدقه وَلَا بكذبه وَلَا يجوز كَونه عَالما بكذبه وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ فان علمنَا أَنه لَا يخفي عَلَيْهِ صدقه من كذبه فسكوته دَلِيل على صدقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَاذِبًا لَكَانَ مَا أَتَاهُ قبيحا يلْزم إِنْكَاره كَسَائِر الْمُنكر
فَأَما خبر الْوَاحِد إِذا أَجمعت الامة على مُقْتَضَاهُ وحكمت بِصِحَّتِهِ فانه يقطع على صِحَّته لِأَنَّهَا لَا تجمع على خطأ وَإِن لم تحكم بِصِحَّتِهِ فَعِنْدَ الشَّيْخ أبي هَاشم وَأبي الْحسن وَأبي عبد الله رَحِمهم الله أَن الْأمة لَا تجمع على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت بِهِ الْحجَّة وَعند غَيرهم أَنه لَا تكون الْحجَّة قد قَامَت بِهِ وَلَا مَقْطُوعًا على معينه لِأَن الامة إِذا اعتقدت وجوب الْعَمَل بالْخبر المظنون لم يسْتَحل أَن يروي لَهَا خبر وَاحِد قد تكاملت فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل فتعمل بِهِ لِأَن الْعَمَل يتبع الاعتقادات وَلِهَذَا جَازَ أَن يجمعوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ لما كَانُوا قد اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ وَجَوَاز ذَلِك فِي خبر الْوَاحِد أولى لِأَنَّهُ أظهر
فان قَالُوا إِذا أجمعنا على وجوب الِاجْتِهَاد قَطعنَا على الِاجْتِهَاد قيل إِن أردتم أَنكُمْ تقطعون على أَن الأمارة كَانَت مَقْطُوعًا بحكمها قبل الْإِجْمَاع لم يَصح لِأَن الأمارة لم تكن دلَالَة وَإِن أردتم أَن الأمارة بعد الْإِجْمَاع يقطع على تعلق الحكم بهَا فَلَيْسَ لذَلِك معنى إِلَّا أَن الحكم مَقْطُوع بِهِ لَا يجوز خِلَافه وَهَكَذَا نقُول فِي حكم الْخَبَر الْمجمع عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير القَوْل بِأَن الْخَبَر قد قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحجَّة الْأَوَّلين هِيَ أَن الْعَادة جَارِيَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تجمع على مُقْتَضى خبر وَاحِد إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَن مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُقْتَضَاهُ كَحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تطيب لحُرْمَة قبل إِحْرَامه وَحَدِيث بروع بنت واشق وَأما الْأَخْبَار عَن أصُول الصَّلَوَات والزكوات فانه لما قَامَت الْحجَّة بهَا أَجمعُوا على حكمهَا وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم
(2/84)

إِن أردتم أَن أَكثر أَخْبَار الْآحَاد لم يتفقوا على مُوجبهَا قيل لكم قد جوزتم كَون بَعْضهَا لم تقم الْحجَّة بِهِ وَقد وَقع الْإِجْمَاع على حكمه فان قَالُوا نقيس الأول على الْأَكْثَر الَّذِي اختبرناه فَعرفنَا أَن الْإِجْمَاع لم يَقع على حكمه إِلَّا بعد قيام الْحجَّة بِهِ بعلة أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قيل لَهُم لم زعمتم صِحَة هَذِه الْعلَّة وَأَيْضًا فان من يعْتَقد وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا روى لَهُ خبر وَاحِد وَلم يعْمل بِهِ لَا يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بل يَقُول إِنَّمَا لم أعمل بِهِ لِأَنَّهُ لم تتكامل فِيهِ شَرَائِط الْعَمَل أَو يتاوله وَيصير إِلَى غَيره فَبَان أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِي أَن لَا يعْمل بِهِ كَونه خبر وَاحِد ثمَّ ينْقض عَلَيْهِم بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي جِزْيَة الْمَجُوس وَخبر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين لِأَن الصَّحَابَة أَجمعت على مُقْتَضى ذَلِك لأجل الْخَيْر من غير ان قَامَت الْحجَّة بِهِ لأَنهم أَجمعُوا عِنْد سَماع الْخَبَر من غير تجدّد شَيْء آخر وَلِهَذَا صَحَّ أَن يسْتَدلّ باجماعهم على ذَلِك على أَنهم أَجمعُوا على الْعَمَل بأخبار غير مَقْطُوع بهَا وَإِن أردتم أَنكُمْ عَرَفْتُمْ أَن كل خبر وَاحِد لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا على حكمه قيل لم زعمتم ذَلِك وَمَا أنكرتم أَن يكون كثيرا مِمَّا أَجمعُوا على حكمه من أَخْبَار الْآحَاد لم تقم بِهِ الْحجَّة بِهِ وَلَو كَانَ كل مَا اجْمَعُوا على مُقْتَضَاهُ قد قَامَت الْحجَّة بِهِ لم يَصح الِاسْتِدْلَال باجماع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد
وَيُمكن أَن يحتجوا فيقولوا إِذا أَجمعُوا على مُوجب الْخَبَر وَجب كَون الْخَبَر حَقًا لأَنهم لَا يجمعُونَ على خطأ وَلَا يجوز أَن يُقَال إِذا أَجمعُوا على حكمه قَطعنَا على أَن الْخَبَر حق وَإِن لم تكن الْحجَّة قد قَامَت بِهِ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنهم لَا يتَّفق مِنْهُم الْإِجْمَاع على خبر إِلَّا وَقد قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير حجَّة دلتهم على ذَلِك وَمثل ذَلِك لَا يحصل بالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يجوز أَن يتَّفق مِنْهُم الصَّوَاب من غير دلَالَة وَالْجَوَاب إِنَّهُم لم يجمعوا على صِحَة الْخَبَر فَيكون صَحِيحا وَإِنَّمَا أَجمعُوا على حكمه وَذَلِكَ يدل على أَن حكمه حق وصواب وَلَا يمْتَنع أَن يقطع على صِحَة الحكم وَإِن كَانَ الْخَبَر مظنونا غير مَقْطُوع بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه
(2/85)

فاما خبر الْوَاحِد إِذا عمل عَلَيْهِ أَكثر الصَّحَابَة وعابوا على من لم يعْمل بِهِ فحكي عَن عِيسَى بن أبان أَنه يقطع بِهِ وَالصَّحِيح أَنه لَا يقطع بِهِ لِأَن قَول أَكثر أهل الْعَصْر من الْمُجْتَهدين لَيْسَ بِحجَّة وَالْأولَى أَن يسْتَدلّ فِي تَحْرِيم بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدا بِحَدِيث أبي سعيد رَضِي الله عَنهُ لَا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة لِأَن ابْن عَبَّاس يخالفهم
فَأَما إِذا عمل بعض الصَّحَابَة بِخَبَر وَاحِد وتأوله الْبَاقُونَ فَلَا يجب الْقطع بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاتِّفَاق مِنْهُم على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه لِأَن الْوَاجِب على الْمُجْتَهد أَن يعْمل بِهِ أَو يتأوله
وَأما إِذا تضمن خبر الْوَاحِد علما وَجَاز أَن يَقُوله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان إمْسَاك الصَّحَابَة عَن إِنْكَاره لَا يدل على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه لجَوَاز أَن يَكُونُوا إِنَّمَا أَمْسكُوا عَن ردة لتجويزهم أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن من جعل الْعلم الْوَاقِع بالتواتر مكتسبا يشرط فِي وُقُوع الْعلم بِهِ أَن يكون المخبرون كَثْرَة يمْتَنع مَعهَا اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم والتواطؤ عَلَيْهِ وَأَن يَكُونُوا إِنَّمَا أخبروا بِهِ مضطرين وَإِنَّمَا شرطنا ذَلِك لأَنا لَو جَوَّزنَا أَن يشتركوا فِي الْكَذِب اتِّفَاقًا أَو بتواطؤ أَو تراسل لم نَأْمَن أَن يَكُونُوا كذبُوا لهذين الْوَجْهَيْنِ وَلَو جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا قد الْتبس عَلَيْهِم مَا أخبروا بِهِ فظنوا أَنهم محقون فِيهِ وهم غير محقين لم نثق بِصِحَّة مَا اخبروا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن مَا تكاملت فِيهِ هَذِه الشَّرَائِط من الْأَخْبَار يعلم صِحَّتهَا لِأَن مَا أخبر بِهِ المتواترون لَو كَانَ كذبا لم يخل إِمَّا أَن يَكُونُوا قد اعتقدوا كَونه كذبا وتعمدوه أَو يَكُونُوا لم يعتقدوا ذَلِك بل ظنوه صدقا وَهَذَا الاخير غير حَاصِل فِيمَا هُوَ مَعْلُوم باضطرار لِأَنَّهُ لَا لبس فِي ذَلِك وَلَا اشْتِبَاه وَإِن كَانُوا تعمدوا الْكَذِب فَأَما
(2/86)

أَن يَكُونُوا تعمدوه لغير دَاع أَو لداع والاول بَاطِل لِأَن الْمُمَيز لَا يفعل إِلَّا لداع سِيمَا مَا لَهُ عَنهُ صَارف وَإِن كَانُوا تعمدوه لداع فإمَّا أَن يرجع الدَّاعِي إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى غَيره وَالْأول بَاطِل لِأَن الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر هُوَ كَونه كذبا وَذَلِكَ يصرف عَن فعله وَيُفَارق إخبارهم بِالصّدقِ عَمَّا فِيهِ فَائِدَة لِأَن الْفَائِدَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك وَكَون الْخَبَر صدقا لَا يصرف وَمَا يرجع إِلَى غير الْخَبَر فَهُوَ إِمَّا الدّين أَو الدُّنْيَا من رَغْبَة أَو رهبة وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَفْعَلُوا ذَلِك لداع وَاحِد من هَذِه الدَّوَاعِي وَإِمَّا أَن يَفْعَله بَعضهم لبَعض هَذِه الدَّوَاعِي وَبَعْضهمْ يفعل للْبَعْض الآخر وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تحصل لَهُم هَذِه الدَّوَاعِي بتراسل أَو تحصل لَهُم من غير تراسل وَلَا تشاعر أما التدين الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِخْبَار بِخِلَاف مَا يعلم باضطرار فتدين ظَاهر الْبطلَان وَلَيْسَ يجوز أَن يشْتَرك الْخلق الْعَظِيم فِي تَرْجِيح مَا قد ظهر فَسَاده من التدين على مَا فِي عُقُولهمْ من تجنب الْكَذِب والنفور مِنْهُ سِيمَا إِذا علم الْكذَّاب أَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب بل لَا بُد أَن يخْتَلف أَحْوَال الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فِي ذَلِك إِن لم يتفقوا على تجنب الْكَذِب والعدول عَن ذَلِك التدين الظَّاهِر الْبطلَان وَلَا فرق فِيمَا ذَكرْنَاهُ بَين أَن يكون قد دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة فِي ذَلِك التدين أَو لم تكن دخلت عَلَيْهِم شُبْهَة لِأَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة لَا يتساوون فِي تَرْجِيح الشُّبْهَة على مَا فِي عُقُولهمْ من استقباح الْكَذِب كَمَا لَا يجوز أَن يتساووا فِي مأكل وَاحِد وسلوك طَرِيق وَاحِد وَأما الرَّغْبَة واعتقاد الْمَنْفَعَة فقد تكون رَجَاء عوض عَن الْكَذِب وَقد تكون إِيثَار إطراف النَّاس فكثير من النَّاس يحبونَ أَن يخبروا غَيرهم بِمَا لَا أصل لَهُ ليطرفوهم ويقربوا بذلك من قُلُوبهم وَالْجَمَاعَات لَا يتساوون فِي إِيثَار ذَلِك على إطراح الْكَذِب وَلَا يتساوون فِي الافتقار إِلَى مَا وَقعت الرَّغْبَة بِهِ بل كثير مِنْهُم لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكثير مِنْهُم يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يؤثره على الصدْق فَأَما رَغْبَة السُّلْطَان ورهبته فانهما لَا تجمعان الْجمع الْعَظِيم على الْإِخْبَار بِمَا يعلمونه بَاطِلا أَلا ترى أَن السُّلْطَان لَا يُمكنهُ ذَلِك فِي جَمِيع أهل بَغْدَاد لِأَنَّهُ لَا يُحِيط بهم إحصاؤه حَتَّى يصير كل وَاحِد مِنْهُم مُضْطَرّا إِلَى الْخَبَر وَقد تغري رهبة السُّلْطَان كثيرا من النَّاس بالتحدث بالشَّيْء
(2/87)

على حَقِيقَته عِنْد الإخوان والثقات وَلَا يلبث بذلك أَن يشيع الْخَبَر الصَّحِيح فِي النَّاس وَرُبمَا علمنَا فِي كثير من الْأَشْيَاء أَنه لَا غَرَض للسُّلْطَان فِي أَن نخبر عَنْهَا بِالْكَذِبِ وَأَنه لَا غَرَض للمخبرين فِي ذَلِك وَلَا يجوز إبِْطَال هَذَا الْقسم بِأَنَّهُ لَو كَانَ السُّلْطَان أرهبهم لظهر لِأَنَّهُ يُقَال فِي ذَلِك مَا أنكرتم أَن يكون السُّلْطَان دعاهم بالرهبة إِلَى كتمان الرهبة وَلَا يجوز أَن تكون الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة بَعْضهَا يخبر بِمَا يعلم كذبا بالرغبة وَبَعضهَا لرهبة وَبَعضهَا للتدين لِأَن كلامنا فِي جمَاعَة عَظِيمَة أبعاضها جمَاعَة عَظِيمَة يمْتَنع تَسَاوِي أحوالها فِي قُوَّة هَذِه الدَّوَاعِي وإيثارها على استقباح الْكَذِب والنفور عَنهُ مَعَ مَا فِي طباع النَّاس من محبَّة التحدث بِمَا كَانَ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال إِن الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة قد يكون أَن تخبر بِمَا تعلمه كذبا أَو تكْتم ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد والإثنين لِأَنَّهُ إِن جَازَ ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة إِلَّا الْوَاحِد جَازَ مَعَ ذَلِك الْوَاحِد وَوَجَب لَو لم يكن فِيهَا ذَلِك الْوَاحِد أَن يجوز أَن يجتمعوا على الْكَذِب وَفِي ذَلِك جَوَاز الْكَذِب على المتواترين
فَهَذِهِ الشَّرَائِط يَعْتَبِرهَا من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب وَمن يَقُول إِنَّه ضَرُورِيّ لَا يَعْتَبِرهَا وَيَقُول إِن الْعلم لَا يحصل بتأمل أَحْوَال المخبرين وَإِنَّمَا يحصل من فعل الله سُبْحَانَهُ فان فعله الله سُبْحَانَهُ علمنَا تَكَامل شُرُوط التَّوَاتُر فِي الْخَبَر وَإِن لم يَفْعَله علمنَا أَنه لم تتكامل الشَّرَائِط فِيهِ ونقول إِن الْعلم الضَّرُورِيّ لَو لم يحصل بالتواتر لَكَانَ يسْتَدلّ بِهِ ويشرط فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من الشَّرَائِط ونقول أَيْضا يجوز أَن لَا يَقع الْعلم الضَّرُورِيّ بِخَبَر الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ فان لم يَقع الْعلم بخبرهم الضَّرُورِيّ أمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ إِن حصلت فِيهِ الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا
ويشرطون فِي حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بالتواتر أَشْيَاء
مِنْهَا أَن لَا يكون السامعون عَالمين بِمَا أخبروا بِهِ باضطرار وَلَيْسَ يَلِيق الْكَلَام فِي ذَلِك بأصول الْفِقْه وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الشَّرْح للعمد
(2/88)

وَمِنْهَا أَن يكون المخبرون أَكثر من أَرْبَعَة
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا مضطرين إِلَى مَا أخبروا عَنهُ وَمن حكمه أَنه إِذا وَقع الْعلم بِخَبَر عدد أَن يَقع بِخَبَر من ساواه فِي ذَلِك الْعدَد فاذا وَقع الْعلم لعاقل أَن يَقع لكل عَاقل
أما وُقُوع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة فَمن قَالَ إِن الْعلم بالأخبار مكتسب فانه يَقُول إِنَّمَا يَقع الْعلم بالتواتر لِأَنَّهُ قد علم أَن المخبرين لَا دَاعِي لَهُم إِلَى الْكَذِب وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك إِذا علم اسْتِحَالَة اشتراكهم فِي دَاع وَاحِد اتِّفَاقًا أَو تواطؤا وَالْأَرْبَعَة لَا يعلم اسْتِحَالَة كلا الْأَمريْنِ عَلَيْهِم فَلم يَقع الْعلم بخبرهم وَأما من يَقُول الْعلم الْوَاقِع بالتواتر ضَرُورِيّ فانه يَقُول لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة عَن مُشَاهدَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة اضطروا إِلَى مَا أخبروا عَنهُ فَكَانَ يجب إِذا شهد أَرْبَعَة أَنهم شاهدوا فلَانا يَزْنِي أَن يسْتَغْنى القَاضِي عَن السُّؤَال عَنْهُم لِأَنَّهُ إِن علم صدقهم فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى السُّؤَال عَنْهُم وَإِن لم يعلم صدقهم علم أَنهم كذبة أَو بَعضهم فيستغني أَيْضا عَن السُّؤَال وَلَا يُقيم الْحَد وَفِي الْإِجْمَاع على وجوب إِقَامَة الْحَد وَإِن لم يضْطَر إِلَى صدقهم على أَن الْعلم لَا يَقع بِخَبَر أَرْبَعَة
وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك كَون الشُّهُود مخبرين بِلَفْظ الشَّهَادَة لَا بِلَفْظ الْخَبَر لِأَن اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ لَا يُؤثر فِي ذَلِك أَلا ترى أَن الْأَخْبَار المتواترة بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية سَوَاء فِي وُقُوع الْعلم وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن من شَرط الشَّهَادَة أَن يجتمعوا فِي الشَّهَادَة وَذَلِكَ يجوز وُقُوع التواطؤ مِنْهُم لِأَن اجْتِمَاع الْأَرْبَعَة عِنْد الْخَبَر وافتراقهم سَوَاء فِي تَجْوِيز كَونهم متواطئين فان جَازَ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ وُقُوع الْعلم بخبرهم جَازَ مثله فِي الْحَالة الْأُخْرَى
إِن قيل فَيجب إِذا وَجب على الْحَاكِم أَن يُقيم الْحَد بِشَهَادَة خَمْسَة وَإِن لم يضْطَر إِلَى الْعلم بصدقهم أَن يدل ذَلِك على أَن الْعلم الضَّرُورِيّ لَا يَقع بِخَبَر خَمْسَة قيل لَا يجب ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يَقع الْعلم بِخَبَر خَمْسَة وَأَن يكون
(2/89)

الْحَاكِم إِنَّمَا لم يعلم ضَرُورَة صدق هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة وَإِن وَجب عَلَيْهِ إِقَامَة الْحَد لجَوَاز أَن يكون أَرْبَعَة مِنْهُم شهدُوا عَن مُشَاهدَة وَالْخَامِس لم يُشَاهد فَلَزِمَهُ إِقَامَة الْحَد بِشَهَادَة أَرْبَعَة مِنْهُم وَإِن لم يعرفهُمْ بأعيانهم وَلَا يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا لم يعلم صدقهم لِأَن الْخَمْسَة لَا يَقع الْعلم بخبرهم وَإِذا لم يمْتَنع كلا الْأَمريْنِ لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على أَن الْخَمْسَة لَا يجوز وُقُوع الْعلم بخبرهم وَوَجَب كَون ذَلِك مشكوكا فِيهِ وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن لَا يَقع الْعلم بِعَدَد القاسمة من حَيْثُ لم يعْتَبر الْحَاكِم وُقُوع الْعلم بخبرهم لِأَن أهل الْعرَاق يَقُولُونَ يحلف خَمْسُونَ من الْمُدعى عَلَيْهِم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مَا قتل وَلَا عرف قَاتلا فَلَيْسَ يخبرون عَن مخبر وَاحِد بل كل وَاحِد مِنْهُم يخبر عَن غير مَا يخبر عَنهُ الآخر وَعند الشَّافِعِي يحلف خَمْسُونَ من المدعين كل وَاحِد مِنْهُم بِحَسب ظَنّه فمخبر كل وَاحِد مِنْهُم غير مخبر الآخر
فان قيل وَلَو قَالُوا لَو وَقع الْعلم بِخَبَر أَرْبَعَة لوقع بِخَبَر كل أَرْبَعَة قيل لِأَنَّهُ لَو وَقع الْعلم بِخَبَر قوم وَلم يَقع بِخَبَر مثلهم مَعَ تساويهم فِي الشُّرُوط لم يمْتَنع أَن يخبرنا قافلة الْحَاج عَن مَكَّة فنعرفها وَأَن يخبرنا عَن الْمَدِينَة فَلَا نعرفها وَفِي ذَلِك جَوَاز الشَّك فِي الْبلدَانِ مَعَ تَوَاتر الْأَخْبَار عَنْهَا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْعلم بمخبر الْأَخْبَار من فعل الله عز وَجل عِنْدهم فَمَا يؤمنهم أَن يفعل الْعلم عِنْد خبر اربعة دون أَرْبَعَة وَلَا يجْرِي الْعَادة فِي ذَلِك على طَريقَة وَاحِدَة وَيجْرِي الْعَادة على طَريقَة وَاحِدَة فِي فعل الْعلم عِنْد إِخْبَار الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة فَلَا يلْزم الشَّك إِذا أخبر بهَا الْجَمَاعَات
فَأَما اشْتِرَاط كَون المخبرين عَالمين بِمَا أخبروا عَنهُ ضَرُورَة فان من يَقُول إِن الْعلم بالتواتر مكتسب يَجْعَل من شَرط الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه لَا يشْتَبه على المخبرين مَا أخبروا عَنهُ فيظنوه حَقًا فيخبروا عَنهُ وَأَن لم يقصدوا الْكَذِب وَهَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يَكُونُوا عَالمين باستدلال لِأَن مَا يعلم باستدلال يجوز دُخُول الشُّبْهَة فِيهِ على الْخلق الْعَظِيم يبين ذَلِك أَن الْمُسلمين على كثرتهم يخبرون
(2/90)

الْيَهُود بنبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يعلم الْيَهُود ذَلِك وَلَو أخْبرهُم بعض الْمُسلمين بِمَا شاهدوه لعلمه الْيَهُود وَلَا فرق بَينهمَا وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بمخبر الْإِخْبَار ضَرُورِيّ ويحتج أَيْضا بِأَن علم السَّامع فرع على علم الْمخبر وَلم يجز كَونه ضَرُورَة مَعَ كَون الأَصْل مكتسبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن علم السَّامع لَيْسَ بصادر عَن علم الْمخبر وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله سُبْحَانَهُ مُبْتَدأ إِخْبَار إيجاده عَن الْخَبَر فَلم يمْتَنع أَن يَفْعَله عِنْد خبر من تعلم مَا أخبر عَنهُ باستدلال
فَأَما ان كل عدد وَقع الْعلم بخبرهم لجَماعَة فانه يَقع الْعلم بخبرهم لغير تِلْكَ الْجَمَاعَة وَيَقَع الْعلم بِخَبَر مثل هَؤُلَاءِ المخبرين فالدليل عَلَيْهِ عندنَا هُوَ أَن الْعلم إِنَّمَا يَقع بخبرهم لأَنهم اختصوا بِشُرُوط مَعْلُومَة تُؤدِّي إِلَى الْعلم بصدقهم وَهِي متقررة عِنْد كل من عرف الْعَادَات وَإِن لم يعْتَبر عَنْهَا كثير مِنْهُم فاذا حصلت هَذِه الشُّرُوط فِي عدد آخر وَجب أَن يُؤَدِّي خَبره إِلَى مثل مَا أدّى إِلَيْهِ خبر الْأَوَّلين
وَأما من قَالَ إِن الْعلم بالمخبر عَنهُ ضَرُورَة فانه يَقُول لَو جَازَ خلاف ذَلِك لم يمْتَنع أَن يكون فِي الْعُقَلَاء من يُخْبِرهُمْ المتواترون بِمَا شاهدوه فَلَا يعلم صدقهم وَفِي ذَلِك تَجْوِيز كَون بعض الْعُقَلَاء غير عَالمين بِأَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة مَعَ سَمَاعه الْأَخْبَار عَنْهَا كسماعنا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي إِحَالَة انْتِفَاء الْعلم بِمَكَّة وَأَنْتُم لَا تحيلون ذَلِك لِأَن وُقُوع الْعلم بذلك مُبْتَدأ من فعل الله عز وَجل
فان قَالُوا لَيْسَ ذَلِك بمحال وَلَكنَّا قد علمنَا أَنه لن تخْتَلف فِيهِ السامعون قيل لَهُم وَكَيف علمْتُم ذَلِك وَلَعَلَّ الْعَادة قد جرت بِخِلَاف ذَلِك فِي كثير من الْعُقَلَاء وَلَيْسَ من شَرط وُقُوع الْعلم أَن يكون المخبرون أَو بَعضهم مُؤمنين أما على قَوْلنَا فَلِأَن الْخَبَر طَرِيق إِلَى الْعلم من حَيْثُ لم يكن للمخبرين دَاع إِلَى تعمد الْكَذِب وَلَا كَانَ الْحق فِيهِ ملتبسا ومجموع ذَلِك يُمكن حُصُوله مَعَ الْكَافرين وَلِأَن أهل بِلَاد الْكفْر يعْملُونَ بتواتر أهل مقالاتهم من أَحْوَال الْبِلَاد مثل مَا
(2/91)

نعلمهُ نَحن وَهَذَا الْوَجْه يحْتَج بِهِ من قَالَ إِن الْعلم بالتواتر ضَرُورِيّ وَلَيْسَ من شُرُوط وُقُوع الْعلم بالْخبر الْمُتَوَاتر أَن يكون المخبرون عشْرين لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على اشْتِرَاط ذَلِك وَالْأَظْهَر أَن شَرط الِاسْتِدْلَال لَا يحصل فيهم وَمن يشرط هَذَا الْعدَد يتَعَلَّق بقول الله سُبْحَانَهُ إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ قَالُوا فَأوجب على الْعشْرين الْجِهَاد وَإِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لأَنهم إِذا أخبروا علم صدقهم وَهَذَا لَا يدل لِأَنَّهُ الْآيَة إِنَّمَا تَقْتَضِي وجوب صبرهم لمائتين وَلَيْسَ فِيهَا قصر الْوُجُوب عَلَيْهِم وَالْأمة أَيْضا مجمعة على وجوب الْجِهَاد على الْعشْرَة إِذا كَانَ فيهم غنى وَلَو أوجب الله على الْعشْرين الْجِهَاد دون من نقص مِنْهُم لم يكن فِي ذَلِك دلَالَة على أَنه إِنَّمَا خصهم بِالْوُجُوب لما ذَكرُوهُ دون غَيره من وُجُوه الْمصَالح الَّتِي يخْتَص الله تَعَالَى بِالْعلمِ بهَا وَلَا دَلِيل على اشْتِرَاط كَون المخبرين سبعين وَلَا ثَلَاث مائَة على مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي السّبْعين تعلقا بِاخْتِيَار مُوسَى سبعين رجلا من قومه ليصيروا مَعَه إِلَى مُنَاجَاة ربه وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِلَّا ليخبروا قَومهمْ فَلَو وَقع الْعلم بِخَبَر من دونهم لم يكن لاختيارهم فَائِدَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَة أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَيجوز أَن يكون اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَلغيره وَلم يكن مَجْمُوع الغرضين حَاصِلا فِيمَن دونهم وَتعلق من اشْتِرَاط ثَلَاث مائَة بِأَنَّهُم عدَّة أهل بدر فَتعلق بِمَا لَا علقَة لَهُ بِالْمَسْأَلَة فان قَالُوا إِنَّمَا اخْتَارَهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليخبر الْمُشْركين بشرعه قيل لَهُم فقد كَانُوا أَكثر من ثَلَاث مائَة وايضا فَمن أَيْن أَنه اخْتَارَهُمْ لهَذَا الْغَرَض وَمَا تنكرون أَنه اتّفق اخْتِيَار ذَلِك الْعدَد لَا لما قَالُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
قَالَ أَكثر النَّاس إِنَّه لَا يَقْتَضِي الْعلم وَقَالَ آخَرُونَ يَقْتَضِيهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَلم يشرط قوم من أهل الظَّاهِر اقتران قرينَة بالْخبر وَشرط أَبُو إِسْحَاق النظام فِي اقْتِضَاء الْخَبَر الْعلم اقتران قَرَائِن بِهِ وَقيل إِنَّه شَرط ذَلِك فِي التَّوَاتُر
(2/92)

أَيْضا وَمثل ذَلِك بِأَن نخبر بِمَوْت زيد ونسمع فِي دَاره الواعية ونرى الْجِنَازَة على بَابه مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَاره مَرِيض سواهُ وَحكي عَن قوم أَن يَقْتَضِي الْعلم الظَّاهِر وعنوا بذلك الظَّن
وَاحْتج الْأَولونَ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن خبر الْوَاحِد لَو اقْتضى الْعلم لاقتضاه كل خبر وَاحِد كَمَا أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر لما اقْتَضَاهُ اقْتَضَاهُ كل خبر متواتر وَهَذَا اقْتِصَار على الدَّعْوَى فان قَالُوا إِنَّمَا اقْتضى كل خبر متواتر الْعلم لِأَنَّهُ من قبيل مَا يَقع الْعلم عِنْده وَهَذَا قَائِم فِي خبر الْوَاحِد لَو كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعلم قيل لم زعمتم أَن هَذِه هِيَ الْعلَّة وَمَا انكرتم أَن الْعلم الْوَاقِع بالتواتر إِن كَانَ ضَرُورِيًّا فَهُوَ من فعل الله سُبْحَانَهُ فَمَا يؤمنكم أَن يخْتَار فعله عِنْد كل خبر متواتر لاقْتِضَاء الْمصلحَة لذَلِك وَلم يقتض الْمصلحَة فعله عِنْد كل خبر وَاحِد فَلم يَفْعَله عِنْد كل أَخْبَار الْآحَاد وَإِن كَانَ الْعلم بالتواتر مكتسبا فَمَا يؤمنكم أَن تكون شُرُوط الِاسْتِدْلَال بِهِ تتساوى فِيهَا الْأَخْبَار المتواترة وَلَا يسمع فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة فَقَط فَلم يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا وَاحِد لِأَن الْأَرْبَعَة وَاحِد وَزِيَادَة وَهَذَا لَا يَصح لأَنا قد بَينا انه لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْعلم بِأَن الْعلم لَا يَقع لشَيْء من الْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أَرْبَعَة
وَمِنْهَا إبطالهم مَذْهَب النظام لِأَنَّهُ لَو وقف حُصُول الْعلم بالمخبر عَنهُ على قَرَائِن لم يمْتَنع أَن يخبر المتواترون رجلا عَاقِلا بِمَكَّة وَلَا يقْتَرن بخبرهم هَذِه الْقَرَائِن فَلَا نعرفها وَهَذَا إِنَّمَا يُفِيد مَذْهَب أبي إِسْحَاق فِي اشْتِرَاط الْقَرَائِن فِي وُقُوع الْعلم بالأخبار المتواترة وَلَعَلَّ أَبَا إِسْحَاق عَنى بالقرائن بالأخبار المتواترة مَا لَا يَنْفَكّ مِنْهَا الْأَخْبَار المتواترة نَحْو امْتنَاع اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم وَأَن لَا يَصح فيهم التواطؤ فَلَا يلْزمه أَن لَا يعلم بعض الْعُقَلَاء أَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة
وَمِنْهَا أَنه لَيْسَ يَخْلُو الْعلم الْوَاقِع عِنْد الْخَبَر إِمَّا أَن يكون سَببه الْقَرِينَة
(2/93)

وَحدهَا أَو الْقَرِينَة بِشَرْط الْخَبَر أَو الْخَبَر وَحده أَو الْخَبَر بِشَرْط الْقَرِينَة والقسمان الْأَوَّلَانِ باطلان لِأَن الْقَرِينَة لَا تتَنَاوَل الْمخبر عَنهُ وَإِنَّمَا المتناول لَهُ هُوَ الْخَبَر فَلم يجز أَن لَا يكون هُوَ سَبَب الْعلم أَو يكون سَببه غَيره وَلَو كَانَ الْخَبَر وَحده يَقْتَضِي الْعلم لاقتضاه إِذا تجرد والمعلوم خِلَافه وَلَا يجوز أَن يَقْتَضِيهِ لشرط الْقَرِينَة كسماع الواعية من دَار الْمَرِيض مَعَ تقدم الْعلم بِأَنَّهُ لَا مَرِيض فِي الدَّار سواهُ لعلمنا أَنه لَو تجردت هَذِه الْقَرِينَة عَن الْخَبَر لَكَانَ اعتقادنا موت ذَلِك الْمَرِيض كاعتقادنا مَوته مَعَ الْخَبَر وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَبَب الصُّرَاخ فِي دَاره موت غَيره فَجْأَة فاذا سمعنَا الْخَبَر بِمَوْت ذَلِك الْمَرِيض مَعَ الواعية كَانَ اعتقادنا لمَوْته آكِد من اعتقادنا لمَوْته عِنْد سَماع الواعية فَقَط فَلَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه الْقُوَّة هِيَ الْعلم على أَن مَا أبطلوا بِهِ أَن تكون الْقَرِينَة وَحدهَا مقتضية للْعلم لَا يَصح لِأَنَّهَا وَإِن لم يكن لفظا متناولا للمخبر عَنهُ فَهِيَ فعل لَا دَاعِي إِلَيْهِ إِلَّا الْمَوْت أَعنِي الصُّرَاخ وَحُضُور الْجِنَازَة وَهَذَا وَجه صَحِيح فِي التَّعَلُّق بالمخبر عَنهُ
وَيَنْبَغِي أَن نقسم الْكَلَام على الْمُخَالف فَنَقُول بِهِ أتزعم أَن كل خبر وَاحِد يَقْتَضِي الْعلم فان قَالَ نعم فَنحْن نعلم أَن كثيرا من النَّاس يخبروننا بِمَا لَا نظنه فضلا أَن نعلمهُ وَكَانَ يجب فِيمَا لَا نعلم صدقه من الْأَخْبَار أَن نعلم كذبه وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق بعض أَخْبَار الْآحَاد دون بعض قيل أتعلمون ذَلِك ضَرُورَة أَو اكتسابا فان قَالُوا ضَرُورَة قيل هَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي مُجَرّد الْخَبَر فِي وقوفنا على مخبره من دون أَن نلحظ أمورا أخر فان كُنَّا عَالمين بالمخبر عَنهُ فانما يَقْتَضِي علمنَا بِهِ اكتسابا وَتلك الامور إِمَّا أَن ترجع إِلَى احوال الْمخبر وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى غير احواله وَمِثَال الثَّانِي اقتران الواعية وَحُضُور الْجِنَازَة بالْخبر عَن الْمَوْت وَأما أَحْوَال الْمخبر فنحو أَن يكون لَهُ صَارف عَن الْكَذِب فِي ذَلِك الْخَبَر وَلَا يكون لَهُ دَاع إِلَيْهِ نَحْو أَن يكون متحفظا من الْكَذِب نافرا عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَنَحْو أَن يكون رَسُولا من سُلْطَان يذكر أَن السطان يَأْمر الْجَيْش بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ فعقوبة السُّلْطَان تصرفه عَن
(2/94)

الْكَذِب وَنَحْو أَن يخبر الْإِنْسَان بأسعار بَلَده وَهُوَ ذُو مُرُوءَة تصرفه عَن الْكَذِب وَلَا يكون لَهُ إِلَى الْكَذِب فِي ذَلِك دَاع وَنَحْو أَن يكون الْإِنْسَان مهتما بِأَمْر من الامور متشاغلا بِهِ فَيسْأَل عَن غَيره فيخبر عَنهُ فِي الْحَال فَيعلم أَنه لم يفكر فِيهِ فيدعوه إِلَى الْكَذِب دَاع مَعَ علمنَا بِأَن كَونه كذبا يصرف عَنهُ وَهَذِه الْأُمُور تَقْتَضِي أَن لَا غَرَض للمخبر فِي الْكَذِب فَيبْطل بذلك أَن يتَعَمَّد الْكَذِب فَيعلم أَنه إِنَّمَا تعمد الصدْق وَهَذَا اسْتِدْلَال على الشَّيْء بابطال ضِدّه
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا نعلم صدق خبر الْوَاحِد اسْتِدْلَالا بِمَا ذكرتموه الْآن قيل لَيْسَ فِيمَا ذكرنَا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْعلم لِأَنَّهُ قد يخبرنا الْإِنْسَان بِمَوْت الْمَرِيض وَيكون غَرَض أَهله بالصراخ عَلَيْهِ وإحضار الْجِنَازَة إِيهَام السُّلْطَان مَوته ليسلم مِنْهُ أَو يكون قد أُغمي عَلَيْهِ أَو يكون غَيره قد مَاتَ فَجْأَة وَقد يكون الْإِنْسَان شَدِيد التحفظ من الْكَذِب فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن وَقد يعدل عَنهُ فِي بعض الْأَشْيَاء دون الْبَعْض وَقد يكون الْإِنْسَان مهتما بِمَا يسْأَل عَنهُ وَيظْهر أَنه مهتم لغيره فاذا سُئِلَ عَنهُ أظهر أَنه قد نبه عَلَيْهِ وَقد كَانَ سَاهِيا عَنهُ ثمَّ أجَاب عَنهُ ليوهم أَنه لم يتَعَمَّد الْكَذِب فِيهِ وَقد يسْبق من الْإِنْسَان يَمِين فِي أَن يكذب فِي سعر الْأَشْيَاء أَو يكون غَرَضه أَن يعجب النَّاس بغلاء الأسعار أَو رخصها وَإِن كَانَ كَاذِبًا أَو يكون لَهُ غَرَض فِي نفاق سلْعَته أَو سلْعَة صديقه وَقد يشْتَبه عَلَيْهِ الْحَال فِي ذَلِك فيخبر بِالْكَذِبِ وَإِن لم يتعمده وَقد يرغب رَسُول السُّلْطَان بِالْمَالِ الجزيل فِي أَن يخبر رعية السُّلْطَان وجيشه بِأَمْر السُّلْطَان إيَّاهُم بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ وَرُبمَا أمرع السُّلْطَان بِالْكَذِبِ فِي ذَلِك إِمَّا استهزاء وَإِمَّا اختبارا لطاعة جنده وَإِذا أمكنت هَذِه الْوُجُوه لم يعلم أَنه لَا غَرَض للمخبر إِلَّا الصدْق فَلم يعلم صدقه وَإِن غلب الظَّن
وَأما خطّ الْإِنْسَان فانه قد يتَمَيَّز من غَيره صُورَة كَمَا يتَمَيَّز صور النَّاس بَعْضهَا من بعض فاشتباه خطّ زيد بِخَط عَمْرو فِي بعض الْحَالَات لَا يقْدَح فِيمَا
(2/95)

قُلْنَاهُ كَمَا لَا يقْدَح فِي تَمْيِيز الصُّور حُصُول الِاشْتِبَاه بَين بعض الصُّور فِي بعض الْحَالَات
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَن الله عز وَجل منعنَا أَن نقُول عَلَيْهِ مَا لَا نعلم وتعبدنا بِخَبَر الْوَاحِد فَعلمنَا أَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الْعلم لَا الظَّن وَالْجَوَاب إِن التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي جَوَاز القَوْل على الله بِمَا لَا يعلم لأَنا وَإِن ظننا صدق الرَّاوِي فانا نعلم بِدَلِيل قَاطع وجوب الْعَمَل بِهِ وَإِذا قُلْنَا إِن الله تعبدنا بذلك الْعَمَل فقد قُلْنَا على الله بِمَا لَا نعلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَمَا لَا يقبل فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الرِّوَايَة إِمَّا تَتَضَمَّن شرعا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو لَا تَتَضَمَّن ذَلِك وَالْأول إِمَّا أَن نَكُون تعبدنا فِيهِ بِالْعلمِ فَلَا نقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد أَو لم نتعبد فِيهِ بِالْعلمِ بل بِالْعَمَلِ فنقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا تكاملت شَرَائِطه وَسَوَاء كَانَ عبَادَة مُبتَدأَة أَو ركنا من اركانها أَو حدا أَو ابْتِدَاء نِصَاب أَو تَقْديرا
وَحكي قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن الشَّيْخ أبي عبد الله رَحمَه الله أَنه كَانَ يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد فِيمَا يَنْتَفِي بالشبه وَحكي عَن أبي يُوسُف خلاف ذَلِك من قَالَ ثمَّ سمعته يَقُول بالْقَوْل الثَّانِي وَكَانَ يمْنَع من قبُوله فِي ابْتِدَاء الْحُدُود وَابْتِدَاء النصب وأركان الصَّلَوَات وَيفرق بَين ابْتِدَاء النصب وَبَين توافي النصب فَقبل خبر الْوَاحِد فِي النّصاب الزَّائِد على خَمْسَة أَوَاقٍ لِأَنَّهُ فرع وَلَا يقبله فِي ابْتِدَاء الفصيلات والعجاجيل لِأَنَّهُ أصل عِنْده وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِسْقَاط الْحُدُود وَلَا يقبله فِي إِثْبَاتهَا وقاضي الْقُضَاة يقبله فِي كل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا وَجه يفصل بِهِ بَينهَا وَبَين غَيرهَا
وَانْتِفَاء الشَّيْء بالشبه لَا يمْنَع من قبُول الْخَبَر فِيهِ كَمَا لَا يمْنَع من قبُول الشَّهَادَة فِيهِ غير أَنا لَا نقبل خبر الْوَاحِد فِي الْحُدُود على وَجه الْعقُوبَة وَإِنَّمَا
(2/96)

نقبله فِي الْحُدُود على وَجه الامتحان إِلَّا على قَول من أجَاز الْعقُوبَة مَعَ الظَّن وَظَاهر آيَة السّرقَة إِنَّمَا يَقْتَضِي قطع السراق عُقُوبَة وَإِنَّمَا علمنَا بِالسنةِ أَن من قطع امتحانا مُرَاد بِالْآيَةِ
وَإِن كَانَ مَا يرويهِ الرَّاوِي لَيْسَ يتَضَمَّن إِضَافَة شرع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فإمَّا أَن يجْرِي مجْرَاه كاضافة الْفَتْوَى إِلَى الْمُفْتِي فَيقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَإِمَّا أَن لَا يجْرِي مجْرى إِضَافَة الشَّرْع وَهَذَا إِمَّا أَن يتَضَمَّن مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم أَو يتَضَمَّن مَا لَا يفْتَقر إِلَى ذَلِك فان تضمن مَا لَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فاما أَن يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَو لَا يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك فان لم يتَعَلَّق بِهِ ذَلِك كالهدايا والمعاملات وَذَلِكَ يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد إِذا غلب على الظَّن صَدَقَة بَالغا كَانَ الْمخبر أَو غير بَالغ فَاسِقًا كَانَ أَو عادلا وَيقبل أَيْضا فِي أُمُور الدُّنْيَا مَا يجْرِي مجْرى الْخَبَر فِي اقْتِضَاء غَالب الظَّن وَلِهَذَا قُلْنَا إِن وضع المَاء فِي الطَّرِيق على بعض الْوُجُوه يُبِيح شربه كَمَا يبيحه الْخَبَر بإباحته وَوضع الصَّدَقَة فِي يَد السَّائِل يبيحه أَخذهَا
فَأَما مَا يتَضَمَّن مَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي فالإخبار عَن نَجَاسَة المَاء وَكَون الشَّاة ميتَة يقبل خبر الْوَاحِد فِيهِ ولتعلقه بِالشَّرْعِ لَا يقبل فِيهِ خبر الْمُشرك وَاخْتلفُوا فِي قبُول خبر الْفَاسِق لِأَن لَهُ شبها بِأُمُور الدُّنْيَا وبأمور الدّين فَلذَلِك وَقع الْخلاف
وَأما مَا يفْتَقر إِلَى حكم الْحَاكِم فَمِنْهُ مَا لَيْسَ هُوَ حكما على معِين وَلَا يتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة وَمِنْه مَا يكون حكما على معِين وَيتَعَلَّق بِهِ الْمُخَاصمَة أما الأول فنحو رُؤْيَة هِلَال شَوَّال ورمضان وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي هِلَال شَوَّال فَقبل بَعضهم فِيهِ خبر الْوَاحِد وَلم يقبل بَعضهم فِيهِ إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِيهِ لِأَن لَهُ شبها بالأمور الدِّينِيَّة وَله شبها بِمَا يتَعَلَّق بالخصومات لِأَنَّهُ قد يحكم بِهِ الْحَاكِم
(2/97)

وَأما الْقسم الثَّانِي فضربان أَحدهمَا لَا يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد وَالْآخر يُمكن ذَلِك فِيهِ فَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَذَلِكَ دَعْوَى الْمَرْأَة انْقِضَاء عدتهَا فِي زمَان يجوز انقضاؤها فِيهِ وَأما الَّذِي يُمكن أَن يقف عَلَيْهِ أَكثر من وَاحِد فَمِنْهُ مَا يشق وَمِنْه مَا لَا يشق فِي الْغَالِب وَالْأول يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كَشَهَادَة الْقَابِلَة فِي الْولادَة وَالثَّانِي لَا يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد كالحقوق وَالْحُدُود فَصَارَ خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يقبل فِي إِثْبَات شرع لَيْسَ لَهُ طَرِيق مَعْلُوم وَلَا يقبل فِي كثير مِمَّا يتَعَلَّق بالحكومات على الآخر وَيقبل خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات شرع ثمَّ يتبع ذَلِك تَعْلِيق الحكم على الْأَعْيَان وَلِهَذَا قبلت الصَّحَابَة وضي الله عَنْهَا خبر الْوَاحِد فِي الْجدّة وَتبع ذَلِك تَعْلِيق حكم على الْعين وَلم يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي رد الحكم لما تعلق بِعَين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى جَوَاز التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ بِهِ وَمنع آخَرُونَ من ذَلِك وَالدَّلِيل على جَوَازه أَنه يجوز التَّعَبُّد بالأخبار المتواترة فَلَو امْتنع التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد لامتنع ذَلِك لما بِهِ يُفَارق أَخْبَار الْآحَاد أَخْبَار التَّوَاتُر وَالَّذِي يُمكن أَن يُقَال إنَّهُمَا يفترقان فِيهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْعَمَل بأخبار الْآحَاد غير مَعْلُوم وَالْآخر أَن الْعَمَل بهَا وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه مَوْقُوف على ظن صدق الْمخبر وَوُجُوب الْعَمَل وقبحه لَا يقفان على الظَّن
وَالَّذِي يفْسد الْوَجْه الأول هُوَ أَنا نجيز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِأَن يدل دَلِيل قَاطع على وجوب الْعَمَل بِهِ إِذا تكاملت شُرُوطه فنكون عِنْد تَكَامل الشُّرُوط عَالمين بِوُجُوب الْعَمَل لمَكَان الدَّلِيل إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول الله عز وَجل إِذا غلب على ظنكم صدق الرَّاوِي فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول إِذا أخْبركُم فلَان فاعملوا بِخَبَرِهِ وَبَين أَن يَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا فِي أَنا نعلم وجوب
(2/98)

الْفِعْل فِي هَذِه الْأَحْوَال كلهَا
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ وقُوف الْعَمَل على الظَّن فَلَيْسَ يمْتَنع لِأَن الْفِعْل الشَّرْعِيّ إِنَّمَا يجب لكَونه مصلحَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مصلحَة إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على صفة مَخْصُوصَة وكوننا ظانين لصدق الرَّاوِي صفة من صفاتنا فَدخلت فِي جملَة أحوالنا الَّتِي يجوز كَون الْفِعْل عِنْدهَا مصلحَة وَاجِبا أَو مَحْظُورًا وَلِهَذَا يلْزم الْمُسَافِر سلوك طَرِيق وتجنب آخر إِذا أخبر بسلامة ذَلِك واختلال هَذَا من يغلب على ظَنّه صدقه وَوَجَب على الإِمَام الْقطع وَالْجَلد وَالْقَتْل إِذا شهد بِالزِّنَا وَالْقَتْل والسرق شَاهِدَانِ أَو أَرْبَعَة ظَاهِرهمْ الْعَدَالَة
وَقد فرقوا بَين خبر الْوَاحِد وَبَين الشَّهَادَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الشَّهَادَة تقبل فِيمَا يجوز فِيهِ الصُّلْح وَفِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد الْجَواب إِن الشَّهَادَة مَقْبُولَة فِيمَا لَا يجوز فِيهِ الصُّلْح كالفروج وإراقة الدِّمَاء ويلزمهم جَوَاز التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي احكام الْبياعَات وَغير ذَلِك وهم يأبون ذَلِك وَأما أُمُور الدُّنْيَا فَهِيَ كأمور الدّين فِيمَا نَحن بسبيله لِأَن الْوُجُوب والقبح يدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيهَا والعبادات الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا وَجَبت وقبحت لكَونهَا مصَالح فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا من الْقَتْل وَغَيره فاذا جَازَ أَن يجب علينا مَا ذَكرْنَاهُ من أُمُور الدُّنْيَا بِحَسب الظَّن جَازَ ذَلِك فِي الشرعيات على أَنا نقبل الشَّهَادَة فِي أُمُور شَرْعِيَّة كرؤية الْأَهِلّة على ان الْحَد أَمر شَرْعِي وَقد قبلوا فِيهِ شَهَادَة الِاثْنَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم أَنْتُم تقبلون أَخْبَار الْآحَاد فِي إِثْبَات شرع وَالشَّهَادَة بِأَن زيدا قتل أَو سرق لَيْسَ يثبت بهَا شرع وَالْجَوَاب إِنَّه لَا فرق بَينهمَا لأَنا عِنْد الشَّهَادَة نعلم أَن قتل الْمَشْهُود عَلَيْهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بالشهادات وَعند خبر الْوَاحِد نعلم أَن الحكم بِهِ شرع وَدَلِيلنَا على ذَلِك مَا دلنا على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا فصل بَينهمَا إِلَّا أَن الحكم يثبت بالْخبر فِي الْجُمْلَة وبالشهادة يثبت على عين وَهَذَا غير قَادِح فِي تعلق الحكم
(2/99)

الشَّرْعِيّ بِالظَّنِّ على أَن الْغَرَض باثبات الحكم فِي الْجُمْلَة بِخَبَر الْوَاحِد تعلق على الْأَعْيَان فاذا جَازَ إثْبَاته فِي الْأَعْيَان بِخَبَر مظنون جَازَ إثْبَاته فِي الْجُمْلَة لِأَن الْغَرَض بِالْجُمْلَةِ الْأَعْيَان على انا إِذا قبلنَا شَهَادَة شَاهِدين على زيد وَشَهَادَة غَيرهمَا أَو شَهَادَتهمَا على عَمْرو وعَلى خَالِد فقد علقنا الحكم على أَعْيَان كَثِيرَة بِخَبَر مظنون على انه يلْزمهُم أَن يقبلُوا خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات حكم على شخص وَاحِد وهم يابون ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه إِنَّمَا وَجب الحكم عِنْد الشَّهَادَة بِدَلِيل قَاطع وَالشَّهَادَة شَرط وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ الدَّلِيل على الحكم هُوَ خبر الْوَاحِد وَلَا تجعلونه شرطا وَالْجَوَاب أَنه لَا بُد فِي الحكم بِخَبَر الْوَاحِد من خبر الْوَاحِد وَمن الدَّلِيل الدَّال على وجوب الْعَمَل بِهِ وَتَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا أَو شرطا كَلَام فِي عبارَة فَلَا يضرنا الِامْتِنَاع من تَسْمِيَة الْخَبَر دَلِيلا إِذا كَانَ الْغَرَض مَا ذَكرْنَاهُ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يكون علمنَا بِمَا أخبرنَا بِهِ الْوَاحِد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مصلحَة ونعلم ذَلِك إِذا ظننا صدقه جَازَ أَن يكون الْفِعْل مصلحَة إِذا أخبرنَا بِوُجُوبِهِ على الله سُبْحَانَهُ من يغلب على ظننا صدقه فِي أَن الله تَعَالَى أرْسلهُ ونعلم وجوب ذَلِك علينا وَمَا الْفرق بَين أَن يكون الْمخبر بِالْمَصْلَحَةِ عَن الله عز وَجل بِلَا وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة نَبِي وَالْجَوَاب أَن من يُجِيز وُرُود التَّعَبُّد الشَّرْعِيّ بِالرُّجُوعِ إِلَى خبر الْوَاحِد يقطع على وجوب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَلِيلا قَاطعا دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ وَهُوَ قَول الله عز وَجل وَقَول رَسُوله أَو قَول الْأمة وَقَول الْأمة لَا بُد من أَن يسْتَند إِلَى قَول الله وَقَول رَسُوله وَإِنَّمَا تكون الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَاطِعَة إِذا علمنَا صدق الرَّسُول بمعجز حَتَّى إِذا أخبرنَا بِوُجُوب الْعَمَل بالْخبر الْوَاحِد علمنَا وجوب الْعَمَل بِهِ وَهَذَا لَا يتم إِذا كَانَ صدق المدعين للنبوة مظنونا غير مَقْطُوع بِهِ فان قَالُوا إِنَّمَا أَنْتُم مَا ذكرْتُمْ إِذا ألزمناكم أَن يكون صدق جَمِيع الْأَنْبِيَاء مظنونا وَنحن إِنَّمَا نلزمكم أَن تعلمُوا صدق بعض الْأَنْبِيَاء بمعجز
(2/100)

ونقول لكم ذَلِك النَّبِي إِذا أخْبركُم إِنْسَان ان الله أرْسلهُ بشرائع وظننتم صدقه فاعملوا بهَا وَاعْمَلُوا أَنَّهَا مصلحَة الْجَواب أَن تَجْوِيز كذب من أكْرمه الله عز وَجل بالرسالة من أقوى مَا ينفر عَنهُ وَلَيْسَ يجوز على الْأَنْبِيَاء مَا ينفر عَنْهُم لِأَن ذَلِك مفْسدَة وَلَيْسَ يجب فِي غَيرهم من التَّنْزِيه عَن التنفير مَا يحب فيهم أَلا ترى أَنه لَا يلْزم على ذَلِك كَون الْأُمَرَاء والقضاة وَالشُّهُود مجنبين مَا ينفر عَنْهُم حَتَّى لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وَإِن كَانُوا ينفذون أحكاما شَرْعِيَّة ويحكمون بهَا وَأَيْضًا فانه إِنَّمَا جَازَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا غلب على ظننا صدق الْمخبر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يغلب على ظننا صدق من اخبر أَنه شَاهد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَسمع مِنْهُ كلَاما كثيرا إِذا مثل ذَلِك كثير قد جرت بِهِ الْعَادَات وَلم تجر الْعَادَات بِسَمَاع كَلَام الله عز وَجل من غير وَاسِطَة وَمَا يحصل للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تدانيها رئاسة وَيَدْعُو الْإِنْسَان إِلَى ادعائها فاذا اجْتمع للعاقل تجويزه كذب الْمُدَّعِي للنبوة من غير معْجزَة طلبا للرئاسة الْعَظِيمَة مَعَ أَنه مخبر بِمَا لم تجر بِهِ الْعَادَات لم يجر أَن يغلب على ظَنّه صدقه وَأَيْضًا فَفِي الِاقْتِصَار على ظن صدق الْمُدَّعِي للنبوة أعظم مفْسدَة لما فِي النُّبُوَّة من الرِّئَاسَة الْعَظِيمَة الَّتِي يطْلبهَا كل أحد فَلَو تعبدنا بِالْأَخْذِ فِي ذَلِك بِالظَّنِّ لتعمد أَكثر النَّاس التظاهر بِالصّدقِ والستر لتتم لَهُ هَذِه الرِّئَاسَة فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع الْمُخْتَلفَة وَلَيْسَ للمخبر مثل هَذِه الرِّئَاسَة وَلَا يجب تَصْدِيقه بِغَيْر الشَّرَائِع فِي كل حَال لِأَن السّنَن تَنْحَصِر فِي حَيَاة النَّبِي وَبعد وَفَاته بِزَمَان يسير فَمَا يرد بعد ذَلِك نعلم أَنه كذب وَأَيْضًا فَإِن لزمنا مَا ذَكرُوهُ على قَوْلنَا فِي المخبرين لَزِمَهُم ذَلِك على قَوْلهم وَقَوْلنَا فِي الشُّهُود لأَنهم ينقلون مَا إِذا حكم بِهِ كَانَ الحكم بِهِ شَرْعِيًّا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي فروع الشَّرِيعَة جَازَ التَّعَبُّد بهَا فِي الْأُصُول وَفِي الْأَدِلَّة وَالْأَخْبَار حَتَّى إِذا روى لنا الْوَاحِد أَن أهل اللُّغَة وضعُوا اللَّفْظ للْعُمُوم قبلناه وَإِذا أخبرنَا الْوَاحِد أَن زيدا فِي الدَّار جَازَ أَن نخبر نَحن أَنه فِي الدَّار قطعا كَمَا نخبر قطعا بِوُجُوب مَا أخبرنَا الْوَاحِد بِوُجُوبِهِ
(2/101)

عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب يُقَال لَهُم مَا تُرِيدُونَ بالاصول فان قَالُوا الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان قيل قد كَانَ يجوز وُرُود التَّعَبُّد باخبار الْآحَاد فِيهَا وَلَا يكون حِينَئِذٍ من الاصول لِأَن اصول الشَّرِيعَة هِيَ مَا لَا يكون الْعلم بِوُجُوبِهَا مُتَعَلقا بِظَنّ وَإِن قَالُوا نُرِيد بالاصول تَوْحِيد الله وعدله قيل لَو قبلنَا أَخْبَار الْآحَاد فِي ذَلِك لقبلناها فِي الاعتقادات وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان الله لَا يرى لم يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك فَلَا يعلم أَن الله لَا يرى لأَنا غير عَالمين بدليله وَإِذا لم نَكُنْ عَالمين بِأَنَّهُ لَا يرى واعتقدنا ذَلِك لم نَأْمَن كَون اعتقادنا جهلا وكل اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهُوَ قَبِيح وَأما فروع الشَّرِيعَة فَلَيْسَتْ اعتقادات فَيكون الْمُقدم عَلَيْهَا مقدما على اعْتِقَاد لَا يامن كَونه جهلا بل هِيَ أَعمال فان قيل ألستم عِنْد خبر الْوَاحِد تعلمُونَ وجوب الْفِعْل عَلَيْكُم فقد أقدمتم على اعْتِقَاد أَيْضا قيل إِنَّا نَأْمَن كَون ذَلِك الِاعْتِقَاد جهلا لِأَنَّهُ قد دلّ عَلَيْهِ دَلِيل قَاطع وَهُوَ مَا دلّ على وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قيل فَهَلا جَازَ أَن يدل دَلِيل قَاطع على قبُول خبر الْآحَاد فِي الرُّؤْيَة وَغَيرهَا فتعتقدون ذَلِك وتأمنون كَون اعتقادكم جهلا قيل إِنَّا لَا نجوز ذَلِك لِأَن كَون البارىء تَعَالَى غير مرئي امْر حَاصِل فِي نَفسه لَا يحصل بِحَسب ظننا فَلم يجب إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن يكون تَعَالَى غير مرئي وَإِذا لم يجب ذَلِك لم يجز أَن يدل دَلِيل قَاطع على كَونه كَذَلِك إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ لَا يرى وَكَون الْعَمَل مصلحَة يجوز أَن يقف على أَن نفعله وَنحن على صفة وَهُوَ كوننا ظانين صدق الرَّاوِي وَإِذا جَازَ ان تكون مصلحتنا ان نَفْعل الْفِعْل وَنحن نظن صدق الرَّاوِي لوُجُوب الْفِعْل جَازَ أَن تدل دلَالَة قَاطِعَة على وجوب ذَلِك علينا عِنْد ظننا فاذا دلّت على ذَلِك علمنَا وجوب ذَلِك الْفِعْل علينا واخبرنا قطعا عَن وُجُوبه علينا فان قيل فَيجب إِذا أخْبركُم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الله لَا يرى من يغلب على ظنكم صدقه أَن تظنوا أَن الله لَا يرى وتقتصروا على ذَلِك قيل لَئِن جَازَ الِاقْتِصَار على الظَّن فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل وَالصِّفَات لجوزنا
(2/102)

وُرُود التَّعَبُّد بالاقتصار على الظَّن فِي ذَلِك وَلَكِن لَا نجوز الِاقْتِصَار على الظَّن فِي ذَلِك وَهَذَا السُّؤَال إِنَّمَا يلْزم على القَوْل بِأَن خبر الثِّقَة غير الظَّن وَهَذَا يوافقنا عَلَيْهِ خصومنا فان كَانَ السُّؤَال لَازِما لنا فَهُوَ لَازم لَهُم أَيْضا وَلَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يجوز الِاقْتِصَار فِي التَّوْحِيد وَالْعدْل على الظَّن دون الْعلم وَمَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الْجَواب عَن الْأَخْبَار لِأَن زيدا إِذا أخبرنَا بِأَن عمرا فِي الدَّار وظننا صدقه لم نَأْمَن أَن لَا يكون فِي الدَّار لِأَنَّهُ كَونه فِي الدَّار لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب ظننا بل هُوَ أَمر فِي نَفسه كَذَلِك ظنناه أم لم نظنه فخبرنا قطعا عَن أَنه فِي الدَّار خبر لَا نَأْمَن من كَونه كذبا فقبح فان أخبرنَا بِحَسب ظننا جَازَ لأَنا نَأْمَن كَونه كذبا فان قيل ايجوز أَن يَقُول لكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا ظننتم صدق من أخْبركُم بِشَيْء فَهُوَ كَمَا أخْبركُم قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز اتِّفَاق الصدْق فِي خبر كل من ظننا صدقه وَلَا يجوز أَيْضا أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِشَيْء وظننتم صدقه فَهُوَ صَادِق لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِي كل مَا ظنناه وَيجوز أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأُمُور يسيرَة وعينها وظننتم صدقه فَهُوَ كَمَا أخْبركُم لِأَنَّهُ يجوز أَن يتَّفق الصدْق وَالصَّوَاب فِيمَا نظنه إِذا كَانَت أَشْيَاء يسيرَة نَحْو أَن يَقُول إِذا أخْبركُم زيد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الله لَا يرى أَو قَالَ إِذا أخْبركُم مخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الله لَا يرى وظننتم صدقه عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ كَمَا أخْبركُم أَو يَقُول إِذا أخْبركُم زيد بِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ إِن الله لَا يرى فَهُوَ صَادِق وَإِذا قَالَ ذَلِك انتقلنا عَن ظننا إِلَى الْقطع وَجَاز أَن نخبر عَن ذَلِك قطعا فَأَما إِذا أخبرنَا الْوَاحِد عَن أهل اللُّغَة أَنهم وضعُوا لفظا للْعُمُوم فانا لَا نقطع على ذَلِك لِأَن كَونهم واضعين لَهُ لَيْسَ مِمَّا يحصل بِحَسب الظَّن فَهُوَ بِخِلَاف كَون الْفِعْل مصلحَة وَيجوز أَن نظن أَنهم وضعُوا ذَلِك للْعُمُوم وَأَن يتعبدنا الله سُبْحَانَهُ بالاستدلال بذلك اللَّفْظ على الشُّمُول فِي الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْفُرُوع جَازَ التَّعَبُّد بِهِ فِي نقل
(2/103)


الْقُرْآن الْجَواب أَنهم جمعُوا بَين الْمَوْضِعَيْنِ بِغَيْر عِلّة ثمَّ إِن الْقُرْآن الْمَنْقُول بالآحاد إِمَّا أَن يظْهر فِيهِ الإعجاز وَإِمَّا أَن لَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فان لم يظْهر فِيهِ الإعجاز جَازَ أَن نعمل بِمَا تضمنه من عمل إِذا نقل إِلَيْنَا بالآحاد وَلِهَذَا نعمل بِمثل مَا ينْقل من قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود رَحمَه الله وَمَا يظْهر فِيهِ الإعجاز فَهُوَ حجَّة للنبوة وَلَا يكون حجَّة إِلَّا وَقد علم أَنه لم يُعَارض فِي عصر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ سَماع أهل الْعَصْر لَهُ وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا وَقد تَوَاتر نقل ظُهُوره فِي ذَلِك الْعَصْر
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الشرعيات مصَالح وَالْوَاحد يجوز أَن يكذب فِيمَا يخبر بِهِ من فعل أَو ترك وَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا تضمنه خَبره مفْسدَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن ذَلِك فِي الشَّرْح والدرس فَقَالَ إِن الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الْوَاجِب الشَّرْعِيّ كَونه مصلحَة مدلولا عَلَيْهِ إِمَّا بِعَيْنِه وَإِمَّا بِصفتِهِ فاذا قَامَت الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل عِنْد خبر الْوَاحِد وظننا صدقه علمنَا أَن الْعَمَل صَلَاح لنا كَمَا نعلم أَن قطع الْيَد صَلَاح عِنْد الْبَيِّنَة وَهَذَا لَا يعْتَرض قَول الْمُخَالف إِن الرَّاوِي إِذا جَازَ عَلَيْهِ الْكَذِب لم نَأْمَن أَن يخبر بالمفسدة وَمَتى ثَبت للمخالف هَذَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول لَا يجوز أَن تدل دلَالَة على مَا ذكرْتُمْ فان قُلْتُمْ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِمَا ظنناه يدل على صدق الْمخبر قيل لكم فَيجب أَن تقطعوا على صدقه وَلَئِن جَازَ ذَلِك ليجوزن أَن تدل دلَالَة على أَن نحكم مَا نريده فنعلم أَن كل مَا نُرِيد الحكم بِهِ فَهُوَ صَوَاب فان قُلْتُمْ لَا يجوز أَن يتَّفق ذَلِك فِي كل مَا نريده قيل لَك وَلَا يجوز أَن يتَّفق الصَّوَاب فِي كل مَا نظن صدق الرَّاوِي فِيهِ فَأَما مَا ذكره من الحكم عِنْد الْبَيِّنَة فَهُوَ نقض لما اعتلوا بِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكذب الشُّهُود فنقطع يدا لَا يسْتَحق قطعهَا وَالْجَوَاب عَن الشُّبْهَة هُوَ أَن الْفِعْل قد يكون صلاحا إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على حَالَة مَخْصُوصَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَتى ظننا صدق الرَّاوِي أَو كُنَّا مِمَّن يجوز أَن يظنّ صدقه لأمارة صَحِيحَة فمصلحتنا أَن نَفْعل مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر صدق الرَّاوِي أَو كذب كَمَا نقُوله فِي الحكم عِنْد الْبَيِّنَة وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك لم يجب مَا قَالُوهُ من أَن تَجْوِيز
(2/104)

كذب الرَّاوِي يلْزمه تَجْوِيز كَون الْفِعْل الَّذِي رَوَاهُ مفْسدَة كَمَا لَا يلْزمه مثله فِي الْبَيِّنَة فان قَالُوا لَيْسَ يخلوا ظنكم صدق الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون طَرِيقا إِلَى الْمصلحَة أَو شرطا فِي كَون فعلكم مصلحَة فان كَانَ طَرِيقا وقلتم لَا يجوز أَن يخطىء فقد جعلتم الظَّن علما ولزمكم قبُول خبر الْوَاحِد فِي الاعتقادات وَإِن جوزتم أَن يخطىء الظَّن لم يجز كَونه طَرِيقا إِلَى الْقطع على أَن مَا فعلتموه مصلحَة وَلَئِن جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى ذَلِك مَعَ جَوَاز كَونه خطأ جَازَ أَن يكون طَرِيقا إِلَى الاعتقادات وَجَاز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ فِيهَا وَإِن جعلتموه شرطا يصير الْفِعْل عِنْده مصلحَة فَلم لَا يجوز كَون الْفِعْل مصلحَة إِذا ظننا كذب الرَّاوِي لَهُ وَإِذا اشتهينا فعله وَإِذا اخترناه وَأَن يرد التَّعَبُّد بذلك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فَقَالَ يجوز كَون هَذِه الْأَشْيَاء أسبابا يجب عِنْدهَا الْفِعْل على مَا ذَكرُوهُ وَنحن نجيب عَن ذَلِك بِأَنا إِنَّمَا جَوَّزنَا أَن يكون الْفِعْل مصلحَة عِنْد حَالَة من حالاتنا ثمَّ بَينا إِن ظننا صدق الرَّاوِي مِمَّا يشْهد الْعقل بِجَوَاز كَونه شرطا فِي الْمصلحَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من التَّصَرُّف فِي الْأَسْفَار وَالْحكم بِالْبَيِّنَاتِ وكما أَن الْعقل بذلك شَاهد فَهُوَ شَاهد بِأَن مَا ذكرتموه لَا يكون شرطا فِي وجوب الْفِعْل أَلا ترى أَن الْمُسَافِر إِذا خَافَ فِي سَفَره فخبره بعض من يظنّ صدقه بسلامة بعض الطّرق وَفَسَاد غَيره فانه يجب عَلَيْهِ أَن يعْمل على مَا ظَنّه صلاحا دون مَا ظن فِيهِ الْفساد وَلَو ظن كذب الْمخبر بأمارة لم يجز أَن يعْمل على خَبره وَلَا يجوز لَهُ مَعَ اشْتِبَاه الطّرق عَلَيْهِ وخوفه أَن يعْمل على شَهْوَته واختياره من غير أَمارَة على أَن القَوْل بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يعْمل الْإِنْسَان بِمَا يشتهيه ويختاره إِسْقَاط للتكليف لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قيل لَهُ افْعَل مَا تختاره دون مَا لَا تختاره وَنحن إِنَّمَا نتكلم فِي تَكْلِيف على صفة هَل يحسن أم لَا وَقصد السَّائِل أَن يلْزمنَا على هَذَا التَّكْلِيف تكليفا آخر على صفة أُخْرَى وَلَيْسَ غَرَضه إلزامنا إِسْقَاط التَّكْلِيف فقد بَان أَنه لم يلْزمنَا مَا قصد إلزامنا فان قَالُوا يجوز أَن يُقَال للْإنْسَان إِذا اخْتَرْت الْفِعْل أَو اشتهيته فَلم يصرفك صَارف فقد وَجب عَلَيْك فعله مَا دمت مرِيدا لَهُ وَإِن لم تكن مُخْتَارًا
(2/105)

لَهُ قَاصِدا إِلَيْهِ لم يجب عَلَيْك فعله قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه لَا بُد من كَونه فَاعِلا فايجاب ذَلِك لَا يَصح
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أَخْبَار الْآحَاد قد تتعارض وَلَا يُمكن الْعَمَل بهَا فَلَو جَازَ التَّعَبُّد بهَا لجَاز التَّعَبُّد بِمَا لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ الْجَواب أَنه لَيْسَ كل تعَارض يمْنَع من الْعَمَل بالْخبر بل قد يعْمل مَعَ التَّعَارُض على مَا يتَرَجَّح من أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر كَمَا يعْمل الْمُسَافِر فِي طَرِيقه على مَا يتَرَجَّح من إِحْدَى الأمارتين وَيُمكن أَن يعْمل بالخبرين إِمَّا على الْجمع وَإِمَّا على التَّخْيِير فان لم يُمكن ذَلِك ففقد إِمْكَانه يمْنَع من التَّعَبُّد بهَا فِيهِ هَذَا التَّعَارُض الْمَانِع من الْعَمَل غير مَانع من التَّعَبُّد بِمَا يُمكن الْعَمَل بِهِ مِمَّا لَا تعَارض فِيهِ وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بِالْعَمَلِ بِالْبَيِّنَاتِ والأمارات للْمُسَافِر لِأَنَّهَا قد تتعارض - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اخْتلف مجيزو وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد فِي الشرعيات فَمنهمْ من قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ لم يرد بهَا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قرن إِلَى قَوْله لم يرد التَّعَبُّد بهَا أَن قَالَ قد ورد التَّعَبُّد بِأَن لَا يعْمل بهَا وَمِنْهُم من اقْتصر على أَن التَّعَبُّد لم يرد بهَا وَاخْتلف من قَالَ بورود التَّعَبُّد بهَا فَقَالَ قوم الْعقل يدل على التَّعَبُّد بهَا وَمِنْهُم من قَالَ الْعقل لَا يدل على ذَلِك
وَالدَّلِيل على وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد هُوَ أَن الْعُقَلَاء يعْملُونَ بعقولهم وجوب الْعَمَل على خبر الْوَاحِد فِي العقليات وَلَا يجوز أَن يعلمُوا وجوب ذَلِك أَو حسنه بعقولهم إِلَّا وَقد علمُوا الْعلَّة الَّتِي لَهَا وَجب ذَلِك أَو حسن وَلَا عِلّة لذَلِك إِلَّا أَنهم قد ظنُّوا بِخَبَر الْوَاحِد تَفْصِيل جملَة مَعْلُومَة بِالْعقلِ وَهَذَا مَوْجُود فِي خبر الْوَاحِد الْوَارِد فِي الشرعيات فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَنه مَعْلُوم بِالْعقلِ وجوب التَّحَرُّز من المضار وَحسن اجتلاب الْمَنَافِع فاذا ظننا
(2/106)

صدق من أخبرنَا بمضرة إِن لم نفصد أَو لم نشرب الدَّوَاء أَو إِن سلكنا فِي سفرنا طَرِيقا مَخْصُوصًا أَو لم نقم من تَحت الْحَائِط فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة من وجوب التَّحَرُّز من المضار وَقد علمنَا فِي الْجُمْلَة وجوب الانقياد للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يخبرنا بِهِ من مصالحنا وَوُجُوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة فِي تجنب الْمصَالح فاذا ظننا بِخَبَر الْوَاحِد أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قد دَعَانَا إِلَى الانقياد لَهُ فِي فعل أخبر أَنه مصلحَة وخلافه مفْسدَة مضرَّة فقد ظننا تَفْصِيلًا لما علمناه فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن الحكم يحصل عِنْده وينتفي عِنْد انتفائه لأَنا إِذا علمناه فِي الْجُمْلَة وجوب التَّحَرُّز من الْمضرَّة وظننا بالْخبر أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة وَلم يُمكن الْعلم وَجب علينا تجنبه وَإِن ازلنا عَن أَنْفُسنَا اعْتِقَاد مَا عدا ذَلِك وَإِذا رَجعْنَا إِلَى عقولنا وجدناها تتبع تجنب هَذَا الْفِعْل لهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلَو لم يحصل لنا الْعلم بِوُجُوب دفع المضار فِي الْجُمْلَة أَو حصل ذَلِك وَلم نظن أَن علينا فِي الْفِعْل مضرَّة لم يجب علينا تجنبه وَكَذَلِكَ لَو ظننا ذَلِك وأمكننا تَحْصِيل الْعلم فَعلمنَا أَن الْعلَّة مَا ذَكرْنَاهُ
إِن قيل بل الْعلَّة فِي الأَصْل ظننا الْمضرَّة فِي امور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل إِن مَا ذكرتموه وَإِن كَانَ من أُمُور الدُّنْيَا فَهُوَ من امور الدّين لِأَن التَّحَرُّز من المضار وَاجِب فِي الْعقل وَمَا وَجب فِي الْعقل فَهُوَ من الدّين فان قَالُوا إِن خبر الْوَاحِد فِي أُمُور الدُّنْيَا وَارِد فِيمَا نعلم جملَته عقلا وَلَيْسَ كَذَلِك خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَارِد بتفصيل الانقياد للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتزام أمره والتحرز من مضار الْمُخَالفَة وَهَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالشَّرْع كَمَا يعلم التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا بِالْعقلِ وَالشَّرْع وَأَيْضًا فَلَو ثَبت أَن وجوب التَّحَرُّز من مضار الدُّنْيَا مَعْلُوم بِالْعقلِ فَقَط والتحرز من مضار الشرعيات مَعْلُوم بِالشَّرْعِ فَقَط لَكَانَ ذَلِك اخْتِلَافا فِي طَرِيق الْعلم بِالْوُجُوب وَذَلِكَ غير مُؤثر فِيمَا يقبل من أَخْبَار الْآحَاد وَإِنَّمَا الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي ذَلِك هُوَ أَن يُقَال إِن الشرعيات مصَالح والمخبر الْوَاحِد يجوز أَن يكون كذابا فَلَا نَأْمَن أَن يكون مَا نَقله
(2/107)

مفْسدَة وسنتكلم فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله
إِن قيل إِنَّمَا وَجب قبُول خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَنَّهُ لَا يغلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة إِذا قبلناه بل يغلب على الظَّن وصولها إِذا لم نقبله وَلَيْسَ كَذَلِك الشرعيات لِأَنَّهُ لَيْسَ يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِذا لم نقبل خبر الْوَاحِد بل لَا نَأْمَن أَن يؤاخذنا المتعبد لنا إِذا قبلنَا خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب ان كلامنا فِي خبر من نظن صدقه لدينِهِ وأمانته وَقد بَينا أَن خبر من هَذِه سَبيله فِي الشرعيات يُسَاوِي خَبره فِي العقليات وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يغلب على ظننا وُصُول الْمضرَّة إِلَيْنَا إِن لم نقبل خَبره ويؤمننا من مُؤَاخذَة المتعبد إِذا قبلناه ويقضينا الْقطع على مؤاخذته إِذا لم نقبله
إِن قيل إِنَّمَا قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي العقليات لِأَن الْعَادة قد جرت بنزول المضار وَالْمَنَافِع فاذا غلب على الظَّن وُصُول الْمضرَّة لزمنا التَّحَرُّز مِنْهَا قيل وَقد جرت عَادَة الشَّرْع بالزام الْعِبَادَات وَلَا يمْتَنع فِي الْعقل إِيدَاع ذَلِك الْوَاحِد وَأَن تكون الْمصلحَة أَن يرد التَّعَبُّد بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرد التَّحَرُّز من الْمضرَّة من جِهَة وَاحِد فاذا لم يمْتَنع ذَلِك جرى خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات مجْرَاه فِي العقليات
فان قيل الْفرق بَين الشرعيات والعقليات أَن الشرعيات يُمكن فِيهَا طَريقَة تَقْتَضِي الْعلم نَحْو الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه عَلَيْهِ السَّلَام وَالْإِجْمَاع والبقاء على حكم الْعقل فَلم يجز الرُّجُوع إِلَى الظَّن وَلَيْسَ كَذَلِك الامور الْعَقْلِيَّة من أُمُور الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر فِيهَا طَريقَة مَعْلُومَة فَجَاز الرُّجُوع إِلَى الظَّن قيل إِنَّه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة كتاب أَو سنة مَقْطُوع بهَا أَو إِجْمَاع بِخِلَاف خبر الْوَاحِد وَلم يكن الْخَبَر مُخَصّصا فانا لَا نعدل إِلَيْهِ عَن هَذِه الْأَدِلَّة ومسألتنا مَفْرُوضَة فِي خبر وَاحِد تخَالف مَا ذكرتموه وَأما الْبَقَاء فممكن فِي العقليات وَفِي الشرعيات لِأَن الأَصْل فِي الْعقل أَن لَا يجب علينا إيلام أَنْفُسنَا بفصد وَشرب دَوَاء ومسير فِي طَرِيق مَخْصُوص فاذا لم يجز الْبَقَاء على حكم الْعقل فِي هَذِه
(2/108)

الْأَشْيَاء إِذا أخبرنَا بالمضرة فِي تَركهَا من نظن صدقه علمنَا أَن الْبَقَاء على حكم الْعقل لَيْسَ بِدَلِيل قَاطع مَعَ الظَّن لصدق الْمخبر فَبَطل قَول الْمُخَالف إِن ذَلِك دَلِيل قَاطع مَعَ خبر الْوَاحِد
وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن قِيَاس خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على قبُوله فِي العقليات والمعاملات بِأَن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن والشرعيات مَبْنِيَّة على الْمصَالح فاذا لم نَأْمَن كذب الْمخبر لم نَأْمَن أَن يكون فعلنَا مَا أخبرنَا بِهِ مفْسدَة وَالْجَوَاب أَن قَوْله إِن الْمُعَامَلَات مَبْنِيَّة على غَالب الظَّن هُوَ الحكم الَّذِي طلبنا علته وقسنا بهَا خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات على الْمُعَامَلَات فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا بذلك لأَنا نَكُون قد فرقنا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَفس الحكم والمصالح وَإِن كَانَت مُعْتَبرَة فِي الشرعيات فالمضار وَالْمَنَافِع هما المعتبران فِي العقليات والمعاملات لأَنا إِنَّمَا ننحو بِمَا نفعله نَحْو الْمَنَافِع والخلاص من المضار كَمَا أَنا ننحو بالشرائع تَحْصِيل الْمصَالح ولأجلها وَجَبت فاذا قَامَ غَالب الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار الْعَقْلِيَّة مقَام الْعلم مَعَ تَجْوِيز كذب الْمخبر فَكَذَلِك غَالب الظَّن بِصدق الْمخبر فِي الشرعيات وَلَو جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات لجَوَاز كذب الْمخبر فَيكون مَا أخبر بِهِ مفْسدَة جَازَ أَن لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِي العقليات لجَوَاز كذب الْمخبر فيلحقنا الْمضرَّة فِي اتِّبَاعه ونخلص مِنْهَا بمخالفته على أَن قَوْله لَا نَأْمَن أَن يكون الْمخبر كَاذِبًا فنكون باتباعه فاعلين للمفسدة يُبِيح الْمَنْع من وُرُود التَّعَبُّد بِقبُول خَبره لِأَن فعل مَا لَا نؤمن من كَونه مفْسدَة قَبِيح فان قَالَ قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِهِ دلَالَة على أَن الْمصلحَة هِيَ اتِّبَاع مَا ظنناه من صدقه لَا غير قيل فاذن يجوز أَن تكون الْمصلحَة هِيَ فعلنَا مَا ظنناه من صدق الْمخبر فَلم قطعْتُمْ على أَن الْمصلحَة قد تكون غير مَا فَعَلْنَاهُ فان قَالُوا نَحن وَإِن جَوَّزنَا أَن نَكُون علمنَا بِحَسب مَا ظننا من صدق الرَّاوِي هُوَ الْمصلحَة فانا لَا نعلم ذَلِك إِلَّا بتعبد شَرْعِي قيل فكأنكم فصلتم بَين خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات وَبَينه فِي العقليات بِأَن العقليات يعْمل فِيهَا على الظَّن من غير تعبد شَرْعِي والشرعيات لَا يعْمل فِيهَا على الظَّن
(2/109)

إِلَّا بتعبد وَهَذَا هُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد فصلتم بَين المسالتين بِنَفس الحكم لَا بِالْعِلَّةِ المفرقة بَينهمَا على انه جَازَ أَن يُقَال إِن قيام الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على قبُول خبر الْوَاحِد يدلنا على ان الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي جَازَ أَن يُقَال قِيَاس الَّذِي ذكرنَا هُوَ دليلنا على أَن الْمصلحَة لَيست إِلَّا الْعَمَل بِمَا ظنناه من صدق الرَّاوِي
وَأجَاب أَيْضا بِأَن الْعَمَل على غَالب الظَّن فِي دفع المضار فِي الدُّنْيَا هُوَ الأَصْل للْعَمَل على الْعلم بِدفع المضار لِأَن امور الدُّنْيَا الْمُسْتَقْبلَة غير مَعْلُومَة وَإِنَّمَا هِيَ مظنونة وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال إِن أُمُور الدّين المظنونة هِيَ الأَصْل لامور الدّين الْمَعْلُومَة وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ فرق لَا يُؤثر فِي وَجه الْجمع الَّذِي ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب إِذا أشبه الظَّن لامور الدّين الظَّن لامور الدُّنْيَا فِي وجوب الْعَمَل عَلَيْهَا أَن يشتبها فِي كل وَجه بل لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل عَلَيْهِمَا وَيكون الْعَمَل على غَالب الظَّن أصلا للْعَمَل على الْعلم فِي امور الدُّنْيَا وللعمل على الظَّن فِي أُمُور الدّين أصلا بِنَفسِهِ
دَلِيل قَالَ الله سُبْحَانَهُ {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون} فتعبدنا بِقبُول خبر كل طَائِفَة خرجت للتفقه ثمَّ أنذرت قَومهَا وَهَذِه صفة خبر الْوَاحِد يبين ذَلِك أَنه سُبْحَانَهُ أوجب على كل فرقة أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة وَالثَّلَاثَة فرقة فَوَجَبَ أَن تخرج مِنْهَا طَائِفَة والطائفة من الثَّلَاثَة وَاحِد أَو اثْنَان فاذا خرجا لسَمَاع الْأَخْبَار وتدبرها فقد خرجا للتفقه فِي الدّين فاذا رَجَعَ من هَذِه سَبيله فَأخْبر قومه بِوُجُوب عبَادَة وحذرهم من تَركهَا فقد أنذر قومه فاذا كُنَّا متعبدين بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْله كُنَّا متعبدين بذلك وَإِن لم نخرج لهَذَا الْغَرَض لِأَن أحدا لم يفصل بَين الْمَوْضِعَيْنِ
(2/110)

إِن قيل لم قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الطَّائِفَة قيل إِنَّمَا تعبدها بانذار قَومهَا لكَي يحذر فتعبد قَومهَا بالحذر وَلَيْسَ يَخْلُو إِذا أخبرتم الطَّائِفَة بِوُجُوب فعل أَو تَحْرِيمه إِمَّا أَن يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الطَّائِفَة أَو يلْزمهَا الْإِمْسَاك عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ من فعل أَو ترك أَو أَن يخرج جماعتها أَو من يقوم بِالْحجَّةِ بنقله إِلَى الْآفَاق لاستبانة الْخَبَر وَالْقسم الأول هُوَ قَوْلنَا وَالثَّانِي يرجع إِلَيْهِ لأَنا إِن كُنَّا نشرب النَّبِيذ فخبرنا الطَّائِفَة بِتَحْرِيمِهِ فإيجاب إمساكنا عَن شربه هُوَ تَحْرِيم شربه وَإِن كُنَّا تاركين لبَعض الصَّلَوَات فأخبرونا بِوُجُوبِهَا فوجوب إمساكنا عَن الْإِخْلَال بهَا هُوَ إِيجَاب فعلنَا فَبَان رُجُوع هَذَا الْقسم إِلَى الْقسم الأول بِخِلَاف مَا ظَنّه بَعضهم وَإِن وَجب على جماعتنا أَو على أكثرنا الْخُرُوج من الأوطان إِلَى الْآفَاق ليعلموا صَحِيح الحَدِيث من باطله لم يَصح بِالْإِجْمَاع لِأَن أحدا من الْأمة لم يُوجب على اهل الْقرى فِي عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعصر من بعده أَن يخرجُوا أَو أَكْثَرهم إِذا لم تقم الْحجَّة بِنَقْل الطَّائِفَة إِلَيْهِم ويتركوا بِلَادهمْ كلما سمعُوا بِخَبَر يتَضَمَّن فعلا شَرْعِيًّا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يستقروا فِي بِلَادهمْ قبل اسْتِقْرَار السّنَن
إِن قيل قَوْلكُم إِن الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ خبر الْوَاحِد بَاطِل من وُجُوه
مِنْهَا أَنه عز وَجل تعبد من كل فرقة طَائِفَة بالتفقه والإنذار لقومهم وهم مَجْمُوع الْفرق لِأَن مَجْمُوع الطوائف هم قوم الْفرق فَلَا يمْتَنع أَن يكون مَجْمُوع الطوائف من يتواتر الْخَبَر بنقلهم الْجَواب أَنه لَا يجوز أَن يكون أَرَادَ مَجْمُوع الطوائف ينذر كل فرقة لِأَنَّهَا لم يكن عِنْد كل طَائِفَة فرقة فَتكون رَاجِعَة إِلَيْهَا وَقَوله {ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم} يدل على أَنهم كَانُوا عِنْدهم وَهَذَا إِنَّمَا يتم فِي كل فرقة مَعَ طائفتها
وَمِنْهَا أَن قَوْله {ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا} يدل على أَنه أَرَادَ
(2/111)

الْإِنْذَار بالفتوى دون الْخَبَر الْجَواب إِن كثيرا مِمَّن يمْنَع من الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يمْنَع الْعَاميّ من الْأَخْذ بالفتوى وَأَيْضًا فان التفقه يكون بِسَمَاع الْأَخْبَار والتدبر لَهَا وَقد كَانَ التفقه هَكَذَا فِي الزَّمن الأول وَهَذِه الْحَال يتم مَعهَا الْإِنْذَار بالفتوى وبالإخبار فاذا لم يفصل الله سُبْحَانَهُ الإنذارين كَانَ مَحْمُولا على كل وَاحِد مِنْهُمَا كَمَا أَنه لَو قَالَ ولتضربوا كَانَ شَائِعا فِي الضَّرْب بِكُل خَشَبَة وعَلى كل وَجه من الشدَّة واللين على أَنه لم يفصل بَين أَن يكون قَومهمْ مجتهدين أَو غير مجتهدين والإنذار بالفتوى إِنَّمَا يلْزم قبُوله غير الْمُجْتَهد فَوَجَبَ صرف الْكَلَام إِلَى الْإِخْبَار لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يخْتَلف فِيهِ الْمُجْتَهد وَغير الْمُجْتَهد إِن قيل قَوْله {ليتفقهوا فِي الدّين} يدل على انه لَيْسَ فِي الطَّائِفَة مُجْتَهد إِذْ لَو كَانَ فِيهَا مُجْتَهد لما كَانَ ليجب على بَعْضهَا أَن ينفر للتفقه الْجَواب إِن الْعِبَادَات فِي عصر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَت تتجدد حَالا فحالا وَيرد نسخهَا بعد ثُبُوتهَا فحصول الْمُجْتَهد فِي الطَّائِفَة لَا يُغني عَن أَن ينفر مِنْهَا من يسمع مَا يَتَجَدَّد من السّنَن المبتدأة والناسخة وَكَذَلِكَ الْأَعْصَار المقاربة لعصر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قبل اسْتِقْرَار السّنَن وانتشارها لجَوَاز أَن تكون فِي غَيرهَا من الطوائف من السّنَن مَا لم تبلغها
وَمِنْهَا أَن قَوْله {ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ} يحْتَمل التفقه فِي الْأُصُول وإنذار قَومهمْ ليحذروا وَلَيْسَ هَذَا من خبر الْوَاحِد فِي الشرعيات بسبيل الْجَواب إِن الْمُسْتَفَاد من التفقه فِي الْعَادة التفقه فِي الْفُرُوع على أَنه إِن كَانَ المُرَاد بالأصول هَا هُنَا التَّوْحِيد وَالْعدْل فالخاطر يجوز من ترك النّظر فيهمَا وَلَيْسَ يحْتَاج فِي الحذر من تَركهمَا إِلَى السّفر وَإِن كَانَ المُرَاد بهَا أصُول الشَّرِيعَة كالصلوات الْخمس فَذَلِك عندنَا لَازم بالآحاد فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة لِأَن الْوَاحِد إِذا أخبر أهل الْيمن بِأَن الصَّلَوَات قد أوجبهَا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لزمتهم
(2/112)

وَتَكون من الْفُرُوع حَتَّى يتواتر نقلهَا وعَلى هَذَا جرى الْأَمر فِي تحول أهل قبا عَن الْقبْلَة
إِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ خبر الْوَاحِد لما دلّت على وجوب الْعَمَل بِهِ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْإِنْذَار على من خرج للتفقه وَلَا يجب على الْمُنْذر الْقبُول كَمَا يجب على الشَّاهِد أَن يشْهد وَلَا يجب على الْحَاكِم أَن يحكم بِشَهَادَتِهِ وَيجب على كل وَاحِد من المتواترين أَن يُخبرهُ وَلَا يجب على السَّامع أَن يَقُول على خَبره وَحده فِيمَا طَريقَة الْعلم وَيجب على من خوف بِالْقَتْلِ إِن لم يدْفع مَاله أَن يَدْفَعهُ ويقبح من الْمخوف أَخذه قيل إِنَّا لم نستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِنْذَار بِوُجُوب الْإِنْذَار وَإِنَّمَا استدللنا يَقُوله عز وَجل {لَعَلَّهُم يحذرون} وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون تعبدا بالحذر أَو إِبَاحَة لَهُ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فقد بَطل مَذْهَب الْخصم إِذْ قد بَينا أَن الحذر لَا يكون إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى مُوجب الْخَبَر
وَالْوَجْه الآخر قَوْلهم يجوز أَن يكون أوجب على من نفر الْإِنْذَار لكَي يحذر من سَمعه إِذا انضاف إِلَى الْمُنْذر غَيره حَتَّى يتواتر إِنْذَارهم وإخبارهم قيل فاذن إِنَّمَا يحذرون عِنْد تَوَاتر الْخَبَر لَا عِنْد إنذار من نفر مِنْهُم للتفقه وَالْآيَة تَقْتَضِي أَن يحذروا عِنْد إنذاره ولأجله كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره جَالس الصَّالِحين لَعَلَّك تصلح أَفَادَ ذَلِك كَون مجالستهم سَببا لصلاحه لَا غير لِأَنَّهُ مَا علق صَلَاحه إِلَّا بِهِ فَكَذَلِك قَوْله {ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون}
دَلِيل أَجمعت الصَّحَابَة على الْعَمَل بِخَبَر لَا يقطع على مغيبه لِأَنَّهُ لما اشْتبهَ
(2/113)

عَلَيْهِم الْغسْل من التقاء الختانين رجعُوا إِلَى أَزوَاج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَطلب أَبُو بكر عَلَيْهِ السَّلَام الحكم فِي الْجدّة وَرجع فِي توريثها إِلَى خبر الْمُغيرَة وَنقض قَضِيَّة قَضَاهَا بِخَبَر رَوَاهُ بِلَال وَقَالَ عمر وَمَا أَدْرِي مَا القَوْل فِي أَمر الْمَجُوس وَكَثُرت مَسْأَلته عَن ذَلِك فَلَمَّا روى لَهُ عبد الرحمن بن عَوْف عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام سنوا بهم سنة أهل الْكتاب صَار إِلَى ذَلِك وَكَانَ يرى أَن لَا شَيْء فِي الْجَنِين إِذا خرج مَيتا وَفِيه الدِّيَة إِذا خرج حَيا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر حمل بن مَالك بعد أَن نَاشد الصَّحَابَة وَكَانَ لَا يؤرث الإمرأة من دِيَة زَوجهَا ثمَّ ترك ذَلِك لخَبر الضَّحَّاك بن سُفْيَان وَكَانَ يَجْعَل فِي الْأَصَابِع نصف الدِّيَة ويفصل بَينهَا فَيجْعَل فِي الابهام خمس عشرَة من الْإِبِل وَفِي البنصر تِسْعَة وَفِي الْخِنْصر سِتَّة ثمَّ يَجْعَل فِي الْبَاقِيَة عشرا عشرا فَلَمَّا رُوِيَ لَهُ من كتاب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى عَمْرو بن حزم أَن فِي كل إِصْبَع عشرا من الْإِبِل رَجَعَ عَن رَأْيه وَترك رَأْيه فِي بِلَاد الطَّاعُون لخَبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي فاذا حَدثنِي بِهِ غَيره اسْتَحْلَفته فاذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر وَرجع فِي خطأ الإِمَام إِلَى مَا رَوَاهُ عمر وَسَأَلَ الْمِقْدَاد أَن يسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن المذى ثمَّ أخبرهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِالْجَوَابِ فَعمل عَلَيْهِ وَرَجَعُوا فِي الرِّبَا إِلَى خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ وكل وَاحِد من هَذِه الْأَخْبَار وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فجملتهما متواترة لَا يجوز مَعَ كثرتها أَن تكون كذبا كَمَا أَن الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم متواترة فِي الْجُمْلَة وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا خبر وَاحِد وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم عمِلُوا على هَذِه الْأَخْبَار لأَجلهَا لأَنهم لَو لم يَكُونُوا عمِلُوا لأَجلهَا بل لأمر آخر إِمَّا لاجتهاد تجدّد لَهُم أَو ذكرُوا شَيْئا سَمِعُوهُ من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لوَجَبَ من جِهَة الْعَادة وَالدّين أَن ينقلوا ذَلِك أما الْعَادة فَلِأَن الْجَمَاعَة إِذا اشْتَدَّ اهتمامها بامر قد الْتبس عَلَيْهَا ثمَّ زَالَ اللّبْس عَنْهَا لشَيْء سمعته أَو رَأْي حدث لَهَا فانه لَا بُد من إظهارها الاستبشار وَالسُّرُور بِمَا ظَفرت بِهِ والتعجب من ذهَاب ذَلِك عَلَيْهَا فان جَازَ أَن لَا يظْهر ذَلِك الْوَاحِد
(2/114)

لم يجز فِي كل وَاحِد وَأما الدّين فَلِأَن سكوتهم عَن ذَلِك وعملهم عِنْد الْخَبَر بِمُوجبِه يُوهم أَنهم عمِلُوا لأَجله كَمَا يدل عَمَلهم بِمُوجب آيَة عِنْد سماعهَا على أَنهم عمِلُوا لأَجلهَا وَالْإِيهَام لذَلِك قَبِيح كَمَا أَنه لَو قَالَ لَهُم قَائِل احكموا فِي هَذِه الْحَوَادِث لشهوتي فَذكرُوا عِنْد هَذَا القَوْل شَيْئا سَمِعُوهُ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فانه لَا يحسن من جِهَة الدّين أَن لَا تبين أَنَّهَا حكمت لما ذكرته لَا للشهوة وَأَيْضًا فبعيد فِي الْعَادة مَعَ كَثْرَة هَذِه الْأَخْبَار أَن يتَّفق ذكرهم لشَيْء سَمِعُوهُ من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَآله أَو يَتَجَدَّد لَهُم اجْتِهَاد وَأَيْضًا فَطلب أبي بكر عَلَيْهِ السَّلَام من الْمُغيرَة شَاهدا مَعَه فِي إِرْث الْجدّة دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن الحكم يتَعَلَّق بهما لِأَنَّهُ لم يكن يعلم أَنه سَيذكرُ عِنْد الشَّاهِد الآخر شَيْئا سَمعه من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَأَيْضًا فقد كَانُوا يتركون آرائهم عِنْد سَماع الْخَبَر كَمَا رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ فِي الْخَبَر كدنا نقضي فِيهِ بآرائنا فَدلَّ على أَنه لم يعْمل بِرَأْيهِ عِنْد سَماع الْخَبَر
إِن قيل وَمن أَيْن أَنهم بأجمعهم عمِلُوا بأخبار الآحادإنهم كَانُوا بَين عَامل بهَا وَسَاكِت عَن النكير فَدلَّ على رضاهم بِالْعَمَلِ بهَا فان قيل فَلَعَلَّ بَعضهم كَانَ نَاظرا متوقفا عَن الْعَمَل فَلَا يكونُونَ متفقين على ذَلِك قيل لَو كَانَ كَذَلِك وَكَانَ الْعَمَل بهَا مُنْكرا لَكَانَ إِنْكَاره وَاجِبا فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على ترك الْوَاجِب لأَنهم بأجمعهم قد تركُوا إِنْكَاره إِن قيل أَلَيْسَ قد رد أَبُو بكر خبر الْوَاحِد وَلم يعْمل إِلَّا على خبر اثْنَيْنِ قيل هَذَا لَا ينْقض مَا قصدناه من الْعَمَل بِخَبَر من لَا يقطع على مغيبة وَالْكَلَام فِي اشْتِرَاط اثْنَيْنِ سَيَأْتِي
إِن قيل فقد ردوا فِي بعض الْحَوَادِث خبر الْوَاحِد كَقَوْل عمر فِي خبر فَاطِمَة بنت قيس لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت ولستم بِأَن تَقولُوا إِنَّمَا ردُّوهُ لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد بِأولى من أَن تَقولُوا بل قبلوا مَا قبلوه لعِلَّة لَا نعرفها لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَالْجَوَاب أَن عمر رد خبر فَاطِمَة بنت قيس فِي نسخ الْآيَة أَو فِي
(2/115)

تخصيصها وَكثير مِمَّن يقبل خبر الْوَاحِد لَا يقبله فِي التَّخْصِيص فَلَيْسَ ينقص ذَلِك الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْجُمْلَة على أَن قَوْله لَا نَدع كتاب رَبنَا يَقْتَضِي ترك الْكتاب أصلا وَذَلِكَ نسخ وَنحن نمْنَع نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد على أَن قَوْله لقَوْل امْرَأَة لَعَلَّهَا صدقت أم كذبت يُفِيد أَنه اعْتقد فِيهَا أَنَّهَا غير ضابطة لما تسمعه وَهَذِه الْعلَّة غير مَوْجُودَة فِيمَن يضْبط وَبِهَذَا يبطل قَول من يَقُول إِن عمر رَضِي الله عَنهُ علل رد حَدِيثهَا لعِلَّة مَوْجُودَة فِي كل مخبر
إِن قيل فقد قبلوا خبر الْوَاحِد فِي نسخ حكم مَعْلُوم نَحْو قبُول أهل قبا نسخ الْقبْلَة قيل ذَلِك جَائِز فِي الْعقل وَفِي صدر الْإِسْلَام قَالَ اصحابنا وَلَوْلَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْمَنْع من ذَلِك لجوزناه وَقد قَالَ أَبُو عَليّ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ أخْبرهُم بنسخ الْقبْلَة وَأَنه ينفذ إِلَيْهِم بنسخها فلَانا وأعلمهم صدقه فَكَانُوا قاطعين على صدقه فَلم ينسخوا الْقبْلَة إِلَّا بِخَبَر مَعْلُوم
وَقد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء لَا تدل
مِنْهَا قَول الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين} قَالُوا فعلق وجوب التبين على مَجِيء الْفَاسِق فَكَانَ مَجِيء غير الْفَاسِق بِخِلَافِهِ وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا مَعَ القَوْل بِدَلِيل الْخطاب وَقَالُوا أَيْضا قَوْله {إِن جَاءَكُم فَاسق} شَرط فِي إِيجَاب التثبيت فَوَجَبَ إِن لم يَجِيء فَاسق أَن لَا يجب التثبت وَأَن يكون التسرع مُبَاحا سَوَاء جَاءَنَا عدل أَو لم يجئنا أحد لِأَنَّهُ فِي كلا الْحَالين لم يَجِيء الْفَاسِق وَقد وَقع الِاتِّفَاق على الْمَنْع من التسرع إِذا لم يَجِيء أحد أصلا فَبَقيَ الْقسم الآخر وَهُوَ أَن يَجِيء مخبر غير فَاسق وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة يَقْتَضِي نفي وجوب التثبت على نفي مَجِيء الْفَاسِق وَأحد لَا يَقُول بذلك والمستدل يَجْعَل نفي وجوب التثبت وَإِبَاحَة التسرع وَاقِفًا على مَجِيء
(2/116)

عدل وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وَجه آخر وَهُوَ أَن سَبَب نُزُولهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط ساعيا فَعَاد فَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الَّذين بَعثه إِلَيْهِم أَرَادوا قَتله فأجمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غزوهم وقتلهم وَهَذَا حكم شَرْعِي قد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ الْعَمَل فِيهِ على خبر الْوَاحِد فَلَو كَانَ ذَلِك مَحْظُورًا لأنكره الله تَعَالَى وَلما علق حظره بِالْفِسْقِ لِأَن ذَلِك يُوهم أَنه إِنَّمَا لم يجز ذَلِك التسرع لأجل فسق الْمخبر لَا غير يبين ذَلِك أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا عمل على غزوهم لأجل خبر الْوَلِيد مَعَ ظَنّه أَنه عدل ولهذه الْآيَة ولاه الصَّدَقَة وَلقَائِل أَن يَقُول نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْوَلِيد بن عقبَة مَنْقُول بالآحاد فَلم يجز بِنَا الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ وَقد روى عمر بن شبة فِي كتاب الْكُوفَة فِي أَخْبَار الْوَلِيد باسناده عَن قَتَادَة فِي قَول الله سُبْحَانَهُ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ} قَالَ هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط بَعثه النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى بني المصطلق مُصدقا فَلَمَّا أبصروه أَقبلُوا نَحوه فهابهم فَرجع إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأخْبر أَنهم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَبعث نَبِي الله خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن يثبت وَلَا يعجل فَانْطَلق حَتَّى أَتَاهُم لَيْلًا فَبعث عيونه فَلَمَّا جَاءُوهُ خبروه أَنهم متمسكون بِالْإِسْلَامِ وسمعوا أذانهم وصلاتهم فَلَمَّا أَصْبحُوا أَتَاهُم خَالِد وَرَأى مَا يُعجبهُ فَرجع إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأخْبرهُ الْخَبَر وَذكر رِوَايَة أُخْرَى أَنه رَجَعَ الْوَلِيد إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ قد منعُوا فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ الْآيَة وَلَيْسَ فِي ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هم بقتالهم من غير تثبت وَتبين
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} والمخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلُزُوم الْعِبَادَة علينا شَاهد على النَّاس وَلَيْسَ يجوز أَن يَجعله الله عدلا ليشهد إِلَّا وَقد تعبد بِالرُّجُوعِ إِلَى خَبره الْجَواب إِن قَوْله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا خطاب لكافة الْأمة دون آحادها فان أُرِيد بِهِ شَهَادَة جَمِيعهم علينا من جِهَة الْخَبَر فَذَلِك تَوَاتر وَلَا
(2/117)

يكون فِي اشْتِرَاط كَونهم وسطا فَائِدَة لِأَن المتواترين نعلم صدقهم وَإِن لم يَكُونُوا مُؤمنين وَإِن أُرِيد بِهِ شَهَادَتهم علينا من جِهَة الرَّأْي فَذَلِك هُوَ الْإِجْمَاع وعَلى كلا الْقسمَيْنِ يخرج مِنْهُ خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ المُرَاد بِالْآيَةِ كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد مِنْهُم مَقْطُوعًا على عَدَالَته فَلهَذَا لَا يقطع على مُوجب خبر الْوَاحِد
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى} الْآيَة فحظر كتمان الْهدى وَأوجب إِظْهَاره وَمَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ من الْهدى فَيجب على سامعه إِظْهَاره وَإِن لم يسمعهُ غَيره مِمَّن يتواتر الْخَبَر بنقله وَلَو لم يجب علينا قبُول خبر الْوَاحِد لم يجب على الْمخبر إِظْهَاره لِأَنَّهُ يكون وجود الْإِظْهَار كَعَدَمِهِ وَالْجَوَاب إِن قَول الله عز وَجل {إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب} يدل على أَنه أَرَادَ مَا أنزلهُ الله فِي الْكتاب وأخبار الْآحَاد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمعزل عَن ذَلِك وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ مَكْتُوم إِذا لم يظْهر وَكَانَت الْعَادة أَو التَّعَبُّد يدعوان إِلَى إِظْهَاره فَيجب أَن يبين الْمُسْتَدلّ أَن التَّعَبُّد قد ورد بأخبار الْآحَاد حَتَّى يتم لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَإِذا بَين ذَلِك فقد بَين مَا رام أَن يُبينهُ بِهَذِهِ الْآيَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْعَادة تَدْعُو إِلَى إِظْهَار مَا سَمعه الْإِنْسَان من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا يرجع إِلَى الشَّرِيعَة
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} وَلم يفرق بَين أَن يكون من هُوَ من أهل الذّكر مُجْتَهدا أَو غير مُجْتَهد وَمَعْلُوم أَن غير الْمُجْتَهد إِنَّمَا يسْأَل ليخبر لَا ليفتي عَن نَفسه وَلَيْسَ يجوز أَن يجب السُّؤَال
(2/118)

وَلَا يجب الْقبُول الْجَواب إِنَّه لَيْسَ فِي الاية أَنه يجب سُؤَالهمْ ليعلم مَا أخبروا بِهِ ليعْمَل مَا أخبروا بِهِ وَإِذا لم يمْتَنع أَن يكون اراد سُؤَالهمْ ليعلم السَّائِل لم يكن المُرَاد إِلَّا سُؤال من يتواتر الْخَبَر بنقله وَقَوله عز وَجل {وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} يدل على أَنه عز وَجل أَرَادَ سُؤَالهمْ ليعلم مَا يخبرون بِهِ من أَنه أرسل الله عز وَجل إِلَّا رجَالًا يوحي إِلَيْهِم وَهَذَا علم دون عمل
وَمِنْهَا قَوْله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله} فَأوجب الشَّهَادَة لله وَالْقِيَام بِالْقِسْطِ وَلَا يُوجب ذَلِك إِلَّا وَقد ألزم قبُول شَهَادَتهم وَمن أخبر بِمَا سَمعه من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فقد قَامَ بِالْقِسْطِ وَشهد لله وَالْجَوَاب إِنَّمَا يكون شَاهدا لله تَعَالَى وَقَائِمًا بِالْقِسْطِ إِذا شهد بِمَا يلْزم قبُوله دون مَا لَا يحل قبُوله كَالشَّهَادَةِ بِأُمُور الدُّنْيَا وَيحْتَمل أَن يكون سُبْحَانَهُ أوجب الشَّهَادَة بِمَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليرويه غَيره فيتواتر نَقله فان قيل الاية لَا تفرق بَين أَن يكون الْخَبَر قد سمعته جمَاعَة من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَبَين أَن يكون قد سَمعه وَاحِد فِي وجوب الشَّهَادَة بِهِ قيل إِن من يُنكر الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يمْتَنع من أَن يخص النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِالْعبَادَة من لَا يتواتر الْخَبَر بنقله إِلَّا أَن يكون التَّعَبُّد يَخُصُّهُ وَحده
وَمِنْهَا قَوْله عز وَجل {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} وَقَوله {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} وَظَاهره يَقْتَضِي بَيَان جَمِيع مَا أنزل إِلَيْهِ لجَمِيع من عاصره وَلمن يَأْتِي بعده فَلَو وَجب عَلَيْهِ أَن يبين كل ذَلِك لمن يتواتر الْخَبَر بنقله لكَانَتْ الْأَخْبَار كلهَا منقولة عَنهُ بالتواتر إِلَّا أَن يُقَال إِن بعض السامعين للْخَبَر نَقله دون بعض وَذَلِكَ يُوجب تُهْمَة السّلف وَجَوَاز
(2/119)

كَون شرائع مَعَهم لم ينقلوها وَلَا يجوز أَن يكون كل مَا نقل بأخبار الْآحَاد لم يقلهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعَادة أَن تكون هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها كَاذِبَة وَلَا يجوز أَن تَتَضَمَّن عبادات تخْتَص من عاصر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لِأَن أَكْثَرهَا خطاب لأهل عصره وَلمن يَأْتِي بعده فَثَبت أَنه إِنَّمَا وَجب عَلَيْهِ أَن يبين بعض شَرعه لمن لَا يتواتر الْخَبَر بنقله وَإِن كَانَ بَيَانا لمن بعده وَفِي ذَلِك وجوب الْعَمَل بِهِ على من بعدهمْ الْجَواب إِن الْمُخَالف يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون بعض أَخْبَار الْآحَاد كذبا وَبَعضهَا عبادات تخْتَص أهل ذَلِك الْعَصْر وَبَعضهَا قد أَدَّاهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى من يتواتر الْخَبَر بنقله لَكِن بَعضهم نَقله دون بعض وَأَخْطَأ بَعضهم وَذَلِكَ غير مُمْتَنع وَيكون لُزُوم ذَلِك لنا مَشْرُوطًا بتواتر الْخَبَر إِلَيْنَا وَقَوْلهمْ إِن جَوَاز ذَلِك يَقْتَضِي جَوَاز كتمانهم شرائع كَثِيرَة فَذَلِك لَا يلْزم من لم يقل بأخبار الْآحَاد لِأَن عِنْدهم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد بَين الْعِبَادَات للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة وَالْعَادَة تمنع من كتمان أجمعهم مَعَ مَا علمناه من توفر دواعي الْأمة إِلَى نقل السّنَن وَالْأَخْبَار على أَنه لَا بُد من أَن يبلغ ذَلِك جَمِيع أهل الْعَصْر فاجتماعهم على كِتْمَانه اجْتِمَاع من الْأمة على الْخَطَأ وَذَلِكَ لَا يجوز
وَمِنْهَا أَنه قد تَوَاتر النَّقْل بانفاذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سعاته إِلَى الْقَبَائِل والمدن لأخذ الزكوات وَتَعْلِيم الْأَحْكَام كإنقاذه معَاذًا إِلَى الْيمن ليفقههم فِي دينهم وَيقبض زكواتهم وَقد وَجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى رِوَايَته فِي نصب الزَّكَاة وَفِي فروعها وَقد كَانَ يرد على رَسُول الله الْوَاحِد والاثنان يخبران باسلامهما وَإِسْلَام قومهما ويسألان أَن ينفذ من يعلمهُمْ شرائع الْإِسْلَام وَكَانَ ينفذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهم الرجل الْوَاحِد كانفاذه أَبَا عُبَيْدَة وَغَيره وَالْعلم بذلك ظَاهر لمن قَرَأَ الْأَخْبَار وَالسير وَلَا يُمكن دَفعه وَلم يكن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ينفذ إِلَيْهِم الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن أهل الْمَدِينَة ليفوا بِمن أسلم من الْقَبَائِل وَلَا أوجب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أهل الْقبْلَة أَن تصير بأجمعها إِلَيْهِ أَو أَكْثَرهَا لتعرف شَرعه بل أوجب عَلَيْهِم الْمصير إِلَى مَا يُؤَدِّيه رَسُوله فان قيل أَلَيْسَ كَانُوا يعْرفُونَ التَّوْحِيد والنبوة وَذَلِكَ لَا يعْمل فِيهِ بأخبار الْآحَاد قيل أما التَّوْحِيد فالمرجع
(2/120)

فِيهِ إِلَى أَدِلَّة الْعُقُول فَمن أظهره وَجب علينا إِحْسَان الظَّن بِهِ وَأَنه قد اعتقده من وَجهه وَمن رام أَن يعرف التَّوْحِيد أمكنه ذَلِك بالاستدلال بأدلته الْعَقْلِيَّة وَلَيْسَ طَريقَة الاخبار فَيُقَال إِنَّهُم اقتصروا فِيهِ على الْآحَاد أَو التَّوَاتُر وَأما النُّبُوَّة فطريقها المعجز والتحدي بِالْقُرْآنِ وَغَيره من المعجزات وَقد كَانَ اشْتهر ذَلِك فِي الْقَبَائِل وَلم يكن نَقله بالآحاد فان قيل أَلَيْسَ لم يجز لَهُم أَن يعملوا بأخبار الْآحَاد إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة عِنْدهم على ذَلِك فان كَانَ قد تَوَاتر عِنْدهم التَّعَبُّد بذلك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا يؤمنكم أَن شَرعه قد كَانَ تَوَاتر إِلَيْهِم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ قيل إِن كَانَ وجوب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد مَعْلُوما بِالْعقلِ فَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا عمِلُوا على ذَلِك وَإِلَّا فانهم عمِلُوا على مَا تَوَاتر عِنْدهم من أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ ينفذ آحَاد النَّاس إِلَى الْقَبَائِل يعلمونهم الشَّرْع لِأَنَّهُ إِذا تَوَاتر ذَلِك عندنَا كَانَ تواتره عِنْدهم أولى وَلَيْسَ كَذَلِك جَمِيع شَرعه لأَنهم لَو علمُوا جَمِيعه لما احتاجوا إِلَى إِنْفَاذ من يعلمهُمْ فان قيل فَأول من أنفذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم من ايْنَ علمُوا أَن ذَلِك من دينهم قيل لَا يمْتَنع أَن يكون أول من أنفذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم علمُوا ذَلِك باخبار قَومهمْ الَّذين نفذوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يمْتَنع أَن يكون أُولَئِكَ كَانُوا أَكثر من أَرْبَعَة فَوَقع لقومهم الْعلم باخبارهم ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تعبدهم بِالرُّجُوعِ إِلَى إِخْبَار من أنفذه إِلَيْهِم ليعلمهم شَرعه فان قيل أَلَيْسَ قد كَانَ رسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلمُونَ النَّاس الْقُرْآن الَّذِي يتلونه فِي الصَّلَاة وأعداد رَكْعَات الصَّلَوَات وَطَرِيق ذَلِك يجب كَونه مَعْلُوما دون أَخْبَار الْآحَاد قيل إِنَّمَا كَانَ يجب أَن يكون طَرِيق ذَلِك مَعْلُوما بعد انتشار الشَّرِيعَة وتواتر نقلهَا فَأَما فِي ابْتِدَاء الشَّرِيعَة فطريق ذَلِك لمن بعد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبَار الْآحَاد وَهِي فِي تِلْكَ الْحَال من الْفُرُوع لَا من الاصول وللمخالف أَن يَقُول إِنِّي إِنَّمَا أمنع الْمُجْتَهد من أَن يعدل عَن حكم الْعقل إِلَى خبر الْوَاحِد وَلَا أمنع من رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي فِي فروع الشَّرْع فَهَل تَوَاتر عنْدكُمْ النَّقْل بِأَن الَّذين ارسل إِلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن الرُّسُل كَانُوا يخبرونهم عَن رَسُول الله ويكلونهم فِيمَا أخبروهم إِلَى الِاجْتِهَاد
(2/121)

لَيْسَ مَعكُمْ ذَلِك بل الظَّاهِر مِمَّن تجدّد إِسْلَامه أَنه لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد وَأَن رسل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا كَانُوا يعلمونهم كَمَا يعلم الْفَقِيه الْعَاميّ وَالْأَب وَلَده كَيْفيَّة الصَّلَاة فان قُلْتُمْ فبماذا علمُوا وجوب قبُول فَتْوَى ذَلِك الرَّسُول قيل لكم بِمَا تَوَاتر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إِنْفَاذ رسله ليعلمهم الْأَحْكَام كَمَا ذكرتموه أَنْتُم حِين قيل لكم بِمَاذَا علمُوا وجوب الْمصير إِلَى أَخْبَار الْآحَاد فان قُلْتُمْ إِذا لزم الْمصير إِلَى قَول الْمُفْتِي لزم الْمصير إِلَى خبر الْوَاحِد إِذْ لَا فرق بَينهمَا كُنْتُم قائسين بِخَبَر الْوَاحِد على الْفَتْوَى وَذَلِكَ انْتِقَال من هَذِه الدّلَالَة إِلَى دلَالَة أُخْرَى لِأَن هَذِه الدّلَالَة غير مَبْنِيَّة على الْقيَاس بل على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أنفذ المخبرين بالآحاد وَأوجب على غير من ذكرْتُمْ فَهَذِهِ الدّلَالَة تلْزم من منع من قبل خبر الْوَاحِد وَمنع الْعَاميّ من قبُول الْفَتْوَى
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْعَالم الْمخبر عَن اجْتِهَاده مَعَ إِمْكَان بَقَاء الْعَاميّ على حكم الْعقل فبأن يجب على الْعَالم أَن يرجع إِلَى الْخَبَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى فَتْوَى الْعَالم وَإِن حَكَاهُ عَن أبي حنيفَة لما غلب على الظَّن صدقه فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْحِكَايَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أولى وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى رَسُول الْمُفْتِي فبأن يجب على الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَى الْمخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى وَمِنْهَا قَوْلهم قد وَجب الحكم بِمَا شهد بِهِ الشَّاهِدَانِ لما كَانَا عَدْلَيْنِ وَكَانَ مَا شَهدا بِهِ مِمَّا لَو علم لوَجَبَ الحكم بِهِ وَهَذَا مَوْجُود فِي الْمخبر الْعدْل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب انهم إِن حمعوا هَذِه الْمسَائِل وردوها إِلَى الْعَمَل على الْأَخْبَار عَن الْمُعَامَلَات وَالْمَنَافِع والمضار فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب وَإِن جعلُوا هَذِه الْأُصُول اصولا شَرْعِيَّة وردوا إِلَيْهَا هَذِه الْفُرُوع وَجب أَن يعللوها بعلل مَعْلُومَة حَتَّى يردوا بهَا هَذِه الْفُرُوع إِلَيْهَا وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك وَلَا
(2/122)

يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا وَجب على الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَإِلَى من يخبر عَن أبي حنيفَة وَإِلَى رَسُول الْمُفْتِي لكَونه غير مُجْتَهد أَلا ترى أَنه يجب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْفَتْوَى وَلَا يجب ذَلِك على الْعَالم أَلا ترى أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون مصلحَة الْعَاميّ الرُّجُوع إِلَى إِخْبَار الْمُجْتَهد عَن نَفسه وَإِلَى إِخْبَار من يخبر عَنهُ وَيكون رُجُوع الْمُجْتَهد إِلَى الْمخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا لم يعلم صدقه مفْسدَة وَكثير من النَّاس يمْنَع من الْفَتْوَى على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر فَلَا يلْزم قِيَاس الْمَسْأَلَة على هَذَا الأَصْل وَأما الْعَمَل على الشَّهَادَة فانهم إِن جَعَلُوهُ أصلا شَرْعِيًّا فَيجب أَن يعللوا ذَلِك بعلة شَرْعِيَّة مَعْلُومَة وَلم يَفْعَلُوا ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ مَعَ أَنه لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون مصلحتنا أَن لَا تثبت حكما شَرْعِيًّا فِي الْجُمْلَة بطرِيق غير مَعْلُوم وَيجوز أَن تكون مصلحتنا إِذا ثَبت الحكم فِي جملَة الشَّرِيعَة بطريقة مَعْلُومَة أَن تثبت ذَلِك الحكم فِي الْأَعْيَان بطرِيق مظنونة وَإِذا جَازَ ذَلِك فَمن أَيْن أَن الْعلَّة مَا ذَكرُوهُ أَلا ترى أَن شَهَادَة الْوَاحِد وَخبر الْوَاحِد وَإِن اشْتَركَا فِي الْعلَّة الَّتِي ذكروها فقد افْتَرقَا فِي وجوب الْقبُول فقد بَطل أَن تكون الْعلَّة ماذكروه
وَمِنْهَا لَا بُد للاحكام الشَّرْعِيَّة من طَرِيق وَقد يحدث من الْمسَائِل مَا لَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا خبر الْوَاحِد الْجَواب انه إِن لم يُوجد فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ حكم الْحَادِثَة كَانَ للمخالف أَن يُوجب الْبَقَاء على حكم الْعقل فَلَا تكون الضَّرُورَة دَاعِيَة إِلَى أَخْبَار الْآحَاد
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الْعقل يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ لم يُؤمن كَونه كَاذِبًا فنكون عاملين بالمفسدة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة الْعَمَل بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اخْتصَّ بشرائط صدق الرَّاوِي أم كذب على مَا بَيناهُ من قبل وَبينا أَن الْعقل يجوز وَيُوجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد
(2/123)

وَمَا ذَكرُوهُ منتقض بالشهادات على أَحْكَام الْفروج والدماء لأَنا لَا نَأْمَن كذبهَا ويلزمنا الْعَمَل بهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز عَملنَا بالمفسدة وَالظُّلم
وَمِنْهَا أَن التَّعَبُّد السمعي لم يرد بِقبُول خبر الْوَاحِد وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه قد ورد بذلك وَلَو لم يرد بِهِ لكفى دَلِيل الْعقل فِي التَّعَبُّد بِهِ
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} وَقَوله {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} وَقَوله {إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ} وَالْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد اقتفاء لما لَيْسَ لنا بِهِ علم وَشَهَادَة وَقَول بِمَا لَا نعلم لِأَن الْعَمَل بِهِ مَوْقُوف على الظَّن الْجَواب أَنه لَيْسَ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ لِأَن عِنْد خبر الْوَاحِد نعمل بِمُوجبِه ونخبر بِوُجُوب ذَلِك علينا ونعلمه ونخبر بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي تعمد الْكَذِب وَلَا سَهَا وَلَا غلط أما الْعَمَل بِمُوجبِه فَلَيْسَ نقُول فَيُقَال إِنَّه قَول مَا ظنناه أَو بِمَا علمناه وَهُوَ اقتفاء لما كُنَّا بِهِ عَالمين وَهُوَ الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ الَّذِي اتبعناه فِي الْعَمَل وَفِي الْإِخْبَار بِوُجُوب الْعَمَل علينا فَلم نقل على الله عز وَجل مَا لَا نعلمهُ واعتقادنا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك إِن لم يكن الرَّاوِي غلط أَو تعمد الْكَذِب وَهُوَ علم وإخبارنا بذلك شَهَادَة بِمَا نعلمهُ لِأَن كل مخبر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب وَلم يَفْعَله سَهوا أَو غَلطا فَهُوَ صَادِق
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا} قدم من اتبع الظَّن وَبَين أَنه لَا غناء لَهُ فِي الْحق فَكَانَ على عُمُومه الْجَواب انا بعلمنا على خبر الْوَاحِد متبعون الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على اتِّبَاع خبر الْوَاحِد إِن قيل أَلَيْسَ لَا بُد أَن تظنوا صدق الرَّاوِي حَتَّى تعلمُوا
(2/124)

بالْخبر قيل بلَى وَلَكِن الِاتِّبَاع هُوَ الدَّلِيل فان قيل فقد جعلتم للظن حظا فِي الِاتِّبَاع لأنكم لَو لم تظنوا صدق الرَّاوِي لم تعلمُوا بالْخبر الْجَواب ان الله تَعَالَى إِنَّمَا ذمّ من لم يتبع إِلَّا الظَّن بقوله {إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن} فَلم يدْخل فِي ذَلِك من اتبع الدَّلِيل عِنْد الظَّن وَقَوله عقيب ذَلِك {إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا} يُفِيد أَن مَا فَعَلُوهُ من أَنهم مَا يتبعُون إِلَّا الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا فَكَأَن الظَّن وَحده لَا يُغني من الْحق شَيْئا ويفيد أَيْضا أَن الظَّن للشَّيْء لَا يُفِيد أَن المظنون حق لَا محَالة وَكَذَلِكَ نقُول لأَنا إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كَذَا وَكَذَا لم يجب أَن يكون ذَلِك حَقًا لأَنا ظنناه على أَنا إِذا علمنَا وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عِنْد ظننا صدقه فَالَّذِي أغْنى فِي الْحق هُوَ إِمَّا الدَّلِيل الدَّال على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِمَّا مَجْمُوع الدَّلِيل مَعَ الظَّن ومجموع الْأَمريْنِ لَيْسَ هُوَ الظَّن
وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين} قَالُوا وَالْحكم بِخَبَر الْعدْل عمل على جَهَالَة لتجويزنا كذبه فقد تساوى من هَذِه الْجِهَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَحرم الْعَمَل بِهِ الْجَواب ان الْعَمَل بالجهالة عمل بالشَّيْء من غير طَرِيق يسوغ الْعَمَل بِهِ وَلِهَذَا لم يكن الْمُسَافِر عَاملا بِجَهَالَة إِذا سَافر بعد الفحص والمساءلة وَإِن جوز أَن يكون الْأَمر بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ فان ادّعى الْمُسْتَدلّ أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عمل بِغَيْر طَرِيق يسوغ ذَلِك فقد بني أَحْكَامه على نفس الْمَسْأَلَة
وَمِنْهَا قَوْله عز وَجل {ثمَّ يحكم الله آيَاته} فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد دلَالَة وَكَانَ من آيَات الله لَكَانَ الله قد أحكمه وَلَو أحكمه لم يجز كَونه كذبا الْجَواب ان ذَلِك وَارِد عقيب قَول الله عز وَجل {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته}
(2/125)

فَبين أَنه يحكم آيَاته بعد نسخ مَا يلقيه الشَّيْطَان لِأَن ثمَّ للتَّرْتِيب وَالَّذِي يقف أَحْكَامه على نسخ مَا القاه الشَّيْطَان هُوَ الْقُرْآن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ تعلق بِمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان وَأَيْضًا فخبر الْوَاحِد امارة وَلَيْسَ بِدلَالَة فَلم يُطلق عَلَيْهِ القَوْل بِأَنَّهُ من آيَات الله عز وَجل وَإِن كَانَ الْعَمَل يجب عِنْده لِأَن الْآيَة دلَالَة كَمَا لَا تكون الشَّهَادَات من آيَات الله عز وَجل حَتَّى يقطع على صدقهَا وَإِن وَجب الْعَمَل عِنْدهَا
وَمِنْهَا قَول الله عز وَجل {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا} فَأخْبر أَنه مُرْسل إِلَى كَافَّة النَّاس فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُخَاطب بشرعه جَمِيعهم وَذَلِكَ يَقْتَضِي نقل جَمِيعهم أَو من يتواتر الْخَبَر بنقله فَمَا رُوِيَ بالآحاد لَيْسَ من شَرعه الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم لَا يكون مُرْسلا إِلَى كَافَّة النَّاس وَإِن بَين شَرعه لبعضها بالآحاد فان قَالُوا لجَوَاز أَن لَا يصل إِلَيْهِم شَرعه إِذا أودعهُ آحَاد النَّاس قيل وَلم لَا يجوز أَن يلْزمهُم شَرعه بِشَرْط أَن يبلغهم كَمَا يلْزم شَرعه من بعد عَنهُ من أهل عصره إِذا بَلغهُمْ وَلَا يلْزمهُم قبل أَن يبلغهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ مِمَّا فِيهِ اشْتِبَاه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سيكذب عَليّ يدل على أَنه قد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب فِيمَا بعد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ هَذَا الْخَبَر كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ وَإِن لم يكن كذبا عَلَيْهِ فقد كذب عَلَيْهِ أَو سيكذب عَلَيْهِ بعد هَذَا الْوَقْت وَإِذا جَوَّزنَا أَن يكون قد تقدم الْكَذِب عَلَيْهِ فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَخْبَار المروية وَلَو لم يرو هَذَا الْخَبَر لَكَانَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ يَقْتَضِي اعْتِبَار الْأَخْبَار فَكيف وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر
(2/126)

وَالْأَخْبَار المروية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَرْبَان أَحدهمَا يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَهَا وَالْآخر لَا يعلم أَنه قَالَهَا فالمعلوم أَنه قَالَه إِمَّا أَن لَا تتعارض وَإِمَّا أَن تتعارض فان لم تتعارض وَجب الْعَمَل بهَا إِن تَضَمَّنت عملا وَإِن تَعَارَضَت وَأمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض فعل ذَلِك بِأَن يحمل أَحدهمَا على الْمجَاز إِمَّا بنسخ أَو تَخْصِيص أَو غير ذَلِك وَإِن لم يُمكن تَأْوِيل بَعْضهَا على مُوَافقَة بعض حملا على التَّخْيِير إِذْ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الآخر وَوُقُوع الْعلم بالْخبر يمْنَع من رده من غير تَأْوِيل
وَأما الْأَخْبَار الَّتِي لَا يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَهَا فضربان أَحدهمَا يتَضَمَّن عملا وَالْآخر لَا يتَضَمَّن عملا فَمَا لَا يتَضَمَّن عملا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا يتَضَمَّن عملا فقد يجب الْعَمَل بِهِ على شَرَائِط وَقد يرد لفقد تِلْكَ الشَّرَائِط وَقد يحصل فِي بعض ذَلِك اشْتِبَاه وَقد لَا يحصل فِيهِ اشْتِبَاه فَكل ذَلِك يجب رُجُوعه إِمَّا إِلَى الْخَبَر أَو إِلَى مَا للْخَبَر بِهِ تعلق وَهُوَ الرَّاوِي وَكَيْفِيَّة نَقله والمخبر عَنهُ أما الرَّاجِع إِلَى الْخَبَر فبأن يكون فِيهِ زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة اخرى فان ذَلِك قد يقْدَح فِي الحَدِيث فِي بعض الْحَالَات وَمِمَّا يشْتَبه الْحَال فِيهِ أَن يُخَالف حفاظ أهل النَّقْل فِي أَلْفَاظ الحَدِيث وَأما مَا يرجع إِلَى الرَّاوِي فضربان أَحدهمَا يرجع إِلَى الْعدَد وَالْآخر يرجع إِلَى الْأَحْوَال أما الرَّاجِع إِلَى الْأَحْوَال فَهُوَ كل مَا قدح فِي الظَّن لصدقه أَن لَا يكون عدلا وَيدخل فِي ذَلِك الْكَذِب والتساهل وقله التحفظ فِيمَا يسمعهُ وَيَرْوِيه ووجوه الْفسق كلهَا وَنَحْو مَا سخف من الْمعاصِي والمباحات وَنَحْو أَن لَا يكون ضابطا وَنَحْو أَن يَعْتَرِيه السَّهْو بعد ضبط الحَدِيث على تَفْصِيل سَنذكرُهُ وَنَحْو أَن يكون مَجْهُولا غير مَعْرُوف الْعَدَالَة وَلَا يرد حَدِيثه إِذا كَانَ لَهُ اسْم يعرف بِهِ وَاسم لَا يعرف بِهِ وَإِذا لم يكثر من رِوَايَة الحَدِيث وَلَا كاثر مجالسة أهل الْعلم أَو رَوَاهُ ثمَّ ذكر بِهِ فَلم يذكرهُ اَوْ كَانَ وَاحِدًا لم يروه مَعَه غَيره وَهَذَا الْقسم يرجع إِلَى الْعدَد واما كَيْفيَّة النَّقْل فأشياء مِنْهَا رِوَايَة الحَدِيث على الْمَعْنى وَمِنْهَا رِوَايَته من كتاب وَهُوَ لَا يذكرهُ وَمِنْهَا التَّدْلِيس وَمِنْهَا الْإِرْسَال وَمِنْهَا إرْسَال الحَدِيث تَارَة
(2/127)

وَإِسْنَاده اخرى وَرِوَايَته تَارَة مَوْقُوفا وَتارَة مَوْصُولا وَأما حَال الْمخبر عَنهُ فبأن يثبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع خلاف مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَر كدليل الْعقل وَالْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة وَلَا فرق بَين أَن يكون الْخَبَر دافعا للْكتاب وَالسّنة الْمَعْلُومَة على كل حَال أَو على وَجه النّسخ وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْخَبَر مُخَصّصا لَهما وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ يعم الْبلوى بِهِ هَل يرد لَهُ خبر الْوَاحِد أم لَا وَلَا يرد إِذا عمل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخِلَافِهِ أَو عمل أَكثر الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ إِذا عَابَ أَكْثَرهم على الرَّاوِي على اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا يرد إِذا خَالف قِيَاس الْأُصُول
وَنحن نذْكر أَولا مَا يرجع إِلَى الْخَبَر ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر ثمَّ مَا يرجع إِلَى كَيْفيَّة نَقله ثمَّ مَا يرجع إِلَى الْمخبر عَنهُ إِن شَاءَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْخَبَر إِذا تضمن زِيَادَة لم تذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنه إِذا رُوِيَ الرَّاوِي زِيَادَة فاما أَن يكون لم يروها غَيره أَو لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى وَالْأول ضَرْبَان احدهما أَن يكون من لم يروها لَا يقبل حَدِيثه وَالْآخر أَن يقبل حَدِيثه فَالْأول لَا يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن راويها مِمَّن يقبل رِوَايَته وَلم يعارضها رِوَايَة مثلهَا يبين ذَلِك أَن الَّذِي لَا يقبل رِوَايَته لَو روى نفي تِلْكَ الزِّيَادَة لم يمْنَع ذَلِك من قبُول الزِّيَادَة فبأن لَا يمْنَع تَركه لذكرها أولى وَإِن كَانَ الَّذِي لم يروها يقبل رِوَايَته فَأَما أَن يعلم انهما أسندا الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجلسين أَو إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهمَا فان علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجلسين قبلت الزِّيَادَة لِأَنَّهُ لَا معَارض لَهَا لجَوَاز أَن يُقيد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَلَامه فِي بعض الْحَالَات دون بعض ثمَّ هَل تِلْكَ الزِّيَادَة نسخ أَو تَخْصِيص قد بَين فِيمَا سلف وَإِن علمنَا أَنَّهُمَا أسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فاما أَن يكون الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة عددا لَا يجوز أَن يغفلوا عَن تِلْكَ الزِّيَادَة الَّتِي رَوَاهَا الْوَاحِد وَإِمَّا أَن يكون الرَّاوِي لَهَا عددا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن وَإِمَّا أَن يجوز على كلا
(2/128)

الْفَرِيقَيْنِ ذَلِك وَيجوز خِلَافه فَالْأول يمْنَع من قبُول الزِّيَادَة لِأَن من لم يروها إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهَا لم تكن وَيكون الرَّاوِي لَهَا قد سَمعهَا من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَظن أَنه سَمعهَا مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام وَإِن كَانَ الرَّاوِي للزِّيَادَة عددا كثيرا لَا يجوز عَلَيْهِم توهم مَا لم يكن قبلت الزِّيَادَة لأَنهم مَا رووها إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَت وَإِن لم يكن الرَّاوِي لَهَا وَلَا التارك لَهَا عددا كثيرا فإمَّا أَن تكون الزِّيَادَة مُغيرَة الْإِعْرَاب وَبِنَاء الْكَلَام أَو غير مُغيرَة لذَلِك بل مُنْفَصِلَة فَالْأول كَقَوْلِه أَو نصف صَاع من بر وَكَقَوْلِه أَو صَاعا من بر فَكل وَاحِد من الراويين قد روى مَا يَنْفِي رِوَايَة الآخر لِأَن أَحدهمَا روى النصب وَالْآخر روى الْجَرّ فروايتهما متناقضة فان تفاضلا فِي الضَّبْط عمل على رِوَايَة الأضبط لِأَن مَعَ تعَارض الرِّوَايَتَيْنِ وَكَون كل وَاحِد من الراويين يقبل حَدِيثه يجب التَّرْجِيح وَقُوَّة الضَّبْط وَالْعَدَالَة مِمَّا يرجح بِهِ الْخَبَر وَإِن تَسَاويا فِي الضَّبْط واشتبه علينا الْأَمر فِي تفاضلهما فِيهِ لم تكن رِوَايَة أَحدهمَا بِالْقبُولِ أولى من الْأُخْرَى فَيجب الرُّجُوع إِلَى تَرْجِيح آخر وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير بِنَاء لفظ الحَدِيث وَإِعْرَابه كَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر وَمَا رُوِيَ من قَوْله أَو صَاعا من بر بَين اثْنَيْنِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد روى أَو صَاعا من بر على صُورَة وَاحِدَة وَزَاد أَحدهمَا بَين اثْنَيْنِ فَهَذِهِ الزِّيَادَة تقبل
فَصَارَت الزِّيَادَة إِنَّمَا تقبل على شُرُوط مِنْهَا أَن لَا يكثر عدد من لم يروها وَمِنْهَا أَن لاتكون مُؤثرَة فِي لفظ الْمَزِيد عَلَيْهِ وَإِعْرَابه أَو اثرت كَانَ راويها أضبط وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله يقبل الزِّيَادَة سَوَاء أثرت فِي اللَّفْظ أَو لم تُؤثر إِذا أثرت فِي الْمَعْنى وَقبلهَا قَاضِي الْقُضَاة إِذا أثرت فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَلم يقبلهَا إِذا اثرت فِي إِعْرَاب اللغظ وَحكى أَن اصحاب الحَدِيث لَا يقبلُونَ الزِّيَادَة
وَالدّلَالَة على قبُولهَا إِذا اخْتصّت بالشرائط الْمَذْكُورَة أَن الرَّاوِي للزِّيَادَة مِمَّن يجب قبُول خَبره وَلَا معَارض لروايته فَوَجَبَ قبُولهَا كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة
(2/129)

الحَدِيث وَلم يروه غَيره وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مِمَّن يقبل لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِالْعَدَالَةِ والضبط وَجَمِيع الصِّفَات الْمَطْلُوبَة وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَا معَارض لروايته لِأَن التارك لرِوَايَة الزِّيَادَة لم ينفها لفظا وَلَا معنى أما أَنه لم ينفها لفظا فَبين واما أَنه لم ينفها فِي الْمَعْنى فَلِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه نفاها فِي الْمَعْنى إِلَّا من حَيْثُ كَانَ الرَّاوِي الآخر لما سَاق الحَدِيث وَكَانَ قصد اسْتِيفَاؤهُ ثمَّ لم يذكر الزِّيَادَة علم أَنه قد نفاها وَجرى مجْرى أَن ينفيها لفظا وَيُمكن أَن يكون هَذَا الْكَلَام دَلِيلا لَهُ مُبْتَدأ وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ يجب أَن يكون إِنَّمَا لم يروها التارك لَهَا لِأَنَّهُ نفاها لَكِن يجوز أَن يكون إِنَّمَا لم يروها لِأَنَّهُ لم يسْمعهَا لسهو اعتراه حِين تكلم بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو لشغل قلب اعتراه أَو تشاغل بعطاس أَو إصغاء إِلَى كَلَام آخر فاذا جَازَ كل ذَلِك بَطل القَوْل بِأَن التارك للزِّيَادَة قد نفاها فِي الْمَعْنى
فان قيل فَلم مَا حملتم ترك الرِّوَايَة للزِّيَادَة على أحد هَذِه الْوُجُوه بِأولى من أَن يحملوا رِوَايَة من رَوَاهَا على أَنه تصور أَنه سمع تِلْكَ الزِّيَادَة من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَلم يكن سَمعهَا مِنْهُ قيل لِأَن سَهْو الْإِنْسَان عَمَّا سَمعه وتشاغله عَن سَماع مَا جرى بمشهد مِنْهُ يكثر وَلَا يكثر توهم الْإِنْسَان أَنه سمع مَا لم يسمع وَلِأَنَّهُ لَا سَبَب لذَلِك إِلَّا أَنه سمع الزِّيَادَة من الْغَيْر فَظن أَنه سَمعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو سمع من النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام شَيْئا فَظن أَنه سمع مِنْهُ ايضا مَا لَهُ بِهِ ولترك رِوَايَة مَا جرى اسباب كَثِيرَة قد ذَكرنَاهَا فَلذَلِك كَانَ ترك الْإِنْسَان رِوَايَة مَا جرى أَكثر من رِوَايَته مَا لم يجر إِذا لم يتَعَمَّد الْكَذِب
فان قيل فَيجب أَن يكون رِوَايَة من روى أَو نصف صَاع من بر أولى من رِوَايَة من روى أَو صَاعا من بر لِأَن فِيهَا زِيَادَة نصف يجوز أَن يكون التارك لَهَا لم يسْمعهَا قيل لَو لم يكن إِلَّا هَذَا لكَانَتْ الزِّيَادَة أولى لَكِن لما تَعَارضا فِي رِوَايَة إعرابين متنافيين لم تكن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أولى من الْأُخْرَى يبين ذَلِك أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال لَعَلَّ الَّذِي روى أَو صَاع من بر لم يسمع لَفظه نصف وَسمع لفظ صَاع لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسمعها مجرورة
(2/130)

إِن قيل فَيلْزم على مَا ذكرْتُمْ أَن الَّذِي لم يرو الزِّيَادَة لَو نفاها لم يُعَارض نَفْيه رِوَايَة من رَوَاهَا قيل إِن قَالَ أعلم أَنه لم تكن هَذِه الزِّيَادَة وأنني مَا سَمعتهَا وَلم يقطعني قَاطع عَن سماعهَا فانه يكون نَاقِلا للنَّفْي ولارتفاع الْمَوَانِع كَمَا نقل الآخر الزِّيَادَة فتتعارض الرِّوَايَتَانِ وَإِن قَالَ لم تكن هَذِه الزِّيَادَة فانه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مَوضِع اجْتِهَاد وَيحْتَمل أَن يُقَال رِوَايَة الْمُثبت أولى لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون النَّافِي إِنَّمَا نفى الزِّيَادَة بِحَسب ظَنّه وَيحْتَمل أَن يُقَال يرجع إِلَى رِوَايَة النَّافِي إِذا كَانَ أضبط
وَاحْتج الدافعون للزِّيَادَة بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن ضبط الرَّاوِي إِنَّمَا يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فاذا لم يُوَافقهُ فِي الرِّوَايَة لم يعرف ضَبطه وَالْجَوَاب إِنَّه لَو لم يثبت ضبط الْإِنْسَان إِلَّا بموافقة ضَابِط آخر لَهُ أدّى إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلم يعرف ضبط أحد فَعلمنَا قد يعرف ضبط الْإِنْسَان لغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَوْجُود فِيمَن روى الزِّيَادَة وَأَيْضًا فانما يعرف اختلال ضبط الانسان إِذا خَالفه من يضْبط مرَارًا كَثِيرَة فَأَما الْمرة والمرتان فَلَا يمْتَنع أَن يضْبط هُوَ فِيهَا ويسهو من هُوَ أضبط مِنْهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جمَاعَة لَو كَانُوا فِي مجْلِس فنقلوا عَن صَاحبه كلَاما وَانْفَرَدَ وَاحِد مِنْهُم بِزِيَادَة غير البَاقِينَ مَعَ كثرتهم وَشدَّة عنايتهم بِمَا سَمِعُوهُ وَرَوَوْهُ لأطرح السامعون تِلْكَ الزِّيَادَة الْجَواب إِن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا نَحن بسبيله لأَنا قد قُلْنَا إِن الْجَمَاعَة إِذا تركت الزِّيَادَة كَانَت رِوَايَتهَا أولى وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ التارك للزِّيَادَة أضبط إِذا غيرت الزِّيَادَة اللَّفْظ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الضَّابِط لَو وَافق هَذَا الرَّاوِي للزِّيَادَة لقوي بموافقته خَبره فَيجب إِذا خَالفه أَن يضعف وَالْجَوَاب إِنَّه بامساكه عَن الزِّيَادَة غير مُخَالف لَهُ كَمَا أَنه بامساكه عَن رِوَايَة خبر آخر لَا يكون مُخَالفا لَهُ وَأَيْضًا فانه إِذا وَجب قَول الزِّيَادَة بمشاركة غَيره من الروَاة لَهُ وَجب إِذا لم
(2/131)

يشاركوه أَن تنقص تِلْكَ الْقُوَّة وَلَيْسَ إِذا نقصت يجب أَن تبلغ حدا فِي الضعْف لَا يقبل الْخَبَر مَعَه أَلا ترى أَنه لَو شَارك الرَّاوِي جمَاعَة فِي خبر فقوي الْخَبَر بذلك فانه إِذا لم يشاركوه فِي الرِّوَايَة بل رَوَاهُ وَحده لَا يجب أَن يَنْتَهِي فِي الضعْف إِلَى حد لَا يجوز أَن يقبل مَعَه
فَأَما إِذا لم يعلم هَل اسند المخبران الْخَبَرَيْنِ إِلَى مجْلِس وَاحِد أَو مجلسين وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْمَزِيد عَلَيْهِ وَلم يكن الرَّاوِي لَهُ وَلَا التارك لَهَا كَثْرَة فانه يَقْتَضِي التَّوَقُّف وَالرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح لأَنا لَا نَأْمَن أَن يَكُونَا قد اسنداه إِلَى مجْلِس وَاحِد فيتمانعا وَالصَّحِيح أَن يُقَال يجب حمل الْخَبَرَيْنِ على أَنَّهُمَا جَريا فِي مجلسين لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا فِي مجْلِس وَاحِد لجرى على لفظ وَاحِد وَلَو كَانَ اللَّفْظ وَاحِدًا لَكَانَ الظَّاهِر من عدالتهما وضبطهما أَن لَا يخْتَلف روايتهما
فَأَما إِذا روى الرَّاوِي زِيَادَة لم يروها هُوَ مرّة أُخْرَى مُتَقَدّمَة أَو مُتَأَخِّرَة وَأَنه إِن أسْند الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى مجلسين قبل ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا لم يعلم أَنه اسندهما إِلَى مجلسين حمل أَنَّهُمَا كَانَا فِي مجلسين وَإِن علمنَا أَنه لم يسندهما إِلَى مجلسين وَكَانَ قد روى الْخَبَر دفعات كَثِيرَة من غير زِيَادَة وَرَوَاهُ مرّة وَاحِدَة بِالزِّيَادَةِ فالأغلب انه سَهَا فِي إِثْبَات الزِّيَادَة لِأَن سَهْو الْإِنْسَان مرّة وَاحِدَة أغلب وَأكْثر من سَهْوه مرَارًا كَثِيرَة فان قَالَ قد كنت أنسيت هَذِه الزِّيَادَة والآن ذكرتها قبلت الزِّيَادَة وَحمل أمره على الْأَقَل النَّادِر لمَكَان قَوْله وَكَذَلِكَ إِن كَانَ لَهُ كتاب يرجع إِلَيْهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا رَوَاهَا مرّة وأخل بروايتها مرّة وَكَانَت الزِّيَادَة تغير إِعْرَاب الْكَلَام تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَإِن كَانَت الزِّيَادَة لَا تغير اللَّفْظ احْتمل أَن يتعارضا لِأَنَّهُ على كل حَال قد وهم وهما بَاطِلا إِمَّا زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَإِمَّا نِسْيَانا لما كَانَ لَهُ اصل فَلَيْسَ بِأَن يُقَال ضَبطه يمْنَع من أَن يكون قد وهم عِنْد سَمَاعه للْحَدِيث زِيَادَة لَا اصل لَهَا وَأَنه نسي فَلم يروها فِي بعض الْحَالَات وَذكرهَا مرّة أُخْرَى بِأولى من ان يُقَال إِن ضَبطه
(2/132)

يمْنَع من نسيانه لَهَا وَالْأولَى أَن يُقَال أَظُنهُ من رِوَايَته لما لم يسمعهُ توهما مِنْهُ أَنه سَمعه الْأَقْرَب أَن يكون نَسِيَهَا حِين لم يروها لِأَن نِسْيَان الضَّابِط لما سمع عِنْد تطاول الزَّمَان أَكثر وأغلب من ذَهَابه عَن سَماع مَا حَضَره فَوَجَبَ لذَلِك قبُول الزِّيَادَة
وَإِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث تَارَة مَعَ زِيَادَة وَتارَة بِغَيْر زِيَادَة استهانة وَقلة تحفظ سَقَطت عَدَالَته وَلم يقبل حَدِيثه وَإِذا كَانَ فِي الْخَبَر لفظ لَا يُفِيد إِلَّا التَّأْكِيد لم يجز إِسْقَاطه لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا ذكره إِلَّا لفائدة
فَأَما إِذا خَالف فِي لفظ الحَدِيث حفاظ أهل النَّقْل فقد ذكر ذَلِك فِي جملَة مَا يرد لَهُ الحَدِيث وَهُوَ دَاخل فِي الزِّيَادَة وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن لِأَن الْخلاف لَيْسَ يَقع بَينهم إِلَّا بِأَن يزِيد أحدهم فِي الحَدِيث مَا لَا يرويهِ الآخر اَوْ يروي أَحدهمَا اللَّفْظ على إِعْرَاب يروي الآخر خِلَافه وَقد تقدم بَيَان ذَلِك كُله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي ذكر فُصُول أَحْوَال الرَّاوِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فصل

اعْلَم أَنه لما وَجب رد الْخَبَر إِذا كَانَ الرَّاوِي غير عدل وَجب أَن نذْكر مَا الْعدْل وَمَا الْعَدَالَة ثمَّ نذْكر الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْأَخْبَار
أما الْعدْل والعدلة فهما فِي اللُّغَة مصدر مُقَابل الْجور وَهُوَ إيضاف الْغَيْر بِفعل مَا يجب لَهُ وَيسْتَحق عَلَيْهِ وَترك مَا لَا يجب عَلَيْهِ وَلِهَذَا وصف الْعقَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ مُسْتَحقّا على المعاقب ويوصف ترك الزِّيَادَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عدل ويوصف الثَّوَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ وَاجِبا للمثاب فان قيل فَيجب إِذا لم يجب على الْإِنْسَان حق لغيره وَكَانَ مَا يسْتَحقّهُ على غَيره لَا يَسْتَوْفِيه أَن يُوصف بِأَنَّهُ غير عدل قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن قَوْلنَا غير عدل يُطلق على الجائر وَإِطْلَاق هَذَا الْوَصْف على مَا ذكره السَّائِل يُوهم أَنه جَائِر
(2/133)

وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْعدْل هُوَ فعل حسن يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلَى غَيره بنفعه أَو بضرره وَقد الْتزم على ذَلِك أَن يكون الِابْتِدَاء بالتفضل عدلا قَالَ وَلذَلِك يُقَال إِن الله سُبْحَانَهُ عدل بابتداء الْخلق فِي الدُّنْيَا وَقد تعورف اسْتِعْمَال الْعدْل فِي المستكثر من فعل الْعدْل وَلذَلِك يُوصف الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ عدل وتعورف اسْتِعْمَاله أَيْضا فِيمَن أهل لقبُول شَهَادَته وَيدخل فِي ذَلِك الْحُرِّيَّة وَغَيرهَا وتعورف أَيْضا فِيمَا تقبل رِوَايَته عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ من اجْتنب الْكَبَائِر وَالْكذب والمسخفات من الْمعاصِي والمباحات وَلَا خلاف فِي اعْتِبَار هَذِه الْأُمُور فِيمَن يروي الْخَبَر لِأَن خلاف ذَلِك يقْدَح فِي الثِّقَة لقَوْله لِأَن من تقدم على الْكَذِب لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب فِي كل مَا يخبر بِهِ وَمن تقدم على الْفسق وَهُوَ يعْتَقد انه فسق لَا يُؤمن مِنْهُ الْإِقْدَام على الْكَذِب فِي حَدِيثه وَمن تقدم على المسخفات كالتطفيف وكالأكل على الطَّرِيق وَإِن اثمر النَّقْص لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب وَإِن أثمر عِنْده النَّقْص والمشارطة على أَخذ الاجرة على الحَدِيث فَهُوَ ابلغ فِي الدناءة من الْأكل على الطَّرِيق وَهُوَ جَار مجْرى اشْتِرَاط الاجرة على صَلَاة النَّافِلَة
وَأما الْفسق فِي الاعتقادات إِذا كَانَ صَاحبه متحرجا فِي افعاله فَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ابي على وابي هَاشم أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن الْفسق فِي أَفعَال الْجَوَارِح يمْنَع من قبُول الحَدِيث لكَونه فسقا لَا لِأَنَّهُ من افعال الْجَوَارِح لِأَن الْمُبَاحَات من أَفعَال الْجَوَارِح لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي الاعتقالات إِذا كَانَت فسقا وَالْجَوَاب إِن الْفسق من أَفعَال الْجَوَارِح إِنَّمَا منع من قبُول الحَدِيث لِأَن فَاعله فعله وَهُوَ يعلم أَنه فسق فقدح ذَلِك فِي الظَّن لصدقه وَلم يُؤمن أَن يقدم على الْكَذِب وَإِن علم أَنه مَحْظُور وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد اعتقادا هُوَ فسق وَقد اشْتبهَ عَلَيْهِ وَهُوَ متحرج فِي أَفعاله
إِن قيل أَلَيْسَ لَو فسق وَهُوَ يعلم أَنه فسق لم يقبل حَدِيثه فَكيف يقبل إِذا ضم إِلَى فسقه خَطِيئَة أُخْرَى وَهِي اعْتِقَاده أَن ذَلِك غير فسق قيل إِنَّه إِذا
(2/134)

لم يعْتَقد أَنه فسق لم يقْدَح ذَلِك تحريجه وتنزهه عَن الْكَذِب وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد أَنه فسق
وَعند جلّ الْفُقَهَاء أَن الْفسق فِي الِاعْتِقَاد لَا يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن من تقدم قد قبل بَعضهم حَدِيث بعض بعد الْفرْقَة وَقبل التابعون رِوَايَة الْفَرِيقَيْنِ من السّلف وَلِأَن الظَّن يقوى بِصدق من هَذِه سَبيله إِذا كَانَ متحرجا فَأَما الْكفْر الَّذِي يخرج بِهِ الْإِسْلَام من جملَة الْإِسْلَام وَأهل الْقبْلَة كاليهودية والنصرانية فانه يمْنَع من قبُول الْخَبَر للاجماع على ذَلِك وَلِأَن الْخَارِج من الْإِسْلَام يَدعُوهُ اعْتِقَاده فِيهِ إِلَى التحريف فِيهِ وَلَا يقوى الظَّن لصدقه وَأما الْكفْر بِتَأْوِيل فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث قَالَ لِاتِّفَاق الْأمة على الْمَنْع من قبُول خبر الْكَافِر قَالَ وَالْفُقَهَاء إِنَّمَا قبلوا أَخْبَار من هُوَ كَافِر عندنَا لأَنهم لم يعتقدوا فِيهِ أَنه كَافِر وَالْأولَى أَن يقبل خبر من فسق أَو كفر بِتَأْوِيل إِذا لم يخرج من أهل الْقبْلَة وَكَانَ متحرجا لِأَن الظَّن لصدقه غير زائل وادعاؤه الْإِجْمَاع على نفي قبُول خبر الْكَافِر على الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن كثيرا من أَصْحَاب الحَدِيث يقبلُونَ كثيرا من أَخْبَار سلفنا رَحِمهم الله كالحسن وَقَتَادَة وَعَمْرو مَعَ علمهمْ بمذهبهم وإكفارهم من يَقُول بقَوْلهمْ وَقد نصوا على ذَلِك فَأَما من يظْهر مِنْهُ العناد فِي مذْهبه مَعَ ظُهُوره عِنْده فانه لَا يقبل حَدِيثه كَمَا لَا يقبل حَدِيث الْفَاسِق بِأَفْعَال الْجَوَارِح لما كَانَ يعلمهَا فسقا فَأَما من تدين بِالْكَذِبِ لينصر مقَالَته فالظن لَا يحصل بصدقه وَكَذَلِكَ التساهل فِي الحَدِيث وَترك التحفظ من الزِّيَادَة فِيهِ وَالنُّقْصَان مِنْهُ
وَأما كَون الرَّاوِي غير ضَابِط لما يسمعهُ أَو يَعْتَرِيه السَّهْو فِيمَا يسمعهُ بعد سَمَاعه لَهُ فَلهُ أَحْوَال ثَلَاثَة
أَحدهَا أَن يكون سَهْوه واختلال ضَبطه أَكثر فيقدح ذَلِك فِي الظَّن لما نَقله إِلَّا أَن يكون مَا نَقله مِمَّا يبعد أَن لَا يضبطه الْإِنْسَان وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعقل الضَّبْط وَقلة السَّهْو لِأَن الْعُقَلَاء يَخْتَلِفُونَ فِي الضَّبْط
(2/135)

وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعدْل أَنه لَا يروي الحَدِيث وَهُوَ يتهم ضبط نَفسه وَحفظه لِأَن من لَا يضْبط يظنّ أَنه قد ضبط وَمن سَهَا يظنّ أَنه مَا سَهَا فيروي حسب ظَنّه
وَالثَّانِي أَن يتساوى ضَبطه واختلاله فَلَا يحصل الظَّن أَيْضا لصِحَّة مَا رَوَاهُ لتعادل الْأَمريْنِ فَلَا يقبل حَدِيثه إِن قيل أَلَيْسَ قد أنْكرت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا على أبي هُرَيْرَة رَحمَه الله كَثْرَة الرِّوَايَة ثمَّ قبلت أخباره قيل إِنَّهَا لم تنكر عَلَيْهِ لقلَّة ضَبطه لَكِن لِأَن الْكَثْرَة يعرض فِيهَا الاختلال والسهو فاحتاطت بالإنكار عَلَيْهِ وَإِن كَانَ أَهلا لقبُول أخباره وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه إِذا تساوى غفلته وَذكره قبل خَبره لِأَن الْخَبَر أَمارَة فَالْأَصْل فِيهِ الصِّحَّة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْخَبَر أَمارَة إِذا تكاملت شَرَائِطه وَلَا تتكامل شَرَائِطه إِلَّا أَن يتَرَجَّح ذكر الرَّاوِي على سَهْوه
وَالثَّالِث إِن كَانَ الْأَكْثَر مِنْهُ الذّكر وجودة الضَّبْط قوي الظَّن لصِحَّة رِوَايَته فَقبل خَبره فِيمَا لَا يعلم أَنه سَهَا فِيهِ
وَاعْلَم أَنه إِذا ثَبت اعْتِبَار الْعَدَالَة وَغَيرهَا من الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَجب إِن كَانَ لَهَا ظَاهر أَن يعْتَمد عَلَيْهِ وَإِلَّا لزم اخْتِيَارهَا وَلَا شُبْهَة أَن فِي بعض الْأَزْمَان كزمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قد كَانَت الْعَدَالَة منوطة بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ الظَّاهِر من الْمُسلم كَونه عدلا وَلِهَذَا اقْتصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قبُول خبر الْأَعرَابِي عَن رُؤْيَة الْهلَال على ظَاهر الاسلام واقتصرت الصَّحَابَة على إِسْلَام من كَانَ يروي الْأَخْبَار من الْأَعْرَاب فَأَما الْأَزْمَان الَّتِي كثرت فِيهَا الْجِنَايَات مِمَّن يعْتَقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ الظَّاهِر من إِسْلَام الْإِنْسَان كَونه عدلا فَلَا بُد من اختباره وَقد ذكر الْفُقَهَاء هَذَا التَّفْصِيل
وَلَا يرد حَدِيث من لَا يعرف معنى مَا يَنْقُلهُ كالأعجمي لِأَن جَهله بِمَعْنى الْكَلَام لَا يمْنَع من ضَبطه الحَدِيث وَلِهَذَا يُمكن للأعجمي ان يحفظ الْقُرْآن وَإِن لم يعرف مَعْنَاهُ وَقد قبلت الصَّحَابَة أَخْبَار الْأَعْرَاب وَإِن لم يعرفوا كثيرا من مَعَاني
(2/136)

الْكَلَام مِمَّا يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال فَأَما الصَّبِي فالأغلب أَن النَّفس لَا تثق بروايته فان جَازَ فِي بعض الْحَالَات أَن يغلب الظَّن لصدقه فالشرع مِنْهُ من قبُول خَبره إِذا رَوَاهُ وَهُوَ صبي فان سمع الحَدِيث وَهُوَ صبي وَرَوَاهُ وَهُوَ بَالغ قبل خَبره وَقد قبلت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانَ حِين سَمعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير بَالغ لما كَانَ حِين رَوَاهَا بَالغا وَيقبل رِوَايَة الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْأَعْمَى من حفظه لِأَنَّهُ قد يظنّ صدقهم فِي روايتهم وَلم تمنع الشَّرِيعَة من قبُولهَا بل قد قبلت الصَّحَابَة رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَكَانَ ضريرا وَرِوَايَة النِّسَاء وَيقبل رِوَايَة من لم يرو إِلَّا خَبرا وَاحِدًا وَلم يكاثر أهل الْعلم وَلَا أَطَالَ مجالسة أهل النَّقْل لِأَن كل خصْلَة لَا تقدح فِي غَالب الظَّن لصِحَّة الرِّوَايَة وَلم يرد الشَّرْع بِاعْتِبَار نَفيهَا فانها لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَكَون الرَّاوِي غير مجَالِس لأهل الْعلم لَا يقْدَح فِي ظننا صدقه
وَيُفَارق ذَلِك استفتاء من لم يُجَالس أهل الْعلم لِأَن جَوَاز الاستفتاء مَوْقُوف على كَون الْمُفْتِي من أهل الِاجْتِهَاد وَلنْ يكون الْإِنْسَان كَذَلِك إِلَّا بالتعلم ومجالسة الْعلمَاء إِلَّا أَنه إِذا تعَارض خبران أَحدهمَا يرويهِ من لم يُجَالس اهل النَّقْل وَالْآخر يرويهِ من جالسهم كَانَت رِوَايَة من جالسهم أولى لِأَن المكثر من مجالسة أهل الصَّنْعَة أخبر بهَا وَأعرف بتفاصيلها
وَيقبل حَدِيث الْإِنْسَان وَإِن اخْتلف فِي اسْمه مَتى عرفت عَدَالَته إِمَّا بِظَاهِر الْإِسْلَام وَإِمَّا بطريقة زَائِدَة وَإِذا روى زيد عَن عَمْرو خَبرا فَقَالَ عَمْرو لَا أذكر أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث فَعِنْدَ أبي الْحسن رَحمَه الله لَا يقبل الحَدِيث لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الرِّوَايَة فاذا أنكرها لم يقبل وَكَذَلِكَ رد حَدِيث ربيعَة عَن الزُّهْرِيّ أَيّمَا امراة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل لِأَن الزُّهْرِيّ أنكر أَن يكون رَوَاهُ وَعند الشَّافِعِي وَغَيره أَنه يقبل لِأَن ثِقَة الرَّاوِي تَقْتَضِي قبُول حَدِيثه مَا أمكن وَيُمكن أَن يكون صَادِقا وَإِن لم يذكر الْمَرْوِيّ عَنهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن ينسى أَنه رَوَاهُ فقد يحدث الْإِنْسَان بِحَدِيث من أَمر الدُّنْيَا ثمَّ يسهو عَنهُ وَيذكر بِهِ فَلَا
(2/137)

يذكرهُ إِلَّا بعد زمَان طَوِيل وَرُبمَا لم يذكرهُ أصلا فاذا كَانَ كَذَلِك جَازَ للمروي عَنهُ أَن يرويهِ عَن الرَّاوِي كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ حَدثنِي ربيعَة عني فان قَالَ الْمَرْوِيّ عَنهُ مَا رويت هَذَا الحَدِيث جَازَ أَن يكون قَالَ ذَلِك بِحَسب ظَنّه فَلَا يرد الحَدِيث فان قَالَ أعلم أَنِّي مَا رويته فانه تعَارض ذَلِك رِوَايَة من روى عَنهُ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ثِقَة فَيحْتَمل أَن يكون الْمَرْوِيّ عَنهُ قد رَوَاهُ ثمَّ نَسيَه وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي سَمعه من غَيره مِمَّن لَيْسَ بِثِقَة وأسنده إِلَى من أسْندهُ إِلَيْهِ سَهوا
فصل فِي أَن الْخَبَر لَا يرد إِذا كَانَ رَاوِيه وَاحِدًا

ذهب جلّ الْقَائِلين بأخبار الْآحَاد إِلَى قبُول الْخَبَر وَإِن رَوَاهُ وَاحِد وَقَالَ أَبُو عَليّ إِذا روى العدلان خَبرا وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن رَوَاهُ وَاحِد فَقَط لم يجز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِأحد شُرُوط مِنْهَا أَن يعضده ظَاهر أَو عمل بعض الصَّحَابَة أَو اجْتِهَاد أَو يكون منتشرا وَحكى عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه لم يقبل فِي الزِّنَا إِلَّا خبر اربعة كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلم تقبل شَهَادَة الْقَابِلَة الْوَاحِدَة
وَالدَّلِيل على القَوْل الاول قِيَاسه على أَخْبَار الْمُعَامَلَات على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع السّلف عمل أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ على خبر رَوَاهُ بِلَال وَعمل عمر على خبر حمل بن مَالك وعملت الصَّحَابَة على خبر أبي سعيد فِي الرِّبَا وعملت على خبر أبي رَافع فِي المخابرة وَكَانَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام يسْتَحْلف وَيقبل خبر ابي بكر بِغَيْر استحلاف وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال لَعَلَّهُم قبلوا مَا قبلوه لِأَن اجْتِهَادًا عضده لأَنهم كَانُوا يتركون اجتهادهم لبَعض هَذِه الْأَخْبَار وَكَانُوا لَا يرَوْنَ بالمخابرة بَأْسا حَتَّى رُوِيَ لَهُم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّهْي عَنْهَا
وَحجَّة أبي عَليّ رَحمَه الله هِيَ الْمرجع فِي قبُول خبر الْوَاحِد إِلَى الشَّرْع وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعْمل على خبر ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى سَأَلَ ابا بكر وَعمر وَقد اعْتبرت الصَّحَابَة الْعدَد فِي الْأَخْبَار فان ابا بكر لم يقبل خبر الْمُغيرَة فِي الْجدّة حَتَّى رَوَاهُ مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة وَلم يعْمل عمر على خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان
(2/138)

حَتَّى رَوَاهُ مَعَه غَيره وَلَا عمل على خبر فَاطِمَة بنت قيس وَلم يقبلا خبر عُثْمَان فِي رد الحكم وَقَالا إِنَّك شَاهد وَاحِد قَالَ فَعلمت أَن ذَلِك إِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُنكر عَلَيْهِم
الْجَواب أما رُجُوع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى خبر ابي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ فان دلّ فانما يدل على اعْتِبَار ثَلَاثَة ابي بكر وَعمر وَذي الْيَدَيْنِ على أَن الْإِنْسَان قد يخبر عَن أُمُور الدُّنْيَا بِمَا يظنّ خِلَافه فَيرجع فِي تَحْقِيق ذَلِك إِلَى جمَاعَة استظهارا وطلبا لقُوَّة الظَّن فَلَا يدل على أَنه لَا يعول فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَّا على خبر جمَاعَة وَأما طلب الصَّحَابَة لراو آخر فانه لَا يدل على أَنهم اعتقدوا أَنه لَا يعْمل على الْوَاحِد لَو انْفَرد لِأَن الْحَاكِم قد يطْلب شَاهدا ثَالِثا ليقوي ظَنّه وَإِن كَانَ لَو لم يشْهد الثَّالِث عمل على شَهَادَة الِاثْنَيْنِ وَقد يعْمل الانسان فِي امور الدُّنْيَا على خبر الْوَاحِد وَيطْلب فِي بعض الْأَشْيَاء مخبرا ثَانِيًا ليقوي ظَنّه وَقد يضعف الظَّن لصدق الرَّاوِي مرّة وَلَا يضعف لصدقه أُخْرَى وَقد ينْفَرد الْعدْل بالرواية لأمر مستبعد فِي الْعَادة أَو لأمر تَقْتَضِي الْعَادة أَن لَا ينْفَرد بروايته الْوَاحِد وَلَا يظنّ تَعَمّده بِهِ الْكَذِب لَكِن يظنّ بِهِ السَّهْو والغلط وَلَا يظنّ بِهِ ذَلِك مرّة اخرى إِذا انْتَفَت هَذِه الْأُمُور فاذا كَانَ طَرِيق قبُول خبر الْوَاحِد وَالِاجْتِهَاد فِي عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه وَاخْتلفت الاحوال فِي ذَلِك وَوجدنَا الَّذين طلبُوا رَاوِيا آخر هم الَّذين لم يطلبوه فِي حَالَة اخرى علمنَا أَنهم إِنَّمَا طلبُوا مخبرا ثَانِيًا لتقوية الظَّن أَو لِأَنَّهُ اعتراضهم بعض مَا ذَكرْنَاهُ لَا لأَنهم اعتقدوا حظر الْعَمَل على خبر الْوَاحِد على أَنه رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ لأبي مُوسَى مَا اتهمتك وَلَكِنِّي خفت أَن يتقول النَّاس على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد بَينا أَن ردة خبر فَاطِمَة بنت قيس إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ نسخ لكتاب الله عز وَجل وَإِنَّمَا لم يعْمل أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا على خبر عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فِي رد الحكم لِأَن ذَلِك شَهَادَة لِأَنَّهُ إِثْبَات حكم فِي عين لَا يتعداها أَلا ترى أَنَّهُمَا سميا ذَلِك شَهَادَة فَدلَّ ذَلِك على أَنه كَانَ شَهَادَة عِنْدهمَا
(2/139)

وقاس أَبُو عَليّ رَحمَه الله الْخَبَر على الشاهدة لعِلَّة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِخْبَار عَن الْغَيْر يجب عِنْده الْعَمَل فَكَانَ من شَرطه الْعدَد وَهَذِه عِلّة غير مَعْلُومَة فَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِيمَا يجب فِيهِ الْعلم وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون الشَّهَادَة إِنَّمَا شَرط فِيهَا الْعدَد لكَونهَا شَهَادَة وَلِهَذَا قبل فَتْوَى الْفَقِيه الْوَاحِد لما لم يكن شَهَادَة وَلِهَذَا لم يعْتَبر فِي الْمخبر مَا اعْتبر فِي الشَّاهِد من الْحُرِّيَّة
فصل فِي الْخَبَر إِذا أسْندهُ من أرسل غَيره من الْأَحَادِيث هَل يقبل أم لَا

أما من يقبل الْمَرَاسِيل فَلَا شُبْهَة فِي قبُوله واما من لم يقبل الْمَرَاسِيل فكثير مِنْهُم قبله ايضا قَالَ لِأَن إرْسَاله يخْتَص ذَلِك الْمُرْسل دون هَذَا الْمسند وَلَيْسَ إرْسَاله لذَلِك الْخَبَر بِأَكْثَرَ من تَركه رِوَايَته فَوَجَبَ قبُول مُسْنده إِلَّا أَن يُوهم فِيمَا أرْسلهُ أَنه سَمعه مِمَّن أسْندهُ إِلَيْهِ وأتى بِلَفْظ يُوهم ذَلِك فَجرى ذَلِك مجْرى كذبه فيقدح فِي أَمَانَته فَأَما إِذا قَالَ قَالَ فلَان فان ذَلِك لَا يُوهم أَنه سَمعه مِمَّن أسْندهُ إِلَيْهِ فَلَا يقْدَح فِي امانته
وَمِنْهُم من لم يقبل مَا اسنده قَالَ إِن إرْسَاله يدل على أَنه إِنَّمَا لم يذكر الرَّاوِي لضَعْفه فِي نَفسه فستره لَهُ وَالْحَال هَذِه خِيَانَة فَلم يقبل حَدِيثه
وَاخْتلف من قبل من حَدِيث الْمُرْسل مَا اسنده كَيفَ يقبله فَقَالَ الشَّافِعِي لَا يقبل من حَدِيثه إِلَّا مَا قَالَ فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت وَلَا يقبل إِذا أَتَى بِلَفْظ موهم وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث لَا يقبل حَتَّى يَقُول سَمِعت فلَانا وَأَصْحَاب الحَدِيث يفرقون بَين أَن يَقُول الْإِنْسَان حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان فيجعلون الأول دَالا على أَنه شافهه بِالْحَدِيثِ ويجعلون الثَّانِي مترددا بَين المشافهة بِالْحَدِيثِ وَبَين أَن يكون قد أجَازه أَو كتب بِهِ إِلَيْهِ وَهَذِه عَادَة لَهُم وَإِلَّا فَظَاهر قَوْله أَخْبرنِي يُفِيد أَنه تولى إخْبَاره بِالْحَدِيثِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بالمشافهة
(2/140)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي فُصُول كَيْفيَّة النَّقْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فصل فِي رِوَايَة الحَدِيث بِغَيْر لفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل يرد لَهُ الحَدِيث أم لَا

إِذا رُوِيَ الحَدِيث بِلَفْظ غير لفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان لم يسند مُسْنده بل زَاد أَو نقص أَو كَانَ أوضح مِنْهُ أَو أُخْفِي مِنْهُ فانه لَا يجوز ذَلِك لِأَن مَا زَاد على كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ كذب عَلَيْهِ لَا يجوز قبُوله وَمَا نقص عَنهُ فانه إِمَّا أَن ينبىء عَن أَنه رفع حكما قد اثبته فَلَا يجوز قبُوله أَو يكون فِيهِ كتمان لحكم قد أثْبته وَالْكذب والكتمان محظوران وَلَا يجوز الْعُدُول إِلَى لفظ أظهر من لفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أخْفى مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ان يتَعَلَّق الْمصلحَة بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْخَفي أَو الظَّاهِر أَلا ترى أَنه قد يجوز أَن يكون من الْمصلحَة أَن يعرف الحكم بِاللَّفْظِ الْجَلِيّ تَارَة وبالخفي أَو بِالْقِيَاسِ تَارَة وَإِن سد اللَّفْظ مسد لفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان اشتبهت الْحَال فِيهِ حَتَّى يكون مَوضِع اجْتِهَاد لم يجز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ان يكون لَو نقل لفظ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى غَيره أَن يكون اجْتِهَاد غَيره فِيهِ خلاف اجْتِهَاده وَإِن لم تشتبه الْحَال فِيهِ نَحْو قَول الْقَائِل جلس وَقعد فانه يجوز الْعُدُول عَن أَحدهمَا إِلَى الآخر وَيقبل الْخَبَر وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله لِأَنَّهُ إِن وَجب نقل الحَدِيث لأجل اللَّفْظ فَقَط دَفعه الْإِجْمَاع وَإِن وَجب لأجل اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَجب تِلَاوَة اللَّفْظ وَلَا دَلِيل فِي الْعقل وَلَا فِي الشَّرْع يَقْتَضِي كوننا متعبدين بِتِلَاوَة لفظ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَبَقيَ أَنه يجب نقل حَدِيثه لأجل الْمَعْنى وَهَذَا الْغَرَض حَاصِل وَإِن عدل الرَّاوِي إِلَى لفظ يقوم مقَام لفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَفَارق الْأَذَان وَالتَّشَهُّد لِأَن الشَّرْع اقْتضى كوننا متعبدين بِتِلَاوَة ألفاظها فان قاسوا خطاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التَّشَهُّد أعوزتهم على صَحِيحَة تجمع بَينهمَا وَلم يكن ذَلِك بِأولى من قِيَاسه على الشَّهَادَة وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نصر الله امرء سمع مَقَالَتي فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب
(2/141)

حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه لَا يمْنَع من نقل حَدِيثه على الْمَعْنى لِأَن من نقل الْمَعْنى يُقَال إِنَّه قد أدّى كَمَا سمع لِأَنَّهُ يُقَال للمترجم من لُغَة إِلَى لُغَة قد أدّى كَمَا سمع على أَنه لَو منع الْخَبَر من نقل الحَدِيث على الْمَعْنى لَكَانَ قد منع من ذَلِك فِيمَا يشْتَبه وَيجوز أَن يخْتَلف الِاجْتِهَاد فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه وَمَا لَا يشْتَبه من الْأَلْفَاظ وَلَا يخْتَلف اجْتِهَاد النَّاس فِي قيام بعضه مقَام بعض يَسْتَوِي فِيهِ النَّاقِص الْفِقْه والكامل الْفِقْه والفقيه وَغير الْفَقِيه وَلِهَذَا يجب أَن يكون النَّاقِل للْحَدِيث على الْمَعْنى من أهل الْعلم ليعلم مَا يشْتَبه الْحَال فِيهِ مِمَّا لَا يشْتَبه فِيهِ
فصل فِي الرِّوَايَة من كتاب

إِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث من كِتَابه فَلهُ أَحْوَال
مِنْهَا أَن يعلم أَنه قَرَأَهُ على شَيْخه أَو حَدثهُ بِهِ وَيذكر أَلْفَاظ قِرَاءَته وَوقت ذَلِك فَلَا شُبْهَة فِي جَوَاز رِوَايَته وَالْأَخْذ بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علم الرَّاوِي أَنه قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو حَدثهُ بِهِ الرَّاوِي وَلم يذكر الفاظ الْقِرَاءَة وَلَا وَقت الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ عَالم فِي الْحَال بِأَنَّهُ قَرَأَ جَمِيع مَا فِي الْكتاب أَو سَمعه مِمَّن حَدثهُ
وَمِنْهَا أَن يعلم أَنه مَا سمع مَا فِي الْكتاب أَو يظنّ ذَلِك أَو يجوز سَمَاعه وَيجوز نَفْيه على سَوَاء وَفِي ذَلِك كُله لَا يجوز لَهُ أَن يحدث بِهِ وَلَا يُؤْخَذ بروايته لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يخبر بِمَا يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ أَو ظان أَو شَاك
وَمِنْهَا أَن لَا يذكر سَمَاعه لما فِي الْكتاب وَلَا قِرَاءَته لَهُ وَلكنه يغلب على ظَنّه سَمَاعه لَهُ أَو قِرَاءَته لما يرَاهُ من خطه فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون النَّاس قد اخْتلفُوا فِيهِ فَعِنْدَ أبي حنيفه رَحمَه الله لَا يجوز لَهُ أَن يرويهِ وَلَا يجوز الْعَمَل على رِوَايَته لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَقُول حَدثنِي فلَان وَهُوَ لَا يعلم أَنه حَدثهُ إِذا كَانَ ذَلِك حكما عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد حَدثهُ كَمَا لَا يجوز مثله فِي الشَّهَادَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجوز لَهُ الرِّوَايَة وَيجب الْعَمَل عَلَيْهَا لِأَن الصَّحَابَة
(2/142)

كَانَت تعْمل على كتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو عَملهَا على كِتَابه إِلَى عَمْرو بن حزم من غير أَن يرويهِ لَهَا راو بل عمِلُوا لأجل الْخط وَأَنه مَنْسُوب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان ثَبت أَنَّهَا عملت عَلَيْهِ من غير رِوَايَة جَازَ أَن يروي الْإِنْسَان من كِتَابه إِذا غلب على ظَنّه سَمَاعه وَيكون إخْبَاره إِخْبَارًا عَن ظَنّه وَيجوز الْعَمَل عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب القَوْل فِي الْمَرَاسِيل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْخَبَر الْمُرْسل هُوَ أَن يسمع الرجل الحَدِيث من زيد عَن عَمْرو فاذا رَوَاهُ قَالَ قَالَ عَمْرو وأضرب عَن ذكر زيد وَاخْتلف النَّاس فِي الرَّاوِي إِذا فعل ذَلِك وَكَانَ مِمَّن يقبل مُسْنده يقبل مرسله أَبُو حنيفَة وَمَالك وابو هَاشم على كل حَال وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح عنيت بالمتكلمين الَّذين قبلوا الْمَرَاسِيل ابا هَاشم دون من لم يقبل إِلَّا خبر اثْنَيْنِ وَقَالَ فِي الدَّرْس إِن أَبَا عَليّ يَقُول إِذا روى الحَدِيث اثْنَان رَوَاهُ أَحدهمَا عَن رجل بَصرِي لم يسمه وَرَوَاهُ الآخر عَن كُوفِي لم يسمه فانه يقبل وَلم يقبل أهل الظَّاهِر وَطَائِفَة من أَصْحَاب الحَدِيث الْمَرَاسِيل على كل حَال وَقبل قوم مَرَاسِيل من يقبل مُسْنده فِي حَال دون حَال وَهِي إِذا اخْتصَّ بِشُرُوط وَالشَّافِعِيّ اعْتبر أحد شُرُوط
مِنْهَا أَن يكون ذَلِك الْخَبَر قد أسْندهُ غير مرسله قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا إِذا لم تقم الْحجَّة باسناد ذَلِك من الْمسند فَأَما إِن قَامَت الْحجَّة باسناده فَالْمُعْتَبر بِهِ دون الْمُرْسل
وَمِنْهَا أَن يكون قد أرْسلهُ راو آخر يروي عَن غير شُيُوخ الأول
وَمِنْهَا أَن يعضده قَول صَحَابِيّ
وَمِنْهَا أَن يعضده قَول أَكثر أهل الْعلم
(2/143)

وَمِنْهَا أَن يكون الْمُرْسل مِمَّن لَا يُرْسل عَمَّن فِيهِ عِلّة من جَهَالَة وَغَيرهَا ثمَّ قَالَ وَمن هَذِه حَاله أحب أَن يقبل مرسله وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بِهِ كثبوتها بالمتصل وَشرط عِيسَى بن ابان فِي قبُول الْمَرَاسِيل أَن يُرْسِلهُ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو تَابِعِيّ التَّابِعين أَو من أَئِمَّة أهل النَّقْل دون من سوى هَؤُلَاءِ
وَاحْتج من قبل الْمَرَاسِيل باشياء مِنْهَا إرْسَال الْمُرْسل مَعَ عَدَالَته يجْرِي مجْرى ذكره من أرسل عَنهُ وَقَوله هُوَ عدل عِنْدِي فِي الدّلَالَة على أَنه قد عدله وَلَو قَالَ ذَلِك لقبل حَدِيثه فَكَذَلِك إِذا أرسل وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن إرْسَاله يجْرِي مجْرى ذكره وتعديله لِأَنَّهُ مَعَ عَدَالَته لَا يستجيز أَن يخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا وَله الْإِخْبَار عَنهُ وَلَا يكون لَهُ الْإِخْبَار بذلك إِلَّا وَهُوَ عَالم أَو ظان لِأَن الْخَبَر بِمَا يجوز كَونه ونفيه على سَوَاء قَبِيح وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْزَام النَّاس عبَادَة أَو إطراح عبَادَة عَنْهُم من غير أَن يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوجب ذَلِك أَو يَظُنّهُ فَبَان أَن عَدَالَته تَقْتَضِي مَا ذكرنَا وَأما أَن الرَّاوِي إِذا ذكر من رُوِيَ عَنهُ وَقَالَ هُوَ ثِقَة عِنْدِي لزم قبُول خَبره وَإِن لم يذكر أَسبَاب ثقته فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين اصحاب أبي حنيفَة والشافهي وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْجرْح فَعِنْدَ أَصْحَاب ابي حنيفَة لَا يجب أَن يذكر الْإِنْسَان سَبَب الْجرْح وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يصير الْمَجْرُوح مجروحا إِلَّا بِذكر اسباب الْجرْح وَالْأَمر فِي التَّزْكِيَة ظَاهر فان اصحاب الحَدِيث يزكون الرجل من غير أَن يذكرُوا أَسبَاب عَدَالَته وَلِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون ثِقَة زكيا إِذا اجْتنب الْكَبَائِر وَلم يخل بالواجبات فَلَو وَجب ذكر أَعْيَان ذَلِك فِي طول الزَّمَان مَخَافَة أَن يكون فِيهَا مَا لَا تسلم مَعَه عَدَالَة الْإِنْسَان عِنْد السَّامع وَجب مَا يشق احصاؤه بل يتَعَذَّر إِن قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر اسباب الْعَدَالَة لهَذِهِ الْمَشَقَّة الَّتِي ذكرتموها وَذَلِكَ غير قَائِم فِي ذكر الْمخبر قيل هَذِه الْمَشَقَّة إِن ثَبت مَعهَا الظَّن لعدالة من زَكَّاهُ الْمُزَكي فَهُوَ غرضنا وَلَيْسَ سَبَب هَذَا الظَّن هَذِه الْمَشَقَّة وَإِنَّمَا سَببه عَدَالَة الْمُزَكي وَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَو لم تثبت مَعهَا عَدَالَته لم يجز الحكم بتزكيته لأجل الْمَشَقَّة إِذْ كَانَ الظَّن لعدالته غير حَاصِل فان قيل إِنَّمَا لم يجب على الْمُزَكي ذكر أَسبَاب عَدَالَة من زَكَاة
(2/144)

لِأَنَّهُ يخبر عَن ظَنّه وَأما الْمخبر فانما يخبر عَن غَيره فَوَجَبَ ذكره قيل وَقد يكون الْإِنْسَان عدلا عِنْد الْمُزَكي بِأَن يُخبرهُ غَيره عَن عَدَالَته فَهُوَ كالمخبر وَأَيْضًا فان هَذَا فرق لَا يُؤثر فِي مَوضِع الْجمع وَذَلِكَ أَن الْمخبر إِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَطَرِيقه إِلَى ذَلِك غَيره كَمَا أَن ظن الْمُزَكي لعدالة من زَكَاة طَريقَة مَعْرفَته بِأَسْبَاب عَدَالَته فَكَمَا لم يجب ذكر ذَلِك لم يجب ذكر الْمخبر فان قيل يلزمكم على مَا ذكرْتُمْ أَن يجْرِي إضراب شُهُود الْفَرْع مَعَ عدالتهم عَن ذكر شُهُود الاصل مجْرى أَن يذكروهم ويعدلوهم وَأَن يلْزم الْحَاكِم الحكم بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل كَمَا يلْزمه إِذا ذكروهم وعدلوهم الْجَواب إِن إضرابهم عَن ذكر شُهُود الأَصْل يجْرِي مجْرى مَا ذكرْتُمْ وَلَو تركنَا وَهَذَا الأَصْل لحكمنا بِشَهَادَتِهِم وَإِن لم يذكرُوا شُهُود الأَصْل لَكِن الدّلَالَة منعت من ذَلِك وَلَيْسَ يجب إِذا منعت الدّلَالَة من ذَلِك أَن يمْتَنع أَن يحكم بأخبار الْمَرَاسِيل كَمَا أَن الدّلَالَة قد دلّت على أَن من شَرط الحكم بِشَهَادَة شُهُود الْفَرْع أَن يحملهم شُهُود الأَصْل الشَّهَادَة فاعتبرنا قيام الدّلَالَة على ذَلِك وَلم نعتبره فِي غير هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ لَو لم تقم الدّلَالَة على ذَلِك لأجرينا الشَّهَادَة على الشَّهَادَة مجْرى الشَّهَادَة على الْإِقْرَار وَلَا يشرط فِيهِ أَن يحملهم الشُّهُود الشَّهَادَة كَمَا لَا يشرط أَن يحملهم الْمقر الشَّهَادَة على إِقْرَاره إِن قيل أَلَيْسَ لَو ثَبت عَدَالَة الشُّهُود عِنْد الْحَاكِم لم يسْقط النّظر فِي عدالتهم عَن حَاكم آخر فَهَلا كَانَ ثُبُوت عَدَالَة من أرْسلهُ الْمخبر عِنْده لَا يسْقط عَن غَيره النّظر فِي عَدَالَته قيل فَيجب لَو ذكر الْمخبر من أخبر عَنهُ وعدله أَن لَا يسْقط عَن السَّامع للْخَبَر النّظر فِي عَدَالَته كَمَا لم يسْقط عَن القَاضِي الثَّانِي النّظر فِي عَدَالَة الشُّهُود وَإِن ذكرُوا عِنْده فَلَمَّا لم يجز ذَلِك علمنَا مُفَارقَة الشَّهَادَة للْخَبَر
وَمِنْهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة حُكيَ عَن الْبَراء بن عَازِب أَنه قَالَ لَيْسَ كل مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمعناه مِنْهُ غير أَنا لَا نكذب وَرُوِيَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ فَلَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِك ذكر أَن الْفضل بن عَبَّاس أخبرهُ بذلك وَرُوِيَ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم =
(2/145)

أَنه قَالَ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة ثمَّ أسْندهُ إِلَى أُسَامَة وَرُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رمي جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ اسند ذَلِك إِلَى الْفضل بن عَبَّاس فَلَو لم يجز الْعَمَل على الْمَرَاسِيل لَكَانَ الْمُرْسل إِذا لم يبين أَنه قد أرسل الحَدِيث جرى مجْرى أَن يروي عَن فَاسق أَو كَافِر على وَجه يُوهم أَنه عدل وَلَا يبين أَنه كَافِر فِي أَن ذَلِك مُنكر وَلَو كَانَ مُنْكرا لأنكروه وَلما اجْتَمعُوا على ترك إِنْكَاره وَمَعْلُوم أَن من أرسل وَمن لم يُرْسل لم يُنكر ذَلِك إِن قيل أَلَيْسَ قد كَانَ عَليّ ابْن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام يسْتَحْلف من يُخبرهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو سَمعه من غَيره عَنهُ وَيجوز أَن يكون حلفه هَل سمع الحَدِيث فِي الْجُمْلَة أم لَا على أَن استحلافه إِنَّمَا كَانَ استظهارا لِأَن أحدا لَا يشرط ذَلِك فِي حَدِيث الثِّقَة وَلِهَذَا لم يسْتَحْلف أَبَا بكر عَلَيْهِ السَّلَام على أَن ذَلِك لَا يعْتَرض دليلنا لِأَن دليلنا هُوَ أَنهم لما عرفُوا أَن بَعضهم أرسل لم ينكروا عَلَيْهِ وَلم يرو أَن عليا عَلَيْهِ السَّلَام أنكر عَلَيْهِم إِن قيل مَا ذكرتموه من الْأَخْبَار الدَّالَّة على أَنهم أرْسلُوا هِيَ أَخْبَار آحَاد غير مؤدية إِلَى الْعلم فَالْجَوَاب ان كل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ خبر وَاحِد فان مجموعها متواتر وَلقَائِل أَن يَقُول إِن مَا ذكرتموه أَخْبَار يسيرَة وَلَا يصير مَعْنَاهَا متواتر بِهَذَا الْقدر أَلا ترى أَن الْخَبَر الْوَاحِد لَو رَوَاهُ ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة لم يكن متواترا فالأخبار الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة أولى أَن لَا يكون مَعْنَاهَا متواترا فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بهَا إِلَّا ان يُقَال إِنَّه يجوز أَن يحْتَج بأخبار الْآحَاد فِي إِثْبَات مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعَمَل دون الْعلم
وَمِنْهَا أَنه لَو لم يقبل الْخَبَر الْمُرْسل لما قبل إِذا جَوَّزنَا كَونه مُرْسلا حَتَّى إِذا قَالَ الرَّاوِي عَن فلَان لم يقبل حَدِيثه لجَوَاز أَن يكون مَا سمع مِنْهُ لكنه أخبر عَنهُ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يقبل الحَدِيث إِلَّا أَن يظنّ أَنه غير مُرْسل نَحْو أَن يَقُول حَدثنَا فلَان أَو سَمِعت فلَانا أَو عَن فلَان وَيكون قد أَطَالَ صحبته لِأَن ذَلِك أَمارَة تدل على أَنه قد سَمعه مِنْهُ وَمَتى لم يعلم أَنه صَحبه لم يكن قَوْله عَن فلَان أَمارَة على أَنه سَمعه مِنْهُ فَلَا يقبل حَدِيثه
وَاحْتج من لم يقبل أَخْبَار الْمَرَاسِيل بأَشْيَاء
(2/146)

مِنْهَا أَن ترك الرَّاوِي لذكر من حَدثهُ يتَضَمَّن جَهَالَة عينه وَصفته فاذا كَانَ لَو ذكر اسْمه فَعرف السَّامع عينه وَلم يعرف عَدَالَته لم يجز لَهُ الْعَمَل بحَديثه فَأولى أَن لَا يجوز لَهُ قبُوله إِذا لم يعرف عينه وَلَا عَدَالَته وَالدَّلِيل على أَن ترك ذكره للراوي يتَضَمَّن جَهَالَة عَدَالَته أَن عَدَالَته إِن عرفناها بِذكرِهِ فالمرسل مَا ذكره وَإِن عرفناها بِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فَهَذَا لَا يَصح لِأَن كثيرا من الثِّقَات قد أرْسلُوا عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة وَلِأَن الْإِنْسَان قد يكون ثِقَة عِنْد إِنْسَان وَلَا يكون ثِقَة عِنْد إِنْسَان آخر فَلَا يمْتَنع لَو عرفنَا من لم يذكرهُ الْمُرْسل لما كَانَ ثِقَة عندنَا وَالْجَوَاب إِن إرْسَال الْمُرْسل لَا يتَضَمَّن جَهَالَة صفة من لم يذكرهُ لِأَن نَفْيه يشْهد بعدالة من أرسل عَنهُ وَقَوْلهمْ إِن الْعدْل قد يُرْسل عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة لَا يقْدَح فِيمَا قُلْنَاهُ لِأَن من أرسل عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة إِن كَانَ قد عرف أَنه غير ثِقَة فَذَلِك يقْدَح فِي عَدَالَته كَمَا أَنه إِذا ذكره وَقَالَ هُوَ ثِقَة عِنْدِي وَعلمنَا أَنه لم يكن عِنْده ثِقَة فانه يقْدَح فِي عَدَالَته وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي أَن الظَّاهِر وَالْغَالِب مِمَّن ظَاهره الْعَدَالَة أَنه لَا يزكّى من يعْتَقد أَنه غير زكي كَذَلِك الْغَالِب مِمَّن هُوَ ثِقَة فِي الظَّاهِر أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَمَّن هُوَ ثِقَة عِنْده وَالْغَالِب لَا يَزُول بالنادر وَإِن كَانَ قد ارسل عَنهُ وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَبَان لنا انه لَيْسَ بِثِقَة فَذَلِك لَا يقْدَح أَيْضا فِي أَن الظَّاهِر من كَونه ثِقَة عِنْده أَن يكون ثِقَة فِي نَفسه وَإِن جَازَ خِلَافه لِأَن الْغَالِب لَا يبطل بتجويز خِلَافه كَمَا أَنه لَو قَالَ هُوَ عدل عِنْدِي جَازَ لَو فحصنا نَحن عَنهُ أَن لَا يكون عدلا عندنَا وَلَا يمْتَنع ذَلِك من أَن الظَّاهِر من تزكيته أَنه زكي فِي نَفسه وَأَنه لَا يجب علينا الفحس عَنهُ وَقَوْلهمْ إِذا لم يجز قبُول الْخَبَر إِذا سمى الْمخبر من سمع مِنْهُ مَتى لم يعرف عَدَالَته فبأن لَا يجوز ذَلِك إِذا لم يعرف عينه وَلَا عَدَالَته أولى فَالْجَوَاب عَنهُ أَن مِمَّن يقبل الْمَرَاسِيل من يَقُول إِذا سمى الرَّاوِي من روى عَنهُ وَلم يقل هُوَ عدل عِنْدِي فقد زَكَّاهُ وَيجب قبُول حَدِيثه وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يسْقط النّظر فِي الْمُحدثين مَعَ كَثْرَة الْفساد فِي النَّاس إِذا ذكر الْمُحدث من روى عَنهُ لِأَن عَدَالَته تَقْتَضِي ثِقَة من سمع مِنْهُ وثقة من سمع مِنْهُ تَقْتَضِي عَدَالَة من سمع
(2/147)

مِنْهُ هَكَذَا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه إِذا ذكر اسْمه لم يسْقط عَنَّا النّظر فِي عَدَالَته وَإِذا لم يذكر اسْمه سقط النّظر فِي عَدَالَته لِأَنَّهُ إِذا لم يذكر عينه فَقَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد حكم بِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك وألزمنا تِلْكَ الْعِبَادَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يحكم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَيْء إِلَّا وَهُوَ عَالم أَو ظان لَهُ وَلَا يظنّ ذَلِك إِلَّا والراوي ثِقَة عِنْده وَلِأَنَّهُ لما لم يذكر الرَّاوِي لم يمكنا من النّظر فِي عَدَالَته وَإِذا ذكر الرَّاوِي الَّذِي سمع مِنْهُ الحَدِيث فانه لم يحكم بِهِ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا منعنَا من النّظر فِي عَدَالَته بل قد مكننا من النّظر فِي ذَلِك إِذْ كَانَ قد ذكره
وَمِنْهَا أَن الشَّاهِدين إِذا كَانَا عَدْلَيْنِ لم يجز أَن يشهدَا على شَهَادَة شَاهِدين يخفيان ذكرهمَا وهما غير عَدْلَيْنِ عِنْدهمَا وَمَعَ ذَلِك لم يجر إضرابهما عَن ذكر شُهُود الأَصْل مجْرى ذكرهمَا وتزكيتهما وَالْجَوَاب إِن عَدَالَة الشَّاهِدين تَقْتَضِي غَلَبَة الظَّن بِثِقَة من شَهدا على شَهَادَته إِذا لم يذكراه فقد التزمنا فِي الشَّهَادَة مثل مَا قُلْنَاهُ فِي الْخَبَر وَلَو تركنَا وَهَذَا الأَصْل لحكمنا بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة من غير أَن نذْكر شُهُود الأَصْل على مَا تقدم بَيَانه فان قيل فيلزمكم أَن لَا تحكموا بالْخبر الْمُرْسل وَإِن كَانَ غلب على ظنكم عَدَالَة من أخبر عَنهُ الْمخبر كَمَا لم تحكموا بِشَهَادَة شُهُود فِي الْفَرْع وَإِن غلب على ظنكم عَدَالَة شُهُود الأَصْل وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا أَن كل وَاحِد من الشُّهُود والمخبرين يسندون إِلَى غَيرهم مَا يلزمون بِهِ حكما للْغَيْر فَلم يلْزم الحكم إِلَّا بِذكر من يسندون إِلَيْهِ قيل لسنا نعلم أَن الْعلَّة مَا ذكرْتُمْ وَلَيْسَ يجوز أَن يتَوَصَّل إِلَى الْعلم بعلة غير مَعْلُومَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد اعْتبر فِي الشَّهَادَة ضرب من الِاحْتِيَاط فَلم يقنع فِيهَا إِلَّا بِذكر شُهُود الأَصْل كَمَا اعْتبر فِيهَا الْحُرِّيَّة وَالْعدَد وَأَن يحمل شُهُود الأَصْل الشَّهَادَة شُهُود الْفَرْع وَقد قَالَ الشَّيْخ ابو عبد الله رَحمَه الله إِن الْقيَاس يمْنَع من الحكم بِالشَّهَادَةِ فَلم يجز قِيَاس الْمَرَاسِيل على ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز الْقيَاس على الْمَخْصُوص من جملَة الْقيَاس والمخالف لَا يسلم قَوْله إِن الحكم بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَيسلم أَنه لَا يجوز الْقيَاس على الْمَخْصُوص
(2/148)

من جملَة الْقيَاس على أَن من يقيس الْمَرَاسِيل على الشَّهَادَة على الشَّهَادَة إِنَّمَا يقيس عَلَيْهَا فِي الْمَنْع لَا فِي جَوَاز الحكم فَلم يكن قائسا عَلَيْهَا من الْوَجْه الَّذِي منع مِنْهُ الْقيَاس وَقد فرق بَين الْمَرَاسِيل وَبَين الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَقيل إِن الْحَاكِم إِنَّمَا يحكم بِشَهَادَة شُهُود الأَصْل فَلهَذَا وَجب ذكرهم ولمخالفهم أَن يَقُول وَالْحكم بِلُزُوم الْعِبَادَة إِنَّمَا يَقع بِخَبَر الأول فَيجب ذكره فان قَالُوا كَيفَ نقُول ذَلِك وَعِنْدنَا أَنه لَا يجب ذكر الْمخبر الأول قيل إِنَّكُم تعلقون لُزُوم الْعِبَادَة بالمخبر الأول وَلِهَذَا تعتبرون عَدَالَته وتستدلون عَلَيْهِمَا بارسال الْمخبر الثَّانِي مَعَ عَدَالَته على أَنه إِن كَانَ لُزُوم الْعِبَادَة لَا يتَعَلَّق بالمخبر الأول لِأَنَّهُ لَا يجب ذكره فقد صَار ذَلِك تَابعا لكَونه غير وَاجِب ذكره فقد فرقتم بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا هُوَ مَبْنِيّ على مَوضِع الْخلاف لِأَن مَوضِع الْخلاف هُوَ أَنه لَا يجب ذكر الْمخبر الأول وَكَون الْمخبر الأول لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم وَالْعِبَادَة تَابع لذَلِك وَبِه فرقتم بَين الشَّهَادَة وَالْخَبَر وَقد فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضا بِأَن شُهُود الْفَرْع وكلاء شُهُود الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا على شَهَادَتهم إِذا سمعوهم يشْهدُونَ حَتَّى يحملوهم الشَّهَادَة كَمَا لَا يجوز للْوَكِيل التَّصَرُّف إِلَّا بعد أَن يؤكله المؤكل وَهَذَا فرق غير مُؤثر لِأَن المحتج جمع بَين الشَّهَادَة وَالْخَبَر بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذكرهَا خَصمه فِي الْمَرَاسِيل وَهِي أَن عَدَالَة الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنه مَا أرسل الحَدِيث إِلَّا وَهُوَ على غَايَة الثِّقَة بعدالة من أخبر عَنهُ وَهَذِه الْعَدَالَة قَائِمَة فِي الشُّهُود على مَا بَيناهُ
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ الْعَمَل على الْمَرَاسِيل لم يكن لذكر أَسمَاء الروَاة والفحص عَن عدالتهم معنى وَالْجَوَاب أَن لَهُ معنى من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِذا ذكرهم الرَّاوِي أمكن السَّامع الفحص عَن عدالتهم فَيكون لظَنّه لعدالتهم آكِد من ظَنّه لعدالتهم لأجل إرْسَال الْمُرْسل لِأَن طمأنينة الْإِنْسَان إِلَى فحصه وخبرته أقوى من طمأنينته إِلَى خبر غَيره وَهَذَا الْجَواب يَقْتَضِي تَرْجِيح الْمسند على الْمُرْسل وَالْآخر أَن الرَّاوِي للْحَدِيث قد يشْتَبه عَلَيْهِ حَال من أخبرهُ فَلَا يقدم على تزكيته وَلَا على جرحه فيذكر ليفحص غَيره عَنهُ
(2/149)

وَمِنْهَا قَوْلهم لَو وَجب الْعَمَل بالمراسيل للزمنا فِي عصرنا هَذَا أَن نعمل على قَول الْإِنْسَان قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذَا وَإِن لم يذكر الروَاة الْجَواب إِن ذكر الْخَبَر إِن كَانَ مَعْرُوفا فِي جملَة الْأَحَادِيث فقد عرفت رُوَاته وَإِن لم يكن مَعْرُوفا لم يقبل لَا لِأَنَّهُ مُرْسل بل لِأَن الْأَحَادِيث قد ضبطت وجمعت فَمَا لَا يعرفهُ أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهَا فِي وقتنا هُوَ كذب فان كَانَ الْعَصْر الَّذِي أرسل فِيهِ الرَّاوِي عصرا لم يضْبط فِيهِ السّنَن قبل مرسله
فَأَما قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله إِن الْمُرْسل يقبل إِذا أسْندهُ الْمُرْسل أَو أسْندهُ غَيره فان أَرَادَ أَنه يقبل وَالْحجّة هُوَ الْخَبَر الْمسند فَصَحِيح على أَصله وَلَا تَأْثِير للمرسل وَإِن أَرَادَ أَنه يصير الْمُرْسل حجَّة فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن مَا لَيْسَ بِحجَّة لَا يصير حجَّة إِذا اقترنت بِهِ حجَّة كَمَا أَن خبر الْوَاحِد لَا يصير طَرِيقا إِلَى الْعلم وَإِن عضدته آيَة أَو خبر متواتر وَأما قَوْله إِنَّه يعْمل على خبر الْمُرْسل إِذا أرْسلهُ غَيره مِمَّن يروي عَن غير مشائخه فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ يجوز أَن يَنْضَم مَا لَيْسَ بِحجَّة إِلَى مَا لَيْسَ بِحجَّة فَيصير حجَّة إِذْ كل وَاحِدَة من الرِّوَايَتَيْنِ مُرْسلَة وَكَذَلِكَ قَوْله إِذا عضد الْمُرْسل قَول بعض الصَّحَابَة أَو فَتْوَى أَكثر أهل الْعلم لِأَن ذَلِك غير حجَّة وَلَا يصير الْمُرْسل بِهِ حجَّة فان جعل قَول بعض الصَّحَابَة حجَّة فَالْكَلَام عَلَيْهِ مَا تقدم
وَقد حكى بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي عَنهُ أَنه خص مَرَاسِيل الصَّحَابَة بِالْقبُولِ وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَنهُ أَنه قَالَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذَا قبلت ذَلِك إِلَّا أَن أعلم أَنه أرْسلهُ وَالدَّلِيل على بطلَان تَخْصِيص الصَّحَابَة بذلك أَن مَا دلّ على قبُول الْمَرَاسِيل يشْتَمل من كَانَ عدلا من الروَاة صحابيا كَانَ أَو غَيره وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ لَا يدل على أَن غَيرهم لَا يقبل مرسله كَمَا لَا يدل على أَن غَيرهم لَا يقبل مُسْنده وَقَوْلهمْ إِن الصَّحَابِيّ لَا يُطلق القَوْل بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كَذَا وَكَذَا إِلَّا وَقد سَمعه أَو حَدثهُ عَنهُ الثِّقَة فانه يُقَال لَهُم وَلم وَجب ذَلِك فيهم
(2/150)

فان قَالُوا لعدالتهم قيل فَهَذِهِ الْعلَّة حَاصِلَة فِي غَيرهم من الْعُدُول فان قَالَ الظَّاهِر من قَول الصَّحَابِيّ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذَا أَنه سَمعه مِنْهُ قيل فقد قبلتموه على أَنه مُسْند لَا على أَنه مُرْسل على أَنه يُمكن أَن يَقُول الصَّحَابِيّ بَلغنِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كَذَا وَكَذَا أَو سَمِعت أَنه قَالَ كَذَا فيتصور الْمَسْأَلَة فِي هَذَا الْموضع
فصل فِي الحَدِيث إِذا أرسل مرّة وَأسْندَ مرّة اخرى أَو ألحق بِالنَّبِيِّ مرّة وَجعل مَوْقُوفا على صَحَابِيّ مرّة

إِذا أسْند الرَّاوِي الحَدِيث وأرسله غَيره فَلَا شُبْهَة فِي قبُول من يقبل الْمَرَاسِيل لَهُ وَمن لَا يقبلهَا أَيْضا بجعله مُسْندًا لِأَن عَدَالَة الْمسند تَقْتَضِي ذَلِك إِذا لم يعارضها معَارض وَلَيْسَ فِي إرْسَال الْمُرْسل مَا يُعَارض إِسْنَاده لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون إِنَّمَا أرسل غَيره الْخَبَر لِأَنَّهُ سَمعه مُرْسلا وسَمعه هَذَا مُسْندًا أَو لِأَنَّهُ سَمعه الْمُرْسل مُسْندًا ثمَّ نسي رَاوِيه بِعَيْنِه وَعلم ثقته فِي الْجُمْلَة فَأرْسلهُ لهَذَا الْوَجْه أَو أرْسلهُ لمعرفته بِثِقَة من رَوَاهُ بِعَيْنِه وَأما إِذا أرْسلهُ هُوَ فِي وَقت آخر فان ذَلِك لَا يمْنَع من جعله مُسْندًا أَيْضا لِأَنَّهُ يجوز أَن يُرْسِلهُ فِي وَقت آخر لهَذِهِ الْأُمُور
وَأما إِذا وصل الرَّاوِي الحَدِيث بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَوَقفه الآخر على صَحَابِيّ فانه يَجْعَل مُتَّصِلا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجَوَاز أَن يكون بعض الصَّحَابَة سمع ذَلِك الْخَبَر من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَوَاهُ مرّة عَنهُ وَذكره مرّة اخرى عَن نَفسه على سَبِيل الْفَتْوَى فَسَمعهُ بعض النَّاس يسْندهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسَمعه الآخر يُفْتِي بِهِ عَن نَفسه فَرَوَاهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا سمع وَيجوز أَن يكون أحد الراويين سمع الصَّحَابِيّ يسند الْخَبَر إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نسي أَنه أسْندهُ إِلَيْهِ وتوهم أَنه ذكره عَن نَفسه فَجعله مَوْقُوفا عَلَيْهِ
فَأَما إِذا وصل الرَّاوِي الحَدِيث بِالنَّبِيِّ مرّة وَجعله هُوَ مَوْقُوفا على بعض
(2/151)

الصَّحَابَة مرّة فانه يَجْعَل أَيْضا مُتَّصِلا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجَوَاز أَن يكون سَمعه من الصَّحَابِيّ تَارَة عَن نَفسه وَتارَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيجوز أَن يكون سَمعه مُتَّصِلا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نسي أَنه سَمعه مُتَّصِلا فَرَوَاهُ مَوْقُوفا فان كَانَ الرَّاوِي وَقفه وأرسله زَمَانا طَويلا ثمَّ أسْندهُ أَو وَصله بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فانه يبعد أَن ينساه هَذَا الزَّمَان الطَّوِيل ثمَّ يذكرهُ إِلَّا أَن يكون عِنْده كتاب يرجع إِلَيْهِ فيذكر بِهِ مَا ينسيه الزَّمَان الطَّوِيل
فصل فِي التَّدْلِيس

إِذا روى الرَّاوِي الْخَبَر عَن رجل يعرف باسم فَلم يذكرهُ بذلك الِاسْم وَذكره باسم لَا يعرف بِهِ فان كَانَ فعل ذَلِك لضَعْفه وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْل أَن يقبل حَدِيثه فقد غش النَّاس وخانهم وَذَلِكَ قَادِح فِي الظَّن لأمانته فِيمَا يرويهِ وَلَا يقبل حَدِيثه وَإِن كَانَ فعل ذَلِك لصِغَر سنّ من روى عَنهُ لَا لِأَنَّهُ غير ثِقَة فان من يَقُول ظَاهر الْإِسْلَام الْعَدَالَة يقبل هَذَا الحَدِيث وَمن يَقُول لَا بُد من فحص عَن الْعَدَالَة بعد الْمعرفَة باسلام الرَّاوِي فَمن لم يقبل الْمَرَاسِيل من هَؤُلَاءِ يجب أَن لَا يقبل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن من جَهله بِعَيْنِه أَن يفحص عَن عَدَالَته كَمَا لَا يتَمَكَّن ذَلِك فِي الْمُرْسل وَمن يقبل الْمَرَاسِيل يلْزمه قبُوله لِأَن عَدَالَة الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنه مَا ترك ذكره بِالِاسْمِ الْمَعْرُوف وَمنع بذلك من الفحص عَن عَدَالَته إِلَّا وَهُوَ عدل ثِقَة فَجرى مجْرى تعديله بالتصريح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي فُصُول مَا يرجع إِلَى الْمخبر عَنهُ مِمَّا يُؤثر فِي الْخَبَر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فصل فِي الْخَبَر إِذا كَانَ مُقْتَضَاهُ بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل

اعْلَم أَن الْعقل إِذا منع من الشَّيْء فإمَّا أَن يمْنَع مِنْهُ بِشَرْط أَو بِغَيْر شَرط فان منع مِنْهُ بِشَرْط نَحْو إيلام الْحَيَوَان إِذا كَانَ مَحْضا لَا نفع فِيهِ فانه يقبل
(2/152)

خبر الْوَاحِد باباحته وَيعلم أَنه غير مَحْض وَأَنه فِيهِ مَنْفَعَة وَإِن منع الْعقل من الشَّيْء بِغَيْر شَرط نَحْو مَنعه من حسن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَمَتَى ورد خبر بِخِلَاف ذَلِك فَإِن أمكن تَأْوِيله من غير تعسف جَوَّزنَا أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه وعنى التَّأْوِيل الصَّحِيح وَإِن لم يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف لم يجز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه على ذَلِك الْوَجْه لِأَنَّهُ لَو جَازَ التَّأْوِيل مَعَ التعسف بَطل التَّنَاقُض من الْكَلَام كُله وَيجب فِيمَا لَا يُمكن تَأْوِيله الْقطع على ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يقلهُ وَإِن كَانَ قَالَه فَإِنَّمَا قَالَ حِكَايَة عَن الْغَيْر أَو مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان يخرج بهما من الإحالة
وَإِنَّمَا لم يقبل ظَاهر الْخَبَر فِي مُخَالفَة مُقْتَضى الْعقل لأَنا قد علمنَا بِالْعقلِ على الْإِطْلَاق أَن الله عز وَجل لَا يُكَلف مَا لَا يُطَاق وَأَن ذَلِك قَبِيح فَلَو قبلنَا الْخَبَر فِي خِلَافه لم يخل إِمَّا أَن نعتقد صدق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك فيجتمع لنا صدق النقيضين أَو لَا نصدقه فنعدل عَن مَدْلُول المعجز وَذَلِكَ محَال
فصل فِي خبر الْوَاحِد إِذا رفع مُقْتَضى الْكتاب أَو سنة متواترة

اعْلَم أَن خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يكون رَافعا للْكتاب إِذا نفى أَحدهمَا مَا اثبته الآخر على الْحَد الَّذِي أثْبته أَو أثبت أَحدهمَا ضد مَا أثْبته الآخر على الْحَد الَّذِي أثْبته فَالْأول نَحْو أَن يَقُول فِي أَحدهمَا ليصل فلَان فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ على الْوَجْه الْفُلَانِيّ وَينْهى فِي الآخر عَن هَذِه الصَّلَاة على هَذَا الْحَد وَالثَّانِي أَن يامر بِتِلْكَ الصَّلَاة فِي مَكَان آخر فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه فان كَانَ الْخَبَر يُنَافِي الْكتاب من غير نسخ لم يجز قبُوله لأَنا قد علمنَا أَن الله تَعَالَى قد تكلم بِالْآيَةِ وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تكلم بِمَا تَوَاتر من نَقله عَنهُ فَلَو أَخذنَا بِخَبَر الْوَاحِد لَكنا قد تركنَا بِالْجُمْلَةِ مَا قد علمنَا أَن الله عز وَجل قَالَه وعدلنا إِلَى مَا لَا نعلم أَنه صدق
إِن قيل هلا قُلْتُمْ إِن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِالْآيَةِ مقتضاها بِشَرْط أَن لَا يعارضها خبر وَاحِد قيل فَهُوَ عَالم بمعارضة خبر الْوَاحِد لَهُ فَلَا يجوز هَذَا
(2/153)

الإشراط لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَأْمر بِشَرْط وَيجب الْقطع على أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يقل ذَلِك الْخَبَر أَو قَالَه على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر أَو مَعَ زِيَادَة أَو نُقْصَان ينفيان الْمُعَارضَة وَكَذَلِكَ إِذا عَارض الْإِجْمَاع خبر وَاحِد فان أمكن تَأْوِيل الْخَبَر مَعَ الْآيَة على وَجه النّسخ فالعقل يجوز النّسخ كالتخصيص وَعند أَصْحَابنَا أَن الشَّرْع منع من النّسخ بِهِ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يظنّ أَن بَين عِيسَى بن أبان وَبَين الشَّافِعِي رحمهمَا الله خلافًا فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد إِذا خَالَفت ظَاهر الْكتاب وَقَالَ وَيُشبه أَن يكون الْخلاف بَينهمَا فِي عرض خبر الْوَاحِد على الْكتاب إِذا تكاملت شَرَائِطه فَعِنْدَ الشَّافِعِي أَنه لَا يعرض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يكمل شَرَائِطه إِلَّا وَهُوَ غير مُخَالف للْكتاب وَعند عِيسَى بن أبان أَنه يجب عرضه عَلَيْهِ حَتَّى يعْمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمارَة فَيجوز أَن يخطىء وَيجوز أَن يُصِيب فَلَا يمْتَنع أَن يُخَالف الْكتاب فَلَا يعلم إِذن تكامله شَرَائِطه إِلَّا إِذا علم أَنه لَا يُعَارض الْكتاب وَالْكَلَام فِيمَا يكون نسخا وَمَا لَا يكون نسخا وَفِي الزِّيَادَة هَل هِيَ نسخ أم لَا قد مضى فِي النَّاسِخ والمنسوخ وَلَا شُبْهَة فِي أَن النَّاسِخ من حَقه أَن يكون غير مُقَارن فان علم أَن خبر الْوَاحِد الرافع لبَعض حكم الْآيَة إِمَّا بِالزِّيَادَةِ أَو بغَيْرهَا مُقَارن لم يكن نسخا وَإِن علم أَنه غير مُقَارن لم يقبل وَإِن شكّ فِيهِ قبل عِنْد قَاضِي الْقُضَاة لِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا رفعت بعض أَحْكَام الْقُرْآن لأخبار الْآحَاد وَلم تسْأَل هَل كَانَت مُقَارنَة أم لَا فَأَما مُعَارضَة أقاويل أَكثر الصَّحَابَة فَلَا يمْنَع من قبُوله لِأَن قَول أَكْثَرهم لَيْسَ بِحجَّة
فصل فِي الحكم إِذا اقْتضى عُمُوم الْكتاب فِيهِ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ خبر الْوَاحِد

اخْتلف مثبتو التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد فِي جَوَاز تَخْصِيص الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة فَمنع قوم من ذَلِك على كل حَال وَأَجَازَهُ مُعظم الْفُقَهَاء على كل حَال وَمنع مِنْهُ قوم فِي حَال دون حَال فَقَالَ عِيسَى بن أبان إِذا دخلهما التَّخْصِيص من
(2/154)

وَجه جَازَ تخصيصهما بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُمَا يصيران مجملين ومجازين بالتخصيص الأول وَإِذا لم يدخلهما التَّخْصِيص من وَجه آخر لم يجز تخصيصهما وَشرط قوم فِي جَوَاز تخصيصهما بأخبار الْآحَاد أَن يكون التَّخْصِيص قد دخلهما بِدَلِيل مُنْفَصِل
وَالدَّلِيل على تَخْصِيص الْقُرْآن بذلك أَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن وَالْعقل يَقْتَضِي الْعَمَل على الظَّن فِي الْمَنَافِع والمضار فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ وَإِن خص الْعُمُوم
إِن قيل الظَّن لصدق الرَّاوِي لَا يحصل مَعَ عُمُوم الْكتاب قيل إِذا كَانَ الظَّن لصدقه يحصل إِذا لم يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب وَجب حُصُوله مَعَ عُمُوم الْكتاب لِأَنَّهُ لَا وَجه يحِيل وُقُوع الظَّن لصِحَّة الْخَبَر مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب
فان قيل الْوَجْه الْمُحِيل لذَلِك هُوَ أَن عُمُوم الْكتاب إِذا انْفَرد اقْتضى الْعلم بشموله وَخبر الْوَاحِد إِذا انْفَرد اقْتضى الظَّن لصِحَّته فَلم يجز التَّعَبُّد بِهِ إِذا عَارضه عُمُوم الْكتاب وَإِذا لم يجز ذَلِك لم يحصل الظَّن بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه الْجَواب إِن خبر الْوَاحِد وَإِن اقْتضى الظَّن إِذا انْفَرد فان وجوب الحكم بِهِ مَعْلُوم غير مظنون والتعارض إِنَّمَا وَقع بَين حكمه وَبَين حكم الْعُمُوم فاذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما لَو انْفَرد لم يجز الْمَنْع من التَّعَبُّد بالْخبر مَعَ عُمُوم الْكتاب فَلم يمْنَع من وُقُوع الظَّن لصِحَّته بل وَجب التَّعَبُّد بِهِ لِأَنَّهُ أخص
فان قيل الدَّلِيل الَّذِي دلّ على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِنَّمَا دلّ بِشَرْط أَن يظنّ صدق الرَّاوِي وَمَعَ مُعَارضَة الْعُمُوم لَا يظنّ صدقه فَالشَّرْط لم يُوجد وَالدَّلِيل لم يحصل فَالْجَوَاب عَنهُ أَن عَدَالَة الرَّاوِي لَا ينفيها الْعُمُوم فالظن لصدقه حَاصِل وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَان فَثَبت بِهِ التَّخْصِيص فِي الأَصْل بَيَاض مِقْدَار أَربع كَلِمَات وَوُجُوب الْعَمَل بِمُقْتَضى الْعُمُوم مَعْلُوم فقد صَار الْمصير إِلَيْهِ أولى لِأَن نَقله مَعْلُوم وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ مَعْلُوم هَذَا الدَّلِيل
(2/155)

يُعَارضهُ أَن الْعُمُوم مَعْلُوم يتَنَاوَلهُ الْأَشْخَاص وَالْعقل يَقْتَضِي أَن لَا يتْرك الْعَمَل على مَا يغلب الظَّن فَوَجَبَ الْعَمَل عَلَيْهِ وَإِن عَارضه خبر وَاحِد لِأَنَّهُ من لم يتْرك مَا يعلم لما يظنّ فقد تحرز من المضار وَلِأَن الْعُمُوم لَو أَفَادَ الظَّن لقَائِل خبر الْوَاحِد وتعارضا وَوَجَب الْمصير إِلَى دَلِيل الْعقل أَو دَلِيل غَيرهمَا وَلِأَن خبر الْوَاحِد لَو قدح فِي الْعُمُوم لوَجَبَ اسْتِعْمَاله وَلَو رفع جَمِيع مَا يتَنَاوَلهُ الْعُمُوم وجوزنا فِي كل وَاحِد من الْأَخْبَار المخصصة أَنه صَحِيح وَالْآخر فَاسد فَكَانَ يبْقى من الْعُمُوم ثَلَاثَة أشخاص لَا بِأَعْيَانِهَا أَو شخص وَاحِد لَا بِعَيْنِه لِأَن كل خبر يكْسب الظَّن وَالظَّن يَقْتَضِي الْعقل وَالْعَمَل عَلَيْهِ وَيجوز فِي التناهي إِلَى الْوَاحِد من الْعُمُوم أَن يكون الْخَبَر الْوَارِد بِهِ مَعَ ذَلِك الْوَاحِد صَحِيحا وَغَيره مِمَّا تقدم كذب فَيَجِيء من ذَلِك أَن يرفع جَمِيع مَا تنَاوله الْعُمُوم بِخَبَر الْوَاحِد وَذَلِكَ محَال فان قيل من الْعجب أَن يجْتَمع علم وَظن متعارضين فيقدح الظَّن فِي الْعلم وَلَا يبطل الظَّن بِالْعلمِ قيل قد كُنَّا نجوز أَن يكون هُنَاكَ دَلِيل يَقْتَضِي تَخْصِيص الْعَام قبل الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد وَلَو كَانَ الْعُمُوم مَقْطُوعًا أَنه لَا يجوز تَخْصِيصه لم يَخُصُّهُ بِخَبَر الْوَاحِد وَكَانَ الْعلم لَا يرْتَفع بِالظَّنِّ
إِن قيل الْعقل يمْنَع من الْعُدُول عَن الْمَعْلُوم إِلَى المظنون وَعُمُوم الْكتاب مَعْلُوم شُمُوله وَخبر الْوَاحِد مظنون صِحَّته فَلم يجز الْعَمَل عَلَيْهِ مَعَ عُمُوم الْكتاب قيل إِن أُرِيد أَن خبر الْوَاحِد مظنون لَو انْفَرد فقد تكلمنا فِي ذَلِك وَإِن أُرِيد أَن مظنون صِحَّته مَعَ مُعَارضَة الْعُمُوم فَذَلِك يمْنَع من الْعلم بشمول الْعُمُوم لأَنا إِذا ظننا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا رَوَاهُ الرَّاوِي فقد جَوَّزنَا ثُبُوت حكم الْخَبَر وَمَعَ تَجْوِيز ذَلِك لَا يحصل الْعلم بِمَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم من الحكم الْمُخَالف لحكم الْخَبَر وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة لأَنهم خصوا قَول الله عز وَجل {يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم} بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا نورث مَا تركنَا فَهُوَ صَدَقَة وَلما رُوِيَ أَن الْقَاتِل لَا يَرث وَالصَّحِيح أَن
(2/156)

فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام طالبت بعد ذَلِك بالنحلة لَا بِالْمِيرَاثِ وخصوا الْآيَة أَيْضا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه جعل للجدة السُّدس وَهَذَا يُغير فرض مَا تضمنته الْآيَة فَكَانَت مخصصة لَهَا وخصوا قَول الله عز وَجل {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وخصوا قَوْله سُبْحَانَهُ {وَأحل الله البيع} بِخَبَر أبي سعيد فِي الْمَنْع من بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ وخصوا قَوْله {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} بِمَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ فِي الْمَجُوس سنوا بهم سنة أهل الْكتاب وكل هَذِه أَخْبَار آحَاد وَتَخْصِيص الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا ظواهر الْقُرْآن بهَا ظَاهر لَا يُمكن دَفعه وَلَا يُمكن أَن يُقَال خصوها بِغَيْر ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يرْوى مَا خصوها بِهِ ويروى مَا لم يجر لَهُ ذكر وَمَا ذَكرْنَاهُ يَقْتَضِي أَن يحمل قَول عمر رَضِي الله عَنهُ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت على أَنه لَا يَدعه نسخا ليجمع بَين هَذَا الْخَبَر وَبَين الْأَخْبَار الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلِأَن قَوْله لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا يُفِيد النّسخ دون التَّخْصِيص وَلِهَذَا لَا يُقَال فِيمَن خص آيَة من الْقُرْآن قد ترك الْقُرْآن
فان قيل هلا قبلوا خَبَرهَا فِي نَفسهَا خَاصَّة وأخرجوها وَحدهَا من الْآيَة وَهِي قَوْله {أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم} قيل إِن حكمهَا قد كَانَ يقْضِي وَإِنَّمَا رَوَت الْخَبَر ليعْمَل بِهِ فِي غَيرهَا فَلَو قبلوا خَبَرهَا لقبلوه فِي غَيرهَا على أَنهم لَو قبلوا خَبَرهَا فِي نَفسهَا لقبلوه فِيمَن هُوَ بِمثل صفتهَا على مَا جرت بِهِ عَادَتهم فِي إِجْرَاء الْخَبَر فِي كل من كَانَت صفته صفة من ورد فِيهِ الْخَبَر
(2/157)

وَقد قَالَ بَعضهم إِن قَول عمر لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت يدل على أَنه ترك قَوْلهَا لهَذِهِ الْعلَّة لَا لما ذكرتموه فِي أَنه لَو قبل خَبَرهَا فِي نَفسهَا لقبله فِي غَيرهَا الْجَواب أَنهم لَو قبلوا خَبَرهَا لدل على إخْرَاجهَا وَإِخْرَاج غَيرهَا وَكَانُوا تاركين للْكتاب لأَنهم لَا يكونُونَ تاركين للْكتاب إِلَّا باخراجها وَإِخْرَاج غَيرهَا فصح أَنهم إِنَّمَا يتركون الْكتاب لأجل قَوْلهَا وروايتها هُوَ الدَّال على تخصيصها وَتَخْصِيص غَيرهَا
إِن قيل قد قبل أهل قبا خبر الْوَاحِد فِي نسخ الْقبْلَة أفيتجوزون نسخ الْقُرْآن بأخبار الْآحَاد قيل ذَلِك جَائِز فِي الْعقل وَقد كَانَ مَعْمُولا فِي صدر الْإِسْلَام بِدلَالَة حَدِيث أهل قبا ثمَّ نسخ ذَلِك وَدلّ على نسخه خبر عمر رَضِي الله عَنهُ وَإِجْمَاع السّلف عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو على رَحمَه الله لَا يمْتَنع أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم إِنِّي أنفذ اليكم فلَانا بنسخ الْقبْلَة فاقبلوا خَبره فانه صَادِق وَذَلِكَ دلَالَة قَاطِعَة على صدقه
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فِي الشَّرْح عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه منع من نسخ الْقُرْآن بأخبار الْآحَاد فِي الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وَمعنى ذَلِك أَنه منع من نسخه بِخَبَر غير مَقْطُوع بِهِ وَجوز أَن يصل نسخه إِلَى بعض الْمُكَلّفين بِخَبَر وَاحِد فَيلْزمهُ الْعَمَل بِهِ دَلِيل الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِب إِذا اخْتصَّ بشرائط وَهَذِه الشَّرَائِط حَاصِلَة فِيهِ إِذا عَارضه عُمُوم الْكتاب فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ
فان قيل من شَرط الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد أَن لَا يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب قيل قد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن إِجْمَاع الصَّحَابَة على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يُوجب الْعَمَل بِهِ وَلَا يجوز أَن يشْتَرط فِي الْعَمَل بِهِ شَرط إِلَّا بِدَلِيل وَلَيْسَ على مَا اشْترط السَّائِل دَلِيل وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب ذَلِك لَو أَجمعُوا على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِلَفْظ عَام يتَنَاوَل حَال مُعَارضَة الْعُمُوم حت لَا يخرج مِنْهُ حَالَة من الْحَالَات إِلَّا لدلَالَة وَمَا اجْمَعُوا كَذَا بل اجْمَعُوا على الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع
(2/158)

فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِي الْموضع الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ فِيهِ فان تنَاول هَذِه الْمَسْأَلَة قضى بِهِ وَلَا ينْقل مِنْهُ إِلَى مَوضِع آخر إِلَّا لدلَالَة فان قُلْتُمْ قد عمِلُوا بِهِ مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب كَانَ رُجُوعا إِلَى دَلِيل آخر
فان قيل إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بِهِ يَكْفِي فِي وجوب الْعَمَل بِهِ فِي كل مَوضِع من الدّلَالَة أَلا ترى أَنهم لَو أَجمعُوا على قبُوله فِي الصَّلَاة لدل ذَلِك على قبُوله فِي فرع من فروع الصّيام قيل إِنَّمَا يدل قبولهم لَهُ فِي فرع من فروع الصَّلَاة على قبُوله فِي غير ذَلِك من الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَلَيْسَ يُمكن أَن يُقَال لَا فرق بَين الْعَمَل بِهِ مَعَ مُعَارضَة عُمُوم الْكتاب لَهُ وَمَعَ فقد ذَلِك وَإِن الْحَال فِي خبر الْوَاحِد مَعَ مُعَارضَة دَلِيل شَرْعِي كالحال فِيهِ إِذا لم يُعَارضهُ ذَلِك أَلا ترى أَن كثيرا من الْعلمَاء قد فرق بَينهمَا
فان قيل إِنَّا نستدل باجماع الصَّحَابَة على ان الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعْلُوم إِذا انْفَرد كَمَا أَن الْعَمَل باستغراق الْعُمُوم مَعْلُوم إِذا انْفَرد ثمَّ نقُول فاذا اجْتمعَا لم يجز إطراح أَحدهمَا وَالْعَمَل بهما لَا يُمكن إِلَّا مَعَ التَّخْصِيص قيل إِذا كَانَ الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما إِذا انْفَرد جَازَ أَن يكون الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوما مَعَ التَّعَارُض وَجَاز أَن يكون الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعْلُوما بِشَرْط أَن لَا يُعَارضهُ الْعُمُوم وَإِذا جَازَ كلا الْأَمريْنِ وَجب التَّوَقُّف فَمن أَيْن قطعْتُمْ على وجوب الْعَمَل بهما وَأَنْتُم المستدلون وَأَيْضًا فان عُمُوم الْكتاب مَعْلُوم وجوب الحكم باستغراقه إِلَّا أَن يُعَارضهُ مَا يكون حكمه مَعْلُوما عِنْد مُعَارضَة الْعُمُوم فاذا لم يثبت لكم ذَلِك فِي خبر الْوَاحِد لأنكم لم تثبتوا أَن الصَّحَابَة أَجمعت على الْعَمَل فِي هَذَا الْموضع وَجب الْقَضَاء باستغراق الْعُمُوم
وَاحْتج الْمُخَالف فَقَالَ إِن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن وَعُمُوم الْكتاب يَقْتَضِي الْقطع وَلَا يجوز الْعَمَل بِمَا يَقْتَضِي الظَّن والعدول إِلَيْهِ عَمَّا يَقْتَضِي الْقطع الْجَواب يُقَال لَهُ أَتُرِيدُ أَن عُمُوم الْكتاب يَقْتَضِي الْعلم بشمول حكمه وَأَن خبر الْوَاحِد يَقْتَضِي الظَّن بِثُبُوت حكمه أَو تُرِيدُ أَن عُمُوم الْكتاب مَعْلُوم
(2/159)

أَنه كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَخبر الْوَاحِد يظنّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه فان قَالَ بِالْأولِ قيل لَهُ أتعني ذَلِك لَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه أَو إِذا اجْتمعَا فان قَالَ إِذا اجْتمعَا أَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه قيل لَا نسلم ذَلِك لِأَن عندنَا أَن الْعَمَل على خبر الْوَاحِد مَعْلُوم سَوَاء عَارضه عُمُوم كتاب أَو لم يُعَارضهُ فَمَا ذكرته هُوَ نفس الْمَسْأَلَة وَإِن قَالَ أُرِيد الْوَجْه الثَّانِي قيل وَلم إِذا علمنَا أَن الله سُبْحَانَهُ تكلم بِالْعُمُومِ وَغلب على ظننا أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام تكلم بالْخبر وَلم نعلمهُ لَا يجوز أَن نعلم عِنْده وجوب الْعَمَل فان قَالَ لِأَن الْخَبَر إِذا كَانَ مظنونا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه لم يجز أَن يعلم عِنْده وجوب الْعَمَل قيل فَيجب أَن لَا نعلم عِنْده وجوب الْعَمَل مَعَ فقد الْكتاب لِأَن الظَّن لَا يكون طَرِيقا إِلَى الْعلم على كل حَال وايضا فان طريقنا إِلَى الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد هُوَ الْإِجْمَاع وَشرط ذَلِك ظننا صدق الرَّاوِي وَالْإِجْمَاع مَعْلُوم وظننا صدق الرَّاوِي مَعْلُوم فان قَالَ عُمُوم الْكتاب لَيْسَ يقف على شَرط مظنون فَالْخَبَر مظنون صدقه فقد وقف الْعَمَل بِهِ على أَمر مظنون فَلم يجز الْعُدُول إِلَيْهِ عَن عُمُوم الْكتاب قيل إِنَّمَا كَانَ يمْنَع مَا ذكرت لَو كَانَ طريقنا إِلَى الحكم هُوَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكُنَّا إِذا لم نَأْمَن أَن يكون لم يقل ذَلِك القَوْل لَا يجوز لنا الحكم بِهِ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لما جَازَ الْعَمَل على خبر الْوَاحِد وَإِن لم يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب وَإِنَّمَا طريقنا إِلَى ذَلِك هُوَ ظننا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك القَوْل مَعَ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِمَا يغلب على ظننا من ذَلِك وكلا هذَيْن مَعْلُوم لأَنا نعلم أَنا ظانون صدق الرَّاوِي ونعلم الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل بِمَا ظنناه فَثَبت مُسَاوَاة طريقنا إِلَى الْعلم بِحكم الْخَبَر لطريقنا إِلَى الْعلم لشمُول الْآيَة فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق مَعْلُوم وَبَطل إحالتهم قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ عُمُوم الْكتاب
فان قيل الْعُمُوم مَعْلُوم وَمَعْلُوم أَنه قَول الله سُبْحَانَهُ وَقد دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ دَلِيل قَاطع وَهَذَا لَا يتَغَيَّر وَخبر الْوَاحِد قد يَزُول الظَّن فِيهِ بالبحث عَن الرَّاوِي وَالظَّن فِي حَاله فيزول الَّذِي دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ
(2/160)

فَكيف يَزُول مَا لَا يتَغَيَّر بِحَال مَا يتَغَيَّر وَقد نقضت الشُّبْهَة بانتقالنا عَن مُقْتَضى الْعقل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا لَا يلْزم لِأَن عُمُوم الْكتاب دلّ لَفظه على شُمُول الحكم على طَرِيق الْقطع لَو انْفَرد أَلا ترى أَنه يتَنَاوَل لَفظه كل وَاحِد من أشخاص النَّوْع وَالْجِنْس فَلَو عدلنا عَن بعضه بِخَبَر الْوَاحِد كُنَّا قد عدلنا عَن مُوجب دَلِيل قَاطع وَأما الْعقل فانه لَا يَقْتَضِي قبح ذبح الْحَيَوَان إِلَّا من حَيْثُ أَنه ألم مَحْض وَلَيْسَ يدل الْعقل على انه مَحْض وَإِنَّمَا يعلم الْعَاقِل أَنه مَحْض لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع مَا يدل عَلَيْهِ فاذا ورد الْخَبَر باباحته علمنَا أَن فِيهِ مَنْفَعَة موفية فَزَالَ الشَّرْط الَّذِي مَعَه قضى الْعقل بقبحه وَلم نَكُنْ تاركين لموجب الْعقل بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن الْعقل لم يدل على أَنه لَيْسَ فِيهِ نفع موف وَخبر الْوَاحِد دلّ على ذَلِك فَلم نَكُنْ بتاركين لدلَالَة مَعْلُومَة إِلَى شَيْء مظنون
واجيب عَن الشُّبْهَة أَيْضا بِأَن خبر الْوَاحِد وَعُمُوم الْكتاب طريقهما الِاجْتِهَاد فهما يتساويان وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن أُرِيد أَن طريقهما الِاجْتِهَاد الَّذِي هُوَ بذل الْجهد فِي الِاسْتِدْلَال فَصَحِيح لِأَن أَحدهمَا مظنون أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه وَالْآخر مَعْلُوم أَن الله عز وَجل قَالَه وَإِن أُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مظنون فَلَا يَصح
وَقد قَاس الْمُخَالف الْمَنْع من تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد على الْمَنْع من نسخه بِخَبَر الْوَاحِد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عدُول إِلَى مظنون عَن مَعْلُوم الْجَواب إِنَّهُم إِن قاسوا أَحدهمَا على الآخر فِي الْمَنْع من التَّعَبُّد بهما من جِهَة الْعُقُول لم نسلم الحكم فِي الأَصْل لأَنا نجوز من جِهَة الْعقل نسخ الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن قاسوا أَحدهمَا على الآخر فِي الْمَنْع من التَّعَبُّد شرعا فَمَا ذَكرُوهُ من الْعلَّة غير مَعْلُومَة فَلم يجز الْقيَاس بهَا فِي هَذَا الْموضع وَأما من منع تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد إِذا لم يتقدمه تَخْصِيص فقد أبطل لِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص كَالَّذي لَيْسَ بمخصوص فِي أَنه مَعْلُوم صدوره من حَكِيم وتناوله من جِهَة الْحَقِيقَة لما لم يتَنَاوَلهُ التَّخْصِيص فاذا خصت الصَّحَابَة بِخَبَر الْوَاحِد
(2/161)

الْعُمُوم الْمَخْصُوص دلّ ذَلِك على جَوَاز تَخْصِيصه عُمُوما لم يدْخلهُ التَّخْصِيص إِذْ أَحدهمَا فِي معنى الآخر كَمَا أَن إجماعها على تَخْصِيص بعض الْآيَات بِخَبَر الْوَاحِد دَلِيل على تَخْصِيص آيَة أُخْرَى بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن أَحدهمَا فِي معنى الآخر
وقلوهم إِن الْعُمُوم الْمَخْصُوص قد صَار مجَازًا أَو مُجملا فَجَاز تَخْصِيصه وَلَيْسَ كَذَلِك الْعُمُوم إِذا لم يخص فَبَاطِل لِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص لَيْسَ بمجاز من حَيْثُ يتَنَاوَل مَا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص فَصَارَ من هَذِه الْجِهَة كَالَّذي لم يتقدمه تَخْصِيص وَإِنَّمَا هُوَ مجَاز من حَيْثُ لم يرد بِهِ بعض مَا يتَنَاوَلهُ وَقَوْلهمْ إِنَّه مُجمل لَا نسلمه وَقَوْلهمْ إِن عمر عَلَيْهِ السَّلَام امْتنع من تَخْصِيص قَوْله عز وَجل {أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم} بِخَبَر فَاطِمَة بنت قيس بقوله لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت أم كذبت لَا يَصح لأَنا قد بَينا أَن ذَلِك ينْصَرف إِلَى النّسخ على أَن هَذِه الْآيَة مَخْصُوصَة بِخُرُوج الْمُرْتَدَّة مِنْهَا وَقَول من فرق بَين الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِالِاسْتِثْنَاءِ وَبَين الْمَخْصُوص بِالدّلَالَةِ الْمُنْفَصِلَة بِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِالِاسْتِثْنَاءِ حَقِيقَة فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى لِأَن الْعُمُوم مَعَ الِاسْتِثْنَاء يجْرِي مجْرى لفظ الْعدَد مَعَ الِاسْتِثْنَاء فِي أَنه يتَنَاوَل مَا عدا الْمُسْتَثْنى من الْأَعْدَاد وَأما الْعُمُوم الْمَخْصُوص بِدَلِيل مُنْفَصِل فَهُوَ مجَاز فَبَاطِل بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن
فصل فِي الحكم إِذا اقْتضى قِيَاس الاصول فِيهِ خلاف مَا اقْتَضَاهُ خبر الْوَاحِد

اعْلَم أَن الْقيَاس على أصل من الاصول إِذا عَارض خبر وَاحِد فانما يُعَارضهُ إِذا اقْتضى الْخَبَر إِيجَاب أَشْيَاء وَاقْتضى الْقيَاس حظر جَمِيعهَا على الْحَد الَّذِي اقْتضى الْخَبَر إِيجَابهَا أَو بَان يكون الْخَبَر مُخَصّصا لعِلَّة الْقيَاس فان اقْتضى تخصيصها فِيمَن يُجِيز تَخْصِيص الْعلَّة يجمع بَينهمَا وَمن لَا يرى تَخْصِيص الْعلَّة
(2/162)

يجرى هَذَا الْقسم مجْرى الْقسم الأول وَلَيْسَ تَخْلُو عِلّة الْقيَاس الَّذِي هَذِه حَاله إِمَّا أَن تكون مَنْصُوصا عَلَيْهَا أَو مستنبطة فان كَانَت منصوصة لم يخل النَّص عَلَيْهَا إِمَّا أَن يكون مَقْطُوعًا بِهِ أَو غير مَقْطُوع بِهِ فان كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ وَكَانَ خبر الْوَاحِد يَنْفِي مُوجبهَا وَلم يكن إِضْمَار زِيَادَة فِيهَا تخرج مَعَه الْعلَّة من ان يعارضها خبر الْوَاحِد فانه يجب الْعُدُول إِلَيْهَا عَن خبر الْوَاحِد لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على حكمهَا فَكَمَا لَا يجوز قبُول خبر الْوَاحِد إِذا رفع مُوجب النَّص الْمَقْطُوع بِهِ فَكَذَلِك فِي هَذَا الْموضع وَلِأَن خبر الْوَاحِد فِي هَذَا الْمَكَان يخرج الْعلَّة المنصوصة من كَونهَا عِلّة وَالنَّص قد اقْتضى كَونهَا عِلّة فَصَارَ خبر الْوَاحِد رَافعا مُوجب النَّص الْمَقْطُوع بِهِ وَإِن لم يكن النَّص على الْعلَّة مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا كَانَ حكمهَا فِي الأَصْل ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فانه يكون مُعَارضا لخَبر الْوَاحِد لِأَنَّهُمَا خَبرا وَاحِد وَيكون الرُّجُوع إِلَى الْخَبَر فِي إِثْبَات الحكم أولى من الْخَبَر الدَّال على الْعلَّة لِأَن دَال بصريحه على الحكم وَالْخَبَر الدَّال على الْعلَّة لَيْسَ بدال على الحكم بصريحه وَنَفسه بل بِوَاسِطَة وَإِن كَانَ حكمهَا فِي الأَصْل ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ فَهُوَ مَوضِع اجْتِهَاد على مَا سنبينه الْآن فِي الْعلَّة المستنبطة
فَأَما إِن كَانَت عِلّة الْقيَاس مستنبطة فَلَا يَخْلُو أصل الْقيَاس إِمَّا أَن يكون حكمه ثَابتا بِخَبَر وَاحِد أَو بِنَصّ مَقْطُوع بِهِ فاذا كَانَ ثَابتا بِخَبَر وَاحِد لم يكن الْقيَاس أولى من الْخَبَر الْمعَارض لَهُ بل الْأَخْذ بالْخبر أولى فَأَما إِذا كَانَ الحكم فِي أصل الْقيَاس ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْخَبَر الْمعَارض للْقِيَاس خبر وَاحِد فَيَنْبَغِي أَن يكون النَّاس إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي هَذَا الْموضع وَإِن كَانَ الاصوليون ذكرُوا الْخلاف فِيهِ مُطلقًا فَعِنْدَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن الْأَخْذ بالْخبر أولى وَهُوَ قَول أبي الْحسن وَقَالَ عِيسَى بن أبان إِن كَانَ رَاوِي الْخَبَر ضابطا عَالما غير متساهل فِيمَا يرويهِ وَجب قبُول خَبره وَترك الْقيَاس وَإِن كَانَ الرَّاوِي بِخِلَاف ذَلِك كَانَ مَوضِع الِاجْتِهَاد وَذكر أَن فِي الصَّحَابَة عَلَيْهِم السَّلَام من رد حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِالِاجْتِهَادِ وَحكي عَن مَالك أَنه رجح الْقيَاس على الْخَبَر وَمِنْهُم من قَالَ طَرِيقه الِاجْتِهَاد
(2/163)

وَاحْتج المرجحون للْخَبَر بأَشْيَاء
مِنْهَا إِجْمَاع الصحاب لِأَن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ نقض حكما حكم بِهِ بِرَأْيهِ لحَدِيث سَمعه من بِلَال وَترك عمر رَضِي الله عَنهُ رَأْيه فِي الْجَنِين وَفِي التَّسْوِيَة بَين الْأَصَابِع للْحَدِيث فان قيل إِن ابْن عَبَّاس قد خَالف فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لم يقبل خبر أبي هُرَيْرَة إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا وَقَالَ مَا نصْنَع بمهراسنا والمهراس حجر عَظِيم كَانُوا يجْعَلُونَ فِيهِ المَاء ويتوضؤن مِنْهُ فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لَا يُمكن غسل الْيَد مِنْهُ قبل إدخالها فِيهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَة يَا بن أخي إِذا حدثتك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا فَلَا تضرب لَهُ الْأَمْثَال قيل إِن ابْن عَبَّاس ترك هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْأَخْذ بِهِ إِذْ كَانَ لَا يُمكن قلب المهراس على الْيَد وَذَلِكَ خَارج عَن قِيَاس علته مظنونة فان قيل لَيْسَ فِي ذك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُم غسل أَيْديهم من إِنَاء آخر غير المهراس ثمَّ يدخلُوا أَيْديهم فِي المهراس فَعلمنَا أَنه رد الْخَبَر لِأَنَّهُ مُخَالف لقياس الْأُصُول لَا لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْأَخْذ بِهِ قيل فاذا أمكن الْأَخْذ بِهِ فَمن أَيْن أَن قِيَاس الاصول كَانَ يُبِيح غسل الْيَد من ذَلِك الْإِنَاء حَتَّى يكون قد رد الْخَبَر لذَلِك الْقيَاس وَإِذا صَحَّ ذَلِك لم يثبت لَهُم أَن ابْن عَبَّاس رجح قِيَاس الاصول على الْخَبَر حَتَّى يكون قادحا فِي الْإِجْمَاع
وَمِنْهَا أَن خبرالواحد أصل للْقِيَاس وَلَا يجوز أَن يتْرك الأَصْل بالفرع وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أردتم بقولكم إِن خبر الْوَاحِد أصل للْقِيَاس أَنه هُوَ الدَّلِيل على صِحَة الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَإِن أردتم أَن خبر الْوَاحِد هُوَ أصل الْقيَاس الَّذِي وَقعت الْمُعَارضَة بِهِ وَأَن الْقيَاس هُوَ قِيَاس على حكمه فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن أصل الْقيَاس هُوَ غير هَذَا الْخَبَر فان قَالُوا نُرِيد بذلك أَن خبر الْوَاحِد فِي الْجُمْلَة هُوَ أصل الْقيَاس أَلا ترى أَن أصل الْقيَاس هُوَ خبر وَاحِد مثل هَذَا الْخَبَر الْمعَارض قيل إِنَّمَا يلْزم هَذَا من قَالَ إِن الْقيَاس على حكم خبر الْوَاحِد أولى
(2/164)

من خبر وَاحِد يُعَارض الْقيَاس فَأَما من قَالَ إِن الْقيَاس أولى من خبر الْوَاحِد إِذا كَانَ الْقيَاس قِيَاسا على دَلِيل قَاطع فَلَا يلْزمه هَذَا الْكَلَام
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن خبر الْوَاحِد يجْرِي مجْرى مَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ أولى من الْقيَاس وَلقَائِل أَن يَقُول إِن خبر الْوَاحِد يجْرِي مجْرى مَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وجوب الْعَمَل وَهَكَذَا الْقيَاس وَأَيْضًا فَلَيْسَ يجب إِذا جرى خبر الْوَاحِد مجْرى مَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض الْأُمُور أَن يجْرِي مجْرَاه فِي أُمُور أخر أَلا ترى انه لَا يجْرِي مجْرَاه فِي نسخ الْقُرْآن
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن إِثْبَات الحكم بِخَبَر الْوَاحِد يسْتَند إِلَى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر وَاسِطَة وإثباته بِالْقِيَاسِ يسْتَند إِلَى قَوْله بِوَاسِطَة فَكَانَ إثْبَاته بالْخبر أولى وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه كَانَ لإِثْبَات الحكم بالْخبر هَذِه المزية فان لإِثْبَات الحكم بِهَذَا الْقيَاس مزية أُخْرَى وَهِي استناده إِلَى أصل مَعْلُوم وَإِن كَانَ بِوَاسِطَة الِاجْتِهَاد فِي الأمارة فَكَمَا أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يسْتَند إِلَى أصل مَعْلُوم وَهُوَ مَا دلّ على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فَكَذَلِك الحكم بِالْقِيَاسِ يسْتَند إِلَى مَا دلّ على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مَعْلُوم وكما أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ يفْتَقر إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الأمارة فَالْحكم بِخَبَر الْوَاحِد يفْتَقر إِلَى الِاجْتِهَاد فِي أَحْوَال المخبرين فهما يتساويان من هَذِه الْوُجُوه وَهَذَا من أقوى مَا يحْتَج بِهِ من رد الْأَمر فِيهَا إِلَى الِاجْتِهَاد
وَمِنْهَا أَن عُمُوم الْكتاب يدل تصريحه على مَا تنَاوله لَفظه وَيدل على حكم الْفُرُوع بِوَاسِطَة الْقيَاس ودلالته على مَا تنَاوله لَفظه أقوى لِأَنَّهُ يتَنَاوَلهُ بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة وَلَيْسَ كَذَلِك دلَالَته على حكم الْفُرُوع فاذا جَازَ أَن يخرج مِنْهُ بعض مَا تنَاوله لَفظه بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ قُوَّة دلَالَته عَلَيْهِ كَانَ بِأَن يخرج مِنْهُ مَدْلُوله الأخفى وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْقيَاس لأجل خبر الْوَاحِد أولى إِذْ كَانَ إِخْرَاج مَا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْقيَاس يجْرِي مجْرى التَّخْصِيص لِأَنَّهُ إِخْرَاج بعض مَا دلّ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ يدل على أَشْيَاء بِوَاسِطَة وَبِغير وَاسِطَة
(2/165)

وللخصم أَن يَقُول إِن عُمُوم الْكتاب لَا يدل على حكم الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلهَا فَلَا يدل على امارة الْقيَاس فَصَارَ حكم الْفُرُوع هُوَ مَدْلُول دَلِيل آخر وَهُوَ الْقيَاس فَلَيْسَ بِأَن يَتْرُكُوهُ بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن خبر الْوَاحِد يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب مَعَ قُوَّة عُمُوم الْكتاب بِأولى من أَن يتْركُوا الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد لأجل الْقيَاس إِذْ كَانَ الْقيَاس يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب
وَاحْتج من قدم الْقيَاس على الاصول على خبر الْوَاحِد بِأَن الْقيَاس لَا يحْتَمل وَلَا يجوز تَخْصِيصه وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَبَر فَكَانَ الْقيَاس أولى الْجَواب أَن ذَلِك يَقْتَضِي تَقْدِيمه على نَص الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَأَيْضًا فانه إِن اخْتصَّ الْقيَاس بِهَذِهِ المزية فَالْخَبَر مُخْتَصّ بمزية اخرى وَهِي أَن دلَالَة الْأَلْفَاظ لَا تستنبط من غَيرهَا وَالْقِيَاس مستنبط من الْأَلْفَاظ فَكَانَت الْأَلْفَاظ أقوى من الدّلَالَة
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْقيَاس أثبت من الْخَبَر لتجويز الْخَطَأ وَالْكذب على الْمخبر وَالْجَوَاب أَن جَوَاز ذَلِك كجواز كَون الحكم غير مُتَعَلق بالأمارة فِي الْقيَاس وَإِن كَانَ الْأَغْلَب صدق الرَّاوِي وَتعلق الحكم بالأمارة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِذا كَانَ الْقيَاس يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب فبأن يتْرك لأَجله خبر الْوَاحِد أولى إِذْ هُوَ أَضْعَف من الْعُمُوم الْجَواب أَنا إِذا خصصنا الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ لم نَكُنْ تاركين لَهُ أصلا بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تركنَا الْخَبَر أصلا بِالْقِيَاسِ وَالْأولَى أَن يكون طَرِيق تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر الِاجْتِهَاد لتساويهما من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فان قوي عِنْد الْمُجْتَهد امارة الْقيَاس وَكَانَت تزيد عِنْده فِي الْقُوَّة على عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِن كَانَ ضبط الرَّاوِي وثقته يزِيد عِنْد الْمُجْتَهد على أَمارَة الْقيَاس وَجب عَلَيْهِ الْمصير إِلَى الْخَبَر
(2/166)

فصل فِي فَائِدَة خبر الْوَاحِد إِذا كَانَ الْبلوى بِهِ عَاما هَل يرد لَهُ خبر الْوَاحِد الْوَارِد فِيهِ أم لَا

الْخَبَر الْمَرْوِيّ بالآحاد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يتَضَمَّن إِيجَاب الْعلم أَو يتَضَمَّن إِيجَاب الْعَمَل فَقَط وَالْأول إِمَّا أَن يكون فِي الْأَدِلَّة القاطعة مَا يدل على ذَلِك الْعلم وَإِمَّا أَن لَا يكون فِيهَا مَا يدل على ذَلِك فان لم يكن فِيهَا مَا يدل على ذَلِك لم يقبل الْخَبَر سَوَاء تضمن مَعَ الْعلم عملا أَو لم يتَضَمَّن عملا لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لأشاعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على وَجه يجب فِي الْعَادة التَّوَاتُر بنقله ولأوجب نَقله على وَجه تقوم الْحجَّة بِهِ إِذْ كَانَ لَا يجوز أَن يُوجب علينا الْعلم وَلَا يَجْعَل لنا طَرِيقا إِلَيْهِ وَخبر الْوَاحِد لَيْسَ بطرِيق إِلَى الْعلم
إِن قيل هلا قبلتم الْخَبَر وحكمتم بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوجب الْعلم على مَا شافهه بذلك قيل لَيْسَ يَسْتَحِيل ذَلِك إِذا كَانَ الْخَبَر خطابا لمن حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا رددنا الْخَبَر إِذا كَانَ إِيجَابا على من شافهه وَمن لم يشافهه
إِن قيل جوزوا أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أظهر الْخَبَر وَأمر بتواتر نَقله وألزم كل أحد الْعلم بِشَرْط أَن يبلغهُ الْخَبَر على حد التَّوَاتُر فَيكون من شافهه بِهِ قد وَجب عَلَيْهِ الْعلم وَمن لم يشافهه لم يجب عَلَيْهِ إِذا لم ينْقل بالتواتر قيل لَو كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اشاع الحَدِيث وأظهره على هَذَا الْحَد وَأوجب تَوَاتر نَقله لقويت دواعي الدّين وَالْعَادَة إِلَى نَقله متواترا وَلما جَازَ أَن يخفى لِأَن جَوَاز خَفَاء ذَلِك يَقْتَضِي تَجْوِيز حُدُوث أُمُور فِي الدّين وَالدُّنْيَا عَظِيمَة لم يبلغنَا خَبَرهَا وَلذَلِك قُلْنَا إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا كَانَ يجْهر بِالْفَاتِحَةِ لَكَانَ النَّقْل لأَحَدهمَا كالنقل للْآخر فَلَمَّا اخْتلف النَّقْل علمنَا أَنه كَانَ يجْهر مرّة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ويخفي أُخْرَى فَنقل بعض النَّاس أَنه جهر وَنقل غَيره أَنه أسر
فَأَما إِن كَانَ فِي الْأَدِلَّة مَا يدل على الْعلم لم يمْنَع أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد
(2/167)

اقْتصر بذلك الْخَبَر على آحَاد وَاقْتصر بِمن سواهُم على الدَّلِيل الآخر فِي وجوب الْعلم فَأَما إِن كَانَ الْخَبَر يتمضن الْعَمَل دون الْعلم فإمَّا أَن يعم الْبلوى بِمَا تضمنه أَو لَا يعم الْبلوى بِهِ فان لم يعم الْبلوى بِهِ قبل وَإِن عَم الْبلوى فقد اخْتلف الْقَائِلُونَ بأخبار الْآحَاد فِي قبُوله
فَلم يقبله الشَّيْخ أَبُو الْحسن رَحمَه الله وَيَقُول إِن فروع الصَّلَاة مُخَالفَة لذَلِك فَلَا يمْتَنع أَن يخْتَص بهَا الْعلمَاء وَيَقُول كل شَرط يفْسد الصَّلَاة وَهُوَ ركن فِيهَا إِنَّه يجب ظُهُور نَقله كالقبلة الَّتِي ظهر نقلهَا ظُهُور نقل الصَّلَاة وَمَا يعرض فِيهَا وَلَيْسَ بِشَرْط نَحْو تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة لَا يجب نَقله عَاما وَيَقُول لَيْسَ يجب شياع نقل صفة الْمَنْقُول كوجوب الْوتر وَلَا يُوجب شياع نقل الْوضُوء من الرعاف وَلَا التوضي من القهقهة لِأَن ذَلِك لَيْسَ يعم بِهِ الْبلوى
وَعند الشَّيْخ أبي عَليّ أَن الْأَخْبَار الَّتِي لَا تَتَضَمَّن الْعلم لَا يجب شياع نقلهَا فِي الْخَاصَّة والعامة بل لَا يمْتَنع أَن لَا يكون الْعَامَّة مكلفة لما تضمنته كالحدود أَو مكلفة بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب قَاضِي الْقُضَاة وَالدَّلِيل على قَوْله إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يَقْتَضِي الْعَمَل بهَا اجْمَعْ مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع أَلا ترى أَنه دلّ على جَوَاز الْعَمَل بأخبار لم ترو فيهم لما كَانَت فِي معنى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَرجعت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا إِلَى أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التقاء الختانين
وَأَيْضًا فَمن لم يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى فإمَّا أَن لَا يقبله لِأَن الشَّرِيعَة منعت من قبُوله أَو لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة مَا يدل على قبُوله أَو لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لأشاعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمر بتواتر نَقله ليصل إِلَى من بعد بفائدته فيتمكن مِمَّا كلف من الْعَمَل بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك لقويت دواعي الدّين وَالْعَادَة إِلَى إِشَاعَة نَقله
(2/168)

وَهَذِه الْأَقْسَام كلهَا بَاطِلَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الشَّرْع نَص يمْنَع من قبُوله لعرفناه مَعَ الفحص الشَّديد إِن قيل أَلَيْسَ قد رد عمر خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان ورد أَبُو بكر خبر الْمُغيرَة فِي الْجدّة قيل إِنَّمَا يدل هَذَا على مَا ذكرْتُمْ لَو لم يقبلُوا فِي ذَلِك إِلَّا خَبرا قد تَوَاتر نَقله فَأَما وَقد قبلوه إِذا انْضَمَّ إِلَى الرَّاوِي راو آخر فَلَا دَلِيل لكم فِي ذَلِك وَإِجْمَاع الصَّحَابَة على الْعَمَل بأخبار الْآحَاد يتَضَمَّن فِي الْمَعْنى هَذِه الْمَسْأَلَة على مَا سنبينه فَبَطل قَوْلكُم لَيْسَ فِي الشَّرْع مَا دلّ على قبُوله وَقَوْلهمْ إِذا عَم الْبلوى بالحكم وَجب فِي الْحِكْمَة إشاعته فَبَاطِل لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب ذَلِك لَو لزم الْمُكَلّفين الْعلم مَعَ الْعَمَل إو لَزِمَهُم الْعَمَل على كل حَال فَأَما إِذا لزم الْعَمَل بِهِ بِشَرْط أَن يبلغهم الْخَبَر وَإِلَّا لم يلْزمهُم فَلَيْسَ فِي ذَلِك تَكْلِيف مَا لَا طَرِيق إِلَيْهِ وَلَو وَجب مَا ذَكرُوهُ فِيمَا يعم الْبلوى بِهِ لوَجَبَ فِيمَا لَا يعم بِهِ الْبلوى لِأَن مَا لَا يعم بِهِ الْبلوى يعلم وُقُوعه وَإِن كَانَ وُقُوعه نَادرا وَفِي آحَاد النَّاس كالرعاف فِي الصَّلَاة فَيجب فِي الْحِكْمَة إِشَاعَة حكمه خوفًا من أَن لَا يصل إِلَى من ابْتُلِيَ بِهِ فيضيع الْغَرَض
فان قَالُوا لَا يلْزم القَوْل بِوُجُوب إشاعته لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكَلف الْمَرْء ذَلِك الحكم بِشَرْط وُصُوله إِلَيْهِ وَإِن لم يصل إِلَيْهِ لم يكن مُكَلّفا قيل إِن جَازَ ذَلِك فِي آحَاد من النَّاس جَازَ فِي جَمَاعَتهمْ على أَن وجوب الْوتر يعم الْبلوى بِهِ وَلم يتواتر النَّقْل بِوُجُوبِهِ وَقَوْلهمْ قد تَوَاتر النَّقْل بالوتر لَا يعصمهم من التَّنَاقُض لِأَن الْوُجُوب يعم بِهِ الْبلوى وَالنَّقْل لَهُ لم يتواتر فَأَما القي والرعاف فِي الصَّلَاة فالبلوى بهما عَام وَلَيْسَ يبطل عُمُومه كَون مس الذّكر أَعم مِنْهُ
فصل فِي خبر الْوَاحِد إِذا فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلاف مُقْتَضَاهُ

اعْلَم ان الرَّاوِي إِذا روى شَيْئا فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خِلَافه فَلَا يَخْلُو الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ إِمَّا أَن يتَنَاوَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِمَّا لَا يتَنَاوَلهُ فان لم يتَنَاوَلهُ نَحْو أَن يكون خَبرا عَن وجوب الْفِعْل على غَيره أَو يكون أمرا أَو نهيا لغيره عَن فعل وَيكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد فعل مَا نهي عَنهُ أَو لم يفعل مَا أَمر بِهِ فانه إِن لم تدل
(2/169)

دلَالَة من إِجْمَاع أَو غَيره على أَن حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم غَيره فِي ذَلِك الْفِعْل فانه لَا تعَارض بَين ذَلِك الْخَبَر وَبَين فعله وَإِن دلّت على ان حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم غَيره فِي ذَلِك فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْقسم الَّذِي سَنذكرُهُ الْآن وَإِن كَانَ الْخَبَر يتَنَاوَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن يكون خَبرا عَن الْوُجُوب عَلَيْهِ وعَلى غَيره أَو حِكَايَة عَن الله تَعَالَى يتَنَاوَلهُ ويتناول غَيره فانه يكون معرضًا لَهُ فان أمكن أَن يخص أَحدهمَا بِالْآخرِ فعل ذَلِك وَإِن لم يُمكن وَكَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ متواترا دون الآخر قضي بالتواتر وَإِن كَانَا منقولين بالآحاد رَجَعَ فيهمَا إِلَى التَّرْجِيح وَلَيْسَ يجوز مَعَ هَذَا التَّنَافِي أَن يَكُونَا منقولين بالتواتر
فصل فِي الرِّوَايَة بِحَسب سَماع الرَّاوِي

إِذا قَالَ الرَّاوِي حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان أَو سَمِعت فلَانا وَقد حدث بذلك من سَمعه يَقُول هَذَا القَوْل فَلِمَنْ سَمعه أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَسمعت مِنْهُ وَإِذا قريء على الْإِنْسَان الْأَحَادِيث ثمَّ قَالَ عِنْد الْفَرَاغ من الْقِرَاءَة الْأَمر كَمَا قريء عَليّ أَو قَالَ قد سَمِعت مَا قريء عَليّ فانه يكون بِهَذَا القَوْل مُحدثا على الْجُمْلَة فَلِمَنْ سمع الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَسمع الشَّيْخ يَقُول ذَلِك أَن يَقُول حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَسمعت من فلَان أَلا ترى أَنه لَا فرق فِي جَوَاز الشَّهَادَة على البيع بَين أَن يلفظ البَائِع عِنْد الشَّاهِد بِلَفْظ البيع وَبَين أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب البيع فَيَقُول الْأَمر كَمَا قريء عَليّ فَأَما إِذا قريء عَلَيْهِ فَلم يُنكر وَلم يقل الْأَمر على مَا قريء عَليّ أَو قد سَمِعت مَا قريء فللسامعين أَن يعملوا على تِلْكَ الْأَحَادِيث لِأَن ترك النكير يدل على سَمَاعه الْأَحَادِيث وَلَيْسَ لمن سمع الْقِرَاءَة أَن يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي أَو سَمِعت لِأَن الشَّيْخ لم يلفظ بِشَيْء سَمعه مِنْهُ وَلَا فصل بَين التحدث والإخبار
فان قيل إِمْسَاكه عَن النكير يجْرِي مجْرى إِبَاحَته أَن يتحدث عَنهُ قيل لَو أباحهم أَن يتحدثوا عَنهُ لم يجز لَهُم التحدث عَنهُ إِذا لم يُحَدِّثهُمْ لِأَن الْكَذِب لَا
(2/170)

يصير مُبَاحا باباحته إِن قيل الْعَادة قد أجرت سكُوت الشَّيْخ عَن الْإِنْكَار مجْرى قَوْله قد سَمِعت مَا قريء عَليّ فَكَانَ لَهُم أَن يتحدثوا عَنهُ قيل إِمْسَاكه يجْرِي مجْرى قَوْله سَمِعت ذَلِك فِي الدّلَالَة على انه قد سَمعه وَلَيْسَ يخرج من ان يكون الشَّيْخ لم يتَلَفَّظ بالأخبار والتحدث وَله أَن يَقُول قَرَأت على فلَان أَو قريء عَلَيْهِ وَأَنا أسمع
وَأما المناولة فَهِيَ أَن يُشِير الْإِنْسَان إِلَى كتاب يعرف مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث فَيَقُول لغيره قد سَمِعت مَا فِي هَذَا الْكتاب فَيكون بذلك مُحدثا لِأَنَّهُ سَمعه وَيجوز لذَلِك الْغَيْر أَن يرويهِ عَنهُ فَيَقُول حَدثنِي فلَان أَو أَخْبرنِي فلَان وَسَوَاء قَالَ اروه عني أَو لم يقل فَأَما إِذا قَالَ لَهُ حدث عني بِمَا فِي هَذَا الْجُزْء وَلم يقل سمعته فانه لَا يكون مُحدثا لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أجَاز لَهُ التحدث بِهِ عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ أَن يحدث عَنهُ لِأَنَّهُ يكون بالتحدث عَنهُ كَاذِبًا وَلَيْسَ يصير ذَلِك مُبَاحا باباحته لَهُ
وَإِذا سمع الشَّيْخ نُسْخَة من كتاب مَشْهُور لم يجز لَهُ أَن يُشِير إِلَى غير تِلْكَ النُّسْخَة من ذَلِك الْكتاب فَيَقُول قد سمعته لِأَن النّسخ من الْكتاب الْوَاحِد قد تخْتَلف إِلَّا أَن يعلم أَن النسختين تتَّفقَانِ
وَأما الْكِتَابَة فَهِيَ أَن يكْتب الشَّيْخ إِلَى غَيره أَنه سمع الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو النُّسْخَة الْفُلَانِيَّة فان اضْطر الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَنه خطه جَازَ أَن يروي عَنهُ وَإِن لم يضْطَر إِلَى ذَلِك لكنه ظَنّه جَازَ أَن يروي بِحَسب ظَنّه
وَأما الْإِجَازَة فَهِيَ أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره قد أجزت لَك أَن تروي عني مَا صَحَّ من أحاديثي وَأَصْحَاب الحَدِيث يجيزون ذَلِك ويسوغون لمن اجيز لَهُ أَن يَقُول أَخْبرنِي فلَان وَلَا يجيزون لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي قَالُوا لِأَن قَوْله قد أجزت لَك أَن تروي مَا صَحَّ عني من أحاديثي يجْرِي فِي الْعَادة مجْرى قَوْله مَا صَحَّ عني من أحاديثي قد سمعته فاروه عني وَاعْلَم أَن ظَاهر الْإِجَازَة هِيَ إِبَاحَة الشَّيْخ التحديث عَنهُ والإخبار عَنهُ من غير أَن يُخبرهُ ويحدثه وَهَذَا
(2/171)

إِبَاحَة الْكَذِب وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلَا لغيره أَن يستبيح الْكَذِب إِذا أُبِيح فان ثَبت أَن قَوْله قد أجزت لَك أَن تروي عني إِقْرَار من جِهَة الْعَادة أَنه سمع مَا صَحَّ عَنهُ فَحكمه حكم المناولة وَالله أعلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا مَا حكمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
يَنْبَغِي أَن نذْكر من الصَّحَابِيّ وَمَا طَرِيق كَونه صحابيا ثمَّ نتكلم فِي قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا مَا الَّذِي يفِيدهُ
أما الصَّحَابِيّ فَيَنْبَغِي أَن يجْتَمع فِيهِ أَمْرَانِ حَتَّى يكون صحابيا أَحدهمَا أَن يُطِيل مجالسة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن من رَآهُ من الوافدين عَلَيْهِ وَغَيرهم وَلكم يطلّ الْمكْث لَا يُسمى صحابيا وَالْآخر أَن يُطِيل الْمكْث مَعَه على طَرِيق التبع لَهُ وَالْأَخْذ عَنهُ والاتباع لَهُ وَلِهَذَا لَا نصف من أَطَالَ مجالسة الْعَالم وَلم يقْصد الْمُتَابَعَة لَهُ بِأَنَّهُ من أَصْحَابه
وَأما طريقنا إِلَى كَون الصَّحَابِيّ صحابيا فطريقان أَحدهمَا يَقْتَضِي الْعلم وَهُوَ الْخَبَر الْمُتَوَاتر بِأَنَّهُ صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليتبعه وَالْآخر يَقْتَضِي الظَّن وَهُوَ إِخْبَار الثِّقَة بذلك إِمَّا هُوَ وَإِمَّا غَيره
فاذا قد عرفنَا من الصَّحَابَة فلنتكلم فِي مسَائِل
مِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ امرنا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا أَو أوجب علينا كَذَا أَو أُبِيح لنا كَذَا أَو حظر علينا كَذَا أَو من السّنة كَذَا
وَمِنْهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ قلت هَذَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا وَكَذَا
(2/172)

وَمِنْهَا قَول الصَّحَابِيّ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا
وَمِنْهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ قولا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ
أما قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا فَذهب الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة أَنه يُفِيد أَن الْآمِر هُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن لَيْسَ ذَلِك هُوَ الظَّاهِر بل يجوز أَن يكون الْآمِر غَيره وَحمل على ذَلِك قَول الرَّاوِي أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة وَالدَّلِيل على القَوْل الأول أَن من الْتزم طَاعَة رَئِيس فانه إِذا قَالَ أمرنَا بِكَذَا وَكَذَا فانه يفهم مِنْهُ مَا يلْتَزم طَاعَته ويؤثر أمره أَلا ترى أَن الرجل من أَوْلِيَاء السُّلْطَان إِذا قَالَ فِي دَار السُّلْطَان أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا فهم مِنْهُ أَن السُّلْطَان الَّذِي يلْتَزم طَاعَته هُوَ الَّذِي أَمر وَأَيْضًا فغرض الصَّحَابِيّ أَن يعلمنَا الشَّرْع ويفيدنا الحكم فَيجب حمل ذَلِك على من يصدر الشَّرْع عَنهُ دون الْأَئِمَّة والولاة لِأَن امرهم لَا يُؤثر فِي الشَّرْع وَلَا هم المتبعون فِيهِ وَلَا يحمل هَذَا القَوْل على أَمر الله عز وَجل لِأَن أَمر الله عز وَجل ظَاهر للْكُلّ لَا نستفيده من كَلَام الصَّحَابِيّ وَلَا نحمله على جمَاعَة الْأمة لِأَن قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا إِن أَفَادَ ذَلِك أَفَادَ أَن جَمِيع الامة أمرت بذلك وَهِي لَا تَأمر نَفسهَا
فاما قَول الصَّحَابِيّ أوجب علينا كَذَا أَو حظر علينا كَذَا أَو ابيح لنا كَذَا فانه يفهم مِنْهُ أَن الْمُوجب الْمُبِيح الحاظر هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الْإِبَاحَة والحظر والإيجاب على الْحَقِيقَة لَا تحصل من بشر سواهُ
وَإِذا قَالَ الْإِنْسَان من السّنة كَذَا لم يعقل مِنْهُ إِلَّا سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أَن قَوْلنَا هَذَا الْفِعْل طَاعَة يُفِيد أَنه طَاعَة لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ
إِن قيل يجوز أَن يكون الصَّحَابِيّ إِنَّمَا قَالَ اوجب علينا كَذَا لِأَنَّهُ سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَمر بذلك الشَّيْء فَحَمله على الْإِيجَاب فَلَا يلْزم ذَلِك من لم يقل إِن الْأَمر لَيْسَ على الْوُجُوب الْجَواب أَن من يَقُول إِن الْأَمر على
(2/173)

الْوُجُوب يلْزمه أَن يَأْخُذ بقول الصَّحَابِيّ أوجب علينا كَذَا وَلَا يسْقط عَنهُ الْوُجُوب لما قَالَه السَّائِل وَمن لم يقل إِن الْأَمر على الْوُجُوب يلْزمه ذَلِك أَيْضا لِأَن الظَّاهِر من الصَّحَابِيّ أَنه لم يقل ذَلِك إِلَّا مَعَ زول الْإِشْكَال وَالْخلاف وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون قد سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَفْظَة الْوُجُوب أَو اضْطر إِلَى ذَلِك من قَصده
إِن قيل أَلَيْسَ قد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا وعني بذلك سنة غَيره قُلْنَا لسنا نمْنَع من ذَلِك مَعَ التَّقْيِيد وَإِنَّمَا نمْنَع من أَن يفهم من إِطْلَاق السّنة سنة غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما قَول الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد قَالَ قوم إِنَّه يحْتَمل أَن يكون أخبرهُ غَيره عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يسمعهُ مِنْهُ وَقَالَ قوم الظَّاهِر أَنه سَمعه مِنْهُ وَهَكَذَا ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح
فَأَما إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا وَكَذَا فَالظَّاهِر مِنْهُ أَنه قصد أَن يعلمنَا بِهَذَا الْكَلَام حكما ويفيدنا شرعا وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَقد كَانُوا يَفْعَلُونَهُ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على وَجه يظْهر لَهُ فَلَا يُنكره وَلِهَذَا كَانَ الظَّاهِر من قَول الرَّاوِي كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا أَن جمَاعَة الامة كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك أَو يفعل الْبَعْض فَلَا يُنكر أَو يفعل على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيعلم بِهِ وَلَا يُنكره وَذَلِكَ كَقَوْل عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانُوا لَا يقطعون الْيَد فِي الشَّيْء التافه
فَأَما إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قولا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَحسن الظَّن بِهِ يَقْتَضِي أَن يكون قَالَه عَن طَرِيق فاذا لم يكن الِاجْتِهَاد فَلَيْسَ إِلَّا أَنه سَمعه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم =
(2/174)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي مَذْهَب الرَّاوِي إِذا كَانَ بِخِلَاف رِوَايَته مَا الْمَعْقُول مِنْهُ وَهل يخْتَص بِهِ رِوَايَته أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
حُكيَ عَن بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَغَيرهم أَن الرَّاوِي للْحَدِيث الْعَام إِذا خصّه أَو تَأَوَّلَه وَجب الْمصير إِلَى تَأْوِيله وتخصيصه لِأَن بمشاهدته النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعرف بمقاصده وَلذَلِك حملُوا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فِي غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا على النّدب لِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يقْتَصر على الثَّلَاث وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمصير إِلَى ظَاهر الْخَبَر أولى وَمِنْهُم من جعل التَّمَسُّك بِظَاهِر الْخَبَر أولى من تَأْوِيل الرَّاوِي إِذا كَانَ تَأْوِيله بِخِلَاف ظَاهر الْخَبَر قَالَ فان كَانَ تَأْوِيله هُوَ أحد محتملي الظَّاهِر حملت الرِّوَايَة عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَنَّهُ حمل مَا رَوَاهُ ابْن عمر من حَدِيث الِافْتِرَاق على افْتِرَاق الْأَبدَان لِأَنَّهُ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن لم يكن لمَذْهَب الرَّاوِي وتأويله وَجه إِلَّا أَنه علم قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل ضَرُورَة وَجب الْمصير إِلَى تَأْوِيله وَإِن لم يعلم ذَلِك بل جوز أَن يكون صَار إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل لنَصّ أَو قِيَاس وَجب النّظر فِي ذَلِك الْوَجْه فان اقْتضى ذَلِك مَا ذهب إِلَيْهِ الرَّاوِي وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَّا لم يصر إِلَيْهِ وَهَذَا صَحِيح وَكَذَلِكَ إِذا علم انه صَار إِلَى ذَلِك التَّأْوِيل لنَصّ جلي لَا مساغ للِاجْتِهَاد فِي خِلَافه وتأويله فَأَنَّهُ يلْزم الْمصير إِلَى تَأْوِيله كَمَا لَو صرح بالرواية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك التَّأْوِيل قَالَ قَاضِي الْقُضَاة فان كَانَ الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ مُجملا وَبَينه الرَّاوِي فان بَيَانه اولى
وَدَلِيل الشَّيْخ ابي الْحسن رَحمَه الله هُوَ أَن مَذْهَب الرَّاوِي لَيْسَ بِحجَّة وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حجَّة فَلم يجز الْعُدُول عَنهُ إِلَى مَا لَيْسَ بِحجَّة وَدَلِيلنَا أَن نخص الْعُمُوم لتخصيص النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنَّمَا نستدل بِمذهب الرَّاوِي على تَخْصِيص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ وَيجْرِي مَذْهَبهم مجْرى روايتهم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَوجه الِاسْتِدْلَال بذلك هُوَ انه إِذا لم يكن فِيمَا يعرفهُ من النُّصُوص ووجوه الِاجْتِهَاد مَا يَقْتَضِي
(2/175)

ذَلِك التَّخْصِيص فَلَا يَخْلُو الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون قَالَ مَا قَالَ لشَهْوَة أَو لِأَنَّهُ اضْطر إِلَى قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى التَّخْصِيص أَو لِأَنَّهُ سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك نصا جليا لَا يسوغ الِاجْتِهَاد فِي خِلَافه اَوْ سمع نصا مُحْتملا وَالظَّاهِر من دينه يمْنَع من تَخْصِيص الْعُمُوم بالتشهي وَيمْنَع من أَن لَا ينْقل الحَدِيث الْمُحْتَمل لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون اجْتِهَاد غَيره فِيهِ خلاف اجْتِهَاده فَيثبت القسمان الْآخرَانِ وَأيهمَا كَانَ وَجب التَّخْصِيص كَمَا لَو أظهر الرِّوَايَة بذلك
فان قيل لم لم ينْقل قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو النَّص الْجَلِيّ قيل لِأَن تَخْصِيصه الْعُمُوم مَعَ دينه يجْرِي مجْرى نَقله النَّص من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فان قيل أفما تجوزون أَن يكون قد وهم فَظن من قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَا أصل لَهُ وتوهم أَنه عَالم بذلك قيل الظَّاهِر من دينه أَنه مَا خص الْعُمُوم إِلَّا وَقد اضْطر إِلَى قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك كَمَا أَن الظَّاهِر من رِوَايَة الضَّابِط المتيقظ أَنه لم يخطيء سَمعه وَإِن جَازَ خلاف ذَلِك بِأَن يتَوَهَّم خلاف مَا قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الاخبار الْمُعَارضَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْخَبَرَيْنِ المتعارضين إِمَّا أَن يَكُونَا معلومين أَو غير معلومين أَو أَحدهمَا مَعْلُوم وَالْآخر غير مَعْلُوم فان كَانَا معلومين فإمَّا ان يَكُونَا خاصين اَوْ عَاميْنِ اَوْ أَحدهمَا خَاص وَالْآخر عَام فان كَانَا عَاميْنِ فاما أَن يَكُونَا عَاميْنِ من كل وَجه أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه خَاصّا من وَجه فان كَانَ احدهما عَاما وَالْآخر خَاصّا قضي بالخاص على الْعَام وَإِن كَانَا خاصين على الْإِطْلَاق أَو عَاميْنِ على الْإِطْلَاق وَعرف التأريخ فيهمَا قضينا بنسخ الْمُتَأَخر مِنْهُمَا للمتقدم فان لم يعرف التأريخ فيهمَا فَإِن أمكن التَّخْيِير فيهمَا فعل ذَلِك وَإِن لم يُمكن التَّخْيِير فيهمَا أَو أمكن ذَلِك لَكِن الْأمة منعت مِنْهُ حكمنَا بَان التَّعَبُّد فيهمَا بالنسخ عِنْد من عرف التأريخ وَأَن التَّعَبُّد علينا هُوَ بِالرُّجُوعِ إِلَى
(2/176)

مُقْتَضى الْعقل لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَا يجوز تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِمَا يرجع إِلَى إِسْنَاده لِأَن التَّرْجِيح بذلك يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت احدهما وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا مظنونا فيقوى ظننا لَهُ وَيجوز ان يُقَال إِن التَّعَبُّد علينا بِأَحَدِهِمَا يُقَوي بِمَا يرجع إِلَى صفة الحكم نَحْو الْحَظْر وَالْوُجُوب لِأَن ذَلِك لَيْسَ يَقْتَضِي قُوَّة الظَّن لثُبُوت الْخَبَر وَإِنَّمَا يَقْتَضِي التَّعَبُّد والتعبد عِنْد التَّعَارُض قد يدْخل الظَّن فِي شَرَائِطه وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَيْسَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِالْآخرِ أولى من الْعَكْس فَيجوز أَن يرجح كَون أَحدهمَا مُخَصّصا للْآخر بِمَا يرجع إِلَى الحكم من كَونه مَحْظُورًا أَو غير ذَلِك وَمِثَال ذَلِك من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى {وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف} وَقَوله {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} وَإِن كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا وَكَانَ أَحدهمَا خَاصّا فانه يَقع التَّخْصِيص بِهِ مَعْلُوما كَانَ الْخَاص أَو مظنونا وَإِن لم يكن أَحدهمَا خَاصّا حكم بالمعلوم لِأَنَّهُ لَا يجوز إطراحه إِلَى المظنون وَإِن كَانَا مظنونين قضي بالخاص مِنْهُمَا إِن كَانَ فيهمَا خَاص وَإِن لم يكن رجح أَحدهمَا على الآخر وَعمل على الْأَرْجَح
وَيُقَال أَيْضا فِي قسْمَة الْأَخْبَار المتعارضة أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا تَعَارضا فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا اَوْ لَا يُمكن فان أمكن فإمَّا ان يُمكن الْجمع بَينهمَا فِي وَقت وَاحِد أَو فِي وَقْتَيْنِ أما فِي وَقت وَاحِد فبأن يحمل أَحدهمَا لمَكَان الآخر على مجَاز إِمَّا بالتخصيص وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَأما فِي وَقْتَيْنِ فبأن يعلم تقدم أَحدهمَا بِعَيْنِه على الآخر فَيكون مَنْسُوخا بِمَا تاخر عَنهُ وَأما مَا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فإمَّا أَن لَا يُمكن لأنفسهما أَو لأمر اقتران بهما فَمَا لَا يُمكن لأمر اقْترن بهما فَهُوَ أَن يُمكن تاويل أَحدهمَا بِالْآخرِ لَكِن الْأمة منعت من ذَلِك كَرِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة يُمكن تَخْصِيصه فِي الجنسين الْمُخْتَلِفين بِخَبَر أبي سعيد لَكِن السّلف على قَوْلَيْنِ أَكْثَرهم تَركه وَصَارَ إِلَى رِوَايَة أبي
(2/177)

سعيد والأقل أَخذ بِهِ وَأما الَّذِي لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ لأنفسهما فَلهُ شُرُوط
مِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا نفيا لحم الآخر أَو حكم أَحدهمَا ضدا لحكم الآخر
وَمِنْهَا أَن يتَعَلَّق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا تعلق بِهِ الآخر على الْحَد الَّذِي تعلق بِهِ الآخر فِي الْوَقْت الَّذِي تعلق بِهِ الآخر وَلَا يكون أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما بل يكونَانِ خاصين أَو عَاميْنِ أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فَلَا يكون أَحدهمَا بِأَن يكون مَخْصُوصًا بِالْآخرِ بِأولى من الْعَكْس
وَمِنْهَا أَن لَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر وَمَتى تَعَارضا هَذَا التَّعَارُض رجح بَينهمَا وَعمل على التَّرْجِيح وَإِن تَسَاويا فِي التَّرْجِيح فسنذكر حكمه إِن شَاءَ الله
إِن قيل كَيفَ يثبت التَّنَافِي فِي الْأَخْبَار وَلَيْسَ فِي الألفلظ إِلَّا مَا يُمكن تَأْوِيله على مُوَافقَة غَيره قيل قد يكون فِي الْأَلْفَاظ مَا لَا يُمكن ذَلِك فِيهِ إِلَّا بالتعسف الشَّديد فِي التَّأْوِيل وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي كَلَام حَكِيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَا يتَرَجَّح بِهِ أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْخَبَر يرجح على الْخَبَر بِمَا يرجع إِلَى سَنَده وَبِمَا يرجع إِلَى مَتنه والراجع إِلَى سَنَده ضَرْبَان أَحدهمَا كَثْرَة الروَاة وَالْآخر أَحْوَالهم وَكَثْرَة الروَاة ضَرْبَان أَحدهمَا تكون الْكَثْرَة مُسَمَّاة وَالْآخر لَا تكون مُسَمَّاة فَالْأول أَن يروي أحد الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور وَالْآخر يرويهِ صحابيان مذكوران وَالثَّانِي أَن يروي كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ صَحَابِيّ مَذْكُور ويروي أَيْضا أَحدهمَا تَابِعِيّ ثِقَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمعلوم أَنه مَا أَخذ الْعلم ذَلِك عَن الصَّحَابِيّ الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ وَلَا عَمَّن أَخذ الْعلم عَنهُ فَيعلم أَنه قد رَوَاهُ صَحَابِيّ آخر
(2/178)

وَأما التَّرْجِيح بأحوال الروَاة فانه يَقع بِقُوَّة الْأَحْوَال المراعاة فِي قبُول الْخَبَر وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا الدّين والورع والتحري وَالْآخر الْعلم والبصيرة بِمَا يرويهِ أما الأول فبأن يكون رَاوِي أحد الْخَبَرَيْنِ أَشد تحريا وَأكْثر ورعا وَأما الثَّانِي فضربان أَحدهمَا أَن تكون قُوَّة علم الرَّاوِي وَشدَّة بصيرته لَا تخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالْآخر يخْتَص بذلك الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ أما الأول فبأن يكون أَحدهمَا أضبط وَقد يكون أضبط لِأَنَّهُ أَشد تيقظا وأوفر عقلا وأغزر فقها وَقد يسْتَدلّ على أَنه أضبط بِكَوْنِهِ أَكثر اشتغالا بِالْحَدِيثِ وَأَشد انْقِطَاعًا إِلَيْهِ بقلة مَا يَقع فِي حَدِيثه إِلَيْهِ من الْخلَل فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَأما مَا يخْتَص الْخَبَر وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فراجع إِلَى قُوَّة طَرِيق الرَّاوِي نَحْو أَن يروي زيد أَنه شَاهد عمرا بِبَغْدَاد فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ فِي وَقت السحر ويروي الآخر أَنه شَاهده فِي ذَلِك الْيَوْم بِالْبَصْرَةِ الظّهْر فان طَرِيق هَذَا أظهر وَدخُول اللّبْس على الرَّاوِي وَالْآخر أَكثر وَنَحْو أَن يُرْسل أَحدهمَا الحَدِيث ويسنده الآخر على قَول بَعضهم لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث فَيَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا وَقد اشتدت ثقته بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك وَنَحْو أَن يكون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة بِمَا رَوَاهُ فَيكون طَرِيقه إِلَيْهِ أظهر فَكَذَلِك رجعت الصَّحَابَة إِلَى أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَحْكَام الْجَنَابَة وَرجح الشَّافِعِي رِوَايَة أبي رَافع فِي تَزْوِيج مَيْمُونَة على رِوَايَة ابْن عَبَّاس لأَنا أَبَا رَافع السفير فِي ذَلِك فَكَانَ أعرف بالقصة وَنحن نذْكر الْآن الْأَدِلَّة على ذَلِك إِن شَاءَ الله
أما كَثْرَة الروَاة فقد رجح بهَا الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن وَلم يرجح بهَا قوم وَالدَّلِيل على التَّرْجِيح بِهِ أَن أحد الْخَبَرَيْنِ إِنَّمَا يرتجح على صَاحبه بِقُوَّة يتَمَيَّز بهَا وَكَثْرَة الْعدَد قُوَّة أما اعْتِبَار الْقُوَّة فِي الْأَخْبَار فقد رَجَعَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بأخبار الْآحَاد وَأَجْمعُوا على الِاحْتِيَاط فِي الْإِخْبَار وَأما أَن كَثْرَة الروَاة تحصل بهَا قُوَّة الْخَبَر فَلِأَن الروَاة إِذا بلغُوا حدا من الْكَثْرَة وَقع الْعلم بخبرهم فَكلما قاربوا تِلْكَ الْكَثْرَة قوي الظَّن لصدقهم وَلِأَن السَّهْو والغلط مَعَ الْكَثْرَة أقل وَكَذَلِكَ الْكَذِب لِأَن الْإِنْسَان يستحي أَن يطلع غَيره على كذبه وَلَا يستحي إِذا
(2/179)

لم يشْعر بِهِ غَيره
وقاس الْمُخَالف الْخَبَر على الشَّهَادَة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خبر عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم فَلم يتَرَجَّح بِكَثْرَة المخبرين الْجَواب إِن قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله حكى فِي الدَّرْس أَن مَالِكًا رَحمَه الله رجح إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ بِكَثْرَة الشُّهُود وَغَيره لم يرجحها بِالْكَثْرَةِ قَالَ لِأَن الشَّهَادَة أصل فِي نَفسه أَلا ترى أَنه اعْتبر فِيهَا لفظ مَخْصُوص وَلَيْسَ يجب إِذا لم يجز الشَّهَادَة على مُوجب الْقيَاس فِي ذَلِك من التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن أَن لَا يجْرِي الْخَبَر على ذَلِك لِأَن الأَصْل هُوَ التَّرْجِيح بِقُوَّة الظَّن إِذْ الظَّن الْقوي مَعَ ظن أَضْعَف مِنْهُ كَالْعلمِ مَعَ الظَّن لِأَن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا زِيَادَة لَيست فِي الآخر فاذا كَانَ الأَصْل ثُبُوت التَّرْجِيح بذلك فَمَا خرج عَن هَذَا الأَصْل لَا يجوز قِيَاس مَا عداهُ عَلَيْهِ بل يجب تبقيه مَا عداهُ على حكم الأَصْل وقاس الْمُخَالف أَيْضا الْخَبَر على الْفَتْوَى فِي أَنه لَا يتَرَجَّح إِحْدَى الفتويين على الْأُخْرَى بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن خُرُوج الْبَعْض من هَذِه الْمسَائِل عَن مُوجب الْقيَاس لَا يَقْتَضِي خُرُوج الْبَعْض الآخر مِنْهُ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح إِنَّه لَو رجح إِحْدَى الفتويين بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ جَازَ
وَأما التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْوَرع والتحري فانما وَجب لِأَن الْكَذِب والتساهل مَعهَا أبعد فالظن لصدق الرَّاوِي أقوى وَالْخَطَأ مَعَ قُوَّة الضَّبْط أبعد فالظن لصدق الْخَبَر مَعَه يكون أقوى وَالْخَطَأ مَعَ كَون الرَّاوِي أفقه ابعد إِذا كَانَ يروي على الْمَعْنى فَأَما رِوَايَة اللَّفْظ فانه يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِيه وَغَيره والغلط مَعَ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تَلْتَبِس الْحَال فِيهَا أبعد وَكَون أحد الراويين أَشد مُلَابسَة لما ورد الْخَبَر فِيهِ يبعد مَعَه الالتباس والاشتباه
وَأما تَرْجِيح الْمُرْسل على الْمسند فَلم يذهب إِلَيْهِ أَكثر النَّاس وَذهب عِيسَى ابْن ابان إِلَى التَّرْجِيح بِهِ لِأَن الثِّقَة لَا يُرْسل الحَدِيث وَيَقُول قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا وَقد وثق أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه قَالَ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا الْكَلَام يتَوَجَّه إِذا قَالَ الرَّاوِي قَالَ النَّبِي فَأَما إِذا قَالَ عَن النَّبِي فانه لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ هَذَا
(2/180)

الْكَلَام وَأَيْضًا فان قَول الرَّاوِي قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يحسن مَعَه الظَّن لكَونه قَائِلا لذَلِك كَمَا يحسن مَعَ الْعلم فَمن ايْنَ أَنه لم يقل قَالَ النَّبِي إِلَّا وظنه آكِد من الظَّن الْحَاصِل بِرِوَايَة الْمسند الْمعَارض لَهُ فان قَالَ الْمُرْسل للْحَدِيث إِذا أرْسلت فقد حدثت عَن جمَاعَة من الثِّقَات فَحِينَئِذٍ يكون مرسله اقوى مِمَّن أسْند حَدِيثه إِلَى وَاحِد لأجل الْكَثْرَة
وَقد رجح قوم الْخَبَر بِكَوْن الرَّاوِي من أكَابِر السّلف وَكَونه أقدم هِجْرَة وَهَذَا إِنَّمَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح من حَيْثُ كَانَ من هَذِه سَبيله أعرف بأحوال النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام واشد خبْرَة بِهِ وَرجح قوم الْخَبَر بِالْحُرِّيَّةِ والذكورية أما الْحُرِّيَّة فَلَا تَأْثِير لَهَا فِي قُوَّة الظَّن وَأما الذكورية فان كَانَ الضَّبْط مَعهَا أَشد وَقع بهَا التَّرْجِيح وكل ذَلِك قد دخل فِيمَا تقدم
وَأما التَّرْجِيح بِمَا يرجع إِلَى متن الْخَبَر فضربان أَحدهمَا رَاجع إِلَى لفظ الْخَبَر وَالْآخر لَا يرجع إِلَى لَفظه اما الرَّاجِع إِلَى لَفظه فبأن يكون فِي أَحدهمَا اختلال فِي اللَّفْظ أَو فِي الْمَعْنى وَالْآخر سليما من ذَلِك فيقوى الظَّن لبعده عَن الْخَطَأ والسهو فان قيل فَمَا كَانَ اضْطِرَاب لَفظه بِغَيْر الْمَعْنى يَنْبَغِي أَن لَا يقبل فَلَا معنى للترجيح عَلَيْهِ قيل قد يقبل إِذا أمكن تَأْوِيل ذَلِك الِاضْطِرَاب على بعض الْوُجُوه وَأما مَا لَا يرجع إِلَى اللَّفْظ فضربان أَحدهمَا صفة حكمه وَالْآخر طَرِيق يشْهد بِحكمِهِ فَأَما مَا يشد بالحكم فضربان أَحدهمَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم وَالْآخر لَا يَكْفِي وَمَا يَكْفِي نَفسه فِي ذَلِك ضَرْبَان احدهما دَلِيل وَالْآخر أَمارَة فالدليل هُوَ الْكتاب وَالسّنة الْمَقْطُوع بهَا لِأَنَّهُ إِذا وَقع التَّرْجِيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه فِي ثُبُوت الحكم فالترجيح بِمَا لَا يَكْفِي نَفسه أولى وَهَذَا مَفْرُوض فِي كتاب يدل على الحكم على ضرب من الِاشْتِبَاه وَيكون خبر الْوَاحِد تدل عَلَيْهِ دلَالَة ظَاهِرَة فَحِينَئِذٍ يرجح بِالْكتاب وَإِلَّا فَإِن دلّ الْكتاب دلَالَة ظَاهِرَة فَلَا معنى لِأَن يَقع التَّرْجِيح بِهِ بل هُوَ الأَصْل فِي الدّلَالَة وعَلى هَذَا قد يعضد الْإِجْمَاع الْخَبَر فيرجح بِهِ وَإِن انْعَقَد الْإِجْمَاع عَن غَيره وَمن ذَلِك أَن
(2/181)

يكون من عمل بِأحد الْخَبَرَيْنِ قد عمل بِالْآخرِ وَإِن لم يعلم أَي عمليه هُوَ الْمُتَأَخر فَيكون الْخَبَر الَّذِي عمل بِهِ الْفَرِيقَانِ أولى قَالَ قَاضِي الْقُضَاة لأَنا إِذا لم نعلم أَي العملين هُوَ الْمُتَأَخر كَانَ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ لنا أَن ندفعه بالمحتمل
وَلقَائِل أَن يَقُول سَوَاء كَانَ الْعَمَل بذلك الْخَبَر مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا فانه يكون إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُتَقَدما فقد وافقوا رِوَايَة الْخَبَر الآخر وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن رُوَاة الْخَبَر الآخر عاملون بِهِ على كل حَال
وَأما الأمارة المرجحة للْخَبَر فَقِيَاس الْأُصُول إِذا شهد بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْخَبَر
فَأَما مَا لَا يَكْفِي فِي ثُبُوت الحكم فضربان
أَحدهمَا أَن يُوَافق أحد الْخَبَرَيْنِ حكم الْعقل الَّذِي يجوز الِانْتِقَال عَنهُ وَذَلِكَ أَن الْعقل لَيْسَ يَكْفِي فِي قبح الْمضرَّة إِلَّا بِشَرْط أَن لَا يُوجد دَلِيل شَرْعِي يدل على أَن فِيهِ مصلحَة وَمَنْفَعَة موفية فان وَافق حكم الْعقل أحد الْخَبَرَيْنِ لم يرجح بذلك على الْخَبَر الآخر فَلذَلِك أخرنا الْكَلَام فِي هَذَا الْقسم
وَالضَّرْب الآخر أَن يعْمل أَكثر السّلف بِأحد الْخَبَرَيْنِ ويعيبوا على من خَالفه كَخَبَر الرِّبَا وَقد رجح بذلك عيس بن أبان لِأَن الْأَغْلَب أَن الصَّوَاب يكون مَعَ الْأَكْثَر وَيمْنَع مِنْهُ قَاضِي الْقُضَاة لِأَن عمل الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة وَيجوز الْغَلَط عَلَيْهِم كجوازه على الْأَقَل
وَأما التَّرْجِيح بِصفة حكم الْخَبَر فوجوه
مِنْهَا أَن يكون جكم أحد الْخَبَرَيْنِ مطابقا للْأَصْل وَيكون الآخر نَاقِلا عَن الأَصْل نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا
وَمِنْهَا أَن يكون لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ بِاتِّفَاق وَلَيْسَ كَذَلِك للْخَبَر الآخر
(2/182)

وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا أحوط
وَمِنْهَا أَن يكون آكِد
وَمِنْهَا أَن يكون حكم أَحدهمَا قد ندبنا إِلَى إِسْقَاطه
أما إِذا كَانَ حكم احدهما هُوَ الأَصْل فضربان أَحدهمَا أَن يكون الأَصْل من حَال الْمَرْوِيّ عَنهُ وَالْآخر أَن يكون هُوَ الأَصْل فِي الْعقل
فَالْأول نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل فِي الْكَعْبَة وَأَنه لم يقبل وَهُوَ صَائِم وَأَنه تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة وَعدم الْقبْلَة وَعدم التَّزْوِيج فَالْخَبَر الْمَرْوِيّ أَنه صلى فِي الْكَعْبَة أولى لِأَن ثِقَة من روى أَنه صلى فِيهَا تَقْتَضِي أَن تحمل رِوَايَة من روى أَنه لم يصل فِيهَا على حسب اعْتِقَاده وَأَنه خَفِي عَلَيْهِ بعض احوال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما رِوَايَة أم سَلمَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يقبلهَا وَهُوَ صَائِم فانما هِيَ رِوَايَة عَن حَالهَا مَعَه لَا تعَارض رِوَايَة عَائِشَة أَنه قبلهَا وَهُوَ صَائِم فَلَا يمْنَع من الْأَخْذ بهَا وعدالة رَاوِي تَزْوِيج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَيْمُونَة وَهُوَ حرَام تَقْتَضِي أَن ينْسب رَاوِي تَزْوِيجه إِيَّاهَا وَهُوَ حَلَال إِلَى أَنه استدام الأَصْل فَكَانَت أولى من هَذِه الرِّوَايَة
وَالضَّرْب الثَّانِي كَرِوَايَة من روى حكما يَقْتَضِيهِ الْعقل نَحْو إِسْقَاط عبَادَة ويروي الآخر التَّعَبُّد بهَا فرواية الْإِثْبَات أولى لِأَن الظَّاهِر ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا يعلمنَا مَا لَا نعلمهُ من دونه وَهَذَا الظَّاهِر مُطَابق لرِوَايَة من روى الحكم الشَّرْعِيّ فَكَانَت أولى وَلِأَن الظَّاهِر مِمَّا يُطَابق حكم الْعقل أَنه هُوَ الأَصْل الْمُتَقَدّم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى متأخره فَكَانَت أشبه بالناسخ وَالْأَخْذ بالناسخ أولى وَالْوَجْه الأول أقوى
إِن قيل هلا عملتم بِمَا يُوَافق أصل الْعقل لِأَنَّهُ قد عضده دَلِيل وَلَيْسَ كَذَلِك الحكم النَّاقِل قيل إِن الْعقل إِنَّمَا لَا يُوجب الْعِبَادَة بِشَرْط أَن لَا ينْقل
(2/183)

شرع فاذا روى شرع ناقل صَار كَأَن الْعقل مَا اقْتضى نفي تِلْكَ الْعِبَادَة لِأَن شَرط اقتضائه لنفيها قد زَالَ وَالتَّرْجِيح وَاقع بِهَذَا الْقَبِيل وَإِن كَانَ الخبران معلومين إِذا احتججنا بِمَا ذَكرْنَاهُ أخيرا من أَن الْخَبَر النَّاقِل كالناسخ لِأَن النَّاسِخ يقدم على الْمَنْسُوخ وَإِن كَانَا معلومين وَذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله أَن الْخَبَرَيْنِ إِذا كَانَ أَحدهمَا نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا وَكَانَا شرعيين فانهما سَوَاء
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا بُد أَن يكون أَحدهمَا مطابقا لحكم الْعقل لِأَنَّهُ لَا فعل من الْأَفْعَال إِلَّا وَله فِي الْعقل حكم إِمَّا الْقبْح أَو الْحسن أَو مَا زَاد على الْحسن وَلَيْسَ يكون أحد الْخَبَرَيْنِ نفيا وَالْآخر إِثْبَاتًا إِلَّا وَالنَّفْي مِنْهُمَا نفي لوَاحِد من هَذِه الْأَحْكَام وَالْإِثْبَات مِنْهُمَا إِثْبَات لبعضها فَإِذن أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَاجِب أَن يكون مطابقا لحكم الْعقل
وَقد مثل قَاضِي الْقُضَاة ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى فِي الْكَعْبَة وَمَا رُوِيَ أَنه لم يصل فِيهَا وَبِمَا رَوَت عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبلهَا وَهُوَ صَائِم وَمَا رَوَت أم سَلمَة أَنه مَا كَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم وَلَيْسَ هَذَا بمثال الْمَسْأَلَة لِأَن الْقبْلَة ونفيها وَالصَّلَاة ونفيها هِيَ أَفعَال وَلَيْسَت بِأَحْكَام فَيُقَال إِنَّهَا عقلية اَوْ شَرْعِيَّة وَإِنَّمَا الْأَحْكَام جَوَاز الصَّلَاة وَنفي جَوَازهَا وَالْعقل لَو تجرد لَكَانَ مطابقا لنفي جَوَازهَا وَأَنَّهَا غير مصلحَة وَكَون الْقبْلَة غير مفْسدَة للصَّوْم هُوَ مُقْتَضى الْعقل وَكَذَلِكَ تَزْوِيج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال أَو حرَام هُوَ إِيقَاع فعل فِي أَحْوَال وَلَيْسَ ذَلِك بِحكم وَإِنَّمَا الحكم هُوَ حسن ذَلِك مَعَ الْإِحْرَام أَو قبحه وَمُقْتَضى الْعقل هُوَ حسنه فَبَان أَن أَحْكَام هَذِه الْأَفْعَال لَيْسَ يَخْلُو أَن تطابق الْعقل إِمَّا النَّفْي مِنْهَا وَإِمَّا الْإِثْبَات فان مثل ذَلِك بِأَن يَقْتَضِي الْعقل قبح الْفِعْل ويروي خبر فِي إِبَاحَته وَخبر فِي وُجُوبه فَيُقَال إِن وُجُوبه وإباحته شرعيان وَالْإِبَاحَة نفي الْوُجُوب فَالْجَوَاب إِن مَا تضمن الْإِبَاحَة لَا يتَضَمَّن نفي الْوُجُوب فَقَط وَلَو تضمن ذَلِك كَانَ قد تضمن حكما عقليا لِأَن الْقبْح قد اقْتَضَاهُ الْعقل والقبيح غير وَاجِب فَمَا اقْتضى كَونه غير وَاجِب قد
(2/184)

طابق مُقْتَضى الْعقل لَكِن مَا تضمن الْإِبَاحَة قد تضمن نفيا وإثباتا أما النَّفْي فنفي الْوُجُوب وَأما الْإِثْبَات فَهُوَ كَون الْفِعْل حسنا وَهُوَ زِيَادَة نفي الْوُجُوب وَهُوَ حكم شَرْعِي وَالْخَبَر الدَّال على الْوُجُوب أولى لِأَنَّهُ لَا يُعَارض خبر الْإِبَاحَة فِي اقتضائه نفي الْقبْح لِأَن الْوَاجِب غير قَبِيح وَلَا يُعَارضهُ فِي اقتضائه الْحسن لِأَن الْوَاجِب حسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ فِي نفي الْإِيجَاب وَهَذَا هُوَ حكم الْعقل والإيجاب هُوَ الحكم الْمَنْقُول فَكَانَ أولى
فَأَما إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي إِثْبَات حد وَالْآخر يَقْتَضِي نَفْيه فقوم رجحوا الْخَبَر الْمسْقط للحد لِأَن الْحَد يسْقط بالشبه وبتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ فَوَجَبَ إِسْقَاطه بتعارض الْخَبَرَيْنِ وَيكون ذَلِك كالشبه فِي إِسْقَاطه وقاضي الْقُضَاة يَقُول هما سَوَاء لِأَن الْحَد إِنَّمَا يسْقط عَن الْأَعْيَان بالشبه فَأَما إثْبَاته فِي الْجُمْلَة فِي الشَّرِيعَة فمفارق لإثباته وإسقاطه فِي أَعْيَان الْأَشْخَاص وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْحَد إِذا كَانَ شبهه فِي إِسْقَاطه الْأَعْيَان مَعَ ثُبُوته فِي أصل الشَّرِيعَة فبأن يجب إِسْقَاطه فِي الْجُمْلَة إِذا تعَارض خبران وَلم يقدم لَهُ حَالَة ثُبُوت أولى
وَأما إِذا تضمن أحد الْخَبَرَيْنِ الْحُرِّيَّة وتضمن الآخر الرّقّ فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنَّهُمَا سيان وَقَالَ غَيره الْمُثبت للحرية أولى لِأَن الْحُرِّيَّة لَا يعترضها من الْأَسْبَاب المبطلة لَهَا مَا يعْتَرض الرّقّ وَلَا يبطل الْحُرِّيَّة بعد ثُبُوتهَا كَمَا يبطل الرّقّ بعد ثُبُوته فَكَانَت الْحُرِّيَّة آكِد
فَأَما إِذا اقْتضى أحد الْخَبَرَيْنِ الْحَظْر وَاقْتضى الآخر الْإِبَاحَة فان أَحدهمَا لَا بُد من كَونه مطابقا لمقْتَضى الْعقل فَيكون النَّاقِل عَنهُ أولى وَلَكِن لَا يمْتَنع أَن ينظر هَل للحظر وَجه تَرْجِيح كَمَا أَن النَّقْل عَن أصل الْعقل وَجه تَرْجِيح فان قيل قد يكون الْحَظْر وَالْإِبَاحَة شرعيين إِذا كَانَ حكم الْعقل الْوُجُوب قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْخَبَر الحاظر هُوَ النَّاقِل عَن مُوجب الْعقل الَّذِي هُوَ الْوُجُوب وَالْخَبَر الْمُبِيح لَا يُعَارض حكم الْعقل من حَيْثُ اقْتضى الْحسن وَإِنَّمَا يُعَارضهُ من
(2/185)

حَيْثُ يَنْفِي الْوُجُوب وَلَا مُعَارضَة بَينه وَبَين الْخَبَر الحاظر من هَذِه الْجِهَة وَالْقَوْل فِي الْحَظْر هَل هُوَ وَجه تَرْجِيح يجْرِي هَكَذَا لَا يخلوا الخبران اللَّذَان أَحدهمَا حاظر وَالْآخر مُبِيح إِمَّا أَن يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ أَو لَا يكون لأَحَدهمَا حكم بَاقٍ فان كَانَ لَهُ ذَلِك فإمَّا أَن يكون ذَلِك الحكم يعلم بَقَاؤُهُ بذلك الْخَبَر أَو بِغَيْرِهِ فان لم يعلم إِلَّا بذلك الْخَبَر نَحْو أَن يكون حكما شَرْعِيًّا أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ لأجل ذَلِك الْخَبَر فانه يدل ذَلِك على ثُبُوت الْخَبَر وبقائه لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر لم يثبت حكمه وَإِن كَانَ ذَلِك الحكم الْبَاقِي يعلم بِغَيْر ذَلِك الْخَبَر فانه لَا يدل على ثُبُوت الحكم وَصِحَّته فَلَا يكون ذَلِك الْخَبَر أولى من غَيره نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سُئِلَ عَن مس الذّكر هَل فِيهِ وضوء فَقَالَ لَا هَل هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْك فان كَون الذّكر بضعَة من الْإِنْسَان وَإِن كَانَ بَاقِيا فَلَيْسَ بَقَاؤُهُ لأجل هَذَا الْخَبَر فَيدل على بَقَاء الْخَبَر فَأَما إِن لم يكن لأحد الْخَبَرَيْنِ حكم بَاقٍ فان الشَّيْخ ابا الْحسن قَالَ الحاظر أولى وَقَالَ الشَّيْخ ابو هَاشم وَعِيسَى ابْن أبان رحمهمَا الله يطرحان وَيرجع الْمُجْتَهد إِلَى غَيرهمَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو الْبَقَاء على حكم الْعقل وَوجه قَوْلهمَا هُوَ أَنا إِذا علمنَا تقدم أحد هذَيْن الْخَبَرَيْنِ وَلم يعلم ايهما هُوَ الْمُتَقَدّم جَازَ كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر الَّذِي يجب الْعَمَل بِهِ بَدَلا من صَاحبه وَلَيْسَ يجوز استعمالهما لأَنا فَرضنَا الْكَلَام فِي خبرين متنافيين وَلذَلِك احتجنا إِلَى التَّرْجِيح وَلَا يجوز الْعَمَل على أَحدهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَمَل على أَحدهمَا أولى من الْعَمَل على الآخر فَلم يبْق إِلَّا إطراحهما وجريا مجْرى عقدتي وليين على امْرَأَة وَلَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر فانهما تبطلان لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر وَجرى مجْرى الغرقى فِي أَنه إِذا لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر بَطل حكم الْإِرْث بَينهم
فان قيل فَيجب أَن لَا يعملوا على حكم الْعقل لجَوَاز أَن يكون هُوَ الْمفْسدَة قيل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك بِدَلِيل شَرْعِي ناقل وَلَا دَلِيل فِي الشَّرْع مَعَ التَّعَارُض لِأَن التَّعَارُض والتمانع يصير الشَّرْع كَأَنَّهُ لم يكن فينفرد حكم الْعقل
(2/186)

وَالْجَوَاب عَن الشهبة هُوَ أَن قَوْلهم إِذا جَازَ أَن يكون كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ هُوَ الْمُتَأَخر فَلم يكن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا أولى من الآخر هُوَ نفس الْخلاف لِأَن الْمُخَالف يَقُول بل الْعَمَل على الحاظر أولى وَإِن جَوَّزنَا تقدمه وَلَا يشبه ذَلِك عقدتي الوليين على المراة لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد الْعقْدَيْنِ حاظرا وَالْآخر مبيحا وَكَذَلِكَ الغرقى لما ترافع مَوْتهمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم جِهَة مُخْتَصَّة للحظر وجهة مُخْتَصَّة للاباحة
وَقد نصر القَوْل الأول بِوُجُوه
مِنْهَا أَن الْحَظْر أَدخل فِي التَّعَبُّد من الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ أشق فَكَانَ أولى وَالْجَوَاب إِن الْفِعْل قد يتعبدنا الله بحظره وَقد يتعبدنا الله باعتقاد إِبَاحَته وَقد يرد الشَّرْع باباحته مَا لم يكن فِي الْفِعْل مُبَاحا كَمَا يرد بحظر مَا لم يكن مَحْظُورًا فَلَيْسَ أَحدهمَا أَدخل فِي التَّعَبُّد من الآخر
وَمِنْهَا أَنه إِذا تعَارض خَبرا حظر وَإِبَاحَة فقد حصلت جِهَة حظر وجهة إِبَاحَة وَهَاتَانِ الجهتان مَتى اجتمعتا كَانَ الْحَظْر أولى أَلا ترى أَن الْأمة بَين شَرِيكَيْنِ لما اجْتمع فِيهَا ملك هَذَا الشَّرِيك فَهُوَ مُبِيح لَهُ الوطيء وَملك الآخر وَهُوَ حاظر كَانَ الْحَظْر أولى الْجَواب إِن ملك أحد الشَّرِيكَيْنِ لبَعض الْأمة لَيْسَ بِجِهَة مبيحة للوطيء با الْجِهَة المبيحة للوطيء ملك جَمِيعهَا فَلم يحصل فِي هَذِه الْأمة جهتان إِحْدَاهمَا لَو انْفَرَدت أَبَاحَتْ وَالْأُخْرَى لَو انْفَرَدت حظرت والخبران كل وَاحِد مِنْهُمَا لَو انْفَرد لثبت حكمه
وَمِنْهَا لَو غرق جمَاعَة من الْأَقَارِب وخفي علينا تقدم بَعضهم على بعض جعلناهم كَأَنَّهُمْ غرقوا مَعًا وَلم نؤرث بَعضهم من بعض وغلبنا حظر التَّوَارُث بَينهم الْجَواب إِن ذَلِك حجَّة لمخالفهم لأَنهم قد نزلُوا منزلَة من لم يموتوا وَفرق بَينهمَا قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الغرقى يجوز أَن يَكُونُوا غرقوا مَعًا فَجَاز أَن نجريهم هَذَا المجرى أما الْخَبَر الحاظر والمبيح فَلَا يجوز كَونهمَا واردين مَعًا فَلم
(2/187)

يَصح تقديرهما هَذَا التَّقْدِير
وَمِنْهَا أَن الْعَمَل على الْحَظْر أحوط لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْفِعْل مَحْظُورًا فقد تجنبه الْمُكَلف وَإِن كَانَ مُبَاحا لم يضرّهُ تَركه وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا استباحه وَفعله لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون مَحْظُورًا فَيكون بِفِعْلِهِ لَهُ فَاعِلا لمحظور
إِن قيل وَهُوَ معذر إِذا عمله على الْحَظْر لِأَنَّهُ قد اعْتقد قبحه وَلَا يَأْمَن كَونه مسنا فَيكون مقدما على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه جهلا فَالْجَوَاب إِن الْفِعْل إِذا كَانَ مَحْظُورًا فاستباحه الْإِنْسَان كَانَ بِفِعْلِهِ وباعتقاد إِبَاحَته مقدما على قبيحين وَإِذا كَانَ مُبَاحا فتجنبه مُعْتَقدًا لحظره كَانَ مقبحا باعتقاد حظره فَصَارَ التَّعْزِير فِي ذَلِك أَكثر وَكَانَ الْعُدُول إِلَى تجنبه أولى لِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَض إِلَّا التَّرْجِيح بِوَجْه لَهُ ضرب من الْقُوَّة وَأَيْضًا فانه إِذا ثَبت أَن تجنب الْفِعْل أولى من الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي تعَارض فِيهِ الخبران قَطعنَا على أَن اعْتِقَاد تجنبه وحظره لَيْسَ بِجَهْل وَلَا قَبِيح وَلَا نَكُون مقدمين على اعْتِقَاد لَا يُؤمن كَونه جهلا فَهَذَا الْوَجْه أولى فِي الِاحْتِجَاج من كل مَا سلف
فان قيل أَلَيْسَ إِذا تَعَارَضَت الْبَيِّنَتَانِ فِي الْملك لم تسقطا وَعَملا عَلَيْهِمَا فَهَلا وَجب مثله فِي الْخَبَرَيْنِ قيل أحد لم يقل فِي الْخَبَرَيْنِ المتنافيين كَذَلِك فان قيل فَهَلا اطرحتم الْبَيِّنَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا اطرحتم الْخَبَرَيْنِ قيل لِأَنَّهُ يُمكن الْعَمَل عَلَيْهِمَا بِأَن يَجْعَل الدَّار ملكا بَين المتداعيين وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ يجوز صدقهما بِأَن يشْهد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا شهد بِهِ لمَكَان الْيَد وَالتَّصَرُّف وَيجوز أَن يكون المتداعيان متصرفين فِي الْملك فَيثبت لكل وَاحِد مِنْهُمَا الْملك بِحكم الْيَد وَلَيْسَ يجوز وُرُود الْإِبَاحَة والحظر مَعًا فينقلا مَعًا
(2/188)

الْكَلَام فِي الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد
فصل فِي ذكر أَبْوَاب الْقيَاس
اعْلَم أَن الْغَرَض بالْكلَام فِي الْقيَاس أَن نبين أَنه متعبد بِهِ ونبين شُرُوطه وَالْكَلَام فِي وُرُود التَّعَبُّد بِهِ يَنْبَغِي أَن يتقدمه جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ وكلا الْأَمريْنِ يبتنى على الْكَلَام فِي مَاهِيَّة الْقيَاس وَلما كَانَ الْقيَاس الشَّرْعِيّ أَمارَة وَجب أَن نبين أول مَا الأمارات وَمَا أقسامها ثمَّ نذْكر مَا الْقيَاس وَمَا يتَّصل بِهِ ثمَّ نذْكر جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ وَنفي جَوَاز ذَلِك وَذَلِكَ يتَضَمَّن أبوابا مِنْهَا جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ فِي الْجُمْلَة وَمِنْهَا جَوَاز تعبد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ وَمِنْهَا جَوَاز تعبد من عاصره بِهِ وَمِنْهَا أَنه لَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ فِي جَمِيع الشرعيات وَأما وُرُود التَّعَبُّد فيتضمن أَيْضا أبوابا مِنْهَا وُرُود التَّعَبُّد بِهِ فِي الْجُمْلَة وَمِنْهَا هَل النَّص على عِلّة الحكم يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ أم لَا وَمِنْهَا هَل يفقتر التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ إِلَى أَن ينص لنا على الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ وَإِلَى إِجْمَاع الامة على تَعْلِيل الأَصْل أم لَا وَمِنْهَا هَل تعبد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِالْقِيَاسِ وَمِنْهَا هَل تعبد بِهِ من عاصره وَمِنْهَا هَل يُوصف الْقيَاس المتعبد بِهِ بِأَنَّهُ دين ومأمور بِهِ وَبعد ذَلِك نتكلم فِي شُرُوط الْقيَاس وَذَلِكَ يشْتَمل على أَبْوَاب سنذكرها إِن شَاءَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الأمارات وأحكامها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الأمارة هِيَ الَّتِي النّظر الصَّحِيح فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى الظَّن وَبِذَلِك نتميز من الدّلَالَة والمتكلمون يسمون كل مَا هَذِه سَبيله أَمارَة عقليا كَانَ أَو
(2/189)

شَرْعِيًّا وَالْفُقَهَاء يسمون الأمارات الشَّرْعِيَّة كالقياس وَخبر الْوَاحِد أَدِلَّة وَلَا يسمون الأمارات الْعَقْلِيَّة أَدِلَّة كالأمارة على الْقبْلَة وعَلى قيم الْمُتْلفَات وَالْكَلَام فِي ذَلِك كَلَام فِي عبارَة لَا طائل فِي الْإِكْثَار مِنْهُ
وَأما قسْمَة الأمارات فقد ذكر فِيهَا عدَّة وُجُوه مِنْهَا المحكى عَن الشَّيْخ أبي الْحسن رَحمَه الله وَهِي أَن أَدِلَّة الشَّرْع الَّتِي لَيست بِنَصّ وَلَا ظَاهر مِنْهَا مَا يُسمى قِيَاسا وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على صِحَة الْعلَّة وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على مَوضِع الحكم وَمِنْهَا مَا يُسمى دَلِيلا على المُرَاد بالعبارة الْمُشْتَركَة هَذَا مَا لَهُ اصل معِين فَأَما مَا لَا أصل لَهُ معِين فنحو مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى قيم الْمُتْلفَات وَلَيْسَ يَعْنِي بِالْأَصْلِ هَا هُنَا مَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ لِأَن كثيرا من هَذِه الْأَقْسَام لَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْأَصْلِ هَا هُنَا طَريقَة يشار إِلَيْهَا
وَنحن نقسم مَا ذكره فَنَقُول ادلة الشَّرْع إِمَّا ظَاهر وَنَصّ وَإِمَّا غير ظَاهر وَغير نَص وَمَا لَيْسَ بِظَاهِر مِنْهُ مَا لَا يحصل فِيهِ طَريقَة مُعينَة مثل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى قيم الْمُتْلفَات وَمِنْه مَا لَهُ طَريقَة مُعينَة يشار إِلَيْهَا وَلما كَانَ كل دَلِيل فَلهُ مَدْلُول وَجب فِيمَا لَهُ طَريقَة مُعينَة أَن يدل على مَدْلُول وَلَا يَخْلُو مَدْلُوله إِمَّا أَن يكون حكما وَإِمَّا دَلِيلا على حكم فَمَا يدل على حكم مِمَّا لَهُ طَريقَة يشار إِلَيْهَا فَهُوَ الْقيَاس وَمَا يدل على دَلِيل حكم فَمِنْهُ مَا يدل على عِلّة حكم لِأَن عِلّة الحكم دَلِيل على الحكم وَذَلِكَ نَحْو مَا كَانَ يسْتَدلّ بِهِ على أَن الْكَيْل أولى من الطّعْم فِي كَونه عِلّة الرِّبَا وَمِنْه مَا يدل على مُرَاد الله سُبْحَانَهُ بخطابه الْمُشْتَرك نَحْو مَا يدل على أَن المُرَاد بِآيَة الْأَقْرَاء الْحيض وَمِنْه مَا يدل على أَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِالْكَفَّارَةِ الْمُعَلقَة بِالْجِمَاعِ فِي الصَّوْم هُوَ أَن يعلقها بهتك صَوْم شهر رَمَضَان مَعَ ضرب من المأثم وَهَذَا هُوَ الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم
قَالَ قَاضِي الْقُضَاة كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِيهَا الِاسْتِحْسَان وَأجَاب عَن
(2/190)

ذَلِك بِأَن الِاسْتِحْسَان إِمَّا أَن يكون عُدُولًا إِلَى قِيَاس أولى من قِيَاس فقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقيَاس فِي جملَة أقسامه وَإِمَّا أَن يكون عُدُولًا إِلَى نَص وَلَيْسَ غَرَضه قسْمَة النُّصُوص فيدخله فِي جملَته وَقَالَ أَيْضا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر مَا يحْتَج بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة من قَوْلهم إِن الْعِبَادَة إِذا لم تفْسد لعدم صفة من صفاتها فبأن لَا تفْسد بِوُقُوع تِلْكَ الصّفة على وَجه الْفساد أولى وللشيخ أبي الْحسن أَن يُجيب على ذَلِك بِأَن هَذَا دَاخل فِي جملَة الْقيَاس وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة الَّتِي قد انْتَفَت عَنْهَا الصّفة وَالَّتِي قد حصلت فِيهَا الصّفة على وَجه الْفساد قد اشْتَركَا فِي أَنَّهُمَا لم يختصا بِالصّفةِ على وَجه الصِّحَّة وَقَالَ أَيْضا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِي ذَلِك استدلالهم على أَن انكشاف ربع السَّاق فِي الصَّلَاة يُفْسِدهَا وَهُوَ قَوْلهم إِن انكشاف جَمِيعه يُفْسِدهَا لِأَن المواجه لَهُ يرى ربعه وَلأبي الْحسن ان يَقُول إِن هَذَا دَاخل فِي جملَة الْقيَاس لِأَنِّي قد علمت أَن الْعلَّة الْمفْسدَة للصَّلَاة إِذا انْكَشَفَ جَمِيعه هُوَ إِمْكَان رُؤْيَة ربعه وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي انكشاف ربعه فالجمع بَينهمَا قِيَاس
وَقِسْمَة أُخْرَى محكية عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله وَهِي أَن أَدِلَّة الشَّرْع مستنبطة وَغير مستنبطة وَالَّتِي لَيست مستنبطة يدْخل فِيهَا خطاب الله عز وَجل وخطاب رَسُوله وأفعاله وخطاب الامة وافعالها والمستنبطة ضَرْبَان احدهما تحقق فِيهِ الْعلَّة وَالْآخر لَا تحقق فِيهِ الْعلَّة أما الَّذِي تحقق فِيهِ الْعلَّة فضربان أَحدهمَا لَا يقوى شبه الْفَرْع فِيهِ إِلَّا بِأَصْل وَاحِد ويسميه قِيَاس عِلّة وَقِيَاس معنى كرد العَبْد إِلَّا الْأمة فِي تنصيف الْحَد وَالْآخر يُقَوي شُبْهَة باصول مُخْتَلفَة وَأَن يرجح شبهه بِأَحَدِهِمَا نَحْو شبه العَبْد الْمُتْلف بالمملوكات وبالحر الَّذِي دِيَته مقدرَة وَيُسمى ذَلِك قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه وَمَا لَا تحقق فِيهِ الْعلَّة هُوَ إِيجَابه على من هُوَ خَارج الْمصر حُضُور الْجُمُعَة وَنَحْو اشْتِرَاك الْأَخ وَالْجد فِي الْمِيرَاث وَهَذَا الْمِثَال خَارج من هَذَا الْقسم لِأَن الْعلَّة فِيهِ مُحَققَة وَهُوَ الإدلاء بِالْمَيتِ وَيبعد أَن يسْتَدلّ على الْأَحْكَام بطريقة مستنبطة لَا تحقق فِيهَا الْعلَّة لِأَن الْعلَّة هِيَ الطَّرِيق إِلَى الحكم فَمَا لم تحقق لم يُمكن التَّوَصُّل إِلَى الحكم
(2/191)

وَكَانَ الشَّافِعِي يُسَمِّي الْقيَاس اسْتِدْلَالا لِأَنَّهُ فحص وَنظر ويسمي الِاسْتِدْلَال قِيَاسا لوُجُود التَّعْلِيل فِيهِ
وَقسم قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فِي الْعمد الأمارات قسْمَة هَذَا مَعْنَاهَا الأمارات الَّتِي لَيست بأخبار آحَاد إِمَّا أَن يكون لَهَا أصل يَقع الرَّد إِلَيْهِ وَهُوَ الْقيَاس وَإِمَّا أَن لَا يكون لَهَا أصل يَقع إِلَيْهِ الرَّد وَهُوَ ضَرْبَان
أَحدهمَا لَا يتلخص الامارة فِيهِ كالأمارة الَّتِي يفصل بهَا بَين الْعَمَل الْقَلِيل وَالْكثير فِي الصَّلَاة إِذْ الْمرجع بذلك إِلَى مَا يغلب فِي الظَّن من غير أَمارَة يُمكن تَعْيِينهَا وَلَا يُمكن أَن يَجْعَل أَمارَة الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة أَن لَا يغلب على ظن الْمشَاهد لفَاعِله أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة لِأَن من يُشَاهد غَيره يقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ من الْعَمَل الْقَلِيل
وَالضَّرْب الآخر يُمكن تَلْخِيص الأمارة فِيهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَمارَة عقلية وَالْآخر أَمارَة سمعية والأمارة الْعَقْلِيَّة هِيَ الَّتِي لَا يحْتَاج فِي كَونهَا أَمارَة إِلَى سمع وَهِي ضَرْبَان احدهما الحكم الْمُتَعَلّق بهَا عَقْلِي وَالْآخر سَمْعِي أما الأول فقيم الْمُتْلفَات الحكم فِيهِ عَقْلِي وَهُوَ قدر الْقيمَة والأمارة عقلية وَهِي اختبار عادات النَّاس فِي البيع وَيُمكن تَلْخِيص الأمارة فِي ذَلِك لِأَن من قوم الثَّوْب بِعشْرَة دَرَاهِم لَو قيل لَهُ لم قومته لقَالَ إِن عَادَة النَّاس أَن يبيعوا مثله بِعشْرَة دَرَاهِم
إِن قيل هلا أوجبتم من جِهَة الْعقل إِذا خرق زيد ثوب عَمْرو أَن يخرق عَمْرو ثوب زيد قيل إِن زيدا لَو أمكنه أَن لَا يخرق مَا خرقه من ثوب عَمْرو وَجب عَلَيْهِ أَن لَا يخرقه وَلم يُوجد معنى لذَلِك فاذا لم يُمكنهُ ذَلِك وَجب عَلَيْهِ مَا يجْرِي هَذَا المجرى وَهُوَ سد الثلمة الَّتِي أحدثها بِدفع الْمثل أَو الْقيمَة حَتَّى يصير كَأَنَّهُ لم يحدث مَا أحدث
فان قيل إِنَّه إِذا خرج من الْقيمَة فقد نفى شِفَاء الغيظ قيل إِن غيظ
(2/192)

الْمَجْنِي عَلَيْهِ يَزُول بِخُرُوج الْجَانِي من الْقيمَة أَو الْمثل مَعَ الِاعْتِذَار أَو مَعَ إِلْزَام الْحَاكِم إِيَّاه ذَلِك
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن السُّؤَال بِأَن زيدا إِذا خرق ثوب من خرق ثَوْبه فقد أضرّ بِنَفسِهِ حِين لم يتعوض من مَاله التَّالِف بِمَال غَيره والإضرار بِالنَّفسِ من غير فَائِدَة قَبِيح وَسَأَلَ نَفسه فَقَالَ هلا كَانَت الْفَائِدَة فِي ذَلِك التشفي فَقَالَ التشفي إِنَّمَا يحسن تبعا لحسن تخريق ثوب الْجَانِي فاذا لم يحسن ذَلِك لم يحسن التشفي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يقبح تخريق ثوب الْجَانِي إِذا بينتم أَنه لَا يحسن التشفي فقبحه تَابع لبُطْلَان كَون التشفي وَجها فِي حسنه بِخِلَاف قَوْلكُم إِن التشفي تَابع لحسن التخريق
وَأما الأمارة الْعَقْلِيَّة الَّتِي حكمهَا سَمْعِي فنحو الأمارات الْعَقْلِيَّة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى جِهَة الْقبْلَة وَحكمهَا السمعي وجوب التَّوَجُّه فِي تِلْكَ الْجِهَة وعَلى التَّحْقِيق حكمهَا هُوَ كَون الْقبْلَة فِي تِلْكَ الْجِهَة وَوُجُوب التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة هُوَ تَابع لحكمها إِلَّا أَن ذَلِك لَا يخرج وجوب التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة من أَن يكون من أَحْكَام هَذِه الأمارة على بعض الْوُجُوه
وَأما الأمارة السمعية فَهِيَ الَّتِي يفْتَقر فِي كَونهَا أَمارَة إِلَى سمع وَلَا يَخْلُو حكمهَا إِمَّا أَن يكون سمعيا أَو عقليا إِلَّا أَنه لَا يجوز أَن يكون حكمهَا عقليا لِأَن الْعقل أسبق من السّمع وَطَرِيق الشَّيْء لَا يجوز أَن يتَأَخَّر عَنهُ وَأما الَّتِي حكمهَا سَمْعِي فنحو جعل الْمَسْجِد أَمارَة فاصلة بَين الْحَالة الَّتِي يجوز للامام إِذا أحدث أَن يسْتَخْلف فِيهَا وَبَين الْحَالة الَّتِي لَا يجوز لَهُ ذَلِك من حَيْثُ بني الْمَسْجِد للصَّلَاة الْوَاحِدَة فَكَانَ كالصف الْوَاحِد فَهَذَا الِاعْتِبَار بِالشَّرْعِ علم كَونه أَمارَة وَالْحكم الْمُتَعَلّق بِهِ سَمْعِي وَكَذَلِكَ وجوب مصير أهل الْقرى إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة إِذا سمعو الْأَذَان هُوَ حكم سَمْعِي وَكَون سَماع الْأَذَان أَمارَة لذَلِك مَعْلُوم بِالسَّمْعِ
(2/193)

فان قيل وَلم قُلْتُمْ إِن مَا لَا يتلخص فِيهِ طَريقَة مُعينَة لَا بُد فِيهِ من أَمارَة قيل لِأَن الله سُبْحَانَهُ كلفنا فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد وَالنَّظَر وَلَا بُد من أَن نجتهد فِي طَرِيق إِمَّا دلَالَة وَإِمَّا أَمارَة فَإِذا لم يكن دلَالَة فَلَا بُد من أَمارَة وَإِن لم يتلخص الْعبارَة عَنْهَا وَلِهَذَا يجد الْإِنْسَان فِي نَفسه أمرا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الظَّن فان مَا عمله فِي الصَّلَاة عمل قَلِيل وَإِن لم يتلخص الْعبارَة عَنهُ
وَاعْلَم أَن الأمارة لَا بُد من أَن يكون بَينهَا وَبَين مَا هِيَ أَمارَة فِيهِ تعلق لَوْلَا ذَلِك لم يكن بِأَن يكون أَمارَة عَلَيْهِ أولى من أَن لَا يكون أَمارَة عَلَيْهِ أَو أَمارَة على غَيره وَذَلِكَ التَّعَلُّق ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون الأمارة كالمؤثرة فِي مدلولها على الْأَكْثَر والأغلب وَالْآخر أَن تكون لَوْلَا مدلولها لما كَانَت الأمارة على الْأَمر الْأَكْثَر وَيكون مدلولها كالمؤثر فِيهَا وَيجوز حُصُول الأمارة على الندرة من دون مدلولها مِثَال الأول من العقليات الْغَيْم الرطب فِي زمن الشتَاء لِأَنَّهُ كالمؤثر فِي نزُول الْمَطَر وَهُوَ أَمارَة عَلَيْهِ ومثاله أَيْضا دين الْإِنْسَان فانه مُؤثر فِي تجنبه الْكَذِب وَهُوَ أَمارَة عَلَيْهِ ومثاله فِي الشرعيات وجود عِلّة الأَصْل فِي الْفَرْع فانها أَمارَة لثُبُوت حكمه وَهِي طريقنا إِلَى ثُبُوت الحكم فِيهِ إِذا دلّ الدَّلِيل على وجوب الْقيَاس وَمِثَال الْقسم الثَّانِي من العقليات أَن نعلم أَن فِي بعض الْمنَازل مَرِيضا قد شفي ثمَّ يسمع الصُّرَاخ من دَاره فَذَلِك أَمارَة على مَوته وَمَوته هُوَ الْمُؤثر فِي الصُّرَاخ ولولاه لم يكن الصُّرَاخ فِي الْأَكْثَر وَإِن جَازَ أَن يكون سَبَب حُدُوثه غير مَوته ومثاله من الشرعيات ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل مَعَ وصف وانتفاؤه فِي الأَصْل عِنْد انتفائه فَذَلِك أَمارَة لكَون ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم فِي الأَصْل لِأَن حُصُول الحكم بِحُصُول الْوَصْف وانتفاؤه بانتفائه طَرِيق إِلَى كَون ذَلِك عِلّة فاذا لم يكن دلَالَة فَهُوَ إِذا أَمارَة على ذَلِك وَلَوْلَا أَن ذَلِك الْوَصْف هُوَ عِلّة الحكم لم تحصل هَذِه الأمارة أَعنِي ثُبُوت الحكم بِثُبُوت الْوَصْف وانتفاؤه بانتفائه وَإِذا ثَبت أَن ذَلِك الْوَصْف هُوَ عِلّة الحكم فِي الأَصْل ثَبت كَونه أَمارَة على وجوب الحكم فِي الْفَرْع وَلَيْسَ يمْتَنع كَون الحكم على كَيْفيَّة مَخْصُوصَة أَمارَة على أَن بعض أَوْصَاف الأَصْل هُوَ عِلّة حكمه
(2/194)

وَتَكون الْعلَّة أَمارَة على وجوب الحكم فِي الْفَرْع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْقيَاس مَا هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اخْتلف النَّاس فِي حد الْقيَاس فحده بَعضهم بِأَنَّهُ اسْتِخْرَاج الْحق وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون اسْتِخْرَاج الْحق بالاستدلال بالنصوص والظواهر قِيَاسا وَيلْزم ذَلِك أَيْضا من حَده بِأَنَّهُ اسْتِدْلَال وَحده بَعضهم بِأَنَّهُ التَّشْبِيه وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون من قَالَ إِن الارز يشبه الْبر فِي الصلابة قائسا وَأَن يُوصف الله سُبْحَانَهُ بانه قائس إِذا شبه بَين الشَّيْئَيْنِ وَحده الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَنَّهُ حمل الشَّيْء على غَيره وإجراء حكمه عَلَيْهِ فان أَرَادَ إِجْرَاء حكمه عَلَيْهِ لأجل الشّبَه فَصَحِيح وَكَانَ يجب التَّصْرِيح بذلك وَإِن لم يرد ذَلِك لم يَصح لِأَن إِثْبَات الحكم فِي الشَّيْء من غير تَشْبِيه بَينه وَبَين غَيره يكون مُبْتَدأ وَمن ابْتَدَأَ فَأثْبت فِي الشَّيْء حكما لَا يكون قائسا وَإِن اتّفق أَن يكون ذَلِك الحكم ثَابتا فِي غَيره وَحده قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله بِأَنَّهُ حمل الشَّيْء على الشَّيْء فِي بعض أَحْكَامه لضرب من الشّبَه
وَأبين من هَذَا أَن يحد بِأَنَّهُ تَحْصِيل حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم عِنْد الْمُجْتَهد وَقد دخل فِي ذَلِك الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الْإِثْبَات وَفِي النَّفْي وَإِنَّمَا قُلْنَا الشّبَه عِنْد الْمُجْتَهد لِأَن الْمُجْتَهد قد يظنّ أَن بَين الشَّيْئَيْنِ شبها وَإِن لم يكن بَينهمَا شبه فَيكون رده إِلَيْهِ قِيَاسا وَإِنَّمَا حددنا الْقيَاس بِمَا ذكرنَا لِأَن الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاس شَيْء على شَيْء أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ قست هَذَا الشَّيْء قيل لَهُ على مَاذَا قسته وَلَو أثبت الْإِنْسَان حكم الشَّيْء فِي غَيره لَا لشبه بَينهمَا لَكَانَ مبتدئا بالحكم فِيهِ غير مراع لحكم الأَصْل وَلم يشرط اعْتِبَار الشّبَه فِي الْحَد لِأَنَّهُ دَاخل فِي الْمَعْقُول من الْقيَاس لَا لِأَن الْقيَاس لَا يَصح من دونه
(2/195)

إِن قيل أَلَيْسَ الْفُقَهَاء يسمون قِيَاس الْعَكْس قِيَاسا وَلَيْسَ هُوَ تَحْصِيل حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم بل هُوَ تَحْصِيل نقيض حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لافتراقهما فِي عِلّة الحكم مِثَاله قَول الْقَائِل لَو لم يكن الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف لما كَانَ من شَرطه وَإِن نذر أَن يعْتَكف بِالصَّوْمِ كَالصَّلَاةِ لما لم تكن من شَرط الِاعْتِكَاف لم تكن من شَرطه وَإِن نذر أَن يعْتَكف بِالصَّلَاةِ فَالْأَصْل هُوَ الصَّلَاة وَالْحكم هُوَ نفي كَونهَا شرطا فِي الِاعْتِكَاف وَلَيْسَ يثبت هَذَا الحكم فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الصَّوْم فَإِنَّمَا يثبت نقيضه وَلم يجتمعا فِي الْعلَّة بل افْتَرقَا فِيهَا لِأَن الْعلَّة الَّتِي لَهَا لم تكن الصَّلَاة شرطا فِي الِاعْتِكَاف هِيَ كَونهَا غير شَرط فِيهِ مَعَ النّذر وَهَذَا الْمَعْنى غير مَوْجُود فِي الصَّوْم لِأَنَّهُ شَرط مَعَ النّذر الْجَواب انه إِذا كَانَ الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاس شَيْء على شَيْء وَلَا يكون قِيَاسا عَلَيْهِ إِلَّا وَقد اعْتبر حكمه وَلَا يكون الْقيَاس مُعْتَبرا بِحكمِهِ إِلَّا وَقد اعْتبر الشّبَه بَينهمَا إِذا كَانَ ذَلِك لَا يتم فِي قِيَاس الْعَكْس وَجب تَسْمِيَته قِيَاسا مجَازًا من حَيْثُ كَانَ الْفَرْع مُعْتَبرا بِغَيْرِهِ على بعض الْوُجُوه فَلَا يجب إِذن دُخُوله فِي الْحَد
وَيجوز أَن نحد الْقيَاس بِحَدّ يشْتَمل قِيَاس الطَّرْد وَالْعَكْس فَنَقُول الْقيَاس هُوَ تَحْصِيل الحكم فِي الشَّيْء بِاعْتِبَار تَعْلِيل غَيره وَهَذَا الْحَد يشْتَمل على كلا القياسين أما قِيَاس الطَّرْد فقد حصل الحكم فِي فَرعه بِاعْتِبَار تَعْلِيل الأَصْل وَأما قِيَاس الْعَكْس فانه قد اعْتبر تَعْلِيل الأَصْل لنفي حكمه من الْفَرْع لافتراقهما فِي الْعلَّة
وَإِذا حددنا الْقيَاس بذلك قسمناه إِلَى قِيَاس الطَّرْد وَالْعَكْس وَقِيَاس الطَّرْد هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَقِيَاس الْعَكْس هُوَ تَحْصِيل نقيض حكم الشَّيْء فِي غَيره لافتراقهما فِي عِلّة الحكم
فَأَما حكم الْقيَاس الشَّرْعِيّ فَهُوَ المنقسم إِلَى كَون الْفِعْل قبيحا وحسنا وَيكون فعله أولى من تَركه أَو يكون تَركه أولى من فعله وَكَونه وَاجِبا
وَأما الأَصْل فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه مُسْتَعْمل فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا
(2/196)

الطَّرِيق إِلَى الشَّيْء كالكتاب هُوَ أصل الْأَحْكَام وأحدها الحكم الْمَقِيس عَلَيْهِ وَهُوَ أصل الْقيَاس وَاحِدهَا الشَّيْء الَّذِي لَا يَصح الْعلم بِغَيْرِهِ إِلَّا مَعَ الْعلم بِهِ كالموصوف وَالصّفة وأحدها الحكم الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره كدخول الْحمام بِغَيْر عوض مُقَدّر فَإِنَّهُ يُقَال إِن هَذَا أصل فِي نَفسه وَيُمكن أَن يُقَال إِن قَوْلنَا أصل يسْتَعْمل على الْحَقِيقَة وعَلى الْمجَاز فالمستعمل على الْحَقِيقَة هُوَ مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ غَيره ويستند إِلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ صِحَّته كَالْعلمِ بِصفة الشَّيْء يتَفَرَّع على الْعلم بالشَّيْء وَقد يُوصف الشَّيْء أَيْضا بِأَنَّهُ أصل الصّفة وَالضَّرْب الآخر يتَفَرَّع عَلَيْهِ الْعلم بالشَّيْء بِأَن يكون طَرِيقا إِلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يكون طَرِيقا إِلَيْهِ بطرِيق التَّشْبِيه وَهُوَ أصل الْقيَاس وَالْآخر بِغَيْر طَرِيق التشبية وَهُوَ النُّصُوص وَغَيرهَا وَأما الْمُسَمّى اصلا على الْمجَاز فَهُوَ دُخُول الْحمام باجرة غير مقدرَة وَإِنَّمَا تجوزنا بتسميته ذَلِك اصلا لِأَنَّهُ أشبه الْأُصُول الْمُتَقَدّم ذكرهَا من حَيْثُ لم يستفد حكمه من غَيره
فاما أصل الْقيَاس فقد اخْتلف النَّاس فِيهِ فَقَالَ المتكلمون الأَصْل الَّذِي يُقَاس عَلَيْهِ الارز هُوَ الْخَبَر الدَّال على ثُبُوت الرِّبَا فِي الْبر وَقَالَ الْفُقَهَاء بل هُوَ الشَّيْء يثبت حكم الْقيَاس فِيهِ بِالنَّصِّ كالبر أَو يَقُول هُوَ الشَّيْء الَّذِي يسْبق الْعلم بِحُصُول حكم الْقيَاس فِيهِ وَقَالَ بَعضهم بل هُوَ حكم الْقيَاس من حَيْثُ هُوَ ثَابت بِالنَّصِّ نَحْو كَون الْبر حَرَامًا وَالْكَلَام فِي ذَلِك من وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا الَّذِي يَقع النّظر فِيهِ حَتَّى يعلم حُصُول الحكم فِي الارز وَالْآخر قَوْلنَا هَل فَائِدَة قَوْلنَا أصل ثَابِتَة فِي كل وَاحِد من هَذِه الْأَشْيَاء أم لَا وَأَنه أَحْرَى أَن يُوصف بِأَنَّهُ أصل أما الْكَلَام فِي الأول فَهُوَ أَن القائس ينظر أَي الْأَوْصَاف يُؤثر فِي قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا فنظره يتَعَلَّق بالحكم وبالعلة ثمَّ ينظر هَل الْعلَّة مَوْجُودَة فِي الْأرز أم لَا فان كَانَت مَوْجُودَة تبعها الحكم وَلَو علم قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا ضَرُورَة أمكنه قِيَاس الارز عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يحْتَج الارز إِلَى الِاسْتِدْلَال بالْخبر على ثُبُوت الرِّبَا فِي الْبر لِأَنَّهُ لَيْسَ يعلم ذَلِك ضَرُورَة وَلَا
(2/197)

بِدَلِيل عقل وَهَذِه الْجُمْلَة لَا بُد مِنْهَا وَلَا خلاف فِيهَا فان خَالف فِيهَا أحد فِيمَا ذَكرْنَاهُ يفْسد قَوْله وَالْكَلَام فِي الْوَجْه الثَّانِي هُوَ أَن وصف الْخَبَر الثَّانِي على قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا بِأَنَّهُ أصل لقبح بيع الْأرز صَحِيح لِأَنَّهُ عَلَيْهِ يتَفَرَّع قبح بيع الارز مُتَفَاضلا من حَيْثُ كَانَ الْخَبَر دَالا على مَا إِذا نَظرنَا فِيهِ فَعلمنَا عِلّة الْقبْح أَو ظنناها أثبتنا الْقبْح فِي الارز وَأما وصف الْبر بِأَنَّهُ أصل ففائدته أَن الْعلم بِحكمِهِ بسبق الْعلم بِحكم الارز وَأَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر وَالْبر نَفسه أصل لحكمه لِأَن الشَّيْء اصل لصفته يبين أَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر هُوَ أَنا إِذا نَظرنَا فِي حكم الْبر وظننا علته أمكننا قِيَاس الارز عَلَيْهِ فَصَارَ حكم الارز متفرعا على حكم الْبر من هَذِه الْجِهَة وَلَيْسَ يلْزم على هَذَا أَن يُوصف الْبر قبل الشَّرْع بِأَنَّهُ اصل لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ اصلا إِذا ثَبت فِيهِ الحكم الَّذِي إِذا نَظرنَا فِيهِ وَفِي صِفَاته يوصلنا إِلَى حكم غَيره وَمَعْلُوم أَن الرِّبَا لم يكن ثَابتا فِي الْبر قبل الشَّرْع فَلم يكن إِذْ ذَاك اصلا وَإِذا كَانَ لوصف الْبر بِأَنَّهُ أصل وَجه صَحِيح لم نلم الْفُقَهَاء على الِاصْطِلَاح على وصف ذَلِك بِأَنَّهُ اصل فَأَما وصف حكم الْبر بِأَنَّهُ أصل لحكم الارز فَلهُ وَجه صَحِيح ايضا لِأَن حكم الارز يتَفَرَّع على حكم الْبر من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ
إِن قيل لَيْسَ يَخْلُو كَون الْبر حَرَامًا إِمَّا أَن يكون فعلنَا أَو اعتقادنا قبح بيع بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا وَإِن كَانَ هُوَ فعلنَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح الْقيَاس لَو لم يُوجد فعلنَا لبيعه مُتَفَاضلا وَإِن كَانَ هُوَ اعتقادنا كَون ذَلِك حَرَامًا فاعتقادنا لذَلِك لَيْسَ بِحرَام فيقاس عَلَيْهِ بيع الارز فَإِذن الأَصْل هُوَ الْخَبَر الْجَواب ان من جعل حكم الْبر هُوَ الأَصْل يَقُول إِن الحكم هُوَ قبح بَيْعه مُتَفَاضلا وَلَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْفِعْل وَلَا اعتقادنا كَمَا أَنا نقيس الْكَذِب الَّذِي فِيهِ نفع على الْكَذِب العاري عَن نفع وَدفع ضَرَر وَلَا نقيسه على مُجَرّد كَونه فعلا وَلَا على علمنَا بقبحه لِأَن علمنَا لَيْسَ بقبح وَلَيْسَ قبحه مَعْلُوما بِدَلِيل فَيُقَال إِن الْقيَاس يَقع على دَلِيله وَلَيْسَ يقف صِحَة الْقيَاس على وجود بيع الْبر مُتَفَاضلا لانه لَو لم يُوجد ذَلِك أمكننا أَن نقُول لَو وجد لَكَانَ قبيحا لِأَنَّهُ
(2/198)

مَكِيل جنس وَهَذَا قَائِم فِي الارز فَوَجَبَ قبح بَيْعه مَعَه مُتَفَاضلا كَمَا أَنه لَو لم يُوجد كذب أمكننا أَن نقُول لَو وجد الْكَذِب العاري من دفع مضرَّة ونفع لَكَانَ قبيحا لِأَنَّهُ كذب وَهَذَا حَاصِل فِي الْكَذِب الَّذِي فِيهِ نفع على أَن الْقَائِل إِن كَون بيع الْبر مُتَفَاضلا حَرَامًا إِمَّا أَن يكون بيعنا لَهُ مُتَفَاضلا وَإِمَّا أَن يكون اعتقادنا كَونه حَرَامًا قد جعل كَونه حَرَامًا مُعْتَقدًا لاعتقاد ومعتقد الِاعْتِقَاد غير الِاعْتِقَاد وَهُوَ أَيْضا أَمر زَائِد على كَون الْفِعْل فعلا لِأَن كَون الْفِعْل حَرَامًا أَمر زَائِد على كَونه فعلا وَلِهَذَا كَانَ اعْتِقَاد أَحدهمَا مفارقا لاعتقاد الآخر وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ تَحْرِيم الْفِعْل ويعنون بذلك كَونه حَرَامًا فصح أَن لكل وَاحِد من الْأَقَاوِيل الْمَذْكُورَة فِي معنى الأَصْل وَجها صَحِيحا وَإِن كَانَ الأول أَن يكون الحكم هُوَ الأَصْل
وَأما الْفَرْع فِي الْقيَاس فَهُوَ عِنْد الْمُتَكَلِّمين الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته بِالتَّعْلِيلِ كقبح بيع الارز مُتَفَاضلا لِأَنَّهُ هُوَ المتفرع على غَيره دون نفس الارز وَعند الْفُقَهَاء ان الْفَرْع هُوَ الَّذِي يطْلب حكمه بِالْقِيَاسِ وَهُوَ أَيْضا الَّذِي يتَعَدَّى إِلَيْهِ حكم غَيره أَو الَّذِي يتَأَخَّر الْعلم بِحكمِهِ كالارز وَإِنَّمَا سموا ذَلِك فرعا لِأَن حكمه يتَفَرَّع على غَيره وَمَا ذكره المتكلمون أولى لِأَن نفس الارز لَيْسَ يتَفَرَّع على غَيره وَإِنَّمَا المتفرع حكمه
وَأما الشّبَه فَهُوَ مَا يشْتَرك فِيهِ الشيئان من الصِّفَات سَوَاء كَانَت صفة ذاتية أَو غير ذاتية كاشتراك الجسمين فِي السوَاد وَقد يكون صفة تفِيد حكما عقليا أَو سمعيا وغرض الْفُقَهَاء من ذَلِك مَا اقْتضى الحكم السمعي
وَأما التَّشْبِيه فقد قيل هُوَ فِي الأَصْل مَا بِهِ يكون الشَّيْء مشبها لغيره كالتحريك هُوَ مَا بِهِ يكون الشَّيْء محركا لغيره فقد اسْتعْمل فِي الِاعْتِقَاد وَالظَّن وَالْخَبَر فَيُقَال لمن أخبر أَو اعْتقد أَن الله عز وَجل يشبه الْأَشْيَاء إِنَّه مشبه وان خَبره تَشْبِيه
فَأَما قَوْلنَا عِلّة فمستعمل فِي عرف اللُّغَة وَفِي عرف الْفُقَهَاء وَفِي عرف
(2/199)

الْمُتَكَلِّمين أما فِي عرف اللُّغَة فمستعمل فِيمَا أثر فِي أَمر من الامور سَوَاء كَانَ صفة أَو كَانَ ذاتا وَسَوَاء آثر فِي الْفِعْل أَو فِي التّرْك فَيُقَال مَجِيء زيد عِلّة فِي خُرُوج عَمْرو وَفِي أَن لَا يخرج عَمْرو ويسمون الْمَرَض عِلّة لِأَنَّهُ يُؤثر فِي فقد التَّصَرُّف وَأما الْعلَّة فِي عرف الْفُقَهَاء فَهِيَ مَا أثرث حكما شَرْعِيًّا وَإِنَّمَا يكون الحكم شَرْعِيًّا إِذا كَانَ مستفادا من الشَّرْع وَأما فِي عرف الْمُتَكَلِّمين فتستعمل على الْمجَاز وعَلى الْحَقِيقَة أما على الْحَقِيقَة فتستعمل فِي كل ذَات أوجبت حَالا لغَيْرهَا كَقَوْل بَعضهم إِن الْحَرَكَة عِلّة مُوجبَة كَون المتحرك متحركا وَأما اسْتِعْمَاله على الْمجَاز فَمِنْهُ أَن تكون الْعلَّة مُؤثرَة فِي الِاسْم كَقَوْلِنَا السوَاد عِلّة فِي كَون الْأسود أسود أَي هُوَ عِلّة فِي تَسْمِيَته أسود وَمِنْه مَا يُؤثر فِي الْمَعْنى وَهَذَا مِنْهُ مَا يُؤثر فِي النَّفْي كتأثير الْبيَاض فِي انْتِفَاء السوَاد وَمِنْه مَا يُؤثر فِي الْإِثْبَات وَهَذَا مِنْهُ ذَات كتأثير السَّبَب فِي الْمُسَبّب وَمِنْه صفة تَقْتَضِي صفة كاقتضاء صفة الْجَوْهَر كَونه متحيزا هَذَا على قَول شُيُوخنَا وَإِنَّمَا سموا كل وَاحِد من ذَلِك عِلّة لِأَن لَهَا تَأْثِيرا فِي الْإِيجَاب إِلَّا أَنهم لَا يسمون هَذِه الْأَقْسَام عللا إِلَّا نَادرا وَسموا الْقسم الأول عِلّة على الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا مُوجبَة على كل حَال من غير شَرط وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَقْسَام الْأُخَر
وَأما الْمُعَلل فَهُوَ مَا طلبت علته فعلل بهَا وَهَذَا هُوَ الحكم الثَّابِت فِي الأَصْل لِأَنَّهُ الَّذِي يعلم أَولا ثمَّ يطْلب علته فيعلل بهَا
وَأما الْمَعْلُول فَهُوَ الَّذِي أثرته الْعلَّة وأنتجته وَهَذَا هُوَ الحكم من حَيْثُ هُوَ ثَابت فِي الْفَرْع لَا من حَيْثُ هُوَ ثَابت فِي الأَصْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن الْعقل لَا يقبح التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن من نفاة الْقيَاس من قَالَ إِن الْعقل يقبح التَّعَبُّد بِالْعَمَلِ على الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْعقل لَا يقبح ذَلِك وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعقل
(2/200)

يجوز تَكَامل شُرُوط حسن التَّعَبُّد بذلك وَلَا يجوز أَن يقبحه مَعَ تجويزه اخْتِصَاصه بِمَا يُوجب حسنه
وشرائط حسن التَّعَبُّد بِالْفِعْلِ إِمَّا أَن ترجع إِلَى الْفِعْل نَحْو كَونه ندبا وواجبا وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى الْفَاعِل نَحْو كَونه مزاح الْعلَّة بالأقدار والآلات وإعلام وجوب الْفِعْل وَكَونه ندبا أَو التَّمَكُّن من علم ذَلِك بِنصب الدّلَالَة وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى التَّعَبُّد نَحْو أَن يكون الْأَمر مفْسدَة وَإِمَّا أَن ترجع إِلَى الْمُكَلف نَحْو علمه من حَال الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأَنه سيثيب الْمُكَلف إِن أطَاع وكل ذَلِك يجوز الْعقل حُصُوله فِي هَذَا التَّعَبُّد
وَأما مَا يرجع إِلَى الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَهُوَ أَن الْعقل يجوز أَن يكون فعلنَا بِحَسب مَا ظنناه من الأمارة لطفا وَإِذا لم نعمل بحسبها فاتنا اللطف وَذَلِكَ إِن ظننا الأمارة حَالَة نَحن عَلَيْهَا وَقد تخْتَلف الْمصَالح بِحَسب أحوالنا أَلا ترى أَن مصلحَة الْمُسَافِر فِي صلَاته خلاف مصلحَة الْمُقِيم وَكَذَلِكَ الطَّاهِر وَالْحَائِض وَيخْتَلف الْوَاجِب على الْإِنْسَان بِحَسب ظَنّه الْمُخَالفَة فِي سَفَره وَأما أَن الْإِنْسَان قَادر على الْفِعْل حَاضر الْآلَات فَبين وَأما أَنه يجوز كَون الْمُكَلف مُتَمَكنًا من الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل على الْقيَاس فَهُوَ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ الله عز وَجل للمكلف إِذا ظَنَنْت بأمارة أَن عِلّة تَحْرِيم الْخمر هِيَ الشدَّة فقد وَجب عَلَيْك قِيَاس النَّبِيذ عَلَيْهِ ولزمك اجْتِنَاب شربه فقد تمكن من الْعلم بقبح شرب النَّبِيذ لِأَنَّهُ قد وقف علمه بقبحه على ظَنّه الأمارة وَهُوَ يعرف هَذَا الظَّن من نَفسه كَمَا أَنه يكون مُمكنا لَهُ من الْعلم إِذا قَالَ لَهُ الْخمر حرَام لِأَنَّهَا شَدِيدَة وَقس عَلَيْهَا النَّبِيذ وكما لَو قَالَ لَهُ النَّبِيذ حرَام وَإِذا كَانَ الْمُكَلف مُتَمَكنًا من الْعلم فَلَو قَالَ الله سُبْحَانَهُ لَهُ ذَلِك وَجَاز فِي الْعقل ان يَقُول لَهُ هَذَا القَوْل فقد جَازَ فِي الْعقل أَن يكون مُتَمَكنًا من الْعلم بِوُجُوب الْعَمَل على الْقيَاس
وَأما أَن الْعقل يجوز أَن لَا يكون التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مفْسدَة فُلَانُهُ إِن جوز كَونه مفْسدَة فانه يجوز غير مفْسدَة إِذْ لَيْسَ فِي الْعقل مَا يُوجب كَونه مفْسدَة
(2/201)

وَأَيْضًا فاذا جَازَ أَن يكون الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مصلحَة جَازَ أَن يكون التَّعَبُّد بذلك مصلحَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الْعَمَل بالشَّيْء مصلحَة وَيكون التَّعَبُّد بِهِ مفْسدَة
وَأما أَن الْمُكَلف عَالم من حَال الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَا ذَكرْنَاهُ وَأَنه سيثيب الْمُكَلف إِن أطَاع فَلِأَنَّهُ عَالم بِكُل مَا يَصح أَن يعلم وَهَذِه الْأَشْيَاء يَصح أَن تعلم فِي نَفسهَا فقد جَازَ تَكَامل الشَّرَائِط لحسن هَذَا التَّكْلِيف
وَيُمكن اخْتِصَار هَذِه الدّلَالَة ويقتصر على مَا يُخَالف فِيهِ الْخصم فَنَقُول إِنَّه قد حسن فِي الْعقل تَكْلِيف الْعَمَل بِمُوجب الْقيَاس الْمَعْلُومَة علته وَلَو قبح تَكْلِيف الْعَمَل إِذا كَانَ الْقيَاس مظنون الْعلَّة لَكَانَ إِنَّمَا يقبح لأجل مَا بِهِ افترق التكليفان وَالَّذِي افْتَرقَا فِيهِ هُوَ بَيَان هَذَا التَّكْلِيف للْعَمَل بِحَسب الظَّن دون التَّكْلِيف الآخر وَلَو كَانَ هَذَا وَجها بقبح التَّكْلِيف لما ورد بِهِ التَّعَبُّد الْعقلِيّ والسمعي أما الْعقلِيّ فوجوب الْقيام من تَحت حَائِط مائل يخْشَى سُقُوطه لفرط ميله وَإِن جوز السَّلامَة فِي الْقعُود والهلاك فِي النهوض وقبح السّفر للريح مَعَ ظن الخسران وقبح سلوك طَرِيق بِظَنّ الأمارة وجود اللُّصُوص فِيهِ وَإِن جَوَّزنَا خلاف مَا ظننا وَأما السمعي فَالْحكم بِشَهَادَة من يظنّ صدقه وتولية الْقُضَاة والأمراء عِنْد ظن سدادهم والتوجه إِلَى جِهَة عِنْد ظن كَون الْقبْلَة فِيهَا وَالْحكم بِقدر من النَّفَقَة بِحَسب الظَّن إِلَى غير ذَلِك وَأَيْضًا فَالْحكم بِحَسب الظَّن لَا يمْتَنع أَن يكون مصلحَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلم يمْتَنع وُرُود التَّعَبُّد بِهِ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله لَو جَازَ التَّعَبُّد فِي الْفُرُوع بِالْقِيَاسِ مَعَ أَنَّهَا مصَالح جَازَ مثله فِي الْأُصُول الشَّرْعِيَّة مَعَ أَنَّهَا مصَالح الْجَواب ان الْمُسْتَدلّ إِن ألزمنا جَوَاز التَّعَبُّد بِقِيَاس الْبر فِي الرِّبَا على أصل قد نَص على ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ فانا نلتزم ذَلِك وَيكون قبح بيع الْبر مُتَفَاضلا فرعا وَالْحَال هَذِه لِأَنَّهُ لم ينص على ثُبُوت الرِّبَا
(2/202)

فِيهِ وَإِنَّمَا أثبت الرِّبَا فِيهِ بِالرَّدِّ إِلَى غَيره وَإِن ألزمنا أَن نقيس الرِّبَا فِي الْبر لَا على شَيْء فقد ألزم مَا لَا يعقل لِأَن الْمَعْقُول من الْقيَاس أَن يكون قِيَاسا على شَيْء وَيُقَال لَهُم إِذا جَازَ قِيَاس شَيْء على شَيْء جَازَ مَا لَا يتَصَوَّر من قِيَاس شَيْء لَا على شَيْء وعَلى أَن الْمُخَالف لم يقْصد إلزامنا مَا لَا يعقل وَإِنَّمَا قصد إلزامنا مَا يعقل مِمَّا تحظره الْحِكْمَة لِأَنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يتعبد بِالظَّنِّ فِي الْمصَالح وَهَذَا إِن امْتنع فانما يمْتَنع من جِهَة الْحِكْمَة لَا لِأَنَّهُ لَا يعقل
وَمِنْهَا قَوْلهم الشرعيات مصَالح فَلَو جَوَّزنَا إِثْبَاتهَا بالأمارات مَعَ أَنَّهَا قد تخطىء جَازَ أَن يخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار إِذا دلّت الأمارات على كَونه فِيهَا وَإِن كَانَت الأمارات قد تخطىء وتصيب وَالْجَوَاب حكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ ابي عبد الله رحمهمَا الله التَّسْوِيَة بَين الْأَمريْنِ قَالَ لِأَنَّهُ كَمَا نجوز أَن بِنصب الله تَعَالَى أَمارَة على شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فاذا غلب على ظننا شبهه بِهِ تعبدنا بِالْعلمِ بِوُجُوب إِلْحَاقه بِهِ فِي حكمه وبالعمل بِهِ فَكَذَلِك نجوز أَن ينصب على كَون زيد فِي الدَّار أَمارَة فاذا ظنناه فِي الدَّار جَازَ أَن يتعبدنا بِأَن ننتقل عَن ظن كَونه فِيهَا إِلَى الْعلم لكَونه فِيهَا ويتعبدنا بالْخبر عَن كَونه فِيهَا فَلم يفرق بَينهمَا
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لم يسو بَينهمَا لِأَن الأمارة الدَّالَّة على كَون زيد فِي الدَّار نظيرها الأمارة الدَّالَّة على شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فِيمَا هُوَ عِلّة الحكم وَنحن لَا ننتقل عَن الظَّن لشبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ إِلَى الْقطع على ذَلِك فَكيف قَالَ إِنَّه يجوز أَن يتعبدنا أَن ننتقل عَن الظَّن لكَون زيد فِي الدَّار إِلَى الْعلم بِأَنَّهُ فِيهَا كَمَا فعلنَا فِي الْقيَاس وَهُوَ لم يفعل مثل ذَلِك فِي الْقيَاس وَأَيْضًا فان جَازَ مَعَ كَون الأمارة قد تخطىء وتصيب أَن يسْتَمر الْحَال فِي إصابتها فِي دلالتها على كَون زيد فِي الدَّار جَازَ مَعَ أَن الِاخْتِيَار قد يخطىء ويصيب أَن تستمر إِصَابَته للحق وَإِن جَازَ أَن يتَّفق إِصَابَة الأمارة فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فتتعبد بهَا فِي ذَلِك الشَّيْء بِالْقطعِ على حكمهَا جَازَ مثله فِي الِاخْتِيَار إِذا اتّفق إِصَابَته الْحق فِي مَوضِع وَاحِد وَفِي ذَلِك مُوَافقَة مويس بن عمرَان
(2/203)

وَحكي عَن الشَّيْخ أبي هَاشم أَنه منع من التَّعَبُّد بالأخبار عَن كَون زيد فِي الدَّار وَيُمكن نصْرَة ذَلِك فَنَقُول إِن أَرَادَ السَّائِل إلزامنا جَوَاز الْخَبَر عَن ظننا كَون زيد فِي الدَّار فَذَلِك جَائِز وَهُوَ خبر صدق وَإِن أَرَادَ إلزامنا الْإِخْبَار عَن كَون زيد فِي الدَّار على الْإِطْلَاق لَا بِحَسب الظَّن فَذَلِك غير لَازم لِأَن من شَرط حسن الْخَبَر أَن يكون صدقا وَالْخَبَر عَن أَن زيدا فِي الدَّار لَا يكون حسنا إِلَّا وَهُوَ صدق وَلَيْسَ معنى كَونه مُصدقا أَن نفعله وَنحن ظانون أَن زيدا فِي الدَّار بل معنى كَونه صدقا أَن يكون متناولا لكَون زيد فِي الدَّار وَيكون زيد فِيهَا وَقد يظنّ الْمخبر أَنه فِيهَا وَلَا يكون فِيهَا فَمَتَى أخبر وَالْحَال هَذِه عَن كَونه فِيهَا على سَبِيل الْقطع كَانَ مقدما على خبر لَا يَأْمَن كَونه كذبا وَذَلِكَ قَبِيح وَأما الْعِبَادَات الشَّرْعِيَّة فَهِيَ مصَالح وَقد يكون الْفِعْل يصلح إِذا فَعَلْنَاهُ وَنحن على صفة مَا وَمَتى لم يكن مصلحَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون فعلنَا الْفِعْل وَنحن نظن شبه الْفَرْع بِالْأَصْلِ هُوَ الْمصلحَة وَإِذا لم نَنْظُر حَتَّى نظن شبهه بِهِ أَو بِغَيْرِهِ فاتتنا الْمصلحَة فاذا تعبدنا الله عز وَجل بذلك علمنَا بتعبده أَن الْمصلحَة هُوَ أَن نَفْعل بِحَسب ظننا
وَهَكَذَا الْجَواب إِذا قيل لنا جوزوا أَن تدل أَمارَة على أَن الْعُمُوم مُسْتَغْرق وتخبرون بذلك على سَبِيل الْقطع لِأَن معنى كَونه مُسْتَغْرقا هُوَ أَن الْعَرَب وَضعته للاستغراق وَكَذَلِكَ الْخَبَر عَن أَن الله عز وَجل لَا يرى لأجل أَمارَة وَلَيْسَ يخْتَلف ذَلِك بِحَسب ظننا كَمَا يجوز أَن تخْتَلف الْمصَالح بِحَسب ظننا
فان قيل أتجوزون أَن يدلكم أَمارَة على أَن الْعَرَب وضعت أَلْفَاظ الْعُمُوم للاستغراق فيلزمكم أَن تستدلوا بِهِ على الْأَحْكَام قيل لَا يمْتَنع ذَلِك وَلَا أعرف فِيهِ نصا عَن شُيُوخنَا لِأَنَّهُ إِن جَازَ أَن نستدل بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا ظننا أَنه قَالَه جَازَ أَن نستدل إِذا ظننا أَن الْعَرَب وَضعته للاستغراق
فان قيل أفتجوزون أَن يجب عَلَيْكُم عبَادَة الله إِذا ظننتم وجوده بأمارة وَأَن تقتصروا على الظَّن فِي ذَلِك قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا تجب مَعْرفَته
(2/204)

لِأَنَّهَا لطف وَنحن مَعَ الْمعرفَة وَالْعلم بِهِ ابعد من الْقَبِيح وَمَتى أمعن الْإِنْسَان فِي النّظر وصل إِلَى الْعلم بِهِ فَلَزِمَ الْإِنْسَان ذَلِك لِأَنَّهُ يلْزمه كل مَا مَعَه يكون أبعد من الْقَبِيح وَمن المضار ويمكنه ذَلِك بالإمعان فِي النّظر
فان قيل أَيجوزُ أَن لَا يُمكنهُ ذَلِك بِأَن لَا تنصب لَهُ دلَالَة عَلَيْهِ وتنصب لَهُ أَمارَة قيل هَذَا محَال لِأَن جسم الْإِنْسَان دلَالَة على الله تَعَالَى فَكيف يجوز وَالْحَال هَذِه أَن لَا يكون الْإِنْسَان دلَالَة على ربه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمصَالح لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالاستدلال وَلَكِن بالنصوص فَكيف يتعبد فِيهَا بِالْقِيَاسِ الْجَواب أَنهم إِن أَرَادوا أَن الْمصَالح لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالاستدلال أصلا فَذَلِك بَاطِل بالاستدلال بالنصوص وَإِن أَرَادوا الِاسْتِدْلَال بالأمارات قيل أتريدون الأمارات الَّتِي لَا تستند إِلَى اصول منصوصة فان قَالُوا نعم فَكَذَلِك نقُول وَإِن قَالُوا نُرِيد الأمارات المستندة إِلَى اصول منصوصة فَهُوَ نفس الْمَسْأَلَة فقد استدلوا على صِحَة قَوْلهم بقَوْلهمْ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الأمارة وَالظَّن قد يخطئان وَلَا يجوز أَن يتعبد الْحَكِيم فِي الْمصَالح بِمَا يجوز أَن يخطىء الْمصَالح الْجَواب أَنا لَا نقُول إِنَّا نظن الْمصلحَة فَيلْزم مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا نقُول إِن عَملنَا بِحَسب الظَّن هُوَ الْمصلحَة وَذَلِكَ مَعْلُوم بِدَلِيل قَاطع وَهُوَ دَلِيل التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ على أَن مَا ذَكرُوهُ منتقض بِمَا تعبدنا فِيهِ بِالظَّنِّ فِي الشَّرْع وَالْعقل كالشهادات وَالتَّصَرُّف فِي الْمَنَافِع والمضار لأَنا قد نتصرف وَنحن نظن الْمَنْفَعَة فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الْمضرَّة وَيحسن ذَلِك وَإِن أمكن أَن يدلنا الله عز وَجل على مَا فِيهِ منافعنا بِدَلِيل قَاطع أَو يعلمنَا الله عز وَجل ذَلِك ضَرُورَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن الشُّبْهَة بِأَن الْمصَالح إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بالنصوص لَا غير لَكِن بَعْضهَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِنَصّ ظَاهر وَبَعضهَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِنَصّ خَفِي يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال حَتَّى يعلم أَن الحكم مُرَاد بِهِ وَمَا علم بِالْقِيَاسِ من هَذَا الْقَبِيل وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا معنى لقولكم إِن النَّص دلّ على حكم الْفَرْع وأنكم احتجتم إِلَى اسْتِدْلَال لِتَعْلَمُوا أَنه مُرَاد بِالنَّصِّ إِلَّا
(2/205)

أَن النَّص دلّ على حكم الأَصْل ثمَّ استخرجتم عِلّة الحكم وقستم بهَا بعض الْفُرُوع وَهَذَا الَّذِي أنكرناه
وَمِنْهَا قَوْلهم الْقيَاس فعلنَا وَلَا يجوز التَّوَصُّل إِلَى الْمصَالح بفعلنا الْجَواب أَن الْقيَاس هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الحكم وَلَا بُد فِي ذَلِك من أَمارَة يسْتَدلّ بهَا على عِلّة الأَصْل وَمن دَلِيل يدلنا على وجوب إِلْحَاق حكم الأَصْل بالفرع الَّذِي وجدت فِيهِ عِلّة الحكم وَلَا بُد من نظر فِي هَذِه الدّلَالَة وَفِي الامارة فان أَرَادوا بقَوْلهمْ إِن الْقيَاس فعلنَا إثباتنا حكم الأَصْل فِي الْفَرْع فَذَلِك هُوَ اعتقادنا وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي توصلنا بِهِ إِلَى الْمصَالح بل إِنَّمَا توصلنا إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد بِغَيْرِهِ وَإِن أَرَادوا الدَّلِيل الدَّال على وجوب إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ أَو الأمارة الدَّالَّة على صِحَة الْعلَّة فَذَلِك لَيْسَ بفعلنا وَإِن أَرَادوا النّظر فِي الدَّلِيل والأمارة فلعمري إِنَّه فعلنَا وَلَيْسَ يمْتَنع أَن نتوصل بِهِ إِلَى الْمصَالح إِذا وَقع فِي دَلِيل كَمَا أَن النُّصُوص تُؤدِّي إِلَى الْمصَالح بِشَرْط وُقُوع النّظر فِيهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَكل ظن وكل علم مكتسب فانما يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِالنّظرِ وَهُوَ فعلنَا
وَمِنْهَا قَوْلهم جلى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تعرف إِلَّا بالنصوص فَلم يجز إِثْبَات خفيها إِلَّا بِالنَّصِّ أَيْضا لِأَن مَا علم جليه بطرِيق فخفيه لَا يعلم إِلَّا بذلك فِي الطَّرِيق كالمدركات لَا يعلم جليها وخفيها إِلَّا بالإدراك الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم إِذا كَانَت المدركات كَذَلِك كَانَت غَيرهَا مثلهَا أَلَيْسَ مَا عدا الشرعيات يعلم جليه بالإدراك والضرورة وَيعلم خفيه بالاستدلال دون الْإِدْرَاك وجلى الشرعيات تعلم بالنصوص الظَّاهِرَة وخفيها تعلم بِنَصّ خَفِي وَكثير من الزَّعْفَرَان الْوَاقِع فِي المَاء يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بِخَبَر من شَاهد وُقُوعه فِيهِ فان قَالُوا أَلَيْسَ قد اسْتندَ ذَلِك إِلَى الْمُشَاهدَة قيل فَكَذَلِك أَحْكَام الْفُرُوع تستند إِلَى الْأَحْكَام الثَّابِتَة بالنصوص وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن الشُّبْهَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من وُقُوع الزَّعْفَرَان فِي المَاء وَبِأَن جَمِيع الشرعيات تعلم
(2/206)

بِالنَّصِّ لَكِن بَعْضهَا تعلم بِظَاهِر النَّص وَبَعضهَا تعلم اسْتِدْلَالا بِالنَّصِّ وَمَا علم بِالْقِيَاسِ هُوَ من الْقسم الثَّانِي وَلَهُم أَن يَقُولُوا إِن النَّص لَا يتَنَاوَل إِلَّا حكم الأَصْل وَلَيْسَ فِيهِ ذكر لحكم الْفَرْع وَلَو كَانَت الْفُرُوع مَعْلُومَة بالنصوص لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهَا لكَانَتْ العقليات المكتسبة مَعْلُومَة بالإدراك لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُ فِي الْعلم بهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت للشرعيات علل لكَانَتْ كالعلل الْعَقْلِيَّة فِي الاستحالة انفكاكها من أَحْكَامهَا فِي كل حَال أَلا ترى أَن الْحَرَكَة يَسْتَحِيل وجودهَا وَلَيْسَ الْجِسْم متحركا وَفِي ذَلِك ثُبُوت الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة قبل الشَّرْع الْجَواب أَنهم جمعُوا بَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والشرعية من غير جَامع وَأَيْضًا فان عنوا بالحركة تحرّك الْجِسْم فَذَلِك إِنَّمَا وَجب كَون الْجِسْم مَعَه متحركا لِأَن كَون الْجِسْم إِذا تحرّك هُوَ معنى كَونه متحركا فَالْقَوْل بِأَن فِيهِ حَرَكَة وَلَيْسَ هُوَ متحرك مناقضة وَإِن عنوا بالحركة معنى يُوجب كَون الْجِسْم متحركا كَمَا يَقُوله أَصْحَابنَا فَذَلِك ذَات مُوجبَة كَون الْجِسْم متحركا وَلَا يجوز وقُوف ايجابها على شَرط لِأَنَّهَا لَو وجدت من دون إِيجَاب لنا انْفَصل وجودهَا من عدمهَا وَأما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فانها إِمَّا أَن تكون وَجه الْمصلحَة وَإِمَّا أَن تكون أَمارَة يصحبها وَجه الْمصلحَة فان كَانَت وَجه الْمصلحَة فمعلوم أَن وَجه الْمصلحَة يجوز أَن يَقْتَضِي الْمصلحَة بِشَرْط يخْتَص بعض الْأَزْمَان دون بعض أَلا ترى أَن مصلحَة الصَّبِي فِي وَقت الرِّفْق ومصلحته فِي وَقت العنف وَلِهَذَا اخْتلف شرائع الْأَنْبِيَاء وَصَحَّ نسخ الْعِبَادَات فَلم يمْتَنع أَن يكون الشَّرْط فِي كَون الْعِلَل الشَّرْعِيَّة مُوجبَة للْمصْلحَة لَا يحصل قبل الشَّرِيعَة فَلَا تثبت الْمصلحَة قبل الشَّرِيعَة وَإِن كَانَت الْعِلَل الشَّرْعِيَّة امارات تصْحَب وَجه الْمصلحَة وَكَانَ وَجه الْمصلحَة قد يقف على شَرط يرجع إِلَى أَحْوَال الْمُكَلف وَيخْتَص بِبَعْض الْأَزْمَان كَانَت الأمارة الَّتِي تصْحَب وَجه الْمصلحَة تخْتَص كَونهَا أَمارَة أَيْضا بِبَعْض الْأَزْمَان دون بعض فان قيل بِمَاذَا تعلمُونَ تعلق الحكم بِالْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّة قيل بتعليق النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الحكم عَلَيْهَا إِمَّا نصا وَإِمَّا تَنْبِيها كَمَا نعلم تعلق
(2/207)

الحكم بِالِاسْمِ بتعليق النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الحكم عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير حَاصِل قبل الشَّرِيعَة فَلم يثبت قبل الشَّرْع
وَمِنْهَا قَوْلهم الْعقل كالنص فِي أَنه يدل على حكم الْحَادِثَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يتعبدنا الله تَعَالَى بِالْقِيَاسِ الْمُخَالف لنَصّ معِين فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يتعبدنا بِقِيَاس يُخَالف حكم الْعقل وكل حَادِثَة فلهَا حكم فِي الْعقل فاذن لَا يجوز أَن يتعبد فِيهَا بِالْقِيَاسِ الْجَواب أَن هَذَا منتقض بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُ لَا يجوز اسْتِعْمَاله فِي خلاف نَص الْقُرْآن وَيجوز أَن ينْتَقل بِهِ عَن حكم الْعقل على أَن مَا ذَكرُوهُ لَا يمْنَع من التَّعَبُّد بِقِيَاس مُطَابق لما فِي الْعقل على أَن النَّص الْمعِين لَو تَرَكْنَاهُ بِالْقِيَاسِ كُنَّا قد ألغينا كَلَام الْحَكِيم لِأَنَّهُ اقْتضى الحكم مُطلقًا وَالْعقل فانما اقْتضى الحكم مَا لم ينقلنا عَن دَلِيل شَرْعِي فَمن أَيْن لَهُم أَن الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل شَرْعِي وَهل نوزعوا إِلَّا فِي ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْحَكِيم لَا يقْتَصر بالمكلف على أدون البيانين مَعَ قدرته على أعلاهما وَالْقِيَاس أدون بَيَانا من النَّص الْجَواب أَن فِي هَذَا الْكَلَام تَسْلِيم أَن الْقيَاس بَيَان فَلَا يمْتَنع أَن تكون فِيهِ مصلحَة زَائِدَة وَإِن كَانَ أدون بَيَانا من غَيره وَلَو وَجب التَّعَبُّد بِأَعْلَى الباينات لوَجَبَ تعريفنا الْأَحْكَام ضَرُورَة أَو الِاقْتِصَار بِنَا على النُّصُوص الجلية المتواترة دون الْآحَاد لِأَنَّهَا أَعلَى بَيَانا من الْخفية
وَمِنْهَا قَوْلهم نظر القائس لَا بُد من أَن يَقع فِي مَنْظُور فِيهِ وَلَيْسَ إِلَّا النَّص أَو الحكم وَلَيْسَ يجوز أَن يَقع فِي النَّص لِأَن النَّص لَا يتَنَاوَل الْفَرْع وَلَا يجوز وُقُوعه فِي الحكم لِأَن الحكم هُوَ فعل الْمُكَلف فَكَانَ يَنْبَغِي لَو لم يُوجد فعل من الْمُكَلف أَن لَا يَصح مِنْهُ الَّذِي يحصل من القائس هُوَ نظر فِي الأمارات الدَّالَّة على الْعِلَل وَقد تكون الأمارة كَيْفيَّة فِي الحكم نَحْو ان يحصل الحكم بِحَسب حُصُول صفة وينتفي عِنْد انتفائها فِي الأَصْل أَو يكون لصفة من الصِّفَات تَأْثِير فِي الاصول فالنظر فِي ذَلِك يَقْتَضِي كَون تِلْكَ الصّفة عِلّة وَالنَّظَر فِي حُصُولهَا فِي
(2/208)

الْفَرْع يُؤَدِّي إِلَى إِلْحَاقه بِالْأَصْلِ وَلَيْسَ الحكم هُوَ فعلنَا بل كَون الْفِعْل وَاجِبا وقبيحا وَذَلِكَ مُتَصَوّر متوهم يُمكن النّظر فِي حُصُوله بِحَسب صفة من الصِّفَات وجد الْفِعْل أَو لم يُوجد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ أَن يكون الْقيَاس صَحِيحا لَكَانَ حجَّة مَعَ النَّص الْجَواب أَن ذَلِك دَعْوَى وَمَعَ ذَلِك فَإِن أَرَادوا أَنه يكون حجَّة مَعَ النَّص على حكم الأَصْل فَكَذَلِك نقُول وَإِن أَرَادوا مَعَ النَّص على خلاف حكمه فِي الْفَرْع فقد بَينا القَوْل فِي ذَلِك فِي الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول على انه لَا يمْتَنع أَن يكون حجَّة إِذا انْفَرد وَإِذا عَارضه النَّص كَانَ النَّص أولى مِنْهُ كَمَا أَن خبر الْوَاحِد حجَّة إِذا انْفَرد وَإِذا اجْتمع مَعَ الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَمَعَ نَص الْقُرْآن كَانَا أولى وَإِن أَرَادوا النَّص على مثل حكمه فِي الْفَرْع فانا نجوز ذَلِك لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّص خبر وَاحِد فَهُوَ أَمارَة وَكَذَلِكَ الْقيَاس المطابق لَهُ وَإِن كَانَ النَّص خَبرا متواترا فَالْقِيَاس حجَّة فِي الْفَرْع بِمَعْنى أَنه لَو فَقدنَا النَّص الْمُتَوَاتر لوَجَبَ الحكم لمَكَان الْقيَاس
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ لجَاز أَن يتعبد بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَمن حَضَره ولصح بِهِ النّسخ الْجَواب أَن كل ذَلِك مجوز فِي الْعقل
وَمِنْهَا لَو جَازَ التَّعَبُّد بِتَحْرِيم شَيْء لظننا شُبْهَة بِأَصْل محرم جَازَ أَن نتعبد بِتَحْرِيمِهِ إِذا ظننا شُبْهَة بِالْأَصْلِ من غير أَمارَة أَو اعتقدنا شُبْهَة تنحيتا وَإِذا اشتهينا تَحْرِيمه وَإِذا اخترنا ذَلِك أَو شككنا فِي كَونه مشبها لَهُ لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن تكون مصلحتنا أَن نَفْعل بِحَسب شهوتنا وشكنا واختبارنا الْجَواب أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مَبْنِيّ على مَا تقرر فِي الْعقل من حسن التَّصَرُّف فِي الدُّنْيَا بِحَسب ظن النَّفْع وانفاع الضَّرَر إِذا كَانَ الظَّن صادرا عَن امارة كَمَا تقرر حسن ذَلِك فِي الْعقل فقد تقرر فِيهِ قبح تحمل المشاق لأجل الشَّهَوَات والهوى وَالِاخْتِيَار وَلأَجل ظن لَا أَمارَة لَهُ وتقرر فِي الْعقل أَن الْإِقْدَام على الْفِعْل مَعَ الشَّك فِي مضرته لَا يحسن إِلَّا بعد الْبَحْث وَمَتى أقدم الْإِنْسَان من غير بحث ذمه
(2/209)

الْعُقَلَاء وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا ظن اندفاع مضرَّة لأجل أَمارَة صَحِيحَة وَأما إِذا شكّ فِي حُصُوله وَجه الْقبْح فِي الشَّيْء كشكه فِي كَون الْخَبَر كذبا فانه يقبح مِنْهُ فقد عمل فِي هَذَا الْموضع على الشَّك وَإِذا شكّ فِي الْحَدث بعد تَيَقّن الطَّهَارَة فمالك عمل على الشَّك فَأوجب الطَّهَارَة وَغَيره من الْفُقَهَاء عمل على الأَصْل وَلكُل وَجه فِي التَّعَبُّد فقد جَازَ الْعَمَل على الشَّك على بعض الْوُجُوه
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ لَكَانَ على علته أَمارَة وَلَا يجوز أَن تكون عَلَيْهَا أَمارَة فاذا لَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ وَإِنَّمَا لم تكن على علته أَمارَة لِأَن الأمارة إِمَّا أَن تدل عَلَيْهَا الْعَادَات أَو النُّصُوص وكلامنا فِي قِيَاس لَيست علته وَلَا أمارتها مَنْصُوص عَلَيْهَا فَلم يجز أَن يكون النَّص طَرِيقا إِلَى أَمارَة الْقيَاس المستنبطة علته وَلما لم تكن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ثَابِتَة بالعادات لم تكن عللها وأماراتها ثَابِتَة بالعادات يُقَال لَهُم وَلم لَا يجوز أَن يكون الطَّرِيق إِلَى ذَلِك تَنْبِيه الشَّرْع وعاداته لِأَن الشَّرْع يدل تصريحه وَقد يدل تنبيهه فاذا علمنَا أَن الحكم يثبت فِي الأَصْل عِنْد وصف وينتفي عِنْد انتفائه غلب على ظننا أَنه لأَجله ثَبت وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْوَصْف مؤثرا فِي جنس ذَلِك نَحْو الْبلُوغ الْمُؤثر فِي رفع الْحجر فِي المَال كَانَ اولى بِأَن يرفع الْحجر فِي النِّكَاح وَلَا شُبْهَة فِي حُصُول الظَّن عِنْد هَذِه الأمارات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنه كَانَ يجوز من جِهَة الْعقل أَن يتعبد الله الْأَنْبِيَاء بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن اجْتِهَاد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِن أُرِيد بِهِ الِاسْتِدْلَال بالنصوص على مُرَاد الله عز وَجل فَذَلِك جَائِز لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِن أُرِيد بِهِ الِاسْتِدْلَال بالأمارات الشَّرْعِيَّة فالأمارات الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان أَخْبَار آحَاد وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَالْآخر الأمارات المستنبطة الَّتِي يجمع بهَا بَين الْفُرُوع والاصول وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشْتَبه الْحَال فِيهِ هَل كَانَ يجوز تعبد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَالصَّحِيح جَوَازه لِأَنَّهُ كَمَا يجوز فِي الْعقل أَن تكون مصلحتنا أَن نعمل باجتهادنا تَارَة
(2/210)

وبالنص أُخْرَى جَازَ مثله فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ يحِيل الْعقل ذَلِك فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويصححه فِينَا كَمَا لَا يُصَحِّحهُ فِي زيد وَيمْنَع مِنْهُ فِي عَمْرو وَلِهَذَا جَازَ أَن يجب علينا وَعَلِيهِ الْعَمَل على اجتهادنا فِي مضار الدُّنْيَا ومنافعها
فان قيل إِن اجْتِهَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْتَص بِوَجْه قبح لِأَنَّهُ ينفر عَنهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِذا علم أَنه يثبت الْأَحْكَام بِاجْتِهَادِهِ نفر عَنهُ وَالثَّانِي أَنه إِذا ثَبت الحكم بِاجْتِهَادِهِ كَانَ للْعَالم أَن يُخَالِفهُ وَوَجَب إِذا أفتى الْعَاميّ أَن يُخبرهُ وَذَلِكَ أبلغ مَا ينفر عَنهُ الْجَواب انه لَا تنفير فِي إثْبَاته الحكم بِاجْتِهَادِهِ لِأَن الْمُجْتَهد لَيْسَ يجْتَهد من قبل نَفسه لكنه يعْتَقد أَن الله عز وَجل حكم بذلك الحكم وَأَنه اسْتدلَّ بتنبيه الله عز وَجل إِيَّاه فَأَي تنفير فِي الِاسْتِدْلَال على مُرَاد الله عز وَجل وَأما مُخَالفَة الْعَالم والعامي لَهُ فَلَا يجوز كَمَا لَا يجوز مخالفتهما الْإِجْمَاع
إِن قيل لَو وَجب على غَيره الْأَخْذ بقوله وَالْقطع عَلَيْهِ لوَجَبَ ذَلِك لكَونه نَبيا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يقطع هُوَ على قَول نَفسه لعلمه أَنه نَبِي وقطعه على قَول نَفسه يُخرجهُ عَن ان يكون من جملَة الِاجْتِهَاد المفضي إِلَى الظَّن قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله بِأَن كَونه نَبيا يكون دلَالَة لغيره على الْقطع وَلَا يكون دلَالَة لنَفسِهِ قَالَ وَلَا يتنافى ذَلِك وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الدَّلِيل لَا يجوز ان يدل مُكَلّفا دون مُكَلّف مَعَ اشتراكهما فِي الْعلم بشرائطه وَلَيْسَ يعلم غير النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من شَرَائِط الِاسْتِدْلَال على أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مُصِيب قطعا مَا لَا يعلم النَّبِي فَكيف يكون كَونه نَبيا دلَالَة قَاطِعَة لغيره وَلَا يكون دلَالَة لَهُ وَنحن نقُول فِي ذَلِك إِنَّه إِذا كَانَ الله عز وَجل إِنَّمَا كلف الْمُجْتَهد الحكم بأشبه الأمارتين ومكنه من الْوُصُول إِلَى ذَلِك بِأَن ينظر النّظر الصَّحِيح فالنبي عَلَيْهِ السَّلَام يعلم من نَفسه الْوُصُول إِلَى ذَلِك لعلمه بِأَنَّهُ قد نظر النّظر الصَّحِيح كَمَا يعلم ذَلِك من غَيره من الْمُجْتَهدين وَغير النَّبِي يعلم ذَلِك من حَال النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لعلمه بِأَنَّهُ مَعْصُوم من الْخَطَأ فِي الْأَحْكَام كَمَا أَنه مَعْصُوم فِيمَا يُؤَدِّيه إِذْ خلاف
(2/211)

ذَلِك ينفر عَنهُ وَلَا يجوز ان يرجع عَن ذَلِك الحكم لِأَن الرُّجُوع عَنهُ خطأ فَأَما إِذا قيل كل مُجْتَهد مُصِيب فانه إِذا كَانَ غَيره من الْمُجْتَهدين يقطع على أَنه مُصِيب فالنبي بِالْقطعِ على ذَلِك من نَفسه أولى وَلَا يجوز لغيره أَن يُخَالِفهُ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده لِأَنَّهُ ينفر عَنهُ وَإِن كَانَ رُجُوعه إِلَى قَول آخر ينفر عَنهُ لم نجوزه وَإِن لم ينفر جوزناه
فان قيل لَو جَوَّزنَا أَن يجْتَهد لوَجَبَ الْقطع على ان الْعلَّة الَّتِي استخرجها هِيَ عِلّة الحكم لوُجُوب حكمنَا بهَا وَلَا يقطع هُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد ومحال أَن نقطع نَحن على ذَلِك دونه مَعَ كوننا متبعين لَهُ وَمَعَ انا إِنَّمَا قَطعنَا على ذَلِك لكَونه نَبيا وَهُوَ يعلم مَعَ كَونه نَبيا مَا علمناه الْجَواب أَنه لَا يقطع هُوَ وَلَا نَحن على عِلّة حكم الأَصْل وَنحن وَهُوَ نقطع على عِلّة حكم الْفَرْع على مَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِي أَن الْحق فِي وَاحِد وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك رَحمَه الله فِي الشَّرْح بجوابين أَحدهمَا أَنا نَحن نقطع على الْعلَّة الَّتِي استخرجها لِأَنَّهُ يجب علينا اتِّبَاعه وَلَا يقطع هُوَ على ذَلِك لِأَنَّهُ مُجْتَهد وَهَذَا لَا يَصح لما ذَكرْنَاهُ وَالْآخر أَنه بعد تَكَامل اجْتِهَاده يعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم كَمَا أَنا نظن صدق الْمخبر إِذا أخبر وَحده فاذا تَوَاتر المخبرون حصل لنا الْعلم بصدقه
فان قيل أفتجوزون أَن يتعبد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِاجْتِهَادِهِ فِي تَأْوِيل آيَة قيل يجوز ذَلِك بل ذَلِك أولى مِمَّا تقدم لِأَن الِاسْتِدْلَال على ذَلِك اسْتِدْلَال بِدلَالَة لَا بأمارة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي هَل كَانَ يجوز ان يتعبد الله عز وَجل من عاصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّن حَضَره أَو غَابَ عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اما من غَابَ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام فَحكى قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فِي الشَّرْح
(2/212)

أَن أَكثر الذاهبين إِلَى الِاجْتِهَاد أَجَازُوا ذَلِك والأقلون منعُوا مِنْهُ وَحكي أَن أَبَا عَليّ رَحمَه الله قَالَ فِي كتاب الِاجْتِهَاد لَا أَدْرِي هَل كَانَ يجوز لمن غَابَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عصره أَن يجْتَهد أم لَا قَالَ لِأَن خبر معَاذ من اخبار الْآحَاد وَالصَّحِيح أَن لَهُم أَن يجتهدوا إِذا ضَاقَ زمَان الْحَادِثَة عَن استفتاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ لَا يُمكنهُم سوى ذَلِك وَلِأَنَّهُ لَا فرق فِي الْعُقُول بَينهم وَبَين من لَا يعاصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله أَن خبر معَاذ وَإِن كَانَ من اخبار الْآحَاد فقد تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فهم بَين مُحْتَج بِهِ ومتأول لَهُ فصح التَّعَلُّق بِهِ فِي أَن للمجتهد أَن يجْتَهد مَعَ غيبته عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَما إِذا أمكن الْمُجْتَهد مراسلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْحَاضِر إِذا أمكنه سُؤَاله وَقد أجَاز اجْتِهَاده قوم من القائسين إِلَّا أَن يمْنَع من اجْتِهَاده مَانع وَمنع مِنْهُ آخَرُونَ مِنْهُم الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وَأَجَازَ قوم لمن بِحَضْرَتِهِ أَن يجْتَهد إِذا أذن لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك وَأَجَازَ قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله من جِهَة الْعقل وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ لمن حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلمن غَابَ عَنهُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة أَن يعْمل بِاجْتِهَادِهِ إِذا لم يسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يمْتَنع إِذا سَأَلَهُ أَن يكون مصْلحَته أَن ينص لَهُ على الحكم وَلَا يمْتَنع أَن تكون مصْلحَته أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده وَالْأولَى أَن يُقَال إِنَّه لَا يجوز لمن حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يجْتَهد من جِهَة الْعقل قبل سُؤال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا لَا يجوز للسالك فِي بَريَّة مخوفة أَن يعْمل على رَأْيه مَعَ تمكنه من سُؤال من بِخَبَر الطَّرِيق أَسد من خبرته وكما لَا يجوز أَن يجْتَهد من غير أَن يطْلب للنصوص ويفقدها وَيجوز إِن سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يكله إِلَى اجْتِهَاده بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَن مصْلحَته أَن يعْمل على اجْتِهَاده
(2/213)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنه لَا يجوز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات وَيجوز التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بالنصوص - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما جَوَاز ذَلِك بالنصوص لِأَنَّهُ مُمكن أَن ينص الله عز وَجل على صِفَات الْمسَائِل فِي الْجُمْلَة فَيدْخل تفصيلها فِيهَا وَيجوز أَن يكون فِي ذَلِك مصلحَة نَحْو أَن ينص الله تَعَالَى على الرِّبَا فِي كل مَوْزُون فَيدْخل فِي ذَلِك أَنْوَاع الموزونات أما التَّعَبُّد فِي جَمِيعهَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يَصح لِأَنَّهُ إِمَّا أَن تقاس جَمِيع الشرعيات أَو لَا تقاس فان لم تقس انْتقض كَونهَا مقيسة وَإِن قيست فاما أَن يُقَاس على غَيرهَا وَإِمَّا ان يُقَاس بَعْضهَا على بعض بِأَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل وَيُقَاس الأَصْل على فَرعه وَفِي ذَلِك تبين الشَّيْء بِنَفسِهِ وَإِن قيست على غَيرهَا فَذَلِك الْغَيْر إِمَّا شَرْعِي وَإِمَّا عَقْلِي وقياسها على أصُول غَيرهَا شرعيه لَا يُمكن لأَنا قد فَرضنَا الْكَلَام فِي أَن يكون جَمِيع الشرعيات مقيسة وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء يُقَاس عَلَيْهِ وَإِن قيست على أصُول عقلية بِاعْتِبَار وُجُوه قبحها وحسنها أَو بِاعْتِبَار أَمَارَات عقلية مستندة إِلَى عادات لم يَصح لأَنا لم نجد فِي الْعقل أصلا لوُجُوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها وشروطها واوقاتها وَلَا نعلم أَيْضا وَجه وجوب ذَلِك فِي الصَّلَاة من جِهَة الْعقل فَيَقَع الْقيَاس بهَا على غَيرهَا وَأما الأمارات المستخرجة بالعادات فَلَيْسَتْ دَالَّة على وجوب شَيْء وَلَا على حظره وَإِنَّمَا تدل على حُدُوث حَادث كأمارة الْمَطَر أَو تدل على مِقْدَار شَيْء كأمارة قيمَة الْمُتْلف وَلَيْسَ وجوب الصَّلَاة وأعداد ركعاتها من هذَيْن وَلَا تَجِد من جِهَة الْعَادَات أَمَارَات على وجوب الصَّلَاة وشروطها وَلَو دلّت أَمَارَات الْعَادَات على ذَلِك لما كَانَ وجوب الصَّلَاة شَرْعِيًّا بل كَانَ مَعْرُوفا بِالْعَادَةِ فصح أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيع الشرعيات لَا يجوز
(2/214)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن من النَّاس من قَالَ قد تعبدنا الله تَعَالَى فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة بِالْقِيَاسِ وَمِنْهُم من قَالَ لم يتعبد بِهِ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قَالَ قد وَردت الشَّرِيعَة بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا لم يُثبتهُ فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على التَّعَبُّد بِهِ وَاخْتلف من أثبت التَّعَبُّد بِهِ فَقَالَ قوم الْعقل يدل على ذَلِك والسمع وَقَالَ آخَرُونَ السّمع فَقَط يدل عَلَيْهِ وَالَّذِي يبين أَن الْعقل بدل على التَّعَبُّد بِهِ أَن مرادنا بقولنَا إِن الْعقل يدل على ذَلِك هُوَ أَنا إِذا ظننا بأمارة شَرْعِيَّة عِلّة حكم الأَصْل ثمَّ علمنَا بِالْعقلِ أَو بالحس ثُبُوتهَا فِي شَيْء آخر فان الْعقل يُوجب قِيَاس ذَلِك الشَّيْء على ذَلِك الأَصْل بِتِلْكَ الْعلَّة أما جَوَاز قيام امارة شَرْعِيَّة على عِلّة حكم الأَصْل فَهُوَ أَنا إِذا علمنَا أَن قبح شرب الْخمر يحصل عِنْد شدتها وينتفي عِنْد انْتِفَاء شدتها كَانَ ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي الظَّن لكَون شدتها عِلّة تَحْرِيمهَا وَمَعْلُوم أَن الشدَّة مَعْلُوم ثُبُوتهَا فِي النَّبِيذ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعقل يُوجب قِيَاس النَّبِيذ على الْخمر لِأَن الْعقل يَقْتَضِي قبح مَا ظننا فِيهِ أَمارَة الْمضرَّة وأمارة التَّحْرِيم هِيَ أَمارَة الْمضرَّة أَلا ترى أَن الْعقل يَقْتَضِي قبح الْجُلُوس تَحت حَائِط مائل لعلمنا بِثُبُوت امارة الْمضرَّة فان قيل كَيفَ يجوز الْقطع على قبح مَا وجدت فِيهِ امارة التَّحْرِيم والمضرة مَعَ ان الأمارة قد تخطىء وَقد تصيب قيل كَمَا يجوز مثله فِي امارة المضار الْحَاصِلَة فِي الْقيام تَحت حَائِط مائل
فان قَالُوا الْعقل إِذا انْفَرد يَقْتَضِي إِبَاحَة شرب النَّبِيذ فَلم يجز الِانْصِرَاف عَنهُ لأمارة قيل لَهُم مثله فِي الْجُلُوس تَحت الْحَائِط لِأَن الْعقل يَقْتَضِي إِبَاحَة الْجُلُوس فِي الأَصْل فَيجب أَن لَا ننتقل عَن هَذِه الْإِبَاحَة لأمارة يجوز أَن تخطيء وتصيب
فان قَالُوا إِنَّمَا حسن الْجُلُوس بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ امارة الْمضرَّة قيل
(2/215)

وَإِنَّمَا حسن بِالْعقلِ شرب النَّبِيذ بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ أَمارَة التَّحْرِيم والمضرة وَلَا فرق بَينهمَا
وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنهُ لأَنهم قَالُوا فِي مسَائِل اخْتلف فِيهَا بِالْقِيَاسِ من غير نَكِير ظهر من بَعضهم وَمَا قَالُوهُ من غير نَكِير فَهُوَ حق فَمن ذَلِك قَول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ حرَام قَالَ أَبُو بكر وَعمر عَلَيْهِمَا السَّلَام هُوَ يَمِين وَقَالَ عَليّ وَزيد عَلَيْهِمَا السَّلَام هُوَ طَلَاق ثَالِث وَقَالَ ابْن مَسْعُود عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ طَلْقَة وَاحِدَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ ظِهَار وَقَالَ بَعضهم هُوَ إِيلَاء وَاخْتِلَافهمْ فِي ذَلِك ظَاهر وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم قَالُوا ذَلِك قِيَاسا لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق أَو لَا عَن طَرِيق وَلَو كَانُوا قَالُوا ذَلِك لَا عَن طَرِيق لكانوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ لِأَن من أعظم الْخَطَأ أَن يُقَال فِي دين الله عز وَجل لَا عَن طَرِيق فان قَالُوا ذَلِك عَن طَرِيق فَأَما أَن يكون نصا جليا أَو غير جلي أَو قِيَاسا أَو استنابطا وَلَو كَانَ فِي ذَلِك نَص لاحتج بِهِ بَعضهم ليقيم عذر نَفسه وليرد غَيره عَن خطئه هَذِه عَادَة من قَالَ قولا خَالفه فِيهِ من يقْصد مباحثته وَطلب الْحق مِنْهُ وَلِأَنَّهُم كَانُوا يعظمون مُخَالفَة نُصُوص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جليها وخفيها فَلَو كَانَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك نَص مُخَالف لبَعض هَذِه الْأَقَاوِيل لكَانَتْ كراهتهم لمُخَالفَته تَدْعُو إِلَى إِظْهَاره سِيمَا إِن كَانَ جليا وَأَيْضًا محَال من جِهَة الْعَادَات فِي عدد كثير يهتمون بِنَقْل كَلَام من يعظمونه حَتَّى ينقلوا مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي أَن يهملوا إِظْهَار مَا اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي وَوَقع فِي الِاخْتِلَاف وَيُفَارق ذَلِك ترك نقل مَا أَجمعُوا لأَجله لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة وَقد أغْنى عَن الْخَبَر وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا وَقع الِاخْتِلَاف وَلَو أظهرُوا النَّص لاحتجوا بِهِ ولكان خوضهم فِيهِ يمْنَع من أَن ينكتم وَلَا ينْقل وَلَو نقل لعرفه الْفُقَهَاء مَعَ فحصهم عَن السّنَن ولسنا نجد فِي الشَّرِيعَة نصا فِي ذَلِك فان قَول الله عز وَجل {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك} إِنَّمَا هُوَ منع من
(2/216)

التَّحْرِيم وَلَيْسَ فِيهِ مَا حكمه
فان قَالُوا وَلَو كَانُوا قاسوا هَذِه الْمَسْأَلَة على غَيرهَا لصرحوا بِالْعِلَّةِ قيل لَا يجب ذَلِك بل يَكْفِي التَّنْبِيه على الْعلَّة وَقد نبه كل مِنْهُم على الْقيَاس وَالْعلَّة لِأَن من قَالَ إِنَّه طَلَاق ثَلَاث جعل مُطلق التَّحْرِيم يَقْتَضِي غَايَة التَّحْرِيم ثمَّ ألزمهُ هَذَا الحكم قِيَاسا على طَلَاق الثَّلَاث من حَيْثُ كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا يُفِيد غَايَة التَّحْرِيم وَمن جعله طَلْقَة وَاحِدَة اعْتبر أقل مَا يثبت مَعَه التَّحْرِيم وقاسه على الطَّلقَة الْوَاحِدَة بعلة ان كل وَاحِد مِنْهَا يتَنَاوَل أقل التَّحْرِيم وَمن جعله إِيلَاء اعْتبر أَن الزَّوْج قد منع نَفسه بِهَذَا القَوْل عَن وَطئهَا وَمن جعله ظِهَارًا أجراه مجْرى الظِّهَار من قبل أَنه يُفِيد التَّحْرِيم بِلَفْظ لَيْسَ بِلَفْظ طَلَاق وَلَا إِيلَاء
وَإِذا كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مُمكنا وَلم يُمكن ذكر نَص وَلَا أَنهم قَالُوا بِغَيْر طَرِيق وَجب الْقطع على أَنهم أَرَادوا مَا ذَكرْنَاهُ أَو مَا يجْرِي مجْرَاه من التَّشْبِيه
وَأَيْضًا فان النَّاس قد يقتصرون على الْفَتْوَى فِي كَلَامهم وَيعلم السَّامع الْوَجْه الدَّال على الْفَتْوَى من نفس الْفَتْوَى أَلا ترى أَن النَّاس قد يشيرون فِي الْحَرْب بآراء ويجرون الشَّيْء مجْرى غَيره وَلَا يصرحون بِذكر الشّبَه فَيعلم وَجه التَّشْبِيه بَيَان ذَلِك أَن رَئِيس الْجَيْش لَو امْر مرّة بِضَرْب رِقَاب من يتحسس عَلَيْهِ لعَدوه قصدا مِنْهُ إِلَى زجر من يتحسس عَلَيْهِ ثمَّ أحسن مرّة إِلَى من يتحسس عَلَيْهِ استمالة مِنْهُ لَهُم ليدلوه على عَورَة عدوه ثمَّ ظهر مرّة ثَالِثَة على آخَرين ينقلون اخباره على عدوه فَقَالَ بَعضهم اقتلهم كَالَّذِين قَتلهمْ وَقَالَ آخَرُونَ أحسن إِلَيْهِم كَالَّذِين أَحْسَنت إِلَيْهِم لعلم أَن هَؤُلَاءِ لحظوا استمالتهم ليدلوه على عَورَة عدوه واولئك قصدُوا زجر غَيرهم عَن التحسس عَلَيْهِ فَكَذَلِك مَا ذكرنَا عَن السّلف رَضِي الله عَنْهُم
فان قيل هلا وَجب أَن يصرحوا وَلَا يقتصروا فِيهَا على التَّنْبِيه كَمَا وَجب
(2/217)

أَن ينقلوا النَّص قيل قد ثَبت أَن الْعَادة والديانة قد أوجبتها نقل النَّص وَأَن الْعَادة فِي التَّعْلِيل والتشبيه أَن يُصَرح بهَا تَارَة وينبه عَلَيْهَا أُخْرَى
فان قيل هلا صَرَّحُوا بذلك ليقيموا عذرهمْ ويمكنوا غَيرهم من الِاحْتِجَاج بِهِ قيل قد بلغُوا هَذِه الْغَرَض بالتنبيه وَلِهَذَا قد يُنَبه الْفُقَهَاء من كَلَامهم على تَلْخِيص الْعلَّة وَالْقِيَاس وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لم يكن مِنْهُم نَكِير لِأَنَّهُ لَو كَانَ مِنْهُم نَكِير لظهر وَلَا منع مَعَ ظُهُوره أَن ينكتم وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُم إِذا لم ينكروه لم يكن بَاطِلا لِأَنَّهُ لَو كَانَ بَاطِلا لَكَانَ إِنْكَاره وَاجِبا وَكَانُوا قد اتَّفقُوا على ترك الْوَاجِب وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِنَّمَا لم ينكروه لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي معاصي غير الْأَنْبِيَاء مَا يقطع على أَنه صَغِير وَلِأَن الصَّغِير يجب إِنْكَاره كالكبير
وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ وشبهوه بِغَيْرِهِ مَسْأَلَة الْجد وَقَول ابْن عَبَّاس أما يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب ابا وَلم يذهب إِلَى تَسْمِيَة الْجد ابا لِأَن ابْن عَبَّاس لَا يذهب عَلَيْهِ مَعَ تقدمه فِي اللُّغَة أَن الْجد لَا يُسمى أَبَا حَقِيقَة أَلا ترى أَنه يَنْفِي عَنهُ الِاسْم فَيُقَال لَيْسَ هُوَ بِأبي الْمَيِّت وَلكنه جده وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه بِمَنْزِلَة الْأَب كَمَا أَن ابْن الابْن بِمَنْزِلَة الابْن لما كَانَ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّت من جِهَة الْأَوْلَاد بِوَاسِطَة وَأَنه لَا فرق فِي الْولادَة والقرب بهَا بَين الْعُلُوّ السّفل هَذَا يدل عَلَيْهِ كَلَامه لِأَنَّهُ إِذا لم يرد أَنه أَب فِي الْحَقِيقَة فَلَا بُد مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَعَن عَليّ وَزيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شبهاه بغصني شَجَرَة وبجدولي نهر ليعرفا قربهما من الْمَيِّت ثمَّ شركا بَينهمَا فِي الْمِيرَاث
قان قيل وَمن أَيْن صِحَة هَذَا التَّشْبِيه عَنْهُم قيل من نقل فتاويهم نقل هَذَا التَّشْبِيه فاذا كَانَ أَحدهمَا مَعْلُوما كَانَ الآخر مثله وَيبين ذَلِك أَن الْمُتَقَدِّمين من الْمُخَالفين كَانُوا بَين متناول لهَذِهِ التشبيهات وَبَين محط لَهَا فَلم يكن فيهم من يجحدها وَإِنَّمَا تجاسر على جَحدهَا بعض أهل هَذَا الْعَصْر وَلَو علمُوا أَن الإقراربفتاويهم يضرهم لجحدوها على أَنهم لَو لَو يشبهوا بِمَا ذَكرْنَاهُ لكانوا
(2/218)

قد قَالُوا غير ذَلِك من الِاحْتِجَاج إِمَّا نَص أَو غَيره مُجملا أَو مفصلا وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بأحوالهم على كثرتهم أَن يتْركُوا نقل مَا كَانَ بَينهم ويطبقوا على نقل مَا لم يجز لَهُ ذكر فيهم وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِن تشبيههم الْجد وَالْأَخ بغصني شَجَرَة وبجدولي نهر تَشْبِيه عَقْلِي يعْرفُونَ بِهِ قربهما من الْمَيِّت ثمَّ يورثونهما أَو أَحدهمَا لما تقرر فِي الشَّرْع من أَن المشتركين فِي الْقرب يرثان وَأَن أقربهما أَحَق بِالْمِيرَاثِ وَذَلِكَ أَنه قد يَرث الْأَبْعَد مَعَ الْأَقْرَب فان ابْن الابْن إِلَى أَربع منَازِل هُوَ أولى بِالْمَالِ من بنت الْبِنْت وَابْن ابْن الْعم أول من بنت الْعم وَهُوَ أبعد مِنْهُمَا وَأَيْضًا فانهم لم يورثوهما على سَوَاء بل بَعضهم قَاسم بالجد مَا كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من الثُّلُث وَشبهه فِي ذَلِك بَالَام لما كَانَ لَهُ أَوْلَاد وَلم ينقصهُ من الثُّلُث مَعَ مَا لَهُ من الْأَوْلَاد والتعصيب وَبَعْضهمْ قَاسم بِهِ مَا كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من السُّدس فَلم ينقصهُ من السُّدس تَشْبِيها بالجدة أم الْأُم من حَيْثُ اشْتَركَا فِي الْأَوْلَاد بِوَاسِطَة
إِن قيل إِنَّمَا اعْتبر بالسدس لِأَن رجلا روى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل للْجدّ السُّدس فَقَالَ لَهُ عمر مَعَ من قَالَ الرجل لَا ادري وَالْجَوَاب أَن قَوْله لَا أَدْرِي دَلِيل على أَنه جعل لَهُ السُّدس فِي حَال دون حَال وَأَنه نسي الرجل تِلْكَ الْحَالة فَلَا يُمكن أَن يُقَال لَهُ السُّدس فِي كل حَال فَلهَذَا لم ينقصوه مِنْهُ وعَلى أَنه لَو كَانَ ذَلِك عَاما فِي جَمِيع الْحَالَات لتعلقوا بِهِ وَتعلق بِهِ بَعضهم وَكَانُوا لَا يعطونه إِلَّا السُّدس إِذْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أعطَاهُ السُّدس فِي كل حَال وَلَيْسَ لأحدأن يَقُول إِنَّهُم قَالُوا فِي هَذِه الْمسَائِل بِالصُّلْحِ لِأَن مَسْأَلَة الْحَرَام لَا يجوز فِيهَا الصُّلْح وَلِأَن كل مِنْهُم أفتى المستفتى وَحكم بِمَا يَقُوله وَلم يردهُ إِلَى الصُّلْح وَلَيْسَ لأحد ان يَقُول إِنَّهُم قَالُوا فِيهَا بِأَقَلّ مَا قيل لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم اخْتلَافهمْ أَقْوَال فَقَالُوا هم بِأَقَلِّهَا وَلَا اتَّفقُوا على قَول فَيُقَال إِنَّه أقل مَا قيل بل قَالُوا بأقاويل متباينة بَعْضهَا اقل من بعض وَمِمَّا قَالَه السّلف اعْتِبَارا أَن عمر رَضِي الله عَنهُ لم يُعْط الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم شَيْئا فِي الْمَسْأَلَة الحمارية فَقَالُوا هَب أَن ابانا كَانَ حمارا فورثهم وَهَذَا اعْتِبَار لأَنهم قَالُوا إِذا
(2/219)

أَعْطَيْت الْإِخْوَة للْأُم وَنحن قد شاركناهم فِي ولادَة الْأُم وزدنا عَلَيْهِم بِالْأَبِ فان لم ينفعنا ذَلِك لم يجز أَن يضرنا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون أَعْطَاهُم لدخولهم تَحت الظَّاهِر وَهُوَ قَوْله {فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث} لِأَن الْخطاب انْصَرف إِلَى الاخوة للْأُم فَقَط أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى {فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث}
دَلِيل آخر ظَاهر عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَنهم قَالُوا بِالرَّأْيِ وَذَلِكَ لَا يُمكن دَفعه كَقَوْل أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَقُول فِيهَا برأيي وَقَول عمر اقضي برأيي فِيهِ وَقَالَ هَذَا مَا رأى عمر وَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أم الْوَلَد كَانَ رَأْيِي ورأي عمر أَن لَا يبعن ثمَّ رَأَيْت ببيعهن وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قصَّة بروع بنت واشق أَقُول فِيهَا برأيي وَقَوْلنَا رَأْي عبارَة عَن اعْتِقَاد أَو ظن فان توصل إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَار واستنباط إِمَّا بِدلَالَة عقلية أَو امارة فَلَا شُبْهَة فِي وُقُوع اسْم الرَّأْي عَلَيْهِمَا فانه يُقَال فلَان رَأْيه الْعدْل وَفُلَان من رَأْيه الْقدر وَإِن توصل إِلَيْهِمَا بِنَصّ جلي أَو خَفِي فوقوع اسْم الرَّأْي عَلَيْهِمَا مشتبه وَالْأَقْرَب أَنه يجوز أَن يَقع عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أحد من أَن يَقُول إِن تَحْرِيم الْميتَة يرَاهُ الْمُسلمُونَ وَهُوَ رَأْيهمْ وَيمْتَنع أَن يَقُول هُوَ من رَأْيهمْ لِأَنَّهُ يُوهم أَنهم حرموها برأيهم فَأَما قَول الْقَائِل قلت هَذَا برأيي فَلَا يعقل مِنْهُ أَنه قَالَه بِنَصّ لَا جلي وَلَا خَفِي وَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَنه قَالَه استنباطا واستخراجا بِمَا يرَاهُ من الأمارات والأدلة الَّتِي لَيست بِنَصّ جلي وَلَا خَفِي وَلِهَذَا لَا يُقَال إِن الْمُسلمين حرمُوا الْميتَة برأيهم وَلَا يُقَال إِن ابا حنيفَة اثْبتْ الرِّبَا فِي السِّتَّة الْأَجْنَاس بِرَأْيهِ وَيُقَال إِنَّه أثبت الرِّبَا فِيمَا عَداهَا بِرَأْيهِ وَلَا يُقَال فِي الْجَيْش إِذا اطاعوا الإِمَام فِي رَأْي إِنَّهُم فاعلون ذَلِك بأرائهم وَلذَلِك لَا تُوصَف آراؤهم بالسداد إِذا كَانَ رَأْي الإِمَام سديدا واتبعوه فِيهِ من غير فحص وَيُقَال
(2/220)

للْإنْسَان أقلت هَذَا بِرَأْيِك أم بِكِتَاب الله فَيجْعَل أَحدهمَا فِي مُقَابلَة الآخر
ومخالفونا يذمون القَوْل بِالرَّأْيِ ويذمون أَصْحَاب الرَّأْي وهم الْقَائِلُونَ بآرائهم وَلَيْسَ يجوز أَن يذموا الْقَائِلين بالنصوص فاذا ثَبت ذَلِك وَلم تكن على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة أَدِلَّة عقلية علمنَا أَن قَول من قَالَ من السّلف أَقُول فِيهَا برأيي إِنَّمَا اراد بِهِ الأمارات المظنونة وَأما قَول عمر رَضِي الله عَنهُ فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة إِلَى ابي مُوسَى قس الْأُمُور فَهُوَ صَرِيح فِي الْقيَاس
إِن قيل قد رُوِيَ عَنْهُم ذمّ الرَّأْي كَقَوْل أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَي أَرض تُقِلني أَو سَمَاء تُظِلنِي إِذا قلت فِي كتاب الله برأيي وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ أجرأكم على الْجد أجرأكم على النَّار وَقَوله أعيتهم الْأَحَادِيث أَن يحفظوها فَقَالُوا بِالرَّأْيِ وَقَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام من أَرَادَ أَن يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيقل فِي الْجد بِرَأْيهِ وَقَوله لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ مسح بَاطِن الْخُف أولى من ظَاهره وَقَول ابْن مَسْعُود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا يقيسون الامور بآرائهم الْجَواب إِنَّه إِذا كَانَ الَّذين ذموا الرَّأْي هم الَّذين قَالُوا بِهِ وَجب صرف ذمهم إِلَى الرَّأْي مَعَ وجود النَّص أَو مَعَ ترك الطّلب للنَّص كَمَا يجب مثله لَو حُكيَ الرَّأْي وذمه عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَن قَول أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَي أَرض تُقِلني إِذا قلت فِي كتاب الله برأيي إِنَّمَا عَنى بِهِ تَفْسِير الْقُرْآن ولعمري إِنَّه إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُفَسر على عرف اللُّغَة وَبِمَا سمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَول عمر أجرأكم على الْجد أجرأكم على النَّار إِنَّمَا هُوَ ذمّ الجرأة وَترك التثبت وَلَيْسَ بذم للرأي وَقَوله أعيتهم الأحالديث أَن يحفظوها إِنَّمَا هُوَ ذمّ لمن عدل إِلَى الرَّأْي وَلم يطْلب الْأَحَادِيث وَلم يحفظ مَا وجد مِنْهَا وَقَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام من اراد أَن يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيقل فِي الْجد بِرَأْيهِ مَعْنَاهُ الرَّأْي الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَالْقَوْل بِمَا سنح من غير استقصاء النّظر فِي الأمارات الصَّحِيحَة وَقَول ابْن مَسْعُود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النَّاس عُلَمَاء جُهَّالًا
(2/221)

يقيسون الامور بآرائهم فانما ذمّ بذلك الرَّأْي قبل طلب السّنَن وَالنَّظَر فِيهَا وَقَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره مَعْنَاهُ لَو كَانَ الدّين جمعه بِالرَّأْيِ فَكَانهُ أَرَادَ أَن يبين ان لَيْسَ جَمِيع مَا أَتَت بِهِ السّنَن على مَا يَقْتَضِيهِ راي الْإِنْسَان وَبَين ذَلِك بمسح الْخُف
دَلِيل آخر رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِمعَاذ حِين أنفذه إِلَى الْيمن بِمَ تحكم قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي وَعنهُ أَنه قَالَ لِمعَاذ وَأبي مُوسَى وَقد أنفذهما إِلَى الْيمن بِمَ تقضيان قَالَا إِن لم نجد الحكم فِي السّنة قسنا الْأَمر بِالْأَمر فَمَا كَانَ اقْربْ إِلَى الْحق عَملنَا بِهِ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ اقْضِ بِالْكتاب وَالسّنة إِذا وجدتهما فان لم تَجِد الحكم فيهمَا اجْتهد رايك وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر وَقد سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم أرايت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته وَقَالَ للخثعمية وَقد سَأَلته الْحَج عَن ابيها أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت تقضينه قَالَت نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضى وَخبر معَاذ وَإِن قيل إِنَّه مُرْسل رَوَاهُ جمَاعَة من أهل حمص مذكورون عَن معَاذ وَقد تلقى بِالْقبُولِ لِأَن النَّاس فِيهِ فريقان احدهما يحْتَج بِهِ وَالْآخر يتأوله وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَوبه فِي قَوْله أجتهد رَأْيِي عِنْد الِانْتِقَال من الْكتاب وَالسّنة فَعلمنَا أَن قَوْله أجتهد رَأْيِي لم ينْصَرف إِلَى الحكم بِالْكتاب وَالسّنة
فان قيل إِنَّمَا عَنى معَاذ أَن يجْتَهد رَأْيه فِي الِاسْتِدْلَال بخفي النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة قيل قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان لم تَجِد مُطلق فِي نفي وجدان نَص جلي وخفي فِي الْكتاب وَالسّنة على أَن من اسْتدلَّ بالنصوص الْخفية لَا يُقَال إِنَّه قد اجْتهد رَأْيه فان قيل إِنَّمَا أَرَادَ أجتهد رَأْيِي فِي طلب الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة قيل الطَّالِب لَا يُقَال إِنَّه اجْتهد رَأْيه وَإِنَّمَا يُقَال اجْتهد فِي الطّلب وَأَيْضًا فان معَاذ لما قَالَ أحكم بِكِتَاب الله وَقَالَ لَهُ ص =
(2/222)

فان لم تَجِد انْصَرف إِلَى نفي الوجدان الَّذِي يجوز مَعَه الِانْتِقَال من الْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله فِي السّنة فان لم تَجِد يُرِيد نفي الوجدان المسوغ للانتقال من السّنة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا وَقد استوفى الطّلب فان قيل أفتقطعون على ثُبُوت خبر معَاذ قيل لَا وَمَا اسْتدلَّ بِهِ على صِحَّته من احتجاج بعض الْأمة بِهِ وتاول بَعْضهَا لَهُ لَا يدل على أَن مُتَّفق على صِحَّته لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تكون الْأمة إِنَّمَا لم ترده لِأَنَّهَا لم تعلم بُطْلَانه وَلما أمكن الْمُخَالف تَأْوِيله وَلم يعلم بطلَان تاويله لم يردهُ كأخبار الْفِقْه إِن قيل أفصحيح الِاحْتِجَاج بِهَذِهِ الْأَخْبَار وَإِن كَانَت من أَخْبَار الْآحَاد قيل يَصح ذَلِك لِأَن اسْتِعْمَال الْقيَاس من الْأَعْمَال فَجَاز ان يقبل فِيهِ أَخْبَار الْآحَاد وَيقطع على وُجُوبه علينا لأجل الدَّلِيل الدَّال على وجوب قبُول أَخْبَار الْآحَاد كَمَا يقطع بذلك على وجوب مَا تضمنته اخبار الْآحَاد من فروع الشَّرِيعَة وَلَا فرق بَين أَن نظن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَة وَبَين أَن نظن أَنه أَمر بِاسْتِعْمَال مَا يُفْضِي إِلَى وجوب النِّيَّة فِي انه يجب أَلا ترى أَنه لَا فرق بَين أَن يخبرنا مخبر بِوُجُود سبع فِي الطَّرِيق فِي لُزُوم تجنبه إِذا ظننا صدقه وَبَين أَن يَأْمُرنَا من ظَاهره السداد والنصح سُؤال رجل عَن الطَّرِيق وَيَقُول لنا إِنَّه خَبِير بِالطَّرِيقِ فِي أَنه يلْزمنَا سُؤَاله إِذا خفنا الطَّرِيق وَإِذا أخبرنَا بِشَيْء وظننا صدقه عَملنَا بِحَسبِهِ
وَأما وَجه الِاسْتِدْلَال يَقُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء فَهُوَ أَنه شبه قبْلَة الصَّائِم من غير إيلاج بمضمضة من غير ازدراد واجرى حكم أَحدهمَا على الآخر وَهُوَ نفي إِفْسَاد الصَّوْم وَهَذَا قِيَاس وَقَوله أَرَأَيْت لَو تمضمضت يدل على أَنه كَانَ تمهد أَمر الْقيَاس وَأَنه قد دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين وتشبيهه حَجهَا عَنهُ بذلك يدل على تمهد الْقيَاس فِي الشَّرِيعَة
دَلِيل آخر قَالَ الله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَالِاعْتِبَار هُوَ
(2/223)

اعْتِبَار الشَّيْء بِغَيْرِهِ وإجراء حكمه عَلَيْهِ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ فِي الْأَسْنَان اعْتبر حكمهَا بالأصابع فِي ان دِيَتهَا مُتَسَاوِيَة وَقَالَ اعْتبر هَذَا بِهَذَا وَقَوْلهمْ إِن فِي هَذَا عِبْرَة مَعْنَاهُ أَن فِيهِ مَا يَقْتَضِي حمل غَيره عَلَيْهِ نَحْو أَن يعاجل من ظلم بِالْهَلَاكِ فَيُقَال فِي هَذَا عِبْرَة أَي فِيهِ مَا يَقْتَضِي حمل غَيره عَلَيْهِ وَلَيْسَ الِاعْتِبَار هُوَ الانزجار والاتعاظ لِأَن الاتعاظ والانزجار غَايَة الِاعْتِبَار فَعلمنَا تباينهما
إِن قيل لَو كَانَ الِاعْتِبَار مَا ذكرْتُمْ لوصف قائس الْفُرُوع على الاصول بِأَنَّهُ مُعْتَبر وَإِن أقدم على الْمعاصِي وَلم يعْمل لآخرته قيل لَا يُوصف بِهَذَا لِأَن إِطْلَاق ذَلِك يُفِيد أَنه مُعْتَبر بِجَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أَن يعْتَبر بِهِ لِأَنَّهُ يخرج مخرج الْمَدْح لكنه يُقَال إِنَّه يعْتَبر الْفُرُوع بالاصول
إِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ مَا ذكرْتُمْ لحسن التَّصْرِيح بِهِ وَمَعْلُوم أَنه لَا يحسن أَن نقُول يخرجُون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فقيسوا الارز على الْبر قيل إِنَّمَا لم يحسن ذَلِك لِأَنَّهُ اقْتِصَار على مَا لَا تعلق لَهُ بالْكلَام وعدول عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ وَيُفَارق ذَلِك أَن يَأْتِي بِكَلَام يشْتَمل على مَا يتَعَلَّق بالْكلَام الْمُتَقَدّم وعَلى مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ أَلا ترى أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لَو سُئِلَ عَمَّن بلع حَصَاة فِي شهر رَمَضَان لم يحسن أَن يَقُول من جَامع فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة إِذا لم يكن فِي ذَلِك تَنْبِيه على حكم من بلغ حَصَاة وَيحسن أَن يَقُول من أفطر فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَلَو كَانَ ذَلِك دخل فِيهِ لُزُوم الْكَفَّارَة لمن بلع حَصَاة
ولمعترض أَن يَقُول إِن قَوْله سُبْحَانَهُ {فاعتبروا} لَيْسَ بِعُمُوم فَلم يفد جَمِيع ضروب الِاعْتِبَار فِي كل شَيْء كَمَا أَن قَول الْقَائِل اقْتُلُوا لَا يُفِيد جَمِيع ضروب الْقَتْل وَلَا قتل كل إِنْسَان واعترضت الدّلَالَة أَيْضا بِأَن للمخالف أَن يَقُول إِنَّا اعْتبرنَا بالاصول الَّتِي وَردت فِيهَا النُّصُوص فَكَمَا لَا
(2/224)

أثبت فِي الاصول الَّتِي لَا ينفرع على غَيرهَا الحكم إِلَّا بِالنَّصِّ أَو الْبَقَاء على حكم الْعقل كَذَا لَا اثْبتْ فِي غَيرهَا حكما إِلَّا بِالنَّصِّ أَو بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل دَلِيل آخر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} فَظَاهر الرَّد يُفِيد الْقيَاس وَلِأَنَّهُ لَو أَرَادَ بِالرَّدِّ إِلَى الله الِاسْتِدْلَال بِظَاهِر كتاب الله تَعَالَى لَكَانَ الْكَلَام متكررا لِأَن ذَلِك مُسْتَفَاد من قَول الله تَعَالَى {وَأَطيعُوا الله} إِذا ذَلِك أَمر بامتثال خطاب الله سُبْحَانَهُ كُله وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الله يُفِيد الرُّجُوع إِلَى ظَاهر كتاب الله جليه وخفيه لِأَنَّهُ يُقَال لمن يسْتَدلّ بِهِ وَيعْمل بِمَا فِيهِ إِنَّه يرد امْرَهْ إِلَى الله وَالْغَرَض بِالْآيَةِ أَمر بِطَاعَة الله سُبْحَانَهُ فِيمَا نعلم أَنه امرنا بِهِ وأمرنا بِمَا لَا نعلم أَنه أمرنَا بِهِ مِمَّا اخْتَلَفْنَا فِيهِ أَن نرده إِلَى كتاب الله عز وَجل وَسنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن نفحص عَنهُ فيهمَا حَتَّى إِذا علمنَا أَنه مِمَّا أمرنَا الله تَعَالَى بِهِ دخل ذَلِك فَمَا قد أوجبه علينا فِي اول الْآيَة من طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله فَلَا تكْرَار فِي ذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بِالْخِطَابِ المعاصرين للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن خطاب المواجهة هَذَا ظَاهره فَقَالَ لَهُم أطِيعُوا الله فِيمَا امركم بِهِ وَأَطيعُوا الرَّسُول فان تنازعتم فِي شَيْء لم يظْهر فِيهِ من الله وَرَسُوله أَمر فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول بِأَن تسألوا عَنهُ الرَّسُول
فان قيل هَذَا قصر للخطاب على المعاصرين للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام دون غَيرهم وذل تَخْصِيص بِغَيْر دلَالَة قيل ظَاهر المواجهة يَقْتَضِي الْحَاضِرين وَأَيْضًا فانا إِن تركنَا الظَّاهِر من هَذَا الْوَجْه فَنحْن متمسكون بِهِ من حَيْثُ جَعَلْنَاهُ عَاما فِي أهل الِاجْتِهَاد وَغَيرهم وَأَنْتُم تخصون بِالرَّدِّ أهل الِاجْتِهَاد فَكل منا تَأَول الظَّاهِر وَأَنْتُم المستدلون
دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى {وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم} والاستنباط هُوَ الْقيَاس وَكَذَلِكَ الرَّد
(2/225)

وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الرَّد إِلَى اولي الْأَمر يكون بالاستفتاء والاستشارة والاستنباط هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء من كَونه بَاطِنا إِلَى أَن يظْهر وَقد يكون ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَقد يكون بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُقَال لمن اسْتدلَّ على الشَّيْء بخفي النُّصُوص قد استنبط هَذَا الحكم من هَذِه النُّصُوص على أَن هَذَا وَارِد فِي الْأَمْن وَالْخَوْف قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول} الْآيَة
دَلِيل قَول الله عز وَجل {إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا} وَلم يُنكر عَلَيْهِم هَذَا التَّشَبُّه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْكَلَام خرج مخرج النكير عَلَيْهِم لأَنهم أوجبوا إِذا كَانُوا بشرا مثلهم أَن لَا يصدوهم عَمَّا كَانَ يعبد آباؤهم وَقد ردوا عَلَيْهِم بِمَا حَكَاهُ الله عز وَجل من قَوْله {إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده} وعَلى ان هَذَا تَشْبِيه فِي غير حكم شَرْعِي فَهُوَ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لمن ذكر أَنه ولد لَهُ ابْن أسود أَلَك إبل فَقَالَ نعم فَقَالَ أفيهما جمل أَوْرَق قَالَ نعم قَالَ وَأَنِّي ذَلِك قَالَ الرجل لَعَلَّ عرقا نزع قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَعَلَّ عرقا نزع وَذَلِكَ أَن هَذَا تَنْبِيه على أَمارَة عقلية فِي حكم عَقْلِي
دَلِيل عقلت الْأمة من قَول الله سُبْحَانَهُ {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} الْمَنْع من ضربهما وَلم تعقل ذَلِك إِلَّا قِيَاسا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْأمة عقلت ذَلِك لفظا كَمَا أَن قَول الْقَائِل مَا لفُلَان عِنْدِي حَبَّة يُفِيد فِي عرف اللُّغَة أَنه مَا لَهُ عِنْده قَلِيل وَلَا كثير لَا حَبَّة وَلَا أقل مِنْهَا وَله أَن يَقُول إِن الْمَنْع من ضربهما علم قِيَاسا على الْمَنْع من التأفيف بعلة أَنه أَذَى وَكَون الْأَذَى عِلّة فِي ذَلِك مَعْلُوم غير مظنون
(2/226)

دَلِيل أَجمعت الْأمة على قِيَاس الزناة على مَاعِز فِي الرَّجْم وَلقَائِل أَن يَقُول بل عقلت الْأمة أَن حكم الزناة حكم مَاعِز من قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَرُورَة أَو أَنَّهَا عقلت ذَلِك من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكمي فِي الْوَاحِد حكمي فِي الْجَمَاعَة على أَن كَون الزِّنَا بِشَرْط الْإِحْصَان عِلّة فِي الرَّجْم مَعْلُوم غير مظنون
دَلِيل قد تعبدنا الله عز وَجل بالاستدلال بالأمارات على جِهَة الْقبْلَة إِذا اشْتبهَ علينا أمرهَا وَأَن نصلي إِلَى الْجِهَة الَّتِي ظننا أَن الْقبْلَة فِيهَا وَهَذَا تعبد بالاستدلال بالأمارات وبالعمل بحسبها الْجَواب ان من الْمُخَالفين من لَا يجوز الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة وَيُوجب على من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة الصَّلَاة إِلَى جَمِيع الْجِهَات فَلَا يسلم هذاالموضع وَمِنْهُم من يُوجب الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة وَله أَن يَقُول إِن الأمارات الدَّالَّة على الْقبْلَة أَمَارَات عقلية لَا سمعية وَلست امْنَعْ من كوننا متعبدين بِمَا ذكرْتُمْ فِي الْقبْلَة وَلَكِنِّي أمنع من كوننا متعبدين فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة بالاستدلال بالأمارات المظنونة الشَّرْعِيَّة وبالعمل بحسبها وَلَيْسَ يلْزم إِذا تعبدنا بالأمارات فِي مَوضِع أَن نَكُون متعبدين بهَا فِي مَوضِع آخر إِلَّا لجامع يجمع بَين الْمَوْضِعَيْنِ فان قَالُوا إِذا جَازَ التَّعَبُّد بالأمارات المظنونة فِي مَوضِع جَازَ التَّعَبُّد بهَا فِي مَوضِع آخر إِذا مَا سوغ احدهما سوغ الآخر وَإِن منع من احدهما مَانع فَهُوَ مَانع من الآخر قيل هَذَا يدل على جَوَاز التَّعَبُّد بالأمارات فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة وَلَيْسَ ذَلِك مَسْأَلَتنَا فان قَالُوا إِنَّا تعبدنا بذلك فِي الْقبْلَة لِأَنَّهُ لما لم نعاينها لم يبْق إِلَّا التَّعَبُّد فِيهَا بالأمارات وَكَذَلِكَ مَعَ فقد النَّص على الْحَوَادِث لَا يبْقى إِلَّا التَّعَبُّد بالأمارات قيل لم زعمتم ذَلِك وَمَا أنكرتم أَنه يبْقى من التَّعَبُّد فِي الْمَوْضِعَيْنِ وُجُوه أخر مِنْهَا ان نتعبد فِيهَا بِحكم الْعقل فَيبقى فِي الْحَوَادِث الشَّرْعِيَّة على مُقْتَضى الْعقل وَلَا يلْزم عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة الصَّلَاة إِلَى جِهَة من الْجِهَات وَيُمكن أَن نتعبد بِالصَّلَاةِ إِلَى جَمِيع الْجِهَات أَو إِلَى أَي جِهَة اخترنا فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقبْلَة وَالْعَمَل بِحَسبِهِ لفقد الْعلم بهَا فَيجب إِذا فَقدنَا الْعلم بِحكم الْحَادِثَة أَن نَكُون متعبدين بالاستدلال عَلَيْهِ بالأمارات وَالْعَمَل بحسبها قيل لَهُم إِن مخالفكم
(2/227)

لَا يسلم أَنا قد فَقدنَا طَرِيقا إِلَى الْعلم بِحكم الْحَادِثَة لِأَنَّهُ يَجْعَل الطَّرِيق إِلَى ذَلِك الْعقل فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة لفقد معاينتها فَيجب مثله فِي حكم الْحَادِثَة عِنْد فقد النَّص لِأَن فقد النَّص يجْرِي فقد مُعَاينَة الْقبْلَة قيل لَهُم أَتَجْعَلُونَ فقد مُعَاينَة الْقبْلَة عِنْد فقد مُعَاينَة الْقبْلَة عِلّة مظنونة أَو مَعْلُومَة فان قَالُوا هِيَ مظنونة قيل لَهُم وَهل نوزعتم إِلَّا فِي صِحَة الْقيَاس بعلة مظنونة وَإِن قَالُوا هِيَ مَعْلُومَة قيل لَهُم دلوا على ذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون إِنَّمَا يجب الْعَمَل فِي الأمارات فِي الْقبْلَة لمصْلحَة لَا يعلمهَا إِلَّا الله أَلا ترى أَنه كَانَ لَا يمْتَنع أَن يتعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة إِذا لم نعاينها ويتعبدنا بِالْبَقَاءِ على حكم مُوجب الْعقل فِي الْفُرُوع الَّتِي لَا نَص فِيهَا فان قَالُوا إِنَّمَا تعبدنا بالأمارات فِي الْقبْلَة لِأَن ذَلِك من قبيل دفع المضار وَهَذَا مَوْجُود فِي الْفُرُوع الشَّرْعِيَّة قيل هَذَا رُجُوع إِلَى دليلنا الأول وَيجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى أصل عَقْلِي لِأَن مَا ذكرتموه عِلّة عقلية
دَلِيل آخر كل حَادِثَة فَلَا بُد فِيهَا من حكم وَلَا بُد من أَن يكون إِلَيْهِ طَرِيق وَكثير من الْحَوَادِث لَا نَص فِيهَا وَلَا إِجْمَاع وَلَيْسَ بعدهمَا إِلَّا الْقيَاس فَلَو لم يكن الْقيَاس حجَّة خلت كثير من الْحَوَادِث من أَن يكون إِلَى حكمه طَرِيق فان قيل جَمِيع الْحَوَادِث عَلَيْهَا نُصُوص تشملها إِمَّا ظَاهِرَة وَإِمَّا خُفْيَة وَلَيْسَ يبعد ذَلِك وَإِن كثرت الْحَوَادِث إِذا كَانَت النُّصُوص عَامَّة لِأَن قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا سقت السَّمَاء الْعشْر شَامِل لكل مَا سقته السَّمَاء وَإِن كثر عدده قيل لَو كَانَ جَمِيع الْحَوَادِث يشملها النُّصُوص لما افْتقر أهل الظَّاهِر فِي كثير مِنْهَا إِلَى اسْتِصْحَاب الْحَال وَهَذِه الدّلَالَة مُعْتَرضَة لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ الْمُسْتَدلّ أَنه لَا بُد فِي كل حَادِثَة من حكم أَي من قَضِيَّة إِمَّا نفيا وغما إِثْبَاتًا فَصَحِيح لَكِن لَا يلْزم أَن يكون طَرِيق ذَلِك الشَّرْع بل قد يجوز أَن يكون طَرِيقه الشَّرْع وَيجوز أَن يكون طَرِيقه الْعقل فيلزمنا التَّمَسُّك بِحكمِهِ إِذا لم ينقلنا عَنهُ نَص وَإِن اراد بالحكم حكما شَرْعِيًّا فانه يجوز خلو كثير من الْحَوَادِث مِنْهُ
(2/228)

وَقد اسْتدلَّ بِهَذِهِ الدّلَالَة من وَجه آخر وَهُوَ أَن السّلف رجعُوا فِي أَحْكَام الْحَوَادِث إِلَى الشَّرْع فَعلمنَا أَن طريقها الشَّرْع دون الْعقل فاذا لم يكن فِيهَا نَص وَلَا إِجْمَاع فطريقها إِذا الْقيَاس وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أردتم بِهَذَا الْكَلَام الْمسَائِل الَّتِي دارت بَين الصَّحَابَة وبينتم أَنهم لم يستدلوا فِيهَا بِالْعقلِ وَلَا بِالْكتاب وَالسّنة وَأَنه لَيْسَ بعد ذَلِك إِلَّا أَنهم استدلوا عَلَيْهَا بِالْقِيَاسِ فَهَذَا اسْتِدْلَال بِإِجْمَاع السّلف وَقد تقدم وَإِن أردتم أَن السّلف لما طلبُوا حكم بعض الْمسَائِل من الشَّرْع وَجب أَن نطلب حكم جَمِيع الْحَوَادِث من الشَّرْع فَقَط قيل لكم وَلم يجب ذَلِك أَو لَسْتُم وغيركم من مخالفيكم تستدلون فِي كثير من الْمسَائِل بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل فان قُلْتُمْ لَو لم يكن الْقيَاس صَحِيحا لعدلوا فِي الْحَوَادِث الْحَادِثَة فِيمَا بَينهم الَّتِي لَا نَص فِيهَا إِلَى حكم الْعقل فَلَمَّا لم يَفْعَلُوا ذَلِك علمنَا أَنهم عدلوا إِلَى الْقيَاس قيل لكم هَذَا رُجُوع إِلَى استدلالكم الأول وَهُوَ قَوْلكُم إِنَّمَا حكمُوا فِي الْمسَائِل بِأَحْكَام لَا وَجه لما حكمُوا بِهِ إِلَّا الْقيَاس
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} وَبِقَوْلِهِ {وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} وَبِقَوْلِهِ {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} وَبِقَوْلِهِ {وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام} قَالُوا وَالْحكم بِالْقِيَاسِ تقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله لِأَنَّهُ حكم بِغَيْر قَوْلهمَا وَقَول على الله بِمَا لَا نعلم وَوصف الشَّيْء بِأَنَّهُ حَلَال وَحرَام وَلَا نَأْمَن كَونه كذبا وَبِقَوْلِهِ {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله}
(2/229)

وَبِقَوْلِهِ {وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله} وَبِقَوْلِهِ {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} وَبِقَوْلِهِ {تبيانا لكل شَيْء} وَبِقَوْلِهِ {مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء} وَبِقَوْلِهِ {أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم} الْجَواب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن الحكم بِالْقِيَاسِ هَذَا سَبيله وَمَا أنكرتم أَنا لَا نَكُون بالحكم بِهِ متعبدين بَين يَدي الله وَرَسُوله إِذْ كُنَّا حاكمين بِمَا أمرنَا الله أَن نحكم بِهِ وَلم نقف مَا لَيْسَ لنا بِهِ علم وَلم نقل على الله مَا لَا نعلم وَلَا واصفين بِالْكَذِبِ لِأَن الدّلَالَة القاطعة على صِحَة الْقيَاس قد أمنتنا من كل ذَلِك وأوجبت أَن الحكم بِهِ حكم بِمَا انْزِلْ عز وَجل ورد إِلَى الله وَالرَّسُول وَأَنه مِمَّا بَينه الله عز وَجل فِي كِتَابه لِأَنَّهُ دلّ على صِحَة الْقيَاس وَمَعْلُوم أَن المُرَاد بقوله {تبيانا لكل شَيْء} إِمَّا على جملَة أَو على تَفْصِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان لكل شَيْء على التَّفْصِيل أَلا ترى أَن كثيرا مِنْهُ مُبين بسنته عَلَيْهِ السَّلَام
وَمِنْهَا مَا احْتج بِهِ النظام من أَن الله عز وَجل قد دلّ بِوَضْع الشَّرِيعَة على أَنه منعنَا من الْقيَاس لِأَنَّهُ فرق بَين المتفقين وَجمع بَين المفرقين فأباح النّظر الى شعر الْأمة الْحَسْنَاء وحظر النّظر إِلَى شعر الْحرَّة وَإِن كَانَت شوهاء وَأوجب الْغسْل من الْمَنِيّ دون الْبَوْل وَأوجب على الطَّاهِر من الْحيض قَضَاء الصّيام دون الصَّلَاة وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن ذَلِك بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الْقيَاس يَقْتَضِي الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي الحكم واختلافهما فِيهِ إِذا اشْتَركَا أَو افْتَرقَا فِي علته لَا فِي الصُّورَة وَلم يبين النظام أَن شعر الْحرَّة وَالْأمة قد اشْتَركَا فِي عِلّة التَّحْرِيم أَو الْإِبَاحَة حَتَّى يكون وُرُود الشَّرْع بالتفرقة بَينهمَا ورودا بِمَا يمْنَع من الْقيَاس
(2/230)

وللنظام أَن يَقُول غرضي بِمَا ذكرته الْإِبَانَة عَن أَن الشَّرِيعَة قد شهِدت بابطال أماراتكم لِأَن الشَّرِيعَة لَو حظرت النّظر إِلَى شعر الْحرَّة وَلم تذكر الْأمة لقلتم إِنَّمَا حظرت ذَلِك خوف الْفِتْنَة وَذَلِكَ قَائِم فِي شعر الْأمة الْحَسْنَاء فَيحرم النّظر إِلَيْهِ ولكان ذَلِك من اقوى مَا تذكرونه من أماراتكم فِي الْقيَاس فاذا شهِدت الشَّرِيعَة بابطاله فقد صَحَّ قولي إِن وَضعهَا يمْنَع من الْقيَاس وَمِنْهَا أَن ذَلِك لَو منع من الْقيَاس الشَّرْعِيّ لمنع من الْقيَاس الْعقلِيّ لِأَن الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة قد تخْتَلف فِيهَا الْأَشْيَاء المتفقة وتشترك فِيهَا الْأَشْيَاء المتباينة وللنظام أَن يَقُول الاحكام الْعَقْلِيَّة لَا تشترك فِيهَا الْأَشْيَاء المتباينة فِي علل تِلْكَ الْأَحْكَام وَلَا تفترق فِيهَا الْأَشْيَاء المتفقة فِي عللها وَأَنا قد أريتكم أَشْيَاء متفقة فِي أَمْثَال عللكم وأماراتكم وَهِي متباينة فِي أَحْكَام تِلْكَ الامارات فَكَانَ فِي ذَلِك بطلَان قَوْلكُم وَلم توجدوني مثله فِي العقليات وَمِنْهَا أَن قَالَ أَكثر مَا يَقْتَضِيهِ وضع الشَّرِيعَة أَن تخْتَلف أَحْكَام الْأَشْيَاء فَيكون الْقيَاس عَلَيْهَا يثبت أحكاما متضادة فِي الْفُرُوع وَلَيْسَ ذَلِك يمْتَنع عندنَا إِذا كَانَ الْمُكَلف مُخَيّرا فِيهَا وللنظام أَن يَقُول مَا التزمتموه خَارج عَمَّا رمته لِأَن الَّذِي رمته هُوَ وُرُود الشَّرِيعَة بِمَا يُخَالف مفايستكم فِي التَّسْوِيَة والتفرقة ليَصِح أَن وَضعهَا يمْنَع من الْقيَاس وَلَيْسَ غرضي أَن أبين أَن الْقيَاس يَقْتَضِي أحكاما متضادة فِي الْفَرْع فتجيبوني بِالْتِزَام ذَلِك وَنحن نجيب النظام فَنَقُول إِنَّه أرانا مثل أمارتنا فقد نفت الشَّرِيعَة أَحْكَامهَا وَذَلِكَ إِنَّمَا نمْنَع من كَونهَا أَدِلَّة وَلَا نمْنَع من كَونهَا أَمارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرط الأمارة أَن تدل هِيَ وأمثالها على حكمهَا على كل حَال بل قد تتخرم دلالتها وَلَا تخرج من كَونهَا أَمارَة أَلا ترى أَن الْغَيْم الرطب أَمارَة فِي الشتَاء على الْمَطَر وَلَيْسَ ينْقض كَونه أَمارَة على ذَلِك وجودنا غيما أرطب من ذَلِك فِي صميم الشتَاء وَلَا يكون الْمَطَر وامثال ذَلِك كثير وَكَذَلِكَ لَا تخرج أمارتنا من كَونهَا أَمَارَات بِوَجْه لوجودنا أَمْثَالهَا وأحكامها متخلفة عَنْهَا فان قَالَ قد وجدت الْأَكْثَر من أَمْثَال أماراتكم لَا يتَعَلَّق بهَا فِي الشَّرِيعَة حكم فَخرجت بذلك عَن أَن تكون أَمَارَات إِذْ الْأَكْثَر من الأمارات يتَعَلَّق بهَا
(2/231)

الْأَحْكَام قيل لَهُ بَين ذَلِك وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى بَيَانه وَمِمَّا احْتج بِهِ الْمُخَالف قَوْلهم لَو كَانَ الله عز وَجل وَرَسُوله قد تعبدنا بِالْقِيَاسِ لَكَانَ القائسون مُطِيعِينَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي ذَلِك كَونه عَالما بهم وَبِمَا يؤديهم اجتهادهم إِلَيْهِ وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الله عز وَجل قد أعلم نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالقائسين مفصلا وَأَرَادَ الْقيَاس مِنْهُم وَكَانُوا مُطِيعِينَ لَهُ وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد أَرَادَ فِي الْجُمْلَة من الْمُجْتَهدين أَن يجتهدوا الِاجْتِهَاد الصَّحِيح ويفعلوا بِحَسبِهِ وكل من فعل ذَلِك يكون مُطيعًا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فان قيل فَمَتَى أَرَادَ الله عز وَجل حكم الْفُرُوع من الْمُكَلف قيل ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد وَعَلِيهِ دَلِيل يَقُول إِن الله عز وَجل أَرَادَ حكم الْفَرْع بِنصب الدّلَالَة على ذَلِك وَمن يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب مِنْهُم من يَقُول أَرَادَ أَحْكَام الْفُرُوع عِنْد نصب الأمارات وَمِنْهُم من يَقُول أرادها عِنْد نصب الدّلَالَة على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَقد اخْتَارَهُ قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد وَقَالَ وَمِنْهُم من يَقُول أرادذلك عِنْد النَّص الدَّال على حكم الأَصْل وَقد اخْتَارَهُ فِي الشَّرْح وَفِي كتاب النِّهَايَة وَمِنْهُم من يَقُول أَرَادَ بعض الْأَحْكَام بالنصوص وَيقف على الْبَاقِي وَلَا يدْرِي بِمَاذَا أُرِيد وابطل فِي الشَّرْح أَن تكون الْأَحْكَام مُرَادة بِدَلِيل الْقيَاس لِأَن دَلِيل الْقيَاس مُجمل وَأوجب أَن تكون مُرَادة بِالنَّصِّ الدَّال على حكم الأَصْل قَالَ لِأَن عِنْد الْقيَاس نقُول لَا يَخْلُو مُرَاده بِتَحْرِيم الرِّبَا إِمَّا أَن يكون نفس الْعين أَو بعض صفاتها ثمَّ نتوصل بالأمارات إِلَى إِثْبَات الْمَعْنى وَلقَائِل أَن يَقُول لَا أقسم هَذِه الْقِسْمَة لِأَنِّي قد علمت أَنه مَا أُرِيد بِتَحْرِيم التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة إِلَّا مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظ دون غَيره وَإِنَّمَا أعرف حكم الْفَرْع لاختصاصه بِمَا ظَنَنْت أَنه عِلّة الحكم مَعَ قيام الدّلَالَة على الْعَمَل بِالْقِيَاسِ وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الله عز وَجل إِنَّمَا أَرَادَ الحكم عِنْد نصب الدّلَالَة على صِحَة الْقيَاس مَعَ نصب الأمارة الدَّالَّة على عِلّة الحكم ووجودها فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ لَا بُد من مَجْمُوع ذَلِك فِي الْعلم لحكم الْفَرْع وَلَيْسَ بعض ذَلِك مُرَتبا على بعض بل لمجموعة تشافه
(2/232)

الحكم وَمعنى ذَلِك انه فعل كل وَاحِد من ذَلِك لأجل الحكم
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وَإِن جَازَ فان مقايستكم لم يرد التَّعَبُّد بهَا لِأَنَّهُ مَا من فرع إِلَّا وَيُشبه أصلين متضادي الحكم وَذَلِكَ يَقْتَضِي ثبوتهما فِيهِ وَذَلِكَ محَال فَعلمنَا أَن الله سُبْحَانَهُ لم يتعبدنا بذلك الْجَواب يُقَال لَهُم إِن كل فرع يشبه أصلين متضادي الحكم ثمَّ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يؤد إِلَى محَال لِأَن من لَا يُجِيز الحكم فِي الْفَرْع بالتخيير يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى قُوَّة شبهه باحد الْأَصْلَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يُرَاجع الْمُجْتَهد النّظر حَتَّى يظفر بذلك وَمن يجوز الحكم بالتخيير يَقُول يجوز ان يعتدل الشبهان عِنْد الْمُجْتَهد فَيكون مُخَيّرا بَين إِلْحَاقه بِأَيّ الْأَصْلَيْنِ شَاءَ فَلَا يُنَافِي فِي ذَلِك وَالْقَوْل فِي ذَلِك كالقول فِي أَخْبَار الْآحَاد المتعارضة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس وَإِن جَازَ التَّعَبُّد بِهِ مَوْقُوف على ثُبُوت الْحَاجة إِلَيْهِ وَتَنَاول النُّصُوص الْخَاصَّة والعامة للحوادث كلهَا يرفع الْحَاجة إِلَيْهِ فاذا لسنا متعبدين بِهِ الْجَواب أَن قَوْلهم إِن النُّصُوص متناولة لجَمِيع الْحَوَادِث دَعْوَى وَلَو كَانَت النُّصُوص متناولة لجَمِيع الْحَوَادِث لتناولت الْحَوَادِث الَّتِي اخْتلف الصَّحَابَة فِيهَا وَكَانُوا يحتجون بهَا وَلما لم يحتجوا بهَا علمنَا أَنه لم يكن فِيهَا نُصُوص وَلَو تناولت النُّصُوص جَمِيع الْحَوَادِث لما افْتقر نفاة الْقيَاس إِلَى الِاسْتِدْلَال بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل فِي كثير من الْحَوَادِث
وَمِنْهَا أَن يزِيدُوا فِي هَذِه الدّلَالَة فيقولوا تنَاول خَاص النُّصُوص وعامها أَو دَلِيل الْعقل لكل حَادِثَة تغني عَن الْقيَاس فِيهَا فَلم نَكُنْ متعبدين بِهِ إِذْ التَّعَبُّد بِهِ مَوْقُوف على الْحَاجة ولسنا مُحْتَاجين إِلَيْهِ مَعَ هَذِه الامور الْجَواب أَن تنَاول النُّصُوص للحادثة لَا يمْنَع من قياسها على غَيرهَا إِذا كَانَ حكم الْقيَاس هُوَ حكم النَّص لِأَنَّهُ إِن تنَاولهَا خبر وَاحِد كَانَ عَلَيْهَا أمارتان خبر وَاحِد وَقِيَاس وَإِن تنَاولهَا خبر متواتر قسناها على غَيرهَا لِأَنَّهُ لَو لم يكن الْخَبَر الْمُتَوَاتر لدل الْقيَاس على حكمهَا وَإِن تنَاول الْحَادِثَة عُمُوم جَازَ إِثْبَات حكم الْعُمُوم فِيهَا
(2/233)

بقياسها على غَيرهَا وَجَاز إخْرَاجهَا من الْعُمُوم بقياسها أَيْضا على غَيرهَا فَتَنَاول النُّصُوص للحادثة لَا يَقْتَضِي كوننا غير متعبدين فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَأما تنَاول الْعقل للحادثة فانه إِنَّمَا يَقْتَضِي إِثْبَات حكمه فِيهَا ويغني عَمَّا سواهُ مَا لم ينْقل عَنهُ دَلِيل شَرْعِي فَعَلَيْهِم أَن يبينوا أَن الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل شَرْعِي حَتَّى يمْتَنع أَن ينقلنا عَن حكم الْعقل هَذَا إِذا كَانَ الْقيَاس غير مُطَابق لحكم الْعقل فان كَانَ مطابقا لَهُ فَمَا الْمَانِع من ان يدل هُوَ على الْحَادِثَة مَعَ الْعقل كَمَا يدل الْعقل على الْحَادِثَة مَعَ خبر وَاحِد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو نَص الله عز وَجل على عِلّة حكم الْحَادِثَة مَا جَازَ أَن نقيس عَلَيْهَا غَيرهَا بِتِلْكَ الْعلَّة فأحرى أَن لَا يجوز أَن نقيس على مَا لم ينص على علته وَإِذا لم يجز لنا الْقيَاس ثَبت أَن الله عز وَجل مَا تعبدنا بِهِ وَاسْتَدَلُّوا على أَن الْقيَاس على مَا نَص على علته لَا يجوز بِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لوَكِيله أعتق زيدا عَبدِي لِأَنَّهُ اسود مَا جَازَ أَن يعْتق كل عبد لَهُ أسود الْجَواب يُقَال لَهُم أتمنعون الْقيَاس على مَا نَص على عِلّة حكمه وَإِن تعبدنا بِالْقِيَاسِ أَو إِن لم نتعبد بِالْقِيَاسِ فان قَالُوا بِالْأولِ كَانُوا قد منعُوا من فعل مَا تعبد الله عز وَجل بِهِ لِأَن الله عز وَجل إِذا تعبدنا بِالْقِيَاسِ فَأولى المقاييس مَا نَص على علته وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم من النَّاس من يَقُول لَا يجوز الْقيَاس على مَا نَص على علته إِلَّا بعد أَن نتعبد بِالْقِيَاسِ وَلَا يَكْفِي النَّص على عِلّة الحكم فِي إِبَاحَة الْقيَاس ويحوج إِلَى ذَلِك من النَّص على الْعلَّة وَمَعَ فقد النَّص عَلَيْهَا ويسوى بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَمن النَّاس من يَقُول يَكْفِي النَّص على الْعلَّة فِي جَوَاز الْقيَاس بهَا لما سَنذكرُهُ فِي بَاب ياتي وَلَا بُد من تعبد بِالْقِيَاسِ إِذا لم ينص على الْعلَّة وَإِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَقُول إِن التَّعَبُّد بذلك يثبت عقلا وَشرعا وَمِنْهُم من يَقُول يثبت شرعا فَقَط فَمَا بني عَلَيْهِ الْمُسْتَدلّ دَلِيله من أَن الْقيَاس على مَا نَص على علته لَا يجوز لَا يُسلمهُ هَؤُلَاءِ وَمَا احْتج بِهِ من الْعتْق سَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب مُفْرد أَن شَاءَ الله تَعَالَى
(2/234)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي النَّص على عِلّة الحكم هَل هُوَ تعبد بِالْقِيَاسِ بهَا أَو لَا بُد من تعبد زَائِد على النَّص على الْعلَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ الجعفران وَبَعض أهل الظَّاهِر لَيْسَ النَّص على الْعلَّة تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا وَقَالَ أَبُو اسحاق النظام وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الْفُقَهَاء وَقَول بعض أهل الظَّاهِر إِن النَّص عَلَيْهَا يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بهَا وَالشَّيْخ أَبُو هَاشم أَبُو عبد الله رَحمَه الله إِن كَانَت الْعلَّة المنصوصة عِلّة فِي التَّحْرِيم كَانَ النَّص عَلَيْهَا تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا وَإِن كَانَت عِلّة فِي إِيجَاب الْفِعْل أَو كَونه ندبا لم يكن النَّص عَلَيْهَا تعبدا بِالْقِيَاسِ بهَا
وَاحْتج المانعون من الْقيَاس بهَا من غير هَذَا التَّفْصِيل فَقَالُوا إِن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِمَّا أَن تكون وَجه الْمصلحَة وَإِمَّا أَن تكون أَمارَة فان كَانَت وَجه الْمصلحَة وَجب أَن يُوقع الْمُكَلف الْفِعْل لأَجلهَا وَلَيْسَ يجب إِذا فعل الْإِنْسَان فعلا لغَرَض من الْأَغْرَاض وَوجه من الْوُجُوه ان يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض لِأَن من اكل رمانة لِأَنَّهَا حامضة لَا يجب أَن يَأْكُل كل رمانة حامضة وَمن تصدق على فَقير بدرهم لِأَنَّهُ فَقير لَا يجب أَن يتَصَدَّق على كل فَقير فَلَو أوجب الله علينا أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو وَكَانَت حلاوته دَاعِيَة إِلَى اكله لم يجب أَن تَدعُوهُ حلاوة الْعَسَل إِلَى أكله فَلم يجب علينا أكله وَأكل كل حُلْو وَإِن كَانَت الْعلَّة أَمارَة فَمَعْنَى ذَلِك هُوَ أَن وَجه الْمصلحَة يقارنها وَلَا يَنْفَكّ مِنْهَا فاذا ثَبت بهَا ذكرنَا أَن وَجه الْمصلحَة لَا تتبعها الْمصلحَة فِي كل مَوضِع فَكَذَلِك مَا لَا يَنْفَكّ من وَجه الْمصلحَة فعلى هَذَا الْوَجْه ذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله هَذَا الدَّلِيل وَالْجَوَاب إِن السكر لَو وَجب أكله لِأَنَّهُ حُلْو وَقُلْنَا إِن حلاوته وَجه الْمصلحَة وَالْوُجُوب لم يلْزم أَن يَأْكُل الْمُكَلف السكر لِأَنَّهُ حُلْو فيوقع الْفِعْل لهَذَا الْوَجْه بل يَكْفِي أَن يَأْكُلهُ لِأَنَّهُ وَاجِب وَلَيْسَ من شَرط كَون
(2/235)

حلاوة السكر وَجه الْمصلحَة أَن يكون دَاعِيَة إِلَى اكل السكر بل من شَرط كَونهَا وَجه الْمصلحَة أَن يكون أكل السكر يَدْعُو لأَجلهَا إِلَى فعل وَاجِب آخر أَو يصرف عَن قَبِيح وَهَذَا الْقدر كَاف فِي كَون الْحَلَاوَة وَجه الْمصلحَة وَلَو لزم الْمُكَلف أكل السكر لنه حُلْو لم يسْقط عَنهُ وجوب أكل كل حُلْو من حَيْثُ أمكنه أَن يَأْكُل السكر من حَيْثُ أَنه حُلْو وَلَا يَأْكُل مَا ساواه فِي الْحَلَاوَة على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ فِي الرمانة لِأَن وجوب الْوَاجِب لَا يقف على كَونه لَا بُد من وُقُوعه من الْمُكَلف بل من شَرط وُجُوبه إِمْكَان وُقُوعه وَإِمْكَان تَركه
وَيُمكن أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة أَن يحتجوا بِهَذِهِ الدّلَالَة على وَجه آخر فيقولوا إِن علل الشرعيات هِيَ وُجُوه الْمصَالح والمصلحة إِمَّا أَن تكون دَاعِيَة إِلَى فعل وَاجِب ومسهلة لَهُ أَو صارفة عَن قَبِيح أَو دَاعِيَة إِلَى تَركه ومسهلة لَهُ وَمَا دَعَا إِلَى فعل وسهلة لَا يجب أَن يكون هُوَ وَلَا مثله دَاعيا إِلَى جنس ذَلِك الْفِعْل وَلَا مسهلا لَهُ وَمَا يصرف عَن الْفِعْل يجب أَن يصرف هُوَ وَمثله عَن جنس ذَلِك الْفِعْل أَلا ترى أَن من أكل رمانة لِأَنَّهَا حامضة فان حموضتها قد دَعَتْهُ إِلَى أكلهَا وسهلت عَلَيْهِ وَلَا يجب أَن يَأْكُل غَيرهَا من الرُّمَّان وَمن لم يَأْكُل رمانة لِأَنَّهَا حامضة فان حموضتها قد صرفته عَن أكلهَا وسهلت عَلَيْهِ الْإِخْلَال بأكلها وَيلْزم أَن لَا يَأْكُل كل رمانه حامضة فاذا ثَبت ذَلِك فَلَو نَص الله عز وَجل على أَن عِلّة وجوب أكل السكر كَونه حلوا يجوزنا أَن تكون حلاوته لطفا وداعيا إِلَى الْإِخْلَال بِالْكَذِبِ فَيلْزم أَن تكون حلاوة الْعَسَل إِذا أكله الْإِنْسَان دَاعيا لَهُ إِلَى الْإِخْلَال بِالْكَذِبِ وجوزنا أَن تكون حلاوته دَاعِيَة إِلَى فعل وَاجِب كرد الْوَدِيعَة ومسهلا لَهُ كَمَا ان حموضة الرمانة دَاعِيَة إِلَى أكلهَا وَلَا يلْزم أَن تَدْعُو حلاوة الْعَسَل إِلَى رد الودائع كَمَا لم يلْزم أَن تَدْعُو حموضة رمانة أُخْرَى أَو حموضة الْخلّ إِلَى أكله وَإِذا جَوَّزنَا كلا الْأَمريْنِ لم يجز لنا إِيجَاب أكل الْعَسَل لتجويزنا أَن تكون حلاوة السكر وَجه مصلحَة فِي فعل وَاجِب فَلَا يجب أَن تكون حلاوة الْعَسَل بِمثلِهِ بل يلْزمنَا أَن نقطع على أَن حلاوة السكر
(2/236)

لَيْسَ بِوَجْه مصلحَة فِي التّرْك لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لأخبرنا الله عز وَجل بذلك أَو لتعبدنا بِالْقِيَاسِ وَالْجَوَاب إِن من يفعل الْفِعْل لداع ومسهل فانه يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الدَّاعِي إِلَّا أَن يُقَابل ذَلِك الدَّاعِي صَارف أَو يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وآكل الرمانة إِنَّمَا لم يَأْكُل رمانة أُخْرَى لِأَن شَهْوَته للحموضة قد زَالَت أَو تناقصت فَلم يحصل دَاعِيَة إِلَى أكل رمانة أُخْرَى أَو لم يحصل على حد مَا حصل إِلَى الأولى وَإِذا نَص الله سُبْحَانَهُ على أَن عِلّة أكل السكر كَونه حلوا فَظَاهر أَن حلاوته هِيَ وَجه الْمصلحَة من غير شَرط فَلم يجز حُصُول الْحَلَاوَة إِلَّا وَهِي دَاعِيَة إِلَى مَا دعت إِلَيْهِ حلاوة السكر
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ أعتقت عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ اسود لم يعْتَقد السامعون أَنه قد أعتق كل عبيده السود وَلَو قَالَ لوَكِيله أعتق عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود لم يجز للْوَكِيل عتق كل عبيده السود الْجَواب إِن الْإِنْسَان إِذا قَالَ أعتقت عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود فان كل عَاقل يناقضه إِذا لم يعْتق غَيره من عبيده السود إِلَّا أَن يكون قد عرف من قَصده أَنه اعتقده لِأَنَّهُ أسود مَعَ شَرط آخر لَا يُوجد فِي غَيره وَإِذا قَالَ لوَكِيله أعتق زيدا عَبدِي لِأَنَّهُ أسود قَالَ لَهُ الْعُقَلَاء فعندك الآخر أسود فَلم خصصت هَذَا بِالْعِتْقِ وَإِنَّمَا لم يجز للْوَكِيل الْإِقْدَام على عتق عبد لَهُ لِأَن الشَّرْع منع من ذَلِك إِلَّا بِصَرِيح القَوْل وَلِأَن المؤكل لما جَازَت عَلَيْهِ البدوات والمناقضات لم يجز من جِهَة الْعقل الْإِقْدَام على إِتْلَاف مَاله إِلَّا بِصَرِيح القَوْل أَلا ترى أَن المؤكل لَو أَمر وَكيله بِالْقِيَاسِ لم يكن للْوَكِيل عتق كل عبيده السود وَلِهَذَا ثَبت الْقيَاس فِيمَا عدا الْإِتْلَاف لِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لعَبْدِهِ لَا تدخل دَار فلَان لِأَنَّهُ عدوي فَدخل دَار غَيره من أعدائه لامه الْعُقَلَاء وَلَو قَالَ أوجبت أَو أبحت لَك دُخُول دَار فلَان لِأَنَّهُ صديقي كَانَ لَهُ دُخُول دَار غَيره من أصدقائه وَلَو لامه لائم على ذَلِك لعنفه الْعُقَلَاء
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الشَّيْخ عبد الله رحمهمَا الله احْتج لمذهبه بِأَن من فعل
(2/237)

فعلا لغَرَض من الْأَغْرَاض فانه لَا يجب أَن يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض وَمن ترك فعلا لغَرَض فانه لَا يجب أَن يفعل مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض وَمن ترك فعلا لغَرَض فانه يتْرك مَا ساواه فِي ذَلِك الْغَرَض فاذا حرم الله تَعَالَى الْخمر لشدتها فان الشدَّة تكون وَجه الْمصلحَة وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَلها يتْرك الْفِعْل وَإِذا كَانَت وَجها فِي التّرْك وَجب أَن يشيع فِي تَحْرِيم كل شدَّة فاذا وَجب أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو لم يجب أَن يشيع فِي كل حُلْو وَالْجَوَاب يُقَال إِن أردْت أَن الشدَّة وَجه لَهَا بترك شرب الْخمر فقد بَينا بطلَان ذَلِك إِن أردْت أَنَّهَا لاخْتِصَاص الْخمر بهَا يَقْتَضِي ترك شربهَا انصرافا عَن قَبِيح آخر فَمن أَيْن ذَلِك وَمَا يُنكر أَنه يجوز ذَلِك وَيجوز أَن يكون تَارِك شربهَا يفعل وَاجِبا وَلَو شربهَا أخل بِهِ وَمَا يُنكر لَو أوجب الله تَعَالَى علينا أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو أَن يكون أكله يصرف عَن قَبِيح وَلَا يَدْعُو إِلَى وَاجِب فَلَا يَنْبَغِي أَن يفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ بل يَنْبَغِي أَن يجوز فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون دَاعيا إِلَى التّرْك وداعيا إِلَى الْفِعْل على أَن قَوْله إِن وَجه الْمصلحَة لَهَا يفعل الْفِعْل إِن أَرَادَ بِهِ لَهَا يفعل الملطوف فِيهِ على معنى أَن الْمُكَلف يفعل الملطوف فِيهِ لأجل اللطف فَهُوَ صَحِيح وَإِن أَرَادَ أَن وَجه الْمصلحَة هُوَ غَرَضه ومقصوده بِفعل الملطوف فِيهِ كَمَا يَقُول خرجت من الدَّار لاسلم على زيد فَبَاطِل لِأَن اللطف مُتَقَدم فَلَا يجوز أَن يكون هُوَ غَرَض الْمُكَلف أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا اسْتغنى أَو رزقه الله ولدا فَدَعَاهُ ذَلِك إِلَى الصَّلَاة لَا يكون غَرَضه وقصده بِالصَّلَاةِ الِاسْتِغْنَاء وَالْولد
وَأما أَبُو إِسْحَاق النظام فَلهُ أَن يحْتَج فَيَقُول لَو قَالَ الله عز وَجل اوجبت أكل السكر فِي كل يَوْم لِأَنَّهُ حُلْو لَكَانَ ذَلِك تعليلا لوُجُوبه فِي كل يَوْم ولكانت الْحَلَاوَة فَقَط وَجه الْمصلحَة فِي وُجُوبه فِي كل يَوْم لِأَنَّهُ قصر التَّعْلِيل عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَاف أحوالنا وَلَا يجوز حُصُول وَجه الْوُجُوب أَو الْحسن أَو الْقبْح فَلَا يُؤثر أَلا ترى أَنه لَا يجوز حُصُول الْفِعْل ظلما وَلَا يكون قبيحا وَأَيْضًا فان قدرا من الرِّفْق لَا يجوز أَن يصلح الصَّبِي وَهُوَ على صفة مَخْصُوصَة
(2/238)

وَلَا يصلحه مثله مَتى كَانَ الصَّبِي على تِلْكَ الصّفة وَإِذا ثَبت ذَلِك كَانَت الْحَلَاوَة مُؤثرَة فِي الْمصلحَة فِي كل مَوضِع فَوَجَبَ أكل الْعَسَل
وَقد احْتج لهَذِهِ الْمقَالة أَيْضا بِأَنَّهُ لَو لم يجز الْقيَاس بِالْعِلَّةِ المنصوصة لم تكن للنَّص عَلَيْهَا فَائِدَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْفَائِدَة فِيهَا أَن يعلم كَونهَا عِلّة لِأَن الْعلم نَفسه فَائِدَة
وَقَالَ أَيْضا لَو لم يتعبد بِالْقِيَاسِ لعلم كل عَاقل تَحْرِيم ضرب الْوَالِدين من قَول الله تَعَالَى {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} لما نبه الله تَعَالَى على الْعلَّة فاذا نَص عَلَيْهَا فَالْقِيَاس بهَا أولى فَالْجَوَاب إِن كثيرا من النَّاس يَقُول إِن الْمَنْع من ضربهما مَعْلُوم بِاللَّفْظِ لَا من جِهَة الْقيَاس وَمن لم يقل إِن ذَلِك مَعْلُوم بِاللَّفْظِ يَقُول لَو لم يتعبد الله عز وَجل بِالْقِيَاسِ لم أعرف ذَلِك بِالْقِيَاسِ على التأفيف لَكِن أعرفهُ بِالْعقلِ من حَيْثُ أَن ضربهما كفر نعْمَة وَإِنَّمَا يثبت أَن الْمَنْع من التأفيف دَال على تَحْرِيم الضَّرْب إِذا ثَبت أَن الْعلم بِالْعِلَّةِ يَكْفِي فِي التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فَأَما مَعَ الشَّك فِي ذَلِك فَلَا يُمكن الْمَنْع من ضربهما بِالْقِيَاسِ على التأفيف فأمأ إِذا نَص الله عز وَجل على الْعلَّة وَتعبد بِالْقِيَاسِ فَلَا شُبْهَة فِي جَوَاز الْقيَاس بهَا لأَنا قد بَينا أَن النَّص على الْعلَّة هُوَ تعبد بِالْقِيَاسِ فانضمام تعبد زَائِد يزِيد التَّعَبُّد تَأْكِيدًا وَلِأَنَّهُ لَو لم يجز الْقيَاس بهَا لم يجز الْقيَاس بالمستنبطة فَكَانَ لَا يجوز الْقيَاس أصلا وَفِي ذَلِك وُرُود التَّعَبُّد بِمَا لَا يجوز فعله
شُبْهَة
إِن قيل إِذا أوجب الله تَعَالَى أكل السكر لِأَنَّهُ حُلْو فَيجب إِذا شَاركهُ الْعَسَل فِي الْحَلَاوَة أَن يكون قد قَامَ مقَامه فِي وَجه الْمصلحَة وَفِي ذَلِك كَونهمَا واجبين على الْبَدَل وَالْجَوَاب إِن الْفِعْل إِذا وَجب التَّعْيِين لوجه ثمَّ شَاركهُ
(2/239)

فِيهِ فعل آخر وَجب أَن يُشَارِكهُ فِي الْوُجُوب على التَّعْيِين لِأَن هَذَا هُوَ حكم الأَصْل
شُبْهَة
إِن قَالُوا لَو قَالَ الرجل لوَكِيله أعتق عَبدِي زيدا لِأَنَّهُ أسود وَيَنْبَغِي أَن يقيس لم يجز لَهُ أَن يعْتق جَمِيع عبيده السود وَالْجَوَاب عَن ذَلِك مَا تقدم من أَن الشَّرْع وَالِاحْتِيَاط من جِهَة الْعقل يمْنَع من الْإِتْلَاف على المؤكل إِلَّا بِصَرِيح اللَّفْظ لما يجوز عَلَيْهِ من المناقضات والبدوات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ على الأَصْل وَإِن لم ينص لنا على الْقيَاس عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَلَا أَجمعت الامة على تَعْلِيله وَوُجُوب الْقيَاس عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
حُكيَ عَن بشر المريسي الْمَنْع من الْقيَاس على الأَصْل إِلَّا بعد أَن تجمع الامة على تَعْلِيله وَعَن قوم أَنه يجب أَن ينص لنا على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ وَالدَّلِيل على أَنه لَا اعْتِبَار بذلك أَن الصَّحَابَة قد قاست على أصُول لم يتقدمها إِجْمَاع على قِيَاس تِلْكَ الْمسَائِل عَلَيْهَا وَقد قَاس كل مِنْهُم على غير الأَصْل الَّذِي قَاس عَلَيْهِ غَيره وَلَا نَص لَهُم على الْقيَاس على أصل من تِلْكَ الْأُصُول لِأَنَّهُ لَو نَص لَهُم على ذَلِك لاحتج بِهِ بَعضهم على بعض فِي وجوب الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل وَلِأَنَّهُ إِن كَانَ الأَصْل قد نَص على علته فقد بَينا أَن ذَلِك تعبد بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَأَنه لَا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة تعبد وَبينا مثل ذَلِك فِي الْعِلَل المستنبطة وَقُلْنَا إِن الْعقل يَقْتَضِي الْقيَاس بهَا على الأَصْل كالأمارات الْعَقْلِيَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل كَانَ متعبدا بِالِاجْتِهَادِ أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله إِنَّه لم يكن متعبدا بِالِاجْتِهَادِ فِي شَيْء من الشرعيات وَحكي عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله أَنه كَانَ متعبدا بذلك
(2/240)

وَجوز الشَّافِعِي فِي رسَالَته أَن يكون فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْتِهَادًا وَجوز قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله ذَلِك وَلم يقطع عَلَيْهِ وَاسْتدلَّ بِأَن الْعقل يجوز أَن يتعبده الله بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع مَا يدل على أَنه تعبد بذلك وَلَا أَنه لم يتعبد بِهِ وَذَلِكَ يَصح إِذا أفسدنا أَدِلَّة القاطعين على أَنه تعبد بذلك والقاطعين على أَنه لم يتعبد بِهِ
فمما احْتج بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ تعبد بِالِاجْتِهَادِ قَوْلهم إِن فِي الِاجْتِهَاد مزِيد ثَوَاب فَلَا يجوز أَن يحرمه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْجَوَاب إِنَّه لَيْسَ يثبت أَن ثَوَاب الْمُجْتَهد فِي الأمارات أَكثر من ثَوَاب الْمُسْتَدلّ بالأدلة لِأَن الْمَشَقَّة مَوْجُودَة فيهمَا وَلَا يعلم التَّفَاضُل بَينهمَا فِيمَا يَقْتَضِي مزِيد الثَّوَاب على أَن الْوَاجِب أَن يكون ثَوَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر وَلَيْسَ فِي كل فعل فَعَلْنَاهُ يجب أَن يفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله ليستحق مثل ثوابنا على أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون متعبدا بِالِاجْتِهَادِ فِي جَمِيع مَا تعبدنا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ فِي مَكَّة لَا يختلي خَلاهَا قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا الْإِذْخر وَمَعْلُوم أَن الْوَحْي لم ينزل عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال وَلكنه تنبه من اسْتثِْنَاء الْعَبَّاس على مَوضِع الِاجْتِهَاد وَالْجَوَاب إِنَّه لَا يمْتَنع ان يكون أَرَادَ اسْتثِْنَاء الْإِذْخر فسبقه الْعَبَّاس إِلَيْهِ فَلَا يجب الْقطع على مَا قَالُوهُ
وَمِنْهَا أَن الْعَمَل على الْقيَاس مَعْلُوم بِالْعقلِ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره فِي ذَلِك سَوَاء وَالْجَوَاب إِن الْعقل يُوجب عندنَا إِذا لم يكن فِي الْحَادِثَة نَص وَإِذا لم يدل الشَّرْع على أَن الْقيَاس مفْسدَة فَمَا يؤمننا أَن يكون اسْتِعْمَال الْقيَاس للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مفْسدَة وَأَن مصْلحَته أَن يعْمل على النَّص فدله الله عز وَجل على ذَلِك وَنَصّ لَهُ على الْأَحْكَام
(2/241)

وَاحْتج المانعون من كَونه متعبدا بِالِاجْتِهَادِ بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول الله عز وَجل {وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} فَأخْبر أَن مَا ينْطق بِهِ هُوَ عَن وَحي وَلَا يُقَال لما يصدر عَن اجْتِهَاد إِنَّه عَن وَحي أَلا ترى أَنه لَا يُقَال إِن قَول الْمُجْتَهد منا هُوَ عَن وَحي وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن الْآيَة تَنْصَرِف إِلَى مَا ينْطق بِهِ دون مَا يظْهر مِنْهُ فعلا فَمن أَيْن أَن كل مَا فعله كَانَ وَحيا وَأما قَوْله وَمَا ينْطق عَن الْهوى فَلَا يمْتَنع من كَونه مُجْتَهدا لِأَن الحكم بِالِاجْتِهَادِ لَيْسَ هُوَ عَن هوى
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأمة اتّفقت على أَن مَا يَقُوله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب إِن أَبَا يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يخالفان فِي ذَلِك وَلَا يعلم سبق الْإِجْمَاع لَهما
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ فِي الْأَحْكَام مَا صدر عَن اجْتِهَاد فَيجب أَن لَا يَجْعَل أصلا وَأَن يُخَالف فِيهِ وَلَا يكفر مخالفه لِأَن كل ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد الْجَواب إِنَّه لَيْسَ ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق أَلا ترى أَن الْأمة إِذا أَجمعت عَن اجْتِهَاد فانه لَا يجوز مُخَالفَته وَيجب أَن يَجْعَل أصلا وَرُبمَا فسق من خَالفه وَإِن كَانَ من خَالف الِاجْتِهَاد الَّذِي لم يجمع عَلَيْهِ لَا يفسق وَإِذا جَازَ أَن يفسق إِذا قارنه إِجْمَاع جَازَ أَن يكفر إِذا قارنه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمِنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نزل منزلا فَقيل لَهُ إِن كَانَ ذَلِك عَن وَحي فالسمع وَالطَّاعَة وَإِن كَانَ إِنَّمَا هُوَ الرَّأْي فَلَيْسَ بمنزل مكيدة فَقَالَ بل هُوَ الرَّأْي فَدلَّ على أَنه يجوز مُرَاجعَته فِي الرَّأْي وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز مُرَاجعَته فِي الْأَحْكَام فَعلم أَنَّهَا لَيست بِرَأْي وَالْجَوَاب أَن ذَلِك إِنَّمَا يدل على مُرَاجعَته فِي الآراء الَّتِي لَيست من الْأَحْكَام كالرأي فِي الْحَرْب وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة خَارِجَة عَن ذَلِك
(2/242)

وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ متعبدا بِالِاجْتِهَادِ لاظهره الْجَواب إِنَّه لَا يمْتَنع ان يكون من الْمصلحَة إِظْهَاره
وَمِنْهَا أَنه لَو تعبد بِالِاجْتِهَادِ لما توقف على الْوَحْي الْجَواب إِنَّه لَيْسَ معنى أَن توقف فِي كل الْأَحْكَام على الْوَحْي فاذا ثَبت ذَلِك فَكل مَا تعبدنا فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ الشَّرْعِيّ فَيجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تعبد بِهِ وَيجوز أَن يكون قد نصب لَهُ دَلِيل يَخُصُّهُ وَأما الِاجْتِهَاد فِي أَخْبَار الْآحَاد فيتأتى فِينَا دونه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِيمَن عاصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل كَانَ متعبدا بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما من عاصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فِي الشَّرْح أَن أَكثر الذاهبين إِلَى الِاجْتِهَاد قَالُوا كَانَ متعبدا بذلك والأقلون منعُوا وَحكى أَن أَبَا عَليّ رَحمَه الله قَالَ لَا أَدْرِي هَل كَانَ من عاصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متعبدا بِأَن يجْتَهد أم لَا لِأَن خبر معَاذ من أَخْبَار الْآحَاد وَلم يقطع قَاضِي الْقُضَاة على وُرُود التَّعَبُّد بذلك لمن حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن مَا يروي فِي ذَلِك أَخْبَار آحَاد وَقطع على أَن من غَابَ عَنهُ مِمَّن عاصره متعبد بذلك لِأَن خبر معَاذ عِنْده ثَابت لتلقي الامة لَهُ بِالْقبُولِ وَظَاهر أَنه لم يكن عَادَة الْحَاضِرين عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك عَادَة لَهُم لظهر لَهُم ذَلِك عَنْهُم كَمَا أَنه لم يكن عَادَتهم طلب الحكم من التَّوْرَاة وَيجوز أَن يكون الْوَاحِد والاثنان قد أذن لَهما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يجتهدا بِحَضْرَتِهِ لِأَن خبر عَمْرو بن الْعَاصِ يجوز صِحَّته فَأَما من غَابَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيجوز أَن يكون متعبدا بِالِاجْتِهَادِ أَيْضا إِلَّا أَن الْأَمر فِيهِ أظهر مِمَّن حَضَره لِأَن خبر معَاذ أظهر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْقيَاس هَل هُوَ مَأْمُور بِهِ وَدين أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما كَونه مَأْمُورا بِهِ بِمَعْنى أَن الله عز وَجل بعثنَا على فعله بالأدلة
(2/243)

فَصَحِيح وَأما كَونه مَأْمُورا بِهِ بِصِيغَة افْعَل فَصَحِيح أَيْضا عِنْد من يحْتَج بقول الله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَمَا جرى مجْرَاه من أَلْفَاظ الْأَمر وَأما من يحْتَج بِالْإِجْمَاع أَو بِالْعقلِ فَلَا يُمكنهُ علم ذَلِك لجَوَاز أَن يكون مَا دلّ الْأمة على صِحَة الْقيَاس هُوَ إِخْبَار من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصِحَّتِهِ وَثُبُوت التَّعَبُّد بِهِ
وَأما وَصفه بانه دين الله عز وَجل فَلَا شُبْهَة فِيهِ إِذا عني بذلك أَنه لَيْسَ ببدعة وَإِن عني غير ذَلِك فَعِنْدَ الشَّيْخ ابي الْهُذيْل رَحمَه الله انه لَا يُطلق عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن اسْم الدّين يَقع على مَا هُوَ ثَابت مُسْتَمر وَأَبُو عَليّ رَحمَه الله يصف مَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبا بذلك وَبِأَنَّهُ إِيمَان دون مَا كَانَ مِنْهُ ندبا وقاضي الْقُضَاة رَحمَه الله يصف بذلك واجبه وندبه
وَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ ضَرْبَان وَاجِب وَندب وَالْوَاجِب ضَرْبَان أَحدهمَا وَاجِب على الْأَعْيَان والتضييق وَالْآخر على الْكِفَايَة فَالَّذِي على الْأَعْيَان والتضييق هُوَ قِيَاس من نزلت بِهِ حَادِثَة من الْمُجْتَهدين أَو كَانَ قَاضِيا فِيهَا أَو مفتيا وَلم يقم غَيره مقَامه وضاق الْوَقْت وَالْوَاجِب على الْكِفَايَة أَن يقوم غَيره مقَامه فِي الْفَتْوَى وَالنَّدْب فَهُوَ الْقيَاس فِيمَا لم يحدث من الْمسَائِل مِمَّا يجوز حُدُوثه فقد ندب الْإِنْسَان إِلَى إبلاء الِاجْتِهَاد فِيهِ ليَكُون الْجَواب فِيهِ معدا لوقت الْحَاجة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْكَلَام فِي شُرُوط الْقيَاس وَمَا يُصَحِّحهُ وَمَا يُفْسِدهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْقيَاس لما كَانَ هُوَ إِثْبَات حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم كَانَ الْكَلَام فِيهِ إِمَّا كلَاما فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ دَلِيل الحكم أَو كلَاما فِي
(2/244)

الحكم الَّذِي هُوَ مدلولها وَالْكَلَام فِي الحكم يجب أَن يتَعَلَّق بالحكم وَبِمَا يُوجد الحكم فِيهِ وَلما كَانَ الحكم مَوْجُودا فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع أمكن أَن نَنْظُر فِيهِ نظرا مُتَعَلقا بِالْأَصْلِ أَو بالفرع أَو بِالْأَصْلِ وبالفرع مَعًا وَالْكَلَام فِي الْعلَّة إِمَّا كَلَام فِي وجودهَا أَو فِي غير وجودهَا وَالْكَلَام فِي وجودهَا إِمَّا أَن يتَعَلَّق بوجودها فِي الأَصْل أَو فِي الْفَرْع لِأَن الْعلَّة يجب أَن تُوجد فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَالْكَلَام فِي غير وجودهَا إِمَّا أَن يكون كلَاما فِي طَرِيق صِحَّتهَا أَو فِيمَا يعترضها ويفسدها وَيدخل فِي كل قسم من ذَلِك عدَّة فُصُول سنذكرها إِن شَاءَ الله وَقد أجرينا الْكَلَام فِي الْقيَاس فِي كتاب مُفْرد فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَذكرنَا جَمِيع فصوله فِي هَذِه الْأَقْسَام وَذكرنَا هَذِه الْقِسْمَة وشرحناها فِي شرحنا للعمد
وَنحن نجري الْكَلَام فِي الْقيَاس فِي هَذَا الْكتاب على قسْمَة اخرى فَنَقُول إِن الْكَلَام فِي الْقيَاس يجب أَن يتَعَلَّق بعلته لِأَنَّهَا عِلّة حكم أَصله وَدَلِيل حكم فَرعه وَلما كَانَت عِلّة الْقيَاس هِيَ عِلّة حكم الأَصْل وَدلَالَة حكم الْفَرْع إِذا اخْتصّت بهما وَوجدت فيهمَا وَجب أَن نتكلم فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَفِي طَرِيق وجودهَا فيهمَا ثمَّ نتكلم فِي كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل وَفِي طَرِيق كَونهَا عِلّة فِيهِ ثمَّ نتكلم فِي كَونهَا دلَالَة على حكم الْفَرْع وكلامنا فِي كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل هُوَ كَلَام فِي شُرُوطهَا المختصة بِكَوْنِهَا عِلّة حكم الأَصْل وكلامنا فِي كَونهَا دلَالَة حكم الْفَرْع هُوَ كَلَام شُرُوطهَا المختصة بِكَوْنِهَا دلَالَة على حكم الْفَرْع وَإِن كَانَ هَذَانِ الكلامان جَمِيعًا كلَاما يقف عَلَيْهِ فَسَاد الْعلَّة وَنفي فَسَادهَا وَأما الْكَلَام فِي طَرِيق كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل فانه يتبعهُ القَوْل بِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن نقُول لَا بُد من طَرِيق إِلَى كَون الْعلَّة عِلّة إِلَّا وَقد أَوجَبْنَا انه لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة
وَالْكَلَام فِي طَرِيق الْعلَّة يَقع فِي فُصُول مِنْهَا أَنه لَا يجوز إِثْبَات الْوَصْف عِلّة إِلَّا بِدلَالَة وَمِنْهَا أَنه يجب أَن تكون الدّلَالَة شَرْعِيَّة وَمِنْهَا أَنه يجوز أَن يكون
(2/245)

الدَّلِيل على كَونهَا عِلّة نصا وَغَيره وَمِنْهَا أَنْوَاع أَدِلَّة صِحَة الْعلَّة
وَأما الْكَلَام فِي الشُّرُوط الراجعة إِلَى كَونهَا عِلّة حكم الأَصْل فَيَقَع فِي مَوَاضِع مِنْهَا الْكَلَام فِي وجود الحكم فِي الأَصْل لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل كَون الْوَصْف عِلّة فِي حكم وَالْحكم غير حَاصِل وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بِالِاسْمِ وبحكم شَرْعِي وبالأوصاف الْكَثِيرَة وَمِنْهَا التَّعْلِيل بأوصاف فِيهَا وصف لَا يُؤثر وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم الْمَخْصُوص من جِهَة الْقيَاس وَمِنْهَا تَعْلِيل الْكَفَّارَات وَالْحُدُود والتقديرات وَمِنْهَا هَل يُوجد فِي الاستنباط طَريقَة غير الْقيَاس يجوز الِاسْتِدْلَال بهَا على مَوضِع الحكم أم لَا وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بعلتين وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون إِحْدَى العلتين دلَالَة حكم الأَصْل وَالْآخر لَا تكون دلَالَة حكمه وَمِنْهَا تَعْلِيل الحكم بِمَا لَا يتَعَدَّى عَن الأَصْل وَمِنْهَا هَل يجوز أَن تخَالف الْعلَّة مَوْضُوع حكم أَصْلهَا أم لَا
وَأما الْكَلَام فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ دلَالَة على حكم الْفَرْع فضربان احدهما يتَعَلَّق بِحكم الأَصْل وَالْآخر لَا يتَعَلَّق بِهِ والمتعلق بِحكم الأَصْل ضَرْبَان أَحدهمَا هَل تدل الْعلَّة على حكم الْفَرْع وَإِن اخْتلف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع وَالْآخر هَل تدل على حكمه وَإِن كَانَ حكم الأَصْل مُتَأَخِّرًا عَن حكم الْفَرْع وَأما مَا لَا يتَعَلَّق بِحكم الأَصْل فأشياء مِنْهَا هَل الْعلَّة دَالَّة على اسْم الْفَرْع ثمَّ يعلق بِهِ حكم شَرْعِي أَو يدل ابْتِدَاء على حكم شَرْعِي وَمِنْهَا هَل تدل على حكمه وَإِن لم يثبت ذَلِك الحكم فِي ذَلِك الْفَرْع فِي الْجُمْلَة أم لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الشَّرْط وَمِنْهَا هَل تدل على حكم الْفَرْع مَعَ مُعَارضَة نَص خَاص أَو عَام فيخصه أَو ينسخه وَمِنْهَا هَل تدل على الحكم وعَلى ضِدّه وَهَذَا هُوَ الْقلب وَمِنْهَا هَل يُمكن الْخصم أَن يَقُول بموجبها ليعلم أَن الْمُسْتَدلّ مَا اسْتدلَّ بهَا على مَوضِع الْخلاف وَمِنْهَا هَل يجوز وجودهَا لفظا أَو معنى فِي فرع وَلَا تدل على حكمهَا أم لَا وَيتبع ذَلِك ذكر النَّقْض وَمَا يحترس بِهِ من النَّقْض وَذكر الِاسْتِحْسَان وَمِنْهَا القَوْل فِي دلالتها على حكم الْفَرْع مَعَ مُعَارضَة على أُخْرَى
(2/246)

وَهُوَ ضَرْبَان احدهما مُعَارضَة عِلّة الأَصْل بعلة أُخْرَى وَقد دخل ذَلِك فِي القَوْل بالعلتين وَالْآخر مُعَارضَة قِيَاس بِقِيَاس
وَلما كَانَت الْمُعَارضَة إِنَّمَا تتمّ مَعَ التَّنَافِي وَمَعَ الِاشْتِبَاه وَقد يجب مَتى حصلت الْمُعَارضَة أَن يَقع التَّرْجِيح وَجب ذكر الْعِلَل المتنافية والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينهمَا وَبَين الْعِلَل الَّتِي لَيست متنافية وَذكر قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه والفصل بَينه وَبَين قِيَاس الْمَعْنى وَذكر مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح وَهل يجوز اسْتِوَاء الأمارتين فِي وُجُوه التَّرْجِيح وَمَا القَوْل فيهمَا إِذا اسْتَويَا وَهل يجوز إِذا اسْتَويَا عِنْد الْمُجْتَهد أَن يكون لَهُ اقاويل مُخْتَلفَة فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَهل يجوز أَن ينْسب إِلَى الْمُجْتَهد أقاويل على طَرِيق التَّرْجِيح
وَنحن نذْكر هَذِه الْأَبْوَاب على هَذَا النسق إِن شَاءَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب القَوْل فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَفِي طَرِيق وجودهما فيهمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن القائس قد يُعلل الْفَرْع بأوصاف لَا يسلم خَصمه وجودهَا فِي الْفَرْع فَيكون لَهُ أَن ينازعه فِي ذَلِك وَقد لَا يسلم وجودهَا فِي بعض الْفَرْع فَيمْتَنع القائس من قِيَاس جَمِيع الْفَرْع بِتِلْكَ الْعلَّة وَإِن رام القائس أَن يقيس مَا وجدت فِيهِ الْعلَّة دون مَا لم تُوجد فِيهِ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِذا أمكن أَن يكون بعض ذَلِك الْفَرْع مُعَللا دون بعض وَقد يُعلل القائس الأَصْل بعلة لَا تُوجد فِي الأَصْل عِنْد خَصمه وَلَا تُوجد فِي بعضه فَلهُ أَن يمنعهُ من رد الْفَرْع إِلَى جَمِيع ذَلِك الأَصْل فان رده إِلَى الْموضع الَّذِي وجدت فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة جَازَ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع مَانع من تَعْلِيل بعض الأَصْل دون بعض وَذَلِكَ كمنع أَصْحَاب الشَّافِعِي من قِيَاس الجص على الْبر بعلة أَنه مَكِيل لقَولهم إِن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ عِلّة وَاحِدَة شائعة فِي جَمِيع الْبر والكيل غير شَائِع فِي جَمِيع الْبر لِأَن الْحبَّة أَو الحبتين لَا يَتَأَتَّى فيهمَا الْكَيْل
(2/247)

وأصحابنا ينفصلون عَن ذَلِك بِأَن الْمحرم من الْبر علته وَاحِدَة وَهِي الْكَيْل إِلَّا أَن الْمحرم هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل دون مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهي عَن بيع الْبر بِالْبرِّ إِلَّا كَيْلا بكيل فَأجَاز بِالْكَيْلِ مَا منع مِنْهُ بِغَيْر كيل وَالَّذِي يجوز بَيْعه إِذا تساوى فِي الْكَيْل هُوَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل فَيجب أَن يكون مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْل هُوَ مَا يحرم بَيْعه إِذا تفاضل فِي الْكَيْل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي وجود الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع
فَأَما طَرِيق وجودهَا فيهمَا فقد يجوز أَن تكون أَمارَة تُفْضِي إِلَى الظَّن وَقد تكون دلَالَة تَقْتَضِي وجودهَا فيهمَا ضَرُورَة وَلَا فرق بَين هَذِه الْأَقْسَام فِي صِحَة الْقيَاس لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا يَظُنّهُ عِلّة الحكم جَازَ أَن يعلق الحكم بِمَا ظن وجوده من عِلّة الحكم أَلا ترى أَنا يظنّ مَجِيء الْمَطَر إِذا ظننا بِخَبَر من ظَاهره الصدْق وجود الْغَيْم كَمَا يظنّ ذَلِك وَإِن علمنَا وجود الْغَيْم فاذا جَازَ لنا التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع إِذا ظننا اشتراكهما فِي الاوصاف جَازَ ذَلِك مَعَ الْعلم المكتسب لاشْتِرَاكهمَا فِي الْأَوْصَاف وَكَانَ جَوَاز ذَلِك فِي الْعلم الضَّرُورِيّ باشتراكهما فِي الْأَوْصَاف أَحَق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَنه لَا بُد فِي الْقيَاس من عِلّة وَأَنه لَا بُد أَن يكون إِلَيْهِمَا طَرِيق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ لَا بُد فِيهِ من أصل وَفرع يثبت فِيهِ حكم الأَصْل وَلَيْسَ يَخْلُو القائس إِمَّا أَن يثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل أَولا يثبت تبعا لَهُ فان لم يُثبتهُ تبعا للْأَصْل كَانَ مبتدئا بالحكم غير قائس وَإِن أثبت الحكم فِي الْفَرْع تبعا لثُبُوته فِي الأَصْل وَلم يعْتَبر شبها بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لم يكن بِأَن يتبع الْفَرْع هَذَا الأَصْل بِأولى من أَن لَا يتبعهُ إِيَّاه ويتبعه أصلا وَيجب أَن يكون لذَلِك الشّبَه تعلق بالحكم وتأثير فِيهِ وَإِلَّا لم يكن القائس بِأَن يعْتَبر ذَلِك الشّبَه بِأولى من أَن لَا يعتبره وَيعْتَبر شبها آخر بَين الْفَرْع وَبَين أصل
(2/248)

أخر أَولا يعْتَبر شبها أصلا
فان قيل ألستم تقيسون الْفَرْع على أصل لم تدل دلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ فَهَلا جَازَ أَن تقيس لأجل شبه لم تدل دلَالَة على كَونه عِلّة الْجَواب أَنا لَا نقيس الْفَرْع على اصل إِلَّا وَقد دلّت الدّلَالَة على وجوب الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا دلّت الدّلَالَة على عِلّة حكم الأَصْل وَعلمنَا وجودهَا فِي الْفَرْع فقيام الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة أَو السمعية على أَنا متعبدون بِالْقِيَاسِ يدل على وجوب قِيَاس ذَلِك الْفَرْع على ذَلِك الأَصْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة الشَّرْع فَقَط - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن طَرِيق الْعلَّة الشَّرْعِيَّة هُوَ كَيْفيَّة ثُبُوت حكمهَا وتأثيرها فِيهِ نَحْو أَن يثبت حكمهَا مَعهَا فِي الأَصْل وينتفي بانتفائها وَمَعْلُوم أَن ذَلِك مَوْقُوف على الشَّرْع لِأَن حكمهَا وَكَيْفِيَّة ثُبُوتهَا بِحَسب الْعلَّة حاصلان بِالشَّرْعِ فَقَط
فان قيل هلا توصلتم إِلَيْهَا بأمارة من جِهَة الْعَادَات كَمَا تتوصلون إِلَى قيم الْمُتْلفَات وجهة الْقبْلَة بأمارات من جِهَة الْعَادَات قيل إِنَّمَا سَاغَ ذَلِك فِي الْقيم لِأَن الْعَادَات قد جرت بِبيع الْأَشْيَاء الَّتِي من جنس الْمُتْلف وَأمكن أَن يعرف قيمَة الْمُتْلف بِاعْتِبَار ثمن نَظِيره فَأَما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فأحكامها شَرْعِيَّة لم تثبت بالعادات فتعلم علتها بكيفية ثُبُوتهَا فِي الْعَادة وَأما الْقبْلَة فقد عرف كَونهَا فِي بعض الْجِهَات وَعرف كَون الشَّمْس فِي بعض الْجِهَات وَكَذَلِكَ الرِّيَاح فَأمكن أَن نستدل بِبَعْض مَا هُوَ فِي جِهَة على شَيْء آخر هُوَ فِي جِهَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعَ أَمَارَات الْعَادَات
إِن قيل أَلَيْسَ نستدل بعقولنا على أَن الحكم الشَّرْعِيّ إِذا حصل عِنْد صفة وارتفع عِنْد ارتفاعها فَهُوَ مُؤثر فِيهِ قيل إِنَّا لَا ندفع أَن الِاسْتِدْلَال
(2/249)

بالأمارات والأدلة إِنَّمَا يتَمَكَّن مِنْهُ بالعقول وَلَكنَّا انكرنا أَن تكون الأمارة عَلَيْهَا أَمارَة عقلية وَمَا ذكرْتُمْ من الأمارة شَرْعِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن الطَّرِيق إِلَى صِحَة الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يجوز أَن يكون نصا وَغير نَص - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة قد يجوز كَونهَا مَعْلُومَة فَيكون طريقها نصا من الله أَو من رَسُوله أَو من الامة متواترا وَيجوز أَن يكون مظنونا كَونهَا عِلّة وَأكْثر الْعِلَل الشَّرْعِيَّة مظنونة فَيجب أَن يكون طريقها أمارت مظنونة وَلَا فرق بَين أَن يكون نصا مَنْقُولًا بالآحاد أَو تَنْبِيه نَص هَذِه سَبيله أَو استنباطا لِأَن كل ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الظَّن الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب فِي الْعِلَل وَنحن نشرح أَدِلَّة النُّصُوص والاستنباط على صِحَة الْعِلَل فِي بَاب يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب أَقسَام طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنه لما كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة الشَّرْع وَكَانَت الطّرق الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا كَانَت طرق الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِمَّا لفظا وَإِمَّا استنباطا والألفاظ الدَّالَّة على ذَلِك إِمَّا صَرِيحَة وَإِمَّا منبهة أما الصَّرِيحَة فَمِنْهَا أَن يكون لَفظهَا لفظ الْعلَّة وَمِنْهَا مَا يقوم مقَام لفظ الْعلَّة فَالْأول كَقَوْل الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لعِلَّة كَذَا وَالثَّانِي قَول الْقَائِل لغيره أوجبت عَلَيْك كَذَا لِأَنَّهُ كَذَا أَو لأجل كَذَا أَو كَيْلا يكون كَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لأجل الرأفة وَقَالَ الله عز وَجل {كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم}
(2/250)

إِن قيل قد يَقُول الْإِنْسَان لغيره صل للتقرب إِلَى الله عز وَجل وَلَا يُفِيد ذَلِك كَون التَّقَرُّب عِلّة فِي وجوب الْفِعْل قيل لِأَنَّهُ لم يُعلل الْوُجُوب بالتقرب وَإِنَّمَا علل فعله للصَّلَاة وَهَذَا يَقْتَضِي كَون التَّقَرُّب عِلّة وغرضا باعثا على الْفِعْل
وَأما الْأَلْفَاظ المنبهة على الْعلَّة فضروب
مِنْهَا أَن يكون فِي الْكَلَام لفظ غير صَحِيح فِي التَّعْلِيل يعلق الحكم بعلته
وَمِنْهَا أَن يصدر الحكم من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد علمه بِصفة الْمَحْكُوم فِيهِ فَيعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم
وَمِنْهَا أَن تكون الصّفة مَذْكُورَة على حد لَو لم تكن عِلّة لم يكن لذكرها فَائِدَة
وَمِنْهَا أَن يَقع النَّهْي عَن فعل بِمَنْع مَا تقدم إِيجَابه علينا فنعلم أَن الْعلَّة فِي كَونه محرما كَونه مَانِعا من الْوَاجِب وَإِن لم يُصَرح بذلك
أما الْقسم الأول فكتعليق الحكم على علته بِلَفْظ الْفَاء وَلَا بُد من تَأْخِير لفظ الْفَاء وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تدخل الْفَاء على السَّبَب وَالْعلَّة وَيكون الحكم مُتَقَدما كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمحرم الَّذِي وَقعت بِهِ رَاحِلَته لَا تخمروا رَأسه وَلَا تقربوه طيبا فانه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا وَالْآخر أَن تدخل الْفَاء على الحكم وَتَكون الْعلَّة مُتَقَدّمَة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن تكون الْفَاء دخلت على كَلَام الله عز وَجل أَو كَلَام رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْآخر أَن تدخل فِي رِوَايَة الرَّاوِي فَالْأول قَول الله عز وَجل {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} وَقَوله {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم} وَقَوله {فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ فليملل وليه بِالْعَدْلِ}
(2/251)

يدل على أَن الْعلَّة فِي قيام وليه وبالإملاء هُوَ أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ وَالثَّانِي قَول الرَّاوِي سَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسجدَ وزنى مَاعِز فرجمه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن يصدر القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد علمه بِصفة الْمَحْكُوم فِيهِ فنحو أَن يسْأَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن حكم شَيْء وَيذكر السَّائِل صفة لذَلِك الشَّيْء مِمَّا يجوز كَونهَا عِلّة مُؤثرَة فِي ذَلِك الحكم فيجيب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد سَماع تِلْكَ الصّفة فَيعلم أَنه لَو لم تكن مُؤثرَة فِي ذَلِك الحكم لم يجب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد سماعهَا نَحْو أَن يَقُول قَائِل يَا رَسُول الله أفطرت فَيَقُول عَلَيْك الْكَفَّارَة فَيعلم أَن الْكَفَّارَة وَجَبت لأجل الْإِفْطَار إِذْ لَو لم يكن الْإِفْطَار مؤثرا فِي ذَلِك لما أوجب الحكم عِنْد سَمَاعه لَهُ كَمَا لَا يجوز أَن يُوجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لَو سمع أَنه مَشى وتحدث
وَأما الثَّالِث وَهُوَ أَن لَا يكون لذَلِك الْوَصْف فَائِدَة لَو لم يكن عِلّة فضروب
مِنْهَا أَن يكون الْوَصْف مَذْكُورا بِلَفْظ أَن كَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم امْتنع من الدُّخُول عِنْد قوم عِنْدهم كلب فَقيل إِنَّك تدخل على آل فلَان وَعِنْدهم هر فَقَالَ إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فَلَو لم يكن لكَونهَا من الطوافين تَأْثِير فِي طَهَارَتهَا لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارتها فَائِدَة
وَمِنْهَا أَن يُوصف الْمَحْكُوم فِيهِ بِصفة قد كَانَ يُمكن الْإِخْلَال بذكرها وَذكر مَا جرى مجْراهَا فنعلم أَنَّهَا مَا ذكرت إِلَّا لِأَنَّهَا مُؤثرَة فِي الحكم كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي النَّبِيذ تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور
وَمِنْهَا التَّقْرِير على وصف الشَّيْء وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يُقرر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على وصف الشَّيْء الْمَسْئُول عَنهُ كَقَوْلِه أينقص الرطب إِذا جف
(2/252)

فَقَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذن فَلَو لم يكن نقصانه باليبس عِلّة فِي الْمَنْع من البيع لم يكن للتقرير عَلَيْهِ فَائِدَة وَهَذَا يدل على الْعلَّة أَيْضا من حَيْثُ الْجَواب بِالْفَاءِ
وَمِنْهَا أَن يُقرر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على حكم مَا يشبه الْمَسْئُول عَنهُ وينبه على وَجه الشّبَه فَيعلم أَن وَجه الشّبَه هُوَ الْعلَّة فِي ذَلِك الحكم كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر رَضِي الله عَنهُ وَقد سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ محجته فَعلم أَنه لم يفْسد الصَّوْم بالمضمضة والقبلة لِأَنَّهُ لم يحصل مَا يتبعهما من الْإِنْزَال والازدراء
وَمِنْهَا أَن يفرق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين شَيْئَيْنِ فِي الحكم بِذكر صفة فَيعلم أَنه لَو لم تكن تِلْكَ الصّفة عِلّة لم يكن لذكرها معنى وَهَذَا ضَرْبَان أَحدهمَا أَن لَا يكون حكم أَحدهمَا مَذْكُورا فِي الْخطاب وَالْآخر أَن يكون حكمهمَا مَذْكُورا فِيهِ أما الأول فَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقَاتِل لَا يَرث وَذَلِكَ أَنه قد تقدم بِبَيَان إِرْث الْوَرَثَة فَلَمَّا قَالَ الْقَاتِل لَا يَرث وَفرق بَينه وَبَين جَمِيع الْوَرَثَة بِذكر الْقَتْل الَّذِي يجوز كَونه مؤثرا فِي نفي الْإِرْث علمنَا أَنه الْعلَّة فِي نفي الْإِرْث وَكَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان لِأَنَّهُ قد تقدم أَمر القَاضِي بِأَن يقْضِي فاذا منع من ان يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان علمنَا أَن الْغَضَب عِلّة فِي الْمَنْع سِيمَا وَقد علمنَا أَن الْغَضَب بِمَنْع من الْوُقُوف على الْحجَّة وَيمْنَع من الِاسْتِيفَاء وَأما إِذا كَانَ حكم الشَّيْئَيْنِ مَذْكُورا فِي الْخطاب فضروب
مِنْهَا أَن يفرق بَينهمَا بِلَفْظ يجْرِي مجْرى الشَّرْط كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم يدا بيد بعد نَهْيه عَن بيع الْبر مُتَفَاضلا فَدلَّ على أَن اخْتِلَاف الجنسين عِلّة فِي جَوَاز البيع
وَمِنْهَا أَن تقع التَّفْرِقَة بَينهمَا بالغاية كَقَوْلِه عز وَجل {وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن} فَلَو اقْتصر على ذَلِك لدل على تعلق الْإِبَاحَة بِالطُّهْرِ وَإِلَّا لم
(2/253)

يكن لذكره فَائِدَة مَعَ جَوَاز كَونه عِلّة
وَمِنْهَا وُقُوع التَّفْرِقَة بَينهمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْل الله عز وَجل {إِلَّا أَن يعفون}
وَمِنْهَا أَن تكون التَّفْرِقَة وَقعت بِلَفْظ يجْرِي مجْرى الِاسْتِدْرَاك كَقَوْل الله تَعَالَى {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} فَدلَّ على أَن التعقيد مُؤثر فِي الْمُؤَاخَذَة
وَمِنْهَا أَن يسْتَأْنف أحد الشَّيْئَيْنِ بِذكر صفة من الصِّفَات بعد ذكر الآخر وَتَكون تِلْكَ الصّفة مِمَّا يجوز أَن تُؤثر فِي ذَلِك الحكم كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للراجل سهم وللفارس سَهْمَان وَهَذِه الْأَقْسَام وَإِن كَانَت مُؤثرَة فِي الحكم فانه لَا يمْتَنع أَن تكون مُؤثرَة فِيهِ لعلل لِأَنَّهُ يجوز أَن يُعلل كَون الْغَضَب مَانِعا من الحكم بَين الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُ يشغل الذِّهْن وَيجوز أَن تدل الدّلَالَة على أَن هَذِه الْعِلَل لَهَا شُرُوط وَيجوز أَن تدل على أَنَّهَا غير مَشْرُوطَة فاذا فقدت الدّلَالَة حكم بأَشْيَاء مُخْتَلفَة غير مَشْرُوطَة
وَأما الرَّابِع وَهُوَ النَّهْي عَن شَيْء يمْنَع من الْوَاجِب فَهُوَ كَقَوْل الله عز وَجل {فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع} وَذَلِكَ أَنه لما أوجب علينا السَّعْي ثمَّ نَهَانَا عَن البيع الْمَانِع من السَّعْي علمنَا أَنه إِنَّمَا نَهَانَا عَنهُ لِأَنَّهُ مَانع من الْوَاجِب وَكَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} وَذَلِكَ أَنه نهى عَن ذَلِك لِأَنَّهُ منَاف للإعظام الْوَاجِب لَهما من حَيْثُ كَانَ أَذَى واستخفافا فَدلَّ من طَرِيق الأولى على الْمَنْع من ضربهما لِأَن مَا منع مِنْهُ لعِلَّة فَمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة أولى بِالْمَنْعِ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله أَن الْمَنْع من ضربهما مَعْقُول من جِهَة اللَّفْظ لَا من جِهَة الْقيَاس قَالَ وَلَا بُد من اعْتِبَار عَادَة أهل اللُّغَة فِي ذَلِك
(2/254)

وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك مَعْقُول من قِيَاس الأولى لَا بِاللَّفْظِ هُوَ أَنه لَو عقل بِاللَّفْظِ لَكَانَ اللَّفْظ مَوْضُوعا للْمَنْع من ضربهما إِمَّا فِي اللُّغَة اَوْ فِي الْعرف وَمن الْبَين أَنه غير مَوْضُوع للْمَنْع من الضَّرْب فِي اللُّغَة وَلَا يجوز أَن يكون مَوْضُوعا لذَلِك فِي الْعرف لِأَن الْعلم بِالْمَنْعِ من ضربهما مَوْقُوف على قِيَاس الأولى بَيَان ذَلِك إِن الْإِنْسَان إِذا سمع قَول الله عز وَجل {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} إِلَى قَوْله {وَقل لَهما قولا كَرِيمًا} علم أَن هَذَا القَوْل خرج مخرج الإعظام لَهما سِيمَا مَعَ مَا تقرر فِي الْعُقُول من وجوب تعظيمهما إِذا كَانَا مُؤمنين وَإِذا علم ذَلِك علم أَنه نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّعْظِيم فانه يُنَافِيهِ من حَيْثُ كَانَ أَذَى قصد بِهِ الاستخفاف فنعلم أَنه نهى عَن ذَلِك لكَونه أَذَى ونعلم أَن الْحَكِيم لَا ينْهَى عَن الشَّيْء لعِلَّة ويرخص فِيمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة بل يكون يحظر ذَلِك أولى وَالضَّرْب هَذِه سَبيله فَكَانَ أولى بِالْمَنْعِ يبين ذَلِك أَنه لَو لم يحصل للْإنْسَان هَذِه الْجُمْلَة لم يعلم الْمَنْع من ضربهما لِأَنَّهُ لَو جوز أَن يكون إِنَّمَا نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ أَذَى قَلِيل لَا للإعظام لجوزنا أَن نؤمر بضربهما فان الْإِنْسَان قد يَقُول لغيره لَا تحبس اللص لَكِن اقْطَعْ يَده وَلَا تقطع يَد فلَان بل اقتله وَلَو علم أَنه نهى عَن التأفيف لِأَنَّهُ أَذَى وَجوز أَن يمْنَع الْحَكِيم من الشَّيْء لعِلَّة ويرخص فِيمَا فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة وَزِيَادَة لما علم الْمَنْع من ضربهما فَعلمنَا أَن الْعلم بذلك مَوْقُوف على الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لَا غير دون مَا يدعى من الْعرف وَأَيْضًا فَلَيْسَ يجوز الحكم بِنَقْل الْكَلَام إِلَى الْعرف إِلَّا إِذا لم يُمكن سواهُ وَقد بَينا أَنه قد أمكن سواهُ
إِن قيل لَو عقل ذَلِك بِالْقِيَاسِ لجَاز أَن لَا يعلم الْمَنْع من ضربهما كثير من النَّاس بِأَن لَا يقيسوا قيل إِنَّمَا كَانَ يجب ذَلِك لَو كَانَ مَا ذَكرْنَاهُ من مُقَدمَات هَذَا الْقيَاس مستانفا تحْتَاج إِلَى غامض فحص فَأَما وَكثير مِنْهَا يُعلمهُ الْمُكَلف قبل الْخطاب كالقول بِأَن الْحَكِيم لَا يرخص فِي فعل مَا فِيهِ عِلّة الْمَنْع وَزِيَادَة
(2/255)

وكالقول بمنافاة الْأَذَى وَالِاسْتِخْفَاف للتعظيم وَمِنْهَا مَا الْعلم بِهِ مُقَارن للخطاب كالقول بِأَن هَذَا الْخطاب خرج مخرج التَّعْظِيم فاذا كَانَ كَذَلِك كَانَت هَذِه الْمُقدمَات متكالمة للعاقل عِنْد سَماع الْخطاب وَبهَا يكمل قِيَاس الأولى
فان قيل لَو علم ذَلِك بِالْقِيَاسِ لصَحَّ أَن لَا يعلم الْعَاقِل الْمَنْع من ضربهما لَو مَنعه الله عز وَجل من الْقيَاس الشَّرْعِيّ قيل لَا يحسن الْمَنْع من هَذَا الْقيَاس مَعَ الْإِيضَاح لعلته لِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يَقُول الْحَكِيم لَا تمنعوا مِمَّا وجد فِيهِ عِلّة الْمَنْع وَزِيَادَة أَلا ترى لَو قَالَ إِنَّمَا منعت من ضرب الْأَبَوَيْنِ لكَونه أَذَى وَلَا تقيسوا على ذَلِك مَا هُوَ اشد مِنْهُ كَانَ مناقضة للتَّعْلِيل وَلَا يكون مناقضة فِي اللَّفْظ وَلَو حسن الْمَنْع من هَذَا الْقيَاس لَكَانَ إِذا منع الله من الْقيَاس لَا يعلم الْمَنْع من ضربهما وَإِن منع من التأفيف
فَأَما قَول الْقَائِل لَيْسَ لفُلَان عِنْدِي حَبَّة فانه يمْنَع من أَن يكون لَهُ عَلَيْهِ أَكثر من ذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكثر من ذَلِك لَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَبَّة وَزِيَادَة فَأَما مَا نقص عَن الْحبَّة فَلَيْسَ ينبىء القَوْل عَنهُ لكنه لَا يثبت فِي الذِّمَّة على وَجه يُطَالب بِهِ الْإِنْسَان فان جرت الْعَادة بالمطالبة بِهِ لم يفد قَوْله لَيْسَ لَهُ عِنْدِي حَبَّة نفى مَا نقص عَنْهَا
وَقَول الْقَائِل فلَان لَا يملك حَبَّة ينفى كَونه مَالِكًا لأكْثر مِنْهَا هُوَ حَبَّة وَزِيَادَة وَمَا نقص عَنْهَا لَا يتَعَرَّض لَهُ خطابه وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُوصف الْإِنْسَان بِأَنَّهُ مَالِكه وَقَول الْقَائِل فلَان لَا يملك نقيرا وَلَا قطميرا فانه يدل من جِهَة الْعرف على أَنه لَا يملك شَيْئا لَا من جِهَة اللُّغَة وَلَا جِهَة التَّعْلِيل أما اللُّغَة فلَان قَوْلنَا قطمير مَوْضُوع لما يغشى النواة وَقَوْلنَا نقير مَوْضُوع للنقرة الَّتِي على ظهرهَا وَلَيْسَ هُوَ مَوْضُوعا لقَلِيل المَال وَكَثِيره وَأما أَنه غير مَفْهُوم بِالتَّعْلِيلِ فَلِأَن الْإِنْسَان لَا يقْصد أَن يَنْفِي كَون غير مَالِكًا لنقير النواة وللفتيل وَإِذا لم يقْصد نفي ذَلِك وَلَا يحظر ذَلِك على مَاله لم يُمكن أَن يُقَال إِذا لم يكن الْإِنْسَان مَالِكًا لَهما فبأن لَا يملك مَا فَوْقهمَا أولى وَلَا يقْصد الْإِنْسَان أَن يصف
(2/256)

غَيره بالخيانة بالنقير والقطمير حَتَّى يُقَال إِذا خَان فيهمَا فَمَا فَوْقهمَا أولى بذلك فاذا بَطل أَن يكون ذَلِك مفهوما باللغة وَالتَّعْلِيل علمنَا أَنه فِي الْعرف مَوْضُوع لنفي ملك الْقَلِيل وَالْكثير لَا أَنه يُفِيد نفي ملكه لأَقل الْقَلِيل ثمَّ يُقَال مَا زَاد على أقل لغيره قد حصل فِيهِ الْقَلِيل وَزِيَادَة
فَأَما قَول الْقَائِل لغيره لَا تقل لأَبِيك أُفٍّ فانه يقْصد بِهِ الْمَنْع من التأفيف على الْحَقِيقَة فَيمكن أَن يُقَال إِذا مَنعه من ذَلِك لِأَنَّهُ أَذَى فبأن يمنعهُ مِمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ أولى
وَأما قَول الْقَائِل فلَان مؤتمن على قِنْطَار فانه لَا يدل على انه أَمِين فِيمَا زَاد على ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان قد يصرفهُ نَفسه عَن الْخِيَانَة فِي قدر من المَال وَلَا يصرفهُ عَن الْخِيَانَة فِيمَا هُوَ اكثر مِنْهُ وَأما مَا نقص عَن قِنْطَار فانه قد دخل فِي القنطار فالخطاب يتَنَاوَلهُ فان علمنَا أَن قَوْله فلَان مؤتمن على قِنْطَار يَقْتَضِي أَمَانَته على كل حَال كَانَ ذَلِك مَعْرُوفا بِالْعرْفِ لِأَنَّهُ لَا تَقْتَضِيه اللُّغَة وَلَا التَّعْلِيل
فَأَما طَرِيق الْعلَّة المستنبطة فأشياء
مِنْهَا أَن يكون الْوَصْف مؤثرا فِي قبيل ذَلِك الحكم ونوعه فِي الاصول فَيكون أولى بِأَن يكون عِلّة من وصف لَا تُؤثر فِي نوع ذَلِك الحكم وَلَا تُؤثر فِيهِ بِعَيْنِه لِأَن الْعلَّة تُؤثر فِي الحكم فَمَا لَا يُؤثر فِي الحكم لَا يكون عِلّة وَذَلِكَ كالبلوغ مُؤثر فِي رفع الْحجر عَن المَال فَكَانَ أولى بَان يكون عِلّة فِي رفع الْحجر فِي النِّكَاح من الثيوبة لِأَن الثيوبة لَا تُؤثر فِي جنس هَذَا الحكم الَّذِي هُوَ رفع الْحجر
وَمِنْهَا أَن يُوجد الحكم فِي الأَصْل عِنْد حُصُوله صفة وينتفي عِنْد انتفائها وَذَلِكَ يَقْتَضِي ان لذَلِك الْوَصْف من التَّأْثِير فِي ذَلِك الحكم مَا لَيْسَ لغيره وَهَذِه طَريقَة تعتمد فِي المؤثرات الْعَقْلِيَّة وَقد حكى قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله عَن الشَّيْخ
(2/257)

أبي عبد الله رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ لَا يعتمدها وَيَقُول يجب أَن يقوى بغَيْرهَا وَالْأولَى كَونهَا مُعْتَمدَة بِنَفسِهَا فان قيل إِن كَانَ للْأَصْل وصف آخر يُوجد الحكم بِوُجُودِهِ وينتفي بانتفائه مَا قَوْلكُم فِيهِ قيل إِنَّه إِذا كَانَ الحكم يُوجد مَعَ وجود كل وَاحِد من الوصفين لم يكن الحكم يَنْتَفِي عِنْد انْتِفَاء كل وَاحِد مِنْهَا على كل حَال إِلَّا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُؤثر فِيهِ لِأَنَّهُ قد كفى كل وَاحِد من الوصفين فِي وجود الحكم وَأثر عَدمه فِي عَدمه على بعض الْوُجُوه وَهُوَ إِذا لم يخلفه الْوَصْف الآخر
وَمِنْهَا أَن يجمع الْأمة أَو القائسون مِنْهَا على تَعْلِيل أصل ويختلفوا فِي علته فَيبْطل إِلَّا عِلّة وَاحِدَة فَيعلم صِحَّتهَا لِأَنَّهَا لَو فَسدتْ لخرج الْحق عَن أَيدي الْأمة فَأَما إِذا لم يجمعوا على تَعْلِيل الأَصْل بل علله فَمنهمْ من علله بعلة وَمِنْهُم من علله بِأُخْرَى وفسدت إِحْدَاهمَا فانه لَا يجب صِحَة الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إفسادها ذهَاب جَمِيع الْأمة عَن الْحق وَلَا فِي سلامتها من وُجُوه الْفساد مَا يُوجب صِحَّتهَا على أَن من أقوى وُجُوه الْفساد أَن لَا يدل دَلِيل على صِحَّتهَا وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قيام الدّلَالَة على التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ يُوجب الْقيَاس على كل حَال إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أقوى الْمَوَانِع أَن لَا يظفر بعلة قد دلّ الدَّلِيل على صِحَّتهَا وَمِمَّا ذكر من الطّرق أَن يكون الحكم مجاورا لأحد الوصفين دون الآخر فَيكون مَا جاوره الحكم عِلّة دون مَا لم يجاوره ولمعترض أَن يَقُول إِن كَانَ الحكم المجاور للوصف حَاصِلا عِنْده وَإِن عدم الْوَصْف الآخر ومرتفعا عِنْد ارتفاعه وَإِن وجد الْوَصْف الآخر فَهَذَا رُجُوع إِلَى أَن الحكم قد وجد بِوُجُود الْوَصْف وانتفى بانتفائه وَلم يُوجد بِوُجُود وصف آخر وَلَا انْتَفَى بانتفائه وَإِن أُرِيد أَن الحكم قد يَتَجَدَّد عِنْد تجدّد أحد الوصفين وَلَا بُد من تقدم وجود الْوَصْف الآخر فانه لَا يدل ذَلِك على أَن أحد الوصفين هُوَ الْعلَّة وَحده لِأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي حُصُوله وَحده كالرجم المتجدد اسْتِحْقَاقه عِنْد تجدّد الزِّنَا لَيْسَ يَكْفِي فِيهِ الزِّنَا إِلَّا بعد تقدم الْإِحْصَان فَوَجَبَ اعتبارهما وَإِن كَانَ الْإِحْصَان شرطا
(2/258)

لَا عِلّة لِأَنَّهُ لَا يجوز ان يسْتَحق بِهِ الْعقُوبَة
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها دَلِيل على أَنَّهَا عِلّة وَمعنى جريانها فِي معلولها هُوَ أَن الحكم يتبعهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ وَالْجَوَاب إِن أَرَادَ الْمُسْتَدلّ أَن الحكم يتبعهَا فِي كل مَوضِع بِاتِّفَاق مِنْهُ وَمن خَصمه لم يسلم لَهُ الْخصم ذَلِك لِأَن الْعِرَاقِيّ لَا يسلم للحجازي أَن تَحْرِيم التَّفَاضُل يحصل فِي كل مَأْكُول وَإِن اراد أَنه هُوَ الَّذِي يتبعهَا حكمهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ قيل لَهُ أفيسوغ لَك أَن يتبعهَا الحكم فِي مَوضِع وجدت فِيهِ فان قَالَ لَا قيل لَهُ فَلم سَاغَ لَك ذَلِك فان قَالَ لِأَنَّهَا عِلّة الحكم فِي الأَصْل قيل فَأَنت مستدل على أَنَّهَا عِلّة حكم الأَصْل بِصِحَّة الجريان ونستدل على صِحَة الجريان بِأَنَّهَا عِلّة الحكم فِي الأَصْل وَذَلِكَ فَاسد فان قَالَ إِنَّمَا سَاغَ لي ذَلِك لِأَنَّهَا لَا تنْتَقض قيل معنى كَونهَا غير منتقضة أَنَّك علقت الحكم بهَا فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ فكأنك قلت إِنَّمَا سَاغَ لي تَعْلِيق الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت لِأَنِّي علقت الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت فان قَالَ إِنَّمَا سَاغَ لي تَعْلِيق الحكم بهَا أَيْنَمَا وجدت لِأَنَّهُ لم يَمْنعنِي من ذَلِك نَص وَلَا عِلّة أولى مِنْهَا قيل لَهُ وَلم إِذا لم يمْنَع من ذَلِك نَص أَو عِلّة وَجب تَعْلِيق الحكم بهَا وَمَا أنْكرت أَنه إِذا لم يمْنَع النَّص من ذَلِك منع غَيره من وُجُوه الْفساد لِأَن وُجُوه الْفساد كَثِيرَة فان قَالَ لَيْسَ يمْنَع من ذَلِك وَجه من وُجُوه الْفساد قيل لَهُ أتعد فِي وُجُوه الْفساد فقد الدّلَالَة على صِحَّتهَا فان قَالَ نعم قيل فَدلَّ على صِحَّتهَا واترك جريانها وَعدم انتقاضها وَإِن قَالَ لَا أعد ذَلِك من وُجُوه الْفساد بل يجوز لي أَن أعلق الحكم بهَا إِذا سلمت من نَص يَدْفَعهَا وَغَيره ذَلِك قيل لَهُ لم زعمت أَنَّهَا إِذا سلمت من ذَلِك صحت فان قَالَ لِأَنَّهَا تفْسد بمعارضة النَّص وَغَيره من وُجُوه الْفساد فَيجب صِحَّتهَا بسلامتها من ذَلِك قيل إِن قَوْلنَا إِن مَا حصل فِيهِ وَجه من وُجُوه الْفساد فَهُوَ فَاسد إِنَّمَا يلْزمه القَوْل بِأَن مَا لَيْسَ بفاسد فَلَيْسَ فِيهِ وَجه من وُجُوه الْفساد وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن مَا لم يحصل فِيهِ وَجه فَسَاد فَلَيْسَ بفاسد
(2/259)

كَمَا أَن قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان يلْزمه أَن مَا لَيْسَ بحيوان فَلَيْسَ بانسان وَلَا يلْزمه مِنْهُ أَن مَا لَيْسَ بانسان فَلَيْسَ بحيوان وَيبين ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لبطل القَوْل بِأَن زيدا فِي الدَّار وَلَا يجب إِذا لم يخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَن يَصح القَوْل بِأَنَّهُ فِي الدَّار فان قَالَ ألستم تنفون وجوب صَلَاة سادسة لعدم الدّلَالَة فَيجوز مثله فِي الْعلَّة قيل إِنَّمَا نفي ذَلِك شُيُوخنَا لعلمهم باضطرار أَن ذَلِك لَيْسَ من الدّين وَلَو لم يعلم ذَلِك باضطرار لنفيناه لدلَالَة وَهِي أَنه لَو وَجَبت لدلنا الله سُبْحَانَهُ على ذَلِك فان قَالُوا قُولُوا لَو لم يكن الْعلَّة صَحِيحَة لأعلمنا الله تَعَالَى ذَلِك قيل يَكْفِي فِي النَّفْي فقد دلَالَة الْإِثْبَات وَلَا يَكْفِي فِي الْإِثْبَات فقد دلَالَة النَّفْي أَلا ترى أَنا ننفي صَلَاة سادسة لفقد الدَّلِيل على وُجُوبهَا وَلَا نوجبها لفقد الدَّلِيل على نَفيهَا وَذَلِكَ أَن الأَصْل نفي وُجُوبهَا فَلَا ننتقل عَنهُ إِلَّا بِدَلِيل وَالْأَصْل أَنا غير معتقدين لصِحَّة الْعلَّة فَلَا ننتقل عَن ذَلِكُم إِلَّا بِدَلِيل فان قَالُوا عجز الْخصم عَن إفسادها يدل على صِحَّتهَا قيل الْخصم قد يعجز عَن إِفْسَاد الْفَاسِد وَأكْثر مَا فِي عَجزه أَن يكون قد سلمت الْعلَّة من وُجُوه الْفساد وَقد تقدم الْكَلَام فِي ذَلِك
وَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي طَرِيق الْعلَّة وَنحن نتكلم الْآن فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ عِلّة حكم الأَصْل وَمَا يتَّصل بذلك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْكَلَام فِي حكم الأَصْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْوَصْف لَا يَصح كَونه عِلّة حكم الأَصْل إِلَّا وَالْحكم مَوْجُود فِي الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن ينظر الْإِنْسَان هَل الحكم مَوْجُود فِي الأَصْل ام لَا فانه قد يقيس الْإِنْسَان على أصل لَا يسلم خَصمه وجود الحكم فِيهِ وَقد يكون الحكم مَوْجُودا فِي بعض الأَصْل دون بعض وَيكون القائس قد رام رد الْفَرْع إِلَى جَمِيع الأَصْل فَلَا يُمكنهُ ذَلِك فان رام رده إِلَى الْموضع الَّذِي وجد فِيهِ وَلم يمْنَع من ذَلِك مَانع من إِجْمَاع أَو غَيره جَازَ ذَلِك
(2/260)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَعْلِيل حكم الأَصْل بِالِاسْمِ وبأحكام شَرْعِيَّة وبجميع أَوْصَاف الأَصْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما تَعْلِيله بِالِاسْمِ نَحْو تَحْرِيم الْخمر بَان الْعَرَب سمته خمرًا فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لذَلِك فِي التَّحْرِيم وَيجوز تَعْلِيل التَّحْرِيم بِكَوْنِهِ خمرًا وَيُرَاد بذلك فَائِدَة قَوْلنَا خمر لِأَن الْمرجع بذلك إِلَى صِفَات علتها الْخمر وَيجوز تَعْلِيل الحكم بِحكم شَرْعِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون لبَعض الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تَأْثِير فِي حكم آخر نَحْو قَوْلنَا طَهَارَة مزيلة للْحَدَث وَأَشْبَاه ذَلِك كَثِيرَة وَلَا يمْتَنع أَن يكون الْمُؤثر فِي الحكم مَجْمُوع صِفَات كَثِيرَة كَمَا لَا يمْتَنع أَن يكون الْمُؤثر فِيهِ صِفَات قَليلَة فاما تَعْلِيل الحكم بِجَمِيعِ صِفَات الأَصْل حَتَّى يدْخل فِيهِ كَونه فِي مَكَان كَذَا وَأَن كَونه كَذَا فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لكثير من هَذِه الْأَوْصَاف فِي الحكم وَمن يمْنَع من الْعلَّة القاصرة يَقُول إِن تَعْلِيل الشَّيْء بِجَمِيعِ أَوْصَافه تَعْلِيل بِمَا لَا يتَعَدَّى لِأَن جَمِيع صِفَات الشَّيْء لَا تُوجد فِي غَيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب القَوْل فِي عدم التَّأْثِير - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَنه إِذا كَانَ فِي أَوْصَاف الْعلَّة وصف لَا تَأْثِير لَهُ لَو عدم عَن الأَصْل لم يعْدم الحكم عَنهُ فانه يعلم بذلك أَنه لَا يجوز أَن تكون الْعلَّة مَجْمُوع تِلْكَ الْأَوْصَاف بل يَنْبَغِي أَن يرفض مِنْهَا ذَلِك الْوَصْف لِأَنَّهُ لَو أثبت فِي الْعلَّة مَا لَا يضر عَدمه وَجب إشبات مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْأَوْصَاف فان انتقضت الْعلَّة بفرع من الْفُرُوع مَتى أزلنا ذَلِك الْوَصْف عَن الْعلَّة فَسدتْ الْعلَّة وَلَا يجوز ضم الْوَصْف إِلَيْهَا لتسلم الْعلَّة من النَّقْض لِأَن الْعلَّة يجب أَن تعلم أَولا أَن حكم الأَصْل مُتَعَلق بهَا وانها مُؤثرَة فِيهِ ثمَّ تجْرِي فِي الْفُرُوع فاذا كَانَ وصف مِنْهَا غير مُؤثر فِي حكمه لم يجز كَونه فِي جملَة علته فَيجب إِسْقَاطه وَإِذا سقط
(2/261)

وانتقض مَا عداهُ لم يجز كَون مَجْمُوع الْأَوْصَاف عِلّة وَلَا مَا عدا ذَلِك الْوَصْف وَيُفَارق عدم التَّأْثِير عكس الْعلَّة لِأَن عكسها هُوَ أَن يُوجد حكمهَا مَعَ عدمهَا فِي بعض الْمَوَاضِع وَلَيْسَ ذَلِك يمْتَنع لِأَن الْعلَّة إِذا كَانَت أَمارَة فقد يجوز أَن تدل على الحكم الْوَاحِد أمارتان أَيهمَا وجدت دلّت عَلَيْهِ وَإِن كَانَت وَجه الْمصلحَة فقد شبت الْمصلحَة لوجه وَقد ثَبت لوجه آخر كَمَا يقبح الشَّيْء لوجه ويقبح لوجه آخر فَأَما عدم التَّأْثِير فَهُوَ أَن لَا يُؤثر وصف من الْأَوْصَاف فِي الحكم وَيكون التَّأْثِير لغيره فَلَا يجوز ضم مَا لَا تَأْثِير إِلَى مَا لَهُ تَأْثِير - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَعْلِيل الأَصْل الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم انه إِذا تقررت فِي الاصول أَحْكَام مَعْلُومَة وَيثبت بِخَبَر من الْأَخْبَار فِي شَيْء من الْأَشْيَاء حكم مُخَالف لما يَقْتَضِيهِ قِيَاس ذَلِك الشَّيْء على تِلْكَ الاصول فمعلوم أَن الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء يُوجب خلاف مَا يُوجِبهُ الْقيَاس على تِلْكَ الاصول وَقد اجاز أَصْحَاب الشَّافِعِي وَطَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء الْمَخْصُوص من جملَة الْقيَاس وَلم يجوز الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقيَاس عَلَيْهِ إِلَّا لإحدى خلال ثَلَاث أَحدهَا أَن يكون مَا ورد خلاف قِيَاس الاصول قد نَص على علته نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه علل طَهَارَة الهر بِأَنَّهَا من الطوافين علينا والطوافات قَالَ لِأَن النَّص على الْعلَّة كالتصريح بِوُجُوب الْقيَاس على ذَلِك الشَّيْء وأحدها أَن تكون الامة مجمعة على تَعْلِيل مَا ورد بِهِ الْخَبَر وَإِن اخْتلفُوا فِي علته وأحدها أَن يكون الحكم الَّذِي ورد بِهِ الْخَبَر مُوَافقا للْقِيَاس على بعض الاصول وَإِن كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس على أصُول أخر كالخبر بالتحالف فِي الْمُتَبَايعين إِذا اخْتلفَا فانه بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَيُقَاس عَلَيْهِ الْإِجَارَات لِأَن قياسها مُوَافق لقياس آخر من قِيَاس الاصول وَهُوَ أَنه تملك على الْغَيْر فَالْقَوْل قَوْله فِيهِ وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ فِي الشَّرْع أصل يُبِيح هَذَا الْقيَاس وأصل يحظره وَكَانَ الأَصْل جَوَاز الْقيَاس وَجب الْقيَاس
(2/262)

وَقد أجَاز الشَّيْخ أَبُو الْحسن رَضِي الله عَنهُ الْقيَاس على خبر الْوَاحِد الْمُخَصّص للْعُمُوم وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي رَحمَه الله إِذا كَانَ الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول غير مَقْطُوع بِهِ لم يجز الْقيَاس عَلَيْهِ فَاقْتضى قَوْله هَذَا أَنه يجوز أَن يكون مذْهبه أَنه إِذا كَانَ الْخَبَر مَقْطُوعًا بِهِ جَازَ الْقيَاس عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول إِمَّا أَن يكون دَلِيلا مَقْطُوعًا بِهِ أَو غير مَقْطُوع بِهِ فان كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَهُوَ أصل فِي نَفسه لِأَن هَذَا معنى قَوْلنَا أصل فِي هَذَا الْموضع فَالْقِيَاس عَلَيْهِ كالقياس على تِلْكَ الاصول وَيجب أَن يقْصد الْمُجْتَهد مقصد التَّرْجِيح بَين القياسين وَيبين ذَلِك أَنه إِذا كَانَ عُمُوم الْكتاب لَا يمْنَع من قِيَاس يخصصه فبأن يكون الْقيَاس على الْعُمُوم لَا يمْنَع من الْقيَاس على أصل آخر يُخَالف الْعُمُوم اولى لِأَن الْعُمُوم أقوى من الْقيَاس عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْخَبَر الْوَارِد بِخِلَاف قِيَاس الاصول غير مَقْطُوع بِهِ فانه لَا تَخْلُو عِلّة حكمه إِمَّا تكون منصوصة أَو غير منصوصة فان لم تكن منصوصة وَلَو كَانَت اقوى من الْعلَّة الَّتِي يُقَاس بهَا الْفُرُوع على تِلْكَ الاصول فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْقيَاس على الاصول أولى لِأَن الْقيَاس على مَا طَرِيقه مَعْلُوم أولى من الْقيَاس على مَا طَرِيقه غير مَعْلُوم وَإِن كَانَت الْعلَّة منصوصة فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله فِي الدَّرْس أَنه يَسْتَوِي القياسان من هَذَا الْوَجْه لِأَن الْقيَاس على الاصول يخْتَص بِأَن طَرِيق حكم أَصله مَعْلُوم وَإِن كَانَت طرق علته غير مَعْلُومَة وَالْقِيَاس على مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول علته منصوصة
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذِه الْعلَّة وَإِن كَانَت منصوصة فَهِيَ غير مَعْلُومَة إِذْ هِيَ منقولة بالآحاد فَلم يساو الْقيَاس بهَا على تِلْكَ الاصول فِي الْقُوَّة وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْقيَاس على الاصول الْمَعْلُومَة لَهُ حَظّ من الْقُوَّة من حَيْثُ كَانَ حكم أَصله مَعْلُوما وَلَا يمْتَنع أَن تعَارض هَذِه الْقُوَّة قُوَّة أُخْرَى وَهِي طَرِيق الْعلَّة بِأَن يكون طَرِيق عِلّة الْقيَاس الآخر أقوى من طَرِيق عِلّة الْقيَاس على الاصول أما بِأَن تكون الْعلَّة منصوصة أَو مدلولا عَلَيْهَا بتنبيه فالموضع مَوضِع اجْتِهَاد فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الْمَنْع من ذَلِك
(2/263)

يبين ذَلِك أَن خبر الْوَاحِد إِذا خص عُمُوم الْكتاب جَازَ أَن يكون الْقيَاس على الْخَبَر الْخَاص أولى من الْقيَاس على الْعُمُوم وَإِن كَانَ الْعُمُوم مَعْلُوما وَخبر الْوَاحِد غير مَعْلُوم إِن قيل إِن مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن تدل أَمارَة على عِلّة حكمه قيل هَذَا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا فان قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَن الْقيَاس على الْأُصُول يمانع الْقيَاس على مَا ورد بِخِلَاف الاصول قيل هلا كَانَ الْقيَاس على مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول يمانع الْقيَاس على الاصول وَيمْنَع أَن تدل على علته أَمارَة وَإِذا جَازَ أَن يدل على عِلّة هَذَا الْقيَاس النَّص جَازَ أَن يدل عَلَيْهِ دلَالَة غير النَّص
فان قيل مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الاصول وَإِن كَانَ مَعْلُوما فانه لَا يجوز أَن يُسَاوِي أَمارَة عِلّة الْقيَاس على الاصول فِي الْقُوَّة فَلَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ قيل هَذَا دَعْوَى وَمَا أنكرتم أَن يكون الْخَبَر الْوَارِد بخلاق قِيَاس الاصول قد غير الحكم عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من قبل لِأَنَّهُ لما كَانَ مَعْلُوما صَار أصلا فِي نَفسه فَلَا يمْتَنع أَن يَقع التَّنْبِيه على علته وَيكون التَّنْبِيه عَلَيْهِ أقوى وَأظْهر من التَّنْبِيه على عِلّة الاصول ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ قد جَازَ أَن يدل عَلَيْهَا النَّص وَهُوَ أقوى وَأظْهر من عِلّة الاصول فَلَا يجوز أَن يدل عَلَيْهَا تَنْبِيه النَّص وَيكون أقوى من دلَالَة عِلّة الاصول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَعْلِيل أصُول الْعِبَادَات والتقديرات وَغير ذَلِك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن أَبَا عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَا يجوز تَعْلِيل الاصول وَلَا يجوز إِثْبَات صَلَاة سادسة بِالْقِيَاسِ وَلَا بتعليل الْحُدُود وَهُوَ قَول أبي الْحسن وَلِهَذَا منع من قطع المختلس بِالْقِيَاسِ وَمنع من إِثْبَات صَلَاة بإيماء الْحَاجِب بِالْقِيَاسِ وَمنع من تَعْلِيل الْكَفَّارَات وَإِثْبَات كَفَّارَة بِقِيَاس وَسوى بَين الْكَفَّارَات الْجَارِيَة مجْرى الْعُقُوبَات وَبَين مَا لَا تجْرِي مجْرى الْعُقُوبَات وأعمل الِاسْتِدْلَال فِي موضعهَا وَفِي مَوضِع الْحَد وَحكي عَن أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ شَبِيها بذلك
(2/264)

لِأَنَّهُ لم يثبت الصَّوْم بَدَلا من هدى الْمحصر لِأَن ذَلِك إِثْبَات عبَادَة مُبتَدأَة وَمنع الشَّيْخ أَبُو الْحسن رَضِي الله عَنهُ من إِثْبَات النصب ابْتِدَاء بِالْقِيَاسِ أَو بِخَبَر الْوَاحِد وَكَذَلِكَ لم يثبت الزَّكَاة فِي الفصلان وَاسْتعْمل الْقيَاس فِي نصب مَا ثَبت فِيهِ الزَّكَاة كَمَا يعْمل الْقيَاس فِي صِفَات الصَّلَاة وَإِن لم يَسْتَعْمِلهُ فِي نفس الصَّلَاة وَقبل خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات نِصَاب زَائِد على الْمِائَتَيْنِ على مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَمنع من الْقيَاس فِي الْمَقَادِير وَلم يُعلل مَا رخص فِيهِ للتساهل وَلم يقس عَلَيْهِ كاجرة الْحمام والاستصناع وَقبل أَبُو يُوسُف خبر الْوَاحِد فِي إِثْبَات الْحُدُود كَمَا يقبل الشَّهَادَة فِيهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يثبت الْحَد بِالْقِيَاسِ أَيْضا لِأَن الْقيَاس كَخَبَر الْوَاحِد فِي إِفَادَة الظَّن فان لم يمْتَنع إثْبَاته بِأَحَدِهِمَا وَإِن كَانَ يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ فَكَذَلِك الآخر أما الشَّافِعِي رَحمَه الله وَأَصْحَابه فانهم يعللون كل ذَلِك ويستعملون الْقيَاس فِيهِ مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع إِلَّا أَنهم يَقُولُونَ إِن الْأُصُول وَالْحُدُود لَا مجَال للْقِيَاس فيهمَا وَلَو دلّ الدَّلِيل على الْعلَّة فيهمَا لقيس عَلَيْهِمَا وَقد حد بَعضهم واطىء الْبَهِيمَة قِيَاسا على الزَّانِي وَإِن كَانَ بَعضهم يَقُول إِن ذَلِك زنا
وَالْخلاف بَين النَّاس هَل فِي الشَّرِيعَة جملَة من الْمسَائِل يعلم أَنه لَا يجوز أَن تدل دلَالَة على عِلّة أَحْكَامهَا فَيمْتَنع اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهَا فِي الْجُمْلَة أَو لَيْسَ ذَلِك بل يَنْبَغِي أَن يستقرىء مَسْأَلَة مَسْأَلَة فأصحاب أبي حنيفَة يَقُولُونَ إِنَّا قد علمنَا ذَلِك فِي جملَة من الْمسَائِل وَهِي الَّتِي ذكروها وَغَيرهم لَا يحكم بذلك فِي أَكثر هَذِه الْمسَائِل على سَبِيل الْجُمْلَة بل يستقرءون مَسْأَلَة مَسْأَلَة وَالْأَظْهَر فِي كثير مِمَّا ذَكرُوهُ أَنه لَا يظْهر علته كالتقديرات واصول الْعِبَادَات وَالْأولَى مَعَ ذَلِك استقراء مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَمَا لَا يدل على علته دلَالَة لم يسْتَعْمل فِيهِ الْقيَاس لجَوَاز أَن يكون فِيهَا مَا دلّ دلَالَة على عِلّة حكمه غير أَن مَا أَخذ علينا التطرق إِلَيْهِ بالأدلة الْمَعْلُومَة فانه لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهِ كَصَلَاة سادسة ولإجماع الامة على أَنه لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا تظهر فِيهِ دلَالَة تدل على علته وَمَا رخص فِيهِ للتساهل فَلَا عِلّة فِيهِ إِلَّا شذة الْبلوى بِهِ وكل مَا هَذِه حَاله قد رخصوه وَمَا لم يرخصوه من ذَلِك فالإجماع على حظره يمْنَع من قِيَاسه على مَا
(2/265)

رخصوه وَيبعد أَن تظهر فِي التقديرات والأعداد عِلّة فاما الْكَفَّارَات فَلَا يبعد أَن تظهر علتها فيقاس عَلَيْهَا غَيرهَا بِتِلْكَ الْعلَّة وَلَيْسَ لمن منع من ذَلِك أَن يجْرِي بِهِ مجْرى الْحُدُود من حَيْثُ كَانَت عقوبات لِأَنَّهُ يُسَوِّي فِي الْمَنْع من إِثْبَاتهَا قِيَاسا بَين مَا يجْرِي مِنْهَا مجْرى الْعُقُوبَات وَبَين مَا لَا يجْرِي مِنْهَا مجْرى الْعُقُوبَات وَأَيْضًا فقد أثبتوا على الْآكِل فِي شهر رَمَضَان كَفَّارَة وَهِي جَارِيَة مجْرى الْعُقُوبَات اعْتِبَارا بالمجامع وسلكوا فِي ذَلِك مَسْلَك التَّعْلِيل وَلَا يعصمهم من ذَلِك أَن يمتنعوا من تَسْمِيَة ذَلِك قِيَاسا وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم هَل هُوَ قِيَاس أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الشَّيْخ أَبَا الْحسن رَحمَه الله لم يكن يثبت الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ وَكَانَ يثبتها بالاستدلال على مَوضِع الحكم فَيثبت الْكَفَّارَة على الْأكل فِي شهر رَمَضَان اعْتِبَارا بالمجاميع فِيهِ فَيَقُول قد علمت أَن الْكَفَّارَة لم تجب فِي الْجِمَاع لعَينه بل لِأَنَّهُ مُفسد لعين صَوْم شهر رَمَضَان مَعَ ضرب مَخْصُوص من المأثم وَهَذَا مَوْجُود فِي الْأكل
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله أَنه كَانَ يفصل بَين الْقيَاس وَبَين ذَلِك بِأَنا نحتاج إِلَى الِاسْتِدْلَال لنعلم بِأَن الْجِمَاع يخْتَص بمأثم مَخْصُوص وَلَا يحْتَاج إِلَى الِاسْتِدْلَال لنعلم أَن الْبر مَكِيل فَيُقَال لَهُ حَاجَتك إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَال لَا يخْرجك من أَن تكون قد سلكت مَسْلَك التَّعْلِيل بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وأجريت حكمهَا مَعهَا وَهَذِه صُورَة الْقيَاس على أَن المقائيس مَا يعلم ثُبُوت علته فِي أَصله بِدَلِيل وَذَلِكَ بِأَن تكون الْعلَّة حكما شَرْعِيًّا لِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعْلُومَة بِالدَّلِيلِ على أَن مَا افْتقر فِيهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال هُوَ أخْفى مِمَّا علم ضَرُورَة فان لم تثبت الْكَفَّارَة بالأجلى فَالْأولى أَن لَا تثبت بالأخفى
وَيُمكن أَن نقيس الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم بِوَجْه آخر وَهُوَ أَن يكون الحكم ثَابتا فِي مَوضِع مُجمل ثمَّ نستدل لنعلم ذَلِك الْموضع فاذا ثَبت بِالدَّلِيلِ أَن
(2/266)

شَيْئا من الْأَشْيَاء من ذَلِك الْموضع ألحق بِهِ حكمه لَا على سَبِيل الْقيَاس بل على سَبِيل إِدْخَال التَّفْصِيل فِي الْجُمْلَة فان قيس الِاسْتِدْلَال على مَوضِع الحكم بِهَذَا قيل لَهُ أموضع الْكَفَّارَة هُوَ الْجِمَاع أم بعض أَوْصَافه فان قَالَ هُوَ الْجِمَاع قيل هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى اسْتِدْلَال زَائِد على الْخَبَر وَيَنْبَغِي أَن لَا يلْحق بِهِ إِلَّا مَا كَانَ جماعا وَإِن قَالَ موضعهَا هُوَ بعض أَوْصَافه وَهُوَ إِفْسَاد عين صَوْم الشَّهْر مَعَ مأثم مَخْصُوص قيل ابالنص علمت أَن هَذَا مَوضِع الْكَفَّارَة أم بِدَلِيل وَلَيْسَ يُمكنهُ القَوْل بِأَنَّهُ علم ذَلِك بِالنَّصِّ لِأَن النَّص يتَنَاوَل الْجِمَاع لَا هَذِه الْأَوْصَاف وَإِن قَالَ علمت ذَلِك لَا بِالنَّصِّ وَلَكِن بِاعْتِبَار أفسدت بِهِ تَعْلِيق الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ وَبِغَيْرِهِ من أَوْصَافه سوى مَا ذكرته قيل هَذَا تَعْلِيل مِنْك لِأَنَّك علقت هَذِه الْكَفَّارَة بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وَقلت لَهَا مَا ثَبت الْكَفَّارَة وتوصلت إِلَى ذَلِك بِأَن أفسدت تعلق الْكَفَّارَة بِمَا عَداهَا فاذا حكمت على الْأكل بِالْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ مُفسد لعين صَوْم رَمَضَان مَعَ مأثم مَخْصُوص فقد قست وَجرى ذَلِك مجْرى أَن تفْسد تَعْلِيق الرِّبَا بِعَين الْبر وبصفاته سوى الْكَيْل ثمَّ تحرم الارز لِأَنَّهُ مَكِيل وكل من أثبت الْكَفَّارَة بِالْقِيَاسِ أَن يسْلك هَذَا المسلك ونسميه اسْتِدْلَالا على مَوضِع الحكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب تَعْلِيل حكم الأَصْل بعلتين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن حكم الأَصْل إِذا علل بعلتين فإمَّا أَن تكون إِحْدَاهمَا هِيَ الدَّلِيل على حكم الأَصْل أَو لَا تكون وَاحِدَة مِنْهُمَا هِيَ الدَّلِيل على حكم الأَصْل بل الدَّلِيل عَلَيْهِ نَص أَو إِجْمَاع فان لم تكن وَاحِدَة مِنْهُمَا دَلِيلا على حكم الأَصْل جَازَ أَن تصحا جَمِيعًا لِأَن الْعلَّة إِن كَانَت أَمارَة فَجَائِز أَن تدل على الحكم الْوَاحِد امارتان وَإِن كَانَت مُوجبَة وَجه مصلحَة فَجَائِز أَن يكون الشَّيْء صلاحا من وَجْهَيْن يبين ذَلِك أَنه قد يسْتَحق الْإِنْسَان الْقَتْل لردته وَلِأَنَّهُ قتل غَيره وَقد تفْسد صَلَاة الْإِنْسَان بِالْحَدَثِ وبالكلام إِذا وجدا مَعًا وأمثال ذَلِك كَثِيرَة وَإِن كَانَ إِحْدَى العلتين دَلِيلا على حكم الأَصْل فإمَّا أَن تكون دَلِيل حكمه من غير أَن يُقَاس بهَا على اصل آخر أَو أَن تكون دَلِيله بَان يُقَاس بهَا
(2/267)

على أصل آخر مِثَال ردنا التطاول فِي الشَّهَادَة على السّرقَة إِلَى التطاول فِي الشَّهَادَة على الزِّنَا فِي أَن الْحَاكِم لَا يحكم بهما بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حق من حُقُوق الله تَعَالَى وَلَيْسَت هَذِه الْعلَّة هِيَ الَّتِي لَهَا لم يحكم الْحَاكِم بِالشَّهَادَةِ على الزِّنَا إِذا تطاول عهدها لَكِن الْعلَّة فِي ذَلِك أَن الشُّهُود على الزِّنَا مخيرون بَين إِقَامَة الشَّهَادَة بِحَق الله سُبْحَانَهُ وَبَين السّتْر على الْمَشْهُود عَلَيْهِ فاذا أخروا الشَّهَادَة علمنَا أَنهم آثروا فاذا شهدُوا من بعد تَبينا ان عَدَاوَة تَجَدَّدَتْ لَهُم والعدوان تتهم الشُّهُود وَقد منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قبُول شَهَادَة ذَوي الأضغان وَظهر لنا أَنهم من ذَوي الأضغان لَا أَنا نقيسهم على ذَوي الأضغان وَهَذِه الْعلَّة لَا يُمكن ذكرهَا فِي الشَّهَادَة على السّرقَة لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الشُّهُود إِنَّمَا أخروا الشَّهَادَة لِأَن الْمَسْرُوق مِنْهُ أخر الْمُطَالبَة فقد بَان عِلّة حكم الأَصْل غير الْعلَّة الَّتِي بهَا رددنا الْفَرْع إِلَى الأَصْل
وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من أجَاز تَعْلِيل الحكم بِالْعِلَّةِ الَّتِي لم يثبت الحكم بهَا قَالَ لِأَن الْعلَّة الَّتِي بهَا يثبت حكم الأَصْل هِيَ طَرِيق الحكم فِي الأَصْل فجرت مجْرى النَّص الدَّال على حكم الأَصْل فَكَمَا يجوز أَن تدل دلَالَة على أَن لبَعض اوصاف الأَصْل الْمَنْصُوص على حكمه تَأْثِيرا فِي ذَلِك الحكم فتجعل علته وَيُقَاس بهَا فرع من الْفُرُوع عَلَيْهِ جَازَ أَيْضا فِي بعض مَا ثَبت حكمه لعِلَّة من الْعِلَل أَن تدل دلَالَة على أَن لبَعض أَوْصَافه تَأْثِيرا فِي ذَلِك الحكم فتجعل عِلّة فِيهِ وَيُقَاس بهَا على الْفُرُوع وَمِنْهُم من لم يصحح الْعلَّة الَّتِي لَا يثبت بهَا حكم الأَصْل لِأَن هَذِه الْعلَّة لَا يُمكن أَن تدل على صِحَّتهَا وَأَنَّهَا لمكانها ثَبت حكم الأَصْل لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يسْتَدلّ على ذَلِك بِفساد مَا عَداهَا لِأَن الْعلَّة الْأُخْرَى صَحِيحَة وَلَا يُمكن أَن نستدل عَلَيْهَا بِأَن الحكم يُوجد بوجودها فِي الأَصْل وينتفي بانتفائها عَن الأَصْل وَانْتِفَاء مَا يقوم مقَامهَا لعلمنا أَنَّهَا لَو وجدت وَحدهَا فِي الأَصْل من دون الْعلَّة الْأُخْرَى لم يثبت الحكم فاذا لم يُمكن أَن تدل دلَالَة على صِحَّتهَا لم تثبت صِحَّتهَا
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ إِذا كَانَت الْعلَّة الَّتِي هِيَ دَلِيل الحكم فِي الأَصْل يُقَاس بهَا ذَلِك الأَصْل على أصل آخر فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن أَن يُقَاس الْفَرْع الآخر بِتِلْكَ الْعلَّة على الأَصْل الأول أَو لَا يُمكن فَإِن لم يُمكن فَالْخِلَاف فِيهِ
(2/268)

كالخلاف فِيمَا تقدم الْآن وَإِن أمكن ذَلِك فمثاله أَن يرد الذّرة إِلَى الارز بعلة أَنه مَكِيل وَيرد الارز إِلَى الْبر بِهَذِهِ الْعلَّة وَهَذَا تَطْوِيل لَا فَائِدَة فِيهِ لِأَنَّهُ يُمكن رد الذّرة إِلَى الْبر بِهَذِهِ الْعلَّة وَلِأَن رد الذّرة إِلَى الارز يُوهم أَن حكمه مِنْهُ مُسْتَفَاد وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّرة كالارز فِي أَن الْعلم بِحكم أَحدهمَا لَا يسْبق الْعلم بِحكم الآخر فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ بل حكمهَا يَتَرَتَّب على الْبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَعْلِيل الأَصْل بعلة لَا تتعدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما الشَّيْخ أَبُو عبد الله رَحمَه الله فانه أفسدها إِلَّا أَن يدل عَلَيْهَا نَص أَو إِجْمَاع وَحكى عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة رَحمَه الله أَنَّهَا صححها فِي بعض مسَائِله وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن رَضِي الله عَنهُ أفسدها إِلَّا أَن يدل عَلَيْهَا نَص وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وقاضي الْقُضَاة يصححونها
وَالدَّلِيل على صِحَّتهَا هُوَ أَن من أفسدها إِمَّا أَن يُفْسِدهَا لِأَنَّهَا لم تتعد إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ أَو أَنَّهَا لم تتعد إِلَى فرع أصلا اخْتلف فِيهِ أَو لم يخْتَلف فِيهِ فان قَالَ بِالْأولِ كَانَ قد جعل صِحَّتهَا وفسادها موقوفين على أَن يخْتَار النَّاس الْخلاف فِي الْفَرْع أَو الِاتِّفَاق فِيهِ وَهَذَا شنيع وَأَيْضًا فَإِن كَانَت الْعلَّة هِيَ وَجه الْمصلحَة فوجوه الْمصَالح إِذا حصلت فِي الشَّيْء اقْتَضَت كَونه مصلحَة وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ أَو لم يَقع وَإِن كَانَت أَمارَة على الحكم وعَلى وَجه الْمصلحَة فالأدلة والأمارات لَا تفْسد بالِاتِّفَاقِ على مدلولها وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي فَالَّذِي يُفْسِدهُ أَيْضا هُوَ أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة إِذا دلّت عَلَيْهَا الأمارة غلب على ظننا أَنَّهَا وَجه الْمصلحَة وَإِن لم تتعد لِأَن وُجُوه الْمصَالح قد تخْتَص نوعا وَاحِدًا وَقد تتعداه كَمَا نقُوله فِي وُجُوه الْقبْح وَالْحسن كلهَا وَأَيْضًا فالعلة لَو فَسدتْ إِذا لم تتعد لَكَانَ فَسَادهَا وَجه مَعْقُول
فان قَالُوا الْوَجْه فِي ذَلِك هُوَ أَن الْعلَّة المستنبطة إِذا لم تتعد لم يكن فِي استنباطها فَائِدَة لِأَن حكم الأَصْل ثَابت بِالنَّصِّ لِأَنَّهَا بِالنَّصِّ قد أُغني غنها فِي الأَصْل وَلَيْسَت مَوْجُودَة فِي فرع فَيكون طَرِيقا إِلَى حكمه وَإِذا لم يكن فِي
(2/269)

استنباطها فَائِدَة كَانَت عَبَثا وَلَيْسَ كَذَلِك الْعلَّة المنصوصة لِأَنَّهَا لم تثبت عِلّة بالاستنباط قيل إِن المستنبط لِلْعِلَّةِ طَالب لَهَا وَهُوَ فِي حَال طلبه لَا يعلم مَا عِلّة الحكم وَهل هِيَ متعدية أم لَا فَيُقَال لَهُ لَا تتكلف هَذَا الْبَحْث والطلب وَإِنَّمَا يعلم أَن الْعلَّة الَّتِي تبحث عَنْهَا لَا تتعدى بعد اسْتِيفَاء الطّلب وَأَيْضًا يكون الطّلب لَهَا عَبَثا لَا يفْسد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع كَونهَا عِلّة وَيكون الطَّالِب لَهَا عابثا حِين يتشاغل بِطَلَب مَا هُوَ مستغن عَنهُ وَأَيْضًا فَلَو جَازَ أَن يكون الطّلب لَهَا عَبَثا لِأَنَّهَا لَيست بطرِيق إِلَى الحكم لَا فِي الحكم وَلَا فِي الْفَرْع لَكَانَ النَّص عَلَيْهَا عَبَثا لِأَنَّهَا لَيست بطرِيق إِلَى حكم فِي أصل وَلَا فرع وَأَيْضًا وُقُوع الْغنى عَن الشَّيْء لَا يُفْسِدهُ أَلا ترى أَنا نستغني بِالْقُرْآنِ فِي بعض الْأَحْكَام عَن أَخْبَار الْآحَاد وَعَن الْقيَاس وَلَا يُوجب ذَلِك فسادهما
فان قيل خبر الْوَاحِد يُمكن أَن يكون طَرِيقا إِلَى الحكم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَلَا يُمكن أَن تكون الْعلَّة القاصرة طَرِيقا إِلَى حكم أصلا قيل إِنَّمَا تكلمنا على قَوْلكُم طلبَهَا عَبث إِذْ النَّص قد أغْنى عَنْهَا وَلَيْسَ لَهَا وجود فِي بعض الْفُرُوع وَلم نتكلم على مَا ذكرتموه الْآن وَهُوَ قَوْلكُم الْعلَّة القاصرة لَا يُمكن أَن تكون طَرِيقا إِلَى حكم فَلم يكن فِي طلبَهَا فَائِدَة فان قُلْتُمْ ذَلِك أجبناكم بِمَا تقدم دون هَذَا الْوَجْه
وَإِن قَالُوا إِذا لم تكن الْعلَّة طَرِيقا إِلَى حكم لم تكن فِيهَا نَفسهَا فَائِدَة وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يجوز أَن ينصب الله عز وَجل عَلَيْهِ أَمارَة فَكل عِلّة قَاصِرَة فَإنَّا نعلم أَن الله عز وَجل لم ينصب عَلَيْهَا أَمارَة قيل وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يجوز أَن ينص الله عز وَجل وَلَا رَسُوله عَلَيْهِ فان جعلتم للنَّص عَلَيْهَا فَائِدَة فقد بَطل قَوْلكُم إِن مَا لَا يُفِيد حكما فَهُوَ فَاسد وَأَيْضًا فَلَا فَائِدَة أَكثر من الْعلم بعلة الحكم فانا إِذا علمنَا كم الشَّيْء ووقفنا على علنه صرنا عَالمين أَو ظانين بِمَا لم نَكُنْ عَالمين بِهِ وَذَلِكَ مَا تتشوق النَّفس إِلَى مَعْرفَته وَلَا يمْتَنع أَن يكون لنا فِي ظن ذَاك مصلحَة وَفَائِدَة أُخْرَى وَهِي أَن نمتنع من قِيَاس فرع على أصل علته قَاصِرَة
فان قَالُوا فَهَذَا يُمكن إِذا لم تنصب أَمارَة على أَن ذَلِك الْوَصْف عِلّة قيل
(2/270)

هَذَا الْقدر لَا يمْنَع من الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل لِأَنَّهُ يجوز أَن يظنّ أَن علته وصف آخر فيقاس بِهِ فرع من الْفُرُوع وَإِذا ظننا أَن مَا لَا يتَعَدَّى هُوَ الْعلَّة لِأَن أَمارَة كَونه عِلّة أقوى من كل الأمارات رفضنا مَا عدا ذَلِك الْوَصْف فَلم نقس على ذَلِك الْوَصْف شَيْئا وَلَهُم أَن يَقُولُوا وَكَانَ يُمكن أَن لَا يُقَاس على ذَلِك الأَصْل بِأَن لَا ينصب الله عز وَجل أَمارَة على شَيْء من أَوْصَافه وَإِذا أمكن ذَلِك لم يكن فِي نصب أَمارَة على الْوَصْف الَّذِي لَا يتَعَدَّى فَائِدَة
واقوى مَا يُمكن أَن يحتجوا بِهِ هُوَ أَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة والأمارة كالدلالة فِي أَنَّهَا كاشفة عَن شَيْء وَلَا يتَصَوَّر دلَالَة وامارة لَا تكشف عَن شَيْء وَالْعلَّة القاصرة لَا تكشف عَن حكم أصل وَلَا فرع فَلم تكن أَمارَة وَإِذا لم تكن أَمارَة لم تكن عِلّة وَالْجَوَاب إِنَّه إِذا دلّت أَمارَة صَحِيحَة على كَون الْوَصْف عِلّة قضينا بِأَنَّهَا وَجه الْمصلحَة وَقُلْنَا بِأَن الْعلَّة أَمارَة على معنى أَنَّهَا مظنون كَونهَا عِلّة وَيُمكن أَن نقُول إِنَّهَا أَمارَة على وَجه الْمصلحَة بِمَعْنى أَنَّهَا مُقَارنَة فَيدل على أَن وَجه الْمصلحَة يُوجد حَيْثُ تُوجد الْعلَّة ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا نَص على الْعلَّة الَّتِي لَا تتعدى أَلَيْسَ تكون الْعلَّة أَمارَة أَو دلَالَة فان قَالُوا بلَى قيل لَهُم فعلى مَا تدل فان قَالُوا إِنَّهَا تكون وَجه الْمصلحَة أَو تكون أَمارَة على وَجه الْمصلحَة وَلَا تكون أَمارَة وَلَا دلَالَة على حكم قيل لَهُم مثله فِي الْعلَّة المستنبطة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي اخْتِلَاف مَوْضُوع الْعلَّة وَالْحكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة قد تكون حكما مَا شَرْعِيًّا وَيكون حكمهَا شَرْعِيًّا وَإِذا كَانَ أَحدهمَا مَبْنِيا على التَّخْفِيف وَالْآخر على التَّغْلِيظ جَازَ أَن يَجْعَل ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي أَن لَا يعْتَبر أَحدهمَا بِالْآخرِ وَيُمكن أَن يُجَاب عَن ذَلِك فَيُقَال لَا يمْتَنع اعْتِبَار أَحدهمَا بِالْآخرِ إِذا دلّت الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة فان قيل إِنَّه لَا يجوز أَن تدل الدّلَالَة على صِحَة مثل هَذِه الْعلَّة انْتقل الْكَلَام إِلَى إِقَامَة الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة وَنحن من بعد نذْكر الْكَلَام فِي الْعلَّة من حَيْثُ هِيَ دَلِيل على حكم الْفَرْع إِن شَاءَ الله
(2/271)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي اخْتِلَاف مَوْضُوع الْفَرْع وَالْأَصْل وَفِي حكم الْفَرْع إِذا تقدم حكم الأَصْل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما اخْتِلَاف مَوْضُوع الأَصْل وَالْفرع فنحو أَن يكون الأَصْل مَبْنِيا على التَّخْفِيف كالتيمم وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَيكون الْفَرْع مَبْنِيا على التَّغْلِيظ كَالْوضُوءِ وَغسل الرجلَيْن ويروم القائس أَن يثبت فِي الْفَرْع حكما مخففا وَيكون الأَصْل مَبْنِيا على التَّغْلِيظ كَالْوضُوءِ وَغسل الرجلَيْن وَيكون الْفَرْع مَبْنِيا على التَّخْفِيف كالتيمم وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ ويروم القائس أَن يثبت فِي الْفَرْع حكما مغلظا فاختلاف الْفَرْع وَالْأَصْل كالأمارة على أَنه لَا يَنْبَغِي رد أَحدهمَا إِلَى الآخر فان دلّت دلَالَة على صِحَة الْعلَّة الجامعة بَينهمَا أوجبت الدّلَالَة التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي ذَلِك الحكم وَإِن اخْتلفَا فِي التَّغْلِيظ وَالتَّخْفِيف من وُجُوه أخر
وَأما الْفَرْع إِذا تقدم حكمه على حكم الأَصْل فمثاله الْوضُوء إِذا قيس على التَّيَمُّم فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فِيهِ وَذَلِكَ أَن الْوضُوء وَجب بِمَكَّة وَالتَّيَمُّم وَجب بعد الْهِجْرَة وَقد منع من ذَلِك قوم لِأَن شَرط مَا تقدم وُجُوبه لَا يجوز كَونه مستفادا مِمَّا تَأَخّر وُجُوبه لِأَن الدَّلِيل لَا يجوز تَأَخره عَن الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْفَرْع إِذا تقدم حكمه فانه إِن لم يدل على ثُبُوت حكمه إِلَّا الْقيَاس على ذَلِك الأَصْل فانه لَا يَصح ذَلِك الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون لنا على الحكم الَّذِي تعبدنا بِهِ دَلِيل فِي الْحَال وَإِن دلّ على حكم الْفَرْع دَلِيل مُتَقَدم لم يبطل ذَلِك الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يدلنا الله عز وَجل على الحكم بأدلة مترادفة أَلا ترى أَن المعجزات تتواتر بعد المعجزة الْمُقَارنَة لابتداء الدعْوَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي الْعلَّة هَل هِيَ دَلِيل على رسم الْفَرْع ثمَّ يعلق بِهِ حكم شَرْعِي أَو تدل ابْتِدَاء على حكم شَرْعِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
حُكيَ عَن أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَنه قَالَ إِنَّمَا يثبت بِالْقِيَاسِ الْأَسْمَاء فِي الْفَرْع ثمَّ تعلق عَلَيْهَا الْأَحْكَام وَكَانَ يتَوَصَّل بِالْقِيَاسِ إِلَى أَن الشُّفْعَة تَرِكَة ثمَّ
(2/272)

يَجْعَلهَا موروثة وَإِن وطىء الْبَهِيمَة زنا ثمَّ يتَعَلَّق بِهِ الْحَد وَبَعض الشَّافِعِيَّة كَانَ يقيس النَّبِيذ على الْخمر فِي تَسْمِيَته خمرًا لاشْتِرَاكهمَا فِي الشدَّة ثمَّ يحرمه بِالْآيَةِ وَأكْثر الْفُقَهَاء متفقون على أَن الْعِلَل تثبت بهَا الْأَحْكَام
فان كَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج منع من إِثْبَات الْأَحْكَام فِي الْفَرْع بالعلل فَذَلِك بَاطِل لِأَن أَكثر الْمسَائِل إِنَّمَا تعلل فِيهَا أَحْكَامهَا دون أسمائها والأمارات إِنَّمَا تدل على أَن بعض صِفَات الأَصْل لَهُ تَأْثِير فِي الحكم لَا فِي الِاسْم أَلا ترى أَنا نعلل تَحْرِيم الْبر بِكَوْنِهِ مَكِيلًا لَا بِكَوْنِهِ مُسَمّى بِأَنَّهُ بر والأمارة إِنَّمَا تدل على أَن للكيل أَو الطّعْم تَأْثِيرا فِي تَحْرِيم بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا لَا فِي كَونه مُسَمّى بِأَنَّهُ بر ثمَّ إِنَّا نرد الارز إِلَيْهِ لنثبت فِيهِ حكمه ابْتِدَاء لَا تبعا للاسم لأَنا لَا نروم بقياسه عَلَيْهِ أَن نُسَمِّيه برا وَإِن أَرَادَ أَن الْعِلَل قد يتَوَصَّل بهَا إِلَى الْأَسْمَاء فِي بعض الْمَوَاضِع وَلم يمْنَع من أَن يتَوَصَّل بهَا إِلَى الْأَحْكَام أَيْضا فان أَرَادَ بالعلل الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وبالأسماء الْأَسْمَاء اللُّغَوِيَّة فَذَلِك بَاطِل لِأَن اللُّغَة أسبق من الشَّرْع ولتقدم اللُّغَة خاطبنا الله تَعَالَى بهَا فَلَا يجوز إِثْبَات أسمائها بِأُمُور طارئة وَلِأَن أَمَارَات جَمِيع الْعِلَل الشَّرْعِيَّة تتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَلَا تتَعَلَّق بالأسماء اللُّغَوِيَّة وَإِن أَرَادَ أَن الْأَسْمَاء قد تثبت فِي اللُّغَة بِقِيَاس غير شَرْعِي نَحْو أَن نعلم أَنهم سموا الْجِسْم الْأَبْيَض الَّذِي حضرهم بِأَنَّهُ أَبيض لوُجُود الْبيَاض فِيهِ لعلمنا أَنه إِذا انْتَفَى عَنهُ الْبيَاض لم يسموه بذلك فاذا وجد فِيهِ سموهُ بذلك ثمَّ نقيس عَلَيْهِ مَا غَابَ عَنْهُم من الْأَجْسَام الْبيض فقد تقدم القَوْل فِي ذَلِك وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيد وَإِن أَرَادَ أَن من الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة مَا تثبت بالعلل فَغير بعيد ايضا لأَنا نعلم أَن الشَّرِيعَة إِنَّمَا سمت الصَّلَاة صَلَاة لصفة من الصِّفَات مَتى انْتَفَت عَنْهَا لم تسم فِي الشَّرِيعَة صَلَاة فنعلم أَن مَا شاركها فِي تِلْكَ الصّفة يُسمى صَلَاة
وَأما قَول بعض الشَّافِعِيَّة أَن النَّبِيذ يُسمى خمرًا فَلَيْسَ هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
(2/273)

وَقد قَالَ فِي كثير من كتبه إِن الْخمر هُوَ عصير الْعِنَب الني المشتد وَأما قِيَاسه النَّبِيذ على الْخمر بعلة الشدَّة وإيجابهم بذلك أَن يُسمى خمرًا فَبَاطِل لِأَن الْخمر لم تسم خمرًا للشدة فَقَط وَإِن كَانَ لَو لم تُوجد الشدَّة لم تسم خمرًا كَمَا أَن الْخلّ لم يسم خلا للحموضة وَإِن كَانَ لولاها لم يسم خلا لكنه إِنَّمَا سمى خمرًا لِأَنَّهُ عصير الْعِنَب الني المشتد وَلَو كَانَ قَوْلنَا خمر يشْتَمل التمري والعنبي لشمُول اسْم الْخمر لخمر الْعرَاق وخمر فَارس لَكَانَ قَول الْقَائِل لغيره أَمَعَك نَبِيذ أم خمر كَقَوْلِه أَمَعَك خمر أَو خمر الْعرَاق فَلَمَّا افْتَرقَا فِي الْجِنْس علمنَا أَن اسْم الْخمر لَا يتَنَاوَل النَّبِيذ وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخمر من هَاتين مَحْمُول على أَنه إِنَّمَا سمى مَا يكون من النَّخْلَة خمرًا مجَازًا لما ذَكرْنَاهُ الْآن
فان قيل هلا قُلْتُمْ إِنَّه يَقع عَلَيْهِ اسْم الْخمر يعرف الشَّرْع قيل لَيْسَ هَذَا قولا لأحد وَلَو اقْتَضَاهُ عرف الشَّرْع لسبق إِلَى إفهام أهل الشَّرْع من قَوْلنَا خمر التمري والعنبي مَعًا على سَوَاء كَمَا يسْبق إِلَى إفهامهم من اسْم الصَّلَاة هَذِه الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقبح أَن يَقُول الْقَائِل أَمَعَك نَبِيذ أم خمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي أَن الْعلَّة هَل يتَوَصَّل بهَا إِلَى إِثْبَات الحكم فِي الْفَرْع وَإِن لم ينص عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة أم لَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ذهب الشَّيْخ أَبُو هَاشم رَحمَه الله إِلَى أَنه لَا يجوز إِثْبَات الحكم فِي شَيْء بِالْقِيَاسِ إِلَّا وَقد ورد النَّص باثباته فِيهِ على الْجُمْلَة فَيكون الْقيَاس دَالا على تَفْصِيل الحكم قَالَ فَلَو لم يكن إِرْث الْأَخ ثَابتا فِي الْجُمْلَة لم يجز إِثْبَات إِرْثه مَعَ الْجد بِالْقِيَاسِ وَأَجَازَ غَيره من القائسين إِثْبَات الحكم بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يتَقَدَّم إثْبَاته فِي الْجُمْلَة وَالدَّلِيل على ذَلِك هُوَ أَن الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة على جَوَاز اسْتِعْمَال الْقيَاس لَا تخص التَّفْصِيل من الْجُمْلَة بل تجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهَا وَلِأَن الْأمة قاست مَسْأَلَة الْحَرَام وَلم يتقدمه فِيهَا حكم شَرْعِي على الْجُمْلَة راموا
(2/274)

تَفْصِيله بل كَانُوا لمقايستهم يثبتون أصل الحكم وَقَول الله عز وَجل {لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم} لَيْسَ يدل على إِثْبَات الحكم فِي الْجُمْلَة فِي مَسْأَلَة الْحَرَام لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يدل على الْمَنْع من التَّحْرِيم وَلَا يدل على حكم التَّحْرِيم إِذا وجد وَقد قَاس مثبتو الْقيَاس الارز على الْبر وَلَا يتقدمه تَحْرِيم بِبيعِهِ مُتَفَاضلا على الْجُمْلَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَخْصِيص النُّصُوص بِالْقِيَاسِ ونسخها بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما نسخ النُّصُوص بِالْقِيَاسِ فسنبينه فِي تضاعيف هَذَا الْفَصْل وَأما إِذا كَانَ الْقيَاس رَافعا للنصوص من غير نسخ فقد تقدم ذَلِك فِي الْأَخْبَار وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا الْفَصْل هُنَاكَ وَلم نذكرهُ فِي أَبْوَاب الْقيَاس لأَنا نقدم النَّص على الْقيَاس وَذَلِكَ لَا يقف على كَون الْقيَاس حجَّة فِي الْجُمْلَة وَأما إِذا كَانَت النُّصُوص عَامَّة فانما ذكرنَا القَوْل فِي مُعَارضَة الْقيَاس لَهَا فِي ابواب الْقيَاس لأَنا نخصص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا وَالْقِيَاس حجَّة فِي الْجُمْلَة
وَقد اخْتلف النَّاس فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ رَحمَه الله وَبَعض الْفُقَهَاء لَا يخص بِهِ أصلا وَهُوَ قَول أبي هَاشم أَولا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو الْحسن وَكثير من الْفُقَهَاء أَنه يخص بِهِ الْعُمُوم على كل حَال وَهُوَ قَول أبي هَاشم أخيرا وَمن النَّاس من خص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ فِي حَال دون حَال وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي تِلْكَ الْحَال فَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي من خص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ وَلم يَخُصُّهُ بالخفي وَمن النَّاس من خصّه بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص وَلم يَخُصُّهُ بِهِ إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص
وَالدَّلِيل على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ هُوَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهَا اخْتلفت فِي الْجد فبعضهم جعله أولى من الْأَخ والاخت بِجَمِيعِ المَال وَذهب فِي
(2/275)

ذَلِك إِلَى قِيَاس وَخص بِهِ قَول الله عز وَجل {إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد} وَبَعْضهمْ قَاسم بَين الْجد وَالْأَخ وَاسْتدلَّ بِالْقِيَاسِ على أَنه يقاسم وَلم يَجْعَل للاخ إِرْث جَمِيع مَال اخته وَلم يَجْعَل لاخته مَعَ الْجد النّصْف بل خص الْآيَة وَهَذَا يبطل قَول من لم يخص الْعُمُوم إِلَّا بِقِيَاس معنى لِأَن الْقيَاس فِي مَسْأَلَة الْجد هُوَ قِيَاس غَلَبَة الْأَشْبَاه
فان قَالُوا خصو الْآيَة بِكَوْن الْجد وَارِثا بِمِقْدَار مَا يَرِثهُ وَإِثْبَات إِرْثه فِي الْجُمْلَة مَعْلُوم بِقِيَاس جلي قيل إِنَّهُم لم يذكرُوا فِي ذَلِك قِيَاسا مُفردا بل لم يستعملوا فِي إِثْبَات إِرْثه إِلَّا مَا استعملوه فِي مِقْدَار إِرْثه لأَنهم استعملوا الْقيَاس فِي هَل يَرث الْكل أَو الْبَعْض ثمَّ تبع ذَلِك ثُبُوت إِرْثه وَهَذِه الدّلَالَة تفْسد قَول من شَرط فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ أَن يكون الْعُمُوم قد خص من وَجه آخر لأَنا قد بَينا فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد أَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص هُوَ كالعموم الَّذِي لم يخص وَإِذا لم يكن بَينهمَا فرق كَانَ إِجْمَاع السّلف رَضِي الله عَنْهُم على أَحدهمَا كاجماعهم على الآخر كَمَا إِن إِجْمَاعهم على الْقيَاس فِي مَسْأَلَة الْجد دَلِيل على صِحَة الْقيَاس فِي مَسْأَلَة تجْرِي مجْراهَا
إِن قيل الْيَسْ التَّخْصِيص فِي معنى النّسخ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ إِخْرَاج بعض مَا تضمنه الطاب ثمَّ لم يدل عنْدكُمْ إِجْمَاع الصَّحَابَة على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وبأخبار الْآحَاد على جَوَاز نسخه بهما وَلَا دلّ إِجْمَاعهم على الْمَنْع من نسخ الْعُمُوم بهما على الْمَنْع من تَخْصِيصه بهما فَهَلا قُلْتُمْ إِن إِجْمَاعهم على تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص لَا يدل على جَوَاز تَخْصِيصه إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص وَإِن كَانَ أَحدهمَا فِي معنى الآخر قيل إِن الْحكمَيْنِ إِذا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فان الدّلَالَة على جَوَاز أَحدهمَا هِيَ دلَالَة على جَوَاز الآخر إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع أَلا ترى أَن الصَّحَابَة لَو أَجمعت على قبُول خبر
(2/276)

الْوَاحِد فِي وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء لدل ذَلِك على قبُوله فِي النِّيَّة فِي التَّيَمُّم فاذا ثَبت ذَلِك فاجماعهم على تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على جَوَاز نسخه بِالْقِيَاسِ لَوْلَا مَانع من ذَلِك وَهُوَ الْإِجْمَاع وإجماعهم على الْمَنْع من نسخه بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على الْمَنْع من تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ لَوْلَا مَانع منع من ذَلِك وَهُوَ إِجْمَاعهم على تَخْصِيصه بِهِ
دَلِيل آخر وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ مَقْطُوع بِهِ لِأَن دَلِيله مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ إِجْمَاع الصَّحَابَة كَمَا أَن الْعَمَل بِالْعُمُومِ مَقْطُوع بِهِ فهما متساويان فِي هَذِه الْجِهَة وَمِنْهَا يَقع التَّخْصِيص فَيجب إذذ كَانَ أَحدهمَا أخص من الآخر أَن يخص بِهِ الْأَعَمّ كَمَا يخص الْعُمُوم بِدَلِيل خَاص مَقْطُوع بِهِ يبين ذَلِك أَنا نعدل عَن مُقْتَضى الْعقل فِي تَحْلِيل الأنبذة وَغير ذَلِك إِلَى الْقيَاس مَعَ أَن مُقْتَضى الْعقل مَقْطُوع بِهِ فَيجب مثله فِي الْعُمُوم
فان قيل إِنَّمَا نعدل إِلَى الْقيَاس عَن مجوزات الْعُقُول لَا عَن واجباتها وَإِبَاحَة النَّبِيذ من مجوزات الْعُقُول قيل مَا معنى وصفكم لإباحة النَّبِيذ أَنه من مجوزات الْعُقُول فان قَالُوا معنى ذَلِك أَن الْعقل وَإِن أَبَاحَهُ فانه يجوز أَن يخْتَص بِوَجْه مفْسدَة فِي الْمُسْتَقْبل فَيرد الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ قيل لَهُم وكل مَا يعدل إِلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَن مُقْتَضى الْعُقُول هَذِه سَبيله وَهُوَ مَوضِع استدلالنا عَلَيْكُم فان قَالُوا إِنَّمَا جَوَّزنَا اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مُقْتَضى الْعقل لِأَن الْعقل اقْتضى حكمه بِشَرْط أَن لَا ينقلنا عَنهُ دَلِيل سَمْعِي وَالْقِيَاس دَلِيل سَمْعِي فاذا نقلنا عَن مُقْتَضى الْعقل وَجب الِانْتِقَال عَنهُ قيل والعموم أَيْضا إِنَّمَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق مَا لم يمنعنا دَلِيل سَمْعِي وَالْقِيَاس فِي الْجُمْلَة دَلِيل سَمْعِي عندنَا وعندكم وَاعْلَم أَنا قد بَينا فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد انه لَا يَصح الِاحْتِجَاج باجماع الصَّحَابَة على قبُول أَخْبَار الْآحَاد فِي الْجُمْلَة على قبُولهَا فِي التَّخْصِيص وَأَنه إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يحْتَج بقبولهم لَهَا فِي التَّخْصِيص لِأَن إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مُفَارقَة للاخرى وَمَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ يتَوَجَّه هَا هُنَا فَلَا معنى لإعادته
(2/277)

دَلِيل قد خصت الصَّحَابَة الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا خصت آيَة الْجلد واخرجت مِنْهَا العَبْد لأَنهم لم يجلدوه مائَة وَإِنَّمَا خصوه بِالْقِيَاسِ وَلقَائِل أَن يَقُول مَا يؤمنكم أَن يَكُونُوا خصوه من الْآيَة بِدَلِيل غير الْقيَاس وَاسْتغْنى بِالْإِجْمَاع عَن نَقله
دَلِيل قد خصت الصَّحَابَة قَول الله عز وَجل {وَأحل الله البيع} بِقِيَاس الارز على الْبر وَلقَائِل أَن يَقُول لَا سَبِيل لكم إِلَى بَيَان ذَلِك لِأَن كثيرا من الْفُقَهَاء لَا يسلمُونَ أَن الصَّحَابَة اعتقدت تَحْرِيم التَّفَاضُل فِيمَا عدا السِّتَّة فضلا عَن أَن يَكُونُوا محرمين لَهُ قِيَاسا
دَلِيل قد عدلت الصَّحَابَة عَن ظَاهر الْقُرْآن لقياس فَيجب مثله فِي التَّخْصِيص لِأَن التَّخْصِيص عدُول عَن الظَّاهِر وَلقَائِل أَن يَقُول إِن من يُخَالف فِي تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بِالْقِيَاسِ لَا يسلم أَن الصَّحَابَة أَجمعت على ترك الظَّاهِر بِالْقِيَاسِ
وَاحْتج الْمُخَالف باشياء
مِنْهَا أَن عُمُوم الْكتاب دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْقِيَاس أَمارَة مظنونة وَلَا يجوز الِاعْتِرَاض بالمظنون على الْمَعْلُوم وَالْجَوَاب عَن ذَلِك قد تقدم فِي بَاب تَخْصِيص الْعُمُوم بأخبار الْآحَاد وَرُبمَا تعلق بِهَذِهِ الشُّبْهَة من لَا يُجِيز تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ إِذا لم يدْخلهُ التَّخْصِيص ويجيز تَخْصِيصه إِذا دخله التَّخْصِيص فاذا نوقض بتخصيصه بِالْقِيَاسِ إِذا دخله التَّخْصِيص يَقُول إِن دُخُول التَّخْصِيص يدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قَالَ مَعَ الْعُمُوم احملوه على عُمُومه مَا لم يمنعكم مَانع وَيدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قد أشعرنا بِأَنَّهُ معرض للتخصيص فَيُقَال لَهُ لم زعمت أَن تَخْصِيصه يَقْتَضِي حمله على عُمُومه مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع فان قَالَ لِأَن الْعُمُوم من حَقه أَن يجْرِي على عُمُومه إِلَّا لدَلِيل قيل فَهَذَا حكم الْعُمُوم
(2/278)

سَوَاء علمنَا دُخُول التَّخْصِيص عَلَيْهِ أَو لم نعلم ذَلِك وَلَيْسَ يقف ذَلِك على دُخُول التَّخْصِيص وَيُقَال لَهُ وَدلَالَة الأمارة على تَخْصِيص الْعُمُوم تدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قَالَ فِي الْعُمُوم إحملوه على عُمُومه إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَيُقَال لَهُم لم زعمتم أَن دُخُول التَّخْصِيص فِي الْعُمُوم إِشْعَار بتخصيص زَائِد وَرُبمَا قَالُوا لَو خص الْعُمُوم الَّذِي لم يدْخلهُ التَّخْصِيص لاقترن بِهِ مَا يَخُصُّهُ لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر قيل كَذَلِك يَقُول من لم يجوز تاخير الْبَيَان لِأَنَّهُ يذهب إِلَى أَن مَا دلّ على عِلّة الْقيَاس لم يكن مُتَأَخِّرًا عَن الْعُمُوم ثمَّ يُقَال لَهُ يلزمك مَا ألزمتنا فِي الْعُمُوم إِذا دخله التَّخْصِيص وَقَالُوا أَيْضا إِن مَا دخله التَّخْصِيص يدل على أَن صَاحب الشَّرِيعَة قد قَالَ فِيهِ إِنَّه لَيْسَ المُرَاد بِهِ جَمِيعه فَيكون مُجملا فَجَاز إِعْمَال الْقيَاس فِيهِ وَالْجَوَاب أَن الْعُمُوم إِذا خص تَخْصِيصًا معينا فانه يبْقى الْبَاقِي وَمَعْلُوم دُخُوله تَحت الْعُمُوم وَلَا يكون مُجملا وَإِنَّمَا يكون مُجملا إِذا خص تَخْصِيصًا غير معِين
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس إِنَّمَا يَصح بِالضَّرُورَةِ الداعية إِلَيْهِ وَمَعَ وجود الْعُمُوم فَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ الْجَواب يُقَال لَهُم اتريدون أَن الضَّرُورَة الداعية إِلَى الْقيَاس زائلة إِذا دخل الحكم تَحت لفظ الْعُمُوم أَو اذا كَانَ الحكم مرَادا بِالْعُمُومِ فان قَالُوا بِالْأولِ كَانَ مَوضِع الْخلاف وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي لم يُمكنهُم أَن يبينوا أَن الحكم مُرَاد بِالْعُمُومِ إِلَّا إِذا اثبتوا أَن الْقيَاس لَيْسَ بِحجَّة مَعَ الْعُمُوم فَيصير دليلهم مَبْنِيا على نفس الْمَسْأَلَة فان قَالُوا تنَاول لفظ الْعُمُوم للمسألة يدل على أَنَّهَا مُرَادة بِهِ وَذَلِكَ نعني عَن الْقيَاس قيل إِنَّمَا تعلمُونَ أَن تنَاول لفظ الْعُمُوم لَهَا يدل على انها مُرَادة بِهِ إِذا علمْتُم أَنه لَيْسَ من شَرط دلَالَة الْعُمُوم على ذَلِك أَن لَا يُعَارضهُ قِيَاس وَإِنَّمَا تعلمُونَ ذَلِك إِذا علمْتُم أَن الْقيَاس الْمُخَصّص للْعُمُوم لَيْسَ بِدلَالَة وَهَذَا مَوضِع الْخلاف
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس فرع على النَّص فَلَو خص الْقيَاس الْعُمُوم لَكَانَ قد اعْترض بالفرع على الأَصْل الْجَواب إِن قِيَاس الارز على الْبر إِنَّمَا يخص
(2/279)

قَول الله عز وَجل {وَأحل الله البيع} وَلَيْسَ هَذِه الْآيَة أصلا لهَذَا الْقيَاس لِأَن أصل الْقيَاس هُوَ إِمَّا مَا يَقع الرَّد إِلَيْهِ كالبر أَو تَحْرِيمه أَو مَا يدل على تَحْرِيمه أَو مَا يدل على صِحَة الْقيَاس كاجماع الصَّحَابَة وَغَيره فاما قَول الله عز وَجل {وَأحل الله البيع} فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي رددنا إِلَيْهِ الارز وَلَا هُوَ الدَّال على صِحَة الْقيَاس فَلم يعْتَرض بالفرع على أَصله
وَمِنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِمعَاذ بِمَاذَا تحكم قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ بِسنة نبيه قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي فَجعل اجْتِهَاده مَشْرُوطًا بَان لَا يجد الحكم فِي الْكتاب وَالسّنة وَمَا يتَنَاوَلهُ عُمُوم الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ مَوْجُود إِمَّا فِي الْكتاب وَإِمَّا فِي السّنة وَقد صَوبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَواب أَن المُرَاد بذلك إِن لم يجد فِي نَص الْكتاب وَالسّنة الَّذِي يعلم بدليلنا يدل على ذَلِك أَنه قَالَ أحكم بِكِتَاب الله عز وَجل قَالَ فان لم تَجِد قَالَ أحكم بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَن ذَلِك لَا يمْنَع من تَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ الْمَعْلُومَة وَلَيْسَ يجوز الْجَواب عَن هَذَا الْخَبَر بَان يُقَال إِن حكم الْقيَاس غير مَوْجُود وَإِن تنَاوله الْعُمُوم وَأَن ذَلِك قد دخل تَحت قَوْله أجتهد رَأْيِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم معَاذ أَن ذَلِك الحكم غير مَوْجُود فِي الْكتاب وان تنَاوله عُمُومه بعد أَن يجْتَهد فَيعلم أَن الْقيَاس قد دلّ على أَن ذَلِك الحكم لم يرد بِالْعُمُومِ وَعند ذَلِك يسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد وَمَعْلُوم أَنه قد جعل اجْتِهَاد رَأْيه مَشْرُوطًا بِنَفْي وجدانه الحكم وَهَذَا التَّأْوِيل يَقْتَضِي أَن نفي وجدانه الحكم فِي الْكتاب مَشْرُوط بتقدم اجْتِهَاد رَأْيه
وَمِنْهَا أَن النّسخ كاتخصيص فِي ان كل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على أَن الْمُخَاطب بِالْخِطَابِ لم يرد بِهِ بعض مَا تنَاوله فاذا لم يجز النّسخ بِالْقِيَاسِ فَكَذَلِك التَّخْصِيص وَالْجَوَاب أَن شَيخنَا أَبَا عبد الله يَقُول إِن الْأمة أَجمعت على أَن الْقُرْآن لَا ينْسَخ بِقِيَاس كَمَا أَجمعت الصَّحَابَة على أَنه يخص بِهِ وَلَوْلَا ذَلِك لجوزت نسخ الْقُرْآن بِهِ فالشبهة زائلة عَنهُ فان قيل كَيفَ يجوز أَن نجمع على
(2/280)

الْمَنْع مَا اجمعت الصَّحَابَة على جَوَازه قيل إِن الصَّحَابَة لم تنص على جَوَاز نسخ الْقُرْآن بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا أَجمعت على تَخْصِيصه بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يرد التَّعَبُّد بِأَحَدِهِمَا دون الآخر لوجه الْمصلحَة يفترقان فِيهِ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله عز وَجل أَلا ترى أَنه كَانَ يجوز وُرُود النَّص بِالْفرقِ بَين التَّخْصِيص والنسخ بِالْقِيَاسِ وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم رَحمَه الله بِأَنَّهُ إِنَّمَا لم يجز النّسخ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن ينزل الله عز وَجل نصا وَيجْعَل الْعَمَل بِهِ مَوْقُوفا على اجتهادنا وَإِنَّمَا الْجَائِز صرفه من وَجه إِلَى وَجه بِالِاجْتِهَادِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَون الْعَمَل بِالنَّصِّ مَوْقُوفا على اجتهادنا مَعْنَاهُ أَنا نجوز أَن لَا يعْمل بِهِ أصلا إِذا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا سَبِيل النّسخ من الْمَنْسُوخ قد عمل بِهِ فِي حَال مُتَقَدّمَة فان كَانَ إِخْرَاج بعض الْأَشْخَاص من كَونهم مرادين بِالْخِطَابِ هُوَ صرف للخطاب من جِهَة إِلَى جِهَة وَلَيْسَ هُوَ إيقاف الْخطاب على اجتهادنا فَكَذَلِك إِخْرَاج حكم الْخطاب فِي بعض الْأَزْمَان دون بعض هُوَ صرف الْخطاب من جِهَة إِلَى جِهَة وَأجَاب أَصْحَاب الشَّافِعِي عَن الشُّبْهَة بِأَن النّسخ إِنَّمَا لم يَصح بِالْقِيَاسِ لِأَن كَونه نَاسِخا للنَّص بِخِلَافِهِ وَالْقِيَاس لَا يَصح إِذا دَفعه النَّص فوقوع النّسخ بِهِ وُقُوع بِدَلِيل فَاسد وَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْقيَاس إِذا نسخ الْكتاب لم يكن الْكتاب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يبطل حكمه وَإِنَّمَا يقصر حكمه على بعض الْأَزْمَان كَمَا أَن الْقيَاس إِذا خصّه لم يكن النَّص بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لم يرفعهُ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا قصره على بعض الْأَشْخَاص
وَمِنْهَا قَوْلهم من شَرط الْقيَاس أَن لَا يردهُ النَّص لِأَن الامة أَجمعت على هَذَا الشَّرْط وَإِذا كَانَ الْعُمُوم بِخِلَاف الْقيَاس فقد رده النَّص الْجَواب يُقَال لَهُم إِن أردتم برد النَّص أَن يكون الْقيَاس دافعا لَهُ أصلا فَكَذَلِك نقُول وَلَيْسَ ذَلِك مَوْجُودا فِي مَسْأَلَتنَا وَإِن أردتم أَن يكون الْقيَاس يُنَافِي بعض مَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم فَلَيْسَ فَسَاد مَا هَذِه سَبيله يجمع بل هُوَ مَوضِع الْخلاف
(2/281)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي قلب الْعلَّة وَالْقَوْل بموجبها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
أما قلب الْعلَّة فَهُوَ أَن يعلق الْخصم عَلَيْهَا ضد مَا علقه الْمُعَلل من الحكم فَلَا يكون تَعْلِيق أحد الْحكمَيْنِ أولى من الآخر فَيبْطل تعلقهَا بهما وَذَلِكَ على أضْرب أَحدهمَا أَن يكون الحكمان مفصلين وَالْآخر أَن يَكُونَا مجملين وَالْآخر أَن يكون أَحدهمَا مُجملا وَالْآخر مفصلا أما المفصلان فضربان
أَحدهمَا أَن يتناقضا بأنفسهما حَتَّى يَقُول الْمُعَلل فَوَجَبَ أَن يجوز وَيَقُول الاخر فَوَجَبَ أَن لَا يجوز وَالْآخر لَا يتناقضان بأنفسهما بل بِوَاسِطَة مِثَاله أَن يُعلل الْمُعَلل اسْتِحْقَاق من قتل بِغَيْر السَّيْف للْقصَاص بِأَنَّهُ قتل لَا على وَجه الْقصاص فَأشبه مَا إِذا قتل الْقَاتِل بِالسَّيْفِ فَيَقُول الْخصم فَوَجَبَ أَن لَا يقْتَصّ مِنْهُ بِغَيْر السَّيْف كَمَا إِذا قتل الْقَاتِل بِالسَّيْفِ أما الْقسم الأول فَلَا وجود لَهُ لِأَن الْحكمَيْنِ إِذا تناقضا كذب احدهما واستحال اجْتِمَاعهمَا فِي الأَصْل وَمن حق من قلب الْقيَاس أَن يصدق هُوَ والمعلل فِيمَا يحكمان بِهِ فِي الأَصْل واما الثَّانِي فَلهُ وجود وَهُوَ دَلِيل على فَسَاد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بَان تدل الْعلَّة على أحد الْحكمَيْنِ وَلَا تدل على الآخر لِأَن الْإِجْمَاع وَاقع على أحد الْحكمَيْنِ إِذا ثَبت انْتَفَى الآخر بِأولى من الْعَكْس واما إِذا كَانَا مجملين فنحو أَن يَقُول أَحدهمَا فَوَجَبَ أَن يكون من شَرط هَذِه الْعِبَادَة معنى مَا وَيَقُول الآخر فَوَجَبَ أَن لَا يكون من شَرطهَا معنى من الْمعَانِي وَهَذَا كالقسم الأول فِي التَّنَاقُض لِأَن الْحكمَيْنِ وَإِن كَانَا مجملين فهما مفصلان فِي إِثْبَات الشَّرْط ونفيه وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا مُجملا وَالْآخر مفصلا فضربان
أَحدهمَا أَن يكون الْمُجْمل هُوَ حكم التَّسْوِيَة نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل فَوَجَبَ أَن يَسْتَوِي كَذَا مَعَ كَذَا وَتَكون الامة مجمعة على أَن أَحدهمَا على الْحَظْر فَيجب مثله فِي الآخر وَالْآخر لَيْسَ هُوَ قِيَاس التَّسْوِيَة ومثاله تَعْلِيل الِاعْتِكَاف
(2/282)

بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه اقتران معنى من الْمعَانِي كالوقوف بِعَرَفَة وَيَقُول الْخصم فَلم يكن من شَرطه الصَّوْم كالوقوف وَهَذَا هُوَ الَّذِي قلبه يفْسد الْعلَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يدل الْعلَّة على أَحدهمَا فَيَنْتَفِي الآخر لمَكَان الْإِجْمَاع بِأولى من الْعَكْس وَهَذَا أولى مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب أفردناه فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ فان اعْترض قلب الْعلَّة نقض أَو غَيره من وُجُوه الْفساد بَطل الْقلب وَصَحَّ قِيَاس الْمُعَلل لِأَنَّهُ قد صَار حكمه أولى بِأَن يعلق على الْعلَّة
فَأَما القَوْل بِمُوجب الْعلَّة فَهُوَ أَن يُمكن الْخصم أَن يَقُول بالحكم الَّذِي علقه القائس فَيعلم أَن الْعلَّة مَا دلّت على مَوضِع الْخلاف مِثَاله تَعْلِيل الِاعْتِكَاف بِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص فَكَانَ من شَرطه معنى مَا كالوقوف بِعَرَفَة فَيَقُول الْخصم أَنا أَقُول من شَرط الِاعْتِكَاف اقتران معنى مَا وَهُوَ النِّيَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْعلَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن الْعلَّة قد يُوجد مَعْنَاهَا فِي فرع من دون حكمهَا وَقد يُوجد لَفظهَا وَمَعْنَاهَا فِي فرع من دون حكمهَا
فَالْأول هُوَ الْكسر وَذَلِكَ بِأَن ترفع وَصفا من أَوْصَاف الْعلَّة ظنا مِنْك أَنه لَا تَأْثِير لَهُ وَأَن الَّذِي يجوز أَن يُؤثر فِي الحكم هُوَ مَا عداهُ ثمَّ ينْقض مَا عداهُ مِثَاله أَن يُعلل مُعَلل وجوب صَلَاة الْخَوْف بِأَنَّهَا صَلَاة يجب قَضَاؤُهَا كَصَلَاة الْأَمْن فيظن الْمُعْتَرض انه لَا تَأْثِير لكَون الْعِبَادَة صَلَاة فِي هَذَا الحكم وَأَن الَّذِي يظنّ أَنه مُؤثر فِي الْوُجُوب هُوَ وجوب الْقَضَاء ثمَّ ينْقض ذَلِك بِصَوْم الْحَائِض فِي شهر رَمَضَان يجب قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ بِوَاجِب وَيَنْبَغِي للمعلل إِذا أَرَادَ أَن يُجيب عَن ذَلِك أَن يبين أَن لكَون الْعِبَادَة صَلَاة تَأْثِيرا فِي الحكم الْمُعَلل وَأَن الصَّلَاة تخَالف الصّيام فِي هَذَا الْبَاب
(2/283)

وَأما الْقسم الثَّانِي فَهُوَ النَّقْض وَقد اخْتلف النَّاس هَل يجوز تَخْصِيص الْعلَّة المستنبطة وَلَا يمْنَع ذَلِك من كَونهَا أَمارَة على الحكم وَلَا يجوز تخصيصها وَيكون تخصيصها مَانِعا من كَونهَا أَمارَة فَأكْثر أَصْحَاب أبي حنيفَة يجيزون تخصيصها وَهُوَ محكي عَن مَالك وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يمْنَعُونَ وَرُبمَا مر فِي كَلَام الشَّافِعِي جَوَازه وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن الشَّافِعِي يُجِيز ذَلِك وَإِنَّمَا يعدل عَن حكم عِلّة إِلَى حكم عِلّة أُخْرَى والمعلوم من مذْهبه أَنه يشْتَرط نفي الْعلَّة الثَّابِتَة فِي الْعلَّة الاولى حَتَّى لَا ينْتَقض غير أَنه لَا يُصَرح بِاشْتِرَاط ذَلِك لِأَنَّهُ مَعْلُوم من مذْهبه الِاشْتِرَاط
أما الْعلَّة الشَّرْعِيَّة المنصوصة فقد اتّفق على جَوَاز تخصيصها من أجَاز تَخْصِيص الشَّرْعِيَّة المستنبطة وَاخْتلف مانعو تَخْصِيص المستنبطة فِي جَوَاز تَخْصِيص المنصوصة الشَّرْعِيَّة فَأَجَازَهُ بَعضهم وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَمنع مِنْهُ آخَرُونَ وَأقوى مَا يحْتَج بِهِ المانعون من تخيص الْعلَّة المستنبطة هُوَ أَن يُقَال معنى قَوْلنَا إِنَّه لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة هُوَ أَن تخصيصها يمْنَع من كَونهَا أَمارَة وطريقا إِلَى الْوُقُوف على الحكم فِي شَيْء من الْفُرُوع سَوَاء ظن بهَا أَنه وَجه الْمصلحَة أَو لم يظنّ بهَا ذَلِك فاذا بَينا ان تخصيصها يمْنَع من كَونهَا طَرِيقا إِلَى الحكم فقد تمّ مَا اردناه وَبَيَان ذَلِك أَنا إِذا علمنَا أَن عِلّة تَحْرِيم بيع الذَّهَب بِالذَّهَب مُتَفَاضلا هِيَ كَونه مَوْزُونا ثمَّ علمنَا إِبَاحَة بيع الرصاص مُتَفَاضلا مَعَ أَنه مَوْزُون لم يخل إِمَّا أَن نعلم ذَلِك بعلة أُخْرَى تَقْتَضِي إِبَاحَته هِيَ أقوى من عِلّة تَحْرِيم الذَّهَب وَإِمَّا أَن نعلم ذَلِك بِنَصّ فَإِن دلّ على إِبَاحَته عِلّة يُقَاس بهَا الرصاص على أصل مُبَاح نَحْو كَونه أَبيض أَو غير ذَلِك من أَوْصَافه فانا حِينَئِذٍ إِنَّمَا نعلم تَحْرِيم بيع الْحَدِيد مُتَفَاضلا لِأَنَّهُ مَوْزُون غير أَبيض لأَنا لَو شككنا فِي كَونه أَبيض لم نعلم قبح بَيْعه مُتَفَاضلا كَمَا لَا نعلم ذَلِك لَو شككنا فِي كَونه مَوْزُونا فَبَان أَنا لَا نعلم بعد التَّخْصِيص تَحْرِيم شَيْء بِكَوْنِهِ مَوْزُونا فَقَط وَبَطل أَن يكون هَذَا فَقَط عِلّة وَثَبت أَن الْعلَّة كَونه مَوْزُونا مَعَ أَنه غير أَبيض
(2/284)

فان قَالَ أَنا أشترطه غير أَنِّي لَا أُسَمِّيهِ جُزْءا من الْعلَّة وَإِن كَانَ التَّحْرِيم لَا يحصل من دونه قيل قد ناقضت فِي هَذَا الْكَلَام لِأَنَّك قد اشترطته فِي التَّحْرِيم وَلم تفصل بَينه وَبَين غَيره من الْأَوْصَاف ثمَّ نقضت ذَلِك بِقَوْلِك لَا أُسَمِّيهِ جُزْءا من الْعلَّة مَعَ أَنَّك قد وَافَقت فِي الْمَعْنى وخالفت فِي الِاسْم وَإِن دلّ على إِبَاحَة بيع الرصاص نَص وَكُنَّا قد علمنَا إِبَاحَته فَالْقَوْل فِي ذَلِك قد تقدم من أَن نشترط نفي عِلّة الْإِبَاحَة فِي عِلّة الْحَظْر وَإِن لم نعلم عِلّة إِبَاحَته فمعلوم أَن عِلّة ذَلِك مَقْصُورَة على الرصاص لَا يتخطأه لِأَنَّهَا لَو تخطئه لوَجَبَ فِي الْحِكْمَة أَن ينصب الله عَلَيْهَا دلَالَة ليعلم ثُبُوت حكمهَا فِيمَا عدا الرصاص وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم نعلم قبح بيع الْحَدِيد مُتَفَاضلا وَلَا غَيره إِلَّا إِذا علمناه مَوْزُونا لَيْسَ بِرَصَاصٍ لِأَنَّهُ لَو شككنا فِي كَونه رصاصا لم نعلم قبح بَيْعه مُتَفَاضلا وَكَذَا القَوْل فِي الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومِ لأَنا إِنَّمَا نعلم حسن قتل زيد الْمُشرك بقول الله عز وَجل {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} وَإِن ذَلِك تنَاوله اللَّفْظ مَعَ أَنه لَا دَلِيل يخصصه وَهَذَا لَا يُمكن تَخْصِيصه وَالَّذِي يبين مَا قُلْنَاهُ من اشْتِرَاط نفي الْمُخَصّص أَن الْإِنْسَان لَو اسْتدلَّ على طَرِيقه فِي بَريَّة بأميال مَنْصُوبَة ثمَّ رأى ميلًا لَا يدل على طَرِيقه وَعلم أَنه لَا يدل على طَرِيقه لِأَنَّهُ أسود فانه لَا يسْتَدلّ فِيمَا بعد على طَرِيقه بِوُجُود ميل دون أَن يعلم أَنه غير أسود لِأَنَّهُ لَو شكّ فِي سوَاده لم يسْتَدلّ بِهِ على طَرِيقه فقد صَحَّ مَا اردناه وَالْعلَّة المنصوصة فِي ذَلِك كالمستنبطة
وَقد احْتج فِي الْمَسْأَلَة بأَشْيَاء أخر
مِنْهَا أَنه لَا طَرِيق إِلَى صِحَة الْعلَّة الشَّرْعِيَّة المستنبطة إِلَّا جريانها فِي معلولاتها فاذا لم تجر فِيهَا لم يكن إِلَى صِحَّتهَا طَرِيق وَلَو كَانَت صَحِيحَة لوَجَبَ فِي الْحِكْمَة نصب طَرِيق إِلَيْهَا وَهَذَا بَاطِل لما بَيناهُ من أَن جَرَيَان الْعلَّة فِي معلولها لَيْسَ بطرِيق إِلَى صِحَّتهَا فضلا أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ إِلَيْهَا طَرِيق سواهُ
(2/285)

فَلم يجب بطلَان الْعلَّة إِذا لم تجر فِي معلولها
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة قد دلّ الدَّلِيل على تعلق الحكم بهَا فَلم يجز تخصيصها كالعلة الْعَقْلِيَّة وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم زعمتم أَن الْعَقْلِيَّة إِنَّمَا لم يجز تخصيصها لِأَن الدّلَالَة دلّت على تعلق الحكم بهَا وَمَا أنكرتم أَن الَّذِي لَهُ لم يجز تخصيصها هُوَ كَونهَا مُوجبَة وَالْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة فالأمارات قد يتبعهَا حكمهَا وَقد لَا يتبعهَا فان قَالُوا ألستم تجوزون كَون بعض الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَجه الْمصلحَة ووجوه الْمصَالح مُوجبَات ايضا فَلم يجز إِذا تخصيصها قيل إِن ثَبت ذَلِك فِي بعض الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فَأَنا نظن كَونهَا وَجه مصلحَة فَهِيَ من هَذِه الْجِهَة أَمارَة أَيْضا والأمارات المظنونة لَا يجب أَن لَا تخطيء أبدا فان قَالُوا الْعلَّة الْمَانِعَة من تَخْصِيص الْعَقْلِيَّة هُوَ وجوب تبع حكمهَا لَهَا اينما حصلت مَا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع فَلذَلِك لم يجز ان يمْنَع مَانع من حكمهَا وَكَانَ وجوب تبع الحكم لَهَا من غير مَانع هُوَ الَّذِي لأَجله لم يجز أَن يمْنَع مَانع من حكمهَا قيل لم زعمتم أَن الْعلَّة مَا ذكرْتُمْ وَلم إِذا وَجب تبع الحكم لَهَا مَا لم يمْنَع مَانع لم يجز أَن يمْنَع مَانع من تَعْلِيق الحكم بهَا فِي بعض الْمَوَاضِع ثمَّ يبطل ذَلِك عَلَيْهِم بِالْعِلَّةِ المنصوصة على قَول من أجَاز تخصيصها وَيبْطل بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ يجب شُمُوله مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَلَا يَسْتَحِيل أَن يمْنَع مَانع من شُمُوله
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل فَكَمَا لم يجز تَخْصِيص هَذِه الْعلَّة لم يجز تَخْصِيص تِلْكَ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن عنيتم أَنَّهَا مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل من حَيْثُ دلّ الدَّلِيل على تعلق الحكم بهَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمُتَقَدّم وَإِن عنيتم أَنَّهَا مَعَ الشَّرْع كالعقلية مَعَ الْعقل فِي الْمَنْع من تخصيصها فقد جمعتم بَينهمَا بِغَيْر عِلّة
وَمِنْهَا أَن الأمارة الدَّالَّة على الْعلَّة هِيَ طريقها وَالطَّرِيق إِلَى الاعتقادات والظنون لَا يخْتَلف فِي الشَّخْص الْوَاحِد بل إِذا كَانَ طَرِيقا إِلَى الظَّن شَيْء أَو اعْتِقَاده وَوجد فِي شَيْء آخر كَانَ طَرِيقا إِلَى اعْتِقَاده أَو ظَنّه فَيجب أَن يكون
(2/286)

الأمارة طَرِيقا إِلَى ظن الْوَصْف عِلّة فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ وَلقَائِل أَن يَقُول الأمارة لَيست دَالَّة على أَن الْعلَّة فِي الْفُرُوع فَيلْزم الْإِنْسَان أَن يعْتَقد كَونهَا عِلّة فِي كل تِلْكَ الْفُرُوع وَإِنَّمَا هِيَ دَالَّة على أَنَّهَا عِلّة الأَصْل وَإِنَّمَا يعلم أَنه لَا يجوز تخصيصها بِنَظَر آخر وَهُوَ مَوضِع الْخلاف وَمِنْهَا أَن الْعلَّة طَرِيق إِلَى إِثْبَات الحكم فِي الْفَرْع لأَنا إِذا علمنَا أَن الْوَصْف عِلّة الأَصْل وَدلّ الدَّلِيل على التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فان الْوَصْف يكون طَرِيقا إِلَى إِثْبَات الحكم فِي الْفَرْع فاذا اخْتصَّ هَذَا الطَّرِيق بفرعين لم يجز كَونه طَرِيقا إِلَى الْعلم بِحكم أَحدهمَا وَلَا يكون طَرِيقا إِلَى الْعلم بِحكم الآخر لِأَن طَرِيق الْعلم بالشَّيْء أَو الظَّن لَهُ لَا يجوز حُصُوله فِي اشياء فَيكون طَرِيقا إِلَى الْعلم أَو الظَّن بِأَحَدِهِمَا وَلَا يكون طَرِيقا إِلَى ذَلِك فِي الآخر سِيمَا وَمَا ذَكرْنَاهُ طَرِيق إِلَى الْعلم بِحكم الْفَرْع وَلَيْسَ بطرِيق إِلَى الظَّن وَإِنَّمَا الطَّرِيق إِلَى الظَّن مَا ذَكرْنَاهُ من الأمارة لِأَنَّهُ طَرِيق إِلَى كَون الْوَصْف عِلّة للْحكم وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الحكم فِي الطّرق لَا يخْتَلف لِأَن هَذِه سَبِيل الْأَدِلَّة والإدراك فِي كَونهمَا طَرِيقين إِلَى الْعلم فان قيل إِنَّمَا وَجب ذَلِك فِيمَا ذكرْتُمْ لِأَنَّهُ طرف مُوجب قيل الْإِدْرَاك لَيْسَ بِمُوجب للْعلم فقد استمرت هَذِه الْقَضِيَّة فِيهِ فان قيل الْعلَّة فِي اسْتِمْرَار الْأَدِلَّة والإدراك فِيمَا ذكرْتُمْ أَنه لَيْسَ للأمارات فِيهَا مدْخل وَلَيْسَ كَذَلِك الحكم بِالْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّة قيل إِن مَا ذَكرْنَاهُ لَا يخْتَلف بِحَسب الأمارات لِأَن من ظن أَن زيدا فِي الدَّار بِخَبَر رجل بعيد من الْكَذِب فانه لَا يجوز أَن يُخبرهُ عَن كَون عَمْرو فِي الدَّار فَلَا يَظُنّهُ صَادِقا فاذا وَجب ذَلِك فِي الأمارات المفردة فَالَّذِي يقْتَرن بهَا أَدِلَّة قَاطِعَة أولى بذلك وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ الْعلَّة فِي الْعلَّة والإدراك أَنَّهُمَا طَرِيقَانِ بل لِأَن الْأَدِلَّة إِمَّا أَن كَون مُوجبَة كدلالة كَون الْحَيّ حَيا على كَونه مدْركا وَإِمَّا أَن تكون لَوْلَا الْمَدْلُول مَا كَانَت الدّلَالَة على كل حَال كدلالة صِحَة الْفِعْل على كَون فَاعله قَادِرًا وَلَيْسَ كَذَلِك الأمارة لِأَنَّهَا غير مُوجبَة وَلَيْسَت لَوْلَا الْمَدْلُول مَا كَانَت الأمارة على كل حَال وَأما كَون الْمدْرك مدْركا فَعِنْدَ اصحابنا يجب عِنْده الْعلم بالمدرك فَهُوَ كالموجب وَالصَّحِيح أَن كَون الْمدْرك مدْركا يُوجب
(2/287)

كَونه عَالما بالمدرك وَله أَن يَقُول إِذا جَازَ أَن تخْتَلف الْأَدِلَّة والأمارات فِي الشخصين فَهَلا جَازَ اخْتِلَافهمَا فِي الشَّخْص الْوَاحِد فانكم لَا تجيزون أَن يسْتَدلّ الِاثْنَان بِالدّلَالَةِ اسْتِدْلَالا صَحِيحا فَيعلم أَحدهمَا مدلولها دون الاخر وَلَا أَن يسْتَدلّ الْوَاحِد بِالدّلَالَةِ على مَدْلُول فِي موضِعين فَيعلم ثُبُوته فِي أَحدهمَا دون الآخر وتجيزون أَن ينظر الِاثْنَان فِي الأمارة نظرا وَاحِدًا فيظن أَحدهمَا حكمهَا دون الآخر فَيعلم حكمهَا فِي أحد الشَّيْئَيْنِ دون الآخر وَيُفَارق الْأَدِلَّة فِي ذَلِك كَمَا فَارقهَا فِي الناظرين وَيَقُول ايضا على استدلالهم بالْخبر إِن من أخبرهُ زيد بِأَن عمرا فِي الدَّار فانه لَو قيل لَهُ لم ظَنَنْت أَن عمرا فِي الدَّار لقَالَ إِن زيدا أخبر بذلك وَهُوَ بعيد من الْكَذِب وَمَعَ ذَلِك قد يُخبرهُ بِأَن خَالِدا فِي الدَّار فَلَا يظنّ ذَلِك إِذا أخبرهُ من هُوَ أبعد من الْكَذِب مِنْهُ أَنه فِي ذَلِك الْوَقْت فِي السُّوق أَو ظن كَونه فِي السُّوق بأمارة أُخْرَى وَلَا يخرج إِخْبَار زيد على كَونه أَمارَة على أَن عمرا فِي الدَّار لِأَن الأمارة لَا تخرج عَن كَونهَا أَمارَة إِذا أَخْطَأت فِي مَوضِع آخر فَكَذَلِك لَا تخرج الْعلَّة من كَونهَا أَمارَة وَإِن تخلف عَنْهَا حكمهَا
وَمِنْهَا لَو جَازَ وجود الْعلَّة فِي فرع وَلَا يتبعهَا فِيهَا حكمهَا لم يكن بعض الْفُرُوع بذلك أولى من بعض فَكَانَ يجب أَن نحتاج فِي تعلق الحكم عَلَيْهَا فِي كل فرع إِلَى دلَالَة لِأَن كَونهَا عِلّة لَيْسَ يَقْتَضِي تَعْلِيق الحكم بهَا فِي كل مَوضِع إِن قيل أَلَيْسَ يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم وَلم يُخرجهُ ذَلِك من كَونه دلَالَة قيل إِن التَّخْصِيص لَيْسَ يدْخل الْعُمُوم من الْوَجْه الَّذِي كَانَ مِنْهُ دلَالَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يدل لأجل صيغته بِشَرْط انْتِفَاء الْقَرَائِن وصدره عَن حَكِيم وَلَيْسَ يجوز اجْتِمَاع ذَلِك كُله وَلَا يدل فَلم توجودنا دلَالَة حصلت فِي مَوضِع وَلم تدل وَلم ينْقض ذَلِك كَونهَا دلَالَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْعلَّة عنْدكُمْ لأنكم جعلتموها أَمارَة وخصصتموها مَعَ ذَلِك وَلقَائِل أَن يَقُول قَوْلكُم لَيْسَ بعض الْفُرُوع بِأَن لَا يُوجد فِيهِ حكمهَا اولى من بعض بَاطِل لِأَن بَعْضهَا أولى من بعض لِأَن
(2/288)

الْفَرْع الْمُخْتَص بِمَا يمْنَع من حكم الْعلَّة أولى بِأَن لَا يُوجد فِيهِ حكم الْعلَّة من فرع لم يُوجد فِيهِ مَا يمْنَع من حكم الْعلَّة وَذَلِكَ أَن الْعلَّة أَمارَة والأمارة يتبعهَا حكمهَا على الْأَكْثَر وَلذَلِك كَانَت طَرِيقا إِلَى الظَّن وَالْأَصْل فِيهَا أَن يتبعهَا حكمهَا إِلَّا لمَانع فان وجدت فِي مَوضِع وَكَانَ حكمهَا لَا يتبعهَا وَالْحكمَة تَقْتَضِي أَن يدل الله عز وَجل على ذَلِك فاذا لم يدلنا عَلَيْهِ فَلَا مَانع من تَعْلِيق الحكم بهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم وجود الْعلَّة مَعَ عدم حكمهَا يدل على أَن الْمُعَلل مَا استوفى شُرُوط الْعلَّة وَالْعلَّة إِذا لم تستوف شُرُوطهَا كَانَت بَاطِلَة الْجَواب يُقَال لَهُم وَلم زعمتم أَن تخلف حكمهَا عَنْهَا يدل على أَن الْمُعَلل مَا استوفى شُرُوط الْعلَّة وَلَا بُد من أَن يَقُولُوا لَو استوفى شُرُوطهَا لم يتَخَلَّف عَنْهَا حكمهَا فَيُقَال لَهُم هَذَا مَوضِع الْخلاف وَيبْطل ذَلِك بِالْعِلَّةِ المنصوصة إِذا لم يُقرر بهَا التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وَيبْطل على بَعضهم بتخصيص الْعلَّة المنصوصة مَعَ وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن وجود الْعلَّة مَعَ عدم حكمهَا مناقضة وَهُوَ من آكِد مَا يفْسد بِهِ الْعلَّة وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم مَا معنى قَوْلكُم مناقضة فان قَالُوا المناقضة هِيَ الْإِقْرَار بِوُجُود الْعلَّة من دون حكمهَا من غير دَلِيل منع من حكمهَا قيل هَذَا لَا يدل على فَسَاد الْعلَّة وَإِنَّمَا يدل على أَن الْمُعَلل قد أَخطَأ حِين لم يتبعهَا حكمهَا فان قَالُوا المناقضة هِيَ الْإِقْرَار بِوُجُود الْعلَّة من دون حكمهَا وَإِن دلّ الدَّلِيل على انْتِفَاء حكمهَا قيل لَهُم مخالفكم لَا يسلم أَن ذَلِك مناقضة وَيَقُول إِن سميتم أَن ذَلِك مناقضة فَلم زعمتم أَنه يفْسد الْعلَّة فان قَالُوا إِنَّمَا قُلْنَا إِن ذَلِك مناقضة تفْسد الْعلَّة لِأَن الْعُقَلَاء يعدونه مناقضة مفْسدَة حَتَّى الْعَوام مِنْهُم لِأَن قَائِلا لَو قَالَ سامحت فلَانا لِأَنَّهُ بَصرِي ثمَّ لم يسامح غَيره من الْبَصرِيين لقَالَ لَهُ الْعَوام والخواص زعمت أَنَّك سامحت فلَانا لِأَنَّهُ بَصرِي فَهَذَا بَصرِي قيل إِن هَذَا الْإِنْسَان لَو اعتذر بِأَنَّهُ لم يسامح فلَانا وَإِن
(2/289)

كَانَ بصريا لِأَنَّهُ عدوه لم يُمكن أَن يدعى على جَمِيع النَّاس أَنهم يذمونه ويلزمونه اشْتِرَاط نفي الْعَدَاوَة فِي علته الأولى وَإِن ادعوا ذَلِك على جَمِيع الْعُقَلَاء فمخالفوهم من الْعُقَلَاء وَلَا يلزمون الْمُعَلل ذَلِك فان قَالُوا لَو لم تفْسد الْعلَّة بتخصيصها لم تفْسد بمعارضة نَص لَهَا قيل لَهُم إِن أردتم أَن النَّص عارضها فِي بعض فروعها فَهَذَا هُوَ التَّخْصِيص الَّذِي لَا تفْسد الْعلَّة بِهِ عِنْد خصومكم وَإِن اردتم أَن النَّص يمْنَع من حكمهَا فِي جَمِيع فروعها فَمن أجَاز الْعلَّة القاصرة لَا يمْنَع من كَونهَا عِلّة فِي الأَصْل فَقَط وَمن لم يجز ذَلِك يفْسد الْعلَّة من حَيْثُ كَانَت قَاصِرَة خَارِجَة عَن كَونهَا أَمارَة فِي كل الْمَوَاضِع وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تخلف عَنْهَا حكمهَا فِي بعض فروعها لمَانع لِأَن ذَلِك لَا يمْنَع من كَونهَا أَمارَة على أَن هَذِه الشُّبْهَة تبطل بِالنَّصِّ على الْعلَّة إِذا لم يرد مَعَه التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ على قَول من لم يجز الْقيَاس بهَا لِأَن حكمهَا يَنْتَفِي عَنْهَا فِي الْفُرُوع كلهَا وَلَيْسَ ذَلِك مناقضة وَلَا يجْرِي مجْرى مُعَارضَة النَّص بعلة وَيبْطل الْعلَّة المنصوصة مَعَ وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْعلَّة مَعَ كل ف