Advertisement

المنثور في القواعد الفقهية 001


الكتاب: المنثور في القواعد الفقهية
المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794هـ)
الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية
الطبعة: الثانية، 1405هـ - 1985م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ حَسْبِي وَكَفَى قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ رُحْلَةُ الطَّالِبِينَ وَمُفْتِي الْمُسْلِمِينَ وَعُمْدَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ مُحَمَّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَعَالِي عَنْ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ الْمُنَزَّهِ عَنْ وَصْفٍ يُدْرِكُ بِهِ حِسٌّ أَوْ يَخْتَلِجُ بِهِ ضَمِيرٌ.
أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ مِنْ نِعْمَتِهِ وَأَبْلَغَ مِنْ دَقِيقِ حِكْمَتِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مُتَحَقِّقٍ لِعُبُودِيَّتِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَرُوسُ حَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ ضَبْطَ الْأُمُورِ الْمُنْتَشِرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي الْقَوَانِينِ الْمُتَّحِدَةِ هُوَ أَوْعَى لِحِفْظِهَا وَأَدْعَى لِضَبْطِهَا وَهِيَ إحْدَى حِكَمُ الْعَدَدِ الَّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا، وَالْحَكِيمُ
(1/65)

إذَا أَرَادَ التَّعْلِيمَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ بَيَانَيْنِ: إجْمَالِيٍّ تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَفْصِيلِيٍّ تَسْكُنُ إلَيْهِ. وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ قُطْبِ الدِّينِ السَّنْبَاطِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّظَائِرِ. وَهَذِهِ قَوَاعِدُ تَضْبِطُ لِلْفَقِيهِ أُصُولَ الْمَذْهَبِ، وَتُطْلِعُهُ مِنْ مَأْخَذِ الْفِقْهِ عَلَى نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ وَتُنَظِّمُ عِقْدَهُ الْمَنْثُورَ فِي سِلْكٍ وَتَسْتَخْرِجُ لَهُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مِلْكٍ. أَصْلَتِهَا لِتَكُونَ ذَخِيرَةً عِنْدَ الِاتِّفَاقِ وَفَرَّعْتُ عَلَيْهَا مِنْ الْفُرُوعِ مَا يَلِيقُ بِتَأْصِيلِهَا عَلَى الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ وَغَالِبُهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مِمَّا لَا عَهْدَ لِلْأَنَامِ بِمِثْلِهَا وَلَا رَكَضَتْ جِيَادُ الْقَرَائِحِ فِي جَوَادِ سُبُلِهَا تَتَنَزَّهُ فِي رِيَاضِهَا عُيُونُ الْعُقُولِ وَيَكْرَعُ مِنْ حِيَاضِهَا لِسَانُ الْمَنْقُولِ وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ أَبْحُرِ الْمَعَانِي دُرُّهَا الثَّمِينُ وَيَتَنَاوَلُ عِقْدَهَا
(1/66)

الْفَرِيدَ بِالْيَمِينِ.
وَرَتَّبْتُهَا عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ طِرَازِهَا الْمُعَلِّمِ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ وَهُوَ خَيْرُ مَأْمُولٍ أَنْ يُلْهِمَنَا مَحَاسِنَ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَيَجْعَلُنَا مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.

[فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِقْه وَأَنْوَاعه]
فَصْلٌ
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: الْفِقْهُ افْتِتَاحُ عِلْمِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ افْتِتَاحُ شِعْبِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ، حَكَاهُ عَنْهُ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: حَقِيقَةُ الْفِقْهِ عِنْدِي الِاسْتِنْبَاطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ: هُوَ اسْتِنْبَاطُ حُكْمِ الْمُشْكِلِ مِنْ الْوَاضِحِ.
(1/67)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ» أَيْ غَيْرُ مُسْتَنْبِطٍ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِدْلَالٌ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْهَا قَالَ: (وَمَا أَشْبَهَ الْفَقِيهَ إلَّا بِغَوَّاصٍ فِي بَحْرِ دُرٍّ كُلَّمَا غَاصَ فِي بَحْرِ فِطْنَتِهِ اسْتَخْرَجَ دُرًّا وَغَيْرُهُ يَسْتَخْرِجُ آجُرًّا) . وَمِنْ الْمَحَاسِنِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ: أَهَمُّ الْمُطَالَبِ فِي الْفِقْهِ التَّدَرُّبِ فِي مَآخِذِ الظُّنُونِ فِي مَجَالِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِقْهُ النَّفْسِ وَهُوَ أَنْفَسُ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ.
(1/68)

وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ أَنْوَاعٌ.
(أَحَدُهَا) مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَعَلَيْهِ صَنَّفَ الْأَصْحَابُ تَعَالِيقَهُمْ الْمَبْسُوطَةَ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ.
(وَالثَّانِي) مَعْرِفَةُ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَعَلَيْهِ جُلُّ مُنَاظَرَاتِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْفِقْهُ فَرْقٌ وَجَمْعٌ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا صُنِّفَ فِيهِ كِتَابُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ، وَأَبِي الْخَيْرِ بْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَكُلُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ مُؤَثِّرٌ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ قَالَ الْإِمَامُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَلَا يُكْتَفَى بِالْخَيَالَاتِ فِي الْفُرُوقِ بَلْ إنْ كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ فِي الظَّنِّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ انْقَدَحَ فَرَّقَ عَلَى بُعْدٍ. قَالَ الْإِمَامُ فَافْهَمُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ.
(الثَّالِثُ) بِنَاءُ الْمَسَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِاجْتِمَاعِهَا فِي مَأْخَذٍ وَاحِدٍ وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِيهِ كِتَابُ السِّلْسِلَةِ لِلْجُوَيْنِيِّ وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَمَّاحِ
(1/69)

وَقَدْ يَقْوَى التَّسَلْسُلُ فِي بِنَاءِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذِهِ سَلْسَلَةٌ طَوَّلَهَا الشَّيْخُ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ بِنَاءُ الْوَجْهَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ إذَا كَانَ الْمَأْخَذُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى وَأَمَّا الْقَوْلَانِ فَيَنْبَنِيَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَنْكَرُ كَثِيرًا. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ مَأْخَذُهُمَا قَوْلَانِ فَلَمْ نَبْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا عَلَى قَوْلَيْنِ.
(الرَّابِعُ) الْمُطَارَحَاتُ: وَهِيَ مَسَائِلُ عَوِيصَةٌ يُقْصَدُ بِهَا تَنْقِيحُ الْأَذْهَانِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلزَّعْفَرَانِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : تَعَلَّمَ
(1/70)

دَقِيقَ الْعِلْمِ كَيْ لَا يَضِيعَ.
(الْخَامِسُ) الْمُغَالَطَاتُ.
(السَّادِسُ) الْمُمْتَحِنَاتُ.
(السَّابِعُ) الْأَلْغَازُ.
(الثَّامِنُ) الْحِيَلُ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ سُرَاقَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
(التَّاسِعُ) مَعْرِفَةُ الْأَفْرَادِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا لِكُلٍّ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْ الْأَوْجُهِ الْقَرِيبَةِ وَهَذَا يُعْرَفُ مِنْ طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَنَّفَ الطَّبَقَاتِ.
(الْعَاشِرُ) مَعْرِفَةُ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَجْمَعُ جُمُوعًا وَالْقَوَاعِدُ الَّتِي تَرُدُّ إلَيْهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَهَذَا أَنْفَعُهَا وَأَعَمُّهَا وَأَكْمَلُهَا وَأَتَمُّهَا وَبِهِ يَرْتَقِي الْفَقِيهُ إلَى الِاسْتِعْدَادِ لِمَرَاتِبِ الْجِهَادِ وَهُوَ أُصُولُ الْفِقْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
(1/71)

[فَائِدَةٌ فِيمَا نضج مِنْ الْعُلُوم وَمَا احترق أولم ينضج وَلَمْ يحترق]
(فَائِدَةٌ) كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْأُصُولِ وَالنَّحْوِ وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ، وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحَّلِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِقْهِ قَيِّمًا وَفِي الْأُصُولِ رَاجِحًا وَفِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ مُشَارِكًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ: وَلَا يَنْبَغِي لِحَصِيفٍ يَتَصَدَّى إلَى تَصْنِيفٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَرَضَيْنِ إمَّا أَنْ يَخْتَرِعَ مَعْنًى وَإِمَّا أَنْ يَبْتَدِعَ وَضْعًا وَمَبْنًى وَمَا سِوَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ تَسْوِيدُ الْوَرَقِ وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ السَّرَقِ.
(1/72)

[حَرْفُ الْأَلِفِ] [الْإِبَاحَةُ]
الْإِبَاحَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ: (الْأَوَّلُ) فِي حَقِيقَتِهَا: وَهِيَ تَسْلِيطٌ مِنْ الْمَالِكِ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَلَا تَمْلِيكَ فِيهَا وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَاحَهُ صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ وُهِبَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ وَفِي فَتَاوَى بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ إذَا قَالَ أَبَحْت لَك كَذَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُتْلَفُ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِبَاحَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلَفُ صَحَّتْ الْإِبَاحَةُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا لَمْ يُتْلِفْهُ الْمُبَاحُ لَهُ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إذَا أَخَذَ صَيْدًا مَلَكَهُ وَإِذَا أَرْسَلَهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ فَإِذَا قَالَ أَبَحْته لِكُلِّ مَنْ أَخَذَهُ حَلَّ لِمَنْ أَخَذَهُ أَكَلَهُ. قَالَ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْآخِذِ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ لَمْ يَزُلْ بِالْإِبَاحَةِ كَالضَّيْفِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَبِيعَهُ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الضِّيَافَةُ عِنْدَ الْقَفَّالِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بَلْ تَنَاوُلُهُمْ إتْلَافٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ تُمْلَكُ لِأَنَّهَا بِالتَّقْدِيمِ أُلْحِقَتْ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْمُبَاحَاتُ تُمْلَكُ
(1/73)

بِالِاسْتِيلَاءِ وَمِنْهَا الْكُتُبُ الَّتِي يَكْتُبُهَا النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ وَلِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْكِتَابَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا فِيهِ فَهُوَ كَطَبَقِ الْهَدِيَّةِ.
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الْعَارِيَّةُ عِنْدَ الْمَرَاوِزَةِ فَهِيَ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهَا وَالْمُسْتَبِيحُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِالْإِبَاحَةِ إلَى غَيْرِهِ وَتَابَعَهُمْ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِهَا فَلَوْ قَالَ أَبَحْت لَك دَرَّ هَذِهِ الشَّاةِ وَنَسْلُهَا كَانَتْ عَارِيَّةً صَحِيحَةً قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَكُونُ الْعَارِيَّةُ لِاسْتِفَادَةِ عَيْنٍ كَالْإِجَارَةِ فِي الرَّضَاعِ وَالْبِئْرِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظٍ إمَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ وَالْإِبَاحَةُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي
(1/74)

فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) جَمَاعَةٌ تَيَمَّمُوا لِعَدَمِ الْمَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ أَبَحْت لَكُمْ هَذَا الْمَاءَ وَهُوَ يَكْفِي لِوَاحِدٍ بَطَلَ تَيَمُّمُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ وَإِنْ قَالَ وَهَبْت لَكُمْ فَقَبِلُوا إنْ قُلْنَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا.

(الثَّانِي) : الْإِبَاحَةُ قَدْ تَكُونُ جَائِزَةَ الرُّجُوعِ وَقَدْ تَكُونُ لَازِمَةً كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ اللَّازِمَةِ لَا التَّمْلِيكِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا مَاتَ لَا تُورَثُ، عَنْهُ وَفِي جَوَازِ الْإِعَارَةِ لَهُ وَجْهَانِ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ (فِي الْكَلَامِ عَلَى الضِّيَافَةِ) لَيْسَ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةٌ تُفْضِي إلَى اللُّزُومِ إلَّا فِي النِّكَاحِ، إذَا قُلْنَا إنَّهُ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا.

(الثَّالِثُ) : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُبَاحِ؟ قَالَ الْعَبَّادِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ قَالَ: أَنْتِ فِي حِلٍّ مِمَّا تَأْخُذُ مِنْ مَالِي أَوْ تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ فَأَكَلَ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ أَخَذَ أَوْ أَعْطَى لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَكْلَ إبَاحَةٌ وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ مَجْهُولَةً وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ
(1/75)

مَجْهُولَةً. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ (إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ أَبَحْت لَك حِلَابَ شَاتِي فَهُوَ إبَاحَةُ الْمَجْهُولِ كَمَا لَوْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا تَأْكُلُهُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ فَتَجُوزُ مُسَامَحَتُهُ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) إذَا قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي بَيْتِي أَوْ اسْتِعْمَالُ مَا فِي دَارِي مِنْ الْمَتَاعِ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي دَارِي مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مَا فِي كَرْمِي مِنْ الْعِنَبِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَهُ أَوْ يَبِيعَهُ أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ وَهَذَا يُسَاعِدُ مَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَيَوَانٌ لَبُونٌ أَوْ شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَطَرِيقُهُمَا أَنْ يُبِيحَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ مُدَّةً، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) رَجُلٌ وَكَّلَ آخَرَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً لِيَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ وَمَا أَرَادَ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ فَإِذَا أَخَذَ
(1/76)

مِنْ مَالِهِ مَثَلًا مِائَةَ دِرْهَمٍ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ؟ أَجَابَ إذَا كَانَ لَفْظُ الْإِبَاحَةِ شَامِلًا لِذَلِكَ أَخْذًا وَقَدْرًا وَلِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهَا جَازَ ذَلِكَ وَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ مَعْلُومًا لِلْمُبِيحِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ.

(الرَّابِعُ) : هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْبَحْرِ لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبَحْت لَك فِيهِ وَجْهَانِ قُلْت: وَيُشْبِهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ إذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا.

(الْخَامِسُ) : هَلْ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَالَ الْإِمَامُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا
(1/77)

فِي أَنَّ مَنْ أَبَاحَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَقَالَ الْمُبَاحُ لَهُ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ وَكَانَ الْمُبِيحُ مُسْتَمِرًّا عَلَى إبَاحَتِهِ فَلِلْمُبَاحِ لَهُ الِاسْتِبَاحَةُ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ ثُمَّ قَالَ وَفِي النَّفْسِ مِنْ رَدِّ الْإِبَاحَةِ شَيْءٌ عَلَى بُعْدٍ وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَنَّ كَلَامَ الْمُهَذَّبِ (يَعْنِي فِي الْعَارِيَّةِ) يَقْتَضِي الرَّدَّ. (قُلْت) وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ فَقَالَ لِلْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الضَّيْفَ لَوْ قَالَ عَزَلْت نَفْسِي كَانَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَهُ.

(السَّادِسُ) : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْحَاوِي الِاسْتِبَاحَةُ إذَا صَادَفَتْ إبَاحَةً لَمْ يَعْلَمْهَا الْمُسْتَبِيحُ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِبَاحَةِ دُونَ الْحَظْرِ كَمَنْ اسْتَبَاحَ مَالًا قَدْ أَبَاحَهُ لَهُ مَالِكُهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ جَرَى عَلَى الْمَالِ الْمُسْتَبَاحِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبِيحِ وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَظْرِ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَبِيحِ (قُلْت) وَلَوْ
(1/78)

أَبَاحَهُ ثِمَارَ بُسْتَانِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ الْغَزَالِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) (فَمَا يَتَنَاوَلُهُ) قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ فَلَا ضَمَانَ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ بِجَهْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْإِمَامِ.
وَاَلَّذِي فِي النِّهَايَةِ لَا غُرْمَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى فِيهِ قَوْلَيْ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ وُجُوبَ الْأُجْرَةِ فِيمَا لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَاسْتَعْمَلَهَا الْمُسْتَعِيرُ جَاهِلًا.

(السَّابِعُ) : مَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَمَا لَا يُبَاحُ وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَجُوزُ قَطْعًا وَهُوَ الْأَمْوَالُ بِالِانْتِفَاعِ.
الثَّانِي: مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا فَمِنْهَا إتْلَافُ الْمَالِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ
(1/79)

فِي بَابِ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا الْأَبْضَاعُ وَلِهَذَا لَوْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ فِي الزِّنَى وَطَاوَعَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَوْ أَبَاحَ وَطْءَ أَمَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَوَطِئَهَا لَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِلْإِذْنِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْلَمَ لَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَعِوَضُهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ كَمَا فِي إذْنِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؟ قَوْلَانِ لَكِنَّهُمَا فِي جَاهِلِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ عَلِمَ فَهُوَ زِنًى، وَالزِّنَى لَا يُوجِبُ الْمَهْرَ إلَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَمِنْهَا) الْقَتْلُ إذَا قَالَ اُقْتُلْنِي لَا يُبَاحُ بِالْإِذْنِ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فَإِنْ قُلْت: هَلَّا ضَمِنَ فِي الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ حَلَقَ أَجْنَبِيٌّ شَعْرَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ (أَيْ الْمُحْرِمُ) لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي يَدِهِ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَالنَّفْسُ أَوْلَى بِذَلِكَ. (قُلْت) : هُمَا سَوَاءٌ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مُبِيحِ نَفْسِهِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ هُنَاكَ وَإِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَقَدْ أَسْقَطَهُ (وَمِنْهَا) إبَاحَةُ الْعَرْضِ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ اقْذِفْنِي فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَجِبُ وَنَقْلَ الْإِمَامُ إجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُ الْعَشِيرَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ الْإِذْنُ فِي حَقِّهِمْ.
(1/80)

[الْإِبْرَاءُ]
يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ:
(الْأَوَّلُ) : هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ كَالْإِعْتَاقِ أَوْ تَمْلِيكٌ لِلْمَدْيُونِ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا مَلَكَهُ سَقَطَ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي مَوْضِعٍ لَا يُطْلَقُ التَّرْجِيحُ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الصُّوَرِ أَيْ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ وَأَبْطَلُوهُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَمَنَعُوا إبْهَامَ الْمَحَلِّ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ فَقَالَ أَبْرَأْتُ أَحَدَكُمَا وَلَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَصَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ وَرَجَّحُوا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمَدْيُونِ بِهِ وَلَا قَبُولُهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِشَرْطِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِهَذَا تَوَسَّطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ إنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ إسْقَاطٌ فِي حَقِّ الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إنَّمَا
(1/81)

يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مَالًا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ.
(الثَّانِي) : أَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ الْمَجْهُولِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: (إحْدَاهُمَا) إبِلُ الدِّيَةِ (وَالثَّانِيَةُ) مَا إذَا ذَكَرَ غَايَةً يَتَحَقَّقُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَيَقُولُ مَثَلًا أَبْرَأَتْك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ إذَا عَلِمَ أَنَّ مَالَهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حِينَئِذٍ عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَهُ. وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّرَاهِمِ فَهَلْ يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَجْهَانِ فِي بَابِ الضَّمَانِ مِنْ الرَّافِعِيِّ وَأَصَحُّهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ أَدْنَى الْمَرَاتِبِ وَكَلَامُهُ فِي الصَّدَاقِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ أَبْطَلَ الْإِبْرَاءَ فِي غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ وَجَعَلَ الْمُتَيَقَّنَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
تَنْبِيهٌ: فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ مَا لَوْ قَالَ أَبْرِئْنِي مِنْ مِائَةٍ فَأَبْرَأَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ
(1/82)

عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةً وَفِي بَرَاءَتِهِ وَجْهَانِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ، وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ وَكَانَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَسَكَتَ عَمَّا إذَا أَطْلَقَ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى بَرَاءَةِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَبْرَأُ.
تَنْبِيهٌ آخَرَ: الْمُرَادُ بِالْمَجْهُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُبْرِئِ، وَأَمَّا الْمُبْرَأُ وَهُوَ الْمَدْيُونُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنْ قُلْنَا إسْقَاطٌ لَمْ يُشْتَرَطْ وَإِنْ قُلْنَا تَمْلِيكُ اشْتِرَاطٍ كَالْمُتَّهَبِ.
قُلْت: وَهَذَا فِيمَا لَا مُعَاوَضَةَ فِيهِ فَأَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ بِمِقْدَارِ مَا أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ وَأَجْرُوا كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ.

(الثَّالِثُ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبْرَأْتُك، وَسَوَاءٌ
(1/83)

قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ. وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا إنْ طَلَّقْتنِي فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ فَطَلَّقَ لَمْ يَبْرَأْ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ مَجَّانًا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الصَّدَاقِ وَكَلَامُ الْمُتَوَلِّي قُبَيْلَ الصُّلْحِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْبَرَاءَةِ وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ. أَمَّا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَبْرَأْتنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ وَقَعَ بَائِنًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَبْرَأْت فُلَانًا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَيْهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَفِي الْأُولَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الطَّلَاقِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ صُوَرٌ أُخَرُ:
(إحْدَاهَا) : لَوْ قَالَ إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك صَحَّ وَإِذَا رَدَّ يَبْرَأُ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَهُوَ إسْقَاطٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَنَافِعَ بَدَنِهِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ.
(1/84)

الثَّانِيَةُ) : الْبَرَاءَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِمَوْتِ الْمُبْرِئِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ: إذَا مِتُّ فَأَنْتِ فِي حِلٍّ، فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَيُؤَيِّدُهُ جَوَازُ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ. وَمِثْلُهُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ مَوْهُوبٍ الْجَزَرِيِّ إذَا قَالَ: أَنْتَ بَرِيءٌ عَنْ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ قَالَ إذَا مِتُّ فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ، كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً صَحِيحَةً، سَوَاءٌ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ أَوْ إسْقَاطٌ لِأَنَّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تُمْلَكُ الْأَعْيَانُ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ لَك بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ.

(الثَّالِثَةُ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا كَمَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ ثُمَّ كَاتَبَهُ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ عَتَقَ وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِبْرَاءَ مِنْ النُّجُومِ حَتَّى تَتْبَعَهُ أَكْسَابُهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الْإِبْرَاءُ لَمْ يُعْتَقْ عَنْهَا فَلَا يَتْبَعُهُ كَسْبُهُ.

(الرَّابِعَةُ) : الْبَرَاءَةُ تَنْقَسِمُ إلَى اسْتِيفَاءٍ وَإِسْقَاطٍ. قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ
(1/85)

عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ: وَحَدُّ الِاسْتِيفَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَعَ تَمَكُّنِ صَاحِبِهِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَدَلِهِ غَيْرَ أَنَّ التَّصَرُّفَ اقْتَرَنَ بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ إقْرَاضُهُ مِنْهُ. قَالَ وَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً حُكْمًا كَالْعِتْقِ جُعِلَ تَمْلِيكًا وَإِزَالَةً وَاخْتَارَ أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَبَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ اسْتَحَالَ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً لَلَزِمَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.

(الْخَامِسُ) أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَجِبْ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَقَوْلَانِ وَأَصَحُّهُمَا إلْغَاؤُهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ مِنْ الضَّمَانِ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَفِي بَرَاءَتِهِ وَصَيْرُورَةِ يَدِهِ يَدَ أَمَانَةٍ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْإِبْرَاءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَجَرَى (سَبَبُ وُجُوبِهِ لِأَنَّ الْغَصْبَ) سَبَبُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ وَمِثْلُهُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الضَّمَانِ فَخِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبَرَاءَةِ. وَمِثْلُهُ أَوْدَعَهُ عَيْنًا وَأَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَلَفِهَا وَاسْتِقْرَارِ غُرْمِهَا فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَائِهَا فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ. وَلَوْ أَبْرَأَتْ الْمُفَوِّضَةُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ.
(1/86)

وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ وَرَضِيَ بِاسْتِبْقَائِهَا بَعْدَ الْحَفْرِ بَرِئَ مِمَّا يَقَعُ فِيهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُ ابْتِدَاءً قَالَهُ (صَاحِبُ الْبَيَانِ) فِي فَتَاوِيهِ. وَلَيْسَ لَنَا إبْرَاءٌ يَصِحُّ (قَبْلَ وُجُوبِهِ غَيْرَ) هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَ دِينَارًا فِي ذِمَّتِهِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ وَأَبْرَأَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنُقِضَ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَالْأَحْسَنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الرِّبَوِيِّ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ (وَمِنْهُ الدَّعْوَى فَفِي) صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْهَا وَجْهَانِ. قَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحُّ (فَلَوْ قَالَ أَبْرَأَتْنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا يُسْمَعُ) .

[الْأَبْنِيَةُ]
تُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ وَفِي عَدَمِ تَحْرِيمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ
(1/87)

بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَبْنِيَةِ دُونَ الْمُسَافِرِ غَالِبًا وَفِي الْبَيْعِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ الْأَبْنِيَةُ وَالسَّاحَاتُ الْمُحِيطَةُ بِالسُّورِ لَا الْمَزَارِعُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَلِيَ قَضَاءَ بَلْدَةٍ فَحَكَمَ وَهُوَ خَارِجُ الْأَبْنِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَظَائِرِهِ فِي دُخُولِ الْمَزَارِعِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةَ كَذَا لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ مَزَارِعِهَا الْخَارِجَةِ عَنْهَا.

[الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ مُتَضَايِفَانِ]
ِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ وَمِنْ فُرُوعِهِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ الْأَوْلَى فِي ادِّعَاءِ النَّسَبِ أَنْ يَقُولَ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ أَنَا ابْنُك وَمُدَّعِي الْبُنُوَّةَ أَنْتَ ابْنِي فَلَوْ قَالَ الِابْنُ أَنْتِ أَبِي أَوْ الْأَبُ أَنَا أَبُوك صَحَّتْ الدَّعْوَى حُكْمًا وَإِنْ فَسَدَتْ اخْتِيَارًا.

[اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ يَمْتَنِعُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ]
(إحْدَاهُمَا) الْأَبُ وَالْجَدُّ فِي بَيْعِ مَالِ الطِّفْلِ لِنَفْسِهِ.
(الثَّانِيَةُ) إذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ وَنَهَاهُ عَنْ
(1/88)

الزِّيَادَةِ فَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، إذْ اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ إنَّمَا يُمْنَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ الْجَوَازِ فِي حَقِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ.

[اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ يَمْتَنِعُ إلَّا فِي صُوَرٍ]
الْوَالِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَفِي النِّكَاحِ إذَا أَصْدَقَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ فِي مَالِ وَلَدٍ وَلَدَهُ لِبِنْتِ ابْنِهِ وَفِي صُورَةِ الْخُلْعِ إذَا خَالَعَهَا عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ لِوَلَدِهِ مِنْهَا فَصَرَفَتْهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ قَبْضِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِابْنِ الصَّبَّاغِ مِنْ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
وَنَقَلَ الْجُورِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ أَمِينٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَوْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِغَيْرِهِ أَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَأَطْعَمَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ
(1/89)

عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقَبْضِ، وَيُجْعَلُ قَبْضُ الْمَسَاكِينِ كَقَبْضِهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الظُّفْرِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُسْتَعِيرَ أَوْ الْمُسْتَأْجِرَ فِي قَبْضِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَبِلَ صَحَّ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَبْضُ بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الضَّمَانِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي كِتَابِ الْهِبَةِ قَالَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ فِي أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ قَابِضًا وَمُقْبِضًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَ دَارًا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي صَرْفِهَا فِي الْعِمَارَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ. وَفِي الْإِشْرَافِ لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ مَالٌ فَأَذِنَ لَهُ فِي إسْلَامِهِ فِي كَذَا. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَصِحُّ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ وَيَنْبَغِي طَرْدُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

[الْإِثْبَاتُ]
ُ أَقْرَبُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ النَّفْي. وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي عِنْدَ التَّعَارُضِ وَكَانَ الْحَلِفُ فِي طَرَفِ الثُّبُوتِ
(1/90)

عَلَى الْبَتِّ وَفِي النَّفْي عَلَى الْعِلْمِ. وَمِنْ فُرُوعِهِ: لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَحَلِفَ ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا لِاسْتِنَادِ قَوْلِهَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَلَوْ زُوِّجَتْ وَكَانَ رِضَاهَا شَرْطًا فَقَالَتْ لَمْ أَرْضَ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ بِهِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ قَبُولُهُ لِأَنَّ قَوْلَهَا الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إلَى النَّفْيِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ النَّفْيَ فِي فِعْلِهَا كَالْإِثْبَاتِ وَلِذَلِكَ يَحْلِفُ فِي نَفْيِ فِعْلِهِ عَلَى الْبَتِّ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ الْمُتْلِفُ أَوْ الضَّامِنُ هَذَا الْمَالُ فِي يَدِي حَرَامٌ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَضْمُونُ لَهُ وَالْمَالِكُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ هُوَ حَلَالٌ وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ حَرَامٌ أُجْبِرَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الْأَخْذِ أَوْ الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ.
تَنْبِيهٌ: فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ مَحْصُورًا كَانَ كَالْإِثْبَاتِ فِي إمْكَانِ الْإِحَاطَةِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ فُلَانًا فِي سَاعَةِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا سَاعَةَ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَبُولُ وَوَجَّهَهُ
(1/91)

النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِمَا ذَكَرْنَا.

[الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ إلَّا فِي وُجُوبِ التَّأْقِيتِ وَالِانْفِسَاخِ]
ِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِتَلَفِ الْمَوْرِدِ مِنْ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَفِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِيهَا خِلَافٌ، وَأَنَّ الْعَقْدَ يُرَدُّ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْبَيْعِ عَلَى الْعَيْنِ وَأَنَّ الْعِوَضَ يُمْلَكُ فِي الْبَيْعِ بِالْقَبْضِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا؛ وَفِي الْإِجَارَةِ مِلْكًا مُرَاعًى لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.

[الْأَجَلُ لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ وَقْتِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ]
(مِنْهَا) الْمَوْتُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ وَفِي يَدِهِ أَمْوَالٌ فَإِنَّهَا تَحِلُّ. ذَكَرَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، فِي بَابِهِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ.
(وَمِنْهَا) الْجُنُونُ يَحِلُّ بِهِ الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ فِي الْمَشْهُورِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الرَّافِعِيِّ.
(وَمِنْهَا) اسْتِرْقَاقُ الْحَرْبِيِّ. فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحُلُولِ بِالْإِفْلَاسِ وَأَوْلَى بِالْحُلُولِ؛ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي السِّيَرِ. قَاعِدَةٌ: حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا أُجِّلَ لِأَجْلِهِ هَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ كَمَا فِي
(1/92)

الْحَالِّ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ:
(مِنْهَا) لَوْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ أَوْ لَا حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ؟ رَجَّحَ فِي الْكَبِيرِ الْوُجُوبَ وَفِي الصَّغِيرِ عَدَمَهُ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَصْدَقَهَا مُؤَجَّلًا فَلَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ حَتَّى تَقْبِضَ فِي الْأَصَحِّ. (وَمِنْهَا) إذَا بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ حَتَّى حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ.

[الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ]
ِ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ بِهِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَا مِنْ اجْتِهَادٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَتَسَلْسَلَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا تَسْتَقِرُّ الْأَحْكَامُ. وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهِدِ فِيهَا وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ لَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْوَى مِنْهُ.
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَجَدَّدَ لَهُ لَا يُعْمَلُ إلَّا بِالثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ بِالْيَقِينِ قَالَهُ يُنْقَضُ.
وَلَوْ تَقَدَّمَ خَصْمَانِ إلَى الْقَاضِي فَقَالَا كَانَ بَيْنَنَا خُصُومَةٌ فِي كَذَا، وَتَحَاكَمْنَا فِيهَا إلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَحَكَمَ بَيْنَنَا بِكَذَا لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فِيهَا عِنْدَك فَقِيلَ يُجِيبُهُمَا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ بَلْ يَمْضِي حُكْمُ الْأَوَّلِ.
(1/93)

وَلَوْ اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ فَاجْتَهَدَ رَجُلٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ. وَلَوْ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَاسْتَعْمَلَهُ وَتَرَكَ الْآخَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي وَلَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ الْمَاضِي. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ إنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا الْأَصْحَابُ أَلْزَمُوهُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَدْفَعُهُ فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ جَدِيدٌ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَاد لَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ.
وَلَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَتَابَ وَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ كَذَا عَلَّلَهُ فِي التَّتِمَّةِ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَأَلْحَقهُ بِالْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا فَجَاءَ قَائِفٌ آخَرُ فَأَلْحَقَهُ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَقِيلَ يَتَعَارَضَانِ وَيَصِيرُ كَأَنَّ لَا قَائِفَ.
تَنْبِيهَاتٌ:
(الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اشْتَهَرَتْ فِي كَلَامِهِمْ وَتَحْقِيقُهَا أَنَّ النَّقْضَ
(1/94)

الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِانْتِفَاءِ التَّرْجِيحِ (الْآنَ) وَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دَلِيلٌ فَأَخَذَ بِهِ ثُمَّ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَمْضَى حُكْمَهُ وَقَضَاءَهُ فِي وَاقِعَةٍ، وَكَانَ لِقَضَائِهِ مُسْتَنَدٌ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ وَمُتَعَلِّقٌ بِالْحُجَّةِ فَإِذَا أَرَادَ قَاضٍ بَعْدَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَهُ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا.
(الثَّانِي) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(إحْدَاهَا) أَنَّ لِلْإِمَامِ الْحِمَى فَلَوْ أَرَادَ مَنْ بَعْدَهُ نَقْضَهُ فَالْأَصَحُّ نَعَمْ لِأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ. وَمَنَعَ الْإِمَامُ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَ لَيْسَ مَأْخَذُ التَّجْوِيزِ هَذَا وَلَكِنَّ حِمَى الْأَوَّلِ كَانَ لِلْمَصْلَحَةِ وَهِيَ الْمُتَّبَعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
(الثَّانِيَةُ) لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِهَا وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا قُضِيَ لِلْخَارِجِ لِعَدَمِ حُجَّةِ
(1/95)

صَاحِبِ الْيَدِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ قَالَ الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) : أَشْكَلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُنْذُ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَتَرَدَّدَ جَوَابِي فَذَكَرْت مَرَّةً إنَّ تَأَكُّدَ الْحُكْمِ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يُنْقَضْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، كَمَا فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَلَى قَوْلٍ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَعْدَهُ.
(الثَّالِثَةُ) لَوْ قَسَّمَ الْقَاسِمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَلَطِهِ أَوْ حَيْفِهِ نُقِضَتْ مَعَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَسَّمَ بِاجْتِهَادِهِ، فَنَقْضُ الْقِسْمَةِ بِقَوْلٍ مِثْلِهِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ مُشْكِلٌ اسْتَشْكَلَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَة.
(الرَّابِعَةُ) إذَا قَوَّمَ الْمُقَوِّمُونَ ثُمَّ اُطُّلِعَ عَلَى صِفَةِ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ بَطَلَ التَّقْوِيمُ الْأَوَّلُ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ يُشْبِهُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالنَّصِّ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) الْمُرَادُ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَيُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ أَجْلَى وَأَوْضَحَ مِنْهُ وَمِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ أَوْ لَا كَمَا فِي الْقِبْلَةِ
(1/96)

وَالْأَوَانِي. وَقَدْ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ مُسْتَمِرًّا كَمَا إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بِلَا مُحَلِّلٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ بَاقٍ مَعَهَا بِذَلِكَ النِّكَاحِ قَالَ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِمَا يَلْزَمُ فِي فِرَاقِهَا مِنْ تَغَيُّرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا لِمَا يَلْزَمُ فِي إمْسَاكِهَا مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي مُعْتَقَدِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاكِمِ لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَامْتِنَاعِ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي أَيْضًا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا خَلَّلَ خَمْرًا فَأَتْلَفَهَا عَلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا يَعْتَقِدُ طَهَارَتَهَا بِالتَّخْلِيلِ فَتَرَافَعَا إلَى حَنَفِيٍّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِطَرِيقَةٍ فَقَضَى عَلَى الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَدَاءِ ضَمَانِهَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْحُكْمِ بِاعْتِقَادِ الْقَاضِي دُونَ اعْتِقَادِهِ وَكَأَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِهِ بَاطِنًا وَإِلَّا فَيُسَوَّغُ لَهُ الْحَلِفُ وَيُؤَيِّدُهُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ هَلْ تَحِلُّ لَهُ؟
(1/97)

الرَّابِعُ) قَالُوا الْمُجْتَهِدُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ لُزُومُ الْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ قَطْعًا.

[اجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِوَاحِدٍ]
عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ فَإِنَّ السَّابِقَ يَرِيضُ نَفْسَهُ وَفَرَسَهُ وَيَأْخُذُ السَّبْقَ. (قُلْت) وَيُتَصَوَّرُ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ النُّجُومَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ بَقَاءُ الرَّقَبَةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَقِيلَ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُكَاتَبِ، وَقِيلَ إلَى اللَّهِ (تَعَالَى) حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ.
وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنْك عَلَى أَلْفٍ فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الْأَصَحِّ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْعَيْنُ تَكُونُ لِمَالِكَيْنِ وَهِيَ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْحَيْلُولَةِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ حُكْمًا بِدَلِيلِ الِاسْتِرْدَادِ وَيَمْلِكُهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِيهَا وَلَا يَمْلِكُهَا وَمِثْلُهُ الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَيَمْلِكُهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا بَلَّ الْحِنْطَةَ بَلَلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا كَالتَّالِفَةِ فَيَأْخُذُ بَدَلَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ؟ وَجْهَانِ:
(1/98)

أَحَدُهُمَا) لِلْمَالِكِ كَيْ لَا يَكُونَ الْعُدْوَانُ قَاطِعًا حَقَّهُ كَمَا لَوْ نَجَّسَ زَيْتَهُ وَقُلْنَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ فَإِنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى بِهِ. (وَالثَّانِي) لِلْغَاسِلِ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ كَالْهَالِكِ وَلَمْ يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) شَيْئًا لَكِنَّهُ جَزَمَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ زَيْتُهُ بِمِثْلِهِ. وَقُلْنَا إنَّهُ كَالْهَالِكِ أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَصَبَ شَجَرَةً وَأَحْرَقَهَا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا لَا قِيمَةَ لَهُ فَالْمَالِكُ أَوْلَى بِالِانْتِفَاعِ بِالرَّمَادِ.

[إدْرَاكُ بَعْضِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ نَوْعَانِ]
ِ (الْأَوَّلُ) إدْرَاكُ إلْزَامٍ " كَإِدْرَاكِ زَائِلِ الْعُذْرِ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ "، وَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَعْذُورُ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ زَالَ عُذْرُهُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا مُلْتَزِمًا بِفِعْلِهَا وَلِهَذَا سَمَّوْهُ إدْرَاكَ إلْزَامٍ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْقَضَاءَ فَسَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ. وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ وَالِالْتِزَامُ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
(1/99)

الثَّانِي) إدْرَاكُ إسْقَاطٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَمِنْهُ الْجُمُعَةُ لَا تُدْرَكُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطُ رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَوْ صَلَاةٌ بِحَالِهَا وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ الْإِسْقَاطَ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالٍ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ. وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ قَصَرَ إنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ إنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ فِيمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ تَكْبِيرَةٍ فَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا كَانَ لَهُ الْقَصْرُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لَا إدْرَاكُ إلْزَامٍ فَهَلَّا شَرَطْتُمْ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ فَتَحَرَّمَ وَنَوَى الْقَصْرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ الرُّخْصَةِ بِتَمَامِهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الرُّخْصَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا فِعْلُ الْقَصْرِ فَهُوَ مُوجِبٌ هَذِهِ النِّيَّةَ وَلِهَذَا إذَا نَوَاهُ مَعَ
(1/100)

التَّحَرُّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّتِهِ مَعَ السَّلَامِ. وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فِي الْجُمُعَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ فِعْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.

[أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى أَضْرُبٍ]
(الْأَوَّلُ) الْمَالِيَّةُ: وَتَنْقَسِمُ إلَى عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَمَّا الدَّيْنُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ.
(وَالْأَوَّلُ) إنْ كَانَ زَكَاةٌ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ وَكَذَا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ إنْ كَانَ سَبَبُهُمَا بِالتَّعَدِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَتْ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَلْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهِمَا؟ وَجْهَانِ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَتَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ لِحَاظِ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ ادَّعَى تَلَفَ النِّصَابِ قُبِلَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَدَعْوَى الْأَمِينِ التَّلَفَ مَقْبُولَةٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ.
(1/101)

(وَالثَّانِي) ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا.
فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ عَجَّلَهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَخَوْفِ الْإِغَارَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فَقَالَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ اسْتَوْفِ مِنِّي مَا تَسْتَحِقُّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الذِّمَّةَ هُنَاكَ بَرِّيَّةٌ وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْإِثْمِ وَقَدْ حَصَلَ بِبَذْلِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا هَا هُنَا فَرُبَّمَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهَلَاكِ مَالِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَقِّهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ. هَذَا إذَا عَجَّلَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَدَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ قَبْضُهُ لَهُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَالشَّهَادَاتِ الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَظَّ لِلْغَائِبِ فِي أَنْ يَبْقَى الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمَلِيءِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَصِيرَ أَمَانَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ الْوَجْهَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْقَبُولِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ.
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ حَالًّا فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مُوسِرًا رَشِيدًا حَيًّا فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ؟ يَتَحَصَّلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ:
(1/102)

أَحَدُهَا) يَجِبُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ.
(وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمُعَيَّنٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَالرَّابِعُ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَالِكُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ بِرِضَاهُ كَالْقَرْضِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْإِتْلَافَاتِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَجِبُ فَلَوْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٍ تُشْعِرُ بِالطَّلَبِ فَفِي وُجُوبِهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ لِيَخْرُجَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ. نَعَمْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَطْلُ إذَا كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَحَتَّى يُوسِرَ وَلَا يَجِبُ الِاكْتِسَابُ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَرَاوِيُّ إنْ اسْتَدَانَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَجَبَ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا قَالُوا يُبَادَرُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ (رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) سَأَلَ وَارِثُهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ
(1/103)

رَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ تُبْرِئُهُ هُنَا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهُ حَتَّى يَثْبُتَ وَيُطَالِبَ بِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ مَالُ الْمَحْجُورِ نَاضًّا أَلْزَمَهُمْ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ أَوْ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتْلَفَ الْمَالُ وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ انْتَهَى. وَسَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ عَلَى مِثْلِهِ وَهَا هُنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَأَنْوَاعٌ (الْأَوَّلُ) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِهِ بِرِضَا صَاحِبِهَا فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ وَأَدَاؤُهَا يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا إذَا اسْتَمَرَّتْ عُقُودُهَا فَإِنْ ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ اُسْتُصْحِبَ الْحَالُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي الرَّاهِنِ يَفُكُّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَمَانَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَمَنْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ أَوْ يَرُدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ وَمِثْلُهُ يَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ " يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ " فَلَوْ انْقَضَتْ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ ". (الثَّانِي) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا وَهِيَ: الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا لَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ
(1/104)

الْأَمْرَيْنِ إمَّا إعْلَامُ الْمَالِكِ أَوْ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا الرَّدَّ عَيْنًا لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا بِهِ وَلَمْ يُطَالِبْ لَمْ يَضْمَنْ بِالتَّأْخِيرِ بِعِلْمِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَمِنْ ذَلِكَ اللُّقَطَةُ إذَا عَلِمَ صَاحِبَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَهِيَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَمَانَةٌ وَبَعْدَهُ مَضْمُونَةٌ (وَمِنْهُ) لَوْ اسْتَعَارَ صُنْدُوقًا فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ طَيَّرَ الرِّيحُ ثَوْبًا لِدَارِهِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَارِيَّةِ وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ الْغَيْرُ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ كَانَ ضَامِنًا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ وَالْمُتَّجَهِ خِلَافُهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا لِيُدَاوِيَهُ، وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ جِدَارِهِ فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَا يَضْمَنُ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ قَبْلُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) فِي بَابِ الْغَصْبِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي بَابِ الرِّبَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ نِصْفَ دِينَارٍ شَائِعًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ صَحَّ وَيُسْلِمُ إلَيْهِ الْكُلُّ لِيَحْصُلَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ وَيَكُونَ النِّصْفُ الْآخَرُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً
(1/105)

عَدَدًا فَوُزِنَتْ فَكَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الدِّرْهَمُ الْفَاضِلُ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ لَوْ وَزَنَ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَأَخْطَأَ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ كَانَتْ الْعَشَرَةُ مَضْمُونَةً عَلَى الْآخِذِ وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ مِائَةً فَوَزَنَ لَهُ مِائَةً وَعَشَرَةً.
(الثَّالِثُ) الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِالْعُقُودِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَكَذَا الصَّدَاقُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِذَا قَبَضَ وَجَبَ التَّسْلِيمُ.
(الرَّابِعُ) الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِالْيَدِ فَيَجِبُ الرَّدُّ سَوَاءٌ كَانَ أُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَالْأَوَّلُ كَالْعَارِيَّةِ إذَا انْتَهَى قَدْرُ الِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالثَّانِي كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَالثَّالِثُ كَالزَّكَاةِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى دَفْعِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ التَّمْكِينِ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَهَذَا كَالْإِرْثِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ فَأَتَى بِهَا الْحَاكِمُ وَجَبَ الْقَوْلُ فِي الْأَصَحِّ وَيَبْرَأُ مِنْهَا الْغَاصِبُ وَوَجْهُهُ مَا مَرَّ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي الْمُوجِبَاتُ لِلْعُقُوبَةِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ: فَيَجِبُ إعْلَامُ الْمُسْتَحِقِّ بِهَا لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فِي الْأَصَحِّ ذَكَرُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَذْفِ وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مُكِّنَ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ
(1/106)

عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. أَمَّا السَّرِقَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهَا بَلْ يُخْبَرُ الْمَالِكُ بِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ كَذَا إنْ كَانَ تَالِفًا، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ أَوْ وَكَّلَ فِيهِ. نَعَمْ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ بِنَفْسِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَغْصُوبِ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ إلَّا إلَى الْحَاكِمِ وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ وَنَحْوُهُ. وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَالسَّرِقَةِ يُخْبَرُ بِالْمَالِ مُسْتَحَقُّهُ وَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْجُنَاةِ فَقِيلَ التَّخْلِيَةُ وَالتَّنْكِيلُ كَالْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَقِيلَ بَلْ الْإِقْبَاضُ وَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْجَلَّادِ وَالْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ، فَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّمْكِينَ فَقَطْ لَمْ تَلْزَمْ الْجَانِيَ وَإِلَّا وَجَبَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(الضَّرْبُ الثَّالِثُ) الْأَمَانَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذِّمَّةِ كَالشَّهَادَةِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ الْأَدَاءُ إذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ وَيَلْزَمُهُ الْحُضُورُ عِنْدَ الْقَاضِي. وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ
(1/107)

الْقَاضِي كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ (كَأَنَّهُ) يَقُولُ إنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَيَصِيرُ الشَّاهِدُ كَالْمُودِعِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَمَالِكِهَا دُونَ التَّسْلِيمِ.

[الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ إذْنٌ فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ إيجَابَهُ]
ُ وَهَلْ يَكُونُ إذْنًا فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ اسْتِحْقَاقَهُ هُوَ ضَرْبَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : مَا يَكُونُ إذْنًا فِي صُوَرٍ:
(مِنْهَا) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْجَدِيدِ بَلْ هُمَا فِي كَسْبِ الْعَبْدِ.
(وَمِنْهَا) الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ وَمُقْتَضَاهُ وَلَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَعْدَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهَا) : إذْنٌ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ فَأَدَّى عَنْهُ الضَّامِنُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ نَتِيجَةُ الضَّمَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْوَدِيعَةِ فَأَتْلَفَهَا فَبَدَلُهَا يُؤَدِّيهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ
(1/108)

لَا مِنْ رَقَبَتِهِ كَذَا وَقَعَ فِي (الْحَاوِي الصَّغِيرِ) وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْحِفْظِ لَيْسَ إذْنًا فِي الْإِتْلَافِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْجِنَايَةِ لَيْسَ إذْنًا فِي قِيمَةِ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُتْلِفَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ السَّيِّدُ لِأَنَّ إبْقَاءَهَا فِي يَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ.
(الثَّانِي) : مَا لَا يَكُونُ إذْنًا: كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الدَّمُ عَلَى الْجَدِيدِ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ بِخِلَافِ إذْنِهِ فِي النِّكَاحِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ فِي الْقَدِيمِ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ، وَلِلدَّمِ بَدَلٌ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ.
(وَمِنْهَا) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ وَارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ طِيبٍ أَوْ قَتْلِ صَيْدٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّيِّدِ الْفِدْيَةُ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ بَلْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أُحْصِرَ الْعَبْدُ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي الْأَصَحِّ لِإِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ.

[الْإِذْنُ فِي تَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ هَلْ يَتَعَدَّى مَا وَجَبَ بِسَبَبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ]
؟
(1/109)

فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ.
(مِنْهَا) : الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ هَلْ يُطَالِبُ سَيِّدَهُ فِي بَقِيَّةِ مَالِهِ بِدَيْنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ؟ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: يُطَالِبُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ وَإِلَّا فَلَا.
(وَمِنْهَا) : عَامِلُ الْقِرَاضِ وَالْوَكِيلُ يَشْتَرِي بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَجْرَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْخِلَافَ.

[قَاعِدَةٌ مُخَالَفَةَ الْإِذْن]
مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
(الْأَوَّلُ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ وَضْعِيٍّ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَرَهَنَ عَلَى مِائَتَيْنِ بَطَلَ فِيهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تُخَرَّجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(الثَّانِي) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْطِيٍّ كَمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ حَتَّى تَصِحَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَحْدَهُ.
(الثَّالِثُ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْعِيٍّ كَمَا إذَا أَجَّرَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى الْمَحَلِّ فَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ فِي الْجَمِيعِ.
(1/110)

[تَكْرَار الْأَذَان]
قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَتَوَالَى أَذَانَانِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى قَوْلٍ وَهِيَ مَا إذَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَمَّا فَرَغَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ لَا مَحَالَ. قُلْت: يُضَافُ إلَيْهِ صُوَرٌ.
(إحْدَاهَا) : إذَا أَخَّرَ أَذَانَ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ أَذَّنَ وَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) عَلَى اسْتِدْرَاكِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
(الثَّانِيَةُ) : إذَا وَالَى بَيْنَ فَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَمَقْضِيَّتِهِ وَقَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ فَفِي الْأَذَانِ لَهَا الْأَقْوَالُ، وَأَمَّا فَرِيضَتُهُ فَالْأَصَحُّ يُؤَذِّنُ لَهَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا.
(الثَّالِثَةُ) : إذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ لِلْجَمْعِ فِي السَّفَرِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ أَرَادَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا فَإِذَا أَذَّنَ لَهَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَتَابَعَهُمْ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) .

[إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ هَلْ يَبْقَى الْعُمُومُ]
هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا لَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ بَقَاؤُهُ - وَعَكْسُهُ، وَالضَّابِطُ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُضَافَ لِلْحُكْمِ إنْ كَانَ يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ وَإِذَا صَحَّ
(1/111)

بَقِيَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ الْمُضَافُ الْمَذْكُورُ بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى صِحَّتِهِ. .
(الْأَوَّلُ) : مَا يَبْقَى فِيهِ الْعُمُومُ قَطْعًا كَمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مَعِيبًا عَنْ كَفَّارَتِهِ بَطَلَ كَوْنُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ اعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ أَعْتَقْتهَا عَنْك عَتَقَتْ وَلَغَا قَوْلُهُ عَنْك وَلَا عِوَضَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ بِشَرْطِ الْوُقُوعِ عَنْهُ وَلَمْ يَقَعْ. قَالَ الْغَزَالِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ مَعَ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهَا عَنْك يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَصَفَ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ بِوَصْفٍ مُحَالٍ يُلْغَى الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِمُعَيَّنَةٍ: جَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِهَا وَجَبَ ذَبْحُهَا وَتَكُونُ قُرْبَةً وَيُفَرَّقُ لَحْمُهَا صَدَقَةً وَلَا تَجْزِي عَنْ الضَّحَايَا. وَمِنْهُ لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ وَهُوَ يَظُنُّ سَلَامَتَهُ فَبَانَ تَالِفًا يَقَعُ تَطَوُّعًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَتَّى لَا تَقَعَ صَدَقَةً عَلَى وَجْهٍ وَيَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْفَقِيرِ كَمَا لَوْ دَفَعَ
(1/112)

إلَيْهِ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِرْدَادَ إنْ عَرَضَ مَانِعٌ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ. وَمِنْهُ: لَوْ تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَحْبَبْت أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ نَافِلَةً وَيُصَلِّيَ الْفَرْضَ فَصَحَّحَ النَّفَلَ فِي إبْطَالِ الْفَرْضِ. وَمِنْهُ: إذَا اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ شَهْرَيْنِ فَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ جَازَ وَكَأَنَّهُ لَا يَبْغِي إلَّا الْقَصْلَ وَإِنْ شَرَطَ الْإِبْقَاءَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِلتَّنَاقُضِ وَلِجَهَالَةِ غَايَةِ الْإِدْرَاكِ ثُمَّ إذَا فَسَدَ فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَكِنْ إذَا زَرَعَ لَمْ (يَقْلَعْ) زَرْعَهُ مَجَّانًا لِلْإِذْنِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ. قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.

(الثَّانِي) : مَا لَا يَبْقَى قَطْعًا كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لَا صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا فَاسِدًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ، وَكَذَا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْمُشْتَرِي قَطْعًا وَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِذْنِ الضِّمْنِيِّ فِيهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي ضِمْنِهِ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ وَلَا يَنْتَقِلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ.
(1/113)

(وَمِنْهَا) : لَوْ تَحَرَّمَ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بِهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا قَطْعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَيَنْدَرِجُ فِي نِيَّتِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ.
وَلَوْ أَشَارَ إلَى ظَبْيَةٍ وَقَالَ هَذِهِ ضَحِيَّةٌ فَهُوَ لَاغٍ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا قَطْعًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ ضَحَّى عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ قَدْ دَخَلَ فَلَمْ يَكُنْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ " شَاةِ الْأُضْحِيَّةِ " وَقَوْلُهُ «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً وَلَا صَدَقَةً فَإِنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ أَصْلًا.

(الثَّالِثُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ يَبْقَى فَمِنْهُ إذَا تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ بَطَلَ خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا وَيَبْقَى عُمُومُ كَوْنِهَا نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ بَطَلَ لِتَلَاعُبِهِ. قَالَ (الْبَنْدَنِيجِيُّ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : وَمِثْلُهُ لَوْ نَوَى صَوْمَ الْفَرْضِ بِالنَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا وَهَلْ يَصِحُّ نَفْلًا فِيهِ الْخِلَافُ.
وَمِثْلُهَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ
(1/114)

يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَنَوَى لَيْلَةَ الْأَحَدِ عَلَى اعْتِقَادٍ أَنَّهُ الِاثْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَقَدَّمُ وَقْتَهَا وَهَلْ يَنْعَقِدُ صَوْمُ يَوْمِ الْأَحَدِ نَفْلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ (أَنَّهُ) لَا يَنْعَقِدُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا إذَا أَدَّى دَيْنًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ نَوَى (بِوُضُوئِهِ) الطَّوَافَ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ إلْغَاءً لِلصِّفَةِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ وَإِبْقَاءً لِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْوُضُوءِ إذْ الطَّوَافُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُ الْمَنْعِ اعْتِبَارُ الْمَنْوِيِّ بِجُمْلَتِهِ وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى قَصْدُهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهِ فَفَسَدَتْ النِّيَّةُ.
(وَمِنْهَا) : إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْفَرْضَ سَنَةَ سِتِّينَ مَثَلًا وَهُوَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ فَحَجَّ قَبْلَ السِّتِّينَ فَهَلْ يَصِحُّ حَجُّهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ يَقَعُ نَفْلًا؟ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ وَلَهُمَا مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ هَلْ هُوَ بِمَثَابَةِ تَعْيِينِ الشَّارِعِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنْ صَوْمٍ إلَى صَوْمٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَهَلْ يَبْطُلْ مَا هُوَ فِيهِ أَوْ يَبْقَى نَفْلًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ بَقَاؤُهُ.
(وَمِنْهَا) : إذَا أَفْسَدَ الْمُكَفِّرُ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرَيْنِ عَمْدًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَمَا مَضَى يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ أَوْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي الْمُعَجَّلَةُ وَعَرَضَ مَانِعٌ فَفِي
(1/115)

الِاسْتِرْدَادِ وَجْهَانِ قَرَّبَهُمَا الْإِمَامُ مِنْ قَوْلَيْ التَّحَرُّمِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ عَلَى شَرْطٍ وَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ بَطَلَ خُصُوصُ الْوَكَالَةِ فَيَبْقَى عُمُومُ الْإِذْنِ، وَهَلْ يَجْرِي هَذَا فِي النِّكَاحِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْوَلِيُّ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَوْ زَوَّجَ الْوَكِيلُ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُصَحِّحُهُ تَخْرِيجًا لَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِيه وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ.
(مِنْهَا) : لَوْ قَالَتْ وَكَّلْتُك بِتَزْوِيجِي فَلَيْسَ بِإِذْنٍ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إذْنًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَمِنْهَا) : الشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ إذَا فَسَدَا لِأَمْرٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ فَتَصَرَّفَ الشَّرِيكُ أَوْ الْعَامِلُ نَفَذَ التَّصَرُّفُ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ لَكِنَّ (ابْنُ يُونُسَ) طَرَدَ فِيهِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ
(1/116)

مِنْهَا إذَا انْفَسَخَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بِتَلَفِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَنَّ الْعَامِلَ هَلْ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الْأَوَّلِ قَالَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْإِذْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَالْوَكَالَةُ لَا تَحْتَمِلُ اسْتِرْسَالَ " تَصَرُّفَاتِ الشَّرِيكِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ.
(وَمِنْهَا) : قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ لَا يَلْزَمُنِي يَلْغُو الْأَخِيرُ، وَهَلْ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ؟ الْأَصَحُّ: نَعَمْ.

(الرَّابِعُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا يَبْقَى فَمِنْهَا لَوْ وَجَدَ الْقَاعِدُ خِفَّةً فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا لَوْ قَلَبَ فَرَضَهُ نَفْلًا بِلَا سَبَبٍ. حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَلَ.
(وَمِنْهَا) نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ غَيْرِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَفْلٍ لَمْ يَنْعَقِدْ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا لِأَنَّ الزَّمَانَ مُسْتَحَقٌّ لِرَمَضَانَ قَالَهُ فِي (الشَّافِي) وَقَالَ الرَّافِعِيُّ مَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوَى التَّطَوُّعَ لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْ (أَبِي إِسْحَاقَ) أَنَّهُ يَصِحُّ. قَالَ الْإِمَامُ فَعَلَى قِيَاسِهِ
(1/117)

يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ التَّطَوُّعُ بِهِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ وَقِيلَ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ (صَوْمُ) يَوْمٍ آخَرَ حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ (وَمِثْلُهُ) لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فَاسِدَةً فَقِيلَ تَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الِانْعِقَادِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَالِ قَبْضُهُ لِلْمُشْتَرِي الْمُحِيلِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَطَلَتْ وَالْوَكَالَةَ عَقْدٌ آخَرُ يُخَالِفُهَا وَإِذَا بَطَلَ عَقْدٌ لَمْ يَنْعَكِسْ لِآخَرَ.
وَقَدْ يَبْطُلُ الْخُصُوصُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِبْطَالِ. كَمَا لَوْ اشْتَرَى لِزَيْدٍ وَلَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ لَا يَقَعُ لِزَيْدٍ وَهَلْ يَقَعُ لِلْفُضُولِيِّ؟ الصَّحِيحُ نَعَمْ إنْ كَانَ الشِّرَى فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا إذَا كَانَ بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ خَمْرٌ وَخَلٌّ فَقَالَ أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْخَلِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَأَيَّدَهُ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِحَمْلٍ فَانْفَصَلَ مَيِّتًا
(1/118)

بِجِنَايَةِ جَانٍ لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ وَتَكُونُ الْغُرَّةُ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهُ.
(وَكَمَا) لَوْ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ نَقْصِ الْعَدَدِ فَالْأَصَحُّ انْقِلَابُهَا ظُهْرًا فَبَطَلَتْ إلَى خُصُوصٍ لَا إلَى عُمُومٍ وَهُوَ النَّافِلَةُ وَقِيلَ لَا وَعَلَيْهِ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) تَنْقَلِبُ نَفْلًا.
(وَالثَّانِي) تَبْطُلُ رَأْسًا وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَا يَحْصُلُ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً. وَقَدْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ. كَمَا لَوْ مَنَعْنَا الْقَاضِيَ الْحُكْمَ بِالْحَلِفِ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ بَطَلَ حُكْمُهُ فَإِنْ تَرَاضَيَا بِهِ الْتَحَقَ بِالْمُحَكَّمِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَالَ " صَاحِبُ الذَّخَائِرِ " هَذَا إذَا عَلِمَا فَسَادَ تَوْلِيَتِهِ فَإِنْ جَهِلَاهُ فَقَدْ بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُ بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا فَلَا يَلْتَحِقُ بِالْمُحَكَّمِ وَهَذَا أَشْبَهُ.
(1/119)

[الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ]
إذَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِعَيْنٍ فَأُتْلِفَتْ فَهَلْ يَعُودُ الْحَقُّ إلَى الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ
فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ.
(مِنْهَا) : لَوْ أُتْلِفَ الْمَرْهُونُ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ صَارَتْ رَهْنًا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
(وَمِنْهَا) : الْوَقْفُ إذَا أُتْلِفَ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَاشْتَرَى بِهَا بَدَلَهُ فَفِي صَيْرُورَتِهِ وَقْفًا بِدُونِ إنْشَاءٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِنْشَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مُتْلِفِ الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالنُّقُودِ بِخِلَافِ بَدَلِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ.
(وَمِنْهَا) . الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ إذَا أُتْلِفَتْ يَشْتَرِي النَّاذِرُ بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا وَتَصِيرُ أُضْحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَكَأَنَّهُمْ اكْتَفَوْا هُنَا بِنِيَّتِهِ إذْ إقْدَامُهُ عَلَى الشِّرَاءِ مُتَضَمِّنٌ لِجَعْلِهِ أُضْحِيَّةً.

[إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ]
هَذِهِ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّشِيقَةِ وَقَدْ أَجَابَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
(1/120)

(أَحَدُهَا) : فِيمَا إذَا فَقَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا فِي سَفَرٍ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا يَجُوزُ قَالَ يُونُسُ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ.
(الثَّانِي) فِي أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ أَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا؟ فَقَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَنْ وَجَدَ غَيْرَهَا مِنْ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْحَاجَةِ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
(الثَّالِثُ) حَكَى (بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ) أَنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) سَأَلَ عَنْ الذُّبَابِ يَجْلِسُ عَلَى غَائِطٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ إنْ كَانَ فِي طَيَرَانِهِ مَا
(1/121)

يَجِفُّ فِيهِ رِجْلَاهُ، وَإِلَّا فَالشَّيْءُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَوَضَّحَ " ابْنُ (أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي تَعْلِيقِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ وُضِعَتْ الْأَشْيَاءُ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ بِهِ وَكَثْرَةُ الْعَمَلِ فِيهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَلِيلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ دُونَ كَثِيرِهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ (أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ) هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَكَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي خُفِّهِ الْمَخْرُوزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَرَاجَعَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ (إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ) . قَالَ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَأَشَارَ بِهِ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بَلْ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَيُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلِّ بِهِ الْفَرَائِضَ احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ الْعَفْوُ
(1/122)

فِيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمِنْ (فُرُوعِ) هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ عَمّ ثَوْبَهُ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عُفِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَلَوْ عَمّ الْجَرَادُ طَرِيقَ الْحَرَمِ فَنَحَّاهُ وَقَتَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ بَالَتْ الْبَقَرُ عَلَى دَرِيسِ الْحُبُوبِ فِي حَالِ الدِّرَاسَةِ فَالْمَنْقُولُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعَفْوُ وَإِنْ تَحَقَّقَ بَوْلُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْهَا فِي حَرْفِ الْمِيمِ فِي قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ.

[إذَا اتَّسَعَ الْأَمْرُ ضَاقَ]
هَذِهِ الْعِبَارَةُ صَرَّحَ بِهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الْإِحْيَاءِ مَا يَجْمَعُهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فَقَالَ كُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ.

[إذَا اجْتَمَعَ فِي الْعِبَادَةِ جَانِبُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ غَلَّبْنَا جَانِبَ الْحَضَرِ]
ِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَوْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ. وَلَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ امْتَنَعَ الْإِتْمَامُ وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ
(1/123)

ذَلِكَ الْيَوْمَ " وَكَذَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَارَ مُقِيمًا " تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ، (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَلَوْ ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ امْتَنَعَ " وَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ " بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمٍ لَحْظَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةَ سَفَرٍ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ بِالْعَكْسِ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ الْحَضَرِ فَيَمْتَنِعُ الْقَصْرُ وَلَوْ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَجَبَ إتْمَامُهَا.
(وَفِيهِ) سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ الْإِتْمَامَ فَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ فَلَا يُقَالُ يُتِمُّ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ بَلْ لِفَقْدِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا " يُتِمُّ " لِأَنَّهُ مُقِيمٌ لَمْ يُسَافِرْ. وَأُجِيبُ بِأَنَّا نُعَلِّلُ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ بِعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالْأُخْرَى: فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ وَخَرَجُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
(1/124)

(إحْدَاهُمَا) : لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ مِنْ غَيْرِ وِجْدَانِ الْمَاءِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَيْسَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَا لَوْ اتَّصَلَتْ السَّفِينَةُ بِدَارَ الْإِقَامَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يُعِيدُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) وَلَيْسَتْ فِي (الشَّرْحِ) (وَالرَّوْضَةِ) .
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ مَسَحَ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ عَلَى الْأُخْرَى فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ تَمَّ مَسْحُهُ فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ تَغْلِيبًا لِلسَّفَرِ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ.

[إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَوْ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ]
ُ غُلِّبَ جَانِبُ الْحَرَامِ وَمِنْ ثَمَّ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَآخَرُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ قُدِّمَ الْحَظْرُ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ. وَمِنْ هَذَا قَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَ
(1/125)

أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ الْأَئِمَّةُ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ مُبَاحٍ لِاجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ إذَا تَعَارَضَ مَا يُوجِبُ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ.
(أَحَدُهَا) : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَيُعْتَبَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِدَلِيلٍ آخَرَ.
(وَالثَّانِي) : يُغَلَّبُ الْحَظْرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا إذَا امْتَزَجَ فِيهِ حَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ فَأَمَّا مَا لَا مَزْجَ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَظْرِ كَالْأَوَانِي إذَا كَانَ بَعْضُهَا نَجِسًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الِاجْتِهَادِ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْحَرَامَ إمَّا أَنْ يُسْتَهْلَكَ أَوْ لَا.
(فَالْأَوَّلُ) : لَا أَثَرَ لَهُ غَالِبًا وَهَذَا كَالطِّيبِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِيهِ طِيبٌ قَدْ اُسْتُهْلِكَ لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ. وَالْمَائِعَاتُ يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الطَّهَارَةِ وَإِذَا خَالَطَتْ الْمَاءَ وَاسْتُهْلِكَتْ سَقَطَ حُكْمُهَا وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ يَشْرَبُهُ الرَّضِيعُ لَا يَحْرُمُ فَإِذَا مُزِجَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ بِمَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى ذَهَبَتْ نَشْوَتُهَا وَشُرِبَتْ لَمْ يُحَدَّ لِاسْتِهْلَاكِهَا لَكِنْ يَحْرُمُ
(1/126)

تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّجَاسَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِسْكَارِ قَالَ الْأَصْحَابُ يَمْتَنِعُ الْقِرَاضُ عَلَى الْمَغْشُوشِ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) هَذَا إنْ كَانَ ظَاهِرًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا جَازَ. وَلَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ مَعَ كَوْنِ الْحَرَامِ مُنْغَمِرًا. قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا إذَا عَمَّ الِالْتِبَاسُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِقَالُ إلَى جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ مَحْرَمٌ لَهُ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَنْكِحُ اللَّوَاتِي يَرْتَابُ فِيهِنَّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَجْرَ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُ احْتِمَالَهُ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ فِي الْأَوَانِي إذَا قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ ثُمَّ مُرَادُهُ بِهَذَا الطَّاهِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَزْمِ بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَا شَكَّ فِيهِ. لَكِنْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْإِعْلَامِ أَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ مِنْ الْوَرَعِ بَلْ وَسْوَاسٌ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةُ نَجَاسَةٍ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا بِمَاءٍ
(1/127)

كَثِيرٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ يَنْجَسُ الْكُلُّ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَغْلِيبُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ غَلَبَ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ بِالتَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَهْلَكًا فَإِنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ بِدَرَاهِمَ حَلَالٍ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا حَتَّى يُمَيِّزَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فَعَفْوٌ. قَالَ الْغَزَالِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي الْإِحْيَاءِ إذَا اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ بَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْحَرَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنَّ تَرْكَهُ وَرَعٌ مَحْبُوبٌ وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ إلَّا بِالْحَرَامِ غَلَبَ الْحَرَامُ احْتِيَاطًا كَالْجَارِيَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَيْهِمَا، وَالْمُشْرِكِ وَالْمُسْلِمِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، وَالْمُطَلِّقِ إحْدَى نِسَائِهِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا، وَالنَّجَاسَةِ تَقَعُ فِي الْمَائِعَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ تَشْتَبِهُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ مَحْرَمٍ بِعَدَدٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ مَحْصُورَاتٍ، وَلَحْمٍ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ، وَلَوْ اخْتَلَطَ
(1/128)

حَمَامٌ مَمْلُوكٌ بِحَمَامٍ مُبَاحٍ مَحْصُورٍ امْتَنَعَ الصَّيْدُ أَوْ لَا؟ بِمَحْصُورٍ جَازَ؟ وَلَوْ اخْتَلَطَ مَا لَا يُحْصَرُ بِمَا يُحْصَرُ جَازَ الصَّيْدُ فِي الْأَصَحِّ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْإِفْسَادِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَغَلَبَ الْحَرَامُ، وَلَوْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَصَابَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) إذَا أَخَذَ الْمَكَّاسُ مِنْ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ الْمَكْسِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ دَرَاهِمِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُخْتَلَطِ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ التَّصَرُّفِ. لَكِنْ فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَلَالٌ بِدَرَاهِمَ حَرَامٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَطَرِيقَتُهُ أَنْ يَعْزِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ مِنْهَا بِنِيَّةِ الْقَسْمِ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْبَاقِي، وَاَلَّذِي عَزَلَهُ إنْ عَلِمَ صَاحِبَهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ قَالُوا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ قَدْرَ حَقِّهِ وَيُخَلِّي الْبَاقِيَ لِلْغَاصِبِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ إنَّ اخْتِلَاطَ مَالِهِ بِغَيْرِهِ يُحَرِّمُهُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَحَكَى فِي الْإِحْيَاءِ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ
(1/129)

الْمَالَ بِكَمَالِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُهُ وَسَكَتَ عَمَّا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ عُلِفَتْ شَاةٌ بِعَلَفٍ مَغْصُوبٍ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْغَزَالِيِّ لَوْ اعْتَلَفَتْ الشَّاةُ عَلَفًا حَرَامًا أَوْ رَعَتْ فِي حَشِيشٍ حَرَامٍ لَمْ يَحْرُمْ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا وَلَكِنْ تَرْكُهُ وَرَعٌ. قُلْت وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إنْ كَانَ الْعَلَفُ قَدْرًا لَوْ كَانَ شَيْئًا نَجِسًا يُظْهِرُ تَغَيُّرَ اللَّحْمِ " حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَخْلُو عَنْ الشُّبْهَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ أَصْلَ مَالِ الْغَيْرِ حَلَالٌ وَإِنَّمَا " حَرُمَ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ لَبَنِ الْكَلْبَةِ إذَا رُبِّيَتْ بِهِ سَخْلَةٌ وَظَهَرَ التَّغَيُّرُ فَإِنَّ أَصْلَهُ حَرَامٌ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ أَمَرَّا السِّكِّينَ عَلَى عُنُقِ شَاةِ الْغَيْرِ وَذَكَّيَاهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّحْمَ حَرَامٌ، وَهَلْ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فَقَطْ لِأَنَّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ أَرْشِ النُّقْصَانِ بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً؟ احْتِمَالَانِ " أَوْجُهُهُمَا ثَانِيهِمَا " وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَحْرِ وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ
(1/130)

الْعِبْرَةَ بِالْقَوَائِمِ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَلَوْ وَاحِدَةً فِي الْحَرَمِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا. فَلَوْ كَانَ نَائِمًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ " صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ " الْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ. وَلَوْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ يُؤَثِّرُ فَهُوَ سَالِبٌ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ اسْتَوَيَا قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ وَجَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ يُسْلَبُ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرِيرِ أَنَّ الْمَدَارَ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ عَلَى أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ الْمَاءُ وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَا اسْتِهْلَاكَ وَالْمَدَارُ هُنَاكَ عَلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَوْ يُوجَدُ كَذَلِكَ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ، وَتَسَاوِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ يَحِلُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَسُّ التَّفْسِيرِ الْمُسَاوِي لِلْقُرْآنِ فِي جَوَازِ مَسِّهِ
(1/131)

لِلْمُحْدِثِ، وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا مُبِيحٌ وَهُوَ انْتِفَاءُ أَحْكَامِ النَّسَبِ وَحَاظِرٌ وَهُوَ كَوْنُهَا جُزْءًا مِنْهُ فَغَلَّبُوا الْمُبِيحَ، وَمُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إذَا لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَوْ رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَاسِدَةً وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَثْمَانِ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَرِّفُ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ حَلَّ. وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ حَلَّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَثَارُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ هَلْ يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا أَوْ لَا.
تَنْبِيهٌ
قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إذَا اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ وَجَبَ اجْتِنَابُ الْحَلَالِ مَوْضِعُهُ فِي الْحَلَالِ الْمُبَاحِ أَمَّا إذَا اخْتَلَطَ الْوَاجِبُ بِالْمُحَرَّمِ رُوعِيَ مَصْلَحَةُ الْوَاجِبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ.
(أَحَدُهَا) . اخْتِلَاطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَيُمَيَّزُ بِالنِّيَّةِ وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/132)

مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» .
(الثَّانِيَةُ) : اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ حَرَامًا.
(الثَّالِثَةُ) : الْمَرْأَةُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ وَجْهِهَا فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِكَشْفِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّتْ رَاعَتْ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ.
(الرَّابِعَةُ) : الْمُضْطَرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا.
(الْخَامِسَةُ) : الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا.

[إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ أَوْ الْغُرُورُ وَالْمُبَاشَرَةُ قُدِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ]
كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ضِيَافَةً لِلْمَالِكِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ، وَكَمَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَطَارَ لَا يَضْمَنُهُ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ
(1/133)

الْفَاتِحِ سَبَبٌ وَمِنْ الطَّائِرِ مُبَاشَرَةٌ وَاخْتِيَارٌ فَأُحِيلَ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا، وَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَإِذَا غَرِمَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْعَافِي فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ، وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمُنَفِّرِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ وَإِحَالَتُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِ. وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ. وَلَوْ دَلَّ الْمُودِعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ سَارِقًا فَأَخَذَهَا لَا يَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ سَبَبٌ وَالْأَخْذَ مُبَاشَرَةٌ. وَلَوْ غُرَّ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَتْ مَعِيبَةً أَوْ رَقِيقَةً انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَغَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ. وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَبَقَ عَقْدٌ صَحِيحٌ فَلَوْ غَصَبَ أَمَةً وَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ غَرِمَ الْمَهْرَ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي مَسْأَلَتِنَا صَحِيحٌ وَفَسْخُ الْعَقْدِ يُوجِبُ اسْتِرْدَادَ الْبَاذِلِ مَا بَذَلَ وَهَا هُنَا الْعَقْدُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَيَغْرَمُ وَلَا يَرْجِعُ. ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الْغَصْبِ. قَالَ وَنَظِيرُهُ مِنْ الْغُرُورِ لَوْ غُرَّ بِأَمَةٍ وَهُوَ وَاجِدٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ أَوْ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ الْعَنَتِ فَوَطِئَهَا جَاهِلًا غَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ.
وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا وَقَدَّمَهُ لِغَيْرِهِ ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ جَاهِلًا غَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ وَالنَّفْعُ عَائِدٌ
(1/134)

إلَيْهِ فَكَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ. نَعَمْ إنْ غَرِمَ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآكِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الصُّورَةِ أَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ عَلَى اثْنَيْنِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ.
(مِنْهَا) : إذَا (اسْتَأْجَرَهُ) لِحَمْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ عَلَى دَابَّةٍ وَسَلَّمَهُ زَائِدًا فَحَمَلَهُ الْمُؤَجِّرُ جَاهِلًا بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ لَهُ عَشَرَةٌ فَكَانَ أَحَدَ عَشَرَ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ ضَمِنَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ حَمَلَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ هَذَا الْغَارُّ لِأَنَّ يَدَ الْمُبَاشِرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَيَدِ الْغَارِّ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) تَرْجِيحَ الرَّافِعِيِّ الضَّمَانَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ. قَالَ وَهَذَا التَّرْجِيحُ يُنَافِي التَّخْرِيجَ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا.
(وَمِنْهَا) : إذَا غَصَبَ شَاةً وَأَمَرَ قَصَّابًا بِذَبْحِهَا وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْحَالِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا قَالَهُ فِي (الرَّوْضَةِ) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْتَاهُ الْمُفْتِي بِإِتْلَافٍ فَأَتْلَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ مُقَصِّرٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ.
(وَمِنْهَا) : وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَصَرَفَ إلَيْهِمْ غَلَّتَهَا ثُمَّ
(1/135)

خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْوَاقِفِ لِتَغْرِيرِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَكُلُّ مَنْ انْتَفَعَ بِهِ غَرِمَ فَإِنْ أَجَّرَ النَّاظِرُ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ وَسَلَّمَهَا لِلْعُلَمَاءِ فَرُجُوعُ مُسْتَحِقِّ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَرُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مَنْ وَصَلَتْ دَرَاهِمُهُ إلَيْهِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.

[إذَا اجْتَمَعَ الْمُمْسِكُ وَالْقَاتِلُ]
ُ هُوَ ضَرْبَانِ.
(الْأَوَّلُ) : مَا يَلْغُو مَعَهُ فِعْلُ الْمُمْسِكِ وَذَلِكَ فِي بَابَيْنِ.
(أَحَدُهُمَا) : الْقِصَاصُ إذَا أَمْسَكَ شَخْصًا فَقَتَلَهُ آخَرُ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ.
(ثَانِيهِمَا) : الْإِحْرَامُ إذَا أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَزَاءَ كُلَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ. وَقِيلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ ضَمَانِهِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُمْسِكِ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ. وَفَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْغَصْبِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْرِمِ ضَمَانُ يَدٍ وَلَيْسَ بِضَمَانِ إتْلَافٍ فَأَمَّا فِي ضَمَانِ الْإِتْلَافِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ وَلَا يُرَدُّ الْإِكْرَاهُ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُلْجِئٌ.
(الثَّانِي) : مَا لَا يَلْغُو كَمَا إذَا أَمْسَكَ الْكَافِرَ فِي الْحَرْبِ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ
(1/136)

فَإِنَّ السَّلَبَ بَيْنَهُمَا لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) عَنْ (أَبِي الْفَرَجِ) قَالَ: وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا مَنَعَهُ مِنْ الْهَرَبِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ.
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ الضَّابِطُ فَإِنَّهُ أَسِيرٌ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلْبُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُمْسِكُ مِنْ قَتْلِهِ أَمَّا إذَا ضَبَطَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ فَبَادَرَ شَخْصٌ وَقَتَلَهُ فَلَا يُشَارِكُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِرْ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ. وَمِنْهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَقَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْحَلَالِ لِأَنَّ الْحَلَالَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ وَنَازَعَ (الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ. وَقَالَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَنَّهُ مَا دَامَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُحْرِمِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَرِّرَ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِهِ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِ.

[إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِعَدَدٍ أَوْ تَرَتَّبَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالْآخَرِ]
(1/137)

وَلَك أَنْ تَقُولَ إذَا تَعَقَّبَ شَيْءٌ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ فَهَلْ الْمُؤَثِّرُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْهَا أَوْ الْمَجْمُوعُ. فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ تَرَدُّدٌ. وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ (الْمُتَرَتِّبِ) عَلَى اللَّفْظِ هَلْ (هُوَ يُنَاطُ) بِآخَرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ بِكُلِّهِ وَيَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مُتَوَقِّفُ الْوُجُودِ عَلَى مَا سَبَقَهُ فَلِمَا سَبَقَهُ مَدْخَلٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَائِدُ وَالْمَعْزُوُّ لِمَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ الْمَجْمُوعُ. وَمُقَابِلُهُ الْمَعْزُوُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) . وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مَسْأَلَةِ (السُّكْرِ) بِالْقَدَحِ الْعَاشِرِ فَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) بِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَحْصُلُ بِالْقَدَحِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ بَلْ بِهِ وَبِمَا قَبْلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ فِي التَّحْرِيمِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ حُكْمُهُ. وَحَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِحُصُولِهِ بِالْأَخِيرِ وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ إذَا لَمْ يَسْكَرْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ انْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَشَارَ إلَيْهَا الرَّافِعِيُّ فِي (كِتَابِ الْخُلْعِ) وَغَيْرِهِ وَلَهَا فُرُوعٌ.
(الْأَوَّلُ) : لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً فَالنَّصُّ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَالتَّحْرِيمَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى
(1/138)

الْمُحَلِّلِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالثَّالِثَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي (الْحَاوِي الصَّغِيرِ) إذَا أَفَادَ الْكُبْرَى اسْتَحَقَّ فَأَفَادَ الْحُكْمَ مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيلَ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى " ذَهَابِ ضَوْئِهِ كُلِّهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ مِنْ النَّبِيذِ وَلَمْ يَسْكَرْ ثُمَّ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ السُّكْرُ بِانْضِمَامِ الْعَاشِرِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَإِنْ تَأَثَّرَتْ بِمَا سَبَقَهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَشَارَكَ فِي ذَلِكَ الْقَدَحُ الْعَاشِرُ وَعَيْنُ الْأَعْوَرِ لَكِنَّ جِهَةَ التَّأْثِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الثَّالِثَةِ تَأْثِيرُ شَرْطٍ فِي مَشْرُوطٍ، وَالشَّرْطُ لَا يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ مُنْحَطَّةٌ عَنْ الثَّالِثَةِ مَعَ لِحَاظِ التَّقَدُّمِ بِخِلَافِ الْقَدَحِ الْعَاشِرِ وَعَيْنِ الْأَعْوَرِ لِأَنَّ السُّكْرَ نَشَأَ عَنْ الْمَجْمُوعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُسْتَرُ عَلَى التَّدْرِيجِ فَكُلُّ قَدَحٍ يُزِيلُ شَيْئًا مِنْ التَّمْيِيزِ وَزَوَالِ الْبَصَرِ كَمَا أَثَّرَ فِيهِ الْفَقْءُ أَثَّرَ فِيهِ مَا قَبْلَهُ وَالْحُرْمَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالْكُبْرَى لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالطَّلْقَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ
(1/139)

الْحُرْمَةِ الْكُبْرَى تَوَقُّفُ الْحِلِّ عَلَى أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَهَذِهِ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ حَتَّى يُبَاشِرَ بَعْضَهَا بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ وَبَعْضَهَا بِمَا قَبْلَهَا. قِيلَ وَهَذَا الْبَحْثُ مَحَلُّ نَظَرٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِكُلِّ طَلْقَةٍ يَتَشَعَّبُ النِّكَاحُ وَيَنْقُصُ حَقُّ الزَّوْجِ وَبِالثَّالِثَةِ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
(الثَّانِي) : لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجِ الصَّغِيرَةَ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ ارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ الْمَرَّةَ الْخَامِسَةَ فَهَلْ يُحَالُ التَّحْرِيمُ عَلَى الرَّضْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ ارْتَضَعَتْ الْخَمْسَ وَصَاحِبَةُ اللَّبَنِ نَائِمَةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُرْمٌ يُسْقِطُ مَهْرَ الصَّغِيرَةِ أَوْ يُحَالُ عَلَى الْجَمِيعِ فَيَسْقُطُ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى خُمُسُهُ وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ. وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
(الثَّالِثُ) : لَوْ أَوْجَرَهَا ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ مِنْ لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ (وَاحِدٌ) مَرَّةً وَآخَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
فَهَلْ يُوَزَّعُ الْغُرْمُ أَثْلَاثًا لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرَّضَعَاتِ؟ صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِيَ وَالصَّوَابُ
(1/140)

بِمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ النَّصِّ فِي الْخُلْعِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ. وَإِنَّ الْغُرْمَ عَلَى مَنْ أَرْضَعَ الْخَامِسَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(الرَّابِعُ) : إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ عَلَى التَّلَاحُقِ هَلْ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالطَّلْقَةِ وَحْدَهَا أَوْ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؟ وَجْهَانِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي الشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ. فَهَلْ يَكُونُ الْغُرْمُ بِجُمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ ثُلُثِهِ فَقَطْ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ كَانَتْ جُمْلَةُ الْغُرْمِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَثُلُثُهُ وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَهَلْ نَقُولُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ؟ قَالَ الشَّيْخُ " بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ " سُئِلْت. عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَيْت بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَيْئَةَ الثَّلَاثِ وَقَعَتْ الْآنَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] أَيْ أَكْمَلْت لَكُمْ الْأَحْكَامَ لَا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ
(1/141)

نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ آيَاتٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَحْكَامِ وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثًا» إلَى أَنْ قَالَ «فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا» وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ انْحَلَّ عُقْدَتَانِ.
(الْخَامِسُ) : الْعِتْقُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ يُنْسَبُ إلَى النَّجْمِ الْأَخِيرِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتَ بِهِمَا مَا قَبْلَهُ أَوْ إلَى الْمَجْمُوعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
(السَّادِسُ) : لَوْ جَعَلَ الْجُعَلَ فِي مُقَابَلَةِ رَدِّ عَبْدَيْهِ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي (كِتَابِ الْخُلْعِ) فِيمَا إذَا جَعَلَ لَهُ جُعَلًا فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةٍ، فَرَدَّ وَاحِدًا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى رَدِّ الثَّانِي أَمْ لَا فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أَصْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْحِصَّةِ فِيمَا
(1/142)

إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً. وَلَوْ كَانَ شَرْطُ اسْتِحْقَاقِ الْحِصَّةِ الْعَجْزَ عَنْ رَدِّ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ.
(السَّابِعُ) : السَّبْعُ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ هَلْ يُقَالُ يُحْصَرُ التَّطْهِيرُ بِالْمَجْمُوعِ (أَوْ) بِالسَّابِعَةِ؟ .
يُمْكِنُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ. وَمِنْ فَوَائِدِهِ مَا لَوْ تَطَايَرَ شَيْءٌ فِي أَثْنَاءِ الْغَسَلَاتِ وَفِيهِ خِلَافٌ.
(الثَّامِنُ) : مَنْ سَرَقَ زَائِدًا عَلَى النِّصَابِ كَأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقُطِعَ كَانَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ وَيَبْقَى الزَّائِدُ إلَى تَمَامِ الْأَلْفِ لَا مُقَابِلَ لَهُ وَلَا تَكْفِيرَ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (الْقَوَاعِدِ) وَلَكِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَقْصِ إنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ فِي الْأَوْقَاصِ وَهِيَ مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْخَمْسِ وَالْعَشْرِ مِنْ الْإِبِلِ هَلْ يَتَعَلَّقُ الْوَاجِبُ بِهَا مَعَ النُّصُبِ أَوْ هِيَ عَفْوٌ وَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنُّصُبِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي. قُلْت: وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمُوَضَّحَةِ يَجِبُ فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ اسْتَوْعَبَتْ أَكْثَرَ الرَّأْسِ قَطْعًا، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي (الْفُرُوقِ) .
(التَّاسِعُ) : الْمَهْرُ يُقَابَلُ بِجَمِيعِ الْوَطَآتِ أَوْ بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى؟
(1/143)

وَجْهَانِ وَضَعُفَ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّدَاقَ كَالثَّمَنِ فَلَا يُقَابِلُهُ مَجْهُولٌ وَجَمِيعُ الْوَطَآتِ مَجْهُولَةٌ.
(الْعَاشِرُ) : لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُزْمِنْهُ وَرَمَى إلَيْهِ آخَرُ فَأَزْمَنَهُ فَلِمَنْ يَكُونُ الصَّيْدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لِلثَّانِي إذْ الزَّمَانَةُ تَعْقُبُ رَمْيَهُ. وَالثَّانِي هُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِمَا. وَخَرَّجَ عَلَيْهِمَا الْقَاضِي مَا لَوْ وَضَعَ فِي السَّفِينَةِ زِيَادَةً مُغْرِقَةً فَغَرِقَتْ فَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْقِسْطُ. أَمَّا لَوْ عَلَّقَ بِعَدَدٍ فَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الزِّيَادَةِ ثَبَتَ بِالْكُلِّ إذْ لَا يُمْكِنُ إسْنَادُهُ لِمُعَيَّنٍ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْحَقِّ وَلِهَذَا لَوْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ وُزِّعَ الْغُرْمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ سَوَاءٌ شَهِدُوا جَمِيعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَقِيلَ يَحْرُمُ فَالزَّائِدُ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِإِتْلَافٍ كَمَا لَوْ ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ فَمَاتَ فَهَلْ يَجِبُ كُلُّ الضَّمَانِ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا الثَّالِثُ.
(1/144)

وَكَذَا لَوْ جُلِدَ فِي الْقَذْفِ إحْدَى وَثَمَانِينَ فَهَلْ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ إحْدَى وَثَمَانِينَ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ اكْتَرَى اثْنَانِ دَابَّةً فَارْتَدَفَهُمَا ثَالِثٌ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا فَهَلَكَتْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِفِ النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ أَوْ الْقِسْطُ بِحَسَبِ الْوَزْنِ؟ أَوْجُهٌ.

[إذَا اخْتَلَفَ الْقَابِضُ وَالدَّافِعُ فِي الْجِهَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ]
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ ثُمَّ دَفَعَ إلَى الْمُدَايِنِ دَرَاهِمَ وَقَالَ أَقَبَضْتهمَا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ وَأَنْكَرَهُ الْقَابِضُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ أَوْ فِي لَفْظِهِ.
قَالَ الْأَئِمَّةُ وَالِاعْتِبَارُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ بِقَصْدِ الْمُؤَدِّي حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهُ يُودِعُهُ عِنْدَهُ وَنَوَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَصَارَ الْمَدْفُوعُ مِلْكًا لِلْقَابِضِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى زَوْجَتِهِ دَرَاهِمَ وَقَالَ دَفَعْتهَا عَنْ الصَّدَاقِ فَقَالَتْ بَلْ هِيَ هَدِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مَالٍ فَقَالَ دَفَعْته صَدَاقًا فَقَالَتْ بَلْ هَدِيَّةً " فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ " وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ
(1/145)

وَاخْتَلَفَا هَلْ قَالَ خُذِي هَذَا صَدَقَةً أَمْ هَدِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَفْظٌ وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ بِيَمِينِهِ وَقِيلَ بِلَا يَمِينٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ غَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا اسْتَرَدَّهُ وَأَدَّى الصَّدَاقَ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا. وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقَاصِّ وَقَالَ فِي النَّفَقَاتِ لَوْ بَاعَ شَيْئًا فَأَجْرُ دَلَّالَتِهِ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ الدَّلَّالُ لِلْمُشْتَرِي إنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُعْطِنِي أَجْرَهُ فَأَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا وَكَانَ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُعْطِهِ وَقَدْ ظَهَرَ خِلَافُهُ. وَمِثْلُهُ لَوْ أَظْهَرَ شَخْصٌ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ فَدَفَعَ إلَيْهِ النَّاسُ مَالًا لَمْ يَمْلِكْهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ. وَفِيهِ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَقِيرِ الَّذِي مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَخَلَفَ دِينَارَيْنِ كَيَّةٌ مِنْ نَارٍ» . وَلَوْ رَأَى إنْسَانًا دَنِسَ الثِّيَابِ فَأَعْطَاهُ
(1/146)

دِرْهَمًا لِيَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى غَسْلِهِ عَمَلًا بِنِيَّةِ الْمَالِكِ؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ إنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ جَازَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَيْهِ وَحَكَى فِي.
(الشَّهَادَاتِ) فِيهِ وَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الشَّاهِدُ أُجْرَةَ مَرْكُوبِهِ فَلَمْ يَرْكَبْ وَالصَّوَابُ أَنَّ فِي الْكُلِّ الْمَدَارَ عَلَى الْقَرِينَةِ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا الصَّرْفَ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْبَدَلَ حُكِمَ لَهُ بِهِ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يَصِيرُ مُبَاحًا بِالِاضْطِرَارِ مَعَ الْبَدَلِ فَالْإِبَاحَةُ لَا تُفِيدُ سُقُوطَ الْبَدَلِ عِنْدَ دَعْوَاهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) : لَوْ بَعَثَ " إلَى بَيْتِ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ " شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعَثْته بِعِوَضٍ وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الصَّدَاقِ) .
(وَمِنْهَا) : لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ قَبَضْته عَنْ الرَّهْنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ بَلْ قَبَضَهُ إيدَاعًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ إجَارَةً فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى
(1/147)

قَبْضِ مَأْذُونٍ فِيهِ أَوْ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجْرِي هَذَا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَكَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ وَصَادَفْنَا الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعٌ أَنَّهُ أَعَارَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا حُصُولُ الْقَبْضِ لِقُوَّةِ يَدِهِ بِالْمِلْكِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ عَجَّلَ زَكَاةً وَتَنَازَعَ هُوَ وَالْقَابِضُ فِي أَنَّهُ اشْتَرَطَ التَّعْجِيلَ أَمْ لَا فَالْمُصَدَّقُ الْقَابِضُ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهَا) : إذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ وَقَالَ إنِّي فَقِيرٌ فَأَعْطَاهُ شَيْئًا ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ دَفَعَهُ قَرْضًا وَأَنْكَرَ الْفَقِيرُ " فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَقِيرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ إنِّي فَقِيرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ قَالَهُ الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) (فِي تَعْلِيقِهِ) فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ.
تَنْبِيهٌ
لَوْ تَنَازَعَا عِنْدَ الدَّفْعِ فِي الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَالِاخْتِيَارُ إلَى الدَّافِعِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ وَاسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَسْأَلَةً، وَهِيَ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ إلَى سَيِّدِهِ لَا لَهُ وَمَعَ هَذَا فَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْجِهَةِ ثُمَّ قَالَ الْمُكَاتَبُ قَصَدْت النُّجُومَ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَوْ قَالَ صَدَقْت وَلَكِنْ قَصَدْت أَنَا الدَّيْنَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ تَصْدِيقُ الْمُكَاتَبِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ لِأَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُنَا لِلسَّيِّدِ.
(1/148)

فَائِدَةٌ
قَالُوا فِي بَابِ (الْقِرَاضِ) إذَا اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي بَابِ الْهِبَةِ إذَا قَالَ وَهَبْتُك بِعِوَضٍ وَقَالَ بَلْ مَجَّانًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَّهَبِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ: بَلْ مَجَّانًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ.
(وَيَحْلِفُ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْعِتْقُ فَحَاصِلٌ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ. وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَالَتْ بَلْ بِلَا عِوَضٍ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ وَلَا عِوَضَ عَلَيْهَا.
وَفِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ لَوْ أَطْعَمَهُ وَاخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآكِلِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا قَالَ بِعْتُك فَقَالَ بَلْ وَهَبْتنِي يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ فَإِذَا حَلَفَا رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ (الْمَسَائِلِ) وَمَا الضَّابِطُ لَهَا؟ وَالْجَوَابُ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَتِلْكَ أَنَّ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ اتِّفَاقًا عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْ الْمَالِكِ ثُمَّ الْمَالِكُ يَدَّعِي ضَمَّ مَا يُوجِبُ الْعِوَضَ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ هَذِهِ الضَّمِيمَةَ فَصَدَّقْنَاهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فَاعْتَضَدَ قَوْلُهُ بِأَصْلَيْنِ عَدَمُ الضَّمِيمَةِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَفِي الْأَخِيرَةِ اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْ الْمَالِكِ هَلْ هُوَ لَفْظُ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فَصَدَّقْنَاهُ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُ فَقَوِيَ جَانِبُهُ وَلَمْ يُرَجَّحْ قَوْلُ الْآخَرِ وَإِنَّمَا لَمْ نُلْزِمْهُ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ
(1/149)

يَدَّعِي بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْأَصْلِ وَضَابِطُ الْمَسَائِلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي ضَمِّ لَفْظِ الْعِوَضِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اتِّحَادِ لَفْظِ اللَّافِظِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ. فَإِنْ قُلْت: وَلِمَ جَرَى الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ وَالْمُتَّهَبِ وَالْمُضْطَرِّ وَلَمْ يَجْرِ، فِي مَسْأَلَتَيْ الْعِتْقِ، وَالْخُلْعِ؟ قُلْت: وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ضَابِطًا لِبَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَهُوَ أَنَّ الدَّافِعَ إمَّا أَنْ يُخَالِفَ الظَّاهِرَ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ الظَّاهِرَ فَهُوَ الْمُصَدَّقُ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ: هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: هِبَةٌ، فَالْمُصَدَّقُ الدَّافِعُ، وَكَمَسْأَلَةِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ. أَمَّا إذَا كَانَ قَوْلُ الدَّافِعِ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ صُدِّقَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَتَنَازَعَ هُوَ وَالْقَابِضُ فِي أَنَّهُ شَرَطَ التَّعْجِيلَ فَالْمُصَدَّقُ الْفَقِيرُ لِأَنَّ الدَّافِعَ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالْمُعَجَّلَةُ لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ فِي الْحَالِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.

[إذَا اخْتَلَفَ الْغَارِمُ وَالْمَغْرُومُ لَهُ فِي الْقِيمَةِ]
ٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَصْلٌ آخَرُ. وَاحْتُرِزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَمَّنْ يَدَّعِي بَقَاءَ حَيَاةِ الْمَلْفُوفِ حَيْثُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ.
(1/150)

وَمِنْ فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ: لَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ جُزَافًا وَجَوَّزْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْفَسْخِ وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ صُدِّقَ الْغَاصِبُ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الشَّرِيكَانِ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَتَلِفَ الْعَبْدُ فَالْمُصَدَّقُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَاقْتَضَى الْحَالُ تَقْسِيطَ الثَّمَنِ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ كَرَدٍّ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي مَا يَقْتَضِي زِيَادَةً فِيمَا يُسْتَرْجَعُ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَى الثَّمَنِ فَلَا نَنْزِعُ عَنْهُ إلَّا بِمَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَاقْتَضَى الْحَالُ تَقْسِيطَ الثَّمَنِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ جَزْمًا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ وَلَوْ اخْتَلَفَا وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي جَزْمًا. وَلَوْ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَحَالَفَانِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ. وَلَوْ تَقَايَلَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْأَصَحُّ كَذَلِكَ وَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ.
نَعَمْ لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ الشُّفْعَةُ وَقَالَ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَإِنَّمَا لَمْ
(1/151)

يُجْعَلْ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّفِيعِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ غَارِمًا لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَارِمِ فِي حَالَةِ التَّلَفِ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ، وَلَا يَمْلِكُ بِالْغَرَامَةِ مَالًا فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَارِمٍ يَعْنِي حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَبْذُلُ بَدَلًا يَمْلِكُ بِهِ شِقْصًا لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَدَلٍ يَمْلِكُ بِهِ مَا هُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ يَنْزِعُ مِلْكَ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ يَبْذُلُهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْبَدَلِ وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلُوا الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مَعَ الْبَائِعِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَنْزِعُ الْمِلْكَ مِنْ الْبَائِعِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ. وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّا نَنْظُرُ فِي مُدَّعِي الْمِقْدَارِ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ فَإِنْ وَجَدْنَاهُ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْعَقْدِ كَالشَّفِيعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ خَصْمِهِ جَزْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يُرِيدُ بِدَعْوَاهُ إزَالَةَ مِلْكِ خَصْمِهِ عَمَّا هُوَ فِي مِلْكِهِ أَوْ لَا. إنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُعَارِضْهُ تَلَفٌ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي " فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُرَادُ إزَالَةُ مِلْكِهِ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ عَارَضَهُ تَلَفٌ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي " مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا جَرَى الْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ غَارِمًا فَلَا يَجْرِي الْقَوْلَانِ وَيَجِيءُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَتَّى فِي صُورَةِ الْإِقَالَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَقْدٌ قَائِمٌ فَإِنْ كَانَ جَاءَ التَّحَالُفُ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إزَالَةُ مِلْكِ خَصْمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ
(1/152)

كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ حَتَّى فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ وَإِنْ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ هَذَا وَمِنْ الَّذِي قَبْلَهُ جَرَى الْقَوْلَانِ كَمَا فِي صُورَةِ الْعِتْقِ.

[إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا إلَى دَفْعِ الْعَقْدِ وَالْآخَرُ إلَى إمْسَاكِهِ]
فَالْأَصَحُّ أَجَابَّةُ مَنْ طَلَبَ الْإِمْسَاكَ مَعَ الرُّجُوعِ بِأَرْشِ الْقَدِيمِ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ الْعَقْدِ وَإِبْقَائِهِ إلَّا فِي صُورَةٍ: وَهِيَ مَا إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ الثَّوْبِ بَعْدَ صَبْغِهِ فَأَرَادَ الْبَائِعُ إعْطَاءَ الْأَرْشِ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّ الثَّوْبِ وَأَخْذَ قِيمَةَ الصَّبْغِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُجَابَ هُوَ الْبَائِعُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَضِيَّةُ إيرَادِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمُجَابَ أَيْضًا الْبَائِعُ " وَأَهْمَلَ فِي (الرَّوْضَةِ) هَذَا التَّصْحِيحَ.

[إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ]
إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ فِي الْأَظْهَرِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ قَالَ (الْقَفَّالُ) وَأَصْلُهَا تَعْقِيبُ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ. وَلِاخْتِلَافِهِمَا مَرَاتِبُ:
(الْأُولَى) أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا وُجُودَهُ عَلَى وَجْهٍ مُفْسِدٍ
(1/153)

كَأَجَلٍ أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ أَوْ انْضِمَامِ فَاسِدٍ إلَى الثَّمَنِ كَدَرَاهِمَ إلَى الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَيَدَّعِي الْآخَرُ عَدَمَهُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ وَكَلَامُ الرُّويَانِيِّ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِتَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي (الْبَحْرِ) بِهِ. لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه بِلَا خِلَافٍ.
(الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ كَأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا حُرِّيَّةَ الْمَبِيعِ أَوْ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ أَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ أَوْ عَقَدْنَا عَلَى الْعَصِيرِ وَهُوَ خَمْرٌ وَيَقُولُ الْبَائِعُ بَلْ بِعْته وَهُوَ عَصِيرٌ فَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ قَطْعًا وَلِهَذَا جَعَلُوهُ دَلِيلًا لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي دَعْوَى الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ فِي (التَّحْرِيرِ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْعِقَادِ. قَالَ: بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطًا زَائِدًا يُفْسِدُهُ.
(الثَّالِثَةُ) : أَنْ يَخْتَلِفَا فِيمَا يَكُونُ وُجُودُهُ شَرْطًا كَبُلُوغِ الْبَائِعِ بِأَنْ بَاعَ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَكُنْ بَالِغًا حِينَ الْبَيْعِ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي وَمَا ذَكَرَاهُ مُحْتَمَلٌ فَيُصَدَّقُ الْبَائِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ. قَطَعَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي آخِرِ بَابِ الرِّبَا وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ كَاتَبْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ صُدِّقَ السَّيِّدُ إنْ عُرِفَ سَبْقُ مَا ادَّعَاهُ وَإِلَّا فَالْعَبْدُ لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -)
(1/154)

أَجْرَى فِي نَظِيرِهِ الْخِلَافَ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ لَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ثُمَّ قَالَ كُنْت مَحْجُورًا أَوْ مَجْنُونًا يَوْمَ زَوَّجْتهَا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَعَهِدَ مَا يَدَّعِيه فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى جَرَيَانِ الْعَقْدِ. وَالْغَالِبُ فِي الْعُقُودِ أَنَّهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الرُّؤْيَةِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي فَتَاوِيهِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
وَقَالَ فِي (الرَّوْضَةِ) فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي شَرْطٍ مُفْسِدٍ وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ وَعَلَيْهِ فَرَّعَهَا الْغَزَالِيُّ لَكِنَّ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ جَزَمَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ " السِّنْجِيِّ " فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي تَغْيِيرِ مَا كَانَ رَآهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي كِتَابِ (الصَّرْفِ) الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ لَازِمٍ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ شَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، انْتَهَى. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ صُورَةَ الرُّؤْيَةِ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ الزَّرْعِ فِي
(1/155)

الْأَرْضِ ثُمَّ اخْتَلَفَا هَلْ شَرَطَا الْقَلْعَ أَمْ لَا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَأَوْلَى، فَإِنَّ الْعَامَّةَ أَوْ غَالِبَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِذِكْرِهِ بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ فَيَقْرُبُ هُنَا الْجَزْمُ بِتَصْدِيقِ نَافِيهِ وَتَشْهَدُ لَهُ مَسْأَلَةٌ. وَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرًا:
(إحْدَاهَا) : لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ عَلِمَا ذَرْعَهَا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَرَادَ ذِرَاعًا مُعَيَّنًا حَتَّى لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِشَاعَةَ لِيَصِحَّ فَالْأَصَحُّ فِي (الرَّوْضَةِ) تَصْدِيقُ الْبَائِعِ حَتَّى يَفْسُدَ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِرَادَتِهِ.
(الثَّانِيَةُ) : إذَا اخْتَلَفَا فِي أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَوْ الِاعْتِرَافِ فَالصَّوَابُ فِي (الرَّوْضَةِ) تَصْدِيقُ مُدَّعِي وُقُوعِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
(الثَّالِثَةُ) : مَسْأَلَةُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ السَّابِقَةِ وَصُورَةُ الصُّلْحِ هَذِهِ تَشْهَدُ لَهَا.
(الرَّابِعَةُ) : اخْتِلَافُ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(1/156)

[إذَا أَنْفَقَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ يَرْجِعُ]
هُوَ نَوْعَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : مَنْ أَدَّى وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ.
(وَالثَّانِي) : مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
فَالْأَوَّلُ: كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ بَرِئَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ هَلْ يَقَعُ فِدَاءً أَوْ مَوْهُوبًا لَهُ؟ وَجْهَانِ. وَهَذَا فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَوَقِّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَلَا تَقَعُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَمِنْهَا) الْكَفَّارَةُ وَهَكَذَا الْعَمَلُ الْبَدَنِيُّ إذَا صَامَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ جَوَّزُوا الْحَجَّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأُمُورٍ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْآبِقِ فِي حَالِ رَدِّهٍ فَإِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ عِنْدَنَا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ وَتَرَدَّدَ الرَّافِعِيُّ فِي إلْحَاقِهِ بِمُسْتَأْجِرِ الْجِمَالِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَوْدَعَهُ دَابَّةً وَلَمْ يُعْطِهِ عَلَفًا رَاجَعَهُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَإِنْ فُقِدَا فَالْحَاكِمُ لِيُؤَجِّرَهَا وَيَصْرِفَ الْأُجْرَةَ فِي عَلَفِهَا فَإِنْ عَجَزَ اقْتَرَضَ عَلَى الْمَالِكِ فَإِنْ فَقَدَ الْحَاكِمَ تَعَاطَاهُ بِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَمِنْ الثَّانِي: مَسْأَلَةُ الْحَمَّالِ وَاللَّقِيطِ فِي النَّفَقَةِ " عَلَيْهِمَا وَنَظَائِرُهَا "
(1/157)

وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَظُنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ ظَنَّ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ رَجَعَ كَمَا إذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ لِلْحَامِلِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ فَبَانَ أَنْ لَا حَمْلَ رَجَعَ عَلَيْهَا وَلَوْ " نَفَى حَمْلَ الْمُلَاعَنَةِ " ثُمَّ رَجَعَ وَكَذَّبَ نَفْسَهُ وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ فَلَهَا الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ (مَا) إذَا أَنْفَقَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَلَا يَرْجِعُ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ عَنْ " الصَّيْمَرِيِّ " وَأَجْرَاهُمَا الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) فِي فَتَاوِيهِ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا (وَعَمَّرَهَا) ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ وَنَقَضَ عِمَارَةَ الْمُشْتَرِي هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ النُّقْصَانِ وَبِمَا أَنْفَقَ عَلَى الدَّارِ؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَرْجِعُ، قَالَ الْقَاضِي وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَّانِ يَدُلَّانِ عَلَى ثُبُوتِ الرُّجُوعِ:
(أَحَدُهُمَا) قَالَ فِي النَّفَقَاتِ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ (ثَلَاثًا) وَادَّعَتْ الْحَمْلَ فَصَدَّقَهَا أَوْ شَهِدَتْ بِهِ الْقَوَابِلُ، وَقُلْنَا الْحَمْلُ يُعْرَفُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَانَ عَدَمُ الْحَمْلِ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ.
(وَالثَّانِي) قَالَ فِي الْكِتَابَةِ لَوْ جُنَّ الْمُكَاتَبُ وَحَلَّ النَّجْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ بِمَحْضَرِ الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُوجِبُ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمَالِكِ فَلَوْ
(1/158)

ظَهَرَ لِلْمُكَاتَبِ مَالٌ فَيَرُدُّ عَجْزَهُ وَيَعْتِقُ وَالسَّيِّدُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ انْتَهَى.
(وَمِنْهَا) إذَا عَجَّلَ زَكَاةَ الْحَيَوَانِ ثُمَّ اقْتَضَى الْحَالُ الرُّجُوعَ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي (شَرْحِ الْوَسِيطِ) يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ النَّفَقَةِ وَإِلَّا فَلَا.
(وَمِنْهَا) اللُّقَطَةُ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّمَلُّكِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقَرْضِ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يُلْحِقُ قَالَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا.

[إرَاقَةُ الدَّمِ الْوَاجِبَةُ بِسَبَبِ النُّسُكِ تَتَعَيَّنُ بِالْحَرَمِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ]
وَهُوَ دَمُ الْإِحْصَارِ فَإِنَّ مَحَلَّهُ مَحَلُّ الْحَصْرِ.

[الْأَسْبَابُ الْمُطْلَقَةُ أَحْكَامُهَا تَتَعَقَّبُهَا]
وَلَا تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ:
(1/159)

أَحَدُهُمَا) : أَنْ يُطْلِقَ الْبَيْعَ فَيَقْتَرِنُ بِهِ اللُّزُومُ فَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ ارْتَفَعَ اللُّزُومُ.
(الثَّانِي) : إطْلَاقُ الثَّمَنِ يَقْضِي الْحُلُولَ وَإِذَا شَرَطَ الْأَجَلَ ارْتَفَعَ الْحُلُولُ قَالَهُ (إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ) فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْخِلَافِ.

[اسْتِدَامَةُ بَقِيَّةِ الْفِعْلِ]
ِ إنْ كَانَ سَبَبُهُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا بَقِيَ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ. وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا اعْتَبَرَ حُكْمَهُ بِنَفْسِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ ثُمَّ اسْتَدَامَهُ لَا فِدْيَةَ. وَلَوْ نَسِيَ الْإِحْرَامَ فَتَطَيَّبَ ثُمَّ ذَكَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لِأَنَّ التَّطَيُّبَ نَاسِيًا لَيْسَ بِجَائِزٍ وَلَا مُبَاحٍ وَلَكِنْ يُسْقِطُ حُكْمُ النِّسْيَانِ مَا عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ لَوْ أَفْطَرَ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَةُ الْفِطْرِ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِذَا أَفْطَرَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بِسَفَرٍ ثُمَّ قَدِمَ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَكْلِ كَانَ مُبَاحًا.
وَمِنْهُ مَا لَوْ شَرَعَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ مَدَّ حَتَّى غَلَبَ الشَّفَقُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
(1/160)

[الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ]
ُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ كَلَّفْنَاهُ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ حَالَةَ كُفْرِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي نَهَارِ (رَمَضَانَ) لَا يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَلَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْأَصَحِّ.
وَكَذَلِكَ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السُّقُوطُ. حَكَاهُ (الرَّافِعِيُّ) " فِي الرَّوْضَةِ " فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:
إحْدَاهَا: لَوْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا تَسْقُطُ. قَالَ " صَاحِبُ فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ الْمُشْكِلِ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ " لَا سِيَّمَا وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْحُدُودِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ
(1/161)

الزَّكَاةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي كُفْرِهِ فَلَا يُؤَدِّيهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَاتِ.

(الثَّانِيَةُ) : إذَا جَاوَزَ الْكَافِرُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ.

(الثَّالِثَةُ) : لَوْ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَسْقُطُ حُكْمُ الْغُسْلِ بِإِسْلَامِهِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ.

أَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا تَقَدَّمَهَا الْتِزَامٌ بِذِمَّةٍ أَوْ أَمَانٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَجَبَ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقِسْطِهَا تَغْلِيبًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ.

[الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ]
هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) : مَا لَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ لَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لِضُرٍّ، كَبَيْعِ الْأَمَةِ
(1/162)

الْمُزَوَّجَةِ يَصِحُّ قَطْعًا، وَلَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا لَمْ يَصِحَّ. وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُوصِي بِمَا يَحْدُثُ مِنْ حَمْلِهَا وَثَمَرَتِهَا يَصِحُّ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا، وَلَوْ بَاعَ وَاسْتَثْنَاهَا لَفْظًا لَا يَصِحُّ. وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالشَّجَرَةِ عَلَيْهَا الثَّمَرَةُ وَالْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ يَصِحُّ، وَنَفْعُ بَقَاءِ الْأَمْتِعَةِ وَالثَّمَرِ وَالْغَرْسِ مُسْتَثْنًى إلَى أَوَانِ تَفْرِيغِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً فَبَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ صَحَّ. نَعَمْ يَتَخَيَّرُ إنْ جَهِلَهَا، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ مِقْدَارَ مَا تَحْتَهَا لَمْ يَصِحَّ.
(الثَّانِي) : مَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ بِهِ كَبَيْعِ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْحَمْلِ.
(الثَّالِثُ) : مَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمَزْرُوعَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ وَالْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا، وَتَقَعُ الْمُدَّةُ مُسْتَثْنَاةً لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعَ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهَا بَطَلَ.
(وَمِنْهَا) : إذَا بَاعَ نَخْلَةً وَعَلَيْهَا، ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ وَبَقِيَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ حَدَثَ طَلْعٌ جَدِيدٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَهَلْ هُوَ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لِلْبَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى ذَلِكَ لَفْظًا لَمْ يَصِحَّ.
(1/163)

الرَّابِعُ) مَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْحَامِلِ بِحُرٍّ وَيُحْمَلُ لِغَيْرِ مَالِكِهَا، وَكَمَا لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا حَمْلَهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ حَيْثُ صَحَّحُوا الِاسْتِثْنَاءَ الْحُكْمِيَّ لِلضَّرُورَةِ.

[إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالدَّعَاوَى وَالْأَقَارِيرِ]
ِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ عَنْهُ فِي (الْأَسَالِيبِ) وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا بَيَانٌ وَلَكِنَّ الشَّارِعَ تُعِيدُ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ فَإِذَا عَجَزَ الْأَخْرَسُ بِخَرَسِهِ عَنْ الْعِبَارَةِ أَقَامَتْ الشَّرِيعَةُ إشَارَتَهُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ.
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّاطِقَ لَوْ أَشَارَ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَإِذَا خَرِسَ اُعْتُدَّ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرَ فِي قِيَامِ الْإِشَارَةِ مَقَامَ الْعِبَارَةِ الضَّرُورَةُ وَأَنَّهُ أَتَى بِأَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ.
قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْإِشَارَةُ إذَا اقْتَرَنَ بِهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ أَوْرَثَتْ بِمَجْمُوعِهَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ التَّنَاهِي فِي نَصْبِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ مَعَ الْإِشَارَاتِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ كَنُطْقِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ:
(1/164)

(إحْدَاهَا) إذَا خَاطَبَ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ.
(الثَّانِيَةُ) : إذَا شَهِدَ بِالْإِشَارَةِ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ إقَامَتَهَا مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي شَهَادَتِهِ لِإِمْكَانِ شَهَادَةِ النَّاطِقِ.
(الثَّالِثَةُ) : إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ بِالْإِشَارَةِ لَا يَحْنَثُ.
(الرَّابِعَةُ) : حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا لِعَانُهُ بِالْإِشَارَةِ فَيَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ وَفِي الْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي (الْأُمِّ) إنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُوَ أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وُقِفَ الْيَمِينُ إلَى أَنْ تُفْهَمَ إشَارَتُهُ وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَمْ تُرَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ نُكُولُهُ وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ عَنْ الْإِمَامِ ضَابِطًا لِمَا تَقُومُ فِيهِ الْإِشَارَةُ عَنْ الْعِبَارَةِ (قَالَ) وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَقْصُودٍ لَا يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ فَلَا يَمْنَعُ إقَامَةَ الْإِشَارَةِ مَقَامَ الْعِبَارَةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَعْسُرُ إعْرَابُ الْإِشَارَةِ عَنْهَا وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ لِعَانِ الْأَخْرَسِ فِي تَأْدِيَةِ
(1/165)

كَلَامِ اللِّعَانِ وَلَا سِيَّمَا إذَا عَيَّنَّا لَفْظَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تُرْشِدُ إلَى تَفْصِيلِ الصِّيَغِ. قَالَ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَصْحَابِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْأَخْرَسِ الْكِتَابَةَ إنْ كَانَ يُحْسِنُهَا أَوْ يَشْتَرِطُ فِي نَاطِقٍ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا، وَيُشِيرُ إلَى الْأُخْرَى وَيَقُولُ تَشْهَدُ هَكَذَا وَيَقُولُ الْأَخْرَسُ بِالْإِجَابَةِ لَقَرُبَ بَعْضَ الْقُرْبِ.
فَأَمَّا الْإِشَارَةُ الْمُجَرَّدَةُ فَلَا اهْتِدَاءَ إلَى دَلَالَتِهَا عَلَى صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمَا نَفَاهُ الْإِمَامُ جَزَمَ بِهِ فِي (الْوَجِيزِ) وَنَقَلَهُ فِي (الْبَسِيطِ) عَنْ بَعْضِهِمْ.

[إشَارَةُ النَّاطِقِ الْقَادِرِ عَلَى الْعِبَارَةِ لَغْوٌ إلَّا فِي صُوَرٍ]
(أَحَدُهَا) : لَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إلَى كَافِرٍ فَانْحَازَ مِنْ صَفِّ الْكُفَّارِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ أَرَدْنَا بِالْإِشَارَةِ الْأَمَانَ كَانَ أَمَانًا تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ.
(الثَّانِيَةُ) : إشَارَةُ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَنُطْقِهِ.
(الثَّالِثَةُ) : قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ.
(الرَّابِعَةُ) .
إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
(1/166)

[إذَا اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ وَالْعِبَارَةُ وَاخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا]
غُلِّبَتْ الْإِشَارَةُ وَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْعِبَارَةِ عَلَى الْغَلَطِ
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ إنَّمَا جَعَلَ الْأَسَامِيَ نَائِبَةً عَنْهَا فِي حَالَةِ الْغَيْبَةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ وَأَشَارَ إلَى سَخْلَةٍ وَأَكَلَ مِنْهَا يَحْنَثُ قَطْعًا وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي لِأَنَّ الْعُقُودَ يُرَاعَى فِيهَا شُرُوطٌ وَتَقْيِيدَاتٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهَا فِي الْأَيْمَانِ.
وَلَوْ قَالَ أُصَلِّي خَلْفَ هَذَا زَيْدٍ وَكَانَ عَمْرًا أَوْ عَلَى هَذَا زَيْدٍ وَكَانَ عَمْرًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِلَفْظِهِ بَلْ قَالَ أُصَلِّيَ خَلْفَ هَذَا الْإِمَامِ وَاعْتَقَدَهُ زَيْدًا فَكَانَ غَيْرَهُ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْخِلَافِ وَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ جَزْمًا لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَمْ يُعَارِضْهَا عِبَارَةٌ.
وَلَوْ أَشَارَ إلَى ابْنَتِهِ وَقَالَ زَوْجَتك هَذِهِ: فُلَانَةَ، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا وَقَالَ زَوَّجْتُكِ هَذَا الْغُلَامَ فَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةَ تَعْوِيلًا عَلَى
(1/167)

الْإِشَارَةِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَوْ وَقَّعَ الْحَاكِمُ إلَى فَقِيهٍ لِيُزَوِّجَ فُلَانَةَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُوَقَّعَ إلَيْهِ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَهُ هَلْ يَكُونُ هَذَا إذْنًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْقَضِيَّةِ؟ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ إذْنًا قِيَاسًا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَبَانَ عَمْرًا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ.
قُلْت: لَكِنْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي صُورَةِ الصَّلَاةِ الصِّحَّةَ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ.

وَلَوْ قَالَ إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ فَبَانَ مَرْوِيًّا فَالْأَصَحُّ نُفُوذُهُ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ.

وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ إذَا جَاءَ الْغَدُ وَقَعَ فِي الْيَوْمِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْحَائِضٍ أَنْتِ طَالِقٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلسَّنَةِ طَلُقَتْ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَأَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بَلْ مِنْ قَاعِدَةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْمُسْتَحِيلِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:
(مِنْهَا) : مَا الْمَلْحُوظُ فِيهِ اللَّفْظُ كَالْعُقُودِ وَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى
(1/168)

دِرْهَمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا نُحَاسًا لَهُ قِيمَةٌ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: إنَّهُ صَحِيحٌ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ الْفَسَادُ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْبَغْلَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَكَذَلِكَ مِنْ تَشْبِيهِ الْإِمَامِ لِلْوَجْهَيْنِ، فِيهِ بِمَا إذَا قَالَ خَالِعَتهَا عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْكَتَّانِ فَبَانَ قُطْنًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فَسَادُ الْخَلْعِ وَيَتَبَيَّنُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْبَيْعِ أَوْ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّ بَابَ الْخَلْعِ أَوْسَعُ وَقَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْبَغْلَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ صَحَّ قَطْعًا وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَوْجُودًا ثُمَّ يَزُولُ كَمَا لَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ، أَوْ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا فَلَا حِنْثَ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلْعِبَارَةِ.
وَمِثْلُهُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ عَرْصَةً فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَالْمُعَبِّرِ عَنْهُ جَمِيعًا.

[الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ بِنَاؤُهَا عَلَى قَوْلِ أَرْبَابِهَا]
فَإِنَّ الْأَيْدِيَ نَرَاهَا تَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا، كَمَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ وَأَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ هِبَتَهَا أَوْ رَهْنَهَا أَوْ إجَارَتَهَا وَغَيْرَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَقَالَ إنَّهَا مِلْكُهُ جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى مُعَامَلَتِهِ فِيهَا.
قَالَ الْإِمَامُ فِي (كِتَابِ الشُّفْعَةِ) وَهَذَا أَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
(1/169)

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ لِحَاكِمٍ أَمْ لَا، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا طَلَبَ الشُّرَكَاءُ مِنْ الْقَاضِي قِسْمَةَ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ يَعْتَمِدُهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْيَدِ.
قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ بَاعَ دَارًا فِي يَدِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْبَيْعِ الْقَاضِيَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُطَالِبُهُ بِتَثْبِيتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ يَسْتَظْهِرُ الْقَاضِي عَلَيَّ الْقَوْلِ بِأَمْرَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يُنَادِيَ: هَلْ مِنْ مُنَازِعٍ، لِيَسْتَدِلَّ بِعَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمِلْكِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ وَيَنْبَغِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ. نَعَمْ لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي شِرَاءَهَا لِيَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَسْجِيلَ بَيْعِهِ لَهَا لِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ إذَا حَجَرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَقَرَّ الْمَدِينُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَبَيْعُ الْقَاضِي حُكْمٌ بِأَنَّهُ لَهُ. لَكِنْ خَالَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ إنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْيَدِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ مَوْضِعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ مَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اعْتِرَافٌ بِنَاقِلٍ لِيَخْرُجَ صُوَرٌ فِيهَا خِلَافٌ:
(إحْدَاهَا) : لَوْ اعْتَرَفَ صَاحِبُ الْيَدِ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ مَا
(1/170)

ادَّعَى شِرَاءَهُ فَوَجْهَانِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِسَبْقِ مِلْكِ الْغَيْرِ ثُمَّ ادَّعَى انْتِقَالَهُ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الِانْتِقَالِ فَعَلَى هَذَا يُوقِفُ الْأَمْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَأَصَحُّهُمَا يَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ إذَا رَفَعَ ذَلِكَ لِلشُّهُودِ أَوْ الْقَاضِي كَتَبُوا أَنَّهُ وَقَعَ بِإِقْرَارِهِمَا وَتَصَادُقِهِمَا كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْنِدَ الْمِلْكَ السَّابِقَ إلَى مُعَيَّنٍ أَوْ لَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مُنَازَعَةٌ وَيَنْقَدِحُ الْفَرْقُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صُورَةِ النِّكَاحِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْمُعَيَّنُ وَنَازَعَهُ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِانْتِقَالِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِسَبْقِ الْمِلْكِ بَلْ لَوْ لَمْ يُقِرَّ وَلَكِنْ حَضَرَ مُنَازِعٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا وَلَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى فَالظَّاهِرُ انْتِزَاعُهَا فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ اعْتَمَدَتْ الظُّهُورَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْيَدِ.

(الثَّانِيَةُ) : لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلُوَّ مِنْ الْمَوَانِعِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَيَحْتَاطُ بِالْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي فُلَانٌ وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَطَلَبَتْ مِنْ الْحَاكِمِ تَزْوِيجَهَا فَفِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلدَّبِيلِيِّ إنْ كَانَتْ غَرِيبَةً وَالزَّوْجُ غَائِبٌ
(1/171)

فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فِي الْبَلَدِ وَلَيْسَتْ غَرِيبَةً فَلَا يَعْقِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا حَتَّى يُثْبِتَ مَا ادَّعَتْهُ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّحْلِيلِ قَبُولَهَا قَوْلَهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي، وَصَدَقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
وَنَقْلَ (قَبْلَ) دَعْوَى النَّسَبِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَاسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا مِنْ الرَّجُلِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ فُلَانٍ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَمْ يُزَوِّجْهَا الْقَاضِي مَا لَمْ تُقِمْ حُجَّةً عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ لِفُلَانٍ.

(الثَّالِثَةُ) : بِيَدِهِ مِلْكٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقَفَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِ وَعَلَى نَسْلِهِ، هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ؟ أَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا يَثْبُتُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِ وَادَّعَى انْتِقَالَهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْوَقْفِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْيَدِ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ. أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَيَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاقِفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ بِالْيَدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ لَكِنْ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهِ الْمِلْكُ، حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ هُوَ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ
(1/172)

بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمُبْهَمِ.
(قَالَ) وَقَدْ أَشَارَ " الشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ " إلَى مَا ذَكَرْته وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ فِي (الْإِشْرَافِ) إنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاقِفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي وَاقِفَهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَلْزَمهُ حُكْمَ إقْرَارِهِ.

وَقَالَ فِي (الْبَحْرِ) قُبَيْلَ كِتَابِ السِّيَرِ: فَرْعٌ: إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي وَقَفَهَا عَلَيَّ وَأَنْتَ غَاصِبٌ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ ثُمَّ يَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قُلْنَا فِي دَعْوَى الْوَقْفِ لَا يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
وَفِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا الشَّيْءُ وَقْفٌ لِي وَفِي يَدَيَّ، وَمَنَافِعُهُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ كَالْعَيْنِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ.
(1/173)

[الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ]
مِنْ فُرُوعِهَا:
مَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ قَالَ فِي (الْأُمِّ) وَتَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا (فِيهِ) .

(وَمِنْهَا) : لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ أَيَّامًا وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا حَيَوَانًا مَيِّتًا وَمَاؤُهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ وُقُوعَهُ بَعْدَ آخِرِ وُضُوءٍ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَلَا يَقْضِي شَيْئًا.

(وَمِنْهَا) : لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ الْحَامِلِ فَانْفَصَلَ الْوَلَدُ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا غَيْرَ مُتَأَلِّمٍ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الضَّارِبِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ ضَرْبِهِ أَوْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ.

(وَمِنْهَا) : جَرَحَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَمْ بِحَادِثٍ هَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ أَمْ أَرْشُ الْجُرْحِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ، قَالَ فِي (الرَّوْضَةِ) أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي.

(وَمِنْهَا) : لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَهُ وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا إحَالَةَ عَلَى اخْتِيَارِ الطَّائِرِ.
(1/174)

وَمِنْهَا) : ابْتَاعَ عَبْدًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إضَافَتُهُ إلَى السَّابِقِ وَمِثْلُهُ الْجِرَاحَةُ السَّارِيَةُ وَالْحَامِلُ تَمُوتُ فِي الطَّلْقِ ثُمَّ عَلَى الْأَصَحِّ يَتَعَيَّنُ الْأَرْشُ إنْ جَهِلَ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَحِقَ الْوَلَدُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِشَرْطِ أَنْ يُقِرَّ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ بَعْدُ بِالْوَطْءِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْأَصَحِّ لِلُحُوقِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقِيلَ لَا تَصِيرُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ.

(وَمِنْهَا) : الْبَيِّنَةُ تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ تَمَامِهَا بِأَقَلِّ زَمَنٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ثُبُوتُهُ ضَرُورَةً تَصْدِيقُ الْحُجَّةِ وَلَا تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. هَذَا إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنْ أُسْنِدَتْ إلَى زَمَنٍ قَدِيمٍ ثَبَتَ الْحَقُّ مُسْنَدًا إلَيْهِ وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِأَقَلِّ زَمَانٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ صِدْقُ الْحُجَّةِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يُقَدِّرُ الِاسْتِحْقَاقَ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ذَلِكَ لَكَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ النَّاقِلَ لَهُ الْمُسْتَحِقَّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ نَقْلِهِ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ.
(1/175)

وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) : لَوْ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ حَكَاهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ فَتَوَرَّمَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (قُبَيْلَ الدِّيَاتِ) عَنْ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا.

[الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّحْرِيمُ أَوْ الْوَقْفُ]
أَقْوَالٌ بَنَاهَا الْأُصُولِيُّونَ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ لِبَيَانِ هَدْمِ الْقَاعِدَةِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَخْرِيجُ فُرُوعِ الْأَحْكَامِ عَلَى قَاعِدَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ.
وَمَا خَرَّجَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي النَّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صُوَرِ السِّعْرِ الْمَجْهُولِ وَنَحْوِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَصْلِ. وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ النَّوَوِيُّ فِي النَّبَاتِ الْمَجْهُولِ سِمَتُهُ وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْهُجُومُ ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ الْوَقْفُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ فَإِنْ لَمْ (نَجِدْ) مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ.
وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَجْهُولِ أَنَّ مَيْلَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْحِلِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّحْرِيمِ وَلَهُ مَأْخَذٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " حَرْفِ الْحَاءِ ".
(1/176)

[الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ]
فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ غُلِّبَتْ الْحُرْمَةُ.
وَلِهَذَا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُنَّ الْإِبَاحَةَ حَتَّى يَتَأَيَّدَ الِاجْتِهَادُ بِاسْتِصْحَابِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ مَوَانِعُ النِّكَاحِ تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ لِتَأَيُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِهَذَا الْأَصْلِ.
نَعَمْ لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمَةٌ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ مَصْلَحَةُ النِّكَاحِ وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.

[الْأَصْلِيُّ لَا يُعْتَدُّ مَعَهُ بِالْمُعَارِضِ]
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ انْفَتَحَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقَهَا.

[الْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَحْكَامِ]
وَقَدْ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبِهِ وَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ
(1/177)

الْبَائِعِ. وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ قَبْلَ التَّلَفِ لِتَعَذُّرِ اقْتِرَانِهِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّلَفِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِانْفِسَاخِ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ [بَعْدَ] التَّلَفِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا بَعْدَ هَلَاكِهِ فَتَعَيَّنَ انْقِلَابُهُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَلَفِهِ.

[الْأَصْلُ فِي الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ]
ِ كَمَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ
فَإِنَّ الْحَاجَةَ اغْتَفَرَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِوَضِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاثًّا لِلْعَامِلِ عَلَى الْعَمَلِ وَالتَّحْصِيلِ.
وَقَدْ تُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِي مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي صُورَةِ الصُّلْحِ. وَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ الْإِمَامِ مِمَّا سَيُغْنَمُ مِنْ الْوَقْعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا.

[الْأُصُولُ الَّتِي لَهَا أَبْدَالٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ]
ِ فِي ثَانِي الْحَالِ
قَسَّمَهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ كَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ.
(1/178)

وَمِنْهُ الْهَدْيُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ يَنْتَقِلُ " إلَى الصَّوْمِ " أَوْ كَانَ مَا لَهُ غَائِبًا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ الْمُحْصَرُ إذَا وَجَدَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يَصُومُ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ لِلضَّرُورَةِ " وَمِنْهُ الْمَالُ الْغَائِبُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ كَمَا لَا يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ الزَّكَاةَ.
(الثَّانِي) مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ وَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَأْخِيرُهُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْيَمِينِ وَالْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى الْبَدَلِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ الْغَائِبِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَجِدَ الرَّقَبَةَ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَمُوتَ فَتُؤَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَوْ مَاتَ.
(الثَّالِثُ) مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُضَيَّقَةِ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي: لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ، لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي إلَى وُجُوبِ الصَّبْرِ وَلَوْ كَانَ وَاجِدًا طُولَ الْحُرَّةِ وَلَا يَجِدُ فِي الْقَرْيَةِ حُرَّةً فَهَلْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ، قَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ عَلَى الظَّاهِرِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ إنْ كَانَ يَخَافُ الْعَنَتَ فِي مُدَّةِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
(1/179)

[الِاصْطِلَاحُ الْخَاصُّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ]
وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ تَخْصِيصِهِ فِيهِ؟
قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي.
وَمِنْ فُرُوعِهَا: لَوْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَلْفٍ وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْأَلْفِ فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ فَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ أَلْفَيْنِ لِجَرَيَانِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِهِ وَالثَّانِي: الْوَاجِبُ أَلْفٌ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا غَرَضِي أَنْ تَقُومِي وَتَقْعُدِي، أَوْ أُرِيدُ بِالثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ وَقِيلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَوَافَقَا عَلَيْهِ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصَّدَاقِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَالِانْطِلَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الزَّوْجُ حَمْلَ
(1/180)

الطَّلَاقِ فِي مُخَاطَبَتِهِ زَوْجَتَهُ عَلَى مَعْنَى التَّخَلُّصِ وَحَلِّ الْوِثَاقِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ الْإِبْهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ مَتَى قُلْت لِامْرَأَتِي أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحُلُّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ لِكَلَامِهِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَغَيَّرَتْ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ.

وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أُلَقِّبَهَا بِالْحُرَّةِ وَأَجْعَلَ ذَلِكَ اسْمَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ.

وَمِنْهَا: إذَا قَالَ أُرِيدُ أَنْ أُقِرَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ، لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) الصَّحِيحُ لُزُومُهُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي.

وَمِنْهَا: لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ وَقِيلَ لَا يُحَلِّفُهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا.

وَمِنْهَا: مَسْأَلَةٌ جَدَلِيَّةٌ حَكَاهَا الْخُوَارِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي
(1/181)

اللَّفْظِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَعَنَى الْمُسْتَدِلُّ بِهِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا تُسْمَعُ " الْغَايَةُ "، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْكَلَامِ؟ .
قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُسْمَعُ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ نَاطِقٌ بِلُغَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلَكِنْ بَعْدَهَا عَرَّفَ الْمُرَادَ وَعَرَّفَ اللُّغَةَ فَلَا يُلْجَأُ إلَى الْمُنَاظَرَةِ بِالْمَعْرُوفَةِ.

[الْأَصَابِعُ فِي الصَّلَاةِ لَهَا سِتُّ حَالَاتٍ]
إحْدَاهَا: حَالَةُ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ فِيهَا.
الثَّانِيَةُ: حَالَةُ الْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ فَلَا تَفْرِيقَ.
الثَّالِثَةُ: حَالَةُ الرُّكُوعِ يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُهَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: حَالَةُ السُّجُودِ يُسْتَحَبُّ ضَمُّهَا وَتَوْجِيهُهَا إلَى الْقِبْلَةِ.
الْخَامِسَةُ: حَالَةُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَالسُّجُودِ، وَالثَّانِي: تَرْكُهَا عَلَى هَيْئَتِهَا.
السَّادِسَةُ: التَّشَهُّدُ فَالْيُمْنَى مَضْمُومَةُ الْأَصَابِعِ إلَّا فِي الْمُسَبِّحَةِ
(1/182)

وَفِي الْإِبْهَامِ خِلَافٌ وَالْيُسْرَى مَبْسُوطَةٌ. وَفِيهَا الْوَجْهَانِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ ضَمُّهَا.

[إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ]
وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلُ حَرْبٍ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْجَائِزِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَلْحَقَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالْآخَرُ خَلٌّ فَقَالَ أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْخَلِّ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَحِمَارٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ، وَقَصَدَ الْأَجْنَبِيَّةَ يُقْبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَبُولِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ حُمِلَ عَلَيْهِمْ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِهْمَالِ. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ زَوْجَاتِي طَوَالِقُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَجْعِيَّاتٌ طُلِّقْنَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهَا فِيهِنَّ مَعَ وُجُودِ مَنْ هِيَ حِيَالُهُ خِلَافٌ.

[الْإِعْرَاضُ عَنْ الْمِلْكِ أَوْ حَقِّ الْمِلْكِ]
ضَابِطُهُ: أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَازِمًا لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ
(1/183)

ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَرَكْت نَصِيبِي مِنْ الْمِيرَاثِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَا يُتْرَكُ بِالتَّرْكِ، بَلْ إنْ كَانَ عَيْنًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَمْلِيكٍ وَقَبُولٍ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَاءٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ، أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ تَرَكْت الدَّيْنَ إلَيْك، لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْت الْخُصُومَةَ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) فِي بَابِ الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمْلِيكِ صَحَّ كَإِعْرَاضِ الْغَانِمِ عَنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِأَنْ يَقُولَ أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ الْقِسْمَةِ وَكَذَا قَبْلَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَقَبْلَ قِسْمَةِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْ الْأَوَّلِ: إعْرَاضُ ذَوِي الْقُرْبَى، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ كَالْمِيرَاثِ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ تَعَبٍ.
وَمِثْلُهُ إعْرَاضُ السَّالِبِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ وَلَا إعْرَاضُ السَّفِيهِ عَنْ السَّهْمِ وَيَصِحُّ إعْرَاضُ الْمُفْلِسِ عَنْ السَّهْمِ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِي بَابِ الْفَيْءِ إنَّ أَحَدَ الْمُرْتَزِقَةِ إذَا أَعْرَضَ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
(1/184)

وَلَوْ قَالَ عَامِلُ الْقِرَاضِ تَرَكْت حَقِّي مِنْ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، قَالَ الْإِمَامُ إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِالْإِسْقَاطِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّمْلِيكُ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ فَفِي سُقُوطِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا رَبِّ الْمَالِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِأَنَّهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ مِلْكٍ يَسْقُطُ كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ الْغَانِمِ بِالتَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
(وَالثَّانِي) : لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَأَكَّدَ وَلَيْسَ عَقْدًا يُفْسَخُ وَلَيْسَ كَالْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْغَنَائِمَ لَيْسَ مَقْصُودَ الْغُزَاةِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ عَلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ اشْتَرَى دَابَّةً وَأَنْعَلَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا وَفِي نَزْعِهِ تَعْيِيبٌ فَرَدَّهَا مَعَ النَّعْلِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ، وَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ لَوْ سَقَطَ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
(وَمِثْلُهُ) : بَيْعُ الْأَرْضِ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي.

وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ يَزُولُ الْمِلْكُ فِيهَا بِالْإِعْرَاضِ:
(أَحَدُهَا) : فِي الْمُحَقَّرَاتِ كَمَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ
(1/185)

أَخَذَهَا فِيهِ؟ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا فِي (الرَّوْضَةِ) . نَعَمْ قَالَ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَحْوَالِ السَّلَفِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ، وَمَا فَعَلَهُ، إبَاحَةٌ لِلطَّاعِمِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ الْتَقَطَ حَقِيرًا يَمْلِكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ زَمَنًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا.

(الثَّالِثَةُ) : خُرُوجُهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ كَمَا لَوْ أَرَاقَ الْخَمْرَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ أَوْ أَلْقَى جِلْدَ الْمَيْتَةِ فَأَخَذَهُ آخِذٌ " فَدَبَغَهُ مَلَكَهُ وَلَيْسَ لِلْمُعْرِضِ اسْتِرْدَادُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي " زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ " فِي بَابِ الْغَصْبِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ وَالِاخْتِصَاصُ الْمُجَرَّدُ يَضْعُفُ بِالْإِعْرَاضِ وَالْوَجْهَانِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَنَّ مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ يَكُونُ الْجِلْدُ لِلْمَالِكِ فَإِنْ قُلْنَا لِلْغَاصِبِ مَلَكَهُ الْآخِذُ هُنَا قَطْعًا.
وَلَوْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ الَّتِي أَعْيَتْ بِمَكَانٍ، رَغْبَةً عَنْهَا فَأَخَذَهَا رَجُلٌ وَعَالَجَهَا حَتَّى صَلَحَتْ فَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لِمَنْ أَحْيَاهَا. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لِصَاحِبِهَا وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ
(1/186)

- رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا لِلْمَالِكِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَزُولُ بِالْإِعْرَاضِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَقْدَمِينَ مِنْ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ.

وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ هَذِهِ الْحِجَارَةُ الْمُلْقَاةُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ هَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا وَالْبِنَاءُ بِهَا؟ نَعَمْ يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ تَسَاقَطَتْ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَالِكُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مِلْكِ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ لَا يَجُوزُ.

[الْإِقْرَارُ]
[إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ]
قَالَ (ابْنُ خَيْرَانِ) فِي (اللَّطِيفِ) إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولٌ وَعَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ إذَا أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِوَارِثٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَحِقَ بِمَنْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ. (قَالَ) وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّ بِهِ غَيْرَهُ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ أَوْ قَطَعَ أَوْ سَرَقَ فَإِنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ضَرَرَ سَيِّدِهِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ (الْمَرْعَشِيُّ) فِي " التَّرْتِيبِ " لَفْظَتَانِ إذَا أَقَرَّ بِهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ
(1/187)

اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا إنْ قَالَ بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ وَإِنْ قَالَ قَدْ أَبْرَأْتُك فَلَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ بِقَبْضٍ وَهُوَ إبْرَاءٌ. وَهَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ مِنْ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ مُخْتَلِفَتَانِ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْمَطْلُوبُ قَدْ بَرِئَ إلَيَّ كَانَ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ أَبْرَأْتُك لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَالِ.

[الْإِكْرَاهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ
رُخْصَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا يُبَاحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَالْإِفْطَارُ وَإِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ عَقْدِهَا اخْتِيَارًا فِي الْأَظْهَرِ. وَحَيْثُ أُبِيحَ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِيمَانٍ حَالَةَ التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ أَوْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ؟ وَجْهَانِ.
وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْبَسِيطِ خَمْسَ مَسَائِلَ: (إحْدَاهَا) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُبِيحُهُ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَظْهَرِ
(1/188)

(الثَّانِيَةُ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَى إنْ قُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ وَإِنْ أَسْقَطَ الْحَدَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالْكُفْرِ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ مَفْسَدَةِ الْكُفْرِ إذْ الْكُفْرُ الَّذِي يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بِالْقَلْبِ بِخِلَافِ الزِّنَى وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ.
(الثَّالِثَةُ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِرْضَاعِ يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ.
(الرَّابِعَةُ) : إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ.
(الْخَامِسَةُ) : تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فِي وَجْهٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ، وَإِلَى الْقَتْلِ عَلَى قَوْلٍ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيُشْبِهُ عَدَمَ تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ أَوْ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ إكْرَاهَ الصَّائِمِ عَلَى الْأَكْلِ لَا يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ يُبْطِلُ فِي الْأَصَحِّ وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي حَتَّى فَعَلَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً تُبْطِلُ صَلَاتَهُ قَطْعًا وَالْإِكْرَاهُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقَدْرِ فَصَلَّى قَاعِدًا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ.
(1/189)

قُلْت: وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْحَدَثِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ (الْحَنَّاطِيِّ) وَجْهَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ نَاسِيًا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِهِمَا مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فِي الضَّابِطِ: لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) أَوْ بَيْعِ مَالِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ صَحَّ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْإِحْرَامِ.
وَلَوْ قَالَ اقْذِفْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَفَعَلَ لَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدَيَّ قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعِهِ وَلَا يُسْتَعَانُ بِالْغَيْرِ فِي الْقَذْفِ فَيُجْعَلُ الْقَاذِفُ مُتَعَدِّيًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالصَّوَابُ لَا حَدَّ وَلَا أَثَرَ لِفِعْلِهِ إلَّا فِي الرَّضَاعِ وَالْحَدَثِ وَالتَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَكَذَا الْقَتْلُ فِي الْأَصَحِّ. وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ أَكَلَهُ يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا الْمُودِع يُكْرَهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُهَا فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ أَكْرَهَ مَجُوسِيٌّ
(1/190)

مُسْلِمًا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى ذَبْحِ صَيْدٍ فَذَبَحَاهُ حَلَّ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ فَفَعَلَ. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَفَقُّهًا أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الذَّبْحِ إنْ اعْتَبَرْنَا فِعْلَهُ وَعَلَّقْنَا بِهِ الْقِصَاصَ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ. قَالَ: وَكَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ آلَةً لَهُ أَيْضًا. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّا إذَا جَعَلْنَاهُ آلَةً لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ صُورَتَيْ إكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ الْمُسْلِمَ وَالْمُحْرِمِ الْحَلَالَ.
وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ نَظَرٌ وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُكْرِهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْمُحْرِمُ عَجَمِيًّا يَرَى طَاعَةَ أَمْرِهِ حَتْمًا أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ لَا مَحَالَةَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ أَوْ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَنَحْوِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.

(وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَشَيَانِ أَمَتِهِ، فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَحِقَهُ النَّسَبُ وَكَذَا عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَصَلَ الْإِحْصَانُ وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ وَأَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَوْ عَلَى الزِّنَا وَقُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ فِيهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ ابْنِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْمَجْنُونِ يَطَأُ زَوْجَةَ ابْنِهِ أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.

وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَحْبَلَهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لِشَرِيكِهِ الْمُكْرِهِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ
(1/191)

(وَمِنْهَا) : الْإِكْرَاهُ عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَلَوْ أُكْرِهْ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ صَحَّ أَشَارَ إلَيْهِ (الْفُورَانِيُّ) فِي الْعَمْدِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَ وَلَا أُجْرَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَهُ، وَذَكَرَ فِي (زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ) فِي آخِرِ بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ فَلَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْإِمَامُ أَحَدَ الرَّعِيَّةِ لِدَفْنِ مَيِّتٍ وَتَجْهِيزِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُتَّسَعٌ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْجِهَادِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَسْتَحِقُّ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إلَى حِينِ حُضُورِ الصَّفِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.
وَلَوْ أُكْرِهَ الْعَبْدُ فَلِسَيِّدِهِ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ الْإِخْرَاجِ إلَى يَوْمِ رُجُوعِهِ إلَى سَيِّدِهِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَمْ لَا، إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ الْتَحَقَ
(1/192)

بِالْحُرِّ. وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى الْجِهَادِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يُقَاتِلْ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَحْصُلْ وَلَوْ خَلَّى الْإِمَامُ سُبُلَ الْمَقْهُورِينَ مِنْ قَبْلِ الصَّفِّ فَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ فِي الْأَصَحِّ لِلْمُضِيِّ وَلَا لِلْعَوْدَةِ، وَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُمْ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ إنَّمَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَالِاسْتِيفَاءِ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى غَسْلِ نَجَاسَةٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ طَهُرَ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا تَخْلِيلُ الْخَمْرِ بِلَا عَيْنٍ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أُكْرِهَ الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ مُكْرَهًا وَحَضَرَ الْوَقْعَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ أَوْ يُرْضَخُ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ أُكْرِهَ الْمُتَصَارِفَانِ عَلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي (الْإِيضَاحِ) وَقِيَاسُهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ إكْرَاهِ، أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ مِنْ مَجْلِسِ الْخِيَارِ لَا يَنْقَطِعُ فِي الْأَصَحِّ.

(الثَّانِي) : هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ وَأَتَى بِهِ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ قَالَ (الْمَحَامِلِيُّ) فِي
(1/193)

الْمَجْمُوعِ الْإِكْرَاهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ مَعَ الْإِكْرَاهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّفْظَ فَيَقَعُ إطْلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِيقَاعَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ إرَادَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ الْمُكْرَهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ قِيلَ لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ أَسْقَطَ أَثَرَ اللَّفْظِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَدُلُّ وَالْأَصَحُّ الْوُقُوعُ إذْ لَا يَبْعُدُ اخْتِيَارُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَعَلَى هَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ عِنْد الْإِكْرَاهِ كَالْكِنَايَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا.

(الثَّالِثُ) : مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ فِي حَالِ الطَّوَاعِيَةِ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَمَا لَا فَلَا وَإِنْ شِئْت فَقُلْ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا.
وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ إكْرَاهُ الْإِمَامِ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَيَقَعُ الْمَوْقِعَ وَصَحَّ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَصِحَّ إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بِالْجِزْيَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا نَطَقَ الْحَرْبِيُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ تَحْتَ السَّيْفِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ. اُتُّفِقَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغُمُوضِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَإِنَّ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ نَازِلَتَانِ فِي الْإِعْرَابِ عَنْ الضَّمِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ
(1/194)

وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إخْبَارِهِ.

قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " لَوْ أُكْرِهَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ فَأَقَرَّ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إكْرَاهُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَجِبُ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى إنْشَاءِ الْإِسْلَامِ.
انْتَهَى.

وَمِنْ هَذَا لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْأَسِيرِ لِمَنْ أَسَرَهُ وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَعَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُ الْمُكْرَهِ عَلَيْنَا فَفِي نُفُوذِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَجْهَانِ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: نَعَمْ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ اغْتِيَالُهُمْ كَمَا لَوْ دَخَلَ تَاجِرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَالْأَصَحُّ فِي " الرَّوْضَةِ " الْمَنْعُ، لِأَنَّ التَّاجِرَ يُخَلَّى مِنْ أَيْدِيهِمْ بِخِلَافِ هَذَا. وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي صُوَرٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ.

(مِنْهَا) مَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ إعْتَاقِهِ فَأُكْرِهَ حَتَّى أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ قَالَهُ فِي (الْبَحْرِ) وَجَعَلَهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ. وَمِثْلُهُ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَقُلْنَا: الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى.

(وَمِنْهَا) الْمَوْلَى إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَقُلْنَا الْقَاضِي لَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ فَأَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّلَاقِ وَقَعَ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ كَذَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي قَالَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ طَلْقَةٌ فَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقُلْنَا الْإِمَامُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَحُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْ فَيَلْغُو وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي أَكْرَهَهُ
(1/195)

فَهُوَ كَمَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ، (لِأَنَّ) إكْرَاهَهُ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ مَا دَامَ بِالْحَقِّ فَإِذَا انْعَزَلَ لَمْ تَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ.
وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى إكْرَاهٌ يَمْنَعُ مِثْلَهُ الطَّلَاقَ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ عَلَى التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ.

(وَمِنْهَا) إذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ الْوَفَاءِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ يَنْفُذُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفَ كَمَا لَوْ قَالَ طَلِّقْ زَوْجَتِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَطَلَّقَهَا وَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ وَقِيلَ لَا يَقَعُ لِسُقُوطِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَجْنُونٍ طَلِّقْهَا فَطَلَّقَهَا.

الرَّابِعُ: الْإِكْرَاهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمُبَاحِ وَكَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ وَإِنَّمَا يَجِيءُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِي فِعْلِ الْحَرَامِ كَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالشُّرْبِ. وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي إيقَاعِ الْوَاجِبِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى وَطِئَ زَوْجَتَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كُلُّ الْمَهْرِ
(1/196)

وَيَسْقُطُ بِهِ الْوُجُوبُ إذَا قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ مَرَّةً وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُضْطَرُّ حَتَّى أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدَ الَّذِي نَذَرَ عِتْقَهُ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَشْرُوطُ عِتْقُهُ فِي الْبَيْعِ.

الْخَامِسُ: كُلُّ قَرِينَةٍ إذَا ادَّعَاهَا الْمُخْتَار يُدَيَّنُ بِهَا فِي الْبَاطِنِ، إذَا ادَّعَاهَا الْمُكْرَهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا.
فَمِنْهُ: إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ وَشَرَطْنَا الْفَوْرِيَّةَ فَقَالَ: فَاطِمَةُ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت فَاطِمَةَ أُخْرَى غَيْرَ زَوْجَتِي أَوْ نَوَى طَلَاقًا مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ ظَاهِرًا قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُخْتَارِ يَنْوِي ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ.

وَمِنْهُ: أَنَّ الْمُخْتَارَ إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ كَاذِبًا لَمْ تَطْلُقْ بَاطِنًا.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا صُدِّقَ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي دَعْوَى الْكَذِبِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَظَرٍ، وَهِيَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا الْمُكْرَهُ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُخْتَارِ بَلْ يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
(1/197)

السَّادِسُ:
قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُكْرَهِ عَقْدٌ وَلَا حَلٌّ فِي الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهَا وَيَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا فِي الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَغَيْرِهِمَا فِيهِ قَوْلَا الْمُكْرَهِ. وَهَذَا غَيْرُ مَا جَزَمُوا فِيهِ. وَمَوْضِعُ الْجَزْمِ مَا يُوقِعُهُ الْمُكْرَهُ تَنْجِيزًا حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَمَوْضِعُ الْقَوْلِ الْإِكْرَاهُ عَلَى إيقَاعِ فِعْلٍ سَبَقَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ كَأَنْ يَقُولَ فِي حَالَةِ اخْتِيَارِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يُكْرَهُ عَلَى دُخُولِهَا.

السَّابِعُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرَهِ فِعْلٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ قَطْعًا غَالِبًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَقَوْلَانِ. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْجَرَ الصَّائِمُ الطَّعَامَ لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا وَأَغْرَبَ الْحَنَّاطِيُّ بِحِكَايَةِ خِلَافٍ، وَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ فَقَوْلَانِ. وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينِهَا لَمْ تُفْطِرْ وَإِنْ ضَرَبَهَا حَتَّى مَكَّنَتْ فَقَوْلَانِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ وَأُدْخِلَهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ ضُرِبَ حَتَّى دَخَلَهَا فَقَوْلَانِ: وَلَوْ أَكْرَهَ الْمُودِعُ لِصٌّ مُتَغَلِّبٌ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِهَا وَدَفْعِهَا إلَيْهِ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهَا فَوَجْهَانِ: بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إكْرَاهِ الصَّائِمِ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمُقْنِعِ) وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي (الْحَاوِي) وَغَيْرِهِمَا.
(1/198)

وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ فَأُوجِرَ فِي حَلْقِهِ حَتَّى صَارَ فِي جَوْفِهِ لَمْ يَحْنَثْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ أُكْرِهَ حَتَّى تَنَاوَلَهُ فَقَوْلَانِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَطْعِ فِيمَا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ صُورَتَانِ:
(إحْدَاهُمَا) إذَا تَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ كَمَا إذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَأُوجِرَ مُعَالَجَةً وَإِصْلَاحًا لَهُ وَقُلْنَا لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ فَفِي بُطْلَانِهِ بِهَذَا الْإِيجَارِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يُفْطِرُ. قَالَ: الرَّافِعِيُّ وَنَظِيرُهُ إذَا عُولِجَ الْمُحْرِمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ هَلْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ؟ .
(الثَّانِيَةُ) لَوْ أَوْجَرَ الْمَالِكُ طَعَامَهُ الْمُضْطَرَّ قَهْرًا أَوْ أَوْجَرَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ؟ ؟ وَجْهَانِ: أَحْسَنُهُمَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ نَعَمْ، لِأَنَّهُ خَصَّهُ مِنْ الْهَلَاكِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ.

الثَّامِنُ: إيجَابُ الشَّرْعِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَصُومِي غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
نَعَمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ يَمِينًا مُغَلَّظَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، وَقُلْنَا بِوُجُودِ التَّغْلِيظِ حَلَفَ وَحَنِثَ
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُقَيَّدٌ فَحَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَحَلَفَ بِعِتْقِهِ لَا يَحُلُّهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدَانِ أَنَّ قَيْدَهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ ثُمَّ حَلَّ الْقَيْدَ فَوَجَدَ فِيهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّ
(1/199)

الْعِتْقَ حَصَلَ بِحَلِّ الْقَيْدِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ (كِتَابِ) الْعِتْقِ.

التَّاسِعُ الْإِكْرَاهُ هَلْ يَكُونُ إذْنًا مُؤَكَّدًا أَوْ لَا؟ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ فَطَلَّقَ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ إذْنٌ وَزِيَادَةٌ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ صَحَّ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أُكْرِهَ الْوَكِيلُ عَلَى الْإِيقَاعِ فَفِي (الْبَحْرِ) فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: يَقَعُ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُخْتَارٌ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا، لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْمُبَاشِرِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ عَنْ (أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ) لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَخْرَجَهَا هُوَ هَلْ يَكُونُ إذْنًا؟ الْقِيَاسُ الْمَنْعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا وَهِيَ مُخْتَارَةٌ: وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ
(1/200)

لَفْظٍ أَمَّا إذَا أَكْرَهَهَا، فَإِنْ أَوْقَعْنَا طَلَاقَ الْمُكْرِهِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ وَإِنَّمَا أُخْرِجَتْ.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ أَخَذْت حَقَّك مِنِّي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى أَعْطَى بِنَفْسِهِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فِعْلِ الْمُكْرَهِ. وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَ شَخْصًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَكُونُ إذْنًا فِي الْقَتْلِ حَتَّى لَا يَجِبَ بِهِ الْقِصَاصُ.

[الْإِمَامُ هَلْ يَلْحَقُ بِالْوَلِيِّ الْخَاصِّ]
ِّ قَدْ نَزَّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْذُوفِ الْمَيِّتِ وَارِثٌ خَاصٌّ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ. وَهَلْ لَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ كَالْوَارِثِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ. وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ وَكَأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوْرِيثِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُتَّجَهُ مِثْلُهُ فِي إجَازَةِ الْإِمَامِ وَصِيَّةَ مَنْ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يُنَزِّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي
(1/201)

تَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ.

[إمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْوَاجِبَاتِ فِي الذِّمَّةِ]
فَلَا يُحْكَمُ بِالْوُجُوبِ قَبْلَهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ لَمْ يَثْبُتْ الظَّهْرُ فِي ذِمَّتِهِ. خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ.
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ. لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مُفْطِرًا فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ كَافِرًا أَوْ طَهُرَتْ فِيهِ حَائِضٌ لَا يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ لَوْ دَامَ عُذْرُ الْمَرِيضِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُكَفَّرْ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إمْكَانُ السَّيْرِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّيْرُ قَبْلَ فِعْلِ الْحَجِّ فَلَوْ أَيْسَرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ ثُمَّ مَاتَ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ.
(1/202)

وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الزَّكَاةُ فَالْجَدِيدُ أَنَّ الْإِمْكَانَ فِيهَا مِنْ شَرَائِطِ الضَّمَانِ خَاصَّةً لَا الْوُجُوبَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ وَلَوْ لِلْوُجُوبِ لَسَقَطَتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اعْتَذَرَ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَوُجُوبُهَا أَوْسَعُ، وَبِأَنَّا نَقُولُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِالزَّوَالِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْإِمْكَانِ وَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ مِثْلُهُ وَالْإِمْكَانُ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِهَا إلَّا فِعْلُهَا فَإِذَا تَعَذَّرَ الْفِعْلُ لَمْ تَجِبْ.
أَمَّا الزَّكَاةُ إذَا أَوْجَبْنَاهَا قَبْلَ إمْكَانِ الْفِعْلِ فَفِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ مُشَارَكَةُ الْمَسَاكِينِ لَهُ فِي النِّصَابِ وَحُصُولُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالْعَيْنِ، فَإِنْ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ صَارَتْ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.

[الِانْعِطَافُ عَلَى مَا قَبْلَهُ إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ]
الِانْعِطَافُ عَلَى مَا قَبْلَهُ
إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ انْعَطَفَ كَمَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى يَنَالَ ثَوَابَ جَمِيعِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ.
وَقِيلَ إنَّمَا يُثَابُ مِنْ وَقْتِ
(1/203)

النِّيَّةِ وَكَانَ (الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ) يُرَجِّحُهُ وَيَقُولُ مَا رَجَّحُوهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ) وَكَمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ بَعْضِ الْأُضْحِيَّةِ وَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ أَوْ عَلَى مَا تَصَدَّقَ بِهِ فِيهِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً هَلْ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ مِنْ وَقْتِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ.
وَمِنْ الِانْعِطَافِ: مَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَتْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَلْ يَقَعُ حَجُّهُمَا فَرْضًا ابْتِدَاءً (بِالتَّبَيُّنِ) أَوْ نَفْلًا ثُمَّ انْقَلَبَ فَرْضًا؟ وَجْهَانِ.
(1/204)

وَمِنْ الِانْعِطَافِ: التَّعْصِيَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُؤَخِّرِ لِلْحَجِّ حَتَّى مَاتَ يُعْصَى آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَجْرَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. كَمَا إذَا تَرَكَ الْمُودِعُ الْوَصِيَّةَ الْوَدِيعَةِ وَتَلِفَتْ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ يَضْمَنُ أَخْذًا مِنْ انْعِطَافِ التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ الْحَجِّ عَلَى مَا مَضَى وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الِانْعِطَافَ عُهِدَ مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ، أَمَّا انْعِطَافُ التَّضْمِينِ إلَى حَالَةٍ لَا يَقْصِدُ فِيهَا فَبَعِيدٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ يَنْعَطِفْ كَمَا لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ لَا يُثَابُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهُ) : الْقُدْوَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي فِي الْأَصَحِّ. وَلِذَلِكَ فَائِدَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ سَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَتَحَمَّلْ سَهْوَهُ فِي الْأَصَحِّ.
(الثَّانِيَةُ) : فِي حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.

[الْإِنْشَاءُ]
ُ إيقَاعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى يُقَارِبُهُ فِي الْوُجُودِ كَإِيقَاعِ الْبَيْعِ بِبِعْت وَالنِّكَاحِ بِتَزَوَّجْت وَالطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ.
وَأَمَّا الظِّهَارُ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْوَجِيزِ) فِي بَابِهِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَخَالَفَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَصَرَ
(1/205)

الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَقِيلَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمَا أَحْدَثَ حُكْمًا.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ. وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةً: خَبَرٌ مَحْضٌ كَقَامَ زَيْدٌ، وَإِنْشَاءٌ مَحْضٌ كَبِعْت، وَمَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ الظِّهَارُ.
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ فِيهِ: أَنَّ إنْشَاءَ التَّعْلِيقِ جَائِزٌ، وَتَعْلِيقَ الْإِنْشَاءِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك إنْ شِئْت صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ (التَّجْرِيدِ) وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ إنْ شِئْت بِعْتُك.
وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِ زَيْنَبَ إنْ شَاءَتْ جَازَ وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَتْ زَيْنَبُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَجُزْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ صَحَّ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَظَنَّ (التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ) أَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَخُولِفَ وَقِيلَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَهُوَ وَعْدٌ مَحْضٌ لَا تَعْلِيقٌ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ (الْكِنْدِيُّ) وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَقَالَ لَا نَقْلَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ صِنَاعَةَ النَّحْوِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَخُولِفَ فِيهِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَيَدُلُّ لَهُ مَا حَكَاهُ (شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ
(1/206)

طَلَّقْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ وَأَنَّهُ قَاذِفٌ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا شَاءَ فُلَانٌ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَشِيئَةُ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَمِثْلُهُ: النَّذْرُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَشَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي (شَرْحِ التَّلْخِيصِ) .

[أَوَائِلُ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ بِمَا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا]
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْآخَرِ فَإِنْ أَجَازَ فَبِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجِيءُ قَوْلُ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاتَّبَعَ فِيهِ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ مِمَّا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا فَلَمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي أَوَّلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِيهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي قَوْلٍ حَتَّى لَا يُوقِعَ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ اسْتِرْجَاعِ الْبَائِعِ بِفَلَسِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ عَقْدًا تَقَعُ
(1/207)

الْجَهَالَةُ) فِي ثَمَنِهِ.

[الِائْتِمَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ]
ِ (أَحَدُهُمَا) :
ائْتِمَانُ الْمَالِكِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُؤْتَمَنِ؛ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْجُعْلِ وَالْمُودِعُ؛ لِائْتِمَانِهِ إيَّاهُ، وَكَذَا الْمُسْتَأْجِرُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ. (الثَّانِي) ائْتِمَانٌ بِالشَّرْعِ كَأَمِينِ الْأَيْتَامِ وَالْعُمَّالِ وَالْأَوْصِيَاءِ، فَائْتِمَانُ الْحَاكِمِ لَهُمْ لَيْسَ كَائْتِمَانِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُمْ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ.
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ: أَيْدِي الْأُمَنَاءِ ثَلَاثَةٌ: يَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِلْمَالِكِ، وَلَهُ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِلَا جُعْلٍ وَالْمُودِعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِيَمِينِهِ قَطْعًا.
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ
(1/208)

الْقَفَّالُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَمَانَةُ.
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِالْجُعْلِ وَالْمُدَّعِي الشَّرِكَةِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: ذَكَرَ هَذَا الضَّابِطَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ فَقَوْلُنَا: مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ، يَتَنَاوَلُ يَدَ السَّوْمِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُقَارِضِ وَالْوَكِيلِ، وَقَوْلُنَا: لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، احْتِرَازٌ عَنْ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ يُخْرِجُ الْإِجَارَةَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِاسْتِحْقَاقٍ.
وَمَنْ كَانَ أَمِينًا بِائْتِمَانِ الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ أَوْ بِائْتِمَانِ الشَّرْعِ كَالْمُلْتَقِطِ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَمِنْهُ لَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ، فَلَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهُ حِسْبَةً، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مِنْ جَارِحِهِ لِيُنْقِذَهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِنْقَاذُهُ؛ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ قَالَ الْمَرْعَشِيُّ: وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ السَّاعِي زَكَاةَ رَجُلٍ قَبْلَ
(1/209)

حَوْلِهَا فَتَتْلَفُ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمَسَاكِينِ مِثْلَ مَا تَلِفَ، إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، أَوْ (قِيمَتَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) نَصًّا.

[الْإِيثَارُ ضربان]
الْإِيثَارُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَعَكْسُهُ الْأَثَرَةُ: وَهِيَ اسْتِئْثَارُهُ عَنْ أَخِيهِ بِمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً» وَالْإِيثَارُ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ كَالْمُضْطَرِّ يُؤْثِرُ بِطَعَامِهِ غَيْرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَالْإِمَامِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي يَقْتَضِي الْمَنْعَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ (الْبُغَاةِ) فِي كَلَامِهِ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ: إنَّهُ لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا، وَوَلَدُهُ مُضْطَرٌّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ الطَّعَامِ لَهُ انْتَهَى. وَغَيْرُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ مُضْطَرِّينَ، وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالطَّعَامِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَالِكٍ
(1/210)

إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَمَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ يَكْفِي غُسْلَ أَحَدِهِمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى (بِهِ) انْتَهَى. (وَقَالَ) الْإِمَامُ فِي بَابِ صَوْلِ الْفَحْلِ: لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِيثَارِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى هَلَاكِ الْمُؤْثِرِ، وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا اُضْطُرَّ، وَانْتَهَى إلَى الْمَخْمَصَةِ، وَمَعَهُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَفِي رُفْقَتِهِ مُضْطَرٌّ فَآثَرَهُ بِالطَّعَامِ، فَهُوَ حَسَنٌ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْإِيثَارَاتِ الَّتِي يُتَدَارَكُ بِهَا الْمُهَجُ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيثَارُ الْبَهِيمَةِ، وَكَيْف يُظَنُّ هَذَا، وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ؛ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَقَالَ وَالِدُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْفُرُوقِ: الْمُضْطَرُّ إنْ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِمَا مَعَهُ لِاسْتِحْيَاءِ مُهْجَةٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الْإِيثَارُ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ. وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَارُ، وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَيُقَوِّي هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَةُ الْمُدَافَعَةِ وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا، وَالْمَقْصُودُ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالدَّفْعِ رُبَّمَا يَقْتُلُ الْقَاصِدَ كَانَ لِلْمَقْصُودِ الِاسْتِسْلَامُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي ذَلِكَ. انْتَهَى.
(1/211)

وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصِّيَالِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْغَيْرِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ قَطْعًا (الثَّانِي) : فِي الْقُرُبَاتِ كَمَنْ يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ لِغَيْرِهِ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ أَوْ يُؤْثِرُ بِقُرْبِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ السَّابِقِ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَمَعَهُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ وَالْمُهَجِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِيثَارُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (الْقَوَاعِدِ) : لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الْمُتَيَمِّمِ، وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ، فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمَهُ فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِأَمْرٍ فَتَرَكَهُ وَقَالَ لِغَيْرِهِ قُمْ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ النَّاسِ بِتَبَاعُدِهِ مِنْ إجْلَالِ الْأَمْرِ وَقُرْبِهِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ، فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ (ابْنِ عُمَرَ) : (كَانَ إذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ) ، هَذَا نُوزِعَ
(1/212)

فِيهِ) لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَحْيَا مِنْهُ إنْسَانٌ فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ قَلْبِهِ فَسَدَّ ابْنُ عُمَرَ الْبَابَ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا، (وَالثَّانِي) أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَرْتَكِبَ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيُؤْثِرَ بِهِ وَنَحْوُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يُحْمَدُ الْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الْقُرَبِ. انْتَهَى. وَذُكِرَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) : إنَّهُ لَا يُقِيمُ مَنْ جَلَسَ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ، قَالَ (الْأَصْحَابُ) : لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَنْ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا جَاءَ الْمُنْفَرِدُ لِيُصَلِّيَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً فَلَهُ أَنْ يَجُرَّ شَخْصًا وَيُسَاعِدَهُ الْمَجْرُورُ، وَمَعَ هَذَا
(1/213)

فَقَدْ فَوَّتَ لِنَفْسِهِ قُرْبَةً، وَهُوَ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْإِيثَارَ لَا يَكُونُ فِي الْقُرَبِ بَلْ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ قَدْ أَعْطَى الْمَاءَ مَنْ يُؤَدِّي بِهِ عِبَادَةً، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الصَّفِّ فَقَدْ فَاتَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُصَلِّي الثَّانِي عَلَى أَجْرِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ، وَهَذَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ لَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى خِلَافٌ، وَأَمَّا الْإِيثَارُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ فَمُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الدُّعَاءُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى» ، وَمِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، وَقَدْ حَكَى (الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ) فِي كِتَابِهِ (الْجَامِعِ) عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ؛ لِأَنَّ
(1/214)

قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ، وَالْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي الْإِيثَارِ بِالشَّيْءِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ قُرْبَةٌ أَوْ لَا، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إخْرَاجِ فِطْرَةِ نَفْسِهِ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَقَارِبُ (، وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ وَقِيلَ: زَوْجَتَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَعَلَّ قَائِلَهُ تَلَقَّى مَذْهَبَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِيثَارِ فِي النَّفَقَةِ لَمَّا رَأَى الْفِطْرَةَ مُتَلَقَّاةً مِنْ النَّفَقَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ قُرْبَةٌ، وَلَا إيثَارَ فِي الْقُرَبِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْأَئِمَّةُ فِي إيثَارِ عَائِشَةَ لِعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُجْرَتِهَا، وَقَوْلِهَا: كُنْت أَعْدَدْتُهُ لِنَفْسِي
(1/215)

وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ إيثَارٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِيثَارَ بِشَرَابِهِ مِنْ الشَّابِّ الْجَالِسِ عَنْ يَمِينِهِ لِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.
(1/216)

[حَرْفُ الْبَاءِ] [الْبِدْعَةُ]
الْبِدْعَةُ قَالَ (ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بِدْعَةٌ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ، وَجَعَلَ مِنْهُ (ابْنُ فَارِسٍ) فِي (الْمَقَايِيسِ) قَوْله تَعَالَى {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ:
(1/217)

أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ. وَالثَّانِي: مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِيَامِ (رَمَضَانَ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي (التَّتِمَّةِ) فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: الْبِدْعَةُ اسْمٌ لِكُلِّ زِيَادَةٍ فِي الدِّينِ سَوَاءٌ كَانَتْ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً، فَالْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ الطَّاعَةِ، مِثْلُ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ سَوَاءٌ وَافَقَ الشَّرْعَ أَمْ لَا بِأَنْ يَتَعَبَّدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ: وَالْمُبْتَدِعُ بِالْمَعْصِيَةِ كَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ بِهِ خَلَلٌ فِي الْعَقِيدَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ بِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَاسِقِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ: وَهَلْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) : إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَاصِينَ وَحَالُهُ فِي الْمَشِيئَةِ كَحَالِ سَائِرِ الْعُصَاةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ كَذِبٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» .
وَقَالَ
(1/218)

الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: هِيَ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، فَأَيُّ حُكْمٍ دَخَلَتْ فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَمِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ تَعَلُّمُ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، لِأَنَّ ضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَأَتَّى ضَبْطُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَذْهَبُ (الْقَدَرِيَّةِ) ، (وَالْجَبْرِيَّةِ) ، (وَالْمُرْجِئَةِ) ، (وَالْمُجَسِّمَةِ) ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَنْدُوبَةِ إحْدَاثُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. وَمِنْ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلُبْسُ الطَّيَالِسَةِ وَتَوْسِيعُ الْأَكْمَامِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ.

[الْبَدَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ: الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ، وَلَمْ يَجِدْهُ
لَا يَتْرُكُهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ثَمَنِهِ، كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ وَلَمْ يَجِدْهَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا انْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَشْتَرِيهِ، فَعَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ، وَكَمَا لَوْ
(1/219)

عَدِمَ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ وَكَانَ مَالُهُ غَائِبًا، بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا يُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ.

الثَّانِي: إذَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَثْنَاءِ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نُظِرَ، إنْ كَانَ الْبَدَلُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَكَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُتَمَتِّعُ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَرُجُوعِهِ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى إتْمَامَ الْعَشَرَةِ، وَلَا أَثَرَ لِوُجُودِ الْهَدْيِ بَعْدُ.
وَمِثْلُهُ: إذَا نَكَحَ عَادِمُ الطَّوْلِ الْأَمَةَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمَةِ، وَكَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِشُهُودِ الْفَرْعِ، ثُمَّ ظَهَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَلَمْ يَجِدْ الْإِبِلَ وَأَعْطَى الْبَدَلَ، ثُمَّ وُجِدَتْ، فَلَا يَسْتَرِدُّ، وَلَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَتَلِفَ، وَلَمْ يَجِدْ مِثْلَهُ، فَأَعْطَى الْقِيمَةَ، ثُمَّ وَجَدَهُ فَهَلْ لِلْمَالِكِ رَدُّ الْقِيمَةِ وَطَلَبُ الْمِثْلِ؟ . وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ الْآبِقِ، إنْ عَادَ، وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ؛ لِانْفِصَالِ الْأَمْرِ بِالْبَدَلِ، وَيُخَالِفُ الْإِبَاقَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عَيْنُ حَقِّهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمِثْلُ بَدَلُهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى حَقِّهِ التَّمْكِينُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى بَدَلِهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُرَادُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ، فَمِنْهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ
(1/220)

التَّيَمُّمِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَسْتَقِرُّ حُكْمُهُ، إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَكَذَا إذَا تَحَرَّمَ الْمُتَيَمِّمُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَائِهَا، وَالصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ بِخِلَافِ مَا تَسْقُطُ بِهِ، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ الْمَعْذُورُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ بِالْأَشْهُرِ، إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تَرْجِعُ لِلْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ اسْتِفَادَةُ النِّكَاحِ وَمِنْهُ لَوْ حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ عِنْدَ شَهَادَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى شَهَادَةِ الْفَرْعِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُرَدُّ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِقُدُومِهِ مِنْ السَّفَرِ، وَقِيلَ: لَا مَنْعَ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ قَرَأَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، مِثْلَ: إنْ أَتَى بِنِصْفِ الذِّكْرِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِتَلْقِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ النِّصْفِ الْآخَرِ قَطْعًا، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ، كَمَا لَوْ
(1/221)

وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ تَمَامِ التَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ قَدْ تَمَّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى الْمُكَفِّرُ بِالْبَدَلِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ، وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ: وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَاعِدًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ بِالْمَشَقَّةِ، ثُمَّ رَأَى انْتِفَاءَهَا هَا هُنَا، وَأَيْضًا فَمَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَذْكَارٌ قَبْلَهَا وَقِرَاءَةٌ بَعْدَهَا، بِخِلَافِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ بِالنِّيَّةِ إلَيْهَا.
وَلَوْ أَتَى بِالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ،، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِرَاءَتُهَا الثَّالِثُ: إذَا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا، فَقَدْ مَضَى الْأَمْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ الْمَالُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَمَتِّعُ، إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَصَامَ، ثُمَّ عَادَ الْمَالُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُضَيَّقٌ كَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا، فَقَوْلَانِ، كَمَا لَوْ عَادَ مَالُهُ بَعْدَ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِي الْحَجِّ، إذَا وَجَبَ قَبْلَ الْغَصْبِ، أَوْ عَادَ مَالُهُ وَبَقِيَ مُدَّةً، وَقَدْ لَزِمَهُ، فَإِنْ مَاتَ حُجَّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهُ وَلَا قُدِّرَ فِيهِ الرُّجُوعُ
(1/222)

(فَوَجْهَانِ) ، وَلَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا فَلَا (يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ) ، وَهَلْ يُقَوَّمُ إذَا رَجَعَ مَالُهُ؟ وَجْهَانِ: كُلُّهُ مِنْ (الِاسْتِذْكَارِ) لِلدَّارِمِيِّ.
وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ، ثُمَّ نَزَعَهُ وَهُوَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ فَاتَتْ (الْمُوَالَاةُ) ، وَلَوْ ضَلَّتْ الشَّاةُ الْمَنْذُورَةُ بِتَقْصِيرِهِ، وَلَمْ يَجِدْهَا انْفَكَّتْ وَعَادَتْ إلَى مِلْكِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّضْعِيفُ، وَإِنْ وَجَدَ الضَّالَّةَ بَعْدَ التَّعْيِينِ وَقَبْلَ الذَّبْحِ، فَالْأَصَحُّ يُضَحِّي بِالضَّالَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَالثَّانِي بِالْبَدَلِ، وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ وَالرَّابِعُ يَجِبُ، ذَبْحُهُمَا لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِمَا.
وَلَوْ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ الدَّرَاهِمَ لِفَقْدِ الْإِبِلِ، ثُمَّ وُجِدَتْ قَالَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَةً عَنْ الْأَصْحَابِ: لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّ الدَّرَاهِمَ وَيَرْجِعُ إلَى الْإِبِلِ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرِمَ قِيمَةَ الْمِثْلِ ثُمَّ وَجَدَهُ فَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْمِثْلِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا.

الرَّابِعُ: الْبَدَلُ مَعَ مُبْدَلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
(1/223)

تَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْمُبْدَلِ، وَتَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْبَدَلِ، وَتَارَةً يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَتَارَةً يَتَخَيَّرُ، فَمِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْغَالِبُ (التَّيَمُّمُ) مَعَ الْوُضُوءِ وَإِبْدَالُ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ (الْجُبْرَانِ) ، وَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ وَقِيلَ: لَيْسَ كُلُّ خَصْلَةٍ بَدَلًا عَمَّا قَبْلَهَا بَلْ هِيَ خِصَالٌ مُسْتَقِلَّاتٌ.
وَمِنْ الثَّانِي: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إذْ قِيلَ: إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَمِنْ الثَّالِثِ: وَاجِدُ بَعْضِ الْمَاءِ أَوْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ لِأَجْلِ الْجِرَاحَةِ مَعَ التَّيَمُّمِ، إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي طَهَارَتِهِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَعَدَّ مِنْهُ الْإِطْعَامَ مَعَ الصَّوْمِ فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِطْعَامَ جُبْرَانٌ لِلتَّأْخِيرِ لَا بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ.
وَمِنْ الرَّابِعِ مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ، إذَا قُلْنَا: إنَّ الشَّعْرَ بَدَلٌ عَنْ الْبَشَرَةِ حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى الشَّعْرِ ثُمَّ حَلَقَهُ اسْتَأْنَفَ الْمَسْحَ عَلَى الْبَشَرَةِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ ظَهَرَتْ الرِّجْلُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الْخُفِّ مَعَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَصْلٌ، وَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَالَهُ
(1/224)

الرَّافِعِيُّ وَتَابَعَهُ (الْحَاوِي الصَّغِيرُ) ، وَمِثْلُهُ الْأَحْجَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا.

(الْخَامِسُ) : مَا عُلِّقَ جَوَازُ الْبَدَلِ فِيهِ عَلَى فِقْدَانِ الْمُبْدَلِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، فَإِذَا فُقِدَا مَعًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ وَجَدَ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْبَدَلُ صَارَ وَاجِدًا لَهُ دُونَ الْمُبْدَلِ، فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ عَدَلَ إلَى ابْنِ لَبُونٍ، فَإِنْ فُقِدَا مَعًا فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا شَاءَ، وَالْحَانِي يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَمِنْهَا: الْحَقُّ هَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بَدَلًا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، إذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهَا فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ، وَعِنْدَهُ الْحِقَاقُ وَبَنَاتُ لَبُونٍ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ: إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ الْأَغْبَطِ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَوْ كَانَا مَفْقُودَيْنِ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَجِبُ شِرَاءُ الْأَغْبَطِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.

(السَّادِسُ) : قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ: الْأَبْدَالُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلَاتِهَا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْإِعْتَاقِ، وَلَا الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ إذْ لَوْ تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ لَمَا شُرِطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ فَقْدُ الْمُبْدَلِ انْتَهَى.
(1/225)

وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ: (مِنْهَا) الْجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَعَنَى فِي الْجُمُعَةِ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمُبْدَلِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْبَدَلِ فَمِنْ لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ هَا هُنَا أَفْضَلَ مِنْ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْدَلُ عَنْ شَرْعِيَّةِ الشَّيْءِ إلَى آخَرَ لِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُتَّحِدًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ أَخَصَّ مِنْ الْمُبْدَلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، قِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْوُضُوءِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الْغَسْلُ وَإِمَّا الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا.
(ضَابِطٌ) : الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْلِ إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْمُسْتَعْمَلِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَوْجُودِ مِنْهُ كَوِجْدَانِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ فِي نَفْسِ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الْمَقْدُورِ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ جَرِيحًا، وَكَانَ
(1/226)

يُكَفِّرُ الْمُبَعَّضَ بِالْمَالِ ذَكَرَهُ (الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ) . تَنْبِيهٌ:
كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ لَهَا بَدَلًا فَيُتَسَامَحُ فِيهَا بِالْمَسْكَنِ وَالْعَبْدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ قَالَ (ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ) ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِالْمَتِينِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَبْدَالِ وَتَجْوِيزَ الْعُدُولِ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأُصُولِ، وَالشَّأْنُ فِي تَعَذُّرِ الْأُصُولِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الشَّيْءِ لَهُ بَدَلٌ لَا يَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِأَصْلِهِ إلَّا عَلَى مُلَاحَظَةِ قَاعِدَةِ (الِاسْتِحْسَانِ) الضَّعِيفَةِ.

[الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ]
ُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا يَجِبُ قَطْعًا كَمَا إذَا قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ قَطْعًا وَهَلْ يُضِيفُ
(1/227)

إلَيْهَا مِنْ الذِّكْرِ مَا يُتِمُّ بِهِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ، أَوْ يُكَرِّرُهَا سَبْعًا؟ قَوْلَانِ وَلَمْ يَحْكُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا كَمَا فِي بَعْضِ الْمَاءِ وَنَظَائِرِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كُلُّ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا بِنَفْسِهَا، فَلَا يَأْتِي بِبَدَلِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ لَزِمَهُ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِفَوَاتِهَا، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَكَمَنْ انْتَهَى فِي التَّكْفِيرِ إلَى الْإِطْعَامِ فَقَدَرَ عَلَى إطْعَامِ ثَلَاثِينَ، فَيَتَعَيَّنُ إطْعَامُهُمْ قَطْعًا، وَكَمَا إذَا كَانَ مُحْدِثًا، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بَدَلٌ، وَلِلطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ بَدَلٌ وَخَصَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَغَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ أَوْلَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ غَسَلَ النَّجَاسَةَ أَوْ تَوَضَّأَ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ النَّجَاسَةِ أَشَدُّ مُنَافَاةً مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَسُدُّ بِهِ بَعْضَ رَمَقِهِ لَزِمَهُ تَنَاوُلُهُ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْمَيْتَةِ، وَالْمُحْرِمُ إذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ، وَهُوَ مُحْدِثٌ وَمَعَهُ مَا يَكْفِي لِغُسْلِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَغَسْلُ
(1/228)

الطِّيبِ بِهِ فَعَلَ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ الطِّيبِ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ لَهَا بَدَلٌ، بِخِلَافِ الطِّيبِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَطِيبٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَجِدْ، إلَّا مَا يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ لِغِلَظِهَا.
الثَّانِي: مَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ هَذَا، إذَا قَدَرَ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَإِنْ فَقَدَهُ اسْتَعْمَلَ الْمَيْسُورَ قَطْعًا لِعَدَمِ الْبَدَلِ، وَقِيلَ يَطَّرِدُ الْقَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَ بِجَسَدِهِ جِرَاحَاتٌ تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيعَابِ الْمَاءِ فَالْمَذْهَبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَرِيحِ.
(وَالثَّانِي) عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ وَجْهِهِ، فَإِنَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَرَقَبَتِهِ وَهُوَ مَا كَانَ يَغْسِلُهُ مَعَ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ ذَلِكَ مَعَ الْوَجْهِ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، أَوْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي (الِاسْتِذْكَارِ) ، (وَمِثْلُهُ) مَا لَوْ قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِ الْعَظْمِ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَاتٌ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ.
وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصَّاعِ مِنْ الْفِطْرَةِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً نَقْدًا وَمِائَةً
(1/229)

مُؤَجَّلَةً عَلَى مَلِيءٍ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ إخْرَاجُ الْجَمِيعِ فِي الْحَالِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا لِنُقْصَانِ هَذَا الْقَدْرِ عَنْ النِّصَابِ، وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْرِي إلَى الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الِاسْتِقْلَالُ وَثُبُوتُ أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ، وَلَوْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ انْهَدَمَ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ حَكَاهُ الشَّيْخُ (أَبُو مُحَمَّدٍ) فِي الْفُرُوقِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمُسَاعِدَةُ النَّوَوِيِّ لَهُ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ صَلَّى قَائِمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَتِمُّ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ: قَالَ الْإِمَامُ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْعُرْيَ، إذَا عَمَّ فِي قَوْمٍ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ، بِأَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ عُرَاةً، فَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ، وَلَا يَقْضُونَ قَطْعًا.
الثَّالِثُ:
مَا لَا يَجِبُ قَطْعًا، كَمَا إذَا وَجَدَ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ بَعْضَ الرَّقَبَةِ، لَا يَجِبُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصْدُهُ تَكْمِيلَ الْعِتْقِ مَا أَمْكَنَ؛ وَلِهَذَا شُرِعَتْ السِّرَايَةُ،
(1/230)

وَيَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ؛ وَلِأَنَّ إيجَابَ بَعْضِ الرَّقَبَةِ مَعَ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَصِيَامُ شَهْرٍ مَعَ عِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِيهِ تَبْعِيضُ الْكَفَّارَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وَجَدَ بَعْضَ رَقَبَةٍ بَاقِيهَا حُرًّا، يَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِقْصًا؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِنْهُ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَشْتَرُوا بِثُلُثِهِ رَقَبَةً وَيُعْتِقُونَهَا، فَلَمْ تُوجَدْ كَامِلَةً، فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي شِقْصًا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ قَطْعًا وَمِنْهَا: الشَّفِيعُ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ ثَمَنِ الشِّقْصِ لَا يَأْخُذُ قِسْطَهُ مِنْ الْمُثَمَّنِ وَكَصَوْمِ بَعْضِ الْيَوْمِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ. الرَّابِعُ: مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ ثَلْجًا، أَوْ بَرَدًا وَتَعَذَّرَتْ إذَابَتُهُ، فَلَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ هَذَا فِي الرَّأْسِ قَبْلَ التَّيْمِيمِ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ تَيَمَّمَ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ، وَمِنْهَا الْوَاجِبُ فِي السُّجُودِ التَّنْكِيسُ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِمَرَضٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ وَضْعُ وِسَادَةٍ لِيَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛
(1/231)

لِأَنَّ السَّاجِدَ يَلْزَمُهُ هَيْئَةُ التَّنْكِيسِ، وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَتَى بِالثَّانِي مُحَافَظَةً عَلَى الْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ السُّجُودِ فَاتَتْ، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِرَ فِي الْمَاءِ وَيَسْجُدَ عَلَى الشَّطِّ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ: لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى (التَّطْيِينِ) لَزِمَهُ.
(وَمِنْهَا) الْأَخْرَسُ يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ سَاكِتًا، وَقِيلَ: يُحَرِّكُ لِسَانَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ النَّصِّ وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَتَضَمَّنُ نُطْقًا وَتَحْرِيكَ اللِّسَانِ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ ضَابِطًا لِبَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَقَالَ: كُلُّ أَصْلٍ ذِي بَدَلٍ فَالْقُدْرَةُ عَلَى بَعْضِ الْأَصْلِ، لَا حُكْمَ لَهَا وَسَبِيلُ الْقَادِرِ عَلَى الْبَعْضِ كَسَبِيلِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكُلِّ، إلَّا فِي الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، أَوْ الْقَادِرِ عَلَى إطْعَامِ بَعْضِ الْمَسَاكِينِ إذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْإِطْعَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْفِطْرَةِ لَزِمَهُ الْمَيْسُورُ مِنْهُمَا وَكَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ السَّاتِرِ يَجِبُ الْمَقْدُورُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ بِانْتِقَاضِ بَعْضِ الْمَحَلِّ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْإِتْيَانِ بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ يَعْنِي، كَمَا لَوْ قَطَعَ بَعْضَ يَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْبَاقِي، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافًا بَعِيدًا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ التَّرَدُّدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَعْنِي مِنْ الْفِطْرَةِ.
(1/232)

قُلْت: وَيُرَدُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ صُورَةِ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، مَا سَبَقَ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ، إنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودًا مِنْ الْعِبَادَةِ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لَمْ يَجِبْ قَطْعًا كَإِمْرَارِ مُوسَى عَلَى الرَّأْسِ فِي الْحَلْقِ وَالْخِتَانِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ لِقَصْدِ الْحَلْقِ وَالْقَطْعِ، وَقَدْ سَقَطَ الْمَقْصُودُ فَسَقَطَ الْوَسِيلَةُ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي تَحْرِيكِ اللِّسَانِ مِنْ الْأَخْرَسِ، وَنَظَائِرُهُ لِلْخِلَافِ فِي أَنَّهُ وَجَبَ وُجُوبُ الْمَقَاصِدِ، أَوْ الْوَسَائِلِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ وَجَبَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ اسْمُ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصْدُقُ عَلَى بَعْضِهِ وَجَبَ أَيْضًا كَالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْدُقُ لَمْ يَجِبْ كَبَعْضِ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رَقَبَةً وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا يُخَافُ فَوَاتُهُ لَمْ يَجِبْ كَالْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ.
(1/233)

[حَرْفُ التَّاءِ] [التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ]
التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ مِنْ فُرُوعِهِ: إنَّ مَنْ أَحْيَا شَيْئًا لَهُ حَرِيمُ مِلْكِ الْحَرِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ تَبَعًا، كَمَا يَمْلِكُ عَرْصَةَ الدَّارِ بِبِنَاءِ الدَّارِ فَلَوْ بَاعَ حَرِيمَ مِلْكِهِ دُونَ الْمِلْكِ لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِرْبَ الْمَاءِ وَحْدَهُ، وَمِنْهُ: يَدْخُلُ الْحَمْلُ فِي بَيْعِ الْأُمِّ، وَلَوْ بَاعَ الْحَمْلَ لَمْ يَصِحَّ. نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَهُ صَحَّ وَلَمْ تَعْتِقْ الْأُمُّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَمِنْهُ: الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الطَّعَامِ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مَعَهُ تَبَعًا لَا مُنْفَرِدًا فِي الْأَصَحِّ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهُدْنَةِ عَنْ ابْنِ كَجٍّ: إنَّهُ لَوْ نَقَضَ السُّوقَةُ الْعَهْدَ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّئِيسُ وَالْأَشْرَافُ، فَفِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي حَقِّ السُّوقَةِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِعَهْدِهِمْ.
(1/234)

[التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ]
ِ كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ أَيَّامِ الْجُنُونِ لَا يُسْتَحَبُّ (لَهُ قَضَاءُ رَوَاتِبِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ وَكَذَلِكَ) مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَا يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ، وَقَدْ سَقَطَ فَيَسْقُطُ التَّابِعُ، أَمَّا إذَا كَانَ التَّابِعُ مَقْصُودًا لَمْ يَسْقُطْ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ كَغَسْلِ الْعَضُدِ يُشْرَعُ مَعَ قَطْعِ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ، لِأَنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ غَسْلِ الْمِرْفَقِ وَالسَّاعِدِ جَازَ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَيَنْبَغِي مَجِيءُ خِلَافٍ فِيهِ فَكَمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ أَنَّهُ هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ مَا يُغْسَلُ مِنْ الرَّأْسِ، لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ، إذَا سَقَطَ غَسْلُ الْوَجْهِ لِعِلَّةٍ أَوْ عُذْرٍ وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ تَبَعًا، فَإِنْ قُلْنَا: وَجَبَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ، كَمَا فِي الْعَضُدِ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: فِيمَا قَالَهُ الْإِمَامُ نَظَرٌ، فَإِنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَالتَّحْجِيلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَبْعُدُ إذَا كَانَ الْإِمْسَاسُ مُسْتَحَبًّا لِلتَّحْجِيلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا مُسْتَحَبًّا فِي الْوَجْهِ لِأَجْلِ الْغُرَّةِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي الْعَضُدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَغَايِرٌ.
وَهُوَ اسْتِحْبَابُ الْعَضُدِ وَوُجُوبُ الْغَسْلِ فِي السَّاعِدِ، بِخِلَافِ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ، فَإِنَّهُ تَابِعٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا أَيْ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ،
(1/235)

وَإِذَا سَقَطَ الْمَتْبُوعُ سَقَطَ التَّابِعُ وَأَيْضًا، فَإِنَّ فَرْضَ هَذَا الْعُضْوِ أَعْنِي الرَّأْسَ، وَهُوَ الْمَسْحُ، بَاقٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ، فَلَا يَفُوتُ شَيْءٌ. بِخِلَافِهِ ثُمَّ، فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْعَضُدِ لَفَاتَتْ سُنَّةُ التَّحْجِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا إلَى بَدَلٍ، وَمِنْهَا: إذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ، لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنْهَا: نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) عَلَى أَنَّ الْفَارِسَ، إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَرْبِ سَقَطَ سَهْمُهُ.
وَلَوْ مَاتَ الْفَرَسُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَارِسَ مَتْبُوعٌ، فَإِذَا فَاتَ فَاتَ الْأَصْلُ، وَالْفَرَسُ تَابِعٌ، فَإِذَا مَاتَ جَازَ أَنْ يَقَعَ سَهْمُهُ لِلْمَتْبُوعِ، وَإِذَا مَاتَ الْغَازِي صُرِفَ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْجِهَادِ وَفِي قَوْلٍ لَا، لِأَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ زَالَتْ بِمَوْتِ الْمَتْبُوعِ.

[التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ]
ِ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْبَيَاضِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَهَا بِشُرُوطٍ: مِنْهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَقَالَ: زَارَعْتُكَ عَلَى الْبَيَاضِ وَسَاقَيْتُك عَلَى النَّخِيلِ عَلَى كَذَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ،
(1/236)

كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، فَقَدَّمَ لَفْظَ الرَّهْنِ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ.

[التَّابِعُ هَلْ يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ]
ٌ، لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ وَحْدَهَا، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ، وَيُجْعَلُ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ، وَإِنْ قَطَعَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا، بَلْ يَلْزَمُهُ لِلزِّيَادَةِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهَا؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ، كَذَا عَلَّلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمَاسَرْجِسِيِّ، وَمِنْهَا: إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ فِي الْوُضُوءِ، فَعَنْ الرُّويَانِيِّ يَمْسَحُهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَيْلُ الْأَكْثَرِينَ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْبَلَلِ الْبَاقِي، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَسْعُودِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْقَفَا فِي الْمَسْحِ، وَالْقَفَا تَابِعٌ لِلرَّأْسِ، لِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يُسَنُّ تَكْبِيرُ الْعِيدِ خَلْفَ النَّوَافِلِ، فِيهِ خِلَافٌ قَالَ فِي
(1/237)

الْبَيَانِ: وَالْأَصَحُّ لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَابِعٌ لِلْفَرَائِضِ، وَالتَّابِعُ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ، وَمِنْهَا: يُقَالُ أَيْضًا: لَيْسَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَالنَّافِلَةُ لَا أَتْبَاعَ لَهَا، وَمِنْهَا: لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ، فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُمْ، إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ، كَمَا فِي أَهْلِ الْكَمَالِ مَعَ الْإِمَامِ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِمْ التَّقَدُّمُ فِي الْأَفْعَالِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ الْقَصْدُ الِانْعِقَادُ فِي الِابْتِدَاءِ خَاصَّةً وَلِهَذَا لَوْ خَطَبَ بِأَرْبَعِينَ وَأَحْرَمَ بِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَرْبَعُونَ، وَأَحْرَمُوا مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ انْفَضَّ السَّابِقُونَ جَمِيعُهُمْ، وَبَقِيَ الْأَرْبَعُونَ اللَّاحِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ، وَلَوْ لُوحِظَ مَا ذَكَرَهُ لَبَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَمِنْهَا: لَوْ تَبَاعَدَ الْمَأْمُومُ عَنْ (الْإِمَامِ) أَبْعَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَخْصٌ يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ صَحَّ بِشَرْطِ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا.

[التَّبَعِيَّةُ ضَرْبَانِ]
ِ: أَحَدُهُمَا: مَعَ الِاتِّصَالِ بِالْمَتْبُوعِ فَيَلْتَحِقُ بِهِ لِتَعَذُّرِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ كَذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِذَبْحِ الْأُمِّ حِلَّ الْجَنِينِ بِشَرْطِهِ، وَكَذَلِكَ تَبَعِيَّةُ الْحَمْلِ فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَتَبَعِيَّةُ الْمُغْرِسِ لِلْأَشْجَارِ وَالْأُسِّ لِلدَّارِ قَالَ الْإِمَامُ وَيَدْخُلُ الْحَمْلُ
(1/238)

وَالثَّمَرَةُ فِي كُلِّ عَقْدٍ اخْتِيَارِيٍّ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ، وَأَمَّا الْقَهْرِيَّةُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَفِي الْفَلْسِ إلَى بَيْعِ الرَّهْنِ قَهْرًا فَلَا يَدْخُلَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ عُقُودَ الِاخْتِيَارِ مَصُونَةٌ عَنْ الْغَرَرِ بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ الْقَهْرِيِّ، وَلَمَّا نُقِصَتْ الْهِبَةُ عَنْ تَعَبُّدَاتِ الْبَيْعِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَدِيدِ، فَقَالَ لَا يَدْخُلَانِ فِيهَا وَأَلْحَقَهَا فِي الْقَدِيمِ بِالْبَيْعِ، وَالثَّانِي: بَعْدَ الِانْفِصَالِ كَالصَّبِيِّ إذَا أُسِرَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَا مَعْدُومَيْنِ تَبِعَ السَّابِيَ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُهُ، إذَا كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الذِّمِّيِّ يَتْبَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَالِغًا؛ وَلِهَذَا لَوْ بَلَغَ جُعِلَتْ جِزْيَتُهُ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ عَلَى وَجْهٍ تَبَعًا وَمِمَّا يَثْبُتُ تَبَعًا لَا ابْتِدَاءً، إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَفِي الْإِفْطَارِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ابْتِدَاءً فِي هِلَالِ شَوَّالٍ لَمَا كَفَى، وَأَصَحُّهُمَا ثُبُوتُهُ ضِمْنًا كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا، وَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ ابْتِدَاءً لَمْ يُسْمَعْ.
(1/239)

[التَّبْعِيضُ وَالتَّجْزِئَة إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَالثَّلَاثَةِ]
ِ نُصِّفَتْ عَلَى مَا يُمْكِنُ مَعَ الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ اثْنَانِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ لِلْعَبْدِ جُعِلَ لَهُ طَلْقَتَانِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَكَذَلِكَ الْأَقْرَاءُ فِي الْأَمَةِ قُرْءَانِ وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالرَّمْيُ وَالطَّوَافُ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا.

[التَّأْقِيتُ]
ُ كُلُّ عَقْدٍ كَانَتْ الْمُدَّةُ رُكْنًا فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهُدْنَةِ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْعَيْنِيَّةُ فَأَمَّا الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَقُومُ بِالزَّمَانِ وَتَارَةً بِالْعَمَلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ التَّأْقِيتُ حَيْثُ لَا يُنَافِيهِ كَالْقَارِضِ يَذْكُرُ فِيهِ مُدَّةً يَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا فَقَطْ، وَكَالْإِذْنِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَانِ فِي أَبْوَابِهِ خَاصَّةً كَالْوِصَايَةِ، وَمِمَّا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَنَحْوُهَا، وَمِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الْحُرِّيَّةُ لَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً عَلَى الْمَذْهَبِ.
(1/240)

[التَّتَابُعُ]
ُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ قَطْعًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةِ، وَمَا أَوْجَبَ فِيهِ التَّفْرِيقَ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ هَلْ يَجُوزُ تَتَابُعُهُ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَإِنَّمَا جَرَى هُنَا خِلَافٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبُّدِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ وَالتَّيْسِيرِ، فَإِنَّ التَّوَالِيَ تَغْلِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَالصَّحِيحُ تَغْلِيبُ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالتَّفْرِيقِ شَرْطًا كَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالتَّتَابُعِ.

[تَحَمُّلُ الْمُؤْنَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ]
ِ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِي أَدَاءِ وَاجِبٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءَ فَيَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ لَمْ يَجِبْ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَدَلٌ كَهِبَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْعَارِي يُوهِبُ الثَّوْبَ، فَلَا (يَلْزَمُهُ) قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ قَهْرًا وَقِيلَ لَا يَرُدُّهُ، (وَمِنْهُ) : لَوْ وَهَبَ لَهُ رَاحِلَةً لِيَحُجَّ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِلْمَانَّةِ
(1/241)

وَمِنْهُ) إذَا بَذَلَ لِلْمَعْضُوبِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِقَطْعِ الْمَانَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَعْضَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَذَلَا الطَّاعَةَ فَيَلْزَمُ الْقَبُولُ فِي الْوَلَدِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ (الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ فَيَسْتَحِقُّهَا، وَالضَّابِطُ فِيهِ: إنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَ مِنْهُ الْقِصَارَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ قَطْعًا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمَجْمُوعِ) وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَسَمَهَا الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْغَصْبِ إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ يَهَبَ لَهُ عَيْنًا مُتَمَيِّزَةً مِنْ مَالِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا بِلَا خِلَافٍ قُلْت: إلَّا إذَا وَهَبَ لِفَاقِدِ الْمَاءِ مَاءً أَوْ أَعَارَ دَلْوًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ بَاعَ مُصَرَّاةً فَاطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلْبِ، وَاللَّبَنُ بَاقٍ لَمْ يُكَلَّفْ رَدُّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ مِلْكٌ لَهُ وَقَدْ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْمَبِيعِ حَالَ الْعَقْدِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَكَانَ كَالتَّالِفِ، فَلَوْ أَرَادَ رَدَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَخْذِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ
(1/242)

لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ بَدَلِهِ، وَأَصَحُّهُمَا ": لَا؛ لِذَهَابِ طَرَاوَتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَحَمُضَ لَمْ يُكَلَّفْ أَخْذُهُ وَلَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْهُ بِمِلْكِهِ، إلَّا أَنَّ تَمَلُّكَهُ لَمَّا كَانَ فِي ضِمْنِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ يَهَبَ لَهُ مَنْفَعَةً مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَسَمِنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ بِزِيَادَتِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ بِلَا خِلَافٍ.
(قُلْت) : إلَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ نِصْفَ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ لِلزَّوْجِ فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِلْمِنَّةِ. (الثَّالِثُ) : أَنْ يَهَبَهُ عَيْنًا مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَهُ الصَّبْغَ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ وَهَبَهُ الْغِرَاسَ فَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْوَاحًا وَسَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَ الْمَسَامِيرَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ قَلْعُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْأَرْضُ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَهُ فَهَلْ يُجْبَرُ
(1/243)

عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِهَا لَوْ قَلَعَ النَّعْلَ لَنَقَصَتْ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِهِ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَةً يَغْلِبُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتَلَطَتْ وَرَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ حَقِّهِ وَقُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالِاخْتِلَاطِ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الثَّمَرَةِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي (الْفُرُوقِ) ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَبْذُورَةً إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْبَائِعُ لَهُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَوْ قَالَ خُذْهُ وَأَفْرِغْ الْأَرْضَ سَقَطَ خِيَارُهُ أَيْضًا إنْ أَمْكَنَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا أَحْجَارٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ لَا فِي تَرْكِهَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي إبْقَاءً لِلْعَقْدِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ (وَجْهَانِ:) كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَرْكِ النَّعْلِ فِي الدَّابَّةِ الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ أَحَدُهُمَا: تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ سُقُوطُ الْخِيَارِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكٍ حَاصِلٍ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي يَوْمًا فَهِيَ لَهُ، وَلَوْ بَدَا لِلْبَائِعِ فِي تَرْكِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ.
(1/244)

[التَّحَمُّلُ مَرَاتِبُ]
ُ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: (الْأُولَى) : وَهِيَ الْعُلْيَا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ صَرْفًا إلَى الْغَارِمِ، وَهَذَا تَحَمُّلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَارِدٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُسْتَقِرِّ. (الثَّانِيَةُ) : تَحَمُّلُ (الْعَاقِلَةِ) فِي الدِّيَةِ، وَهَلْ الْوُجُوبُ يُلَاقِي الْقَاتِلَ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ: (أَصَحُّهُمَا) نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ، وَالْمُتَحَمِّلُ مُخَفِّفٌ عَنْهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَتْ الْعَاقِلَةُ غَرَّمْنَا الْقَاتِلَ الدِّيَةَ. قَالَ الْإِمَامُ: فَإِذَا قَطَعْتُمْ بِهَذَا فَأَيُّ أَثَرٍ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْوُجُوبُ لَا يُلَاقِيهِ؟ قِيلَ: أَثَرُهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَوْ وُجِّهَ عَلَيْهِ مَعَ تَحَمُّلِ الْعَقْلِ لَغَا، وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ مِمَّنْ الْقَاتِلُ وَارِثُهُ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَعَ الْعَاقِلَةِ كَالْبَعْضِ، مِنْهُمْ مَعَ الْقُرَبِ مَعَ إمْكَانِ
(1/245)

مُطَالَبَةِ الْقُرَبِ.
(الثَّالِثَةُ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ الزَّوْجَةِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَالسَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ وَالْقَرِيبِ عَنْ قَرِيبِهِ، وَهَلْ هِيَ وَجَبَتْ عَلَى الزَّوْجِ ابْتِدَاءِ أَوْ عَلَيْهَا وَتَحَمَّلَهُ الزَّوْجُ؟ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَقِيلَ بِطَرْدِهِ فِي السَّيِّدِ وَالْقَرِيبِ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً قَطْعًا؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا قُدْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَالْقَرِيبُ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا قِيَمًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ فَهَلْ هُوَ كَالْحَوَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ؟ وَجْهَانِ. (الرَّابِعَةُ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ قَالَ الْإِمَامُ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَرَاتِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ الْقُرَبِ وَإِيجَادِ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّا نُوجِبُهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فِي زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَقَرِيبِهِ.

[التَّحِيَّاتُ ثَمَانٍ]
ٍ (إحْدَاهَا) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي صُوَرٍ:
(1/246)

الْخَطِيبُ يَدْخُلُ لِلْخُطْبَةِ وَالدَّاخِلُ وَالنَّاسُ فِي مَكْتُوبَةٍ، أَوْ وَقَدْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ، أَوْ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالدَّاخِلُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي فِي نَافِلَةٍ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ، فَفِي اسْتِحْبَابِ التَّحِيَّةِ وَجْهَانِ فِي الْفُرُوقِ لِابْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ مَنْ دَخَلَ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ.
(الثَّانِيَةُ) : تَحِيَّةُ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ لَا الْمَسْجِدِ؛ وَلِهَذَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَهُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَإِنَّمَا لَمْ نَأْمُرْهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ، وَذَلِكَ يُجْزِيهِ عَنْ التَّحِيَّةِ قِيلَ: وَلَوْ طَافَ وَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةَ دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا، فِيهِ نَظَرٌ. قُلْت: لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي، وَقَوْلُهُ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ.
(الثَّالِثَةُ) : تَحِيَّةُ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ.
(1/247)

الرَّابِعَةُ) تَحِيَّةُ مِنًى بِالرَّمْيِ. (الْخَامِسَةُ) : تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ. (السَّادِسَةُ) : يُنْدَبُ لِلْقَاضِي تَحِيَّةُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِرَكْعَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ. (السَّابِعَةُ) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (بِالطَّوَافِ) . (الثَّامِنَةُ) : تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوَّلَ اللِّقَاءِ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ.

[التَّحْرِيمُ الْمُتَوَقَّعُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ عَدَمُ الْحِلِّ]
ِّ كَمَا أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْحِلِّ فِي الْحَالِ " وَفُرُوعُهُ مُنْتَشِرَةٌ: مِنْهَا، مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، قَالَ: الْأَكْثَرُونَ، خِلَافًا (لِابْنِ الْحَدَّادِ)
(1/248)

يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا الْقَرِيبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ احْتِمَالِ الرِّقِّ فِي بَعْضِهَا حَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كُلِّهَا، بِأَنْ يَحْدُثَ، دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ النَّاجِزَةَ لَا تُتْرَكُ فِي الْحَالِ لِمَا يُتَوَهَّمُ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتِقُ نَفْسُهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَازَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَابْنِ الْحَدَّادِ مِمَّنْ وَافَقَ هَا هُنَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ، وَمِنْهَا: لَوْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَلَّ لِلْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا، وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَدَّادِ، وَهُوَ يَقْتَضِي مُوَافَقَتَهُ هُنَا، لَكِنْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي (شَرْحِ الْفُرُوعِ) جَازَ مَا بِالتَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ وَجْهَيْنِ، وَمِنْهَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيْنِ وَيَتَسَلَّطُ الزَّوْجُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ: لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَأَبْطَلَ النِّكَاحَ، وَمِنْهَا: لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَخَافَتْ حَمْلًا، وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ فِي الْحَالِ، بَلْ هُوَ كَالَّتِي تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ارْتَابَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَتْ الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ وَاحِدَةً مِنْ الْإِمَاءِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لِلْبَقَاءِ دُونَ الْفَسْخِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ
(1/249)

وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ اخْتِيَارُهَا لِلْبَقَاءِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتِقَ وَاحِدَةً مِنْ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ تُسْلِمُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ نِكَاحُ الْأَمَةِ، أَوْ يَصِيرُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ الْأَمَةُ وَتَخَلَّفَتْ الْحُرَّةُ أَيْ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ انْتَهَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ الْمُسْلِمَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مَوْجُودَةٌ فِي زَوْجَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ بَيْنُونَتُهَا وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ أَمَةً؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ مَوْجُودَةً حَتَّى يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ، وَحَقُّهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَازِمٌ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْبَقَاءِ وَلَا يَخْتَارُ هُنَا لِلْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ قَدْ لَا يُسْلِمْنَ، وَمِنْهَا لِلزَّوْجَةِ التَّصَرُّفُ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ، إلَّا بِالدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ لِلْمُؤَجِّرِ التَّصَرُّفُ فِي الْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ مِمَّا يَقْتَضِي، خِلَافَهُ غَيْرُ مُسَاعِدٍ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ، خِلَافًا لِمَنْ اعْتَمَدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: إحْدَاهَا: لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ تَحْتَ عَبْدٍ، فَإِنْ فَسَخَتْ
(1/250)

صَحَّ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّهَا.
الثَّانِيَةُ: الزَّوْجَةُ، إذَا ارْتَدَّتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، قَطَعُوا بِهِ، وَحَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إثْبَاتَ خِلَافٍ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ زَوْجَتُهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَقَدْ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ قَوْلَيْنِ - عِنْدَ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَتِيقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. لَكِنَّ التَّخْرِيجَ قَدْ يُمْنَعُ، وَالْفَرْقُ إنَّمَا جَاءَ الْخِلَافُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ، وَأَنَّ التَّقْرِيرَ بِمَنْزِلَةِ (ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ) صَحِيحٌ قَطْعًا، وَزَوَالُ الرِّدَّةِ لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ قَطُّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ (يَجِئْ) الْخِلَافُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ الْمَمْلُوكَةَ، أَوْ الْمُزَوَّجَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالضَّابِطُ (لِهَذِهِ) الصُّوَرِ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ، إنْ كَانَ قَدْ بُنِيَ عَلَى أَمْرٍ ظَاهِرٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا (تَوَقُّفَ) فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ، كَمَنْ اشْتَرَى أَمَةً بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ، فَلَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ ظُهُورُهَا مُسْتَحَقَّةً، أَوْ مَرْهُونَةً، وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ الشُّهُودِ، وَمَسْأَلَةُ الْوَلِيِّ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ وِلَايَتِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ (سَبَبٌ) أَقْوَى مِنْهُ، كَمَسْأَلَةِ الْحُرَّةِ (الْمُخْتَلِفَةِ) مَعَ إسْلَامِ (الْإِمَاءِ) ، وَإِنْ كَانَ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يُعَارِضْهُ سَبَبٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُتَوَقَّعُ بِحَالَةٍ قَائِمَةٍ هِيَ سَبَبٌ لِذَلِكَ (الْمُتَوَقَّعِ) جَرَى الْخِلَافُ وَقَوِيَ جَانِبُ مَنْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَوَقَّعِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْعَتِيقَةِ فِي الْمَرَضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْجُمْهُورِ.
(1/251)

[التَّحْرِيمُ يَتَعَدَّدُ وَتَتَعَدَّدُ أَسْبَابُهُ]
ُ فَإِنَّ الزِّنَى مُحَرَّمٌ، فَلَوْ زَنَى بِأُمِّهِ كَانَ عِقَابُهُ أَعْظَمَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْقَرَابَةِ وَلِلزِّنَى، فَلَوْ كَانَ فِي الْكَعْبَةِ كَانَ فِيهِ انْتِهَاكُ ثَلَاثِ حُرُمَاتٍ، فَلَوْ كَانَ فِي زَمَانِ رَمَضَانَ كَانَ أَرْبَعًا، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ الْمُسْتَبْرِئَةُ مُحَرَّمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَضَعْفِ الْمِلْكِ وَمِنْ جِهَةِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الْمُسْتَنِدُ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَلِحَقِّ الْبَائِعِ بَقِيَ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ إحْدَى الْحُرْمَتَيْنِ وَجَبَ ثُبُوتُ الْحِلِّ الْآنَ لِلْحُرْمَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ النَّقِيضَانِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ تَوَهَّمَ التَّنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَقَوْلُهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ: إنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ إنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْحِلِّ وَيَلْزَمُ مِنْ الْحِلِّ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِبْرَاءِ،
(1/252)

وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلِّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ هُوَ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى ضَعْفِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ بَاقِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ (ثَلَاثًا) حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ (ثَلَاثًا) ، فَإِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِاعْتِبَارِ الطَّلَاقِ، وَبَقِيَ التَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَقَطْ وَمِثْلُهُ الْجِلْدُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ أَيْ تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَتَبْقَى الْحُكْمِيَّةُ لَا تَطْهُرُ، إلَّا بِالْغُسْلِ وَمِثْلُهُ وَطْءُ الْحَائِضِ مُحَرَّمٌ فَقَطْ لِغَايَتَيْنِ: الِانْقِطَاعِ وَالْغُسْلِ، وَالْمُطَلَّقَةُ (ثَلَاثًا) تُحَرَّمُ لِغَايَتَيْنِ: نِكَاحِهَا آخَرَ، وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (مِنْهُ) .

[التَّخْفِيفُ فِي الشَّرْعِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ]
ٍ أَحَدُهَا: بِإِسْقَاطِ الْمَفْرُوضِ، كَإِسْقَاطِ الْحَجِّ عَنْ الْفَقِيرِ وَالصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
(1/253)

الثَّانِي: (بِالتَّنْقِيصِ) : إمَّا بِالْأَصْلِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، أَوْ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالْإِيمَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِلْمَرِيضِ وَالرَّشِّ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ. الثَّالِثُ: بِالْبَدَلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَمَسْحِ الْخُفِّ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْمَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الصِّيَامِ بِالْفِدْيَةِ. الرَّابِعُ: (بِالتَّقْدِيمِ) كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْحِنْثِ. الْخَامِسُ: بِالتَّأْخِيرِ كَالْجَمْعِ وَالْإِفْطَارِ لِلْمَعْذُورِ، وَخَوْفِ الِانْفِجَارِ لِلْمَيِّتِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فَوْتِ الْعِشَاءِ مَعَ فَوْتِ (عَرَفَةَ) ، وَقَدْ دَخَلَ التَّخْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
(1/254)

أَحَدُهَا: مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، وَلَهُ سَبَبَانِ: السَّفَرُ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً. الثَّانِي: مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْمَرَضُ، الْخَوْفُ، وَشِدَّةُ الْخَوْفِ. الثَّالِثُ: مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُهَا لِلْجَمْعِ، وَلَهُ سَبَبَانِ: السَّفَرُ وَالْمَطَرُ. وَيَجِيءُ ثَالِثٌ عَلَى رَأْيٍ وَهُوَ الْمَرَضُ.

[التَّخْيِيرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
: الْأَوَّلُ: مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ، وَرَضِيَ؛ وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُطْعِمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا وَلَا أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ، وَيَصُومَ شَهْرًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةً وَيَكْسُوَ خَمْسَةً، وَلَا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ فَضَلَ صَاعٌ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَهُ وَلَدَانِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَيِّهِمَا
(1/255)

شَاءَ، وَلَا يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ عَنْ هَذَا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ عَنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ، فَلَوْ أَدَّى ثُلُثَ شَاةٍ، وَأَطْعَمَ بِقَدْرِ ثُلُثِ شَاةٍ وَصَامَ الْبَاقِيَ مِنْهَا فَفِي الْبَحْرِ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، قَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ (وَوَجْهُ) الْجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الثُّلُثُ فِيهِ ابْتِدَاءً دُونَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ قَالَ: وَهَذَا أَقْيَسُ عِنْدِي (وَأَشْبَهُ) بِالْمَذْهَبِ، وَفِي الْفُرُوقِ لِلشَّيْخِ (أَبِي مُحَمَّدٍ) ، لَوْ فَضَلَ فِي الْفِطْرَةِ عَنْ قُوتِ الرَّجُلِ بَعْضُ صَاعٍ لَزِمَهُ؛ لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ تَبْعِيضِ الصَّاعِ، كَمَا فِي مَالِكِي الْعَبْدِ، فَإِنْ تَصَوَّرَ مِثْلَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَلْحَقْنَاهَا بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ مِثْلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ بَعْضِهِ بِتَلَفِ الصَّيْدِ أَوْ جَرْحِهِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ صَيْدٍ جَازَ أَنْ يَحْصُلَ بَعْضُهُ مِنْ النَّعَمِ وَبَعْضُهُ مِنْ الطَّعَامِ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ: وَالشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالتَّرْكِ، فَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً تَخَيَّرَ بَيْنَ رَدِّهِمَا، أَوْ تَرْكِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا وَتَرْكُ الْآخَرِ. قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَشْرَةً، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أُقِرُّ بِخَمْسَةٍ، وَأَحْلِفُ بِخَمْسَةٍ، لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَحْلِفُ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرُدُّ الْيَمِينَ فِي خَمْسَةٍ
(1/256)

فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ، أَنَّهُ فِي (الْأُولَى) حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي فِي الْقَبْضِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُهُ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ، خَيَّرَ الْمُتَوَضِّئَ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيَمْسَحَ عَلَى الْأُخْرَى لَمْ يُجْزِ، جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، إذَا خَيَّرْنَاهُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ، فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ، كَمَا إذَا وَجَبَ الشَّعِيرُ وَأَخْرَجَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ، وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَجْوِيزَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الدَّافِعِ، فَلَوْ تَعَدَّدَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُمَا عَبْدٌ وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْقُوتِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَعِّضْ مَا عَلَيْهِ، وَطَرَدَ ابْنُ سُرَيْجٍ الْمَنْعَ، وَقَالَ: الْمُخْرَجُ عَنْهُ وَاحِدٌ، فَلَا يُبَعَّضُ وَاجِبُهُ، وَمِثْلُهُ، لَوْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ مَحْرُومُونَ ظَبْيَةً فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ إطْعَامٍ، فَلَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ شَاةٍ وَأَطْعَمَ الثَّانِي بِقِيمَةِ شَاةٍ، وَصَامَ الْآخَرُ عَدْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ، وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ مَمْنُوعٌ.
(1/257)

وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَجْهًا فِيمَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِنْ الضَّأْنِ وَآخَرَ عِشْرِينَ مِنْ الْمَعْزِ وَخَلَطَا ذَلِكَ حَتَّى وَجَبَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ أَنَّ لِمَالِك الضَّأْنِ أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُ، فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ بَعْضُهُ عَذْبٌ وَبَعْضُهُ مِلْحٌ فَقَدْ جَازَ التَّبْعِيضُ فِي التَّخْيِيرِ، قِيلَ الْكُلُّ مَاءٌ وَاحِدٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْئَانِ وَيَجُوزُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنْ يُتِمَّ إحْدَاهُمَا وَيُقْصِرَ الْأُخْرَى لِمَا ذَكَرْنَا وَأَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَلِهَذَا حَصَرَهُ (الْجِيلِيُّ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَوْنَ الْحَجَرِ نَجِسًا.

(تَنْبِيهَاتٌ) .: (الْأَوَّلُ) : احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا إلَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ عَنْ (الْجُبْرَانِ) فِي الزَّكَاةِ فَلَوْ لَزِمَهُ
(1/258)

بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَالْخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ لِدَافِعِهَا وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَ بَيْنَ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَامْتَنَعَ التَّبْعِيضُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْآخِذَ وَرَضِيَ جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ إسْقَاطَ حَقِّهِ كُلِّهِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ السَّاعِي؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْفُقَرَاءِ وَهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَهَذَا عَارِضٌ، وَكَمَا لَوْ وَجَبَ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَيَجُوزُ قَتْلُ الْجَمِيعِ أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُمْ، فَلَوْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ الْبَعْضِ جَازَ.
وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ الْبَاقِي. نَعَمْ، الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْإِرْقَاقِ وَالْمَنِّ، فَلَوْ أَرَقَّ بَعْضَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ: رَقَّ كُلُّهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يُرَقُّ شَيْءٌ وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ.

(الثَّانِي) : مَا جَازَ عَلَى الْبَدَلِ لَا يَدْخُلُهُ تَبْعِيضٌ فِيهِمَا أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَدَدِ: الْوَاجِبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الْأَصْلِ وَبَعْضِ الْبَدَلِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَكَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ، أَمَّا فِي أَحَدِهِمَا فَنَعَمْ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْبَاقِي.
(1/259)

الثَّالِثُ) : مَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ وَعَجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ جُمْلَةً وَأَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِنِصْفَيْهِ مَعًا هَلْ يُجْزِيهِ؟ ، نَنْظُرُ إنْ كَمَّلَ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ فِيمَا الشَّرْعُ مُتَشَوِّفٌ لِتَكْمِيلِهِ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْمُعْسِرُ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَكَانَ بَاقِيهمَا حُرًّا أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا لِلْفُقَرَاءِ حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ (وَكَالتَّضْحِيَةِ بِنِصْفَيْ شَاتَيْنِ) وَإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ صَاعًا مِنْ جِنْسَيْنِ.

(الْبَحْثُ الثَّانِي) : مَا دَخَلَهُ التَّخْيِيرُ مِنْ الْحُقُوقِ إنْ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ كَانَتْ الْخِيَرَةُ لِلدَّافِعِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَخَلَطَهُ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ كَانَ الْخِيَارُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كَمَا لَوْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَوَجَدَ الْفَرْضَيْنِ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ لِلشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ تَخْيِيرَهُ كَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِكِ فَكَانَ التَّخْيِيرُ لِمُسْتَحِقِّهِ.
وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إلَى الْجَانِي وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ وَعَلَيْهِ
(1/260)

الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُوَرٌ: (أَحَدُهَا) : الْعَيْنُ الْمُقْتَرَضَةُ إذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُقْتَرِضُ دَفْعَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُجَابُ الْمَالِكُ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَرْضَ بِالْقَبْضِ وَيَثْبُتُ بَدَلُهُ فِي (ذِمَّتِهِ) . (الثَّانِيَةُ) : لَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ. (الثَّالِثَةُ) : لَوْ تَمَلَّكَ اللُّقَطَةَ ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا، فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ رُجُوعِهِ فِي عَيْنِهَا مَعَ أَنَّ بَدَلَهَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ التَّمَلُّكِ وَانْتَقَلَتْ الْعَيْنُ إلَى صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِهِ بَلْ حَقُّهُ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَنْ تَظْهَرَ الْعَيْنُ بِخُصُوصِهَا أَوْ بَدَلِهَا حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْمُلْتَقِطَ فَتَصِحُّ وَلَوْ تَعَيَّبَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ التَّمَلُّكِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا وَطَلَبَ بَدَلَهَا سَلِيمًا، وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ دَفْعَهَا مَعَ الْأَرْشِ فَإِنَّهُ يُجَابُ فِي الْأَصَحِّ.

(الْبَحْثُ الثَّالِثُ) : مَا يُخَيَّرُ فِيهِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ قَدْ يَلْزَمَانِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَاهُمَا، يُخَيَّرُ، وَفِي الْأَصَحِّ فَمَا اخْتَارَهُ لَزِمَهُ، فَلَوْ اخْتَارَ الطَّلَاقَ ثُمَّ الظِّهَارَ نَفَذَا كَمَا لَوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَلُقَتَا
(1/261)

وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ اخْتَارَ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاخْتَارَ غَيْرَهَا أَوْ اخْتَارَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ فِي الْمِائَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَاخْتَارَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ أَخَذَ مُحْتَمَلَ الْحَدَثَيْنِ بِالْوُضُوءِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْغُسْلَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ هُوَ تَعْيِينُ إيقَاعٍ فَلَمْ يَقْبَلْ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ.
وَإِذَا اخْتَارَ الْمُمَيِّزُ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ دُفِعَ إلَيْهِ فَلَوْ اخْتَارَ الْآخَرَ حُوِّلَ إلَيْهِ، وَلَوْ اخْتَارَ الدِّيَةَ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوُجِّهَتْ الدِّيَةُ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَرْت الْقِصَاصَ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ أَمْ لَا كَعَكْسِهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي قَالَ الْبَغَوِيّ.

(الرَّابِعُ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ حَقَّيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سَقَطَ الْآخَرُ، وَإِنْ أَسْقَطَ أَحَدَهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي امْتِنَاعِهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ تُرِكَ، وَإِنْ كَانَ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمَ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ إنْ كَانَ مَالِيًّا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيٍّ أُلْزِمَ بِالِاخْتِيَارِ وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ: (وَمِنْهَا) لَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَعَيَّنَ لَهُ الْمَالُ، وَلَوْ عَفَا عَنْ الْمَالِ ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ، وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ إذْ لَا ضَرَر عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ، وَإِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
(وَمِنْهَا) : لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ مَعِيبًا ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ، دَلَّ عَلَى الرِّضَا، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إمَّا الرَّدُّ، وَإِمَّا الْأَرْشُ، فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْآخَرَ، (وَمِنْهَا) : إذَا أَتَاهُ الْمَدْيُون بِالدَّيْنِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ أُمِرَ بِقَبْضِهِ، فَإِنْ
(1/262)

امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ وَبَرِئَ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يُحْيِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ (عَنْهُ) قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَحْيِ أَوْ اُتْرُكْ. (وَمِنْهَا) : لَوْ أَبَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْمُدَّةِ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ (وَمِنْهَا) : لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ فَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَجُعِلَ مُقِرًّا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ مِنْ الْإِقْرَارِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْبَدَلِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ.

(الْخَامِسُ) : إنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ كَوَاجِبَيْنِ أَوْ مَنْدُوبَيْنِ، لَا بَيْنَ مُبَاحٍ وَحَرَامٍ، وَأَوْرَدَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَيْنَ مُبَاحَيْنِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَبِأَنَّ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَكْلِيفَ فِيهَا وَبِذَلِكَ أُجِيبَ أَيْضًا عَنْ احْتِجَاجِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقَدْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ
(1/263)

عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ أَوَّلَ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ وَالْحُضُورِ وَالْخَمْرَ بِالْغَيْبَةِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ فِي تَحْرِيمِ مَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاجْتَهَدَ وَاخْتَارَ الصَّوَابَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.

السَّادِسُ: مَا لَهُ فِعْلُهُ، إذَا فَعَلَهُ وَاحْتَمَلَهُ وَاحْتَمَلَ غَيْرَهُ رَجَعَ إلَى بَيَانِهِ وَيُخَيَّرُ فِي الصَّرْفِ إلَى مَا أَرَادَ كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ أَدَاءِ الْأَلْفِ، وَعَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى مَا أَرَادَ، وَكَذَا فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُطْلَقًا لَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْك وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، أَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ وَيُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ، وَالْأَصَحُّ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ، فَإِذَا بَيَّنَ لَزِمَ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِي نِيَّةٌ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ، وَأَصَحُّهُمَا يُقَالُ لَهُ: اصْرِفْ الْآنَ إلَى مَا شِئْت مِنْهُمَا.

[تَخْصِيصُ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ هَلْ تَتَعَيَّنُ إذَا عَيَّنَهَا الدَّافِعُ]
مِنْهَا، إذَا أَوْصَى لِدَابَّةٍ، وَشَرَطَ الصَّرْفَ فِي عَلَفِهَا صُرِفَ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ رِعَايَةً لِغَرَضِ الْمُوصِي يَتَوَلَّاهُ الْمُوصَى لَهُ، ثُمَّ الْقَاضِي وَنَائِبُهُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.
(1/264)

وَمِنْهَا، إذَا أَوْصَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ عَيْنٍ بِأَنْ قَالَ: ادْفَعُوا إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَغْرَاضًا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ مِنْ فُلَانٍ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ وَاقْضِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ إمْسَاكٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَطْيَبَ وَأَبْعَدَ عَنْ الشُّبُهَاتِ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّوَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ.

وَمِنْهَا، إذَا دَفَعَ إلَى شَخْصٍ شَيْئًا، وَقَالَ: اشْتَرِ لَك بِهِ عِمَامَةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ نَعْلًا مَثَلًا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ، أَوْ لَهُ صَرْفُهُ فِيمَا شَاءَ، أَوْ تَفْسُدُ الْهِبَةُ أَوْ إنْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى مَا سَمَّاهُ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا وُجُوهٌ أَصَحُّهَا آخِرُهَا وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَلَى نَقْلِ الْآخَرِ عَنْ الْقَفَّالِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنْ قَصَدَ تَحْقِيقَ الشِّرَاءِ فَسَدَتْ الْعَطِيَّةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ كَذَا، وَإِنْ قَصَدَ رَفْعَ الْحِشْمَةِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الْأَصْلَحِ وَنَحْوِهَا فَلَا.

وَمِنْهَا، إذَا دَفَعَ إلَى الشَّاهِدِ أُجْرَةَ مَرْكُوبِهِ وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ.

وَمِنْهَا سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ عَمَّنْ مَاتَ أَبُوهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ إنْسَانٌ ثَوْبًا لِيُكَفِّنَّهُ فِيهِ، هَلْ يَمْلِكُهُ حَتَّى يُمْسِكَهُ وَيُكَفِّنَهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يَتَبَرَّكُ بِتَكْفِينِهِ لِفِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ، فَلَا وَلَوْ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ انْتَهَى وَأَلْحَقَ
(1/265)

بَعْضُهُمْ بِصُورَةِ الْمُتَبَرِّكِ بِهِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَصْدَ الدَّافِعِ الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا التَّبَرُّعُ عَلَى الْوَارِثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي وَصَايَا الْوَسِيطِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ لِلْوَارِثِ إبْدَالَهُ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَمُرَادُهُ عَارِيَّةٌ لَازِمَةٌ، كَالْإِعَارَةِ لِلدَّفْنِ.

وَمِنْهَا، إذَا ضَمِنَ شَخْصٌ دَيْنَهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ، هَلْ يَتَعَيَّنُ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ وَضْعُ الضَّمَانِ الْإِطْلَاقَ.

[تَخَلُّلُ الْمَانِعِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لَا أَثَرَ لَهُ غَالِبًا فِي صُوَرٍ]
(إحْدَاهَا) : لَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْإِقْبَاضِ جُنُونٌ، هَلْ يَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا.

(الثَّانِيَةُ) : لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا قَضَاهَا فِي سَفَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ السَّفَرِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
(1/266)

الثَّالِثَةُ) : لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى فَقِيرٍ فَاسْتَغْنَى، ثُمَّ افْتَقَرَ آخِرَ الْحَوْلِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَرَضِ فِي الْأَصَحِّ.

(الرَّابِعَةُ) : لَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالْجِرَاحَةِ وَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ.

(الْخَامِسَةُ) : لَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ، لِتَخَلُّلِ الْهَدَرِ وَقِيلَ: يَجِبُ كَالْكَفَّارَةِ وَقِيلَ: إنْ قَصُرَ زَمَنُ الرِّدَّةِ وَجَبَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَسْرِي فِيهِ غَالِبًا فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، أَمَّا الدِّيَةُ فَتَجِبُ كُلُّهَا لِوُقُوعِ، الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ فِي حَالَتَيْ الْعِصْمَةِ، وَالثَّانِي ثُلُثَاهَا، وَالثَّالِثُ نِصْفُهَا.

[التَّدْلِيسُ حَرَامٌ]
وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَ النَّجْشُ وَالتَّصْرِيَةُ، وَأَنْ يَبِيعَ عَيْنًا يَعْرِفُ بِهَا عَيْبًا وَلَا
(1/267)

يُبَيِّنُهُ أَوْ تَتَزَوَّجَ وَبِهَا عَيْبٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلَا تُبَيِّنُهُ، وَحَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ وَصْلُ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ طَاهِرٍ؛ لِكَثْرَةِ رَغْبَةِ الرِّجَالِ فِي الشَّعْرِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الشَّبِيبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجَةِ، إذَا وَصَلَتْ لِلتَّزْيِينِ وَمِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَوْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِوَبَرٍ أَوْ بِرِيشٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ شَعْرِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا خَدِيعَةَ فِيهِ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي، إذَا كَانَ ظَاهِرًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغُرُورُ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُنْتَقِبَةً يُنْظَرُ إلَى رَأْسِهَا وَيُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِالْمَوْصُولِ، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ خِضَابُ اللِّحْيَةِ بِالسَّوَادِ حَرَامٌ، وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ (الْمُجَاهِدَ) إرْهَابًا لِلْكُفَّارِ، وَمَنْ نَتَفَ شَعْرَ اللِّحْيَةِ أَيْضًا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ.
(1/268)

[التَّدَاخُلُ يَدْخُلُ فِي ضُرُوبٍ]
أَحَدُهَا الْعِبَادَاتُ وَهِيَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي وَاجِبٍ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَمَقْصُودُهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَلَا تَدَاخُلَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: طَوَافُ الْوَدَاعِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى، ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ لِلْوَدَاعِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ تَدَاخُلٌ كَغُسْلِ الْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ.

وَمِثْلُهُ الْمُحْدِثُ بِعُضْوِهِ نَجَاسَةً تَزُولُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِي فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَقَدْ يَجِبُ الْأَصْغَرُ ثُمَّ الْأَكْبَرُ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَيَكْفِي الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِالتَّدَاخُلِ لِشِدَّةِ الْعِلَاقَةِ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ، وَلَوْ جَامَعَ بِلَا حَائِلٍ، فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غَيْرَ الْجَنَابَةِ، وَاللَّمْسُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ يَصِيرُ مَغْمُورًا بِهِ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الْإِنْزَالُ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بِالْجِمَاعِ يَحْصُلُ الْحَدَثَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ يَسْبِقُ حَقِيقَةَ الْجِمَاعِ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ، فَإِنَّهُ مَعَ الْإِنْزَالِ.

وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَسْنُونٍ فَيُنْظَرُ: إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ دَخَلَ تَحْتَ الْفَرْضِ
(1/269)

كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَالْإِحْرَامِ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؛ لِدُخُولِ مَكَّةَ مَعَ حَجِّ الْفَرْضِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ سُنَّةٌ، فَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً بَعْدَ الطَّوَافِ حُسِبَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، اعْتِبَارًا بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى احْتِمَالٍ فِيهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ شَاذٌّ وَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ طَافَ الْقَادِمُ مَكَّةَ عَنْ الْفَرْضِ أَوْ النَّذْرِ دَخَلَ طَوَافُ الْقُدُومِ فِيهِ، وَمِنْهُ جُبْرَانَاتُ الصَّلَاةِ تَتَدَاخَلُ، فَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ تَعَدَّدَ سَجْدَتَانِ، بِخِلَافِ جُبْرَانَاتِ الْإِحْرَامِ فَلَا تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ جَبْرُ النُّسُكِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ، إلَّا بِالتَّعَدُّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً صَلَّاهَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ أَعْنِي الطَّوَافَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ وَصَلَّى بَعْدَهُ فَرِيضَةً كَفَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ نَصَّ عَلَيْهِ.

الثَّانِي الْعُقُوبَاتُ: فَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَدَاخَلَتْ، كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى وَهُوَ بِكْرٌ يُحَدُّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، وَهَلْ يُقَالُ: يَجِبُ لَهَا حُدُودٌ ثُمَّ يَعُودُ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، أَمْ لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَتُجْعَلُ الزَّنَيَاتُ كَالْحَرَكَاتِ فِي زَنْيَةٍ
(1/270)

وَاحِدَةٍ؟ ذَكَرُوا فِيهِ احْتِمَالَيْنِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ دَخَلَ حَدُّ الْبِكْرِ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمَ الْمَالِكِ وَإِعَادَةَ الْحِرْزِ، فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى.

وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، كَأَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ وَشَرِبَ، وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ فَيُقَدَّمُ الشُّرْبُ، ثُمَّ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ، ثُمَّ يُجْلَدُ الزَّانِي وَيُمْهَلُ، ثُمَّ يُقْطَعُ، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَهَكَذَا الْكَفَّارَاتُ وَالْغَرَامَاتُ، فَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِرَارًا، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى أَصْلِ الْحَنَابِلَةِ، تَعَدَّدَ الْمُوجِبُ وَتَدَاخَلَ مُوجَبُهُ، وَعَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ فَسَدَ حَجُّهُ بِالْجِمَاعِ، فَجَامَعَ نَاسِيًا قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْ الْأَوَّلِ، فَلَا تَدَاخُلَ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِمُصَادَفَتِهِ إحْرَامًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ، فَوَجَبَ بِهِ، كَالْأَوَّلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِفْسَادِ خَرَجَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ بِالْأَوَّلِ فِدْيَةٌ وَبِالثَّانِي شَاةٌ.

وَلَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ عَمْدًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَلَوْ جَامَعَ فَهَلْ تَدْخُلُ الشَّاةُ فِي الْفِدْيَةِ أَمْ تَجِبَانِ مَعًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ، وَبَنَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْمُحْدِثَ، إذَا أَجْنَبَ هَلْ يَنْدَرِجُ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ وَيَكْفِيهِ الْغُسْلُ.
(1/271)

وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ لُزُومَ فَدِيَتَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ.

وَلَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى التَّوَالِي لَمْ تَتَعَدَّدْ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ تَخَلَّلَ فَصْلٌ أَوْ فَعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ التَّكْفِيرَ، وَجَبَ لِلثَّانِي فَدِيَةٌ أُخْرَى عَلَى الْجَدِيدِ، وَإِنْ تَخَلَّلَ تَعَدَّدَتْ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ كَانَ نَوَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ مَعًا بَنَى عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمَحْذُورِ إنْ مَنَعْنَا، فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.

وَلَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ الْمُطَيَّبَ، لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ لِلُّبْسِ دُونَ الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ.

الثَّالِثُ: الْإِتْلَافَاتُ. فَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي (الْحَرَمِ) لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَتَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْقَارِنِ، إذَا قَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

، وَلَوْ كَشَطَ الْمُحْرِمُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ، فَلَا فَدِيَةَ وَالشَّعْرُ تَابِعٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَشَبَّهُوهُ بِمَا لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ، وَلَوْ قَبَّلَهَا لَمْ يَجِبْ.

وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَضُرُوبٌ:
(1/272)

الْأَوَّلُ: جِنَايَةُ الْوَطْءِ
تَتَكَرَّرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، يَجِبُ مَهْرٌ فِي أَعْلَى الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ وَاحِدَةٌ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ.
وَعَنْ الْمُزَنِيِّ الْقِيَاسُ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلٍّ وَطْءٍ مَهْرًا وَرَدَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ وَطْءِ الْمَرَّةِ وَمِرَارًا، وَفِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ قَبْلَ الْوَطْءِ الثَّانِي، فَيَجِبُ مَهْرٌ جَدِيدٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَسَبَقَ نَظِيرَهُ فِي تَطَيُّبِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ بِأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الْحَالُ، ثُمَّ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ ثَانِيًا، وَوَطِئَهَا تَعَدَّدَ الْمَهْرُ؛ لِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ.

وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى الزِّنَى، وَجَبَ بِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِالْإِتْلَافِ، وَقَدْ تَعَدَّدَ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ أَبِيهِ تَرَدُّدًا فِي التَّعَدُّدِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَقِيلَ بِالْمَهْرِ، قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ، وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ
(1/273)

بِالتَّعَدُّدِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْمَهْرِ إتْلَافُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ.

، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ اتِّحَادِ الْمَهْرِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ (إذَا كَانَ الْحَالُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لَا مَهْرَ مَعَهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ الْمَهْرُ) مُتَعَدِّدًا، فَالْحَالُ مُسْتَمِرٌّ، وَلَا أَثَرَ لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مِرَارًا عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ، فَإِنَّ الشُّبْهَةَ مُتَّحِدَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْغَصْبِ، بِأَنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَتَّحِدُ عِنْدَ اتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، إذَا كَانَتْ الشُّبْهَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَهْرُ يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي الِاتِّحَادِ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا مِمَّا يَقْضِي الْفَقِيهُ فِيهِ بِالْعَجَبِ انْتَهَى.
وَحَيْثُ وَجَبَ الْمَهْرُ، فَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا، هَلْ يَدْخُلُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ فِيهِ، أَمْ يُفْرَدُ؟ فِيهِ اضْطِرَابٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْغَصْبِ وَالْجِرَاحِ، فَرَجَّحُوا فِي الْجِرَاحِ مَهْرَ مِثْلٍ ثَيِّبٍ وَأَرْشَ بَكَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَالْأَرْشَ؛ " لِإِزَالَةِ " الْجَلْدِ، وَالْجِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَنْفَرِدُ مُوجِبُ كُلٍّ، وَقِيلَ: مَهْرٌ يَثْبُتُ فَقَطْ لِحُصُولِ إزَالَةِ الْجَلْدِ ضِمْنًا، وَرَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ ضَمَانِ النَّقْصِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَبِهِ أَجَابَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَفِي النِّهَايَةِ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : يَغْرَمُ مَهْرَ مِثْلِ الْبِكْرِ وَأَرْشَ الْبَكَارَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْعِيفًا لِلْغُرْمِ.
(1/274)

الثَّانِي: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَتَتَدَاخَلُ فِي صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) : دُخُولُ دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَاللَّطَائِفِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، إذَا سَرَتْ الْجِرَاحَةُ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

الثَّانِيَةُ: قَطْعُ أَجْفَانِ شَخْصٍ وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَهْدَابِ فِي الدِّيَةِ فِي الْأَصَحِّ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ أَوْضَحَهُ فَزَالَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمُوضِحَةِ دَخَلَ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ الْوَجْهَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

الرَّابِعَةُ: قَلْعُ السِّنِّ مَعَ السِّنْخِ، لَا تَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْشِ السِّنِّ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ السِّنْخِ فِيهِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.

الْخَامِسَةُ: قَطْعُ يَدِهِ، لَا يُوجِبُ فِي الشَّعْرِ حُكُومَةً.

السَّادِسَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَظْفَارِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ.
(1/275)

السَّابِعَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفَّيْنِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَدَاخُلَ فِيهَا مِنْهَا، لَوْ اسْتَأْصَلَ أُذُنَهُ، وَأَوْضَحَ مَعَ ذَلِكَ الْعَظْمَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْأُذُنِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَتْبَعُ مُقَدَّرًا.

وَمِنْهَا، لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الْأَصَحِّ.

وَمِنْهَا فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ، فَلَوْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا وَفِي قَوْلٍ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ.

الثَّالِثُ: فِي (الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِرْضِ) ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًى فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى آخَرَ فَفِي حَدِّهِ ثَانِيًا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ الْمَنْعُ، بَلْ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَذِبُهُ فِي حَقِّهِ مَرَّةً بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِهِ ثَانِيًا، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ، الْحَدَّ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ زَنَى مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ.

الرَّابِعُ: الْعِدَّتَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّدَاخُلِ فِيهِمَا هَلْ هُوَ سُقُوطُ الْأَوَّلِ وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي، أَوْ انْضِمَامُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فَيُؤَدَّيَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَجْهَانِ
(1/276)

فِي (الْكَافِي) وَغَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَأَحْبَلَهَا، فَعِدَّتُهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَهَلْ تَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَتَدَاخَلُ فَهَلْ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ.

[مَا يَجِب فِيهِ التَّرْتِيب]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: إنَّمَا يَجِبُ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ إمَّا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كَالْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَكَالْجِمَارِ الثَّلَاثِ. قُلْت: وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَأَمَّا فِيمَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ، إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَقُلْنَا: يَتَدَارَكُ، لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ وَتَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وُجُوبُهُ، كَمَا يَجِبُ فِي التَّرْتِيبِ فِي مَكَانِ الرَّمْيِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ: إنَّمَا يَظْهَرُ التَّرْتِيبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَتَعَدُّدِهِ كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ مَعَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، إذَا غُسِلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَبْعَاضِهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ
(1/277)

يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ تَسْتَوِي فِيهِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَالسُّجُودُ الْوَاحِدُ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّرْتِيبِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ظَهَرَ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الشَّوْطُ الْوَاحِدُ مِنْ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ يَشْتَمِلُ عَلَى خُطُوَاتٍ وَحَرَكَاتٍ وَانْتِقَالَاتٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ الْبَابِ وَيَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَجَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَابْتَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ صَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَنَزَّلَ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ جَمِيعَهُ مَنْزِلَةَ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ.
فَأَمَّا الشَّوْطُ الثَّانِي فَهُوَ تَكْرِيرُ شَوْطٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الشَّوْطِ وَالشَّوْطِ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّوْطِ الْوَاحِدِ، وَمِثْلُهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ، إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ كَانَا فِي حُكْمِ
(1/278)

الْعُضْوِ الْوَاحِدِ لَمْ يَجِبْ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَالْوَاحِدِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مَاسِحَ الْخُفِّ، لَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا بَطَلَتْ طَهَارَةُ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَصَارَ كَأَنَّهُ نَزَعَهُمَا، وَلَوْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا وَمَسَحَ عَلَى خُفِّ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْعِيضُهَا كَمَا لَا تَتَبَعَّضُ الْقَدَمُ الْوَاحِدَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ التَّرْتِيبُ: إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ فَرُكْنٌ قَطْعًا كَالتَّرْتِيبِ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِنْ خَرَجَ سَقَطَ، كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيبُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ. نَعَمْ، لَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْجَمْعُ، قُلْنَا: وَجْهٌ إنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ (وَالصَّحِيحُ) خِلَافُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّرْتِيبُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهَا، وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ فِي الْأَدَاءِ لِتَرْتِيبِ أَوْقَاتِهَا، فَإِذَا فَاتَتْ الْأَوْقَاتُ جُعِلَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.

سُؤَالٌ: لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي النِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَرَأَ الْأَوَّلَ عَلَى قَصْدِ التَّكْمِيلِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ عَادَ وَقَرَأَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْمِيلِ يُنَافِي قَصْدَ الِابْتِدَاءِ،
(1/279)

وَقَالُوا فِي بَابِ الطَّوَافِ: (إنَّ) الْبُدَاءَةَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (شَرْطٌ) ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِهِ لَمْ يُحْسَبْ، (فَإِذَا) عَادَ ثَانِيًا حُسِبَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاتِحَةِ قَصْدَ التَّكْمِيلِ صَارِفٌ (لِجَعْلِهِ) مُبْتَدَأً؛ فَلِهَذَا لَمْ (نَجْعَلْهُ) ابْتِدَاءً بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَرَّةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَكْمِيلَ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ (بِهِ) الْبُدَاةَ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْبُدَاءَةِ فَجَازَ الْإِتْمَامُ لَهُ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الِابْتِدَاءِ بَعْدَ قَصْدِ التَّكْمِيلِ مُوجِبًا، لِجَعْلِهِ مُبْتَدَأً، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّ (الْمُوَالَاةَ) لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ فَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ سَابِقًا لَا يُنَافِي الْمَأْتِيَّ بِهِ آخِرًا، وَمِنْ نَظَائِرِهِ مَا لَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ فِي الْأَصْلِ وَغَلِطَ، بَلْ (يُحْسَبُ) لَهُ غَسْلُ الْكَفِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُسْبَانِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُحْسَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ (السُّنَنِ) شَرْطٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَلِكَلَامِ الرَّوْضَةِ) مَحْمَلٌ صَحِيحٌ بَيَّنْتُهُ فِي الْخَادِمِ.
(1/280)

[التَّرْتِيبُ الذِّهْنِيُّ]
فِي قَوْلِهِ: اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ دَخَلَ فِي مِلْكِ السَّائِلِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَفِيمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَطَلَّقَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَةً وَقَعَتْ الْمُنَجَّزَةُ وَلَمْ تَقَعْ الْمُعَلَّقَةُ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى، قَالَ الْغَزَالِيُّ: (وَكَذَلِكَ) نَصَّ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) عَلَى أَنَّهُ، لَوْ خَالَعَهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْخُلْعِ فَلَا يَلْحَقُ الْمُعَلَّقُ، وَقَدْ ظَنَّ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ مُرَتَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ (وَيَقَعُ بَعْدَهُ) (وَلَا يَقَعُ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مَعَهُ (لَوَقَعَ) قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجَزَاءَ مَعَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ بِالْوَضْعِ، (وَالْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ) ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا (تَرْتِيبٌ) عَقْلِيٌّ.

[التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْسَامٌ]
أَحَدُهَا: مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَذَلِكَ مَا الْمَقْصُودُ (مِنْهُ) الْإِعْجَازُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ فَيَمْتَنِعُ تَرْجَمَتُهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، بَلْ يُعَدَّلُ لِلذِّكْرِ وَهُوَ
(1/281)

إجْمَاعٌ، وَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) مِنْ تَجْوِيزِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَمِثْلُهُ الدُّعَاءُ غَيْرُ الْمَأْثُورِ، إذَا اخْتَرَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ (قَطْعًا) ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.

الثَّانِي: مَا يَجُوزُ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهَا، نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجَمَةِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ، هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، وَالْأَصَحُّ: نَعَمْ.

الثَّالِثُ: مَا يَمْتَنِعُ (فِي) الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ دُونَ الْعَاجِزِ، كَالْأَذَانِ وَتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ وَالتَّشَهُّدِ يَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ، (وَإِنْ) أَحْسَنَهَا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ (وَكَذَلِكَ) الْأَذْكَارُ الْمَنْدُوبَةُ وَالْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ (يُشْتَرَطُ) عَرَبِيَّتُهَا فِي الْأَصَحِّ، (فَإِنْ) لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُهَا خَطَبَ بِغَيْرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخُطْبَةَ الْعَرَبِيَّةَ كَالْعَاجِزِ عَنْ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ.

الرَّابِعُ: مَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالنِّكَاحِ (وَالرَّجْعَةِ) وَاللِّعَانِ وَكَذَا الْإِسْلَامُ وَفِي بَابِ الظِّهَارِ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ (وَجْهٌ) أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَرَبِيَّةُ لِلْقَادِرِ
(1/282)

عَلَيْهَا وَحَيْثُ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ فَمَحَلُّهُ، إذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَفْظَ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ، لَكِنْ أَخْبَرَهُ (بِهِ ثِقَةٌ) عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ لِإِعْجَازِهِ امْتَنَعَ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ لِلْقَادِرِ كَالْأَذْكَارِ، وَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ فَجَائِزٌ.

[التَّرَادُفُ أَقْسَامٌ]
أَحَدُهَا: مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ، وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ التَّعَبُّدِيَّةِ وَكَقَوْلِ الْقَاضِي: قُلْ بِاَللَّهِ فَقَالَ بِالرَّحْمَنِ، لَا يَقَعُ الْمُوقَعُ حَتَّى لَوْ صَمَّمَ عَلَيْهِ كَانَ، نَاكِلًا، وَلَوْ أَبْدَلَ الْحَرْفَ فَقَالَ (قُلْ) : بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: وَاَللَّهِ (أَوْ تَاللَّهِ) فَفِي الْحُكْمِ بِنُكُولِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِلَفْظِ طَلَّقْت، فَقَالَ: سَرَّحْت وَقَعَ الطَّلَاقُ.

الثَّانِي: مَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَصَحِّ، كَقَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: أَعْلَمُ، مَوْضِعَ أَشْهَدُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا الْخِلَافُ (جَارٍ) فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ شُهُودِ الْفَرْعِ وَشُهُودِ الْأَصْلِ. قُلْت: (وَكَذَا) فِي اللِّعَانِ تَبْدِيلُ أَشْهَدُ بِأَحْلِفُ.
(1/283)

الثَّالِثُ: مَا يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي قِيَامِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ فِي التَّرَاكِيبِ، وَمِنْهُ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ: خَالَعْتُكِ أَوْ أَبَنْتُك وَنَحْوَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَنَوَى الطَّلَاقَ صَحَّ الْخُلْعُ وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا (سَأَلَتْهُ) بِالصَّرِيحِ وَأَجَابَ بِالْكِنَايَةِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَهَا شَبَهٌ (بِمَا) لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت وَنَوَتْ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَلَعَنِي، فَقَالَ: طَلَّقْتُك، وَقُلْنَا: الْخُلْعُ فَسْخٌ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَا طَلَبَتْ وَزِيَادَةً، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى غَيْرِ مَا طَلَبَتْ.

[التَّرْكُ فِعْلٌ إذَا قُصِدَ]
وَمِنْ ثَمَّ، لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ عَلَفَ دَابَّةِ الصَّبِيِّ حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ تَلْقِيحَ الثِّمَارِ، وَلَوْ تَرَكَ مَرَمَّةَ الْعَقَارِ حَتَّى خَرِبَ، أَوْ (إيجَارُهٌ) فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَجْهَيْنِ فِيمَا، إذَا تَرَكَ مَا خَالَعَ السَّفِيهَ عَلَيْهِ بِيَدِهِ حَتَّى تَلِفَ وَالْعَامِلُ فِي (الْمُزَارَعَةِ) الصَّحِيحَةِ، لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ السَّقْيِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.

[التَّزَاحُمُ]
تَوَارُدُ الْحُقُوقِ، وَازْدِحَامُهَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
(1/284)

أَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ جَمِيعَ الْحَقِّ فَيَتَزَاحَمُونَ بِهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِّ (بِحِصَّتِهِ) خَاصَّةً، وَالْأَوَّلُ تَزَاحَمَ فِي (الْمَصْرِفِ) .
وَالثَّانِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَيَنْقَسِمَانِ بِاعْتِبَارِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ التَّزَاحُمُ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الْمُسْتَحَقِّ قَطْعًا كَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَى الْمُفْلِسِ الْحَيِّ أَوْ الْمَيِّتِ فَمَنْ لَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ سِتَّةُ آلَافٍ لِوَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ، وَلِآخَرَ أَلْفَانٍ وَلِآخَرَ أَلْفٌ (يُوَزَّعُ عَلَيْهِ) فِي (الْمَصْرِفِ) فَلِصَاحِبِ الْأَلْفِ سُدُسُ الْأَلْفِ (وَلِصَاحِبِ) الْأَلْفَيْنِ ثُلُثُهَا وَلِصَاحِبِ (الثَّلَاثَةِ) نِصْفُهَا فَلَوْ أَبْرَأَ صَاحِبَ الْأَلْفَيْنِ (وَالثَّلَاثَةِ) أَخَذَ صَاحِبُ الْأَلْفِ الْكُلَّ قَطْعًا، (وَمِنْهُ) : مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةُ الْأَصْنَافِ حَتَّى لَوْ عَدِمَ بَعْضَهُمْ رُدَّ عَلَى (الْبَاقِينَ) قَطْعًا وَ [مِنْهُ] مَصْرِفُ الْغَنِيمَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَعْرَضَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ صَحَّ (وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ) لَمْ يَحْضُرْ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا فِي رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِ الْخُمْسِ خَاصَّةً وَجَعَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا، وَلَوْ اسْتَحَقَّ أَخَوَانِ حَدَّ الْقَذْفِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا اسْتَحَقَّ الْآخَرُ الْجَمِيعَ كَامِلًا.
(1/285)

وَمِنْهُ) : الشُّفَعَاءُ الْمُجْتَمِعُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ (يَسْتَحِقُّ) الشُّفْعَةَ بِكَمَالِهَا فَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَيُخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكِهِ، (وَمِنْهُ) : أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ الْمُتَسَاوُونَ فِي الدَّرَجَةِ.

(الثَّانِي) : (التَّزَاحُمُ) فِي الِاسْتِحْقَاقِ قَطْعًا كَالْحُقُوقِ الْوَاقِعَةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرِكَةِ ابْتِدَاءً كَالْمِيرَاثِ وَنَحْوِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ (عَفَا) بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا حَقَّهُمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا أَحَدُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ وَمِنْ ثَمَّ (قِيلَ) : لَيْسَ لِلْحَاكِمِ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ حَتَّى يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.

(وَمِنْهُ) : لَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ: بِعْتُكُمَا دَارِي بِأَلْفٍ فَإِنَّ الْخِطَابَ قَدْ تَوَجَّهَ لِاثْنَيْنِ فَالتَّوْزِيعُ بِالنِّصْفِ (فَلَا) خِلَافَ فِي مُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَيْنِ.

(وَمِنْهُ) : الْقِصَاصُ الْمُسْتَحَقُّ لِجَمَاعَةٍ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِمْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (بِحِصَّةِ) إرْثِهِ كَالْمَالِ (فَلَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ) سَقَطَ حَقُّهُ وَسَقَطَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَا (تَبْعِيضَ) .
(1/286)

الثَّالِثُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ (أَنَّهُ) فِي (الْمَصْرِفِ) ، (فَمِنْهُ) : ذَوُو (الْفُرُوضِ) الْمُجْتَمِعُونَ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ كَالزَّوْجَاتِ وَالْجَدَّاتِ؛ وَلِهَذَا أَنَّ الْجَدَّتَيْنِ الْمُتَحَاذِيَتَيْنِ يَكُونُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِقَوْلِ عُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) هُوَ لَكُمَا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ الْجَدَّةِ الَّتِي تُدْلِي بِالْأَبِ الْأَبُ وَحَجَبَهَا فَهَلْ تَسْتَقِلُّ الَّتِي تُدْلِي بِالْأُمِّ بِالسُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّزَاحُمَ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ نِصْفِ السُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.

(وَمِنْهُ) : أَوْصَى (لِحَمْلِ) فُلَانَةَ بِكَذَا فَأَتَتْ (بِاثْنَيْنِ) اسْتَحَقَّاهُ بِشَرْطِهِ، (وَفِي اسْتِحْقَاقِهِمَا الْوَجْهَانِ) (الْمَذْكُورَانِ وَيَظْهَرُ) أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَتَتْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ انْفَرَدَ الْحَيُّ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَى الثَّانِي لَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ.

(وَمِنْهُ) : لَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ (فَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) بِالْبَيْعِ وَنَفَذَ
(1/287)

الثَّمَنُ وَفَرَّعْنَا عَلَى النِّصْفِ فَهَلْ التَّنْصِيفُ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ؟ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ، فَإِنْ (قُلْنَا: الْمَصْرِفُ) اسْتَرَدَّ الْآخَرُ كُلَّ (الْمَبِيعِ) بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ قُلْنَا (بِالِاسْتِحْقَاقِ) فَلَيْسَ لِلْمُجِيزِ إلَّا النِّصْفُ.

(وَمِنْهُ) : لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يُصْرَفُ نَصِيبُهُ لِصَاحِبِهِ، (وَالتَّزَاحُمُ فِي الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ يُجْعَلُ (الْوَقْفُ) فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَصْرِفِ الْمَنْقُولِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَقَعْ هَذَا (الْبِنَاءُ) لِلرَّافِعِيِّ، فَقَالَ: الْقِيَاسُ جَعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمَا كَتَوَجُّهِهِ إلَيْهِمَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ التَّزَاحُمِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا نَظَرٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ خَرَجَ لِلَّهِ تَعَالَى (وَكَأَنَّهُ) قَالَ: خَرَجْت عَنْ هَذَا لِلَّهِ تَعَالَى فَصَارَ جِهَةً لِلْمَصْرِفِ فَأَشْبَهَ انْعِدَامَ بَعْضِ الْأَصْنَافِ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِي (كَذَلِكَ) فَكَذَلِكَ هَذَا.

(وَمِنْهُ) : لَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو وَقُلْنَا: لَيْسَ بِرُجُوعٍ فَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا (مُسْتَحِقًّا) لِلْعَيْنِ وَيَقَعُ التَّزَاحُمُ فِيهَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ وَرَدَّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ الْعَيْنَ بِكَمَالِهَا يَنْبَغِي تَخْرِيجِهَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا.

(الرَّابِعُ) : فِي الِاسْتِحْقَاقِ (عَلَى) رَأْي الرَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلَوْ
(1/288)

اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ (صَيْدٍ) .

(فَرْعٌ) ، مِنْ فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: (رَجُلٌ) مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَخْصَيْنِ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ دَيْنِهِمَا وَبِدَيْنِ أَحَدِهِمَا ضَامِنٌ قَالَ الَّذِي لَا ضَامِنَ لِدَيْنِهِ: لَا تُزَاحِمْنِي فَإِنَّك وَجَدْت مَحَلًّا آخَرَ يُمْكِنُك اسْتِيفَاءُ حَقِّك مِنْهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (أَجَابَ) : لَهُ أَنْ يُزَاحِمَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (يَتَعَلَّقُ) بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الضَّامِنِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَخَذَ أَحَدُ الْغَرِيمَيْنِ الْحَقَّ مِنْ الضَّامِنِ وَهَلَكَتْ التَّرِكَةُ هَلْ لِلثَّانِي أَنْ يُزَاحِمَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الضَّامِنِ؟ (أَجَابَ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِدَيْنِ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ رَهْنٌ (فَهُوَ) يَخْتَصُّ (بِثَمَنِهِ) دُونَ صَاحِبِهِ.
(قَاعِدَةٌ) : قَدْ يَقَعُ اللَّفْظُ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) لِلِانْفِرَادِ (بِهِ) فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكُلُّ أَوْ الْقِسْطُ فَإِذَا قَالَا: ضَمِنَّا (الدَّيْنَ)
(1/289)

الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ) (وَكُلُّ) وَاحِدٍ لَوْ ضَمِنَهُ مُنْفَرِدًا لَصَحَّ وَلَوْ ضَمِنَ نِصْفَهُ لَصَحَّ فَإِذَا وُجِدَ اللَّفْظُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَهَلْ يَقَعُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا أَوْ يَقَعُ مُكَمَّلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَصَحَّحَ أَنَّ كُلَّ (وَاحِدٍ يَكُونُ) ضَامِنًا لِكُلِّ الْأَلْفِ وَهُوَ غَيْرُ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْإِفْهَامِ مِنْ (التَّوْزِيعِ) وَوَجَّهَ الْمُتَوَلِّي (تَصْحِيحَهُ) بِمَسْأَلَةٍ نَفِيسَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ رَجُلَانِ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ: رَهَنَّا عَبْدَنَا عَلَى دَيْنِك الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ أَلْفٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَكُونُ رَاهِنًا نِصْفَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَلْفِ، وَهَذَا إنْ سَلِمَ مِنْ نِزَاعٍ كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانٌ لِدَيْنِ الْغَيْرِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ (عَلَى) الْأَصَحِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لِاثْنَيْنِ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُكُمَا) عَلَى أَوْلَادِي فَإِنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ؛ لِكَوْنِ الْخِطَابِ (يَثْبُتُ) مُوَزَّعًا، (وَمِثْلُهُ) : فِي نَظَرِ الْوَقْفِ وَالْوَكَالَةِ (لَوْ) صَرَّحَ بِاسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ ثَبَتَ، وَأَلْحَقَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ مَا إذَا (ثَنَّى) الصِّفَةَ فَقَالَ: (إنَّهُمَا وَصِيَّايَ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالصِّفَةِ بِخِلَافِ، أَوْصَيْتُكُمَا أَوْصَيْت إلَيْكُمَا وَلَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ (الْمُشْتَرِكَيْنِ) فِي ذَلِكَ نَصَّبَ الْحَاكِمُ بَدَلَ مَنْ مَاتَ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخَرُ لِوُجُودِ الْخِطَابِ مُوَزَّعًا.
(1/290)

وَأَمَّا الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَالْأُخُوَّةِ وَالْأَعْمَامِ (وَنَحْوِهِمَا) ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا قَطْعًا، وَلَا تَزَاحُمَ فِي اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَصْرِفٍ لَكِنْ لَوْ صَدَرَ الْإِذْنُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهَا: أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي (فَهَلْ) الْخِطَابُ مُنَزَّلٌ عَلَى الِاجْتِمَاعِ؟ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ الِانْفِرَادُ أَوْ (نَقُولُ) : كُلُّ وَاحِدٍ (ثَبَتَ) لَهُ الْوِلَايَةُ مُسْتَقِلَّةً، (وَهَلْ يَجُوزُ) الْإِقْدَامُ بِشَرْطِ الْإِذْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ لَهُ اسْتِقْلَالًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ (الْإِذْنَ) شَرْطٌ، وَقَدْ وُجِدَ يُقَالُ عَلَيْهِ: لَمْ تَأْذَنْ لَهُ مُسْتَقِلًّا، وَإِنَّمَا أَذِنَتْ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلْيَتَّبِعْ إذْنَهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لِغَيْرِهِ دُونَهُ، وَالْوَلَاءُ يُشْبِهُ الْأَنْسَابَ (وَفِي) حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ» ، فَإِنْ وَقَعَ مُبَعَّضًا، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلصِّنْفَيْنِ عَلَى طَرِيقِ التَّبْعِيضِ، فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ، وَإِنْ وَقَعَ مُكَمِّلًا لِوَاحِدٍ (فَعَصَبَتُهُ) يَنْزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ، فَاسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ (فِي صُورَةِ التَّبْعِيضِ)
(1/291)

وَقَعَ مُوَزَّعًا، وَاسْتِحْقَاقُهُ فِي صُورَةِ الْكَامِلِ وَقَعَ مُكَمِّلًا، وَكُلٌّ مِنْ عَصَبَتِهِ كُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ (يَنْزِلُ) مَنْزِلَتَهُ.
فَلَوْ أَعْتَقَ (ثَلَاثَةٌ امْرَأَةً) وَمَاتُوا وَلِوَاحِدِ عَشَرَةُ أَبْنَاءَ وَآخَرَ (ثَلَاثَةٌ) وَآخَرَ اثْنَانِ (فَكُلُّ) وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَأَصْلِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ (الثَّلَاثَةِ) كَأَصْلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ، هَذَا فِي التَّزْوِيجِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلَ (وَنَحْوِهِمَا) ، أَمَّا فِي (الْوِرَاثَةِ) فَيَنْتَقِلُ الْمَالُ (لِعَصَبَةِ) الْجَمِيعِ (الْمُسْتَوِينَ) فِي الدَّرَجَةِ عَلَى حَسَبِ عِتْقِ أَصْلِهِ فَلِلْعَشَرَةِ الثُّلُثُ، وَلِلثَّلَاثَةِ الثُّلُثُ، وَلِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثُ، إنْ كَانَ عِتْقُ (أُصُولِهِمْ) وَقَعَ بِالتَّثْلِيثِ، وَإِلَّا فَعَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ، وَقَدْ يَقَعُ النَّظَرُ فِي الْوَلَاءِ فِي التَّرْتِيبِ، (فَيَخْرُجُ) مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ:.

(أَحَدُهَا) : كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا، وَلَكِنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ كَقَتْلٍ أَوْ كُفْرٍ (وَالْعِيَاذُ
(1/292)

بِاَللَّهِ) فَإِنَّ الْمَالَ يَنْتَقِلُ لِعَصَبَتِهِ فِي (حَيَاتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ اخْتِلَافِ الدِّينِ (مِنْ) الْأُمِّ، وَخَالَفَ الْقَاضِيَ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ (وَيَقْتَضِي) إلْحَاقَ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ وَكَانَ الْمُعْتِقُ لَمَّا (أَعْتَقَ) هَذَا الرَّقِيقَ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَاتِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ (الْمُتَرَتِّبُ) عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَصُورَةُ (كَوْنِ) الْمُعْتِقِ قَائِلًا (مَذْكُورَةٌ) فِي الدَّوْرِيَّاتِ مِنْ شَرْحِ الرَّافِعِيِّ فِي الْوَصَايَا، وَيَجِيءُ (فِيهَا) خِلَافُ (الْقَاضِي الْحُسَيْنِ) .

(الثَّانِيَةُ) : لَوْ مَاتَ (الْمُعْتِقُ) وَلَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ وَأَخٌ كَبِيرٌ فَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَخُ وَلَيْسَ بِالْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدِ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَخَ يُزَوِّجُ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَلَاءَ هَلْ يَثْبُتُ لِكُلِّ
(1/293)

وَاحِدٍ مِنْ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ لَا يَثْبُتُ لِلثَّانِي، إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي الْوَقْفِ فِي تَلَقِّي الْبُطُونِ، وَالْأَصَحُّ فِيهَا أَنَّ التَّلَقِّيَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ فِي (الْوَرَثَةِ) (وَشُرُوطُ الْوَقْفِ) .
(الثَّالِثَةُ) : تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ فِي ازْدِحَامِ حُقُوقِ الْمُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ غَنِيًّا (كَانَ) أَوْ فَقِيرًا لِلشُّبْهَةِ، نَعَمْ يُقْطَعُ الذِّمِّيُّ، وَلَا نَظَرَ لِنَفَقَةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْفَاقٌ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ وَلِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْمُسْلِمِ بِكَوْنِهِ خَاصًّا بِالْمُسْلِمِينَ، وَانْتِفَاعُ الذِّمِّيِّ بِالْقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي الشَّوَارِعِ وَنَحْوِهَا، فَالْحَقُّ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِوَاحِدٍ وَيَخْتَصُّ التَّصَرُّفُ الْكَامِلُ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ (أَمَّا أَهْلُ) الذِّمَّةِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ إخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ إلَى شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ جَازَ لَهُمْ اسْتِطْرَاقُهَا؛ وَ (لِأَنَّهُ) كَإِعْلَائِهِمْ الْبِنَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَبْلَغُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.

قَاعِدَةٌ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ: لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَلَهُ أَسْبَابٌ:
(1/294)

الْأَوَّلُ: الْأَوَّلُ: (بِالسَّبْقِ) كَازْدِحَامِ الْخُصُومِ فِي الدَّعْوَى وَالِازْدِحَامِ فِي، الْأَحْيَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ، إذَا مَاتَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ (وَهُنَاكَ) مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ وَجَبَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلَا (يَتَغَيَّرُ) حُكْمُهُ بِمَوْتِ الْآخَرِ بَعْدَهُ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ: عَنْ (وَالِدِهِ) ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ وُجُودُ الْمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ مِنْهَا، بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَفْضَلِهِمَا وَأَوْرَعِهِمَا (فَيُقَدَّمُ) ، فَإِنْ تَسَاوَيَا (يُخَيَّرُ) .

وَمِنْهُ لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ بِدَيْنٍ (آخَرَ) (لِغَيْرِهِ) وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي بِهِمَا، فَالدَّيْنُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي (مَجَالِسِ) النَّظَرِ وَقَالَ (أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ) فِي كِتَابِهِ: إنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -)
(1/295)

، قَالَ: التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ، وَالْمُوَرِّثُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى التَّعَاقُبِ كَانَا (مِنْ) مَا لَهُ عَلَى السَّوَاءِ قَالَ: وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَمِنْهُ: لَوْ قَتَلَ جَمَاعَةً مُرَتَّبًا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ (وَلِلْبَاقِينَ) الدِّيَاتُ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ الْأَبَ وَالْآخَرُ الْأُمَّ مُرَتَّبًا، وَلَا زَوْجِيَّةَ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ، أَمْ يُقْتَصُّ مِنْ الْمُبْتَدِي بِالْقَتْلِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي.
وَمِنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُمَيِّزَةُ (الَّتِي) تَرَى الدَّمَ عَلَى نَوْعَيْنِ، فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ، فَيُقَدَّمُ الْأَسْوَدُ، ثُمَّ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَشْقَرُ ثُمَّ الْأَصْفَرُ وَيُرَجَّحُ ذُو صِفَتَيْنِ عَلَى (ذِي) صِفَةٍ، فَإِنْ اسْتَوَيَا رُجِّحَ الْأَسْبَقُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عِنْدَ انْفِرَادِ كُلِّ صِفَةٍ أَنْ (يُعَوِّلَ) عَلَى اللَّوْنِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ.

(الْخَبَرُ الصَّحِيحُ) : وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي،
(1/296)

فَأَفْلَسَ) بِالثَّمَنِ وَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ وَحَقُّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْإِفْلَاسِ (فَقُدِّمَ) الْأَسْبَقُ.

، وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ وَهُوَ مَرْهُونٌ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ سَابِقٌ لِحَقِّهِ، (فَإِنَّهُ) تَعَلَّقَ (بِالْمَالِ) بِعَقْدِ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ بِنَفْسِ الْحَجْرِ، وَالرَّهْنُ سَابِقٌ (وَالْإِعْسَارُ) مُتَأَخِّرٌ.

وَمِنْهُ: لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَوَكَّلَ آخَرَ (بِعِتْقِهِ) ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: فَعِنْدَنَا مَنْ سَبَقَ فَلَهُ الْحُكْمُ، فَإِنْ بَاعَ قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ (عَتَقَ) قَبْلَ الْبَيْعِ عَتَقَ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ: تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُنَافِي الْبَيْعَ، فَإِنْ حَصَلَ (الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ) فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَا جَمِيعًا وَإِنْ أَشْكَلَ أَقُرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْعِتْقِ نَفَذَ أَوْ عَلَى الْبَيْعِ فَقَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا (لَا يَصِحُّ) .

، وَمِنْهُ: لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً فَقَالَ: يَا زَانِيَةُ يَا بِنْتَ الزَّانِيَةِ وَجَبَ حَدَّانِ وَيُحَدُّ لَهَا أَوَّلًا قَبْلَ أُمِّهَا لِسَبْقِهَا بِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.

وَمِنْهُ: لَوْ اُسْتُرِقَّ الْحَرْبِيُّ وَغُنِمَ مَالُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ الْمَغْنُومِ (ثُمَّ) مَا فَضَلَ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا لَهُ بَعْدَ شُغْلِهِ بِحَقِّ الْغَيْرِ.
(1/297)

وَمِنْهُ: لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُدَبِّرَ عَلَى صِفَةٍ صَحَّ وَعَتَقَ بِالْأَسْبَقِ مِنْ الْمَوْتِ وَالصِّفَةِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ بِأَنْ عَثَرَ (بِحَجْرٍ) . الثَّانِي: بِالْقُرْعَةِ وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْقَافِ. الثَّالِثُ: بِالْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنٍ وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي (بِهِمَا) فَالْبَيِّنَةُ أَوْلَى، قَالَهُ (صَاحِبُ الْإِشْرَافِ) .

[التَّسْمِيَةُ]
أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ اسْتِحْبَابَ التَّسْمِيَةِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ وَإِرَادَةِ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، وَفِي اسْتِحْبَابِهَا لَغُسْلِ الْجُنُبِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ (صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ) : الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَذَبْحِ الْمَنَاسِكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
(1/298)

الثَّانِي: (مَا) تُسَنُّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ، وَالثَّالِثُ: مَا (تُكْرَهُ) فِيهِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ انْتَهَى، وَمَا (ذَكَرَهُ) فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (يَشْمَلُ) مَا لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ (السُّورَةِ) وَبِهِ صَرَّحَ فِي التِّبْيَانِ وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، وَمَا ذَكَرَهُ (مِنْ الصَّلَاةِ) وَالْحَجِّ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ يَشْمَلُ التَّشَهُّدَ وَفِي اسْتِحْبَابِهَا أَوَّلُهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ لِوُرُودِهِ (فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ) .
(1/299)

[تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ]
ٍ: (الْأَوَّلُ) : تَصَرُّفٌ بِالْوِلَايَةِ الْمَحْضَةِ، وَهُوَ (الْأَبُ) وَالْجَدُّ وَالْحَاكِمُ (ثَانِيهَا) تَصَرُّفٌ بِالنِّيَابَةِ الْمَحْضَةِ. إمَّا بِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، أَوْ الشَّرْعُ كَالْحَاكِمِ فِي مَالِ الْغَائِبِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ (أَنَّ) وُقُوفَ الْمَسَاجِدِ وَالْقُرَى يَصْرِفُهَا صُلَحَاءُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَمَصَالِحِهِ، إذَا فُقِدَ مَنْ إلَيْهِ النَّظَرُ. (ثَالِثُهَا) : تُصْرَفُ بِنِيَابَةٍ (مَشُوبَةٍ) بِوِلَايَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ (مَشُوبَةٍ) بِنِيَابَةٍ وَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ حَيْثُ (إنَّهُ) يَتَصَرَّفُ (بِالتَّفْوِيضِ) يَكُونُ تَصَرُّفُهُ بِالنِّيَابَةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلِي التَّصَرُّفَ مِنْ نَفْسِهِ يَكُونُ بِالْوِلَايَةِ، ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ تِجَارَةِ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى خِلَافٍ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ (الْوَصِيِّ) هَلْ هُوَ بِالنِّيَابَةِ أَوْ بِالْوِلَايَةِ وَبُنِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا جُنَّ يَنْعَزِلُ فَإِذَا أَفَاقَ هَلْ تَعُودُ وِلَايَتُهُ: عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ غَلَّبْنَا النِّيَابَةَ لَا تَعُودُ، أَوْ الْوِلَايَةَ عَادَتْ، (وَيَخْرُجُ) مِنْ كَلَامِهِمْ خِلَافٌ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ (الْوَصِيِّ) أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِ
(1/300)

الْوَكِيلِ، أَوَّلًا، فَفِي الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ (فِي) الْأَوْصِيَاءِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْوَصِيَّ أَضْعَفُ مِنْ الْوَكِيلِ، وَالْوَكِيلُ لَا يُوَكَّلُ بِغَيْرِ الْإِذْنِ فَالْوَصِيُّ أَوْلَى وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ: لَا يَبِيعُ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ: (إنَّ) نِيَابَةَ الْوَصِيِّ أَقْوَى بِدَلِيلِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا يَقْدِرُ (عَلَيْهِ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، هَذَا كَلَامُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (بِالْأَسْرَارِ) عَنْ الْقَفَّالِ: إنَّ عَقْدَ الْقَضَاءِ نِيَابَةٌ؛ وَلِهَذَا لَا يَسْتَخْلِفُ دُونَ الْإِذْنِ وَيَصِحُّ عَزْلُهُ، قَالَ الْقَاضِي: فَقُلْت لَهُ: لَوْ كَانَ لَبَطَلَ بِالْمَوْتِ وَلَمَّا نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، (قُلْت) لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلِلضَّرُورَةِ نَفَذَتْ قَضَايَاهُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَهُ حَتَّى لَا تَتَعَطَّلَ حُقُوقُهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقَاضِيَ يُزَوِّجُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ أَوْ بِالنِّيَابَةِ. (رَابِعُهَا) تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ مَا سَبَقَ وَهُوَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَالتَّصَدُّقِ بِمَالِ الْمَجْهُولِ الَّذِي انْقَطَعَ وَلَا يُعْرَفُ خَبَرُهُ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَكَاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَوْ وَجَدَ حَيَوَانًا مُعَلَّمًا بِعَلَامَةِ الْهَدْيِ كَالْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فَإِنَّ لَهُ الْتِقَاطَهُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفَائِدَةُ الْتِقَاطِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا مَثَّلْنَا وَفِي الْأَبْضَاعِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ امْرَأَةٌ لَا وَلِيَّ لَهَا فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا حَتَّى زَوَّجَهَا جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، بَلْ (تَحْكِيمًا) وَالْمُحَكَّمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَاكِمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ يَقْتَضِي
(1/301)

اشْتِرَاطَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا يَعْسُرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ فَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَمِنْهُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتُنْكَحُ. (الثَّانِي) : أَنْ لَا تَدْعُوَ حَاجَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً فَيَنْظُرُ إنْ دَعَتْ إلَى صِحَّتِهِ وَتَنْفِيذِهِ بِطُولِ مُدَّةِ التَّصَرُّفِ وَتَكَرُّرِهَا (وَتَعَذَّرَ) اسْتِرْدَادُ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَتَصَرَّفَ فِي (أَثْمَانِهَا) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ؛ (لِأَنَّ) (رَفْعَ) التَّصَرُّفِ الْكَثِيرِ بِالنَّقْضِ عُسْرٌ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا وَهُوَ تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ، فَفِي بُطْلَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ وَتَنْفِيذِهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الشَّخْصِ فِي مَالِ غَيْرِهِ حَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، (وَثَانِيهِمَا) : أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْغَاصِبُ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقِ.
(خَامِسُهَا) : التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ فِيهِ مُخَالِفَةُ الْإِذْنِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: (بِعْهُ) بِمِائَةٍ (فَبَاعَهُ) بِأَقَلَّ لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ لِلْوَكِيلِ فِي تَصَرُّفِهِ أَحْوَالٌ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَهُ (عَنْ) مُوَكِّلِهِ فَوَاضِحٌ.
(1/302)

الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ نَفْسَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنِ فَلَغْوٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ فَتَصَدَّقَ وَنَوَى نَفْسَهُ لَغَتْ نِيَّتُهُ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَفِي (بَابِ) الدِّيَاتِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ، أَنَّ الْوَكِيلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ (إذَا قَالَ قَتَلْته لَا عَنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ، بَلْ لِغَرَضٍ نَفْسِيٍّ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ) ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمُوَكِّلِ (لِلتَّرِكَةِ) . الثَّالِثُ: أَنْ (لَا) يُطْلِقَ وَلَا يَقْصِدَ شَيْئًا، وَفِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا طَلَّقَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا طَلَّقَ عَلَى الْمَوْلَى، (إنْ) قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ فُلَانٍ، لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَنَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: عَنْ فُلَانٍ، قَالَ (ابْنُ الْقَطَّانِ) يَصِحُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يُضِيفَ إلَى مُوَكِّلِهِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، سَوَاءٌ طَلَّقَ بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ. (سَادِسُهَا) : التَّصَرُّفُ (لِلْغَيْرِ) بِمَالِ الْمُتَصَرِّفِ كَمَنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ سِلْعَةً فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَقَعَ الْعَقْدُ عَنْ الْمُبَاشِرِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَغَتْ التَّسْمِيَةُ، وَهَلْ
(1/303)

يَقَعُ عَنْهُ أَمْ يَبْطُلُ؟ وَجْهَانِ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَهَلْ تَلْغُو التَّسْمِيَةُ؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَقَعَ عَنْ الْإِذْنِ، وَهَلْ يَكُونُ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ قَرْضًا أَوْ هِبَةً، وَجْهَانِ.

[تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ]
ٌ حَتَّى إذَا عَقَدَ نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا مُخْتَلَفًا فِيهِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ صُدُورُهُ مِنْهُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ حَكَمَ هُوَ بِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ: إنَّ الْقِسْمَةَ إنْ كَانَتْ بِالْقَاضِي فَقِسْمَتُهُ تَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمَوْتِ، وَفِي بَابِ الْقِسْمَةِ، إذَا اعْتَرَفُوا بِالِاشْتِرَاكِ فِي مِلْكٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمِلْكِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِئَلَّا يَتَمَسَّكُوا بِقِسْمَتِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ مُصَرِّحَةٌ بِهِ، حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ أَرَدْتُمْ (قَسْمِي) ، فَأْتُوا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَصْلِ حُقُوقِكُمْ فِيهَا وَذَلِكَ أَنِّي (إنْ) قَسَمْت بِلَا بَيِّنَةٍ فَجِئْتُمْ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ (أَنِّي) قَسَمْت بَيْنَكُمْ هَذِهِ الدَّارَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِي، كَانَ (بِسَبَبِهَا) أَنْ يَجْعَلَهَا حُكْمًا مِنِّي لَكُمْ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، (فَإِنَّهُ) عَلَّلَ مَنْعَ إجَابَةِ الْحَاكِمِ الشُّرَكَاءَ، إذَا طَلَبُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ (بِأَنَّ) مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى قِسْمَةَ الْحَاكِمِ حُكْمًا مِنْهُ بِالْمِلْكِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا فَيَرْفَعُ إلَى حَاكِمٍ بَعْدَهُ فَيَحْكُمُ لَهُمَا بِالْمِلْكِ، فَقَوْلُهُ: مِنْ النَّاسِ صَرِيحٌ فِي أَنَّا لَا نَقُولُ بِهِ، وَنَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَا مُنَازِعَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِالْيَدِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحَاكِمِ إثْبَاتٌ لِمِلْكِهَا، وَالْيَدُ تُوجِبُ إثْبَاتَ التَّصَرُّفِ لَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ.
وَنَبَّهَ الدَّارِمِيُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ لَهَا، فَإِنْ عَلِمَ قَضَى (لَهُ) قَطْعًا.
(1/304)

وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا يُقَسَّمُ فَقُسِّمَ وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ، أَنَّهُ لَوْ (كَانَ عَقَارٌ) بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَرَأَيْنَا نَصِيبَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ أَنَّك اشْتَرَيْته وَلِي فِيهِ الشُّفْعَةُ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَائِبِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ، وَيَكْتُبُ الْقَاضِي فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِإِقْرَارِهِمَا، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ (إنْ) تَوَلَّى بَيْعَ أَمْوَالِهِ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْحَاكِمَ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى تَشْهَدَ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ لَهَا، وَلَا (تَكْفِي) فِيهَا يَدُهُ وَاعْتِرَافُهُ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ بِالْمَسْتُورِينَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْعَاقِدُ غَيْرَ حَاكِمٍ، فَإِنْ بَاشَرَهُ (الْحَاكِمُ لَمْ) يَنْعَقِدْ (بِهِمَا) قَطْعًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ (لَا يَجُوزُ بِمَسْتُورِينَ) ، لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَةٌ حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ: الصَّحِيحُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ذَكَرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ النَّصِّ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُزَوِّجُ الَّتِي تَدَّعِي غَيْبَةَ وَلِيِّهَا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ (خَاصٌّ) حَاضِرٌ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: (إنَّهُ وَاجِبٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ) : يُسْتَحَبُّ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْعُقُودِ
(1/305)

إلَى (قَوْلِ أَرْبَابِهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ،: وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، وَهَذَا يَقْتَضِي) أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَمْلَاكِ (وَنَحْوِهِمَا) بِمُجَرَّدِ قَوْلِ أَرْبَابِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كَلَامِهِ عَلَى الْمَفْقُودِ: وَإِذَا ضَرَبَ الْقَاضِي الْمُدَّةَ فَمَضَتْ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمًا بِوَفَاتِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَفِي حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ: الْحَنَفِيُّ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ بِحُضُورِ (فَاسِقَيْنِ) ، فَإِذَا رَفَعَ عَقَدَهُ لِحَاكِمٍ شَافِعِيٍّ (وَقَدْ كَانَ) بَاشَرَ الْعَقْدَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ، فَهَلْ مُبَاشَرَتُهُ لِلْعَقْدِ حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي نَقْضِهِ مَا فِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَكَذَا فِي كُلِّ (مَا يُبَاشِرُهُ) الْحُكْمُ مِنْ الْعُقُودِ؟ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ إذْ فِي الشَّامِلِ أَيْ وَالْبَحْرِ فِيمَا إذَا قَسَّمَ مَالُ الْمُفْلِسِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ حِصَّتَهُ، إنْ قِيلَ: (فَقَدْ) نَقَضْتُمْ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالْقِسْمَةِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ (بِحُكْمٍ) مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ؛ لَوْ زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ (حَاكِمٌ آخَرُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ) نَفَذَ، وَالْمَاوَرْدِيُّ أَجَابَ عَنْ السُّؤَالِ، بِأَنَّ ذَلِكَ وِزَانُ وِجْدَانِ النَّصِّ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي هَذَا، وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ حُكْمٌ.
(1/306)

وَأَنَا أَقُولُ: إنْ تُخُيِّلَ ذَلِكَ فِي قِسْمَتِهِ جَبْرًا، (فَلَا يُتَخَيَّلُ) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ (شِقُّ) الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْبِقَ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وُجُودُ أَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.
نَعَمْ (إذَا) تَقَدَّمَ شِقُّ الْقَبُولِ عَلَى شِقِّ الْإِيجَابِ فِيهِ فَقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ (أَنَّهُ حُكْمٌ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَحَصَلَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى تَقَدُّمَ دَعْوَى فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا. الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا لَهُ وَعَلَيْهِ وَبِهِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ ظَهَرَ مَا بَاعَهُ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَبْطُلْ، ثُمَّ إنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ، هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ أَمْ لَا. الرَّابِعُ: أَنَّ (مُسْتَنَدَ) الْحُكْمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا، وَالْإِلْزَامُ الَّذِي هُوَ إنْفَاذُ
(1/307)

الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُسْتَنَدِ السَّابِقِ وَقَوْلُ الْقَاضِي: بِعْت (أَوْ زَوَّجْت) ، (وَنَحْوُهُمَا) لَيْسَ (كَذَلِكَ) ؛ وَلِأَنَّ (الْإِلْزَامَ) يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ وَالْعَقْدُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الرِّسَالَةِ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْحُجَّةِ فِي (ثَبْتِ) خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي عَلَى الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ، ثَبَتَتْ عِنْدَهُ أَوْ إقْرَارٌ مِنْ خَصْمٍ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ، فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ فِيهِ انْتَهَى.
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ، أَنْ يُقَالَ: تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا هُوَ حُكْمٌ قَطْعًا، وَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ. (الثَّانِي) : مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ قَطْعًا، كَسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالْبَيِّنَةِ (وَنَحْوِهِ) . الثَّالِثُ: مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، كَمَا إذَا بَاعَ أَوْ زَوَّجَ وَنَحْوُهُ الرَّابِعُ: مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ حُكْمٌ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَسْخُ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٌ. (فَفَسَخَ) الْقَاضِي، كَانَ ذَلِكَ (حُكْمًا مِنْهُ) بِالْفَسْخِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ حَتَّى يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْفَسْخِ أَوْ بِمُوجَبِهِ.
(1/308)

[تَصَرُّفُ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ]
ِ نَصَّ عَلَيْهِ: قَالَ (الْفَارِسِيُّ) فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : مَنْزِلَةُ الْوَالِي مِنْ الرَّعِيَّةِ: مَنْزِلَةُ الْوَلِيُّ مِنْ الْيَتِيمِ انْتَهَى. وَهُوَ نَصٌّ فِي كُلِّ وَالٍ، وَمِنْ ثَمَّ إذَا قَسَّمَ عَلَى الْأَصْنَافِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ وَكَذَا التَّسْوِيَةُ، بِخِلَافِ (الْمَالِكِ) فِيهِمَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَنَدِ بِسَبَبٍ جَازَ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ، حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُنَصِّبَ إمَامًا (لِلصَّلَوَاتِ) فَاسِقًا وَإِنْ صَحَّحْنَا الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى فِعْلِ (الْمَكْرُوهِ) ، وَحَيْثُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ لَمْ يَكُنْ
(1/309)

ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، بَلْ يَرْجِعُ (إلَى الْمَصْلَحَةِ) حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ حَبَسَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ، (وَلَوْ طَلَبَتْ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا خَاصًّا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَاءَةِ هُنَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَفْوِيتِهِ.

[التَّصْرِيحُ بِبَعْضِ مَا يَقْتَضِيه الْإِطْلَاقُ هَلْ يَكُونُ مُفْسِدًا]
فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) (إطْلَاقُ) الْبَيْعِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ فَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعِشْرِينَ بِشَرْطِ حُلُولِ عَشَرَةٍ مِنْهَا صَحَّ وَإِنْ (كَانَ) الْكُلُّ حَالًّا وَلَا يُقَالُ: إنَّ النَّصَّ عَلَى حُلُولِ الْعَشَرَةِ يَقْتَضِي تَأْجِيلَ الْبَاقِي فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ (لِجَهَالَةِ) الْأَجَلِ وَقِيلَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْخِيَارَ (ثَابِتٌ) لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً فَلَوْ شَرَطَ لِلسَّيِّدِ خِيَارَ (الثَّلَاثِ) فِي الْكِتَابَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِيَارِ لَهُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) بَطَلَ الْعَقْدُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الْخِيَارِ لَهُ فِي (الثَّلَاثِ) مَعَ (ثُبُوتِهِ) بَعْدَ هَذَا (صَحَّ) الْعَقْدُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ (أَطْلَقَ) الْقَوْلَ بِلَا إرَادَةٍ فَوَجْهَانِ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِثَلَاثٍ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَارِ بَعْدَهَا كَمَا لَوْ قَالَ
(1/310)

: اقْضِ دَيْنِي إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَهَا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ أَجَابَ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنٍ، فَإِذَا أَقْدَرَ (الثَّلَاثَ) عَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) ، إلَى مَا قَبْلُ وَهَا هُنَا الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً، فَشَرْطُهُمَا خِيَارُ (الثَّلَاثِ) يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ، فَإِذَا مَضَتْ بَقِيَ (لَهُ) الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ (مُفِيدًا) زِيَادَةَ فَائِدَةٍ.

[فُصُولُ التَّعَارُضِ]
[تَعَارُضُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ]
ِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ أَوْ الِاسْتِصْحَابُ (اعْلَمْ) : أَنَّ الْأَصْحَابَ تَارَةً يُعَبِّرُونَ (عَنْهُمَا) بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَتَارَةً بِالْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، وَكَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى (وَاحِدٍ) ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ التَّغَايُرَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَالِبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ وَهَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَا يَحْصُلُ بِمُشَاهَدَةٍ
(1/311)

كَبَوْلِ الظَّبْيَةِ وَإِنْزَالِ (الْمَرْأَةِ) الْمَاءَ بَعْدَ مَا اغْتَسَلَتْ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْغَالِبِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ شُرُوطٌ: (أَحَدُهَا) : أَنْ لَا (تَطَّرِدَ) الْعَادَةُ (بِمُخَالَفَةِ) الْأَصْلِ، فَإِنْ (اطَّرَدَتْ) (عَادَةٌ) بِذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ (السِّرْجِينِ) فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا فَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِثْلُهُ (الْمَاءُ) الْهَارِبُ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ، فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ (عَلَى) أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ (كَانَ) لَهُ الْأَخْذُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: (وَفَرَّقَ شَيْخِي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَتَطَرَّقُ إلَى تَمْيِيزِ الطَّاهِرِ) مِنْ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ لِلنَّجَاسَاتِ أَمَارَاتٍ بِخِلَافِ الْحَدَثِ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ (بِأَنَّ أَصْلَ) الشَّافِعِيِّ فِي تَمْيِيزِ دَمِ الْحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَاتِ مَعْلُومٌ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ لِلْمَنِيِّ صِفَاتٍ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا التَّمَسُّكُ بِهَا، فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ
(1/312)

لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَحْدَاثِ غَيْرُ (سَدِيدٍ) ثُمَّ حَاوَلَ الْفَرْقَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا النَّجَاسَةُ كَثِيرَةٌ (جِدًّا) ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى. (الثَّالِثُ) : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ (أَحَدِهِمَا) مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ (بِالتَّرْجِيحِ) مُتَعَيِّنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَوْلُ (الْأَصْحَابِ) مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، فَفِيهَا قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا (يُنْظَرُ) فِيهَا إلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ، وَمَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ (قَطْعًا) كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى (ثَلَاثًا) أَوْ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلِّهَا (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقُ وَالرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ، فَالصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: (إنَّهُ) عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا يَجِبُ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ (الظَّاهِرِ) عُمِلَ بِهِ أَوْ دَلِيلُ [الْأَصْلِ] عُمِلَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي (تَقَابُلِ) الْأَصْلَيْنِ أَوْ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ مَا
(1/313)

إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ بِالْمُرَجَّحِ مُتَعَيِّنٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَمْرَانِ: (أَحَدُهُمَا) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ مَاتَ فَادَّعَى الْمُعْتِقُ (نَقْصَ) الْقِيمَةٍ بِسَبَبِ (نَقِيصَةٍ) طَارِئَةٍ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْصِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (فَيَخْرُجُ) عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ وَلَيْسَ مَعْنَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ اسْتِحَالَةَ التَّرْجِيحِ بَلْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ مُدْرَكٍ آخَرَ سِوَى اسْتِصْحَابِ الْأُصُولِ، فَإِنْ (تَعَذَّرَ) ، فَلَيْسَ إلَّا التَّوَقُّفُ أَمَّا تَخْيِيرُ (الْمَعْنَى) بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ فَلَا وَجْهَ لَهُ. قُلْت قَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَجْهًا) . (الثَّانِي) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (فَبَاعَ) الرَّاهِنُ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ عَدَمِ الرُّجُوعِ يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَيْعِ (فَيَبْقَى) ، أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ، وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ عَارَضَهُ الْأَصْلُ الْآخَرُ (فَتَعَطَّلَ) ، وَبَقِيَ أَصْلٌ آخَرُ خَالِيًا (مِنْ) الْمُعَارَضَةِ (فَيُعْمَلُ) بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إذَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبٍ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، وَفِي جَانِبٍ (آخَرَ أَصْلٌ) أَوْ ظَاهِرٌ (فَقَطْ، لَا) تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّسَاوِي، وَلَا تَسَاوِيَ (وَلَكِنْ) يُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُتَيَقِّنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ
(1/314)

الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ (الشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، (وَالدَّاخِلِ) (تَسَاقَطَتَا) (وَبَقِيَتْ) الْيَدُ خَالِيَةً عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَعُمِلَ بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَصْلًا، فِيهِ قَوْلَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي احْتِيَاجِ الدَّاخِلِ إلَى الْيَمِينِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَاجُ.

(وَاعْلَمْ) : أَنَّ الضَّابِطَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْإِخْبَارِ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ سَنَدُهُ الْعُرْفَ أَوْ الْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَهَذِهِ يَتَفَاوَتُ (أَمْرُهَا) فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَتَارَةً يَخْرُجُ خِلَافٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ قَطْعًا، (وَمِنْهُ) : الْيَدُ فِي الدَّعْوَى فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ (وَمِنْهَا إخْبَارُ الثِّقَةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) .
(وَمِنْهَا) : إخْبَارُ الثِّقَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا يُقَدَّمُ عَلَى أَصْلِ طَهَارَةِ الْمَاءِ قَطْعًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مُوَافِقًا وَلَكِنْ عَيَّنَ تِلْكَ النَّجَاسَةَ.
(1/315)

وَمِنْهُ) : قَبُولُ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ وَلَوْ فِي مُدَّةٍ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ، (وَمِنْهُ) : لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ بَيْضَ دَجَاجَةٍ وَأَحْضَنَهَا صَيْدًا فَفَسَدَ بِيضُهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ، وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ فِيهِ خِلَافًا.

(مِنْهُ) : لَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجِمَاعِ بَعْدَ مَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيٌّ بَعْدَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ
؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مَنِيُّهَا، أَوْ مَنِيُّهَا وَمَنِيُّ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَسِيطِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلظَّنِّ أَثَرًا يَعْنِي فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ
، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ مَسْأَلَةً نُسِبَ فِيهَا إلَى الْوَهْمِ وَالتَّفَرُّدِ، فِيمَنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالْوُضُوءِ (لَعَلَّهُ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْوَسِيطِ هَذَا،
فَإِنَّ الظَّنَّ كَمَا أَثَّرَ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَقَضَاءِ الْوِتْرِ كَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ.

(وَمِنْهُ) لَوْ وَضَعَ عَصِيرًا فِي دَنٍّ وَسَدَّ فَمَه ثُمَّ فَتَحَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ (فَوَجَدَهُ) خَلًّا فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ كَانَ الَّذِي فِي الدَّنِّ قَدْ انْقَلَبَ خَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِلَابُهُ خَمْرًا قَبْلَ انْقِلَابِهِ خَلًّا.

(وَمِنْهُ) : مُدَّةُ الْخُفِّ إذَا شَكَّ فِي انْقِضَائِهَا يَأْخُذُ بِالشَّكِّ وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ
، (وَمِنْهُ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الْأُمِّ (فِيمَنْ) مَرَّ (فِي
(1/316)

الصَّحْرَاءِ) بِمَيِّتٍ (وَعَلَيْهِ) أَثَرُ الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ وَالْحَنُوطِ
(فَإِنَّهُمْ) يَدْفِنُونَهُ، فَإِنْ اخْتَارُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ صَلُّوا عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ انْتَهَى، وَفِي هَذَا تَوَقُّفٌ (بَلْ الْأَظْهَرُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَلَا مُرْشِدَ لِلصَّلَاةِ) (عَلَيْهِ) حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.

(الثَّانِي) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الظَّاهِرِ، (فَمِنْهُ) : لَوْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إتْيَانِهِ (بِهِ) ، وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ.

(وَمِنْهُ) اخْتِلَافُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ (الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي) الصِّحَّةَ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا.

(وَمِنْهُ) : لَوْ جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ، وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الْقُدْوَةُ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَ مِنْ وَرَائِهِ وَقَوَّاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.

(وَمِنْهُ) : لَوْ امْتَشَطَ (مُحْرِمٌ) فَانْتُتِفَ مِنْهُ شَعْرٌ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْمَشْطِ، أَمْ لَا فَقِيلَ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ثَابِتًا إلَى وَقْتِ الِامْتِشَاطِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الْإِبَانَةِ فَيُضَافُ إلَيْهِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ؛
(1/317)

لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْفِدْيَةِ.

وَمِنْهُ: حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ (ضَرْبَةٍ) فَضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْجَمِيعِ لَهُ بَرِئَ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ، عَدَمُ الْإِصَابَةِ.

وَمِنْهُ: رَأَى حَيَوَانًا يَبُولُ فِي مَاءٍ، (ثُمَّ جَاءَ) ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُهُ بِطُولِ (مُكْثٍ) ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ نَصَّ عَلَيْهِ. (فَأَسْنَدَ) التَّغَيُّرَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، لَكِنَّهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ (بِالْمُكْثِ) وَأَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْبَوْلِ، وَإِحَالَتُهُ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَقَدَّمَ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ، وَتَابَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، وَلَوْ ذَهَبَ عَقِبَ الْبَوْلِ، فَلَمْ يَجِدْهُ مُتَغَيِّرًا، ثُمَّ عَادَ فِي زَمَنٍ آخَرَ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ يُحْكَمُ.

وَمِنْهُ، لَوْ قَطَعَ لِسَانَ صَبِيٍّ حِينَ وُلِدَ وَلَمْ (تَظْهَرْ أَمَارَاتٌ) لِصِحَّةِ لِسَانِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ.

وَمِنْهُ: لَوْ وَكَّلَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ، (ثُمَّ مَاتَ) (الْمُوَكِّلُ) وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ
(1/318)

مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النِّكَاحِ، (وَالْأَظْهَرُ) بَقَاءُ الْحَيَاةِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَخَالَفَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالشَّكِّ.

وَمِنْهُ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ لِوَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، بَلْ تُصَلِّي مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَهَا مَا صَلَّتْ وَإِنْ دَامَ تَرَكَتْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ، وَأَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْمُبْتَدَأَةِ، وَأَنَّ الْمُعْتَادَةَ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ قَطْعًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَجْهٌ مُفَصَّلٌ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ (بَعْدُ) ، وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ هَلْ يَحْصُلُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، هَلْ تَطْلُقُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَوْ بِمُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

وَمِنْهَا، لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ دُخُولِهِ، وَلَا الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْأَوَانِي وَالْفِطْرِ وَالصِّيَامِ.

وَمِنْهُ: النَّوْمُ غَيْرَ (مُمَكِّنٍ) مَقْعَدَتَهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ خُرُوجِهِ وَبَقَاءَ الطَّهَارَةِ.
(1/319)

وَمِنْهَا: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا بَلْ أَطْلَقَ، فَالْأَظْهَرُ يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيقَاعِ كَاللَّفْظِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ، فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَيَقَّنَ عَدَمُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: قَالَ لَهَا فِي رَمَضَانَ (قَبْلَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ: أَنْتِ طَالِقٌ) (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) طَلُقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ
، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَاعْتَنَى بِهِ (الْحَمَوِيُّ) وَخَرَّجَهَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ
، فَإِنَّا إنْ رَاعَيْنَا ظَوَاهِرَ الْأَخْبَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ، وَإِنْ رَاعَيْنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ نُوقِعْ الطَّلَاقَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُقُوعُ بِإِمْضَاءِ سَنَةٍ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ.

الثَّالِثُ: مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ، وَإِلْغَاءِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ فَمِنْهُ: لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ ظَنَّهُ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَخَالَفَ الرَّافِعِيُّ هُنَا وَأَعْمَلَ ظَنَّ الطَّهَارَةِ وَسَبَقَ مَا فِيهِ.

وَمِنْهُ: لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ

وَلَوْ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ مَعَ طُولِ بَقَائِهَا مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ يُوصِلْهَا النَّفَقَةَ
(1/320)

وَالْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تُبْعِدُ ذَلِكَ جِدًّا

، وَمِنْهُ: لَوْ اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ، وَكَانَ الْحَرَامُ مَغْمُورًا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ مُحْرِمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ، مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، فَإِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ.

وَمِنْهُ: لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةِ بَلَدٍ، أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِلَا اجْتِهَادٍ قَطْعًا (وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ) يَنْتَهِي؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ.

وَمِنْهُ لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ مُعْتَقِدًا بَكَارَتَهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِثُبُوتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلُ لِجَوَازِ إزَالَتِهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْبَكَارَةُ.

وَمِنْهُ " الْمُتَبَايِعَانِ تَمْضِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ تَلَازُمِهِمَا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفَرُّقَ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُنْكِرُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي تَلَازُمِهَا وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ.

وَمِنْهُ: الْمَدْيُونُ، إذَا عُرِفَ لَهُ مَالٌ قَطَعُوا بِحَبْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَكَانَ يَنْبَغِي، إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَكَانَ ضَعِيفًا عَنْ الْكَسْبِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ تَسْتَوْعِبُ نَفَقَتُهَا مَا عِنْدَهُ، (أَنَّهُ) لَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ (يُنْفِقُ مَا) عَهِدْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، قَالَ: وَهَذَا السُّؤَالُ مُشْكِلٌ جِدًّا (وَلَعَلَّ) اللَّهَ يُيَسِّرُ حَلَّهُ. قُلْت: وَهَذَا نَظِيرُ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

(وَمِنْهُ) : إذَا ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَتُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ (الْقَوِيِّ) .
(1/321)

وَمِنْهُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَحْدَثَ يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ الْمُسْتَصْحَبِ (وَيُلْغَى) ظَنُّهُ، وَإِنْ أُسْنِدَ (لِظَاهِرٍ قَطَعُوا بِهِ) ، إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي ظَنِّ الطَّهَارَةِ خِلَافَهُ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ وَمِنْهُ: لَوْ أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ فَأَتَاهُ بِهِ عَلَى صِفَاتٍ السَّلَمِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا (لَحْمُ) مَيْتَةٍ لَا يَلْزَمُنِي قَبُولُهُ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، بَلْ مُذَكًّى فَعَلَيْك قَبُولُهُ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ قَطَعَ بِهِ (الزُّبَيْرِيُّ) فِي الْمُسْكِتِ، وَالْعَبَّادِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَالْهَرَوِيُّ فِي (الْإِشْرَافِ) قَالَ الْعَبَّادِيُّ: لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ (وَالْأَصْلُ) بَقَاءُ تَحْرِيمِهِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ.
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ (لَحْمَ) مَيْتَةٍ، وَيَدَّعِي طَهَارَتَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي (الْمِكْتَلِ) أَوْ خِرْقَةٌ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَوْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا أَتَى سَيِّدَهُ بِمَالٍ، فَقَالَ السَّيِّدُ: (هَذَا) حَرَامٌ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ، أَنَّهُ حَلَالٌ،
(1/322)

وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: إمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ أَوْ تُبْرِيَهُ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَوْ وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَاتَ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمُوَكِّلِ (وَطْؤُهَا) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَتَوْجِيهُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ (شِرَاءَ) الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُوَكَّلِ بِهَا ظَاهِرٌ فِي الْحِلِّ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَغَلَّبْنَاهُ.

وَمِنْهُ: لَوْ أَسْلَمَ (الْكَافِرُ) وَصَلَّى خَلْفَهُ رَجُلٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ: كُنْتُ جَحَدْت الْإِسْلَامَ وَارْتَدَدْت قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَإِنَّ (صَلَاةَ) الْمُؤْتَمِّ بِهِ لَا (تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ مِنْهُ الْإِسْلَامَ لَمْ (يَنْزِلْ) عَنْ حُكْمِهِ، إلَّا (أَنْ) يَسْمَعَ مِنْهُ الْجُحُودَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ (حَالُ رَدَّةٍ وَحَالُ إسْلَامٍ) (وَصَلَّى) خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ فِي أَيِّ (حَالَتَيْهِ) صَلَّى، قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ: أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِسْلَامُ.

وَمِنْهُ: لَوْ (تُنْجِبُ) شَاةٌ (سَخْلَةً) رَأْسُهَا (يُشْبِهُ) رَأْسَ (شَاةٍ) ، وَذَنَبُهَا يُشْبِهُ ذَنَبَ الْكَلْبِ،
فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي (حُسَيْنٍ) أَنَّهَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ فَحْلَهَا كَانَ كَلْبًا.
(1/323)

الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأَصْلِ فَمِنْهَا: لَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَشَكَّ هَلْ وَلَغَ فِيهِ أَمْ لَا، وَأَخْرَجَهُ وَفَمُهُ رَطْبٌ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُلُوغِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِهِ يَكَادُ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا مِنْ الْمَاءِ، وَلَعَلَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا شَكَّ فِي أَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِ الْكَلْبِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ، كَمَا إذَا شَاهَدْنَا رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَأَخْرَجَهُ وَعَلَى فَمِهِ رُطُوبَةٌ، وَأَمَّا لَوْ شَاهَدْنَا فَمَهُ يَابِسًا وَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ رَطْبًا، أَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ (وَسَمِعْنَاهُ) يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ، فَلَا وَجْهَ إلَّا الْقَطْعُ بِالنَّجَاسَةِ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ الْمُصَلِّي فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الْيَقِينُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ قَوِيٌّ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ: نَعَمْ، لَوْ طَافَ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الْعَدَدَ فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِبَقَاءِ شَيْءٍ، فَالْأَقْرَبُ الرُّجُوعُ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُبْطِلُهُ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ.

وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَطَتْ تَمْرَةٌ حَلَالٌ بِتَمْرٍ (كَثِيرٍ) حَرَامٍ، أَوْ صَيْدٌ مُبَاحٌ بِصَيْدٍ
(1/324)

كَثِيرٍ مَمْلُوكٍ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ الْأَكْلُ مِنْ التَّمْرِ وَالصَّيْدِ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ لِغَلَبَةِ الْحَرَامِ، وَنُدُورِ الْحَلَالِ، فَإِنْ كَثُرَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ عِنْدَ إنْسَانٍ، فَالْبَيْعُ مِنْهُ وَأَكْلُ مَالِهِ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ (حَرَامًا) جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ، كَذَا قَطَعُوا (بِهِ) مَعَ حِكَايَتِهِمْ قَوْلَيْنِ: فِي غَلَبَةِ ظَنِّ النَّجَاسَةِ وَجَزَمُوا عِنْدَ ظَنِّ الْحَرَامِ الْكَثِيرِ بِجَوَازِ الْمُعَامَلَةِ، وَالْقِيَاسُ: إمَّا التَّسْوِيَةُ وَإِمَّا الْمَنْعُ مِنْهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ (تَعَالَى) (بِهَا) وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّمَا لَمْ يُجْرُوا هُنَا الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّا صَادَفْنَا أَصْلًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ فِي الْأَمْلَاكِ، وَهُوَ الْيَدُ فَاعْتَمَدْنَاهُ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ أَصْلًا يُعَارِضُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، إلَّا اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الْمُعَامَلَةِ يُعَارِضُهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ (الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَالِسِيُّ) : يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ حَتَّى (لَوْ) بَاعَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ حَتَّى يَذْكُرَ جِهَتَهُ، وَكَذَلِكَ فِي طَعَامِهِ، لَوْ قَدَّمَهُ لَهُ ضِيَافَةً. قُلْت: قَدْ قَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الضِّيَافَةِ، فَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ: إذَا كَانَ الدَّاعِي إلَيْهَا فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ، لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَلَوْلَا اعْتِبَارُ ذَلِكَ لَمَا سَقَطَ عَنْهُ الْوَاجِبُ.

وَمِنْهَا: لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ فِيهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَ فِي الْبِئْرِ
(1/325)

فَأْرَةً، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا (بَعْدَ الْوُضُوءِ)

وَمِنْهَا: لَوْ صَلَّى (وَرَأَى) بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً، احْتَمَلَ وُقُوعُهَا بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، لَمْ يُعِدْ، وَلَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَدْرِ مَتَى حَصَلَ لَهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ.

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا: قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنْ كَانَ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ، لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا (وَقَعَ) مِنْهُ فِي الْمَاضِي (وَيَعْسَرُ) عَلَيْهِ تَذَكُّرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ كَمَنْ شَكَّ فِي آخِرِ الْأُسْبُوعِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ عَلَى مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ مُوَاظَبَةَ الصَّلَاةِ، أَمَّا مَنْ اعْتَادَ تَرْكَهَا أَوْ بَعْضَهَا، فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا (مُتَعَيَّنٌ) ، لَا بُدَّ مِنْهُ.

وَمِنْهَا ثِيَابُ مُدْمِنِي النَّجَاسَاتِ وَطِينِ الشَّارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْمَقَابِرُ الَّتِي يَغْلِبُ (نَبْشُهَا) ، وَالْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ.
وَلِطِينِ الشَّارِعِ أُصُولٌ يُبْنَى عَلَيْهَا: (أَحَدُهَا) مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. (ثَانِيهَا) : طَهَارَةُ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ عَلَى الْقَدِيمِ.
(1/326)

ثَالِثُهَا) : طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ بِالِاسْتِحَالَةِ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَصَارَتْ طِينًا، وَأَمَّا الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: إنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَخَالَفَهُمَا النَّوَوِيُّ (فَقَالَ) الْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ بَرِئَ مِنْ جِرَاحَتِهِ أَوْ مَاتَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَقَصَ لِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّوَائِدِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا (فَغَابَ) ثُمَّ (وَجَدَهُ) مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَوْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ (كَامِلٌ) أَوْ ضَمَانُ الْجُرْحِ فَقَطْ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ (فَفِيهِ) قَوْلَانِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قُلْت: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ (لِأَنَّهُ) وُجِدَ سَبَبٌ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجُرْحُ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا وَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا يَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلْنَنْظُرْ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ (الصُّوَرِ) وَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا حَيْثُ أَحَالُوهُ عَلَى الْبَوْلِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ (لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ) وَقَدْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ إذَا غَابَ عَنْ الصَّيْدِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ ثُمَّ قَالَ: وَنَظِيرُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ أَنْ
(1/327)

يَبُولَ الظَّبْيُ فِيهِ وَلَا يَعْقُبُهُ التَّغَيُّرُ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَانٌ ثُمَّ يُوجَدُ مُتَغَيِّرًا (فَلَا) يُحْكَمُ بِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَنْ الْبَوْلِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ: وَلَا يُحْكَمُ (بِمَوْتِ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنْهَا إلَى أَنْ مَاتَ فَالْمَسَائِلُ (الثَّلَاثُ) كُلُّهَا سَوَاءٌ (تَجْمَعُهَا نُكْتَةٌ) وَاحِدَةٌ انْتَهَى.

(وَمِنْهَا) : قَالَ: بِعْتُك الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ، فَالثَّمَرَةُ لِي وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي صُدِّقَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنَّ الدَّارِمِيَّ قَالَ: إنَّهُمَا (يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ) .

(وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بَعْدَهُ قَالَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ النِّهَايَةِ: كَتَبَ (الْحَلِيمِيُّ) إلَى الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ، قُلْت: وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ

، (وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ فَقَالَتْ: (وَلَدْتُهُ) بَعْدَ الْكِتَابَةِ
(1/328)

فَمُكَاتَبٌ) مِثْلِي فَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ قَبْلَهَا صُدِّقَ السَّيِّدُ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَا: وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ وَوَلَدَتْ وَقَدْ كَاتَبَهُ، فَقَالَ السَّيِّدُ: وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ (قِنٌّ) لِي، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ بَعْدَ (الشِّرَاءِ) فَمُكَاتَبٌ صُدِّقَ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ، وَفَرَّقَا بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكَ الْوَلَدِ كَمَا سَبَقَ؛ (لِأَنَّ) وَلَدَ أَمَتِهِ مِلْكُهُ وَيَدُهُ مُقِرَّةٌ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تَدَّعِي الْمِلْكَ، بَلْ ثُبُوتَ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهِ.
تَنْبِيهَانِ (الْأَوَّلُ) : الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ. الْمُرَادُ بِالْغَالِبِ (غَلَبَةُ) الظَّنِّ لَا مِنْ جِهَةِ عَلَامَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّيْءِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْحِلِّ هَلْ يُزَالُ بِهِ كَالْخِلَافِ فِي (التَّطْهِيرِ) مِنْ أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ وَفِي (طِينِ) الشَّوَارِعِ؟ أَعْنِي الْقَدْرَ الزَّائِدَ (عَلَى) مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَأَنَّ الْعَلَامَةَ إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِغَيْرِ التَّنَاوُلِ لَمْ (يَجِبْ) دَفْعُ الْأَصْلِ، فَأَمَّا إذَا اسْتَنَدَ غَلَبَةُ الظَّنِّ إلَى عَلَامَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ (بِعَيْنِ) الشَّيْءِ، وَجَبَ تَرْجِيحُ الْغَالِبِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيَةِ، فَإِنَّ الْبَوْلَ الْمُشَاهَدَ دَلَالَةٌ (مُغَلِّبَةٌ) لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ بَانَ لَنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلِ ضَعِيفٌ وَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ مَعَ غَالِبِ الظَّنِّ ذَكَرَ هَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ.
(1/329)

الثَّانِي) : قَالَ (الْقَرَافِيُّ) (فِي) تَقْدِيمِ الْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ نَادِرَةٌ فِيمَا يَغْلِبُ نَجَاسَتُهُ، (وَإِذَا) كَانَ الْغَالِبُ النَّجَاسَةَ، فَتَرْكُهُ وَرَعٌ، وَأَمَّا عِنْدَ اسْتِوَاءِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَرْجِيحِ جَانِبِ الطَّهَارَةِ فَتَرْكُهُ وَسْوَاسٌ.

[تَعَارُضُ الْأَصْلَيْنِ]
ِ يَخْرُجُ فِيهِ قَوْلَانِ فِي كُلِّ صُورَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ (فَلَا يُظَنُّ) أَنَّ تَقَابُلَ الْأَصْلَيْنِ يَمْنَعُ الْمُجْتَهِدَ مِنْ إخْرَاجِ الْحُكْمِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَخَلَتْ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ (تَعَالَى) ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، (وَقَالَ) الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا تَعَارَضَا (أَخَذْنَا) بِالْأَحْوَطِ؛ وَلِهَذَا لَوْ شَكَّ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ هَلْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا أَتَمَّ الْجُمُعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَلَوْ شَكَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي بَقَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يَجْمَعْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ وَشَكَّ أَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى (بِالْأَسْبَابِ) أَوْ بِحَرَكَةِ
(1/330)

الْمَحَلِّ) فَهَلْ (يُحْسَبُ) ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَقَابُلِ (الْأَصْلَيْنِ) قَالَهُ فِي (الْمُهَذَّبِ) ، وَلَوْ قُدَّ مَلْفُوفًا وَزُعِمَ مَوْتُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَإِنَّمَا (سَقَطَ) الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ (الْإِمَامَ) وَهُوَ رَاكِعٌ وَشَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ، فَهَلْ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرُّكُوعِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.

وَلَوْ اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: تَصَرَّفْت قَبْلَ الرُّجُوعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ (فِي الْأَصَحِّ) ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ تَقَابُلُ الْأَصْلَيْنِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ وَرَجَّحَ الْبَغَوِيّ السَّابِقَ لِلدَّعْوَى.

وَلَوْ قَبَضَ (عِوَضًا) مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي عَيْبٍ (يُمْكِنُ) الْحُدُوثُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَيِّهِمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِتَقَابُلِ أَصْلَيْنِ السَّلَامَةِ وَاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ (الْخَرَاجِ)

، وَلَوْ رَأَى طَائِرًا فَقَالَ: إنْ لَمْ آخُذْ هَذَا الطَّائِرُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ: ثُمَّ اصْطَادَ طَائِرًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرُ، وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْحَالَ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه مُحْتَمَلٌ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ نِكَاحِهِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ أَنَا ذَلِكَ (أَيْضًا) وَاحْتَمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَالَ: وَاَلَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الطَّائِرَ (وَأَنَّهُ
(1/331)

لَمْ تَبَرَّ) يَمِينُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ (بَقَاءُ) النِّكَاحِ، (وَهَكَذَا) لَوْ قَالَ: فَعَبْدِي حُرٌّ هَلْ يُعْتَقُ عَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ؟

وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ فِي بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ، أَوْ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ؟ وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ الْقِلَّةُ كَمَا إذَا كَانَ كَثِيرًا ثُمَّ نَقَصَ، وَشَكَّ فِي قَدْرِ الْبَاقِي مِنْهُ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ الْمُبْرِي.

(تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : قَدْ يَتَعَارَضُ أَصْلَانِ وَلَا (يَتَقَدَّمُ) أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَالْعَبْدِ الْمُنْقَطِعِ الْخَبَرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ (يُجْزِئُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ الذِّمَّةِ فَلَا (تَبْرَأُ) إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِيمَا إذَا أَرَادَ جَمَاعَةٌ إنْشَاءَ قَرْيَةٍ لَا لِلسَّكَنِ - فَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَمْ يَجُزْ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَانْهَدَمَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا لِبِنَائِهَا وَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ صَحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَنَظِيرُهُ، إذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ الْخُفَّ، وَأَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الْقَدَمِ إلَى مُسْتَقَرِّهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا إلَى السَّاقِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا أَنَّهُ لَا (يَضُرُّ) ، فَلَهُ الْمَسْحُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
(1/332)

(وَلَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ، وَقَالَ: إنْ كُنْت مُحْدِثًا فَهَذَا يَرْفَعُهُ وَإِلَّا فَتَبَرُّدٌ صَحَّ، وَلَوْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ وَقَالَ: ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ) ، (وَإِذَا قُلْنَا: الْحَامِلُ تَحِيضُ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ تُجْعَلُ فِي الصَّلَاةِ طَاهِرًا وَفِي الْوَطْءِ حَائِضًا) .

وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ عَاشَرَهَا وَمَضَتْ (ثَلَاثَةُ) أَقْرَاءٍ انْقَضَتْ (عِدَّتُهَا) فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ عَلَى أَشْبَهِ الْأَوْجُهِ قَالَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ: وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَقْرَاءِ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ بِهَا (أَخَذْنَا) بِالِاحْتِيَاطِ (مِنْ الْجَانِبَيْنِ)

، وَلَوْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ (حَالَ) سَحَابٌ (فَلَمْ) يَدْرِ هَلْ انْجَلَتْ أَمْ لَا، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَعَلَى عَكْسِهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ (الْغَيْمِ) (فَظَنَّ) الْكُسُوفَ لَمْ (يُصَلِّ) حَتَّى يَسْتَيْقِنَ.

وَمِمَّا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَصْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ:
(1/333)

إذَا أَكَلْت الْهِرَّةُ فَأْرَةً، أَوْ نَجَاسَةً، ثُمَّ غَابَتْ، وَاحْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ جَارٍ، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ، لَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ فَمِهَا اسْتِصْحَابًا - لِلْأَصْلِ (فِيهَا) .

(وَمِنْهَا) : لَوْ وَجَدَ (شَعْرًا) (مُلْقًى) فِي خِرْقَةٍ، وَشَكَّ هَلْ هُوَ (مِنْ مُذَكَّاةٍ أَوْ مَيْتَةٍ) ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ، فَهُوَ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ، فَنَجِسٌ، وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ (الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ) ، (وَأَبْدَى) صَاحِبُ الْبَحْرِ احْتِمَالًا فِي نَجَاسَةِ الْمَأْكُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ فَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ لَا (قَالَ) ، النَّوَوِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا طَهَارَتَهُ فِي الْحَيَاةِ، وَلَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ وَلَا ظَاهِرٌ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةً، وَفِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ، فَنَجِسَةٌ، أَوْ مُسْلِمُونَ خَاصَّةً، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي خِرْقَةٍ أَوْ مِكْتَلٍ، فَطَاهِرَةٌ، أَوْ مُلْقَاةٍ عَلَى الْأَرْضِ، فَنَجِسَةٌ (انْتَهَى) ، وَيَنْبَغِي مَجِيءُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ مُذَكَّى الْمَجُوسِ كَانَ نَجِسًا، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ، لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الثَّالِثِ - فِيمَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ - مَسْأَلَةُ اللَّحْمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ: مُذَكًّى يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَاةِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنْجِيسُ فِي اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي (مِكْتَلٍ) ، أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ (لَا) تَتَحَقَّقُ، وَالْأَصْلُ الْحُرْمَةُ (وَالِاعْتِمَادُ) فِي الطَّهَارَةِ عَلَى رَبْطِهِ بِخِرْقَةٍ، أَوْ وَضْعِهِ
(1/334)

فِي مِكْتَلٍ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ الطَّهَارَةَ، هَذَا الْفَرْعُ لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ، فَإِنَّ الشَّعْرَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَاسْتُصْحِبَ لَهُ هَذَا الْأَصْلُ، كَمَا اُسْتُصْحِبَ لِلَّحْمِ أَصْلُ التَّحْرِيمِ

وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّا، لَوْ وَجَدْنَا جِلْدًا مَدْبُوغًا وَلَمْ نَدْرِ هَلْ هُوَ جِلْدُ كَلْبٍ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ دَرَيْنَاهُ وَشَكَكْنَا فِي أَنَّهُ دُبِغَ أَمْ لَا فَوَجْهَانِ انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ، وَشَكَكْنَا فِي (دَبْغِهِ) كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ تَحَقَّقْنَا الدَّبْغَ وَشَكَكْنَا فِي (آلَتِهِ) فَالظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّبْغَ يَقَعُ بِالْأَشْيَاءِ (الْحِرِّيفَةِ) الْقَالِعَةِ.

الثَّانِي: لَوْ كَانَ فِي جِهَةِ أَصْلٌ وَفِي جِهَةٍ أَصْلَانِ (فَمَالَ) ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى الْقَطْعِ (بِتَقْدِيمِ) ذِي الْأَصْلَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا لَوْ شَكَّ، هَلْ رَضَعَ (فِي حَوْلَيْنِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا تَحْرِيمَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ رَضَعَ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ، أَوْ أَقَلَّ، فَلَا تَحْرِيمَ قَطْعًا، وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ لِلْأُولَى (أَصْلًا) (وَهُوَ الْإِبَاحَةُ) فَلَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، فَلَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، فَلَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ (فِيهِ) ، لَكِنَّ فِي إجْرَاء هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي تَرْجِيحِ ذِي الْأَصْلَيْنِ، أَمَّا الْجَزْمُ فَلَا، أَلَا تَرَى (إلَى صُوَرٍ) تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ مَعَ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَجَرَى فِيهَا الْخِلَافُ
(1/335)

مِنْهَا) أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ (الْمَرْهُونِ) فَبَاعَهُ (الرَّاهِنُ) ، وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَيُعَارِضُهُ أَصْلَانِ: عَدَمُ الْبَيْعِ وَاسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ وَقَدْ سَبَقَتْ.

وَمِنْهَا: لَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ، لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، هَذَا إذَا لَمْ يَزِدْ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي، فَلَوْ زَادَ بِاضْطِرَابِهِ.
فَلَا غُرْمَ (وَلَوْ) قَالَ: تَوَلَّدَتْ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِك فَلَا غُرْمَ، فَأَنْكَرَ، فَفِي الْمُصَدَّقِ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الِاضْطِرَابِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِ الْمَشْجُوجِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهِ أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ارْتِعَاشِهِ أَيْضًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الشَّاجِّ، (إلَّا أَصْلٌ) وَاحِدٌ، وَالْأَصْلَانِ مُقَدَّمَانِ عَلَى أَصْلٍ (وَاحِدٍ) ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمَ ارْتِعَاشِ الْمَشْجُوجِ لَا يَسْتَلْزِمُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ (مُتَعَمِّدٌ) لِلْفِعْلِ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْأَصْلِ، فَلَا يُرَجَّحُ بِهَذَا الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الْأَرْشِ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي قَوْلِهِ: فِي الْمَشْجُوجِ أَصْلَانِ، بَلْ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَدَمُ اضْطِرَابِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ (مَسَّتْهُ) آلَةُ الْقِصَاصِ، (يَتَحَرَّكُ) بِالطَّبْعِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمُدْيَةِ يُحَرِّكُهَا، وَالْبَهِيمَةُ تُحَرِّكُ حَلْقَهَا، فَحَصَلَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِتَحَامُلِهَا وَتَحْرِيكِ يَدِهِ، فَالْوَجْهُ التَّحْرِيمُ؛ لِاشْتِرَاكِ الْبَهِيمَةِ وَالذَّابِحِ.

الثَّالِثُ: إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى
(1/336)

خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَصْلِ، لِعَارِضٍ (فَالْأَوَّلُ) أَوْلَى؛ لِمَا يَلْزَمُ (فِي الثَّانِي) مِنْ (مُخَالَفَتِهِ) مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ: إذَا حَكَمَ الشَّارِعُ، بِأَنَّ أَثَرَ الدَّمِ (بَعْدَ الْغُسْلِ) ، لَا يَضُرُّ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ (طَهُرَ) ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْعَفْوِ عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَيُقَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ مَعَ الْعَفْوِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَإِنْ لَزِمَ مُخَالَفَةُ (أَصْلٍ) آخَرَ مِنْ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ فَحِينَئِذٍ، يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ (وَالتَّرْجِيحِ) .

[تَعَارُضُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ]
ِ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ وَمِنْ ثَمَّ، لَوْ تَوَلَّدَ (الْحَيَوَانُ) مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ حُرِّمَ أَكْلُهُ، وَإِذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَجَبَ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا، لِلتَّحْرِيمِ، وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كَلْبٍ وَغَيْرِهِ، وَجَبَ التَّعْفِيرُ، وَهِيَ مِنْ قَاعِدَةِ (اجْتِمَاعِ) الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ.

[تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ]
ِ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ كَمَا، إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ وَجَبَ غُسْلُ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ، (وَكَذَلِكَ) اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غُسْلُ (الشَّهِيدِ
(1/337)

حَرَامًا) وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا، (وَيُعْذَرُ) الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ، إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ.

وَقَدْ يَتَعَارَضُ حَرَامَانِ يَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاجِبٍ، كَإِحْرَامِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُ وَجْهِهَا، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِكَشْفِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا إذَا أَرَادَتْ الصَّلَاةَ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِ الْوَجْهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا مُرَاعَاةُ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي السَّتْرِ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ عَارِضٌ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا، إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِهِ مِنْ الْوَجْهِ، فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ عَلَيْهَا كَشْفُ جَمِيعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، فَيُكْشَفُ ذَلِكَ (الْقَدْرُ) أَيْضًا، فَلِمَ قَدَّمْتُمْ السَّتْرَ (عَلَى) الْكَشْفِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الرَّأْسَ يَجِبُ سَتْرُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي (جَمِيعِهِ) (وَفِي) الْوَجْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ النِّقَابِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ السَّتْرِ، لَا يَكُونُ نِقَابًا، وَلَا فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ فَغَلَبَ حُكْمُهُ.
(1/338)

[تَعَارُضُ الْوَاجِبَيْنِ]
ِ يُقَدَّمُ آكَدُهُمَا فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّوَافِ: قَطْعُ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ، لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ، إذْ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ (لِفَرْضِ) الْكِفَايَةِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْكُسُوفِ: لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ (لِلْجُمُعَةِ) بَدَلًا، وَقَالَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ الْجِهَادِ، إلَّا (بِإِذْنِ) الْمُدَايِنِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْفَرْضَ الْمُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَيَشْتَغِلَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ. قُلْت: وَكُلُّ هَذَا يَرُدُّ إطْلَاقَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ (إسْقَاطِهِ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ) ، وَالْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ، وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْجِهَادِ، (فَإِنَّهُ) لَا يَجُوزُ، إلَّا بِرِضَاهُمَا؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفَرْضُ (الْعَيْنِ) مُقَدَّمٌ.
نَعَمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ، (وَكَذَا، إنْ) كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ (عَلَى) الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيَّنِ.
(1/339)

وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّ الْجِهَادَ مَا دَامَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَإِنْ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ. قُلْت: وَعَلَى الْأَوَّلِ (يَنْزِلُ) نَصُّ الشَّافِعِيِّ، الَّذِي حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ: لَيْسَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ (لَهُ) : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

(وَإِنْ) اجْتَمَعَ فَرْضَا عَيْنٍ، فَإِمَّا أَنْ (يَكُونَا) لِلَّهِ، أَوْ لَهُ وَلِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَا لِلَّهِ (تَعَالَى) ، قُدِّمَ آكَدُهُمَا؛ وَلِهَذَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ (فَرِيضَةٍ) ، وَقَضَاءِ (الْفَائِتَةِ) كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ (وَكُسُوفٌ) وَضَاقَ الْوَقْتُ يُصَلَّى الْعِيدُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَلَمْ يَقْدِرْ، إلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا اشْتَرَى الثَّوْبَ وَيُقَدَّمُ مَا لَا يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ أَلْبَتَّةَ، كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ طَرَفَ خَيْطٍ بِاللَّيْلِ وَطَرَفُهُ الْآخَرِ خَارِجٌ، وَأَصْبَحَ كَذَلِكَ، فَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَزَعَهُ أَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ فَقِيهٌ إلَى نَزْعِهِ وَهُوَ غَافِلٌ، (وَإِنْ) لَمْ يَتَّفِقْ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ بِنَزْعِهِ أَوْ ابْتِلَاعِهِ أَوْلَى، وَيَقْضِي الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مَرَّةٌ فِي السَّنَةِ، وَيُصَلِّي لِلضَّرُورَةِ وَيَقْضِي الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا،
(1/340)

وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي الْمَرْأَةِ، فَإِذَا قُلْنَا: يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ فَرْجِهَا، إذَا انْتَشَرَ بَوْلُهَا إلَيْهِ وَتَجْفِيفُهُ.
هَكَذَا (رَجَّحُوا) هُنَا تَقْرِيمَ الصَّلَاةِ وَقَدَّمُوا الصَّوْمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَشْوُ الْفَرْجِ بِقُطْنٍ، إلَّا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ الْمُقَدَّمُ مِنْهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْأَصَحُّ فِيهِ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ، يَعْنِي وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ، ثُمَّ فَرَّقَ بِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ (دَوَامُهَا) فَلَوْ رَاعَيْنَا الصَّلَاةَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي (الثَّلَاثَ) صَلَوَاتٍ النَّهَارِيَّةِ وَتَحْشُو لِكُلٍّ دَائِمًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ (مِنْهَا) الصَّوْمُ وَالْقَضَاءُ مُتَيَسِّرٌ كُلَّ وَقْتٍ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا (مَعَ الْحَشْوِ) (يَخِفُّ) ، وَلَا يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ الْحَشْوَ (يَتَنَجَّسُ) (وَهِيَ حَامِلَتُهُ) ، وَهُنَاكَ يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ. قُلْت: إنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْخِلَافَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ (يُوجَدْ مِنْهَا) تَقْصِيرٌ (فَخُفِّفَ) عَنْهَا أَمْرُهَا (فَصَحَّتْ)
(1/341)

الْعِبَادَتَانِ مِنْهَا) قَطْعًا، كَمَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا مَعَ النَّجَاسَةِ، وَالْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ، (وَيَشُقُّ) بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ، إلَّا نَادِرًا.

وَقَالُوا فِي الْمُحْرِمِ: إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ، امْتَنَعَ، عَلَيْهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فَعَلَى (الْأَصَحِّ) قِيلَ: يُصَلِّي بِالْأَرْضِ مُطَمْئِنًا، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا عَلِمَ فَوْتَ الْكُلِّ، فَلَوْ عَلِمَ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ، فَعَلَيْهِ الصَّبْرُ إلَى الْمَوْقِفِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً فِي الْمَوْقِفِ، وَلَوْ كَانَ إذَا صَلَّى قَائِمًا لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلُهُ، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا اسْتَمْسَكَ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي التَّحْقِيقِ يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ الطَّهَارَةِ أَوْلَى.

وَلَوْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، إنْ بَسَطَهُ صَلَّى عُرْيَانًا قَالُوا: يَبْسُطهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَوَجَدَ (مَاءً يَكْفِي) أَحَدَهُمَا قَدَّمَ (النَّجَاسَةَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ، وَلَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا فِي (رَمَضَانَ) وَأَصْبَحَ صَائِمًا تَعَارَضَ وَاجِبَانِ، إنْ قُلْنَا: يَجِبُ الِاسْتِقَاءَةُ.
(1/342)

وَلَوْ كَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ وَمَعَهُ (مَا يَكْفِيه) لِوُضُوئِهِ، وَجَبَ إزَالَةُ الطِّيبِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ كَالنَّجَاسَةِ، قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ (بِهِ) لَمْ يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ (وَيَتَيَمَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً انْتَهَى.

(وَإِنْ) كَانَ الْحَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِآدَمِيٍّ، قُدِّمَ الْمُضَيَّقُ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ أَدَاءِ صَوْمِ (رَمَضَانَ) .
وَكَذَا مِنْ قَضَائِهِ، إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَمِنْهُ حَجُّ الْفَرْضِ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ: نَعَمْ إنْ لَمْ يَمْتَدَّ زَمَنُ الْمُوَسَّعِ كَالصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ.

وَحَكَى الْجِيلِيُّ: إنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ لَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ أَنَّهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ.

وَلَوْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ لَهُ أَبَوَانِ سَقَطَ إذْنُهُمَا.

وَلَوْ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ، قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اجْتَمَعَ الْحَجُّ وَالدَّيْنُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اجْتَمَعَ جِزْيَةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ حَيْثُ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا أُجْرَةُ الدَّارِ؛ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ
(1/343)

السَّنَةِ، وَجَبَ الْقِسْطُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَالزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.

[تَعَارُضُ السُّنَّتَيْنِ]
ِ (إنْ) كَانَا نَفْسَ الْعِبَادَةِ لَمْ يَكُنْ، (لِإِحْدَاهُمَا) مِزْيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَتْ (إحْدَاهُمَا) فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْأُخْرَى مَحَلَّهَا قُدِّمَتْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ (لِلطَّائِفِ فَضِيلَةٌ) فِي مَحَلِّ الْعِبَادَةِ، وَالرَّمَلُ فِي نَفْسِهَا، فَإِذَا حَصَلَ زِحَامٌ تَبَاعَدَ مِنْ الْبَيْتِ وَرَمَلَ، وَلَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي (الثَّلَاثَةِ) الْأُوَلِ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهَا سُنَّةٌ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِهَا، وَلَا يُشْرَعُ تَرْكُ سُنَّةٍ فِي عِبَادَةٍ؛ لِأَجْلِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّنَّتَيْنِ هُنَا فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَكُنْ، (لِإِحْدَاهُمَا) مَزِيَّةٌ عَلَى الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَصَدَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) : الَّذِي أَرَاهُ تَحْصِيلُ الصَّفِّ (الْأَوَّلِ) ، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ.
(1/344)

[تَعَارُضُ فَضِيلَتَيْنِ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا]
لَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إلَى الْجُمُعَةِ، بِلَا غُسْلٍ (وَتَأْخِيرُهُ) مَعَ الْغُسْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْغُسْلِ أَوْلَى لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.

وَلَوْ تَعَارَضَ فَضِيلَةُ سَمَاعِ (الْقُرْآنِ مِنْ الْإِمَامِ) مَعَ قِلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ كَثْرَتِهَا، فَالظَّاهِرُ تَفْضِيلُ الْأَوَّلِ

، وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، لَوْ أَتَى بِسُنَنِ الْوُضُوءِ، فَفِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْلَى، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا هَذَا فِي الْجَمَاعَةِ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَيَجِبُ) عَلَيْهِ لِيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ.

وَلَوْ مَلَكَ عَقَارًا وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، فَهَلْ الْأَوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالًا أَمْ (وَقْفُهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيلُ) الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفُهُ، وَلَعَلَّ الْوَقْفَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ (جَدْوَاهُ) ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْمَطْلَبِ تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.

وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَرَأَى جَمَاعَةً يُصَلُّونَ إتْمَامًا فَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَصْرًا مُنْفَرِدًا أَوْ يُصَلِّي جَمَاعَةً إتْمَامًا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً إتْمَامًا فَإِنَّ النَّوَوِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) إنَّمَا يُوجِبُ الْقَصْرَ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُتِمٍّ (فَإِنْ) اقْتَدَى بِهِ جَازَ لَهُ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ.
(1/345)

وَلَوْ تَيَقَّنَ فَاقِدُ الْمَاءِ وُجُودَهُ آخِرِ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي، لَا، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا قَالُوا: الصَّلَاةُ بِالْوُضُوءِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ. كَانَ إذَا قَدَّمَهَا بِالتَّيَمُّمِ صَلَّاهَا جَمَاعَةً، وَإِذَا أَخَّرَهَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ مُنْفَرِدًا، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.

وَلَوْ تَعَارَضَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا وَالْإِتْيَانُ بِهَا آخِرَهُ جَمَاعَةً (فَقَالَ) أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ وَأَكْثَرُ الْمَرَاوِزَةِ (بِأَفْضَلِيَّةِ) التَّقْدِيمِ، وَتَوَسَّطَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: يَنْبَغِي إنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، وَإِنْ (خَفَّ) فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَهَا آخِرَ الْوَقْتِ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا رَجَا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ وَالْعَارِي إذَا (رَجَا السُّتْرَةَ) آخِرَ الْوَقْتِ.

[تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ]
ِ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْمَسْنُونِ يُتْرَكُ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ (عَنْ) تَكْرَارِ الْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ وَلَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ لَمْ يَفْضُلْ لِلْعَطَشِ شَيْءٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَفَضَلَ لِلْعَطَشِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ (ثَلَاثًا) لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً فَلَوْ غَسَلَ (ثَلَاثًا) فَلَمْ يَكْفِ يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ
(1/346)

التَّثْلِيثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الصَّلَاةَ قَائِمًا بِالْفَاتِحَةِ، فَصَلَّى قَاعِدًا بِالسُّورَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه وَقُلْنَا: يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ كَالتَّثْلِيثِ.

وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهَا لَأَدْرَكَ (الرَّكْعَةَ) ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى (الْوَاجِبِ) لَأَوْقَعَ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ (قَالَ) : فَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ فَلَا شَكَّ (فِي الْإِتْيَانِ) بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا، فَالظَّاهِرُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ (الصِّدِّيقَ) (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) كَانَ يُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إلَّا إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (259) فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُلَبِّيَ يَرُدُّ السَّلَامَ فِي تَلْبِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ حَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ.
تَنْبِيهٌ الْخِلَافُ فِي (التَّفْضِيلِ) بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّ التَّفْضِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ مُتَجَانِسَيْنِ كَمَنْدُوبَيْنِ وَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ
(1/347)

الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَنْ اعْتَمَرُوا، فَرْضَ عَيْنٍ لِمَنْ لَمْ يَعْتَمِرْ وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فَكَيْفَ جَاءَ الْخِلَافُ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ (بِالْعُمْرَةِ) لَيْسَ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ.

[تَعَارُضُ الْمَسْنُونِ وَالْمَمْنُوعِ]
كَالْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ هَلْ يَأْتِي بِسُنَّةِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الْحَجِّ: لَا يُخَلِّلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَسَاقُطِ الشَّعْرِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ.

[تَعَارُضُ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضِي]
يُقَدَّمُ الْمَانِعُ؛ (وَلِهَذَا) لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ سَقَطَ الشَّطْرُ وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا يَشْطُرُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمُتْعَةِ

(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَشْهَدَ الْجُنُبُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ.

(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَاكَ الصَّائِمُ لِتَغَيُّرِ فَمِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الصَّوْمِ (قَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَا يُكْرَهُ وَالْقِيَاسُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكَرَاهَةُ.

[تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ]
(قَاعِدَةٌ) تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْعُظْمَى فِي ارْتِكَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ تُدْرَأَ أَعْظَمُ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ
(1/348)

وُقُوعُ (إحْدَاهُمَا) بِدَلِيلِ (حَدِيثِ «بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ زَجْرِهِ» ) وَأَنْ يَحْصُلَ أَعْظَمُ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَخَفِّهِمَا إذَا تَعَيَّنَ عَدَمُ (إحْدَاهُمَا) قَالَ وَأَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ (إذَا) تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ حَصَلَتْ الْعُلْيَا مِنْهُمَا بِتَفْوِيتِ الدُّنْيَا قَالَ: وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ عَلَى بَلَدٍ (وَخَافَ) أَهْلُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مَالَ فُلَانٍ أَوْ امْرَأَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ مُفْسِدَةَ الْوَاحِدِ (أَخَفُّ مِنْ مُفْسِدَةِ الْجَمِيعِ) .
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَصَالِحَ الشَّرْعِ وَمَفَاسِدَهُ مِنْهَا مَا عُلِمَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ، كَالتَّعَبُّدَاتِ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ مَفْسَدَتُهُ وَيَجِبُ أَنْ (نَعْتَقِدَ) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي قُدِّمَتْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ غَيْرُ مَفْسَدَةِ مَالِ فُلَانٍ وَزَوْجَتِهِ عَمَلًا (بِعَادَةِ)
(1/349)

اللَّهِ (تَعَالَى) مَعَ عِبَادِهِ فِي شَرَائِعِهِ نَعَمْ لَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ كَانَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ الْمَعْلُومَةَ دُونَ الْمَجْهُولَةِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ: مَا لَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَائِبٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ بِالنَّصِّ وَطَعَامِ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ.

وَلَوْ اضْطَرَّ الْمُحْرِمُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَيْدًا فَقِيلَ: يَأْكُلُ الصَّيْدَ لِغِلَظِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصَحُّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّيْدِ (يَرْتَكِبُ) مَحْظُورَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ وَالْأَكْلُ.

(وَمِنْهَا) : الْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ إنْقَاذَهَا مِنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْسَدَةِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.

(وَمِنْهَا) : إذَا أُلْقِيَ فِي السَّفِينَةِ نَارٌ وَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْهَلَاكِ أَيْ الْمَقَامُ فِي النَّارِ وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الْمَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ إلْقَاءُ النَّفْسِ أَوْ يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.

[تَعَارُضُ الْمُوجِبِ وَالْمُسْقِطِ]
ِ يُغَلَّبُ الْمُسْقِطُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ لَا قِصَاصَ.

وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ لَا قِصَاصَ؛ لِتَخَلُّلِ حَالَةٍ تَمْنَعُ مِنْ الْقِصَاصِ فَكَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهِ.

وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَا فِيهِ زَكَاةٌ (كَالْغَنَمِ) وَمَا لَا (زَكَاةَ فِيهِ) (كَالظِّبَاءِ) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ
(1/350)

وَلَوْ قَذَفَ الْمُبْعِضُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ إذَا زَنَى يُحَدُّ حَدَّ الرَّقِيقِ، نَعَمْ الصَّيْدُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَمَا لَا يَأْكُلُ حَرَامٌ، (وَإِذَا) قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى (التَّغْلِيظِ وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ يُوجِبُ التَّعْفِيرَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى) الِاحْتِيَاطِ أَمَّا تَوَلُّدُ الْفِعْلِ بَيْنَ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ كَمَا إذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ بِالْخِتَانِ فِي الْحَرِّ (وَالْبَرْدِ) فَالْوَاجِبُ جَمِيعُ الضَّمَانِ لِلتَّعَدِّي أَمْ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ وَالْهَلَاكُ (حَصَلَ) بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.

(وَمِنْهَا) إذَا ضَرَبَهُ فِي الْحَدِّ (فَأَنْهَرَ) دَمَهُ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ (مِنْ) رِقَّةِ جِلْدِهِ فَإِنْ عَادَ (وَضَرَبَهُ) فِي مَوْضِعِ إنْهَارِ الدَّمِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ: فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ وَالثَّانِي نِصْفُهَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ.

وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ (فَمَاتَ) وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ (إحْدَى) وَثَمَانِينَ.

وَلَوْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي (جَرْحِ) صَيْدٍ، وَمَاتَ بِهِمَا (لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ) .
(1/351)

[تَعَارُضِ الْخِصَالِ]
إذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّلَاةِ حُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ وَعَبْدٌ فَقِيهٌ، فَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ وَقِيلَ: الرَّقِيقُ وَمَالَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى التَّسْوِيَةِ وَقَالُوا فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ: إنَّ النَّقِيصَةَ لَا تَجْبُرُهَا الْفَضِيلَةُ وَلَا يُقَابَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَلَا تُزَوَّجُ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ دَنِيَّةٌ بِمَعِيبٍ نَسِيبٍ.

وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا ذِمِّيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْأَصَحُّ الْقِصَاصُ.

[تَعَاطِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ]
وَفِيهِ نَظَرَانِ: (أَحَدُهُمَا) : إنْ (تَعَاطَاهَا) مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّحْرِيمِ كَانَ لَهُ حُرْمَةٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ (بِالتَّحْرِيمِ) فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَلَوْ رَهَنَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْهُ، فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ فَاسِدَانِ، فَلَوْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ بَنَى قَبْلَ (حُلُولِ) وَقْتِ الْبَيْعِ قَلَعَ مَجَّانًا، وَكَذَلِكَ لَوْ غَرَسَ بَعْدَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا، بِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ النَّصِّ، وَأَشَارَ إلَى احْتِمَالٍ بِخِلَافِهِ؛ (لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا) ، ثُمَّ غَرَسَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ عِلْمِهِمَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهَلْ يَقْلَعُ مَجَّانًا أَوْ لَا لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَى الِانْتِفَاعِ؟ قَالَ
(1/352)

ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَا نَقْلَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قُلْت: تُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهَا وَفِي الْحِلْيَةِ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ بَنَى لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، إلَّا (بِشَرْطِ) ضَمَانِ النَّقْصِ، وَلَهُ أَنْ يَبْذُلَ الْقِيمَةَ وَيَتَمَلَّكَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْأَرْضِ وَلَا أَخْذُ قِيمَتِهَا، (وَكَانَ) (أَبُو يُوسُفَ) ، (وَمُحَمَّدٌ) (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) يَنْقُضُ الْبِنَاءَ وَيَقْلَعَ الْغِرَاسَ وَيَرُدُّ الْأَرْضَ عَلَى الْبَائِعِ، (قَالَ) الشَّاشِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا وَالْأَوَّلُ حَكَاهُ فِي الْحَاوِي.

وَمِثْلُهُ: لَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، لَا يَجِبُ الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَتْلَفَهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ وَلَا شُعُورَ لَهَا بِحَالِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ يَبْطُلُ حَقُّهَا؟ وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَعَمِّ مِنْ عِلْمِهَا بِحَالِهِ (أَمْ) لَا، وَفِيهِ خِلَافٌ تَعَرَّضَ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(1/353)

النَّظَرُ الثَّانِي: فِي كَوْنِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ (حَرَامًا) أَمْ لَا؟ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي النَّقْلِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَبْحَثُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، (وَذَكَرَ) ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطْلَبِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الْفَقِيهِ (جَمَالِ الدِّينِ الْوَجِيزِيِّ) حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ فِيهِ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَفِي التَّنْبِيهِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُزَوِّجَ (غَيْرَهُ) ، فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَا كَانَ مِنْ الْعُقُودِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَمَا كَانَ فَسَادُهُ بِالِاجْتِهَادِ فَقَدْ (يُقَالُ) : لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ يَرَى فَسَادَهُ وَالْأَغْرَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ (إنْ) قَصَدَ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَصَدَ (إجْرَاءَ) اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ فَهَذَا لَغْوٌ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ (مَحْمَلٌ) مِنْ (مُلَاعَنَةِ) الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: بِعْتُك نَفْسَك فَلَا (يُحَرَّمُ) ، وَإِلَّا حُرِّمَ إذْ لَا (مَحْمَلَ) لَهُ غَيْرُ الْمَعْنَى (الشَّرْعِيِّ) أَوْ (الْمُلَاعَنَةِ) وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ، وَقَدْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِلضَّرُورَةِ
(1/354)

كَالْمُضْطَرِّ يَشْتَرِي الطَّعَامَ بِزِيَادَةٍ (عَلَى) ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَالْأَقْيَسُ فِي الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَنْبَغِي لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَحْتَالَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ الْقِيمَةَ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ رُشْدُ الصَّبِيِّ فَقَدْ قِيلَ: يَشْتَرِي الْوَلِيُّ شَيْئًا ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَى آخَرَ ثُمَّ يَأْمُرُ الطِّفْلَ بِشِرَائِهِ مِنْهُ.

[تَعَدِّي مَحَلِّ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ هَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ أَوْ يَبْقَى]
(مِنْ) فُرُوعِهِ: لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ الثَّيِّبُ (وَأَرَادَتْ) أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَيَقْضِيَ لِبَقِيَّةِ ضَرَائِرِهَا فَهَلْ يَقْضِي لَهُنَّ السَّبْعَ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى (الثَّلَاثِ) الَّتِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَمْ يَقْضِ لَهُنَّ شَيْئًا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، لِأَنَّهَا لَمَّا تَعَدَّتْ مَحَلَّ حَقِّهَا سَقَطَ أَصْلُ حَقِّهَا.
وَمِنْهَا، لَوْ كَسَرَ (عَضُدًا) قَطَعَهُ مِنْ الْمِرْفَقِ وَأَخَذَ حُكُومَةَ الْعَضُدِ، لِأَنَّ كَسْرَ الْعِظَامِ لَا قِصَاصَ فِيهِ، فَلَوْ أَرَادَ الْقَطْعَ مِنْ الْكَفِّ فَهَلْ (لَهُ) طَلَبُ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ مُشَبِّهًا لَهُمَا بِالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، قَالَ الْإِمَامُ وَمَسْأَلَةُ الزِّفَافِ شَاذَّةٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وَالْمُعَوَّلُ فِيهَا عَلَى الْخَبَرِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ حُكُومَةُ السَّاعِدِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، (إذَا) فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
(1/355)

وَمِنْهَا الظَّافِرُ بِمَالِهِ، إذَا لَمْ (يُمْكِنْهُ) أَخْذُ حَقِّهِ، إلَّا بِزِيَادَةٍ كَسَبِيكَةٍ تَزِيدُ عَلَى حَقِّهِ لَا يَضْمَنُ الزَّائِدَ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَا يَضْمَنُ كَسْرَ الْبَابِ (وَثَقْبَ) الْجِدَارِ، إذَا لَمْ يَصِلْ إلَّا بِهِمَا.
وَمِنْهَا؛ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ إلَيْهَا وَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ (الْمَارِّ) فِي الْأَصَحِّ لِتَقْصِيرِهِ، (وَلَكِنْ) لَا يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي (هَذِهِ) الْحَالَةِ فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي وَهُوَ قَدْرُ مَكَانِ السُّجُودِ، قَالَهُ (صَاحِبُ الْكَافِي) قِيَاسُهُ جَوَازُ الدَّفْعِ.
وَمِنْهَا أَيَّامُ مِنًى، إذَا قُلْنَا كُلُّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَمَا تَرَكَهُ فِي يَوْمٍ يُقْضَى مِنْ الْغَدِ، وَإِنْ قُلْنَا كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ كَانَ لِي (أَنْ أَتْرُكَ مِنْ يَوْمِ) (النَّفْرِ) الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا دَمَانِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا (يَكُونُ) (لَهُ) إذَا أَتَى بِهِ فِي يَوْمَيْنِ. كَمَا لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِيهَا قَصْرًا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا، لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ
(1/356)

وَهَلْ يَضْمَنُ الزَّائِدَ (عَلَى مَا لَا يُتَغَابَنُ أَوْ الْجَمِيعَ) وَجْهَانِ: أَيْ هَلْ يَجْعَلُ الْعُدْوَانَ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ أَوْ عَامًّا فِي كُلِّ جُزْءٍ (وَالْأَصَحُّ) الثَّانِي، ثُمَّ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بَعْدَمَا غَرِمَ دَفَعَهُ (إلَى) الْمُوَكِّلِ وَاسْتَرَدَّ الْمَغْرُومَ.
وَمِثْلُهُ إذَا أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ الْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَوْ الْجَمِيعُ أَوْ مَا يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ؟ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ.

وَمِنْهَا، لَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثِنْتَيْنِ أَوْ (ثَلَاثًا) وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي (آخِرِ) بَابِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلَاقِ، وَحَكَى فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لِأَنَّهُ (مُتَصَرِّفٌ) بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِي هَذَا.
وَمِنْهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا سَبَقَ أَنَّ السَّاعِيَ، إذَا طَلَبَ فَوْقَ الْوَاجِبِ، فَقِيلَ: لَا يُعْطَى شَيْئًا، لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُعْطَى الزِّيَادَةَ (خَاصَّةً) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ بِطَلَبِ الزَّائِدِ، وَالْوَالِي لَا يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ.

وَمِنْهَا يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، فَلَوْ (كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ) قَبْلَ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ جَازَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ، فَلَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْعَادَةِ، امْتَنَعَ الزَّائِدُ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَمَيَّزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَمَيَّزُ وَجَبَ رَدُّ الزِّيَادَةِ، لِأَنَّهَا حَدَثَتْ بِالْوِلَايَةِ، وَلَا يَجِبُ رَدُّ الْمُعْتَادِ، قَالَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ حَسَنٌ
(1/357)

وَكَانَ) يَنْبَغِي جَرَيَانُ وَجْهٍ بِامْتِنَاعِ الْجَمِيعِ (تَخْرِيجًا مِنْ) نَظَائِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.

وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْخَارِصِ غَلَطًا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ (الْمَكِيلَيْنِ) هَلْ يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْكَيْلِ الَّذِي يُقْبَلُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ (وَرَدَدْنَاهَا) وَأَصَرَّتْ عَلَى الدَّعْوَى حَتَّى جَاءَ زَمَنُ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِانْقِضَائِهَا (لِأَوَّلِهِ) .

وَمِنْهَا، لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ (فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجِبُ لِعِصْيَانِهِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَقْضِي صَلَاةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ كَمَنْ صَبَّ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ) مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ (مِمَّا) يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إمْكَانُ (أَدَائِهِ) بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَوْجُهٌ.

وَمِنْهَا، (لَوْ أَرَادَ) (النَّظَرَ) لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَحْصُلُ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَظْرَتَيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَفْسُقُ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا يَقَعُ بِهَا، فَصَارَتْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ أَوْ لَا، لِأَنَّ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ تَأْثِيرًا فِي شَهَادَتِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ.
(1/358)

وَمِنْهَا، لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلسَّفِيهِ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَهْرًا جَازَ لَهُ نِكَاحُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ، وَسَقَطَتْ الزِّيَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنَّ الْقِيَاسَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.

وَمِنْهَا، لَوْ احْتَاجَ إلَى الضَّبَّةِ فَضَبَّبَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَةِ، فَهَلْ يَأْثَمُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الزَّائِدِ يَتَّجِهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ.
وَمِنْهَا، إذَا رَفَعَ الذِّمِّيُّ بِنَاءَهُ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِ، فَهَلْ يُهْدَمُ مَا حَصَلَتْ بِهِ التَّعْلِيَةٌ أَوْ الْجَمِيعُ.
وَمِنْهَا، لَوْ تَعَدَّى الْخَارِجُ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ (أَوْ الْحَشَفَةَ) تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا، لِنُدُورِهِ سَوَاءٌ الْمُجَاوِزُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الْمُجَاوِزِ، (وَأَمَّا) غَيْرُ فَفِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى يُجْزِئَ فِيهِ الْحَجَرُ عَلَى وَجْهٍ.

[قَصْدُ النُّقْصَانِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ]
وَعَكْسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: قَصْدُ النُّقْصَانِ (عَمَّا) يَسْتَحِقُّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ (مِنْ) فُرُوعِهِ مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ، لَوْ نَوَى أَيْ غَيْرُ دَائِمٍ الْحَدَثِ بِوُضُوئِهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً بِعَيْنِهَا، وَلَا يُصَلِّي غَيْرَهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ، قَالَ أَمَّا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِي حَقِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَرْفَعُ فِي حَقِّ غَيْرِهَا، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَإِذَا نَفَى بَعْضَهُ نَفِي كُلَّهُ.
(1/359)

[التَّعْدِيلُ فِي الْبَيِّنَةِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ]
ِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ هَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا مَا ذَكَرْنَا.
وَلِهَذَا الْفَرْعِ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْدِيلِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِالْعَدَالَةِ، فَإِنْ كَانَ تَعْدِيلًا لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يُقْبَلُ قَطْعًا.

[التَّعْرِيضُ]
" التَّعْرِيضُ قَالَ (السَّكَّاكِيُّ) فِي الْمِفْتَاحِ نَوْعٌ مِنْ الْكِنَايَةِ يَكُونُ (مَسُوقًا لِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ) (كَمَا) (يُقَالُ) فِي عَرْضِ مَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، الْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَيُزَكِّي، وَلَا يُؤْذِي أَخَاهُ (الْمُسْلِمَ) وَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى (نَفْيِ) الْإِيمَانِ عَنْ الْمُؤْذِي. وَقَالَ فِي (الْكَشَّافِ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ، (أَنَّ) الْكِنَايَةَ أَنْ
(1/360)

يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالتَّعْرِيضَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلِأَنْظُرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ فَكَأَنَّهُ إمَالَةُ الْكَلَامِ إلَى غَرَضٍ يَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ وَيُسَمَّى التَّلْوِيحَ، لِأَنَّهُ يَلُوحُ مِنْهُ مَا يُرِيدُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، إلَّا فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ (كَقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْحَلَالِ وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ، فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَنَا، وَإِنْ نَفَاهُ) خِلَافًا لِمَالِكٍ.
قَالَ (ابْنُ الْعَرَبِيِّ) خَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَلَا عُذْرَ لَهُ، لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا فِي الْكِنَايَةِ مِنْ الْإِبْهَامِ.
قُلْت إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَا يُوجِبُهُ، وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَالَةِ التَّخَاصُمِ مَعَ الْغَيْرِ نِسْبَةُ صَاحِبِهِ إلَى شَيْءٍ وَتَزْكِيَةُ نَفْسِهِ لَا قَذْفُهُ، وَهُوَ وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِأَنَّهُ لَا إشْعَارَ لِلَّفْظِ بِهِ وَإِنَّمَا يُظَنُّ مِنْ خَارِجٍ وَالْحُدُودُ يُحْتَاطُ فِيهَا، فَلَا يَثْبُتُ مُوجِبُهَا إلَّا بِاللَّفْظِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْهَجْوِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ، لَا يَكُونُ هَجْوًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَجْوًا، كَالصَّرِيحِ، وَقَدْ يَزِيدُ بَعْضُ التَّعْرِيضِ عَلَى التَّصْرِيحِ.
(1/361)

وَمِنْهَا تَعْرِيضُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِسَبِّ الْإِمَامِ لَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ: كُلُّ مَا حَرُمَ التَّصْرِيحُ بِهِ لِعَيْنِهِ (فَالتَّعْرِيضُ بِهِ حَرَامٌ أَيْضًا كَالْقَذْفِ وَالْكُفْرِ وَمَا حَلَّ التَّصْرِيحُ بِهِ أَوْ حَرُمَ لَا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِعَارِضٍ) فَالتَّعْرِيضُ بِهِ جَائِزٌ كَخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ.
وَمِنْهَا التَّعْرِيضُ بِالْقَتْلِ لِمَنْ رَدَدْنَاهُ إلَى الْكُفَّارِ، إذَا شُرِطَ فِي الْهُدْنَةِ، كَقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِينَ رُدَّ لِأَبِيهِ: إنَّ دَمَ أَحَدِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ.
وَلَيْسَ لَنَا التَّصْرِيحُ بِهِ بِعَيْنِهِ وَمِنْهَا تَعْرِيضُ الْقَاضِي لِمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِالرُّجُوعِ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَاعِزٍ لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت» وَلَا يَقُولُ لَهُ ارْجِعْ
(1/362)

بِالتَّصْرِيحِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ.

وَلِلتَّعْرِيضِ قُيُودٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِالْحَدِّ مِثْلَ قُرْبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا تَعْرِيضَ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَتَابِعُوهُ وَعَجِبَ مِنْ إسْقَاطِهِ مِنْ الرَّوْضَةِ مَعَ تَعَرُّضِ الرَّافِعِيِّ لَهُ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُقِرَّ صَرِيحًا، فَإِنْ صَرَّحَ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ بِإِقْرَارِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ أَيْضًا.
وَمِنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَوْ شَهِدَ
(1/363)

الشَّاهِدُ بِمَجْهُولٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِمِثْلِهِ، فَالْقَاضِي لَا يُرْشِدُهُ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَسْأَلَةِ وَالْبَحْثِ، فَإِنَّ هَذَا تَلْقِينُ الْحُجَّةِ، وَلَوْ نَسَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا، لَمْ يُنَبِّهْهُ الْقَاضِي، بَلْ يَتْرُكُهُ يَسْتَرْسِلُ، ثُمَّ يَقْضِي بِمُوجَبِ قَوْلِهِ.
وَالْمُدَّعِي إذَا ذَكَرَ دَعْوَى مَجْهُولَةً لَا تَصِحُّ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مَعْلُومَةً وَجْهَانِ: وَظَاهِرُ النَّصِّ: نَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ أَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَلَا يَضُرُّ الْإِرْشَادُ فِيهَا.

تَعَلُّقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَهُ مَرَاتِبُ تَعَرَّضَ لَهَا الْإِمَامُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأُولَى: وَهِيَ أَعْلَاهَا تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ فَإِنَّ الْوَثَائِقَ تَتَأَكَّدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدُّيُونِ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَصْدُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي تَحْقِيقِ التَّوَثُّقِ مِنْ حَيْثُ إنْشَاءُ الرَّهْنِ فَلَمَّا تَأَكَّدَتْ الْوَثِيقَةُ امْتَنَعَ تَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ.
الثَّانِيَةُ: تَلِي مَا قَبْلَهَا تَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي قَبْلَ فِدَائِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ.
(1/364)

وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي حَقُّ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْجِنَايَةِ قُدِّمَ حَقُّ الرَّهْنِ. قُلْت كَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى يُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، وَقَالُوا إذَا أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ الْمُرْتَهَنِ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَعْضَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ انْفَكَّ مِنْ الْعَبْدِ بِقِسْطِهَا فِي الْأَصَحِّ فَلْيُنْظَرْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
الثَّالِثَةُ: تَعَلُّقُ مُؤَنِ النِّكَاحِ بِكَسْبِ الْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ. وَسَبَبُ تَأْخِيرِهَا عَمَّا قَبْلَهَا أَنَّ الْأَكْسَابَ مُتَوَقَّعَةٌ وَلَيْسَتْ بِنَاجِزَةٍ حَاصِلَةٍ وَالْوَثَائِقُ يَكْتَفِي بِشَيْءٍ كَائِنٍ حَاصِلٍ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
وَيَلْتَحِقُ بِهِ أُخَرُ: (أَحَدُهَا) : الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ الْمَرْهُونِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَمُرَاعَاةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَفِي قَوْلٍ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي لِثُبُوتِهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَالِكِ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ: (هُوَ كَتَعَلُّقِ
(1/365)

الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى لَوْ أَدَّى) لِوَارِثِهِ قِسْطَ مَا وَرِثَ انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
الثَّانِيَةُ: تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْمَالِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مِقْدَارُ الزَّكَاةِ وَيَصِيرُونَ شُرَكَاءَ رَبِّ الْمَالِ) وَفِي قَوْلٍ كَالرَّهْنِ، وَفِي قَوْلٍ كَالْجَانِي.

[قَاعِدَةٌ مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ فِيهَا عُلْقَةٌ لِغَيْرِهِ]
(قَاعِدَةٌ) : مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ فِيهَا عُلْقَةٌ لِغَيْرِهِ فَلَهُ حَالَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ نَاجِزَةً مُسْتَقِرَّةً، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْعُلْقَةِ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ اسْتَحَقَّ حَبْسُهَا لِحَقِّ الْحَابِسِ كَالْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ أَيْضًا كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي جِنَايَةً مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ. وَمِثْلُهُ بَيْعُ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ فَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَالصِّحَّةُ فِي الْبَاقِي.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ مُنْتَظَرَةً فَلَا نَظَرَ إلَيْهَا بَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِلْحَالِ وَمِنْ ذَلِكَ تَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ صَحِيحٌ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ تَعَرُّضِ نِصْفِهِ لِلسُّقُوطِ
(1/366)

وَتَصَرُّفُ الْوَلَدِ فِيمَا وَهَبَهُ وَالِدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ بِالرُّجُوعِ.
وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ صَحِيحٌ مَعَ تَمَكُّنِ الشَّفِيعِ مِنْ نَقْضِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الشِّقْصِ الَّذِي لَلشَّرِيك فِيهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَذَا قَالَهُ (الْفَارِقِيُّ) فِي فَوَائِدِ (الْمُهَذَّبِ) (لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الشَّرِيكِ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ لِيَأْخُذَهُ أَوْ يَذَرَ) .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَظْفَرَ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْخَبَرُ لَا مَحِيصَ عَنْهُ. قُلْت: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ مُفَارَقَةُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَفْسَخَ الْآخَرُ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الْهَارِبِ دُونَ الْآخَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يَعْصِي الْهَارِبُ نَقَلَ (ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ) أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا
(1/367)

قَالَ بِعِصْيَانِهِ لِإِبْطَالِهِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا لَازِمًا. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» لَكِنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ مَعَ أَنَّهُ رَاوِي أَصْلِ (حَدِيثِ الْخِيَارِ) لَكِنْ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ التَّحَرُّمُ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ السَّابِقَةِ مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْأَخْذِ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ فَأَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَمَّا يُسْقِطُ حَقَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ.

[قَاعِدَةٌ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالْعَبْدِ]
ِ: إمَّا أَنْ يَجِبَ بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ دُونَ السَّيِّدِ كَبَدَلِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ، إذَا أَتْلَفَهُمَا وَكَالصَّدَاقِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ، إلَّا إذَا أُعْتِقَ وَلَوْ كُوتِبَ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا السَّيِّدِ وَالْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ قِسْمَانِ: نِكَاحٌ وَمَالٌ: فَمَا يَلْزَمُهُ
(1/368)

مِنْ النِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَبِجَمِيعِ أَكْسَابِهِ.
وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ وَالْقَرْضِ وَالضَّمَانِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ وَلَا يَجْتَمِعُ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ مَعَ الذِّمَّةِ.
وَلِهَذَا، لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ كَغَصْبٍ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ.
فَلَوْ تُبِعَ فِيهِ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، لَا يُتْبَعُ بِهِ، إذَا عَتَقَ عَلَى الْجَدِيدِ.
وَإِنْ شِئْت فَقُلْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) : مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ، أَوْ بِقِيَامِ بَيِّنَةٍ أَوْ يُقِرُّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَعَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَلَى مَالٍ.
ثَانِيهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهُ الزَّكَاةُ، إذَا أَتْلَفَهَا الْمُكَاتَبُ فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ دُيُونُ الْمُعَامَلَةِ فِي الْكِتَابَةِ، إذَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ فَإِنَّ (صَاحِبَ التَّقْرِيبِ) حَكَى قَوْلًا
(1/369)

أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، قَالَ الْإِمَامُ هَذَا إنَّ طَرْدَهُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، وَإِنْ لَمْ (يَطْرُدْهُ) لَزِمَهُ الْفَرْقُ وَلَمْ نَجِدْهُ قُلْت لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَانَ لِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ، فَلَمَّا عَجَزَ انْعَكَسَ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ، وَلَا كَذَلِكَ (فِي الْمَأْذُونِ، كَذَلِكَ) الْمَهْرُ، حَيْثُ ثَبَتَ فِي الْعَيْبِ وَالْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ. الثَّالِثُ: مَا سِوَى ذَلِكَ فَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ.

[التَّعْلِيقُ]
اعْلَمْ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
فَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْبَلُهُمَا، وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ، وَمِنْهَا بِالْعَكْسِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَنَّ التَّعْلِيقَ مَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ، كَإِنْ وَإِذَا، وَالشَّرْطُ مَا جَزَمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ، وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ.
الْأَوَّلُ: مَا يَقْبَلُهُمَا كَالْعِتْقِ، بِتَعْلِيقِهِ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وَالشَّرْطُ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا: نَعَمْ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ تَعْلِيقُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِإِعْتَاقِهِ نَظَرًا لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَالْكِتَابَةُ تَقْبَلُ الشَّرْطَ، كَإِذَا أَدَّيْت
(1/370)

إلَيَّ كَذَا فِي نَجْمَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَمِنْهَا التَّدْبِيرُ وَالْوِصَايَةُ وَالْوِلَايَةُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ أَوْصَيْت إلَيْك، أَوْ إذَا مِتُّ فَفُلَانٌ وَصِيِّي، أَوْ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ جَازَ.
(قَالَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّأْمِيرِ وَمِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ «إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، هَذَا
(1/371)

ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَتَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةُ التَّعْلِيقَ، كَمَا تَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ، وَحَكَى فِيهَا الْحَنَّاطِيُّ خِلَافَ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ، فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْك لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ أَوْصَيْت إلَيْك إذَا مِتُّ، وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَوْدَعْتُك، قَالَ الرُّويَانِيُّ يَجُوزُ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ.

وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ، فَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَنْ الْقَفَّالِ، مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ صِيغَةٍ، لَكِنْ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ لَوْ قَالَ: إنْ رُزِقْت كَذَا أَوْ سَلِمْت مِنْ سَفَرِي أَوْ صَارَ كَذَا، فَقَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي، جَازَ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ ابْنُ الرِّفْعَةِ (فِي الْمَطْلَبِ) وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الصَّوْمَ، قَالَ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الشَّرْطَ، بِأَنْ يَشْرَعَ، فِيهِ وَيَقُولُ إنْ أَبْطَلْته بَطَلَ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ.
قُلْت: وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، بِخِلَافِ (الصَّلَاةِ) وَقَوْلُهُ (إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ لَيْسَ تَعْلِيقًا لِلصَّوْمِ، بَلْ
(1/372)

تَعْلِيقًا لِلْإِلْزَامِ) وَلَيْسَ مِنْ قَضَايَا الصَّوْمِ فِي شَيْءٍ: نَعَمْ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ إذَا اسْتَنَدَ إلَى أَصْلٍ كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ نَوَيْت صَوْمَ غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ.

وَالْحَجُّ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَإِنْ أَحْرَمَ فُلَانٌ فَقَدْ أَحْرَمْت، وَشَرْطُهُ أَحْرَمْت عَلَى أَنِّي إذَا مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ.

الثَّانِي: مَا لَا يَقْبَلُهُمَا كَالْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَإِذَا قَالَ أَسْلَمْت عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَتْرُكَ الصَّلَاةَ سَقَطَ شَرْطُهُ، وَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ، فَإِذَا قَالَ إنْ كُنْت فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَاذِبًا فَأَنَا مُسْلِمٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إسْلَامٌ، لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ يُفِيدُ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ وَالْمُعَلِّقُ لَيْسَ بِجَازِمٍ.
وَمِنْهُ النِّكَاحُ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ زَوَّجْتُك أَوْ زَوَّجْتُك عَلَى أَنْ تَفْعَلَ كَذَا لَمْ يَصِحَّ.
وَمِثْلُهُ الرَّجْعَةُ بِالضَّمَانِ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ وَالطَّهَارَةُ، إلَّا فِي الْمُسَافِرِ الْمُقْتَدِي بِمُسَافِرٍ لَا يَعْلَمُ نِيَّتَهُ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت، وَإِلَّا أَتْمَمْت لَا يَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهُ الصَّوْمُ، لَا يَقْبَلُ شَرْطًا وَلَا تَعْلِيقًا، إلَّا فِيمَا إذَا أَسْنَدَ التَّعْلِيقَ لِأَصْلٍ.
وَمِنْهُ الْفُسُوخُ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ التَّعْلِيقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخُلْعِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَا الِاخْتِيَارُ فِي نِكَاحِ الزَّائِدَاتِ.
(1/373)

الثَّالِثُ: مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَيَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الْبَيْعُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (أَوْ عَلَى أَنَّهُ) يَأْتِيهِ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ قِيلَ: إنْ جَاءَ فُلَانٌ أَوْ جَاءَ الشَّهْرُ فَقَدْ بِعْتُك لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ يَسْتَدْعِي الْجَزْمَ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ، لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُهُ كَتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقْبَلُ الشَّرْطُ فِي الْجُمْلَةِ، لَا كُلُّ شَرْطٍ.
وَمِثْلُهُ الْإِجَارَةُ وَالْوَقْفُ وَالْوَكَالَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إخْرَاجٌ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ.
قُلْنَا الْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ شَائِبَةُ الْمُعَاوَضَةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَبُولِهِ مِنْ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ. وَمِنْهُ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّهَا مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَمِنْهُ الْإِذْنُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ نَحْوَ بِعْ هَذَا إنْ جَاءَ زَيْدٌ، وَلَيْسَ تَعْلِيقًا لِلْوَكَالَةِ، بَلْ لِلتَّصَرُّفِ، وَلَوْ قَالَ إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ أَذِنْت لَك لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَفِي الْبَيَانِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي الْأُمِّ: لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ كَانَ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ
(1/374)

أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ، إذَا قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ قَدْ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كَمَحِلِّهَا، فَلَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالشَّرْطِ لَمْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شِئْت، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، لِأَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُودِهِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ قَبِلْت إقْرَارِي، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عِنْدِي لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ إنْ شِئْت أَوْ قَبِلْت، فَقَالَ قَبِلْت أَوْ شِئْت كَانَ بَيْعًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْبَيْعِ يَقَعُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَبُولِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ لَمْ يَصِحَّ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ لِوُجُوبِهِ قَبْلَ الشَّرْطِ.

الرَّابِعُ: مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ وَلَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَالْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ. وَكَذَا الْخُلْعُ إنْ جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا. فَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَخْدُمِينِي شَهْرًا، لَمْ يَلْزَمْ الشَّرْطُ.
وَمَثَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كَذَا،
(1/375)

فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَهَذَا (رَأْيُ الْغَزَالِيِّ، لَكِنْ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ، أَنَّهَا إذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ وَوَجَّهَ الْغَزَالِيُّ رَأْيَهُ) ، بِأَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ، وَقَدْ (أَشْكَلَ) هَذَا الْكَلَامُ عَلَى جَمَاعَةٍ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ وَبِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ الْإِيقَاعَ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ قَبِلَ الْوُقُوعِ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فِي الْإِيقَاعِ، وَإِنْ قَبِلَهُ فِي الْوُقُوعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَتَّضِحُ بِالْمِثَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَدْخُلِي وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ (انْتَهَى) .
وَحَاصِلُ قَوْلِهِ الشَّرْطُ فِي الطَّلَاقِ يَلْغُو، لِأَنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ، لِأَنَّ وُقُوفَهُ عَنْ الْوُقُوعِ مَعَ وُقُوعِهِ مُحَالٌ. وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ جُمْلَتَا شَرْطٍ فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إلَّا بِهِمَا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ فَهَذَا شَرْطٌ (لُغَوِيٌّ لَا صِنَاعِيٌّ)
(1/376)

وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْت وَلِي الْخِيَارُ (ثَلَاثًا) صَحَّ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّرْطِ (فَإِنَّ) (لَفْظَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) هُنَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَاقِعٌ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا بَعْدَهُ لَفْظًا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا مَعْنًى، لِأَنَّ شَرْطَ مَنْعِ الْوُقُوعِ، لَا يَدْخُلُ عَلَى الْوَاقِعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ قِسْمَانِ الْتِزَامِيٌّ وَتَعْلِيقِيٌّ: فَأَمَّا (الِالْتِزَامِيُّ) كَطَلَّقْتُكِ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ أَلْفًا، فَلَيْسَ الشَّرْطُ بِصَرِيحِ الْتِزَامٍ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ صَرِيحٌ.
وَأَمَّا (التَّعْلِيقِيُّ) ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ (أَعْطَيْتِنِي) أَلْفًا، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الِالْتِزَامِ بِلَا خِلَافٍ.
ضَابِطٌ: مَا كَانَ تَمْلِيكًا مَحْضًا، (لَا يَدْخُلُ التَّعْلِيقُ) فِيهِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ لِقَوْلِهِ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلَا يَتَحَقَّقُ طِيبُ النَّفْسِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَمَا كَانَ حِلًّا مَحْضًا يَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ قَطْعًا كَالْعِتْقِ.
وَبَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرَاتِبُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ (كَالْفَسْخِ وَالْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ التَّمْلِيكَ وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَفِيهِ شَبَهٌ يَسِيرٌ بِالْعِتْقِ فَجَرَى فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
(1/377)

وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فِي الْجَعَالَةِ وَالْخُلْعِ وَنَحْوِهِمَا فَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ يُشْبِهُ النَّذْرَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَفِي الْخُلْعِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَمَعْنَى الطَّلَاقِ) .
(فَائِدَتَانِ) : الْأُولَى: لَنَا شَيْءٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَا يُقْبَلُ إلَّا التَّعْلِيقُ دُونَ التَّنْجِيزِ وَهُوَ نَذْرُ التَّبَرُّرِ لَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي عَلَى كَذَا صَحَّ قَطْعًا، وَلَوْ الْتَزَمَهُ ابْتِدَاءً وَجْهَانِ.
الثَّانِيَةُ: الْأَصْلُ أَنَّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَوْ عَلَّقَ بِمُسْتَقْبَلٍ فَقَالَ إذَا أَحْرَمَ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنَا مُحْرِمٌ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمَجِيئِهِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَعْلَقُ بِالْأَخْطَارِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ (صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ) فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْمُعَلَّقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ
(1/378)

وَنَحْوِهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ تَجْوِيزُ هَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إلَّا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ وَذَلِكَ (تَعْلِيقٌ) بِمَاضٍ وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ مِنْ الْعُقُودِ يَقْبَلُهَا جَمِيعًا.
قُلْت. لَمْ يُجَوِّزُوا تَعْلِيقَ أَصْلِ الْإِحْرَامِ. وَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَصْلُ الْإِحْرَامِ الْعَقْدُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا عَلَّقَ صِفَتَهُ عَلَى شَرْطٍ يُوجَدُ فِي ثَانِي الْحَالِ فَلَمْ يَضُرَّهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ (جَزْمُهُمْ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا، بِانْعِقَادِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقُ صِفَةِ إحْرَامِهِ بِصِفَةِ إحْرَامِ زَيْدٍ لَا تَعْلِيقُ أَصْلِ إحْرَامِهِ بِإِحْرَامِهِ.

[تَعْلِيقُ النِّيَّةِ]
ِ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ تَرْدِيدُ النِّيَّةِ إنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ أَصْلٍ سَابِقٍ لَمْ يَضُرَّ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ لِذَلِكَ بَطَلَ.
(فَمِنْهُ) : لَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ شَكَّ أَنَّهُ قَاصِرٌ (أَمْ) مُتِمٌّ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت وَإِلَّا أَتْمَمْت فَقَصَرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فَاسْتَنَدَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ إلَى هَذَا الظَّاهِرِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ (مِنْ رَمَضَانَ)
(1/379)

وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ فَكَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) صَحَّ صَوْمُهُ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ وَبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ. فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعَلَّقَ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَالَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ (رَمَضَانَ) صُمْته عَنْ (رَمَضَانَ) وَإِنْ كَانَ مِنْ (شَعْبَانَ) (فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ) (وَقَالَ) الرَّافِعِيُّ: إذَا نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ الصَّوْمَ عَنْ (رَمَضَانَ) - مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ نُظِرَ إنْ لَمْ يَسْتَنِدْ عَقْدُهُ إلَى مَا شَرَطْنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا كَمَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَهُ إذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) وَجُعِلَ مِنْ هَذَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْحِسَابِ إذَا جَوَّزْنَا بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهُ) لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاءَهُ فَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَقَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ بَاقِيًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهَذَا صَدَقَةٌ، فَبَانَ بَقَاؤُهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ فَاسْتَنَدَ لِهَذَا الْأَصْلِ
(1/380)

وَمِثْلُهُ) : لَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ إنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُوَرِّثِي وَانْتَقَلَ مَالُهُ إلَيَّ إرْثًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ لَمْ يَجْزِهِ عَنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ بَانَ كَوْنُ الْمُوَرِّثِ مَيِّتًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الْإِرْثِ.
(وَمِنْهُ) لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ وُضُوئِي وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءُ تَجْدِيدٍ (ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ) قَدْ تَوَضَّأَ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ لَمْ يَجْزِهِ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الطَّهَارَةُ.
(وَمِثْلُهُ) لَوْ رَأَى بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ مَنِيٌّ فَاغْتَسَلَ فَنَوَى إنْ كَانَ مَنِيًّا فَعَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَصِحَّ.
(وَمِنْهُ) ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ.
(مِنْهُ) لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَحَجٌّ فَكَانَ (شَوَّالًا) كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ لِقُوَّةِ الْإِحْرَامِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ فَاتَتْهُ فَدَخَلَ فِي صَلَاةٍ وَنَوَى عَنْ (الْفَائِتَةِ) إنْ فَاتَتْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ وَقَالَ: وَلَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلَ الْوَقْتُ فَصَلَّى وَقَالَ: عَنْ فَرْضٍ إنْ كَانَ دَخَلَ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ
(1/381)

قَالَ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَنَافِلَةٌ لَمْ يَجْزِهِ.
وَلَوْ نَوَى (لَيْلَةَ) الثَّلَاثِينَ مِنْ الصَّوْمِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ فَعَنْ فَرْضٍ أَوْ (عَنْ) نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَشَارَ إلَيْهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَنَازَعَهُ فِيهَا (الشَّاشِيُّ) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ (الْمُعْتَمَدِ)

[تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ]
ِ ثَلَاثَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الِانْتِهَاءِ وَفِي الْأَحْكَامِ.
وَصُورَةُ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفَ (فِيمَا) يَصِحُّ مَعَ مَا يَصِحُّ، وَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الصِّحَّةُ فِيمَا يَصِحُّ وَالْبُطْلَانُ فِيمَا يَبْطُلُ (وَالثَّانِي الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ) وَفِي تَعْلِيلِهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ جَهَالَةُ مَا يَخُصُّ مِلْكَهُ مِنْ الْعِوَضِ.
وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ وَلِلْقَاعِدَةِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنْ كَانَتْ صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ (مِنْهُ) قَطْعًا.
وَلِهَذَا
(1/382)

لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ) ثُمَّ الْمَشْهُورُ يُصَلِّي أَيَّهُمَا أَرَادَ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ (يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ) .
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَمَنَعْنَا تَعْجِيلَ مَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ أَجْزَأَ مَا يَقَعُ لِسَنَةٍ وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ انْعَقَدَ بِحَجَّةٍ وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ قَارِنًا.
وَلَوْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ بِصَوْمٍ وَآخَرَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ كَالْعِيدِ اعْتَكَفَهُ وَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ نَوَى فِي (رَمَضَانِهِ) صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ هَلْ يَصِحُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتِ وَظَنَّ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الْحَادِيَ عَشَرَ لَا بِعَيْنِهِ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَعْلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ وَقَصَدَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ.
(1/383)

وَمِنْ نَظَائِرهَا أَنْ يَقْصِدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا وَالْمُصَلِّي الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ لِمُجَرَّدِ التَّفْهِيمِ وَنَحْوِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ، فَإِنْ كَانَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَزَوْجَةَ غَيْرِهِ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الَّذِي يَمْلِكُهُ إجْمَاعًا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ صَحَّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ، أَنَّهَا تُبْطِلُ الثُّلُثَ، لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَالْمُتَوَلِّيَ حَكَيَا وَجْهًا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ وَأَبْطَلْنَاهَا لِلْوَارِثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْآخَرِ تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمُبَعَّضٍ وَمَالِكُ الْبَعْضِ وَارِثُهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَتْ وَقُلْنَا لَا يَدْخُلُ الْكَسْبُ النَّادِرُ الْمُهَايَأَةَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهَا بَطَلَتْ، وَلَمْ يُخْرِجُوا نَصِيبَ الْمُبَعَّضِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَفِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ، لَوْ وَهَبَهُ عَبْدًا فَخَرَجَ نِصْفُهُ مُسْتَحَقًّا فَهَلْ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ فِي الْكُلِّ أَمْ لَا يَبْنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا إمَّا بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْجُزْئِيَّةِ، لِيَخْرُجَ صُورَتَانِ وَهُمْ مَنْ خَرَّجَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
(1/384)

إحْدَاهُمَا) ، إذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ (وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي أَرْبَعٍ وَيَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَوْلَى مِنْ هَذِهِ وَغَلِطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِتَخْرِيجِهَا.
(الثَّانِيَةُ) ، إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، (فَسَدَ الْبَيْعُ) ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ (يَبْطُلُ فِي وَاحِدٍ وَيَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَغَلِطَ الْبَالِسِيُّ فِي (شَرْحِ التَّنْبِيهِ) بِتَخْرِيجِهَا. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَرْضٌ مُنَاصَفَةً، فَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا فِيهَا قِطْعَةً مُدَوَّرَةً، وَبَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي غَيْرِهَا.
وَلَوْ قَالَ، ضَمِنْت لَك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا فَهَلْ يَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ: وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، هَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ؟ وَجْهَانِ، وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ.
(1/385)

نَعَمْ، يُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ عَقَدَ الْمُسَابَقَةَ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِيهِ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَحَجَّرَ الشَّخْصُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي، يَصِحُّ فِيمَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ قَوِيٌّ.
الرَّابِعُ: إمْكَانُ التَّوْزِيعِ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَا يَبْطُلُ فِيهِ مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُخْبِرُ بِالْقِسْطِ. وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ، لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ.
نَعَمْ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ
(1/386)

إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ بَاعَ الْمَاءَ فِي قَرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا، (فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا) ، وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِذْنَ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَرَهَنَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي الرَّافِعِيِّ، وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُهُ فِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، إذَا ضَمَّ إلَيْهِ غَيْرَ الْمَأْذُونِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ، لِيَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضٍ مُعَيَّنٍ، فَنَسَجَ أَحَدَ عَشَرَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ (وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَطُولُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ طُولُ السَّدَى عَشَرَةً اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ) بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشَرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ.
(1/387)

السَّابِعُ: أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ فِيهَا فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَبَطَلَ فِي الزَّائِدِ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّامِنُ: أَنْ يُورَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ قَطْعًا، وَهَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ ضَمِنْت نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ، فَالضَّمَانُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَاسِدٌ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي نَفَقَةِ يَوْمِهَا أَمْ لَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ. فَائِدَةٌ الصَّفْقَةُ تُفَرَّقُ فِي الثَّمَنِ، كَمَا تُفَرَّقُ فِي الْمُثَمَّنِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلْ اقْتَضَى كَلَامُهُمْ فِي بَابِ (التَّحَالُفِ) أَنَّهَا لَا تُفَرَّقُ فِيهِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ بِأَلْفٍ وَخَمْرٍ، لَكِنْ قَالُوا فِي بَابِ الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْمُسَمَّى مُسْتَحَقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِذَلِكَ يَصِحُّ مَا ذَكَرْنَا.

[التَّقْدِيمُ]
يُقَدَّمُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا.
فَيُقَدَّمُ لِلْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِوُجُوهِ (الْحُجَجِ) وَالْأَحْكَامِ.
(1/388)

وَفِي الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَكَايِدِهَا وَأَشَدُّ إقْدَامًا عَلَيْهَا وَأَعْرَفُ بِسِيَاسَتِهِ فِيهَا.
وَفِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَدْبِيرِ الْأَيْتَامِ، وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ.
وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ نَاقِصًا فِي بَابٍ كَامِلًا فِي غَيْرِهِ، كَالْمَرْأَةِ نَاقِصَةٌ فِي الْحُرُوبِ كَامِلَةٌ فِي حَضَانَةِ الطِّفْلِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عُرَاةٌ وَهُنَاكَ ثَوْبٌ وَأَرَادَ مَالِكُهُ إعَارَتَهُ لَهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ، ثُمَّ بِالرِّجَالِ، لِأَنَّ عَوْرَتَهُنَّ أَغْلَظُ وَآكَدُ حُرْمَةً، فَكَانَ الْبُدَاءَةُ بِسَتْرِهَا أَوْلَى.
وَمِنْ هَذَا تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِقَامَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَدَرْءِ مُفْسِدَاتِهَا.
وَقُدِّمَ الْإِمَامُ عَلَى الْجَمِيعِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْخَاصَّةِ.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ التَّقْدِيمُ بِالْمَكَانِ كَمَالِكِ الدَّارِ، وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَكَانَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ رِعَايَتُهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْمَالِكِ وَالْإِمَامِ.
وَلِهَذَا، إذَا اجْتَمَعَتْ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَفَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا قُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذَا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ.»
(1/389)

وَلَوْ أَسَرَ الْكُفَّارُ عَالِمًا وَجَاهِلًا وَلَمْ يُمْكِنْ، إلَّا فَكُّ أَحَدِهِمَا فَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْجَاهِلُ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ عِنْدَهُمْ رُبَّمَا يَجُرُّهُ إلَى دُخُولِهِ مَعَهُمْ وَبَقَاءُ الْعَالِمِ عِنْدَهُمْ، رُبَّمَا يَجُرُّ إلَى انْقِيَادِهِمْ إلَى الْحَقِّ بِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْعَالِمُ، لِعُمُومِ نَفْعِنَا بِهِ.
وَمِنْ هَذَا يُبَاحُ، لِخَائِفِ الْعَنَتِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ مُجَلِّي، وَهَذَا فِيهِ تَقْدِيمٌ لِلْفَاجِرِ عَلَى الْمُتَّقِي بِسَبَبِ فُجُورِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ.
تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: بَعْدَ دُخُولِهِ وَقْتِهِ فَتَعْجِيلُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهِ.
إلَّا فِي الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعَ مُسْتَثْنَاةٍ، وَإِلَّا إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ، وَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَكَذَلِكَ الْهَدْيُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ وَتَأْخِيرُ ذَبْحِهِ إلَى الْحَرَمِ أَفْضَلُ، وَكَذَا مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ تَأْخِيرُهُ إلَى فِعْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ.
الثَّانِي: التَّقْدِيمُ عَلَى الْوَقْتِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي بَعْضِ عِبَادَاتِ الْمَالِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، بِخِلَافِ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا تُقَدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا، كَالصَّلَاةِ.
(1/390)

وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ صَوْمُ الثَّلَاثِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَقِيلَ: إنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ بِالْحَدَثِ أَوْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لَمَا جَازَ فِعْلُهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنَّ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهَا، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا بِالْحَدَثِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: وَمِنْهَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ، قَالَ الْقَفَّالُ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ بِالصُّبْحِ، وَمَبْنَى التَّعْجِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَمِنْهَا الْحَجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ يَسْتَطِيعُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ: إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَالصَّبِيُّ إذَا تَوَضَّأَ، ثُمَّ بَلَغَ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فِي الْمَنْثُورِ.
وَلَوْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ بَلَغَ بِالسِّنِّ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمِيقَاتِ.

[التَّقَاصُّ]
ُّ إذَا ثَبَتَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
إمَّا مِنْ جِهَةٍ كَسَلَمٍ وَقَرْضٍ. أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ، وَكَانَ الدَّيْنَانِ مُتَّفِقَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ
(1/391)

وَالْحُلُولِ وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِمَا كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ اخْتَلَفَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ التَّقَاصَّ يَحْصُلُ بِنَفْسِ ثُبُوتِ الدَّيْنَيْنِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الرِّضَا، لِأَنَّ مُطَالَبَةَ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِمِثْلِ مَالِهِ عِنَادٌ، لَا فَائِدَةَ فِيهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَلِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَارِثِهِ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ لِوَارِثِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا فِي (دَيْنِهِ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إنْ تَرَاضَيَا، وَإِلَّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطَالَبَةُ الْآخَرِ.
وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ بِرِضَا أَحَدِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: لَا يَسْقُطُ وَلَوْ تَرَاضَيَا.
إذَا عَلِمْت هَذَا " فَلِلتَّقَاصِّ شُرُوطٌ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الْأَعْيَانُ، فَلَا يَصِيرُ بَعْضُهَا
(1/392)

قِصَاصًا عَنْ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْمُعَاوَضَةِ فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّرَاضِي، وَلِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ فِي الْأَعْيَانِ، فَأَمَّا فِي الذِّمَّةِ الدُّيُونُ سَوَاءٌ، فَلَا مَعْنَى لِقَبْضِ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ امْتَنَعَ أَخْذٌ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا بَاذِلًا لِلْحَقِّ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الدَّفْعِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، وَلَوْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ، وَلَا يُقَالُ يَصِيرُ قِصَاصًا عَنْ حَقِّهِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الدُّيُونِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الْأَثْمَانِ، أَمَّا الْمِثْلِيَّاتُ كَالطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ، فَلَا تَقَاصَّ فِيهَا، صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، بِأَنَّ مَا عَدَا الْأَثْمَانَ (يَطْلُبُ) فِيهِ الْمُعَايَنَةَ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِي جَرَيَانِهِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَجْهَيْنِ: وَصَحَّحَ جَرَيَانُهُ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ كَمَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ، وَقَالَ إنَّ الْأَصْحَابَ خَالَفُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) لَا عَنْ قَصْدٍ، لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَمِنْ (هَذَا، قَالُوا مَا لَوْ) أَكَلَتْ الرَّشِيدَةُ مَعَ زَوْجِهَا، تُسْقِطُ نَفَقَتَهَا فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ مُسْتَقَرَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَا سَلَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا
(1/393)

وَإِنْ تَرَاضَيَا، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْجَوَازَ، لَكِنْ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأُمِّ مَنْعُ التَّقَاصِّ فِي السَّلَمِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالْأَجَلِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ، لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَلَبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ بِأَجَلٍ وَاحِدٍ، وَلَا طَلَبَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا يُجْزِئُ، بِلَا خِلَافٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِيهِ احْتِمَالٌ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَفِرَ الْمُسْتَحِقُّ بِحَقِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، إلَّا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.
السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدٍّ، فَلَوْ تَقَاذَفَ شَخْصَانِ لَمْ يَتَقَاصَّا، وَلَوْ تَجَارَحَ رَجُلَانِ، قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الدِّيَاتِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ، قَالَ، فَإِنْ
(1/394)

ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ جُرْحٌ لِلدَّفْعِ، لَمْ يَقْبَلْ أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ مَا يَدَّعِيه صَاحِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّفْعِ الْمُسْقِطِ لِلضَّمَانِ، فَإِذَا حَلَفَا وَمَاتَا بِالسِّرَايَةِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ السَّارِيَ مَوْجُودٌ وَمَا يَدَّعِيهِ مِنْ قَصْدِ الدَّفْعِ لَمْ يَثْبُتْ فَوَجَبَ الضَّمَانُ، قَالَ (الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ) فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بِالسِّرَايَةِ عَلَى الَّذِي لَمْ يَمُتْ لِمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: فِي فُرُوعِ (ابْنِ الْقَطَّانِ) إنَّ (التَّقَاصَّ) يَجْرِي فِي الْقِصَاصِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا فَقَتَلَ وَارِثُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ قَوَدَهُ الْقَاتِلُ سَقَطَ هَذَا بِهَذَا، وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي (الْقَذْفِ) وَهُوَ غَرِيبٌ
(1/395)

[فُرُوعٌ مِنْ التَّقَاصِّ]
لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ فَجَحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، وَلَكِنْ فِي يَدِهِ وَثِيقَةٌ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ آخَرَ كَانَ قَبَضَهُ وَفِي الصَّكِّ شُهُودٌ، لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَبَضَ ذَلِكَ الدَّيْنَ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَيَقْبِضَ الدَّيْنَ مِنْهُ، وَيَجْعَلَهُ تَقَاصًّا عَنْ دَيْنِهِ الْمَجْحُودِ، قَالَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ، وَهَذَا، إذَا كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَنْقَصَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَمِنْهَا مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَقَدْ اسْتَعْجَلَ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ (الْمَوْقِعَ) ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْتَبِسَهُ، عَنْ زَكَاتِهِ الْمَفْرُوضَةِ، وَيَقَعُ تَقَاصًّا وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَبِسَهُ، بَلْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ مِنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَحْتَاجُ إلَى دَفْعٍ وَنِيَّةٍ، لَكِنْ اكْتَفَوْا بِنِيَّةِ أَصْلِ الزَّكَاةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
وَمِنْهَا، إذَا كَانَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ دَيْنٌ، فَقَالَ جَعَلْته عَنْ زَكَاتِي، لَا يَجْزِيهِ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْبِضَهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ، وَعَلَى الثَّانِي يَجْزِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ (لَهُ) وَدِيعَةٌ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَمِنْهَا، لَوْ بَاعَ الْمُصَرَّاةَ بِصَاعِ تَمْرٍ يَرُدُّ التَّمْرَ، وَلَا يَجْرِي التَّقَاصُّ نَظِيرَ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَمِنْهَا، إذَا هَاجَرَتْ إلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمَةٌ وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِمْ مِنَّا مُرْتَدَّةٌ مَهْرُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي هَاجَرَتْ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ بَرِئَتْ الذِّمَّتَانِ، وَإِنْ فَضَلَ لَنَا رَجَعْنَا بِالْفَضْلِ، وَإِنْ فَضَلَ لَهُمْ دَفَعْنَا الْفَضْلَ إلَيْهِمْ، وَدَفَعَ الْإِمَامُ مَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
(1/396)

[التَّقْلِيدُ]
ُ مُمْتَنِعٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى الدَّلِيلِ كَافٍ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ، فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ، وَالظَّنُّ كَافٍ فِي كُلِّ عِلْمٍ بِكَيْفِيَّةٍ أَوْ فِي عِلْمٍ لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ، وَبَيَانُهُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ، فَإِنَّ الظَّنَّ فِيهَا كَافٍ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ إنْ كُلِّفَ فِيهَا بِالْعِلْمِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْأَخْذُ بِالظَّنِّ، وَإِلَّا جَازَ، كَالتَّفَاضُلِ بَيْنَ (فَاطِمَةَ) (وَخَدِيجَةَ) وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ اكْتِفَاءَ الشَّرْعِ فِي الْفُرُوعِ بِالظَّنِّ لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَمَارَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ، لَا مُسْتَنَدُ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ الْعَمَلُ إلَى الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَالْإِجْمَاعِ، وَعَنْ هَذَا، قَالَ (الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) لَيْسَ
(1/397)

فِي الشَّرِيعَةِ تَقْلِيدٌ إذْ حَقِيقَةُ التَّقْلِيدِ قَبُولُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَدَلِيلٍ، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ مَقْبُولٌ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، كَذَلِكَ قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَأَقْوَالِ الْمُفْتِينَ وَالْحُكَّامِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، فَنَزَلَتْ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ مَنْزِلَةَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَصِيرِ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِمَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا خِلَافٌ، وَجَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِالْمَنْعِ، فَفِي فَتَاوِيهِ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَلْمِسَ امْرَأَةً ثُمَّ يُصَلِّيَ، وَلَا يَتَوَضَّأَ تَقْلِيدًا لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّمْسَ لَا يُنْقِضُ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي هَذَا، فَلَا يَجُوزُ إنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ.
كَمَا لَوْ اجْتَهَدَ فِي الْقِبْلَةِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ حَيْثُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَعْسُرُ تَفْرِيقُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا قِسْمَتَهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. فَائِدَةٌ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِالْوَقْتِ عَنْ عِلْمٍ، عَمِلَ بِهِ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْعِلْمُ أَمْ لَا كَمَا صَحَّحَهُ
(1/398)

فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَجَزَمُوا فِي الْقِبْلَةِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْخَبَرُ عَنْ عِلْمٍ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ يُمْكِنُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأَنْ يَرَى غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ جَبَلٍ مَثَلًا وَأَمَّا الْقِبْلَةُ فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا الْمُشَاهَدَةُ إلَّا (بِمَكَّةَ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْتَمِدُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ.

[التَّقْوِيمُ]
ُ يُعْتَبَرُ فِي الْمَغْصُوبِ بِغَالِبِ النُّقُودِ لَا بِأَدْنَاهَا وَفِي السَّرِقَةِ أَطْلَقَ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِأَدْنَى دَنَانِيرِ الْبَلَدِ وَقَضِيَّتُهُ ذَلِكَ وَإِنْ غَلَبَ رَوَاجُ الْأَعْلَى.
وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ خَالِصَانِ مِنْ الذَّهَبِ وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ فِي زَمَانِ السَّرِقَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَبِأَيِّهِمَا يُقَوَّمُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْأَدْنَى اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ (الثَّانِي) بِالْأَعْلَى دَرْءًا لِلْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِسَرِقَةٍ فَقَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ فَلَا قَطْعَ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ نِصَابٌ وَقَوَّمَهُ آخَرُ بِدُونِهِ فَلَا قَطْعَ وَيُؤْخَذُ فِي الْغُرْمِ بِالْأَقَلِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَفِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَوْفَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ أَقَلُّهُمَا وَذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ
(1/399)

وَقَالُوا فِي الزَّكَاةِ لَوْ تَمَّ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْمَوَازِينِ وَنَقَصَ فِي بَعْضٍ لَمْ تَجِبْ فِي الْأَصَحِّ وَالسَّرِقَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَا هُنَا ضَابِطٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى التَّقْوِيمِ وَعُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَحَكَمُوا بِالتَّقْوِيمِ تَقْرِيبًا فَهُوَ الْمُتَّبَعُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَقْدِيرُ النُّقْصَانِ ظَنًّا. إلَّا فِي بَابِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِسُقُوطِ الْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ وَقَالَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ لَوْ بَلَغَ قِيمَةُ الْغَرَضِ الْمَسْرُوقِ بِالِاجْتِهَادِ رُبْعَ دِينَارٍ فَقَدْ يُؤْخَذُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقْطَعْ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِهَا نِصَابًا.

الْأَحْكَامُ التَّقْدِيرِيَّةُ (مِنْهَا) الْمِلْكُ فِي الْعِتْقِ الْمُسْتَدْعَى، وَالدِّيَةُ يُقَدَّرُ دُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا دُيُونَهُ وَقِيلَ: تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً.
وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَرْجِعُ نِصْفُ الْمَهْرِ إلَى الِابْنِ أَوْ لِلْأَبِ وَجْهَانِ.
وَمَنْ قَالَ يَرْجِعُ لِلْأَبِ فَقَدْ نَازَعَ
(1/400)

فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الصَّدَاقُ فِي مِلْكِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الِابْنِ.
وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفٍ وَتَبَرَّعَ عَنْهُ آخَرُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّ الْمَبِيعَ هَلْ يَرُدُّ الْمُؤَدَّى إلَى الْمُشْتَرِي أَمْ إلَى الْمُتَبَرِّعِ؟ وَالْقَوْلُ بِرَدِّهِ إلَى الْمُتَبَرِّعِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ هُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ.

تَلْقِينُ الْإِمَامِ يُشْرَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ وَلَا يُلَقَّنُ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ بَلْ حَتَّى يَقِفَ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
(الثَّانِي) فِي الْخُطْبَةِ إذَا حَضَرَ، وَلَا يُلَقَّنُ حَتَّى يَسْكُتَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
قَالَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ يَفْتَحُ لَهُ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ فَإِنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ لُقِّنَ فِي الْخُطْبَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُلَقَّنُ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ
(1/401)

فَحَيْثُ قَالَ يُلَقَّنُ إذَا وَقَفَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ وَحَيْثُ قَالَ لَا يُلَقَّنُ إذَا كَانَ تَرَدَّدَ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ إنْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنْ فَتَحَ عَلَيْهِ انْطَلَقَ فَتَحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْهَشُ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ.

[التَّمَنِّي]
أَنْوَاعٌ
(إحْدَاهَا) : تَمَنِّي الرَّجُلِ حَالَ أَخِيهِ مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيَا عَلَى أَنْ يَذْهَبَ مَا عِنْدَهُ وَهَذَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ الْحَسَدُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَا فِي تَمَنِّي زِينَةِ الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ مَتَاعِهَا الْمُطْغِي بِقِصَّةِ (قَارُونَ) وَمَنْ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ (قَارُونُ) حَتَّى شَهِدُوا الْمِنَّةَ فِي الْمَنْعِ لَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ (الْوَاحِدِيُّ) فِي الْبَسِيطِ، (وَابْنُ فُورَكٍ) فِي مُشْكِلِهِ وَغَيْرِهِمَا
(1/402)

عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَنِّيَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] عَلَى التَّحْرِيمِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَالَ فُلَانٍ لِي، وَإِنَّمَا لَيْتَ لِي مِثْلَهُ وَحَكَوْا عَنْ (الْفَرَّاءِ) أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَغَلَّطُوهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ مُقْتَضَاهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ يَحْرُمُ التَّفَكُّرُ فِيهِ بِقَلْبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَتَمَنَّوْا} [النساء: 32] . الْآيَةَ، فَمَنَعَ مِنْ التَّمَنِّي مِمَّا لَا يَحِلُّ كَمَا مَنَعَ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] لَكِنَّ النَّظَرَ يَفْسُقُ بِهِ وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ الْفِكْرِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حَتَّى لَوْ أَخْبَرْنَا بِهِ، كَانَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَتِهِ عَنْهُ، فَهَذَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «لَا حَسَدَ إلَّا فِي
(1/403)

اثْنَتَيْنِ» ) ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ (الْغِبْطَةُ) . وَنَبَّهَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى أَنَّ مَا يَتَمَنَّى بِهِ كَرَامَةَ الْآخِرَةِ لَا يُنْهَى عَنْهُ.
الثَّالِثُ: تَمَنِّي فِعْلِ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ شَقَّتْ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْبَرْزَخِ الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «وَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» .
(1/404)

وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ، وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ غَيْرِ قَتْلِ الْكَافِرِ. (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْمَسْئُولَةُ، وَالثَّانِيَةُ: قَتْلُ الْكَافِرِ وَهِيَ كَذَلِكَ.
الرَّابِعُ: تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ» ، وَهَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى تَمَنِّي لِقَائِهِ إدْلَالًا
(1/405)

بِالْقُوَّةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا.
فَأَمَّا تَمَنِّي ذَلِكَ، لِإِقَامَةِ الْجِهَادِ اعْتِمَادًا عَلَى اللَّهِ (تَعَالَى) دُونَ الْقُوَى وَالْأَسْبَابِ مِنْ الْإِنْسَانِ فَحَسَنٌ، لِأَنَّ تَمَنِّي الْفَضَائِلِ وَسِيلَةٌ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي كِتَابِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ صَاحِبُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْعَبِهَا عَلَى النُّفُوسِ وَكَانَتْ الْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ عِنْدَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا خَشِيَ أَلَّا يَكُونَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، كَمَا يَنْبَغِي، فَكُرِهَ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِذَلِكَ.
الْخَامِسُ: فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ، فَإِنَّ طُولَ الْعُمْرِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قِصَرِهِ لِيَسْتَعْتِبَ مِنْ إسَاءَتِهِ وَيَسْتَكْثِرَ مِنْ طَاعَاتِهِ، فَإِذَا تَمَنَّى الْمَوْتَ كَانَ تَمَنِّيًا لِفَوَاتِ الطَّاعَاتِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى دِينِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ (أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ) (وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ)
(1/406)

السَّادِسُ: فِي تَمَنِّي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ مَعَ إهْمَالِ الطَّاعَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} [النجم: 24] وَفِي الْحَدِيثِ «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» .
السَّابِعُ: تَمَنِّي خِلَافِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَهُوَ مَذْمُومٌ وَلِلشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِيهِ نَصَّانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ فِي الْأُمِّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ، وَقَدْ رَوَى عَنْ عُمَرَ لَا يَسْتَرِقُّ عَرَبِيٌّ قَالَ (الْإِمَامُ) (الشَّافِعِيُّ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَغَيُّرَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ التَّمَنِّيَ كُلَّهُ حَرَامٌ.
(1/407)

وَالثَّانِي: فِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ (ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) ، سُئِلَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) عَنْ نِكَاحِ الْعَامَّةِ الْهَاشِمِيَّاتِ، فَقَالَ إنَّهُ جَائِزٌ وَوَدِدْت، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى فَسْخَهُ وَالْمَنْعَ مِنْهُ، لِأَنِّي سَمِعْت اللَّهَ (تَعَالَى) يَقُولُ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] انْتَهَى.
وَهَذَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ، أَمَّا فِي وَقْتِ النَّسْخِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمَّا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَتَمَنَّى التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ فَنَوَّلَهُ اللَّهُ (تَعَالَى) مُرَادَهُ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّ مَنْ يَتَمَنَّى تَحْلِيلَ مَا كَانَ حَرَامًا، إنْ كَانَ مُبَاحًا، ثُمَّ حَرُمَ لَمْ يَكْفُرْ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَحِلَّ فَقَطْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(1/408)

الثَّامِنُ: أَنْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ (تَعَالَى) مِنْ غَيْرِ أَنْ (تَقْتَرِنَ) أُمْنِيَّتُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] .
(قَالَ) بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلَى، لِمَنْ سَأَلَ اللَّهَ (سُبْحَانَهُ) (وَتَعَالَى) مِنْ الْمَتَاعِ (الْفَانِي) أَنْ يَقْرِنَ (بِرَغْبَتِهِ) سُؤَالَهُ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ لِلَّهِ (تَعَالَى) بِالطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ التَّعَرُّضِ بِهِ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] وَهَذَا تَفْسِيرُ حَدِيثِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ
(1/409)

الْفَرَجِ بِفَضْلِ اللَّهِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَهُ. هُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُفْرَحَ بِهِ.
وَأَمَّا الْإِقْتَارُ وَضَرَرُ الْأَبْدَانِ، فَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ فِيهَا انْتِظَارُ الْفَرَجِ.
فُرُوعٌ: قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا إنْ تَمَنَّى فِي زَمَنِ نَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيُّ دُونَ الَّذِي نُبِّئَ بِالْحَقِيقَةِ، فَقَدْ كَفَرَ، وَكَذَا لَوْ تَمَنَّى بَعْدَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَبِيًّا، لِأَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شُرِّفَ بِخَتْمِ النُّبُوَّةِ وَأَمَّا مَنْ تَمَنَّى النُّبُوَّةَ فِي زَمَنِ جَوَازِهَا، فَلَا يَكْفُرُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي قَلْبِ مُسْلِمٍ غِلٌّ عَلَى كَافِرٍ، فَأَسْلَمَ، فَحَزِنَ الْمُسْلِمُ لِذَلِكَ وَتَمَنَّى لَوْ عَادَ إلَى الْكُفْرِ، لَا يَكْفُرُ، لِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ الْكُفْرَ، هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى تَمَنِّيهِ لَهُ وَاسْتِحْسَانَهُ الْإِسْلَامَ، هُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ لَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ تَمَنِّي الْكُفْرِ كُفْرًا، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ لَهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِدُعَاءِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا} [يونس: 88] .
قَالَ: تَمَنَّى أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، وَزَادَ عَلَى التَّمَنِّي بِأَنْ دَعَا اللَّهَ بِذَلِكَ، لَمَّا
(1/410)

عَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، لَوْ قُتِلَ عَدُوٌّ لِلْإِنْسَانِ ظُلْمًا، فَفَرِحَ بِمَوْتِهِ، هَلْ يَأْثَمُ؟ قَالَ، إنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ عَصَى اللَّهَ فِيهِ: فَنَعَمْ، وَإِنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ خَلَصَ مِنْ شَرِّهِ، فَلَا بَأْسَ لِاخْتِلَافِ سَبَبِ الْفَرَحِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَرَحِي، قُلْنَا لَا إثْمَ عَلَيْك، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَصَائِبِ عَدُوِّهِ، لِأَجْلِ الِاسْتِرَاحَةِ.

[التَّنْكِيرُ يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ]
َ وَهُوَ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ سَوَاءٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّنْوِينَ يَدُلُّ عَلَى الْمِقْدَارِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ جَوَابًا عَنْهُ، إذَا قِيلَ كَمْ رَأَيْت مِنْ الرِّجَالِ، فَيَقُولُ رَأَيْت رَجُلًا.
وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمِقْدَارِ، إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِالْمِقْدَارِ، فَعَلِمَ أَنَّ لِلتَّنْوِينِ دَلَالَةً عَلَى الْمِقْدَارِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، فَحِينَئِذٍ، فَقَوْلُهُ أَعْتِقْ رَقَبَةً بِمَثَابَةِ أَعْتِقْ رَقَبَةً وَاحِدَةً لَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ
(1/411)

الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ انْضِمَامَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْأَعْدَادِ إلَى الْوَاحِدِ يُبْطِلُ وَحْدَةَ الْوَاحِدِ.

[التَّوَاطُؤُ قَبْلَ الْعَقْدِ]
ِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ (الْمَشْرُوطِ) فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
كَمَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى مَهْرٍ سِرًّا، وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً، وَكَمَا لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: هَذَا الثَّوْبُ هَرَوِيٌّ، فَقَالَ لَهَا: إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الثَّوْبَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ، فَبَانَ مَرْوِيًّا.
وَلَوْ تَوَاطَأَ عَلَى الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَقَدَاهُ، فَهَلْ يَبْطُلُ، وَجْهَانِ: مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّوَاطُؤَ، هَلْ يُلْحَقُ بِالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا: فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ.
قَالَ فِي الْكَافِي، وَهَلْ يَحِلُّ بَاطِنًا يَحْتَمِلُ (وَجْهَانِ) : أَصَحُّهُمَا عِنْدِي يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَامِلِ أَهْلِ (خَيْبَرَ) .
وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا وَقَالَ إنْ كَانَ يَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ (فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ وَلَوْ قَالَ أَيَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
(1/412)

[التَّوْبَةُ]
ُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ التَّوْبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَأَتُوبُ إلَى اللَّهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمَصَالِحِ الْخَلْقِ (إلَى الْحَقِّ) {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] ثُمَّ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا وَلِيَفْتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ لِلنَّاسِ كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا صَلَّى وَصَامَ وَنَكَحَ لَنَا (أَيْ) لِيُعَلِّمَنَا كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ (سُئِلَ) بَعْضُ أَكَابِرِ الْقَوْمِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة: 117] مِنْ أَيْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ عَرَّضَ بِتَوْبَةِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ سَتْرًا لِمَنْ أَذْنَبَ يُشِيرُ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَقَامًا مِنْ الْمَقَامَاتِ الصَّالِحَةِ إلَّا تَابِعًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَوْلَا ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ وَأَصْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ مِنْ صَدْرِهِ الْكَرِيمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(1/413)

وَقِيلَ (هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك) وَهَذَا أَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَيُعْتَمَدُ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَالرُّجُوعُ عَنْ (التَّعْوِيجِ) إلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَالتَّوْبَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ تَصَوَّرَ خُلُوَّهُ عَنْهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ الْهَمِّ بِالذُّنُوبِ وَلِأَنَّ تَصَوُّرَ خُلُوِّهِ عَنْهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ بِإِيرَادِ الْخَوَاطِرِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُذْهِلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (تَعَالَى) وَإِنْ خَلَا عَنْهَا فَلَا يَخْلُو مِنْ غَفْلَةٍ وَقُصُورٍ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَالْكُلُّ يَفْتَقِرُ إلَى التَّوْبَةِ وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمَقَادِيرِ: فَتَوْبَةُ الْعَوَامّ مِنْ الذَّنْبِ وَالْخَوَاصِّ مِنْ الْغَفْلَةِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ مِنْ رُكُونِ الْقَلْبِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
(الثَّانِي) : فِي حُكْمِهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فَمَنْ أَخَّرَهَا زَمَنًا يَتَّسِعُ لَهَا
(1/414)

صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَكَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عِصْيَانُهُ بِتَكَرُّرِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَّسِعَةِ لَهَا فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا قَالَ: وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ (انْتَهَى) .
وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِنَا فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ إذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ أَعْلَى الْقِيَمِ لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي كُلِّ زَمَنٍ إلَى آخِرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ. أَمَّا الْكَبَائِرُ فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ إطْلَاقِ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ جَمِيعِهَا عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الطَّاعَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِحَدِيثِ «الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ» . وَحَدِيثِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
(1/415)

ذَنْبِهِ» «وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «وَمَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَنَحْوُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى الصَّغَائِرِ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَقَالَ فَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ كِتَابُ الِاعْتِكَافِ. فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ يُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَحَكَاهُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ)
(1/416)

فِي التَّمْهِيدِ عَنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ (قِيلَ: يُرِيدُ بِهِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيَّ الْمُحَدِّثَ) أَنَّ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ يُكَفِّرُهَا الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ قَالَ وَهُوَ جَهْلٌ بَيِّنٌ وَمُوَافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا فَرْضٌ وَالْفُرُوضُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِقَصْدٍ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» .
(وَأَمَّا) التَّوْبَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ فَوَاجِبَةٌ عِنْدَ (الْأَشْعَرِيِّ) ، وَخَالَفَ فِيهِ (أَبُو هَاشِمٍ بْنُ الْجُبَّائِيِّ) وَادَّعَى بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَنَسَبَ أَبَا هَاشِمٍ
(1/417)

إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا تَابَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْدَرَجَتْ الصَّغَائِرُ فِي ضِمْنِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْمَعَ فِي ذَلِكَ، وَيُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّغَائِرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا التَّوْبَةُ عَنْهَا عَيْنًا أَوْ فِعْلَ مَا يُكَفِّرُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
(وَقَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ تَكْفِيرَ
(1/418)

الصَّغَائِرِ بِالْعِبَادَاتِ، هَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: (نَعَمْ) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» وَظَاهِرُهُ الشَّرْطِيَّةُ، فَإِذَا اُجْتُنِبَتْ، كَانَتْ مُكَفِّرَاتٍ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَذَكَرَ (ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ) ، أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُشْتَرَطُ وَالشَّرْطُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْدِيرُ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمُطْلَقِ (حَدِيثِ خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ قَطْرِ الْمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ فَمَنْ جَعَلَ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطًا فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ، لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوْبَةَ، وَجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اشْتَرَطَ التَّوْبَةَ وَعَدَمَ الْإِصْرَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (حَدِيثُ الَّذِي قَبَّلَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ نَدِمَ فَأَخْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ) ، وَكَانَ النَّدَمُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ. وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، كَانَ بِنَفْسِ
(1/419)

الصَّلَاةِ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِهَا تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، فَلَوْ اشْتَرَطْنَاهَا مَعَ الْعِبَادَاتِ، لَمْ تَكُنْ الْعِبَادَاتُ مُكَفِّرَةً، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُكَفِّرَاتٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّوْبَةِ مَعَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ، هَلْ هُوَ قَيْدٌ فِي التَّكْفِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ، لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّغَائِرِ (أَوْ هُوَ قَيْدُ التَّعْمِيمِ، أَيْ تَعْمِيمِ الْمَغْفِرَةِ) ، فَعَلَى هَذَا تُغْفَرُ الصَّغَائِرُ، وَإِنْ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي التَّكْفِيرِ، لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31] .
قَالَ صَاحِبُ (الْإِحْيَاءِ) ، (وَاجْتِنَابُ) الْكَبِيرَةِ، إنَّمَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إذَا اجْتَنَبَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، كَمَنْ (تَمَكَّنَ) (مِنْ امْرَأَةٍ وَيَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ، فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ) فِي الْكَفِّ عَنْ الْوِقَاعِ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي تَنْوِيرِ قَلْبِهِ مِنْ إقْدَامِهِ عَلَى النَّظَرِ فِي إطْلَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ عِنِّينًا لَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ، إلَّا بِالضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ أَوْ كَانَ قَادِرًا، لَكِنْ امْتَنَعَ لِخَوْفٍ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ (فَهَذَا) لَا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أَصْلًا، قَالَ وَكُلُّ مَنْ لَا يَشْتَهِي الْخَمْرَ بِطَبْعِهِ، وَلَوْ (أُتِيحَ) لَهُ لَمَا شَرِبَهُ، فَاجْتِنَابُهُ لَا يُكَفِّرُ عَنْهُ الصَّغَائِرَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَاتُهُ كَسَمَاعِ الْمَلَاهِي.
(1/420)

الرَّابِعُ فِي شُرُوطِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ مُسْتَصْحَبَةً، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: (الْأَوَّلُ) النَّدَمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَعَلَامَةُ صِحَّةِ النَّدَمِ، رِقَّةُ الْقَلْبِ وَغَزَارَةُ الدَّمْعِ.
(وَالثَّانِي) ، الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ.
(وَالثَّالِثُ) : الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ، لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْبُودِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ غَيْرَ مُسْتَصْحَبَةٍ فَشَرْطَانِ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ رُكْنُ التَّوْبَةِ النَّدَمُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» ، لَكِنْ، لَا يَتَحَقَّقُ النَّدَمُ إلَّا بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا، إذْ يَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ نَادِمًا عَلَى مَا هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَازِمًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ.
وَلِهَذَا قِيلَ فِي حَدِّ التَّوْبَةِ ذَوَبَانُ الْحَشَى لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَطَا.
وَلِهَذَا، قِيلَ النَّدَمُ رُكْنُهَا، وَالْآخَرَانِ شَرْطٌ.
(1/421)

وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّهُمَا شَطْرٌ أَوْ شَرْطٌ وَشَرْطُ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ، أَنْ يَتْرُكَ الذَّنْبَ لِلَّهِ خَالِصًا، كَمَا ارْتَكَبَهُ لِهَوَاهُ خَالِصًا.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: وَمَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً سِرًّا، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَنْدَمَ وَيُقْلِعَ عَنْهَا سِرًّا، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فَيَتُوبُ عَلَانِيَةً.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَزْمِ وَالْإِقْلَاعِ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ، كَمَا لَا يَسْقُطُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بِمَا عَجَزَ عَنْهُ وَذَلِكَ كَتَوْبَةِ الْأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَتَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَى قُلْت: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ.
قَالَ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَدَمٍ يَبْعَثُ عَلَى التَّرْكِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَدْ انْعَدَمَ بِنَفْسِهِ لَا بِتَرْكِهِ إيَّاهُ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا، مَا لَوْ آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ جُبَّ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَيْئُهُ بِاللِّسَانِ، بِأَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْت لَفِئْت، وَلَا يَقُولُ إذَا، وَاعْتَبَرَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنْ يَقُولَ مَعَهُ نَدِمْت عَلَى مَا كَانَ مِنِّي.
(1/422)

(فَرْعٌ) مَنْ عَلِمَ اللَّهُ (تَعَالَى) مِنْهُ الْإِصْرَارَ عَلَى ذَنْبٍ، وَطَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ.
امْتَنَعَتْ تَوْبَتُهُ مِنْهُ، وَلَمْ تَمْتَنِعْ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَانُ الذَّاتِيُّ.
(فَرْعٌ) هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّوْبَةِ عَلَى شَرْطٍ؟ قِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا النَّدَمُ، وَالنَّدَمُ عَلَى الْمَاضِي، وَالتَّعْلِيقُ يَكُونُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَهَلْ يَصِحُّ عَلَى الذَّنْبِ الْمَظْنُونِ، قِيلَ لَا، وَقِيلَ: يَصِحُّ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ أَثِمَ بِهِ. أَمَّا الْوُجُوبُ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِ تَحَقُّقِ الْإِثْمِ.
الْخَامِسُ: الْمَعْصِيَةُ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ.
الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ تَرْكُ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمِ أَوْ زَكَاةٍ، فَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهُ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْقَضَاءُ.
(وَالثَّانِي) : التَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَاجِبَةٌ، وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ فِيهَا
(1/423)

أَيْضًا مَعْصِيَةٌ وَجِنَايَةٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، نَهَى عَنْ ظُلْمِهِمْ، فَيَجِبُ فِيهَا الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ، وَيَزِيدُ رَدُّ الظُّلَامَةِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي النُّفُوسِ، أَوْ الْأَمْوَالِ أَوْ الْأَعْرَاضِ أَوْ الْقُلُوبِ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ الْمَحْضُ:
فَفِي النُّفُوسِ، يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْتَحِقُّ وَيَقُولَ: إنْ شِئْت أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْعُقُوبَةَ وَإِنْ شِئْت فَاعْفُ. قَالَ الْعَبَّادِيُّ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ اُعْفُ عَنِّي، لَا يَكُونُ تَمْكِينًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِخْفَاءُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى، أَوْ بَاشَرَ مَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي التَّوْبَةِ أَنْ يَفْضَحَ نَفْسَهُ، بَلْ عَلَيْهِ السِّتْرُ بِسِتْرِ اللَّهِ وَيُقِيمَ حَدَّ اللَّهِ (تَعَالَى) عَلَى نَفْسِهِ، بِأَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَةِ وَالتَّعْذِيبِ.
وَفِي الْأَعْرَاضِ، يَأْتِي مَنْ اغْتَابَهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ فِيهِ حَتَّى يَعْفُوَ عَنْهُ، وَلَا يَكْفِي (الْإِبْهَامُ عَلَى الْأَصَحِّ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِيَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِحْيَاءِ " قَالَ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَوْ ذَكَرَ، أَوْ عَرَّفَهُ لَتَأَذَّى بِمَعْرِفَتِهِ كَزِنَاهُ بِجَارِيَتِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ نَسَبِهِ بِاللِّسَانِ إلَى عَيْبٍ مِنْ خَفَايَا عُيُوبِهِ، يَعْظُمُ أَذَاهُ بِذِكْرِهِ، فَقَدْ انْسَدَّ عَلَيْهِ طَرِيقُ الِاسْتِحْلَالِ فَلَيْسَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُمَا
(1/424)

وَيَبْقَى لَهُ مَظْلِمَةٌ، فَلْيَجْبُرْهُ بِالْحَسَنَاتِ، كَمَا يَجْبُرُ مَظْلِمَةَ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُغْتَابَ، فَقَالَ الْحَنَّاطِيُّ يَكْفِيهِ النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَزَادَ غَيْرُهُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْلَاغُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ الْإِمَامِ الْوَرَعِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) ، وَقَدْ نَاظَرَ (سُفْيَانُ) فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُؤْذِهِ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسَّرَ لِغَيْبَتِهِ الْبَعِيدَةِ، اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ، كَذَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُوَرِّثُونَ هَذَا الْحَقَّ.
وَأَمَّا الْحَسَدُ، فَجَعَلَهُ الْعَبَّادِيُّ كَالْغَيْبَةِ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: الْمُخْتَارُ الْمَنْعُ، وَلَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يُبْعِدْ
وَفِي الْأَمْوَالِ، فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، مَا دَامَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ غَائِبًا عَزَمَ عَلَى أَدَائِهِ، إذَا ظَفِرَ بِهِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، فَإِنْ مَاتَ دَفَعَ إلَى وَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ أَعْطَى، وَإِنْ مَاتَ عَلَى
(1/425)

هَذِهِ النِّيَّةِ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ، وَلَوْ كَانَ (لَهُ) عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَمْ يُطَالِبْ حَتَّى مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ هَكَذَا كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ انْتَقَلَ لِلْآخَرِ، وَقِيلَ إنْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْأَدَاءِ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِوَارِثِهِ لِأَنَّهُ اسْتَقْصَى فِي طَلَبِ حَقِّهِ، فَيَبْقَى لَهُ، وَلَكِنْ هَذَا بِشَرْطَيْنِ، أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَى وَارِثِهِ، وَلَا يُبْرِيهِ وَارِثُهُ، فَإِنْ أَدَّى حَقَّهُ إلَى وَارِثِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ وَارِثُهُ سَقَطَ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّتِهِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ قَصَّرَ الْمَدْيُونُ وَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَحَقَّهُ وَارِثٌ بَعْدَ آخَرَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، أَرْجَحُهَا، وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَوَّلًا، وَالثَّانِي لِآخَرَ وَارِثٍ، وَالثَّالِثُ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الرَّقْمِ، أَنَّهُ يَكْتُبُ الْآخَرُ لِكُلِّ وَارِثٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِمَنْ بَعْدَهُ.
السَّادِسُ: التَّوْبَةُ هَلْ تُسْقِطُ الْحَدَّ: يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَحْضَ حَقِّ الْآدَمِيِّ، كَحَدِّ الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ، لَمْ (يَسْقُطْ) كَالدُّيُونِ. وَلِهَذَا، لَوْ أَتْلَفَ مَالًا ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْغُرْمِ. وَإِنْ كَانَ مَحْضَ حَقِّ اللَّهِ (تَعَالَى) وَتَابَ مِنْهُ إلَى اللَّهِ التَّوْبَةَ النَّصُوحَةَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ فَأَطْلَقَ الْحَلِيمِيُّ سُقُوطَ الْحَدِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ
(1/426)

الدَّفْعِ إلَيْهِ وَقَالَ (تُبْت) لَمْ يَسْقُطْ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُحَارِبِينَ وَقَدْ عَلَّقَ (الْإِمَامُ) . الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ فِي غَيْرِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
قُلْت: أَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ يَتُوبُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ عَنْهُ وَقَطْعِ الرَّجُلِ وَالصَّلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] .
وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ فَفِي سُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ وَرَجَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ السُّقُوطَ أَيْضًا كَالْحِرَابَةِ (قَالُوا) وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمُحَارِبِ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ التَّوْبَةُ وَإِصْلَاحُ الْعَمَلِ وَالْمُحَارِبُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ التَّوْبَةُ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزِّنَى {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16] وَفِي قَطْعِ السَّرِقَةِ (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) وَقَالَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34] .
وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَ لَا حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَعَلَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا عَلَى خُلُوصِ التَّوْبَةِ أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَاَللَّهُ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ فَإِذَا عَلِمَ خُلُوصَ تَوْبَةِ عَبْدٍ لَمْ يُطَالِبْهُ لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ
(1/427)

غَيْرِ مُعَارِضٍ لِذَلِكَ) .
وَفِي أَمَالِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا قُلْنَا التَّوْبَةُ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فَأَيُّ شَيْءٍ تُسْقِطُهُ قُلْنَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ اطِّلَاعِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ (فَإِنْ) لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ سَقَطَ شَرْطُ وُجُوبِ التَّمْكِينِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا الْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) إذَا زَنَى الذِّمِّيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي السِّيَرِ.
(ثَانِيهَا) قَاطِعُ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ الْمُتَحَتِّمُ.
(ثَالِثُهَا) الْمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ الْعَوْدُ (إلَى الْإِسْلَامِ) .
(1/428)

(رَابِعُهَا) تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهَا بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ (الْعَوْدُ) لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
الْبَحْثُ السَّابِعُ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ قَطْعًا، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ظَنًّا عَلَى الصَّحِيحِ وَتُفِيدُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) فِي الْإِحْصَانِ فَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا وَلَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَا يُحَدُّ.
(الثَّانِيَةُ) شَهِدَ، فَرُدَّ لِفِسْقِهِ ثُمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ لِعَدَاوَةٍ فَزَالَتْ ثُمَّ أَعَادَهَا.
(الثَّالِثَةُ) اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ قَدْ زَنَى فِي يَدِ الْبَائِعِ وَتَابَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ لِأَنَّ ذَنْبَ
(1/429)

الزِّنَى لَا يَزُولُ) بِالتَّوْبَةِ، وَلِهَذَا لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ
(الرَّابِعَةُ) التَّائِبُ مِنْ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا كَمَا قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي الْحَاوِي أَنَّ مَنْ اسْتَتَرَ بِالْمَعْصِيَةِ إذَا تَابَ قَبْلَ ظُهُورِ حَالِهِ يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ لِاسْتِبْرَاءِ صَلَاحِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مَسْتُورًا إلَّا عَنْ صَلَاحٍ يُغْنِي عَنْ اسْتِبْرَاءِ الْحَالِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ لِجَوَازِ التَّصَنُّعِ.
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَتَى بِمَا يَكُونُ بِهِ تَائِبًا عَادَ إلَى حَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَبْلَ الرِّدَّةِ نُظِرَ فِي التَّوْبَةِ فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ عَرْضِهِ لِلْقَتْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَإِنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى عَدَالَتِهِ.
(الثَّامِنُ) : أَنَّ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَرْفَعُ الذَّنْبَ السَّابِقَ وَلَا يَدْفَعُ اللَّاحِقَ وَهُوَ الْكَثِيرُ.
(وَمِنْهَا) : مَا يَرْفَعُ الذَّنْبَ السَّابِقَ وَاللَّاحِقَ وَيُسَمَّى رَافِعًا دَافِعًا كَصَوْمِ
(1/430)

عَرَفَةَ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِذُنُوبِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَدَافِعٌ لِذُنُوبِ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ) .
قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَلَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ تُكَفِّرُ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ صَوْمِ عَرَفَةَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ (فَفِي الْحَدِيثِ «الْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ لَغْوِهِ وَرَفَثِهِ الْوَاقِعِ فِي رَمَضَانَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.
وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مِنْ أَوَّلِ (رَمَضَانَ) وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ دَافِعَةً لِمَا يَقَعُ فِي الصِّيَامِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ كَانَتْ رَافِعَةً وَيَقَعُ السُّؤَالُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا التَّكْفِيرِ هَلْ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ فَقَطْ أَمْ يَعُمُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ صَامَهُ (إمَّا أَنْ يَكُونَ) ، عَلَيْهِ ذُنُوبٌ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ (فَالصَّوْمُ) يُكَفِّرُ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ وَإِلَّا فَيُعْطَى
(1/431)

مِنْ الثَّوَابِ قَدْرَ مَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ.
(وَكَذَلِكَ) نَقُولُ: (الصَّلَاةُ) لَهَا فَضْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ بِشَرْطِ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ فِي فَضْلِهِ مَا يَدْفَعُ الْكَبَائِرَ أَيْضًا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .
(التَّاسِعُ) : يُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْفِسْقِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُضِيُّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِإِظْهَارِهَا لِتَرْوِيجِ شَهَادَتِهِ وَعَوْدِ وِلَايَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِبَارِهِ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ صَلَحَ عَمَلُهُ وَسَرِيرَتُهُ.
ثُمَّ الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا لَا يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ بَلْ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الْعَدَالَةِ وَقَالَ آخَرُونَ تَتَقَدَّرُ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ سَنَةٌ وَهَلْ هِيَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي، وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ شَهْرَانِ، وَقِيلَ شَهْرٌ حَكَاهَا الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ.
قَالَ الْإِمَامُ وَكَيْفَ الطَّمَعُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا.
وَقَدْ اسْتَثْنَى الشَّيْخُ (أَبُو إِسْحَاقَ) فِي التَّنْبِيهِ صُورَتَيْنِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى
(1/432)

اسْتِبْرَاءٍ: الْكَافِرُ يُسْلِمُ وَمَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِنُقْصَانِ مُرُوءَتِهِ إذَا تَرَكَ لَمْ يَحْتَجْ لِاسْتِبْرَاءٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَحُصُولُ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْعَوْدِ إلَى حِفْظِ الْمُرُوءَةِ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُبَادِرَ بِالشَّهَادَةِ إذَا جَرَحْنَاهُ يُسْتَبْرَأُ أَيْضًا وَلَا يَبْلُغُ اسْتِبْرَاؤُهُ مَبْلَغَ اسْتِبْرَاءِ الْفَاسِقِ يَتُوبُ.
وَمَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مِنْ إسْلَامِ الْكَافِرِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ عِنْدَ عَرْضِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ.
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءَ
مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ ثَلَاثًا ثُمَّ زَوَّجَهَا مَنْ عَضَلَ صَحَّ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مُضِيَّ (الِاسْتِبْرَاءِ)
الثَّانِيَةُ: إذَا امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ الْوِلَايَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْهِ عَصَى، فَلَوْ قَبِلَهَا جَازَ وَصَحَّتْ وِلَايَتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَلِيٌّ (وَكَذَا) قَالَ فِي الْعَاضِلِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي حَصَلَ الْفِسْقُ بِسَبَبِهِ زَالَ يَقِينًا فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ يُسْلِمُ بِخِلَافِ التَّوْبَةِ عَنْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ فَاشْتَرَطَ الِاسْتِبْرَاءَ (وَنَظِيرُ) تَجْوِيزِ إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِزَوَالِ الْمَحْذُورِ يَقِينًا وَلَا يَتَدَاوَى بِهَا لِأَنَّ الشِّفَاءَ مَظْنُونٌ.
الثَّالِثَةُ: إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي بِزِنَى شَخْصٍ، وَلَمْ يَكْتَمِلْ النِّصَابُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا
(1/433)


يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ اسْتِبْرَاءٌ فِي الْأَصَحِّ إذَا تَابَ، وَقَبْلَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَقِيلَ: لَا كَالشَّهَادَةِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ غَرِمَ الْغَارِمُ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يُدْفَعُ إلَيْهِ سَهْمَ الْغَارِمِينَ فَإِنْ تَابَ أُعْطِيَ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا مُدَّةَ زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ، إلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ، قَالَ يُعْطِي إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، قَالَ (النَّوَوِيُّ) ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ.
الْخَامِسَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ (اخْتِبَارِهِ) فِي الِاسْتِبْرَاءِ، لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ شَهِدَا بِجُرْحِهِ فِي سَنَةٍ أَوْ بَلَدٍ، ثُمَّ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فِي سَنَةٍ بَعْدَهَا، أَوْ فِي بَلَدٍ (آخَرَ انْتَقَلَ إلَيْهِ) ، حُكِمَ بِتَعْدِيلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتُوبُ وَيَنْتَقِلُ عَنْ الْفِسْقِ إلَى الْعَدَالَةِ وَيَهْفُو كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ثُمَّ يَسْتَقِيمُوا، وَهَذَا حُكْمٌ مِنْهُ بِالتَّعْدِيلِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ، وَلَا اخْتِيَارٍ.
(1/434)

(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: (قَالَ فِي الْبَسِيطِ) الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الْكَبَائِرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الصَّغَائِرِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّوْبَةِ مِنْهَا، كَمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِي التَّوْبَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَلَا، وَلِهَذَا لَوْ حُدَّ بَعْضُ شُهُودِ الزِّنَى لِنَقْصِ النِّصَابِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، حَتَّى يَتُوبُوا، وَفِي قَبُولِ رِوَايَتِهِمْ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَجْهَانِ: فِي الْحَاوِي، قَالَ (وَأَشْهَرُهُمَا) الْقَبُولُ، (وَالْأَقْيَسُ) عَدَمُ الْقَبُولِ كَالشَّهَادَةِ.

[التَّيَمُّنُ]
ُ إنَّمَا يُطْلَبُ بَيْنَ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ تُقَدَّمُ يُمْنَاهُمَا فِي الطَّهَارَةِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِتَمَيُّزِهَا بِالْقُوَى الْمُودَعَةِ فِيهَا، وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْعُضْوَيْنِ، وَلِهَذَا كُرِهَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا، وَأَنْ تَمَسَّ بِهَا (السَّوْأَتَانِ) .
وَأَمَّا الْعُضْوَانِ اللَّذَانِ لَا شَرَفَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَالْأُذُنَيْنِ فَلَمْ يُقَدِّمْ الشَّرْعُ مَسْحَ يُمْنَاهُمَا عَلَى يُسْرَاهُمَا إذْ لَا فَضْلَ لِيُمْنَاهُمَا فِي الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا (وَكَذَلِكَ) لَمْ يُقَدِّمْ يَمِينَ الْخَدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ: نَعَمْ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (مَعَ تَسَاوِي الشِّقَّيْنِ) .
(1/435)